بهج الصباغه فی شرح نهج البلاغه علی بن ابی طالب علیه السلام جلد 3

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ش‍وش‍ت‍ری‌، م‍ح‍م‍دت‍ق‍ی‌، ۱۳۷۴ - ۱۲۸۲

‏عنوان و نام پديدآور:ب‍ه‍ج‌ ال‍ص‍ب‍اغ‍ه‌ ف‍ی‌ ش‍رح‌ ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌ [ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)]/ ال‍م‍ص‍ن‍ف‌ م‍ح‍م‍دت‍ق‍ی‌ ال‍ت‍س‍ت‍ری‌

‏مشخصات نشر:دار ام‍ی‍رک‍ب‍ی‍ر ل‍ل‍ن‍ش‍ر- بیروت - لبنان- 1376.

‏وضعیت فهرست نویسی:ف‍ه‍رس‍ت‍ن‍وی‍س‍ی‌ ق‍ب‍ل‍ی‌

‏عنوان دیگر:ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌

‏موضوع:ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)، ام‍ام‌ اول‌، ۲۳ ق‍ب‍ل‌ از ه‍ج‍رت‌ - ۴۰ق‌. ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌ -- ن‍ق‍د و ت‍ف‍س‍ی‍ر

‏شناسه افزوده:ع‍ل‍ی‌ب‍ن‌ اب‍ی‌طال‍ب‌(ع‌)، ام‍ام‌ اول‌، ۲۳ ق‍ب‍ل‌ از ه‍ج‍رت‌ - ۴۰ق‌. ن‍ه‍ج‌ ال‍ب‍لاغ‍ه‌. ش‍رح‌

‏رده بندی کنگره:BP۳۸/۰۲‭/ش‌۹

‏رده بندی دیویی:۲۹۷/۹۵۱۵

‏شماره کتابشناسی ملی:‭م‌۷۲-۸۰۹

تتمة الفصل السابع: في الامامة العامّة

5

من الخطبة(4)

و من خطبة له عليه السّلام بِنَا اهْتَدَيْتُمْ فِي الظَّلْمَاءِ وَ تَسَنَّمْتُمُ الْعَلْيَاءَ- وَ بِنَا انْفَجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ.

وُقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ- وَ كَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ- وَ أَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ- سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ- وَ بَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ فِي جَوَادِّ الْمَضَلَّةِ- حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَ لاَ دَلِيلَ وَ تَحْتَفِرُونَ وَ لاَ تُمِيهُونَ- الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ.

عَزَبَ رَأْيُ امْرِئٍ تَخَلَّفَ عَنِّي- مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ رَأَيْتُهُ لَمْ يُوجِسْ؟مُوسَى؟ ع خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ- أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَ دُوَلِ الضَّلاَلِ.

الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ- مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ

الحكمة(184) و قال عليه السّلام:

مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ أقول:نقل الخوئي 2الخوئي-منهاج البراعة-ج 1 ص 314 ما في( الإرشاد 1الشيخ المفيد-الإرشاد-ص 135 ):«و من كلامه عليه السّلام حين قتل طلحة و انقضّ أهل البصرة:بنا تسنّمتم الشّرف،و بنا انفجرتم عن السّرار،و بنا اهتديتم في الظلماء.وقر سمع لم يفقه الواعية.كيف يراعي النّبأة من أصمّته الصّيحة.ربط جنان لم يفارقه الخفقان.ما زلت أتوقّع بكم عواقب الغدر، و أتوسّمكم بحلية المغترّين.سترني عنكم جلباب الدّين،و بصّرنيكم صدق النيّة.أقمت لكم الحقّ حيث تعرفون و لا دليل،و تحتفرون و لا تمتهون.اليوم انطق لكم العجماء ذات البيان.عزب فهم امرىء تخلّف عنّي.ما شككت في الحقّ منذ اريته.كان بنو يعقوب على المحجّة العظمى حتّى عقّوا أباهم،و باعوا أخاهم،و بعد الإقرار كانت توبتهم،و باستغفار أبيهم و أخيهم غفر لهم» (1)

رواه المفيد في الإرشاد:135 [1] عنه الخوئي في شرحه 1:314.

.

و نقل أيضا ما في( البحار 1/1المجلسي-بحار الأنوار-كتاب الفتن ص 413 )من نقل سند الخطبة عن الرّاوندي 2/1الرّاوندي-منهاج البراعة-ج 1 ص 142 ،عن جماعة عن جعفر الدّوريستي،عن أبيه محمّد بن العبّاس،عن محمّد بن عليّ بن موسى،عن محمّد بن عليّ الأسترابادي،عن عليّ بن محمّد بن سيار،عن أبيه،عن الحسن العسكري عليه السّلام،عن آبائه عليهم السّلام،عن أمير المؤمنين عليه السّلام (2).

قلت:ما في(البحار)محمّد بن عليّ الاسترابادي محرّف محمّد بن القاسم الاسترابادي،فهو الذي يروي عنه الصّدوق (3).

«بنا اهتديتم في الظلماء» لأنّهم أنوار اللّه،قال الباقر عليه السّلام:بليّة الناس علينا


1) 1)

2) 2) رواه الراوندي في شرحه 1:142 عنه المجلسي في الفتن من البحار:413 و [2]عنه الخوئي في شرحه 1:314.

3) 3) لفظ شرح الراوندي«محمد بن علي»أيضا و هو من مشايخ الصدوق أيضا كما ذكره أصحاب الرجال،و روى عنه الصدوق في أماليه:147 ح 1 المجلس 33 [3] بقوله:«حدّثنا محمّد بن علي الاسترابادي».

عظيمة،إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا،و إن تركناهم يهتدوا بغيرنا (1)

الارشاد للمفيد:266،و [1]المناقب لابن شهر آشوب 4:206. [2]

.

و روى الطبري في(ذيله)في عنوان(من روى عنه صلّى اللّه عليه و آله من همدان) مسندا عن زياد بن مطرف قال:سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:من أحبّ أن يحيى حياتي،و يموت ميتتي،و يدخل الجنّة التي و عدني ربّي قضبانا من قضبانها غرسها في جنّة الخلد فليتولّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و ذريّته من بعده،فإنّهم لن يخرجوهم من باب هدى،و لن يدخلوهم في باب ضلالة (2).

و قد أقرّت العامّة بأنّه لو لا أمير المؤمنين عليه السّلام لما علم الناس قتال أهل القبلة،و في(نوادر حجّ الفقيه)عن أبي حنيفة قال:لو لا جعفر بن محمّد ما علم النّاس مناسك حجّهم (3).

و في(زيادات حجّ التهذيب):لقي مسلم مولى أبي عبد اللّه عليه السّلام صدقة الأحدب و قد قدم من مكّة،فقال له مسلم:الحمد للّه الذي يسّر سبيلك،و هدى دليلك،و أقدمك بحال عافية،و قد قضى الحجّ،و أعان على السّعة،فقبل اللّه منك، و أخلف عليك نفقتك،و جعلها حجّة مبرورة،و لذنوبك طهورا.فبلغ ذلك أبا عبد اللّه عليه السّلام فقال له:كيف قلت لصدقة؟فأعاد عليه،فقال له:من علّمك هذا؟قال:

جعلت فداك،مولاي أبو الحسن عليه السّلام.فقال له:نعم ما تعلّمت،إذا لقيت أخا من إخوانك فقل له هكذا،فإنّ المهدي بنا هدي،و إذا لقيت هؤلاء فقل لهم ما يقولون (4).

هذا،و سمّي اسامة أبو شداد الصّحابي(الهادي)لأنّه كان يوقد النّار ليلا لمن يسلك الطريق.


1) 1)

2) 2) ذيل المذيل للطبري،منتخبه:83،و المناقب للخوارزمي:34.

3) 3) الفقيه للصدوق 2:307 ح 3.

4) 4) التهذيب للطوسي 5:444 ح 193.

«و تسنّمتم العلياء» قال الخوئي:أي:بتلك الهداية و شرافة الإسلام ركبتم سنام العلياء و الرّفعة (1)

شرح الخوئي 1:316.

.

قلت:بل المعنى:بنا ركبتم سنام العلياء .

«و بنا انفجرتم عن السّرار» قال المجلسي-و تبعه الخوئي-:لعل معنى (انفجرتم)أنّه انفجرتم انفجار العين من الأرض أو الصبح من الليل (2).

و قال ابن أبي الحديد:أي:دخلتم في الفجر،و السّرار الليلة و الليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر فلا يظهر.و روي:أفجرتم،و هو أفصح و أصحّ،لأنّ انفعل لا يكون إلاّ مطاوع فعل (3).

قلت:في الأوّل أنّه لم يقل أحد:إنّ السّرار يأتي بمعنى الأرض أو مطلق الليل.و في الثاني:إنّ الدخول في الفجر لا يختصّ بليلة استتار القمر.و لا يبعد أن يكون المراد:أنّ بسببنا صرتم من أفاضل الناس،قال الجوهري:و سرّ الوادي أفضل موضع فيه،و كذلك سرارة الوادي،و الجمع سرار.قال:

فإن أفخر بمجد بني سليم أكن منها التّخومة و السّرار (4)

«وقر» في(الصحاح):وقرت أذنه بالكسر،أي:صمّت،و وقرت اذنه على ما لم يسمّ فاعله (5).

و عليه فيحتمل(وقر)وجهين معلوما بكسر العين،و مجهولا.

«سمع لم يفقه الواعية» أي:الصوت المرتفع،و معلوم أنّ سمعا لم يفهمه موقور،و عنه عليه السّلام في حديث الأربعمائة:من شهدنا في حربنا أو سمع واعيتنا


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 1:316.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:70. [1]

4) 4) صحاح اللغة للجوهري 2:681 [2] مادة(سرّ)و النقل بتقطيع.

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 2:848 [3] مادة(وقر).

فلم ينصرنا أكبّه اللّه على منخريه في النّار (1)

رواه ضمن حديث الاربعمائة الصدوق في الخصال:625،و ابن شعبة في تحف العقول:115 و غيرهما.

.

و ممّا قلنا اتّضح أنّ جملة «وقر سمع لم يفقه الواعية» خبر،و المراد من أنّ من لم يسمع صراخ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذكر مقاماتنا أهل البيت-كقوله صلّى اللّه عليه و آله:إنّي تارك فيكم الثّقلين:كتاب اللّه و عترتي،و أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (2).و كقوله صلّى اللّه عليه و آله:مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا،و من تخلّف عنها غرق (3).إلى غير ذلك ممّا يتعذّر استقصاؤه-أصمّ موقور،كالذين قال تعالى فيهم: «لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها» (4)،و كالّذين قال عزّ و جلّ فيهم: «خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ» (5).

و أمّا قول ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي و المجلسي (6):إنّه دعاء.

فهو كما ترى،لأنّه لا محل للدعاء هنا،فإنّه يكون من قبيل الدعاء على الأصم بالصم.

هذا،و في(الصحاح):الواعية:الصارخة (7).و قال(القاموس):الواعية:

الصراخ و الصوت لا الصارخة،و وهم الجوهري (8).


1) 1)

2) 2) هذا حديث الثقلين [1]مرّ تخريجه في شرح فقرة«اليهم يفيء الغالي»في العنوان 4 من هذا الفصل.

3) 3) هذا حديث السفينة [2]أخرجه جمع كثير،منهم:الحاكم في المستدرك 2:342،و [3]أبو يعلى بطريقين في مسنده عنه المطالب العالية 4:75 ح 4003،4004،و [4]البزار بطريقين في مسنده عنه إحياء الميت:25،26 ح 24،25،و صاحب صحيفة الرضا عليه السّلام فيها:57 ح 76،و القاضي الصعدي في الدرر:51. [5]

4) 4) الاعراف:179. [6]

5) 5) البقرة:7. [7]

6) 6) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:70،و شرح ابن ميثم 1:271،و شرح الخوئي 1:317،و فتن البحار:413. [8]

7) 7) صحاح اللغة للجوهري 6:2526 [9] مادة(وعى).

8) 8) القاموس المحيط 4:400 [10] مادة(وعى).

قلت:بل الوهم منه،فإنّه توهّم أنّ مراد الجوهري بالصّارخة امرأة تصرخ،مع أنّ مراده نفس الصّراخ،و ليته تذكّر ما قاله نفسه في مادّة(صرخ) من أن الصارخة الإغاثة،مصدر على فاعلة و صوت الاستغاثة.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد و ابن ميثم قالا تبعا(للصحاح):و الواعية:

الصارخة (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 1:70،و [1]شرح ابن ميثم 1:270.

.و قال الخوئي:الواعية:الصراخ و الصوت كما في(القاموس)،لا الصارخة كما ذكر ابن أبي الحديد و ابن ميثم تبعا للجوهري (2).و على ما قلنا قوله ساقط .

«و كيف يراعي النّبأة من أصمّته الصيحة» قال ابن أبي الحديد:النّبأة:

الصوت الخفي.أي:كيف يراعي العبر الضعيفة من لم ينتفع بالعبر الجليلة، شبّه ذلك بمن أصمّته الصيحة القويّة فإنّه محال أن يراعي بعد ذلك الصوت الضعيف (3).

قلت:لا معنى لكلامه،فإنّ الأصمّ لا يراعي الصوت الضعيف،و لو لم يكن صممه من صيحة قويّة.و الصواب:أنّ قوله عليه السّلام: «أصمّته الصّيحة» كناية عن عدم ترتيبه الأثر على الصوت القوي كالأصمّ عنه،و حينئذ فمن لم يراع الصيحة كيف يراعي النّبأة؟! و مراده عليه السّلام أنّ الامّة الذين لم يراعوا محكمات القرآن في أهل البيت عليهم السّلام،كقوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (4)،و قوله تعالى: «فَقُلْ»


1) 1)

2) 2) شرح الخوئي 1:315.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:70،و [2]النقل بالمعنى.

4) 4) المائدة:55. [3]

«تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (1)

آل عمران:61. [1]

، و قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)،و لم يراعوا تأكيدات النّبي صلّى اللّه عليه و آله فيهم،كقوله صلّى اللّه عليه و آله في أمير المؤمنين عليه السّلام:من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه،اللّهمّ وال من والاه،و عاد من عاداه،و انصر من نصره،و اخذل من خذله (3)،و قوله صلّى اللّه عليه و آله في الصّدّيقة عليها السّلام:

إنّها سيّدة نساء العالمين (4)،و إنّها بضعة منه يؤذيه ما يؤذيها،و رضاها رضاه،و سخطها سخطه (5)،و قوله صلّى اللّه عليه و آله في الحسن و الحسين عليهما السّلام:إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة (6)،مع اعترافهم في الظاهر بحجّيتهما.كيف يراعون كلامه عليه السّلام في أهل البيت عليهم السّلام مع عدم إقرارهم به عليه السّلام.

و قال ابن ميثم:كنّى بالصّمم عن بلوغ تكرار كلام اللّه على أسماعهم إلى حدّ أنّها محلّه،و ملّت سماعه بحيث لا تسمع بعده ما هو في معناه خصوصا ما هو أضعف (7).و هو كما ترى .

«ربط» قال الجوهري:رابط الجأش:أي:شديد القلب،كأنّه يربط نفسه


1) 1)

2) 2) الأحزاب:33. [2]

3) 3) هذه احدى روايات حديث الغدير الذي مرّ تخريجه في شرح فقره«و لهم خصائص»في العنوان 4 من هذا الفصل.

4) 4) أخرجه البخاري في صحيحه 4:96،و مسلم بطريقين في صحيحه 4:1904،1905 ح 98،99 و غيرهما عن عائشة،و في الباب عن فاطمة عليها السّلام و أبي سعيد و حذيفة.

5) 5) المشهور في ذلك حديث سفيان بن عيينة عن المسور بن مخرمة:«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني». أخرجه البخاري في صحيحه 2:302،308،و مسلم في صحيحه 4:1903 ح 94 و غيرهما،و روي بطرق و ألفاظ اخرى.

6) 6) أخرجه الترمذي بطريقين في سننه 5:656 ح 3768،و أحمد بثلاث طرق في مسنده 3:3،62،64،82، و البلاذري في أنساب الأشراف 3:64 ح 80 و [3]غيرهم.

7) 7) شرح ابن ميثم 1:272.

عن الفرار (1)

صحاح اللغة للجوهري 3:1127 [1] مادة(ربط).

.

«جنان» بالفتح،أي:قلب.

«لم يفارقه الخفقان» أي:الاضطراب.و النسخ (2)متّفقة على كون الجملة هكذا: «ربط جنان لم يفارقه الخفقان» فأمّا هو دعاء،أي:يربط اللّه قلبا لم يفارقه الاضطراب،و المراد قلبه،و قلب شيعته في أيّام الثلاثة و بعدهم،لابتلائه بالجمل و صفّين و النّهروان،و أمّا(ربط)محرّف(يربط)و يكون خبرا و عطفا على(يراعي)و المراد قلوب غير شيعته من أصحابه،أي:كيف يربط قلب بولايته و إمامته بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.و الحال لم يفارقه الاضطراب من أيّامهم إلى يومه .

«ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر» في(السّير)لمّا بايعه الزّبير،قال عليه السّلام له:

إنّي لخائف أن تغدر بي فتنكث بيعتي.قال:لا تخافنّ،فإنّ ذلك لا يكون منّي أبدا.فقال عليه السّلام:فلي اللّه عليك بذلك راع و كفيل.قال:نعم،اللّه لك عليّ بذلك راع و كفيل (3).

«و أتوسّمكم» أي:أتفرّس فيكم.

«بحلية المغترّين» فلمّا رفع أهل الشام المصاحف،و قالوا:القرآن بيننا و بينكم.لم يتميّزوا إنّه لا مورد لفعلهم و قولهم،و إنّهم لو كانوا حقيقة مصدّقين بالقرآن كان الواجب عليهم أن يتابعوه و يطاوعوه،لأنّه عليه السّلام كان بمنزلة نفس النّبي صلّى اللّه عليه و آله بعد سوابقه تلك في الإسلام،و كلام اللّه تعالى،و كلام رسوله صلّى اللّه عليه و آله فيه عليه السّلام في جميع أيّامه،و معاوية عدوّ النّبي و عدوّ الإسلام،و من


1) 1)

2) 2) كذا في نهج البلاغة 1:38،و شرح ابن أبي الحديد 1:70،و شرح ابن ميثم 1:270.

3) 3) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1:77،شرح الخطبة 8،و النقل بالمعنى.

الشجرة الملعونة،و من الذين أسرّوا الكفر و أظهروا الإسلام يوم فتح مكّة، فاغترّوا و قالوا له عليه السّلام:لو لم تترك القتال لنقتلك كما قتلنا عثمان،أو نعطيك بيد معاوية .

«سترني عنكم جلباب الدّين،و بصّرنيكم صدق النّيّة» أي:أنّ تظاهركم بالدّين،و وضعكم جلبابه على وجوهكم سترني عنكم-أو ستركم عنّي كما نقل عن نسخة،و المعنى واحد-حتّى لا أرى أنّكم غير معتقدين لشيء،و لكن بصّرني بكم-بأنّ تظاهركم بالدّين مجرّد صورة و محض ظاهر-صدق نيّتي، و صحّة فراستي .

«أقمت لكم سنن الحقّ» أي:طريقه.

«في جوادّ» بالتشديد جمع جادّة.

«المضلّة» بالفتح،أي:الضلالة.فأرشدهم عليه السّلام إلى ما هو وظيفتهم من اللّه تعالى،و في خبر علقمة،و أبي أيوب قالا:لمّا نزل قوله تعالى: «الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ» (1)

العنكبوت:1-2. [1]

قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعمّار:إنّه سيكون بعدي هنات حتّى يختلف السّيف في ما بينهم،و حتّى يقتل بعضهم بعضا،و حتّى يتبرّأ بعضهم من بعض،فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني عليّ بن أبي طالب،فإن سلك النّاس كلّهم و اديا فاسلك وادي عليّ و خلّ عن النّاس.يا عمّار إنّ عليّا لا يردّك عن هدى،و لا يردّك إلى ردى.يا عمّار طاعة عليّ طاعتي،و طاعتي طاعة اللّه (2).

و هو عليه السّلام و إن أقامهم على سنن الحقّ من ساعة وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى في كيفيّة غسله،و الصلاة عليه،و موضع دفنه،و وضع تاريخه،و في كشف


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 3:203. [2]

المعضلات في زمن الثلاثة و ردعهم عن خطأهم،إلاّ أنّ الظاهر أنّ مراده عليه السّلام هنا كيفيّة القتال مع أهل القبلة،فلم يتّفق ذلك في زمان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى يعرفوا منه شيئا،فلم يقاتل صلّى اللّه عليه و آله إلاّ على التّنزيل،و قتالاته عليه السّلام كانت على التّأويل، حسبما أخبره بذلك (1)

انظر الى حديث النّبي صلّى اللّه عليه و آله:«إنّ منكم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله».أخرجه النسائي في الخصائص:131،و أحمد بطريقين في مسنده:33،82،و أبو يعلى و ابن أبي شيبة في مسنديهما،و ابن حبان في صحيحه،و الحاكم في المستدرك،و سعيد بن منصور في سننه،و الضياء في المختارة،و البيهقي في الشعب، و أبو نعيم في الحلية عنهم منتخب كنز العمال 5:33،37،و ابن أخي تبوك في مسنده،منتخبه:438 ح 23 و غيرهم.

.

«حيث تلتقون و لا دليل» لولاه عليه السّلام.

«و تحتفرون و لا تميهون» أي:لا تصلون إلى ماء،و الجملتان كناية عن أنّهم كانوا يتفاوضون في الأحكام و المعضلات و لم يكونوا يحصلوا شيئا، كمن في مفازة و لا دليل له،و كمن يحفر لاستنباط ماء و لا يصل إلى ماء حتّى كان عليه السّلام يرشدهم و يهديهم.و إن أحببت عرفان ذلك فارجع إلى كتابنا في قضاياه عليه السّلام فإنّه تكفل مقدارا من ذلك .

«اليوم انطق لكم العجماء ذات البيان» قال ابن أبي الحديد:الجملة إشارة إلى الرموز التي تتضمنّها هذه الخطبة،يقول:هي خفيّة غامضة،و هي مع غموضها جليّة لاولي الألباب،فكأنّها تنطق كما ينطق ذوو الألسنة (2).

و قال ابن ميثم:كنّى بالعجماء ذات البيان على الحال التي يشاهدونها من العبر الواضحة،و المثلات التي حلّت بقوم فسقوا أمر ربّهم،و عمّا هو واضح من كمال فضله عليه السّلام بالنّسبة إليهم،و ما ينبغي لهم أن يعتبروا من حال الدّين،و مقتضى أوامر اللّه التي يحثّهم على اتّباعها،فإنّ كلّ هذه الأحوال امور لا نطق لها مقالي.فشبهها لذلك بالعجماء من الحيوان،و استعار لها لفظها،


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:71. [1]

و وصفها بكونها ذات البيان،لأنّ لسانها الحال مخبر بمثل مقاله عليه السّلام،ناطق بوجوب اتّباعه (1)

شرح ابن ميثم 1:274.

.

قلت:و يمكن أن يكون قوله عليه السّلام هذا مساوقا لقوله الآخر:«لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة و الإنجيل و الزّبور و الفرقان بكتبهم،حتّى ينطق كلّ كتاب بأنّ عليّا حكم فيّ بما حكم اللّه فيّ» (2).و ورد أنّ القرآن كتاب اللّه الصّامت و هو عليه السّلام كتاب اللّه النّاطق (3).و يمكن أن يكون إشارة إلى قوله تعالى:

«وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ» (4).

هذا،و قيل في الألغاز:

أبى علماء الناس أن يخبرونني بناطقة خرساء مسواكها الحجر

قيل:المراد الطاحونة .

«عزب رأي امرىء تخلّف عنّي» يمكن أن يكون مراده عليه السّلام المتخلّفين عن بيعته و غزواته،كسعد بن أبي وقاص،و مع ذلك قال لمعاوية:سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:«عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ يدور حيثما دار»-و هو حديث متواتر-فقال له معاوية:أنت الآن ألوم ما كنت عندي،و اللّه لو سمعت أنا هذا من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما زلت خادما لعليّ حتّى أموت (5).


1) 1)

2) 2) هذا حديث مشهور بفرق بين ألفاظه،أخرجه الخوارزمي في مناقبه:47 و غيره،مرّ تخريجه في شرح فقرة«من الكلام النّبوي»من خطبة الرضي.

3) 3) روى هذا المضمون في موارد،منها في وقعة صفّين حينما رفعوا المصاحف على رءوس الرماح.

4) 4) النمل:82. [1]

5) 5) أخرجه ابن عساكر في تاريخه عنه ذيل ترجمة علي عليه السّلام 3:156،و البزار في مسنده عنه مجمع الزوائد 7:236، و ابن مردويه في مناقبه،عنه إحقاق الحق 5:631 [2] بفرق بين الألفاظ،و في الباب عن علي عليه السّلام و امّ سلمة.

و أقول:إنّ معاوية و إن قال لسعد:إنّه لم يسمع ذلك من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،إلاّ أنّه علم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال ذلك،و لم يكن معتقدا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،إلاّ أنّه قال ذلك لسعد جدلا،حيث إنّه أقرّ بسماعه و اعتزله عليه السّلام.

و يمكن أن يكون مراده عليه السّلام المتخلّفين عن القول بإمامته بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و قد قال صلّى اللّه عليه و آله في المستفيض:مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا،و من تخلّف عنها غرق (1)

هذا حديث السفينة [1]مر تخريجه في أوائل هذا العنوان.

.

«ما شككت في الحقّ مذ أريته» هذا الكلام تعريض بالمتقدّمين عليه،فإنّهم نقلوا عن أبي بكر أنّه تمنّى في حال احتضاره سؤال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:هل كان له حق في الخلافة أم لا (2)؟و نقلوا عن عمر أنّه لمّا اشير عليه بنصب ابنه بعده قال:إن كان له فيها حقّ فحسب آل الخطاب بشخصه،و إن لم يكن له حقّ فلم يتحمّل مظلمة ابنه (3)زائدة على مظلمته.كما أنّه أقرّ أنّه شكّ في حقّية الإسلام، و حقّية النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم الحديبيّة (4)،و أمّا هو-صلوات اللّه عليه-فكان على بيّنة من ربّه من أوّله إلى آخره،بقعوده أيّام الثلاثة،و قيامه بعدهم،و قتال النّاكثة، و القاسطة،و المارقة كالنّبي صلّى اللّه عليه و آله في مكّة و في المدينة،في قعوده أوّلا و قيامه أخيرا.


1) 1)

2) 2) رواه الجوهري في السفينة:39،و الطبري في تاريخه 2:619 سنة 13،و المسعودي في مروج الذهب 2:301،و أبو عبيدة في الأموال،و العقيلي في الضعفاء،و الطرابلسي في الفضائل،و الطبراني في معجمه الكبير،و ابن عساكر في تاريخه،و الضياء في المختارة عنهم منتخب كنز العمال 2:171،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:18 ضمن كلام طويل عنه«فوددت أني سألته هذا الأمر فكنّا لا ننازعه أهله».

3) 3) رواه الطبري في تاريخه 3:292 سنة 23،و ابن النجار في تاريخه عنه منتخب كنز العمال 2:189،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:24،و النقل بالمعنى.

4) 4) صحيح البخاري 2:205،و صحيح مسلم 3:1411 ح 94،و سيرة ابن هشام 3:203،و [2]المغازي للواقدي 1:606، 608،و [3]تاريخ الطبري 2:280 سنة 6.

و روى المدائني:أنّ عمرو بن العاص لقي الحسن عليه السّلام في الطواف،فقال له:يا حسن زعمت أنّ الدين لا يقوم إلاّ بك و بأبيك،فقد رأيت اللّه أقامه بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله،و بيّنا بعد خفائه،أفرضي اللّه بقتل عثمان،أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطّحن عليك ثياب كغرقى البيض،و أنت قاتل عثمان؟و اللّه،إنّه لألمّ للشّعث،و أسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك.فقال الحسن عليه السّلام:إنّ لأهل النّار لعلامات يعرفون بها:إلحادا لأولياء اللّه، و موالاة لأعداء اللّه،و اللّه إنّك لتعلم أنّ عليّا عليه السّلام لم يرتب في الدّين،و لم يشكّ في اللّه ساعة،و لا طرفة عين قطّ.و أيم اللّه لتنتهينّ يابن ام عمرو أو لأنفذنّ حضنيك بنوافذ أشدّ من القعضبيّة،فإيّاك و التّهجّم عليّ،فإنّي من قد عرفت:

لست بضعيف الغمزة،و لا هشّ المشاشة،و لا مريء المأكلة،و إنّي من قريش كواسطة القلادة يعرف حسبي،و لا ادعى لغير أبي،و أنت من تعلم و يعلم النّاس تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك جزّارها،ألأمهم حسبا، و أعظمهم لؤما.فإيّاك عنّي فإنّك رجس،و نحن أهل بيت الطهارة اذهب عنّا الرّجس و طهّرنا تطهيرا.فأفحم عمرو و انصرف كئيبا (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:10 [1] شرح الكتاب 31 عن المدائني.

.

«لم يوجس» في(الصحاح):الوجس أيضا:فزعة القلب،و أوجس في نفسه خيفة:أي أضمر (2).

«موسى عليه السّلام خيفة على نفسه أشفق» أي:خاف.

«من غلبة الجهّال و دول الضلال» يعني كما لم يخف موسى على نفسه على الضلال من سحر السّحرة،بل من اشتباه الأمر على العوامّ و الجهّال،كذلك هو عليه السّلام لم يبال بتقدّم الثلاثة عليه في القيام بالأمر،فإنّ الإمام كالنّبيّ ليس


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:984 [2] مادة(وجس).

شرط منصبه السلطنة و القيام بالأمر،و لكنّه خاف من اشتباه الأمر على العوامّ و الجهّال،فإنّهم لا يفرّقون في ذلك بين الحقّ و الباطل،و يتوهّمون أنّ كلّ من قام إمام،و أنّ الاعتقاد بالثّلاثة جزء الدّيانة،و أنّ غير المعتقد بهم خارج من الملّة،كما عليه إخواننا من أهل السّنّة،مع أنّ فاروقهم لمّا دعا النّاس إلى قيام صدّيقهم جعله مجرّد سلطنة،و أهون من إمامة صلاة جماعة،فقال له:

رضيك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لديننا،في ما ادّعاه من أنّ تقدّمه في الصّلاة كان بأمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،قال:فكيف لا نرضاك لدنيانا؟و لو كان إخواننا فرّقوا بين الأمرين لارتفع النّزاع من البين،و لأدّى قيام الأوّلين إلى وصول الأمر إلى بني اميّة الشجرة الملعونة في القرآن.

و نظير مرمى كلامه عليه السّلام من أنّ أسفه من تقدّم اولئك إنّما كان لضلالة جمع غير ذوي بصيرة،ما عن(تاريخ الثقفي):أنّ رجلا جاء إلى ابيّ بن كعب، فقال:يا أبا المنذر ألا تخبرني عن عثمان ما قولك فيه؟فأمسك عنه.فقال الرجل:جزاكم اللّه شرّا يا أصحاب محمّد شهدتم الوحي و عاينتموه،ثمّ نسألكم التّفقّه في الدّين فلا تعلّمونا.فقال ابيّ:عند ذلك هلك أصحاب العقدة و ربّ الكعبة،أما و اللّه ما عليهم آسى و لكن آسى على من أهلكوا،أما و اللّه لئن أبقاني اللّه إلى يوم الجمعة،لأقومنّ مقاما أتكلّم فيه بما أعلم،قتلت أو استحييت.فمات-رحمه اللّه-يوم الخميس (1)

نقله عنه الحلبي في تقريب المعارف [1]عن فتن البحار:316. [2]

.

و روى أبو نعيم في(حليته)مسندا عن قيس بن عباد قال:قدمت المدينة للقاء أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله،فلم يكن فيهم أحد أحبّ إليّ لقاء من أبيّ بن كعب، فقمت في الصّفّ الأوّل فخرج،فلمّا صلّى حدّث،فما رأيت الرّجال متحت أعناقها إلى شيء توجها إليه،فسمعته يقول:هلك أهل العقدة و ربّ الكعبة


1) 1)

-قالها ثلاثا-هلكوا و أهلكوا أما أنّي لا آسى عليهم و لكنّي آسي على من يهلكون من المسلمين (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:252.

.

و مراد ابيّ بأهل العقدة من رواه محمّد بن يعقوب عن أبي جعفر عليه السّلام قال:كنت دخلت مع أبي الكعبة فصلّى على الرّخامة الحمراء بين العمودين، فقال في هذا الموضع:تعاقد القوم إن مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أو قتل،أن لا يردّوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته.قلت:و من كان؟قال:كان الأوّل و الثاني،و أبو عبيدة بن الجرّاح و سالم بن الحبيبة (2).

«اليوم توافقنا على سبيل الحقّ و الباطل» قال عمّار:لو ضربونا بأسيافهم حتّى يبلغونا سعفات هجر لعرفت أنّا على الحقّ،و هم على الباطل (3).

و تواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه عليه السّلام على الحقّ،و الحقّ يدور معه،و مخالفه على باطل (4).

«من وثق بماء لم يظمأ» هو مثل،و المراد منه:أنّه كما أنّ من كان مطمئنّا بأنّ عنده ماء موجودا لم يبال بظمئه الآني،كذلك من علم أنّه على دين الحقّ لم يبال بما يصيبه في دنياه،فإنّه يقطع برفع ذلك عنه سريعا.

و من أمثال العرب:إن ترد الماء بماء أكيس (5).

و ممّا روي عنه عليه السّلام من الحكم المثلية:من سبق إلى الظلّ ضحى،و من


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 4:545 ح 28. [2]

3) 3) وقعة صفّين لابن مزاحم:322.

4) 4) أخرج هذا المعنى الترمذي في سننه 5:633 ح 3714 و ترجمة علي عليه السّلام لابن عساكر 3:151 و 152 ح 1169 و 1170،في ذيل حديث عن علي عليه السّلام و في الباب عن ام سلمة و سعد.

5) 5) مجمع الأمثال للميداني 1:32،و [3]المستقصى للزمخشري 1:370. [4]

سبق إلى الماء ظمئ (1)

لم أجده في حديث أمير المؤمنين عليه السّلام.

.

قوله عليه السّلام في رواية(الإرشاد):«كان بنو يعقوب على المحجّة العظمى، حتّى عقّوا أباهم و باعوا أخاهم،و بعد الإقرار كانت توبتهم،و باستغفار أبيهم و أخيهم غفر لهم» (2)المراد بهذا الكلام أنّ طلحة و الزّبير كانا في سلك المسلمين ما لم يكونا نكثا،و بعد نكثهما خرجا من سلكهم،و الزّبير و إن رجع من العسكر،و طلحة قتل في العسكر إلاّ أنّهما لم يتوبا بعودهما إلى طاعته، و الانخراط في سلكه،كما فعل الحرّ الرّياحي لمّا خرج على الحسين عليه السّلام،و لم يستغفر عليه السّلام لهما،لأنّهما لم يكونا قابلين لذلك،كما قال تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله:

«إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ» (3).فبقيا في ما دخلا فيه من الخروج عن سلك الإسلام.

6

من الخطبة(95)

اُنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ- فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ- وَ اتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ- فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى- وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى- فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا- وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا- وَ لاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا- وَ لاَ تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا أقول:قال ابن أبي الحديد في شرح خطبته عليه السّلام:«أمّا بعد أيّها النّاس فأنا فقأت عين الفتنة»:هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة و هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليّ عليه السّلام بعد انقضاء أمر النهروان، و فيها ألفاظ لم يوردها الرضي-إلى أن قال-و منها:«فانظروا أهل بيت نبيّكم،


1) 1)

2) 2) الإرشاد:135. [1]

3) 3) التوبة:80. [2]

فإن لبدوا فالبدوا،و إن استنصروكم فانصروهم.فليفرجّنّ اللّه الفتنة برجل منّا أهل البيت،بأبي ابن خيرة الإماء،لا يعطيهم إلاّ السيف هرجا مرجا موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر،حتّى تقول قريش:لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا.

يغريه اللّه ببني اميّة حتّى يجعلهم حطاما و رفاتا «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً» (1)

الاحزاب:61. [1]

-الآية (2)-و غفل عنه هنا.

و روى( البحار 2المجلسي-بحار الأنوار-كتاب الفتن ص 558 )عن( غارات 1الثقفي-الغارات-ج 1 ص 2 الثقفي)بسندين عن زر بن حبيش قال:

خطب عليّ عليه السّلام بالنّهروان-إلى أن قال-:فقام رجل فقال:يا أمير المؤمنين ما نصنع في ذلك الزّمان؟قال عليه السّلام:انظروا أهل بيت نبيّكم،فإن لبدوا فالبدوا،و إن استصرخوكم فانصروهم تؤجروا،و لا تسبقوهم فتصرعكم البليّة فقام رج.ل آخر،فقال:ثمّ ما ذا يكون بعد هذا يا أمير المؤمنين؟قال عليه السّلام:ثمّ إنّ اللّه تعالى يفرّج الفتن برجل منّا أهل البيت،كتفريج الأديم (3).

و في( كتاب سليم بن قيس سليم بن قيس-كتاب سليم بن قيس-ص 158 )-بعد ذكر فتنة بني اميّة-قال رجل:فما أصنع في ذلك الزّمان يا أمير المؤمنين؟قال:انظروا أهل بيت نبيّكم،فإن لبدوا و إن استنصروكم فانصروهم تنصروا و تعذروا،فإنّهم لن يخرجوكم من هدى و لن يدعوكم إلى ردى،و لا تسبقوهم بالتقدّم،فيصرعكم البلاء و تشمت بكم الأعداء.قال:فما يكون بعد ذلك يا أمير المؤمنين؟قال:يفرّج اللّه برجل من بيتي،كانفراج الأديم من بيته (4).

و قال النّعماني في(غيبته):قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبته المشهورة التي رواها الموافق و المخالف،في جملة ما قال:و لقد علم


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:178 [2] شرح الخطبة 91.

3) 3) الغارات للثقفي 1:2،و [3]نقله عنه المجلسي في الفتن من البحار:558. [4]

4) 4) كتاب سليم بن قيس:158 ضمن حديث.

المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:إنّي و أهل بيتي مطهّرون فلا تسبقوهم فتضلّوا،و لا تخلّفوا عنهم فتزلّوا،و لا تخالفوهم فتجهلوا،و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم،هم أعلم النّاس صغارا،و أعلم النّاس كبارا،فاتّبعوا الحقّ و أهله حيثما كان،و زايلوا الباطل و أهله حيثما كان (1)

الغيبة للنعماني:29،و [1]تفسير القمي 1:4. [2]

.

و في(مسترشد الطبري)قال أمير المؤمنين عليه السّلام:و اللّه لئن خالفتم أهل بيت نبيّكم لتخالفنّ الحقّ،إنّهم لا يدخلونكم في ردى،و لا يخرجونكم من باب هدى،و لقد علمتم و علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله أنّي و أهل بيتي مطهّرون من الفواحش،لا تسبقوهم فتضلّوا،و لا تخالفوهم فتجهلوا،و لا تخلّفوا عنهم فتهلكوا (2).

«انظروا أهل بيت نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله فالزموا سمتهم،و اتّبعوا أثرهم» لأنّهم عليهم السّلام كانوا صادقين قولا و عملا،و قد قال تعالى فيهم كما في التفسير «وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ» (3).و قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيهم في المستفيض:إنّي تارك فيكم الثقلين،كتاب اللّه و عترتي،و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (4).

«فلن يخرجوكم من هدى و لن يعيدوكم في ردى» أي:هلكة،و الأصل في قوله عليه السّلام قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيهم روى الطبري في(ذيل تاريخه):أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:من أحبّ أن يحيا حياتي و يموت ميتتي و يدخل الجنّة التي و عدني ربّي قضبانا من قضبانها غرسها في جنّة الخلد فليتولّ علي بن أبي طالب عليه السّلام و ذرّيته من بعده فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى،و لن يدخلوكم


1) 1)

2) 2) المسترشد:91. [3]

3) 3) التوبة:119. [4]

4) 4) هذا حديث الثقلين [5]مرّ تخريجه في شرح فقرة«اليهم يفيء الغالي»في العنوان 4 من هذا الفصل.

في باب ضلالة (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:83،و [1]المناقب للخوارزمي:34.

.

و مرمى كلامه عليه السّلام أنّ المتقدّمين عليه،و المدّعين مقام أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أخرجوهم من هدى الإسلام،و أعادوهم في ردى الجاهلية و الكفر .

«فإن لبدوا» أي:أقاموا و لم يشخصوا.

«فالبدوا» مثلهم .

«و إن نهضوا» أي:شخصوا.

«فانهضوا» معهم،و المراد بلبدهم:قعودهم عن طلب الخلافة،كما فعل الحسن عليه السّلام،و بنهوضهم:طلبهم لها،كما فعل الحسين عليه السّلام،قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الحسن و الحسين عليهما السّلام:ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا (2).

و قال الباقر عليه السّلام:و اللّه ما صنعه الحسن بن علي عليه السّلام كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشّمس،و اللّه لقد نزلت هذه الآية «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ» انّما هي طاعة الإمام عليه السّلام،و طلبوا القتال فلمّا كتب عليهم القتال مع الحسين عليه السّلام «وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ» (3).

و في(خلفاء ابن قتيبة)لمّا تمّ الصلح بين الحسن بن عليّ عليه السّلام و معاوية، صعد الحسن عليه السّلام الى المنبر و قال:أيّها الناس إنّ اللّه هدى أوّلكم بأوّلنا،و حقن دماءكم بآخرنا،و كانت لي في رقابكم بيعة:تحاربون من حاربت و تسالمون من سالمت،و قد سالمت معاوية و بابعته فبايعوه «وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ» -و أشار


1) 1)

2) 2) كفاية الأثر للخزار:38 مسندا ضمن حديث،و رواه المفيد في المسائل الجارودية:171.و [2]الفصول المختارة للمرتضى:171،و [3]المناقب لابن شهر آشوب 3:367،394،و [4]القاب الرسول:49،و القواعد لنصير الدين الطوسي: 83،و كشف الفوائد للعلاّمة:83 كلّهم مجرّدا.

3) 3) الكافي للكليني 8:330 ح 506 [5] مع ذيل،و ما ذكر من القرآن هو الآية 77 من سورة النساء. [6]

إلى معاوية- «فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ » (1)

الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:163،و [1]الآية 111 من سورة الأنبياء. [2]

.

«و لا تسبقوهم فتضلّوا و لا تتأخّروا عنهم فتهلكوا» عن سواء الصراط و الطريق المستقيم.في الخبر مرّ عمر على أمير المؤمنين عليه السّلام في إحرامه.

فقال له:ما هذان الثّوبان المصبوغان و أنت محرم؟فقال عليه السّلام له:ما نريد أحدا يعلّمنا بالسنّة،إنّ هذين ثوبين صبغا بطين (2)(3).

7

من الخطبة(107)

نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ- وَ مَحَطُّ الرِّسَالَةِ- وَ مُخْتَلَفُ الْمَلاَئِكَةِ- وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ وَ يَنَابِيعُ الْحُكْمِ- نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ- وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ أقول:قال ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام:«في تخويف أهل النّهروان»:

روى محمّد بن حبيب،قال:خطب عليّ عليه السّلام الخوارج يوم النّهر،فقال لهم:

«نحن أهل بيت النبوّة و موضع الرّسالة،و مختلف الملائكة،و عنصر الرّحمة، و معدن العلم و الحكمة،نحن افق الحجاز،بنا يلحق البطيء،و إلينا يرجع التّائب ...» (4).

«نحن شجرة النّبوّة» و هو عليه السّلام و إن لم يكن نبيّا إلاّ أنّه لمّا كان بمنزلة نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حيث قال تعالى: «وَ أَنْفُسَنا» مريدا لهما (5).


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق في الفقيه 2:215 ح 8 و الطوسي في التهذيب 5:67 ح 27 و في ضمن حديث العياشي في تفسيره 2:38 ح 105.

3) 3) اسقط الشارح هنا شرح فقرة«و لا تتأخّروا عنهم فتهلكوا».

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:207 [3] شرح الخطبة 36.

5) 5) انظر إلى قوله تعالى «أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» آل عمران:61، [4]كما جاء في شأن نزوله.

و قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم احد لجبرئيل-بعد تعجّبه من مواساته له-:ما يمنعه من مواساتي و هو منّي و أنا منه؟فقال جبرئيل عليه السّلام:و أنا منكما (1)

تاريخ الطبري 2:197 سنة 3،و [1]الكافي 8:110 ح 90،و [2]التفضيل للكراجكي:36 و [3]غيرهم.

.

و قال صلّى اللّه عليه و آله:أنا و عليّ من شجرة واحدة،و سائر النّاس من شجر شتّى (2).

و قال صلّى اللّه عليه و آله أيضا له عليه السّلام:الإيمان مخالط لحمك و دمك كما خالط لحمي و دمي (3).

و كذلك قال صلّى اللّه عليه و آله في سيّدة النساء-صلوات اللّه عليها-:فاطمة بضعة منّي يرضيني ما يرضيها،و يسخطني ما يسخطها (4).و قد قررت-صلوات اللّه عليها-الرّجلين بذلك،و بعد إقرارهما بسماعهما له من أبيها فيها قالت: «اللّهمّ اشهد أنّهما أسخطاني» (5).و كذلك قال صلّى اللّه عليه و آله في ابنيه الحسن و الحسين عليهما السّلام:

إنّهما منه و أنّه منهما (6)،يصدق أنّهم شجرة النّبوّة.

و في(فواتح الميبدي)روى الثّعلبي عن جابر الأنصاري قال:قال


1) 1)

2) 2) أخرجه ابن عساكر بطرق في ترجمة علي عليه السّلام 1:142-147 ح 178-181،و مرّ تخريجه في العنوان 12 من الفصل السادس.

3) 3) المناقب للخوارزمي:75 ضمن حديث عن عليّ عليه السّلام و المناقب لابن المغازلي:237 ح 285،و [4]كنز الفوائد للكراجكي:281 و [5]غيرهما عن جابر.

4) 4) و في معناه في صحيح البخاري 2:302،308،و صحيح مسلم 4:1903 ح 94 و غيرها،مرّ تخريجه في العنوان 5 من هذا الفصل.

5) 5) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:14 عن فاطمة عليها السّلام بلفظ«فإني اشهد اللّه و ملائكته أنّكما أسخطتماني»و أخرج معناه جمع كثير.

6) 6) لم أظفر بهذا السياق،لكن في حديث يعلى بن مرّة و أبي رشة«حسين مني و أنا من حسين»و في حديث المقدام بن معد يكرب«الحسن مني و الحسين من علي»أخرج الأول الترمذي في سننه 5:658 ح 3775،و ابن ماجه في سننه 1:51 ح 144،و أحمد في مسنده 4:172 و [6]غيرهم،و أخرج الثاني أبو داود في سننه 4:68 ح 4131 و أحمد في مسنده 4:132 و [7]غيرهما.

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام:الناس من شجر شتى،و أنا و أنت يا عليّ من شجرة واحدة.و تلا هذه الآية: «وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ » (1)

الرعد:4. [1]

.

«و محطّ الرسالة» لمّا كانت نفوسهم مستعدّة لدرجة الرسالة-و إن كانت النبوّة مختومة به صلّى اللّه عليه و آله-لكونهم عليهم السّلام مثله صلّى اللّه عليه و آله في العصمة و الملكات الربّانية،فقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام في المستفيض بل المتواتر:

«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (2)يصدّق أنّهم عليهم محطّ الرسالة.

و في(كامل المبرّد):أنّ شاميّا رأى الحسن عليه السّلام راكبا،فجعل يلعنه و الحسن لا يردّ،فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السّلام إليه،فسلّم عليه و ضحك،و قال:

أيّها الشيخ أظنّك غريبا،و لعلّك شبّهت فلو استعتبتنا أعتبناك،و لو سألتنا أعطيناك،و لو استرشدتنا أرشدناك،و لو استحملتنا حملناك،و إن كنت جائعا أشبعناك،و إن كنت عريانا كسوناك،و إن كنت محتاجا أغنيناك،و إن كنت طريدا آويناك،و إن كان لك حاجة قضيناها لك،فلو حرّكت رحلك إلينا،و كنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك،لأنّ لنا موضعا رحبا،و جاها عريضا،و مالا كبيرا.فلمّا سمع الرّجل كلامه بكى،ثمّ قال:أشهد أنّك خليفة اللّه في أرضه «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (3).


1) 1)

2) 2) هذا حديث المنزلة المتواتر أخرجه جمع كثير عن اثنين و أربعين من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ما أعلم منهم البخاري في صحيحه 2:300،و 3:86،و مسلم في صحيحه 4:1870 و 1871 ح 30-32،و صاحب مسند زيد فيه:407.

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 4:19 [2] عن كامل المبرد،لكن رواه المبرد في الكامل 4:105 بلفظ أخصر.

و في(عيون ابن بابويه)دخل عبد اللّه بن مطرف بن ماهان على المأمون يوما و عنده عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام،فقال له المأمون:ما تقول في أهل البيت؟فقال عبد اللّه:ما قولي في طينة عجنت بماء الرسالة،و شجرة غرست بماء الوحي،هل ينفح منه إلاّ مسك الهدى و عنبر التّقى؟فدعا المأمون بحقّة فيها لؤلؤ،فحشافاه (1)

أخرجه الصدوق في عيون الأخبار 2:142 ح 10 [1] ضمن حديث.

.

«و مختلف الملائكة» قال ابن أبي الحديد:إن أراد بها نفسه و ابنيه فهي أيضا صحيحة،و لكن مدلوله مستنبط،فقد جاء في الأخبار الصحيحة أنّه قال:

يا جبرئيل إنّه منّي و أنا منه.فقال جبرئيل:و أنا منكما (2).

و روى أبو أيوب الأنصاري مرفوعا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:لقد صلّت الملائكة عليّ،و على عليّ سبع سنين،لم يصلّ على ثالث (3).

و في خطبة الحسن عليه السّلام لمّا قبض أبوه:كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالرّاية يبعثه و جبرئيل عن يمينه و مكائيل عن شماله (4).

و في الحديث:في يوم احد سمع صوت من السّماء:

لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي

و قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:هذا صوت جبرئيل (5).

قلت:و كذلك سيّدة النساء و سائر الأئمّة عليهم السّلام،روى محمّد بن يعقوب


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:236. [2]

3) 3) أخرجه ابن عساكر بطريقين في ترجمة علي عليه السّلام 1:80 ح 112،113،و ابن المغازلي في مناقبه:13 ح 17 عن أبي أيوب الأنصاري،و في الباب عن أنس،و النقل بتصرّف يسير.

4) 4) أخرجه أحمد في مسنده 1:199،و [3]النسائي في الخصائص:60،و الطبري في تاريخه 4:120 سنة 40،و [4]أبو الفرج في المقاتل:32 و غيرهم.

5) 5) أخرجه ابن هشام في السيرة 3:43،و [5]الفرات الكوفي في تفسيره:25،و [6]جمع آخر و روي نحو ذلك في غزوة بدر و خيبر.

الكليني عن الصّادق عليه السّلام قال:إنّ فاطمة عليها السّلام مكثت بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله خمسة و سبعين يوما،و كان دخلها حزن شديد على أبيها،و كان جبرئيل عليه السّلام يأتيها فيحسن عزاها على أبيها،و يطيب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه،و يخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها،و كان عليّ عليه السّلام يكتب ذلك،فهذا مصحف فاطمة عليها السّلام (1)

أخرجه الكليني في الكافي 1:241 ح 5. [1]

.

و في أخبار كثيرة:أنّ مصحف فاطمة عليها السّلام عند الأئمّة عليهم السّلام (2).

و لا يستبعد ذلك مخالفونا بعد كونها من أصحاب الكساء،و نزول آية التّطهير: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3)فيها و في ابنيها مع زوجها و أبيها،و دخولها في المباهلة في قوله تعالى: «وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ» (4)،و نصّ القرآن على مخاطبة الملائكة لمريم عليها السّلام في قوله تعالى: «وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ» (5)،و تواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّ مريم كانت سيّدة نساء عصرها،و إنّ بنته فاطمة سيّدة نساء العالمين (6).

و عن الصادق عليه السّلام:أنّ النّاس في ليلة القدر في صلاة و دعاء و مسألة، و صاحب هذا الأمر في شغل تنزّل الملائكة إليه بامور السنّة،من غروب الشمس إلى طلوعها «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» (7).


1) 1)

2) 2) هذه الأخبار رواها المجلسي من طرق كثيرة في بحار الأنوار 26:18 باب 1. [2]

3) 3) الأحزاب:33. [3]

4) 4) آل عمران:61. [4]

5) 5) آل عمران:42. [5]

6) 6) صحيح البخاري 4:96 و غيره مرّ تخريجه في العنوان 5 من هذا الفصل.

7) 7) البصائر للصفار:240 ح 2 [6] في ذيل حديث،و الآية 5 من سورة القدر. [7]

و روى ابن سعد-مع نصبه-في(طبقاته)بعد ذكر استيذان ملك الموت لقبض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:فتوفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و جاءت التّعزية يسمعون الصوت و الحسّ و لا يرون الشّخص:السّلام عليكم يا أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (1)

آل عمران:185. [1]

إنّ في اللّه عزاء عن كلّ مصيبة،و خلفا من كلّ هالك،و دركا من كلّ ما فات،فباللّه فثقوا و إيّاه فارجوا،إنّما المصاب من حرم الثّواب،و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته (2).

و روي عن الواقدي عن رجل عن جعفر عن أبيه عن عليّ عليه السّلام قال:

و دخل عليه رجلان من قريش،فقال:ألا اخبر كما عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟قالا:بلى حدّثنا عن أبي القاسم.قال:لمّا كان قبل وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بثلاثة أيّام،هبط إليه جبرئيل-ثمّ ذكر مثل الحديث الأوّل و قال في آخره-:فقال عليّ عليه السّلام:

أ تدرون من هذا؟قالوا:لا.قال:هذا الخضر (3).

و روى محمّد بن يعقوب عن الباقر عليه السّلام قال:لمّا قبض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بات آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله بأطول ليلة،حتّى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم،و لا أرض تقلّهم،لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله وتر الأقربين و الأبعدين في اللّه،فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه،و يسمعون كلامه،فقال:السّلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته،إنّ في اللّه عزاء من كلّ مصيبة،و نجاة من كلّ هلكة،و دركا لما فات، «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ» (4)،


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 2 [2] ق 2:48،و فيه 2 ق 2:59،مرّ تخريجه في العنوان 44 من الفصل السادس.

3) 3) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:49.

4) 4) آل عمران:185. [3]

إنّ اللّه اختاركم،و فضّلكم و طهّركم،و جعلكم أهل بيت نبيّه،و استودعكم علمه،و أورثكم كتابه،و جعلكم تابوت علمه،و عصا عزّه،و ضرب لكم مثلا من نوره،و عصمكم من الزّلل،و آمنكم من الفتن،فتعزّوا بعزاء اللّه فإنّ اللّه لم ينزع منكم رحمته،و لن يزيل عنكم نعمته،فأنتم أهل اللّه تعالى الّذين بهم تمّت النّعمة،و اجتمعت الفرقة،و ائتلفت الكلمة،و أنتم أولياؤه،فمن تولاّكم فاز،و من ظلم حقّكم زهق،مودّتكم من اللّه واجبة في كتابه على عباده المؤمنين،ثمّ اللّه على نصركم إذا يشاء قدير،فاصبروا لعواقب الامور،فإنّها إلى اللّه تصير،قد قبلكم اللّه من نبيّه وديعة،و استودعكم أولياءه المؤمنين في الأرض،فمن أدّى أمانته آتاه اللّه صدقه،فأنتم الأمانة المستودعة، و لكم المودّة الواجبة و الطاعة المفروضة،و قد قبض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد أكمل لكم الدّين و بيّن لكم سبيل المخرج،فلم يترك لجاهل حجّة،فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى اللّه حسابه و اللّه من وراء حوائجكم، و أستودعكم اللّه و السلام عليكم.فقال الرّاوي:ممّن أتاهم التّعزية؟قال عليه السّلام:

من اللّه (1)

الكافي للكليني 1:445 ح 19. [1]

.

هذا،و روى(الاختصاص)عن سهل الأدميّ لمّا أن صنّف عبد اللّه بن المغيرة كتابه(أي عن أحاديثهم عليهم السّلام)وعد أصحابه أن يقرأ عليهم في زاوية من زوايا مسجد الكوفة-و كان له أخ مخالف-فلمّا أن حضروا لاستماع الكتاب جاء الأخ و قعد،فقال لهم:انصرفوا اليوم،فقال الأخ:أين ينصرفون فإنّي أيضا جئت لما جاءوا.فقال:لما جاءوا؟قال:يا أخي رأيت ما يرى النّائم أنّ الملائكة تنزل من السماء.فقلت:لما ذا ينزل هؤلاء؟فقال قائل:ينزلون يستمعون الكتاب الذي يخرجه عبد اللّه بن المغيرة،فأنا أيضا جئت لهذا،و أنا تائب إلى اللّه


1) 1)

تعالى.فسرّ عبد اللّه بذلك (1)

الاختصاص للمفيد:85.

.

«و معادن العلم» قال أبو نواس في الرّضا عليه السّلام:

مطهّرون نقيّات ثيابهم تجري الصّلاة عليهم أينما ذكروا

من لم يكن علوّيا حين تنسبه فماله من قديم الدّهر مفتخر

فاللّه لما برا خلقا فأتقنه صفّاكم و اصطفاكم أيّها البشر

فأنتم الملأ الأعلى و عندكم امّ الكتاب و ما جاءت به السور

و قال الفرزدق في السّجاد عليه السّلام:

من معشر حبّهم دين و بغضهم كفر و قربهم منجى و معتصم

يستدفع السوء و البلوى بحبّهم و يستربّ به الإحسان و النّعم

مقدّم بعد ذكر اللّه ذكرهم في كلّ بدء و مختوم به الكلم

إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمّتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم و لا يدانيهم قوم و إن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت و الأسد أسد الشّرى و البأس محتدم

يأبى لهم أن يحلّ الذّل ساحتهم خيم كريم و أيد بالعدى هضم

لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم سيّان ذلك إن أثروا و إن عدموا

أيّ الخلائق ليست في رقابهم لأوّلية هذا أوله نعم

و روى المسعودي عنه عليه السّلام خبرا في بدء الخليقة،و فيه قال عليه السّلام:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:قال تعالى:و أنصب أهل بيتك للهداية،و أوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق،و لا يعييهم خفي،و أجعلهم حجّتي على بريّتي، و المنبّهين على قدرتي و وحدانيّتي-إلى أن قال-:فنحن أنوار السماء،و أنوار


1) 1)

الأرض،فبنا النجاة،و منّا مكنون العلم،و إلينا مصير الامور... (1)

مروج الذهب للمسعودي 1:42. [1]

و استفاض عنهم عليهم السّلام قالوا:عندنا علم ما كان و ما يكون،و ما هو كائن إلى يوم القيامة (2).

«و ينابيع الحكم» نزل على الصادق عليه السّلام قوم من جهينة فأضافهم،فلمّا أرادوا الرّحلة،زوّدهم و وصلهم و أعطاهم،ثمّ قال لغلمانه:تنحّوا لا تعينوهم.

فلمّا فرغوا،جاءوا ليودّعوه،فقالوا له:يابن رسول اللّه لقد أضفت فأحسنت الضيافة،و أعطيت فأجزلت العطيّة،ثمّ أمرت غلمانك ألاّ يعينونا على الرّحلة.

فقال عليه السّلام:إنّا أهل بيت لا نعين أضيافنا على الرّحلة من عندنا (3).

«ناصرنا و محبّنا ينتظر الرّحمة» في(معجم الحموي)قال الشافعي:

إن كان رفضا حبّ آل محمّد فليشهد الثقلان أنّي رافضي (4)

و قال الصاحب بن عبّاد:

يا ربّ سهّل زياراتي مشاهدهم فإنّ روحي تهوى ذلك الطّينا

يا ربّ صيّر حياتي في محبّتهم و محشري معهم آمين آمينا

و قال الزمخشري:

كثر الشكّ و الخلاف و كلّ يدّعي الفوز بالصّراط السّويّ

فاعتصامي بلا إله سواه ثمّ حبّي لأحمد و عليّ

فاز كلب بحبّ أصحاب كهف كيف أشقى بحبّ آل نبيّ

و عن جابر الأنصاري قال:كنت ذات يوم عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،إذ أقبل بوجهه على علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال:ألا ابشّرك يا أبا الحسن؟قال:بلى يا رسول


1) 1)

2) 2) فتح الكليني في الكافي 1:260، [2]بابا بهذا العنوان،و أخرج هذا المعنى من طرق عديدة،و غيره أيضا.

3) 3) أمالي الصدوق:437 ح 9 مجلس 81. [3]

4) 4) رواه الحموي في معجم الادباء 17:310. [4]

اللّه.قال:هذا جبرئيل يخبرني عن اللّه عزّ و جلّ أنّه قد أعطى شيعتك و محبيّك سبع خصال:الرّفق عند الموت،و الانس عند الوحشة،و النّور عند الظلمة، و الأمن عند الفزع،و القسط عند الميزان،و الجواز على الصّراط،و دخول الجنّة قبل النّاس «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ» (1)

الخصال للصدوق:402 ح 112 و في المصدر بعين السند:413 ح 2، [1]إلاّ أن في الثاني بدل سبع تسع.

.

و روى الكنجي الشافعي في مناقبه عن جابر قال:جاء أعرابي إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:يا محمّد اعرض عليّ الإسلام.فقال:تشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،و أنّ محمّدا عبده و رسوله.قال:تسألني عليه أجرا.قال:لا «إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (2).قال:قرابتي أو قرابتك.قال:قرابتي.قال:هات أبايعك، فعلى من لا يحبّك و لا يحبّ قرابتك لعنة اللّه.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:آمين (3).

و روى أيضا عنه صلّى اللّه عليه و آله قال:من سرّه أن يحيا حياتي،و يموت ميتتي، و يتمسّك بالقضيب الياقوتة الّتي خلقها اللّه تعالى،ثمّ قال لها:كوني فكانت، فليتولّ عليّ بن أبي الطالب من بعدي (4).

و قال:أخذ بيد الحسن و الحسين عليهما السّلام فقال:من أحبّني و أحبّ هذين و أباهما و أمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة (5).

و قال صلّى اللّه عليه و آله:حبّي و حبّ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن،أهوالهنّ عظيمة:عند الوفاة،و في القبر،و عند النّشور،و عند الكتاب،و عند الحساب، و عند الميزان،و عند الصّراط (6).


1) 1)

2) 2) الشورى:23. [2]

3) 3) كفاية الطالب للكنجي:31.

4) 4) كفاية الطالب للكنجي:27.

5) 5) سنن الترمذي 5:641 ح 3733،و مسند أحمد 1:77،و [3]غيرهما.

6) 6) الفردوس للديلمي عنه البحار 27:158 ح 3،و [4]المحاسن للبرقي:152 ح 7،و [5]الخصال للصدوق:360 ح 49، و غيرهم.

و روى الثّعلبي في(تفسيره)عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:من مات على حبّ آل محمّد مات تائبا.ألا و من مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها.ألا و من مات على حبّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرّحمة (1)

أخرجه الثعلبي في تفسيره عنه العمدة 1:27،و الطرائف 1:159 ح 248،و [1]النقل بتقطيع.

.

و روى أبو الفرج في(مقاتله)بأسانيد:أنّ الحسن عليه السّلام خطب بعد وفاة أبيه فقال:إنا من أهل البيت...الّذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا (2)و الّذين افترض اللّه مودّتهم في كتابه إذ يقول: «وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً» (3)فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت (4).

و روى أيضا بأسانيد عنه عليه السّلام:قال لسفيان بن الليل:فأبشر يا سفيان فإنّي سمعت عليّا عليه السّلام يقول:سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:يرد عليّ الحوض أهل بيتي و من أحبّهم من أمّتي كهاتين-يعني السّبابتين-أو كهاتين-يعني السّبابة و الوسطى-إحداهما تفضل على الاخرى (5).

و في(فصول المالكي)عن(كتاب آل ابن خالويه)،و عن(مناقب الخوارزمي)عن بلال بن حمامة قال:طلع علينا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم متبسّما ضاحكا،و وجهه مشرق كدارة القمر،فقام إليه عبد الرّحمن بن عوف،فقال:يا رسول اللّه ما هذا النّور؟قال:بشارة أتتني من ربّي في أخي و ابن عمّي و ابنتي، فإن اللّه تعالى زوّج عليّا من فاطمة،و أمر رضوان خازن الجنان،فهزّ شجرة طوبى،فحملت رقاقا-يعني صكاكا-بعدد محبّي أهل البيت-إلى أن قال-:فلا


1) 1)

2) 2) الأحزاب:33. [2]

3) 3) الشورى:23. [3]

4) 4) المقاتل لأبي الفرج 33 ضمن خطبة.

5) 5) المقاتل لأبي الفرج:44.

يبقى محبّ لأهل البيت إلاّ دفعت الملائكة إليه صكّا فيه فكاكه من النّار (1)

مناقب الخوارزمي:246،و رواه عنه و عن الآل لابن خالويه ابن الصباغ في الفصول المهمة:28. [1]

.

و روى الكليني عن الكاظم عليه السّلام قال:إنّ اللّه تعالى غضب على الشّيعة، فخيّرني نفسي أو هم،فوقيتهم و اللّه بنفسي (2).

«و عدوّنا و مبغضنا ينتظر السّطوة» روى الكنجي الشّافعي في مناقبه مسندا:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام:لو أنّ أمّتي أبغضوك لأكبّهم اللّه في النّار (3).

و روى الثّعلبي في(تفسيره)عن جرير البجلي قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ألا و من مات على بغض آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله،جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه«آيس من رحمة اللّه»،ألا و من مات على بغض آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله،لم يشمّ رائحة الجنّة (4).

و خطب النّبي صلّى اللّه عليه و آله فقال:أيّها النّاس من أبغضنا أهل البيت بعثه اللّه يوم القيامة يهوديا (5).

و قال صلّى اللّه عليه و آله:لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ بعثه اللّه يوم القيامة أجذم (6).

و روى الكشي عن أبي عمر البزّاز قال:سمعت الشّعبي و هو يقول:

و كان إذا غدا إلى القضاء جلس في دكاني فإذا رجع جلس في دكاني،فقال لي ذات يوم:يا أبا عمر إنّ لك عندي حديثا أحدّثك به.قال:قلت له:يا أبا عمر و ما زال لي ضالّة عندك؟قال:فقال لي:لا أمّ لك فأيّ ضالّة تقع لك عندي؟قال:فأبى أن يحدّثني يومئذ،ثمّ سألته بعد فقلت:يا أبا عمرو حدّثني بالحديث الّذي قلت


1) 1)

2) 2) الكافي 1:260 ح 5. [2]

3) 3) كفاية الطالب للكنجي:42.

4) 4) تفسير الثعلبي [3]عنه العمدة 1:27،و [4]الطرائف 1:159 ح 248،و [5]النقل بتقطيع.

5) 5) أمالي الصدوق:273 ح 2 المجلس 54،و [6]أمالي المفيد:126 ح 4 المجلس 15.

6) 6) عقاب الأعمال للصدوق:243 ح 2،و المحاسن للبرقي:91 ح 42. [7]

لي.قال:سمعت الحارث الأعور و هو يقول:أتيت أمير المؤمنين عليّا عليه السّلام ذات ليلة فقال:يا أعور ما جاء بك؟فقلت:جاء بي و اللّه حبّك.فقال:أما إنّي ساحدّثك لتشكرها،أما إنّه لا يموت عبد يحبّني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يحبّ،و لا يموت عبد يبغضني فتخرج نفسه حتّى يراني حيث يكره... (1)

معرفة الرجال للكشي اختياره:88 ح 142، [1]مرّ تخريجه في اوائل مقدمة المؤلف.

و روى القتيبي في(عيونه)عن الشّعبي أيضا قال:ما لقينا من آل أبي طالب؟إن أحببناهم قتلونا،و إن أبغضناهم أدخلونا النّار (2).

و عن الصّادق عليه السّلام ما معناه:أنّ النّاصب شرّ من ولد الزّنا،و ولد الزّنا شرّ من الكلب و الخنزير،و لو شفّع كلّ نبيّ مرسل و ملك مقرّب للنّاصب ما شفّعوا (3).

8

من الخطبة(142)

بعد ما مرّ في(4،5).

أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا- كَذِباً وَ بَغْياً عَلَيْنَا أَنْ رَفَعَنَا وَ وَضَعَهُمْ- وَ أَعْطَانَا وَ حَرَمَهُمْ وَ أَدْخَلَنَا وَ أَخْرَجَهُمْ- بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى وَ يُسْتَجْلَى الْعَمَى- إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ؟قُرَيْشٍ؟- غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ؟هَاشِمٍ؟ لاَ تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ- وَ لاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهِمْ أقول:قوله عليه السّلام : «أين الّذين زعموا أنّهم الرّاسخون في العلم دوننا» روى


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار لابن قتيبة 1:212. [2]

3) 3) المحاسن للبرقي:185 ح 196،و [3]عقاب الأعمال للصدوق:251 ح 2 عن الصادق عليه السّلام:«ان نوحا حمل في السفينة الكلب و الخنزير،و لم يحمل فيها ولد الزنا،و أنّ الناصب شرّ من ولد الزنا»و أخرج البرقي بطريقين في المحاسن: 184،186 ح 190،198،و [4]الصدوق في عقاب الأعمال:246 ح 1، [5]عن الصادق عليه السّلام في ذيل حديث«و لو أن ناصبا شفع له كل نبي مرسل و ملك مقرّب ما شفعوا».

ابن بابويه عن الصّادق عليه السّلام قال:كان للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله صديقان يهوديان فلمّا قبض أقبلا يسألان عن صاحب الأمر بعده،و قالا:لم يمت نبيّ قطّ إلاّ و له خليفة قريب القرابة إليه من أهل بيته،عظيم الخطر،جليل الشّأن.فقال أحدهما لصاحبه:هل تعرف ذلك؟قال الآخر:لا،إلاّ بالصّفة الّتي أجدها في التّوراة-إلى أن قال-:قالا لأبي بكر:ما قرابتك من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟قال:إنّي رجل من عشيرته و هو زوج ابتني.قالا:هل غير هذا؟قال:لا.قالا:دلّنا على من هو أعلم منك،فإنّك أنت لست بالرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة،إنّه وصيّ هذا النّبيّ و خليفته.فتغيظ من قولهما و همّ بهما،ثمّ أرشدهما إلى عمر،و ذلك أنّه عرف من عمر أنّهما إن استقبلاه بشيء بطش بهما-إلى أن قال-:فلمّا جاءا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام قال أحدهما لصاحبه:إنّه الرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة،إنّه وصيّ هذا النّبيّ.

ثمّ قالا له:ما قرابتك من النّبيّ؟قال:هو أخي و أنا وارثه و وصيّه،و أوّل من آمن به،و زوج ابنته فاطمة.قالا:هذه القرابة الفاخرة و المنزلة القريبة،و هذه الصّفة الّتي نجدها في التّوراة،ثمّ قالا له:فأين ربّك؟قال:إن شئتما أنبأتكما بالّذي كان على عهد نبيّكما،و إن شئتما أنبأتكما بالّذي كان على عهد نبيّنا.

قالا:أنبئنا بالّذي كان على عهد نبيّنا.قال:أقبل أربعة أملاك:ملك من المشرق، و ملك من المغرب و ملك من السّماء،و ملك من الأرض،فقال صاحب المشرق لصاحب المغرب:من أين أقبلت؟قال:من عند ربّي.و قال صاحب المغرب لصاحب المشرق:من أين أقبلت؟قال:من عند ربّي.و قال ملك السّماء لملك الأرض:من أين أقبلت؟قال:من عند ربّي.و قال ملك الأرض لملك السّماء:من أين أقبلت؟قال:من عند ربّي.فهذا ما كان على عهد نبيّكما،و أمّا ما كان على عهد نبيّنا فقوله في محكم كتابه: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما»

كانُوا... (1)

المجادلة:7. [1]

.قالا:فما منع صاحبيك أن يكونا جعلاك في موضعك الّذي أنت أهله؟فو الّذي أنزل التّوراة على موسى إنّك لأنت الخليفة حقّا،نجد صفتك في كتبنا و نقرأ في كنائسنا،و إنّك لأحقّ بهذا الأمر،و أولى به ممّن قد غلبك عليه.

فقال عليه السّلام:قدّما و أخّرا و حسابهما على اللّه تعالى يوقفان و يسألان (2).

هذا،و في(الأغاني):كان هارون بن محمّد بن عبد الملك ينشد من أشعار أبيه و يفضّلها.فقال له ابن برد الخيار:إن كان لأبيك مثل قول إبراهيم بن العبّاس:

أسد ضار إذا هيّجته و أب برّ إذا ما قدرا

يعرف الأبعد أن أثرى و لا يعرف الأدنى إذا ما افتقرا

أو مثل قوله:

تلج السّنون بيتهم و ترى لهم عن جار بيتهم ازورار مناكب

و تراهم بسيوفهم و شفارهم مستشرفين لراغب أو راهب

حامين أو قارين حيث لقيتهم نهب العفاة و نهزة للرّاغب

فاذكره و افتخر به،و إلاّ فأقلل من الافتخار و التّطاول بما لا طائل فيه.

فخجل هارون (3).

«كذبا و بغيا علينا» روى زيد بن موسى عليه السّلام:أنّ فاطمة بنت الحسين عليه السّلام قالت في خطبتها في الكوفة:ويلكم أحسدتمونا على ما فضّلنا اللّه (4)؟ فما ذنبنا إن جاش دهرا بحورنا و بحرك ساج ما يواري الدّعامصا


1) 1)

2) 2) التوحيد لابن بابويه الصدوق:180 ح 15. [2]

3) 3) الأغاني لأبي الفرج 10:65 و النقل بتصرف يسير.

4) 4) اللهوف لابن طاوس:67،و [3]الاحتجاج للطبرسي:303،و [4]لفظهما«احسدتمونا ويلا لكم على ما فضلنا اللّه».

«ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (1)

الحديد:21. [1]

، «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ » (2).

«أن رفعنا اللّه و وضعهم و أعطانا و حرمهم» و كانوا مقرّين بفضلهم،روى أحمد بن أبي طاهر البغدادي في(بلاغات نسائه):أنّ أبا بكر قال لسيّدة النّساء -صلوات اللّه عليها-:لا يحبّكم إلاّ العظيم السّعادة،و لا يبغضكم إلاّ الرّديّ الولادة،و أنتم عترة اللّه الطّيّبون،و خيرته المنتجبون (3).

و من رفع اللّه لهم عليهم السّلام ما رواه الطّبري و غيره:أنّ عمر قال لابن عبّاس:

بلغني عنك كلام أكره أن اخبرك به فتزول منزلتك عندي.قال:و ما هو أخبرني به،فإن يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه،و إن يك حقّا فإنّ منزلتي عندك لا تزول به؟قال:بلغني أنّك لا تزال تقول:اخذ هذا الأمر منّا حسدا و ظلما.قال:

أمّا قولك:حسدا،فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة،فنحن بنو آدم المحسود،و أمّا قولك:ظلما فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقّ من هو،ثمّ قال له:ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و احتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟فنحن أحقّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من سائر قريش:فقال عمر:قم الآن (4).

و من وضع اللّه تعالى لقريش:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمّر عليهم عمرو بن العاص رأس المنافقين و اسامة بن زيد و أباه مع كونهما موليين،و قد طعنوا في فعل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بهم ذلك كما صرّح بذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا أمّر عليهم اسامة،فقال:


1) 1)

2) 2) النور:40. [2]

3) 3) بلاغات النساء للبغدادي:31. [3]

4) 4) تاريخ الطبري 3:289 سنة 23 و النقل بالمعنى.

طعنوا في إمارتك كما طعنوا في إمارة أبيك و أنتما أهل لذلك (1)

صحيح البخاري 2:303،و 3:96 بطريقين،و صحيح مسلم 4:1884 ح 63،64 بطريقين،و سنن الترمذي 5:676 ح 3816 و غيرهم،و النقل بالمعنى.

.

و من إعطائهم عليهم السّلام و حرمان أولئك المدّعين:اختصاصهم بمقام الإمامة منه تعالى،و في(عيون ابن بابويه)قال عبد العزيز بن مسلم:كنّا في أيّام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام بمرو،فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة،فأدار الناس أمر الإمامة و ذكروا كثرة اختلاف النّاس فيها،فدخلت عليه عليه السّلام فأعلمته ما خاض النّاس فيه فتبسّم ثمّ قال:جهل القوم و خدعوا عن أديانهم،إنّ اللّه تعالى لم يقبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى أكمل له الدّين،و أنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام، و جميع ما يحتاج إليه كما قال عزّ و جلّ: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» (2)و أنزل في حجّة الوداع و هو آخر عمره «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (3).و أمر الإمامة من تمام الدّين، و لم يمض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى بيّن لامّته معالم دينه،و أوضح لهم سبيله،و تركهم على قصد الحقّ،و أقام لهم عليّا عليه السّلام علما و إماما،و ما ترك شيئا يحتاج إليه الامّة إلاّ بيّنه،فمن زعم أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه،و من ردّ كتاب اللّه فهو كافر.هل يعرفون قدر الإمامة و محلّها من الامّة فيجوز فيها اختيارهم؟إنّ الإمامة أجلّ قدرا و أعظم شأنا،و أعلى مكانا،و أمنع جانبا من أن يبلغها النّاس بعقولهم (4).

و لعلم قريش بأنّهم لم يكونوا على شيء،و أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لو


1) 1)

2) 2) الأنعام:38. [1]

3) 3) المائدة:3. [2]

4) 4) عيون الأخبار للصدوق 1:171 ح 1. [3]

ولي الأمر لم يكن ليشركهم معه أو بعده كما فعل أبو بكر مع عمر،و عمر مع عثمان،سعوا بتمام قواهم أن لا يصل الأمر إليه،فقاموا عليه يوم السّقيفة، و يوم الدّار،و حين قيامه عليه السّلام،و لم يكادوا يستعملون أقاربه عليه السّلام في ولاياتهم.

قال المسعودي في(مروجه)عن ابن عبّاس:إنّ عمر أرسل إلى ابن عبّاس فقال:إنّ عامل حمص هلك و كان من أهل الخبر،و أهل الخير قليل،و قد رجوت أن تكون منهم،و في نفسي منك شيء لم أره منك و أعياني ذلك،فما رأيك في العمل؟قال:لن أعمل حتّى تخبرني بالّذي في نفسك.قال:و ما تريد إلى ذلك؟قال:اريده فإن كان شيء أخاف منه على نفسي،خشيت منه عليها الّذي خشيت،و إن كنت بريئا من مثله و علمت أنّي لست من أهله فقبلت عملك هنالك،فإنّي قلّما رأيتك طلبت شيئا إلاّ عاجلته.فقال:يابن عبّاس إنّي خشيت أن يأتي عليّ الّذي هو آت و أنت في عملك،فتقول:هلمّ إلينا،و لا هلمّ إليكم دون غيركم.إنّي رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله استعمل النّاس و ترككم.قال:و اللّه قد رأيت من ذلك فلم تراه فعل ذلك؟قال:و اللّه ما أدري أضنّ بكم عن العمل؟فأهل ذلك أنتم، أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيقع العتاب و لا بد من عتاب؟فقد قرعت لك فما رأيك؟قال:قلت:أرى أن لا أعمل لك.قال:و لم؟قال:قلت:إن عملت لك و في نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينك.قال:فأشر عليّ.قال:قلت:إنّي أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا لك (1)

مروج الذهب للمسعودي 2:321. [1]

.

و قوله:«و اللّه ما أدري أضنّ بكم عن العمل...»فجور منه في الحلف،فإنّه علم أنّه صلّى اللّه عليه و آله ضنّ بهم.ثمّ إنّه لم يستعمل ابن عبّاس،لئلاّ يصير وسيلة لتولية أمير المؤمنين عليه السّلام،لكونه ابن عمّه لو مات هو،مع كون ابن عبّاس من أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.و استعمل معاوية أعدى عدوّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مع علمه بنفاقه


1) 1)

و معرفته بدرجة دهائه،ليصير سببا لغلبته على أهل البيت،و قد صار الأمر كما دبّر و لم يولّه بلدة،بل إقليما مثل الشّام حتّى يمكنه المقاومة في مقابل أمير المؤمنين عليه السّلام،مع كون الحجاز و العراق تحت يده،و قد صرّح بذلك يوم الشّورى،فألقى الاختلاف بين الستّة،و دبّر حرمان أمير المؤمنين عليه السّلام بحكميّة ابن عوف صهر عثمان و قال:إن اختلفتم يغلبكم معاوية.فهل غلبة معاوية إلاّ منه؟و هل بغي على أهل البيت عليه السّلام أعظم ممّا فعل ؟ «و أدخلنا و أخرجهم» روى الخطيب في محمّد بن سليمان بن حبيب عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص قال:إنّ عليّا عليه السّلام أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عنده ناس،فلمّا دخل عليّ خرجوا،ثمّ إنّهم قالوا:و اللّه ما أخرجنا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلم خرجنا؟فرجعوا فدخلوا على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّي و اللّه ما اخرجتكم و أدخلته،و لكنّ اللّه هو أدخله و أخرجكم.رواه بأسانيد (1)

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 5:294. [1]

.

و روى أحمد بن حنبل في فضائله عن زيد بن أرقم قال:كان لنفر من الصّحابة أبواب شارعة في المسجد،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ بن أبي طالب.فتكلّم النّاس في ذلك،فقام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:ما سدّدت شيئا و لا فتحته و لكنّي امرت بشيء فاتّبعته (2).

و روى التّرمذي في(صحيحه)عن جابر قال:دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليّا يوم الطّائف،فانتجاه طويلا فقال النّاس:لقد طالت نجواه مع ابن عمّه.فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فقال:ما انتجيته و لكنّ اللّه انتجاه (3).


1) 1)

2) 2) رواه عنه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:41. [2]

3) 3) سنن الترمذي 5:639 ح 3726 و [3]رواه عنه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:42. [4]

نقلهما سبط ابن الجوزي في كتابه .

«بنا» لا بغيرنا.

«يستعطى الهدى» إلى الحقّ،و قد قال تعالى: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » (1)

يونس:35. [1]

.

«و يستجلى العمى» عن الباطل،و قول عمر:«معضلة ليس لها أبو الحسن» (2)صار كالمثل .

«إنّ الأئمّة من قريش» حسبما استفاض عنه صلّى اللّه عليه و آله من طريق الخاصّة و العامّة.

«غرسوا في هذا البطن من هاشم» أي:الطّالبيين منهم دون باقي بطون هاشم من العباسيّين و غيرهم،و في الإثني عشر من بطن الطالبيّين دون غيرهم من الجعفريّين العقيليّين و غيرهما،روى محمّد بن بابويه في(إكماله) عن الأسواري قال:كان ليحيى بن خالد مجلس بداره يحضره المتكلّمون من كل فرقة يوم الأحد،فيتناظرون في أديانهم فيحتجّ بعضهم على بعض،فبلغ ذلك الرّشيد فقال له:ما هذا المجلس الّذي بلغني عنك في منزلك يحضره المتكلّمون؟قال:ما شيء ممّا رفعني به أمير المؤمنين عليه السّلام أحسن موقعا عندي من هذا المجلس الّذي يحضره كلّ قوم مع اختلاف مذاهبهم،فيحتجّ بعضهم على بعض،و يعرف المحق من بينهم،و يبيّن لنا فساد كلّ مذهب من مذاهبهم.فقال له الرّشيد:احبّ أن أحضر هذا المجلس،و أسمع كلامهم على أن لا يعلموا بحضوري،فيحتشموا و لا يظهروا مذاهبهم.قال:ذلك إلى أمير


1) 1)

2) 2) انساب الأشراف للبلاذري 2:99-100 ح 29،30،و غيره [2]مرّ تخريجه في شرح فقرة«و الفضائل الجمة»من خطبة الرضي.

المؤمنين إن شاء و متى شاء.قال:فضع يدك على رأسي على ألاّ تعلمهم بحضوري.ففعل ذلك و بلغ الخبر المعتزلة فتشاوروا بينهم و عزموا على ألاّ يكلّموا هشام بن الحكم إلاّ في الإمامة،لعلمهم بمذهب الرّشيد و إنكاره على من قال بالإمامة،فحضروا و حضر هشام و حضر عبد اللّه بن يزيد الأباضي -و كان من أصدق النّاس لهشام-فدخل هشام و سلّم على عبد اللّه من بينهم، فقال يحيى لعبد اللّه:كلّم هشاما في ما اختلفتم فيه من الإمامة.فقال هشام:أيّها الوزير ليس لهؤلاء علينا جواب و لا مسألة،إنّ هؤلاء قوم كانوا مجتمعين معنا على إمامة رجل،ثم فارقونا بلا علم و لا معرفة،فلا حين كانوا معنا عرفوا الحقّ،و لا حين فارقونا علموا علام فارقونا.فقال بنان-و كان من الحروريّة-:

أخبرني عن أصحاب عليّ حين حكّموا الحكمين كانوا مؤمنين أم كافرين؟ قال هشام:كانوا ثلاثة أصناف:صنف مؤمنون،و صنف مشركون،و صنف ضالّون،فأمّا المؤمنون فمن قال مثل قولي:إنّ عليّا عليه السّلام إمام من عند اللّه عزّ و جلّ و معاوية لا يصلح لها،فآمنوا بما قال اللّه تعالى في عليّ عليه السّلام و أقرّوا به.

و أمّا المشركون فقوم قالوا:عليّ إمام و معاوية يصلح لها،فأشركوا و أدخلوا معاوية مع عليّ عليه السّلام.و أمّا الضّالّون فقوم خرجوا من الحميّة و العصبيّة للعشائر و القبائل،و لم يعرفوا شيئا من هذا و هم جهّال.قال:فأصحاب معاوية ما كانوا؟قال:كانوا ثلاثة أصناف:صنف كافرون،و صنف مشركون، و صنف ضالّون.أمّا الكافرون فالّذين قالوا:إنّ معاوية إمام و عليّ لا يصلح لها،فكفروا من جهتين إذ جحدوا إماما من اللّه عزّ و جلّ و نصبوا إماما ليس من اللّه.و أمّا المشركون فقوم قالوا:معاوية إمام و عليّ يصلح لها،فأشركوا معاوية مع عليّ عليه السّلام.و أمّا الضّالّون فعلى سبيل اولئك خرجوا بالحميّة و العصبيّة للقبائل و العشائر.فانقطع بنان عند ذلك.

فقال ضرار:و أنا أسألك يا هشام في هذا.قال:أخطأت.قال:و لم قال؟:

لأنّكم كلّكم مجتمعون على دفع إمامة صاحبي،و قد سألني هذا عن مسألة، و ليس لكم أن تثنوا عليّ بالمسألة،حتّى أسألك يا ضرار عن مذهبك في هذا الباب.فقال:سل.فقال:أتقول إنّ اللّه عزّ و جلّ عدل لا يجور؟قال:نعم.قال:فلو كلّف اللّه المقعد المشي إلى المساجد و الجهاد،و كلّف الأعمى قراءة المصاحف و الكتب أ تراه كان عادلا أم جائرا؟قال:ما كان ليفعل ذلك.قال هشام:قد علمت أنّ اللّه لا يفعل ذلك،و لكن ذلك على سبيل الجدال و الخصومة،و لو فعل ذلك أليس كان في فعله جائرا إذ كلّفه تكليفا لا يكون له السّبيل إلى إقامته و أدائه؟ قال:لو فعل ذلك كان جائرا.

قال:فأخبرني عن اللّه عزّ و جلّ كلّف العباد دينا واحدا لا اختلاف فيه لا يقبل منهم إلاّ أن يأتوا به كما كلّفهم؟قال:بلى.قال:فجعل لهم دليلا على وجود ذلك الدّين،أو كلّفهم ما لا دليل لهم على وجوده،فيكون بمنزلة من كلّف الأعمى قراءة الكتب،و المقعد المشي إلى المساجد و الجهاد؟فسكت ضرار ساعة ثمّ قال:لا بدّ من دليل و ليس بصاحبك.فتبسّم هشام و قال:تشيع شطرك،و صرت إلى الحقّ ضرورة و لا خلاف بيني و بينك إلاّ في التّسمية.

قال ضرار:فإنّي ارجع عليك القول في هذا.قال:هات.قال ضرار:كيف تعقد الإمامة؟قال هشام:كما عقد اللّه النّبوّة.قال:فهو إذن نبيّ؟قال:لا،لأنّ النّبوّة يعقدها أهل السّماء،و الإمامة يعقدها أهل الأرض،فعقد النّبوّة بالملائكة،و عقد الإمامة بالنّبيّ،و العقدان جميعا بأمر اللّه جلّ جلاله.قال:فما الدّليل على ذلك؟قال هشام:الاضطرار في هذا.قال ضرار:و كيف ذلك؟قال هشام:لا يخلو الكلام في هذا من أحد ثلاثة وجوه،إمّا أن يكون اللّه عزّ و جلّ رفع التّكليف عن الخلق بعد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله فلم يكلّفهم و لم يأمرهم و لم ينههم، فصاروا بمنزلة السّباع و البهائم،الّتي لا تكليف عليها أ فتقول هذا يا ضرار:إنّ التّكليف عن النّاس مرفوع بعد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله؟قال:لا أقول هذا.قال هشام:

فالوجه الثّاني ينبغي أن يكون النّاس المكلّفون قد استحالوا بعد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله علماء في مثل حدّ الرّسول في العلم،حتّى لا يحتاج أحد إلى أحد،فيكونوا كلّهم قد استغنوا بأنفسهم و أصابوا الحقّ الّذي لا اختلاف فيه،أ فتقول هذا:إنّ النّاس استحالوا علماء حتّى صاروا في مثل حدّ الرّسول في العلم بالدّين،حتّى لا يحتاج أحد إلى أحد،مستغنين بأنفسهم عن غيرهم في إصابة الحقّ؟قال:لا أقول هذا و لكنّهم يحتاجون إلى غيرهم.قال:فبقي الوجه الثّالث،و هو أنّه لا بدّ لهم من عالم يقيمه الرّسول لهم لا يسهو و لا يغلط و لا يحيف،معصوم من الذّنوب مبرّأ من الخطايا يحتاج النّاس إليه و لا يحتاج إلى أحد.قال:فما الدّليل عليه؟ قال هشام:ثمان دلالات:أربع في نعت نسبه،و أربع في نعت نفسه،فأمّا الأربع الّتي في نعت نسبه:فإنّه يكون معروف الجنس،معروف القبيلة، معروف البيت،و أن يكون من صاحب الملّة و الدّعوة إليه إشارة،فلم ير جنس من هذا الخلق أشهر من جنس العرب،الّذين منهم صاحب الملّة و الدّعوة،الّذي ينادى باسمه في كل يوم خمس مرّات على الصّوامع:«أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه»فتصل دعوته إلى كلّ برّ و فاجر،عالم و جاهل مقرّ و منكر في شرق الأرض و غربها،و لو جاز أن تكون الحجّة من اللّه على هذا الخلق في غير هذا الجنس لأتى على الطّالب المرتاد دهر من عصره لا يجده،و لجاز أن يطلبه في أجناس من هذا الخلق من العجم و غيرهم،و لكان من حيث أراد اللّه عزّ و جلّ أن يكون صلاح يكون فساد،و لا يجوز هذا في حكمة اللّه تعالى و عدله،أن يفرض على النّاس فريضة لا توجد،فلمّا لم يجز ذلك لم يجز أن يكون إلاّ في هذا الجنس لاتّصاله بصاحب الملّة و الدّعوة،فلم يجز أن يكون من هذا الجنس إلاّ في هذه القبيلة،لقرب نسبها من صاحب الملّة و هي قريش، و لمّا لم يجز أن يكون من هذا الجنس إلاّ في هذه القبيلة،لم يجز أن يكون من

هذه القبيلة إلاّ في هذا البيت لقرب نسبه من صاحب الملّة و الدّعوة،و لمّا كثر أهل هذا البيت،و تشاجروا في الإمامة،لعلوها و شرفها ادّعاها كلّ واحد منهم، فلم يجز إلاّ أن يكون من صاحب الملّة و الدعوة إشارة إليه بعينه و اسمه و نسبه،كيلا يطمع فيها غيره.

و أمّا الأربع الّتي في نعت نفسه:فأن يكون أعلم النّاس كلّهم بفرائض اللّه و سننه و أحكامه،حتّى لا يخفى عليه منها دقيق و لا جليل،و أن يكون معصوما من الذّنوب كلّها،و أن يكون أشجع النّاس،و أن يكون أسخى النّاس.

فقال عبد اللّه بن يزيد الأباضي:من أين قلت:إنّه أعلم النّاس؟ قال:لأنّه إن لم يكن عالما بجميع حدود اللّه و أحكامه و شرائعه و سننه، لم يؤمن عليه أن يقلّب الحدود،فمن وجب عليه القطع حدّه،و من وجب عليه الحدّ قطعه،فلا يقيم للّه حدّا على ما أمر به،فيكون من حيث أراد اللّه صلاحا يقع فساد.

قال:فمن أين قلت:إنّه معصوم من الذّنوب؟ قال:لأنّه إن لم يكن معصوما من الذّنوب دخل في الخطأ،فلا يؤمن أن يكتم على نفسه،و يكتم على حميمه و قريبه،و لا يحتجّ اللّه بمثل هذا على خلقه.

قال:فمن أين قلت:إنّه أشجع النّاس؟ قال:لأنّه فئة للمسلمين يرجعون إليه في الحروب،و قد قال عزّ و جلّ:

«وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ» (1)

الأنفال:16. [1]

فإن لم يكن شجاعا،فرّ فيبوأ بغضب من اللّه عزّ و جلّ حجّة اللّه على خلقه.

قال:فمن أين قلت:إنّه أسخى النّاس؟


1) 1)

قال:لأنّه خازن المسلمين فإن لم يكن سخيّا،تاقت نفسه إلى أموالهم فأخذها فكان خائنا،و لا يجوز أن يحتجّ اللّه على خلقه بخائن.

فعند ذلك قال ضرار:فمن هذا بهذه الصّفة في هذا الوقت؟فقال:صاحب القصر أمير المؤمنين-و كان هارون قد سمع الكلام كلّه-فقال عند ذلك:

أعطانا و اللّه من جراب الثّورة،و يحك يا جعفر-و كان جعفر بن يحيى جالسا معه في السّتر-من يعني بهذا؟فقال:يعني به موسى بن جعفر.قال:ما عنى به غيره.ثمّ عضّ على شفتيه و قال:مثل هذا حيّ و يبقى لي ملكي ساعة واحدة.

فو اللّه للسان هذا أبلغ في قلوب النّاس من مائة ألف سيف.و علم يحيى أنّ هشاما قد أتى فدخل السّتر،فقال:يا عبّاسي ويحك من هذا الرّجل؟فقال:

حسبك تكفى تكفى.

ثمّ خرج إلى هشام فغمزه،فعلم هشام أنّه قد اتي،فقام يريهم أنّه يبول أو يقضي حاجة،فلبس نعليه و انسلّ،و مرّ ببيته و أمرهم بالتّواري،و هرب و مرّ من فوره نحو الكوفة،و نزل على بشير النّبال-و كان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام-فأخبره الخبر،ثمّ اعتل علّة شديدة،فقال له البشير:آتيك بطبيب قال:لا أنا ميّت.فلمّا حضره الموت قال لبشير:إذا فرغت من جهازي فاحملني في جوف اللّيل،وضعني بالكناسة و اكتب رقعة و قل:هذا هشام بن الحكم الّذي يطلبه الخليفة مات حتف أنفه.و كان هارون قد بعث إلى إخوانه و أصحابه فأخذ الخلق به،فلمّا أصبح أهل الكوفة رأوه،و حضر القاضي و صاحب المعونة و العامل و المعدّلون بالكوفة،و كتب إلى الرّشيد بذلك فقال:الحمد للّه الّذي كفانا أمره و خلّى عمّن كان أخذ به (1)

كمال الدين للصدوق:362. [1]

.

«لا تصلح على سواهم،و لا تصلح الولاة من غيرهم» ظهر لك من البرهان


1) 1)

الّذي ذكره هشام أنّ وجوب كون الإمام من بيت هاشم بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمر عقلي لا يجوز تخلّفه،و يعاضده الدّليل النّقلي القطعي،قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» (1)

المائدة:55. [1]

.

و قول رسوله صلّى اللّه عليه و آله في المتواتر:«من كنت مولاه فعليّ مولاه» (2).

و منه يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد هنا:«إن قلت:إنّك شرحت هذا الكتاب على قواعد المعتزلة و اصولهم فما قولك في هذا الكلام و هو تصريح بأنّ الإمامة لا تصلح من قريش إلاّ في بني هاشم خاصّة،و ليس ذلك بمذهب المعتزلة لا متقدميهم و لا متأخريهم قلت:هذا الموضع مشكل ولي فيه نظر، و إن صحّ أن عليّا عليه السّلام قاله قلت:كما قال لأنّه ثبت عندي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:(إنّه مع الحقّ و أنّ الحقّ يدور معه حيثما دار) (3).و يمكن أن يتأوّل على مذهب المعتزلة،فيحمل على أنّ المراد به كمال الإمامة كما في قوله صلّى اللّه عليه و آله:(لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد) (4)على نفي الكمال لا على نفي الصّحة» (5).

قلت:هذا التّأويل منه كتأويل بعض المتكلّمين-كما في(مختلف ابن قتيبة)-النّهي عن الخمر في القرآن على جهة التّأديب،كما في قوله تعالى:

«وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ» (6)و في قوله تعالى: «وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ» (7)و ذهب إلى عدم


1) 1)

2) 2) هذا حديث الغدير مرّ تخريجه في شرح فقرة«و لهم خصائص»في العنوان 4 من هذا الفصل.

3) 3) سنن الترمذي 5:633 ح 3714 و غيره مرّ تخريجه في أواخر العنوان 5 من هذا الفصل.

4) 4) أخرجه الدار قطني في سننه عنه الجامع الصغير 2:203 مسندا،و المرتضى في الذريعة 1:354،و الطوسي في التهذيب 1:92 ح 3 مجردا و روي أيضا عن عليّ عليه السّلام.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:402. [2]

6) 6) الاسراء:29. [3]

7) 7) النساء:34. [4]

حرمة الخمر (1)

نقلها ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث:60-61،و النقل بالمعنى.

.

و كتأويل بعضهم العدد في قوله تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ» (2)على الجمع فجوّز نكاح تسع من الحرائر، و استشهد على تأويله بأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مات عن تسع،و أنكر الخصوصيّة للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (3).

و كتأويل حرمة لحم الخنزير في قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ» (4)على حلّية شحمه و جلده (5)،مع كون ما قاله في ما مرّ خلاف ضرورة الإسلام.

و كتأويل قوله تعالى في نبيّه صلّى اللّه عليه و آله: «وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ» (6)على كون النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله زينة لهم كالخاتم لصاحبه،فقال بعدم خاتميّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و كما نقل عن بعض الغلاة و الإسماعيلية القول بنبوّة أنبياء بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،مع أنّه تواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:«لا نبيّ بعدي» (7)فكما أنّ الآيات المتقدمّة لا تجوّز التأويل كذلك قوله عليه السّلام:«أين الذين زعموا أنّهم الرّاسخون في العلم دوننا كذبا و بغيا علينا،أن رفعنا اللّه و وضعهم،و أعطانا و حرمهم و أدخلنا و أخرجهم؟بنا يستعطى الهدى و يستجلى العمى»قبل هذا الكلام أي:

قوله عليه السّلام «غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم و لا تصلح


1) 1)

2) 2) النساء:3. [1]

3) 3) نقلها ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث:60-61،و النقل بالمعنى.

4) 4) المائدة:3. [2]

5) 5) نقلها ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث:60-61،و النقل بالمعنى.

6) 6) الأحزاب:40. [3]

7) 7) هذا ذيل حديث المنزلة مرّ تخريجه في أوائل العنوان 7 من هذا الفصل.

الولاة من غيرهم» .

و لو فتح باب مثل تأويله لصحّ تأويل تلك المتنبّية عدم منافاة قول خاتم الأنبياء لنبوّتها بأنّه إنّما قال:«لا نبيّ بعدي»و لم يقل:«لا نبيّة بعدي».

و سأل هشام بن الحكم أيضا جماعة من المتكلّمين فقال:أخبروني حين بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بعثه بنعمة تامّة أو بنعمة ناقصة؟قالوا:بنعمة تامّة.

قال:فأيّما أتمّ أن يكون في أهل بيت واحد نبوّة و خلافة أو تكون نبوّة بلا خلافة؟قالوا:بل تكون نبوّة و خلافة.قال:فلما ذا جعلتموها في غيرها؟فإذا صارت في بني هاشم ضربتم وجوههم بالسّيف؟فافحموا (1)

المناقب لأبن شهر آشوب 1:276. [1]

.

و روى محمّد بن محمّد بن النّعمان عن المرزباني عن محمّد بن العبّاس عن محمّد بن يزيد النّحوي عن ابن عائشة:أنّ ذا الشّهادتين قال:

ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن

أ ليس أوّل من صلّى بقبلتهم و أعرف النّاس بالآثار و السّنن

و آخر النّاس عهدا بالنّبيّ و من جبريل عون له في الغسل و الكفن

من فيه فيه ما فيه لا يمترون به و ليس في القوم ما فيه من الحسن

ما ذا الّذي ردّكم عنه فنعلمه ها إنّ بيعتكم من أغبن الغبن (2)

و قال حسان:

و ما زال في الإسلام من آل هاشم دعائم صدق لا ترام و مفخر

هم جبل الإسلام و النّاس حولهم رضام إلى طود يطول و يقهر

و قال كعب الأنصاري:

قوم بهم عصم الإله عباده و عليهم نزل الكتاب المنزل


1) 1)

2) 2) الارشاد للمفيد:22. [2]

و روى الخطيب في هاشم بن مسرور المؤدب عن أبي صالح في قوله تعالى: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» (1)

الحج:41. [1]

قال:هم بنو هاشم.ثم قلت:من مضى منهم أم من بقي؟قال:من مضى منهم و من بقي (2).

و روى ابن عبد ربّه في(عقده)-في وفود قريش على سيف بن ذي يزن-:أنّ سيفا قال لعبد المطّلب:إذا ولد مولود بتهامة،بين كتفيه شامة،كانت له الإمامة،إلى يوم القيامة (3).

و قال الكميت مشيرا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

يقولون لم يورث و لو لا تراثه لما شاركت فيه بكيل و أرحب

و لا انتشلت عضوين منها يحابر و كان لعبد القيس عضو مورّب

فإن هي لم تصلح لحيّ سواهم إذن فذوو القربى أحقّ و أقرب

فيا لك أمر قد اشتت جمعه و دنيا أرى أسبابها تتقضّب

تبدّلت الأشرار بعد خيارها و جدّ بها من امّة هي تلعب

و روى المسعودي في(مروجه):أنّه لمّا ورد صعصعة على معاوية من قبل أمير المؤمنين عليه السّلام و سأله عن قومه،و أجابه،قال له معاوية:و يحك يابن صوحان فما ترك لهذا الحيّ من قريش مجدا و لا فخرا؟قال:بلى و اللّه يابن أبي سفيان تركت لهم ما لا يصلح إلاّ بهم،و لهم تركت الأبيض،و الأحمر و الأصفر و الأشقر،و السّرير،و المنبر،و الملك إلى المحشر،و أنّى لا يكون ذلك كذلك و هم منار اللّه في الأرض و نجومه في السّماء.ففرح معاوية و ظنّ أنّ كلامه


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب 14:69. [2]

3) 3) العقد الفريد لأبن عبد ربه 1:243. [3]

يشتمل على قريش كلّها.فقال:صدقت يابن صوحان إنّ ذلك لكذلك.فعرف صعصعة ما أراد.فقال:ليس لك و لا لقومك في ذلك إصدار و لا إيراد،بعدتم عن أنف المرعى،و علوتم عن عذب الماء.قال:فلم ذلك؟و يلك يابن صوحان؟ قال:الويل لأهل النّار ذلك لبني هاشم... (1)

مروج الذهب 3:40. [1]

.

و روى أبو هلال العسكري في(أوائله):أنّ أبا الهيثم بن التيهان قام خطيبا بين يدي أمير المؤمنين عليه السّلام،فقال:إنّ حسد قريش إيّاك على وجهين:

أمّا خيارهم فتمنوا أن يكونوا مثلك منافسة في البلاء،و ارتفاع الدّرجة،و أمّا شرارهم فحسدوا حسدا أثقل القلوب،و أحبط الأعمال،و ذلك أنّهم رأوا عليك نعمة قدّمها إليك الحظّ و أخّرهم عنها الحرمان،فلم يرضوا أن يلحقوا حتّى طلبوا أن يسبقوك،فبعدت و اللّه عليهم الغاية،و قطعت المضمار.فلمّا تقدّمتهم بالسّبق و عجزوا عن اللحاق،بلغوا منك ما رأيت،و كنت و اللّه أحق قريش بشكر قريش،نصرت نبيّهم حيّا و قضيت عنه الحقوق ميّتا،و اللّه،بغيهم إلاّ على أنفسهم،و لا نكثوا إلاّ بيعة اللّه «يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» ... (2).

و روى نصر بن مزاحم في(صفيّنه)عنه عليه السّلام في كتابه إلى معاوية:

و أعلم أنّ هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدونا و لا متنّوا به علينا، و لكنّه قضاء ممّن امتنّ به علينا على لسان نبيّه الصادق المصدّق،لا أفلح من شكّ بعد العرفان و البيّنة... (3).

و هو صريح في مذهب الإماميّة من كون الإمامة من قبله تعالى بوساطة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله لا باختيار الامّة،كما عليه المتسمّون بالسّنّة.


1) 1)

2) 2) الفتن من البحار للمجلسي:153 عن اوائل [2]أبي هلال العسكري،و الآية 10 من سورة الفتح. [3]

3) 3) وقعة صفين لابن مزاحم:109.

و في(تاريخ اليعقوبي):أنّه بلغ عثمان أنّ أبا ذر وقف بباب المسجد، فقال:أيّها الناس من عرفني فقد عرفني،و من لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الرّبذي «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1)

آل عمران:33-34. [1]

محمّد الصّفوة من نوح فالأوّل إبراهيم،و السّلالة من إسماعيل و العترة الهادية من محمّد صلّى اللّه عليه و آله،إنّه شرف شريفهم،و استحقّوا الفضل في قوم هم فينا كالسّماء المرفوعة،أو كالكعبة المستورة،أو كالقبلة المنصوبة،أو كالشّمس الضاحية،أو كالقمر السّاري،أو كالنّجوم الهادية،أو كالشّجرة الزّيتونة، أضاء زيتها،و بورك زبدها،و محمّد صلّى اللّه عليه و آله وارث علم آدم،و ما فضّل به النّبيّون،و عليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله و وارث علمه.أيّتها الامّة المتحيّرة بعد نبيّها أما لو قدّمتم من قدّم اللّه،و أخّرتم من أخّر اللّه،و أقررتم الولاية و الوراثة في أهل بيت نبيّكم،لأكلتم من فوق رؤوسكم،و من تحت أقدامكم و لما عال ولي اللّه،و لما طاش سهم من فرائض اللّه،و لا اختلف اثنان في حكم اللّه إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللّه و سنّة نبيّه،فأمّا إذا فعلتم ما فعلتم،فذوقوا و بال أمركم «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» ... (2).

و لمّا افتخر ابن المعتز بالعبّاسيّين على الطّالبيّين بقصيدته الّتي أوّلها:

أبى اللّه إلاّ ما ترون فما لكم غضابى على الأقدار يا آل طالب

أجابه أبو القاسم التنوخي:


1) 1)

2) 2) تاريخ اليعقوبي 2:171،و [2]الآية 227 من سورة الشعراء. [3]

من ابن رسول اللّه و ابن وصيّه إلى مدغل في عقدة الدّين ناصب

نشا بين طنبور و دفّ و مزهر و في حجر شاد أو على صدر ضارب

و من ظهر سكران إلى بطن قينة على شبه في ملكها و شوائب

إلى أن قال:

و نحن الألى لا يسرح الذّم بيننا و لا تدّرى أعراضنا بالمعاتب

إذا ما انتدوا كانوا شموس نديّهم و إن ركبوا كانوا بدور الرّكائب

و إن عبسوا يوم الوغى ضحك الرّدى و إن ضحكوا بكّوا عيون النّوائب

و ما للغواني و الوغي فتعوّذوا بقرع المثاني من قراع الكتائب

و يوم حنين قلت حزنا فخاره و لو كان يدري عده في المثالب

أبوه مناد و الوصيّ مضارب فقل في مناد صيّت و مضارب

و جئتم مع الأولاد تبغون إرثه فأبعد محجوب بحاجب حاجب

و قلتم نهضنا ثائرين شعارنا

و معنى البيت الأخير أنّكم غلبتم على بني اميّة بادعائكم أخذ ثار أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لو كنتم ادعيّتم أنّكم تطلبون ثار عمّكم إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس-الّذي أمر بخنقه مروان بن محمّد المرواني-لما أعانكم أحد.

و نحن الألى لا يسرح الذّم بيننا و لا تدّرى أعراضنا بالمعاتب

إذا ما انتدوا كانوا شموس نديّهم و إن ركبوا كانوا بدور الرّكائب

و إن عبسوا يوم الوغى ضحك الرّدى و إن ضحكوا بكّوا عيون النّوائب

و ما للغواني و الوغي فتعوّذوا بقرع المثاني من قراع الكتائب

و يوم حنين قلت حزنا فخاره و لو كان يدري عده في المثالب

أبوه مناد و الوصيّ مضارب فقل في مناد صيّت و مضارب

و جئتم مع الأولاد تبغون إرثه فأبعد محجوب بحاجب حاجب

و قلتم نهضنا ثائرين شعارنا

و معنى البيت الأخير أنّكم غلبتم على بني اميّة بادعائكم أخذ ثار أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لو كنتم ادعيّتم أنّكم تطلبون ثار عمّكم إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس-الّذي أمر بخنقه مروان بن محمّد المرواني-لما أعانكم أحد.

هذا،و أمّا خبر أنّ[الأئمّة من قريش]بلفظ العام فأصله أيضا متواتر، كتخصيصه بذاك البطن من هاشم،و لمّا ادّعت الأنصار الأمر يوم السّقيفة، قال عمرو بن العاص دفعا لهم:إن كان سمعوا قول النّبيّ:«الأئمّة من قريش» ثم ادّعوها لقد هلكوا و أهلكوا،و إن كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين.

و قال النّعمان بن عجلان الأنصاري دفاعا عن الأنصار:إن كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:«الأئمّة من قريش»فقد قال:«لو سلك النّاس شعبا و سلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار»،و اللّه ما أخرجناكم من الأمر إذ قلنا:

منّا أمير و منكم أمير.

و مع تواتر الخبر به قال عمر-بعد أن طعن في معاذ بن جبل الأنصاري-:لو كان معاذ حيّا لاستخلفته.و قال في سالم مولى أبي حذيفة:لو كان سالم حيّا لاستخلفته.

قال صاحب(الاستيعاب)في عنوان سالم-بعد النّقل عن عمر قوله:لو كان سالم حيّا ما جعلتها شورى-:و هذا عندي على أنّ عمر كان يصدر في الخلافة عن رأيه (1)

الاستيعاب لابن عبد البر 2:71 و [1]الرواية مشهورة.

.

قلت:ردّه قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ما مرّ ليس بمستنكر بعد قوله في

ص:


1) 1)

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا قال:«ايتوني بدواة و كتف أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي»:

دعوا الرّجل إنّه ليهجر (1)

صحيح البخاري 1:32،و 4:7،271 و غيره،مرّ تخريجه في أواخر العنوان 3 من هذا الفصل.

.

ثمّ كما تواتر أصله كذلك تواتر عنه صلّى اللّه عليه و آله تعيينه لأئمّة قريش في اثني عشر فروى مسلم في(صحيحه)عن جابر بن سمرة قال:دخلت مع أبي على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فسمعته يقول:إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة،ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ،فقلت لأبي:ما قال؟قال:كلّهم من قريش (2).

و روى أيضا مسندا:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال عشية جمعة رجم الأسلمي:لا يزال الدّين قائما حتّى تقوم السّاعة أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش (3).

و روى أبو داود و البزّار عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:لا يزال أمر امّتي قائما حتّى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.-و زاد الأوّل-فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش،فقالوا:ثمّ يكون ما ذا؟قال:ثمّ يكون الهرج (4).

و رواه أحمد بن الحسن القطّان-شيخ من أصحاب حديثهم-بأربعة عشر طريقا،و عبد اللّه بن محمّد الصّائغ منهم بطريقين.

و نقل طرقهما محمّد بن بابويه في(خصاله) (5)،و روى أيضا أحمد بن حنبل في(مسنده)أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:بعدي اثنا عشر خليفة عدد نقباء بني


1) 1)

2) 2) صحيح مسلم 3:1452،1453 ح 5،6،9.

3) 3) صحيح مسلم 3:1453 ح 10.

4) 4) سنن أبي داود 4:106 ح 4279-4281،و [1]مسند البزّار عنه تاريخ الخلفاء للسيوطي:10 و [2]النقل بتصرف.

5) 5) أخرجه الصدوق عن طريق أحمد بن الحسن بأربعة عشر طريقا في الخصال:469-472 ح 12،25 و عن طريق عبد اللّه بن محمّد بطريقين في الخصال:475 ح 36،37.

إسرائيل-و زاد في خبر-و حواري عيسى عليه السّلام (1)

مسند أحمد 1:398،406،و النقل بتصرف و لم يوجد في الروايتين زيادة.

.

و لا تنطبق تلك الأخبار إلاّ على مذهب الإماميّة القائلين بالأئمّة الاثني عشر،و أمّا أهل السّنّة فإن اقتصروا على الأربعة،يقعوا في الكسر،و إن تعدّوا إلى جميع من تصدى للأمر،يقعوا في الكثرة،و إن انتخبوا كما فعل القاضي عياض و ابن حجر،خالفوا العقل و النّقل الكتاب و السّنّة و البرهان و العيان.

قال السّيوطي في(تاريخ خلفائه):قال ابن حجر في(شرح البخاري):

«كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث و أرجحه-أي حديث كون الأئمّة اثنى عشر من قريش-لتأييده بقول في بعض طرق الحديث الصّحيحة:

«كلّهم يجتمع عليه النّاس»و إيضاح ذلك أنّ المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، و الّذي وقع أنّ النّاس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ،إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين،فتسمّى معاوية يومئذ بالخلافة،ثم اجتمع النّاس على معاوية عند صلح الحسن،ثمّ اجتمعوا على ولده يزيد،و لم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك،ثمّ لمّا مات يزيد وقع الاختلاف،إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزّبير،ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام،و تخلّل بين سليمان و يزيد عمر بن عبد العزيز،فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الرّاشدين،و الثّاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك،اجتمع النّاس عليه لمّا مات عمّه هشام،فولّي نحو أربع سنين،ثمّ قاموا عليه فقتلوه و انتشرت الفتن و تغيّرت الأحوال من يومئذ،و لم يتفّق أن يجتمع النّاس على خليفة بعد ذلك،لأنّ يزيد بن الوليد الّذي قام على ابن عمّه الوليد بن يزيد لم تطل مدّته،بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمّد بن مروان.


1) 1)

و لمّا مات يزيد ولّى أخوه إبراهيم فقتله مروان،ثمّ ثار على مروان بنو العبّاس إلى أن قتل،ثمّ كان أوّل خلفاء بني العبّاس السفّاح،و لم تطل مدّته مع كثرة من ثار عليه،ثمّ ولّى أخوه المنصور فطالت مدّته،لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيّين على الأندلس،و استمرّت في أيديهم متغلّبين عليها،إلى أن تسمّوا بالخلافة بعد ذلك،و انفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلاّ الاسم في البلاد،بعد أن كان في أيّام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض،شرقا و غربا و يمينا و شمالا ممّا غلب عليه المسلمون،و لا يتولّى أحد في بلد من البلاد كلّها الإمارة على شيء منها إلاّ بأمر الخليفة،و من انفراط الأمر أنّه كان في المائة الخامسة بالأندلس و حدها ستّة أنفس كلّهم يتسمّى بالخلافة،و منهم صاحب مصر العبيدي و العبّاسي ببغداد،خارجا عمّن كان يدّعي الخلافة في أقطار الأرض من العلويّة و الخوارج (1)

تاريخ الخلفاء للسيوطي:11-12، [1]مرّ نقله أيضا في العنوان 1 من هذا الفصل.

.

قلت:فيه أوّلا:إنّه على ما أسّسه يكون أمير المؤمنين عليه السّلام أيضا خارجا، لأنّه لم يجتمع عليه النّاس،فلم يبايعه سعد أحد عشرتهم و أحد ستّة شوراهم، و لم يبايعه ابن عمر ابن فاروقهم و النّاظر على شوراهم،و محمّد بن مسلمة أحد أجلّة الصّحابة عندهم،و ادّعى طلحة و الزّبير أنّهما بايعاه جبرا فخرجا عليه،و لم يبايعه جلّ قريش بل كلّهم،و إنّما بايعه نفر منهم كانوا في عداد بني هاشم،كمحمّد بن أبي بكر التيميّ ربيبه عليه السّلام و جعدة بن هبيرة المخزومي ابن أخته،و لم يبايعه معاوية و أهل الشّام،و كانوا قريبا من نصف المسلمين.

و ثانيا:كيف يكون مثل معاوية خليفة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟و قد قاتل أمير


1) 1)

المؤمنين عليه السّلام الّذي بمنزلة نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنصّ القرآن (1)

النظر إلى قوله تعالى: «أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» آل عمران:61 [1] كما روى في شأن نزوله.

و حربه حرب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنصّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المتواتر عنه (2)و أمر اللّعين بسبّه عليه السّلام،و سنّه و كانت باقية مدّة بقاء الشّجرة الملعونة في القرآن،و قتل سيّد شباب أهل الجنّة الحسن بن عليّ عليهما السّلام و قتل آلافا من عباد اللّه الصالحين،كحجر بن عدي،و عمرو بن الحمق،و نظرائهما،و قد لعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في غير موطن، و أظهر كفره للمغيرة،و تأسّف على عدم قدرته على محو اسم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و مثل ابنه يزيد الّذي ينكت بقضيبه على ثنايا سيّد شباب أهل الجنّة،و يقول:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل

و سبى بنات النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و فعل ما فعل بأهل المدينة،و بمسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بالكعبة؟و مثل الوليد بن يزيد؟الّذي رمى القرآن بالنّشاب لمّا استفتحه و جاء «وَ خابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ» (3)و قال:

أ توعدنى بجبّار عنيد فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا رب مزّقني الوليد

و مثل عبد الملك و بنيه الّذين شوّهت شنائعهم وجوه صفحات التّاريخ؟ و مثل عثمان الّذي أحدث أحداثا ألجأ الصّحابة من المهاجرين-و في رأسهم عمّار المجمع على جلاله،و الأنصار و صلحاء التّابعين-على قتله؟كما أنّ الوليد الّذي جعله خاتمة الإثني عشر فعل من الأفعال الشّنيعة حتّى و طىء محارمه،بل إخوته،ما ألجأ بني أميّة أنفسهم مع عتوهم إلى قتله.

و لهذه المفاسد التجأ بعضهم إلى انتخاب العدول من الخلفاء،و إن لم


1) 1)

2) 2) هذا المعنى جاء ضمن أحاديث أخرجه الخوارزمي في مناقبه:75،و الخزاز في كفاية الأثر:157 عن عليّ عليه السّلام و في الباب من ابن عباس و جابر و أخرج جمع كثير حديث«انا حرب لمن حاربتم».

3) 3) إبراهيم:15. [2]

يكونوا على الولاء،قال فصيح الدين البياضي منهم:قد أشكل مضمون الحديث الصّحيح الّذي رواه مسلم،و هو قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.و في رواية:لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش.

قال في(شرح المشارق):يريد بهذا الأمر الخلافة،و أمّا العدد،فقيل:

ينبغي أن يحمل على العادلين منهم،فإنّهم إذا كانوا على منهاج الرّسول و طريقته يكونون خلفاءه،و إلاّ فلا،و لا يلزم أن يكونوا على الولاء (1)

لم اظفر بمرجع نقله،لكن هذا المعنى جاء في كلام كثير من شارحي الحديث مثل،النوري و غيره.

.

هذا ما قالوه و لكن لا مقنع فيه،و هو أيضا تأويل باطل لتنافيه مع قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش» (2)، و لذا اعترف الفصيح بأنّه لا مقنع فيه.

و ثالثا:إنّه لم اقتصر ممّا في الأخبار على خبر«كلّهم يجتمع النّاس عليه»،مع أنّ في(صحيح أبي داود)عنه صلّى اللّه عليه و آله:«لا يزال الدّين ظاهرا حتّى تقوم السّاعة،و يكون عليهم إثنا عشر خليفة،كلّهم من قريش» (3).

و في(صحيح مسلم)«لا يزال الدّين قائما حتّى تقوم السّاعة،أو يكون عليكم اثني عشر خليفة كلّهم من قريش» (4).و في(إبانة ابن بطة العكبري)قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:لا يزال هذا الدّين قائما إلى اثني عشر أميرا من قريش فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها» (5).


1) 1)

2) 2) هذا حديث جابر بن سمرة أخرجه جمع كثير،منهم البخاري في صحيحه 4:248،و الترمذي في سننه 4:501 ح 2223،مرّ بعض طرقه آنفا.

3) 3) أخرجه أبو داود في سننه 4:106 ح 4279-4281،و [1]النقل بتصرف.

4) 4) أخرجه مسلم في صحيحه 3:1453 ح 10.

5) 5) أخرجه ابن بطة في الإبانة عنه مناقب ابن شهر آشوب 1:290. [2]

و بقتل الوليد الّذي جعله خاتمة الاثني عشر لم تقم القيامة،و لم تسخ الأرض بأهلها،فهل تنطبق هذا الأخبار الّتي من صحاحهم عند من لم يكن مكابرا إلاّ على الأئمّة الاثني عشر،الّذين أوّلهم أمير المؤمنين عليه السّلام و آخرهم المهدي الّذي تواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الخاصّة و العامّة أنّه الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا (1)

المشهور في ذلك حديث ابن مسعود أخرجه جمع كثير،منهم أبو داود في سننه 4:106 ح 4282،و [1]ابن ماجه في سننه 2:1366 ح 4082،و الطبري بأربع طرق في دلائل الإمامة:235،225 و [2]الطوسي في الغيبة:112،و الكنجي في البيان:93،106 و في الباب عن عليّ عليه السّلام و ابن سعيد و حذيفة و جابر و [3]أبي هريرة و عبد الرحمن و ابن عباس و قرة المزني و ابن عمرو و ابن امامة و تميم الداري و العباس و ثوبان و الحسن عليه السّلام و ام سلمة و عوف بن مالك و حامل الصدفي.

و بعده تقوم السّاعة؟ و بالجملة،إنّ أمير المؤمنين و الحسن و الحسين عليهم السّلام دلّ على مقامهم -غير نصوص النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و تصريحاته فيهم المتواترة-آيات الكتاب:

آية المباهلة (2)،و آية التّطهير (3)،و آية القربى (4)،و التّسعة الباقية إلى المهدي عليه السّلام دلّ على مقامهم السّنّة المقطوعة من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«إنّي تارك فيكم الثّقلين:كتاب اللّه و عترتي،و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (5).

و قوله صلّى اللّه عليه و آله:«مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا،و من تخلّف عنها غرق» (6).إلى غير ذلك ممّا فيهم عليهما السّلام عموما،و في المهدي خصوصا «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (7)، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ»


1) 1)

2) 2) آل عمران:61.

3) 3) الأحزاب:33.

4) 4) الشورى:23.

5) 5) هذا حديث الثقلين [4]مرّ تخريجه في شرح فقرة«اليهم يفيء الغالي»في العنوان 4 من هذا الفصل.

6) 6) هذا حديث السفينة [5]مرّ تخريجه في أوائل العنوان 5 من هذا الفصل.

7) 7) الكهف:29. [6]

«حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (1)

الأنفال:42. [1]

.

و أيضا العلّة الّتي دلّت على الاحتياج بالأنبياء-خلافا لقول البراهمة (2)- تدلّ على الاحتياج بأئمّة بعد خاتم النّبيّين،بأئمّة يكونون مثله في العلم و العصمة،و ليس ذلك إلاّ ما قالت به الإمامية.

9

من الخطبة(145)

وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ- حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ- وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ- وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ- فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ- فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ- وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ- لاَ يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ أقول:رواه الكليني في( روضته الكليني-الكافي-ج 8 ص 386 ح 586 )إلى قوله«نبذه»،و زاد بعده:«و لن تتلوا الكتاب حقّ تلاوته حتّى تعرفوا الّذي حرّفه،و لن تعرفوا الضّلالة حتّى تعرفوا الهدى،و لن تعرفوا التّقوى حتّى تعرفوا الّذي تعدّي،فإذا عرفتم ذلك،عرفتم البدع و التكلّف،و رأيتهم الفرية على اللّه و على رسوله،و التّحريف لكتابه، و رأيتم كيف هدى اللّه من هدى،فلا يجهلنّكم الّذين لا يعلمون،إنّ علم القرآن ليس يعلم ما هو إلاّ من ذاق طعمه،فعلّم بالعلم جهله،و بصّر به عماه،و سمّع به صممه،و أدرك به ما قد فات،و حيي به بعد إذ مات،و أثبت عند اللّه عزّ ذكره الحسنات و محابه السيّئات،و أدرك به رضوانا من اللّه تبارك و تعالى فاطلبوا


1) 1)

2) 2) مرّ نقل قول البراهمة و نقضه في عنوان[1]من الفصل الخامس.

ذلك من عند أهله و خاصّته،فإنّهم خاصّة نور يستضاء به،و أئمّة يقتدى بهم، و هم عيش العلم».إلى آخر ما في المتن.

و زاد بعده:«فهم من شأنهم شهداء بالحقّ،و مخبر صادق لا يخالفون الحق و لا يختلفون فيه،قد خلت لهم من اللّه سابقة،و مضى فيهم من اللّه عزّ و جلّ حكم صادق و في ذلك ذكرى للذّاكرين،فاعقلوا الحقّ إذا سمعتموه عقل رعاية،و لا تعقلوه عقل رواية،فإنّ رواة الكتاب كثير،و رعاته قليل و اللّه المستعان » (1)

الكافي للكليني 8:386 ح 586. [1]

.

«و اعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذي تركه-إلى-حتّى تعرفوا الّذي نبذه» قال ابن أبي الحديد و تبعه الخوئي:هذا الكلام كلّه تنبيه على وجوب البراءة من أهل الضّلال... (2).

قلت:إنّ وجوب متابعة الرّشد و الهدى،و لزوم مجانبة الضّلالة و الرّدى أمر عقلي لا يحتاج إلى التّنبيه عليه و لا الإشارة إليه،بل ذكره سمج ركيك، نظير أن يقال:الحسن حسن،و القبيح قبيح.لكونه توضيحا للواضح،و كلّ عاقل يريد الهداية إلى سلوك الطّريق،و يكره الضّلال عن المقصد،إلاّ أنّ المهمّ تشخيصهما،و كلّ يدّعي الهداية،و يأنف أن يقال له:أنت على الغواية،و لذا قال تعالى على لسان رسوله للكفّار: «وَ إِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (3).و الضالّ المضلّ يرى نفسه مهتديا هاديا،قال تعالى حكاية عن فرعون إنّه قال لقومه: «ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ» (4).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:409،و [2]شرح الخوئي 4:139.

3) 3) سبأ غافر:24. [3]

4) 4) :29.

و إنما غرضه عليه السّلام بالفقرات الثّلاث أنّ المتقدّمين عليه كانوا تاركي الرّشد و ناقضي الميثاق،و نابذي الكتاب،و حيث لم يعرفوهم بذلك لم يعرفوا الرّشد،و لم يأخذوا بالميثاق،و لم يمسكوا به،و ما داموا كذلك لا ينتظر منهم عرفان الرّشد،و الأخذ بالميثاق و التّمسّك بالكتاب .

«فالتمسوا ذلك من عند أهله» ذلك:إشارة إلى حصر ما هو علم القرآن في من ذاق طعمه،مع ما عطف عليه في خبر الكليني الّذي اسقطه المصنّف، و المراد:أنّهم عليهم السّلام أهل خبرة هذه الامور بما ذكر لهم بعد من كونهم «عيش العلم» إلى آخر الكلام .

«فإنّهم عيش العلم و موت الجهل» قال ابن قتيبة في(عيونه):إنّ هشام بن عبد الملك قال لزيد بن عليّ بن الحسين:ما فعل أخوك البقرة؟فقال له:سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باقرا،و أنت تسميّه بقرة لقد اختلفتما إذن (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 1:212. [1]

.

و قال الجاحظ في(بيانه):جمع محمّد بن عليّ بن الحسين(الباقر عليه السّلام) صلاح شأن الدّنيا بحذافيرها في كلمتين،فقال:«إصلاح شأن جميع التعايش و التّعاشر ملء مكيال،ثلثاه فطنة و ثلثه تغافل » (2).

«يخبركم حكمهم عن علمهم» روى محمّد بن يعقوب عن خلف بن حمّاد:أنّ رجلا منهم تزوّج جارية لم تطمث،فلمّا افتضها سال الدّم لا ينقطع نحوا من عشرة،فأروها القوابل،فقال بعض:هذا من دم الحيض.و قال بعض:من دم العذرة.فسألوا أبا حنيفة و غيره،فقالوا:هذا شيء قد اشكل و الصّلاة فريضة واجبة،فلتتوضأ و لتصلّ،و ليمسك عنها زوجها حتّى ترى البياض،فإن كان دم الحيض لم تضرّها الصّلاة،و إن كان دم العذرة قد أدّت الفريضة-إلى أن


1) 1)

2) 2) البيان و التبيين للجاحظ 1:107. [2]

قال-:قال له موسى بن جعفر عليه السّلام:تستدخل القطنة،ثمّ تدعها مليّا ثمّ تخرجها إخراجا رفيقا،فان كان الدّم مطوّقا في القطنة فهو من العذرة،و إن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض.قال خلف:فاستخفّني الفرح فبكيت، و قلت:جعلت فداك من يحسن هذا غيرك؟فرفع يده إلى السّماء،و قال:إنّي و اللّه ما اخبرك إلاّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن جبرئيل عليه السّلام عن اللّه عزّ و جلّ (1)

الكافي للكليني 3:92 ح 1. [1]

.

«و صمتهم عن منطقهم» أتى قوم الباقر عليه السّلام،فوافقوا صبيّا له مريضا فرأوا منه اهتماما و غما،و جعل لا يقرّ،فقالوا:و اللّه لئن أصابه شيء إنّا لنتخوّف أن نرى منه ما نكره،فما لبثوا أن سمعوا الصّياح عليه،فإذا هو قد خرج عليهم منبسط الوجه في غير الحالة الّتي كان عليها،فقالوا له:جعلنا اللّه فداك لقد كنّا نخاف ممّا نرى منك أن لو وقع أن نرى منك ما يغمّنا.فقال عليه السّلام لهم:إنّا لنحبّ أن نعافى في من نحبّ،فإذا جاء أمر اللّه سلّمنا في ما أحبّ (2).

و نظيره ورد من الصّادق في موت إسماعيل (3).

«و ظاهرهم عن باطنهم» ،و حيث إنّهم عليهم السّلام لم يكونوا متصنّعين،و لا مستعملين للسّياسة الدّنيويّة يفهم كلّ عاقل أنّ باطنهم موافق لظاهرهم،و قد أخبر عزّ و جلّ عن بواطنهم في قوله جلّ ثناؤه «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً » (4).

«لا يخالفون الدّين» فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المتواتر عنه فيهم عليهم السّلام:إنّهم لن


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 3:226 ح 14. [2]

3) 3) أخرجه الصدوق في كمال الدين:657 ح 2،و يأتي متن الحديث في العنوان 22 من هذا الفصل.

4) 4) الإنسان:8-10. [3]

يفترقوا عن كتابه تعالى حتّى يردا عليه الحوض (1)

النظر إلى حديث الثقلين الّذي مرّ تخريجه في شرح فقرة«إليهم يفيء الغالي»في العنوان 4 من هذا الفصل.

.

و قال في أمير المؤمنين عليه السّلام في المتواتر أيضا:إنّه مع الحقّ،و الحقّ معه يدور حيثما دار (2).

«و لا يختلفون فيه» ،حيث إنّهم عليهم السّلام يقولون ما يقولون عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن جبرئيل عليه السّلام عن اللّه عزّ و جلّ،فكيف يحصل بينهم اختلاف؟و إنّما يحصل الإختلاف بين الّذين يقولون بآرائهم،و لقد أجاد من قال:

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا و تعلم أنّ النّاس في نقل أخبار

فدع عنك قول الشّافعيّ و أحمد و مالك و المروي عن كعب أحبار

و وال اناسا قولهم و حديثهم روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

و أمّا اختلاف الأخبار المرويّة عنهم-حتّى صنّف محمّد بن الحسن الطّوسي فيها كتابا سمّاه الاستبصار في ما اختلف من الأخبار (3)-فمن قبل الرّواة أو لصدورها تقيّة،أو للافتراء عليهم عليهم السّلام و نحوها .

«فهو بينهم شاهد صادق،و صامت ناطق» ،ظاهر السّياق رجوع الضمير في الكلام إلى الدّين،و يمكن رجوعه إلى القرآن لاتّحادهما في الخارج،قال السّروي:إنّهم عليهم السّلام خصّوا بالعلوم،لأنّهم لم يدخلوا مكتبا و لا تعلّموا من معلّم،و لا تلمّذوا لفقيه و لا تلقّنوا من راو،و قد ظهرت في فرق العالمين منهم العلوم،و لم يعرف إلاّ منهم لأنّهم أخذوا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و كذلك كان حال جدّهم عليه و عليهم السّلام-حين علم منشأه بين قريش-لم يدخل مكتبا و لا


1) 1)

2) 2) أخرج هذا المعنى الترمذي في سننه 5:633 ح 3714،و غيره في ذيل حديث مرّ تخريجه في أواخر العنوان 5 من هذا الفصل.

3) 3) هو رابع الكتب الأربعة في حديث الإمامية،طبع لمرّات عديدة،و طبعته بطهران بتحقيق حسن الموسوي الفرسان في دار الكتب الإسلامية في أربع مجلدات.

قرأ على معلّم،و لا استفاد من حبر،و أتى النّاس بالقرآن العظيم بما فيه من أسرار الأنبياء و أخبار المتقدّمين،فعلم العقلاء أنّ ذلك من عند اللّه تعالى، و ليس من تلقاء نفسه،فأولاده قوم بنور الخلافة يشرقون،و بلسان النّبوّة ينطقون،و قد جمعوا ما رووا عنهم،و سمّوا ذلك بالاصول،سبعمائة أصل و يزيد على ذلك و يتضمّن علوم الدّين،و الآداب و الحكم و المواعظ و غير ذلك -إلى أن قال-فإذا ثبت علوم هؤلاء الّتي لم يأخذوها عن رجال العامّة،و لا رئي أحد منهم يختلف إلى متقدّم من أهل العلم،و أنّ كثيرا من فتاويهم يخالف ما عليه العامّة،و لم يدّع مدّع قطّ أنّهم اختلفوا إلى أحد من مخالفيهم ليتعلّموا منه، و الموافق لهم معلوم حاجته إليهم،دلّ ذلك على أنّ اللّه تعالى أفردهم ليكشف عن استحقاقهم الإمامة،و أنّهم أحقّ بالتّقدّم لحاجة النّاس إليهم،و غنائهم عنهم،و جروا في ذلك مجرى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله حين أغناه اللّه بما علموا عنه من أخبار سوالف الامم... (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:254. [1]

قال الصّوري:

آل النّبيّ هم النّبيّ و إنّما بالوحي فرّق بينهم فتفرّقوا

أبت الإمامة أن تليق بغيرهم إنّ الرّسالة بالإمامة أليق

10

من الخطبة(237)

و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله:

هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ- وَ صَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ- لاَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- هُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلاَمِ وَ وَلاَئِجُ الاِعْتِصَامِ- بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ فِي نِصَابِهِ وَ انْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ- عَقَلُوا


1) 1)

الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَ رِعَايَةٍ- لاَ عَقْلَ سَمَاعٍ وَ رِوَايَةٍ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ من الحكمة(98) و قال عليه السّلام:

اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لاَ عَقْلَ رِوَايَةٍ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ أقول:الأصل في الأوّل،و في سابقه واحد كما لا يخفى،إلاّ أنّ المصنّف ذهل لكثرة الفصل بينهما في النّقل إلاّ أن قوله: «هم دعائم الإسلام-إلى- و انقطع لسانه عن منبته» رواية أخرى و كلام زائد،و كذلك الثّاني جزء السّابق على ما مرّ ثمة من رواية(الرّوضة ).

«هم عيش العلم» قال تعالى في شأنهم: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» (1)

العنكبوت:49. [1]

.

قال الباقر عليه السّلام:ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره و باطنه غير الأوصياء (2).

و قال عليه السّلام:ما ينقم النّاس منّا؟فو اللّه إنّا لشجرة النّبوّة،و موضع الرّسالة،و مختلف الملائكة،و بيت الرّحمة،و معدن العلم (3).

و قال الصّادق عليه السّلام:في دارنا مهبط جبرائيل،و نحن خزّان علم اللّه تعالى (4).


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:228 ح 2،و [2]البصائر للصفار:213 ح 1،4 [3] بطريقين.

3) 3) البصائر للصفار:77 ح 5 [4] عن الباقر عليه السّلام و أخرجه هو في المصدر:76،78 ح 2،9،و [5]الكافي للكليني 1:221 ح 1 [6]عن السجاد عليه السّلام.

4) 4) أخرجه الصدوق في أماليه:252 ح 15 المجلس 50 [7] ضمن حديث.

«و موت الجهل» قال الباقر عليه السّلام لسلمة بن كهيل،و الحكم بن عتيبة:شرّقا و غرّبا فلا تجدان علما صحيحا إلاّ شيئا خرج من عندنا أهل البيت (1)

الكافي للكليني 1:399 ح 3،و [1]البصائر للصفار:30 ح 4،و [2]الكشي في معرفة الرجال اختياره:209 ح 369.

.

و في الخبر:أنّ الحسين عليه السّلام قال في الثّعلبية لكوفي:لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل عليه السّلام من دارنا،و نزوله بالوحي على جدّي.يا أخا أهل الكوفة،أ فمستقى النّاس للعلم من عندنا فعلموا و جهلنا؟هذا ما لا يكون (2).

و دخل عبّاد بن كثير عابد البصرة،و ابن شريح فقيه مكّة،على الصّادق عليه السّلام،و عنده ميمون القدّاح مولى أبيه،فسأله عبّاد عن مسألة فأجابه، فازورّ،فقال عليه السّلام له:«إنّ نخلة مريم عليها السّلام كانت عجوة،و نزلت من السّماء فما نبت من أصلها كان عجوة،و ما كان من لقاط فهو لون»فخرجا مع ميمون فقال عبّاد لابن شريح:ما المثل الّذي ضربه لي؟قال له:سل هذا الغلام-يعني ميمونا-فإنّه منهم.فقال له ميمون:ضرب لك مثل نفسه،فأخبرك أنّه من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و علمه عندهم،فما جاء من عندهم فهو صواب،و ما جاء من عند غيرهم فهو لقاط (3).

«يخبركم حلمهم عن علمهم» في(ذيل الطّبري):كان هشام بن إسماعيل يؤذي عليّ بن الحسين عليهما السّلام و أهل بيته،يخطب بذلك على المنبر و ينال من عليّ عليه السّلام،فلمّا ولّي الوليد بن عبد الملك عزله و أمر به أن يوقف للنّاس و كان يقول:لا و اللّه ما كان أحد من النّاس أهمّ إليّ من عليّ بن الحسين،كنت أقول:

رجل صالح يسمع قوله،فوقف للنّاس،فجمع علي بن الحسين عليهما السّلام ولده و خاصّته و نهاههم عن التعرّض له،و غدا عليّ بن الحسين عليه السّلام مارّا لحاجة،


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:398 ح 2،و [3]الصفار في البصائر:31 ح 1 [4] ضمن حديث.

3) 3) الكافي للكليني 1:400 ح 6. [5]

فما عرض له فناداه هشام بن إسماعيل: «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (1)

أخرجه الطبري في ذيل المذيل منتخبه:120،و الآية 124 من سورة الأنعام. [1]

.

و في(مقاتل أبي الفرج):أنّ رجلا من آل عمر كان يشتمّ عليّا عليه السّلام إذا رأى موسى بن جعفر و يؤذيه إذا لقيه،فقال له بعض مواليه:دعنا نقتله.فقال:

لا.ثمّ مضى راكبا حتّى قصده في مزرعة له فتوطأ بحماره،فصاح:لا تدس زرعنا.فلم يصغ إليه،و أقبل حتّى نزل عنده و جعل يضاحكه،و قال له:كم غرمت على زرعك هذا؟قال:مائة دينار.قال:فكم ترجو أن تربح؟قال:لا أدري.قال:سألتك كم ترجو؟قال:مائة اخرى.فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له،فقام فقبّل رأسه،فلمّا كان موسى بعد ذلك يدخل المسجد وثب العمري فسلّم عليه و جعل يقول: «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (2)فوثب أصحابه عليه و قالوا:ما هذا؟فشاتمهم (3).و للحسن عليه السّلام نظير ذلك مع شامي (4).

«و صمتهم عن حكم منطقهم» في خبر(الصّحيفة):قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:يا متوكّل كيف قال لك يحيى بن زيد:إنّ عمّي محمّد بن عليّ و ابنه جعفرا دعيا النّاس إلى الحياة،و نحن دعوناهم إلى الموت؟قلت:نعم أصلحك اللّه،قال ذلك.

فقال:رحم اللّه يحيى،إن أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه السّلام أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أخذته نعسة و هو على منبره،فرأى في منامه رجالا ينزون على منبره نزو القردة،يردّون النّاس على أعقابهم القهقرى،فاستوى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله جالسا و الحزن يعرف في وجهه،فأتاه جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما»


1) 1)

2) 2) الأنعام:124. [2]

3) 3) المقاتل لأبي الفرج:332.

4) 4) الكامل للمبرد 4:105 و المناقب لابن شهر آشوب 4:19. [3]

«يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً» (1)

الإسراء:60. [1]

يعني بني أميّة.

قال:يا جبرئيل أعلى عهدي يكونون؟قال:لا،و لكن يدور رحى الإسلام من مهاجرك،فتلبث بذلك عشرا،ثمّ يدور رحى الإسلام على رأس خمسة و ثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا،ثمّ لا بدّ من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها،ثمّ ملك الفراعنة،و أنزل تعالى في ذلك: «إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (2)أي:يملكها بنو أميّة ليس فيها ليلة القدر.فأطلع اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله أنّ بني اميّة يملكون سلطان هذه الامّة و ملكها طول هذه المدّة،فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن اللّه بزوال ملكهم،و هم في ذلك يستشعرون عداوتنا-إلى أن قال-:قال عليه السّلام:ما خرج و لا يخرج منّا أهل البيت إلى قيام قائمنا عليه السّلام أحد ليدفع ظلما أو ينعش حقّا إلاّ اصطلمته البليّة،و كان قيامه زيادة في مكروهنا و مكروه شيعتنا... (3).

و قال أبو زبيد الطّائي:

صمت عظام الحلوم أن سكتوا من غير عيّ بهم و لا خرس

«لا يخالفون الحقّ» لعصمتهم من اللّه تعالى فلا يتّبعون أهواءهم.

«و لا يختلفون فيه» لانكشاف الحقّ عندهم،و الحقّ واحد،قال الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» (4):يعني بمن رحم آل محمّد و أتباعهم،فإنّهم لا يختلفون في الدّين (5).

و قال الصّادق عليه السّلام:حديثي حديث أبي،و حديث أبي حديث جدّي،


1) 1)

2) 2) القدر:1-3. [2]

3) 3) الصحيفة السجادية:14، [3]المقدمة.

4) 4) هود:118-119. [4]

5) 5) تفسير القمي 1:338،و [5]أخرج معناه الكليني في الكافي 1:429 ح 83 و [6]النقل بتصرف.

و حديث جدّي حديث الحسين،و حديث الحسين حديث الحسن،و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السّلام،و حديث أمير المؤمنين عليه السّلام حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قول اللّه تعالى (1)

الكافي للكليني 1:53 ح 14. [1]

.

و قالوا عليهم السّلام:يجوز أن يسند ما قاله أحدنا إلى جميعنا،و ما قاله آخرنا إلى أوّلنا (2).

و قلنا:في ما مرّ وجه اختلاف كتب حديث شيعتهم.و نزيد هنا أنّ العمدة فيه أمران:

أحدهما دسّ الكذابين موضوعاتهم في أخبارهم،كان المغيرة بن سعيد يدسّ في أحاديث الباقر عليه السّلام،و أبو الخطّاب في أحاديث الصّادق عليه السّلام.

قيل ليونس بن عبد الرّحمن:ما أشدّك في الحديث و أكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا،فما الّذي يحملك على ردّ الأحاديث؟فقال:حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع الصّادق عليه السّلام يقول:لا تقبلوا علينا حديثا إلاّ ما وافق القرآن و السّنّة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة،فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دسّ في كتب أصحاب أبي عليه السّلام أحاديث لم يحدّث بها أبي،فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى و سنّة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله،فإنّا إذا حدّثنا قلنا:قال اللّه عزّ و جلّ،و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله (3).و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي،فيدفعونها إلى المغيرة،فكان يدسّ فيها الكفر و الزّندقة و يسندها إلى أبي،ثمّ يدفعها إلى أصحابه،فيأمرهم أن يبثّوها


1) 1)

2) 2) هذا المعنى أخرجه المفيد في أماليه:42 ح 10 المجلس 5 عن الباقر عليه السّلام،و الاجازات لابن طاوس عنه البحار 2: 161 ح 16 [2] عن الصادق عليه السّلام.

3) 3) معرفة الرجال للكشي،اختياره:224،225،228،224 ح 401،402،407 على الترتيب.

في الشيعة (1)

معرفة الرجال للكشي،اختياره:224،225،228،224 ح 401،402،407 على الترتيب.

.

و قال عليه السّلام أيضا:كان المغيرة يكذب على أبي.و قال:إنّ أبي حدّثه:أنّ نساء آل محمّد إذا حضن قضين الصّلاة،كذب و اللّه-عليه لعنة اللّه-ما كان من ذلك شيء و لا حدّثه أبي.

و أمّا أبو الخطّاب فكذب عليّ و قال:إنّي أمرته أن لا يصلّي هو و أصحابه المغرب حتّى يروا كوكب كذا-يقال له:القنداني-و اللّه إنّ ذلك لكوكب ما أعرفه (2).

و قال أيضا يونس بن عبد الرّحمن:وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السّلام،و وجدت أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام متوافرين فسمعت منهم و أخذت كتبهم،فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرّضا عليه السّلام،فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد اللّه عليه السّلام،و قال لي:إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد اللّه عليه السّلام لعن اللّه أبا الخطّاب،و كذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام،فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن فإنّا إن تحدّثنا،حدّثنا بموافقة القرآن و موافقة السّنّة،إنّا عن اللّه و رسوله نحدّث و لا نقول:قال فلان و فلان، فيتناقض كلامنا،إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا،و كلام أوّلنا مصدّق لكلام آخرنا،فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك،فردّوه عليه و قولوا:أنت أعلم و ما جئت به،فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة و عليه نور،فما لا حقيقة معه و لا نور عليه فذلك من قول الشّيطان (3).


1) 1)

2) 2) معرفة الرجال للكشي،اختياره:224،225،228،224 ح 401،402،407،401 على الترتيب.

3) 3) المصدر نفسه.

و ثانيهما:أنّهم عليهم السّلام أجابوا في بعض المواضع تقيّة،و لو كانوا لا يتّقون و لا يأمرون شيعتهم بالتّقيّة لما أبقت الأعداء منهم و من شيعتهم أثرا، قال زرارة:سألت أبا جعفر الباقر عليه السّلام عن مسألة فأجابني،ثمّ جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني،ثمّ جاءه رجل آخر(فسأله عنها)، فأجابه بخلاف ما أجابني و أجاب صاحبي،فلمّا خرج الرّجلان،قلت:يابن رسول اللّه رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟فقال:يا زرارة إنّ هذا خير لنا،و أبقى لنا و لكم،و لو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم النّاس علينا،و لكان أقلّ لبقائنا و لبقائكم.قال زرارة:ثمّ قلت لأبي عبد اللّه الصّادق عليه السّلام:شيعتكم لو حملتموهم على الأسنّة أو على النّار لمضوا،و هم يخرجون من عندكم مختلفين،فأجابني بمثل جواب أبيه (1)

الكافي 1:65 ح 5. [1]

.

و بالجملة،اختلاف أحاديثهم عارضي،و إلاّ فأصل أقوالهم واحد،قال ابن الصّبّاغ المالكي في(فصوله):قال بعض أهل العلم:علوم أهل البيت عليهم السّلام لا تتوقّف على التّكرار و الدّرس،و لا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس، لأنّهم المخاطبون في أسرارهم،و المحدّثون في النّفس،و سماء معارفهم بعيدة عن الإدراك و اللّمس،و من أراد سترها كمن أراد ستر وجه الشّمس، و هذا ممّا يجب أن يكون ثابتا مقرّرا في النّفس،فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة،و يقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة،و تناجيهم ثواقب أفكارهم،في أوقات أذكارهم،بما تسنّموا به غارب الشّرف و السّيادة، و حصلوا بصدق توجيهم إلى جناب القدس،فبلغوا به منتهى السّؤال و الإرادة، فهم كما في نفوس أوليائهم و محبيهم و زيادة،فما تزيد معارفهم في زمان


1) 1)

الشّيخوخة على معارفهم في زمن الولادة (1)

الفصول المهمّة لابن الصباغ:173. [1]

.

«هم دعائم الاسلام» و الدّعائم:جمع الدّعامة عماد البيت،و بني الإسلام على خمسة أشدّها ولايتهم عليه السّلام (2).

و قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المتّفق عليه:من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية (3).

«و ولائج» جمع وليجة،و وليجة الرّجل:خاصته و بطانته.

«الاعتصام» أي:التّمسك،فإنّهم عليهم السّلام أحد الثّقلين اللّذين تركهما النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و قال:إن تمسّكتم بهما لن تضّلوا أبدا (4).

«بهم عاد الحقّ في نصابه» قال الجواهري:النّصاب و المنصب:الأصل (5).

ثمّ تقديم الظّرف للحصر،فمفاده:أنّ بغير أهل البيت لا يمكن رجوع الحقّ في محلّه.

«و انزاح» أي:بعد.

«الباطل عن مقامه» و حيث إنّ(و انزاح)عطف على(عاد)يصير المعنى:أنّ بغيرهم لا يمكن اضمحلال الباطل.

«و انقطع لسانه عن منبته» و أصله و هو أيضا مفيد للحصر في أنّ عدم


1) 1)

2) 2) النظر إلى حديث«بني الاسلام على خمس على الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و الولاية و لم يناد بشيء كما نودي بالولاية»أخرجه الكليني بأربع طرق في الكافي 2:18،21 ح 1،3،5،8 و غيره [2]عن الباقر عليه السّلام و للحديث طرق و الفاظ غير ذلك.

3) 3) أخرجه باختلاف في الألفاظ جمع كثير منهم البخاري في صحيحه 4:234 و مسلم بطريقين في صحيحه 3: 1477-1478 ح 55-56،و غيرهما عن ابن عبّاس و أخرجه البرقي في المحاسن:155 ح 82 و غيره [3]عن عليّ عليه السّلام و في الباب عن سلمان و أبي ذر و المقداد و جابر و ابن عمر و أبي هريرة و عامر بن ربيعة و غيرهم.

4) 4) انظر حديث الثقلين الّذي مرّ تخريجه في شرح فقرة«إليهم يفيء الغالي»في العنوان 4 من هذا الفصل.

5) 5) صحاح اللغة للجوهري 1:225 [4] مادة(نصب).

استطاعة الباطل للتّكلّم لا يحصل بغيرهم عليهم السّلام،روى الشّيخ في أواخر (غيبته)عن أبي جعفر عليه السّلام قال:دولتنا آخر الدّول،و لن يبقى أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا،لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا:إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، و هو قول اللّه عزّ و جلّ «وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (1)

الغيبة للطوسي:282،و [1]الآية 83 من سورة القصص. [2]

.

و نظير كلامه عليه السّلام قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«بنا يختم اللّه الدّين كما بنا فتحه» (2).

و حينئذ فيمكن أن يقال:إنّ مراده عليه السّلام بقوله «بهم عاد الحق...و انقطع لسانه عن منبته» ليس أيّام تصدّيه للأمر،لأنّه لم يحصل في قيامه عليه السّلام تلك الامور كاملة،كيف و هو عليه السّلام في أيّامه لم يستطع تغيير بدع الأوّلين،و كان معاوية في قباله ملجأ المنافقين،و لم يطل الوقت حتّى صار الأمر مثل أيّام عثمان،إلى بني اميّة اللاّعبين بالدين،المعتقدين أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان في قيامه لاعبا بالملك بدون وحي و نبوّة،بل أيّام قيام قائمهم عليه السّلام الّتي لا يبقى فيها في الشّرق و الغرب أثر من باطل .

«عقلوا الدّين عقل وعاية و رعاية» روى الحاكم في(مستدركه)،و الكنجي الشّافعي في(مناقبه)مسندا عن بريدة الأسلمي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لعلي عليه السّلام:

إنّ اللّه تعالى أمرني أن أدنيك و لا أقصيك،و أن اعلّمك و أن تعى،و حقّ على اللّه تعالى أن تعى،فنزل قوله تعالى: «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» (3).

و فيهم عليه السّلام نزل قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (4)،و قوله تعالى: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا»


1) 1)

2) 2) أمالي الطوسي 1:20 المجلس 1،و [3]الإمامة و التبصرة لابن بابويه:92 ح 81،كمال الدّين للصدوق:230 ح 31.

3) 3) كفاية الطالب للكنجي:40،و الآية 12 من سورة الحاقة. [4]

4) 4) الأنبياء:7. [5]

«الْعِلْمَ» (1)

العنكبوت:49. [1]

،و قوله تعالى: «وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (2)،و قوله تعالى:

«شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» (3).

«لا عقل سماع و رواية» كباقي النّاس،و لمّا زوج المأمون ابنته من الجواد عليه السّلام قال له عليه السّلام يحيى بن أكثم في مجلس المأمون:يابن رسول اللّه ما تقول في الخبر الّذي روى أنّه نزل جبرئيل على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و قال له:سل أبا بكر،هل هو عنّي راض،فإنّي عنه راض؟ فقال عليه السّلام:يجب أن نأخذه مثال الخبر الّذي قاله النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع:قد كثرت عليّ الكذابة،و ستكثر فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبّوأ مقعده من النّار،فإذا أتاكم الحديث فأعرضوه على كتاب اللّه و سنّتي فما وافق كتاب اللّه و سنّتي،فخذوا به و ما خالف كتاب اللّه و سنّتي فلا تأخذوا به،قال عليه السّلام:

و ليس يوافق هذا الحديث كتاب اللّه تعالى قال جلّ و علا: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (4)،فاللّه تعالى خفي عليه رضاء أبي بكر من سخطه حتّى سأل عن مكنون سرّه؟!هذا مستحيل في العقول.

قال يحيى:و قد روي:أنّ مثل أبي بكر و عمر في الأرض مثل جبرئيل و ميكائيل في السّماء.

فقال عليه السّلام:و هذا يجب أن ينظر فيه،لأنّ جبرئيل و ميكائيل ملكان مقرّبان لم يعصيا اللّه قطّ،و لم يفارقا طاعته لحظة واحدة،و هما قد أشركا باللّه تعالى، و إن أسلما بعد الشّرك،فكان أكثر أيّامهما الشّرك باللّه،فمحال أن يشبها بهما.


1) 1)

2) 2) آل عمران:7. [2]

3) 3) آل عمران:18. [3]

4) 4) ق:16.

قال يحيى:و قد روي أيضا:أنّهما سيّدا كهول أهل الجنّة.

فقال عليه السّلام:و هذا الخبر أيضا محال،لأنّ أهل الجنّة كلّهم يكونون شبّانا، و لا يكون فيهم كهل،و هذا الخبر وضعه بنو أميّة،لمضادّة الخبر الّذي قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الحسن و الحسين:إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة.

قال يحيى:و روى أيضا:أنّ عمر سراج أهل الجنّة.

فقال عليه السّلام:هذا أيضا محال،لأّنّ في الجنّة ملائكة اللّه المقرّبين، و آدم عليه السّلام و محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و جميع الأنبياء و المرسلين،فلا تضيء بأنوارهم حتّى تضيء بنور عمر؟! قال يحيى:و قد روي:أنّ السّكينة تنطق على لسان عمر.

فقال عليه السّلام أبو بكر كان أفضل من عمر،و قال على رأس المنبر:إنّ لي شيطانا يعتريني فإذا ملت فسدّدوني.

قال يحيى:و روي:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:لو لم أبعث لبعث عمر.

فقال عليه السّلام:كتاب اللّه أصدق من هذا الحديث يقول اللّه تعالى: «وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ» (1)

الأحزاب:7. [1]

قد أخذ اللّه ميثاق النبيّين،فكيف يمكن أن يبدّل ميثاقه؟و كذلك الأنبياء لم يشركوا باللّه طرفة عين،فكيف يبعث من أشرك و كان أكثر أيّامه الشّرك باللّه؟! قال يحيى:و قد روي أيضا:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:ما احتبس عنّي الوحي قطّ إلاّ ظننته قد نزل على آل الخطاب.

فقال عليه السّلام:و هذا أيضا محال،لأنّه لا يجوز أن يشكّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في نبوّته، قال تعالى: «اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ النّاسِ» (2).فكيف يمكن أن


1) 1)

2) 2) الحج:75. [2]

ينتقل النّبوّة ممّن اصطفاه اللّه تعالى إلى من أشرك به؟ قال يحيى:و قد روي:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:لو نزل العذاب،لما نجا منه إلاّ عمر بن الخطّاب.

فقال عليه السّلام:و هذا أيضا محال،لأنّ اللّه تعالى يقول: «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (1)

الأنفال:33. [1]

.فأخبر سبحانه:أنّه لا يعذّب أحدا ما دام فيهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ما داموا يستغفرون اللّه (2).

«فإنّ رواة العلم كثير و رعاته قليل» في الخبر:جاء رجل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:يا رسول اللّه ما العلم؟قال صلّى اللّه عليه و آله:الإنصات.قال:ثمّ مه؟قال:الاستماع.

قال:ثمّ مه؟قال:الحفظ.قال:ثمّ مه؟قال:العمل به.قال:ثمّ مه يا رسول اللّه؟ قال نشره (3).

و عن الصّادق عليه السّلام:إنّ رواة الكتاب كثير،و إنّ رعاته قليل،فكم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب،فالعلماء يحزنهم ترك الرّعاية،و الجهّال يجزيهم حفظ الرّواية،فراع يرعى حياته،وراع يرعى هلكته،فعند ذلك اختلف الرّاعيان،و تغاير الفريقان (4).

و عنه عليه السّلام:خبر تدريه خير من ألف ترويه (5).

هذا،و في(مستطرفات السّرائر)كان المفيد-أيّام اشتغاله على أبي عبد اللّه المعروف بالجعل-في مجلس عليّ بن عيسى الرّماني،فسأل الرّمّاني بصريّ عن يوم الغدير و الغار،فقال الرّمّاني:خبر الغار دراية،و خبر الغدير


1) 1)

2) 2) الاحتجاج للطوسي:446. [2]

3) 3) الكافي للكليني 1:48 ح 4. [3]

4) 4) الكافي للكليني 1:49 ح 6،و [4]رواه الصفواني في انس العالم عنه البحار 2:206 ح 98. [5]

5) 5) رواه الصفواني في انس العالم عنه البحار 2:206 ح 96،و [6]معاني الأخبار للصدوق:2 ح 3.

رواية و الرّواية ما توجب ما توجبه الدّراية.ثمّ انصرف البصري،فقال المفيد للرّمّاني:ما تقول في من قاتل الإمام العادل؟قال:كافر.ثمّ استدرك و قال:

فاسق.فقال له:ما تقول في أمير المؤمنين عليّ؟قال:إمام.قال:ما تقول في طلحة و الزّبير و يوم الجمل؟قال:تابا.قال:أمّا خبر الجمل فدراية،و أمّا خبر التّوبة فرواية.فقال له:أو كنت حاضرا حين سألني البصري؟قال:نعم.فدخل الرّمّاني منزله،و أخرج معه ورقة قد ألصقها،و قال:أوصلها إلى شيخك أبي عبد اللّه.فجاء بها إليه فقرأها،و لم يزل يضحك هو و نفسه،و قال:قد أخبرني بما جرى لك في مجلسه و لقبك المفيد (1)

مستطرفات السرائر لابن ادريس:493،و التنبيه للورام 2:302،و النقل بتصرف في اللفظ.

.

و قيل أيضا:بينما القاضي عبد الجبّار-شيخ المعتزلة-ذات يوم في بغداد،و مجلسه مملو من علماء الفريقين،إذ حضر المفيد و جلس في صفّ النّعال،إذ قال للقاضي:إنّ لي سؤالا فإن أجزت بحضور هؤلاء الأئمّة.قال:

سل.قال:ما تقول في الخبر الّذي يرويه طائفة من الشّيعة:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»أهو مسلّم صحيح عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم الغدير؟فقال:نعم خبر صحيح.فقال:ما المراد بلفظ المولى؟قال:هو بمعنى أولى.قال:فما هذا الخلاف و الخصومة بين الشّيعة و السّنّة؟قال:أيّها الأخ هذه رواية،و خلافة أبي بكر دراية،و العاقل لا يعادل الرّواية بالدّراية.فقال:ما تقول في قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام:«حربك حربي و سلمك سلمي»؟قال:الحديث صحيح.فقال:ما تقول في أصحاب الجمل؟فقال:أيّها الأخ إنّهم تابوا.فقال:

أيّها القاضي الحرب دراية،و التّوبة رواية،و أنت قررّت في حديث الغدير أنّ الرّواية لا تعارض الدّراية فبهت القاضي و لم يحر جوابا،و وضع رأسه ساعة ثمّ رفعه و قال:من أنت؟قال:محمّد بن محمّد بن النّعمان الحارثي.فقام


1) 1)

القاضي و أجلسه مجلسه،و قال:أنت المفيد حقّا.فانقبض فرق المخالفين و همهموا،فقال القاضي:هذا الرّجل أسكتني،فإن كان عندكم جواب فقولوا حتّى أجلس في مجلسي الأوّل،فسكتوا و تفرّقوا،فوصل خبر المناظرة إلى عضد الدّولة فأحضر المفيد،و سأله عمّا جرى،فأخبره فأكرمه غاية الاكرام (1)

نقله النوري في خاتمة المستدرك:520.

.

قلت:يقال للرّمّاني:نعم،خبر الغار دراية،لكنّه دراية عار و شنار،حيث أوجب حزنه سلب الرّاحة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى نهاه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و خص اللّه تعالى إنزال السّكينة بنبيّه صلّى اللّه عليه و آله،و أخرج صاحبه إشعارا بعدم إيمانه،حيث إنّه تعالى في آيات اخر أشرك المؤمنين مع نبيّه صلّى اللّه عليه و آله في إنزال السّكينة عليهم.

و أمّا كون خبر الغدير رواية فيقال له و للقاضي:أهل العالم-حتّى غير الملّيين- المتواتر عندهم دراية،و أيّ تواتر فوق هذا الخبر؟و قد صنّف في طرقه مجلّدات ضخام و رواه الخصم.و يقال للقاضي:كون خلافة أبي بكر دراية -بمعنى:تصديه للأمر-أمر لا ينكره أحد،إلاّ أنّ الكلام في حقّه و باطله، و خلافة حصلت بإرادة إحراق جمع،قال تعالى فيهم: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (2).لو لم يسلّموا الأمر إليهم معلوم حالها،إلاّ أنّ إخواننا مثلهم مثل من سأل فقيها:هل تصير امّ الزّوجة زوجة؟فقال:لا.قال:نحن فعلناها فصارت.جعلوه خليفة لكن مع تلك الشّنائع و الفظائع.

و أمّا توبة طلحة و الزّبير،فطلحة لعمر اللّه كان إلى إزهاق روحه مجدّا في قتال أمير المؤمنين عليه السّلام،بل مريدا لقتله لو يسّر له،و الزّبير و إن ترك القتال


1) 1)

2) 2) آل عمران:61. [1]

لما ذكّره أمير المؤمنين عليه السّلام قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في عمله،لكنّه لو كان تاب كان الواجب عليه أن يلحق به عليه السّلام و يقاتل معه عليه السّلام،كما كان الحرّ لمّا تاب من خروجه على الحسين عليه السّلام،ترك عسكر ابن سعد و لحق به عليه السّلام،و قاتل معه حتّى قتل.ثمّ ما يقولون في امّهم،فإنّها أيّ وقت تابت؟فكما أنّها لمّا سمعت ببيعة النّاس مع أمير المؤمنين عليه السّلام قالت:ليت السّماء أطبقت على الأرض.و لم يبايع النّاس عليّا و سجدت شكرا لمّا بلغها قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و قالت:

فالقت عصاها و استقرّ بها النّوى كما قرّ عينا بالإياب المسافر

و رحّب بابن ملجم قاتله.

و لعلّهم يقولون:تابت يوم أمرت برمي جنازة سيّد شباب أهل الجنّة الحسن عليه السّلام لئلاّ يدفنوه عند جدّه؟! قوله عليه السّلام على المتن الأخير: «اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فإنّ رواة العلم كثير و رعاته قليل» قد عرفت في العنوان السابق أنّ رواية الكليني جعلت هذا الكلام مع اختلاف يسير،ففي ذاك:«اعقلوا الحقّ» جزء الكلام السّابق هنا على قوله: «هم دعائم الإسلام» ،و أمّا جعل المصنّف قوله: «عقلوا الدّين...» ...جزأه،فلعلّه في رواية أخرى،ثمّ بعد اتّحاد مفاده لا يحتاج إلى تكرار شرحه.

11

كتاب(28)

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية جوابا،و هو من محاسن الكتب:

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ- تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللَّهِ؟مُحَمَّداً ص؟ لِدِينِهِ- وَ تَأْيِيدَهُ إِيَّاهُ لِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ- فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً- إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاَءِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا- وَ نِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى؟هَجَرَ؟- أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ

وَ زَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلاَمِ فُلاَنٌ وَ فُلاَنٌ- فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ- وَ إِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ- وَ مَا أَنْتَ وَ الْفَاضِلَ وَ الْمَفْضُولَ وَ السَّائِسَ وَ الْمَسُوسَ- وَ مَا لِلطُّلَقَاءِ وَ أَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ- وَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ- وَ تَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ وَ تَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا- وَ طَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا أَ لاَ تَرْبَعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ- وَ تَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ- وَ تَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ- فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ وَ لاَ لَكَ ظَفَرُ الظَّافِرِ.

وَ إِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ- أَ لاَ تَرَى غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ- وَ لَكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أُحَدِّثُ- أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ لِكُلٍّ فَضْلٌ- حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ؟ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ؟- وَ خَصَّهُ؟رَسُولُ اللَّهِ ص؟ بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاَتِهِ عَلَيْهِ أَ وَ لاَ تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ لِكُلٍّ فَضْلٌ- حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ- قِيلَ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ وَ لَوْ لاَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ- لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ- وَ لاَ تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ- فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا وَ النَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا- وَ لاَ عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا فَنَكَحْنَا وَ أَنْكَحْنَا- فِعْلَ الْأَكْفَاءِ وَ لَسْتُمْ هُنَاكَ- وَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَ مِنَّا؟النَّبِيُّ؟ وَ مِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ- وَ مِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَ مِنْكُمْ أَسَدُ الْأَحْلاَفِ- وَ مِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ مِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ- وَ مِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ مِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ- فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَ عَلَيْكُمْ

فَإِسْلاَمُنَا مَا قَدْ سُمِعَ وَ جَاهِلِيَّتُنَا لاَ تُدْفَعُ- وَ كِتَابُ اللَّهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا- وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى- «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ» (1)

الأنفال:75. [1]

وَ قَوْلُهُ تَعَالَى «إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (2)- فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ وَ تَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ وَ لَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ- ؟يَوْمَ السَّقِيفَةِ؟ ؟بِرَسُولِ اللَّهِ ص؟ فَلَجُوا عَلَيْهِمْ- فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ- وَ إِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ ألى أن قال وَ زَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ وَ عَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ- فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ- فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ وَ تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا

أقول:قول المصنّف : «و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية جوابا» قال ابن أبي الحديد:قلت للنّقيب يحيى بن أبي زيد:أرى هذا الجواب منطبقا على كتاب معاوية الّذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى عليّ عليه السّلام،فالجواب الّذي ذكره نصر بن مزاحم في(صفّينه) (3)غير صحيح،و إن كان ذلك الجواب،فهذا الجواب غير صحيح.فقال لي:بل كلاهما ثابت مروي،و كلاهما كلامه و ألفاظه عليه السّلام،ثمّ أمرني أن أكتب ما أملاه فكتبته.قال:كان معاوية يتسقّط عليّا عليه السّلام و يبغي عليه ما عساه يذكر من حال أبي بكر و عمر،و انّهما غصباه حقّه،و لا يزال يكيده بالكتاب يكتبه و الرسالة يبعثها يطلب غرّته،لينفث بما في


1) 1)

2) 2) آل عمران:68. [2]

3) 3) وقعة صفّين لابن مزاحم:88.

صدره من حال أبي بكر و عمر،إمّا مكاتبة أو مراسلة،فيجعل ذلك عليه حجّة عند أهل الشّام،و يضيفه إلى ما قررّه في أنفسهم من ذنوبه،فقد كان غمصه عندهم بأنّه قتل عثمان أو مالأ على قتله و أنه قتل طلحة و الزّبير،و أسر عايشة و أراق دماء أهل البصرة،و بقيت خصلة واحدة و هو أن يثبت عندهم أنّه يتبرّأ من أبي بكر و عمر،و ينسبهما إلى الظّلم و مخالفة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله في أمر الخلافة،و أنّهما وثبا عليها غلبة و غصباه،فكانت هذه الطّامة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشّام عليه،بل و أهل العراق الّذين هم جنده و بطانته و أنصاره،لأنّهم كانوا يعتقدون إمامة الشّيخين،إلاّ القليل الشّاذ من خواص الشيعة.فلمّا كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليّا عليه السّلام و يحرجه و يحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر،و أنّه أفضل المسلمين إلى أن يرهن خطّه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر.فكان الجواب مجمجما غير بيّن،ليس فيه تصريح بالتّظليم لهما و لا التّصريح ببراءتهما، و تارة يترحّم عليهما،و تارة يقول:قد أخذا حقّى و قد تركته لهما.

فأشار عمرو بن العاص:أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأوّل، ليستفزّا فيه عليّا عليه السّلام و يستخفّاه،و يحمله الغضب منه أن يكتب كلاما، يتعلّقان به في تقبيح حاله،و تهجين مذهبه،و قال له عمرو:إنّ عليّا رجل نزق تيّاه،و ما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر و عمر،فاكتب.فكتب إليه كتابا أنفذه مع أبي امامة الباهلي الصّحابي،بعد أن عزم على بعثه مع ابي الدّرداء،و نسخة الكتاب:«من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب.أمّا بعد،فإنّ اللّه تعالى جدّه اصطفى محمّدا لرسالته،و اختصّه بوحيه و تأدية شريعته.فأنقذ به من العماية،و هدى به من الغواية،ثمّ قبضه إليه رشيدا حميدا قد بلّغ الشّرع،و محق الشّرك،و أخمد نار الإفك،فأحسن اللّه جزاءه،و ضاعف عليه نعماءه و آلاءه.

ثمّ إنّ اللّه سبحانه اختصّ محمّدا بأصحاب أيّدوه،و آزروه و نصروه، و كانوا كما قال سبحانه: «أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» (1)

الفتح:29. [1]

فكان أفضلهم مرتبة،و أعلاهم عند اللّه و المسلمين منزلة:الخليفة الأوّل الّذي جمع الكلمة،و لمّ الدّعوة،و قاتل أهل الرّدّة،ثمّ الخليفة الثّاني الّذي فتح الفتوح، و مصّر الأمصار،و أذلّ رقاب المشركين،ثمّ الخليفة الثّالث المظلوم الّذي نشر الملّة،و طبّق الآفاق بالكلمة الحنيفيّة.فلمّا استوسق الإسلام و ضرب بجرانه، عدوت عليه،فبغيته الغوائل و نصبت له المكائد و ضربت له بطن الأمر و ظهره، و دسست عليه،و أغريت به،و قعدت حيث استنصرك عن نصرته،و سألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته.

و ما يوم المسلمين منك بواحد،لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه، و رميت إفساد أمره،و قعدت في بيتك،و استغويت عصابة من النّاس حتّى تأخّروا عن بيعته.

ثمّ كرهت خلافة عمر،و حسدته و استطلت مدّته و سررت بقتله، و أظهرت الشّماتة بمصابه،حتّى أنّك حاولت قتل ولده،لأنّه قتل قاتل أبيه.

ثمّ لم يكن أشدّ حسدا منك لابن عمّك عثمان،نشرت مقابحه،و طويت محاسنه،و طعنت في فقهه،ثمّ في دينه،ثمّ في سيرته،ثمّ في عقله،و أغريت به السّفهاء من أصحابك و شيعتك،حتّى قتلوه بمحضر منك لا تدفع عنه بلسان و لا يد،و ما من هؤلاء إلاّ من بغيت عليه،و تلكّأت في بيعته،حتّى حملت إليه قهرا تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش.

ثمّ نهضت الآن تطلب الخلافة،و قتلة عثمان خلصاؤك و شجراؤك و المحدقون بك،و تلك من أمانيّ النّفوس،و ضلالات الأهواء.فدع اللّجاج


1) 1)

و العبث جانبا،و ادفع إلينا قتلة عثمان،و أعد الأمر شورى بين المسلمين ليتّفقوا على من هو للّه رضا،فلا بيعة لك في أعناقنا،و لا طاعة لك علينا،و لا عتبى لك عندنا،و ليس لك و لا لأصحابك عندي إلاّ السّيف،و الّذي لا إله إلاّ هو لأطلبن قتلة عثمان أينما كانوا و حيثما كانوا،حتّى أقتلهم أو تلتحق روحي باللّه.

فأمّا ما تزال تمنّ به من سابقتك و جهادك فإنّي وجدت اللّه سبحانه يقول: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .و لو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشدّ الأنفس امتنانا على اللّه بعملها،و إذا كان الامتنان على السّائل يبطل أجر الصّدقة،فالامتنان على اللّه يبطل أجر الجهاد،و يجعله كصفوان «عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَ اللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » (1)

البقرة:264. [1]

».

قال النّقيب:فلمّا وصل هذا الكتاب إلى عليّ عليه السّلام مع أبي أمامة الباهلي كلّم أبا أمامة بنحو ممّا كلّم به أبا مسلم الخولاني،و كتب معه هذا الجواب.

و في كتاب معاوية هذا ذكر لفظ(الجمل المخشوش)أو(الفحل المخشوش)لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم،و ليس في ذلك هذه اللّفظة،و إنّما فيه:

«حسدت الخلفاء و بغيت عليهم،عرفنا ذلك من نظرك الشّزر،و قولك الهجر، و تنفّسك الصّعداء،و إبطائك عن الخلفاء».

قال:و كثير لا يعرفون الكتابين،و المشهور عندهم كتاب أبي مسلم، فيجعلون هذه اللفظة فيه،و الصّحيح أنّها في كتاب أبي أمامة،ألا تراها عادت


1) 1)

في جوابه؟و لو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه... (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:455. [1]

.

قلت:و روى كتابه هذا(صبح الأعشى)و(نهاية الارب) (2).

و أمّا ما نقله ابن أبي الحديد عن النّقيب،من أنّ معاوية كان قصده من مدح أبي بكر و عمر موجدة أمير المؤمنين عليه السّلام،حتّى يذكر طعنا فيهما، فيجعل معاوية ذلك وسيلة لتبرّؤ النّاس منه عليه السّلام،فصحيح صحيح.

و يوضح ذلك فضل إيضاح ما رواه أبو الفرج في(مقاتله):أنّ الحسن عليه السّلام كتب إلى معاوية،و فيه ذكر تنازع العرب الأمر بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أن قال:فلمّا صرنا أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و اولياؤه إلى محاجّتهم و طلب النّصف منهم،باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا،و مراغمتنا و العنت منهم لنا، فالموعد اللّه و هو الوليّ النّصير،و قد تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا و سلطان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله،و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام،فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدّين،أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به،أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده،فاليوم فليعجب المتعجّب من توثّبك-يا معاوية-على أمر لست من أهله-لا بفضل في الدّين معروف، و لا أثر في الإسلام محمود-إلى أن قال-فكتب معاوية جوابه:و ذكرت وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و تنازع المسلمين من بعده،فرأيتك صرّحت بتهمة أبي بكر الصّديق،و عمر الفّاروق،و أبي عبيدة الأمين و حواري رسول اللّه،و صلحاء المهاجرين و الأنصار،فكرهت ذلك لك،فإنّك امرؤ عندنا و عند النّاس غير ظنين و لا المسيء و لا اللئيم،و أنا احبّ لك القول السّديد و الذّكر الجميل... (3)


1) 1)

2) 2) صبح الأعشي 1:229 نهاية الارب للنويري 7:233. [2]

3) 3) المقاتل لأبي الفرج:35.

«أمّا بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه» هكذا في(المصريّة)،و كلمة(فيه) زائدة لعدم وجودها في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (1)

يوجد لفظ«فيه»في شرح ابن أبي الحديد 3:453،و [1]شرح ابن ميثم 4:431 أيضا. [2]

.

«اصطفاء اللّه» زاد ابن ميثم و الخطيّة:«تعالى» (2).

«محمّدا صلّى اللّه عليه و آله لدينه و تأييده إيّاه بمن أيّده من أصحابه فلقد خبأ» أي:أخفى.

«لنا الدّهر منك عجبا» قال ابن أبي الحديد:موضع التعجّب أنّ معاوية يخبر عليّا عليه السّلام باصطفاء اللّه تعالى محمّدا و تشريفه له و تأييده له،و هذا ظريف،لأنّه يجرى كإخبار زيد عمرا عن حال عمرو،إذ كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام كالشّيء الواحد (3).

قلت:و أعجب منه أنّ معاوية و أباه و أمّه و أخاه كانوا يعادون النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرّة بعد مرّة و محلاّ بعد محلّ،بكلّ ما قدروا،إلى أن خذلهم اللّه تعالى بفتح مكّة،ثمّ يذكر معاوية ما ذكر.

و العجب العجاب أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قاسى مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله شدائد شديدة في سبيل الإسلام،و حصل بعده سلطانه لمعاوية و أمثاله من أعدائه، فصانعوا أصحابه الّذين يعرفونهم باتّحاد طينتهم،و ساعدوهم على نقل الأمر إلى أولئك،حتّى ينتهي إليهم و يخلص لهم،فمنعوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصيّة في مرضه،و تركوا جنازته بلا تجهيز،و غلبوا على الأمر.

و ممّا يفصح عن ذلك و يكشف الحقيقة ما رواه أبو الفرج في(أغانيه):أنّ مروان لمّا ضرب عبد الرّحمن بن حسّان الحدّ،و لم يضرب أخاه حين تهاجيا و تقاذفا،فكتب عبد الرّحمن إلى النّعمان بن بشير يشكو إليه ذلك،دخل النّعمان


1) 1)

2) 2) لا توجد هذه الزيادة في شرح ابن ميثم 4:431. [3]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:457. [4]

على معاوية،و أنشأ يقول:

يابن أبي سفيان ما مثلنا جار عليه ملك أو أمير

اذكر بنا مقدم أفراسنا بالحنو إذ أنت إلينا فقير

و اذكر غداة السّاعديّ الّذي أثاركم بالأمر فيها بشير (1)

الأغاني لأبي الفرج 16:47 و النقل بتلخيص.

يشير إلى مساعدة أبيه بشير بن سعد الخزرجي لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة،و بيعته معه أوّل النّاس حتّى قبل عمر،فصارت بيعته سببا لتذكّر الأوس حقدهم مع الخزرج و متابعتهم له في ذلك.

فلو لم يكن معاوية صانع أبا بكر و عمر كيف يقول النّعمان لمعاوية:

«اثاركم بالأمر فيها بشير»،و لم يقل عمر كرارا لابن عبّاس:«أبى قومكم لكم الأمر»؟فهل قومهم إلاّ قريش الطّلقاء:بنو اميّة،و بنو مخزوم،و بنو سهم، و غيرهم؟و حينئذ فلا غرو أن يذكر معاوية اصطفاء اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله مع ضميمة أصحابه اولئك إليه.

و لقد أفصح عن ذلك أبوه أبو سفيان أيّام ثالث اولئك الأصحاب،حيث ضرب قبر حمزة برجله،و قال:يا أبا عمارة قم عن قبرك و شاهد،إنّ الّذي ضربتمونا بالسيف عليه صار ملعبة في أيدي شباننا.

و ممّا يوضح كون أبي بكر و عمر مع معاوية،و بني اميّة على شاكلة واحدة قول معاوية للحسن عليه السّلام:«و الحال في ما بيني و بينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها و أبو بكر بعد النّبيّ،و لو علمت أنّك أضبط منّي للرّعية،و أحوط على هذه الامّة،و أقوى على جمع الأموال،و أكيد للعدوّ لأجبتك».

و صدق معاوية في كلامه هذا،فلم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام و عترته عليهم السّلام يستعملون سياسة الأكاسرة و القياصرة كما كان أبو بكر


1) 1)

و عمر يستعملانها،و كان عمر من عجبه بمعاوية كرارا يقول:تذكرون دهاء كسرى و قيصر و عندكم معاوية.

إلاّ أنّه لو كان غرض اللّه تعالى من الإسلام الّذي رضيه دينا لعباده نصب أبي بكر مكان عليّ عليه السّلام،و نصب معاوية مكان الحسن عليه السّلام،للعلّة الّتي ذكرها معاوية،كان نصب أبي جهل أو أبي سفيان للنّبوّة مكان محمّد صلّى اللّه عليه و آله أولى،فإنّه لو كان أحدهما مكانه،لما قدر الفاروق أن يمنعه من الوصيّة و يقول:«إنّه ليهجر» (1)

منع عمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصيّة أخرجه البخاري في صحيحه 1:32،4:7،271،و غيره،مرّ تخريجه في أواخر العنوان 3 من هذا الفصل.

،و لما قدر هو و صاحبه على التّخلّف عن الشّخوص في جيش لعن المتخلف عنه (2)،و لما قدر أعداؤه دفع أهل بيته عن مقامه،و يجعلوه متداولا بينهم تداول الكرة،كما قال أبوه ذلك،حين وصل الأمر إلى صاحبهم الخليفة الثّالث،و قال:اجعلوه بينكم كذلك،فما من جنّة و لا نار،و قرّره الإمام الثّالث و رضي بوصيته و ارتضى عقيدته.

فإن قيل:كيف يجوز أن يرتضي عقيدة أبي سفيان بعدم جنّة و لا نار؟ قلت:أصدق شاهد عليه عمله أيّام خلافته و تسليطه بني اميّة-الشّجرة الملعونة في القرآن-على نفوس النّاس و أعراضهم،و توليته مثل الوليد بن عقبة أخيه لامّه،حتّى يصلّي الصّبح أربعا بالنّاس في حال السّكر،و ينشد في الصّلاة لهم الأشعار،و يقول لهم:لو شئتم ازيدكم على الأربع في صلاة صبحكم،و مثل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح الّذي نزل القرآن بكفره، و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمر بقتله عام الفتح،و لو كان متعلّقا بأستار الكعبة.

«إذ طفقت» أي:شرعت.


1) 1)

2) 2) لعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المتخلّف عن جيشه،أخرجه الجوهري في السقيفة:75 مسندا،و نقله الشهرستاني في الملل و النحل 1:29،و غيره مجرّدا.

«تخبرنا ببلاء اللّه» و حسن اختياره.

«عندنا و نعمته علينا في نبيّنا» و هو أمر يضحك الثكلى.

«فكنت في ذلك كناقل التّمر إلى هجر» قال ابن أبي الحديد:هجر:اسم مدينة لا ينصرف،للتّعريف و التّأنيث،و قيل:هو اسم مذكر مصروف،و أصل المثل كمستبضع تمر إلى هجر،و النّسبة إليه:هاجري،على غير قياس،و هي بلدة كثيرة النّخل يحمل منها التّمر إلى غيرها.قال الشّاعر في هذا المعنى:

اهدى له طرف الكلام كما يهدي لو الي البصرة التّمر (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:457. [1]

قلت:ابن أبي الحديد يتبع غالبا في اللّغة صاحب(الصّحاح)،و هو لم يذكر غير صرف هجر (2)،و إنّما قال ابن الأنباري-كما في(بلدان الحموي)- الغالب عليه التّذكير و الصّرف،و ربّما أنّثوها و لم يصرفوها (3)،فمن أين جعل الأصل فيه التّأنيث؟ و أمّا قوله:إنّ النّسبة إلى هجر هاجري،فتبع فيه الجواهري،لكن لم يعلم صحّته.فقال السّمعاني في(أنسابه):النّسبة إليه هجري،بفتحتين على القياس،و عدّ في المنسوبين إليه رشيد الهجري المعروف (4).

و الهاجري-على ما قال(بلدان الحموي)-نسبة إلى عين هجر،لا بلدة هجر،فقال:قال ابن الكلبي عن الشّرقي:إنّما سمّيت(عين هجر)بهجر بنت المكفف،و كانت من العرب المتعرّبة،و كان زوجها محلم بن عبد اللّه صاحب النّهر الّذي بالبحرين يقال له:«نهر محلم»و«عين محلم».و ينسب إليها هاجري،على غير قياس،كما قيل:حاري بالنّسبة إلى الحيرة.قال


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:852 مادة(هجر).

3) 3) معجم البلدان للحموي 3:457. [2]

4) 4) انساب السّمعاني 588.

عوف بن الجزع:

تشق الأحزّة سلاّفنا كما شقّق الهاجري الدّبارا (1)

معجم البلدان للحموي 3:457. [1]

و كيف كان،فمما قيل في كثرة تمر هجر:قول العجيف في امّه،بعدم ريّها كعدم شبعها:

يا ليتنا امّنا شالت نعامتها أيما إلى جنّة أيما إلى النّار

ليست بشبعى و إن أسكنتها هجرا و لا بريّا و لو حلّت بذي قار

و مثل هجر خيبر،و به يضرب أيضا المثل في نقل التّمر إليه.قال النّابغة الجعدي:

و إن امرأ أهدي إليك قصيدة كمستبضع تمرا إلى أهل خيبر

«أو داعي» و في(ابن أبي الحديد و الخطيّة) (2):«و داعي».

«مسدّده» أي:معلّمه.

«إلى النّضال» أي:المراماة.مثل آخر،أي:كنت يا معاوية في ما فعلت كداعي معلّم رميه إلى مراماته و لمّا هجا العبّاس الرّياشي أبا العبّاس الأعرج، أجابه أبو العبّاس:

إنّ الرياشيّ عبّاسا تعلّم بي حوك القصيد و هذا أعجب العجب

يهدي لي الشّعر حينا من سفاهته كالتّمر يهدى لذات الليف و الكرب

«و زعمت أنّ أفضل النّاس في الإسلام فلان و فلان» أي:أبو بكر و عمر.

«فذكرت أمرا إن تمم» هكذا في(المصريّة)،و الصّواب:(إن تم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (3).


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:454،و [2]شرح ابن ميثم 4:432 مثل المصرية أيضا.

3) 3) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3:454،لكن لفظ شرح ابن ميثم 4:432 مثل المصرية أيضا.

«اعتزلك كلّه» لأنّه لم يكن من عشيرتهما.

«و إن نقص لم يلحقك ثلمته» أي:خلله.قال ابن أبي الحديد:كان جرير يفخر على الفرزدق بقيس عيلان-خؤولته-و يعيّره بأيّامهم على بني تميم، فقال له الفرزدق:

و ما أنت من قيس فتنبح دونها (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:457. [1]

قلت:إنّه عليه السّلام و إن أجمل جواب معاوية،و تنكب عن التّصريح حكمة -كما عرفت من النّقيب-فكان غرض معاوية من مدحه لأبي بكر و عمر حمله عليه السّلام على الغضب،حتّى يطعن فيهما،فينفضّ أهل العراق من حوله و يدعوه،إلاّ أنّه عليه السّلام كان يتمّ الحجّة كرارا،و لا سيّما في أيّام إمارته من أوّلها إلى آخرها.

و منها ما رواه المدائني عن عبد اللّه بن جنادة قال:قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل إمارة عليّ عليه السّلام،فمررت بمكّة فاعتمرت،ثمّ قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،إذ نودي للصّلاة جامعة،فاجتمع النّاس و خرج عليّ عليه السّلام متقلّدا سيفه،فشخصت الأبصار نحوه،فحمد اللّه و صلّى على رسوله،ثمّ قال:أمّا بعد فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله قلنا:نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون النّاس،لا ينازعنا سلطانه أحد،و لا يطمع في حقّنا طامع.إذ انبرى لنا قومنا،فغصبونا سلطان نبيّنا،فصارت الإمرة لغيرنا، و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف،و يتعزّز علينا الذّليل،فبكت الأعين منّا لذلك،و خشنت الصّدور،و جزعت النّفوس،و ايم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين،و أن يعود الكفر،و يبور الدّين لكنّا على غير ما كنّا لهم... (2).


1) 1)

2) 2) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 1:101 شرح خطبة 22.

و كذلك في الخطبة الشّقشقيّة الّتي رواها العامّة و الخاصّة (1)

رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1:30 خطبة 3.

،و كذلك في الخطبة الّتي كتبها لجعدة بن هبيرة حتّى يقرأها،لمّا سألوه بعد فتح مصر عن الثّلاثة المتقدّمين عليه (2).

و التنكّب عن الجواب بمثل ما فعل عليه السّلام أبلغ جواب،و تبعه ابن عبّاس في مجاوبة معاوية و ابن الزّبير،(ففي عيون ابن قتيبة)روى الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال:أقبل معاوية ذات يوم على بني هاشم،فقال يا بني هاشم ألا تحدّثوني عن ادّعائكم الخلافة دون قريش بم تكون لكم؟-إلى أن قال-:قال معاوية:إنّ أمركم لأمر تضيق به الصّدور،إذا سئلتم عمّن اجتمع عليه من غيركم قلتم:حقّ.فإن كانوا اجتمعوا على حقّ،فقد أخرجكم الحقّ من دعواكم، انظروا فإن كان القوم أخذوا حقّكم فاطلبوهم،و إن كانوا أخذوا حقّهم فسلّموا إليهم،فإنّه لا ينفعكم أن تروا لأنفسكم ما لا يراه النّاس لكم.فقال ابن عباس:

ندّعي هذا الأمر بحقّ من لو لا حقه لم تقعد مقعدك هذا،و نقول:كان ترك النّاس أن يرضوا بنا و يجتمعوا علينا حقّا ضيّعوه،و حظّا حرموه،و قد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطىء الورد و الصّدر،و لا ينقص فضل ذي فضل غيره عليه،قال اللّه عزّ و جلّ «وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ» (3).فأمّا الّذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فعهد منه إلينا،قبلنا فيه قوله و دنّا بتأويله،و لو أمرنا أن نأخذه على الوجه الّذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه،و لا يعاب أحد على ترك حقّه،إنّما المعيب من يطلب ما ليس له (4).


1) 1)

2) 2) هذا الحديث رواه الكليني في الرسائل عنه كشف المحجّة:173،و الثقفي في الغارات 1:303،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:19 و غيرهم،و أما كونه خطبة أو كونه لجعدة بن هبيرة فليس بمعلوم.

3) 3) هود:3. [1]

4) 4) عيون الأخبار لابن قتيبة 1:5. [2]

و في(السّير):أنّ مروان لمّا كان أميرا على المدينة يوضع لابن عبّاس سرير إلى جنب سريره.فجاء يوما ابن عبّاس،و حضر ابن الزّبير،فنطق و قال:

إنّ ناسا يزعمون أنّ بيعة أبي بكر كانت غلطا،و فلتة،و مغالبة،ألا إنّ شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا،و يزعمون أنّه لو لا ما وقع لكان الأمر لهم و فيهم، و اللّه ما كان من أصحاب محمّد أحد أثبت إيمانا،و لا أعظم سابقة من أبي بكر، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة اللّه،فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر،فلم يكن إلاّ ما قال؟ثمّ ألقى عمر حظّهم في حظوظ،و جدّهم في جدود،فأخّر اللّه سهمهم، و أدحض جدّهم،و ولّى الأمر عليهم من كان أحقّ به منهم،فخرجوا عليه خروج اللصوص على التّاجر خارجا من القرية،فأصابوا منه غرّة،فقتلوه فقتلهم اللّه به كلّ قتلة،و صاروا مطرودين تحت بطون الكواكب.فقال ابن عبّاس:أيّها القائل في أبي بكر و عمر و الخلافة و اللّه ما نالا و لا نال أحد منهما شيئا إلاّ و لصاحبنا خير ممّا نالا-إلى أن قال-و لو لا أنّك إنّما تذكر حظّ غيرك و شرف امرىء سواك لكلّمتك،و لكن ما أنت و ما لا حظّ لك فيه؟اقتصر على حظّك،و دع تيما لتيم،و عديا لعدي،و اميّة لاميّة،و لو كلّمني تيمي أو عدي، لكلّمته و أخبرته خبر حاضر عن حاضر لا خبر غائب عن غائب،و لكن ما أنت و ما ليس لك؟فإن يكن في أسد بن عبد العزّى شيء فهو لك.أما و اللّه إنّا لنحن أقرب بك عهدا،و أبيض لديك يدا،و أوفر عندك نعمة ممّن رميت،تظنّ أنّك تصول به علينا،و ما أخلق ثوب صفيّة بعد (1)

رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4:490 شرح الحكمة 453.

! «و ما أنت و الفاضل و المفضول» و حيث إنّ معاوية كان مكابرا في قوله:

«فكان أفضلهم مرتبة الخليفة الأوّل،ثمّ الثّاني،ثمّ الثّالث»كان أحسن جواب له ما فعله عليه السّلام من كون ذلك غير مربوط به،حيث إنّ أفضليته من جميع الامّة


1) 1)

بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من البديهيات الّتي يكون الاستدلال لها لغوا،و ركيكا،و كيف لا، و بنص القرآن هو عليه السّلام بمنزلة نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (1)

انظر قوله تعالى: «وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» آل عمران:61، [1]كما روي في شأن نزوله.

؟ و في(صفّين نصر بن مزاحم):أنّه عليه السّلام خطب في صفّين،فقال:الحمد للّه الّذي لا يبرم ما نقض،و لا ينقض ما أبرم،و لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمّة،و لا من خلقه،و لا تنازعت الأمّة في شيء من أمره،و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله،و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الأقدار،حتّى لفّت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربّنا بمرأى و مسمع،فلو شاء لعجّل النّقمة،و كان منه التّغيير حتّى يكذب اللّه الظّالم،و يعلم الحقّ أين مصيره،و لكنّه جعل الدّنيا دار الأعمال... (2).

«و السّائس و المسوس» قال الجوهري:سست الرّعية سياسة،و سوّس الرّجل امور النّاس-على ما لم يسم فاعله-إذا ملك أمرهم،و فلان مجرّب قد ساس و سيس عليه،أي:أمر و امر عليه (3).

«و ما للطّلقاء و أبناء الطّلقاء،و التّمييز بين المهاجرين الأوّلين،و ترتيب درجاتهم و تعريف طبقاتهم» قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام ينقض قول من يطعن في السّلف،فإنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أنكر على معاوية تعرضه بالمفاضلة بين أعلام المهاجرين،و لم يذكر معاوية إلاّ المفاضلة بينه عليه السّلام و بين أبي بكر و عمر،فشهادة أمير المؤمنين عليه السّلام بانهما من المهاجرين الأوّلين و من ذوي الدّرجات و الطّبقات الّتي اشتبه الحال بينها و بينه عليه السّلام في أيّ الرّجال منهم أفضل،و أن قدر معاوية يصغر أن يدخل نفسه،و في مثل ذلك شهادة قاطعة على علوّ شأنهما (4).


1) 1)

2) 2) وقعة صفّين لابن مزاحم:225.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 2:935 [2] مادة(سوس)و النقل بتقطيع.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:458. [3]

قلت:العجب منه أنّه نسي ما نقله عن شيخه،من كون جوابه عليه السّلام في الكتاب مجمجما ليس فيه تصريح بالتّظليم لهما،و لا التّصريح ببراءتهما،و أيّ شيء يفيده كلامه عليه السّلام هذا بعد إجماله الجواب،من ذكر كبرى كلية من وجود مهاجرين أوّلين،و اختلاف درجاتهم و طبقاتهم،بدون ذكر صغرى في تعيين أشخاص المهاجرين؟ و من أين أنّه عليه السّلام لم يرد بالمهاجرين الأوّلين عمّه حمزة و أخاه جعفرا، و شيعته سلمان و أبا ذر و المقداد،و عمّارا،و حذيفة،و نظراءهم المتّفق على جلالهم؟ و يشهد لما قلنا ما رواه أبو نعيم في(حليته)في عنوان عمّار عن عبد اللّه بن سلمة.قال:لقي عليّ عليه السّلام رجلين قد خرجا من الحمّام متدهنين،فقال عليّ عليه السّلام:من أنتما؟قالا:من المهاجرين.قال:كذبتما إنّما المهاجر عمّار بن ياسر (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:141.

.

و روى في عنوان سلمان مسندا عن زاذان،و أبي الأسود قالا:كنّا عند عليّ عليه السّلام ذات يوم،فوافق النّاس منه طيب نفس و مزاح،فقالوا:يا أمير المؤمنين عليه السّلام حدّثنا عن أصحابك.قال:عن أي أصحابي؟قالوا:عن أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله.قال:كلّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله أصحابي،فعن أيّهم؟قالوا:عن الّذين رأيناك تلطّفهم بذكرك،و الصّلاة عليهم دون القوم،حدّثنا عن سلمان.

قال:من لكم بمثل لقمان الحكيم،ذاك امرؤ منّا و إلينا أهل البيت... (2).و مغزى كلامه عليه السّلام:«كلّ أصحاب محمّد أصحابي»أنّ الثّلاثة،و من كان على رأيهم من باقي عشرتهم و اتباعهم لا يحسبون من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء لأبي نعيم 1:187.

و روى في عنوان أهل الصّفّة مسندا عن ثابت البناني،قال:كان سلمان في عصابة يذكرون اللّه تعالى،فمرّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فكفّوا،فقال:ما كنتم تقولون؟ فقلنا:نذكر اللّه يا رسول اللّه.قال:قولوا،فإنّي رأيت الرّحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:342 و للحديث ذيل.

.

و عن مسلمة بن عبد اللّه عن عمّه قال:عن سلمان:جاءت المؤلّفة قلوبهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:عيينة بن حصين و الأقرع بن حابس،و ذووهم،فقالوا:إنّك لو جلست في صدر المجلس و نحيّت عنّا هؤلاء،و أرواح جبابهم-يعنون أبا ذر،و سلمان،و فقراء المسلمين،و كان عليهم جباب الصّوف لم يكن عندهم غيرها-جلسنا إليك و خالصناك،و أخذنا عنك.فأنزل اللّه تعالى: «وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» -حتّى بلغ- «ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها» (2)يتهدّدهم بالنّار.فقام نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله يلتمسهم،حتّى أصابهم في مؤخّر المسجد يذكرون اللّه تعالى،فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:الحمد للّه الّذي لم يمتني حتّى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي معكم المحيى و معكم الممات (3).

بل كان صدّيقهم و فاروقهم عونا لاولئك المؤلّفة الجبابرة على هؤلاء المؤمنين المهاجرين الأوّلين،فروى أبو نعيم أيضا ثمّة مسندا عن عائذ بن عمرو:أنّ أبا سفيان مرّ بسلمان و صهيب و بلال،فقالوا:ما أخذت السّيوف من عنق عدوّ اللّه مآخذها.فقال لهم أبو بكر:تقولون هذا لشيخ قريش و سيّدها؟ثمّ


1) 1)

2) 2) الكهف:27-29. [2]

3) 3) حلية الأولياء [3]لأبي نعيم 1:345.

أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأخبره بالّذي قالوا،فقال:يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم،و الّذي نفسي بيده لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:346.

.

و كانا يقرّان بأنّ اولئك المهاجرين أحقّ بمقامهما،لصبرهم في ذات اللّه، و لكونهم مهاجرين حقيقين،روى أبو نعيم أيضا مسندا عن أبي ليلي الكندي، قال:جاء خباب إلى عمر،فقال له:ادن فما أرى أحدا أحقّ بهذا المجلس منك.

فجعل خباب يريه آثارا في ظهره ممّا عذّبه المشركون (2).

و أيّ فضل في هجرتهما؟و قد روى إمامهم مسلم في(صحيحه)كما في (الطّرائف)بأسناده عن أبي موسى الأشعري،قال:دخل عمر على حفصة و أسماء عندها،فقال عمر حين رأى أسماء:من هذه؟قالت:أسماء بنت عميس.

قال عمر:الحبشيّة هذه،البحرية هذه.فقالت أسماء:نعم.فقال عمر:سبقناكم بالهجرة،فنحن أحقّ برسول اللّه منكم.فغضبت،و قالت كلمة:كذبت يا عمر كلاّ و اللّه كنتم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يطعم جائعكم و يعظ جاهلكم،و كنّا في دار أو أرض البعداء البغضاء في الحبشة،و ذلك في اللّه و في رسوله،و ايم اللّه،لا أطعم طعاما،و لا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-إلى أن قال- فلمّا جاء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قالت:يا نبي اللّه إنّ عمر قال:كذا و كذا.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:

ليس بأحقّ بي منكم،له و لأصحابه هجرة واحدة،و لكم أنتم أهل السّفينة هجرتان (3).

و ما يفيدهما و يفيدهم هجرتهما؟و قد رووا في متواتر أخبارهم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:ليردن عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني،حتّى رأيتهم


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء لأبي نعيم 1:359.

3) 3) صحيح مسلم 4:1946 ح 2503،و عنه الطرائف لابن طاوس 2:466. [2]

و رفعوا إليّ اختلجوا دوني،فلأقولنّ:أي ربّ أصحابي.فيقال لي:إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك (1)

أخرجه البخاري بطرق في صحيحه 2:233،256،و 3:127،160،و 4:133،و مسلم في صحيحه 4:2194 ح 58،و غيرهم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس،و جاء بطرق اخرى عن ابن عبّاس و ابن مسعود و ابن سعيد و أبي هريرة و حذيفة و أنس و أبي بكرة و ام سلمة و عائشة و أسماء بنت أبي بكر،و غيرهم.

.

و أيّ حدث أشنع ممّا فعلا من إحضارهما النّار لاحراق أهل بيته (2)، الّذين شهد القرآن بعصمتهم و طهارتهم لو تخلّفوا عن بيعتهم؟ و هل كونهما من أعلام المهاجرين-كما هو زعمهم-هل كان لفرارهما في خيبر (3)،الّذي عرض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بهما أنّهما لا يحبّان اللّه و رسوله،و لا يحبّهما اللّه و رسوله،و أنّهما فرّاران غير كرّراين؟أو لتخلّفهما عن جيش اسامة الّذي لعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المتخلّف عنه (4)؟أو لمنعهما النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصيّة حال احتضاره و نسبتهما الهجر إليه صلّى اللّه عليه و آله (5)؟و لا تتوحش من الاشراك بينهما في ما فعله أحدهما،حيث إنّهما كانا كنفس واحدة،كما أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كانا كنفس واحدة (6)،و لأنّ ما فعله أحدهما كان عن مواطاة مع الآخر حتّى في شيء أنكره الآخر عليه،كما في ادعاء الفاروق عدم إمكان موت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و أنّه غاب و لم يمت،و إنكار الصّدّيق عليه


1) 1)

2) 2) رواه جمع منهم الجوهري في السقيفة:38،50،71،و ابن أبي شيبة في المصنف عنه افحام الأعداء 1:89،و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:12.

3) 3) روى فرارهما النسائي في الخصائص:52،و ابن أبي شيبة و البزاز في مسنديهما و ابن جرير و الطبراني في معجمه الأوسط و الحاكم في المستدرك و البيهقي في الدلائل و الضياء في المختارة عنهم منتخب كنز العمال 5:44 و غيرهم.

4) 4) لعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المتخلّف عن جيشه أخرجه الجوهري في السقيفة:75 [1] مسندا و جمع آخر بلا اسناد.

5) 5) منع عمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصيّة،أخرجه جمع،منهم البخاري في صحيحه 1:32 و 4:7،271 و غيره مر تخريجه في أواخر العنوان 3 من هذا الفصل.

6) 6) انظر قوله تعالى: «وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» آل عمران:61، [2]كما روي في شأن نزوله.

ذلك بعد حضوره (1)

صحيح البخاري 2:290 و 3:94،و مسند أحمد 3:196،و 6:219،و سيرة ابن هشام 4:224،و ابن سعد بطرق في الطبقات 2:2،و 2:83-57،و الطبري بطرق في تاريخه 2:442،443 سنة 11 و غيرهم.

،فإنّ ذلك كان منه لعدم حضور صاحبه،فألقى هذه الشّبهة حتّى يحضر و يفعلا ما أراداه،و إلاّ فكيف يعقل اشتباه الأمر في موت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على ذلك الدّاهية الّذي كان فوق المغيرة و عمرو بن العاص و معاوية مع عدم اشتباه أمر الموت على السّفهاء،بل المجانين؟ و أيّ علوّ لهما في هجرتهما مع كونهما ممّن لا يحضّ على طعام المسكين؟ روى أبو نعيم في(حليته)عن أبي هريرة أنّه كان يقول:و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو إن كنت لاعتمد على كبدي من الجوع،و إن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع،و لقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه فمرّ بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللّه-ما سألته إلاّ ليستتبعني-فمرّ و لم يفعل،ثمّ مرّ بي عمر،فسألته عن آية من كتاب اللّه-ما سألته إلاّ ليستتبعني-فمرّ و لم يفعل،ثمّ مرّبي أبو القاسم صلّى اللّه عليه و آله و تبسّم و عرف ما في نفسي،و ما في وجهي ثمّ قال:يا أبا هرّ.قلت:لبيّك يا رسول اللّه.قال:ألحق... (2).

و روى عنه أيضا قال:كنت من أصحاب الصّفّة،فظللت صائما فأمسيت و أنا أشتكى بطني-إلى أن قال-:فقلت(لعمر):أقرئني-و ما اريد إلاّ الطّعام-إلى أن قال-:و تركني على الباب فأبطأ،فقلت:ينزع ثيابه ثمّ يأمر لي بطعام.فلم أر شيئا،فلمّا طال عليّ قمت فمشيت،فاستقبلني النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:يا أبا هريرة إنّ خلوف فمك اللّيلة لشديد؟فقلت:أجل لقد ظللت صائما و ما أفطرت بعد،و ما أجد ما أفطر عليه.قال:فانطلق فانطلقت معه... (3).


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:377.

3) 3) حلية الأولياء [2]لأبي نعيم 1:378.

هذا،و أمّا المراد من المهاجرين الأوّلين،فروى ابن قتيبة في(معارفه) عن سعيد بن المسيّب:أنّهم من صلّى إلى القبلتين (1)

المعارف لابن قتيبة:572. [1]

،و روي عن الشّعبي أنّ المراد بهم من أدرك بيعة الرّضوان (2).

«هيهات لقد حنّ قدح ليس منها» أي:من القداح،و الكلام مثل،قال الميداني في(أمثاله):يضرب للرّجل يفتخر بقبيلة ليس هو منها،أو يتمدّح بما لا يوجد فيه،و قال:القدح أحد قداح الميسر،و إذا كان أحد القداح من غير جوهر إخوته.

ثمّ أجاله المفيض خرج له صوت يخالف أصواتها،يعرف به أنّه ليس من جملة القداح.قال:و تمثّل عمر به حين قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط:اقتل من بين قريش... (3).

قلت:بل القائل:أ أقتل من بين قريش صبرا؟أبوه عقبة بن أبي معيط لا الوليد ابنه،و في(تفسير القمي)-لمّا أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمير المؤمنين عليه السّلام بضرب عنق عقبة لمّا اسر في بدر-قال عقبة:يا محمّد ألم تقل لا تصبر قريش؟ -أي لا يقتلون صبرا-قال:أ فأنت من قريش؟إنّما أنت علج من أهل صفورية، لأنت في الميلاد أكبر من أبيك الّذي تدعى له،لست منها،قدّمه يا عليّ فاضرب عنقه (4).

هذا،و ردّ الأخطل على جرير في افتخاره برجال من تميم كانوا آباء الفرزدق فقال:

أ جرير إنّك و الّذي تسمو له كأسيفة فخرت بحدج حصان

عملت لربتها فلمّا عوليت نسلت تعارضها مع الرّكبان


1) 1)

2) 2) المعارف لابن قتيبة:572. [2]

3) 3) مجمع الأمثال للميداني 1:191،و [3]قريب منه المستقصى للزمخشري 2:68. [4]

4) 4) تفسير القمي 1:269. [5]

أ تعدّ مأثرة لغيرك فخرها و ثناؤهما في سالف الأزمان

تاج الملوك و فخرهم في دارم أيّام يربوع مع الرّعيان

«و طفق» بالكسر أي:شرع.

«يحكم فيها من عليه الحكم لها» أي:أنت مثل محكوم عليه صار حاكما .

«أ لا تربع» بالفتح من باب منع،أي:تقف.

«أيّها الإنسان» المتخلّف.

«على ظلعك» أي:عرجك،يقال:ظلع البعير إذا غمز في مشيه.

«و تعرف قصور ذرعك» أي:ذراع يدك عن المقابلة مع طوال الأيدي.

«و تتأخّر حيث أخّرك القدر» بعدم إسلامك إلاّ بعد الفتح كرها،قال ابن عبد البرّ:كان معاوية و أبوه و أخوه من مسلمة الفتح،و هو و أبوه من المؤلّفة قلوبهم،و لمّا قدم معاوية بعد خلافته المدينة،قال لأبي قتادة الأنصاري:

تلقّاني النّاس كلّهم غيركم يا معشر الأنصار،ما منعكم؟قال:لم يكن معنا دواب.قال معاوية:فأين النواضح؟قال أبو قتاده:عقرناها في طلبك و طلب أبيك يوم بدر (1)

الاستيعاب لابن عبد البرّ 3:395،401. [1]

.

و في(الطّبري):أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمر يوم فتح مكّة بقتل أربع نسوة،و ذكر فيهنّ هندا أمّ معاوية،قال:فأسلمت و بايعت.و ذكر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله تلا عليها شرايط بيعة النّساء الّتي ذكرها اللّه،إلى أن قال لها:و لا تقتلن أو لا دكنّ.فقالت هند:قد ربّيناهم صغارا،و قتلتهم يوم بدر كبارا فأنت و هم أعلم.فضحك عمر من قولها حتّى استغرب (2).

و مثل معاوية باقي عشيرته،و في(العقد)قال مروان لحويطب بن عبد


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:337،338 سنة 8 و [2]النقل بالمعنى.

العزّى-و كان كبيرا مسنّا-:ايّها الشّيخ تأخّر إسلامك حتّى سبقك الأحداث.

فقال:اللّه المستعان،و اللّه لقد هممت بالإسلام غير مرّة،و كلّ ذلك يعوقني عنه أبوك،و ينهاني و يقول:يضع من قدرك أن تترك دين آبائك لدين محدث و تصير تابعا.فسكت مروان (1)

العقد الفريد لابن عبد ربه 4:102. [1]

.

«فما عليك غلبة المغلوب» أي:مغلوبية المغلوب.

«و لا ظفر» هكذا في(المصريّة)،و الصّواب:(و لا لك ظفر)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«الظّافر»روى الزّبير بن بكار في(مفاخراته)في اجتماع الوليد بن عقبة، و عتبة بن أبي سفيان،و عمرو بن العاص،و المغيرة بن شعبة في مجلس معاوية،و دعوته للحسن عليه السّلام لينالوا من أبيه عليه السّلام:أنّ الحسن عليه السّلام قال لهم في جملة ما قال:انشدكم اللّه أيّها الرّهط أ تعلمون أنّ الّذي شتمتموه منذ اليوم صلّى القبلتين كلتيهما،و أنت يا معاوية بهما كافر تراهما ضلالة،و تعبد اللاّت و العزّى غواية؟و انشدكم اللّه هل تعلمون أنّه أوّل النّاس إيمانا،و أنّك يا معاوية و أباك من المؤلّفة قلوبهم تسرّون الكفر،و تظهرون الإسلام و تستمالون بالإسلام؟و انشدكم اللّه ألستم تعلمون أنّه كان صاحب راية رسول اللّه يوم بدر،و أنّ راية المشركين كانت مع معاوية و أبيه،ثمّ لقيكم يوم أحد و يوم الأحزاب،و معه راية رسول اللّه و معك و مع أبيك راية الشّرك،و في كلّ ذلك يفتح اللّه له و يفلج حجّته،و ينصر دعوته،و يصدّق حديثه،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في تلك المواطن كلّها عنه راض،و عليك،و على أبيك ساخط؟و انشدك اللّه يا معاوية أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر،و أنت تسوقه،و أخوك


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:454،و [2]شرح ابن ميثم 4:432 مثل المصرية أيضا.

عتبة هذا يقوده فرآكم رسول اللّه،فقال:«اللّهمّ العن الرّاكب و القائد و السّائق»؟ أ تنسى يا معاوية الشّعر الّذي كتبته إلى أبيك لمّا همّ أن يسلم،تنهاه عن ذلك؟ يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الّذين ببدر أصبحوا فرقا

خالي و جدّي و عمّ الام ثالثهم و حنظل الخير قد أهدى لنا أرقا

لا تركننّ إلى أمر تكلفنا و الرّاقصات به في مكّة الخرقا

فالموت أهون من قول العداة لقد حار ابن حرب عن العزّى فرقا

و و اللّه لما أخفيت أكثر ممّا أبديت-إلى أن قال-و أنتم أيّها الرّهط نشدتكم اللّه ألا تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها.

أوّلها:يوم لقيه صلّى اللّه عليه و آله خارجا من مكّة إلى الطّائف يدعو ثقيفا إلى الدّين، فوقع فيه و سبّه و سفّهه،و شتمه و كذّبه،و توعّده و همّ أن يبطش به،فلعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و صرف عنه وجهه،و الثّانية:يوم العير،إذ عرض لها النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هي جائية من الشّام،فطردها أبو سفيان،و ساحل بها فلم يظفر بها المسلمون،و لعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و دعا عليه،فكانت وقعة بدر لأجلها،و الثّالثة:يوم احد،حيث وقف تحت الجبل-و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أعلاه-و هو ينادي:«اعل هبل»مرارا،فلعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عشر مرّات،و لعنه المسلمون،و الرّابعة:يوم جاء بالأحزاب و غطفان و اليهود،فلعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ابتهل،و الخامسة:يوم جاء في قريش،فصدّوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن المسجد الحرام «وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ» (1)

الفتح:25. [1]

ذلك يوم الحديبيّة،فلعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبا سفيان،و لعن القادة و الأتباع،و قال:ملعونون كلّهم،و ليس فيهم من يؤمن.فقيل:يا رسول اللّه أ فما ترجو الإسلام لأحد منهم،فكيف باللّعنة؟فقال:لا تصيب اللّعنة أحدا من

1) 1)

الأتباع،و أمّا القادة فلا يفلح منهم أحد.و السّادسة:يوم الجمل الأحمر، و السّابعة:يوم وقفوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في العقبة ليستنفروا ناقته،و كانوا اثني عشر رجلا،فهذا لك يا معاوية... (1)

رواه الزبير بن بكار في المفاخرات عنه شرح ابن أبي الحديد 2:102. [1]

.

«و أنّك لذهّاب في التّيه» قال الجوهري:التّيه:المفازة يتاه فيها (2).

«روّاغ» من:راغ الثّعلب يروغ،و في المثل:

وغي جعار و انظري أين المفرّ (3)«عن القصد» أي:عن مستقيم الطّريق،روى أحمد بن أبي طاهر في (بلاغاته)في وفود أروى بنت الحرث بن عبد المطّلب على معاوية:أنّها قالت له في جملة ما قالت:لقد كفرت بعدي بالنّعمة،و اسأت لابن عمّك الصحبة، و تسمّيت بغير اسمك،و أخذت غير حقّك بغير بلاء كان منك،و لا من آبائك في الإسلام،و لقد كفرتم بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه و آله،فأتعس اللّه منكم الجدود،و أصعر منكم الخدود (4).

«أ لا ترى غير مخبر لك» أي:أنّك أدنى من أن أجعلك طرف إخباري،و هذا أشدّ تبكيت للخصم،و في(الأغاني)سبّ رجل من قريش في أيّام بني امية بعض ولد الحسن عليه السّلام،فاغلظ له و هو ساكت،و النّاس يعجبون من صبره عليه،فلمّا أطال أقبل الحسني عليه متمثّلا بقول ابن ميادة:

أظنّت سفاها من سفاهة رأيها أن اهجوها لما هجتني محارب

فلا و أبيها إنّني بعشيرتي و نفسي عن ذلك المقام لراغب


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 6:2229 [2] مادة(تيه).

3) 3) مجمع الأمثال للميداني 1:289،و [3]المستقصى للزمخشري 2:105. [4]

4) 4) بلاغات النساء للبغدادي:43. [5]

فقام القرشي خجلا و ما ردّ عليه جوابا (1)

الأغاني لأبي الفرج 2:330.

.

«و لكن بنعمة اللّه احدّث» مأخوذ من قوله تعالى: «وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» (2)و التّحديث بنعمته عزّ و جلّ نوع من شكره تعالى،فإنّ من يذكر فضائل نفسه،لو اعتقدها من نعمه تعالى يخرج عن الفخر المذموم،و يدخل في الشّكر الممدوح،و قد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أنا سيّد ولد آدم و لا فخر (3).

«أن قوما استشهدوا في سبيل اللّه من المهاجرين و الأنصار» في(الطبري):

استشهد في بدر ستة من المهاجرين،و ثمانية من الأنصار (4).

«و لكلّ فضل» و من فضلاء شهداء الأنصار حنظلة غسيل الملائكة الّذي قتل بأحد،و قال فيه أبو سفيان-و كان ابنه حنظلة قتل في بدر-:حنظلة بحنظلة.

و منهم عاصم بن ثابت حمى الدبر،أبو جد الأحوص الشّاعر،بعثه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بعث فقتله المشركون،و أرادوا أن يصلبوه،و أن يقطعوا رأسه لامرأة منهم لتشرب في قحفه،كانت نذرت ذلك لكونه قتل ابنيها،فحمته الدّبر -و هي:النّحل-حتّى بعث اللّه الوادي في الليل فاحتمله فذهب به .

«حتّى إذا استشهد شهيدنا» يعني عليه السّلام عمّه حمزة الّذي قتله وحشي غلام جبير بن معطم النّوفلي في احد،قال الطّبري:كان وحشي حبشيّا يقذف بحربة له قذف الحبشة قلّما يخطىء بها،فقال له جبير:اخرج مع النّاس،فإن أنت قتلت عمّ محمّد بعمّي طعيمة بن عدي،فأنت عتيق.و كانت هند بنت عتبة كلّما


1) 1)

2) 2) الضحى:11. [1]

3) 3) هذا حديث مشهور أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه في سننه 2:1440 ح 4308 عن أبي سعيد و له طرق و ألفاظ غير ذلك.

4) 4) تاريخ الطبري 2:171 سنة 2 [2] نقلا عن ابن إسحاق.

مرّت بوحشي أو مرّ بها،قالت:إيه أبا دسمة اشف و اشتف-إلى أن قال-:قال وحشي:و اللّه إنّي لأنظر إلى حمزة يهدّ النّاس بسيفه ما يليق شيئا يمرّ به،مثل الجمل الأورق،إذ تقدّمني إليه سباع بن عبد العزّى،فقال له حمزة:هلّم إليّ يابن مقطّعة البظور،فضربه فكأنّما أخطأ رأسه.قال:و هززت حربتي حتّى إذا رضيت منها دفعتها عليه،فوقعت في لبّته حتّى خرجت من بين رجليه،و أقبل نحوي،فغلب فوقع،فأمهلته حتّى إذا مات،جئت فأخذت حربتي (1)

تاريخ الطبري 2:188-189 سنة 3 و [1]النقل بتقطيع.

.

«قيل سيّد الشّهداء» روى الطّبري في خطبة الحسين عليه السّلام يوم الطّف أنّه قال:«أ و ليس حمزة سيّد الشّهداء عمّ أبي» (2).

و روى الكليني عن الأصبغ قال:رأيت أمير المؤمنين عليه السّلام يوم افتتح البصرة،و ركب بغلّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ قال:أيّها النّاس ألا اخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم اللّه؟فقام إليه أبو أيوب الأنصاري،فقال:بلى يا أمير المؤمنين حدّثنا،فإنّك كنت تشهد و نغيب-إلى أن قال-فقال عليه السّلام:إنّ خير الخلق يوم يجمعهم اللّه الرّسل،و إنّ أفضل الرّسل محمّد صلّى اللّه عليه و آله،و إنّ أفضل كلّ امّة بعد نبيّها وصيّ نبيّها حتّى يدركه نبيّ،ألا و إنّ أفضل الأوصياء وصيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله،ألا و إنّ أفضل الخلق بعد الأوصياء الشّهداء،ألا و إنّ أفضل الشّهداء حمزة بن عبد المطّلب،و جعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة،لم ينحل لأحد من هذه الامّة جناحان غيره،شيء كرّم اللّه به محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و شرّفه.و السّبطان الحسن و الحسين،و المهدي يجعله اللّه منّا أهل البيت-ثمّ تلا هذه الآية-: «وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ»


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:322 سنة 61. [2]

«رَفِيقاً ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ عَلِيماً» (1)

الكافي للكليني 1:450 ح 34،و [1]الآيتان 69-70 من سورة النساء. [2]

.

و روى عن الصّادق عليه السّلام قال:بينا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المسجد الحرام،و عليه ثياب له جدد،فألقى المشركون عليه سلى ناقة،فملئوا و اثيابه بها،فدخله من ذلك ما شاء اللّه،فذهب إلى أبي طالب،فقال له:يا عمّ كيف ترى حسبي فيكم؟ فقال له:و ما ذاك يابن أخي؟فأخبره الخبر،فدعا أبو طالب حمزة،و أخذ السّيف و قال لحمزة:خذ السلى.ثمّ توجّه إلى القوم،و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله معه،فأتى قريشا و هم حول الكعبة،فلمّا رأوه عرفوا الشّرّ في وجهه،ثم قال لحمزة:أمرّ السلى على سبالهم.ففعل ذلك حتّى أتى على آخرهم،ثمّ التفت أبو طالب إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:يابن أخي هكذا حسبك فينا (2).

و روى الطّبري:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله وجد حمزة ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده،و مثّل به،فجدع أنفه و اذناه،فقال:لئن أنا أظهرني اللّه على قريش في موطن من المواطن لأمثّلن بثلاثين رجلا منهم.فلمّا رأى المسلمون حزن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و غيظه على ما فعل بعمه،قالوا:و اللّه لئن ظهرنا عليهم يوما من الدّهر،لنمثّلن بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد قطّ،و أن اللّه تعالى أنزل في ذلك،من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قول أصحابه: «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ» (3)إلى آخر السّورة،فعفا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و صبر و نهى عن المثلة (4).

و في(تفسير القمي):فلمّا رأى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما فعل بعمّه بكى،ثمّ قال:و اللّه ما وقفت موقفا قطّ أغيظ عليّ من هذا المكان،لئن أمكنني اللّه من قريش لامثّلن


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:449 ح 3. [3]

3) 3) النحل:126. [4]

4) 4) تاريخ الطبري 2:207-208 سنة 3،و [5]هذا تأليف ثلاثة أحاديث.

بسبعين رجلا منهم.فنزل عليه جبرئيل عليه السّلام فقال: «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ» (1)

النحل:126. [1]

.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:بل أصبر.قال القمي:هذه الآية في سورة النّحل كان يجب أن يكون في سورة آل عمران الّتي فيها أخبار احد (2).

«و خصّه رسول اللّه بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه» و كانت صلاته صلّى اللّه عليه و آله على باقي المؤمنين خمسا.

و أمّا الصّلاة بالأربع كما عليه العامّة فمن أحداث عمر،و روى الخطيب في[عيسى البزّاز المدائني مولى حذيفة]:أنّ عيسى صلّى بالمدائن على جنازة فكبّر خمسا.ثمّ التفت إلى النّاس،و قال:ما وهمت و لا نسيت،و لكن كبّرت كما كبّر مولاي و ولي نعمتي حذيفة،صلّى على جنازة فكبّر خمسا،ثمّ التفت إلينا فقال:ما نسيت و لا وهمت،و لكنّي كبّرت كما كبّر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،صلّى على جنازة فكبّر خمسا (3).

و عن(الجمع بين الصّحيحين):أنّ زيد بن أرقم كان يكبّر على جنائزنا أربعا،و أنّه كبّر على جنازة خمسا،فسئل،فقال:كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يكبّر خمسا خمسا (4).

و روى أبو الفرج في(مقاتله)في عيسى بن زيد:أنّ إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن صلّى على جنازة بالبصرة،فكبّر عليها أربعا،فقال له عيسى بن زيد:

لم نقّصت واحدة و قد عرفت تكبير أهلك؟فقال:إنّ هذا أجمع للنّاس،و نحن إلى


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 1:123،و [2]النقل بتصرف في اللفظ.

3) 3) تاريخ بغداد للخطيب 11:142. [3]

4) 4) نقله عن الجمع بين الصحيحين للحميدي ابن طاوس في الطرائف 2:551،و [4]أخرجه مسلم في صحيحه 2:659 ح 72،و النقل بتصرف في اللفظ.

اجتماعهم محتاجون،و ليس في تكبير تركتها ضرر إن شاء اللّه.ففارقه عيسى و اعتزله (1)

المقاتل لأبي الفرج:268،و في المصدر:223.

.

و يفهم من الخبر أنّ جميع العلويّين حتّى الزّيدية منهم كانوا يكبّرون خمسا،بل جميع الهاشميّين،حتّى العباسيّين كانوا كذلك،فرووا أنّ عيسى بن موسى صلّى على السّفّاح فكبّر خمسا،و أنّ القادر صلّى على الطّائع فكبّر خمسا.

و إنّما كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يكبّر أربعا على المنافقين،روى(الكافي)عن الصّادق عليه السّلام:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يكبّر على قوم خمسا،و على قوم أربعا،فإذا كبّر على رجل أربعا اتّهم بالنّفاق (2).

هذا،و في(قصص أنبياء الثّعلبي)المترجم ب‍(العرائس)قال ابن عبّاس:

فلمّا مات آدم قال شيث لجبرئيل عليه السّلام:صلّ على آدم.فقال له جبرئيل:تقدّم أنت فصلّ على أبيك.فصلّى عليه و كبّر ثلاثين تكبيرة.فأمّا خمس فهي الصّلاة،و أمّا خمس و عشرون فهي تفضيل لآدم عليه السّلام (3).

يفهم منه أنّ الصّلاة على المؤمنين كانت من أوّل يوم خمسا.

ثمّ الظّاهر أنّ تكبير النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على حمزة سبعين تكبيرا كان بتعدّد الصّلاة عليه،بأن يكون صلّى عليه أربع عشرة صلاة،كل صلاة خمسا، فروى(الكافي)عن الباقر عليه السّلام قال:كبّر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على حمزة سبعين تكبيرة، و كبّر عليّ عليه السّلام عندكم على سهل بن حنيف خمسا و عشرين تكبيرة،كبّر خمسا خمسا،كلّما أدركه النّاس قالوا:يا أمير المؤمنين عليه السّلام لم ندرك الصّلاة


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 3:181 ح 2. [1]

3) 3) العرائس للثعلبي:48.

على سهل،فيضعه فيكبّر عليه خمسا،حتّى انتهى إلى قبره خمس مرّات (1)

الكافي للكليني 3:186 ح 3. [1]

.

هذا،و في(تاريخ الخطيب)في[عبد اللّه بن سليمان السجستاني]:أنّه صلّي عليه ثمانين مرّة حتّى أنفذ المقتدر بنازوك،فخلّصوا جنازته و دفنوه (2).

و في(عيون ابن قتيبة)كانت صلاة العرب على موتاهم في الجاهليّة:

ما كنت و كواكا و لا بزونك رويدك حتّى يبعث الحقّ باعثه

و قال:معنى(و كواك)غليظ،و معنى(زونك)قصير (3).

ثمّ كما خصّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حمزة بسبعين تكبيرة بكى لعدم الباكي عليه، قال الطّبري:مرّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بدار من دور الأنصار،من بني عبد الأشهل و بني ظفر،فسمع البكاء و النّوائح على قتلاهم،فذرفت عينا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فبكى،ثمّ قال:

لكن حمزة لا بواكي له.فلمّا رجع سعد بن معاذ و أسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل،أمرا نساءهم أن يتحزّ من ثمّ يذهبن،فيبكين على عمّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (4).

«أ و لا ترى أنّ قوما قطّعت أيديهم في سبيل اللّه و لكلّ فضل» فممّن قطعت يده في بدر معاذ بن عمرو بن الجموح،ففي(الطبري)قال:ضربت أبا جهل ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه،و ضربني ابنه عكرمة على عاتقي،فطرح يدي فتعلّقت بجلدة من جنبي،و أجهضني القتال عنه،فلقد قاتلت عامّة يومي و أنّي لأسحبها خلفي،فلمّا آذتني جعلت عليها رجلي،ثمّ تمطّيت بها حتّى طرحتها.

قال:ثمّ عاش معاذ إلى زمن عثمان (5).


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 9:468. [2]

3) 3) عيون الأخبار لأبن قتيبة 2:129. [3]

4) 4) تاريخ الطبري 2:210 سنة 3. [4]

5) 5) تاريخ الطبري 2:154 سنة 3 و [5]النقل بتقطيع.

«حتّى إذا فعل بواحدنا» أي:جعفر أخوه عليه السّلام.

«ما» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(كما)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (1)

لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:454،و [1]شرح ابن ميثم 4:432 [2] مثل المصرية أيضا.

.

«فعل بواحدهم» من قطع اليد.

«قيل الطّيار في الجنّة و ذو الجناحين» روى الواقدي عن عبد اللّه بن جعفر:

أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله دخل على أسماء امّه،فنعى أباه-إلى أن قال-:يا أسماء ألا ابشّرك؟قالت:بلى بأبي أنت و امّي.قال:فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة.قالت:بأبي أنت و امّي يا رسول اللّه،فأعلم النّاس ذلك.فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و أخذ بيدي يمسح بيده على رأسي،حتّى رقى على المنبر، و أجلسني أمامه على الدرجة السّفلى،و الحزن يعرف عليه،فتكلّم فقال:إنّ المرء كثير بأخيه و ابن عمّه،ألا إنّ جعفرا قد استشهد،و قد جعل اللّه له جناحين يطير بهما في الجنّة (2).

و مرّ خبر(الكافي)عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:و إنّ أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطّلب،و جعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة،لم ينحل لأحد من هذه الامّة جناحان غيره،شيء كرّم اللّه به محمّدا و شرّفه (3).

و في(الطبري)في خطبة الحسين عليه السّلام يوم الطّف:أو ليس جعفر الشّهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي؟ (4)و روى(مقاتل أبي الفرج)عن أبي هريرة،عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:رأيت


1) 1)

2) 2) المغازي للواقدي 2:766. [3]

3) 3) الكافي للكليني 1:450 ح 34 [4] ضمن حديث.

4) 4) تاريخ الطبري 4:322 سنة 61.

جعفرا ملكا،يطير في الجنّة مع الملائكة بجناحين (1)

المقاتل لأبي الفرج:9.

.

و روى عن أبي جعفر عليه السّلام قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لجعفر:أشبهت خلقي و خلقي (2).

و روى أبو الفرج أيضا:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا فتح خيبر قدم عليه جعفر بن أبي طالب من الحبشة،فالتزمه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و جعل يقبّل بين عينيه،و يقول:ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحا:بقدوم جعفر أم بفتح خيبر (3)؟ و روى(الاستيعاب)عن عبد اللّه بن جعفر قال:كنت إذا سألت عليّا عليه السلام شيئا فمنعني و قلت له:بحقّ جعفر أعطاني (4).

و روى(روضة الكافي)عن سدير قال:كنّا عند أبي جعفر عليه السلام،فذكرنا ما أحدث النّاس بعد نبيّهم صلى اللّه عليه و آله،و استذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام،فقال رجل من القوم:أصلحك اللّه فأين كان عزّ بني هاشم،و ما كانوا فيه من العدد؟فقال أبو جعفر عليه السلام:و من كان بقي من بني هاشم؟إنّما كان جعفر و حمزة،فمضيا و بقي معه عليه السّلام رجلان ضعيفان ذليلان،حديثا عهد بالاسلام:عبّاس و عقيل، و كانا من الطّلقاء،أما و اللّه لو أن حمزة و جعفرا كانا بحضرتهما-أي الأوّل و الثاني-،ما وصلا إلى ما وصلا إليه،و لو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما (5).

و روى(الفقيه)عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:أوحى اللّه تعالى إلى رسوله:أنّي شكرت لجعفر بن أبي طالب أربع خصال.فدعاه


1) 1)

2) 2) أخرجه أبو الفرج في المقاتل:10 [1] عن الباقر عليه السلام،و روى أيضا عن البراء بن عازب و علي عليه السلام و اسامة و عبيد اللّه بن أسلم و ثابت و جابر و عبد اللّه بن جعفر و ابن سيرين.

3) 3) المقاتل لأبي الفرج:6.

4) 4) الاستيعاب لابن عبد البر 1:212. [2]

5) 5) الكافي للكليني 8:189 ح 216،كتاب الروضة. [3]

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأخبره،فقال له:لو لا أنّ اللّه تعالى أخبرك ما أخبرتك،ما شربت خمرا قطّ،لأنّي علمت أنّي إن شربتها زال عقلي،و ما كذبت قطّ لأنّ الكذب ينقص المروة،و ما زنيت قطّ،لأنّي خفت أنّي إذا عملت عمل بي،و ما عبدت صنما قطّ،لأنّي علمت أنّه لا يضرّ و لا ينفع.قال:فضرب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يده على عاتقه،و قال:حقّ على اللّه عزّ و جلّ أن يجعل لك جناحين،تطير بهما مع الملائكة في الجنّة (1)

الفقيه للصدوق 4:283 ح 23.

.

و روى أبو نعيم في(حليته)عن امّ سلمة قالت:لمّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا خير جار-إلى أن قالت-:فقال النّجاشي لهم:ما هذا الدّين الذي فارقتم فيه قومكم،و لم تدخلوا به في ديني و لا في دين أحد من هذه الامم؟فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب فقال له:أيّها الملك كنّا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة،و نأتي الفواحش،و نقطع الأرحام،و نسيء الجوار، و يأكل القويّ منّا الضعيف،و كنّا على ذلك حتّى بعث اللّه إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه،فدعانا إلى اللّه تعالى،لنوحّده و نعبده، و نخلع ما كنّا-نعبد نحن و آباؤنا-من دونه من الحجارة و الأوثان،و أمرنا بصدق الحديث،و أداء الأمانة و صلة الرّحم،و حسن الجوار،و الكفّ عن المحارم،و الدّماء،و نهانا عن الفحش،و قول الزّور،و أكل مال اليتيم،و قذف المحصنة،و أمرنا أن نعبد اللّه وحده و لا نشرك به شيئا،و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام-فعدّد عليه امور الإسلام-فصدّقناه و آمنّا به و اتّبعناه على ما جاء به من اللّه عزّ و جلّ،فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئا،و حرّمنا ما حرّم علينا،و أحللنا ما أحلّ لنا،فعدا علينا قومنا فعذّبونا و فتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللّه،و أن نستحل ما كنّا نستحلّ من


1) 1)

الخبائث،فلمّا قهرونا و ظلمونا و ضيّقوا علينا،و حالوا بيننا و بين ديننا، خرجنا إلى بلادك فاخترناك على من سواك،و رغبنا في جوارك،و رجونا أن لا نظلم عندك أيّها الملك.فقال له النّجاشي:فهل معك ممّا جاء به عن اللّه من شيء؟فقال له جعفر:نعم.فقال له:اقرأ عليّ.فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» .فبكى النجاشي-و اللّه-حتّى أخضل لحيته،و بكت أساقفته حتّى أخضلوا مصاحفهم،حين سمعوا ما تلا عليهم.ثمّ قال النّجاشي:إنّ هذا و الّذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة... (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:115.

.

و روى أيضا:أنّ النجاشي دعا جعفرا و جمع له النّصارى،و قال له:اقرأ عليهم ما معك من القرآن.فقرأ عليهم «كهيعص» ،ففاضت أعينهم.فنزلت:

«تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» (2).

و روى أيضا:أنّ جعفرا كان يحبّ المساكين،و يجلس إليهم،و يحدّثهم و يحدّثونه،و كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يسميّه:أبا المساكين (3).

و روي عن ابن عمر قال:فقدنا جعفرا يوم مؤتة فطلبناه في القتلى، فوجدنا به بين طعنة و رمية بضعا و تسعين،و وجدنا ذلك في ما أقبل من جسده (4).

هذا،و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر:اتّفق المحدّثون على أنّ زيد بن حارثة كان هو الأمير الأوّل(في مؤتة)،و أنكرت الشّيعة ذلك و قالوا:كان جعفر هو الأمير الأوّل،فإن قتل فزيد،فإن قتل فعبد اللّه بن رواحة،و رووا في ذلك روايات،و قد وجدت في الأشعار التي ذكرها محمّد بن إسحاق في كتاب


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء [2]لأبي نعيم 1:117،و الآية 83 من سورة المائدة. [3]

3) 3) حلية الأولياء [4]لأبي نعيم 1:117.

4) 4) حلية الأولياء [5]لأبي نعيم 1:117.

(المغازي)ما يشهد لقولهم،فمن ذلك ما رواه عن حسّان بن ثابت و هو:

تأوّبني ليل بيثرب أعسر و همّ إذا ما نوّم النّاس مسهر

لذكرى حبيب هيّجت لي عبرة سفوحا و أسباب البكاء التّذكّر

بلى إنّ فقدان الحبيب بليّة و كم من كريم يبتلى ثمّ يصبر

و لا يبعدنّ اللّه قتلى تتابعوا بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر

و زيد و عبد اللّه حين تتابعوا جميعا و أسياف المنيّة تخطر

رأيت خيار المؤمنين تواردوا شعوب و خلق بعدهم يتأخّر

غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم إلى الموت ميمون النّقيبة أزهر

أغرّ كضوء البدر من آل هاشم أبيّ إذا سيم الظّلامة أصعر

فطاعن حتّى مال غير موسّد بمعترك فيه القتال منكّر

فصار مع المستشهدين ثوابه جنان و ملتفّ الحديقة أخضر

و كنّا نرى في جعفر من محمّد وقارا و أمرا حازما حين يأمر

و ما زال في الاسلام من آل هاشم دعائم صدق لا ترام و مفخر

هم جبل الإسلام و النّاس حولهم رضام إلى طود يطول و يقهر

بها ليل منهم جعفر و ابن امّه عليّ و منهم أحمد المتخيّر

و منها قول كعب بن مالك الأنصاري:

نام العيون و دمع عينك يهمل سحّا كما و كف الرّباب المسبل

وجدا على النّفر الذين تتابعوا قتلى بمؤتة اسندوا لم ينقلوا

ساروا أمام المسلمين كأنّهم طود يقودهم الهزبر المشبل

إذ يهتدون بجعفر و لوائه قدام أوّلهم و نعم الأوّل (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:411 [1] شرح الكتاب 9،و النقل بتقطيع.

قلت:و زاد طبريهم في طنبور محدّثيهم في كون(زيد الأمير الأوّل


1) 1)

نغمة)،فروى ممّا افتعلوا خبرا في اعتراض جعفر على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و أنّه وثب و قال:ما كنت أذهب إن تستعمل زيدا عليّ (1)

تاريخ الطبري 2:322 سنة 8. [1]

.

فانّهم افتعلوا أصل تأمير زيد على جعفر عداوة لأمير المؤمنين عليه السّلام، حيث كان جعفر أخاه،كما أنّهم وضعوا اعتراض جعفر دفعا للشّنع عن صدّيقهم و فاروقهم،حيث أمّر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أوّلا عليهما زيدا ذاك،ثمّ بعده ابنه اسامة،فاعترض الرّجلان-هما و أتباعهما-على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ذلك،حتّى خطب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك (2).

و وضعوا أيضا اعتراض جعفر على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مقابل اعتراض فاروقهم على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الحديبية،بأنّا لم نقرّ بالدنيّة (3).

و وضعوا جوابا للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على اعتراض جعفر:فإنّك لا تدري أي ذلك خير (4).في قبال جوابه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعمر:إنّي رسول اللّه،و إنّ اللّه لا يأمرني إلاّ بالصّلاح» (5).

فإنّ ذاك الصّلح كان صلاحا للمسلمين فرأى المسلمون خيريته، و دخول جمع كثير من المشركين في الإسلام بواسطة لقاء المسلمين معهم آمنين،و احتجاجهم لحقيّة الإسلام،و أمّا تأمير زيد على جعفر فأيّ حكمة كانت فيه؟هل كان زيد أشجع من جعفر و أقدم على العدوّ؟


1) 1)

2) 2) صحيح البخاري 2:303 و 3:96 بطريقين،و غيره مرّ تخريجه في أوائل العنوان 8 من هذا الفصل.

3) 3) صحيح البخاري 2:205،و صحيح مسلم 3:1411 ح 94،و سيرة ابن هشام 3:203،و المغازي للواقدي 1:606 و 608،و تاريخ الطبري 2:280 سنة 6.

4) 4) تاريخ الطبري 2:322 سنة 8.

5) 5) صحيح البخاري 2:205،و صحيح مسلم 3:1411 ح 94،و سيرة ابن هشام 3:203،و المغازي للواقدي 1:606، 608،و تاريخ الطبري 2:280 سنة 6.

و قد رووا و منهم أبو عمر في(استيعابه):أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:مثل لي جعفر و زيد و ابن رواحة في خيمة من درّ،كلّ واحد منهم على سرير،فرأيت زيدا و ابن رواحة في أعناقهما صدود،و رأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود،فسألت،فقيل لي:إنّهما حين غشيا الموت أعرضا،أو كأنّهما صدّا بوجوههما،و أمّا جعفر فانّه لم يفعل (1)

الاستيعاب لابن عبد البر 1:212. [1]

.

و يأتي خبر كاتب الواقدي،و في(ذيله):و رأيت في بعضهم أعراضا كأنّه كره السّيف،و رأيت جعفرا ملكا ذا جناحين مضرّجا بالدّماء (2).

ثمّ إنّهم ما يفعلون بقول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المتّفق عليه،و المتواتر في جعفر:أنّه كالملائكة ذو جناحين طيّار في الجنّة (3)،دون زيد الأمير عليه بزعمهم،و دون عبد اللّه الذي قتل معه؟فهل كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أفعاله خلاف الحكمة؟ «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (4).

و ما يفعلون بلعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-في المستفيض و المتّفق عليه-المتخلّف عن جيش أسامة (5)،و قد تخلّفا عنه.

و هل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر

ثمّ ما ادّعاه ابن أبي الحديد،من اتّفاق محدّثيهم على أنّ زيدا الأمير


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 2 [2] ق 1:94،و يأتي عن قريب.

3) 3) أخرجه ابن سعد بطريقين في الطبقات 4 ق 1:26 عن علي عليه السّلام،و في الباب عن أبي هريرة و ابن عباس و عبد اللّه بن جعفر و سلمان و أبي أيوب و حذيفة و أبي عامر و غيرهم.

4) 4) التوبة:32. [3]

5) 5) لعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المتخلف عن جيشه،رواه الجوهري في السقيفة:75 [4] مسندا،و الشهرستاني في الملل و النحل 1: 29،و الكوفي في الاستغاثة:25،و [5]القاضي النعمان في الدعائم 1:41. [6]

الأوّل،باطل،كيف و قد روى كاتب الواقدي في(طبقاته)عن بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة عن عيسى بن المختار عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن سالم بن أبي الجعد عن أبي اليسر عن أبي عامر،قال:بعثني النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الشّام،فلمّا رجعت مررت على أصحابي و هم يقاتلون المشركين بمؤتة،قلت:و اللّه لا أبرح اليوم حتّى أنظر إلى ما يصير أمرهم.

فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب و لبس السّلاح-و كان رأس القوم-ثمّ حمل جعفر،حتّى إذا همّ أن يخالط العدوّ رجع،فوحّش بالسلاح،ثمّ حمل على العدوّ فطاعن حتّى قتل-إلى أن قال-فأتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأخبرته،فشقّ ذلك عليه، فصلّى الظهر ثمّ دخل-إلى أن قال-حتّى إذا كان صلاة الصبح دخل المسجد ثمّ تبسّم-و كان تلك الساعة لا يقوم إليه إنسان من ناحية المسجد حتّى يصلّي الغداة-فقال له القوم حين تبسّم:يا نبي اللّه بأنفسنا أنت ما يعلم إلاّ اللّه ما كان بنا من الوجد،منذ رأينا منك الذي رأينا.قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:كان الذي رأيتم منّي أنّه أحزنني قتل أصحابي،حتّى رأيتهم في الجنّة «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» (1)

الحجر:47. [1]

،و رأيت في بعضهم أعراضا،كأنّه كره السّيف،و رأيت جعفرا ملكا ذا جناحين مضرّجا بالدّماء مصبوغ القوادم (2).

هذا،و لم يلقّب أحد سيّد الشهداء بعد حمزة،إلاّ أبو عبد اللّه الحسين بن علي عليه السّلام،كان عليه السّلام سيّد الشهداء:الأوّلين و الآخرين،و لم يلقّب أحد الطيّار بعد جعفر،إلاّ أبو الفضل العبّاس بن علي رضوان اللّه عليه.

روى جعفر بن قولويه في(كامله)عن امّ سعيد الأحمسيّة،قالت:دخلت المدينة فاكتريت حمارا،على أن أطوف على قبور الشهداء،فقلت:أبدأ بابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأدخل عليه.فأبطأت على المكاري قليلا فهتف بي،فقال لي


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 1 ق 1:94،و ذكر ضمن الحديث:و قال غيره أخذ زيد اللواء.

أبو عبد اللّه عليه السّلام:ما هذا يا امّ سعيد؟قلت له:جعلت فداك تكاريت حمارا أدور على قبور الشهداء.قال:أفلا اخبرك بسيّد الشّهداء؟قلت:بلى.قال:الحسين بن عليّ عليه السّلام.قلت:و إنّه لسيّد الشهداء؟قال:نعم.قلت:فما لمن زاره؟قال:حجّة و عمرة،و من الخير هكذا و هكذا (1)

كامل الزيارات لابن قولويه:110 ح 5. [1]

.

و عن أبي بصير عنه عليه السّلام قال:ما من شهيد إلاّ و هو يحبّ لو أنّ الحسين بن علي عليه السّلام حيّ،يستشهدون معه،و يدخلون الجنّة معه (2).

و روى ابن بابويه عن عليّ بن الحسين عليه السّلام قال:رحم اللّه العبّاس-يعني ابن عليّ-فلقد آثر و أبلى،و فدى أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه،فأبدله اللّه بهما جناحين،يطير بهما مع الملائكة في الجنّة،كما جعل لجعفر بن أبي طالب،و إنّ للعبّاس عند اللّه تبارك و تعالى لمنزلة،يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة (3).

«و لو لا ما نهى اللّه عنه من تزكية المرء نفسه» في قوله جلّ و علا: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» (4).

«لذكر ذاكر» يريد عليه السّلام نفسه.

«فضائل جمّة» أي:كثيرة،في(تذكرة سبط ابن الجوزي):فضائل علي عليه السّلام أشهر من الشّمس و القمر،و أكثر من الحصى و المدر،و قد روى مجاهد:أنّ رجلا قال لابن عبّاس:ما أكثر فضائل عليّ بن أبي طالب،و إنّي لأظنّها ثلاثة آلاف.فقال له ابن عبّاس:هي إلى الثّلاثين ألفا أقرب من ثلاثة آلاف،ثمّ قال:لو أن الشجر أقلام،و البحور مداد،و الإنس و الجنّ كتّاب


1) 1)

2) 2) كامل الزيارات لابن قولويه:111 ح 7. [2]

3) 3) الخصال للصدوق:68 ح 101،و أماليه:373 ح 10 المجلس 70،و [3]مقتل الحسين [4]كما ذكر نفسه في الخصال.

4) 4) النجم:32. [5]

و حسّاب،ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام (1)

تذكرة الخواص:13 و [1]النقل بتقطيع.

.

قلت:و لنعم ما قال شباب التّستري بالفارسية في فضائله عليه السّلام:

كتاب فضل ترا آب بحر كافى نيست كه تر كنند سر انگشت و صفحه بشمارند

و قال الجاحظ مع نصبه،في رسالة له في فضل أهل البيت عليهم السّلام-و قد نقل الرّسالة سليمان الحنفي في كتابه(ينابيع المودّة)-:فأمّا عليّ بن أبي طالب فلو أفردنا لفضائله الشريفة،و مقاماته الكريمة،و درجاته الرفيعة، و مناقبه السّنية لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال،و الدفاتر العراض،فالعرق صحيح من آدم عليه السّلام،و النسب صريح،و المولد مكان معظّم،و المنشأ مبارك مكرّم،و الشّأن عظيم،و العمل جسيم،و العلم كثير،و ليس له نظير،و الهمّة عالية،و القوّة كاملة،و البيان عجيب،و اللسان خطيب،و الصدر رحيب.

فأخلاقه وفق اعراقه،و حديثه يشهد على تقديمه،و لا يسعني استقصاء جميع فضله،و يتعذّر لنا تبيان كلّ حقّه...و قال أيضا:إنّه أطاع اللّه و رسوله قبل الأصحاب،و معهم و بعدهم،و امتحن بما لم يمتحن به ذو عزم،و ابتلي بما لم يبتل به ذو صبر،و بلغ به أشرف المنازل،و أرفع الدّرجات في جوار ربّ العزّة... (2).

و روى الخطيب مع نصبه في(لؤلؤ بن عبد اللّه القيصري)-الذي قال فيه:

لم أسمع أحدا من شيوخنا يذكره إلاّ بالجميل-باسناده عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:

لمبارزة عليّ يوم الخندق أفضل من عمل امّتي إلى يوم القيامة (3).


1) 1)

2) 2) ينابيع المودّة للقندوزي:153،155 [2] عن فضائل بني هاشم للجاحظ.

3) 3) تاريخ بغداد للخطيب 13:19 و [3]النقل بتصرّف يسير.

و قال سبط ابن الجوزي:إنّ فضائله عليه السّلام قسمان:قسم مستنبط من الكتاب،و الثّاني من السّنّة الظاهرة التي لا شكّ فيها و لا ارتياب.فأمّا نصوص الكتاب فآيات،منها قوله تعالى في البقرة: «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ» (1)

البقرة:43. [1]

.روى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال:أوّل من ركع مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّ عليه السّلام،فنزلت فيه هذه الآية.

قال:و منها قوله تعالى في البقرة أيضا: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً» (2).روى عكرمة عن ابن عبّاس قال:كان مع عليّ عليه السّلام أربعة دراهم،فتصدّق بدرهم ليلا،و بدرهم نهارا،و بدرهم سرّا،و بدرهم علانية،فنزلت فيه هذه الآية.

قال:و منها قوله تعالى في آل عمران: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (3).قال جابر بن عبد اللّه الأنصاري في ما رواه عنه أهل السّير:قدم و فد نجران على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و فيهم السّيد و العاقب و جماعة من الأساقفة،فقالوا:من أبو موسى؟فقال:عمران.

قالوا:فأبوك؟قال:أبي عبد اللّه بن عبد المطّلب.قالوا:فعيسى من أبوه؟فسكت ينتظر الوحي.فنزل قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ» (4).قالوا:لا نجدها في ما اوحي إلى أنبيائنا.فقال:كذبتم.فنزل قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى»


1) 1)

2) 2) البقرة:274. [2]

3) 3) آل عمران:61. [3]

4) 4) آل عمران:59. [4]

«الْكاذِبِينَ» (1)

آل عمران:61. [1]

.قالوا:أنصفت فمتى نباهلك؟قال:غدا إن شاء اللّه.فانصرفوا، و قال بعضهم لبعض:إن خرج في عدّة من أصحابه فباهلوه،لأنّه غير نبيّ، و إن خرج في أهل بيته فلا تباهلوه،فإنّه نبيّ صادق،و لئن باهلتموه لتهلكنّ.

ثمّ بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أهل المدينة و من حولها،فلم تبق بكر و لا آنس إلاّ و خرجت،و خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام بين يديه،و الحسن عليه السّلام عن يمينه، و الحسين عليه السّلام عن شماله،و فاطمة عليها السّلام خلفه.ثمّ قال:هلمّوا فهؤلاء أبناؤنا و أشار إلى الحسن و الحسين عليهما السّلام و هذه نساؤنا يعني فاطمة عليها السّلام و هذه أنفسنا يعني نفسي-و أشار إلى عليّ عليه السّلام-فلمّا رأى القوم ذلك خافوا و جاءوا إلى بين يديه،فقالوا:أقلنا أقالك اللّه.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الّذي نفسي بيده،لو خرجوا لامتلأ الوادي عليهم نارا.

ثمّ قال:و ذكر الثعلبي في(تفسيره):أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله غدا محتضنا الحسين عليه السّلام،آخذا بيد الحسن عليه السّلام و فاطمة عليها السّلام تمشي خلفه و عليّ عليه السّلام خلفهم،و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:إذا دعوت فأمّنوا.فقال اسقف نجران:يا معاشر النّصارى إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله،فلا تبتهلوا فتهلكوا،و لا يبقى على وجه الأرض إلاّ مسلم.فرجعوا إلى بلادهم، و صالحوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على ألفي حلّة.

قال:و منها في المائدة قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (2).ذكر الثّعلبي في(تفسيره)عن السدي و عتبة بن أبي حكيم،و غالب بن عبد اللّه قالوا:نزلت هذه الآية في عليّ عليه السّلام،مرّ به سائل و هو في المسجد راكع فأعطاه خاتمه.قال:


1) 1)

2) 2) المائدة:55. [2]

و ذكر الثعلبي القصّة مسندة إلى أبي ذرّ الغفاري،فقال:صلّيت يوما صلاة الظهر في المسجد و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حاضر.فقام سائل فسأل فلم يعطه أحد شيئا.

قال:و كان عليّ عليه السّلام قد ركع فأومأ إلى السّائل بخنصره،فأخذ الخاتم من خنصره،و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعاين ذلك،فرفع رأسه إلى السّماء و قال:اللهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي» ... «وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (1)

طه:25-32. [1]

،فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما» (2)،اللهمّ و أنا محمّد صفيّك و نبيّك فاشرح لي صدري و يسّر لي أمري و اجعل لي وزيرا من أهلي(عليّا)أشدد به أزري-أو قال-:ظهري.قال أبو ذر:فو اللّه ما استتمّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الكلمة حتّى نزل جبرئيل من عند اللّه تعالى،فقال:يا محمّد اقرأ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» (3)-و في رواية اخرى-:

خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام قائم يصلّي،و في المسجد سائل معه خاتم،فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:هل أعطاك أحد شيئا؟فقال:نعم،ذلك المصلّي،هذا الخاتم و هو راكع.فكبّر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و نزل جبرئيل عليه السّلام يتلو هذه الآية (4).فقال حسّان بن ثابت:

أبا حسن تفديك روحي و مهجتي و كل بطيء في الهدى و مسارع

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا فدتك نفوس الخلق يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّد و يا خير شار ثمّ يا خير بائع

فأنزل فيك اللّه خير ولاية و بيّنها في محكمات الشرائع


1) 1)

2) 2) القصص:35. [2]

3) 3) المائدة:55. [3]

4) 4) المائدة:55.

و قال أيضا:

من ذا بخاتمه تصدّق راكعا و أسرّها في نفسه إسرارا

من كان بات على فراش محمّد و محمّد سرى يؤمّ الغارا

من كان في القرآن سمّي مؤمنا في تسع آيات تلين غزارا

قال:و منها ما في البراءة قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ» (1)

التوبة:119. [1]

.قال علماء السّير:معناه كونوا مع عليّ عليه السّلام و أهل بيته.قال ابن عبّاس:عليّ عليه السّلام سيّد الصادقين.

قال:و منها في هود قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (2).ذكر الثعلبي في(تفسيره)عن ابن عبّاس:أنّه عليّ عليه السّلام، و معنى: «وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» :أنّه أقرب النّاس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.و ذكر الثعلبي أيضا بإسناده عن عليّ عليه السّلام من رواية زاذان قال:سمعته يقول:و الذي فلق الحبّة،و برأ النسمة،لو ثنيت لي و سادة لحكمت بين أهل التوارة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم،و بين أهل الزّبور بزبورهم،و بين أهل الفرقان بفرقانهم،و الذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و أنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النّار.فقال له رجل:يا أمير المؤمنين فما آيتك التي انزلت فيك؟فقال: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على بيّنة و أنا شاهد منه.

قال:و منها في آخر مريم قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» (3)قال ابن عبّاس:هذا الودّ جعله اللّه


1) 1)

2) 2) هود:17. [2]

3) 3) مريم:96. [3]

لعليّ في قلوب المؤمنين،و قد روى الثعلبي هذا المعنى مسندا في تفسير إلى البراء بن عازب قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام:قل:«اللهمّ اجعل لي عندك عهدا و اجعل لي في صدور المؤمنين مودّة»فانزل اللّه تعالى هذه الآية.

قال:و منها في الأحزاب قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ» (1)

الاحزاب:23. [1]

.قال عكرمة:الذي ينتظر أمير المؤمنين عليه السّلام.و أمّا قوله تعالى في هذه السورة: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)فسنذكره في ما بعد إن شاء اللّه تعالى.

قال:و منها في الصّافات قوله تعالى: «وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» (3).

قال مجاهد:عن حبّ عليّ عليه السّلام.

قال:و منها في الجاثية قوله تعالى: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً» (4).عن ابن عبّاس:نزلت في عليّ عليه السّلام يوم بدر «الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ» (5):عتبة و شيبة.

«كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ» (6):عليّ عليه السّلام.

قال:و منها قوله تعالى في الواقعة قوله تعالى: «وَ السّابِقُونَ السّابِقُونَ» (7).روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس:أوّل من صلّى مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّ عليه السّلام و فيه نزلت هذه الآية.

قال:و منها في المجادلة قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ»


1) 1)

2) 2) الاحزاب:33. [2]

3) 3) الصافات:24. [3]

4) 4) الجاثية:21. [4]

5) 5) الجاثية:21. [5]

6) 6) الجاثية:21. [6]

7) 7) الواقعة:10. [7]

«الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً» (1)

المجادلة:12. [1]

.قال علماء التأويل:نزلت في عليّ عليه السّلام،تصدّق بدينار ثمّ ناجى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فاقتدى به المسلمون،ثمّ نزلت الرّخصة.و قد أشار إلى القصّة الثعلبي في(تفسيره)فقال:عن ابن عبّاس:

سأل النّاس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و احفوه في المسألة،فأدّبهم اللّه بهذه الآية.حكى الثعلبي عن مجاهد قال:نهوا عن مناجاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى يتصدّقوا،فلم يناجه إلاّ علي عليه السّلام،قدّم دينارا فتصدّق به،و قال عليّ عليه السّلام:إنّ في كتاب اللّه لآية ما عمل بها أحد قبلي،و لا يعمل بها أحد بعدي-و تلا هذه الآية-.و كان ابن عمر يقول:كانت لعليّ عليه السّلام ثلاث،لو كان لي واحدة منهنّ كانت أحبّ إليّ من حمر النّعم:تزويجه فاطمة عليها السّلام،و إعطاؤه الراية يوم خيبر،و آية النّجوى (2).

قال:و منها في سورة(لم يكن)قوله تعالى: «أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ» (3).قال مجاهد:هم عليّ عليه السّلام و أهل بيته،و محبّوهم.

قال السّبط:و في القرآن آيات كثيرة اقتصرنا على هذه الجملة،لأنّها غزيرة،و سنذكر بعضها في غضون الأبواب،ممّا لا يخرج عن مقصود الكتاب كقوله تعالى في السّجدة: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (4).

قلت:الآية الأخيرة،أجمع أهل العلم-كما صرّح به ابن عبد البرّ-على نزولها في أمير المؤمنين عليه السّلام مع الوليد بن عقبة (5).و قد روى أحمد بن حنبل و غيره نزول قوله تعالى: «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ»


1) 1)

2) 2) المجادلة:12.

3) 3) البيّنة:7. [2]

4) 4) تذكرة الخواص:13-18،و [3]النقل بتقطيع يسير،و الآية 18-19 من سورة السجدة. [4]

5) 5) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 3:632،و [5]السيوطي عن جمع كثير في الدر المنثور 5:177-178. [6]

«اللّهِ» (1)

البقرة:207. [1]

فيه،لمّا بات على فراش النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،كما يأتي في كلام السّبط أيضا (2).

و منها آيات «هَلْ أَتى» من قوله تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً» ... «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» (3).فنقل ابن طلحة الشافعي في كتابه عن(تفسير الواحدي)و غيره:أنّ عليّا عليه السّلام آجر نفسه ليلة إلى الصبح،يسقي نخلا بشيء من شعير،فلمّا أصبح و قبض الشعير طحن ثلثه،و جعلوا منه شيئا يأكلونه،يسمّى الحريرة،فلمّا تمّ انضاجه أتى مسكين،فاخرجوا إليه الطعام،ثمّ عمل الثلث الثاني،فلمّا تمّ انضاجه أتى يتيم،فسأل فأطعموه،ثمّ عمل الثّلث الباقي،فلمّا تمّ انضاجه أتى أسير من المشركين،فسأل فأطعموه،و طووا-عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام-فاطّلع اللّه تعالى على نبيّهم،و أنّ القصد في ذلك الفعل وجه اللّه تعالى،طلبا لنيل ثوابه و نجاة من عقابه،فأنزل اللّه تعالى: «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ» (4)إلى آخر الآيات.

و قال السّبط أيضا بعد ما مرّ:و أمّا السّنّة فبأخبار نبدأ منها بما ثبت في الصحيح و المشاهير من الآثار،حديث في إخبار النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام.قال أحمد في المسند-و قد تقدّم اسناده-:حدّثنا محمّد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن مصعب بعد سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص،قال:خلّف النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا عليه السّلام في غزاة تبوك في أهله،فقال:يا رسول اللّه تخلفني في


1) 1)

2) 2) مسند أحمد 1:331،و ابن عساكر بطريقين في ترجمة علي عليه السّلام 1:153 ح 187،188،و [2]غيرهما،و يأتي أيضا في ادامة هذا العنوان.

3) 3) الإنسان:5-22. [3]

4) 4) مطالب السؤول لابن طلحة:31،و هو في أسباب النزول:296 [4] لا تفسير الواحدي،و الآية 8 من سورة الانسان. [5]

النساء و الصبيان؟فقال:ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي؟أخرجاه في(الصحيحين)و اتّفقا عليه (1)

مسند أحمد 1:182،و [1]صحيح البخاري 3:86،و صحيح مسلم 4:1870 ح 31،و رواه عنهم في تذكرة الخواص:18. [2]

.

و قد أخرج مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص،قال:أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا و قال له:ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟فقال سعد:أمّا ما ذكرت فثلاث سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قالهنّ له،فلن أسبّه أبدا،لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم-و ذكر منها حديث الرّاية و سنذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى-و الثانية:لمّا نزل قوله تعالى: «نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (2)-الى أن قال-دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام،و قال:اللهمّ هؤلاء أهلي.و الثالثة:سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد خلّفه في بعض مغازيه،فقال:يا رسول اللّه تركتني مع النّساء و الصّبيان؟فقال:ألا ترضى...؟ (3)و قد ذكر المسعودي في(المروج):أنّ سعدا لمّا قال لمعاوية هذه المقالة،قال له معاوية:ما كنت عندي ألأم منك الآن فألانصرته،و لم قعدت عن بيعته؟-و كان سعد قد تخلّف عن بيعته-ثمّ قال معاوية:أما إنّي لو سمعت من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما سمعت في عليّ،لكنت له خادما ما عشت (4).

قال:و قد أخرج أحمد بن حنبل هذا الحديث في كتاب(الفضائل)الذي صنّفه لأمير المؤمنين عليه السّلام،و ذكر إسناده عن مجدوح بن زيد الباهلي،قال:

آخى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بين المهاجرين و الأنصار فبكى عليّ عليه السّلام،فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما يبكيك؟فقال:لم تؤاخ بيني و بين أحد.فقال:إنّما ادّخرتك لنفسي.ثمّ قال


1) 1)

2) 2) آل عمران:61. [3]

3) 3) صحيح مسلم 4:1871 ح 32 و عنه تذكرة الخواص:18. [4]

4) 4) مروج الذهب للمسعودي 3:14 و [5]عنه تذكرة الخواص:19. [6]

لعليّ عليه السّلام:أنت منّي بمنزلة هارون من موسى...ثمّ قال:يا عليّ أما علمت أنّ أوّل من يدعى به يوم القيامة أنا،فأقوم عن يمين العرش في ظلة،فأكسى حلّة خضراء من حلل الجنّة،ثمّ يدعى بالنّبيين بعضهم على أثر بعض،فيقومون سماطين على يمين العرش و يساره-إلى أن قال-:ثمّ أنت أوّل من يدعى به لقرابتك منّي و منزلتك عندي،و يدفع إليك لوائي-و هو لواء الحمد-فتسير به بين السّماطين آدم و من دونه و جميع خلق اللّه يستظلّون بظلّ لوائي يوم القيامة و طوله مسيرة ألف سنة-إلى أن قال-فتسير باللواء و الحسن عن يمينك و الحسين عن يسارك حتّى تقف بيني و بين إبراهيم عليه السّلام في ظلّ العرش،و تكسى حلّة خضراء من حلل الجنّة،و ينادي مناد من تحت العرش:

نعم الأب أبوك إبراهيم،و نعم الأخ أخوك عليّ،أبشر يا عليّ فإنّك ستكسى إذا كسيت،و تدعى إذا دعيت،و تحيا إذا حييت،و تقف على عقر حوضي تسقي من عرفت.فكان علي عليه السّلام يقول:و الذي نفسي بيده لأذودنّ عن حوض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أقواما من المنافقين كما تذاد غريبة الإبل عن الحوض ترده (1)

تذكرة الخواص لابن الجوزي:19،20 و [1]النقل بتأليف الشتات.

.

و قال السبط أيضا:و قد أخرج أحمد في(الفضائل)عن جابر قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:يا عليّ و الذي نفسي بيده إنّ على باب الجنّة مكتوبا:«لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه عليّ بن أبي طالب أخو رسول اللّه»قبل أن يخلق اللّه السماوات و الأرض بألفي سنة.قال السبط:رواه أحمد من غير طريق زكريّا بن يحيى الذي ضعّفه ابن معين (2).

و روى أيضا عن أحمد في(الفضائل):عن أسماء بنت عميس عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:اللهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى: «وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ»


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:22 و [2]نقل ذيل الحديث الأوّل بالمعنى.

«أَهْلِي» .(عليا) «اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً» (1)

تذكرة الخواص:22،و [1]الآيات 29-34 من سورة طه. [2]

.

و نقل أيضا رواية أحمد عن سعيد بن المسيّب:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال و قد آخى بين أصحابه:أين عليّ؟فجاء،فقال:يا عليّ أنت أخي و أنا أخوك،فإن ناكرك أحد فقل:أنا عبد اللّه و أخو رسوله،و اللّه لا يدّعيها بعدك إلاّ كذّاب-إلى أن قال-عن عبد اللّه بن أبي أوفى،قال:دخلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مسجده.فقال لي:أين فلان،و أين فلان؟فجعل ينظر في وجوه أصحابه و يتفقّدهم،و يبعث إليهم حتّى توافوا عنده،فحمد اللّه و أثنى عليه و آخى بينهم،فقال له عليّ عليه السّلام:

لقد اذهبت روحي يا رسول اللّه حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من اللّه فلك العتبى و الكرامة.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:و الذي بعثني بالحق ما أخّرتك إلاّ لنفسي،و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى،و أنت أخي و وارثي.فقال:يا رسول اللّه و ما أرث منك؟قال:ما ورث الأنبياء قبلي.قال:و ما ورثوا؟قال:كتاب اللّه و سنن أنبيائه،و أنت معي في قصري في الجنّة،مع فاطمة ابنتي و الحسن و الحسين ابنيّ،و أنت رفيقي.ثمّ تلا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

«إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» (2).

و قال:خرّجه أحمد في(الفضائل)من غير رواية عبد المؤمن الضعيف و رجاله ثقات (3).

قال:حديث الراية:

و روى عن(مسند أحمد)و(صحيحي مسلم و البخاري)عن سهل بن


1) 1)

2) 2) الحجر:47. [3]

3) 3) تذكرة الخواص:22. [4]

سعد،قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم خيبر:لاعطين الراية-أو هذه الراية-غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله،و يحبّه اللّه و رسوله،يفتح اللّه على يديه،فبات الناس يدوكون أيّهم يعطاها؟فلمّا أصبحوا غدوا على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يرجو كلّ أن يعطاها،فقال:أين علي؟فقيل:يا رسول اللّه هو أرمد-أو يشتكي عينيه-قال:

فأرسلوا إليه،فجاء فبصق في عينه و دعا له،فبرأ كأن لم يكن به وجع،فأعطاه الراية-إلى أن قال-:إنّ عمر قال في ذلك اليوم:ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها،فدعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا فدفعها إليه،و قال له:

امش حتّى يفتح اللّه عليك و لا تلتفت (1)

مسند أحمد 5:333،و [1]صحيح البخاري 2:299،و صحيح مسلم 4:1872 ح 34،و رواه عنهم تذكرة الخواص:24. [2]

.

و نقل أيضا رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن أحمد بن حنبل عن بريدة قال:حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر،فلم يفتح له،ثمّ أخذه عمر من الغد،فرجع و لم يفتح له،و أصاب الناس شدّة و جهد،فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّي دافع اللواء غدا إلى رجل يحبّه اللّه و رسوله،لا يرجع حتّى يفتح-أو يفتح اللّه-على يديه.فبتنا طيبة أنفسنا أنّ الفتح غدا،فلمّا صلّى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الفجر قام فدعا باللواء و النّاس على مصافّهم،ثم دعا عليّا عليه السّلام-إلى أن قال-فبرز إليه من خيبر مرحب و هو يرتجز-إلى أن قال-:ثمّ ضرب رأس مرحب بالسيف ففلقه.قال عليّ عليه السّلام:و جئت برأس مرحب بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فسرّ بذلك،و دعا لي (2).

و ذكر أحمد في(الفضائل)أيضا:أنّهم سمعوا تكبيرا من السّماء في ذلك اليوم،و قائل يقول:

لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ عليّ

فاستأذن حسّان بن ثابت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن ينشد شعرا،فأذن له،فقال:


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:25. [3]

جبريل نادى معلنا و النّقع ليس بمنجلي

و المسلمون قد احدقوا حول النّبيّ المرسل

لا سيف إلاّ ذو الفقا ر و لا فتى إلاّ علي

-إلى أن قال-:و قال جابر:حمل عليّ عليه السّلام باب خيبر وحده،فدحاه ناحية،ثمّ جاء بعده اناس يحملونه،فلم يحمله إلاّ أربعون رجلا (1)

تذكرة الخواص:26. [1]

.

و ذكر الطبري في(تاريخه)عن أبي رافع مولى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أنّ عليّا عليه السّلام لمّا دنا من الحصن(أحد حصون خيبر)خرج إليه أهله فقاتلهم،فضربه رجل من اليهود،فطرح ترسه من يده،فتناول علي عليه السّلام بابا كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه،فلم يزل في يده و هو يقاتل حتّى فتح اللّه على يده،ثمّ ألقاه من يده حين فرغ.قال أبو رافع:فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم،نجهد أن نقلّب ذلك الباب،فما نقلبه.و قيل:هذا الحصن اسمه قموص،و هو الذي أخذ علي عليه السّلام منه صفية،و جاء بها إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (2).

قال:حديث في ارتقائه على كتفي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟ و نقل رواية مسند أحمد بن حنبل عن أبي مريم عن عليّ عليه السّلام،قال:

انطلقت أنا و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى أتينا الكعبة،فقال لي رسول اللّه:اجلس.

فجلست،فصعد على كتفي فذهبت لأنهض به،فلم أطق و رأى منّي ضعفا، فنزل و جلس لي رسول اللّه،ثمّ قال:اصعد على منكبي،فصعدت على منكبه فنهض بي،و أنّه ليخيّل لي أنّي لو شئت أن أنال افق السماء لنلته،حتّى صعدت على البيت،و عليه تمثال صفر أو نحاس،فجعلت ازاوله عن يمينه و شماله، و بين يديه و من خلفه،حتّى إذا استمكنت منه قال لي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:اقذف به.


1) 1)

2) 2) رواه الطبري في تاريخه 2:301 سنة 7،و [2]رواه عنه في تذكرة الخواص:27 و [3]اللّفظ للأصل.

فقذفته فتكسّر كما تكسّر القوارير،ثمّ نزلت،فانطلقنا نستبق حتّى توارينا بالبيوت،خشية أن يلقانا أحد من الناس.قال سعيد بن المسيب:فلهذا كان عليّ عليه السّلام يقول:سلوني عن طرق السماوات،فإنّي أعرف بها من طرق الأرضين،و لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.قال سعيد بن المسيب لم يكن أحد من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقولها إلاّ علي عليه السّلام (1)

مسند أحمد 1:84،و رواه عنه تذكرة الخواص:27. [1]

.

قال:حديث في محبّته عليه السّلام.

و نقل رواية أحمد بن حنبل أيضا في(مسنده)عن زرّ بن حبيش عن عليّ عليه السّلام،قال:و اللّه عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن و لا يبغضني إلاّ منافق (2).و أخرج الترمذي عن ام سلمة،قالت:سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:لا يحبّ عليّا إلاّ مؤمن و لا يبغضه إلاّ منافق.قال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح (3).

قال:و قال الترمذي أيضا:كان أبو الدّرداء يقول:ما كنّا نعرف المنافقين -معشر الأنصار-إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام (4).و روى أحمد في (الفضائل)عن المطلب بن عبد اللّه بن حنظلة عن أبيه قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في خطبته:اوصيكم بحبّ ذي قرنيها-أخي و ابن عمّي عليّ-فإنّه لا يحبّه إلاّ مؤمن،و لا يبغضه إلاّ منافق.و في رواية:فمن أحبّه فقد أحبّني،و من أبغضه فقد أبغضني،و من أحبّني أدخله اللّه الجنّة،و من أبغضني أدخله اللّه النّار (5).


1) 1)

2) 2) مسند أحمد 1:84،و [2]رواه عنه تذكرة الخواص:28. [3]

3) 3) سنن الترمذي 5:635 ح 3717،و [4]رواه عنه تذكرة الخواص:28 [5] لكن قال الترمذي في ذيل الحديث«هذا حديث حسن غريب»لا صحيح.

4) 4) سنن الترمذي 5:635 ح 3717،و [6]رواه عنه تذكرة الخواص:28، [7]لكن رواية الترمذي عن أبي سعيد لا أبي الدرداء.

5) 5) تذكرة الخواص:28. [8]

قال:حديث في قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(مسنده)عن زاذان،قال:سمعت عليّا عليه السّلام في الرّحبة و هو ينشد الناس،يقول:أنشد اللّه رجلا سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول في يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»،فقام ثلاثة عشر رجلا من الصحابة،فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه يقول ذلك (1)

مسند أحمد 1:84 و [1]عنه في تذكرة الخواص:28. [2]

.و قال:

أخرجه الترمذي في(سننه)،و قال:حسن-و زاد-اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه،و أدر الحقّ معه كيفما دار،و حيث دار (2).

و نقل أيضا رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن بريدة قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«من كنت مولاه-أو وليّه-فعليّ وليه».و في رواية لمّا أنشد عليّ عليه السّلام الناس في الرّحبة قام خلق كثير،فشهدوا له بذلك-و في لفظ-فقام ثلاثون رجلا فشهدوا (3).

و نقل أيضا رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن رياح بن الحرث قال:

جاء رهط إلى أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام فقالوا:«السّلام عليك يا مولانا»-و كان بالرّحبة-فقال:كيف أكون مولاكم،و أنتم قوم عرب؟قالوا:سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعليّ مولاه».قال رياح:فقلت:

من هؤلاء؟فقيل:نفر من الأنصار،فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (4).

و عن عبد الملك بن عطيّة العوفي قال:أتيت زيد بن أرقم،فقلت له:إنّ ختنا لي حدّثني عنك بحديث في شأن عليّ عليه السّلام يوم الغدير،و أنا احبّ أن


1) 1)

2) 2) نقله كذلك في تذكرة الخواص:28 [3] عن الترمذي و الترمذي لم يخرجه كذلك لكن روى معناه ضمن أحاديث متفرقة.

3) 3) تذكرة الخواص:29. [4]

4) 4) تذكرة الخواص:29. [5]

أسمعه منك،فقال:إنّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم.فقلت:ليس عليك منّي بأس.فقال:نعم،كنّا بالجحفة فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله علينا ظهرا،و هو آخذ بعضد عليّ عليه السّلام،فقال:أيّها الناس ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا:بلى.فقال:«من كنت مولاه فعليّ مولاه».قالها أربع مرّات (1)

تذكرة الخواص:29. [1]

.

و عن البراء بن عازب قال:كنّا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فنزلنا بغدير خم،فنودي فينا الصلاة جامعة،و كسح للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين شجرتين،فصلّى الظهر و أخذ بيد علي عليه السّلام و قال:«اللّهمّ من كنت مولاه فهذا مولاه»،فلقيه عمر بعد ذلك، فقال:هنيئا لك يابن أبي طالب،أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة.و في رواية:اللهمّ فانصر من نصره،و اخذل من خذله،و أحبّ من أحبّه،و أبغض من أبغضه (2).

قال السبط:و ذكر الثعلبي في(تفسيره)أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا قال ذلك طار في الأقطار،و شاع في البلاد و الأمصار،فبلغ ذلك الحرث بن النّعمان الفهري، فأتاه على ناقة له فأناخها على باب المسجد،ثمّ عقلها و جاء فدخل في المسجد، فجثا بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:يا محمّد إنّك أمرتنا أن نشهد ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّك رسول اللّه،فقبلنا منك ذلك،و إنّك أمرتنا أن نصلّي خمس صلوات في اليوم و الليلة،و نصوم رمضان،و نحجّ البيت،و نزكّي أموالنا،فقبلنا منك ذلك،ثمّ لم ترض بهذا،حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك،و فضّلته على الناس و قلت:«من كنت مولاه فعليّ مولاه»،فهذا شيء منك أو من اللّه؟فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-و قد احمرّت عيناه-:«و اللّه الذي لا إله إلاّ هو،إنّه من اللّه و ليس منّي».-قالها ثلاثا-، فقام الحرث و هو يقول:«اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأرسل من السماء علينا حجارة أو ائتنا بعذاب أليم».قال:فو اللّه ما بلغ ناقته حتّى رماه اللّه من


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:29. [2]

السماء بحجر،فوقع على هامته فخرج من دبره،و مات فأنزل اللّه تعالى «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ» (1)

تذكرة الخواص:30،و [1]الآيتان 1-2 من سورة المعارج. [2]

.

قال السبط:و قد أكثرت الشعراء في يوم غدير خم،فقال حسّان بن ثابت:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ فأسمع بالرّسول مناديا

و قال فمن مولاكم و وليّكم فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا و أنت وليّنا و مالك منّا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا علي فإنّني رضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهمّ وال وليّه و كن للّذي عادى عليّا معاديا

و يروي:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا سمعه ينشد هذه الأبيات قال له:يا حسّان لا تزال مؤيّدا بروح القدس ما نصرتنا و نافحت عنّا بلسانك.و قال قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري-و أنشدها بين يدي عليّ عليه السّلام بصفّين-:

قلت لمّا بغى العدوّ علينا حسبنا ربّنا و نعم الوكيل

و عليّ إمامنا و إمام لسوانا به أتى التنزيل

يوم قال النّبيّ من كنت مولا ه فهذا مولاه خطب جليل

إنّ ما قاله النّبيّ على الا مة حتم ما فيه قال و قيل

و قال الكميت:

نفى عن عينك الأرق الهجوعا و همّا تمترى عنه الدّموعا

لدى الرّحمن يشفع بالمثاني فكان له أبو حسن شفيعا

و يوم الدوح دوح غدير خم أبا له الولاية لو أطيعا


1) 1)

و لكنّ الرجال تبايعوها فلم أر مثلها خطرا منيعا

قال السبط:و لهذا الأبيات قصّة عجيبة حدّثنا بها شيخنا عمرو بن صافي الموصلي،قال:أنشد بعضهم هذه الأبيات و بات مفكّرا،فرأى عليّا عليه السّلام في المنام،فقال له:أعد عليّ أبيات الكميت.فأنشده إيّاه حتّى بلغ إلى قوله:

«خطرا منيعا»،فأنشده عليّ عليه السّلام بيتا آخر من قوله زيادة فيها:

فلم أر مثل ذاك اليوم يوما و لم أر مثله حقّا أضيعا

فانتبه الرجل مذعورا.و قال السيّد الحميري:

يا بائع الدّين بالدّنيا ليس بهذا أمر اللّه

من أين أبغضت عليّ الرضا و أحمد قد كان يرضاه

من الذي أحمد من بينهم يوم غدير الخمّ ناداه

أقامه من بين أصحابه و هم حواليه فسمّاه

هذا عليّ بن أبي طالب مولى لمن قد كنت مولاه

فوال من والاه يا ذا العلى و عاد من قد كان عاداه (1)

تذكرة الخواص:33-34. [1]

و روى صاحب(ينابيع المودّة)-و هو من الشافعية-بأسناده عن عمر قال:نصب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا علما،فقال:«من كنت مولاه،فعليّ مولاه،اللهمّ وال من والاه،و عاد من عاداه،و اخذل من خذله،و انصر من نصره،اللهمّ أنت شهيدي عليهم».قال عمر:يا رسول اللّه كان في جنبي شابّ حسن الوجه طيّب الريح قال لي:يا عمر لقد عقد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عقدا لا يحلّه إلاّ منافق.فأخذ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيدي فقال:يا عمر إنّه ليس من ولد آدم،لكنّه جبرئيل،أراد أن يؤكّد عليكم ما قلته في عليّ (2).


1) 1)

2) 2) ينابيع المودة للقندوزي:249،من كتاب مودة القربى،و [2]القندوزي حنفي لا شافعي.

و قال السبط أيضا:حديث ليلة الهجرة:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن عمرو بن ميمون قال:إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه رهط يقعون في عليّ،فردّ عليهم ابن عبّاس،قال:

لمّا هاجر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لبس عليّ عليه السّلام ثوبه،و نام على فراشه،و كان المشركون يؤذون النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فجاء أبو بكر و هو نائم،فحسبه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فصاح:يا نبيّ اللّه.فقال له عليّ عليه السّلام:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه.فانطلق أبو بكر حتّى لحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و بات الكفّار يرمون عليّا عليه السّلام بالحجارة، و هو يتضور قد لفّ رأسه في الثّوب إلى الصباح (1)

تذكرة الخواص:33-34. [1]

.

و ذكر الثعلبي في(تفسيره)عن ابن عبّاس قال:لمّا أراد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن يهاجر إلى المدينة،خلّف عليّا عليه السّلام بمكّة لقضاء ديونه،و ردّ الودائع التي كانت عنده،و أمره تلك الليلة أن ينام على فراشه،و قال له:اتشحّ ببردي الحضرمي الأخضر فإنّه لا يخلص إليك منهم أحد،و لا يصيبونك بمكروه.و القوم قد أحاطوا بالدّار،فأوحى اللّه إلى جبرئيل و ميكائيل،أنّي قد آخيت بينكما، و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر،فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة،فأوحى اللّه إليهما:أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب آخيت بينه و بين محمّد،فبات على فراشه يفديه بنفسه،و يؤثره بالحياة؟ اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه.فنزلا جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه،و الملائكة تنادي:بخ بخ،من مثلك يابن أبي طالب،و اللّه يباهي بك ملائكته.ثمّ توجّه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة فأنزل اللّه تعالى في شأن عليّ عليه السّلام:

«وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَ اللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» (2).قال


1) 1)

2) 2) البقرة:207. [2]

ابن عبّاس:أوّل من شرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه علي بن أبي طالب عليه السّلام (1)

تذكرة الخواص:35. [1]

.

و قال السّبط أيضا:حديث في التّضحية:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(مسنده)و(فضائله)عن حبيش عن عليّ عليه السّلام،قال:أمرني النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن اضحّي عنه أبدا.فكان يضحي عنه،إلى أن استشهد،بكبشين أملحين،قال الزهري:إنّما خصّ عليّا عليه السّلام بذلك دون أقاربه و أهله لقربه منه،فكأنّما فعل ذلك بنفسه (2).

و قال السّبط أيضا:حديث في قراءة براءة و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:عليّ منّي:

و نقل رواية الترمذي عن عمران بن الحصين،قال:بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله جيشا،و استعمل عليهم عليّا عليه السّلام،فمضى في السّرية،فأصاب جارية من السّبي،فتعاقد أربعة منهم إذا قدموا على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أخبروه،فلمّا قدموا عليه قام الأوّل فقال:يا رسول اللّه ألا ترى إلى عليّ فعل كذا و كذا؟فأعرض عنه.ثمّ قام الثاني فقال كذلك،فأعرض عنه،و قام الثالث و الرابع،فقالا كذلك،فأعرض عنهما.ثمّ أقبل عليهم-و الغضب يعرف في وجهه-و قال:«ما تريدون من عليّ -قالها ثلاثا-عليّ منّي و أنا منه،و لا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ» (3).

قلت:و نقله ابن طلحة الشافعي عن الترمذي أيضا في(صحيحه)،و فيه بدل قوله«و لا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ»:«و هو وليّ كلّ مؤمن بعدي» (4)،و هو الأنسب بالمقام.


1) 1)

2) 2) مسند أحمد 1:107 و عنه و رواه عن غيره تذكرة الخواص:35. [2]

3) 3) سنن الترمذي 5:632 ح 3712،و رواه عنه تذكرة الخواص:35. [3]

4) 4) رواه عن سنن الترمذي ابن طلحة في مطالب السؤول:17،و [4]الصحيح في ذيل الحديث نقل ابن طلحة،و ما نقل سبط ابن الجوزي خلط،لأن ما نقله ذيل حديث آخر عن حبشي ابن جنادة،هذا نصه:«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:عليّ منّي و أنا من عليّ،و لا يؤدي عنّي إلاّ أنا أو علي».أخرجه الترمذي في سننه برقم 3719.

و قال السبط:أيضا ذكر أهل السّير أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعث أبا بكر يحجّ بالناس سنة تسع من الهجرة،و قال له:إنّ المشركين يحضرون الموسم، و يطوفون بالبيت عراة،و لا أحبّ أحجّ حتّى لا يكون ذلك،و أعطاه أربعين آية من صدر سورة(براءة)،ليقرأها على أهل الموسم،فلمّا سار دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا عليه السّلام فقال له:اخرج بهذه الآيات من صدر سورة البراءة فإذا اجتمع النّاس إلى الموسم فأذّن بها،و دفع إليه ناقته العضباء،فأدرك أبا بكر بذي الحليفة، فأخذ منه الآيات،فرجع أبو بكر إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:بأبي أنت و امّي هل نزل في شأني شيء؟فقال:لا،و لكن لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي (1)

تذكرة الخواص:37. [1]

.

قال:و ذكر أحمد بن حنبل في(فضائله):أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال له:إنّ جبرئيل جاءني فقال:ابعث عليّا.فلمّا كان يوم النّحر قام عليّ عليه السّلام في النّاس، فأذّن بصدر البراءة كما أمره النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).و ذكر أيضا بإسناده إلى أبي سعيد الخدري:أنّ عليّا عليه السّلام لمّا قرأ صدر البراءة-الآيات التي أخذها من أبي بكر في الطريق-نادى:«ألا لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة،و لا يقرب المسجد بعد هذا العام مشرك،و لا يطوف بالبيت عريان،و من كان بينه و بين رسول اللّه عهد فأجله مدّته».فقال بعض الكفّار:نحن نبرأ من عهدك و عهد ابن عمّك.

فقال عليّ عليه السّلام:لو لا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمرني أن لا أحدث شيئا حتّى آتيه لقتلتك (3).

و قال:و قيل:إنّما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«عليّ منّي و أنا منه»في يوم احد، فذكر أحمد في(الفضائل):لمّا قصد صاحب لواء المشركين يوم احد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فداه عليّ عليه السّلام بنفسه،و حمل على صاحب اللواء فقتله،فنزل جبرئيل فقال:يا محمّد إنّ هذه لهي المواساة.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«عليّ منّي


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:37. [2]

3) 3) تذكرة الخواص:37. [3]

و أنا منه»فقال جبرئيل عليه السّلام:«و أنا منكما» (1)

تذكرة الخواص:38. [1]

.و ذكره محمد بن إسحاق في (المغازي)أيضا.قال الزّهري:إنّما قال جبرئيل:إنّ هذه لهي المواساة،لأنّ النّاس فرّوا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم احد حتّى عثمان،فإنّه أوّل من فرّ و دخل المدينة (2).

قال:و روي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال ذلك في حجّة الوداع.و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)أيضا عن السّلمي-و كان قد شهد حجّة الوداع-قال:

سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول في ذلك اليوم:«عليّ منّي و أنا منه،و لا يقضي ديني سواه».قال:و قيل:قاله يوم نزل عليه: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» ... (3).

قلت:تردده في أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال قوله:«عليّ منّي و أنا منه»يوم بعثه لبراءة،أو يوم احد،أو في حجّة الوداع،أو يوم نزل عليه آية إنذار عشيرته،بلا وجه بعد ورود الخبر بكلّ منها،و عدم تعارض بينها،فلا بدّ أنّه صلّى اللّه عليه و آله قاله في كلّ منها،فكان صلّى اللّه عليه و آله يقول في كلّ موضع يقتضي ذكره غير تلك المواضع الأربعة،و قد نقل ابن طلحة الشافعي في(مطالب سؤوله)عن أبي ذر:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:عليّ منّي و أنا من عليّ.و لا يؤدّي إلاّ أنا أو عليّ،و نقل أخبارا اخر فيه (4).

و كيف لا،و قد جعله اللّه تعالى نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في قوله-عزّ و جلّ-:

«وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (5).

ثمّ إنّ السبط لم ينقل رواية الموضع الأخير ممّا ذكر،و الّذي وقفت عليه في(الطبري)أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جعله في نزول إنذار عشيرته وصيّه و خليفته


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:38. [2]

3) 3) تذكرة الخواص:38،و [3]الآية 214 من سورة الشعراء. [4]

4) 4) مطالب السؤول لابن طلحة:18.

5) 5) آل عمران:61. [5]

بعده،و في وجوب إطاعته مثل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فروى عن ابن عبّاس قال:قال عليّ عليه السّلام:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمره بصنع صاع من طعام،و عسّ من لبن لبني عبد المطلّب ليدعوهم إلى الإسلام،و كانوا أربعين يأكل كلّ منهم ذاك الصّاع، و يشرب ذاك العسّ فعل ذلك في يومين،و في اليوم الأوّل لم يدع أبو لهب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يتكلّم،و قال:سحركم صاحبكم فتفرّقوا.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في اليوم الثاني:يا بني عبد المطّلب إنّي-و اللّه-ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به،إنّي قد جئتكم بخير الدّنيا و الآخرة،و قد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه،فأيّكم يوازرني على هذا الأمر،على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم؟فأحجم القوم عنه جميعا،و قلت-و إنّي لأحدثهم سنّا، و أرمصهم عينا،و أعظمهم بطنا،و أحمشهم ساقا-:أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه.فأخذ برقبتي.ثمّ قال:إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم،فاسمعوا له و أطيعوا.فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع.و روى خبرا آخر عن ربيعة بن ناجد بمعناه (1)

تاريخ الطبري 2:62-63 و [1]النقل بتلخيص.

.

و قال السّبط أيضا:حديث الطائر:

رواه أحمد بن حنبل في(فضائله)عن سفينة مولى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و اسمه مهران،قال:أهدت امرأة من الأنصار إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طيرا بين رغيفين، فقدّمته إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-و في رواية طيرين بين رغيفين-فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

اللهمّ ايتني بأحبّ خلقك إليك.فإذا الباب يفتح،فدخل عليّ،فأكل معه (2).

و رواه الترمذي عن أنس قال:كان عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله طير،فقال:اللهمّ ايتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطائر.فجاء عليّ عليه السّلام فأكل معه،و قال:قال


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:38. [2]

الحاكم:حديث الطائر صحيح يلزم البخاري و مسلم إخراجه في صحيحيهما، لأنّ رجاله ثقات،و هو من شرطهما (1)

سنن الترمذي 5:636 ح 3721،و رواه عنه تذكرة الخواص:39،و [1]ما نقله عن الحاكم قاله في المستدرك 3:131.

.

و قال السّبط أيضا:حديث في خصف النّعل:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن أنس قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي،يمضي فيهم أمري و يقتل المقاتلة،و يسبي الذّرية.قال أبو ذر:فما راعني إلاّ برد كفّ عمر من خلفي، فقال:من تراه يعني؟فقلت:ما يعنيك،و إنّما يعني خاصف النّعل:عليّ بن أبي طالب-و بنو وليعة:قوم من العرب-و في رواية:فقال عمر:و اللّه ما اشتهيت الإمارة إلاّ يومئذ،جعلت انصب له صدري،رجاء أن يقول:هذا.فالتفت إلى عليّ فأخذ بيده،و قال:هذا هو هذا هو (2).

و نقل أيضا رواية التّرمذي عن ربعي بن حراش قال:قال عليّ عليه السّلام:لمّا كان يوم الحديبية خرج إلينا سهيل بن عمرو في جماعة من رؤساء الكفّار، فقال:يا محمّد خرج إليك ناس من أبنائنا،و إخواننا،و أرقائنا،و ليس لهم فقه في الدين،و إنّما خرجوا فرارا من أموالنا و ضياعنا،فارددهم علينا.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:سنفقههم في الدين إن لم يكن لهم فقه.ثمّ قال:يا معاشر قريش لتنتهنّ،أو ليبعثنّ اللّه عليكم من يضرب رقابكم بالسّيف على الدّين.فقالوا:

و من ذلك؟فقال:من امتحن اللّه قلبه للإيمان،و هو خاصف النعل.قال علي عليه السّلام:و كنت جالسا أخصف نعل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (3).

و قال السّبط أيضا:حديث في سدّ الأبواب:


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:39. [2]

3) 3) سنن الترمذي 5:634 ح 3715،و [3]رواه عنه تذكرة الخواص:40. [4]

و نقل رواية زيد بن أرقم قال:كان لنفر من الصّحابة أبواب شارعة في المسجد،فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:سدوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ بن أبي طالب.فتكلّم الناس في ذلك،فقام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:ما سددت شيئا و لا فتحته،و لكنّي امرت بشيء فاتّبعته.قال ابن عبّاس:معناه أنّ اللّه أمرني بشيء فاتّبعت أمره (1)

تذكرة الخواص:41،42. [1]

.

و نقل رواية الترمذي عن ابن عبّاس قال:أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بسدّ الأبواب إلاّ باب عليّ عليه السّلام.قال الترمذي:يعني الأبواب الشارعة في المسجد،و قال:و قد رواه جماعة من الصّحابة:سعد بن أبي وقّاص،و ابن عمر،و جابر (2).

و نقل رواية الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:يا عليّ لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري و غيرك (3).

و قال السبط أيضا:حديث في النجوى و الوصيّة:

و نقل رواية الترمذي عن جابر الأنصاري قال:دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا يوم الطائف فانتجاه طويلا،فقال النّاس:لقد طالت نجواه مع ابن عمّه.فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:ما انتجيته،و لكنّ اللّه انتجاه (4).

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن امّ سلمة قالت:و الّذي نحلف به إن كان عليّ عليه السّلام لأقرب النّاس عهدا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،مرض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرض موته،فلمّا كان اليوم الّذي قبض فيه دعا عليّا عليه السّلام فناجاه طويلا،


1) 1)

2) 2) أخرجه الترمذي في سننه 5:641 ح 3732،و رواه عنه تذكرة الخواص:41، [2]لكن كلام الترمذي في ذيل الحديث هذا لفظه:«هذا حديث غريب لا نعرفه عن شعبة بهذا الاسناد،إلاّ من هذا الوجه».

3) 3) سنن الترمذي 5:639 ح 3727،و [3]رواه عنه تذكرة الخواص:42. [4]

4) 4) سنن الترمذي 5:369 ح 3726،و [5]رواه عنه تذكرة الخواص:42. [6]

و سارّه كثيرا ثمّ قبض في يومه ذلك،فكان أقرب الناس عهدا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (1)

تذكرة الخواص:41-42. [1]

.

و روايته أيضا عن أنس قال:قلنا لسلمان:سل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من وصيّه؟ فسأل سلمان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:من كان وصيّ موسى؟فقال:يوشع بن نون.

قال:إنّ وصيي و وارثي،و منجز و عدي عليّ (2).

و قال السّبط أيضا:حديث في قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«من آذى عليّا فقد آذاني»:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله):عن عمرو بن شاس قال:

خرجت مع عليّ عليه السّلام إلى اليمن فجفاني جفوة،فلمّا قدمت المدينة أظهرت شكاية في المسجد،فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فدخلت يوما إلى المسجد،و هو جالس في جماعة من أصحابه،فجعل يحدّ بي النّظر ثمّ قال:أما و اللّه لقد آذيتني.فقلت:أعوذ باللّه أن اوذيك يا رسول اللّه!فقال:أما علمت أنّ من آذى عليّا فقد آذاني (3).

و قال:و روى سعيد بن المسيب عن عمر أنّه سمع رجلا يذكر عليّا عليه السّلام بشرّ.فقال:و يلك تعرف من في هذا القبر؟-و أشار إلى قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله-فسكت الرّجل،فقال عمر:فيه محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلّب،إذا آذيت عليّا،فقد آذيته (4).

و قال السّبط أيضا:حديث في تسليم الملائكة عليه،و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن الحرث الأعور عن عليّ عليه السّلام قال:لمّا كانت ليلة بدر قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:من يستقي لنا من الماء؟فأحجم النّاس.فقمت فاحتضنت


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:43. [2]

3) 3) تذكرة الخواص:43. [3]

4) 4) تذكرة الخواص:44. [4]

قربة،ثمّ أتيت قليبا بعيد القعر مظلما،فانحدرت فيه،فأوحى اللّه إلى جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل:تأهّبوا لنصرة محمّد و حزبه.فهبطوا من السّماء لهم دويّ يذهل من يسمعه،فلمّا حاذوا القليب وقفوا و سلّموا عليّ من عند آخرهم إكراما و تبجيلا و تعظيما.قال:و ذكره أرباب المغازي (1)

تذكرة الخواص:46. [1]

.

و قال السّبط أيضا:حديث في ما خلق منه عليّ عليه السّلام:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن سلمان قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:كنت أنا و عليّ نورا بين يدي اللّه قبل أن يخلق آدم بأربعة آلاف عام،فلمّا خلق آدم قسّم ذلك النّور جزأين:فجزء أنا و جزء علي (2).

و قال أيضا:حديث مدينة العلم:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عنه عليه السّلام قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنا مدينة العلم و عليّ بابها-و في رواية-أنا دار الحكمة و عليّ بابها-و في رواية-أنا مدينة الفقه و عليّ بابها،فمن أراد العلم فليأت الباب (3).

و قال أيضا:حديث في قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«أنت سيّد في الدّنيا و الآخرة»:

و نقل رواية أحمد بن حنبل في(فضائله)عن ابن عبّاس قال:بعثني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ عليه السّلام،فقال:قل له:أنت سيّد في الدّنيا و سيّد في الآخرة،من أحبّك فقد أحبّني،و من أبغضك فقد أبغضني (4).

و قال أيضا:حديث في قتل العمالقة:

و نقل رواية ابن الغطريف عن ابن عبّاس،قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في خطبة خطبها في حجّة الوداع:لأقتلنّ العمالقة في كتيبة.فقال له جبرئيل:أو عليّ بن


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:46. [2]

3) 3) تذكرة الخواص:47. [3]

4) 4) تذكرة الخواص:48. [4]

أبي طالب.فقال:أو عليّ بن أبي طالب (1)

تذكرة الخواص:49. [1]

.

و قال أيضا:حديث في ردّ الشمس له:

و روى عن أسماء بنت عميس في الصّحيح بتصريحه،قالت:كان رأس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في حجر عليّ عليه السّلام و هو يوحى إليه،فلم يصلّ العصر حتّى غربت الشمس،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:اللّهمّ إنّه كان في طاعتك و طاعة نبيّك فاردد عليه الشّمس.قالت:فردّها اللّه له (2).

و روى نصر بن مزاحم-و هو من رجالهم-في(صفّينه)عن عمرو بن سعد عن عمر بن عبد اللّه بن يعلى بن مرّة الثقفي عن أبيه عن عبد خير،قال:

كنت مع عليّ عليه السّلام أسير في أرض بابل و حضرت الصلاة صلاة العصر، فجعلنا لا نأتي مكانا إلاّ رأيناه أفيح من الآخر،حتّى أتينا على مكان أحسن ما رأينا،و قد كادت الشمس أن تغيب،فنزل عليّ عليه السّلام و نزلت،فدعا اللّه فرجعت الشّمس كمقدارها من صلاة العصر،فصلّينا العصر ثمّ غابت الشّمس،ثمّ خرج (3).

و قال السّبط:يقول الصّاحب كافي الكفاة:

من كمولاي علي و الوغى تحمى لظاها

من يصيد الصيّد فيها بالظبا حين انتضاها

من له في كلّ يوم وقعات لا تضاهى

كم و كم حرب ضروس سدّ بالمرهف فاها

اذكروا أفعال بدر لست أبغي ما سواها

اذكروا غزوة احد إنّه شمس ضحاها


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:49. [2]

3) 3) وقعة صفّين لابن مزاحم:135.

اذكروا حرب حنين إنّه بدر دجاها

اذكروا الأحزاب قدما إنّه ليث شراها

اذكروا مهجة عمرو كيف أفناها شجاها

اذكروا أمر براءه و اصدقوني من تلاها

اذكروا من زوجه زهرا ء،قد طابت ثراها

حاله حالة هارو ن لموسى فافهماها

أعلى حبّ عليّ لامني القوم سفاها

أوّل الناس صلاة جعل التقوى حلاها

ردّت الشّمس عليه بعد ما غاب سناها (1)

تذكرة الخواص:52. [1]

قال السبط:و حدّثني جماعة من مشايخنا بالعراق قالوا:شاهدنا أبا منصور المظفّر بن أردشير العبادي الواعظ و قد جلس بالتاجية-مدرسة بباب أبرز محلّة ببغداد-و كان بعد العصر،و ذكر حديث ردّ الشمس لعليّ عليه السّلام و طرّزه بعبارته و نمّقه بألفاظه،ثمّ ذكر فضائل أهل البيت عليهم السّلام،فنشأت سحابة غطّت الشّمس حتّى ظنّ الناس أنّها قد غابت،فقام أبو منصور على المنبر قائما و أومأ إلى الشمس و أنشد:

لا تغربي يا شمس حتّى ينتهي مدحي لآل المصطفى و لنجله

و اثني عنانك إن أردت ثناءهم أنسيت أن كان الوقوف لأجله

إن كان للمولى وقوفك فليكن هذا الوقوف لخيله و لرجله

قالوا:فانجاب السحاب عن الشّمس و طلعت (2).

و قال أيضا:في حديث في شيعته عليه السّلام:


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:53. [2]

و نقل رواية ابن الغطريف عن أبي سعيد الخدري قال:نظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ عليه السّلام فقال:هذا و شيعته هم الفائزون يوم القيامة (1)

تذكرة الخواص:53. [1]

.

و نقل روايات اخرى في فضائل اخرى،و قال:اقتصرنا على هذه الأخبار،لئلاّ يخرج كتابنا عمّا شرطنا،و هو الاختصار (2).

و روى أبو الفرج في(مقاتله):أنّ قريشا أصابها قحط،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعميّه حمزة و العباس:ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل؟فجاءوا إليه و سألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم،فقال:دعوا لي عقيلا،و خذوا من شئتم.و كان شديد الحبّ لعقيل،فأخذ العبّاس طالبا،و حمزة جعفرا،و أخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا عليه السّلام،و قال لهم:قد اخترت من اختاره اللّه لي عليكم عليّا.قالوا:

فكان عليّ عليه السّلام في حجر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله منذ كان عمره ست سنين (3).

قال ابن أبي الحديد في أوّل كتابه-بعد نقل رواية أبي الفرج تلك-:و هذا يطابق قوله عليه السّلام:«لقد عبدت اللّه قبل أن يعبده أحد من هذه الامّة سبع سنين»، و قوله عليه السّلام:«كنت أسمع الصّوت و أبصر الضّوء سنين سبعا،و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حينئذ صامت ما اذن له في الإنذار و التّبليغ»،و ذلك لأنّه إذا كان عمره يوم إظهار الدّعوة ثلاث عشرة سنة،و تسليمه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من أبيه و هو ابن ستّ،فقد صحّ أنّه كان يعبد اللّه قبل النّاس بأجمعهم سبع سنين،و ابن ست تصحّ منه العبادة إذا كان ذا تمييز،على أنّ عبادة مثله هي التعظيم و الإجلال و خشوع القلب،و استخذاء الجوارح إذا شاهد شيئا من جلال اللّه سبحانه (4).

و قال ثمة أيضا:فأمّا فضائله فإنّها قد بلغت من العظم و الجلال


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:54. [2]

3) 3) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:15،و النقل بالمعنى.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:5، [3]المقدمة.

و الانتشار و الاشتهار مبلغا يسمج معه التّعرض لذكرها،و التّصدّي لتفصيلها، و ما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه و خصومه بالفضل،و لم يمكنهم جحد مناقبه و لا كتمان فضائله؟ فقد علمت أنّه استولى بنو امية على سلطان الإسلام في شرق الأرض و غربها،و اجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره،و التّحريف عليه،و وضع المعائب و المثالب له،و لعنوه على جميع المنابر،و توعّدوا مادحيه بل حبسوهم و قتلوهم،و منعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة أو يرفع له ذكرا،حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه،فما زاده ذلك إلاّ رفعة و سمّوا،و كان كالمسك كلّما ستر انتشر عرفه،و كلّما كتم تضوّع نشره،و كالشّمس لا تستر بالرّاح،و كضوء النّهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.

و ما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة،و تنتهي إليه كلّ فرقة، و تتجاذبه كلّ طائفة؟فهو رئيس الفضائل و ينبوعها،و أبو عذرها،و سابق مضمارها،و مجلّي حلبتها،و كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ،و له اقتفى،و على مثاله احتذى (1)

شرح ابن أبي الحديد المقدّمة 1:5،.

.

ثم ذكر ابن أبي الحديد العلوم و قرّر انتهاءها إليه عليه السّلام،و ذكر الكمالات و العبادات و الصّفات الحميدة و ذكر تفرّده فيها،و قال:

ما أقول في رجل تحبّه أهل الذّمّة على تكذيبهم بالنّبوّة،و تعظّمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة،و تصوّر ملوك الفرنج و الروم صورته في بيعها و بيوت عباداتها،حاملا سيفه مشمّرا لحربه،و تصوّر ملوك التّرك و الدّيلم صورته على أسيافها،كان على سيف عضد الدولة بن بويه و سيف أبيه ركن الدّولة صورته،و كان على سيف ألب أرسلان و ابنه ملكشاه


1) 1)

صورته،كأنّهم يتفألون به النّصر و الظّفر.

و ما أقول في رجل أحبّ كلّ أحد أن يتكثّر به،و ودّ كلّ أحد أن يتجمّل و يتحسّن بالانتساب إليه؟حتّى الفتوّة الّتي أحسن ما قيل في حدّها:أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك،فإنّ أربابها نسبوا أنفسهم إليه، و صنّفوا في ذلك كتبا،و جعلوا لذلك أسنادا أنهوه إليه،و قصروه عليه، و سمّوه سيّد الفتيان،و عضّدوا مذهبهم بالبيت المشهور المرويّ أنّه سمع من السماء يوم احد:

لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ عليّ (1)

شرح ابن أبي الحديد 1:6-9، [1]المقدمة.

و في(أسباب نزول الواحدي)في نزول آية التطهير بسنده إلى امّ سلمة:

أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان في بيتها،فأتته فاطمة عليها السّلام ببرمة فيها حريرة،فدخلت بها عليه فقال لها:ادعي لي زوجك و ابنيك.قالت:فجاء عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام،فدخلوا فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة،و هو على منامة له، و كان تحته كساء حبري.قالت:و أنا في الحجرة اصلّي،فأنزل اللّه تعالى هذه الآية: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)، فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثمّ أخرج يديه فألوى بهما إلى السّماء ثمّ قال:

اللّهم هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.قالت:

فأدخلت رأسي البيت و قلت:أنا معكم يا رسول اللّه؟قال:إنّك إلى خير،إنّك إلى خير (3).

و روى الترمذي في(صحيحه):أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان من وقت نزول هذه


1) 1)

2) 2) الأحزاب:33. [2]

3) 3) أسباب النزول للواحدي:239. [3]

الآية إلى قريب من ستّة أشهر،إذا خرج إلى الصلاة يمرّ بباب فاطمة يقول:

الصّلاة أهل البيت «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)

أخرجه الترمذي في سننه 5:352 ح 3206 عن أنس،و يأتي تخريجه من طرق اخرى في العنوان 27 من هذا الفصل،و الآية 33 من سورة الأحزاب. [1]

.

قلت:الخبر يشهد أنّ قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» كان بعد قوله عزّ و جلّ: «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (2)،و هو في غاية المناسبة،لا بعد قوله تعالى: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ» (3)،فإنّه في غاية المنافرة،فلا بدّ من تبديل موضعه.

و روى التّرمذي أيضا عن ابن عبّاس قال:لمّا نزل قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (4)قالوا:يا رسول اللّه من هؤلاء القربى الّذين أمر اللّه بمودّتهم؟قال:عليّ و فاطمة و ابناهما (5).

و عن(تفسير الثعلبي)أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نظر إلى عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين فقال:أنا حرب لمن حاربتم،و سلم لمن سالمتم (6).

و بإسناده عن أسماء بنت عميس قالت:لمّا نزل قوله تعالى: «وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» (7)سمعت


1) 1)

2) 2) طه:132. [2]

3) 3) الأحزاب:33. [3]

4) 4) الشورى:23. [4]

5) 5) لم يوجد هذا الحديث في سنن الترمذي،لكن أخرجه ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه عنهم الدر المنثور 6:7،و [5]أخرج الترمذي حديثا آخر في تفسير هذه الآية عن ابن عباس في سننه 5:377 ح 3251.

6) 6) أخرجه الثعلبي في تفسيره عنه الطّرائف 1:131 ح 203 و غيره،و [6]الحديث مشهور.

7) 7) التحريم:4. [7]

النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:صالح المؤمنين عليّ بن أبي طالب (1)

أخرجه الثعلبي في تفسيره عنه ينابيع المودة:93،و [1]الفرات الكوفي في تفسيره:185 [2] عن أسماء.

.

و روى أبو نعيم في(الحلية)مسندا عن الحسن عليه السّلام قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ادعوا لي سيّد العرب-يعني عليّا عليه السّلام-فقالت عائشة:أ لست سيّد العرب؟فقال صلّى اللّه عليه و آله:أنا سيّد ولد آدم،و عليّ سيد العرب.فلمّا جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه،فقال لهم:يا معشر الأنصار ألا أدلّكم على ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا؟قالوا:بلى يا رسول اللّه.قال:هذا عليّ فأحبّوه بحبّي، و أكرموه بكرامتي،فإنّ جبرئيل أمرني بالّذي قلت لكم من اللّه عزّ و جلّ (2).

و عن حذيفة قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إن تستخلفوا عليّا-و ما أراكم فاعلين-تجدوه هاديا مهديا،يحملكم على المحجّة البيضاء (3).

و عن أنس قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:يا أنس اسكب لي وضوءا،ثمّ قام فصلّى ركعتين،ثمّ قال:يا أنس أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين، و سيّد المسلمين،و قائد الغرّ المحجّلين،و خاتم الوصييّن.قال أنس:قلت:اللّهم اجعله رجلا من الأنصار و كتمته،إذ جاء عليّ عليه السّلام.فقال:من هذا يا أنس؟ فقلت:عليّ.فقام مستبشرا فاعتنقه،ثمّ جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، و يمسح عرق عليّ بوجهه،قال عليّ:يا رسول اللّه لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعت بي من قبل؟قال:و ما يمنعني و أنت تؤدي عنّي،و تسمعهم صوتي، و تبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي (4).

و عن معاذ بن جبل قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا عليّ أخصمك بالنبوّة و لا نبوّة بعدي،و تخصم النّاس بسبع،و لا يحاجّك فيها أحد من قريش:أنت أوّلهم


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء [3]لأبي نعيم 1:63.

3) 3) حلية الأولياء [4]لأبي نعيم 1:64.

4) 4) حلية الأولياء [5]لأبي نعيم 1:63.

إيمانا باللّه،و أوفاهم بعهد اللّه،و أقومهم بأمر اللّه،و أقسمهم بالسّويّة،و أعدلهم في الرّعية،و أبصرهم بالقضيّة،و أعظمهم عند اللّه مزيّة (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:67.

.

و عن ابن عبّاس قال:كنّا نتحدّث أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عهد إلى عليّ عليه السّلام سبعين عهدا لم يعهد إلى غيره (2).

و عن عمّار قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعليّ عليه السّلام:إنّ اللّه تعالى قد زيّنك بزينة لم تزيّن العباد بزينة أحبّ إلى اللّه تعالى منها،هي زينة الأبرار عند اللّه عزّ و جلّ:

الزّهد في الدّنيا،فجعلك لا تزرأ من الدّنيا شيئا و لا تزرأ الدّنيا منك شيئا، و وهب لك حبّ المساكين،فجعلك ترضى بهم أتباعا،و يرضون بك إماما (3).

و عن ابن عبّاس قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:من سرّه أن يحيا حياتي،و يموت مماتي،و يسكن جنّة عدن غرسها ربّي،فليوال عليّا بعدي،و ليوال وليّه،و ليقتد بالأئمّة من بعدي،فإنّهم عترتي،خلقوا من طينتي رزقوا فهما و علما،و ويل للمكذّبين بفضلهم من امّتي،القاطعين فيهم صلتي،لا أنا لهم اللّه شفاعتي (4).

و عن أبي برزة قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنّ اللّه تعالى عهد إليّ عهدا في عليّ،فقلت:يا ربّ بيّنه لي.فقال:اسمع.فقلت:سمعت.فقال:إنّ عليّا راية الهدى،و إمام أوليائي،و نور من أطاعني،و هو الكلمة الّتي ألزمتها المتقين،من أحبّه أحبّني،و من أبغضه أبغضني،فبشّره بذلك.فجاء علي فبشّرته،فقال:يا رسول اللّه أنا عبد اللّه،و في قبضته،فإن يعذبني فبذنبي،و إن يتمّ الّذي بشّرتني به فاللّه أولى بي.قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:قلت:اللّهم اجل قلبه،و اجعل ربيعه الايمان.فقال اللّه تعالى:قد فعلت ذلك به.ثمّ إنّه رفع تعالى إليّ أنّه سيخصّه من البلاء بشيء


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء [2]لأبي نعيم 1:68.

3) 3) حلية الأولياء [3]لأبي نعيم 1:71.

4) 4) حلية الأولياء 1:86. [4]

لم يخصّ به أحدا من أصحابي.فقلت:يا ربّ أخي و صاحبي.فقال:إنّ هذا شيء قد سبق،إنّه مبتلى و مبلى به (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:66.

.

و قال:إنّ ربّ العالمين عهد إليّ عهدا في عليّ،فقال:إنّه راية الهدى، و منار الايمان،و إمام أوليائي،و نور جميع من أطاعني،يا أبا برزة عليّ أميني غدا في القيامة،و صاحب رايتي في القيامة.عليّ مفاتيح خزائن رحمة ربي (2).

و عن أبي سعيد الخدري قال:كنّا نمشي مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فانقطع شسع نعله،فتناولها عليّ عليه السّلام يصلحها،ثمّ مشى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقال:يا أيّها الناس إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن،كما قاتلت على تنزيله(و هو خاصف نعلي).قال أبو سعيد:فخرجت فبشرته بما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فلم يكترث به فرحا كأنّه قد سمعه (3).

و عنه عليه السّلام قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:يا عليّ إنّ اللّه تعالى أمرني أن ادنيك، و اعلّمك لتعي،و انزلت هذه الآية: «وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» (4)فأنت اذن واعية لعلمي (5).

و عن ابن مسعود قال:إنّ القرآن انزل على سبعة أحرف،ما منها حرف إلاّ له ظهر و بطن،و إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عنده علم الظاهر و الباطن (6).

و عن هبيرة بن يريم:أنّ الحسن عليه السّلام قام-أي بعد وفاة أبيه-و خطب النّاس و قال:لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأوّلون،و لا يدركه الآخرون


1) 1)

2) 2) المصدر نفسه. [2]

3) 3) حلية الأولياء [3]لأبي نعيم 1:67.

4) 4) الحاقة:12. [4]

5) 5) حلية الأولياء [5]لأبي نعيم 1:67.

6) 6) حلية الأولياء [6]لأبي نعيم 1:65.

بعمل،كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يبعثه فيعطيه الرّاية،فلا يرتدّ حتّى يفتح اللّه عزّ و جلّ عليه،جبرئيل عن يمينه،ميكائيل عن يساره،ما ترك صفراء و لا بيضاء إلاّ سبعمائة فضلت من عطائه،أراد أن يشتري بها خادما (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:65.

.

و روى نصر بن مزاحم في(صفّينه)عن أبي سعيد المعروف بعقيصا، قال:كنّا مع عليّ عليه السّلام في مسيره إلى الشام،حتّى إذا كنّا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش النّاس و احتاجوا إلى الماء،فانطلق بنا عليّ عليه السّلام حتّى أتانا على صخرة ضرس من الأرض كأنّها ربضة عنز فأمرنا فاقتلعناها،فخرج لا ماء،فشرب النّاس منه و ارتووا،ثمّ أمرنا فأكفأناها عليه،و سار الناس حتى إذا مضينا قليلا قال عليّ عليه السّلام:منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الّذي شربتم منه؟ قالوا:نعم يا أمير المؤمنين.قال:فانطلقوا إليه.فانطلق منّا رجال ركبانا و مشاة،فاقتصصنا الطريق حتّى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنّه فيه، فطلبناها فلم نقدر على شيء،حتّى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منّا، فسألناهم أين الماء الّذي هو عندكم؟قالوا:ما قربنا ماء.قلنا:بلى إنّا شربنا منه.قالوا:أنتم شربتم منه؟قلنا:نعم.قالوا:ما بني هذا الدّير إلاّ بذلك الماء،و ما استخرجه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ (2).

و روى عن حبة العرني،قال:لمّا نزل عليّ عليه السّلام الرقّة بمكان يقال له:

بليخ،على جانب الفرات،فنزل راهب من صومعته،فقال لعلي عليه السّلام:إنّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا،كتبه عيسى بن مريم،أعرضه عليك؟قال علي عليه السّلام:

نعم فما هو؟قال الرّاهب:بسم اللّه الرحمن الرحيم،الّذي قضى في ما قضى و سطر في ما سطر:أنّه باعث في الأمّيين رسولا منهم يعلّمهم الكتاب


1) 1)

2) 2) وقعة صفين لابن مزاحم:145،147.

و الحكمة،و يدلّهم على سبيل اللّه لا فظّ،و لا غليظ،و لا صخّاب في الأسواق،و لا يجزي بالسّيئة السّيّئة،و لكن يعفو و يصفح،امّته الحمّادون الّذين يحمدن اللّه على كلّ نشز،و في كلّ صعود و هبوط،تذلّ ألسنتهم بالتهليل و التكبير، و ينصره اللّه على كلّ من ناواه،فإذا توفّاه اللّه اختلفت امّته،ثمّ اجتمعت،فلبثت بذلك ما شاء اللّه،ثمّ اختلفت،فيمرّ رجل من امّته بشاطىء هذا الفرات يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر،و يقضي بالحقّ،و لا يرتشي في الحكم،و الدّنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت فيه الرّيح،و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ،يخاف اللّه في السّرّ و ينصح له في العلانية،و لا يخاف في اللّه لومة لائم.من أدرك ذلك النبيّ من أهل هذه البلاد فآمن به،كان ثوابه رضواني و الجنّة،و من أدرك ذلك العبد الصّالح فلينصره،فإنّ القتل معه شهادة.

و قال الراهب:فأنا مصاحبك غير مفارقك،حتّى يصيبني ما أصابك، قال:فبكى علي عليه السّلام ثمّ قال:الحمد للّه الذي لم يجعلني عنده منسيّا،الحمد للّه الّذي ذكرني في كتب الأبرار.و مضى الراهب معه،و كان-في ما ذكروا- يتغدّى مع عليّ عليه السّلام و يتعشّى،حتّى اصيب يوم صفين،فلمّا خرج النّاس يدفنون قتلاهم قال علي عليه السّلام:اطلبوه.فلمّا و جدوه صلّى عليه و دفنه،و قال:

هذا منّا أهل البيت،و استغفر له مرارا (1)

وقعة صفين لابن مزاحم:145،147.

.

و في(فواتح الميبدي):روى الثّعلبي في(تفسيره)عن ابن عبّاس و ابن سيرين:أنّ(طوبى)في قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ» (2)شجرة أصلها في دار علي بن أبي طالب عليه السّلام،و في دار كلّ مؤمن منها غصن.ثمّ نقل الميبدي هذين البيتين بالفارسية بالمناسبة:


1) 1)

2) 2) الرعد:29. [1]

اى ز مشكين طره‌ات بر هر دلى بندى دگر رشته جان را به هر سوى تو پيوندى دگر

گر پدر خورشيد و مادر ماه باشد فى المثل بر زمين نايد بخوبى چون تو فرزندى دگر (1)

فواتح الميبدي:189.

و روى(روضة الكافي)أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بينا كان جالسا إذ أقبل عليّ عليه السّلام، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم،و لو لا أن تقول فيك طوائف من امّتي ما قالت النّصارى في عيسى عليه السّلام لقلت فيك قولا:لا تمرّ بملأ من النّاس إلاّ أخذوا التّراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة.فغضب الأعرابيان،و المغيرة و عدّة من قريش معهم،فقالوا:ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلا إلاّ عيسى.فأنزل اللّه عزّ و جلّ على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: «وَ لَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ» (2).

هذا،و قد نقلنا ما نقلنا من فضائله أنموذجا شاهدا لقوله عليه السّلام: «و فضائل جمّة» .و أمّا نقلها بالاستقصاء فغير ممكن،لأنّها لا تحصى،كيف لا و قد مرّ قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه:لو كانت البحار مدادا،و الأشجار أقلاما،و الإنس و الجنّ كتّابا لما أحصوا فضائله (3)؟ «تعرفها قلوب المؤمنين» روى(احتجاج الطبرسي)عن سليم بن قيس الهلالي قال:قدم معاوية حاجّا في خلافته،فاستقبله أهل المدينة،فنظر فإذا الّذين استقبلوه ما فيهم أحد من غير قريش،فقال:ما بال الأنصار لم تستقبلني؟فقيل له:ليس لهم دواب.فقال:أين نواضحهم؟فقال قيس بن سعد


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 8:57 ح 18،كتاب الروضة،و [1]الآية 57 من سورة الزخرف. [2]

3) 3) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:13،مرّ تخريجه في شرح فقرة«و الفضائل الجمّة»من خطبة الرضي.

بن عبادة-و كان سيّد الأنصار و ابن سيّدها-:أفنوها يوم بدر و احد و ما بعدهما من مشاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،حين ضربوك و أباك على الاسلام حتّى ظهر أمر اللّه،و أنتم له كارهون.فسكت معاوية،فقال قيس:أما إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عهد إلينا:أنّا سنلقى بعده أثرة.قال:فبما أمركم؟قال:أن نصبر حتّى نلقاه.قال:

فاصبروا حتى تلقوه.ثمّ مرّ معاوية بحلقة من قريش،فلمّا رأوه قاموا غير عبد اللّه بن عباس،فقال له:ما منعك من القيام إلاّ لموجدة أنّي قاتلتكم بصفّين؟فلا تجد من ذلك فإنّ ابن عمّي عثمان قتل مظلوما.قال ابن عباس:فعمر أيضا قتل.

قال:إنّ عمر قتله كافر.قال ابن عبّاس:فمن قتل عثمان؟قال:المسلمون.قال:

فذاك أدحض لحجّتك.قال معاوية:فإنّا كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي و أهل بيته،فكفّ لسانك.فقال ابن عبّاس:يا معاوية أ تنهانا عن قراءة القرآن؟قال:لا.قال:أ فتنهانا عن تأويله؟قال:نعم.قال:فنقرأ و لا نسأل عمّا عنى اللّه به؟أيّهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟قال:العمل به.قال:فكيف نعمل به،و لا نعلم ما عنى اللّه؟قال:سل عن ذلك من يتأوّله،على غير ما تتأوّله أنت و أهل بيتك.قال:إنّما انزل القرآن على أهل بيتي،فأسأل عنه آل أبي سفيان؟أ تنهانا يا معاوية أن نعبد اللّه بالقرآن بما فيه من حلال و حرام،و أن تسأل الأمّة عن ذلك فتعلم فتهلك؟قال:اقرءوا القرآن،و تأوّلوه،و لا ترووا شيئا ممّا أنزل اللّه فيكم،و ارووا ما سوى ذلك.قال ابن عبّاس:فإنّ اللّه تعالى يقول في القرآن: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (1)

التوبة:32. [1]

قال:يابن عباس،أربع على نفسك،و كفّ لسانك، و إن كنت لا بدّ فاعلا فليكن ذلك سرّا لا تسمعه أحدا علانية.ثمّ رجع إلى بيته، و كان أشدّ النّاس بليّة في ذلك أهل الكوفة،لكثرة من بها من الشّيعة،فاستعمل

1) 1)

زياد بن أبيه،و ضمّ إليه العراقين:الكوفة و البصرة،فجعل يتتبع الشّيعة،و هو بهم عارف،يقتلهم تحت كلّ حجر و مدر،و أخافهم،و قطّع الأيدي و الأرجل، و صلبهم في جذوع النخل،و سمل أعينهم،و طردهم و شرّدهم،حتّى نفوا عن العراق،فلم يبق بها أحد معروف،فهم بين مقتول و مصلوب،و محبوس، و طريد.

و كتب معاوية إلى جميع عمّاله في جميع الأمصار:ألاّ تجيزوا لأحد من شيعة عليّ و أهل بيته شهادة،و انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه، و محبّي أهل بيته و أهل ولايته،و الّذين يروون فضله و مناقبه فأدنوا مجالسهم،و قرّبوهم و أكرموهم،و اكتبوا إليّ بكلّ من يروي من مناقبه، باسمه و اسم أبيه و قبيلته.

ففعلوا حتّى كثرت الرّوايات في عثمان،و افتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصّلات و الخلع و القطائع من العرب و الموالي،فكثر ذلك في كلّ مصر، و تنافسوا في الأموال و الدّنيا،فليس يجيء أحد من مصر من الأمصار،فيروي في عثمان منقبة و فضيلة إلاّ كتب اسمه،و قرّب و اجيز،فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.

ثمّ كتب إلى عمّاله:أنّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كلّ مصر، فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية و فضله و سابقته،فإنّ ذلك أحبّ إلينا و أقرّ لأعيننا،و أدحض لحجّة أهل هذا البيت،و أشدّ عليهم.

فقرأ كلّ أمير و قاض كتابه على النّاس،فأخذ النّاس في الروايات في فضائل معاوية،على المنبر في كلّ كورة،و كلّ مسجد زورا،و ألقوا ذلك إلى معلّمي الكتّاب فعلّموا ذلك صبيانهم،كما يعلّمونهم القرآن،حتّى علّموه بناتهم و نساءهم و حشمهم،فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.

و كتب زياد إلى معاوية في حقّ الحضرميين:«أنّهم على دين علي و رأيه».فكتب إليه معاوية:«اقتل كلّ من كان على دين عليّ و رأيه فقتلهم»

و مثّل بهم.و كتب معاوية إلى جميع البلدان:«انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّا و أهل بيته فامحوه من الديوان».و كتب كتابا آخر:«انظروا من قبلكم من شيعة عليّ و من اتّهموه بحبّه فاقتلوه و إن لم تقم البيّنة عليه».

فقتلوهم على الظّنة و التهمة تحت كلّ حجر،حتّى لو كان الرّجل تسقط منه كلمة يضرب عنقه،حتّى كان الرّجل يرمى بالزندقة و الكفر كان يعظّم و لا يتعرّض له بمكروه،و الرّجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان، لا سيما الكوفة و البصرة،حتّى لو أنّ أحدا منهم أراد أن يلقي سرّا إلى من يثق به،لأتاه في بيته و يخاف خادمه و مملوكه،و لا يحدّثه إلاّ بعد أن يأخذ عليه الأيمان المغلظة،ليكتمن عليه.

ثمّ لا يزداد الأمر إلاّ شدّة حتّى ظهرت أحاديثهم الكاذبة،و نشأ عليها الصبيان يعلّمون ذلك،و كان أشدّ النّاس في ذلك القرّاء المراءون المتصنّعون الّذين يظهرون الخشوع و الورع،فانتحلوا الأحاديث يتحظّون بذلك عند الولاة و القضاة،و يدنون مجالسهم و يصيبون بذلك القطائع و الأموال و المنازل، حتّى صارت أحاديثهم و رواياتهم عندهم حقّا و صدقا،فرووها و قبلوها و تعلّموها و علّموها و أحبّوا عليها،و أبغضوا من ردّها أو شكّ فيها.فاجتمعت على ذلك جماعتهم،و صارت في يد المتنسّكين و المتديّنين منهم الّذين لا يستحلّون الافتعال لمثلها،فقبلوها و هم يرون أنّها حقّ،و لو علموا بطلانها و تيقّنوا أنّها مفتعلة لأعرضوا عن روايتها،فصار الحقّ في ذلك الزّمان عندهم باطلا،و الباطل حقّا،و الكذب صدقا،و الصّدق كذبا.

فلمّا مات الحسن عليه السّلام ازداد الدّاء،فلم يبق للّه وليّ إلاّ خائف على نفسه، أو مقتول أو طريد،فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجّ الحسين عليه السّلام و حجّ عبد اللّه بن جعفر،و عبد اللّه بن عبّاس معه،و قد جمع الحسين عليه السّلام بني هاشم:

رجالهم و نساءهم و مواليهم و شيعتهم،ثمّ لم يدع أحدا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله

و من أبنائهم و التّابعين،و من الأنصار المعروفين بالصلاح و النّسك إلاّ جمعهم،فاجتمع إليه بمنى أكثر من ألف رجل و الحسين عليه السّلام في سرادقه:

عامتهم التّابعون و أبناء الصحابة،فقام عليه السّلام فيهم خطيبا،فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:أمّا بعد،فإنّ هذا الطاغية قد صنع بنا و بشيعتنا ما قد علمتم، و رأيتم و شهدتم و بلغكم،و إنّي اريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدّقوني،و إن كذبت فكذّبوني،و اسمعوا مقالتي،و اكتموا قولي،ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم و قبائلكم،من ائتمنتموه و وثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون، فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ و يذهب،و لكنّ اللّه «مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (1)

الصف:8. [1]

.فما ترك الحسين عليه السّلام شيئا أنزل تعالى فيهم من القرآن إلاّ قاله و فسّره،و لا شيئا قاله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أبيه و امّه و أهل بيته إلاّ رواه،في كلّ ذلك تقول الصّحابة:اللّهم نعم قد سمعناه و شهدناه.و يقول التابعون:اللّهمّ قد حدّثناه من نصدّقه و نأتمنه.حتّى لم يترك شيئا إلاّ قاله،ثمّ قال:انشدكم باللّه إلاّ رجعتم و حدّثتم به من تثقون به.ثمّ نزل و تفرّق الناس على ذلك (2).

و رواه المدائني مع زيادة و نقصان،و في روايته-بدل قوله في هذه الرواية:«فادعوا النّاس إلى الرّواية في معاوية»-:«فادعوا النّاس إلى الرواية في فضائل الصّحابة و الخلفاء الأوّلين،و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب،إلاّ و آتوني بمناقض له في الصّحابة مفتعلة،فإنّ هذا أحبّ إليّ و أقرّ لعيني،و أدحض لحجّة أبي تراب و شيعته،و أشدّ عليهم من مناقب عثمان» (3).


1) 1)

2) 2) رواه الطبرسي في الاحتجاج:293 [2] عن سليم بن قيس،و رواه سليم بن قيس نفسه في السقيفة:199.

3) 3) نقله ابن أبي الحديد في شرحه 3:15،16،شرح الخطبة 208 عن المدائني.

و هو عليه السّلام و إن قال: «تعرفها قلوب المؤمنين» ليس مفهومه أنّ المنافقين لا يعرفونها،لكن كانوا في فضائله عليه السّلام كما في آياته تعالى: «وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا» (1)

النمل:14. [1]

،فمرّ أنّ المغيرة و هو الّذي وضع سبّه عليه السّلام أوّلا حتّى يتقرّب بذلك إلى معاوية،قال لصعصعة:إنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك.

«و لا تمجّها آذان السامعين» حتّى مثل معاوية و الحجّاج،و باقي معانديه عليه السّلام،روى أبو نعيم في(حليته)عن أبي صالح قال:دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية،فقال:صف لي عليّا.فقال:أو تعفيني؟قال:

لا أعفيك.

قال:أما إذ لا بدّ فإنّه كان و اللّه بعيد المدى،شديد القوى،يقول فصلا و يحكم عدلا،ينفجر العلم من جوانبه،و تنطق الحكمة من نواحيه،يستوحش من الدّنيا و زهرتها،و يستأنس بالليل و ظلمته،كان و اللّه غزير العبرة،طويل الفكرة،يقلّب كفّه،و يخاطب نفسه،يعجبه من اللباس ما قصر،و من الطّعام ما جشب،كان و اللّه كأحدنا،يدنينا إذا أتيناه،و يجيبنا إذا سألناه،و كان مع تقرّبه إلينا و قربه منّا و تقريبه لنا لا نكلّمه هيبة له،فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم،يعظّم أهل الدّين و يحبّ المساكين،لا يطمع القوي في باطله،و لا ييأس الضعيف من عدله،فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه،و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه،يميل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم،و يبكي بكاء الحزين،فكأنّي أسمعه الآن و هو يقول:ربّنا ربّنا -يتضرّع إليه-ثمّ يقول للدّنيا:إليّ تغرّرت؟أم إليّ تشوّقت؟هيهات هيهات غرّي غيري،قد بتتك ثلاثا،فعمرك قصير،و مجلسك حقير،و خطرك يسير،آه


1) 1)

آه من قلّة الزّاد و بعد السّفر و وحشة الطريق.

قال:فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها،و جعل ينشفها بكمّه، و قد اختنق القوم بالبكاء،فقال:كذا كان أبو الحسن رحمه اللّه كيف وجدك عليه يا ضرار؟قال:وجد من ذبح و احدها في حجرها،لا ترقأ دمعتها و لا يسكن حزنها (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 1:84.

.

و روى الإسكافي في(نقضه)مسندا عن الشّعبي قال:قال الحجّاج للحسن(البصري)-و عنده جماعة من التّابعين،و ذكر عليّ بن أبي طالب-:ما تقول أنت يا حسن؟فقال:ما أقول هو أوّل من صلّى إلى القبلة،و أجاب دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و إنّه لعلى منزلة من ربّه،و قرابة من رسوله،و قد سبقت له سوابق لا يستطيع ردّها أحد.فغضب الحجّاج غضبا شديدا و قام عن سريره فدخل بعض البيوت و أمر بصرفنا (2).

و روى الكنجي الشافعي في مناقبه مسندا عن زيد بن عليّ،قال:كانت قريش في حلقة فتفاخروا و ذكروا شيئا من الشعر،فقالوا له:قل يا أبا الحسن قل.فقال:لقد قلتم.فقالوا:نعم و أنت أيضا فقل.فقال:

اللّه أكرمنا بنصّ نبيّه و بنا أقام دعائم الإسلام

و بنا أعزّ نبيّه و كتابه و أعزّنا بالنّصر و الإقدام

في كلّ معركة تطير سيوفنا فيها الجماجم عن فراخ الهام

ينتابنا جبريل في أبياتنا بفرائض الإسلام و الأحكام

فنكون أوّل مستحل حلّه و محرّم للّه كلّ حرام

نحن الخيار من البريّة كلّها و نظامها و زمام كلّ زمام


1) 1)

2) 2) نقله ابن أبي الحديد في شرحه 3:262،شرح الخطبة 233 عن النقض [2]على العثمانية [3]لأبي جعفر الاسكافي.

الخائضو غمرات كلّ كريهة الضامنون حوادث الأيّام

و المبرمو و هي الأمور بعزمهم و الناقضون صرائم الأبرام

إنّا لنمنع من أردنا منعه و نجود بالمعروف و الانعام

و تردّ غائلة الخميس سيوفنا و نقيم رأس الأصيد القمقام (1)

كفاية الطالب للكنجي:86.

هذا،و قوله عليه السّلام: «و لا تمجّها» استعارة فالأصل في المجّ رمي الرّجل الشّراب من فيه إذا لا يناسب الذّوق،فاستعاره لرمي الآذان ما تسمعه من المنكرات،و مرمى كلامه أنّ ما وضعوه لأعدائه تمجّها الآذان،يوضح ذلك من راجع كتبهم الصّحابية في ما وضعوه لباقي عشرتهم،فلعمر اللّه يتأذى السّمع و البصر من سماعها،و رؤيتها،و العجب من النّاقلين مع ادعائهم الفضل،كيف ينقلون ما خلاف الدّراية؟ «فدع عنك من مالت به الرّميّة» قال الجوهري:الرّميّة:الصّيد.يقال:بئس الرّمية الأرنب (2).

قال ابن أبي الحديد:معنى قوله: «فدع عنك من مالت به الرّميّة» دع ذكر من مال إلى الدّنيا و مالت به،أي:أمالته إليها.فإن قلت:فهل هذا إشارة إلى أبي بكر و عمر؟قلت:ينبغي أن ينزّه كلام أمير المؤمنين عليه السّلام عن ذلك،و أن يصرف هذه الكلمة إلى عثمان،لأنّ معاوية ذكره في كتابه،و قد أوردناه و إذا أنصف إنسان من نفسه علم أنّه عليه السّلام لم يكن يذكرهما بما يذكر به عثمان،فإنّ الحال بينه و بين عثمان كانت مضطربة جدّا (3).

قلت:إن أراد تنزيه أمير المؤمنين عليه السّلام عن ذكره لهما تنزيهه استصغارا


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 6:2362 [1] مادة(رمى).

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:459. [2]

لقدرهما عنده فله وجه،و إلاّ فكما ذكر معاوية عثمان في كتابه ذكرهما فيه، و كان أشار بذكرهما إغضابا له عليه السّلام بما يكون عليه أشدّ من ذكر عثمان،فمرّ أنّ معاوية كتب إليه عليه السّلام:«فكان أفضلهم مرتبة،و أعلاهم عند اللّه و المسلمين منزلة الخليفة الأوّل الّذي جمع الكلمة،و لمّ الدّعوة،و قاتل أهل الردّة،ثمّ الخليفة الثاني الّذي فتح الفتوح،و مصّر الأمصار،و أذلّ رقاب المشركين-إلى أن قال في كتابه إليه عليه السّلام-:و ما يوم المسلمين منك بواحد،لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه،و رمت إفساد أمره،و قعدت في بيتك،و استغويت عصابة من النّاس حتّى تأخّروا عن بيعته،ثمّ كرهت خلافة عمر و حسدته،و استطلت مدّته،و سررت بقتله،و أظهرت الشماتة بمصابه،حتّى أنّك حاولت قتل ولده لأنّه قتل قاتل أبيه»و في جوابه عليه السّلام لمعاوية«و زعمت أنّ أفضل النّاس في الإسلام فلان و فلان» (1)

هذه قطعة متن كتاب لمعاوية رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:456،و قطعة من كتاب لعليّ عليه السّلام رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 3:30 الكتاب 28.

.

و قول ابن أبي الحديد:«و إذا أنصف الإنسان...»مغالطة،فإنّهما لم يهتكا السّتر،كما هتك عثمان،حتّى يذكرهما بما كان يذكره،و هو غير مناف لأن يذكرهما بمثل الفقرة،مع أنّ الأصل في أمر عثمان هما.

و يشهد لإرادته الثّلاثة حسبما يقتضيه السّياق-غير خطبه الأخرى من الشقشقية و غيرها-كلامه عليه السّلام هنا بعد: «فإنّا صنائع ربّنا،و النّاس بعد صنائع لنا» .

و لم يفرّ من كونهما ممّن مالت به الرّميّة،و قد فرّا براية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في خيبر حتّى قال صلّى اللّه عليه و آله:«لأعطينّ الراية رجلا يحبّ اللّه و رسوله،و يحبّه اللّه


1) 1)

و رسوله» (1)

هذا حديث الراية أخرجه أصحاب الحديث عن ثلاثة عشر من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله منهم البخاري في صحيحه 2: 165 و 3:51،و مسلم في صحيحه 3:1441 ح 132 و 4:1872 ح 35،و أحمد في مسنده 4:52،و الحارث في مسنده عنه المطالب العالية 4:239 ح 4354،و غيرهم عن سلمة بن الأكوع.

.فأفصح عليه السّلام عن كونهما غير محبّي اللّه و رسوله،و كون اللّه و رسوله غير محبيّن لهما،و قد نزل جبرئيل بعزل الأوّل من اللّه تعالى في بعثه بآيات براءة (2)،و لمّا قال عمر لابن عبّاس:«ما أرى صاحبك إلاّ مظلوما»فقال له ابن عبّاس:«فاردد عليه ظلامته».فقال له عمر:«استصغره قومه».فقال له ابن عبّاس:«و اللّه ما استصغره اللّه و رسوله حين أمراه أن يأخذ(براءة)من صاحبك» (3).

و قد نسب الثّاني إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الّذي قال تعالى فيه: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» (4)أنّه يهجر،لمّا أراد الوصيّة و تعيين أمير المؤمنين عليه السّلام بالكتابة بإقرار عمر نفسه،و لا يقتصر على مشافهاته و منعه عن الوصيّة و لا مصيبة فوقه،كما كان ابن عباس يقولها كرارا،و يبكي من ذلك بكاء الثّكلى (5)،و تركا جنازته و تكالبا على الرّياسة حتّى أرادا إحراق أهل بيت نبيّهما (6)،و بعثهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في جيش اسامة،و لعن المتخلّف عنه، و تخلّفا عنه (7)،و آذيا بضعته سيّدة النّساء حتّى مرضت و توفيت و أوصت أن تدفن سرّا،حتّى لا يحضراها مع قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكون إيذائها ايذائه،و إيذائه


1) 1)

2) 2) أخرجه الترمذي في سننه 5:275 ح 3090 و أحمد في مسنده 3:212،283 و غيرهم عن أنس،و في الباب عن علي عليه السّلام و ابن عباس و أبي سعيد و جابر و سعد و أبي بكر و غيرهم.

3) 3) روى هذا المعنى الطبري في تاريخه 3:289 سنة 23.

4) 4) النجم:3-4. [1]

5) 5) صحيح البخاري 1:32 و 4:7،271،و غيره،مر تخريجه في أواخر العنوان 3 من هذا الفصل.

6) 6) السقيفة للجوهري:38،50،71،و غيره،مرّ تخريجه في شرح فقرة«الطلقاء»من هذا العنوان.

7) 7) السقيفة للجوهري:75،مسندا،و غيره مجردا.

إيذاء اللّه الّذي لم يكن جزاؤه غير النار (1)

حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرّ تخريجه في العنوان 5 من هذا الفصل،و أما أذيّتهما فاطمة عليها السّلام و عدم إذنها أن يصلّي عليها أبو بكر فرواه البخاري في صحيحه 3:55،و مسلم في صحيحه 3:1380 ح 52،و أحمد في مسنده 1:9،و غيرهم.

.إلى غير ذلك ممّا يجعل أمرهما كالنار على المنار.

«فإنّا صنائع ربّنا،و النّاس بعد صنائع لنا أسوه»قال ابن أبي الحديد:هذا كلام عظيم عال على الكلام،و معناه عال على المعاني،و صنيعة الملك من يصطنعه الملك و يرفع قدره.يقول:ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل اللّه هو الّذي أنعم علينا فليس بيننا و بينه واسطة،و النّاس بأسرهم صنائعنا فنحن الواسطة بينهم و بين اللّه تعالى،و هذا مقام جليل،ظاهره ما سمعت و باطنه أنّهم عبيد اللّه،و أنّ النّاس عبيدهم (2).

و قال شيخنا الصدوق في(اعتقاداته):يجب أن يعتقد أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يخلق خلقا أفضل من محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمة عليهم السّلام،و أنّهم أحب الخلق إلى اللّه و أكرمهم و أولهم إقرارا به لما أخذ اللّه ميثاق النبيين، «وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى» (3)ثم قال:و نعتقد أنّ اللّه تبارك و تعالى خلق جميع الخلق له و لأهل بيته عليهم السّلام و أنّه لولاهم ما خلق اللّه سبحانه السّماء و الأرض و لا الجنّة و لا النّار،و لا آدم و لا حوّا،و لا الملائكة و لا شيئا ممّا خلق (4).

و قال شيخنا المفيد:قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة من آل محمّد عليه و عليهم السّلام على سائر من تقدّم من الرّسل و الأنبياء،سوى نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و أوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء،سوى اولي العزم منهم،و أبى القولين فريق منهم آخر،و قطعوا بفضل الأنبياء كلّهم


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:459. [1]

3) 3) الأعراف:172. [2]

4) 4) الاعتقادات للصدوق:35،36. [3]

على سائر الأئمة عليهم السّلام،و هذا باب ليس للعقول في إيجابه و المنع منه مجال،و لا على أحد الأقوال فيه إجماع.ثمّ قال:و في القرآن مواضع تقوّي العزم على ما قال الفريق الأوّل (1)

أوائل المقالات للمفيد:81. [1]

.

و يشهد لكونه عليه السّلام من صنائع اللّه ما رواه الكنجي الشّافعي في مناقبه مسندا عن زيد بن أرقم قال:كان لنفر من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أبواب شارعة في المسجد،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ.فتكلّم في ذلك النّاس،فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:إنّي امرت بسدّ هذه الأبواب غير باب عليّ، فقال قائلكم.و اللّه ما سددته و لا فتحته،و لكنّي امرت بشيء فاتّبعته (2).

و ما رواه عن جابر قال:دعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا عليه السّلام يوم الطائف فانتجاه، فقال النّاس:لقد طال نجواه مع ابن عمّه.فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ما انتجيته و لكن اللّه انتجاه.و رواه جامع التّرمذي (3).

و ما رواه(خصائص الرّضي)رضوان اللّه عليه مرفوعا:أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا أجمع على المضي إلى تبوك ناجى عليّا عليه السّلام فأطال،فقال أبو بكر لعمر:لقد أطال مناجاته لابن عمّه.فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ما أنا ناجيته،و لكن اللّه ناجاه.و في ذلك يقول حسّان:

و يوم الثنية عند الوداع و أجمع نحو تبوك المضيّا

تنحى يودّعه خاليا و قد أوقف المسلمون المطيّا

فقالوا يناجيه دون الأنا م و اللّه أدناه منه نجيّا

على فم أحمد يوحى إليه كلاما بليغا و وحيا خفيّا (4)


1) 1)

2) 2) كفاية الطالب للكنجي:88،و النقل بتلخيص.

3) 3) كفاية الطالب للكنجي:186،و سنن الترمذي 5:639 ح 3726.

4) 4) خصائص الأئمة للشريف الرضي:36. [2]

قلت:و من خبره يفهم أنّ القائل في سدّ الأبواب،و في نجوى الطائف أيضا الرّجلان.

و في(تاريخ اليعقوبي):زوّج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فاطمة عليها السّلام من عليّ عليه السّلام بعد قدومه بشهرين،و قد كان جماعة من المهاجرين خطبوها،فلمّا زوّجها منه عليه السّلام قالوا في ذلك،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ما أنا زوّجته،و لكنّ اللّه زوّجه (1)

تاريخ اليعقوبي 2:41،و [1]النقل بالمعنى.

.

و روى الخطيب في(تاريخ بغداده)في(محمد بن سليمان المعروف بلوين)مسندا عن سفيان قال:حدّثنا عمرو بن دينار قال:كنت أنا و أبو جعفر فمررنا بإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص فقال لي:أنظرني حتّى أسأله عن حديث يحدّثه.فذهب إليه ثمّ جاءني فأخبرني أنّه حدّثه أنّ عليّا عليه السّلام أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عنده ناس فدخل،فلمّا دخل خرجوا،ثمّ إنّهم قالوا:و اللّه ما أخرجنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلم خرجنا.فرجعوا فدخلوا على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّي و اللّه ما أخرجتكم و أدخلته،و لكنّ اللّه هو أدخله و أخرجكم (2).

هذا،و نظير كلامه عليه السّلام كلام المهديّ عليه السّلام في ما روى الشّيخ في(غيبته) في توقيعاته:أنّه تشاجر ابن أبي غانم القزويني و جماعة من الشيعة في الخلف،فذكر ابن أبي غانم أنّ أبا محمّد عليه السّلام مضى و لا خلف له.ثمّ إنّهم كتبوا في ذلك كتابا،و أنفذوه إلى الناحية،و أعلموه بما تشاجروا فيه،فورد جواب كتابهم بخطّه عليه السّلام:انهي إليّ ارتياب جماعة منكم في الدّين،و ما دخلهم من الشّكّ و الحيرة في ولاة امورهم فغمّنا ذلك لكم لا لنا،و ساءنا فيكم لا فينا،لأنّ اللّه معنا،و لا فاقة بنا إلى غيره،و الحق معنا،فلن يوحشنا من قعد عنّا،و نحن صنائع ربّنا،و الخلق بعد صنائعنا (3).


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 5:294. [2]

3) 3) الغيبة للطوسي:172 و [3]النقل بتقطيع.

هذا،و قد قال التميمي في الفضل بن سهل ذي الرّياستين:

لعمرك ما الأشراف في كلّ بلدة و إن عظموا للفضل إلاّ صنائع

ترى عظماء الناس للفضل خشّعا إذا ما بدوا و الفضل للّه خاشع

«لم يمنعنا قديم عزّنا و لا عادي» و في(ابن ميثم و الخطيّة) (1)

لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:454،و [1]شرح ابن ميثم 4:433 [2] مثل المصرية أيضا.

:«و عادى».

«طولنا على قومك إن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا و أنكحنا فعل الأكفاء و لستم هناك» أي:أكفاء لنا،كيف و هاشم منبع كلّ فضيلة،و اميّة مجمع كلّ رذيلة؟ قال ابن أبي الحديد:ينبغي أن نذكر هاهنا مناكحات بني هاشم و بني عبد شمس:زوّج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ابنتيه رقيّة و امّ كلثوم من عثمان بن عفّان بن أبي العاص،و زوّج ابنته زينب من أبي العاص بن الرّبيع بن عبد العزّى بن عبد شمس في الجاهلية،و تزوّج أبو لهب بن عبد المطلّب امّ جميل بنت حرب بن اميّة في الجاهلية،و تزوّج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نفسه ام حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، و تزوّج عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين عليه السّلام (2).

قلت:ذكر الأخير خارج عن موضوع كلام أمير المؤمنين عليه السّلام لأنّه كان بعده عليه السّلام،و لو أراد ابن أبي الحديد مناكحهم بعد لبلغت إلى مائة بل مئات،كما أنّه فاته كثير من مناكحهم قبل،فتزوّج الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب هندا بنت أبي سفيان،فولدت له على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عبد اللّه المعروف بببّه،و تزوّج أمير المؤمنين عليه السّلام امامة بنت أبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس من زينب بنت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و تزوج كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس امّ حكيم بنت عبد المطّلب،فولدت له أروى امّ عثمان،و تزوّج-كما في (ذيل الطّبري) (3)-حارث بن حرب بن امية صفية بنت عبد المطّلب فولدت له


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:459. [3]

3) 3) منتخب ذيل المذيل للطبري:92. [4]

صفيا،ثمّ خلّف عليها العوّام،و تزوّج عقيل بنتا لعتبة بن ربيعة،كانت تقول لعقيل:«يا بني هاشم لا يحبّكم قلبي أبدا،أين أبي،أين عمّي،أين أخي-و كان أمير المؤمنين عليه السّلام قتلهم في بدر-أين فلان بن فلان؟كأنّ أعناقهم أباريق فضّة،ترد انوفهم قبل شفاههم»و كان عقيل يجيبها:إذا دخلت النّار فخذي على يسارك ترينهم.

قال ابن أبي الحديد:روى شيخنا أبو عثمان عن إسحاق بن عيسى بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس،قال:قلت للمنصور أبي جعفر:من أكفاؤنا؟فقال:

أعداؤنا.فقلت:من هم؟قال:بنو اميّة (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:459.

.

قلت:مراد أمير المؤمنين عليه السّلام ببني هاشم المفهوم من قوله عليه السّلام: «لم يمنعنا...» أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.و العبّاسيون و إن كانوا من الهاشميين نسبا إلاّ أنّهم صاروا بمخالفتهم لهم عليهم السّلام كالامويّين،فلا أثر لإقرار المنصور لأن يعارض إنكاره عليه السّلام.

قال ابن أبي الحديد:قال الجاحظ:لمّا ماتت الابنتان تحت عثمان قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأصحابه:«ما تنتظرون بعثمان ألاّ أبو أيم ألا أخو أيم،زوّجته ابنتين و لو أنّ عندي ثالثة لفعلت»و لذلك سمّي ذا النّورين (2).

قلت:هو من الأخبار التي أمر معاوية بوضعها لعثمان،و كيف لا،و قد روى إبراهيم الثّقفي في(تاريخه)عن رجالهم عن القاسم بن مصعب العبدي، قال:قام عثمان ذات يوم خطيبا،فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:نسوة يكتبن في الآفاق لتنكث بيعتي و يهراق دمي،و اللّه لو شئت أن أملأ عليهنّ حجراتهنّ رجالا سودا و بيضا لفعلت.أ لست ختن رسول اللّه على ابنتيه؟-إلى أن قال- اذ تكلمت امرأة من وراء الحجاب،فجعل تبدو لنا خمارها احيانا،فقالت:


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:460. [1]

صدقت لقد كنت ختن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ابنتيه فكان منك فيهما ما قد علمت (1)

نقله عنه المجلسي في تقريب المعارف [1]عنه فتن البحار:320. [2]

.

و قد روى(أنساب البلاذري):أنّ عثمان أخفى عمّه المغيرة-الّذي جدع أنف حمزة-في موضع من بيته،و بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لطلبه من بيته،فأشارت امّ كلثوم إلى موضعه (2).

و كان عثمان يقدّم قتل نفسه على قتل أقربائه بني امّية،فلما حضروه رضوا منه بأن يطرد مروان من عنده،فاختار قتل نفسه على طرد مروان،فما ظنّك بمعاملة عثمان معها و قد صارت سببا لقتل عمّه؟فقتله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اخيرا، فكيف يعقل أن بحث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على تزويجه و يتأسّف على عدم بنت اخرى له يزوّجها به؟و لو كان لخبره حقيقة أما كان معاوية يجيب أمير المؤمنين عليه السّلام عن قوله: «و لستم هناك» بذلك.

هذا،و في(مناقب السّروي)قالوا:خطب الحسن عليه السّلام عائشة بنت عثمان،فقال مروان:ازوّجها عبد اللّه بن الزّبير.ثمّ إن معاوية كتب إلى مروان -و كان عامله على الحجاز-:بعد أن يخطب امّ كلثوم بنت عبد اللّه بن جعفر لابنه يزيد.فقال عبد اللّه بن جعفر:إنّما أمرها إلى سيّدنا الحسين عليه السّلام،و هو خالها فاخبر عليه السّلام بذلك،فقال:اللّهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك.فلمّا اجتمع الناس أقبل مروان حتّى جلس إليه عليه السّلام و عنده من الجلّة فقال:إنّ معاوية أمرني أن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ،مع قضاء دينه،مع صلح ما بين هذين الحييّن، و اعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم،و العجب كيف يستمهر يزيد،و هو كفو من لا كفو له،و بوجهه يستسقى الغمام؟فردّ خيرا يا أبا


1) 1)

2) 2) رواه البلاذري في أنساب الأشراف 1:337،338 و 4 [3] ق 2:169 و 5:164،و فيه معاوية بن المغيرة ابن عمه،لكن سياق المتن رواه الكليني في الكافي 3:251 ح 8،و الراوندي في الخرائج 1:85.

عبد اللّه.فقال عليه السّلام:الحمد للّه الذي اختارنا لنفسه،و ارتضانا لدينه،و اصطفانا على خلقه.ثمّ قال لمروان:أمّا قولك:«مهرها حكم أبيها»فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في بناته و نسائه و أهل بيته،و أمّا قولك:«مع قضاء دين أبيها»فمتى كانت نساؤنا يقضين عنّا ديوننا؟و أمّا«صلح ما بين هذين الحييّن»فإنّا قوم عاديناكم في اللّه،و لم نكن نصالحكم للدّنيا،فلعمري لقد أعيا النّسب،فكيف السّبب؟و أمّا قولك:العجب ليزيد كيف يستمهر فقد استمهر من هو خير من يزيد و أبيه و جدّه،و أمّا قولك:«يزيد كفو من لا كفو له»فمن كان كفوه قبل اليوم،فهو كفوه اليوم،ما زادته أمارته في الكفأة شيئا،و أمّا قولك:

«بوجهه يستسقى الغمام»فانّما كان ذلك بوجه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و أمّا قولك:«من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا»فإنّما يغبطنا به أهل الجهل،و يغبطه بنا أهل العقل.ثمّ قال بعد كلام:اشهدوا أنّي قد زوّجت ام كلثوم بنت عبد اللّه بن جعفر من ابن عمّها قاسم بن محمّد بن جعفر،و قد نحلتها ضيعتي بالمدينة-أو قال:

أرضي بالعقيق-و غلّتها في السنة ثمانية آلاف دينار،ففيها لهما غنى إن شاء اللّه.فتغيّر وجه مروان،و قال:أغدرا يا بني هاشم؟فذكّره الحسين خطبة الحسن عليه السّلام و فعله.ثمّ قال:فأين موضع الغدر يا مروان؟فقال مروان:

أردنا صهركم لنجدّ ودّا قد اخلفه به حدث الزّمان

فلمّا جئتكم فجبهتموني و بحتم بالضّمير من الشّنان

فأجابه ذكوان مولى بني هاشم،و قال:

أماط اللّه عنهم كلّ رجس و طهّرهم بذلك في المثاني

فما لهم سواهم من نظير و لا كفو هناك و لا مدان

أ يجعل كلّ جبّار عنيد إلى الأخيار من أهل الجنان (1)

المناقب لابن شهر آشوب 4:38. [1]


1) 1)

«و منّا النبيّ» (1)

أسقط الشارح هنا شرح فقرة:«و أنى يكون ذلك كذلك».

في(العقد)قيل لمعاوية:أخبرنا عنكم و عن بني هاشم.

قال:بنو هاشم أشرف واحدا،و نحن أشرف عددا،فما كان إلاّ كلا و بلى حتّى جاءوا بواحدة بذّت الأوّلين و الآخرين.

قال صاحب(العقد):أراد بقوله«أشرف واحدا»عبد المطّلب،و بقوله «حتّى جاءوا»النبيّ صلّى اللّه عليه و آله (2).

قلت:إقرار معاوية مقبول و ادّعاؤه غير مقبول،فبنو هاشم أيضا كانوا أشرف عددا،و لم ينحصر الشّريف فيهم بعبد المطّلب،و أنّى كان في بني اميّة مثل هاشم و الزّبير بن عبد المطّلب،و أبي طالب بن عبد المطّلب،و حمزة بن عبد المطّلب،و جعفر بن أبي طالب،و أشراف بني اميّة أشراف جبابرة؟ فأشرف أشرافهم عثمان-الّذي أحدث منكرات،إلى أن اضطر النّاس إلى قتله- كجبّار العمالقة في طسم و جديس،و أشراف هاشم أشراف مثل الأنبياء و الأولياء حتّى في الجاهلية.فكان عبد المطلّب ذا كرامات،فمثل أشرافهم و أشراف هاشم قول النّابغة:

إنّا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت برّة و احتملت فجار

و لم ينحصر إتيان بني هاشم بمن بذّ الأوّلين و الآخرين بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فأتوا بآخر مثله:أمير المؤمنين عليه السّلام بنصّه تعالى: «وَ أَنْفُسَنا» (3)و بالعيان و الوجدان،إلاّ أنّ معاوية كمن أسّس له الأمر كانوا يذعنون للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله،لأنّهم أرادوا أكل الدّنيا باسمه،و جحدوه عليه السّلام،لأنّه كان مانعا لهم من ذلك.


1) 1)

2) 2) العقد الفريد لابن عبد ربه 3:238. [1]

3) 3) آل عمران:61.

هذا،و في معنى قوله عليه السّلام «و منّا النبيّ» قول دعبل في قصيدته المعروفة الّتي أوّلها«مدارس آيات...»:

و إن فخروا يوما أتوا بمحمّد و جبريل و الفرقان ذي السّورات

«و منكم المكذّب» قال تعالى: «وَ إِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ» (1)

الحاقة:49. [1]

.

و عن(صحيحي مسلم و البخاري)في تفسير قوله تعالى: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» (2)نزلت في عليّ و حمزة و عبيدة الّذين بارزوا المشركين-يوم بدر-:عتبة و شيبة ابنا ربيعة،و الوليد بن عتبة (3).

و روى ابن بابويه عن النّضر بن مالك قال:قلت للحسين عليه السّلام:حدّثني عن قوله تعالى: «هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» (4).قال:نحن و بنو اميّة اختصمنا في اللّه عزّ و جلّ،قلنا:صدق اللّه.و قالوا:كذب اللّه.فنحن و إيّاهم الخصمان يوم القيامة (5).

قلت:و لا تنافي بين هذا الخبر و الخبر السابق،فإنّ الظاهر أنّ أصل النّزول في أمير المؤمنين عليه السّلام و صاحبيه،و جرى في باقي أهل بيته،فالمراد ب‍(خصمان)في الآية الجنس،و لذا أرجع ضمير الجمع إليه بعد.

و قال ابن أبي الحديد:يعني عليه السّلام بالمكذّب أبا سفيان،فكان المكذّب له و المجلب عليه.و قال الرّاوندي:المكذّب من كان يكذّب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عنادا من قريش.و هذا طريف،لأنّه لم يلحظ أن يجعل بإزاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مكذّب من بني


1) 1)

2) 2) الحج:19. [2]

3) 3) رواه البخاري بطرق في صحيحه 3:5،و مسلم بطريقين في صحيحه 4:23 ح 34 و عدّة اخرى جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 4:348. [3]

4) 4) الحج:19. [4]

5) 5) الخصال للصدوق:42 ح 35.

عبد شمس،و ليس كلّ من كذّبه من قريش يوجب أن يعيّر به معاوية (1)

قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3:460،و الراوندي في شرحه 3:75 و النقل بالمعنى.

.

قلت:و أطرف منه قول ابن ميثم:ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قابله بالمكذّب له من بني امّية و هو أبو جهل بن هشام (2).فإنّ أبا جهل إنّما كان من بني مخزوم لا بني امّية،لكن ما قاله ابن أبي الحديد أيضا من كون المكذّب أبا سفيان بالخصوص غير صواب أيضا،بل مراده عليه السّلام جمهور بني عبد شمس:عتبة جدّ معاوية لامّه،و الشّيبة عمّ امّه،و الوليد خاله،و حنظلة أخوه الّذي قتل يوم بدر مع جدّه عتبة،كذّبوه صلّى اللّه عليه و آله و لم يسلم أحد منهم بل قتلوا كافرين،و هو و أبوه و أخوه يزيد اللذان لعنهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في غير موطن،و هم و إن أسلموا يوم الفتح لكن أسلموا كرها،لحقن دمائهم و أبطنوا كفرهم.

و أمّا أبوه فيشهد لبقائه على كفره ما رواه ابن عبد البر في(استيعابه) عن عبد اللّه بن الزبير:أنّه رأى أبا سفيان يوم اليرموك فكانت الرّوم إذا ظهرت قال:إيه بني الأصفر.و إذا كشفهم المسلمون قال:

و بنو الأصفر الملوك ملوك الروم لم يبق منهم مذكور

فحدّث أباه الزّبير بذلك،فقال:قاتله اللّه يأبى إلاّ نفاقا (3).

و ما رواه عن الحسن البصري:أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه،فقال لعثمان:قد صارت إليك بعد تيم و عدي فأدرها كالكرة،و اجعل أوتادها بني اميّة فإنّما هو الملك،و لا أدري ما جنّة و لا نار (4).

و أمّا معاوية نفسه فيشهد لبقائه على كفره ما نقله المسعودي عن (موفّقيّات ابن بكار)عن مطرف بن المغيرة قال:و فدت مع أبي المغيرة إلى


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:440. [1]

3) 3) الاستيعاب لابن عبد البر 4:87. [2]

4) 4) الاستيعاب لابن عبد البر 4:87. [3]

معاوية،فكان أبي يأتيه يتحدّث عنده ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية-إلى أن قال-:قال أبي:قلت لمعاوية:إنّك بلغت منّا فلو أظهرت عدلا،و لو نظرت إلى إخوانك من بني هاشم فوصلت أرحامهم.فقال:هيهات ملك أخو تيم فعدل ما فعل،فما عدا أن هلك فهلك ذكره-إلى أن قال-قال معاوية:و إنّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات:«أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه»،فأيّ أمل يبقى مع هذا،لا ام لك،و اللّه إلا دفنا دفنا.

قال المسعودي:و المأمون لمّا سمع هذا نادى مناديه في سنة(212):

«برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير» (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:454 و [1]النقل بتلخيص.

.

بل يمكن أن يقال:إنّ بني اميّة كلّ منهم مكذّب،من مضى منهم،و من غبر،حيث إنّهم الشجرة الملعونة في القرآن،و يأتي قول يزيد:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل (2)

و قال المسعودي أيضا في(مروجه):إنّ الوليد بن يزيد قرأ ذات يوم «وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ» (3)فدعا بالمصحف فنصبه غرضا للنشاب و أقبل يرميه و هو يقول:

أ توعد كلّ جبار عنيد فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا ربّ خرّقني الوليد (4)

و ذكر المبرد أنّ الوليد ألحد في شعر له ذكر فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنّ الوحي لم يأته عن ربّه-كذب أخزاه اللّه-و من ذلك قوله:

تلعّب بالخلافة هاشمي بلا وحي أتاه و لا كتاب


1) 1)

2) 2) مرّ في العنوان 4 من هذا الفصل.

3) 3) إبراهيم:15-16. [2]

4) 4) مروج الذهب للمسعودي 3:216. [3]

فقل للّه يمنعني طعامي و قل للّه يمنعني شرابي

فلم يمهل بعد قوله إلاّ أيّاما حتّى قتل (1)

رواه عنه المسعودي في 3:216.

.

و في(الطبري):ذكر الوليد عند المنصور،فقال أبو بكر الهذلي:حدّثني ابن عمّ للفرزدق عن الفرزدق قال:حضرت الوليد بن يزيد و عنده ندماؤه،و قد اصطبح فقال لابن عايشة:تغنّ بشعر ابن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل

و قتلنا الضّعف من ساداتهم و عدلنا ميل بدر فاعتدل

فقال ابن عايشة:لا اغنّي هذا.فقال:غنّه و إلاّ جدعت لهواتك.فغنّاه،فقال له:أحسنت،و اللّه إنّه لعلى دين ابن الزبعرى يوم قال هذا الشعر (2).

و في(الطبري)أيضا:و عزم المعتضد في سنة(284)على لعن معاوية على المنابر،و أمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس-إلى أن قال-و تقدّم إلى الشراب و الّذين يسقون الماء ألاّ يترحموا على معاوية،و لا يذكروه بخير، فذكر أنّ المعتضد أمر بإخراج الكتاب الّذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية فأخرج له من الديوان-إلى أن قال-في الكتاب:«إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا ابتعث محمّدا بدينه و أمره أن يصدع بأمره بدأ بأهله و عشيرته-إلى أن قال- و أوّل معاندي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و مكذّبيه في كلّ حرب و مناصبة،لا يرفع على الإسلام راية،إلاّ كان صاحبها و قائدها و رئيسها في كلّ مواطن الحرب،من بدر و احد و الخندق و الفتح:أبو سفيان بن حرب و أشياعه من بني امية، الملعونين في كتاب اللّه،ثمّ الملعونين على لسان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في عدّة مواطن و عدّة مواضع،لماضي علم اللّه فيهم و في أمرهم و نفاقهم،و كفر أعلامهم،


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 6:337 سنة 158 و [1]النقل بتقطيع.

فحارب مجاهدا و دافع مكابدا و أقام منابذا،حتّى قهره السيف و علا أمر اللّه و هم كارهون،فتقوّل بالإسلام غير منطو عليه،و أسرّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و المسلمون،و ميّز له(المؤلفة قلوبهم)فقبله و ولده على علم منه.

فمما لعنهم اللّه على لسان نبيّه،و أنزل به كتابا قوله تعالى:

«وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً» (1)

الإسراء:60. [1]

، و لا اختلاف بين أحد أنّه أراد به بني امية.

و منه:قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد رآه مقبلا على حمار،و معاوية يقود به، و يزيد ابنه يسوق به:«لعن اللّه القائد و الرّاكب و السّائق».

و منه:ما يرويه الرّواة من قوله:«يا بني عبد مناف تلقّفوها تلقف الكرة فما من جنّة و لا نار»و هذا كفر صراح يلحقه به اللّعنة من اللّه كما لحقت الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود،و عيسى بن مريم، «ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ» (2).

و منه:ما يروون من وقوفه على ثنيّة احد بعد ذهاب بصره،و قوله لقائده:هاهنا ذببنا محمّدا و أصحابه.

و منه:الرّؤيا الّتي رآها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فوجم لها،فما رؤي ضاحكا بعدها، فأنزل اللّه «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ» (3)،فذكروا أنّه رأى نفرا من بني اميّة ينزون على منبره.

و منه:طرد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الحكم بن أبي العاص لحكايته إيّاه،و ألحقه اللّه


1) 1)

2) 2) البقرة الإسراء:61. [2]

3) 3) :60.

بدعوة رسوله آية باقية حين رآه يتخلّج،فقال له:«كن كما أنت»،فبقي على ذلك سائر عمره،إلى ما كان من مروان في افتتاحه أوّل فتنة كانت في الإسلام،و احتقابه لكلّ دم حرام سفك فيها أو اريق بعدها.

و منه:ما أنزل اللّه تعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (1)

القدر:3. [1]

أي:ملك بني اميّة.

و منه:أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه،فدافع بأمره و اعتلّ بطعامه،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«لا أشبع اللّه بطنه»،فبقي لا يشبع و يقول:

«و اللّه ما أترك الطعام شبعا و لكن أعيا».

و منه:أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:«يطلع من هذا الفجّ رجل من امتي،يحشر على غير ملّتي»فطلع معاوية.

و منه:أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه».

و منه:الحديث المرفوع المشهور:«أنّ معاوية في تابوت من النّار في أسفل درك منها ينادي:يا حنّان يا منّان.و يجاب: «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» » (2).

و منه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكانا و أقدمهم إليه سبقا،و أحسنهم فيه ذكرا و أثرا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،ينازعه حقّه بباطله-إلى أن قال-حتّى احتمل أوزار تلك الحروب،و ما أتبعها،و تطوّق تلك الدّماء،و ما سفك بعدها،و سنّ سنن الفساد الّتي عليه إثمها،و إثم من عمل بها، و أباح المحارم لمن ارتكبها،و منع الحقوق أهلها،و اغترّه الإملاء،و استدرجه الإمهال،و اللّه له بالمرصاد.


1) 1)

2) 2) يونس:91. [2]

ثمّ ممّا أوجب اللّه له به اللّعنة قتله من قتل صبرا من خيار الصّحابة و التّابعين،و أهل الفضل و الدّيانة،مثل عمرو بن الحمق،و حجر بن عدي،و من قتل من أمثالهم في أن يكون له العزّة،و الملك و الغلبة،و للّه العزّة و الملك و القدرة،و اللّه عزّ و جلّ يقول: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً» (1)

النساء:93. [1]

.

و ممّا استحق به اللّعنة ادّعاؤه زياد بن سميّة جرأة على اللّه،و اللّه يقول:

«ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ» (2)،و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:«ملعون من ادّعى إلى غير أبيه، و انتمى إلى غير مواليه»و يقول:«الولد للفراش و للعاهر الحجر».

و منه ايثاره بدين اللّه،و دعاؤه عباد اللّه إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمّير صاحب الديوك و الفهود و القرود،و أخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر و السّطوة،و التّوعيد و الإخافة،و التّهديد و الرّهبة،و هو يعلم سفهه،و يطلع على خبثه و رهقه،و يعاين سكرانه و فجوره و كفره،فلمّا تمكّن مما مكّنه منه، و وطّأه له،و عصى اللّه و رسوله فيه،طلب بثارات المشركين و طوائلهم عند المسلمين،فأوقع بأهل الحرّة الوقعية التي لم تكن في الاسلام أشنع منها،و لا أفحش في ما ارتكب من الصّالحين فيها،و شفى بذلك غليله عند نفسه،و ظنّ أن قد انتقم من أولياء اللّه،و بلغ النوى لأعداء اللّه،فقال مجاهرا بكفره،و مظهرا لشركه:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل

قد قتلنا القرم من ساداتكم و عدلنا ميل بدر فاعتدل

فأهلّوا و استهلّوا فرحا ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل


1) 1)

2) 2) الأحزاب:5. [2]

لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل

هذا هو المروق من الدّين،و قول من لا يرجع إلى اللّه،و لا إلى دينه و لا إلى كتابه و لا إلى رسوله،و لا يؤمن باللّه،و لا بما جاء من عند اللّه.

ثمّ من أغلظ ما انتهك و أعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن عليّ و ابن فاطمة بنت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،مع موقعه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و مكانه منه،و منزلته من الدّين و الفضل،و شهادة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له و لأخيه بسيادة شباب أهل الجنّة، اجتراء على اللّه،و كفرا بدينه،و عداوة لرسوله،و مجاهدة لعترته،و استهانة بحرمته،فكأنّما يقتل به و بأهل بيته قوما من كفّار أهل الترك و الديلم،لا يخاف من اللّه نقمة،و لا يرقب منه سطوة،فبتر اللّه عمره،و اجتثّ أصله و فرعه، و سلبه ما تحت يده،و أعدّ له من عذابه و عقوبته ما استحقّه بمعصيته.

هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب اللّه،و تعطيل أحكامه، و اتّخاذ مال اللّه دولا بينهم،و هدم بيته و استحلال حرم اللّه،و نصبهم المجانيق عليه،و رميهم إيّاه بالنّيران،لا يألون له إحراقا و إخرابا،و لما حرّم اللّه منه استباحة و انتهاكا،و لمن لجأ إليه قتلا و تنكيلا (1)

تاريخ الطبري 8:182-188 سنة 284. [1]

.

«و منّا أسد اللّه» يعني عليه السّلام به حمزة،قال الواقدي في(تاريخه)،و كاتبه في (طبقاته)،و القمي في(تفسيره)،و المفيد في(إرشاده):إنّ عتبة و شيبة و الوليد يوم بدر نادوا:يا محمّد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.فأخرج لهم حمزة و عليّا عليه السّلام و عبيدة.فقال حمزة-لما قالوا:عرّف نفسك-:أنا حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه و أسد رسوله (2).


1) 1)

2) 2) مغازي الواقدي 1:68،و [2]الطبقات لابن سعد 2 [3] ق 1:10،و تفسير القمي 1:264،265،و [4]ارشاد المفيد:40. [5]

و في(سيرة ابن هشام):لمّا وقف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على حمزة-بعد قتله يوم احد-قال:لن اصاب بمثلك أبدا،ما وقفت موقفا قطّ أغيظ إليّ من هذا.ثمّ قال:

جاءني جبرئيل فأخبرني أنّ حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السّماوات السّبع:«حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه و أسد رسوله».و كان أخا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الرضاعة،أرضعتهما مولاة لأبي لهب (1)

السيرة لابن هشام 3:39. [1]

.

و في(الطبري)في سبب إسلامه:أنّ أبا جهل مرّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو جالس عند الصّفا،فآذاه و شتمه،و نال منه بعض ما يكره من العيب لدينه و التّضعيف له،فلم يكلّمه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و كانت مولاة لعبد اللّه بن جدعان التّيمي في مسكن لها فوق الصّفا تسمع ذلك،ثمّ انصرف أبو جهل عنه،فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم،فلم يلبث حمزة أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له،و كان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتّى يطوف بالبيت،و كان إذا فعل ذلك لم يمرّ على ناد من قريش إلاّ وقف و سلّم و تحدّث معهم،و كان أعزّ قريش و أشدّها شكيمة،فلمّا مرّ بالمولاة و قد قام النّبيّ و رجع إلى بيته قالت:يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك قبل أن تأتي من أبي الحكم،وجده هاهنا جالسا فسبّه و آذاه،و بلغ منه ما يكره،ثمّ انصرف عنه و لم يكلّمه.فامتلأ حمزة بالغضب لما أراد اللّه به من كرامته،فخرج سريعا لا يقف على أحد-كما كان يصنع-يريد الطّواف،معدّا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به،فلمّا دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم،فأقبل نحوه،حتّى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة،فشجّه بها شجّة منكرة و قال:أ تشتمه و أنا على دينه،أقول ما يقول،فردّ ذلك عليّ إن استطعت-إلى أن قال-و تمّ حمزة على إسلامه،فلمّا أسلم حمزة عرفت قريش أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد عزّ،و أنّ حمزة


1) 1)

سيمنعه،فكفّوا عنه بعض ما كانوا ينالون منه (1)

تاريخ الطبري 2:72. [1]

.

«و منكم أسد الأحلاف» قال ابن أبي الحديد:يعني عتبة بن ربيعة،كما مرّ في شرح قصّة بدر (2).

قلت:قال ثمة:قال الواقدي:قال حمزة:أنا حمزة بن عبد المطّلب أسد اللّه و أسد رسوله.فقال عتبة:كفو كريم و أنا أسد الحلفاء.

قال ابن أبي الحديد الزّناد:قال أبي:لم أسمع لعتبة كلمة قط أوهن من قوله:«أنا أسد الحلفا»،يعني بالحلفاء الأجمة (3).

قال ابن أبي الحديد:و روي أنّه قال:و أنا أسد الأحلاف.و قالوا في تفسيرهما:أراد أنا سيّد أهل حلف المطيّبين،و كان الّذين حضروه بني عبد مناف،و بني أسد بن عبد العزّى،و بني تميم،و بني زهرة،و بني الحارث بن فهر.و ردّه قوم بأنّ المطيّبين لم يكن يقال لهم:الحلفاء،و لا الأحلاف و إنّما ذلك لقب خصومهم:بنو عبد الدّار،و بنو مخزوم،و بنو سهم،و بنو جمح،و بنو عدي.و قال قوم في تفسيرهما:عنى حلف الفضول.و هو غير صحيح،لأنّ بني عبد شمس لم يكونوا في حلف الفضول،فبان أنّ ما ذكره الواقدي أصح (4).

قلت:و على ما ذكره ثمة لم يصح قوله هنا:«يعني عليه السّلام بأسد الأحلاف عتبة»بل لا يصح و لو كان المراد شيبة،فإنّهما لم يكونا من الأحلاف حتّى يكونا أسدهم أو ثعلبهم.

و الصّواب أن يقال:إنّ الأحلاف في رواية الرّضي محرف(الحلفاء) فاتّفق الواقدي و ابن سعد كاتب الواقدي،و عليّ بن إبراهيم القمي على التعبير


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:460، [2]مرّ في العنوان 32 من الفصل السادس.

3) 3) المغازي للواقدي 1:68،69 و [3]عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3:337.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:337. [4]

بأسد الحلفاء و إن جعله الأخير شيبة (1)

المغازي للواقدي 1:68 و [1]الطبقات لابن سعد 2 [2] ق 1:10،و تفسير القمي 1:265. [3]

،و مرّ نص الأوّل،و قال الثّاني:فقال عتبة تكلّموا نعرفكم-و كان عليهم البيض-فقال حمزة:أنا حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه و أسد رسوله.فقال عتبة:كفو كريم و أنا أسد الحلفاء.

و قال الثّالث:فقال له شيبة:لقد لقيت أسد الحلفاء فانظر كيف تكون صولتك يا أسد اللّه.و لم أقف على من رواه(أسد الأحلاف)كما في المتن معينا، و إنّما قال ابن أبي الحديد ثمة[و روي] (2)،و لعلّه أراد به ما في المتن،و مرّ قول أبي الزّناد:لم أسمع لعتبة كلمة قط أوهن من قوله:و أنا أسد الحلفاء.

في رواية الواقدي و في(الصحاح):الحلفاء نبت في الماء،قال أبو زيد:

واحدتها حلفة،مثل قصبة و طرفة،و قال الأصمعي:حلفة بكسر اللاّم (3).و مرّ قول أبي الزّناد يعني بالحلفاء الأجمة (4).

قال ابن أبي الحديد:قال الرّاوندي:أسد الأحلاف أسد بن عبد العزّى، لأنّ بني أسد بن عبد العزّى كانوا أحد البطون الّذين اجتمعوا في حلف المطيّبين،و هم.بنو أسد،و بنو عبد مناف،و بنو تيم بن مرة،و بنو زهرة،و بنو الحرث بن فهر.قال ابن أبي الحديد:و أيّ عار يلزم معاوية من ذلك؟ثمّ إنّ بني عبد مناف كانوا في هذا الحلف،و عليّ و معاوية من بني عبد مناف،و لكن الرّاوندي يظلم نفسه بتعرضه لما لا يعلمه (5).

قلت:و يرد عليه مضافا إلى ما ذكر ما أوردناه على ابن أبي الحديد نفسه، من عدم كون أسد بن عبد العزّى كعتبة و باقي بني عبد الشّمس من الأحلاف.


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:338. [4]

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 4:1347 [5] مادة(حلف).

4) 4) مرّ في رواية الواقدي أيضا.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 3:460،و [6]شرح الراوندي 3:76. [7]

فالأحلاف-كما في(النهاية)-اسم لبني عبد الدّار،و جمح و مخزوم و سهم و عدي و كعب (1)

النهاية لابن الأثير 1:425 [1] مادة(حلف).

،كما أنّ الأنصار اسم للأوس و الخزرج.

و يرد عليه أنّ(أسد)الاسمي لا مدح فيه و لا ذم،فلا معنى لاستعماله في مقام تفاخر أو تغيير.ثم قول ابن أبي الحديد:«كان بنو عبد مناف في هذا الحلف و عليّ و معاوية منهم» (2)ساقط،فإنّ الراوندي نفسه عدّ بني عبد مناف في هذا الحلف (3)،و لم يجعل مرمى الكلام مجرّد الدّخول في ذاك الحلف،بل أسدهم أسد بن عبد العزّى،و إنّما يرد عليه عدم كون معاوية من أسد بن عبد العزّى،و عدم أثر للأسد الاسمي.

هذا،و تبع ابن ميثم الرّاوندي،و زاد على خبطاته فقال:أسد الأحلاف و هو أسد بن عبد العزّى،و الأحلاف هم عبد مناف و زهرة و أسد و تيم و الحرث بن فهر،و سمّوا الاحلاف لأنّ بني قصيّ أرادوا أن ينتزعوا بعض ما كان بأيدي بني عبد الدّار،من اللّواء و النّداوة و الحجابة و الرّفادة-و هي كلّ شيء كان فرضه قصيّ على قريش لطعام الحاجّ في كلّ سنة-و لم يكن لهم إلاّ السقاية،فتحالفوا على حربهم و أعدّوا للقتال،ثمّ رجعوا عن ذلك ناكثين (4).

فيرد عليه-مضافا إلى عدم معنى لكون المراد من أسد الأحلاف:أسد بن عبد العزّى-أن جعله بني عبد الدّار مقابل بني قصيّ غلط،فبنو عبد الدّار أحد بطون بني قصيّ،كما أنّ قوله:«و الأحلاف هم عبد مناف و زهرة و أسد و تيم و الحرث بن فهر»غلط،و إنّما المطيّبون من قال،و الأحلاف غيرهم،كما مرّ كما أنّ قوله:«و لم يكن لهم-أي:الخصوم بني عبد الدّار-إلاّ السقاية»أيضا


1) 1)

2) 2) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3:460،و النقل بالمعنى.

3) 3) شرح الراوندي 3:76.

4) 4) شرح ابن ميثم 4:441.

غلط،فالسّقاية أيضا كانت بيد بني عبد الدّار،كما أنّ قوله:«ثمّ رجعوا عن ذلك ناكثين»أيضا غلط فإنّما اصطلحوا على أن يكون اللّواء و الحجابة في بني عبد الدار،و السّقاية و الرّفادة لبني عبد مناف.

قال ابن الأثير في(كامله):لمّا كبر قصيّ،و كان عبد الدّار-و هو أكبر ولده-ضعيفا،و كان عبد مناف قد ساد في حياة أبيه و كذلك إخوته،فقال قصيّ لعبد الدّار:و اللّه لالحقنّك بهم.فأعطاه دار النّدوة و الحجابة-حجابة الكعبة-و اللواء،فكان يعقد لقريش ألويتهم،و السقاية،و كان يسقي الحاجّ، و الرّفادة،و هي:خرجة تخرجه قريش في كلّ موسم إلى قصيّ،فيصنع منه طعاما للحاج.فأمّا الحجابة فهي في ولده إلى الآن،و هم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدّار،و أما اللّواء فلم يزل في ولده إلى أن جاء الإسلام،فقالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:اجعل اللّواء فينا.فقال صلّى اللّه عليه و آله:«الإسلام أوسع من ذلك»فبطل،و أمّا الرّفادة و السّقاية فإنّ بني عبد مناف بن قصيّ -عبد شمس و هاشم و المطّلب و نوفل-أجمعوا أن يأخذوها من بني عبد الدّار لشرفهم عليهم،فتفرّقت قريش عند ذلك،فكانت طائفة مع بني عبد مناف، و طائفة مع بني عبد الدّار،لا يرون تغيير ما فعله قصيّ،فكان بنو أسد بن عبد العزّى،و بنو زهرة بن كلاب،و بنو تيم بن مرّة،و بنو الحرث بن فهر مع بني عبد مناف،و كان بنو مخزوم،و بنو سهم،و بنو جمح و بنو عدي مع بني عبد الدّار،فتحالف كلّ قوم حلفا مؤكّدا،و أخرج بنو عبد مناف جفنة مملوّة طيبا فوضعوها عند الكعبة،و تحالفوا،و جعلوا أيديهم في الطّيب فسمّوا المطّيبين، و تعاقد بنو عبد الدار و من معهم و تحالفوا،فسمّوا الأحلاف،و تهيئوا للقتال، ثمّ تداعوا إلى الصّلح على أن يعطوا بني عبد مناف السّقاية و الرّفادة،فرضوا بذلك،و تحاجز الناس عن الحرب،فاقترعوا-أي:بنو عبد مناف-عليها فصارت لهاشم ثمّ بعده للمطّلب ثم بعده لأبي طالب،و لم يكن له مال،فادّان

من أخيه العبّاس مالا فأنفقه،ثمّ عجز عن الأداء فاعطي العبّاس السقاية و الرّفادة عوضا عن دينه،فوليها،ثمّ ابنه عبد اللّه،ثمّ عليّ بن عبد اللّه،ثمّ محمّد بن عليّ،ثمّ داود بن عليّ بن سليمان بن عليّ،ثمّ المنصور،فالخلفاء،و أمّا دار النّدوة فلم تزل لعبد الدار،حتّى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار من معاوية،فجعلها دار الامارة بمكّة،و هي الآن في الحرم مشهورة (1)

الكامل لابن الأثير 2:21،و [1]تاريخ الطبري 2:19. [2]

.

في(تفسير القمي):فاخر العبّاس بسقاية البيت،و شيبة بحجابة البيت مع أمير المؤمنين عليه السّلام،و قالا له:نحن أفضل.فقال عليه السّلام:أنا أفضل منكما،آمنت قبلكما،ثمّ هاجرت و جاهدت.فرضوا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فأنزل اللّه تصديق أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله عزّ و جلّ: «أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللّهِ وَ اللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (2).

ثمّ إنّه كما منهم أسد الحلفاء-كما عرفت-منهم جرو البطحاء،ففي (معارف ابن قتيبة)و(الصحاح):ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس بن عبد مناف يقال له:جرو البطحاء (3).

هذا،و قالوا:معاوية بن الصّموت الكلابي-الّذي قتل يوم جبلة-كان


1) 1)

2) 2) تفسير القمي 1:284،و [3]النقل بالمعنى،و الآية 19-22 من سورة التوبة. [4]

3) 3) معارف ابن قتيبة:72،و [5]صحاح اللغة للجوهري 6:2301 [6] مادة(جرو).

يسمّى الأسد المجدع.و المجدع:المقطوع الاذن أو الأنف أو الشّفة.

«و منّا سيدا شباب أهل الجنّة» أي:الحسن و الحسين عليهما السّلام،في(الطبري):

قال الحسين عليه السّلام يوم الطّف لأهل الكوفة:أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لي و لأخي:هذان سيّدا شباب أهل الجنّة،فإن صدّقتموني بما أقول و هو الحق،و اللّه ما تعمّدت كذبا مذ علمت أنّ اللّه يمقت عليه أهله،و يضرّ به من اختلقه،و إن كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم،سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري،أو أبا سعيد الخدري،أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم،أو أنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،لي و لأخي (1)

تاريخ الطبري 4:322 سنة 61،و [1]مقتل الحسين لأبي مخنف:85، [2]ضمن خطبة.

.

و روى(الاسد)عن حذيفة:أنّ امّه قالت له:متى عهدك بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟فقال لها:ما لي به عهد منذ كذا و كذا،فأتيته صلّى اللّه عليه و آله و هو يصلّي المغرب فقال:

يا حذيفة أما رأيت العارض الّذي عرض؟قلت:بلى.قال:ذاك ملك أتاني و بشّرني بأنّ الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة،و أنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة (2).

و روى المدائني-و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر-عن يحيى بن زكريّا عن هشام بن عروة قال:قال الحسن عليه السّلام عند وفاته:ادفنوني عند قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلاّ أن تخافوا أن يكون في ذلك شرّ.فلمّا أرادوا دفنه قال مروان بن الحكم:لا يدفن عثمان في حشّ كوكب،و يدفن الحسن هاهنا.فاجتمع بنو هاشم و بنو اميّة،و أعان هؤلاء قوم و هؤلاء قوم و جاءوا بالسّلاح.فقال أبو


1) 1)

2) 2) اسد الغابة لابن الأثير 5:574،و [3]سنن الترمذي 5:660 ح 3781،و مسند أحمد 5:391،و [4]ترجمة الحسن عليه السّلام لابن عساكر:73 ح 130،و [5]غيرها.

هريرة لمروان:أ تمنع أن يدفن الحسن في هذا الموضع و قد سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة؟قال مروان:دعنا منك،لقد ضاع حديث النبيّ إذا كان لا يحفظه غيرك،و غير أبي سعيد الخدري،و إنّما أسلمت أيّام خيبر.قال أبو هريرة:صدقت أسلمت أيّام خيبر و لكنّي لزمت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لم أكن افارقه،و كنت أسأله،و عنيت بذلك،علمت من أحبّ و من أبغض،و من قرّب و من أبعد،و من أقرّ و من نفى،و من لعن و من دعا له... (1)

نقله ابن أبي الحديد في شرحه 4:5،شرح الكتاب 31 عن المدائني.

.

عرّض بمروان في قوله:«و من أبعد»و«و من نفى»إلى إخراج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأبيه الحكم و هو معه إلى الطائف (2)،و في قوله:«و من لعن»إلى لعن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لبني امّية عامّة،و لمروان و أبيه خاصّة (3).

و يقال لهما عليهما السّلام:ريحانتا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا،و في(لسان العرب)في الحديث:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعليّ رضى اللّه عنه:اوصيك بريحانتيّ خيرا قبل أن ينهدّ ركناك.فلمّا مات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:هذا أحد الرّكنين.فلمّا ماتت فاطمة قال:هذا الرّكن الآخر.و أراد بريحانتيه الحسن و الحسين-رضى اللّه عنهما- (4).

و فسّر قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام«أنّ لك بيتا في الجنّة و أنّك لذو قرنيها» (5)في أحد تفاسيره بهما عليهما السّلام،ففي(لسان العرب):قيل في تفسيره:ذو قرني الجنّة،أي:طرفيها،و قال أبو عبيد:أي:ذو قرني الامّة،و إن


1) 1)

2) 2) إخراج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إياهما رواه البلاذري في أنساب الأشراف 5:125،و النووي في التهذيب 2 ق 1:87،و غيرهما.

3) 3) اما لعن بني امية فقوله تعالى: «وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» (الإسراء:60) [1]كما روي في تفسيره،و أما لعنهما خاصّة فرواه البلاذري في أنساب الأشراف 5:125،و غيره [2]عن عمرو بن مرّة،و في الباب عن الحسن و الحسين عليهما السّلام و زهير و عائشة و عبد الرحمن بن أبي بكر و ابن الزبير،و غيرهم.

4) 4) رواه ابن منظور في لسان العرب 2:459 [3] مادة(روج)،و أخرجه الصدوق في معاني الأخبار:403 ح 69،و أبو نعيم في المعرفة،و الديلمي،و ابن عساكر،و ابن النجار عنهم منتخب كنز العمال 5:110.

5) 5) رواه و شرحه أيضا الراغب في المفردات:417 [4] مادة(قرن)،و ابن الأثير في النهاية 4:51 [5] مادة(قرن).

لم يتقدّم ذكر الامّة فإنّه نظير «حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» (1)

ص:32.

،و نظير «ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» (2)و نظير قول حاتم:

إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصّدر

و لم يتقدّم ذكر الشّمس و الأرض و النفس.قال أبو عبيد:أختار هذا التفسير الأخير لما روي عن عليّ رضى اللّه عنه أنّه ذكر ذا القرنين،فقال:دعا قومه إلى عبادة اللّه،فضربوه على قرنيه ضربتين،و فيكم مثله (3).

أراد نفسه،ضرب على رأسه ضربتين:إحداهما يوم الخندق،و الأخرى ضربة ابن ملجم.قال:و روي عن أحمد بن يحيى(أي:ثعلب):أنّه قال في قوله صلّى اللّه عليه و آله:إنّك لذو قرنيها:أي جبليها و هما الحسن و الحسين (4).

هذا،و في(القاموس):و القبول-و قد يضمّ-:الحسن و الشارة،و منه قول نديم المأمون في الحسنين عليهما السّلام:امّهما البتول و أبوهما القبول (5).

«و منكم صبية النّار» قال ابن أبي الحديد:هي الكلمة التي قالها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعقبة بن أبي معيط حين قتله صبرا يوم بدر،و قد قال-كالمستعطف له-:من للصّبيّة يا محمّد؟قال:النّار.

قال ابن أبي الحديد:و لم يعلم الرّاوندي ما المراد بهذه الكلمة،فقال:

صبية النّار:أولاد مروان الّذين صاروا من أهل النّار عند البلوغ.و لما أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عنهم بهذه الكلمة كانوا صبية،ثمّ ترعرعوا و اختاروا الكفر.و لا


1) 1)

2) 2) فاطر:45. [1]

3) 3) أخرجه أيضا القمي في تفسيره 2:41،و [2]العياشي في تفسيره 2:339 ح 71،و [3]الصدوق في كمال الدين:393 ح 3، و [4]علل الشرائع:39 ح 1،و [5]رواه عن جمع السيوطي في الدر المنثور 4:241. [6]

4) 4) لسان العرب 13:332 [7] مادة(قرن)و النقل بتصرف.

5) 5) القاموس المحيط 4:35 [8] مادة(قبل).

شبهة أنّ الرّاوندي كان يفسّر من خاطره (1)

نقله الراوندي في شرحه 3:77،و لفظه«قيل...»و قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3:460.

.

قلت:و قال ابن ميثم:قيل:المراد ولد عقبة.و قيل:مروان (2).و لا ريب أنّ المراد ما قاله ابن أبي الحديد،و يدلّ عليه-مضافا إلى تصريح السّير بذلك في قصة قتل عقبة-ما رواه(الطبري)في قضية هاني أوّلا،عن غير أبي مخنف:أنّ عمرو بن الحجّاج قال لعمارة بن عقبة في مجلس ابن زياد:طردت اليوم حمرا، فأصبت منها حمارا،فعقرته.فقال له عمارة:إنّ حمارا تعقره أنت لحمار حائن.فقال له عمرو:ألا اخبرك بأحين من هذا كلّه؟رجل جيء بأبيه كافرا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأمر به أن يضرب عنقه،فقال:يا محمّد فمن للصّبية؟قال:النّار.

فأنت من الصبية،و أنت في النار.فضحك ابن زياد (3).

و كيف يحتمل إرادة ولد مروان،و مروان نفسه كان يوم وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله صبيا،فكيف كان له صبية؟و إنّما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمروان حين ولادته:الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون،فروى الحاكم في(فتن مستدركه)عن عبد الرحمن بن عوف قال:كان لا يولد لأحد مولود إلاّ اتي به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فدعا له،فادخل عليه مروان بن الحكم،فقال:هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون.قال الحاكم:صحيح الاسناد (4).

و روى عن عايشة:أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعن الحكم أبا مروان،و مروان في صلبه (5).


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:441.

3) 3) تاريخ الطبري 4:259 سنة 6،و [1]النقل بخلط كثير في أسماء الرواة و الحضار.

4) 4) المستدرك للحاكم 4:479.

5) 5) أخرجه الحاكم في المستدرك 4:481،و النسائي،و ابن أبي خيثمة،و ابن مردويه عنهم الكاف الشاف 4:304، و غيرهم عن عائشة.

و روى:أنّ الحكم استأذن على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فعرف صوته،فقال:ايذنوا له لعنة اللّه عليه،و على من يخرج من صلبه،إلاّ المؤمن منهم،و قليل ما هم (1)

أخرجه الحاكم في المستدرك 4:481،و البلاذري في أنساب الأشراف 5:125،و [1]أبو يعلى في مسنده عنه المطالب العالية 4:333 ح 4533،و غيرهم عن عمرو بن مرّة.

.

ثمّ لو اريد استقصاء مثالبهم فليزد على كلامه عليه السّلام في خطاب معاوية:

و منكم الملعون الصّلب و النّفس.أي:الحكم،و منكم الوزغ ابن الوزغ.أي:

مروان بن الحكم.

بل يزاد له:«و منكم المتّخذون مال اللّه دولا،و عباده خولا،و دينه دغلا» و هم ولد أبي العاص جدّ عثمان و مروان،فلمّا فعل عثمان ما فعل من المنكرات،قال له أبو ذر:إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال في ولد جدك:إذا بلغوا ثلاثين، يتّخذون مال اللّه دولا و عباده خولا و دينه دغلا.فكذّبه عثمان،حتّى صدّقه أمير المؤمنين عليه السّلام،ثم كثير من الصحابة بقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أبي ذر:ما أظلّت الخضراء على أصدق لهجة من أبي ذر (2).

و يزاد لمعاوية:«و منكم خيط باطل و مضروب القفا»أي:مروان،ففي (الاستيعاب):سمّي مروان(خيط باطل)لسفهه،و(مضروب القفا)للضّرب على قفاه يوم عثمان (3).و لمّا بويع له بالإمارة هجاه أخوه عبد الرحمن فقال:

فو اللّه ما أدري و إنّي لسائل حليلة مضروب القفا كيف يصنع

لحى اللّه قوما أمّروا خيط باطل على النّاس يعطي ما يشاء و يمنع

«و منّا خير نساء العالمين» روى(طبقات كاتب الواقدي)عن عايشة قالت:

كنت جالسة عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فجاءت فاطمة تمشي،كأنّ مشيتها مشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فقال:مرحبا بابنتي.فأجلسها عن يمينه أو عن شماله،ثمّ


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:257 [2] شرح الخطبة 128 عن الواقدي.

3) 3) الاستيعاب لابن عبد البر 3:425،و [3]النقل بالمعنى.

أسرّ إليها شيئا فبكت،ثمّ أسرّ إليها فضحكت،قلت:ما رأيت ضحكا أقرب من بكاء من ضحكك و بكائك،استخصّك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بحديثه ثمّ تبكين،أيّ شيء أسرّ إليك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟قالت:ما كنت لأفشي سرّه.فلمّا قبض صلّى اللّه عليه و آله سألتها، فقالت:قال:إنّ جبرئيل عليه السّلام كان يأتيني كلّ عام فيعارضني بالقرآن مرّة،و إنّه أتاني العام فعارضني مرّتين،و لا أظنّ إلاّ أجلي قد حضر،و نعم السّلف أنا لك.

و قال:أنت أوّل أهل بيتي لحاقا بي.فبكيت لذلك،ثمّ قال:أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الامّة-أو نساء العالمين-؟فضحكت (1)

أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 ق 2:40،و البخاري بطريقين في صحيحه 2:283 و 4:96،و مسلم بطريقين في صحيحه 4:1904،1905 ح 98،99،و ابن ماجه في سننه 1:518 ح 1621،و غيرهم.

.

و عن امّ سلمة قالت:لمّا حضر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دعا فاطمة فناجاها،فبكت،ثمّ ناجاها فضحكت،فلم أسألها حتّى توفّي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فسألت عن بكائها و ضحكها،فقالت:أخبرني أنّه يموت،ثمّ أخبرني أنّي سيّدة نساء أهل الجنّة... (2).

و روى الكنجي الشافعي في(مناقبه)عن عبد اللّه بن عبّاس قال:أصاب فاطمة صبيحة العرس رعدة،فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:يا فاطمة إنّما زوّجتك سيّدا في الدّنيا، «وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ» (3).يا فاطمة لمّا أردت أن أملكك بعليّ عليه السّلام أمر اللّه تعالى جبرئيل،فقام في السّماء الرابعة، فصفّ الملائكة صفوفا،ثمّ خطب عليهم جبرئيل،فزوّجك من عليّ، ثمّ أمر شجر الجنان فحملت الحليّ و الحلل،ثمّ أمرها فنثرته على الملائكة،فمن أخذ منهم يومئذ أكثر ممّا أخذ صاحبه أو أحسن،افتخر به على صاحبه إلى يوم القيامة.قالت امّ سلمة:فلقد كانت فاطمة تفتخر على


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 2 [1] ق 2:40.

3) 3) البقرة:130. [2]

النّساء،لأنّ أوّل من خطب عليها جبرئيل عليه السّلام (1)

كفاية الطالب للكنجي:165.

.

ثمّ إنّه كما يكون خبر كونها سيّدة النّساء من الأخبار المتواترة (2)، كذلك خبر كون رضاها رضا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و سخطها سخط النبيّ صلّى اللّه عليه و آله (3).

قال ابن قتيبة في(خلفائه)في عنوان(بيعة عليّ عليه السّلام):قال عمر لأبي بكر:انطلق بنا إلى فاطمة،فإنّا قد أغضبناها.فانطلقا جميعا،فاستأذنا على فاطمة،فلم تأذن لهما،فأتيا عليّا فكلّماه،فأدخلهما عليها،فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط،فسلّما عليها فلم تردّ عليهما السّلام،فتكلّم أبو بكر فقال:يا حبيبة رسول اللّه،و اللّه إنّ قرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحبّ إليّ من قرابتي-إلى أن قال-فقالت:أرأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،تعرفانه و تفعلان به؟قالا:نعم.فقالت:نشدتكما اللّه ألم تسمعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:رضا فاطمة من رضاي،و سخط فاطمة من سخطي،فمن أحبّ فاطمة ابنتي،فقد أحبّني،و من أرضى فاطمة فقد أرضاني،و من أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا:نعم سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.قالت:فإنّي اشهد اللّه و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني،و لئن لقيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأشكونكما إليه.فقال أبو بكر:أنا عائذ باللّه من سخطه و سخطك يا فاطمة.ثمّ انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق،و هي تقول:و اللّه لأدعونّ اللّه عليك في كلّ صلاة اصلّيها.

ثمّ خرج... (4).

هذا،و لها خصوصية من جميع الأئمّة عليهم السّلام حتّى أمير المؤمنين عليه السّلام


1) 1)

2) 2) أخرجه البخاري في صحيحه 4:96 و غيره،مرّ تخريجه في العنوان 5 من هذا الفصل.

3) 3) أقرب الألفاظ ما رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:14، [1]مرّ تخريجه بألفاظ و طرق اخرى في العنوان 5 من هذا الفصل.

4) 4) الإمامة و السياسة 1:13. [2]

في ما روي من صلاة الإهداء في كونها كأبيها،ففي(المصباحين):روي عنهم عليهم السّلام:أنّه يصلّي يوم الجمعة ثمان ركعات:أربعا يهدي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أربعا يهدي إلى فاطمة عليها السّلام،و يوم السّبت أربع ركعات يهدي إلى أمير المؤمنين عليه السّلام،ثمّ كذلك كلّ يوم إلى واحد من الأئمّة عليهم السّلام،إلى يوم الخميس أربع ركعات يهدي إلى الصادق عليه السّلام،ثمّ في يوم الجمعة أيضا ثمان ركعات، أربعا يهدي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أربعا يهدي إلى فاطمة عليها السّلام،ثمّ يوم السبت أربعا يهدي إلى موسى بن جعفر عليه السّلام،ثمّ كذلك إلى يوم الخميس يهدي أربعا إلى الحجّة عليه السّلام (1)

المقصود من المصباحين:مصباح المتهجد للطوسي،و [1]المصباح للكفعمي،أما هذه الرواية فقد رواها الطوسي في المصدر:221،و [2]لا توجد بهذه الصورة في الآخر.

.

«و منكم حمّالة الحطب» و هي عمّة معاوية،و في(العقد الفريد):دخل عقيل على معاوية،فقال لأصحابه:هذا عقيل عمّه أبو لهب.قال له عقيل:و هذا معاوية عمّته حمّالة الحطب.ثمّ قال:يا معاوية إذا دخلت النّار،فاعدل ذات اليسار،فإنّك ستجد عمّي أبا لهب مفترشا عمّتك حمّالة الحطب،فانظر أيّهما خير:الفاعل أو المفعول به (2)؟ هذا،و قيل في هجو بني تيم اللّه بن ثعلبة:

اناس ربّة النّحيين منهم فعدّوها إذا عدّ الصّميم

«في كثير ممّا لنا و عليكم» قال ابن أبي الحديد:روى كاتب الواقدي:أنّ يزيد بن معاوية فاخر عبد اللّه بن جعفر بين يدي معاوية،فقال عبد اللّه:بأيّ آبائك تفاخرني؟أ بحرب الّذي أجرناه؟أم باميّة الّذي ملكناه؟أم بعبد شمس الّذي كفلناه؟فقال معاوية:الحرب بن اميّة يقال هذا؟ما كنت أحسب أنّ أحدا


1) 1)

2) 2) العقد الفريد لابن عبد ربه 4:79. [3]

في عصر حرب يزعم أنّه أشرف من حرب؟فقال عبد اللّه:بلى أشرف منه من كفأ عليه إناءه و جلّله بردائه.فلمّا قام عبد اللّه قال معاوية ليزيد:يا بني إيّاك و منازعة بني هاشم،فإنّهم لا يجهلون ما علموا،و لا يجد مبغضهم لهم سبّا.

قال:أمّا قوله:«أ بحرب الّذي أجرناه»فإنّ قريشا كانت إذا سافرت فصارت على العقبة لم يتجاوزها أحد حتّى تجوز قريش،فخرج حرب ليلة، فلمّا صار على العقبة،لقيه رجل تميمي من بني حاجب بن زرارة،فتنحنح حرب فتنحنح التميمي،و قال:أنا ابن حاجب بن زرارة،ثمّ بدر فجاز العقبة، فقال حرب:لاها اللّه لا تدخل بعدها مكّة،و أنا حيّ.فمكث التّميمي حينا لا يدخل مكّة،و كان متجره بمكّة،فاستشار ممّن بها عمّن يجير من حرب،فاشير عليه بعبد المطّلب،أو بابنه الزّبير،فركب ناقته و صار إلى مكّة ليلا،فدخلها و أناخ ناقته بباب الزّبير بن عبد المطلب،فرغت النّاقة،فخرج إليه الزّبير،فقال:

أ مستجير فتجار؟أم طالب قرى فتقرى؟فقال:

لاقيت حربا بالثّنية مقبلا و الليل أبلج نوره للسّاري

فعلا بصوت و اكتنى ليروعني و دعا بدعوة معلن و شعار

فتركته خلفي و جزت أمامه و كذاك كنت أكون في الأسفار

فمضى يهدّدني و يمنع مكّة أن لا أحلّ بها بدار قرار

فتركته كالكلب ينبح وحده و أتيت قرم مكارم و فخار

ليثا هزبرا يستجار بقربه رحب المباءة مكرما للجار

و حلفت بالبيت العتيق و حجبه و بزمزم و الحجر و الأستار

إنّ الزبير لمانعي بمهنّد صافي الحديدة صارم بتّار

فقال الزّبير:اذهب فقد أجرتك.فلمّا أصبح نادى الزّبير أخاه الغيداق فخرجا مقلّدين سيفيهما،و خرج التميمي معهما،فقال له:إنّا إذا أجرنا رجلا لم نمش أمامه،فامش أمامنا ترمقك أبصارنا،كيلا تختلس من خلفنا.فجعل

التّميمي يشقّ مكّة حتّى دخل المسجد،فلمّا بصر به حرب،قال:و إنّك لهاهنا؟ و سبق إليه فلطمه،فصاح به الزّبير:ثكلتك امّك أتلطمه،و قد أجرته؟فثنى عليه حرب فلطمه ثانية،فانتضى الزّبير سيفه،و حمل على حرب ففرّ حرب من بين يديه،و سعى الزّبير خلفه،فلم يرجع عنه حتّى هجم حرب على عبد المطّلب داره،فقال:ما شأنك؟قال:الزّبير.قال:اجلس،و كفأ عليه إناء كان هاشم يهشم الثّريد فيه،و اجتمع الناس و انضم بنو عبد المطلب إلى الزّبير،و وقفوا على باب أبيهم بأيديهم سيوفهم،فأزّر عبد المطّلب حربا بإزار كان له،و ردّاه برداء له، و أخرجه إليهم فعلموا أنّ أباهم قد أجاره.

قال:و أما معنى قوله:«أم باميّة الذي ملكناه»فإنّ عبد المطلب راهن اميّة على فرسخين،و جعل الخطر ممّن سبقت فرسه مائة من الإبل،و عشرة أعبد، و عشر إماء،و استعباد سنة،و جزّ النّاصية،فسبق فرس عبد المطلب،فأخذ الخطر فقسّمه في قريش و أراد جزّ ناصيته،فقال:و افتدي منك باستعباد عشر سنين.ففعل،فكان اميّة بعد في حشم عبد المطلب و عضاريطه عشر سنين.

قال:و أمّا معنى«أم بعبد شمس الذي كفلناه»فإنّ عبد شمس كان مملقا لا مال له،فكان أخوه هاشم يكفله و يمونه إلى أن مات هاشم.

قال ابن أبي الحديد:قال ابن أبي رؤبة في كتاب(هاشم،و عبد شمس):

ممّا يصدق قول من روى:أنّ اميّة استعبده عبد المطّلب شعر أبي طالب حين تظاهرت عبد شمس و نوفل عليه،و على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و حصروهما في الشّعب:

توالى علينا موليانا كلاهما إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر

بلى لهما أمر و لكن تراجما كما ارتجمت من رأس ذي القلع الصّخر

إلى أن قال:

قديما أبوهم كان عبدا لجدّنا بني أمة شهلاء جاش بها البحر (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:475 [1] شرح الكتاب 28.

قلت:و قال سبط ابن الجوزي:قال الكلبي في(مثالبه):جرى بين يزيد و بين إسحاق بن طابة بن عبيدة كلام بين يدي معاوية و هو خليفة،فقال يزيد لإسحاق:إنّ خيرا لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنّة-أشار يزيد إلى أنّ ام إسحاق كانت تتّهم ببعض بني حرب-،فقال له إسحاق:إنّ خيرا لك أن يدخل بنو العبّاس كلّهم الجنّة.قال:فلم يفهم يزيد قوله و فهم معاوية.فلمّا قام إسحاق قال معاوية ليزيد:كيف تشاتم الرّجال قبل أن تعلم ما يقال فيك؟قال:

قصدت شين إسحاق.قال:و هو كذلك أيضا.قال:و كيف؟قال:أما علمت أنّ بعض قريش في الجاهلية يزعمون أنّي للعبّاس؟فسقط في يدي يزيد (2).

قال ابن أبي الحديد:قال أبو الفرج في(أغانيه):إنّ معاوية قال لدغفل النسّابة:أرأيت عبد المطلب؟قال:نعم.قال:كيف رأيته؟قال:رأيته رجلا نبيلا جميلا وضيئا،كأنّ على وجهه نور النّبوّة.قال:أ فرأيت اميّة بن عبد شمس؟ قال:نعم.قال:كيف رأيته؟قال:رأيته رجلا ضئيلا منحنيا أعمى،يقوده عبده ذكوان.فقال معاوية:ذاك ابنه أبو عمرو.قال:أنتم تقولون ذلك،فأمّا قريش فلم تكن تعرف إلاّ أنّه عبده (3).

قلت:و في(طبقات كاتب الواقدي):كان عبد المطّلب أحسن قريش وجها، و أمدّها جسما،و أحلمها حلما،و أجودها كفّا،و أبعد النّاس من كلّ موبقة تفسد الرّجال،و لم يره ملك قطّ إلاّ أكرمه و شفّعه،و كان سيّد قريش حتّى هلك (4).

قال ابن أبي الحديد-بعد أن نقل كلام الجاحظ في كون عبد المطّلب ذا


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:203. [2]

3) 3) رواه ابن أبي الحديد عنه في شرحه 3:474 شرح الكتاب 28،و رواه أبو الفرج في الأغاني 1:12. [3]

4) 4) الطبقات لابن سعد [4]ق 1 1:51.

كرامات كالأنبياء و المرسلين،من تفجّر العيون و ينابيع الماء من تحت كلكل بعيره و أخفافه-:فأمّا تفجّر العيون من تحت أخفاف بعير عبد المطّلب في الأرض الجرز،فقد ذكره محمّد بن إسحاق بن يسار في(كتاب السيرة)قال:

لمّا أنبط عبد المطّلب الماء في زمزم حسدته قريش،فقالت له:يا عبد المطّلب إنّها بئر أبينا إسماعيل،و إنّ لنا فيها حقّا... (1)

رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:473،شرح الكتاب 28،و ابن هشام في السيرة 1:133. [1]

.

قلت:و في(طبقات ابن سعد):كان لعبد المطّلب ماء بالطّائف يقال له:ذو الهرم،و كان في يدي ثقيف دهرا،ثمّ طلبه عبد المطّلب منهم فأبوا عليه،و كان صاحب أمر ثقيف جندب بن الحارث الثّقفي،فتنافرا إلى الكاهن العذري بالشّام على إبل،فخرجا،فنفد ماء عبد المطّلب و أصحابه،فاستسقوا من الثّقفيين،فأبوا،ففجّر اللّه لهم عينا من تحت جران بعير عبد المطّلب،فحمد اللّه عزّ و جلّ و علم أنّ ذلك منه،فشربوا ريّهم و حملوا حاجتهم،و نفد ماء الثّقفيين، فاستسقوا عبد المطّلب،فسقاهم،و أتوا الكاهن فنفّر عبد المطّلب عليهم،فأخذ عبد المطّلب الإبل فنحرها،و أخذ ذا الهرم و رجع و قد فضّله عليه،و فضّل قومه على قومه (2).

و ممّا لهم عليهم السّلام:أنّ منهم ساقي كوثر و هو هو عليه السّلام،روى المدائني منهم عن أبي الطّفيل قال:قال الحسن عليه السّلام لمولى له:أتعرف معاوية بن خديج؟ قال:نعم.قال:إذا رأيته فأعلمني.فرآه خارجا من دار عمرو بن حريث، فقال:هو هذا.فدعاه،فقال له:أنت الشّاتم عليّا عليه السّلام عند ابن آكلة الأكباد؟ أما و اللّه لئن وردت الحوض-و لن ترده-لترينّه مشمّرا عن ساقيه حاسرا عن ذراعيه يذود عنه المنافقين.قال:و رواه أيضا قيس بن الرّبيع عن


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 1 [2] ق 1:52،و النقل بتلخيص.

بدر بن الخليل عن مولى الحسن عليه السّلام (1)

نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:7 شرح الكتاب 31.

.

و ممّا على اميّة!أنّ منهم واسع السرم ضخم البلعوم و هو معاوية، روى أبو الفرج في(مقاتله):أنّ الحسن عليه السّلام قال لسفيان بن أبي ليلى في وجه تركه الأمر لمعاوية:سمعت عليّا عليه السّلام يقول:سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:لا تذهب الليالي و الأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الامّة على رجل،واسع السرم ضخم البلعوم يأكل و لا يشبع،و لا ينظر اللّه إليه،و لا يموت حتّى لا يكون له في السّماء عاذر،و لا في الأرض ناصر،و إنّه لمعاوية... (2).

و ممّا لهم عليهم السّلام أنّ فيهم نزل «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3)،و «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً» (4).

و في(طبقات ابن سعد):قال مروان يوما للحسن و الحسين عليهما السّلام:إنّكم أهل بيت ملعونين.فقال له الحسين عليه السّلام:يا ملعون يابن الملعون،لقد لعن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أباك و أنت في صلبه،و نحن أهل بيت أذهب اللّه عنّا الرّجس و طهّرنا تطهيرا (5).

و في(مقاتل أبي الفرج):أنّ الحسن عليه السّلام خطب بعد أبيه،فقال:و إنّا من أهل البيت الّذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا،و الّذين افترض اللّه مودّتهم في كتابه و يقول: «وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً» .فاقتراف


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:44 ضمن حديث.

3) 3) الأحزاب:33. [1]

4) 4) الشورى:23. [2]

5) 5) رواه عنه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:234. [3]

الحسنة مودّتنا أهل البيت (1)

رواه أبو الفرج في المقاتل:33. [1]

.

و ممّا على اولئك:أنّ منهم آكلة الأكباد،و هي امّ معاوية،قال الطّبري:

و قد وقفت هند بنت عتبة و النّسوة اللاّتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،يجد عن الآذان و الانوف،حتّى اتّخذت هند من آذان الرجال و انوفهم خدما و قلائد،و أعطت خدمها و قلائدها و قرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم،و بقرت عن كبد حمزة فلاكتها،فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها،ثمّ علت على صخرة مشرفة،فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشّعر،حين ظفروا بما أصابوا (2).

و أنّهم الشجرة الملعونة في القرآن،و مرّ كتاب المعتضد الّذي رواه الطبري:«فما لعنهم اللّه على لسان نبيّه،و أنزل به كتابا»قوله تعالى:

«وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً» (3)، قال:و لا اختلاف بين أحد أنّه أراد بها بني اميّة (4).

و نقل الميبدي في(فواتحه):أنّ يزيد قال في الخمر:

فإن حرّمت يوما على دين أحمد فخذها على دين المسيح بن مريم (5)

و ممّا لهم عليهم السّلام:أنّهم الشّجرة الطّيبة،و على اولئك أنّهم الشجرة الخبيثة،روى الصفّار في(بصائره)،و العياشي و القمي في(تفسيريهما)، و الكليني في(كافيه)،و الصدوق في(معانيه)نزول قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ»


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:204 سنة 3. [2]

3) 3) الإسراء:60. [3]

4) 4) مرّ في هذا العنوان نقلا عن تاريخ الطبري. [4]

5) 5) فواتح الميبدي:220.

«تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (1)

إبراهيم:24-25. [1]

فيهم عليهم السّلام (2).

و روى القمي و الطبرسي في(تفسيريهما)نزول قوله تعالى: «وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ» (3)في بني اميّة (4).

و ممّا لهم عليهم السّلام:أنّ منهم أصحاب الكساء الّذين قال فيهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما قال،و في(خلفاء ابن قتيبة):أنّ معاوية لمّا تكلّم في الدّعوة إلى يزيد و أجابه الحسين عليه السّلام،قال معاوية لابن عبّاس:ما هذا يابن عباس،و لما عندك أدهى و أمرّ؟قال:لعمر اللّه إنّه لذريّة رسول اللّه،و أحد أصحاب الكساء،و في البيت المطهّر... (5).

و يكفيهم مباهلة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بهم (6).

و ممّا على اولئك:أنّ منهم القائد و السّائق و الرّاكب الّذين لعنهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،كما مرّ في خبر كتاب المعتضد (7).

و من اولئك لطيم الشّيطان،و هو عمرو بن سعيد الأشدق،كما أنّ منهم خيط باطل،هو مروان كما مرّ (8)،ففي(أنساب البلاذري):كان


1) 1)

2) 2) رواه الصفار في البصائر:78،79 ح 1-4،و [2]العياشي في تفسيره 2:224،225 ح 10،11،15،و [3]القمي في تفسيره 1:369،و [4]الكليني في الكافي 1:428 ح 80،و [5]الصدوق في معاني الأخبار:400 ح 61 و غيرهم بعضهم بطرق.

3) 3) إبراهيم:26. [6]

4) 4) تفسير القمي 1:369،و [7]مجمع البيان للطبرسي 6:313. [8]

5) 5) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:187. [9]

6) 6) جاءت قصة المباهلة مجملة في سورة آل عمران الآية 61،و قد فصل في شأن نزولها.

7) 7) مرّ في هذا العنوان نقلا عن تاريخ الطبري.

8) 8) مرّ في أوائل العنوان 11 من هذا الفصل.

عمرو بن سعيد في عسكر عبد الملك،و قد فصل من دمشق و هو يريد العراق.فقال له:إنّ أباك و عدني أن يجعل لي الأمر بعده،فبايع لك و لعبد العزيز إن كان بعدك،فاجعل لي العهد بعدك.فقال له:يا لطيم الشيطان أو أنت تصلح للخلافة؟أنت ذو كبر و جبن و سرف و عجب.قال:

و لمّا قتل عبد الملك غدرا عمرو بن سعيد،قال يحيى بن سعيد أخو الأشدق:

غدرتم بعمر يا بني خيط باطل و مثلكم يبني البيوت على الغدر (1)

أنساب الأشراف للبلاذري 4 [1] ق 2:140،144.

ثم لو أردنا استقصاء ممّا لهم عليهم السّلام،و على اولئك-عليهم اللّعنة-لاحتيج إلى مجلّدات ضخام.

هذا،و في(فواتح الميبدي)و في كتاب كتبه عليّ عليه السّلام إلى معاوية:منّا المشكاة و الزّيتونة،و منكم الشّجرة الملعونة (2).

هذا،و في السّير:أنّ عبد الملك أخذ خارجيّا و أراد قتله،فقال له:لست بخارجي.فقال له:أو لست القائل:

و منّا سويد و البطين و قعنب و منّا أمير المؤمنين شبيب

فقال:إنّما قلت«أمير المؤمنين»بالنّصب.فخلّى سبيله .

«فإسلامنا ما قد سمع» فكان عليه السّلام-كما في كلامه عليه السّلام-لفي ساقتها حتّى تولّت بحذافيرها-و كان عليه السّلام كما في كلام سيّدة النساء صلوات اللّه عليها:

«كلّما نجم قرن الضّلالة أو فغرت فاغرة للمشركين،قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفىء حتّى يطأ صماخها بأخمصه،و يخمد لهبها بحده، مكدودا في ذات اللّه،قريبا من رسول اللّه،سيّدا في أولياء اللّه،و النّاس


1) 1)

2) 2) فواتح الميبدي:211.

في بلهنية آمنون و ادعون فرحون» (1)

دلائل الإمامة للطبري:34،و [1]كشف الغمة للإربلي 2:112،و [2]الاحتجاج للطبرسي:101 [3] ضمن خطبتها عليها السّلام في أمر فدك. [4]

.

و مقامات حمزة في الإسلام و عزّة الإسلام به معلومة،و كذا جعفر و هجرتاه،و جهاده بلسانه في الحبشة و بسيفه و مهجته في(مؤتة)واضحة، و حماية أبيه أبي طالب عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و تحمّله في ذلك مشاقا لا يتحملها أحد لأحد مشهورة.

«و جاهليّتنا لا تدفع» قد عرفت مقامات هاشم و عبد المطّلب و أبي طالب و الزّبير بن عبد المطلب،و روى(الخصال)عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أنّ عبد المطّلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الاسلام:حرّم نساء الآباء على الأبناء،فأنزل عزّ و جلّ: «وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ» (2)،و وجد كنزا فأخرج منه الخمس و تصدّق به،فأنزل عزّ و جلّ: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ» (3)،و لمّا حفر زمزم سمّاها سقاية الحاجّ،فأنزل عزّ و جلّ: «أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» (4)،و سنّ في القتل مائة من الابل،فأجرى اللّه عزّ و جلّ ذلك في الإسلام،و لم يكن للطّواف عدد عند قريش،فسنّ فيهم عبد المطّلب سبعة أشواط،فأجرى اللّه عزّ و جلّ ذلك في الإسلام.إنّ عبد المطّلب كان لا يستقسم بالأزلام،و لا يعبد الأصنام،و لا يأكل ما ذبح على النّصب،و يقول:أنا على دين أبي إبراهيم عليه السّلام (5).


1) 1)

2) 2) النساء:22. [5]

3) 3) الأنفال:41. [6]

4) 4) التوبة:19. [7]

5) 5) الخصال للصدوق:312 ح 90.

و من الغريب أنّ عبد المطّلب يحكم في الجاهلية بحكم الإسلام من حرمة نكاح نساء الآباء،و اميّة أحلّ ما لم يحلّه أحد من الجاهليّة،فإنّهم يستحلّون نكاح نساء الآباء بعدهم،و هو أنكح امرأته في حياته من ابنه أبي عمرو.

و قال الزّبير بن بكار:أوّل من سنّ القسامة في الجاهليّة أبو طالب،في دمّ عمرو بن علقمة،ثمّ أثبتها الإسلام (1)

نقلهما عن الزبير بن بكار في أنساب قريش ابن أبي الحديد في شرحه 3:469،471،شرح الكتاب 28.

.و قال أيضا:كان الزّبير بن عبد المطّلب ذا نظر و فكر،فقيل له:مات فلان،لرجل من قريش كان ظلوما.فقال:

بأيّ عقوبة مات؟قالوا:مات حتف أنفه.فقال:لئن كان ما قلتموه حقّا إنّ للنّاس معادا يؤخذ فيه للمظلوم من الظّالم (2).

و في الخبر:أنّ جبرئيل نزل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:كان لجعفر في الجاهلية خصال شكرها اللّه تعالى له.فسأله النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عنها،فقال:ما كنت أكذب حفظا لشرفي،و لا أزني غيرة على نسائي،و لا أشرب حفظا لعقلي (3).

و يأتي في فصل صفّين قوله عليه السّلام في كتابه إلى معاوية:و لكن ليس اميّة كهاشم،و لا حرب كعبد المطّلب،و لا أبو سفيان كأبي طالب (4).

هذا،و قال الجوهري في قول الفرزدق لجرير:

غلبتك بالمفقي و المعنّي و بيت المحتبى و الخافقات

يعني غلبتك بأربع قصائد:قصيدة(المفقي)الّتي يقول فيها:

فإنّك لو فقأت عينك لم تجد لنفسك جدا مثل سعد و دارم

و قصيدة(المعنّي)التي يقول فيها:


1) 1)

2) 2) نقلهما عن الزبير بن بكار في أنساب قريش ابن أبي الحديد في شرحه 3:469،471،شرح الكتاب 28.

3) 3) أمالي الصدوق:69 ح 7 المجلس 17،و النقل بتلخيص.

4) 4) يأتي في العنوان 6 من الفصل الثاني و الثلاثين.

فإنّك إذ تسعى لتدرك دارما لأنت المعنّي يا جرير المكلّف

و قصيدة(بيت المحتبي)الّتي يقول فيها:

بيت زرارة محتب بفنائه و مجاشع و أبو الفوارس نهشل

و قصيدة(الخافقات)الّتي يقول فيها:

و أين يقضّي المالكان امورها بحقّ و أين الخافقات اللّوامع (1)

صحاح اللغة للجوهري 6:2441 [1] مادة(عنى).

«و كتاب اللّه يجمع لنا ما شذّ عنّا» قال الجوهري:شذّ عنه:انفرد عنه، و ندر (2).

و هو قوله تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ » وردت الآية في موضعين،الأوّل:في آخر سورة الأنفال،و الثّاني:في أوائل الأحزاب (3).

و قوله تعالى: «إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (4).

«فنحن مرّة أولى» بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من كلّ أحد.

«بالقرابة» بدليل الآية الاولى «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» (5).

«و تارة» اخرى.

«أولى» به صلّى اللّه عليه و آله.

«بالطّاعة» بمقتضى الآية الثّانية: «إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ»


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 2:565 [2] مادة(شذّ)و النقل بالمعنى.

3) 3) الأنفال:75،و [3]الأحزاب:6. [4]

4) 4) آل عمران:68. [5]

5) 5) الأنفال:75. [6]

«وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» .

و كونهم عليهم السّلام أقرب النّاس إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمر واضح لا يحتاج إلى بيان، ككونهم أطوع النّاس لربّهم و أتقاهم .

«و زعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت،و على كلّهم بغيت،فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك» و نظيره وقع بين ابن عبّاس و ابن الزّبير،فروي أنّه كان يوضع إلى جانب سرير مروان أيّام امارته على المدينة سرير أصغر لابن عبّاس،فأذن مروان يوما للنّاس و إذا سرير آخر قد أحدث تجاه سرير مروان،فأقبل ابن عبّاس فجلس على سريره،و جاء ابن الزّبير فجلس على السرير المحدث،و سكت مروان و القوم،فإذا يد ابن الزّبير تتحرّك،فعلم أنّه يريد أن ينطق فقال:إنّ ناسا يزعمون أنّ يعة أبي بكر كانت غلطا و فلتة و مغالبة،ألا إنّ شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا،و يزعمون أنّه لو لا ما وقع لكان الأمر لهم و فيهم،و اللّه ما كان من أصحاب محمّد أحد أثبت إيمانا و لا أعظم سابقة من أبي بكر،فمن قال غير ذلك فعليه لعنة اللّه،فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر،فلم يكن إلاّ ما قال،ثمّ ألقى عمر حظّهم في الحظوظ فأدحض اللّه جدهم،و ولّى الأمر عليهم من كان أحقّ به منهم،فخرجوا عليه خروج اللّصوص على التّاجر خارجا من القرية،فأصابوا منه غرة،ثمّ قتلهم اللّه به كلّ قتلة.

فقال ابن عبّاس:على رسلك أيّها القائل في أبي بكر و عمر و الخلافة،أما و اللّه ما نالا و لا نال أحد منهما شيئا إلاّ و صاحبنا خير ممّن نال-إلى أن قال- و لو لا أنت تذكر حظّ غيرك،و شرف امرىء سواك لكلّمتك،و لكن ما أنت و ما لا حظّ لك فيه؟اقتصر على حظّك،و دع تيما لتيم و عديّا لعدي،و اميّة لاميّة.و لو كلّمني تيمي أو عدوي أو اموي لكلّمته و أخبرته خبر حاضر عن حاضر،لا خبر غائب عن غائب،و لكن ما أنت و ما ليس لك؟فإن يكن في أسد بن عبد

العزّى شيء فهو لك (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:490، [1]شرح الحكمة 453.

.

«و تلك شكاة ظاهر عنك عارها»

الشّعر لأبي ذؤيب،و صدره:

و عيّرها الواشون أني احبّها

و بعده:

فإن اعتذر منها فإنّي مكذّب و إن تعتذر يردد عليّ اعتذارها

و معنى(ظاهر)هنا:زائل،من قولهم:ظهر فلان بحاجتي،إذا استخف بها و جعلها خلف ظهره.

و عيّر سبرة بن ريطة الفقعسي رجلا بكثرة إبله و شحّه فيها،فقال الرّجل:

أ عيّرتنا ألبانها و لحومها و ذلك عار يابن ربطة ظاهر

12

من الخطبة(205)

و من كلام له عليه السّلام في بعض أيام صفّين و قد رأى الحسن عليه السّلام يتسرّع إلى الحرب:

امْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي- فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي ؟الْحَسَنَ؟ وَ؟الْحُسَيْنَ ع؟- عَلَى الْمَوْتِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ ؟رَسُولِ اللَّهِ ص؟ وَ قَوله عليه السلام امْلكوا عَنّى هَذَا الغُلاَمَ من أَعْلَى الْكَلاَم وَ أَفْصَحه أقول:رواه سبط ابن الجوزي في( تذكرته سبط ابن الجوزي-تذكرة الخواص-ص 324 )عن ابن عبّاس قال:كان عليّ عليه السّلام يخاف انقطاع النّسل،فقال يوم صفّين و قد رأى الحسن و الحسين عليهما السّلام يتسارعان إلى القتال،و قيل:إنّما رأى الحسين عليه السّلام لا غير،


1) 1)

فقال:املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني،فإنّي أنفس به على الموت... (1)

تذكرة الخواص:324. [1]

.

و في(الطبري)-في رجوع أمير المؤمنين عليه السّلام عن صفّين-قال:فلقيه عبد اللّه بن وديعة الأنصاري،فدنا منه و سلّم عليه و سايره،فقال له:ما سمعت النّاس يقولون في أمرنا؟قال:منهم المعجب به،و منهم الكاره له،كما قال عزّ و جلّ: «وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» (2).فقال له عليه السّلام:فما قول ذوي الرّأي فيه؟قال:أمّا قولهم فيه فيقولون:إنّ عليّا كان له جمع عظيم ففرّقه،و كان له حصن حصين فهدمه،فحتى متى يبني ما هدم؟و حتى متى يجمع ما فرّق؟فلو أنّه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه،فقاتل حتّى يظفر أو يهلك،إذن كان ذلك الحزم.فقال عليّ عليه السّلام:أنا هدمت أم هم هدموا؟أنا فرّقت أم هم فرّقوا؟أمّا قولهم:«إنّه لو كان مضى بمن أطاعه،إذ عصاه من عصاه،فقاتل حتّى يظفر أو يهلك،إذن كان ذلك الحزم»فو اللّه ما غبي عن رأيي ذلك،و إن كنت لسخيّا بنفسي عن الدّنيا،طيّب النفس بالموت،و لقد هممت بالإقدام على القوم،فنظرت إلى هذين قد ابتدراني-يعني:الحسن و الحسين عليهما السّلام-و نظرت إلى هذين قد استقدماني-يعني:عبد اللّه بن جعفر و محمّد بن عليّ-فعلمت أنّ هذين إن هلكا انقطع نسل محمّد صلّى اللّه عليه و آله من هذه الامّة،فكرهت ذلك و أشفقت على هذين أن يهلكا،و قد علمت أن لو لا مكاني لم يستقدما-يعني محمّد بن علي و عبد اللّه بن جعفر-و ايم اللّه لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينّهم و ليسوا معي في عسكر و لا دار (3).

و رواه(صفّين نصر بن مزاحم)مفسرا كلامه عليه السّلام بالحسنين عليهما السّلام


1) 1)

2) 2) هود:118-119. [2]

3) 3) تاريخ الطبري 4:44 سنة 37. [3]

فقط،ففيه:لقد هممت بالإقدام،فنظرت إلى هذين قد استقدماني،فعلمت أنّ هذين ان هلكا انقطع نسل محمّد صلّى اللّه عليه و آله من هذه الامّة،فكرهت ذلك و أشفقت على هذين أن يهلكا،و قد علمت أن لو لا مكاني لم يستقدما-يعني:محمّد بن عليّ و عبد اللّه بن جعفر-و ايم اللّه لئن لقيتهم بعد يومي هذا،لألقينّهم و ليس هما معي في عسكر و لا دار (1)

وقعة صفين لابن مزاحم:530.

.

قول المصنف : «و من كلام له عليه السّلام» هكذا في(المصرية)،و الصواب أنّه:

(و قال عليه السّلام)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (2)،فنقلهم هو الصحيح،و ان كان مقتضى القاعدة أن يقول: «و من كلام له عليه السّلام» بعد كونه في الباب الأوّل،ففيه يقول في عناوينه إمّا:«و من خطبة له عليه السّلام»و إمّا: «و من كلام له عليه السّلام» ،و أمّا:«و قال عليه السّلام»،فتعبيره في الثالث،مع أنّ المناسب كان نقله في الثّالث،لكونه كلاما قصيرا يدخل في موضوعه،دون الأوّل الّذي مبناه على الخطب و الكلم الطوال.

«في بعض أيّام صفّين» ليس هذا الكلام كلّه في نسخة ابن ميثم (3).

«و قد رأى الحسن عليه السّلام يتسّرع إلى الحرب» كلمة(ابنه)انّما في(ابن أبي الحديد)دون(ابن ميثم و الخطّيّة) (4).

روى الطبري في(ذيله):عن عبد اللّه بن شداد بن الهاد عن أبيه قال:خرج علينا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو حامل أحد ابني ابنته الحسن أو الحسين عليهما السّلام،فتقدّم فوضعه عند قدمه اليمنى،و سجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين ظهراني صلاته سجدة أطالها.قال أبي:فرفعت رأسي من بين النّاس فإذا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ساجد و إذا الغلام


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن ميثم 4:14،لكن لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:9 مثل المصرية.

3) 3) يوجد هذا الكلام في شرح ابن ميثم 4:14 أيضا.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:9 و شرح ابن ميثم 4:14.

على ظهره،فعدت فسجدت،فلمّا انصرف النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال النّاس:يا رسول اللّه لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها،أ فشيء امرت به أو كان يوحى إليك؟قال:كلّ ذلك لم يكن،و لكن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضي حاجته (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:63،و [1]مرّ تخريجه في العنوان 2 من الفصل الثالث.

.

و في(نسب قريش مصعب الزبيري):ولد الحسن عليه السّلام في سنة ثلاث، في النصف من شهر رمضان،و سمّاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حسنا،و كان يشبّه بالنّبيّ، و ذكر لي عن عبد اللّه البهي مولى آل الزبير قال:تذاكرنا من أشبه النّاس بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟فدخل علينا عبد اللّه بن الزبير.فقال:أنا احدّثكم بأشبه أهله به و أحبّهم إليه:الحسن،رأيته يجيء و هو ساجد فيركب رقبته-أو قال:ظهره- فما ينزّل حتّى يكون هو الّذي ينزل،و لقد رأيته و هو راكع فيفرج بين رجليه، حتّى يخرج من الجانب الآخر،و قال:إنّه ريحانتي من الدّنيا،و إنّ ابني هذا السيّد،و عسى أن يصلح اللّه به فئتين من المسلمين،و قال:اللّهمّ إنّي احبّه و احبّ من يحبّه (2).

و فيه:و ذكر عن علي بن زيد بن جدعان التّيمي،قال:حجّ الحسن عليه السّلام خمس عشرة مرّة،و خرج من ماله للّه مرّتين،و قاسم اللّه ثلاث مرّات،حتّى أن كان ليعطي نعلا و يمسك نعلا،و يعطي خفّا و يمسك خفّا (3).

و روى الخطيب في(سعيد الحصري):أنّ أبا هريرة لقي الحسن عليه السّلام فقال له:أرني الموضع الّذي قبّله النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.فرفع الحسن ثوبه فقبّل سرّته (4).

و في(مروج المسعودي):كان عليّ عليه السّلام اعتلّ،فأمر ابنه الحسن عليه السّلام أن


1) 1)

2) 2) نسب قريش للزبيري:23 و النقل بتصرف.

3) 3) نسب قريش للزبيري:24.

4) 4) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 9:95. [2]

يصلّي بالنّاس يوم الجمعة،فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:إنّ اللّه لم يبعث نبيّا إلاّ اختار له نقيبا و رهطا و بيتا،فو الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحقّ نبيّا لا ينتقص من حقّنا أهل البيت أحد إلاّ نقصه اللّه من عمله مثله،و لا تكون علينا دولة إلاّ و تكون لنا العاقبة «وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» (1)

مروج الذهب 2:431،و الآية 88 [1] من سورة ص.

.

و في(العقد):قال معاوية يوما لجلسائه:من أكرم النّاس أبا و امّا و جدّا و جدّة و عمّا و عمّة و خالا و خالة؟فقالوا:أمير المؤمنين أعلم.فأخذ بيد الحسن بن علي عليه السّلام و قال:هذا أبوه عليّ بن أبي طالب،و امّه فاطمة ابنة محمّد،و جدّه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و جدّته خديجة،و عمّه جعفر،و عمّته امّ هاني بنت أبي طالب،و خاله القاسم بن محمّد،و خالته زينب بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله (2).

و روى أبو الفرج في(مقاتله)بأسانيد:أنّ الحسنّ عليه السّلام خطب بعد دفن أبيه فقال:لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل-إلى أن قال- ثمّ قال:أيّها النّاس من عرفني فقد عرفني،و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد صلّى اللّه عليه و آله،أنا ابن البشير،أنا ابن النذير،أنا ابن الدّاعي إلى اللّه عزّ و جلّ بإذنه، و أنا ابن السّراج المنير،و أنا من أهل البيت الّذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا،و الّذين افترض اللّه مودّتهم في كتابه... (3).

و في(الطبري):بايع النّاس الحسن عليه السّلام بالخلافة،ثمّ خرج بالنّاس حتّى نزل المدائن،و بعث قيس بن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفا،و أقبل معاوية في أهل الشّام حتّى نزل مسكن،فبينا الحسن عليه السّلام في المدائن إذ نادى مناد في العسكر:ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل،فانفروا.فنفروا و نهبوا سرادق


1) 1)

2) 2) العقد الفريد لابن عبد ربه 5:313 و [2]فيه«هالة»بدل«ام هاني».

3) 3) مقاتل الطالبيين:33. [3]

الحسن عليه السّلام حتّى نازعوه بساطا كان تحته،و خرج الحسن عليه السّلام حتّى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن،و كان عمّ المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن،و كان اسمه سعد بن مسعود،فقال له المختار و هو غلام شاب:هل لك في الغنى و الشرف؟قال:و ما ذاك؟قال:توثق الحسن و تستأمن به إلى معاوية.فقال له سعد:عليك لعنة اللّه أثب على ابن بنت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأوثقه؟بئس الرجل أنت.فلمّا رأى الحسن عليه السّلام تفرّق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح-إلى أن قال-فقام الحسن عليه السّلام في أهل العراق فقال:يا أهل العراق إنّه سخا بنفسي عنكم ثلاث:قتلكم أبي،و طعنكم إيّاي،و انتها بكم متاعي.فلمّا قدم الكوفة و برأ من جراحته خرج إلى مسجد الكوفة فقال:يا أهل الكوفة اتقوا اللّه في جيرانكم و ضيفانكم،و في أهل بيت نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيرا.فجعل الناس يبكون،ثمّ تحمّل عليه السّلام إلى المدينة (1)

تاريخ الطبري 4:121 سنة 40 و [1] 4:126 سنة 41 متفرّقا.

.

و قال أبو الفرج أيضا:و قيل:إنّ أوّل من بايعه قيس بن سعد،قال له:

ابسط يدك ابايعك على كتاب اللّه و سنّة نبيّه و قتال المحلّين.فقال له الحسن عليه السّلام:بل على كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله،فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شرط.فبايعه و سكت،و بايعه النّاس (2).

و روى أبو الفرج بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قال:أتيت الحسن عليه السّلام حين بايع معاوية،فوجدته بفناء داره و عنده رهط،فقلت:السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين.فقال:عليك السّلام يا سفيان،انزل.فنزلت فعقلت راحلتي،ثمّ أتيته، فجلست إليه،فقال:كيف قلت يا سفيان؟فقلت:السّلام عليك يا مذلّ رقاب


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:121 سنة 40،و [2]أمّا قول الشارح:«قال أبو الفرج أيضا»فهو من سهو قلمه الشريف.

المؤمنين.فقال:ما جرّ هذا منك إلينا؟فقلت:أنت و اللّه بأبي و امي،أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة،و سلّمت الأمر إلى اللّعين ابن اللّعين ابن آكلة الأكباد،و معك مائة ألف كلّهم يموت دونك،و قد جمع اللّه لك أمر الناس.فقال:

يا سفيان إنّا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به،و إنّي سمعت عليّا عليه السّلام يقول:

سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:لا تذهب الليالي و الأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الامّة على رجل واسع السّرم،ضخم البلعوم،يأكل و لا يشبع،و لا ينظر اللّه إليه،و لا يموت حتّى لا يكون له في السّماء عاذر،و لا في الأرض ناصر،و إنّه لمعاوية، و إنّي عرفت أنّ اللّه بالغ أمره.قال:ثمّ أذّن المؤذّن،فقمنا على حالب يحلب ناقته، فتناول الإناء فشرب قائما ثمّ سقاني،فخرجنا نمشي إلى المسجد،فقال لي:ما جاءنا بك يا سفيان؟قلت:حبّكم،و الّذي بعث محمّدا بالهدى و دين الحق.قال:

فأبشر يا سفيان فإنّي سمعت عليّا عليه السّلام يقول:سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:يرد عليّ الحوض أهل بيتي،و من أحبّهم من امتي كهاتين-يعني السبّابتين-و لو شئت لقلت هاتين-يعني السّبّابة و الوسطى-إحداهما تفضّل على الاخرى.

أبشر يا سفيان،فإنّ الدّنيا تسع البرّ و الفاجر،حتّى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله (1)

المقاتل لأبي الفرج:44.

.

و روى ابن بابويه في(إكماله)مسندا عن أبي سعيد عقيصا،قال:لمّا صالح الحسن بن عليّ عليه السّلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه النّاس،فلامه بعضهم على بيعته.فقال عليه السّلام:و يحكم ما تدرون ما عملت،و اللّه الّذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشّمس أو غربت،ألا تعلمون أنّني إمامكم مفترض الطّاعة عليكم،و أحد سيّدي شباب أهل الجنّة بنصّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليّ؟قالوا:بلى قال:أما علمتم أنّ الخضر لمّا خرق السفينة،و أقام


1) 1)

الجدار،و قتل الغلام كان ذلك سخطا لموسى بن عمران عليه السّلام،إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك،و كان ذلك عند اللّه حكمة و صوابا؟أما علمتم أنّه ما منّا إلاّ و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه،إلاّ القائم الّذي يصلّي روح اللّه عيسى بن مريم عليه السّلام خلفه،فإنّ اللّه عزّ و جلّ يخفي ولادته و يغيّب شخصه لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة،إذا خرج ذلك التاسع من ولد أخي الحسين عليه السّلام؟... (1)

كمال الدين للصدوق 1:315 ح 2. [1]

و روى المدائني:أنّ سفيان بن أبي ليلى لمّا قال للحسن عليه السّلام:السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين،قال له الحسن عليه السّلام:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله رفع له ملك بني امّية فنظر إليهم يعلون منبره واحدا فواحدا،فشقّ ذلك عليه فأنزل تعالى في ذلك قرآنا: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً» (2)و سمعت أبي عليه السّلام يقول:

سيلي أمر هذه الامّة رجل واسع البلعوم،كبير البطن،فسألته من هو؟فقال:

معاوية.و قال لي:إنّ القرآن قد نطق بملك بني امية و مدّتهم،قال تعالى: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (3)،قال أبي عليه السّلام:هذه ملك بني اميّة (4).

و قال أيضا:قال حجر بن عدي للحسن عليه السّلام لمّا صالح معاوية:لوددت أنّك متّ قبل هذا اليوم و لم يكن ما كان،إنّا رجعنا راغمين بما كرهنا،و رجعوا مسرورين بما أحبوا.فتغيّر وجه الحسن عليه السّلام،و غمز الحسين عليه السّلام حجرا فسكت.فقال الحسن عليه السّلام:يا حجر ليس كلّ النّاس يحبّ ما تحبّ،و لا رأيه رأيك،و ما فعلت ما فعلت إلاّ إبقاء عليك،و اللّه كلّ يوم في شأن (5).

و روى أيضا:أنّ الحسن عليه السّلام قال لرجل لامه على بيعته:خشيت أن


1) 1)

2) 2) الإسراء:60. [2]

3) 3) القدر:3. [3]

4) 4) نقلها عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:6،7،شرح الكتاب 31.

5) 5) نقلها عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:6،7،شرح الكتاب 31.

يأتي يوم القيامة سبعون ألفا أو ثمانون ألفا تشخب أوداجهم دما،كلّهم يستعدي اللّه فيم هريق دمه (1)

نقلها عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:6،7،شرح الكتاب 31.

؟ و قال أيضا:إنّ عليّا عليه السّلام لمّا توفّي خرج ابن عبّاس فقال:إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام توفّي و قد ترك خلفا،فإن أحببتم خرج إليكم،و إن كرهتم فلا أحد على أحد.فبكى الناس،و قالوا:بل يخرج إلينا.فخرج الحسن عليه السّلام،فخطبهم فقال:أيّها الناس اتّقوا اللّه فإنّا امراؤكم و أولياؤكم،و إنّا أهل البيت الّذين قال اللّه فينا: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)فبايعوه و كان خرج إليهم و عليه ثياب سود،ثمّ وجّه عبد اللّه بن عبّاس و معه قيس بن سعد مقدّمة له في اثني عشر ألفا إلى الشّام،و خرج هو يريد المدائن، فطعن بساباط،و انتهب متاعه،و دخل المدائن،و بلغ ذلك معاوية فأشاعه، و جعل أصحاب الحسن عليه السّلام الّذين وجّههم مع عبد اللّه يتسلّلون إلى معاوية، الوجوه و أهل البيوتات،فكتب عبد اللّه بذلك إلى الحسن عليه السّلام،فخطب النّاس و وبّخهم و قال:خالفتم أبي حتّى حكّم و هو كاره،ثمّ دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم،فأبيتم حتّى صار إلى كرامة اللّه،ثمّ بايعتموني على أن تسالموا من سالمني و تحاربوا من حاربني،و قد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية و بايعوه،فحسبي منكم لا تعرّوني من ديني و نفسي.

و أرسل عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب-و امّه بنت أبي سفيان-إلى معاوية يسأله المسالمة،و اشترط عليه العمل بكتاب اللّه و سنّة نبيّه،و أن لا يبايع لأحد من بعده،و أن يكون الأمر شورى،و أن


1) 1)

2) 2) الأحزاب:33. [1]

يكون النّاس أجمعون آمنين (1)

نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:8،شرح الكتاب 31.

.

و في(مروج المسعودي):و من خطب الحسن عليه السّلام في أيّامه في بعض مقاماته:نحن حزب اللّه المفلحون،و عترة رسوله الأقربون،و أهل بيته الطّاهرون الطّيّبون،و أحد الثّقلين اللذين خلّفهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و الثّاني كتاب اللّه فيه تفصيل كلّ شيء، «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ» (2)و المعوّل عليه في كلّ شيء،لا يخطئنا تأويله،بل نتيقّن حقائقه،فأطيعونا فإنّا طاعتنا مفروضة،إذ كانت بطاعة اللّه و الرّسول و اولي الأمر مقرونة «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ» (3)، «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» (4)و احذّركم الإصغاء لهتاف الشّيطان «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» (5)،فتكونون كأوليائه الّذين قال لهم: «لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ» (6).فتلقون للرماح أزرا و للسيوف جزرا، و للعمد خطأ،و للسهام غرضا،ثمّ «لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» (7).

و روى أبو الفرج عن الشّعبي قال:خطب معاوية بعد ما بويع له فقال:ما اختلفت امّة بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها.ثمّ إنّه انتبه فندم.


1) 1)

2) 2) فصلت:42. [1]

3) 3) النساء:59. [2]

4) 4) النساء:83. [3]

5) 5) الأنعام:142. [4]

6) 6) الأنفال:48. [5]

7) 7) مروج الذهب للمسعودي 2:431،و [6]الآية 158 من سورة الأنعام. [7]

فقال:إلاّ هذه الامّة،فإنّها و إنّها (1)

المقاتل لأبي الفرج:45.

.

و عن أبي إسحاق قال:سمعت معاوية بالنّخيلة يقول:ألا إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين،لا أفي به.فقال:و كان و اللّه غدّارا (2).

و عن سعيد بن سويد قال:صلّى بنا معاوية بالنّخيلة الجمعة في الصحن،ثم خطبنا،فقال:إنّي و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا،إنّكم لتفعلون ذلك،و انّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم،و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون.قال شريك في حديثه:هذا هو التهتّك (3).

و عن حبيب بن أبي ثابت قال:لمّا بويع معاوية خطب فذكر عليّا عليه السّلام فنال منه،و نال من الحسن عليه السّلام،فقام الحسين عليه السّلام ليرد عليه فأخذ الحسن عليه السّلام بيده فأجلسه،ثمّ قال:أيّها الذاكر عليّا أنا الحسن و أبي عليّ،و أنت معاوية و أبوك صخر(أبو سفيان)،و امّي فاطمة،و امّك هند،و جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و جدّك حرب،و جدّتي خديجة،و جدّتك قتيلة،فلعن اللّه أخملنا ذكرا، و ألأمنا حسبا،و شرّنا قدما،و أقدمنا كفرا و نفاقا.فقال طوائف من أهل المسجد:آمين (4).

و روى المدائني:أنّ معاوية سأل الحسن عليه السّلام بعد الصّلح أن يخطب النّاس فامتنع،فناشده أن يفعل،فوضع له كرسي فجلس عليه،ثمّ قال:

الحمد للّه الّذي توحّد في ملكه و تفرّد في ربوبيّته،يؤتي الملك من يشاء،و ينزعه عمّن يشاء،و الحمد للّه الّذي أكرم بنا مؤمنكم،و أخرج من الشّرك أوّلكم،و حقن دماء آخركم،فبلاؤنا عندكم قديما و حديثا أحسن البلاء،إن شكرتم أو كفرتم أيّها النّاس إنّ ربّ عليّ كان أعلم به حين


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:45.

3) 3) المقاتل لأبي الفرج:45.

4) 4) المقاتل لأبي الفرج:46.

قبضه اليه،و لقد اختصّه بفضل لم تعتدوا بمثله،و لم تجدوا مثل سابقته، فهيهات هيهات،طالما قلّبتم له الامور حتّى أعلاه اللّه عليكم،و هو صاحبكم و عدوّكم في بدر و أخواتها،جرّعكم رنقا،و سقاكم علقا،و أذلّ رقابكم، و أشرقكم بريقكم،فلستم بملومين على بغضه،و ايم اللّه لا ترى امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله خفضا ما كانت سادتهم و قادتهم بني امّية،و لقد وجّه اللّه إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتّى تهلكوا،لطاعتكم طواغيتكم و انضوائكم إلى شياطينكم،فعند اللّه أحتسب ما مضى،و ما ينتظر من سوء دعتكم،و حيف حكمكم.ثمّ قال:يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي اللّه، صائل على أعداء اللّه،نكال على فجّار قريش،لم يزل آخذا بحناجرها،جاثما على أنفاسها،ليس بالملومة في أمر اللّه،و لا بالسّروقة لمال اللّه،و لا بالفروقة في حرب أعداء اللّه،أعطى الكتاب خواتمه و عزائمه،دعا فأجابه،و قاده فاتّبعه، لا تأخذه في اللّه لومة لائم،فصلوات اللّه عليه و رحمته.قال:ثم نزل،فقال معاوية:أخطأ عجل أو كاد،و أصاب متثبت أو كاد،ما ذا أردت من خطبة الحسن (1)

نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:10،7 شرح الكتاب 31.

؟ و روى عن أبي الطفيل قال:قال الحسن عليه السّلام لمعاوية بن خديج:أنت الشاتم عليّا عليه السّلام عند ابن آكلة الأكباد؟أما و اللّه لئن وردت الحوض،و لن ترده لترينّه مشمّرا عن ساقيه،حاسرا عن ذراعيه،يذود عنه المنافقين (2).

و عن الأسود بن قيس العبدي قال:قال الحسن عليه السّلام لحبيب بن مسلمة:

ربّ مسير لك في غير طاعة اللّه.فقال:أمّا مسيري إلى أبيك فليس من ذلك.قال:

بلى و اللّه،و لكنّك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة،فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك،و لو كنت إذا فعلت شرّا قلت خيرا،كان ذلك كما قال


1) 1)

2) 2) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:10،7 شرح الكتاب 31.

عزّ و جلّ: «خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً» (1)

التوبة:102. [1]

و لكنّك كما قال سبحانه: «كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» (2).

و روى الزّبير بن بكار في(مفاخراته):أنّه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص،و الوليد بن عقبة،و عتبة بن أبي سفيان،و قد كان بلغهم عن الحسن عليه السّلام قوارص،و بلغه عنه مثل ذلك،فقالوا لمعاوية:إنّ الحسن قد أحيا أباه ذكره،و قال فصدّق،و أمر فاطيع،و خفقت النّعال خلفه،و أنّ ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم،و لا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا.

قال معاوية:ما تريدون؟قالوا:ابعث إليه فأحضره،لنسبّه و نسبّ أباه و نعيّره و نوبّخه،و نخبره أنّ أباه قتل عثمان،و نقرّره بذلك،و لا يستطيع أن يغيّر علينا شيئا من ذلك.قال:إن بعثت إليه لأنصفنه منكم.فقال عمرو بن العاص:أتخشى أن يأتي باطله على حقّنا أو يربو قوله على قولنا؟قال:أمّا إنّي إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلّم بلسانه كلّه.قالوا:مره.قال:أمّا إذا عصيتموني و بعثتم إليه،و أبيتم إلاّ ذلك فلا تمرّضوا له في القول،و اعلموا أنّهم أهل بيت لا يعيبهم العائب،و لا يلصق بهم العار،و لكن اقذفوه بحجره،و قولوا له:إنّ أباك قتل عثمان،و كره خلافة الخلفاء قبله.

فبعث معاوية إليه.فقال لرسوله:من عنده؟فسمّاهم،فقال الحسن عليه السّلام:

ما لهم خرّ عليهم السّقف من فوقهم و أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون؟ثمّ قال:يا جارية أبلغيني ثيابي،اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرورهم،و أدرأ بك في نحورهم،و أستعين بك عليهم،فاكفنيهم كيف شئت،و أنّى شئت بحول منك و قوّة،يا أرحم الراحمين.


1) 1)

2) 2) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:7،شرح الكتاب 31 و الآية 14 من سورة المطففين. [2]

قال:فلمّا دخل على معاوية أعظمه و أجلسه إلى جانبه و قد ارتاد القوم، و خطروا خطران الفحول بغيا في أنفسهم و علوّا،ثم قال:يا أبا محمّد إنّ هؤلاء بعثوا إليك و عصوني.فقال:سبحان اللّه،الدّار دارك و الإذن فيها إليك،و اللّه لئن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا في أنفسهم إنّي لأستحيي لك من الفحش،و إن كانوا غلبوك على رأيك إنّي لأستحيي لك من الضّعف،فأيّهما تقرّ و أيّهما تنكر؟أما أني لو علمت بمكانهم جئت بمثلهم من بني عبد المطلب،و ما لي أن أكون متوحّشا منك و لا منهم،إنّ وليي اللّه «وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ» (1)

الأعراف:196. [1]

.

فقال معاوية:إنّي كرهت أن أدعوك و لكن حملوني على ذلك مع كراهتي له،و أنّ لك منهم النّصف و منهم،و إنّما دعوناك لنقرّرك أنّ عثمان قتل مظلوما، و أنّ أباك قتله،فاستمع منهم ثمّ أجبهم،و لا تمنعك وحدتك و اجتماعهم أن تتكلّم بكلّ لسانك.

فتكلّم عمرو بن العاص و ذكر عليّا فلم يترك شيئا يعيبه به إلاّ قاله، و قال:إنّه شتم أبا بكر و كره خلافته،و امتنع من بيعته،ثمّ بايعه مكرها، و شرك في دم عمر،و قتل عثمان ظلما،و ادّعى من الخلافة ما ليس له،ثمّ ذكر الفتنة يعيّره بها،و أضاف إليه مساويا،و قال:إنّكم يا بني عبد المطّلب لم يكن اللّه ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء و استحلالكم ما حرّم اللّه من الدّماء، و حرصكم على الملك،و إتيانكم ما لا يحلّ،ثمّ إنّك يا حسن تحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة إليك،و ليس عندك عقل ذلك و لا لبّه،كيف ترى اللّه سلبك عقلك، و تركك أحمق قريش،تسخر قريش منك و تهزؤك،و ذلك لسوء عمل أبيك، و إنّما دعوناك لنسبّك و أباك؟فأمّا أبوك فقد تفرّد اللّه به و كفانا أمره،و أمّا أنت فإنّك في أيدينا نختار فيك الخصال،و لو قتلناك ما كان علينا إثم من اللّه،و لا


1) 1)

عيب من النّاس،فهل تستطيع أن تردّ علينا و تكذّبنا؟فإن كنت ترى أنّا كذبنا في شيء فأردده علينا في ما قلنا،و إلاّ فاعلم أنّك و أباك ظالمان.

ثمّ تكلّم الوليد بن عقبة فقال:يا بني هاشم إنّكم كنتم أخوال عثمان، فنعم الولد كان لكم،فعرف حقّكم،و كنتم أصهاره،فنعم الصهر كان لكم، يكرمكم،فكنتم أوّل من حسده،فقتله أبوك ظلما لا عذر له و لا حجّة،فكيف ترون أنّ اللّه طلب بدمه و أنزلكم منزلتكم؟و اللّه إنّ بني امية كانوا خيرا لبني هاشم من بني هاشم لبني اميّة،و إنّ معاوية خير لك من نفسك.

ثمّ تكلّم عتبة بن أبي سفيان،فقال:يا حسن كان أبوك شرّ قريش لقريش،أسفكه لدمائها،أقطعه لأرحامها،طويل السّيف و اللّسان،يقتل الحيّ و يعيب الميّت،و إنّك ممّن قتل عثمان،و نحن قاتلوك به،و أمّا رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا،و لا في ميزانها راجحا،و إنّكم يا بني هاشم قتلتم عثمان،و إنّ في الحقّ أن نقتلك و أخاك به،فأمّا أبوك فقد كفانا اللّه أمره و أقاد منه،و أما أنت فو اللّه ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم و لا عدوان.

ثمّ تكلّم المغيرة بن شعبة فشتم عليّا عليه السّلام و قال:و اللّه ما أعيبه في قضية يخون،و لا في حكم يميل،و لكنّه قتل عثمان.

ثمّ سكتوا فتكلّم الحسن عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه،و صلّى على رسوله، ثمّ قال:أمّا بعد يا معاوية فما هؤلاء شتموني و لكنّك شتمتني،فحشا ألفته، و سوء رأي عرفت به،و خلقا سيّئا ثبتّ عليه،و بغيا علينا،و عداوة منك لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و أهله،و لكن اسمع يا معاوية و اسمعوا،فلأقولنّ فيك و فيهم دون ما فيكم،انشدكم اللّه أيّها الرّهط أ تعلمون أنّ الذي شتمتموه منذ اليوم صلّى القبلتين،و أنت يا معاوية بهما كافر تراهما ضلالة،و تعبد اللاّت و العزّى غواية؟و انشدكم اللّه هل تعلمون أنّه بايع البيعتين:بيعة الفتح و بيعة الرضوان،و أنت يا معاوية بإحداهما كافر،و بالاخرى ناكث؟و انشدكم اللّه هل

تعلمون أنّه أوّل النّاس إيمانا،و أنّك يا معاويه و أباك من المؤلّفة قلوبهم تسرّون الكفر،و تظهرون الإسلام،و تستمالون بالأموال؟و انشدكم اللّه ألستم تعلمون أنّ عليّا عليه السّلام كان صاحب راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم بدر،و أنّ راية المشركين كانت مع معاوية و أبيه،ثمّ لقيكم يوم احد و يوم الأحزاب و معه راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و معك يا معاوية و مع أبيك راية الشرك،و في كلّ ذلك يفتح اللّه له،و يفلج حجّته،و ينصر دعوته،و يصدّق حديثه،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في تلك المواطن كلّها عنه راض،و عليك و على أبيك ساخط؟و انشدك اللّه يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر،و أنت تسوقه و أخوك عتبة هذا يقوده،فرآكم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:اللّهمّ العن الرّاكب و القائد و السّائق؟أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لمّا همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك؟و هو:

يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الّذين ببدر أصبحوا مزقا

خالي و عمّي و عمّ الام ثالثهم و حنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا

لا تركنن إلى أمر تكلفنا و الرّاقصات به في مكّة الخرقا

فالموت أهون من قول العداة لقد حار ابن حرب عن العزّى إذن فرقا

و و اللّه لما أخفيت من أمرك أكبر ممّا أبديت،و انشدكم اللّه أيّها الرهط ألستم تعلمون أنّ عليّا عليه السّلام حرّم على نفسه الشّهوات بين أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فأنزل تعالى فيه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ» (1)

المائدة:87. [1]

؟ و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة،فنزلوا من حصنهم فهزموهم،فبعث عليّا عليه السّلام بالرّاية،فاستنزلهم على حكم اللّه و حكم رسوله، و فعل في خيبر مثلها؟ ثمّ قال:يا معاوية أظنّك لا تعلم أنّي أعلم ما دعا به عليك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا

1) 1)

أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة،فبعث إليك و نهمك إلى أن تموت؟و أنتم أيّها الرّهط نشدتكم اللّه ألا تعلمون أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها:

أوّلها:يوم لقي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خارجا من مكّة إلى الطّائف،يدعو ثقيفا إلى الدّين،فوقع فيه و سبّه و سفّهه و شتمه و كذّبه و توعّده و همّ أن يبطش به، فلعنه اللّه و رسوله و صرف عنه.

و الثانية:يوم العير،إذ عرض لها النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هي جائية من الشّام، فطردها أبو سفيان و ساحل بها،فلم يظفر المسلمون بها،فلعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و دعا عليه،فكانت وقعة بدر لأجلها.

و الثّالثة:يوم احد،وقف أبو سفيان تحت الجبل و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أعلاه، و هو ينادي:«أعل هبل»مرارا فلعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عشر مرّات،و لعنه المسلمون.

و الرّابعة:يوم جاء بالأحزاب و غطفان و اليهود،فلعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ابتهل.

و الخامسة:يوم جاء أبو سفيان في قريش،فصدّوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن المسجد الحرام «وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ» (1)

الفتح:25. [1]

،و ذلك يوم الحديبيّة، فلعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أبا سفيان،و لعن القادة و الأتباع،و قال:ملعونون كلّهم و ليس فيهم من يؤمن.فقيل:يا رسول اللّه أ فما ترجو الإسلام لأحد منهم،فكيف باللّعنة؟فقال:لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع،و أمّا القادة فلا يفلح منهم أحد.

و السادسة:يوم الجمل الأحمر.

و السابعة:يوم وقفوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في العقبة،ليستنفروا ناقته،و كانوا اثني عشر رجلا،منهم:أبو سفيان.فهذا لك يا معاوية.


1) 1)

و أمّا أنت يابن العاص فإنّ أمرك شبرك،و ضعتك امّك مجهولا من عهر و سفاح،فتحاكم فيك أربعة من قريش،فغلب عليك جزارها ألأمها حسبا، و أخسّهم منصبا،ثمّ قام أبوك فقال:أنا شانئ محمّد الأبتر،فأنزل عزّ و جلّ فيه ما أنزل،و قاتلت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في جميع المشاهد و هجوته،و آذيته بمكّة و كدته كيدك كلّه،و كنت من أشدّ النّاس عداوة له،و تكذيبا،ثمّ خرجت مع أصحاب السّفينة تريد النّجاشي،لتأتي بجعفر و أصحابه إلى أهل مكّة،فلمّا أخطاك ما رجوت،و رجعك اللّه خائبا،و أكذبك واشيا جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد،فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلتك،ففضحك اللّه و فضح صاحبك،فإنّك عدوّ بني هاشم في الجاهليّة و الإسلام،ثمّ إنّك تعلم-و كلّ هؤلاء الرّهط يعلمون-أنّك هجوت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بسبعين بيتا من الشّعر،فقال:اللّهمّ إنّي لا أقول الشّعر،و لا ينبغي لي،اللّهمّ العنه بكلّ حرف ألف لعنة.فعليك إذن من اللّه ما لا يحصى من اللعن،و أمّا ما ذكرت من أمر عثمان فأنت شغرت عليه الدّنيا،ثمّ لحقت بفلسطين،فلمّا أتاك قتله قلت:أنا أبو عبد اللّه إذا نكأت قرحة أدميتها،ما نصرت عثمان حيّا و لا غضبت له مقتولا.ويحك يابن العاص!أ لست القائل في بني هاشم لمّا خرجت من مكّة إلى النجاشي:

تقول ابنتي أين هذا الرّحيل و ما السّتر منّي بمستنكر

فقلت ذريني فإنّي امرؤ اريد النّجاشي في جعفر

لأكويه عنده كيّة اقيم بها نخوة الأصغر

و شانئ أحمد من بينهم و أقولهم فيه بالمنكر

و أجري إلى عتبة (1)

قلت:و مراده بعتبة النّجاشي.

جاهدا و لو كان كالذّهب الأحمر

1) 1)

و لا أنثني عن بني هاشم و ما اسطعت في الغيب و المحضر

فإن قبل العتب منّي له و إلاّ لويت له مشفري

فهذا جوابك يا عمرو،هل سمعته؟ و أمّا أنت يا وليد،فو اللّه ما ألومك على بغض عليّ عليه السّلام و قد جلدك في الخمر ثمانين،و قتل أباك بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله صبرا،و أنت الّذي سمّاه اللّه الفاسق،و سمّى عليّا عليه السّلام المؤمن حيث تفاخرتما،فقلت له:اسكت يا عليّ،فأنا أشجع منك جنانا،و أطول منك لسانا.فقال لك عليّ عليه السّلام:اسكت يا وليد فأنا مؤمن و أنت فاسق.فأنزل تعالى في موافقة قوله عليه السّلام: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ» (1)

السجدة:18. [1]

.ثمّ أنزل فيك على موافقة قوله عليه السّلام أيضا: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» (2)و يحك يا وليد!مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك و فيه:

أنزل اللّه-و الكتاب عزيز- في عليّ و في الوليد قرآنا

فتبّوى الوليد إذ ذاك فسقا و عليّ مبوّأ إيمانا

ليس من كان مؤمنا عمرك اللّه كمن كان فاسقا خوّانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل و عليّ إلى الحساب عيانا

فعليّ يجزى بذاك جنانا و وليد يجزى بذاك هوانا

و ما أنت و قريش؟إنّما أنت علج من أهل صفورية،و اقسم باللّه لأنت أكبر في الميلاد،و أسنّ عمّن تدعى إليه.

قال:و أما أنت يا عتبة،فو اللّه ما أنت بحصيف فاجيبك،و لا عاقل فاحاورك،و اعاتبك،و ما عندك خير يرجى و لا شرّ يتّقى،و ما عقلك و عقل أمتك


1) 1)

2) 2) الحجرات:6. [2]

إلاّ سواء،و ما تضرّ عليّا عليه السّلام لو سببته على رءوس الأشهاد؟و أمّا و عيدك إيّاي بالقتل،فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك؟أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك:

يا للرجال و حادث الأزمان و لسبّة تخزي أبا سفيان

نبّئت عتبة خانه في عرسه جنس لئيم الأصل من لحيان

و بعد هذا ما ارتاع لذكره لفحشه،فكيف يخاف أحد سيفك و لم تقتل فاضحك؟و كيف ألومك على بغض عليّ عليه السّلام و قد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر،و شرك حمزة في قتل جدّك عتبة،و أوجدك من أخيك حنظلة في مقام واحد؟ و أمّا أنت يا مغيرة فلم تكن بخليق إن تقع في هذا و شبهه،و إنّما مثلك مثل البعوض إذ قالت للنخلة:استمسكي فإنّي طائرة عنك.فقالت النخلة:فهل علمت بك واقعة عليّ،فأعلم بك طائرة عنّي؟!و اللّه ما نشعر بعد اوتك إيّانا،و لا اغتممنا إذ علمنا بها،و لا يشقّ علينا كلامك،و أنّ حدّ اللّه في الزّنا لثابت عليك، و لقد درأ عمر عنك حقّا اللّه سائله عنه،و لقد سألت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:هل ينظر الرّجل إلى المرأة يريد أن يتزوّجها؟فقال:لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزّنا،لعلمه بأنّك زان.

و أمّا فخركم علينا بالإمارة فإنّه تعالى يقول: «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً» (1)

الإسراء:16. [1]

.

ثمّ قام الحسن عليه السّلام فنفض ثوبه و انصرف،فتعلّق المغيرة بثوبه،و قال لمعاوية:قد شهدت قوله فيّ و قذفه إيّاي بالزنا،و أنا مطالب له بحدّ القذف.فقال معاوية:خلّ عنه-لا جزاك اللّه خيرا-فتركه.فقال معاوية:قد أنبأتكم أنّه ممّن لا


1) 1)

يطاق عارضته،و نهيتكم أن تسبّوه،فعصيتموني،و اللّه ما قام حتّى أظلم عليّ البيت،قوموا عنّي،فلقد فضحكم اللّه و أخزاكم بترككم الحزم،و عدو لكم عن رأي الناصح المشفق (1)

نقله عن الزبير بن بكار في المفاخرات ابن أبي الحديد في شرحه 2:101،شرح الخطبة 82.

.

و رواه سبط ابن الجوزي في(تذكرته)،و فيه:أنّ الحسن عليه السّلام قال لمعاوية:«و قد علمت الفراش الّذي ولدت عليه».و قال السّبط في تفسير كلامه عليه السّلام:قال هاشم الكلبي في(مثالبه):إنّ معاوية كان يقال إنّه من أربعة:

عمارة بن الوليد،و مسافر بن أبي عمرو،و العبّاس،و أبي سفيان (2).

و روى السّبط أيضا عن هشام الكلبي:أنّ مروان لمّا كان واليا على المدينة بعث رسولا إلى الحسن عليه السّلام و قال:قل له يقول لك مروان:أبوك الّذي فرّق الجماعة،و قتل أمير المؤمنين عثمان،و أباد العلماء و الزّهاد-يعني الخوارج-و أنت تفخر بغيرك فإذا قيل لك من أبوك؟تقول خالي الفرس.فجاء الرسول إلى الحسن،فقال له:يا أبا محمّد إنّي أتيتك برسالة ممّن يخاف سطوته و يحذر سيفه،فإن كرهت لم أبلّغك إيّاها و وقيتك بنفسي؟فقال الحسن عليه السّلام:لا بل تؤدّيها و نستعين عليه باللّه،فأدّاها،فقال له عليه السّلام:تقول لمروان:إن كنت صادقا فاللّه يجزيك بصدقك،و إن كنت كاذبا فاللّه أشدّ نقمة.

فخرج الرّسول من عنده فلقيه الحسين عليه السّلام فقال:من أين أقبلت؟فقال:من عند أخيك الحسن.فقال:و ما كنت تصنع؟قال:أتيت برسالة من عند مروان.فقال:

و ما هي؟فامتنع الرّسول من ادائها.فقال:لتخبرني أو لأقتلنّك.فسمع الحسن عليه السّلام فخرج،و قال لأخيه:خلّ عن الرّجل.فقال:لا و اللّه حتّى أسمعها.

فأعادها الرسول عليه.فقال عليه السّلام:قل له يقول لك الحسين بن علي بن فاطمة:


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:202،و [1]النقل بالمعنى.

يابن الزرقاء الدّاعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز صاحبة الرّاية بسوق عكّاظ! و يابن طريد رسول اللّه و لعينه!اعرف من أنت و من امّك و من أبوك.قال:فجاء الرّسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا،فقال له:ارجع إلى الحسن،و قل له:

أشهد أنّك ابن رسول اللّه.و قل للحسين:أشهد أنّك ابن عليّ بن أبي طالب.فقال (الحسين)عليه السّلام للرّسول:قل له:كلاهما لي و رغما.

قال:قال الأصمعي:أمّا قول الحسين عليه السّلام:«يابن الدّاعية إلى نفسها» فذكر ابن إسحاق أنّ امّ مروان اسمها اميّة،و كانت من البغايا في الجاهليّة، و كان لها راية مثل راية البيطار تعرف بها،و كانت تسمّى امّ حنبل الزّرقاء، و كان مروان لا يعرف له أب،و إنّما نسب إلى الحكم كما نسب عمرو إلى العاص.و أمّا قوله:«يابن طريد رسول اللّه»فيشير إلى الحكم بن أبي العاص، أسلم الحكم يوم الفتح و سكن المدينة،و كان ينقل أخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى الكفار من الأعراب و غيرهم،و يتجسّس عليه.قال الشّعبي:و ما أسلم إلاّ لهذا،و لم يحسن إسلامه،و رآه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوما و هو يمشي و يتخالج في مشيته -يحاكي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-فقال له:كن كذلك.فما زال يمشي كأنّه يقع على وجهه، و نفاه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى الطائف و لعنه-إلى أن قال-فلمّا مات عمر،و ولّي عثمان ردّه في اليوم الّذي ولّي فيه،و قرّبه و أدناه،و دفع له مالا عظيما و رفع منزلته، فقام المسلمون على عثمان و أنكروا عليه،و هو أوّل ما أنكروا عليه،و قالوا له:

رددت عدوّ اللّه و رسوله،و خالفت اللّه و رسوله.فقال:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عدني بردّه.فامتنع جماعة من الصّحابة عن الصلاة خلف عثمان لذلك، ثمّ توفّي الحكم في خلافته،فصلّى عليه(عثمان)و مشى خلفه،فشقّ ذلك على المسلمين،و قالوا:ما كفاك ما فعلت حتّى تصلّي على منافق ملعون لعنه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و نفاه.فخلعوه و قتلوه.قال:و أعطى ابنه مروان خمس غنائم إفريقيّة خمسمائة ألف دينار.ثم قال:و بهذا السّبب قالت(عائشة):

اقتلوا نعثلا قتله اللّه فقد كفر (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:207.

.

و روى الزّبير بن بكار:أنّ عمرو بن العاص لقي الحسن عليه السّلام في الطّواف،فقال له:يا حسن زعمت أنّ الدين لا يقوم إلاّ بك و بأبيك،فقد رأيت اللّه أقامه بمعاوية،فجعله راسيا بعد ميله،و بيّنا بعد خفائه،أفرضي اللّه بقتل عثمان؟أو من الحقّ أن تطوّف بالبيت كما يدور الجمل بالطّحن،عليك ثياب كغرقى البيض،و أنت قاتل عثمان؟و اللّه إنّه لألمّ للشّعث و أسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك.فقال الحسن عليه السّلام:إنّ لأهل النّار لعلامات يعرفون بها:إلحادا لأولياء اللّه،و موالاة لأعداء اللّه،و اللّه إنّك لتعلم أنّ عليّا لم يرتب في الدين،و لم يشكّ في اللّه ساعة،و لا طرفة عين قطّ،و ايم اللّه لتنتهين يابن امّ عمرو أو لأنفذن حضنيك بنو افذ أشدّ من القعضبية،فإيّاك و التهجّم عليّ،فإنّي من قد عرفت،لست بضعيف الغمزة،و لا هشّ المشاشة،و لا مريء المأكلة،و إنّي من قريش كواسطة القلادة،يعرف حسبي،و لا ادعى لغير أبي، و أنت من تعلم و يعلم النّاس،تحاكمت فيك رجال قريش،فغلب عليك جزّارها، ألأمهم حسبا،و أعظمهم لؤما،فإيّاك عنّي فإنّك رجس،و نحن أهل بيت الطهارة أذهب اللّه عنّا الرّجس و طهّرنا تطهيرا.قال:فأفحم عمرو و انصرف كئيبا (2).

و روى أبو الفرج و المدائني،و اللّفظ للأوّل:أنّ الحسن عليه السّلام كتب إلى معاوية-إلى أن قال-:فلمّا توفّي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله تنازعت سلطانه العرب،فقالت قريش:نحن قبيلته و اسرته و أولياؤه،و لا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمّد في النّاس و حقّه،فرأت العرب أنّ القول كما قالت قريش،و أنّ الحجّة لهم في


1) 1)

2) 2) لم أظفر على من نقله عن الزبير بن بكار بل رواه المدائني كما نقل ابن أبي الحديد في شرحه 4:10،و نقله الشارح نفسه عن المدائني في العنوان 5 من هذا الفصل.

ذلك على من نازعهم أمر محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنعمت لهم العرب،و سلّمت ذلك،ثمّ حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب،فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها،إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف و الاحتجاج،فلمّا صرنا-أهل بيت محمّد و أولياؤه-إلى محاجّتهم و طلب النّصف منهم باعدونا، و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا،و العنت منهم لنا،فالموعد اللّه و هو الولي النّصير،و قد تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا و سلطان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام،فأمسكنا عن منازعتهم،مخافة على الدّين أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به،أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده،فاليوم فليعجب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله،لا بفضل في الدين معروف،و لا أثر في الإسلام محمود،و أنت ابن حزب من الأحزاب،و ابن أعدى قريش للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و لكنّ اللّه خيبك،و سترد فتعلم لمن عقبى الدّار،تاللّه لتلقينّ عن قليل ربّك،ثمّ ليجزينّك بما قدّمت يداك،و ما اللّه بظلاّم للعبيد.

إنّ عليّا رضوان اللّه عليه لمّا مضى لسبيله-رحمة اللّه عليه يوم قبض و يوم منّ اللّه عليه بالإسلام،و يوم يبعث حيّا-ولاّني المسلمون الأمر بعده، فأسأل اللّه أن لا يزيدنا في الدّنيا الزّائلة شيئا،ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامته،و إنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار في ما بيني و بين اللّه سبحانه و تعالى في أمرك،و لك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم،و للمسلمين فيه صلاح،فدع التمادي في الباطل،و ادخل في ما دخل فيه النّاس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند اللّه و عند كلّ أوّاب حفيظ،و من له قلب منيب،و اتّق اللّه ودع البغي،و احقن دماء المسلمين،فو اللّه مالك من خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به-إلى أن قال-في جواب معاوية لكتابه عليه السّلام:و ذكرت وفاة النّبيّ و تنازع المسلمين من بعده،فرأيتك صرّحت

بتهمة أبي بكر الصّديق و عمر الفاروق،و أبي عبيدة الأمين،و حواري رسول اللّه،و صلحاء المهاجرين و الأنصار،فكرهت ذلك لك،فإنّك امرؤ عندنا و عند النّاس غير ظنين،و لا المسيء و لا اللئيم،و أنا احبّ لك القول السّديد و الذكر الجميل،إنّ هذه الامّة لمّا اختلفت بعد نبيّها لم تجهل فضلكم،و لا سابقتكم و لا قرابتكم من النّبيّ،و لا مكانتكم في الإسلام و أهله،فرأت الامّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيّها،و رأى صلحاء النّاس من قريش و الأنصار و غيرهم،من سائر النّاس و عامّتهم أن يولّوا هذا الأمر من قريش:أقدمها إسلاما و أعلمها باللّه،و أحبّها له،و أقواها على أمر اللّه،فاختاروا أبا بكر،و كان ذلك رأي ذوي الحجى و الدّين و الفضيلة و النّاظرين للامّة،فأوقع ذلك في صدوركم لهم التّهمة،و لم يكونوا متّهمين،و لا في ما أتوا بالمخطئين،و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه،أو يقوم مقامه أو يذبّ عن حريم الإسلام ذبّه ما عدلوا بالأمر إلى غيره-إلى أن قال-و الحال في ما بيني و بينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد وفاة النّبيّ،فلو علمت أنّك أضبط منّي للرّعيّة،و أحوط على هذه الامّة و أحسن سياسة،و أقوى على جمع الأموال،و أكيد للعدّو،لأجبتك إلى ما دعوتني إليه،و رأيتك لذلك أهلا... (1)

رواه أبو الفرج في المقاتل:35-37،و [1]المدائني عنه شرح ابن أبي الحديد 4:9، [2]شرح الكتاب 31.

.

و من هذا الكتاب و الجواب تعرف حقيقة الأمر في الباب،و يكفيان في إتمام الحجّة لاولي الألباب.

و عن(كامل المبرد):أنّ شاميّا رأى الحسن عليه السّلام فجعل يلعنه، و الحسن عليه السّلام لا يردّ،فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السّلام إليه فسلّم عليه و ضحك،فقال:

أيّها الشّيخ أظنّك غريبا،و لعلّك شبّهت فلو استعتبتنا أعتبناك،و لو سألتنا أعطيناك،و لو استرشدتنا أرشدناك،و لو استحملتنا حملناك،و إن كنت جائعا


1) 1)

أشبعناك،و إن كنت عريانا كسوناك،و إن كنت محتاجا أغنيناك،و إن كنت طريدا آويناك،و إن كان لك حاجة قضيناها لك،فلو حرّكت رحلك إلينا و كنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك،لأنّ لنا موضعا رحبا،و جاها عريضا،و مالا كبيرا.فلمّا سمع الرّجل كلامه عليه السّلام بكى ثمّ قال:أشهد أنّك خليفة اللّه في أرضه، «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (1)

الأنعام:124. [1]

،و كنت أنت و أبوك أبغض خلق اللّه إليّ،و الآن أنت أحبّ خلق اللّه إليّ (2).

«املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني» روى المدائني عن زيد بن أرقم قال:

خرج الحسن عليه السّلام و هو صغير،و عليه برد،و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يخطب،فعثر فسقط، فقطع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الخطبة و نزل مسرعا إليه و قد حمله النّاس،فتسلمه و أخذه على كتفه و قال:إنّ الولد لفتنة،لقد نزلت إليه و ما أدري،ثمّ صعد فأتمّ الخطبة (3).

و روى أبو نعيم في(حليته)عن أبي بكرة قال:كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يصلّي بنا،فيجيء الحسن عليه السّلام-و هو ساجد-صبي صغير،حتّى يصير على ظهره، فيرفعه رفعا رفيقا،فلمّا صلّى صلاته قالوا:يا رسول اللّه إنّك لتصنع بهذا الصّبي شيئا لا تصنعه بأحد.فقال:إنّ هذا ريحانتي... (4).

و عن البراء قال:رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله واضعا الحسن عليه السّلام على عاتقه،فقال:

من أحبّني فليحبّه (5).

و عن أبي هريرة قال:أتى الحسن عليه السّلام يوما يشتدّ حتّى قعد في حجر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فجعل يقول بيديه هكذا في لحية النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يفتح فمه،


1) 1)

2) 2) رواه عن كامل المبرد بهذا اللفظ ابن شهر آشوب في مناقبه 4:19،و رواية المبرد في الكامل 4:105 بلفظ أخصر.

3) 3) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:10،شرح الكتاب 31.

4) 4) حلية الأولياء [2]لأبي نعيم 2:35.

5) 5) حلية الأولياء [3]لأبي نعيم 2:35.

ثم يدخل فمه في فمه و يقول:اللّهمّ إنّي احبّه فأحبّه و أحبّ من يحبّه.يقولها ثلاث مرّات (1)

حلية الأولياء [1]لأبي نعيم 2:35.

.

و قال المسعودي:لمّا دفن الحسن عليه السّلام وقف محمّد بن الحنفية أخوه على قبره فقال:لئن عزّت حياتك،لقد هدّت وفاتك،و لنعم الرّوح روح تضمّنه كفنك،و لنعم الكفن كفن تضمّن بدنك،و كيف لا تكون هكذا و أنت عقبة الهدى، و خلف أهل التّقوى و خامس أصحاب الكساء،غذتك بالتّقوى أكفّ الحقّ، و أرضعتك ثدي الإيمان،و ربيّت في حجر الإسلام،فطبت حيّا و ميّتا (2).

و نقل أبو الفرج عن عمر بن بشير قال:قلت لأبي إسحاق:متى ذلّ النّاس؟قال:حين مات الحسن عليه السّلام،و ادّعي زياد،و قتل حجر بن عدي (3).

«فإنّني أنفس» أي أضنّ و أبخل.

«بهذين-يعني الحسن و الحسين عليهما السّلام-» هكذا في(المصرية)،و الصواب:

(الحسنين عليهما السّلام)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة) (4).

«على الموت» روى الخطيب في(نصر بن عليّ الجهضمي)عن نصر عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى عن آبائه:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أخذ بيد الحسن و الحسين،فقال:من أحبّني،و أحبّ هذين و أباهما و امّهما كان معي في درجتي يوم القيامة.

و قال:لمّا حدّث نصر بهذا الحديث أمر المتوكّل بضربه ألف سوط،و كلّمه جعفر بن عبد الواحد،و جعل يقول له:هذا الرّجل من أهل


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 2:428. [2]

3) 3) المقاتل لأبي الفرج:50.

4) 4) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:9،و شرح ابن ميثم 4:14 مثل المصرية أيضا.

السنّة و لم يزل به حتّى تركه (1)

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13:287. [1]

.

و في(تذكرة سبط ابن الجوزي)عن(صحيح البخاري):كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعوّذ الحسن و الحسين فيقول:اعيذكما بكلمات اللّه التّامة من كلّ شيطان و هامة،و من كلّ عين لامة.و يقول:إنّ أباكما إبراهيم عليه السّلام كان يعوّذ بها إسماعيل و إسحاق (2).

و عن(فضائل أحمد بن حنبل):عن واثلة بن أسقع قال:أتيت فاطمة عليها السّلام أسألها عن عليّ عليه السّلام،فقالت:توجّه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.فجلست انتظره و إذا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد أقبل و معه عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام،قد أخذ بيد كلّ واحد منهما حتّى دخل الحجرة،فأجلس الحسن عليه السّلام على فخذه اليمنى، و الحسين عليه السّلام على فخذه اليسرى،و أجلس عليّا و فاطمة عليهما السّلام بين يديه،ثمّ لفّ عليهم كساه أو ثوبه،ثمّ قرأ: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» ثم قال:اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي حقّا (3).

و عن(تفسير الثعلبي)في قوله تعالى: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ» (4).البحرين:عليّ و فاطمة عليهما السّلام و البرزخ:محمّد صلّى اللّه عليه و آله و اللّؤلؤ و المرجان:الحسن و الحسين عليهما السّلام (5).

و في(أمالي محمّد بن محمّد بن النّعمان):عن الجعابي مسندا عن جابر الأنصاري قال:خرج علينا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله آخذا بيد الحسن و الحسين عليهما السّلام،فقال:


1) 1)

2) 2) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:194،و [2]أخرجه البخاري في صحيحه 2:239 و غيره.

3) 3) تذكرة الخواص:223،234،و [3]نقل الأخير بتصرف،و الآية 33 من سورة الأحزاب. [4]

4) 4) الرحمن:19-22. [5]

5) 5) تذكرة الخواص:233،234،و [6]نقل الأخير بتصرف.

إنّ ابني هذين ربيتهما صغيرين،و دعوت لهما كبيرين،و سألت اللّه تعالى لهما ثلاثا،فأعطاني اثنتين و منعني واحدة:سألت اللّه لهما أن يجعلهما طاهرين مطهّرين زكيّين،فأجابني إلى ذلك،و سألت اللّه أن يقيهما و ذرّيتهما و شيعتهما النّار فأعطاني ذلك،و سألت اللّه أن يجمع الامّة على محبتهما فقال:يا محمّد إنّي قضيت قضاء،و قدرت قدرا،و إنّ طائفة من امّتك ستفي لك بذمّتك في اليهود و النّصارى و المجوس،و سيخفرون ذمّتك في ولدك،و إنّي أوجبت على نفسي لمن فعل ذلك ألاّ احلّه محلّ كرامتي،و لا أسكنه جنّتي،و لا أنظر إليه بعين رحمتي،إلى يوم القيامة (1)

أمالي المفيد:78 ح 3 المجلس 9.

.

و روى ابن ديزيل في(صفّينه)مسندا عن زيد بن أرقم قال:كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو في الحجرة يوحى إليه،و نحن ننتظره حتّى اشتدّ الحرّ، فجاء عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،و معه فاطمة و حسن و حسين عليهم السّلام،فقعدوا في ظلّ حائط ينتظرونه،فلمّا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رآهم فأتاهم،و وقفنا نحن مكاننا،ثمّ جاء إلينا و هو يظلّهم بثوبه ممسكا بطرف من الثّوب و عليّ ممسك بطرفه الآخر،و هو يقول:اللّهمّ إنّي احبّهم فأحبّهم،اللّهمّ إنّي سلم لمن سالمهم و حرب لمن حاربهم.فقال ذلك ثلاث مرّات (2).

و روى الخطيب في(طي بن اسماعيل):أنّ رجلا جاء إلى الحسن و الحسين فسألهما فقالا:إنّ المسألة لا تصلح إلاّ لثلاثة:لحاجة مجحفة،أو لحمالة مثقلة،أو دين فادح،فأعطياه.ثمّ أتى ابن عمر فأعطاه و لم يسأله.فقال له الرجل:أتيت ابني عمّك فسألاني و أنت لم تسألني.فقال ابن عمر:أنبأنا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّهما كانا يغرّان العلم غرّا (3).


1) 1)

2) 2) نقله عن ابن ديزل في صفين ابن أبي الحديد في شرحه 1:289،شرح الخطبة 48.

3) 3) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 9:366. [1]

و في(المعجم):بينما ابن السّكّيت مع المتوكّل يوما جاء المعتزّ و المؤيّد، فقال له المتوكّل:أيّهما أحبّ إليك:ابناي هذان أم الحسن و الحسين عليهما السّلام،فذكر ابن السّكّيت الحسن و الحسين عليهما السّلام بما هما أهله،و سكت عن ابنيه،و قيل:قال له:إنّ قنبرا خادم عليّ عليه السّلام أحبّ إليّ من ابنيك.فأمر المتوكّل الأتراك فسلّوا لسانه و داسوا بطنه،و حمل إلى بيته،فعاش يوما و بعض آخر،و مات في سنة(243) (1)

معجم الأدباء للحموي 20:50 [1] بفرق يسير.

.

و روى(أمالي ابن الشيخ)عن الحسين بن زيد قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن سنّ جدّنا عليّ بن الحسين عليهما السّلام فقال:أخبرني أبي عن أبيه قال:

كنت أمشي خلف عمّي الحسن و أبي الحسين عليهما السّلام في بعض طرقات المدينة، في العام الّذي قبض فيه عمّي،و أنا يومئذ غلام لم اراهق أو كدت،فلقيهما جابر بن عبد اللّه،و أنس بن مالك في جماعة من قريش و الأنصار،فما تمالك جابر حتّى أكبّ على أيديهما و أرجلهما يقبّلها.فقال رجل من قريش-كان نسيبا لمروان-لجابر:أتصنع هذا و أنت في سنّك هذا،و موضعك من صحبة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟-و كان جابر شهد بدرا-فقال له:إليك عنّي،فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ما أعلم لقبّلت ما تحت أقدامهما من التراب.ثمّ أقبل جابر على أنس فقال له:أخبرني النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيهما بأمر ما ظننت أنّه يكون في بشر.

قال له أنس:و بماذا أخبرك؟قال عليّ بن الحسين عليه السّلام:فانطلق الحسن و الحسين عليهما السّلام،و بقيت أنا أسمع محاورة القوم،فأنشأ جابر يحدّث،قال:

بينما النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذات يوم في المسجد،و قد حفّ بمن حوله إذ قال لي:ادع لي حسنا و حسينا.و كان شديد الكلف بهما،فانطلقت فدعوتهما،و أقبلت أحمل هذا مرّة،و هذا اخرى،حتّى جئت بهما إليه،فقال لي-و أنا أعرف السّرور في


1) 1)

وجهه لما رأى من تكريمي لهما-أتحبّهما؟قلت:و ما يمنعني من ذلك،و أنا أعرف مكانهما منك؟قال:أفلا اخبرك عن فضلهما؟قلت:بلى بأبي أنت و امّي.

قال:إنّ اللّه تعالى لمّا أحبّ أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء طيّبة،فأودعها صلب أبي آدم عليه السّلام،فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر إلى عبد المطّلب، ثمّ افترقت تلك النطفة شطرين إلى عبد اللّه و أبي طالب،فولدني أبي،فختم اللّه بي النبوّة،و ولد عليّ فختم اللّه به الوصيّة،ثمّ اجتمعت النّطفتان منّي و من عليّ فولدنا الجهر و الجهير الحسنان،فختم بهما أسباط النّبوّة،و جعل ذريّتي منهما،و من ذريّة هذا-و أشار إلى الحسين عليه السّلام-رجل يخرج في آخر الزّمان، يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا،فهما طاهران مطهّران،و هما سيّدا شباب أهل الجنّة،طوبى لمن أحبّهما و أباهما و امهما،و ويل لمن حاربهم و أبغضهم (1)

أمالي أبي علي الطوسي 2:113 المجلس 18. [1]

.

قلت:و من هو ان الدّنيا أن يقتل مثلهما يزيد السكّير القمّير،أمّا الحسين عليه السّلام فمعلوم،و أمّا الحسن عليه السّلام ففي(مقاتل أبي الفرج):أنّ معاوية لمّا أراد البيعة لابنه يزيد لم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن عليه السّلام و سعد بن أبي وقاص،فدسّ إليهما سمّا فماتا منه (2).

قلت:و وجه ثقل سعد عليه أنّه لو كان بايع لابنه في حياته كان سعد يقول له:أنا من ستّة شورى عمر،و أنا أحقّ من ابنك بالبيعة لي.و أمّا الحسن عليه السّلام فمع أنّه كانت خلافة جدّه حقّه كان معاوية عاهده عليه السّلام على أن يردّ الأمر بعده إليه.

و في(مقاتل أبي الفرج)أيضا:أنّ معاوية أرسل إلى ابنة الأشعث-زوجة


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:47.

الحسن عليه السّلام-:أنّي مزوّجك بيزيد ابني،على أن تسمّي الحسن بن علي.و بعث إليها بمائة ألف درهم،فقبلت و سمّت الحسن عليه السّلام،فسوّغها المال و لم يزوّجها منه،فخلّف عليها رجل من آل طلحة فأولدها،فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيّروهم،و قالوا:يا بني مسمّة الأزواج (1)

المقاتل لأبي الفرج:48.

.

و في(خلفاء ابن قتيبة):لمّا كتب عامل المدينة إلى معاوية بموت الحسن عليه السّلام أظهر فرحا و سرورا حتّى سجد،و سجد من كان معه،فبلغ ذلك عبد اللّه بن عباس-و كان بالشّام يومئذ-فدخل على معاوية،فلمّا جلس قال معاوية:يابن عباس هلك الحسن بن علي.فقال ابن عبّاس:نعم هلك، «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (2)ترجيعا مكرّرا،و قد بلغني الّذي أظهرت من الفرح و السّرور بوفاته،أما و اللّه ما سدّ جسده حفرتك،و لا زاد نقصان أجله في عمرك،و لقد مات و هو خير منك،و لئن اصبنا به لقد اصبنا بمن كان خيرا منه:

جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فجبر اللّه مصيبته،و خلّف علينا من بعده أحسن الخلافة.

ثمّ شهق ابن عبّاس و بكى،و بكى من حضر في المجلس،و بكى معاوية.قال الرّاوي:فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم.فقال معاوية:بلغني أنّه ترك بنين صغارا.فقال ابن عبّاس:كلّنا كان صغيرا فكبر.قال معاوية:كم أتى له من العمر؟فقال ابن عبّاس:أمر الحسن عليه السّلام أعظم من أن يجهل أحد مولده.

فسكت معاوية يسيرا،ثم قال:يابن عباس أصبحت سيّد قومك من بعده.فقال ابن عبّاس:أما ما أبقى اللّه أبا عبد اللّه الحسين فلا (3).

و روى الطبري عن عائشة بنت سعد،قالت:حدّ نساء بني هاشم على


1) 1)

2) 2) البقرة:156. [1]

3) 3) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:175. [2]

الحسن بن علي عليه السّلام سنة.و عن ام بكر بنت المسور:أقام نساء بني هاشم النّوح عليه عليه السّلام شهرا.و روي عن أبي جعفر عليه السّلام،قال:مكث النّاس يبكون على الحسن بن علي عليه السّلام سبعا ما تقوم الأسواق.و روي عن ثعلبة بن أبي مالك.

قال:دفنّاه عليه السّلام بالبقيع،و لقد رأيت البقيع و لو طرحت فيها إبرة ما وقع إلاّ على رأس إنسان (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:19،و [1]النقل بتقديم و تأخير.

.

و روى أبو الفرج عن الحسن عليه السّلام قال:لقد سقيت السمّ مرارا،ما سقيته مثل هذه المرّة،و لقد لفظت قطعة من كبدي،فجعلت اقلّبها بعود معي-إلى أن قال-و قد كان أوصى أن يدفن مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فمنع مروان بن الحكم من ذلك، و ركبت بنو امية في السّلاح،و جعل مروان يقول:«يا ربّ هيجاء هي خير من دعة»أ يدفن عثمان في أقصى البقيع،و يدفن الحسن في بيت النّبيّ؟و اللّه لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف-إلى أن قال-قال يحيى بن الحسن:و سمعت عليّ بن طاهر بن زيد يقول:لمّا أرادوا دفنه ركبت عايشة بغلا،و استنفرت بني امية:مروان بن الحكم و من كان هناك منهم و من حشمهم،و هو قول القائل:

فيوما على بغل و يوما على جمل (2)

و في(تذكرة سبط ابن الجوزي)قال الواقدي:إنّ مروان لمّا منع من دفن الحسن عليه السّلام مع جدّه قال أبو هريرة:لو مات ابن لموسى أما كان يدفن مع أبيه (3)؟ و روى نصر بن مزاحم في(صفّينه)عن زيد بن بدر قال:بعث عبيد اللّه بن عمر إلى الحسن عليه السّلام فقال:إنّ لي إليك حاجة فالقني.فلقيه،فقال له عبيد اللّه:


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:48،49.

3) 3) تذكرة الخواص لابن الجوزي:213. [2]

إنّ أباك قد وتر قريشا أوّلا و آخرا،و قد شنئوه،فهل لك أن تخلفه،و نوليّك هذا الأمر؟قال:كلاّ و اللّه لا يكون ذلك.ثم قال له الحسن عليه السّلام:لكأنّي أنظر إليك مقتولا في يومك أو غدك،أما إنّ الشيطان قد زيّن لك و خدعك حتّى أخرجك مخلّقا بالخلوق،ترى نساء أهل الشّام موقفك،و سيصرعك اللّه و يبطحك لوجهك قتيلا.قال:فو اللّه ما كان إلاّ كيومه أو كالغد و كان القتال،فخرج عبيد اللّه في كتيبة رقطاء-و هي الخضرية،كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر-و نظر الحسن عليه السّلام فإذا هو برجل متوسد رجل قتيل،قد ركز رمحه في عينه،و ربط فرسه برجله.فقال الحسن لمن معه:انظروا من هذا،فاذا هو برجل من همدان، و إذا القتيل عبيد اللّه،قد قتله و بات عليه حتّى أصبح (1)

وقعة صفين لابن مزاحم:297.

.

و روى(ذيل الطبري)عن أبي المهزّم قال:كنّا مع أبي هريرة في جنازة، فلمّا رجعنا أعيى الحسين عليه السّلام صعد،فجعل أبو هريرة ينفض التّراب عن قدميه بثوبه،فقال له الحسين عليه السّلام:أنت يا أبا هريرة تفعل هذا؟قال:دعني منك،فلو يعلم النّاس منك ما أعلم لحملوك على عواتقهم (2).

و روى(الاستيعاب)عن أبي هريرة قال:أبصرت عيناي هاتان و سمعت اذناي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو آخذ بكفّيّ الحسين عليه السّلام،و قدماه على قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو يقول:ترقّ عين بقة فرقى الغلام،حتّى وضع قدميه على صدر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،ثمّ قال له النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:افتح فاك.ثمّ قبّله،ثمّ قال:اللّهمّ أحبّه فإنّي احبّه (3).

و عن ابن عبّاس قال:رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ما يرى النّائم نصف النّهار،


1) 1)

2) 2) منتخب ذيل المذيل للطبري:25. [1]

3) 3) الاستيعاب لابن عبد البر 1:380،382. [2]

و هو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم،فقلت:بأبي أنت و امّي يا رسول اللّه ما هذا؟قال:هذا دم الحسين عليه السّلام لم أزل ألتقطه منذ اليوم.فوجد قد قتل في ذلك اليوم (1)

الاستيعاب لابن عبد البر 1:380،382. [1]

.

و روى(اسد الغابة)بأسانيد عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال:كنت في مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،في حلقة فيها أبو سعيد الخدري و عبد اللّه بن عمرو-بن العاص-فمرّ بنا حسين بن علي عليه السّلام فسلّم،فردّ القوم السّلام،فسكت عبد اللّه حتّى فرغوا فرفع صوته و قال:و عليك السّلام و رحمة اللّه و بركاته.ثمّ أقبل على القوم فقال:ألا اخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء؟قالوا:بلى.قال:

هو هذا الماشي،ما كلّمني كلمة منذ ليالي صفّين،و لأن يرضى عنّي أحبّ إليّ من أن يكون لي حمر النّعم.فقال أبو سعيد:ألا تعتذر إليه.قال:بلى.-إلى أن قال-فقال له الحسين عليه السّلام:أعلمت يا عبد اللّه أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء؟قال:أي و ربّ الكعبة.قال:فما حملك على أن تقاتلني و أبي يوم صفّين؟فو اللّه لأبي كان خيرا منّي.قال:أجل و لكن عمرا-أي:أباه-شكاني إلى النّبيّ-الخبر (2)-في عذره الباطل.

و روى مصعب الزّبيري في(نسب قريشه):أنّ ابن عمر قال في رجل من أهل العراق-سأله عن دم البعوض في ثوبه-:انظروا هذا يسألني عن دم البعوض،و قد قتلوا ابن رسول اللّه،و قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:الحسن و الحسين هما ريحانتي من الدّنيا.قال مصعب:و حجّ الحسين عليه السّلام خمسا و عشرين حجّة ماشيا (3).


1) 1)

2) 2) اسد الغابة لابن الأثير 3:234. [2]

3) 3) نسب قريش للزبيري:25.

أهل العراق-سأله عن دم البعوض في ثوبه-:انظروا هذا يسألني عن دم البعوض،و قد قتلوا ابن رسول اللّه،و قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:الحسن و الحسين هما ريحانتي من الدّنيا.قال مصعب:و حجّ الحسين عليه السّلام خمسا و عشرين حجّة ماشيا (1)

نسب قريش للزبيري:25.

.

و روى(تاريخ الطبري)عن حميد بن مسلم قال:دخلت على ابن زياد فإذا رأس الحسين عليه السّلام موضوع بين يديه،و إذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة،فلمّا رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له:اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين،فو اللّه الّذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللّه على هاتين الشّفتين يقبّلهما.ثم انفضخ الشّيخ يبكي.فقال له ابن زياد:أبكى اللّه عينيك،فو اللّه لو لا أنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك (2).

و رواه سبط ابن الجوزي و زاد:فقال زيد لابن زياد:لأحدّثنك حديثا أغلظ من هذا،رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أقعد حسنا على فخذه اليمنى،و حسينا على فخذه اليسرى،ثمّ وضع يده على يافوخيهما ثم قال:اللّهمّ إنّي أستودعك إيّاهما و صالح المؤمنين.فكيف كانت وديعة رسول اللّه عندك يابن زياد؟ (3).

و روى الطّبري أيضا عن القاسم بن بخيت قال:أذن يزيد للنّاس فدخلوا و الرّأس بين يديه،و مع يزيد قضيب فهو ينكت به في ثغره،ثمّ قال:إنّ هذا و إيّانا كما قال الحصين بن حمّام المرّي:

يفلّقن هاما من رجال أحبّة إلينا و هم كانوا أعقّ و أظلما

فقال رجل من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-يقال له:أبو برزة الأسلمي-:أتنكت


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:439 السنة 61. [1]

3) 3) تذكرة الخواص لابن الجوزي:257. [2]

بقضيبك في ثغر الحسين عليه السّلام؟أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا لربما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يرشفه (1)

تاريخ الطبري 4:356 سنة 61. [1]

.

و روى الطّبري عن حصين بن عبد الرّحمن قال:لمّا قتل الحسين عليه السّلام لبثوا شهرين أو ثلاثة،كأنّما تلطخ الحوائط بالدّماء ساعة تطلع الشّمس حتّى ترتفع (2).

و روى في(ذيل تاريخه)عن شيخ من النّخع قال:قال الحجاج:من كان له بلاء فليقم.فقام قوم فذكروا،و قام سنان بن أنس فقال:أنا قاتل الحسين.

فقال:بلاء حسن،و رجع إلى منزله،فاعتقل لسانه و ذهب عقله،فكان يأكل و يحدث مكانه (3).

و روى ثعلب في أوّل الثاني من(مجالسه)عن أبي جناب الكلبي قال:

أتيت كربلا،فقلت لرجل من أشراف العرب بها:بلغنا أنّكم تسمعون نوح الجنّ؟قال:ما تلقى حرّا و لا عبدا إلاّ أخبرك أنّه سمع ذلك.قلت:فأخبرني ما سمعت أنت؟قال:سمعتهم يقولون:

مسح الرّسول جبينه فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش جدّه خير الجدود (4)

و عن السّدي قال:أتيت كربلا أبيع البرّ بها،فعمل لنا شيخ من طي طعاما فتعشينا عنده،فذكرنا قتل الحسين عليه السّلام،فقلت:ما شرك في قتله أحد إلاّ مات بأسوأ ميتة.فقال:ما أكذبكم يا أهل العراق!فأنا فيمن شرك في ذلك.فلم يبرح حتّى دنا من المصباح و هو يتّقد بنفط،فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه،فأخذت


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:296 سنة 60،و [2]أنساب البلاذري 3:209 ح 53 و [3]غيرهما.

3) 3) منتخب ذيل المذيل للطبري:25. [4]

4) 4) مجالس ثعلب 2:407.

النّار فيها،فأخذ يطفئها بريقه،فأخذت النار في لحيته،فعدا فألقى نفسه في الماء،فرأيته كأنّه حممة (1)

مجالس ثعلب 2:407.

.

و روى الطبري عن حميد بن مسلم قال:قال عبد اللّه بن أبي حصين الأزدي للحسين عليه السّلام:ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السّماء،و اللّه لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا.فقال الحسين عليه السّلام:اللّهمّ اقتله عطشا،و لا تغفر له أبدا.قال حميد بن مسلم:و اللّه لعدته بعد ذلك في مرضه،فو اللّه الّذي لا إله إلاّ هو لقد رأيته يشرب حتّى يبغر ثمّ يقيء،ثمّ يعود فيشرب حتّى يبغر،فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصّته.يعني نفسه (2).

و عن القاسم بن أصبغ بن نباتة،قال:حدّثني من شهد الحسين عليه السّلام في عسكره:أنّ حسينا حين غلب على عسكره ركب المسناة يريد الفرات،فقال رجل من بني أبان بن دارم:ويلكم حولوا بينه و بين الماء لا تتامّ إليه شيعته.

و ضرب فرسه،و اتبعه النّاس حتّى حالوا بينه و بين الفرات،فقال الحسين عليه السّلام:اللهمّ أظمه-إلى أن قال-فو اللّه إن مكث الرّجل إلاّ يسيرا حتّى صبّ اللّه عليه الظّمأ،فجعل لا يروى.قال القاسم بن الأصبغ:لقد رأيتني في من يروّح عنه،و الماء يبرّد له فيه السّكر،و عساس فيها اللبن،و قلال فيها الماء، و إنّه ليقول:ويلكم اسقوني قتلني الظمأ!فيعطى القلّة أو العسّ كان مرويا أهل بيت فيشربه،فإذا نزعه من فيه اضطجع الهنيهة،ثمّ يقول:ويلكم اسقوني قتلني الظمأ.فو اللّه ما لبث إلاّ يسيرا حتّى انقدّ بطنه،انقداد بطن البعير (3).

و روى عن مسروق بن وائل قال:كنت في أوائل الخيل ممّن سار إلى الحسين عليه السّلام،فقلت:أكون في أوائلها لعلّي اصيب رأس الحسين،


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:312،343 سنة 61. [1]

3) 3) تاريخ الطبري 4:312،343 سنة 61. [2]

فاصيب به منزلة عند عبيد اللّه بن زياد،فلمّا انتهينا إلى الحسين تقدّم رجل من القوم-يقال له:ابن حوزة-فقال:أ فيكم حسين؟فسكت الحسين، فقالها ثانية،فسكت حتّى إذا كانت الثّالثة قال:قولوا:نعم،هذا حسين، فما حاجتك؟قال:يا حسين أبشر بالنّار.قال:كذبت،بل أقدم على ربّ غفور، و شفيع مطاع،فمن أنت؟قال:ابن حوزة.فرفع الحسين يديه حتّى رأينا بياض إبطيه من فوق الثّياب،ثمّ قال:اللّهمّ حزه إلى النّار.فغضب ابن حوزة، فذهب ليقحم إليه الفرس-و بينه و بينه نهر-فعلقت قدمه بالرّكاب،و جالت به الفرس فسقط عنها،فانقطعت قدمه و ساقه و فخذه،و بقي جانبه الآخر متعلّقا بالرّكاب.قال-عبد الجار أخو مسروق-فرجع مسروق و ترك الخيل من ورائه،فسألته فقال:لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا اقاتلهم أبدا (1)

تاريخ الطبري 4:328 سنة 61. [1]

.

و عن عفيف بن زهير-و كان قد شهد مقتل الحسين عليه السّلام-قال:و خرج يزيد بن معقل فقال يا برير بن حضير:كيف ترى اللّه صنع بك؟قال:صنع اللّه -و اللّه-بي خيرا،و صنع اللّه بك شرّا.قال:كذبت،و قبل اليوم ما كنت كذّابا،هل تذكر و أنا اماشيك في بني لو ذان و أنت تقول:إنّ عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفا،و إنّ معاوية بن أبي سفيان ضالّ مضلّ،و إنّ إمام الهدى و الحقّ عليّ بن أبي طالب؟فقال له برير:أشهد أنّ هذا رأيي و قولي.فقال له يزيد:فإنّي أشهد أنّك من الضّالّين.فقال له برير:هل لك فلاباهلك،و لندع اللّه أن يلعن الكاذب،و أن يقتل المبطل-إلى أن قال-ثمّ برز كلّ واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين،فضرب يزيد بريرا ضربة خفيفة لم تضرّه شيئا،و ضربه برير ضربة قدّت المغفر و بلغت الدّماغ،فخرّ كأنّما هوى من حالق،و إنّ سيف


1) 1)

بن حضير لثابت في رأسه،فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه (1)

تاريخ الطبري 4:328 سنة 61. [1]

.

و روى أبو الفرج في(مقاتله)عن مورع بن سعيد بن قيس قال:حدّثنا من شهد الحسين عليه السّلام،قال:كان معه ابنه الصّغير،فجاء سهم فوقع في نحره، فجعل الحسين عليه السّلام يأخذ الدّم من نحره و لبّته فيرمي به إلى السّماء،فما يرجع منه شيء و يقول:اللّهم لا يكون أهون عليك من فصيل... (2)

و عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة قال:رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه،و كنت أعرفه جميلا شديد البياض،فقلت له:ما كدت أعرفك!قال:

إنّي قتلت شابّا أمرد مع الحسين عليه السّلام،بين عينيه أثر السّجود،فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني،فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم،فيدفعني فيها،فأصيح فما يبقى أحد في الحيّ إلاّ سمع صياحي.قال:و المقتول العبّاس بن عليّ (3).

و روى الطبري عن حميد بن مسلم قال:لمّا بقي الحسين عليه السّلام في ثلاثة رهط أو أربعة دعا بسراويل محققة،يلمع فيها البصر يماني محقق ففرزه و نكثه لكيلا يسلبه.قال:فلمّا قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إيّاه فتركه مجرّدا -إلى أن قال-:إنّ يديه كانتا في الشّتاء ينضحان الماء،و في الصيف ييبسان كأنّهما عود (4).

و روى عن حميد بن مسلم أنّ الحسين عليه السّلام مكث طويلا من النّهار،كلّما انتهى إليه رجل من النّاس انصرف عنه و كره أن يتولّى قتله و عظيم إثمه عليه، و إنّ رجلا من كندة يقال له:مالك بن النّسير من بني بدّاء،أتاه فضربه على رأسه بالسيف و عليه برنس له فقطع البرنس،و أصاب السّيف رأسه فأدمى


1) 1)

2) 2) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:59.

3) 3) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:78.

4) 4) تاريخ الطبري 4:245،342،347 سنة 61 و [2]النقل بتقطيع.

رأسه،فامتلأ البرنس دما،فقال له الحسين عليه السّلام:لا أكلت بها و لا شربت، و حشرك اللّه مع الظالمين.قال:فذكر أنّه لم يزل فقيرا بشرّ حتى مات (1)

تاريخ الطبري 4:245،342،347 سنة 61 و [1]النقل بتقطيع.

.

و روى عن حميد أيضا أنّ عمر بن سعد لمّا نادى من ينتدب للحسين انتدب عشرة،منهم إسحاق بن حياة الحضرمي-و هو الّذي سلب قميص الحسين عليه السّلام فبرص بعد-و أحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين عليه السّلام بخيولهم،حتّى رضوا ظهره و صدره،فبلغني أنّ أحبش بن مرثد أتاه بعد ذلك بزمان،أتاه سهم غرب و هو واقف في قتال،ففلق قلبه فمات (2).

و روى عن نوار بنت مالك بن عقرب الحضرميّة امرأة خولى و كانت ليلتها منه قالت:أقبل خولى برأس الحسين عليه السّلام،فوضعه تحت إجّانة في منزله لمّا وجد باب القصر مغلقا،قلت له:جئت برأس ابن رسول اللّه؟لا و اللّه لا يجمع رأسي و رأسك ببيت أبدا.فقمت من فراشي،فخرجت إلى الدّار،فدعا الأسدية امرأته الاخرى،و جلست أنظر،فو اللّه ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السّماء إلى الإجّانة،و رأيت طيرا بيضا ترفرف حولها (3).

و روى عن عمرو بن عكرمة قال:أصبحنا صبيحة قتل الحسين عليه السّلام بالمدينة،فإذا مولى لنا يحدّثنا،قال:سمعت البارحة مناديا و هو يقول:

أيها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب و التّنكيل

كلّ أهل السّماء يدعو عليكم من نبيّ و ملك و قبيل

قد لعنتم على لسان ابن داو د و موسى و حامل الإنجيل (4)


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:245،342،347 سنة 61 و [2]النقل بتقطيع.

3) 3) تاريخ الطبري 4:348 سنة 61،و [3]مقتل الحسين لأبي مخنف:142،و [4]النقل بتصرف في اللفظ.

4) 4) تاريخ الطبري سنة 4:358 61. [5]

و رواه السّبط عن هشام الكلبي،و زاد:فكانوا يرون أنّه بعض الملائكة، و قد أكثر النّاس فيها (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:207.

.

و في(تذكرة السّبط)عن(سيرة ابن هشام)مسندا قال:لمّا أنفذ ابن زياد رأس الحسين عليه السّلام إلى يزيد مع الاسارى موثقين في الحبال،منهم نساء و صبيان و صبيات من بنات الرّسول صلّى اللّه عليه و آله على أقتاب الجمال،موثقين مكشفات الوجوه و الرّؤوس،كلّما نزلوا منزلا أخرجوا الرأس من صندوق أعدّوه له،فوضعوه على رمح و حرسوه طول الليل إلى وقت الرّحيل،ثمّ يعيدونه إلى الصندوق و يرحلون،فنزلوا بعض المنازل،و في ذلك المنزل دير فيه راهب،فأخرجوا الرّأس على عادتهم،و وضعوه على الرّمح،و حرسه الحرس على عادته،و أسندوا الرّمح إلى الدّير،فلمّا كان في نصف الليل رأى الرّاهب نورا من مكان الرّأس إلى عنان السماء،فأشرف على القوم،و قال:من أنتم؟قالوا:نحن أصحاب ابن زياد.قال:و هذا رأس من؟قالوا:رأس الحسين بن علي بن أبي طالب بن فاطمة بنت الرّسول.قال:نبيّكم؟قالوا:نعم.قال:بئس القوم أنتم،لو كان للمسيح ولد لأسكنّاه أحداقنا.ثمّ قال:هل لكم في شيء؟ قالوا:و ما هو؟قال:عندي عشرة آلاف دينار تأخذونها و تعطوني الرّأس يكون عندي تمام اللّيلة،و إذا رحلتم تأخذونه.قالوا:و ما يضرّنا؟قال:فناولوه الرّأس و ناولهم الدّنانير،فأخذه الرّاهب فغسله و طيّبه و تركه على فخذه،و قعد يبكي اللّيل كلّه،فلمّا أسفر الصّبح قال:يا رأس لا أملك إلاّ نفسي،و أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه،و أنّ جدّك محمّدا رسول اللّه،و اشهد اللّه أنّني مولاك و عبدك.ثمّ خرج عن الدّير و ما فيه،و صار يخدم أهل البيت،ثمّ إنّهم أخذوا الرّأس و ساروا فلمّا قربوا من دمشق قال بعضهم لبعض:تعالوا حتّى نقسّم الدّنانير،لا يراها


1) 1)

يزيد فيأخذها منّا،فأخذوا الأكياس و فتحوها،فإذا الدّنانير قد تحوّلت خزفا، و على أحد جانبي الدّينار مكتوب: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ» (1)

إبراهيم:42. [1]

،و على الجانب الآخر «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (2).فرموها في بردى(نهر بدمشق) (3).

و فيه مسندا عن مروان بن الوضين،قال:نحرت الإبل الّتي حمل عليها رأس الحسين عليه السّلام و أصحابه،فلم يستطيعوا أكل لحومها،كانت أمرّ من الصّبر (4).

و فيه حكى الزّهري عن امّ سلمة قالت:ما سمعت نواح الجنّ إلاّ في الليلة الّتي قتل فيها الحسين عليه السّلام،سمعت قائلا يقول:

ألا يا عين فاختلفي بجهد و من يبكي على الشّهداء بعدي

على رهط تقودهم المنايا إلى متجبّر في ثوب عبد

فعلمت أنّ قد قتل الحسين عليه السّلام.

و قال الشّعبي:سمع أهل الكوفة قائلا يقول في الليل:

أبكي قتيلا بكربلا مضرّج الجسم بالدّماء

أبكي قتيل الطّغاة ظلما بغير جرم سوى الوفاء

أبكي قتيلا بكى عليه من ساكن الأرض و السّماء

هتك أهلوه و استحلّوا ما حرّم اللّه في الإماء

يا بأبي جسمه المعرّى إلاّ من الدّين و الحياء


1) 1)

2) 2) الشعراء:227. [2]

3) 3) نقله سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:263 [3] عن سيرة ابن هشام،و لكنه لم يوجد في السيرة،و يبعد جدّا كونه فيه،إذ لم يتعلق موضوعه بسيرة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

4) 4) تذكرة الخواص:267،269،273،274. [4]

كلّ الرزايا لها عزاء و ما لهذا الرزا عزاء

و قال الزّهري:ناحت عليه الجنّ فقالت:

خير نساء الجن يبكين شجيات و يلطمن خدودا كالدّنانير نقيّات

و يلبسن ثياب السود بعد القصبيات (1)

تذكرة الخواص:267،269،273،274. [1]

و قال:ذكر ابن سعد في(الطبقات):أنّ هذه الحمرة لم تر في السّماء قبل أن يقتل الحسين عليه السّلام (2).و قال ابن سيرين:لمّا قتل الحسين أظلمت الدّنيا ثلاثة أيّام،ثمّ ظهرت هذه الحمرة (3).

و روى مسندا عن هلال بن ذكوان قال:لمّا قتل الحسين عليه السّلام مكثنا شهرين أو ثلاثة كأنّما لطخت الحيطان بالدّم،من صلاة الفجر إلى غروب الشمس،و خرجنا في سفر فمطرنا مطرا بقي أثره في ثيابنا مثل الدّم (4).

و قال ابن سعد:ما رفع حجر في الدّنيا إلاّ و تحته دم عبيط،و لقد مطرت السّماء دما،بقي أثره في الثّياب مدّة حتّى تقطّعت (5).

و قال ابن سيرين:وجد حجر قبل مبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بخمسمائة سنة عليه مكتوب بالسّريانية،فنقلوه إلى العربية،فإذا هو:

أ ترجو امّة قتلت حسينا شفاعة جدّه يوم الحساب (6)

و قال سليمان بن يسار:وجد حجر عليه مكتوب:

لا بد أن ترد القيامة فاطمه و قميصها بدم الحسين ملطّخ

ويل لمن شفعاؤه خصماؤه و الصّور في يوم القيامة ينفخ (7)

و قال الزّهري:ما بقي منهم(ظالميه و قاتليه)أحد إلاّ و عوقب في الدّنيا،


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:267،269،273،274. [2]

3) 3) تذكرة الخواص:267،269،273،274. [3]

4) 4) تذكرة الخواص:267،269،273،274. [4]

5) 5) تذكرة الخواص:274. [5]

6) 6) تذكرة الخواص:274. [6]

7) 7) تذكرة الخواص:274. [7]

إمّا بالقتل،أو العمى،أو سواد الوجه،أو زوال الملك في مدّة يسيرة (1)

تذكرة الخواص:280. [1]

.

و حكى الواقدي عن ابن الرّماح قال:كان بالكوفة شيخ أعمى قد شهد قتل الحسين عليه السّلام،فسألناه يوما عن ذهاب بصره،فقال:كنت في القوم و كنّا عشرة،غير أنّي لم أضرب بسيف،و لم أطعن برمح،و لا رميت بسهم،فلمّا قتل الحسين عليه السّلام و حمل رأسه رجعت إلى منزلي،و أنا صحيح و عيناي كأنّهما كوكبان،فنمت تلك الليلة فأتاني آت في المنام،فقال:أجب رسول اللّه.قلت:

مالي و لرسول اللّه؟فأخذ بيدي و انتهرني و لزم تلبابي،و انطلق بي إلى مكان فيه جماعة،و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله جالس و هو مغتمّ متحيّر حاسر عن ذراعيه،و بيده سيف،و بين يديه نطع،و إذا أصحابي العشرة مذبّحين بين يديه،فسلّمت عليه، فقال:لا سلّم اللّه عليك،و لا حيّاك يا عدوّ اللّه الملعون،أما استحييت منّي تهتك حرمتي،و تقتل عترتي،و لم ترع حقّي؟قلت:يا رسول اللّه ما قاتلت.قال:نعم، و لكنّك كثّرت السّواد.قال:و أذن بطست عن يمينه فيه دم الحسين عليه السّلام،فقال:

اقعد.فجثوت بين يديه،فأخذ مرودا و أحماه،ثمّ كحل به عيني،فأصبحت أعمى كما ترون (2).

و حكى هشام بن محمّد عن القاسم بن الأصبغ المجاشي قال:لمّا اتي بالرّؤوس إلى الكوفة،إذا بفارس أحسن النّاس وجها،قد علق في لبب فرسه رأس غلام أمرد كأنّه القمر ليلة تمامه،و الفرس يمرح،فإذا طأطأ رأسه لحق الرّأس بالأرض.فقلت له:رأس من هذا؟فقال:هذا رأس العبّاس بن عليّ.قلت:

و من أنت؟قال:حرملة بن كاهل الأسدي.فلبثت أيّاما و إذا بحرملة و وجهه أشد سوادا من القار.فقلت له:لقد رأيتك يوم حملت الرّأس،و ما في العرب أنضر


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:281. [2]

وجها منك،و ما أرى اليوم أقبح و أسود وجها منك؟فبكى،و قال:و اللّه منذ حملت الرّأس إلى اليوم،ما تمرّ عليّ ليلة إلاّ و اثنان يأخذان بضبعي،ثمّ ينتهيان بي إلى نار تأجج فيدفعاني فيها،و أنا أنكص فتسعفني كما ترى.ثمّ مات على أقبح حال (1)

تذكرة الخواص:281. [1]

.

و في(يتيمة الدهر)للثعالبي في أبي القاسم عليّ بن بشر:قال لي محمّد بن عمر الزّاهر:أخبرني ابن بشر أنّه كان له جدّ لام يعرف بكولان،و كان هو من أهل الأدب و الكتابة و حسن الشعر و الخطابة،قال لي:حججت سنة من السّنين و جاورت بمكّة-حرسها اللّه-فاعتللت علّة تطاولت بي و ضاق معها خلقي،ثمّ صلحت منها بعض الصّلاح،ففكّرت في أنّني عملت في أهل البيت تسعا و أربعين قصيدة مدحا فقلت:أكملها خمسين.ثمّ ابتدأت فقلت:

بني أحمد يا بني أحمد

ثمّ ارتج عليّ،فلم أقدر على زيادة،فعظم ذلك عليّ،و اجتهدت في أن أكمل البيت فلم أقدر،فحدث لي من الغمّ بهذه الحالة ما زاد على غمّي بإضاقتي و علّتي،فنمت اهتماما بالحال،فرأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فجئت إليه فشكوت إليه ممّا أنا فيه من الإضاقة و ما أجده من العلّة،و اخرى من القلّة،فقال لي:تصدّق يوسّع عليك،و صم يصحّ جسمك.فقلت له:يا رسول اللّه و أعظم ممّا شكوته إليك أنّني رجل شاعر أتشيّع،و أخصّ بالمحبّة ولدك الحسين عليه السّلام،و تداخلني له رحمة لما جرى عليه من القتل،و كنت قد عملت في أهل بيتك تسعا و أربعين قصيدة،فلمّا خلوت بنفسي في هذا الموضع حاولت أن أكملها خمسين،فبدأت قصيدة قلت فيها مصراعا و ارتج عليّ إجازته،و نفر عنّي كلّ ما كنت أعرفه، فما أقدر على قول حرف.قال:فقال لي قولا نحا فيه إلى أنّه ليس هذا إلي،لقول


1) 1)

اللّه تعالى: «وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ» (1)

يس:69. [1]

.ثمّ قال لي:اذهب إلى صاحبك-و أومأ بيده الشريفة إلى ناحية من نواحي المسجد-و أمر رسولا أن يمضي بي إلى حيث أومأ،فمضى بي الرّسول على ناس معهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،فقال له الرّسول:أخوك وجّه إليك بهذا الرّجل فاسمع ما يقوله.قال:

فسلّمت عليه و قصصت عليه قصّتي كما قصصت على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال لي:

فما المصراع؟قلت:

بني أحمد يا بني أحمد

فقال للوقت قل:

............ بكت لكم عمد المسجد

بيثرب و اهتزّ قبر النّبيّ أبي القاسم السّيد الأصيد

و أظلمت الافق افق البلاد و ذرّ على الأرض كالإثمد

و مكّة مادت ببطحائها لإعظام فعل بني الأعبد

و مال الحطيم بأركانه و ما بالبنيّة من جلمد

و كان وليّكم خاذلا و لو شاء كان طويل اليد

(2)و روى(أمالي الشيخ)قبل مجلسه الأخير عن جارية بني محلم،قالت: كان عندنا رجل خرج على الحسين عليه السّلام،ثمّ جاء بجمل و زعفران،فلمّا دقّوا الزعفران صار نارا،فجعلت المرأة تأخذ منه الشّيء فتلطخه على يدها فيصير منه برص،و نحروا البعير،فكلّما جزّوا بالسّكين صار مكانها نارا،فجعلوا يسلخونه فيصير مكانه نارا،فقطّعوه فخرج منه النّار،و كلّما جعلوا في القدر فارت القدر نارا،فجعلوه في الجفنة فصار نارا،و كنت صبية يومئذ فأخذت


1) 1)

2) 2) يتيمة الدهر 1:406. [2]

عظما منه،فطيّنت عليه فسقط فاخترناه نصنع منه اللّعب،فلمّا جززناه بالسّكّين خرج عن مكانه نار،فعرفنا أنّه ذلك العظم فدفناه (1)

أمالي الطوسي 2:336 المجلس 25. [1]

.

و في(تذكرة السبط)أيضا:جاء ابن زياد منزل الموصل في ثلاثين ألفا، فجهّز إليه المختار إبراهيم بن الأشتر في ثلاثة آلاف و قيل في سبعة آلاف، و ذلك في سنة سبع و ستّين،فالتقى بابن زياد فقتله على الزّاب،و كان من غرق من أصحابه أكثر ممّن قتل (2).

و ذكر ابن جرير عن إبراهيم بن الأشتر أنّه قال:قتلت رجلا شممت منه رائحة المسك على شاطي نهر جاذر،ضربته فقددته نصفين،و بعث ابن الأشتر برأس ابن زياد إلى المختار،فجلس في القصر و القيت الرءوس بين يديه،فألقاها في المكان الّذي وضع فيه رأس الحسين عليه السّلام و أصحابه،و نصب المختار رأس ابن زياد في المكان الّذي نصب فيه رأس الحسين عليه السّلام،ثمّ ألقاه في اليوم الثّاني في الرّحبة مع الرءوس (3).

قال عمّار بن عمير:فبينا أنا واقف عند الرءوس بالكناسة إذ قال النّاس:

قد جاءت،قد جاءت،فإذا حيّة عظيمة تتخلّل الرّؤوس،حتّى دخلت في منخري ابن زياد و خرجت فغابت ساعة،ثمّ عادت ففعلت كذلك.و قيل:إنّما فعلت الحيّة ذلك بالقصر بين يدي المختار،فقال المختار:دعوها،دعوها.و في رواية فعلت ذلك ثلاثة أيّام (4).

و في(معارف الصّاحب بن عبّاد):كان سبب موت يزيد أنّه سكر فقام يرقص،فسقط على رأسه فبدا دماغه (5).


1) 1)

2) 2) تذكرة ابن الجوزي:286،و [2]روى الأخير الطبري في تاريخه 4:555 سنة 67. [3]

3) 3) تذكرة ابن الجوزي:286،و [4]روى الأخير الطبري في تاريخه 4:555 سنة 67. [5]

4) 4) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:286.

5) 5) لم أظفر بمصدر نقله.

و في(حياة الحيوان)للدّميري:قال أبو القاسم الأصبهاني في(الترغيب و التّرهيب):قال قيس بن عبادة:بلغني أنّ الوحش كانت تصوم عاشوراء.

و قال الفتح بن سخرب-و كان من الزّهاد-:كنت افتّت للنمل خبزا في كلّ يوم فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله (1)

حياة الحيوان للدميري 2:392 [1] مادة(وحش).

.

و من عظم مصيبته سمّي يوم التاسع من محرم بتاسوعاء،لأنّه اليوم الّذي حوصر عليه السّلام فيه،و سمّي يوم عاشره بعاشوراء،لأنّه اليوم الّذي قتل فيه، قال ابن دريد في(جمهرته):و عاشوراء يوم سمّي في الإسلام و لم يعرف في الجاهليّة (2).

و قال الفيروز آبادي في(قاموسه):إنّ تاسوعاء محدث (3).

و في(مناقب الكنجي الشّافعي)عن أبي قبيل قال:لمّا قتل الحسين عليه السّلام انكسفت الشّمس كسفة،حتّى بدت الكواكب نصف النّهار،حتّى ظننّا أنّها هي (4).

و عن الزّهري:قال عبد الملك لي:أي واحد أنت إن أخبرتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين بن عليّ؟قلت:لم ترفع حصاة في بيت المقدس إلاّ وجد تحتها دم عبيط.فقال لي عبد الملك:إنّي و إيّاك في هذا الحديث قرينان (5).

و روى:أنّه لمّا اجتزوا رأس الحسين عليه السّلام قعدوا في أوّل مرحلة يشربون و يتبجّحون بالرّأس،فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب بسطر دم:


1) 1)

2) 2) جمهرة اللغة لابن دريد 2:343 [2] مادة(عشر).

3) 3) القاموس المحيط 3:9 مادة(تسع)،و نصه:«و التاسوعاء قبل يوم عاشوراء مولّد».

4) 4) كفاية الطالب للكنجي:296.

5) 5) كفاية الطالب للكنجي:296.

أ ترجو امّة قتلت حسينا شفاعة جدّه يوم الحساب (1)

كفاية الطالب للكنجي:291.

و روى عن ابن سيرين أنّه قال:لم تبك السّماء على أحد بعد يحيى إلاّ على الحسين عليه السّلام (2).

و روى:أنّه لمّا اجري الماء على قبر الحسين عليه السّلام نضب الماء بعد أربعين يوما،و امتحى أثر القبر،فجاء أعرابي من بني أسد،فجعل يأخذ قبضة قبضة من التّراب و يشمّه،حتّى وقع على القبر،فبكى و قال:بأبي أنت و امّي، ما كان أطيبك حيّا و أطيب تربتك ميّتا.ثمّ أنشأ يقول:

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه و طيب تراب القبر دلّ على القبر (3)

و في(مقاتل أبي الفرج):كان السّبب في كرب(المتوكّل)قبر الحسين عليه السّلام:أنّ بعض المغنّيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنّين له إذا شرب،فلمّا وليها بعث إلى تلك المغنية فعرف أنّها غائبة،و كانت قد زارت قبر الحسين عليه السّلام،و بلغها خبره فأسرعت الرّجوع،و بعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها،فقال لها:أين كنتم؟قالت:خرجت مولاتي إلى الحجّ، و أخرجتنا معها-و كان ذلك في شعبان-فقال:إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت:إلى قبر الحسين عليه السّلام.فاستطير غضبا،و أتى بمولاتها فحبست و استصفى أملاكها،و بعث برجل من أصحابه يقال له:الدّيزج-و كان يهوديّا فأسلم-إلى قبر الحسين عليه السّلام،و أمره بكرب قبره و محوه،و إخراب كلّ ما حوله،فمضى لذلك و خرب ما حوله و هدم البناء،و كرب ما حوله نحو مائتي جريب،فلمّا بلغ إلى قبره لم يتقدّم إليه أحد،فأحضر قوما من اليهود فكربوه،


1) 1)

2) 2) كفاية الطالب للكنجي:289.

3) 3) كفاية الطالب للكنجي:293.

و أجرى الماء حوله،و وكّل به مسالح،بين كلّ مسلحتين ميل،لا يزوره زائر إلاّ أخذوه،و وجّه به إليه.

فحدّثني محمّد بن الحسين الأشناني قال:بعد عهدي بالزّيارة في تلك الأيّام خوفا،ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها،و ساعدني رجل من العطّارين على ذلك،فخرجنا زائرين نكمن بالنّهار و نسير الليل،حتّى أتينا نواحي الغاضرية،و خرجنا منها نصف الليل،فسرنا بين مسلحتين و قد ناموا حتّى أتينا القبر،فخفي علينا فجعلنا نشمّه و نتحرّى جهته،حتّى أتيناه و قد قلع الصّندوق الّذي كان حواليه،و احرق و اجري الماء عليه،فانخسف موضع اللّبن و صار كالخندق،فزرناه و أكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها كشيء من الطّيب،فقلت للعطّار الّذي كان معي:أيّ رائحة هذه؟فقال:بلى و اللّه ما شممت مثلها كشيء من العطر.فودّعناه،و جعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع،فلمّا قتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيّين و الشّيعة، حتّى صرنا إلى القبر،فأخرجنا تلك العلامات و أعدناه إلى ما كان عليه (1)

المقاتل لأبي الفرج:395.

.

و روى(أمالي ابن الشّيخ)عن يوحنا المتطبب النّصراني قال:وجّه إليّ سابور الكبير الخادم الرّشيدي في الليل،فصرت إليه،فمضى و أنا معه حتّى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي،فوجدناه زائل العقل متّكئا على و سادة،و إذا بين يديه طست فيه حشو جوفه،و كان الرّشيد أحضره من الكوفة،فقال سابور لخادم له:ما خبره؟قال:كان من ساعته جالسا و حوله ندماؤه،و هو من أصحّ النّاس جسما،إذ جرى ذكر الحسين عليه السّلام فقال موسى:

إنّ الرّافضة لتغلو فيه حتّى إنّهم-في ما عرفت-يجعلون تربته دواء.فقال له رجل هاشمي:قد كان لي علّة غليظة فتعالجت بكلّ علاج،فما نفعني حتّى


1) 1)

وصف لي كاتبي أن آخذ من هذه التّربة،فأخذت فنفعني اللّه بها.قال موسى:

فبقي عندك منها شيء؟قال:نعم.فوجّه من جاء منها بقطعة،فناولها موسى، فأخذها و استدخلها دبره استهزاء،فما هو إلاّ أن استدخلها حتّى صاح:النّار النّار،الطّست الطّست.فجئناه بطست فأخرج فيها ما ترى.فقال لي سابور:

انظر هل ترى من حيلة.فدعوت بشمعة،فإذا كبده و طحاله و ريته و فؤاده خرج منه في الطّست.فقال:ما لأحد حيلة إلاّ أن يكون عيسى الّذي كان يحيي الموت.

فمات في السّحر.و كان يوحنّا يزور قبر الحسين عليه السّلام،و هو على دينه،ثمّ أسلم و حسن إسلامه (1)

أمالي الطوسي 1:327 المجلس 11. [1]

.

هذا،و في معنى قوله عليه السّلام: «فإنّني أنفس بهذين على الموت» قول الشاعر:

فإنّي بالجموح و ام بكر و دولح فاعلموا حجؤ ضنين

«لئلا ينقطع بها نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله» قال ابن أبي الحديد:فإن قلت:أ يجوز أن يقال للحسن و الحسين و ولدهما أبناء رسول اللّه؟قلت:نعم،لأنّ اللّه تعالى سمّاهم أبناءه في قوله: «نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (2).و إنّما عنى الحسن و الحسين-إلى أن قال-فإن قلت:أتقول:إنّ ابن البنت ابن على الحقيقة الأصلية أم على سبيل المجاز؟قلت:لذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة أصلية،لأنّ أصل الإطلاق الحقيقة،و قد يكون اللّفظ مشتركا بين مفهومين،و هو في أحدهما أشهر،و لا يلزم من كونه أشهر في أحدهما ألاّ يكون حقيقة في الآخر.و لذاهب أن يذهب إلى كونه مجازا قد استعمله الشّارع،فجاز إطلاقه في كلّ حال، و استعماله كساير المجازات المستعملة.و ممّا يدل على اختصاص ولد


1) 1)

2) 2) آل عمران:61. [2]

فاطمة عليها السّلام دون بني هاشم كافّة بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه ما كان يحلّ له أن ينكح بنات الحسن و الحسين عليهما السّلام-إلى أن قال-فإن قلت:قال الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

و قال حكيم العرب أكثم بن صيفي:«البنات يلدن الأعداء،و يورثن البعداء»قلت:إنّما قال الشّاعر ما قاله على المفهوم الأشهر،و ليس في قول أكثم ما يدلّ على نفي بنوّتهم (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:9. [1]

.

قلت:تحقيق المقام أنّ كون الحسن و الحسين عليهما السّلام ابني الرّسول صلّى اللّه عليه و آله ممّا شهد به الكتاب و السّنة و إجماع الامّة.أمّا الكتاب فقوله تعالى: «أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (2)،و أمّا السنّة فالأخبار المتواترة الّتي مرّ بعضها من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لكلّ منهما«ابني»و«هما ابناي» (3)،و أمّا إجماع الامّة فخطاب المؤالف و المخالف لهما بابن رسول اللّه،حتّى إنّ يزيد لمّا كان ينكت بقضيبه على ثنايا الحسين عليه السّلام قال-بعد تمثله بأبيات ابن الزبعرى في يوم احد في قتلهم سبعين من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،في قبال سبعين منهم قتلوا ببدر:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل

إنشاء من نفسه-:

لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل

و حتّى إنّ هارون الرّشيد لم يستطع الرّد على الكاظم عليه السّلام في كونه ابن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله،مع كونه في مقام الرّد،ففي(مقاتل أبي الفرج الأصبهاني):لمّا حجّ الرّشيد و نزل المدينة اجتمع بنو هاشم و أبناء المهاجرين و الأنصار


1) 1)

2) 2) آل عمران:61. [2]

3) 3) مرّ في مواضع في هذا العنوان.

و باقي الوجوه-و كان فيهم موسى بن جعفر عليه السّلام-فقال لهم الرّشيد:قوموا إلى زيارة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله.ثمّ نهض معتمدا على يد أبي الحسن موسى عليه السّلام حتّى انتهى إلى القبر،فقال:السّلام عليك يا رسول اللّه،السّلام عليك يابن عمّ.

افتخارا على قبائل العرب الّذين حضروا معه،و استطالة عليهم بالنّسب.فنزع أبو الحسن موسى عليه السّلام يده من يده،ثمّ تقدّم فقال:السّلام عليك يا رسول اللّه، السّلام عليك يا أبتاه.فتغيّر وجه الرّشيد ثمّ قال:يا أبا الحسن إنّ هذا لهو الفخر الجسيم (1)

لم يوجد في مظانّه من مقاتل الطالبيين،لكن الحديث مشهور رواه المدائني عنه تذكرة الخواص:350،و غيره. [1]

.

و أمّا وجه كونهما ابنيه صلّى اللّه عليه و آله فهو خصوصيّة تتفرّع على كون أمير المؤمنين عليه السّلام بمنزلة نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،كما أفصح عنه قوله تعالى:

«وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (2)،قال المأمون-كما روى المرتضى في(فصوله)- للرضا عليه السّلام:أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السّلام يدلّ عليها القرآن.

فقال عليه السّلام:فضيلته في المباهلة،قال جلّ جلاله: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (3).فدعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الحسن و الحسين عليهما السّلام فكانا ابنيه،و دعا فاطمة عليها السّلام فكانت في هذا الموضع نساءه، و دعا أمير المؤمنين عليه السّلام فكان نفسه بحكم اللّه عزّ و جلّ.فقال له المأمون:

أ ليس قد ذكر اللّه الأبناء بلفظ الجمع،و انّما دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ابنيه خاصة،و ذكر النساء بلفظ الجمع،و إنّما دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ابنته وحدها،فلم لا جاز أن يذكر الدّعاء لمن هو نفسه،و يكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره،فلا يكون لأمير المؤمنين عليه السّلام ما ذكرت من الفضل؟فقال له الرّضا عليه السّلام:ليس بصحيح


1) 1)

2) 2) آل عمران:61. [2]

3) 3) آل عمران:61. [3]

ما ذكرت،و ذلك أنّ الدّاعي إنّما يكون داعيا لغيره،كما يكون الآمر آمرا لغيره، و لا يصحّ أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة،كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، و إذ لم يدع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله رجلا في المباهلة إلاّ أمير المؤمنين عليه السّلام،فقد ثبت أنّه نفسه الّتي عناها تعالى في كتابه،و جعل حكمه ذلك في تنزيله.فقال المأمون:

إذا ورد الجواب سقط السؤال (1)

الفصول المختارة للمرتضى:17 و [1]النقل بتقطيع.

،فإذا كان أمير المؤمنين عليه السّلام بمنزلة نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنصّ القرآن،يكون ابنا أمير المؤمنين عليه السّلام ابني النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

و يشهد لما قلنا ما رواه المسعودي في(مروجه)في أخبار الحسن عليه السّلام، مسندا عن عبّاس بن عبد المطلب،قال:كنت عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذ أقبل عليّ عليه السّلام فلمّا رآه أسفر في وجهه،فقلت:يا رسول اللّه إنّك لتسفر في وجه هذا الغلام.

فقال:يا عمّ رسول اللّه و اللّه للّه أشدّ حبّا له منّي،إنّه لم يكن نبيّ إلاّ و ذريّته الباقية بعده من صلبه،و إنّ ذريتي بعدي من صلب هذا،إنّه إذا كان يوم القيامة دعي النّاس بأسمائهم و أسماء امّهاتهم سترا من اللّه عليهم،إلاّ هذا و شيعته فإنّهم يدعون بأسمائهم و أسماء آبائهم لصحّة ولادتهم (2).

و روى(الكافي):أنّ ابن غيلان المدائني قال للرّضا عليه السّلام:بلغني أنّه من كان له حمل فنوى أن يسمّيه محمّدا ولد له غلام.فقال عليه السّلام:من كان له حمل فنوى أن يسمّيه عليّا ولد له غلام.ثم قال:(عليّ محمّد)و(محمّد عليّ)شيئا واحدا (3).

و ما رواه الخطيب في(تاريخه)في عنوان(عثمان بن محمّد بن إبراهيم المعروف بابن أبي شيبة)في أسناد عن فاطمة عليها السّلام،قالت:قال رسول


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 2:428. [2]

3) 3) الكافي للكليني 6:11 ح 2 [3] ضمن حديث.

اللّه صلّى اللّه عليه و آله:كلّ بني آدم ينتمون إلى عصبتهم إلاّ ولد فاطمة،فأني أنا أبوهم،و أنا عصبتهم.

و في خبر آخر عنها أيضا،قالت:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:كل بني آدم ينتمون إلى عصبته غير ولد فاطمة،فأنا أبوهم و أنا عصبتهم (1)

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 11:285. [1]

.

و إلاّ فالانتساب إنّما هو إلى الأب،فالهاشمي و الاموي من كان منتسبا بالأب إلى هاشم و اميّة لا ريب في ذلك،و يشهد له أخبار الخاصّة و العامّة فضلا عن العرف،روى ابن عبد البرّ في(استيعابه):أنّ وفد كندة لمّا قدموا على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له أبو الخير-و اسمه جفشيش-:أنتم منّا يا بني هاشم.

فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:كذبتم،نحن بنو النّضر بن كنانة،لا نقفو امنّا و لا ننتفي من أبينا (2).

هذا،و نسل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الحسن و الحسين عليهما السّلام ابني أمير المؤمنين عليه السّلام بعدد أسباط بني إسرائيل،ستّة من الحسن عليه السّلام:واحد من ابنه زيد،و خمسة من ابنه الحسن المثنّى،و ستّة من الحسين عليه السّلام من ابنه السجّاد عليه السّلام.

روى الحسن بن سعيد العسكري-كما في(الخصال)-عن الرّضا عليه السّلام قال:إنّ اللّه تعالى أخرج من إسرائيل-و هو يعقوب-اثني عشر سبطا،و نشر من الحسن و الحسين عليهما السّلام اثني عشر سبطا-إلى أن قال بعد عدّ الاثني عشر من ولد يعقوب-أمّا الحسن عليه السّلام فانتشر منه ستّة أبطن:بنو الحسن بن زيد بن الحسن،و بنو عبد اللّه بن الحسن بن الحسن،و بنو إبراهيم بن الحسن بن الحسن،و بنو الحسن بن الحسن بن الحسن،و بنو داود بن الحسن بن


1) 1)

2) 2) الاستيعاب لابن عبد البر 1:266. [2]

الحسن،و بنو جعفر بن الحسن بن الحسن-إلى أن قال-في بني الحسين عليه السّلام بنو محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام بطن،و بنو عبد اللّه بن عليّ الباهر،و بنو زيد بن علي،و بنو الحسين بن علي،و بنو عمر بن عليّ،و بنو عليّ بن عليّ (1)

الخصال للصدوق:465 ح 5 و [1]النقل بتقطيع.

.

و في(عمدة الطالب):قد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:سيكون من ولدي عدد نقباء بني إسرائيل (2).و من ولد زيد بن الحسن:عبد العظيم الجليل المدفون بالرّي،و منهم الدّاعي الكبير،و الدّاعي الصّغير،و منهم الملقب ب‍(گيسو دراز)و الملقّب ب‍(گلستانه)،ذكر تفصيلهم في(عمدة الطالب) (3).

و من بني عبد اللّه بن الحسن المثنى-و يقال لعبد اللّه:المحض-محمّد و إبراهيم اللذان خرجا على المنصور،و يحيى صاحب الديلم الّذي خرج على الرّشيد،و موسى الجون،و في(تاريخ بغداد):خرج يوما من عند الرّشيد فعثر بالبساط،فضحك الخدم و ضحك الجند.فالتفت إلى هارون و قال:إنّه ضعف صوم لا ضعف سكر (4).

و في موسى الجون في الحسنيّين العدد،كما في موسى الكاظم عليه السّلام في الحسينيّين،و من بنيه الأمير أبو جعفر محمّد بن محمّد الثّائر،أوّل من ملك مكّة من بني موسى،و هم مبدأ تمكن الأشراف من حكومتها،و كان ذلك بعد سنة(340)قتل حاكم مكّة انكجوار التركي من قبل العزيز الفاطمي.

و من بني إبراهيم بن الحسن المثنى-و يقال لإبراهيم:الغمر-محمّد بن إبراهيم الّذي يقال له الدّيباج الأصفر،و لمّا اتى به المنصور قال له:أنت ديباج الأصفر؟قال:نعم.قال:أما و اللّه لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحدا من أهل بيتك.ثمّ


1) 1)

2) 2) عمدة الطالب للحسني:68. [2]

3) 3) عمدة الطالب:69،173. [3]

4) 4) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13:27 و [4]النقل بتصرف.

أمر باسطوانة مبنية ففرّغت،ثم ادخل فيها،فبنيت عليه و هو حي.

و من ولده إبراهيم طباطبا،و من ولد طباطبا محمّد بن الحسين بن جعفر بن محمّد بن إبراهيم طباطبا،الّذي قال فيه(عمدة الطالب):قتله الشّراة بكرمان و صلب،فأخذتهم الزلزلة أربعين يوما،حتّى انزل عن الخشبة فسكنت (1)

عمدة الطالب:69،173. [1]

.

و من بني الحسن المثلّث الحسين بن علي،صاحب فخ المعروف صاحب القضية الفاجعة،و من ولد جعفر بن الحسن المثنى ابن الشّجري النّحوي صاحب(الأمالي).

و من بني داود بن الحسن المثنى-و داود هو الّذي ورد فيه دعاء الاستفتاح،المعروف بدعاء امّ داود-عليّ بن طاوس رضي الدّين المعروف، صاحب الكرامات،و صاحب المصنّفات الكثيرة في الأدعية و غيرها،و منها (الإقبال)،و(المهج)،و أخوه أحمد بن طاوس جمال الدّين صاحب(الرّجال)، و ابن أخيه أحمد بن عبد الكريم بن طاوس غياث الدّين النسّابة،و ابن أخيه الحسن مجد الدّين بن طاوس الّذي خرج إلى السّلطان هولاكوخان،قال في (عمدة الطالب):و صنّف له كتاب(البشارة)و سلم بواسطته الحلّة و النيل و المشهدين الشّريفين-المشهد العلوي،و المشهد الحسيني على ساكنيهما السّلام-من القتل و النّهب (2).

و أمّا الأسباط الحسينيّة فمن ولد الباهر أخي الباقر عليه السّلام محمّد الأرقط، قال في(عمدة الطالب):قال أبو نصر البخاري:من يطعن في الأرقط فلا يطعن من حيث النّسب و العقب،و إنّما يطعنون لشيء جرى بينه و بين الصّادق جعفر بن محمّد عليه السّلام،يقال:إنّه بصق في وجه الصادق عليه السّلام،فدعا عليه،فصار أرقط


1) 1)

2) 2) عمدة الطالب:190. [2]

الوجه،به نمش كريه المنظر (1)

عمدة الطالب:252. [1]

.

و منهم عبد اللّه بن أحمد الرّخي الّذي ظهر في أيّام المستعين،فاخذ و حمل إلى سامراء مع عياله فمات،و صار عياله الى الحسن العسكري عليه السّلام فبارك عليهم،و مسح يده على رأس زينب-بنته-و وهب لها خاتمه،و كان فضّة فصاغت منه حلقة،و ماتت و الحلقة في اذنها،و بلغت مائة سنة،و كانت سوداء الشعر.

و عدّ منهم نقيب النّقباء ببغداد،أيّام معزّ الدّولة أحمد بن عليّ بن محمّد الكوكبي،و الشّريف النّسابة المصنّف الحسين بن جعفر،المعروف بابن خداع.

و من ولد زيد الشهيد-و كان زيد خرج على هشام و كان هشام،قال له:

ما أنت و الخلافة و أنت ابن أمة؟فقال له:و ما يقصرك برجل أبوه رسول اللّه و هو ابن عليّ بن أبي طالب؟فقتل و صلب،و في(العمدة):وجدت عن بعضهم أنّه قال:لمّا قتل زيد بن علي و صلب رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله تلك اللّيلة مستندا إلى خشبته و هو يقول:إنّا للّه و إنّا إليه راجعون،أ تفعلون هذا بولدي؟و روى غير واحد أنّهم صلبوه مجرّدا،فنسجت العنكبوت على عورته من يومه (2)-يحيى بن زيد صاحب الصّحيفة الّذي خرج أيّام الوليد بن يزيد،فقتل-.

و منهم يحيى بن عمر الّذي خرج أيّام المستعين،فقتل و حمل رأسه إلى محمّد بن عبد اللّه بن طاهر،فجلس للتّهنئة،فدخل عليه أبو هاشم الجعفري و قال له:إنّك لتهنّأ بقتيل لو كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حيّا لعزّي فيه.فخرج و هو يقول:

يا بني طاهر كلوه مريئا إنّ لحم النّبيّ غير مريء


1) 1)

2) 2) عمدة الطالب:258. [2]

و من ولد عمر بن عليّ-و هو عمر الأشرف-النّاصر الكبير ملك الدّيلم، و النّاصر الصّغير جدّ المرتضى و الرّضي لامّهما،صاحب(النّاصريات في الفقه)الّذي شرحه المرتضى (1)

المسائل الناصريات أحد تأليفات الشريف المرتضى،مطبوع بالحجر ضمن الجوامع الفقهية بإيران،لكن ليس للناصر كتاب مسمّى بالناصريات كما يظهر من مقدّمة ناصريات المرتضى.

.

و من ولد الحسين بن علي-و هو الحسين الأصغر-عليّ المرعش ابن عبيد اللّه بن محمّد بن الحسن بن الحسين الأصغر،جدّ السّادات المرعشية.

و من ولده المنقديّون ملوك الرّي،و من ولده العقيقيّون،و من العقيقيين عليّ بن أحمد بن عليّ العقيقي،و أبوه أحمد بن عليّ العقيقي صاحبا كتاب رجال.

و من ولده الجوانيّون،و الأصل فيهم محمّد بن عبيد اللّه بن الحسين الأصغر،و ابنه الحسين بن محمّد الجواني،خرج مع الرّضا عليه السّلام إلى خراسان كما رواه الكشي (2)،و روى عن الجواد عليه السّلام النصّ على الهادي عليه السّلام كما رواه (الكافي) (3).

و من ولد عليّ بن عليّ-و هو عليّ الأصغر-الحسن الأفطس،قال في (العمدة):قال أبو نصر البخاري:كان بين الأفطس و بين الصادق عليه السّلام كلام، فتوجّه الطّعن عليه لذلك لا لشيء في نسبه (4).

و قال أبو الحسن العمري:كان صاحب راية محمّد بن عبد اللّه،و لمّا قتل النّفس الزّكية محمّد بن عبد اللّه اختفى الحسن الأفطس،فلمّا دخل جعفر


1) 1)

2) 2) معرفة الرجال للكشي،اختياره:506 ح 973.

3) 3) الكافي للكليني 1:325 ح 3،و [1]الظاهر أنّ هذا الحديث لم يوجد في نسخ الكافي إلاّ في نسخة الصفواني،فراجع ذيل الحديث في الكافي،و جامع الرواة للأردبيلي 2:441. [2]

4) 4) عمدة الطالب:339. [3]

الصّادق عليه السّلام العراق و لقي أبا جعفر المنصور قال له:تريد أن تسدي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يدا؟قال:نعم يا أبا عبد اللّه.قال:تعفو عن ابنه الحسن بن عليّ بن عليّ.فعفا عنه (1)

عمدة الطالب:339. [1]

.

و قال أبو نصر البخاري:سمعت جماعة يقولون:إنّ الصادق عليه السّلام كان يوصي لجماعة من عشيرته عند موته،فأوصى للأفطس الحسن بن علي بن علي بثمانين دينارا،فقالت له عجوز في البيت:أتأمر له بذلك و قد قعد لك بخنجر في البيت يريد أن يقتلك؟فقال:أ تريدين أن أكون ممّن قال اللّه تعالى:

«وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» (2)؟لأصلنّ رحمه و إن قطع،اكتبوا له بمائة دينار.قال البخاري:و هذه شهادات قاطعة من الصّادق عليه السّلام أنّه ابن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (3).

و ابنه عبد اللّه بن الحسن-خرج مع الحسين بن عليّ-صاحب فخ،فأخذه الرّشيد و حبسه عند جعفر البرمكي،قال في(العمدة):فأمر جعفر ليلة النيروز بقتله و حزّ رأسه،و أهداه إلى الرّشيد في جملة هدايا النّيروز (4).

و منهم تاج الدّين بن مجد الدّين محمد بن الحسين الّذي كان في أوّل أمره واعظا،و اعتقده السلطان اولجايتو محمّد و ولاّه نقابة نقباء الممالك بأسرها:العراق و الرّي و خراسان و فارس و سائر ممالكه،و عانده وزيره رشيد الدّين،إلى أن قتله مع ولديه:شمس الدّين و شرف الدّين في سنة(711)، و أظهر عوام بغداد و الحنابلة التّشفي بالسيّد تاج الدّين،فقطّعوه قطعا،و أكلوا لحمه،و نتفوا شعره،و بيعت الطّاقة من شعر لحيته بدينار،فغضب السّلطان


1) 1)

2) 2) البقرة:27. [2]

3) 3) عمدة الطالب للسيد الحسني:34. [3]

4) 4) عمدة الطالب:348. [4]

و أمر أن يركب قاضي الحنابلة على حمار أعمى مقلوبا،يطاف به في أسواق بغداد و شوارعها،و أن لا يكون من الحنابلة قاض.

و من ولده أيضا الحسن بن عليّ بن الحسين المدائني الّذي كان خليفة أبي عبد اللّه بن الدّاعي على النّقابة،و كان له أحد و عشرون ولدا،كلّ منهم اسمه عليّ،لا يفرّق بينهم إلاّ بالكنى.

و أمّا ولد محمّد الباقر عليه السّلام فمنهم يكمل الأئمة الاثني عشر،الّذين لا يحتاج أحد منهم إلى وصف،كما لا يحتاج الشّمس و القمر،روى محمّد بن بابويه في(عيونه)قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«الإيمان إقرار باللّسان و معرفة بالقلب، و عمل بالأركان»عن الرّضا عليه السّلام عن أبيه الكاظم عليه السّلام عن أبيه الصّادق عليه السّلام عن أبيه الباقر عليه السّلام عن أبيه زين العابدين عليه السّلام عن أبيه الحسين سيّد شباب أهل الجنّة عليه السّلام عن أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام عنه صلّى اللّه عليه و آله،ثمّ روى عن حمزة ابن محمّد العلوي عن عبد الرّحمن بن أبي حاتم عن أبيه قال:لو قرئ هذا الأسناد على مجنون لبرأ (1)

عيون الاخبار للصدوق 1:178 ح 5. [1]

.

و روى قوله صلّى اللّه عليه و آله أيضا:«الإيمان قول و عمل»عن أبي الصّلت عن الرّضا عليه السّلام عن آبائه الكاظم عليه السّلام ثمّ الصّادق عليه السّلام ثمّ الباقر عليه السّلام ثمّ السّجاد عليه السّلام ثمّ السّبط عليه السّلام ثمّ أمير المؤمنين عليه السّلام عنه صلّى اللّه عليه و آله ثمّ روى عن محمّد بن عبد اللّه بن طاهر:أنّ أحمد بن حنبل لمّا سمعه من أبي الصّلت قال له:

ما هذا الأسناد؟فقال له أبوه عبد اللّه بن طاهر ذي اليمينين:هذا سعوط المجانين إذا سعط به المجنون أفاق (2).

و روى:أنّ المأمون لمّا جعل الرّضا عليه السّلام ولي عهده صعد المنبر،و قال:


1) 1)

2) 2) عيون الاخبار للصدوق 1:179 ح 6،و 2:14 [2]5 ح 18،و:142 ح 10.

جاءتكم بيعة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام،و اللّه لو قرئت هذه الأسماء على الصّمّ البكم لبرؤوا بإذن اللّه عزّ و جلّ (1)

عيون الاخبار للصدوق 1:179 ح 6،و 2:14 [1]5 ح 18،و:142 ح 10.

.

و روى أيضا:أنّ عبد اللّه بن مطرف بن ماهان دخل يوما على المأمون و عنده الرّضا عليه السّلام،فقال له:ما تقول في أهل البيت؟فقال:ما قولي في طينة عجنت بماء الرّسالة،و شجرة غرست بماء الوحي؟هل ينفح منه إلاّ مسك الهدى و عنبر التّقى؟!فدعا المأمون بحقّة فيها لؤلؤ فحشا فاه (2).

و في(تذكرة السّبط)عن(فضائل أحمد بن حنبل)عن عليّ بن ربيعة قال:لقيت زيد بن أرقم فقلت له:هل سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:تركت فيكم الثّقلين،واحد منهما أكبر من الآخر؟قال:نعم،سمعته يقول:تركت فيكم الثقلين:كتاب اللّه حبل ممدود بين السّماء و الأرض،و عترتي أهل بيتي،ألا إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض،ألا فانظروني كيف تخلّفوني فيهما (3)؟ و روى أيضا عن(فضائله)عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:النجوم أمان لأهل السّماء،فإذا ذهب النّجوم ذهب أهل السماء،و أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض (4).

و روى أيضا عن صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال:قام فينا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله خطيبا بماء يدعى خما،بين مكّة و المدينة،فحمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و ذكّر، ثم قال:أمّا بعد ألا أيّها النّاس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فاجيب، و أنا تارك فيكم ثقلين:أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى و النّور،فخذوا بكتاب اللّه


1) 1)

2) 2) عيون الاخبار للصدوق 1:179 ح 6،و 2:14 [2]5 ح 18،و:142 ح 10.

3) 3) تذكرة الخواص:322. [3]

4) 4) تذكرة الخواص:323. [4]

و استمسكوا به.فحثّ على كتاب اللّه و رغّب فيه،ثمّ قال:و أهل بيتي اذكّركم اللّه في أهل بيتي،اذكّركم اللّه في أهل بيتي،اذكّركم اللّه في أهل بيتي (1)

أخرجه مسلم في صحيحه 4:1873 ح 36،تذكرة الخواص:322. [1]

.

و روى(حلية أبي نعيم)في حذيفة بن أسيد مسندا عنه،قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أيّها النّاس إنّي فرطكم،و إنّكم و اردون عليّ الحوض،فإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثّقلين،فانظروا كيف تخلّفوني فيهما؟الثّقل الأكبر:كتاب اللّه سبب طرفه بيد اللّه و طرفه بأيديكم،فاستمسكوا به لا تضلّوا و لا تبدّلوا،و عترتي أهل بيتي،فإنّه قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (2).

و روى أبو الفرج في كتابه(مرج البحرين)و ابن قتيبة في(معارفه)عن أبي ذر قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، و من تخلّف عنها غرق (3).

هذا و مرّ شطر من فضائل الحسنين عليهما السّلام.

و أمّا زين العابدين عليه السّلام فروى سبط ابن الجوزي:أنّه كان إذا توضأ اصفرّ لونه فيقال:ما هذا الّذي يعتادك عند الوضوء؟فيقول:أ تدرون بين يدي من اريد أن أقف؟ (4).

و أنّه إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة،فيقال له:ما لك؟فيقول:ما تدرون لمن اريد أن اناجي (5)؟ و أنّه وقع حريق في داره و هو ساجد فقالوا:النّار النّار يابن رسول اللّه!


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء [2]لأبي نعيم 1:355.

3) 3) مرج البحرين لأبي الفرج عنه تذكرة الخواص:323،و [3]معارف ابن قتيبة:252. [4]

4) 4) تذكرة الخواص:325. [5]

5) 5) تذكرة الخواص:325. [6]

فما رفع رأسه حتّى اطفئت.فقيل له:ما الّذي ألهاك عنها؟فقال:النّار الاخرى (1)

تذكرة الخواص:325. [1]

.

و أنّه كان يستقي الماء لطهوره و لا يمكّن أحدا أن يعينه على طهوره، و يقضي ما فاته من ورده بالنّهار في الليل،و كان ورده في الليل و النهار ألف ركعة (2).

و أنّه لمّا مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة،و كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به،و يقول:صدقة السّر تطفئ غضب الرّبّ.

و كان أهل المدينة يقولون:ما فقدنا صدقة السّرّ حتّى مات عليّ بن الحسين عليه السّلام (3).

و أنّه دخل على محمّد بن اسامة بن زيد في مرضه يعوده فجعل محمّد يبكي،فقال عليه السّلام له:ما شأنك؟فقال:عليّ دين.قال:كم هو؟قال:خمسة عشر ألف دينار.فقال:هو عليّ (4).

و أنّ هشام بن إسماعيل المخزومي و الي المدينة كان يؤذيه و يشتم عليّا عليه السّلام على المنبر و ينال منه،فلمّا ولّي الوليد بن عبد الملك الخلافة عزله و أمر به أن يوقف للنّاس،قال هشام:و اللّه ما أخاف إلاّ من عليّ بن الحسين،إنّه رجل صالح يسمع قوله.فأوصى علي بن الحسين عليه السّلام أصحابه و مواليه و خاصّته أن لا يتعرضوا لهشام،ثمّ مرّ عليّ عليه السّلام في حاجته فما عرض له، فناداه هشام و هو واقف للنّاس: «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (5).

و أنّه عليه السّلام خرج يوما من المسجد فتبعه رجل فسبّه،فلحقته العبيد


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص:326. [2]

3) 3) تذكرة الخواص:327. [3]

4) 4) تذكرة الخواص:331. [4]

5) 5) تذكرة الخواص:328،و [5]الآية 124 من سورة الأنعام. [6]

و الموالي فهمّوا بالرّجل،فقال:دعوه.ثمّ قال له:ما ستر اللّه عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟فاستحى الرّجل،فألقى عليه السّلام عليه خميصة كانت عليه، و أعطاه ألف درهم،فكان الرّجل بعد ذلك إذا رآه يقول:أشهد أنّك من أولاد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:331.

.

و أنّه كان بينه عليه السّلام و بين الحسن بن الحسن بعض الأمر،فجاء الحسن إليه عليه السّلام و هو جالس في المسجد مع أصحابه،فما ترك شيئا إلاّ قاله له و عليّ عليه السّلام ساكت،و انصرف الحسن فجاء عليّ عليه السّلام في الليل إلى بابه يعتذر إليه،فخرج إليه الحسن،فالتزمه و جعلا يبكيان حتّى رحمهما من كان حاضرا، ثم قال الحسن:و اللّه لا عدت في أمر تكرهه أبدا.فقال عليّ عليه السّلام:و أنت في حلّ ممّا قلت لي (2).

و أنّه كان عنده عليه السّلام قوم فاستعجل خادما له،فأخرج شواء من التنّور، و أقبل الخادم عجلا و بيده السّفود،و بين يدي عليّ عليه السّلام ولد صغير له، فسقط السّفود على الصّغير فنشّ و مات،فبهت الخادم،فنظر إليه علي عليه السّلام و قال له:أنت لم تتعمّد هذا،أنت حرّ لوجه اللّه تعالى.ثمّ أمر بمواراة الولد (3).

و أنّه عليه السّلام كان يقول في مناجاته:إلهنا و سيّدنا و مولانا لو بكينا حتّى تسقط أشفارنا،و انتحبنا حتّى تنقطع أصواتنا،و قمنا حتّى تيبس أقدامنا، و ركعنا حتّى تنخلع أوصالنا،و سجدنا حتّى تتفقأ أحداقنا،و أكلنا تراب الأرض طول أعمارنا،و ذكرناك حتّى تكلّ ألسنتنا ما استوجبنا بذلك محو سيّئة من سيّئاتنا (4).

و أنّ هشام بن عبد الملك حجّ فاجتهد أن يستلم الحجر،فلم يمكنه من


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:326،331،332.

3) 3) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:326،331،332.

4) 4) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:326،331،332.

الزّحام،فجاء عليّ بن الحسين عليه السّلام فوقف النّاس له،و تنحّوا عن الحجر حتّى استلمه،و لم يبق عند الحجر سواه،فقال هشام:من هذا؟فقالوا:لا نعرفه.فقال الفرزدق:لكنّي أعرفه.ثم اندفع فقال:

هذا الّذي تعرف البطحاء و طأته و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم

هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم

يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

-إلى أن قال-فغضب هشام و أمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكّة و المدينة،فبعث إليه عليّ عليه السّلام بألف دينار فردّها،و قال:إنّما قلت ما قلت غضبا للّه و رسوله،فما آخذ عليه أجرا.فقال عليّ عليه السّلام:نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما خرج منّا.فقبلها الفرزدق،و هجا هشاما (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:329،324.

.

و روى المسعودي في(مروجه)أنّه اتي بعليّ بن الحسين عليه السّلام إلى مسلم بن عقبة و هو مغتاظ عليه،فتبرأ منه و من آبائه،فلمّا رآه و قد أشرف عليه ارتعد و قام له و أقعده إلى جانبه،و قال له:سلني حوائجك.فلم يسأله في أحد ممّن قدّم إلى السّيف إلاّ شفّعه فيه،ثمّ انصرف عنه،فقيل لعليّ عليه السّلام:

رأيناك تحرّك شفتيك،فما الّذي قلت؟قال:قلت:«اللّهمّ ربّ السّماوات السّبع و ما أظللن،و الأرضين السّبع و ما أقللن،ربّ العرش العظيم،ربّ محمّد و آله الطاهرين.أعوذ بك من شرّه و أدرأ بك في نحره،أسألك أن تؤتيني خيره و تكفيني شرّه».و قيل لمسلم:رأيناك تسبّ هذا الغلام و سلفه فلمّا اتي به إليك رفعت منزلته؟فقال:ما كان ذلك لرأي منّي،لقد ملىء قلبي منه رعبا (2).

و في(تذكرة السّبط):في(تذكرة ابن حمدون)قال الزّهري:حمل عبد


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 3:70. [1]

الملك عليّ بن الحسين عليه السّلام مقيّدا من المدينة،فأثقله حديدا،و وكّل به حفظة، قال:فاستأذنتهم في وداعه فأذنوا،فدخلت عليه و القيود في رجليه و الغل في يديه،فهو في قبّة فبكيت و قلت:وددت أنّي مكانك و أنت سالم.فقال:يا زهري أتظنّ أنّ ما ترى عليّ و في عنقي يكرثني؟أما لو شئت لما كان،و إنّه ليذكّرني عذاب اللّه،ثمّ أخرج رجليه من القيد،و يديه من الغل ثم قال:لا جزت معهم على ذا ميلين من المدينة.قال:فما مضت إلاّ أربع ليال،و إذا قد قدم الموكّلون الّذين كانوا معه إلى المدينة يطلبونه فما وجدوه،فسألت بعضهم فقالوا:إنّا نراه متبوعا،إنّه لنازل،و نحن حوله نرصده إذ طلع الفجر فلم نجده و وجدنا حديده.قال الزّهري:فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألني عنه فأخبرته، فقال:قد جاءني يوم فقده الأعوان فدخل عليّ فقال:ما أنا و أنت؟فقلت:أقم عندي.قال:لا احبّ.ثمّ خرج،فو اللّه لقد امتلأ قلبي منه خيفة (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:329،324.

.

و في(فصول ابن الصّبّاغ المالكي)عن أبي عبد اللّه الزّاهد قال:لمّا ولّي عبد الملك بن مروان الخلافة كتب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي:أمّا بعد فانظر دماء بني عبد المطّلب فاجتنبها،فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا و لعوا فيها لم يلبثوا إلاّ قليلا.قال:و بعث بالكتاب سرّا إلى الحجّاج،و قال له:اكتم ذلك.

فكوشف بذلك عليّ بن الحسين عليهما السّلام،فكتب من فوره إلى عبد الملك:أمّا بعد فإنّك كتبت في يوم كذا من شهر كذا إلى الحجّاج سرّا في حقّنا لبني عبد المطّلب بما هو كيت و كيت،و قد شكر اللّه لك ذلك.قال:فلمّا نظر(عبد الملك الكتاب)و تأمّل فيه وجد تاريخه موافقا لتاريخ كتابه الّذي كتبه إلى الحجّاج في اليوم و السّاعة (2).


1) 1)

2) 2) الفصول المهمّة لابن الصباغ:203،و [1]الاختصاص للمفيد:308،و النقل بتلخيص.

و روى في الجزء التاسع من(مجالس ثعلب)عن جويرية قال:ما أكل عليّ بن الحسين بقرابته من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله درهما قط (1)

مجالس ثعلب 2:426.

.

و عن طاوس قال:رأيت عليّ بن الحسين ساجدا في الحجر،فقلت:

رجل صالح من أهل بيت طيب،لأسمعن ما يقول.فأصغيت إليه فسمعته يقول:

«عبيدك بفنائك،مسكينك بفنائك،سائلك بفنائك،فقيرك بفنائك»فو اللّه ما دعوت بها في كرب قطّ إلاّ كشف عنّي (2).

و يأتي خبر جابر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه يولد من الحسين مولود اسمه عليّ إذا كان يوم القيامة نادى منادي:ليقم سيّد العابدين.فيقوم ولده (3).

و في(عمدة الطالب)قال الجاحظ في رسالة له صنّفها في فضائل بني هاشم:و أمّا عليّ بن الحسين بن علي فلم أر الخارجي في أمره إلاّ كالشّيعي، و لم أر الشّيعيّ إلاّ كالمعتزلي،و لم أر المعتزلي إلاّ كالعامّي،و لم أر العامي إلاّ كالخاصّي،و لم أجد أحدا يتمارى في تفضيله و يشكّ في تقديمه (4).

و في(تاريخ الطبري):في كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن عليه السّلام:و ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل من عليّ بن الحسين عليه السّلام (5).

و روى في(ذيل تاريخه)عن يزيد بن عياض قال:أصاب الزّهري دما خطأ فخرج و ترك أهله،و ضرب فسطاطا،و قال:لا يظلّني سقف بيت.فمرّ به عليّ بن الحسين عليه السّلام فقال:يابن شهاب قنوطك أشدّ من ذنبك،فاتّق اللّه


1) 1)

2) 2) مجالس ثعلب 2:426.

3) 3) انظر ما نقل في تذكرة الخواص:337 [1] عن المدائني الذي يأتي عن قريب.

4) 4) عمدة الطالب للحسني:194 [2] عن فضائل بني هاشم للجاحظ،و نقله عن هذا الكتاب للجاحظ القندوزي في ينابيع المودة:153 بفرق كثير.

5) 5) تاريخ الطبري 4:198 سنة 145. [3]

و استغفره و ابعث إلى أهله بالدية،و ارجع إلى أهلك.و كان الزّهري يقول:عليّ بن الحسين عليه السّلام أعظم النّاس عليّ منّة (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:119. [1]

.

و روى عن هشام بن عروة قال:كان عليّ بن الحسين عليه السّلام يخرج على راحلته إلى مكّة و يرجع لا يقرعها (2).

و أمّا الباقر عليه السّلام فقالوا في(مفاخرات هاشم و اميّة)و قد نقله ابن أبي الحديد:منه،و من ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه،و هو الملقّب بالباقر،باقر العلم، لقّبه به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لم يخلق بعد،و بشّر به،و وعد جابر بن عبد اللّه الأنصاري برؤيته و قال:ستراه طفلا،فإذا رأيته فأبلغه عنّي السّلام.فعاش جابر حتّى رآه،و قال له ما وصاه به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله (3).

و في كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللّه المحض،جوابا عن كتابه الّذي كتب إليه،يفتخر بأنّه ليس في امّهاته ام ولد-و قد رواه الطبري-:و ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل من عليّ بن حسين عليه السّلام و هو لامّ ولد، و لهو خير من جدّك حسن بن حسن،و ما كان فيكم بعده مثل ابنه محمّد بن عليّ (4).

و في(تذكرة سبط ابن الجوزي)قال عطا:ما رأيت العلماء عند أحد منهم،أصغر علما منهم عند أبي جعفر عليه السّلام،لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب،و يعنى بالحكم الحكم بن عتبة،و كان عالما نبيلا جليلا في زمانه (5).

و ذكر المدائني عن جابر بن عبد اللّه أنّه أتى أبا جعفر محمّد بن عليّ إلى الكتّاب و هو صغير فقال له:النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يسلّم عليك.فقيل لجابر:و كيف هذا؟


1) 1)

2) 2) منتخب ذيل المذيل للطبري:119. [2]

3) 3) رواه الجاحظ في مفاخرات هاشم و اميّة عنه شرح ابن أبي الحديد 3:491، [3]شرح الكتاب 28.

4) 4) تاريخ الطبري 4:198 سنة 145. [4]

5) 5) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:337،340.

فقال:كنت جالسا عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الحسين عليه السّلام في حجره و هو يداعبه،فقال:

يا جابر يولد له مولود اسمه عليّ،إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده،ثمّ يولد له ولد اسمه محمّد فإن أدركته يا جابر فأقرئه منّي السّلام (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:337،340.

.

و نقل السّبط أيضا:و كان أبو جعفر عليه السّلام يحضر إخوانه فيطعمهم أطيب الطّعام،و يكسوهم أحسن الكسوة،و يهب لهم الدراهم الكثيرة،و يجيز بالخمسمائة إلى الألف درهم،و لا يملّ من مجالسة الاخوان (2).

و روى عن أفلح مولاه قال:خرجت مع مولاي حاجّا فلمّا دخل المسجد نظر إلى البيت،فبكى حتّى علا صوته،فقلت:بأبي و امّي إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفعت بصوتك قليلا.فبكى و قال:و يحك لم لا أبكي،لعلّ اللّه أن ينظر إليّ برحمة منه فأفوز بها عنده.ثمّ طاف بالبيت،و ركع عند المقام،و رفع رأسه من سجوده فإذا موضعه مبتلّ من دموعه،و كان إذا ضحك يقول:اللّهمّ لا تمقتني (3).

و روى أنّه عليه السّلام قال:من عبد المعنى دون الاسم فإنّه يخبر عن غائب، و من عبد الاسم دون المعنى فإنّه يعبد المسمّى،و من عبد الاسم و المعنى فإنّه يعبد إلهين،و من عبد المعنى بتقريب الاسم إلى حقيقة المعرفة فهو موحّد (4).

و في(عيون ابن قتيبة):دخل زيد بن علي على هشام فقال:ما فعل أخوك البقرة؟فقال زيد:سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باقرا،و تسميّه بقرة.لقد اختلفتما (5).

و روى عن جابر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له:يا جابر إنّك ستعمر بعدي حتّى


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:337،340.

3) 3) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:339،340.

4) 4) المصدر نفسه.

5) 5) عيون الاخبار لابن قتيبة 1:212. [1]

يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقرا،فإذا لقيته فأقرئه منّي السّلام.

فكان جابر يتردّد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره،و هو ينادي:يا باقر،حتى قال النّاس:قد جنّ جابر.فبينا ذات يوم هو بالبلاط إذ بصر بجارية يتوركها صبي.فقال لها:يا جارية من هذا الصّبي؟قالت:محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.فقال:أدنيه منّي.فأدنته فقبّل بين عينيه،و قال:يا حبيبي! رسول اللّه يقرئك السّلام.ثمّ قال:نعيت إليّ نفسي و ربّ الكعبة.ثمّ انصرف إلى منزله و أوصى،فمات من ليلته (1)

عيون الاخبار لابن قتيبة 1:212. [1]

.

و في(بيان الجاحظ):جمع محمّد بن عليّ صلاح شأن الدّنيا بحذافيرها في كلمتين فقال:«إصلاح شأن جميع التّعايش و التّعاشر ملء مكيال ثلثاه فطنة،و ثلثه تغافل».قال:لم يجعل لغير الفطنة نصيبا في الخير و لا حظّا في الصّلاح،لأنّ الإنسان لا يتغافل إلاّ عن شيء قد فطن له (2).

و أمّا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام،ففي(حلية أبي نعيم)عن عمرو بن أبي المقدام قال:كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنّه من سلالة النّبييّن (3).

و عن ابن بسطام قال:كان جعفر بن محمّد عليه السّلام يطعم حتّى لا يبقى لعياله شيء (4).

و عن ابن المقدام قال:وقع الذّباب على المنصور فذبّه عنه،فعاد فذبّه حتّى أضجره،فدخل جعفر بن محمّد عليه السّلام عليه،فقال له المنصور:يا أبا عبد


1) 1)

2) 2) البيان و التبيين للجاحظ 1:107. [2]

3) 3) حلية الأولياء لأبي نعيم 3:193.

4) 4) حلية الأولياء لأبي نعيم 3:194.

اللّه لم خلق اللّه الذّباب؟قال:ليذلّ به الجبابرة (1)

حلية الأولياء لأبي نعيم 3:198.

.

و روى أنّ ابن شبرمة،و ابن أبي ليلى،و أبا حنيفة دخلوا عليه عليه السّلام فقال لابن أبي ليلى:من هذا معك؟قال:هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدّين.

قال:لعلّه يقيس أمر الدّين برأيه؟قال:نعم.فقال جعفر عليه السّلام لأبي حنيفة:

ما اسمك؟قال:نعمان.قال:يا نعمان هل قست رأسك بعد؟قال:كيف أقيس رأسي؟قال:ما أراك تحسن شيئا.هل علمت ما الملوحة في العينين،و المرارة في الاذنين،و الحرارة في المنخرين،و العذوبة في الشّفتين؟قال:لا.قال:

ما أراك تحسن شيئا.قال:فهل علمت كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان؟قال:

لا.فقال ابن أبي ليلى:يابن رسول اللّه أخبرني بهذه الأشياء الّتي سألته عنها.

فقال:أخبرني أبي عن جدّي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:إنّ اللّه بمنّه و فضله جعل لابن آدم الملوحة في العينين،لأنّهما شحمتان و لو لا ذلك لذابتا،و إنّ اللّه بمنّه و فضله و رحمة على ابن آدم جعل المرارة في الاذنين،حجابا من الدّوابّ، فإن دخلت الرأس دابّة و التمست إلى الدماغ،فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج،و إنّ اللّه بمنّه و فضله و رحمة على ابن آم جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح،و لو لا ذلك لأنتن الدّماغ،و انّ اللّه بمنّه و فضله و رحمة على ابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بهما استطعام كلّ شيء،و يسمع النّاس بها حلاوة منطقه.قال:فأخبرني عن الكلمة الّتي أوّلها كفر، و آخرها إيمان.فقال:إذا قال العبد:«لا إله»فقد كفر،فإذا قال:«إلاّ اللّه»فهو إيمان.

ثم أقبل على أبي حنيفة فقال:يا نعمان حدّثني أبي عن جدّي:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:أوّل من قاس أمر الدّين برأيه إبليس،قال اللّه تعالى له:اسجد


1) 1)

لآدم فقال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» (1)

الأعراف:12،و [1]ص:76.

فمن قاس الدّين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس،لأنّه اتّبعه بالقياس.ثمّ قال جعفر:

أيّهما أعظم قتل النفس أو الزّنا؟قال أبو حنيفة:قتل النفس.قال:فإن اللّه عزّ و جلّ قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلاّ أربعة.ثمّ قال:أيّهما أعظم:الصلاة أم الصوم؟قال:الصّلاة.قال:فما بال الحائض تقضي الصّوم، و لا تقضي الصلاة؟فكيف و يحك يقوم لك قياسك؟اتّق اللّه و لا تقس الدّين برأيك (2).

و روى أبو الفرج في(مقاتله)بأسانيد عن عبد الأعلى بن أعين،و محمّد ابن أبي الكرام الجعفري،و غيرهما أنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، و فيهم إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس،و أبو جعفر المنصور، و صالح بن عليّ،و عبد اللّه بن الحسن،و ابناه محمّد و إبراهيم،و محمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان،فقال صالح بن عليّ:قد علمتم أنّكم الّذين تمدّ النّاس أعينهم إليهم و قد جمعكم اللّه في هذا الموضع،فاعقدوا بيعة لرجل منكم، تعطونه إيّاها من أنفسكم،و تواثقوا على ذلك حتّى يفتح اللّه و هو خير الفاتحين.فحمد اللّه عبد اللّه بن الحسن و أثنى عليه،ثمّ قال:قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلموا نبايعه.و قال أبو جعفر المنصور:لأيّ شيء تخدعون أنفسكم؟و اللّه لقد علمتم ما النّاس إلى أحد أصور أعناقا و لا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى-يعني:محمّد بن عبد اللّه-قالوا:قد و اللّه صدقت، إنّ هذا لهو الّذي نعلم.فبايعوا جميعا محمّدا،و مسحوا على يده.

قال عيسى بن عبد اللّه بن محمّد بن عمر بن عليّ:جاء رسول عبد اللّه بن


1) 1)

2) 2) حلية الأولياء لأبي نعيم 3:196.

الحسن إلى أبي:أن ايتنا فإنّنا مجتمعون لأمر.و أرسل بذلك إلى جعفر بن محمّد أيضا،قال:فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا عليه،و أرسل جعفر بن محمّد محمّد بن عبد اللّه الأرقط،فجئناهم فإذا بمحمّد بن عبد اللّه يصلّي على طنفسة،فقلت:أرسلني أبي إليكم لأسألكم لأيّ شيء اجتمعتم؟فقال عبد اللّه:

اجتمعنا لنبايع المهدي محمّد بن عبد اللّه.و جاء جعفر بن محمّد،فأوسع له عبد اللّه بن الحسن إلى جنبه،فتكلّم معه بمثل كلامه معي،فقال جعفر:لا تفعلوا فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد،و لا و اللّه لا ندعك و أنت شيخنا و نبايع ابنك.فغضب عبد اللّه،و قال:لقد علمت خلاف ما تقول،و لكن يحملك على هذا الحسد لابني.فقال:

و اللّه ما ذلك يحملني،و لكنّ هذا و إخوته و أبناءهم دونكم-و ضرب بيده على ظهر أبي العبّاس،ثمّ ضرب بيده على كتف عبد اللّه بن الحسن-فقال:إنّها و اللّه ما هي إليك و لا إلى ابنيك،و لكنّها لهم،و إنّهما لمقتولان.ثمّ نهض و توكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري،و قال لي:أرأيت صاحب الرّداء الأصفر-يعني أبا جعفر المنصور-؟قلت:نعم.قال:فإنّا و اللّه نجده يقتله.قلت:أ يقتل محمّدا؟ قال:نعم.فقلت في نفسي:حسده و ربّ الكعبة.ثمّ قال:و و اللّه ما خرجت من الدّنيا حتّى رأيته قتلهما.قال:فلمّا قال جعفر ذلك نهض القوم فافترقوا و لم يجتمعوا بعد،و تبعه عبد الصّمد و أبو جعفر،فقالا:يا أبا عبد اللّه أتقول هذا؟ قال:أقوله و أعلمه.

و قال:كان محمّد بن عبد اللّه يسمّيه أهل بيته«المهدي»و يقدّرون أنّه الّذي جاءت فيه الرّواية،حتّى لم يشك أحد أنّه المهدي،و شاع ذلك له في العامّة، و بايعه رجال من بني هاشم جميعا،من آل أبي طالب،و آل العبّاس،و سائر بني هاشم،ثمّ ظهر من جعفر بن محمّد عليه السّلام قول في أنّه لا يملك،و أنّ الملك

يكون في بني العبّاس،فانتبهوا من ذلك لأمر لم يكونوا يطمعون فيه (1)

مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني:157،158،168،171 و الأول بتقطيع.

.

و روى أبو الفرج أيضا عن امّ الحسين بنت عبد اللّه بن محمّد الباقر عليه السّلام:

قالت:قلت لعمّي جعفر بن محمّد:إنّي فديتك،ما أمر محمّد هذا؟قال:فتنة،يقتل محمّد عند بيت رومي،و يقتل أخوه لامّه و أبيه بالعراق،و حوافر فرسه بالماء (2).

و روى عن ابن داحة أنّ جعفر بن محمّد عليه السّلام قال لعبد اللّه بن الحسن:إنّ هذا الأمر و اللّه ليس إليك،و لا إلى ابنيك،و انّما هو لهذا-يعني:السفّاح-ثم لهذا -يعني:المنصور-ثمّ لولده من بعده،لا يزال فيهم حتّى يؤمّروا الصّبيان و يشاورو النساء.فقال عبد اللّه:و اللّه يا جعفر ما اطلعك اللّه على غيبه،و ما قلت هذا إلاّ حسدا لابني.فقال:لا و اللّه ما حسدت ابنك،و إنّ هذا-يعني أبا جعفر- يقتله على أحجار الزّيت،ثمّ يقتل أخاه بعده بالطفوف و قوائم فرسه في الماء.

ثم قام مغضبا يجر رداءه،فتبعه أبو جعفر.فقال:أ تدري ما قلت يا أبا عبد اللّه؟ قال:إي و اللّه أدريه و إنّه لكائن.قال:فحدّثني من سمع أبا جعفر يقول:

فانصرفت لوقتي فرتّبت عمّالي،و ميّزت اموري تمييز مالك لها.قال:فلمّا ولّي أبو جعفر الخلافة سمّي جعفرا الصّادق،و كان إذا ذكره قال:قال لي الصادق جعفر بن محمّد كذا و كذا فبقيت عليه (3).

قلت:و صار الأمر كما قال عليه السّلام في بدء بني العبّاس و في مآلهم في تأمير الصبيان و مشاورة النّساء،قال المسعودي في(تنبيهه):كان في المقتدر و في أيّامه امور لم يكن مثلها في الإسلام،منها أنّه ولّي الخلافة،و له ثلاث عشرة سنة و شهران و ثلاثة أيّام،و منها غلبة النّساء على الملك و التّدبير،حتّى إنّ جارية تعرف بمثل القهرمانة تجلس للنظر في مظالم الخاصّة و العامّة،


1) 1)

2) 2) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني:157،158،168،171 و الأول بتقطيع.

3) 3) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني:157،158،168،171 و الأول بتقطيع.

و يحضرها الوزير و الكاتب و القضاة و أهل العلم (1)

التنبيه و الاشراف للمسعودي:328 و [1]النقل بتلخيص.

.

و قال المسعودي أيضا في(مروجه):بايع الأمين لابنه،و سمّاه النّاطق بالحقّ،و كان ابنه لا ينطق بأمر و لا يعرف حسنا و لا قبيحا،و لم يخل من الحاجة إلى من يحضنه في قيامه و قعوده.فقال عليّ بن أبي طالب الأعمى البغدادي:

فعال الخليفة اعجوبة و أعجب منه فعال الوزير

و أعجب من ذا و ذا أننّا نبايع للطّفل فينا الصّغير

و من ليس يحسن مسح انفه و لم يخل من متنه حجر ظير (2)

و كان المنصور بعد خروج محمّد و إبراهيم عليه،و خوفه من غلبتهما يتذكر قول الصادق عليه السّلام في ملكهم:«حتّى يؤمّروا الصّبيان و يشاوروا النّساء».

روى أبو الفرج عن أبي الحجّاج الجمّال قال:إنّي لقائم على رأس أبي جعفر،و هو يسألني عن مخرج محمّد إذ بلغه أنّ عيسى بن موسى هزم،و كان متّكئا فجلس فضرب بقضيب معه مصلاّه،و قال:كلاّ فأين لعب صبياننا بها على المنابر،و مشاورة النساء (3)؟ و عن حفص بن حكيم:أنّ أبا جعفر و جل من إبراهيم حتّى جعل يقول:

و يلك يا ربيع فكيف و لم ينلها أبناؤنا،فأين إمارة الصبيان (4)؟ و روى أيضا إخباره عليه السّلام بمحروميّة عيسى بن موسى من نيل الخلافة، و قد كان السفاح جعله وليّ عهده بعد أخيه المنصور،فجعله المنصور ولي


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 3:397. [2]

3) 3) المقاتل لأبي الفرج:184،231،184.

4) 4) المقاتل لأبي الفرج:184،231،184.

عهده بعد ابنه المهدي،و خلعه المهدي رأسا،و كان قتل محمّدا و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن لإبقاء الأمر له،فروى أبو الفرج عن عليّ بن اسماعيل بن صالح بن ميثم أنّ عيسى بن موسى لمّا قدم قال جعفر بن محمّد عليه السّلام:أهو هو؟قيل:من تعني يا أبا عبد اللّه؟قال:المتلعب بدمائنا،و اللّه لا يحلأ منها شيء (1)

المقاتل لأبي الفرج:184،231،184.

.

و روى عن الرومي مولى جعفر بن محمّد عليه السّلام قال:أرسلني جعفر بن محمّد أنظر ما يصنعون،فجئته فأخبرته أنّ محمّدا قتل،و أنّ عيسى قبض على عين أبي زياد.فأبلس طويلا،ثمّ قال:ما يدعو عيسى إلى أن يسيء بنا و يقطع أرحامنا؟فو اللّه لا يذوق هو و لا ولده منها شيئا أبدا (2).

و روى أنّه عليه السّلام قال للمنصور:اردد عليّ عين أبي زياد آكل من سعفها.

قال:إيّاي تكلّم بهذا الكلام،و اللّه لازهقنّ نفسك.قال:لا تعجل قد بلغت ثلاثا و ستّين و فيها مات أبي و جدّي عليّ بن أبي طالب،فعليّ كذا و كذا إن آذيتك بشيء أبدا (3).

و روى عن يونس بن أبي يعقوب قال:حدّثنا جعفر بن محمّد من فيه إلى اذني،قال:لمّا قتل إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بباخمرى حسرنا من المدينة، و لم يترك فيها منّا محتلم حتّى قدمنا الكوفة،فمكثنا فيها شهرا نتوقّع فيها القتل،ثمّ خرج إلينا الرّبيع الحاجب،فقال:أين هؤلاء العلوية؟أدخلوا على الخليفة رجلين منكم من ذوي الحجى.فدخلنا إليه أنا و الحسن بن زيد،فلمّا صرت بين يديه قال لي:أنت الّذي تعلم الغيب؟قلت:لا يعلم الغيب إلاّ اللّه.قال:


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:184،232 و نقل الأخير بتلخيص.

3) 3) المقاتل لأبي الفرج:184.

أنت الّذي يجبى إليك هذا الخراج؟قلت:إليك يجبى الخراج.قال:أ تدرون لم دعوتكم؟قلت:لا.قال:أردت أن أهدم رباعكم،و أروّع قلوبكم،و أعقر نخلكم، و أترككم بالسّراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز و أهل العراق،فإنّهم لكم مفسدة.فقلت له:إنّ سليمان اعطي فشكر،و إنّ أيوب ابتلي فصبر،و إنّ يوسف ظلم فغفر،و أنت من ذلك النّسل.فتبسّم،و قال:أعد عليّ.فأعدت،فقال:مثلك فليكن زعيم القوم،و قد عفوت عنكم،و وهبت لكم جرم أهل البصرة.حدّثني الحديث الّذي حدّثتني عن أبيك عن آبائه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-إلى أن قال-:قلت:

حدّثني أبي عن آبائه عن عليّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أنّ ملكا من الملوك في الأرض كان بقي من عمره ثلاث سنين فوصل رحمه،فجعلها اللّه ثلاثين سنة.فقال:

هذا الحديث أردت.أيّ البلاد أحبّ إليك؟قلنا:المدينة.فسرّحنا إلى المدينة، و كفى اللّه مئونته (1)

المقاتل لأبي الفرج:232 بتلخيص.

.

و في(مروج الذهب):كان أبو سلمة لمّا قتل إبراهيم الإمام خاف انتقاض الأمر و فساده عليه،فبعث بمحمّد بن عبد الرّحمن بن أسلم-و كتب معه كتابين على نسخة واحدة-و إلى جعفر بن محمّد و إلى عبد اللّه بن الحسن يدعو كلّ واحد منهما إلى الشّخوص إليه،ليصرف الدعوة إليه و يجتهد في بيعة أهل خراسان له،و قال للرّسول:العجل العجل،فلا تكوننّ كوافد عاد.فقدم الرّسول المدينة على جعفر بن محمّد فلقيه ليلا،فلمّا وصل إليه أعلمه أنّه رسول أبي سلمة،و دفع إليه كتابه.فقال له:و ما أنا و أبو سلمة؟أبو سلمة شيعة لغيري.

قال له:إنّي رسول فتقرأ كتابه و تجيبه بما رأيت،فدعا بسراج،ثمّ أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السّراج حتّى احترق،و قال للرّسول:عرّف صاحبك بما رأيت.ثمّ أنشأ يقول متمثّلا بقول الكميت:


1) 1)

أيا موقدا نارا لغيرك ضوءها و يا حاطبا في غير حبلك تحطب

فخرج الرّسول من عنده،و أتى عبد اللّه بن الحسن فدفع إليه الكتاب فقبّله و قرأه و ابتهج،فلمّا كان الغد ركب حمارا حتّى أتى منزل جعفر بن محمّد،فلمّا رآه أكبر مجيئه،فقال له:يا أبا محمّد أمر ما جاء بك؟قال:نعم.و هو أجلّ من أن يوصف.فقال:و ما هو؟قال:هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى ما قبله،و قد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان.فقال:و متى كان أهل خراسان شيعة لك؟أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان،و أنت أمرته بلبس السّواد،و هؤلاء الّذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم،و هل تعرف منهم أحدا؟ فنازعه عبد اللّه الكلام... (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:253. [1]

.

و قالوا في مفاخرات هاشم و اميّة عن قبل هاشم لامية:و كان لنا مثل جعفر بن محمّد الذي ملأ الدّنيا علمه و فقهه (2).

و في(إرشاد محمّد بن محمّد بن النّعمان):أنّ أصحاب الحديث جمعوا أسماء الرّواة عن الصادق عليه السّلام من الثّقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل (3).

و قال أحمد بن علي النّجاشي في(فهرسته):قال الحسن بن عليّ الوشا أدركت في هذا المسجد(يعني مسجد المدينة)تسعمائة شيخ،كلّ يقول:

حدّثني جعفر بن محمّد (4).

و روى الطبري كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللّه بن الحسن و فيه:

ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل من عليّ بن الحسين،و ما كان


1) 1)

2) 2) مفاخرات هاشم و امية للجاحظ عنه شرح ابن أبي الحديد 3:490، [2]شرح الكتاب 28.

3) 3) إرشاد المفيد:271. [3]

4) 4) فهرست النجاشي:29.

فيكم بعده مثل ابنه محمّد بن عليّ،و لا مثل ابنه جعفر (1)

تاريخ الطبري 2:198 سنة 145. [1]

.

و في(حياة الحيوان)للدميري:الجفرة،بفتح الجيم:ما بلغت أربعة أشهر من أولاد المعز،و فصلت عن امّها،و الذّكر جفر،سمّي بذلك لأنّه جفر جنباه،أي:عظما (2).

قال ابن قتيبة في كتابه(أدب الكاتب):و كتاب الجفر جلد جفر،كتب فيه الإمام جعفر بن محمّد الصادق لآل البيت كلّ ما يحتاجون إلى علمه،و كلّ ما كان إلى يوم القيامة (3).

قال الدميري:و إلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعرّي بقوله:

لقد عجبوا لأهل البيت لمّا أتاهم علمهم في مسك جفر

و مرآة المنجم و هي صغرى أرته كلّ عامرة و قفر (4)

قال:و قيل:إنّ ابن تومرت المعروف بالمهدي ظفر بكتاب الجفر،فرأى فيه ما يكون على يد عبد المؤمن صاحب المغرب و قصّته و حليته و اسمه، فأقام ابن تومرت مدّة يتطلّبه حتّى وجده و صحبه،و كان يكرّمه و يقدّمه على سائر أصحابه و ينشد إذا أبصره:

تكاملت فيك أوصاف خصصت بها فكلّنا بك مسرور و مغتبط

السنّ ضاحكة و الكفّ مانحة و النّفس واسعة و الوجه منبسط (5)

و في(فصول ابن الصّباغ المالكي):قد نقل بعض أهل العلم أنّ كتاب الجفر الّذي بالمغرب،الّذي يتوارثه بنو عبد المؤمن بن عليّ،


1) 1)

2) 2) حياة الحيوان للدميري 1:197 [2] مادة(جفر).

3) 3) لم أجده في أدب الكاتب لابن قتيبة.

4) 4) حياة الحيوان للدميري 1:197 [3] مادة(جفر).

5) 5) حياة الحيوان للدميري 1:197 [4] مادة جفر().

من كلام الصّادق جعفر بن محمّد (1)

الفصول المهمة لابن الصباغ:223. [1]

.

و في(فهرست النّجاشي)بعد عنوان هشام بن محمّد بن السّائب الكلبي النّسابة العالم بالأيّام و المشهور بالفضل و العلم:و له الحديث المشهور،قال:

اعتللت علّة عظيمة نسيت علمي،فجلست إلى جعفر بن محمّد عليه السّلام،فسقاني العلم في كأس،فعاد إليّ علمي» (2).

و في(معرفة رجال الكشي):روى حمدويه عن محمّد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم:أنّ أبا موسى البناء دخل على أبي عبد اللّه عليه السّلام مع نفر من أصحابه،فقال عليه السّلام لهم:«احتفظوا بهذا الشّيخ».قال:فذهب على وجهه في طريق مكّة فذهب من قزح فلم ير بعد ذلك (3).

و روى(الكافي)عن عمرو بن أبي المقدام قال:كنت شاهدا عند البيت الحرام و رجل ينادي بأبي جعفر المنصور و هو يطوف،و يقول:إنّ هذين الرّجلين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله،فلم يرجع إليّ،و اللّه ما أدري ما صنعا به؟فقال لهما أبو جعفر:و ما صنعتما به؟فقالا:كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله.فقال لهما:وافياني غداة صلاة العصر في هذا المكان.فوافياه من الغد، و حضرته،فقال لجعفر بن محمّد عليه السّلام و هو قابض على يده:اقض بينهم.فقال:

اقض بينهم أنت.فقال له:بحقّي عليك إلاّ قضيت بينهم.فخرج جعفر عليه السّلام، فطرح له مصلّى قصب فجلس عليه،ثمّ جاء الخصماء فجلسوا قدّامه،فقال للرّجل:ما تقول؟فقال:يابن رسول اللّه إنّ هذين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله،فو اللّه ما رجع إليّ،و و اللّه ما أدرى ما صنعا به؟فقال:ما تقولان؟فقالا:


1) 1)

2) 2) فهرست النجاشي:305.

3) 3) معرفة الرجال للكشي،اختياره:310 ح 561 و أسناده«حمدويه و إبراهيم ابنا نصير قالا:حدّثنا محمّد بن عيسى...».

يابن رسول اللّه كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله.فقال جعفر:يا غلام اكتب:«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:كلّ من طرق رجلا بالليل فأخرجه من منزله فهو له ضامن،إلاّ أن يقيم البيّنة:أنّه قد ردّه إلى منزله».يا غلام نحّ هذا فاضرب عنقه.فقال:يابن رسول اللّه،و اللّه ما قتلته أنا،و لكنّي أمسكته ثمّ جاء هذا،فوجأه فقتله.فقال:أنا ابن رسول اللّه،يا غلام،نحّ هذا و اضرب عنق الآخر.

فقال:و اللّه يابن رسول اللّه ما عذّبته،و لكنّي قتلته بضربة واحدة.فأمر أخاه فضرب عنقه،ثمّ أمر بالآخر،فضرب جنبيه و حبسه في السّجن،و وقّع على رأسه بحبس عمره،و يضرب كلّ سنة خمسين جلدة (1)

الكافي للكليني 7:287 ح 3. [1]

.

و روى(الكافي)أيضا،أنّ ربيعا أتى المنصور في الطّواف،فقال له:مات فلان مولاك البارحة،فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته.فاستشاط و غضب، فقال لابن شبرمة و ابن أبي ليلى و عدّة معه من القضاة و الفقهاء:ما تقولون في هذا؟فكلّ قال:ما عندنا في هذا شيء.قال:فجعل يردّد المسألة في هذا و يقول:

أقتله أم لا؟فقالوا:ما عندنا في هذا شيء.فقال له بعضهم:قد قدم رجل السّاعة،فإن كان عند أحد علم شيء فعنده الجواب في هذا،و هو جعفر بن محمّد و قد دخل المسعى.فقال للرّبيع:اذهب إليه فقل له:لو لا معرفتنا بشغل ما أنت فيه لسألناك أن تأتينا،و لكن أجبنا في كذا و كذا.فأتاه ربيع و هو على المروة فأبلغه الرّسالة،فقال عليه السّلام له:قد ترى شغل ما أنا فيه،و قبلك العلماء و الفقهاء فسلهم.قال:قد سألهم،و لم يكن عندهم فيه شيء.قال:فردّه إليه.

فقال:أسألك إلاّ أجبتنا،فليس عند القوم في هذا شيء.فقال عليه السّلام:حتّى أفرغ.

فلمّا فرغ جاء فجلس في جانب المسجد الحرام،فقال للرّبيع:اذهب إليه فقل له:

عليه مائة دينار.فأبلغه،فقالوا له:فسله:كيف صار عليه مائة دينار؟


1) 1)

فقال عليه السّلام:في النّطفة عشرون،و في العلقة عشرون،و في المضغة عشرون، و في العظم عشرون،و في اللحم عشرون، «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ» (1)

المؤمنون:14. [1]

،و هذا هو ميّت بمنزلته قبل أن ينفخ فيه الرّوح في بطن امّه جنينا.فأخبره الجواب فأعجبهم،و قالوا:ارجع إليه فسله:الدّنانير لمن هي،الورثة أم لا؟فقال عليه السّلام:

ليس لورثته منها شيء،إنّما هذا شيء اتى إليه في بدنه بعد موته،يحجّ بها عنه، أو يتصدق بها،أو تصير في سبيل من سبل الخير... (2).

و روى(الكافي)أيضا عن صفوان الجمّال قال:حملت أبا عبد اللّه عليه السّلام في الحملة الثانية إلى الكوفة و المنصور فيها،فلمّا أشرف على الهاشمية-مدينة أبي جعفر-أخرج رجله من غزر الرّحل،ثمّ نزل و دعا ببغلة شهباء و لبس ثياب بيض و كمة بيضاء،فلمّا دخل عليه قال له المنصور:لقد تشبّهت بالأنبياء؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام و أنّى تبعّدني من أبناء الأنبياء؟فقال:لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر نخلها،و يسبي ذرّيّتها.فقال:و لم؟قال:رفع إليّ أنّ مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك،و يجمع لك الأموال.فقال:و اللّه ما كان.فقال:

لست أرضى لك إلاّ بالطّلاق و العتاق،و الهدي و المشي.فقال عليه السّلام:أبالأنداد من دون اللّه تأمرني أن أحلف؟من لم يرض باللّه فليس من اللّه في شيء.فقال:

أ تتفقه عليّ؟فقال:و أنّى تبعّدني من الفقه و أنا ابن رسول اللّه؟قال:فإنّي أجمع بينك و بين من سعى بك.قال:فافعل.فجاء الرّجل الّذي سعى به.فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام أ هكذا؟فقال:نعم و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب و الشهادة الرّحمن الرّحيم لقد فعلت.فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:و يلك تمجّد اللّه فيستحيي من تعذيبك،و لكن قل:برئت من حول اللّه و قوّته و ألجأت إلى حولي و قوّتي.فحلف


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 7:347 ح 1. [2]

بها الرّجل فلم يستتمّها حتّى وقع ميّتا (1)

الكافي للكليني 6:445 ح 3. [1]

.

و رواه ابن الصّباغ المالكي في(فصوله)مع زيادة و نقيصة (2).و روى (مهج ابن طاوس)إحضار المنصور له عليه السّلام ليقتله مرّات،و دفع اللّه تعالى له عنه بدعائه عليه السّلام (3).

و روي أيضا عن العبّاس الفقيمي:أنّ ابن أبي العوجاء و ابن طالوت و ابن الأعمى و ابن المقفّع في نفر من الزّنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام،و أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام إذ ذاك فيه يفتي النّاس، و يفسّر لهم القرآن،و يجيب عن المسائل بالحجج و البيّنات،فقال القوم لابن أبي العوجاء:هل لك في تغليط هذا الجالس و سؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به،فقد ترى فتنة الناس به،و هو علاّمة زمانه؟فقال لهم ابن أبي العوجاء:نعم.ثمّ تقدّم ففرّق النّاس،فقال له:إنّ المجالس أمانات و لا بدّ لمن كان به سعال أن يسعل،أ فتأذن لي في السّؤال؟فقال عليه السّلام له:سل إن شئت.

فقال له:إلى كم تدوسون هذا البيدر،و تلوذون بهذا الحجر،و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطّوب و المدر،و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟من فكّر في هذا و قدّر علم أنّه فعل غير حكيم و لا ذي نظر،فقل،فإنّك رأس هذا الأمر و سنامه،و أبوك اسّه و نظامه.فقال عليه السّلام:إنّ من أضلّه اللّه و أعمى قلبه، استوخم الحق فلم يعذبه،و صار الشيطان وليّه و ربّه،يورده مناهل الهلكة و لا يصدره.هذا بيت استعبد اللّه به خلقه،ليختبر طاعتهم في إتيانه،فحثّهم على تعظيمه و زيارته،و جعله قبلة للمصلّين له،فهو شعبة من رضوانه،و طريق


1) 1)

2) 2) الفصول المهمة لابن الصباغ:225.

3) 3) مهج الدعوات لابن طاوس:18.

مؤدّ إلى غفرانه،منصوب على استواء الكمال،و مجمع العظمة و الجلال،خلقه اللّه تعالى قبل دحو الأرض بألفي عام،فأحقّ من اطيع في ما أمر،و انتهي عمّا عنه زجر اللّه المنشىء للأرواح و الصّور.

فقال له ابن أبي العوجاء:ذكرت فأحلت على غائب.فقال عليه السّلام:و يلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد،إليهم أقرب من حبل الوريد،يسمع كلامهم و يعلم أسرارهم،لا يخلو منه مكان،و لا يشتغل به مكان،و لا إلى مكان أقرب من مكان،تشهد له بذلك آثاره،و تدلّ عليه أفعاله،و الّذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة،و هو محمّد صلّى اللّه عليه و آله جاءنا بهذه العبادة،فإن شككت في شيء من أمره فسل عنه اوضّحه لك.فأبلس ابن أبي العوجاء،و لم يدر ما يقول،فانصرف من بين يديه،و قال لأصحابه:سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة،فألقيتموني على جمرة.قالوا له:اسكت لقد فضحتنا بحيرتك و انقطاعك،و ما رأينا اليوم أحقر منك في مجلسه.فقال لهم:ألي تقولون؟إنّه ابن من حلق رءوس من ترون.و أومأ بيده إلى أهل الموسم (1)

ارشاد المفيد:280،و [1]كنز الفوائد للكراجكي:230 [2] عن العباس الفقيمي،و أخرجه بفرق الكليني في الكافي 4:197 ح 1،و [3]الصدوق في التوحيد:253 ح 4 [4] عن عيسى بن يونس،و أخرجه الصدوق في علل الشرائع:403 ح 4 و [5]أماليه: 493 ح 4 المجلس 90 [6] عن الفضل بن يونس.

.

و روي أيضا:أنّ أبا شاكر الدّيصاني وقف ذات يوم في مجلسه،فقال:

إنّك لأحد النّجوم الزّواهر،و كان آباؤك بدورا بواهر،و امّهاتك عقيلات عباهر، و عنصرك من أكرم العناصر،و إذا ذكر العلماء فعليك تثنى الخناصر،خبّرنا أيّها البحر الزاخر ما الدليل على حدوث العالم؟فقال عليه السّلام:من أقرب الدّليل على ذلك ما اظهره لك.ثمّ دعا ببيضة فوضعها في راحته،و قال:هذا حصن ملموم، داخله غرقئ رقيق يطيف به كالفضة السائلة و الذهبة المائعة،أتشكّ في ذلك؟


1) 1)

قال أبو شاكر:لا شكّ في ذلك.قال عليه السّلام:ثمّ إنّه ينفلق عن صورة كالطاووس، أدخله شيء غير ما عرفت؟قال:لا.قال:فهذا الدليل على حدوث العالم.فقال أبو شاكر دللت فأوضحت و ذكرت فأوجزت،و قد علمت أنّا لا نقبل إلاّ ما أدركناه بأبصارنا،أو سمعناه بآذاننا،أو ذقناه بأفواهنا،أو شممناه بأنوفنا، أو لمسناه ببشرتنا.فقال عليه السّلام:ذكرت الحواس الخمس،و هي لا تنفع في الاستنباط إلاّ بدليل،كما لا تقطع الظّلمة بغير مصباح.قال:يريد عليه السّلام أنّ الحواس بغير عقل لا توصل إلى معرفة الغائبات،و أن الّذي تراه من حدوث الصورة معقول بني العلم به على محسوس (1)

توحيد الصدوق:292 ح 1 و [1]أماليه:288 ح 5 المجلس 56،و [2]إرشاد المفيد:281. [3]

.

و روي عن أحمد بن محسن الميثمي قال:كنت عند أبي منصور المتطبب،فقال:أخبرني رجل من أصحابي،قال:كنت أنا و ابن أبي العوجاء، و عبد اللّه بن المقفّع في المسجد الحرام،فقال ابن المقفّع:ترون هذا الخلق -و أومأ بيده إلى موضع الطّواف-ما منهم أحد أوجب له اسم الانسانية إلاّ ذلك الشّيخ الجالس-يعني:أبا عبد اللّه عليه السّلام-فأمّا الباقون فرعاع و بهائم.فقال له ابن أبي العوجاء:و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشّيخ دون هؤلاء؟قال:لأنّي رأيت عنده ما لم أره عندهم.فقال له ابن أبي العوجاء:لا بدّ من اختبار ما قلت فيه منه.

فقال له ابن المقفّع:لا تفعل فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك.فقال:ليس ذا رأيك،و لكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه المحلّ الّذي وصفت.فقال ابن المقفّع:أمّا إذ توهمت عليّ هذا فقم إليه و تحفّظ ما استطعت من الزّلل،و لا تثن عنانك إلى استرسال فيسلّمك إلى عقال،و سمه ما لك أو عليك.

قال:فقام ابن أبي العوجاء،و بقيت أنا و ابن المقفّع جالسين،فلمّا رجع


1) 1)

إلينا ابن أبي العوجاء قال:و يلك يابن المقفّع ما هذا ببشر،و إن كان في الدّنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهرا،و يتروّح إذا شاء باطنا فهو هذا.

فقال له:و كيف ذلك؟قال:جلست إليه،فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال:إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء،و هو على ما يقولون-يعني أهل الطواف-فقد سلموا و عطبتم،و ان يكن الأمر على ما تقولون-و ليس كما تقولون-فقد استويتم و هم.فقلت له:يرحمك اللّه و أي شيء نقول،و أيّ شيء يقولون؟ما قولي و قولهم إلاّ واحدا.فقال:و كيف يكون قولك و قولهم واحدا و هم يقولون:إنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا،و يدينون بأنّ في السّماء إلها،و أنّها عمران،و أنتم تزعمون أنّ السّماء خراب ليس فيها أحد؟قال:فاغتنمتها منه، فقلت له:ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه،و يدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان؟و لم احتجب عنهم،و أرسل إليهم الرسل، و لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به؟ فقال لي:و يلك و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك:نشؤك و لم تكن،و كبرك بعد صغرك،و قوّتك بعد ضعفك،و ضعفك بعد قوّتك، و سقمك بعد صحّتك،و صحتك بعد سقمك،و رضاك بعد غضبك،و غضبك بعد رضاك،و حزنك بعد فرحك،و فرحك بعد حزنك،و حبّك بعد بغضك، و بغضك بعد حبّك،و عزمك بعد أناتك،و أناتك بعد عزمك،و شهوتك بعد كراهتك،و كراهتك بعد شهوتك،و رغبتك بعد رهبتك،و رهبتك بعد رغبتك، و رجاؤك بعد يأسك،و يأسك بعد رجائك،و خاطرك بما لم يكن في وهمك، و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك.قال:و ما زال يعدّد عليّ قدرته الّتي هي في نفسي الّتي لا أدفعها،حتّى ظننت أنّه سيظهر في ما بيني و بينه (1)

الكافي للكليني 1:74 ح 2،و [1]توحيد الصدوق:125 ح 4. [2]

.

1) 1)

و روي أيضا عن هشام بن الحكم قال:كان بمصر زنديق تبلغه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أشياء،فخرج إلى المدينة ليناظره-إلى أن قال-فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:أتعلم أنّ للأرض تحتا و فوقا؟قال:نعم.قال:فدخلت تحتها؟قال:

لا.قال:فما يدريك ما تحتها؟قال:لا أدري،إلاّ أنّي أظنّ أن ليس تحتها شيء.

فقال عليه السّلام:فالظن عجز لما لا تستيقن.ثمّ قال:أ فصعدت السّماء؟قال:لا.قال:

أ فتدري ما فيها؟قال:لا.قال:عجبا لك لم تبلغ المشرق و لم تبلغ المغرب،و لم تنزل الأرض،و لم تصعد السّماء،و لم تجر هناك فتعرف ما خلفهنّ،و أنت جاحد بما فيهنّ،و هل يجحد العاقل ما لا يعرف.قال الزّنديق:ما كلّمني بهذا أحد غيرك.

فقال عليه السّلام:فأنت من ذلك في شكّ،فلعلّه هو و لعلّه ليس هو.فقال الزّنديق:و لعل ذلك.فقال عليه السّلام:أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم، و لا حجّة للجاهل.يا أخا أهل مصر تفهّم عنّي؟فإنّا لا نشكّ في اللّه أبدا،أما ترى الشمس و القمر و الليل و النّهار يلجان فلا يشتبهان،و يرجعان قد اضطرا ليس لهما مكان إلاّ مكانهما،فإن كانا يقدران على أن يذهبها فلم يرجعان؟و إن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا و النّهار ليلا؟اضطرّا و اللّه يا أخا أهل مصر إلى دوامهما،و الّذي اضطرّهما أحكم منهما،و أكبر.فقال الزّنديق:

صدقت.

ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:يا أخا أهل مصر!إنّ الّذي تذهبون إليه و تظّنون أنّه الدّهر،إن كان الدّهر يذهب بهم لم لا يردّهم؟و إن كان يردّهم،لم لا يذهب بهم؟القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر!لم السّماء مرفوعة و الأرض موضوعة؟لم لا يسقط السّماء على الأرض؟لم لا تنحدر الأرض فوق طبقاها و لا يتماسكان؟و لا يتماسك من عليها؟قال الزّنديق:أمسكهما اللّه ربّهما و سيّدهما.قال:فآمن الزّنديق على يدي أبي عبد اللّه عليه السّلام.فقال له حمران:

جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمن الكفّار على يدي أبيك (1)

الكافي للكليني 1:72 ح 1،و [1]توحيد الصدوق:293 ح 4. [2]

.

و روي أنّ عبد اللّه الدّيصاني قال لهشام بن الحكم:ألك ربّ؟فقال:بلى.

قال:أ قادر هو؟قال:نعم،قادر قاهر.قال:يقدر أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا تكبر البيضة،و لا تصغر الدّنيا.قال هشام:النظرة.فقال:قد أنظرتك حولا.ثمّ خرج هشام إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام،فقال له:أتاني عبد اللّه الديصاني بمسألة ليس المعوّل فيها إلاّ على اللّه و عليك،قال لي كيت و كيت.فقال عليه السّلام له:كم حواسك؟ قال:خمس.قال:أيّها أصغر؟قال:النّاظر.قال:و كم قدر النّاظر.قال:مثل العدسة أو أقلّ منها.فقال له:يا هشام فانظر أمامك،و فوقك،و اخبرني بما ترى.فقال:أرى سماء و أرضا و دورا،و قصورا،و براري،و جبالا،و أنهارا.

فقال له عليه السّلام:إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر على أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا تصغر الدّنيا،و لا تكبر البيضة.فأكبّ هشام عليه، و قبّل يديه و رأسه و رجليه،و قال:حسبي.و انصرف إلى منزله،و غدا عليه الدّيصاني فقال له:إنّي جئتك مسلّما،و لم أجئك متقاضيا للجواب.فقال له هشام:إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب.فخرج الدّيصاني عنه حتّى أتى باب أبي عبد اللّه عليه السّلام.-إلى أن قال-قال الدّيصاني:دلّني على معبودي،و لا تسألني عن اسمي.فقال عليه السّلام له:اجلس،و إذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها،فقال:ناولني يا غلام.فناوله:فقال:يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ،و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق،و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، و فضّة ذائبة،فلا الذّهبة المائعة تختلط بالفضّة الذّائبة،و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذّهبة المائعة،فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها،و لا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها،لا يدرى للذّكر خلقت أم


1) 1)

للانثى،تنفلق عن مثل ألوان الطواويس،أ ترى لها مدبّرا؟قال:فأطرق مليّا ثمّ قال:أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّك إمام و حجّة (1)

الكافي للكليني 1:79 ح 4 و [1]النقل بتلخيص يسير.

.

و روي أيضا في خبر أنّه عليه السّلام قال لزنديق:لا يخلو قولك:«إنّهما اثنان» من أن يكونا قديمين قويّين،أو يكونا ضعيفين،أو يكون أحدهما قويّا و الآخر ضعيفا،فإن كانا قويّين،فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه و يتفرّد بالتدبير؟ و إن زعمت:أنّ أحدهما قويّ و الآخر ضعيف،ثبت أنّه واحد كما نقول للعجز الظاهر في الثاني.فإن قلت:إنّهما اثنان،لم يخل من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة،أو مفترقين من كلّ جهة،فلمّا رأينا الخلق منتظما،و الفلك جاريا، و التّدبير واحدا،و الليل و النّهار و الشمس و القمر،دلّ صحّة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد.ثم يلزمك إن ادّعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين،فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما،فيلزمك ثلاثة،فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين،حتّى تكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة.قال هشام:فكان من سؤال الزّنديق أن قال:فما الدّليل عليه؟فقال عليه السّلام:وجود الأفاعيل دلّت على أنّ صانعا صنعها،ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أنّ له بانيا،و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده؟قال:فما هو؟قال عليه السّلام:شيء بخلاف الأشياء.ارجع بقولي إلى إثبات معنى،و أنّه شيء بحقيقة الشّيئيّة،غير أنّه لا جسم و لا صورة،و لا يحسّ و لا يجسّ و لا يدرك بالحواسّ الخمس،و لا تدركه الأوهام و لا تنقصه الدّهور،و لا تغيّره الأزمان (2).


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:80 ح 5،و [2]توحيد الصدوق ح:243 1. [3]

و في(المناقب):أنّ رجلا من الحاجّ نام في مسجد المدينة و استيقظ، فتوهّم أنّ هميانه سرق،فرأى جعفر الصادق عليه السّلام مصلّيا،و لم يعرفه فتعلّق به،و قال له:أنت أخذت همياني.قال:ما كان فيه؟قال:ألف دينار.فحمله إلى داره،و وزن له ألف دينار،و عاد إلى منزله و وجد هميانه،فعاد إلى جعفر عليه السّلام معتذرا بالمال،فأبى قبوله،و قال:شيء خرج من يدي لا يعود إليّ.فسأل الرّجل عنه،فقيل له:هذا جعفر الصّادق.قال:لا جرم هذا فعال مثله (1)

المناقب لابن شهر آشوب 4:274. [1]

.

و في(فصول ابن الصّباغ المالكي):روى أنّ داود بن عليّ قتل المعلى بن خنيس-مولى كان لجعفر الصادق عليه السّلام-فأخذ ماله،فبلغ ذلك جعفرا فدخل إلى داره،و لم يزل ليله كلّه قائما إلى الصباح،و لمّا كان وقت السّحر سمع منه و هو يقول في مناجاته:يا ذا القوّة القويّة،و يا ذا المال الشّديد،و يا ذا العزّة الّتي كلّ خلقك لها ذليل،اكفنا هذا الطاغية،و انتقم لنا منه.فما كان إلاّ ارتفعت الأصوات بالصراخ و العويل،و قيل:مات داود فجأة (2).

و قال ابن الصباغ المالكي أيضا:و لمّا بلغ جعفر الصّادق قول الحكم بن عبّاس الكلبي:

صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة و لم أر مهديا على الجذع يصلب

فرفع جعفر يديه إلى السماء،و هما يرتعشان فقال:اللهمّ سلّط على الحكم بن عبّاس الكلبي كلبا من كلابك.فبعثه بنو امية إلى الكوفة،فافترسه الأسد في الطريق،فاتّصل ذلك بالصّادق فخرّ ساجدا،و قال:الحمد للّه الذي أنجزنا ما وعدنا (3).


1) 1)

2) 2) الفصول المهمة لابن الصباغ:226. [2]

3) 3) الفصول المهمة لابن الصباغ:227. [3]

و قال صاحب(عمدة الطالب):يقال لمحمّد بن عبد اللّه بن علي بن الحسين عليه السّلام:الأرقط،قال ذلك أبو الحسن العمري:قال أبو نصر البخاري:من يطعن في الأرقط فلا يطعن فيه من حيث النّسب و العقب،و إنّما يطعنون لشيء جرى بينه و بين جعفر بن محمّد الصادق،يقال:إنّه بصق في وجه الصادق، فدعا عليه فصار أرقط الوجه به نمش كريه المنظر.و أمّا نسبه فلا مطعن فيه (1)

عمدة الطالب للحسيني:252،و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و روى(الكافي)عن صفوان بن يحيى قال:قال لي جعفر بن محمّد بن الأشعث:أ تدري ما كان سبب دخولنا هذا الأمر و معرفتنا به،و ما كان عندنا منه ذكر،و لا معرفة شيء ممّا عند الناس؟إنّ أبا جعفر-يعني:أبا الدوانيق- قال لأبي:ابغ لي رجلا له عقل يؤدي عنّي.فقال له:إنّي قد أصبت لك هذا فلان بن مهاجر خالي.قال:فائتني به.فأتاه به،فقال له:خذ هذا المال و ائت المدينة، و ائت عبد اللّه بن الحسن،و عدّة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمّد فقل لهم:إنّي رجل غريب من أهل خراسان،و بها شيعة من شيعتكم وجّهوا إليكم بهذا المال،و ادفع إلى كلّ منهم كذا و كذا،فإذا قبضوا المال فقل:إنّي رسول،و احبّ أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم.فأخذ المال و أتى المدينة،فرجع إلى أبي الدّوانيق و أبي عنده،فقال له:ما وراءك؟قال:أتيت القوم،و هذه خطوطهم بقبضهم المال،خلا جعفر بن محمّد،فإنّي أتيته و هو يصلّي في مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجلست خلفه،و قلت:حتّى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه.فعجّل و انصرف ثم التفت إليّ و قال:يا هذا اتّق اللّه،و لا تغرّ أهل بيت محمّد،فإنّهم قريبو العهد بدولة بني مروان،فكلّهم محتاج.فقلت:و ما ذاك؟ فأدنى رأسه منّي،و أخبرني بجميع ما جرى بيني و بينك كأنّه كان ثالثنا.فقال


1) 1)

له أبو جعفر:يابن مهاجر اعلم أنّه ليس من أهل بيت نبوّة إلاّ و فيه محدّث،و أنّ جعفر بن محمّد محدّثنا اليوم.فكانت هذه الدّلالة سبب قولنا بهذه المقالة (1)

الكافي للكليني 1:475 ح 6. [1]

.

و عن المفضل بن عمر:أنّ المنصور وجّه إلى الحسن بن زيد-و هو و اليه على الحرمين-أن أحرق على جعفر بن محمّد داره.فألقى النّار في دار أبي عبد اللّه عليه السّلام فأخذت النار في الباب و الدهليز،فخرج أبو عبد اللّه عليه السّلام يتخطى النّار،و يمشي فيها،و يقول:أنا ابن أعراق الثّرى،أنا ابن إبراهيم خليل اللّه (2).

و في(تاريخ اليعقوبي):قال إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس:

دخلت على أبي جعفر المنصور يوما،و قد اخضلت لحيته بالدّموع،فقال لي:ما علمت ما نزل بأهلك؟فقلت:و ما ذاك؟قال:فإنّ سيّدهم و عالمهم و بقية الأخيار منهم توفي.فقلت:و من هو؟قال:جعفر بن محمّد.فقلت:أعظم اللّه أجر أمير المؤمنين،و أطال لنا بقاءه.فقال لي:إنّ جعفرا كان ممّن قال اللّه فيه: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» (3)كان ممّن اصطفى اللّه،و كان من السابقين بالخيرات (4).

و في(الكافي)عن أبي أيّوب النّحوي قال:بعث إليّ المنصور في جوف الليل،فأتيته فدخلت عليه و هو جالس على كرسي،و بين يديه شمعة و في يده كتاب،فلمّا سلّمت عليه رمى بالكتاب إليّ و هو يبكي،فقال لي:هذا كتاب محمّد بن سليمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمّد قد مات،و إنّا للّه و إنّا إليه راجعون -ثلاثا-و أين مثل جعفر؟ثمّ قال لي:اكتب.قال:فكتبت صدر الكتاب،ثمّ قال:


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 4:236. [2]

3) 3) فاطر:32. [3]

4) 4) تاريخ اليعقوبي 2:383 و [4]النقل بتلخيص.

اكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدّمه و اضرب عنقه.فرجع إليه الجواب:أنّه قد أوصى إلى خمسة،و أحدهم أبو جعفر المنصور و محمّد بن سليمان و عبد اللّه و موسى و حميدة.قال النضر بن سويد:فقال المنصور:

ليس إلى قتل هؤلاء سبيل (1)

الكافي للكليني 1:310 ح 13،14. [1]

.

قلت:و لو لم يكن للصادق عليه السّلام إلاّ ما بيّنه للمفضل بن عمر،من حكم اللّه تعالى في خلق الإنسان،و تنقله في أحواله،و في أقسام الحيوان و السباع و الطّيور،و في السّماء،و الشمس،و القمر،و النّجوم،و الفلك،و الليل،و النّهار، و الحرّ و البرد،و الرّياح و الأرض،و الماء،و الهواء،و النار،و المطر،و الصّحو، و الجبال،و الأنهار،و الأحجار،و الأشجار،و ما فيها من العبر،و في حكمة الآفات الحادثة في بعض الأزمان،و قد جمعها المفضل في كتاب الذي يضطر كلّ ملحد إلى الإقرار بالصانع،لكفاه عليه السّلام دليلا على إمامته،و كونه آية من آيات اللّه تعالى و حجّة على خلقه،مع أنّه ملأ الدّنيا من علمه،بل أئمّة العامّة أيضا علومهم منتهية إليه.فأحمد بن حنبل قرأ على الشافعي،و الشافعي قرأ على محمّد بن الحسن،و محمّد بن الحسن قرأ على أبي حنيفة،و أبو حنيفة قرأ عليه عليه السّلام،كما صرّح بذلك ابن أبي الحديد في أوّل(شرحه) (2).

و أمّا الكاظم موسى بن جعفر عليه السّلام فنقل ابن الصّباغ المالكي عن سبط ابن الجوزي و(معالم الجنابذي)،و(كرامات قاضي القضاة الرامهرمزي)عن شقيق البلخي قال:خرجت حاجّا في سنة(149)فنزلت القادسية،فبينما أنا أنظر في زينتهم و كثرتهم إذ نظرت إلى شاب حسن الوجه شديد السمرة، نحيف،فوق ثيابه ثوب صوف مشتمل بشملة،و في رجليه نعل،و قد جلس


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 1:6 [2] المقدمة.

منفردا،فقلت في نفسي:هذا الفتى من الصوفيّة،و يريد أن يخرج مع النّاس فيكون كلاّ عليهم في طريقهم،و اللّه لأمضين إليه و لاوبخنّه.فدنوت منه،فلمّا رآني مقبلا نحوه قال:يا شقيق «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» (1)

الحجرات:12. [1]

فتركني و ولّى،فقلت في نفسي:إنّ هذا لأمر عظيم تكلّم على ما في خاطري،و نطق باسمي،هذا عبد صالح لألحقنه و أسأله الدّعاء،و أن يحلّلني ممّا ظننته به.فغاب عنّي و لم أره،فلمّا نزلنا واقصة فإذا هو واقف يصلّي، فقلت:هذا صاحبي أمضي إليه و أستحلّه.فصبرت حتّى فرغ من صلاته، فالتفت إليّ و قال:يا شقيق «وَ إِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى» (2)ثمّ قام و مضى و تركني،فقلت:هذا الفتى من الأبدال قد تكلّم على سرّي مرّتين.فلمّا نزلنا(زبالة)إذا أنا بالفتى قائم على البئر،و أنا أنظر إليه، و بيده ركوة يريد أن يستسقي فيها الماء،فسقطت الرّكوة من يده في البئر، فرمق إلى السماء بطرفه و سمعته يقول:«أنت ريّي إذا ظمئت إلى ماء،و قوتي إذا أردت طعاما.إلهي و سيّدي مالي سواك فلا تعدمنيها».فو اللّه لقد رأيت الماء ارتفع إلى رأس البئر،و الرّكوة طافية عليه،فمدّ يده و أخذها ملآن-إلى أن قال- ثمّ صلّى خلف المقام،ثمّ خرج يريد الذّهاب،فخرجت خلفه اريد السّلام عليه، و إذا بجماعة قد أطافوا به يمينا و شمالا،و من خلفه و قدّامه،و إذا حشم و موالي،و أتباع قد خرجوا معه،فقلت لهم:من هذا؟فقالوا:موسى بن جعفر... (3).

و قال ابن الصّباغ أيضا:قال صاحب(نثر الدّر):ذكر لموسى بن جعفر


1) 1)

2) 2) طه:82. [2]

3) 3) الفصول المهمة لابن الصباغ:233. [3]

أنّ الهادي قد همّ بك.فقال لمن يليه:ما تشيرون به عليه؟قالوا:نرى أن تتباعد عنه،و أن تغيّب شخصك عنه.فتبسّم ثمّ قال:

زعمت سخينة أن ستغلب ربّها و ليغلبنّ مغالب الغلاّب

ثمّ رفع يده إلى السماء،فقال:إلهي كم من عدوّ لي شحذ ظبة مديته، و داف لي قواتل سمومه،و لم تنم عنّي عين حراسته،فلمّا رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح،و عجزي عن كلمات الجوانح،صرفت ذلك عنّي بحولك و قوّتك لا بحولي و قوّتي،و ألقيته في الحفيرة الّتي احتفرها لي،خائبا ممّا أمّله في دنياه،متباعدا عمّا يرجوه في اخراه،فلك الحمد على قدر ما عممتني فيه من نعمك،و ما توليتني به من جودك و كرمك.اللهمّ فخذه بقوّتك،و افلل حدّه عنّي بقدرتك،و اجعل له شغلا في ما يليه،و عجزا به عمّا ينويه.اللهمّ و أعدني عليه عدوة حاضرة تكون من غيظي شفاء،و من حنقي عليه وفاء،و صل اللهمّ دعائي بالإجابة،و انظم شكايتي بالتّغير،و عرّفه عمّا قليل ما وعدت به من الإجابة لعبيدك المضطرّين،إنّك ذو الفضل العظيم،و المنّ الجسيم.ثمّ انصرفوا عنه.فلمّا كان بعد مدّة يسيرة اجتمعوا،لقراءة الكتاب الوارد عليه عليه السّلام بموت موسى الهادي (1)

الفصول المهمة لابن الصباغ:235. [1]

.

و روى(عيون ابن بابويه)الّذي صنّفه للصّاحب بن عباد مسندا عن الفضل بن الرّبيع قال:كنت أحجب الرّشيد،فأقبل عليّ يوما غضبانا،و بيده سيف يقلّبه،فقال لي بقرابتي من النّبيّ لإن لم تأتني بابن عمّي لآخذنّ الّذي فيه عيناك.فقلت:بمن؟فقال:بهذا الحجازي.قلت:و أيّ حجازي؟قال:موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.فخفت من اللّه أن أجيء به،ثمّ فكّرت في النّقمة،فقلت له:أفعل.فقال:ايتني بسوّاطين،و هبّارين،


1) 1)

و جلاّدين.فأتيته بذلك،و مضيت إلى منزل موسى بن جعفر فأتيت إلى خربة فيها كوخ من جرائد النخل،فإذا أنا بغلام أسود،فقلت له:استأذن لي على مولاك.فقال:ليس له حاجب و لا بوّاب.فولجت إليه،فإذا بغلام أسود بيده مقصّ،يأخذ اللحم من جبينه و عرنين أنفه،من كثرة سجوده،فقلت له:السّلام عليك يابن رسول اللّه أجب الرّشيد.فقال:ما له ولي؟أما تشغله نعمته عنّي؟ثمّ وثب مسرعا و هو يقول:لو لا أنّي سمعت خبرا عن جدّي صلّى اللّه عليه و آله أنّ طاعة السّلطان للتّقية واجبة ما جئت.فقلت:استعدّ للعقوبة.فقال:أليس معي من يملك الدّنيا و الآخرة؟و لن يقدر اليوم على سوء بي.فرأيته و قد أدار يده على رأسه ثلاث مرّات.فدخلت على الرّشيد فإذا هو كأنّه امرأة ثكلى،فلمّا رآني قال:يا فضل.قلت:لبيك.قال:جئتني بابن عمّي؟قلت:نعم.قال:لا تكون أزعجته؟فقلت له:لا.قال:ائذن له بالدخول.فأذنت له،فلمّا رآه وثب إليه و عانقه،و قال له:مرحبا بابن عمّي ما الّذي قطعك عن زيارتنا؟فقال:سعة مملكتك و حبّك للدّنيا.فقال:ايتوني بحقّة الغالية.فاتي بها،فغلقه بيده،ثمّ أمر أن يحمل بين يديه خلع و بدرتا دنانير.فقال موسى بن جعفر:و اللّه لو لا أن ازوّج بها من عزّاب بني أبي طالب،لئلاّ ينقطع نسله ما قبلتها.ثمّ تولى و هو يقول:الحمد للّه ربّ العالمين.فقال الفضل للرّشيد:أردت أن تعاقبه فخلعت عليه و أكرمته؟فقال:يا فضل إنّك لمّا مضيت لتجيئني به رأيت أقواما قد أحدقوا بداري،بأيديهم حراب قد غرزوها في أصل الدّار،و يقولون:إن آذى ابن رسول اللّه خسفنا به و بداره الأرض،و إن أحسن إليه تركناه و انصرفنا.

قال الفضل:فتبعت موسى عليه السّلام و قلت له:ما الّذي قلت حتّى كفيت أمر الرّشيد؟فقال:دعاء جدّي عليّ عليه السّلام،كان إذا دعا به ما برز إلى عسكر إلاّ هزمه، و لا إلى فارس إلاّ قهره،و هو دعاء كفاية البلاء:اللهمّ بك اساور،و بك احاول، و بك أنتصر و بك أموت،و بك أحيا.أسلمت نفسي إليك،و فوّضت أمري عليك،

و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلّي العظيم.اللهمّ إنّك خلقتني و رزقتني،و سترتني عن العباد،و بلطفك خوّلتني و أغنيتني،و إذا هويت رددتني،و إذا عثرت قوّمتني،و إذا مرضت شفيتني،و إذا دعوت أجبتني،يا سيّدي ارض عنّي،فقد أرضيتني (1)

عيون الأخبار للصدوق 1:62 ح 5. [1]

.

و عن إبراهيم بن هاشم القمّي عن بعض أصحابه قال:لمّا حبس الرّشيد موسى بن جعفر عليه السّلام جنّ عليه الليل و خاف من ناحية هارون أن يقتله،فجدّد موسى بن جعفر طهوره فاستقبل بوجهه القبلة،و صلّى للّه أربع ركعات ثمّ دعا بهذه الدّعوات:يا مخلّص الشّجر من بين رمل و طين،و يا مخلّص اللبن من بين فرث و دم،و يا مخلّص الولد من بين مشيمة و رحم،و يا مخلّص النّار من بين الحديد و الحجر خلّصني من يد هارون.فلمّا دعا بهذه الدّعوات أتى هارون رجل أسود في منامه،و بيده سيف قد سلّه فوقف على رأسه،و قال:

اطلق موسى بن جعفر،و إلاّ ضربت علاوتك بسيفي هذا.فخاف من هيبته.

فقال للحاجب:اذهب إلى السّجن فأطلق عن موسى بن جعفر.قال:إلى أن حبسه الثانية فلم يطلقه،حتّى سلّمه إلى السندي بن شاهك و قتله بالسّم (2).

و عن سفيان بن نزار قال:كنت يوما على رأس المأمون،فقال:أ تدرون من علّمني التشيّع؟فقال القوم جميعا:لا و اللّه ما نعلم.قال:الرّشيد.قيل له:

و كيف ذلك،و الرّشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟قال:كان يقتلهم على الملك -و الملك عقيم-و لقد حججت معه سنة،فلمّا صار إلى المدينة تقدّم إلى حجّابه، و قال:لا يدخل عليّ رجل من أهل المدينة و مكّة من أبناء المهاجرين و الأنصار، و بني هاشم،و سائر بطون قريش إلاّ نسب نفسه،و كان الرّجل إذا دخل عليه


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار للصدوق 1:76،و [2]النقل بتلخيص.

قال:أنا فلان بن فلان حتّى ينتهي إلى جدّه من هاشمي أو قرشي أو مهاجري أو أنصاري،فيصله من المال بخمسة آلاف دينار،و ما دونها إلى مائتي دينار، على قدر شرفه و هجرة آبائه.

قال:فإذا أنا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الرّبيع فقال:على الباب رجل يزعم أنّه موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.فأقبل علينا و نحن قيام على رأسه:أنا و الأمين و المؤتمن،و ساير القوّاد،فقال:احفظوا على أنفسكم.ثم قال لآذنه:ائذن له،و لا ينزل إلاّ على بساطي.فبينا نحن كذلك إذ دخل شيخ قد أنهكته العبادة،كأنّه شنّ بال قد كلم من السجود وجهه و أنفه.فلمّا رأى الرّشيد رمى بنفسه عن حمار كان ركبه، فصاح الرّشيد:لا و اللّه إلاّ على بساطي.فمنعه الحجّاب من الترجّل،و نظرنا إليه بالإجلال و الإعظام،فما زال يسير على حماره حتّى صار إلى البساط، و الحجاب و القواد محدقون به فنزل،فقام إليه الرّشيد و استقبله إلى آخر البساط،و قبّل وجهه و عينيه،و أخذ بيده حتّى صيّره في صدر المجلس، و أجلسه معه فيه،و جعل يحدّثه،و يقبل بوجهه عليه،و يسأله عن أحواله.

ثمّ قال له:يا أبا الحسن ما عليك من العيال؟فقال:يزيدون على الخمسمائة.قال:كلّهم أولادك؟قال:لا،أكثرهم موالي و حشم،فأمّا الولد فلي نيف و ثلاثون:الذكران منهم كذا و النّسوان كذا.قال:فلم لا تزوّج النّسوان من بني عمومتهن و أكفائهن؟قال:اليد تقصر عن ذلك.قال:فما حال الضّيعة؟قال:

تعطي في وقت و تمنع في آخر.قال:فهل عليك دين؟قال:نعم نحو عشرة آلاف دينار.فقال الرّشيد:يابن عم أنا اعطيك ما تزوّج به الذّكران و النّسوان، و تقضي الدّين،و تعمّر الضياع.فقال له:وصلتك رحم يابن عم،و شكر اللّه لك هذه النّيّة الجميلة،و الرّحم ماسة،و القرابة و اشجة،و النّسب واحد،و العبّاس عمّ النّبيّ و صنو أبيه،و عمّ علي بن أبي طالب و صنو أبيه،و ما أبعدك اللّه من أن

تفعل ذلك و قد بسط يدك،و أكرم عنصرك،و أعلى محتدك.فقال:أفعل ذلك و كرامة.فقال:إنّ اللّه تعالى قد فرض على ولاة عهده أن ينعشوا فقراء الامّة، و يقضوا عن الغارمين،و يؤدوا عن المثقل،و يكسوا العاري،و يحسنوا إلى العاني،و أنت أولى من يفعل ذلك.فقال:أفعل.

ثمّ قام فقام الرّشيد لقيامه،و قبّل عينيه و وجهه،ثمّ أقبل عليّ و على الأمين و المؤتمن،فقال:يا عبد اللّه و يا محمّد،و يا إبراهيم امشوا بين يدي عمّكم و سيّدكم و خذوا بركابه،و سوّوا عليه ثيابه،و شيّعوه إلى منزله.فأقبل عليّ أبو الحسن موسى بن جعفر سرّا بيني و بينه فبشّرني بالخلافة،و قال لي:

إذا ملكت هذا الأمر فأحسن إلى ولدي.ثمّ انصرفنا.

و كنت أجرأ ولد أبي عليه،فلمّا خلا المجلس قلت له:من هذا الرّجل الّذي قد أعظمته و أكرمته و أجللته،و قمت من مجلسك إليه فاستقبلته،و أقعدته في صدر المجلس و جلست دونه،ثمّ أمرتنا بأخذ الرّكاب له؟قال:هذا إمام النّاس، و حجّة اللّه على خلقه،و خليفته على عباده.فقلت:أو ليست هذه الصّفات كلّها لك و فيك؟فقال:أنا إمام الجماعة في الظّاهر بالغلبة و القهر،و موسى بن جعفر إمام حقّ،و اللّه يا بنيّ إنّه لأحق بمقام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله منّي و من الخلق جميعا،و و اللّه لو نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك،فإنّ الملك عقيم.

فلمّا أراد الرحيل من المدينة إلى مكّة أمر بصرّة سوداء فيها مائتا دينار، و قال للفضل:اذهب بهذه الى موسى بن جعفر،و قل له:يقول الخليفة:نحن في ضيقة،و سيأتيك برّنا بعد الوقت.قال المأمون:فقمت و في صدري حيرة.

فقلت له:تعطي أبناء المهاجرين و الأنصار و سائر قريش و من لا تعرف حسبه و نسبه خمسة آلاف دينار إلى ما دونها،و تعطي موسى بن جعفر،و قد أعظمته و أجللته مائتي دينار؟فقال:اسكت لا امّ لك،فإنّي لو أعطيت هذا ما ضمنته،ما كنت آمنته أن يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته

و مواليه،و فقر هذا و أهل بيته أسلم لي و لكم من بسط أيديهم و أعينهم... (1)

عيون الأخبار للصدوق 1:72 ح 11. [1]

.

و روى خبرا آخر بمضمونه،و في آخره قال المأمون:قال أبي:هذا وارث علم النبيّين،إن أردت العلم الصّحيح فعند هذا.قال المأمون:فحينئذ انغرس في قلبي محبّتهم (2).

و في(أخبار طوال أبي حنيفة الدينوري):ذكر عن الأصمعي قال:دخلت على الرّشيد-و كنت غبت عنه حولين بالبصرة-فأومأ إليّ بالجلوس قريبا منه،فجلست في خفّ النّاس،ثمّ قال لي:يا أصمعي ألا تحبّ محمّدا و عبد اللّه -إلى أن قال-قال الرّشيد:كيف ترى أدبهما؟قلت له:ما رأيت مثلهما في ذكائهما،و جودة ذهنهما-إلى أن قال-فضمّهما الرّشيد إلى صدره،و سبقته عبرته حتّى تحدرت دموعه،ثمّ أذن لهما حتّى إذا نهضا و خرجا قال لي:كيف بكم إذا ظهر تعاديهما،و بدا تباغضهما،و وقع بأسهما بينهما حتى تسفك الدّماء و يودّ كثير من الأحياء أنّهم موتى؟قلت له:هذا شيء قضى به المنجّمون عند مولدهما،أو شيء أخبر به العلماء في أمرهما؟قال:لا،بل شيء أخبر به العلماء من الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما.قالوا:فكان المأمون يقول في خلافته:قد كان الرّشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر.فلذلك قال ما قال (3).

و روى الخطيب في عنوان مقابر بغداد:عن الحسن بن إبراهيم أبي علي الخلال قال:ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهّل اللّه تعالى لي ما احبّ (4).


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار للصدوق 1:75 ح 12. [2]

3) 3) الأخبار الطوال للدينوري:384،و [3]النقل بتصرف في اللفظ.

4) 4) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 1:120. [4]

و قال الدميري في(حياة حيوانه):كان الشافعي يقول:قبر موسى بن جعفر التّرياق المجرب (1)

لم أجده في مظانه من حياة الحيوان.

.

و قال السّيوطي في(تاريخ خلفائه):و في سنة ثمانين(أي:بعد الأربعمائة)جعل النّاصر-الخليفة العبّاسي-مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذبه.قال:و كان النّاصر يتشيّع و يميل إلى مذهب الامامية (2).

و روى أبو الفرج في(مقاتله)عن يحيى بن الحسن قال:كان موسى بن جعفر عليه السّلام إذا بلغه عن الرّجل ما يكره بعث إليه بصرّة دنانير-و كانت صراره ما بين الثلاثمائة إلى المائتي دينار-فكانت صرار موسى مثلا (3).

و روى الخطيب عن ربيع أنّ المهدي لمّا حبس موسى بن جعفر رأى في النّوم عليّ بن أبي طالب و هو يقول: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ» ... (4)

و عنه أيضا:أنّ رجلا من آل عمر كان إذا رأى موسى بن جعفر يشتم عليّا عليه السّلام،و يؤذيه إذا لقيه،فقال له بعض مواليه:دعنا نقتله.فقال:لا.ثمّ مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتواطأها فصاح:لا تدس بزرعنا فلم يصغ إليه،و أقبل حتّى نزل عنده،و جعل يضاحكه،و قال له:كم غرمت على زرعك هذا؟قال مائة دينار.قال:فكم ترجو أن تربح؟قال:لا أدري.قال:إنّما سألتك كم ترجو؟قال:مائة اخرى.فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له،فقام فقبّل رأسه، فلمّا دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلّم عليه و جعل يقول: «اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» قال:فوثب أصحابه عليه فشاتمهم،و كان بعد ذلك كلّما


1) 1)

2) 2) تاريخ الخلفاء للسيوطي:451،452. [1]

3) 3) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:332.

4) 4) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13:30،و الآية 22 [2] من سورة محمّد.

دخل موسى عليه السّلام خرج يسلّم عليه و يقوم له،فقال موسى لمن قال له ذلك القول:أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت (1)

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13:28،و [1]النقل بتصرف.

؟ و روى الخطيب عن عيسى بن محمّد القرظي قال:زرعت بطيخا و قثّاء و قرعا في موضع بالجوانية،على بئر يقال لها:أم عظام.فلمّا استوى الزرع بغتني الجراد،فأتى على الزرع كلّه،و كنت غرمت على الزرع،و في ثمن جملين مائة و عشرين دينارا،فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر فسلّم،ثمّ قال:

أيش حالك؟فقلت:أصبحت كالصّريم،بغتني الجراد فأكل زرعي.قال:و كم غرمت؟قلت:مائة و عشرين دينارا مع ثمن الجملين.فقال:يا عرفة زن له مائة و خمسين دنيا را،فربحك ثلاثين دينارا و الجملين.فقلت:يا مبارك ادخل و ادع لي فيها.فدخل و دعا،و حدّثني عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنه قال:تمسّكوا ببقية المصائب.

قال:ثمّ علقت عليه الجملين،و سقيته فجعل اللّه فيها البركة،زكت فبعت منها بعشرة آلاف (2).

و روى المرتضى في(غرره)عن أيّوب بن الحسين الهاشمي قال:قدم على الرّشيد رجل من الأنصار يقال له:نفيع-و كان عرّيفا-فحضر بابه يوما، و معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز،و حضر موسى بن جعفر عليه السّلام على حمار له،فتلقّاه الحاجب بالبشر و الإكرام،و أعظمه من كان هناك،و عجّل له الإذن،فقال نفيع لعبد العزيز:من هذا الشّيخ؟قال:أو ما تعرفه؟قال:لا.قال:

هذا شيخ آل أبي طالب موسى بن جعفر.فقال:ما رأيت أعجز من هؤلاء!القوم يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السّرير،أما لئن خرج لأسوئنّه.فقال له عبد العزيز:لا تفعل،فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّما تعرّض أحد لهم في خطاب إلاّ


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13:29،و [2]النقل بتصرف.

و صموه في الجواب و صمة،يبقى عارها عليه مدى الدّهر.

قال:و خرج موسى عليه السّلام فقام إليه نفيع و أخذ بلجام حماره،فقال:من أنت؟فقال:يا هذا إن كنت تريد النسب،فأنا ابن محمّد حبيب اللّه،ابن إسماعيل ذبيح اللّه،ابن إبراهيم خليل اللّه،و إن كنت تريد البلد،فهو الّذي فرض اللّه على المسلمين-و عليك إن كنت منهم-الحجّ إليه،و إن كنت تريد المفاخرة،فو اللّه ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفاء لهم،حتّى قالوا:يا محمّد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش.و إن كنت تريد الصّيت و الاسم،فنحن الّذين أمر اللّه تعالى بالصّلاة عليهم في الصلوات الفرائض في قوله:«اللهمّ صلّ على محمّد و آله» و نحن آله،خلّ عن الحمار.فخلّى عنه و يده ترعد،و انصرف بخزي،فقال له عبد العزيز:أ لم أقل لك (1)

أمالي المرتضى المسمى بالغرر و الدرر 1:198 المجلس 19.

؟ و في(تذكرة سبط ابن الجوزي):ذكر الزّمخشري في(ربيع الأبرار):

أنّ هارون كان يقول لموسى:خذ فدكا.و هو يمتنع،فلمّا ألحّ عليه قال:

ما آخذها إلاّ بحدودها.قال:و ما حدّها؟قال:الحدّ الأوّل عدن.فتغيّر وجه الرّشيد،قال:و الحدّ الثاني؟قال:سمرقند.فأربدّ وجهه.قال:و الحدّ الثالث؟قال:إفريقية.فاسودّ وجهه.قال:و الحدّ الرابع؟قال:سيف البحر ممّا يلي الخزر و ارمينية.فقال هارون:فلم يبق لنا شيء.فتحوّل في مجلسه،فقال موسى:قد أعلمتك أنّي إن حدّدتها لم تردّها.فعند ذلك عزم على قتله... (2)

و روى أبو الفرج في(مقاتله):أنّ الحسين بن عليّ صاحب فخ قال لموسى بن جعفر في الخروج.فقال:إنّك مقتول فاجد الضّراب فإنّ القوم


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لابن الجوزي:350. [1]

فسّاق يظهرون إيمانا،و يضمرون نفاقا و شركا (1)

مقاتل الطالبيين:298، [1]في صدر حديث.

.

و في(فصول ابن الصبّاغ المالكي):روى إسحاق بن عمّار قال:لمّا حبس هارون موسى دخل عليه السّجن ليلا أبو يوسف،و محمّد بن-الحسن صاحبا أبي حنيفة-و أرادا أن يختبراه بالسّؤال،لينظرا مكانه من العلم.قال:

و جاء بعض الموكّلين به،و قال له:إنّ نوبتي قد فرغت،و اريد الانصراف إلى غد.فإن كان لك حاجة تأمرني أن آتيك بها معي غدا إذا جئتك؟فقال:ما لي حاجة،انصرف.ثمّ قال لأبي يوسف و محمّد بن الحسن:إنّي لأعجب من هذا الرجل يسألني أن اكلّفه حاجة يأتيني بها معه غدا إذا جاء،و هو ميّت في هذه اللّيلة.فأمسكا عن سؤاله و قاما و قالا:أردنا أن نسأله عن الفرض و السّنّة، و أخذ يتكلّم معنا في علم الغيب،و اللّه لنرسل خلف الرّجل من يبيت عند باب داره،و ننظر ما ذا يكون من أمره.فأرسلا شخصا،فلمّا كان أثناء الليل،و إذا بالصراخ و الواعية.فقيل لهم:ما الخبر؟قالوا:مات صاحب البيت فجأة.فعاد الرّسول و أخبرهما ذلك،فتعجبا من ذلك غاية العجب (2).

و روى(الأغاني)في جعيفران مسندا عن صالح بن عطيّة قال:كان أبو جعيفران عليّ بن أصفر يتشيّع،فظهر على ابنه جعيفران أنّه خالفه إلى جارية له سرية،فطرده عن داره،و حجّ،فشكا ذلك إلى موسى بن جعفر،فقال له موسى:إن كنت صادقا عليه فليس يموت حتّى يفقد عقله،و إن كنت قد تحقّقت ذلك عليه فلا تساكنه في منزلك،و لا تطعمه شيئا من مالك،و أخرجه عن ميراثك بعد وفاتك.فقدم فطرده و أخرجه عن منزله،و سأل الفقهاء عن حيلة يشهد بها في ماله حتّى يخرجه عن ميراثه،فدلّوه على السّبيل إلى ذلك،فأشهد


1) 1)

2) 2) الفصول المهمة لابن الصباغ:241. [2]

به،و أوصى إلى رجل،فلمّا مات جاز الرّجل ميراثه،و منع منه جعيفران فاستعدى عليه أبا يوسف القاضي،فأحضر الوصي،و سأل جعيفران البيّنة على نسبه و تركة أبيه،و أحضر الوصي بيّنة يشهدون على أبيه بما كان احتال به عليه،فلم ير أبو يوسف ذلك شيئا،و عزم على أن يورّثه،فكتب الوصي رقعة خبّره فيها بحقيقته،و ما أفتى به موسى بن جعفر،و دفعها إلى صديق لأبي يوسف،فدفعها إليه،فلمّا قرأها دعا الوصي،و استحلفه أنّه قد صدق في ذلك،فحلف باليمين الغموس،فقال له:اغد عليّ مع صاحبك.فحضر و حضر جعيفران معه،فحكم عليه أبو يوسف للوصي،فلمّا أمضى الحكم عليه وسوس جعيفران،و اختلط منذ يومئذ (1)

الأغاني لأبي الفرج 20:188،و النقل بتصرف.

.

و رواه(نوادر وصيّة الكافي)ناسبا لأبيه إلى جدّه بلفظ(عليّ بن السّري)و مسمّيا لجعيفران جعفرا (2).و الظّاهر أنّه إنّما أمر الرّجل بإخراجه من ميراثه لعلمه عليه السّلام بكونه من زنا،فروى(الأغاني)أنّ جعيفران اطّلع يوما في الحبّ،فرأى وجهه قد تغيّر و عفي شعره،فقال:

ما جعفر لأبيه و لا له بشبيه

أضحى لقوم كثير فكلّهم يدّعيه

و الامّ تضحك منهم لعلمها بأبيه (3)

و أنّ أبا يوسف كان عارفا بأنّه عليه السّلام حكم لذلك،فأنفذ حكمه عليه السّلام،و إلاّ فإنّ الزّنا بالسرية للأب لا يوجب الحرمان من ميراثه،لا على قواعد العامّة،و لا على قواعد الخاصّة.


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 7:61 ح 15،بفرق كثير.

3) 3) الأغاني لأبي الفرج 20:195،و النقل بتصرف.

و روى في(مقاتله)بأسانيد عن النوفلي،و يحيى بن الحسن العلوي، و غيرهما:أنّ الرّشيد جعل ابنه محمّدا في حجر جعفر بن محمّد بن الأشعث، فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك،و قال:إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي و دولة ولدي،فاحتال على جعفر-و كان يقول بالإمامة-حتّى داخله و آنس إليه،و كان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره،و يرفعه إلى الرشيد، و يزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه،ثمّ قال يوما لبعض ثقاته:أ تعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرّفني ما أحتاج إليه من أخبار موسى بن جعفر؟فدلّ على عليّ بن إسماعيل بن جعفر،فحمل إليه يحيى مالا، و كان موسى عليه السّلام يأنس إليه و يصله،و ربما أفضى إليه بأسراره.فلمّا طلب ليشخص به أحسّ موسى عليه السّلام بذلك،فدعاه،فقال له:إلى اين يابن أخي؟قال:

إلى بغداد.قال:و ما تصنع به؟قال:عليّ دين،و أنا مملق.

قال:فإنّي أقضي دينك،و أفعل بك،و أصنع.فلم يلتفت إلى ذلك،فعمل على الخروج،فاستدعاه موسى عليه السّلام و قال له:أنت خارج؟فقال له:نعم لا بدّ من ذلك.فقال له:انظر يابن أخي و اتّق اللّه لا توتم أو لادي،و أمر له بثلاثمائة دينار و أربعة آلاف درهم.

فخرج عليّ بن إسماعيل حتّى أتى يحيى بن خالد،فتعرف منه خبر موسى بن جعفر،فرفعه إلى الرشيد،فسأله عن عمّه،فسعى به إليه،و قال له:

إنّ الأموال تحمل إليه من المشرق و المغرب،و أنّ له بيوت أموال،و أنّه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسمّاها اليسيرة،و قال له صاحبها و قد أحضره المال:لا آخذ هذا النقد،و لا آخذ إلاّ نقدا كذا و كذا.فأمر بذلك المال فردّ،و أعطاه ثلاثين ألف دينار من النّقد الّذي سأل بعينه.فسمع ذلك منه الرّشيد،فأمر له بمائتي الف درهم يسبب له على بعض النّواحي،فاختار كور المشرق، و مضت رسله لقبض المال،و دخل هو في بعض الأيّام إلى الخلاء،فخرجت

حشوته كلّها فسقطت،و جهدوا في ردّها فلم يقدروا فوقع لما به،و جاءه المال، و هو ينزع.فقال:و ما أصنع به و أنا أموت؟ قال:و حجّ الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فقال:يا رسول اللّه إنّي أعتذر إليك من شيء اريد أن أفعله،اريد أن أحبس موسى بن جعفر،فإنّه يريد التّشتّت بين امّتك و سفك دمائها،ثمّ أمر به فأخذ من المسجد فادخل إليه، و أخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطّاتان هو في إحداهما،و وجّه مع كلّ واحدة منهما خيلا،و أخذ بواحدة على طريق البصرة،و اخرى على طريق الكوفة ليعمي على النّاس أمره،و كان عليه السّلام في الّتي مضت إلى البصرة،فأمر الرّسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور،-و كان على البصرة حينئذ-فمضى به فحبسه عنده سنة.

ثمّ كتب الى الرشيد:أن خذه منّي و سلّمه إلى من شئت،و إلاّ خلّيت سبيله،فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجّة،فما أقدر على ذلك،حتّى إنّي لأتسمّع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك،فما أسمعه يدعو إلاّ لنفسه يسأل اللّه الرّحمة و المغفرة.فوجّه من تسلّمه منه،و حبسه عند الفضل بن الرّبيع ببغداد، فبقي عنده مدّة طويلة،و أراده الرّشيد على شيء من أمره فأبي،فكتب إليه ليسلّمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه،و أراد ذلك منه فلم يفعله،و بلغه أنّه عنده في رفاهية و سعة و هو حينئذ بالرّقة،فأنفذ مسرور الخادم إلى بغداد على البريد،و أمره:أن يدخل من فوره على موسى فيعرف خبره،فان كان الأمر على ما بلغه أوصل كتابا منه كتبه إلى العبّاس بن محمّد و أمره بامتثاله، و أوصل كتابا منه إلى السّندي بن شاهك يأمره بطاعة العبّاس بن محمّد.فقدم مسرور،فنزل دار الفضل لا يدري أحد ما يريد،ثمّ دخل على موسى فوجده على ما بلغ الرّشيد،فمضى من فوره إلى العبّاس بن محمّد و السّندي،و أوصل الكتابين إليهما،فلم يلبث الناس أن خرج الرّسول يركض إلى الفضل فركب

معه،و خرج دهشا حتى دخل على العبّاس،فدعا العبّاس،بالسّياط و عقابين، فوجّه بذلك إليه السّندي فأمر بالفضل،فجرّد ثمّ ضربه مائة سوط،و خرج متغيّر اللّون بخلاف ما دخل،فذهبت قوّته فجعل يسلّم يمينا و شمالا،و كتب مسرور بالخبر إلى الرّشيد،فأمر بتسليم موسى إلى السندي،و جلس مجلسا حافلا و قال:أيّها النّاس إنّ الفضل بن يحيى قد عصاني،و خالف طاعتي و رأيت أن ألعنه فالعنوه.فلعنه،النّاس من كلّ ناحية حتّى ارتجّ البيت و الدّار بلعنه،فبلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرّشيد،فدخل من غير الباب الّذي يدخل منه النّاس،حتّى جاءه من خلفه و هو لا يشعر،ثمّ قال له:التفت إليّ.

فأصغى إليه فزعا.فقال له:إنّ الفضل حدث،و أنا أكفيك ما تريد.فانطلق وجهه و سرّ،فقال له يحيى:غضضت من الفضل بلعنك إيّاه فشرّفه بإزالة ذلك عليّ.

فأقبل على النّاس فقال:إنّ الفضل كان قد عصاني في شيء فلعنته،و قد تاب و أناب إلى طاعتي،فتولّوه.فقالوا:نحن أولياء من و اليت،و أعداء من عاديت، و قد تولّيناه.

ثم خرج يحيى على البريد حتّى وافى بغداد،فماج الناس و ارجفوا بكلّ شيء،و أظهر أنّه ورد لتعديل السّواد،و النّظر في أمر العمّال،و تشاغل ببعض ذلك،ثمّ دخل و دعا بالسّندي و أمره،فلفّه على بساط،و قعد الفراشون النّصارى على وجهه.

و أمر موسى بن جعفر عليه السّلام عند وفاته السّندي:أن يحضر مولى له ينزل عند دار العبّاس بن محمّد،في مشرعة القصب ليغسّله،ففعل ذلك.

قال السّندي:و سألته أن يأذن لي في أن أكفّنه،فأبى و قال:إنّا أهل بيت مهور نسائنا،و حجّ صرورتنا،و أكفان موتانا من أطهر أموالنا،و عندي كفني.

فلمّا مات ادخل عليه الفقهاء،و وجوه أهل بغداد،و فيهم الهيثم بن عدي،فنظروا إليه لا أثر به،و شهدوا على ذلك،و اخرج فوضع على الجسر ببغداد،فنودي:

هذا موسى بن جعفر قد مات،فانظروا إليه.

و عن بعض الطّالبيين:نودي عليه:هذا موسى بن جعفر الّذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت،فانظروا إليه (1)

مقاتل الطالبيين:333-336. [1]

.

و رواه(الإرشاد)و زاد بعد ذكر طلب عيسى بن جعفر من هارون تسلّم الكاظم عليه السّلام منه،و روى أنّ بعض عيون عيسى رفع إليه أنّه يسمعه كثيرا يقول في دعائه و هو محبوس عنده:اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك،اللهمّ و قد فعلت،فلك الحمد» (2).

و روى(الكافي)عنه عليه السّلام قال:إنّ اللّه عزّ و جلّ غضب على الشّيعة، فخيّرني نفسي أوهم،فوقيتهم و اللّه بنفسي (3).

و في(فرق شيعة الحسن بن موسى النوبختي)و في رواية:أنّ الكاظم عليه السّلام دفن بقيوده،و أنّه أوصى بذلك (4).

و روى(الكافي)عن الحسن بن محمّد بن بشار قال:حدّثني شيخ من أهل قطيعة الرّبيع،من العامّة ببغداد،ممّن كان ينقل عنه قال:قال لي:قد رأيت بعض من يقولون بفضله من أهل هذا البيت،فما رأيت مثله قط في فضله و نسكه.فقلت له:من،و كيف رأيته؟قال:جمعنا أيّام السّندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه المنسوبين إلى الخير،فأدخلنا على موسى بن جعفر،فقال لنا السّندي:يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرّجل هل حدث به حدث؟فإنّ النّاس يزعمون أنّه قد فعل به،و يكثرون في ذلك،و هذا منزله و فراشه موسّع عليه غير مضيّق،و لم يرد به أمير المؤمنين سوءا،و إنّما ينتظر به أن يقدم فيناظر


1) 1)

2) 2) الإرشاد للمفيد:298. [2]

3) 3) الكافي للكليني 1:260 ح 5. [3]

4) 4) فرق الشيعة للنوبختي:85. [4]

أمير المؤمنين،و هذا هو صحيح موسّع عليه في جميع اموره،فسلوه.قال:

و نحن ليس لنا همّ إلاّ النّظر إلى الرّجل،و إلى فضله و سمته.فقال موسى بن جعفر:أمّا ما ذكر من التّوسعة،و ما أشبهها فهو على ما ذكر،غير أنّي اخبركم أيّها النّفر أنّي قد سقيت السّمّ في سبع تمرات،و أنا غدا أخضرّ و بعد غد أموت.

قال:فنظرت إلى السّندي بن شاهك يضطرب،و يرتعد مثل السّعفة (1)

الكافي للكليني 1:258 ح 2. [1]

.

و روى(العيون)عن أحمد بن عبد اللّه القزويني عن أبيه،قال:دخلت على الفضل بن الرّبيع،و هو جالس على سطح،فقال لي:ادن.فدنوت حتّى حاذيته ثمّ قال لي:اشرف على البيت في الدّار.فأشرفت فقال:ما ترى في البيت؟قلت:

ثوبا مطروحا.فقال:انظر حسنا.فتأمّلت،فقلت:رجل ساجد.فقال:أتعرفه؟ قلت:لا.قال:هذا مولاك.قلت:و من مولاي؟قال:تتجاهل عليّ؟فقلت:لا أعرف لي مولى.فقال:هذا موسى بن جعفر،إنّي أتفقده الليل و النهار،فلا أجده في وقت من الأوقات إلاّ على الحالة الّتي اخبرك بها.إنّه يصلّي الفجر،فيعقّب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشّمس،ثمّ يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتّى تزول الشّمس،و قد وكّل من يترصد له الزّوال،فلست أدري متى يقول الغلام:قد زالت الشّمس-إذ وثب فيبتدئ الصّلاة من غير أن يحدث حدثا، فاعلم أنّه لم ينم في سجوده و لا أغفى،و لا يزال إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلّى العصر يسجد سجدة،فلا يزال ساجدا حتّى تغيب الشّمس،فإذا غابت الشّمس،وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يحدث حدثا،و لا يزال في صلاته و تعقيبه إلى أن يصلّي العتمة،و إذا صلّى العتمة أفطر على شوى يؤتى به،ثمّ يجدّد الوضوء ثمّ يسجد ثمّ يرفع رأسه،فينام نومة خفيفة، ثمّ يقوم فيجدّد الوضوء،فلا يزال يصلّي في جوف الليل،فلست أدري متى


1) 1)

يقول الغلام:إنّ الفجر قد طلع.إذ قد وثب هو لصلاة الفجر،فهذا دأبه منذ حوّل إليّ.فقلت:اتّق اللّه،و لا تحدثنّ في أمره حدثا يكون فيه زوال النعمة،فقد تعلم أنّه لم يفعل أحد بأحد منهم سوءا إلاّ كانت نعمته زائلة.فقال:قد أرسلوا إليّ غير مرّة يأمرونني بقتله،فلم أجبهم إلى ذلك،و أعلمتهم أنّي لا أفعل ذلك،و لو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني.قال:فلمّا كان بعد ذلك حوّل إلى الفضل بن يحيى البرمكي فحبس عنده أياما،و كان الفضل بن الرّبيع يبعث إليه كلّ يوم مائدة حتّى مضى ثلاثة أيّام و لياليها،فلمّا كان الليلة الرّابعة قدّمت إليه مائدة الفضل بن يحيى،فرفع يده إلى السّماء،فقال:يا ربّ إنّك تعلم أنّي لو أكلت هذا قبل اليوم كنت أعنت على نفسي.قال:فأكل فمرض،فلمّا كان من الغد جاءه الطبيب،فعرض عليه خضرة في بطن راحته-و كان السّمّ الّذي سمّ به قد اجتمع في ذلك الموضع-فانصرف الطّبيب إليهم،و قال:هو و اللّه أعلم بما فعلتم به.ثمّ توفّي عليه السّلام (1)

عيون الأخبار للصدوق 1:86 ح 10. [1]

.

و عن الثّوباني قال:كانت لأبي الحسن موسى عليه السّلام في بضع عشرة سنة كلّ يوم سجدة بعد انفضاض الشّمس إلى وقت الزّوال،فكان هارون ربّما صعد سطحا يشرف على المجلس الّذي حبس فيه،فكان يراه ساجدا، فقال يوما:يا ربيع ما ذاك الثّوب الّذي أراه كلّ يوم في ذلك الموضع؟قال:ما ذاك بثوب،و إنّما هو موسى بن جعفر له كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشّمس إلى وقت الزّوال.فقال:أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم.قلت:فمالك قد ضيّقت عليه في الحبس؟قال:هيهات لا بدّ من ذلك (2).

و عن الحسن بن عبد اللّه الصّيرفي عن أبيه قال:توفّي موسى بن


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار للصدوق 1:77 ح 14 و:81 ح 5. [2]

جعفر عليه السّلام في يد السّندي،فحمل على نعش و نودي عليه:هذا إمام الرّافضة فاعرفوه.فلمّا اتي به مجلس الشّرطة قام أربعة نفر فنادوا:ألا من أراد أن يرى الخبيث ابن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج.و خرج سليمان بن أبي جعفر من قصره إلى الشّط،فسمع الصّياح و الضوضاء،فقال لغلمانه و لولده:ما هذا؟قالوا:السّندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعشه.فقال لولده:يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربي،فإذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم،فإن مانعوكم فاضربوهم،و أخرقوا ما عليهم من السّواد.فلمّا عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم،و ضربوهم،و خرقوا عليهم سوادهم،و وضعوه في مفرق أربعة طرق،و أقاموا المنادين ينادون:ألا من أراد أن يرى الطيّب ابن الطيّب موسى بن جعفر فليخرج.و حضر الخلق، و غسّل و حنّط بحنوط فاخر،و كفّنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي و خمسمائة دينار عليها القرآن،و احتفى و مشى في جنازته ملببا مشقوق الجيب إلى مقابر قريش،فدفنه هناك،و كتب بخبره إلى الرّشيد.فكتب إليه الرّشيد:و صلتك رحم يا عم،و أحسن اللّه جزاك،و اللّه ما فعل السّندي ما فعل عن أمرنا (1)

عيون الأخبار للصدوق 1:77 ح 14 و:81 ح 5. [1]

.

و في(الارشاد):و كان عليه السّلام يدعو كثيرا:اللّهم إنّي أسألك الراحة عند الموت،و العفو عند الحساب (2).و كان من دعائه عليه السّلام:عظم الذّنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك (3).

و فيه:و كان الإمام بعد أبيه عليه السّلام،لاجتماع خلال الفضل فيه و الكمال،و لنّص أبيه عليه،و كان مولده بالأبواء سنة ثمان و عشرين


1) 1)

2) 2) إرشاد المفيد:296. [2]

3) 3) إرشاد المفيد:296. [3]

و مائة،و قبض عليه السّلام ببغداد في حبس السّندي،لستّ خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة،و له يومئذ خمس و خمسون سنة،فكانت مدّة خلافته بعد أبيه خمسا و ثلاثين سنة،و كان أفقه أهل زمانه و أحفظهم لكتاب اللّه، و أحسنهم صوتا بالقرآن،و كان إذا قرأ يحزن و يبكي السّامعون لتلاوته،و كان النّاس بالمدينة يسمّونه زين المتهجدين،و سمّي بالكاظم لما كظمه من الغيظ،و صبر عليه من فعل الظالمين به،حتّى مضى قتيلا في وثاقهم (1)

ارشاد المفيد:288،298،و [1]النقل بتلخيص.

.

قلت:و يقال له عليه السّلام:أبو الحسن الماضي لقول ابنه الرّضا عليه السّلام-لمّا كان يسأل هل مات؟-:نعم مضى كما مضى آباؤه (2).ردّا على الواقفة في قولهم بعدم موته و مضيّه،و يقال له:أبو الحسن الأوّل،و الرّضا عليه السّلام الثاني، و الهادي عليه السّلام الثالث.

و أمّا أبو الحسن الرّضا عليه السّلام،فقال المسعودي في(مروجه):إنّ المأمون أمر في سنة مائتين بإحصاء ولد العبّاس من رجالهم و نسائهم، و صغيرهم و كبيرهم،فكان عددهم ثلاثة و ثلاثين ألفا،و بعث برجاء بن أبي الضّحاك و ياسر الخادم إلى عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام لإشخاصه،فحمل إليه مكرّما وصل إليه و هو بمدينة مرو،فأنزله أحسن إنزال،و أمر بجمع خواصّ الأولياء،و أخبرهم أنّه نظر في ولد العبّاس،و ولد عليّ عليه السّلام فلم يجد في وقته أحدا أفضل و لا أحقّ بالأمر من عليّ بن موسى،فبايع له بولاية العهد،و ضرب اسمه على الدّنانير و الدّراهم،و زوّج ابنه محمّد بن عليّ بن موسى بابنته امّ الفضل،و أمر بإزالة السّواد من اللباس و الأعلام،و نمي ذلك إلى من بالعراق


1) 1)

2) 2) معرفة الرجال للكشي،اختياره:463 ح 883، [2]ضمن حديث،و النقل بالمعنى.

من ولد العبّاس،فأعظموه إذ علموا أنّ في ذلك خروج الأمر عنهم (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:440،و [1]النقل بتصرف يسير.

.

و في(تاريخ الطبري):ذكر أنّ عيسى بن محمّد بن أبي خالد بينما هو في ما هو فيه من عرض أصحابه بعد منصرفه من عسكره إلى بغداد إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل،يعلمه أنّ المأمون قد جعل عليّ بن موسى وليّ عهده من بعده-و ذلك أنّه نظر في بني العبّاس و بني عليّ فلم يجد أحدا هو أفضل و لا أورع و لا أعلم منه،و أنّه سمّاه الرّضا من آل محمّد،و أمره بطرح لبس الثّياب السّود و لبس ثياب الخضرة-و ذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة(201)،و يأمره أن يأمر من قبله من أصحابه و الجند و القوّاد و بني هاشم بالبيعة له،و أن يأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم و قلانسهم و أعلامهم،و يأخذ أهل بغداد جميعا بذلك (2).

و روى أبو الفرج في(مقاتله)بأسانيد:أنّ المأمون وجّه إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة،و فيهم عليّ بن موسى،فأخذ بهم على طريق البصرة،و كان المتولّي لاشخاصهم المعروف بالجلودي من أهل خراسان،فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا،و أنزل عليّ بن موسى دارا، و وجّه إلى الفضل بن سهل،فأعلمه أنّه يريد العقد له،و أمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك،ففعل و اجتمعا بحضرته فجعل الحسن يعظّم ذلك عليه،و يعرّفه ما فيه من إخراج الأمر من أهله،فقال له:إنّي عاهدت اللّه أن اخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع،و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل.فاجتمعا معه على ما أراد،فأرسلهما إلى عليّ بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى فلم يزالا به،و هو يأبى ذلك،و يمتنع منه،إلى أن قال له أحدهما:


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 7:139 سنة 201. [2]

إن فعلت،و إلاّ فعلنا بك و صنعنا.و تهدّداه،ثمّ قال له أحدهما:و اللّه أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد.ثمّ دعا به المأمون فامتنع،فقال له قولا شبيها بالتهدد.ثمّ قال له:إنّ عمر جعل الشّورى في ستّة أحدهم جدّك،و قال:من خالف فاضربوا عنقه،و لا بدّ من قبول ذلك،فأجابه.

ثمّ جلس المأمون في يوم خميس،و خرج الفضل فأعلم النّاس برأي المأمون،و أنّه ولاّه عهده،و سمّاه الرّضا،و أمرهم بلبس الخضرة،و العود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة،فلمّا كان ذلك اليوم ركب النّاس من القوّاد و القضاة و غيرهم من النّاس في الخضرة،و جلس المأمون، و وضع للرّضا عليه السّلام و سادتين عظيمتين حتّى لحق بمجلسه و فرشه،و أجلس الرّضا عليه السّلام عليهما في الخضرة،و عليه عمامة و سيف،ثمّ أمر ابنه العبّاس فبايع له أوّل الناس،فرفع الرّضا عليه السّلام يده،فتلقى بظهرها وجه نفسه و ببطنها وجوههم.فقال له المأمون:ابسط يدك للبيعة.فقال له:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله هكذا كان يبايع.فبايعه النّاس،و وضعت البدر،و قامت الخطباء و الشّعراء فجعلوا يذكرون فضل الرّضا عليه السّلام و ما كان من أمر المأمون فيه-إلى أن قال-ثمّ قال المأمون للرّضا عليه السّلام:قم فاخطب النّاس.فقام و قال بعد حمد اللّه و الثناء عليه:

إنّ لنا عليكم حقّا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و لكم علينا حقّ به،فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحقّ لكم.و لم يذكر عنه غير هذا في ذاك المجلس (1)

مقاتل الطالبيين:375. [1]

.

و روى أيضا عن محمّد بن أبي عمر المدني و غيره عن عبد الجبّار بن سعيد يخطب تلك السنّة على منبر رسول اللّه بالمدينة،أنّه قال في الدّعاء:

و أصلح وليّ عهد المسلمين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ عليه السّلام.


1) 1)

ستّة آباؤهم ما هم هم خير من يشرب صوب الغمام (1)

مقاتل الطالبيين:376،377 [1] عن محمّد بن أبي عمر و يحيى بن الحسن العلوي.

و في(تذكرة سبط ابن الجوزي):ذكر عبد اللّه بن أحمد المقدسي في كتاب أنساب القرشيين نسخة يرويها:عليّ بن موسى الرّضا عن أبيه موسى عن أبيه جعفر عن أبيه محمّد عن أبيه عليّ عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.ثم قال:أسناد لو قرئ على مجنون برأ (2).

و فيه أيضا:أنّه لمّا جعل المأمون الرّضا وليّ عهده شغبت بنو العبّاس ببغداد عليه و خلعوه من الخلافة،و ولّوا إبراهيم بن المهدي و المأمون بمرو، و تفرّقت قلوب شيعة بني العبّاس عنه.فقال له عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام:

النّصح لك واجب،و الغشّ لا يحلّ لمؤمن،إنّ العامة تكره ما فعلت معي، و الخاصة تكره الفضل بن سهل،فالرأي أن تنحّينا عنك،حتّى يستقيم لك الخاصّة و العامّة،فيستقيم أمرك-إلى أن قال-و فيه يقول أبو نواس:

قيل لي أنت أوحد النّاس في كلّ كلام من المقال بديه

لك في جوهر الكلام فنون ينثر الدّر في يدي مجتنيه

فعلى ما تركت مدح ابن موسى و الخصال الّتي تجمّعن فيه

قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل خادما لأبيه (3)

و روى محمّد بن بابويه في(عيونه)الّذي صنّفه للصّاحب بن عباد عن ياسر الخادم،قال:كان الرّضا عليه السّلام إذا خلا جمع حشمه كلّهم عنده الصّغير و الكبير.فيحدّثهم و يأنس بهم و يؤنسهم،و كان إذا جلس على المائدة لا يدع صغيرا و لا كبيرا،حتّى السّائس و الحجام إلاّ أقعده معه على مائدته.قال ياسر:فبينا نحن عنده إذ سمعنا وقع القفل الّذي كان على باب المأمون إلى دار


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:352،355،358.

3) 3) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:352،355،358.

الرّضا عليه السّلام،فقال لنا:قوموا تفرّقوا فقمنا عنه،فجاء المأمون و معه كتاب طويل،فأراد الرّضا عليه السّلام أن يقوم فأقسم عليه المأمون بحقّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن لا يقوم،ثمّ جاء حتّى انكبّ عليه،و قبّل وجهه،و قعد بين يديه،فقرأ ذلك الكتاب عليه،فإذا فيه«فتح لبعض قرى كابل»كان فيه«إنّا فتحنا قرية كذا و كذا»فقال له الرّضا عليه السّلام:و سرّك فتح قرية من قرى الشرك؟فقال المأمون:أو ليس في ذلك سرور؟فقال:اتق اللّه في امّة محمّد و ما ولاّك اللّه و خصّك به،فإنّك قد ضيّعت أمر المسلمين،و فوّضت ذلك إلى غيرك يحكم فيهم بغير حكم اللّه، و قعدت في هذه البلاد و تركت بيت الهجرة و مهبط الوحي،و إنّ المهاجرين و الأنصار يظلمون دونك و(لا يرقبون في مؤمن إلاّ و لا ذمّة)،و يأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه،و يعجز عن نفقته،و لا يجد من يشكو إليه حاله، و لا يصل إليك،فاتّق اللّه في امور المسلمين،و ارجع إلى بيت النّبوّة و معدن المهاجرين و الأنصار،أما علمت أنّ والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط،من أراده أخذه؟ قال المأمون:يا سيّدي فما ترى؟ قال:أرى أن تخرج من هذه البلاد،و تتحوّل إلى موضع آبائك و أجدادك، و تنظر في امور المسلمين و لا تكلهم إلى غيرك.

فقال:نعم يا سيدي ما قلت هو الرّأي.فخرج و أمر أن يقدّم النّجائب،فبلغ ذلك ذا الرّياستين فغمّه غمّا شديدا،و قد كان غلب على الأمر،و لم يكن للمأمون عنده رأي،فلم يجسر أن يكاشفه،ثمّ قوي بالرّضا عليه السّلام جدّا،فجاء ذو الرّياستين إلى المأمون،فقال له:ما هذا الرّأي الذي أمرت به؟قال:أمرني سيّدي أبو الحسن عليه السّلام بذلك و هو الصّواب.قال:ما هذا الصّواب؟قتلت بالأمس أخاك و أزلت الخلافة عنه،و بنو أبيك معادون لك،و جميع أهل العراق، و أهل بيتك و العرب،ثمّ أحدثت هذا الحدث الثاني:ولّيت ولاية العهد لأبي

الحسن و أخرجتها من بني أبيك،و العامّة و الفقهاء و العلماء،و آل بني العبّاس لا يرضون بذلك،و قلوبهم متنافرة عنك.فالرّأي أن تقيم بخراسان حتّى تسكن قلوب النّاس على هذا الأمر و يتناسوا ما كان من أمر أخيك،و هاهنا مشايخ قد خدموا الرّشيد،و عرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك،فإن أشاروا بذلك فامضه،فقال المأمون:مثل من؟قال:عليّ بن أبي عمران،و ابن يونس، و الجلودي-و هؤلاء هم الّذين نقموا بيعة الرّضا عليه السّلام،و لم يرضوا به،فحبسهم المأمون بهذا السّبب-فقال المأمون:نعم.فلمّا كان الغد جاء أبو الحسن عليه السّلام فدخل على المأمون،و قال له:ما صنعت؟فحكى له ما قال ذو الرّياستين،و دعا المأمون بهؤلاء النّفر فأخرجهم،فأوّل من ادخل عليه عليّ بن أبي عمران، فنظر إلى الرّضا عليه السّلام بجنب المأمون،فقال للمأمون:اعيذك باللّه أن تخرج هذا الأمر الّذي جعله اللّه لكم،و تجعله في أيدي أعدائكم،و من كان آباؤك يقتلهم و يشرّدهم في البلاد.فقال المأمون:يابن الزّانية،و أنت بعد على هذا؟قدّمه يا حرسي فاضرب عنقه.فضرب عنقه،و ادخل ابن يونس،فلما نظر إلى الرّضا عليه السّلام بجنب المأمون قال له:هذا الّذي بجنبك و اللّه صنم يعبد من دون اللّه.قال له المأمون:يابن الزّانية و أنت بعد على هذا؟يا حرسي قدّمه فاضرب عنقه.فضرب عنقه.ثمّ ادخل الجلودي-و كان الرّشيد في خلافته لمّا خرج محمّد بن جعفر بن محمّد بالمدينة،و بعثه و أمره إن ظفر به أن يضرب عنقه، و أن يغير على دور آل أبي طالب،و أن يسلب نساءهم و لا يدع على واحدة منهنّ إلاّ ثوبا واحدا،ففعل الجلودي ذلك،و قد كان مضى موسى بن جعفر عليه السّلام،فصار الجلودي إلى باب دار الرّضا عليه السّلام فهجم على داره بخيله، فلمّا نظر إليه الرّضا عليه السّلام جعل النّساء كلّهن في بيت،و وقف على باب البيت، فقال الجلودي:لا بدّ من أن أدخل البيت فأسلبهنّ كما أمرني الخليفة.فقال له الرّضا عليه السّلام:أنا أسلبهنّ لك،و أحلف أنّي لا أدع عليهنّ شيئا حتّى قراطهنّ

و خلاخلهنّ إلاّ أخذته.فلم يزل يطلب إليه،و يحلف له حتّى سكن.فدخل الرّضا عليه السّلام عليهنّ فلم يدع عليهنّ شيئا إلاّ أخذه منهنّ،و جميع ما كان في الدّار من قليل و لا كثير-فلمّا كان هذا اليوم و ادخل الجلودي على المأمون قال الرضا عليه السّلام للمأمون:هب لي هذا الشيخ.فقال المأمون:يا سيّدي هذا الّذي فعل ببنات النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما فعل من سلبهن،فنظر الجلودي إلى الرّضا عليه السّلام و هو يكلّم المأمون فظنّ أنّه يعين عليه لما كان فعله.فقال للمأمون:أسألك باللّه و بخدمتي للرّشيد أن لا تقبل قول هذا فيّ.فقال:يا أبا الحسن قد أقسمني و نحن نبرّ قسمه.ثمّ قال:لا و اللّه لا أقبل قوله فيك،ألحقوه بصاحبيه.فقدّم فضرب عنقه،و قد كان المأمون أمر أن يقدّم النّواب و ردّها ذو الرّياستين.فلمّا قتل المأمون هؤلاء علم أنّه قد عزم على الخروج فقال الرّضا عليه السّلام للمأمون:ما صنعت بتقديم النّواب؟فقال:مرهم يا سيّدي أنت بذلك.فخرج عليه السّلام و صاح بالناس قدّموا النّواب.فكأنّما وقعت فيهم النّيران.فأقبلت النّواب تتقدّم و تخرج.-إلى أن قال بعد ذكر أخذ الفضل بن سهل كتاب أمان من المأمون-:

و إنّ المأمون أعطاه كلّ ما أحبّ،و كتب له بخطّه:أنّي قد حبوتك بكذا و كذا من الأموال،و الضّياع و السّلطان.و بسط له أمله،و طلب الفضل منه عليه السّلام إمضاءه لكونه ولي العهد.فقال عليه السّلام له:يا فضل لك علينا هذا ما اتّقيت اللّه تعالى.

قال ياسر:فنغّص عليه أمره في كلمة واحدة،فخرج فلمّا كان بعد ذلك بأيّام ورد على الفضل كتاب من أخيه الحسن:بأنّي نظرت في تحويل هذه السّنة في النّجوم فوجدت أنّك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حرّ الحديد و حرّ النّار،فأرى أن تدخل أنت و الرّضا و المأمون في الحمام في هذا اليوم فتحتجم فيه،و تصبّ الدّم على بدنك ليزول نحسه عنك.فبعث الفضل إلى المأمون،و سأله أن يدخل الحمام معه و يسأل الرّضا أيضا ذلك-إلى أن قال- فكتب الرّضا عليه السّلام إلى المأمون لست بداخل غدا الحمّام،فإنّي رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله

في النّوم في هذه الليلة يقول لي:يا عليّ لا تدخل الحمّام غدا،فلا أرى لك،و لا للفضل أن تدخلا الحمام غدا.فكتب إليه المأمون:صدقت يا سيّدي و صدق النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لست بداخل الحمام غدا،و أمّا الفضل فهو أعلم و ما يفعله-إلى أن قال-فلمّا صلّى الرّضا عليه السّلام الصّبح قال لنا:قولوا نعوذ باللّه من شرّ ما ينزل في هذا اليوم.فلمّا كان قريبا من طلوع الشّمس قال الرّضا عليه السّلام:اصعد السّطح فاستمع هل تسمع شيئا؟فلمّا صعدت سمعت الضجّة،فإذا بالمأمون قد دخل من الباب الّذي كان إلى داره من دار الرّضا عليه السّلام يقول:يا سيّدي آجرك اللّه في الفضل.و كان قد دخل الحمّام،فدخل عليه قوم بالسّيوف،فقتلوه و اجتمع القوّاد و الجند من كان من رجال الفضل على باب المأمون،فقالوا:اغتاله و قتله فلنطلبنّ بدمه.فقال المأمون للرّضا عليه السّلام:يا سيّدي ترى أن تخرج إليهم و تفرّقهم.قال ياسر:فركب الرّضا عليه السّلام و قال لي:اركب.فلمّا خرجنا من الباب نظر الرّضا عليه السّلام إليهم،و قد جاءوا بالنّيران ليحرقوا الباب،فصاح بهم-و أومأ بيده إليهم-تفرّقوا.قال ياسر:فو اللّه أقبل النّاس يقع بعضهم على بعض،و ما أشار إلى أحد إلاّ ركض و مرّ (1)

عيون الأخبار للصدوق 2:157 ح 24. [1]

.

و في(فصول ابن الصّبّاغ المالكي)لمّا جعل المأمون الرّضا عليه السّلام وليّ عهده كان في حاشيته اناس قد كرهوا ذلك،و خافوا خروج الخلافة من بني العبّاس،و عودها إلى بني فاطمة،فحصل عندهم من الرّضا نفور،و كان عادة الرّضا إذا جاء إلى دار المأمون ليدخل عليه بادر من في الدّهليز من الحجّاب بالقيام له و السّلام عليه،و يرفعون له السّتر حتّى يدخل،فلمّا حصلت لهم هذه النفرة تفاوضوا في ذلك،فبينما هم إذ جاء يدخل،فقالوا:نعرض عنه،و لا نرفع له السّتر،و اتّفقوا على ذلك،فلم يملكوا أنفسهم أن قاموا و سلّموا،و رفعوا له


1) 1)

السّتر،فلمّا دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون على ما فعلوا،و قالوا:

الكرّة الثانية إذا جاء لا نرفعه له،فلمّا كان اليوم الثاني و جاء على عادته قاموا و سلّموا،و لم يرفعوا السّتر فجاءت ريح شديدة فرفعت السّتر أكثر ممّا كانوا يرفعونه،فدخل ثم سكنت،ثمّ عند خروجه جاءت الرّيح من الجانب الآخر فرفعته له و خرج،فأقبل بعضهم على بعض،و قالوا:إنّ لهذا الرّجل عند اللّه منزلة (1)

الفصول المهمة لابن الصباغ:244. [1]

.

و فيه:روى الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ بأسناده عن أبي حبيب قال:

رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المنام،و كأنّه قد نزل في المسجد الّذي ينزله الحجّاج من بلدنا في كلّ سنة،و كأنّي قد مضيت إليه و سلّمت عليه،و وقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني،و كأنّه قبض قبضة من ذلك التّمر فناولنيها فعددتها،فوجدتها ثماني عشرة تمرة،فتأوّلتها أنّي أعيش بعدد كلّ تمرة سنة.فلمّا كان بعد عشرين يوما و أنا في أرض لي إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرّضا عليه السّلام من المدينة،و نزوله في ذلك المسجد،و رأيت النّاس يسعون إلى السّلام عليه من كلّ جانب،فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الّذي رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه،و تحته حصير مثل الحصير الّذي رأيته تحت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و بين يديه طبق من خوص و فيه تمر صيحاني،فسلّمت فردّ عليّ،فاستدناني و ناولني قبضة من ذلك التمر،فإذا هي بعدد ما ناولني النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في النوم ثماني عشرة حبّة،فقلت:زدني.فقال:

لو زادك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لزدناك (2).

و روى الحاكم أيضا باسناده عن سعيد بن سعد أنّ الرّضا عليه السّلام نظر إلى


1) 1)

2) 2) الفصول المهمّة لابن الصّباغ:247،251. [2]

رجل فقال:يا عبد اللّه أوص بما تريد،و استعدّ لما لا بدّ منه،فمات الرّجل بعد ذلك بثلاثة أيّام (1)

الفصول المهمّة لابن الصّباغ:247،251. [1]

.

و عن الحسين بن موسى قال:كنّا حول أبي الحسن الرّضا عليه السّلام،و نحن شباب من بني هاشم إذ مرّ علينا جعفر بن علي العلوي و هو رثّ الهيئة،فنظر بعضنا إلى بعض مستزرين لهيئته،فقال الرّضا عليه السّلام:سترونه عن قريب كثير المال كثير الخدم،فما مضى إلاّ شهر واحد حتّى ولّي إمرة المدينة و حسنت حالته،و كان يمرّ علينا و حوله الخدم و الحشم يسيرون بين يديه (2).

و فيه قال إبراهيم بن العبّاس:سمعت:العبّاس يقول:ما سئل الرّضا عن شيء إلاّ علمه،و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزّمان إلى وقت عصره،و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء،فيجيبه الجواب الشّافي،و كان قليل النّوم كثير الصّوم،لا يفوته صيام ثلاثة أيّام في كلّ شهر،و يقول:ذلك صيام الدّهر،و كان كثير المعروف و الصّدقة سرّا،و أكثر ما يكون ذلك منه في الليالي المظلمة،و كان جلوسه في الصّيف على حصير،و في الشّتاء على مسح (3).

و فيه أيضا:أورد صاحب كتاب(تاريخ نيسابور)في كتابه:أنّ الرّضا عليه السّلام لمّا دخل إلى نيسابور كان في قبة مستورة بالسّقلاط على بغلة شهباء،و قد شق نيسابور،فعرض له الإمامان الحافظان للأحاديث النّبويّة أبو زرعة الرّازي،و محمّد بن أسلم الطّوسي،و معهما خلائق لا يحصون من طلبة العلم،و أهل الأحاديث و أهل الرّواية و الدّراية،فقالا له:أيّها السّيّد الجليل ابن السّادة الأئمّة بحقّ آبائك الأطهرين،و أسلافك الأكرمين إلاّ ما أريتنا وجهك الميمون المبارك،و رويت لنا حديثا عن آبائك عن جدّك محمّد صلّى اللّه عليه و آله نذكرك به.

قال:فاستوقف له البغلة،و أمر غلمانه بكشف المظلّة عن القبّة،و أقرّ عيون تلك


1) 1)

2) 2) الفصول المهمّة لابن الصّباغ:247،251. [2]

3) 3) الفصول المهمّة لابن الصّباغ:247،251. [3]

الخلائق برؤية طلعته المباركة،فكانت له ذؤابتان على عاتقه،و النّاس كلّهم قيام على طبقاتهم ينظرون إليه،و هم من بين صارخ و باك و متمرّغ في التّراب، و مقبّل لحافر بغلته،و علا الضّجيج،فصاحت الأئمة و العلماء:معاشر النّاس اسمعوا و عوا،و انصتوا لسماع ما ينفعكم،و لا تؤذونا بكثرة صراخكم و بكائكم،و كان المستملي أبو زرعة،و محمّد بن أسلم.فقال عليّ الرّضا:

حدّثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصّادق عن أبيه محمّد الباقر عن أبيه عليّ زين العابدين عن أبيه الحسين الشهيد بكربلا عن أبيه عليّ بن أبي طالب،قال:حدّثني حبيبي،و قرّة عيني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:حدّثني جبرئيل قال:سمعت ربّ العزّة سبحانه و تعالى يقول:كلمة لا إله إلاّ اللّه حصني فمن قالها دخل حصني،و من دخل حصني أمن من عذابي.ثمّ أرخى السّتر و سار، فعدّوا أهل المحابر و الدويّ الّذين كانوا يكتبون،فأنافوا على عشرين ألف.

قال الاستاد أبو القاسم القشيري:اتصل هذا الحديث بهذا السند ببعض الامراء السّامانيّة فكتبه بالذّهب،و أوصى بأن يدفن معه في قبره،فرئي في النّوم بعد موته،فقيل له:ما فعل اللّه؟قال:قد غفر اللّه لي (1)

الفصول المهمة لابن الصباغ:253،256. [1]

.

و روى مضمونه محمّد بن بابويه في(عيونه)بأسناده عن إسحاق بن راهويه،و زاد في آخره:فلمّا مرّت الرّاحلة نادانا:«بشروطها و أنا من شروطها».و قال:إنّ من شروطها الإقرار بكون الرّضا عليه السّلام إماما مفترض الطّاعة (2).

و في(فصول ابن الصّباغ المالكي):ذكر المدائني أنّ الرّضا لمّا جلس ذلك المجلس،و هو لابس تلك الخلع و الخطباء يتكلّمون،و تلك الألوية تخفق


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار للصدوق 2:134 ح 4. [2]

على رأسه نظر إلى بعض مواليه ممّن كان يختص به،و قد داخله من السّرور ما لا عليه مزيد و ذلك لما رأى،فأشار إليه الرّضا فدنا منه،و قال له في اذنه سرّا:لا تشغل قلبك بشيء ممّا ترى من هذا الأمر،و لا تستبشر فإنّه لا يتمّ (1)

الفصول المهمة لابن الصباغ:253،256. [1]

.

و فيه،و في عهد كتبه المأمون للرّضا عليه السّلام بخطّه:فلمّا انقضت النبوّة، و ختم اللّه بمحمّد الرسالة جعل قوام الدّين،و نظام أمر المسلمين في الخلافة و نظامها،و القيام بشرايعها و أحكامها،و لم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة،و حمل مشاقّها،و اختبر مرارة طعمها و مذاقها،مسهرا لعينه،منضيا لبدنه،مطيلا لفكره في ما فيه عزّ الدين،و قمع المشركين،و صلاح الامّة،و جمع الكلمة،و نشر العدل،و إقامة الكتاب و السّنّة،و منعه ذلك من الخفض و الدّعة، و مهنأ العيش محبّة أن يلقى اللّه سبحانه و تعالى مناصحا له في دينه و عباده، و مختارا لولاية عهده،و رعاية الامّة من بعده أفضل من يقدر عليه في دينه و ورعه و علمه،و أرجاهم للقيام بأمر اللّه تعالى و حقّه مناجيا للّه تعالى بالاستخارة في ذلك،و مسألة إلهامه ما فيه رضاه،و طاعته في آناء ليله و نهاره،معملا فكره و نظره في ما فيه طلبه و التماسه في أهل بيته من ولد عبد اللّه بن عباس و عليّ بن أبي طالب،مقتصرا في من علم حاله و مذهبه منهم على علمه،و بالغا في المسألة في من خفي عليه أمره جهده و طاقته حتّى استقصى امورهم معرفة،و ابتلى أخبارهم مشاهدة،و استبرأ أحوالهم معاينة،و كشف ما عندهم مساءلة،و كانت خيرته-بعد استخارة اللّه تعالى،و إجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده و بلاده في الفئتين جميعا-عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام لمّا رأى من فضله البارع،و علمه الذائع،و ورعه الظّاهر الشائع،و زهده الخالص النّافع،و تخليته


1) 1)

من الدّنيا،و تفرده عن النّاس،و قد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه منطبقة، و الألسن عليه متّفقة،و الكلم فيه جامعة،و الأخبار واسعة،و لما لم نزل نعرفه به من الفضل يافعا،و ناشئا،و حدثا،و كهلا.فلذلك عقد له بالعهد و الخلافة من بعده واثقا بخيرة اللّه تعالى في ذلك،إذ علم اللّه تعالى أنّه فعله إيثارا له و للدّين، و نظرا للإسلام و المسلمين،و طلبا للسلامة و ثبات الحجّة،و النّجاة في اليوم الّذي يقوم فيه النّاس لربّ العالمين.

و دعا أمير المؤمنين ولده،و أهل بيته،و خاصّته،و قوّاده،و خدمه فبايعوه الكلّ مطيعين مسارعين مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة اللّه على الهوى في ولده و غيرهم ممّن هو أشبك رحما،و أقرب قرابة، و سمّاه الرّضا إذ كان رضيّا عند اللّه تعالى،و عند النّاس،و قد آثر طاعة اللّه، و النظر لنفسه،و للمسلمين و الحمد للّه ربّ العالمين.و كتب بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى و مائتين.

قال:و كتب الرّضا بيده على ظهر العهد:«أقول و أنا عليّ بن موسى بن جعفر:إنّ أمير المؤمنين عضّده اللّه بالسّداد،و وفّقه للرّشاد،عرف من حقّنا ما جهله غيره،و إنّه جعل إليّ عهده و الإمرة الكبرى إن بقيت بعده،و الجامعة و الجفر يدلاّن على ضدّ ذلك،و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم «إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ» »... (1)

الفصول المهمّة لابن الصباغ:257،و [1]الآية 57 من سورة الأنعام. [2]

و في(فواتح الميبدي):كان الرّضا عليه السّلام واقفا على الجفر،و كان ورّاثه يستخرجون أحوال العالم من الجفر،و المأمون بايع الرّضا في سنة(201)و كتب له عهدا،فكتب الرّضا على ظهر عهد المأمون:«الجامعة و الجفر يدلاّن على ضدّ ذلك،و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم «إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ»


1) 1)

«يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ» » (1)

فواتح الميبدي:185.

.

و في(تاريخ اليعقوبي):توفّي الرضا عليه السّلام بقرية يقال لها:النّوقان،قيل:

إنّ عليّ بن هشام أطعمه رمانا فيه سمّ،و أظهر المأمون عليه جزعا شديدا.

فحدّثني أبو الحسن بن أبي عباد قال:رأيت المأمون يمشي في جنازته حاسرا في مبطنة بيضاء،و هو بين قائمتي النعش يقول:إلى من أروح بعدك يا أبا الحسن،و أقام عند قبره ثلاثة أيّام يؤتى في كلّ يوم برغيف و ملح فيأكله (2).

قلت:أي المأمون؟و في(فصول ابن الصّبّاغ المالكي)أيضا ممّا نقل إلي بالاستماع أنّ المأمون وجد في يوم عيد انحراف مزاج أحدث عنده ثقلا له عن الخروج إلى الصلاة،فقال للرّضا:قم يا أبا الحسن اركب و صلّ بالنّاس العيد.

فامتنع،قال:قد علمت ما كان بيني و بينك من الشّروط فاعفني.فقال:انّما اريد أن انوّه بذكرك ليشتهر أمرك بأنّك وليّ عهدي،و ألحّ عليه في ذلك،فقال:إن اعفيتني كان أحبّ إليّ،و إن أبيت إلاّ أن أخرج فإنّما أخرج على الصّفة التي كان يخرج عليها النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.فقال:افعل كيف أردت.

و أمر المأمون القوّاد و الجند،و أعيان دولته بالرّكوب في خدمته إلى المصلّى،فركب النّاس إلى بيته،و حضر القوّاد،و المؤذّنون و المكبّرون إلى بابه ينتظرون أن يخرج فخرج إليهم،و قد اغتسل،و لبس أفخر ثيابه،و تعمّم بعمامة قطن،و ألقى طرفا منها على عاتقه،و مسّ طيبا و أخذ عكازا في يده، و خرج ماشيا و لم يركب،و قال لمواليه و أتباعه:افعلوا كما فعلت.ففعلوا كفعله،و ساروا بين يديه عند شروق الشّمس رافعين أصواتهم بالتّكبير و التّهليل،فلمّا رآه القوّاد و الجند على تلك الحالة لم يسعهم إلاّ أن نزلوا عن


1) 1)

2) 2) تاريخ اليعقوبي 2:453 و [1]النقل بتلخيص.

خيولهم و مراكبهم و ساروا بين يديه،و تركوا مراكبهم مع غلمانهم خلف النّاس،و كان الرّضا عليه السّلام كلّما كبّر كبّر النّاس تكبيرة واحدة،و كلّما هلّل هلّلوا تهليلة و هم سائرون بين يديه،حتّى خيّل للنّاس أنّ الحيطان و الجدران يجاوبهم بالتّكبير و التّهليل،و تزلزلت مرو،و ارتفع البكاء و الضجيج.فبلغ ذلك المأمون،فقال له الفضل:إن بلغ الرّضا المصلّى هكذا افتتن النّاس به،و خفنا على دمائنا و أرواحنا،و عليك في نفسك فابعث إليه يردّ.فبعث إليه:قد كلّفناك، و لا نحبّ أن تلحقك مشقّة ارجع إلى بيتك يصلّي بالناس غيرك.

و رواه ابن طلحة الشافعي في(مطالبه)و فيه:فخرج الرّضا،و عليه قميص قصير أبيض،و عمامة بيضاء لطيفة و هما من قطن،و في يده قضيب، فأقبل ماشيا يؤمّ المصلّى،و هو يقول:«السّلام على أبويّ آدم و نوح.السّلام على أبويّ إبراهيم و إسماعيل.السّلام على أبويّ محمّد و عليّ.السّلام على عباد اللّه الصالحين».فلمّا رآه الناس هرعوا إليه،و انثالوا عليه لتقبيل يده، فأسرع بعض الحاشية إلى الخليفة المأمون،و قال له:تدارك النّاس و اخرج إليهم و صلّ بهم و إلاّ خرجت الخلافة منك الآن (1)

رواه ابن الصباغ في الفصول المهمّة:260،و ابن طلحة في مطالب السؤول:86. [1]

.

و فيه أيضا:قال دعبل الخزاعي:لمّا قلت قصيدتي«مدارس آيات» قصدت بها الرّضا عليه السّلام و هو بخراسان وليّ عهد المأمون،فأحضرني المأمون و سألني عن خبري،ثمّ قال لي:أنشدني«مدارس آيات خلت من تلاوة»فقلت:ما أعرفها.فقال:يا غلام!أحضر أبا الحسن الرّضا.فلم تكن ساعة إلاّ حضر.فقال له:سألت دعبلا عن«مدارس آيات خلت من تلاوة»فذكر أنّه لا يعرفها.فقال لي:أنشده.فأخذت فيها فأنشدتها،فاستحسنها المأمون.

فأمر لي بخمسين ألف درهم،و أمر لي الرّضا عليه السّلام بقريب من ذلك.فقلت:يا


1) 1)

سيّدي إن رأيت أن تهب لي شيئا من ثيابك ليكون كفني؟فقال:نعم.ثمّ دفع لي قميصا قد ابتذله،و منشفة لطيفة،و قال لي:احفظ هذا تحرس به.ثمّ دفع إليّ الفضل بن سهل وزير المأمون صلة،و حملني على برذون أصفر خراساني، و كنت اسايره في يوم مطير،و عليه مطير خز،و برنس.فأمر لي به و دعا بغيره،و قال:إنّما آثرتك به خير ممطر.فاعطيت به ثمانين دينارا،فلم تطب نفسي ببيعه،ثمّ كررت راجعا إلى العراق،فلمّا صرت في بعض الطريق خرج علينا الأكراد فأخذونا فكان ذلك اليوم يوما مطيرا،فبقيت في قميص خلق متأسّفا من جميع ما كان معي على القميص و المنشفة،و مفكّرا في قول سيّدي الرضا عليه السّلام إذا مرّ بي واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الّذي حملني عليه الفضل ذو الرّياستين،و عليه الممطر،و وقف بالقرب منّي ليجتمع إليه أصحابه،و هو ينشد:«مدارس آيات خلت من تلاوة»و يبكي.فقلت:يا سيّدي لمن هذه القصيدة؟فقال:و ما أنت و ذلك و يلك.فقلت:لي سبب اخبرك به.فقال:

هي أشهر بصاحبها من أن يجهل.فقلت:من؟قال:دعبل بن عليّ الخزاعي شاعر آل محمّد-جزاه اللّه خيرا-فقلت له:يا سيّدي فأنا و اللّه دعبل و هذه قصيدتي.قال:و يلك ما تقول؟قلت:الأمر أشهر من ذلك.فاسأل أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة،و سألهم عنّي.فقالوا:هذا دعبل بن عليّ الخزاعي.

فقال:قد أطلقت كلّ ما اخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك.ثم نادى في أصحابه:من أخذ شيئا فليردّه.فردّ على النّاس جميع ما اخذ منهم،و رجع عليّ جميع ما كان معي،فحرست أنا و القافلة ببركة ذلك القميص و المنشفة (1)

مطالب السؤول لابن طلحة:85.

.

و رواه(العيون)عن أبي الصّلت الهروي هكذا:قال:دخل دعبل على الرّضا عليه السّلام بمرو فقال له:إنّي قد قلت قصيدة،و آليت أن لا انشدها


1) 1)

أحدا قبلك.فقال عليه السّلام:هاتها.فأنشده:

مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ إلى قوله:

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما و أيديهم من فيئهم صفرات

بكى الرّضا عليه السّلام و قال له:صدقت يا خزاعي.و لمّا بلغ إلى قوله:

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم أكفّا عن الأوتار منقبضات

جعل عليه السّلام يقلّب كفيه،و يقول:أجل و اللّه منقبضات.فلمّا بلغ إلى قوله:

لقد خفت في الدّنيا و أيّام سعيها و إنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال عليه السّلام:آمنك اللّه يوم الفزع الأكبر.فلما انتهى إلى قوله:

و قبر ببغداد لنفس زكيّة تضمّنها الرّحمن في الغرفات

قال:أ فلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟قال:بلى.

قال عليه السّلام:

و قبر بطوس يا لها من مصيبة توقد في الأحشاء بالحرقات

إلى الحشر حتّى يبعث اللّه قائما يفرّج عنّا الهمّ و الكربات

قال:يابن رسول اللّه هذا القبر الّذي بطوس قبر من؟قال:قبري،و لا تنقضي الأيّام و الليالي حتّى تصير طوس مختلف شيعتي و زواري،ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة،مغفورا له،ثم نهض عليه السّلام و أمر دعبل أن لا يبرح،فلمّا كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية،و قال له:يقول لك مولاي:اجعلها في نفقتك.فقال:و اللّه ما لهذا جئت و لا قلت القصيدة طمعا،و ردّ الصرّة،و سأل ثوبا من ثيابه.فأنفذ عليه السّلام إليه جبّة خز مع الصّرة،و قال للخادم:قل له:خذ هذه الصرّة فإنّك ستحتاج إليها.فأخذهما و انصرف،و سار من مرو في قافلة فلمّا بلغ(ميان كوهان)وقع عليهم اللّصوص فأخذوا القافلة بأسرها و كتفوهم و فيهم دعبل،و جعلوا

يقسمون القافلة بينهم،فتمثّل رجل منهم بقول دعبل:

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما و أيديهم من فيئهم صفرات

فقال له دعبل:لمن هذا البيت؟فقال:لرجل من خزاعة يقال له:دعبل.قال:

فأنا دعبل.فوثب الرّجل إلى رئيسهم و كان يصلّي على رأس تلّ و كان من الشّيعة فأخبره فجاء،و قال له:أنت دعبل؟فقال:نعم.فقال:أنشدني القصيدة.

فأنشدها فحلّ كتافه،و كتاف جميع القافلة،و ردّ عليهم ما اخذ منهم لكرامة دعبل،و سار دعبل حتّى وصل إلى قم،فسألوه أن ينشدهم القصيدة فأمرهم أن يجتمعوا في الجامع فصعد المنبر فأنشدهم،فوصلوه من المال و الخلع بشيء كثير،و اتّصل بهم خبر الجبّة،فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار، فأبى،فقالوا:فشيئا منها.فأبى و سار فلمّا خرج من البلد لحق به قوم من الأحداث،و أخذوا الجبّة،فرجع إلى قم،و سألهم ردّها.فقالوا:لا سبيل لك إلى الجبّة،فخذ ثمنها ألف دينار.فأبى،فلمّا يئس من ردّهم سألهم أن يدفعوا إليه شيئا منها،فأجابوه و دفعوا ثمن باقيها ألف دينار،فانصرف إلى وطنه،فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله،فباع مائة ديناره عليه السّلام من الشيعة كلّ دينار بمائة درهم،فحصل في يده عشرة آلاف درهم،فذكر قول الرّضا عليه السّلام:إنّك ستحتاج إلى الدّنانير.و كانت له جارية لها من قلبه محل، فرمدت رمدا عظيما،فقال أهل الطبّ:أمّا العين اليمنى فقد ذهبت،و أمّا اليسرى فنرجو أن تسلم.فذكر ما كان معه من وصلة الجبّة،فمسحها على عيني الجارية و عصبها بعصابة من أوّل الليل،فأصبحت و عيناها أصحّ مما كانتا قبل ببركته عليه السّلام (1)

عيون الأخبار للصدوق 2:267 ح 34. [1]

.

و روى أبو الفرج في(مقاتله)عن الحسن بن عليّ الخفاف عن أبي


1) 1)

الصلت قال:دخل المأمون إلى الرضا عليه السّلام يعوده،فوجده يجود بنفسه،فبكى و قال:اعزز عليّ يا أخي بأن أعيش ليومك،و قد كان لي في بقائك أمل،و أغلظ عليّ من ذلك و أشدّ أنّ النّاس يقولون:إنّي سقيتك سمّا و أنا إلى اللّه من ذلك بريء.فقال له الرّضا عليه السّلام:صدقت-إلى أن قال-فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره،و أمر أن يحفر إلى جانب أبيه ثم أقبل علينا،فقال:حدّثني صاحب هذا النّعش أنّه يحفر له قبر،فيظهر فيه ماء و سمك،احفروا.فحفروا،فلمّا انتهوا إلى اللّحد نبع فيه ماء و ظهر فيه سمك،ثم غاض الماء فدفن فيه الرّضا عليه السّلام (1)

مقاتل الطالبيين:380. [1]

.

و في(فصول ابن الصّباغ المالكي)و(مناقب ابن طلحة الشافعي) -و اللفظ للثاني-:قال:كان هرثمة بن أعين في خدم الخليفة إلاّ أنّه كان محبّا لأهل البيت إلى الغاية.قال طلبني سيّدي الرّضا عليه السّلام،قال:إنّي مطلعك على أمر يكون عندك سرّا لا تظهره و أنا حيّ،و إلاّ كنت خصمك عند اللّه تعالى،اعلم أنّني بعد أيّام آكل عنبا و رمّانا مفتوتا فأموت،و يقصد المأمون أن يجعل مدفني خلف قبر أبيه،و أنّ اللّه تعالى لا يقدره على ذلك،و أنّ الأرض تشتدّ،فلا يستطيع أحد حفر شيء منها،و إنّما قبري في الموضع الفلاني-و عيّنه لي-فإذا متّ و جهزت فأعلمه بجميع ما قلت لك،و قل له:يتأنّ في الصّلاة عليّ،فإنّه يأتي رجل عربي متلثم على بعير مسرع،و عليه و عثاء السّفر،فينزل عن بعيره، و يصلّي عليّ،ثمّ اقصد المكان الّذي عيّنته لك،فاحفر شيئا يسيرا من وجه الأرض تجد قبرا محفورا في قعره ماء أبيض،فإذا كشفته ينضب الماء فهو مدفني.

قال:فو اللّه ما طالت الأيّام حتّى أكل عنبا و رمّانا كثيرا فمات،فدخلت


1) 1)

على الخليفة فوجدته يبكي عليه،فقلت له:عاهدني الرّضا على أمر أقوله لك؟ و قصصت عليه تلك القصّة من أوّلها إلى آخرها،و هو يتعجّب ممّا أقوله.فأمر بتجهيزه،فلمّا تجهّز تأنّى في الصّلاة عليه،و إذا برجل قد أقبل من الصّحراء على بعير مسرعا،فلم يكلّم أحدا،ثمّ دخل على جنازته و صلّى عليه و خرج، و صلّى النّاس عليه،و أمر المأمون بطلب الرّجل ففاتهم،و لم يعلموا له خبرا.ثمّ أمر بأن يحفر له خلف قبر الرّشيد،فعجز الحافرون،فذهب إلى موضع ضريحه الآن،فبقدر ما كشف وجه الأرض ظهر قبر محفور،و إذا في قعره ماء أبيض كما قال،فأعلمت المأمون فحضر و أبصر الصّورة الّتي ذكرها،فنضب الماء فدفن فيه،و لم يزل المأمون يتعجّب من قوله،و كلّما خلوت في خدمته يقول لي:يا هرثمة كيف قال لك أبو الحسن؟فاعيد عليه الحديث،فيتلهف عليه (1)

الفصول المهمة لابن الصباغ،و [1]مطالب السؤول لابن طلحة:86.

.

و رواه ابن بابويه في(عيونه)عن تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشي عن أبيه عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن خلف الطاطري عن هرثمة بأبسط (2).

و في(مقاتل ابي الفرج):اختلف في أمر وفاته و كيف كان سبب السّمّ الّذي سقيه،فذكر محمّد بن عليّ بن حمزة أنّ منصور بن بشير ذكر عن أخيه عبد اللّه بن بشير أنّ المأمون أمره أن يطوّل أظفاره،ففعل،ثم أخرج إليه شيئا يشبه التّمر الهندي،و قال له:افركه و اعجنه بيديك جميعا.ففعل ثمّ دخل على الرّضا.فقال:ما خبرك؟قال:أرجو أن أكون صالحا.فقال له:هل جاءك أحد من المترفّقين اليوم؟قال:لا.فغضب و صاح على غلمانه،و قال له:فخذ ماء الرّمان اليوم فإنّه ممّا لا يستغنى عنه.ثمّ دعا برمّان فأعطاه عبد اللّه بن بشير،و قال له:


1) 1)

2) 2) عيون الأخبار للصدوق 1:248 ح 1. [2]

اعصر ماءه بيدك.ففعل و سقاه المأمون الرّضا بيده فشربه،فكان ذلك سبب وفاته،و لم يلبث إلاّ يومين حتّى مات.

قال محمّد بن عليّ بن حمزة و بلغني عن أبي الصّلت الهروي أنّه دخل على الرّضا عليه السّلام بعد ذلك،فقال له:يا أبا الصّلت قد فعلوها-أي قد سقوني السّمّ-و جعل يوحّد اللّه و يمجّده.

قال محمّد بن علي:و سمعت محمّد بن الجهم يقول:إنّ الرّضا عليه السّلام كان يعجبه العنب فاخذ له عنب،و جعل في موضع أقماعه الأبر،فتركت أيّاما ثمّ نزعت،فأكل منه في علّته فقتله،و ذكر أنّ ذلك من لطيف السّموم (1)

مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:377.

.

و روى أبو الفرج أيضا في عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه المحض:أنّ المأمون كتب إليه و هو متوار منه يعطيه الأمان،و يضمن له أن يولّيه العهد من بعده كما فعل بعليّ بن موسى،و يقول:ما ظننت أنّ أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرّضا،فكتب إليه عبد اللّه بن موسى:وصل كتابك و فهمته،تختلني عن نفسي ختل القانص،و تحتال عليّ حيلة المغتال القاصد لسفك دمي،و عجبت من بذلك العهد،و ولايته لي بعدك كأنّك تظنّ أنّه لم يبلغني ما فعلته بالرّضا عليه السّلام،ففي أيّ شيء ظننت أنّي أرغب من ذلك؟أفي الملك الّذي غرّتك نضرته و حلاوته؟فو اللّه لأن اقذف و أنا حيّ في نار تتأجّج أحبّ إليّ من أن ألي أمرا بين المسلمين،أو أشرب شربة من غير حلّها مع عطش شديد قاتل،أم في العنب المسموم الّذي قتلت به الرّضا عليه السّلام (2)؟ و في(كامل بن الأثير):جدّد محمود الغزنوي عمارة المشهد بطوس الّذي فيه قبر عليّ بن موسى الرضا،و الرشيد و أحسن عمارته-و كان أبوه


1) 1)

2) 2) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:416.

سبكتكين أخربه-و كان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم عن ذلك،و كان سبب فعله أنّه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام في المنام و هو يقول له:«إلى متى هذا»؟فعلم أنّه يريد أمر المشهد.فأمر بعمارته (1)

الكامل لابن الاثير 9:401 سنة 421. [1]

.

و أمّا الجواد عليه السّلام فروى محمّد بن محمّد بن النّعمان في(إرشاده)مسندا عن محمّد بن حمزة عن محمّد بن عليّ الهاشمي.قال:دخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام صبيحة عرسه ببنت المأمون-و كنت تناولت من الليل دواء،فأوّل من دخل عليه في صبيحته أنا-و قد أصابني العطش،و كرهت أن أدعو بالماء،فنظر أبو جعفر عليه السّلام في وجهي و قال:أراك عطشان؟قلت:أجل.

قال:يا غلام اسقنا ماء.فقلت في نفسي:السّاعة يأتونه بماء مسموم، و اغتممت لذلك،فأقبل الغلام و معه الماء،فتبسّم في وجهي،ثمّ قال:يا غلام ناولني الماء فشرب،ثمّ ناولني فشربت و أطلت عنده،فعطشت فدعا بالماء ففعل كما فعل في المرّة الاولى فشرب،ثمّ ناولني فشربت و تبسّم.قال محمّد ابن حمزة:فقال لي محمّد بن عليّ الهاشمي:و اللّه،إنّي أظنّ أنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما يقول الرّافضة (2).

و عن الرّيان بن شبيب قال:لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته امّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ بلغ ذلك العبّاسيين،فغلظ عليهم و استكبروه،و خافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى إليه مع الرّضا،فخاضوا في ذلك،و اجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه،فقالوا:ننشدك اللّه أن تقيم على هذا الأمر الّذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرّضا،فإنّا نخاف أن تخرج به عنّا أمرا قد ملّكناه اللّه، و تنزع منّا عزّا قد ألبسناه،فقد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا،


1) 1)

2) 2) الإرشاد للمفيد:325. [2]

و ما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم و التّصغير بهم،و قد كنّا في وهلة من عملك مع الرّضا ما عملت حتّى كفانا اللّه المهمّ من ذلك،فاللّه اللّه أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا،فاصرف رأيك عن ابن الرّضا،و اعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.فقال لهم المأمون:أمّا ما بينكم و بين آل أبي طالب،فأنتم السّبب فيه،و لو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم،و أمّا ما كان يفعله من قبلي بهم،فقد كان به قاطعا للرّحم،و أعوذ باللّه من ذلك،و و اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا،و لقد سألته أن يقوم بالأمر فأنزعه عن نفسي،فأبى «وَ كانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مَقْدُوراً» (1)

الأحزاب:38. [1]

،و أمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبرّزه على كافّة أهل الفضل،في العلم و الفضل،مع صغر سنّه و الاعجوبة فيه بذلك،و أنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرّأي ما رأيت.فقالوا:إنّ هذا الفتى و إن راقك منه هديه فإنّه صبي لا معرفة له،و لا فقه،فأمهله حتّى يتأدّب و يتفقّه في الدّين،ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.فقال لهم:و يحكم أنا أعرف بهذا الفتى منكم،و إنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه و من إلهامه،لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدّين و الأدب عن الرّعايا النّاقصة عن حدّ الكمال،فإن شئتم فامتحنوه بما يتبيّن لكم ما وصف به من حاله.قالوا:فخلّ بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشّريعة،فإن أصاب الجواب لم يكن لنا اعتراض في أمره.فقال لهم:شأنكم و ذاك.فخرجوا من عنده و اجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم-و هو يومئذ قاضي الزّمان-على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها،و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك،و عادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع،فأجابهم،فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه و حضر معهم يحيى،

1) 1)

فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست و يجعل له فيه مسورتان.ففعل ذلك.

و خرج أبو جعفر عليه السّلام-و هو يومئذ ابن تسع سنين و أشهر-فجلس بين المسورتين،و جلس يحيى بين يديه،و قام النّاس في مراتبهم،و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السّلام،فقال يحيى للمأمون:أ تأذن لي أن أسأل أبا جعفر؟فقال:استأذن منه.فأقبل عليه يحيى،فقال:أ تأذن-جعلت فداك-في مسألة؟قال:سل إن شئت.قال:ما تقول في محرم قتل صيدا؟فقال له أبو جعفر عليه السّلام:قتله في حلّ أو حرم،عالما كان أم جاهلا،عمدا قتله أم خطأ، حرّا كان أم عبدا،صغيرا كان أم كبيرا،مبتدئا كان أم معيدا.من ذوات الطّير كان الصّيد أم من غيرها،من صغار الصّيد كان أم من كبارها،مصرّا على ما فعل أو نادما،في الليل كان قتله للصّيد أم نهارا،محرما كان بالحج أم بالعمرة؟فتحيّر يحيى و بان في وجهه العجز و الانقطاع،و لجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره.

فقال المأمون:الحمد للّه على التوفيق لي في الرّأي،ثمّ نظر إلى أهل بيته، و قال لهم:عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ثمّ أقبل على أبي جعفر عليه السّلام،فقال له:

أتخطب يا أبا جعفر؟قال:نعم.فقال له:اخطب-جعلت فداك-فقد رضيتك لنفسي،و أنا مزوّجك امّ الفضل ابنتي،و إن رغم قوم لذلك.

فقال أبو جعفر عليه السّلام:الحمد للّه إقرارا بنعمته،و لا إله إلاّ اللّه إخلاصا لوحدانيّته،و صلّى اللّه على محمّد سيّد بريّته،و الأصفياء من عترته.أمّا بعد فقد كان من فضل اللّه على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام،فقال سبحانه:

«وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَ الصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» (1)

النور:32. [1]

.ثمّ إنّ محمّد بن عليّ بن موسى

1) 1)

يخطب امّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون،و قد بذل لها من الصّداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو خمسمائة درهم جياد،فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصّداق؟قال المأمون:نعم قد زوّجتك يا أبا جعفر امّ الفضل ابنتي على الصّداق،فهل قبلت النكاح؟فقال أبو جعفر عليه السّلام:قد قبلت ذلك و رضيت به.قال:فأمر المأمون أن يقعد النّاس على مراتبهم في الخاصّة و العامّة.و لم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه أصوات الملاّحين في محاوراتهم، فإذا بخدم يجرّون سفينة مصنوعة من الفضّة مشدودة بالحبال من الإبريسم على عجل مملوة من الغالية،فأمر المأمون أن يخضب لحى الخاصّة من تلك الغالية،ثمّ مدّت إلى دار العامّة فطيّبوا منها،و وضعت الموائد فأكل الناس، و خرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم،فلمّا تفرّق النّاس و بقي من الخاصّة من بقي،قال المأمون لأبي جعفر عليه السّلام:إن رأيت-جعلت فداك-أن تذكر الفقه في ما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيّد لنعلمه.

فقال عليه السّلام:نعم،إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحلّ،و كان الصّيد من ذوات الطير،و كان من كبارها فعليه شاة،فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا،فإذا قتل فرخا في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللّبن،فإذا قتله في الحرم فعليه حمل و قيمة الفرخ،و إن كان من الوحش-و كان حمار وحش- فعليه بقرة،و إن كان نعامة فعليه بدنه،و إن كان ظبيا فعليه شاة،فإن قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة،و إذا أصاب المحرم ما يجب الهدي فيه،و كان إحرامه بالحجّ نحره بمنى،و إن كان بالعمرة نحره بمكّة.و جزاء الصّيد على العالم و الجاهل سواء،و في العمد له المأثم،و هو موضوع عنه في الخطأ.و الكفّارة في الحرّ على نفسه،و في العبد على سيّده، و الصّغير لا كفّارة عليه،و هي على الكبير واجبة.و النّادم يسقط عنه بندمه عقاب الآخرة،و المصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.فقال المأمون:أحسنت

يا أبا جعفر،أحسن اللّه إليك.فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك.

فقال أبو جعفر عليه السّلام ليحيى:أسألك؟قال:ذلك إليك-جعلت فداك-فإن عرفت جواب ما تسألني عنه،و إلاّ استفدته منك.فقال له أبو جعفر عليه السّلام:أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراما،فلمّا ارتفع النّهار حلّت له،فلمّا زالت الشّمس حرمت عليه،فلمّا كان وقت العصر حلّت له،فلمّا غربت الشّمس حرمت عليه،فلمّا دخل عليه وقت عشاء الآخرة حلّت له،فلمّا كان انتصاف الليل حرمت عليه،فلمّا طلع الفجر حلّت له.ما حال هذه المرأة؟ و بماذا حلّت و حرمت عليه؟فقال له يحيى:و اللّه ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال،و لا أعرف الوجه فيه،فإن رأيت أن تفيدناه.فقال عليه السّلام:هذه أمة لرجل نظر إليها أجنبي في أوّل النّهار،فكان نظره إليها حراما،فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له،فلمّا كان عند الظّهر أعتقها فحرمت عليه،فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له،فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه،فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظّهار فحلّت له،فلمّا كان نصف الليل طلّقها واحدة فحرمت عليه،فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.

قال:فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته،فقال لهم:هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة أو يعرف القول في ما تقدّم من السّؤال؟قالوا:

لا و اللّه إنّ الخليفة أعلم بما رأى.فقال لهم:و يحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل،و إنّ صغر السّنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و هو ابن عشر سنين،و قبل منه الإسلام و حكم له به،و لم يدع أحدا في سنّه غيره،و بايع الحسن و الحسين عليهما السّلام،و هما دون ستّ سنين، و لم يبايع صبيّا غيرهما؟أفلا تعلمون الآن ما اختصّ اللّه به هؤلاء القوم و أنّهم ذرّيّة بعضهم من بعض،و أنّه يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم؟

قالوا:صدقت.ثمّ نهض القوم.

فلمّا كان من الغد حضر النّاس و حضر أبو جعفر عليه السّلام،و صار القوّاد و الحجّاب و الخاصّة و العامّة لتهنئة المأمون و أبي جعفر عليه السّلام،فأخرج ثلاثة أطباق من الفضّة فيها بنادق مسك و زعفران معجون،و في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة و عطايا سنّية و إقطاعات،فأمر المأمون بنثرها على القوم في خاصّته.فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرّقعة التي فيها و التمسه،و أطلق له.و وضعت البدر،فنثر ما فيها على القوّاد و غيرهم،و انصرف النّاس و هم أغنياء بالجوائز و العطايا،و تقدّم المأمون بالصّدقة على كافّة المساكين،و لم يزل مكرما لأبي جعفر عليه السّلام معظّما لقدره مدّة حياته،يؤثره على ولده و جماعة أهل بيته (1)

الإرشاد للمفيد:319. [1]

.

و روى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه قال:استأذن على أبي جعفر عليه السّلام قوم من أهل النواحي من الشّيعة،فأذن لهم،فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة،فأجاب عليه السّلام و له عشر سنين (2).

و بإسناده عن أبي هاشم الجعفري قال:صلّيت مع أبي جعفر عليه السّلام في مسجد المسيب،و كان فيه سدرة يابسة،فدعا بماء و تهيّأ تحت السّدرة فعاشت،و أورقت،و حملت من عامها (3).

و روى في اسناد آخر أنّ عمر بن فرج الرّخجي خاطب الجواد عليه السّلام،فقال له:أظنّك سكران؟فقال عليه السّلام:اللهمّ إن كنت تعلم أنّي أمسيت لك صائما،فأذقه طعم الحرب،و ذلّ الأسر.قال:فو اللّه إن ذهبت الأيّام حتّى حرب ماله و ما كان


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:496،ح 7. [2]

3) 3) الكافي للكليني 1:497 [3] ح بتلخيص 9،.

له،ثمّ اخذ أسيرا (1)

الكافي للكليني 1:497 ح 10، [1]بتلخيص.

.

و في التاريخ شرح حربه في ماله و ذلّ أسره،ففي(الطبري):غضب المتوكّل في سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين على عمر بن فرج،و حبسه و قيّده و صادره،و أخذ ضياعه و أثاثه و جواريه (2).

و في(مروج المسعودي):في سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين سخط المتوكّل على عمر بن فرج الرّخجي،و كان من عليّة الكتّاب،و أخذ منه مالا و جواهر نحو مائة ألف و عشرين ألف دينار،و أخذ من أخيه نحوا من مائة ألف و خمسين ألف دينار-إلى أن قال-ثمّ غضب عليه غضبة ثانية،و أمر أن يصفع في كلّ يوم،فأحصي ما صفع فكان ستّة آلاف صفعة،و ألبسه جبّة صوف،ثمّ رضى عنه،و سخط عليه ثالثة و أحدر إلى بغداد،و أقام بها حتّى مات (3).

و في(عمدة الطالب):إنّ الجواد عليه السّلام دخل على عليّ العريضي،فقام له، و أجلسه في موضعه،و لم يتكلّم حتّى قام،فقال له أصحاب مجلسه:أ تفعل هذا مع أبي جعفر و أنت عمّ أبيه؟!فضرب بيده على لحيته،و قال:إذا لم ير اللّه هذه الشّيبة أهلا للإمامة،أراها أنا أهلا للنّار (4).

و أمّا الهادي عليه السّلام فقال سبط ابن الجوزي:قال علماء السّير:أشخصه المتوكّل من المدينة إلى بغداد،لأنّ المتوكّل كان يبغض عليّا عليه السّلام و ذرّيته، فبلغه مقام عليّ بن محمّد بالمدينة،و ميل النّاس إليه،فخاف منه،فدعا يحيى ابن هرثمة،و قال له:اذهب إلى المدينة و انظر في حاله،و أشخصه إلينا.قال


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 7:347 سنة 233،و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 4:19. [3]

4) 4) عمدة الطالب للسيد الحسيني:242،و [4]الكشي في معرفة الرجال(اختياره):429 ح 803.

يحيى:فذهبت إلى المدينة،فلمّا دخلتها ضجّ أهلها ضجيجا عظيما ما سمع النّاس بمثله خوفا على عليّ بن محمّد،و قامت الدّنيا على ساق،لأنّه كان محسنا إليهم ملازما للمسجد،و لم يكن عنده ميل إلى الدّنيا.قال يحيى:فجعلت اسكّنهم،و أحلف لهم أنّي لم أومر فيه بمكروه،و أنّه لا بأس عليه.ثمّ فتّشت منزله،فلم أجد فيه إلاّ مصاحف و أدعية و كتب العلم،فعظم في عيني،و توليت خدمته بنفسي،و أحسنت عشرته.فلمّا قدمت به بغداد بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري-و كان واليا على بغداد-فقال لي:يا يحيى إنّ هذا الرّجل قد ولده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنّ المتوكّل من تعلم،و إن حرضته عليه قتله،و كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله خصمك يوم القيامة.فقلت له:و اللّه ما وقفت منه إلاّ على كلّ أمر جميل.ثمّ صرت به إلى سرّ من رأى،فبدأت بوصيف التّركي،فقال:و اللّه لئن سقطت منه شعرة لا يطالب به سواك.فعجبت كيف وافق قوله قول إسحاق! فلمّا دخلت على المتوكّل سألني عنه،فأخبرته بحسن سيرته و ورعه و زهادته،و أنّي فتّشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف و كتب العلم،و أنّ أهل المدينة خافوا عليه.فأكرمه المتوكّل،و أنزله معه سرّ من رأى،فاتّفق مرض المتوكّل بعد ذلك،فنذر إن عوفي ليتصدّقنّ بدراهم كثيرة.فعوفي،فسأل الفقهاء عن ذلك،فلم يجد عندهم فرجا،فبعث إليه فسأله فقال:يتصدّق بثلاثة و ثمانين.فقال المتوكّل:من أين لك هذا؟فقال:من قوله تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ» (1)

التوبة:25. [1]

و المواطن الكثيرة هي هذه الجملة، و ذلك لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله غزا سبعا و عشرين غزاة و بعث خمسا و خمسين سرية، و آخر غزواته يوم حنين.فعجب المتوكّل و الفقهاء من هذا الجواب،و قال له:

هذا الواجب،و تصدّق أنت بما أحببت.-إلى أن قال-و قال يحيى:تذاكر الفقهاء


1) 1)

بحضرة المتوكّل:من حلق رأس آدم؟فلم يعرفوا،فقال المتوكّل:أرسلوا إلى عليّ بن محمّد.فأحضروه،فقال:حدّثني أبي عن جدّي عن أبيه عن جدّه،قال:

إنّ اللّه تعالى أمر جبرئيل أن ينزل بياقوتة من يواقيت الجنّة،فنزل بها فمسح بها رأس آدم،فتناثر الشّعر منه،فحيث بلغ نورها صار حرما (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:359.

.

و روى المسعودي في(مروجه)عن ابن عرفة النّحوي عن المبرد قال:

قال المتوكّل لأبي الحسن عليّ بن محمّد:ما يقول ولد أبيك في العبّاس؟قال:

و ما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل افترض اللّه طاعة بنيه على خلقه، و افترض طاعته على بنيه؟قال:فأمر له بمائة ألف درهم.

و إنّما أراد أبو الحسن عليه السّلام بقوله:«طاعته على بنيه»طاعة اللّه على بنيه، فعرّض (2).

و فيه:و قد كان سعي بأبي الحسن عليّ بن محمّد إلى المتوكّل،و قيل له:

إنّ في منزله سلاحا و كتبا و غيرها من شيعته.فوجّه إليه ليلا من الأتراك و غيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممّن في داره،فوجده في بيت وحده مغلق عليه و عليه مدرعة من شعر،و لا بساط في البيت إلاّ الرّمل و الحصى،و على رأسه ملحفة من الصوف متوجّها إلى ربّه،يترنّم بآيات من القرآن في الوعد و الوعيد،فاخذ على ما وجد عليه،و حمل إلى المتوكّل في جوف الليل،فمثل بين يديه،و المتوكّل يشرب و في يده كأس،فلمّا رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه،و لم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه و لا حالة يتعلّل عليه بها،فناوله المتوكّل الكأس الّذي في يده،فقال:يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي و دمي قطّ،فاعفني منه.فأعفاه،و قال:أنشدني شعرا أستحسنه.فقال:


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 4:10. [1]

إنّي لقليل الرّواية للأشعار.فقال:لا بدّ أن تنشدني.فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرّجال فما أغنتهم القلل

و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم فاودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا أين الأسرة و التّيجان و الحلل

أين الوجوه الّتي كانت منعّمة من دونها تضرب الأستار و الكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساء لهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا

و طالما عمروا دورا لتحصنهم ففارقوا الدّور و الأهلين و انتقلوا

و طالما كنزوا الأموال و ادّخروا فخلّفوها على الأعداء و ارتحلوا

أضحت منازلهم قفرا معطّلة و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا

قال:فأشفق كلّ من حضر على عليّ،و ظنّ أن بادرة تبدر منه إليه.قال:

و اللّه لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتّى بلّت دموعه لحيته،و بكى من حضره، ثمّ أمر برفع الشّراب (1)

مروج الذهب للمسعودي 4:11. [1]

.

و روى(المروج)أيضا ما نقله(تذكرة سبط ابن الجوزي)في بعث المتوكّل يحيى بن هرثمة لإشخاصه عليه السّلام و زاد بعد قوله:و«أحسنت عشرته» قال:فبينا أنا نائم يوما من الأيّام و السّماء صاحية و الشمس طالعة،إذ ركب و عليه ممطر،و قد عقد ذنب دابته فعجبت من فعله،فلم يكن بعد ذلك إلاّ هنيهة حتّى جاءت سحابة،فأرخت عزاليها و نالنا من المطر أمر عظيم جدّا، فالتفت إليّ و قال:أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت،و توهمت أنّي علمت من الأمر ما لا تعلمه،و ليس ذلك كما ظننت،و لكن نشأت بالبادية فأنا أعرف الرّياح الّتي يكون في عقبها المطر.فلمّا أصبحت هبّت ريح لا تخلف،


1) 1)

و شممت منها رائحة المطر فتأهبت (1)

مروج الذهب للمسعودي 4:84. [1]

.

و روت الشّيعة الخبر بطريق آخر،فروى الرّاوندي في(خرائجه)عن يحيى قال:دعاني المتوكّل،فقال لي:اختر ثلاثمائة رجل ممّن تريد،و اخرجوا إلى الكوفة فخلّفوا أثقالكم فيها،و اخرجوا على طريق البادية إلى المدينة، و أحضروا عليّ بن محمّد بن الرّضا إليّ معظّما مبجّلا،ففعلت و خرجت،و كان من أصحابي قائد من الشّراة،و كاتب يتشيّع،و أنا على مذهب الحشوية،و كان ذلك الشّاري يناظر الكاتب،و كنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطّريق.

فلمّا انتصف المسافة قال الشّاري للكاتب:أليس من قول صاحبكم -يعني عليّا عليه السّلام-:إنّه ليس بقعة من الأرض إلاّ و هي قبر أو ستكون قبرا.انظر إلى هذه البرّية،أين من يموت في هذه البريّة العظيمة،حتّى تمتلي قبورا؟ و تضاحكنا ساعة من كلام الشّاري إذ انخذل الكاتب في أيدينا،ثمّ سرنا حتّى دخلنا المدينة،فقصدت باب أبي الحسن،و دخلت عليه فقرأ كتاب المتوكّل و قال:انزلوا و ليس من جهتي خلاف.فلمّا صرت إليه من الغد،و كنّا في تموز أشدّ ما يكون من الحرّ،فإذا بين يديه خيّاط،و هو يقطع من ثياب غلاظ الخفاتين له و لغلمانه-إلى أن قال-فسرنا حتّى صرنا إلى موضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة و أرعدت و أبرقت،حتّى إذا صارت على رؤوسنا، أرسلت علينا بردا مثل الصّخور،و قد شدّ أبو الحسن على نفسه،و على غلمانه الخفاتين،و لبسوا اللّبابيد و البرانس،و قال لغلمانه:ادفعوا إلى يحيى لبّادة، و إلى الكاتب برنسا،و تجمعنا و البرد يأخذنا حتّى قتل من أصحابي ثمانين رجلا،و زالت السّحابة،و رجع الحرّ كما كان،فقال:يا يحيى مر من بقي من أصحابك ليدفن من قد مات،ثمّ قال:هكذا يملأ اللّه البريّة قبورا.قال:فرميت


1) 1)

نفسي عن دابّتي و عدوت،فقبّلت ركابه و رجله،و قلت:أشهد أنّكم خلفاء اللّه... (1)

الخرائج للراوندي،عنه البحار 50:142 ح 27. [1]

.

و قال المسعودي في(مروجه)أيضا:قد ذكرنا خبر عليّ بن محمّد مع زينب الكذّابة بحضرة المتوكّل،و نزوله رضى اللّه عنه إلى بركة السّباع،و تذللها له، و رجوع زينب عمّا ادّعته من أنّها ابنة الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام،و أنّ اللّه تعالى أطال عمرها إلى ذلك الوقت،في كتابنا(أخبار الزّمان) (2).

و قال فيه:حدّثني محمّد بن فرج قال:حدّثني أبو دعامة قال:أتيت عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى عائدا في علّته الّتي كانت وفاته منها في هذه السّنة،فلمّا هممت بالانصراف،قال لي:يا أبا دعامة قد وجب حقّك أفلا احدّثك بحديث تسرّ به؟فقلت له:ما أحوجني إلى ذلك يابن رسول اللّه؟قال:حدّثني أبي محمّد بن عليّ،قال:حدّثني أبي عليّ بن موسى،قال:حدّثني أبي موسى بن جعفر،قال:حدّثني أبي جعفر بن محمّد،قال:حدّثني أبي محمد بن علي، قال:حدّثني أبي عليّ بن الحسين،قال:حدّثني أبي الحسين ابن عليّ،قال:

حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب،قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«اكتب يا علي.قلت:

و ما أكتب؟قال لي:اكتب:بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الإيمان ما وقّرته القلوب، و صدّقته الأعمال،و الإسلام ما جرى به اللسان،و حلّت به المناكحة»قال أبو دعامة.فقلت:يابن رسول اللّه،ما أدري و اللّه أيّهما أحسن،الحديث أم الاسناد؟ فقال:إنّها لصحيفة بخطّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بإملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نتوارثها صاغرا عن كابر (3).

و قال محمّد بن محمّد بن النّعمان المفيد في(إرشاده):روى الحسين بن


1) 1)

2) 2) مروج الذهب للمسعودي 4:85،86. [2]

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 4:85،86. [3]

الحسن الحسني،قال:حدّثني أبو الطيّب يعقوب بن ياسر،قال:كان المتوكّل يقول:و يحكم قد أعياني أمر ابن الرضا،و جهدت أن يشرب معي،و أن ينادمني،فامتنع،و جهدت أن أجد فرصة في هذا المعنى،فلم أجدها.فقال له بعض من حضر:إن لم تجد من ابن الرّضا ما تريده من هذا الحالة،فهذا أخوه موسى قصّاف عزّاف يأكل و يشرب،و يتعشّق و يتخالع فأحضره و أشهره، فإنّ الخبر يشيع عن ابن الرّضا بذلك،فلا يفرّق الناس بينه و بين أخيه،و من عرفه اتّهم أخاه بمثل فعاله.فقال:اكتبوا بإشخاصه مكرّما.فاشخص مكرما، فتقدّم المتوكّل أن يلقاه جميع بني هاشم،و القوّاد،و سائر النّاس،و عمل على أنّه إذا وافى أقطعه قطيعة،و بنى له فيها،و حوّل إليها الخمّارين و القيان،و تقدّم بصلته و برّه،و أفرد له منزلا سريّا يصلح أن يزوره هو فيه.فلما وافى موسى تلقّاه أبو الحسن عليه السّلام في قنطرة و صيف-و هو موضع يتلقّى فيه القادمون- فسلّم عليه و وفّاه حقّه،ثمّ قال له:إنّ هذا الرّجل قد أحضرك ليهتكك،و يضع منك،فلا تقرّ له أنّك شربت نبيذا قطّ،و اتّق اللّه يا أخي أن ترتكب محظورا.فقال له موسى:و إنّما دعاني لهذا،فما حيلتي؟قال:فلا تضع من قدرك،و لا تعص ربّك،و لا تفعل ما يشينك،فما غرضه إلاّ هتكك.فأبى عليه موسى،فكرّر عليه أبو الحسن عليه السّلام القول و الوعظ،و هو مقيم على خلافه،فلمّا رأى أنّه لا يجيب، قال:أما إنّ المجلس الّذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت و هو أبدا.

قال:فأقام موسى ثلاث سنين يبكّر كلّ يوم إلى باب المتوكّل،فيقال له:قد تشاغل اليوم.فيروح و يبكر،فيقال له:قد سكر.فيبكر،فيقال له:قد شرب دواء.

فما زال على هذا ثلاث سنين حتّى قتل المتوكّل و لم يجتمع معه على شراب (1)

الإرشاد للمفيد:331. [1]

.

و أمّا الحسن العسكري عليه السّلام،فروى محمّد بن يعقوب الكليني عن


1) 1)

الحسن بن محمّد الأشعري،و محمّد بن يحيى العطّار،و غيرهما،و روى محمّد بن عليّ بن بابويه القمي بأسناده عن سعد بن عبد اللّه القمي،و روى محمّد بن الحسن الطوسي بأسناده عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن جماعة من آل سعد بن مالك،و آل طلحة قالوا:كان أحمد بن عبيد اللّه بن خاقان على الضّياع و الخراج بقم،فجرى في مجلسه يوما ذكر العلوية و مذاهبهم-و كان شديد النّصب و الانحراف عن أهل البيت عليهم السّلام-فقال:ما رأيت و لا عرفت بسرّ من رأى رجلا من العلويّة مثل الحسن بن علي بن محمّد بن عليّ الرّضا في هديه و سكونه،و عفافه و نبله،و كبرته عند أهل بيته،و بني هاشم،و تقديمهم إيّاه على ذوي السّنّ منهم و الخطر،و كذلك كانت حاله عند القوّاد و الوزراء،و عامّة الناس،فأذكر يوما أنّي كنت قائما على رأس أبي،و هو يوم مجلسه للنّاس إذ دخل حجّابه،فقالوا:أبو محمّد بن الرّضا بالباب.فقال بصوت عال:ائذنوا له.

فتعجّبت من جسارتهم أن يكنّوا رجلا بحضرة أبي،و لم يكن يكنّى عنده إلاّ خليفة أو ولي عهد،أو من أمر السلطان أن يكنّى،فدخل رجل أسمر حسن القامة،جميل الوجه،جيّد البدن،حديث السّنّ له جلالة و هيئة حسنة،فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى،و لا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم و القوّاد، فلمّا دنا منه عانقه،و قبل وجهه و صدره،و أخذ بيده،و أجلسه على مصلاّه الّذي كان عليه،و جلس إلى جنبه،مقبلا عليه بوجهه،و جعل يكلّمه و يفديه بنفسه،و أنا متعجّب ممّا أرى منه إذ دخل الحاجب فقال:الموفّق قد جاء.

-و كان الموفّق إذا دخل على أبي تقدّمه حجّابه و خاصّة قوّاده،فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدّار سماطين إلى أن يدخل و يخرج-فلم يزل أبي مقبلا عليه يحدّثه حتّى إذا نظر إلى غلمان الخاصّة فقال حينئذ له:«إذا شئت جعلني اللّه فداك»،ثمّ قال:خذوا به خلف السّماطين لا يراه هذا-يعني الموفّق-فقام و قام أبي،فعانقه و مضى.

فقلت لحجّاب أبي و غلمانه:و يحكم من هذا الّذي كنّيتموه بحضرة أبي و فعل به أبي هذا الفعل؟فقالوا:هذا علوي يقال له:الحسن بن عليّ يعرف بابن الرّضا.فازددت تعجّبا،و لم أزل يومي ذلك قلقا متفكّرا في أمره و أمر أبي،و ما رأيته منه حتّى كان الليل و كانت عادته أن يصلّي العتمة،ثمّ يجلس فينظر في ما يحتاج إليه من المؤامرات،و ما يرفعه إلى السلطان،فلمّا صلّى و جلس جئت و جلست بين يديه،و ليس عنده أحد،فقال لي:يا أحمد ألك حاجة؟فقلت:نعم يا أبه،فإن أذنت،سألتك؟قال:أذنت.قلت:من الرّجل الّذي رأيتك بالغداة فعلت به من الإجلال و الكرامة و التبجيل،و فديته بنفسك و أبويك؟فقال:ذاك إمام الرّافضة:الحسن بن عليّ المعروف بابن الرّضا.ثمّ سكت ساعة و أنا ساكت، ثمّ قال:يا بني لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره،لفضله و عفافه و صيانته و زهده و عبادته و جميل أخلاقه و صلاحه،و لو رأيت أباه،رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا.

قال:فازددت قلقا و تفكّرا و غيظا على أبي،و ما سمعته منه فيه،و رأيت من فعله به،فلم يكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره،و البحث عن أمره، فما سألت أحدا من بني هاشم و القوّاد،و الكتّاب،و القضاة،و الفقهاء،و سائر الناس،إلاّ وجدته عندهم في غاية الإجلال و الإعظام،و المحل الرّفيع،و القول الجميل،و التّقديم له على جميع أهل بيته و مشايخه،فعظم قدره عندي إذ لم أر له وليّا و لا عدوّا إلاّ و هو يحسن القول فيه و الثّناء عليه.فقال له بعض من حضر مجلسه من الأشعريين:فما خبر أخيه جعفر،و كيف كان منه في المحلّ؟فقال:و من جعفر حتّى يسأل عن خبره أو يقرن بالحسن؟جعفر معلن بالفسق،و فاجر شرّيب للخمور،أقل من رأيته من الرّجال،و أهتكهم لنفسه، خفيف قليل في نفسه،و لقد ورد على السّلطان و أصحابه في وقت وفاة الحسن ما تعجّبت منه،و ما ظننت أنّه يكون،و ذلك أنّه لمّا اعتلّ الحسن بعث

إلى أبي:أنّ ابن الرّضا قد اعتلّ.فركب من ساعته إلى دار الخلافة،ثمّ رجع مستعجلا و معه خمسة من خدم أمير المؤمنين،كلّهم من ثقاته و خاصّته فيهم نحرير،و أمرهم بلزوم دار الحسن،و تعرّف خبره و حاله،و بعث إلى نفر من المتطببّين،فأمرهم بالاختلاف إليه،و تعاهده صباحا و مساء،فلمّا كان بعد ذلك بيومين اخبر أنّه قد ضعف،فأمر المتطبّبين بلزوم داره،و بعث إلى قاضي القضاة،فأحضره مجلسه،و أمره أن يختار عشرة ممّن يوثق به في دينه و ورعه و أمانته،فبعث بهم إلى دار الحسن و أمرهم بلزومه ليلا و نهارا،فلم يزالوا هنالك حتّى توفّي،فلمّا ذاع خبر وفاته صارت سرّ من رأى ضجّة واحدة،فبعث السلطان إلى داره من فتّشها و فتّش حجرها،و ختم على جميع ما فيها،و طلبوا أثر ولده و جاءوا بنساء يعرفن الحمل،فدخلن على جواريه ينظرون إليهنّ،فذكر بعضهنّ انّ هناك جارية بها حمل،فجعلت في حجرة، و وكّل بها نحرير الخادم و أصحابه و نسوة معهم.

ثمّ أخذوا بعد ذلك في تهيئته،و عطّلت الأسواق و ركب بنو هاشم، و القوّاد،و الكتّاب،و القضاة،و المعدّلون،و سائر النّاس إلى جنازته،فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيها بالقيامة،فلمّا فرغوا من تهيئته،بعث السّلطان إلى أبي عيسى ابن المتوكّل فأمره بالصّلاة عليه،فلمّا وضعت الجنازة للصّلاة دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه،فعرضه على بني هاشم من العلويّة و العبّاسية، و القوّاد،و الكتّاب،و القضاة،و المعدّلين و قال:«هذا الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرّضا مات حتف أنفه على فراشه،و حضره من خدم أمير المؤمنين و ثقاته فلان و فلان،و من القضاة فلان و فلان،و من المتطبّبين فلان و فلان»، ثمّ غطى وجهه،و صلّى عليه،و أمر بحمله،فحمل من وسط داره،فدفن في البيت الّذي دفن فيه أبوه.فلمّا دفن أخذ السّلطان النّاس في طلب ولده،و كثر التفتيش في المنازل و الدّور،و توقّفوا عن قسمة ميراثه،و لم يزل الّذين وكّلوا

بحفظ الجارية الّتي توهّم عليها الحمل حتّى توهّم بطلان الحمل،فلمّا بطل الحمل عنهنّ قسّم ميراثه بين امّه و أخيه جعفر،و ادّعت امّه وصيّته،و ثبت ذلك عند القاضي فجاء جعفر أخوه بعد ذلك إلى أبي،فقال:اجعل لي مرتبة أخي، و أنا اوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار،فزبره أبي و أسمعه ما كره، و قال له:يا أحمق إنّ السّلطان جرّد سيفه في الّذين زعموا أنّ أباك و أخاك أئمة، ليردّهم عن ذلك فلم يتهيّأ له ذلك،فإن كنت عند شيعة أبيك و أخيك إماما،فلا حاجة بك إلى السلطان يرتّبك مراتبهم،و لا غير سلطان،و إن لم تكن عندهم بتلك المنزلة لم تنلها بنا.فاستقلّه أبي عند ذلك و استضعفه،و أمر أن يحجب، فلم يأذن له في الدّخول حتّى مات أبي،و خرجنا و هو على تلك الحال، و السّلطان يطلب أثر ولد الحسن إلى اليوم،و هو لا يجد إلى ذلك سبيلا و شيعته مقيمون على أنّه مات،و خلّف ولدا يقوم مقامه في الإمامة (1)

أخرجه الكليني مسندا في الكافي 1:503 ح 1،و [1]رواه الفتال مجردا في الروضة 1:249، [2]كلاهما عن الحسن بن محمد الأشعري و محمد بن يحيى و غيرهما،و رواه عن طريق الكليني أيضا المفيد مسندا في الارشاد:338، و [3]الطبرسي مجردا في أعلام الورى:376،و [4]أخرجه ابن بابويه الصدوق مسندا في كمال الدين:40،و [5]الطوسي مسندا مختصرا في الغيبة:131، [6]كلاهما عن سعد بن عبد اللّه القمي،و رواه الطوسي مسندا اشارة في الفهرست:35،و [7]مجردا اشارة في رجاله:448 عن عبد اللّه بن جعفر الحميري،و رواه اشارة بلا اسناد النجاشي في الفهرست:64.

.

و روى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن محمّد عن محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر عن عليّ بن عبد الغفّار قال:دخل العبّاسيون و صالح بن عليّ،و غيره من المنحرفين عن هذه النّاحية على صالح بن وصيف عند ما حبس أبا محمّد عليه السّلام،فقال لهم صالح:و ما أصنع قد وكّلت به رجلين أشرّ ما قدرت عليه،فقد صارا من العبادة و الصّلاة و الصّيام إلى أمر عظيم،فقلت لهما:ما فيه؟فقالا:ما نقول في رجل يصوم النّهار،و يقوم الليل كلّه لا يتكلّم،و لا يتشاغل،و إذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا،فيداخلنا ما لا


1) 1)

نملكه من أنفسنا؟فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين (1)

الكافي للكليني 1:512 ح 23. [1]

.

و عنه:عن أبي عليّ محمّد بن عليّ بن إبراهيم عن أحمد بن الحرث القزويني،قال:كنت مع أبي بسرّ من رأى،و كان أبي يتعاطى البيطرة في مربط أبي محمّد عليه السّلام،و كان عند المستعين بغل لم ير مثله حسنا و كبرا،و كان يمنع ظهره اللجام و السّرج،و قد كان جمع عليه الرّائضة فلم تكن له حيلة في ركوبه،فقال له بعض ندمائه:ألا تبعث إلى الحسن بن عليّ بن الرّضا حتّى يجيء،فإمّا أن يركبه،و إمّا أن يقتله فتستريح منه؟فبعث إليه عليه السّلام و مضى أبي معه.قال أبي:لمّا دخل الدّار كنت معه،فنظر إلى البغل واقفا في صحن الدّار، فعدل إليه،فوضع يده على كفله فنظرت إلى البغل و قد عرق حتّى سال العرق منه،ثمّ سار إلى المستعين فسلّم عليه فرحّب به،فقال:يا أبا محمّد ألجم هذا البغل.فقال لأبي:ألجمه يا غلام.فقال المستعين:ألجمه أنت.فوضع طيلسانه، ثمّ قام فألجمه ثمّ رجع إلى مجلسه،و قعد.فقال له:يا أبا محمّد أسرجه.فقال لأبي:يا غلام أسرجه.فقال:أسرجه أنت.فقام ثانية فأسرجه،و رجع.فقال له:

ترى أن تركبه؟فقال:نعم.فركبه من غير أن يمتنع عليه،ثمّ ركضه في الدّار، ثمّ حمله على الهملجة فمشى أحسن مشي يكون،ثمّ رجع فنزل،فقال له المستعين:كيف رأيته؟قال:ما رأيت مثله حسنا و فراهة،و ما يصلح أن يكون مثله إلاّ لأمير المؤمنين.فقال:يا أبا محمّد فإنّ أمير المؤمنين قد حملك عليه، فقال عليه السّلام لأبي:خذه يا غلام.فأخذه أبي فقاده (2).

و عنه:عن محمّد بن إبراهيم المعروف بابن الكردي عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال:ضاق بنا الأمر،فقال لي أبي:امض بنا


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 1:507 ح 4. [2]

حتّى نصير إلى هذا الرّجل-يعني:أبا محمّد-فإنّه قد وصف لي عنه سماحة.

فقلت:تعرفه؟فقال:ما أعرفه و لا رأيته قط.فقصدناه،فقال لي أبي-و هو في طريقه-:ما أحوجنا أن يأمر لنا بخمسمائة درهم:مائتان للكسوة،و مائتان للدقيق،و مائة للنفقة!قال:و قلت في نفسي:ليته أمر لي بثلاثمائة درهم اشتري بمائة حمارا،و مائة للنفقة،و مائة للكسوة،و أخرج إلى الجبل.فلمّا وافينا الباب خرج إلينا غلامه.فقال:يدخل عليّ بن إبراهيم و محمّد ابنه.فلمّا دخلنا عليه و سلّمنا،قال لأبي:ما خلّفك عنّا إلى هذا الوقت؟فقال:يا سيّدي استحييت أن ألقاك على هذه الحال.فلمّا خرجنا من عنده جاءنا غلامه،فناول أبي صرّة، فقال:هذه خمسمائة درهم:مائتان للكسوة،و مائتان للدّقيق،و مائة للنفة.

و أعطاني صرّة،فقال:هذه ثلاثمائة درهم،اجعل مائة في ثمن حمار،و مائة للكسوة،و مائة للنفقة،و لا تخرج إلى الجبل،و صر إلى سوراء.فصار إلى سوراء و تزوّج بامرأة و دخله اليوم ألف دينار،و مع هذا يقول بالوقف.قال محمّد بن إبراهيم:فقلت له:و يحك أ تريد أمرا أبين من هذا؟فقال:هذا أمر قد جرينا عليه (1)

الكافي للكليني 1:506 و 509 ح 3 و 14. [1]

.

و عنه:عن إسحاق بن محمّد النخعي قال:حدّثني إسماعيل بن محمّد بن عليّ بن إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب قال:قعدت لأبي محمّد على ظهر الطريق،فلما مرّ بي شكوت إليه الحاجة،و حلفت أنّه ليس عندي درهم فما فوقه،و لا غداء و لا عشاء.فقال:تحلف باللّه كاذبا،و قد دفنت مائتي دينار،و ليس قولي هذا دفعا لك عن العطيّة،أعطه يا غلام ما معك.

فأعطاني غلامه مائة دينار،ثمّ أقبل عليّ فقال:إنّك تحرمها أحوج ما تكون إليها -يعني الدّنانير التي دفنت-.و صدق و كان كما قال،دفنت مائتي دينار،و قلت:


1) 1)

يكون ظهرا و كهفا لنا.فاضطررت ضرورة شديدة إلى شيء أنفقه،و انغلقت عليّ أبواب الرّزق،فنبشت عنها،فإذا ابن لي قد عرف موضعها،فأخذها و هرب،فما قدرت منها علي شيء (1)

الكافي للكليني 1:506 و 509 ح 3 و 14. [1]

.

و أمّا الحجّة بن الحسن المهدي القائم-صلوات اللّه عليه و على آبائه- فأخبار العامّة به عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام متواترة كروايات الخاصّة عنهما،و عن باقي الأئمّة عليهم السّلام حتّى صنّف جمع من العامّة فيه،كأبي نعيم الاصبهاني و الكنجي الشافعي،و أبي صالح السّليلي،و زكريّا بن يحيى، و نعيم بن حمّاد،و جمع آخر.

و لتواتر الخبر بالمهدي ضلّت الكيسانيّة في محمّد بن الحنفيّة،فتوهمّوا أنّه القائم الّذي يغيب،ثم يظهر و أنّه غاب في شعب جبل رضوى فقال كثير عزة-و كان كيسانيا-مشيرا إليه:

و سبط لا يذوق الموت حتّى تقود الخيل يقدمها اللواء

و قال السيد الحميري وقت كيسانيّته:

ألا قل للامام فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما

أضرّ بمعشر و ألوك منّا و سمّوك الخليفة و الإماما

و عدّوا أهل هذي الأرض طرّا مقامك فيهم ستّين عاما

و ما ذاق ابن خولة طعم موت و لا وارت له أرض عظاما

لقد أمسى بمورق شعب رضوى تراجعه الملائكة الكراما

و قال أيضا:

يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى و بنا إليه من الصّبابة أشوق

حتّى متى و إلى متى و كم الّذي يابن الوصيّ و أنت حيّ ترزق


1) 1)

ثمّ ضلّ جمع في محمّد بن عبد اللّه بن الحسن الّذي قتله المنصور،قال أبو الفرج:كان أهل بيته يسمّونه المهدي،و يقدّرون أنّه الّذي جاءت فيه الرّواية،حتّى لم يشك أحد أنّه المهدي،و شاع ذلك له في العامّة،و بايعه رجال من بني هاشم جميعا،من آل أبي طالب و آل العبّاس،و ساير بني هاشم،ثمّ ظهر من جعفر بن محمّد عليه السّلام قول في أنّه لا يملك،و أنّ الملك يكون في بني العبّاس،فانتبهوا من ذلك لأمر لم يكونوا يطمعون فيه (1)

مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:157،بتقطيع.

.

و ممّن قال بقائميّته المغيرة بن سعيد و أصحابه،و زادوا له في حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المتواتر:«لا تذهب الدّنيا حتّى يبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يواطي اسمه اسمي حتّى يملأها قسطا» (2)فقرة:«و اسم أبيه اسم أبي» (3)حتّى ينطبق عليه،و وضعوا له خبرا بأنّ اسم امّه على ثلاثة أحرف أوّلها هاء،و آخرها دال (4)،لكون اسم امّه هندا.

و لتواتر الخبر بالمهدي و بعلاماته كان يعرفه خلفاء بني امية،فروى أبو الفرج أنّه قيل لمروان بن محمّد:إنّ محمّد بن عبد اللّه يدّعي هذا الأمر، و يتسمّى بالمهدي فقال:مالي و له،ما هو به و لا من أبيه،و إنّه لابن امّ ولد.و لم يهجه مروان حتّى قتل (5).

و لتواتر الخبر بالمهدي،ادّعى المنصور ذلك بعد خلافته في ابنه فسمّاه المهدي،و كان اسم المنصور نفسه عبد اللّه،فلمّا زادوا لمحمّد بن عبد اللّه


1) 1)

2) 2) هذا حديث زر بن جيش عن عبد اللّه بن مسعود عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،يحضرني ثلاثة و ستون من أسانيده،منها ما أخرجه أبو داود بخمس طرق في سننه 4:106 ح 4282،و الترمذي بطريقين في سننه 4:505 ح 2230 و 2231 توجد فقرة:«اسم أبيه اسم أبي»في تسعة عشر منها.

3) 3) هذا حديث زر بن جيش عن عبد اللّه بن مسعود عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،يحضرني ثلاثة و ستون من أسانيده،منها ما أخرجه أبو داود بخمس طرق في سننه 4:106 ح 4282،و الترمذي بطريقين في سننه 4:505 ح 2230 و 2231 توجد فقرة:«اسم أبيه اسم أبي»في تسعة عشر منها.

4) 4) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:158.

5) 5) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:162.

المحض في حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله. «و اسم أبيه اسم أبي» أراد تطبيق ذلك على ابنه ذاك،فكتب إلى الآفاق في أخذ البيعة لابنه ما لفظه: «فإنّ اسم المهديّ محمّد ابن أمير المؤمنين،و اسم أبيه اسم أبيه» و هو يعلم بطلان ادعائه كبطلان ادعاء محمّد بن عبد اللّه المحض.

فروى أبو الفرج:أنّ المنصور أرسل مولى له إلى مجلس محمّد بن عبد اللّه يسمع ما يقول على المنبر،فسمعه يقول:إنّكم لا تشكّون أنّي أنا المهديّ.

فأخبر المنصور بذلك،فقال:كذب بل المهدي ابني (1)

مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:167،بتلخيص.

.

و روي عن مسلم بن قتيبة قال:قال المنصور لي:قد خرج محمّد بن عبد اللّه،و تسمّى بالمهدي،و و اللّه ما هو به.و اخرى أقولها لك لم أقلها لأحد قبلك، و لا أقولها لأحد بعدك:و ابني و اللّه ما هو بالمهدي الّذي جاءت به الرّواية، و لكنّي تيمّنت به و تفألت به (2).

و كان ابنه جعفر يستهزىء بأبيه في تسمية أخيه المهدي بما أجلّ الكتاب عن ذكره.

و كان المنصور يعلم أصله الصّحيح الّذي تقوله الإمامية أخذا عن المعصومين عليهم السّلام،لسماعه ذلك عن الباقر عليه السّلام،فروى محمّد بن محمّد بن النّعمان المفيد في(إرشاده)بأسناده عن سيف بن عميرة قال:كنت عند المنصور،فقال لي ابتداء:يا سيف لا بد من مناد ينادي من السّماء باسم رجل من ولد أبي طالب-إلى أن قال-يا سيف لو لا أنّني سمعت من أبي جعفر محمّد بن عليّ يحدّثني به،و حدّثني به أهل الأرض كلّهم ما قبلته منهم،و لكنّه محمّد بن عليّ (3).


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:166.

3) 3) الإرشاد للمفيد:358. [1]

و لما قلنا عن تواتر الخبر بالمهديّ ادّعت الامويّة ذلك لسليمان بن عبد الملك،قال الجاحظ في كتابه(مفاخرات هاشم و امية):قالت اميّة و منّا سليمان كان جوادا خطيبا جميلا صاحب سلامة و دعة و حبّ للعافية،و قرب من النّاس حتّى سمّي المهدي،و قيلت الأشعار في ذلك (1)

رواه الجاحظ في مفاخرات هاشم و امية عنه شرح ابن أبي الحديد 3:486، [1]شرح الكتاب 28.

.

و كذلك لتواتر الخبر به ادّعاه أوّل ملوك العلويّة ملوك إفريقية،فتسمّى بالمهديّ و هو-إن صحّ نسبه-عبيد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه بن ميمون بن إسماعيل بن جعفر الصّادق عليه السّلام،قال الجزري في(كامله):دولته دولة اتسعت أكناف مملكتها،و طالت مدّتها،ملكت إفريقية في سنة(296)،و انقرضت بمصر سنة(567)-إلى أن قال-و في سنة(303)خرج المهدي بنفسه إلى تونس و قرطاجنة و غيرهما يرتاد موضعا على ساحل البحر يتّخذ فيه مدينة، و كان يجد في الكتب خروج أبي يزيد على دولته،و من أجله بنى المهديّة،فلم يجد موضعا أحسن و لا أحصن من موضع المهدية،و هي:جزيرة متّصلة بالبرّ كهيئة كف متّصل بزند،فبناها و جعلها دار ملكه،و جعل لها سورا محكما و أبوابا عظيمة،وزن كل مصراع مائة قنطار،فلمّا ارتفع السّور،أمر راميا يرمي بالقوس سهما إلى ناحية المغرب،فرمى سهمه فانتهى إلى موضع المصلّى،فقال:إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار-يعني أبا يزيد الخارجي لأنّه كان يركب حمارا-و أمر أن ينقر دار صناعته في الجبل،حتّى تسع مائتي شينى و عليها باب مغلق،و نقر في أرضها أهراء للطّعام،و مصانع للماء،و بنى فيها القصور و الدّور.فلمّا فرغ منها،قال:اليوم أمنت على الفاطميّات-يعني بناته-.و لمّا رأى إعجاب النّاس بها،قال:هذه لساعة من نهار.و كان كذلك،لأنّ


1) 1)

أبا يزيد وصل إلى موضع السّهم،و وقف فيه ساعة،و عاد و لم يظفر (1)

الكامل لابن الأثير 8:34 و 94 سنة 296، [1]303 و النقل بتصرف يسير.

.

و إليه أشار النّعماني في(غيبته)في ردّ المدّعين له المهدويّة فقال-بعد ذكر أخبار في ملبس القائم عليه السّلام،و مطعمه،و أعماله،و صفة أصحابه،و إمداد الملائكة له-:فتأمّلوا،يا من وهب اللّه له بصيرة و عقلا،و فتحه تمييزا و لبا،هذا الّذي قد جاء من الرّوايات في صفة القائم عليه السّلام و سيرته و ما خصّه اللّه تعالى به من الفضل،و ما يؤيّده اللّه به من الملائكة،و ما يلزمه نفسه عليه السّلام من خشونة الملبس،و جشوبة المطعم،و اتعاب النّفس و البدن في طاعة اللّه تعالى و الجهاد في سبيله،و غسل الظلم و الجور و الطغيان و بسط الإنصاف و العدل و الإحسان،و صفة من معه في أصحابه الّذين جاءت الرّوايات بعدّتهم و هم (313)رجلا،و أنّهم حكّام الأرض و عمّاله عليها،و بهم يفتح شرق الأرض و غربها مع من يؤيّده اللّه به من الملائكة-إلى أن قال-فتأمّلوا بعد هذا ما يدّعيه المبطلون،و يفتخر به الطّائفة البائنة المبتدعة من أنّ الّذي هذا وصفه،و هذه حالة و منزلته من اللّه-جلّ و عزّ-هو صاحبهم الّذين يدّعون له بحيث هو في أربعمائة ألف عنان،و أنّ في داره أربعة آلاف خادم رومي و صقالبي، و انظروا هل سمعتم و رويتم لو بلغكم عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عن الأئمة الطّاهرين عليهم السّلام أنّ القائم بالحقّ هذه صفته الّتي يصفونه بها،و أنّه يظهر، و يقوم بعد ظهوره بحيث هو في هذه السّنين الطويلة،و هو في هذه العدّة العظيمة ينافقه أبو يزيد الاموي،فمرّة يظهر عليه و يهزمه،و مرّة يظهر هو على أبي يزيد،و يقيم بعد ظهوره و قوّته و انتشار أمره بالمغرب،و الدّنيا هي على ما هي عليه؟... (2).


1) 1)

2) 2) الغيبة للنعماني:162. [2]

و لكون الأخبار بالمهديّ بتلك المثابة،ادعته الناووسية للصّادق عليه السّلام و الواقفية للكاظم عليه السّلام و الإسماعيلية لإسماعيل بن جعفر.

و من علاماته المحتومة المتواترة ظهور السفياني،حتّى إنّ عليّ بن عبد اللّه بن خالد بن يزيد بن معاوية،الّذي خرج أيّام الأمين و غلب على دمشق،كان يدّعي أنّه السفياني المعهود،و يشهد لشهرته أنّ جمعا زعموا أنّ خالد بن يزيد بن معاوية وضع ذكر السّفياني حين غلبه مروان على الملك.ذكر ذلك(نسب قريش مصعب) (1)

نسب قريش للزبيري:129،131،و النقل بالمعنى.

.

و روى(تذكرة سبط ابن الجوزي)عن ابن عمر،قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

«يخرج في آخر زمان رجل من ولدي اسمه كاسمي،و كنيته ككنيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا» ،و قال:هذا حديث مشهور،و قد أخرج أبو داود و الزّهري عن عليّ عليه السّلام بمعناه،و فيه: «لو لم يبق من الدّهر إلاّ يوم واحد لبعث اللّه من أهل بيتي من يملأ الأرض عدلا» قال:و ذكره في روايات كثيرة (2).

و فيه:قال السّدي:يجتمع المهديّ و عيسى بن مريم،فيجيء وقت الصلاة،فيقول المهدي لعيسى:تقدّم.فيقول عيسى:أنت أولى بالصلاة.

فيصلّي عيسى وراءه مأموما (3).

و فيه:و عامّة الإمامية على أن الخلف الحجّة موجود،و أنّه حيّ يرزق و يحتجّون على حياته بأدلّة:منها أنّ جماعة طالت أعمارهم كالخضر و الياس، فإنّه لا يدرى كم لهما من السّنين،و أنّهما يجتمعان كلّ سنة،و يأخذ هذا من شعر هذا،و هذا من شعر هذا،و في التوراة:أنّ ذا القرنين عاش ثلاثة آلاف


1) 1)

2) 2) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:363،و [1]أخرجه أبو داود في سننه 4:107 ح 4283. [2]

3) 3) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:364. [3]

سنة.و المسلمون يقولون:ألفا و خمسمائة.و قال محمّد بن إسحاق:عاش عوج بن عناق ثلاثة آلاف سنة و ستمائة سنة ولد في حجر آدم و عناق امّه، و قتله موسى بن عمران و أبوه سيحان،و عاش الضّحاك و هو بيور اسب ألف سنة،و كذلك طهمورث،و أمّا من الأنبياء فخلق كثير بلغوا الألف و زادوا عليها، كآدم و نوح و شيث و نحوهم،و عاش قينان تسعمائة سنة،و عاش مهلائيل ثمانمائة،و عاش نفيل بن عبد اللّه سبعمائة سنة،و عاش سطيح الكاهن -و اسمه ربيعة بن عمرو-ستمائة سنة،و عاش عامر بن الظرب خمسمائة سنة،و كان حاكم العرب،و كذا تيم اللّه بن ثعلبة،و كذا سام بن نوح،و عاش الحرث بن مضاض الجرهمي أربعمائة سنة،و هو القائل:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا.

و كذا أرفخشد،و عاش قسّ بن ساعدة ثلاثمائة و ثمانين سنة،و عاش كعب بن جمجمة الدّوسي ثلاثمائة و تسعين سنة... (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:364.

قلت:إنّ الامامية استدلّوا بما قال من وجود جمع معمّرين لإمكانه،ردّا على مخالفيهم في استحالة ذلك،و يستدلّون على وقوعه بما رووه في طرقهم عن أمير المؤمنين عليه السّلام من قوله لكميل: «اللهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة،إمّا ظاهرا مشهورا،أو خائفا مغمورا لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته» .و قد نقله النهج (2)،و قال ابن أبي الحديد عند شرحه للكلام: «و هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية،إلاّ أنّ أصحابنا يحملونه على أنّ المراد به الأبدال» (3).و يقال له:لو قبل كلّ جزاف لبطلت الدّيانات طرّا.


1) 1)

2) 2) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4:37 الحكمة 147. [1]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:313 [2] شرح الحكمة 147.

و روى محمّد بن عليّ بن بابويه في(إكماله)-الّذي صنّفه بإرشاد الحجّة عليه السّلام له في المنام بتأليف كتاب غيبة الأنبياء عليهم السّلام،ردّا على القائلين بعدم الفايدة في وجود إمام غائب-نصوصا كثيرة فيه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة و كثير منها من طرقهم،و نقتصر منها على خبرين:

أحدهما:ما رواه مسندا عن سدير الصّيرفي،قال:كنت دخلت أنا و المفضّل بن عمر و أبو بصير و أبان بن تغلب على مولانا أبي عبد اللّه الصّادق عليه السّلام،فرأيناه جالسا على التّراب،و عليه مسح خيبري مطوق بلا جيب،مقصر الكمّين،و هو يبكي بكاء الوالدة الثّكلى ذات الكبد الحرّى،قد نال الحزن من وجنتيه،و شاع التغيّر في عارضيه،و املأ الدّموع لحجريه و هو يقول:سيّدي غيبتك نفت رقادي،و ضيّقت عليه مهادي،و ابتزّت منّي راحة فؤادي.سيّدي غيبتك وصّلت مصابي بفجائع الأبد-إلى أن قال-فاستطارت قلوبنا و لها،و تصدّعت قلوبنا جزعا،فقلنا:لا أبكى اللّه يابن خير الورى عينيك.

فزفر زفرة،و قال:و يلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم،و هو الكتاب المشتمل على علم المنايا و البلايا،و علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة الّذي خصّ اللّه به محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة من بعده،و تأمّلت مولد قائمنا و غيبته، و إبطاءه و طول عمره،و بلوى المؤمنين في ذلك الزّمان،و تولد الشّكوك في قلوبهم من طول غيبته،و ارتداد أكثرهم عن دينهم،و خلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم الّتي قال اللّه تعالى: «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ» (1)

الاسراء:13. [1]

يعني الولاية،فاستولت عليّ الأحزان.فقلنا:كرّمنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك.قال:إنّ اللّه تعالى أدار للقائم منّا ثلاثة،أدارها لثلاثة من الرّسل:قدّر مولده تقدير مولد موسى عليه السّلام،و قدّر غيبته تقدير غيبة

1) 1)

عيسى عليه السّلام،و قدّر إبطاءه بتقدير إبطاء نوح،و جعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح-أعني الخضر عليه السّلام-دليلا على عمره.فقلنا:اكشف لنا عن وجوه هذه المعاني:

قال:أمّا مولد موسى.فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده، أمر باحضار الكهنة،فدلّوه على نسبه،و أنّه يكون من بني إسرائيل،و لم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل،حتّى قتل في طلبه نيفا و عشرين ألف مولود،و تعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ اللّه تعالى إيّاه.كذلك بنو امية و بنو العبّاس لمّا وقفوا على أنّ زوال ملك الامراء و الجبابرة منهم على يد القائم منّا ناصبونا العداوة،و وضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول و إبادة نسله،طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم،و يأبى اللّه أن يكشف أمره لواحد من الظلمة،إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره المشركون.

و أمّا غيبة عيسى عليه السّلام فإنّ اليهود و النصارى اتّفقوا على أنّه قتل، فكذّبهم اللّه تعالى بقوله: «وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» (1)

النساء:157. [1]

.

كذلك غيبة القائم،فإنّ الامّة ستنكرها لطولها،فمن قائل يهذى:بأنّه لم يولد، و قائل يقول:إنّه ولد و مات.و قائل يقول:إنّ حادي عشرنا كان عقيما.و قائل يمرق و يتعدّى إلى ثالث عشر.و قائل يقول:إنّ روح القائم ينطق في هيكل غيره.

و أمّا إبطاء نوح فإنّه لمّا استنزلت العقوبة بعث اللّه تعالى جبرئيل معه سبع نوايات،و قال:إنّ اللّه تعالى يقول:إنّ هؤلاء خلائقي لست أبيدهم إلاّ بعد توكيد الدّعوة،فعاود اجتهادك في الدّعوة،و اغرس هذا النوى،فإنّ لك في نباتها إذا أثمرت الفرج،و بشّر بذلك من اتّبعك.قال:فلمّا نبتت الأشجار وزها


1) 1)

الثّمر استنجز من اللّه العدة،فأمره تعالى أن يغرس نوى تلك الأشجار،و يعاود الصّبر و الاجتهاد.فأخبر بذلك الطوائف الّتي آمنت به،فارتدّ منهم ثلاثمائة، و قالوا:لو كان ما يدّعيه نوح حقّا لما وقع في وعد ربه خلف.ثمّ إنّ اللّه تعالى لم يزل يأمره عند كلّ مرّة بأن يغرسها إلى سبع مرّات،فما زالت تلك الطوائف ترتد منهم طائفة بعد طائفة،إلى أن عاد إلى نيف و سبعين رجلا،فأوحى تعالى عند ذلك إليه:الآن أسفر الصّبح عن الليل حين صرّح الحقّ محضه،و صفا الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة،فلو أنّي أهلكت الكفّار و أبقيت من قد ارتدّ من الطوائف التي كانت آمنت بك،لما كنت أنجزت و عدي السّابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التوحيد من قومك،و اعتصموا بحبل نبوّتك بأنّي استخلفهم في الأرض،و امكّن لهم دينهم لكي يخلص العبادة لي،و كيف يكون الاستخلاف و التّمكين و بذل الأمن لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا و خبث طينتهم؟و كذلك القائم عليه السّلام فإنّه تمتدّ أيّام غيبته،فيصرّح الحقّ عن محضه،و يصفو الايمان بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشّيعة الّذين يحسّ عليهم النفاق-إلى أن قال-و أمّا العبد الصّالح-أعني الخضر عليه السّلام- فإنّ اللّه تعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدّرها له،و لا كتاب ينزّله عليه،و لا لشريعة ينسخ بها شريعة من قبله من الأنبياء،و لا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها،و لا لطاعة يفرضها له،بل إنّ اللّه تعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم عليه السّلام ما يقدّر طول عمر العبد الصّالح في غير سبب يوجب ذلك إلاّ لعلّة الاستدلال به على عمر القائم،و ليقطع بذلك حجّة المعاندين لئلاّ يكون للنّاس على اللّه حجّة (1)

كمال الدين للصدوق:352 ح 50. [1]

.

و ثانيهما:ما رواه عن أحمد بن زياد الهمداني عن عليّ بن إبراهيم بن


1) 1)

هاشم القمي عن أبيه عن عبد السّلام بن صالح الهروي،قال:سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول:أنشدت مولاي الرّضا عليّ بن موسى عليه السّلام قصيدتي الّتي أوّلها:

مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات

فلمّا انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم اللّه و البركات

يميّز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النّعماء و النّقمات

بكى الرّضا عليه السّلام بكاء شديدا،ثمّ رفع رأسه إليّ فقال لي:يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين،فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم؟ فقلت:لا يا مولاي،إلاّ أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد، و يملؤها عدلا.فقال:يا دعبل الامام بعدي محمّد ابني،و بعد محمّد ابنه عليّ، و بعد عليّ ابنه الحسن،و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره،لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه عزّ و جلّ ذلك اليوم حتّى يخرج،فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.و أمّا(متى)فإخبار عن الوقت،فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عليه السّلام أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قيل له:يا رسول اللّه متى يخرج القائم من ذرّيتك؟فقال صلّى اللّه عليه و آله:مثله مثل السّاعة الّتي «لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً» (1)

كمال الدين للصدوق:372 ح 6 و 648 ح 3،و [1]الآية 187 من سورة الأعراف. [2]

.

و روى مسندا عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام قال:سأل عمر عليّا عليه السّلام عن المهدي،فقال:يابن أبي طالب أخبرني عن المهدي،ما اسمه؟فقال:أمّا اسمه فلا.إنّ حبيبي و خليلي عهد إليّ أن لا احدّث باسمه حتّى يبعثه اللّه تعالى،


1) 1)

و هو في ما استودع اللّه تعالى رسوله في علمه (1)

كمال الدين للصدوق:372 ح 6 و 648 ح 3،و [1]الآية 187 من سورة الأعراف.

.

و روى أبو الفرج في(مقاتله)بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قال:أتيت الحسن بن عليّ عليه السّلام حين بايع معاوية،فوجدته بفناء داره و عنده رهط،فقلت:

السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين.فقال:عليك السّلام يا سفيان انزل-إلى أن قال- فقال لي:ما جاء بك يا سفيان؟قلت:حبّكم،و الّذي بعث محمّدا بالهدى و دين الحقّ.قال:فابشر يا سفيان،فإنّ الدّنيا تسع البرّ و الفاجر حتّى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمّد عليهم السّلام (2).

و في(النهج)يعطف الهوى على الهدى-إلى أن قال-تخرج له الأرض أفاليذ كبدها،و تلقي إليه سلما مقاليدها،فيريكم كيف عدل السّيرة،و يحيي ميّت الكتاب و السّنّة (3).

«قوله:قال الرضا أبو الحسن» هذا كلام ابن أبي الحديد (4)لا المصنّف، لخلو(الخطية)عنه.

«قوله عليه السّلام:املكوا عنّي هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه» من الغريب عدم وجوده في(ابن ميثم) (5).

13

من خطبة(150)

وَ إِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ- وَ عُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ- لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ- وَ لاَ يَدْخُلُ النَّارَ إِلاَّ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَ أَنْكَرُوهُ.


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:44،و النقل بتقطيع.

3) 3) هذا بعض من الخطبه 136 في نهج البلاغة 2:21. [2]

4) 4) يوجد هذا في شرح ابن أبي الحديد 3:9،و [3]شرح ابن ميثم 4:14. [4]

5) 5) لفظ شرح ابن ميثم 4:14 [5] مثل المصرية أيضا.

«و إنّما الأئمّة قوّام اللّه على خلقه» واضح أنّ مراده عليه السّلام بالأئمّة:أئمّة أهل البيت عليهم السّلام لا المتقدّمون عليه،و لو فرض أنّ الأمر كما تقول العامّة،من كونه عليه السّلام غير منصوص عليه،و لم يكن المتقدّمون عليه مخالفين لنصّ اللّه و رسوله،فإنّ كونهم الباغين عليه بتقدّمهم مع قرابته بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بعدهم عنه،و مع علمه و جهلهم،و مع ورعه و عدم تحرجهم،و غير ذلك،أمر مقطوع، «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» (1)

الأنفال:75. [1]

، «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» (2)، «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ» (3)و شكاياته عليه السّلام عنهم متواترة، فقول ابن أبي الحديد في شرح العنوان:«أصحابنا كافة قائلون بصحّة هذه القضيّة،و هي أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف الأئمّة،ألا ترى أنّهم يقولون:

الأئمة بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلان و فلان.و يعدونهم واحدا واحدا،فلو أن إنسانا لا يقول بذلك لكان عندهم فاسقا،و الفاسق لا يدخل الجنّة عندهم أبدا» (4)مغالطة، فإنّما الكلام في الصّغرى:أئمّة الحق من هم؟و الكبرى مفروغ عنها.

و توهّم الخوئي أنّ مراده بالأئمّة:أئمتنا،فاعترض عليه بأنّ مجرّد معرفتهم و تعدادهم لا يكفي،و إنّما اللاّزم معرفتهم بوصف الإمامة و الخلافة (5)،فإنّه واضح أنّ مراد ابن أبي الحديد بأصحابه:المعتزلة،و هم قائلون بإمامة الثلاثة،و كان الحقّ أن يقول له:كيف يكون من قال:إنّ له


1) 1)

2) 2) الزمر:9. [2]

3) 3) الجاثية:21. [3]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:425. [4]

5) 5) شرح الخوئي 4:186،و النقل بتقطيع.

شيطانا يعتريه (1)

قوله:«ان لي شيطانا يعتريني»نقله في ضمن خطبة له بعد البيعة الطبري في تاريخه 2:460 السنة 11 و ابن راهويه في مسنده و أبو ذر الهروي في الجامع عنهما منتخب كنز العمّال 2:161 و غيرهم.

.و من منع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصيّة،و قال:إنّه ليهجر (2).و من فعل أفعالا استحلّ المسلمون بها دمه،و لم يوجبوا تجهيزه بل أباحوا إحراق جسده،قوّامه تعالى على خلقه،عرفاءه على عباده؟ «فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » (3)؟ «و عرفاؤه على عباده» قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام:ثلاثة اقسم أنّهنّ حقّ:إنّك و الأوصياء من بعدك عرفاء لا يعرف اللّه إلاّ بسبيل معرفتكم، و عرفاء لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفكم و عرفتموه،و عرفاء لا يدخل النّار إلاّ من أنكركم و أنكرتموه.رواه(الخصال)في باب الثلاثة (4).

و روى(عيون ابن بابويه)عن ابن المتوكّل عن الأسدي عن الصّولي عن يوسف بن عقيل عن إسحاق بن راهويه،قال:لمّا وافى أبو الحسن الرّضا نيسابور،و أراد أن يخرج منها إلى المأمون،اجتمع عليه أصحاب الحديث، فقالوا له:يابن رسول اللّه ترحل عنّا و لا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك؟-إلى أن قال بعد ذكر روايته عليه السّلام لهم عن آبائه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن اللّه تعالى قال:«لا إله إلاّ اللّه حصني،فمن دخل حصني أمن من عذابي»-فلمّا مرّت الراحلة نادى:

بشروطها،و أنا من شروطها (5).

و روى محمّد بن يعقوب في(كافيه)عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه،قال:


1) 1)

2) 2) حديث منع عمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصية أخرجه البخاري في صحيحه 1:32،و 4:7،271 و غيره،مرّ تخريجه في أواخر العنوان 3 من هذا الفصل.

3) 3) يونس:35. [1]

4) 4) الخصال للصدوق:183 ح 150 باب الثلاثة.

5) 5) عيون الأخبار للصدوق 2:134 ح 4. [2]

قال محمّد بن فلان الواقفي:كان لي ابن عمّ يقال له:الحرّ بن عبد اللّه،و كان من أعبد أهل زمانه،و كان يتّقيه السّلطان لجدّه في الدّين و اجتهاده،و ربما استقبل السلطان بكلام صعب يعظه،و يأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر.و كان السّلطان يحتمله لصلاحه،فلم يزل هذه حاله حتّى كان يوم من الأيّام إذ دخل عليه أبو الحسن موسى عليه السّلام و هو في المسجد،فرآه فأومأ إليه،فأتاه فقال له:

يا أبا عليّ ما أحبّ إليّ ما أنت فيه و أسرّني،إلاّ أنّه ليست لك معرفة.قال:جعلت فداك،و ما المعرفة؟قال:اذهب فتفقه و اطلب الحديث.قال:عمّن؟قال:عن فقهاء أهل المدينة،ثمّ أعرض عليّ الحديث.قال:فذهب فكتب ثمّ جاءه فقرأه عليه، فأسقط كلّه،ثمّ قال له:اذهب فاعرف المعرفة-و كان الرّجل معنيّا بدينه-.فلم يزل يترصّد أبا الحسن عليه السّلام حتّى خرج إلى ضيعة له،فلقيه في الطّريق،فقال له:جعلت فداك،إنّي أحتجّ عليك بين يدي اللّه تعالى،فدلّني على المعرفة.

فأخبره عليه السّلام بأمر أمير المؤمنين عليه السّلام و ما كان بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أخبره بأمر الرجلين،و ما كان،ثمّ قال له:فمن كان بعد أمير المؤمنين؟قال:الحسن،ثمّ الحسين عليهما السّلام.حتّى انتهى إلى نفسه،ثمّ سكت فقال له:جعلت فداك،فمن هو اليوم؟قال:إن أخبرتك تقبل؟قال:نعم،جعلت فداك.قال:أنا هو.قال:فشيء استدّل به.قال:اذهب إلى تلك الشجرة-و أشار إلى ام غيلان-فقل لها:يقول لك موسى بن جعفر:اقبلي.فأتاها،قال:فرأيتها و اللّه تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه،ثمّ أشار إليها فرجعت،فأقرّ به عليه السّلام،ثمّ لزم الصّمت و العبادة،فكان لا يراه أحد يتكلّم بعد ذلك (1)

الكافي للكليني 1:352 ح 8، [1]بهذا الاسناد و باسناد آخر.

.

و قال المفيد:اتّفقت الإماميّة على أنّ من أنكر أحدا من الأئمّة،و جحد ما أوجبه اللّه تعالى لهم من فرض الطّاعة فهو كافر ضالّ مستحقّ للخلود.


1) 1)

و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك،و أنكروا كفر من ذكرناه،و حكموا لبعضهم بالفسق خاصّة،و لبعضهم بما دون الفسق من العصيان (1)

أوائل المقالات للمفيد:49،و [1]النقل بالمعنى.

.

«لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم و عرفوه،و لا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم و أنكروه» قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام:خرجت أنا و أبي حتّى إذا كنّا بين القبر و المنبر إذا هو باناس من الشيعة فسلّم عليهم،ثمّ قال:إنّي و اللّه لاحبّ رياحكم و أرواحكم،فأعينوني على ذلك بورع و اجتهاد،و اعلموا أنّ ولايتنا لا تنال إلاّ بالورع و الاجتهاد،و من ائتمّ منكم بعبد فليعمل بعمله.أنتم شيعة اللّه و أنتم أنصار اللّه،و أنتم السّابقون الأوّلون،و السّابقون الآخرون،و السّابقون في الدّنيا،و السّابقون في الآخرة إلى الجنّة،قد ضمنا لكم الجنّة بضمان اللّه، و ضمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.و اللّه ما على درجة الجنّة أكثر أرواحا منكم، فتنافسوا في فضائل الدّرجات،أنتم الطّيبون و نساؤكم الطّيبات.كلّ مؤمنة حوراء عيناء،و كلّ مؤمن صدّيق،و لقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام لقنبر:يا قنبر أبشر و بشّر و استبشر،فو اللّه لقد مات النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو على امته ساخط إلاّ الشّيعة... (2).

و كيف لا يكون كما قال عليه السّلام من عدم دخول الجنّة إلاّ من عرفهم بعد عدم قبول عبادة إلاّ بولايتهم،و عدم صحّة صلاة إلاّ بالصلاة عليهم؟و إن كان ابن الزّبير يترك الصلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في صلاته و خطبه لبغض أهل بيته (3).

و بدّل معاوية و باقي بني اميّة الصلاة عليهم عليهم السّلام بالسّب لهم.

و في(مروج المسعودي):كان أهل حرّان-قاتلهم اللّه-حين ازيل لعن


1) 1)

2) 2) أخرجه الكليني في الكافي 8:212 و 214 ح 259 و 260 [2] بطريقين،و الصدوق في فضائل الشيعة:9 ح 8 بطريقين، و الطبري في بشارة المصطفى:13. [3]

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 3:79. [4]

أمير المؤمنين عليه السّلام عن المنابر يوم الجمعة امتنعوا عن إزالته،و قالوا:لا صلاة إلاّ بلعن أبي تراب.و أقاموا على ذلك سنة حتّى كان من أمر المشرق و ظهور المسودة ما كان (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:245. [1]

.

و لعمري،لو كنت كشقيق البلخي أو معروف الكرخي في العرفان،و لم تعرفهم لم يعرفك اللّه.و أما صحّة كليّة الحصر في قوله عليه السّلام: «و لا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم و أنكروه» -مع دخول العاصين الّذين لا ينكرونهم النّار-فيمكن أن تكون بوجوه،أحدها:أن لا يدخلونها دخولا مخلدا،و ثانيها:أن يكون الحصر إضافيا من حيث إنكار رجال الدّين،و لو كان في العمل من أوّل العابدين،و ثالثها:بأنّ من عصى اللّه تعالى ينكرهم عليهم السّلام،و ينكرونه لقولهم عليهم السّلام:«لا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل» (2).و أمّا القول بعدم دخول فسّاق الشّيعة أيضا النّار،فمخالف للقرآن و السّنّة المقطوعة.

14

من الخطبة(185)

و من خطبة له عليه السّلام تختص بذكر الملاحم:

:أَلاَ بِأَبِي وَ أُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ- أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ- أَلاَ فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ- وَ انْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ وَ اسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ- ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ- ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي- ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ- بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَ النَّعِيمِ- وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ- وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ- ذَاكَ


1) 1)

2) 2) جاءت هذه العبارة في حديث مرور الباقر عليه السّلام على اناس من الشيعة،و مرّ تخريجه آنفا.

إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلاَءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ- مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ أَيُّهَا النَّاسُ أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ- الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ- وَ لاَ تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ- وَ لاَ تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ- وَ أَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا- فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ- وَ يَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ.

إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ- يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ- وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا أقول:الأصل فيه ما رواه المدائني في( صفينه 1المدائني-صفين- )قال:خطب عليّ عليه السّلام بعد انقضاء أمر النهروان،فذكر طرفا من الملاحم قال:«إذا كثرت فيكم الأخلاط، و استولت الأنباط-إلى أن قال-فيا ابن خيرة الآباء،متى تنتظر البشير بنصر قريب من ربّ رحيم؟ألا فويل للمتكبرين عند حصاد الحاصدين،و قتل الفاسقين عصاة ذي العرش العظيم،فبأبي و امّي من عدّة قليلة،أسماؤهم في الأرض مجهولة،قد دان حينئذ ظهورهم،و لو شئت لأخبرتكم بما يأتي، و يكون من حوادث دهركم،و نوائب زمانكم،و بلايا أيّامكم و غمرات ساعاتكم،و لكنّه أفضيه إلى من أفضيه إليه،مخافة عليكم و نظرا لكم،علما منّي بما هو كائن،و ما يلقون من البلاء الشّامل،ذاك عند تمرّد الأشرار،و طاعة اولي الخسار،ذاك أو ان الحتف و الدّمار،ذاك إدبار أمركم،و انقطاع أصلكم و تشتّت أنفسكم،و إنّما يكون ذلك عند ظهور العصيان،و انتشار الفسوق حيث يكون الضّرب بالسّيف أهون على المؤمن من اكتساب درهم حلال، حين لا تنال المعيشة إلاّ بمعصية اللّه في سمائه،حين تسكرون من غير شراب،و تحلفون من غير اضطرار،و تظلمون من غير منفعة،و تكذبون من

غير إحراج،تتفكّهون بالفسوق،و تتنابزون بالمعصية،قولكم البهتان، و حديثكم الزّور،و أعمالكم الغرور.فعند ذلك لا تأمنون البيات،فيا له من بيات ما أشد ظلمته،و من صائح ما أفظع صوته!ذلك بيات لا يتمنى صاحبه صباحه.فعند ذلك تقتلون،و بأنواع البلاء تضربون،و بالسّيف تحصدون، و إلى النار تصيرون،و يعضّكم البلاء كما يعضّ الغارب القتب.يا عجبا كلّ العجب بين جمادى و رجب،من جمع اشتات،و حصد نبات،و من أصوات بعدها أصوات!سبق القضاء سبق القضاء».قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه:أشهد أنّه كاذب على اللّه و رسوله.قال الكوفي:و ما يدريك؟قال:فو اللّه ما نزل عليه السّلام عن المنبر حتّى فلج الرّجل،فحمل إلى منزله في شقّ محمل،فمات من ليلته.

نقله عن المدايني ابن أبي الحديد 2ابن أبي الحديد-شرح نهج البلاغه-ج 2 ص 49،شرح الخطبة 69 في موضع آخر (1)

رواه عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2:49،شرح الخطبة 69.

و غفل عنه هنا،كما أنّ ابن ميثم قال-عند قوله عليه السّلام:«كنتم جند المرأة...»-:رويت الخطبة مع إضافات و هي:«هل علمت أنّ بين الّتي تسمّى البصرة و الّتي تسمّى الابلّة أربعة فراسخ،و ستكون في الّتي تسمّى الابلّة موضع أصحاب العشور،يقتل في ذلك الموضع من امّتي سبعون ألفا شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر؟ فقال له المنذر:يا أمير المؤمنين و من يقتلهم فداك أبي و امّي؟قال:يقتلهم إخوان الجنّ،و هم جيل كأنّهم الشّياطين،سود ألوانهم،منتنة أرياحهم،شديد كلبهم،قليل سلبهم،طوبى لمن قتلهم،و طوبى لمن قتلوه،ينفر لجهادهم في ذلك الزّمان قوم هم أذلّة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان،مجهولون في الأرض،معروفون في السّماء،تبكي السماء عليهم و سكّانها،و الأرض

1) 1)

و سكّانها.قال:ثم هملت عيناه بالبكاء» (1)

هذه الخطبة نقلها ابن ميثم متفرقة في شرحه 1:289،و في مواضع اخرى،و جمعها المجلسي في الفتن من البحار: 415. [1]

.

قول المصنّف : «تختص بذكر الملاحم» في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (2)و لكن في(الخطّية)بدله:«في الملاحم»و ليس في(المصرية)الاولى رأسا و الثّانية أخذه من(ابن أبي الحديد)كما يفهم من رمزه.و الملاحم:جمع الملحمة،و في(الصحاح):الملحمة:الوقعة العظيمة في الفتنة (3).

قوله عليه السّلام: «ألا بأبي و امّي هم من عدّة،أسماؤهم في السّماء معروفة، و في الأرض مجهولة» قال ابن أبي الحديد:الإمامية تقول:المراد بالعدّة الأئمّة الأحد عشر من ولده عليه السّلام.و غيرهم يقول:إنّه عنى الأبدال الّذين هم أولياء اللّه (4).

قلت:ما قاله من ترهات المتصوّفة الّتي لم تشهد بها عيان،و لا قام عليها برهان،و نقل الخطيب عن الكتاني أحد مشايخهم أنّه قال:النقباء ثلاثمائة، و النّجباء سبعون،و الأبدال أربعون،و الأخيار تسعة،و العمد أربعة،و الغوث واحد.فمسكن النقباء المغرب،و مسكن النّجباء مصر،و مسكن الأبدال الشام، و الأخيار سيّاحون في الأرض،و العمد في زوايا الأرض،و مسكن الغوث في مكّة» (5).

و في خبر عن الرّضا الأبدال هم الأئمّة عليهم السّلام لأنّهم بدل الأنبياء (6).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:213،و شرح ابن ميثم 4:182.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 5:2027 [2] مادة(لحم).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:213. [3]

5) 5) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 3:75. [4]

6) 6) الاحتجاج للطبرسي:437،و [5]النقل بالمعنى.

و الإمامية لم تقل:إنّ المراد الأئمّة عليهم السّلام معيّنا بل كلامه عليه السّلام محتمل لهم و لأصحاب القائم عليه السّلام،بل هو الظّاهر،لأنّ الخطبة في ذكر الملاحم،و ما يلحق النّاس من الشّدّة،و فيها كما عرفت الأصل:«فيا ابن خيرة الإماء متى تنتظر؟ ابشر بنصر قريب من ربّ رحيم».و فيها أيضا كما عرفت:«قد دان حينئذ ظهورهم»فإنّه ظاهر في ظهورهم دفعة،و الأئمّة عليهم السّلام إنّما كان ظهورهم متدرّجا،و الاثنان أو الثّلاثة منهم كانوا في زمانه عليه السّلام،و أيضا فيها:«دنا خسوف البيداء»و خسف البيداء من علامات قيام القائم و ظهوره.

و الأئمّة عليهم السّلام لم تكن أسماؤهم في الأرض مجهولة،بل كونهم حجج اللّه و مفترضي الطاعة كالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عند العامّة مجهولة،أمّا أسماؤهم فمعروفة عندهم لا سيّما الحسنان عليهما السّلام،فشهرة اسمهما مثله عليه السّلام،و بعدهما الرّضا عليه السّلام،و إنّما أسماء أصحاب القائم عليه السّلام مجهولة في الأرض حتّى عند الخاصّة،و لكن في السماء معروفة.

روى النّعماني في(غيبته)عن الصّادق عليه السّلام قال:إذا قام القائم عليه السّلام نزلت سيوف القتال،على كلّ سيف اسم الرّجل و اسم أبيه (1)

الغيبة للنعماني:162 [1] في صدر حديث.

.

و روى ابن بابويه في(إكماله)عن ابيّ بن كعب عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله خبرا في الاثني عشر،إلى أن قال بعد ذكر الثّاني عشر:يجمع اللّه عزّ و جلّ له من أقاصي البلاد-على عدد أهل بدر-ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا،و له صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم و أنسابهم و بلدانهم... (2).

و قال النّعماني:جاءت الروايات بعدّتهم و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر


1) 1)

2) 2) اكمال الدين للصدوق:268 [2] في حديث طويل باسناده عن الحسين عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و اما ابي بن كعب فهو مخاطب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا راوي الحديث.

رجلا،و أنّهم حكّام الأرض و عماله عليها،و بهم يفتح شرق الأرض و غربها مع من يؤيّده اللّه به من الملائكة (1)

الغيبة للنعماني:163. [1]

.

هذا،و روى الكشي:أنّ أبا ذر دخل على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و معه جبرئيل عليه السّلام، فقال جبرئيل:من هذا يا رسول اللّه؟قال:أبو ذر.قال:أما إنّه في السّماء أعرف منه في الأرض،سله عن كلمات يقولهن إذا أصبح.فسأله النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال:إذا أصبحت أقول:اللهم إنّي أسألك الإيمان بك،و العافية من جميع البلايا،و الشّكر على العافية،و الغنى عن النّاس (2).

«ألا فتوقّعوا ما يكون من إدبار اموركم و انقطاع وصلكم و استعمال صغاركم» قد عرفت أنّ المدائني نقل بدله:«ذاك إدبار أمركم،و انقطاع أصلكم،و تشتّت أنفسكم» (3).

و كيف كان،فحصل ما قاله عليه السّلام بعده أيّام معاوية و يزيد،و عبد الملك و بنيه .

«ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلّه» قد عرفت أنّ المدائني نقل بدله:«و إنّما يكون ذلك عند ظهور العصيان،و انتشار الفسوق حيث يكون الضرب بالسّيف أهون على المؤمن من اكتساب درهم حلال،حين لا تنال المعيشة إلاّ بمعصية اللّه في سمائه» (4).و مراده عليه السّلام عدم رعاية النّاس لقوانين الإسلام.

«ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطي» قال ابن أبي الحديد:لأنّ أكثر من يعطي و يتصدّق في ذلك الزّمان يكون ماله حراما،فلا أجر له في


1) 1)

2) 2) أخرجه الكشي في معرفة الرجال(اختياره):25 ح 49،و النقل بتلخيص.

3) 3) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2:50،شرح الخطبة 69.

4) 4) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2:50،شرح الخطبة 69.

التصدّق به،ثمّ أكثرهم يقصد الرياء و السّمعة بالصدقة أو لهوى نفسه أو لخطرة من خطراته،و لا يفعل الحسن لأنّه حسن،و لا الواجب لوجوبه،فتكون اليد السّفلى خيرا من اليد العليا،عكس ما ورد في الأثر،و أمّا المعطى فإنّه يكون ذا عيال لا يلزمه أن يبحث عن المال:أحرام هو أم حلال؟فإذا أخذه ليسدّ به خلّته و يصرفه في قوت عياله،كان أعظم أجرا ممّن أعطاه،و خطر لي فيه معنى آخر و هو:أن يكون صاحب المال الحرام إنّما يصرفه في أكثر الأحوال و أغلبها في الفساد و ارتكاب المحظور،كما قال:«من اكتسب مالا من منهاوش أذهبه اللّه في منهابر»،فإذا أخذه الفقير منه على وجه الصدقة فقد فوّت عليه صرفه في تلك القبائح (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:213. [1]

.

قلت:بل المراد ما يأخذه أئمة الحقّ عليهم السّلام و أتباعهم من خلفاء الجور،فإن استيلاءهم على المال حيث كان بغير حقّ لم يكن في إعطائهم أجر،بخلاف الّذي يأخذ نفسه حقّه و يضعه في موضعه الّذي أمره اللّه تعالى به،مع أنّ ما خطر له بلا معنى،لأنّه إنّما يصدق أنّ الفقير فوّت عليه صرفه في القبيح إذا كان أخذه منه قهرا،و الفقير بل كلّ الرّعايا لا يستطيعون ذلك.

و كيف كان،فالفقرة ليست في رواية المدائني (2).

«ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النّعمة و النّعيم» و مرّ عن رواية المدائني:«حين تسكرون من غير شراب» (3).

«و تحلفون من غير اضطرار» مع أنّه تعالى قال: «وَ لا تَجْعَلُوا اللّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ» (4).


1) 1)

2) 2) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2:50،شرح الخطبة 69.

3) 3) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2:50،شرح الخطبة 69.

4) 4) البقرة:224. [2]

«و تكذبون من غير إحراج» أي:من غير إلجاء،أو من غير أن تعدّوا كذبكم حرجا و إثما،و قد قال تعالى: «إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» (1)

النحل:105. [1]

.

«ذاك إذا عضّكم» الأصل في العض:إذا أخذ بالأسنان.

«البلاء كما يعضّ القتب» بفتحتين،و في(الصّحاح):القتب:رحل صغير على قدر السنام (2).

«غارب البعير» و في(الصحاح):الغارب:ما بين السّنام إلى العنق،و منه قولهم:حبلك على غاربك (3).

قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام غير متّصل بما قبله.قال:«و قد ذكرنا هذه الخطبة أو أكثرها في ما تقدّم» (4).

قلت:ذكر الخطبة عند شرح قوله عليه السّلام:«يا أهل العراق إنّما أنتم كالمرأة الحامل»و في(68)و قد نقلناها منه هنا (5)،و يفهم منها أنّ المصنّف أسقط بين هذا و ما قبله فقرات،و هي:«فعند ذلك لا تأمنون البيات.-إلى قوله-:و بأنواع البلاء تضربون،و بالسّيف تحصدون،و إلى النّار تصيرون»،و لفظه بدل: «ذاك إذا عضّكم...» :«و يعضّكم...»،إلاّ أنّ المصنّف لم يعلم أخذها من رواية المدائني، بدليل زيادته ما ليس في تلك و نقصه،لكن ربط الكلام يقتضي سقوط شيء .

«ما أطول هذا العناء،و أبعد هذا الرجاء» قال ابن أبي الحديد:هذا حكاية كلام شيعته و أصحابه (6).


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:198 [2] مادة(قتب).

3) 3) صحاح اللغة 1:193 [3] مادة(غرب).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 1:214. [4]

5) 5) يأتي في العنوان 37 من الفصل التاسع.

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 1:214. [5]

قلت:لم يعلم ما قاله،و أيّ مانع من أن يكون إنشاء منه عليه السّلام؟و الحكاية إنّما تصحّ بإسقاط القول،و إبقاء المقول،و لم نقف على مثله في كلامه عليه السّلام، و إن كان في القرآن كثيرا كقوله تعالى: «يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا» (1)

يوسف:29. [1]

.

و كيف كان،فليس هذا الكلام في رواية المدائني،و كذا ما بعده (2).

«أيّها النّاس ألقوا هذه الأزمّة الّتي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم» قال ابن أبي الحديد:الظّهور هنا:هي الإبل أنفسها،و الأثقال:المآثم،و إلقاء الأزمّة:ترك اعتماد القبيح.فهذا عمومه،و أمّا خصوصه فتعريض بما كان عليه أصحابه من الغدر،و مخامرة العدو عليه و إظهار الغشّ له (3).

قلت:ما قاله من أنّ المراد بالظّهور نفس الإبل غلط،بل المراد بها ظهور النّاس،كما في قوله تعالى: «وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» (4).

مع أنّه لو كان المراد بالظّهور الإبل،لم تكن الأثقال بمعنى الأوزار كما قال،بل بمعنى الأحمال،كما في قوله تعالى: «وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ» (5).

و إنّما تكون الأثقال بمعنى الأوزار،إذا كان المراد بالظّهور ظهور النّاس،كما قلنا و كما في قوله: «وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ» (6).

ثمّ كأنّ في الكلام استخداما،فظاهر(ظهورها)ظهور الأزمّة،و المراد ظهور صاحبات الأزمّة،و يمكن أن يكون الأصل في قوله: «ألقوا هذه الأزمّة


1) 1)

2) 2) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2:50،شرح الخطبة 69.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 1:214. [2]

4) 4) الأنعام:31. [3]

5) 5) النحل:7. [4]

6) 6) العنكبوت:13. [5]

الّتي» :«ألقوا أزمّة هذه الّتي»فيكون وقع في الكلام تقديم و تأخير،و المراد في الجميع:لا تكونوا قائدين للجبابرة الدّاعين إلى المنكرات،قال تعالى: «وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ» (1)

هود:113. [1]

.

«و لا تصدّعوا» في(الصحاح):تصدع القوم:تفرّقوا.

«على سلطانكم» جعله ابن أبي الحديد تفسيرا لما قبله الّذي قال:إنّه تعريض لأصحابه في ما كانوا عليه (2).

قلت:و حيث عرفت اشتمال الخطبة على ذكر القائم عليه السّلام يمكن أن يكون المراد:النّهي عن القيام على سلاطين الجور ما لم تكن دولة أئمّة الحق،فكان أئمّتنا عليهم السّلام ينهون أصحابهم عن الخروج على سلطان وقتهم قبل قيام قائمهم عليه السّلام.

«فتذمّوا غبّ فعالكم» أي:عاقبة عملكم،فكان الطّالبيون يخرجون على ملوك بني اميّة و بني العبّاس،و يعاونهم الشّيعة رجاء أن يحصل لهم فرج، لكن كان بالعكس يصير الأمر عليهم أشدّ،كما في خروج زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك،و ابنه يحيى على الوليد بن يزيد،و محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه المحض على المنصور .

«و لا تفتحموا» في(الصحاح):قحم في الأمر قحوما:رمى بنفسه فيه من غير رويه (3).

«ما استقبلتم من فور» في(الصحاح):فارت القدر تفور فورا و فورانا:جاشت،و منه قولهم:ذهبت في حاجة فلان ثمّ أتيت فلانا


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:214.

3) 3) صحاح اللغة 5:2006 [2] مادة(قحم).

من فوري.أي:قبل أن أسكن (1)

صحاح اللغة 2:783 [1] مادة(فور).

.

«نار الفتنة» فإنّ استقبال فوران نارها يوجب إحراقكم و إهلاككم.

«و أميطوا» في(الصحاح):حكى أبو عبيد:مطت عنه و أمطت،إذا تنحيت عنه (2).

«عن سننها» أي:وجهها،و يجوز في سين السّنن الضّم و الفتح و الكسر.

«و خلّوا قصد السّبيل لها» الظّاهر أنّ المعنى:خلّوا سبيلا تقصده نار الفتنة لها،فيكون من إضافة الصّفة إلى الموصوف،مع كون المصدر بمعنى المفعول.

«فقد لعمري يهلك في لهبها» لهب النّار:لسانها.

«المؤمن و يسلم فيها غير المسلم» لأنّ المؤمن يريد أن يطفىء نار الفتنة، و لا يقدر عليه لشدّتها،و هي تحرقه بتعرّضه لها،و غير المسلم لا يقوم في قبالها فيسلم،و كان في زمان خلفاء الجور الفجرة و الكفرة في أمان،و المؤمن المخلص في الخوف و الفزع،كما أنّ في زمان معاوية من نسب إليه التّشيّع يؤاخذوه،و من تحقّق إلحاده لم يتعرّض له أحد .

«إنّما مثلي بينكم كمثل السّراج في الظّلمة» و فسّر قوله تعالى: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (3)به عليه السّلام (4).

«ليستضيء» هكذا في(المصرية)،و الصّواب:(يستضيء)كما في(ابن


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة 3:1162 [2] مادة(ميط).

3) 3) الرعد:7. [3]

4) 4) رواه عاصم بن حميد في أصله:41،و الصفار بطرق في البصائر:49-51 ح 2-9،و [4]الفرات في تفسيره:76، و القمي في تفسيره 1:359،و [5]الصدوق في كمال الدين:667 ح 10،و [6]النعماني في الغيبة:69،و [7]ابن جرير و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة و الديلمي و ابن النجار و الضياء في المختارة،عنهم الدر المنثور 4:45 و [8]غيرهم.

أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (1)

يوجد اللام في شرح ابن أبي الحديد 3:213،و شرح ابن ميثم 4:183 أيضا. [1]

و لأنّه لا مورد للام هنا.

«به من ولجها» أي:دخل الظّلمة.

«فاسمعوا أيّها النّاس وعوا» اي:اجعلوا آذانكم كالوعاء لمقالي.

«و احضروا» من باب الافعال.

«آذان قلوبكم تفهموا» لأنّ آذان الرءوس بدون آذان القلوب بلا فائدة.

15

من الخطبة(187)

وَ الْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ- مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الْإِمَّةِ وَ مُعْلِنِهَا- لاَ يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ- إِلاَّ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ- فَمَنْ عَرَفَهَا وَ أَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ- وَ لاَ يَقَعُ اسْمُ الاِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ- فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَ وَعَاهَا قَلْبُهُ إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لاَ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ- امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ- وَ لاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ وَ أَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ «و الهجرة قائمة على حدّها الأوّل» قال ابن أبي الحديد:هذا كلام يختصّ بأمير المؤمنين عليه السّلام،و هو من أسرار الوصيّة،لأنّ النّاس يروون عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:«لا هجرة بعد الفتح» (2)،فشفّع عمّه العبّاس في نعيم ابن مسعود الأشجعي أن يستثنيه،فاستثناه.و هذه الهجرة الّتي يشير إليها أمير المؤمنين عليه السّلام ليست تلك الهجرة،بل هي الهجرة إلى الإمام،قال:«إنّها قائمة


1) 1)

2) 2) أخرجه البخاري في صحيحه 2:134،و مسلم في صحيحه 3:1489 ح 85،و الترمذي في سننه 4:148،ح 1590 و الدارمي في سننه 2:239،و [2]غيرهم،عن ابن عباس و في الباب عن مجاشع بن مسعود و أبي سعيد و عبد اللّه ابني عمرو و عمر و صفوان بن امية و عائشة و عبد اللّه بن حبشي.

على حدّها الأوّل»ما دام التّكليف باقيا (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:216. [1]

.

قلت:ما قاله صواب،إلاّ أنّه لا منافاة بين كلامه عليه السّلام و الرواية عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،لأنّ مراد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقوله:«لا هجرة بعد الفتح»انتفاء الموضوع بالنّسبة إلى مكّة،لأنّ مكّة بعد فتحها صارت كالمدينة يعبد اللّه فيها جهرة، فعدم الهجرة منها لا ينافي الهجرة من ساير بلاد الكفر فرضا،و إنّما قال عليه السّلام ذلك مقدّمة لغرضه،من كون الهجرة إلى الإمام كالهجرة إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و إلاّ ففي عصره عليه السّلام و إن كان الإسلام فتح الأرض شرقا و غربا،إلاّ أنّه لمّا كان رجال قاموا على خلافه من يوم وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى آخر عمره عليه السّلام،صار الأمر مثل أوّل الإسلام.

«ما كان للّه في أهل الأرض حاجة» قال ابن أبي الحديد:أي ما دام التّكليف باقيا.قال:و قال الرّاوندي:(ما)هاهنا نافية،أي:لم يكن للّه في أهل الأرض من حاجة،و هذا ليس بصحيح،لأنّه إدخال كلام منقطع بين كلامين يتّصل أحدهما بالآخر (2).

و قال ابن ميثم:غير بعيد أن تكون نافية مع اتّصال الكلام بما قبله، و وجهه أنّه لمّا رغّب النّاس في طلب الدّين و العبادة،فكأنّه أراد أن يرفع حكم الوهم،بما عساه يحكم به عند تكرار طلب اللّه للدّين و العبادة من حاجته تعالى إليها من خلقه،حيث كرّر طلبه منهم بتواتر الرّسل و الأوامر الشرعية، و يصير معنى الكلام:أنّ الهجرة باقية على حدّها الأوّل في صدقها على المسافرين لطلب الدّين،فينبغي للنّاس أن يهاجروا في طلبه إلى أئمّة الحق، و ليس ذلك لأنّ للّه تعالى إلى أهل الأرض ممّن أسرّ دينه أو أظهره حاجة،فإنّه


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:216،و [2]شرح الراوندي 2:445. [3]

تعالى الغني المطلق (1)

شرح ابن ميثم 4:196.

.

قلت:الإنصاف أنّه لا مناسبة هنا ل‍(ما)النّافية،و ليس المحلّ محلّ التّوهم حتّى يحتاج إلى الدّفع،فإنّه لو كان قوله عليه السّلام: «الهجرة قائمة على حدّها الأوّل» موهما لاحتياجه تعالى،كان بيان كلّ حكم من أحكام الشّريعة كذلك،و إنّما لدفع التوهّم موضع،كقوله تعالى: «تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» (2).

و كقول الشاعر:

فسقى ديارك غير مفسدها صوب الرّبيع و ديمة تهمي

ثمّ الغريب أنّ الخوئي (3)تبع ابن ميثم في كون(ما)نافية،و لكن نسب إلى ابن ميثم جعله(ما)مصدرية،مثل ابن أبي الحديد.

«من مستسرّ الامّة و معلنها» قال ابن أبي الحديد:(من)زائدة من قولك:ما جاءني من أحد (4).

قلت:يشترط في زيادة(من)تقدّم نفي أو شبهه،و كون مدخولها نكرة كما في ما مثّل به،و الأمران مفقودان في كلامه عليه السّلام،و الصّواب كون(من) لبيان الجنس،كما نقله ابن ميثم عن الرّاوندي بكونها بيان(أهل الأرض ) (5).

«لا يقع اسم الهجرة على أحد إلاّ بمعرفة الحجّة في الأرض،فمن عرفها و أقرّ بها فهو مهاجر» كأنّه بيان لمعنى الهجرة الحقيقيّة،فإنّ الأشياء لها ظواهر و حقايق، و الأصل الثاني لعدم ترتّب الثّمرة إلاّ عليها،فيمكن أن يهاجر إنسان إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يكون منافقا،كما في كثير ممّن هاجر مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و ممّن هاجر


1) 1)

2) 2) القصص:32. [1]

3) 3) شرح الخوئي 5:186،187.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:216. [2]

5) 5) شرح ابن ميثم 4:196،و شرح الراوندي 2:445.

إليه،و منهم المغيرة بن شعبة الّذي كفّ زيادا عن الشّهادة على زناه،بأنّه يرى وجه رجل لا يخزى على لسانه أحد من المهاجرين،و اعتذر عثمان عن تولية أخيه لامّه الوليد بن عقبة-الّذي سماه اللّه تعالى فاسقا في القرآن-باستعمال عمر للمغيرة،و صرّح عبد الرّحمن بن عوف حكم عمر في الشورى لما اختار عثمان،و قال له المغيرة:«لو اخترت غيره لم نرض به»بأنّه منافق.فقال له:لو كنت اخترت غيره أيضا كنت تقول له ذلك.

كما يمكن أن يكون الباقي في بلده مجدّا في طاعة اللّه تعالى و طاعة رسوله صلّى اللّه عليه و آله،فيكون أفضل من المهاجرين،كما في اويس القرني الذّي قال فيه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما قال (1)

جاءت عدّة أحاديث في فضائل اويس القرني،منها ما أخرجه مسلم في صحيحه 4:1968 ح 223-225،و جمع بعض طرقه السيوطي في الجامع الصغير 2:36،و المتقي في منتخب كنز العمال 5:289.

.

و روى محمّد بن سعد كاتب الواقدي في(طبقاته):أنّه قدم ثلاثة نفر من بني عبس على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقالوا:إنّه قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنّه:«لا إسلام لمن لا هجرة له»و لنا أموال و مواش هي معاشنا،فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له،بعناها و هاجرنا؟فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:اتّقوا اللّه حيث كنتم،فلن يلتكم من أعمالكم شيئا،و لو كنتم بصمد و جاز ان (2).

و في خبر:المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه (3).

و يشهد لقوله عليه السّلام:إنّ الأصل في الإسلام و هجرته معرفة الحجّة ما تواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:الأئمّة اثنا عشر من قريش (4).و لا ينطبق ذلك إلاّ على مذهب الإمامية،و أمّا العامّة فحيارى في تفسير كلامه صلّى اللّه عليه و آله كما لا يخفى


1) 1)

2) 2) الطبقات لابن سعد 1 [1] ق 2:42.

3) 3) صحيح البخاري 1:11 و 4:127 بأربعة طرق،و غيره.

4) 4) حديث جابر بن سمرة مرّ تخريجه في أواخر العنوان 8 من هذا الفصل.

على من راجع(خلفاء السّيوطي)فيه (1)

نقل السيوطي بعض أقوال أهل السّنة في ذلك في تاريخ الخلفاء 9-12،و قد مرّ في العنوان 1 من هذا الفصل.

.

مع أنّه روى جمع من العامّة أسماء الأئمّة عليهم السّلام بأعيانهم،روى أخطب خوارزم منهم في كتابه مسندا عن أبي سلمى راعي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:ليلة اسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ و علا:

«آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ» (2)فقلت:«و المؤمنون»قال:صدقت يا محمّد،من خلّفت في امّتك؟قلت:خيرها.قال:عليّ بن أبي طالب؟قلت:نعم يا ربّ.قال:يا محمّد إنّي اطّلعت إلى الأرض اطلاعة،فاخترتك منها،فشققت لك اسما من أسمائي،فلا اذكر في موضع إلاّ ذكرت معي،فأنا المحمود و أنت محمّد.ثمّ اطّلعت الثّانية فاخترت عليّا،و شققت له اسما من أسمائي،فأنا الأعلى و هو عليّ.يا محمّد إنّي خلقتك و خلقت عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولده من سنخ نور من نوري،و عرضت ولايتكم على أهل السماوات و أهل الأرض،فمن قبلها كان عندي من المؤمنين،و من جحدها كان عندي من الكافرين،يا محمّد لو أنّ عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشنّ البالي،ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له،حتّى يقرّ بولايتكم.

يا محمّد أتحبّ أن تراهم؟قلت:نعم يا ربّ.فقال لي:التفت عن يمين العرش.

فالتفتّ فإذا أنا بعليّ،و فاطمة،و الحسن،و الحسين،و عليّ بن الحسين،و محمّد بن عليّ،و جعفر بن محمّد،و موسى بن جعفر،و عليّ بن موسى،و محمّد بن عليّ،و عليّ بن محمّد،و الحسن بن عليّ،و المهديّ في ضحضاح من نور قيام يصلّون،و هو في وسطهم-يعني المهدي-كأنّه كوكب درّي.قال:يا محمّد هؤلاء الحجج،و هو الثائر من عترتك،و عزّتي و جلالي إنّه الحجّة الواجبة


1) 1)

2) 2) البقرة:285. [1]

لأوليائي،و المنتقم من أعدائي (1)

أخرجه أخطب خوارزم في مقتل الحسين 1:95،و [1]الطوسي في الغيبة:95.

.

و روى أيضا مسندا عن الحارث و سعد بن بشير عن عليّ عليه السّلام قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أنا واردكم على الحوض،و أنت يا عليّ السّاقي،و الحسن الرائد، و الحسين الآمر،و عليّ بن الحسين الفارط،و محمّد بن عليّ الناشر،و جعفر بن محمّد السائق،و موسى بن جعفر محصي المحبّين و المبغضين و قامع المنافقين،و عليّ بن موسى مزيّن المؤمنين،و محمّد بن عليّ منزل أهل الجنّة درجاتهم،و عليّ بن محمّد خطيب شيعته و مزوّجهم من الحور العين، و الحسن بن عليّ سراج أهل الجنّة يستضيئون به،و المهديّ شفيعهم يوم القيامة،حيث لا يأذن اللّه إلاّ لمن يشاء و يرضى (2).

و روى مسندا عن سلمان قال:دخلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إذا الحسين على فخذه،و هو يقبّل عينيه،و يلثم فاه،و يقول:إنّك سيّد ابن سيّد أبو سادة،إنّك إمام ابن إمام أبو أئمّة،إنّك حجّة ابن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك،تاسعهم قائمهم (3).

هذا ثمّ الّذي وجدنا في النّسخ (4): «فمن عرفها و أقرّ بها» و الضميران راجعان إلى «الحجّة في الأرض» و الحجّة في الأرض شخص لا معنى كقوله تعالى: «حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ» (5).فالظّاهر كون الأصل:(فمن عرفه و أقرّ به) و صحّف في النّسخ الأوّلية.


1) 1)

2) 2) مقتل الحسين لأخطب خوارزم 1:94. [2]

3) 3) أخرجه أخطب خوارزم في مقتل الحسين 1:145،و [3]الصدوق في كمال الدين:262 ح 9،و [4]عيون الأخبار 1:41 ح 17 و [5]الخصال:475 ح 38،و الخزاز في كفاية الأثر:45. [6]

4) 4) كذا في نهج البلاغة 2:129،و [7]شرح ابن أبي الحديد 3:213،و شرح ابن ميثم 4:192.

5) 5) الشورى:16. [8]

«و لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة» الظّاهر أنّ الحجّة هنا بمعنى البرهان،و البيّنة فيصح تأنيث مسنده قبله،و إرجاع ضمير المؤنث إليها بعده بخلاف سابقها،و لعل الحجّة هنا صارت لتوهم اتحاد المراد منها مع الحجّة ثمة.

«فسمعتها اذنه و وعاها قلبه» قال الرّاوندي كما نقل ابن أبي الحديد و ابن ميثم:و يمكن أن يشير بهذا الكلام إلى آيتين،إحداهما: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ» (1)

النساء:97. [1]

،فيكون مراده على هذا:أنّه لا يقع اسم الاستضعاف على من عرف الامام و بلغته أحكامه و وعاها قلبه،إن بقي في وطنه و لم يتجشم السّفر إلى الامام،كما لم يصدق على هؤلاء المذكورين في الآية.و الثانية:قوله تعالى بعد ذلك: «إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» (2)،فالمراد على هذا:أنّه ليس من عرف الامام و بلغه خبره بمستضعف،كهؤلاء الّذين استثناهم من الظّالمين (3).

قلت:الصّواب كونه إشارة إلى الآيتين،لأنّ معنى كلامه عليه السّلام:أنّ من بلغته الحجّة و سمعها و وعاها ليس بمستضعف،حتّى يمكن شمول العفو له، فليس بمعذور،و قد قال عترته عليهم السّلام:إنّ المستضعف من لم يتميّز بين الحقّ و الباطل كبعض النّساء،و كثير من العبيد و الإماء،و مثل البلهاء (4).


1) 1)

2) 2) النساء:98-99. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 3:216،و [3]شرح ابن ميثم 4:197،و [4]شرح الراوندي 2:445،و [5]النقل بالمعنى.

4) 4) الكافي للكليني 2:404-406 ح 1-12 و غيره. [6]

«إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلاّ عبد مؤمن» هكذا في(ابن أبي الحديد)و(المصرية) (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:213.

،و ليست كلمة«مؤمن»في(ابن ميثم و الخطّية) (2).

«امتحن اللّه قلبه للإيمان» قال ابن أبي الحديد:و هذه الكلمة قد قالها عليه السّلام مرارا،و وقفت في بعض الكتب على خطبة من جملتها:إنّ قريشا طلبت السّعادة فشقيت،و طلبت النّجاة فهلكت،و طلبت الهدى فضلّت،ألم يسمعوا و يحهم قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» (3)؟فأين المعدل و المنزع عن ذرّية الرّسول الّذين شيّد اللّه بنيانهم فوق بينانهم،و أعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم،و اختارهم عليهم؟ألا إنّ الذّريّة أفنان أنا شجرتها،و دوحة أنا ساقها،و إنّي من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء،كنّا ظلالا تحت العرش قبل خلق البشر،و قبل خلق الطّينة الّتي كان منها البشر أشباحا عالية لا أجساما نامية،إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه إلا الثّلاثة:ملك مقرّب،أو نبيّ مرسل،أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان.فإذا انكشف لكم سرّ و وضح لكم أمر فاقبلوه،و إلاّ فاسكتوا تسلموا، و ردّوا علمنا إلى اللّه،فإنّكم في أوسع ممّا بين السّماء و الأرض (4).

قلت:إنّه أقرّ أنّه عليه السّلام قال هذه الكلمة مرارا،و روى كلامه هذا،و يعترف بتواتر الخبر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«إنّ عليّا مع الحقّ،و الحقّ مع عليّ يدور حيثما دار» (5).و اقتصر من(حمل أمرهم عليهم السّلام)على مجرّد اللّفظ،حيث شارك


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن ميثم 4:193 [1] مثل المصرية أيضا.

3) 3) الطور:21. [2]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 3:217. [3]

5) 5) أخرجه ابن عساكر في تأريخه عنه ذيل ترجمة علي عليه السّلام 3:156،و البزار في مسنده عنه مجمع الزوائد 7:236، و ابن مردويه في مناقبه عنه احقاق الحق 5:631، [4]بفرق بين الألفاظ و في الباب عن علي عليه السّلام و امّ سلمة.

بينه عليه السّلام و بين المتقدّمين عليه،و لم يحمل أمرهم عليهم السّلام على الحقيقة إلاّ الإمامية،فإنّهم قالوا-كما صرّح به في(اعتقادات الصّدوق)-:«إنّهم اولو الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم،و إنّهم شهداء على النّاس،و إنّهم أبواب اللّه و السّبيل إليه و الأدلة عليه،و إنّهم عيبة علمه و تراجمة وحيه و أركان توحيده،و إنّهم معصومون من الخطأ و الزّلل،و إنّهم الّذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا،و إنّ لهم المعجزات و الدلائل،و إنّهم أمان لأهل الأرض كما أنّ النّجوم أمان لأهل السّماء،و مثلهم في هذه الامّة كسفينة نوح من ركبها نجا،و كباب حطّة،و إنّهم عباد اللّه المكرمون الّذين «لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» (1)

الأنبياء:27. [1]

،و نعتقد أنّ حبّهم إيمان و بغضهم كفر،و أنّ أمرهم أمر اللّه، و نهيهم نهي اللّه،و طاعتهم طاعة اللّه،و معصيتهم معصية اللّه،و وليّهم وليّ اللّه، و عدوّهم عدوّ اللّه،و نعتقد أنّ الأرض لا تخلو من حجّة اللّه على خلقه إمّا ظاهرا أو خائفا مغمورا» (2).

قال الخوئي في بعض النّسخ:«لا يتحمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان» (3).

قلت:ما ذكره كلامه عليه السّلام في غير النّهج،و لو كان فيه لنقله ابن أبي الحديد أو ابن ميثم،و لا بدّ أنّه كان حاشية خلطته تلك النّسخة بالمتن،و يشهد لكونه من كلامه عليه السّلام-غير ما نقله ابن أبي الحديد عن بعض الكتب-ما رواه الصّدوق مسندا عن سدير:أنّه سأل الصّادق عليه السّلام عن قول أمير المؤمنين عليه السّلام:

«إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يقرّ به إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد


1) 1)

2) 2) الاعتقادات للصدوق:36. [2]

3) 3) شرح الخوئي 5:189.

امتحن اللّه قلبه للايمان».فقال عليه السّلام:إنّ في الملائكة مقرّبين و غير مقرّبين، و من الأنبياء مرسلين و غير مرسلين،و من المؤمنين ممتحنين و غير ممتحنين،فعرض أمركم هذا على الملائكة،فلم يقرّ به إلاّ المقرّبون،و عرض على الأنبياء،فلم يقرّ به إلاّ المرسلون،و عرض على المؤمنين،فلم يقرّ به إلاّ الممتحنون (1)

معاني الأخبار للصدوق:407 ح 83،البصائر للصفار:46 ح 1،و [1]شرح ابن أبي الحديد البقرة 3:217.

.

و عن كتاب(اللبيات)لابن شريعة الواسطي يرفعه إلى ميثم التمّار قال:

بينا أنا في السّوق إذا أتى أصبغ بن نباتة فقال:و يحك يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين عليه السّلام حديثا صعبا شديدا.قلت:و ما هو؟قال:سمعته يقول:إنّ حديث أهل البيت صعب مستصعب،لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب،أو نبيّ مرسل، أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان.قال:فقمت من فورتي فأتيت عليّا عليه السّلام فقلت:حديث حدّثني به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعا.فقال:ما هو؟فأخبرته، فتبسّم ثمّ قال:اجلس يا ميثم،أو كلّ علم يحتمله عالم؟إنّ اللّه تعالى قال للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» (2)فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟قلت:و إنّ هذا أعظم من هذا.قال:و الاخرى أنّ موسى بن عمران أنزل اللّه عليه التّوراة،فظنّ أن لا أحد أعلم منه،فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه،و ذلك إذ خاف على نبيّه العجب،فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم،فجمع اللّه بينه و بين الخضر،فخرق السّفينة فلم يحتمل ذلك موسى، و قتل الغلام فلم يحتمله،و أقام الجدار فلم يحتمله،و أمّا المؤمنون فإنّ نبيّنا يوم غدير خم أخذ بيدي،فقال:«اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه»فهل رأيت


1) 1)

2) 2) :30.

أحدا احتمل ذلك إلاّ من عصم اللّه؟فابشروا،ثمّ ابشروا،فقد خصّكم اللّه بما لم يخصّ به الملائكة،و النّبيّين،و المرسلين في أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و علمه،فحدّثوا عن فضلنا و لا حرج،و عن عظيم أمرنا و لا إثم.ثمّ قال عليه السّلام:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

امرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم (1)

رواه ابن شريعة في اللبيات عنه بحار الأنوار 25:383 ح 38،و [1]الفرات الكوفي في تفسيره:6،و الطبري في بشارة المصطفى:148.

.

«و لا يعي» أي:لا يستمع.

«حديثنا إلاّ صدور أمينة» لا كلّ صدر.

«و أحلام» أي:عقول.

«رزينة» أي:رفيعة لا كلّ حلم،و في الخبر:أتى الحسين عليه السّلام اناس فقالوا له:يا أبا عبد اللّه حدّثنا بفضلكم الّذي جعل اللّه لكم.فقال:إنّكم لا تحتملونه و لا تطيقونه.قالوا:بلى نحتمل.قال:إن كنتم صادقين فليتنحّ اثنان،و احدّث واحدا، فإن احتمله حدّثتكم.فتنحّى اثنان و حدّث واحدا.قال:فقام طائر العقل و مرّ على وجهه،و كلّمه صاحباه،فلم يردّ عليهما شيئا،و انصرفوا (2).

أيضا في الخبر:دخل زرارة على الباقر عليه السّلام،فسأله عمّا عنده من أحاديث الشيعة،فقال زرارة:قد هممت أن أوقد لها نارا ثمّ أحرقها.قال:و لم؟ هات ما أنكرت منها،ما كان علم الملائكة حيث قالوا: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ» (3).

هذا،و روى الكشي عن أمير المؤمنين عليه السّلام،قال:إن علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله،و قد آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بينهما فما ظنّك بسائر الخلق (4)؟


1) 1)

2) 2) أخرجه الراوندي في الخرائج عنه البحار 25:378 ح 26. [2]

3) 3) أخرجه العياشي في تفسيره 1:31 ح 9 و [3]النقل بتلخيص.و الآية 30 من سورة البقرة. [4]

4) 4) رواه الكشي في معرفة الرجال(اختياره):17 ح 40.

و عن الباقر عليه السّلام قال:دخل أبو ذر على سلمان و هو يطبخ قدرا له،فبينا هما يتحدّثان إذ انكبت القدر على وجهها على الأرض،فلم يسقط من مرقها و لا من ودكها شيء،فعجب من ذلك أبو ذر عجبا شديدا،و أخذ سلمان القدر فوضعها على حالها الأوّل على النّار ثانية و أقبلا يتحدّثان،فبينا هما كذلك إذا انكبّت القدر على وجهها،فلم يسقط منها شيء من مرقها و لا من ودكها،فخرج أبو ذر و هو مذعور من عند سلمان،فبينا هو متفكّر إذ لقي أمير المؤمنين عليه السّلام على الباب،فلمّا أن بصر به أمير المؤمنين عليه السّلام قال له:يا أبا ذر ما الّذي أخرجك من عند سلمان،و ما الّذي أذعرك؟قال له أبو ذر:يا أمير المؤمنين رأيت سلمان صنع كذا و كذا فعجبت من ذلك!فقال أمير المؤمنين عليه السّلام:يا أبا ذر،إنّ سلمان لو حدّثك بما يعلم لقلت:رحم اللّه قاتل سلمان... (1)

رواه الكشي في معرفة الرجال(اختياره):14 ح 33.

.

هذا،و ممّا ينسلك في الباب من الهزل ما رواه(الأغاني):أنّ رجلا شهد عند قاض بشهادة،فقيل له:من يعرفك؟قال ابن أبي عتيق.فبعث إليه يسأله عنه،فقال:عدل رضي.فقيل له:أ كنت تعرفه قبل اليوم؟قال:لا،و لكنّي سمعته ينشد:

غيّضن من عبراتهن و قلن له ما ذا لقيت من الهوى و لقينا

فعلمت أنّ هذا لا يرسخ إلاّ في قلب مؤمن،فشهدت له بالعدالة (2).

16

من الخطبة(231)

و من كلام له عليه السّلام:

أَلاَ وَ إِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ- فَلاَ يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ- وَ لاَ


1) 1)

2) 2) لم أجده في الأغاني. [1]

يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ- وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلاَمِ وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ قال ابن أبي الحديد:قال عليه السّلام ذلك في واقعة اقتضت أن يقوله،و ذلك أنّه أمر ابن اخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب النّاس يوما،فصعد المنبر فحصر،و لم يستطع الكلام،فقام أمير المؤمنين عليه السّلام،فتسنّم ذروة المنبر، و خطب خطبة طويلة ذكر الرّضي رحمه اللّه منها هذه الكلمات.و قال الجاحظ في كتاب(البيان و التّبيين):إن عثمان صعد المنبر،فارتج عليه فقال:إنّ أبا بكر و عمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا،و أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:184. [1]

.

قلت:كان عثمان في فعاله أكثر ارتجاجا منه في مقاله،و كان عبد اللّه بن عامر أحسن منه في اعتذاره،خطب يوم أضحى فارتج عليه،فقال:لا أجمع عليكم عيّا و لؤما،من أخذ شاة من السوق فهي له و ثمنها عليّ.

قال ابن أبي الحديد أيضا:قال المدائني:لمّا حصر عبد اللّه بن عامر بن كريز على المنبر بالبصرة-و كان خطيبا-،شقّ عليه ذلك،فقال له زياد بن أبيه -و كان خليفته-:أيّها الأمير لا تجزع،فلو أقمت على المنبر عامّة من ترى أصابهم أكثر ممّا أصابك.فلمّا كانت الجمعة تأخّر عبد اللّه بن عامر،و قال زياد للنّاس:إنّ الأمير اليوم موعوك.فقيل لرجل من وجوه امراء القبائل:قم فاصعد المنبر.فلمّا صعد،حصر فقال:الحمد للّه الّذي يرزق هؤلاء.و بقي ساكتا فأنزلوه،و أصعدوا آخر من الوجوه،فلمّا استوى قائما قابل بوجهه النّاس، فوقعت عينه على صلعة رجل،فقال:أيّها النّاس،إنّ هذا الأصلع قد منعني الكلام،اللهمّ فالعن هذه الصّلعة.فأنزلوه،و قالوا لوازع اليشكري:قم إلى المنبر


1) 1)

فتكلّم.فلمّا صعد و رأى النّاس،قال:أيّها النّاس إنّي كنت اليوم كارها لحضور الجمعة،و لكن امرأتي حملتني على إتيانها،و أنا أشهدكم أنّها طالق ثلاثا.

فأنزلوه.فقال زياد لعبد اللّه بن عامر:كيف رأيت؟قم الآن فاخطب (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:185. [1]

.

و قال الجاحظ:قال المدائني:خطب مروان بن الحكم فحصر،فقال:اللّهمّ إنّا نحمدك،و نستعينك و نشكرك بك (2).

قلت:الّذي وجدت في(بيان الجاحظ):و خطب أمير المؤمنين الموالي -و هكذا لقبه-خطبة نكاح فحصر،فقال:«اللهمّ إنّا نحمدك و نستعينك،و لا نشكرك» (3)،لا مروان بن الحكم كما قال.

و في(الطبري):كان ثابت بن قطنة خليفة عامل خراسان فحصر،فقال:

من يطع اللّه و رسوله فقد ضلّ.و ارتجّ عليه فلم ينطق بكلمة،فلمّا نزل عن المنبر،قال:

فإن لم أكن يوما خطيبا فإنّني بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب

فقيل له:لو قلت هذا على المنبر لكنت خطيبا.فقال حاجب الفيل اليشكري يعيّره حصره:

أبا العلاء لقد لا قيت معضلة يوم العروبة من كرب و تخنيق

تلوى اللسان إذا رمت الكلام به كما هوى زلق من شاهق النيق

لمّا رمتك عيون النّاس ضاحية أنشأت تحرض لمّا قمت بالرّيق

أما القران فلا تهدى لمحكمة من القران و لا تهدى لتوفيق (4)

و في(عيون ابن قتيبة):ولّي رجل من بني هاشم يعرف بالدّندان بحر


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 3:185. [2]

3) 3) البيان و التبيين للجاحظ 2:273. [3]

4) 4) تاريخ الطبري 5:386 سنة 106. [4]

اليمامة،فلمّا صعد المنبر،ارتج عليه فقال:حيّا اللّه هذه الوجوه،و جعلني فداها، إنّي قد أمرت طائفي بالليل أن لا يرى أحدا إلاّ أتاني به،و إن كنت أنا هو.ثمّ نزل (1)

عيون الأخبار لابن قتيبة 2:258. [1]

.

و قال ابن أبي الحديد:قال الجاحظ:خطب السّفاح أوّل يوم صعد فيه المنبر.فارتج عليه،فقال عمّه داود بن عليّ:أيّها النّاس إنّ أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فيكم فعله،و لأثر الأفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال، و حسبكم كتاب اللّه علما فيكم،و ابن عمّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله خليفته عليكم (2).

قلت:و قال المسعودي:كان المعتضد في سنة تسع و سبعين و مائتين ركب يوم الفطر إلى مصلّى اتّخذه بالقرب من داره،فصلّى بالنّاس و كبّر في الرّكعة الاولى ستّ تكبيرات،و في الأخيرة تكبيرة واحدة،ثمّ صعد المنبر، فحصر و لم تسمع له خطبة،ففي ذلك يقول بعض الشعراء:

حصر الامام و لم يبيّن خطبة للنّاس في حلّ و لا إحرام

ما ذاك إلاّ من حياء لم يكن ما كان من عيّ و لا إفحام (3)

و في(تاريخ بغداد):اجتمع الكسائي و اليزيدي عند الرّشيد فحضرت صلاة يجهر فيها،فقدّموا الكسائي يصلّي فارتج عليه في قراءة: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» (4)فلمّا أن سلّم قال اليزيدي:قارئ أهل الكوفة يرتج عليه في «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» .فحضرت صلاة يجهر فيها فقدّموا اليزيدي فارتجّ عليه في سورة الحمد.فلمّا أن سلّم قال:


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:185،و [2]لم يصرح بالنقل عن الجاحظ.

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 4:145. [3]

4) 4) الكافرون:1. [4]

احفظ لسانك لا تقل فتبتلى إنّ البلاء موكّل بالمنطق (1)

رواه الخطيب في تاريخ بغداد 11:408. [1]

و فيه:قال الكسائي صلّيت بهارون فاعجبتني قراءتي،فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قطّ:أردت أن أقول: «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (2)فقلت:لعلّهم ترجعين،فو اللّه ما اجترأ هارون أن يقول لي:أخطأت.و لكن لمّا سلّمت،قال لي:

يا كسائي أيّ لغة هذه؟قلت:قد يعثر الجواد.قال:أمّا هذا فنعم (3).

و فيه قال خلف:كان الكسائي إذا كان شعبان وضع له منبر،فقرأ هو على الناس في كلّ يوم نصف سبع يختم ختمتين في شعبان،و كنت أجلس أسفل المنبر،فقرأ يوما في سورة الكهف: «أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ» (4)فنصب أكثر فعلمت أنّه وقع فيه،فلمّا فرغ،أقبل الناس يسألون عن العلّة في(أكثر)،لم نصبه؟فثرت في وجوههم أنّه أراد في فتحه(أقلّ):إن ترن أنا أقل منك مالا.

فقال الكسائي:«أكثر»فمحوه من كتبهم.قال:ثمّ قال لي:يا خلف يكون أحد بعدي يسلم من اللحن؟قلت:لا،أما إذا لم تسلم أنت فليس يسلم أحد بعدك، قرأت القرآن صغيرا،و أقرأت النّاس كبيرا،و طلبت الآثار فيه و النّحو (5).

و في(الطبري):قال الواقدي:و في سنة(65)عزل ابن الزّبير أخاه عبيدة عن الكوفة لأنّه خطب،فقال:قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم.فسمّي مقوّم النّاقة،فبلغ ذلك ابن الزّبير،فقال:إنّ هذا لهو التكلّف.

و عزله (6).


1) 1)

2) 2) آل عمران:72 و تسع آيات اخرى من القرآن.

3) 3) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 11:407،و [2]النقل بتصرف يسير.

4) 4) الكهف:34. [3]

5) 5) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 11:408. [4]

6) 6) تاريخ الطبري 4:483 سنة 65. [5]

«ألا إنّ اللسان بضعة من الإنسان» قالوا:ما المرء إلاّ بأصغريه:جنانه و لسانه.و قال خالد بن صفوان:ما الإنسان لو لا اللسان إلاّ صورة ممثّلة أو بهيمة مهملة.

«فلا يسعده القول إذا امتنع» كان الفرزدق يقول:أنا أشعر تميم،و ربما أتت عليّ ساعة:نزع ضرس أهون عليّ من قول بيت.

و كان عبد ربه اليشكري عاملا لعيسى بن موسى على المدائن،فصعد المنبر فارتج عليه،فسكت ثمّ قال:و اللّه إنّي لأكون في بيتي فيجيء على لساني ألف كلمة،فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها في صدري،و لقد كنت و ما في الأيّام يوم أحبّ إليّ من يوم الجمعة،فصرت و ما في الأيّام أبغض إليّ من يوم الجمعة،و ما ذلك إلاّ لخطبتكم هذه.

و قال عليّ بن الجهم الشّاعر:لمّا أفضت الخلافة إلى جعفر المتوكّل أهدى إليه النّاس أقدارهم،و أهدى إليه ابن طاهر هدية فيها مائة و صيفة و وصيف،و في الهدية جارية يقال لها:محبوبة.كانت لرجل من أهل الطّائف، قد أدّبها و ثقّفها و علّمها من صنوف العلم،و كانت تحسن ما يحسنه علماء النّاس،فحسن موقعها من المتوكّل،و حلّت من قلبه محلاّ جليلا لم يكن أحد يعدلها عنده.قال ابن الجهم:فدخلت عليه يوما للمنادمة،فلمّا استقرّ بي المجلس قام فدخل بعض المقاصير،ثمّ خرج و هو يضحك،فقال:و يلك يا عليّ دخلت فرأيت قينة قد كتبت في خدها بالمسك:جعفر،فما رأيت أحسن منه، فقل فيه شيئا.فقلت:يا سيّدي أنا وحدي أو أنا و محبوبة؟قال:بل أنت و محبوبة.فدعوت بدواة و قرطاس،فسبقتني محبوبة إلى القول،ثمّ أخذت العود فترنمت حتّى صاغت لحنا،ثمّ قالت للمتوكّل:تأذن لي؟فقال:نعم، فغنّت:

لئن أودعت خطّا من المسك خدّها

و تعلّلت خواطري حتّى كأنّي ما أحسن حرفا من الشعر،فقال لي المتوكّل:و يلك ما أمرتك؟فقلت:يا سيّدي أقلني،فو اللّه لقد عزب عن ذهني.فلم يزل يضرب بذلك على رأسي،و يعيّرني به إلى أن مات.

لئن أودعت خطّا من المسك خدّها

و تعلّلت خواطري حتّى كأنّي ما أحسن حرفا من الشعر،فقال لي المتوكّل:و يلك ما أمرتك؟فقلت:يا سيّدي أقلني،فو اللّه لقد عزب عن ذهني.فلم يزل يضرب بذلك على رأسي،و يعيّرني به إلى أن مات.

و ذكروا أنّ هارون قال في ليلة بيتا و رام أن يشفعه بآخر،فامتنع القول عليه،فقال عليّ بالعبّاس بن أحنف.فلمّا طرق ذعر و فزع أهله،فلمّا وقف بين يديه،قال له:وجّهت إليك لبيت قلته،و رمت أن أشفعه بمثله،فامتنع القول عليّ.

فقال له:دعني حتى يرجع إليّ نفسي،فإنّي قد تركت عيالي على حال من القلق عظيمة.فانتظره هنيهة،ثمّ أنشد البيت:

جنان قد رأيناها و لم تر مثلها بشرا

فقال العبّاس:

يزيدك وجهها حسنا إذا ما زدته نظرا

قال:زدني.فقال:

إذا ما الليل مال عليك بالإظلام و اعتكرا

و دجّ فلم تر قمرا فأبرزها ترى قمرا

فقال الرّشيد:قد ذعرناك و أفزعنا عيالك،فأقل الواجب أن نعطيك دينك.

و أمر له بعشرة آلاف و صرفه.

و في(الأغاني)عن أبي دهبل الجمحي:لمّا قلت أبياتي الّتي قلت فيها:

اعلم بأنّي لمن عاديت مضطغن ضبا و أنّي عليك اليوم محسود

قلت:فيها نصف بيت:

و إنّ شكرك عندي لا انقضاء له

ثمّ ارتج عليّ،فأقمت حولين لا أقع على تمامه،حتّى سمعت رجلا من الحاجّ في الموسم يذكر لبنان،فقلت:ما لبنان؟فقال:جبل بالشّام.

ص:

فأتممت نصف البيت:

ما دام بالهضب من لبنان جلمود (1)

الأغاني لأبي الفرج 7:130.

«و لا يمهله النّطق إذا اتّسع» في(العقد الفريد)صعد خالد بن عبد اللّه القسري المنبر فارتج عليه،فمكث مليا لا يتكلّم،ثمّ تهيأ له الكلام،فتكلّم فقال:

أمّا بعد فإنّ هذا الكلام يجيء أحيانا و يعزب أحيانا،فيسيح عند مجيئه سيبه، و يعزّ عند عزوبه طلبه،و لرّبما كوبر فأبى،و عولج فنأى،فالتأنّي لمجيئه خير من التّعاطي لأبيّه،و تركه عند تنكّره أفضل من طلبه عند تعذّره،و قد يرتج على البليغ لسانه،و يختلج من الجري جنانه،و سأعود فأقول إن شاء اللّه (2).

و قيل:إنّ أوّل ما أنشأ الحريري من(مقاماته)-و هي ثمان و أربعون مقامة-بالبصرة فعرضها ببغداد على أنو شروان الوزير،فاستحسنها و أمره أن يضيف إليها ما شاكلها،فقال:أفعل ذلك في رجوعي إلى البصرة،و تجمع خاطري بها.ثمّ انحدر إليها فصنع أربعين مقامة،ثمّ اصعد إلى بغداد، فعرضها عليها فاستحسنها،و اتّهمه من كان يحسده بأنّها ليست من عمله، فإن كان صادقا فليصنع مقامة اخرى،فقال:سأصنع،و جلس في منزله ببغداد أربعين يوما فلم يتهيّأ له تركيب كلمتين،و الجمع بين لفظتين،و سوّد كثيرا من الكاغذ،فلم يصنع شيئا،فعاد إلى البصرة و النّاس يقعون فيه،فما غاب عنهم إلاّ مديدة،حتّى عمل عشرا اخرى،و أضافها إلى تلك،فعلم أنّها من عمله.

و قال العجاج:قلت ارجوزتي الّتي أوّلها:

بكيت و المحتزن البكيّ و الدّهر بالإنسان دواري

و أنا بالرّمل،فانثالت عليّ قوافيها انثيالا،و أنّي لاريد اليوم دونها في


1) 1)

2) 2) العقد الفريد لابن عبد ربه 4:203. [1]

الأيّام الكثيرة فما أقدر عليه.و لبعضهم:

قد يعترض الشّعر البكيّ لسانه و تعيي القوافي المرء و هو خطيب

«و إنّا لامراء الكلام» لبعضهم في خطيب:

فإذا تكلّم خلته متكلّما بجميع ألسن الخطباء

فكأنّ آدم علّمه الّذي قد كان علّمه من الأسماء

أيضا:

إذا ما انتدى خاطبا لم يقل له أطل القول أو قصّر

طبيب بداء فنون الكلا م لم يعي يوما و لم يهذر

فإن هو أطنب في خطبة قضى للمقلّ على المكثر

و لابن ميادة:

فجرنا ينابيع الكلام و بحره فأصبح فيه ذو الرّواية يسبح

و ما الشعر إلاّ شعر قيس و خندف و شعر سواهم كلفة و تملح

و يكفي في تصديق ما قاله عليه السّلام من كونهم امراء الكلام هذا الكتاب الّذي جمعه الرّضيّ-رضوان اللّه عليه-من كلامه عليه السّلام الّذي هو تالي القرآن لفظا و معنى (1)

جمع الشريف الرضي نهج البلاغة،و هو أشهر من أن يوصف،و اما الصحيفة العلوية الاولى-فقد جمعها الشيخ-فهو للشيخ عبد اللّه السماهيجي البحراني،و الصحيفة العلوية الثانية جمعها المحدّث حسين النوري صاحب المستدرك،و ذكر الطهراني(في الذريعة 15:23) [1]صحيفة ثالثة للسيّد مهدي الغريفي البحراني.

.و قد جمع البحراني من أدعيته عليه السّلام صحيفة (2)،و النّوري اخرى (3).

و في(الحلية)قال سفيان الثوري:ما حاجّ عليّ عليه السّلام أحدا إلاّ حجّة (4).

و في(خلفاء)القتيبي:إنّ عبد اللّه بن أبي محجن الثقفي قدم إلى معاوية فقال:يا أمير المؤمنين اني أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب.

فقال معاوية:للّه أنت!أ تدري ما قلت؟أما قولك الغبي،فو اللّه لو أنّ ألسن النّاس


1) 1)

2) 2) جمع الشريف الرضي نهج البلاغة،و هو أشهر من أن يوصف،و اما الصحيفة العلوية الاولى-فقد جمعها الشيخ-فهو للشيخ عبد اللّه السماهيجي البحراني،و الصحيفة العلوية الثانية جمعها المحدّث حسين النوري صاحب المستدرك،و ذكر الطهراني(في الذريعة 15:23) [2]صحيفة ثالثة للسيّد مهدي الغريفي البحراني.

3) 3) جمع الشريف الرضي نهج البلاغة،و هو أشهر من أن يوصف،و اما الصحيفة العلوية الاولى-فقد جمعها الشيخ-فهو للشيخ عبد اللّه السماهيجي البحراني،و الصحيفة العلوية الثانية جمعها المحدّث حسين النوري صاحب المستدرك،و ذكر الطهراني(في الذريعة 15:23) [3]صحيفة ثالثة للسيّد مهدي الغريفي البحراني.

4) 4) حلية الأولياء لأبي نعيم 7:34.

جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان عليّ... (1)

الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:114. [1]

.

و في(عيون ابن قتيبة):و فد الحسن عليه السّلام على معاوية الشّام،فقال عمرو بن العاص:إنّ الحسن رجل أفّه،فلو حملته على المنبر فتكلّم،فسمع النّاس من كلامه،عابوه.فأمره فصعد المنبر فتكلّم،فأحسن،و كان في كلامه أن قال:

أيّها النّاس لو طلبتم ابنا لنبيّكم ما بين جابرس إلى جابلق لم تجدوه غيري، و غير أخي «وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» (2).فساء ذلك عمرا و أراد أن يقطع كلامه،فقال:يا أبا محمّد هل تنعت الرّطب؟فقال:أجل تلفحه الشّمال،و تخرجه الجنوب،و ينضجه برد الليل بحرّ النّهار.قال:يا أبا محمّد هل تنعت الخراءة؟قال:نعم تبعد الممشى في الأرض الصحصح حتّى تتوارى من القوم،و لا تستقبل القبلة،و لا تستدبرها،و لا تستنجي بالرّوثة و لا العظم، و لا تبول في الماء الراكد.و أخذ عليه السّلام في كلامه (3).

و روى المدائني أيضا:أنّ معاوية سأل الحسن عليه السّلام بعد الصّلح أن يخطب النّاس،فامتنع فناشده أن يفعل،فوضع له كرسي فجلس عليه ثمّ قال:

الحمد للّه الّذي توحّد في ملكه،و تفرّد في ربوبيته،يؤتي الملك من يشاء و ينزعه عمّن يشاء،و الحمد للّه الّذي أكرم بنا مؤمنكم،و أخرج من الشّرك أوّلكم،و حقن دماء آخركم،فبلاؤنا عندكم قديما و حديثا أحسن البلاء،إن شكرتم أو كفرتم.أيّها النّاس إنّ ربّ عليّ كان أعلم بعليّ حين قبضه إليه،و لقد اختصه بفضل لم تعتدّوا بمثله،و لم تجدوا مثل سابقته،فهيهات هيهات طالما قلبتم له الامور حتّى أعلاه اللّه عليكم،و هو صاحبكم،و عدوّكم في بدر


1) 1)

2) 2) الأنبياء:111. [2]

3) 3) عيون الأخبار لابن قتيبة 2:172. [3]

و أخواتها،جرّعكم رنقا و سقاكم علقا،و أذلّ رقابكم و أشرقكم بريقكم،فلستم ملومين على بغضه،و ايم اللّه لا ترى امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله خفضا ما كانت سادتهم و قادتهم بني اميّة،و لقد وجّه اللّه إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتّى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم و انضوائكم إلى شياطينكم،فعند اللّه احتسب ما مضى و ما ينتظر من سوء دعتكم و حيف حكمكم.ثمّ قال:يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي اللّه،صائب على أعداء اللّه،نكّال على فجّار قريش،لم يزل آخذا بحناجرها،جاثما على أنفاسها،ليس بالملومة في أمر اللّه،و لا بالسّروقة لمال اللّه،و لا بالفروقة في حرب أعداء اللّه،أعطى الكتاب خواتمه و عزائمه،دعاه فأجابه،و قاده فاتّبعه.لا تأخذه في اللّه لومة لائم،فصلوات اللّه عليه و رحمته.ثمّ نزل،فقال معاوية:أخطأ عجل أو كاد،و أصاب متثبّت أو كاد، ما ذا أردت من خطبة الحسن (1)

نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:10،شرح الكتاب 31.

؟ و روى أبو الفرج:أنّ معاوية لمّا سلّم الحسن عليه السّلام الأمر إليه أمره أن يخطب،و ظنّ أنّه سيحصر،فقال في خطبته:إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه، و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله،و ليس الخليفة من سار بالجور،ذلك ملك ملّك ملكا يتمتّع به قليلا،ثمّ تنقطع لذّته و تبقى تبعته «وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» (2).

و روى الطبرسي عن موسى بن عقبة أنّه قيل لمعاوية:إنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين،فلو قد أمرته يصعد المنبر و يخطب،فإنّ فيه حصرا أو في لسانه كلالة.فقال لهم معاوية:قد ظننّا ذلك بالحسن فلم يزل حتّى عظم في أعين النّاس و فضحنا.فلم يزالوا به حتّى قال للحسين:يا أبا عبد


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:47،و الآية 111 من سورة الأنبياء. [1]

اللّه لو صعدت المنبر فخطبت.فصعد الحسين عليه السّلام المنبر،فحمد اللّه و أثنى عليه،و صلّى على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فسمع رجلا يقول:من هذا الّذي يخطب؟ فقال الحسين عليه السّلام:«نحن حزب اللّه الغالبون،و عترة رسوله الأقربون، و أهل بيته الطيّبون،و أحد الثقلين اللذين جعلنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثاني كتاب اللّه تبارك و تعالى،الّذي فيه تفصيل كلّ شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه،و لا من خلفه،و المعوّل علينا في تفسيره،و لا يبطئنا تأويله بل نتّبع حقائقه،فأطيعونا، فإنّ طاعتنا مفروضة إن كانت بطاعة اللّه و رسوله مقرونة،قال عزّ و جلّ «أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ» (1)

النساء:59. [1]

.و قال: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً» (2).و احذّركم الإصغاء إلى هتوف الشّيطان بكم، فإنّه لكم عدوّ مبين فتكونوا كأوليائه الّذين قال لهم: «لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ» (3)فتلقون للسيوف ضربا،و للرّماح وردا،و للعمد حطما،و للسهام غرضا.ثمّ لا يقبل من نفس إيمانها «لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» (4)قال معاوية:حسبك يا أبا عبد اللّه،قد أبلغت (5).

و روى الطّبري:أنّ الحسين عليه السّلام خطب النّاس يوم الطّف،فحمد اللّه و أثنى عليه،و ذكر اللّه بما هو أهله و صلّى على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و على ملائكته


1) 1)

2) 2) النساء:83. [2]

3) 3) الانفال:48. [3]

4) 4) الأنعام:158. [4]

5) 5) الاحتجاج للطبرسي:298. [5]

و أنبيائه،فلم يسمع متكلّم قط قبله و لا بعده أبلغ في منطق منه (1)

رواه الطبري في تاريخه 4:322 سنة 61،و [1]أبو مخنف في مقتل الحسين:84 [2] ضمن خطبة،و النقل بتقطيع.

.

و روى محمّد بن أبي طالب في(مقتله):أنّ الحسين عليه السّلام تقدّم يوم الطّف حتّى وقف بازاء القوم،فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السّيل،و نظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة،فقال:الحمد للّه الذي خلق الدّنيا فجعلها دار فناء و زوال،متصرّفة بأهلها حالا بعد حال،فالمغرور من غرّته،و الشّقيّ من فتنته، فلا تغرنّكم الدّنيا،فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها،و تخيّب طمع من طمع فيها، و أراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم اللّه فيه عليكم،و أعرض بوجه الكريم عنكم،و أحلّ بكم نقمته،و خيّبكم رحمته،فنعم الرّبّ ربّنا،و بئس العبيد أنتم، أقررتم بالطّاعة،و آمنتم بالرّسول صلّى اللّه عليه و آله،ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذريّته و عترته تريدون قتلهم،لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر اللّه العظيم،فتبّا لكم و لما تريدون «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (2)هؤلاء قوم «كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ» «فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ» (3).فقال عمر بن سعد:و يلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه، و اللّه لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع و لما حصر (4).

و قد جمعوا من أدعيته عليه السّلام صحيفة (5)،و لو لم يكن له إلاّ دعاؤه في يوم عرفة لكفاه في كونه من امراء الكلام.

و في الخبر-لمّا دعا الحسن و الحسين عليهما السّلام بأمر أبيهما عليه السّلام بدعوات في الاستسقاء-:سئل سلمان الفارسي:إنّه شيء علماه؟فقال:ويحكم ألم


1) 1)

2) 2) البقرة:156. [3]

3) 3) المؤمنون:41-44. [4]

4) 4) رواه محمد بن أبي طالب الحائري في مقتله عنه مقتل الحسين للمقرم:227،و [5]ابن شهر آشوب في مناقبه 4:100 بتفاوت بين الألفاظ.

5) 5) هي الصحيفة الحسينية لمحمد حسين المرعشي الشهرستاني،المطبوعة في ايران.

تسمعوا قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حيث يقول:اجريت الحكمة على لسان أهل بيتي (1)

من لا يحضره الفقيه للصدوق 1:338 ح 17،و الحميري في قرب الاسناد:73. [1]

؟ و جمعوا من كلام السّجّاد عليه السّلام خمس صحايف من الدعاء و المناجاة (2)، لو اجتمعت العرب،و كلّ ذي أدب أن يأتوا بمثلها لعجزوا،و قال ابن شهر آشوب:ذكر فصاحة الصحيفة الكاملة عند بليغ في البصرة،فقال:خذوا عنّي املي عليكم،و أخذ القلم،و أطرق رأسه فما رفعه حتّى مات (3).

و يكفيه دعاؤه المعروف بدعاء أبي حمزة،فإنّ فقراته في غاية القرب من آيات القرآن،و منها:فإنّ قوما آمنوا بألسنتهم ليحقنوا به دماءهم،فادركوا ما أمّلوا،و إنّا آمنّا بك بألسنتنا و قلوبنا،لتعفو عنّا فأدركنا ما أمّلنا (4).

و ذكروا أنّ عبد الملك لمّا كتب إليه عليه السّلام يعنّفه في تزوّجه بأمته بعد عتقها،فأجابه عليه السّلام رمى بكتابه عليه السّلام إلى ابنه سليمان،فقال:لشدّ ما فخر عليك.

فقال:يا بنيّ لا تقل ذلك،فإنّها ألسن بني هاشم الّتي تفلق الصّخر،و تغرف من بحر،إنّ عليّ بن الحسين عليه السّلام-يا بنيّ-يرتفع من حيث يتّضع النّاس (5).

و لو أردنا إشباع الكلام في المقام لطال الكلام.

هذا،و روي أنّ إبراهيم بن العبّاس الصّولي قال لأبي تمام الطّائي-و قد كان أبو تمام أنشده شعرا له في المعتصم-:يا أبا تمام امراء الكلام رعية


1) 1)

2) 2) الصحيفة الاولى هي الصحيفة التي تروى بطرق عن الامام الباقر و زيد عن السجاد عليه السّلام،و الصحيفة الثانية للشيخ الحرّ صاحب الوسائل،و الثالثة للأفندي التبريزي صاحب الرياض،و الرابعة للمحدّث النوري صاحب المستدرك، و الخامسة للسيد الأمين صاحب أعيان الشيعة،و [2]ذكر الطهراني(في الذريعة 15:21)صحيفة سادسة للمولى صالح المازندراني.

3) 3) المناقب لابن شهر آشوب 4:406. [3]

4) 4) مصباح المتهجد للطوسي:524،و [4]البلد الأمين للكفعمي:205. [5]

5) 5) الكافي للكليني 5:344 ح 4 [6] ضمن حديث.

لإحسانك.فقال له أبو تمام:ذلك لأنّي استضيء بك و أرد شريعتك (1)

أسقط الشارح هنا شرح فقرة:«و انّا لامراء الكلام».

.

«و فينا تنشّبت» في(الصحاح):نشب الشيء في الشيء-بالكسر- نشوبا،أي:علق فيه (2).

«عروقه و علينا تهدّلت غصونه» في(الصحاح):تهدّلت أغصان الشجرة، أي:تدلّت (3).

روى(الكافي)عن عبد اللّه بن مصعب الزبيري،قال:جلسنا إلى الكاظم عليه السّلام في مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فتذاكرنا أمر النّساء،فأكثرنا الخوض،و هو ساكت لا يدخل في حديثنا بحرف،فلمّا سكتنا،قال:أمّا الحرائر فلا تذكروهنّ، و لكن خير الجواري ما كان لك فيها هوى،و كان لها عقل و أدب،فلست تحتاج إلى أن تأمر و لا تنهى،و دون ذلك ما كان لك فيها هوى،لها عقل و ليس لها أدب، فأنت تحتاج إلى الأمر و النّهي،و دونها ما كان لك فيها هوى و ليس لها عقل و لا أدب،فتصبر عليها لمكان هواك فيها،و جارية ليس لك فيها هوى،و ليس لها عقل،و لا أدب فتجعل في ما بينك و بينها البحر الأخضر.قال الزّبيري:فأخذت بلحيتي فأردت أن أضرط فيها،لكثرة خوضنا لما لم نقم فيه على شيء، و لجمعه الكلام،فقال لي:مه إن فعلت لم أجالسك (4).

17

من الخطبة(152)

قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ- وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ- وَ أَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ وَ نَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة 1:244 [1] مادة(نشب).

3) 3) صحاح اللغة 5:1848 [2] مادة(هدل).

4) 4) الكافي للكليني 5:322 ح 2. [3]

نَحْنُ الشِّعَارُ وَ الْأَصْحَابُ وَ الْخَزَنَةُ وَ الْأَبْوَابُ- وَ لاَ تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلاَّ مِنْ أَبْوَابِهَا- فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً «قد خاضوا بحار الفتن» قال ابن أبي الحديد:إنّ هذا متّصل بكلام لم يحكه الرّضي رحمه اللّه،و هو ذكر قوم من أهل الضلال (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:428. [1]

.

قلت:قوله عليه السّلام في العنوان «نحن الشعار و الأصحاب و الخزنة و الأبواب» يدلّ على أنّ مراده عليه السّلام بهذا الكلام:المتقدّمون عليه،سواء جعلناه متّصلا بما قبله أو لا.

و يوضّح ما ذكرنا،من أنّه عليه السّلام جعل المتقدّمين عليه خائضين في بحار الفتن،أنّهم لمّا دعوه إلى بيعة أبي بكر و قادوه إليه لاذ بقبر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،يصيح و ينادي «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي» (2).

نقل ذلك ابن قتيبة و غيره (3)،فتمثله عليه السّلام بكلام هارون أخي موسى عليهما السّلام يدلّ على أنّهم في تقديمهم لأبي بكر صاروا مثل بني إسرائيل في عبادتهم العجل .

«و أخذوا بالبدع دون السّنن» قد جمع الإمامية البدع الّتي أحدثها الثّلاثة للنّاس،في قبال سنن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في كتبهم الكلامية .

«و أرز» بتقديم الرّاء.

«المؤمنون» الأصل في(أرز)التجمّع،كتجمّع الحيّة،قال أبو الأسود:إنّ فلانا إذا سئل أرز،و إذا ادعى اهتز (4).

و قد كان المؤمنون-كسلمان،و أبي ذر و المقداد،و عمّار،و حذيفة


1) 1)

2) 2) الأعراف:150. [2]

3) 3) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:13. [3]

4) 4) نقله عنه في لسان العرب 5:305 [4] مادة(ارز).

و نظرائهم في أيّام الثلاثة-ساكنين مختفين،روى الجواهري في(سقيفته):أنّ عمّارا نادى يوم الشّورى:يا معشر المسلمين إنّا قد كنّا-و ما كنّا نستطيع الكلام-قلّة و ذلّة فأعزّنا اللّه بدينه،و أكرمنا برسوله،فالحمد للّه ربّ العالمين.يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم،تحوّلونه هاهنا مرّة و هاهنا مرّة،و ما أنا آمن أن ينزعه اللّه منكم و يضعه في غيركم،كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله؟فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة:يابن سميّة لقد عدوت طورك،و ما عرفت قدرك،ما أنت،و ما رأت قريش لأنفسها؟إنّك لست في شيء من أمرها،و أمارتها فتنح عنها».و تكلّمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمّار و انتهروه،فقال:الحمد للّه ربّ العالمين ما زال أعوان الحقّ أذلاّء،ثمّ قام فانصرف... (1)

السقيفة للجوهري:90. [1]

و يظهر منه «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ» (2)أنّ دين إخواننا دين قريش أعداء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا دين النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

«و نطق الضّالّون المكذّبون» كالوليد بن عقبة الفاسق بنصّ القرآن (3)، و المغيرة بن شعبة المنافق بإجماع الامّة،و مروان بن الحكم طريد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لعينه.

و من المضحك أنّ أهل الشّام لمّا أرادوا بيعة مروان بعد يزيد قالوا:إنّ مروان ما كان في الاسلام صدع إلاّ كان هو يشعبه،فقاتل عليّا يوم الجمل و.

و لعمر اللّه،إن كان الإسلام إسلاما وضعه قريش لإخواننا،في كون اولئك أئمّته-و في رأسهم أبو سفيان الّذي قال لخليفتهم الثالث لمّا بويع:فو اللّه


1) 1)

2) 2) ق:37.

3) 3) انظر السجدة:18،و الحجرات:6،كما روى في شأن نزولهما،جمع بعض رواياته السيوطي في الدر المنثور 5: 177،و 6:87.

ما جنّة و لا نار،فأديروا الخلافة بينكم معشر قريش إدارة الكرة-كان قيام عليّ الّذي جعله اللّه تعالى نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله صدعا في الإسلام،إسلام صنعوه، أيّ صدع .

«نحن الشّعار و الأصحاب،و الخزنة و الأبواب» روى أبو بكر الجوهري في (سقيفته)عن أبي زيد،عن هارون بن عمر،عن محمّد بن سعيد بن الفضل،عن أبيه،عن الحرث بن كعب،عن عبد اللّه بن أبي أوفى الخزاعي،قال:كان خالد بن سعيد بن العاص من عمّال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله باليمن،فلمّا قبض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله جاء المدينة،و قد بايع النّاس أبا بكر،فاحتبس عن أبي بكر،فلم يبايعه أيّاما و قد بايع النّاس،و أتى بني هاشم فقال:أنتم الظّهر و البطن،و الشّعار دون الدّثار، و العصا دون اللحا،فاذا رضيتم رضينا،و إذا سخطتم سخطنا،حدّثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرّجل؟قالوا:نعم.قال:على برد و رضا من جماعتكم قالوا:

نعم.قال:فأنا أرضى و ابايع إذا بايعتم،أما و اللّه يا بني هاشم إنّكم الطّوال الشّجر الطّيّبو الثّمر.ثمّ إنّه بايع أبا بكر،و بلغت أبا بكر فلم يحفل،و اضطغنها عليه عمر،فلمّا ولاّه أبو بكر الجند الّذي استنفر إلى الشّام قال له عمر:أتولّي خالدا و قد حبس عليك بيعته،و قال لبني هاشم ما قال و قد جاء بورق من اليمن و عبيد و حبشان و دروع و رماح؟ما أرى أن تولّيه،و ما آمن خلافه.فانصرف عنه أبو بكر و ولّى أبا عبيدة بن الجراح،و يزيد بن أبي سفيان و شرحبيل بن حسنة (1)

السقيفة للجوهري:52. [1]

.

و ما فيه من أنّ بيعتهم هل كانت على برد؟فقالوا:نعم،كان على برد إرادة إحراقهم بالنّار،و على رضا أيضا،كان بعد القود له،كما يقاد الجمل المخشوش.كما كتب إليه معاوية يعنّفه به،و ذيل الخبر يكشف عن خافية.


1) 1)

ثمّ إذا كانوا هم الظّهر و البطن للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و الشّعار له دون الدّثار، و الطوال الشجر و الطّيّبو الثّمر،هل كانت بيعة قريش للرّجل إلاّ جورا و زورا و فجورا؟! قال ابن أبي الحديد:و اعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لو فخر بنفسه،و بالغ في تعديد مناقبه و فضائله التي آتاه اللّه و اختّصه بها،و ساعده على ذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به النّبيّ الصادق صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أمره،و لست أعني بذلك الأخبار العامّة الشائعة التي يحتجّ بها الإماميّة على إمامته،كخبر الغدير،و خبر المنزلة،و قصّة براءة،و خبر المناجاة،و قصّة خيبر،و خبر الدّار بمكّة في ابتداء الدعوة،و نحو ذلك،بل الأخبار الخاصّة التي رواها فيه أئمّة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره،و أنا أذكر من ذلك شيئا يسيرا ممّا رواه علماء الحديث الّذين لا يتّهمون فيه،و جلّهم قائلون بتفضيل غيره عليه،فروايتهم فضائله توجب سكون النّفس ما لا توجبه رواية غيرهم.

قلت:كلامه موهم أنّ أخبار الغدير،و أخبار المنزلة،و أخبار البراءة، و أخبار المناجاة،و أخبار خيبر،و أخبار ابتداء الدعوة لم يروها أئمّة حديثهم، و هو مغالطة منه.فكما رووا ما قال رووا تلك،و إنّما الإمامية احتجوا بها على إمامته عليه السّلام،و إذا لم تكن تلك دالّة لم يكن ما استدلّ به على وجود الصانع، و على نبوّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا دالاّ.

و كيف كان،فنقل أربعة و عشرين حديثا من أبي نعيم،و أحمد بن حنبل، و غيرهما،و نقتصر على نقل ماله مزيد ربط بالعنوان،مثل ثانيها:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لو فد ثقيف:لتسلمنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا منّي-أو قال عديل نفسي-فليضربنّ أعناقكم.

و مثل ثامنها:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أنا أوّل من يدعى به يوم القيامة-إلى أن

قال-ثمّ يدعى بعليّ بن أبي طالب لقرابته منّي و منزلته عندي،و يدفع إليه لوائي لواء الحمد،آدم و من دونه تحت ذلك اللواء.ثمّ قال لعليّ عليه السّلام:فتسير به حتى تقف بيني و بين إبراهيم الخليل،ثمّ يكسى حلّة و ينادي مناد من العرش:نعم الأب أبوك إبراهيم،و نعم الأخ أخوك عليّ،أبشر فإنّك تدعى إذا دعيت،و تكسى إذا كسيت،و تحيى إذا حييت.

و مثل تاسعها:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأنس:أوّل من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتّقين،و يعسوب الدّين،و خاتم الوصيّين،و قائد الغرّ المحجّلين.فقلت:

اللّهم اجعله رجلا من الأنصار،فجاء عليّ،فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:من جاء؟فقلت:

عليّ.فقام إليه مستبشرا فاعتنقه،ثمّ جعل يمسح عرق وجهه،فقال:يا رسول اللّه لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل؟قال:و ما يمنعني و أنت تؤدي عنّي،و تسمعهم صوتي،و تبيّن لهم ما اختلفوا من بعدي؟ و مثل عاشرها:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ادعوا لي سيّد العرب عليّا.فقالت عايشة:أ لست سيّد العرب؟فقال:أنا سيّد ولد آدم،و عليّ سيّد العرب.فلمّا جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه،فقال لهم:يا معشر الأنصار ألا أدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا أبدا؟قالوا:بلى.قال:هذا عليّ فأحبّوه بحبّي،و أكرموه بكرامتي،فإنّ جبرئيل أمرني بالّذي قلت لكم عن اللّه عزّ و جلّ.

و مثل ثاني عشرها:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:من سرّه أن يحيا حياتي و يموت مماتي،و يسكن جنّة عدن الّتي غرسها ربّي،فليوال عليّا من بعدي،و ليوال وليّه،و ليقتد بالأئمّة من بعدي،فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي،و رزقوا فهما و علما،فويل للمكذّبين لهم من امّتي القاطعين فيهم صلتي،لا أنا لهم اللّه شفاعتي.

و مثل ثالث عشرها:في قصّة أخذه عليه السّلام جارية من سبي اليمن،قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:دعوا لي عليّا-يكررّها-إنّ عليّا منّي و أنا من عليّ،و إنّ حظّه في

الخمس أكثر ممّا أخذ،و هو وليّ كلّ مؤمن من بعدي.

و مثل رابع عشرها:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:كنت أنا و عليّ نورا بين يديّ اللّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام-إلى أن قال-حتّى صرنا في عبد المطّلب فكان لي النّبوّة،و لعليّ الوصيّة.

و مثل سادس عشرها:في قصّة استقائه ليلة بدر،قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:

فأوحى اللّه إلى جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل:أن تأهبّوا لنصر محمّد و أخيه و حزبه.فهبطوا من السماء لهم لفظ يذعر من يسمعه،فلمّا حاذوا البئر سلّموا عليه من عند آخرهم إكراما له و إجلالا،و قال:لتؤتينّ يا عليّ يوم القيامة بناقة من نوق الجنّة فتركبها،و ركبتك مع ركبتي،و فخذك مع فخذي حتّى تدخل الجنّة.

و مثل عشرينها:كانت لجماعة من الصحابة أبواب شارعة في مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوما:سدّوا كلّ باب في المسجد إلاّ باب عليّ.

فسدّت،فقال في ذلك قوم حتّى بلغ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقام فيهم،فقال:إنّ قوما قالوا في سدّ الأبواب،و تركي باب عليّ،إنّي ما سددت و لا فتحت،و لكنّي امرت بأمر فاتّبعته.

و مثل الحادي و عشرينها:دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا عليه السّلام في غزاة الطائف، فانتجاه و أطال نجواه حتّى كره ذلك قوم من الصّحابة،فقال قائل منهم:لقد طال نجوى ابن عمه.فبلغه ذلك،فجمع منهم قوما ثمّ قال:إنّ قائلا قال:لقد أطال اليوم نجوى ابن عمّه،أما إنّي ما انتجيته،و لكن اللّه انتجاه.

و مثل الثالث و عشرينها:في تزويجه،قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لفاطمة عليها السّلام:ألا تعلمين أنّ اللّه اطلع إلى الأرض فاختار منها أباك؟ثمّ اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك؟

و مثل الرّابع و عشرينها:عن الثعلبي لمّا نزل «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِ» (1)

النصر:1. [1]

بعد انصرافه من غزاة حنين جعل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يكثر«سبحان اللّه»و«استغفر اللّه»،ثمّ قال:يا عليّ إنّه قد جاء ما وعدت به:جاء الفتح و دخل النّاس في دين اللّه أفواجا،و إنّه ليس أحد أحقّ منك بمقامي لقدمك في الإسلام،و قربك منّي، و صهرك،و عندك سيّدة نساء العالمين،و قبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن،فأنا حريص على أن اراعي ذلك لولده.

قال ابن أبي الحديد-بعد نقل تلك الأخبار-:و اعلم أنّا إنّما ذكرنا هذه الأخبار هاهنا،لأنّ كثيرا من المنحرفين عنه عليه السّلام إذا مرّوا على كلامه في نهج البلاغة أو غيره-المتضمّن للتحدّث بنعمة اللّه عليه من اختصاصه بالرّسول صلّى اللّه عليه و آله و تميزه إيّاه عن غيره-ينسبونه فيه إلى التّيه و الزّهو و الفخر، و لقد سبقهم بذلك قوم من الصّحابة،قيل لعمر:ولّ عليّا أمر الجيش و الحرب.

فقال:هو أتيه من ذلك.و قال زيد بن ثابت:ما رأينا أزهى من عليّ و اسامة.

فأردنا بإيراد هذه الأخبار عند تفسير قوله عليه السّلام: «نحن الشّعار و الأصحاب، و نحن الخزنة و الأبواب» أن ننبّه على عظيم منزلته عند الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و أنّ من قيل في حقّه ما قيل لو رقى إلى السّماء،و عرج في الهواء،و فخر على الملائكة و الأنبياء تعظّما و تبجّحا لم يكن ملوما،بل كان بذلك جديرا،فكيف و هو عليه السّلام لم يسلك قط مسلك التعظّم و التكبّر في شيء من أقواله،و لا من أفعاله؟و كان ألطف البشر خلقا،و أكرمهم طبعا،و أشدّهم تواضعا،و أكثرهم احتمالا،و أحسنهم بشرا،و أطلقهم وجها حتّى نسبه من نسبه إلى الدعابة و المزاح،و هما خلقان ينافيان التكبّر و الاستطالة،و إنّ ما كان يذكره أحيانا ما يذكره من هذا النّوع نفثة مصدور،و شكوى مكروب،و تنفس مهموم،و لا


1) 1)

يقصد به إذا ذكره إلاّ شكر النّعمة و تنبيه الغافل على ما خصّه اللّه به من الفضيلة،فإنّ ذلك من باب الأمر بالمعروف،و الحض على اعتقاد الحقّ، و الصّواب في أمره،و النّهي عن المنكر الّذي هو تقديم غيره عليه في الفضل، فقد نهى اللّه سبحانه عن ذلك،فقال: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:429-431،و الآية 35 [1] من سورة يونس.

.

قلت:الأمر كما ذكر،إلاّ أنّ لازمه ضلال المتقدّمين عليه،لا مجرّد عدم أفضليتهم .

«و لا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها،فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقا» ننشد إخواننا السّنّة-بعد نقلهم ما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه عليه السّلام مع جعلهم المتقدّمين عليه وسايط بينهم و بين النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-:هل هم إلاّ سرّاق أتوا البيوت من غير أبوابها؟و هل أتى البيوت من أبوابها إلاّ شيعته عليه السّلام الّذين لم يسلكوا غير مسلكه؟و ما فعله إخواننا من الجمع بينه و بين المتقدّمين،هل هو إلاّ الجمع بين الضدّين،و القول باجتماع النّقيضين؟فلو كان المتقدّمون عليه على شيء،كان الامويون و أتباعهم في توليهم للمتقدّمين عليه،و تبرئهم منه عليه السّلام، و سبّهم له أقرب إلى الصّواب منهم،لأنّهم ما خالفوا بداهة العقول في الجمع بين الأضداد،كالقول بالتوحيد و بالأنداد،و قد أجمعوا على الرواية عن أبي ذر -الّذي اجمع على أنّه ما أقلّت الغبراء،و لا أظلّت الخضراء على أصدق لهجة منه- (2)أنّه أخذ بحلقة باب الكعبة،و قال:«أيّها النّاس من عرفني فقد عرفني، و من أنكرني فأنا أبو ذر،سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:إنّما مثل أهل بيتي


1) 1)

2) 2) أخرج حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر»ابن ماجه في سننه 1:55 ح 156،و الترمذي في سننه 5:669 ح 3081،و أحمد بثلاث طرق في مسنده 2:163،175،223، و غيرهم عن عبد اللّه بن عمرو،و في الباب عن علي عليه السّلام و أبي ذر و أبي الدرداء و غيرهم.

فيكم مثل سفينة نوح،من دخلها نجا،و من تخلّف عنها هلك» (1)

أخرجه أبو يعلى و البزار بطريقين في مسنديهما عنهما المطالب العالية 4:75 ح 4003،4004،و الصدوق في كمال الدين:239 ح 59،و [1]غيرهم.

.و قد أجمعوا أيضا على أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«تفترق امّتي على ثلاث و سبعين فرقة:إحداها في الجنّة،و الباقية في النّار» (2)،فيتشكّل منهما صغرى و كبرى،نتيجتهما أنّ الشيعة فقط أهل النّجاة.

هذا،و الأصل في قوله عليه السّلام: «و لا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها...» قوله تعالى: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها» (3).

و ننشدهم:أنّ بعد قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«أنا مدينة العلم و عليّ بابها،فمن أراد العلم فليأت الباب» (4)هل يكون الأخذ بقول غيره إلاّ أخذا عن غير النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،أم لا؟

18

من الخطبه(152)أيضا

بعد ما مرّ منها:

فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَ هُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ- إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا وَ إِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا «فيهم كرائم القرآن» من كرائم القرآن التي نزل فيهم عليهم السّلام:


1) 1)

2) 2) سنن أبي داود 4:198 ح 4597،و [2]سنن الترمذي 5:25،و 26 ح 2640،2641،و [3]سنن ابن ماجه 2:1322 ح 3992،و سنن الدارمي 2:241،و [4]مسند أحمد 2:332،و 4:102،و غيرهم.

3) 3) البقرة:189. [5]

4) 4) هذا حيث مشهور،أخرجه بهذا اللفظ الحاكم بطريقين في المستدرك،و الطبراني في معجمه الكبير،و ابن عدي بطريقين في الكامل و العقيلي في الضعفاء عنهم الجامع الصغير 1:108،و غيرهم.

1- «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)

الاحزاب:33. [1]

.

2- «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (2).

3- «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» (3).

4- «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» (4).

5- «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (5).

6- «أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (6).

7- «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» (7).

8- «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» (8).

9- «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» (9).


1) 1)

2) 2) آل عمران:61. [2]

3) 3) المائدة:55-56. [3]

4) 4) فاطر:32. [4]

5) 5) الشورى:23. [5]

6) 6) النساء:59. [6]

7) 7) النساء:83. [7]

8) 8) العنكبوت:49. [8]

9) 9) آل عمران:18. [9]

10- «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1)

النحل:43. [1]

.

11- «فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ» (2).

12- «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً» ... «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» (3).

قال الكنجي الشّافعي-بعد ذكر أخبار من طرقهم في نزول آيات(هل أتى)فيهم عليهم السّلام:سمعت بمكّة من شيخ الحرم بشير التبريزي في تفسير «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً» (4):أنّ السائل الأوّل كان جبرئيل،و الثّاني ميكائيل،و الثّالث إسرافيل (5).

و روى نصر بن مزاحم في(صفّينه):أنّ معاوية بن صعصعة بن أخي الأحنف كتب مع كتاب عمّه إلى قومه في دعوتهم إلى نصرة أمير المؤمنين عليه السّلام:

و إنّ عليّا خير حاف و ناعل فلا تمنعوه اليوم جهدا و لا جدّا

إلى أن قال:

و من نزلت فيه ثلاثون آية تسمّيه فيها مؤمنا مخلصا فردا

سوى موجبات جئن فيه و غيرها بها أوجب اللّه الولاية و الودّا (6)

و روت العامّة و الخاصّة عن أمير المؤمنين عليه السّلام،قال:نزل القرآن أرباعا:ربع فينا،و ربع في عدوّنا،و ربع سنن و أمثال،و ربع


1) 1)

2) 2) التوبة:105. [2]

3) 3) الإنسان:5-22. [3]

4) 4) الإنسان:8. [4]

5) 5) كفاية الطالب للكنجي:205،و النقل بتصرف.

6) 6) وقعة صفين لابن مزاحم:26،و النقل بتقطيع.

فرائض و أحكام،و لنا كرائم القرآن (1)

رواه شرف الدين في كنز جامع الفوائد عنه البحار 24:405 ح 1،و [1]الفرات بطرق في تفسيره:1،2،89 و العياشي في تفسيره 1:9 ح 1،و [2]غيرهم.

.

هذا،و نقل ابن أبي الحديد و ابن ميثم (2)بدل «القرآن» :«الإيمان»،و فسّره الأوّل بالنّوافل (3)،و الثاني بالأخلاق الفاضلة (4).

«و هم كنوز الرّحمن» قال أبو جعفر عليه السّلام:و اللّه إنّا لخزّان اللّه في سمائه و أرضه،لا على ذهب و لا على فضّة إلاّ على علمه (5).

«إن نطقوا صدقوا» لأنّ الصادق الكامل من اتّصف بصفات وردت في قوله عزّ و جلّ: «وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ» .فقال تعالى:

«أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (6).و كانوا مستجمعين لجميعها.

و أما تلقيبهم للأوّل بالصّديق فمجرد اسم كلقباء العبّاسيّين،فلم يكن كصاحبه من الصّابرين حين البأس يوم خيبر،فضلا عن عريه عن باقي الصّفات.

«و إن صمتوا لم يسبقوا» في(المناقب):سأل المتوكّل ابن الجهم:من


1) 1)

2) 2) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:432،و شرح ابن ميثم 3:249 في متن الخطبة:«القرآن»،لكن عند الشرح: «الايمان».

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:432.

4) 4) شرح ابن ميثم 3:249. [3]

5) 5) الكافي للكليني 1:192 ح 2، [4]البصائر للصفار:124 ح 3. [5]

6) 6) البقرة:177. [6]

أشعر النّاس؟فذكر شعراء الجاهلية و الإسلام،ثمّ سأل الهادي عليه السّلام،فقال:

أشعرهم الجماني حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابة بمدّ خدود و امتداد أصابع

فلمّا تنازعنا المقال قضى لنا عليهم بما تهوى نداء الصّوامع

ترانا سكوتا و الشّهيد بفضلنا عليهم جهير الصّوت في كلّ جامع

فإنّ رسول اللّه أحمد جدّنا و نحن بنوه كالنّجوم الطوالع

قال المتوكّل:و ما نداء الصّوامع؟قال:«أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه،و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه»محمّد جدّي أم جدّك؟فضحك المتوكّل ثمّ قال:هو جدّك،لا ندفعك عنه (1)

مناقب ابن شهر آشوب 4:406. [1]

.

19

الحكمة(109)

و قال عليه السّلام:

نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي- وَ إِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي أقول:رواه(تحف العقول)هكذا:إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفونه، فردّوه إلينا وقفوا عنده،و سلّموا إذا تبيّن لكم الحقّ،و لا تكونوا مذاييع عجلى، فإلينا يرجع الغالي،و بنا يلحق المقصر.من تمسّك بنا لحق،و من تخلّف عنّا محق،من اتّبع أمرنا لحق،و من سلك غير طريقنا سحق.لمحبيّنا أفواج من رحمة اللّه،و لمبغضينا أفواج من سخط اللّه.طريقنا القصد،و أمرنا الرّشد (2).

«نحن النّمرقة الوسطى» في(القاموس):النّمرق و النّمرقة-مثلثة-:

الوسادة الصغيرة أو الميثرة أو الطنفسة فوق الرّحل.ثمّ قال:و النمرقة


1) 1)

2) 2) تحف العقول لابن شعبة:116 ضمن وصاياه الأربعمائة.

-بالكسر-من السّحاب:ما كان بينه فتوق (1)

القاموس المحيط 3:286 [1] مادة(نمرق).

.

و في(الأساس):و نمارق مصفوفة:و سائد،و قال أوس:

إذا ناقة شدّت برحل و نمرق إلى حكم بعدي فضل ضلالها (2)

و الوسطى-في كلامه عليه السّلام-:نظير(الأوسط)في كلام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:خير الامور أوسطها.بقرينة قوله عليه السّلام بعد:بها يلحق التالي،و إليها يرجع الغالي.

و احتمال(ابن أبي الحديد) (3)كون الوسطى بمعنى:الفضلى،في غير محلّه،و إنّما(الفضلى)حكمه لا معناه.فقد عرفت أنّه عليه السّلام قال:إنّ أوسط الامور خيرها و أفضلها.

كانوا عليهم السّلام على حدّ الوسط في امورهم،مجانبين عن التّفريط و الإفراط،كما قال تعالى: «وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» (4).

روى(الكافي)عن الوليد بن صبيح قال:كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فجاء سائل،فأعطاه،ثمّ جاء آخر،فأعطاه،ثمّ جاء آخر،فقال:يوسع اللّه عليك.ثم قال:إنّ رجلا لو كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألف درهم،ثمّ شاء ألاّ يبقى منها إلاّ وضعها في حق لفعل،فيبقى لا مال له،فيكون من الثّلاثة الّذين يرد دعاؤهم.قلت:من هم؟قال:أحدهم:رجل كان له مال فأنفقه في وجهه.ثمّ قال:

يا ربّ ارزقني... (5).

و روى عن عجلان قال:كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فجاء سائل،فقام إلى


1) 1)

2) 2) أساس البلاغة:473 [2] مادة(نمرق).

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:289. [3]

4) 4) الفرقان:67. [4]

5) 5) الكافي للكليني ح 2:510 1. [5]

مكتل فيه تمر،فملأ يده فناوله،ثمّ جاء آخر فسأله،فقام فأخذ بيده فناوله،ثمّ جاء آخر فسأله،فقام فأخذه بيده فناوله،ثم جاء آخر،فقال:اللّه رازقنا و إيّاك.

ثمّ قال:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان لا يسأله أحد من الدّنيا شيئا إلاّ أعطاه،فأرسلت إليه امرأة ابنا لها،فقالت:انطلق إليه فاسأله،فإن قال لك:ليس عندنا شيء فقل:

أعطني قميصك.قال:فأخذ قميصه،فرمى به إليه،فأدّبه اللّه عزّ و جلّ على القصد،فقال: «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» (1)

الكافي للكليني 4:55 ح 7،و [1]الآية 29 من سورة الاسراء. [2]

.

و ذكروا أنّ هارون لمّا قدم المدينة لقاه الكاظم عليه السّلام على بغلة،فاعترض عليه في ذلك.فقال:إنّها تطأطأت عن خيلاء الخيل،و ارتفعت عن ذلّة العير، و خير الامور أوسطها (2).

و ذكروا أنّ أبا حنيفة قال للصّادق عليه السّلام:عجب النّاس منك أمس و أنت بعرفة تماكس ببدنك أشدّ مكاس يكون!فقال عليه السّلام:و ما للّه من الرّضا أن اغبن في مالي؟فقال أبو حنيفة:لا و اللّه،و ماللّه في هذا من الرضا قليل و لا كثير،و ما نجيئك بشيء إلاّ جئتنا بما لا مخرج لنا منه (3).

«بها يلحق التّالي» كان محمّد بن المنكدر يقول:ما كنت أرى أنّ مثل عليّ بن الحسين عليهما السّلام يدع خلفا أفضل منه،حتّى رأيت ابنه محمّد بن عليّ،فأردت أن أعظه فوعظني.فقال له أصحابه:بأيّ شيء و عظك؟قال:خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيته-و كان رجلا بادنا ثقيلا-و هو متّكىء على غلامين أسودين،فقلت في نفسي:سبحان اللّه،شيخ من أشياخ قريش في


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:333،و الارشاد للمفيد:297. [3]

3) 3) الكافي للكليني 4:546 ح 30. [4]

هذه السّاعة،على هذه الحال في طلب الدّنيا!أما لأعظنّه.فدنوت منه فسلّمت عليه،فردّ عليّ بنهر و هو يتصابّ عرقا،فقلت:شيخ من أشياخ قريش في هذه السّاعة على هذا الحال في طلب الدّنيا!أرأيت لو جاءك أجلك،و أنت على هذه الحال،ما كنت تصنع؟فقال:لو جاءني الموت و أنا على هذه الحال،جاءني و أنا في طاعة من طاعات اللّه عزّ و جلّ،أكفّ بها نفسي و عيالي عنك و عن النّاس، و إنّما كنت أخاف أن يأتيني و أنا على معصية من معاصي اللّه.فقلت:صدقت يرحمك اللّه،أردت أن أعظك فوعظتني (1)

الارشاد للمفيد:263،و [1]الفصول المهمة لابن الصباغ:213. [2]

.

و في(تاريخ اليعقوبي)،في وقعة الحرّة:فكان الرّجل من قريش يؤتى به،فيقال:بايع على أنّك عبد قنّ ليزيد.فيقول:لا.فيضرب عنقه،فأتاه عليّ بن الحسين عليهما السّلام،فقال:علام يريد يزيد أن ابايعك؟قال:على أنّك أخ و ابن عم.

فقال:و إن أردت أن ابايعك على أنّي عبد قنّ فعلت.فقال:ما أجشمك هذا.فلمّا أن رأى الناس إجابة عليّ بن الحسين قالوا:هذا ابن رسول اللّه يبايعه على ما يريد.فبايعوه على ما أراد (2).

«و إليها يرجع الغالي» دخل جابر الأنصاري على أبي جعفر الباقر عليه السّلام، فقال له:كيف أصبحت؟قال:أصبحت و الفقر أحبّ إليّ من الغنى،و المرض أحبّ إليّ من الصّحّة،و الموت أحبّ إليّ من الحياة.فقال عليه السّلام:لكنّا أهل البيت ما أراده اللّه لنا من الفقر أو الغنى،و المرض أو الصحّة،و الموت أو الحياة هو أحب إلينا.فقال جابر:صدقت يابن رسول اللّه و صدق جدّك،أنت باقر العلوم (3).


1) 1)

2) 2) تاريخ اليعقوبي 2:251. [3]

3) 3) لم أجده بهذا السياق،نعم رويت هذه القصّة بين الامام الحسن عليه السّلام و أبي ذر،أخرجه ابن عساكر في ترجمة الحسن عليه السّلام:158 ح 271،و رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1:274،شرح الخطبة 45.

قوله عليه السّلام في رواية(التّحف):«من تمسّك بنا لحق» (1)

تحف العقول:116.

،في(الطبري):قتل يوم الجمل من بني ذهل خمسة و ثلاثون رجلا،فقال رجل لأخيه و هو يقاتل:يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنّا على حقّ؟قال:فإنّا على الحقّ،إنّ الناس أخذوا يمينا و شمالا،و إنّما تمسّكنا بأهل بيت نبيّنا.فقاتلا حتّى قتلا (2).

أيضا«و من تخلّف عنّا محق،و من سلك غير طريقنا سحق»عن(أوائل أبي هلال العسكري)قام أبو الهيثم إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:كنت-و اللّه- احقّ قريش بشكر قريش،نصرت نبيّهم حيّا،و قضيت عنه الحقوق ميّتا،و اللّه ما بغيهم إلاّ على أنفسهم،و لا نكثوا إلاّ بيعة اللّه (3).

أيضا:«لمحبّينا أنواع من رحمة اللّه...»،روى(أمالي المفيد)عن الأصبغ قال:دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه السّلام في نفر من الشّيعة،و كنت فيهم،فجعل الحارث يتأوّد في مشيته،و يخبط الأرض بمحجنه-و كان مريضا-فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السّلام-و كانت له منه منزلة-فقال:كيف تجدك يا حارث؟فقال:نال الدّهر منّي،و زادني أوارا و غليلا اختصام أصحابك ببابك.قال:و فيم خصومتهم؟قال:فيك و في الثلاثة قبلك،فمن مفرط منهم غال،و مقتصد،و مبغض قال،و متردّد مرتاب، لا يدري أيقدّم أم يحجم؟فقال:حسبك يا أخا همدان،ألا إنّ خير شيعتي النّمط الأوسط،إليهم يرجع الغالي،و بهم يلحق التّالي.فقال الحارث:

فداك أبي و امي لو كشفت الرّين عن قلوبنا و جعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا.


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 3:530 سنة 36. [1]

3) 3) نقله عن أوائل [2]أبي هلال المجلسي في الفتن من البحار:153 [3] ضمن خطبة.

قال عليه السّلام:إنّ دين اللّه لا يعرف بالرّجال،بل بآية الحقّ،فاعرف الحقّ تعرف أهله.يا حارث إنّ الحقّ أحسن الحديث،و الصّادع به مجاهد،و بالحقّ اخبرك،ثمّ خبّر به من كان له حصافة من أصحابك.ألا إنّي عبد اللّه، و أخو رسوله،و صدّيقه الأوّل،صدّقته و آدم بين الرّوح و الجسد،ثمّ إنّي صدّيقة الأوّل في امّتكم حقّا،فنحن الأوّلون،و نحن الآخرون،و نحن خاصّته و خالصته،و أنا صنوه،و وصيّه و وليّه،و صاحب نجواه و سرّه،اوتيت فهم الكتاب و فصل الخطاب،و علم القرون و الأسباب،و استودعت ألف مفتاح،يفتح كلّ مفتاح ألف باب،يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد،و امددت بليلة القدر نفلا،و أنّ ذلك يجري لي و لمن استحفظ من ذرّيتي ما جرى الليل و النّهار، حتّى يرث اللّه الأرض و من عليها،و ابشّرك يا حارث تعرفني عند الممات،و عند الصّراط،و عند الحوض،و عند المقاسمة.قال الحارث:و ما المقاسمة؟قال:

مقاسمة النّار،اقاسمها قسمة صحيحة،أقول:هذا وليّيّ فاتركيه،و هذا عدّوي فخذيه.

قال:ثمّ أخذ عليه السّلام بيد الحارث،و قال:أخذت بيدك كما أخذ رسول اللّه بيدي و قال لي-و قد شكوت إليه حسد قريش و المنافقين لي-:إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللّه و بحجزته،و أخذت أنت يا عليّ بحجزتي،و أخذ ذريّتك بحجزتك،و أخذت شيعتكم بحجزتكم،فما ذا يصنع اللّه بنبيّه؟و ما ذا يصنع نبيّه بوصيّه؟خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة:أنت مع من أحببت،و لك ما اكتسبت-يقولها ثلاثا-.فقام الحارث يجرّ رداءه،و هو يقول:ما ابالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني (1)

أمالي المفيد:3 ح 3 المجلس 1،و غيره،و قد مرّ تخريجه في العنوان 4 من هذا الفصل،و النقل بتصرف يسير.

.

1) 1)

20

الحكمة(21)

و قال عليه السّلام:

لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَ إِلاَّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ- وَ إِنْ طَالَ السُّرَى «و هذا القَول مِنْ لطيفِ الكلام و فَصِيحِهِ،وَ مَعناهُ:أنّا إنْ لَمْ نُعْطَ حقّنا كُنَّا أذِلاَّءَ،وَ ذلِكَ أنَّ الرَّدِيفَ يَرْكَبُ عَجُزَ البَعِير،كَالْعَبْدِ و الْأسِير وَ مَنْ يَجْري مَجْراهما » .

أقول:روى الطبري الطبري-تاريخ الطبري-ج 3 ص 300 سنة 24 :أنّه عليه السّلام تكلّم بذلك يوم الشّورى مع زيادة هكذا:

«الحمد للّه الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله منّا نبيّا،و بعثه إلينا رسولا،فنحن بيت النبوّة،و معدن الحكمة،و أمان أهل الأرض،و نجاة لمن طلب،لنا حقّ إن نعطه نأخذه،و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل،و لو طال السّرى،لو عهد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عهدا لأنفذنا عهده،و لو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتّى نموت.لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق و صلة رحم،و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه.اسمعوا كلامي، وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع،تنتضي فيه السّيوف و تخان فيه العهود» (1)

تاريخ الطبري 3:300 سنة 24. [1]

.

و رواه( غريب ابن قتيبة-غريب الحديث-ج 2 ص 139 )ابن قتيبة إلى قوله:«و صلة رحم».و بعده:«و الأمر إليك يابن عوف على صدق اليقين و جهد النّصح.استغفر اللّه لي و لكم» (2).

قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام تزعم الإماميّة أنّه قاله يوم السّقيفة أو في تلك الأيام،و يذهب أصحابنا إلى أنّه قاله يوم الشّورى (3).


1) 1)

2) 2) غريب الحديث لابن قتيبة 2:139.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:252. [2]

قلت:كون ذاك الكلام قاله عليه السّلام يوم السّقيفة أو يوم الشّورى ليس بمذهب،حتّى يفصل بين أصحابه و الإماميّة،و إنّما في مثله يرجع إلى مستنده،و في مستنده صرّح بوروده يوم الشّورى كما عرفته من الطبري، و نقله هو عن أبي عبيد في الجمع بين غريبيه 1أبو عبيد-الجمع بين الغريبين- 1،و نقله ابن ميثم عن القتيبي في (غريبه)،و الأزهري في( تهذيبه 1الأزهري-التهذيب- ) 2،و لعلّه رأى ذلك في كلام الراوندي قاله حدسا،فنسبه إلى الإمامية 3،و هذا ابن شهر آشوب ابن شهر آشوب-المناقب-ج 1 ص 274 أحد علماء الإماميّة صرّح بأنّه عليه السّلام قال هذا الكلام لابن عوف يوم الشورى 4.

ثمّ كونه يوم الشورى لا يثبت له إمضاءه عليه السّلام يوم السقيفة.فقد قال عليه السّلام ذلك اليوم أقوالا أشدّ من هذا،كما تقف عليه في محلّه .

«لنا حقّ فإن اعطيناه» روى الطبري في(ذيله)عن المنهال بن عمرو قال:

دخلت على عليّ بن الحسين عليه السّلام فقلت:كيف أصبحت أصلحك اللّه؟قال:ما كنت أرى أنّ شيخا من أهل المصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا؟فأمّا إذا لم تدرا،فساخبرك:أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبّحون أبناءهم و يستحيون نساءهم،و أصبح شيخنا و سيّدنا يتقرّب إلى عدوّنا بشتمه و سبّه على المنابر-إلى أن قال-فلئن كانت العرب صدقت أنّ لها فضلا على العجم،و صدقت قريش أنّ لها الفضل على العرب،لأنّ محمّدا منها،فلقد فأصبحوا يأخذون بحقّنا و لا يعرفون لنا حقّا،فهكذا أصبحنا إذا لم

تعلم كيف أصبحنا؟قال:فظننت أنّه أراد أن يسمع من في البيت (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:120. [1]

.

و في(تاريخ بغداد):توفّي محمّد بن جعفر الصادق بخراسان فركب المأمون لشهوده،فلمّا نظر إلى السرير نزل فترجّل،و رفع عن تراقيه،ثمّ دخل بين العمودين فلم يزل بينهما حتّى وضع،و تقدّم فصلّى عليه،ثمّ حمله حتّى بلغ به القبر،ثمّ دخل قبره،فلم يزل فيه حتّى بني عليه،ثمّ خرج فقام على القبر و هو يدق،فقال له عبد اللّه بن الحسن:إنّك قد تعبت فلو ركبت.فقال له المأمون:

إنّ هذه رحم قطعت من مائتي سنة.قال الحسن بن محمّد بن يحيى:قال جدّي:

...و روى في هذا الحديث أنّه قال:هذا حقّ ضيّع من مائتي سنة (2).

قلت:أي من يوم وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

«و إلاّ ركبنا أعجاز الإبل و إن طال السّرى» قد عرفت المراد منه من بيان الرضي رضوان اللّه عليه.

هذا،و في السّير:دخل أبو بجيلة الشّاعر على السّفاح،فقال له:أ فتأذن لي في إنشادك؟فقال له:لعنك اللّه أ لست القائل في مسلمة بن عبد الملك:

أ مسلم إنّي يابن كلّ خليفة و يا فارس الهيجا و يا جبل الأرض

شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى و ما كلّ من أوليته نعمة يقضي

و أحييت لي ذكري و ما كان خاملا و لكنّ بعض الذكر أنبه من بعض

قال:فأنا الذي أقول:

لما رأينا استمسكت يداكا كنّا اناسا نرهب الملاكا

و نركب الأعجاز و الأوراكا من كلّ شيء ما خلا الاشراكا

و كلّ ما قلته في سواكا زور و قد كفّر هذا ذاكا


1) 1)

2) 2) تاريخ بغداد للخطيب 2:115،و [2]النقل بتلخيص.

فرضي عنه و أجازه.

و قال الشاعر:

و ما عن رضى كان الحمار مطيتي و لكنّ من يمشي سيرضى بما ركب

و في الأمثال:ركب في الطّلب أعجاز الإبل.

هذا،و عبّر عليه السّلام يوم الشورى عن حاله بعد أخذ حقّه استعارة بما مر، و أوضح المراد في أوّل انتقال الأمر إليه عليه السّلام،فروى المدائني عن عبد اللّه بن جنادة:أنّه عليه السّلام خطب يومئذ.فقال:أمّا بعد،فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله قلنا:

نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون النّاس،لا ينازعنا سلطانه أحد،و لا يطمع في حقّنا طامع،إذ انبرى لنا قومنا،فغصبونا سلطان نبيّنا.فصارت الإمرة لغيرنا،و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزّز علينا الذليل،فبكت الأعين منّا لذلك،و خشنت الصدور،و جزعت النفوس،و ايم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين،و أن يعود الكفر،و يبور الدّين لكنّا على غير ما كنّا لهم... (1)

نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 1:101.

21

الحكمة(111)

و قال عليه السّلام-و قد توفّي سهل بن حنيف الأنصاريّ بالكوفة بعد مرجعه من صفّين معه،و كان أحبّ النّاس إليه-:

لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ وَ معنى ذَلك أنَّ الْمِحْنَةَ تَغْلْظُ عَلَيْهِ- فَتُسْرِعُ الْمَصَائِبُ إلَيْهِ- وَ لاَ يُفْعَلُ ذَلِكَ إِلاّ بالْأَتْقِيَاءِ الْأَبْرَارِ وَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَار:وَ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ع:مَنْ أَحَبَّنَا؟أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَابًا


1) 1)

وَ قَدْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ عَلَى مِعْنَى آخَرَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ أقول:القول الأوّل الخاصّ بسهل رواه الخاصّة فقط،و الثّاني العام العامّة على ما وقفنا.

أمّا الأوّل ففي( كتاب محمّد بن مثنى الحضرمي محمّد بن مثنى الحضرمي-كتاب محمّد بن مثنى الحضرمي-ص 86 )من الاصول الأربعمائة:عن جعفر بن محمّد بن شريح،عن ذريح المحاربي،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.و ذكر سهل بن حنيف،فقال:كان من النّقباء.فقلت له:من نقباء نبيّ اللّه الاثني عشر؟فقال:نعم كان من الّذين اختيروا من السّبعين.فقلت له:

كفلاء على قومهم؟فقال:نعم،إنّهم رجعوا و فيهم دم،فاستنظروا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى قابل،فرجعوا ففرغوا من دمهم،فاصطلحوا،و أقبل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله معهم.

و ذكر سهلا،فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:ما سبقه أحد من قريش،و لا من النّاس بمنقبة.و أثنى عليه،و قال:لمّا مات جزع أمير المؤمنين عليه السّلام جزعا شديدا، و صلّى عليه خمس صلوات،و قال:لو كان معي جبل لارفضّ (1)

رواه محمّد بن مثنى الحضرمي في أصله:86.

.

و أمّا الثاني فرواه ابن قتيبة ابن قتيبة-غريب الحديث- و أبو عبيد أبو عبيد المرتضى-أمالي-ج 1 ص 13 المجلس 2 (2).

قول المصنّف: «و كان أحبّ» هكذا في(المصرية)،و الصواب(من أحبّ) كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (3).

«النّاس إليه» و لذلك صلّى عليه السّلام عليه خمس صلوات،كما عرفت من خبر كتاب محمّد بن المثنى (4)،كما صلّى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على عمّه حمزة أربع عشرة صلاة.

«لو أحبّني جبل لتهافت» أي:تساقط قطعة قطعة،و قد عرفت ذكر الخبر


1) 1)

2) 2) نقله عن غريب الحديث لابن قتيبة و أبي عبيد المرتضى في أماليه 1:13 المجلس 2.

3) 3) لفظ شرح ابن أبي الحديد 4:289 مثل المصرية،و لفظ شرح ابن ميثم 5:298:«كان من أحب».

4) 4) مرّ نقله في صدر هذا العنوان.

بدل التهافت:«لأرفضّ،و المعنى واحد،ففي(الصحاح):و كلّ متفرّق ذاهب مرفضّ.قال القطامي:

أخوك الّذي لا يملك الحسّ نفسه و ترفضّ عند المحفظات الكتائف (1)

صحاح اللّغة 3:1079 [1] مادة(رفض).

قول المصنّف : «معنى ذلك أنّ المحنة» أي:الامتحان.

«تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه» في حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة،للبلاء أسرع إلى المؤمن من أغدار السّيل من أعلى التّلعة إلى أسفلها،و من ركض البراذين (2).

«و لا يفعل ذلك إلاّ بالأتقياء الأبرار» فحيث إنّ الامور مقسومة من اللّه تعالى بين عباده،فمن آتاه اللّه الآخرة لا يؤتيه الدّنيا،كما أنّ من آتاه الحذاقة و الكمال لا يؤته الرّياسة و المال،فذكروا أنّ المقتدر لمّا خلع و بويع ابن المعتزّ، أخبر الطبري بذلك،فقال:فمن رشّح للوزارة؟قيل:ابن الجراح.قال:فمن ذكره للقضاء؟فقيل:ابن المثنى.فأطرق قليلا،ثمّ قال:إنّ هذا أمر لا يتمّ،و لا ينتظم.

قيل له:و كيف؟قال:كلّ واحد من هؤلاء الذين سمّى متقدّم في معناه على الرّتبة في أبناء جنسه،و الزّمان مدبر و الدّنيا مولية،و ما أرى هذا إلاّ إلى اضمحلال،و لا يكون لمدّته طول.فكان الأمر كما قال (3).

«و المصطفين الأخيار» في(تاريخ اليعقوبي)قدم على عليّ عليه السّلام أبو مريم القرشي المكّي-و كان صديقا له-فلمّا رآه قال:ما أقدمك يا أبا مريم؟ قال:و اللّه ما جئت في حاجة،و لكن عهدي بك قديم فأحببت أن أراك،و لو اجتمع أهل الأرض عليك،لأقمتهم على الطريق.فقال:يا أبا مريم و اللّه إنّي لصاحبك


1) 1)

2) 2) رواه ضمن حديث الاربعمائة الصدوق في الخصال:621 و ابن شعبة في تحف العقول:111.

3) 3) روى هذا المعنى الطبري في تاريخه 8:251 سنة 296،و [2]القرطبي في صلة تاريخ الطبري سنة:18 296.

الّذي تعلم،و لكنّي منيت بشرار خلق اللّه-إلاّ من رحم اللّه-يدعونني فآبى عليهم،ثمّ اجيبهم فيتفرّقون عنّي،و الدنيا محنة الصالحين،جعلنا اللّه و إيّاك منهم،و لو لا ما سمعت من حبيبي أنّه يقول،لضاق ذرعي غير هذا الضيق، سمعته يقول:الجهد و البلاء أسرع إلى من أحبّ اللّه و أحبّني من السّيل إلى مجاريه (1)

تاريخ اليعقوبي 2:205. [1]

.

«و هذا مثل قوله عليه السّلام:من أحبّنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا» و رواه أبو عبيد،و ابن قتيبة في(غريبيهما)هكذا:«من أحبّنا أهل البيت فليعدّ للفقر جلبابا أو تجفافا» (2).

و في(الصحاح):الجلباب:الملحفة،قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا:

تمشي النسور إليه و هي لاهية مشي العذارى عليهنّ الجلابيب (3)

و التّجفاف:لبس الفرس.

روى الصّفار عن الأصبغ قال:كنت مع أمير المؤمنين عليه السّلام،فأتاه رجل فسلّم عليه،ثمّ قال له:إنّي و اللّه لاحبّك في اللّه،و احبّك في السّرّ كما احبّك في العلانية،و أدين اللّه بولايتك في السّرّ كما أدين بها في العلانية.و بيد أمير المؤمنين عليه السّلام عود فتطأطأ رأسه،ثم نكت بعوده في الأرض ساعة،ثمّ رفع رأسه إليه فقال:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حدّثني بألف حديث لكلّ حديث ألف باب،و أنّ أرواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشامّ،فما تعارف منها ايتلف،و ما تناكر منها اختلف،و يحك لقد كذبت!فما أعرف وجهك في الوجوه،و لا اسمك في الأسماء.ثمّ دخل عليه آخر،فقال له:إنّي احبّك في اللّه،و احبّك في السّر كما


1) 1)

2) 2) رواه عنهما المرتضى في أماليه 1:13 المجلس 2.

3) 3) صحاح اللغة 1:101 [2] مادة(جلب).

احبّك في العلانية،و أدين اللّه بولايتك في السّرّ كما أدين اللّه بها في العلانية فنكت عليه السّلام بعوده الثّانية ثم رفع رأسه إليه،فقال له:صدقت إنّ طينتنا طينة مخزونة أخذ اللّه ميثاقها من صلب آدم،فلم يشذّ منها شاذّ،و لا يدخل فيها داخل من غيرها،اذهب و اتخذ للفقر جلبابا،فإنّي سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:و اللّه الفقر أسرع إلى محبينا من السّيل إلى بطن الوادي.و رواه(أمالي)الشيخ (1)

أخرجه الصفاري البصائر:411 ح 2،و [1]أبو علي الطوسي في أماليه 2:23 المجلس 14. [2]

.

و لكن روى(معاني الأخبار):عن أحمد بن المبارك قال:إنّ رجلا قال للصّادق عليه السّلام:حديث يروى:أنّ رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السّلام:إنّي احبّك.فقال له:أعدّ للفقر جلبابا.فقال:ليس هكذا قال،إنّما قال له:أعددت لفاقتك جلبابا.

يعني:يوم القيامة (2).

و يمكن الجمع بكون لفظ(الفقر)في خبر الصّفار،و خبر أبي عبيد،و ابن قتيبة من وهم الرّاوي،و الأصل:البلاء،كما يشهد له خبر الاربعمائة المتقدّم، و خبر أبي مريم المتقدّم،لكن روى(الاسد):عن عثمة أنّ رجلا من الأنصار رأى بوجه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أثر الجوع،فأتى بيته فلم يجد فيه شيئا،فأتى بني قريظة فآجر نفسه على كلّ دلو بتمرة،حتّى جمع حفنة أو كفّا ثمّ رجع بالتّمر فوضعه بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فقال صلّى اللّه عليه و آله له:إنّي لأظنّك تحبّ اللّه و رسوله؟قال:أجل و الذي بعثك بالحقّ،لأنت أحبّ إليّ من نفسي و ولدي و أهلي و مالي.قال:أمّا لا فاصطبر للفاقة،و أعدّ للبلاء تجفافا،فو الّذي بعثني بالحقّ لهي أسرع إلى من يحبّني من هبوط الماء من رأس الجبل إلى أسفله (3).

«و قد يؤوّل» من التأويل.


1) 1)

2) 2) معاني الأخبار للصدوق:182 ح 1.

3) 3) اسد الغابة 3:387. [3]

«ذلك» أي:قوله «من أحبّنا فليستعدّ للفقر جلبابا» .

«على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره» الظّاهر أنّه أراد ما ذكره أبو عبيد،فإنّه قال:إنّه عليه السّلام لم يرد الفقر في الدّنيا،ألا ترى أنّ في من يحبّهم مثل ما في ساير النّاس من الغنى؟و إنّما أراد الفقر يوم القيامة،و أخرج الكلام مخرج الوعظ و النصيحة و الحثّ على الطاعات،فكأنّه أراد:من أحبّنا فليعدّ لفقره يوم القيامة ما يجبره من الثّواب،و التقرّب إلى اللّه تعالى و الزلفى عنده (1)

أمالي المرتضى 1:13 المجلس 2،و النقل بتلخيص.

.

قلت:ما ذكره أبو عبيد معنى صحيح،إلاّ أنّ لفظ الخبر آب عن الحمل عليه،و قد عرفت أنّ خبر(المعاني)ذكر ذاك المعنى،و حكم بكون لفظه غير ذاك اللفظ،و كونه بلفظ:«أعددت لفاقتك،أي:في القيامة جلبابا».و لو فرض صحّة الخبر فالظاهر معنى قاله ابن قتيبة،و هو:أنّ من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدّنيا،و ليأخذ نفسه بالكفّ عن أعراضها (2).

و ذكر المرتضى في(غرره)قولهما،و يمكن أن يكون في الخبر وجه ثالث،هو:أن أحد وجوه معنى لفظة(الفقر)أن يحزّ أنف البعير حتّى يخلص إلى العظم أو قريب منه،ثمّ يلوى عليه حبل يذلل به الصّعب.بعير مفقور به:

فعل به ذلك.فيحتمل على هذا أنّه عليه السّلام أراد:أنّ من أحبّنا فليلزم نفسه، و ليحطمها و ليقدها إلى الطاعات،و ليصرفها عمّا تميل إليه طباعها من الشهوات،و ليذللها على الصبر على ما ذكرناه،و مشقّة ما اريد منها،كما يفعل ذلك بالبعير الصّعب.و هذا وجه ثالث في الخبر لم يذكر (3).

قلت:هو أيضا معنى بعيد خلاف المتبادر من اللفظ،و كيف كان،فروي عن أبي خليفة الفضل بن حباب الجمحي قال:


1) 1)

2) 2) أمالي المرتضى 1:13 المجلس 2،و النقل بتلخيص.

3) 3) قاله المرتضى في أماليه المسمى بالغرر و الدرر 1:13،و النقل بتصرف يسير.

شيبان و الكبش حدّثاني شيخان باللّه عالمان

قالا إذا كنت فاطميا فاصبر على نكبة الزمان

و في السير:كتب الحسين عليه السّلام إلى الأحنف يدعوه إلى نفسه،فلم يردّ جوابا،و قال:قد جرّبنا آل أبي الحسن،فلم نجد عندهم إيالة للملك،و لا جمعا للمال،و لا مكيدة في الحرب (1)

الفائق للزمخشري 1:52 [1] مادة(اول)،بفرق يسير.

.

و في(عيون ابن قتيبة):قال الشّعبي:ما لقينا من آل أبي طالب؟إن أحببناهم قتلونا،و إن أبغضناهم أدخلونا النّار (2).

و قيل لابن عمر:إنّ الحسين عليه السّلام توجّه إلى العراق.فلحقه و ناشده اللّه أن يرجع فأبى،فقال ابن عمر:أما إنّي ساحدّثك حديثا:إنّ جبرئيل عليه السّلام أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فخيّره بين الدّنيا و الآخرة فاختار الآخرة.و أنّكم بضعة من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و اللّه،لا تليها أنت و لا أحد من أهل بيتك،و ما صرفها اللّه عنكم إلاّ لما هو خير لكم (3).

و في(مقاتل أبي الفرج):-في حديث سفيان بن أبي ليلى الّذي قال للحسن عليه السّلام:أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة-قال الحسن عليه السّلام له:ما جاءنا بك يا سفيان؟قال:حبّكم.فقال عليه السّلام فأبشر يا سفيان،فإنّي سمعت عليّا يقول:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:يرد عليّ الحوض أهل بيتي و من أحبّهم من امّتي كهاتين-يعني:السّبابتين-أو كهاتين-يعني:السّبابة و الوسطى-إحداهما تفضل على الاخرى.أبشر يا سفيان،فإنّ الدّنيا تسع البر و الفاجر،حتّى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمّد عليهم السّلام (4).


1) 1)

2) 2) عيون الاخبار لابن قتيبة 1:212. [2]

3) 3) عيون الأخبار لابن قتيبة 1:211،و [3]النقل بتلخيص.

4) 4) المقاتل أبي الفرج:44. [4]

ثمّ حبّهم عليهم السّلام من الفرائض و إن سمّوا محبّيهم روافض،و في(فواتح الميبدي)روى الكشاف و الواحدي:أنّه لمّا نزلت «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (1)

الشورى:23. [1]

،سألوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:امرنا بمحبّة من؟فقال ثلاث مرّات:عليّ و فاطمة و ابناهما (2).

و روى الترمذي عن المقداد قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:معرفة آل محمّد براءة من النّار،و حبّ آل محمّد جواز من الصراط،و الولاية لآل محمّد أمان من العذاب (3).

22

من الخطبة(98)

وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ- مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ- وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ- وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ- دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلاَمِ- بَطِيءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ- فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ- وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ- جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ- حَتَّى يُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ- فَلاَ تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ- وَ لاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ- فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ- وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً أَلاَ إِنَّ مَثَلَ؟آلِ مُحَمَّدٍ ص؟ كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ- إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ- فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ.


1) 1)

2) 2) رواه الزمخشري في الكشاف 4:219 و [2]عنه و عن الواحدي الميبدي في الفواتح:196،و أخرجه الطبراني و ابن أبي حاتم و الحاكم في مناقب الشافعي عنهم الكاف الشاف 4:220 و ابن المنذر و ابن مردويه عنهما الدر المنثور 6:7، و [3]الجويني في فرائد السمطين 2:13 ح 359 و [4]غيرهم.

3) 3) رواه عن الترمذي الميبدي في الفواتح:196،لكن لم يوجد هذا في سنن الترمذي.

«و خلّف فينا راية الحق» قال ابن أبي الحديد:إنّ المراد براية الحقّ الثّقلان المخلّفان:الكتاب و العترة (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:189. [1]

.

و قال ابن ميثم:المراد بها الكتاب و السنّة (2).

قلت:كلّ منهما و إن كان معنى صحيحا إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد براية الحقّ هنا:الكتاب بالخصوص،لقوله عليه السّلام بعد:«دليلها مكيث الكلام...»جاعلا للعترة دليل الكتاب،و حينئذ فقوله عليه السّلام هنا نظير قوله عليه السّلام في الخطبة الاولى:

«و خلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في اممها-إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح،و لا علم قائم-:كتاب ربّكم فيكم» (3).

و أمّا الراية في كلامه عليه السّلام في خبر عبيد بن كرب عنه عليه السّلام:«أنّ لنا أهل البيت راية من تقدّمها مرق،و من تأخر عنها محق،و من تبعها لحق» (4)القائم عليه السّلام بالخصوص،و رووا الخبر في علاماته عليه السّلام .

«من تقدّمها» بالحكم في قبالها،كمن أمر بغسل الرّجلين في قبال حكمها بمسحهما.

«مرق» أي:خرج من الدّين .

«و من تخلّف عنها» بعدم العلم بأحكامها.

«زهق» أي:هلك .

«و من لزمها» بالالتزام بما فيها.

«لحق» بها و يصل إلى المقصد .

«دليلها مكيث الكلام» قد عرفت أنّ المراد من دليل راية الحق-و هي


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 3:7.

3) 3) رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 1:25.

4) 4) أخرجه الصدوق في كمال الدين:654 ح 23. [2]

الكتاب-:العترة عليهم السّلام،لكونهم كتاب اللّه الناطق الدّال على حكم كتابه الصّامت.

و قال ابن أبي الحديد في شرح الجملة:و قلّة الكلام من صفات المدح، و كثرته من صفات الذمّ.قالت جارية ابن السّماك:ما أحسن كلامك لو لا أنّك تكثر ترداده... (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:190. [1]

قلت:مكيث الكلام غير قليل الكلام،إنّما هو من يتكلّم عن رويّة و تدبّر و لو كثر كلامه،و في قباله سريع الكلام:من يتكلّم عن غير تدبّر و لو قلّ كلامه.

فالحكايات التي نقلها هنا،و الأخبار التي ذكرها هنا بلا ربط،و تطويل بلا طائل .

«بطيء القيام،سريع إذا قام» المراد أنّه لا يفعل شيئا حتّى يوجد المقتضي له و يصير ذا حكمة،فما لا يكون كذلك لا يقرب منه،فدعا أبو سفيان و العبّاس أمير المؤمنين عليه السّلام بعد وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أن يبايعاه،فما توجّه إليهما (2)،لأنّ قيامه عليه السّلام في ذاك الوقت لتصدّي الإمرة لم يكن صلاحا،لأنّه بعد تعاقد قريش على عدم تخلية الأمر له،و لو كان قام لانجر إلى اضمحلال أصل الاسلام،كما أنّه إذا وجد المقتضى لا يدع الفرصة،فاشير عليه عليه السّلام بأن لا يتبع طلحة و الزبير،و يدع معاوية و الشام،فخالف من أشار عليه،و جدّ في الطّلب و أوجد الجمل و صفين.

و نقل ابن أبي الحديد في شرح هاتين الفقرتين قول المتنبي:

و ما قلت للبدر أنت اللجين و لا قلت للشّمس أنت الذّهب

فيقلق منه البعيد الأناة و يغضب منه البطيء الغضب

و نقل المثل:

يريك الهوينى و الامور تطير


1) 1)

2) 2) السقيفة للجوهري:42،و غيره.

و قال:يضرب لمن ظاهره الأناة و باطنه الإبرام.و نقل أشياء اخر كثيرة لا ربط لشيء منها سوى قول الشّاعر منها:

مسبل في الحيّ أحوى رفل و إذا يغزو فسمع أزل (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:190. [1]

«فإذا أنتم ألنتم له رقابكم،و أشرتم إليه جاءه الموت فذهب به» قال ابن أبي الحديد:خطب بها أمير المؤمنين عليه السّلام في الجمعة الثالثة من خلافته،و كنّى فيها عن حال نفسه،و أعلمهم فيها أنّهم سيفا رقونه،و يفقدونه بعد اجتماعهم عليه و طاعتهم،و هكذا وقع الأمر،فإنّه نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من الشّهر الّذي قتل عليه السّلام فيه (2).

قلت:فيه أوّلا:من أين أنّ مراده عليه السّلام بقوله: «فإذا أنتم ألنتم له رقابكم و أشرتم إليه» شهر قتله كما قال؟بل الظّاهر أنّ مراده عليه السّلام:انتقال أصل الخلافة الظاهرية إليه،لأنّه عليه السّلام في أيّام الثلاثة لم يكن عندهم إلاّ كأحد الصحابة في عدم بسط يد له،بل كان تحت الشّدّة،فإنّ حال من يراقبه الملوك و يعدّونه رقيبا لهم معلوم،و في كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر مشيرا إلى أبي بكر و عمر و إليه عليه السّلام:«و لقد همّا به الهموم،و أرادا به العظيم»و إنّما في أيّام خلافته ليّن له الرّقاب،و اشير إليه بالأصابع.

و ثانيا:من قال:إنّ أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من شهر قتل فيه؟كيف،و بعد التّحكيم صار أمره عليه السّلام مضطربا غاية الاضطراب،حتّى بعد رجوعه عن حرب الخوارج نهى النّاس عن دخول البلد،ليشخصوا إلى معاوية،فلم يعتنوا به،و كان معاوية يغير كلّ يوم على بلاده عليه السّلام غير الكوفة، و يصيح عليه السّلام بهم في الدفاع،و لم يصغوا إليه عليه السّلام حتّى قتل-صلوات اللّه عليه-


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:189،192. [2]

أسفا،و حينئذ فلا بد أنّ مراده عليه السّلام:أن لبثه فيهم أيّام خلافته قليل،فلم تكمل السّنة الرابعة من قيامه عليه السّلام .

«فلبثتم بعده ما شاء اللّه» و لا يعلم مدّة لبثهم غير اللّه.

«حتّى يطلع اللّه لكم من يجمعكم و يضم نشركم» بظهور قائم آل محمّد عليهم السّلام،و قال ابن ميثم:قيل هو الإمام المنتظر،و قيل:هو قائم بني العبّاس بعد انقضاء دولة بني امّية (1)

شرح ابن ميثم 3:8. [1]

.

قلت:كيف يحتمل إرادته عليه السّلام قائم بني العبّاس،و كلامه عليه السّلام في دليل راية الحقّ بعده عليه السّلام؟فمن يجمع النّاس،و يضمّ نشرهم على راية الحقّ غير قائم أهل البيت عليهم السّلام؟و إذا لم يكن المراد دليل راية الحقّ،فأيّ فرق بين قائم العباسية و قائم الاموية،في جمع أمر النّاس على السلطنة الدنيوية؟ و قال ابن أبي الحديد:كلامه عليه السّلام إشارة إلى المهدي الّذي يظهر في آخر الوقت،إلاّ أنّه عند أصحابنا غير موجود الآن و سيوجد و عند الإمامية أنّه موجود (2).

قلت:فما يفعل بقوله عليه السّلام هنا:«مثل آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم» (3)،و بقوله عليه السّلام في خطبة مرّت في أوّل الفصل:«لا تخلو الأرض من قائم للّه حجّة إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا » (4)؟ «فلا تطمعوا في غير مقبل» قال أيوب بن نوح للرّضا عليه السّلام:نرجو أن تكون صاحب هذا الأمر،و أن يردّه اللّه إليك من غير سيف،فقد بويع لك،و ضربت الدّراهم باسمك.فقال عليه السّلام:ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب،و سئل عن المسائل،


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:192. [2]

3) 3) رواهما الشريف الرضي في نهج البلاغة 1:194 [3] ضمن الخطبة 98 و 4:37 ضمن الحكمة 147.

4) 4) المصدر نفسه.

و أشارت إليه إلاّ اعتلّ و مات على فراشه،حتّى يبعث اللّه عزّ و جلّ لهذا الأمر رجلا خفي المولد و المنشأ،حتّى خفي في نسبه (1)

الكافي للكليني 1:341 ح 25 و [1]الغيبة للنعماني:112. [2]

.

و قال عبد اللّه بن عطا للباقر عليه السّلام:إنّ شيعتك بالعراق كثيرون،فو اللّه ما في أهل بيتك مثلك،فكيف لا تخرج؟فقال:يا عبد اللّه بن عطا قد أمكنت الحشو من اذنيك و اللّه ما أنا بصاحبكم (2).

«و لا تيأسوا من مدبر» قال الهادي عليه السّلام:إذا رفع عليكم من بين أظهركم، فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم (3).

و قال الباقر عليه السّلام:إذا دار الفلك و قال النّاس:مات القائم أو هلك،بأيّ واد سلك،و قال الطالب أنى يكون ذلك،و قد بليت عظامه؟فعند ذلك فارجوه،فإذا سمعتم به فأتوه،و لو حبوا على الثّلج (4).

و عن الأصبغ:ذكر عند أمير المؤمنين عليه السّلام القائم عليه السّلام فقال:أما ليغيبنّ حتّى يقول الجاهل:ما للّه في آل محمّد حاجة (5).

«فإن المدبر» و المراد به القائم الّذي نهى عن اليأس عنه.

«عسى أن تزل» و زاد ابن أبي الحديد «به» (6).

«إحدى قائمتيه و تثبت الاخرى» فلا يسقط .

«و ترجعا» هكذا في(المصرية)و الصواب:(فترجعا)كما في


1) 1)

2) 2) أخرجه الصدوق بطريقين في كمال الدين:325 ح 2 و [3]الكليني في الكافي 1:342 ح 26،و [4]النعماني بطريقين في الغيبه:111 [5] في صدر حديث.

3) 3) الكافي للكليني 1:341 ح 24 [6] عن الهادي عليه السّلام،و الغيبة للنعماني:124 [7] عن الرضا عليه السّلام.

4) 4) كمال الدين للصدوق:326 ح 5. [8]

5) 5) أخرجه الصدوق بطريقين كمال الدين:302 ح 9،و:303 ح 15،و [9]النعماني في الغيبة:101. [10]

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 2:189.

(ابن أبي الحديد و ابن ميثم) (1)

كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:189،لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:6 مثل المصرية.

.

«حتّى تثبتا جميعا» و لعلّ الإتيان بضمير التثنية في(ترجعا،و تثبتا)إن صحّ النقل،لعدم تعيّن الزّالّة،فيحتمل كونها كلا منهما.

و كيف كان،فعن الصادق عليه السّلام قال:المنتظر الثاني عشر هو المفرّج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد،و بلاء طويل،و جزع و خوف،فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان (2).

«ألا إنّ مثل آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله كمثل نجوم السّماء إذا خوى نجم» في(الصحاح):

خوت النجوم:إذا سقطت،و لم تمطر في نوئها (3).

«طلع نجم» مكانه قال لقيط بن زرارة:

و إنّي من القوم الّذين علمتهم إذا مات منهم سيّد قام صاحبه

نجوم سماء كلّما غاب كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكبه

لمّا مات السّجاد عليه السّلام قال محمّد بن المنكدر:ما كنت أظنّ أنّه يدع ولدا أفضل منه،حتّى رأيت ابنه محمّد بن عليّ،أردت أن أعظه فوعظني (4).

و لمّا مات الباقر عليه السّلام دخل سالم بن أبي حفصة على الصادق عليه السّلام معزّيا له،فقال له:ذهب و اللّه من كان يقول:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.فلا يسأل عمّن بينه و بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و اللّه لا يرى مثله أبدا.فقال له الصادق عليه السّلام:قال اللّه تبارك و تعالى:إنّ من عبادي من يتصدّق بشق تمرة،فاربيها كما يربي أحدكم فلوه،حتى يجعلها مثل جبل احد.فخرج سالم إلى أصحابه،فقال:ما رأيت أعجب من هذا!كنّا نستعظم قول الباقر عليه السّلام:«قال رسول اللّه»بلا واسطة.فقال


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:334 ح 5،و [1]الغيبة للنعماني:57،و [2]النقل بتقطيع.

3) 3) صحاح اللغة 6:2332 [3] مادة(خوى)،و النقل بتقطيع.

4) 4) الارشاد للمفيد:263،و [4]النقل بتصرف،و قد مرّ الحديث بتمامه في العنوان 19 من هذا الفصل.

ابنه«قال اللّه»بلا واسطة (1)

أمالي الطوسي 1:125 المجلس 5،و [1]النقل بتصرف في اللفظ.

.

و قال زيدي لإمامي من أصحاب الصادق عليه السّلام:قد مات إسماعيل الّذي كنتم تمدّون أعناقكم إليه،و جعفر شيخ كبير يموت غدا أو بعد غد،فتبقون بلا إمام.فلم يدر ما يقول له،فأخبر الصادق عليه السّلام بمقالته،فقال عليه السّلام:هيهات هيهات،أبى اللّه-و اللّه-أن ينقطع هذا الأمر حتّى ينقطع الليل و النهار،فإذا رأيته فقل له:هذا موسى بن جعفر يكبر و يزوّجه،فيولد له ولد،فيكون خلفا إن شاء اللّه (2).

و كتب ابن قياما الواقفي إلى الرضا عليه السّلام:كيف تكون إماما و ليس لك ولد؟فأجابه عليه السّلام:و ما علمك أنّه لا يكون لي ولد؟و اللّه لا تمضي الأيّام و الليالي حتّى يرزقني اللّه ولدا ذكرا،يفرّق به بين الحقّ و الباطل (3).

و قال أحمد بن محمّد:خرج عن أبي محمّد العسكري عليه السّلام حين قتل الزّبيري:هذا جزاء من اجترأ على اللّه و أوليائه،يزعم أنّه يقتلني و ليس لي عقب،فكيف رأى قدرة اللّه فيه؟قال:و ولد له ولد سمّاه«م ح م د»في سنة ستّ و خمسين و مائتين (4).

و روى الشيخ في(غيبته)-توقيعا عن الحجّة عليه السّلام إلى جماعة قالوا:إنّ أبا محمّد عليه السّلام مضى و لا خلف له-:أو ما رأيتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تأوون إليها،و أعلاما تهتدون بها من لدن آدم عليه السّلام إلى أن ظهر الماضي عليه السّلام،كلّما غاب علم بدا علم،و إذا أفل نجم طلع نجم؟فلمّا قبضه اللّه إليه ظننتم أنّ اللّه


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:657 ح 2. [2]

3) 3) الكافي للكليني 1:320 ح 4،و [3]أخرجه بعنوان المشافهة لا المكاتبة الكشي في معرفة الرجال(اختياره)553 ح 1044.

4) 4) الكافي للكليني 1:329 ح 5. [4]

تعالى أبطل دينه،و قطع السّبب بينه و بين خلقه؟كلا ما كان ذلك و لا يكون حتّى تقوم السّاعة (1)

الغيبة للطوسي:173،و [1]النقل بتقطيع.

.

«فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصّنائع» أي:نعمه الخاصّة .

«و أراكم ما تأملون» من ظهور القائم عليه السّلام،في خبر جابر الجعفي،عن الباقر عليه السّلام:كأنّي بأصحاب القائم عليه السّلام و قد أحاطوا بما بين الخافقين،فليس من شيء إلاّ و هو مطيع لهم،حتّى سباع الأرض و سباع الطير (2).

و في خبر آخر عنه عليه السّلام:إذا قام قائمنا عليه السّلام وضع يده على رءوس العباد،فجمع بها عقولهم،و كملت بها أحلامهم (3).

و عن الصّادق عليه السّلام:و إنّ الرّجل منهم ليعطى قوّة أربعين رجلا،و إنّ قلبه لأشدّ من زبر الحديد،و لو مرّوا بجبال الحديد لقلعوها... (4).

و قال ابن ميثم:وجدت له عليه السّلام-في أثناء بعض خطبه في اقتصاص ما يكون بعده-فصلا يجري مجرى الشّرح لهذا الوعد،و هو أن قال:«يا قوم اعلموا علما يقينا إنّ الّذي يستقبل قائمنا من أمر جاهليتكم ليس بدون ما استقبل الرّسول من أمر جاهليتكم-و ذلك أنّ الامّة كلّها يومئذ جاهلية-إلاّ من رحم اللّه.فلا تعجلوا فيعجل الخرق بكم،و اعلموا أنّ الرفق يمن،و في الأناة بقاء و راحة،و الإمام أعلم بما ينكر،و لعمري لينزعنّ عنكم قضاء السوء،و ليقبضنّ عنكم المرائين،و ليعزلنّ عنكم امراء الجور،و ليطهّرنّ الأرض من كلّ غاش، و ليعملنّ فيكم بالعدل،و ليقومنّ فيكم بالقسطاس المستقيم،ليتمنين أحياؤكم لأمواتكم رجعة الكرّة عمّا قليل فيعيشوا إذن،فإنّ ذلك كائن للّه،أنتم بأحلامكم


1) 1)

2) 2) كمال الدين للصدوق:673 ح 25 [2] في صدر حديث.

3) 3) كمال الدين للصدوق:675 ح 30،و [3]الكافي للكليني 1:25 ح 21. [4]

4) 4) كمال الدين للصدوق:673 ح 26. [5]

كفّوا ألسنتكم،و كونوا من وراء معايشكم،فإنّ الحرمان سيصل إليكم،و إن صبرتم و احتسبتم و ائتلفتم،إنّه طالب و تركم،و مدرك لثأركم،و آخذ بحقّكم، و اقسم باللّه قسما حقّا: «إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» (1)

شرح ابن ميثم 3:9،و [1]الآية 128 من سورة النمل. [2]

.

و روى الطبري في إسلام عدي بن حاتم:أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له:يا عدي بن حاتم إنّما يمنعك من الدخول في هذا الدين لما ترى من حاجتهم،فو اللّه ليوشكنّ المال يفيض فيهم حتّى لا يوجد من يأخذه-إلى أن قال-قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت،و رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئا حتّى تحجّ هذا البيت،و ايم اللّه لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه (2).

قلت:و لا بد أنّ فيضان المال حتّى لا يوجد من يأخذه إنّما في عصر ظهوره عليه السّلام،فروي:أنّ أصحاب الزكاة يجيئون بزكاتهم إلى المحاويج من شيعته،فلا يقبلونها فيصّرونها و يدورون في دورهم،فيخرجون إليهم فيقولون:لا حاجة لنا إلى دراهمكم-إلى أن قال-و يجتمع إليه أموال أهل الدّنيا كلّها من بطن الأرض و ظهرها،فيقول النّاس:تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام و سفكتم فيه الدّم الحرام،و ركبتم فيه المحارم،فيعطي عطاء لم يعط أحد قبله (3).

23

من الخطبة(103)

فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا- وَ لاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلاَفِهَا- إِلاَّ


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:377 سنة 9. [3]

3) 3) رواه علي بن عبد الحميد في الغيبة [4]عنه البحار 52:390 ح 212،و [5]النقل بتصرف يسير.

مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا- قَلِقاً وَضِينُهَا- قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ- وَ حَلاَلُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَ صَادَفْتُمُوهَا وَ اللَّهِ ظِلاًّ مَمْدُوداً- إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ- فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ- وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ- وَ أَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ- وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ- وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ- أَلاَ إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً- وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً- وَ إِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ- وَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ- وَ لاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ أقول:و رواه( الإرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد-ص 147 )هكذا:«الحمد للّه،و السّلام على رسول اللّه.أمّا بعد،فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رضيني لنفسه أخا،و اختصّني له وزيرا.أيّها النّاس أنا أنف الهدى و عيناه،فلا تستوحشوا من طريق الهدى لقلّة من يغشاه،من زعم أنّ قاتلي مؤمن فقد قتلني.ألا و إنّ لكل دم ثائرا يوما ما،و إنّ الثائر في دمائنا،و الحاكم في حقّ نفسه،و حقّ ذوي القربى و اليتامى و المساكين،و ابن السّبيل الّذي لا يعجزه ما طلب لا يفوته من هرب، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (1)

الشعراء:227. [1]

و اقسم باللّه الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لتنتحرنّ عليها يا بني امية و لتعرفنّها في أيدي غيركم،و دار عدوكم عمّا قليل و ستعلمنّ نبأه بعد حين (2).

و رواه القمي في( تفسيره القمي-تفسير القمي-ج 1 ص 384 )مسندا عن الصّادق عليه السّلام هكذا:«قال:خطب أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ما بويع بخمسة أيّام،فقال فيها:و اعلموا أنّ لكلّ حقّ طالبا،و لكلّ دم ثائرا،و الطالب بحقّنا كقيام الثائر بدمائنا،و الحاكم في حقّ


1) 1)

2) 2) الارشاد للمفيد:147. [2]

نفسه هو العادل الّذي لا يحيف،و الحاكم الذي لا يجور،و هو اللّه الواحد القهّار.

و اعلموا أنّ على كلّ شارع بدعة و زره و وزر كلّ مقتد به من بعده،من غير أن ينتقص من أوزار العاملين شيء ...» (1)

تفسير القمي 1:384. [1]

.

«فما احلولت» أي:ما صار حلوا،قال الجوهري:حلا الشيء يحلو حلاوة، و احلولى مثله (2).

«لكم الدّنيا في لذّتها» و مذاقها .

«و لا تمكنتم من رضاع» مصدر رضع الصّبي امّه،و قولهم:لئيم راضع.

أصله رجل كان يرضع إبله أو غنمه،و لا يحلبها لئلاّ يسمع صوت حلبه فيطلب منه.

«أخلافها» الأخلاف:جمع الخلف بالكسر،و في(الصحاح):الخلف:حلمة ضرع النّاقة،القادمان و الآخران (3).

قال ابن أبي الحديد:الخطاب لمن في عصره من الصحابة و التابعين (4).

و قال ابن ميثم:لبني امية و نحوهم (5).

و الأوّل أصح لأنّ صيرورة الدّنيا حلوا لهم،و تمكنهم من رضاع ثديها إنّما كان من زمن الأوّلين،و إنّما نال بنو اميّة ما نالوا بواسطتهم .

«إلاّ من بعد ما» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(إلاّ من بعده)،أي:بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (6).


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 6:2317 [2] مادة(حلو).

3) 3) صحاح اللغة 4:1353 [3] مادة(خلف).

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:201.

5) 5) شرح ابن ميثم 3:25.

6) 6) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:200 و [4]شرح ابن ميثم 3:23 [5] مثل المصرية أيضا.

قال ابن أبي الحديد:فصانه اللّه تعالى في أيّام حياته عن أن يفتح عليه الدّنيا،و أكرمه عن ذلك،فلم يفتح عليكم البلاد،و لا درّت عليكم الأموال،و لا أقبلت الدّنيا نحوكم،و ما دالت الدولة لكم،إلاّ من بعده (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:201. [1]

.

خطب عتبة بن غزوان في إمارته البصرة من قبل عمر-و هو الّذي اختطّ البصرة-فقال:و لقد رأيتني سابع سبعة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد تسلقت أفواههم من أكل الشجر،و لقد رأيتنا أنا و سعد استبقنا بردة فاشتققناها، فأخذت أنا نصفها و سعد نصفها،و اليوم ما منّا رجل إلاّ و قد أصبح أميرا على مصر،و لقد بلغني أنّه لم تكن نبوّة إلاّ و سننسخ ملكا.

و لمّا هزم خالد بن الوليد عجم البسط،و كانوا بسطوا البسط،و صفّوا الأطعمة فلم يمهلهم،و وقف على طعامهم فقعدوا عليه،و جعل من لم ير الأرياف،و لا يعرف الرّقاق يقول:ما هذه الرّقاق البيض؟و جعل من قد عرفها يجيبهم،و يقول لهم مازحا:هل سمعتم برقيق العيش؟فيقولون:نعم.فيقول:

هو هذا.فسمّي الرّقاق،قال الطبري:و كانت العرب تسمّيه القرى (2).

«صادفتموها» أي:وجدتموها .

«جائلا» من الجولان.

«خطامها» أي:زمامها .

«قلقا» أي:مضطربا.

«وضينها» قال الجوهري:الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب، و التصدير للرحل،و الحزام للسّرج (3).


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 2:562 سنة 12. [2]

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 6:2214 [3] مادة(وضن).

«قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السّدر المخضود» من:خضدت الشجر:

قطعت شوكه،فهو خضيد و مخضود.فيسهل عليه تناول ثمره .

«و حلالها بعيدا غير موجود» لعدم ورع في النّاس يتّقون من الحرام.

قال ابن أبي الحديد و في شرح قوله عليه السّلام: «صادفتموها» إلى هنا:

ذكر عليه السّلام أنّهم صادفوها-يعني الدّنيا-و قد صعبت على من يليها ولاية حقّ، كما تستصعب النّاقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام،ليس زمامها يمكّن راكبها من نفسه،قلقة الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب.حرامها سهل التناول على من يريده،كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعما أملس، و حلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه،و كونه صار مغمورا مستهلكا بالنسبة،و هذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر،و أنّه كان الأولى و الأحقّ (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:201. [1]

.

قلت:ما قاله من أنّه عليه السّلام كان دائما يقول باستبدادهم حقّ،و تأويل أصحابه له باطل،لكن الظاهر أنّ كلامه عليه السّلام ليس في هذا المقام،بل في مقام أنّ الدّنيا إنّما فتحت على المتقدّمين عليه بفتح فارس و الرّوم،حيث إنّ الدّنيا صارت متزلزلة بأولئك و زال اقتدارهم،و كانوا مشغولين بالنهب و السلب، و لم يتمكّن أمراؤهم من ردعهم،و إنّما كان من دولتهم مجرّد اسم و محض صورة،كما لا يخفى على من راجع السير .

«و صادفتموها و اللّه ظلا ممدودا إلى أجل معدود» قال ابن أبي الحديد:

ذكر عليه السّلام أنّ الدّنيا فانية،و أنّها ظل ممدود إلى أجل معدود (2).

و قال ابن ميثم:كنّى بذلك عن زوالها بعد حين تهديدا لهم به (3).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:201. [2]

3) 3) شرح ابن ميثم 3:26.

قلت:و في ما قالاه:أوّلا:إنّه لو كان المعنى ما ذكراه،لم يكن الكلام محتاجا إلى قوله: «و صادفتموها» ،و كان يقول:و إنّها و اللّه ظل ممدود إلى أجل معدود.

و ثانيا:إنّه لا يناسب الظّل الممدود الفناء و الزّوال،بل الظلّ الزّائل كما قالوا:

إنّما الدّنيا كظلّ زائل

كيف و الظّل الممدود ورد في وصف نعيم الجنّة؟قال تعالى: «وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ» (1)

الواقعة:30. [1]

.

و ثالثا:إنّه لا يناسب سياق الكلام سابقه و لاحقه،و الظاهر بشهادة السّوق أنّ المراد:أنّهم صادفوا الدّنيا بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله مصفّى العيش مدّة مديدة .

«فالأرض لكم شاغرة» يقال:شغر الرّجل المرأة.أي:رفع رجلها للنكاح، و الظّاهر أنّ المراد أنّ الأرض كانت لكم شاغرة كشغر رجل المرأة للرجل.

قالوا:لمّا فتح موسى بن نصير الأندلس غنموا من الذهب و الفضة حتى نعلوا دوابهم بمسامير الذهب و الفضة.و لما ضربوا الأوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنايسها لم تلج،فنظروا فإذا بصفايح الذهب و الفضّة خلف بلاط الرّخام.و لمّا فتح طليطلة،وجد فيها بيتا كان فيه أربعة و عشرون تاجا من ملوك الأندلس،كلّما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت،و كتب على التّاج اسم صاحبه و ابن كم هو،و يوم ولي و يوم مات.و وجدوا أيضا مائدة عليها اسم سليمان بن داود،و ليس لها أرجل قاعدتها منها،و كانت من ذهب و فضّة خليطين،فهي تتلوّن صفرة و بياضا،مطوّقة بثلاثة أطواق:طوق لؤلؤ،و طوق


1) 1)

ياقوت،و طوق زمرد.و دلّهم رجل على كنز فنزلوا فيه،فسال عليهم من الزّبرجد و الياقوت ما لم يروا مثله قط،و أمّا الذّهب و الفضّة و المتاع فلم يكن يحصيه أحد (1)

الكامل لابن الأثير 4:564-566 سنة 92،و النقل بالمعنى.

.

«و أيديكم فيها مبسوطة» تفعلون ما تشاءون .

«و أيدي القادة» من اللّه.

«عنكم مكفوفة» أي:مشدودة .

«و سيوفكم عليهم مسلّطة» فتقتلونهم .

«و سيوفهم عنكم مقبوضة» فلا يستطيعون القصاص منكم،روى (الروضة):عن الصادق عليه السّلام قال:إنّ اللّه عزّ و جلّ أعفى نبيّكم أن يلقى من امته ما لقيت الأنبياء من اممها،و جعل ذلك علينا (2).

و في(تاريخ اليعقوبي):أنّه لما قتل يوسف بن عمر زيد بن عليّ بن الحسين أحرق جسده،و ذرى نصفه في الفرات،و نصفه في الزّرع،و قال:و اللّه يا أهل الكوفة لأدعنّكم تأكلونه في طعامكم،و تشربونه في مائكم (3).

و في(عيون ابن بابويه):دخل دعبل الخزاعي على الرّضا عليه السّلام بمرو، فقال له:يابن رسول اللّه إنّي قد قلت فيك قصيدة،و آليت على نفسي ألاّ انشدها أحدا قبلك.فقال:هاتها.فأنشده:

مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات

إلى أن قال:

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم أكفّا عن الأوتار منقبضات


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 8:252 ح 352 كتاب الروضة. [1]

3) 3) تاريخ اليعقوبي 2:326. [2]

جعل ابو الحسن عليه السّلام يقلّب كفّيه و يقول:أجل و اللّه منقبضات (1)

عيون اخبار الرضا 2:267 ح 34. [1]

.

و قال ابن أبي الحديد:أعاد الشكوى و التألّم فقال:«و أيديكم في الدّنيا مبسوطة-إلى-و سيوفهم مقبوضة»،و كأنّه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين عليه السّلام و أهله،كأنّه يشاهد ذلك عيانا (2).

قلت:بل أشار إلى إرادة قتلهم له يوم السّقيفة،و يوم الشّورى لو لم يبايع،قال ابن قتيبة في قصّة السقيفة:و بقي عمر و معه قوم،فأخرجوا عليّا فمضوا به إلى أبي بكر،فقالوا له:بايع.فقال:إن أنا لم أفعل فمه؟قالوا:إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.قال:إذن تقتلون عبد اللّه،و أخا رسوله.قال عمر:أمّا عبد اللّه فنعم،و أمّا أخو رسوله فلا (3).

و قال في يوم الشورى:خرج عبد الرّحمن(ابن عوف)إلى المسجد، فجمع النّاس،فحمد اللّه و أثنى عليه،ثمّ قال:إنّي نظرت في أمر النّاس،فلم أرهم يعدلون بعثمان،فلا تجعل يا عليّ سبيلا إلى نفسك فإنّه السّيف لا غير.ثمّ أخذ بيد عثمان فبايعه (4).

و كان حقّ الكلام أن يقول:أشار إلى إرادة قتل الأوّلين له لو لم يبايعهم، و إرادة قتل طلحة و الزّبير و عايشة له عليه السّلام و لابنيه الحسن و الحسين عليهما السّلام لو ظفروا بذلك يوم الجمل،و إلى قتل معاوية للحسن عليه السّلام،و ابنه للحسين عليه السّلام، و قتل باقي بني امية و العبّاسية لباقي أهل بيته و شيعتهم.

قال الباقر عليه السّلام-و قد نقله ابن أبي الحديد في عنوان اختلاف الخبر- لبعض أصحابه:يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيّانا،و تظاهرهم علينا،و ما


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:201. [2]

3) 3) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:13. [3]

4) 4) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:27. [4]

لقي شيعتنا و محبّونا من الناس!إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قبض،و قد أخبر أنّا أولى النّاس بالنّاس،فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه،و احتجّت على الأنصار بحقّنا و حجّتنا-إلى أن قال-ثمّ لم نزل أهل البيت نستذل، و نستضام،و نقصى،و نمتهن،و نحرم،و نقتل،و نخاف،و لا نأمن على دمائنا و دماء أوليائنا،و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعا يتقرّبون به إلى أوليائهم،و قضاة السوء و عمّال السوء في كلّ بلدة،فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة،و رووا عنّا ما لم نقله،و ما لم نفعله ليبغّضونا إلى الناس،و كان عظم ذلك و كبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السّلام،فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة،و قطعت الأيدي و الأرجل على الظّنة، و كان من يذكر بحبّنا و الانقطاع إلينا سجن،أو نهب ماله،أو هدمت داره... (1)

رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3:15،شرح الخطبة 208.

.

و في زيارة لهم عليهم السّلام رواها عليّ بن طاوس:يا مواليّ فلو عاينكم المصطفى،و سهام الامّة مغرقة في أكبادكم،و رماحهم مشرعة في نحوركم،و سيوفها مولغة في دمائكم،يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم،و غيظ الكفر من إيمانكم،و أنتم بين صريع في المحراب قد فلق السّيف هامته،و شهيد فوق الجنازة قد شكّت أكفانه بالسّهام،و قتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه،و مكبّل في السجن قد رضّت بالحديد أعضاؤه، و مسموم قد قطعت بجرع السّم أمعاؤه،و شملكم عباديد تفنيهم العبيد،و أبناء العبيد (2).

ثمّ أيّ شيء يفيده تخصيصه كلامه عليه السّلام بقتل الحسين عليه السّلام،مع أنّ المؤسّس ليزيد لم يكن إلاّ صدّيقهم و فاروقهم،كما كان لأبيه؟


1) 1)

2) 2) نقله ابن طاوس في مصباح الزائر و [1]صاحب المزار الكبير فيه عنهما البحار 102:169 [2] ضمن زيارة جامعة.

فروى(مروج المسعودي)،و(صفين نصر)،و غيرهما:أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية:كيف تقاتل عليّا عليه السّلام و هو وليّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنت عدوّه؟فأجابه بأنّه اقتدى في ذلك بأبيه الصدّيق و صديقه الفاروق (1)

مروج الذهب للمسعودي 3:12،و [1]وقعة صفين لابن مزاحم:119 و أنساب الأشراف للبلاذري 2:396. [2]

.

و روى(أنساب البلاذري:أنّ ابن عمر كتب إلى يزيد يطعن فيه لما قتل الحسين عليه السّلام فأجبه بأنّه أسس له ذلك أبوه الفاروق (2).

و في(بلاغات نساء البغدادي)قالت زينب:و سيعلم من بوّأك و مكّنك من رقاب المؤمنين (3).

نعم قتل الحسين عليه السّلام كان أظهر مصاديق كلامه،و أشهر شنائع قريش أعداء أهل البيت.و في(معجم الحموي):قال دعبل فيه عليه السّلام:

رأس ابن بنت محمّد و وصيّه يا للرّجال على قناة ترفع

و المسلمون بمنظر و بمسمع لا جازع من ذا و لا متخشّع (4)

و في(الأغاني):قال دعبل:

و ليس حيّ من الأحياء نعلمه من ذي يمان و من بكر و من مضر

إلاّ و هم شركاء في دمائهم كما تشارك ايسار على جزر

قتل و أسر و تحريق و منهبة فعل الغزاة بأرض الرّوم و الخزر (5)

و في(معجم الحموي):قال نصر اللّه بن مجلى:رأيت في المنام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقلت له:يا أمير المؤمنين تفتحون مكّة فتقولون:من دخل دار


1) 1)

2) 2) رواه عن أنساب الأشراف ابن طاوس في الطرائف 1:247 ح 348، [3]لكن لم يوجد في ترجمة الإمام الحسين عليه السّلام،و لا في ترجمة يزيد في أنساب الأشراف.

3) 3) بلاغات النساء للبغدادي:36. [4]

4) 4) معجم الادباء للحموي 11:110. [5]

5) 5) الأغاني لأبي الفرج 20:180.

أبي سفيان فهو آمن.ثمّ يتمّ على ولدك الحسين يوم الطّف ما تم؟فقال:أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟فقلت:لا.فقال:اسمعها منه.فلمّا استيقظت، بادرت إلى دار الحيص بيص،فخرج إليّ،فذكرت له الرؤيا فأجهش بالبكاء، و حلف باللّه أنّه ما سمعها منه أحد،و أنّه نظمها في ليلته هذه،ثمّ أنشدني:

ملكنا فكان العفو منّا سجية فلمّا ملكتم سال بالدّم أبطح

و حلّلتم قتل الاسارى و طالما غدونا عن الأسرى نعفّ و نصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا و كلّ إناء بالّذي فيه ينضح (1)

معجم الادباء للحموي 11:206. [1]

و في(المعجم)أيضا:قال ابن وصيف الناشي:

بني أحمد قلبي لكم يتقطّع بمثل مصابي فيكم ليس يسمع

إلى أن قال:

عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم و يسطو عليكم من لكم كان يخضع

كأنّ رسول اللّه أوصى بقتلكم و أجسامكم في كلّ أرض توزّع (2)

و في(معجم الحموي)أيضا:كان الخالع في المسجد الذي بين الوراقين و الصّاغة في بغداد،و المسجد غاصّ بالنّاس،و إذا رجل قد وافى و عليه مرقعة، و في يده سطيحة و ركوة،و معه عكاز،و هو شعث،فسلّم على الجماعة بصوت يرفعه،ثمّ قال:أنا رسول فاطمة الزّهراء عليها السّلام.فقالوا:مرحبا بك و أهلا، و رفعوه.فقال:أتعرّفون لي أحمد المزّوق النّائح؟فقالوا:ها هو جالس.فقال:

رأيت مولاتنا في النوم.فقالت لي:امض إلى بغداد و اطلبه،و قل له:نح على ابني بشعر النّاشي الّذي يقول فيه:

بني أحمد قلبي لكم يتقطّع بمثل مصابي فيكم ليس يسمع


1) 1)

2) 2) معجم الادباء للحموي 13:292. [2]

و كان النّاشي حاضرا فلطم لطما عظيما على وجهه،و تبعه أحمد المزّوق،و النّاس كلّهم،و كان أشد النّاس في ذلك النّاشي المزوق،ثمّ ناحوا بتلك القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى النّاس الظهر و تقوّض المجلس، و جهدوا بالرّجل أن يقبل شيئا منهم،فقال:و اللّه لو اعطيت الدّنيا ما أخذتها، أكون رسول مولاتي ثمّ آخذ عوضا؟! (1)

معجم الادباء للحموي 13:292. [1]

.

و في(الطبري):لمّا أتي المختار بعبد اللّه بن أسيد الجهني،و مالك بن النّسير البديّ،و حمل بن مالك المحاربي،قال لهم:يا أعداء اللّه قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة؟فأمر بقطع يدي البديّ و رجليه،و ترك في نزف دمه حتّى يموت،لكونه صاحب برنس الحسين عليه السّلام،و قتل الآخرين بالسيف (2).

و في(فواتح الميبدي)ينسب إلى أبي حنيفة هذه الأبيات:

حبّ اليهود لآل موسى ظاهر و ولاؤهم لبني أخيه باد

و إمامهم من نسل هارون الالى بهم اقتدوا و لكلّ قوم هاد

و كذا النّصارى يكرمون محبة لمسيحهم نجرا من الأعواد

و متى توالى آل أحمد مسلم قتلوه أو سمّوه بالإلحاد

هذا هو الدّاء العياء لمثله ضلّت حلوم حواضر و بواد

لم يحفظوا حقّ النّبيّ محمّد في آله و اللّه بالمرصاد (3)

قلت:يقال لقائل الأبيات:هذا الداء العياء من أئمتكم،أليس فاروقكم دبّر الأمر لعثمان رئيس بني امية أعداء النّبيّ،و أعداء أهل بيته،و أعداء دينه حتّى يفعلوا ما فعلوا؟


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:529 سنة 66،و [2]النقل بالمعنى.

3) 3) فواتح الميبدي:198.

و ضلال حلوم حاضريهم و باديهم في محلّه،لأنّ دينهم دين متناقض و متضاد،و مثله محال في العقول .

«ألا إنّ لكلّ دم ثائرا،و لكلّ حقّ طالبا،و إنّ الثائر في دمائنا» في(الصحاح):

الثائر:الّذي لا يبقي على شيء حتّى يدرك ثاره،و يقال أيضا:هو ثاره:أي قاتل حميمه،قال جرير:

قتلوا أباك و ثاره لم يقتل

و قولهم:يا ثارات فلان.أي:يا قتلة فلان (1)

صحاح اللغة 2:603 [1] مادة(ثأر).

.

و في(الأساس):ثأرت حميمي و بحميمي،إذا قتلت قاتله،فعدوّك مثؤور،و حميمك مثئور به،قال قيس بن الخطيم:

و ثارت عديّا و الخطيم فلم أضع وصية أشياخ جعلت إزاءها

و ثاري عند فلان:أي:ذحلي.و جمع الثار الّذي هو معنى فقيل:«يا لثارات الحسين»اريد:تعالين يا ثاراته،أي:يا ذحوله،فهو أو ان طلبكنّ (2).

«كالحاكم في حقّ نفسه،و هو اللّه الذي لا يعجزه من طلب» كائنا من كان .

«و لا يفوته من هرب» في أي مكان كان.

و في رواية الحسين بن ثوير:عن الصادق عليه السّلام في زيارة الحسين عليه السّلام:

السّلام عليك يا قتيل اللّه و ابن قتيله،السّلام عليك يا ثار اللّه و ابن ثاره (3).

و روى(العقد الفريد)مسندا عن الزّهري قال:خرجت مع قتيبة اريد المصيصة،فقدمنا على عبد الملك،فإذا هو قاعد في إيوان له و إذا سماطان من الناس على باب الإيوان،فإذا أراد حاجة قالها للّذي يليه حتّى تبلغ المسألة باب


1) 1)

2) 2) أساس البلاغة للزمخشري:42 [2] مادة(ثأر)،و النقل بتقطيع.

3) 3) الكافي للكليني 4:576 ح 2 و [3]كامل الزيارات لابن قولويه:199 ح 2 [4] ضمن زيارة طويلة.

الايوان،و لا يمشي أحد بين السّماطين.قال الزهري فجئنا فقمنا على باب الايوان،فقال عبد الملك للّذي عن يمينه:هل بلغكم أيّ شيء أصبح في بيت المقدس ليلة قتل الحسين بن عليّ عليه السّلام؟-إلى أن قال-قال الزهري:فدعيت فمشيت بين السّماطين و انتسبت له،و قلت:حدّثني فلان:أنّه لم يرفع تلك الليلة -التي صبيحتها قتل الحسين بن علي بن أبي طالب-حجر في بيت المقدس إلاّ وجد تحته دم عبيط.قال عبد الملك:صدقت حدّثني الّذي حدّثك،و إنّي و إيّاك في هذا الحديث لغريبان (1)

العقد الفريد لابن عبد ربه 5:126،و [1]النقل بتقطيع.

.

و في باب نقش خواتيم(الكافي)عن أبي الحسن عليه السّلام:كان على خاتم عليّ بن الحسين عليه السّلام:خزي و شقي قاتل الحسين بن عليّ عليه السّلام (2).

و روى(مجالس ثعلب)في أوائل ثانيه مسندا عن السّدي قال:أتيت كربلا أبيع البز بها،فعمل لنا شيخ من طيّ طعاما فتعشينا عنده،فذكرنا قتل الحسين عليه السّلام،فقلت:ما شرك في قتله أحد إلاّ مات بأسوء ميتة.فقال:ما أكذبكم يا أهل العراق!فأنا في من شرك في ذلك.فلم نبرح حتّى دنا من المصباح و هو يتّقد بنفط،فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه،فأخذت النّار فيها، فأخذ يطفئها بريقه،فأخذت النّار في لحيته،فعدا فألقى نفسه في الماء فرأيته كأنّه حممة (3).

و روى الطبري في(ذيله)عن شيخ من النّخع قال:قال الحجاج:

من كان له بلاء فليقم.فقام قوم،فذكروا،و قام سنان بن أنس،فقال:

أنا قاتل الحسين.فقال:بلاء حسن،و رجع إلى منزله.فاعتقل لسانه،و ذهب


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 6:473 ح 6. [2]

3) 3) مجالس ثعلب 2:407.

عقله.فكان يأكل و يحدث مكانه (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:25. [1]

.

و من العجب أنّهم وثّقوا عمر بن سعد قاتل سيّد شباب أهل الجنّة،و من شهد اللّه بطهارته،و بكونه ابن الرّسول،و من باهل به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله!نقل توثيقه تهذيب المزّي عن أحمد بن عبدون العجلي (2).

و أغرب أنّهم جعلوا قتله حقّا!فعن ابن حجر في شرح القصيدة الهمزية:

قال ابن المالكي:ما قتل الحسين إلاّ بسيف جدّه (3).

و من العجب أنّهم يرون شيعتهم شرّا من الكفّار!ففي(الطبري):أنّ معاوية بن قرة المزني قاضي البصرة أدخل سنان رمحه في عين رجل من عسكر المختار بعد هزيمتهم،و أخذ يخضخض عينه بسنان رمحه،و يقول:

هم أحل دما من الترك و الديلم (4).

و لا غرو في ذلك بعد معاملتهم مع حجج اللّه ما عاملوا.

و روى أبو الفرج في(مقاتله):أنّ عيسى بن موسى ولي عهد المنصور الّذي قتل محمّدا و إبراهيم لمّا قدم،قال جعفر بن محمّد عليه السّلام:أهو هو؟قيل:من تعني يا أبا عبد اللّه؟قال:المتلعب بدمائنا و اللّه لا يحلأ منها بشيء (5).

قلت:أشار عليه السّلام إلى خلعه.

و في(مروج المسعودي)في يحيى بن عمر الطالبي الّذي قتل في سنة (250)أيّام المستعين،و حمل رأسه إلى بغداد،و دخل النّاس إلى ابن طاهر يهنّئونه بالفتح،قال أبو هاشم الجعفري:


1) 1)

2) 2) تهذيب التهذيب لابن حجر 7:450،لكن تهذيب الكمال للمزّي لم أظفر على نسخته.

3) 3) لم أظفر بمصدر نقله.

4) 4) تاريخ الطبري 4:561 سنة 67،و [2]النقل بالمعنى.

5) 5) المقاتل لأبي الفرج:184،423.

يا بني طاهر كلوه و بيا إنّ لحم النّبيّ غير مري

إنّ وترا يكون طالبه اللّه لوتر بالفوت غير حري (1)

مروج الذهب للمسعودي 4:64،181. [1]

و في(مقاتل أبي الفرج)أيضا في يحيى ذاك:قال أبو هاشم الجعفري لمحمّد بن عبد اللّه طاهر:قد جئتك مهنّئا بما لو كان رسول اللّه حيّا لعزّي به.

قال:و أمر محمّد بن عبد اللّه حينئذ اخته و نسوة من حرمه بالشّخوص إلى خراسان،و قال:إنّ هذه الرءوس من قتلى أهل هذا البيت،لم تدخل بيت قوم قطّ إلاّ خرجت منه النّعمة،و أزالت عنه الدّولة (2).

و كتب عبد الملك إلى الحجّاج:أمّا بعد،فجنّبني دماء بني عبد المطلب، فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا و لعوا فيها لم يلبثوا بعدها إلاّ قليلا.

و روى المسعودي عن ابن الغنوي عن ابن أبي عباد الجليس قال:رأى المعتضد باللّه-و هو في سجن أبيه-كأنّ شيخا جالسا على دجلة،يمدّ يده إلى ماء دجلة فيصير في يده و تجفّ دجلة،ثمّ يردّه من يده،فتعود دجلة كما كانت، فسأل عنه.فقيل له:هذا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.فقام إليه و سلّم عليه.فقال:يا أحمد إنّ هذا الأمر صائر إليك فلا تتعرّض لولدي و لا تؤذهم.فقال:السّمع و الطاعة يا أمير المؤمنين (3).

24

من الخطبة(164)

أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ- وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ- لَم يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ- وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ


1) 1)

2) 2) المقاتل لأبي الفرج:184،423.

3) 3) مروج الذهب للمسعودي 4:64 و 181. [2]

لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ؟بَنِي إِسْرَائِيلَ؟- وَ لَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً- بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ- وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ- سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ ؟الرَّسُولِ؟ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاِعْتِسَافِ- وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ أقول:رواه الكليني في( كافيه الكليني-الكافي-ج 8 ص 66 كتاب الروضة ضمن خطبة )و زاد قبله:«أيّها النّاس إنّ المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير » (1)

رواه الكليني في الكافي 8:66 كتاب الروضة ضمن خطبة. [1]

.

«أيّها النّاس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ» تخاذل النّاس بعد نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله عن نصر الحقّ،نصر أهل بيته،فاستشفع نساء أمير المؤمنين عليه السّلام إليهم بسيّدة نساء العالمين،التي قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيها بإقرار الأوّل و الثاني كما نقله ابن قتيبة:«رضا فاطمة من رضاي،و سخط فاطمة من سخطي،فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني،و من أرضى فاطمة فقد أرضاني،و من أسخط فاطمة فقد أسخطني» (2)فلم ينجع.

ففي(خلفاء ابن قتيبة):و خرج عليّ كرّم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على دابة ليلا في مجالس الأنصار،تسألهم النصرة،فكانوا يقولون:يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرّجل،و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.فيقول عليّ كرّم اللّه وجهه:أ فكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بيته لم أدفنه،و أخرج انازع النّاس بسلطانه؟فقالت فاطمة:

ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له،و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم (3).


1) 1)

2) 2) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:14. [2]

3) 3) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:12. [3]

«و لم تهنوا» أي:تضعفوا.

«عن توهين» أي:تضعيف.

«الباطل» خرجت عايشة عليه عليه السّلام-و قد قال تعالى لها: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» (1)

الاحزاب:33. [1]

.و قال تعالى فيها و في صاحبتها حفصة: «وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ» (2).و ضرب عزّ و جلّ لهما،رامزا بكفرهما باطنا،مثلا باعتراف عمر كما في(الكشّاف)في قوله جلّ و علا:

«ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ» (3)-فتبادر إلى نصرها آلاف و كانوا يقولون:

يا أيّها الناس عليكم امّكم فإنّها صلاتكم و صومكم

و كانوا يشمّون بعر جملها و يقولون:ريح بعره أطيب من المسك.

و كذلك طلحة و الزّبير حاصرا عثمان حتّى قتل،و كان عليه السّلام عن ذلك بمعزل، فخرجا عليه عليه السّلام بطلب ثاره،فقتلا آلافا من عباد اللّه الصالحين،و كان بطلان دعواهما و دعوى عايشة من الوضوح بمثابة أنكرها مثل المغيرة بن شعبة، الذي كان منافقا،و كان أوّل من أمر بسبّه عليه السّلام مقيما خطباء في ذلك ليسرّ معاوية،ففي(خلفاء ابن قتيبة)لمّا نزل طلحة و الزّبير و عايشة بأوطاس،قال المغيرة:أيّها النّاس إن كنتم إنّما خرجتم مع امّكم فارجعوا بها خيرا لكم،و إن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان،و إن كنتم نقمتم على عليّ شيئا


1) 1)

2) 2) رواه من طرق كثيرة السيوطي في الدر المنثور 6:239-241 و [2]الفيروز آبادي في السبعة من السلف:135-143. و الآية 4 من سورة التحريم.

3) 3) الكشاف للزمخشري 4:563،و [3]الآية 10 من سورة التحريم. [4]

فبيّنوا ما نقمتم عليه (1)

الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:63. [1]

.

«لم يطمع فيكم من ليس مثلكم،و لم يقو من قوي عليكم» من بني اميّة أيّام عثمان،فإنّ استيلاء الأراذل على النّاس أثر قهري لرذيلة خذلان الحقّ و نصر الباطل،قالوا:كان ابن عمر يبغض سلمان رحمه اللّه لمّا رآه يوم السقيفة يقول:

«كرديد و نكرديد».فلمّا رأى مروان-عدوّ الإسلام-على منبر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،قال:

رحم اللّه سلمان قال ما قال بعلم (2).

و لو كانوا لم يتخاذلوا عن منع الأوّل و الثاني لم يطمع فيه الثّالث،و لو لم يكن الثالث لم يطمع فيه معاوية،اللعين بن اللعين على لسان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و المحارب له إلى أن أسلم كرها،فاستسلم و لم يسلم،و لو لم يكن معاوية لم يطمع فيه السكّير القمّير القردي يزيد،و لو لم يكن هو لم يطمع فيه بنو مروان طريد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الشجرة الملعونة في القرآن.و لذا قال النظام في جواب كلام عبد الملك،الّذي قرأه في السير في وصف نفسه:«إنّه ليس الخليفة الضعيف-يعني عثمان-و لا المداهن-يعني معاوية-و لا المافون-يعني يزيد»-:أيّها الرجل لو لم يكن اولئك كنت أبعد من الخلافة من الثّرى إلى الثريا .

«لكنّكم تهتم» أي:تحيّرتم.

«متاه بني إسرائيل» قال ابن أبي الحديد:جاء في المسانيد الصحيحة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النّعل بالنّعل،و القذة بالقذة حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه.فقيل:يا رسول اللّه اليهود و النصارى؟ قال:فمن إذن (3)؟


1) 1)

2) 2) الشافي للمرتضى عنه الفتن من البحار:76،و الاحتجاج للطبرسي:76.

3) 3) رواهما ابن أبي الحديد في شرحه 2:470.

قال:و من الأخبار الصحيحة أيضا أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود و النصارى (1)

رواهما ابن أبي الحديد في شرحه 2:470.

؟ و في(صحيح البخاري و مسلم):أنّه سيجاء يوم القيامة باناس من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال،فإذا رأيتهم اختلجوا دوني قلت:أي ربّ أصحابي.

فيقال لي:إنّك لا تدري ما عملوا بعدك.فأقول ما قال العبد الصالح: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (2).

قال:و في(الصحيحين)أيضا:عن زينب بنت جحش قالت:استيقظ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوما من نومه محمرّا وجهه و هو يقول:لا إله إلاّ اللّه،ويل للعرب من شرّ قد اقترب!فقلت:يا رسول اللّه أ نهلك و فينا الصّالحون؟فقال:نعم إذا كثر الخبيث (3).

قال:و في(الصحيحين)أيضا:يهلك امّتي هذا الحي من قريش.قالوا:يا رسول اللّه فما تأمرنا؟قال:لو أنّ النّاس اعتزلوهم (4).

قلت:لم يذكر المراد من هذه الأخبار،و الخبر الأخير يوضّح أنّه صلّى اللّه عليه و آله أشار إلى يوم السقيفة،فإنّه مشتمل على أنّ قريشا تهلك امّته،و كان الثاني استند في تقديم الأوّل إلى أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:الأئمّة من قريش (5).


1) 1)

2) 2) صحيح البخاري 4:221،و صحيح مسلم 4:1793-1800 ح 26-29،32،40،و رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرحه 2:470،و الآية 117 من سورة المائدة. [1]

3) 3) أخرجه البخاري بطريقين في صحيحه 4:222،233،و مسلم بأربع طرق في صحيحه 4:2207،2208 ح 1،2، و رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرحه 2:470.

4) 4) أخرجه البخاري في صحيحه 4:222،و مسلم بطريقين في صحيحه 4:2236 ح 74،و رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرحه 2:470.

5) 5) رواه الشريف الرضي في ضمن خطبة في نهج البلاغة 2:27 الخطبة 142 عن عليّ عليه السّلام،و للحديث طرق كثيرة.

فإن قيل:فلعلّه صلّى اللّه عليه و آله أشار إلى بني امية،فإنّهم أيضا كانوا من قريش.

قلت:نعم.لكن إنّما يعبّر باسمهم الخاص كبني هاشم،و إنّما يعبّر عن الأوّلين بقريش لعدم شهرة تيم وعدي.

و لقد أفصح أمير المؤمنين عليه السّلام عن أنّ مراد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم السقيفة في جعلهم في تقديم الأوّل كمتبعي العجل،ففي(خلفاء ابن قتيبة):و لمّا أحضروا عليّا للبيعة لحق بقبر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يصيح و ينادي «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي» (1)

الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:13،و [1]الآية 150 من سورة الأعراف. [2]

.

و أوضح من ذلك كلمات سيّدة النّساء صلوات اللّه عليها و خطبها في ذلك (2).

«و لعمري ليضعّفنّ لكم التّيه من بعدي أضعافا بما» ليست كلمة(بما)في (ابن ميثم و الخطيّة ) (3).

«خلّفتم الحقّ وراء ظهوركم،و قطعتم الأدنى و وصلتم الأبعد» قال(ابن أبي الحديد):يعني بالأدنى نفسه،و وصلكم الأبعد يعني معاوية (4).

قلت:فكما معاوية أبعد منه عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كذلك صدّيقهم و فاروقهم،فلم حمل اللفظ العام جزافا و اتّباعا للهوى على معنى خاص،مع أنّ معاوية كان أقرب إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الأوّل و الثاني،فإنّه و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من بني عبد مناف،و أين من ذلك تيم وعدي؟و لمّا أراد عمر نفسه يوم الشورى إشراك عثمان مع أمير المؤمنين عليه السّلام-مع كونهما من حيث العمل كالنّور و الظلمة،و الحي و الميّت-قال مغالطة:إنّهما من بني عبد مناف.ليقرّب جعله


1) 1)

2) 2) مرّ تخريج خطبتيها المعروفتين في العنوان 11 من الفصل الأوّل.

3) 3) لفظ شرح ابن ميثم 3:316 [3] مثل المصرية أيضا.

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:470. [4]

رديفا له عليه السّلام.و ما يفعل ابن أبي الحديد بقوله عليه السّلام-لما سمع احتجاج الرّجلين في قبال الأنصار بأنّهما من قومه قريش-:«احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة» (1)

رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 1:116 الخطبة 65.

.

و لعمر اللّه،لقد صدق-صلوات اللّه عليه-في تضعيف التّيه لهم أضعافا على بني إسرائيل،لتركهم مثل أمير المؤمنين عليه السّلام و أهل بيته المعصومين، و اتّباعهم لمثل الرّجلين،مع منعهما النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصيّة،و تخلّفهما عن الشّخوص في جيش اسامة مع تأكيده ساعة بعد ساعة في تجهيزه حتّى لعن المتخلّف (2)،و تركهما لجنازة نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله،و إرادتهما إحراق أهل بيته (3)، و توطئتهما مع باقي قريش في جعل الأمر بينهم،بإقرارهم بذلك في قصّة عمر مع ابن عبّاس (4)،و في نهرهم لمقداد و عمّار يوم الشّورى (5).فاحتاجوا لذلك إلى إنكار الضروريات و التشكيك في المتواترات و جحد البديهيات،و إلاّ فكونه عليه السّلام أدنى إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الأوّل و الثاني أمر بديهي.فلم يقول هذا الرّجل:المراد به الاموي؟و قد قال عليه السّلام يوم السقيفة-كما اعترف به ابن قتيبة-:اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم،و لا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس و حقّه،فو اللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ النّاس به،لأنّا أهل البيت، و نحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه،الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المضطلع بأمر الرّعية،المدافع عنهم الامور


1) 1)

2) 2) لعن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله المتخلف عن جيشه،رواه الجوهري في السقيفة:75 مسندا،و غيره مجردا.

3) 3) حديث احراق بيت فاطمة عليها السّلام مرّ تخريجه في شرح(الطلقاء)في العنوان 11 من هذا الفصل.

4) 4) تاريخ الطبري 3:289 سنة 23.

5) 5) السقيفة للجوهري:84،85،و غيره.

السيّئة،القاسم بينهم بالسّوية،و اللّه إنّه لفينا،فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا (1)

الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:12،25. [1]

.

و صاروا بذلك مستحقّين لمثل وقعة الحرّة التي أباح صاحبها نساء المدينة لجيشه،و أخذ منهم البيعة على أنّهم عبد قن ليزيد،و صاروا بذلك شركاء أربابهم في كلّ ظلم ورد على أهل بيت نبيّهم من ذاك اليوم إلى الأبد، حتّى في قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و الحسين عليه السّلام و باقي أهل البيت،حتّى في ما لم يتصدّوا،و حتّى من كان منهم اليوم مثل بني إسرائيل في زمان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أسلافهم،و مثل قوم صالح في شركتهم مع عاقر الناقة في الوزر مع عدم التصدي .

«و اعلموا أنّكم إن اتبعتم الدّاعي لكم» يعني به نفسه عليه السّلام.

«سلك بكم منهاج الرّسول» و قد اعترف به فاروقهم فقال له عليه السّلام يوم الشورى-كما قال ابن قتيبة و غيره-:إنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين و الصراط المستقيم (2).و إن كان لمّا سمع ابنه عبد اللّه ذلك منه، قال له:فلم لا تستخلفه؟قال:أكره أن أتحملها حيّا و ميّتا لكن ما أصلب وجهه، كما أنّه ما أقلّ شعورا اتباعه!فكيف دبّر الأمر لعثمان؟ «و كفيتم مئونة الاعتساف» قال الجوهري:العسف:الأخذ على غير الطريق،و كذلك التعسف و الاعتساف (3).

و المراد:خبط أئمّتهم في أحكام الشرع.

«و نبذتم الثّقل الفادح» أي:طرحتم الحمل الثقيل الذي لا تطيقونه.

«عن الأعناق» و روي:أنّه عليه السّلام قال في بعض خطبه:«أيّتها الامّة المتحيّرة


1) 1)

2) 2) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:12،25. [2]

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 4:1403 [3] مادة(عسف).

بعد نبيّها،أما إنّكم لو قدّمتم من قدّم اللّه و أخّرتم من أخّر اللّه،و جعلتم الولاية و الوراثة حيث جعلها اللّه،ما عال ولي اللّه،و لا طاش سهم من فرائض اللّه،و لا اختلف اثنان في حكم اللّه،و لا تنازعت الامّة في شيء من أمر اللّه،إلاّ علم ذلك عندنا من كتاب اللّه فذوقوا و بال ما قدّمت أيديكم و ما اللّه بظلاّم للعبيد «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (1)

الكافي للكليني 7:78 ح 1،2 [1] بطريقين،و الآية 227 من سورة الشعراء. [2]

.

و إن شئت الاطّلاع على اختلافهم في الاصول و الفروع،و تناقضاتهم و خبطاتهم،و أقوالهم على خلاف مقتضى العقول،فارجع إلى(ملل الشهرستاني).و لو كانوا عليهم السّلام متصدّين للأمر لم يستطع أحد يقول برأيه في قبالهم،كما لم يستطع أحد أن يقول شيئا في مقابل الرّسول صلّى اللّه عليه و آله،و اختلاف الشيعة في مسائل فقههم أيضا نتيجة تقدّم اولئك،فكانوا كثيرا ما يفتون بالتّقية،و إلاّ فكلام آخرهم كلام أوّلهم،و كلام أوّلهم كلام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و كلام النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كلام اللّه تعالى.

25

الخطبة(103)

أَلاَ وَ إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ- أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَ قَبِلَهُ.أَيُّهَا النَّاسُ- اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ- وَ امْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ- عِبَادَ اللَّهِ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ- وَ لاَ تَنْقَادُوا إِلَى أَهْوَائِكُمْ فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ- يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ- يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ- وَ يُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَبُ- فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي شَجْوَكُمْ- وَ لاَ يَنْقُضُ


1) 1)

بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ- إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلاَّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ الْإِبْلاَغُ فِي الْمَوْعِظَةِ- وَ الاِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ- وَ الْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ- وَ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا- وَ إِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا- فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ- وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ- عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ- وَ انْهَوْا غَيْرَكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ- فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي «ألا و إنّ أبصر الأبصار ما نفذ» أي:دخل.

«في الخير طرفه» أي:عينه،قال تعالى: «لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ » (1)

إبراهيم:43. [1]

.

«ألا إنّ أسمع الأسماع ما وعى» بفتح العين،أي:حفظ.

«التّذكير» الذي سمعه من المذكّر.

«و قبله» و بصر و سمع ليسا كذلك،ليسا بسمع و بصر بل عين و اذن بلا ثمر،قال تعالى: «وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها» (2)و لذا وصفهم تعالى بالصّم و العمى .

«أيّها النّاس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ» يعني عليه السّلام نفسه، كان يعظ النّاس بما يعمل به،لا ككثير وعظهم مجرد قول،و روي عن السّجاد عليه السّلام قال:مثلنا في كتاب اللّه كمثل مشكاة،فنحن المشكاة و المشكاة الكوة فيها مصباح (3).

و روي مثله عن الرّضا عليه السّلام في ما كتب إلى عبد اللّه بن جندب و زاد:


1) 1)

2) 2) الأعراف:179. [2]

3) 3) كنز الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23:311 ح 16 [3] عن السّجاد عليه السّلام،و تفسير القمي 2:104 [4] ضمن الكتاب المذكور عن الرضا عليه السّلام،و تفسير الفرات:104،و [5]كنز جامع الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23:324 ح 40 [6] ضمن كتاب الرضا عليه السّلام إلى عبد اللّه بن جندب عن السجاد عليه السّلام.

فالنّور عليّ عليه السّلام يهدي اللّه لولايتنا من أحبّ،و حقّ على اللّه أن يبعث وليّنا مشرقا وجهه (1)

كنز الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23:311 ح 16 [1] عن السّجاد عليه السّلام،و تفسير القمي 2:104 [2] ضمن الكتاب المذكور عن الرضا عليه السّلام،و تفسير الفرات:104،و [3]كنز جامع الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23:324 ح 40 [4] ضمن كتاب الرضا عليه السّلام إلى عبد اللّه بن جندب عن السجاد عليه السّلام.

.

«و امتاحوا» في(الصحاح):الماتح:المستقي و كذلك المتوح تقول:متح الماء يمتحه متحا إذا نزحه،و الماتح الّذي ينزل البئر فيملأ الدّلو (2).

و في(الأساس):ماح الماء يميحه و امتاحه (3).

و لا يصح هنا إلاّ الثاني لأنّه ليس في العين نزح،و امتاحوا أيضا من الميح،فقول ابن ميثم:الماتح:الجاذب للدّلو من البئر (4)في غير محلّه.

روي أنّه سئل الرضا عليه السّلام عن قوله عزّ و جلّ: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ» (5)،فقال:ماؤكم أبوابكم،أي:

الأئمة عليهم السّلام.و الأئمّة أبواب اللّه بينه و بين خلقه «يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ» (6)يعني بعلم الامام (7).

و عن الصادق عليه السّلام في قوله عزّ و جلّ: «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» (8):لأفدناهم علما كثيرا يتعلّمونه من الأئمّة (9).


1) 1)

2) 2) صحاح اللغة للجوهري 1:403 [5] مادة(متح)،و 1:408 مادة(ميح).

3) 3) اساس البلاغة:440 [6] مادة(ميح).

4) 4) شرح ابن ميثم 3:24.

5) 5) الملك:30. [7]

6) 6) الملك:30. [8]

7) 7) تفسير القمي 2:379. [9]

8) 8) الجن:16. [10]

9) 9) رواه الطبرسي في مجمع البيان 10:372،و شرف الدين بطريقين في كنز جامع الفوائد عنه البحار 24:28،29 ح 6،7. [11]

و قال الصدوق:قال محمّد بن الحسن بن أبي خالد الأشعري الملقّب بشنبولة:

بئر معطّلة و قصر مشرف مثل لآل محمّد مستطرف

فالنّاطق القصر المشيّد منهم و الصامت البئر التي لا تنزف (1)

معاني الأخبار للصدوق:112،و غيره.

«من صفو عين» أي:عين صافية.

«قد روّقت» أي:صفّيت.

«من الكدر» قال الشاعر:

لو كنت ماء كنت غير كدر (2)

«عباد اللّه لا تركنوا» أي:لا تعتمدوا و لا تسكنوا.

«إلى جهالتكم» قال الباقر عليه السّلام لأبي حمزة الثمالي:يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلا،و أنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض،فاطلب لنفسك دليلا (3).

«و لا تنقادوا» أي:لا تكونوا متّبعين.

«إلى أهوائكم» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(لأهوائكم)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4)،قال الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: «أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ» (5):جاءكم محمّد صلّى اللّه عليه و آله بما لا تهوى أنفسكم بموالاة عليّ عليه السّلام


1) 1)

2) 2) لسان العرب 5:134 [1] مادة(كدر).

3) 3) الكافي للكليني 1:184 ح 10. [2]

4) 4) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2:217،و شرح ابن ميثم 3:23 مثل المصرية أيضا البقرة.

5) 5) :87.

فاستكبرتم،ففريقا من آل محمّد كذّبتم و فريقا تقتلون (1)

الكافي للكليني 1:418 ح 31،و [1]العياشي في تفسيره 1:49 ح 98. [2]

.

«فإنّ النّازل بهذا المنزل» أي:الرّكون إلى جهالته و المنقاد لهواه.

«نازل بشفا» بفتح الشين،قال تعالى: «وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ» (2)أي:طرفها و حرفها.

«جرف» في(الصحاح):الجرف و الجرف،مثل عسر و عسر:ما تجرفته السّيول،و أكلته من الأرض.و منه قوله تعالى: «عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ» (3).

«هار» في(الصحاح):هار الجرف يهور هورا و هوورا فهو هائر،و يقال أيضا:جرف هار.خفضوه في موضع الرّفع،و أرادوا هائرا و هو مقلوب من الثّلاثي إلى الرّباعي،كما قلبوا شائك السّلاح إلى شاكي السّلاح (4).

قال الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (5):كرهوا ما أنزل اللّه تعالى في عليّ عليه السّلام فأحبط أعمالهم (6).

و لمّا قال عمر لابن عباس-كما في(الطبري)و غيره-:إنّ قريشا كرهت أن يجمعوا لكم النّبوّة و الخلافة،قال ابن عبّاس له: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » (7).

«ينقل الرّدي» أي:أسباب هلكته من(ردي)بالكسر،أي:هلك.

«على ظهره من موضع إلى موضع» فيكون قتل نفسه بيده،و في(الأمثال):


1) 1)

2) 2) آل عمران:103. [3]

3) 3) صحاح اللغة 4:1336 [4] مادة(جرف)،و الآية 109 من سورة التوبة. [5]

4) 4) صحاح اللغة 2:856 [6] مادة(هور).

5) 5) محمّد:9. [7]

6) 6) تفسير القمي 2:302،و [8]تفسير محمد بن العباس عنه البرهان 4:182 ح 2. [9]

7) 7) تاريخ الطبري 3:289 سنة 23،و [10]الآية 9 من سورة محمّد. [11]

كالباحث عن حتفه بظلفه (1)

لسان العرب لابن منظور 2:114 [1] مادة(بحث)،و لفظه:«كباحثة عن حتفها بظلفها».

.و كالباحث عن الشّفرة (2).

«لرأي يحدثه بعد رأي،يريد أن يلصق ما لا يلتصق و يقرّب ما لا يتقارب» كآراء عمر في ميراث الجدّ،فنقلوا عنه مائة رأي فيه،و كآراء أبي حنيفة،فيفتي اليوم بامور عظام،كقتل من فعل كذا،و حلّية فرج امرأة كانت كذا،و يفتي غدا بخلافها مع أنّ دين اللّه تعالى لا يصاب بالعقول،و من قاس كان أبعد عن دينه من الأرض إلى السماء،فالقتل مع كونه أشدّ من الزّنا يثبت بشاهدين،و الزّنا لا يثبت إلاّ بأربعة،و الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة مع كون الصلاة أعظم وجوبا من الصوم،و أوّل من قاس إبليس قال تعالى له: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» (3)قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» (4).

و غرضه عليه السّلام وجوب الرجوع بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أهل بيته الّذين يقولون ما يقولون عنه صلّى اللّه عليه و آله لا عن رأي .

«فاللّه اللّه أن تشكوا» من شكا يشكو.

«إلى من لا يشكي» من أشكى يشكي،أي:لا يزيل.

«شجوكم» أي:همّكم و حزنكم .

«و لا ينقض برأيه ما قد ابرم» أي:احكم.

«لكم» قال ابن أبي الحديد:و يروى بدل «و لا ينقض...» :«و من ينقض برأيه ما قد أبرم لكم» (5).


1) 1)

2) 2) مجمع الأمثال للميداني 2:157. [2]

3) 3) ص:75.

4) 4) ص:76.

5) 5) شرح ابن أبي الحديد 2:217. [3]

قلت:لم ينقل ابن ميثم (1)

شرح ابن ميثم 3:24. [1]

غيره،و نسخته بخطّ المصنّف فهو المتعيّن،مع أنّه لا معنى للأوّل إلاّ بتكلّف،و أمّا الثاني فلا غبار عليه.

و قد نقض فاروقهم ما أبرمه اللّه تعالى لعباده برأيه من متعة الحجّ، و متعة النساء،فقال:متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنهي عنهما،و أعاقب عليهما (2).

و قد نقض برأيه ما أبرمه اللّه تعالى بقوله: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» (3)من تقديم بعض الطبقات على بعض،كالوالدين و الأولاد على الجدّين و الإخوة و الأخوات،و هم على الأعمام و الأخوال،فرأى لهم التّعصيب (4).

و قد نقض برأيه ما أبرمه اللّه تعالى لعباده من تقديم ذي الفرضين، كالزّوجين و الوالدين على ذي فرض واحد،كالبنات و الأخوات بورود النّقص على الأخير،فرأى لهم العول بجعل النّقص على الفريقين (5)،إلى غير ذلك ممّا فصّل في محلّه .

«إنّه ليس على الإمام إلاّ ما حمّل من أمر ربّه» «وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ » (6).

«الإبلاغ في الموعظة» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(الإبلاغ في الموعظة)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (7).


1) 1)

2) 2) رواه الطحاوي و أبو صالح في نسخته عنهما منتخب كنز العمال 6:604،و غيرهما.

3) 3) الأنفال:75. [2]

4) 4) روى بعض أقضية عمر في الفرائض بالتعصيب و العول المتقي في منتخب كنز العمال 4:205 الفصل الأول.

5) 5) روى بعض أقضية عمر في الفرائض بالتعصيب و العول المتقي في منتخب كنز العمال 4:205 الفصل الأول.

6) 6) العنكبوت:18. [3]

7) 7) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:218،لكن لفظ شرح ابن ميثم 3:24«إلاّ البلاغ».

كان عليه السّلام يعظ النّاس عموما و خصوصا،ليلا و نهارا،كتبا و شفاها، قريبه و بعيده،وليّه و عدوّه،كما كانت الأنبياء عليهم السّلام كذلك،قال تعالى حكاية عن نوح: «قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهاراً» (1)

نوح:5. [1]

.

و قد كان عليه السّلام كلّ ليلة بعد صلاة العشاء يقبل بوجهه على النّاس و يقول لهم:تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرّحيل،و إنّ أمامكم عقبة كؤودا، و منازل مخوفة مهولة لا بدّ من الورود عليها،و الوقوف عندها،و اعلموا أنّ ملاحظ المنية نحوكم دانية،و كأنّكم بمخالبها،و قد نشبت فيكم،و قد دهمتكم منها مظلعات الامور،و مفظعات المحذور،فقطّعوا علائق الدّنيا،و استظهروا بزاد التّقوى (2).

و كان عليه السّلام كلّ نهار يضع الدّرة على منكبه،و يمشي إلى السوق،و يقف على أهله صنفا صنفا،و ينادي:معاشر النّاس قدّموا الاستخارة،و تبرّكوا بالسّهولة،و اقتربوا من المبتاعين،و تزيّنوا بالحلم،و تناهوا عن اليمين، و جانبوا الكذب،و تجافوا عن الظّلم،و أنصفوا المظلومين،و لا تقربوا الرّبا، و أوفوا الكيل و الميزان «وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (3).ثمّ ينشدهم:

تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها من الحرام و يبقى الإثم و العار

تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذّة من بعدها النّار (4)

و يقرأ لاولي الرياسة: «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا »


1) 1)

2) 2) الامالي الصدوق:402 ح 7 المجلس 75، [2]بفرق يسير.

3) 3) هود:85. [3]

4) 4) الامالي الصدوق:402 ح 6 المجلس 75، [4]بفرق يسير.

«فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (1)

مجمع البيان للطبرسي 7:268،و الآية 83 [1] من سورة القصص.

.و يكفيك هذا الكتاب في إبلاغه عليه السّلام في الموعظة .

«و الاجتهاد» أي:السعي.

«في النّصيحة» لأنّ الامام كالنّبيّ وجوده لطف من اللّه على عباده، فالواجب عليه السّعي و الاجتهاد في نجاة العباد من النّار،و في تخفيف عذابهم،و لذا لمّا سمع الحسين عليه السّلام في قصر بني مقاتل بكون عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي هناك بعث إليه يدعوه فأبى أن يأتيه،فذهب بنفسه إليه و حثّه على نصرته،فأبى،فقال له:فإن لا تنصرنا فاتّق اللّه أن تكون ممّن يقاتلنا،فو اللّه لا يسمع و اعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك (2).

«و الإحياء للسّنة» أي:سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا غيره،فلمّا شرط عبد الرحمن بن عوف عليه عليه السّلام يوم الشورى سنّة الشيخين إن أراد أن يبايعه قال عليه السّلام:لا سنّة إلاّ سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.فنزل عليه السّلام عن حقّه (3)ليفهم النّاس بطلان مسلكهم، و كونهم مبتدعين على خلاف كتاب اللّه و سنّة رسوله.

و لمّا جعل المأمون عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام وليّ عهده،و حضر العيد سأله أن يركب و يحضر و يخطب،لتطمئنّ قلوب النّاس،و يعرفوا فضله، فقال له:قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول هذا الأمر،فإن أعفيتني فهو أحبّ إليّ،و إلاّ خرجت كما كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام يخرج.فقال:اخرج كما تحبّ.و أمر المأمون القوّاد و النّاس أن يبكّروا إلى بابه، فقعد النّاس له في الطرقات و السطوح،من الرجال و النساء و الصبيان،و اجتمع


1) 1)

2) 2) تاريخ الطبري 4:307 سنة 61. [2]

3) 3) أخرج هذا المعنى البلاذري في أنساب الأشراف 5:22،و الجوهري في السقيفة:85،و الطبري في تاريخه 3: 301 سنة 23،و غيرهم.

القوّاد على بابه،فلمّا طلعت الشّمس قام فاغتسل و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن،و ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه،و تشمّر ثمّ قال لجميع مواليه:افعلوا مثل ما فعلت.فأخذ بيده عكازة و هم بين يديه،و هو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف السّاق،و عليه ثياب مشمّرة،فلمّا قام و مشينا بين يديه،رفع رأسه إلى السّماء و كبّر أربع تكبيرات،فخيّل إليهم أنّ الهواء و الحيطان تجاوبه،و القوّاد و النّاس على الباب و قد تزيّنوا و لبسوا السّلاح، فلمّا طلعوا عليهم،و طلع عليه السّلام وقف على الباب،و قال:اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام،و الحمد للّه على ما أبلانا.و رفع بذلك صوته، و رفعوا أصواتهم،فتزعزعت مرو من البكاء و الصّياح،فقالها ثلاث مرّات، فسقط القوّاد عن الدّواب و رموا بخفافهم لمّا نظروا إليه،و لم يتمالك النّاس من البكاء و الصيحة،و كان عليه السّلام يمشي و يقف في كلّ عشر خطوات،فكبّر اللّه أربع مرّات يتخيّل إليهم أنّ السماء و الأرض و الحيطان تجاوبه،فبلغ المأمون ذلك،فقال له الفضل بن سهل:إن بلغ الرضا المصلّى على هذا افتتن به النّاس،فالرأي أن تسأله أن يرجع.فبعث إليه بالرّجوع،فدعا بخفه، فلبسه و رجع (1)

الكافي للكليني 1:488 ح 7،و [1]عيون الأخبار للصدوق 2:147 ح 21،و [2]الإرشاد للمفيد:312. [3]

.

«و إقامة الحدود على مستحقيها» قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما روى(الكافي):ساعة من إمام عدل أفضل من عبادة سبعين سنة،و حدّ يقام للّه في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحا (2).

روي عن الصادق عليه السّلام:كان عليّ عليه السّلام إذا اتي بغلام و جارية لم يدركا لا يبطل حدّا من حدود اللّه،كان يأخذ السّوط بيده و من وسطه أو من ثلثه،ثمّ


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 7:175 ح 8. [4]

يضرب به على قدر أسنانهم (1)

الكافي للكليني 7:176 ح 13،و [1]المحاسن للبرقي:273 ح 377،و [2]الفقيه للصدوق 4:53 ح 14،و التهذيب للطوسي 10:146 ح 10،ضمن حديث.

.

و في(مروج المسعودي):لمّا شاع بالكوفة أمر الوليد بن عقبة في شربه هجم عليه جماعة،منهم أبو زينب بن عوف الأزدي،و جندب بن زهير الأزدي، و غيرهما فوجدوه سكران مضطجعا على سريره لا يعقل،فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ،ثمّ تقايأ عليهم ما شرب من الخمر،فانتزعوا خاتمه من يده، و خرجوا من فورهم إلى المدينة،فأتوا عثمان فشهدوا عنده:أنّه شرب الخمر.

فقال:و ما يدريكما أنّه شرب خمر؟قالا:هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهلية.و أخرجا خاتمه فدفعاه إليه،فدفع في نحورهما و قال:تنحّيا عنّي.

فخرجا و أتيا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و أخبراه بالقصّة،فأتى عثمان و هو يقول:

دفعت الشّهود،و أبطلت الحدود.فقال له عثمان:فما ترى؟قال:أرى أن تبعث إلى صاحبك،فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه،و لم يدل بحجّة أقمت عليه الحدّ.فلمّا حضر الوليد دعاهما عثمان،فأقاما الشهادة عليه و لم يدل بحجّة، فألقى عثمان السوط إلى عليّ عليه السّلام،فقال عليّ عليه السّلام لابنه الحسن عليه السّلام:قم يا بني فأقم عليه ما أوجب اللّه عليه.فقال:يكفيه بعض من ترى.فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحدّ عليه توقّيا لغضب عثمان لقرابته منه،أخذ عليّ عليه السّلام السوط و دنا منه،فلمّا أقبل نحوه سبّه الوليد،و قال:يا صاحب مكس.فقال عقيل بن أبي طالب-و كان ممّن حضر-:إنّك لتتكلّم يابن أبي معيط كأنّك لا تدري من أنت؟إنّما أنت علج من أهل صفورية-كان ذكر أنّ أباه كان يهوديا منها-فأقبل الوليد يروغ من عليّ عليه السّلام فاجتذبه فضرب به الأرض،و علاه بالسّوط.فقال عثمان:ليس لك أن تفعل به هذا.قال:بلى و شرّا من هذا،إذا فسق


1) 1)

و منع من حقّ اللّه تعالى أن يؤخذ منه (1)

مروج الذهب للمسعودي 2:335. [1]

.

و فاروقهم عطّل الحدّ على المغيرة،فمنع زيادا عن إقامة الحدّ عليه، لاحتياجه إليه في دهائه،و كان مقرّا بذلك،فكان إذا رأى المغيرة قال-كما في (أغاني أبي الفرج)-:و اللّه ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك،و ما رأيتك إلاّ خفت أن ارمى بالحجارة (2)من السماء.و كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول:لئن ظفرت بالمغيرة لا تبعته حجارة (3).و قال الحسن عليه السّلام لمعاوية:و اللّه سائل عمر عن تعطيله الحدّ على المغيرة (4).

«و إصدار السّهمان» في(الصحاح):السّهم:النّصيب،و الجمع السّهمان (5).

«على أهلها» و لمّا قيل له عليه السّلام:لو فضّلت الأشراف كان أجدر أن يناصحوك،غضب و قال:أ تأمروني أن أطلب النّصر بالجور في من ولّيت عليه (6)؟ و روى المدائني:أنّ ابن عبّاس كتب إلى الحسن عليه السّلام بعد أبيه:و اعلم أنّ عليّا أباك إنّما رغب النّاس عنه إلى معاوية أنّه آسى بينهم في الفيء،و سوّى بينهم في العطاء فثقل عليهم (7).

و لمّا سأله عقيل أخوه صاعا زائدا على سهمه من بيت المال، أحمى له حديدة و أدناها منه،فضجّ فقال عليه السّلام له:ثكلتك الثواكل أتئنّ


1) 1)

2) 2) الأغاني لأبي الفرج 16:99.

3) 3) الكافي للكليني 7:182 ح 8،و [2]التهذيب للطوسي 10:42 ح 152،و الاستبصار 4:215 ح 12،و غيرهم.

4) 4) المفاخرات للزبير بن بكار عنه شرح ابن أبي الحديد 2:104، [3]شرح الخطبة 82 ضمن حديث طويل،و النقل بالمعنى.

5) 5) صحاح اللغة 5:1956 [4] مادة(سهم).

6) 6) رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 2:6 الخطبة 124.

7) 7) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4:9،شرح الحكمة 205 ضمن كتاب.

من أذى و لا أئن من لظى (1)

المناقب لابن شهر آشوب 2:109،و غيره. [1]

؟ «فبادروا العلم من قبل تصويح» أي:يبس.

«نبته» و في(الأساس):صوّحت الرّيح و الحرّ البقل:يبسته حتى تشقّق، و صوّح بنفسه و تصوّح (2).

و كلامه عليه السّلام هذا في معنى قوله عليه السّلام:سلوني قبل أن تفقدوني (3).

«و من قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستنار العلم»هكذا في(المصرية)، و الصواب:ما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية) (4): «مستثار العلم» .

و في(الصحاح):ثوّر البرك و استثارها،أي:أزعجها،و أنهضها (5).

و في(الأساس):و استثرته:هيّجته،قال:

أثار اللّيث في عرّيس غيل له الويلات ممّا يستثير (6)

«من عند أهله» قالت الشّراح:أي:من قبل أن تشغلوا بالفتن عنه من عندهم (7).

قلت:و يمكن أن يراد به الشغل بحضور الموت عنه كذلك،نظير قوله تعالى: «وَ أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ» (8)،و قوله تعالى:


1) 1)

2) 2) أساس البلاغة:261 [2] مادة(صوح).

3) 3) رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 2:130 الخطبة 187.

4) 4) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:218،لكن في شرح ابن ميثم 3:24«مستنار»أيضا.

5) 5) صحاح اللغة 2:606 [3] مادة(ثور).

6) 6) أساس البلاغة:49 [4] مادة(ثور).

7) 7) هذا معنى قول ابن أبي الحديد في شرحه 2:218،و ابن ميثم في شرحه 3:29.

8) 8) المنافقون:10. [5]

«أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ » (1)

الزمر:56. [1]

.

«و انهوا عن المنكر،و تناهوا عنه فإنّما أمرتم بالنّهي بعد التناهي» «كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (2)، «ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ» (3).

26

من الخطبة(167)

وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ- فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا- وَ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ الْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَ النَّعْشُ لِسُنَّتِهِ .

«و إنّما طلبوا» أي:أصحاب الجمل.

«هذه الدّنيا حسدا» أي:لحسدهم.

«لمن أفاءها اللّه» أي:أرجعها،أي:الخلافة.

«عليه» بعد الثلاثة كما جعلها له النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من اللّه تعالى.

«فأرادوا ردّ الامور على أدبارها» و غصبها أخيرا أيضا كالابتداء،و قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام لا يشعر بأنّه عليه السّلام كان يعتقد أنّ الأمر له،و أنّه غلب عليه ثمّ رجع إليه،و لكنّه محمول على أنّه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بمنزلة الجزء من الكلّ، و أنّهما من جوهر واحد،فلمّا كان الوالي قديما هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثمّ تخلّل بين ولايته،و ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام ولايات غريبة سمّى ولايته فيئا و رجوعا، لأنّها رجعت إلى الدوحة الهاشمية،و بهذا يجب أن يتأوّل قوله عليه السّلام: «فأرادوا


1) 1)

2) 2) المائدة هود:79. [2]

3) 3) :88.

ردّ الامور على أدبارها» أي:أرادوا انتزاع الخلافة من بني هاشم كما انتزعت أوّلا،و إقرارها في بيوت بعيدة عن هذا البيت،اسوة بما وقع من قبل (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:473. [1]

.

قلت:لازم كونه عليه السّلام مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من جوهر واحد،و كونه بمنزلة الجزء منه،هو اعتقاده كون الأمر له أوّلا،و أنّه غلب عليه بل و فوق ذلك،و أنّ المنازع له،و المنتزع منه سلطانه كالمنازع للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و كالمنتزع من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله سلطانه.و لعمر اللّه لو فرض نشر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و رجوعه إلى الدّنيا لدفعوه عن مقامه كما دفعوا أمير المؤمنين عليه السّلام.و لقد أفصح عن ذلك من خلفائهم-من كان أعرف،و أعلم من الثلاثة بمراتب،و أقرب منهم إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بدرجات لكونه من هاشم-المنصور العبّاسي.فلمّا خرج عليه محمّد الحسني بالمدينة قال:لو خرج عليّ صاحب قبرها كنت مضطرا إلى قتاله و قتله،فالملك عقيم.

ثمّ ما يفعل بكلماته الصريحة،و المحفوفة بالشواهد،و القرائن في باقي المواطن؟فمن كلامه عليه السّلام يوم السقيفة كما في(خلفاء ابن قتيبة):اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم،و لا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس و حقّه،فو اللّه-يا معشر المهاجرين-لنحن أحقّ الناس به صلّى اللّه عليه و آله لأنّا أهل البيت،و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه،الفقيه في دين اللّه،العالم بسنن رسول اللّه،المضطلع بأمر الرّعيّة،المدافع عنهم الامور السيئة،القاسم بينهم بالسويّة،و اللّه إنّه لفينا،فلا تتبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا (2).


1) 1)

2) 2) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:12. [2]

و لكون كلامه عليه السّلام بهذه المثابة من الصراحة قال له-عليه السّلام-بشير بن سعد أبو نعمان بن بشير الأنصاري-مع كونه أوّل من بايع أبا بكر حتّى قبل عمر،حسدا له لابن عمّه سعد بن عبادة أن ينال الأمر-:و لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك.

و من كلامه عليه السّلام بعد بيعة النّاس له ما رواه المدائني عن عبد اللّه بن جنادة،قال:قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل إمارة عليّ عليه السّلام فمررت بمكّة،فاعتمرت ثم قدمت المدينة،فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذ نودي للصلاة جامعة،فاجتمع النّاس،و خرج عليّ متقلّدا سيفه،فشخصت الأبصار نحوه فحمد اللّه،و صلّى على رسوله ثم قال:أمّا بعد،فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله قلنا:نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون النّاس،لا ينازعنا سلطانه أحد و لا يطمع في حقّنا طامع،إذ انبرى لنا قومنا،فغصبونا سلطان نبيّنا،فصارت الإمرة لغيرنا،و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف،و يتعزّز علينا الذّليل،فبكت الأعين منّا لذلك،و خشنت الصدور،و جزعت النّفوس،و ايم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين،و أن يعود الكفر،و يبور الدين لكنّا غير ما كنّا لهم (1)

نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 1:101،شرح الخطبة 22.

.

فهل ترى كلاما أصرح منه في مغلوبيّته و مظلوميّته،و غاصبيّة المتقدّمين عليه ؟ «و لكم علينا العمل بكتاب اللّه تعالى،و سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و القيام بحقّه و النّعش» أي:الرفع.

«لسنّته» كلامه عليه السّلام هذا دالّ على أنّ المناط في استحقاق الخلافة و الإمامة:الخروج عن عهدة العمل بكتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله كما


1) 1)

ينبغي،كما هو مذهب الإمامية،دون بيعة الامة كما هو مسلك العامّة.

و مثل كلامه عليه السّلام في ذلك كلام ابنيه الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهما،روى أبو الفرج في(مقاتله)مسندا:أنّ معاوية أمر الحسن عليه السّلام أن يخطب لمّا سلّم الأمر إليه،و ظنّ أنّه سيحصر،فقال في خطبته:إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله،و ليس الخليفة من سار بالجور،ذلك ملك ملّك ملكا يمتّع به قليلا ثمّ تنقطع لذّته،و تبقى تبعته «وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» (1)

مقاتل الطالبيين لأبي الفرج:47،و الآية 111 من سورة الأنبياء. [1]

.

و في(الإرشاد)عن الكلبي و المدائني:أنّ الحسين عليه السّلام لمّا بعث ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة كتب إليهم معه كتابا و في جملته:فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب،القائم بالقسط،الدّائن بدين الحق،الحابس نفسه على ذات اللّه (2).

و كلامهم حجّة،حيث إنّهم أهل العصمة،و شهد الكتاب بطهارتهم في قوله عزّ و جلّ: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3)،و شهد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-في المتواتر عنه صلّى اللّه عليه و آله-بكونهم مثل الكتاب في الحجّية في قوله صلّى اللّه عليه و آله:إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي،و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (4).

و كذلك كلامه عليه السّلام هذا دالّ على بطلان خلافة الأوّلين،حيث إنّه كان لهما سنّة في مقابل سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،كما أنّه عليه السّلام ترك حقّه يوم الشورى،لمّا شرط عليه عليه السّلام عبد الرحمن بن عوف العمل بسنّتهما،


1) 1)

2) 2) الإرشاد للمفيد:204. [2]

3) 3) الأحزاب:33. [3]

4) 4) هذا حديث الثقلين [4]مرّ تخريجه في شرح فقرة«إليهم يفيء الغالي»في العنوان 4 من هذا الفصل.

ليعلم النّاس بطلان أمرهما (1)

هذا المعنى رواه البلاذري في أنساب الاشراف 5:22،و غيره،مرّ تخريجه في أوائل هذا العنوان.

.

و كذلك نبّه على ذلك بعد خروج الخوارج من أصحابه عليه السّلام،و بيعة غيرهم له عليه السّلام بيعة ثانية غير بيعة أوّل خلافته،و في(خلفاء ابن قتيبة):

فبايعوه على التسليم و الرّضا،و شرط عليهم كتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله، فجاء رجل من خثعم،فقال له عليّ عليه السّلام:بايع على كتاب اللّه و سنّة نبيّه.قال:لا، و لكن ابايعك على كتاب اللّه و سنّة نبيّه و سنّة أبي بكر و عمر فقال عليّ عليه السّلام:

-و ما يدخل سنّة أبي بكر و عمر مع كتاب اللّه و سنّة نبيّه،إنّما كانا عاملين بالحقّ حيث عملا؟فأبى الخثعمي إلاّ سنّة أبي بكر و عمر،و أبى عليّ عليه السّلام أن يبايعه إلاّ على كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله،فقال له حيث ألحّ عليه:تبايع؟قال:لا، إلاّ على ما ذكرت.فقال له عليّ عليه السّلام:أما و اللّه لكأنّي بك قد نفرت في هذه الفتنة، و كأنّي بحوافر خيلي قد شدخت وجهك.فلحق بالخوارج فقتل يوم النّهروان.

قال قبيصة:فرأيته يوم النّهروان قتيلا قد وطئت الخيل وجهه،و شدخت رأسه و مثّلت به،فذكرت قول عليّ و قلت:للّه درّ أبي الحسن ما حرّك شفتيه قطّ بشيء إلاّ كان كذلك!و رواه الطبري أيضا (2).

فلو كان مذهب السنّة القائلين بسنّة أبي بكر و عمر حقّا،لكان أمير المؤمنين عليه السّلام مجانبا للحقّ بعيدا عنه بمراحل،لا دائرا مدار الحقّ كما تواتر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه عليه السّلام (3)،و شهد به الدّراية الضرورية؟و كان معاوية يكتب إلى عمّاله أن يقتلوا من كان على دين عليّ.فكتب الحسين عليه السّلام إليه:دين عليّ


1) 1)

2) 2) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:146،و [1]تاريخ الطبري 4:56 سنة 37.

3) 3) هذا المعنى روي عن سعد بن أبي وقاص و علي عليه السّلام و ام سلمة و غيرهم،و قد مرّ تخريجه في أواخر العنوان 5 من هذا الفصل.

دين النّبيّ «قاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ» (1)

رواه الكشي في معرفة الرجال(اختياره): [1]50،و احتجاج الطبرسي في الاحتجاج:297،و [2]النقل بتصرف في اللفظ، و الآية 30 من سورة التوبة. [3]

.

27

الحكمة(209)

وَ قَالَ ع:لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا- عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا- وَ تَلاَ عَقِيبَ ذَلِكَ- «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» (2).

أقول:روى المصنّف في( خصائصه الشريف الرضي-خصائص الأئمة-ص 40 )عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قال أمير المؤمنين عليه السّلام:لتعطفنّ الدّنيا... (3)

و روى الكراجكي في(كنزه)عن ربيعة بن ناجد قال:سمعت عليّا عليه السّلام يقول في هذه الآية: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ» (4):

«لتعطفنّ هذه الدّنيا على أهل البيت كما تعطف الضّروس على ولدها » 5.

«لتعطفنّ الدّنيا بعد شماسها» في(الصحاح):شمس الفرس شموسا و شماسا،أي:منع ظهره 6.

«عطف الضّروس على ولدها» في(الصحاح):ناقة ضروس:سيّئة الخلق تعضّ حالبها.و منه قولهم:هي بجنّ ضراسها.أي:بحدثان نتاجها،و إذا كانت كذلك حامت عن ولدها،قال بشر:


1) 1)

2) 2) القصص:5. [4]

3) 3) خصائص الأئمة للشريف الرضي:40. [5]

4) 4) القصص:5. [6]

عطفنا لهم عطف الضروس من الملا بشهباء لا يمشي الضّراء رقيبها (1)

صحاح اللغة 2:939 [1] مادة(ضرس).

و روي:أنّ الصادق عليه السّلام كان يقول:

لكلّ اناس دولة يرقبونها و دولتنا في آخر الدّهر تظهر (2)

«و تلا عقيب ذلك» أي:شاهدا لعطف الدّنيا عليهم أخيرا: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» .

و بعدها: «وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» (3).

قال القمي:أخبر اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله بما لقى موسى عليه السّلام و أصحابه من فرعون من القتل و الظلم،ليكون تعزية له في ما يصيبه في أهل بيته من امته، ثمّ بشّره بعد تعزيته أنّه يتفضّل عليهم بعد ذلك،و يجعلهم خلفاء في الأرض و أئمّة على امّته يقول: «مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» (4)أي:من آل محمّد،و لو كانت نزلت في موسى لقال:منه ما كانوا يحذرون.و لم يقل «مِنْهُمْ» (5).

و قال ابن أبي الحديد:و الإمامية تزعم أنّ ذلك وعد منه بالإمام الغائب الّذي يملك الأرض في آخر الزّمان،و أصحابنا يقولون إنّه وعد بإمام يملك الأرض و يستولي على الممالك،و لا يلزم من ذلك أنّه لا بد أن يكون موجودا، و أن يكون غائبا إلى أن يظهر،بل يكفي في صحّة هذا الكلام أن يخلق في آخر الوقت (6).

قلت:الإماميّة إنّما قالوا إنّه إشارة إلى الإمام المنتظر،و أمّا وجوده


1) 1)

2) 2) أمالي الصدوق:396 ح 3 المجلس 74. [2]

3) 3) القصص:6. [3]

4) 4) القصص:6. [4]

5) 5) تفسير القمي 2:133،و [5]النقل بتلخيص.

6) 6) شرح ابن أبي الحديد 4:336. [6]

و غيبته فيثبتونه بأدلّة اخرى عقليّة و نقليّة،و قد مرّ من النّقليّة قوله عليه السّلام:«لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا» (1)

مرّ في العنوان 1 من هذا الفصل.

و قوله عليه السّلام:«إذا خوى نجم طلع نجم» (2).

و قال ابن أبي الحديد أيضا:و قال بعض أصحابنا:إنّه إشارة إلى ملك السّفاح و المنصور (3).

قلت:لا بد إن كان ذاك البعض من النّصاب،و كيف يصحّ قوله و لم يكن شماس الدّنيا على أهل بيته في زمان العبّاسيين أقل من زمان الامويين؟ هذا،و مثل تلك الآية في البشارة لأهل بيته عليه السّلام قوله تعالى: «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ» (4)،و قوله تعالى: «وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» (5).

و لم يكن عباد صالحون و لا مؤمنون عاملون للصالحات مثل أهل البيت عليهم السّلام،فلا بد-بمقتضى الآيتين-أن يرثوا الأرض و يستلخفوا فيهما حسبما و عد تعالى،و نرى أنّ ذلك لم يتّفق في زمان الأحد عشر منهم،فلا بد أن يكون في عصر ثاني عشرهم،و حيث إنّ الجميع بمنزلة نفس واحدة يصدق بإرثه الأرض إرثهم،و باستخلافه فيها،و تمكين اللّه تعالى له دينه الذي ارتضاه له،و تبديل خوفه بالأمن،استخلافهم و تمكينهم و تبديل خوفهم


1) 1)

2) 2) مرّ في العنوان 22 من هذا الفصل.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 4:336. [1]

4) 4) الأنبياء:105. [2]

5) 5) النور:55. [3]

صلوات اللّه عليهم أجمعين.

28

من الخطبة(85)

«فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» وَ ‍أنى‌تؤفكون وَ الْأَعْلاَمُ قَائِمَةٌ وَ الْآيَاتُ وَاضِحَةٌ وَ الْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ- فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَ كَيْفَ تَعْمَهُونَ وَ بَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ- وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وَ أَعْلاَمُ الدِّينِ وَ أَلْسِنَةُ الصِّدْقِ فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ؟الْقُرْآنِ؟- وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ.

أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ؟خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ص؟- إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ- وَ يَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ- فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ- وَ اعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ أَنَا هُوَ أقول:رواه النّعماني في( غيبته النّعماني-الغيبة-ص 28 )فقال:قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبته المشهورة التي رواها الموافق و المخالف:ألا إنّ العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض،و جميع ما فضّلت به النّبيّون إلى خاتم النّبييّن.في عترة خاتم النّبيين،فأين يتاه بكم،بل أين تذهبون ؟... (1)

غيبة النعماني:28. [1]

.

«فأين تذهبون» في(تاريخ أحمد بن أبي يعقوب):بلغ عثمان أنّ أبا ذر يقعد في مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و يجتمع إليه النّاس فيحدّث بما فيه الطّعن عليه، و أنّه وقف بباب المسجد فقال:أيّها النّاس من عرفني فقد عرفني،و من لم يعرفني،فأنا أبو ذر الغفاري،أنا جندب بن جنادة الربذي «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (2).محمّد الصّفوة من نوح،فالأوّل من إبراهيم و السلالة من


1) 1)

2) 2) آل عمران:33-34. [2]

إسماعيل و العترة الهادية من محمّد،إنّه شرف شريفهم،و استحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسّماء المرفوعة،أو كالكعبة المستورة،أو كالقبلة المنصوبة،أو كالشمس الضاحية،أو كالقمر الساري،أو كالنجوم الهادية،أو كالشجرة الزيتونة أضاء زيتها،و بورك زبدها،و محمّد وارث علم آدم و ما فضّل به النّبيّون،و عليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد و وارث علمه.أيّتها الامّة المتحيرة بعد نبيّها،أما لو قدّمتم من قدّم اللّه،و أخّرتم من أخّر اللّه،و أقررتم الولاية و الوراثة في أهل بيت نبيّكم،لأكلتم من فوق رؤوسكم و من تحت أقدامكم،و لما عال وليّ اللّه،و لا طاش سهم من فرائض اللّه،و لا اختلف اثنان في حكم اللّه إلاّ وجدت علم ذلك عندهم من كتاب اللّه و سنّة نبيّه.فأمّا إذا فعلتم ما فعلتم،فذوقوا و بال أمركم «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (1)

تاريخ اليعقوبي 2:171،و [1]الآية 227 من سورة الشعراء. [2]

.

و روى ابن قتيبة في(معارفه)مسندا عن خش بن المعتمر قال:جئت و أبو ذر آخذ بحلقة باب الكعبة،و هو يقول:أنا أبو ذر الغفاري،من لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا (2).

«أنى» أي:و كيف.

«تُؤْفَكُونَ» أي:تخدعون بمتابعة الثلاثة و لم يكونوا يعرفوا شيئا من واضح الكتاب و السّنّة،فضلا عن مشكلهما،فلم يعرف أبو بكر معنى(الأبّ) لمّا سئل عنه مع أنّه فسّره القرآن.

و في(خلفاء ابن قتيبة):قال أبو بكر في احتضاره:ليتني كنت سألت


1) 1)

2) 2) رواه ابن قتيبة في المعارف:252. [3]

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن ميراث بنت الأخ و العمّة،فإنّ في نفسي من ذاك شيئا (1)

الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:19 و غيره. [1]

.

و فيه:أنّ عمر قال في احتضاره لابنه-لمّا آيسه الطبيب-:ناولني الكتف فلو أراد اللّه أن يمضي ما فيه،أمضاه.فمحاه بيده (2).

و رووا عنه مائة قضية في ميراث الجدّ.

و أنّى يؤفكون و يتركون من علّمه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ألف باب من العلم يفتح من كلّ باب ألف باب (3)،و يتّبعون مثل اولئك؟! «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (4).

و قد قال الصادق عليه السّلام لابن أبي ليلى:أتقضي بين الناس؟قال:نعم.قال:

بأيّ شيء؟قال:بكتاب اللّه.قال:فما لم تجد؟قال:بالسنّة،فإذا لم أجد فبقول الصحابة.قال:فإذا اختلفوا فبقول من تأخذ؟قال:من أردت،و اخالف الباقين.

قال:فهل تخالف عليّا عليه السّلام فيما بلغك أنّه قضى به؟قال:ربما خالفته إلى غيره منهم.قال:ما تقول يوم القيامة إذا قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:بلغ الرّجل عنّي قول فخالفه؟ قال:أين خالفت قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟قال:أما بلغك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:أقضاكم عليّ؟قال:نعم.قال:فإذا خالفت قوله تخالف قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.فاصفر وجه ابن أبي ليلى و سكت (5).

«و الأعلام» أي:العلائم في خلفاء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

«قائمة» في تنويه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهم،و التّنبيه عليهم.


1) 1)

2) 2) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:21. [2]

3) 3) حديث«الألف باب»أخرجه الجويني في الفرائد 1:101 ح 70 و [3]جمع كثير آخر،و قد مرّ تخريجه في العنوان 5 من الفصل الثاني.

4) 4) يونس:35. [4]

5) 5) احتجاج الطبرسي:353،و [5]النقل بتصرف في اللفظ.

بل بشّر بهم الأوّلون كما بشّروا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،قال السروي:روى الكلبي عن الشرقي بن القطامي عن تميم بن وعلة المرّي عن الجارود بن المنذر العبدي-و كان نصرانيا-فأسلم عام الحديبية،فأنشأ يقول:

يا نبي الهدى أتتك رجال قطعت فدفدا وافرت جبالا

جابت البيد و المهامه حتّى غالها من طوي السّرى ما غالا

أخبر الأوّلون باسمك فينا و بأسماء بعده تتتالى

فقال لهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أ فيكم من يعرف قسّ بن ساعدة الأيادي؟فقال الجارود:كلّنا نعرفه،غير أنّي من بينهم عارف بخبره واقف على أثره.فقال له سلمان:أخبرنا عنه.فقال:لقد شهدت قسّا و قد خرج من ناد من أندية أياد إلى ضحضح ذي قتاد،و سمر و غياد،و هو مشتمل بنجاد،فوقف في اضحيان ليل كالشمس رافعا إلى السماء وجهه و إصبعه،فدنوت منه،فسمعته يقول:اللهمّ ربّ السماوات الأرفعة،و الأرضين الممرعة،بحقّ محمّد و ثلاثة محامد معه، و عليّين الأربعة،و فاطمة و الحسنين الأبرعة،و جعفر و موسى التّبعة،سمّي الكليم الصّرعة،اولئك النّقباء الشّفعة،و الطريق المهيعة.راشة الأناجيل، و محاة الأضاليل،و نقاة الأباطيل،الصادقو القيل،عدد نقباء بني إسرائيل،فهم أوّل البداية،و عليهم تقوم السّاعة،و بهم تنال الشفاعة،و لهم من اللّه فرض الطاعة،اسقنا غيثا مغيثا.ثمّ قال:يا ليتني مدركهم بعد لأي من عمري و محياي.ثمّ أنشأ يقول:

أقسم قسّ قسما ليس به مكتتما

لو عاش ألفي سنة لم يلق منها سأما

حتى يلاقي أحمدا و النّجباء الحكما

هم أوصياء أحمد أفضل من تحت السما

يعمى الأنام عنهم

ثمّ قال الجارود:أنبئني يا رسول اللّه بخبر هذه الأسماء،لم نشهدها، و أشهدنا قسّا ذكرها.فقال:يا جارود ليلة اسري بي إلى السماء أوحى اللّه عزّ و جلّ إليّ أن سل من قد أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا؟قلت:علام بعثوا؟قال:على نبوّتّك،و ولاية عليّ بن أبي طالب و الأئمة منكما،ثمّ عرفني اللّه تعالى بهم و بأسمائهم-ثمّ ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أسماءهم واحدا واحدا إلى المهديّ عليه السّلام-و قال:قال لي الرّب تبارك و تعالى:هؤلاء أوليائي،و هذا المنتقم من أعدائي-يعني المهدي-عليه السّلام 1.

أقسم قسّ قسما ليس به مكتتما

لو عاش ألفي سنة لم يلق منها سأما

حتى يلاقي أحمدا و النّجباء الحكما

هم أوصياء أحمد أفضل من تحت السما

يعمى الأنام عنهم

ثمّ قال الجارود:أنبئني يا رسول اللّه بخبر هذه الأسماء،لم نشهدها، و أشهدنا قسّا ذكرها.فقال:يا جارود ليلة اسري بي إلى السماء أوحى اللّه عزّ و جلّ إليّ أن سل من قد أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا؟قلت:علام بعثوا؟قال:على نبوّتّك،و ولاية عليّ بن أبي طالب و الأئمة منكما،ثمّ عرفني اللّه تعالى بهم و بأسمائهم-ثمّ ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أسماءهم واحدا واحدا إلى المهديّ عليه السّلام-و قال:قال لي الرّب تبارك و تعالى:هؤلاء أوليائي،و هذا المنتقم من أعدائي-يعني المهدي-عليه السّلام (1)

المناقب لابن شهر آشوب 1:287. [1]

.

قوله في الخبر:«و الحسنين»بلفظ الجمع لا التثنية،المراد:السّبطان مع الحسن العسكري عليهم السّلام،و المراد بثلاثة محامد في الخبر:الباقر،و الجواد، و المهدي عليهم السّلام،و المراد بعليين الأربعة:أمير المؤمنين،و السّجاد،و الرّضا، و الهادي عليهم السّلام،و قوله في الخبر:«و جعفر-إلى-الصّرعة»و يكون التّبعة إشارة إلى كثرة أتباع جعفر،لأنّهم كانوا يقولون للشّيعة الجعفرية،و يكون (الصّرعة)إشارة إلى حبس هارون للكاظم،حتّى قتله في الحبس بعد مدّة.

و قال السّروي أيضا:قال الزهري:قال لي عبد الملك بن مروان:وجد وكيلي في مدينة الصّفر التي بناها سليمان بن داود،على سورها،أبياتا منها:

هذا مقاليد أهل الأرض قاطبة و الأوصياء له أهل المقاليد

هم الخلائف اثنا عشرة حججا من بعده الأوصياء السّادة الصّيد

حتى يقوم بأمر اللّه قائمهم من السّماء اذا ما باسمه نودي (2)

«و الآيات» أي:العلامات الّتي عيّنها اللّه تعالى لعباده.

ص:


1) 1)

2) 2) المناقب لابن شهر آشوب 1:288. [2]

«واضحة» ليس بها خفاء .

«و المنار» في(الصحاح):المنار:علم الطريق (1)

صحاح اللغة 2:839 [1] مادة(نور).

.

«منصوبة» لكيلا تضلّوا،قال سلمان الفارسي في خطبته-كما روى (رجال الكشي)-:فاذا رأيتم-أيّها النّاس-الفتن كقطع الليل المظلم،يهلك فيها الراكب الموضع،و الخطيب المصقع،و الرأس المتبوع،فعليكم بآل محمّد صلّى اللّه عليه و آله،فإنّهم القادة إلى الجنّة و الدّعاة إليها إلى يوم القيامة،و عليكم بعليّ عليه السّلام،فو اللّه لقد سلّمنا عليه بالولاء مع نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فما بال القوم أحسد؟ فقد حسد قابيل هابيل،أكفر؟فقد ارتدّ قوم موسى عن الأسباط،و يوشع، و شمعون،و ابني هارون شبر و شبير،و السبعين الّذين اتّهموا موسى على قتل هارون،فأخذتهم الرّجفة من بغيهم،ثمّ بعث اللّه أنبياء مرسلين و غير مرسلين،فأمر هذه الامّة كأمر بني إسرائيل،فأين يذهب بكم؟ما أنا و فلان و فلان؟ويحكم و اللّه ما أدري أ تجهلون أم تتجاهلون؟أنسيتم أم تتناسون؟ أنزلوا آل محمّد منكم منزلة الرأي من الجسد،بل منزلة العينين من الرأس، و اللّه لترجعن كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسّيف (2).

«فأين يتاه بكم» أي:يتحيّر بكم حتّى تتركون أهل العصمة و تتبعون أهل الرّجس و الخباثة.

أيا أهل شرع اللّه زالت حلومكم أم اختدعت من قلّة الفهم و الأدب

صلاتكم مع من و حجّكم بمن و غزوكم في من أجيبوا بلا كذب

صلاتكم و الحجّ و الغزو ويلكم لشرّاب خمر عاكفين على الرّيب

«بل كيف تعمهون» أي:تتحيرون.


1) 1)

2) 2) معرفة الرجال للكشي(اختياره)20 ح 47 [2] ضمن خطبة طويلة.

«و بينكم عترة نبيّكم و هم أزمّة» جمع الزّمام.

«الحقّ و أعلام الدّين» أي:راياته،أو جباله .

«و ألسنة الصّدق» في القول و الفعل،قال ابن أبي الحديد:عترة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أهله الأدنون و نسله،و ليس بصحيح قول من قال:إنّهم رهطه و إن بعدوا.و إنّما قال أبو بكر يوم السقيفة أو بعده:«نحن عترة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بيضته التي فقئت عنه»على طريق المجاز،لأنّهم بالنّسبة إلى الأنصار عترة له لا في الحقيقة،ألا ترى أنّ العدناني يفاخر القحطاني،فيقول:أنا ابن عمّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟ليس يعني أنّه ابن عمّه على الحقيقة،بل هو بالاضافة إلى القحطاني كان ابن عمّه،و إنّما استعمل ذلك و نطق به مجازا،فان قدر مقدر أنّه على طريق حذف المضافات، أي:ابن ابن عم أب الأب إلى عدد كثير في البنين و الآباء،فكذلك أراد أبو بكر:

أنّهم عترة أجداده على طريق حذف المضاف،و قد بيّن عترته صلّى اللّه عليه و آله من هي،لمّا قال:«إنّي تارك فيكم الثّقلين-فقال-عترتي أهل بيتي».و بيّن في مقام آخر:من أهل بيته،حيث طرح عليهم كساء و قال-حين نزلت «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» (1)

الأحزاب:33. [1]

-:اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس (2).

قلت:و كما بيّن صلّى اللّه عليه و آله عترته عند نزول الآية بيّن موضع الآية،و إن مزجها معاند و هم بآيات الأزواج تلبيسا و تدليسا،فكان صلّى اللّه عليه و آله ستّة أشهر لمّا نزل:

«وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ» (3)يأتي إلى باب عليّ و فاطمة عليهما السّلام و يقول:«الصلاة الصلاة «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (4).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:130. [2]

3) 3) طه:132. [3]

4) 4) الاحزاب:33. [4]

رواه الطبري في(ذيله)و الثعلبي،في(تفسيره)عن أبي الحمراء عنه صلّى اللّه عليه و آله،و أخطب الخطباء عن أبي سعيد الخدري عنه صلّى اللّه عليه و آله،(و سنن أبي داود)،و(موطأ مالك)عن أنس عنه صلّى اللّه عليه و آله (1)

منتخب ذيل المذيل للطبري:83،و تفسير الثعلبي عنه الطرائف 1:128 ح 198 و [1]العمدة 1:21 و غيرهما عن أبي الحمراء،و مناقب الخوارزمي:23 و غيره عن أبي سعيد،و سنن الترمذي 5:352 ح 3206،و مسند أحمد 3:259، و [2]الطرائف لابن طاوس 1:128 ح 199،و [3]العمدة لابن البطريق 1:23 عن سنن ابي داود و موطأ مالك عن أنس، لكن لم يوجد هذا الحديث في الأصلين.

.

فيفهم أن ترتيب القرآن كان هكذا:(و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا)-إلى أن قال- و كيف يصحّ أن يقول تعالى لأزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ» كما أدرجوه فيها؟ و روى(الأغاني)مسندا عن إبراهيم بن سعد الأسدي عن أبيه قال:رأيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المنام،فقال لي:أتعرف الكميت بن زيد الأسدي؟قلت:يا رسول اللّه عمّي،و من قبيلتي.قال:أتحفظ من شعره شيئا؟قلت:نعم.قال:أنشدني.

فأنشدته حتّى بلغت إلى قوله في قصيدة له:

فما لي إلاّ آل أحمد شيعة و مالي إلاّ مشعب الحقّ مشعب

فقال لي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إذا أصبحت فاقرأ عليه السّلام،و قل له:قد غفر اللّه لك بهذه القصيدة (2).

و روى(عيون ابن بابويه)عن الرّيان بن الصّلت قال:حضر الرّضا عليه السّلام مجلس المأمون بمرو،و قد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء العراق و خراسان،فقال المأمون:أخبروني عن معنى هذه الآية: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا»


1) 1)

2) 2) الأغاني لأبي الفرج 17:26،و النقل بتصرف يسير.

«الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» (1)

فاطر:32. [1]

.فقالت العلماء:أراد عزّ و جلّ بذلك الامة كلّها.فقال المأمون للرّضا عليه السّلام:ما تقول أنت؟فقال:لا أقول كما قالوا، و لكنّي أقول:أراد العترة الطاهرة-إلى أن قال-فقال المأمون:من العترة الطاهرة؟فقال عليه السّلام:الّذين وصفهم اللّه عزّ و جلّ في كتابه فقال: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)،و هم الذين قال فيهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«إنّي مخلّف فيكم الثقلين:كتاب اللّه،و عترتي أهل بيتي،ألا إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض،فانظروا كيف تخلّفوني فيهما؟أيّها الناس لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».فقالت العلماء:أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة، أهم الآل أم غير الآل؟فقال:هم الآل.قالوا:فهذا النّبيّ يؤثر عنه أنّه قال:«امّتي آلي»و هؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه:«آل محمّد امّته».فقال عليه السّلام:أخبروني،هل تحرم الصدقة على الآل؟قالوا:نعم.

قال:فتحرم على الامة؟قالوا:لا.قال:فهذا فرق بين الآل و الامّة،و يحكم أين يذهب عنكم أضربتم عن الذكر صفحا أم أنتم قوم مسرفون؟أما علمتم أنّه وقعت الوراثة و الطهارة على المصطفين المهتدين دون سايرهم؟قالوا:و من أين؟قال عليه السّلام:من قوله عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (3).فصارت وراثة النّبوّة و الكتاب للمهتدين دون الفاسقين (4).

«فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن» ممّا نزل فيهم عليهم السّلام،و في خبر الرّيان بن الصّلت المتقدّم:قال المأمون للرضا عليه السّلام:هل فضّل اللّه العترة على ساير


1) 1)

2) 2) الأحزاب:33. [2]

3) 3) الحديد:26. [3]

4) 4) عيون الأخبار للصدوق 1:179 ح 1. [4]

النّاس في محكم كتابه؟فقال عليه السّلام:نعم.قال:أين ذلك؟قال:في قوله عزّ و جلّ:

«إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ» (1)

آل عمران:33 و 34. [1]

.و قال عزّ و جلّ في موضع آخر: «أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (2)ثمّ ردّ المخاطبة في أثر هذا الى ساير المؤمنين،فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (3)يعني الّذين قرنهم بالكتاب و الحكمة.و قالت العلماء:أخبرنا:هل فسّر اللّه تعالى الاصطفاء للعترة؟فقال عليه السّلام:فسّره في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا.فأوّل ذلك:قوله عزّ و جلّ: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» و رهطك منهم المخلصين» (4).

هكذا في قراءة ابي بن كعب و هي ثابتة في مصحف عبد اللّه بن مسعود.و هذه منزلة رفيعة،و فضل عظيم،و شرف عال حين عنى اللّه بذلك:إنذار الآل،فذكره للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فهذه واحدة.و الآية الثانية:في الاصطفاء قوله عزّ و جلّ: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (5)و هذا هو الفضل الّذي لا يجهله أحد إلاّ معاند ضالّ،لأنّه لا فضل بعد الطهارة ينتظر.

و أمّا الآية الثالثة:فحين ميّز اللّه الطاهرين من خلقه،فأمر نبيّه صلّى اللّه عليه و آله بالمباهلة بهم في آية الابتهال،فقال عزّ من قائل: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا»


1) 1)

2) 2) النساء:54. [2]

3) 3) النساء:59. [3]

4) 4) هذه قراءة أبي ابن كعب في الآية 214 من سورة الشعراء، [4]كما رواها الصدوق في عيون الاخبار 1:181 [5] عن الرضا عليه السّلام عن ابي،و روى هذه القراءة عن ابن مسعود و الباقر عليه السّلام و الصادق عليه السّلام و عمرو ابن مرّة و غيرهم.

5) 5) الأحزاب:33. [6]

«وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (1)

آل عمران:61. [1]

.فأبرز النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام،و قرن أنفسهم بنفسه،فهل تدرون ما معنى قوله: «وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» ؟قالوا:عنى به نفسه.قال:غلطتم،إنّما عنى بها عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،و ممّا يدلّ على ذلك قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«لينتهين بنو وليعة أو لأبعثنّ عليهم رجلا كنفسي»يعني عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،و عنى بالأبناء الحسن و الحسين عليهما السّلام،و عنى بالنّساء فاطمة عليها السّلام.فهذه خصوصية لا يتقدّمهم فيها أحد و فضل لا يلحقهم فيه بشر،و شرف لا يسبقهم إليه خلق، إذ جعل نفس عليّ كنفسه،فهذه الثالثة.

و أمّا الرابعة:فإخراجه النّاس من مسجده ما خلا العترة،حتّى تكلّم النّاس في ذلك،و تكلّم العبّاس.فقال:يا رسول اللّه تركت عليّا و أخرجتنا؟فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ما أنا تركته و أخرجتكم،و لكنّ اللّه تركه و أخرجكم.و في هذا تبيان قوله صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام:«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى».قالوا:و أين هذا من القرآن؟قال:قوله عزّ و جلّ: «وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً» (2).ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى،و فيها أيضا منزلة عليّ عليه السّلام من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و مع هذا دليل ظاهر في قوله صلّى اللّه عليه و آله:«ألا إنّ هذا المسجد لا يحلّ لجنب إلاّ لمحمّد و آله».فقالوا:يا أبا الحسن هذا الشرح،و هذا البيان لا يوجد إلاّ عندكم معشر أهل البيت.قال:و من ينكر لنا ذلك،و النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:«أنا مدينة العلم و عليّ بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها».ففي ما أوضحنا و شرحنا من الفضل و الشرف و التقدمة و الاصطفاء و الطهارة ما لا ينكره إلاّ معاند.


1) 1)

2) 2) يونس:87. [2]

و الآية الخامسة:قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)

آل عمران:61.

فلمّا نزلت هذه الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:ادعوا لي فاطمة.فدعيت.فقال:يا فاطمة هذه فدك، و هي ممّا لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب،و هي لي خاصّة دون المسلمين،و قد جعلتها لك لما أمرني اللّه به،فخذيها لك و لولديك.

و الآية السادسة: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (2).

و هذه خصوصيّة للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى يوم القيامة،و خصوصية للآل دون غيرهم، و ذلك أنّه تعالى حكى عن نوح أنّه قال: «وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ» (3)،و حكى عن هود أنّه قال: «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (4)،و قال تعالى لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله قل يا محمّد: «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (5).و لم يفترض اللّه مودّتهم إلاّ و قد علم أنّهم لا يرتدّون عن الدّين أبدا،و لا يرجعون إلى ضلال أبدا،و أحرى أن يكون الرّجل و ادّا للرجل،فيكون بعض أهل بيته عدوّا له،فلا يسلم له قلب الرّجل،فأحبّ تعالى أن لا يكون في قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على المؤمنين شيء، ففرض اللّه عليهم مودّة ذوي القربى،فمن أخذ بها و أحبّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أحب أهل بيته لم يستطع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن يبغضه،و من تركها،و لم يأخذ بها،و أبغض أهل بيته فعلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن يبغضه،لأنّه قد ترك فريضة من فرائض اللّه عزّ و جلّ،فأيّ فضيلة،و أيّ شرف يتقدّم هذا أو يدانيه؟و لمّا أنزل تعالى هذه


1) 1)

2) 2) الشورى:23. [1]

3) 3) هود:29. [2]

4) 4) هود:51. [3]

5) 5) الشورى:23. [4]

الآية على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله قام في أصحابه،فحمد اللّه تعالى،و أثنى عليه،و قال:أيّها النّاس إنّ اللّه قد فرض لي عليكم فرضا،فهل أنتم مؤدوه؟فلم يجبه أحد،فقال:

أيّها الناس إنّه ليس بذهب و لا فضّة،و لا مأكول،و لا مشروب.فقالوا:هات إذن.

فتلا عليهم: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (1)

:23.

،فقالوا:أما هذه فنعم.فما وفى بها أكثرهم،و ما بعث اللّه تعالى نبيّا إلاّ و أوحى إليه:أن لا يسأل قومه أجرا،لأنّه تعالى يوفي أجر الأنبياء،و أمّا محمّد صلّى اللّه عليه و آله ففرض اللّه طاعته و مودّة قرابته على امّته،و أمره أن يجعل أجره فيهم،ليؤدوه في قرابته بمعرفة فضلهم الّذي أوجب تعالى لهم،فإنّ المودّة إنّما تكون على قدر معرفة الفضل،فلمّا أوجب اللّه تعالى ذلك لثقل وجوب الطاعة،فتمسّك بها قوم،أخذ اللّه تعالى ميثاقهم على الوفاء،و عاند فيه أهل الشقاق و النفاق،و ألحدوا في ذلك،فصرفوه عن حدّه الّذي حدّه عزّ و جلّ فقالوا:القرابة هي العرب كلّها، و أهل دعوته.فعلى أيّ الحالتين كان،فقد علمنا أنّ المودّة في القرابة،فأقربهم من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أولاهم بالمودّة،و كلّما قربت القرابة كانت المودّة للقرابة على قدرها.و ما أنصفوا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حيطته و رأفته،و ما منّ اللّه به على امّته ممّا تعجز الألسن عن وصف الشكر عليه ألاّ يؤدّوه في ذريّته و أهل بيته،و أن لا يجعلوهم فيهم بمنزلة العين من الرّأس،حفظا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيهم و حبّا لهم،فكيف،و القرآن ينطق به و يدعو إليه،و الأخبار ثابتة بأنّهم أهل المودّة، و الّذين فرض اللّه مودّتهم،و وعد الجزاء عليها؟فما وفى أحد بها مؤمنا مخلصا إلاّ استوجب الجنّة،لقوله عزّ و جلّ في هذه الآية الشورى: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ»

1) 1)

«لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (1)

الشورى:22-23. [1]

مفسرا و مبيّنا.

و أمّا الآية السابعة:فقوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (2)،و قد علم المعاندون منهم أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل:يا رسول اللّه قد عرفنا التسليم عليك،فكيف الصلاة عليك؟فقال:تقولون:«اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد».فهل بينكم في هذا خلاف؟قالوا:لا، و قال المأمون هذا ممّا لا خلاف فيه أصلا،و عليه إجماع الامّة.

قال المأمون:فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن؟قال:

نعم.أخبروني عن قوله عزّ و جلّ: «يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (3)فمن عنى بقوله: «يس» ؟قالوا:

«يس» :محمّد لم يشكّ فيه أحد.قال عليه السّلام:فإن اللّه عزّ و جلّ أعطى محمّدا و آل محمّد عليهم السّلام من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه،و ذلك أنّه عزّ و جلّ لم يسلّم على أحد إلاّ على الأنبياء،فقال تعالى: «سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ» (4).

«سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ» (5)، «سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ» (6)و لم يقل:سلام على آل نوح.سلام على آل إبراهيم.سلام على آل موسى و هارون.و قال:

«سَلامٌ عَلى إِلْ‌ياسِينَ» (7)يعني:آل محمّد صلوات اللّه عليهم فقال المأمون:


1) 1)

2) 2) الأحزاب:56. [2]

3) 3) يس:1-4. [3]

4) 4) الصافات:79. [4]

5) 5) الصافات:109. [5]

6) 6) الصافات:120. [6]

7) 7) الصافات:130 [7] هذه قراءة نافع و ابن عامر و يعقوب من القرّاء العشرة،كما نقل عنهم الداني في التيسير:187 و [8]ابن الجزري في النشر 2:360،و [9]روى عن علي عليه السّلام و ابن عباس و ابي مالك و عمر.

إنّ في معدن النبوّة شرح هذا و بيانه.

و أمّا الآية الثامنة:فقوله عزّ و جل: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (1)

الأنفال:41. [1]

.فقرن سهم ذي القربى بسهمه و بسهم رسوله صلّى اللّه عليه و آله.فهذا أيضا فصل بين الآل و الامّة،لأنّه عزّ و جل جعلهم في حيّز، و جعل النّاس في حيّز دون،و رضي لهم ما رضي لنفسه و اصطفاهم فيه،فبدأ بنفسه ثمّ ثنّى برسوله ثمّ بذي القربى،فكلّ ما كان من الفيء و الغنيمة،و غير ذلك ممّا رضيه عزّ و جلّ،لنفسه،رضيه لهم،فقال و قوله الحقّ: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (2)فهذا تأكيد مؤكّد، و أثر قائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب اللّه الناطق الّذي: «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (3).

و أمّا قوله: «وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ» (4)فإنّ اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم،و لم يكن له فيها نصيب،و كذلك المسكين إذا انقطع مسكنته لم يكن له نصيب من المغنم،و لا يحل له أخذه،و سهم ذي القربى قائم إلى يوم القيامة فيهم،للغنيّ و الفقير منهم،لأنّه لا أحد أغنى من اللّه عزّ و جلّ و لا من رسوله،فجعل منها لنفسه سهما و لرسوله سهما،و ما رضيه لنفسه و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله رضيه لهم،و كذلك الفيء،ما رضيه منه لنفسه و لنبيّه رضيه لذي القربى،كما أجراهم في الغنيمة،فبدأ بنفسه جلّ جلاله،ثمّ برسوله،ثمّ بهم،و قرن سهمهم بسهمه و سهم رسوله،و كذلك في الطاعة،قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (5)فبدأ بنفسه


1) 1)

2) 2) الأنفال:41. [2]

3) 3) فصّلت:42. [3]

4) 4) الأنفال:41. [4]

5) 5) النساء:59. [5]

ثمّ برسوله ثمّ بأهل بيته،و كذلك ولايتهم مع ولاية الرّسول مقرونة بولايته، كما جعل سهمهم مع سهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله مقرونا بسهمه من الغنيمة و الفيء، فتبارك اللّه و تعالى ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت،فلمّا جاءت قصة الصدقة نزّه نفسه و رسوله و أهل بيته،فقال: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ» (1)

التوبة:60. [1]

.فهل تجد في شيء من ذلك أنّه عزّ و جلّ سمّى لنفسه أو لرسوله أو لذي القربى؟لأنّه لمّا نزّه نفسه عن الصدقة و نزّه رسوله نزّه أهل بيته،لا بل حرّم عليهم،لأنّ الصدقة محرّمة على محمّد و آل محمّد،و هي أوساخ أيدي النّاس لا تحلّ لهم،لأنّهم طهّروا من كلّ دنس و وسخ،فلمّا طهّرهم اللّه و اصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه،و كره لهم ما كره لنفسه عزّ و جلّ.

و أمّا التاسعة: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (2).فنحن أهل الذكر،فاسألوا إن كنتم لا تعلمون.فقالوا:إنّما عنى اللّه بذلك اليهود و النصارى.

فقال:سبحان اللّه!و هل يجوز ذلك،إذن يدعوننا إلى دينهم،و يقولون:إنّه أفضل من دين الإسلام؟فقال المأمون:فهل عندك شرح بخلاف ما قالوا؟ فقال عليه السّلام:نعم.الذكر:رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و نحن أهله،و ذلك بيّن في كتاب اللّه عزّ و جلّ حيث يقول في سورة الطلاق: «فَاتَّقُوا اللّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللّهِ مُبَيِّناتٍ» (3).

فالذّكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نحن أهله.


1) 1)

2) 2) النحل:43،و [2]الأنبياء:7. [3]

3) 3) الطلاق:10-11. [4]

و أمّا العاشرة:فقوله عزّ و جلّ: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ» (1)

النساء:23. [1]

.

فأخبروني هل تصلح ابنتي،و ابنة ابني،و ما تناسل من صلبي للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّ يتزوّجها لو كان حيّا؟قالوا:لا.قال:فأخبروني هل كانت ابنة أحدكم تصلح له أن يتزوّجها لو كان حيّا؟قالوا:نعم.قال عليه السّلام:ففي هذا بيان،لأنّي من آله و لستم أنتم من آله،و لو كنتم من آله لحرمت عليه بناتكم،كما حرم عليه بناتي.

و أمّا الحادية عشرة:فقوله عزّ و جلّ حكاية عن قول رجل مؤمن من آل فرعون: «وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ» (2).كان ابن خال فرعون فنسبه إلى فرعون بنسبه،و لم يضفه إليه بدينه،و كذلك خصصنا نحن إذ كنّا من آل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بولادتنا منه،و عممنا النّاس بالدّين.

و أمّا الثانية عشرة:فقوله عزّ و جلّ: «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» (3).فخصّنا اللّه تعالى بهذه الخصوصية،إذ أمرنا مع الامّة بإقامة الصلاة،ثم خصّنا من دون الامّة،فكان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يجيء إلى باب علي و فاطمة عليهما السّلام.بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر،كلّ يوم عند حضور كلّ صلاة خمس مرّات،فيقول:«الصّلاة رحمكم اللّه».و ما أكرم اللّه أحدا من ذراري الأنبياء بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها،و خصّنا من دون جميع أهل ملّتهم.فقال المأمون و العلماء:جزاكم اللّه أهل بيت نبيّكم عن هذه الامّة خيرا، فما نجد الشّرح و البيان في ما اشتبه علينا إلاّ عندكم (4).


1) 1)

2) 2) غافر:28. [2]

3) 3) طه:132. [3]

4) 4) عيون الاخبار للصدوق 1:179 ح 1. [4]

و في(تاريخ اليعقوبي):قال إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس:

دخلت على أبي جعفر المنصور يوما،و قد اخضلت لحيته بالدموع،فقال لي:ما علمت ما نزل بأهلك؟فقلت:و ما ذاك؟قال:فإنّ سيّدهم و عالمهم،و بقيّة الأخيار منهم توفّي.فقلت:و من هو؟قال:جعفر بن محمّد.فقلت:أعظم اللّه أجرك.فقال لي:إنّ جعفرا كان ممّن قال اللّه فيه: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» (1)

فاطر:32. [1]

.و كان ممّن اصطفى اللّه و كان من السابقين بالخيرات (2).

و فيه أيضا:أنّ آخر ما نزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (3).و هي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة،و كان نزولها يوم النص على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بغدير خم .

«و ردوهم ورود الهيم العطاش» الأصل في الهيم:العطش،يقال:قوم هيم.

أي:عطاش،ثم غلب على الإبل العطاش،قال تعالى: «فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ» (4).و حينئذ فذكره عليه السّلام(العطاش)بعد(الهيم)تأكيد.

روى المالكي في(فصوله):أنّ أبا ذر أخذ بحلقة باب الكعبة و قال:

سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرّأس،فإنّ الجسد لا يهتدي إلاّ بالرّأس،و لا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين (5).

و روى أبو بصير-كما في(الارشاد)-قال:دخلت المدينة و كانت معي


1) 1)

2) 2) تاريخ اليعقوبي 2:383. [2]

3) 3) تاريخ اليعقوبي 2:112،و [3]النقل بتلخيص،و الآية 3 من سورة المائدة. [4]

4) 4) الواقعة:55. [5]

5) 5) الفصول المهمة لابن الصباغ:26،و [6]النقل بتقطيع.

جويرية لي فأصبت منها،ثمّ خرجت إلى الحمام،فلقيت أصحابنا الشيعة و هم متوجهون إلى جعفر بن محمّد عليهما السّلام،فخفت أن يسبقوني و يفوتني الدخول إليه،فمشيت معهم حتّى دخلت الدّار،فلمّا مثلت بين يدي أبي عبد اللّه عليه السّلام نظر إليّ،ثمّ قال:يا أبا بصير أما علمت أنّ بيوت الأنبياء و أولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب؟فاستحييت و قلت له:يابن رسول اللّه إنّي لقيت أصحابنا فخشيت أن يفوتني الدّخول معهم،و لن أعود إلى مثلها.و خرجت (1)

الارشاد للمفيد:273. [1]

.

«أيّها الناس خذوها» أي:الجملة التي أقولها.

«من» هكذا في(المصرية)،و الصواب:(عن)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة) (2).

«خاتم النبيين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» لا عنّي .

«إنّه يموت من مات منّا و ليس بميّت» روى الصفار و ابن قولويه عن الصادق عليه السّلام قال:ما من نبيّ و لا وصيّ يبقى في الأرض أكثر من ثلاثة أيّام، حتى يرفع بروحه و عظمه و لحمه إلى السماء،و إنّما يؤتى موضع آثارهم، و يبلغ بهم من بعيد السّلام،و يسمعونهم على آثارهم من قريب (3).

و قال شيخنا المفيد في(مقالاته):الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام يحلّ بهم الموت، و خالفنا فيه المنتمون إلى التفويض،و طبقات الغلاة،و ينقلون من تحت التراب،فيسكنون بأجسامهم و أرواحهم جنّة اللّه تعالى،فيكونون فيها أحياء يتنعمون إلى يوم القيامة،يستبشرون بمن يلحق بهم من صالحي اممهم و شيعتهم،و يلقونه بالكرامات،و ينتظرون من يرد عليهم من أمثال السابقين


1) 1)

2) 2) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2:130، [2]لكن لفظ شرح ابن ميثم 2:299« [3]من»أيضا.

3) 3) البصائر للصفار:465 ح 9،و [4]كامل الزيارات لابن قولويه:329 ح 3. [5]

في الديانات،و أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليهم السّلام لا يخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدّنيا،بإعلام اللّه تعالى لهم ذلك حالا بعد حال،و يسمعون كلام المناجي لهم في مشاهدهم المكرّمة العظام،بلطيفة من لطائف اللّه أبانهم بها من جمهور العباد،و تبلغهم المناجاة من بعيد كما جاءت به الرواية،و هذا مذهب فقهاء الامامية كافّة و حملة الآثار منهم،و لست أعرف فيه لمتكلّميهم من قبل مقالات،و بلغني عن بني نوبخت خلاف فيه،و لقيت جماعة من المقصّرين عن المعرفة ممّن ينتمي إلى الإمامية أيضا يأبونه،و قد قال تعالى:

«وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» (1)

آل عمران:169-170. [1]

.و ما يتلو هذا من كلام،و قال في قصّة مؤمن آل يس: «قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» (2).و قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«من سلّم عليّ عند قبري سمعته،و من سلّم عليّ من بعيد بلّغته» (3).ثمّ الأخبار في تفصيل ما ذكرناه من الجملة عن أئمة آل محمّد عليهم السّلام بما وصفناه نصّا و لفظا كثيرة،و ليس هذا الكتاب موضع ذكرها (4).

«و يبلى من بلي منّا و ليس ببال» من:بلي الثوب و أبلاه:جعله باليا،قال العجاج:

و المرء يبليه بلاء السّربال كرّ الليالي و اختلاف الأحوال


1) 1)

2) 2) يس:26-27. [2]

3) 3) رواه المفيد مجردا في أوائل المقالات:85،و [3]العيون و المحاسن [4]عنه الفصول [5]المخبّارة:95،و يفرق يسير مسندا البيهقي في شعب الإيمان عنه الجامع الصغير 2:175،و أبو علي الطوسي في أماليه 1:169 المجلس 6. [6]

4) 4) أوائل المقالات للمفيد:84،و [7]النقل بتلخيص.

و عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في خبر عرض الأعمال عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،قالوا:و قد رممت يا رسول اللّه؟فقال:إنّ اللّه تعالى حرّم لحومنا على الأرض أن تطعم منها شيئا (1)

سنن النسائي 3:91،و سنن ابن ماجه 1:345 ح 1085،و غيرهما،و النقل بتصرف.

.

و في(الفقيه)عن الصادق عليه السّلام:أنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم عظامنا على الأرض،و حرّم لحومنا على الدّود أن يطعم منها شيئا (2).

فيمكن حمل كلامه عليه السّلام: «و يبلى من بلي منّا» على أنّه جرى على الظاهر، و أنّه لو فرض كونه باليا في الظّاهر كباقي النّاس لم يكن ببال في الحقيقة،كما قال النّمري:

فإن يك أفنته الليالي فأوشكت فإنّ له ذكرا سيفني اللياليا

و قال آخر:

ردّت صنايعه عليه حياته فكأنّه من نشرها منشور

«فلا تقولوا بما لا تعرفون،فإنّ أكثر الحقّ في ما تنكرون» في(صفين نصر) تكلّم أصحابه عليه السّلام بعد رفع المصاحف،فقال الحضين بن المنذر-و كان أحدثهم سنّا-:إنّما بني هذا الدّين على التسليم فلا تدفعوه بالقياس،و لا تهدموه بالشبهة فإنّا-و اللّه-لو لا أنّا لا نقبل إلاّ ما نعرف لأصبح الحقّ في أيدينا قليلا،و لو تركنا ما نهوى لكان الباطل في أيدينا كثيرا،و أنّ لنا رداعيا قد حمدنا ورده و صدره،و هو المأمون على ما قال،المأمون على ما فعل،فإن قال:لا.

قلنا:و إن قال:نعم.قلنا:نعم (3).

و كيف لا يكون أكثر الحقّ في ما ينكر النّاس،و قد أنكر مثل موسى عليه السّلام


1) 1)

2) 2) الفقيه للصدوق 1:121 ح 23.

3) 3) وقعة صفين لابن مزاحم:485.

أفعال العبد الصالح:من خرق السفينة،و إقامة الجدار،و قتل الغلام (1)

جاءت قصّة موسى عليه السّلام و العبد الصالح في الآيات 60-82 من سورة الكهف.

؟ «و اعذروا» أي:اجعلوا معذورا.

«من لا حجّة لكم عليه و أنا هو» فإنّه عليه السّلام كان مؤيّدا من عند اللّه تعالى في كلّ فعل و قول،معلّما من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في كلّ أمر،و هم كانوا أهل جهالة و بطالة.

و روى سبط ابن الجوزي في(تذكرته):أنّ اللّه تعالى قال لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله:

و انصب أهل بيتك علما للهداية،و أودع أسرارهم من سرّي بحيث لا يشكل عليهم دقيق،و لا يغيب عنهم خفي،و اجعلهم حجّتي على بريّتي،و المنبّهين على قدري،و المطلعين على أسرار خزائني (2).

و روى أيضا عنه عليه السّلام:أنّه ذكر نور النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،ثمّ قال:ثمّ لم يزل ذلك النّور ينتقل فينا،و يتشعشع في غرائزنا،فنحن أنوار السماوات و الأرض، و سفن النجاة،و فينا مكنون العلم،و إلينا مصير الامور،و بمهدينا تقطع الحجج،فهو خاتم الأئمة،و منقذ الامّة،و منتهى النّور،و غامض السرّ،فليهن من استمسك بعروتنا،و حشر على محبّتنا (3).

29

من الخطبة(148)

حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ص رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ- وَ غَالَتْهُمُ السُّبُلُ وَ اتَّكَلُوا عَلَى الْوَلاَئِجِ- وَ وَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ- وَ هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ- وَ نَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ- مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ- قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ وَ ذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ- عَلَى سُنَّةٍ مِنْ؟آلِ فِرْعَوْنَ؟- مِنْ مُنْقَطِعٍ


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:129،130 ضمن خطبة.

3) 3) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:129،130 ضمن خطبة.

إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ- أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ «حتّى إذا قبض اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و آله» فيه تصريح بما تقوله الإمامية،من ارتداد الناس بعد وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ارتدادا معنويا،إلاّ من عصم اللّه من شيعته المخلصين.

«رجع قوم على الأعقاب» «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» (1)

آل عمران:144. [1]

.

قال أبو المقدام للباقر عليه السّلام:إنّ العامّة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع النّاس كانت رضى للّه،و إنّ اللّه ما كان ليضلّ امّة محمّد من بعده.

فقال عليه السّلام:أو ما تقرءون كتاب أللّه؟أو ليس اللّه يقول: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ» (2)؟فقلت له:إنّهم يفسّرونه على وجه آخر،و يقولون:كيف يمكن كفرهم بعد ايمانهم؟فقال:أو ليس اللّه عزّ و جلّ قد أخبر عن الّذين من قبلهم من الامم:أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات،حيث قال: «وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ» (3)؟و في هذا ما يستدلّ به على أنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله قد اختلفوا من بعده:فمنهم من آمن،و منهم من كفر.

و في(استيعاب ابن عبد البر)في عنوان بسر بن أرطاة:روى شعبة و سفيان الثوري عن المغيرة بن النّعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّكم محشورون إلى اللّه عزّ و جلّ عراة عزّلا-فذكر


1) 1)

2) 2) آل عمران:144. [2]

3) 3) الكافي للكليني 8:270 ح 398،و [3]الآية 253 من سورة البقرة. [4]

الحديث و فيه-:فأقول:يا رب أصحابي!فيقال:إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (1)

الاستيعاب لابن عبد البر 1:160. [1]

.

و روى مسندا عن أبي حازم عن سهل بن سعد،قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّي فرطكم على الحوض،من مرّ عليّ يشرب،و من شرب لم يظمأ أبدا،و ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم و يعرفوني،ثم يحال بيني و بينهم.قال أبو حازم:فسمعني النّعمان بن أبي عيّاش،فقال:هكذا سمعت من سهل؟قلت:نعم.قال:فإنّي أشهد على أبي سعيد الخدري،سمعته و هو يزيد فيها:فأقول:إنّهم منّي.فيقال:

إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.فأقول:سحقا سحقا لمن غيّر بعدي (2).

«و غالتهم السّبل» يقال:غاله:إذا أخذه من حيث لم يدر،قال حارثة في ابنه زيد بن حارثة لمّا ذهبت به بنو القين:

فو اللّه ما أدري و إن كنت سائلا أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل

و كلامه عليه السّلام إشارة إلى قوله تعالى: «وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» (3).

«و اتّكلوا» أي:اعتمدوا.

«على الولائج» هكذا في النسخ (4)،و الظاهر وقوع سقط،و أنّ الأصل:

«على غير الولائج».فوليجة الرّجل خاصته و بطانته،فيكون إشارة إلى قوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» (5).


1) 1)

2) 2) الاستيعاب لابن عبد البر 1:159. [2]

3) 3) الأنعام:153. [3]

4) 4) كذا في نهج البلاغة 2:36،و [4]شرح ابن أبي الحديد 2:417،و شرح ابن ميثم 3:216.

5) 5) التوبة:16. [5]

و يحتمل أن يكون الأصل:«و اتّكلوا على الولائج من دون اللّه ».

«و وصلوا غير الرّحم» أي:غير رحم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،حيث تركوا أهل بيته و قطعوا رحمه التي امروا بوصلها،و قد قال تعالى: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» (1)

البقرة:27. [1]

.

«و هجروا» أي:تركوا.

«السّبب» هكذا في النسخ (2)،و لا يبعد أن يكون محرّف(النّسب)بشهادة قوله:

«الّذي امروا بمودّته» قال تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (3).

و قال ابن أبي الحديد:قوله عليه السّلام: «و هجروا السّبب...» ،إشارة إلى قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«خلّفت فيكم الثقلين:كتاب اللّه،و عترتي أهل بيتي،حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض،لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض».فعبّر أمير المؤمنين عن أهل البيت بلفظ السّبب،لمّا كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:«حبلان».

و السّبب في اللغة:الحبل ... (4)

«و نقلوا البناء عن رصّ أساسه» من إضافة الصفة مع كون المصدر بمعنى المفعول،أي:أساسه المرصوص،كما قال تعالى: «بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ» (5).أي:ملصق بعضه ببعض.


1) 1)

2) 2) كذا في نهج البلاغة 2:36،و [2]شرح ابن أبي الحديد 2:417،و شرح ابن ميثم 3:216. [3]

3) 3) الشورى:23. [4]

4) 4) شرح ابن أبي الحديد 2:417. [5]

5) 5) الصف:4. [6]

«فبنوه في غير موضعه» و قال تعالى: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ» (1)

آل عمران:34. [1]

.

و قد سأل السّلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي الحكيم سنائي -الشاعر-عن مذهبه،فأجابه بقصيدة،و هي بالفارسية،و منها هذه الأبيات:

از پى سلطان ملك شه چون نمى‌دارى روا تخت و تاج سلطنت جز آنكه سنجر داشتن

از پى سلطان دين از چه همى دارى روا جز عليّ و عترتش محراب و منبر داشتن (2)

و روى(أمالي الشيخ)في مجلسه العشرين عن عليّ بن الحسين عليه السّلام في صلح عمّه عليه السّلام قال:قال الحسن عليه السّلام:إنّ معاوية بن صخر زعم أنّي رأيته للخلافة أهلا،و لم أر نفسي لها أهلا،كذب معاوية ايم اللّه،لأنّا أولى النّاس بالنّاس،في كتاب اللّه و على لسان رسوله،غير أنّا أهل البيت لم نزل مخوّفين، مظلومين،مضطهدين منذ قبض اللّه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فاللّه بيننا و بين من ظلمنا حقّنا و نزل على رقابنا،و حمل النّاس على أكتافنا،و منعنا سهمنا في كتاب اللّه،و منع امّنا فاطمة إرثها.إنّا لا نسمّي أحدا،و لكن أقسم باللّه،لو أنّ الناس سمعوا قول اللّه و قول رسوله،لأعطتهم السماء قطرها،و الأرض بركتها،و لما اختلف في هذه الامّة سيفان،و لأكلوها خضراء إلى يوم القيامة،و ما طمعت فيها يا معاوية.و لكن لمّا أخرجت سالفا من معدنها،و زحزحت عن قواعدها، تنازعتها قريش بينها،و ترامتها كترامي الكرة حتّى طمعت فيها أنت-يا معاوية-و أصحابك من بعدك.و قد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ما ولّت امّة أمرها رجلا قط


1) 1)

2) 2) ترجمة البيتين:إن كنت تأبى أن يخلف ملكشاه(أحد ملوك الدولة السلجوقية)في العرش و التاج سوى سنجر (خليفة ملكشاه)فكيف تصبر على أن يخلف سلطان الدين(النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله)في المحراب و المنبر سوى علي و عترته عليهم السّلام.

و فيهم من هو أعلم منه،لم يزل أمرهم سفالا حتّى يرجعوا إلى ما تركوا،و قد تركت بنو إسرائيل-و كانوا أصحاب موسى-هارون أخاه و خليفته و وزيره، و عكفوا على العجل،و أطاعوا فيه سامريّهم و هم يعلمون أنّه خليفة موسى.

و قد سمعت هذه الامّة قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأبي:«إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»،و قد رأوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين نصّبه لهم بغدير خم، و نادى له بالولاية ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب و قد خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حذارا من قومه إلى الغار،لمّا أجمعوا أن يمكروا به،لمّا لم يجد عليهم أعوانا،و لو وجد عليهم أعوانا لجاهدهم.و قد كفّ أبي و ناشدهم،و استغاث أصحابه،فلم يغث،و لو وجد عليهم أعوانا ما أجابهم،و قد جعل في سعة كما جعل النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في سعة،و قد خذلتني الامّة فبايعتك يابن حرب،و لو وجدت عليك أعوانا ما بايعتك،و قد جعل اللّه هارون في سعة إذ استضعفه قومه،و كذلك أنا و أبي في سعة حين تركتنا الامّة... (1)

الامالي للطوسي 2:178 المجلس 3 [1] ضمن حديث طويل.

.

و روى الجوهري في(سقيفته)عن جرير عن المغيرة:أنّه لمّا بويع أبو بكر،قال سلمان:أصبتم الخير،و لكن أخطأتم المعدن (2).

و روى عن حبيب بن أبي ثابت،قال:قال سلمان يومئذ:أصبتم ذا السنّ منكم،و لكنكم أخطأتم أهل بيت نبيّكم،أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان،و لأكلتموها رغدا (3).

و رووا أيضا عن سلمان،قال يومئذ:أصبتم و أخطأتم،أصبتم سنّة الأوّلين،و أخطأتم أهل بيت نبيّكم.و قال:ما أدري أنسيتم أم تناسيتم؟ أ جهلتم أم تجاهلتم؟و قال:و اللّه،لو أعلم أنّي أعزّ للّه دينا،أو أمنع للّه ضيما


1) 1)

2) 2) أخرجهما الجوهري في السقيفة:67،و [2]لم يصرّح بكون الثاني رواية حبيب بن أبي ثابت.

3) 3) أخرجهما الجوهري في السقيفة:67،و [3]لم يصرّح بكون الثاني رواية حبيب بن أبي ثابت.

لضربت بسيفي قدما قدما (1)

السقيفة لسليم بن قيس:90 بفرق يسير.

.

و روى إبراهيم الثقفي عن يحيى الحماني عن عمرو بن حريث عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني عن عليّ عليه السّلام،قال:في ما عهد إلى النّبيّ الامّي صلّى اللّه عليه و آله:أنّ الامّة ستغدر بك (2).

و في(خلفاء ابن قتيبة):لمّا جاءوا بعليّ إلى بيعة أبي بكر قال:«اللّه اللّه يا معشر المهاجرين،لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم،و لا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس و حقّه،فو اللّه-يا معشر المهاجرين-لنحن أحقّ النّاس به،لأنّا أهل البيت،و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه،الفقيه في دين اللّه،العالم بسنن رسول اللّه، المضطلع بأمر الرّعيّة،المدافع عنهم الامور السّيئة،القاسم بينهم بالسّوية، و اللّه إنّه لفينا.فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه،فتزدادوا من الحقّ بعدا».

قال:فقال بشير بن سعد الأنصاري:لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر،ما اختلف عليك اثنان (3).

و فيه:و خرج عليّ كرّم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على دابة ليلا في مجالس الأنصار،تسألهم النصرة،فكانوا يقولون:يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرّجل،و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر،ما عدلنا به.فيقول عليّ كرّم اللّه وجهه:أ فكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بيته لم أدفنه،و أخرج انازع الناس سلطانه؟فقالت فاطمة:ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له،و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم (4).


1) 1)

2) 2) تاريخ الثقفي عنه تلخيص الثاني 3:50،و الجوهري في السقيفة:69. [1]

3) 3) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:12. [2]

4) 4) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:12. [3]

و روى الطبراني عن الدّبري عن عبد الرّزاق عن أبيه عن مينا عن ابن مسعود قال:كنت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليلة و فد الجنّ،فلمّا انصرف تنفس،قلت:ما شأنك يا رسول اللّه؟قال:نعيت إليّ نفسي.قلت:فاستخلف.قال:من؟قلت:أبو بكر.فسكت،ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفّس.قلت:ما شأنك؟قال:نعيت إليّ نفسي.

قلت:فاستخلف.قال:من؟قلت:عمر.فسكت،ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفس،فقلت:

ما شأنك؟قال:نعيت إليّ نفسي.قلت:فاستخلف.قال:من؟قلت:عليّ بن أبي طالب.قال:أما و الّذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة أجمعين (1)

أخرجه الطبراني في معجمه عنه اللآلىء المصنوعة 1:168.

.

و روى أيضا عن محمّد بن عبد اللّه الحضرمي،عن عليّ بن الحسين بن بردة العجلي الذّهبي،عن يحيى بن يعلى الأسلمي،عن حرب بن صبيح،عن سعيد بن مسلم،عن أبي مرّة الصنعاني،عن أبي عبد اللّه الحذلي،عن ابن مسعود قال:استتبعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليلة الجنّ-إلى أن قال-قال:و ما أظن أجلي إلاّ قد اقترب.قلت:يا رسول اللّه ألا تستخلف أبا بكر؟فأعرض عنّي، فرأيت أنّه لم يوافقه،فقلت:يا رسول اللّه ألا تستخلف عمر؟فأعرض عنّي، فرأيت أنّه لم يوافقه،فقلت:يا رسول اللّه ألا تستخلف عليّا؟قال:ذاك و الذي لا إله غيره لو بايعتموه،و أطعتموه أدخلكم الجنّة أكتعين (2).

و إنّما طعن ابن الجوزي-لنصبه-في الخبر الأوّل بكون مينا في طريقه شيعيا،و أمّا الخبر الثاني فلم يطعن فيه كما صرّح به السيوطي (3).

«معادن كلّ خطيئة،و أبواب كلّ ضارب في غمرة» أي:شدّة،و غمرات الموت:شدائده،و لقد أقرّ معاوية و يزيد في جوابيهما لكتابي محمّد بن أبي بكر،و عبد اللّه بن عمر-لما طعنا فيهما بقتال أمير المؤمنين عليه السّلام،و قتل سيّد


1) 1)

2) 2) أخرجه الطبراني في معجمه عنه اللآلىء المصنوعة 1:168.

3) 3) اللآلىء المصنوعة 1:168.

شباب أهل الجنّة-بأنّ أبويهما هما اللّذان أسسّا لهما الأمر،و هما تابعان لهما في أعمالهما،كما رواه نصر بن مزاحم،و أبو الفرج و المسعودي و البلاذري و غيرهم (1)

جواب معاوية لمحمد بن أبي بكر رواه نصر بن مزاحم في وقعة صفين:119،و المسعودي في مروج الذهب 3:12، و البلاذري في أنساب الاشراف 2:396،و لم أجده عن أبي الفرج،لا في الأغاني و [1]لا في المقاتل،و جواب يزيد لابن عمر رواه عن أنساب الأشراف ابن طاوس في الطرائف 1:247 ح 348،لكن لم يوجد في ترجمة الامام الحسين عليه السّلام،و لا ترجمة يزيد من أنساب الأشراف.

.

و روى(أغاني أبي الفرج)عن محمّد بن سهل صاحب الكميت:أنّه أنشد أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد،فكثر البكاء حين أتى على هذا البيت:

يصيب به الرّامون عن قوس غيرهم فيا آخرا أسدى له الغيّ أوّل

و رفع أبو عبد اللّه يديه،و قال:اللهمّ اغفر للكميت ما قدّم و ما أخّر،و ما أسرّ و ما أعلن،و أعطه حتّى يرضى (2).

«قد ماروا» قال الجوهري:مار:أي تحرّك و جاء و ذهب (3).

«في الحيرة» أي:في التّحير.

«و ذهلوا» أي:غفلوا.

«في السّكرة» فيكون مورهم أشدّ مور،و ذهولهم أشدّ ذهول .

«على سنّة من آل فرعون» على سيرتهم و طريقتهم،فكما أنّ فرعون استخفّ قومه،و قال لهم: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» (4)فأطاعوه،قال لهم الثّاني:إنّ الأول صاحب نبيّكم في الغار،و رضيه في صلاته بكم لدينكم،فكيف لا ترضونه لدنياكم،و لا تبايعونه؟فجعل أمر الخلافة أدون من إمام الجماعة،


1) 1)

2) 2) الأغاني 17:24،و [2]النقل بتصرف.

3) 3) صحاح اللغة للجوهري 2:820 [3] مادة(مور).

4) 4) النازعات:24. [4]

مع أنّهم يجوّزون الصلاة خلف كلّ فاسق،مضافا إلى ما في كونه صاحب الغار من العوار،و ما في تقديمه للصّلاة من الشّنار،فهل حيرة فوق هذا،و هل سكرة أشدّ من هذا ؟ «من منقطع إلى الدّنيا راكن» إليها ككثير من المهاجرين و الأنصار الّذين أسلموا زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله طوعا،لكن بعده اتّبعوا الأوّل طمعا أن ينالوا ثروة أو إمرة،و لم يبق مع أمير المؤمنين عليه السّلام بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلاّ ثلاثة أو أربعة،و بعد شهرين صاروا سبعة،و هم الّذين صلّوا معه عليه السّلام على سيّدة النساء صلوات اللّه عليها.و ليس ذئبان ضاريان في غنم بأكثر فسادا من حبّ جاه الدّنيا و مالها للمرء المسلم في دينه .

«أو مفارق للدّين مباين» أي:منفصل عن الدّين،كعمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة،و خالد بن الوليد،و عكرمة بن أبي جهل،و سهيل بن عمرو،و أبي سفيان،و إبنيه يزيد و معاوية،و نظرائهم من المنافقين و المؤلّفة الذين أسلموا بعد غلبة الإسلام كرها،بأنّهم شدّوا أمر أبي بكر،فضلا عن أن بايعوه و تابعوه،قال الجاحظ في(بيانه:)قال الحسن بن عليّ لحبيب بن مسلمة:ربّ مسير لك في غير طاعة اللّه.فقال:أمّا مسيري إلى أبيك فلا.قال:

بلى و لكنّك أطعت معاوية على دنيا قليلة،فلعمري لئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك،و لو أنّك إذ فعلت شرّا قلت خيرا،كنت كما قال اللّه تعالى:

«خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً» (1)

التوبة:102. [1]

.و لكنّك كما قال تعالى: «كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» (2).

هذا،و قال ابن أبي الحديد بعد العنوان:فإن قلت:أليس الفصل صريحا


1) 1)

2) 2) البيان و التبيين للجاحظ 2:99،و [2]الآية 14 من سورة المطففين. [3]

في تحقيق مذهب الإمامية؟قلت:لا،بل نحمله على أنّه عليه السّلام عنى اعداءه الّذين حاربوه من قريش،و غيرهم من أفناء العرب في أيّام صفّين،و هم الّذين نقلوا البناء،و هجروا السّبب،و وصلوا غير الرحم،و اتّكلوا على الولائج،و غالتهم السّبل،و رجعوا على الأعقاب،كعمرو بن العاص،و المغيرة بن شعبة، و مروان بن الحكم،و الوليد بن عقبة،و حبيب بن مسلمة و بسر بن أرطاة، و عبد اللّه بن الزبير،و سعيد بن العاص،و حوشب،و ذوي الكلاع،و شرحبيل بن الصمت،و أبي الأعور السلمي،و غيرهم ممّن تقدّم،ذكرنا له في الفصول المتعلّقة بصفين،و أخبارها.فإنّ هؤلاء نقلوا الإمامة عنه إلى معاوية،فنقلوا البناء عن رصّ أصله إلى غير موضعه.

قال:فإن قلت:لفظ الفصل يشهد بخلاف ما تأوّلته،لأنّه عليه السّلام قال: «حتّى إذا قبض اللّه رسوله رجع قوم على الأعقاب» فجعل رجوعهم على الأعقاب عقيب قبض الرّسول صلّى اللّه عليه و آله،و ما ذكرته أنت كان بعد قبض الرّسول صلّى اللّه عليه و آله بنيّف و عشرين سنة.قلت:ليس يمتنع أن يكون هؤلاء المذكورون رجعوا على الأعقاب لمّا مات النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و أضمروا في أنفسهم مشاقّة أمير المؤمنين عليه السّلام و أذاه،و قد كان فيهم من يتحكّك به في أيّام أبي بكر،و عمر،و عثمان، و يتعرّض له،و لم يكن أحد منهم و لا من غيرهم يقدم على ذلك في حياة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.و لا يمتنع أيضا أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الإسلام،فإنّ كثيرا من أصحابنا يطعنون في ايمان بعض من ذكرناه، و يعدّونهم من المنافقين،و قد كان سيف النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقمعهم و يردعهم عن إظهار ما في أنفسهم من النّفاق،فأظهر قوم منهم بعده ما كانوا يضمرونه من ذلك،خصوصا فيما يتعلّق بأمير المؤمنين عليه السّلام،الّذي ورد في حقّه:«ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب»و هو

خبر محقّق مذكور في الصّحاح (1)

سنن الترمذي 5:635 ح 3717 عن أبي سعيد الخدري الكهف.

.

قال:فإن قلت:يمنعك من هذا التأويل قوله: «و نقلوا البناء عن رصّ أساسه فجعلوه في غير موضعه» .و ذلك لأنّ(إذا)ظرف،و العامل فيها قوله:

«رجع قوم على الأعقاب» ،و قد عطف عليه قوله: «و نقلوا البناء» .فإذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا في الظرف المذكور-و هو وقت قبض الرّسول- وجب أن يكون نقل البناء الى غير موضعه واقعا في ذلك الوقت أيضا،لأنّ أحد الفعلين معطوف على الآخر،و لم ينقل أحد وقت قبض الرّسول صلّى اللّه عليه و آله البناء إلى معاوية عن أمير المؤمنين عليه السّلام،و إنّما نقل عنه إلى شخص آخر،و في إعطاء العطف حقّه إثبات مذهب الإمامية صريحا.

قلت:إذا كان الرّجوع على الأعقاب واقعا وقت قبض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فقد قمنا بما يجب من وجود عامل في الظّرف،و لا يجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في تلك الحال أيضا،بل يجوز أن يكون واقعا في زمان آخر،إمّا بأن يكون الواو للاستيناف لا للعطف،أو بأن يكون للعطف في مطلق الحدث، لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزّمان المخصوص،كقوله تعالى: «حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ» (2).فالعامل في الظرف «اسْتَطْعَما» و يجب أن يكون استطعامهما وقت إتيانهما أهلها لا محالة،و لا يجب ان تكون جميع الأفعال المذكورة المعطوفة واقعة في حال الإتيان أيضا،ألا ترى أنّ من جملتها «فَأَقامَهُ» و لم يكن إقامة الجدار حال إتيانهما القرية،بل متراخيا عنه بزمان ما،اللهمّ إلاّ أن يقول قائل:أشار بيده إلى الجدار،فقام،أو قال له:قم.فقام،لأنّه


1) 1)

2) 2) :77.

لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارنة للإتيان إلاّ على هذا الوجه،و هذا لم يكن، و لا قاله مفسّر.و لو كان قد وقع على هذا الوجه لما قال له: «لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» ،لأنّ الأجر إنّما يكون على احتمال عمل فيه مشقّة،و إنّما يكون فيه مشقّة إذا بناه بيده،و باشره بجوارحه و أعضائه.

قال:و اعلم أنّا نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام على ما يقتضيه سؤدده الجليل،و منصبه العظيم،و دينه القويم،من الإغضاء عمّا سلف ممّن سلف، فقد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر.فإمّا أن يكون ما كانوا فيه حقّهم،أو حقّه،فتركه لهم رفعا لنفسه عن المنازعة،أو لما رآه من المصلحة.

و على أي التقديرين،فالواجب علينا أن نطبّق بين آخر أفعاله و أقواله بالنّسبة إليهم،و بين أوّلها،فإنّ بعد تأويل من يتأوّله من كلامه،فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد و العدل الآيات المتشابهة في القرآن،و لم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الاصول المقرّرة،فكذلك هاهنا (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:418. [1]

.

قلت:إنّما كان الأولى له أن يريح نفسه و يقول-ككثير من نصّابهم-إنّه و إن صرّح أنّ النّاس ارتدّوا بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلاّ أنّا لا نقبل قوله،و أنّا لا نقبل أقوال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه.فقد صرّح فاروقهم لمّا منع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصيّة:بأنّه علم ما أضمر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من تعيينه لعليّ،إلاّ أنّي منعته من ذلك،لأنّه لم يكن صلاح الامّة،فكيف نقبل ما يقوله من نفسه و يدّعيه لنفسه،و لا يذكر هذه التأويلات التي توجب التهوّع،و لا يخرج في تطويلاته إلى كلام البلهاء، و اصلاحه حال المتقدّمين عليه عليه السّلام بتأويلاته كما قال الشاعر:

تروح إلى العطار تبغي شبابها و هل يصلح العطار ما أفسد الدّهر

و هل حمله قوله عليه السّلام: «حتّى إذا قبض اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و آله رجع قوم على


1) 1)

الأعقاب» على من ذكر من ابن العاص،و المغيرة،و مروان،و باقيهم يصحّح مذهبهم؟و ما يفعل بامّ مؤمنيهم الّتي ولاؤها-عندهم كأبيها و صاحبه-جزء دينهم؟فإنّها كانت السّبب الأعظم في تزلزل أمر أمير المؤمنين عليه السّلام و استيلاء معاوية،و أمّا من سمّاه فكان الناس يعرفونهم بالنّفاق قديما و حديثا،و من كان يعتني بهم،لو لا عايشة في الجمل الّذي سبّب صفيّن و النهروان،حتّى انجرّ الأمر إلى ما انجرّ من خلافة معاوية؟ و إذا عدّ ابن الزبير فلم لم يعدّ أباه حواريهم،و طلحة أحد عشرتهم و ستّتهم و ولاؤهما أيضا عندهم ركن الدّين؟و هما أيضا كأميرة مؤمنيهم كانا العامل الأهم،و السبب الأعظم في تزلزل أمر أمير المؤمنين عليه السّلام و انتقال السلطان إلى معاوية.فكتب معاوية الى سعيد بن العاص:«فقد أيّدتكم بأسد و تيم».مريدا بأسد الزبير و بتيم طلحة.فكان معاوية كتب إلى كلّ منهما:«أنّه أخذ البيعة بالشام له،و لصاحبه على أنّ الأمر للمقدّم،ثمّ لصاحبه من بعده».

و كان كتب الى يعلى بن اميّة:«و قد كتبت إلى طلحة أن يلقاك بمكّة،حتّى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة،و الطلب بدم عثمان».فكان معاوية لم ير نفسه أهلا للقيام في قباله عليه السّلام،حتّى يكتب الى طلحة و الزبير:أنّه أحكم الأمر لهما حتّى يزلزلا أمره،فيتمكّن من القيام عليه.

و لم عدّ المغيرة،و لم يعضد المغيرة معاوية وقت قيام أمير المؤمنين عليه السّلام،بل عاضد أمير المؤمنين عليه السّلام بنصحه على السياسة الدنيوية، بأن يكتب إلى معاوية بإقراره على عمله،ثمّ يعزله بعد استقرار أمره،و إن لم يقبل أمير المؤمنين عليه السّلام ذلك منه على حسب وظيفته الدينية،فكان عليه السّلام ملتزما بالجري على حاق الشريعة.بخلاف صدّيقهم و فاروقهم،فإنّهما في قيامهما فزعا إلى المغيرة،لأن يرى لهما رأيا يستحكم به أمرهما،فرأى لهما أن يعرضا على العبّاس عمّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله تشريكه،تضعيفا لأمر أمير المؤمنين،

قال ابن قتيبة في(خلفائه)بعد ذكره إباء أمير المؤمنين عليه السّلام عن بيعة أبي بكر:

ثمّ خرج(أبو بكر)فأتى المغيرة بن شعبة.فقال:الرّأي يا أبا بكر أن تلقوا العبّاس،فتجعلوا له في هذه الإمرة نصيبا يكون له و لعقبه،و تكون لكما الحجّة على عليّ و بني هاشم،إذا كان العبّاس معكم.فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة و المغيرة حتّى دخلوا على العبّاس (1)

الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:15. [1]

.

و العبّاس و إن لم يقبل ذلك و أنكره و قال لأبي بكر-كما في(الخلفاء) أيضا-:إن كنت برسول اللّه طلبت فحقنا أخذت،و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدّمون فيهم،و إن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين،فأمّا ما بذلت لنا،فإن يكن حقّا لك فلا حاجة لنا فيه،و إن يكن حقّا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم،و إن كان حقّنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض... (2).

الا أنّ أصل تصدّي أبي بكر صار سببا لانتقال الأمر إلى جبابرة بني العبّاس،كجبابرة بني امية،فلو كان ابن أبي الحديد قال:إنّ المغيرة صار دخيلا في انتقال الأمر منه عليه السّلام إلى أبي بكر،كان له وجه،و إلاّ فإنّه أيّام ادعاء معاوية الأمر في قباله عليه السّلام لم يحارب أمير المؤمنين عليه السّلام و لا نصر معاوية، بل اعتزل لدهائه لينظر كيف يصير عاقبة الأمر،بل صرّح في أهل الجمل الطالبين بدم عثمان:أنّهم قتلته،و أنّ الحقّ معه عليه السّلام (3).

و كذلك عدّه سعيد بن العاص غلط،فإنّه مع كونه من بني امية منع معاوية من قيامه،فروى الزّبير بن بكار:أنّ معاوية كتب إليه:إنّ كتاب مروان ورد عليّ من ساعة وقعت النازلة،تقبل به البرد بسير المطيّ الوجيف تتوجس


1) 1)

2) 2) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:15. [2]

3) 3) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1:63.

توجّس الحيّة الذكر خوف ضربة الفأس،و قبضة الحاوي،و مروان الرّائد لا يكذب أهله فعلام الافكاك يابن العاص؟و لات حين مناص،ذلك أنّكم يا بني اميّة عمّا قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة،فينكركم من كان منكم عارفا،و يصدّ عنكم من كان لكم واصلا،متفرّقين في الشعاب،تتمنون لمظة المعاش.إنّ أمير المؤمنين(يعني عثمان)عتب عليه فيكم،و قتل في سبيلكم، ففيم القعود عن نصرته،و الطلب بدمه و أنتم بنو أبيه و ذوو رحمه،و أقربوه و طلاّب ثأره؟أصبحتم مستمسكين بشظف معاش زهيد عمّا قليل ينزع منكم عند التخاذل و ضعف القوى،فإذا قرأت كتابي هذا فدبّ دبيب البرء في الجسد النحيف،و سر سير النجوم تحت الغمام،و احسد حسد الذّرة في الصيف لانحجارها في الصرد،فقد أيّدتكم بأسد و تيم-إلى أن قال-فكتب إليه سعيد:

أمّا بعد،فإنّ الحزم في التثبّت و الخطأ في العجلة،و الشّؤم في البدار،و السّهم سهمك ما لم ينبض به الوتر،و لن يرد الحالب في الضرع اللبن.ذكرت حق أمير المؤمنين علينا(أي عثمان)و قرابتنا منه،و أنّه قتل فينا،فخصلتان ذكرهما نقص و الثالثة تكذب،و أمرتنا بطلب دم عثمان،فأيّ جهة تسلك-فيها أبا عبد الرحمن-ردمت الفجاج،و احكم الأمر عليك،و ولّي زمامه غيرك؟فدع مناواة من لو كان افترش فراشه صدر الأمر لم يعدل به غيره،و قلت:كأنّا عن قليل لا نتعارف،فهل نحن إلاّ حي من قريش،إن لم تنلنا الولاية،لم يضق عنّا الحقّ؟ انّها خلافة منافية.و باللّه أقسم قسما مبرورا لئن صحّت عزيمتك على ما ورد به كتابك لألفينّك بين الحالبين طليحا،و هبني أخالك بعد خوض الدّماء تنال الظفر،هل في ذلك عوض من ركوب المآثم،و نقص الدّين؟أمّا أنا فلا على بني امية و لا لهم.أجعل الحزم داري،و البيت سجني،و أتوسد الإسلام،و استشعر العافية.فاعدل أبا عبد الرحمن زمام راحلتك إلى محجّة الحق،و استوهب العافية لأهلك،و استعطف النّاس على قومك،و هيهات من قبولك ما أقول حتّى

يفجّر مروان ينابيع الفتن تأجّج في البلاد،و كأنّي بكما عند ملاقاة الأبطال تعتذران بالقدر،و لبئس العاقبة الندامة،و عمّا قليل يضحّ لك الأمر (1)

كتاب معاوية الى سعيد رواه الزبير بن بكار في الموفقيات عنه شرح ابن أبي الحديد [1] 2:561،شرح الخطبة 182، و جواب سعيد نقله في المصدر:563. [2]

.

و المغيرة أيضا دعاه أمير المؤمنين عليه السّلام إلى نصرته،فاعتذر بارادته الاعتزال،لما علم أنّ أعداءه عليه السّلام لا يخلّونه يصفو له الأمر،ففي(خلفاء ابن قتيبة):أنّ عليّا عليه السّلام قال للمغيرة:هل لك في اللّه؟قال:فأين هو يا أمير المؤمنين؟قال:تأخذ سيفك فتدخل معنا في هذا الأمر،فتدرك من سبقك، و تسبق من معك،فإنّي أرى امورا لا بدّ للسيوف أن تشحذ لها و تقطف الرءوس بها.فقال المغيرة:إنّي و اللّه-يا أمير المؤمنين-ما رأيت عثمان مصيبا و لا قتله صوابا،و إنّها لظلمة تتلوها ظلمات،فاريد يا أمير المؤمنين-إن أذنت لي-أن أضع سيفي و أنام في بيتي،حتّى تنجلي الظّلمة و يطلع قمرها، فنسري مبصرين نقفوا آثار المهتدين،و نتقي سبيل الجائرين.قال علي:قد أذنت لك،فكن من أمرك على ما بدا لك.فقام عمّار فقال:معاذ اللّه يا مغيرة!تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا،يغلبك من غلبته و يسبقك من سبقته؟انظر ما ترى و ما تفعل،فأمّا أنا فلا أكون إلاّ في الرعيل الأوّل.فقال له المغيرة:يا أبا اليقظان إيّاك أن تكون كقاطع السلسلة،فرّ من الضّحل فوقع في الرّمضاء.فقال عليّ لعمّار:دعه فإنّه لن يأخذ من الآخرة إلاّ ما خالطته الدّنيا،أما و اللّه يا مغيرة إنّها المثوبة المؤدّية،تؤدّي من قام فيها إلى الجنّة و لما اختار بعدها،فإذا غشيناك فنم في بيتك.فقال المغيرة:أنت و اللّه يا أمير المؤمنين أعلم منّي،و لئن لم اقاتل معك لا اعين عليك،فإن يكن ما فعلت صوابا فإيّاه أردت،و إن يكن خطأ فمنه


1) 1)

نجوت،و لي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلاّ الاستغفار منها (1)

رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1:50. [1]

.

و إنّما طوّلت في الاستشهاد بالتاريخ ليظهر لك خبطه في التمثيل كالممثّل و إنّما المغيرة في من و ممّن نقل البناء يوم السقيفة،كما مرّ،و قال الجوهري:سمعت ابن شبّه يحدّث رجلا بحديث لم أحفظ أسناده:أنّ المغيرة مرّ بأبي بكر و عمر،و هما جالسان على باب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله حين قبض،فقال:و ما يقعدكما؟قالا:ننتظر هذا الرّجل يخرج فنبايعه-يعنيان عليّا-فقال:أ تريدون أن تنظروا خيل الحلبة من أهل هذا البيت،و شعوها في قريش تتّسع؟فقاما إلى سقيفة بني ساعدة... (2).

و ممّا يوضّح ما قلنا من أنّ مراده عليه السّلام برجوع قوم على الأعقاب عقيب وفاته صلّى اللّه عليه و آله:ما قلناه من المنافقين و الطلقاء،الذين هم شدّوا أمر أبي بكر يوم السقيفة،كما هو صريح الفصل-و تشكيكه الرّكيك لا أثر له-ما رواه الزّبير بن بكار في(موفقيّاته)عن ابن مخرمة عن إبراهيم بن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف،قال:لمّا بويع أبو بكر و استقرّ أمره ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته،و لام بعضهم بعضا،و ذكروا عليّ بن أبي طالب،و هتفوا باسمه،و إنّه في داره لم يخرج إليهم،و جزع لذلك المهاجرون و كثر في ذلك الكلام،و كان أشدّ قريش على الأنصار نفر منهم،و هم سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي،و الحرث بن هشام و عكرمة بن أبي جهل المخزوميان، و هؤلاء أشراف قريش الّذين حاربوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثم دخلوا في الاسلام،و كلّهم موتور قد وتره الأنصار،أمّا سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدّخشم يوم بدر،و أمّا الحرث بن هشام فضربه عروة بن عمرو فجرحه يوم بدر،و هو فارّ


1) 1)

2) 2) السقيفة للجوهري:67. [2]

عن أخيه،و أمّا عكرمة بن أبي جهل فقتل أباه ابنا عفرة،و سلبه درعه يوم بدر زياد ابن لبيد،و في أنفسهم ذلك.

فلمّا اعتزلت الأنصار تجمّع هؤلاء،فقام سهيل فقال:يا معشر قريش:

إنّ هؤلاء القوم قد سمّاهم اللّه الأنصار،و أثنى عليهم في القرآن،فلهم بذلك حظّ عظيم و شأن غالب،و قد دعوا إلى أنفسهم و إلى عليّ بن أبي طالب،و عليّ في بيته لو شاء لردّهم،فادعوهم إلى صاحبكم و إلى تجديد بيعته،فإن أجابوكم و إلاّ قاتلوهم.فو اللّه إني لأرجو اللّه أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم.

ثمّ قام الحرث،فقال:إن يكن الأنصار تبوّأت الدّار و الايمان من قبل، و نقلوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى دورهم من دورنا فآووا و نصروا،ثمّ ما رضوا حتّى قاسمونا الامور و كفونا العمل،فإنّهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه فانّهم قد خرجوا ممّا و سموا به،و ليس بيننا و بينهم معاتبة إلاّ السيف،و إن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم و المظنون معهم.

ثمّ قام عكرمة بن أبي جهل،فقال:و اللّه لو لا قول رسول اللّه:«الأئمّة من قريش»ما أنكرنا إمرة الأنصار،و لكانوا لها أهلا،و لكنّه قول لا شك فيه و لا خيار،و قد عجّلت الأنصار علينا،و اللّه ما قبضنا عليهم الأمر،و لا أخرجناهم من الشورى،و إنّ الّذي هم فيه من فلتات الامور و نزغات الشيطان،و ما لا يبلغه المنى،و لا يحمله الأمل.اعذروا إلى القوم،فإن أبوا فقاتلوهم،فو اللّه لو لم يبق من قريش كلّها إلاّ رجل واحد لصيّر اللّه هذا الأمر فيه.

و حضر أبو سفيان،فقال:يا معشر قريش إنّه ليس للأنصار أن يتفضّلوا على الناس حتّى يقرّوا بفضلنا عليهم،فإن يفعلوا فحسبنا حيث انتهى بنا،و إلاّ فحسبهم حيث انتهى بهم،و ايم اللّه لئن بطروا المعيشة و كفروا النّعمة لنضربنّهم على الاسلام كما ضربونا عليه.فأمّا عليّ بن أبي طالب، فأهل-و اللّه-أن نسوّده على قريش و تطيعه الأنصار.

فلمّا بلغ الأنصار قول هؤلاء الرّهط،قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس،فقال:يا معشر الأنصار إنّما كان يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدّين من قريش،فأمّا إذا كان من أهل الدّنيا،و لا سيما من أقوام كلّهم موتور، فلا يكبرنّ عليكم،إنّما الرّأي و القول مع الأخيار من المهاجرين،فإن تكلّمت رجال قريش الّذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء،فعند ذلك قولوا ما أحببتم، و إلاّ فامسكوا.و قال حسّان بن ثابت يذكر ذلك:

تنادى سهيل و ابن حرب و حارث و عكرمة الشاني لنا ابن أبي جهل (1)

الموفقيات للزبير بن بكار [1]عنه شرح ابن أبي الحديد 2:9، [2]شرح الخطبة 65.

و قال أيضا الزبير بن بكار:و كان خالد بن الوليد شيعة لأبي بكر و من المنحرفين عن عليّ،فقام خطيبا.ثم نقل خطبته بطولها (2).

و قوله:«إنّ هؤلاء نقلوا الإمامة عنه إلى معاوية...»كلام مختل بلا محصّل،فإنّه عليه السّلام كان عند جمهور المسلمين إماما و خليفة،و عدم انقياد معاوية و كورة الشام له غير مضر،فكان في عصر أكثر الخلفاء خوارج كذلك، و إنّما كان عمرو بن العاص لمّا جعله معاوية حكما،قال:إنّي خلعت عليّا و نصبت معاوية.و لم يكن لفعله و قوله أثر،و إنّما كانت معاضدة هؤلاء لمعاوية سببا لسلطنة معاوية بعده عليه السّلام و عدم بقاء الخلافة لأهل بيته،و كما أن السبب لذلك فعل الأوّلين،فكانوا يقولون:هم قدّموه لنا.كما في كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر،و لا بدّ أن يكونوا يقولون لهم:أنتم قدّمتموه لنا.

كما أنّ ما طوّله في معنى العطف و تمثيله بالآية تطويل بلا طائل، و شطط و غلط،فعطف كلامه عليه السّلام بالواو،و عطف الآية بالفاء،و قد أجابوه عن ذلك.

و قوله:«إنّ الاستطعام كان وقت إتيان القرية لا إقامة الجدار إلاّ أن يقول


1) 1)

2) 2) الموفقيات للزبير بن بكار [3]عنه شرح ابن أبي الحديد 2:9، [4]شرح الخطبة 65.

قائل:أشار إلى الجدار فقام...» (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:418. [1]

كلام مضحك،فأيّ مانع أن نقول:كانت إقامة الجدار أيضا وقت الإتيان؟فهذه امور عرفيّة،فإنّ معنى الآية إنّ في وقت إتيان القرية عمل عملين:عمل أوّلا الاستطعام،و عمل ثانيا إقامة الجدار،و لم استدلّ على عدم إقامة الجدار بالإشارة باتخاذ الأجر؟فإنّه مجرّد فرض لا يحتاج في نفيه إلى استدلال،مع أنّه لو فرض وقوعه،أيّ مانع أن يقول له موسى: «لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» (2)لأنّ إشارته لم تكن إشارة عادية بل من قبل اللّه، فكانت أعظم من عمل فيه مشقّة.

و لم ينحصر الشكاية من الأوّلين به عليه السّلام،فشيعته كانوا مثله أيضا، روى الجوهري في(سقيفته)عن محمّد بن قيس الأسدي عن معروف بن سويد قال:كنت بالمدينة أيّام بويع عثمان،فرأيت رجلا في المسجد جالسا و هو يصفق بإحدى يديه على الاخرى و الناس حوله،و يقول:و اعجبا من قريش و استئثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معادن الفضل،و نجوم الأرض،و نور البلاد!و اللّه إنّ فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أولى منه بالحقّ،و لا أقضى بالعدل،و لا آمر بالمعروف،و لا أنهى عن المنكر، فسألت عنه،فقيل:هذا مقداد.فتقدّمت إليه،و قلت:أصلحك اللّه،من الرّجل الذي تذكره؟فقال:ابن عمّ نبيّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليّ بن أبي طالب.قال:فلبثت ما شاء اللّه،ثمّ إنّي لقيت أبا ذر فحدّثته ما قال مقداد،فقال:صدق.قلت:فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم؟قال:أبى ذلك قومهم... (3).

و أمّا قول ابن أبي الحديد:«و اعلم أنّا نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام


1) 1)

2) 2) الكهف:77. [2]

3) 3) السقيفة للجوهري:81. [3]

على ما يقتضيه سؤدده الجليل،و منصبه العظيم،و دينه القويم،من الإغضاء عمّا سلف» (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:418. [1]

.فإنّما الإغضاء عمّا سلف لمن رجع أخيرا،و جبر ما جرح أوّلا، و أمير المؤمنين عليه السّلام ليس عمله خلاف قول اللّه تعالى و رضاه،و اللّه تعالى لا يرضى إلاّ عمّن تاب و أناب،لا من أذنب و ألّب،و لم يكن ذلك إليه عليه السّلام،كما لم يكن إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقال تعالى له: «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ» (2).و كيف يعفو اللّه تعالى عمّن صار سببا لجميع الفتن و الأحداث التي حدثت في الإسلام،و الأحداث التي تحدث إلى يوم القيامة؟و كيف يقول:

عفا أمير المؤمنين عليه السّلام،و قد كان يتظلّم إلى حال احتضاره،و لم يستقرّ به المنبر في أيّامه إلاّ كان يتظلّم؟ و قول ابن أبي الحديد:«فالواجب علينا أن نطبّق بين آخر أفعاله و أقواله بالنسبة إليهم،و بين أوّلها» (3)لا يغني عنه من اللّه شيئا،و روى إبراهيم الثقفي أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لأمير المؤمنين عليه السّلام:إنّا كنّا نقول:لو رجعت إليكم بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم ينازعكم فيها أحد.و اللّه ما أدري ما أقول إذا سئلت، أزعم أنّ القوم كانوا أحقّ بما كانوا فيه منك،فعلام نصبك النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعد حجّة الوداع،و قال:«أيّها النّاس من كنت مولاه فعليّ مولاه»؟و إن قلت:أنت أولى منهم بما كانوا فيه،فعلام نتولاّهم؟فقال عليه السّلام:يا عبد الرّحمن إنّ اللّه تعالى قبض نبيّه،و أنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا،و قد كان من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليّ عهد لو خزموني بأنفي لأقررت سمعا للّه و طاعة،و إنّ أوّل ما انتقضا بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إبطال حقّنا في الخمس،فلمّا رقّ أمرنا طمعت رعيان


1) 1)

2) 2) التوبة:80. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:418. [3]

البهم من قريش فينا-إلى أن قال-و إنّما يعرف الهدى بقلّة من يأخذه من النّاس،فإذا سكت فاعفوني فإذا جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم، فكفّوا عنّي ما كففت عنكم.فقال عبد الرّحمن:فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأوّل:

لعمري لقد أيقظت من كان نائما و أسمعت من كانت له اذنان (1)

نقله عنه المفيد في أماليه:223 المجلس 26.

و أمّا قوله:«و قد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدّهر».فيقال له:

إنّما كانت مصاحبتهم بالمعروف بعد إتمام الحجّة عليهم يوم تمكّن من المحاجة،كيوم السقيفة يوم أبي بكر،و يوم الشورى يوم عثمان،و أمّا يوم عمر فلم يمكنه التكلّم،لأنّه كانت سلطنته مستقرة فوّضها أبو بكر إلى عمر، و الإمام كالكعبة يؤتى و لا يأتي،و لم يكن له عليه السّلام رغبة في السلطنة من حيث السلطنة،بل كان يريدها لإقامة الحق،كما صرّح عليه السّلام بذلك في الشقشقية (2)، و لم يكن عليه السّلام مثل اولئك الذين صاروا عارا على الاسلام بتركهم جنازة نبيّهم بلا تجهيز،و منازعتهم على الرياسة،و جعلهم تسلية أهل بيته إحضار النّار لإحراقهم.

و أمّا قول ابن أبي الحديد:«إنّ بعد تأويل ما نتأوّله من كلامه فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد و العدل الآيات المتشابهة» (3)فيقال له:بل بينهما بعد المشرقين،لأنّ كلامه عليه السّلام ليس بمتشابه،بل كالآيات المحكمات،مع أنّ كثيرا من المتشابهات-كقوله تعالى: «يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (4)،و كقوله جلّ


1) 1)

2) 2) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1:30 الخطبة 3.

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:418. [1]

4) 4) الفتح:10. [2]

و علا: «وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» (1)

الرحمن:27. [1]

-أهل العرف يفهمون أنّها استعارات،و أنّ ظاهرها غير مراد.و أمّا القول بأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام رضي عن الثلاثة،و أمضى أفعالهم،و صحّح نتايج أعمالهم،فليس بأبعد من أن يقال:

إنّ الجمع بين عبادة اللّه،و عبادة الأصنام و الأوثان غير ضائر.و من أن يقال:

إنّ موسى عليه السّلام لم يكن مخالفا لفرعون،و إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن منكرا لأبي جهل.و إن كان إخواننا يلتزمون بالجمع بين الضّدّين،ففي(الاستيعاب)رأى عمرو بن شرحبيل في النّوم عمّارا و أصحابه في روضة،و ذا ظليم و ذا الكلام في روضة.فقيل:و كيف،و قد قتل بعضهم بعضا؟فقال:وجدوا اللّه واسع المغفرة (2).

و لعمري إنّ هذا دين حنيفة التي أكلت ربها عام المجاعة،لا الدّين الحنيف الذي أمر اللّه عباده باتّباعه و مدح أتباعه.

30

من الخطبة(188)

اِلْزَمُوا الْأَرْضَ وَ اصْبِرُوا عَلَى الْبَلاَءِ- وَ لاَ تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَ سُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ- وَ لاَ تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ- وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ- وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً- وَ «وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ» - وَ اسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ- وَ قَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلاَتِهِ لِسَيْفِهِ- فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَ أَجَلاً «الزموا الأرض و اصبروا على البلاء» قال ابن أبي الحديد:أمر أصحابه أن


1) 1)

2) 2) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 1:487،و [2]النقل بالمعنى.

يثبتوا و لا يعجلوا في محاربة من كان مخالطا لهم من ذوي العقائد الفاسدة، كالخوارج و من كان يبطن هوى معاوية،و ليس خطابه هذا تثبيطا لهم عن حرب أهل الشام،كيف،و هو لا يزال يقرعهم و يوبّخهم عن التقاعد و الابطاء في ذلك؟و لكن قوم من خاصّته كانوا يطلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة، و يعرفون نفاقهم و فسادهم،و يرومون قتلهم و قتالهم،فنهاهم عن ذلك،و كان يخاف فرقة جنده و انتشار حبل عسكره،فأمرهم بلزوم الأرض و الصبر على البلاء (1)

شرح ابن أبي الحديد 3:220. [1]

.

و قال ابن ميثم:الخطاب خاص بمن يكون بعده بدلالة سياق الكلام، و لزوم الأرض كناية عن الصبر في مواطنهم،و قعودهم عن النّهوض بجهاد الظالمين في زمن عدم قيام الإمام بالحقّ بعده (2).

و قال الخوئي:الأظهر ما قاله ابن أبي الحديد (3).

قلت:بل الصواب ما قاله ابن ميثم،كما يشهد له أخبار أهل بيته،فروى أنّ عبد الحميد الواسطي قال للباقر عليه السّلام:لقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر.

فقال عليه السّلام:أ ترى من حبس نفسه على اللّه عزّ و جلّ لا يجعل اللّه له مخرجا؟بلى و اللّه ليجعلنّ له مخرجا.رحم اللّه عبدا حبس نفسه علينا،رحم اللّه عبدا أحيا أمرنا (4).

«و لا تحرّكوا بأيديكم و سيوفكم في هوى» هكذا في(المصرية)،و الصواب:

(و هوى)كما في(ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية) (5).


1) 1)

2) 2) شرح ابن ميثم 4:210.

3) 3) شرح الخوئي 5:206.

4) 4) كمال الدين للصدوق:644 ح 2،و [2]المحاسن للبرقي:173 ح 148 [3] في صدر حديث.

5) 5) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3:219،و شرح ابن ميثم 4:202 مثل المصرية أيضا.

«ألسنتكم» روى النعماني في(غيبته)عن أبي الجارود،قال:قلت لأبي جعفر عليه السّلام:أوصني.فقال:أوصيك بتقوى اللّه،و أن تلزم بيتك،و تقعد في دهماء هؤلاء النّاس،و إيّاك و الخوارج منّا فإنّهم ليسوا على شيء، و لا إلى شيء،و اعلم أنّ لبني اميّة ملكا لا يستطيع الناس أن تردعه، و أنّ لأهل الحقّ دولة إذا جاءت ولاّها اللّه من يشاء منّا أهل البيت، من أدركها منكم كان عندنا في السّنام الأعلى،و إن قبضه اللّه قبل ذلك جاز له... (1)

الغيبة للنعماني:129،132. [1]

.

«و لا تستعجلوا بما لم يعجّله اللّه لكم» روى النّعماني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى: «أَتى أَمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» (2)قال:هو أمرنا أمر اللّه عزّ و جلّ لا يستعجل به،يؤيّده ثلاثة أجناد:الملائكة و المؤمنون و الرّعب، و خروجه عليه السّلام كخروج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و ذلك قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ» (3).

و عنه عليه السّلام قال-لمّا قيل له:متى هذا الأمر؟-:كذب المتمنّون،و هلك المستعجلون،و نجا المسلّمون،و إلينا تصيرون (4).

و عن أبي جعفر عليه السّلام قال:مثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار و وقع من وكره،فتلاعبت به الصّبيان (5).

و روى ابن بابويه في(معانيه)عن الرّضا عليه السّلام في تفسير قول جدّه الصادق عليه السّلام في خروج إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن:«اتقوا اللّه،و اسكنوا ما


1) 1)

2) 2) النحل:1. [2]

3) 3) الغيبة للنعماني:132،و [3]الآية 5 من سورة الأنفال. [4]

4) 4) الغيبة للنعماني:131. [5]

5) 5) الغيبة للنعماني:133 [6] في ذيل حديث.

سكنت السماء و الأرض».يعني:ما سكنت السماء من النّداء باسم صاحبك (أي:القائم عليه السّلام)،و ما سكنت الأرض من الخسف بالجيش (1)

معاني الأخبار للصدوق:266 ح 1.

.

«فإنّه من مات منكم على فراشه و هو على معرفة حقّ ربّه و حقّ رسوله و أهل بيته مات شهيدا،و وقع أجره على اللّه» روى النّعماني في(غيبته)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:من مات منكم على هذا الأمر منتظرا،كان كمن هو في الفسطاط الّذي للقائم عليه السّلام (2).

و عنه عليه السّلام:من سرّه أن يكون من أصحاب القائم عليه السّلام فلينتظر،و ليعمل بالورع و محاسن الأخلاق و هو منتظر،فإن مات و قام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه... (3).

«و استوجب ثواب ما نوى من صالح عمله» روى النّعماني في(غيبته)عن حمران بن أعين قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:اعرف إمامك،فإذا عرفته لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أم تأخّر،فإنّه عزّ و جلّ يقول: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» (4)فمن عرف إمامه كان كمن هو في فسطاطه(أي:القائم)عليه السّلام (5).

و روى(محاسن البرقي)عن أبي عروة السلمي عن الصادق عليه السّلام:أنّ اللّه يحشر النّاس على نيّاتهم يوم القيامة (6).

و عن أبي عثمان العبدي عنه عليه السّلام،عن آبائه عليهم السّلام قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

لا قول إلاّ بعمل،و لا قول و لا عمل إلاّ بنيّة،و لا قول و لا عمل و لا نيّة


1) 1)

2) 2) الغيبة للنعماني:133. [1]

3) 3) الغيبة للنعماني:134. [2]

4) 4) الاسراء:71. [3]

5) 5) الغيبة للنعماني:230. [4]

6) 6) المحاسن للبرقي:262 ح 325. [5]

إلاّ بإصابة السنة (1)

المحاسن للبرقي:221 ح 134،و [1]الكافي 1:70 ح 9،و [2]البصائر للصفّار:31 ح 4،و [3]المقنعة للمفيد:48،و التهذيب 4: 186 ح 3.

.

و روى عنه عليه السّلام:أنّ العبد المؤمن الفقير ليقول:يا رب ارزقني حتّى أفعل كذا و كذا من البرّ و وجوه الخير.فإذا علم اللّه ذلك منه بصدق نيّته كتب اللّه له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله،إنّ اللّه واسع كريم (2).

و روى(العلل)عن زيد الشّحام قال للصادق عليه السّلام:سمعتك تقول:نيّة المؤمن خير من عمله.فكيف تكون النيّة خيرا من العمل؟قال:لأنّ العمل ربما كان رياء للمخلوقين،و النيّة خالصة لربّ العالمين،فيعطي عزّ و جلّ على النيّة ما لا يعطي على العمل،و أنّ العبد لينوي من نهاره أن يصلّي بالليل فتغلبه عينه فينام،فيثبت اللّه له صلاته،و يكتب نفسه تسبيحا و يجعل نومه عليه صدقة (3).

و روى عن أبي جعفر عليه السّلام:نيّة المؤمن أفضل من عمله،و ذلك لأنّه ينوي من الخير ما لا يدركه،و نيّة الكافر شرّ من عمله،و ذلك لأنّ الكافر ينوي الشّرّ و يأمل من الشّرّ ما لا يدركه (4).

«و قامت النّية مقام إصلاته لسيفه» أي:إخراجه من غمده،روى النعماني:

أنّ أبا بصير قال لأبي عبد اللّه عليه السّلام:أ تراني أدرك القائم عليه السّلام؟فقال:يا أبا بصير أ لست تعرف إمامك؟فقال:بلى و اللّه،و أنت هو.فقال:و اللّه ما تبالي يا أبا بصير أن لا تكون محتبيا بسيفك في ظل رواق القائم عليه السّلام (5).

و روى(الكافي)عن الصادق عليه السّلام قال:إنّما خلّد أهل النّار في النار،لأنّ


1) 1)

2) 2) المحاسن للبرقي:261 ح 320،و [4]الكافي للكليني 2:85 ح 3. [5]

3) 3) علل الشرائع للصدوق:524 ح 1. [6]

4) 4) علل الشرائع للصدوق:524 ح 2. [7]

5) 5) الغيبة للنعماني:230. [8]

نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا،و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة،لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبدا، فبالنيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء.ثمّ تلا قوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ» (1)

الاسراء:83. [1]

.قال:على نيّته (2).

«و أنّ لكلّ شيء مدّة و أجلا» أي:وقتا،فما دام لم تنقض مدّته لا يحصل ذاك الشيء.

و في حديث(الصحيفة السّجادية)المذكور في سندها،قال المتوكّل بن هارون:قال لي الصادق عليه السّلام:كيف قال لك يحيى بن زيد:إنّ عمّي محمّد بن عليّ و ابنه جعفر دعوا النّاس إلى الحياة،و نحن دعوناهم إلى الموت؟قلت:

نعم،قد قال لي ابن عمّك يحيى ذلك-إلى أن قال-قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:فأطلع اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنّ بني اميّة تملك سلطان هذه الامّة طول هذه المدّة،فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها،حتّى يأذن اللّه تعالى بزوال ملكهم-إلى أن قال-ثمّ قال عليه السّلام:ما خرج منّا،و لا يخرج منّا إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلما أو ينعش حقّا إلاّ اصطلمته البليّة،و كان قيامه زيادة في مكروهنا و مكروه شيعتنا (3).

31

من الخطبة(180)

منها:

قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا- وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا- فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا- وَ حَاجَتُهُ


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 2:85 ح 5. [2]

3) 3) الصحيفة السجادية:14، [3]المقدمة.

الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا- فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلاَمُ- وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ- وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَجِهِ- خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِيَائِهِ أقول:قال ابن أبي الحديد:هذا الكلام فسّره كلّ طائفة على حسب اعتقادها،فالإماميّة تزعم أنّ المراد به المهدي المنتظر عندهم،و الصوفية يزعمون أنّه يعني به ولي اللّه في الأرض،و عندهم أنّ الدّنيا لا تخلو عن الأبدال و هم أربعون،و عن الأوتاد و هم سبعة،و عن القطب و هو واحد،فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطبا عوضه،و صار أحد الأربعين و تدا عوض ذاك الوتد،و صار بعض الأولياء الّذين يصطفيهم اللّه تعالى بدلا بدل ذلك البدل.

و أصحابنا يزعمون أنّ اللّه تعالى لا يخلي الامّة من جماعة المؤمنين العلماء بالعدل و التوحيد،و أنّ الإجماع إنّما يكون حجّة باعتبار أقوال اولئك العلماء،لكن لمّا تعذّرت معرفتهم بأعيانهم اعتبر إجماع سائر العلماء،و إنّما الأصل قول اولئك،قالوا:و كلام أمير المؤمنين عليه السّلام ليس يشير فيه إلى جماعة اولئك العلماء من حيث هم جماعة،و لكنّه يصف حال كلّ واحد منهم،فيقول:

من صفته كذا و من صفته كذا،و الفلاسفة يزعمون أنّ مراده عليه السّلام بهذا الكلام العارف،و لهم في العرفان،و في صفات أربابه كلام يعرفه من له انس بأقوالهم،و ليس يبعد عندي أن يريد عليه السّلام به القائم من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله في آخر الوقت إذا خلقه اللّه تعالى،و إن لم يكن الآن موجودا فليس في الكلام ما يدلّ على وجوده الآن،و قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدّنيا و التكليف لا ينقضي إلاّ عليه (1)

شرح ابن أبي الحديد 2:515. [1]

.

قلت:إنّ كلّ طائفة و إن فسّرت كلامه عليه السّلام على حسب اعتقادها إلاّ أنّ


1) 1)

المتّبع ما شفّع بالبرهان،و هو قول الامامية:أمّا أصله فقد أقرّ باتّفاق فرق المسلمين عليه،و أمّا فرعه و هو كونه موجودا الآن؟فيدلّ عليه كلامه عليه السّلام المتواتر عنه لكميل المذكور في النّهج:«اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة،إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا،لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته» (1)

نهج البلاغة 4:37 الحكمة 147. [1]

كما اعترف به ثمّة (2)،و أمّا قول الصوفية و المعتزلة و الفلاسفة فسبحانه، و لهم ما يشتهون .

«قد لبس للحكمة جنّتها» في(الصحاح):الجنّة بالضّم:ما استترت به من سلاح (3)،و يكفي في شرافة الحكمة قوله تعالى: «وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» (4).

«و أخذها بجميع أدبها» أي:شرائطها و آدابها.

«من الإقبال عليها،و المعرفة بها و التّفرّغ» عن الشواغل.

«لها» لأهميتها،و روي القمي في تفسير قوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ» (5)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام،قال:أما و اللّه ما اوتي لقمان الحكمة بحسب و لا مال و لا أهل و لا بسط في جسم و لا جمال،و لكنّه كان رجلا قويّا في أمر اللّه،متورّعا في اللّه ساكتا سكّيتا عميق النظر،طويل الفكر،حديد النّظر،مستعبرا بالعبر،لم ينم نهارا قط،و لم يره أحد من الناس على بول و لا غائط،و لا اغتسال لشدّة تستّره و تحفّظه في أمره،و لم يضحك من شيء قط مخافة الإثم،و لم يغضب قط،و لم يمازح إنسانا قط،و لم يفرح بشيء من أمر


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 4:313 [2] شرح الحكمة 147.

3) 3) صحاح اللغة 5:2094 [3] مادة(جن).

4) 4) البقرة:269. [4]

5) 5) لقمان:12. [5]

الدّنيا أتاه،و لا حزن منها على شيء قط،و قد نكح من النّساء،و ولد له من الأولاد الكثير،و قدّم أكثرهم افراطا،فما بكى على أحد منهم،و لم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان إلاّ أصلح بينهما،و لم يمض عنهما حتّى يتحاجزا،و لم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلاّ سأل عن تفسيره،و عمّن أخذه،و كان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء،و كان يغشى القضاة و الملوك و السلاطين.

فيرثى للقضاة بما ابتلوا به،و يرحم الملوك و السلاطين لغرّتهم باللّه، و اطمينانهم في ذلك،و يعتبر ما يغلب به نفسه،و يجاهد به هواه،و يحترز به من الشيطان.

فكان يداوي قلبه بالفكر،و يداوي نفسه بالعبر،و كان لا يظعن إلاّ في ما يعنيه فبذلك اوتي الحكمة،و منح العصمة.فإنّ اللّه تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار،و هدأت العيون بالقابلة أن ينادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم:هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس؟ فقال:إن أمرني اللّه بذلك فالسّمع و الطاعة،ألا و إن فعل بي ذلك أعانني عليه، و علّمني و عصمني،و إن هو خيّرني قبلت العافية.فقالت الملائكة:لم؟قال:

لأنّ الحكم بين النّاس بأشدّ المنازل من الدين،و أكثر فتنا و بلاء،يخذل صاحبه،و لا يعذر،و يغشاه الظلمة من كلّ مكان،و صاحبه فيه بين أمرين:إن أصاب فيه الحقّ فبالحري أن يسلم،و إن أخطأ أخطأ طريق الجنّة-إلى أن قال- فلمّا أمسى و أخذ مضجعه من الليل أنزل اللّه عليه الحكمة،فغشّاه بها من قرنه إلى قدمه و هو نائم فاستيقظ و هو أحكم النّاس في زمانه،فخرج على النّاس ينطق بالحكمة و يبثّها فيهم-إلى أن قال-و كان داود عليه السّلام يقول له:طوبى لك يا لقمان اوتيت الحكمة،و صرف عنك البلية.قال:و اعطي داود الخلافة

و ابتلي بالحكم و الفتنة (1)

تفسير القمي 2:162. [1]

.

«و هي» أي:الحكمة.

«عند نفسه ضالّته التي يطلبها» كما قالوا:الحكمة ضالّة المؤمن (2).

«و حاجته التي يسأل عنها» و يكفي في فضلها أنّ اللّه تعالى نقل حكم لقمان للناس في كتابه (3).

«فهو مغترب إذا اغترب الاسلام» لعلّ وجه ربطه بسابقه-إن لم يكن في الكلام سقط-أنّ مقتضى لبسه للحكمة جنّتها التي تحفظها من سلاح العدو، و أخذها بآدابها أن(يغترب)،و يعتزل حيث اغترب الاسلام،و اعتزله الناس، لكن روى النّعماني في(غيبته)عن أبي بصير قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

أخبرني عن قول أمير المؤمنين عليه السّلام:إن الاسلام بدأ غريبا و سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء فقال:يا أبا محمّد إذا قام القائم عليه السّلام استأنف دعاء جديدا كما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (4).

«و ضرب بعسيب ذنبه» و في(الصحاح):عسيب الذنب:منبته من الجلد و العظم (5).و لكن في(النهاية)للجزري في حديث عليّ عليه السّلام ذكر فتنة فقال:«إذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه».و اليعسوب السيّد و الرّئيس و المقدم، و أصله فحل النّحل.أي:فارق أهل الفتنة،و ضرب في الأرض ذاهبا في أهل دينه و أتباعه الّذين يتبعونه على رأيه و هم الأذناب.و قال الزمخشري:الضّرب


1) 1)

2) 2) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4:80 الحكمة 18 عن علي عليه السّلام.

3) 3) وردت حكم لقمان و مواعظه في الآية 13-19 من سورة لقمان.

4) 4) الغيبة للنعماني:221 [2] في صدر حديث.

5) 5) صحاح اللغة 1:181 [3] مادة(عسب).

بالذنب هاهنا مثل للإقامة و الثبات،يعني:أنّه يثبت هو و من تبعه على الدّين (1)

النهاية لابن الأثير 3:234 [1] مادة(عسب)،و النقل بتصرف في الترتيب.

.

قلت:الظاهر أنّه اشار إلى كلامه في(فائقه) (2).و قال في(أساسه)أيضا:

و قال عليّ عليه السّلام في فساد الزّمان:«فاذا كان كذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه» و هو مستعار من يعسوب النّحل و هو فحلها (3).

قلت:و(تفسير الزمخشري)يؤيّده الجملة الآتية بعده على ما ترى.

«و الصق الأرض بجرانه» و في(الصحاح):جران البعير:مقدّم عنقه من مذبحه إلى منحره،و الجمع جرن،و كذلك من الفرس (4).و ضرب الأرض بالجران كناية عن التمكين.فمرّ في فصل النّبوّة قوله عليه السّلام-و كان سئل عن قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«غيّروا الشّيب»-:إنّما قال صلّى اللّه عليه و آله ذلك و الدّين قل،فأمّا الآن و قد اتسع نطاقه،و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار (5).و مرّ أيضا ما في(الصحيفة الثالثة):اللّهمّ و قد استحصد زرع الباطل،و بلغ نهيته،و استحكم عموده، و خذرف وليده،و وسق طريده،و ضرب بجرانه (6).

و قال ابن أبي الحديد:معنى الكلام أنّه إذا صار الاسلام غريبا مقهورا، و صار الاسلام كالبعير البارك يضرب الأرض بعسيبه-و هو أصل الذنب- و يلصق جرانه-و هو صدره-في الأرض فلا يكون له تصرّف و لا نهوض (7).

و هو كما ترى.


1) 1)

2) 2) الفائق للزمخشري 2:150 مادة(عسب).

3) 3) أساس البلاغة 301 [2] مادة(عسب).

4) 4) صحاح اللغة 5:2091 [3] مادة(جرن).

5) 5) مرّ في العنوان 43 من الفصل السادس.

6) 6) رواه أفندي التبريزي في الصحيفة الثالثة عنه صحيفة السيد الأمين:92 دعاء 31،و لم يسبق نقله في هذا الكتاب.

7) 7) شرح ابن أبي الحديد 2:516. [4]

و كيف كان،فيمكن أن يكون الكلام إشارة إلى غيبة المهدي.روى (الإكمال)عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي عن الصادق عليه السّلام قال:إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل.فقلت:و لم جعلت فداك؟قال:

لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم.قلت:فما وجه الحكمة في غيبته؟قال:وجه الحكمة في غيبته:وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج اللّه تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره،كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السّلام من خرق السفينة،و قتل الغلام،و إقامة الجدار لموسى عليه السّلام إلى وقت افتراقهما (1)

كمال الدين للصدوق:481 ح 11. [1]

.

«بقية من بقايا حججه،و خليفة من خلائف أنبيائه» روى ابن بابويه في (إكماله)عن الورّاق عن سعد بن عبد اللّه،عن أحمد بن إسحاق الأشعري،قال:

دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السّلام و أنا اريد أن أسأله عن الخلف من بعده،فقال لي مبتدئا:يا أحمد بن إسحاق إنّ اللّه تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم،و لا يخلّيها إلى أن تقوم السّاعة من حجّة اللّه على خلقه،به يدفع اللّه البلاء عن أهل الأرض،و به ينزل الغيث،و به تخرج بركات الأرض.فقلت له:يابن رسول اللّه فمن الإمام و الخلف بعدك؟فنهض مسرعا فدخل البيت،ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر من أبناء ثلاث سنين.فقال:يا أحمد لو لا كرامتك على اللّه عزّ و جلّ و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا،إنّه سميّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و كنيّه الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، يا أحمد مثله في هذه الامة مثل الخضر،و مثل ذي القرنين،و اللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلاّ من ثبّته اللّه عزّ و جلّ على القول بإمامته،و وفّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه.قال أحمد:فقلت:يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها


1) 1)

قلبي؟فنطق الغلام بلسان فصيح فقال:أنا بقية اللّه في أرضه،و المنتقم من أعدائه،و لا تطلب يا أحمد أثرا بعد عين.فخرجت فرحا،فلمّا كان من الغد عدت إليه،فقلت:يابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما مننت به عليّ،فما السّنّة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟قال:طول الغيبة.قلت:و إنّ غيبته لتطول؟قال:إي و ربي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به... (1)

كمال الدين للصدوق:384 ح 1. [1]

.

هذا،و قال ابن أبي الحديد بعد نقل الفقرة: «بقية من بقايا حججه، و خليفة من خلائف أنبيائه» :فإن قلت:أليس لفظ الحجّة و لفظ الخليفة مشعرا بما تقوله الامامية؟قلت:لا،فإنّ أهل التصوّف يسمّون صاحبهم حجّة و خليفة،و كذلك الفلاسفة،و أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنين في كلّ عصر،لأنّهم حجج اللّه،أي:إجماعهم حجّة،و قد استخلفهم اللّه في أرضه ليحكموا بحكمه،و على ما اخترناه نحن فالجواب ظاهر (2).

قلت:أمّا المتصوّفة و الفلاسفة و أصحابه المعتزلة،فقد عرفت أنّهم و إن ادّعوا ما ادّعوا إلاّ أنّهم لا بيّنة لهم،و إنّ ما قالوا إلاّ أسماء سمّوها.و أمّا الإمامية فإنّما استندوا إلى المتواتر من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام و المعصومين من عترته عليهم السّلام.

و أمّا قوله:«إنّ المراد به القائم عليه السّلام في آخر الوقت إذا خلقه اللّه» (3)فقد عرفت أيضا كونه خلاف المتواتر من قول أمير المؤمنين من عدم خلوّ الأرض من الحجّة (4).


1) 1)

2) 2) شرح ابن أبي الحديد 2:516،515. [2]

3) 3) شرح ابن أبي الحديد 2:516،515.

4) 4) مرّ في العنوان 1 من هذا الفصل.

هذا،و قوله عليه السّلام: «بقية» و قوله: «خليفة» بدون تعريف نكتة أنّ القائم عليه السّلام كان أمره مستورا حتّى ادّعت العامة-كما رأيت من(ابن أبي الحديد)-عدم وجوده بعد،روى محمّد بن بابويه عن ابن الوليد عن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن أيوب بن نوح-و كلّهم أجلّة ثقات-قال:قلت للرّضا عليه السّلام:إنّا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر،و أن يردّه اللّه إليك من غير سيف،فقد بويع لك،و ضربت الدراهم باسمك.فقال:ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب،و سئل عن المسائل و أشارت إليه الأصابع،و حملت إليه الأموال إلاّ اغتيل أو مات على فراشه،حتّى يبعث اللّه عزّ و جلّ لهذا الأمر رجلا خفي المولد و المنشأ غير خفيّ في نسبه (1)

كمال الدين للصدوق:370 ح 1. [1]

.

و روى مسندا عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني قال:قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى عليه السّلام:إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما،فقال عليه السّلام:يا أبا القاسم ما منّا إلاّ و هو قائم بأمر اللّه عزّ و جلّ و هاد إلى دين اللّه،و لكن القائم الّذي يطهّر اللّه عزّ و جلّ به الأرض من أهل الكفر و الجحود،و يملؤها عدلا و قسطا هو الّذي تخفى على النّاس ولادته،و يغيب عنهم شخصه،و يحرم عليهم تسميته،و هو سميّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كنيّه،و هو الّذي تطوى له الأرض،و يذلّ له كلّ صعب، و يجتمع إليه أصحابه عدّة أهل بدر:ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض،و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: «أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (2)،فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر اللّه أمره،فإذا كمل له العقد-و هو عشرة آلاف-رجل خرج بإذن اللّه عزّ و جلّ،فلا


1) 1)

2) 2) البقرة:148. [2]

يزال يقتل أعداء اللّه حتّى يرضى اللّه عزّ و جلّ.قال عبد العظيم:فقلت له:يا سيّدي و كيف يعلم أنّ اللّه تعالى قد رضي؟قال:يلقي في قلبه الرّحمة فإذا دخل المدينة اخرج اللات و العزّى فأحرقهما (1)

كمال الدين للصدوق:377 ح 2. [1]

.

هذا،و في باب(ما يهدى إلى الكعبة من الكافي)عن أبي الحر عن الصادق عليه السّلام في من أوصى بجارية هديا للبيت:أنّ الكعبة لا تأكل و لا تشرب ما أهدى لها فهو لزوّارها بع الجارية،و قم على الحجر،و ناد هل منقطع به، و هل من محتاج من زوّارها؟فإذا أتوك فسل عنهم و اعطهم و أقسم فيهم عنها قال:فقلت له:إنّ بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة.فقال:أمّا إنّ قائمنا عليه السّلام لو قد قام أخذهم قطع أيديهم،و طاف بهم،و قال:هؤلاء سرّاق اللّه (2).

و في(نوادر حجّه):عن أبي بصير عنه عليه السّلام:أنّ القائم إذا قام ردّ البيت الحرام إلى أساسه،و مسجد الرسول إلى أساسه،و مسجد الكوفة إلى أساسه (3).

و في آخر(هداية الصدوق)باب نادر:قال الصادق عليه السّلام:إنّ اللّه عزّ و جلّ آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام،فإذا قام قائمنا -قائم أهل البيت-ورّث الأخ الذي اخي بينهما في الأظلة،و لم يورّث الأخ من الولادة (4).

و في(نوادر حج الفقيه)قال الصادق عليه السّلام:أوّل ما يظهر القائم عليه السّلام من العدل أن ينادي مناديه أن يسلّم أصحاب النافلة لأصحاب الفريضة الحجر


1) 1)

2) 2) هذا حديث سعيد بن عمرو أخرجه الكليني في الكافي 4:242 ح 4،و [2]اما حديث أبي الحر فلفظه غير هذا و أخرجه هو في الصدر 4:242 ح 3.

3) 3) الكافي للكليني 4:543 ح 16. [3]

4) 4) أخرجه الصدوق في الهداية:64. [4]

الأسود،و الطواف بالبيت (1)

أخرجه الصدوق في الفقيه 2:310 ح 25.

.

و روى(الكافي و الفقيه)عن أبان بن تغلب عن الصادق عليه السّلام-و اللفظ للثاني-قال:دمان في الاسلام حلال من اللّه تعالى،لا يقتضى فيهما أحد حتّى يبعث اللّه قائمنا أهل البيت عليه السّلام،فإذا بعث اللّه عزّ و جلّ قائمنا حكم فيهما بحكم اللّه تعالى،الزّاني المحصن يرجمه،و مانع الزّكاة يضرب عنقه».و في الأول:

حكم فيهما بحكم اللّه لا يريد عليهما بيّنة (2).

و في(فضل مساجد الفقيه):و قال أبو جعفر عليه السّلام:أوّل ما يبدأ قائمنا عليه السّلام سقوف المساجد،فيكسرها،و يأمر بها فتجعل عريشا كعريش موسى عليه السّلام (3).

32

الحكمة(432)

و قال عليه السّلام:

إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا- إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا- وَ اشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا- فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ- وَ تَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ- وَ رَأَوُا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلاَلاً- وَ دَرَكَهُمْ لَهَا فَوْتاً أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ وَ سِلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ- بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَ بِهِ عَلِمُوا وَ بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ الله تعالى وَ بِهِ قَامُوا- لاَ يَرَوْنَ مَرْجُوّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ- وَ لاَ مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ.


1) 1)

2) 2) الكافي للكليني 3:3 ح 5،و [1]الفقيه للصدوق 2:6 ح 7.

3) 3) الفقيه للصدوق 1:153 ح 29.

قال ابن أبي الحديد بعد العنوان:هذا يصلح أن تجعله الإمامية شرح حال الأئمة المعصومين على مذهبهم،لقوله فوق ما يرجون:«بهم علم الكتاب و به علموا».و أمّا نحن فنجعله شرح العلماء العارفين،و هم أولياء اللّه الّذين ذكرهم (1)

شرح ابن أبي الحديد 4:474. [1]

.

قلت:العلماء العارفون الكاملون في العلم و العرفان ليسوا إلاّ الأئمّة المعصومين الّذين لهم اتّصال بالمبدأ،و لم يستطع أحد في عصر أن يدّعي أنّ عنده علم جميع الكتاب غيرهم،كما أنّ الأولياء الكاملين أيضا هم عليهم السّلام، و غيرهم ناقصون .

«إنّ أولياء اللّه هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا إذا نظر النّاس إلى ظاهرها» فإنّ الناس يكونون كما قال تعالى: «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» (2).و هم عليهم السّلام يكونون كما قال تعالى: «وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ» (3).و صدّقوا قوله تعالى: «إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ» (4).

«و اشتغلوا بآجلها» أي:بتحصيل درجات آخرتها،و كانوا كما قال تعالى:

«تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (5).

«إذا اشتغل النّاس بعاجلها» «زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ»


1) 1)

2) 2) الروم:7. [2]

3) 3) المؤمنون:60-61. [3]

4) 4) غافر:39. [4]

5) 5) القصص:83. [5]

«وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» (1)

آل عمران:14. [1]

، «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ » (2).

«فأماتوا منها ما خشوا» أي:خافوا.

«أن يميتهم» بنقص دينهم،روى(الخصال)عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:ثلاث مجالستهم تميت القلب:مجالسة الأنذال،و الحديث مع النساء،و مجالسة الأغنياء (3).

و روى الخطيب عن جابر قال:قدم قوم على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله من غزاة له، فقال لهم:قدمتم خير مقدم،قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.قالوا:

و ما الجهاد الأكبر يا رسول اللّه؟قال:مجاهدة العبد هواه (4).

«و تركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم» «وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» (5)و في الخبر:إنّما يجمع للدّنيا من لا عقل له (6).

«و رأوا استكثار غيرهم منها استقلالا» «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ» (7).

«و دركهم لها فوتا» «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللّهِ باقٍ» (8).


1) 1)

2) 2) الحديد:20. [2]

3) 3) الخصال للصدوق:87 ح 20 في ذيل حديث.

4) 4) رواه عنه في الجامع الصغير 2:86.

5) 5) الأنعام:94. [3]

6) 6) لم أجده بهذا اللفظ لكن المعنى مشهور.

7) 7) النساء:77. [4]

8) 8) النحل:96. [5]

«أعداء ما سالم النّاس و سلم» بالكسر فالسكون.

«ما عادى النّاس» من أمر العقبى .

«بهم علم الكتاب» كتاب اللّه لا بغيرهم، «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» (1)

البقرة:121. [1]

، «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» (2)، «قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» (3).

و قال أبو جعفر عليه السّلام:ما ادّعى أحد من النّاس أنّه جمع القرآن كلّه كما انزل إلا كذّاب،و ما جمعه و حفظه كما نزّله اللّه تعالى إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و الأئمّة عليهم السّلام من بعده (4).

و قال أيضا:ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه،ظاهره و باطنه غير الأوصياء (5).

و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:و اللّه إنّي لأعلم كتاب اللّه من أوّله إلى آخره،كأنّه في كفّي،فيه خبر السّماء و خبر الأرض،و خبر ما كان و خبر ما هو كائن،قال اللّه تعالى:فيه تبيان كلّ شيء (6).

و روى الثعلبي في(تفسيره)-كما في(تذكرة سبط ابن الجوزي)-عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:و الّذي فلق الحبّة،و برأ النّسمة،لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم،و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم،و بين أهل الزّبور بزبورهم،و بين أهل الفرقان بفرقانهم،و الذي نفسي بيده ما من رجل


1) 1)

2) 2) العنكبوت:49. [2]

3) 3) الرعد:43. [3]

4) 4) الكافي للكليني 1:228 ح 1،و [4]البصائر للصفار:213 ح 2. [5]

5) 5) الكافي للكليني 1:228 ح 2،و [6]البصائر للصفار:213 ح 1،4. [7]

6) 6) الكافي للكليني ح 1:229 4. [8]

من قريش جرت عليه المواسى،إلاّ و أنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة،أو تقوده إلى النّار.فقال له رجل:يا أمير المؤمنين فما آيتك التي انزلت فيك؟فقال:

«أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» (1)

هود:17. [1]

.فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على بيّنة،و انا شاهد منه (2).

«و به» أي:و بالقرآن.

«علموا» أي:علم منزلتهم عند اللّه تعالى،و مكانتهم في الدّين،و يكفي في درجتهم من القرآن آية المباهلة،قال تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (3).

قال سبط ابن الجوزي في(تذكرته)قال جابر بن عبد اللّه-في ما رواه عنه أهل السير-:قدم و فد نجران على النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و فيهم السيّد العاقب و جماعة من الأساقفة،فقالوا:من أبو موسى؟فقال:عمران.قالوا:فأبوك؟قال:أبي عبد اللّه بن عبد المطلب.قالوا:فعيسى من أبوه؟فسكت ينتظر الوحي،فنزل قوله تعالى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ» (4)قالوا:لانجدها في ما اوحي إلى أنبيائنا.فقال:كذبتم.فنزل قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (5)الآية.قالوا:

أنصفت،فمتى نباهلك؟قال:غدا إن شاء اللّه.فانصرفوا،و قال بعضهم لبعض:

إن خرج في عدّة من أصحابه،فباهلوه،لأنّه غير نبيّ،و إن خرج في أهل بيته،


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:16.

3) 3) آل عمران:61. [2]

4) 4) آل عمران:59. [3]

5) 5) آل عمران:61. [4]

فلا تباهلوه فإنّه نبيّ صادق،و لئن باهلتموه لتهلكنّ.ثمّ بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أهل المدينة و من حولها،فلم تبق بكر و لا آنس إلاّ و خرجت،و خرج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام بين يديه،و الحسن عليه السّلام عن يمينه و الحسين عليه السّلام عن شماله و فاطمة عليها السّلام خلفه،ثمّ قال:هلمّوا فهؤلاء أبناؤنا-و أشار إلى الحسن و الحسين عليهم السّلام-و هذه نساؤنا-يعني فاطمة عليها السّلام-و هذه أنفسنا-يعني نفسي و أشار إلى عليّ عليه السّلام-فلمّا رأى القوم ذلك خافوا،و جاءوا إلى بين يديه،فقالوا:

أقلنا أقالك اللّه.فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:و الّذي نفسي بيده لو خرجوا لامتلأ الوادي عليهم نارا (1)

تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:14.

.

و ذكر الثعلبي في(تفسيره)أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله غدا محتضنا الحسين عليه السّلام آخذا بيد الحسن و فاطمة تمشي خلفه،و عليّ عليه السّلام خلفهم،و قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إذا دعوت فأمّنوا.فقال اسقف نجران:يا معاشر النصارى إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله،فلا تبتهلوا فتهلكوا،و لا يبقى على وجه الأرض إلاّ مسلم.فرجعوا إلى بلادهم،و صالحوا النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله على ألفي حلّة (2).

و آية التطهير،قال تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3)،روى الثعلبي في(تفسيره)مسندا عن أبي سعيد الخدري قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:نزلت هذه الآية في خمسة:فيّ و في عليّ و في حسن و حسين و فاطمة «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (4).


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:14.

3) 3) الاحزاب:33. [1]

4) 4) تفسير الثعلبي [2]عنه الطرائف 1:127 ح 195،و [3]العمدة 1:19،و [4]الآية 33 من سورة الأحزاب. [5]

و عن ام سلمة قالت:إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان في بيتها،فأتت فاطمة عليها السّلام ببرمة فيها حريرة،فدخلت بها عليه.قال:ادعي لي زوجك و ابنيك.فجاء عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام،فدخلوا و جلسوا يأكلون من تلك الحريرة و هو و هم على منامة له ولي،و كان تحته كساء خيبري،و أنا في الحجرة اصلّي فأنزل اللّه عزّ و جلّ: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)

الأحزاب:33. [1]

.فأخذ فضل الكساء و كساهم به،ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء و قال:هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي،اللهمّ فأذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.فأدخلت رأسي البيت و قلت:و أنا معكم يا رسول اللّه؟قال:إنّك لعلى خير إنّك لعلى خير (2).

و عن(مجمع)التّيملي قال:دخلت مع امّي على عائشة،فسألتها امّي، قالت:أرأيت خروجك يوم الجمل؟قالت:إنّه كان قدرا من اللّه.فسألتها عن عليّ عليه السّلام قالت:سألتني عن أحبّ النّاس كان إلى النّبيّ،لقد رأيت عليّا و فاطمة و حسنا و حسينا،و قد جمع النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يغدف عليهم،ثم قال:هؤلاء أهل بيتي و خاصّتي،فاذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا (3).

و عن شداد بن عمّار قال:دخلت على واثلة بن الأسقع،و عنده قوم فذكروا عليّا عليه السّلام،فشتموه فشتمته معهم،فلمّا قاموا،قال:لم شتمت هذا الرجل؟قلت:رأيت القوم يشتمونه فشمته معهم.فقال:ألا اخبرك بما سمعت من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله؟قلت:بلى.قال:أتيت فاطمة عليها السّلام أسألها عن عليّ عليه السّلام،فقالت:

توجّه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجلست انتظر حتى جاء النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،فجلس و معه عليّ


1) 1)

2) 2) تفسير الثعلبي [2]عنه الطرائف 1:125 ح 192،و [3]العمدة 1:20.

3) 3) تفسير الثعلبي [4]عنه الطرائف 1:127 ح 196،و [5]العمدة 1:20.

و الحسن و الحسين عليهم السّلام أخذ كلّ واحد منهما بيده حتّى دخل،فأدنى عليّا و فاطمة عليهما السّلام فأجلسهما بين يديه،و أجلس حسنا و حسينا كلّ واحد منهما على فخذه ثم لفّ عليهم ثوبه-أو قال كساء-ثمّ تلا:

«إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)

الاحزاب:33. [1]

.ثمّ قال:اللهمّ هؤلاء أهل بيتي،و أهل بيتي أحقّ».

و رواه أحمد بن حنبل في(فضائله) (2).

و روى الثعلبي أيضا في(تفسيره)و الطبري في(ذيله)عن أبي الحمراء قال:أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد،و كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله يجيء كلّ غداة، فيقوم على باب عليّ و فاطمة عليهما السّلام فيقول: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3).

و روى مسلم في(صحيحه)مسندا عن زيد بن أرقم قال:قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:ألا و إنّي تارك فيكم ثقلين:أحدهما كتاب اللّه عزّ و جلّ هو حبل اللّه، من اتبعه كان على الهدى،و من تركه كان على ضلالة،و أهل بيتي،اذكّركم اللّه في أهل بيتي،اذكّركم اللّه في أهل بيتي،اذكّركم اللّه في أهل بيتي.فقلنا:من أهل بيته،نساؤه؟قال:لا،و ايم اللّه،إنّ المرأة تكون مع الرّجل العصر من الدّهر،ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها.أهل بيته:أصله و عصبته الّذين حرموا الصدقة بعده (4).


1) 1)

2) 2) تفسير الثعلبي [2]عنه الطرائف 1:123 ح 188،و [3]العمدة 1:21،و أحمد في فضائله عنه تذكرة الخواص:233،و [4]في مسنده 4:107 أيضا.

3) 3) تفسير الثعلبي [5]عنه الطرائف 1:128 ح 198،و [6]العمدة 1:21،و الطبري في ذيل المذيل:83،و قد مرّ تخريجه في العنوان 27 من هذا الفصل.

4) 4) صحيح مسلم 4:1874 ح 37،و جمع آخر.

و لو أردنا استقصاء ما ورد عن طرقهم في ذلك-فضلا عمّا ورد من طرقنا-لطال الكلام.

«و بهم قام الكتاب» فلولاهم ما عرف متشابهه من محكمه،و منسوخه من ناسخه،و خاصه من عامّه،و مجمله من مبيّنه.

«و به قاموا» حسبما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّ القرآن و عترته لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض (1)

مرّ تخريج حديث الثقلين [1]في شرح فقرة«إليهم يفيء الغالي»في العنوان 4 من هذا الفصل.

.فكلّ منهما يقوم بالآخر كما أنّ كلاّ منهما يعلم بالآخر.

و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:إنّ الأئمّة في كتاب اللّه إمامان:قال تعالى:

«وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا» (2)لا بأمر الناس يقدّمون أمر اللّه قبل أمرهم،و حكم اللّه قبل حكمهم،و قال: «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ» (3)يقدمون أمرهم قبل أمر اللّه،و حكمهم قبل حكم اللّه،و يأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب اللّه تعالى (4).

و قال عليه السّلام أيضا-في قوله تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (5)-:يهدي إلى الإمام (6).

و قال أبو جعفر عليه السّلام-في قوله تعالى: «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (7)-أي:جعل منهم الرّسل و الأنبياء و الأئمّة.

قال:فكيف يقرّون في آل إبراهيم،و ينكرونه في آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (8)؟


1) 1)

2) 2) الأنبياء:73. [2]

3) 3) القصص:41. [3]

4) 4) الكافي للكليني 1:216 ح 2،و [4]روى عن الباقر عليه السّلام أيضا.

5) 5) الاسراء:9. [5]

6) 6) الكافي للكليني 1:216 ح 2. [6]

7) 7) النساء:54. [7]

8) 8) الكافي للكليني 1:205 ح 1،و غيره. [8]

و قال الرضا عليه السّلام-في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ» (1)

التوبة:119. [1]

-:الصّادقون هم الأئمّة (2).

و قال عليه السّلام-في قوله: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (3)-:

نحن أهل الذّكر،و نحن المسئولون (4).

و قال أبو جعفر عليه السّلام-في قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (5)-:هم الأئمّة عليهم السّلام (6).

و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام-في قوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (7)-:ذو القربى أمير المؤمنين عليه السّلام و الأئمة عليهم السّلام (8).

«لا يرون مرجوّا فوق ما يرجون» و هو اللّه تعالى القادر على كلّ شيء،و عن الباقر عليه السّلام قال:قال علي بن الحسين عليه السّلام:مرضت مرضا شديدا،فقال لي أبي عليه السّلام ما تشتهي؟فقلت:أشتهي أن أكون ممّن لا أقترح على ربّي ما يدبّره لي.فقال لي:أحسنت،ضاهيت إبراهيم الخليل عليه السّلام حيث قال جبرئيل عليه السّلام:هل من حاجة؟فقال:لا أقترح على ربّي،بل حسبي اللّه و نعم الوكيل (9).

«و لا مخوفا فوق ما يخافون» و هو اللّه القاهر الّذي لا يمكن الفرار من


1) 1)

2) 2) البصائر للصفار:51 ح 2،و غيره. [2]

3) 3) النحل:43. [3]

4) 4) الكافي للكليني 1:211 ح 7،و غيره،و [4]روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و علي و الصادق و الرضا عليهم السّلام.

5) 5) الشورى:23. [5]

6) 6) الكافي للكليني 1:413 ح 7،و غيره. [6]

7) 7) الانفال:41. [7]

8) 8) الكافي للكليني 1:414 ح 12. [8]

9) 9) الدعوات للراوندي عنه البحار 46:67 ح 34. [9]

حكومته،و عن(الحلية):كان عليّ بن الحسين عليه السّلام إذا فرغ من وضوئه للصلاة و صار بين وضوئه و صلاته،أخذته رعدة و نفضة،فقيل له في ذلك،فقال:

و يحكم أ تدرون إلى من أقوم،و من اريد أن اناجي (1)

حلية الأولياء لأبي نعيم 3:133.

؟ و في خبر آخر:كان السّجاد عليه السّلام إذا توضأ اصفرّ لونه،فقيل له في ذلك، فقال:أ تدرون بين يديّ من اريد أن أقف (2)؟ و في خبر:وقع حريق في بيت هو فيه ساجد،فجعلوا يقولون:يابن رسول اللّه النّار النّار!فما رفع رأسه حتّى اطفئت.فقيل له بعد قعوده:ما الّذي ألهاك عنها؟قال:النّار الكبرى (3).

هذا،و في(تاريخ بغداد):أنّ المتوكل قال لذي النون المصري:صف لنا أولياء اللّه.فقال:هؤلاء قوم ألبسهم اللّه النّور السّاطع من محبّته،و جلّلهم بالبهاء من أردية كرامته،و وضع على مفارقهم تيجان مسرّته،و نشر لهم المحبّة في قلوب خليقته،ثمّ أخرجهم و قد أودع القلوب ذخائر الغيوب،فهي معلّقة بمواصلة المحبوب،فقلوبهم إليه سائرة،و أعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة،ثمّ أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدّواء، و عرّفهم منابت الأدواء،و جعل تلاميذهم أهل الورع و التّقى،و ضمن لهم الإجابة عند الدّعاء،و قال:يا أوليائي إن أتاكم عليل من فرقي فداووه،أو مريض من ارادتي فعالجوه،أو مجروح بتركي إيّاه فلاطفوه،أو فارّ منّي فرغّبوه،أو آبق منّي فخادعوه،أو خائف منّي فآمنوه،أو راغب في مواصلتي فمنّوه،أو قاصد نحوي فأدّوه،أو جبان في متاجرتي فجرّئوه،أو آيس من فضلي فعدوه،أو راج لإحساني فبشّروه،أو حسن الظنّ بي فباسطوه،أو


1) 1)

2) 2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:325.

3) 3) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:325.

محبّ لي فواصلوه،أو معظّم لقدري فعظّموه،أو مستوصف نحوي فارشدوه،أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه،أو ناس لإحساني فذكّروه،و إن استغاث بكم ملهوف فأغيثوه،و من وصلكم فيّ فواصلوه،فإن غاب عنكم فافتقدوه،و إن ألزمكم جناية فاحتملوه،و إن قصّر في واجب حقّ فاتركوه، و إن أخطأ خطيئة فانصحوه،و إن مرض فعودوه،و إن وهبت لكم هبة فشاطروه،و إن رزقتكم فآثروه.يا أوليائي لكم عاتبت،و لكم خاطبت،و إيّاكم رغبت،و منكم الوفاء طلبت،لأنّكم بالأثرة آثرت و انتخبت،و إيّاكم استخدمت و اصطنعت و اختصصت،لا اريد استخدام الجبّارين و لا مطاوعة الشّرهين.

جزائي لكم أفضل الجزاء،و عطائي لكم أوفر العطاء،و بذلي لكم أغلى البذل، و فضلي عليكم أكبر الفضل،و معاملتي لكم أو في المعاملة،و مطالبتي لكم أشدّ المطالبة.أنا مفتّش القلوب،أنا علاّم الغيوب،أنا ملاحظة اللحظ،أنا مراصد الهمم،أنا مشرف على الخواطر،أنا العالم بأطراف الجفون.لا يفزعكم صوت جبّار دوني،و لا مسلط سواي،فمن أرادكم قصمته،و من آذاكم آذيته،و من عاداكم عاديته،و من والاكم واليته،و من أحسن إليكم أرضيته،أنتم أوليائي، و أنتم أحبائي،أنتم لي،و أنا لكم (1)

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8:394. [1]

.

33

من الخطبة(149)

و من خطبة له عليه السّلام:

وَ هُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ- وَ يَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ بِلاَ سَبِيلٍ قَاصِدٍ وَ لاَ إِمَامٍ قَائِدٍ «و هو في مهلة من اللّه» قال تعالى: «وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ»


1) 1)

«وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَ جَحِيماً وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ وَ عَذاباً أَلِيماً» (1)

المزّمّل:11-13. [1]

، «فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً» (2).

«يهوي» بالكسر،أي:يسقط و يهبط.

«مع الغافلين» عنه تعالى، «اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ » (3).

«و يغدو» أصل يغدو:السّير غدوّا،و لمّا كان الغالب في طالب شيء أن يسير إليه في الغدوّ استعمل في مطلق الطلب.

«مع المذنبين» «وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» (4)،و «كَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » (5).

«بلا سبيل قاصد» «وَ عَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ» (6).

«و لا إمام قائد» قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة (7).

34

من الحكمة(156)

و قال عليه السّلام:

عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لاَ تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ


1) 1)

2) 2) الطارق:17. [2]

3) 3) الأنبياء:1. [3]

4) 4) القصص:78. [4]

5) 5) الاسراء:17. [5]

6) 6) النحل:9. [6]

7) 7) المحاسن للبرقي:155 ح 82،و غيره [7]مرّ تخريجه في العنوان 10 من هذا الفصل.

أقول:رواه( الإرشاد الشيخ المفيد-الإرشاد-ص 124 )جزء العنوان السادس عشر من الباب الأوّل:«إنّ ابغض الخلائق رجلان»إلى آخره مع زيادات هكذا:«أيّها النّاس عليكم بالطاعة،و المعرفة بمن لا تعذرون بجهالته،فإنّ العلم الذي هبط به آدم عليه السّلام، و جميع ما فضّلت به النبيّون إلى نبيّكم خاتم النّبيين في عترة نبيّكم محمّد صلّى اللّه عليه و آله،فأين يتاه بكم،بل أين تذهبون؟يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة،هذه مثلها فيكم فاركبوها،فكما نجا في هاتيك من نجا فكذلك ينجو في هذه من دخلها،أنا رهين بذلك،قسما حقّا،و ما أنا من المتكلّفين،و الويل لمن تخلّف،ثمّ الويل لمن تخلّف.أما بلغكم ما قال فيهم نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله حيث يقول في حجّة الوداع:إنّي تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي:

كتاب اللّه،و عترتي أهل بيتي،و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما؟ألا هذا عذب فرات فاشربوا،و هذا ملح أجاج فاجتنبوا (1)

الارشاد للمفيد:124. [1]

.

«عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته» من لا يعذر النّاس بجهالته أوّلا هو اللّه تعالى،ثمّ نبيّه صلّى اللّه عليه و آله،ثمّ أوصياؤه و خلفاؤه الأئمة الاثنا عشر صلوات اللّه عليهم أجمعين،قال تعالى: «أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » (2).

و قال نبيّه صلّى اللّه عليه و آله:من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية (3).

و في(تفسير مجاهد):نزلت آية «أَطِيعُوا اللّهَ» (4)في عليّ عليه السّلام حين


1) 1)

2) 2) النساء:59. [2]

3) 3) المحاسن للبرقي:155 ح 82،و غيره،و [3]قد مرّ تخريجه في العنوان 10 من هذا الفصل.

4) 4) النساء:59.

خلّفه النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالمدينة في تبوك (1)

روى عنهما ابن شهر آشوب في مناقبه 3:15.

.

و في(إبانة الفلكي)أنّها نزلت لما شكا أبو هروة من عليّ عليه السّلام (2).

و روى ابن مردويه،و أخطب خوارزم،و المعافى بن زكريا،عن أبي ذر، و المقداد،و سلمان قالوا:كنّا قعودا عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما معنا غيرنا،إذ أقبل ثلاثة رهط من المهاجرين البدريين،فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:تفترق امتي بعدي ثلاث فرق:

فرقة أهل حق لا يشوبه باطل،مثلهم كمثل الذهب كلّما فتنته بالنار زاد جودة و طيبا،إمامهم هذا أحد الثلاثة و هو الّذي ذكره اللّه في كتابه «إِماماً وَ رَحْمَةً» (3)،و فرقة أهل باطل و لا يشوبونه بحقّ،مثلهم كمثل خبث الحديد كلّما فتنته بالنار ازداد خبثا،و إمامهم هذا أحد الثلاثة،و فرقة أهل ضلالة مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء،و إمامهم هذا أحد الثلاثة.فسئلوا عن أهل الحق و إمامهم،فقالوا:عليّ بن أبي طالب إمام المتّقين.و أمسكوا عن الإثنين،فجهدوا أن يسميهما فلم يفعل (4).

قلت:قوله:«فاسئلوا»يعني سلمان و أبا ذر و المقداد،و إمساكهم عن الإمامين الأخيرين كان تقيّة،لكن المراد معلوم «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ» (5)،و الحمد للّه ربّ العالمين.


1) 1)

2) 2) روى عنهما ابن شهر آشوب في مناقبه 3:15.

3) 3) هود:17،و [1]الأحقاف:12. [2]

4) 4) رواه عنهم البحراني في البرهان 2:214 [3] ح ق 21.

5) 5) :37.

فهرس المطالب

العنوان رقم الصفحة

تتمّة الفصل السّابع-في الإمامة العامّة عليه السّلام 1

العنوان 5 من الخطبة 4:«بنا اهتديتم في الظّلماء،و تسنّمتم العلياء...»1

-الحكمة 184:«ما شككت في الحقّ مذ أريته...»2

العنوان 6 من الخطبة 95:«انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم...»16

العنوان 7 من الخطبة 107:«نحن شجرة النّبوّة،و محطّ الرّسالة...»20

العنوان 8 من الخطبة 142:«أين الّذين زعموا أنّهم الرّاسخون في العلم...»32

العنوان 9 من الخطبة 145:«و اعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا...»59

العنوان 10 من الخطبة 237:«هم عيش العلم و موت الجهل...»64

-من الحكمة 98:«اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية...»65

العنوان 11 من كتاب 28:«...أمّا بعد،فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء اللّه...»79

العنوان 12 من الخطبة 205:«...املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني...»210

العنوان 13 من الخطبة 150:«و إنّما الأئمّة قوّام اللّه على خلقه...»375

العنوان 14 من الخطبة 185:«ألا بأبي و امّي هم من عدّة...»380

العنوان 15 من الخطبة 187:«و الهجرة قائمة على حدّها الأوّل...»391

العنوان 16 من الخطبة 231:«ألا و إنّ اللّسان بضعة من الانسان...»402

العنوان 17 من الخطبة 152:«قد خاضوا بحار الفتن...»416

العنوان 18 من الخطبة 152:«فيهم كرائم القرآن،و هم كنوز الرّحمن...»425

العنوان 19 الحكمة 109:«نحن النّمرقة الوسطى بها يلحق التّالي...»429

العنوان 20 الحكمة 21:«لنا حقّ،فإن أعطيناه و إلاّ ركبنا أعجاز الإبل...»435

العنوان 21 الحكمة 111:«...لو أحبّني جبل لتهافت...»438

العنوان 22 الحكمة 98:«و خلّف فينا راية الحقّ...»445

العنوان 23 من الخطبة 103:«فما احلولت لكم الدّنيا في لذّتها...»454

العنوان 24 من الخطبة 164:«أيّها النّاس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ...»469

العنوان 25 من الخطبة 103:«ألا و إنّ أبصر الأبصار ما نفذ في الخير طرفه...»477

العنوان 26 من الخطبة 167:«و إنّما طلبوا هذه الدّنيا حسدا لمن أفاءها...»490

العنوان 27 الحكمة 209:«لتعطفنّ الدّنيا علينا بعد شماسها عطف الضّروس...»495

العنوان 28 من الخطبة 85:«فأين تذهبون»و(أنّى تؤفكون)و الأعلام قائمة...»498

العنوان 29 من الخطبة 148:«حتّى إذا قبض اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجع قوم...»519

العنوان 30 من الخطبة 188:«الزموا الأرض،و اصبروا على البلاء...»542

العنوان 31 من الخطبة 180:«قد لبس للحكمة جنّتها،...»547

العنوان 32 الحكمة 432:«انّ أولياء اللّه هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا...»547

العنوان 33 من الخطبة 149:«و هو في مهلة من اللّه يهوى مع الغافلين...»568

العنوان 34 الحكمة 156:«عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته»569

دليل القارئ

ضمّ«بهج الصّباغة في شرح نهج البلاغة»(60)فصلا وزّعت على 14 مجلّدا حازت تلك الفصول على أسماء خاصّة بها،و ادرجت وفقا لهيكل ارتاه المؤلّف نفسه.

اشتمل كلّ فصل على عدد من نصوص النّهج المراد شرحها،كتبت بالغامق، و انتظمت استنادا إلى ترابطها الموضوعي بعناوين منحت أرقاما بارزة أعلاها تمثّل تسلسلها في الفصل،إضافة إلى رقم خاص بين قوسين يشير إلى موقعها في النّهج.

قد تحتوي بعض العناوين على أكثر من نصّ يراد توضيحه فتشترك نصوص العنوان برقم واحد أعلاها،و يميّز كلّ نصّ برقمه الخاص في نهج البلاغة.

يبتدأ الشّرح باقتطاع كلمات أو فقرات متتالية حسب أولويّتها في النصّ -غالبا-و تحصر بين قوسين و تميّز بالغامق في أوّل مورد أتت به لشرحها.

غالبا ما يكون الشّرح لغويّا أوّل الأمر،ثمّ ينطلق منه إلى وقائع تأريخيّة و قصص أدبيّة معزّزة بأنواع الشّواهد شعرا و نثرا.

لم تحصر النصوص المنقولة-من غير نهج البلاغة-بين قوسين لكثرتها،و اكتفي لتمييز أوّلها بذكر اسم الكتاب المأخوذة منه-و يقع أوّل السّطر في أحيان كثيرة-بين قوسين،و نهايتها بهامش يشير إلى استخراجها و يبدأ النصّ الآخر برأس سطر جديد.

عند ما يتمّ شرح كلّ نص من العنوان ينتقل إلى عنوان آخر يليه وفقا لرقم تسلسله في الفصل،فتشرح نصوصه و ينتقل إلى عنوان بعده،و هكذا تشرح الفصول متتابعة.

إنّ العبارات التي تقع بين خطّين،هي عبارات اعتراضيّة توضيحيّة.

اضيف في نهاية كلّ مجلّد فهرست للخطب و الكتب و الحكم الواردة في ذلك المجلّد.

و ختاما نرجو من القراء الأعزاء أرسال ما لديهم من ملاحظات أو اقتراحات بناءة حول الكتاب.كما نعتذر عن السهو و الخطأ إن وجد.

نتمنى للجميع التسديد و الصواب،و من اللّه الأجر و الثواب و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته الناشر