ghaemiyeh.com
سرشناسه : شفتی، سیدمحمدباقر
عنوان قراردادی : البهجةالمرضیة فی شرحالالفیة. شرح
الفیه .شرح
عنوان و نام پدیدآور : الحلية اللامعة للبهجة المرضية المجلد 2/ تالیف سیدمحمدباقربن محمدنقی الشفتی؛ تحقیق مکتبه مسجدالسید حجهالاسلام.
مشخصات نشر : تهران: شبافروز،۱۳۹۳ -
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : منشورات مکتبه مسجدالسید حجهالاسلامالاسلام الشفتی(قدسسره)؛۱۹.
شابک : 978-600-92902-3-9
وضعیت فهرست نویسی : فاپا
یادداشت : عربی.
یادداشت : این کتاب شرحی بر کتاب "البهجةالمرضیه فی شرحالالفیة" تالیف عبدالرحمنبنابیبکر سیوطی بوده که خود نیز شرحی بر "الفیه" ابنمالک است.
یادداشت : کتابنامه به صورت زیرنویس.
موضوع : سیوطی، عبدالرحمن بن ابیبکر، ۸۴۹-۹۱۱ق. . البهجه المرضیه فی شرح الالفیه -- نقد و تفسیر
موضوع : ابنمالک، محمدبن عبدالله، ۶۰۰ - ۶۷۲ ق . الفیه -- نقد و تفسیر
موضوع : زبان عربی -- نحو
شناسه افزوده : سیوطی، عبدالرحمن بن ابیبکر، ۸۴۹-۹۱۱ق . البهجه المرضیه فی شرح الالفیه . شرح
شناسه افزوده : ابنمالک، محمدبن عبدالله، ۶۰۰ - ۶۷۲ ق . الفیه. شرح
شناسه افزوده : مسجد سید اصفهان. کتابخانه
رده بندی کنگره : PJ۶۱۵۱/الف۱۸الف۷۰۲۱۷۴۸۶ ۱۳۹۳
رده بندی دیویی : ۴۹۲/۷۵
شماره کتابشناسی ملی : ۳۴۷۶۶۴۰
محرر الرقمي:محمد المنصوري
تصدير··· 7
باب الابتداء··· 37
باب نواسخ الابتداء··· 65
الأوّل من النواسخ : كان وأخواتها··· 65
الثاني من النواسخ : ما ولا ولات وإن المشبّهات بليس··· 85
الثالث من النواسخ : أفعال المقاربة··· 103
الرابع من النواسخ : إنّ وأخواتها··· 121
الخامس من النواسخ : لا الّتي لنفي الجنس··· 201
السادس من النواسخ : ظنّ وأخواتها··· 223
فصل في أعلم وأرى وما جرى مجراهما··· 235
باب الفاعل وفيه المفعول به··· 245
باب النائب عن الفاعل إذا حذف··· 265
باب اشتغال العامل عن المعمول··· 275
الاستثناء··· 283
باب الحال··· 367
باب التمييز··· 447
باب حروف الجرّ··· 481
فصل في معاني حروف الجرّ··· 503
باب الإضافة··· 567
فصل في المضاف إلى ياء المتكلّم··· 613
باب إعمال المصدر··· 627
باب إعمال اسم الفاعل··· 645
باب إعمال صيغ المبالغة··· 661
باب أبنية المصادر··· 669
باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبّهة بها وأسماء المفعولين··· 679
باب إعمال الصفة المشبّهة باسم الفاعل··· 687
باب التعجّب··· 707
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد صلىاللهعليهوآله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.
وبعد، فهذا هو الجزء الثاني - حسب تجزئتنا - من كتاب: الحلية اللامعة للبهجة المرضيّة، تقدّمه للقرّاء الكرام وروّاد العلم، بعد عمل دؤوب دام عدّة سنوات.
ونودّ هنا أن نذكر للقارئ الكريم: أنّا بعد الانتهاء - بحمد اللّه ومنّه - من تحقيق الجزء الأوّل من الكتاب، عثرنا على نسخ خطّيّة أخرى منه في مختلف المكتبات، فأضفناها إلى عملنا التحقيقيّ، حيث شرعنا فيها من الجزء الثاني الّذي بين يديك، وهي كما يلي:
1 - النسخة الأصليّة (مخطوطة حجّة الإسلام الشفتيّ قدسسره)، وهي محفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى بطهران برقم 18433، تشتمل على قسم من الجزء الثاني فقط. والنسخة واضحة الخطّ مقروءة، إلاّ أنّ المصنّف جعل فيها تغييرات
وزيادات، وحذف بعض العبارات ثمّ كتبها مرّة أخرى، وقد اختلط بعضها ببعض، أو ضاع بعضها. تقع هذه النسخة في 60 ورقة بحجم 15 × 21 سم، وكلّ ورقة تحتوي على ثمانية عشر سطرًا، ورمزنا لهذه النسخة برمز : « ص ».
2 - النسخة الخطّيّة المحفوظة في مكتبة مسجد أعظم في مدينة قم المقدّسة تحت رقم 3532، والمذكورة في فهرس مخطوطاتها: ص 157، تحتوي على الجزء الأوّل والثاني من الحاشية، وهي بخطّ النسخ، مجهولة الكاتب والتاريخ. امتاز هذه النسخة عن النسخ الأخرى بأنّها كاملة تقريبًا، ولكنّها كثيرة الأخطاء والسقطات. تقع هذه النسخة في 282 ورقة بحجم 5/ 14 × 5 / 8 سم، وكلّ ورقة تحتوي على إحدى وعشرين سطرًا، وقد رمزنا لها بالحرف : « م ».
3 - النسخة الخطّيّة المحفوظة في مكتبة مدرسة سپهسالار في طهران برقم 6864، والمذكورة في فهرس مخطوطاتها: 4 / 342، تحتوي على الجزء الأوّل وقسم من الجزء الثاني من الحاشية، كتبها بخطّ النسخ أحد تلامذة المصنّف، وفرغ من كتابة الجزء الأوّل في يوم الأحد سلخ شهر ذي القعدة الحرام سنة 1218 ه . والنسخة مخرومة الأوّل والآخر، كثيرة الاخطاء والاسقاط . تقع هذه النسخة في 183 ورقة بحجم 13 × 8 سم، مختلفة الأسطر. وقد رمزنا لها بالحرف : « س ».
4 - النسخة الخطّيّة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلاميّ، تحت رقم: 4323، تحتوي على الجزء الأوّل وقسم من الجزء الثاني، مجهولة الكاتب، وتاريخ كتابة الجزء الأوّل - كما جاء في آخره - يوم الجمعة من شهر محرّم الحرام سنة 1244 ه . والنسخة مخرومة الآخر، تقع هذه النسخة في 19 ورقة، وكلّ ورقة تحتوي على إحدى وعشرين سطرًا. وقد رمزنا لها بالحرف: «ج 1».
جاء في آخر الجزء الأوّل ما يلي:
قد فرغت من تسويد هذه الحاشية الشريفة على حلّ عبارات البهجة المرضيّة من تأليفات السيّد المكرّم والشيخ الأعلم، أعني: سلالة السادات العظام وزبدة أولاد النجباء الفخام مير محمّد باقر، بيّض اللّه غرّة أحوالهم [كذا] وجعل التوفيق له خيرَ رفيق والأئمّة عليهمالسلام معيننا وشفيعنا بجاه محمّد وآله الطاهرين، في يوم الجمعة من شهر محرّم الحرام سنة 1244.
5 - النسخة الخطّيّة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلاميّ، تحت رقم: 4776، تحتوي على الجزء الأوّل وقسم من الجزء الثاني، مجهولة الكاتب، وتاريخ كتابة الجزء الأوّل - كما جاء في آخره - يوم العاشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1209 ه . تقع هذه النسخة في 233، وكلّ ورقة تحتوي على ثمانية عشر سطرًا. وقد رمزنا لها بالحرف : « ج 2 ».
6 - النسخة الخطّيّة المحفوظة في مكتبة ملك في طهران برقم: 549، تحتوي على الجزء الأوّل وقسم من الجزء الثاني، مجهولة الكاتب، مخرومة الآخر. تقع هذه النسخة في 89 ورقة، وكلّ ورقة تحتوي على إحدى وعشرين سطرًا. وقد رمزنا لها بالحرف: « ك ».
وسنعرض في نهاية هذه المقدّمة نماذج من هذه النسخ.
كلمة شكر وثناء
وبالختام نتقدّم خالص شكرنا المتواصل وثنائنا العاطر إلى كلّ مَن ساعدنا وأعاننا على إخراج هذا السفر القيّم بهذه الحلّة الجيّدة والطباعة الأنيقة، ونخصّ منهم بالذكر: فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد جوادي پور، حيث ساعد في مقابلة النسخ الخطّيّة، فجزاهم اللّه عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين.
ونحمد اللّه تعالى على إتمامه، ونسأله أن يوفّقنا لإحياء تراث أهل البيت عليهمالسلام وعلمائنا الأبرار، خصوصًا بقيّة آثار جدّنا الأمجد الأسعد العلاّمة المحقّق الفقيه الأصوليّ الأوحد السيّد محمّد باقر الموسويّ المعروف بحجّة الإسلام الشفتيّ - أعلى اللّه مقامه العاليّ - وسلفه الصالح.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
اصفهان
السيّد محمّد الرضا الشفتيّ
25 شعبان المعظّم سنة 1445 ه
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
عکس
[ المبتدأ والخبر ]
وقدّم أحكام المبتدأ على الفاعل تبعًا لسيبويه، وبعضهم يقدّم الفاعل، وذلك مبنيّ على القولين في أنّ أصل المرفوعات هل هو المبتدأ أو الفاعل ؟
وجه الأوّل أنّ المبتدأ مبدوء به في الكلام، وأنّه لا يزول عن كونه مبتدأ وإن تأخّر، والفاعل تزول فاعليّته إذا تقدّم، وأنّه عامل ومعمول والفاعل معمول ليس غيره. ووجه الثاني أنّ عامله لفظيّ، وهو أقوى من عامل المبتدأ المعنويّ، وأنّه إنّما رفع للفرق بينه وبين المفعول، وليس المبتدأ كذلك، والأصل في الإعراب أن يكون للفرق بين المعاني.
ثمّ المبتدأ اسم مجرّد عن العوامل اللفظيّة غير المزيدة مخبر عنه، أو وصف رافع لمكتفى به، فالاسم يعمّ الصريح والمؤوّل، والقيد الأوّل يخرج الاسم في باب كان وانّ، والمفعول الأوّل في باب ظنّ، والثاني يدخل نحو: «بحسبك درهم»، على أنّ شيخنا العلاّمة الكافيجي يرى أنّه خبر مقدم، وأنّ المبتدأ درهم نظرًا إلى المعنى، والثالث يخرج أسماء الأفعال، وبقيد الوصف بكونه رافعًا لمكتفى به يخرج قائمًا من: أقائم أبوه زيد.
إذا علمت ذلك فنزّل المثال على هذا الحدّ وقل:
مبتدأ زيد وعاذر خبر *** إن قلتَ: زيدٌ عاذرٌ من اعتذر
(مبتدأ زيدٌ وعاذرٌ خبر) عنه (إن قلت: زيدٌ عاذرٌ من اعتذر) لانطباق الحدّ عليه.
وأوّل مبتدأ والثاني *** فاعل اغنى في: أسارٍ ذان
(وأوّل مبتدأ والثاني فاعل) أو نائب عنه (أغنى) المبتدأ عن الخبر (في) كلّ وصف اعتمد على استفهام ورفع ظاهرًا أو مضمرًا بارزًا نحو: (أسارٍ ذان).
وقس وكاستفهام النفي وقد *** يجوز نحو: فائزٌ أولو الرشد
كيف جالس الزيدان وأمضروب العمران، ولا يجوز كونه مبتدأ إذا رفع ضميرًا مستترًا نحو: قاعد في: ما زيد قائم ولا قاعد (وكاستفهام) في اعتماد الوصف عليه (النفي) نحو:
خليليّ ما وافٍ بعهديّ أنتما ···
وغير قائم الزيدان، و ما مضروب العمران، (و قد) قال الأخفش والكوفيّون: (يجوز) كون الوصف مبتدأ وله فاعل يغني عن الخبر من غير اعتماد على نفي ولا استفهام (نحو: فائز) أي: ناج (أولو الرشد) بفتحتين أي: أصحاب الهدى.
والثان مبتدأ وذا الوصف خبر *** إن في سوى الإفراد طبقًا استقرّ
(والثاني) وهو ما بعد الوصف (مبتدأ) مؤخّر (وذا الوصف) بالرفع (خبر) عنه مقدّم عليه (إن في سوى الإفراد) وهو التثنية والجمع السالم (طبقًا) أي: مطابقًا لما
بعده (استقرّ) هذا الوصف نحو: أقائمان الزيدان، وأقائمون الزيدون، ولا يجوزكون الوصف مبتدأ وما بعده خبره؛ لأنّه إذا أسند إلى الظاهر تجرّد من علامة
التثنية والجمع كالفعل، فإن تطابقا في الإفراد نحو: أقائم زيد، جاز كون ما بعد الوصف فاعلاً سدّ مسدّ الخبر، وكونه مبتدأ مؤخّرًا والوصف خبرًا مقدّمًا، والجمع المكسّر كالمفرد، وكذا الوصف المطلق على المفرد والمثنّى والجمع بصيغة واحدة نحو: أَجُنُبٌ الزيدان.
ورفعوا مبتدأ بالابتدا *** كذاك رفع خبرٍ بالمبتدأ
(ورفعوا مبتدأ بالابتداء) وهو كونه معرّى من العوامل اللفظيّة، وقيل: جُعل الاسم أوّلاً ليخبر عنه (كذاك رفع خبر بالمبتدأ) وحده، وهو الصحيح الّذي نصّ عليه سيبويه؛ لأنّه طالب له.
وقيل: بالابتداء؛ لأنّه اقتضاهما فعمل فيهما.
وردّ بأنّ أقوى العوامل - وهو الفعل - لا يعمل رفعين، فما ليس أقوى أولى.
وقيل: بالابتداء والمبتدأ.
وقال الكوفيّون: ترافعا، أي كلّ واحد منهما رفع الآخر، وله نظائر في العربيّة.
والخبر الجزء المتمّ الفائدة *** كاللّه بَرّ والأيادي شاهده
(والخبر) هو (الجزء المتمّ الفائدة) مع مبتدأ غير الوصف (كاللّه بَرّ) أي: محسن لعباده (والأيادي) أي: النعم (شاهدة) له.
ومفردًا يأتي ويأتي جملة *** حاوية معنى الّذي سيقت له
(و مفردًا يأتي) الخبر، والمراد به ما للعوامل تسلّط على لفظه، فيشمل ما لا معمول له كهذا زيد، وما عمل الجرّ كزيدٌ غلام عمرو، أو الرفع كزيد قائم أبوه، أو النصب كهذا ضارب أبوه عمرًا، (و يأتي جملة) بشرط أن تكون (حاوية معنى)
المبتدأ (الّذي سيقت له) أي: اسمًا بمعناه يربطها به؛ لاستقلال الجملة، وهو إمّا ضمير موجود كزيد قام أبوه، أو مقدّر كالبرّ قفيز بدرهم، أي: منه، أو اسم أشير به إليه نحو: « ولباس التقوى ذلك خير ».
ويغنى عن الرابطة تكرار المبتدأ بلفظه ك- : « الحاقّة ما الحاقّة »، أو عموم في الخبر يدخل المبتدأ تحته، نحو: « إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ».
وإن تكن إيّاه معنًى اكتفى *** بها كنطقي اللّه حسبي وكفى
(وإن تكن) الجملة (إيّاه معنًى اكتفى) المبتدأ (بها كنطقي اللّه حسبي وكفى).
والمفرد الجامد فارغ وإن *** يشتقّ فهو ذو ضميرٍ مستكن
(و) الخبر (المفرد الجامد) والمراد به - كما قال في شرح الكافية - ما ليس صفة يتضمّن معنى فعل وحروفه (فارغ) أي: خال من الضمير عند البصريّين؛ لأنّ تحمّل الضمير فرع عن كون المتحمّل صالحًا لرفع ظاهر على الفاعليّة، وذلك مقصور على على الفعل، أو ما هو بمعناه. وذهب الكوفيّون إلى أنّه يتحمّله.
(وإن يشتقّ) الخبر المفرد أو يؤوّل بمشتقّ كهذا أسد، أي: شجاع (فهو ذو ضمير مستكن) أي: مستتر فيه.
هذا إذا لم يرفع ظاهرًا، فإن رفعه لم يتحمّل وإن جرى على مَن هو له، وإلاّ فله حكم ذكره بقوله:
وأبْرِزَنْهُ مطلقًا حيث تلا *** ما ليس معناه له محصّلاً
(وأبْرِزَنْهُ) أي: الضمير وجوبًا (مطلقًا) سواء أمن من اللبس أم لم يؤمن (حيث
تلا) أي: وقع ذلك الوصف بعد (ما) أي: مبتدأ (ليس معناه) أي: معنى ذلك الوصف (له) أي: للمبتدأ (محصّلاً) بل كان محصّلاً لغيره، أي: كان وصفًا جاريًا على غير مَن هو له كزيدٌ عمرو ضاربه هو، وزيدٌ هند ضاربها هو . وأجاز الكوفيّون الاستتار إذا أمن اللبس، واختاره المصنّف في الكافية.
وأخبروا بظرفٍ أو بحرف جرّ *** ناوين معنى كائن أو استقرّ
(وأخبروا) عن المبتدأ (بظرف) نحو: « والركب أسفل منكم » أو (بحرف جرّ) مع مجروه ك- (الحمد للّه) حال كونهم (ناوين) - أي: مقدّرين - له متعلّقًا اسم فاعل
أو فعلاً هو الخبر في الحقيقة، ولا يكون إلاّ كائنًا أو استقرّ أو ما فيه (معنى كائن أو استقرّ)، كثابت و وجد ونحوهما.
فرعٌ
يجب حذف هذا المتعلق، و شذ التصريح به في قوله :
··· فأنت لدى بُحبُوحة الهُونِ كائن
ثمّ إن قدّر اسم فاعل - وهو اختيار المصنّف؛ لوجوب تقديره اتّفاقًا بعد أمّا وإذا المفاجاة؛ لامتناع إيلاهما الفعل - فهو من قبيل المفرد، وإن قدّر فعلاً - وهو اختيار
ابن الحاجب؛ لوجوب تقديره في الصلة - فواضح أنّه من قبيل الجملة، ولا يخفى أنّ إجراء الباب على سنن واحد أولى من الإلحاق بباب آخر.
واعلم: أنّ اسم الزمان يكون خبرًا عن الحدث نحو: القتال يوم الجمعة؛ لأنّ الأحداث متجدّدة، ففي الإخبار عنها به فائدة، وهي تخصيصها بزمانٍ دون زمان.
ولا يكون اسم زمان خبرًا *** عن جثّةٍ، وإن يفد فأخبِرا
(ولا يكون اسم زمان خبرًا عن) مبتدأ (جثّة)، فلا يقال: زيد يوم الجمعة (وإن يفد) الإخبار به بأن كان المبتدأ عامًّا والزمان خاصّ، أو كان اسم الذات مثل اسم المعنى في وقوعه وقتًا دون وقت (فأخبرا) كنحن في شهرا كذا، والورد في أيّار.
ولا يجوز الابتداء بالنكرة *** ما لم تُفد كعند زيدٍ نمرة
(و لا يجوز الابتداء بالنكرة ما) دام الابتداء بها (لم يفد)؛ لأنّه لا يخبر إلاّ عن معروف، فإن أفاد جاز الابتداء، وتحصيل الفائدة بأمور:
أحدها: أن يتقدّم الخبر، وهو ظرف أو مجرور مختصّ (كعند زيد نمرة)، وفي الدار رجل.
وهل فتًى فيكم فما خلّ لنا *** ورجلٌ من الكرام عندنا
(و) الثاني: أن يتقدّمها استفهام نحو: (هل فتى فيكم).
والثالث: أن يتقدّمها نفي نحو: إن لم تكن خليلنا (فما خلّ لنا).
(و) الرابع: أن تكون موصوفة بوصفٍ إمّا مذكور نحو: (رجل من الكرام عندنا)، أو مقدّر نحو: شرّ أهرّ ذا ناب، أي: عظيم، على أحد التقديرين، وكذا إن كان فيها معنى الوصف نحو: رجيل عندنا، أي: رجل حقير عندنا، أو كانت خلفًا من موصوف، كمؤمن خيرٌ من كافر .
و رغبة في الخير خير وعمل *** برّ يزينُ ولْيُقس ما لم يُقل
(و) الخامس: أن تكون عاملة فيما بعدها نحو: (رغبة في الخير خير).
(و) السادس: أن تكون مضافة نحو: (عمل برّ يزين).
(وليقس) على ما ذكر (مالم يقل) بأن يجوز كلّما وجد فيه الإفادة، كأن يكون
فيها معنى التعجّب، كما أحسن زيدًا، أو تكون دعاء نحو: «سلامٌ على إل ياسين» و «ويلٌ للمطفّفين»، أو شرطًا، كمن يقم أقم معه، أو جواب سؤال، كرجل، لِمَن قال: مَن عندك ؟ أو عامّة، ككلّ يموت، أو تالية ل- إذا الفجائيّة نحو: فإذا الأسد بالباب، أو واو الحال كقوله:
سرينا ونجمٌ قد أضاه فمذ بدا ···
وقد توجد الإفادة دون شيء ممّا ذكر كقوله: شجرةٌ سجدت، وتمرةٌ خيرٌ من جرادة.
والأصل في الأخبار أن تؤخّرا *** وجوّزوا التقديم إذ لا ضررا
(والأصل في الأخبار أن تؤخّرا)؛ لأنّها وصف في المعنى للمبتدءات، فحقّها التأخير كالوصف (وجوّزوا التقديم) لها على المبتدءات (إذ لا ضررا) حاصل بذلك. وفهم من كلامه أنّ الأصل في المبتدءات التقديم.
فامنَعْهُ حين يستوى الجزءان *** عُرفًا ونكرًا عادمي بيان
(فامنعه) أي: تقديم الخبر (حين يستوي الجزآن عرفًا ونكرًا) بشرط أن يكونا (عادمي بيان)، نحو: زيد صديقك؛ للالتباس، فإن كان ثمّة قرينة جاز كقوله:
بنونا بنو أبنائنا
···
كذا إذا ما الفعل كان خبرا *** أو قصد استعماله منحصرا
(كذا) يمتنع تقديم الخبر (إذا ما الفعل) الرافع لضمير المبتدأ المستتر (كان) هو (خبرا) نحو: زيد قام؛ لالتباس المبتدأ بالفاعل، فإن رفع ضميرًا بارزًا جاز التقديمنحو: قاما الزيدان، و «أسرّوا النجوى الّذين ظلموا» كذا قيل، واعترضه والدى
في حاشيته على شرح ابن الناظم بأنّ الألف تحذف لالتقاء الساكنين، فيقع اللبس بالفاعل، (أو قصد استعماله) أي: الخبر (منحصرا) أي: محصورًا فيه، كأنّما زيد شاعر، وما زيدٌ إلاّ شاعر، أي: ليس غيره، فلا يجوز التقديم لئلاّ يتوهّم عكس المقصود، وشذّ:
··· وهل إلاّ عليك المعوّل
وإن لم يوهم عكس المقصود .
أو كان مسندًا لذي لام ابتدا *** أو لازم الصدر كمن لي مُنجِدا
(أو كان) الخبر (مسندًا لذي) أي: لمبتدأ فيه (لام ابتدا) نحو: لزيد قائم، فلا يجوز التقديم؛ لأنّ لها صدر الكلام، ولو تركه لفهم ممّا بعده (أو) كان مسندًا لمبتدأ
(لازم الصدر) بنفسه أو بسبب (كمَن لي منجدا؟) وفتى مَن وافدٌ؟.
ونحو: عندي درهم ولي وَطَر *** ملتزم فيه تقدّم الخبر
(و) إذا كان المبتدأ نكرة والخبر ظرفًا أو مجرورًا أو جملة - كما قال في شرح التسهيل - (نحو: عندي درهم، ولي وَطَر)، وقَصَدَك غلامه رجلٌ، فاعلم أنّه (ملتزم فيه تقدّم الخبر)؛ لأنّه المسوّغ للابتداء بالنكرة.
كذا إذا عاد عليه مضمر *** ممّا به عنه مبينًا يخبر
(كذا) يجب تقديم الخبر (إذا عاد عليه) أي: على ملابسه (مضمر ممّا) أي: من مبتدأ (به عنه مبينًا يخبر) نحو: في الدار صاحبها؛ إذ لو أخّر عاد الضمير على متأخّر
لفظًا ورتبة.
تنبيه
عبارة ابن الحاجب في هذه المسألة: «أو لمتعلّقه ضمير في المبتدأ»، قال المصنّف في نكته على مقدّمة ابن الحاجب: «هذه عبارة غلقه على المتعلّم، ولو قال: أو كان في المبتدأ ضمير له كفاه». انتهى.
وأنت ترى ما في عبارة المصنّف هنا من الغلاقة وكثرة الضائر المقتضية للتعقيد وعسر الفهم، وكان يمكنه أن يقول كما في الكافية:
وإن يعُد بخبرٍ ضمير *** من مبتدأ يوجب له التأخير
كذا إذا يستوجب التصديرا *** كأين من علمته نصيرًا
(كذا) يجب التقديم (إذا) كان الخبر (يستوجب التصديرا) كالاستفهام (كأين من علمته نصيرًا).
وخبر المحصور قدّم أبدا *** كما لنا إلاّ اتّباع أحمدا
و (خبر) المبتدأ (المحصور) فيه (قدّم أبدًا، كما لنا إلاّ اتّباع أحمدا)؛ إذ لو أخّر وقيل: ما اتّباع أحمد صلىاللهعليهوآله إلاّ لنا، أوهم الانحصار في الخبر.
وحذف ما يعلم جائز، كما *** تقول: «زيد» بعد «من عندكما»
(و حذف ما يعلم) من المبتدأ والخبر (جائز)، فحذف الخبر (كما تقول: زيدٌ بعد) قول السائل: (مَن عندكما؟).
و في جواب (كيف زيد؟) قل (دَنِفْ) *** فزيدٌ استُغني عنه إذ عُرف
(وفي جواب) قول سائل: (كيف زيد؟) احذف المبتدأ و (قل: دَنِف)، أى¨: مريض، (فزيد) المبتدأ (استغني عنه إذ عرف).
وبعد لولا غالبًا حذف الخبر *** حتمٌ وفي نصّ يمين ذا استقرّ
(وبعد لولا) الامتناعيّة (غالبًا) أي: في القسم الغالب منها؛ إذ هي على قسمين: قسم يمتنع فيه جوابها بمجرّد وجود المبتدأ بعدها، وهو الغالب، وقسم يمتنع لنسبته الخبر إلى المبتدأ، وهو قليل، فالأوّل (حذف الخبر) منه (حتم)، نحو: لولا زيد لأتيتك، أي: موجود، والثاني حذفه جائز إذا دلّ عليه دليل، بخلاف ما إذا لم يدلّ نحو: (لولا قومك حديثوا عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين).
تتمّة
ك- : لولا - فيما ذكر - : لوما، صرّح به ابن النحّاس.
(وفي) المبتدأ الواقع (نصّ يمين ذا) أي: حذف الخبر وجوبًا (استقرّ) نحو: لعمرك لأفعلنّ كذا، أي: قسمي، فإن لم يكن نصًّا في اليمين لم يجب الحذف.
وبعد واو عيّنت مفهوم معْ *** كمثلِ كلّ صانع وما صنع
(و) كذا يجب الحذف إذا وقع (بعد) المبتدأ (واو) قد (عيّنت مفهوم مع)، وهو المصاحبة، (كمثل كلّ صانع وما صنع) أي: مقترنان.
فإن لم يكن الواو نصًّا في المعيّة لم يجب الحذف، نحو:
···
وكلّ امرى ء والموتُ يلتقيان
وقبل حال لا يكون خبرا *** عن الّذي خبره قد أضمرا
(و) كذا إذا كان المبتدأ مصدرًا أو مضافًا إلى مصدر، و هو (قبل حال لا) يصلح أن (يكون خبرًا عن) المبتدأ (الّذي خبره قد أضمرا).
كضربي العبد مسيئًا وأتمّ *** تبييني الحقّ منوطًا بالحكم
فالمصدر (كضربي العبد مسيئًا)، فمسيئًا حال سدّت مسدّ الخبر المحذوف وجوبًا، والأصل: حاصل إذا كان، أو إذ كان مسيئًا، فحذف حاصل، ثمّ الظرف. (و) المضاف إلى المصدر نحو: (أتمّ تبييني الحقّ منوطًا بالحكم) فأتمّ مبتدأ مضاف إلى مصدر، ومنوطًا حال سدّ مسدّ الخبر، وتقديره كما تقدّم، وخرج بتقييد الحال بعدم صلاحيّتها للخبريّة ما يصلح لها، فالرفع فيه واجب ، نحو: ضربي زيدًا شديد.
تنبيهٌ
يجب حذف المبتدأ في مواضع:
أحدها: إذا أخبر عنه بنعت مقطوع، كمررت بزيد الكريم، كما ذكره في آخر النعت.
الثاني: إذا أخبر عنه بمخصوص نِعْم، كنِعْم الرجل زيد، كما ذكره في باب نِعم.
الثالث: إذا أخبر عنه بمصدر بدل من اللفظ بفعله ك-: «صبرٌ جميل» أي: صبري.
الرابع: إذا أخبر عنه بصريح القسم، نحو: في ذمّتي لأفعلنّ، أي: يمين، ذكرهما في الكافية.
وأخبروا باثنين أو بأكثرا *** عن واحدٍ كهم سَرَاةٌ شُعَرا
(وأخبروا باثنين) أي: بخبرين (أو بأكثر) من اثنين (عن) مبتدأ (واحد) سواء كان الاثنان في المعنى واحدًا، كالرمّان حلو حامض، أي: مزٌّ، أم لم يكن (كهم سَراة
شُعَرا)، ونحو:
من يك ذا بتّ فهذا بتّي *** مقيّظٌ مصيّفٌ مشتّي
ويجوز الإخبار باثنين عن مبتدئين، نحو: زيد وعمرو كاتب وشاعر.
[ باب : الابتداء ](1)
قوله : والفاعل معمول ليس غيره .
ولا يخفى أنّه ليس في شيء من هذه الأدلّة دلالة صريحة على كون الأصل في المرفوعات المبتدأ، بل و في ظهورها كلام، كما يظهر لمن تأمّل فيها.
فالأولى أن يقال : إنّ الأصل في المرفوعات هو الفاعل. لنا - مضافًا إلى ما ذكره هنا - قول مولانا الّذي بيده مطلوب كلّ طالب، أعني: عليّ بن أبي طالب - عليه السلام إلى دوام المشارق والمغارب - حيث قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في المسجد بعد أن يسمع قراءة أبي الأسود الدئليّ آية : « أنَّ اللّهَ بَرِىءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
و رَسُولُهُ » (2)بالكسر: يا عليّ ! علّم هذا العرب شيئًا حتّى لا يقرء القرآن غلطًا .
فقال عليهالسلام : كلّ فاعلٍ مرفوع وما يلحق به، وكلّ مفعولٍ منصوب وما يلحق به، وكلّ مضافٍ إليه مجرور وما يلحق به (3).
و في قوله عليهالسلام غنية لنا، ولا نحتاج إلى غيره.
قوله : و هو ما بعد الوصف .
أشار بذلك إلى دفع اعتراضٍ ربّما يتوهّم في عبارة المصنّف، وهو أن يورد أنّ ظاهر كلامه يدلّ على أنّ ما وقع في المرتبة الثانية هو مبتدأ؛ إذ الظاهر من الثاني هو ذلك، فيتوهّم من ذلك عدم جواز الفصل بين الوصف والاسم بعده بما لايصلح لوقوعه مبتدأ، فعلى هذا ينبغي أن لايصحّ أن يقال : « أقائمان في الدار الزيدان »، لعدم صلاحيّة وقوع « في الدار » مبتدأ، وصحّته معلوم بالبديهة.
وتقرير الدفع: أنّه ليس المراد بالثاني في قوله : « والثاني مبتدأ » هو المتبادر منه، بل المراد ما وقع بعد الوصف، سواء وقع في المرتبة الثانية، أو الثالثة.
قوله : لأنّه إذا أسند إلى الظاهر يجرّد (1)من علامة التثنية والجمع كالفعل.
و فيه نظر؛ لأنّه لو كان الوصف مبتدأ، لكان الخبر مسندًا إليه، لا هو مسندٌ إلى الخبر، و ذلك ظاهر، لكون المبتدأ مسندًا إليه والخبر مسندًا. ولا وجه لتعليل عدم جواز كون الوصف في تلك الصورة مبتدأ وما بعده خبرًا بما ذكره، فتأمّل.
هذا إن حمل كلامه على ظاهره، وإلاّ فيمكن حمله بأن يقال : إنّ مراده عدم جواز كون الوصف مبتدأ في تلك الصورة وما بعده خبرًا، أي : ما بعده فاعلاً سدّ
1) . في المصدر : تجرّد .
مسدّ الخبر، فحينئذٍ يصحّ التعليل .
والتحقيق أن يقال : إنّ الصور المتصوّرة فيما إذا طابق الوصف ما بعده في التثنية والجمع - كقولك: «قائمان الزيدان» مثلاً - ثلاثٌ :
أحدها: أن يكون ما بعد الوصف مبتدأ، وهو خبرًا مقدّمًا، وذلك لا شبهة فيه.
والثانية: هو أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعلاً سدّ مسدّ الخبر، وهو غير جائز؛ لما ذكره الشارح من أنّ الوصف إذا كان مسندًا إلى الظاهر يجرّد من علامة التثنية والجمع كالفعل.
والثالثة: أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده خبرًا عنه، وهو أيضًا غير جائز، لا لما ذكره الشارح، بل للقاعدة المسلّمة عندهم هي: أنّه متى اجتمع اسمان أحدهما معرفة والآخر نكرة، تعيّن الحكم بابتدائيّة المعرفة .
و هذه القاعدة إذا لم يكن مع النكرة شيء من مسوّغات الابتداء بها اتّفاقيّ، كما ذكره ابن هشام في المغني (1)، وأمّا إذا كان معها شيء من ذلك - كما فيما نحن فيه؛ لكون الوصف بمعنى الفعل - فمذهب الجمهور أيضًا كذلك، ومن المسوّغات كون النكرة بمعنى الفعل، أو كونها عاملة - كما سيصرّح به الشارح - وعن سيبويه (2): أنّه جوّز في هذه الصورة كون النكرة مبتدأ.
إن قلت : ما ذكرت من أنّ من المسوّغات (3)الابتداء بالنكرة هو كونها عاملة
مسلّم، لكن لانسلّم تحقّق ذلك في المثال المذكور، وهو : « قائمان الزيدان »؛ لأنّ الوصف فيه ليس بعامل؛ لأنّ شرط عمله الاعتماد أو بغيره (1)، وهو غير متحقّق في المقام.
قلنا: هذا مع كونه مناقشة في المناسب؛ إذ يمكن جريان الكلام في : « أقائم الزيدان » اشتباه منك وغفلتك عن حقيقة الحال؛ لأنّ اشتراط الاعتماد وكذا كون الوصف بمعنى الحال والاستقبال في عمل اسمي الفاعل والمفعول إنّما هو للعمل في المنصوب، لا لمطلق العمل حتّى الرفع، بل الوصف يعمل عمل الرفع وإن لم يعتمد وكان بمعنى الماضي، كما صرّح به نجم الأئمّة وفاضل الأمّة، وابن هشام، وغيرهما (2).
هذا، مع أنّه يمكن أن يقال أيضًا: إنّه لو سلّمنا كون الوصف مبتدأ وما بعده خبرًا، يلزم الإضمار قبل الذكر لفظًا ورتبةً، وهو غير جائز في المقام.
بيان ذلك: هو أنّ علامة التثنية والجمع في الوصف يدلّ على تحمّله الضمير، ولا مرجع له في المقام إلاّ « الزيدان »، وهو لو كان خبرًا لكان مؤخّرًا لفظًا ورتبة، فليزم إرجاع الضمير على المتأخّر لفظًا و رتبة .
قوله : فإن تطابقا في الإفراد نحو : أقائم زيد، جاز كون ما بعد الوصف فاعلاً سدّ مسدّ الخبر وكونه مبتدأ مؤخّرًا والوصف خبرًا مقدّمًا.
إن قلت : لِمَ لا يجوز أن يكون الوصف في هذه الحالة مبتدأ وما بعده خبرًا ؟
قلت : لما تقدّم من القاعدة من أنّ النكرة والمعرفة إذا اجتمعا تعيّن الحكم بابتدائيّة المعرفة وإن كان النكرة ممّا يسوّغ الابتداء به كما هنا؛ إذ في المثال المذكور مع النكرة ثلاث مسوّغات :
أحدها : كونها بمعنى الفعل .
والثاني : كونها عاملة .
والثالث : كونها بعد الاستفهام .
وأيضًا لو كان الوصف مبتدأ و ما بعده خبرًا، لكان الضمير في الوصف راجعًا إليه؛ إذ لا مرجع له غيره، فيلزم الإضمار قبل الذكر .
ولذا ما احتمله الشارح هنا، بل قال : « جاز كون الوصف فاعلاً سدّ مسدّ الخبر وكونه مبتدأ مؤخّرًا والوصف ما بعد خبرًا مقدّمًا »، و قوله : « فإن تطابقا في الإفراد»، يشمل ما إذا كان الاسم بعد الوصف ظاهرًا و مضمرًا، فيجوز الوجهان في نحو: «أقائم أنت» من كون « أنت » فاعلاً سدّ مسدّ الخبر، و كونه مبتدأ مؤخّرًا والوصف خبرًا مقدّمًا، كما صرّح به جماعة، لكن مثّل ابن المصنّف و غيره (1)لذلك بقوله تعالى : « أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي » (2).
و فيه نظر؛ لأنّه لو كان « أنت » في المثال المذكور مبتدأ و « أراغب » خبره،
يلزم الفصل بين الوصف و معموله - و هو : « عن آلهتي » - بالأجنبيّ، وجوازه محلّ كلام، و لذا عدلنا عن ذلك و مثّلنا بما مرّ .
و حاصل ما ينبغي أن يعلم في المقام هو أنّ الوصف و ما بعده لايخلو إمّا أن يكون مفردين، أو مثنّيين موافقين في الإفراد، أو في غيرهما، أو مخالفين بأن يكون الوصف مفردًا و ما بعده مثنّى أو جمعًا، أو بالعكس .
فالصور المتصوّرة أربع، والرابع غير متحقّق، والثالث: هو أن يكون الوصف مفردًا وما بعده مثنًّى أو مجموعًا، كقولك : اسارذان (1)- مثلاً - وحينئذٍ يجب أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعلاً سدّ مسدّ الخبر، ولا يجوز كون ما بعد الوصف مبتدأ والوصف خبرًا؛ لأنّ الخبر المشتقّ يجب مطابقته مع المبتدأ.
والثاني: هو أن يكون كلاهما غير مثنّيين أو مجموعين، يجب فيه كون ما بعد الوصف مبتدأ، وهو خبرًا كما تقدّم، وأمّا إذا كانا مفردين فقد تقدّم أنّه يجوز فيه الوجهان المذكوران .
قوله : خبرًا مقدّمًا .
إن قيل : لِمَ لا يجوز في هذه الحالة كون الوصف مبتدأ و ما بعده خبرًا له ؟
قلت: لوجهين :
أحدهما: هو أنّه لمّا كان ما بعد الوصف معرفة وهو نكرة لم يجز جعله مبتدأ، بناءً على أنّ القاعدة عندهم : متى وجد اسمان أحدهما نكرة والآخر معرفة، تعيّن الحكم بابتدائيّة المعرفة .
1) . كذا في « م » .
و هذا فيما إذا لم يكن مع النكرة شيء من مسوّغات الابتداء بالنكرة اتّفاقيّ على ما حكي (1)، وأمّا إذا كان معه منها شيء - كما في المثال المذكور؛ لكون النكرة فيه بمعنى الفعل - فمذهب الجمهور فيه أيضًا تعيّن الحكم بابتدائيّة المعرفة،
ونقل عن سيبويه (2): أنّه جوّز في هذه الحالة كون النكرة مبتدأ.
والوجه الثاني: هو أنّه لو حكم بابتدائيّة الوصف، يلزم الإضمار قبل الذكر، وهو في المقام غير جائز، كما لا يخفى .
قوله : و قيل : بالابتداء والمبتدأ .
فيه: أنّه يلزم على هذا توارد عاملين في معمولٍ واحد، و قد صرّحوا بعدم جوازه في مسألة العطف على اسم « انّ » قبل مضيّ الخبر، حيث علّلوا عدم جواز ذلك باستلزامه توارد عاملين على معمولٍ واحدٍ، و هو غير جائز، إلاّ أن يقال: إنّ توارد عاملين على معمولٍ واحدٍ إنّما يمتنع إذا كان كلاهما لفظيًّا، وهنا ليس كذلك، بل أحدهما معنويّ والآخر لفظيّ.
قوله : أي كلّ [ واحد ] (3)منهما رفع الآخر .
وفيه نظر؛ لأنّ الخبر قد يرفع، كما في قولك : « زيدًا شاعر أبوه »، فلو كان رفع المبتدأ بالخبر للزم أن يعمل الخبر رفعين، وقد مرّ أنّ أقوى العوامل - وهو الفعل - لايعمل رفعين، فما ليس أقوى أولى بعدم عمله رفعين .
لا يقال : إنّ الخبر ليس اسم الفاعل وحده، بل هو مع فاعله، و حينئذٍ لا يلزم المحذور؛ لأنّ اسم الفاعل عاملٌ في فاعله، وكلاهما عاملٌ في المبتدأ؛ لكون المجموع خبرًا للمبتدأ .
لأنّا نقول : إنّ الخبر هو اسم الفاعل وحده، كما سيصرّح به الشارح في شرح قوله: « ومفردًا يأتي ».
إن قلت : لم خصّصت هذا الإيراد هنا، مع أنّه يمكن إيراده على القول بأنّ العامل في الخبر هو المبتدأ، لعين ما ذكرت بأن نقول : إنّ المبتدأ قد يعمل رفعًا كقولك : « القائم أبوه ضاحك »، فلو كان عاملاً في الخبر للزم أن يعمل رفعين، وقد مرّ أن أقوى العوامل لايعمل رفعين، فما ليس أقوى أولى .
قلنا : لمّا أجاب عن ذلك بعض منهم بأنّ امتناع اجتماع معمولين مرفوعين لعاملٍ واحدٍ إنّما هو إذا كان عمله رفعين مع اتّحاد الجملة، وأمّا إذا اختلفت الجهة
فلا، وهنا من هذا القبيل؛ لأنّ عمل الوصف حينئذٍ في الفاعل لكونه محكومًا عليه، وعمله في الخبر لكونه محكومًا به، وأمّا إذا كان الوصف خبرًا - كما في المثال المذكور، أي قولك: زيد شاعر أبوه - فليس كذلك، بل رفعه للفاعل والمبتدأ؛ لكونهما مسندًا إليه، فاتّحدت الجهة، فلا يجوز .
قوله : و له نظائر في العربيّة .
أي : من حيث إنّ شيئين كلّ واحد منهما يعمل في الآخر، و من النظائر « أيّ » الشرطيّة (1)، فإنّها عاملة في الفعل بعدها مع أنّ الفعل عاملٌ فيها أيضًا .
1) . نحو قوله تعالى : « أيّا ما تدعوا » حيث أعمل كلّ من أيًّا و تدعو في الآخر .
قوله : مع مبتدأ غير الوصف .
الباعث على زيادة هذا الكلام دفع إيرادين من تعريف المصنّف للخبر :
الأوّل: هو أنّ تعريفه للخبر بما ذكره غير مانع؛ وذلك لأنّ الفاعل أيضًا جزءٌ متمٌّ للفائدة، فيلزم أن يكون خبرًا .
والثاني: هو أنّه لمّا ذكر أنّ الخبر جزءٌ متمٌّ للفائدة، فيوهم منه أنّ المبتدأ إذا لم يكن معه خبر لم يتمّ الإفادة، و هذا مناف لما سبق من أنّ المبتدأ إذا كان وصفًا رافعًا لمكتفى به يتمّ به الفائدة، فلا خبر له، فتأمّل .
و إلى دفع هذين الاعتراضين أشار بقوله : « مع مبتدأ غير الوصف »، فبقيد: « مبتدأ » خرج فاعل الفعل؛ إذ هو وإن كان جزءًا متمًّا به للفائدة، لكن ليس مع المبتدأ. و بقيد : « غير الوصف » خرج فاعل الوصف؛ إذ هو وإن كان جزءًا يتمّ به الفائدة، لكنّه مع مبتدأ هو الوصف .
قوله : أي : النعم .
أشار بذلك إلى أنّ « الأيادي » في كلام المصنّف جمع : « الأيد » بمعنى النعمة، لا بمعنى الجارحة .
إن قيل : لِمَ حمل كلام المصنّف عليه، مع أنّه لو كان بمعنى الجارحة يصحّ معنى البيت؛ إذ يصير معناه حينئذٍ هكذا: اللّه محسن بعباده والجارحة المخصوصة شاهدة لكونه محسنًا لهم؛ لإعطائهم تلك الجارحة الّتي بسببها ينتظم أكثر أمور العالم.
قلت: بوجهين:
أحدهما: هو أنّه لو كان المراد الجارحة، لكان المناسب ذكر ما هو أشرفها
كالقلب و السمع و البصر، و عدم ذكرها قرينةٌ على عدم إرادته من « الأيادي » جمع: « الأيد » بمعنى الجارحة .
والثاني: هو أنّه لمّا كان الغرض من المقام الاستشهاد على أنّه تعالى محسن بعباده، فلا شكّ أنّ حمل العبارة على ما هو أدلّ على إحسانه تعالى بعباده أحسن وأولى، وهو إنّما يكون إذا حمل « الأيادي » في قوله على ما حمل عليه الشارح؛ لأنّه لو كان « الأيادي » في كلامه جمعًا للأيد بمعنى النعمة، لدلّت على أنّ جميع نعمه شاهدة بكونه محسنًا بعباده، لكونها جمعًا محلّى باللام، فيفيد العموم، ومن جملتها الأعضاء الّتي من جملتها تلك الجارحة، فحمل العبارة - قد عرفت - على ما هو أدلّ بما هو مقصودٌ في سوق الكلام أحسن و أبلغ .
قوله : أو مقدّر .
أي : محذوف، وهذا الحذف على قسمين: قياسيّ و سماعيّ.
أمّا القياسيّ فهو كلّ موضع يكون الضمير فيه مجرورًا ب- «مِن»، والجملة الخبريّة ابتدائيّة، أي: يكون الجزء الأوّل منها مبتدأ يكون المبتدأ فيها جزءًا من المبتدأ الأوّل، كالمثال المذكورك وهو على (1)قوله : « البرّ قفيز بدرهم »، فإنّ هذه الجملة مشتملةٌ على مبتدأ، و هو : «قفيز»، و هو جزء المبتدأ الأوّل، والضمير المحذوف فيه مجرور عن (2)أيضًا.
و من هذا القبيل قولك : « البُرُّ الكُرُّ بستّين درهمًا »، فإنّ الجملة الخبريّة فيها
مشتملةٌ على مبتدأ وهو : « الكرّ »، و هو جزء المبتدأ الأوّل، والضمير مجرورٌ ب- «مِن»؛ إذ التقدير: البرّ و الكرّ منه بستّين درهمًا .
وإنّما يجوز الحذف في مثل المقام قياسًا؛ لأنّ جزئيّة المبتدأ فيها للمبتدأ الأوّل يشعر بذلك الضمير، فيحذف المجرور و كذا الجارّ .
إن قلت : ما محلّ الجارّ و المجرور في مثل المقام ؟
قلت : أمّا في المثال الأوّل و نحوه في كون المبتدأ الثاني نكرة، فإنّ الجارّ والمجرور فيه صفةٌ .
وأمّا في نحو المثال الثاني من كون المبتدأ الثاني معرفة، فحالٌ، لكن على القول بجواز مجيء الحال عن المبتدأ، وأمّا على القول بعدم جواز ذلك فالظاهر أنّ الألف واللام فيه كالألف واللام في قوله :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي *** [ فمَضَيْتُ ثُمَّتَ قلتُ لاَيَعْنِينِي ] (1)
غَضْبَانَ مُمْتَلِئًا عَلَيّ إِهَابُهُ *** إنِّي و رَبُّك سُخْطُهُ يُرْضِينِي
ينظر: الصحاح : 5 / 1882 ؛ وشرح الرضي على الكافية: 1 / 239 و 2 / 21 و 208 و 300 و 3 / 15 و 239 ؛ ومغني اللبيب : 1 / 102 و 2 / 429 و 645 ؛ وشرح ابن عقيل : 2 / 196 ؛ وخزانة الأدب : 1 / 347 ؛ ومجمع البحرين : 3 / 346 ؛ وتاج العروس : 16 / 89 ؛ و جامع الشواهد : 3 / 210 .
فليس التعريف مقصودًا، بل يكون من قبيل النكرة معنًى، فيكون الجارّ والمجرور صفة أيضًا.
1) . البيت لرجل من بني سلول، و يتمثّل به عليّ بن أبي طالب عليهالسلامكثيرًا، و بعده :
و على تقدير تسليم التعريف نقول : إنّه حالٌ من الضمير في الخبر، والتقدير هكذا: البرّ الكرّ كائنٌ منه بستّين درهمًا .
و عن الفرّاء (1)أنّه قال : من المواضع الّتي يحذف فيها الضمير الرابط قياسًا هو ما إذا كان الضمير منصوبًا مفعولاً به، والمبتدأ لفظ « كلّ »، و جعل من ذلك قوله:
قد أصْبَحَت أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي *** عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَع (2)
يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي *** لا يخرق اللوم حجاب مسمعي
ينظر: الكتاب : 1 / 85 ؛ و شرح التسهيل : 1 / 298 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 1 / 239 و 441 ؛ و مغني اللبيب : 1 / 201 و 2 / 498 و 611 ؛ و شواهد المغني : 185 ؛ و شرح شواهد المغني : 2 / 544 ؛ والمقاصد النحويّة : 4 / 224 ؛ و همع الهوامع : 1 / 97 ؛ والإيضاح للخطيب القزوينيّ : 29 ؛ والخزانة : 1 / 349 ؛ و تاج العروس : 6 / 380 ؛ و جامع الشواهد: 2 / 270 .
فإنّ لفظة « كلّ » مبتدأ، و خبره جملة : « لم أصنع »، والعائد محذوف قياسًا؛ لكونه ضميرًا منصوبًا مفعولاً به، والتقدير : لم أصنعه .
و أمّا حذف الضمير سماعًا فهو فيما عدا المذكور، سواء كان ذلك الضمير مجرورًا أو منصوبًا، وأمّا إذا كان الرابط ضميرًا مرفوعًا فلا يجوز حذفه في المبتدأ؛ لكونه عمدة. نعم، إذا كانت الجملة صلة للموصول، يجوز حذف الرابط المرفوع بقلّة.
قوله : الجملة إيّاه .
ولا يخفى أنّ مقتضى القاعدة عدم الإتيان بالمنفصل إلاّ إذا تعذّر المتّصل، وعلى هذا كان على المصنّف أن يقول : و إن تكنه .
لا يقال : إنّ أفعال الناقصة مستثناةٌ عن هذه القاعدة، بل يجوز في خبرها الإتيان بالمنفصل وإن أمكن الإتيان بالمتّصل .
لأنّا نقول : هذا مسلّم، لكن كلامنا مع المصنّف حيث اختار الاتّصال في خبر « كان » في جميع كتبه .
إن قيل : هذا الخلاف بينهم إنّما هو في حالة الاختيار، و أمّا عند الضرورة فيؤتى بالمنفصل بلا خلاف، و ما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنّه لو قال : و إن تكنه، لم يستقم وزن البيت .
قلنا : هذه الدعوى ممنوعة؛ لأنّه (1)يمكن له أن يقول :
و إن تكنه معنًى اكتفى بها *** و هي كنطقي اللّه حسبي و كفى
فإنّه على هذا التقدير يستقيم الوزن والمعنى، كما لا يخفى.
قوله : وإن جرى على مَن هو له .
الظاهر أنّه عطفٌ على قوله : « إذا لم يرفع »، والتقدير : هذا - أي : استتار الضمير - إن جرى الوصف على مَن هو، أي : الوصف له .
و حاصل الكلام أنّ استتار الضمير في الخبر المشتقّ مشروطٌ بشرطين :
1) . في « م » : لا يمكن، والصواب ما أثبتناه .
أحدهما : عدم رفعه الظاهر، فإن رفعه لم يستتر الضمير فيه، كما في قولك: « زيدٌ قائمٌ أبوه ».
والثاني : جريان الوصف على مَن يكون الوصف خبرًا له، كقولنا : « زيدٌ قائمٌ »، فإنّه لم يرفع الظاهر و جرى على مَن هو خبرًا له، أي : زيدٌ .
قوله : و لا يخفى .
الظاهر أنّ المراد به ترجيح تقدير اسم الفاعل في الجميع وردّ مختار ابن الحاجب (1).
توضيحه: هو أنّ الظرف والجارّ والمجرور الواقعين خبرًا لا يخلو إمّا أن يقعا بعد « إذا » الفجائيّة، كما في قولك : « خرجت فإذا في الباب أسدٌ »، أو بعد « أمّا »،
كقولك: « أمّا في الدار زيدٌ »، ففي الصورتين لابدّ من تقدير اسم الفاعل؛ لما عرفت من دعوى اتّفاقهم عليه حينئذٍ .
وإمّا أن يقعا بعد غيرهما، وحينئذٍ إمّا أن نقول أيضًا بتقدير اسم الفاعل إجراءً للباب على نهجٍ (2)واحد، أو بتقدير الفعل حملاً على الصلة، لكنّ [ الأوّل ] (3)أولى؛ لأنّ إجراء الباب - أي : الظرف والجارّ والمجرور خبرًا - على سُنَنٍ - بضمّ السين بمعنى : طريق - [ واحدٍ ] (4)أولى من إلحاقه ببابٍ آخر.
وليس السنن في العبارة جمع : « سنّة » حتّى يلزم المطابقة .
إن قيل: إنّ الظرف والجارّ والمجرور معمولان، والأصل في العامل هو الفعل، فتقدير الفعل حيث أمكن أولى .
قلنا: كما أنّ الأصل في العامل الفعل، يكون الأصل في الخبر المفرد، فتعارضا و هو يوجب التساقط، فيبقى ما مرّ سالمًا عن المعارض .
قوله : مختصّ .
أي : معيّن، كأن يكون معرفة، أو مضافًا إليها، بخلاف إذا لم يكن، فلا يجوز : «في دار رجل».
أقول: ظاهر الشارح تخصيص هذا القيد بالمجرور، والظاهر اعتباره في الظرف أيضًا، كما في قول المصنّف : « عند زيدٍ »، فلا يجوز حينئذٍ : رجل.
قوله : والثالث .
إن قلت : إنّ مقتضى القاعدة في أسماء العدد يقتضي أن يقال : الثالثة؛ لأنّ المعدود مذكّر .
قلنا : هذا بإطلاقه ممنوع، بل إنّما يسلّم إذا كان أسماء العدد على وزن ثلاث وأربع و هكذا، وأمّا إذا كان على وزن الفاعل - كما في قولك: ثالث ورابع وخامس وسادس و هكذا - فقد ذكر الفيّوميّ في المصباح المنير و غيره (1): أنّه على أصل القاعدة، أي: للمذكّر المذكّر و [ للمؤنّث ] (2)المؤنّث .
قوله : و تَمْرَةٌ خَيرٌ مِن جَرَادَة .
روي : أنّ أهل حمص أصابوا جرادًا ثلاثة (1)وكانوا مُحْرِمين، فسألوا عن كعب الأحبار، فأوجب عليهم في كلّ جرادة درهمًا، فقال عمر : أرى دراهم (2)كثيرة يا أهل حمص، تمرة خيرٌ من جرادة، يعني : لو تصدّق بتمرةٍ مكان جرادة. نقله شارح أبيات الكتاب (3).
و قيل (4): نقل هذه المقالة - أي : تَمْرَة خيرٌ من جَرَادَة - أهل السنّة عن عمرو بن عبّاس .
و نقلته الشيعة عن الإمام جعفر بن محمّد عن آبائه عليهمالسلام في تعيين فدية الجرادة
إذا قتلته مُحْرِم (5)، والمراد : أنّ فديته أيّ تمرة كانت، والحكم ليس مقتصرًا بتمرةٍ دون تمرة .
1) . كذا في « م »، والصواب ظاهرًا : كثيرًا .
2) . في المصادر : دراهمكم .
3) . ينظر: المبسوط للسرخسيّ : 4 / 101 ؛ والمصنّف لابن أبي شيبة : 4 / 527 ؛ وكنز العمّال : 5 / 248 ح 12781 .
4) . روى ابن أبي شيبة عن القاسم قال : سئل ابن عبّاس عن المحرم يصيد الجرادة، فقال : تمرة خير من جرادة. ينظر: المصنّف لابن أبي شيبة الكوفيّ : 4 / 528 ؛ وكشف الخفاء للعجلونيّ: 1 / 317 ؛ وشرح ألفية ابن مالك لابن الناظم : 45 .
5) . الكافي : 4 / 393 ح 4 ؛ كتاب من لايحضره الفقيه : 2 / 369 ح 2731 ؛ الاستبصار : 2 / 207 ح 706 ؛ تهذيب الأحكام : 5 / 363 ح 177 و 178 ؛ وسائل الشيعة : 13 / 76 ح 17269 .
قوله : أي : لمبتدأ .
تفسيره على هذا يحتمل أن يكون النكتة فيه : أنّه لمّا كان معنى ظاهر قول المصنّف هو أنّه يمنع من تقديم الخبر على المبتدأ وجود لام الابتداء فيه حين المنع، بناءً على أنّ صدق المشتقّ على الذات غير متوقّف على وجود المبدأ، فلهذا فسّره بما ذكره تنبيهًا على أنّ شرط منع تقديم الخبر على المبتدأ وجود لام الابتداء فيه حين المنع .
قوله : و فتى مَن وافد ؟ .
مثالٌ للمبتدأ الّذي يجب صدره بسبب، و هو الإضافة إلى الاستفهام؛ لأنّ المضاف إلى لازم الصدر يجب تصديره؛ لكسبه الصدارة من المضاف إليه.
والفتى معناه: العبد هنا، والوافد : السابق، أي : عبد مَن سابق ؟.
قوله : أي : على ملابسه .
تفسيره بذلك يحتمل أن يكون من جهة أنّه لمّا كان ظاهر كلام المصنّف يدلّ على أنّ الضمير يعود على الخبر، ولم يصدق هذا في المثال المذكور، وهو : « في الدار صاحبها »؛ لأنّ الخبر في الحقيقة هو متعلّق الجارّ والمجرور، كما صرّح به الشارح قبل، ففسّر الشارح أنّ المراد عود الضمير على ملابس الخبر، وهو : « في الدار »؛ لأنّه لمّا حذف الخبر الحقيقيّ وأقام هو مقامه، فكأنّه تلبسه، فتأمّل.
ثمّ فيه نظر؛ لأنّه يلزم أن يكون الخبر محذوفًا و أقام مرجع الضمير مقامه. ألا ترى إلى قول الشاعر :
أهابك إجلالا، و ما بك قدرة *** عليّ ولَكنْ مِلْءُ عَيْنِ حَبِيبها (1)فإنّ « حبيبها » مبتدأ، والضمير فيه للعين، و « ملأ » خبرٌ مضافٌ إلى العين، ولم يصدق في هذا المثال أنّ الضمير عاد على الملابس بالمعنى المذكور .
و يحتمل أن يكون المراد من الملابس المتعلِّق بكسر اللام، و هذا يصدق في المثالين، فإنّ « الدار » في قوله : « في الدار صاحبها » و كذا « العين » في قوله: « ملء العين » متعلّقٌ بالخبر، كتعلّق الجزء على الكلّ، فتأمّل.
قوله : حذف (2)المبتدأ .
و من ذلك حذف المبتدأ في قوله تعالى : « مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا » (3)، أي : فعمله لنفسه و اسائه عليها، و قوله تعالى : « قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ » (4)، أي : هي النار، و قوله تعالى : « سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا » (5)، أي :
1) . هذا البيت قد نسبه قوم - منهم : أبو عبيد البكريّ في شرحه على الأمالي : ص 401 ؛ ومنهم: ابن حمدون في التذكرة الحمدونيّة : 6 / 108 - لنصيب بن رباح ديوانه : 68 ، و نسبه آخرون - و منهم : ابن نباتة المصريّ في كتابه سرح العيون : ص 191، بولاق - إلى مجنون بني عامر ( ديوانه : 58 ). و ورد بلا نسبة في أوضح المسالك : 44 ، و شرح التسهيل : 1 / 289 ؛ وشرح ابن عقيل : 1 / 241 ، و صبح الأعشى في صناعة الإنشاء : 2 / 362 ؛ و ينظر: شرح التصريح: 1 / 176 ؛ والمقاصد النحويّة : 1 / 537 ؛ و شرح الأشمونيّ 1 / 101 ؛ والأغاني لأبي الفرج الأصفهانيّ : 9 / 201 ؛ والوافي بالوفيات : 24 / 9 ؛ و سبل الهدى والرشاد : 1 / 426 ؛ و نهاية الأرب في فنون الأدب : 22 / 272 .
2) . في المصدر : احذف .
3) . سورة فصّلت : 46 .
4) . سورة الحجّ : 72 .
5) . سورة النور : 1 .
هذه سورة .
وقد اجتمع حذف كلّ من المبتدأ والخبر وبقاء الآخر في قوله تعالى : « سَلاَمٌ
قَومٌ مُنْكَرُونَ » (1)، ف- «سَلاَم» مبتدأ، و خبره : « عليكم » محذوف، و «قَومٌ» خبرٌ و مبتدؤه محذوف، أي: أنتم قومٌ منكرون.
قوله : فإن لم يكن نصًّا في اليمين .
بأن يستعمل في القسم مرّة، نحو : «عَهْدُ اللّهِ لَأَفْعَلَنَّ»، وفي أخرى كقولك: «عهد اللّه يجب الوفاء به»، وفي نحو ذلك يجوز ذكر الخبر فيه كما مرّ.
قوله : والأصل : حاصل .
و هو خبرٌ للمبتدأ، « إذا » ظرف له، « كان » فعل، والضمير اسمه، والجملة مضاف إليه، و « كان » تامّة، فلايحتاج إلى المنصوب .
وإنّما حكم في مثل هذا المثال على كون « كان » تامّة و كون المنصوب بعدها حالاً، لا خبرًا، قيل لوجهين :
أحدهما: التزامه التنكير، فإنّهم لا يقولون : ضربي زيدًا المسيء، فلمّا التزم تنكيره علم أنّه حال، لا خبر.
و الثاني : وقوع الجملة الاسمية مقرونة بالواو موقعه، كقوله عليهالسلام : « أقرب ما يكون العبد من ربّه و هو ساجد » (2).
1) . سورة الذاريات : 25 .
2) . روى في « الكافي : 3 / 265 ح 3 » عن عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن الوشاء قال :سمعت الرضا عليهالسلام يقول : أقرب ما يكون العبد من اللّه عزّوجلّ و هو ساجد، و ذلك قوله عزّوجلّ : « واسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ». و فيه « : 3 / 323 ح 7 » عن محمّد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال : أقرب ما يكون العبد من ربّه إذا دعا ربّه و هو ساجد، فأيّ شىء¨ تقول إذا سجدت ؟ ... . و روى أحمد في مسنده : 2 / 421، و مسلم في صحيحه : 2 / 49، عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال : أقرب ما يكون العبد من ربّه و هو ساجد، فأكثروا الدعاء .
قوله : أي : بخبرين .
المبتدأ و الخبر لا يخلو إمّا أن يكون كلاهما متّحدًا، كقولك : « زيد قائم »، أو كلاهما متعدّدًا والخبر واحد، كقولك : « زيد و عمرو قائمان »، أو بالعكس، أي: يكون الخبر متعدّدًا أو المبتدأ واحدًا .
و هذا التعدّد في الخبر لا يخلو إمّا أن يكون في اللفظ فقط دون المعنى، كقولك: «الرمّان حلوٌ حامضٌ»، فلا يجوز فيه عطف أحد الخبرين على الآخر؛ لأنّ شرط العطف جواز الإخبار بكلّ واحدٍ منهما عن المبتدأ كما في المثال المذكور، أو في اللفظ والمعنى معًا كقول المصنّف : « هم سَرَاةٌ شُعَرا » (1)، يجوز فيه العطف وتركه، فتقول: « هم سَراة و شُعَرا »، [ و : ] « هم سَراةٌ شُعَرا ».
1) . « هم » مبتدأ، و « سَراة » بفتح السين جمع : سرِيّ - بكسر الراء و تشديد الياء - بمعنى : شريف، خبر أوّل، و « شُعَرا » جمع شاعر، خبر ثان تمرين الطلاّب : 40 .
باب نواسخ الابتداء
ترفع كان المبتدأ اسمًا والخبر *** تنصبه ككانَ سيّدًا عُمَر
ولمّا فرغ المصنّف عن ذكر المبتدأ وما يتعلّق به، شرع في نواسخه، وهي ستّة: الأوّل: كان وأخواتها، (ترفع كان المبتدأ) حال كونه (اسمًا) لها، (والخبر تنصبه) خبرًا لها (ككان سيّدًا عُمَر).
ككان ظلّ بات أضحى أصبحا *** أمسى وصار ليس زال بَرِحا
(ككان) فيما ذكر (ظلّ) بمعنى: أقام نهارًا، و (بات) بمعنى: أقام ليلاً، و (أضحى) و (أصبحا) و (أمسى) بمعنى: دخل في الصباح والمساء، (وصار) بمعنى: تحوّل، و (ليس)، وهو لنفي الحال، وقيل: مطلقًا، و (زال) بمعنى: انفصل، والمراد بها الّتي مضارعها: يزال، لا الّتي مضارعها: يزول، أو يزيل، وكذلك (برحا) بمعنى: زال، ومنه البارحة للّيلة الماضية.
فتئ وانفك وهذي الأربعة *** لشبه نفي أو لنفي متبعه
و (فتئ وانفكّ و هذي الأربعة) الأخيرة شرط إعمالها أن تكون (لشبه نفي) وهو النهي والدعاء، (أو لنفي متبعة).
و مثل كان دام مسبوقًا بما *** كأعط مادمتَ مصيبًا درهمًا
(و مثل كان دام) بمعنى: بقي واستمرّ، لكن بشرط أن يكون (مسبوقًا بما) المصدريّة الظرفيّة، (كأعط مادمت مصيبًا درهمًا).
وقد يستعمل بعض هذه الأفعال بمعنى بعضها، فتستعمل كان وظلّ وأضحى وأصبح وأمسى بمعنى: صار، نحو: «وفتحت السماء فكانت أبوابًا» و «ظلّ وجهه
مسوّدًا».
تتمّة
اُلحق بصار أفعال بمعناها، وهي: آض، ورجع، وعاد، واستحال، وقعد، و حار، وجاء، والرتدّ، وتحوّل، وغدا، وراح، ذكرها في الكافية.
و غير ماض مثله قد عَمِلا *** إن كان غير الماض منه استعملا
واعلم: أنّ هذه الأفعال على أقسام: ماض له مضارع وأمر ومصدر ووصف، وهو: كان وصار وما بينهما، وماض له مضارع دون أمر ووصف دون مصدر، وهو: زال وأخواته، وماض لا مضارع له ولا أمر ولا مصدر ولا وصف، وهو: ليس ودام، (و غير ماض مثله قد عملا إن كان غير الماضي منه استعملا) نحو: «لم
أك بغيًّا» «قل كونوا حجارة». وكونك إيّاه. كائنًا أخاك. لست زائلاً أحبّك .
وفي جميعها توسّط الخبر *** أجز، وكلٌّ سبقه دام حظر
(وفي جميعها توسّط الخبر) بين الفعل والاسم (أجز) وخالف ابن معط في دام، وردّ بقوله:
لا طيب للعيش مادامت منغّصة لذّاته ···وبعضهم في ليس، وردّ بقوله:
··· فليس سواء عالمٌ وجهول
وقد يمنع من التوسّط بأن خيف اللبس، أو اقترن الخبر ب- إلاّ، أو كان الخبر مضافًا إلى ضمير يعود إلى ملابس اسم كان، وقد يجب بأن كان الاسم مضافًا إلى ضمير يعود إلى ملابس الخبر، وتقديم الخبر على هذه الأفعال إلاّ ما يذكر جائز.
(و كلٌّ) من النحاة (سبقه دام حظر) أي: منع؛ لأنّها لا تخلو من وقوعها صلة لما وما لها صدر الكلام، ومثلها كلّ فعل قارنه حرف مصدريّ، وكذا قعد وجاء كما ذكره ابن النحّاس.
كذاك سبق خبر ما النافية *** فجئبها متلوّة لا تالية
(كذاك) منعوا (سبق خبر) بالتنوين (ما الناقية)، سواء كانت شرطًا في عمل ذلك الفعل، أم لم تكن (فجئ بها متلوة) أي: متبوعة، (لا تالية) أي: تابعة؛ لأنّ لها صدرًا، فإن كان النفي بغير ما جاز التقديم، صرّح به في الكافية.
ومنع سبقٍ خبر ليس اصطفي *** وذو تمامٍ ما برفعٍ يكتفي
(ومنع سبق خبرٍ ليس اصطفي) أي: اختير، وفاقًا للكوفيّين والمبرّد وابن السراج وأكثر المتأخّرين، قال في شرح الكافية: (قياسًا على عسى، فإنّها مثلها في عدم التصرّف والاختلاف في فعليّتها، وقد أجمعوا على امتناع تقديم خبرها). انتهى.
وفرّق ابنه (بينهما بأنّ عسى متضمّنة معنى ما له الصدر، وهو لعلّ، بخلاف ليس، قلت: (ليس) أيضًا متضمّنة معنى ما له صدر الكلام، وهو (ما) النافية.
وذهب بعضهم إلى جواز التقديم مستدلاًّ بتقديم معموله في قوله تعالى: «ألا
يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم»، وأجيب باتّساعهم في الظرف.
تتمّة
من الخبر ما يجب تقديمه على الفعل ككم كان مالك؟ وما يجب تأخيره عنه كما كان زيد إلاّ في الدار.
(و ذو تمام) من هذه الأفعال (ما برفع يكتفي) عن المنصوب نحو: «وإن كان ذو عسرة»، أي: حضر، ما شاء اللّه كان، أي: وجد، ظلّ اليوم أي: دام ظلّه، بات فلان بالقوم، أي: نزل بهم ليلاً، «فسبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون»، أي: حين تدخلون في المساء والصباح، «خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض»،
أي: ما بقيت.
وما سواه ناقص والنقص في *** فتئ ليس زال دائمًا قُفِي
(وما سواه أي): سوى المكتفي بالمرفوع (ناقص) يحتاج إلى المنصوب (والنقص في فتئ) و (ليس) و (زال) الّتي مضارعها: يزال (دائمًا قفي) أي: تبع، وأمّا زال الّتي مضارعها: يزول، فإنّها تامّة، نحو: زالت الشمس.
ولا يلي العامل معمول الخبر *** إلاّ إذا ظرفًا أتى أو حرف جرّ
(ولا يلي العامل) بالنصب أي: لا يقع بعده (معمول الخبر)، سواء تقدّم الخبر على الاسم أم لا، فلا يقال: كان طعامك زيدٌ آكلاً، خلافًا للكوفيّين، ولا: كان طعامك آكلاً زيد، خلافًا لأبي عليّ.
فإن تقدّم الخبر على الاسم وعلى معموله نحو: كان آكلاً طعامك زيد، فظاهر عبارة المصنف أنّه جائز؛ لأنّ معمول الخبر لم يل العامل، وبه صرّح ابن شقير
مدّعيًا حاكيًا فيه الاتّفاق، وصرّح أيضًا بجواز تقديم المعمول على نفس العامل (إلاّ إذا ظرفًا أتى) المعمول (أو حرف جرّ) فإنّه يجوز أن يلي العامل نحو: كان عندك زيدٌ مقيمًا، وكان فيك زيدٌ راغبًا.
ومضمر الشأن اسمًا انوِ إن وقع *** موهمُ ما استبانَ أنّه امتنع
(ومضمر الشان اسمًا) للعامل (انو إن وقع) لك من كلام العرب (موهم)، أي: موقع في الوهم، أي: في الذهن (ما استبان) لك (أنّه امتنع)، وهو إيلاء العامل معمول الخبر، وهو غير ظرف ولا مجرور، كقوله:
··· بما كان إيّاهم عطيّةُ عوّدا
فاسم كان ضمير الشأن مستتر فيها، وعطيّة مبتدأ خبره: عوّدا، وإيّاهم مفعول عوّدا، والجملة خبر كان.
وقد تزاد كان في حشو كما *** كان أصحّ علم من تقدّما
(وقد تزاد كان) بلفظ الماضي (في حشو) أي: بين أثناء الكلام، وشذّ زيادتها بلفظ المضارع نحو:
أنت تكون ماجدٌ نبيل ···
واطّردت زيادتها بين ما وفعل التعجّب (كما كان أصحّ علم من تقدّما)، وبين الموصول والصلة كجاء الّذي كان أكرمته، والصفة والموصوف كجاءني رجلٌ كان كريم، والفعل ومرفوعه نحو: لم يوجد كان مثلُك، والمبتدأ وخبره نحو: زيدٌ كان قائم، وشذّ بين الجارّ والمجرور نحو:
··· على كان المسوّمة العِرَاب
وغير كان لا يزاد، وشذّ زيادة أمسى وأصبح كقولهم: ما أصبح أبردها وما أمسى أدفاها.
ويحذفونها ويبقون الخبر *** وبعد إن ولو كثيرًا ذا اشتهر
(ويحذفونها) مع اسمها (ويبقون الخبر) وحده، (و بعد إن ولو) الشرطيّتين (كثيرًا ذا) الحذف (اشتهر)، كقوله: المرء مجزيّ بعمله إن خيرًا فخير، أي: إن كان عمله خيرًا، وقوله:
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكًا
···
أي: ولو كان الباغي ملكًا، وقلّ بعد غيرهما كقوله: من لدُ شولاً فإلى إتلائها، أي: من لَدُن كانت شولاً.
وحذف كان مع خبرها وإبقاء الاسم ضعيف، وعليه: إن خير فخير، بالرفع أي: إن كان في عمله خير.
وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب *** كمثل أمّا أنت برًّا فاقترِب
(وبعد أن) المصدريّة (تعويض ما عنها) بعد حذفها (ارتكب، كمثل أمّا أنت برًّا فاقترب)، الاصل: لأن كنت برًّا، فحذفت اللام للاختصار، ثمّ كان له فانفصل الضمير، و زيدت ما للتعويض، وأدغمت النون فيها للتقارب، ومثله:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفرٍ ···
تتمّة
تحذف كان مع اسمها وخبرها، ويعوّض عنها (ما) بعد إن الشرطيّة، وذلككقولهم: إفعل هذا إمّا لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره، ذكره في شرح الكافية.
ومن مضارع لكان مُنجزم *** تحذف نون وهو حذف ما التزم
(ومن مضارع لكان) ناقصة أو تامّة (منجزم) بالسكون لم يلِهِ ساكن ولا ضمير متّصل (تحذف نون) تخفيفًا نحو: «ولم أك بغيًّا» «وإن تك حسنة»، بخلاف غير المجزوم، والمجزوم بالحذف والمتّصل بساكن أو ضمير، (وهو حذف) بالتنوين (ما التزم) بل جائز.
[ الأوّل من النواسخ : كان وأخواتها ](1)
قوله : أي : سوى المكتفي بالمرفوع .
لمّا كان من الممكن كون المرجع في ضمير قوله « سواه » : « ذو تمام »، وكذا ما يعلم من قوله : « ما برفع يكتفي »، أي : المكتفي بالمرفوع، صرّح الشارح بكون المرجع هو الأخير، تنبيهًا على أولويّته، بناءً على كونه أقرب .
ولك أن تقول : إنّه وإن كان الأقرب لفظًا، إلاّ أنّ الأوّل مذكورٌ صريحًا، بخلاف الأخير، فتعارضا، والتعارض يقتضي التساقط، و ترجيح أحدهما على الآخر يحتاج إلى مرجّح .
و يمكن أن يقال : إنّه لمّا كان مذهب المصنّف أنّ تسمية هذه الأفعال ناقصة؛ لعدم اكتفائها بمرفوعاتها، لا لسلب دلالتها على الحدث - كما ذهب إليه سيبويه
1) . العنوان منّا .
وغيره (1)- فسّر الشارح المرجع في قول المصنّف : « ما سواه » بقوله : « المكتفي بالمرفوع » حملاً عبارته على ما يشعر مذهبه، فتأمّل .
وأيضًا يمكن أن يكون النكتة في ترجيح الشارح الأخير على الأوّل، هي التنبيه على أنّ رفعًا في قول المصنّف : « ما برفعٍ يكتفي » مصدرٌ بمعنى المفعول، أي: مرفوع، كما فسّره بذلك حيث قال : « أي : سوى المكتفي بالمرفوع »، وأنّها تفسيره هكذا تجعل أن يكون للتنبيه على أنّ الجارّ والمجرور في قوله - أي: برفعٍ - متعلّقٌ ب- : «يكتفي».
قوله : الّتي مضارعها : يزال (2).
هذا القيد وإن كان ممّا علم سابقًا؛ لتصريح الشارح على أنّ « زال » الّتي تعمل عمل « كان » مضارعها: « يزال »، لا « يزول »، ومعلومٌ أنّ التزام النقص إنّما هو في
هذا، لا غيره، إلاّ أنّ الشارح أعاد القيد هنا أيضًا من جهة التصريح على أنّ « زال »
الّتي مضارعها : « يزول » تامّة، لا ناقصة .
إن قلت : ما سبب تركه هناك و ذكره هنا، مع أنّه لو قال هناك لم يحتج إلى
1) . ذهب إليه المبرّد، وابن سرّاج، والفارسيّ، وابن جنّي، والجرجانيّ، وابن برهان، والأستاذ أبو عليّ، و هو ظاهر مذهب سيبويه، ينظر: الكتاب : 1 / 264 و 265 ؛ والمقتضب : 4 / 87 ؛ وحاشية الإيضاح للعضديّ : 96 ؛ والمسائل العسكريّة : 96 و 97 ؛ والمغني : 2 / 439 ؛ والهمع: 1 / 113 ؛ والتمام لابن جنّي : 171 ؛ وشرح التسهيل لابن مالك : 1 / 338 ؛ والمقتصد: 1 / 398 ؛ وشرح اللمع لابن برهان: 1 / 49 و 61 ؛ والارتشاف : 3 / 1151 ؛ وانظر رأي الأستاذ أبو عليّ في التوطئة : 224 .
2) . في المصدر : يزول .
التكرار؟
قلت : إنّ المصنّف لمّا ذكر الناقص هنا، فكان من المناسب ذكر « زال » الّتي تكون تامّة في مقابلة الّتي تكون ناقصة .
قوله : فإن تقدّم الخبر على الاسم و على معموله .
لا يخفى أنّه كان من المناسب أن يقول : إنّ تقدّم الخبر و معموله على الاسم؛ لشمول ما ذكره على ما إذا تقدّم الخبر على الاسم و تقدّم هو على معمول الخبر، نحو: « كان آكلاً زيدٌ طعامك » (1)، مع أنّ ما ذكرنا كان أخصر بقليلٍ .
إلاّ أنّه قال ما ذكره لوجود القرينة على أنّ المراد تقديم الخبر و معموله على الاسم؛ لأنّه لو كان المعمول مؤخّرًا عنهما - كما في المثال الّذي ذكرنا - ليس فيه إلاّ تقديم الخبر على الاسم، وقد تقدّم أنّه جائزٌ في جميع الأفعال (2)الناقصة، وربّما يكون في كلامه أيضًا قرينةٌ على ما ذكرنا .
إن قيل : يمكن أن يكون العدول إلى ما قاله من جهة أنّه لو قال : إن تقدّم الخبر والمعمول على الاسم، لكان يشمل صورة تقدّم المعمول عليهما .
قلنا : تصريحه آنفًا بعدم جوازه أوضح قرينةٌ على إرادة غيره منه، فتعيّن إرادة صورة تقدّم الخبر على المعمول وتقدّمه على الاسم منه، على أنّه يمكن أن يقال: فإن تقدّم الخبر على معموله وهما على الاسم إلى آخره، إلاّ أنّ ما ذكره أخصر.
قوله : و على معموله .
لا يخفى أنّه لو ترك إعادة الجارّ كان أخصر، إلاّ أنّه أعاده؛ لأنّه لو قال : إن تقدّم الخبر على الاسم و معموله، لكان الظاهر منه أنّ المرجع في ضمير « معموله » هو « الاسم »؛ لقربه، فيتوهّم منه أنّ مراد الشارح صورة تقدّم الخبر على الاسم و معمول الاسم، كما في قولك : « ما كان موجودًا آكلٌ طعامك ».
و ليس كذلك، بل المراد - كما عرفت - تقديم الخبر على معموله و على الاسم، فلدفع هذا التوهّم أعاد الجارّ تنبيهًا على أنّ قوله : « على معموله »، عطفٌ على قوله: « على الاسم »، فيكون التقدير هكذا : فإن تقدّم الخبر على معموله، فيكون مرجع الضمير في قوله : « و على معموله » لفظ « الخبر » في قوله : « فإن تقدّم الخبر».
قوله :
··· بما كان إيّاه (1)عطيّة عَوَّدا
قاله الفرزدق همّام بن [ غالب بن ] صعصعة التميميّ - على ما قيل (2)- في
1) . في المصدر : إيّاهم .
2) . ديوان الفرزدق : 1 / 181 ؛ خزانة الأدب : 9 / 272 ؛ و تلخيص الشواهد : 245 ؛ و الدرر : 2 / 71 ؛ و شرح التصريح : 1 / 190 ؛ والمقاصد النحويّة : 2 / 24 ؛ والمقتضب : 4 / 101 ؛ وورد بلا نسبة في شرح التسهيل : 1 / 349 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 4 / 206 ؛ وأوضح المسالك: 50 ؛ و مغني اللبيب : 2 / 610 ؛ و شرح ابن عقيل : 1 / 281 ؛ و همع الهوامع : 1 / 118.
هجو قوم (1)، أوّله : « قنافذ (2)هدّاجون (3)حَولَ بُيُوتِهم ».
اللغة : « القنافذ » جمع : قنفذ - بضمّ القاف و فتحها - و هو حيوانٌ معروف، حريصٌ في أكل الأفاعي، و لايتألّم منها، و يسمّى بالفارسية : خارپُشْت (4)، و « الهدّاجون » جمع : هدّاج، يقال : هدج، أي : مشى (5)، و في الأساس : استهدج، أي: مشى في ارتعاش (6). « عطيّة » اسم شخص (7).
والتركيب : « قنافذ » خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي : هم قنافذ، من المبالغة، كقولك: زيدٌ عدلٌ، « هدّاجون » خبرٌ بعد خبر، « حول بيوتهم » متعلّقٌ به، الباء في « بما »للسببيّة، و « ما » موصول، إلى آخر ما ذكره الشارح، فعلى هذا لا دخل له فيما نحن فيه؛ لأنّ معمول خبر (8)« كان » لم يله؛ لأنّ « إيّاهم » معمول خبر مبتدأ،
1) . و قيل : هجا به جريرًا، والمراد بالعطيّة أبو جرير بن عطيّة بن الخطفي التميميّ الشاعر ورهطه، و قد هجاه الأخطل بمثل هذا أيضًا ينظر: خزانة الأدب : 9 / 272 ؛ و شرح الشواهد للعينيّ : 1 / 237 ؛ و جامع الشواهد : 2 / 297 .
2) . في شرح التسهيل : قنافيذ .
3) . في « م » : هذاجون .
4) . و يضرب بها المثل في سرى الليل .
5) . ينظر: العين : 3 / 386 ؛ والصحاح : 1 / 349 ؛ و معجم مقاييس اللغة : 6 / 44 .
6) . أساس البلاغة : 1052 .
7) . و « عوّد » بالعين والدال المهملتين بينهما واو مشدّدة، ماض من التعويد، و هو جعل الشيء عادة للنفس .
8) . « خبر » لم يرد في « ك ».
و خبر « كان » جملة (1)، فلا معمول لها، ويحتمل أن يكون « كان » زائدة، فلا دخل له فيما نحن فيه أيضًا .
والمعنى : هم كالقنافذ ماشون حول بيوتهم بسبب ما كان الشأن عطيّة عوّده إيّاهم .
قوله : بلفظ الماضي .
تقييده بذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : - و هو ظاهرٌ - أنّ غير الماضي - كالمضارع والأمر و غيرهما - لاتزاد .
والثاني: هو أنّ الحكم لجواز الزيادة ليس مختصًّا في لفظة « كان »، بل المعتبر فيه كونه من الماضي، كما نقل عن (2)سيبويه (3)أنّه جعل منه قول الفرزدق :
فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتَ بِدَارِ قَومٍ *** وَ جِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامٍ (4)
1) . في « ك » بدل « جملة » : صلته .
2) . في « م » : من .
3) . نقله عنه في مغني اللبيب : 1 / 287، و ينظر: الكتاب : 1 / 289 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 4 / 192 .
4) . هذا البيت من قصيدة للفرزدق يمدح بها هشام بن عبدالملك و يهجو جريرًا ديوان الفرزدق : 2 / 290 ، و أوّلها :ألستم عائجين بنا لعلّنا نرى العرصات أو أثر الخيام ينظر: الكتاب : 2 / 153 ؛ و شرح التسهيل : 1 / 342 ؛ و شرح الأشموني : 1 / 117 ؛ وشرح التصريح: 1 / 192 ؛ و مغني اللبيب : 1 / 287 ؛ و شرح شواهد المغني : 2 / 693 ؛ وأوضح المسالك : 51 ؛ والمقتضب : 4 / 116 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 4 / 192 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 289 ؛ و لسان العرب : 13 / 367 ؛ و تاج العروس : 18 / 489 ؛ وخزانة الأدب: 9 / 219 ؛ وجامع الشواهد : 2 / 195.
فتأمّل.
و ينبغي أن يعلم أنّ مرادهم بالزيادة عدم إعمالها حينئذٍ ذلك العمل (1)، لا أن لايكون لها معنًى مطلقًا؛ لأنّه قد يكون مع كونه زائدًا دالاًّ على الزمان، كما صرّح به بعضهم (2).
قوله : بين أثناء (3)الكلام .
والظاهر أنّه عطفُ بيانٍ لقول المصنّف : « حشو » .
قوله :أنت تكون مَاجدٌ نَبيلٌ ···
قالته امرأة أبي طالب لابنه : « عقيل » في قصّة له، على ما قيل (4). آخره : « إِذَا
1) . « ذلك العمل » لم يرد في « ك ».
2) . لم نقف عليه.
3) . قال الميرزا أبو طالب الأصفهانيّ في حاشيته على البهجة المرضيّة : « الأثناء جمع : ثنى، وهو جعل الشيء اثنين، ثمّ أطلق على المجعول كذلك، فالمراد بالأثناء أجزاء الكلام ». انتهى.
4) . أمّ عقيل هي أمّ عليّ بن أبي طالب عليهماالسلام، واسمها : فاطمة بنت أسد ابن هاشم بن عبد مناف، وهذا الرجز كانت ترقّص به عقيلاً لمّا كان طفلاً. ينظر: شرح التسهيل : 1 / 343 ؛ و أوضح المسالك: 51 ؛ و شرح ابن عقيل : 1 / 292 ؛ و شرح الأشمونيّ : 1 / 118 ؛ والمقاصد النحويّة: 2 / 39 ؛ و شرح التصريح : 1 / 191 ؛ وهمع الهوامع : 1 / 120 ؛ و خزانة الأدب: 9 / 227 ؛ و شرح الشواهد للعينيّ : 1 / 241 ؛ و جامع الشواهد : 1 / 229 .
تَهَبَّ شَمْأَلٌ بَلِيلٌ ».
اللغة : « الماجد » : الشريف والكريم، « النبل » هنا الفضل، « تهب » من الهبوب، أي : يهيج .
« الشَمْأَل » بسكون الميم و فتح الهمزة : ريحٌ مشهورة، هي الّتي تهيج من ناحية القطب، وفيها خمس لغات ذكرها في الصحاح (1)، الأولى : ما ذكرناها، والثانية:
«شَمأل» بزيادة الهمزة بعد الميم، والثالثة : « شَأمل » بزيادة الميم بعدها، والرابعة والخامسة: « شَمل » بفتح الميم و سكونها، و حرف الشين مفتوحة في جميعها .
« البَلِيل » الّتي فيها نَدى و رطوبة، كنايةٌ عن الريح الّتي تهيج في الشتاء.
والتركيب : « أنت » مرفوعٌ بالابتداء، و « تكون » زائدة، و فيه الشاهد حيث زادت بصيغة المضارع، و هو شاذّ، و خبره « ماجد »، و « نبيل » إمّا خبرٌ بعد خبر، أو صفةٌ للخبر، « إذا » ظرفٌ لماجد، « تهب » فعل شرط، و « شمأل » فاعله، و « بليل » نعتٌ له، و تذكيره إمّا من جهة لفظ « الشمأل »، أو لأنّه صيغة فعيل بمعنى
مفعول، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، و جزاء الشرط محذوف بقرينة دلالة المتقدّم عليه.
والمعنى : أنت تكون ذا شرف و فضل و سخاء وقت هبوب الشمأل البَلِيل، أي: وقت الشتاء الّذي فيه ضيق و عسر للعرب، فالسخاء فيه أحسن و أوقع في
1) . الصحاح : 5 / 1739 .
القلوب.
قوله : ما أصبح أبردها و ما أمسى أدفأها .
اللغة : « البرد » معلوم، و « الدِفْءُ » - بكسر الدال، كما في مهذّب الأسماء (1)وغيره : - الحرارة والسخونة (2).
والتركيب : « ما » مبتدأ في الموضعين إمّا نكرة تامّة، و ما بعدها خبرها، أو نكرة ناقصة و حينئذٍ موصوفة، أو موصولة، أو استفهاميّة على الخلاف الّذي يأتي في محلّه، والفعل في الموضعين إمّا صفةٌ، أو صلةٌ، فالخبر محذوف، أي : شيء أبردها، أو الّذي أبردها شيءٌ عظيم، أو خبرٌ على تقدير أن يكون كلمة «ما» استفهاميّة، و لفظ « أصبح » و « أمسى » زائدة (3)، والشاهد فيهما حيث زيدتا.
والضمير في « أبردها » للغداة، و في « أدفأها » للعشيّة (4)، أي : ما أبرد الغداة الّتي دلّت عليها « أصبح »، و ما أسخن العشيّة الّتي دلّت عليها « أمسى ».
1) . لم نعثر عليه. قال العلاّمة الشيخ آقا بزرك الطهراني قدسسره في ذريعته: مهذّب الأسماء ومرتّب الأشياء، للقاضي محمود بن عمر بن محمود بن منصور السجزي الربنجني الزنجي الشيباني، التقطه من عدّة كتب في اللغة (الذريعة: 23 / 291 ).
2) . ينظر: الصحاح : 1 / 50، مادّة « دفأ »، والقاموس المحيط : 1 / 14، ولسان العرب: 1 / 76.
3) . أجاز الكسائيّ والفرّاء والأخفش زيادة أمسى و أصبح بين ما العجبيّة و فعل التعجّب، و هذا شاذّ عند جمهور البصريّين، وانظر: شرح المفصّل لابن يعيش : 7 / 151 و 152 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية : 2 / 309 .
4) . ينظر: شرح الرضي على الكافية : 4 / 233 .
و على هذا يلزم التفكيك في الضمير، ولعلّه لهذا قال بعضهم (1): الضمير في الثاني أيضًا للغداة على حذف مضاف، أي : ما أدفأ في عشيّة الغداة، والإضافة لأدنى ملابسة .
و قيل (2): الضمير في كليهما للدنيا، أي : ما أبرد الدنيا وقت الصبح و ما أسخنها وقت المساء، و تأنيث الضمير حينئذٍ لكون الدنيا من المؤنّث المجازيّ .
والمعنى قد ظهر ممّا ذكر .
قوله : مع اسمها .
والتقييد بذلك لوجود القرائن الواضحة على أنّ مراد المصنّف هنا من الحذف حذف « كان » مع اسمها :
منها : قوله : « و يبقون الخبر »، بناءً على أنّه لو كان مراده حذف « كان » وحدها - كما هو ظاهر عبارته - يقال : و يبقون الخبر والاسم .
و منها : قوله : « و بعد إن ولو كثيرًا ذا اشتهر »؛ لأنّ بعد « إن » و « لو » الشرطيّتين إنّما يحذف كثيرًا « كان » مع اسمها، لا « كان » وحدها .
و منها : ذكره بعد ذلك حذف « كان » وحدها بقوله : « و بعد أن تعويض ما عنهاارتكب » إلى آخره؛ إذ لو كان مراده هنا حذف « كان » وحدها للزم التكرار .
قوله : المرءُ مجزيٌّ بعمله، إن خيرًا فخيرٌ (1).
أي : إن كان عمله خيرًا، فجزاءه خير، فحذف في الجملة الأولى « كان » مع اسمها، و في الثانية المبتدأ .
هذا أحد الوجوه المتصوّرة في مثل هذه العبارة، و لك ثلاثة وجوه أخر :
والأوّل : أن ترفع الأوّل و تنصب الثاني، كقولك : «إن خيرٌ فخيرًا»، أي : إن كان في عمله خير، فكان جزاؤه خيرًا، ففي الجملة الأولى حذف « كان » مع خبرها، و في الثانية هي مع اسمها .
والثاني : رفعهما، كقولك : «إن خيرٌ فخيرٌ»، أي : إن كان في عمله خيرٌ، فجزاؤه خير، فحذف (2)في الجملة الأولى « كان » مع خبرها، و في الثانية المبتدأ .
والثالث : نصبهما، كقولك : «إن خيرًا فخيرًا»، أي : إن كان عمله خيرًا، فكان جزاؤه خيرًا، ففي كلتا الجملتين « كان » مع اسمها محذوف .
لكنّ الأرجح منها ما يكون التقدير والحذف فيه أقلّ من غيره، فالأوّل - أي: نصب الأوّل و رفع الثاني - أولى الوجوه؛ لكون التقدير والحذف فيه أقلّ من غيره؛ لأنّه حذف منه في الجملة الأولى « كان » مع اسمها، و في الثانية المبتدأ .
والوجه الثاني أضعف الوجوه؛ لكون الحذف فيه أكثر من غيره؛ لأنّه حذف في
الجملة الأولى « كان » مع خبرها، و في الثانية « كان » مع اسمها .
والوجهان الأخيران متوسّطان؛ لأنّ الحذف فيهما أكثر من الوجه الأوّل وأقلّ من الوجه الثاني.
أمّا كون الحذف فيهما أكثر من الأوّل فظاهر، وأمّا كونه فيهما أقلّ من الثاني فلأنّ فيه قد حذف « كان » مع خبرها في الجملة الأولى، ومع اسمها في الثانية، بخلاف الأخيرين، فإنّ في صورة الرفع حذف (1)« كان » مع خبرها في الجملة الأولى، و في الثانية المبتدأ، فصار الحذف فيه أقلّ .
وأمّا في صورة النصب فلأنّه وإن حذف في كلّ من الجملتين « كان » مع اسمها، لكنّ (2)الحذف في الوجه الثاني أكثر؛ لأنّ في الجملة الأولى منه حذف « كان » مع الخبر، و فيه زيادة على ما حذف في الصورة الثانية بكلمة « في ».
وأمّا الأخيران فربّما يقال بترجيح صورة الرفع على صورة النصب فيهما؛ لأنّ صورة النصب يستلزم معها زيادة الحذف بحرفٍ واحد، فتفكّر.
والوجوه الأربعة المذكورة جاريةٌ في كلّ ما كان مثل هذه العبارة، كقوله : « إن شرًّا فشرٌّ »، و قوله : « المرء مقتولٌ بما قتل إن خنجرًا فخنجرٌ، وإن سيفًا فسيفٌ»،
فتقدّر فيها بما مرّ .
قوله : بالسكون .
قيّده بذلك؛ لأنّ الجزم في الفعل يكون على قسمين : قسمٌ بالسكون، كما في المفرد الغائب مطلقًا، وفي المفرد المذكّر المخاطب، و صيغتي المتكلّم. وقسمٌ بحذف الحرف كما في المثنّى والمجموع، والّذي يجوز فيه هذا الحذف (1)هو الأوّل دون الأخير، ولهذا قيّده بالسكون، كما سيصرّح به.
قوله : « وَإِن تَكُ حَسَنَةً » (2).
الإتيان بالمثالين يحتمل وجهين أيضًا :
أحدهما : أن يكون المثال الأوّل لمضارع « كان » الناقصة على بعض القراءة، والثاني للتامّة .
والثاني : أن يكون الإتيان بها (3)من جهة الإشعار على أنّ المضارع الّذي يجوز فيه حذف النون هو أن يكون بالأصل مضارعًا وإن كان الآن ماضيًا، كقوله تعالى: « وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا » (4).
قوله : والمتّصل بساكنٍ أو ضمير .
ملخّصه: أنّ جواز حذف النون فيما نحن فيه مشروطٌ بشروط :
أحدها : أن يكون الفعل مضارعًا .
والثاني : أن يكون منجزمًا بالسكون .
والثالث والرابع : أن لا يتّصل بساكنٍ و لا بضمير، فإنّ المتّصل بأحدهما لم يجز الحذف، نحو: «لم يكن الّذين»، و «لم يكنه».
وفي المقام شرطٌ آخر لم يتوجّه إليه الشارح و لا الماتن، و هو أن لا يكون الفعل موقوفًا عليه، نقله ابن هشام عن ابن خروف (1).
و هو كذلك؛ لأنّ الفعل الّذي حذف منه شيء إلى أن يبقى على حرفين أو حرف، يجب الوقف فيه عند إرادته بهاء السكت (2)، و لا يخفى أنّ إعادة نون الأصليّة أولى من إعادة كلمة « ها » الأجنبيّة.
قوله : بالتنوين .
أتى به دفعًا لتوهّم كون كلمة « ما » في قوله : « ما التزم » للموصول أو للموصوف، فأضيف قوله : « حذف » إليها بأن يكون المراد حذف الحرف الّتي كانت ملتزمة للفعل قبل السكون .
1) . في « م » هنا زيادة : « واستحسنه ». نقله عنه في شرح قطر الندى : ص 193 ، و قال : « نصّ على ذلك ابن خروف، و هو حسن؛ لأنّ الفعل الموقوف عليه إذا دخله الحذف حتّى بقي على حرف واحد أو حرفين، وجب الوقف عليه بهاء السكت ».
2) . جاء في هامش شرح قطر الندى : « الصحيح أنّ وجوب اجتلاب هاء السكت إنّما هو فيما بقي على حرف واحد ؛ و أمّا ما بقي على حرفين، فلا يجب اجتلاب هاء السكت عند الوقف عليه، وقد شنع المؤلّف نفسه في كتابه أوضح السالك على ابن مالك بعد أن نقل عنه مثل هذه المقالة ».
قوله : بل جاز (1).
لمّا كان من المحتمل كون كلمة « ما » في قوله : « ما التزم » زائدة، أتى بها للضرورة، فعلى هذا يكون المراد : أنّ هذا الحذف ملتزم، و هو خلاف المقصود، أتى بقوله: « بل جاز » دفعًا لهذا التوهّم، وإشارةً إلى أنّ كلمة « ما » نافية، لا غير.
1) . في المصدر : جائز .
[ ما ولا ولات وإن المشبّهات بليس ]
الثاني من النواسخ: ما ولا ولات وإن المشبّهات بليس.
إعمال (ليس) أعملت (ما) دون (إن) *** مع بقا النفي وترتيب زُكِن
(إعمال ليس) وهو رفع الاسم ونصب الخبر (أعملت ما) النافية عند أهل الحجاز، نحو: «ما هنّ أمّهاتهم» (دون) زيادة (إن) النافية، فإن وجدت فلا عمل لها، نحو:
··· ما إن أنتم ذهب ···
(مع بقاء النفي) وعدم انتقاضه ب- : إلاّ، فإن انتقض بها وجب الرفع، كقوله تعالى: «ما أنتم إلاّ بشرٌ مثلنا».
(و) مع (ترتيب زكن) أي: وهو تقدّم الاسم على الخبر، فلو تقدّم الخبر وهو غير ظرف ولا مجرور وجب الرفع، نحو: ما قائم زيد.
وكذا إذا كان ظرفًا، كما هو ظاهر إطلاقه هنا وفي التسهيل والعمدة وشرحيهما، وصرّح به في الكافية وشرحها مخالفًا لابن عصفور.
وسبق حرف جرّ أو ظرف ك-: ما *** بي أنت معنيًّا، أجاز العلما
(وسبق) معمول خبرها على اسمها - وهو غير ظرف ولا مجرور - مبطل لعملها، نحو: ما طعامك زيدٌ آكل، فإن تقدّم وهو (حرف جرّ أو ظرف، ك-: ما بي أنت معنيًّا، أجاز) ذلك (العلماء)؛ لأنّ الظرف والمجرور يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره.
ورفع معطوفٍ ب-: لكن أو ب-: بل
من بعد منصوب بما الزم حيث حلّ
(ورفع) اسم (معطوف ب-: لكن أو ب-: بل من بعد) خبر (منصوب بما الزم) ذلك الرفع (حيث حلّ)، نحو: (ما زيدٌ قائمًا لكن قاعد) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: لكن هو قاعد؛ لأنّ المعطوف بهذين موجب. ولا تعمل ما إلاّ في المنفيّ، فإن كان معطوفًا بغيرهما نصب.
وبعد ما وليس جرّ البا الخبر *** وبعد لا ونفي كان قد يجرّ
(وبعد ما وليس جرّ) حرف (الباء) الزائدة (الخبر) نحو: «أليس اللّه بعزيز» «وما
ربّك بغافل»، ولا فرق في ما بين الحجازيّة والتميميّة، كما قال في شرح الكافية: لأنّ الباء إنّما دخلت لكون الخبر منفيًّا، لا لكونه منصوبًا، يدلّ على ذلك دخولها في: لم أكن بقائم، وامتناع دخولها في نحو: كنت قائمًا.
فرعٌ
يجوز في المعطوف على الخبر حينئذ الجرّ والنصب.
(وبعد لا و) بعد (نفي كان قد يجرّ) الخبر بالباء نحو:
··· لا ذو شفاعة بمغنٍ فتيلاً عن سواد بن قارب
و:
··· لم أكن بأعجلهم ···
قال ابن عصفور: (وهو سماع فيهما).
في النكرات أعملت كليس لا *** وقد تلي لات وإن ذا العملا
(في النكرات أعملت كليس لا) النافية بشرط بقاء النفي والترتيب نحو:
تعزّ فلا شيءٌ على الأرض باقيًا ···
وأجاز في شرح التسهيل - كابن جنّي - إعمالها في المعارف نحو:
......... لا أنا باغيًا سواها ···
والغالب حذف خبرها نحو:
··· فأنا ابن قيس لا براح
(وقد تلي) أي: تتولّى (لات) وهي (لا) زيدت عليها التاء لتأنيث الكلمة على المشهور (وإن) - بالكسر والسكون - النافية (ذا العملا) أي: عمل ليس نحو: «ولات حينَ مناص».
إن هو مستوليًا على أحد ···
وما للات في سوى حين عمل *** وحذف ذي الرفع فشا والعكس قلّ
(وما للات في سوى حين) وما رادفه - كالساعة والأوان - (عمل) لضعفها، (وحذف ذي الرفع) وهو الاسم وإبقاء الخبر (فشا) كما تقدّم، (والعكس) وهو حذف الخبر وإبقاء الاسم (قلّ)، وقرئ شذوذًا: «ولات حينُ مناص» أي: لهم. ولا يجوز ذكرهما معًا؛ لضعفها.
[ الثاني من النواسخ : ما ولا ولات وإن المشبّهات بليس ] (1)
في عمل « ما » المشابهة ب- «ليس»
قوله : دون زيادة إن .
إنّما قيّد بالزيادة لدفع التوهّم الّذي ينشأ من كلام المصنّف، وهو أنّ إعمال «ليس» مختصٌّ ب- «ما» النافية دون « إن » للنفي، و سيصرّح أنّها أيضًا قد تعمل هذا العمل، وللتنبيه على المقصود من أنّ شرط عمل « ما » النافية عدم زيادة «إن» معها.
وتقييده « إن » هذه بالنافية بناءً منه على اختياره مذهب الكوفيّين - على ما نقل عنهم (2)- مِن أنّهم يقولون : إنّ « إن » الزائدة مع « ما » نافية، وأمّا البصريّون
ثمّ إنّ شرط عمل « ما » هذه - زيادةً على ما ذكره - : دخولها على الجملة الاسميّة، و عدم تصريح المصنّف به هنا و لا الشارح من جهة أنّ الكلام في نواسخ المبتدأ، و معلومٌ أنّ المبتدأ لا يكون إلاّ الاسم، فتقييد الجملة بالاسميّة حينئذٍ (2)لغو، فإن دخلت على الجمل الفعليّة لم تعمل مطلقًا، لا عمل « ليس » و لا غيرها، كقوله تعالى : « وَ مَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللّهِ » (3)، و أمّا قوله تعالى : « وَ مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ » (4)، ف- «ما» فيه شرطيّة، لا نافية .
ثمّ اعلم : أنّهم ذكروا أنّ « ما » النافية الداخلة على المضارع تخلّصه للحال، وردّ عليهم المصنّف (5)بقوله تعالى : « قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ » (6)لأنّ المنفيّ ب- «ما» هنا للاستقبال .
وأجيب : بأنّ شرط كونه للحال فَقْدُ القرينة على خلافه، و هنا قد وجدت (7).
في تقديم معمول خبر « ما » إذا كان ظرفًا أو مجرورًا
قوله : ذلك العلماء .
و زيادة اسم الإشارة عند النظر إلى كلام المصنّف و قطع النظر عن كلام الشارح يحتمل أن يكون الباعث على ذلك حمل قول المصنّف : « و سبق » على الابتدائيّة، وقوله : « أجاز العلماء » خبرًا، فهو لمّا كان جملة و قد مرّ أنّ الجملة الّتي تقع خبرًا
للمبتدأ لابدّ لها من إحدى الروابط منها: اسم الاشارة، فلهذا زادها في المقام، و ترجيحها من الضمير من جهة خوف الالتباس في المرجع .
فإن قلت : لِمَ لا تحمل قوله : « و سبق » بالنصب على المفعوليّة، لقوله: « أجاز » ؟
قلنا : لاستلزامه مخالفة الأصل؛ لأنّ الأصل عدم تقديم المعمول على العامل .
و في الجواب نظر؛ لأنّ هذا إنّما ينفع إذا لم يلزم معه ارتكاب خلاف الأصل من وجهٍ آخر و حذف العائد، ثمّ تقديره خلاف الأصل أيضًا، فتعارضا .
و إنّما قلنا مع قطع النظر عن كلام الشارح و تغييره أسلوب كلام المصنّف؛ لأنّه بعد ملاحظة كلامه لا يمكن لنا القول بما مرّ كما لا يخفى .
و ممّا يمنع من ذلك هو أنّ جملة : « أجاز العلماء » في قوله جوابٌ للشرط، و هو قوله : « فإن تقدّم »، و معلومٌ أنّ الشرط الغير المجزوم لا محلّ لجوابها من الإعراب .
و معلومٌ أيضًا أنّ الجملة الواقعة خبرًا لابدّ أن تكون ممّا له محلّ من الإعراب، فلابدّ من بيان النكتة لعدم حمل الشارح قول المصنّف : « و سبق » على المفعوليّة؛
لقوله: « أجاز العلماء »، و تغييره أسلوب كلامه حيث جعل « و سبق » في قوله مبتدأ، و قدّر له خبرًا، و هو قوله : « مبطل لإعمالها » (1)، ثمّ ذكر الشرط كما قال: « فإن تقدّم »، و جعل قوله : « أجاز العلماء » جزاءً له .
فأقول : الظاهر أنّ النكتة في ذلك هي : أنّ قوله : « و سبق » في عبارة المصنّف لو كان مفعولاً لقوله : « أجاز العلماء »، لكان المستفاد منها هو أنّهم جوّزوا سبق معمول « ما » النافية على اسمها إذا كان ظرفًا أو مجرورًا، و من المعلوم أنّ جواز سبقه (2)ليس متوقّفًا على ما إذا كان المعمول منهما (3)، بل يجوز وإن كان غيرهما، لكنّهم لم يجوّزوا العمل إذا كان المعمول غيرهما مع تقديمه، و جوّزوه (4)إذا كان منهما .
فالسبق (5)في كلا الموضعين جائز، وإنّما الممنوع هو عمل « ما » النافية إذا كان معمول الخبر غير ظرف و لا مجرور سابق على الاسم، والمجوّز هو عملها إذا كان معمول الخبر منهما ولو كان في هذه الحالة .
ولهذا أعرض الشارح عن كون قوله : « و سبق » مفعولاً لقوله: «أجاز العلماء»، وغيّر أسلوب كلام المصنّف على ما مرّ .
وأمّا ذكر اسم الإشارة حينئذٍ فمن جهة التنبيه على أنّ المجوّز في هذه الحالة
عمل « ما » النافية، لا تقديم المعمول، فيكون المشار إليه لقوله : « ذلك » هو: « عمل » في قوله : « مبطلٌ لعملها »، فقد علم النكتة في الإعراض عن المفعوليّة و تغيير أسلوب كلام المصنّف و تقدير اسم الإشارة .
قوله : اسم معطوف .
لم نعرف لتقييد المعطوف بالاسم وجهًا، إلاّ أن يقال باختصاص الحكم المذكور بالاسم، و لا (1)يكون جاريًا على ما إذا كان المعطوف ب- «لكن» أو ب- «بل» فعلاً، كما في قولنا : « ما زيد يشرب، بل يأكل ».
و هو كما ترى؛ لأنّ مقتضى الدليل المذكور - وهو أنّ المعطوف بهما موجب ولا عمل ل- «ما» إلاّ في المنفيّ (2)- سريانُ الحكم هنا أيضًا، فالفرق بينهما تحكّم، إلاّ أن يقال: إنّ المعطوف هنا - كما صرّح به - يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، و على تقدير كون المعطوف فعلاً إن قدّر له مبتدأ يلزم عطف الجملة الاسميّة على الفعليّة.
لكن جوابه أوّلاً: هو أنّا لا نسلّم امتناع عطف الجمل الاسميّة على الفعليّة، وسيجيء في باب الاشتغال ما يظهر الجواز، حيث ذكر المصنّف أنّ نحو : « ضربت زيدًا و عمرًا أكرمته »، اختير نصب « عمرو » في : « و عمرًا أكرمته »، و نقل عنه (3)الشارح الاستدلال على ذلك بما قال في شرح الكافية، و هو قوله :
لما فيه من عطف جملة فعليّة على مثلها، و تشاكل الجملتين أولى (1)من تخالفهما (2).
و دلالته على ما ذكرنا من جهة أنّه لو كان تناسب الجملتين شرطًا لصحّة عطف أحدهما على الآخر، لكان النصب في المثال المذكور واجبًا . و أيضًا قوله: « و تشاكل الجملتين أولى من تخالفهما » صريحٌ في الجواز .
و ثانيًا : أنّ المقدّر لو كان ملحوظًا به يلزم على تقدير أن يكون المعطوف اسمًا - كالمثال الّذي ذكره، وهو : « ما زيد قائمًا، بل قاعد » - عطفُ الجملة على المفرد؛
لأنّ تقديره هكذا : لكن هو قاعد .
في جرّ الخبر بعد « ما » و « ليس »
قوله : حرف الباء .
و زيادة لفظ « الحرف » هنا إمّا من جهة أنّه لمّا كانت الباء الّتي جرّت الخبر غير صالحة لأن تقع فاعلاً و يدخل عليها اللام، فزاد الشارح حرفًا تنبيهًا على أنّ المراد من الباء هنا ليس نفس الباء الّتي يجرّ بها (3)الخبر .
أو من جهة أنّه لمّا كان عادتهم عند إرجاع الضمير إلى الحروف الإتيان بضميرالمؤنّث وإن كان المراد ألفاظها، فلهذا زاد الشارح لفظ « الحرف » إعراضًا عن
حمل كلام المصنّف على خلاف المعهود بينهم .
قوله : نحو : « أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيزٍ » (1).
و لا يخفى أنّ مقتضى اللفّ والنشر المرتّب تأخير هذا المثال عن مؤخّره، وإنّما قدّمه لكون « ليس » أصلاً في العمل بالنسبة إلى « ما » النافية؛ لأنّها إنّما تعمل لمشابهتها ب- «ليس»، و معلومٌ أنّ تقديم الأصل أولى من غيره .
وأمّا تقديم المصنّف « ما » النافية على «ليس» فيحتمل أن تكون النكتة في ذلك من أنّه لمّا كان في باب « ما » النافية، فتقديمها أولى من غيرها .
في بيان أنّ زيادة الباء في الخبر ليس موقوفًا على القول بعامليّة « ما »
قوله : كما قال في شرح الكافية .
أقول : و يحتمل أنّ ما ذكره هنا يكون موافقًا لما ذكره هناك؛ لأنّ قوله : « انّه جرّ الباء الخبر بعد ما و ليس » يصدق وإن لم نقل بعامليّة « ما »؛ لأنّه لم يصرّح بكون الخبر خبرًا ل- «ما»، بل قال : إنّه جرّ الخبر بالباء بعد «ما» و «ليس»، سواء كان خبرًا ل- «ما» على القول بعامليّتها، أو خبرًا للمبتدأ بناءً على عدم عملها.
قوله : وامتناع دخولها في نحو : كنتُ قائمًا .
و لقائلٍ أن يقول : إنّه يمكن أن يكون دخولها من جهة مجموع العمل وكون الخبر منفيًّا، فحينئذٍ امتناع دخولها في نحو : « كنت قائمًا »؛ لفقد أحد الشرطين.
1) . سورة الزمر : 37 .
قوله : يجوز في المعطوف على الخبر حينئذٍ الجرّ والنصب .
اللام في قوله : « على الخبر »، عوضٌ عن المضاف إليه، أي : على خبر « ما » و « ليس ».
قوله : حينئذٍ .
أي : حين كون الخبر مجرورًا ب- «با»، كقولك: «ما زيدٌ - أو ليس زيدٌ - بقائمٍ ولا قاعد»، فيجوز في « قاعد » الجرّ والنصب، أمّا الجرّ فللحمل على اللفظ، وأمّا النصب فللحمل على المحلّ .
واعلم: أنّ هذا الحكم - أي : العطف على اللفظ والمحلّ - ليس مختصًّا في خبر « ما » و « ليس »، بل يجوز في كلّ موضع كان للمعطوف عليه إعراب لفظيّ و محليّ، فيجوز في المعطوف حمله على اللفظ والمحلّ، لكن لا مطلقًا، بل بشرطٍ (1)في كليهما .
أمّا شرط العطف على اللفظ فهو: إمكان توجّه العامل إلى المعطوف، كما مرّ في المثال المذكور، فإنّه يمكن فيه أن يقال : « ليس زيدٌ بقائمٍ و لا بقاعدٍ »، بخلاف نحو قولك: « ما رأيت من امرأة و لا زيدًا »، فإنّه لا يجوز فيه جرّ « زيد » عطفًا على لفظ « امرأة »؛ لما عرفت من أنّ شرط العطف على اللفظ جواز توجّه العامل إلى المعطوف، وهنا غير ممكن؛ لما ذكروا من أنّ كلمة « من » الزائدة لا تعمل في
1) . في « م » : يشترط .
المعارف (1)، وسيجيء في الكتاب أيضًا، فلا يجوز في « زيد » إلاّ النصب عطفًا على المحلّ .
و أمّا الشرط في العطف على المحلّ، فهو ثلاثة أمور:
[ الشرط الأوّل : ]
أحدها : وجود المقتضي لهذا المحلّ من الإعراب و بقائه، كما في قولك : « ما زيدٌ بقائمٍ و لا قاعدًا »، فإنّ المقتضي للنصب هنا موجود، و هو حرف النفي، فلايمكن لك أن ترفع المعطوف على الخبر حملاً على محلّه لكونه خبرًا للمبتدأ في وقت؛ لما مرّ من أنّ شرط العطف على المحلّ بقاء مقتضيه، وهنا قد زال؛ لأنّ حرف النفي قد نسخ المبتدأ.
و على هذا لايمكن أن يقال : « إنّ زيدًا و عمرو قائمان »، برفع « عمرو » حملاً على محلّ « زيد »؛ لكونه مبتدأ قبل دخول « إنّ » عليه؛ لزوال المقتضي للرفع بدخول « إنّ »، مع أنّ فيه منعٌ آخر؛ لأنّك إذا رفعت « عمرًا » يكون مبتدأ و « قائمان » حينئذٍ يصير خبرًا له و ل- «إنّ»، فيلزم توارد العاملين على معمولٍ واحدٍ وإن جوّز مثل ذلك الكوفيّون - على ما حكي (2)- بناءً على عدم اشتراطهم بقاء المقتضي في جواز العطف على المحلّ، و قولهم بعدم عمل « إنّ » في الخبر، بل
انّه مرفوعٌ على ما كان قبل دخول « إنّ »، فلا يلزم توارد العاملين على معمولٍ واحد.
[ الشرط الثاني : ]
والشرط الثاني : كون ذلك المحلّ بحيث إذا أظهر (1)لم يخرج الكلام عن الفصاحة، كقولك : « ليس زيدٌ بقائمٍ »، فإنّه يجوز فيه أن يقال : «ليس زيدٌ قائمًا»،
مع كونه فصيحًا.
ومنه قوله تعالى : « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ » (2)بفتح « أرجلكم » عطفًا على محلّ « برءوسكم » (3)إذ يمكن ظهور هذا المحلّ، فتقول : وامسحوا رءوسَكم و أرجلَكم، بخلاف قولك: « مررت بزيدٍ و عمرو »، فلا يجوز فيه نصب «عمرو» حملاً على محلّ « زيد »؛ لأنّه لايمكن لك أن تظهر ذلك المحلّ فتقول: مررت زيدًا.
[ الشرط الثالث : ]
والشرط الثالث: هو أن يكون ذلك المحلّ ممّا اقتضاه العامل أصالةً، كما في قولنا : « ليس زيدٌ بقائمٍ »، فإنّ الأصل في « ليس » أن يكون خبرها منصوبًا، فلا
يجوز نحو : « هذا ضارب زيد و أخيه » عطفًا على محلّ « زيد »؛ لأنّ اسم الفاعل عند اجتماع شرائط العمل فيه الأصل فيه العمل، لا الإضافة .
هذا، وربّما يكون العطف ممتنعًا مطلقًا، سواء كان على اللفظ أو المحلّ، وذلك إذا كان المعطوف ب- «لكن» أو ب- «بل» كما مرّ، مثل قولنا : «ما زيد بقائم، لكن قاعد»، فإنّه لايجوز فيه العطف، لا في اللفظ ولا في المحلّ؛ لما مرّ من أنّ شرط عمل « ما » النافية النفي والمعطوف بها (1)موجب.
ثمّ اعلم : أنّ ما ذكره الشارح من جواز الجرّ و النصب في المعطوف على خبر « ما »، إنّما هو على لغة الحجازيّة و غيرها ممّن قال بعامليّتها، وأمّا على لغة التميميّة فمعلومٌ أنّه لا يجوز في المعطوف النصب، بل لابدّ فيه حينئذٍ إمّا الرفع، أو الجرّ .
قوله : و بعد نفي كان .
إعادة الظرف هنا لأجل التنبيه على أنّ قوله : « و نفي كان » عطفٌ على كلمة « لا »؛ لأقربيّتها، وللتنبيه على عدم جواز كونه معطوفًا على قوله : « و بعد »؛ لفساد
المعنى، ولدفع توهّم الاستيناف.
قوله : يجرّ الخبر بالباء .
إظهار الضمير في الفعل؛ لأنّه ربّما كان ظاهر عبارة المصنّف بحسب المعنى مشعرًا بعود الضمير إلى الباء، و على هذا يكون المراد: أنّ الباء جرّت ما بعد « لا » وبعد « كان » المنفيّ .
1) . في « م » : بهما .
و هذا على إطلاقه غير صحيح؛ لأنّ بعد « لا » و كذا بعد « كان » المنفيّ اسم وخبر، والاسم لا يصير مجرورًا، فلهذا ارجع الضمير في قول المصنّف : « قد يجرّ » إلى الخبر، و بنى على كون الفعل مبنيًّا للمفعول .
و أيضًا لو كان الضمير في « يجرّ » إلى الباء، لكان على المصنّف أن يقول : وكذا بعد « لا » و نفي « كان »، إلى آخره .
أوّله :
إذا (1)مُدَّت الأيدي إلى الزَاد لم أكُنْ *** بِأَعْجَلِهم، إِذْ أجْشَعُ (2)القَومِ أعْجَلُ (3)
أقيموا بني أمّي صدور مَطِيِّكُم *** فإنّي إلى قومٍ سُواكُم لأميَلُ
ينظر: خزانة الأدب : 3 / 320 - 322 ؛ و شرح شواهد المغني : 2 / 899 ؛ و تاج العروس : 11 / 66 ؛ و جامع الشواهد : 3 / 109 ؛ والشواهد المنتخبة لكتاب السيوطيّ للشيخ محمّد عليّ المدرّس الأفغانيّ : 50 ؛ و ورد بلا نسبة في أوضح المسالك : 57 ؛ و شرح قطر الندى: 188 ؛ و مغني اللبيب : 2 / 560 ؛ و شرح ابن عقيل : 1 / 310 و 2 / 182 .
والمعنى وكذا التركيب واضح، والغرض من ذكر البيت للتنبيه على أنّه يحتمل أن يكون ذكر الشارح ذلك لأجل التنبيه على عدم اختصاص الحكم المذكور ب-
«كان» لفظ الماضي؛ لما عرفت من جرّ الخبر مع كون الفعل مضارعًا .
قوله : أي تتولّى .
لمّا كان ظاهر عبارة المصنّف موهمًا على أنّ « لات » و « إن » تليان عمل « ليس »، و هذا بظاهره لم يكن صحيحًا؛ لأنّ يلي الشيء ما يقع بعده، فعلى هذا يلزم أن يكون « لات » و « إن » يقعا عقيب عمل « ليس »، و فساده ظاهر، فسّر الشارح قوله : « تلي » بقوله : « أي : تتولّى » تنبيهًا على أن ليس مراد المصنّف من
«تلي» معناها الظاهر؛ لما عرفت، بل مراده هو أنّ كلّ واحدٍ من « لات » و « إن » تتولّى، أي : تملك عمل « ليس »، أو قام مقامها في عملها، والأوّل أولى .
قوله : على المشهور .
اعلم: أنّ في مقابلة المشهور أقوالاً:
منها: أنّها في الأصل كانت : لَيِس، بفتح اللام و كسر الياء المثنّاة التحتانيّة، أبدلت الياء ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فأبدلت السين المهملة تاء، فصارت: لات (1).
والثاني: أنّها في الأصل بمعنى : « نَقَصَ » من قوله تعالى : « لاَيَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا »(2)، فإنّه يقال : لات يليت بمعنى نقص، ثمّ استعملت للنفي (3).
و هذان القولان متّفقان على أنّ « لات » في الأصل كلمة واحدة، فعل ماض .
والثالث : أنّها كلمة وبعض كلمة، وذلك لأنّها « لا » النافية والتاء زائدة في أوّل كلمة « حين »، أي : كانت في الأصل : لا تحين، ثمّ انفصل التاء من الحين، فاستعملت مع « لا ».
نقل هذه الأقوال بعض المحقّقين (1).
قوله : بالكسر والسكون النافية .
صفةٌ ل- «إنْ»، وثمرة القيود واضحة؛ إذ معلومٌ أنّ بالكسر يخرج المفتوحة، وبالسكون والنافية يخرج « أن » المشبّهة بالفعل، مشدّدتها و مخفّفتها .
قوله : أي عمل لليس (2).
والظاهر تفسيره بذلك لأجل التنبيه على أنّ كلمة « ذا » في قول المصنّف : « ذا العملا » للإشارة، لا لغيرها (3).
1) . ينظر: الارتشاف : 3 / 1210 ؛ والإنصاف : 1 / 89 ؛ والإيضاح : 1 / 399 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 2 / 196 ؛ والبسيط في شرح الكافية : 1 / 374 - 376 ؛ و خزانة الأدب : 4 / 165 ؛ والحدائق النديّة : 246 ؛ و لسان العرب : 2 / 86 ؛ و مجمع البحرين : 2 / 219 ؛ وتاج العروس : 3 / 129 .
2) . في المصدر : ليس .
3) . قال الميرزا أبو طالب الأصفهانيّ في حاشيته على البهجة المرضيّة : أي : لا عمل « لا »، كما قد يتوهّم من قرب اسم الإشارة ؛ و ذلك لأنّ عملها لمشابهة « ليس »، لا لمشابهة « لا » .
[ أفعال المقاربة ]
ككان كاد وعسى لكن ندَر *** غير مضارعٍ لهذين خبر
الثالث من النواسخ: أفعال المقاربة
وفي تسميتها بذلك تغليب؛ إذ منها ما هو للشروع، وما هو للرجاء.
(ككان) فيما تقدّم من العمل (كاد) لمقاربة حصول الخبر، (وعسى) لترجّيه، (لكن ندر) أن يجيء (غير مضارع لهذين خبر)، والمراد به الاسم المفرد، كما صرّح به في شرح الكافية، كقوله:
··· ... إنّي عسيت صائمًا
... وما كدت آئبًا ···
وكونه بدون أن بعد عسى *** نزرٌ وكاد الأمر فيه عُكِسا
والكثير مجيئه مضارعًا (وكونه بدون أن بعد عسى نزر) نحو:
عسى الكرب الّذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فَرَجٌ قريب
والكثير فيه اتّصاله بها نحو: «عسى ربّكم أن يرحمكم».
(و) خبر (كاد الأمر فيه عكسا)، فالكثير تجرّده من أن نحو: «وما كادو
ايفعلون»، ويقلّ اتّصاله بها نحو:
··· قد كاد من طول البِلى أن يَمْصَحا
وكعسى حرى ولكن جعلا *** خبرها حتمًا بأن متّصلا
(وكعسى) في كونها للترجّي (حرى) بالحاء المهملة، (ولكن) اختصّت بأن (جعلا خبرها حتمًا بأن متصلا)، فلم يجرّد عنها لا في الشعر ولا في غيره، نحو: حرى زيد أن يقوم.
وألزموا اخلولق أن مثل حرى *** وبعد أوشك انتِفا أن نزرا
(وألزموا) خبر (اخلولق أن)؛ لكونها (مثل حرى) في الترجّي، نحو: اخلولقت السماء أن تمطر، (وبعد أوشك) كثيرٌ اتّصال الخبر بأن، نحو:
ولو سئل الناس التراب لأوشكوا *** إذا قيل هاتوا أن يَملُّوا ويمنعوا
و (انتفا أن) من خبرها (نزرا) نحو:
يوشك من فرّ من منيّته *** في بعض غِرّاته يُواقعها
ومثل كاد في الأصحّ كربا *** و ترك أن مع ذي الشروع وجبا
(ومثل كاد في الأصحّ كربا) بفتح الراء، فالكثير تجرّد خبرها عن أن نحو:
كرب القلب من جواه يذوب ···
واتّصاله بها قليل نحو:
··· وقد كربت أعناقها أن تقطّعا
وقيل: لا يتّصل بها أصلاً.
(وترك أن مع ذي الشروع وجبا)؛ لأنّه دالّ على الحال وأن للاستقبال.
كأنشا السائق يحدو وطفِق *** كذا جعلت وأخذت وعَلِق
(كأنشا السائق يحدو) أي: يغنّي للإبل، (و طفق) زيدٌ يدعو، ويقال: طبق - بالباء - (كذا جعلت) أنظم (وأخذت) أتكلّم (وعلق) زيدٌ يفعل. وزاد في التسهيل: هبّ، قال في شرحه: وهو غريب، كهبّ عمرو يصلّي.
واستعملوا مضارعًا لأوشكا *** وكاد لا غير وزادوا موشكا
(واستعملوا مضارعًا لأوشكا وكاد لا غير) نحو:
يوشك من فرّ من منيّته ···
و «يكاد زيتها يضيء».
(وزادوا) لأوشك اسم فاعل، فقالوا: (موشكا) نحو:
فموشكة أرضنا أن تعود ···
وحكى في شرح الكافية استعمال اسم الفاعل من كاد، والجوهريّ مضارع طفق، قال في شرح التسهيل: ولم أره لغيره، وجماعة اسم فاعل كرب، والكسائيّ مضارع جعل، والأخفش مضارع طفق، والمصدر منه ومن كاد.
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد *** غِنًى بأن يفعل عن ثانٍ فُقد
(بعد عسى) و (اخلولق) و (أوشك قد يرد غِنًى بأن يفعل عن ثان فقد) وهو الخبر نحو: عسى أن يقوم، فأن والفعل في موضع رفع بعسى سدّ مسدّ الجزئين، كما سدّ مسدّهما في قوله تعالى: «أحسب الناس أن يتركوا».
هذا ما اختاره المصنّف من جعل هذه الأفعال ناقصة أبدًا، وذهب جماعة إلى
أنّها حينئذ تامّة مكتفية بالمرفوع.
وجرّدن عسى أو ارفع مضمرا *** بها إذا اسم قبلها قد ذُكرا
(و جرّدن) من الضمير (عسى) واخلولق و أوشك (أو ارفع مضمرًا بها إذا اسم قبلها قد ذكرا) فقل على التجريد - وهو لغة أهل الحجاز - : الزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا)، وعلى الإضمار: الزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا.
والفتح والكسر أجِز في السين من *** نحو عسيت وانتقا الفتح زُكن
(والفتح والكسر أجز في السين من) عسى إذا اتّصل بها تاء الضمير أو نونه أو نا، (نحو: عسيت) عسين عسينا (وانتقاء الفتح) بالقاف أي: اختياره (زكن) أي: علم إمّا من تقديمه الفتح على الكسر، وإمّا من خارج لشهرته، وبه قرأ القرّاء إلاّ نافعًا.
[ الثالث من النواسخ : أفعال المقاربة ] (1)قوله : و في تسيمتها بذلك تغليب، إلى آخره .
غرضه من ذلك دفع الإيراد الوارد على من سمّا هذه الأفعال مقاربة، تقريره: هو أنّه كيف يسمّى هذه الأفعال أفعال المقاربة؛ إذ معنى المقاربة هنا دلالة الفعل على قرب حصول الخبر ودنوّه للفاعل، كما تقول: « كاد زيد يقوم »؛ إذ مدلول «كاد» هنا قرب حصول مضمون الخبر، أي : القيام لزيد .
وهذا المعنى لايوجد في جميع هذه الأفعال؛ لأنّ بعضها - كعسى و مثلها - لترجّي حصول الخبر للفاعل، و بعضها للشروع - أي : لشروع الفاعل في مضمون الخبر، كما تقول : « أخذ زيد يقرأ »، أي : شرع في القراءة - و مع ذلك كيف يمكن تسمية الجميع بالمقاربة ؟!
و تقرير الدفع على ما قال: هو أنّ هذه الأفعال وإن كان بعضها للرجاء وبعضها للشروع، لكن تسمية الجميع بالمقاربة من جهة تغليبهم ما دلّ على المقاربة على
1) . العنوان منّا .
غيره، فسمّاه بها لذلك، فتأمّل (1)
و يمكن أن يقال : إنّ ما دلّ على المقاربة وإن كان أقلّ، إلاّ أنّ فيه ما يرجّحه عن غيره، فلهذا غلب على غيره، وهو التزام المقاربة فيما دلّ عليها و عدم استعماله في غيرها، بخلاف ما دلّ على الشروع، فإنّ منها : جعل وأخذ وأنشأ، وهذه كما تستعمل للشروع تستعمل في غيره، وأمّا أفعال الترجّي فهي أيضًا كذلك؛ لأنّ منها: عسى، فهي تستعمل كثيرًا ما في العرف لمقاربة حصول الخبر، بخلاف ما دلّ على المقاربة، فإنّ الظاهر عدم استعماله ... » [ سقط هنا شيء لعلّه : « في غيرها »، كما هو الظاهر ].
.و يمكن أن يقال أيضًا : إنّ تسمية هذه الأفعال مقاربة من باب تسمية الكلّ باسم الجزء، أو أنّهم وضعوا هذا الاسم لجميع هذه الأفعال، والمناسبة بين الاسم والمسمّى غير لازمة .
قوله : فيما تقدّم من العمل .
لمّا كان مقتضى التشبيه هو اشتراك « كاد » مع « كان » في جميع ما ثبت له (2)ولم يكن هذا مرادًا؛ إذ من الحكم في « كان » جواز زيادتها و حذفها مطلقًا مع الاسم أو وحده، و غير ذلك، و لم يكن شيء من هذه موجودًا في « كاد » و نحوها،
1) . جاء في حاشية « ص » : « وجه التأمّل هو أنّ الظاهر أنّ التغليب إنّما يصحّ إذا كان أكثر هذه الأفعال وإن كان بالنسبة إلى كلّ نوعٍ منها يكون للمقاربة، أو لم يكن أكثر، لكن معها ما يرجّح عن غيرها، وهنا ليس كذلك؛ لأنّ ما يدلّ على المقاربة هنا ثلاثة : كاد وكَرَبَ وأوشكَ، وما يدلّ على الرجاء أيضًا ثلاثة، وهو : عسى وحرى واخلَولَق، وأمّا ما يدلّ على الشروع فهو أكثر منهما؛ لأنّه: أنشأ وطَفِقَ وجعل وأخذ وعَلِقَ، فكيف يغلب الأقلّ على الأكثر مع عدم ظهور ثبوت الرجحان للأقلّ ؟!
2) . « له » ساقط من « م ».
خصّص الشارح وجه التشبيه بما تقدّم من العمل، أي : رفع الاسم ونصب الخبر، فاللام في قوله : « من العمل »، للعهد الخارجيّ .
قوله : والمراد به الاسم المفرد .
والغرض من ذلك دفع التوهّم الناشىء من ظاهر عبارة المصنّف، حيث أطلق القول لجواز مجيء غير مضارعٍ ل- «كاد» و «عسى» خبرًا، فيتوهّم منه جواز مجيء الجملة الاسميّة والفعليّة فعل ماضٍ (1)
لوجود القرينة على عدم إرادته؛ لأنّ الكلام في نواسخ المبتدأ والخبر، و فعل الأمر لا يكون خبرًا، فلا حاجة للاحتراز عنه. منه - عفي عنه ».
خبرًا ل- «كاد» و «عسى» على ندرة.وهذا غير صحيح على ما صرّح في شرح الكافية (2)من أنّ المراد من غير المضارع هو الاسم المفرد، فنبّه الشارح عليه بأنّه ليس مراد المصنّف من « غير مضارع » في عبارته مدلوله مطلقًا، بل مراده على ما ذكره في شرح الكافية هو الاسم المفرد .
قوله : والكثير مجيئه مضارعًا .
إن قلت : ظهر لنا من قول المصنّف حيث قال : « نَدَرَ غير مضارع لهذين خَبَر » أنّ الأغلب والأكثر مجيء الخبر مضارعًا، فما سبب تكرار الشارح ؟
قلنا : ظهور ذلك من كلام المصنّف غير مسلّم، بل كلامه أعمّ؛ لأنّ ندرة وقوع غير المضارع خبرًا لايستلزم وقوع المضارع خبرًا كثيرًا، لتحقّق الواسطة بينهما،
و هي: عدم القلّة والكثرة - أي : التوسّط بينهما - فلهذا نبّه الشارح بأنّ الأكثر مجيئه مضارعًا.
قوله : والكثير فيه .
و في المقام إشكال، و هو أنّ الفعل الّذي تدخل عليه « أن » مؤوّل بالمصدر، فحينئذٍ يلزم الإخبار عن اسم الذات بالحدث .
وقد يجاب عن ذلك بأنّه جائز للمبالغة، كما في قولنا : « زيد عدل »، أو بحذف المضاف في الكلام، فتقدير « عسى زيد أن يقوم » : عسى أمر زيد أن يقوم، أو عسى زيد صاحب قيام (1).
و ربّما قيل : إنّ الحقّ أنّ أفعال المقاربة إذا لم يستعمل (2)الفعل بعدها بأن ملحقةٌ ب- «كان»، و أمّا إذا اقترن (3)بها، فلا (4).
قوله : و خبر كاد الأمر فيه .
و تقدير لفظ الخبر إمّا من جهة أنّ كلام المصنّف يدلّ على أنّ الأمر - أي : كون « كاد » - مع « أن » كثير و بدونها قليل، و هذا لا يستلزم المطلوب؛ إذ المطلوب
كون خبرها مع « أن » كثيرًا و بدونها قليلاً، فقدّر الشارح لفظ « الخبر » تنبيهًا على أنّ المراد ذلك .
أو (1)من جهة التنبيه على أنّ المرجع في قوله : « فيه » هو الخبر، لا « كاد »؛ إذ لو كان « كاد » كان الأحسن أن يقول : فيها، فتأمّل .
قوله : في كونها للترجّي .
والتقييد بذلك لأجل التنبيه على أنّه ليس المراد من التشبيه كون « حرى » مثل « عسى » في جميع ما ثبت لها؛ لأنّ من جملة ما ثبت ل- «عسى» جواز خبرها اسمًا مفردًا، و هذا غير جائز في « حرى »، و يدلّ على ذلك قول المصنّف : « جعلا [ خَبرَها ] (2)حتمًا بأن متّصلاً »؛ لأنّ « أن » هذه لا تدخل على الاسم .
قوله : ولكن اختصّت بأن جعلا .
والغرض من هذا التقدير التنبيه على أنّ المراد بيان ما به تشترك « حرى » مع « عسى »، و ما تمتاز به عنها (3)، فالمناسب أن ينسب ما به الامتياز إلى « حرى »، كما نسب ما به الاشتراك إليها بقوله : « وكعسى حرى »؛ إذ ليس المراد تشبيه خبرها بخبر (4)« عسى ».
قوله : خبر اخلولق .
و تقدير لفظ الخبر هنا من جهة عدم دلالة ظاهر عبارة المصنّف على إلزامهم « أن » في خبر « اخلولق »، فقدّر المضاف تنبيهًا على أنّه ليس مراد المصنّف ما يتوهّم من ظاهر عبارته، بل فيها مضاف محذوف .
قوله : لكونها مثل حرى .
تقدير الكلام هكذا ردٌّ على مَن زعم كون « مثل » في كلامه منصوبًا، قام مقام المصدر، أي: ألزموا اخلولق « أن » إلزامًا مثل « حرى »، و ذلك لوجهين :
أحدهما : أنّه قد فهم من قول المصنّف : « ألزموا أن »، [ أنّ ] «أن» لازمة، فحمل كلامه ثانيًا على ما ذكره عارٌ عن الفائدة سوى التأكيد، ومعلومٌ أنّ التأسيس أولى منه.
والثاني: هو أنّه لو كان على ما زعمه، لكان معنى ظاهر كلام المصنّف هكذا: وألزموا اخلولقَ « أن » إلزامًا مثل إلزامٍ في « حرى »، و هو بظاهره لم يكن صحيحًا؛ لأنّ « حرى » لم يلزموا فيها « أن »، بل في خبرها .
إن قلت : لِمَ لايجوز أن يكون « مثل » في عبارة المصنّف حالاً ؟
قلت : على تقدير تسليم استقامة معناه حينئذٍ، يحتاج إلى حمل « مثل » على المماثل، فتأمّل، و مع هذا كان معنى الكلام على ما ذكره الشارح أحسن وأولى وأنسب كما لا يخفى .
إلاّ أنّه يرد على تقدير الشارح حذف غير الماضي مِن « كان »، و قد صرّح ابن
هشام بأنّ جواز الحذف في « كان » مختصٌّ بلفظ الماضي (1)، و هو الظاهر من المصنّف أيضًا على ما قال : « و يحذفونها و يبقون الخبر »، فليرجع إليه.
إلاّ أن يقال : إنّه ليس مراد الشارح من تقديره أنّه حقيقة « كان » كذلك حتّى يلزم الحذف .
قوله : في الترجّي .
واستدلّ على إيجابهم و إلزامهم خبر اخلولق « أن » بكونها للترجّي .
وجه دلالته على ذلك: هو أنّ الرجاء إنّما هو مختصّ بالاستقبال؛ إذ معلومٌ أنّ الحاصل في الحال والماضي لايصدق أنّ فيه رجاء، فإذا ثبت كون « حرى » ونحوها للرجاء، فيجب إدخال « أن » في خبرها لتختصّه بالاستقبال .
إن قلت : على هذا يلزم عدم جواز كون خبر « عسى » بدون « أن »؛ لكونها للترجّي، وقد عرفت جواز ذلك مع الندرة .
قلت : « عسى » و إن كان أصل وضعها للرجاء على ما صرّحوا به، لكنّها تستعمل في العرف للمقاربة أيضًا، فلعلّه لهذا جاز فيه الوجهان .
إن قلت : يلزم ممّا ذكر عدم جواز كون أفعال المقاربة بدون « أن »؛ إذ هيلتقريب مضمون الخبر للفاعل كما عرفت، فتكون للاستقبال أيضًا، فيجب في
1) . أوضح المسالك : 51 ؛ و فيه : « تختصّ « كان » بأمور، منها : جواز زيادتها بشرطين، أحدهما: كونها بلفظ الماضي، و شذّ قول أمّ عقيل : أنت تكون ماجدٌ نبيل . والثاني: كونها بين شيئين متلازمين ليسا جارًّا و مجرورًا، نحو : ما كان أحسن زيدًا ».
خبرها إدخال « أن » لتختصّه (1)بالاستقبال، مع أنّك قد عرفت أنّ الكثير تجرّد خبرها من « أن ».
قلت : يمكن الجواب عن هذا بأنّ هذه الأفعال لمّا قربت مضمون الخبر للفاعل فشبّه خبرها حالاً، فلذا يمنع من إدخال « أن » فيه كثيرًا، أمّا جوازه مع الندرة فبالنظر إلى أصل الوضع .
وبما ذكرنا ظهر لك سرّ عدم جواز دخول « أن » في فعل الشروع؛ لأنّه للحال و « أن » للاستقبال - كما سيصرّح به الشارح - و بينهما منافات .
قوله : من خبرها .
و ذكره لأجل التنبيه على أنّ مراد المصنّف حيث حكم بندرة انتفاء « أن » بعد « أوشك » انتفاءُ « أن » مِن خبرها، فيكون المراد من « بعد » في قوله ذلك، لا مطلقًا حتّى يشمل الفاعل أيضًا؛ لأنّ هذه الأفعال من نواسخ المبتدأ والخبر، و معلومٌ أنّ المبتدأ لايكون إلاّ الاسم، و « أن » هذه غير داخلة إلاّ على الفعل .
قوله : جعلت أنظم، إلى آخره .
و تقديره هكذا من جهة أنّ المصنّف أتى هذه الأفعال لكون خبرها مجرّدة من « أن »، فلابدّ من ذكر الخبر ليعلم أنّه مجرّد من « أن ».
إن قلت : ما ذكر مبنيّ على كون المشبّه به في قول المصنّف : « كأنشأ السائقيحدو »، ولِمَ لا يجوز كون المشبّه به قوله : « مع ذي الشروع » ؟!
قلت: لأنّه لو كان كذلك يكون المعنى هكذا : و ترك « أن » مع ذي الشروع
1) . في « م » : لتحقّقه .
وجبا، وكذا مع « جعلت » و « أخذت » و « عَلِق »، و هذا فاسد؛ لأنّ هذه الأفعال أيضًا للشروع، والتشبيه إنّما يصحّ إذا كان بين المشبّه والمشبّه به مغائرة.
قوله : قال المصنّف (1): و كاد لا غير .
أي : لا لغير « أوشك » و « كاد » .
إن قلت : كيف يمكن للمصنّف هذه الدعوى مع (2)أنّهم استعملوا غير الماضي من غير « كاد » و « أوشك » أيضًا، كما نقل عنهم الشارح (3)؟
قلت : الظاهر أنّ مراد المصنّف ذكر ما اتّفق عليه بين النحاة، و لهذا أتى بصيغة الجمع، فقال : « استعملوا مضارعًا » إلى آخره، فيكون مراده أنّهم لم يستعملوا جميعهم لغير « أوشك » و « كاد » غير الماضي. ونَقْلُ الشارح عن بعضهم (4)استعمال مضارع « طفق » و « جعل »، أو اسم الفاعل من غيرهما و هكذا، لاينافي دعوى عدم اتّفاقهم على ذلك .
1) . « قال المصنّف » لم يرد في المصدر .
2) . في « م » : متى .
3) . قال : « و حكى في شرح الكافية استعمال اسم الفاعل من كاد، والجوهريّ مضارع طفق، قال في شرح التسهيل: ولم أره لغيره [ شرح التسهيل : 1 / 386 ]. و جماعة اسم فاعل كرب، والكسائيّ مضارع جعل، والأخفش مضارع طفق، والمصدر منه و من كاد ».
4) . حكاه عن الجوهريّ في شرح التسهيل : 1 / 381 و 386 .
قوله : كما سدّ مسدّه (1)في قوله تعالى : « أَحَسِبَ النَاسُ » (2). والمراد من ذلك أنّ « حسب » من أفعال القلوب، فيحتاج إلى مفعولين، لكنّ الفعل مع « أن » - و هو قوله : « أَنْ يُتْرَكُوا » - قام مقامهما .
[ إنّ وأخواتها ]
لإنّ أنّ ليت لكنّ لعلّ *** كأنّ عكس ما لكان من عمل
الرابع من النواسخ: إنّ وأخواتها
وهي الحروف المشبّهة بالفعل في كونها رافعة وناصبة، وفي اختصاصها بالأسماء، وفي دخولها على المبتدأ والخبر، وفي بنائها على الفتح، وفي كونها ثلاثيّة ورباعيّة و خماسيّة كعدد الأفعال.
(ل- إنّ) و (أنّ) إذا كانتا للتأكيد والتحقيق، و (ليت) للتمنّي، و (لكنّ) للاستدراك، و(لعلّ) للترجّي، و (كأنّ) للتشبيه (عكس ما لكان من عمل) ثابت، أي: نصب الاسم ورفع الخبر.
كإنّ زيدًا عالم بأنّي *** كُفْء ولكنّ ابنه ذو ضِغْن
(كإنّ زيدًا عالم بأنّي كفء ولكنّ ابنه ذو ضغن) أي: حقد.
وراع ذا الترتيب إلاّ في الّذي *** كليت فيها أو هنا غير البَذي
(وراع) وجوبًا (ذا الترتيب)، وهو تقدّم الاسم على الخبر؛ لأنّها غير متصرّفة، (إلاّ في) الخبر (الّذي) هو ظرف أو مجرور، فيجوز لك أن تقدّمه (كليت فيها) مستحيًا، (أو) لعلّ (هنا غير البذي) أي: الّذي بَذِى، بمعنى: فحش.
وقد يجب تقديمه في نحو: إنّ في الدار صاحبها.
وهمزَ إنّ افتح لسدّ مصدر *** مسدّها، وفي سوى ذاك اكسِر
(و همز إنّ افتح) وجوبًا (لسدّ مصدر مسدّها) بأن تقع فاعلاً، أو نائبًا عنه، أو مفعولاً غير محكيّة، أو مبتدأ، أو خبرًا عن اسم معنى غير قول، أو مجرورة، أو تابعة لشيء من ذلك. (وفي سوى ذاك اكسر) وجوبًا. وقد أفصح عن ذلك السوى بقوله:
فاكسر في الابتدا وفي بدء صِلَة *** و حيث إنّ ليمين مُكمِلة
(فاكسر) إنّ إذا وقعت (في الابتداء) ك- : «إنّا أنزلناه»، اجلس حيث إنّ زيدًا جالس، (جئتك إذا إنّ زيدًا أمير. (و) إذا وقعت (في بدء صلة) أي: أوّلها نحو: «ما إنّ مفاتحه». فإن لم تقع في الأوّل لم تكسر نحو: جاءني الّذي في ظنّي أنّه فاضل.
(وحيث) وقعت (إنّ ليمين مكملة) اكسرها ك- : «حم * والكتاب المبين* إنّا أنزلناه».
أو حكيت بالقول أو حلّت محلّ *** حال كزرته وإنّي ذو أمل
(أو حكيت) هي وما بعدها (بالقول) نحو: «وقال اللّه: إنّي معكم»، فإن وقعت
بعده ولم تحك لم تكسر.
(أو حلّت محلّ حال، كزرته وإنّي ذو أمل) أي: مؤمّلاً.
وكسروا من بعد فعل عُلّقا *** باللام كاعلم إنّه لذو تُقى
(وكسروا) إنّ إذا وقعت (من بعد فعل) قلبيّ (علّقا باللام) المعلّقة (كاعلم إنّه لذو تقى)، وكذا إذا وقعت صفة نحو: مررت برجل إنّه فاضل، أو خبرًا عن اسم ذات
نحو: زيد إنّه فاضل.
بعد إذا فجاءة أو قسم *** لا لام بعده بوجهين نُمي
فإن وقعت (بعد إذا فجاءة أو) بعد (قسم لا لام بعده) فالحكم (بوجهين نمي) نحو: خرجت فإذا إنّك قائم، فيجوز كسرها على أنّها واقعة موقع الجملة، وفتحها على أنّها مؤوّلة بالمصدر، وكذلك حلفت إنّك كريم.
مع تلو فا الجزا وذا يطّرد *** في نحو: خير القول: إنّي أحمد
(مع) كونها (تلو فا الجزاء) نحو: «كتب ربّكم على نفسه الرحمة أنّه مَن عمل
منكم سوء بجهالة ثمّ تاب مِن بعده وأصلح فإنّه غفور رحيم» يجوز كسرها على معنى: فهو غفور رحيم، وفتحها على معنى: فالمغفرة حاصلة.
(وذا) أي: جواز الكسر والفتح (يطّرد في) كلّ موضع وقعت فيه إنّ خبرًا عن قول، وخبرها قول، وفاعل القولين واحد (نحو: خير القول: إنّي أحمد) اللّه، فالكسر على الإخبار بالجملة، والفتح على تقدير: خير القول حمد اللّه. وكذلك يجوز الوجهان إذا وقعت في موضع التعليل نحو: «إنّا كنّا من قبل ندعوه إنّه هو البرّ الرحيم».
و بعد ذات الكسر تصحب الخبر *** لام ابتداءٍ نحو: إنّي لوَزَر
(وبعد) إنّ (ذات الكسر تصحب الخبر) جوازًا لام ابتداء) أخّرت إلى الخبر؛ لأنّ القصد بها التأكيد، وإنّ للتأكيد، فكرهوا الجمع بينهما (نحو: إنّي لوزر) أي: لمعين،
وإنّ زيدًا لأبوه فاضل.
ولا يلي ذا اللام ما قد نفيا *** ولا من الأفعال ما كرضيا
(ولا يلي ذا اللام ما قد نفيا)، وشذّ قوله:
وأعلم أنّ تسليمًا وتركًا *** للامتشابهان ولا سواء
(ولا) يليها (من الأفعال ما) كان ماضيًا متصرّفًا عاريًا من قد (كرضيا)، ويليها إن كان غير ماض نحو: إنّ زيدًا ليرضى، أو ماضيًا غير متصرّف نحو: إنّ زيدًا لعسى أن يقوم.
وقد يليها مع قد ك- : إنّ ذا *** لقد سما على العِدى مستحوِذا
(وقد يليها) الماضي المتصرّف (مع) كون (قد) قبله (كأنّ ذا لقد سما على العِدى مستحوِذا) أي: مستوليًا.
وتصحب الواسط معمول الخبر *** والفصل واسمًا حلّ قبله الخبر
(و تصحب) اللام (الواسط) بين الاسم والخبر (معمول الخبر) إذا كان الخبر صالحًا لدخول اللام نحو: إنّ زيدًا لطعامك آكل. ولا تدخل على المعمول إذا تأخّر، كما أفهمه كلام المصنّف، ولا على الخبر إذا دخلت على المعمول المتوسّط.
(و) تصحب ضمير (الفصل) نحو: «إنّ هذا لهو القصص الحقّ»، وسمّي به
لكونه فاصلاً بين الصفة والخبر . (و) تصحب (اسما حلّ قبله الخبر)، أو معموله وهو ظرف أو مجرور، نحو: «إنّ علينا للهدى»، وإنّ فيك لزيدًا راغب.
تتمّة
لا تدخل اللام على غير ما ذكر، وسمع في مواضع خرّجت على زيادتها نحو:
أمّ الحليس لعجوزٌ شَهْرَبَه ······
... ولكنّني من حبّها لعميد
قال ابن الناظم: وأحسن ما زيدت فيه قوله:
إنّ الخلافة بعدهم لدميمة *** وخلائف ظُرَف لَمِمّا أحقر
أي: لتقدّم إنّ في أحد الجزئين.
ووصل (ما) بذي الحروف مبطل *** إعمالها، وقد يُبَقّى العمل
(و وصل ما) الزائدة (بذي الحروف) المذكورة في أوّل الباب إلاّ ليت (مبطل إعمالها)؛ لزوال اختصاصها بالأسماء، كقوله تعالى: «إنّما اللّه إله واحد»، (وقد يبقّى العمل) في الجميع، حكى الأخفش: إنّما زيدًا قائم. وقس عليه البواقي. هكذا قال الناظم تبعًا لابن السرّاج والزجّاج. وأمّا ليت فيجوز فيها الإعمال والإهمال، قال في شرح التسهيل: بإجماع.
وروي بالوجهين:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ···
قال في شرح الكافية: ورفعه أقيس.
وجائز رفعك معطوفًا على *** منصوب إنّ بعد أن تستكملا
(وجائز رفعك معطوفًا على منصوب إنّ بعد أن تستكملا) الخبر، نحو: إنّ زيدًا قائم وعمرو، بالعطف على محلّ اسم إنّ، وقيل: على محلّها مع اسمها. وقيل: هو مبتدأ حذف خبره؛ لدلالة خبر إنّ عليه. ولا يجوز العطف بالرفع قبل استكمال الخبر، وأجازه الكسائيّ مطلقًا، والفرّاء بشرط خفاء إعراب الاسم.
ثمّ الأصل العطف بالنصب كقوله:
إنّ الربيع الجَود والخريفا *** يدا أبي العبّاس والصيوفا
وألحقت بإنّ لكنّ وأنّ *** من دون ليت ولعلّ وكأنّ
(وألحقت بإنّ) المكسورة فيما ذكر (لكنّ) باتّفاق (وأنّ) المفتوحة على الصحيح بشرط تقدّم علم عليها، كقوله:
وإلاّ فاعلموا أنّا وأنتم *** بغاة ما بقينا في شقاق
أو معناه نحو: «وأذان من اللّه ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريء من المشركين ورسوله».
(من دون ليت ولعلّ وكأنّ) فلا يعطف على اسمها إلاّ بالنصب، ولا يجوز الرفع لا قبل الخبر ولا بعده، وأجازه الفرّاء بعده.
و خفّفت إنّ فقلّ العمل *** وتلزم اللام إذا ما تُهْمَل
(وخفّفت إنّ) المكسورة (فقلّ العمل) وكثر الإلغاء، لزوال اختصاصها بالأسماء وقرئ بالعمل والإلغاء قوله تعالى: «وإن كلاًّ لمّا ليوفّينّهم»، (وتلزم اللام) أي: لام الابتداء في خبرها (إذا ما تهمل) لئلاّ يتوهّم كونها نافية، فإن لم تهمل لم تلزم اللام.
وربّما استغني عنها إن بدا *** ما ناطق أراده معتمِدًا
(وربّما استغني عنها) أي: عن اللام إذا أهملت (إن بدا) أي: ظهر (ما ناطق أراده معتمدًا) عليه، كقوله:
··· وإن مالكٌ كانت كرام المعادن
فلم يأت باللام؛ لأمن اللبس بالنافية.
والفعل إن لم يك ناسخًا فلا *** تلفيه غالبًا بإن ذي موصلا
(والفعل إن لم يك ناسخًا فلا تلفيه) أي: لم تجده (غالبًا بإن ذي) المخفّفة
(موصلاً)، بخلاف ما إذا كان ناسخًا، فيوصل بها، قال في شرح التسهيل: والغالب كونه بلفظ الماضي، نحو: «وإن كانت لكبيرة» وقلّ وصلها بالمضارع نحو:
«وإن يكاد الّذين كفروا»، وكذا بغير الناسخ نحو:
شلّت يمينك إن قتلت لمسلمًا ···
وإن تخفّف أنّ فاسمها استكن *** والخبر اجعل جملة من بعد أن
(وإن تخفّف أنّ) المفتوحة (فاسمها) ضمير الشأن (استكن)، أي: حذف، ولا يبطل عملها، بخلاف المكسورة؛ لأنّها أشبه بالفعل منها، قاله في شرح الكافية.
(والخبر اجعل جملة من بعد أن) كقوله:
··· أن هالك كلّ مَن يَحفى وينتعل
وقد يظهر اسمها فلا يجب أن يكون الخبر جملة كقوله:
بِأنْكَ ربيع وغيثٌ مريع ···
وإن يكن فعلاً ولم يكن دعا *** ولم يكن تصريفه ممتنعا
(وإن يكن) الخبر (فعلاً ولم يكن دعاء، ولم يكن تصريفه ممتنعا
فالأحسن الفصل بقد أو نفي أو *** تنفيسٍ أو لو، وقليلٌ ذكر لو
(فالأحسن الفصل) بينهما (بقد) نحو: «ونعلم أن قد صدقتنا». (أو) حرف (نفي) نحو: «أفلا يرون ألاّ يرجع إليهم قولاً». (أو) حرف (تنفيس) نحو: «علم أن سيكون». (أو لو) نحو: «أنْ لو كانوا يعلمون الغيب»، (وقليل ذكر لو) في كتب النحو في الفواصل. فإن كان دعاء أو غير متصرّف لم يحتج إلى الفصل، نحو:«والخامسة أنْ غضب اللّه عليها»، «وأن عسى أن يكون»، «وأن ليس للإنسان إلاّ
ما سعى». وقد يأتي متصرّفًا بلا فصل، كما أشار إليه بقوله: (فالأحسن الفصل) نحو:
علموا أن يأمّلون فجادوا ···
وخفّفت كأنّ أيضًا فنوي *** منصوبها وثابتًا أيضًا روي
(وخفّفت كأنّ أيضًا فنوي) أي: قدّر (منصوبها)، ولم يبطل عملها لما ذكر في أنّ، وتخالف (أنّ) في أنّ خبرها يجيء جملة، كقوله تعالى: «كأنْ لم تغن بالأمس»،
ومفردًا كالبيت الآتي، وفي أنّه لا يجب حذف اسمها، بل يجوز إظهاره، كما قال: (و ثابتًا أيضًا روي) في قوله:
··· كأن ظبيةً تعطو إلى وراق السلم
في رواية من نصب ظبية، وتعطو هو الخبر، وروي برفع ظبية على أنّه خبر كأن، وهو مفرد، واسمها مستتر.
تتمّة
لا تخفّف لعلّ، وأمّا لكنّ فإن خفّفت لم تعمل شيئًا، بل هي حرف عطف، وأجاز يونس والأخفش إعمالها قياسًا، و عن يونس أنّه حكاه عن العرب.
[ الرابع من النواسخ : إنّ و أخواتها ] (1)قوله : و هي الحروف المشبّهة بالفعل .
ولا يخفى أنّ مقتضى القاعدة الممهّدة في جمع الكثرة والقلّة تسمية هذه بالأحرف، لا الحروف؛ لأنّ الحروف من صيغ جمع الكثرة، والمسمّى ستّة، فينبغي أن يطلق عليه من صيغ جموع القلّة، لا الكثرة، لكن لمّا كان استعمالُ كلٍّ من صيغ جمع الكثرة والقلّة في مقام الآخر شايعًا، فأطلقوا عليها الحروف .
على أنّه مع النظر إلى اللغات الواردة في « لعلّ » (2)وغيرها، لعلّها تتجاوز العشرة أيضًا، وكيف كان والأمر في ذلك سهل جدًّا.
1) . العنوان منّا .
2) . قال الميرزا أبو طالب الأصفهانيّ رحمهالله في حاشيته على البهجة المرضيّة : « قوله : لعلّ، فيها إحدى عشرة لغة، الأولى والثانية : باللام والعين المهملة، أو المعجمة واللام المشدّدة . الثالثة والرابعة : كذلك، لكن بالنون المشدّدة . الخامسة والسادسة : بالراء المهملة والعين المهملة أو المعجمة، والنون المشدّدة . السابعة والثامنة : بالعين المهملة واللام المشدّدة والنون المشدّدة . التاسعة : باللام والعين المهملة واللام المشدّدة والتاء . العاشرة : باللام والهمزة والنون المشدّدة . الحادية عشرة : بالهمزة المفتوحة والنون المشدّدة ».
قوله : إذا كانتا للتأكيد والتحقيق .
والتقييد بذلك لإخراج المكسورة والمفتوحة إذا لم تكونا كذلك، فإنّ المكسورة ترد حرفًا للإيجاب، كما نقل في الأساس عن ابن زبير (1)أنّه قال لابن زبير (2): «لعن اللّه ناقة حملتني إليك، وقال (3): إن وراكبها (4)». أي: نعم ولعن راكبها.
و حمل على ذلك قوله تعالى : « إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ » (5)لأنّ المشبّهة بالفعل اسمها منصوب، و « هذان » مرفوع، فلا يجوز أن يكون اسمًا لها، بل هو مبتدأ، « لساحران » خبره، فلا يكون « إن » هنا للتأكيد، بل حرف إيجاب (6).
و ردّ بدخول اللام في « لساحران »؛ لأنّ لام الابتداء لا تدخل في خبر المبتدأ.
و ربّما يجاب عن هذا بأنّ دخول اللام هنا لأجل شباهة الخبر بخبر « إنّ »؛
1) . في المصدر : الزبير .
2) . في المصدر : الزبير .
3) . في المصدر : فقال . والمراد به : عبداللّه بن الزبير بن العوام، وفد عليه فضالة بن شريك فقال له : إنّ ناقتي أصابها كذا و كذا، فاحملني، فأخذ عبداللّه بن الزبير يصف له علاجًا لناقته، فقال فضالة : إنّما جئتك مستحملاً، لا مستوصفًا، فلعن اللّه ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن و راكبها . و قيل : إنّ القائل ليس فضالة، وإنّما هو عبداللّه بن الزبير - بفتح الزاي - بن فضالة بن شريك، و هو قريب عبداللّه بن الزبير بن العوام. ينظر: شرح الرضي على الكافية : 4 / 431 .
4) . أساس البلاغة : 23 .
5) . سورة طه : 63 .
6) . الحامل هو المبرّد، كما في مغني اللبيب : 1 / 38 .
لتقدّم لفظة « إن » عليه.
و قد يجاب أيضًا بعدم تسليم كون اللام هنا للابتداء، بل زائدة.
و ردّ بأنّ دخول اللام الزائدة في الخبر مختصّ بالشعر.
و ربّما يجاب أيضًا بأنّ اللام هنا غير داخلة على خبر المبتدأ، بل في مبتدأ محذوف، أي : لهما ساحران .
و ردّ بأنّ الجمع بين حذف المبتدأ و لام الابتداء كالجمع بين المتنافيين.
و ربّما قيل في الآية : تكون (1)« إن » للتأكيد، و « هذان » اسمه، إمّا بناءً على أنّ ألفه ليس ألف التثنية، بل ألف المفرد؛ لأنّ أصله : هذا، فإذا ثنّي حذف ألف التثنية لالتقاء الساكنين، أو بناءً على لغة بني حارث (2)بن كعب حيث استعمل المثنّى بالألف في جميع الحالات (3).
هذا، و قد تستعمل « إنّ » المكسورة فعلاً أيضًا، إمّا ماض مسند لجماعة المؤنّث من: « الأين » بمعنى التعب، تقول: النساء إنّ، أي: تعبن، أو من : « آن » بمعنى قرب، تقول: النساء آن، أي : قربن، أو مسند لمفرد (4)على أنّه من : « الأنين »، ويكون مبنيًّا للمفعول على لغة من قال في «رُدّ» و «حُبّ» : رِدّ و حِبّ - بالكسر، أو فعل أمر مسند لواحد إذا كان من : « الأنين »، أو لجماعةٍ إذا كان من : « الأين »، أو
من: « آن » بمعنى قرب، أو من : « وأي » بمعنى وعد، فيكون للواحد مؤكّد بالنون الثقيلة (1).
هذا كلّه في المكسورة، أمّا المفتوحة فقد تكون لغة في « لعلّ »، كقراءة بعضهم: « وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ » (2)، كذا قيل (3).
قوله : ولكنّ للاستدراك .
اعلم : أنّ الاستدراك عبارةٌ عن تعقيب الكلام برفع ما يتوهّم ثبوته من كلام مثبتٍ، أو برفع ما يتوهّم نفيه من كلام منفيّ .
فالأوّل كقولك : « زيدٌ عالمٌ »، فيتوهّم من قولك : « زيدٌ عالمٌ » ثبوت الكتابة له أيضًا، فترفعه و تقول : « لكنّه ليس بكاتبٍ ».
والثاني كقولك : « زيد ليس بكاتب »، فيتوهمّ من سلب الكتابة عنه عدم ثبوت العلم له، فرفعت و قلت : «لكنّه عالم».
قوله : في الخبر الّذي هو ظرف أو مجرور، إلى آخره .
و زيادة لفظ الخبر هنا لأجل أنّه لمّا كان من عادة المصنّف إعطاء الحكم بالمثال، فربّما يتوهّم من كلامه أنّ تقديم الخبر إنّما يجوز إذا كان الخبر ظرفًا أو مجرورًا وكون العامل خصوص « ليت »، ولم يكن الأمر كذلك، فزاد الشارح لفظ
«الخبر» دفعًا لهذا التوهّم .
قوله : بأن يقع (1)فاعلاً، إلى آخره .
والضمير المستتر راجعٌ إلى : « انّ »، أي : يقع « انّ » في محلّ الفاعل؛ لأنّ الحرف لاتصلح لأن يقع فاعلاً بنفسه، فمثال الفاعل قوله تعالى : « أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا » (2)، أي: إنزالنا .
و منه ما وقع بعد «لو»؛ لأنّ ما بعدها فاعلٌ لفعلٍ محذوفٍ، نحو: « لو أنّك قائمٌ »، أي : لو وقع قيامك؛ وذلك لأنّ حرف الشرط مختصٌّ بالفعل غير « لولا »، فلا يجوز أن يكون مدخولها جملة اسميّة اختيارًا، و سيجيء في باب الفاعل مزيد تحقيق لذلك إن شاء اللّه تعالى.
و نائب (3)الفاعل قوله تعالى : « قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ » (4)، و مثال المفعول قوله تعالى : « وَ لاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ » (5)، و مثال المبتدأ قوله تعالى : « وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ »(6)، أي : رؤيتك الأرض من آياته .
و منه الواقعة بعد « لو لا » الامتناعيّة؛ لأنّ ما بعدها مبتدأ، كقولك : « لولا أنّك تغفر لي لهلكت »، أي : لو لا غفرانك لي لهلكت .
ثمّ لا يخفى عليك أنّه لاتنافي بين قول الشارح : « أو مبتدأ »، أي : افتح همزة «انّ» فيما إذا وقعت في مقام الابتداء، و بين قول المصنّف بعد ذلك : « فأكثر في الابتداء»؛ وذلك لأنّ المراد بوقوعها مبتدأ هو أن تكون « انّ » مع اسمها وخبرها بتأويل المصدر ويكون هو مبتدأ، كما تقدّم .
والمراد بوقوعها في الابتداء هو أن تكون (1)داخلة في أوّل جملة مستقلّة كقولك: « إنّ زيدًا فاضل »، فإنّ الجملة فيها مستقلّة و وقعت « إنّ » في أوّلها، فيجب كسر همزتها كما سيجيء. و مثال الخبر عن اسم المعنى قولك : « اعتقادي أنّك فاضل »، أي : اعتقادي فضلك.
إنّما قيّد كون « انّ » خبرًا عن اسم المعنى، لعدم جواز كونها خبرًا عن اسم الذات؛ لأنّها مع ما بعدها مؤوّلة بالمصدر، و هو لا يخبر به عن اسم الذات، فلا يقال: « زيدٌ فضل »، إلاّ بتأويلٍ، أو ادّعاء، كما أشرنا إليه سابقًا . وتقييد اسم المعنى بغير القول لما سيجيء من أنّ الواقعة مقول القول مكسورة .
والسرّ في ذلك - أي : في كون الهمزة مفتوحة فيما إذا وقعت في محلّ الخبر عن (2)اسم المعنى، و مكسورة فيما إذا وقعت بعد القول، زيادةً على ما مرّ من سدّالمصدر مسدّها و مسدّ اسمها و خبرها - هو أنّه لو كسرت الهمزة في المثال
المذكور يكون هي مع ما بعدها جملةً مخبرًا بها عن المبتدأ، أي : اعتقادي، وهو غير جائز؛ لما تقدّم من أنّ الجملة الواقعة خبرًا عن المبتدأ لابدّ لها من رابطٍ ليربطها
به، وهو غير موجود في المقام، و لا يجوز أن يكون الضمير في قولك : «أنّك» رابطًا؛ لعدم عوده إلى المبتدأ - أي : اعتقادي - كما لا يخفى .
و أمّا الواقعة بعد قول كقولك : « قولي أنّه عالم »، فإنّه وإن لم يعد الضمير في «أنّه» إلى : « قولي »، لكنّه لايحتاج إلى رابطٍ كما تقدّم من أنّه إذا كان الجملة نفس
المبتدأ معنًا لايحتاج إلى الرابط .
قوله : أو مجرورة .
عطفٌ على قوله : « فاعلاً » كالفقرات السابقة، والظاهر أنّ النكتة في إلحاق علامة التأنيث هنا دون ما سبق مع اتّحاد المرجع في الجميع، هي غلبة الاسميّة على الوصفيّة في الفقرات السابقة؛ لأنّ لفظ الفاعل وكذا النائب والمفعول والمبتدأ وإن كان في الأصل من صيغ المشتقّات، إلاّ أنّهم سمّوا هذه الألفاظ لمسمّياتها المعلومة .
ألا ترى أنّا لو سمعنا لفظ الفاعل أو المفعول أو المبتدأ، لا يخطر ببالنا معناها الوصفيّ أبدًا، وإنّما نفهم منها مسمّياتها المعلومة، و لا نعني من غلبة الاسم على الوصف إلاّ هذا، فلا يحتاج إلى إلحاق العلامة، وأمّا لفظ « المجرور » فلمّا كان باقيًا على معناه الوصفيّ احتاج إلى إلحاق علامة التأنيث فيه، فقال : « أو مجرورة ».
إن قلت : ما ذكرت مسلّم، إلاّ أنّ مقتضاه عدم إلحاق العلامة في لفظ التابع أيضًا، لغلبة الاسميّة فيه على الوصفيّة، فلِمَ ألحقها فيه ؟
!قلنا : المراد هنا من التابع معناه الوصفيّ، ألا ترى إلى قوله : « أو تابعة لشيءٍ من ذلك »، فيحتاج إلى إلحاق العلامة.
هذا، ويمكن أن يقال على فرض تسليم عدم الغلبة في الجميع : إنّ عدم إلحاق العلامة في لفظ الفاعل وما بعده لملاحظة لفظ الحرف، وإلحاقها في لفظ المجرور والتابع لملاحظة معناه، لكونه بمعنى الأداة، لكنّ الأوّل أولى كما لا يخفى .
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه ينبغي ذكر السرّ في لزوم فتح الهمزة في المواضع المذكورة، فنقول: السرّ في ذلك هو أنّ الفاعل و كذا النائب عنه لا يكون إلاّ مفردًا
على مذهب المشهور الحقّ (1)- و سيجيء في مبحث النائب عن الفاعل وكذا المفعول الغير المحكيّ والمبتدأ والمجرور - وكسر الهمزة ينافي الإفراد.
وأمّا الخبر عن اسم المعنى فقد تقدّم، وأمّا التابع لشيءٍ من ذلك فلكونه تابعًا للمتبوع. ويمكن أن يقال وجوه أخر، إلاّ أنّ المقام ليس محلّ ذكرها.
قوله : و قد أفصح عن ذلك، إلى آخره .
أي: لمّا كان قول المصنّف : « وفي سوى ذاك اكسر » غير مفهمٍ للمواضع الّتي يكسر فيها « انّ » صريحًا، فاظهره بما ذكره بعد . يقال: أفصح عن المراد، أي: أظهره (2).
قوله : إذا وقعت في الابتداء .
اعلم: أنّ النكتة في تقدير الفعل هنا هي : أنّه لمّا كان قول المصنّف بعد : « أو حُكيت » عطفًا، وليس المذكور في كلامه ما يصلح لكونه معطوفًا عليه، قدّر (1)الفعل تنبيهًا على أنّه معطوفٌ عليه محذوفٌ لدلالة السياق عليه .
و ذلك لأنّ قوله : « أو حكيت » إمّا عطفٌ على قوله : « اكسر » في قوله: « فاكسر في الابتداء »، أو على معموله، أي : خصوص « في الابتداء »، وكلاهما غير ممكن.
أمّا الأوّل فلأنّه مع كونه عطف الإخبار على الإنشاء غير مفيدٍ للمراد، و هو كسر همزة « انّ » إذا وقعت محكيّة بالقول، وهو ظاهر.
وأمّا الثاني (2)فلأنّه - مع الإغماض عن كلّ شيء - يكون التقدير هكذا : فاكسر إن حكيت بالقول، ولا معنى له، بخلاف ما إذا كان معطوفًا على قوله: « وقعت »، فإنّه - مع كون عطف الفعليّة على مثلها - مفيدٌ للمطلوب؛ إذ التقدير هكذا: اكسر «انّ» إذا حكيت بالقول، وليس المراد إلاّ ذلك، فلا تغفل.
قوله : ك « إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ » (1).
إلى آخر الأمثلة، عدم الاكتفاء بالمثال الأوّل للتنبيه على أن ليس المراد من الابتداء (2)ما لم يسبق عليه شيء، بل المراد ما كان أوّل الجملة المستقلّة، سواء لم يسبق عليه شيء - كالمثال الأوّل - أو سبق - كالمثالين الأخيرين - فإنّ «انّ» وقعت فيهما في أوّل الجملة وإن كانت مسبوقة .
ولا يجوز (3)فتح همزة « انّ » في هذه الأمثلة، أمّا في الأوّل فظاهر، وأمّا في الثانيين فلأنّ « حيث » و « إذ » لا تضاف إلاّ إلى الجملة اختيارًا، و فتح الهمزة ينافيه .
و أيضًا للتنبيه على أنّه لا تفاوة في لزوم كسر الهمزة بين كون خبر « انّ » جملة كما في المثال الأوّل، أو وصفًا كما في الثاني، أو اسمًا جامدًا كما في الأخير.
قوله : أي أوّلها .
و إنّما يجب الكسر إذا وقعت « انّ » أوّل الصلة؛ لأنّ الصلة لابدّ أن تكون جملة وقد عرفت أنّ فتح الهمزة ينافيه .
ولا يخفى عليك أنّ هذا الحكم - أي: وجوب كسر الهمزة إذا وقعت « انّ » في أوّل الصلة - إنّما هو في الموصول الاسميّ، وأمّا الموصول الحرفيّ فلابدّ فيه من فتحها؛ لما تقدّم في مبحثه من أنّه كلُّ حرفٍ أُوِّل مع صلته بمصدر، ومعلومٌ أنّ كسر
الهمزة ينافيه كما لا يخفى، و عدم التنبيه هنا للاكتفاء بما سبق .
قوله : فإن لم تقع في الأوّل لم تكسر .
و ذلك لفقدان الموجب للكسر، و هو وجوب كون الصلة جملة؛ لأنّها إذا وقعت في الوسط يكون ما بعدها مع ما قبلها جملة، كما في قوله : « جاء (1)الّذي في ظنّي أنّه فاضل »، بفتح همزة « انّ »، لعدم وقوعها في أوّل الصلة .
إن قلت : إنّا لا نسلّم وقوعها في وسط الصلة، لما تقدّم في مبحث الموصولات من جواز وقوع الظرف والجارّ والمجرور صلة، فليكن هذا من هذا القبيل .
لايقال : إنّه لم يصرّح بوقوعها في الوسط، بل قال : « فإن لم تقع في الأوّل »، وهو أعمّ من وقوعها في الوسط، فليكن هذا المثال ممّا وقعت فيه « انّ » في الآخر.
لأنّا نقول : إنّه وإن لم يصرّح بوقوعها في الوسط، لكن مراده ذلك؛ لأنّ وقوعها بعد الصلة لا دخل لذكره هنا؛ إذ ليس حكمها حينئذٍ من حيث وقوعها بعد الصلة، بل يرجع في حكمها حينئذ (2)إلى ما تقدّم من التفصيل .
قلت : جواز وقوع الظرف والجارّ والمجرور صلة مطلقًا ممنوع، بل إنّما يجوز إذا كانا تامّين كما صرّح به الشارح هناك، والمراد بالتامّ - على ما نبّهنا هناك - هو أن يكون في الوصل به فائدة، وليس المقام كذلك؛ إذ قولك : « جاء الّذي في
ظنّي (1)» لا فائدة له؛ لأنّ ذلك الشخص ليس في ظنّك .
والحاصل: أنّ الظرف والجارّ والمجرور ليسا بنفسهما صلة، بل هما مع فاعلهما صلة، و فاعلهما قد يكون مستترًا فيهما كقولك : « الّذي عندي - أو في الدار - فاضل»، و قد لايكون كما نحن فيه؛ إذ التقدير : في ظنّي فضله، فتأمّل (2).
لكن يمكن أن يعترض عليه (3): بأنّا لانسلّم لزوم فتح همزة « انّ » إذا وقعت في وسط الصلة مطلقًا؛ لأنّ قولك : « أعجبني الّذي أبوه أنّه فاضل »، لايجوز فيه فتح الهمزة مع وقوعها في وسط الصلة، بل يجب كسرها؛ لوقوعها في مقام الخبر عن اسم الذات كما سيجيء .
إلاّ أنّه يمكن الجواب عنه : بأنّ كلامه هنا وإن كان مطلقًا، لكن سيجيء مراده فيما إذا لم يكن كذلك (4)، بقرينة ذكره بعد ذلك من أنّها إذا وقعت خبرًا عن اسم ذات يكسر الهمزة .
قوله : و حيث وقعت .
تقدير الفعل هنا لأجل أنّه لمّا كان قول المصنّف بعد : « أو حكيت » عطفًا، فقدّرالفعل حتّى يكون عطف الفعليّة على الفعليّة؛ لأنّ عطف أحد المتجانسين على
1) . في « م » : ظنّه .
2) . جاء في حاشية « ص » : « وجهه: هو أنّ فتح الهمزة حينئذٍ يكون بوقوعها في مقام الفاعل، وقد تقدّم، و ليس من حيث وقوعها في وسط الصلة، كما هو مقتضى الذكر ثانيًا، إلاّ أنّه يمكن الجواب عنه، يظهر بعد التأمّل، منه - عفي عنه و عن والديه ».
3) . جاء في حاشية « ص » : « أي : الشارح ».
4) . جاء في حاشية « ص » : « أي : خبرًا عن اسم الذات ».
الآخر أولى ممّا لم يكن كذلك .
قوله : اكسرها .
تقديره لأجل التنبيه على عدم كون قول المصنّف : « و حيث » عطفًا على ما عطف عليه سابقه، و هو قوله : « في بدء صلة ».
و ذلك أمّا أوّلاً فلتغيير السياق، حيث ذكر كلمة « انّ » هنا دون ما سبق، وعلى هذا لو كان معطوفًا به، فلا يخلو إمّا أن يكون معطوفًا على قوله : «في الابتداء»، وحينئذٍ إمّا أن يكون تقدير العبارة : « اكسر انّ إذا وقعت حيث إنّ ليمين مكملة »، ولا يخفى ركاكته، أو : « اكسر انّ حيث إنّ » إلى آخره، و على الوجهين يلزم تكرار لفظة « انّ »، فقدّر الفعل، وحينئذٍ إمّا أن تكون هذه الجملة عطفًا على الجملة السابقة، أو مستأنفة.
وإنّما يجب كسر الهمزة حينئذٍ أيضًا؛ لأنّ جواب القسم لايكون إلاّ جملة، وهذا فيما إذا كان جواب القسم مع اللام اتّفاقيّ، كقولك: « واللّه إنّ زيدًا لقائم »، وأمّا إذا لم يكن معها فمذهب الأكثر أيضًا ذلك، خلافًا للمبرّد و غيره، فجوّزوا الفتح حينئذٍ أيضًا، و هو ضعيف (1).
1) . ينظر: أوضح المسالك : 66 ؛ و مغني اللبيب : 1 / 233 ؛ والارتشاف : 3 / 1256 ؛ و شرح ابن عقيل: 1 / 356 ؛ والهمع : 1 / 137 ؛ والمقتضب : 4 / 107 ؛ و شرح الجمل، لابن عصفور: 1 / 460 .
قوله : نحو : قال اللّه : « إِنِّي مَعَكُمْ » (1).
اعلم: أنّ من المواضع الّتي يقع فيها الجملة مفعولاً المحكيّة بالقول، كما في الآية الشريفة، فإنّ جملة : « إِنِّي مَعَكُمْ » مفعولٌ ل- «قال».
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه وقع الخلاف بينهم في أنّ هذه الجملة هل هي مفعول مطلق، أو مفعول به ؟
فذهب ابن الحاجب إلى الأوّل؛ لأنّها نوعٌ خاصّ من القول، فيكون مفعولاً مطلقًا نوعيًّا، كما في قولك : « قعدت القُرفُصَا » (2)، فإنّ « القرفصا » فيه نوعٌ من القعود، فكما يكون مفعولاً مطلقًا، كذلك ما نحن فيه .
ثمّ ردّ على القائل بكونها مفعولاً به بأنّه ظنّ أنّ تعلّق الجملة بالقول كتعلّقها ب-: «علم» في قولك: « علمت لزيد منطلق »، وكما تكون هذه الجملة مفعولاً به ل-: «علمت»، كذلك ما هو بمنزلته.
1) . سورة المائدة : 12 .
2) . قال ابن منظور في لسان العرب 7 / 71 : « و جلس القِرْفِصا والقَرْفَصَا والقُرْفُصَا : وهو أَن يَجْلِسَ على أَلْيَتَيْه ويُلزِقَ فخذيه ببطنه ويَحْتَبي بيديه، وزاد ابن جنّي : القُرْفُصاء و قال : هو على الإِتباع . والقُرْفُصاءُ : ضرْبٌ من القعودِ يُمَدّ ويُقْصَر، فإِذا قلت: قعد فلان القُرْفُصاء، فكأَنّك قلت : قَعَد قُعودًا مخصوصًا، و هو أَن يجلس على أَلْيَتَيه ويُلْصِقَ فخذيه ببطنه ويَحْتَبي بيديه يضعهُما على ساقَيه، كما يحتبي بالثوب، تكون يداه مكان الثوب ؛ عن أَبي عبيد . وقال أَبو المهديّ : هو أَن يجلس على ركبتيه مُنْكبًّا ويُلْصِقَ بطنَه بفخذيه ويتأَبط كَفّيه، وهي جلْسة الأَعراب ».
و قال (1):
انّه ليس كذلك؛ لأنّ الجملة الواقعة بعد القول هي نفس القول، والعلم غير المعلوم، والفرق بينهما بيّن (2).
و ذهب جماعةٌ إلى أنّها مفعول به (3)، و هو أظهر .
و دعوى أنّ الجملة الواقعة بعد القول هي نفس القول، ممنوعة، ألا ترى أنّه يمكن أن تخبر عن تلك الجملة بأنّها مقولة، والقول غير المقول، وكيف يكون هي نفس القول، بل القول وقع عليها، كوقوع الضرب على زيد في : « ضربت زيدًا »، فكما يكون زيدًا مفعولاً به، كذلك ما هو بمنزلته .
و قياس هذه الجملة على «القرفصا» في قولك : « قعدت القرفصا »، قياسٌ مع الفارق؛ لعدم إمكان الإخبار عن «القرفصا» بأنّها مقعودة؛ لأنّها نفس القعود، وإطلاق لفظ القول على الجملة المحكيّة بالقول في بعض المواضع على سبيل المجاز، لا الحقيقة .
قوله : فإن وقع (4)بعده ولم تحك لم تكسر .
بل تفتح كما إذا قصدت بالقول الاعتقاد الشامل للعلم والظنّ، و تقول : « قلت:
أنّ زيدًا قائم »، أي : علمت أنّه قائم، أو ظننت ذلك، و حينئذٍ تفتح الهمزة كما إذا وقعت بعد نفس العلم والظنّ .
قوله : أي مؤمّلاً .
هذا إشارةٌ إلى سرّ كسر الهمزة فيما إذا وقعت « انّ » محلّ حال، بيانه: هو أنّ الحال تكون مشتقّة، و فتح الهمزة يستلزم التأويل بالمصدر، و هو غير مشتقّ .
إن قلت : إنّ المصدر قد يقع حالاً، فليكن هذا من ذاك .
قلت : ذلك إنّما هو إذا كان صريح المصدر، لا المأوّل به، وأيضًا أنّ المفتوحة مأوّلة مع اسمها و خبرها بالمصدر المعرفة، تقول : « أعجبني أنّك قائم »، أي: قيامك، و « أنّه قائم »، أي : قيامه، و شرط الحال التنكير .
قوله : المعلّقة .
التعليق : إبطال عمل أفعال القلوب لفظًا، لا محلاًّ كما سيجيء، وإنّما يجب كسر الهمزة في المقام؛ لأنّ لام المعلّقة هي لام الابتداء، ولها صدر الكلام، و فتح همزة
« انّ » يستلزم تسليط العامل عليها، فيكون ما بعدها بتأويل المفرد يكون معمولاً لما قبلها، فيلزم أن يعمل ما قبل لام الابتداء في ما بعدها، و هو غير جائز؛ لما عرفت من أنّ هذه اللام لها صدر الكلام، و ما له صدر الكلام لايعمل ما قبله فيما بعده، لانتفاء الصدارة .
إن قلت : على هذا يلزم أن لا يصحّ قول المصنّف : « إنّه لذو تُقى »؛ لأنّ قوله: « ذو تقى » خبر ل- «أنّ»، و « إنّ » عاملةٌ في خبرها مع أنّ فيه لام ابتداء، فيلزم أن يعمل ما قبل اللام في ما بعدها .
قلت : سنذكر الجواب عنه بعد قول المصنّف : « و بعد ذات الكسر تصحب الخبر »، فانتظر. وأيضًا لو فتحت الهمزة في مثل المثال المذكور، يلزم دخول اللام في خبر « أنّ » المفتوحة، وسيجيء أنّه غير جائز .
قوله : مررت برجل إنّه فاضل .
بكسر الهمزة؛ لأنّ مع الفتح يفسد المعنى؛ إذ يصير التقدير : مررت برجلٍ فضله، والفضل أمر معنويّ غير صالح للمرور عليه .
[ قوله : فإن وقعت .
لمّا كان قول المصنّف : « بعد إذا فجاءة » إلى آخره، الظرف فيه متعلّقًا بقوله: « نُمِي »، فيكون معنى ظاهر عبارة المصنّف أنّه نُمي : انتسب بعد « إذا » فجاءة، أو
بعد قسمٍ لا لام بعده، بوجهين .
و هذا إذا لم يكن مرادًا - كما لا يخفى - فقدّر الشارح قوله : « فإن وقعت »، أي: إذا وقعت « انّ » بعد « إذا » الفجائيّة، أو بعد قسمٍ لا لام بعده، فالحكم لجواز الفتح
والكسر لهمزة « انّ » نسب، فظهر النكتة في زيادة قوله : « فالحكم »، مع كونه جوابًا للشرط، و لذا أدخل عليه الفاء ] (1).
1) . ما بين المعقوفين لم يرد في « ص » .
اعلم : أنّ الضمير في « نُمي » [ في ] (1)قول المصنّف عند النظر إلى نفس البيت إمّا يعود إلى « بعد » في قوله : « بعد إذا فجاءة »، أو إلى همزة « انّ » المدلول عليه
بالمقام، وكلاهما غير جائز.
أمّا الأوّل فلأنّ المعنى حينئذٍ يكون : بعد إذا فجاءة نُمي بوجهين، و هو غير مراد، بل المراد همزة « انّ » بعد « إذا » الفجائيّة نسبت إلى وجهين من الفتح والكسر، لا نفس بعد .
و أمّا الثاني فإنّ معه وإن كان المعنى صحيحًا، لكن مقتضاه إلحاق علامة التأنيث في الفعل، أي : « نمي » .
ولهذا غيّر الشارح أسلوب كلام المصنّف، فقال أوّلاً : « فإن وقعت »، و ثانيًا: « فالحكم بوجهين نمي »، والضمير في « نمي » حينئذٍ يعود إلى لفظ الحكم في قوله : « فالحكم »، و لا شبهة في صحّته، والألف واللام في : « فالحكم » عوضٌ عن المضاف إليه، أي : إن وقعت « انّ » بعد « إذا » الفجائيّة، أو بعد قسم لا لام بعده،
فحكم همزة « انّ » حينئذٍ نُمي بوجهين من الفتح والكسر .
فيكون التقدير في المثال المذكور : خرجت فإذا قيامك ثابت، و لابدّ من تقدير الخبر؛ لأنّ « إذا » المفاجاة يجب دخولها على الجملة الاسميّة، كما صرّح به ابن
1) . ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة المعنى .
هشام و غيره (1).
و قيل : تدخل على الاسميّة والفعليّة (2).
و قيل : على الاسميّة والفعليّة إذا كانت مقترنة ب- «قد» (3).
قوله : حلفت أنّك كريم .
فيجوز كسر الهمزة على أنّها واقعة موقع الجملة، و فتحها على أنّها مأوّلةٌ بالمصدر، أي : حلفت على كرامتك، لما ذكرنا سابقًا من أنّه إذا كان الخبر مشتقًّا يكون المصدر المأوّل من لفظه .
قوله : مع كونها تلو فاء الجزاء .
الظاهر من الشارح أنّه جعل الظرف متعلّقًا بقوله بعد : « يجوز كسرها »، أي: يجوز كسر همزة « انّ » مع كونها تلو فاء الجزاء .
إنّما فعل ذلك دفعًا للتوهّم الّذي ربّما يتوهّم من كلام المصنّف، و هو أن يكون قوله: « مع تلو فاء الجزاء »، قيدًا لقوله : « أو قسم »، فيكون المعنى على هذا: أنّ جواز الفتح والكسر في « انّ » الواقعة بعد القسم الّذي لا لام بعده مشروطٌ بكون
1) . صرّح به ابن هشام في مغني اللبيب : 1 / 87 و 93 ؛ و شرح قطر الندى : 93 ؛ والرضيّ في شرحه على الكافية : 4 / 66 ؛ و ينظر: القاموس المحيط : 4 / 406 .
2) . لم نقف عليه .
3) . نقل الأخفش عن العرب دخولها على الفعل المصحوب ب- قد، نحو : خرجت فإذا قد قام زيد همع الهوامع : 2 / 105 ؛ موصل الطلاّب إلى قواعد الإعراب : 1 / 109 ؛ تمرين الطلاّب : 156 .
القسم واقعًا تلو فاء الجزاء، و هو مع فساده في نفسه لم يفد تمام المطلوب .
[ قال : قال المصنّف : « و بعد ذات الكسر تصحب الخبر » إلى آخر ما ذكره، انّه يجوز إدخال اللام فيه مطلقًا، فعلاً كان أو اسمًا، و على الثاني لا يخلو إمّا أن يكون منفيًّا أو مثبتًا، و على الأوّل لا يجوز إدخال اللام فيه مطلقًا، فعلاً كان أو اسمًا، وعلى الثاني لا يخلو إمّا أن يكون الخبر اسمًا أو فعلاً .
و على الأوّل تدخل عليه اللام مطلقًا، سواء كان جملة أو مفردًا، ولعلّه لهذا أتى الشارح بالمثال الآخر ولم يكتف بما ذكره المصنّف، لكن ينبغي على الأوّل تأخّره عن الاسم؛ لما ذكره الشارح من أنّ « انّ » للتأكيد واللام كذلك، فيكره الجمع بينهما .
و على الثاني لايخلو إمّا أن يكون فعلاً مضارعًا أو ماضيًا، فإن كان الأوّل يجوز دخول اللام فيه أيضًا، وإن كان الثاني لا يخلو إمّا أن يكون جامدًا أو متصرّفًا، و على الأوّل يجوز الدخول أيضًا، و على الثاني إمّا أن يكون مقرونًا ب-: «قد»، أو لا، وعلى الأوّل أيضًا دخول اللام جائز، و على الثاني غير جائز .
والثاني من المواضع الّتي يجوز إدخال اللام فيه هو اسم «انّ»، لكن لا مطلقًا، بل بشرط تقدّم الخبر أو معموله عليه، كما إذا كان كلّ من الخبر والمعمول ظرفًا أو مجرورًا كما ذكره الشارح، وإلاّ لم يجز؛ لما مرّ من لزوم اجتماع التأكيدين.
والموضع الثالث: هو الضمير الفاصل بين الاسم والخبر إذا كان الخبر صالحًا؛ لدخول اللام فيه كما ذكره الشارح، أي : لم يكن الخبر منفيًّا، أو ماضيًا متصرّفًا غير مقرون ب- «قد»، بخلاف إذا تأخّر عن الخبر، فإنّ دخول اللام فيه غير جائز؛ لأنّ لام الابتداء لها الصدارة، و بالتأخّر ينتفي .
إن قلت : هذا بعينه واردٌ في الخبر وكذا الاسم، بيانه: هو أنّ « انّ » عاملةٌ في اسمها و خبرها، فكيف يمكن إدخال اللام فيهما مع أنّها يقتضي الصدارة ؟! ألا ترى أنّها إذا دخلت في معمول أفعال القلوب علّقتها عن العامل وإذا دخلت على خبر المبتدأ يجب تقديمه على المبتدأ .
قلت : قد أجاب عن هذا بعض المحقّقين منهم (1)بأنّ اللام مؤخّرة عن التقديم؛ لأنّ أصل « إنّ زيدًا لقائم » : لأنّ زيدًا قائم، فكرهوا افتتاح الكلام بتوكيدين، فإمّا أن يؤخّر « انّ » أو اللام، لا سبيل إلى الأوّل، للزوم تقدّم معمول « انّ » عليها، و هو غير جائز، فتعيّن الثاني ] (2).
قوله : على معنى : فهو غفور رحيم .
إذ قبل دخول « انّ » كان كذلك .
قوله : فالمغفرة حاصلة .
أشار بذلك إلى لزوم كون ما بعد « انّ » في المقام جملة وإن فتحت همزتها؛ وذلك لأنّ جزاء الشرط لايكون إلاّ جملة، أمّا كونه جملة مع كسر الهمزة فواضح، وأمّا مع الفتح فإنّها وإن كانت مع معموليها بتأويل المفرد، لكنّه يكون مبتدأ محذوف الخبر كما قدّره الشارح، والجملة جزاء الشرط، ولذا دخلت عليها الفاء .
قوله: وقعت فيه «إنّ» خبرًا عن قول، وخبرها قول، وفاعل القولين واحد.
اعلم : أنّ الرابع من المواضع الّتي يجوز فيها فتح الهمزة و كسرها هو ما اجتمع
فيه الشروط الثلاثة المذكورة .
إن قلت : إنّ الشرط الأوّل من الشروط المذكورة ليس بموجودٍ في مثال المتن؛ لأنّ « انّ » ليست فيه خبرًا عن قول، بل عن لفظ الخبر، و هو غير القول .
قلت : « إنّ » فيه و إن وقعت خبرًا عن لفظ الخبر، لكنّه مضاف إلى القول، ولفظ الخبر إذا أضيف إلى شيءٍ يكون هو من جنس ذلك الشيء، كما تقول : «خير الناس فإنّ خير الناس ناس»، و كذا: «خير الماء ماء»، و «خير الصلاة صلاة»، وهكذا، فيكون: «خير القول قولاً».
إذا علمت ذلك فنقول : إنّه إذا فقد أحد هذه الشروط - كأن لم تكن « انّ » خبرًا عن قول، أو لم يكن خبرها قولاً، أو لم تكن فاعل القولين واحدًا - لم يكن فيها الحكم المذكور من جواز الفتح والكسر جائزًا .
أمّا الأوّل فكما تقول : « عادتي أنّي أحمد اللّه »، فإنّ « انّ » فيه ليست خبرًا عن قول، وحينئذٍ يجب فيه فتح « انّ »؛ لكونها خبرًا عن اسم المعنى غير قول، وقد تقدّم أنّه لو كان كذلك يجب فتح الهمزة .
و أمّا الثاني فنحو : « قولي إنّه صادق »، يجب فيه كسر الهمزة؛ لأنّ الجملة محكيّة، و قد تقدّم أنّ الجملة المحكيّة بالقول يجب فيها (1)كسر « انّ ».
و كذلك إذا كان فاعل القولين مختلف، نحو : « قولي إنّ زيدًا يحمد اللّه »، فيجب كسر الهمزة؛ لما مرّ من أنّ المحكيّة تكسر، ولايجوز الفتح؛ لفساد المعنى؛ إذ على تقديره يكون المعنى هكذا: قولي حمد زيد اللّه، ولا يخفى فساده؛ إذ حمد زيد غير
1) . في « م » : فيه .
قائم بالمتكلّم، فكيف يسنده المتكلّم إلى نفسه ؟!
قوله : نحو : « إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ » (1).
فالكسر على أنّه تعليلٌ مستأنفٌ بيانيّ، كأنّه في المعنى جوابٌ عن سؤالٍ مقدّر تقديره: هو أنّهم لمّا قالوا: إنّا كنّا من قبل ندعوه، كأنّه قيل لهم : لم فعلتم ذلك؟
فقالوا: إنّه هو البرّ الرّحيم .
و بالكسر قرأ في الآية غير نافع والكسائيّ من القرّاء السبعة، والفتح على تقدير لام التعليل، أي : كنّا ندعوه من قبل؛ لأنّه هو البرّ الرّحيم، و به قرأ نافع والكسائيّ (2).
قوله : و بعد [ انّ ] (3)ذات الكسر، إلى آخره .
إن قلت : لِمَ خصّص ذات الكسر بالذكر ؟
قلت : لعدم جواز دخول لام الابتداء على خبر « أنّ » المفتوحة، و ذلك لما ذكروا من أنّ وضع لام الابتداء لتأكيد مضمون الجملة، وقد عرفت أنّ المفتوحة مع معموليها مأوّلةٌ بالمفرد، و هو منافٍ لأصل وضع اللام .
إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ حاصل ما ذكره هنا بالنسبة إلى جواز دخول اللام في الخبر والعدم هو أنّ خبر المكسورة لا يخلو إمّا منفيّ أو مثبت، و على الأوّل لايجوز دخول اللام فيه مطلقًا، فعلاً كان أو اسمًا، و على الثاني فلا يخلو إمّا أن يكون الخبر اسمًا أو فعلاً.
و على الأوّل تدخل عليه اللام مطلقًا، سواء كان مفردًا أو جملة، ولهذا التنبيه أتى الشارح بالمثال الآخر، ولم يكتف بالمثال الّذي ذكره المصنّف.
و على الثاني لايخلو إمّا أن يكون فعلاً مضارعًا أو ماضيًا، فإن كان الأوّل يجوز دخول اللام فيه أيضًا، وإن كان الثاني لا يخلو إمّا أن يكون متصرّفًا أو غير متصرّف، والثاني يجوز دخول اللام فيه أيضًا، والأوّل لا يخلو إمّا أن يكون مع « قد »، أو بدونها، والأوّل يجوز الدخول أيضًا، وأمّا الثاني فلا تدخل فيه اللام.
قوله : أخّرت إلى الخبر؛ لأنّ القصد بها التأكيد، و « إنّ » للتأكيد، فكرهوا الجمع بينهما .
المقصود من هذا الكلام دفع الاعتراض الوارد في المقام، تقريره: هو أنّه قد اشتهر بينهم حتّى خرق الأسماع أنّ ما يقتضي الصدارة ما قبله لا يعمل فيما بعده، وقد مرّ الاستدلال بذلك على لزوم كسر « انّ » إذا وقعت بعد فعل قلبيّ علّق باللام المعلّقة.
و على هذا نقول : إنّ مقتضى ذلك عدم جواز دخول هذه اللام في خبر « انّ » أيضًا؛ لأنّها عاملة في خبرها، فلو كان دخول اللام في خبر « إنّ » جائزًا، للزم أن يعمل ما قبل لام الابتداء فيما بعدها، مع أنّ لها صدارة .
تقرير الجواب: هو أنّا نسلّم أنّ لام الابتداء لها الصدارة، لكن لا نسلّم أنّ ما قبلها عمل فيما بعدها؛ لأنّ قولك : « إنّ زيدًا لقائمٌ »، كان في الأصل : لأنّ زيدًا
قائمًا، لكن لمّا كان كلّ من اللام و « إنّ » للتأكيد، فكرهوا الجمع بينهما، فأخّرت
إلى الخبر (1)، و هذه اللام وإن كانت في خبر « انّ » ظاهرًا، لكنّها بنيّة التقديم.
إن قلت : إنّه لو كان الأمر على ما ذكر لم أخّرت اللام، مع أنّ العكس كان ممكنًا، أي : تأخير « انّ » و إبقاء اللام في محلّها.
قلت : إنّه غير ممكن؛ لأنّ « انّ » عاملة، والعامل حريّ (2)بالتقديم من غيره؛ ولأنّها ضعيف العمل، فلا يجوز تأخيرها عن معمولها، فلابدّ إمّا من تأخير اللام، أو حذفها، والحذف غير جائز؛ لأنّ الغرض من الإتيان بها زيادة التأكيد، والحذف ينافي ذلك، فبقي التأخير، و هو المطلوب .
قوله : إنّ زيدًا لأبوه فاضل .
قد مرّ النكتة في ذكر هذا المثال، فلا تغفل .
قوله : و يليها إن كان غير ماض، نحو : إنّ زيدًا ليرضى .
و ذلك لأنّ لام الابتداء حقّها الدخول على المبتدأ، و كلّما كان بينه و بين المبتدأ شباهة يجوز أن تدخله لأجل تلك الشباهة، والمضارع له شباهيّة بالمبتدأ، فيجوز أن تدخله اللام .
لا يقال : إنّ ذلك يقتضي دخول ذلك في الخبر المنفيّ أيضًا إذا كان مضارعًا،
وقد مرّ آنفًا أنّه لا يجوز فيه دخول اللام .
لأنّا نقول : إنّ المقتضي لدخول اللام وإن كان موجودًا فيه، لكنّ المانع ليس بمفقود؛ وذلك لما صرّح بعضهم (1)من أنّ اللام للتقرير والإثبات، و [ حرف ] (2)النفي للرفع والإزالة، و بينهما تناف .
وكذا إذا كان ماضيًا غير متصرّف؛ لكونه مشابهًا للاسم المبتدأ في عدم التصرّف، ولذا دخل عليه اللام، وأمّا الفعل الماضي المقترن ب- «قد»، فإنّه وإن كان غير مشابه للاسم، لكنّه لمصاحبته مع « قد » يشبه الفعل المضارع، لكون «قد» تقرب الماضي للحال، فيصير الماضي كالمضارع، فيدخل عليه اللام .
قوله : مع كون قد قبله .
لمّا كان قول المصنّف مع « قد » ظرفًا في محلّ الحال لفاعلٍ يليها، وكان المعنى أنّه يجوز أن يلي الفعل الماضي المتصرّف اللام حال كون ذلك الماضي (3)مع « قد »، وهذا كان صادقًا على كون « قد » قبل الماضي و بعده - كقولك : « إنّ زيدًا قام و قد ذهب » - والحكم كان مختصًّا بالأوّل، قيّد (4)إطلاق كلام المصنّف بما ترى.
قوله : حال كونها معمول الخبر .
اعلم : أنّ الاحتمالات المتصوّرة في عبارة المتن ثلاث :
الأوّل: أن يكون قوله : « معمول الخبر » صفةً للفظ الواسط في قوله: «وتصحب الواسط».
والثاني: أن يكون بدلاً منه .
والثالث: أن يكون حالاً عنه .
وإنّما صرّح الشارح بالأخير تنبيهًا على عدم جواز غيره، أمّا عدم جواز الصفة فلأنّ شرطها المطابقة مع الموصوف، وهنا ليس كذلك؛ لأنّ لفظ «الواسطة» معرفة، ولفظ «المعمول» نكرة .
إن قلت : إنّه وإن كان نكرة، لكنّه أضيف إلى المعرفة، والمضاف إلى المعرفة معرفة .
قلت : هذا إنّما يسلّم إذا لم يكن الإضافة لفظيّة، وأمّا إذا كانت فلا تقبل التعريف وإن أضيفت إلى المعرفة .
وأمّا عدم جواز كونه بدلاً فلأنّ المبدل منه في حكم السقوط، فيكون مفاد الكلام حينئذٍ أنّه تصحب اللام معمول الخبر، وهو بإطلاقه غير صحيح؛ لما سيجيء من أنّ المعمول إذا تأخّر لم يجز دخول اللام عليه، ولم يبق إلاّ أن يكون حالاً، ولهذا نبّه الشارح عليه.
قوله : إذا كان الخبر صالحًا لدخول اللام .
بأن لم يكن منفيًّا، و لا ماضيًا متصرّفًا غير مقرون ب- «قد» (1).
قوله : و لا تدخل على المعمول إذا تأخّر .
و ذلك لما عرفت من أنّ هذه اللام كان حقّها أن تقع في أوّل الكلام، لكن رفعنا اليد عنه في المقام لمانع، فينبغي أن يقتصر على قدر ما يزول به المانع، و هو ما إذا
دخلت على الخبر مع تقدّم الاسم، أو على الاسم مع تقدّم الخبر، أو على معمول الخبر إذا كان متوسّطًا، وأمّا إذا كان متأخّرًا فلا دليل على جواز دخولها حينئذٍ، فينبغي أن لا تدخل عليه؛ لئلاّ يبطل حقّها كلّه؛ لتأخّرها عن جزئي الكلام الّذَيْن هما العمدتان .
قوله : كما أفهمه من (2)كلام المصنّف .
هكذا وجدت العبارة في النسخ الّتي رأيناها، يحتمل أن تكون كلمة «من» فيها زائدة، فيكون التقدير حينئذٍ هكذا : كما أفهمه كلام المصنّف .
وهذا وإن لم يجوّزه سيبويه والمصنّف وغيرهما إلاّ في النفي (3)، إلاّ أنّ الأخفش يجوّزه في الإيجاب أيضًا (4)، واستشهد لذلك بقوله تعالى : « يَغْفِرْ لَكُمْ
1) . نحو : إنّ زيدًا لطعامك آكلٌ .
2) . « من » لم يرد في المصدر .
3) . ينظر: الكتاب : 4 / 225 ؛ و معاني الحروف للرمانيّ : 97 ؛ و شرح التسهيل لابن مالك : 3 / 9 ؛ والمفصّل : 11 و 380 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 136 .
4) . و ممّن رأى زيادة « من » في الإيجاب الكسائيّ وابن جنّي وابن مالك. ينظر: معاني القرآن للأخفش : 272 ؛ و كتاب الشعر : 225 ؛ والمسائل البصريّات : 247 ؛ والمحتسب : 1 / 164؛ وشرح التسهيل: 3 / 9 و 10 ؛ والمفصّل : 11 و 380 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل: 2 / 136؛ والإنصاف : 1 / 310 ؛ وشرح الرضي على الكافية : 2 / 108 ، و 4 / 268 ؛ والمغني: 1 / 324 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 17.
مِنْ ذُنُوبِكُمْ » (1)، وسيجيء تحقيقه في باب حروف الجرّ إن شاء اللّه تعالى.
و يحتمل أن يكون « أَفْهَمُ » من صيغة المتكلّم، وتخصيصه بنفسه لاحتمال أن يكون بين الشرّاح في دلالة كلام المصنّف عليه كلام، وكانت مسلّمة عند الشارح، فنسب الدلالة إلى فهمه لذلك.
قوله : و لا على الخبر إذا دخلت على المعمول المتوسّط .
و ذلك لما مرّ من اجتماع التأكيدين .
قوله : لكونه فاصلاً بين الخبر والصفة (2).
أي : فارقًا بينهما؛ إذ قولك : « زيد هو العالم » يحتمل أن يكون لفظ « العالم » فيه صفةً ل- «زيد»، فينظر السامع إلى الخبر، كما يحتمل أن يكون خبرًا، فأتيت بالفصل للتنبّه (3)على أنّه خبرٌ، لا صفة، فيكون فارقًا بينهما.
هذا (1)عند البصريّين، وأمّا الكوفيّون فيسمّونه عمادًا؛ لاعتماد معنى الكلام عليه؛ إذ لو لم يكن لالتبس بالصفة كما مرّ، أو لكونه حافظًا لما بعده حتّى لا يسقط عن الخبريّة، كالعماد الحافظ للبيت من السقوط (2).
و يمكن ترجيح الاصطلاح الأوّل بأنّ المناسبة بين اللفظ والمعنى وإن لم يكن شرطًا عند المحقّقين، لكنّ الغالب ذلك .
إذا عرفت ذلك نقول : إنّ تسمية هذا الضمير بالفصل يستلزم المناسبة بين اللفظ والمعنى؛ لأنّ بالضمير قد حصل الفصل، و مراعات الشايع الأغلب أولى من عدمها؛ لأنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب .
هذا في توضيح العبارة .
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ في قوله : « لكونه فاصلاً بين الخبر والصفة » على إطلاقه نظر، أمّا أوّلاً فلأنّه كثيرًا ما يسمّى هذا الضمير بضمير الفصل مع أنّه غير فارقٍ بين الخبر والصفة، كقوله تعالى : « كُنْتَ أَنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ » (3)، و « إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ » (4)، و « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » (5)، و « إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرِّحِيمُ »(6)،
1) . جاء في حاشية « ص » : « أي : تسميته بضمير الفصل ».
2) . شرح الرضي على الكافية : 2 / 456 ؛ و ينظر المسألة في: الكتاب لسيبويه : 2 / 388 ؛ والارتشاف : 2 / 951 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 1 / 449 ؛ والإنصاف : 2 / 579 ؛ و حاشية الصبان على الأشموني : 1 / 262 ؛ و تصريح الشيخ خالد : 1 / 270 ؛ و همع الهوامع : 1 / 336 .
3) . سورة المائدة : 117 .
4) . سورة هود : 87 .
5) . سورة البقرة : 32 .
6) . سورة يوسف : 98 ؛ سورة القصص : 16 ؛ سورة الزمر : 53 .
و غير ذلك من الآيات و غيرها .
والضمير في هذه المذكورات غير فاصلٍ بين الخبر والصفة؛ لأنّ الفصل فرع الالتباس، و هنا مفقود؛ لأنّ الضمائر لا توصف، ولهذا عدل ابن هشام في المغني عن هذا التعبير، فقال:
و ذكر التابع أولى من ذكر أكثرهم الصفة؛ لوقوع الفصل في نحو : «كُنْتَ
أَنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ »، والضمائر لا توصف (1).
أقول : و فيه أيضًا نظر؛ لأنّه كما لا التباس في الآية الّتي ذكرها بين الصفة والخبر، كذا لا التباس بين التابع والخبر أيضًا؛ لأنّ لفظ « الرقيب » منصوب، فيعلم منه أنّه خبر، لا تابع، لكون التابع موافقًا مع المتبوع في إعرابه .
وكيف كان - سواء قلنا : إنّه فاصلٌ بين الصفة والخبر، أو بين التابع والخبر - إنّما يصدق ذاك (2)إذا وقع هذا الضمير بين المبتدأ والخبر، أو بين مفعولي « ظنّ »، وأمّا إذا وقع بين معمولي أفعال الناقصة والحروف المشبّهة بالفعل فلا، سواء قلنا: إنّ هذا الضمير فارقٌ بين الصفة والخبر، أو بين التابع، فلا تفاوة بينهما أصلاً؛ لوجود القرينة على عدم جواز كونه صفةً و لا تابعًا، و هي اختلاف الإعراب .
و تحقيق المقام هو أن يقال: إنّ الكلام في مثل أفعال الناقصة والحروف
المشبّهة بالفعل لا يخلو إمّا في السامع، أو الناظر، و على التقديرين إمّا مع ظهور الإعراب، أو عدمه، و على الأوّل لا التباس مطلقًا، سواء قلنا بين الصفة والخبر، أو التابع والخبر، فلا وجه لما ذكره ابن هشام في الآية المذكورة .
و أمّا مع عدم ظهوره و حينئذٍ اتّجه ما ذكره إذا أمكن كون لفظ « الرقيب » في الآية المذكورة تابعًا، لكنّه غير معلوم؛ لأنّه إذا كان تابعًا عن الضمير في «كنت» لا يخلو من أحد التوابع.
أمّا الصفة فمعلومٌ عدم جوازها كما صرّح به .
و أمّا البدل فكذلك؛ لأنّه لايبدل الظاهر من ضمير الحاضر بدل الكلّ من الكلّ، إلاّ بشرطٍ ليس موجودًا فيما نحن فيه .
و أمّا التأكيد فكذلك أيضًا؛ لأنّه إمّا معنويّ، أو لفظيّ، والأوّل بألفاظ معيّنة ليس المقام منها، والثاني بتكرير اللفظ، و ليس أيضًا .
و أمّا عطف النسق فواضح؛ لأنّه بإحدى الحروف العاطفة، و هنا مفقودة .
و أمّا عطف البيان فلأنّه مع قطع النظر عن كلّ شيء نقول : إنّ شرطه الجمود، ولفظ « الرقيب » مشتقّ، فحكمه بأحسنيّة ذكر التابع عن ذكر الصفة - من حيث إنّ الصفة غير ممكن الإرادة في الآية - لا وجه له؛ لما عرفت من عدم إمكان إرادة شيءٍ من التوابع غير الصفة فيها أيضًا .
و يمكن أن يقال : إنّ تسميته بضمير الفصل لكونه فاصلاً بين الخبر و الصفة، أو التابع في الجملة، وذلك فيما إذا وقع بين المبتدأ والخبر، أو غيره ممّا يقع فيه الالتباس، وهذا يكفي في وجه التسمية وإن كان في بعض المواضع لم يوجد فيه
التباس.
إن قلت : إطلاق القول في التباس الخبر بالصفة بين المبتدأ والخبر أيضًا ممنوع؛ لأنّ الخبر قد يكون نكرة والمبتدأ معرفة، فلا التباس في تلك الحالة .
قلت : هذا السؤال منشاؤه عدم الاطّلاع بما اشترطوا ما قبل ذلك الضمير وما بعده، وها أنا أذكرهما حتّى يعلم الجواب عن هذا الإيراد .
فأقول : إنّ فيما قبله شرطين :
أحدهما : أن يكون مبتدأ في الحال، كما في قولك : « زيدٌ هو القائم »، وقوله تعالى : «أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (1)، و غيرهما، أو في الأصل، كما تقدّم في الآيات المذكورة.
و عن الأخفش : تجويز (2)وقوعها (3)بين الحال و صاحبها، ك- : «جاء زيدٌ هو ضاحكًا» (4).
والشرط الثاني : أن يكون معرفة، كما تقدّم في الأمثلة المذكورة، و عن الفرّاء
وهشام : وقوعه بعد نكرة، نحو: « ما ظننت أحدًا هو القائم » (1).
و فيما بعده أيضًا شرطان :
أحدهما : أن يكون معرّفًا باللام - كما تقدّم في الأمثلة - أو اسمًا كالمعرّف باللام، كأفعل التفضيل إذا استعمل مع « مِن ».
وجه الشباهة بين أفعل التفضيل حينئذٍ و بين الاسم المعرّف باللام هو أنّ مخصّصَ الأوّل حرفٌ يقتضيها معنًى - أعني : « مِن » - فهي ملتبسة به ومتّحدة معه، كما أنّ مخصّص الثاني - و هو ذو اللام - حرفٌ متّحدة معه (2).
و لأنّ أفعل التفضيل إذا استعمل مع « مِن » يكون كالمعرّف بالألف واللام في أنّه كما لاتقبل الألف واللام الآخر، كذلك أفعل التفضيل، فإنّه إذا استعمل مع « مِن » لايقبل الألف واللام؛ لأنّ استعماله إمّا بالألف واللام، أو ب- «من»، أو بالإضافة، ولا يجتمع اثنان منهما في استعمال واحد (3). ومثال ذلك قوله تعالى : « إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَ وَلَدًا » (4).
و عن الجرجانيّ (1)أنّه جوّز كون ما بعد هذا الضمير فعلاً مضارعًا، و جعل منه قوله تعالى : « إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ » (2).
و جوابه: أنّ الضمير هنا ليس بفصل، بل مبتدأ، والفعل خبره، والجملة خبر « إنّ »، و مثله قوله تعالى : « وَ مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ » (3).
و عن الجزوليّ (4)أنّه أجاز وقوع هذا الضمير بين أفعلي التفضيل، نحو : « خير من زيد هو أفضل من عمرو ».
و عن بعضهم (5)تجويز وقوعه قبل « مثلك » و « غيرك »، نحو : « رأيت زيدًا هو مثلك و هو غيرك ».
و عن بعضهم (6)أيضًا تجويز وقوعه قبل المضاف إلى المعرفة، نحو : « إنّي أنا أخوك ».
و عن بعضهم (7)أيضًا تجويز وقوعه قبل العلم، نحو : « إنّي أنا زيد »، وهو ظاهر
1) . نقله عنه ابن هشام في المغني : 2 / 494 ؛ و قال : و تبع الجرجانيّ أبوالبقاء . و نسبه إلى المازني الرضيّ في شرحه على الكافية : 2 / 459 .
2) . سورة البروج : 13 .
3) . سورة فاطر : 10 .
4) . حكاه عنه الرضي في شرحه على الكافية : 2 / 459 .
5) . ينظر: شرح الرضي على الكافية : 2 / 459 .
6) . نقله عن البعض الرضيّ في شرحه على الكافية : 2 / 459 .
7) . نقله عن البعض الرضيّ في شرحه على الكافية : 2 / 459 .
ابن هشام في المغني (1)، نحو : « إنّي أنا زيد » .
و قال نجم الأئمّة و فاضل الأمّة - بعد نقل هذه الأقوال - :
والحقّ أنّ كلّ هذا ادّعاء، ولم تثبت صحّتها (2)ببيّنةٍ من قرآن أو كلام موثوق به . ونحو قوله تعالى : « إِنِّي أَنَا أَخُوكَ » (3)ليس بنصّ؛ إذ يحتمل أن يكون « أنا » مبتدأ، ما بعده خبره، والجملة خبر « إنّ ».
بلى لو ثبت في كلام يصحّ الاستدلال به نحو : «ما أظنّ أحدًا هو خيرًا منك»، و «كان خير من زيد هو أفضل من عمرو»، و «رأيت زيدًا هو مثلك أو غيرك»، [ و كان مثلك هو مثل زيد، و كنت أنا أخاك وظننتك أنت زيدًا ] (4)بنصب ما بعد صيغة الضمير المذكور في ذلك، لحكمنا بكونها فصلاً.
ولا تثبت (5)ذلك بمجرّد القياس، وإلغاء الضمير ليس بأمرٍ هيّن، فينبغي أن يقتصر على موضع السماع، ولم يثبت إلاّ بين معرفتين و (6)ثانيتهما ذات اللام، أو بين معرفة و نكرة و (7)هي أفعل التفضيل، كما ذكره (8)
والشرط الثاني : أن يكون ما بعده خبرًا في الحال أو في الأصل، و قد تقدّمت الأمثلة .
و حيث قد جرّ الكلام إلى ذكر ما يعتبر فيما قبل هذا الضمير و ما بعده، فينبغي أن نختم المقام بالكلام فيه وأقول: إنّ الكلام فيه يقع في مقامات:
الأوّل : في ذكر ما يعتبر في نفسه .
والثاني : في فائدته .
والثالث : في أنّه هل له محلّ من الإعراب، أم لا ؟
أمّا الأوّل فنقول : إنّ المعتبر في نفسه أيضًا شيئان :
أحدهما : كونه بصيغة ضمير المرفوع، فلا يقال : زيد إيّاه الفاضل، وأنت إيّاك الكاتب . وأمّا: «إنّك إيّاك الفاضل»، فجائزٌ عند البصريّين على البدل، وعند الكوفيّين على التوكيد (1).
والأمر الثاني ممّا يعتبر في نفس الضمير هو أن يكون ذلك الضمير مطابقًا لما بعده في الإفراد والتذكير و فروعهما، والتكلّم والخطاب والغيبة، فلا يقال : زيدٌ هما القائم، و لا : هندٌ هو القائم، و لا : الزيدان هو القائم، و لا : زيدٌ أنت القائم، ولا : إنّك هو الفاضل، وهكذا.
بل يجب أن يكون مطابقًا لما قبله، فإن كان مفردًا أو مثنّى أو مجموعًا، مذكّرًا أو مؤنّثًا، فكذلك الضمير أيضًا (2).
أمّا المقام الثاني فنقول: إنّ فائدته ثلاث :
الأولى : ما تقدّم من كونه فارقًا بين الصفة والخبر .
والثانية : التأكيد؛ لأنّ معنى قولك : « زيدٌ هو القائم » زيدٌ نفسه القائم، فيفيد التأكيد في الحكم المذكور .
وما أورده ابن الحاجب - على ما حكي عنه (1)- من: (أنّ المراد من التأكيد إمّا لفظيّ أو معنويّ، وكلاهما غير صادق في المقام، أمّا الأوّل فظاهر؛ لأنّه إعادة اللفظ بعينه، وهنا ليس كذلك، وأمّا الثاني فلأنّه بألفاظ محصورة ليس المقام منها). فضعفه ظاهر؛ لأنّ المراد من التأكيد في المقام ليس التأكيد الّذي هو أحد التوابع، بل المراد من التأكيد كالتأكيد الّذي في قولهم : « انّ واللام للتأكيد »، أي: تأكيد الحكم الّذي مدلول مدخولهما.
والثالثة : الحصر .
و هذه الفوائد الثلاث قد تجتمع في محلٍّ واحد، كما في قوله تعالى : « أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » (2)، فإنّ فائدته الإعلام بأنّ ما بعده خبر لا صفة، والتأكيد والحصر، وقد تفترق كما في قوله تعالى : « إنِّي أَنَا اللّهُ »(3)، و قوله تعالى : « إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ » (1)، و « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » (2)، و « كُنْتَ أَنْتَ الرَقِيبَ »(3)، فإنّ فائدة الضمير في هذه الآيات الحصر والتأكيد، لا الإعلام بأنّ ما بعده خبر لا صفة؛ إذ احتمال الصفة هنا مدفوع؛ لما عرفت من أنّ الضمائر لا توصف .
وأمّا المقام الثالث، فاعلم: أنّه قد وقع الخلاف بينهم في أنّه هل له محلّ من الإعراب، أم لا ؟
ويتفرّع عليه أنّه اسم أو حرف، فذهب البصريّون إلى أنّه لا محلّ له، ثمّ نقل عن أكثرهم: أنّه حرف، و هو مناسبٌ لقولهم بعدم المحلّ له؛ لأنّ الحرف لا محلّ له من الإعراب (4).
و عن الخليل : أنّه اسم (5).
1) . سورة يوسف : 98 ؛ سورة القصص : 16 ؛ سورة الزمر : 53 .
2) . سورة البقرة : 32 .
3) . سورة المائدة : 117 .
4) . ينظر: الكتاب لسيبويه : 2 / 390 و 391 ؛ و مغني اللبيب : 2 / 496 ؛ والارتشاف: 1 / 958؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 1 / 448 ؛ و شرح التسهيل : 1 / 169 ؛ والحدائق النديّة: 475 .
5) . ينظر رأي الخليل في: المغني : 2 / 498 ؛ و شرح الجمل لابن عصفور : 2 / 65 ؛ والمساعد : 1 / 122 ؛ والهمع : 1 / 68 .
و فيه إشكال؛ لأنّ الاسم الواقع في التركيب لابدّ له من محلّ من الإعراب، وهذا الإشكال وارد في أسماء الأفعال أيضًا.
هذا عند البصريّين، وأمّا الكوفيّون فالمحكيّ عنهم أنّهم يجعلون له محلاًّ من الإعراب ويقولون هو تأكيد لما قبله، فإنّ ضمير المرفوع قد يؤكّد به المنصوب والمجرور، كما تقول: « ضربتك أنت »، و «مررت بك أنت» (1).
و فيه نظر؛ لأنّه على فرض التسليم إنّما يصحّ إذا كان ما قبله ضميرًا، وأمّا إذا لم يكن - كقولك: « كان زيدٌ هو القائم » - فلا؛ لأنّ المضمر لا يؤكّد به المظهر.
وحكى ابن هشام عن الكسائيّ أنّه قال :
محلّه بحسب ما بعده (2).
وفيه أيضًا نظر؛ لأنّا لم نر اسمًا يتبع ما بعده في الإعراب، و به صرّح نجم الأئمّة أيضًا (3)، فيكون محلّه بين المبتدأ والخبر الرفع، و بين مفعولي «ظنّ» النصب عند الجميع، وأمّا بين معمولي أفعال الناقصة رفع عند الكوفيّين، ونصب عند الكسائيّ، وعكس ذلك بين معمولي « انّ » (4).
و يمكن ترجيح القول بالحرفيّة بناءً على ما عرفت من أنّ فائدته دفع التباس
الخبر الّذي بعده بالوصف، و هو معنى الحرفيّة - أعني : إفادة المعنى في غيره - فيكون حرفًا، و كونه اسمًا في وقت لا ينافيه .
و نحوه كاف الخطاب، فإنّه كان اسمًا في وقت، لكن لمّا تجرّد عن معنى الاسميّة و طرى عليه معنى الحرفيّة - أعني : إفادة المعنى في غيره (1)- صار حرفًا، وتلك الفائدة كون اسم الإشارة الّذي قبله مخاطبًا به واحد أو مثنّى أو مجموع، مذكّر أو مؤنّث، مع التنبيه على أنّ المشار إليه باسم الإشارة بعيد، أو متوسّط، على
الخلاف الّذي بينهم (2).
إن قلت : إنّ دلالة هذه الصيغة على معنى في الغير مسلّم، لكن نمنع كون كلّما دلّ على معنى في غيره حرفًا، ألا ترى أنّ أسماء الاستفهام وكذا أسماء الشرط تدلّ كلّ واحدة منهما على معنى في الغير مع أنّهما أسماء .
قلت : تحقيق ذلك هو أنّ الحرف ما لا يدلّ إلاّ على معنى في الغير - كما صرّح به نجم الأئمّة في حدّ الحرف (3)- و على هذا نقول : إنّ أسماء الاستفهام والشرط وإن دلّ كلّ واحدة منهما على معنى في الغير، لكن دلّ على معنى فيه أيضًا، ولأجل ذلك صار اسمًا، وما نحن فيه من قبيل الأوّل، لا الثاني، كما يظهر عند التأمّل.
اعلم : أنّ الأصل في كلّ لفظ أن يكون مستعملاً في معناه، والحكم بلغويّة اللفظ ولو من بعض الوجوه خلاف الأصل .
و على هذا نقول : إنّه إنّما يتعيّن فصليّة هذه الصيغة إذا كانت بعد اسم ظاهر وكان ما بعدها منصوبًا، نحو : « كان زيد هو المنطلق »، أو إذا دخلها لام الابتداء وانتصب ما بعدها وإن كانت بعد مضمر، نحو : « كنت لأنت الكريم ».
يتعيّن في الموضعين أن يكون فصلاً؛ لعدم إمكان الحكم بكونها مبتدأ في الأوّل؛ لانتصاب ما بعده، وكونها تأكيدًا؛ لأنّ المظهر لا يؤكّد بالمضمر، ولعدم إمكان كونها في الثاني تأكيدًا؛ لأنّ التأكيد - كما صرّح به نجم الأئمّة (1)- لا تدخل عليه اللام .
و أمّا إذا كان بعد اسم ظاهر و كان ما بعدها مرفوعًا، كقولك : « زيدٌ هو القائم »، فلم يجب فيه الحكم بكونه فصلاً، بل لم يجز ذلك؛ لجواز كونه مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر « كان ».
1) . صرّح به في شرحه على الكافية : 2 / 462 .
وكذا إذا كان قبلها ضميرًا ولم يدخل اللام على هذه الصيغة؛ لجواز كونها مؤكّدًا للضمير المذكور، فإنّه قد يؤكّد المتّصل بالمنفصل المرفوع، وعلى هذا قوله : « إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ » (1)لايجوز أن يكون تأكيدًا؛ لوجود اللام، لكن لايتعيّن الفصليّة أيضًا؛ لجواز كون : « لأنت » مبتدأ، « الحليم » خبره، والجملة خبره، بل هذا متعيّن؛
لما عرفت .
لكن نقل عن بعض العرب (2)أنّه يجعل هذه الصيغة مبتدأ دائمًا، و لا ينصب ما بعده ولو في باب : « ظنّ » و « كان » و « ما » الحجازيّة، كما روي عن قراءةٍ غير القرّاء السبعة (3): « وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَالِمُونَ » (4)، بناءً على أنّ « هم » مبتدأ، و « الظالمون » خبره، والجملة خبر « كان ».
و كذا في قوله تعالى : « إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلُّ »(5)بالرفع .
1) . سورة هود : 87 .
2) . نقله عن بعض العرب ابن الحاجب في الكافية، ينظر: شرح الرضي على الكافية : 2 / 463 .
3) . مثل : عبداللّه بن أبي إسحاق و أبي زيد النحويان وأبي مسعود. ينظر: الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبيّ : 16 / 115 ؛ و تفسير البحر المحيط : 8/ 27 ؛ و تفسير الآلوسيّ : 25 / 102 ؛ والمحرّر الوجيز : 64 .
4) . سورة الزخرف : 76 ؛ « وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ »، قرأ الجمهور « الظالمين » بالنصب، على أنّه خبر « كان ».
5) . سورة الكهف : 39 .
و كذا قوله عليهالسلام : « كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللّذان يهوّدانه أو ينصّرانه » (1)
كتاب من لا يحضره الفقيه: 2 / 49 ح 1668.
، على الاحتمالات الثلاث :الأوّل : أن يكون « أبواه » اسم ليكون، و « هما » مبتدأ، « اللّذان يهوّدانه » خبره، والجملة خبر « كان » .
والثاني : أن يكون ضمير الشأن في « يكون » اسمًا له .
والثالث : أن يكون في الفعل الناقص ضميرٌ يعود إلى « المولود »، و « أبواه » مبتدأ، والجملة خبره، والمجموع خبر « يكون ».
و روي : « حتّى يكون أبواه هما اللّذين »، و على هذا يتعيّن أن يكون « هما » فصلاً (2).
قوله : أي لتقدّم « إنّ » في أحد الجزئين .
هذا دليلٌ على أنّ اللام الزائدة في قوله : « لممّا أحقر » (3)
إنّ الخلافة بعدهم لدميمة *** و خلائف ظُرَفٌ لَمِمّا أحقر
قاله حميد بن ثور الهلاليّ، والبيت في شرح ألفية ابن مالك لابن الناظم : 66 ؛ و شرح الشواهدللعينيّ، المطبوع مع حاشية الصبان : 1 / 280 ؛ والتبيان للشيخ الطوسي : 9 / 246 ؛ وجامع البيان للطبريّ : 25 / 182 ؛ وتفسير الآلوسيّ : 25 / 139 .
أحسن ما زيدت .1) . رواه أحمد في « مسنده : 2 / 346 » عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال : « ما من مولود يولد» إلى آخره. وفي الفقيه: و روى فضيل بن عثمان الأعور عن أبي عبداللّه عليهالسلام أنّه قال : « ما من مولود يولد إلاّ على الفطرة، فأبواه اللّذان يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه » إلى آخره
2) . ينظر: شرح الرضي على الكافية : 2 / 463 .
3) . في قوله :
و ذكر لفظة « أي » في قوله : « أي لتقدّم إنّ » للتنبيه على أنّ ما بعده من كلامه، لا من ابن الناظم .
قوله : الزائدة .
التقييد بالزيادة للتنبيه على أنّها لو لم تكن زائدة لم تبطل عملها، كقوله تعالى: « إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ » (1)عند مَن رفع « الميتة »، كالمحكيّ عن أبي رجاء العطارديّ (2)، فإنّ لفظة « ما » حينئذٍ موصولة، و « إنّ » عاملة فيه، والعائد محذوف، أي : إنّ الّذي حرّم اللّه تعالى عليكم هو الميتة .
وكذا في قوله تعالى : « إِنَّمَا عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ »(3)إذ يصدق أنّ «ما» متّصلة ب- «إنّ»، مع أنّها عاملة؛ لعدم كون لفظة « ما » في الآية زائدة، بل اسم باتّفاق.
و كذا في قوله تعالى : « وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للّهِِ خُمُسَهُ » (4)، وغير ذلك من الآيات .
ثمّ إنّ المشهور بينهم أنّ « ما » هذه حرف، و عن درستويه : أنّها (5)اسم مبهم
بمنزلة ضمير الشأن في الإبهام، وأنّ الجملة بعده مفسّرة له، أو مخبر بها عنه (1).
وفيه نظر؛ لأنّ لفظة « ما » لا تصلح للابتداء بها، ولا لدخول ناسخ غير « انّ » وأخواتها عليها، فلو كانت اسمًا بمنزلة ضمير الشأن ينبغي أن يصحّ الابتداء به، ولجاز أن يدخل عليه غير « انّ » و أخواتها من النواسخ، فتأمّل .
قوله : لزوال اختصاصها بالأسماء .
و فيه نظر؛ لأنّه إنّما يصحّ إذا كان عمل هذه الحروف لأجل اختصاصها بالأسماء فقط، وليس كذلك، و قد تقدّم أنّ لهذه الحروف شباهة بالفعل من وجوه متعدّدة، من جملتها : اختصاصها بالأسماء، و فقده بسبب وصل « ما » بها لا يستلزم فقد غيرها من وجوه الشباهة، إلاّ أن يدّعى أنّ عمل هذه الحروف إنّما هو لأجل اجتماع مجموع ما تقدّم من وجوه الشباهة، و مع فقد البعض يبطل العمل؛ لانتفاء جزء شرط العمل، لكنّه دعوى مجرّدة عن الدليل .
ألا ترى أنّ « ما » النافية تعمل عمل « ليس » مع أنّها تشبه « ليس » من جهة واحدة، وهي: إفادتها النفي، فليكن في المقام أيضًا وجود شيء منها كاف في العمل وإن لم يجتمع الجميع، فالأولى الاستناد في مثل ذلك على الاستعمالات والمحاورات.
قوله : و قس عليه الباقي .
أي : الباقي من الحروف المشبّهة بالفعل غير « ليت »، فتقول : «إنّما زيدٌ قائمٌ»،و «لعلّما زيدٌ قائم»، و «كأنّما زيدٌ قائم»، وهكذا.
1) . ينظر: مغني اللبيب : 1 / 307 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 4 / 338 .
قوله : و روي بالوجهين .
أي: الإعمال والإهمال، و يظهر أثرهما في لفظ « الحَمام » (1)
قالت ألا لَيْتَما هذا الحَمَام لنا *** إلى حَمامتنا أو نصفه فقد
والبيت في ديوانه : 16 ؛ والكتاب لسيبويه : 2 / 137 ؛ والإنصاف : 2 / 393 ؛ و شرح الرضيّ على الكافية : 4 / 338 ؛ و أوضح المسالك : 68 ؛ و شرح قطر الندى : 151 ؛ و مغني اللبيب : 1 / 286 و 308 ؛ و شرح شواهد المغني : 2 / 690 ؛ و شرح ابن عقيل : 1 / 374 ؛ و همع الهوامع : 1 / 519 ؛ و شرح التصريح للأزهريّ : 1 / 317 ؛ والخصائص : 2 / 460 ؛ والمقاصد للعينيّ : 2 / 254 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 157 ؛ و خزانة الأدب : 10 / 272 ؛ و جامع الشواهد : 2 / 260 .
قوله : و قيل : على محلّها مع اسمها .
والقائل الجزوليّ والزمخشريّ (2)، و كان الباعث لهما على ذلک هو أنّه لو كان معطوفًا على محلّ اسم « إنّ » فقط، يكون هو فقط مرفوع المحلّ، فيكون هذا الاسم بالنظر إلى محلّه مبتدأ، و هو غير جائز؛ لأنّ المبتدأ على ما مرّ هو الاسم
المجرّد عن العوامل اللفظيّة، واسم « انّ » ليس بمجرّد عنها .
و فيه نظر؛ لأنّه لو كان معطوفًا على محلّ « إنّ » واسمها، يكون مجموعهما مبتدأ، و هو غير جائز؛ لأنّ المبتدأ كما مرّ هو الاسم المجرّد، و معلومٌ أنّ مجموع «انّ » واسمها ليس اسمًا، و عدم تجرّد اسم « إنّ » عن العوامل مسلّم، لكنّه مع ملاحظة النصب، وأمّا مع ملاحظة الرفع فإنّ العامل كالمتقدّم بالنسبة إليه .
فالأولى على القول بالعطف حينئذٍ (1)إنّما هو القول الأوّل، و هو كونه معطوفًا
على محلّ اسم « إنّ » فقط؛ لأنّه كان مرفوعًا قبل دخول « إنّ » عليه، و بعد دخولها وإن صار منصوبًا لفظًا، لكنّها لمّا كانت غير مغيّرة لمعنى الجملة أصلاً، بل إنّما تفيد تأكيد معناها، كان وجودها كعدمها، فيبقى اسمها المنصوب لفظًا مرفوعًا محلاًّ، فيعطف عليه بالرفع بالنظر إلى ذلک المحلّ.
وأمّا كون « إنّ » مع اسمها مرفوع المحلّ، فليس عليه دليل، كما لا يخفى، مع أنّک قد عرفت أنّ مجموع « إنّ » واسمها ليس اسمًا، ومعلومٌ أنّ المبتدأ لا يكون إلّا اسمًا، كما مرّ.
قوله : ولا يجوز العطف بالرفع قبل استكمال الخبر .
أو قبل كمال « انّ » مع خبرها؛ و ذلک لأنّه لو رفع المعطوف على الاسم حينئذٍ يلزم توارد العاملين في معمولٍ واحد .
1) . جاء في حاشية « ص » بخطّه 1 : « أي : بعد مضيّ الخبر ».
بيانه: هو أنّه لو قيل : « إنّ زيدًا وعمرو قائمان »، لكان « قائمان » خبرًا عن «إنّ» و « عمرو »، و معلومٌ أنّ رفع « عمرو » بالابتدائيّة، فاجتمع العاملان في معمول واحد.
وأيضًا لو قيل : « إنّ زيدًا ] قائمٌ [ و عمرو » بالرفع، لكان « عمرو » عطفًا على المحلّ، وقد مرّ أنّ شرط جواز العطف على المحلّ وجود المقتضي لذلک المحلّ، وهنا ليس كذلک؛ لأنّ المقتضي للرفع هو الابتدائيّة، و قد زالت بدخول « إنّ »؛ لأنّه قد اشتهر حتّى خرق الأسماع أنّ من النواسخ للمبتدأ الحروف المشبّهة بالفعل ومنها: « إنّ »، و ناسخ الشيء مزيله، و لا يخفى أنّ مقتضى الدليل الأخير عدم جواز الرفع في المعطوف على الاسم مطلقًا وإن كان بعد مضيّ الخبر، و نحن نقول به.
وأمّا ما يتوهّم منه الجواز فمحمولٌ على خلافه؛ لعدم صراحته في ذلک، وسنشير إلى بعضٍ منه، فانتظر.
و يمكن أن يقال : إنّ الناسخ على قسمين: قسمٌ يرفع حكم المبتدأ و معناه، ك- : «ليت» و «لعلّ» و «كأنّ»، و قسمٌ يرفع حكم المبتدأ فقط، ك-: «إنّ» مثلاً، فإنّها وإن رفعت حكم المبتدأ، إلّا أنّ المعنى على حاله، و إنّما أفادت « إنّ » التأكيد لذلک المعنى، فعلى هذا زوال مقتضى المحلّ مطلقًا ممنوع، ولعلّه لهذا لم يجوّزوا العطف بالرفع في «ليت» و « لعلّ » و « كأنّ » مطلقًا وإن كان بعد مضيّ الخبر، فتأمّل.
و بالجملة : القولُ بكون المرفوع مبتدأ، حذف خبره لدلالة خبر « إنّ » عليه كان أظهر، فيكون التقدير في مثل : « إنّ زيدًا قائمٌ و عمرو »، أي : و عمرو كذلک، فهو حينئذٍ من قبيل عطف الجملة، فلا محلّ لها من الإعراب؛ لكون المعطوف عليها
كذلک .
و هكذا في قول الشاعر :
إنّ النبوّة والخِلافة فيهم *** والمَكْرُمات و سادةٌ أطْهَار (1)
أي : والمكرمات كذلک، أي : فيهم .
وقال ابن الناظم :
يجوز أن يكون المعطوف في أمثال هذا معطوفًا على الضمير (2).
قلت : مراده أمّا في مثل : « إنّ زيدًا قائمٌ و عمرو »، فواضح، و هو كون «عمرو» معطوفًا على الضمير في المشتقّ، و أمّا في مثل البيت المذكور فمراده أنّ المعطوف عطفٌ على الضمير المستكن في الظرف.
لكن يرد عليه : أنّ اللازم على هذا هو العطف على الضمير المستتر المتّصل بدون التأكيد، أو الفصل، و هو إمّا غير جائز، أو ضعيف، فتأمّل .
1) . ينسب البيت إلى جرير وليس في ديوانه، ينظر: الكتاب لسيبويه : 2 / 145 ؛ والمفصّل :393؛ و شرح المفصّل لابن يعيش : 8 / 66 ؛ والمقاصد النحويّة : 2 / 263 ؛ والبسيط فيشرح الكافية : 2 / 569 . و نسبه الفراهيديّ إلى الفرزدق برواية : « وسادة أبطالا »، ينظر :الجمل في النحو : 1 / 130 . و بلا نسبة في شرح ألفيّة ابن مالک لابن الناظم : 67 ؛ و شرحالتسهيل : 1/429 .
2) . شرح ألفيّة ابن مالک : 67 .
قوله : و أجازه الكسائيّ مطلقًا .
أي : سواء كان الإعراب في اسم « إنّ » خفيًا أو ظاهرًا، والفرّاء بشرط خفاء إعراب الاسم (1).
و ذلک مبنيّ على ما مرّ من عدم الاشتراط في جواز العطف على المحلّ وجود المقتضي، و من عدم عمل « إنّ » في الخبر عندهما .
بل يقولان (2): هو مرفوع بما كان قبل « إنّ »، واستدلّا على جواز هذا العطف بقوله تعالى في سورة المائدة: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَ عَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (3)؛ لأنّ قوله تعالى : ( وَالصَّابِئُونَ ) مرفوعٌ مع كونه معطوفًا على اسم «إنّ» قبل مضيّ الخبر، و بقولهم : « إنّک و زيدٌ ذاهبان » (4).
1) . ينظر مذهبهما في: الإنصاف : 1 / 151 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 4 / 356 ؛ و مغنياللبيب : 2 / 474 ؛ و شرح التسهيل : 1 / 432 ؛ والبسيط في شرح الكافية : 2 / 574 .
2) . أي : الكسائي والفرّاء .
3) . سورة المائدة : 69 .
4) . ينظر: الإنصاف : 1 / 151 ؛ و شرح الرضي على الكافية : 4 / 355 ؛ و شرح المفصّل لابنيعيش : 8 / 69 ؛ والبسيط في شرح الكافية : 2 / 574 ؛ و مغني اللبيب : 2 / 474 ؛والإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 174 .
و أجيب أمّا عن الآية فبوجوه :
[ الوجه الأوّل ]
الأوّل : أنّ قوله : ( وَالصَابِئُونَ ) مرفوعٌ على الابتدائيّة، و خبره محذوف؛ لدلالة خبر ( إنّ ) عليه، والتقدير : إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم، والصابئون أيضًا كذلک (1).
و هو وإن كان مقدّمًا على خبر ( إنّ )، لكنّه بنيّة التأخير، والنكتة في تقديمه هي التنبيه على أنّ الصابئين - أي الّذين خرجوا عن الأديان كلّها - يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم بطريق أولى (2).
[ الوجه الثاني ]
والثاني : هو أنّ خبر ( إنّ ) محذوف، قوله : ( والصابئون ) مبتدأ أيضًا، و( النصارى ) عطف عليه، و « مَن » في : ( و مَن آمن ) مبتدأ ثان، أو بدل من «الصابئين » بدل بعض من كلّ، ( فلا خوف عليهم ) خبره، و دخول الفاء لتضمّن
المبتدأ معنى الشرط، والجملة خبر للمبتدأ الأوّل، والعائد محذوف، والتقدير : إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا مأجورون أو مغفورون، و هكذا الصابئون والنصارى من آمن منهم بالله، الآية (1).
و على التقديرين يكون عطف الجملة على الجملة، لكن على التقدير الأوّل يلزم تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها .
[ الوجه الثالث ]
والثالث: هو أنّه ليست ( إنّ ) في الآية للتأكيد، بل حرف إيجاب بمعنى «نعم »، ( والّذين ) مبتدأ، ( والصابئون ) عطف عليه، و ( مَن آمن ) إمّا بدلٌ من ( الّذين ) و ما عطف عليه، أو مبتدأ ثان على ما مرّ (2).
[ الوجه الرابع ]
والرابع : هو أنّ قوله : ( والصابئون ) منصوبٌ معطوفٌ على اسم ( إنّ )، والنصب كما جوّز (3)بالياء جوّز بالواو، كذا قيل (4).
1) . ينظر: مغني اللبيب : 2 / 474 ؛ والبسيط في شرح الكافية : 2 / 573 ؛ و تفسير الآلوسي :6/ 202 .
2) . ينظر: البسيط في شرح الكافية : 2 / 573 ؛ و تفسير البيضاوي : 2 / 137 ؛ والإتقان فيعلوم القرآن : 1 / 541 .
3) . في « م » : جوّزنا .
4) . ينظر: تفسير البيضاويّ : 2 / 137 ؛ والإتقان في علوم القرآن : 1 / 541 ؛ والتبيان فيإعراب القرآن لأبي البقاء العكبريّ : 131 ؛ وإملاء ما منّ به الرحمن : 1 / 221 .
إن قلت : معنى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) ثمّ ( مَنْ آمَنَ )، أيّ شيء هو ؟
قلت : أمّا على تقدير أن يكون خبر ( إنّ ) محذوفًا على ما مرّ فظاهر، وأمّا على غيره فيحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى : ( إَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) المنافقين الّذين آمنوا باللسان، و من قوله : ( مَنْ آمَنَ ) الّذين آمنوا باللسان والجنان بحيث لم يدخل فيهم ريبة (1).
وأمّا الجواب عن المثال المذكور، فلأنّ « زيد » فيه معطوفٌ على مبتدأ محذوف تقديره : « إنّک أنت و زيدٌ ذاهبان »، فأنت مبتدأ، و « زيدٌ » عطف عليه، و«ذاهبان » خبرهما، والجملة خبر ل- «إنّ».
قوله : بشرط تقدّم « علم » عليها .
والظاهر أنّ هذا الشرط لأجل كون « علم » من أفعال القلوب يحتاج إلى مفعولين، فإذا وقعت « أنّ » المفتوحة بعدها تكون هي مع (2)ما بعدها بتأويل
الجملة، لتكون صالحةً ليسدّها مقام المفعولين، فأشبهت « إنّ » المكسورة في كون بعدها جملة، فيثبت لها حكمها، بخلاف ما إذا لم تقع بعد « علم »، فإنّها حينئذٍ مع
معمولها بتأويل المفرد، فلم يثبت لها حينئذٍ حكم المكسورة؛ لعدم المشابهة.
و هذا الشرط مع إجرائهم « لكنّ » كالمكسورة و عدم تجويزهم في سائر أخواتها قرينةٌ على أنّ تجويزهم هذا العطف فيما جوّزوه لأجل بقاء معنى الابتداء، و كذا عدم تجويزهم فيما لم يجوّزوه لأجل عدم بقائه .
قوله : كقوله :
و إلّا فاعلموا أنَّا و أنتم *** بُغَاةٌ ما بَقِينَا في شِقَاق (1)
أقول : و حيث قد احتجنا إلى ذكر هذا البيت، فلا بأس بصرف الهمّة إلى توضيح معناه و تركيبه، ثمّ الإشارة إلى المطلوب، فأقول : هذا البيت لبشر بن أبي خازم -بالخاء والزاء المعجمتين - على ما قيل (2)، و قبله :
إذا جزّت نواصي آل بدر *** فأدّوها و أسرى في الوثاق
اللغة : « الجزّ » هو القطع، يقال : جززت الصوف أجزّه جزًّا : إذا قطعته، وأخذته
1) . البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي في ديوانه : 165 ( تحقيق : عزة حسن - دمشق )، و فيه :«ما حيينا » مكان « ما بقينا » . واستشهد سيبويه به في الكتاب : 2 / 156 على العطف علىمحلّ اسم المكسورة بتقدير حذف الخبر من الأوّل . و ينظر: الإنصاف : 1 / 154 ؛ و شرحالرضي على الكافية : 4 / 351 ؛ و شرح التسهيل : 1 / 432 ؛ و شرح المفصّل لابن يعيش :8/ 69 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 177 ؛ و شرح التصريح : 1 / 228 ؛ والمقاصدالنحويّة : 2 / 271 ؛ والبسيط في شرح الكافية : 2 / 569 ؛ و خزانة الأدب : 10 / 315و320 ؛ و جامع الشواهد : 3 / 97 .
2) . ينظر: ديوان بشر بن أبي خازم الأسديّ : 165 ( تحقيق : عزة حسن - دمشق )، والإنصاف :1/ 154 ؛ و شرح أبيات سيبويه لابن السيرافيّ : 2 / 14 ؛ و خزانة الأدب : 10 / 319 .
بالمِجَز - بكسر الميم و فتح الجيم (1).
« النواصي » جمع : ناصية، و هي قصاص (2)الشعر فوق الجبهة (3).
و « أدّوا » من التأدية والأداء، يقال : « أدّى الأمانة إلى أهلها »، أي : أوصلها، ومنه قوله تعالى : ( وَ أَدَاءٌ إِلَيْهِ ) (4)، أي : إيصال (5).
و « أسرى » جمع : أسير، و جمعه أيضًا : أسارى، كسكرى و سكارى، كما في المجمع (6).
و « الوثاق » هو حبلٌ أو قيدٌ يشدّ به الأسير والدابة (7).
« البُغاة » - بضمّ الباء الموحّدة - أي : طلبة، جمع : باغ، بمعنى : طالب، كما في المجمع (8).
و قيل : إنّ الظاهر أنّ « البغاة » جمع : باغ، من البغي، بمعنى : الظلم والعدوان (9).
1) . ينظر: المصباح المنير : 2 / 99 ؛ و مجمع البحرين : 4 / 9 .
2) . جاء في حاشية « ص » : « القصاص مثلّث القاف، أي : بضمّ القاف وفتحها وكسرها ؛ منه ».
3) . مجمع البحرين : 1 / 417 .
4) . سورة البقرة : 178 .
5) . مجمع البحرين : 1 / 23 .
6) . مجمع البحرين : 3 / 207 .
7) . ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر : 5 / 151 ؛ و لسان العرب : 10 / 371 ؛ و مجمعالبحرين : 5 / 244 .
8) . مجمع البحرين : 1 / 55 .
9) . ينظر: النهاية لابن الأثير : 1 / 143 ؛ و تفسير الآلوسيّ : 6 / 201 .
« الشقاق » : العداوة والخلاف، كما في المجمع أيضًا (1)، ومنه قوله تعالى :
(لاَيَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي ) (2)، أي : عداوتي .
التركيب : « و إلّا » أصله : وإن لا تفعل، أدغمت النون في اللام بعد حذف فعل الشرط. « فاعلموا » جواب الشرط، جملة إنشاء، ولهذا دخلت عليه الفاء . «أنّا» حرف التأكيد، « و أنتم » معطوفٌ على الاسم؛ إذ أصل « أنّا » : أنّنا، حذفت إحدى النونين للتخفيف . « بُغاة » يحتمل أن يكون خبرًا لقوله : « و أنتم »، و خبر «إنّ» محذوفٌ؛ لدلالة السياق، أي : أنّا بُغاة وأنتم كذلک، كما في قول الشاعر :
نَحنُ بِما عِندَنَا وَ أَنْتَ بِمَا *** عِنْدَکَ رَاضٍ وَالرَأيُ مُخْتَلفٌ (3)
1) . مجمع البحرين : 5 / 194 .
2) . سورة هود : 89 .
3) . البيت لقيس بن الخطيم بن عدي الأوسيّ الأنصاريّ في ملحق ديوانه : 239، وتلخيصالشواهد : 205، والدرر : 5 / 314، والكتاب : 1 / 73، والمقاصد النحويّة : 1 / 557.ولعمرو بن امرئ القيس الأنصاريّ الخزرجيّ في مجاز القرآن : 1 / 39 ؛ و جمهرة أشعارالعرب : 237 ؛ والدرر : 1 / 147 ؛ و شرح أبيات سيبويه : 1 / 279 ؛ و شرح شواهدالإيضاح : 128؛ و خزانة الأدب : 4 / 255 ؛ ولسان العرب : 5 / 46 . و عزاه في « الإنصاف :1 / 79 » إلى درهم بن زيد الأنصاريّ . و هو بلا نسبة في معاني القرآن للفرّاء : 1 / 434 ؛والمقتضب : 4 / 73 ؛ و أمالي ابن الشجري : 1/ 296 ؛ و شرح التسهيل : 1 / 64، 431 ؛ومغني اللبيب : 2 / 622 ؛ والهمع : 2/ 109 ؛ والمقتضب : 3 / 112، 4 / 73 ؛ والإيضاح فيشرح المفصّل : 1 / 133 و 393 و2/ 177 ؛ والبسيط في شرح الكافية : 1 / 300 ؛ والأشباهوالنظائر: 1 / 51، 2 / 50، 3 / 198، 4 / 89، 186 ؛ و أمالي ابن الحاجب : 2 / 726 ؛وشرح ألفية ابن مالک لابن الناظم : 47 ؛ و خزانة الأدب : 10 / 318 ؛ و شرح ابن عقيل : 1 /244 ؛ و لسان العرب : 3 / 360 .قال البغدادي في « خزانة الأدب 4 / 261 » : و عرف من إيرادنا لهذه القصائد ما وقع منالتخليط بين هذه القصائد، كما فعل ابن السيّد واللّخميّ في شرح أبيات الجمل، وتبعهما العينيّوالعبّاسيّ في شرح أبيات التلخيص، فإنّهم جعلوا ما نقلنا من شعر قيس بن الخطيم مطلعالقصيدة، ثمّ أوردوا فيها البيت الشاهد، و هو: الحافظو عورة العشيرة، والشاهد الثاني وهو :«نحن بما عندنا وأنت بما عندک راض»، والحال أنّ هذين البيتين من قصيدة عمرو بن امرئالقيس. انتهى.
أي : نحن بما عندنا راضون .
و « ما » في : « ما بقينا » مصدريّة، أي : مدّة بقائنا، فيكون في محلّ النصب، متعلّقٌ بقوله : « بُغاة » أو « في شقاق »، و هو خبرٌ بعد خبر، و يحتمل أن يكون خبرًا ل-: «أنّا».
والظاهر أنّ ذكر البيت هنا مبنيّ على هذا التقدير، أي : لأجل كون «وأنتم» مؤخّرٌ عن الخبر في الأصل والتقدير، لا في الذكر .
إن قلت : على هذا لا ثمرة لمنع العطف على محلّ الاسم؛ إذ كلّ موضع موهمٌ لذلک يمكن أن يقال فيه: إنّ خبر « أنّ » محذوف والعطف بعد مضيّ الخبر .
قلت : الثمرة واضحة، و دعوى الكلّية ممنوعة؛ إذ الظاهر أنّ مرادهم من منع العطف على محلّ الاسم قبل مضيّ الخبر إنّما هو في مثل : «أنّ زيدًا وعمرو قائمان»، و لايمكن أن يقال فيه بأنّ « قائمان » خبرٌ ل- «عمرو»، و خبر «أنّ» محذوف كما لا يخفى .
نعم، يمكن أن يقال : إنّه يحتمل أن يكون قوله : « بغاة » خبر « أنّ »، و حينئذٍ لا دخل لقوله : « و أنتم » فيما نحن فيه؛ إذ المراد جواز العطف على محلّ اسم «أنّ» المفتوحة بعد مضيّ الخبر؛ لكونها ملحقة ب- «إنّ» المكسورة فيما ثبت له، ومعلومٌ أنّ ما ثبت لها على القول به جواز العطف بعد استكمال الخبر، لا قبله، لكن على هذا التقدير لا يلزم العطف على محلّ اسم « أنّ » بالرفع قبل مضيّ الخبر؛ لاحتمال كون «وأنتم» مبتدأ و خبره محذوف؛ لدلالة خبر « أنّ » عليه، على ما مرّ في الآية، لكن يلزم حينئذٍ تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها، ولعلّه لهذا ذكر الشارح البيت من غير تعرّضٍ لهذا الاحتمال .
و معنى البيت - على ما قيل (1)- : انّه لمّا كان بنو طيّ أخذوا قومًا من آل بدر
قطعوا نواصيهم و كان يفعل ذلک بالأسير، و آل بدر خلفاء بني أسد، فغضب بنو أسد لأجل ما صنعوا بآل بدر، فقال الشاعر : « إذا جزّت » إلى آخره، أي : إذا قطعتم نواصي آل بدر - أي : بنو طيّ - فأرسلوا تلک النواصي إلينا، وأطلقوا مَن يكون عندكم من الأسارى في القيد، وإن لم تفعلوا ذلک فاعلموا أنّ بيننا و بينكم عداوة مدّة بقائنا .
قوله : أو معناه .
عطفٌ على قوله : « علم »، أي: إلحاق المفتوحة على المكسورة في الحكم المذكور بشرط تقدّم نفس علم أو معناه عليها؛ لأنّه حينئذٍ أيضًا يكون بعد « أنّ »
1) . نقله ابن السيرافيّ في شرح أبيات سيبويه : 2 / 14 ؛ و ينظر: خزانة الأدب : 10 / 320 ؛وتنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات : 464.
بمنزلة الجملة، فتحقّقت المشابهة بينها و بين « إنّ » المكسورة، فيثبت لها حكمها.
و ذلک لأنّ « أنّ » حينئذٍ - أي فيما إذا تقدّم عليها علم أو معناه - وإن كانت مع اسمها و خبرها بتقدير المفرد، لكنّها في تقدير الاسمين؛ لأنّها مع اسمها وخبرها حينئذٍ سادّة مسدّ مفعولي « علم »، فقولک : « علمت أنّ زيدًا قائم » بمنزلة قولک : «علمت زيدًا قائمًا »، فحكم « أنّ » المفتوحة بعد فعل القلب حكم المكسورة في قيامها مع معموليها (1)مقام الاسمين، فثبت لها حكم المكسورة .
هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام، و مع ذلک فيه نظر؛ إذ لا نسلّم كون « أنّ » مع الاسم و خبرها بتقدير اسمين، بل هي من أوّل الأمر بتقدير اسم مفرد، أعني : المصدر الّذي ذانک الاسمان المنصوبان مأوّلان به .
و على فرض التسليم نقول : إنّ قولک : « علمت زيدًا قائمًا »، بتقدير : علمت قيام زيد، وهو مفرد، فكيف يحكم للمفتوحة بجواز العطف على اسمها بالرفع ولو كان بعد مضيّ الخبر ؟!
فالأولى ما ذهب إليه السيرافيّ و غيره من عدم جواز العطف بالرفع على محلّ اسم « أنّ » المفتوحة مطلقًا، حيث قالوا : لايجوز العطف بالرفع على محلّ اسم أنّ المفتوحة مطلقًا؛ إذ لم يبق معها معنى الابتداء، بل هي مع ما في حيّزها في تأويل اسم مفرد مرفوع، أو منصوب، أو مجرور، فاسمها كبعض حروف الكلمة (2).
أقول : و سيأتي الجواب عمّا استندوا به لجواز ذلک العطف من الآية و غيره،
فانتظر ولا تغفل .
قوله : و (1)نحو : ( وَ أَذَانٌ مِنَ اللهِ ) الآية (2).
« أذانٌ » يحتمل أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، أي : هذا أذان، و يجوز أن يكون مبتدأ لتخصيصه بصفته (3)، أي : قوله تعالى : ( مِنَ اللهِ )؛ لأنّ الظرف والمجرور بعد النكرة صفة، ولذا وجب حذف متعلّقه؛ لأنّ من المواضع الّتي يجب فيها حذف المتعلّق هو ما إذا كان الظرف أو المجرور صفة . و ( إِلَى النَاسِ ) على الاحتمال الأوّل صفة بعد صفة، كقوله (4)تعالى : ( وَ أَذَانٌ )، و على الثاني خبر، وعلى التقديرين يجب حذف متعلّقه أيضًا .
( يَوْمَ الْحَجِّ الاَْكْبَرِ ) الظرف فيه متعلّق ب- ( أَذَانٌ مِنَ اللهِ )، أي : بأنّ الله بريء، و ( أَنَّ ) و ما بعدها مفعولٌ لقوله : ( أَذَانٌ )، و ( مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) متعلّقٌ على خبر ( أَنَّ )، و ( رَسُولُهُ ) عطفٌ على محلّ اسم ( أَنَّ )، و فيه الشاهد حيث عطف على محلّ اسم « أنّ » المفتوحة بالرفع بعد مضيّ الخبر؛ لتقدّم معنى العلم عليها، وهو الأذان؛ لكونه بمعنى الإيذان، أي : الإعلام، كما أنّ العطاء والأمان بمعنى الإعطاء والإيمان (5).
و يمكن أن يكون معطوفًا على المستتر في ( بَرِيءٌ ) من غير ضعف؛ لتحقّق
الفصل، كما يحتمل أن يكون (1)مبتدأ محذوف الخبر، أي: و رسوله كذلک، فيخرج عن ما نحن فيه .
هذا - أي : كون « أنّ » في الآية مفتوحة - على القراءة المشهورة، وفي الكشّاف والبيضاويّ والجوامع قرئ : ( إِنَّ اللهَ ) بالكسر؛ لأنّ الأذان في معنى القول. وفيها أيضًا قرئبنصب : ( وَرَسُولَهُ ) عطفًا على اسم « إنّ »، أو لأنّ الواو بمعنى « مع »، أي: إنّ الله بريءٌ معه منهم (2).
إن قلت : إنّ أوّل السورة قد أخبر الله تعالى ببراءته و براءة رسوله منهم، فلِمَ كرّره ثانيًا ؟
قلت : قد أجاب عنه في الكتب الثلاثة : أنّ قوله تعالى أوّلاًّ : ( بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) لأجل الإخبار ببراءته و براءة رسوله منهم، و قوله ثانيًا : ( وَ أَذَانٌ مِنَ اللهِ) الآية، لأجل وجوب الإعلام بما تثبت من البراءة الواصلة من الله ورسوله إلى المعاهدين والناكثين لجميع (3)الناس، فلا تكرار (4).
قوله : و كثر الإلغاء .
إن قلت : قد علم من قول المصنّف : « فقلّ العمل » أنّ إلغاءها كثير حينئذٍ، فلا فائدة لذكر الشارح ذلک .
قلت : قد مرّ غير مرّة أنّ مثل هذه العبارة لا دلالة لها على الكثرة؛ لتحقّق الواسطة، و هي ما يتوسّط بين القلّة والكثرة، ولهذا نبّه الشارح على كثرة الإلغاء حينئذٍ.
قوله : لزوال اختصاصها .
أي : لزوال اختصاصها عن الدخول في الجملة الاسميّة، ولا صارت حينئذٍ حرفين، فيخرج عن أصل وضع الفعل؛ و لانتفاء الفتح في آخرها، فيقلّ المشابهة، فكثر الإلغاء .
قوله : و قرئ بالعمل والإلغاء قوله تعالى : ( وِإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّکَ أَعْمَالَهُمْ ) (1).
والقارئ بالعمل في الآية هو ابن كثير و نافع و أبوبكر، كما صرّح به القاضي وجماعة (2)، فيكون حينئذٍ « كلاًّ » اسمها، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، أي: كلّ المختلفين المؤمنين منهم أو الكافرين لمّا ليوفّينّهم .
تركيب الآية
واختلف في ( لَّمَّا )، فقيل : إحدى اللامين فيها وفي الفعل توطئة وتمهيد للقسم، والأخرى للتأكيد، و « ما » زائدة للفصل بين اللامين، كما زيدت الألف
للفصل بين النونات في نحو : اضربنان . والمعنى : أنّ جميعهم والله ليوفّينّ ربّک أعمالهم، فيكون « لما » بتخفيف الميم (1).
وقال البيضاويّ و غيره : أنّ أصلها : لمن ما، فقلبت النون ميمًا للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت أولاهنّ، والمعنى : لمن الّذين يوفّيهم (2)ربّک جزاء أعمالهم من (3)حسن و قبيح و إيمان و جحود (4).
وردّ بأنّ حذف مثل هذه الميم استثقالاً لم يثبت (5).
وفي الكشّاف (6)عن الأزهريّ (7)وسليمان بن أرقم: قرائتها « لمًّا » بالتنوين، أي : جميعًا، كقوله تعالى : ( أَكْلاً لَمَّا ) (8)، والمعنى : إن كلاًّ ملمومين بمعنى مجموعين، كأنّه قيل : وإن كلاًّ جميعًا، كقوله تعالى : ( فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) (9)، لكن حذف التنوين منها حينئذٍ إجراءً للوصل مجرى الوقف .
1) . ينظر: تفسير البيضاويّ : 3 / 150 ؛ و تفسير أبي مسعود : 4 / 244 ؛ و زبدة التفاسير :3/321.
2) . في المصدر : يوفّينّهم .
3) . في « م » : عن .
4) . تفسير البيضاوي: 3 / 265 ؛ والكشّاف: 2 / 295 .
5) . مغني اللبيب : 1 / 282 .
6) . الكشّاف : 2 / 295 .
7) . في الكشّاف : الزهريّ .
8) . سورة الفجر : 19 .
9) . سورة الحجر : 73 .
وردّ أيضًا أوّلاً : بأنّ استعمال « لمّا » في هذا المعنى بعيد، وثانيًا : بأنّ حذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد (1).
وفي الجوامع :
يجوز أن يكون « لما » مصدرًا على زنة فَعْلى، مثل : الدعوى والشروى (2).
أي: من اللمّ بمعنى الجمع، قيل : منع منه الصرف حينئذٍ لألف التأنيث (3).
و ردّ أيضًا بعدم استعمال هذه اللفظة، وإذا كان على زنة « فَعْلى » فلِمَ لاتكتب بالياء؟! (4).
و عن ابن الحاجب : أنّها جازمة، محذوف فعلها، والتقدير هكذا : لمّا يُهملوا، أو لمّا يُتركوا؛ لدلالة ما تقدّم من قوله تعالى : ( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ ) (5)، ثمّ ذكر
الأشقياء والسعداء و مجازاتهم (6).
ثمّ نقل أنّه قال :
لا أعرف وجهًا أحسن (7)من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهة
أنّ مثله لم يقع في التنزيل، والحقّ أن لا يستبعد (1)لذلک (2).
وقال ابن هشام :
والأولى عندي أن يقدّر : لمّا يوفّوا أعمالهم، أي : أنّهم إلى الآن لم يوفّوها، وسيوفونها.
ثمّ قال :
و وجه رجحانه أمران :
أحدهما : أنّ بعده ( ليوفّينّهم )، و هو دليلٌ على أنّ التوفية لم تقع بعد، وأنّها ستقع .
والثاني : أنّ منفيّ « لمّا » متوقّع الثبوت كما قدّمنا، والإهمال غير متوقّع الثبوت (3).
و قيل :
اللام فيها حينئذٍ لام الفارقة بين المخفّفة عن المثقّلة و بين إن النافية (4).
و فيه نظر؛ لأنّ لام الفارقة إنّما يؤتى عند التباس أحدهما بالآخر، ألا ترى أنّهم يسمّون هذه اللام لام الفارقة، و معلومٌ أنّ مع العمل - أي : نصب « كلاًّ » في الآية - لا يتوهّم أنّها نافية، إلّا أن يؤتى بها طردًا للباب .
وأمّا القائل بالإهمال في الآية مع التخفيف فغير معلومٍ بخصوصه، إلّا أنّ نسبتهم الإعمال إلى الجماعة المذكورة مشعرٌ بإهمال غيرهم فيها، لكن أمثلة الإهمال كثيرة، منها: قوله تعالى : ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) (1)، وقوله تعالى :
( وَإِنْ كُلُّ ذَلِکَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (2)، و ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) (3)على قراءة حفص، و ( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) (4).
و يحتمل في جميع الآيات المذكورة كون « إن » للنافية، و حينئذٍ تكون « لمّا » بعدها بمعنى « إلّا ».
و ذكر صاحب الكشّاف أنّه قرئ : ( إنْ كُلٌّ لَمَا لَيُوَفِّيَنّهُم رَبّکَ )، على أنّ «إن » نافية و «لمّا» بمعنى «إلّا»، ثمّ قال :
و قراءة عبدالله مفسّرة لها : ( وَإن كُلٌّ إلّا لَيُوَفِّيَنّهُم ) (5).
برفع « كُلّ » في القرائتين .
و يحتمل أن يكون نافية مع نصب « كلاًّ » أيضًا، بأن يكون مفعولاً لفعل محذوف تقديره هكذا : إن أرى كلّهم إلّا ليوفّينّهم ربّک أعمالهم .
قوله : أي لام الابتداء .
فيه إشارة إلى أنّ الألف واللام في قول المصنّف : « وتلزم اللام » للعهد، إشارة إلى قوله قبل : « و بعد ذات الكسر تصحب الخبر لام الابتداء (1)».
قوله : في خبرها .
والتقييد بذلک لأجل إطلاق قول المصنّف حيث قال : « و يلزم اللام » من غير ذكر المتعلّق، فلا يعلم منه أنّ الملزوم فيه ما هو ؟ أهو الاسم، أو الخبر ؟ فلهذا نبّه الشارح أنّ المراد لزوم اللام في الخبر .
إن قلت : كيف يسمّى اللفظ مع إهمال « إن » خبرها؛ إذ هو إنّما يكون عند الإعمال ؟
قلت : المراد من الخبر ما كان خبرها عند العمل، فيكون إطلاق الخبر عليه مع الإهمال مجازًا باعتبار ما كان عليه .
قوله : لئلّا يتوهّم كونها نافية .
والظاهر أنّ الغرض من هذه العبارة دفع الاعتراض عن المصنّف، تقريره : هو أنّ في كلامه ظاهرًا تناقضًا؛ لأنّه حكم أوّلاً أنّه يلزم اللام في الخبر إذا أهمل، وأتى بلفظة « إذا » الظاهر منها إفادة العموم العرفيّ، فمفاد قوله حينئذٍ : لزوم اللام في الخبر أيّ وقت أهمل، و ينافيه قوله : « و ربّما استُغني » إلى آخره .
وقد دفع الشارح هذا الاعتراض حيث علّل قول المصنّف : « وتلزم اللام إذا ما تُهمَل » بقوله : « لئلّا يتوهّم كونها نافية »، يعني : أنّ علّة لزوم اللام لأجل دفع التوهّم المذكور، فإذا حصل الأمن من التوهّم المذكور فلا يجب دخول اللام.
1) . في المصدر : ابتداء .
ويكون مراد المصنّف من قوله : « و تلزم » إلى آخره، هذه الحالة، فلا منافاة بينه وبين قوله : « وربّما استُغني عنها »؛ إذ المراد به هو عند حصول الأمن عن التوهّم المذكور.
وقد اُجيب عن الاعتراض : بحمل قول المصنّف أوّلاً : « و تلزم » إلى آخره، على القياس، و قوله ثانيًا : « و ربّما استغني عنها » إلى آخره، على السماع (1)،
فتأمّل.
قوله : فإن لم تهمل لم تلزم اللام .
و ذلک لأنّ إدخالها كما مرّ لأجل دفع توهّم كونها نافية، و هو مأمون فيه عند الإعمال؛ إذ معلومٌ أنّ « إن » النافية لا تنصب الاسم، فلا التباس، فلا يجب إدخال اللام.
وفيه نظر؛ لأنّ هذا إنّما يسلم إذا كان اسم المخفّفة ممّا يظهر فيه الإعراب، وحينئذٍ لا تلتبس (2)المخفّفة بالنافية لما مرّ، وأمّا إذا كان اسمها ممّا لايظهر فيه
الإعراب - كما في قولک : «إن هذا قائمٌ» - فاحتمال النافية فيه قائم، فينبغي أن تلزم اللام فيه أيضًا؛ لأجل دفع التوهّم المذكور.
و يحتمل أن يكون غرضه من قوله : « فإن لم تهمل لم تلزم اللام » رفع الإيجاب الكلّيّ، أي : عند عدم الإهمال لا تلزم اللام كلّيّة، و هو لا ينافي لزومها في بعض المواضع، فتأمّل .
قوله : إذا أهملت .
و هذا القيد لأجل التنبيه على أنّ مراد المصنّف - حيث أتى بلفظة « ربّما » الدالّة على التقليل - هو جواز الاستغناء عن اللام مع قلّةٍ في هذه الحالة، أي : عند إهمال «إن»، لا مطلقًا؛ إذ مع الإعمال يجوز الاستغناء عنها دائمًا، فلا يناسب قوله : «وربّما استغني عنها » الدالّ على التقليل .
قوله : ضمير الشأن .
والتصريح بذلک لأجل عدم إفادة قول المصنّف كون اسمها حينئذٍ ضمير الشأن.
قوله : أي حذف .
لمّا كان قوله : « استَكَن » يحتمل وجهين: أحدهما : الاستتار، يقال : الضمير مستكن، أي : مستتر، و هو لم يكن في المقام مقصود؛ لأنّ « أن » المفتوحة المخفّفة ليست ممّا يستتر فيه الضمير، فنبّه الشارح على أنّ المراد هو الاحتمال الثاني، أي : الحذف.
قوله : لأنّها أشبه بالفعل منها .
أي: المفتوحة أشبه بالفعل من المكسورة؛ وذلک لأنّ المفتوحة مع ما بعدها بتأويل المصدر، فكأنّها قامت مقام المصدر، ولا شکّ أنّ ما ناب مناب المصدر أشبه وأقرب بالفعل ممّا لم يكن كذلک .
وأيضًا أنّ المفتوحة لأجل كونها مع ما بعدها بتأويل المفرد لايتمّ معها فائدة الكلام، بل يحتاج لاتمام الفائدة إلى ضمّ شيء آخر معها كالفعل، فإنّه أيضًا يحتاج فيه لاتمام الفائدة إلى ضمّ الفاعل معه، بخلاف « إنّ » المكسورة، فإنّها مع ما بعدها
تفيد تمام الفائدة، فإذا ثبت كون المفتوحة أشبه من المكسورة فيجب أن تكون هي أقوى من المكسورة في العمل .
و مع ذلک ترى أنّ المكسورة تعمل في الظاهر و في سعة الكلام، كما مرّ في قوله تعالى : ( وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) (1)، والمفتوحة لاتعمل في الظاهر، فيلزم من
ذلک ترجيح المرجوح على الراجح، ولهذا قدّروا لها اسمًا، فقالوا: إنّها عاملة فيه دائمًا، والجملة بعدها خبرها .
قوله : في كتب النحو في الفواصل .
لمّا كان قول المصنّف : « و قليل ذكر لو » يحتمل وجهين، أحدهما : هو أنّ الفصل ب- «لو» بين « أنّ » و خبرها أقلّ من الفصل بغيرها، و ربّما كان هذا هو الظاهر من كلامه، مع أنّه لم يكن مقصودًا، فقيّده الشارح بقوله : « في كتب النحو ».
يعني : أنّ مراد المصنّف من قوله : « و قليل ذكر لو » ليس الاحتمال الأوّل، بل مراده أنّه قلّ مِن النحويّين مَن صرّح بأنّ « لو » من الفواصل الّتي يفصل بين « أنّ » المفتوحة و خبرها، ولمّا كان لمتوهّمٍ أن يتوهّم أنّ قوله : « ذكر لو قليل في كتب النحو » ليس بمسلّم؛ لأنّ ذكر « لو » في كتبهم كثير، قيّد بقوله : « في الفواصل »، يعني: المراد أنّ ذكرها في كتب النحو في جملة الفواصل قليل، لا مطلقًا (2).
1) . سورة هود : 111 .
2) . قال ابن الناظم في « شرحه على الألفية ص 69 » : ( وأكثر النحويّين لم يذكروا الفصل بينأن المخفّفة وبين الفعل بلو، وإلى ذلک أشار بقوله : وقليل ذكر لو ). وقال ابن هشام في « أوضحالمسالک ص 71 » : ( ولم يذكر لو في الفواصل إلّا قليل من النحويّين، وقول ابن الناظم: انّالفصل بها قليل، وَهَمٌ منه على أبيه ).
ثمّ اعلم : أنّه صرّح جماعة منهم بأنّ الفصل بهذه الحروف للفرق بين المخفّفة والمصدريّة، ولهذا لا تدخل عند عدم الالتباس بالمصدريّة، كما إذا كان مدخولها الفعل الغير المتصرّف، أو الجملة الاسميّة؛ لأنّ المصدريّة لا تدخل فيهما، فلا التباس. وزاد بعضهم : أو (1)لكونها عوضًا عن المحذوف (2).
إن قلت : لا فرق بين « أن » هذه و بين المصدريّة؛ لأنّ كلّ واحد منهما يؤول مع ما بعدها بالمصدر، فلا فائدة لهذا الفرق .
قلت : الثمرة غير منحصرة في التأويل بالمصدر حتّى لايظهر لهذا الفرق فائدة؛ لأنّ المخفّفة عن المثقّلة لها امتياز عن المصدريّة معنًى و لفظًا. أمّا معنًى فلإفادتها التأكيد، ولا تفيده المصدريّة، وأمّا لفظًا فلأنّ ما بعد المخفّفة يكون خبرًا لها دون المصدريّة.
هذا، لكن يمكن المناقشة في كلا الوجهين، أمّا الأوّل - أي: إدخال هذه الحروف إن كان لأجل الفرق بينها وبين المصدريّة - فلئلّا يفصل بينها و بين خبرها بهذه الحروف إذا كان فعل دعاء؛ لأنّ المصدريّة - على ما صرّح به الشارح سابقًا- توصل بالماضي والمضارع والأمر، سواء كان دعاء، أو غيره .
وأمّا الثاني - أي: كون الفصل بهذه الحروف لكونها عوضًا - فلأنّه لو كان كذلک فينبغي أن تدخل في الجميع، سواء كان الفعل متصرّفًا أو لا، و سواء كان جملة اسميّة أو لا، كما لا يخفى .
قوله : أي قدّر .
تقديره هكذا : لأجل أنّه لمّا كان الظاهر من « نُوي » معنى القصد، فيكون المعنى على هذا : أنّه خفّفت « كأنّ » أيضًا، فيكون مقصودًا منصوبها، و لم يكن هذا مرادًا؛ لأنّ منصوبها مقصود مطلقًا، سواء خفّفت أو لا، ففسّره الشارح بقوله : « أي قدّر » تنبيهًا على أنّ المراد من « نوي » ذلک، لا القصد؛ لما عرفت .
قوله : و في أنّه لا يجب حذف اسمها .
و فيه : أنّ « أنّ » المخفّفة أيضًا لا يجب حذف اسمها دائمًا، كما أشار إليه قُبَيل هذا بقوله : « و قد يظهر اسمها »، إلّا أن يقال : إنّ ذكر الاسم في « أنّ » مختصّ بالضرورة، أو شاذّ، بخلاف « لكن »، فإنّ ذكر اسمها ليس مختصًّا بالضرورة ولا يكون شاذًّا.
قوله : بل يجوز إظهاره .
إن قلت : قد علم من قوله : « لا يجب حذف اسمها » جواز إظهاره، فلا حاجة لقوله: « بل يجوز إظهاره ».
قلت : هذا مسلّم، إلّا أنّه قال ذلک توصّلاً إلى ارتباط كلامه بكلام المصنّف مع إرادة التصريح بما علم ضمنًا .
**
[ لا الّتي لنفي الجنس ]
عمل إنّ اجعل للا في نكرة مفردة جاءتک أو مكرّرة
الخامس من النواسخ: لا الّتي لنفي الجنس
والأولى التعبير ب- : (لا) المحمولة على إنّ، كما قال المصنّف في نكته على مقدّمة ابن الحاجب؛ لأنّ لا المشبّهة بليس قد تكون نافية للجنس، ويفرّق بين أداة الجنس وغيرها بالقرائن، وإنّما أعملت لأنّها لمّا قصد بها نفي الجنس على سبيل الاستغراق اختصت بالاسم ولم تعمل جرًّا، لئلّا يتوهّم أنّه ب- «من» المقدّرة؛ لظهورها في قوله :
.......... ألا لا من سبيل إلى هند
ولا رفعًا لئلّا يتوهّم أنّه بالابتداء، فتعيّن النصب، ولذا قال: (عمل إنّ اجعل للا) حملاً لها عليها؛ لأنّها لتوكيد النفي، وتلک لتوكيد الإثبات، ولا تعمل هذا العمل إلّا (في نكرة) متّصلة بها، (مفردة جاءتک، أو مكرّرة) كما سيأتي، فلا تعمل في معرفة ولا في نكرة منفصلة بالإجماع كما في التسهيل.
فانصب بها مضافًا أو مضارعة *** وبعد ذاک الخبر اذكر رافعه
(فانصب بها مضافًا) إلى نكرة نحو: لا صاحب بِرّ ممقوت، (أو مضارعه) أي :
مشابهه، وهو الّذي ما بعده من تمامه نحو: لا قبيحًا فعله محبوب. (وبعد ذاک) أي : الاسم (الخبر اذكر) حال كونک (رافعة) بها كما تقدّم.
وركّب المفرد فاتحًا ك- : لا *** حول ولا قوّة، والثاني اجعلا
(وركّب المفرد) معها، والمراد به هنا ما ليس مضافًا ولا مشبهًا به (فاتحًا) أي : بانيًا له على الفتح أو ما يقوم مقامه، لتضمّنه معنى من الجنسيّة، (ك- : لا حول ولا قوّة) ولا زيدَيْن ولا زيدِين عندک، ويجوز في نحو: لا مسلمات الكسر استصحابًا، والفتح وهو أولى كما قال المصنّف، والتزمه ابن عصفور. (والثاني) من المتكرّر كالمثال السابق (اجعلا)
مرفوعًا أو منصوبًا أو مركّبا *** وإن رفعت أوّلاً لا تنصبا
(مرفوعًا أو منصوبًا أو مركّبًا) إن ركبت الأوّل مع لا، فالرفع نحو :
........ لا أمّ لي إن كان ذاک ولا أب
وذلک على إعمال لا الثانية عمل ليس أو زيادتها، وعطف اسمها على محلّ لا الأولى مع اسمها، فإنّ موضعهما رفع على الابتداء.
والنصب نحو :
لا نسبَ اليوم ولا خلّة ..........
وذلک على جعل لا الثانية زائدة وعطف الاسم بعدها على محلّ الاسم قبلها، فإن محلّه النصب . وقال الزمخشريّ: خلّة في البيت نصب بفعل مقدّر، أي: ولا ترى خلّة، كما في قوله :
ألا رجلاً ......... ...................
فلا شاهد في البيت. والتركيب نحو: (لا حول ولا قوّة) على إعمال الثانية.
(وإن رفعت أوّلاً) وألغيت الأولى (لا تنصبا) الثاني؛ لعدم نصب المعطوف عليه لفظًا و محلاًّ، بل افتحه على إعمال لا الثانية، نحو :
فلا لغو ولا تأثيم فيها ....................
أو ارفعه على إلغائها، واعطف الاسم بعدها على ما قبلها نحو: (لا بيع فيه ولا خلّة).
ومفردًا نعتًا لمبنيّ يلي *** فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
(ومفردًا نعتًا لمبنيّ يلي فافتح) على بنائه مع اسم لا، نحو: لا رجل ظريف في الدار (أو انصبن) على اتباعه لمحلّ اسم لا، نحو: لا رجل ظريفًا فيها، (أو ارفع) على اتباعه لمحلّ لا مع اسمها، نحو: لا رجل ظريف فيها، فإن تفعل ذلک (تعدل).
وغير ما يلي وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد
(و غير ما يلي) من نعت المبنيّ المفرد (وغير المفرد) من نعت المبنيّ (لا تبن)؛ لزوال التركيب بالفصل في الأوّل، وللإضافة وشبهها في الثاني. (وانصبه) نحو: لا رجل فيها ظريفًا، ولا رجلاً قبيحًا فعله عندک، (والرفع اقصد) نحو: لا رجل فيها ظريف، ولا رجل قبيح فعله عندک. ويجوز النصب والرفع أيضًا في نعت غير المبنيّ.
والعطف إن لم تتكرّر لا احكما *** له بما للنعت ذي الفضل انتمى
(والعطف) أي: المعطوف (إن لم تكرّر) فيه (لا احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى) فلا تبنه وانصبه أو ارفعه نحو :
فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه ................
ولا رجل وامراة في الدار، وجاء شذوذًا البناء، حكى الأخفش: لا رجل وامراة.
تتمّة
لم يذكر المصنّف حكم البدل ولا التوكيد، أمّا البدل فإن كان نكرة فكالنعت المفصول نحو: لا أحدَ رجلٌ وامراة فيها، بنصب رجل ورفعه، وكذا عطف البيان عند من أجازه في النكرات، وإن لم يكن فالرفع، نحو: لا أحد زيد فيها. وأمّا التوكيد فيجوز تركيبه مع المؤكّد وتنوينه نحو: ألا ماءَ ماءً باردًا، قاله في شرح الكافية.
قال ابن هشام: والقول بأنّ هذا توكيد خطأ؛ لأنّ التوكيد اللفظىّ لابدّ من أن يكون مثل الأوّل، وهذا أخصّ منه، ويجوز أن يعرب عطف بيان أو بدلا؛ لجواز كونهما أوضح من المتبوع.
أمّا التوكيد المعنويّ فلا يأتي هنا؛ لامتناع توكيد النكرة به كما سيأتي.
وأعط لا مع همزة استفهام *** ما تستحقّ دون الاستفهام
(وأعط لا مع همزة استفهام) إمّا لمجرّد الاستفهام أو التوبيخ أو التقرير (ما تستحقّ دون الاستفهام) من العمل والاتباع على ما تقدّم نحو :
ألا طعان ألا فرسان عادية .....................
وقد يقصد بألا التمنّي، فلا تغيّر أيضًا عند المازني والمبرّد، نحو :
ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه ..................
وذهب سيبويه والخليل إلى أنّها تعمل في الاسم خاصّة، ولا خبر لها، ولا يتبع اسمها إلّا على اللفظ، ولا تلغى، واختاره في شرح التسهيل، وقد يقصد بها العَرْض، وسيأتي حكمها في فصل أمّا ولو لا ولو ما.
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر *** إذا المراد مع سقوطه ظهر
(وشاع) عند الحجازيّين (في ذا الباب إسقاط الخبر) أي: حذفه (إذا المراد مع سقوطه ظهر)، كقوله تعالى: (لا ضير)، ونحو: (لا إله إلّا الله) أي: موجود، وبنو تميم يوجبون حذفه. فإن لم يظهر المراد لم يجب الحذف عند أحدٍ فضلاً عن أن يجب، كقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): لا أحد أغير من الله عزّوجلّ. قال في شرح الكافية: وزعم الزمخشرىّ وغيره أنّ بني تمييم يحذفون خبر لا مطلقًا على سبيل اللزوم، وليس بصحيح؛ لأنّ حذفَ خبرٍ لا دليل عليه يلزم منه عدم الفائدة، والعرب يجمعون على ترک التكلّم بما لا فائدة فيه.
تتمّة
قد يحذف اسم لا للعلم به، كما ذكر في الكافية، كقولهم: لا عليک، أي: لا بأس عليک.
**
[ الخامس من النواسخ : لا الّتي لنفي الجنس ] (1)
باب « لا » النافية للجنس
قوله : لا الّتي لنفي الجنس .
خرج بتقييدها للنفي « لا » الزائدة والناهية والعاطفة، و بكونها لنفي الجنس «لا» النافية المشبّهة ب- «ليس»؛ لكونها لنفي الواحد، لا الجنس، فيكون الفرق بينهما هو أنّ الأوّل لنفي الجنس والماهيّة، والمشبّهة ب- «ليس» لنفي واحد من ذلک الجنس.
وتظهر الثمرة في قولک : « لا رجل في الدار »، فإنّه على الأوّل يفيد عدم ما يصدق عليه وصف الرجوليّة في الدار، و على الثاني يفيد انتفاء واحد من هذا الجنس، لا مطلقًا . فعلى هذا يجوز لک أن تقول : « لا رجل في الدار » ب- «لا» المشبّهة ب- «ليس» إذا كان فيها رجلان أو رجال، وكذا يجوز لک أن تقول : « لا رجلان في الدار» إذا كان فيها رجال، فلا يجوز في النافية للجنس ذلک .
1) . العنوان منّا .
قوله : لأنّ لا المشبّهة بليس قد تكون للنافية (1)للجنس.
و ذلک كما تقول : « لا رجلُ في الدار، بل امرأة » برفع الرجل، فإنّ قولک : « بل امرأة » قرينةٌ على كون « لا » هنا لنفي الجنس.
و فيه : أنّ مجيء المشبّهة ب- «ليس» للنافية للجنس بندرة مع القرينة، كما يقتضيه قوله : « قد يكون »، لا يقدح في تسمية غيرها بالنافية للجنس؛ لأنّه لو كان استعمال اللفظ في معنى بقرينة قادحًا في تسمية غير ذلک اللفظ به لانسدّ باب المجاز بالمرّة، كما لا يخفى على ذي فطنة، و فساده ممّا لا يحوله ريبة .
و حينئذٍ نقول : إنّ مجيء « لا » المشبّهة ب- «ليس» للنافية للجنس مع القرينة وإن كان مسلّمًا كما ذكرنا، إلّا أنّه لا يقدح في تسمية هذه اللا بالنافية للجنس؛ لما ذكرنا، فتأمّل.
قوله : فتعيّن النصب .
و فيه أيضًا : أنّه ليس المطلوب عمل « لا » النافية للجنس النصب فقط، بل المطلوب كون عملها عمل « إنّ »، و هو نصب الاسم و رفع الخبر .
و أيضًا تفريع قول المصنّف على ما ذكره حيث قال : « و لذا قال عمل » إلى آخره، لا يخفى ما فيه؛ لأنّه (2)بسدد إثبات عمل « إنّ » لها، و ما ذكره لا يقتضي إلّا
النصب.
إلّا أن يقال : إنّ المراد هو نصب الاسم و رفع الخبر، أمّا الاكتفاء به و عدم ذكر
الخبر من جهة أنّه لو قلنا بنصب اسمها قلنا أيضًا برفع خبرها؛ إذ لا قائل بالفرق.
قوله : حملاً لها عليها .
إن قلت : حمل الشيء على الشيء يقتضي أن يكون بينهما مناسبة، كحمل « لا » النافية على « ليس »؛ لتحقّق المناسبة بينهما في النفي، وما المناسبة هنا ؟
قلت : حمل الشيء على الآخر إمّا حمل النظير على النظير، أو حمل الضدّ على الضدّ، والمناسبة الحقيقيّة إنّما هي في الأوّل دون الثاني، وأمّا حمل الضدّ على الآخر فلأنّ الوهم ينزل الضدّين منزلة النظيرين، ولذا ترى أنّ خطور الضدّ بالبال أقرب من شيء آخر .
قوله : إلى نكرة .
لمّا كان ظاهر عبارة المصنّف أنّه ينتصب (1)بكلمة « لا » مضافًا، و ذلک أعمّ من
أن يكون مضافًا إلى معرفة أو نكرة، ولم يكن هذا صحيحًا بإطلاقه؛ لأنّ المضاف إلى المعرفة معرفة، و « لا » لا تعمل إلّا في المعرفة، كما صرّح به المصنّف أيضًا، فلذا قيّده الشارح بقوله : « إلى نكرة ».
قوله : أي الاسم .
والظاهر أنّ الباعث على هذا التفسير هو أنّه لمّا كان مذهب المصنّف - على ما مرّ - أنّ أسماء الإشارة إذا لحقتها الكاف كانت للبعيد، فعلى هذا كان للمتوهّم أن يحمل كلام المصنّف على ما كان مذهبه فيقول: إنّ المشار إليه بقوله : « ذاک » (2)هو
كلمة « لا » في قوله : « عمل إنّ اجعل ل- لا »، فيكون مدلول العبارة حينئذٍ هو أنّه بعد «لا» يذكر الخبر.
وهذا لم يكن مرادًا، بل المراد ذكر الخبر بعد الاسم بأن يكون إشارة إلى أنّ شرط عمل « لا » النافية للجنس : تقدّم الاسم على الخبر، ولهذا فسّر الشارح المشار إليه في قوله : « ذاک » بقوله : « أي الاسم » تنبيهًا على أنّه المراد، وإن كان ظاهر عبارة المصنّف لا يساعده.
لكن يرد على الشارح أنّ شرط المشار إليه تقدّم ذكره، و هنا لم يذكر لفظ الاسم.
و جوابه : هو أنّه وإن لم يذكر لفظ الاسم صريحًا، إلّا أنّه مذكور ضمنًا؛ لدلالة قول المصنّف : « فانصب بها مضافًا » إلى آخره، عليه .
قوله : كما تقدّم .
يحتمل أن يكون المراد هو أنّک اذكر الخبر رافعة ب- «لا» النافية للجنس كما تقدّم إن رفع الخبر ب- «لا»، حيث قال : « عمل إنّ اجعل ل- لا في النكرة »، ومعلومٌ أنّ عملها نصب الاسم و رفع الخبر.
لكنّ الظاهر أنّ المراد بقوله : « كما تقدّم »، أي : كما تقدّم كون الخبر مرفوعًا في المثال المضاف و مشابهه، أي: فلا يحتاج إلى ذكر المثال ثانيًا.
قوله : والمراد به هنا .
هذا إشارةٌ إلى أنّ المفرد له معان مختلفة؛ إذ يستعمل في مقابلة المركّب، يقال : إنّ هذا مفرد، أي: ليس بمركّب . وكذا يستعمل في مقابلة التثنية والجمع، يقال : هذا
مفرد، أي : ليس بتثنية ولا جمع . ويستعمل في مقابلة غيرهما أيضًا، فنبّه الشارح على أنّ المراد من المفرد في قول المصنّف : « و ركّب المفرد » هو ما يقابل المضاف ومشابهه، لا معانيه الأخر .
إن قلت : على هذا يكون لفظ المفرد مشتركًا بين هذه المعاني، و حمله إلى واحد منها يحتاج إلى قرينة، ما القرينة هنا على كون المراد من المفرد هذا المعنى لا غيره ؟
قلت : مقابلة المصنّف لفظ المفرد مع المضاف و مشابهه قرينةٌ على أنّ المراد به ما يقابلهما .
قوله : أي بانيًا له على الفتح أو ما يقوم مقامه .
تفسيره هكذا لأجل أنّه قد عرفت أنّ المراد من المفرد هنا ما يشمل التثنية والجمع، فيلزم بناء على ظاهر عبارة المصنّف أنّه لو كان اسم « لا » هذه تثنيةً أو جمعًا يبنى على الفتح كالمفرد .
و لم يكن هذا صحيحًا؛ لأنّ التثنية وكذا الجمع لا يبنى على الفتح، بل إنّما يبنى على ما يكون نصبه به، أي: الياء، فلهذا فسّره الشارح قول المصنّف : « فاتحًا » أي : « بانيًا له » إلى آخره .
يعني : ليس مراد المصنّف أنّه عند الإفراد يبنى على الفتح حتّى يرد عليه أنّه خلاف الواقع، بل مراده من الفتح ما يكون فتحًا حقيقة، أو ما ينوب مقامه.
قوله : من المتكرّر كالمثال، إلى آخره .
والظاهر أنّ تقييده بذلک من أجل أنّه لمّا ظهر من كلام المصنّف أنّ اسم « لا »
على قسمين: أوّلهما : مضاف أو مشابهه، والثاني : مفرد، و على هذا كان للمتوهّم أن يتوهّم له أنّ قوله (1): « والثاني اجعلا » يراد به القسم الثاني، أي: اسم « لا » إذا
كان مفردًا مطلقًا، سواء كرّر لفظ المفرد مع « لا »، أم لا، ولم يكن هذا مرادًا، فقيّد الشارح بما قيّده؛ دفعًا لهذا التوهّم .
قوله : و ألغيت الأولى .
و هذا القيد لا يظهر له ثمرة، إلّا أن يدّعى أنّه عند عدم إلغاء الأولى بأن يكون «لا» مشبّهة ب- «ليس»، يجوز نصب الاسم الثاني، لكن فسادها بيّن؛ لعين ما ذكره من عدم نصب المعطوف عليه لفظًا أو محلّاً، أو أن يدّعى أنّه عند كون « لا » مشبّهة ب- «ليس» لا يجوز فتح الاسم الثاني؛ لأنّ مع تقدّم « لا » المشبّهة ب- «ليس» إمّا يحمل الثانية على كونها مشبّهة ب- «ليس» أيضًا، أو لغوًا، و فيه أيضًا تأمّل.
قوله : أي المعطوف .
أشار به إلى أنّ المصدر هنا بمعنى المفعول؛ لظهور عدم إرادة المعنى المصدريّ.
قوله : فيه .
تقدير المجرور هنا يحتمل لأجل التنبيه على أنّ فاعل قوله : « لم يتكرّر » كلمة «لا» في قوله : « لا احكما »؛ إذ يحتمل مع قطع النظر عمّا زاده الشارح أن يكون الضمير في الفعل مستترًا راجعًا إلى العطف، فيكون المعنى حينئذٍ هكذا: والمعطوف إن لم يتكرّر في الكلام أحكم له بما مرّ للنعت ذي الفصل، و يكون اللام في قوله : «لا احكما» زائدة .
1) . في « س » : قولنا .
و فيه أوّلاً : أنّ إدخال اللام الزائدة غير ثابت في فعل الأمر .
و ثانيًا : أنّ رسم الكتابة أيضًا لا يساعده؛ لأنّه لو كان الأمر كذلک لترک كتابة الهمزة بعد كلمة « لا »، إلّا أن يتوهّم أنّه كان من زيادات النسّاخ، أو يتوهّم أنّ كلمة «لا» زائدة، فتأمّل .
و يحتمل أن يكون النكتة في زيادة قوله : « فيه » أنّه لمّا حمل قول المصنّف : «والعطف» على الابتدائيّة، فيكون جملة الشرط والجزاء خبرًا له، فقدّر الشارح لفظة « فيه » لارتباط الجملة بالمبتدأ .
و فيه أيضًا : أنّ الرابط موجود في قول المصنّف، و هو الضمير في قوله : « له »، إلّا أن يقال : لابدّ من اشتمال الجملة الواقعة خبرًا على الرابط، و هذا الضمير الّذي في كلام المصنّف خارج عن تلک الجملة، أو يقال : إنّ الخبر فعل الشرط فقط، وعدم إتمام فائدة الكلام قبل مجيء جواب الشرط من حيث التعليق، لا من حيث الخبريّة.
هذا - أي : جواز النصب والرفع في العطف - إنّما هو عند عدم تكرار كلمة « لا » مع المعطوف كما صرّح به، وأمّا عند التكرار فقد سبق حكمه في قول المصنّف : «والثاني اجعلا مرفوعًا أو منصوبًا » إلى آخره .
قوله : وإن لم يكن فالرفع .
أي : و إن لم يكن البدل نكرة فتعيّن الرفع، فلا يجوز الفتح والنصب .
أمّا عدم جواز الفتح حينئذٍ فلما سبق من أنّ « لا » عملها مختصّ بالنكرات، فلا تعمل في المعرفة.
وأمّا عدم جواز النصب حينئذٍ فلأنّه على تقدير جوازه يكون تابعًا لمحلّ اسم «لا»؛ لأنّ محلّه منصوب ب- «لا» العاملة عمل « إنّ »، فكأنّها عملت في البدل أيضًا، وقد تقدّم أنّ عملها مختصّ بالنكرات .
وبما ذكرنا يظهر لک سرّ تخصيصه تشبيه عطف البيان على البدل المنكّر عند من أجازه في النكرات، فلا تغفل .
قوله : و هذا أخصّ منه .
و هذا واضح؛ لأنّ قوله : « ماء » أوّلاً أعمّ من البارد و غيره، والثاني خصّص بالبارد، فيكون أخصّ منه .
قوله : من العمل والإتباع على ما تقدّم .
يعني : من عمل النصب إذا كان اسمها مضافًا أو مشابهًا به، والفتح إذا لم يكن كذلک، وكذا قوله : « والإتباع »، أي : إن كان التابع المبنيّ مفردًا ونعتًا ولم يفصل بينهما شيء يجوز للتابع الفتح والنصب والرفع، وإن فصل تعيّن النصب والرفع، وقس عليه الباقي .
إن قلت : من الأحكام المذكورة في « لا » النافية للجنس جواز إهمالها عند تكرّرها، فكان على الشارح أن ينبّه عليه بأن يقول : من العمل والإتباع والإهمال عند التكرّر؛ لأنّ لفظ الموصول في قول المصنّف : « ما تستحقّ دون الاستفهام »، يفيد العموم، فما سبب تخصيص الشارح بما ذكره ؟
قلت : مراد الشارح بيان ما استفاد من قول المصنّف، ولم يكن جواز إهمال كلمة « لا » عند تكرّرها هنا مستفادًا من قوله؛ لأنّ الظاهر من قوله : « وأعط لا مع
همزة استفهام » غير الإهمال؛ إذ لا يقال : أعط الإهمال كما يقال : أعط العمل.
وأيضًا الظاهر من قوله : « ما تستحقّ دون الاستفهام » غير الإهمال؛ لأنّ « لا » النافية للجنس ليست مستحقّة للإهمال وإن تكرّرت، بل هي مستحقّة للعمل مطلقًا، ولعلّ الشارح لهذين الوجهين خصّص قول المصنّف بما ذكره .
قوله : أي حذفه .
لمّا كان الظاهر من لفظ الإسقاط في كلام المصنّف هو أن يكون الخبر مذكورًا أوّلاً في الكلام ثمّ أسقط، ولم يكن هذا بخصوصه مرادًا، فنبّه الشارح على المراد، ففسّره بقوله : « أي حذفه »، أي : شاع في ذي الباب عدم الإتيان بالخبر، سواء كان من أوّل الأمر أم لا، عند ظهور المراد مع حذفه، كما صرّح به .
و ينبغي أن يذكر في المقام ما يعلم من كلام المصنّف مخالفة « لا » هذه مع «إنّ »، فنقول: مخالفتها معها من وجوه :
أحدها : جواز حذف خبرها شيوعًا، كما صرّح به حيث قال : « و شاع في ذي » إلى آخره، بخلاف « إنّ » فإنّه ليس في خبرها جائزًا .
والثاني : جواز العطف على محلّ اسم « لا » مطلقًا وإن كان قبل مضيّ الخبر، كما مرّ في قوله : « والعطف إن لم » إلى آخره، بخلاف « إنّ » فإنّه قد مرّ عدم جواز ذلک فيها .
والثالث : جواز إلغائها عند التكرار، كما مرّ في قوله : « والثاني اجعلا » إلى
آخره، ولم يكن هذا جائزًا في « إنّ » وإن كرّرت .
والرابع : بناء اسمها على الفتح إذا لم يكن مضافًا أو مشابهًا به، كما مرّ في قوله : «و ركّب المفرد » إلى آخره، بخلاف « إنّ » فإنّ اسمها منصوب أبدًا .
والخامس : عدم جواز تقديم خبرها على اسمها وإن كان ظرفًا أو مجرورًا، كما مرّ في قوله : « و بعد ذاک الخبر اذكر »، بخلاف « إنّ » فإنّ تقديم خبرها على اسمها مع كونه ظرفًا أو مجرورًا قد مرّ جوازه .
والسادس : كون عملها مختصًّا في النكرات، كما مرّ في قوله : « عمل إن اجعل للا في نكرة »، بخلاف « إنّ » فإنّها تعمل مطلقًا إن كان مدخولها معرفة .
هذا ما يظهر من كلام المصنّف هنا، ولها معها مخالفة من وجوه أخر، وأنت بعد اطّلاعک على ما ذكرناه وإحاطتک بما مرّ في « إنّ » متمكّن على استخراجها، فلانطيل الكلام .
قوله : أي موجود .
و فيه: أنّه على هذا يكون التقدير هكذا : لا إله موجود إلّا الله، و هو لا ينفي إمكان غير الله تعالى .
و قيل (1): خبر « لا » : ممكن، أي : لا إله ممكن إلّا الله .
و فيه أيضًا : أنّه لا دلالة له حينئذٍ على وجود الله تعالى بالفعل؛ لأنّ الإمكان لايستلزم الوجود.
1) . لم نعثر على قائله، ينظر: الروضة البهيّة للشهيد الثاني 1 : 1 / 230.
و قيل (1): إنّ خبرها موجود و هو: « إلّا الله ».
و فيه أيضًا : أنّ « لا » لا تعمل إلّا في النكرة المنفية، و لفظ « الله » هنا معرفة مثبتة (2).
و قيل : إنّ خبرها: « مستحقّ » محذوف، أي: لا إله مستحقًّا للعبادة إلّا الله .
و ردّ أيضًا بأنّه لا ينفي التعدّد مطلقًا (3).
و يمكن أن يقال : إنّ خبرها : « موجود »، لكن تقدير الكلام هكذا : لا إله موجود في شيء من الأزمنة إلّا الله، فإنّه يلزم منه نفي إمكان غيره تعالى؛ لأنّ الإمكان له طرفان : وجوديّ و عدميّ، والمفروض أنّ طرف الوجود مفقود، فتعيّن العدم، وهو المطلوب، إلّا أنّه لا يلزم منه عدم إمكان إله غير الله تعالى بالذات.
و يمكن أن يقال : إنّ التقدير هكذا : لا إله موجود و لا ممكن إلّا الله، فهو موجود و ممكن بالإمكان العامّ المقيّد بالجانب (4)العدم (5).
و ذهب صاحب الكشّاف و عن غيره من المحقّقين إلى أنّ « إلّا الله » مبتدأ
1) . نقله عن البعض في مغني اللبيب : 2 / 572 . ونقله السيّد علي خان المدنيّ 1 عن بعضالعلماء في رياض السالكين: 2 / 285، وقال : (وكأنّه أراد أنّه خبر ل « لا » مع اسمها، فإنّهما فيموضع رفع عند سيبويه، وإلّا لزم عمل «لا» في غير نكرة منفيّة، وهو غير صحيح). انتهىكلامه رفع مقامه .
2) . مغني اللبيب : 2 / 572 .
3) . ينظر: الروضة البهيّة للشهيد الثاني 1 : 1 / 230 .
4) . كذا في « ص »، والصواب : بجانب .
5) . روضة المتّقين في شرح كتاب من لايحضره الفقيه: 1 / 337 .
وخبره : « لا إله »؛ إذ كان الأصل : الله إله، فلمّا أريد الحصر زيد « لا » و « إلّا »، ومعناه : الله إله و معبود بالحقّ لا غيره (1).
و قيل (2): إنّ هذه الكلمة نقلت شرعًا إلى نفي الإمكان والوجود عن إله سوى
الله، مع الدلالة على وجوده تعالى وإن لم تدلّ عليه لغة .
قوله : فضلاً عن أن يجب .
هذه العبارة و مثلها متكرّرة مشهورة، و لا بأس بكشف الحجاب عن معناها وتركيبها، فأقول : اعلم : أنّه على ما يظهر من الفيّوميّ و غيره أنّ معناها هو أنّ الحذف غير جائز و لا واجب، أو أنّ عدم وجوب حذف الخبر أولى من عدم جوازه، وكأنّه قال : لا يجوز حذف الخبر عند عدم ظهور المراد، فكيف يكون واجبًا حينئذٍ ؟!
و نقل في المصباح المنير عن القطب الشيرازيّ أنّه قال في شرح المفتاح :
أنّ « فضلاً » يستعمل في موضع يستعمل (3)فيه الأدنى، و يراد به استحالة ما فوقه، ولهذا يقع بين كلامين متغايري المعنى، و أكثر استعماله أن يجيء بعد نفي (4).
وأمّا انتصابها فعلى المصدريّة، والتقدير في المقام هكذا : إن لم يظهر المراد لم
يجز الحذف، فتجاوز هذا الحذف فضل تجاوز عن الوجوب، أو : فتجاوز الحذف حينئذٍ تجاوز فضل عن الوجوب .
لا يقال : إنّه على هذا التقدير يكون المصدر مؤكّدًا لعامله، و حذف عامل المصدر المؤكّد غير جائز، كما سيصرّح به المصنّف حيث قال : « و حذف عامل المؤكّد امتنع ».
لأنّا نقول : كونه مؤكّدًا في المقام ممنوع، بل من المصدر النوعيّ؛ لأنّ زيادة التجاوز نوعٌ من التجاوز، و حذف عامله لدليلٍ متّسع، أو يكون التقدير : انّه فَقَدَ جواز حذف خبر « لا » النافية للجنس عند عدم ظهور المراد فَقْدًا يفضل زيادة فضل عن وجوب حذف خبرها .
قوله : حذفَ خبرٍ لا دليل عليه.
قوله : « خبر » بالتنوين، و « لا دليل عليه » صفةٌ له .
**
[ ظنّ وأخواتها ]
انصب بفعل القلب جزءي ابتدا *** أعني رأى خال علمت وَجَدَا
السادس من النواسخ: ظنّ وأخواتها
وهي أفعال تدخل على المبتدأ والخبر بعد أخذها الفاعل، فتنصبهما مفعولين لها.
(انصب بفعل القلب جزءي ابتدا) أي: المبتدأ والخبر، ولمّا كانت أفعال القلوب كثيرة وليست كلّها عاملة هذا العمل، والمفرد المضاف يعمّ، بيّن ما أراده منها فقال : (أعني) بالفعل القلبيّ العامل هذا العمل (رأى) إذا كانت بمعنى عَلِم كقوله :
رأيت الله أكبر كلّ شيء ...............
أو بمعنى ظنّ نحو: (إنّهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا) لا بمعنى أصاب الرِيَة، أو من رؤية العين، أو الرأي.
(خال) ماضي يخال، بمعنى ظنّ، نحو :
............. يخال الفرار يراخي الأجل
أو عَلِم نحو :
..................... وخلتُني لي اسم .....................
لا ماضي يخول بمعنى يتعهّد أو يتكبّر. (علمت) بمعنى تيقّنت نحو: (فإن علمتموهنّ مؤمنات)، لا بمعنى عرفت، أو صرت أعلم. (وَجَدَا) بمعنى علم نحو : (إنّا وجدناه صابرًا)، لا بمعنى أصاب أو غضب أو حزن.
ظنّ حسِبت و زعَمْت مع عدّ *** حجى درى وجعل اللذ كاعتقد
(ظنّ) من الظنّ بمعنى الحِسبان نحو: (إنّه ظنّ أن لن يحور)، أو العلم نحو : (وظنّوا أن لا ملجأ من الله الّا إليه)، لا بمعنى التهمة. (حسبت) بكسر السين بمعنى اعتقدت نحو: (ويحسبون أنّهم على شيء) أو علمت نحو :
حسبت التقى والجود خير تجارة .....................
لا بمعنى صرت أحسب، أي: ذا شُقْرة أي: حمرة وبياض.
(وزعمت) بمعنى ظننت نحو :
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم .....................
لا بمعنى كفلت أو سمنت أو هزلت.
(مع عدّ) بمعنى ظنّ نحو :
فلا تعدد المولى شريكک في الغنى .....................
لا من العدّ بمعنى الحساب.
(حجا) - بحاء مهملة ثمّ جيم - بمعنى اعتقد نحو :
قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة
لا بمعنى غلب في المحاجاة أو قصد أو أقام أو بخل.
(درى) بمعنى علم نحو :
دريت الوفي العهد ...... .....................
(وجعل اللذ كاعتقد) نحو: (وجعلوا الملائكة الّذين هم عباد الرحمن إناثًا) لا الّذي بمعنى خلق، أمّا جعل الّذي بمعنى صيّر فسيأتي أنّه كذلک.
وهب تعلّم والّتي كصيّرا *** أيضًا بها انصب مبتدأ وخبرا
(وهب) بمعنى ظنّ نحو :
..................... ...... فهبني أمرأً هالكًا
(وتعلّم) بمعنى اعلم نحو :
تعلّم شفاء النفس قهر عدوّها .....................
لا من التعلّم.
(و) الأفعال (الّتي كصيّرا)، وهي: صار وجعل، لا بمعنى: اعتقد، أو خلق، ووهب، وردّ، وترک، وتخِذَ، واتّخذ، (أيضًا بها انصب مبتدأ وخبرًا) نحو: (فجعلناه هباءً منثورًا). وهبني الله فداک، (ودّ كثيرًا من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا).
............تركته أخا القوم .............
(لَتَخِذْتَ عليه أجرًا)، (واتّخذ الله إبراهيم خليلاً)
وخصّ بالتعليق والإلغاء ما *** من قبل هَبْ والأمر هب قد ألزما
(وخصّ بالتعليق) وهو إبطال العمل لفظًا فقط لا محلاًّ (الإلغاء) وهو إبطاله لفظًا ومحلاًّ (ما من قبل هب) من الأفعال المتقدّمة، بخلاف هب وما بعده، (والأمر هب قد ألزما)، فلا يتصرّف.
كذا تعلّم، ولغير الماض من سواهما اجعل كلّ ما له زكن
(كذا) أي: كهب في لزومه الأمر (تعلّم ولغير الماضي) كالمضارع ونحوه (من سواهما اجعل كلّ ما) أي: للماضي (زكن) أي: علم من نصبه مفعولين هما في الأصل مبتدأ وخبر، وجواز التعليق والإلغاء.
وجوّز الإلغاء لا في الابتدا وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
(وجوّز الإلغاء) أي: لا توجبه، بخلاف التعليق، فإنّه يجب بشروطه كما سيأتي، (لا) إذا وقع الفعل (في الابتداء)، بل في الوسط نحو :
إنّ المحبّ علمت مصطبر .....................
وجاء الإعمال نحو :
شجاک أظنّ رَبْع الظاعنينا .....................
وهما على السواء. وقال ابن معط: (المشهور الإعمال).
أو في الأخير نحو :
هما سيّدانا يزعمان...... .....................
ويجوز الإعمال نحو: زيدًا قائمًا ظننت، لكنّ الإلغاء أحسن وأكثر.
(وانو ضمير الشأن) في موهم إلغاء ما في الابتداء، كقوله :
..................... وما إخال لدينا منک تنويل
فالتقدير: إخاله أي: الشأن، والجملة بعده في موضع المفعول الثاني، (أو) انو (لام ابتداء) معلّقة.
في موهم إلغاء ما تقدّما *** والتزم التعليق قبل نفي ما
(في) كلام (موهم) أي: موقع في الوهم أي: الذهن (إلغاء ما) أي: فعل (تقدّما) على المفعولين، كقوله :
..................... إنّي رأيت ملاک الشيمة الأدب
تقديره: إنّي رأيت لملاک، فحذف اللام وأبقى التعليق.
(والتزم التعليق) لفعل القلب غير هب إذا وقع (قبل نفي ما)؛ لأنّ لها الصدر، فيمتنع أن يعمل ما قبلها في ما بعدها، وكذلک بقيّة المعلّقات نحو: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون).
وإن ولا لام ابتداء أو قسم *** كذا والاستفهام ذا له انحتم
(و) قبل نفي (إن) كقوله تعالى: (وتظنّون إن لبثتم إلّا قليلاً) (و) قبل نفي (لا) كعلمت لا زيد عندک ولا عمرو، واشترط ابن هشام في إن ولا تقدّم قسم ملفوظ به أو مقدّر. (لام ابتداء) كذا، سواء كانت ظاهرة نحو: علمت لزيد منطلق، أم مقدّرة كما مرّ. (أو) لام (قسم كذا) نحو :
ولقد علمت لتأتِيَنّ منيّتي .....................
(والاستفهام ذا) أي: الحكم، وهو تعليقه للفعل إذا وليه (له انحتم)، سواء تقدّمت أداته على المفعول الأوّل نحو: علمت أزيد قائم أم عمرو، أم كان المفعول اسم استفهام نحو: (لنعلم أيّ الحزبين أحصى)، أم أضيف إلى ما فيه معنى
الاستفهام، نحو: علمت أبو مَن زيد ؟ فإن كان الاستفهام في الثاني نحو: علمت زيدًا أبو مَن هو؟ فالأرجح نصب الأوّل؛ لأنّه غير مستفهم به ولا مضاف إليه، قاله في شرح الكافية.
تتمّة
ذكر أبو عليّ من جملة المعلّقات لعلّ، كقوله تعالى: (وإن أدري لعلّه فتنة لكم) وذكر بعضهم من جملتها لو، وجزم به في التسهيل، كقوله :
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتمًا *** أراد ثراء المال كان له وفر
ثمّ الجملة المعلّق عنها العامل في موضع نصب حتّى يجوز العطف عليها بالنصب.
لِعِلْمِ عرفانٍ وظنّ تهمة *** تعدية لواحد ملتزمة
(العلم عرفان وظنّ تهمة تعدية لواحد ملتزمة) نحو: (والله أخرجكم من بطون أمّهاتكم لا تعلمون شيئًا) (وما هو على الغيب بظنين) أي: بمتّهم وكذلک رأى بمعنى أبصر أو أصاب الرية أو من الرأي، وخال بمعنى تعهّد أو تكبّر، ووجد بمعنى أصاب، ونحو ذلک يتعدّى لواحد.
ورأى الرؤيا انم ما لِعَلِمَا *** طالب مفعولين من قبلُ انتمى
(ولرأى) من (الرؤيا) في النوم (انم) أي: انسب (ما لعلما) حال كونه (طالب مفعولين من قبل انتمى) وانصب به مفعولين حملاً له عليه لتماثلهما في المعنى؛ إذ الرؤيا في النوم إدراک بالباطن كالعلم كقوله :
أراهم رفقتي ...... .....................
وعلّقه وألغه بالشروط المتقدّمة.
ولا تُجِز هنا بلا دليل *** سقوط مفعولين أو مفعول
(ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول)، وأجازه بعضهم إن وجدت فائدة كقولهم: من يسمع يخل، لا إن لم توجد كاقتصارک على أظنّ؛ إذ لا يخلو الإنسان من ظنّ ما، فإن دلّ دليل فأجزه كقوله تعالى: (أين شركائي الّذين كنتم تزعمون) أي: تزعمونهم شركائي، وقوله :
.................فلا تظنّي غيره منّي بمنزلة المحبّ المكرم
أي: واقعًا.
وكتظنّ اجعل تقول إن ولي *** مستفهمًا به ولم ينفصل
(وكتظنّ اجعل) القول جوازًا وانصب به مفعولين، ولكن لا مطلقًا، بل إن كان مضارعًا مسندًا إلى المخاطب نحو: (تقول إن ولي مستفهمًا به) - بفتح الهاء - أي : أداة استفهام (و) إن (لم ينفصل) عنه
بغير ظرف او كظرفٍ أو عمل *** وإن ببعض ذي فصلت يحتمل
(بغير ظرف أو كظرف) أي: مجرور أو (عمل) أي: معمول بمعنى مفعول نحو :
متى تقول القُلّص الرواسما *** يحملْنَ أم قاسم وقاسما
فإن انفصل عنه بغير هذه الثلاثة وجبت الحكاية نحو: أأنت تقول: زيد قائم؟ (وإن ببعض ذي) الثلاثة (فصلت بين) الاستفهام والقول (يحتمل) ولا يضرّ في العمل نحو: أغدًا تقول زيدًا منطلقًا؟ وأفي الدار تقول عمرًا جالسًا؟ و :
أجُهّالاً تقول بني لؤيٍّ .....................
وأجري القول كظنّ مطلقا *** عند سُلَيم نحو: قل ذا مُشْفقا
(وأجري القول كظنّ)، فينصب به المفعولان (مطلقًا) بلا شرط (عند سليم نحو : قل ذا مشفقًا)، ونحو :
قالت - وكنت رجلاً فطينا - *** هذا لعمر الله إسرائينا
وأعجبني قولک: زيدًا منطلقًا، وأنت قائل بشرًا كريمًا.
**
[ السادس من النواسخ : ظنّ و أخواتها ] (1)
قوله : ظنّ و أخواتها .
الظاهر أنّ ترجيح « ظنّ » على أخواتها في العنوان لأجل استعمال كثير من هذه الأفعال بمعناها، كما سيصرّح به في التفصيل .
قوله : أو صرت .
اعلم : في المصباح :
عَلم عَلْمًا، من باب تعب : انشقّت شفته (2).
و في المجمع :
هو مشقوق الشفة العليا (3).
و فيهما :
الذكر : أعلم، والأنثى : علماء، مثل : أحمر و حمراء (1).
قوله : أي ذا شُقْرة .
و في الكتابين :
انّ الشقرة من الألوان : حمرة تعلو بياضًا في الإنسان، و حمرة صافية في الخيل (2).
قوله : أي لا توجبه .
تفسيره هكذا يحتمل وجهين :
أحدهما : هو أنّ الظاهر من لفظ التجويز أنّه يقال إذا كان لشيء حكمان، أحدهما كان أشهر وأكثر وأولى و مسلّمًا، و ثانيهما يكون أقلّ و غير أولى، كما في الميتة، فإنّ لها حكمان: أحدهما : عدم جواز أكلها، وهو مسلّم و مشهور، والثاني : جوازه عند الضرورة . و في مثل هذا المقام إذا أريد التنبيه على مثل هذا الفرد يقال: إنّ أكل الميتة عند الضرورة مجوّز .
إذا عرفت هذا نقول : إنّ لأفعال القلوب عند عدم تقدّمها على المفعولين حكمان: أحدهما : الإعمال، والثاني : الإهمال، أي: الإلغاء . و لفظ التجويز إنّما يصحّ استعماله في الإلغاء إذا كان إعمالها حينئذٍ أكثر وأولى، والإهمال أقلّ وغير أولى، و ليس الأمر كذلک، فلهذا فسّر الشارح قوله : « و جوّز الإلغاء » بقوله : « أي
لا توجبه »، فتأمّل (1).
والوجه الثاني : هو أنّه ربّما كان لمتوهّم أن يتوهّم أنّ الجواز مشترک فيه بين التعليق والإلغاء، فحقّ المقابلة غير مرعيّ في قول المصنّف هذا و قوله بعد : «وَالْتَزِم التعليق »، فدفع هذا التوهّم بقوله : « أي لم توجبه (2)» تنبيهًا على أنّ جنس الجواز وإن كان مشتركًا بينهما، إلّا أنّ الفرق بينهما بيّن؛ لأنّ الجواز الّذي في التعليق هو مع قيد الوجوب، و في الإلغاء مع قيد العدم، فحقّ المقابلة في كلام المصنّف واضح .
إن قيل : سلّمنا ذلک، لكن كان يكفي للشارح للتنبيه على وجه المقابلة بأن يفسّر قول المصنّف هنا: « و جوّز الإلغاء » أي: لا تلتزمه (3)، بل هذا أحسن لحقّ
المقابلة؛ لقوله بعد : « والتزم التعليق ».
قلت : حقّ المقابلة وإن كان يكفي فيه ما ذكرت، لكنّ الشارح عدل عن هذا إلى
1) . جاء في حاشية « ص » : « وجه التأمّل هو أنّ هذا إنّما يصحّ إذا لم يكن الظاهر من قوله لمتوجبه أشهريّة الإلغاء وأولويّته على الإعمال عند عدم تقدّم أفعال القلوب أو كان الظاهر ذلکمع كون الإلغاء أحسن وأولى وأشهر حينئذٍ مطلقًا، سواء تأخّرت عن المفعولين أو توسّطتبينهما، لكنّه ليس كذلک لما سيصرّح انّه عند التوسّط الإهمال والإعمال سيّان، نعم يصحّالتفسير بالنسبة إلى صورة التأخّر عن المفعولين. ويمكن أن يقال: إنّه على تقدير تسليم ظهورقوله : لم توجبه على ذلک تعبير العبارة بنحو يوافق إحدى الصورتين في المسألة أولى منتعبيرها بنحو لا يوافق شيئًا منهما ؛ منه عفي عنه ».
2) . في المصدر : لا توجبه .
3) . في « م »: لا تلتزم .
قوله؛ تنبيهًا على أنّ الالتزام والوجوب متّحدان معنًا وإن تغايرا لفظًا، حيث قال : «فإنّه يجب بشروطه كما سيأتي ».
قوله : لا إذا وقع الفعل في الابتداء .
لمّا كان قول المصنّف : « لا في الابتداء » يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون لفظ « الابتداء » في كلامه بمعنى المبتدأ، فيكون المعنى على هذا: جوّز الإلغاء لا في المبتدأ، أتى الشارح بقوله : « إذا وقع الفعل » دفعًا لهذا التوهّم .
قوله : والجملة بعده في موضع المفعول الثاني .
اعلم : أنّه يظهر من تتبّع كلماتهم اشتراط كون الجملة معمولاً في مواضع :
الأوّل : فيما نحن فيه، أي: إذا نوى ضمير الشأن مفعولاً في موهم إلغاء الفعل المتقدّم من أفعال القلوب، فتعيّن حينئذٍ أن يكون الجملة مفعولاً ثانيًا.
والثاني من المواضع الّتي يشترط كون المعمول جملة : خبرُ أفعال المقاربة كما تقدّم.
والثالث : خبرُ « أن » المفتوحة المخفّفة إذا كان اسمها خبرًا محذوفًا، فيجب فيه أيضًا أن يكون خبرها حينئذٍ جملة، كما تقدّمت إليه الإشارة .
والرابع من تلک المواضع : إذا كان اسم « كأنّ » أو « انّ » - مثلاً - ضمير الشأن، فتعيّن أيضًا أن يكون الجملة خبرًا، كقوله : « كأنّ الناس صنفان »، و « انّه زيد قائم».
والخامس : خبر القول المحكيّ، ويظهر من ابن هشام (1)تعيّن كون خبره حينئذٍ
جملة، كما تقول : « قولي لا اله إلّا الله »، لكن قد سبق من الشارح ما يدلّ على جواز وقوع الخبر حينئذٍ مفردًا أيضًا، فتأمّل .
قوله : أي الذهن .
لمّا كان الوهم ممّا يستعمل في معنيين: أحدهما: الغلط، يقال : وَهَمَ في الحساب، أي : غلط فيه (2)، ولم يكن هذا مرادًا كما لا يخفى، أتى الشارح بقوله :
«أي الذهن »؛ تنبيهًا على أنّ المراد من الوهم هنا هذا المعنى دون غيره .
قوله : غير هب .
فيه: أنّ مقتضى هذا الكلام التزام التعليق لجميع أفعال القلوب غير « هب » وإن كان من الأفعال الّتي بعدها، و هو مخالف لما صرّح به آنفًا من أنّ اختصاص التعليق والإلغاء في غير « هب » و ما بعده .
إلّا أن يقال: إنّ المراد هناک نفي مجموع الأمرين من التعليق والإلغاء في «هب » و ما بعده، و هو لا ينافي إثبات أحدهما في ما بعد « هب ».
أو يقال : إنّ قوله هناک: « و ما بعده » عطفٌ على قول المصنّف: « ما من قبل هب »، يعني: أنّه خصّ (3)بالتعليق والإلغاء الأفعال الّتي قبل « هب » والّتي بعدها،
بخلاف « هب »، إلّا أنّ مفهوم كلام المصنّف ينافيه .
قوله : لأنّ لها صدر الكلام (1).
فيه : أنّ مقتضى هذا التعليل التزام التعليق ل- «هب» أيضًا إذا وقعت قبل نفي «ما»، كقولک : « هب ما زيد قائم ».
قوله : و قبل نفي إن .
صرّح بذلک دفعًا لتوهّم كونه معطوفًا على قوله : « نفي »، فيكون التقدير هكذا : والتزم التعليق قبل «إن»، فلا يعلم حينئذٍ أنّها مفتوحة أو مكسورة، و على تقدير الثاني لا يعلم أنّها مخفّفة أو نافية .
قوله : القول جوازًا، إلى آخره .
لمّا كان لمتوهّم أن يتوهّم أنّ قول المصنّف : « تقول » على سبيل المثال، فيشمل الحكم لجميع ما يصدر من القول، ولهذا قال : « اجعل القول » (2)إلى آخره .
إن قلت : هذا التوهّم ممّا يندفع بقول المصنّف بعد : « واُجري القول كظنّ مطلقًا»، فيعلم أنّ المراد هنا ليس مطلق ما يصدر من القول للمقابلة، فلا يحتاج إلى تقدير الشارح.
قلت : دلالة المقابلة على ذلک ممنوعة؛ لأنّه يكفي (3)في المقابلة عدم اعتبار
الشرطين الآخرين في أحد المقابل، و على تقدير التسليم - بناءً على أنّ عادة المصنّف إعطاء الحكم بالمثال - لايعلم أنّها « يقول » بالياء التحتانيّة، أو التاء
الفوقانيّة، وعلى تقدير الثاني لا يعلم أنّها مسندة للمخاطب أو لغيره، فاحتاج إلى التنبيه بالمراد.
ثمّ إنّ السرّ في جعل القول بهذه الشروط مثل « ظنّ » في نصب المفعولين هو أنّ القول و ما (1)يصدر منه ممّا يتعدّي إلى مفعول واحد، و لابدّ أن يكون جملة، أو
مفردًا مؤدّيًا معناها، فإن كان الثاني نصب كقولک : « قلت خطبةً أو شعرًا »، وإن كان الأوّل حكيت الجملة كقولک : « قلت : زيد قائم و عمرو شاعر »، فيكون «زيد» مبتدأ على ما كان قبل دخول القول عليه، و « قائم » خبره . و كذا المثال الثاني، والجملة مفعول له، ولم يعمل القول في الظاهر؛ لما قيل من أنّ القول وما يصدر منه يقتضي الجملة بلفظها، لا بمعناها.
ألا ترى أنّک تقول : « قلت: زيدٌ قائم »، أي : هذين اللفظين من غير نظر إلى المعنى، فلم يصحّ أن ينصب جزئي الجملة، و أمّا إذا كان بتلک الشروط المذكورة فيكون بمعنى « ظنّ »، و هي تقتضي الجملة من جهة معناها، كالمفعولين من باب «أعطيت »، فصحّ أن تنصب جزئي الجملة .
قوله : وجبت الحكاية .
و ذلک لما قيل (2)من أنّ الفعل حينئذٍ لا يجب تضمّنه معنى الظنّ؛ لأنّه ليس مستفهمًا عنه، بل عن فاعله، و ذلک لا ينافي إرادة الحقيقة من الفعل.
**
[ أعلم وأرى ]
إلى ثلاثة رأى وعلما عدّوا إذا صارا أرى وأعلما
فصل: في أعلم وأرى وما جرى مجراهما
(إلى ثلاثة) مفاعيل (رأى وعلما) المتعدّيين لمفعولين (عدّوا إذا صارا) بإدخال همزة التعدية عليهما (أرى وأعلما) نحو: (إذ يريكم الله في منامک قليلاً ولو أراكهم كثيرًا لفشلتم)، وأعلم زيد عمرًا بشرًا كريمًا.
وما لمفعولي علمت مطلقا *** للثان والثالث أيضًا حقّقا
(وما لمفعولي علمت) وأخواته (مطلقًا) من الإلغاء والتعليق عنهما وحذفهما أو أحدهما لدليل (للثاني والثالث) من مفاعيل هذا الباب (أيضًا حقّقا) نحو قول بعضهم: البركة - أعلمنا الله - مع الأكابر، وقوله :
وأنت أراني الله أمنع عاصم .....................
وتقول: أعلمت زيدًا، أمّا الأوّل منها فلا يجوز إلغاؤه ولا تعليق الفعل عنه، ويجوز حذفه مع ذكر المفعولين اقتصارًا، وكذا حذف الثلاثة لدليل ذكره في شرح التسهيل، ونقل أبو حيّان أنّ سيبويه ذهب إلى وجوب ذكر الثلاثة دونه.
وإن تعدّيا لواحد بلا *** همزٍ فلاثنين به توصّلا
(وإن تعدّيا لواحدٍ بلا همزٍ) بأن كان رأى بمعنى أبصر، وعلم بمعنى عرف (فلاثنين به توصّلا) نحو: أريت زيدًا عمرًا، وأعلمت بشرًا بكرًا. والأكثر المحفوظ في علم هذه نقلها بالتضعيف نحو: (وعلّم آدم الأسماء كلّها)، ونقلها بالهمزة قياسًا على ما اختاره في شرح التسهيل من أنّ نقل المتعدّي لواحد بالهمزة قياس لا سماع، خلافًا لسيبويه.
والثان منهما كثان اثني كسا *** فهو به في كلّ حكم ذو اتّسا
(و) المفعول (الثاني منهما) أي: من مفعولي أرى وأعلم المتعدّيين لهما بالهمزة (ثان اثني) أي: مفعولي (كسا) في كونه غير الأوّل نحو: أريت زيدًا الهلال، فالهلال غير زيد كما أنّ الجبّة غيره في نحو: كسوت زيدًا جبّة، وفي جواز حذفه نحو: أريت زيدًا كما تقول: كسوت زيدًا، وفي امتناع إلغائه (فهو به في كلّ حكم) من أحكامه (ذو اتّسا) أي: صاحب اقتداء، واستثنى التعليق، فإنّه جائز فيه وإن يجز في ثاني مفعولي كسا نحو: (ربّ أرني كيف تحيي الموتى).
وكأرى السابق نبّأ اخبرا *** حدّث أنبأ كذاک خبّرا
(وكأرى السابق) أوّل الباب في التعدية إلى الثلاثة (نبّأ) ألحقه به سيبويه، واستشهد بقوله :
نُبّئت زُرْعة - والسفاهة كاسمها - *** يهدي إليّ غرائب الأشعار
لكنّ المشهور فيها تعديتها إلى واحد بنفسها وإلى غيره بحرف جرّ. وألحق به السيرافي (أخبر) كقوله :
وما عليک إذا أخبرتني دنفا *** وغاب بعلک يومًا أن تعوديني
وألحق به أيضًا (حدث) كقوله :
أو منعتم ما تسألون، فمن حُدِّ *** ثْتُموه له علينا العلا؟
وألحق به أبو عليّ (أنبأ) كقوله :
وأنبئت قيسًا ولم أبْلُه *** كما زعموا خير أهل اليمن
(كذاک خبّرا) وألحقه بأرى السيرافيّ أيضًا كقوله :
وخُبّرت سوداءَ الغميم مريضة *** فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
**
[ فصل : في أعلم وأرى وما جرى مجراهما ] (1)
قوله : بإدخال همزة التعدية عليهما .
أي: لا مطلقًا؛ إذ ربّما يصير « رأى » مثلاً أراى، ولا ينصب إلّا ما نصبت، كصيغة المتكلّم من المضارع .
قوله : دونه .
يحتمل أن يكون حذف مضاف في العبارة، أي: دون غير سيبويه، أو لا، بل الضمير عائد إلى الحذف، و على الوجهين من تتمّة المنقول عن أبي حيّان.
و يحتمل أن يكون بحذف مضاف أيضًا، والضمير يعود إلى أبي حيّان، فيكون من كلام الشارح، أي: نقل ذلک أبو حيّان عن سيبويه، دون غير أبي حيّان.
**
1) . العنوان منّا .
الفاعل الّذي كمرفوعي أتى *** زيد منيرًا وجهه نعم الفتى
هذا باب الفاعل وفيه المفعول به
وهو - كما قال في شرح الكافية - : المسند إليه فعل تامّ مقدّم فارغ باق على الصوغ الأصليّ أو ما يقوم مقامه.
فالمسند إليه يعمّ الفاعل والنائب عنه والمبتدأ والمنسوخ الابتداء، وقيد التامّ يخرج اسم كان، والتقديم يخرج المبتدأ، والفراغ يخرج نحو: يقومان الزيدان، وبقاء الصوغ الأصليّ يخرج النائب عن الفاعل، وذكر ما يقوم مقامه يدخل فاعل اسم الفاعل والمصدر واسم الفعل والظرف وشبهه، و أو فيه للتنويع، لا للترديد.
وذكر المصنّف للنوعين مثالين، فقال: (الفاعل الّذي كمرفوعي أتى زيد منيرًا وجهه نعم الفتى)، ومثّل بهذا الأمثال إعلاما بأنّه لا فرق في الفعل بين المتصرّف والجامد، وحصره الفاعل في مرفوعي ما ذكره إمّا جرى على الغالب؛ لإتيانه مجرورًا بمِن إذا كان نكرة بعد نفي أو شبهه، ك- : (ما جاءني من أحد)، وبالباء في نحو: (وكفى بالله شهيدًا)، أو إرادة للأعمّ من مرفوعي اللفظ والمحلّ.
وبعد فعلٍ فاعل فإن ظهر *** فهو وإلّا فضمير استتر
(و) لابدّ (بعد فعل) من (فاعل) وهي - أعني البعديّة - مرتبته، فلا يتقدّم على
الفعل؛ لأنّه كالجزء منه، (فإن ظهر) في اللفظ نحو : قام زيد، والزيدان قاما (فهو) ذاک (وإلّا فضمير استتر) راجع إمّا لمذكور نحو: زيد قام، وهند قامت، أو لما دلّ عليه الفعل نحو: ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، أي: ولا يشرب الشارب، أو لما دلّ عليه الحال المشاهدة نحو: (كلّا إذا بلغت التراقي) أي: بلغت الروح.
قاعدة
قالوا: لا يحذف الفاعل أصلاً عند البصريّين، واستثنى بعضهم صورة، وهي : فاعل المصدر نحو: سقيًا ورعيًا. وفيه نظر. وقد استثيت صورة أخرى، وهي : فاعل فعل الجماعة المؤكّد بالنون، فإنّ الضمير فيه يحذف، وتبقى ضمّة دالّة عليه، وليس مستترا كما سيأتي بيانه في باب نوني التأكيد.
وجرّد الفعل إذا ما أسندا *** لاثنين أو جمع ك- : فاز الشهدا
(وجرّد الفعل) من علامة التثنية والجمع (إذا ما أسند لاثنين) ظاهرين، (أو جمع) ظاهر (كفاز الشهداء)، أو قام أخواک، أو جاءت الهندات. هذه هي اللغة المشهورة.
وقد يقال سَعِدا وسعدوا *** والفعل للظاهر بعدُ مسند
(وقد) لا يجرّد بل تلحقه حروف دالّة على التثنية والجمع، كالتاء الدالّة على التأنيث، و (يقال: سعدا و سعدوا و) الحال أنّ (الفعل) الّذي لحقته هذه العلامة (للظاهر بعد مسند)، ومنه قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. وقول بعضهم: أكلوني البراغيث.
وقول الشاعر :
..................... وقد أسلماه مُبعد وحميم
وقوله :
..................... ألْقَحْنَها غُرَّ السحائب
ويرفع الفاعل فعل أضمرا *** كمثل زيد في جواب مَن قرأ
(و يرفع الفاعل فعل أضمرا) تارة جوازًا إذا أجيب به استفهام ظاهر (كمثل زيد في جواب مَن قرأ؟)، أو مقدّر نحو: (يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال * رجالٌ) ببناء يسبّح للمفعول، أو أجيب به نفي كقولک لمن قال: لم يقم أحد: بلى زيد. وتارة وجوبًا إذا فسّر بما بعده كقوله سبحانه: (وإن أحد من المشركين استجارک).
وتاء تأنيثٍ تلي الماضي إذا *** كان لأنثى كأبت هند الأذى
(وتاء تأنيث) ساكنة (تلي) الفعل (الماضي) دلالةً على تأنيث فاعله (إذا كان لأنثى)، ولا تلحق المضارع؛ لاستغنائه بتاء المضارعة، ولا الأمر؛ لاستغنائه بالياء (كأبت هند الأذى).
وإنّما تلزم فِعْل مضمر *** متّصل أو مفهم ذات حر
(وإنّما تلزم) هذه التاء (فعل مضمر) أي: فعلاً مسندًا إليه، سواء كان مضمر مؤنّث حقيقيّ أو مجازيّ (متّصل) به نحو: هند قامت، والشمس طلعت، بخلاف المنفصل نحو: هند ما قام إلّا هي، وشذّ حذفها في المتّصل في الشعر كما سيأتي، (أو) فعلاً مسندًا إلى ظاهر (مفهم ذات حر) أي: صاحبة فرج، ويعبّر عن ذلک بالمؤنّث الحقيقيّ نحو: (قامت هند)، بخلاف المسند إلى ظاهر مؤنّث غير حقيقيّ
نحو: طلعت الشمس، فلا تلزمه.
وقد يبيح الفصل ترک التاء في *** نحو: أتى القاضي بنت الواقف
(وقد يبيح الفصل) بين الفعل والفاعل بغير إلّا (ترک التاء في) فعل مسند إلى ظاهر مؤنّث حقيقيّ (نحو: أتى القاضي بنت الواقف)، وقوله :
إنّ امرأً غرَّهُ منكنّ واحدة *** بعدي وبعدک في الدنيا لمغرور
والأجود فيه إثباتها.
والحذف مع فصل بإلّا فُضّلا *** كما زكا إلّا فتاة ابن العُلا
(وحذف) للتاء من فعل مسند إلى ظاهر مؤنّث حقيقيّ مع فصل بين الفعل والفاعل (بإلّا فُضّلا) على الإثبات (كما زكا إلّا فتاة ابن العلا)؛ إذ الفعل في المعنى مسند إلى مذكّر؛ لأنّ تقديره: ما زكا أحد إلّا فتاة ابن العلا. ومثال الإثبات قوله :
ما برئت من ريبة وذمّ *** في حربنا إلّا بنات العمّ
والحذف قد يأتي بلا فصلٍ ومَعْ *** ضمير ذي المجاز في شعر وقع
(والحذف) للتاء من فعل مسند إلى ظاهر مؤنّث حقيقيّ (قد يأتي بلا فاصل) حكى سيبويه عن بعضهم: (قال فلانة)، (و) الحذف (مع) الإسناد إلى (ضمير) المؤنّث (ذي المجاز)، وهو الّذي ليس له فرج (في شعر وقع)، قال عامر الطائيّ :
فلا مُزْنَة ودَقَت وَدْقَها *** ولا أرضٌ أبقلَ إبقالها
وحمله ابن فلاح في الكافية على أنّه عائد إلى محذوف، أي: ولا مكان أرض أبقل، والضمير في إبقالها للأرض.
والتاء معْ جمعٍ سوى السالم من *** مذكّر كالتاء مع إحدى اللّبِن
(والتاء مع) فعل مسند إلى (جمع سوى السالم من مذكّر)، وهو جمع التكسير وجمع المؤنّث السالم (كالتاء مع) مسند إلى ظاهر مؤنّث غير حقيقيّ نحو: (إحدى اللّبن) أي: لبنة، فيجوز إثباتها نحو: قالت الرجال، وقامت الهندات على تأويلهم بالجماعة وحذفها نحو: قال الرجال، وقام الهندات على تأويلهم بالجمع.
هذا مقتضى إطلاقه في جمع المؤنّث، وإليه ذهب أبو عليّ، وفي التسهيل خصّصه بما كان مفرده مذكّرًا كالطلحات، أو مغيّرًا كبنات، أمّا غيره - كالهندات - فحكمه حكم واحده، ولا يجوز: قام الهندات، إلّا في لغة (قال فلانة).
قال في شرح الكافية: ومثل جمع التكسير ما دلّ على جمع ولا واحد له من لفظه كنسوة، تقول: قال نسوة، وقالت نسوة.
أمّا جمع المذكّر السالم فلا يجوز فيه اعتبار التأنيث؛ لأنّ سلامة نظمه تدلّ على التذكير، والبنون جرى مجرى التكسير؛ لتغيّر نظم واحده كبنات.
والحذف في: نِعْم الفتاةُ، استحسنوا *** لأنّ قصد الجنس فيه بَيّن
(والحذف) للتاء (في) فعل مسندٍ إلى جنس المؤنّث الحقيقيّ نحو: (نعم الفتاة) وبئس المراة (استحسنوا؛ لأنّ قصد الجنس فيه) على سبيل المبالغة في المدح والذمّ (بيّن)، ولفظ الجنس مذكّر، ويجوز التأنيث على مقتضى الظاهر، فتقول : نعمت الفتاة، وبئست المرأة.
والأصل في الفاعل أن يتّصلا *** والأصل في المفعول أن ينفصلا
(والأصل في الفاعل أن يتّصلا) بفعله؛ لأنّه كالجزء منه، (والأصل في المفعول أن ينفصلا) عن فعله؛ لأنّه فضلة، نحو: ضرب زيدٌ عمرًا.
وقد يُجاء بخلاف الأصل *** وقد يجي المفعول قبل الفعل
(وقد يُجاء بخلاف الأصل) فيقدّم المفعول على الفاعل، نحو: ضرب عمرًا زيدٌ، (وقد يجي المفعول قبل الفعل) نحو: (فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضلالة).
وأخّر المفعول إن لَبْسٌ حُذِر *** أو أضمر الفاعل غير منحصر
(وأخّر المفعول) وقدّم الفاعل وجوبًا (إن لبس) بينهما (حذر)، كأن لم يظهر إعراب ولا قرينة، نحو: ضرب موسى عيسى؛ إذ رتبة الفاعل التقديم، ولو أخّر لم يعلم، فإن كان ثمّة قرينة جاز التأخير نحو: أكل الكمّثرى موسى، وأضنْت سُعدى الحمّى، (أو أضمر الفاعل) أي: جيء به ضميرًا (غير منحصر) نحو: ضربت زيدًا، فإن كان منحصرًا وجب تأخيره نحو: ما ضرب زيدًا إلّا أنت، وكذا إذا كان المفعول ضميرًا نحو: ضربني زيد.
وما بإلّا أو بإنّما انحصر *** أخّر وقد يسبق إن قصد ظهر
(وما ب- إلّا أو بإنّما انحصر) سواء كان فاعلاً أو مفعولاً (أخّر) وجوبًا، مثال حصر الفاعل: ما ضرب عمرًا إلّا زيد، وإنما ضرب عمرًا زيد، ومثال حصر المفعول نحو : ما ضرب زيدٌ إلّا عمرًا، وإنّما ضرب زيد عمرًا. (و قد يسبق) المحصور سواء كان فاعلاً أو مفعولاً (إن قصد ظهر) بأن كان محصورًا ب- إلّا، وهذا ما ذهب إليه الكسائيّ، واستشهد بقوله :
..................... فما زاد إلّا ضعف ما بي كلامها
ما عاب إلّا لئيم فعلَ ذي كرم .....................
ووافقه ابن الأنباريّ في تقديمه إن لم يكن فاعلاً، والجمهور على المنع مطلقًا،
أمّا المحصور بإنّما فلا يظهر قصد الحصر فيه إلّا بتأخير.
وشاع نحو: خاف ربّه عمر وشذّ نحو: زان نوره الشجر
(وشاع) أي: كثر وظهر، تقديم المفعول على الفاعل إذا اتّصل به ضمير يعود على الفاعل، ولم يبال بعود الضمير على متأخّر؛ لأنّه متقدّم في الرتبة، وذلک (نحو : خاف ربّه عمر، وشذّ) تقديم الفاعل إذا اتّصل به ضمير يعود على المفعول (نحو : زان نوره الشجر)؛ لعود الضمير على متأخّر لفظًا ورتبةً، وذلک لا يجوز إلّا في مواضع ستّة ليس هذا منها، وفي الضرورة نحو :
ولمّا عصى أصحابه مصعبا .....................
وأجازه ابن جنّي في النثر بقلّة، وتبعه المصنّف، قال: لأنّ استلزام الفعل للمفعول يقوم مقام تقديمه.
****
[ هذا باب الفاعل وفيه المفعول به ] (1)
مبحث فاعل
قوله : المسند إليه فعل تامّ .
فيه : أنّه يدخل في حدّ الفاعل تابعه، كقولک : « قام زيد و عمرو »؛ إذ يصدق على « عمرو » أنّه مسند إليه فعل تامّ .
و يمكن الجواب عنه : بأنّ الظاهر من قولنا : « المسند إليه فعل » إلى آخره هو أن يكون الفعل مسندًا إليه من غير واسطة، فيخرج التابع الّذي يكون إسناد الفعل إليه بواسطة، أو يقال : إنّ المراد من المسند إليه أن يكون الفعل مسندًا إليه أصالة، لا تبعيّة.
قوله : والظرف و شبهه .
أي : ذكر « ما يقوم مقامه » يدخل في حدّ الفاعل فاعلَ الظرف و شبهه .
اعلم : أنّه يجب حذف متعلّق الظرف و شبهه من أفعال العموم في مواضع :
1) . العنوان منّا .
منها : إذا وقع الظرف أو المجرور جملة، فإنّه يجب فيه حذف المتعلّق كما تقدّم.
و منها : إذا وقع أحدهما خبرًا كما تقدّم أيضًا .
و منها : إذا وقع حالاً كقولک : « رأيت زيدًا عندک أو في الدار »، وسيجيء التصريح إليه في مبحث الحال .
و منها : إذا وقع أحدهما صفة، كما سيجيء أيضًا، كقولک : « رأيت رجلاً عندک، أو في الدار ».
وإذا كان الظرف أو المجرور كذلک، أو اعتمد النفي أو الاستفهام يجوز أن يرفع كلّ منهما الفاعل، و يجب حينئذٍ حذف المتعلّق أيضًا، كقوله تعالى : (أَفِي اللهِ شَکٌّ ) (1)، و قولک : « ما في الدار رجل »؛ إذ يجوز أن يكون المرفوع فيهما فاعلاً، فيكون الجملة ظرفيّة و مبتدأ، أو مرفوعًا بالابتداء فتكون اسميّة. ولعلّ الأوّل أولى؛ لأنّ الأصل عدم التقديم والتأخير، و إلى هذا أشار بقوله : « يدخل فاعل الظرف و شبهه ».
وإنّما قلنا : أو اعتمد النفي أو الاستفهام؛ لأنّه عند عدم الاعتماد كقولک : « في الدار زيد » - مثلاً - نقل عن الجمهور : إيجاب كون المرفوع مبتدأ، و عن الأخفش والكوفيّين: تجويز الوجهين بعدم اشتراطهم في عملهما الاعتماد (2).
قوله : و أو فيه للتنويع .
أي : لفظة « أو » في قوله : « أو ما يقوم مقامه » للتنويع، لا للترديد .
لمّا كان ظاهر المتبادر من لفظة « أو » كونها لأحد الشيئين أو الأشياء، و هي المعبّر عنها بأنّها للترديد، ولم يكن هذا المعنى مقصودًا في المقام، ضرورة أنّه ليس المراد من أنّ الفاعل هو أنّه إمّا أن يسند إليه الفعل أو ما يقوم مقامه بعنوان الترديد؛ إذ معلوم أنّه في الموضعين فاعل، ولهذا نبّه بقوله : « انّ (1)أو فيه للتنويع » إلى
آخره .
قوله : إذا كان نكرة .
يستفاد من مفهوم العبارة عدم جواز الإتيان بالفاعل مجرورًا ب- « مِن » إذا كان معرفة، و هو كذلک لما تقدّم منّا من أنّ عمل « مِن » الزائدة مختصّ في النكرات، فلا تعمل في المعارف .
قوله : بعد نفي أو شبهه .
وهذا من الشارح يدلّ على اختياره مذهب سيبويه و متابعيه من عدم جواز زيادة « من » في الإيجاب (2)، و ينافي الحمل الّذي ارتكبنا في عبارته سابقًا، فلا تغفل.
والمراد من شبه النفي هو الاستفهام والنهي .
قوله : و هي - أعني البعديّة - مرتبة (1).
يحتمل أن يكون « مرتبة » مرفوعًا خبرًا للمبتدأ، و هو قوله : « هي »، فيكون التنوين حينئذٍ عوضًا عن المضاف إليه، أي: البعديّة مرتبته، أي: مرتبة الفاعل، ويحتمل أن يكون منصوبًا على التمييز .
أراد بذلک التنبيه على أنّ البعديّة على قسمين : أحدهما: كبعديّة المبتدأ عن الخبر، والثاني : بعديّة بالمرتبة، والمراد من قول المصنّف : « بعد فعل فاعل » هو الأخير.
قوله : في اللفظ .
التقييد بذلک للتنبيه على أنّ المراد من قول المصنّف : « وإن (2)ظهر » ليس اسم
الظاهر فقط، بل ما يظهر في اللفظ، سواء كان اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا بارزًا، بقرينة قوله : « وإلّا ضمير (3)استتر ».
قوله : و فيه نظر .
لعلّ وجه النظر: عدم تسليم كون الفاعل محذوفًا، لجواز استتاره فيهما، فلا يتمّ الاستشهاد بهما على المدّعى .
و فيه نظر؛ لأنّ هذا إنّما يتمّ إذا جاز إضمار الفاعل واستتاره في المصدر، وقد
صرّح ابن الحاجب (1)بعدمه؛ استنادًا إلى أنّه لو اُضمر الفاعل فيه لأضمر في المثنّى
والمجموع قياسًا على الواحد، فإذا اُضمر فيهما لزم أن يثنّى المصدر و يجمع، وإلّا لالتبس ضمائر المثنّى والمجموع والمفرد بعضها مع بعض، فإذا ثنّى و جمع يلزم اجتماع التثنيتين والجمعين؛ لأنّ المصدر حينئذٍ باعتبار الضمير يستحقّ التثنية والجمع، كما يستحقّهما باعتبار نفسه، فإنّ له في نفسه جمعًا و تثنيةً .
ولا يلزم ذلک في اسم الفاعل والمفعول و غيرهما؛ إذ ما يقع عليه اسم الفاعل هو ما يقع عليه مرفوعه، و كذا اسم المفعول والصفة المشبّهة، فتثنية أحدهما وجمعه تثنية الآخر وجمعه.
و لقائلٍ أن يقول : يجوز أن يتحمّل ضمير المثنّى والمجموع [ولا يثنّى ] (2)
ولايجمع، كاسم الفعل والظرف (3).
ثمّ إنّ حصره حذف الفاعل في الموضعين هنا ينافي ما يأتي في باب التعجّب حيث يجوز فيه حذف الفاعل ممثّلاً لذلک بقوله تعالى : ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ) (4).
قوله : من علامة التثنية والجمع .
لمّا كان لمتوهّم أن يتوهّم أنّ المستفاد من إطلاق المصنّف أنّه يجرّد الفعل عند إسناده إلى التثنية أو الجمع من جميع ما عدا الفعل، فيلزم منه تجرّده عن علامة
التأنيث أيضًا في تلک الحالة، فلذا قيّد الشارح قوله بقوله : « من علامة التثنية والجمع » تنبيهًا على المراد .
قوله : ظاهرين .
لمّا كان ظاهر عبارة المصنّف يدلّ على أنّه يجرّد الفعل من علامة التثنية عند إسناده إلى الاثنين، ولم يكن هذا بإطلاقه صحيحًا؛ لأنّ إدخال العلامة عند إسناده إلى ضمير التثنية واجب، قيّده بقوله : « ظاهرين »، أي : تجرّد الفعل من العلامة إنّما هو عند إسناده إلى اثنين ظاهرين، لا مطلقًا، و كذا في قوله : « أو جمع ظاهر ».
قوله : يتعاقبون فيكم ملائكة (1).
و يمكن أن يقال : إنّ قوله هذا وما بعده من الأمثلة ليس الأمر فيها منحصرًا فيما ذكر؛ لجواز أن يكون اسم الظاهر فيها مبتدأ مؤخّرًا والفعل خبرًا مقدّمًا، أو يكون الاسم فيها بدلاً عن الضمير في الفعل .
إن قيل : كيف يمكن ذلک لاستلزام عود الضمير على المتأخّر ؟
قلت : أمّا على التقدير الأوّل فالضمير فيه وإن عاد على المتأخّر لفظًا، لكنّه مقدّم رتبة كما لا يخفى، وأمّا على التقدير الثاني فلأنّ من المواضع الّتي جوّز فيه
1) . هو جزء من حديث عن أبي هريرة : انّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليلوملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، و صلاة الفجر، ثمّ يعرج الّذين باتوا فيكمفيسألهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم و هم يصلون، وأتيناهم وهميصلّون ». ينظر: الموطأ : 1 / 170 ؛ و صحيح مسلم : 2 / 113 ؛ و صحيح البخاريّ : 1/ 139باب وقت العصر ؛ و مسند أحمد : 2 / 312 ؛ و سنن النسائيّ : 1 / 24 .
عود الضمير على المتأخّر لفظًا ورتبة هو ما إذا أبدل منه الظاهر المفسّر له، ومعلومٌ أنّ ما نحن فيه من هذا القبيل، فيكون جائزًا؛ لما نقل عن المصنّف أنّه نقل عن ابن كيسان (1): الإجماع على جوازه حينئذ (2).
قوله : ببناء يسبّح للمفعول .
والشاهد في قوله تعالى : ( رِجَالٌ ) (3)، حيث رفع بفعل مقدّرٍ، اُجيب به استفهام
مقدّر؛ إذ التقدير يكون هكذا : يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال، كأنّ سائلاً يقول : مَن يسبّح ؟ يجاب : رجالٌ، أي : يسبّح رجال .
إنّما قيّده بقوله : « ببناء يسبّح للمفعول »؛ لأنّه لو كان مبنيًّا للفاعل لكان «رجال» فاعلاً له، فيخرج عن ما نحن فيه (4).
1) . ينظر: مغني اللبيب : 2 / 492 .
2) . جاء في حاشية « ص » : « أي : حين ما يبدل من الضمير اسمًا ظاهرًا مفسّرًا له. منه ».
3) . سورة النور : 36 و 37 : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّوالآصال * رجال لّا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ... ).
4) . هنا بياض في النسخ المخطوطة.
قوله : فلا مُزْنَةٌ، إلى آخره (1).
قاله عامر الطائيّ، قبله :
و جاريةٍ من بَنَات المُلُوک *** قَعْقَعْتُ بالخيل خَلْخَالها
كَكِرفِئَةِ الغَيث ذات الصَبِيرِ *** ترمي (2)السَحابَ وتأتي لها (3)
والجرّ في « جارية » إمّا بالواو؛ لكونها بمعنى « ربّ »، أو ب- : « ربّ » المقدّرة بعدها، و « من بنات الملوک » صفتها، و « قعقعت » جواب « ربّ »، أو واوها، وهو للعامل في مجرورها والباء في « بالخيل » للسببيّة، و معناه: الفرسان، ومعنى قعقعت: صوتت، و « خلخالها » مفعوله .
وقوله : « ككرفئة الغيث » في محلّ النصب على الحاليّة للخيل. و « الكرفئة » : السحاب المتراكم بعضه فوق بعض، و « ذات الصبير » صفة الكرفئة. و « الصبير » على وزن فعيل: السحاب الّذي يصير بعضه فوق بعض درجًا. و « تأتي السحاب »
1) . البيت لعامر بن جُوَيْن الطائيّ في الكتاب : 2 / 46 ؛ والكامل للمبرّد: 2 / 279، 3 / 91 ؛وشرح المفصّل لابن يعيش : 5 / 94 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 1 / 529؛ وتلخيصالشواهد: 483 ؛ وخزانة الأدب : 1 / 64 ؛ والدرر: 6 / 268 ؛ وشرح التصريح: 1 / 278 ؛والمقاصد النحويّة: 2/ 464 ؛ وشرح شواهد المغني : 2 / 943 ؛ و بلا نسبة في : أمالي ابنالحاجب: 1 / 352 ؛ وشرح التسهيل : 2 / 45 ؛ وأوضح المسالک : 90 ؛ ومغني اللبيب :2/656 ؛ وشرح ابن عقيل: 1/ 480 ؛ وشرح المفصّل : 5 / 94 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 171 ؛وشرح الرضيّ على الكافية : 1 / 47 و 3 / 342 .
2) . في لسان العرب : تأتي .
3) . في لسان العرب : « تَأْتَالَها »، ومعنى تأتال: تصلح، وأصله: تأتول (لسان العرب: 1 / 137).
أي: تنظم إليها. و « تأتي لها » أي: تصلحها بانضمامها إليها، و فتح اللام للضرورة.
قوله : لأنّه كالجزء منه .
اعلم : أنّ معنى الأصل في المقام هو الاستحقاق، أي: ما يستحقّ أن يكون الفاعل عليه هو اتّصاله بالفعل؛ لما ذكره من أنّه كالجزء منه، و جزء الشيء متّصل به، لا يفصل بينه و بين ذلک الشيء بالأجنبيّ، فكذا ما هو بمنزلته .
و يدلّ على ذلک إسكانهم آخر الفعل في مثل : « ضربت »؛ لعدم جواز توالي أربع حركات في كلمة واحدة، فكذلک ما هو بمنزلتها، و عدم إسكانهم في مثل : «ضربک و ضربه ».
قوله : و قدّم الفاعل .
لمّا كان عبارة المصنّف : « و أخّر المفعول »، يحتمل أن يكون المراد بها تأخير المفعول عن الفعل و تأخيره عن الفاعل، بل (1)الأوّل كان أظهر بالنسبة إلى قوله :
«وقد يجيء المفعول قبل الفعل »، نبّه الشارح بقوله : « وقدّم الفاعل » على أنّ المراد هو الآخر؛ لأنّ المقام مقام تأخير المفعول و تقديمه عن الفاعل، لا تأخيره عن الفعل.
ولأنّه لو كان المراد ذلک لدلّ الكلام بضميمة قوله بعده : « أو أضمر الفاعل » على أنّه لو أضمر الفاعل لوجب تأخير المفعول عن الفعل حينئذ، ولم يكن هذا مرادًا بقرينة قوله أوّلاً : أنّه قد يجيء المفعول قبل الفعل نحو : ( فَرِيقًا هَدَى ) (2)،
فنبّه الشارح على أنّ المراد تأخير المفعول عن الفاعل .
إن قيل : لما نحتاج إلى هذا التقدير؛ لأنّ قوله : « إن لَبْس حُذِر » يدلّ على أنّ المراد تأخير المفعول عن الفاعل، لا عن الفعل .
قلت : دلالته على ذلک غير ظاهرة؛ إذ يحتمل أن يكون المراد: أخّر المفعول عن الفعل إن خيف اللبس بين أن يكون المفعول مفعولاً لهذا الفعل أو لغيره .
لكن بقي في المقام شيء، و هو أنّه كان يمكن للشارح أن يقول بعد قوله : «وأخّر المفعول » عن الفاعل، فتأمّل .
قوله : كأن لم يظهر إعراب و لا قرينة .
أي : لم يظهر الإعراب في كليهما؛ إذ لو ظهر في واحد منهما يمتاز به عن الآخر.
و في المقام بحث، و هو أنّه كان للشارح أن يكتفى بذكر القرينة عن ذكر الإعراب؛ إذ هي شاملة له أيضًا.
و يمكن الجواب عن هذا : الظاهر أنّ وضع الرفع والنصب إنّما هو لأجل الامتياز بين الفاعل والمفعول، والظاهر المعهود إطلاق القرينة على ما دلّ على شيء ولو توضع له .
قوله : أي جيء به ضميرًا .
لمّا كان لمتوهّم أن يتوهّم أنّ المراد من قوله : « أضمر الفاعل » هو أن يكون الفاعل ضميرًا مستترًا، ولعلّه المتبادر من مثل العبارة، فسّر الشارح بما ذكره؛ تنبيهًا على أنّ المراد كون الفاعل ضميرًا، سواء كان مستترًا أو بارزًا .
قوله : مثال حصر الفاعل .
يحتمل أن يكون الإضافة بمعنى « في »، فيكون المراد في المثال المذكور -وهو قوله: « ما ضرب عمرًا إلّا زيد » - حصر مضروبيّة عمرو في زيد، أو يكون المراد: مثال المحصور في الفاعل، أو الإضافة بمعنى اللام بأن يكون المراد مثال المحصور للفاعل، وهكذا الكلام في قوله : « مثال حصر المفعول »، فلا تغفل .
قوله : بأن كان محصورًا ب- «إلّا».
فيه : أنّ مقتضى إطلاق الكلام جواز سبق المحصور ب- « إلّا » مطلقًا، سواء تقدّمت « إلّا » معه، أو لا .
و لا يخفى فساده؛ لأنّه مع عدم تقدّم « إلّا » مع المحصور لانعكس المقصود؛ لأنّ المراد من قولنا : « ما ضرب زيدٌ إلّا شاعرًا » حصرُ ضاربيّة زيد في الشاعر مع جواز كون مضروبًا لشاعر لغيره، وإذا تقدّم المحصور فقط من غير « إلّا » يكون التقدير هكذا: ما ضرب شاعرًا إلّا زيدٌ، [ و ] يكون المعنى حينئذٍ حصر مضروبيّة الشاعر ل- «زيد»، مع جواز كون زيد ضاربًا لغيره، فانعكس المقصود، بل إنّما يصحّ إذا قدّم « إلّا » مع المحصور .
إن قلت : دلالة العبارة على الإطلاق ممنوعة؛ لأنّ قوله : « وقد يسبق المحصور» يدلّ على تقدّم « إلّا » معه .
قلنا : دلالته على ذلک غير مسلّمة؛ لأنّه يكفي لصدق المحصور كونه محصورًا قبل التقدّم .
قوله : إذا اتّصل به ضمير يعود على الفاعل .
هذا إذا اتّصل بالمفعول ضميرٌ يعود على الفاعل، أمّا إذا اتّصل به ضمير يعود على ما اتّصل بالفاعل فهل يجوز تقديم المفعول حينئذٍ ؟
فيه خلاف، فمَن جوّزه قال: إنّ الضمير الراجع إلى ما اتّصل بشيء مرتبته التقديم كالراجع إلى شيء مرتبته التقديم؛ لأنّ المتّصل بالمتقدّم متقدّم، كما في قولنا: « ضرب غلامَها جارُ هند».
قوله : و ذلک لا يجوز إلّا في مواضع .
و في بعض النسخ بزيادة لفظة : « ستّة »، و لا بأس بذكرها، فأقول :
الأوّل منها : إذا أعاد الضمير بالمتأخّر لفظًا و هو متقدّم رتبة، كما إذا اتّصل بالمفعول أو بالخبر ضميرٌ يعود على الفاعل، أو المبتدأ كما تقدّم .
والثاني : ضمير الشأن والقصد، كقوله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) (1)، وقوله تعالى : ( فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (2).
والثالث : أن يكون ذلک الضمير مرفوعًا بأفعال المدح والذمّ، و فسّر بالتمييز، كقولک: « نِعْم رجلاً زيدًا »، و « بِئْس امرأة هند ».
والرابع : هو ما إذا تنازع العاملان في اسم بعدهما، واعملنا الثاني، وأضمرنا في الفعل، كقولک : « ضربني و ضربت زيدًا ».
والخامس : ضمير يبدل منه الظاهر، كقوله تعالى : ( وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى ) (1)،
وقوله (علیه السلام) : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل و ملائكة بالنهار » (2)، على أحد الوجوه
فيهما، و قد مرّت إليه الإشارة، و قولک : « ضربت زيدًا ».
والسادس : ضمير المجرور ب- « ربّ »، كقولک : « ربّه رجلاً كريمًا ».
هذه هي المواضع الستّة، و قد ذكر بعضهم موضعًا آخر، و هو ما إذا كان الضمير مخبرًا عنه، فيفسّره خبره، كقوله تعالى: ( إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ) (3)، قال في الكشّاف :
هذا ضميرٌ لا يعلم ما يعنى منه إلّا بما يتلوه من بيانه، و أصله : إن الحياة إلّا حياتنا الدنيا، ثمّ وضع « هي » موضع الحياة؛ لأنّ الخبر يدلّ عليها (4).
**
1) . سورة طه : 62 ؛ سورة الأنبياء : 3 .
2) . هو جزء من حديث عن أبي هريرة : انّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليلوملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، و صلاة الفجر، ثمّ يعرج الّذين باتوا فيكم،فيسألهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم و هم يصلون، وأتيناهم وهميصلّون ». ينظر: الموطأ : 1 / 170 ؛ و صحيح مسلم : 2/ 113 ؛ و صحيح البخاريّ : 1 / 139باب وقت العصر ؛ و مسند أحمد : 2 / 312 ؛ و سنن النسائيّ : 1/24.
3) . سورة الأنعام : 29 ؛ سورة المؤمنون : 37 .
4) . الكشّاف : 3 / 32 .
[ النائب عن الفاعل ]
ينوب مفعولٌ به عن فاعل *** فيما له كَنِيل خيرُ نائل
هذا باب النائب عن الفاعل إذا حذف
والتعبير به أحسن من التعبير بمفعول ما لم يسمّ فاعله؛ لشموله للمفعول وغيره، ولصدق الثاني على المنصوب في قولک: أعطي زيد درهمًا، وليس مرادًا. (ينوب مفعول به) إن كان موجودًا (عن فاعل فيما له) من رفع، وعُمديّة، وامتناع تقديمه على الفعل، وغير ذلک (كنيل خير نائل)، وزيد مضروب غلامه.
فأوّل الفعل اضمُمَن والمتّصل *** بالآخر اكسر في مضيّ كوُصِل
(فأوّل الفعل) الّذي حذف فاعله (اضممن) سواء كان ماضيًا أو مضارعًا (والمتّصل بالآخر اكسر في مضيّ) فقط (كوصل) ودحرج.
واجعله من مضارع منفتحا *** كينتحي المقول فيه: يُنتحى
(واجعله) أي: المتّصل بالآخر (من) فعل (مضارع منفتحًا كينتحي المقول فيه) إذا بني لما لم يسمّ فاعله (ينتحى) وليُضرب، ويُدَحرج، ويُستَخرج.
والثاني التالي تا المطاوعة *** كالأول اجعله بلا منازعة
(و) الحرف (الثاني التالي) أي: الواقع بعد (تاء المطاوعة كالأول اجعله) فضمّه
(بلا منازعة) في ذلک، أي: بلا خلاف، نحو: تُعُلّم العلم، وتُدُحرج في الدار؛ لأنّه لو لم يضمّ لالتبس بالمضارع المبنيّ للفاعل. وكذا يضمّ الثاني التالي ما أشبه تاء المطاوعة نحو: تُكُبِّر وتُخُيّر.
وثالث الّذي بهمز الوصل *** كالأوّل اجعلنّه كاستُحلِي
(وثالث) الماضي (الّذي) ابتدأ (بهمز الوصل كالأوّل اجعلنّه)، فضمّه (كاستُحلى)؛ لئلّا يلتبس بالأمر في بعض الأحوال.
واكسر أو اشمم فا ثلاثيّ أعِلّ *** عينًا وضمّ جا كبوعَ فاحتمل
(واكسر) فاء ثلاثيّ معتلّ العين؛ لأنّ الأصل أن تضمّ أوّله وتكسر ما قبل آخره، فتقول في قال وباع: قُوِل وبُيِع، فاستثقلت الكسرة على الواو والياء، فنقلت إلى الفاء، فسكنتا، فقلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة، وسلمت الياء لسكونها بعد حركة تجانسها، وهذه اللغة العليا.
(أو اشمم فاء ثلاثيّ أعلّ عينًا) بأن تشير إلى الضمّ مع التلفّظ بالكسر، ولا تغيّر الياء، وهذه اللغة الوسطى، وبها قرأ ابن عامر والكسائيّ في: (قيل) و (غيض).
(وضمّ) للفاء (جاء) عن بعض العرب مع حذف حركة العين، فسلمت الواو، وقلبت الياء واوًا، كحوكت في قوله :
حوكت على نَولَين إذ تحاک .....................
(وكبوع) في قوله :
ليت، وهل ينفع شيئًا ليتُ ليت *** شبابًا بُوعَ فاشتريت
وقوله: (فاحتمل) أي: فأجيز، وخرج بقوله: أعلّ، ما كان معتلاًّ ولم يعلّ نحو :
عور في المكان، فحكمه حكم الصحيح. ثمّ هذه اللغات إنّما تجوز مع أمن اللبس.
وإن بشكل خيف لبس يجتنب *** و ما لباع قد يرى لنحو حب
(وإن بشكل) من الأشكال المتقدّمة (خيف لبس) يحصل بين فعل الفاعل وفعل المفعول (يجتنب) ذلک الشكل كخاف، فإنّه إذا أسند إلى تاء الضمير يقال: خِفْت بكسر الخاء، فإذا بني للمفعول فإن كسرت حصل اللبس، فيجب ضمّه، فيقال : خفت، ونحو: طِلت أي: غُلبت في المطاولة يجتنب في الضمّ لئلّا يلتبس بطُلت المسند إلى الفاعل من الطول ضدّ القصر .
(وما لباع) إذا بني للمفعول من كسر الفاء وإشمامها وضمّها (قد يرى لنحو : حبّ) من الثلاثيّ المضاعف المدغم إذا بني للمفعول . وأوجب الجمهور الضمّ، واستدلّ مجيز الكسر برواية علقمة نحو: (ردّت إلينا).
وما لفا باع لما العين تَلِي *** في اختار وانقاد وشبهٍ ينجلي
(وما) ثبت (لفا باع) إذا بني للمفعول من جواز الثلاثة فهو (لما العين تلي في) كلّ ثلاثيّ معتلّ العين و هو على افتعل وانفعل، نحو: (اختار وانقاد وشبهٍ) لذين (ينجلي) خبر هو محطّ حصول ما لفا باع لما وليته العين فيما ذكر، فيجوز فيه كسر التاء والقاف، و ضمّهما، والإشمام على العمل السابق، ويلفظ بهمزة الوصل على حسب اللفظ بهما.
وقابل من ظرف أو من مصدر *** أو حرف جرّ بنيابةٍ حرى
(وقابل) للنيابة (من ظرف) بأن كان متصرّفًا مختصًّا أو غير مختصّ، لكن قيّد الفعل بمعمول آخر، (أو من مصدر) بأن كان متصرّفًا لغير التوكيد، (أو حرف جرّ)
مع مجروره بأن لم يكن معلّقًا بمحذوف، ولا علّة (بنيابة) عن الفاعل (حرى) أي : جدير، نحو: سير يوم السبت، وسير بزيد يوم، وضرب ضرب شديد، (ولمّا سقط في أيديهم)، ونقل أبو حيّان في الارتشاف اتّفاق البصريّين والكوفيّين على أنّ النائب هو المجرور، وأنّ الّذي قاله المصنّف من أنّهما معًا النائب لم يقله أحد.
وغير القابل لا ينوب نحو: إذا، وعند، و (سبحان الله)، و (معاذ الله)، وضربًا في: ضربت ضربًا.
وفهم من تخصيصه النيابة بما ذكر أنّه لا يجوز نيابة التمييز ولا المفعول له، ولا المفعول معه.
وصرّح بالأوّل في التسهيل، وبالثاني في الارتشاف، وبالثالث في اللباب.
ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يَرِد
(ولا ينوب بعض هذي) الثلاثة المتقدّمة (إن وجد في اللفظ مفعول به) كما لا يكون فاعلاً إذا وجد اسم محض. هذا مذهب سيبويه، (و) ذهب الكوفيّون والأخفش إلى أنّه (قد يرد) نيابة غير المفعول به مع وجوده، كقوله تعالى: (ليُجزَى قومًا بما كانوا يكسبون)، وقول الشاعر :
لم يُعْن بالعلياء إلّا سيّدا *** ولا شَفَى ذا الغيّ إلّا ذو هدى
واختاره في التسهيل.
وباتّفاق قد ينوب الثان من *** باب كسا فيما التباسه أمن
(وباتّفاق) من جمهور النحاة (قد ينوب) عن الفاعل المفعول (الثان من باب كسا فيما التباسه أمن) نحو: كسى زيدًا جبّة، بخلاف ما إذا لم يؤمن الالتباس،
فيجب أن ينوب الأوّل نحو: أعطى عمرٌ بشرًا، وحكى عن بعضهم منع إقامة الثاني مطلقًا، وعن بعض آخر المنع إن كان نكرة والأوّل معرفة، ولعلّ المصنّف لم يعتدّ بهذا الخلاف، وقد صرّح بنفيه في شرحي التسهيل والكافية، و حيث جاز إقامة الثاني فالأوّل أولى؛ لكونه فاعلاً في المعنى.
في باب ظنّ وأرى المنع اشتهر *** ولا أرى منعًا إذا القصد ظهر
(في باب ظنّ وأرى) المتعديّة لثلاثة (المنع) من إقامة الثاني ووجوب إقامة الأوّل (اشتهر) عن كثير من النحاة.
قال الأبّذي في شرح الجزوليّة: لأنّه مبتدأ، وهو أشبه بالفاعل، فإنّ مرتبته قبل الثاني؛ لأنّ مرتبة المبتدأ قبل الخبر، ومرتبة المرفوع قبل المنصوب، ففعل ذلک للمناسبة.
وخالف ابن عصفور وجماعة، وتبعهم المصنّف فقال: (ولا أرى منعًا) من نيابة الثاني (إذا القصد ظهر) ولم يكن جملة وظرفًا كما في التسهيل، كقولک في: جعل الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، جُعِل خيرٌ من ألف شهر ليلة القدر.
أمّا الثالث من باب أرى ففي الارتشاف ادّعى ابن هشام الاتّفاق على منع إقامته.
وليس كذلک، ففي المُختَرَع جوازه عن بعضهم، وكما لا يكون للفعل إلّا فاعل واحد، كذلک لا ينوب عن الفاعل إلّا شيء واحد.
وما سوى النائب ممّا علّقا *** بالرافع النصب له محقّقا
(وما سوى النائب) عنه (ممّا علّقا بالرافع) أي: رافع النائب، وهو الفعل واسم
المفعول والمصدر على ظاهر قول سيبويه (النصب له محقّقا) لفظًا إن لم يكن جارًّا ومجرورًا نحو: ضرب زيد يوم الجمعة أمامک ضربًا شديدًا، ومحلاًّ إن يكنه نحو : (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة).
**
[ هذا باب النائب عن الفاعل إذا حذف ] (1)
مبحث النائب عن الفاعل
قوله : لأنّه لو لم يضمّ لالتبس بالمضارع المبنيّ للفاعل.
فيه : إن أراد بالالتباس الالتباس في الكناية فنقول : إنّها إمّا مع الإعراب أو بدونها، و على الثاني لايتفاوت بين ضمّ الحرف الثاني و عدمه، و على الأوّل الفارق موجود؛ لأنّ الحرف الأخير من الماضي مفتوحة، ومن المضارع مضمومة.
وإن أراد الالتباس في اللفظ فذلک أيضًا غير مسلّم؛ لما مرّ من كون الحرف الأخير مفتوحًا في الماضي ومضمومًا في المضارع، إلّا أنّ الالتباس مسلّم في حالة الوقف، فتأمّل.
قوله : نحو : تُكُبِّرَ و تُبُختر (2).
و ذلک لأنّ وضعهما للطلب، لا المطاوعة . تُكُبِّر أي: طلب التكبّر، و تُبُختر أي :
طلب التبختر .
قوله : لئلّا يلتبس بالأمر في بعض الأحوال .
أي : كما إذا اُسقط همزة الوصل.
قوله : خبر هو محطّ حصول ما لِفَا باعَ لِمَا وليته .
هكذا في كثير من النسخ الّتي رأيناها، وفي بعضها : « خبره هو محطّ ».
قد رأيت بعض الحواشي المكتوب في المقام في حلّ العبارة هكذا : أنّ قوله : «محطّ » مبتدأ وخبره: «لما وليته العين» (1).
ولعلّ هذا القائل توهّم أنّ قوله : « خبر » مضافٌ إلى قوله : « هو »، يعني: أنّ «ينجلي » خبرٌ لقول الشارح : «فهو»، ولا يساعده ما وجد في بعض النسخ ممّا تقدّم إليه الإشارة، و مع هذا لا يصحّ المعنى على التركيب الّذي ذكره؛ لأنّه مبنيّ على كون قوله : « محَطّ » بفتح الحاء بمعنى المحلّ والمنزل على ما صرّح به أيضًا، فيكون المعنى على هذا: أنّ محلّ ومنزل حصول ما لفاء باع لما وليته العين، ولا يخفى فساده؛ لأنّ المراد أنّ محلّ حصول ذلک هو ما وليته العين .
أقول : يمكن أن يقال: إنّ مراده من قوله : « خبر » الردّ على من توهّم كون «ينجلي» في كلام المصنّف صفة لقوله: « وشبهٍ »، ولمّا كان ارتكابه لا يخلو من تكلّف فأراد الشارح دفعه بتصريحه على أنّه خبر .
ثمّ أراد بقوله: « هو محطّ » إلى آخره، بيان علّة كونه خبرًا، فيكون « هو » مبتدأ و«محِطّ » - بكسر الحاء المهملة من اسم الفاعل - خبره، و قوله : « لما وليته
1) . لم نعثر عليه .
العين » متعلّق به، أي : ينجلي خبر؛ إذ هو محطّ - أي: منزل - حصول ما لفاء باع لما وليته العين فيما ذكر، أي: في « اختار » و في « انقاد ». ولا ينافيه ما وجد في بعض النسخ من زيادة الضمير بعد قوله : « خبر » كما تقدّم .
قوله : على العمل السابق .
أي: عمل السابق في « باع » و « قال ».
بيانه : هو أن تقول بمقتضى الأصل في « اختار » و « انقاد » : اختير وانقود، لكن لمّا كانت الكسرة على الياء والواو ثقيلة فتقلب إلى ما قبلها، فسكنتها، فقلبت الواو ياء لما مرّ، وسلمت الياء لما مرّ أيضًا.
هذا عند كسر التاء والقاف، وأمّا عند ضمّهما مع حذف حركة العين فسلمت الواو في « انقاد »، و قلبت الياء واوًا في « اختير » كما مرّ، فتقول : اختور وانقود.
هذا عند الكسر والضمّ، وأمّا الإشمام فغير خفيّ عليک .
قوله : ويلفّظ بهمزة الوصل على حسب اللفظ بهما .
أي : بالتاء والقاف في « اختار » و « انقاد »، يعني: إذا قرأ بكسر التاء والقاف قرأ بكسر الهمزة فيهما، وإذا ضمّتا ضمّت، وكذا الإشمام .
قوله : بأن كان متصرّفًا .
والمراد من الظرف المتصرّف ما يفارق الظرفيّة فتستعمل في غيرها، كأن يكون مفعولاً كقولک : « ذكرت يومَ مفارقتک »، و مخبرًا عنه كقولک : « اليومُ مبارکٌ »، ومضافًا إليه كما في قولک : « سرت نصف يومٍ ».
و غير المتصرّف من الظروف ما لم يخرج عن الظرفيّة أبدًا، أو ممّا يخرج عنها
باستعماله في شبهها، كاستعماله مجرورًا بالحرف، كما سيجيء إن شاء الله سبحانه.
إذا علمت ذلک فاعلم: أنّ المقام يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، فأقول: لا يخفى أنّ الفاعل من ضروريّات الفعل؛ إذ معلومٌ أنّ كلّ فعل لابدّ له من فاعل، فينبغي أن ينوب منابه ما يكون كذلک بالنسبة إلى الفعل بحسب المعنى وإن تمّ الكلام بدونه لفظًا.
ولا شکّ أنّ المفعول كذلک؛ لأنّ الفعل كما يحتاج إلى ما وقع منه يحتاج إلى ما وقع عليه، فلذا ينوب المفعول به مقامه كما تقدّم، وأمّا الظرف فهو أيضًا كذلک؛ لأنّ الفعل لابدّ له [ من ] زمان و مكان يقع فيه، وكذلک المصدر؛ لأنّه جزء مدلول الفعل، فتعقّل مدلوله يتوقّف على تعقّله، ولهذا يصلح للنيابة عن الفاعل .
فإن قلت : على هذا التحقيق ينبغي أن ينوب عن الفاعل كلّ واحد من الظرف والمصدر من غير شرط، فلِمَ اشترط الأوّل بقوله: «بأن كان متصرّفًا مختصًّا»، والثاني: « بأن كان متصرّفًا لغير التوكيد » ؟
قلت : أمّا اشتراط التصرّف في الظرف الواقع نائبًا عن الفاعل فظاهر؛ لما عرفت من أنّ غير المتصرّف من الظرف ما لم يخرج عن الظرفيّة و شبهه، فكيف تقع نائبًا عن الفاعل ؟!
وأمّا اشتراط كونه مختصًّا فلأنّه لابدّ للنائب عنه حصول الفائدة منه، وهو لا يكون إلّا بظرفٍ مختصّ، أي: معيّن؛ لأنّ مطلق الظرف قد عرفت أنّه مدلول الفعل، فلا يحصل منه الإفادة الغير الحاصلة، فلذا إذا قيّد الفعل بمعمولٍ آخر جاز نيابته حينئذٍ كما ذكره .
وأمّا اشتراط التصرّف في المصدر فهو أيضًا واضح؛ لأنّ الغير المتصرّف منه هو ما لم يخرج عن كونه منصوبًا أبدًا، فكيف ينوب عن الفاعل مع أنّ نائبه مرفوع ؟!
وأمّا اشتراط كونه لغير التوكيد فلأنّ مصدر التوكيديّ هو ما يؤكّد مدلول الفعل، فلذا يسمّى بهذا الاسم، فلا يحصل منه إفادة غير حاصلة، وقد عرفت أنّ النائب عن الفاعل لابدّ له من الإفادة .
و أمّا جواز نيابة المجرور عنه فلأنّه في المعنى مفعول به، و قد عرفت أنّه ينوب عنه، ولهذا قيّده الشارح بقوله: « بأن لم يكن متعلّقًا (1)بمحذوف »؛ لأنّه حينئذٍ
يكون من متعلّقات الفعل المحذوف، لا الفعل المذكور، فتأمّل.
هذا، مع أنّه لو كان حذف متعلّقه واجبًا - كما إذا وقع صلة أو صفة أو خبرًا أو حالاً أو غير ذلک - يكون مثل الجملة، وسيجيء أنّها لا تقع فاعلاً ولا نائبًا عنه، وكذا تقييده بقوله : « و لا علّة »؛ لأنّه حينئذٍ ليس مفعولاً به في المعنى.
هذا، مع أنّه أجاب عن هذا بعض المحقّقين (2)بأنّه ليس من ضروريّات الفعل
حينئذٍ؛ لأنّه ربّما يكون الفعل من غير غرض .
قوله : نيابة التمييز، إلى آخره .
أقول : نقل عن الكسائيّ نيابته (3)؛ لكونه فاعلاً في الأصل، فقال في « طاب زيد نفسًا» : طيبت نفس زيد .
أمّا عدم جواز نيابة المفعول له عنه - زيادةً على ما مرّ - فلأنّ نصبه مشعرٌ بالعلّيّة، فلو ناب عن الفاعل وجب رفعه، فيفوت إشعاره بالعلّيّة .
وأمّا مع عدم جواز المفعول معه؛ فلما عرفت من أنّ النائب عن الفاعل ينبغي أن يكون مثله في كونه من ضروريّات الفعل، والمفعول معه ليس كذلک؛ لأنّه كثيرًا ما يفعل الفعل بلا مصاحب، كما صرّح به نجم الأئمّة (1).
هذا، مع أنّ معه الواو الّتي أصلها للعطف، و هي دليل الانفصال، والفاعل قد عرفت أنّه كجزء الفعل، ولو حذفت الواو لم يعلم كونه مفعولاً معه فناب منابه أو غيره، فيفوت معنى المصاحبة.
وأمّا الحال فقضيّة ما ذكرنا وإن كان الجواز؛ لأنّ الفعل الواقع لابدّ أن يكون فاعله على حالة من الأحوال، إلّا أنّه قال بعض المحقّقين بأنّ قلّة مجيئها في الكلام منعتها من النيابة عن الفاعل الّذي لابدّ لكلّ فعل منه (2).
قوله : و حكى عن بعضهم منع إقامة الثاني مطلقًا .
يحتمل أن يكون المراد من الإطلاق: أي سواء أمن اللبس أو لا . ويحتمل أن يكون المراد منه: سواء كان الثاني نكرة أو معرفة بقرينة القول المتأخّر، ويكون المراد من كلا القولين: منع إقامته سواء أمن من اللبس أم لا، بقرينة قوله : « ولعلّ المصنّف لم يعتدّ بهذا الخلاف ».
قوله : و لم يكن جملة .
اعلم : أنّه وقع الخلاف بينهم في أنّ الفاعل هل يكون جملة، أم لا ؟
فالمشهور منهم المنع مطلقًا، و عن ثعلب (1)و هشام (2)جوازه كذلک (3)، حيث جوّزا: «يعجبني قام زيد» (4).
و عن الفرّاء و جماعةٍ التفصيل (5)، فقالوا: إن كان الفعل قلبيًّا و وجد معلّق عن
1) . هو أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء ( 200 - 291 ه ) : إمامالكوفيّين في النحو واللغة، كان راوية للشعر، محدّثًا، مشهورًا بالحفظ و صدق اللهجة، ثقة،حجّة، ولد و مات في بغداد . و سمّي الرجل « ثعلب » لأنّه كان إذا سئل عن مسألة أجاب منهاهنا و هاهنا، فشبّهوه بثعلب إذا أغار . من كتبه : الفصيح، قواعد الشعر، مجالس ثعلب، معانيالقرآن، إعراب القرآن، معاني الشعر، شرح ديوان زهير، و غير ذلک. ينظر ترجمته في :الأعلام : 1 / 267 ؛ والوافي بالوفيات : 8 / 157 ؛ والكنى والألقاب : 2 / 129 .
2) . ذكر السيوطيّ في « بغية الوعاة : 2 / 327 » أسماء خمسة ممّن يشتركون بهذا الاسم، و هم :هشام بن إبراهيم الكرنبائيّ الأنصاريّ أبو عليّ، و هشام بن أحمد بن هشام بن خالد المعروف بابن الوقّشيّ، و هشام بن زياد العوفيّ الواديّ آشي أبو الوليد، و هشام بن معاوية الضرير أبوعبدالله الكوفيّ، و هشام بن الوليد بن محمّد بن عبدالجبّار بن هاشم الغافقيّ . والمقصود هناهشام بن معاوية الضرير ( 209 ه ) صاحب الكسائيّ، و أخذ عنه كثيرًا في النحو، نحويّ منأهل الكوفة، من كتبه : الحدود، المختصر، والقياس، كلّها في النحو . و ينقل عنه الرضيّ كثيرًاويطلق عليه : هشام الضرير؛ لأنّه كان أعمى. ينظر: الأعلام : 8 / 88 ؛ و معجم المؤلّفين :13/150 ؛ و فهرست ابن النديم : 76 .
3) . أي : مطلقًا .
4) . نقله عنهما في مغني اللبيب : 2 / 428 .
5) . نقله عنهم في مغني اللبيب : 2 / 428 .
العمل جاز، نحو : « ظهر لي أقام زيد »، و حملوا عليه قوله تعالى: ( ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأوُا الاْيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ ) (1).
و كذا الخلاف في النائب عن الفاعل، و لذا قيّد الشارح بقوله : « و لم يكن جملة ».
نعم، قد تقع الجملة نائبة عن الفاعل كما إذا وقعت محكيّة، كقوله تعالى : ( قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَکِ ) (2)، و ( قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ ) (3)، إلّا أنّها حينئذٍ بمعنى المفرد، أي: قيل هذا اللفظ، أو هذا القول قوله.
قوله : و لا ظرفًا (4).
و ذلک لأنّ الظرف الواقع مفعولاً ثانيًا لهذا الباب هو خبر للمبتدأ في الأصل، والظرف الّذي هو خبر جملة لأن يحذف متعلّقه، ثمّ انتقل منه ضميره إليه، وقد عرفت أنّها لاتقع نائبة عن الفاعل، إلّا أنّ بعضهم يتسامحون في إطلاق لفظ الجملة عليه، ولعلّه لهذا ذكره بعد ذكر الجملة، أو من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ تنبيهًا على أخفى الفردين .
**
[ اشتغال العامل عن المعمول ]
إن مضمر اسم سابق فعلاً شَغَل *** عنه بنصب لفظه أو المحلّ
هذا باب اشتغال العامل عن المعمول
وهو أن يتقدّم اسم ويتأخّر فعل أو شبهه قد عمل في ضميره أو سببه لولا ذلک لعمل فيه أو في موضعه ... .
**
[ هذا باب اشتغال العامل عن المعمول ] (1)
قوله : و يتأخّر فعل أو شبهه .
والمراد بشبه الفعل هنا اسمي الفاعل كقولک : « زيدًا أنت ضاربه »، و « يوم الجمعة أنت معتكِفٌ فيه »، والمفعول، دون غيرهما، لعدم صدق ضابط الباب على غيرهما؛ إذ معلومٌ أنّ أفعل التفضيل لاينصب مطلقًا، وأمّا المصدر فلأنّ منصوبه لايتقدّم عليه كما سيجيء إن شاء الله سبحانه، فلا يصدق عليه أنّه لولا الضمير -مثلاً- لعمل فيه، وكذا الصفة المشبّهة .
قوله : أو سببه .
والظاهر أنّ الضمير فيه للضمير، ويحتمل العود إلى الاسم، أي: قد عمل الفعل في ضمير الاسم أو في متعلّق الضمير .
والمراد من العمل في المتعلّق هو أن يعمل ذلک الفعل فيما يضاف إلى ذلک الضمير، كقولک : « زيدًا أهنت أخاه »، أو يعمل فيما وقع عامل ذلک الضمير صفة
1) . العنوان منّا .
له، كما تقول: « زيدًا أهنت رجلاً يحبّه »؛ إذ الفعل عاملٌ في « رجلاً » هو موصوف لعامل الضمير، و هو « يحبّه »، أو يعمل فيما وقع عامل الضمير صلة له، كقولک : «زيدًا أهنت الّذي يحبّه »، أو فيما عطف عليه موصوف عامل الضمير، كما تقول : «زيدًا أهنت عمرًا ورجلاً يحبّه »، أو موصول عامل الضمير، كما تقول: « زيدًا أهنت عمرًا والّذي يحبّه »، أو غير ذلک من أنواع المتعلّقات.
قوله (1).
**
1) . إلى هنا ينتهي ما في نسخة «م»، والظاهر أنّ المصنّف 1 لم يشرح هذه المباحث من كتابالبهجة المرضيّة: باب تعدّي الفعل ولزومه، فصل في رتب المفاعيل، باب التنازع في العمل،فصل في المفاعيل (المفعول المطلق، المفعول له، المفعول فيه، المفعول معه).
[ الاستثناء ]
ما استثنت إلّا مع تمام ينتصب *** وبعد نفي أو كنفي انتُخِب
هذه خاتمة المفاعيل، وعقّبها المصنّف بما هو مفعول في المعنى فقال: الاستثناء هو إخراج ب- : إلّا أو إحدى أخواتها حقيقة أو حكمًا من متعدّد.
(ما استثنت إلّا مع تمام) وإيجاب (ينتصب) بها عند المصنّف، وبما قبلها عند السيرافيّ، وبمقدّر عند الزجّاج نحو: (فسجد الملائكة كلّهم أجمعون إلّا إبليس). (و) إن وقع (بعد نفي أو) ما هو (كنفي) وهو النهي والاستفهام (انتَخب) - بفتح التاء.
إتباع ما اتّصل وانصب ما انقطع *** و عن تميم فيه إبدال وقع
(إتباع ما اتّصل) للمستثنى منه في إعرابه أنّه بدل منه بدل بعض من كلّ نحو : (ولم يكن لهم شهداء إلّا أنفسهم)، (ولا يلتفت منكم أحد إلّا امرأتک)، (ومن يقنط من رحمة ربّه إلّا الضالّون)، ويجوز النصب، قال المصنّف: (و هو عربيّ جيّد). قال ابن النحّاس: كلّ ما جاز فيه الإتباع جاز فيه النصب على الاستثناء، ولا عكس.
(وانصب ما انقطع) وجوبًا نحو: (ما لهم به من علم إلّا اتّباع الظنّ) (وعن تميم
فيه إبدال وقع)، قال شاعرهم :
وبلدة ليس لها أنيس *** إلّا اليعافير وإلّا العيس
وغير نصب سابق في النفي قد *** يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
(وغير نصب سابق) على المستثنى منه، أي: إتباعه (في النفي قد يأتي) كقول حسّان :
لأنّهم يرجون منه شفاعة *** إذا لم يكن إلّا النبيّون شافع
(ولكن نصبه اختر إن ورد) كقوله :
وما لي إلّا آل أحمد شيعة *** وما لي إلّا مذهب الحقّ مذهب
أمّا في الإيجاب فلا يجوز غير النصب نحو: قام إلّا زيدًا القوم.
وإن يفرّغ سابق إلّا لما *** بعد يكن كما لو إلّا عُدما
(وإن يفرّغ سابق إلّا لما بعد) أي: للعمل فيه (يكن) ما بعد (كما لو إلّا عدما)، فيعرب على حسب ما يقتضيه ما قبلها، وذلک لا يقع إلّا بعد نفي أو شبهه، ك- : (لا تزر إلّا فتى)، (لا يتبع إلّا الهدى) و (هل زكى إلّا الورع).
والغ إلّا ذات توكيد ك-: لا *** تمرر بهم إلّا الفتى إلّا العُلا
(والغ إلّا ذات توكيد)، وهي الّتي تلاها اسم مماثل لما قبلها، أو تلت عاطفًا فاجعلها كالمعدومة (كلا تمرر بهم إلّا الفتى إلّا العلاء)، وكقوله :
مالک من شيخک إلّا عمله *** إلّا رَسِيمه وإلّا رَمَلُه
وإن تُكرّر لا لتوكيد فمع *** تفريغ التأثير بالعامل دَع
(وإن تكرّر) إلّا (لا لتوكيد فمع تفريغ) من المستثنى منه بأن حذف (التأثير بالعامل) الواقع قبل إلّا (دع)
في واحد ممّا بإلّا استثنى *** وليس عن نصب سواه مغني
(في واحد ممّا ب- : إلّا استثنى) مقدّمًا كان أو لا، (و ليس عن نصب سواه مغني) نحو: ما قام إلّا زيد إلّا عمرًا إلّا بكرًا.
ودون تفريغ مع التقدّم *** نصب الجميع احكم به والتزم
(و دون تفريغ مع التقدّم) لجميع المستثنيات على المستثنى منه (نصب الجميع احكم به والتزم)، ولا تدع العامل يؤثّر في شيء منها، نحو: قام إلّا زيدًا إلّا عمرًا إلّا خالدًا القوم.
وانصب لتأخير وجئ بواحد *** منها كما لو كان دون زائد
(وانصب لتأخير) لجميع المستثنيات عن المستثنى منه كلّها غير ما ذكر في قوله: (وجئ بواحد منها) معربًا (كما لو كان) وحده (دون زائد) عليه، فانصبه وارفعه حيث يقتضي ذلک على ما تقدّم.
كلم يفوا إلّا امرؤ إلّا عليّ *** وحكمها في القصد حكم الأوّل
(كلم يفوا إلّا امرؤ إلّا عليّ) برفع الأوّل ونصب الثاني، وقاموا إلّا زيدًا إلّا عمرًا إلّا خالدًا بنصب الجميع؛ إذ لو لم يكن إلّا الأوّل لوجب نصبه . (و حكمها) أي: ما بعد المستثنى الأوّل من المستثنيات إذا لم يمكن استثناء بعضها من بعض (في القصد حُكم) المستثنى (الأوّل)، فإن كان خارجًا بأن كان الأوّل استثناء من موجب، فما بعده كذلک، وإن كان داخلاً بأن كان استثناء من غير موجب، فما بعده
كذلک، فإن أمكن استثناء بعضها من بعض نحو: له عندي أربعون إلّا عشرين إلّا عشرة إلّا خمسة إلّا اثنين، استثنى كلّ واحد ممّا قبله، أو أسقط الأوتار وضمّ إلى الباقي بعد الإسقاط الأشفاع، فالمجتمع هو الباقي بعد الاستثناء، قاله في شرح الكافية.
واستثن مجرورًا بغير مُعربا *** بما لمستثنى بإلّا نسبا
(واستثن مجرورًا بغير)؛ لاضافته له حال كونه (معربًا بما لمستثنى بإلّا نسبا) من وجوب نصب واختياره، واتباع على ما تقدّم، ولكونها موضوعة في الأصل لإفادة المغايرة، فشاركت إلّا في الإخراج الّذي معناه المغايرة، ولم تكن متضمّنة معناها، فلذا لم تُبْن.
ولسوى سُوى سَواء اجعلا *** على الأصحّ ما لغيرٍ جُعلا
(ولسوى) - بكسر السين مقصورًا وممدودًا - و (سُوى) - بضمّها مقصورًا - و(سواء) - بفتحها ممدودًا - (اجعلا على) القول (الأصحّ ما لغير جعلا) من استثناء وإعراب بما نسب المستثنى ب- : إلّا. ومقابل الأصحّ قول سيبويه: أنّها لا تستعمل إلّا ظرفًا، ولا تخرج عنه إلّا في الضرورة. وردّه المصنّف بورودها مجرورة ب- «من» في قوله: دعوت ربّي أن لا يسلّط على أمّتي عدوًّا من سوى أنفسهم. وفاعلاً في قوله :
ولم يبق سوى العُدوا *** نِ دِنّاهم كما دانوا
ومبتدأ في قوله :
..................... فسواک بائعها وأنت المشتري
واسمًا لليس في قوله :
أأترک ليلى ليس بيني وبينها *** سوى ليلة إنّي إذًا لصبور
وقال الرمّاني: إنّها تستعمل ظرفًا غالبًا وكغير قليلاً. واختاره ابن هشام.
واستثن ناصبًا بليس وخلا *** و بِ- عدا وب- يكون بعد لا
(واستثن ناصبًا) للمستثنى (بليس) على أنّه خبرها، واسمها مستتر، كقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) : ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوا منه ليس السِنَّ والظُفُر. (و) كذا (خلا) نحو : قام القوم خلا زيدًا، (و) المستثنى (ب-: عدا و ب- : يكون) الكائن (بعد لا) كذا أيضًا نحو: قاموا لا يكون زيدًا، واسمها ك- : ليس.
واجرر بسابقي يكون إن ترد *** وبعد ما انصب وانجرارٌ قد يرد
(واجرر بسابقي يكون ) وهما خلا وعدا (إن ترد) نحو :
خلا الله لا أرجو سواک ... .....................
..................... عدا الشمطاء والطفل والصغير
(و) إن وقعا (بعد ما انصب) بهما حتمًا؛ لأنّها فعلان؛ إذ ما الداخلة عليهما مصدريّة، وهي لا تدخل إلّا على الجملة الفعليّة، كقوله :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل .....................
تَمُلّ النَدامَى ما عَداني وإنّني .....................
(وانجرار) بهما حينئذ (قد يرد) حكاه الأخفش والجرميّ والربعيّ على أنّ ما زائدة.
وحيث جرّا فهما حرفان *** كما هما إن نصبا فعلان
(وحيث جرّا فهما حرفان) للجرّ (كما هما إن نصبا) المستثنى (فعلان) استتر فاعلهما وجوبًا كما سبق.
وكخلا حاشا ولا تصحب ما *** وقيل: حاشَ وحَشَا فاحفظهما
(وكخلا) في نصب المستثنى بها وجرّه وغير ذلک ممّا سبق (حاشا) عند المبرّد والمازنيّ والمصنّف، وعند سيبويه أنّها لا تكون إلّا حرف جرّ، وردّ بقوله :
حاشا قريشًا فإنّ الله فضّلهم *** على البريّة بالإسلام والدين
(و) لكنّها (لا تصحب ما)، وأمّا حديث: أسامة أحبّ الناس إليّ ما حاشا فاطمة، فليست حاشا هذه الأداة، بل فعل ماض بمعنى استثنى، وما الداخلة عليه نافية لا مصدريّة، وهو من كلام الراوي، وفي رواية: ما حاشا فاطمة ولا غيرها.
(وقيل) في حاشا في لغة: (حاشَ)، وفي أخرى: (حَشَا، فاحفظهما).
**
[ الاستثناء ] (1)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ و به نَستعِين
الحمد لله ربّ العالمين، و صلّى الله على أشرف
أهل السماوات والأرضين
قوله : هو إخراج ب- «إلّا» أو بإحدى (2)أخواتها حقيقةً أو حكمًا.
تقييد (3)الإخراج ب- «إلّا» يخرج الإخراج بغيرها كالإخراج بالصفة (4)، كقوله تعالى: ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) (5)، أو بالبدل كقولک : « أكلت الرغيف ثلثه »، أو بالشرط كقولک: « أكرم إنسانًا إن كان عالمًا »، و غيرها.
والمراد بأخوات «إلّا» : غير، و سوى، و ليس، و لا يكون، و خلا، و عدا، وحاشا، كما يجيء بيان الكلّ إن شاء الله تعالى.
ثمّ إنّه لمّا كان الاستثناء على قسمين مختلفي (1)الماهيّة، أحدهما مخرج من متعدّد فيسمّى بالمتّصل، والثاني غير مخرج فيسمّى بالمنقطع، أراد الشارح أن يعرفهما بتعريف واحد جامع لهما، فقال : « هو إخراج ب- (إلّا) أو إحدى أخواتها حقيقةً أو حكمًا ».
فقسّم الإخراج إلى الحقيقيّ والحكميّ، والأوّل للمستثنى (2)المتّصل؛ إذ هو مخرج من المستثنى منه حقيقة، تقول: « جاءني القوم إلّا زيدًا »، حيث أخرج زيدًا من القوم حقيقة؛ لكونه داخلاً فيهم إن لم تكن « إلّا » موجودة، فبسببها يحصل الإخراج.
والثاني : للمستثنى (3)المنقطع، كقولک : « ما جاءني القوم إلّا حمارًا »، فإنّ الحمار وإن لم يكن مخرجًا من القوم حقيقة؛ لأنّ الإخراج فرع الدخول، ومعلوم (4)عدمه، إلّا أنّه قال : إنّه مخرج من المستثنى منه حكمًا .
ولعلّ المراد بالإخراج الحكميّ هو (1)اشتراكه مع المستثنى المتّصل (2)في حكم الإخراج؛ إذ قولک : « جاءني القوم إلّا زيدًا »، حكم بهذا (3)الإخراج؛ للتنبيه (4)على عدم اشتراک زيد مع القوم في المجيء، وهو هنا موجود أيضًا؛ لأنّ قولک: « جاءني القوم إلّا حمارًا » يحصل منه التنبيه على عدم اشتراک الحمار مع القوم في المجيء .
والحاصل : أنّ حكم الإخراج الحقيقيّ ب- « إلّا » - مثلاً - أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها في النفي والإثبات، و هو في الاستثناء المنقطع متحقّق أيضًا، فهو إخراج ب- « إلّا » أو إحدى أخواتها حكمًا، فتأمّل .
ثمّ إنّ المراد بالمستثنى المتّصل هو ما كان المستثنى من جنس المستثنى منه وكان داخلاً فيه، وبالمستثنى المنقطع ما لم يكن كذلک، فلو كان المستثنى من جنس المستثنى منه ولم يكن داخلاً فيه كقولک : « جاءني القوم إلّا زيدًا »، وإذا لم يكن زيد داخلاً فيهم يكون المستثنى (5)منقطعًا، وفاقًا للمحقّقين منهم، كابن
الحاجب في شرح المفصّل، و نجم الأئمّة، و غيرهما (1).
لما عرفت من أنّ الاستثناء المتّصل هو الّذي يكون مخرجًا من متعدّد ب- «إلّا» أو بإحدى أخواتها حقيقة، والإخراج الحقيقيّ إنّما يتحقّق إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه دون غيره، و مجرّد الاشتراک في الجنس لا يجدي نفعًا، فظهر لک أنّ قول بعضهم (2): « الاستثناء المتّصل هو ما كان المستثنى فيه من جنس المستثنى منه، والمنقطع ما لم يكن كذلک »، ليس بصحيح .
و في المقام إشكال مشهور، وهو أنّک قد عرفت أنّ الاستثناء المتّصل هو الإخراج ب- «إلّا» أو بإحدى أخواتها حقيقة أو حكمًا، و معلومٌ أنّ الإخراج موقوفٌ على سبق الدخول، فيلزم أن يكون المستثنى في نحو : « جاءني القوم إلّا زيدًا » داخلاً في المستثنى منه و خارجًا عنه، فيلزم تناقض ذيل الكلام لصدره؛ لأنّک حكمت أوّلاً بمجيء زيد ثمّ بعدم مجيئه، فإنّ زيدًا من جملة القوم، فقولک : «جائني القوم إلّا زيدًا » بمنزلة قولک : جائني زيد وما جائني زيد، وهو (3)تناقضٌ صريح، وكيف يجوز ذلک مع أنّ الاستثناء واقع في الكتاب العزيز وغيره من كلام الفصحاء؟!
أجيب عن ذلک بأوجه :
[ الوجه الأوّل ]
الأوّل : ما ذكره بعض منهم من أنّا نختار أنّ المستثنى في قولک : « جاءني القوم إلّا زيدًا » غير داخل في المستثنى منه - أي : القوم - بل هو مخصوصٌ لغير (1)زيد،
يعني : أنّ المتكلّم بهذا الكلام أراد بالقوم جماعة ليس فيهم زيد، وقوله : « إلّا زيدًا» قرينةٌ تدلّ السامع على مراد المتكلّم وأنّه أراد بالقوم غير زيد.
و فيه نظر؛ لأنّه خارج عن موضوع المسألة؛ لأنّک قد عرفت أنّ المستثنى المتّصل هو ما اُخرج عن المستثنى منه، فلو لم يكن زيدًا في المثال المذكور داخلاً في المستثنى منه لم يتحقّق الإخراج، فلا يكون متّصلاً، وقد ادّعى جماعة من المحقّقين إجماعهم على اعتبار الإخراج في المستثنى المتّصل، وقد عرفت أنّه فرع الدخول، منهم: ابن الحاجب، حيث قال في إيضاح المفصّل :
إذا قلت : « جاء القوم إلّا زيدًا »، لم يخل (2)إمّا أن يكون زيد داخلاً في القوم، أو لا، فإن كان غير داخل في القوم لم يستقم؛ لأنّ إجماع أهل العربيّة في الاستثناء المتّصل أنّه إخراج ما بعد « إلّا » ممّا قبلها (3).
إلى آخر ما قال .
و مثله قال نجم الأئمّة (1).
و قد عرفت أنّ الإخراج فرع الدخول، فإذا لم يكن داخلاً كيف يتحقّق الإخراج ؟!
[ الوجه الثاني ]
والوجه الثاني : ما ذهب إليه القاضي (2)من أنّ المستثنى والمستثنى منه وآلة الاستثناء بمنزلة اسم واحد، فقولک : « عندي عشرة إلّا ثلاثة » بمنزلة أن تقول : عندي سبعة، فللسبعة اسمان : مفرد و هو سبعة، و مركّب و هو عشرة إلّا ثلاثة. وهكذا في قولک : « جاء القوم إلّا زيدًا »؛ إذ له أيضًا اسمان عنده، أحدهما: جاء غير زيد، والثاني: جاء القوم إلّا زيدًا.
وفيه أيضًا نظر؛ لأنّ مفاده عدم دخول المستثنى في المستثنى منه، فلا يتحقّق الإخراج حينئذٍ أيضًا، و قد عرفت الكلام فيه .
[ الوجه الثالث ]
فالأولى ما قاله المحقّقون في الجواب (3)، و هو أنّ المستثنى داخلٌ في
1) . ينظر: شرح الرضي على الكافية : 2 / 76 .
2) . المقصود هنا القاضي عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار الهمدانيّ، و كان من غلاة المعتزلة،توفّي سنة 415 ه . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 77، والحدائق النديّة: 390 ؛وطبقات الشافعيّة الكبرى : 5 / 97 .
3) . ينظر: الإيضاح في شرح المفصّل : 1 / 323 ؛ و شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 78 و 79 .
المستثنى منه، والتناقض بمجيء زيد وانتفاء مجيئه في : « جاءني القوم إلّا زيدًا » غير لازم.
وإنّما يلزم ذلک لو كان المجيء منسوبًا إلى القوم المستثنى منه فقط، وليس كذلک، بل هو منسوبٌ إلى القوم مع قولک : « إلّا زيدًا »، كما أنّ نسبة الفعل في نحو : «جائني غلام زيد»، و « رأيت غلامًا ظريفًا »، إلى الجزئين معًا، لكنّه جرى العادة بأنّه إذا كان الفعل منسوبًا إلى شيء ذي جزئين أو أجزاء، قابل كلّ واحد منهما للإعراب: أعرب الجزء الأوّل منهما بما يستحقّه المفرد إذا وقع منسوبًا إليه في مثل ذلک الموقع، وما بقي من أجزاء المنسوب إليه يجرّ إن استحقّ الجرّ كالمضاف إليه، ويتبع إن استحقّ التبعيّة كما في التوابع الخمسة، وإن لم يستحقّ شيئًا من ذلک نصب كالمستثنى؛ تشبيهًا بالمفعول في مجيئه بعد المرفوع وإن كان جزء العمدة في بعض المواضع، نحو: « ما جاءني القوم إلّا زيدًا »؛ لأنّ المجموع هو المسند إليه.
والحاصل : أنّ دخول المستثنى في المستثنى منه ثمّ إخراجه ب- «إلّا» أو أخواتها إنّما كان قبل إسناد الفعل أو شبهه إليه، فلا يلزم التناقض في نحو : « جائني القوم إلّا زيدًا »؛ لأنّه بمنزلة قولک : القوم المخرج منهم زيد جاؤوني . ولا في نحو : «عندي عشرة إلّا ثلاثة»؛ إذ هو بمنزلة قولک : العشرة المخرج منها الثلاثة عندي.
قوله : من متعدّد .
و هو متعلّق ب- «إخراج» في قوله : « و هو إخراج »، أي : إخراج ب- « إلّا » أو إحدى أخواتها حقيقة أو حكمًا من متعدّد .
إن قلت : إنّ قوله : « من متعدّد » مستدرک؛ إذ هو يستفاد من قوله : « إخراج »؛ لأنّ الإخراج لايكون إلّا عن متعدّد .
قلت : لانسلّم استلزام الإخراج للمتعدّد بأن يكون المخرج عنه متعدّدًا، ألا ترى أنّه يقال : « أخرجت زيدًا عن الدار »، مع أنّ الدار ليست بمتعدّدة، فالإخراج لايستلزم تعدّد المخرج عنه، لكن لمّا كان المستثنى هو المخرج عمّا دخل فيه هو وغيره فيه، وهو لا يكون إلّا مع تعدّد المخرج عنه، فلهذا قال : « من متعدّد »، أي : الإخراج الّذي في الاستثناء هو لا يكون إلّا من متعدّد .
ثمّ إنّ قوله: « من متعدّد » يشمل الملفوظ منه كقولک : « جاءني القوم إلّا زيدًا»، والمقدّر كالاستثناء المفرّغ، وهو الّذي لم يذكر فيه المستثنى منه، كقولک: «ما جاءني إلّا زيد»، أي : ما جاءني أحد إلّا زيد .
و هذا التعدّد قد يكون لفظًا كما تقول : «جاءني القوم إلّا زيدًا»، فإنّ لفظ «القوم» موضوع (1)لمتعدّد، و قد يكون تقديرًا كقولک : «ضربت زيدًا إلّا رأسه»؛
لأنّ لفظ «زيد» علمٌ موضوعٌ لشخصٍ لا تعدّد فيه، وليس في لفظه تعدّد، لكنّ التعدّد فيه تقديريّ باعتبار الأجزاء؛ إذ أجزاؤه متعدّدة، كالرأس واليد والرِجْل وغيرها (2).
والحاصل : أنّ المستثنى - سواء كان متّصلاً أو منقطعًا - إذا كان في كلام تامّ وموجب يجب نصبه.
والمراد بالتامّ أن يكون المستثنى منه في الكلام موجودًا، وبعبارة أخرى: أن لا يكون ما قبل «إلّا» طالبًا لما بعدها إعرابًا. والمراد بالموجب أن لا يتقدّمه نفي ولا شبهه.
وإنّما يجب النصب للمستثنى في المقام؛ لأنّ المستثنى منه لمّا كان في المقام موجودًا وكان المستثنى واقعًا بعده، فأشبه المستثنى بالفضلات، فأعرب بإعرابها، وهو النصب .
وأمّا إذا كان المستثنى بدلاً من المستثنى منه فأعرب بإعرابه - كما سيجيء - فيما إذا وقع المستثنى بعد كلام منفيّ؛ لأنّ المستثنى لو كان بدلاً من المستثنى منه لكان المستثنى كالمفرّغ؛ لأنّ المبدل منه في حكم السقوط، و ستعرف إن شاء الله تعالى أنّ المستثنى المفرّغ لا يكون إلّا في كلامٍ منفيّ، و قد عرفت أنّ كلامنا في الموجب.
وأمّا قوله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا ) (1)، حيث إنّ « الله » في كلام تامّ و موجب مع أنّه مرفوع، فالجواب أنّ « إلّا » فيه ليست للاستثناء، بل بمعنى «غير» و صفة ل- ( آلِهَة ). وأمّا رفع ما بعدها؛ لأنّ « إلّا » لمّا كانت بصورة «إلّا» الحرفيّة نقل إعرابها إلى ما بعدها، كما مرّ إليه الإشارة في مبحث الموصولات.
1) . سورة الأنبياء : 22 .
قوله : عند المصنّف، وبما قبلها عند السيرافيّ، وبمقدّر عند الزجّاج .
اعلم: أنّه وقع الخلاف بينهم في عامل النصب في المستثنى الواجب نصبه على أقوال :
[ القول الأوّل ]
الأوّل: ما نقله عن المصنّف من كون النصب ب- «إلّا»، وهو ما نقل عن الزجّاج والمبرّد (1)، واختاره ابن هشام أيضًا (2).
و ذلک لقيام معنى الاستثناء بها، والعامل ما به يتقوّم (3)معنى المقتضى؛ ولأنّها نائبة عن « أستثني »، كما أنّ حرف النداء نائب عن « أنادي »؛ ولأنّها حرفٌ مختصٌّ بالأسماء غير منزّل منزلة الجزء منها، وما كان كذلک فهو عامل، فيجب أن يكون «إلّا» عاملاً ما لم تتوسّط (4)بين عامل مفرّغ ومعموله، فتلغى وجوبًا إن كان
1) . نسب هذا القول إلى المبرّد والزجاج وطائفة من الكوفيّين في الإنصاف : 1 / 212 ؛ وشرحالرضيّ على الكافية: 2 / 80، وشرح المفصّل لابن يعيش : 2 / 76 . وكلام المبرّد يدلّ علىأنّ الناصب للمستثنى هو الفعل المحذوف وإلّا بدل منه. ينظر: المقتضب: 4 / 390، وشرحالتسهيل : 2 / 196 .
2) . ينظر: مغني اللبيب : 1 / 70 .
3) . في « م » : يقوم .
4) . في « ج 1 » : ما لم يتوسّط .
التفريغ محقّقًا نحو: «ما قام إلّا زيد»، وجوازًا إن كان مقدّرًا نحو: «ما قام أحد إلّا زيد»، فإنّه في تقدير : ما قام إلّا زيد .
[ القول الثاني ]
والثاني : ما نقله عن السيرافيّ (1)من أنّ نصب المستثنى بما قبل « إلّا » من فعل أو شبهه بتوسّط «إلّا»؛ لأنّ المستثنى شيء يتعلّق بالفعل معنًى؛ إذ هو جزء ممّا نسب إليه الفعل، و قد جاء بعد تمام الكلام، فشابه المفعول، فأعرب بعامله.
وهذا القول هو المحكيّ عن البصريّين (2).
و يرد عليه : أنّه قد لا يوجد فعل ولا شبهه قبل « إلّا » مع أنّ المستثنى واجب النصب، كقولک : «القوم إخوتک إلّا زيدًا». وأنّه يلزم على قولهم إيصال عامل واحد بحرف واحد إلى معمولين أحدهما ضدّ (3)الآخر معنًى، كما في قولک :
«عندي عشرة إلّا أربعة إلّا ثلاثة»؛ لأنّ الأربعة خارجة والثلاثة داخلة، كما سيجيء من أنّه إذا تعدّد المستثنيات وكان استثناء بعضها من الآخر ممكنًا استثني كلّ واحد ممّا قبله .
[ القول الثالث ]
والقول الثالث : ما نقله الشارح عن الزجّاج من أنّ نصب المستثنى بمقدّر (1)، فعلى هذا يكون للزجّاج في المسألة قولان؛ لأنّک قد عرفت القول الأوّل من الزجّاج أيضًا، وقد حكاه عنه نجم الأئمّة و غيره (2).
و هذا المقدّر هو : « أستثني »، فتقدير قولک: «جائني القوم إلّا زيدًا»: جائني القوم أستثني زيدًا، فحذف الفعل، و «إلّا» قرينة عليه .
واعترض عليه : بأنّه يلزم منه جواز الرفع بتقدير : «امتنع».
وأجيب : بأنّه لايلزم ذلک؛ لأنّا نعلّل ما ثبت و ورد من كلام العرب، ولو ورد الرفع لكنّا نقدّر «امتنع» ونحوه (3).
[ القول الرابع ]
و عن الكسائيّ (4): أنّه منصوب ب- «أنّ» مقدّرة بعد «إلّا»، محذوفة الخبر، فتقدير «قام القوم إلّا زيدًا»: قام القوم إلّا أن زيدًا لم يقم.
1) . البهجة المرضيّة: 1 / 392.
2) . قال في شرح التسهيل: 2 / 201 : (الثالث: أنّ الناصب بعد إلّا مضمر، و هو قول الزجاج،عزاه إليه وإلى المبرّد السيرافيّ). وينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 2/ 81.
3) . شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 81 .
4) . ينظر: الإنصاف: 1 / 212 ؛ وشرح المفصّل لابن يعيش: 2 / 77 ؛ وشرح الرضيّ علىالكافية: 2 / 80 ؛ وشرح التسهيل : 2 / 201 .
و فيه نظر؛ لأنّه يبقى الإشكال في عامل «أنّ» و معمولها؛ لكونها بتأويل المفرد.
وفي المسألة غير ما ذكر من الأقوال (1)، و ليس المقام مقام ذكره .
قوله : نحو : ( فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ) (2).
فإنّ «إبليس» مستثنى وقع في كلام تامّ وإيجاب، فيجب نصبه، و هل هو متّصل، أو منقطع ؟ فيه خلافٌ مبنيّ على أنّ إبليس هل هو من الملائكة، أم لا ؟
و على الأوّل الاستثناء متّصل، كما هو المحكيّ عن أبي الحسن الأشعريّ والطبرسيّ (3)، ولهذا قال الله تعالى : ( مَا مَنَعَکَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُکَ ) (4)، والمراد بالأمر: ( اسْجُدُوا ) في قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا ) (5)، فيعلم أنّه
1) . منها: قول الفرّاء و بعض الكوفيّين : «إلّا» مركّبة من: «إنّ» و «لا» العاطفة، حذفت النونالثانية من «إن»، وأدغمت الأولى في لام «لا»، فإذا انتصب الاسم بعدها فبإن، وإذا أتبع ماقبلها في الإعراب فبلا العاطفة، فكأنّ أصل «قام القوم إلّا زيدًا» : قام القوم إن زيدًا لا قام، أي :لم يقم ( انظر: الإنصاف : 1 / 212 و 213 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل: 1 / 325 ؛ وشرحالرضي على الكافية : 2 / 80 ).
2) . سورة الحجر : 30 و 31 .
3) . حكاه عن أبي الحسن في الجامع لأحكام القرآن : 1 / 294 ؛ وينظر: تفسير مجمع البيان :1/ 162 .
4) . سورة الأعراف : 12 .
5) . سورة البقرة : 34 .
من الملائكة، لكن ظاهر قوله تعالى أنّه ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) (1)ينافيه، ولذا قيل (2):
إنّ معناه: صار من الجنّ، كقوله تعالى : ( فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) (3)، أي: صار منهم.
و على الثاني منقطع، كما هو المحكيّ عن أكثر المتكلّمين (4).
و عن الجاحظ (5): أنّ الجنّ والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم فهو ملک، ومن خبث فهو شيطان، و من كان بين بين فهو جنّ .
تنبيه
اعلم : أنّه قد أكّد الله في الآية بتأكيدين للمبالغة في التعميم و منع التخصيص، ونقل عن بعضهم (6): أنّ التأكيد ب- «الكلّ» للإحاطة، و ب- «أجمعين» للدلالة على أنّهم سجدوا مجتمعين دفعة .
و فيه نظر؛ لأنّه لو كان الأمر كذلک، لكان الثاني حالاً، لا تأكيدًا، فيلزم أن يقال :
1) . سورة الكهف : 50 .
2) . نسبه إلى القيل في التبيان في تفسير القرآن : 7 / 56 ؛ وتفسير مجمع البيان: 1 / 165 ؛وينظر: تفسير السمرقنديّ: 2 / 350 .
3) . سورة هود : 43 .
4) . حكاه عنهم في بحار الأنوار : 60 / 286 .
5) . نقله عنه النسفيّ في تفسيره: مدارک التنزيل وحقائق التأويل: 1 / 37 ؛ والعينيّ في شرحسنن أبي داود: 4 / 363 .
6) . نسبه إلى القيل في أنوار التنزيل: 3 / 210 ؛ وزبدة التفاسير: 3 / 519. وينظر: الكشّاف :3/ 382 ؛ و تفسير الرازي: 19 / 182 .
مجتمعين، لا مجتمعون، فلا يصحّ ذلک في الآية المذكورة الّتي هي في سورة الحجر.
نعم، هو إنّما يمكن في الآية المذكورة في سورة « ص »؛ لأنّ المذكورة فيها هكذا: ( فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعِينَ (1)* إِلاَّ إِبْلِيسَ ) (2)، فإنّ ( أَجْمَعِينَ ) في الآية حال؛ للدلالة على أنّهم سجدوا مجتمعين، لا مفترقين .
قوله : بفتح التاء .
نبّه بذلک ردًّا على مَن توهّم (3)أنّ « انتَخب » في كلام المصنّف فعل ماض مبنيّ للمفعول؛ وذلک لأنّه لو كان الأمر كذلک يلزم من عطف قوله بعده : « وانصب ما انقطع عليه » عطف الإنشاء على الإخبار، و هو إمّا غير جائز، أو مرجوح .
وعلى الأوّل وجه تصريح الشارح بفتح التاء ظاهر، و على الثاني كذلک؛ لأنّ ارتكاب المرجوح مع التمكّن من الراجح مرغوب عنه، و هو هنا ممكن؛ لإمكان كون قوله: « انتخَب » بفتح التاء بأن يكون فعل أمر، فيكون من عطف الإنشاء على الإنشاء.
قوله : للمستثنى منه .
متعلّق ب- «إتباع» في قول المصنّف : « إتباع ما اتَّصَل »، والمراد أنّ المستثنى إذا
كان في كلام تامّ وكان بعد النفي أو شبهه فلا يخلو إمّا أن يكون متّصلاً أو منقطعًا، ويجيء الكلام في الثاني في قوله : « وانصِب ما انقطَع »، والأوّل (1)يختار فيه
إتباع المستثنى للمستثنى منه في إعرابه، لكن هذا الحكم ليس على إطلاقه، بل له شروط :
الأوّل: أن لا يكون المستثنى مردودًا به كلام تضمّن الاستثناء .
والثاني : أن لا يتراخي المستثنى عن المستثنى منه .
والثالث : أن لا يتقدّم عليه، فإنّه لو كان الاستثناء مردودًا به كلام تضمّن الاستثناء كقولک: «ما قام القوم إلّا زيدًا»، في الردّ على مَن قال : «قام القوم إلّا زيدًا» يكون النصب فيه أولى؛ لقصد التطابق بين الكلامين.
وكذا لو كان المستثنى متراخ عن المستثنى منه كقولک: « ما جاءني أحد حين كنت جالسًا هاهنا إلّا زيدًا»، فإنّ الإبدال فيه ليس بأولى من النصب؛ إذ كونه مختارًا لقصد التطابق بينه وبين المستثنى منه، و مع التراخي بينهما لا يتبيّن ذلک، كما صرّح به نجم الأئمّة وغيره (2).
وهكذا إذا كان المستثنى مقدّمًا على المستثنى منه، فإنّ النصب فيه مختار، كما سيجيء (3)في قوله : « ولكن نصبه اختر إن ورد ».
قوله : على أنّه بدلٌ منه بدل بعض من كلّ .
قوله : « بدل بعض من كلّ » بدلٌ في قوله : « على أنّه بدلٌ منه ».
اعلم : أنّ ما ذكره من كون المستثنى بدلاً من المستثنى منه هو ما ذهب إليه البصريّون (1)؛ لأنّ العبرة بالبدل (2)أن يجوز حذف المتبوع و هاهنا (3)كذلک؛ إذ يمكن لک أن تقول في « ما قام القوم إلّا زيد » : ما قام إلّا زيد .
والمحكيّ عن الكوفيّين (4): أنّ ارتفاع المستثنى في المقام لكونه معطوفًا على المستثنى منه، و «إلّا» حرفُ عطف.
وقال ابن هشام :
إنّ « إلّا » عندهم بمنزلة « لا » العاطفة في أنّ ما بعدها مخالفٌ لما قبلها، لكن ذلک (5)منفيّ بعد إيجاب، و هذا موجبٌ بعد نفي (6).
وقد اعترض في كلا القولين، أمّا في الأوّل فلعدم جواز كون المستثنى بدلاً بأقسامه (7)، أمّا عدم جواز كونه بدل كلّ من كلّ فواضح، و كذا بدل الاشتمال، وأمّا
عدم جواز كونه بدل بعض من كلّ - كما صرّح به الشارح - فلأنّ شرط بدل البعض من الكلّ وجود الضمير، و (1)قولک : «ما جاءني أحد إلّا زيد» من هذا القبيل، مع
أنّ الضمير هنا غير موجود .
نعم، هو شبيهٌ ببدل الغلط، لكنّه لا يقع في فصيح الكلام، و معلومٌ أنّ الاستثناء بعد النفي كثير الورود (2)في الكتاب و غيره، فهو أيضًا غير جائز، فكيف يكون
بدلاً؟!
و أيضًا: البدل موافقٌ مع المبدل منه في الإيجاب والسلب، فكيف يجوز أن يكون المستثنى بدلاً مع أنّه مخالفٌ للمستثنى منه في الإيجاب والسلب ؟! (3).
وأمّا في القول الثاني فلأنّ « إلّا » تلي العامل، تقول : «ما جائني إلّا زيد»، وليس شيء من حروف العطف ما يلي العوامل .
والجواب أمّا عن الأوّل فلأنّا نقول: إنّه بدل بعض من كلّ، والقول بأنّ شرطه وجود الضمير ممنوعٌ مطلقًا؛ لأنّهم لم يشترطوا الضمير في بدل البعض من حيث هو ضمير، بل لتحصيل (4)الربط، فإذا تحقّق لم يحتج إلى الضمير؛ لحصول الغرض
من الإتيان به، وهو الربط، والربط (1)هنا متحقّق؛ لأنّ الكلام في الاستثناء المتّصل، فيكون «إلّا» و ما بعدها في تمام الكلام الأوّل، ويكون المستثنى بعض المستثنى منه، فحصل الربط، فلا حاجة إلى الضمير .
على أنّه سيجيء في باب التوابع أنّ المصنّف لم يشترط وجود الضمير في بدل البعض، كما في قوله تعالى : ( وَ للهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (2)، حيث إنّ « مَن » في : ( مَنِ اسْتَطَاعَ ) بدلُ بعض من الكلّ مع عدم ذكر الضمير.
هذا، وأمّا القول بأنّ البدل موافقٌ مع المبدل منه في الإيجاب والسلب وهنا ليس كذلک؛ لأنّ المستثنى مخالفٌ مع المستثنى منه فيهما، فقد أجيب عنه (3): بأنّه لامنع من تخالف (4)البدل والمبدل منه مع الحرف المقتضي لذلک، كما جاز في الصفة، نحو: «مررت برجلٍ لا ظريف و لا كريم»، فإنّ حرف النفي مع الاسم الّذي بعده صفة «رجل»، والإعراب على الاسم، فينبغي أن يكون ما نحن فيه أيضًا كذلک بأن يجعل في نحو : « ما جاءني القوم إلّا زيد » قولک : «إلّا زيد»، بدلاً من القوم، والإعراب على الاسم .
وأمّا عن الثاني فلأنّ « إلّا » في المثال المذكور وإن تلت (5)العامل، إلّا أنّها في
التقدير ليست كذلک؛ لأنّه بتقدير: ما جائني أحد إلّا زيد .
لكن يمكن الجواب عن القول الثاني بأنّ « إلّا » لو كانت حرف عطف لم يكن معنى الكلام مع حذف المتبوع كمعناه مع ثبوته؛ لأنّ ذلک من أحكام البدل، لا أحكام العطف، كما صرّح به نجم الأئمّة (1).
فيما ذكر ظهر لک أنّ قول البصريّين من كون «إلّا» للاستثناء و ما بعدها بدلاً، أولى من القول بالعطف .
قوله : نحو : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ ) (2).
فإنّ ( أَنْفُسَهُمْ ) مستثنى متّصل؛ إذ ( أَنْفُسَهُمْ ) من ( الشُهَدَاء )، مرفوع قد اتّفق القرّاء السبعة على رفعه كما قيل (3)، فيكون بدلاً من ( أَنْفُسَهُمْ ) بدل بعض من كلّ.
قوله : ( وَ لاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَکَ ) (4).
والمستثنى أيضًا متّصل ومرفوع لأن يكون بدلاً من المستثنى منه بدل بعض من كلّ. ولا يخفى أنّ قراءة الرفع في ( امْرَأَتَکَ ) إنّما هي قراءة أبي عمرو وابن كثير، وأمّا قراءة الأكثر فعلى النصب (5).
تنبيه
اعلم : أنّک قد عرفت أنّ المستثنى إذا كان متّصلاً واقعًا في كلام غير موجب يختار فيه البدل، فعلى هذا كيف يجوز أن يكون قراءة الأكثر في الآية على غير المختار، مع أنّ المستثنى فيه واقع في كلام تامّ غير موجب ؟!
وأجاب عنه الزمخشريّ (1)بأنّ ( امْرَأَتَک ) على قراءة الرفع بدلٌ من ( أحدٌ ) في قوله تعالى : ( وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) (2)، و على قراءة النصب مستثنى من قوله تعالى: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ ) (3)في قوله تعالى : ( وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ )، و على قراءة النصب مستثنى من قوله تعالى : ( فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ ) في قوله تعالى قبله : (فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ )، فيكون مستثنى متّصل بعد كلام تامّ موجب، فيجب نصبه.
واعترضه ابن الحاجب في إيضاح المفصّل بأنّ :
هذا التفصيل باطل قطعًا، فإنّ القراءتين متباينتان (4)قطعًا، فيمتنع حملها على وجهين أحدهما باطل قطعًا، والقصّة (5)واحدة، فهو إمّا أن يكون سرى بها أو لا، فإن كان قد سرى بها فليس مستثنى إلّا من قوله تعالى : (وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ )، وإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله : (فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ )، فقد ثبت أنّ أحد التأويلين باطل قطعًا، فلا يصار إليه
في إحدى القراءتين الثابتتين قطعًا .
والأولى من هذا أن يكون ( إِلاَّ امْرَأَتَکَ ) بالرفع (1)والنصب مثل قوله تعالى: ( مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ) (2)، ولا بُعد أن يكون أقلّ القرّاء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الّذي دونه، بل قد التزم بعض الناس أنّه يجوز أن يجمع القرّاء على قراءة غير الأقوى (3). انتهى كلامه.
حاصله: أنّه لا يجوز أن يكون ( إِلاَّ امْرَأَتَکَ ) على قراءة النصب مستثنى من قوله تعالى: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ )؛ لأنّ ذلک يناقض (4)مع القراءة المذكورة من ابن كثير
وأبي عمرو بالرفع على البدل من « أحد »؛ لأنّه إذا كان مستثنى من قوله تعالى : (فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ ) يكون مفاده حينئذٍ عدم كون لوط مأمورًا بإسراء (5)امرأته، وإذا كان مستثنى من قوله تعالى : ( وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) يقتضي كونه مأمورًا بإسرائها؛ لأنّ ( أهلک ) عامّ، ولم تستثن منه امرأته، فتكون داخلة فيه، فتكون امرأة لوط سرى بها و غير سرى بها، وهو تناقض .
ثمّ إنّ هذا التناقض إنّما يلزم إذا فسّر الالتفات بالنظر إلى الوراء كما هو الظاهر منه، وأمّا إذا (6)فسّر بالتخلّف فلا تناقض بين القراءتين؛ لأنّه على تقدير النصب
يكون ظاهر المعنى هكذا: فأسر بأهلک بقطع من الليل إلّا امرأتک ولا يتخلّف أحد، وعلى تقدير الرفع يكون هكذا : فأسر بأهلک بقطع من الليل ولا يتخلّف منكم أحد إلّا امرأتک، أي : لا يفترق منكم أحد إلّا امرأتک، فلا تناقض بين المعنيين؛ لأنّ المراد من قوله : « لا يتخلّف أحد » على تقدير النصب غير الاِمْرَأَة بقرينة الاستثناء السابق، فإنّ التناقض (1)إنّما يلزم على تقدير تفسير (2)الالتفات بالنظر إلى الوراء، كما عرفت .
وأجاب عنه نجم الأئمّة بأنّ أسر (3)وإن كان مطلقًا في الظاهر، إلّا أنّه مقيّد في المعنى بعدم الالتفات؛ إذ المراد : أسر بأهلک إسراء لا التفات فيه إلّا امرأتک، فإنّک تسرى بها إسراء مع الالتفات، فاستثن (4)على هذا إن شئت من « أسر »، أو مِن «لا يلتفت»، ولا تناقض (5).
و فيه نظر؛ لأنّ الاستثناء إذا رجع إلى القيد كان المعنى: فأسر بجميع أهلک إسراءًا لا التفات فيه إلّا من امرأتک، فيكون الإسراء بها داخلاً في المأمور به، وإذا رجع إلى المقيّد لم يكن الإسراء (6)بها داخلاً في المأمور به، فيكون المحذور باقيًا بحاله.
قوله : ( وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ) (1).
ذكر ثلاثة أمثلة: الأوّل للنفي، والثاني للنهي، والثالث للاستفهام. والشاهد في : ( إِلاَّ الضَّآلُّونَ )، فإنّه بدلٌ من الضمير في ( يَقْنَطُ ) بدل بعض من كلّ، وقد اتّفق القرّاء السبعة على رفعه - كما نقل (2)- لكونه مستثنى متّصلاً واقعًا بعد شبه النفي.
ثمّ اعلم: أنّه قد لا يمكن الإبدال على اللفظ المستثنى منه، فهناک اُبدل على الموضع، كقولک : « لا إله إلّا اللهُ »، و « ما في الدار من أحد إلّا زيدٌ » برفع المستثنى فيهما.
ولا يمكن فيهما الإبدال على اللفظ، أمّا في الأوّل فلأنّه لو اُبدل المستثنى باللفظ فيه فقيل : « لا إله إلّا اللهَ » بالنصب (3)يلزم عمل « لا » الجنسيّة في المعرفة والموجب، و هو غير جائز .
و أمّا في الثاني فلأنّه لو أبدل المستثنى منه (4)باللفظ فقيل فيه : « ما في الدار من أحد إلّا زيدٍ » بجرّ المستثنى، يلزم عمل «مِن» الزائدة في الموجب، مع أنّ
عملها في المنفيّ، و يجيء الكلام في باب حروف الجرّ إن شاء الله تعالى .
فالمستثنى في الأمثلة المذكورة أبدل على المحلّ، كذا صرّح جماعة منهم (1)،
ولا إشكال في المثالين الأخيرين في كون المستثنى فيه مبدلاً على المحلّ، وأمّا في الأوّل ففيه إشكال؛ لأنّ لفظ « إله » في : « لا إله إلّا الله » وإن كان في الأصل مبتدأ، لكن اعتبر في مراعات المحلّ وجود المقتضي لذلک المحلّ - كما صرّح به ابن هشام (2)- و هو هنا قد زال بدخول الناسخ.
ولعلّه لهذا نقل عن أبي حيّان (3)أنّ المختار عنده أنّ لفظ الجلالة في المثال
الأوّل مرفوعٌ على أنّه بدلٌ من الضمير المستتر في الخبر المحذوف العائد على اسم «لا».
قوله : و يجوز النصب .
و لهذا قرأ في قوله تعالى : ( مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ) (4)قليلاً على الوجهين .
قوله : قال المصنّف : « و هو عربيّ جيّد ».
و مثله قال ابن هشام (5).
قوله : قال ابن النحّاس : كلّما جاز فيه الإتباع جاز فيه النصب على الاستثناء.
وهذا بعمومه يدلّ على جواز النصب على الاستثناء في نحو قولک : « لا إله إلّا الله »، وهو الظاهر من أبي حيّان في الارتشاف (1)، لكن صرّح بعض منهم (2)بعدم جواز ذلک .
قوله : و لا عكس .
أي: ليس كلّما يجوز فيه النصب يجوز فيه (3)الرفع؛ لأنّک قد عرفت أنّ المستثنى المتّصل إذا كان في كلام تامّ و موجب مع الشروط المتقدّمة منصوب ولم يجز فيه الرفع.
وأمّا قوله تعالى : ( فَشَرِبُوا مِنهُ إِلاَّ قَلِيلاً ) (4)، حيث قرأ : « إلّا قليلٌ » بالرفع أيضًا مع أنّ مقتضى ما ذكر عدم جواز غير النصب، فقد أجيب عنه (5)بأنّ قراءة الرفع محمولةٌ على أنّ «شربوا» في معنى : لم يكونوا منه، بدليل: ( فَمَنْ شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي ) (6).
قوله : نحو : ( مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعِ الظَّنِّ ) (1).
بنصب ( اتّباع )؛ لكونه مستثنًى منقطعًا؛ لأنّ اتّباع الظنّ ليس من جنس العِلْم المستثنى منه .
اعلم : أنّ المستثنى المنقطع الواقع في كلام تامّ موجب قد تقدّم الكلام فيه أنّه واجب النصب، وهو اتّفاقيّ عندهم على ما يظهر من جمع منهم (2).
وأمّا الواقع في كلام تامّ منفيّ فالكلام الآن فيه، فأقول : قد ذكروا فيه تفصيلاً، وهو أنّ المستثنى إمّا أن لايمكن تسليط العامل في المستثنى منه عليه، أو يمكن ذلک بضربٍ من التأويل .
أمّا الأوّل فقد ادّعي اتّفاقهم على وجوب نصبه أيضًا (3)، و ذلک كقولک : « ما نَفَعَ زيدٌ إلّا ما ضَرَّ »، فإنّه لا يمكن تسليط نفع على المستثنى؛ إذ لا يقال : نَفَعَ الضررُ.
وأمّا الثاني - أي : ما يمكن تسليط العامل فيه (4)على المستثنى - فهو الّذي جوّز تميم (5)فيه الإبدال أيضًا، وإن كان الراجح نصبه عندهم أيضًا، و ذلک كقولک :
«ما جاء أحد إلّا حمارًا»، فيجوز : « حمارٌ » أيضًا؛ إذ يمكن لک أن تقول : « ما جاء حمارٌ »، وهذا هو مراد المصنّف بقوله : « و عن تميمٍ فيه » إلى آخره .
قوله : قال شاعرهم :
وَبَلْدَةٍ لَيسَ لَهَا أَنِيسُ *** إلّا اليَعَافِيرُ وَإلّا العِيسُ (1)
اللغة : «اليعافير» جمع : يعفور، و هو ولد البقر (2)الوحشيّة، و «العِيس» - بكسر العين المهملة بعد ياء المثنّاة التحتانيّة - جمع : عَيساء - بفتح العين - كالبيض جمع : بَيضاء، و هي الإبل البيض (3)الّتي يخالط بياضها شيء من الشُقْرَة.
التركيب : « بلدة » مجرور ب- «ربّ» مضمرة بعد الواو، « لها » خبر «ليس» مقدّم على الاسم، و « أنيس » اسمها، « إلّا » للاستثناء، « اليعافيرُ » مستثنى، والشاهد فيه حيث أبدل، فقرأ بالرفع للإبدال من « أنيس »، مع أنّ المستثنى منقطع؛ إذ يمكن هنا تسليط العامل على المستثنى بأن يقال : ليس اليعافير. و «إلّا» الثانية مؤكّدة للأولى.
1) . الرجز لجِرَان العَوْد عامر بن الحارث في ديوانه: 97 ؛ وخزانة الأدب: 10 / 15 - 18 ؛وشرح أبيات سيبويه : 2 / 140 ؛ وشرح التصريح: 1 / 547 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 107 ؛وبلا نسبة في الكتاب : 2 / 322 ؛ والإنصاف: 1 / 219 ؛ و شرح التسهيل : 2 / 207 ؛ وشرحالألفيّة لابن الناظم: 118 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 229 ؛ والمقتضب: 2 / 319 ؛ والأشباهوالنظائر: 1 / 191 ؛ وأوضح المسالک: 124 ؛ وشرح شذور الذهب لابن هشام: 1 / 344 ؛وشرح المفصّل: 2 / 80 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 256 .
2) . كذا في النسخ، والصواب : البقرة .
3) . كذا في النسخ ؛ والصواب : البيضاء .
والمعنى واضح من ما مرّ، و عليه حمل قوله تعالى (1): ( قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ ) (2)، فإنّ ( مَن ) مرفوعٌ ليكون فاعلاً ل-(يَعْلَمُ)، و ( الغَيْبَ ) مفعوله، و ( اللهُ ) مرفوعٌ على البدليّة من الفاعل على اللغة المذكورة، والاستثناء منقطع؛ لعدم اندارجه تعالى في مدلول ( مَن )؛ لأنّه تعالى لا يحويه مكان.
قوله : أي اتباعه .
والمراد في هذا المقام بيان حكم المستثنى المقدّم على المستثنى منه، فنقول : إنّ المستثنى إذا قدّم يختار فيه النصب مطلقًا، سواء كان المستثنى متّصلاً أو منقطعًا، واقعًا بعد كلام موجب أو غيره؛ وذلک لعدم جواز الاتباع للمستثنى منه؛ لأنّ التابع لا يتقدّم على المتبوع .
لكن قد نقل عن الكوفيّين و غيرهم (3)جواز اتباع المستثنى المقدّم للمستثنى منه في إعرابه إذا كان الكلام منفيًّا، وهو الّذي أشار إليه المصنّف بقوله: « وغير نصب سابق في النفي قد » إلى آخره، يعني : غير نصب مستثنى سابق على المستثنى منه قد يأتي في الكلام المنفيّ .
وكلامه هذا لمّا كان موهمًا في جواز غير النصب والاتباع في المستثنى المقدّم؛
لأنّ « غير نصب » عامٌّ شاملٌ لغير (1)الاتباع أيضًا، ولم يكن الأمر كذلک؛ لأنّ غير
النصب لو جاز في المستثنى المقدّم إنّما هو إعرابٌ على سبيل التبعيّة، لا غيرها، فلذا فسّر الشارح كلامه « غير النصب » بقوله : « أي اتباعه ».
قوله : كقول حسّان :
لأنَّهم يرجونَ منه شفاعةً *** إذا لَمْ يَكُنْ إلّا النَبِيُّون شَافِعُ (2)
و ضمير « منه » يعود إلى نبيّنا محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم)، و « لم يكن » تامّة، أي : لم يوجد. والتركيب وكذا المعنى واضح، والشاهد في قوله : « إلّا النبيّون » حيث رفع مع أنّه مقدّم (3)على المستثنى منه، وهو : « شافع ».
و نقل عن سيبويه (4)أنّه قال : سمع يونس بعض العرب الموثوق بهم أنّه يقول :
«ما لي إلّا أبوک ناصرٌ» برفع « أبوک »، مع كونه مقدّمًا على المستثنى منه، وهو : «ناصر».
إن قلت : إنّ مقتضى ما ذكر من عدم جواز تقديم التابع على المتبوع عدم جواز
1) . في « ج 2 » : بعد .
2) . البيت لحسّان بن ثابت في ديوانه: 241 ؛ والدرر: 3 / 162 ؛ وشرح التسهيل: 2 / 211 ؛وشرح التصريح: 1 / 549 ؛ والمقاصد النحويّة : 3 / 114 ؛ وشرح الألفيّة لابن الناظم: 118 ؛وبلا نسبة في أوضح المسالک: 124 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 507 ؛ وشرح ابن عقيل :1/602 ؛ وهمع الهوامع : 2 / 258 .
3) . في « ج 2 » : متقدّم .
4) . نقله عنه في شرح التسهيل: 2 / 210 ؛ و شرح ابن عقيل: 1 / 601 ؛ وشرح التصريح :1/549 ؛ وينظر: الكتاب: 2 / 337 .
الرفع هنا كما هو ظاهر، فكيف يكون الأمر فيما ذكر من البيت والمثال ؟
قلت : إنّا لا نسلّم أنّ المستثنى فيما ذكر تابعٌ للمستثنى منه، كما هو الظاهر من الشارح على ما مرّ في قوله : « أي اتباعه »، بل نقول : إنّ المستثنى فيما ذكر مرفوعٌ بتفريغ العامل له، وهو : « يكن » التامّة في البيت، والابتداء في المثال، وأمّا المرفوع بعد المستثنى فيهما - أي : « شافع » في البيت، و « ناصرٌ » في المثال - بدلٌ من المستثنى بدل كلّ من كلّ؛ لأنّهما نكرتان في سياق النفي، فتفيدان العموم، لكن أريد منهما الخاصّ.
و نظيره في أنّ المتبوع أخّر من تقديم، و صار تابعًا بعد ما كان متبوعًا: «ما مررت بمثلک أحد » بالجرّ، والأصل: « ما مررت بأحد مثلک »، ف- «مثلک» تابعٌ ل-«أحد» على أنّه نعتٌ له، فلمّا قدّم النعت على المنعوت أعرب النعت بحسب العوامل، وأعرب المنعوت بدلاً من النعت. هكذا قال جماعة (1).
وأنا لا أظنّ (2)صحّة هذا الجواب، ثمّ ألجأوا إلى أنّ المؤخّر عامّ أريد به خاصّ، ولم يبقوه على عمومه؛ لأنّ الأعمّ لا يبدل من الأخصّ.
هذا إذا كان المستثنى مقدّمًا على المستثنى منه، وأمّا إذا قدّم على صفته كما
تقول: « ما جائني أحد إلّا زيد خير منكم »، حيث إنّ « خير منكم » صفةٌ ل-«أحد»، وقدّم المستثنى عليه، ففيه وجهان :
الأوّل : أن يكون كالتقديم على المستثنى منه؛ لأنّ الموصوف و (1)الصفة كشيءٍ واحد، فيجب في المستثنى حينئذٍ النصب، أو يختار .
والوجه الثاني - وهو الحقّ - : أنّ المستثنى واقعٌ بعد المستثنى منه حقيقة، والصفة فضلة، ولا يعبأ (2)به، فهذا التقديم كالعدم، فينظر إلى المستثنى و يحكم له
بما يستحقّه من وجوب النصب، أو جواز الأمرين، على التفصيل المتقدّم إليه الإشارة.
تنبيه
اعلم : أنّ المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه وجب أن يتأخّر عمّا (3)نسب إلى المستثنى منه كما تقدّم، نحو : « ما جاءني إلّا زيد أحد »، فإن تقدّم على المنسوب وجب تأخّره عن المستثنى منه، نحو : « القوم إلّا زيدًا ضربت »، ولا يجوز عند البصريّين تقدّمه عليهما في الاختيار، نحو قولک : « إلّا زيد قام القوم »،
كما قاله نجم الأئمّة (1).
قوله : كقوله : « وَمَا لِيَ إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ » (2).
هذا صدر بيت عجزه : « وَمَا لِيَ إلّا مَذْهَبَ الحَقِّ مَذْهَبُ » (3).
والمعنى وكذا التركيب واضح، والشاهد في قوله : « إلّا آل أحمد »، حيث قدّم على المستثنى منه، وهو : « شيعة »؛ إذ أصله : « و ما لي شيعة إلّا آل أحمد »، قدّم المستثنى على المستثنى منه، ولهذا نصب، وإن كان قبل التقديم يجوز فيه الوجهان، بل الرفع كان أولى؛ لكونه مستثنى متّصلاً بعد كلام تامّ غير موجب .
و مثله المصرع الثاني - أي : « إلّا مذهب الحقّ مذهب » - حيث قدّم المستثنى على المستثنى منه - أي : « مذهب » - و هو « مذهب » أيضًا، وأصله : « و ما لي مذهب إلّا مذهب الحقّ ».
قوله : أمّا في الإيجاب فلا يجوز غير النصب .
هذا إشارة إلى بيان تخصيص المصنّف غير نصب المستثنى السابق على
1) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 81 .
2) . هذا البيت من قصيدة للكميت بن زيد الأسديّ في شرح هاشميّات الكميت: 50 ؛والإنصاف : 1 / 223 ؛ وشرح قطر الندى: 244 ؛ وشرح شذور الذهب لابن هشام: 1 / 287 ؛والمفصّل: 97 ؛ وشرح التصريح: 1 / 549 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 111 ؛ وخزانة الأدب :4/ 290 ؛ وبلا نسبة في: الجمل في النحو: 1 / 316 ؛ وشرح الألفيّة لابن الناظم: 118 ؛وأوضح المسالک: 124 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 230 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 601 ؛والمقتضب: 4 / 398 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 255 .
3) . وروي آخره : « و ما لي إلّا مشعب الحقّ مشعب ».
المستثنى منه في النفي، حيث قال : « و غير نصب سابق في النفي قد » إلى آخره .
قوله : فيعرب على حسب ما يقتضيه ما قبلها .
اعلم : أنّ من المستثنى الّذي سمّي (1)عندهم بالمفرّغ، و هو الّذي فرغ سابق «إلّا» من الفعل أو شبهه عن معموله لأن يعمل فيما بعد «إلّا»، أي : حذف معمول العامل - وهو: المستثنى منه - ليعمل في المستثنى، فالمستثنى حينئذٍ هو المفرّغ له.
وقولهم: «المفرّغ» بحذف المتعلّق، بل المفرّغ حقيقة هو الفعل، وهذا المستثنى لا عمل ل- «إلّا» فيه، بل وجودها بالنسبة إلى العمل كعدمها، وإعرابه إنّما هو بحسب مقتضى العامل الّذي قبل «إلّا»، فإن كان مقتضاه الرفع فرفع المستثنى، وإن كان النصب أو الجرّ فكذلک المستثنى، تقول : « ما جائني إلّا زيدٌ » بالرفع؛ لأنّ مقتضى العامل ذلک، « وما رأيت إلّا خالدًا » بالنصب لما ذكر، «و ما مررت إلّا بوليدٍ» بالجرّ لما مرّ .
والمستثنى منه في هذه الأمثلة محذوف، والتقدير : ما جاءني أحد إلّا زيد، وما رأيت أحدًا إلّا خالدًا، و ما مررت بأحدٍ إلّا بوليدٍ .
هذا آخر الكلام في إعراب المستثنى الواقع بعد «إلّا»، وإن أردت ضبطه (2)
فقل: إنّ المستثنى إمّا مفرّغ، أو غير مفرّغ، والأوّل إعرابه بحسب العوامل كما مرّ مفصّلاً، والثاني إمّا مقدّم على المستثنى منه، أو مؤخّر، والأوّل واجب النصب أو راجحة كما مرّ أيضًا، والثاني إمّا في الموجب، أو في غيره، والأوّل واجب
النصب، والثاني إمّا متّصل أو منقطع، والأوّل مختار البدل، والثاني واجب النصب إلّا عند تميم مختاره (1).
قوله : و ذلک لا يقع إلّا بعد نفي أو شبهه .
وهو النهي والاستفهام، والأوّل (2)كما ذكره بقوله : « لا تَزُرْ إلّا فتى »، والثاني بقوله: « لا تتّبع (3)إلّا الهدى »، و هما مشتركان في كون مقتضى العامل فيهما النصب، فنصب المستثنى تقديرًا، والثالث كما ذكره بقوله: «وهل زكى إلّا الورع؟»، وهذا مقتضى العامل فيه الرفع؛ ليكون خبرًا للمبتدأ، فرفع المستثنى لذلک العامل (4).
قوله : و هي الّتي تلاها اسم مماثل لما قبلها أو تلت، إلى آخره .
هذا بيان في حكم «إلّا» إذا تكرّرت، فاعلم: أنّ الحكم (5)فيها أنّه لا يخلو إمّا أن تكرّر « إلّا » (6)للتوكيد أو للتأسيس، والثاني سيجيء الكلام فيه في قوله: «وإن
1) . ينظر: الكتاب لسيبويه: 2 / 323 ؛ وشرح التسهيل : 2 / 207 ؛ وأوضح المسالک: 124 ؛وشرح قطر الندى: 246 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 256 ؛ وشرح التصريح: 1 / 547 .
2) . في « ج 1 » : فالأوّل .
3) . في المصدر : لا يتّبع .
4) . « العامل » لم يرد في « ج 2 » .
5) . في « م » : الحكمة .
6) . في « ج 1 و 2 » : تكرّرها .
تكرّر لا لتوكيد » إلى آخره، والأوّل هو ما إذا وقع (1)بعد « إلّا » الّتي بسببها يحصل التكرار اسمٌ مماثلٌ للاسم الّذي قبل « إلّا » هذه، أو وقعت « إلّا » المذكورة بعد عاطف.
والأوّل هو الّذي أشار إليه في البيت بقوله : « ك- : لا تَمْرُر بهم إلّا الفتى إلّا العُلى »، فإنّ الاسم الواقع بعد «إلّا» الثانية هو « العلى » مماثلٌ للاسم الواقع قبلها وهو «الفتى»؛ لكونهما لمسمّى واحد، فيكون الاسم الثاني بدلاً من الاسم الأوّل بدل الكلّ من الكلّ .
وكذا الحكم إذا كان الاسم الثاني بدل البعض من الأوّل (2)، كقولک : « ما أعجبني أحد إلّا زيد إلّا وجهه »، و كذا إذا كان بدل الاشتمال، كما تقول : « ما أعجبني شيء إلّا زيد إلّا علمه »، فإنّ « إلّا » الثانية في هذه الأمثلة زائدة للتوكيد، والمستثنى - أي: الفتى - في المثال الأوّل، و « زيد » في المثال الثاني والثالث يختار فيه الاتباع للمستثنى منه في إعرابه، فإعرابه في المثال الأوّل جرّ تقديريّ؛ لكون المستثنى منه - وهو الضمير في : « بهم » - مجرورًا، وفي الثاني والثالث رفع؛ لكون المستثنى منه كذلک .
والثاني : و هو ما وقعت « إلّا » بعد عاطف، وهو الّذي أشار إليه الشارح بقوله :
ما لَکَ من شَيْخِکَ إلّا عَمَلُهْ *** إلّا رَسِيمُهُ وَ إلّا رَمَلُهْ (3)
1) . في « م » : وقعت .
2) . في « م » : الكلّ .
3) . الرجز بلا نسبة في الجمل في النحو: 1 / 317 ؛ والكتاب لسيبويه : 2 / 341 ؛ وشرحالتسهيل: 2 / 215 ؛ وشرح الألفيّة لابن الناظم : 119 ؛ وأوضح المسالک: 125 ؛ والدرر: 3 /167 ؛ وشرح الأشمونيّ : 1 / 511؛ و شرح التصريح: 1 / 552 ؛ وشرح ابن عقيل: 1/606؛والمقاصد النحويّة: 3/117 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 265 .
والشاهد في « إلّا » الثالثة حيث تلت عاطفًا وهو الواو، و هي زائدة؛ إذ وجودها كعدمها من حيث الاستثناء. نعم، هي تفيد التأكيد .
وأمّا « إلّا » الثانية - وهي قوله : « إلّا رسيمه » - فهي من قبيل الأوّل؛ إذ «رَسِيمُه» - بفتح الراء وكسر السين المهملتين - بدلٌ من « عَمَلُه » بدل بعض من كلّ، كما صرّح به بعضهم (1).
والرسيم والرمل نوعان من السير؛ إذ الأوّل الركض في السعي، والثاني الإسراع في الطواف، والأصل : مالک من شيخک إلّا عمله و رسيمه و رمله، فكرّرت «إلّا» لما مرّ .
قوله : من المستثنى منه بأن حذف .
أي: مع تفريغ العامل من المستثنى منه، و ذلک بأن حذف المستثنى منه .
وحاصل ما ينبغي أن يعلم في المقام هو أن يقال : إنّ « إلّا » إذا كرّرت للتأسيس بأن لم يكن ما بعد « إلّا » الثانية بدلاً عمّا قبلها، ولا تلت « إلّا » الثانية عاطفًا، فلا يخلو إمّا أن يكون المستثنى منه محذوفًا، أو مذكورًا.
1) . نقله عن السيرافي في شرح التصريح : 1 / 552 ؛ وينظر: حاشية الصبان: 2 / 151 .
وعلى الأوّل يجب الإتيان بواحدٍ من المستثنيين أو المستثنيات على مقتضى العامل المفرّغ، وبالباقي (1)منصوبًا ب- «إلّا» على الاستثناء .
وذلک الواحد أعمّ من أن يكون أوّلاً أو لا، لكنّ الأوّل أولى؛ لأقربيّته، كما تقول: « ما جائني إلّا زيدٌ إلّا عمرًا » برفع الأوّل؛ لأنّ مقتضى العامل ذلک، وبنصب الثاني على الاستثناء، و « ما رأيت إلّا زيدًا إلّا عمرًا » بنصب الأوّل أيضًا؛ لأنّ مقتضى العامل ذلک (2)، و « ما مررت إلّا بزيدٍ إلّا عمرًا » بجرّ الأوّل لما ذكر، وبنصب الثاني على الاستثناء.
هذا إذا أتيت المستثنى الأوّل على حسب العامل، ونصبت الثاني على الاستثناء، ولک العكس، وهذا هو مراد المصنّف من قوله :
و إن تكرّر لا لتوكيد فمع *** تفريغ التأثير بالعامل دع
في واحدٍ ممّا ب- «إلّا» استثني *** و ليس عن نصب سواه مغني
وأمّا على الثاني - أي : ما إذا كان المستثنى منه مذكورًا - فلا يخلو إمّا أن يكون المستثنى منه مؤخّرًا أو مقدّمًا، و على الأوّل يجب نصب جميع المستثنيات مثلاً على الاستثناء، كما تقول : « ما قام إلّا زيدًا إلّا بكرًا إلّا خالدًا القوم »، و ذلک لعدم جواز الاتباع حينئذٍ؛ لما مرّ من عدم جواز تقديم التابع على المتبوع، و هذا هو مراد المصنّف من قوله :
و دون تفريغ مع التقدّم *** نصب الجميع احكم به والتزم
و على الثاني - أي : إذا كان المستثنى منه مقدّمًا على المستثنيات - وحينئذٍ يرجع إلى التفصيل المتقدّم بأن يقال : المستثنى لا يخلو إمّا أن يكون في كلام موجب، أو غيره، و على الأوّل يجب نصب الجميع، نحو : « قام القوم إلّا زيدًا إلّا بكرًا إلّا خالدًا »، و على الثاني يؤتى بواحدٍ من المستثنيات بما (1)يستحقّه لو لم
يكن غيره، وفي الباقي (2)يجب النصب أيضًا على الاستثناء، نحو : « ما قاموا (3)
إلّا زيدًا إلّا عمرًا إلّا بكرًا »، و هذا هو مراد المصنّف من قوله :
وانصب لتأخير و جىء بواحدٍ *** منها كما لو كان دونَ زائد
قوله : نحو : ما قام إلّا زيدٌ إلّا عمرًا .
هذا مثالٌ لما أتى المستثنى الأوّل على مقتضى العامل، والمثال الثاني - وهو قوله: « إلّا (4)زيدًا إلّا عمرو » - بعكس ذلک .
قوله : فانصبه وارفعه حيث يقتضي ذلک .
و قد مرّ تفصيله، والمناسب أن يقول : فانصبه واتبعه حيث يقتضي ذلک؛ ليشمل مثل قولک: « ما غضبت على قومٍ إلّا زيدٌ إلّا عمرًا إلّا خالدًا ».
قوله : برفع الأوّل .
وهو : « امرؤٌ »؛ لأنّه لو لم يكن إلّا ذلک كان مرفوعًا؛ لأنّه مستثنى متّصل بعد
كلام منفيّ، فيختار فيه الاتباع بأن يكون (1)بدلاً من الواو في : « لم يفوا » بدل بعض من كلّ.
ثمّ إنّما حكم من رفع الأوّل و نصب الثاني ليس أمرًا حتميًّا (2)، بل يمكن العكس بأن يكون الأوّل منصوبًا والثاني مرفوعًا، كما هو الظاهر من قوله : «وجىء بواحدٍ منها كما لو كان دون زائد »، سواء كان أوّلاً أو ثانيًا، لكنّ الأوّل مرفوعًا؛ لأقربيّته على المتبوع .
ثمّ إنّه قد ذكر أبو حيّان في الارتشاف : أنّه لو رفع أوّل المستثنيات مثلاً جاز فيما بعده الرفع على البدل بدل البداء، والنصب على الاستثناء، وإن رفعتَ الآخر نصبت ما تقدّم على الاستثناء، وإن رفعتَ المتوسّط لم يجز فيما قبله إلّا النصب على الاستثناء، و يجوز فيما بعده النصب على الاستثناء والرفع على بدل البداء (3).
قوله (4): إذ لو لم يكن إلّا الأوّل لوجب نصبه .
لأنّه مستثنى مؤخّر بعد كلام موجب .
قوله : أي ما بعد المستثنى الأوّل من المستثنيات.
والأولى أن يفسّر المرجع هكذا : أي حكم المستثنيات غير المستثنى الأوّل، كما لا يخفى.
قوله : إذا لم يمكن استثناء بعضها من بعض .
لمّا كان ظاهر عبارة المصنّف أنّ حكم المستثنيات مطلقًا حكم المستثنى الأوّل وإن أمكن استثناء بعضها من بعض ولم يكن كذلک لما ستعرف، قيّد الشارح كلامه بما إذا لم يمكن استثناء بعضها من بعض .
و ذلک نحو ما مرّ من قوله : « قاموا إلّا زيدًا إلّا عمرًا إلّا خالدًا »، ففي هذا المثال ونحوه لا يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض، لأنّ الاستثناء هو الإخراج كما عرفت سابقًا، والإخراج يقتضي سبق الدخول، فينبغي أن يكون المستثنى منه شيئًا يشمل المستثنى و غيره ليتحقّق الإخراج، وليس شيء من زيد و عمرو في المثال المذكور كذلک، فلا يمكن استثناء البعض من بعض فيه .
قوله : وإن (1)كان خارجًا بأن كان المستثنى من موجب (2).
والضمير في « كان » يعود إلى «المستثنى الأوّل»، أي : إن كان المستثنى الأوّل خارجًا، بأن كان المستثنى من (3)موجب .
و ذلک لأنّ المستثنى إذا كان من موجب يكون ما بعد « إلّا » غير موجب، فيكون خارجًا، مثاله تقول : « قاموا إلّا زيدًا إلّا عمرًا »، فإنّ « قاموا » موجب، فالمستثنى منفيّ؛ لأنّ المستثنى من المثبت منفيّ، و من المنفيّ مثبت، فعلى هذا «زيد » في المثال مستثنى من الموجب، فيكون منفيًّا، أي : محكومًا بعدم ثبوت
حكم المستثنى منه - و هو القيام في المثال المذكور - له .
وهكذا يكون حكم ما بعد المستثنى الأوّل، فهو أيضًا محكومٌ بعدم ثبوت القيام له؛ وذلک لأنّ المستثنى منه في الجميع واحد، فينبغي أن يثبت (1)للجميع حكم
واحد، وهو المراد بقوله : « فما بعده كذلک »، أي : إن كان المستثنى الأوّل خارجًا، فما بعده أيضًا خارج .
إن قلت : هذه المستثنيات لو كانت حكمها واحدًا، فلِمَ لم يعطف بعضها على بعض ؟
قلت : لما قيل (2)من أنّه أريد بالمستثنى الثاني إخراجه من جملة ما بقي بعد
المستثنى الأوّل، و بالمستثنى الثالث إخراجه من جملة ما بقي بعد المستثنى الثاني، وليس المراد إخراجها (3)دفعة واحدة، و إلّا لوجب العطف .
قوله : فإن أمكن استثناء بعضها من بعض، إلى آخره .
هذا بيانٌ لوجه تقييد قول المصنّف : « و حكمها في القصد حكم الأوّل » بما إذا لم يمكن استثناء بعضها من بعض، كما مرّ .
اعلم : أنّهم اختلفوا فيما إذا أمكن استثناء بعض المستثنيات من بعضٍ على
أقوال :
الأوّل : اشتراكها (1)مع ما إذا أمكن استثناء البعض من بعض، أي : حكم الجميع حكم المستثنى الأوّل، والمستثنى منه في الكلّ واحد .
و هو المنقول عن الصيمريّ والقاضيّ أبي يوسف (2)، و هو مقتضى إطلاق المصنّف حيث قال : « و حكمها في القصد حكم الأوّل » من غير تقييد .
والثاني : هو ما ذكره الشارح من استثناء كلّ واحد ممّا قبله، فنقول في المثال المذكور - و هو قوله : « عندي أربعون إلّا عشرين إلّا عشرة إلّا خمسة إلّا اثنين »- أنّ « إلّا عشرين » مستثنى من الأربعين، فبقي بعد هذا الاستثناء: عشرون (3)، و«إلّا عشرة » مستثنى من « إلّا عشرين »، فبقي منه: عشرة، و هي مع العشرين الباقي يبلغ: الثلاثين، و « إلّا خمسة » مستثنى من « إلّا عشرة »، فبقي منها: خمسة، فصار المجموع: خمسة و عشرين، و « إلّا اثنين » مستثنى من « إلّا خمسة »، فبقي منها: اثنان، فصار مجموع الباقي بعد هذه المستثنيات: سبعة و عشرين .
وهذا القول هو المنقول عن البصريّين والكسائيّ، واختاره ابن هشام وغيره (4).
1) . في « س » : اشتراكهما .
2) . نقله عنهما في شرح التصريح : 1 / 554 .
3) . في « س » : عشرين .
4) . نقله عن أهل البصرة والكسائيّ أبو حيّان في الارتشاف : 3 / 1552 ؛ والسيوطيّ في همعالهوامع: 1 / 228 ؛ والأزهريّ في شرح التصريح : 1 / 554 ؛ واختاره ابن هشام في أوضحالمسالک: 126 ؛ والأزهريّ في شرح التصريح : 1 / 554 ؛ وينظر رأي الكسائيّ في :التصريح : 1 / 358 ؛ والهمع : 1 / 228 ؛ والمساعد : 1 / 577 .
والقول الثالث : هو احتمال كلّ من القولين المذكورين، أي : يحتمل عود المستثنيات كلّها إلى الأوّل، و كون الجميع مستثنى من أصل العدد، و هو: أربعون، ويحتمل عود كلّ واحد إلى ما يليه. وهو المنقول عن بعضهم (1).
و على هذا الخلاف فالمقرّ به في المثال المذكور على القول الأوّل هو: الثلاثة، وعلى القول الثاني: سبعة و عشرون، و على القول الثالث يحتملهما .
قوله : إذا (2)أسقط الأوتار و ضمّ إلى الباقي بعد الإسقاط الأشفاع، فالمجتمع هو الباقي بعد الاستثناء .
يعني: أنّ لمعرفة الباقي من العدد بعد الاستثناء طريقين :
إحداهما : ما مرّ من استثناء كلّ واحد ممّا قبله كما عرفت .
والثانية : هي أن تسقط الأوتار من المستثنيات، و هي في المثال المذكور المستثنى الأوّل - وهو : « إلّا عشرين » - والمستثنى الثالث - وهو : « إلّا خمسة » - وبعد إسقاطهما (3)من أصل العدد بقي عندک: خمسة عشر، و تضمّ إليه الأشفاع، أي: المستثنى الثاني - وهو : « إلّا عشرة » - والرابع - وهو : « إلّا اثنين »، ومجموعهما: اثنا عشر، فإذا ضممته إلى خمسة عشر الباقي يبلغ (4): سبعة وعشرين، و هذا هو المجتمع بعد الاستثناء بناءً على القول الثاني .
و هاتان الطريقان (1)هما اللّتان ذكرهما الشارح لمعرفة الباقي من العدد بعد الاستثناء فيما إذا أمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض .
و هنا طريق أخرى، و هي أن تنقص المستثنى الأخير (2)ممّا قبله، ثمّ الباقي منه ممّا قبله، وهكذا إلى أصل العدد، فالباقي هو الباقي بعد الاستثناء، ففي المثال المذكور تنقص المستثنى الأخير - وهو : « إلّا اثنين » (3)- عمّا قبله - وهو : « إلّا خمسة » - فبقي لک: ثلاثة، ثمّ تنقص الثلاثة من « إلّا عشرة » فبقي لک: سبعة، ثمّ تنقص السبعة من « إلّا عشرين » فبقي لک: ثلاثة عشر، ثمّ تنقص الثلاثة عشر من أصل العدد - و هو أربعون - فبقي لک: سبعة و عشرون، و هو الباقي بعد الاستثناء.
ويمكن استفادة هذه الطريقة من قول الشارح : « استثنى كلّ واحد ممّا قبله » أيضًا.
هذا كلّه في المثال المذكور، و هكذا نقول في مثله، ففي قولک : « عندي عشرون إلّا عشرة إلّا سبعة إلّا ثلاثة إلّا اثنين » يكون الباقي بعد الاستثناء: ستّة عشر؛ لأنّک إذا استثنيت «إلّا عشرة» من «عشرين» بقي لک: عشرة، وإذا استثنيت «إلّا سبعة » من «عشرة» بقي لک: ثلاثة عشر. و إذا استثنيت « إلّا ثلاثة » من «سبعة» بقي لک: أربعة (4)، وإذا استثنيت « إلّا اثنين » من «ثلاثة» بقي لک: ستّة عشر، و هو الباقي بعد الاستثناء .
هذا بأوّل الطرق المذكورة لتحصيل معرفة الباقي من العدد بعد الاستثناء، وكذا في الطريقين الباقيين (1)؛ لأنّک إذا أسقطت الأوتار - أي : إلّا عشرة و إلّا ثلاثة -
بقي لک (2)من أصل العدد: سبعة، فإذا ضممت إليه الأشفاع - أي : إلّا سبعة و إلّا اثنين - يبلغ المجموع: ستّة عشر، و هو الباقي .
وكذا إذا نقصت (3)المستثنى الأخير ممّا قبله والباقي ممّا قبله، و هكذا إلى أن ينتهي، يبقى: ستّة عشر أيضًا؛ لأنّک إذا نقصت (4)الاثنين (5)من الثلاثة (6)بقي لک :
واحد، وإذا انقصت الواحد من سبعة بقي لک: ستّة، وإذا انقصت الستّة من العشرة بقي لک: أربعة، وإذا انقصت الأربعة من العشرين بقي: ستّة عشر، و هو الباقي بعد الاستثناء.
وكفاک هذا القدر للبصيرة، فافرض الأمثلة واستعلم الباقي بنحو ما مرّ (7).
واعلم: أنّه قد نقل (8): أنّه قيل للكسائيّ عند الخليفة : لو تفقّهت لكان خيرًا لک [من النحو، فقال له الكسائيّ: بل الفقه لا يتمّ إلّا بالنحو ]، فقال لسائله: فيمن أقرّ
لآخر بمائة إلّا عشرة إلّا واحدًا، ماذا يلزمه ؟ فقال : تسعة وثمانون درهمًا، فقال له: أخطأت؛ لقول الله تعالى: ( إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَومٍ مُجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ ) (1)، أفترى (2)هذه المرأة مستثناة من الآل (3)أم (4)
من القوم؟ قال : من الآل، قال : فكم ثبت عليه ؟ قال: أحد وتسعون درهمًا.
المستثنى ب- « غير »
قوله : لإضافته إليه (5).
متعلّقٌ ب- «مجرورًا»، واللام للتعليل، أي : استثن مجرورًا ب- «غير»؛ لأجل إضافة «غير» إليه، و يحتمل أن يكون متعلّقًا ب- «استثن».
قوله : حال كونه معربًا .
أتى بذلک تنبيهًا على أنّ « معربًا » حالٌ من « غير »؛ لئلّا يتوهّم أنّه حالٌ من فاعل « استثن »؛ لاستلزامه الحذف؛ إذ التقدير حينئذٍ هكذا : حال كونک معربًا إيّاه، والأصل عدم الحذف .
إن قلت : كيف يجوز أن يكون « معربًا » حالاً من « غير »، مع أنّه نكرة، وذو
الحال لابدّ أن يكون معرفة ؟!
قلت : المراد ب- «غير» (1)هنا لفظه، فتكون معرفة .
قوله : واتباع .
عطفٌ على الضمير في : « واختياره » من العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ، أي : من اختيار اتباع المستثنى للمستثنى منه، و ذلک إذا كان المستثنى متّصلاً في كلام تامّ غير موجب كما سيجيء .
ولا يجوز أن يكون عطفًا على «نصب» بأن يكون التقدير : من وجوب اتباع؛ لأنّه ليس لنا ما يجب اتباع المستثنى فيه للمستثنى منه .
و يحتمل - على بُعدٍ - أن يكون عطفًا على « وجوب »، لكن على هذا لا يعلم اختيار الاتباع، ولا الوجوب .
قوله : على ما تقدّم .
إمّا وجوب النصب و مختاره، فهو في جميع المستثنيات بالتفصيل، إلّا إذا كان المستثنى مفرّغًا فبحسب العامل، أو متّصلاً مؤخّرًا بعد كلام غير موجب فيختار البدل، تقول : « جاء القوم غير زيد »، و « جاء غير زيد القوم »، و « قام القوم غير حمار »، و «ما قاموا غير حمار» بنصب « غير » وجوبًا في جميعها، إلّا في الثاني
1) . في « س » : بالغير .
عند قومٍ، وفي الأخير عند تميمٍ فمختارا، و « ما جاء القوم غيرُ زيد » برفع «غير»؛ لأنّه مختار البدل.
ولا يخفى عليک أنّ الشارح لم يلتفت إلى وجوب الرفع، والمناسب ذكره أيضًا؛ إذ من الإعراب الّذي تقدّم للمستثنى ب- «إلّا» هو (1)وجوب الرفع، وذلک إذا كان مفرّغًا وكان العامل مقتضى له، والحكم في « غير » مثل المستثنى ب- «إلّا» في ذلک أيضًا، تقول : « ما قام غيرُ زيد » برفع «غير»؛ لأنّه مقتضى العامل .
ولعلّ الباعث للشارح على عدم ذكر الرفع هنا ما نقله في الصحاح عن الفرّاء حيث قال :
وإن استثنت (2)بها - أي : ب- «غير» - أعربتها بالإعراب الّذي يجب
للاسم الواقع بعد « إلّا ».
إلى أن قال :
قال الفرّاء : بعض بني أسد و قضاعة ينصبون « غير » (3)إذا كان في معنى «إلّا»، تمّ الكلام قبلها، أم لم يتمّ، يقولون : «ما جاءني غيرک»، و «ما جاءني أحد غيرک» (4).
قوله : و لكونها موضوعة في الأصل لإفادة المغائرة .
واعلم : أنّ أصل « غير » - كما صرّح به نجم الأئمّة وأبو حيّان وابن هشام وغيرهم (1)- أن يكون صفةً لما فيها من معنى الوصف، و ذكروا أنّ موصوفها إمّا نكرة محضة كما تقول: « رأيت قومًا غير زيد »، أو معرفة لفظًا كالمعرّف ب-: «أل» الجنسيّة على ما مرّ في مبحث المعرّف بأداة التعريف (2)، كما تقول : « الماء غير نجس (3)خلقه الله تعالى ».
لكن قد يحمل على « إلّا » فيستثنى بها، كما حملت « إلّا » عليها فتضمن معناها، فلا تفيد الاستثناء، كما في قوله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا) (4)، و حينئذٍ ينتقل إعراب « غير » إلى الاسم الّذي بعد « إلّا »، كما ينتقل إعراب الاسم الّذي بعد « إلّا » إلى « غير » في الاستثناء، فتعرب « غير » بالإعراب الّذي للاسم بعد « إلّا »، كما مرّ بيانه .
و معنى حمل « غير » على « إلّا » هو أنّها لا تكون صفة لما قبلها حينئذ، بل بمنزلة « إلّا »، و معنى حمل « إلّا » على « غير » هو أنّها لا تكون للاستثناء، بل
تكون صفة لما قبلها، لكن حمل « غير » على « إلّا » أكثر من حملها عليها؛ لكون «غير » اسمًا، ومعلومٌ أنّ التصرّف في الأسماء أكثر من التصرّف في الحروف .
ألا ترى أنّ « غير » تنوب مناب « إلّا » في جميع أقسام المستثنى من المتّصل والمنقطع والمقدّم والمؤخّر المفرّغ كما ذكرنا (1)، بخلاف « إلّا »، فإنّها لا تقع مقام «غير » - أي : للصفة - مطلقًا، بل اشترطوا لجواز وقوعها مقامها أشياء :
الأوّل : أن تكون (2)« إلّا » تابعة لما يدلّ على الجمعيّة، سواء كان جمعًا أو اسم جمع، كقوم - مثلاً .
والثاني : أن تكون ذلک الدالّ على الجمعيّة منكّرًا .
والثالث : أن تكون غير محصور (3).
و هذه الأشياء الثلاثة قد اشترطوا في جواز حمل « إلّا » على « غير » في الصفة.
أمّا اعتبار كون « إلّا » تابعة لما يدلّ على الجمعيّة، فقد علّله نجم الأئمّة (4)بأنّ ذلک لأجل توافق حالها صفة حالها أداة استثناء؛ وذلک لأنّه لابدّ لها في الاستثناء
من مستثنى منه متعدّد، لفظًا أو تقديرًا، كما تقدّم، فلا يقال في الصفة : « جاءني رجل إلّا زيد »، لعدم كون ما قبل « إلّا » دالّا على الجمعيّة .
وأمّا اعتبار كون الدالّ على الجمع منكّرًا فلأنّه لو كان معرّفًا - كقولک : « جاءني القوم إلّا زيدًا » - يمكن حمل « إلّا » فيه على أصلها من الاستثناء؛ لأنّ اللام فيه يمكن أن يكون لاستغراق الجنس، فيدخل المستثنى في المستثنى منه، فيصحّ الاستثناء، أو للإشارة إلى جماعة معلومة يعرف المخاطب أنّ منهم زيدًا، فيمكن الاستثناء أيضًا، فلا يحمل السامع « إلّا » فيه على غيره .
وأمّا اشتراط كونه غير محصور فلأنّه لو كان محصورًا - كما تقول : « ما جاءني رجال إلّا زيد » - لا يتعذّر حمل « إلّا » على الاستثناء أيضًا؛ لتحقّق (1)شرطه،
وهو: دخول المستثنى في المستثنى منه، فلا يحمل على غيره، وكذا قولک: «عندي عشرون إلّا دينارًا ».
و بالجملة: أنّ « إلّا » إنّما يحمل على « غير » إذا يمكن حملها على الاستثناء، على ما يظهر من جمع - كابن الحاجب و صاحب اللباب و غيرهما (2)- حيث اعتبروا الأمور المذكورة لجواز حمل « إلّا » على « غير ».
أقول : و فيما ذكروا نظرٌ من وجهين :
أمّا الأوّل : فهو أنّا لا نسلّم أنّ حمل « إلّا » على « غير » في الصفة موقوفٌ على
تعذّر حملها على الاستثناء؛ لأنّ « إلّا » حقيقةٌ في الاستثناء (1)، و حملها على غيره (2)مجاز، والمجاز إنّما يلزم معه القرينة المانعة عن الحقيقة، سواء كان في موضعٍ يمكن حمل اللفظ على الحقيقة لو انتفت القرينة المانعة، أم لا .
فعلى هذا نقول : إنّ حمل « إلّا » على « غير » يجوز وإن لم يتحقّق الشروط المذكورة، لكن مع القرينة المانعة عن حملها على الاستثناء، فإذا ورد من فصيح مثل قولک : « قام القوم إلّا زيدٌ » برفع «زيد»، يحمل « إلّا » فيه على « غير »؛ لأنّها لو كانت للاستثناء لما جاز رفع «زيد»، فرفعه قرينةٌ على كونها محمولة على «غير».
و من هذا القبيل قوله (علیه السلام) : « الناس كلّهم هالكون إلّا العالمون، والعالمون كلّهم هالكون إلّا العاملون، والعاملون كلّهم هالكون إلّا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم » (3).
ف- «إلّا» في هذه المواضع ليست للاستثناء، وإلّا لوجب نصب ما بعدها، فعدم النصب قرينةٌ على عدم كونها للاستثناء، فتكون محمولة على « غير »، مع أنّ ما قبلها جمع معرّف .
و من هذا القبيل أيضًا قوله (4):
1) . في « س » : لأنّ « إلّا » حملها على الاستثناء حقيقة .
2) . في « س » : غير .
3) . مصباح الشريعة : 36 ؛ وينظر: بحار الأنوار : 70 / 245 ح 18 .
4) . قد نسبه سيبويه إلى عمرو بن معديكرب الزبيديّ، ينظر: ديوانه: 181 ؛ والكتاب لسيبويه :2/ 335 ؛ و جمهرة الأمثال : 2/ 21 ؛ والصحاح : 6 / 2544 ؛ ولسان العرب : 15/432.ونسبه الآمديّ في المؤتلف والمختلف: 116 إلى حضرميّ بن عامر. وقال البغداديّ : وهذاالبيت جاء في شعرين لصحابيّين أحدهما: عمرو بن معديكرب، الثاني: حضرميّ بن عامر(خزانة الأدب : 3 / 394). وورد البيت بلا نسبة في : أمالي السيّد المرتضى: 4 / 7 ؛والإنصاف: 1 / 217 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل: 1 / 334 ؛ والمقتضب: 4 / 409 ؛ ومغنياللبيب: 1 / 72، 2 / 568 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 516 ؛ وهمع الهوامع: 2/270 .
وَكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ *** لَعَمْرُ أبِيکَ إلّا الفَرْقَدَان (1)
هذا، و يمكن أن يجاب عن الأوّل : بأنّ « إلّا » فيه للاستثناء، و ما بعدها بدلٌ عن المستثنى منه (2)، والكلام منفيّ بالنفي المعنويّ؛ لأنّ « هلک » بمعنى : ما بقي، لكن قال ابن الحاجب: إنّ النفي المعنويّ لا يجري كاللفظيّ، إلّا في : قلّما، وقلّ رجل، وأبي و متصرّفاته (3).
وأمّا الثاني : فهو أنّا لا نسلّم مع تحقّق الشروط المذكورة عدم إمكان حمل «إلّا» على الاستثناء مطلقًا؛ لأنّها إنّما نمنع (4)مِن حمل المستثنى على المتّصل لما
1) . جاء في حاشية بعض النسخ : (قال بعضهم: في البيت شذوذان: أحدهما: أنّه وصف المضاففيه، و هو «كلّ »، والقياس أن يوصف المضاف إليه؛ إذ هو المقصود، و « كلّ » لإفادة الشمولفقط، قال: و هذا الوصف ضرورةٌ للشاعر، لأنّه لو جاز له وصف المضاف إليه، و هو أن يقول :«إلّا الفرقدين»، لم يجعل إلّا صفة، بل كان يجعله استثناء. والشذوذ الثاني : الفصل بالخبر بينالصفة والموصوف، و هو قليل. منه ). [ ينظر: شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 130 ].
2) . في « ج 2 » : بدل المستثنى فيه .
3) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 130 .
4) . في « س » : تمنع .
مرّ مِن أنّ المعتبر فيه دخول المستثنى في المستثنى منه، و مع تحقّق الأمور المذكورة هو غير معلوم، وأمّا المنقطع (1)فقد عرفت أنّه غير مخرج .
فعلى هذا يمكن لک أن تقول : إنّ « إلّا » في قولک : « جاءني رجال إلّا حمارًا » للاستثناء، مع وقوعها بعد الجمع المنكّر الغير المحصور، لكنّ الاستثناء فيه منقطع.
إن قلت : إنّ الكلام في المستثنى المتّصل؛ لأنّ « إلّا » حقيقة فيه، وأمّا في المنقطع فمجاز، فإذا تعذّر حمل « إلّا » على المتّصل يمكن حملها على « غير » وإن كان الحمل على المستثنى المنقطع ممكنًا؛ لكون كلّ منهما مجازًا، فمع تحقّق الشروط لو انتفى إرادة المتّصل يكفينا ذلک في جواز حمل « إلّا » على « غير »، فلا توقّف لحملها على « غير » على عدم إمكان إرادة المنقطع منها، ولهذا أطلقوا القول باشتراط الأمور المذكورة في حملها على « غير »، ولم يقيّدوا ذلک بصورة عدم إمكان إرادة المنقطع؛ لكون كلّ منهما مجازًا، ومع التعذّر من الحقيقة (2)يجوز حملها على أيّهما كان مِن غير ترجيح لأحدهما على الآخر .
قلت : مجازيّة استعمال « إلّا » في المستثنى المنقطع و في معنى « غير » مسلّمة، لكنّ الحكم بانتفاء الترجيح لأحدهما على الآخر ممنوع؛ لأنّ الأوّل مجاز شائع، فتعيّن الإرادة عند التعذّر من الحقيقة، بخلاف الثاني .
فالحقّ ما قدّمناه من عدم توقّف حمل « إلّا » على « غير » على عدم صحّة
الاستثناء كما هو مذهب سيبويه (1)، فإنّه صرّح بأنّه يجوز في قولک : « ما أتاني أحد إلّا زيد » أن يكون « إلّا زيد » بدلاً و صفة، على ما حكي عنه (2)، ونقل ذلک عن أكثر المتأخّرين أيضًا (3).
قوله : شاركت (4)«إلّا» في الإخراج الّذي معناه المغائرة.
توضيح ذلک: هو أنّ الإخراج لا يكون إلّا مع مغائرة حكم المخرج (5)لحكم (6)المخرج عنه، و « إلّا » اخرج ذلک عنه، فقولک : « جاءني القوم إلّا زيدًا » إخراج «زيد » فيه منهم إنّما هو لمغائرة حكمه لحكم « القوم »، و هي : ثبوت المجيء لهم وعدمه له، فعلى (7)هذا لو قال: شاركت « إلّا » في الإخراج [ الّذي ] يستلزم المغائرة، كان أولى؛ لأنّ معنى الإخراج ليس هو المغائرة كما هو واضح، نعم هو يستلزم المغائرة كما مرّ .
ثمّ إنّ في كلامه نظرًا؛ لأنّ الإخراج في قوله : « شاركت إلّا في الإخراج الّذي معناه المغائرة » إمّا محمولٌ على الحقيقة، فلا يدلّ على مشاركة « غير » « إلّا » في
جميع المقام (1)؛ إذ المستثنى المنقطع ليس فيه إخراج حقيقة، فلا يعلم مشاركة «غير» «إلّا» في المستثنى المنقطع، مع أنّک قد عرفت ذلک أيضًا .
وإمّا محمولٌ على الإخراج الحقيقيّ والمجازيّ معًا، و حينئذٍ وإن دلّ على مشاركة « غير » « إلّا » في الاستثناء لجميعه، لكن يستلزم ذلک استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز في استعمال واحد، و هو مرغوب عنه عند المحقّقين .
وهذا إنّما يرد على ما ذكره الشارح، وأمّا ما ذكرناه (2)سابقًا من المحقّقين من كون الأصل في « إلّا » كونها صفة، لكن تخرج عن أصلها فتنوب « إلّا » في الاستثناء، فلا يرد عليه ما ذكر؛ لدلالته على نيابة « غير » (3)« إلّا » في جميع أقسام المستثنى، منقطعًا كان، أم لا .
قوله : ولم تكن متضمّنة معناها، فلذا لم تُبْنَ .
هذا دفعٌ لما يرد عليه في المقام، تقريره: هو أنّه لو كانت «غير» موضوعة لإفادة المغائرة، وكان « إلّا » للإخراج الّذي معناه المغائرة، يكون « غير » متضمّنة معنى الحرف، فينبغي أن يكون مبنيّة؛ لما تقدّم في أوّل الكتاب من أنّ من الشباهة المقتضية لبناء الاسم الشباهة التضمّنيّة (4)، مع أنّها معربة .
تقرير الدفع: هو أنّ المراد من الشباهة التضمّنيّة هو أن يكون الاسم متضمّنًا
معنى من معاني الحروف، و هنا ليس كذلک؛ لأنّ « غير » ليست متضمّنة معنى «إلّا»، بل هي متضمّنة موضوعة لإفادة المغائرة، فصارت لأجل هذا الوضع مشاركة ل- «إلّا» الّتي هي موضوعة للإخراج الّذي معناه المغائرة في الإخراج، وليست متضمّنة معنى « إلّا »؛ لأنّ معنى « إلّا » هو الإخراج. ولا يخفى عليک أنّ هذا إنّما يرد على التقرير الّذي ذكره، وأمّا ما ذكرنا من أنّ «إلّا» للإخراج الّذي يستلزم المغائرة فلا .
ثمّ إنّه قد ذكر بعض المحقّقين (1)لإعراب « غير » الناسب ل- «إلّا» وجهًا حسنًا، حيث قال :
وإذا حمل (2)« إلّا » على « غير »، و « إلّا » في الأصل حرف لايتحمّل (3)الإعراب، روعي أصلها، فجعل إعرابه الّذي كان يستحقّها(4)لو لا المانع المذكور على ما بعدها عارية .
وإذا حمل (5)«غير» على «إلّا»، والأصل في « غير » من حيث كونه اسمًا جواز تحمّل الإعراب، وما بعده الّذي صار مستثنى بتطفّل «غير» على «إلّا»، كان مشغولاً بالجرّ؛ لكونه مضافًا إليه في الأصل، جعل إعرابه الّذي كان يستحقّه لو لا المانع المذكور - أي: اشتغاله بالجرّ - على
نفس «غير» عارية (1).
قوله : بفتحها ممدودًا .
صرّح جمع منهم (2)بأنّ اللغة المشهورة في « سوى » هي هذا، و ما ذكره أوّلاً
من كسر السين مقصورًا .
قوله : بورودها مجرورة ب- «من» في قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (3)، إلى آخره .
و منه قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) أيضًا : « ما أنتم في سواكم إلّا كالشعر البيضاء في الثور الأسود، و (4)كالشعر الأسود في الثور الأبيض » (5). حيث إنّ « سوى » ورد فيه مجرورة ب- «في».
1) . شرح الرضي على الكافية : 2 / 126 .
2) . منهم: الرضي في شرحه على الكافية : 2 / 122 ؛ والزوزنيّ في شرح لباب الإعراب: 2 /188 .
3) . قال (صلی الله علیه و آله و سلم) : « دعوت ربّي أن لا يسلّط على أمّتي عدوًّا من سوى أنفسهم ». جاء في صحيح مسلم : 4 ب 5 ح 19 : « ... وانّي سألت ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنة عامّة لا يسلّط عليهمعدوًّا من سوى أنفسهم ... ».
4) . في « ج 2 » : أو .
5) . صحيح مسلم : 1 / 139 ؛ و فيه : « إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة ما أنتم في سواكممن الأمم إلّا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ».
قوله :
ولم يبقَ سِوَى العُدْوَا *** نِ دِنّاهُمْ كَما دَانُوا (1)
هذا عجز بيت صدره :
فلمّا صرّح الشرُّ *** وأمسى وهو عريانُ
و روي : « فلمّا (2)أصبح الشرّ » أيضًا .
اللغة : « العُدوان » بضمّ العين المهملة : الظلم الصريح، و « دِنّاهم » - بكسر الدال المهملة - أي : جازيناهم. « كما دانوا » أي : جازوهم إيّانا (3).
التركيب : « لمّا » ظرف، « صرّح الشرّ » فعل و فاعل، « فأمسى » عطفٌ على «أصبح »، و « هو عريان » مبتدأ و خبر، والجملة في موضع الحال عن (4)الفاعل،
1) . قاله الفند الزمّاني، واسمه : شهل بن شيبان، و ليس في العرب شهل - بالشين المعجمة -غيره، ويقول ابن جنّي : سمّي الفند لعظم خلقته، تشبيهًا بفند الجبل، وهو القطعة منه . و هو منقصيدة من الهزج قالها في حرب البسوس. ينظر: خزانة الأدب : 3 / 413 ؛ و ديوان الحماسة :1 / 23 ؛ والمقاصد للعينىّ : 3 / 122 ؛ وأمالي القالي : 1 / 260 ؛ والدرر : 3 / 92 ؛ وشرحالتصريح: 1 / 560. و ورد البيت بلا نسبة في شرح الألفيّة لابن الناظم: 121 ؛ وشرحالتسهيل: 2 / 234 ؛ وشرح الأشموني : 1 / 520 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 1 / 285 ؛وأوضح المسالک: 127 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 135؛ وهمع الهوامع: 2 / 161 .
2) . في « س » : ولمّا .
3) . في « ج 2 » بدل « كما دانوا أي جازوهم إيّانا » : « كما جازوا هم إيّانا ».
4) . في « س » : من .
والضمير رابطة، أي: لمّا ظهر الشرّ في الصبح والليل والحال أنّ الشرّ عريان، و (1)
هو كنايةٌ عن ظهوره و بقائه. « ولم يبق » عطفٌ على « صرّح »، و « سوى » فاعله، والشاهد فيه حيث خرج عن الظرفيّة فوقع فاعلاً. « دِنّاهم » جواب « لمّا »، و«هم » مفعوله، « كما دانوا » الكاف للتشبيه، و « ما » مصدريّة، و جملة « دانوا » صلتها، أي : دنّاهم كدينهم إيّانا.
والمعنى قد ظهر .
قوله : و مبتدأ في قوله :
..................... فسواک بائِعُها وأنت المُشْتَرِي (2)
أوّله : «وإذا تباع كريمة أو تشتري ».
اللغة : المراد بالكريمة هو الحسنة .
التركيب : « إذا » للشرط، « تباع » فعل، « كريمة » نائب عن الفاعل، « أو تشتري » عطف عليه، « فسواک » مبتدأ، و « بائعها » خبره، والجملة جواب الشرط، والفاء رابطة، و « أنت المشتري » عطفٌ على « سواک بائعها ».
1) . في « ج 2 » : أو .
2) . قاله ابن المولى محمّد بن عبدالله المدنيّ، مخاطبًا به يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب.ينظر: شرح ابن عقيل : 1 / 613 ؛ والدرر: 3 / 92 ؛ وشرح ديوان الحماسة: 1761 ؛ والمقاصدالنحويّة: 3 / 125 . و ورد بلا نسبة في الأغاني: 10 / 145 ؛ وشرح الألفية لابن الناظم: 121؛وشرح التسهيل: 2 / 234 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 519 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل :1/285 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 161 ؛ وشرح التصريح: 1 / 559 .
والشاهد : في « سواک » حيث خرج عن الظرفيّة و ورد مبتدأ.
والمعنى واضح (1).
قوله : في قوله :
أأترکُ ليلى ليسَ بيني و بَيْنها *** سِوَى ليلةٍ إنّي إذًا لَصَبُورُ (2)
والتركيب وكذا المعنى واضح، والشاهد في « سوى ليلة » حيث وقع اسمًا ل-«ليس».
واعلم: أنّ الردّ بهذه الأبيات الثلاثة إنّما يتوجّه بناءً على ما مرّ في مبحث المعارف (3)من أنّ (4)مذهب المصنّف في معنى الضرورة هو أنّها ما لم يجد الشاعر له مندوحة، وأمّا على مذهب الجمهور (5)في تفسير الضرورة - كما مرّ أيضًا من أنّها ما وقعت في الشعر مطلقًا وإن كان للشاعر عنه مندوحة - فلا يتوجّه الردّ بهذه الأبيات حينئذٍ، كما لا يخفى .
1) . في « ج 2 » : ظاهر .
2) . البيت لمجنون العامريّ في: ديوانه: 108 ؛ والدرر: 3 / 93 ؛ ومصارع العشّاق : 1 / 83 .ولأبي دهبل الجمحيّ في ديوانه: 29 ؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقيّ: 319 . و بلا نسبة فيشرح التسهيل: 2 / 233 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 519 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 162 .
3) . ينظر: الحلية اللامعة : 1 / 616.
4) . في « س » بدل « من أنّ » : كما هو .
5) . حكاه عن الجمهور الدمامينيّ في تحفة الغريب (المطبوع بهامش المنصف من الكلام) :1/105 .
قوله : وقال الرمّاني : إنّها تستعمل ظرفًا غالبًا، وك- «غير» قليلاً .
فعلى هذا في « سوى » ثلاثة أقوال :
[ القول الأوّل ]
الأوّل : ما اختاره المصنّف من أنّ « سوى » بلغاتها مثل « غير » في الاستثناء وإعراب ما نسب لمستثنى (1)ب- «إلّا»، فإعرابها في قولک : « جاءني القوم سوى
زيد» نصبٌ وجوبًا، وكذا في قولک : « جاءني القوم سوى حمار »، وكذا في : «جاءني سوى زيد أو حمار القوم»، وفي قولک : «ما جاءني أحد سوى زيد» رفعٌ مختارًا ونصبٌ جوازًا، وهكذا.
وهذا القول هو المنقول عن الكوفيّين (2).
[ القول الثاني ]
والقول الثاني : هو ما نقله عن سيبويه (3)من كونها ظرفًا أبدًا، فإعرابها حينئذٍ نصب، و هو المنقول عن البصريّين (4)، مع أنّه ليس فيها معنى الظرفيّة؛ ولهذا قال
نجم الأئمّة :
عند البصريّين هو لازم النصب على الظرفيّة؛ لأنّه في الأصل صفة ظرف، والأولى في صفات الظروف إذا حذفت موصوفاتها: النصب، فنصبه على كونه ظرفًا في الأصل، وإلّا فليس الآن فيه معنى الظرفيّة، والدليل على ظرفيّته في الأصل وقوعه صلة، بخلاف « غير »، نحو : «جاءني الّذي سوى زيد» (1). انتهى.
توضيح ذلک من كونه صفة ظرف موقوفٌ على نقل كلامه، فأقول : إنّه قال :
إنّما انتصب « سوى »؛ لأنّه في الأصل صفة ظرف مكان، وهو : مكانًا، قال الله تعالى : ( مَكَانًا سُوًى ) (2)، أي : مستويًا، ثمّ حذف الموصوف وأقيم (3)الوصف مقامه مع قطع النظر عن معنى الوصف، أي : معنى الاستواء الّذي كان في « سوى »، فصار « سوى » بمعنى : مكانًا [ فقط، ثمّ استعمل « سوى » استعمال لفظ مكان ] (4)لما قام مقامه في إفادة معنى البدل، فتقول : أنت لي مكان عمرو، أي : بدله، لأنّ البدل سادّ مسدّ المبدل منه و كائن مكانه (5).
[ القول الثالث ]
والقول الثالث : ما نقله عن الرمّانيّ وابن هشام (1)من أنّها تستعمل ظرفًا غالبًا وك- «غير» قليلاً.
قوله : واسمها مستتر .
يعود إمّا إلى اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق أو إلى مصدره، أو إلى البعض المفهوم من كلّيّة السابق، تقول : « قام القوم ليس زيدًا »، أي : ليس القائم زيدًا، أو ليس قيامهم زيدًا.
وهذا إمّا بحمل المصدر إلى اسم الفاعل، أو بحذف المضاف، أي: ليس قيامهم قيام زيد، أو ليس بعضهم (2)زيد، وقد تقدّم الكلام في مبحث الضمائر فيه (3).
ثمّ نقول: قد لا يكون المتقدّم على « ليس » فعلاً، فهناک تعيّن إرجاع الضمير إلى البعض، كما تقول : « القوم اخوتک ليس زيد »؛ إذ ليس المتقدّم على «ليس» في المثال المذكور فعلاً حتّى يرجع الضمير فيه إلى اسم الفاعل منه أو إلى مصدره، فعلى هذا ينبغي إطلاق كلامهم في أنّ الضمير يرجع إمّا إلى اسم الفاعل أو المصدر
في صورة تقدّم الفعل؛ لما عرفت.
قوله : كقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) : « ما أنهر الدم و ذُكِرَ اسم الله عليه، فكُلُوا منه ليس السِنَّ والظُفُرَ » (1).
والشاهد في : « السنّ »، فإنّه منصوب، و هو مستثنى من الضمير في : « أنهر »، وجملة « ذكر اسم الله عليه فكلوا » معترضة، والضمير في « ليس » يعود إمّا إلى اسم الفاعل من الفعل، أو إلى مصدره، أو البعض المفهوم من الكلّيّة، والتقدير: أنهر الدم و ذكر اسم الله عليه، فكلوا حال كونه ليس المنهر السنّ، أو ليس أنهاره السنّ. وهذا أيضًا إمّا بحمل المصدر فيه على اسم الفاعل، أو بتقدير مضاف، أي: ليس أنهاره أنهار السنّ، أو: ليس بعض المنهر السنّ والظفر .
والظُفرُ بالضمّ أو بضمّتين، وبالكسر شاذّ، كما في القاموس (2).
قوله : و اسمها كليس .
أي: اسم «لا يكون» كاسم «ليس»، أي : يستتر فيها، يعود إلى ما عاد عليه اسم «ليس» كما تقدّم .
ثمّ إنّ الجملة في هذه الأربعة جملةً - أي : ليس و خلا و عدا ولا يكون - في موضع الحال، و تقدير قولک : « قام القوم ليس زيدًا »، أي : حال كونهم ليس القائم منهم زيدًا .
و هكذا إذا عاد الضمير إلى المصدر أو البعض، وكذا الكلام في قولک : « قام القوم خلا زيدًا »، أي : حال كونهم خاليًا من زيد مثلاً، وكذا في « عدا » و « لا يكون »، و وجه استتار الفاعل فيها (1)هو ما مرّ في مبحث الضمائر في «ما عدا»
و«ما خلا» (2).
قوله : نحو :
خلا اللهِ لا أرجُو سِوَاکَ ... .....................(3)
آخره : « وإنّما أَعُدُّ عِيالِي شُعْبةً مِن عِيالِكَا ».
اللغة : «الشُعبة» أي : من جملة عيالكا، و باقي اللغات وكذا التركيب واضح، والشاهد في : « خلا الله » حيث جرّ « خلا » فيه مدخوله .
قوله :
..................... عدا الشَمْطَاءِ والطِفلِ الصَغيرِ (4)
1) . في « س » : فيهما .
2) . ينظر: الحلية اللامعة : 1 / 407 - 410 .
3) . قاله الأعشى، والبيت في خزانة الأدب : 3 / 295 ؛ وبلا نسبة في شرح التسهيل: 2 / 229 ؛والدرر: 3 / 164 ؛ وشرح الأشمونيّ : 1 / 523 ؛ و شرح التصريح : 1 / 563 ؛ و شرح ابنعقيل: 1 / 618 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 137 ؛ و همع الهوامع: 2 / 260 .
4) . لم ينسب لقائلٍ، أوّله : « أبَحْنَا حَيَّهُم قَتْلاً وَ أَسْرًا ». وبلا نسبة في شرح التسهيل: 2 / 228 ؛وشرح الألفيّة لابن الناظم: 123 ؛ وأوضح المسالک : 128 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 524 ؛وشرح ابن عقيل : 1 / 619 ؛ والدرر: 3 / 178 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 132 ؛ وشرحالتصريح: 1 / 563 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 280 .
اللغة : «الشمطاء» في الصحاح :
الشمط : بياض شعر الرأس يخالط سواده، والرجل أشمط .
إلى أن قال :
والمرأة شمطاء (1).
التركيب : « حيّهم » مفعول « أبحنا »، « قتلاً » تمييز، و « أسرًا » عطف عليه، والباقي واضح .
والشاهد في : « عَدَا الشَمْطَاءِ » حيث إنّ الشمطاء مجرورٌ بِ- «عدا».
قوله : و هي لا تدخل إلّا على الجمل الفعليّة .
و ما ذكره من عدم دخول « ما » المصدريّة على غير الفعليّة هو ما ذهب إليه سيبويه و غيره (2)، لكن جوّز نجم الأئمّة و غيره (3)دخولها في غير الفعليّة أيضًا على قلّة، وممّا دخلت على غيرها ما ورد في نهج البلاغة :
1) . الصحاح : 3 / 1138 .
2) . نقله عن سيبويه الرضيّ في شرحه على الكافية: 4 / 441 ؛ وابن هشام في شرح قطرالندى: 42 ؛ وينظر أيضًا : أوضح المسالک: 128 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 524 ؛ وهمع الهوامع :2 / 281 ؛ وشرح التصريح: 1 / 565 .
3) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 89 ؛ وشرح المراديّ: 2 / 123 ؛ وشرح التصريح :1/ 565 .
« بقُوا فِي الدُنْيَا (1)مَا الدُنْيَا بَاقِيَةٌ » (2).
قوله :
ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ (3)آخره : «وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زَائِلُ».
اللغة واضحة .
التركيب : « ألا » للتنبيه، « كلّ » مبتدأ، سوّغ الابتداء به عمومه واضافته، « ما خلا الله » «ما» مصدريّة، « خلا » فعل و فاعله مستتر فيه، و « الله » مفعوله و«باطل » خبرٌ للمبتدأ، و « كلّ نعيم » أيضًا مبتدأ، المسوّغ ما مرّ، « لا محالة » «لا» فيه لنفي الجنس، و « محالة » اسمه و خبره محذوف، و « زائل » خبرٌ للمبتدأ.
والمعنى واضح.
والشاهد في : « ما خلا الله » حيث استعملت « خلا » فيه مع «ما» المصدريّة، ولذا نصب ما بعدها وجوبًا، أمّا على القول باختصاص « ما » المصدريّة بالجمل
1) . في المصدر : ثمّ عُمِّرْتُمْ في الدنيا.
2) . نهج البلاغة، الخطبة: 52 .
3) . البيت للبيد بن ربيعة العامريّ في ديوانه : 256 ؛ و خزانة الأدب : 2/ 225 ؛ وشرحالتسهيل: 2 / 229 ؛ وشرح الألفيّة لابن الناظم: 4 ؛ وشرح قطر الندى: 248 ؛ ومغني اللبيب :1 / 133 ؛ وشرح الأشمونيّ : 1 / 524 ؛ وهمع الهوامع: 1 / 22 ؛ وشرح التصريح: 1 / 565.وبلا نسبة في أوضح المسالک: 128 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 618 ؛ والدرر : 1 / 491، 501 ؛واللباب : 1 / 311.
الفعليّة فظاهر، وأمّا على القول بالعدم فلأنّ الغلبة مسلّمة، والظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب .
قوله :
تُمَلُّ النَدامَى ما عَدَانِي فَإِنَّنِي (1)..................... (2)
اللغة : « تملّ » من الملول، « الندامى » جمع : نديم، بمعنى: مصاحب (3)،
«مُولِعٌ» اسم فاعل: الحريص .
التركيب : « تملّ » فعل، و « الندامى » فاعله، « ما عداني » « ما » فيه مصدريّة، «عدا» فعل و فاعله مستتر فيه وجوبًا، و ياء المتكلّم مفعوله، والنون قبلها للوقاية، « فإنّني » الفاء للتفريع، و ياء المتكلّم اسم « إنّ »، « بكلّ الّذي » متعلّق ب- «مُولِع»، و«يَهوَى » وفاعله - وهو : « نديمي » - صلة الموصول، والعائد محذوف، أي : يهويه، و « نديمي » بياء النسبة، « مولعٌ » خبر « إنّ ».
والشاهد في : « ما عداني »، فإنّ نصب ما بعد « عدا » فيه واجب، لاستعماله مع «ما» المصدريّة .
والمعنى قد ظهر ممّا مرّ .
1) . في المصدر: وانّني .
2) . صدر بيت من الطويل، لم ينسب لقائلٍ، وعجزه: « بكلِّ الّذي يَهوَى نَدِيمِي مُولَعٌ ». وبلا نسبةفي شرح التسهيل: 2 / 226 ؛ وشرح الشواهد للعينيّ : 2 / 164 ؛ وشرح الأشمونيّ :1/524؛ وأوضح المسالک : 128 ؛ وشرح شذور الذهب: 1 / 339 ؛ والدرر: 3 / 179 ؛وشرح التصريح: 1 / 565 ؛ والمقاصد النحويّة: 1 / 363 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 281.
3) . في « س » : صاحب .
قوله : حينئذٍ .
أي : حين استعمالها مع « ما ».
قوله : على أنّ « ما » زائدة .
هذا بناءً على ما ذكره من اختصاص « ما » المصدريّة بالجمل الفعليّة، وأمّا على ما نقله نجم الأئمّة (1)من أنّه أجاز ابن جنّي كون صلة « ما » المصدريّة جارًّا
ومجرورًا، فيجوز على هذا كون « ما » حينئذٍ (2)مصدريّة، لا زائدة، كما في قولک :
«جاءني القوم ما خلا زيد وما عدا عمرو ».
قوله : كما سبق .
في مبحث الضمائر عند شرح قول المصنّف : « و من ضمير الرفع ما يستتر »، حيث قال هناک : « وزاد ابن هشام في التوضيح فعل الاستثناء » إلى آخره.
قوله : و غير ذلک ممّا سبق .
من أنّ « خلا » لو جرّت حرف جرٍّ، ولو نصبت فعل وفاعلها مستترٌ وجوبًا، وتمام الكلام في « ما خلا » و « ما عدا » يطلب فيما ذكرناه في مبحث الضمائر (3).
قوله : أنّها لا تكون إلّا حرف جرّ .
واستدلّ (4)لذلک باستعمالها مع ياء المتكلّم من غير نون الوقاية، كقولهم :
«حاشاي» (1)، فلو كان فعلاً لم يجز فيه ذلک (2).
قوله : و هو من كلام الراوي .
أي : « ما حاشا فاطمة » ليس من الحديث، بل من كلام الراوي.
إنّما قال ذلک دفعًا لتوهّم كون الجميع من كلامه (صلی الله علیه و آله و سلم) فيقال عليه: إنّه كيف يمكن كون كلمة « ما » نافية و « حاشا » فعل ماض بمعنى: استثنى، مع أنّه يفسد معه المعنى ظاهرًا (3)، كما لا يخفى .
ولمّا كان لقائلٍ أن يقول : ما الباعث على هذا الحمل مع جواز كون « ما » مصدريّة و « حاشا » للاستثناء، فحينئذٍ يكون من تتمّة كلامه (صلی الله علیه و آله و سلم) و معناه : أنّ أسامة أحبّ الناس إلّا فاطمة، فإنّه ليس أحبّ إليّ منها؟ قال: وفي رواية: «ما حاشا فاطمة ولا غيرها »؛ دفعًا لهذا التوهّم .
تقرير الدفع: هو أنّ الحديث ورد على نحوين، فينبغي حمله على معنى يوافق كليهما، و هو لا يمكن إلّا بحمل كلمة « ما » على النافية و كون « ما حاشا فاطمة » كلمة من كلام الراوي؛ لأنّ حمل كلمة « ما » في الرواية الأولى على المصدريّة وإن كان ممكنًا، لكنّه في الرواية الثانية غير ممكن؛ لأنّه لو كان كذلک لكان من تتمّة كلامه (صلی الله علیه و آله و سلم)، فيكون معناه حينئذٍ : أسامة أحبّ الناس إليّ سوى فاطمة وسوى غيرها، ومعلومٌ أنّ غير فاطمة 3 عامّ يشمل جميع الناس، فلا معنى لقوله (صلی الله علیه و آله و سلم)
أوّلاً: « أحبّ الناس إليّ » كما لا يخفى، فتعيّن حمل كلمة « ما » على النافية ليصحّ في كليهما.
ولقائلٍ أن يقول : إنّ المذكور في الرواية الثانية إنّما يعيّن الحمل على كون كلمة «ما» للنافية، فيكون من كلام الراوي إذا لم يمكن حملها على ما لم يلزم معه ما مرّ، وهو غير مسلّم؛ لاحتمال أن يكون كلمة « لا » في : « ولا غيرها » نافية ويكون «غيرها» منصوبًا بفعلٍ محذوف، لا أن يكون كلمة « لا » زائدة لتأكيد النفي ويكون «غيرها» معطوفًا على « فاطمة » بأن يكون هكذا: أسامة أحبّ الناس إليّ سوى فاطمة، ولا استثني غيرها، فيكون الجميع من كلامه (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولا تخالف بينهما .
قوله : في « حاشا » في لغة .
إنّما قال هكذا دفعًا لما يتوهّم من قول المصنّف أنّه قيل: ك- «خلا» : حَاشَ وحشى، بقرينة قوله : « و ك- خلا حاشا »، ولمّا لم يكن هذا مرادًا، دفعه بما قال.
**
[ الحال ]
الحال وصفٌ فَضْلة منتصب *** مفهم في حالٍ ك- : فردًا أذهب
هذا باب الحال
(الحال) عندنا (وصف) جنس شامل أيضًا للخبر والنعت (فضلة) أي: ليست أحد جزءي الكلام، فصلٌ مخرجٌ للخبر (منتصب مفهم في حال) كذا أي: مبيّن لحال صاحبه، أي: الهيئة الّتي هو عليها، فصل مخرج النعت والتمييز في نحو: لله درّه فارسًا، (ك- : فردًا أذهب) أي: في حال تفرّدي.
ولا يرد على هذا الحدّ نحو: مررت برجل راكب؛ لأنّه مفهم في حال ركوبه؛ لأنّ إفهامه ضمنًا، والغرض من تعريف الحال معرفة ما يقع عليه بعد معرفة استعمال العرب له منصوبًا، لا معرفته ليحكم له بالنصب، فلا يلزم الدور على إدخال الحكم بالنصب في تعريفه، قاله والدي آخذًا من كلام صاحب المتوسّط في نظير المسألة.
وكونه منتقلاً مشتقًّا *** يغلب لكن ليس مستحقًّا
(وكونه منتقلاً مشتقًّا) أي: وصفًا غير ثابت هو الّذي (يغلب) وجوده في كلامهم، (لكن ليس) ذلک (مستحقًّا)، فيأتي لازمًا بأن كان مؤكّدًا نحو: (يوم أبعث
حيًّا)، أو دلّ عامله على تجدّد ذات صاحبه نحو: خلق الله الزرّافة يديها أطول من رجليها، أو غير ذلک ممّا هو مقصور على السماع نحو: (قائمًا بالقسط).
ويكثر الجمود في سعر وفي *** مبدي تأوّل بلا تكلّف
(و) يأتي جامدًا، لكن (يكثر الجمود في سِعر) - بالسين المهملة - (وفي مبدي تأوّل) بالمشتقّ (بلا تكلّف) بأن يدلّ على مفاعلة أو تشبيه أو ترتيب،
كبِعْه مُدًّا بكذا يدًا بيد *** وكرّ زيدٌ أسدا أي: كأسد
فالسعر (كبعه مُدًّا بكذا) أي: مسعّرًا، والدالّ على المفاعلة نحو: (يدًا بيد) أي : مقبوضًا، (و) الدالّ على التشبيه نحو: (كرّ زيد أسدا أي: كأسد) في الشجاعة، والدالّ على الترتيب نحو: تعلّم الحساب بابًا بابًا، وادخلوا رجلاً رجلاً. ويقلّ إذا كان غير مؤوّل بالمشتّق بأن كان موصوفًا نحو: (فتمثّل لها بشرًا سويًّا)، أو دالاًّ على عدد نحو: (فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة)، أو تفضيلاً نحو: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا، أو كان نوعًا لصاحبه نحو: هذا مالک ذهبًا، أو فرعًا له نحو: هذا حديدک خاتمًا، أو أصلاً نحو: هذا خاتمک حديدًا.
والحال إن عرّف لفظًا فاعتقد *** تنكيره معنًى كوَحْدک اجتهد
(والحال) شرطه أن يكون نكرة، خلافًا ليونس والبغداديّين مطلقًا والكوفيّين فيما تضمّن معنى الشرط، و (إن) أتاک حال قد (عرّف لفظًا فاعتقد تنكيره معنًى كوحدک اجتهد) أي: منفردًا، وجاءوا الجمّ الغفير أي: جميعًا، وجاءت الخيل بِداد أي: مبدّدة.
و مصدر منكّر حالاً يقع *** بكثرة كبغتةً زيد طَلَع
(ومصدر منكّر حالاً يقع) سماعًا مطلقًا عند سيبويه (بكثرة، كبغتة زيد طلع) أي: مباغتًا، وقياسًا عند المبرّد على ما كان نوعًا من الفعل، كجئت رَكضًا، فيقيس على: جئت سرعة ورجلة، وعند المصنّف وابنه بعد أمّا نحو: أمّا علمًا فعالم، وبعد خبر شُبّه به مبتدأ كزيد زُهَير شعرًا، أو قرن هو ب- أل الدالّة على الكمال نحو: (أنت الرجل علمًا).
ولم ينكّر غالبًا ذو الحال إن *** لم يتأخّر أو يخصّص أو يَبِن
(ولم ينكّر غالبًا ذو الحال إن لم يتأخّر، أو) لم (يخصّص، أو) لم (يبن) أي: يظهر واقعًا
من بعد نفي أو مضاهَيه ك- : لا *** يبغ امرؤ على امرئٍ مُستسهلا
(من بعد نفي أو) من بعد (مضاهيه)، وهو النهي والاستفهام، وينكّر أي: يجوز تنكيره إن تأخّر، كقوله :
لميّة موحشًا طَلَل *** يلوح كأنّه خلل
أو خصّص بوصف نحو: (ولمّا جاءهم كتاب من عند الله مصدّقًا) في قراءة بعضهم، أو إضافة نحو: (في أربعة أيّام سواءً للسائلين)، أو وقع بعد نفي نحو : (وما أهلكنا من قرية إلّا ولها كتاب معلوم)، أو بعد نهي (ك- : لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا)، أو استفهام نحو :
يا صاح هل حُمَّ عَيش باقيًا فترى .....................
وقد نكّر نادرًا من غير وجود شيء ممّا ذكر، ومنه: صلّى رسول الله جالسًا وصلّى وراءه قوم قيامًا.
وسبق حال ما بحرف جرّ قد *** أبوا ولا أمنعه فقد ورد
(وسيق حال ما بحرف جرّ قد أبوا) كسبقها ما جرّ بإضافة إليه، (ولا أمنعه) وفاقًا للفارسيّ وابن كيسان و بَرْهان، (فقد ورد) في الفصيح كقوله تعالى: (وما أرسلناک إلّا كافّة للناس)، وقول الشاعر :
..................... فمطلبها كَهلاً عليه شديد
وأوّل ذلک المانعون بأنّ كافّةً حالٌ من الكاف في أرسلناک، والهاء للمبالغة، أي: وما أرسلناک إلّا كافًّا للناس، وبأنّ كهلاً حال من الفاعل المحذوف من المصدر، أي: فمطلبه إيّاها كهلاً عليه شديد. وسبقها المرفوع والمنصوب جائز خلافًا للكوفيّين، وسبقها المحصور واجب ك- : ما جاء راكبًا زيد، وسبقها وهي محصورة ممتنع.
و لا تُجِز حالاً من المضاف له *** إلّا إذا اقتضى المضاف عمله
(ولا تجز حالاً من المضاف له) خلافًا للفارسيّ (إلّا إذا اقتضى المضاف عمله) أي: العمل في الحال، كقوله تعالى: (إليه مرجعكم جميعًا).
أو كان جزء ما له أضيفا *** أو مثل جزئه فلا تحيفا
(أو كان) المضاف (جزء ما له أضيفا) كقوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخوانًا) (أو مثل جزئه فلا تحيفا، كقوله تعالى: (ثمّ أوحينا إليک أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفًا)، والصورتان الأخيرتان قال أبو حيّان: لم يسبق المصنّف إلى ذكرهما أحد. انتهى. قلت: قد نقلهما المصنّف في فتاويه عن الأخفش، وقد تبعه عليهما جماعة.
والحال إن يُنصب بفعل صرّفا *** أو صفة أشبهت المصرّفا
فجائز تقديمه ك- :مسرعا *** ذا راحل ومخلصًا زيدٌ دعا
(والحال إن ينصب بفعل صرّف أو صفة أشبهت المصرّفا فجائز) خلافًا للكوفيّين (تقديمه) على ناصبه ما لم يعارضه معارض من كون عامله صلة ل- أل، أو لحرف مصدريّ، أو مقرونًا ب- : لام القسم، أو الابتداء، أو كونه جملة معها الواو، (كمسرعًا ذا راحلٌ و مخلصًا زيدٌ دعا)، فإن كان ناصبه غير فعل - كاسم الفعل، أو المصدر، أو فعلاً غير متصرّف كفعل التعجّب، أو صفة كذلک كأفعل التفضيل في بعض أحواله - لم يجز تقديمه عليه.
ضابطة
جميع العوامل تعمل في الحال إلّا كان وأخواتها وعسى - على الأصحّ.
وعامل ضمّن معنى الفعل لا *** حروفه مؤخّرًا لن يعملا
(و عامل ضمّن معنى الفعل لا حروفه مؤخّرًا لن يعملا) لضعفه.
كتلک ليت وكأنّ ونذر *** نحو: سعيد مستقرًّا في هَجَر
(كتلک، ليت، وكأنّ)، ولعلّ، وهاء التنبيه، والظروف المتضمّنة معنى الاستقرار، (وندر) عندنا توسّط الحال بين صاحبه وعامله إذا كان ظرفًا أو مجرورًا مخيّرًا به، وأجازه الأخفش بكثرة (نحو: سعيد مستقرًّا في هجر)، ومنع بعضهم هذه الصورة كما مُنع تقديمها عليهما بالإجماع.
ونحو: زيد مفردًا أنفع من *** عمرو مُعانًا مستجازٌ لن يَهِن
(و) تقديم الحال على عامله إذا كان أفعل مفضّلاً به كون في حال على كون في
حال (نحو: زيدٌ مفردًا أنفع من عمرو مُعَانًا)، وهذا بسرًا أطيب منه رطبًا (مستجازٌ لن يهن) أي: لن يضعف.
والحال قد يجيء ذا تعدّد *** لمفرد - فاعلم - و غير مفرد
(والحال قد يجيء ذا تعدّد لمفرد فاعلم) كالخبر سواء كان الجميع في المعنى واحدًا، كاشتريت الرمّان حلوًا حامضًا، أو لم يكن، كجاء زيد عاذرًا ذا مين، (وغير مفرد) نحو: لقيت زيدًا مصعدًا منحدرًا. ثمّ إن ظهر المعنى ردّ كلّ واحد إلى ما يليق به، وإلّا جعل الأوّل للثاني والثاني للأوّل.
وعامل الحال بها قد أكّدا *** في نحو: لا تعث في الأرض مفسدًا
(وعامل الحال) وكذا صاحبها (بها قد أكّد في نحو: لا تعث في الأرض مفسدًا)، (وأرسلناک للناس رسولاً) (لآمن مَن في الأرض كلّهم جميعًا).
وإن تؤكّد جملة فمضمر *** عاملها ولفظها يؤخّر
(وإن توكّد) الحال (جملة) معقودة من اسمين معرفتين جامدين لبيان يقين أو فخر أو تعظيم أو نحو ذلک (فمضمر عاملها) نحو :
أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي .....................
أي: أحقّه معروفًا، وقيل: عاملها المبتدأ، وقيل: الخبر الواقع في الجملة (ولفظها يؤخّر) وجوبًا لعدم جواز تقدّم المؤكِّد على المؤكَّد.
وموضع الحال تجيء جملة *** كجاء زيد وهو ناو رِحْله
(وموضع الحال تجيء جملة) خالية من دليل الاستقبال، (كجاء زيد وهو ناوٍ رحلة) ويجيء أيضًا موضعه ظرف أو مجرور متعلّق بمحذوف وجوبًا نحو: رأيت
الهلال بين السحاب، (فخرج على قومه في زينته).
وذات بدء بمضارع ثبت *** حوت ضميرًا ومن الواو خَلَت
(و) جملة الحال سواء كانت مؤكّدة أم لا إذا جيء بها (ذات بدء بمضارع) خال من قد ثبت)، أو نفي بلا أو ما، أو بماض تال إلّا أو متلوّ بأو (حوت ضميرًا) رابطًا ظاهرًا أو مقدّرًا (ومن الواو خلت) نحو: (ولا تمنن تستكثر) (ما لكم لا تناصرون).
عهدتک ما تصبو وفيک شبيبة .....................
(الّا كانوا به يستهزئون) لأضربنّه ذهب أو مكث.
وذات واو بعدها مبتدأ *** له المضارع اجعلنّ مسندا
(و) إن أتى من كلام العرب جملة مبدوة بما ذكر وهي (ذات واو) فلا تجره على ظاهره، بل (بعدها) أي: بعد الواو (انو مبتدأ له المضارع) المذكور (اجعلنّ مسندًا) خبرًا نحو :
فلمّا خشيتُ أظافيرهم *** نجوت وأرهنهم مالكا
أي: وأنا أرهنهم مالكًا. وذات بدء بمضارع مقرون بقد تلزمها الواو نحو: (ولِمَ تؤذونني وقد تعلمون أنّي رسول الله)، قاله في التسهيل.
وجملة الحال سوى ما قدّما *** بواو أو بمضمر أو بهما
(وجملة الحال سوى ما قدّما)، وهي الجملة الاسميّة مثبتة أو منفيّة، والفعليّة المصدّرة بمضارع منفيّ بلم، أو بماض مثبت، أو منفيّ بشرط أن تكون غير مؤكّدة تأتي (بواو) فقط نحو: جاء زيد وعمرو قائم، جاء زيد ولم تطلع الشمس، جاء زيد
وقد طلعت الشمس، جاء زيد وما طلعت الشمس.
وشرط الجملة الحال المصدرّة بالماضي المثبت المتصرّف المجرّد من الضمير أن تقترن بقد ظاهرة أو مقدّرة؛ لتقرّبه من الحال. واستشكله السعيد وتبعه شيخنا العلّامة الكافيجيّ بأنّ الحال الّذي هو قيد على حسب عامله، فإن كان ماضيًا أو حالاً أو مستقبلاً فكذلک الحال، فلا معنى لاشتراط تقريبه من الحال بقد، قال: (فما ذكروره غلط نشأ من اشتراک لفظ الحال بين الزمان الحاضر، وهو ما يقابل الماضي، وبين ما يبيّن الهيئة المذكورة). انتهى. وقد اختار أبو حيّان - تبعًا لجماعة - عدم الاشتراط كما لو وجد الضمير.
(أو) تأتي (بمضمر) فقط نحو: (اهبطوا منها جميعًا بعضكم لبعض عدوّ)، (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء)، (أو جاؤكم حصرت صدورهم)، جاء زيد ما قام أبوه، (أو بهما) نحو: (وخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)، (والّذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلّا أنفسهم)، (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله)، جاء زيد وما قام أبوه.
والحال قد يحذف ما فيها عمل *** وبعض ما يحذف ذكره حُظل
(والحال قد يحذف ما فيها عمل) جوازًا لدليل حاليّ، كقولک للمسافر: راشدًا مهديًّا، أو مقاليّ نحو: (بلى قادرين)، (و بعض ما يحذف) ممّا يعمل في الحال وجب فيه ذلک حتّى أنّ (ذكره حظل) أي: منع منه كعامل المؤكّدة للجملة، والنائبة مناب الخبر كما سبق، والمذكورة للتوبيخ نحو: أقاعدًا وقد قام الناس، أو بيان زيادة أو نقص بتدريج ك- : ( تصدّق بدينار فصاعدًا، واشتره بدينار فسافلاً)، وهو
قياس، وكهنيئًا لک، وهو سماع).
تتمّة
الأصل في الحال أن تكون جائزة الحذف، وقد يعرض لها ما يمنع منه ككونها جوابًا نحو: راكبًا، لمَن قال: كيف جئت؟ أو مقصودًا حصرها نحو: لم أعدّه إلّا حرضًا، أو نائبة عن الخبر نحو: ضربي زيدًا قائمًا، أو منهيًّا عنها نحو: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى).
**
[ باب الحال ] (1)
قوله : هذا باب الحال .
اعلم : أنّ أصل « الحال » : حَول؛ لاشتقاقها من التحوّل، بقرينة قولهم في جمعها: أحوال، وفي تصغيرها: حويلة، قلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها(2).
قال أبو حيّان في الارتشاف :
الحال لُغَة تُذَكَّر و تُؤنّث (3).
و بمثله صرّح جماعة (4)، و يجيء في عبارة المصنّف والشارح إرجاع الضمير
المذكّر والمؤنّث إليه .
قوله : شامل أيضًا .
أي : كما يشمل للحال يشمل لهما (1).
قوله : أي : ليست إحدى (2)جزئي الكلام .
تفسيره هكذا للتنبيه على أنّ المراد بالفضلة هنا (3)ليس معناها الظاهر، و هو ما
يستغنى عنه؛ إذ ربّما يكون ذكرُ الحال غيرَ مستغن (4)عنه و واجبًا، كما إذا وقع
الحال جوابًا لسؤال و غيره على ما صرّح به في آخر المبحث، فهو مع كونه فضلة غير مستغن (5)عنه حينئذٍ .
ولأنّه لمّا كان معنى الفضلة هو الزيادة، والظاهر من الزائد إذا أطلق على شيء عدم المعنى، فإذا أطلق الفضلة على شيء فربّما يتوهّم السامع أنّ المراد هذا المعنى، ولم يكن الحال كذلک كما لا يخفى، ففسّره الشارح بما ترى .
قوله : أي : مبيّن لحال صاحبه .
لمّا كان تعريف المصنّف للحال بما ذكره غير مانعٍ لدخول النعت فيه والمثال الآتي؛ إذ يصدق على قولک : « جائني رجل راكب (6)» أنّ « راكب » هنا مفهم في
حال موصوفه، وكذا التمييز في المثال الآتي، فسّر الشارح قوله : « مفهم » بقوله : «مبيّن».
يعني: أنّ صدق التعريف على النعت مثلاً إنّما نسلّم إذا كان المراد من قوله : «مفهم» معناه الظاهر، وليس كذلک، بل المراد به أنّه مبيّن لحال صاحبه، والظاهر من أنّ هذا الشيء مبيّن لهذا الشيء هو أنّه ذكر الشيء الأوّل لأجل بيان الشيء الثاني.
ألا ترى أنّه يقال لمعرّف الشيء : مبيّن له، والمقصود أنّه ذكر لأجل البيان، وعلى هذا يخرج النعت والتمييز في المثال الآتي؛ لأنّه ليس شيء منهما مذكورًا لبيان الموصوف والمميّز، كما ستعرف .
قوله : يخرج (1)النعت والتمييز في نحو : «لله درّه فارسًا».
لأنّ المتبادر من قولنا : « انّ الحال وصفٌ مبيّن لحال صاحبه » هو: أنّه مذكورٌ لأجل هذا البيان، و ليس شيء من النعت والتمييز ذكر لأجل بيان الهيئة، بل إنّما ذكر الصفة لتخصيص الموصوف أو لتوضيحه، والتمييز في المثال المذكور لبيان الجنس المتعجّب منه، و هو الفروسيّة .
نعم، يفهم منهما الهيئة ضمنًا، ولذا فسّر قوله : « مفهم في حال » بقوله : « أي : مبيّن في حال (2)صاحبه ».
وتخصيص التمييز في نحو : « لله درّه فارسًا » لخروج غيره بقوله: «وصف»؛
لأنّ الغالب في التمييز غير الوصف .
والدرّ في اللغة: اللبن (1)، ولمّا كان فيه خير كثير يأتون به عند إرادة المدح، فإذا قيل لواحد: « لله درّه »، و هو إمّا دعاء له بالخير، أو تعجّب منه، لكن لا يدرى لأيّ شيء دعوت له، أو تعجّبت (2)منه ؟! فإذا قلت : « فارسًا » يظهر منه أنّ دعائک له أو تعجّبک منه للفروسيّة.
و عند الذمّ يقال : «لا دَرَّ دَرُّه»، أي : لا كثر خيره (3).
و « الفارس » اسم فاعل من « الفَراسة » بفتح الفاء : مصدر « فرُس » بضمّ الراء، أي: حذق بأمر الخيل (4).
و قد يفرق بين الحال والصفة أيضًا بأنّ الحال مقيّدة للعامل والصفة للذات، فإذا قلت: «جاءني كلّ رجل» بالنسبة إلى الرجال القائمين، وأمّا إذا قلت : « جاءني كلّ رجل قائمًا » فعموم « كلّ رجل » باقٍ بالنسبة إلى جميع أفراد الرجال، لكن بالحال تبيّن أنّ مجيئهم بعنوان القيام .
وتوضيحه: هو أنّک تقصد في الحال أنّ صاحبها كان على هذا الوصف حال مباشرة الفعل، فهي قيدٌ للفعل و بيانٌ لكيفيّة وقوعه، بخلاف النعت فإنّ المقصود منه بيان حصول هذا الوصف لذات المنعوت من غير نظرٍ إلى كونه مباشرًا للفعل، أو غير مباشر.
قوله : لأنّ إفهامه ضمنًا .
لا يقال : إنّه لا حاجة إلى ذلک؛ لخروج مثل هذا من قول المصنّف : « منتصب ».
لأنّا نقول : إنّ بناء الكلام على عدم دخوله في الحدّ حقيقة، وإلّا يلزم الدور كما سيجيء، و قوله : « لأنّ إفهامه ضمنًا » علّةٌ للنفي، أي : عدم الورود، وقوله أوّلاً : «لأنّه مفهم » دليلُ وجه الورود .
قوله : «والغرض من تعريف الحال»، إلى آخره .
والغرض من هذا الكلام دفع الدور الّذي يتوهّم وروده من تعريف المصنّف للحال في المقام، تقريره: هو أنّ المحدود إنّما يتوقّف معرفته على الحدّ .
إذا عرفت هذا نقول : إنّ المصنّف أخذ في تعريف الحال كونها منتصبة، فمعرفة الحال موقوفةٌ على كونها منصوبة بناءً عليه، و معلومٌ أنّ الحكم على نصبيّة الاسم بالحاليّة موقوفٌ على معرفة كونه حالاً؛ إذ لو لم يعرف أنّه حال كيف يحكم بكونه منصوبًا على الحاليّة؛ لاحتمال غيرها.
فنقول : الحكم على الحال بكونها منصوبة موقوفٌ على معرفتها، ومعرفتها موقوفةٌ على كونها منصوبة؛ لما عرفت من أنّ معرفة المحدود موقوفةٌ على الحدّ، فينتج: أنّ الحكم على الحال بكونها منصوبة موقوفٌ على كونها منصوبة، فيلزم الدور.
و تقرير الدفع : هو أنّه ليس الغرض من تعريف الحال معرفتها ليحكم لها بالنصب، بل نصبها معلومٌ من الخارج، لكن لم يعلم أنّ الحال الّتي منصوبة عند العرب ما هي ؟ فعرّفها بما ذكره؛ تحصيلاً لمعرفة تلک الحال .
والضمير في قوله : « يقع » عائدٌ إلى لفظ التعريف في قوله : « والغرض من تعريف الحال »، وفي قوله : « عليه » عائدٌ إلى الموصول، وكذا فيما بعد إلى قوله : «في تعريفه»، لكن يرد عليه حينئذٍ أنّ ذكر « منتصب » في التعريف لغو .
و قد يجاب أيضًا (1): بأنّ الحكم بالنصب ليس موقوفًا على التصوّر بِالْكُنْه الموقوف على الحدّ، بل على التصوّر بوجه (2)، بخلاف التصوّر بِالْكُنْه، فإنّه موقوفٌ على الحكم المأخوذ في حدّه، فالدور مدفوعٌ لاختلاف الجهة .
توضيحه : هو أنّه لا يخلو إمّا أن يكون المراد من قولک : « إنّ الحكم على الحال بكونها منصوبة موقوفٌ على معرفتها » أي: معرفة كُنْه الحال، فورود الدور مسلّم، لكن لا نسلّم توقّفه على معرفة كُنه الحال.
وإمّا أن يكون المراد من أنّ الحكم على الحال بالنصب موقوفٌ على معرفتها بوجه ما، فالتوقّف مسلّم، و ورود الدور ممنوع؛ لعدم تكرّر الوسط؛ لاختلاف الجهة؛ إذ يصير الكلام هكذا: الحكم على الحال بالنصب موقوفٌ على معرفتها بوجه ما، و معرفتها بِالْكُنْه موقوفةٌ على كونها منصوبة، فلا يلزم الدور .
ولعلّ مآل الجوابين واحد، فلا تغفل .
قوله : فتأتي (3)لازمًا .
أي : مع تحقّق الوصفيّة بقرينة قوله : « و يأتي جامدًا ».
والحاصل : أنّ مع انتفاء الانتقال لا يستلزم انتفاء الوصفيّة كما في الأمثلة المذكورة، بخلاف العكس، أي : انتفاء الوصفيّة - أي : الاشتقاق - يستلزم انتفاء الانتقال.
ولمّا حكم أوّلاً أنّ الغالب في الحال أن يكون وصفًا غير ثابت، أشار إلى بيان غير الغالب، وهو ما لم يكن وصفًا غير ثابت، سواء كان وصفًا لازمًا، أو لم يكن وصفًا مطلقًا، أشار إلى الأوّل بقوله : « فتأتي لازمًا »، وإلى الثاني بقوله : « ويأتي جامدًا».
فقد علم ممّا ذكرنا النكتة في الإتيان بقوله : « و تأتي جامدًا »، وإنّما قدّم الأوّل على الثاني لأشرفيّته عليه؛ لكونه وصفًا وإن كان ثابتًا .
قوله : بأن كان مؤكّدًا .
إنّما لم يقل : بأن كان مؤكّدًا لعامله؛ لأنّ المؤكّد على أقسام :
أحدها : أن يكون مؤكّدًا لعامله كالمثال المذكور، أي: قوله تعالى : ( يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) (1)؛ لأنّ الحال يدلّ على ما يدلّ عليه عاملها؛ لأنّ البعث من لازمه الحياة.
والثاني : أن تكون مؤكّدة لمضمون جملة قبلها، نحو : «زيد أبوک عطوفًا»؛ لأنّ الأبوّة من شأنها العطف .
والثالث : أن يكون مؤكّدة لصاحبها، نحو : ( مَنْ فِي الاَْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ) (2)؛
لأنّ لفظ الكلّ يفيد العموم، والعموم من مقتضياته الجمعيّة، ولهذا (1)قال: «بأن كان
مؤكّدًا»، ولم يقيّده بالعامل؛ ليشمل الأقسام الثلاثة، فالحال في الأقسام المذكورة ثابتة لازمة .
قوله : أو دلّ عامله على تجدّد صاحبه، نحو : «خلق الله الزرافة يديها أطولَ من رِجْلَيها».
« الزرافة » مفعول، و « يديها » بدلٌ منه بدل بعض من كلّ، « أطول » حالٌ منها، والشاهد فيه، حيث إنّه حالٌ لازمة؛ لأنّ طول اليد لاينتقل إلى القصر، وعاملها يدلّ على تجدّد صاحبها، لأنّ المخلوق متجدّد .
قيل (2): الزرافة - بفتح الزاء و ضمّها مخفّفة الراء - دابّةٌ حسنة، طويلة اليدين، قصيرة الرجلين، رأسها كرأس الإبل، و قرنها كقرن البقرة، و جلدها كجلد النمر، وقوائمها وأظلافها كالبقر، و ذنبها كذنب الظبي، ليس لها ركب في رجليها، إنّما ركبتاها في يديها، و هي إن مشت قدّمت الرجل اليسرى واليد اليمنى، خلاف ذوات الأربع كلّها، فإنّها تقدّم اليد اليمنى والرجل اليسرى، و يقال لها بالفارسية : «شتر گاو پلنگ» (3).
قوله : نحو : ( قَائِمًا بِالْقِسْطِ ).
في قوله تعالى: ( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَ أُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) (1)، حيث إنّ « قائمًا » حالٌ من فاعل « شهد » أعني : « الله »، فهو حالٌ
لازمة؛ لأنّ قيامه تعالى بالعدل ثابت أبدًا ولا ينتقل عنه .
وإنّما جاز إفراد ذي الحال عن الحال هنا مع عدم جواز ذلک في نحو : « جاء زيد و عمرو راكبًا »؛ لعدم الالتباس .
والنكتة في تأخيرها عن المعطوفين - أي : والملائكة وأولوا العلم، على ما قال السعد (2)- كأنّها للدلالة على علوّ مرتبتهما .
و معنى الآية : اعلم أنّ الشهادة مِن الله تعالى إنزالها في الكتب، و مِن الملائكة إقرارهم فيما بينهم بالتوحيد، و مِن أولى العلم الإقرار به والاحتجاج عليه.
وإفراد « أولى العلم » بالذكر بعد ذكر الله تعالى والملائكة مع صدقه عليهما أيضًا للتعميم .
و ربّما يستنبط من الآية أنّ الشهادة بالنفي مقبولةٌ في ضمن الإثبات.
هذا، قيل (3): ويحتمل أن يكون « قائمًا » في الآية حالاً عن « هو » في قوله تعالى: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ )، والعامل معنى الجملة، أي : تفرد قائمًا، أو أحقّه؛ لأنّها مؤكّدة.
و قيل (1): يجوز أن يكون صفة للمنفيّ، أي : ل- «إله» في قوله تعالى : ( لاَ إِلَهَ )،
أي : لا إله متّصفًا بهذا الوصف إلّا هو.
و فيه ضعف، لتحقّق الفصل بالأجنبيّ الصرف، سيّما بين أجزاء مدخول «أن» المصدريّة الّتي بمنزلة كلمة واحدة .
هذا، ولا يخفى أنّ « قائمًا » على الاحتمالين الأخيرين مندرجٌ في المشهود به .
قوله : بالمشتقّ .
قيّد بالمشتقّ لئلّا يتوهّم اختصاص كون المؤل من اسم الفاعل والمفعول، بل يكفي التأوّل بأيّ مشتقّ كان وإن كان من غيرهما.
قوله : أي مسعّرًا .
يحتمل أن يكون بكسر العين فيكون حالاً من الفاعل، و بفتحها فيكون حالاً من المفعول .
إن قلت : لِمَ أوّله بالمشتقّ مع أنّ ظاهر عبارة المصنّف أنّه غير مأوّل به؛ لأنّه قال أوّلاً: « ويكثُرُ الجمودُ في سعرٍ »، وثانيًا: « و في مبدي تأوّل »، فيعلم منه أنّ الجمود في السعر غير مأوّل بالمشتق، وإلّا يمكن للمصنّف أن يكتفي (2)بقوله :
«ويكثر الجمود في مبدي تأوّل ».
قلت : عبارة المصنّف لا تدلّ على عدم كون الجمود في الشعر غير مأوّل
بالمشتقّ؛ لاحتمال أن يكون المقصود أنّ المبدي للتأوّل على قسمين : قسمٌ يبديه بلا تكلّف، و هو ما أشار إليه بقوله : « و في مبدي تأوّل بلا تكلّف »، و قسمٌ يبديه مع تكلّف، و هو ما وقع في السعر، ولذا أفرده بالذكر .
قوله : تعلّم الحساب بابًا بابًا .
أي : مرتّبًا، و ضابطه (1)أن يأتي بالتفصيل بعد ذكر المجموع بجزئه مكرّرًا.
واختلف في نصب الجزء الثاني، قيل (2): إنّ كليهما منصوب على الحاليّة؛ لأنّ مجموعهما هو الحال.
و قيل: إنّه تأكيدٌ للأوّل، و هو مذهب الزجّاج (3).
و عن ابن جنّيّ (4): أنّه صفة له.
و عن الفارسيّ (5): أنّه منصوب بالأوّل؛ لأنّه لمّا وقع موقع الحال جاز أن يعمل.
1) . في « ج 1 » : ضابطته .
2) . قاله أبو حيّان في الارتشاف : 3 / 1558 ؛ ونقله عن المراديّ في شرح التصريح: 1 / 575 ؛واختاره أيضًا جلال الدين السيوطيّ في همع الهوامع: 2 / 297 ؛ والسيّد عليخان المدنيّ فيالحدائق النديّة: 312.
3) . ينظر رأي الزجاج في: الارتشاف : 3 / 1558 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 297 ؛ والمساعد :2/9؛ وشرح التصريح: 1 / 575 ؛ والحدائق النديّة: 312.
4) . ينظر رأي ابن جنّيّ في: الارتشاف: 3 / 1558 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 296 ؛ وحاشية الصبان :2 / 264 ؛ والمساعد: 2/9 ؛ و شرح التصريح: 1 / 575 ؛ والحدائق النديّة: 312 .
5) . ينظر رأي الفارسيّ في: الارتشاف: 3 / 1558 ؛ وهمع الهوامع : 2 / 296 ؛ وشرح التصريح :1 / 575 ؛ والحدائق النديّة: 312.
و قيل (1): إنّه لو ذهب ذاهب إلى أنّ نصبه بالعطف على تقدير حذف «الفاء»، والمعنى : بابًا فبابًا، لكان مذهبًا حسنًا.
أقول : أو بتقدير: «ثمّ»، لا غيرهما (2)؛ لأنّه لا يجوز أن يدخل حرف عطف في شيء من المكرّرات إلّا «الفاء» و «ثمّ».
قوله : أو تفضيلاً نحو : هذا بُسْرًا أطيبُ منه رُطَبًا.
عطفٌ على قوله: « عدد » (3)، يعني : يقلّ كون الحال جامدًا إذا كان دالّاً على تفضيل.
في الصحاح :
البُسر أوّله طلع، ثمّ خَلاَل، ثمّ بَلَح، ثمّ بُسْر، ثمّ رُطَب (4).
إذا عرفت ذلک نقول : في كلام الشارح نظر؛ لأنّه ليس شيء من لفظ «البُسر» و«الرطب» دالّاً على تفضيل، بل العامل فيهما يدلّ على أفضليّة البُسر من الرطب، فنسبة الدلالة على التفضيل إلى أيّ منهما كان لا وجه له، إلّا أن يقال: إنّ التمر حالة البسر لمّا كان في نفسه أحسن من حالة الرطب، فيدلّ لفظ « البُسر » على تفضيله في هذه الحالة عنه في غيرها، فتأمّل.
و في تركيب مثل العبارة خلافٌ بينهم ستقف عليه إن شاء الله تعالى .
قوله : أو كان نوعًا لصاحبه نحو : هذا مالک ذهبًا .
و « ذهبًا » حالٌ من « مالک » و جامد؛ لكونه نوعًا من صاحبه؛ لأنّ الذهب نوع من الحال.
قوله : أو فرعًا له، نحو : هذا حديدک خاتمًا .
فإنّ الخاتم الّذي من الحديد يكون الحديد أصلاً له، و يكون هو فرعًا له، ومنه يظهر معنى قوله : « أو أصلاً، نحو : هذا خاتمک حديدًا ».
و وجه كون الحال في المواضع المعدودة جامدًا غير مأوّل بالمشتقّ يظهر للمتأمّل في المعنى .
قوله : شرطه أن يكون نكرة .
و ذلک لأنّ الغالب لمّا كان الحال مشتقًّا و ذو الحال معرفة، فلو جاز كون الحال معرفة لالتبس بالنعت في بعض الأحوال، فاشترطوا مطلقًا؛ طردًا للباب.
قوله : خلافًا ليونس والبغداديّين مطلقًا (1).
فإنّهم لم يشترطوا في الحال كونها نكرة، و أجازوا وقوعها معرفة مطلقًا، سواء كانت متضمّنة معنى الشرط، أم لا .
ثمّ إنّ قوله : « خلافًا » إمّا حالٌ بمعنى: مخالفًا، أو مفعول مطلق بمعناه، والتقدير على الأوّل: « أقول مخالفًا ليونس » إلى آخره، و على الثاني : «أخالف خلافًا
1) . ينظر رأي يونس والبغداديّين في: الارتشاف : 3 / 1562 ؛ وشرح الأشمونيّ : 2 / 8 ؛والمساعد: 2 / 11 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 631 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 301 ؛ وشرح التصريح :1 / 580 .
ليونس»، ولكلّ منهما وجه رجحان و مرجوحيّة، و مع ذلک الأوّل أولى، وإن كان ارتكاب خلاف الأصل فيه أكثر للمحذوف و تقدير المصدر بمعنى اسم الفاعل، بخلاف الثاني فإنّه ليس فيه إلّا القول بالمحذوف، لكنّه خلاف مقتضى الصناعة؛ لما مرّ من المصنّف في مبحث المفعول المطلق من عدم جواز حذف عامله إذا كان مؤكّدًا حيث قال : « و حذف عامل المؤكّد امتنع ».
قوله : والكوفيّين فيما تضمّن معنى الشرط (1).
فأجازوا حينئذٍ، كقولک : « أرى عبدالله المحسن أفضل منه المسيء »، فالمحسن والمسيء حالان، و صحّ مجيئهما بلفظ المعرفة؛ لتأوّلهما بالشرط، والتقدير : أرى [ عبدالله ] إذا أحسن أحسن منه إذا أساء (2).
وأمّا إذا لم تتضمّن الحال معنى الشرط فلا يجوّزون تعريفه أيضًا، فلا يجوز أن يقال: «جاء عبدالله المحسن» على أن يكون «المحسن» حالاً؛ لعدم تضمّنه معنى الشرط.
قوله : و جاءوا الجمَّ الغفير، أي : جميعًا .
« الجمّ » : الكثير، يقال : امرأة جماء المرافق، أي : كثيرة اللحم في المرافق، والغفير من الغفر، و هو الستر بمعنى الغافر، أي : الساتر، أي : جاؤا جميعًا بشريفهم ووضيعهم بحيث إذا جاءوا يسترون وجه الأرض لكثرتهم، فيكون «الغفير» صفة
«الجمّ»، أي : جاءت الجماعة الكثيرة الساترة وجه الأرض (1).
والشاهد في لفظ « الجمّ »، حيث ورد بلفظ المعرفة مع أنّه حالٌ من الضمير في «جاءوا».
عنده منصوب؛ لكونه قائمًا مقام المصدر، كما في قولک : « جاءوا جميعًا »، أي : مجيئًا جميعًا .
و عن ابن الأنباريّ (2): أنّه أجاز الرفع فيه على تقدير أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، أي : جاءوا و هم الجمّ الغفير .
و مثل هذا المثال قوله تعالى : ( لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ) (3)على غير القراءة المشهورة، أي : إذا قرأ من باب : خَرَجَ يَخْرُجُ، حيث إنّ ( الأذَلَّ ) حالٌ حينئذٍ مع كونه معرّفًا لفظًا، فيعتقد تنكيره معنىً، أي : ذليلاً. وأمّا على القراءة المشهورة - أي : قراءة « يُخْرِج » من باب الإفعال - فيكون مفعولاً به .
والمعنى على التقدير الأوّل: هو أنّ الكفّار قالوا عند أنفسهم: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرج (4)محمّد الّذي هو أعزّ عند نفسه او اللان (5)من المدينة حالَ كونه
ذليلاً.
و على الثاني: هو أنّا إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ - عنوا بذلک أنفسهم - منها الأذلّ، والمراد به نبيّنا محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم).
قوله : أي مبدّدة .
أي : متفرّقة، من : بدّد الشيء إذا تفرّق .
والظاهر أنّ الإتيان بالأمثلة الثلاث للتنبيه على أنّ الحال الّذي وقع لفظها معرّفًا أعمٌّ من أن يكون معرّفًا بالإضافة - كالمثال المذكور في المتن - أو اللام - كالمثال الثاني - أو بالعلم - كالثالث .
قوله : سماعًا .
أي : وقوعًا سماعيًّا.
اعلم : أنّ الحال لمّا كانت نفس صاحبها في المعنى؛ إذ قولک: «جاء زيد راكبًا» أنّ الراكب في المعنى نفس زيد، فلهذا كان ينبغي أن لا يقع المصدر حالاً؛ لأنّ المصدر حدث و ذو الحال ذات، والحدث يباين الذات، لكن لمّا لم يكن ذلک كلّيًّا أشار المصنّف إلى مواقع جواز وقوع المصدر حالاً .
قوله : مطلقًا .
أي : سواء كان نوعًا من الفعل، أم لا .
قوله : كجئت ركضًا - إلى قوله : - و سرعة .
الرَكْضُ - على ما في الصحاح والقاموس و غيرهما (1)- : تحريک الرِجْل، ومنه قوله تعالى : ( ارْكُضْ بِرِجْلِکَ ) (2)، فالركض على هذا نوعٌ من المجيء، وكذا السرعة والرجلة؛ إذ هو المجيء مشاة .
ولا يخفى أنّ القول بأنّ هذه المصادر و مثلها منصوبة على الحاليّة أحد الوجوه فيها، و نقل عن الأخفش و غيره (3): أنّ انتصابها على المصدريّة، لا الحاليّة، والتقدير: جئت اَرْكَض ركضًا، واسرع سرعة، و هكذا، فتأمّل.
و قال نجم الأئمّة :
ولا يمتنع أن يقال : إنّ جميع ذلک على حذف المضاف، أي : جئت (4)ذا ركض (5).
قوله : أمّا علمًا فعالم .
قيل (6):
الأصل في هذا أنّ رجلاً وصف عنده شخص بعلم و غيره، فقال
1) . ينظر: الصحاح : 3 / 1080 ؛ لسان العرب : 7 / 159 ؛ القاموس المحيط : 2 / 332 .
2) . سورة ص : 42 .
3) . نقله عنهم في شرح الأشمونيّ : 2 / 9 .
4) . في المصدر : أتيته .
5) . شرح الرضي على الكافية : 2 / 39 .
6) . قاله ابن مالک محمّد بن محمّد، المعروف بابن الناظم ( المتوفّى 686 ه ) في شرحه علىألفيّة والده .
للواصف: «أمّا علمًا فعالم»، يريد مهما تذكر شخص (1)في حال علم، فالمذكور(2)عالم كأنّه منكر ما وصفه (3)به من غير العلم، فصاحب الحال على هذا التقدير المرفوع بفعل الشرط المحذوف، و هو ناصب الحال (4).
لأنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها.
ثمّ قيل (5):
و يجوز أن يكون ناصبها ما بعد الفاء، والحال على هذا مؤكّدة، والتقدير : مهما يكن من شيء فالمذكور عالم في حال علم (6).
و على هذا صاحب الحال هو الضمير في « عالم »، فتأمّل .
و عن الحجازيّين (7): التفصيل في المصدر الواقع بعد « أمّا »، بأنّه إن كان معرفة يجوز فيه الرفع والنصب، وإن كان نكرة لا يجوز فيه إلّا النصب .
1) . في المصدر : يذكر انسان .
2) . في المصدر : فالّذي ذكر .
3) . في « ج 1 » : وصف .
4) . شرح ألفيّة ابن مالک لابن الناظم : 1 / 126 .
5) . قاله ابن مالک محمّد بن محمّد، المعروف بابن الناظم ( المتوفّى 686 ه ) في شرحه علىألفيّة والده .
6) . شرح ألفيّة ابن مالک لابن الناظم : 1 / 126 .
7) . حكاه عنهم في شرح ألفيّة ابن مالک : 1 / 126 ؛ و همع الهوامع : 2 / 300 ؛ وشرحالتصريح: 1 / 582 ؛ و شرح الرضيّ على الكافية : 4 / 470 .
و عن بني تميم (1): إلزام الرفع في المصدر بعدها إن كان معرفة، و جواز الأمرين في المنكر .
و عن سيبويه (2): أنّه يحكم على أنّ المصدر المنصوب بعدها مفعول له إذا كان معرفة .
والأخفش (3)يجعله مصدرًا مؤكّدًا في التعريف والتنكير، و يجعل العامل فيه ما
بعد الفاء، والتقدير : مهما يكن من شيء فالمذكور عالم علمًا له (4).
قوله : كزيد زُهَيرٌ شِعْرًا .
«زُهَيرٌ» بالتصغير، والشاهد في « شِعْرًا » حيث وقع بعد خبر، و هو «زهير»، شُبِّه به مبتدؤه، و هو «زيد» (5)؛ إذ التقدير: زيدٌ مثلُ زهير، حذف لفظ «المثل» لقصد المبالغة، و «شعرًا» يأوّل بالمشتقّ، أي : شاعرًا، والعامل فيه قيل (6): «زهير»؛ لكونه
1) . حكاه عنهم في شرح ألفيّة ابن مالک : 1 / 126 ؛ و همع الهوامع : 2 / 300 ؛ و شرح الرضيّعلى الكافية : 4 / 472 .
2) . حكاه عنه في شرح ألفيّة ابن مالک : 1 / 126 ؛ و همع الهوامع : 2 / 300 ؛ و شرح التصريح :1 / 582 ؛ و شرح الرضيّ على الكافية : 4 / 470 و 471 ؛ وينظر: الكتاب : 1 / 385 .
3) . حكاه عنه في شرح ألفيّة ابن مالک : 1 / 127 ؛ و همع الهوامع : 2 / 300 ؛ و شرح التصريح :1/582 .
4) . « له » لم يرد في المصدر .
5) . ينظر: مغني اللبيب: 2 / 439 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 299 .
6) . قاله الأزهريّ في شرح التصريح: 1 / 583 .
بمعنى مجيد، و صاحب الحال الضمير في الخبر؛ لما قيل أيضًا (1)من أنّ الجامد المؤوّل يتحمّل الضمير، ويحتمل أن يكون تمييزًا لما أبهم من وجه الشباهة (2).
قوله : نحو : أنت الرجل علمًا .
أي : أنت الكامل في الرجوليّة عالمًا، فالعامل في الحال ما في الرجل من معنى الفعل باقترانه ب- «أل» الدالّة على الكمال، و صاحبها الضمير فيه، على ما مرّ في : «زهير».
و عن بعضهم (3): أنّ نصبه على المصدريّة، أي : أنت العالم علمًا.
و قال بعض المحقّقين :
والّذي أرى : أنّ المصدر في مثله تمييز؛ لأنّه فاعل في المعنى، أي: أنت الكامل علمًا، أي : علمک (4)، وكذا في قولک : « زيد زهير شعرًا »، أي :
هو الكامل شعرًا، أي: شعره (5).
قوله : و هو النهي والاستفهام.
إنّما يجوز كون ذي الحال منكرًا إذا وقع بعد هذه الأشياء قيل (6): لأنّه يصير
1) . قاله الأزهريّ في شرح التصريح: 1 / 583 .
2) . ينظر: الارتشاف: 3 / 1572 ؛ ومغني اللبيب: 2 / 439 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 298 ؛ وشرحالأشمونيّ: 2 / 9 ؛ وشرح التصريح: 1 / 583 .
3) . نقله الرضيّ عن أحمد بن يحيى في شرحه على الكافية : 2 / 38 .
4) . في المصدر : علمه .
5) . شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 38 .
6) . قاله الرضيّ في شرحه على الكافية: 2 / 23 .
المنكّر مع سبق هذه الأشياء مستغرقًا، فلا يبقى فيه إبهام .
قوله : أي: يجوز تنكيره إن تأخّر .
بخلاف ما إذا لم يتأخّر، فإنّ تنكير ذي الحال حينئذٍ غير جائز، فلا يقال : «رأيت رجلاً راكبًا» على تقدير أن يكون «راكبًا» حالاً.
وعلّله جماعة منهم (1)بأنّ تنكير ذي الحال مع تقدّمه لو كان جائزًا لالتبست الحال بالصفة، وهذا الالتباس وإن كان فيما إذا كان ذو الحال منصوبًا، لكن أجرى المنع في غيره لطرد الباب (2).
و فيه نظر؛ لأنّ مقتضى هذه العلّة وجوب تأخير ذي الحال و عدم جواز تقديمه وإن كان نكرة مخصّصة؛ لتحقّق خوف الالتباس فيه أيضًا؛ لاحتمال أن يكون الحال هناک أيضًا صفة بعد صفة إذا كان تخصيصه بالصفة، وصفة أوّليًّا إذا كان تخصيصه بغيرها.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الالتباس فيما إذا كان ذو الحال نكرة محضة أشدّ؛ لأنّ النكرة إلى بيان الذات أحوج منها إلى بيان الهيئة، ومعلوم أنّ الحال تبيّن الهيئة، والصفة تبيّن الذات، فحمله حينئذٍ على الصفة أولى من حمله على الحال.
وأمّا إذا خصّص النكرة بوصف أو بغيره فقد حصل بيان الذات في الجملة، وناسب أن تبيّن الهيئة بعده، فالحمل على الحال حينئذٍ لعلّه أرجح .
قوله : لَمِيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ (1).
وهذا البيت يحتمل وجوهًا :
الأوّل : أن يكون « طلل » فاعلاً للظرف، فيكون «موحشًا» حالاً له، ويتّحد العامل في الحال و صاحبها، لكن هذا إنّما يصحّ على مذهب الأخفش (2)من تجويزه رفع كلّ من الظرف (3)وشبهه الفاعل وإن لم يعتمد على شيء من موصوف، أو موصول، أو ذي حال، أو حرف استفهام، أو حرف نفي .
والثاني : أن يكون مرفوعًا على الابتدائيّة، و «موحشًا» حالاً له، و «لميّة» خبرًا مقدّمًا و عاملاً في الحال، لكن هذا إنّما يصحّ على القول بمجيء الحال عن المبتدأ بعدم اشتراط اتّحاد العامل في الحال وصاحبها. و على التقديرين الاستشهاد بالبيت على المطلوب من جواز تنكير ذي الحال إن تأخّر .
والثالث : أن يكون « موحشًا » حالاً من ضمير في « لميّة »، وهذا أولى كما لايخفى، وحينئذٍ لا يتمّ الاستشهاد به على المطلوب .
1) . آخره: «يَلُوحُ كَأَنَّهُ خلَلُ». نسب هذا البيت بعضهم لذي الرمة، وليس في ديوانه، ونسبهبعضهم لكثير عزة برواية : «لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ ». ينظر: ديوان كثير : 506 ؛ والكتاب :2/123؛ وشرح التصريح: 1 / 584 ؛ وورد بلا نسبة في المفصّل: 91 ؛ وأمالي ابن الحاجب :1 / 300 ؛ وشرح التسهيل: 2 / 270 ؛ و خزانة الأدب: 3 / 198 و 201 ؛ وأوضح المسالک :132؛ وشرح قطر الندى: 236 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 85 و 2 / 659 ؛ وشرح الرضيّ علىالكافية: 2/ 23 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 10 ؛ والخصائص: 2 / 492 .
2) . نقله عنه الرضيّ في شرحه على الكافية: 2 / 23 .
3) . في « س » : الظرفين .
قوله : في قراءة بعضهم .
أي : قراءة من نصب : ( مُصَدِّقًا ) (1)، وهو : إبراهيم بن أبي عليّ (2)، فيكون (مُصَدِّقًا) حالاً ل- ( كِتَابٌ )؛ لتخصيصه بصفة، و هي الجارّ والمجرور.
و فيه نظر؛ لأنّ الآية على تقدير النصب أيضًا لا دلالة لذلک؛ لاحتمال كون (مُصَدِّقًا) حالاً من الضمير في: ( عِنْدَ اللهِ )، بل هذا أولى، كما لا يخفى.
إذا عرفت ذلک فاعلم: أنّ ابن الناظم و غيره (3)جعلا من ذلک قوله تعالى :
(فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِندِنَا ) (4)، حيث جعل ( أَمْرًا ) حالاً ل-(أَمْرٍ) في: ( كُلُّ أَمْرٍ )؛ لتخصيصه بالصفة، و هي: ( حَكِيمٍ ).
وفيه أيضًا نظر؛ لأنّه يلزم من ذلک مجيء الحال عن المضاف إليه مع عدم وجود شيء من الشرائط الآتية كما لا يخفى.
فنقول: إنّ نصب ( أَمْرًا ) إمّا لكونه حالاً من ( كُلُّ )؛ لتخصيصه بالإضافة، أو من الضمير في ( حَكِيم )، أو لكونه مفعولاً له، و تخصيص الشارح الآية المذكورة - و هي قوله تعالى : ( جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ ) (5)بقراءة النصب - لإخراج قراءة الرفع، فإنّ ( مُصَدِّقٌ ) إمّا صفة لكتاب، أو خبر لمبتدأ محذوف،
1) . في قوله تعالى : ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ )، في سورة البقرة: 89 .
2) . ينظر: شرح التصريح: 1 / 585 ؛ وفيه : «وهو إبراهيم بن أبي عبلة».
3) . ينظر: شرح الألفيّة لابن الناظم: 127 ؛ وشرح التسهيل: 2 / 247 ؛ وشرح ابن عقيل :1/635 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 304 .
4) . سورة الدخان : 4 و 5 .
5) . سورة البقرة : 89 .
أي: هو مصدّق .
اعلم: أنّه قد نقل عن المصنّف أنّه زاد في التسهيل (1)من مسوّغات كون ذي الحال نكرة ثلاثة أشياء :
أحدها : أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو، كقوله تعالى : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا ) (2)؛ لأنّ بالواو يرفع توهّم النعتيّة.
ثانيها : أن يكون الوصف لها على خلاف الأصل، نحو : «هذا خاتم حديدًا».
ثالثها : أن تشترک النكرة مع المعرفة في الحال، نحو : «رأيت رجلاً وعبدالله منطلقين».
قوله : كسبقها ما جرّ بإضافة إليه .
حاصله: أنّه منع من تقدّم الحال على ذي الحال المجرور بالحرف، كما منع من تقدّمها على المجرور بالإضافة .
و علّل جماعة منهم (3)المنع بأنّ تعلّق العامل بالحال ثان لتعلّقه بصاحبه، فحقّه إذا تعدّى لصاحبه بواسطة أن يتعدّي إليه بتلک الواسطة، لكن منع من ذلک؛ لأنّ الفعل لايتعدّي بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضًا من الاشتراک في الواسطة
1) . نقله عنه في الارتشاف: 3 / 1577 ؛ وينظر: التسهيل: 109 ؛ وشرح التسهيل : 2 / 250 .
2) . سورة البقرة : 259 .
3) . نقله عنهم ابن الناظم في شرحه على الألفيّة : 128 ؛ وينظر: شرح التسهيل: 2 / 252 ؛وشرح الأشمونيّ: 2 / 15 ؛ وحاشية الصبان على شرح الأشمونيّ: 2 / 273 ؛ وهمع الهوامع :2 / 307 ؛ وشرح التصريح: 1 / 589 .
التزام التأخير.
اعلم: أنّ الخلاف إنّما هو إذا كان ذو الحال مجرورًا بحرف جرّ غير زائد، وأمّا إذا كان زائدًا فقد نقل الاتّفاق على جواز تقديم الحال على ذي الحال حينئذ (1).
ثمّ اعلم: أنّ للكوفيّين (2)تفصيلاً في أصل المسألة بأنّه إن كان ذو الحال المجرور ضميرًا نحو : «مررت ضاحكة بها»، جاز تقديم الحال عليه، وإلّا امتنع.
وظاهر العبارة حيث جعلها مشبهًا به يقتضي كون المنع في هذه الصورة أقوى، وهو كذلک؛ لنقل الاتّفاق عليه من جماعة (3)، واستدلّوا لذلک بأنّ الحال تابعٌ وفرعٌ لذي الحال، والمضاف إليه لا يتقدّم على المضاف، فلا يتقدّم تابعه أيضًا، فتأمّل (4).
واستدلّ أيضًا بأنّ نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول، وكما لا يتقدّم ما يتعلّق بالصلة على الموصول كذلک لا يتقدّم ما يتعلّق بالمضاف إليه على المضاف (5).
هذا إذا تقدّم الحال على المضاف، وأمّا التوسّط بينهما فهو أيضًا غير جائز؛ لعدم جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه إلّا بما سيجيء في مبحث الإضافة،
1) . ينظر: شرح ابن عقيل: 1 / 641 ؛ ضياء السالک إلى أوضح المسالک: 2 / 222.
2) . ينظر رأيهم في: الارتشاف: 3 / 1579 ؛ والمساعد: 2 / 21 ؛ وشرح التصريح: 1 / 591 .
3) . ينظر: شرح التسهيل: 2 / 252 ؛ شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 30 ؛ الفوائد الضيائيّة :177.
4) . جاء في حاشية الأصل بخطّه : « وجهه : هو أنّ مقتضى هذا التعليل عدم جواز تقدّم الحالعلى ذي الحال مطلقًا، وإن لم يكن مجرورًا؛ لأنّ التابع لا يتقدّم على المتبوع. منه ».
5) . ينظر: شرح الأشمونيّ: 2 / 19 ؛ و شرح التسهيل: 2 / 255 .
وليس المقام من ذلک.
ثمّ إنّ ظاهر العبارة - كغيرها - عدم جواز تقدّم الحال على المضاف إليه وإن كانت الإضافة غير محضة، لكنّ المصنّف فصّل في شرح التسهيل فقال :
إن كانت الإضافة غير محضة جاز التقديم على المضاف إليه (1)، نحو :
«هذا شارب ملتوتًا السويق» بالخفض (2)؛ لأنّ الإضافة فيه بتقدير الانفصال (3)، فلا يعتدّ بها (4).
قوله : والهاء للمبالغة .
هذا جوابٌ عن سؤال مقدّر، تقديره: هو أنّه كيف يكون ( كَافَّةً ) حالاً من الكاف في : ( أَرْسَلْنَاکَ ) (5)مع أنّه مذكّر، و ( كَافَّةً ) مؤنّث ؟
والجواب : هو أنّ الهاء فيه ليست للمؤنّث، بل للمبالغة .
و فيه نظر؛ لعدم ظهور لحوق تاء المبالغة في الفاعل، بل بعض منهم حصر مواضع لحوقها في : فعول و فعال و مفعال (6)، لكنّ الإنصاف عدم تسليم هذا
الحصر؛ لورود لحوقها في الفاعل أيضًا، كما ورد عنه (علیه السلام) حيث سئل عن فضل الراوي والعابد، وهو هذا : « رجل راوية لحديثكم »، إلى أن قال (علیه السلام) : « الراوية
لحديثنا »، إلى أن قال : « أفضل من ألف عابد » (1).
و قد أجيب عن الآية بوجهٍ آخر (2)، و هو أنّ ( كَافَّةً ) صفةٌ للمصدر المحذوف،
أي: وما أرسلناک إلّا رسالة كافّة للناس، وربّما جعلت نفس المصدر أيضًا، أي: وما أرسلناک إلّا أن تكفّ كافّة. وفي الجميع تكلّف .
وقد ذكر نجم الأئمّة أنّ « كافّة » و « قاطبة » ممّا تلزم الحاليّة ولا تضافان، ثمّ قال :
وتقع « كافّة » في كلام مَن لا يوثق بعربيّته مضافة غير حال، و قد خطئوا فيه (3).
ثمّ اعلم : على تقدير أن يكون حالاً عن الكاف يكون من الحال المقدّرة، لاالمحقّقة؛ لتراخي صدور الكفّ عنه 9 عن وقت الإرسال.
قوله : خلافًا للكوفيّين .
ظاهر العبارة أنّ منعهم من تقدّم الحال على ذي الحال المرفوع والمنصوب متحقّق مطلقًا ولو كان ضميرًا، وليس كذلک، بل المحكيّ عنهم (4)أنّهم منعوا من تقديم الحال على ذي الحال المرفوع والمنصوب إذا كان ظاهرًا، لا مطلقًا، بل
1) . بصائر الدرجات : 27 ح 6 ؛ الكافي : 1 / 33 ح 9 .
2) . نقله الصبان عن الزمخشريّ في حاشيته على الأشمونيّ: 2 / 263 ؛ وينظر: الفوائدالضيائيّة: 177 .
3) . شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 52 .
4) . حكاه عنهم في الإنصاف: 1 / 203 ؛ الارتشاف : 3 / 1582 ؛ شرح التسهيل: 2 / 256 ؛شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 29 .
يجوّزون تقديم الحال على ذي الحال الظاهر أيضًا إذا كان مرفوعًا والحال مؤخّرًا عن العامل، كما في قولک : «جاء راكبًا زيدٌ».
وأمّا في غيره فقد منعوا من تقدّم الحال على ذي الحال، بناءً منهم على أنّ ذا الحال إذا كان مظهرًا وقدّمت الحال عليه يلزم الإضمار قبل الذكر؛ لأنّ الضمير في الحال يعود إلى ذي الحال المتأخّر.
وأمّا جواز تلک الصورة - أعني: «جاء راكبًا زيد» - فلشدّة طلب الفعل للفاعل، فكأنّ الفاعل ولي الفعل، والحال ولي الفاعل، فلا يكون إضمارًا قبل الذكر.
وأمّا إذا كان ذو الحال ضميرًا فيجوّزون تقديم الحال عليه مرفوعًا كان أو منصوبًا أو مجرورًا؛ لأنّ الضميرين - أي : الضمير في الحال و ذي الحال - يشتركان في عودهما على مفسّر لهما .
وأمّا البصريّون (1)فيجوّزون تقديم الحال على ذي الحال المرفوع والمنصوب
مطلقًا؛ لأنّ إضمار قبل الذكر لفظًا دون رتبة غير مضرّ، كقوله تعالى : ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْکَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) (2)، والشاهد في ( حَنِيفًا )؛ لأنّه حالٌ من ( إِبْرَاهِيمَ ) المضاف إليه؛ لأنّ مضافه - وهو : ( مِلَّةَ ) - و إن لم يكن جزءًا منه حقيقة، لكنّه مثل جزئه.
وإنّما جاز مجيء الحال من المضاف إليه في هذه الصور ولم يجز في غيرها؛
لأنّا نقول بإعانة الملک العلّام: إنّ هنا مقدّمتين :
الأولى : أنّ الحال إمّا هيئة الفاعل أو المفعول أو لهما، حقيقةً أو حكمًا، على ما يظهر من جماعة، كالحاجبيّ والشارح الرضيّ و صاحب المتوسّط والسعد التفتازانيّ و غيرهم (1).
والثانية : هو أنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها، فلا يجوز الحال من شيء إلّا إذا كان فاعلاً أو مفعولاً ولو حكمًا، ولو كان العامل فيه وفي الحال متّحدًا.
إذا عرفت ذلک فأقول : على هذا لا يجوز الحال من المضاف إليه إلّا إذا كان المضاف ممّا يصلح للعمل في الحال، أو كان جزءًا من المضاف إليه، أو مثل جزئه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه، أي: عن المضاف.
أمّا عدم جواز مجيء الحال عن المضاف إليه إذا لم يكن كذلک فلما عرفت من أنّ الحال لبيان هيئة الفاعل أو المفعول، و كلاهما مفقود فيما نحن فيه.
وأمّا جوازه إذا كان كذلک فلوجود الشرطين، أمّا إذا كان المضاف ممّا يصلح للعمل في الحال فوجود الشرطين ظاهر؛ لأنّ المضاف إليه حينئذٍ إمّا فاعل أو مفعول حقيقة، فالحال تبيّن هيئة الفاعل أو المفعول، والمفروض أنّ المضاف مقتضى للعمل في الحال أيضًا، فوجد الشرطان.
وأمّا في الصورتين الأخيرتين فكذلک أيضًا؛ لأنّ المضاف إليه فيهما معمول العامل المضاف تقديرًا وحكمًا. ألا ترى أنّه يمكن لک أن تقول في الآيات
1) . ينظر: أمالي ابن الحاجب : 1 / 398 ؛ شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 7 و 8 ؛ البسيط فيشرح الكافية: 1 / 514 و 515 ؛ مختصر المعاني: 162 ؛ الفوائد الضيائيّة: 171 .
المذكورة: «ونزعنا ما فيهم من غلّ إخوانًا» (1)، «أيحبّ أحدكم أن يأكل أخاه ميتًا» (2)، «واتّبع إبراهيم حنيفًا» (3)بإسقاط المضاف، فيكون المضاف إليه فيها معمولاً للفعل فيها، و هو عامل في الحال أيضًا، فاتّحد العامل في الحال وصاحبها. وأنّها ذكرت لبيان هيئة المفعول، فتحقّق الشرطان أيضًا، فينبغي أن يكون مجيء الحال من المضاف إليه في تلک الصورتين أيضًا جائزًا .
قوله : ما لم يعارضه معارض .
أي: ما لم يمنع تقديم الحال على عامله مانع .
قوله : من كون عامله صلة ل- «أل» أو لحرف مصدريّ .
و ذلک لأنّ تقدّم الحال على هذا الموصول غير جائز، وكذا الحرف المصدريّ.
وإنّما قيّده بقوله : « صلة ل- أل »؛ لأنّ غيرها من أسماء الموصولات يجوز الفصل بينها وبين صلاتها اتّفاقًا على ما حكي (4)، فيقال: «الّذي راكبًا جاء زيد»، بخلاف «أل» الموصولة وكذلک الحرف المصدريّ، فإنّه لا يجوز أن يفصل بينها وبين صلاتها بشيء.
قوله : أو مقرونًا بلام القسم أو الابتداء .
عطفٌ على قوله : «صلة»، أي : من كون عامله مقرونًا بلام القسم أو الابتداء، وذلک لأنّ لهما الصدر، و تقديم الحال مناف له .
1) . الآية هكذا: ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غلٍّ إِخْوَانًا ). سورة الحجر: 47.
2) . الآية هكذا: ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ). سورة الحجرات: 12.
3) . الآية هكذا: ( وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ). سورة النساء: 125.
4) . حكاه الرضيّ في شرحه على الكافية: 2 / 27 .
وفيه : أنّ هذا إنّما يدلّ على عدم جواز تقديم الحال على العامل وتلک اللام، وأمّا إذا قدّمت الحال على العامل من دون تقديمها على اللام فلا، كقولک: «إنّ زيدًا لراكبًا يجيء »، و «أقومنّ والله لراجلاً أذهبنّ»، حيث كانا في الأوّل: «إنّ زيدًا ليجيء راكبًا»، و «أقومنّ والله لأذهبنّ راجلاً»، والحال قد تقدّمت على ناصبها في المثالين مع عدم الضرر في ذلک .
والجواب : هو أنّ مقصود الشارح عدم جواز تقديم الحال على العامل إذا كان مقرونًا بإحدى اللامين، وفي المثالين المذكورين وإن قدّم الحال على العامل، لكنّه غير مقرونٍ بإحدى اللامين؛ لأنّ المراد بالمقرون اتّصالها معه، و هنا ليس كذلک كما لا يخفى.
قوله : أو كونه جملة معها الواو .
عطفٌ على قوله : «كون» في: «من كون عامله»، أي : يجوز تقديم الحال على ناصبه ما لم يعارضه معارض من كونه - أي: الحال - جملة معها الواو، أي: مصدّرة بالواو، كقوله تعالى : ( لاَ تَقْرَبُوا الصَلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) (1)، وقولک: «جئتک والشمس طالعة»، فلا يقال : وأنتم سكارى ولا تقربوا الصلاة، ولا : والشمس طالعة جئتک . قيل (2): وذلک مراعاةً لأصل الواو، وهو العطف.
قوله : أو المصدر .
كقولک : « أعجبني ضرب زيد قائمًا ». إنّما لا يجوز تقدّم الحال على عاملها إذا
كان مصدرًا؛ لأنّ المصدر حينئذٍ بتقدير الفعل مع حرف مصدريّ، وقد عرفت أنّه لو كان عامل الحال صلة لحرف مصدريّ أن لا يجوز تقدّم الحال عليه، وسيجيء الكلام فيما إذا كان العامل اسم الفعل أو فعلاً غير متصرّف .
قوله : كأفعل التفضيل في بعض أحواله .
توضيح المقام يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، فأقول: اعلم: أنّ لأفعل التفضيل استعمالات :
الأوّل : أن يستعمل مع اللام، و هو حينئذٍ مطابق مع الموصوف في الإفراد وغيره، والتذكير وغيره.
والثاني : أن يستعمل مضافًا، و هو إمّا مضاف إلى المعرفة أو إلى النكرة، وعلى الأوّل يجوز فيه وجهان من المطابقة و عدمها، و على الثاني هو مفرد منكّر دائمًا.
والثالث : استعماله مع «من»، وحينئذٍ هو أيضًا مفرد مذكّر دائمًا وإن كان الموصوف غير ذلک .
إذا عرفت ذلک فاعلم : أنّ الشارح أراد ببعض أحوال أفعل التفضيل إمّا إذا استعمل ب- «من»، أو مضافًا إلى نكرة، فإنّه في الصورتين غير متصرّف، وإنّما يمنع من تقديم الحال عليه حينئذٍ لكونه غير قابل لعلامة التثنية والجمع والتأنيث، فيقلّ شباهته بالفعل، فيضعف عمله، بخلاف ما إذا كان متصرّفًا، أي: قابلاً للعلامات المذكورة، فإنّه حينئذٍ يقوي شباهته بالفعل، فيعمل مطلقًا وإن تأخّر .
وممّا ذكر ظهر لک وجه سرّ عدم جواز تقدّم الحال على اسم الفعل والفعل الغير المتصرّف.
قوله: وعامل ضمّن معنى الفعل لا حروفه مؤخّرًا لن يعملا؛ لضعفه، كتلک، ليت وكأنّ ولعلّ وهاء التنبيه.
كما أنّ الحال بالنسبة إلى صاحبها انقسمت إلى ثلاثة أقسام: واجب التأخير، واجب التقديم، جائز الأمرين، كما تقدّم، كذا تنقسم إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى عاملها :
أحدها : جواز التقديم والتأخير.
والثاني : وجوب التأخير.
والثالث: وجوب التقديم.
وقد عرفت الأوّلين، وأمّا الثالث فهو ما إذا كان للحال صدر الكلام، نحو: «كيف جاء زيد»، ف- «كيف» في موضع الحال من «زيد»، ويجب تقديمها على عاملها وهو: «جاء»؛ لأنّ لها صدر الكلام.
واختلف في أنّها هل هي ظرف أو اسم؟ فقيل : إنّها ظرفٌ شبيهة باسم المكان، كما أنّ «سواک» كذلک، و نسب ذلک إلى سيبويه (1)، والثاني: أنّها ليست ظرفًا، بل هي اسم، نسب ذلک إلى الأخفش (2).
و على القولين يستفهم بها عن الأحوال، فعلى الأوّل يكون معناها في المثال المذكور: في أيّ حال جاء زيد، وعلى الثاني: على أيّ حال جاء زيد.
و على القول بالظرفيّة قيل: لايفتقر إلى الاستقرار (1).
قوله : والظروف المتضمّنة معنى الاستقرار .
قيل (2): إذا والظروف الّتي يسمّى بالظروف المستقرّ .
إذا عرفت ذلک ينبغي لنا أن نذكر وجه تسمية هذه الظروف بذلک، فأقول: وجه تسميتها بذلک: هو أنّ ذلک لاستقرار الضمير فيها، بناءً على أنّه لمّا حذفت متعلّقاتها انتقلت الضمائر منها إلى تلک الظروف، فاستقرّت فيها، فلذا يسمّى بالمستقرّ، وأصله: مستقرّ فيه، فقولنا : «ظرف مستقرّ»، أي: الظرف المستقرّ فيه، أي: الضمير، فحذف المجرور كما حذف في قولک : «اللفظ المشترک»، أي: اللفظ المشترک فيه، وعلى هذا تسمية ما عداها باللغو لكونه ملغى عن الضمير .
وقال نجم الأئمّة في مبحث الأفعال الناقصة :
قال سيبويه: تقديم الخبر إذا كان ظرفًا مستحسن، و يسمّى ذلک الظرف مستقَرًّا بفتح القاف، وكذا كلّ ظرف عامله مقدّر؛ لأنّ ناصبه: «استقرّ»، وهو مقدّر قبله، فقولک: « كان في الدار زيد »، أي : كان مستقرًّا في الدار زيد، فالظرف مستقرّ فيه، ثمّ حذف الجارّ، كما يقال: المحصول للمحصول عليه (3).
واعترض عليه (1)من وجهين :
الأوّل : أنّ الظرف المستقرّ لا يلزم تقدير عامله ب- «استقرّ» على الخصوص، بل يجوز أن يقدّر ب- : «حصل» و «ثبت»، ونحو ذلک ممّا يدلّ على كونٍ عامّ، فَلِمَ اشتقّ له الاسم من «استقرّ» دون غيره ؟
والثاني : أنّ الظرف اللغو أيضًا من قولنا : «صمت يوم الجمعة»، يصدق عليه أنّه مستقرّ؛ إذ قد استقرّ في اليوم المذكور الصوم، وإن لم يكن متعلّقه لفظ «استقرّ».
والجواب عنه (2): أمّا عن الأوّل فبأنّه لم يرد أنّه يلزم في الظرف المستقرّ تقدير عامله ب- «استقرّ» حتّى يرد عليه أنّه ليس كذلک؛ لجواز تقديره ب- «حصل» و«ثبت»، بل أراد أن يكفي تسمية هذا الظرف بالمستقرّ؛ لكون الظرف مستقرًّا فيه معنًى مطلقًا وإن لم يكن عامله المقدّر لفظ «استقرّ».
وأراد بقوله: «لأنّ ناصبه استقرّ» صحّة تقدير العامل به، أي: يصحّ في كلّ من هذا الظرف تقدير عامله ب- «استقرّ»، لا وجوب تقديره به و لزومه، كيف وهذا ممّا لا يدّعي به جاهل، فضلاً عن ذلک الفاضل.
و ممّا ذكرنا ظهر الجواب عن قوله : « فلِمَ اشتقّ له الاسم من استقرّ دون غيره ».
وأمّا عن الثاني فبمنع الصدق؛ إذ لا يقال: إنّ الصوم مستقرّ في يوم الجمعة كما لا يخفى، بل وقع فيه، و وقوع الشيء لا يستلزم الاستقرار؛ إذ يصحّ أن يقال: وقع ولم يستقرّ .
و على فرض التسليم نقول: إنّ المراد بالظرف المستقرّ ما كان مستقرًّا فيه ومتعلّقًا ب- «استقرار»، و معناه أيضًا و هنا على فرض تسليم الأوّل والثاني غير متحقّق كما لا يخفى .
ثمّ لا يخفى عليک أنّ ما ذكرنا في وجه التسمية هو إنّما يصحّ على القول بكون المحذوف هو المتعلّق فقط، لا الضمير كما ذهب إليه الأكثر، وأمّا على ما ذهب إليه السيرافيّ (1)من كون المحذوف هو المتعلّق والضمير معًا فلا؛ لأنّ الضمير لم ينتقل إلى الظرف حينئذ، وأمّا ما ذكره نجم الأئمّة فيصحّ على المذهبين كما لا يخفى .
و ظاهر العبارة يدلّ على عدم جواز عمل تلک الظروف في الحال المتقدّمة مطلقًا وإن كان الحال ظرفًا أو جارًّا و مجرورًا، و هو محلّ تأمّل، بل صرّح ابن بَرْهان (2)بجوازه حينئذ، قال: و من ذلک : «البرّ الكرّ بستّين»، أي: الكرّ منه بستّين، ف- «منه» حالٌ، والعامل فيها: «بستّين»، و ذلک لتوسّعهم في الظروف.
قوله : و نَدَر عندنا توسّط الحال بين صاحبه و عامله، إلى آخره .
لمّا كان قول المصنّف : «و نَدَر نحو: سعيدٌ مستقرًّا في هَجَر» يحتمل وجوهًا :
الأوّل : أن يكون توسّط الحال بين الصاحب والعامل جائزًا في جميع العوامل المعنويّة، و ذكر المصنّف البيت على سبيل التمثيل.
والثاني : هو أنّ جواز ذلک يتوقّف على كون العامل مجرورًا دون غيره وإن كان
ظرفًا؛ إذ من عادة المصنّف إعطاء الحكم بالمثال.
والثالث : هو أن يكون «مستقرًّا» حالاً من الضمير في «هجر»، فتقدّم على ذي الحال أيضًا.
وكأنّ هذا مستثنى في ما ذكر أوّلاً من عدم جواز تقدّم الحال على العامل المعنويّ وغيرها ممّا يظهر بعد النظر في كلامٍ أشار الشارح إلى المقصود في البيت ورفع غيره بقوله: «وندر عندنا توسّط الحال» إلى آخر ما ذكره، إنّما حمل البيت على توسّط الحال بين الصاحب والعامل مع إمكان كون «مستقرًّا» حالاً من الضمير في الجارّ والمجرور - كما حمله بعضهم (1)- لأنّه لو كان كذلک يلزم تقدّم الحال على صاحبه وعامله المعنويّ، وسيصرّح أنّه ممنوع منه إجماعًا، فما حمل الشارح عليه البيت أولى ممّا حمل عليه ذلک البعض وإن استلزم الأوّل الاختلاف بين الحال وصاحبه ومجيء الحال عن المبتدأ؛ لأنّ حمل الكلام على المرجوح أولى من حمله على خلاف المجمع عليه، كما هو واضح .
قوله : و تقديم الحال على صاحبه (2)، إلى آخره .
هذا كأنّه مستثناة ممّا تقدّم، و هو أنّ أفعل التفضيل إذا كان غير متصرّف لايجوز تقدّم الحال عليه، كأنّه قال: إلّا في هذه الصورة، أي: إذا كان الشيء مفضلاً في حال أفعل التفضيل بين حالين من اسمين مختلفين لفظًا و معنًى، أو لفظًا فقط، فضّل أحد الاسمين في حالة على الآخر في الأخرى، والأوّل للأوّل والثاني للثاني، فإنّه
يجوز فيها تقدّم الحال على أفعل، ف- «مفردًا» في المثال الأوّل حالٌ قدّم على عامله وهو: «أنفع»، وكذا «بُسرًا» في المثال الثاني؛ إذ هو منصوب ب- «أطيب» وقدّم عليه.
إن قيل : لِمَ لا يجوز أن يكون «بُسرًا» فيه منصوبًا بمعنى الفعل في «هذا»، كما ذهب إليه أبو عليّ و غيره (1)؛ لأنّ أفعل التفضيل ضعيف في العمل، فلا يتقدّم عليه معموله.
قلنا : العامل في الحال هو المقيّد بها، فلو كان اسم الإشارة عاملاً فيها في المثال المذكور لكان المشار إليه هو «البُسر»، فلا يمكن أن يقال هذا الكلام إلّا في حال البُسريّة، ولا يخفى فساده؛ إذ البدليّة تحكم بصحّة هذا القول إذا كان المشار إليه هو التمر.
هذا، مع أنّه ليس في المثال الأوّل اسم الإشارة و لا غيره من العوامل المعنويّة، وأيضًا يمكن في المثال الثاني تبديل اسم الإشارة بغيره بأن تقول: «تمرة نخلتي بُسْرًا أطْيَبُ منه رُطَبًا»، فظهر أنّ العامل في الجميع هو أفعل التفضيل.
لكن بقي في المقام شيء، و هو أنّه قد تقدّم آنفًا من أنّ أفعل التفضيل غير منصرف، لا يعمل على الاسم المتقدّم؛ لضعف شباهته بالفعل، وكيف يجوز عمله هنا؟!
1) . نقله عنه في المتوسّط: 158 ؛ وينظر: الإيضاح للفارسىّ: 201 ؛ والإيضاح في شرحالمفصّل: 1 / 302 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 2 / 34 ؛ والارتشاف: 3 / 1588؛ والأشباهوالنظائر: 4 / 283 ؛ وشرح المفصّل لابن يعيش: 2 / 60 ؛ وشرح التصريح: 1 / 598 .
والجواب : أنّ اسم التفضيل وإن ضعف شباهته بالفعل؛ لما تقدّم من عدم قبوله لعلامة تثنية و غيرها، ولهذا يقوي شباهته بالعامل الجامد كاسم الفعل و غيره، لكن له مزيّة عليه أيضًا؛ لما قيل (1)من أنّ فيه معنى الفعل و حروفه و وزنه، فلكونه مشابهًا للعامل الجامد يوافق معه في امتناع تقديم الحال عليه في غير الصورة المذكورة، ولكونه مشابهًا للفعل لتضمّنه حروفه و معناه و وزنه جعل موافقًا معه في جواز تقديم الحال عليه في الصورة المذكورة، فتأمّل.
و ما ذكر من عمل اسم التفضيل في هذه الصورة هو مذهب جمهور النحويّين (2)، وزعم السيرافيّ (3)إلى عدم جوازه هنا أيضًا، و حمل الاسمين المنصوبين على كونهما منصوبين ب- «كان» مقدّرة مع «إذا» في الاستقبال و «إذ» في المضيّ.
و فيه - مع ما مرّ من ندرة حذف «كان» مع اسمها إذا لم تقع بعد «إن» و «لو» - أنّه يلزم في كلّ ممّا كان مثل المثال المذكور إضمار ستّة أشياء، و هي: «كان» مع اسمها و «إذا» أو «إذ» في كلّ من المثال مرتّبتين (4).
هذا، مع أنّه يلزم حينئذٍ عمل اسم التفضيل في «إذا» أو «إذ»، وهل هو إلّا كَرٌّ
1) . قائله الأشمونيّ في شرحه لألفيّة ابن مالک : 2 / 25 .
2) . ينظر: شرح الأشمونيّ: 2 / 25 ؛ والفوائد الضيائيّة: 178 .
3) . شرح كتاب سيبويه للسيرافيّ: 2 / 289 ؛ وينظر: الارتشاف: 3 / 1587؛ وشرح التسهيل :2/ 260 ؛ وشرح الألفيّة لابن الناظم: 132 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 651 ؛ وشرح الأشمونيّ :2 / 25؛ والمساعد: 2 / 30؛ وشرح التصريح: 1 / 598.
4) . وفيه تكلّف .
على ما فُرّ منه ؟! فتأمّل.
قوله : ثمّ إن ظهر المعنى - إلى قوله : - والثاني للأوّل .
اعلم: أنّ الحال إمّا أن يكون مفردًا أو متعدّدًا، و على التقديرين إمّا أن يكون ذو الحال أيضًا مفردًا أو متعدّدًا، فالأقسام أربعة: اثنان متّفقان، واثنان مختلفان، لكن واحد منها غير جائز، و هو أن يكون ذو الحال متعدّدًا والحال واحدًا، فانحصرت الأقسام في الثلاثة :
الأوّل : أن يكون كلاهما مفردًا، وهذا لا يخلو إمّا أن يكون ذو الحال فاعلاً أو مفعولاً، والأوّل تقول: «جاء زيد راكبًا»، والثاني كقولک: «ضربت زيدًا مجرّدًا عن ثيابه».
و على التقديرين إمّا أن يكون صاحب الحال معلومًا من قرينة حاليّة أو مقاليّة، أو لا.
و على الأوّل لک أن تأتي بالحال أين ما شئت، فيجوز لک الإتيان بحال الفاعل بعد المفعول، و بحال المفعول بعد الفاعل و قبله، فتقول: «ضربت هند غلامها قائمةً»، و «ضربت قائمة هندًا».
و على الثاني يجب الإتيان بحال كلّ واحد منهما في جنب صاحبه، فتقدّم حال الفاعل على المفعول والمفعول على حاله؛ دفعًا للالتباس.
والثاني : أن يكون كلاهما متعدّدين، فحينئذٍ لا يخلو إمّا أن يكون الحالان
متّفقين، أو مختلفين .
والأوّل الأحسن الجمع بينهما، تقول : «لقيت زيدًا مصعدين»، والثاني هو ما ذكره من أنّه إن ظهر المعنى رُدّ كلّ حالٍ إلى ما يليق به، كقولک: «لقيت هندًا مصعدًا منحدرة»، فإنّ «مصعدًا» حالٌ من الفاعل، و «منحدرة» من المفعول، و يجوز لک أن تقول: «لقيت مصعدًا منحدرة هندًا»، وهكذا. والضمير في الحال في المثال وإن عاد إلى المتأخّر لفظًا، لكنّه متقدّم رتبة.
وإلّا - أي: وإن لم يظهر المعنى لفقد القرينة، حاليّة كانت أو مقاليّة - جعل الحال الأوّل للاسم الثاني، والحال الثاني للأوّل، كقولک: «لقيت زيدًا مصعدًا منحدرًا»، ف-«مصعدًا» حالٌ عن «زيد»، و «منحدرًا» عن الفاعل.
وذلک لأنّ الأحسن والأولى في هذه الحالة أن يجعل كلّ من الحالين في جنب صاحبه، إلّا أنّه لمّا كان مرتبة المفعول مقدّمة على مرتبة الحال أخّرت وجعل الحال الأوّل للثاني؛ لما عرفت من أنّ الأحسن جعل كلّ من الحالين في جنب صاحبه، وخولف ذلک في الفاعل لما ذكر، ومخالفته في الفاعل لا يقتضي مخالفته في المفعول.
والقسم الثالث : هو أن يكون الحال متعدّدًا و ذو الحال مفردًا، و قد تقدّم في الشرح. و عن ابن عصفور و جماعة (1)أنّهم منعوا عن ذلک إلّا إذا كان العامل اسم التفضيل، كما تقدّم في : « هذا بُسْرًا أطيب منه رُطَبًا».
1) . نقله عنهم المراديّ في توضيح المقاصد والمسالک بشرح ألفيّة ابن مالک: 2 / 714 ؛والأشمونيّ في شرحه لألفيّة ابن مالک: 2 / 26 ؛ وينظر: شرح التسهيل: 2 / 264 .
وأجابوا عمّا مثّلوا لذلک -كقولک: «جاء زيدٌ راكبًا ضاحكًا» - بأنّ الثاني منهما إمّا حالٌ من الضمير في الراكب، أو صفةٌ له، أي: للراكب.
قوله : ( وَأَرْسَلْنَاکَ لِلنَاسِ رَسُولاً ) (1).
اعلم: أنّ الحال على قسمين : مبيّنة و مؤكّدة.
أمّا الأوّل فهو الّذي لا يفهم معناه إلّا بذكره، كقولک : «خرجت راكبًا»، فإنّ معنى الركوب لا يستفاد إلّا بذكر «راكبًا»، ويقال لها: المبيّنة؛ لأنّها تبيّن هيئة الفاعل أو المفعول أو هيئتهما معًا، وقد يقال لها: المؤسّسة.
وأمّا الثاني فهو الّذي يستفاد معناه من غيره إمّا من العامل أو من الصاحب، والأوّل يسمّى ب- : المؤكّد للعامل، والثاني ب- : المؤكّد للصاحب.
قوله : من اسمين معرفتين جامدين .
إن قلت : قد أطلق المصنّف : « وإن تؤكّد جملة » إلى آخره، ولم يشترط تعريف جزئيها و لا جمودهما.
1) . سورة النساء : 79 .
قلت : قد أجاب عنه بعض الشارحين (1)باستفادتهما (2)من قوله، حيث قال :
أمّا اشتراط التعريف فقد يفهم من تسميتها مؤكّدة؛ لأنّها إنّما تؤكّد شيئًا قد عرف، وأمّا اشتراط الجمود فمن قوله : « جملة »؛ لأنّه إذا كان أحد الجزأين مشتقًّا أو في حكمه، كان عاملاً فيها، فكانت مؤكّدة لعاملها، لا لمضمون جملة (3).
قوله : لبيان يقين .
متعلّق بقول المصنّف : « وإن تؤكّد جملة »، أي: وإن تؤكّد الحال جملة معقودة إلى آخره؛ لأجل بيان يقين كما تقول : « هذا زيدٌ معلومًا »، أو فخر كما يجيء في قول الشاعر :
أنا ابنُ دَارةَ مَعْرُوفًا بها نَسَبِي (4)
1) . هو أبو محمّد بدر الدين حسن بن قاسم المراديّ المصريّ ( 749 ه ) في كتابه: توضيحالمقاصد والمسالک بشرح ألفيّة ابن مالک.
2) . في « ج » : باستفادتها .
3) . توضيح المقاصد : 2 / 717 .
4) . آخره : « و هل بِدَارَةَ يا لَلنَاسِ مِنْ عَارِ ». قاله سالم بن دارة اليربوعي، يهجو بها زميل بنأبير، أحد بني فزارة. والبيت له في الكتاب لسيبويه : 2 / 79 ؛ وشرح التسهيل: 2 / 272 ؛والخصائص: 2 / 268، 317، 340 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 186 ؛ وخزانة الأدب : 3/265؛ولسان العرب : 4 / 269 . وبلا نسبة في شرح الألفيّة لابن الناظم: 133 ؛ واللباب: 198؛وشرح الرضيّ على الكافية : 2 / 50 ؛ و شرح ابن عقيل : 1 / 654 ؛ وشرح الأشمونيّ :2/28 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 318 .
أو تعظيم كقولک : « هذا زيدٌ جليلاً ».
قوله : أو نحو ذلک .
كبيان تحقير كقولک : « هذا فلانٌ مأخوذًا مقهورًا »، أو (1)فقر كقولک : « أنا
عبدک فقيرًا »، و نحوهما .
قوله : أي أحقّه .
يجوز أن يكون بفتح الهمزة و بضمّها من: تحقّقت الأمر وصرت منه على يقين، يعني: أنا بن دارة أحقّه معروفًا، أي : حقّقت كوني ابنًا لها وصرت منه على يقين، وسيجيء ما ينفعک هنا.
قوله : و قيل : عاملها المبتدأ، و قيل : الخبر الواقع في الجملة .
اعلم: أنّه وقع الخلاف بينهم في العامل لهذه الحال، أي: الواقعة بعد جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين مؤكّدة بها (2)، فما ذكره المصنّف هنا من كون
العامل مضمرًا هو المنقول عن سيبويه (3)، و تبعه ابن الحاجب و جماعة (4).
و عن سيبويه أنّه قال :
العامل مقدّر بعد الجملة، تقديره في قولک : «زيد أبوک عطوفًا» أي: زيد أبوک أحقّه عطوفًا، يقال: حقّقت الأمر، أي : تحقّقته و عرفته، أي : أتحقّقه وأثبته عطوفًا (1).
و ردّ بأنّه :
لا معنى لقولک : تيقّنت الأب، أي : صرت منه على يقين (2)، وعرفته في حال كونه عطوفًا، وإن أراد أنّ المعنى: أعلمه عطوفًا، فهو مفعول ثان، لا حال (3).
وقيل: عاملها المبتدأ - و هو المنقول عن ابن خروف (4)- لتضمّنه معنى التنبيه.
وردّ أيضًا بأنّ عمل الضمير في مثل قوله : « أنا ابن دارة »، والعَلَم في مثل قولک: « زيدٌ أبوک عطوفًا » ممّا لم يثبت نظيره في شيء من كلامهم (5).
وقيل : عاملها الخبر الواقع في الجملة، لتأوّله بالمسمّى، و هو المنقول عن
1) . نقله عنه الرضيّ في شرحه على الكافية : 2 / 51؛ وينظر: الكتاب : 2 / 78، 79.
2) . «أي: صرت منه على يقين» لم يرد في المصدر.
3) . شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 51 .
4) . نقله عنه الرضيّ في شرحه على الكافية : 2 / 51 ؛ وابن مالک في شرح التسهيل: 2 / 273؛وابن الناظم في شرح الألفيّة: 133 ؛ وأبو حيّان في الارتشاف: 3 / 1602 ؛ والأزهريّ فيشرح التصريح: 1 / 607 .
5) . شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 51 .
الزجاج (1)، نحو: « أنا حاتم سخيًّا ».
وردّ أيضًا بأنّه لم يكن سخيًّا وقت تسميته بحاتم، وأنّه لا يقصد القائل بهذا اللفظ: هذا المعنى، وأنّ ذلک لا يطّرد في نحو : ( هذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً ) (2)، و(هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ) (3)، و غير ذلک ممّا ليس الخبر فيه علمًا (4).
و قال نجم الأئمّة :
والأولى عندي ما ذهب إليه ابن مالک (5)، وهو أنّ العامل معنى الجملة،
كأنّه قال (6): يعطف عليک أبوک عطوفًا (7)، و حقّ ذلک مصدّقًا.
قال :
وذلک لأنّ الجملة وإن كان جزآها جامدين جمودًا محضًا، فلا شکّ أنّه يحصل من إسناد أحد جزأيها إلى الآخر معنى من معاني الفعل، ألا ترى أنّ معنى « أنا زيد »: أنا كائن زيدًا، فعلى هذا لا تتقدّم المؤكّدة على
1) . نقله عنه الرضيّ في شرحه على الكافية : 2 / 51 ؛ وابن مالک في شرح التسهيل: 2 / 273 ؛وابن الناظم في شرح الألفيّة: 133؛ وأبو حيّان في الارتشاف: 3 / 1601 ؛ والأزهريّ فيشرح التصريح: 1 / 607 .
2) . سورة الأعراف : 73 ؛ سورة هود : 64 .
3) . سورة فاطر : 31 .
4) . شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 51 .
5) . شرح التسهيل: 2 / 273 .
6) . في المصدر : كما قلنا .
7) . في المصدر هنا زيادة: و يرحم مرحومًا .
جزأي الجملة، ولا على أحدهما؛ لضعفها في العمل، و ذلک لخفاء معنى الفعل فيها (1). انتهى.
قوله : خالية من دليل الاستقبال .
ك-: السين و سوف و لن و غيرها، وذلک لأنّ الحال الّذي نحن في بابه والحال الّذي يدلّ عليه المضارع - و هو زمان التكلّم - و إن تغايرا، لكنّ (2)الحال الّذي
نحن في بابه (3)هو قيدٌ لعامله، فإن كان ماضيًا أو حالاً أو مستقبلاً فالحال أيضًا كذلک، كما في قولک: « جئتک أمس راكبًا »، وقولک: « اضرب زيدًا غدًا يركب » -مثلاً- فإنّ لفظ « راكبًا » في الأوّل و « يركب » في الثاني حالٌ على (4)الأوّل، دون الثاني؛ لأنّه ليس في زمان التكلّم، لكنّهم التزموا تجريد صدر الجملة الواقعة حالاً عن علم الاستقبال؛ لتناقض الحال والاستقبال في الظاهر، وإن لم يكن التناقض بينهما حقيقيًّا، هكذا قيل (5).
و فيه نظر؛ لأنّه لو كان ما ذكر سببًا لتجريد الجملة الواقعة حالاً عن علامة الاستقبال، فينبغي أن تجرّد تلک الجملة عن علامة الماضي أيضًا، كَ- «لَمَّا» و «لَمْ»،
كقولک : « رأيت زيدًا و لمّا يضرب »، فممتنعة؛ لتحقّق التنافي بين الحال والماضي في الظاهر أيضًا، مع أنّهم لم يشترطوا ذلک .
و يمكن أن يقال: إنّ الفعل إذا كان منفيًّا يكون النفي مستمرًّا إلى زمان التكلّم، وهو زمان الحال، فيحصل المقارنة وانتفت المنافاة .
هذا في المنفيّ ب- «لمّا» و «لَم»، وأمّا المنفيّ ب- «ما» و «لا» فلا إشكال فيهما؛ لكونهما ليسا من علامتي الماضي، بل الثاني لمطلق النفي، والأوّل لنفي الحال، وإن ناقش في ذلک بعض المحقّقين (1)، فقال: إنّها لمطلق النفي كالثاني، لكنّ المنافاة
متحقّقة بالنسبة إلى الماضي نفسه.
و يدفع بالتزامهم فيه لفظ « قد » إمّا ظاهرة أو مقدّرة؛ لتقرّبه إلى الحال (2)، مع أنّک ستعلم ما فيه .
ثمّ اعلم أيضًا : أنّه كما يشترط في الجملة الحاليّة خلوّها من دليل الاستقبال، كذا يشترط أن يكون من الجمل الخبريّة.
وهو واضح، بل مجمع عليه بينهم، وقد ادّعى الإجماع عليه ابن هشام وغيره (3)، فلا يجوز أن يكون إنشائيّة؛ لأنّ الغرض من الحال تخصيص وقوع
مضمون عاملها بوقت حصول مضمونها؛ لأنّک إذا قلت : «رأيت زيدًا راكبًا» فقد خصّصت وقوع مضمون العامل - و هو الرؤية - بوقت حصول مضمون الحال -وهو الركوب - يعني: أنّ الرؤية واقعة وقت وقوع الركوب، فيجب أن يكون تلک الجملة ممّا يقصد فيها (1)الدلالة على حصول مضمونه - وهو الخبريّة - دون الإنشائيّة.
وقال نجم الأئمّة :
إنّ الإنشائيّة إمّا طلبيّة، أو إيقاعيّة، وأنت في الطلب (2)لست على يقين من حصول مضمونها، فكيف تخصّص مضمون العامل بوقت حصول ذلک المضمون ؟!
وأمّا الإيقاعيّة، نحو: بعت، و طلقت، فإنّ المتكلّم بها لا ينظر أيضًا إلى وقت يحصل فيه مضمونها، بل مقصوده مجرّد الإيقاع (3)، وهو منافٍ
لقصد وقت الوقوع، بل (4)يعرف من دلالة العقل (5)لا من دلالة اللفظ أنّ وقت التلفّظ بلفظ الإيقاع : وقت وقوع مضمونه (6).
ثمّ اعلم أيضًا : أنّ من الجملة الّتي لا تقع في موضع الحال هي الجملة الشرطيّة، فلا يجوز أن تقول : « جاء زيدٌ إن يسأل يعط »، بأن يكون جملة «إن يسأل» حال.
وذلک لما قيل (1)مِن أنّ جملة الشرطيّة لتصدّرها بالحرف المقتضي للصدر لاتكاد أن ترتبط بشيء قبلها إلّا أن يكون له فضل قوّة و مزيد اقتضاء لذلک، كما في الخبر والنعت، فإنّ المبتدأ لعدم استغنائه [ عن الخبر ] يصرف إلى نفسه ما وقع بعده ممّا فيه أدنى صلوح لذلک، وكذا النعت؛ لما بينه و بين المنعوت من الاتّحاد المعنويّ حتّى كأنّهما شيء واحد، بخلاف الحال، فإنّها فضلة تنقطع عن صاحبها.
قوله : متعلّق بمحذوف وجوبًا .
«وجوبًا» يجوز أن يكون صفةً لمفعولٍ مطلق محذوف، أي: متعلّق كلّ واحد من الظرف أو المجرور بمحذوف حذفًا واجبًا، و يجوز أن يكون تمييزًا .
ثمّ إنّه لا يعارض ما ذكره بقوله تعالى : ( فَلَمَّا رَآهُ مُستَقِرًّا عِندَهُ ) (2)، حيث إنّ الظرف وقع موضع الحال مع أنّ متعلّقه مذكور؛ لأنّا نقول : أجيب (3)عن ذلک بأنّ هذا الاستقرار معناه عدم التحرّک، لا مطلق الوجود والحصول، فيكون من الكون الخاصّ، لا العامّ، و وجوب الحذف في الثاني، دون الأوّل .
قوله : رأيت الهلال بين السحاب .
ف- «بين» ظرف مكان، وقع موضع الحال، ولذا وجب حذف متعلّقه، والتقدير : رأيت الهلال كائنًا بين السحاب، أو : يكون بين السحاب .
قوله : ( فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ فِي زِينَتِهِ ) (1).
الشاهد في : ( زِينَتِهِ )؛ لأنّه مجرور وقع موضع الحال عن الضمير في: «خرج» العائد إلى «قارون».
قوله : خالٍ من «قد».
قيّد بذلک لما سيجيء من نقله عن المصنّف في التسهيل من أنّ ذات بدء بمضارع مقرون ب- «قد» تلزمها الواو، نحو : ( لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ ) (2).
قوله : أو بماض .
عطفٌ على قول المصنّف : «أو بمضارع».
تحقيق المقام يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، فأقول: إنّ الجملة من حيث هو جملة مستقلّة غير مرتبطة بشيء ممّا قبلها بنفسها، ولهذا إذا أريد ارتباطها بما قبلها لابدّ من رابط، كما في الخبر والصفة، ومعلومٌ أنّ الحال قيدٌ لعامله و متعلّقٌ به، فلابدّ في الجملة الواقعة حالاً من رابط أيضًا، وهذا الرابط إمّا الضمير، أو الواو، أو هما معًا، فأشار إلى أنّه [ في ] أيّ موضعٍ يكون الرابط ضميرًا فقط دون الواو، و أيّ موضعٍ
يكون كلاهما معًا رابطًا .
وإن أردت تفصيل الحال فاعلم: أنّ الجملة الحاليّة إمّا فعليّة أو اسميّة، والأخير سيجيء حكمه، والفعليّة إمّا مصدّرة بالمضارع أو بالماضي، والمضارع إمّا مثبت أو منفيّ، والمنفيّ إمّا ب- «لا» أو ب- «ما» أو بغيرهما، والأخير سيجيء حكمه أيضًا، والماضي إمّا تالٍ «إلّا»، أي: وقع بعد «إلّا»، أو متلوّ ب- «أو»، أي: وقع بعده «أو»، ولم يكن كذلک، والأخير سيجيء حكمه أيضًا، والأوّلان وكذا المضارع المثبت بغير «قد» والمنفيّ ب- «لا» و «ما» ربطها بالضمير فقط .
فهاهنا خمسة أقسام رابطها الضمير فقط، ولا يجوز أن يدخلها الواو :
الأوّل: المضارع المثبت بغير «قد»، و مثاله ما ذكره، و هو قوله تعالى : ( وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) (1)، فإنّ ( تَسْتَكْثِرُ ) حالٌ من الضمير في: ( تَمْنُنْ ).
ولا يجوز أن يقال: وتستكثر ؛ [ و ] ذلک لأنّ المضارع على وزن اسم الفاعل لفظًا و بتقديره معنًى، فيكون « تستكثر » بمنزلة قولک : مستكثرًا، وكما لا يجوز دخول الواو فيه، كذا ما هو بمنزلته .
1) . سورة المدّثّر : 6 .
والثاني : المضارع المنفيّ ب- «لا»، و هو ما أشار إليه بقوله : ( مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ ) (1)، فإنّ ( لاَ تَنَاصَرُونَ ) حالٌ من المجرور في ( لَكُمْ ). ومثله قوله
تعالى: ( وَ مَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ ) (2)، فإنّ جملة ( نُؤْمِنُ ) حالٌ من الضمير المجرور
باللام.
ولا يجوز أن يقال: ولا تناصرون - مثلاً - وذلک لأنّ كلمة « لا » هنا بمنزلة لفظ الغير المضاف إلى اسم الفاعل، فقوله : ( لاَ تَنَاصَرُونَ ) بمنزلة : غير متناصرين، وهو لا يجوز دخول الواو فيه، فكذا ما هو بمنزلته .
والثالث : المضارع المنفيّ ب- «ما»، و هو ما أشار إليه بقوله: «عَهِدْتُکَ مَا تَصْبُو»، تمامه :
.......... وَ فِيکَ شَبِيبَةٌ فَما لکَ بَعدَ الشَيبِ صَبًّا مُتَيَّما (3)
والشاهد في قوله : « ما تصبو »، فإنّه مضارع منفيّ ب- «ما» حالٌ من مفعول
«عهدت »، ولا يجوز أن يقال: و ما تصبو؛ لما مرّ في « لا تناصرون ».
ومعنى البيت: العهد - الّذي بمعنى الرؤية، أي : رأيتک - قد كنتَ حالة الصبا غير لاهٍ، وصرتَ في حالة الشيخوخة لاهيًا، و قد كان مقتضى الحال العكس.
والرابع : الماضي إذا كان تاليًا ل- «إلّا»، و هو ما أشار إليه بقوله: ( إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )، قبله : ( وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ ) إلى آخره (1)، فكانوا في موضع
حال من مفعول ( يأتيهم )، و وقع تالي ( إلّا )، ولا يجوز دخول الواو عليه؛ لأنّ دخول « إلّا » في الأغلب الأكثر على الأسماء، فهو بتأويل: « إلّا كائنًا »، فصار كالمضارع المثبت، وقد عرفت أنّه مجرّد من الواو، فكذا هنا أيضًا.
وصرّح جمع منهم (2)بمجيئه مع الواو و «قد» أيضًا، نحو قولک: «ما لقيته إلّا
وقد أكرمني»، و مع الواو فقط نحو: «ما لقيته إلّا وأكرمني».
والخامس : الماضي المتلوّ ب- «أو»، و هو ما أشار إليه بقوله : «لأضربنّه ذهب أو مكث»، فذهب حالٌ للمفعول، وقع متلوًّا ب- «أو»، فلا يجوز أن يقال في المثال :
وذهب أو مكث؛ لما قيل (1)من أنّ الكلام في تقدير شرط، أي : إن ذهب وإن
مكث.
و فيه نظر؛ لأنّ الجملة حينئذٍ شرطيّة، و قد عرفت أنّها لا تقع حالاً إلّا أن يفرق بين وجود حرف الشرط و عدمه، و فيه ما فيه، فالأولى أنّ الجملة شرطيّة، لا حاليّة.
قوله : نحو : ( وَ لاَ تَمْنُنْ تَسْتَكثِرُ ) (2).
أي: لا تعط مستكثرًا، أي : حال كونک تعدّ ما تعطيه كثيرًا و (3)رائيًا لما تعطيه كثيرًا.
اعلم: أنّ ما ذكر من كون ( تستكثر ) حالاً، مبنيٌّ على قراءة الرفع، ويحتمل وجهًا آخر حينئذٍ أيضًا، و هو أنّ أصله : «إن تستكثر»، فحذف « إن » وتبطل عملها، فتقرأ بالرفع و قرأ بالجزم أيضًا (4)، و هو حينئذٍ إمّا بدلٌ من ( لا تمنن ) من المنّ، أي : لا تمنن لا تستكثر، أو على حذف «إن» و إبقاء عملها.
إن قيل : وكيف يمكن أن يكون ( تستكثر ) بدلاً من ( لا تمنن )، مع أنّ من شرط البدل صلاحيّته لإقامته مقام المبدل منه، و هنا ليس كذلک؛ لأنّک لو قلت: لا تستكثر، لابدّ لک النهي عن المنّ للاستكثار ؟
قلت : صلاحيّة البدل لإقامته مقام المبدل منه مطلقًا ممنوعة.
هذا، مع أنّه قد أجيب (1)عن هذا بأنّه قد يكون البدل على حذف الأوّل، وقد يكون على نيّة ثباته، و هنا من قبيل الثاني.
هذا، وربّما يوجّه الجزم من ( تستكثر ) بوجهٍ آخر، و هو أنّ الأصل : (تستكثر) بالضمّ، لكن أسكن لثقل الضمّة مع كثرة الحركات، كما حكي عن أبي زيد(2)في قوله تعالى: ( بَلَى وَ رُسُلُنَا ) (3)بإسكان اللام.
و ربّما قرئ ( تستكثر ) بالنصب على أن يكون منصوبًا ب- «أن» مضمرة (4)، ومعناه حينئذٍ: لا يكن منک منّ و لا استكثار، فكأنّه قال : لا يكن منک منّ وأن تستكثر، فأضمرت « أن » و أبقي عملها .
قوله : وإن أتى من كلام العرب جملة مبدوّة بما ذكر.
إنّما أتى بهذا دفعًا لما يتوهّم من ظاهر كلام المصنّف: أنّ الجملة إذا كانت ذات واو يقدّر لها المبتدأ، وجعل المضارع خبر له مطلقًا وإن كان المضارع منفيًّا ب- «لم»، وليس الأمر كذلک؛ لما سيجيء من أنّ المضارع المنفيّ ب- «لم» يجوز ربطه بالواو، وسنذكر وجهه، فتأمّل.
إن قلت : أطلق الشارح كلامه فقال : « جملة مبدوّة بما ذكر » مع أنّ ممّا ذكر :
الماضي التالي «إلّا» أو المتلوّ ب- «أو»، و هو لا يصحّ مع ملاحظة قول المصنّف: «له المضارعَ اجعلنّ مسندًا» كما لا يخفى، فكان عليه أن يقول: مبدوّة بما ذكر من المضارع، أو بما ذكر غير ماض .
قلت: مقصود الشارح بيان مراد المصنّف (1)ولم يكن في البيت السابق إلّا
المضارع، وما كان للماضي أثر و لا علامة فيه، فيكون قوله : « بما ذكر » إشارة إليه.
قوله : فلا تجره على ظاهره .
الضميران يعودان إلى « كلام » في قوله : « من كلام العرب ».
قوله : أي بعد الواو .
صرّح بذلک لئلّا يتوهّم عود الضمير إلى ذات؛ لأنّ المبتدأ إنّما يقدّر قبل المضارع، لا بعده .
قوله : نحو :
فلمَّا خَشيتُ أظافِيرَهم *** نَجوْتُ وأرْهَنُهُم مالِكا (2)
1) . في النسخ هنا كلمة لم أتحقّقها، يمكن قراءتها.
2) . البيت لعبدالله بن همّام السلوليّ في المخصّص لابن سيده : ج 4 ق 1 / 23 ؛ والصحاح :5/2128 ؛ ولسان العرب : 13 / 188 ؛ و نهاية الأرب : 3 / 55 ؛ والشعر والشعراء لابنقتيبة الدينوريّ : 2 / 637 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 190 ؛ وخزانة الأدب: 9 / 37 ؛ وبلا نسبةفي شرح الألفية لابن الناظم: 134 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 656 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 31 ؛وهمع الهوامع: 2 / 322 .
« أظافير » جمع : ظُفُر بالضمّ، و هو بضمّتين، قال في القاموس :
وبالكسر شاذّ (1).
و قال الجوهريّ :
جمعه : أظفُور (2).
و في القاموس :
هو غلط، وإنّما هو واحد .
إلى أن قال :
جمعه: أظفار وأظافير (3).
« أظافيرهم » في البيت مفعول « خشيت »، و « نجوت » جواب ل- «لمّا»، و«أرْهَنُهُم » فعل و فاعل و مفعول، و « مالكا » مفعوله الثاني، والشاهد فيه حيث وقع حالاً عن ضمير « نجوت » بالواو، مع أنّه فعل مضارع مثبت، فيقدّر بعد الواو مبتدأ، كما أشار إليه بقوله : «أي: وأنا أرهنهم».
والمعنى واضح .
قوله : و ذات بدء بمضارع مقرون ب- «قد» تلزمها الواو نحو: ( لِمَ تُؤْذُونَنِي) (4)إلى آخره.
لمّا قيّد قول المصنّف : « و ذات بدء بمضارع » بقوله : « خال من قد »، أشار هاهنا إلى وجه تقييده هناک بأنّ ذات بدء بمضارع مقرون ب- «قد» تلزمه الواو.
واعلم: أنّ الشارح وإن أطلق المضارع هنا، لكنّ المراد المثبت منه؛ لأنّ «قد» لايدخل على المنفيّ كما سنذكره.
والشاهد في قوله : ( وَقَدْ تَعْلَمُونَ )، فإنّه حالٌ من الضمير في (تُؤْذُونَنِي)، وأتى بالواو لكونه مقرونًا ب- «قد».
قوله : قاله في التسهيل.
وكذا في التوضيح و غيره (1). وذهب بعضهم إلى أنّ المضارع مع «قد» كالمضارع بدونها، فلا يجوز دخول الواو عليه أيضًا، و ذات واو - كالآية المذكورة - يقدّر المبتدأ بعدها هكذا: « لم تؤذونني وأنتم قد تعلمون أنّي رسول الله » (2).
قوله : و هي الجملة الاسميّة مثبتة أو منفيّة، إلى آخره .
هذه خمسة أقسام، والرابط فيها إمّا الواو أو الضمير أو كلاهما، فيرتقي الأقسام إلى خمسة عشر، يحصل من ضرب كلّ واحد من الخمسة مع كلّ واحد من الروابط هكذا: الجملة الاسميّة المثبتة ربطها إمّا بالواو فقط، أو بالضمير كذلک، أو بهما، وكذا المنفيّة، فحصلت ستّة، وهكذا في الجملة المصدّرة بالمضارع المنفيّ ب- «لم» والماضي المثبت والمنفيّ، و عليک باستخراج الأمثلة .
إن قلت : احتياج الجملة إلى الرابط مسلّم، لكن لِمَ يجوز أن يكون الرابط في الجملة الحاليّة بالواو أيضًا، ولا يجوز ذلک في الجملة الخبريّة، وكذا في النعت والصلة إذا كانتا جملتين ؟
قلت : لأنّ الحال لمّا كانت فضلة و يجيء بعد تمام الكلام، ينبغي أن يكون الرابط (1)فيها بما له مزيد قوّة في الربط، و هو الواو؛ لكونه موضوعًا للربط والجمع
ليؤذن من أوّل الأمر أنّ الجملة غير باقية على استقلالها، بخلاف الخبر والصفة والصلة، فإنّ الخبر لمّا كان جزء الكلام لعدم إتمام الفائدة بدونه يكفيه للارتباط ما له أدنى صلاحيّة لذلک.
وكذا الصفة، فإنّها لمّا كانت تابعة للموصوف لفظًا ومتّحدة معه معنًى يكفيها أيضًا أدنى رابط.
وكذا الصلة؛ لأنّ جزء الكلام يتمّ بها، كقولک : «الّذي جاءک فهو عالم»، فإنّ الموصول فيه مبتدأ، وهو لا يتمّ إلّا بالصلة. ألا ترى أنّ الخبر إذا حصل له أدنى انفصال قد يصدر بالواو، كما إذا وقع بعد «إلّا»، كقولک: « ما رجل إلّا و هو قائم »، وكذا الصفة كقولک: « ما جاءني رجل إلّا و هو فقيه ».
و أمّا الصلة فلا يعرض لها مثل هذه الحال، فلا تكون مصدّرة بالواو أبدًا، ولهذا إذا كانت الجملة الحاليّة من الخمسة المذكورة كان ارتباطها بالواو والضمير معًا أولى من أحدهما حتّى من الواو احتياجًا للربط، و كونه بالواو وحدها أولى من الضمير لما مرّ .
1) . في « م » : الربط .
ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر كلام الشارح - كالمصنّف - جواز الربط بالواو في هذه الجمل الاسميّة مطلقًا ولو وقعت بعد عاطف، وليس كذلک وقد صرّح الزمخشريّ وابن هشام و غيرهما (1)في قوله تعالى: ( فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ) (2)، أنّ ( هُمْ قَائِلُونَ ) حالٌ معطوفةٌ على ( بَيَاتًا )، و هو مصدر في موضع الحال، ولايقال: أو و هم قائلون، لكراهة اجتماع حرفي عطف؛ لأنّ واو الحال هي واو العطف استعيرت هنا للوصل. ومعنى الآية ظاهرًا: جاء عذابنا حال كونهم بائتين، أو قائلين نصف النهار من القيلولة.
قوله : بمضارع منفيّ ب- «لم».
وكذا إذا كان منفيًّا ب- «لمّا»، كما صرّح بعضهم (3)، كقولک: « رأيت زيدًا ولمّا يركب»، ورابطه الواو والضمير، و يجوز الاكتفاء بأحدهما.
و عدم ذكر الشارح له لعلّه لاشتراكهما في إفادة النفي و قلب المضارع ماضيًا، فلا يحتاج إلى التصريح.
و أمّا المنفيّ ب- «لن» فلا يجوز وقوعه موضع الحال، كما عرفت سابقًا من اشتراط خلوّ الجملة الحاليّة من علامة الاستقبال .
ولا يخفى أنّه على هذا بملاحظة المضارع المنفيّ ب- «لمّا» مع الروابط يبلغ
الأقسام إلى ثمانية عشر .
إن قلت : قد تقدّم أنّ المضارع إذا كان منفيًّا ب- «لا» (1)و «ما»، يجب أن يكون
ربطه بالواو، ولا يجوز دخول الواو فيه، فينبغي أن يكون المنفيّ ب- «لم» و «لمّا» أيضًا كذلک، وإلّا فما الفرق بينهما ؟
قلت : الفرق بينهما هو أنّ المضارع المنفيّ ب- «لم» و «لمّا» كالماضي، وقد عرفت أنّ الماضي إذا لم يكن تاليًا ل- «إلّا»، أو متلوًّا ب- «أو»، لايجوز ربطه بالواو والضمير و بهما، وكذا ما هو بمنزلته، بخلاف المنفيّ ب- «لا» و «ما»، وقد عرفت.
قوله : بشرط أن يكون (2)غير مؤكّدة .
والظاهر أنّه قيدٌ للجمع، يعني : أنّ الربط بالواو مجتمعًا مع الضمير، أو متفرّقًا في الأقسام المذكورة إنّما هو إذا لم تكن للمؤكّدة، وأمّا إذا كانت كذلک فلا، بل الربط حينئذٍ يتعيّن أن يكون بالضمير فقط، كقوله تعالى: ( ذَلِکَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) (3).
وهو الحقّ لاشکّ فيه، فإنّ كلاًّ من جملتي : « لا ريب فيه » و « لا شکّ فيه » حالٌ مؤكّدةٌ لمضمون جملة قبلها، والرابط فيهما هو الضمير في : « فيه »، ولا يجوز أن يدخل الواو عليه؛ لأنّ شدّة الاتّصال والاتّحاد بين المؤكّد والمؤكّد تمنع من الفصل بينهما بشيء يقتضي المغائرة، وكما لا يجوز دخول الواو في المؤكّد في نحو: «جاء زيد نفسه»، لا يجوز هنا أيضًا؛ لأنّ المؤكّد نفس المؤكّد في المعنى، فلو
دخلت الواو لكان في هذه الصورة عطف الشيء على نفسه .
فظهر من جميع ما ذكر: أنّ ما يكون ربطه بالضمير فقط و لا يجوز دخول الواو فيه هو سبعة مواضع، خمسة منها قد مرّت عند شرح قول المصنّف : « و ذات بدء بمضارع ثبت »، وقد استوفينا الكلام فيها، والسادس ما أشرنا إليه، أي: إذا وقعت الجملة بعد عاطف، والسابع ما أشار إليه هنا بقوله: «بشرط أن يكون غير مؤكّدة».
قوله : جاءني (1)زيد و عمرو قائم.
مثال للجملة الاسميّة المثبتة، وقد اكتفى الشارح في المواضع الثلاثة في الجملة الاسميّة بذكر المثبتة عن المنفيّة، مع أنّه ذكر في المواضع للماضي المثبتة والمنفية معًا.
والظاهر أنّ وجهه: هو أنّ الجملة المثبتة من الاسميّة يجوز أن تجعل منفية بإدخال دليل النفي عليها في اللفظ، فلا يحتاج إلى ذكر المنفيّ للاختصار، وأمّا في الماضي فلا يمكن فيه ذلک؛ لأنّ المثبت منه إمّا مع « قد » كما في الأوّل والثالث، أو بدونه، لكن يجوز اجتماعه معها كما في الثاني، و لا يمكن جعل ما فيه « قد » منفيًّا، لأنّ « قد » لا تجتمع (2)مع النفي، كما سنذكره .
قوله: وشرطُ جملة الحال المصدّرة بالماضي المثبت المتصرّف المجرّد من الضمير أن يقترن (3)ب- «قد».
قوله: «وشرط» مبتدأ وخبره قوله: « أن يقترن »، واحترز بقوله : « المصدّرة
بالماضي» عمّا لم يكن كذلک، كالجملة الاسميّة والفعليّة المصدّرة بالمضارع، وبقوله: «المثبت» عن المنفيّ من المصدّرة بالماضي، فإنّه ليس فيه هذا الاشتراط، بل لايجوز فيه دخول « قد »؛ لأنّها لتحقيق الحصول، و معلومٌ أنّ النفي ينافيه.
ثمّ إنّ تقييد اشتراط « قد » في الماضي المجرّد من الضمير لا يساعد كلام جماعة منهم (1)حيث أطلقوا الاشتراط في الماضي المثبت ولم يقيّدوه بالمجرّد عن (2)الضمير، بل مثّل جمع منهم (3)بقوله تعالى : ( جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) (4)، لكون « قد » مقدّرة فيه مع كونه مصاحبًا بالضمير.
و حينئذٍ إمّا أن يكون مراد الشارح من قوله : « المجرّد من الضمير » ما إذا لم يجب فيه كون الرابط ضميرًا، كالماضي التالي ل- «إلّا» أو المتلوّ ب- «أو»، يعني : شرط جملة الحال المصدّرة بالماضي المثبت المتصرّف اقترانُه ب- «قد» إلّا إذا كان الماضي تاليًا ل- «إلّا»، أو متلوًّا ب- «أو»، فإنّه لا يشترط فيه اقترانه ب- «قد» حينئذ، بل يمتنع كما صرّح به بعضهم (5)، فيكون كلامه حينئذٍ موافقًا لما ذكروه، أو تبع في التقييد المذكور الكوفيّين على ما نقل (6)من أنّهم ذهبوا إلى لزوم «قد» في الماضي
1) . نقله عن الكوفيّين في مغني اللبيب: 1 / 173، 2 / 636 ؛ والفوائد الضيائيّة: 180.
2) . في « م » : من .
3) . ينظر: الإنصاف: 1 / 205 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 2 / 45 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 173،2 / 430 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 322 .
4) . سورة النساء : 90 .
5) . صرّح به الصبان في حاشيته على شرح الأشمونيّ: 2 / 285 .
6) . نقله عنهم الصبان في حاشيته على شرح الأشمونيّ: 2 / 284 .
المرتبط بالواو فقط، و جواز إثباتها و حذفها في المرتبط بالضمير وحده أو بهما معًا، فتأمّل.
واحترز بقوله : « المتصرّف » عن غير المتصرّف .
قوله : بأنّ الحال الّذي هو قيدٌ على حسب عامله .
اسم « أنّ » قوله : « الحال »، والموصول صفة، و « هو قيدٌ » مبتدأ و خبرٌ صلةٌ للموصول، و قوله : « على حسب عامله » خبرُ « أنّ »، أي : يكون على حسب عامله.
قوله : فلا معنى لاشتراط تقريبه من الحال ب- «قد».
أقول : وأجاب السعد (1)عنه أيضًا بأنّ حاليّة الماضي وإن كانت بالنظر إلى العامل، ولفظة « قد » إنّما تقرّبه من حال التكلّم فقط، والحالان متباينان، لكنّهم استبشعوا لفظ الماضي والحاليّة لتنافي (2)الماضي والحال في الجملة، فأتوا بلفظ «قد» لظاهر الحاليّة (3).
اعلم: أنّ هذا الإشكال وإن نسبه الشارح إلى السعد، لكنّه مع جوابه مأخوذان من كلام نجم الأئمّة (4).
ثمّ أقول : وفي الجواب الّذي ذكره نظر؛ لأنّ تنافي الحال والماضي في الجملة
لو كان باعثًا للإتيان ب- «قد» المقرّبة زمان الماضي إلى الحال في الجملة المصدّرة بالماضي، فلِمَ خصّوها بالماضي المثبت المتصرّف المجرّد من الضمير - على ما صرّح به الشارح - مع أنّ تلک المنافاة متحقّقة في غيره أيضًا ؟!
قوله : و هو ما يقابل الماضي .
و فيه نظر؛ لأنّ ما يقابل الماضي ليس مختصًّا بالحال، بل المستقبل أيضًا يقابله، فعلى ما ذكره يلزم أن يكون المستقبل حالاً أيضًا، وفيه ما فيه، فالصواب أن يقال : وهو ما يقابل الماضي والاستقبال .
قوله : نحو : ( اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) (1).
مثالٌ للجملة الاسميّة المثبتة؛ إذ ( بعضكم ) مبتدأ و ( عدوّ ) خبره، و(لبعض ) متعلّق ب- ( عدوّ )، والجملة في موضع الحال عن الضمير في (اهبطوا)، والرابط الضمير الّذي أضيف إليه المبتدأ، أي: اهبطوا بعضكم متعاندين لبعض، و قد مرّ سرّ عدم ذكر المنفيّة من الاسميّة.
قوله : ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَ فَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) (2).
والشاهد في: ( يمسسهم )، فإنّه مضارعٌ منفيّ ب- «لم»، حالٌ من الضمير في (فانقلبوا)، والرابط مفعوله .
قوله : نحو : ( خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ ) (3).
مثالٌ للمثبتة من الاسميّة وقعت حالاً من الواو في (خرجوا)، والرابط الواو
والضمير.
و ظاهر الشارح - كالمصنّف و جماعة (1)- جواز كون الربط (2)في الجملة
الاسميّة بالواو والضمير مجتمعين أو مفترقين مطلقًا وإن كان المبتدأ في الجملة الاسميّة ضمير صاحب الحال كما في الآية المذكورة، خلافًا للأندلسيّ (3)، فأوجب الواو حينئذ (4).
قيل (5): ولعلّ ذلک لكون مثل هذه الجملة في معنى المفرد سواء؛ إذ معنى قولک «جائني زيد وهو راكب »: جائني زيد راكبًا، فصدرت إيذانًا من أوّل الأمر بكون الحال جملة، لا مفردًا، وإن أدّت معنى المفرد.
قوله : جوازًا.
نصبه لكونه صفة لمصدر محذوف، أي: يحذف حذفًا جوازًا، أي: جائزًا.
ويحتمل أن يكون قوله: «لدليل» دليلاً للحذف، كما يحتمل أن يكون دليلاً للجواز.
قوله: للمسافر: راشدًا مهديًّا .
أي: سافر أو سافرت راشدًا، فحذف العامل لدلالة حال المخاطب عليه،
1) . ينظر: شرح التسهيل: 2 / 276؛ وأوضح المسالک: 138 ؛ وشرح التصريح: 1 / 610 .
2) . في « م » : الرابط .
3) . هو القاسم بن أحمد الأندلسيّ من علماء المغرب، و هو قريب العهد بالرضيّ، و يتكرّر النقلعنه في شرحه على الكافية .
4) . ينظر رأيه في : شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 41.
5) . نقله الرضيّ عن الأندلسيّ في شرحه على الكافية : 2 / 41 .
و«مهديًّا» إمّا صفةٌ ل- «راشد»، أو حالٌ بعد حال، و حينئذٍ يحتمل الترادف والتداخل، وعلى الثاني ليس ممّا نحن فيه .
الرشد هو الإصابة بالحقّ، فعلى هذا كان الأنسب ذكر «راشدًا» بعد «مهديًّا»؛ لأنّ الإصابة بالحقّ بعد الهداية. وفي المجمع: هو خلاف العمى والضلال (1). وعلى هذا أيضًا ينبغي تأخيره، إلّا أن يقال: إنّ المراد بهما هنا واحد.
وكذا قولک للقادم من الحجّ: «مأجورًا»، فإنّ عامله حذف أيضًا لدلالة الحال عليه، أي: رجعت حال كونک مأجورًا .
قوله : نحو : ( بَلَى قَادِرِينَ ) (2).
والشاهد في : ( قادرين )، فإنّه حالٌ، حذف عامله لدلالة المقال عليه؛ إذ قبله : (أَيَحْسَبُ الاِْنْسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ ) (3)، يدلّ على أنّ عامله ( نجمع )، أي: بلى نجمع قادرين.
قوله : كعامل المؤكّدة للجملة .
أي: كعامل الحال المؤكّدة للجملة.
قوله : والنائبة مناب الخبر .
أي: كعامل الحال النائبة على مناب الخبر.
قوله : كما سبق .
أي: كلّ من مثال الحال المؤكّدة للجملة والنائبة مناب الخبر، أمّا الأولى فعند قول المصنّف : « وإن تؤكّد جملة فمضمر »، وأمّا الثانية ففي مبحث المبتدأ والخبر في مقام بيان وجوب حذف المبتدأ، حيث قال المصنّف: «كضربي العبد مسيئًا»، وقال الشارح بعده: «فمسيئًا حالٌ سدّت مسدّ الخبر المحذوف وجوبًا، والأصل : إذا كان أو إذ كان مسيئًا حاصل» (1).
أمّا وجوب حذف العامل في الأولى فلما قيل (2)من تنزّل الجملة قبل ذلک
العامل بمنزلة البدل من اللفظ، وأمّا في الثانية فلما قيل (3)من أنّه لو ذكر يلزم الجمع
بين العوض والمعوّض.
وفيه نظر؛ لأنّ « مسيئًا » في قولک: « ضربي العبد مسيئًا » حالٌ نائب مناب الخبر، ولم يكن عوضًا عن العامل حتّى يلزم من ذكره الجمع بين العوض والمعوّض؛ لما عرفت من أنّ أصله: ضربي العبد حاصلٌ إذا كان مسيئًا - مثلاً - حذف الخبر والشرط مع فعله، وأقيم الحال مناب الخبر، وليس الحال عوضًا من عامله، فكيف يلزم من ذكره الجمع بين العوض والمعوّض ؟!
وقال ابن الحاجب في إيضاح المفصّل في «ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كان قائمًا» :
حذف متعلّق الظرف على القياس المعروف، و هو أنّ الظرف إذا وقع صلة لموصول، أو صفة لموصوف، أو حالاً لذي حال، أو خبرًا لمخبر عنه، تعلّق بمحذوف إذا كان متعلّقه عامًّا، و هو مطلق الوجود، ثمّ لمّا كان للحال شبه بالظروف (1)حذف لدلالته عليه، فبقي : « ضربي زيدًا قائمًا» (2). انتهى.
إن قلت : كيف يمكن أن يكون « مسيئًا » في المثال حالاً، مع أنّه قد صرّح الشارح سابقًا من أنّ « كان » لا يعمل في الحال ؟!
قلت : على تقدير تسليم ما ذكره نقول: إنّما هو إذا كان ناقصًا، وأمّا تامًّا فلا، والظاهر أنّ مراد الشارح ذلک، لا مطلق لفظ « كان » وإن كان تامًّا، وتقديره المثال المذكور في مبحث المبتدأ والخبر بما مرّ مع تصريح كون « مسيئًا » حالاً قرينةٌ على ذلک .
ثمّ إنّ ما ذكره الشارح من تقدير : «ضربي العبد مسيئًا» بضربي العبد إذا كان مسيئًا حاصلٌ، بأن يكون «مسيئًا» حالاً من الضمير في «كان»، هو ما ذهب إليه البصريّون (3)في مثل المثال المذكور، ومنه: «ضربي زيدًا قائمًا»، أي: ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كان قائمًا.
و نقل عن الكوفيّين (1): أنّ ذا الحال في هذا المقام هو معمول المصدر، والعامل فيه المصدر الّذي هو مبتدأ، و خبر المبتدأ مقدّرٌ بعد الحال وجوبًا، والتقدير في المثال المذكور: ضربي زيدًا قائمًا حاصلٌ .
والمنقول عن الأخفش (2): أنّ صاحب الحال هو الّذي أضيف إليه الخبر المحذوف، والتقدير هكذا: ضربي زيدًا ضربه قائمًا، أي : ما ضربي إيّاه إلّا هذا الضرب المقيّد. وهكذا في: «أكثر شربي السويق مَلتُوتًا»، أي : أكثر شربي السويق شربي إيّاه ملتوتًا.
وقال نجم الأئمّة :
والّذي يظهر لي أنّ تقديره بنحو: ضربي زيدًا يلابسه قائمًا، إذا أردت الحال عن المفعول في المعنى، و ضربي زيدًا يلابسني قائمًا، إذا كان عن الفاعل في المعنى، أولى (3).
ثمّ نقول: حذف المفعول الّذي هو ذو الحال، فبقي: «ضربي زيدًا يلابس زيدًا»، ويجوز حذف ذي الحال على ما ورد مع قيام القرينة، تقول: «الّذي ضربت قائمًا زيدًا»، أي : ضربته، ثمّ حذف «يلابس» الّذي هو خبر المبتدأ والعامل، وقام الحال
1) . نقله عنهم ابن الحاجب في الإيضاح : 1 / 163 ؛ والرضيّ في شرحه على الكافية :1/278؛ والجاميّ في الفوائد الضيائيّة: 100.
2) . نقله عنه الرضيّ في شرحه على الكافية : 1 / 277 ؛ وابن هشام في أوضح المسالک: 46،ومغني اللبيب: 2 / 615 ؛ والجاميّ في الفوائد الضيائيّة: 100؛ والسيوطيّ في همع الهوامع :1/ 396، والأشباه والنظائر: 4 / 280.
3) . شرح الرضيّ على الكافية : 1 / 280 .
مقامه، كما تقول: «راشدًا مهديًّا»، أي: سر راشدًا مهديًّا، وهذا أولى ممّا ذكروه.
قوله : والمذكورة للتوبيخ نحو: أقاعدًا وقد قام الناس .
قوله: « والمذكورة » عطفٌ على المؤكّدة في قوله : « لعامل المؤكّدة »، أي : كعامل الحال المذكورة للتوبيخ، والتقدير: أتوجد قاعدًا وقد قام الناس، فتحذف عامل الحال - وهو : « توجد » - وجوبًا .
ولعلّ السرّ في وجوب الحذف إرادة المتكلّم الفراغ من الكلام سرعة؛ لأن ينبّه المخاطب على فعله الّذي استحقّ به التوبيخ عجولاً ليتركه (1).
قوله : أو بيان زيادة أو نقص بتدريج، كتصدّق بدينارٍ فصاعدًا.
قوله : « أو بيان » عطفٌ على « التوبيخ » في قوله : « للتوبيخ »، والتقدير: أي كعامل الحال المذكورة لبيان زيادة إلى آخره، كما تقول: «أخذته بدرهمٍ فصاعدًا».
اعلم : أنّ هذا إنّما يكون إذا كان الشيء ذا أجزاء اشترى بعضها بدرهم وبعضها بأكثر، كما صرّح به ابن الحاجب في إيضاح المفصّل، ونجم الأئمّة، وشارح اللباب (2).
ثمّ اعلم : أنّ مثل هذه العبارة متكرّرٌ في الكتب والألسنة، ولا يجوز أن يكون «صاعدًا» حالاً عمّا قبله؛ لوجود الفاء، ولفساد المعنى.
أمّا الأوّل فظاهر بعضهم (1)والحال لا تدخله الفاء، لا سيّما إذا كان مفردًا.
وأمّا الثاني فلأنّه ليس المعنى: أخذته بدرهم في حال كونه صاعدًا، ولا يجوز أن يكون عطفًا على ما قبله؛ إذ المذكور قبله: الفاعل والمفعول والدرهم، ولايصحّ عطفه على شيء منها.
أمّا عدم جوازه على الفاعل فلعدم الموافقة في الإعراب أوّلاً، ولفساد المعنى ثانيًا؛ لأنّ الصاعد ليس أخذًا حتّى يصحّ عطفه على الفاعل الّذي هو أخذ، وأمّا عدم جواز العطف على المفعول فلأنّه وإن توافق إعرابهما، إلّا أنّه يفسد المعنى معه؛ إذ ليس الغرض أنّک أخذت المثمّن والصاعد؛ لأنّ الصاعد هو الثمن، لا المثمّن.
وأمّا عدم جواز العطف على «درهم» فلعدم الموافقة في الإعراب أوّلاً، وعدم صحّة المعنى معه ثانيًا؛ لأنّه ليس المراد: أنّک أخذت المثمّن بدرهم والزائد، بل المراد: أنّک أخذت بعضه بدرهم و بعضه بأكثر، ولو كان عطفًا على الدرهم لكان مأخوذًا بدرهمٍ وزائدٍ جميعًا.
وأيضًا الفاء مانع من ذلک؛ لأنّه يؤذن بالتعقيب، و بعض الثمن لا يكون باعتبار كونه ثمنًا عقيب بعض، بل التقدير: فذهب الثمن في البعض الآخر صاعدًا، ولهذا قالوا: إنّ « صاعدًا » حالٌ لعاملٍ محذوف، وقدّروا في المثال المذكور - أي: في قولک: «أخذته بدرهم فصاعدًا» - أخذته بدرهم فذهب الثمن صاعدًا، فحذف
1) . لم نعثر عليه.
الفعل مع الفاعل، وأدخلت الفاء في الحال عادية (1)، وهي عاطفة، فيعطف هذه الجملة إلى الجملة المتقدّمة، وهي: «أخذته بدرهم».
قوله : «تصدّق بدينار فصاعدًا»، هذا مثالٌ للحال المذكورة لبيان زيادة بتدريج، والتقدير: تصدّق بدينارٍ فذهب المتصدّق به صاعدًا، في المثال من عطف الإخبار على الإنشاء.
قوله : واشتريته (2)بدينارٍ فسافلاً.
هذا مثالٌ للحال المذكورة لبيان نقص بالتدريج، والتقدير: اشتريته بدينار فانحطّ الثمن سافلاً.
قوله : و هو قياس .
أي: حذف عامل الحال في هذه المواضع قياسيّ، فيجوز لكلّ أحدٍ في هذه المواضع حذفه.
قوله : وكهنيئًا لک .
اعلم: أنّ « هنيئًا » اسم فاعل من: هَنِئَ، كعَلِيم من عَلِمَ، أو من هَنُؤَ، كشَرِيف من شَرُفَ، والتقدير في المثال المذكور: هناک الخير هنيئًا، حذف العامل مع فاعله وأقيم الحال مقامه - أي : قدّم على المفعول - فاستعمل المفعول مع اللام، فصار : هنيئًا لک، و على هذا يكون الحال في المثال مؤكّدة.
قوله : و هو سماع .
ونقل عن سيبويه أنّه مقيس عنده يقال لكلّ من لازم صفة، هكذا نقل (1).
والظاهر أنّ المراد بالصفة الصفة الممدوحة .
قوله : الأصل في الحال أن يكون (2)جائزة الحذف .
لمّا بيّن المصنّف حال العامل من حيث الحذف، أراد الشارح أن يبيّن حال الحال نفسها في ذلک، فقال: «والأصل في الحال أن يكون جائزة الحذف».
وذلک لأنّها فضلة، والأصل في كلّ فضلة جواز الحذف؛ لعدم كونها جزءًا للكلام، لكن وقد يعرض لها ما يمنع من ذلک - أي: من جواز الحذف - فيخرج عن مقتضى الأصل بسبب ذلک المانع، فلا يحذف حينئذ.
وذلک كما ذكره من كون الحال جوابًا، كما إذا سئلت: كيف جئت ؟ تقول في الجواب: راكبًا أو ماشيًا، ولا يجوز حذف الحال حينئذ؛ لاستلزامه بقاء السؤال من غير جواب.
نعم، حذف عاملها جائز، فيجوز لک أن تقول: راكبًا أو ماشيًا، كما يجوز عدم الحذف أيضًا بأن تقول : جئت راكبًا، أو جئت ماشيًا.
قوله: نحو: لم أعده إلّا حرضًا.
«الحرض» ككتف، كما في القاموس (3): (المشرف على الهلاک)، ويستوي فيه
المفرد والجمع والمؤنّث. وفي القاموس: (قد يجمع على: أحراض وحرضان وحرضة)(1).
و في كثير من النسخ: «إلّا خرصًا» بالخاء المعجمة والصاد المهملة، وعلى الأوّل يكون: « لم أعد » من باب الإفعال، وقد مرّ معنى المثال عليه، و على الثاني من: « عدّ يعدّ » من باب: « مدّ يمدّ » من التعداد، و معناه حينئذٍ: لم أعدّه إلّا تخمينًا.
ولعلّ وجه عدم جواز حذفها حينئذٍ لأنّه مع الحذف لم يعلم المحصور عن غيره.
قوله : أو نائبة عن الخبر نحو : ضربي زيدًا قائمًا.
والشاهد في: «قائمًا»، فإنّه حالٌ نائبٌ مناب الخبر، والأصل: ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كان قائمًا، على أحد الأقوال، حذف عامل الحال لوجود القرينة على حذفه، ثمّ الخبر، فأنيب الحال عنه، فصار: ضربي زيدًا قائمًا.
و وجه عدم جواز حذف الحال حينئذٍ لاستلزامه الحذف في النائب والمنوب عنه معًا، وهو غير جائز .
قوله : ( لاَ تَقْرَبُوا الصَلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) (2).
والشاهد في : ( وأنتم سكارى )؛ إذ هي في موضع الحال، ولا يجوز حذفها؛ لكونها منهيًّا عنها، فلو حذف لم يعلم متعلّق النهي.
[ التمييز ]
اسم بمعنى من مبيّن نكره *** ينصب تمييزًا بما قد فسّره
هذا باب التمييز
وهو والمميّز والتبيين والمبيّن والتفسير والمفسّر بمعنى واحد.
(اسم بمعنى مِن مبيّن) لإبهام اسم أو نسبة (نكرة ينصب تمييزًا)، فخرج بالقيد الأوّل الحال، وبالثاني اسم لا، ونحو :
أستغفر الله ذنبًا ...
وقد يأتي التمييز غير مبيّن فيعدّ مؤكّدًا نحو: (إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا)، وقد يأتي بلفظ المعرفة نحو :
.................... وطبت النفس يا قيس عن عمرو
فيعتقد تنكيره معنًى، ونصبه (بما قد فسّره) في تفسير الاسم، وبالمسند من فعل أو شبهه في تفسير النسبة.
هذا والاسم المبهم الّذي يفسّره التمييز أربعة أشياء، العدد ك- : (أحد عشر كوكبًا)، ولا يجوز جرّ تمييزه، والمقدار وهو مساحة،
كشبرٍ أرضًا وقفيزٌ بُرّا *** ومنوين عسلاً وتمرا
(كشبرٍ أرضًا، و) كيل نحو: (قفيز بُرًّا، و) وزن نحو: (منوين عسلاً وتمرًا)، وما يشابه المقدار نحو: (مثقال ذرّة خيرًا يره)، وفرع التمييز نحو: خاتمٌ حديدًا.
وبعد ذي ونحوها اجرُره إذا *** أضفتها ك- : مُدُّ حِنْطَة غذا
(وبعد ذي) الثلاثة المذكورة في البيت (ونحوها) كالّذي ذكرته بعد (اجرره إذا أضفتها) بعامل المضاف إليه (كمدّ حنطة غذا)، و (لا تحقر ظُلامة ولو شبر أرض)، ويجوز أيضًا جرّه بمِن كما سيذكره، ورفعه على البدل.
والنصب بعد ما أضيف وجبا *** إن كان مثل: ملء الأرض ذَهَبا
(والنصب) للتمييز الواقع (بعد ما) أي: مبهم (أضيفا) إلى غيره (وجب إن كان) المميّز لا يغني عن المضاف إليه، (مثل: مل ء الأرض ذهبًا)، فإن أغنى نحو: هو أشجع الناس رجلاً، جاز الجرّ، فتقول: هو أشجع رجل.
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا *** مفضّلاً ك- : أنت أعلى منزلاً
(و) التمييز (الفاعل) في (المعنى انصبت بأفعلا) الكائن (مفضّلاً ك- : أنت أعلى منزلاً)؛ إذ معناه: أنت علا منزلک، بخلاف غيره فيجب جرّه به، كزيدٌ أكمل فقيه.
وبعد كلّ ما اقتضى تعجّبا *** ميّز ك- : أكرم بأبي بكر أبا
(وبعد كلّ ما اقتضى تعجّبًا)، سواء كان بصيغة ما أفعله، أو افعل به، أم لا (ميّز) ناصبًا (كأكرم بأبي بكر أبا)، ولله درّه فارسًا، وحسبک بزيد رجلاً، وكفى به عالمًا، و :
.................... يا جارتا ما أنت جارة
واجرر ب-: من إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى كطب نفسًا تُفَد
(واجرر ب-: من) التبعيضيّة (إن شئت) كلّ تمييز (غير) أشياء: التمييز (ذي العدد) أي: المفسّر له كما تقدّم (و) التمييز (الفاعل) في (المعنى) إن كان محوّلاً عن الفاعل صناعة (كطب نفسًا تُفَد)، أو عن مضاف نحو: زيدٌ أكثر مالاً، والمحوّل عن المفعول نحو: غرستُ الأرض شجرًا.
وعامل التمييز قدّم مطلقا *** والفعل ذو التصريف نزرًا سبقا
(وعامل التمييز قدّم مطلقًا) عليه اسمًا كان أو فعلاً جامدًا أو متصرّفًا (والفعل ذو التصريف نزرًا سُبِقا) - بضمّ أوّله - بالتمييز كقوله :
.................... وما كان نفسًا بالفراق تطيب
وقوله :
أنفسًا تطيب بنيل المُنى ....................
وقاس ذلک الكسائيّ والمبرّد والمازنىّ، واختاره المصنّف في شرح العمدة.
**
قوله: وهو والمميّز والتبيين والمبيّن والتفسير والمفسّر بمعنى.
اعلم: أنّ التمييز لمّا كان في الأصل مصدر «ميّز» إذا أخلص شيء (1)من شيء وفرق بين المتشابهين (2)، ولم يكن هذا مرادًا هنا؛ لأنّ المراد بالتمييز عندهم هو
الاسم المميّز، أراد الشارح أن ينبّه عليه فقال: « وهو - أي التمييز - والمميّز » إلى آخره، يعني: أنّ المصدر في هذه المواضع بمعنى اسم الفاعل (3).
قوله : لإبهام اسم أو نسبة .
اعلم: أنّ التمييز على قسمين: قسمٌ يرفع الإبهام عن ذات، والآخر يرفع الإبهام عن النسبة.
والأوّل كقولک : «عندي مَنَوان عسلاً»، فإنّ «عسلاً» فيه تمييز، يرفع الإبهام عن ذات «منوان»، فإنّ ذاته غير معلومة، فتكون مبهمة، فرفعت إبهامه بقولک : «عسلاً»، وهو الّذي أشار إليه بقوله: «لإبهام اسم».
والثاني - أي: الّذي يرفع الإبهام عن النسبة - كقولک: «طاب زيدٌ نفسًا»، فإنّ «طاب» معناه معلوم، وكذا «زيد»، لكنّ الإجمال عرض باعتبار نسبة الأوّل إلى الثاني، أي: باعتبار متعلّق المنسوب، فرفعت الإبهام بقولک: «نفسًا»، أي: طيبوبة زيد من حيث النفس، وهذا هو الّذي أشار إليه بقوله: «أو نسبة».
وهذا - أي: ما يرفع الإبهام عن النسبة - أعمٌّ من أن يكون تلک النسبة في الجملة كما مرّ، أو في اسم الفاعل بالنسبة إلى فاعله، كما تقول : « زيدٌ كاملٌ علمًا»، أو اسم المفعول بالنسبة إلى مرفوعه، كما في قولک: « الأرض مفجرة عينًا »، أو في أفعل التفضيل بالنسبة إليه أيضًا، كما في قوله تعالى: ( أَنَا أَكْثَرُ مِنْکَ مَالاً ) (1)، أو في الصفة المشبّهة بالنسبة إليه أيضًا، نحو: « زيدٌ حسنٌ أبًا »، أو في المصدر نحو : «زيد أعجبني طيبه أبًا».
وقوله : « أو نسبة » شاملٌ لجميعها، فعلى هذا قوله أوّلاً: « لإبهام اسم » الاسم فيه يقابل ما ذكر، فيكون المراد من الاسم هنا ما يقابل النسبة، أي: الذات.
قوله : فخرج بالقيد الأوّل الحال .
أراد بالقيد الأوّل قوله: « بمعنى مِنْ »، و خروج الحال به لكونها بمعنى «في»؛ لأنّ قولک: « جائني زيدٌ راكبًا » أي: جائني في حال ركوبه.
1) . سورة الكهف : 34 .
اعلم : أنّ « اسم » في قول المصنّف : « اسم بمعنى مِنْ » شاملٌ لجميع الأسماء، مبتدأ كان أو خبرًا، فاعلاً كان أو مفعولاً، حالاً كان أو تمييزًا أو صفة، وهكذا. وتقييده بمعنى «مِنْ» كما يخرج الحال عن التعريف، كذا يخرج غيرهما أيضًا من المبتدأ والخبر والفاعل و غيرها، فتخصيص الإخراج به للحال لا وجه له، إلّا أن يدّعى أنّ غير الحال كان عدم دخوله في البيت معلومًا، فلا يحتاج إلى الإخراج، فتأمّل.
ثمّ إنّ في المقام إشكالاً، وهو أنّ الاسم إذا كان متضمّنًا معنًى من معاني الحروف وجب بناؤه كما عرفت في أوّل الكتاب (1)، فعلى هذا لو كان التمييز
بمعنى «مِن» لِمَ لم يبيّن؟
والجواب: أنّه ليس المراد من قوله: « اسم بمعنى مِنْ » أنّ التمييز متضمّن معنى «من»، وإلّا لوجب بناؤه، ولا أنّ التمييز هو متّحد مع «من» في معناه، وإلّا يلزم الترادف بين الاسم والحرف، وهو فاسد؛ لأنّ الاسم هو الدالّ على معنًى مستقلّ في نفسه، والحرف هو الدالّ على معنًى غير مستقلّ، ومعلومٌ أنّ أحدهما نقيضٌ للاخر، فكيف تكونان مترادفين ؟!
بل المراد من قوله: « اسم بمعنى مِن » أنّ الاسم الّذي يكون مشتركًا مع «مِنْ» في إفادة معناه إلى آخره هو تمييز .
توضيح المقام: هو أنّ المراد ب- «من» في المقام هو «من» البيانيّة، و «من» البيانيّة إنّما يؤتى لبيان المبهم، أعني: إذا كان في اسمٍ إبهامٌ وأريد رفع إبهامه ب-
1) . ينظر: الحلية اللامعة: 1 / 214.
«من»، وهناک يؤتى ب- «من»، وفائدتها أنّ المراد من الاسم المبهم مجرورها، كما في قوله تعالى: ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَْوثَانِ ) (1)، فإنّ المراد من «الرجس» هنا
غير معلوم، فجيء ب- «من» البيانيّة، فيعلم منها أنّ المراد من الاسم المبهم هو مجرور «مِن»، ف- «مِن» البيانيّة آلةٌ للتوصّل إلى المراد بالمبهم.
وأمّا التمييز فهو وإن اشترک مع «من» هذه في رفع الإبهام في الجملة، لكن فرق بين الرفعين في المقامين، وهو أنّ التمييز يرفع الإبهام بمعنى نفسه بأن يكون المراد من الاسم المبهم هو معنى التمييز نفسه، بخلاف «مِن»، فإنّها ترفع الإبهام بالتنبيه على أنّ المراد من المبهم هو مجروره.
وبعبارة أخرى: أنّ التمييز يرفع الإبهام بمعناه نفسه، بخلاف «مِن»، فإنّها ترفع الإبهام بمعنى مجروره، أي: فتكون هي آلةٌ للتوصل إلى المراد بالمبهم، كما مرّ.
قوله : وبالثاني اسم «لا».
أي: خرج بالقيد الثاني اسم «لا» النافية للجنس، والمراد بالقيد الثاني هو «مبيّن لإبهام»؛ لأنّ قولک: « لا رجل في الدار » «رجلٌ» فيه وإن كان بمعنى «من»؛ لأنّه بتقدير: لا من رجل في الدار، إلّا أنّ « من » فيه ليست للبيان، بل للاستغراق (2).
لا يخفى عليک أنّ هذا قرينةٌ واضحةٌ على ما ذكرنا من أنّه ليس المراد من قوله : «اسم بمعنى من» أنّ ذلک الاسم بمعنى «من»، ألا ترى أنّ « رجل » في: « لا رجل
في الدار » ليس بمعنى «من».
وفي المقام نظر؛ لأنّ إخراج اسم « لا » بالقيد الثاني يدلّ على دخوله قبله، فعلى هذا يلزم أن يكون التمييز مبنيًّا لاسم «لا»؛ لأنّ بناء اسم «لا» إنّما هو لتضمّنه معنى «من»، كما صرّح به الشارح في مبحث: «لا» النافية للجنس و غيره أيضًا، فلو كان اسم «لا» داخلاً في حدّ التمييز قبل مجيء القيد الثاني يلزم أن يكون التمييز متضمّنًا معنى «من» أيضًا مثله، فيلزم على هذا بناؤه مع أنّ الأمر ليس كذلک.
فالأولى أن يقال: إنّ اسم « لا » خرج أيضًا بالقيد الأوّل؛ لأنّ اسم «لا» متضمّنٌ معنى «مِن»، والتمييز ليس كذلک كما عرفت مفصّلاً، فقوله: «اسم بمعنى مِن» بمنزلة قولک: اسم بمعنى «مِن»، لا بعنوان التضمّن.
ويمكن أن يقال: إنّ قوله: « اسم بمعنى مِن » يصدق على كلّ من التمييز واسم «لا»، وإن كان كون اسم «لا» بمعنى «من» بعنوان التضمّن، بخلاف التمييز، فلهذا أخرجه بالقيد الثاني.
قوله: و نحو : استغفر الله ذنبًا .
أي: خرج بالقيد الثاني أيضًا نحو: « استغفر الله ذنبًا »، والمراد بنحو: «استغفر الله ذنبًا» كلّ مفعول ثان يصحّ معه تقدير « مِن »، كما تقول: استغفر الله من ذنب، لكن «مِن» فيه ليس للبيان، بل للابتداء على ما قيل (1)من أنّ الشاعر كأنّه أراد
1) . قائله الأزهريّ في شرح التصريح: 1 / 617.
الاستغفار ابتداءً منه بالجانب المتناهي، وهو الأوّل (1)، وترک الجانب الأعلى الّذي
لا يتناهى؛ لكونه غير محدود، فكأنّه قال: استغفر الله مبتدئًا من أوّل الذنوب إلى ما لا يتناهى.
وقوله : « نحو: استغفر الله ذنبًا » صدرُ بيت، و هو هذا :
استغفِر اللهَ ذَنْبًا لَستُ أحصيه (2)*** ربَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعَمَلُ (3)
التركيب : « استغفر » فعل، « الله » مفعوله الأوّل، و « ذنبًا » مفعوله الثاني، وجملة: « لست أحصيه » صفةٌ ل- «ذنبًا». « ربّ العباد » بدل ل- «الله»، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، وأن يكون صفة ل- «الله». « إليه » خبرٌ مقدّم، «الوجه» مبتدأ مؤخّر، و « العمل » عطف عليه، و «الوجه» إمّا بمعناه المعلوم، فحينئذٍ يكون المراد: أنّ وجهنا إليه لغفران ذنوبنا ولغيره، أو بمعنى التوجّه، وباقي المعنى واضح.
قوله: وقد يأتيالتمييز غير مبيّن - إلى قوله تعالى - (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)(4).
لمّا ظهر أوّلاً أنّ التمييز هو المبيّن للإبهام، أراد الشارح أن ينبّه أنّه ليس على
1) . في « س » : و هو الابتداء .
2) . في بعض المصادر : مُحصِيه .
3) . هذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين الّتي لا يعرف قائلها، كما في خزانة الأدب: 3/107.وقال الشريف المرتضى في أماليه: أنشد هذا البيت الفرّاء ( ينظر: معاني القرآن، للفرّاء :1/233 ؛ وتفسير مجمع البيان: 7 / 466 ). وبلا نسبة في الكتاب لسيبويه : 1 / 37 ؛ وأوضحالمسالک: 140 ؛ وشرح التسهيل: 2 / 293 ؛ والأشباه والنظائر: 2 / 171 ؛ والدرر: 2 / 260 ؛والمقاصد النحويّة: 3 / 226 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 46 ؛ وشرح التصريح: 1 / 617 ؛ وهمعالهوامع: 3 / 13.
4) . سورة التوبة : 36 .
عمومه؛ إذ ( شهرًا ) في قوله : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ) تمييز، مع أنّه ليس بمبيّن؛ لأنّ البيان فرع الإبهام، وليس فليس؛ إذ معنى ( شهرًا ) يعلم من قوله تعالى: ( إِنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ )، فيكون ذكر ( شهرًا ) لأجل التوكيد.
ويمكن أن يقال: إنّ « ذنبًا » في البيت السابق - أي قوله : «استغفر الله ذنبًا» - من هذا القبيل؛ لأنّه يعلم من قوله: «استغفر الله»؛ لأنّ الاستغفار لا يكون إلّا للذنب.
قوله : و قد يأتي بلفظ المعرفة .
لمّا ذكر المصنّف أنّ التمييز نكرة، كان لسائل أن يقول: إنّه ليس على إطلاقه؛ لأنّ «النفس» في قول الشاعر « نحو: طبت النفس » تمييز مع أنّها معرفة باللام، أراد الشارح الجواب عن هذا فقال: « و قد يأتي بلفظ » إلى آخره، يعني: أنّ لفظ «النفس» في البيت وإن وقع معرفة، لكنّه منكّرًا معنًى؛ لما عرفت في مبحث : «المعرّف بأداة التعريف» أنّ اللام في « النفس » في البيت زائدة، وقد أوضحنا هناک تركيب البيت و معناه، من أراد الاطّلاع فليرجع إليه (1).
ثمّ لا يخفى أنّ ما مرّ من كون التمييز نكرة هو ما ذهب إليه البصريّون، والمحكيّ عن الكوفيّين تجويز وقوعه معرفة أيضًا (2).
حجّة الأوّلين أوجه :
الأوّل : القياس على الحال، و قد عرفت أنّها نكرة، فكذا التمييز؛ لاشتراكهما في رفع الإبهام.
والثاني : هو أنّ المقصود من التمييز رفع الإبهام، و هو حاصل بالنكرة، فيضيع التعريف.
والثالث : أنّ النكرة أصل والمعرفة فرع، والعدول عن الأصل من غير دليل غير جائز.
وحجّة الأخرى - أي: الكوفيّين - : قوله تعالى: ( إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (1)، فإنّ المراد: إلّا من سفه نفسًا، ولا يجوز أن يكون ( نفسه ) مفعولاً؛ لأنّ «سفه» لازم.
وأجيب : أنّ ( نفسه ) منصوبٌ بنزع الخافض، أي: في نفسه، أو بتضمين سفه معنى الجهل، أي : جهل نفسه (2).
قوله: في تفسير الاسم .
لمّا عرفت أنّ التمييز على قسمين، أراد في المقام التنبيه على ناصبه، فقال: إنّ الناصب في التمييز المفسّر للاسم هو الاسم المفسّر المبهم، و هو: «رطل» في قولک: «عندي رطلٌ زيتًا»، هكذا قالوا (3).
لكن يرد الإشكال في أنّه كيف يجوز إعمال هذا الاسم مع أنّه جامد ؟
أجيب (4): بأنّه شبيه باسم الفاعل؛ لأنّه طالب له في المعنى؛ لأنّ «عشرين درهمًا» شبيه ب- «ضاربين زيدًا»، و «رطل زيتًا» شبيه ب- «ضارب عمرًا» في
الاسميّة والطلب المعنويّ و وجود ما به التمام و هو النون في الأوّل والتنوين في الثاني.
وفي الجواب نظر؛ لأنّه لو كان الأمر كذلک لكان الاسم المفسّر المبهم فرعًا لاسم الفاعل في العمل، و هو غير جائز؛ لأنّ اسم الفاعل لا يعمل في المفعول به إلّا بشرط كونه للحال أو الاستقبال، واعتماده على أحد الأمور الخمسة الّتي يجيء في مبحث اسم الفاعل إليها الإشارة، والاسم المفسّر المبهم هنا يعمل في التمييز من غير شرط، فيلزم مزيّة الفرع على الأصل.
وقيل (1): إنّه يعمل في التمييز لشباهته بالفعل، بيانها: هو أنّ هذا الاسم المبهم يتمّ إمّا بالتنوين، وهو إمّا مذكور نحو: « عندي رطلٌ زيتًا »، أو مقدّر نحو: «خمسة عشر رجلاً»، فإنّ أصله : خمسة وعشرة، وإمّا (2)بنون التثنية والجمع أو بما (3)يشبه نونيهما نحو: «مَنَوان سمنًا» و «عشرين رجلاً» مثلاً، وإمّا بالإضافة كما يجيء في: « ملأ الأرض ذهبًا ».
و معنى تمام الاسم: أن يكون على حالة لا يمكن معها الإضافة، ومعلومٌ أنّ الاسم مع الأشياء المذكورة غير متمكن (4)إضافته، أمّا مع الثلاثة الاُوَل فظاهر،
وأمّا الإضافة فلأنّ المضاف لا يضاف ثانيًا، فإذا تمّ الاسم بهذه الأشياء شابه الفعل إذا تمّ بالفاعل وصار به كلامًا تامًّا، فيشابه التمييز الآتي بعده المفعول؛ لوقوعه بعد
تمام الاسم، كما أنّ المفعول حقّه أن يكون بعد تمام الكلام، فينصبه ذلک الاسم التامّ قبله، لمشابهته الفعل التامّ بفاعله .
وهذه الأشياء الّتي تمّ بها الاسم إنّما قامت مقام الفاعل الّذي به يتمّ الكلام؛ لكونها في آخر الاسم، كما أنّ (1)الفاعل عقيب الفعل، ألا ترى أنّ لام التعريف وإن
كان يتمّ بها الاسم فلا يضاف معها لا ينتصب التمييز عنه، فلا يقال: عندي الراقود خلا.
قوله : وبالمسند من فعل أو شبهه في تفسير النسبة .
لمّا كان ظاهر إطلاق كلام المصنّف موهمًا أنّ التمييز منصوبٌ بما يفسّره، سواء كان في تفسير الاسم أو النسبة، ولم يكن الأمر كذلک؛ لأنّ المفسّر في قولک : «طاب زيد نفسًا» هو النسبة، والعامل في التمييز هو الفعل في المثال المذكور، لا النسبة، أراد الشارح أن ينبّه على ذلک، فخصّص قوله: «بما قد فسّره» بالتمييز الرافع للإبهام عن الاسم، ثمّ عطف قوله: « وبالمسند من فعل أو شبهه » إلى آخره على قوله: «بما قد فسّره» تنبيهًا على ناصب كلا القسمين من التمييز.
والمراد بشبه الفعل هنا هو اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة وأفعل التفضيل والمصدر، وقد عرفت الجميع.
قوله : ك- ( أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا ) (2).
إنّما أتى بهذا تنبيهًا على أنّ ما قبله غير منصوب تمييزه، بل مجرور مجموع،
تقول: « عشرة رجال » وهكذا، فيعتبر في نصب التمييز تجاوز اسم العدد عن العشرة ولم يبلغ المائة، أي: إلى تسعة وتسعين، وأمّا مع التجاوز فيجرّ أيضًا.
ثمّ إنّ العدد على قسمين: عدد صريحًا، وهو الّذي مثّل له بقوله: ( أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا)، و عدد كناية، و ذلک كما في « كم » الاستفهاميّة والخبريّة و غيرهما، تقول: «كم درهمًا مالک؟» في الأوّل، و « كم في الدار رجلاً » في الثاني، ونحو : عندي كذا درهمًا [ في الثالث ]، فإنّ « كم » في الأوّل والثاني وكذا في الثالث كناية عن العدد.
وإنّما مثّلنا ل- «كم» الخبريّة بقولنا: « كم في الدار رجلاً » بفصل المجرور بين «كم» وتمييزها؛ لأنّه عند عدم الفصل بينهما تجرّ التمييز، تقول: « كم رجلٍ في الدار».
ثمّ اعلم : أنّ التمييز في الأوّل - أي: في العدد الصريح الّذي مرّ، أي: من أحد عشر إلى تسعة وتسعين - يجب أن يكون مفردًا منصوبًا، كما مرّ في قوله: ( أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا )، وتقول: « رأيت أحد عشر رجلاً »، وهكذا.
وأمّا قوله تعالى: ( اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا ) (1)، حيث إنّ « أسباط » جمعٌ مع أنّ
1) . سورة الأعراف : 160 .
العدد فيه صريح، فليس ( أسباطًا ) فيه تمييز، والتمييز محذوف، والتقدير: الله يعلم اثنتي عشرة فرقةً أو أمّةً، و ( أسباطًا ) بدلٌ منه.
وأمّا التمييز في الثاني - أي: في العدد غير الصريح - فهو في غير «كم» الخبريّة مفردٌ وجوبًا أيضًا، لكن في هنا يجب نصبه أيضًا، بخلاف « كم » الاستفهاميّة، فإنّ النصب في تمييزها غير واجب، بل أكثريّ، و يجوز الجرّ أيضًا، تقول: «كم رجلٍ لقيت».
وأمّا في تمييز « كم » الخبريّة فلا يجب في تمييزها الإفراد، تقول: «في الدار رجلاً»، و « كم في الدار رجالاً »، وأمّا النصب فواجب.
قوله : و لا يجوز جرّ تمييزه .
أي: العدد، والمراد به العدد الصريح؛ لأنّه لم يذكر غيره، وأمّا العدد المكني فقد عرفت التفصيل فيه، لا مطلق العدد الصريح أيضًا، بل من أحد عشر إلى تسعة وتسعين؛ لما عرفت .
وإنّما لا يجوز جرّ التمييز فيما ذكره؛ لأنّ جرّ التمييز إمّا بإضافة المميّز إليه، أو
ب- «مِن»، وكلاهما هنا غير جائز، أمّا الأوّل فلأنّ من العدد الّذي يجب نصب مميّزه هو ما كان فيه النون، كعشرين وثلاثين وأربعين وخمسين، قال ابن الحاجب :
هذه الأسماء لا تجوز إضافتها ألبتّة، لا إلى تمييزه ولا إلى غيره، وإذا تعذّر إضافته إلى غير تمييزه مع مسيس الحاجة في المعنى إليه كان تعذّر إضافته إلى التمييز الّذي يمكن استغناء الإضافة عنه أجدر (1).
وقال :
وبيان تعذّر الإضافة هو أنّها لو أضيفت لم تخل (2)إمّا أن تثبت فيه النون أو تحذف، فلو ثبتت لثبتت نون يشبه (3)نون الجمع المحقّق، فكما أنّ نون الجمع المحقّق لايثبت (4)فكذلک المشبّه به، ولو حذفت لحذف (5)نون ليست في الحقيقة نون الجمع، فكرهوا الإضافة؛ لأدائها إلى أحد من الأمرين (6)، فالتزموا في تمييزها (7)النصب (8). انتهى.
و بمثله قال نجم الأئمّة و شارح اللباب (1)، و لا يخفى حزازة ما ذكروه.
ثمّ إنّهم ما ذكروا لبيان عدم جواز الإضافة فيما إذا لم يكن اسم العدد مع النون ك- «أحد عشر رجلاً» - مثلاً - ويمكن أن يقال: إنّ ما لم يكن فيه النون من أسماء العدد الّتي ينصب تمييزها مشترکٌ مع ما فيه النون في نصب التمييز، فينبغي أن يكون مثله في عدم جواز الإضافة طردًا للباب .
وأمّا عدم جواز الثاني - أي: الجرّ ب- «من» - فلما قيل (2)من أنّ وضع «مِن» أن يفسّر بها و بمصحوبها اسم جنس سابق صالح لحمل ما بعدها عليه، نحو: ( أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) (3)؛ إذ يقال: أساور هي ذهب.
ولا يصحّ في تمييز العدد حمله على ما قبله؛ إذ لا يصحّ في: «رجلاً من عشرين رجلاً» ذلک؛ لأنّ العدد يدلّ على متعدّد، والتمييز مفرد، والكلام في تمييز العدد المنصوب، فلا يرد جواز جرّ ما دون أحد عشر ب- «من» غالبًا إذا كان اسم جنس أو اسم جمع، نحو : « عندي ثلاثة من البقر - أو : - من القوم ».
وأمّا قولهم في العدد المركّب: « أحد عشر من الدراهم »، وفي العقود : «وعشرون من الدراهم » ونحو ذلک، فليس المجرور ب- «مِنْ» تمييزًا اصطلاحًا؛ لأنّه معرفة؛ ولأنّه فرع المنصوب، وشرطه الإفراد. ومن ثمّ قالوا في : ( وَقَطَّعنَاهُم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا ) (4)أنّ ( أسباطًا ) بدلٌ ممّا قبله، والتمييز محذوف، أي :
فرقة، أو أمّة، كما تقدّم.
قوله : والمقدار وهو المساحة (1).
اعلم: أنّ المقدار ما يقدّر به الشيء، أي: يعرف به قدره، فعلى هذا العدد أيضًا قسمٌ من المقدار، لا من قسيمه كما جعله الشارح و غيره (2)، ولهذا عدّه ابن الحاجب وصاحب اللباب والمحقّقان من شرّاحهما (3)من قسم المقدار، لا من قسيمه.
ثمّ إنّ الشارح قسّم المقدار على ثلاثة أقسام: المساحة هذا، وهي لما له سطح كثير أرضًا وذراع نسجًا (4)، والكيل نحو : «قفيز بُرًّا»، والقَفِيزُ - كما في الصحاح والقاموس وغيرهما - : مكيال (5)، و هو ثمانية مكاكيک، و هي جمع: مَكُّوک، وهو ثلاث كَيْلَجات، والكيلجة: منّ و سبعة أثمان منّ، والمنّ رطلان، وكلّ رطل اثنتا عشرة أُوقِيَّة (6)، فيكون كلّ قفيز: خمسة وأربعون منًّا. والقسم الثالث من أقسام
1) . في المصدر : مساحة .
2) . ينظر: الارتشاف: 4 / 1627.
3) . ينظر: اللباب: 205 ؛ والإيضاح: 1 / 315 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية : 2 / 56 ؛ وشرحالكافية الشافية: 2 / 769 ؛ وشرح التصريح: 1 / 619.
4) . في شرح التصريح 1 / 619 : نسيجًا.
5) . ينظر: العين : 5 / 92 ؛ الصحاح : 3 / 892 ؛ لسان العرب : 5 / 395 ؛ القاموس المحيط :2/ 187 ؛ مجمع البحرين : 4 / 31 .
6) . ينظر: المصباح المنير : 2 / 537 ؛ والصحاح : 4 / 1609 ؛ والقاموس المحيط : 3 / 320 ؛ولسان العرب : 10 / 491 .
المقدار : الوزن، نحو : « منوين عسلاً ».
إذا عرفت ذلک ظهر لک أنّ قول الشارح: «وكيل» وكذا: «ووزن» عطفٌ على قوله: « و هو المساحة »، فيكونان من أقسام المقدار كما مرّ، لا أن يكون كلّ منهما قسيمًا له و قسمًا من قوله: « أربعة أشياء » في قوله : « والاسم المبهم الّذي يفسّره التمييز أربعة أشياء ».
قوله : و ما يشبه (1)المقدار .
هذا ثالث قسم من قوله : « أربعة أشياء »، فيكون عطفًا على قوله: «والمقدار»، أو على قوله : «العدد».
قوله : نحو : ( مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) (2).
فإنّ ( مثقال ذرّة ) يشبه المقدار في الوزن، وليس اسمًا لشيء يوزن به عرفًا.
ثمّ إنّ الشارح ذكر لِما يشبه المقدار مثالاً واحدًا، وهو ما يشبه المقدار في الوزن، والمناسب ذكر مشابهه في المساحة والكيل أيضًا، أمّا الأوّل فنحو قوله تعالى: ( لَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) (3)، فإنّ « مثل » شبيهٌ بالمساحة، وليس مساحة حقيقة، وإنّما هو دالّ على المماثلة من غير ضبط بحدّ .
وأمّا الثاني فنحو: « نِحْىٌ سَمْنًا » - بكسر النون وإسكان الحاء المهملة وبعدها ياء - اسم لوعاء السمن، وهو ما يشبه الكيل، وليس بكيلٍ حقيقة، ويكون كبيرًا
وصغيرًا، كما صرّح به بعض منهم (1).
قوله : وفرع التمييز نحو : خاتم حديدًا .
هذا القسم هو الرابع، عطف على ما عطف عليه سابقه، يعني: أنّ الاسم المبهم الّذي يفسّره التمييز أربعة أشياء :
الأوّل : العدد ك- ( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ) (2)، فإنّ الاسم المبهم فيه: ( أحد عشر ).
والثاني : المقدار، كما مرّ في الأقسام الثلاثة، أي : في الكيل والمساحة والوزن.
والثالث : ما يشبه المقدار، نحو: ( مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا ) (3)، فإنّ الاسم المبهم فيه :
(مثقال ذرّة ).
والرابع : الاسم المبهم الّذي يفسّره التمييز هو ما كان فرعًا من تمييز، نحو : «خاتم حديدًا»، فإنّ الاسم المبهم فيه: « خاتم »؛ إذ لا يعلم أنّه من حديد، أو من فضّة، أو من ذهب، ففسّره « حديدًا »، والاسم المبهم فيه - وهو: « خاتم » - فرع التمييز - أي: « حديدًا » - إذ هو مصوّغ منه، فيكون « حديدًا » هو الأصل، والخاتم فرعًا منه بهذا الاعتبار.
قوله: المذكورة في البيت.
وهي: المساحة والكيل والوزن.
قوله : بعامل المضاف إليه.
أي: التمييز الّذي يفسّر المساحة والكيل والوزن وما يشبه المقدار وفرع التمييز
يجوز جرّه بإضافة المميّز إليه بعد حذف ما يمنع من الإضافة كالتنوين، مذكورًا كان أو مقدّرًا، والنون.
قوله: « بعامل المضاف إليه » متعلّقٌ بقوله : « اجرُرْه »، أي: اجرره بعامل المضاف إليه، وهو إمّا المضاف، أو الحرف المقدّر، أو الإضافة، على الخلاف الّذي سيجيء إليه الإشارة في باب الإضافة .
وإنّما ذكر الشارح بعامل المضاف إليه بعد قول المصنّف : « إذا أضفتها » مع أنّک قد عرفت أنّه متعلّقٌ بقوله: « اجرره »، فالمناسب حينئذٍ ذكره مقدّمًا على قوله: «إذا أضفتها»؛ تنبيهًا على أنّ الجرّ إنّما هو بعد الإضافة، فينبغي أن يذكر عامله أيضًا بعد لفظ الإضافة المستفاد من قوله: « إذا أضفتها ».
قوله : و رفعه على البدل .
أي: الاسم المبهم، و معلومٌ أنّ ذلک إنّما هو ذلک الاسم، كما تقول: «عندي قفيز بُرّ»، و « هذا مَنَوان عسل »، و هكذا.
ثمّ إنّ ذكره جواز البدل في الرفع يشعر بعدم جواز البدل إذا كان المميّز (1)
منصوبًا، أو مجرورًا.
وأيضًا تخصيصُ جواز الجرّ في التمييز بإضافة المميّز إليه أو ب- «مِنْ» يدلّ على عدم جواز الجرّ بالبدل فيما إذا كان الاسم المميّز مجرورًا اما قول (2)امّا ما يشعر
كلامه من عدم جواز النصب على البدل إذا كان المميّز منصوبًا فينبغي أن يكون
الحكم كذلک؛ لأنّه لا يعلم أنّ نصب التمييز حينئذٍ على التمييزيّة، أو على البدليّة.
وأمّا ما يستفاد من كلامه من عدم جواز الجرّ بالبدليّة فهو غيرُ معلوم وجهه؛ لأنّه كما يجوز [ في ] : «عندي قفيز بُرّ» رفع «برّ» بأن يكون بدلاً، ينبغي أن يجوز جرّه أيضًا لذلک في قولک : «أمرتک بمِنوين عسل».
قوله : للتمييز الواقع .
إنّما ذكره ذلک تنبيهًا على أنّ قول المصنّف: «والنصب بعد ما أضيف وجبا» ليس على إطلاقه؛ لأنّ « بعد ما أضيف » يشمل المضاف إليه أيضًا، فيتوهّم وجوب نصب المضاف إليه فيما ذكره، بل مراده وجوب النصب للتمييز؛ لأنّ الكلام فيه؛ ولوضوح أنّ المضاف إليه لا يجوز نصبه فضلاً عن الوجوب.
قوله : إلى غيره .
والضمير يعود إلى : « تمييز » في قوله : « والنصب للتمييز »، لا إلى « مبهم »؛ لوضوح أنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه .
قوله : المميّز لا يغني عن المضاف إليه .
والمراد بإغناء المضاف عن المضاف إليه هو أنّه إذا حذف المضاف إليه وجعل التمييز مقامه بعد حذفه يستقيم المعنى، و بعدم إغناء المضاف عن المضاف إليه أنّه لم يكن كذلک كما في المثال المذكور، فإنّک لو قلت في ( مِلْءُ الاَْرْضِ ذَهَبًا ) (1):
ملء ذهب، لم يستقم المعنى، وإنّما يجب النصب للتمييز حينئذ؛ لأنّ الاسم
1) . سورة آل عمران: 91 .
المضاف يمتنع إضافته مرّة أخرى، فلا يجوز جرّه، هكذا ذكروه (1).
ولا يخفى عليک أنّ هذا إنّما يدلّ على عدم جواز الجرّ بالإضافة، ولا يلزم منه وجوب النصب؛ لاحتمال جواز جرّه ب- «مِنْ»، أو بالبدليّة إذا كان المميّز مجرورًا، ورفعه بها أيضًا إذا كان مرفوعًا.
قوله : بخلاف غيره، فيجب جرّه به، ك- : «زيد أكمل فقيه».
اعلم: أنّ التمييز الواقع بعد أفعل التفضيل لا يخلو إمّا أن يكون ذلک التمييز فاعلاً في المعنى، أو لا .
وعلامة الأوّل هي أنّه لو أبدل (2)أفعل التفضيل بالفعل من لفظه و جعل التمييز فاعله استقام المعنى، كالمثال المذكور في المتن، أي قوله: «ك- : أنت أعلا منزلاً»، فإنّه يمكن لک أن تقول: «أنت علا منزلک». ومثل هذا التمييز يجب نصبه.
والثاني - وهو أن لا يكون كذلک، أي: لا يكون التمييز فاعلاً في المعنى - علامته أن يكون أفعل التفضيل بعض التمييز، وأنّه لو جعل لفظ « البعض » موضعه وأضيف «البعض» إلى صيغة الجمع من لفظ التمييز يصحّ المعنى، كما في المثال الّذي ذكره الشارح، أي قوله: « زيدٌ أكملُ فقيه »، فإنّک لو قلت: زيدٌ كمل فقيه، لايصحّ المعنى، بخلاف ما لو قلت: زيدٌ بعض الفقهاء، فإنّ معناه صحيح لا شبهة فيه.
وهذا القسم من التمييز يجب جرّه، والضمير في قوله: «بخلاف غيره» يعود إلى : «التمييز الفاعل في المعنى».
قوله : سواء كان بصيغة ما أفعله و (1)أفعل به، أم لا .
والأوّل نحو قولک: « زيدٌ ما أحسنه أبًا »، والثاني نحو قولک: « زيدٌ ما أحسن به علمًا وبعلمٍ». و مثال قوله : « أم لا » فيما ذكره بعد ذلک، و هو قوله: «ولله درّک (2)
فارسًا»، و « حسبک بزيدٍ رجلاً »، و « كفى به عالمًا ».
أتى بهذه الأمثلة للتنبيه على أنّ ما ذكر يجري في كلٍّ من الاسم واسم الفعل والفعل، والأوّل للأوّل، والثاني للثاني، والثالث للثالث.
قوله : يا جارتا ما أنت جارة (3).
هذا مثالٌ للتعجّب الّذي يستفاد من اسم الاستفهام.
التركيب : « يا جارتا » أصله : يا جارتي، أبدلت كسرة التاء بالفتحة، فقلبت الياء بالألف، فصار: يا جارتا، و « ما » استفهاميّة مبتدأ، « أنت » خبره، و «جارة» تمييز، والشاهد فيها حيث وقعت بعد « ما » الّتي تفيد التعجّب، فيجب نصبها فيه.
1) . في المصدر: أو .
2) . في المصدر : درّه .
3) . عجز بيت وصدره: «بَانَتْ لِتُحْزِنَنَا عَفَارَه». ويروي بجعل الصدر عجزًا، والعجز صدرًا.والبيت للأعشى في ديوانه: 203 ؛ ومعجم مقاييس اللغة : 4/ 64 ؛ وخزانة الأدب : 3 / 289؛والمقاصد النحويّة: 3 / 638. وبلا نسبة في: شرح التسهيل: 2 / 294 ؛ وشرح الأشمونيّ :2/22 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية : 2 / 73 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 668 ؛ وشرح شذورالذهب: 1 / 335.
والمعنى : عظمت، كما يقال: زيد وما زيد، أي : شيء عظيم.
قيل (1): « ما » في البيت نافية، و « أنت » اسمها، و « جارة » خبرها، والمعنى :
أي: لست جارة، بل أنت أشرف من الجارة، فعلى هذا لا شاهد في البيت .
قوله : التبعيضيّة.
التقييد بذلک للردّ على مَن توهّم جواز جرّ التمييز ب- «مِن» الزائدة أيضًا؛ وذلک لما سيجيء من أنّ « مِن » لا تزاد في كلام الموجب إلّا عند الأخفش، ويجيء الكلام فيه.
قوله : كما تقدّم .
حيث قال: « والاسم المبهم الّذي يفسّره التمييز »، إلى أن قال: « العدد، ك- : ( أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا ) (2)، ولا يجوز جرّ تمييزه ».
قوله : إن كان محوّلاً عن الفاعل صناعة.
قوله : « صناعة » قيدٌ لقوله : « محوّلاً »، قيّد بذلک للتنبيه على أنّ الفاعل هنا ليس بمحوّل معنًى، بل تحويله في الصناعة فقط، وتحويل الصناعيّ هو تحويل الاسم عمّا يستحقّه من الإعراب في الاصطلاح، كقوله : «طب نفسًا»، فإنّ «نفسًا» فيه فاعل معنًى و محوّلاً عنه صناعة؛ لأنّ أصله: لتطب نفسک.
احترز بقوله: « إذا (3)كان محوّلاً عنه (4)صناعة » عن التمييز الّذي هو زيد
فاعل معنًى، ولم يكن محوّلاً عنه، كما في قولک : « لله درّه فارسًا »، فإنّ «فارسًا» فيه وإن كان فاعلاً معنًى؛ إذ المعنى: عظمت فارسًا - كما قاله ابن هشام و غيره (1)-
إلّا أنّه لم يحوّل عنه؛ لأنّه لم يكن فاعلاً صناعة حتّى يحوّل عنه .
قوله : أو عن مضاف، نحو: زيدٌ أكثر مالاً.
عطفٌ على قوله : « عن الفاعل »، والتقدير: والتمييز الفاعل في المعنى إن كان محوّلاً عن المضاف، نحو: زيد إلى آخره، فإنّ « مالاً » في المثال المذكور وإن كان فاعلاً معنًى؛ لأنّ المعنى: زيدٌ كثر ماله، لكنّه محوّلٌ عن المضاف؛ لأنّ الأصل: مال زيد أكثر، فحوّل المضاف وجعل تمييزًا، وأقيم المضاف إليه مقامه، وأعرب بإعرابه.
قوله : والمحوّل عن المفعول، نحو : غرست الأرض شجرًا.
عطفٌ على قوله : «والفاعل في المعنى»، أي: والتمييز المحوّل عن المفعول.
هذا قسمٌ ثالثٌ لقوله: «وانصب (2)ب- مِن إن شئت كلّ تمييز غير أشياء»،
وحاصل ما ذكره أنّ التمييز الّذي لا يجوز جرّه ثلاثة أشياء :
الأوّل: التمييز المفسّر للعدد .
والثاني: التمييز الفاعل في المعنى إذا كان محوّلاً عن الفاعل صناعة، أو عن
المضاف كما تقدّم.
والثالث : التمييز المحوّل عن المفعول، كما عرفت في: «غرست الأرض شجرًا»، فإنّ أصله : « غرست شجرًا في الأرض »، فحوّل المفعول عن المفعوليّة وجعل تمييزًا.
قوله : اسمًا كان أو فعلاً جامدًا أو متصرّفًا .
اعلم : أنّ المراد بالاسم هنا ما يعمّ الذات والصفات، فيشمل اسمي الفاعل والمفعول، والصفة المشبّهة، وأفعل التفضيل، والمصدر. وعدم جواز تقدّم التمييز عليها لكونها ضعيفة في العمل، فلا تعمل في المعمول المتقدّم، وكذا الكلام في الفعل الجامد.
وأمّا عدم جواز التقديم في الفعل المتصرّف فَلِما صرّح به جماعة (1)من أنّ
التمييز من حيث المعنى فاعلٌ للفعل نفسه، نحو: « طاب زيدٌ نفسًا »، أي: طاب نفس زيد، أو فاعلاً له إذا جعلته لازمًا نحو : ( فَجَّرْنَا الاَْرْضَ عُيُونًا ) (2)، أي :
انفجرت عيونها، أو إذا جعلته متعدّيًا نحو: « امتلأ الإناء ماءً »، أي: ملأ الماء، والفاعل لا يتقدّم على الفعل، فكذا ما هو بمعنى الفاعل.
وهذا التعليل يجري في غير مميّز الذات من الصفات والمصدر والفعل الغير المتصرّف أيضًا، واعترض نجم الأئمّة في المقام فقال :
وليست العلّة بمرضيّة؛ إذ ربّما يخرج الشيء عن أصله، و لا يراعي ذلک الأصل، كمفعول ما لم يسمّ فاعله، كان له ما (1)كان منصوبًا أن يتقدّم
على الفعل، فلمّا قام مقام الفاعل لزمه الرفع و كونه بعد الفعل، فأيّ مانعٍ أن يكون للفاعل أيضًا إذا صار في صورة المفعول: حكم المفعول من جواز التقديم (2). انتهى.
ولقائلٍ أن يدّعي التفصيل بأن يقول: إنّ الأصل للشيء لا يخلو إمّا أن يكون أعلى رتبة ممّا نقل ذلک الشيء إليه، أو لا، فإن كان من قبيل الأوّل لوحظ فيه الأصل؛ لكونه أعلا رتبة، وإن كان الثاني لم يلاحظ فيه الأصل، بل يلاحظ المنقول إليه؛ لكونه أعلى رتبةً من الأصل.
فعلى هذا نقول: إنّ التمييز من قبيل الأوّل؛ لما عرفت من أنّه فاعلٌ معنًى، ومعلومٌ أنّ الفاعل أعلى رتبة من التمييز، فيلاحظ فيه الفاعليّة، فيمنع من تقدّم التمييز على العامل.
وأمّا النائب عن الفاعل فإنّه من قبيل الثاني؛ لأنّ مرتبة الفاعليّة أعلى ممّا كان عليه من المفعوليّة، فلوحظ فيه رتبة الفاعليّة، فمنع من تقديمه على العامل وإن كان أصله لا يمتنع فيه ذلک.
هذا، ونقل عن بعضهم في وجه عدم جواز تقديم التمييز على العامل هو :
أنّ الأصل في التمييزات أن تكون موصوفات بما انتصب (1)عنه، سواء كان عن مفرد، أو عن نسبة، وكأنّ الأصل: عندي خل راقود، [ورجل مثله] وسمن منوان، وكذا كان الأصل في « طاب زيد نفسًا »: لزيد نفس طابت، وإنّما خولف بها لغرض الإبهام أو لا، ليكون أوقع في النفس؛ إذ(2)تتشوّق النفس إلى معرفة ما أبهم عليها، وأيضًا إذا فسّرته بعد الإبهام فقد ذكرته إجمالاً وتفصيلاً، وتقديمه ممّا يخلّ بهذا المعنى، فلمّا كان تقديمه يتضمّن إبطال الغرض من جعله تمييزًا، لم يجوّزوا (3)ذلک (4).
قوله: وَ مَا كَاد (5)نَفْسًا بالفِرَاقِ تَطيبُ.
أوّله: «أتَهْجُرُ لَيلَى بالفِراق حَبِيبَها» (6).
اللغة واضحة.
1) . في المصدر : انتصبت .
2) . في المصدر: لأنّه .
3) . في المصدر بدل «لم يجوّزوا ذلک»: لم يستقم.
4) . شرح الرضيّ على الكافية : 2 / 71 و 72 .
5) . في المصدر: كان .
6) . البيت للمُخَبَّل السعديّ في ديوانه: 290 ؛ والخصائص : 2 / 384 ؛ والدرر: 4 / 36 ؛والمقاصد للعينيّ: 3 / 235 ؛ ولسان العرب : 1 / 290 . وبلا نسبة في: الإنصاف: 2 / 682 ؛وشرح الألفية لابن الناظم: 139 ؛ وشرح التسهيل: 2 / 303 ؛ وشرح كتاب سيبويه للسيرافيّ :2 / 78 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل: 1 / 321 ؛ والمقتضب: 3 / 37 ؛ وشرح ابن عقيل :1/670 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 53 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 343.
التركيب: الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، أي: أتهجر، « تهجر » فعل، « ليلى » فاعله، « بالفراق » متعلّقٌ به، و « حبيبها » مفعوله، و « ما كاد » الواو عاطفة، «ما» نافية، «كاد» فعلٌ من أفعال المقاربة، الضمير فيه للشأن اسمه، و « تطيب » خبره، والضمير فيه ل- «ليلى».
وإنّما قلنا: الضمير في « كاد » للشأن؛ لأنّ « تطيب » خبره، والضمير فيه مؤنّث، فلا يجوز تذكير « كاد »؛ لعدم جواز تذكير الضمير في « كاد » مع تأنيث الضمير في خبره.
و « نفسًا » تمييز عن نسبة الطيب إلى «ليلى»، والشاهد فيها حيث قدّمت على العامل، و « بالفراق » متعلّقٌ ب- «تطيب»، أي: وما كاد الشأن تطيب ليلى نفسًا بالفراق.
ولا يخفى أنّ ما ذكر مبنيّ على تأنيث الضمير في « تطيب » على ما مرّ، وأمّا إذا ذكر الضمير فيه فيقرأ: يطيب، فحينئذٍ يصير البيت شاهدًا أيضًا لتقدّم التمييز على العامل، فيكون الضمير في « كاد » للحبيب، وكذا في « يطيب »، أي: ما كاد الحبيب يطيب بالفراق نفسًا.
وفي بعض النسخ: « و ما كان نفسًا » بالنون، وحينئذٍ يمكن أن لا يصير البيت شاهدًا لما ذكر؛ لاحتمال كون الضمير في « كان » للحبيب، وهو اسمه، و «نفسًا» خبره، وجملة : « تطيب » نعتٌ لها، أي: وما كان الحبيب نفسًا تطيبه بالفراق.
قيل (1): و يروي: « يطيب » بالضمّ من الإطابة، ولا استدلال (2)فيه أيضًا؛ لكون
«نفسًا» حينئذٍ مفعولاً به ل- «يطيب»، مقدّمًا عليه، أي: ما كاد يطيب نفسًا بالفراق.
قوله : وقوله : أنَفْسًا تَطيبُ بِنَيلِ المُنَى.
آخره: « وداعِي المَنون يُنادِي جِهارًا » (1).
اللغة : « المَنون » : الموت .
التركيب : « أنفسًا » الهمزة للاستفهام، و « نفسًا » تمييز، فيها الشاهد؛ لتقدّمها على عاملها وهو: « تطيب »، « بنيل المُنَى » متعلّقٌ به، « وداعي » الواو للحالية، «داعي» مبتدأ، « المنون » مضاف إليه، « ينادي » خبر، و « جهارًا » صفة للمفعول المطلق المحذوف، أي: ينادي نداءً جهارًا.
المعنى : أتطيب نفسک بالوصول إلى المقصود والحال أنّ داع الموت ينادي نداءً جهرًا.
هذا، ويمكن الجواب عن البيت بأنّ « نفسًا » يحتمل أن يكون منصوبة بفعل محذوف دلّ عليه المذكور، والتقدير: أتطيب نفسًا تطيب .
1) . البيت لرجل من طيئ في شرح عمدة الحافظ: 477 ؛ وشرح التصريح: 1 / 628. وبلا نسبةفي: شرح التسهيل: 2 / 303 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 53 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 241 ؛وشرح شواهد المغني : 2 / 862 ؛ وأوضح المسالک : 142 ؛ و مغني اللبيب : 2 / 463 .
تنبيه
اعلم : أنّ التمييز والحال تشتركان في أمور، وتفترقان كذلک.
وأمّا ما به الاشتراک فهو: كونهما اسمين، منكّرين، فضلتين، رافعين للإبهام.
وأمّا ما به الافتراق فأمور :
[ الفرق الأوّل ]
الأوّل : هو أنّ الحال منصوب، والتمييز قد يكون مجرورًا، كما أشار إليه سابقًا في قوله: « واجرر ب- مِنْ إن شئت غير ذي العدد »، إلى آخره.
[ الفرق الثاني ]
والثاني : أنّ الحال قد يكون جملة كما أشار إليه بقوله: « وجاء زيدٌ وهو ناوٍ رحلة»، وظرفًا كما مرّ في قوله تعالى: ( فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ فِي زِينَتِهِ ) (1)، و«رأيت
الهلال بين السحاب»، بخلاف التمييز، فإنّه لا يكون إلّا اسمًا غير ظرف (2).
[ الفرق الثالث ]
والثالث : أنّ الحال يجوز تقدّمه على عامله إذا كان فعلاً متصرّفًا، أو صفة كذلک، كما مرّ في قوله: « والحال إن يُنْصَبْ بفعلٍ صُرّفا، أو صفةٍ أشبهت المصرّفا، فجائز تقديمه كَ- : مُسْرِعا » إلى آخره، بخلاف التمييز، فإنّ الأمر فيه قد عرفت.
[ الفرق الرابع ]
والرابع : أنّ حقّ الحال الاشتقاق، وحقّ التمييز الجمود، وقد يتعاكسان فيقع الأوّل جامدًا كما مرّ في قوله: « هذا مالک ذهبًا » و غيره، والثاني مشتقًّا كما مرّ أيضًا في قولک: « لله درّه فارسًا ».
[ الفرق الخامس ]
والخامس : أنّ الحال مبيّنة للهيئات، والتمييز مبيّن (1)للذوات، أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فكذلک أيضًا بالنسبة إلى تمييز الاسم، كما في قولک : «عندي عشرون رجلاً»، فإنّ « عشرون » غير معلوم المراد منه، فأزلت الإبهام فقلت : «رجلاً».
1) . في « م » : معيّن .
وأمّا بالنسبة إلى تفسير (1)النسبة كما في قولک: « طاب زيدٌ نفسًا » فلما قالوا من أنّه يرفع الإبهام عن ذات مقدّرة، والمراد بالذات المقدّرة هو الشيء الّذي نسب إليه «طاب» في: «زيدٌ طاب»، فمعنى قولک: « طاب زيدٌ » أي: طاب شيء منسوب إلى «زيد»، فإذا قلت: «نفسًا» أزلت الإبهام عن ذلک الشيء، أي: المراد من ذلک الشيء المبهم هو نفس «زيد»، فإذا أظهرت ذلک الشيء المبهم يكون «زيد» في المثال المذكور، أي: طاب نفس زيد، ف- «نفسًا» في المثال المذكور يرفع الإبهام عن ذلک الشيء المبهم، وهو المراد بالذات المقدّرة.
إذا علمت ذلک ظهر لک أنّ قولهم: «التمييز يرفع الإبهام إمّا عن الذات، أو عن النسبة» مبنيّ على المسامحة؛ لأنّ «نفسًا» في قولک: «طاب زيد نفسًا» لا ترفع الإبهام عن النسبة؛ لأنّ أصل النسبة لا إبهام فيه، كما لا إبهام في الطيب ولا في ذات «زيد»، وإنّما المبهم هو الشيء الّذي يتعلّق به النسبة، فإنّ معنى قولک: «طاب زيدٌ» أي: طاب أمرٌ من أمور زيد، ثمّ فسّر ذلک الشيء إمّا بقولک: « نفسًا »، أو «وجهًا»، أو «يدًا»، أو «علمًا»، أو «أبًا»، أو «ابنًا»، أو «أخًا»، فالمبهم في الحقيقة في قولک: « طاب زيد نفسًا » هو الشيء المنسوب إليه النسبة، لا النسبة نفسها؛ لأنّ هذه الأشياء المذكورة من قولک: « نفسًا » أو « وجهًا » إلى آخره، مفسّرة للمنسوب إليه، لا لنفس النسبة، كما لا يخفى.
1) . كذا في النسخ، والصواب: تمييز .
[ الفرق السادس ]
والسادس : أنّ الحال تتعدّد، كما مرّ في قوله: «والحال قد يكون ذا تعدّد لمفرد» إلى آخره، ومنه قوله :
عليّ إذا ما زرت (1)ليلى بِخُفْيَةٍ *** زيارةُ بيتِ الله رَجْلان حَافِيًا (2)
فإنّ «رجلان» و «حافيًا» حالان من ذي حال واحد، وهو فاعل «زيارة» (3)
في قوله: « زيارة بيت الله رجلان »، أي: ماشيًا وحافيًا، أي: غير منتقل، بخلاف التمييز، فإنّه لايتعدّد.
[ الفرق السابع ]
والسابع : أنّ الحال قد يتوقّف معنى الكلام عليها، كما مرّ في قوله تعالى : ( لاَتَقْرَبُوا الصَلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) (4)، بخلاف التمييز، فإنّه لا يكون كذلک، كما
صرّح به ابن هشام (5).
1) . في بعض المصادر: «ما جئت»، وفي بعضها: «إذا لاقيت ليلى بخلوة».
2) . البيت لمجنون ليلى في ديوانه: 233. و ورد بلا نسبة في معجم مقاييس اللغة: 2 / 492 ؛وشرح الأشمونيّ: 2 / 26 ؛ وحاشية الصبان على شرح الأشمونيّ: 2 / 273 ؛ وأوضحالمسالک: 136 ؛ ومغني اللبيب : 2 / 461 ؛ وشرح التصريح: 1 / 601 ؛ ولسان العرب :11/268.
3) . في « م » : الزيارة .
4) . سورة النساء : 43 .
5) . مغني اللبيب : 2 / 461 .
[ حروف الجرّ ]
هاک حروف الجرّ وهي: مِن إلى *** حتّى خلا حاشا عدا في عن على
هذا باب حروف الجرّ
(هاک) أي: خذ (حروف الجرّ، و هي) عشرون: (من): و (إلى): و (حتّى) : و(خلا)، و (حاشا)، و (عدا)، و (في)، و (عن)، و (على).
مذ منذ رُبّ اللام كي واو وتا *** والكاف والبا ولعلّ ومتى
و (مذ)، و (منذ)، و (رُبّ)، و (اللام)، و (كي) وقلّ من ذكرها، ولا تجرّ إلّا ما الاستفهاميّة وأن وما وصلتهما. و (واو و تا والكاف والبا ولعلّ) وقلّ من ذكر هذه أيضًا، ولا تجرّ بها إلّا عُقَيل، (ومتى) وقلّ من ذكرها أيضًا، ولا تجرّ بها إلّا هُذَيل، وزاد في الكافية: (لولا) إذا وليها ضمير، وهو مشهور عن سيبويه.
بالظاهر اخصص مُنذ مذ وحتّى *** والكاف والواو ورُبّ والتا
(بالظاهر اخصص منذ) و (مذ) و (حتّى والكاف والواو ورُبّ والتا)، فلا تجرّ بها ضميرًا.
واخصص بمذ ومنذ وقتًا وبربّ *** منكّرًا والتاء لله وَربّ
(واخصص بمذ ومنذ وقتًا) غير مستقبل، نحو: ما رأيته مذ يومنا، أو منذ يوم
الجمعة، و) اخصص (بربّ منكّرًا) لفظًا ومعنًى، أو معنى فقط كما قال في شرح الكافية، نحو: ربّ رجل وأخيه. (والتاء) جارّة (لله ورَبّ) مضافًا إلى الكعبة، أو الياء، نحو: تالله، وتربّ الكعبة، وتربّي، وسُمع أيضًا: تالرحمن.
وما رووا من نحو رُبَّه فتى *** نزرٌ كذا كها ونحوه أتى
(وما رووا من) إدخال ربّ على الضمير (نحو: ربّه فتى نزرٌ) من وجهين : إدخالها على غير الظاهر، و على معرفة، (كذا) نزر إدخال الكاف على الضمير كقوله :
.................... وإن يک إنسًا ما كها الإنس يفعل
(ونحوه) ممّا (أتى) كقوله :
.................... كهو ولا كهنّ إلّا حاظلاً
وكذا إدخال (حتّى) عليه نحو :
.................... فتًى حتّاک يا ابن أبي زياد
**
[ باب حروف الجرّ ] (1)
قوله: هذا باب حروف الجرّ.
الإضافة في حروف الجرّ لاميّة، أي: حروف للجرّ، أي : لجرّ معنى الفعل، أو شبهه، أو معناه إلى الاسم بعدها، أو لكون مقتضاه وأثرها الجرّ في الاسم الّذي مدخولها.
وممّا ذكر ظهر لک وجه تسمية هذه الحروف بحروف الجرّ، والكوفيّون (2)
سمّوها بحروف الإضافة؛ لأنّها تضيف الفعل أو شبهه إلى الاسم، أي: ترتبط بينهما وحروف الصفات؛ لأنّها تحدث صفة للاسم من ظرفيّة أو غيرها.
والمراد لشبه الفعل في قولنا هو: اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة وأفعل التفضيل والمصدر، و بمعناه الظرف والمجرور في نحو قولک: «زيد عندک»، أو «في الدار لإكرامک»، فاللام في «لإكرامک» تعدّي الظرف إلى «إكرامک»، وهو في
الحقيقة معدّ للفعل المقدّر أو شبهه؛ لأنّ التقدير: زيدٌ استقرّ، أو مستقرّ عندک، لكن لمّا حذف الفعل أو شبهه وسدّ الظرف مسدّه، جاز أن يقال: إنّ الجارّ معدّ للظرف (1).
قوله : ولا تجرّ إلّا «ما» الاستفهاميّة.
كقولهم عند السؤال عن غاية الشيء: كَيْمَه، أصله: كَي ما، حذفت الألف لدخول حرف الجرّ، وجيء بهاء السكت وقفًا؛ حفظًا للفتحة الدالّة على الألف، والمعنى : لأيّ شيء كان كذا، فهي حينئذٍ بمنزلة قولک: لِمَه.
قوله : و «أن» و «ما» و صلتهما .
يعني: أنّ «كي» الجارّة إنّما يجرّ ثلاثة أشياء :
أحدها : «ما» الاستفهاميّة، وقد تقدّم الكلام فيها.
والثاني : «أن» و صلتها، نحو قولک: « جئتک كي تكرمني »؛ لأنّ تقديره: جئتک كي أن تكرمني، فجرّت «كي» أَنْ و صلتها، والتقدير: جئتک كي إكرامک إيّاي، أي : لإكرامک إيّاي.
والثالث : «ما» المصدريّة و صلتها، نحو قول الشاعر :
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما *** يُراد الفَتى كَيْمَا يَضُرّ وَيَنْفَع (2)
1) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 4 / 261.
2) . البيت لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه: ص 235. وللنابغة الجعديّ في ملحق ديوانه :ص 246 ؛ وله أو للنابغة الذبيانىّ في شرح شواهد المغني: 1 / 507، والمقاصد النحويّة :3/245. وبلا نسبة في شرح الألفية لابن الناظم: 140 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 19؛ وشرحالرضيّ على الكافية : 4 / 51 ؛ وأوضح المسالک: 143 ؛ ومغني اللبيب : 1 / 182 ؛ وشرح ابنعقيل: 2 / 3 ؛ وشرح الأشمونيّ: 3 / 182 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 369 ؛ وخزانة الأدب: 3 /591.
فإنّ «كي» فيه جارّة لمصدرٍ مأوّل من «ما» و صلتها، أي: إنّما يراد الفتى للنفع والضُرّ، أي: يضرّ مَن يستحقّ الضُرّ، ونفع مَن يستحقّ النفع.
قوله: وقلّ من ذكر هذه أيضًا.
أي: كما قلّ مَن ذكر «كي»، كذا قلّ مَن ذكر «لعلّ» أيضًا في حروف الجرّ.
قوله : ولا يجرّ (1)بها إلّا عُقَيْل (2).
وهو بالتصغير، قال شاعرهم: «لعلّ اللهِ فضّلكم علينا» (3)، بجرّ الجلالة.
وهي قد استعملت جارّة في أربع لغاتها مع اللام الأولى - كما مرّ - وحذفها، وعلى التقديرين بفتح اللام الثانية أو بكسرها.
1) . في المصدر: ولاتجرّ .
2) . قبيلة عربيّة أبوها عقيل بن كعب بن ربيعة من قيس عيلان من مضر.
3) . آخره: «بشيء أنّ أمّكم شريم». قال البغداديّ في خزانة الأدب 10 / 452 : «وقول الشاعر :لعاء الله فضّلكم علينا، جملة: فضّلكم في موضع رفع، خبر للعاء بمعنى لعلّ، وأمّا على رواية :لعلّ اللهِ فضّلكم، بجرّ الجلالة، ف- لعلّ حرف جرّ لايتعلّق بشيء؛ لأنّه يشبه الزائد، ولفظ الجلالةفي موضع رفع بالابتداء، منع رفعه حركة الجرّ، وجملة: فضّلكم خبر المبتدأ، والشريم وكذلکالشروم: المرأة المفضاة، وهي الّتي صار مسلكاها واحدًا. والبيت لم أقف على تتمّته ولا علىقائله». انتهى كلامه. وورد البيت بلا نسبة في شرح الألفية لابن الناظم: 140 ؛ وشرح الرضيّعلى الكافية: 4 / 373 ؛ وأوضح المسالک: 143؛ وشرح قطر الندى: 249 ؛ وشرح ابن عقيل :2 / 5 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 61 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 247 ؛ وشرح التصريح: 1 / 621.
قوله : ولا يجرّ (1)بها إلّا هُذَيل (2).
وهو بالتصغير أيضًا، ومعنى « متى عندهم » معنى « مِن » الابتدائيّة، كما نقله عنهم جماعة (3)، قيل :
سمع منهم: أخرجها متى كُمِّه، أي: من كُمِّه (4).
قوله: وزاد في الكافية: « لو لا » إذا وليها ضمير.
قال ابن هشام :
إذا ولى « لو لا » مضمر فحقّه أن يكون ضمير رفع، نحو: ( لَوْ لاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا
1) . في المصدر: ولاتجرّ .
2) . من القبائل العربيّة القحطانيّة الّتي أسهمت في الوضع اللغويّ، وعنها أخذ اللسان العربيّ،وكان فيها أكثر من سبعين شاعرًا مشهورًا، منهم: أبو ذؤيب الهذليّ. قال الأزهرىّ: وهذيلبالتصغير، قال ابن السيّد: يجوز أن يكون تصغير: هذلول، وهو المرتفع من الأرض، ويجوز أنيكون تصغير: مهذول، وهو المضطرب، من تصغير الترخيم فيهما. وهذيل حيّ من مضر، وهوهذيل بن مدركة، أمّهما هند بنت وبرة أخت كلب بن وبرة. شرح التصريح: 1 / 742.
3) . ينظر: شرح الكافية الشافية : 2 / 784 ؛ و شرح الألفيّة لابن الناظم: 140 ؛ وشرح التسهيل :3 / 54 ؛ والأشباه والنظائر : 3 / 43 ؛ و أوضح المسالک : 143 ؛ و مغني اللبيب: 1 / 334 ؛وشرح قطر الندى: 250 ؛ وشرح التصريح: 1 / 630 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 6 ؛ والحدائقالنديّة : 1 / 360 ؛ والقاموس المحيط : 4 / 412 ؛ ومجمع البحرين : 2 / 221 ؛ وتاجالعروس : 20 / 419 ؛ وخزانة الأدب: 7 / 90.
4) . ينظر: شرح الأشمونيّ: 2 / 62 ؛ وحاشية الصبان على شرح الأشمونيّ : 2 / 305. وقال ابنالشجريّ في أماليه 2 / :270 «حكى الكسائيّ عن العرب: أخرجه من متى كمّه، أي: وسطكمّه، وهي لغة هذيل».
مُؤْمِنِينَ ) (1)، وسمع قليلاً: « لولاي، ولولاک، ولولاه »، خلافًا للمبرّد(2).
ثمّ قال :
قال سيبويه والجمهور: هي جارّة للضمير مختصّة به كما اختصّ (3)حتّى والكاف بالظاهر، ولا تتعلّق لو لا بشيء، و موضع المجرور بها رفع بالابتداء، والخبر محذوف. وقال الأخفش: الضمير مبتدأ، ولو لا غير جارّة، ولكنّهم أنابوا الضمير المخفوض عن المرفوع كما عكسوا؛ إذ قالوا: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا (4).
ثمّ قال ابن هشام :
وإذا عطف عليه اسم ظاهر نحو: «لولاک وزيد»، تعيّن رفعه؛ لأنّ «لو لا» لاتخفض الظاهر (5).
قوله : غير مستقبل .
سواء كان ماضيًا أو حاضرًا، وهما بمعنى « مِن » في الأوّل، وبمعنى « في » في الثاني، تقول: « ما رأيته مذ - أو منذ - يوم الجمعة » أي: من يوم الجمعة، و «ما رأيته مذ - أو منذ - يومنا» أي : في يومنا، كما سيجيء.
وبمعنى « مِن » و « إلى » جميعًا إن كان معدودًا، نحو: « ما رأيته مذ - أو منذ - ثلاثة أيّام »، أي : من أوّل ثلاثة أيّام إلى آخرها.
قوله : لفظًا أو (1)معنًى .
اعلم : أنّ الكلام في « ربّ » يقع في مقامات :
الأوّل: في لغاتها، وهي كثيرة: الأولى - وهي أشهرها - : ضمّ الراء و فتح الباء المشدّدة، والثانية : كالأولى، إلّا أنّ الباء مخفّفة، والثالثة: ضمّ الراء وضمّ الباء المخفّفة، والرابعة : ضمّ الراء وإسكان الباء المخفّفة، الخامسة : فتح الراء و فتح الباء المشدّدة، السادسة: فتح الراء و فتح الباء المخفّفة، والسابعة (2): ضمّ الراء وفتح الباء مخفّفة ومشدّدة بعدها تاء مفتوحة.
هذه سبعة لغات في «ربّ»، وربّما نقل بعض منهم فيها سبعة عشر لغة (3)، ولا فائدة مهمّة لذكرها جميعًا، ولهذا اقتصرنا بما ذكر .
والثاني : في نفسها من أنّها اسم أو حرف.
قد اختلفوا في ذلک، فعن الكوفيّين (1)وابن الطراوة (2)اسم (3)، وعن البصريّين (4)حرف للجرّ، قال نجم الأئمّة :
إنّما حملهم على ارتكاب جعلها حرفًا مع أنّها للتقليل (5)، مثل « كم » في التكثير، ولا خلاف في اسميّتها، بل هي مفيدةٌ للتكثير في الأغلب، كإفادة «كم»: أنّهم لم يروها تجرّ (6)بحرف جرّ و لا بإضافة، كما تجرّ
1) . نقله عنهم في: الارتشاف: 4 / 1737 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 43 .
2) . هو أبو الحسن، سليمان بن محمّد بن عبدالله السبائيّ النحويّ، من أهل مالقة مدينةبالأندلس، إمام عالم، وأديب ماهر، أخذ عن أبي الحجّاج الأعلم كتاب سيبويه، وروى عنه القاضي عياض، له مصنّفات قيّمة، منها: الإفصاح على الإيضاح، والترشيح في النحو،والمقدّمات على كتاب سيبويه، مقالة في الاسم والمسمّى، مات بمالقة سنة 528 ه . ينظرترجمته في: البلغة: 91، بغية الوعاة: 1 / 62 ؛ معجم المؤلّفين: 4 / 274، الأعلام: 3 / 132.
3) . ينظر رأي ابن الطراوة في: الجني الداني: 1 / 439 ؛ والارتشاف: 4 / 1737 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 430 .
4) . نقله عنهم في: الارتشاف: 4 / 1737 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 43 ؛ وشرح الرضيّ علىالكافية: 4 / 287 . قال سيبويه بأنّ «ربّ» غير اسم، ينظر: الكتاب: 2 / 161.
5) . في المصدر : في التقليل .
6) . في المصدر : تنجر .
«كم »، فلا يقال: بربّ رجل، ولا: غلام ربّ رجل (1).
قال :
وتشكل عليهم حرفيّتها بنحو: ربّ رجل كريم أكرمت، فإنّ حروف الجرّ هي ما يفضي بالفعل (2)إلى المفعول الّذي لولاها لم يفض إليه، وأكرمت يتعدّي بنفسه.
قال صاحب المغني (3): إنّما ذلک لأنّه يضعف الفعل المتأخّر من المفعول، عن العمل، فيعمد بحرف الجرّ، كقوله تعالى: ( إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ) (4)، ولا سيّما إذا وجب تأخّر (5)الفعل، كما في « ربّ ».
والجواب: أنّ العادة أن يعمد مثل ذلک الضعيف باللام فقط من بين حروف الجرّ، لإفادتها التخصيص، حتّى يخصّ (6)مضمون ذلک الضعيف عن العمل في ذلک المفعول، بذلک (7)المفعول، فلا يستنكر عمله فيه، نحو: لزيد ضربت، وأنا ضارب لزيد، وضربي لزيد حسن (8).
ثمّ قال :
و يشكل أيضًا بمثل قولک: « ربّ رجل كريم أكرمته »؛ لأنّ الفعل لايتعدّي إلى مفعول بحرف الجرّ، وإلى ضميره معًا، فلا يقال: لزيد ضربته، واعتذر البصريّون عن ذلک بأنّ «أكرمته» صفة، وأنّ العامل محذوف (1).
قال :
و هو عذر بارد؛ لأنّ معنى : ربّ رجل كريم أكرمت، وأكرمته، شيءٌ واحد، والأوّل جواب بلا خلاف، ولا شکّ أنّک إذا قلت في جواب مَن قال: ما أكرمت رجلاً: ربّ رجل كريم أكرمته، لم يحتج معنى الكلام إلى شيءٍ آخرٍ مقدّرٍ، مثل: تحقّق (2)، أو ثبت، على ما ادّعوا، وإن اعتذروا بأنّ الضمير في : « أكرمته » للمصدر، أي : أكرمت الإكرام ...، كان أبرد؛ لأنّ ضمير المصدر المنصوب بالفعل قليل الاستعمال، بخلاف نحو: ربّ رجل كريم لقيته (3).
إن قيل : إنّ المجرور ب- «ربّ» مفعول لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور كما في: «زيدًا ضربته» مثلاً.
قلت : على هذا يجيء الإشكال الأوّل، وهو أنّ وضع حروف الجرّ أن يوصل
الفعل إلى المفعول الّذي لولاها لم يوصل إليه، وهنا ليس كذلک كما عرفت.
هذا، مضافًا إلى أنّه لم يثبت في كلامهم تفسير الناصب للجارّ والمجرور بفعل آخر، كما صرّح به نجم الأئمّة (1)حيث اختار مذهب الكوفيّين من كون «ربّ» اسمًا، لا حرفًا، وطوّل الكلام في ذلک، وليس المقام مقام ذكره.
والمقام الثالث: في أنّ وضعها لأيّ شيء هو ؟ وقد اختلفوا في ذلک أيضًا، ففي الارتشاف :
مذهب البصريّين أنّها للتقليل.
إلى أن قال :
وزعم صاحب كتاب العين أنّها للتكثير، ولم يذكر أنّها تجيء للتقليل.
وقال :
ونسب ابن خروف هذا المذهب إلى سيبويه.
ثمّ قال :
1) . صرّح به في شرحه على الكافية : 4 / 290 .
و مذهب (1)الكوفيّين والفارسيّ في كتاب الحروف له: أنّها تكون للتقليل والتكثير (2)...، وذهب بعضهم إلى أنّها لم توضع لتقليلٍ، ولا تكثيرٍ، بل ذلک مستفادٌ من سياق الكلام (3).
واختاره في الارتشاف (4).
وقال نجم الأئمّة :
وضع « ربّ » للتقليل، تقول في جواب مَن قال: « ما لقيت رجلاً »: ربّ رجلٍ لقيت، أي : لا تنكر لقائي للرجال (5)بالمرّة، فإنّي لقيت منهم شيئًا
وإن كان قليلاً.
إلى أن قال :
والّذي (6)ذكرنا من التقليل أصلها، ثمّ غلبت (7)في معنى التكثير، حتّى صارت في معنى التكثير كالحقيقة، و في التقليل كالمجاز المحتاج إلى القرينة (8).
والمقام الرابع : في مدخولها، وهو الّذي أشار إليه بقوله: «واخصص بربّ منكرًا».
وقسّم الشارح المنكر إلى قسمين: منكر لفظًا و معنًى، أو منكر معنًى فقط لا لفظًا، بل لفظه معرفة، كالمثال الّذي ذكره، و هو قوله: « نحو: ربّ رجل وأخيه »، فإنّ هذا المثال مثال لهما، ف- «رجل» في : « ربّ رجل » نكرة لفظًا ومعنًى، و«أخيه» نكرة معنًى فقط، و هو عطف على « رجل »، فالتقدير: ربّ أخيه.
وجهُ كون «أخيه» معرفة لفظًا ظاهرٌ ؛ لإضافته إلى المعرفة، أي: الضمير، وأمّا وجه كونه نكرة معنًى فلِما قيل (1)من أنّه بتقدير الانفصال من الإضافة، كأنّه قيل :
ربّ رجل وأخ له. والأولى أن يقال: إنّ المعرفة ما أشير به إلى خارج مختصّ إشارة وضعيّة، كما نبّهنا عليه في مبحث الضمائر (2).
فعلى هذا نقول: إنّ الضمير في « أخيه » في قولک : « ربّ رجل وأخيه » ليس
بمعرفة؛ لعدم كونه إشارة إلى خارج مختصّ، بل إلى خارج غير مختصّ وهو «رجل»، فإذا لم يكن الضمير في «أخيه» معرفة فعدم تعريف المضاف - وهو : «أخ» - بطريق أولى؛ لأنّ تعريف المضاف لو سلّم إنّما هو بتعريف المضاف إليه، فإذا لم يكن المضاف إليه معرفة، فمِن أين يجيء التعريف للمضاف ؟!
فعلى هذا يكون كلّ من المضاف والمضاف إليه نكرة، وإطلاق التعريف اللفظيّ على المضاف حينئذٍ - كما يفهم ممّا ذكره الشارح هنا من المصنّف في شرح الكافية (1)- لأجل إضافته إلى لفظ الضمير الّذي هو معرفة إذا عاد إلى خارج مختصّ.
فبما ذكرنا ظهر لک جواز إدخال «ربّ» في المثال المذكور على «أخيه» بأن يقال: « ربّ رجل وربّ أخيه »، فلا وجه لما ذكره بعضهم من منع ذلک (2).
وإنّما اشترط التنكير في مدخولها؛ لما عرفت من أنّ وضعها للتقليل أو التكثير، والشيء المحتمل لهما هو النكرة؛ لأنّ المعرفة مدلولها إمّا قلّة - كالمفرد والمثنّى إذا كانا معرفتين (3)- وإمّا كثرة - كالجمع المعرّف - فلا يحتاج إلى إدخال ما يدلّ على القلّة أو الكثرة عليها، بخلاف النكرة، فإنّها لمّا كانت محتملة لهما يحتاج إلى إدخال ما يدلّ عليهما.
والمقام الخامس : انّ « ربّ » جوابٌ لكلامٍ ظاهر أو مقدّر، قال ابن السراج :
النحاة كالمجمعين على أنّ « ربّ » جوابٌ لكلام ظاهر أو مقدّر؛ إذ هي في الأصل موضوعةٌ لجواب فعل ماض منفيّ، فلهذا لا يجوّزون: ربّ رجل كريم أضرب، بل: ضربت.
قوله: من وجهين: إدخالها على غير الظاهر، و على المعرفة (2).
الوجه الأوّل مسلّم، والثاني ممنوع؛ لما عرفت آنفًا وما ذكرناه في مبحث الضمائر (3)، فلا نطيل الكلام بالإعادة .
قوله : كقوله : وإن يک إنسًا ما كَهَا الإنس يفعل (1).
هذا عجز بيت صدره: «لئن كان من جنٍّ لأبرَحَ طارقًا».
اللغة واضحة.
التركيب : « لئن » اللام تسمّى في مثل المقام - أي: اللام الداخلة على حرف الشرط - بالموطّئة والمؤذنة أيضًا، و « إن » حرف للشرط، و « كان » فعله، والضمير فيه اسمه، و « من جنّ » متعلّق بالمقدّر خبره، « لأبرح » جواب الشرط، «طارقًا» حالٌ عن فاعل «أبرح»، « وإن يک إنسًا » عطفٌ على قوله: « ولئن كان من جنّ »، وأصل « يک » : يكون، حذفت حركة النون بعد دخول حرف الشرط، فالتقى الساكنان، وهما النون والواو، فحذفت الواو فصارت: يكن، ثمّ حذفت النون تخفيفًا فصارت: يک، وهذا الحذف للنون مشروطٌ بشروطٍ قد مرّ بيانه في باب أفعال الناقصة . « ما كها » « ما » فيه نافية، « كها » متعلّق ب- «يفعل»، و«الإنس» مبتدأ، «يفعل» خبره، و قدّم معموله على المبتدأ للضرورة.
المعنى واضح .
1) . البيت للشنفريّ الأزديّ في ديوانه: 71 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 38 ؛ وخزانة الأدب :11/343، 345 ؛ والدرر: 4 / 151 ؛ ولسان العرب : 15 / 479 ؛ والمقاصد النحويّة :3/269 ؛ وتوضيح المقاصد: 2 / 747 ؛ وشرح شواهد المغني: 1 / 900. وورد بلا نسبة فيشرح الرضيّ على الكافية : 4 / 461 ؛ والإيضاح: 2 / 151 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 448.
قوله : كَهُ (1)ولا كَهُنَّ إلّا حَاظِلاً (2).
أوّله: « ولا ترى بعلاً ولا حَلائِلاً ».
قاله الشاعر، يصف به حمارًا وحشيًّا وأتنا (3)، حيث إنّ حِمار الوحش له كمال الغيرة على أُتُنه، وأنّ أتنه لا تنتقل منه إلى غيره.
اللغة: «البعل» وهو: الزوج، و «الحلائل» جمع: حليلة، وهي الزوجة، و«الحاظل » بالحاء المهملة والظاء المعجمة: المانع من التزويج.
التركيب : « لا ترى » «لا» نافية، «ترى» فعل، والضمير فاعل، «لا» مفعوله الأوّل، و «لا حلائلا» عطف عليه، « كَهُ » متعلّق بالعامل المقدّرة في محلّ النصب لأن يكون مفعولاً ثانيًا، « ولا كهنّ » عطف عليه الضمير المجرور في « كَهُ » حمار الوحش و «هنّ» الأتن الوحشيّات، « إلّا » حرف الاستثناء، و « حاظلاً » مستثنى من «بعلاً» واقع بعد كلام النفي، فاختير إبداله.
1) . في المصدر : كهو .
2) . الرجز لرؤبة في ديوانه: 128 ؛ وخزانة الأدب : 10 / 214 ؛ والدرر: 4 / 151 ؛ والمقاصدالنحويّة: 3 / 256 . وللعجاج في الكتاب: 2 / 384، وليس في ديوانه، وورد بلا نسبة فيشرح الألفية لابن الناظم: 141 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية : 4 / 326 ؛ وشرح التسهيل :3/38 ؛ وأوضح المسالک : 144 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 14 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 67 ؛وهمع الهوامع: 2 / 448 ؛ وشرح التصريح: 1 / 634.
3) . الأتان : الحمارة ( الصحاح : 5 / 2067 ). و في معجم مقاييس اللغة : أتن الهمزة والتاءوالنون أصل واحد، وهو الأنثى من الحمر أو شيء استعير له هذا الاسم ( معجم مقاييس اللغة :1 / 48 ).
المعنى : لا ترى بعلاً مثل الحمار الوحشيّ في شدّة الغيرة، ولا زوجات مثل الاتن الوحشيّات في الاختصاص بزوج واحد، إلّا مَن كان مانعًا من التزويج، فإنّه لمنعه من ذلک يشبه هذا البعل.
قوله : وكذا إدخال «حتّى» عليه .
عطفٌ على قوله: « كذا نَزْرٌ إدخال الكاف »، والضمير في «عليه» يعود إلى : «الضمير» في: « على الضمير ».
قوله: نحو : فتًى حتّاک يا ابن أبي زياد (1).
أوّله: « فلا والله لا يلفى (2)أناس ».
اللغة : «يلفى» بالفاء، أي : لا يجد، و قرء : « يبقى » أيضًا.
التركيب : «لا» في «فلا» زائدة، « والله » متعلّق بالمحذوف، «لا» في «لا يلفى» نافية، و «يلفى» فعل، «أناس» فاعله، «فتى» مفعوله، « حتّاک » متعلّق ب- «يلفى»، «يابن» منادى مضاف إلى «أبي»، و هو مضاف إلى «زياد».
والمعنى واضح .
فصلٌ
في معاني حروف الجرّ
بَعِّض وبيِّن وابتدئ في الأمكنة *** بمِن وقد تأتي لبدء الأزمنة
(بعّض وبيّن) الجنس (وابتدئ في الأمكنة) بالاتّفاق (بمِن) نحو: (لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون)، (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)، (سبحان الّذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام)، (و قد تأتي لبدء الأزمنة) كقوله تعالى: (لَمسجدٌ أسّس على التقوى من أوّل يوم). ونفاه البصريّون إلّا الأخفش، ومذهبه هو الصحيح؛ لصحّة السماع بذلک.
وزيد في نفي و شبهه فجرّ *** نكرة ك- : ما لباغ من مفرّ
(وزيد) أي: من عندنا (في نفي وشبهه) وهو النهي والاستفهام (فجرّ نكرة كما لباغ من مفرّ)، و (وهل من خالق غير الله)، وزيد عند الأخفش في الإيجاب فجرّ النكرة والمعرفة نحو :
قد كان من مطرٍ ... .....................
..................... ويكثر فيه من حنين الأباعر
للانتها حتّى ولام وإلى *** ومن وباء يفهمان بدلا
(للانتها حتّى) نحو: (حتّى مطلع الفجر)، (و لام) نحو: (سقناه لبلدٍ ميّت)، (وإلى) نحو: سرت البارحة إلى آخر الليل، (ومن وباء يُفهمان بدلاً) نحو : (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة).
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا .....................
واللام للمِلک وشبهه وفي *** تعدية أيضًا وتعليل قفي
(واللام للملک) نحو: (لله ما في السماوات وما في الأرض)، (و شبهه) وهو الاختصاص نحو: السرج للدابة، (وفي تعدية أيضًا وتعليل قفي) نحو: (فهب لي من لدنک وليًّا).
وإنّي لتعروني لذكراک هزّة .....................
وزيد والظرفيّة استبن ببا *** وفي وقد يبيّنان السببا
(وزيد) للتوكيد نحو :
..................... ولا لِلِما بهم أبدًا دواء
وتأتي للتقوية، و هو معنى بين التعدية والزيادة، نحو: (إن كنتم للرؤيا تعبرون)، (فعّال لما يريد)، قال في شرح الكافية: ولا يفعل ذلک بمتعدٍّ إلى اثنين؛ لعدم إمكان زيادتها فيهما؛ لأنّه لم يعهد، وفي أحدهما؛ لعدم المرجّح.
(والظرفيّة) حقيقة أو مجازًا (استبن ببا و في) نحو: (وإنّكم لتمرّون عليهم مصبحين وبالليل)، (و ما كنت بجانب الغربيّ)، (ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض)، (لقد كان في يوسف وإخوته آيات). (وقد يبيّنان السببا) نحو: (فبظلمٍ من الّذين هادوا)، ودخلت امرأة النار في هِرّة حبستها.
بالبا استعن وعَدّ عَوّض ألصق *** ومثل مع ومِن وعن بها انطق
(بالباء استعن) نحو: (بسم الله الرحمن الرحيم)، (وعدّ) نحو: (ذهب الله بنورهم)، ولا يجمع بينها وبين الهمزة، (وعوّض) والتعويض غير البدل، نحو : بعتک هذا بهذا، (وألصق) نحو: وصلت هذا بهذا، (ومثل مع ومن) التبعيضيّة، (وعن بها انطق) نحو: (نسبّح بحمدک)، (وعينًا يشرب بها عباد الله)، (سأل سائل بعذابٍ واقع).
على للاستعلا ومعنى في وعن *** بعن تجاوُزًا عنى مَن قد فَطَن
(على للاستعلا) حسًّا نحو: (وعليها وعلى الفلک تحملون)، أو معنًى نحو: تكبّر زيدٌ على عمرو، (ومعنًى في) نحو: (واتّبعوا ما تتلوا الشياطين على مُلْک سليمان)، (و) معنًى (عن) نحو :
إذا رَضِيتْ على بنو قشير .....................
(بعن تجاوزًا عنى مَن قد فطن) نحو: رميتُ السهم عن القوس.
وقد تجي موضع بعدٍ وعلى *** كما على موضع عن قد جُعلا
(وقد تجي موضع بعد) نحو: (لتركبنّ طبقًا عن طبق)، (و) موضع (على) نحو :
لاه ابن عمّک لا أفضلت في حسب *** عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
(كما على موضع عن قد جعلا) كما تقدّم، و هذا تصريح بأنّ لكلّ حرف معنًى مختصًّا به واستعماله في غيره على وجه النيابة.
شبّه بكاف وبها التعليل قد *** يُعنى وزائدًا لتوكيد ورد
(شبّه بكاف) نحو: زيد كالأسد، (وبها التعليل قد يُعنى) نحو: (واذكروه كما
هداكم)، (وزائدًا لتوكيد ورد) نحو: (ليس كمثله شيء).
واستعمل اسمًا وكذا عن وعلى *** من أجل ذا عليهما من دخلا
(واستعمل اسمًا) مبتدأ نحو:
أبدًا كالفراء فوق ذُراها .....................
و فاعلاً نحو :
أتنتَهُون ولن يَنهى ذوي شَطَط كالطَعْن .....................
ومجرورًا باسم نحو :
..................... فصُيّروا مثلَ كعصفٍ مأكول
وبحرف نحو :
بِكَاللقوة الشَغْواء جُلت ... .....................
(وكذا عن وعلى) يستعملان اسمين (من أجل ذا عليهما من دخلا) في قوله :
مِن عن يمين الحبيّا...
غَدَتْ مِن عَلَيه ... .....................
ومذ ومنذ اسمان حيث رفعا *** أو أوليا الفعل ك- : جئت مذ دعا
(ومذ ومنذ اسمان حيث رفعا) نحو: ما رأيته مذ يومان، وهما حينئذ في الماضي بمعنى أوّل المدّة، وفي غيره بمعنى جميع المدّة، والصحيح أنّهما حينئذ مبتدءان ما بعدهما خبر، وقيل: بالعكس، وقيل: ظرفان وما بعدهما فاعل لكان تامّة محذوفة ... .
[ فصل : في معاني حروف الجرّ ] (1)
قوله: نحو : ( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (2).
هذا مثالٌ ل- «مِن» التبعيضيّة، ومثله قولک: « أخذت من الدراهم »، وعلامة «مِن» هذه أن يكون هناک شيء ظاهر أو مقدّر يكون ذلک الشيء بعض المجرور ب- «مِن».
والثاني كما في المثالين المذكورين، فإنّ التقدير فيهما: لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون شيئًا، وأخذت من الدراهم شيئًا، فإنّ المقدّر فيهما - وهو «شيئًا»- بعضٌ للمجرور ب- «مِن» فيهما، و هو مفعولٌ للفعل المذكور مع «مِن».
والأوّل كقوله تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) (3)، فإنّ المذكور فيه - وهو «صدقة» - بعضٌ من أموالهم، وهو أيضًا مفعول ل- «خُذْ».
ولا يخفى أنّه لو كان ذلک الشيء مذكورًا بعد الجارّ والمجرور - كما في المثال المذكور الآخر - أو قدّرته بعدهما - كما في المثالين الأوّلين (1)- يجوز في الجارّ
والمجرور أن يكون متعلّقًا بالفعل المذكور، وأن يكون حالاً من ذلک المفعول، فيكون متعلّقًا بالمقدّر.
هذا إذا كان ذلک المفعول مؤخّرًا، سواء كان منكّرًا أو معرّفًا، أمّا الأوّل فقد مرّ، وأمّا الثاني كقولک : « أخذت من الدراهم ».
هذا، وأمّا إذا كان مقدّمًا ومنكّرًا فيكون الجارّ والمجرور صفةً، كقولک: « خذ شيئًا من أموالهم »، أي : شيئًا كائنًا من أموالهم، ومعرّفًا فحالٌ (2)، كقولک: « خذ
الصدقة من أموالهم ».
قوله: ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَْوثَانِ ) (3).
هذا مثالٌ ل- «مِن» البيانيّة، و علامة « مِن » هذه قيل (4): أن يكون قبل « مِن » أو بعدها مبهم يصلح أن يكون المجرور بها تفسيرًا له، ويوقع اسم ذلک المجرور على ذلک المبهم، كما يقال للرجس - مثلاً - : إنّه الأوثان.
فعلى هذا ظهر الفرق بين «مِن» التبعيضيّة والبيانيّة وإن حصل البيان من الكلّ؛ لأنّ قولک: « أخذت من الدراهم » المأخوذ فيه غيرُ معلوم، يبيّنه « من الدراهم ».
وذلک لأنّ « مِن » التبعيضيّة مجرورها لا يطلق على ما هو مذكور قبله أو بعده؛ لما عرفت من أنّ ذلک المذكور بعض المجرور، واسم الكلّ لا يصدق على البعض حقيقة، فإذا قلت: « عشرون من الدراهم » فإن أشرت بالدراهم إلى دراهم معيّنة أكثر من العشرين فيكون « مِن » للتبعيض؛ لأنّ « عشرين » حينئذٍ بعض من تلک الدراهم، وإن أشرت بالدراهم إلى جنس الدراهم فيكون « مِن » للتبيين.
قوله : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ ) (1).
هذا مثالٌ ل- «مِن» الابتدائيّة في المكان.
ينبغي أوّلاً التنبيه على معنى قولهم: « إنّ مِنْ لابتداء الغاية »، فأقول: لفظ «الغاية» معناه النهاية، فيستعمل في المكان والزمان؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهما نهاية، تقول: « هذا غاية المسجد »، و « هذا غاية يوم الجمعة »، ولا يمكن حمل الغاية في كلامهم - : أنّ «مِن» لابتداء الغاية ولانتهائها - على هذا المعنى؛ لأنّه لا معنى لابتداء النهاية وانتهاء النهاية.
إن قلت : نحن نفرض نهاية شيء معلوم ونقول: إنّ لها ابتداء وانتهاء، فعلى هذا يكون معنى قولهم : « مِنْ لابتداء الغاية » أنّ « مِنْ » لابتداء تلک النهاية، وكذا «إلى» لانتهاء تلک النهاية.
قلت : البديهة حاكمة بأنّه ليس المراد من قولهم : « إنّ مِنْ لابتداء الغاية » أنّها
1) . سورة الإسراء : 1 .
لابتداء النهاية، وكذا «إلى»، بل المراد أنّهما لمطلق الابتداء والانتهاء، فعلى هذا لايجوز أن يكون المراد من لفظ « الغاية » في قولهم: « إنّ مِنْ لابتداء الغاية وإلى لانتهاء الغاية » المعنى المذكور، بل المراد من لفظ « الغاية » فيما نحن فيه المسافة، إطلاقًا لاسم الجزء على الكلّ، فيكون معنى قولنا: « إنّ مِنْ لابتداء الغاية » أنّها لابتداء المسافة، و « إلى لانتهاء الغاية » أنّها لانتهاء المسافة، وهذا معنى صحيح لا شبهة فيه.
ثمّ إنّ علامة « مِن » هذه - كما صرّح نجم الأئمّة و غيره (1)- هي : أن يحسن في مقابلتها « إلى »، أو ما يفيد فائدتها كالآية المذكورة، وهي: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ) الآية (2)، و «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»؛ لأنّ معنى « أعوذ به »: ألتجئ إليه، فالباء أفادت معنى الانتهاء.
قوله : كقوله تعالى : ( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) (3).
ذكر ذلک شاهدًا لمجيء « مِنْ » للابتداء في الزمان، كما جوّز ذلک الكوفيّون (4)، واستشهد لذلک أيضًا بقوله تعالى : ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ ) (5).
1) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية : 4 / 265 ؛ و همع الهوامع: 2 / 461 ؛ وحاشية الصبانعلى شرح الأشمونيّ: 2 / 229 ؛ والفوائد الضيائيّة: 505.
2) . سورة الإسراء : 1 .
3) . سورة التوبة : 108 .
4) . نقله عنهم الرضيّ في شرحه على الكافية : 4 / 264 ؛ وأبو حيّان في الارتشاف: 4/1718؛وينظر أيضًا: المقتضب: 4 / 136 .
5) . سورة الجمعة : 9 .
قال نجم الأئمّة :
أنا لا أرى في الآيتين معنى الابتداء؛ إذ المقصود من معنى الابتداء في «من» أن يكون الفعل المتعدّي ب- «مِن» الابتدائيّة شيئًا ممتدًّا، كالسير والمشي ونحوه، ويكون المجرور ب- «من» : الشيء الّذي منه ابتداء ذلک الفعل، نحو: «سرت من البصرة»، أو يكون فعل المتعدّي لها أصلاً للشيء الممتدّ، نحو: «تبرّأت من فلان إلى فلان»، وكذا: «خرجت من الدار»؛ لأنّ الخروج ليس شيئًا ممتدًّا؛ لأنّه (1)يقال: « خرجت من الدار » إذا انفصلت منها (2)ولو بأقلّ من خطوة، وليس التأسيس والنداء ممتدّين، ولا أصلين للمعنى الممتدّ، بل هما حدثان واقعان فيما بعد «من»، وهذا معنى «في»، ف- «مِنْ» في الآيتين بمعنى « في »، وذلک لأنّ « من » في الظروف كثيرًا ما يقع (3)بمعنى « في »، نحو : «جئت من قبل زيد ومن بعده»، و ( وَمِنْ بَيْنِنَا وَ بَيْنِکَ حِجَابٌ ) (4)، و«كنت من قدامک »، وإقامة بعض حروف الجرّ مقام بعضٍ غيرُ عزيزة .
إلى أن قال :
والظاهر مذهب الكوفيّين؛ إذ لا منع من مثل قولک: «نمت من أوّل الليل إلى آخره»، و «صمت من أوّل الشهر إلى آخره»، وهو كثير
الاستعمال (1). انتهى كلامه.
فظهر ممّا ذكر: أنّ «مِنْ» يستعمل للابتداء في المكان والزمان، ويكون الابتداء في غيرهما أيضًا، كقولک: «هذا الشيء من فلان إلى فلان».
قوله : ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ ) (2).
والشاهد في : ( مِنْ خَالِقٍ )، فإنّ « مِنْ » فيه زائدة وقعت بعد شبه النفي ومدخولها نكرة.
والحاصل : أنّ شرط زيادة « من » شيئان :
أحدهما : وقوعها بعد النفي أو النهي أو الاستفهام، و هو مختصّ ب- «هل»، كما صرّح به جماعة (3)، كقوله تعالى: ( ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ) (4)، و لا توذ من أحد، ومثال الاستفهام قد مرّ، و مثله قوله تعالى: ( هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ) (5).
والشرط الثاني : كون مجرورها نكرة، كما مرّ في الأمثلة.
هذا على ما ذكره هنا، وقد زاد جماعة (6)شرطًا آخر، وهو: أن يكون مجرورها
مبتدأ، أو فاعلاً، أو مفعولاً به، كما في الآيات المذكورة، دون سائر المفاعيل.
قال ابن هشام :
كأنّ وجه منع زيادة «مِن» في المفعول معه والمفعول لأجله والمفعول فيه أنّها (1)في المعنى بمنزلة المجرور ب- «مع» و باللام و ب- «في»، ولا يجامعها «من» (2)، ولكن لا يظهر للمنع في المفعول المطلق وجه، وقد خرج عليه أبوالبقاء: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ ) (3)، فقال : مِن زائدة، وشيء في موضع المصدر، أي : تفريطًا (4).
و جوّز بعضهم (5)زيادتها في الحال، و حمل على ذلک قوله تعالى : ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) (6)؛ لأنّه يجوز أن يكون ( آيَةٍ ) حالاً و ( مِنْ ) زائدة، كما جاءت «آية» حالاً في قوله تعالى: ( هذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً ) (7)، والمعنى: أيّ شيء ننسخ قليلاً أو كثيرًا.
وأجيب عنه (8): بأنّه تخريج التنزيل على شيء إن ثبت فهو شاذّ، أعني: زيادة
«مِن» في الحال، وتقدير ما ليس بمشتقّ ولا منتقل (1)، ولا يظهر فيه معنى الحال حالاً.
قوله : وزيد عند الأخفش في الإيجاب، فجرّ النكرة والمعرفة.
هذا هو المحكيّ عن الكوفيّين أيضًا (2)، واستدلّ لذلک بقوله تعالى : ( يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) (3)، حيث إنّ « مِن » زيدت في كلامٍ موجبٍ وجرّت المعرفة.
وأجيب عنه (4): بأنّ « مِن » فيه للتبعيض، أي : يغفر لكم من ذنوبكم شيئًا، أو يغفر لكم بعض ذنوبكم.
وردّ (5)بأنّ قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ) (6)يناقضه.
وأجيب (7): بأنّ قوله تعالى : ( يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ) (8)خطابٌ لقوم نوح،
1) . في المصدر: ومنتقل.
2) . و ممّن رأى زيادة « من » في الإيجاب الكسائيّ وابن جنّي وابن مالک، ينظر: معاني القرآنللأخفش: 272 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 71 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 9 و 10 ؛ والمفصّل : 11و380 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 136 ؛ والإنصاف : 1 / 310 ؛ وشرح الرضيّ علىالكافية: 2 / 108 ، و 4 / 268 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 325 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 17 ؛والفوائد الضيائيّة: 505.
3) . سورة الأحقاف : 31 .
4) . ينظر: اللباب في علل البناء والإعراب : 241.
5) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 4 / 268.
6) . سورة الزمر : 53 .
7) . ينظر: الإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 136 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 4 / 268.
8) . سورة نوح : 4 .
وقوله تعالى: ( إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ) خطابٌ لأمّة محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم).
و على تقدير تسليم كونهما خطابًا لأمّةٍ واحدة، فالتناقض مدفوعٌ أيضًا؛ لأنّ غفران بعض الذنوب لا يناقض غفران كلّها، بل عدم غفران بعضها يناقض غفران كلّها(1).
و على فرض تسليم التناقض بين غفران البعض و غفران الكلّ نقول: إنّه يمكن دفع التناقض (2)أيضًا بأنّ المراد من « يغفر لكم بعض ذنوبكم » هو غير الشرک،
وقوله تعالى: ( يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ) ليس على عمومه؛ لقوله تعالى: ( إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَکَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ ) (3)، بل المراد به أيضًا غير الشرک، فاندفع
التناقض بين الآيتين، فلا يتمّ الاستشهاد بالآية لزيادة «مِنْ» في الإيجاب.
هذا أحد أدلّتهم على ذلک، والدليل الثاني لهم: ما حكي ذلک من العرب، وهو قوله (4): « قد كان من مطر » (5)، فإنّ « مِن » وقعت فيه زائدة في الإيجاب.
1) . ينظر: الإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 136 ؛ شرح الرضيّ على الكافية : 4 / 268.
2) . في « م » : التعارض .
3) . سورة النساء : 48 .
4) . قال الميرزا أبو طالب الأصفهانيّ في حاشيته على البهجة المرضيّة : تمامه على ما وجدنا فيبعض النسخ الغير المعتبرة هكذا :قد كان من مطر من فضل رازقنافضلاً على الأرض والانعام والناسينظر: البهجة المرضيّة: 1 / 444، الهامش 7 .
5) . ينظر: الإيضاح في شرح المفصّل: 2/ 136 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية : 2 / 108 ،و4/268 ؛ ومغني اللبيب : 1 / 325 ؛ وشرح الأشموني : 2 / 212.
وأجيب عنه (1): بأنّه على سبيل الحكاية، كأنّه قد سأل: هل كان من مطر؟
فأجيب بأنّه: قد كان مِنْ مَطَر، فزيدت « مِنْ » في الموجب لأجل الحكاية المزيدة في غير الموجب.
وأجاب عنه ابن الحاجب في إيضاح المفصّل (2)بعد نقل الجواب المذكور: بأنّ «مِنْ» فيه للتبعيض، لا للزيادة، والتقدير: قد كان شيء من مطر، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
والدليل الثالث لهم : ما ذكره من قول الشاعر : « و يَكْثُرُ فيه مِنْ حَنِينِ الأبَاعِرِ»، أوّل البيت : « يَظَلُّ بِهِ الحَرْباءُ يَمْثلُ قَائمًا » (3).
اللغة : « يظلّ » بمعنى : يصير، « الحرباء » قال في المجمع :
هو حيوان يستقبل الشمس برأسها (4)، و يدور معها كيف دارت (5).
« يمثل قائمًا » قيل: أي : ينتصب قائمًا (6)، والحنين هو الصوت، «الأباعر»
1) . ينظر: الإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 136 ؛ شرح الرضي على الكافية : 4 / 268 ؛والفوائد الضيائيّة: 505.
2) . الإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 136 .
3) . البيت بلا نسبة في شرح الألفيّة لابن الناظم : 142 ؛ و شرح التسهيل : 3 / 10 ؛ وجمهرةاللغة : 316 ؛ والدرر : 4 / 183 ؛ والمقاصد النحويّة : 3 / 275 ؛ وهمع الهوامع : 2 / 35 ؛وشرح الكافية الشافية : 2 / 799.
4) . في المصدر: والحرباء حيوان أكبر من الغطاءة تستقبل الشمس برأسها.
5) . مجمع البحرين : 2 / 38 .
6) . مجمع البحرين : 5 / 471 .
جمع: بِعْرَان (1)، جمع: بَعِير (2).
التركيب: « يظلّ » فعل، و « الحرباء » اسمه، و « به » متعلّق به بمعنى: فيه، والضمير فيه يعود إلى « يوم »، وصفه الشاعر لهيجان حرّه، « يَمْثلُ » خبر «يَظلُّ»، «قائمًا» حالٌ من فاعل « يَمثلُ »، « ويَكْثُر » عطفٌ على « يَظلُّ »، «فيه» متعلّق به، «من حنين الأباعر» فاعله، والشاهد فيه حيث زيدت «مِنْ» في كلامٍ موجبٍ ومجرورها نكرة.
تنبيه
اعلم : أنّ فائدة « مِن » الزائدة - كما ذكره بعض المحقّقين (3)- التخصيص على كون النكرة مستغرقة للجنس؛ إذ لولاها لاحتمل احتمالاً مرجوحًا أن يكون معنى «ما جاءني رجل» : ما جاءني رجل واحد، بل جاءني رجلان أو أكثر (4)، فهي إذن لتأكيد ما استفيد من النكرة في غير الموجب من الاستغراق، وذلک أنّ النكرة كانت في الظاهر للاستغراق، لكنّها كانت تحتمل غير ذلک.
1) . «بُِعْرَان» بالضمّ والكسر.
2) . قال الزبيديّ في تاج العروس : « ج أبْعِرَةٌ، و جمع أبْعِرَةٍ أباعِرُ، وليس جمعًا لبَعِيرٍ، كما قالهابن برّيّ، وذكر الشاهد قول يزيد بن الصقيل العقيليّ » إلى أن قال : « و تجمع الأبْعِرَة أيضًاعلى: أباعير، ومن جموع البعير: بُعْرَان و بِعْرَان، بالضمّ والكسر، الأخيرة عن الفرّاء، وبُعُرٌكرغيف و رُغُفٍ ». انتهى. تاج العروس : 6 / 101.
3) . هو رضي الدين الأسترآباديّ ؛ في شرحه على الكافية : 4 / 269.
4) . في « س » : كرجل .
فقولک : « ما جاءني رجل » ظاهرٌ في نفي المجيء عن جميع أفراد الرجال، ويحتمل غيره، بخلاف قولک: « ما جاءني من رجل »، فإنّه نصٌّ في ذلک، فلايحتمل غيره.
هذا، وقد ذكروا ل- «مِن» معاني كثيرة تركها المصنّف هنا، فلا بأس أن نذكر هنا منها، فأقول :
الأوّل : أنّها تجيء للتعليل، كقوله تعالى: ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ) (1).
والثاني: البدل، نحو قوله تعالى : ( أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاْخِرَةِ ) (2)، وقوله تعالى : ( لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الاَْرْضِ يَخْلُفُونَ ) (3)؛ لأنّ الملائكة لاتكون من الإنس، وسيشير المصنّف إلى هذا المعنى.
والثالث : مرادفة « عن »، نحو قوله تعالى : ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ ) (4).
والرابع : مرادفة الباء، نحو: ( يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) (5)- كما حكي عن
يونس (1)- قال ابن هشام :
والظاهر أنّها للابتداء (2).
والخامس : مرادفة « في »، نحو: ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) (3)، أي :
في يوم الجمعة.
والسادس : مرادفة « عند »، نحو: ( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَولاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) (4).
والسابع : مرادفة « على »، نحو: ( وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ ) (5).
قوله : نحو : ( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (6).
اعلم: أنّ «حتّى» الجارّة لها معنيان؛ لأنّها تارةً تكون بمعنى «كي»، وأخرى بمعنى «إلى»، قال نجم الأئمّة :
ولا تجرّ بمعنى «كي» إلّا مصدرًا مؤوّلاً به الفعل المنتصب بعدها ب- «أن» المضمرة، نحو: « أسلمت حتّى أدخل الجنّة ».
في قوله تعالى: (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (1)... .
وعن الكسائيّ: أنّ جرّ ما بعد « حتّى » ب- «إلى»، لا بها نفسها؛ لأنّ العامل ينبغي أن يكون لازمًا بأحد (2)القبيلين، و « حتّى » تدخل على الأسماء والأفعال ... ، وما بعد « حتّى » الجارّة يمكن أن يكون جزءًا ممّا قبلها، كما تقول: « أكلت السمكة حتّى رأسها » ... ، وأن لا يكون كذلک، لكن يكون شيئًا متّصلاً بآخر أجزاء ما قبلها، نحو: « نمت البارحة حتّى الصباح »، و( سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (3).
و هل يكون ما بعد «حتّى» داخلاً في حكم ما قبلها ؟ فيه أقوال :
الأوّل: الدخول مطلقًا، وهو مختار الزمخشريّ وابن الحاجب (4).
والثاني : تجويز الدخول وعدمه كذلک، و هو مختار المصنّف (5).
والثالث : التفصيل بين ما لو كان جزءًا ممّا قبلها فالدخول، وإلّا فلا، وهو
المنقول عن عبدالقاهر والرمانيّ والأندلسيّ (1).
والظاهر الأوّل؛ لأنّک لو قلت : «أكلت السمكة حتّى رأسها»، و «قرأت سورة العزيمة حتّى آية السجدة»، و «نمت البارحة حتّى الصباح»، لتبادر منه في العرف دخول ما بعدها في حكم ما قبلها.
قوله : نحو : سرت البارحة إلى آخر الليل .
اعلم: أنّ « إلى » في المثال المذكور للانتهاء في الزمان، ومثله قوله: (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (2)، ويكون غاية للمكان أيضًا، كقولک: «سرت من البصرة إلى
الكوفة»، وقد يكون لغيرهما، كما تقول: « هذا الكتاب من زيد إلى عمرو ».
ثمّ اعلم : أنّ الفرق بين «حتّى» و «إلى» من أوجه :
الأوّل: هو أن يكون (3)الظاهر أنّ ما بعد «إلى» غيرُ داخل في حكم ما قبلها مطلقًا، سواء كان جزءًا منه أو لا، كما هو المنقول عن أكثرهم (4)، وقد عرفت أنّ الحقّ في « حتّى » الدخول، وإن ذهب بعضهم إلى دخوله هنا أيضًا مطلقًا، وبعضهم
إلى التفصيل بين ما كان من جنس ما قبلها فالدخول، وإلّا فلا.
وهما ليسا بشيء؛ لأنّک لو قلت: « أكلت السمكة إلى رأسها »، و « قرأت سورة العزيمة إلى آية السجدة »، و « قرأت القرآن إلى الكهف »، يتبادر منه عدم الدخول بحيث لا يكاد ينكر، كما في قوله تعالى : (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (1)، نعم لو وجدت قرينة على الدخول فذاک شيء آخر .
والثاني : هو أنّه يلزم في « حتّى » أن يكون ما قبلها شيء ذو أجزاء لفظًا أو تقديرًا، كقولک: « أكلت السمكة حتّى رأسها »، و « نمت حتّى الصباح »، أي: نمت الليلة حتّى الصباح، بخلاف « إلى »، فإنّه لا يلزم فيما قبلها ذلک، تقول: «قلبي إليک».
والثالث : هو أنّ « إلى » يكون مجرورها ظاهرًا ومضمرًا كما مرّ، بخلاف «حتّى»، فإنّ مجرورها لا يكون ضميرًا إلّا نادرًا، كما مرّ أيضًا.
والرابع: هو أنّ « حتّى » تدخل على المضارع، فينصب المضارع بعدها ب- «أن» مضمرة كما مرّ، بخلاف « إلى »، فإنّ الأمر فيها ليس كذلک.
والخامس : هو ما ذكره بعض المحقّقين (2)من أنّ مجرور « حتّى » لابدّ أن يكون آخرًا، كما مرّ في قولک : « أكلت السمكة حتّى رأسها »، أو ملاقيًا لآخر جزء
نحو: ( سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (1)، فلا يقال : قرأت القرآن حتّى ثلثه، وسرت البارحة حتّى ربعه، بخلاف « إلى »، فتقول : «قرأت القرآن إلى الثلث»، و «سرت البارحة إلى ثلثها»، وهكذا.
ول- «إلى» أيضًا معانٍ نذكر جملة منها في المقام :
الأوّل : المعيّة، حمل عليها جماعة (2)قوله تعالى: ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ ) (3)، وكذا قوله تعالى : ( وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ) (4).
وهو غير متعيّن؛ لإمكان حملها على معناها الحقيقيّ - أي: الانتهاء - بأن يكون المعنى في الأوّل: فلمّا أحس عيسى منهم الكفر قال: مَن أنصاري حال كونه ملتجأ إلى الله، وفي الثاني: ولا تأكلوا أموالهم تضمّونها إلى أموالكم (5).
والثاني : مرادفة اللام، نحو : ( وَالاَْمْرُ إِلَيْکَ ) (6).
والثالث: التبيين، قال ابن هشام :
وهي المبيّنة لفاعليّة مجرورها بعد ما يفيد حُبًّا أو بُغضًا من فعل تعجّب أو اسم تفضيل، نحو : ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ) (1).
قوله : فَليْتَ لِي بهم قَومًا إذا ركبُوا (2).
هذا صدر بيت عجزه : « شَنُّوا الإغارةَ فُرْسَانًا ورُكْبَانًا ».
اللغة : « شنّوا » أي : فرّقوا، يقال : شَنَّ الماء على الشراب: إذا فَرَّقَه عليه (3)، و«شنّ عليهم الغارة »: إذا فرّقها عليهم من كلّ وجه، كما قال الجوهريّ (4).
و«فرسانًا » جمع : فارس، و « ركبانًا » جمع : راكب، والمراد بهم (5)هنا من ركب الإبل خاصّة.
التركيب : « ليت » من أحرف المشبّهة بالفعل، و « لي » خبره، واسمه: « قومًا »، و«بهم» متعلّق بالمقدّر، حالٌ من « قومًا »، و جوّز تنكيره تأخيره من الحال، «إذا»
1) . مغني اللبيب : 1 / 75 ؛ والآية في سورة يوسف : 33 .
2) . البيت لقريط بن أنيف العنبريّ في خزانة الأدب: 6 / 237، 7 / 414 ؛ والدرر: 3 / 80 ؛والمقاصد النحويّة: 3 / 72، 277 ؛ و شرح شافية ابن الحاجب لرضي الدين الأسترآباديّ :4/ 148 ؛ ولسان العرب : 1 / 429. وللحماسيّ في: مغني اللبيب: 1 / 104 ؛ وهمع الهوامع :2 / 418. وبلا نسبة في: شرح الألفية لابن الناظم: 142 ؛ والجني الداني: 1 / 40 ؛ وشرحالأشمونىّ: 2 / 88 ؛ وشرح ابن عقيل: 1 / 577، 2 / 19 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 21.
3) . ينظر: لسان العرب: 13 / 227 ؛ والقاموس المحيط: 4 / 240.
4) . الصحاح: 5 / 2145 .
5) . كذا في النسخ المخطوطة.
شرطيّة، « ركبوا » فعل الشرط، « شنّوا » جزاؤه، « الإغارة » مفعول «شنّوا»، «فرسانًا» و «ركبانًا» حالان من فاعل « شنّوا »، مترادفين أو متداخلين.
والمعنى واضح .
قوله : السرج للدابّة.
ومنه : « العزّة لله »، و « الحمد لله »، و مثلهما (1).
قوله : نحو : ( فَهَبْ لِي مِن لَدُنْکَ وَلِيًّا ) (2).
في كون اللام للتعدية في الآية خفاء، بل عن المصنّف في شرح التسهيل (3): أنّ اللام فيها لشبه التمليک، فالأولى أن يمثّل للتعدية بقولک: « ما أضرب زيدًا لعمرو»، و «لا أحبّ بكرًا لخالد».
قوله : وإنّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاکِ هَزَّة (4).
1) . في « س » : ومثلها.
2) . سورة مريم : 5 .
3) . شرح التسهيل: 3 / 15، وفيه: « ولام شبه التمليک نحو: ( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْأَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً )، سورة النحل : 72 ». وينظر أيضًا: شرحالتصريح على التوضيح : 1 / 642، ومغني اللبيب : 1 / 215.
4) . البيت لأبي صخر الهذليّ في الأغاني لأبي الفرج الأصفهانىّ : 5 / 124 ؛ والإنصاف :1/205 ؛ وخزانة الأدب : 3 / 254، 255، 257، 260 ؛ والدرر: 3 / 79 ؛ وشرح التصريح :1 / 512؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 67. وبلا نسبة في: شرح الألفية لابن الناظم: 143 ؛ وشرحالتسهيل: 2/ 125، 286 ؛ وأوضح المسالک: 117، 146 ؛ وشرح قطر الندى: 226، 228 ؛وشرح شذور الذهب: 1 / 255 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 2 / 45 ؛ وشرح ابن عقيل :2/20 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 482 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 122.
آخره : « كما انتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ » (1).
ياء اسم « إنّ »، « لذكراک » متعلّق ب- «لتعروني»، « هزّة » فاعله، والجملة خبر «إنّ»، « كما انتفض العصفور » الكاف للتشبيه، و « ما » مصدريّة، « انتفض » فعل، «العصفور » فاعله، « بلّله » فعل، والهاء مفعوله، « القطر » فاعله، والجملة في موضع الحال عن « العصفور » بتقدير « قد ».
وقد تقدّم البيت في مبحث المفعول له (2).
والشاهد في : « لذكراک »، حيث إنّ اللام فيه للتعليل.
قوله : ولا لِلِما بِهِمْ أبدًا دَوَاء (3).
1) . قال الميرزا أبوطالب الاصفهانيّ في حاشيته على البهجة المرضيّة: « تعروني : تأخذوني،وفاعل ذكراک هو المتكلّم، و مفعوله المخاطب، و هزّة أي : قشعريرة و حركة، و هي فاعلالفعل، وانتفض - بالنون والفاء والضاد المعجمة - من النفض و هو التحريک لأجل سقوط شيءمن الماء والتراب و نحوهما من المتحرّک، واللام في العصفور للعهد الذهنيّ، ولذا وصفبالجملة و هي قوله : بلّله القطر، والقطر - بفتح القاف و سكون الطاء المهملة - الغيث الرقيق ».انتهى.
2) . لم نعثر عليه في النسخ الخطّية الموجودة عندنا.
3) . البيت لمسلم بن معبد الوالبيّ في خزانة الأدب: 2 / 308، 312، 5 / 157، 9 / 528 ؛والدرر: 5 / 147. وبلا نسبة في: الإنصاف: 2 / 465 ؛ وشرح الألفية لابن الناظم: 201 ؛وشرح التسهيل: 3 / 165 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 1 / 386، 2 / 364، 4 / 285،325؛ وأوضح المسالک: 203 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 181، 183 ؛ والمقاصد النحويّة: 4/102؛وشرح الأشمونيّ: 2 / 350 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 610؛ وشرح التصريح: 2 / 145.
أوّل البيت : « فَلا واللهِ لا يُلْفَى لِمَا بِي ».
« يُلْفَى » بالبناء للمفعول .
التركيب : « لا » في « فلا » زائدة، « والله » متعلّق ب- «أقسم» المحذوف، «لا يُلفَى» لا فيه نافية، « لما » متعلّق ب- «يلفى»، « بي » متعلّق بالمقدّر وجوبًا؛ لكونه صلة للموصول، « و لا للما بهم » عطفٌ على « يلفى لما بي »، « أبدًا » ظرف، «دواء» نائب الفاعل ل- «يلفى».
والمعنى واضح .
والشاهد في : « و لا لِلِمَا بِهِم »، حيث زيدت اللام فيه للتأكيد.
قوله : وتأتي للتقوية .
أي: لتقوية الضعف في العامل، وهذا الضعف للعامل إمّا لتقدّم المعمول عليه كما ذكره في قوله تعالى: ( لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ) (1)، و مثله قوله تعالى : ( هُدًى وَرَحْمَةٌ
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) (2)، أو لكونه فرعًا في العمل كقوله تعالى : ( فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) (3)، و مثله قوله تعالى : ( مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ) (4)، و قوله تعالى : ( نَزَّاعَةً
لِلشَّوى ) (1)، أو لهما معًا كقوله تعالى : ( وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ) (2).
قوله : وهو معنى بين التعدية والزيادة .
أشار بذلک إلى أنّ اللام هذه ليست زائدة محضة؛ لما في العامل من الضعف الّذي نزّله منزلة اللازم، ولا معديّة كذلک؛ لصحّة إسقاطها مطّردًا، بل هي بينهما، فلها منزلة بين منزلتين.
قيل (3): وهو مشكل؛ لأنّ الزائدة المحضة لا تتعلّق (4)بشيء، وغير الزائدة متعلّقة، فيلزم من هذا أن يكون هذه اللام متعلّقة و غير متعلّقة في آنٍ واحد، وهو ممتنع؛ لأدائه إلى الجمع بين المتنافيين.
هذا، وقد حكم ابن هشام (5)بأنّ هذا القسم من اللام من أنواع اللام الزائدة زيدت للتقوية.
قوله: لعدم إمكان زيادتها فيهما؛ [ لأنّه لم يعهدّ ] (6)، وفي أحدهما؛ لعدم المرجّح.
قوله: « وفي أحدهما » عطفٌ على الضمير المجرور في: «فيهما»، ولهذا أعاد الجارّ، يعني: أنّ اللام المقوية لا يؤتى على معمول العامل المتعدّي إلى مفعولين؛
لعدم إمكان زيادة تلک اللام في كلا المفعولين؛ لأنّ العامل الواحد لا يتعدّي بحرفٍ واحدٍ إلى اثنين، كذا قيل (1).
وفيه نظر؛ لأنّ ذلک إنّما يقال إذا كان العامل لازمًا أزيد تعديته بالحرف، فيقال : لايمكن تعدية عامل واحد بحرفٍ واحدٍ إلى شيئين، وهنا ليس كذلک؛ لأنّ العامل متعدّ.
ولعلّه لهذا عدل الشارح عنه فقال: « لأنّه لم يعهد »، إلّا أن يكون المراد أنّ عاملاً واحدًا لا يتقوّي إلى شيئين بحرفٍ واحد.
وفي قوله: « وفي أحدهما لعدم المرجّح » نظرٌ أيضًا؛ لأنّه إذا تقدّم أحد المعمولين دون الآخر لكان تقدّمه مرجّحًا لزيادة اللام فيه، إلّا أن يقال: إنّ مراده فيما (2)إذا كان المعمولان متقدّمين جميعًا، أو متأخّرين كذلک، فتأمّل.
تنبيه
قال ابن هشام :
ومن اللام الزائدة لام الاستغاثة (3)عند المبرّد، واختاره ابن خروف، بدليل صحّة إسقاطها.
ثمّ قال :
وقال جماعة: إنّها غير زائدة، ثمّ اختلفوا، فقال ابن جنّي: متعلّقة بحرف النداء؛ لِما فيه من معنى الفعل، وردّ بأنّ معنى الحرف لا يعمل في المجرور.
ثمّ قال :
وقال الأكثرون: أنّها متعلّقة بفعل النداء المحذوف ... (1)، واعترض بأنّه متعدّ بنفسه، فأجاب ابن أبي الربيع بأنّه ضمن معنى الالتجاء في نحو: «يا لزيد»، والتعجّب في نحو : «يا لله (2)و يا للدواهي»، وأجاب ابن عصفور وجماعة بأنّه ضعف بالتزام الحذف، فقوى تعديته (3)باللام (4).
ثمّ قال أيضًا :
فإن قلت : إنّ اللام لا تدخل في نحو : «زيدًا ضربته»، مع أنّ الناصب ملتزم الحذف، قلت : لما ذكر في اللفظ ما هو عوضٌ عنه (5)كان بمنزلة ما لم يحذف.
فإن قلت : وكذلک حرف النداء عوضٌ عن فعل النداء، قلت : إنّما هو
كالعوض، ولو كان عوضًا ألبتّة لم يجز حذفه.
ثمّ إنّه ليس بلفظ المحذوف، فلم تنزل (1)منزلته من كلّ وجه (2).
وقال أيضًا :
ومن اللام الزائدة اللام المسمّاة بالمقحمة، وهي المعترضة بين المتضايفين ...، ومن ذلک قولهم: « لا أبًا لزيد، و لا أخًا له، و لا غلامي له» على قول سيبويه إنّ اسم «لا» مضاف لما بعد اللام (3).
تتميم
اللام بمعنى «إلى»
ومن معاني اللام كونها بمعنى «إلى»، كقوله تعالى : ( بِأَنَّ رَبَّکَ أَوْحَى لَهَا ) (4)، ( كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَلٍ مُسَمًّى ) (5)، أي: أوحى إليها، وإلى أجلٍ مسمّى.
ومثلهما قوله تعالى: ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) (1)، أي: إلى ما نهوا، ومنه قوله تعالى: ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي ) (2)، أي: إلى الّذي.
ومن معانيها كونها بمعنى «على»، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ( يَخِرُّونَ لِلاَْذْقَانِ سُجَّدًا ) (3)، أي: على الأذقان. وكذا قوله تعالى: ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) (4)، أي :
على الجبين.
ومن معانيها أيضًا كونها بمعنى «في»، ومنه قوله تعالى : ( يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) (5)، أي: في حياتي على أحد الاحتمالين، والاحتمال الآخر أن يكون بمعنى التعليل، أي: لأجل حياتي في الآخرة.
ومنه أيضًا قوله تعالى: ( وَ نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَومِ الْقِيَامَةِ ) (6)، أي: في
يوم القيامة.
ومن معانيها كونها بمعنى «بعد»، نحو قوله تعالى: ( أَقِمِ الصَلاَةَ لِدُلُوکِ الشَّمْسِ ) (1)، أي: بعد دلوک الشمس.
ومن معانيها أيضًا كونها بمعنى «عن»، نحو قوله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) (2)، أي: عن الّذين آمنوا، على ما قال بعض منهم (3).
ومنه قوله تعالى: ( قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لاُِولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا ) (4).
ومن معانيها كونها للقسم، ويختصّ باسم الله تعالى، كقوله: «للهِ يَبْقَى (5)عَلى
الأيّامِ ذو حِيَدٍ » (1).
قوله: ( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ ) (2)، إلى آخره.
أتى بأربعة أمثلة لكلّ من: الظرف الحقيقيّ والمجازيّ مثالاً، لكلّ من: الباء و«في»، باللفّ والنشر المرتّب.
قوله : ولا يجمع بينها وبين الهمزة .
وذلک لأنّ معنى الفعل المتعدّي بالباء معناه معنى الفعل مع الهمزة، فقولک : «ذهب الله بنورهم» معناه: أذهب الله نورهم، فجَمْعُها مع الهمزة لغو.
ثمّ اعلم : أنّ تعدية الفعل القاصر عن المفعول إليه ليست مختصّة بالباء من جملة
1) . آخره: «بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَيَّانُ والآسُ ». البيت لأبي ذؤيب الهذليّ في شرح شواهد الإيضاح :544؛ ولمالک بن خالد الخُناعيّ الهذليّ في: جمهرة اللغة: 57 ؛ وشرح أبيات سيبويه :1/499؛ ولسان العرب: 3 / 158، 4 / 429، 6 / 173. ولأميّة بن أبي عائذ في الكتابلسيبويه: 3 / 497. ولعبد مناة الهذليّ في شرح المفصّل: 9 / 98 ؛ والدرر: 4 / 162. وبلانسبة في: الأشباه والنظائر: 6 / 23 ؛ و شرح التسهيل: 3 / 30 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية :4/ 315 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 214 ؛ والإيضاح: 2 / 143 ؛ وشرح الأشمونيّ : 2 / 78 ؛وهمع الهوامع: 2 / 479.
2) . سورة الصافّات : 137 .
حروف الجرّ، بل جميع حروف الجرّ صالحة لذلک، كما صرّح به نجم الأئمّة (1)، لكنّ التعدية بالباء كالتعدية بالهمزة والتضعيف من نقل معنى الفعل وتغييره، وهذا المعنى مختصّ بالباء من بين حروف الجرّ، وأمّا غيره فمعنى الفعل معه معناه عند عدمه، فقولک: « اقترب للناس أجلهم » معنى « اقترب » مع اللام وغيرها واحد، و«ما أحبّ أمرًا (2)لخالد» معنى «أحبّ» مع «لخالد» معناه من غيره، وهكذا.
قوله : والتعويض غير البدل.
أراد بذلک دفع الاعتراض عن المصنّف، تقريره: هو أنّ التعويض والبدل واحد، فعلى هذا يستغنى بذكر أحدهما عن الآخر، فلِمَ ذكرهما المصنّف في المقام حيث قال أوّلاً: « ومِنْ وبَاءٌ يُفهِمان بدلا »، ثمّ ذكر التعويض من جملة معاني الباء، حيث قال: « بالباء استعن وعَدّ أَلْصِق عوّض (3)» ؟
تقرير الدفع: هو أنّا لا نسلّم اتّحاد البدل والتعويض، بل متغايران (4)، وجه المغائرة: هو أنّ في العوض يعتبر وجود الشيئين: العوض والمعوّض عنه في آنٍ واحد، بخلاف البدل، فإنّه لا يعتبر فيه ذلک، فإنّک تقول: أبدّل هذا التأليف بالتأليف
في علمٍ آخر، وهكذا.
قوله : نحو : وصلت هذا بهذا.
الإلصاق (1)على قسمين : حقيقيّ ومجازيّ، والّذي ذكره مثالٌ للإلصاق الحقيقيّ، ومثله قولک: « أمسكت بزيدٍ » إذا أقبضت على شيء من جسمه، أو على ما يحبسه من يد أو ثوب. وأمّا المجازيّ فكقولک: « مررت بزيدٍ »، أي: ألصقت مروري بمكانٍ يقرب من زيد.
قوله: ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِکَ ) (2)، إلى آخره.
فالباء في الأولى بمعنى « مع »، وفي الثانية بمعنى « مِن » التبعيضيّة، وفي الثالثة بمعنى « عن »، أي: مع حمدک، وعينًا يشرب منها عباد الله شيئًا، وسأل سائل عن عذاب واقع.
تنبيه
انتصاب « عينًا » في قوله تعالى: ( عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ ) (3)إمّا بفعلٍ يفسّره ما بعده من باب اشتغال العامل، أو بالبدليّة من « كافورًا » في قوله تعالى: ( إِنَّ
الاَْبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ) (1)، وهذان الاحتمالان إنّما يكونان صحيحين إذا جعلت « عينًا » اسم « ما »، أو بالبدليّة من محلّ « مِن كأس » على تقدير مضاف، أي: ماء عين، أو خمرها.
واعلم: أنّ الباء قد تزاد أيضًا للتأكيد، وحصروا مواضع زيادتها، فلا بأس بذكرها لئلّا يغفل عنه غافل و يذهل عنه ذاهل.
فأقول: من تلک المواضع : الخبر بعد « هل » الاستفهاميّة، تقول: «هل زيدٌ بقائم»، لا بعد همزتها، فلا يقا : أزيدٌ قائم.
ومنها : الخبر المنفيّ ب- «ليس»، أو ب- «ما»، نحو: «ليس زيد بقائم»، و «ما زيد بعالم».
ومنها : الفاعل ل- «كفى» و جميع متصرّفاته، تقول: «كفى بالله معينًا»، ولا فعل التعجّب على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
ومنها : المفعول به، تقول : «نرجوا بالفرح».
ومنها : المبتدأ الّذي هو «حسبک»، تقول: «بحسبک درهم».
قال نجم الأئمّة بعد ما ذكر هذه المواضع :
وتزاد شاذًّا في خبر المبتدأ الموجب، نحو: ( جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ) (2).
قوله : أو معنًى، نحو : تكبّر زيدٌ على عمرو .
والأوّل (1)هو الّذي يسمّونه بالاستعلاء الحقيقيّ، والثاني بالمجازيّ.
قال نجم الأئمّة :
« على » للاستعلاء، إمّا حقيقة نحو: «زيد على السطح»، أو مجازًا نحو : «عليّ (2)دَين»، كما يقال: «ركبه دين»، كأنّه يحمل ثقل الدين على عنقه أو على ظهره، و منه: «عليّ قضاء الصلاة»، و «عليه القصاص»؛ لأنّ الحقوق كأنّها راكبة لمن تلزمه، وكذا قوله تعالى : ( كَانَ عَلَى رَبِّکَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) (3)تعالى الله من (4)استعلاء شيء عليه، ولكنّه (5)إذا صار الشيء مشهورًا في الاستعمال في شيء (6)لم يراع أصل معناه، نحو: «ما أعظم الله»، ومنه: «توكّلت على فلان» (7).
كأنّک تحمل ثقلک عليه، ثمّ صار بمعنى: وثقت به، حتّى استعمل في الباري تعالى، نحو: « توكّلت على الله »، أي: اعتمدت عليه.
قوله: إذا رَضِيَتْ عَلَيّ بَنُو قُشَيْرٍ (1).
آخره: « لَعَمْرُ أبِيک (2)أعجَبَني رِضَاهَا ».
اللغة : « بنو قشير » اسم لقبيلة، ولذا أعاد الضمير المؤنّث عليها.
التركيب : « إذا » شرطيّة، « رضيت » فعل الشرط، « بنو قشير » فاعله، «على» متعلّق ب- «رضيت»، « لعمر أبيک » مبتدأ، وهو بفتح العين المعجمة، اللام فيه موطّئة، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا، « أعجبني » جزاء الشرط، النون فيه للوقاية، والياء مفعول، و « رضاها » فاعل، والضمير فيه يعود إلى « بنو قشير ».
والشاهد في: « على »، حيث إنّ « على » فيه بمعنى « عن »، أي: إذا رضيت عنّي بنو قشير.
والمعنى واضح.
وذهب نجم الأئمّة إلى حمل « على » في البيت على معناها، حيث قال :
وأمّا قوله: «إذا رضيت عليّ بنو قشير ...»، فلحمل « رضيت » في
1) . البيت للقُحَيْف العُقَيْليّ في أدب الكاتب: 507 ؛ وخزانة الأدب: 10 / 150 ؛ والدرر :4/135 ؛ وشرح التصريح: 1 / 651 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 282 ؛ ولسان العرب :14/323 ؛ وشرح شواهد المغني: 1 / 416 ؛ وبلا نسبة في: الإنصاف: 2 / 516 ؛ والأشباهوالنظائر: 2 / 118 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 29 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 4 / 272، 321 ؛وأوضح المسالک: 148 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 143، 2 / 677 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 90 ؛وشرح ابن عقيل: 2 / 25 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 440.
2) . في المصادر : لعمر الله .
التعدّي على ضدّه، أي : سخطت (1).
وقال ابن هشام :
ويحتمل أنّ « رضى » ضمن معنى «عطف» (2).
فعلى هذا يكون « على » بمعناها (3)أيضًا.
ومن معاني « على » التعليل، نحو : ( لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) (4)، أي :
لهدايته إيّاكم.
ومن معانيها كونها مثل « مِن »، نحو قوله تعالى: ( إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوفُونَ ) (5)، كما ذكره ابن هشام وغيره (6).
ومن معانيها أيضًا كونها مثل باء، كقوله تعالى: ( حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ ) (1)، أي: بأن لا أقول.
و من معانيها أيضًا الاستدراک والإضراب، كما تقول: « فلان لا يدخل الجنّة لسوء عمله، على أنّه لا ييأس من رحمة الله »، وقد تقدّم الكلام في « على » هذه في آخر الضمائر (2).
قوله : ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) (3).
والشاهد في : ( عن طبق )، فإنّ « عن » فيه وقع موقع (4)« بعد »، أي: لتركبنّ طبقًا بعد طبق. و محلّ « عن » نصب؛ لكونه صفة عن ( طبقًا )، أو لكونه حالاً من ضمير ( لتركبنّ ).
والمعنى : قيل (5): لتركبنّ الآخرة بعد الدنيا. وقيل (6): لتركبنّ هذه الأحوال أمّة
بعد أمّة. والمعنى الأوّل أوفق بالصفتيّة، والثاني بالحاليّة، قيل (1): فيه معاني أخر.
قوله : لا أفضلت (2)في حسب عنّي (3).
تمام البيت :
لاه ابن عمّکَ لا أفضلت في حسب *** عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
اللغة : « لاه ابن عمّک » أصله : لله درّ ابن عمّک، حذفت اللّامان الجارّة وغيرها (4)شذوذًا، فصار : لاه، « الحَسَب » بفتح السين قيل (5): الدين وما يَعُدُّه الإنسان من مفاخر آبائه، و « الديّان » : المالک، « فتخزوني » أي: فتسوسني، من : خزاه إذا ساسه.
التركيب : « لاه » خبرٌ مقدّم لمبتدأ محذوف، كما عرفت من أنّ أصله: لله درّ ابن عمّک، منصوبٌ بنزع الخافض، أي: لابن عمّک، « لا أفضلت » لا نافية، «أفضلت»
1) . لم نعثر على قائله.
2) . في المصدر : « لاه ابن عمّک لا أفضلت في حسب »، إلى آخره.
3) . البيت لذي الإصبع العدوانيّ في: الإنصاف: 1 / 170 ؛ وأدب الكاتب: 513 ؛ والدرر :4/143 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 147 ؛ وشرح التصريح: 1 / 153 ؛ وخزانة الأدب: 7/ 158،168، 10 / 136 ؛ ولسان العرب: 11 / 525. ولكعب الغنويّ في: الأزهية: 97. وبلا نسبةفي: الإنصاف: 1 / 325 ؛ وشرح الألفية لابن الناظم : 144 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 29 ؛ وشرحالرضيّ على الكافية: 3 / 231، 4 / 321 ؛ وأوضح المسالک: 148 ؛ وشرح ابن عقيل: 2/23؛وشرح الأشمونيّ: 2 / 94 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 443.
4) . في « م » : غيره .
5) . قاله الأزهريّ في شرح التصريح: 1 / 653.
فعل وفاعل، « في حسب » متعلّق به، « ولا أنت ديّاني » مبتدأ وخبر، و « لا » نافية، ولم تعمل؛ لأنّ عملها مختصّ بالنكرات.
والشاهد : في « عنّي »، حيث إنّ « عن » فيه بمعنى: « على ».
والمعنى : لله خير كثير لابن عمّک، لا أفضلت أنت في حسب عليّ، ولا أنت مالكي فتسوسني .
قوله : كما تقدّم .
في قوله : « إذا رضيت عليّ بنو قشير ».
قوله: وهذا تصريح بأنّ لكلّ حرف معنًى، إلى آخره.
قال ابن هشام :
مذهب البصريّين أنّ أحرف الجرّ لا ينوب بعضها عن بعض بقياس، كما أنّ أحرف الجزم والنصب (1)كذلک، وما أوهم ذلک فهو عندهم إمّا مأوّل
تأويلاً يقبله اللفظ، كما قيل في ( وَلاَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) (2): إنّ «في» ليست بمعنى « على »، ولكن شبّه المصلوب لتمكّنه من الجذع بالحال في الشيء، وإمّا على تضمين الفعل معنى فعل يتعدّى بذلک الحرف، كما ضمّن بعضهم « شربن » في قوله: « شربن بماء البحر » معنى : « روين »، وأحسن في: ( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ) (3)معنى: « لطف »، وإمّا على
شذوذ إنابة كلمة « عن » أخرى، وهذا الأخير هو محمل الباب كلّه عند أكثر الكوفيّين وبعض المتأخّرين، ولايجعلون ذلک شاذًّا ومذهبهم أقلّ تعسّفًا (1). انتهى.
وقال نجم الأئمّة :
إذا توهّم في كلّ حرف جرّ خروجه عن أصله وكونه بمعنى كلمة أخرى أو زيادة (2)، ويمكن إبقاؤه على أصل معناه الموضوع له، ويضمن فعله المعدّى به معنًى من المعاني يستقيم به الكلام، فهو أولى (3)، بل الواجب، فلا نقول: إنّ « على » بمعنى « من » في قوله تعالى : ( وَإِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَاسِ ) (4)، بل تضمن (5)« اكتالوا » معنى: تحكموا في الاكتيال وتسلّطوا (6). انتهى ملخّصًا.
قوله : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ) (7).
الكاف فيه زائدة ؛ إذ لو لم يكن كذلک لكان معنى قوله تعالى: ليس مثلاً مثله شيء، لكون الكاف بمعنى المثل، فيلزم إثبات المثل له تعالى - تعالى الله عن ذلک
علوًّا كبيرًا - فلهذا حكم بزيادة الكاف في الآية.
هذا هو المشهور في الآية (1)، والمحقّقون (2)على أنّ الكاف في الآية ليست بزائدة، بل المقصود منها نفي الشيء بنفي لازمه؛ لأنّ نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، فعلى هذا نقول: إنّ المقصود من الآية نفي المثل لله تعالى، و هو يمكن من وجهين :
أحدهما : أن تقول: ليس مثل الله شيء.
والثاني: أن تقول: ليس مثل مثله شيء، فنفيت أن يكون لمثل الله تعالى مِثل، فيلزم منه أن لا يكون لله مثل؛ إذ لو كان له مثل لكان هو تعالى مثله (3)، فلا يجوز
نفي مثله (4)تعالى.
وهذا مثل قولک: « ليس لأخي زيد أخ »، يعني: ليس لزيدٍ أخ؛ إذ لو كان له أخ لكان هو أخوه، فلا يمكنک أن تقول: ليس لزيدٍ أخ.
أو نقول: إنّ الآية من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع؛ إذ ليس له مِثْل حتّى يكون
له مثل، أو لا (1).
قوله : نحو : أبدًا كالفِراء فوق ذُراها (2).
آخره: « حين يطوي المسامع الصرَّار ».
اللغة: «الفِراء» - بكسر الفاء والمدّ - جمع : فَرى - بفتحها والقصر - : حمر الوحش، و « ذُرا » - بالضمّ - جمع: ذَروة، وذروة الجبل : أعلاه، و « الصَرَّار » - بفتح الصاد ثمّ الراء المفتوحة المشدّدة - : الجُدجُد - بضمّتين - وهو الطير الّذي يصبح بالليل.
التركيب : « أبدًا » ظرفٌ، « كالفِراء » الشاهد فيه حيث إنّ الكاف فيه اسم وقعت مبتدأ، أي: مثل الفراء، و « فوق ذراها » خبره، « حين » ظرف، « يطوي » فعل، «الصَرَّار» فاعله، و « المسامع » مفعوله.
والمعنى : هو أنّ الشاعر وصف به رجلاً يأوى ذرى الجبال بالليالي خوفًا من عدوّه، يعني مَثَل هذا الرجل فوق رؤوس الجبال بالليالي مثل الحمر الوحش فيها، وذلک إنّما يكون غالبًا حين يقطع الصَرّار في الليل بشدّة صوت المسامع عن سماع غيره.
قوله: نحو : ولن ينهى ذوي شَطَط كالطعن.
البيت هكذا :
أَتَنْتَهُونَ ولن يَنْهَى ذَوي شَطَطٍ *** كالطَعْنِ يَذْهَبْ فيه الزَيْتُ والفُتُلُ (1)
اللغة : « الشَطَط » هو الظلم، والباقي معلوم.
التركيب : الهمزة في « أتنتهون » للاستفهام الإنكاريّ، « تنتهون » فعل وفاعل، « ولن ينهى » الواو فيه للحاليّة، والجملة حال، « ذوي شطط » مفعوله، «كالطعن» الشاهد فيه حيث إنّ الكاف فيه وقعت اسمًا وفاعلاً ل- «لن ينهى»، والطعن مضاف إليه، أي : مثل الطعن، « يذهب » مع فاعله في موضع الصفة ل- «الطعن».
والمعنى : أتتركوني والحال أنّه لايمنع الظالم عن ظلمه مثل الطعن الّذي يغيب فيه الفُتُل (2)لسعته إذا وسمت بالزيت.
1) . البيت من قصيدة الأعشى ميمون بن قيس، الّتي تعدّ إحدى المعلّقات، ينظر: لسان العرب :14 / 272 ؛ وأساس البلاغة: 698 ؛ وخزانة الأدب : 9 / 453. و ورد بلا نسبة في: شرحالألفية لابن الناظم: 144 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية : 4 / 324 ؛ وشرح ابن عقيل : 2 / 27؛والمقتضب: 4 / 141 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 450.
2) . الفُتُل - كالعنق - جمع : فتيلة.
3) . هنا بياض في النسخ المخطوطة بقدر أسطر.
4) . أوّله: « ولعبت طير بهم أبابيل ». الرجز لرؤبة بن العجّاج في ملحق ديوانه: 181 ؛ وخزانة الأدب: 10 / 206 ؛ وشرح التصريح: 1 / 367. ولحُمَيْد الأَرقط في: الكتاب: 1 / 408 ؛والدرر: 2 / 250. وبلا نسبة في: شرح الرضيّ على الكافية: 4/ 324 ؛ وأوضح المسالک: 81؛ومغني اللبيب: 1 / 180 ؛ وشرح الأشمونيّ: 1 / 361 ؛ والمقاصد النحويّة: 2 / 402 ؛والمقتضب: 4 / 141 ؛ وهمع الهوامع: 1 / 544 ؛ وشرح التصريح: 1 / 655.
قوله : نحو : بِكَالّلَقْوَةِ الشَغْوَاء جُلْتُ (1).
آخره: « فلم أكن لاِولِعَ إلّا بالكَمِيّ المُقَنَّع ».
اللغة : «اللقوة» قال في القاموس :
هي العقاب الأنثى (2).
بفتح اللام وكسرها، كما قيل (3).
وفيه :
الشعواء - بالمهملة - غَارَة شَعْواء : مُتَفَرّقة، وشجرة شَعْواء: مُنْتَشِرة الأغصان، والشغواء - بالمعجمة - : العقاب (4). انتهى.
« جُلْت » صيغة المتكلّم من الجولان، « أولع » يقال : أولع بالشيء: إذا حرص، « الكَمِيّ » الشجاع المستتر بالدرع والبيضة، « المُقَنَّع » الّذي على رأسه بيضة.
التركيب : « بِكَا » الباء حرف جرّ، الكاف اسمٌ بمعنى: المثل، مجرور بها، متعلّق ب- «جُلْت»، والشاهد فيه حيث وقع مجرورًا بالباء، « اللقوة » مضافٌ إليه، «الشغواء» تأكيدٌ لها بناءً على أنّها من المعجمة، و صفةٌ بناء على المهملة، و «جلت»
1) . البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في شرح الألفية لابن الناظم: 144 ؛ وشرح التسهيل :3/39 ؛ والجني الداني: 1 / 82؛ والدرر: 4 / 158 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 295 ؛ وشرحالأشمونيّ: 2 / 98 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 449 ؛ وشرح الشواهد للعينيّ: 2 / 225.
2) . القاموس المحيط : 4 / 386.
3) . ينظر: تاج العروس : 20 / 162 .
4) . القاموس المحيط : 4 / 349 .
فعل وفاعل، « فلم أكن » الفاء عاطفة، « أكن » فعل، والضمير اسمه، « لأولع » منصوب ب- «أن» مقدّرة خبره، « إلّا بالكميّ » «إلّا» حرف الاستثناء، «بالكميّ» مستثنى مفرّغ، « المقنّع » صفة له .
والمعنى: جلت مثل العقاب، فلم أكن حريصًا بشيء إلّا بالشجاع الّذي استتر بالدرع و على رأسه بيضة.
تنبيه
ومن معاني الكاف: الاستعلاء، نقل ذلک عن الأخفش والكوفيّين (1)، وعن بعضهم: أنّه قيل له: كيف أصبحتَ ؟ فقال : كخيرٍ، أي : على خير (2).
قال ابن هشام :
قيل : هي للتشبيه على حذف مضاف، أي : كصاحب خير، و قيل في «كن كما أنت عليه »: إنّ المعنى: على ما أنت عليه (3).
وقال :
وللنحويّين في هذا المثال أعاريب :
أحدها : هذا، و هو أنّ « ما » موصولة و « أنت » مبتدأ حذف خبره.
والثاني: أنّها موصولة، و « أنت » خبرٌ حذف مبتدؤه، أي: كالّذي هو أنت، وقد قيل بذلک في قوله تعالى : ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) (1)، أي: كالّذي هو لهم آلهة.
والثالث : « ما » زائدة ملغاة، والكاف أيضًا جارّة، كما في قوله :
وننصر مولانا و نعلم أنّه *** كما الناس مجروم عليه و جارم
و « أنت » ضمير مرفوع أنيب عن المجرور، كما في قوله (2): « ما أنا كأنت »، والمعنى: كن فيما يستقبل مماثلاً لنفسک فيما مضى .
] والرابع : أنّ « ما » كافّة، و « أنت » مبتدأ حذف خبره، أي : عليه، أو كائن، وقد قيل في ( كَمَا لَهُمْ آلِهَة ) : إنّ «ما» كافّة، وزعم صاحب المستوفى أنّ الكاف لا تكف ب- «ما»، و ردّ عليه بقوله :
وأعلم أنّني وأبا حميد *** كما النشوان والرجل الحليم
وقوله :
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد *** كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
وإنّما يصحّ الاستدلال بهما إذا لم يثبت أنّ «ما» المصدريّة توصل بالجملة الاسميّة [ (3).
الخامس : أنّ «ما» كافّة، و «أنت» فاعل، والأصل: كما كنت، حذفت (1)
«كان » فانفصل الضمير .
قوله : من عن يمين الحبيّتا (3).
البيت هكذا :
فقُلتُ للركبِ لمّا أنْ عَلا بِهِم *** مِنْ عَنْ يَمِين الحُبَيَّا نظرةٌ قَبَل
ألمحَةٌ مِن سَنا بَرْقٍ رَأى بَصَرِي *** أمْ وَجْهُ غاليَةَ اختالَتْ بها الكِلَل (4)
اللغة : «الحبيّتا» - بضمّ الحاء المهملة و فتح الباء الموحّدة وتشديد الياء التحتانيّة بالقصر - : اسم موضع بالشام، و «الكِلَل» قيل (5): جمع كِلَّة بالكسر، وهي الثوب الرقيق الّذي يخاط كالبيت يتوقّى فيه من البَقّ .
1) . في المصدر : ثمّ حذف .
2) . مغني اللبيب : 1 / 177 و 178 .
3) . في المصدر: الحبيّا.
4) . الأبيات للقطاميّ، واسمه: عمير بن شييم التغلبي، من قصيدة يمدح فيها عبد الواحد بنسليمان بن عبدالملک بن مروان، وهي من البسيط، ينظر: جمهرة أشعار العرب: 290 ؛ وشرحكتاب سيبويه للسيرافيّ: 5 / 104 ؛ وخزانة الأدب: 6 / 436. ووردت بلا نسبة في: شرحالألفية لابن الناظم: 144 ؛ والجني الداني: 1 / 243 ؛ وشرح شواهد المغني للسيوطيّ :1/651 ؛ وتوضيح المقاصد: 2 / 763.
5) . ينظر: الصحاح: 5 / 1812 ؛ ولسان العرب: 11 / 595 ؛ وشرح التصريح: 2 / 759.
التركيب : «قلت» فعل و فاعل، «للركب» متعلّق به، «لمّا» ظرف له، «أن» زائدة، «علا» فعل، «بهم» متعلّق به، وكذا «من عن يمين الحبيّا نظرة» فاعل «علا» و«قبل» بالباء الموحّدة صفة لها، أي: نظرة لم يتقدّمها غيرها، «ألمحة» مفعول ل-«رأى» قدّم عليه، «من سنا برق» متعلّق بمحذوف في موضع النعت لها، «رأى» فعل و «بصري» فاعله، «أم وجه غالية» عطف على «ألمحة»، «غالية» مضاف إليها، و هي بالفتحة؛ لكونها غير منصرفة للعَلَمِيّة والتأنيث؛ إذ هي اسم امرأة، «اختالت» فعل، «الكِلَل» فاعله، و «بها» متعلّق به، والجملة بتقدير «قد» في موضع الحال عن «غالية»؛ لكون المضاف جزء من المضاف إليه.
والشاهد في : «مِن عَن يمين» حيث «عن» فيه اسم؛ لكونه مجرورًا ب- «من».
قوله : غَدَتْ مِنْ عَلَيْه .
جملة البيت هكذا :
غَدَتْ مِنْ عَلَيْه بَعدَ ما تَمَّ ظِمْؤُهَا(1)*** تَصِلُّ و عَنْ قَيْضٍ بزيزاءَ مَجْهَلِ (2)
اللغة : «غدت» من أخوات «كان» الناقصة، أي: دخلت في الصبح، «الظِمْؤ»
1) . ويروي: خِمْسُها، وهو بمعناه.
2) . البيت لمزاحم بن الحارث العُقَيْليّ في ديوانه: 11 ؛ والدرر: 4 / 187؛ وخزانة الأدب :10/161 ؛ والصحاح: 6 / 2438 ؛ ولسان العرب: 11 / 383؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 103؛وشرح التصريح: 1 / 660. وبلا نسبة في الكتاب: 4 / 231 ؛ وشرح الألفية لابن الناظم :144؛ وشرح التسهيل: 3 / 11 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 4 / 323 ؛ وأوضح المسالک :150 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 145، 2 / 532؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 28 ؛ وشرح الأشمونيّ :2/100 ؛ والمقتضب: 3 / 53 ؛ والأشباه والنظائر: 2 / 7.
بكسر الظاء المعجمة وسكون الميم وهمزة بعدها: مدّة الصبر عن الماء، وهو ما بين الشرب [ إلى الشرب ]، «تَصِلّ» بفتح التاء وكسر الضاد المعجمة، أي: تصوّت، و«القَيْض» بفتح القاف و سكون الياء المثنّاة التحتانيّة والضاد المعجمة : القشر الأعلى من البيض كما قال بعض (1)، وقال الآخر (2): أراد به الفَرْخ هنا. و«الزيزاء» بزائين معجمتين بينهما مثنّاة تحتانيّة في آخرها مدّة: الأرض الغليظة، ويروي : «ببيداء»، قيل (3): هو القفر الّذي يهلک من يدخله. و «المَجْهَل» - بفتح الميم والهاء وسكون الجيم - مصدر ميميّ، أو اسم مكان: المفازة الّتي لا يهتدى فيها بِعَلَم.
التركيب : «غدت» فعل من أفعال الناقص، والضمير فيه اسمه يعود إلى «القطاة»، «مِنْ عَلَيْه» متعلّق به، والضمير المجرور يعود إلى الفَرْخ، والشاهد فيه حيث إنّ «على» فيه اسم وقعت مجرورة ب- «مِنْ»، أي : من فوق الفرخ. وقال بعضهم (4): أي: مِن عنده. «بعد» ظرف متعلّق ب- «غدت» أيضًا، «ما تمّ» «ما» فيه مصدريّة، «تمّ» فعل، و «ظمؤها» فاعله، والجملة في محلّ المضاف إليه، و «تصلّ» خبر ل- «غدت»، و «عن قيض» عطف على «عليه» في قوله: «مِن عَلَيه»، أي: من عن قيض، و «عن» فيه أيضًا اسم.
فلو اكتفى الشارح بذكر هذا البيت ولم يذكر البيت الأوّل يتمّ الاستشهاد أيضًا.
1) . نقله عن الدمامينيّ في شرح التصريح: 1 / 661 ؛ ينظر: المنصف من الكلام: 1 / 291.
2) . نقله عن العينيّ في شرح التصريح: 1 / 661 ؛ وينظر: المقاصد النحويّة للعينيّ: 3 / 303.
3) . المنصف من الكلام: 1 / 291 ؛ وينظر أيضًا: شرح شواهد المغني: 1 / 427 ؛ وشرحالتصريح: 2 / 381.
4) . نقله من أبي عبيدة في المنصف من الكلام: 1 / 291.
ومعنى البيت قد ظهر ممّا ذكرنا.
تنبيه
اعلم : أنّ «على» قد تكون فعلاً أيضًا، كما تقول: « إنّه علا في الأرض »، وفرّق ابن الحاجب (1)بين «علا» الفعليّة و غيرها بأنّ «علا» إذا كان فعلاً يكتب بالألف،
بخلاف ما إذا كان اسمًا وحرفًا.
وقال نجم الأئمّة :
فيما قاله (2)نظر؛ لأنّ « على » الاسميّة تكتب ألفا، وأصله واو اتّفاقًا، لكنّه إذا أضيف (3)إلى الضمير تنقلب (4)الألف ياء؛ تشبيهًا ب- «على» لحرفيّة (5).
قوله: وهما حينئذٍ في الماضي بمعنى أوّل المدّة.
أي: «مذ» و «منذ» حين رفع الاسم بعدهما بمعنى أوّل المدّة في الماضي، يعني :
أوّل مدّة زمان الفعل المتقدّم عليهما، فمعنى قولک: «ما رأيته مذ يوم الجمعة » يعني: أوّل المدّة الّتي انتفت فيها الرؤية يوم الجمعة، وكذا في : «منذ يوم الجمعة».
قوله: وفي غيره بمعنى جميع المدّة.
أي: «مذ» و «منذ» في غير الماضي بمعنى جميع المدّة، سواء كان حاضرًا أو معدودًا، أمّا الأوّل فكقولک : «ما رأيته مذ - أو منذ - شهرنا»، يعني: أنّ جميع المدّة الّتي انتفت فيها الرؤية شهرنا، وأمّا الثاني فكقولک: «ما رأيته مذ - أو منذ - يومان»، والمعنى كما مرّ.
اعلم: أنّ أصل «مذ»: «منذ» - كما صرّحوا به (1)- لتصغيره على «مُنَيْذ» وجمعه على «أمناز»، ومنع ذلک بعض منهم (2)وقال: قولهم: «مُنَيْذ» و «أمْنَاز» غير منقول عن العرب، وأمّا تحريک ذال «مذ» في نحو: «مُذُ اليوم» للساكنَيْن بالضمّ أكثر من
1) . صرّحوا به في: الكتاب: 3 / 450 ؛ والارتشاف: 3 / 1415 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية :3/ 208 ؛ وشرح التسهيل: 2 / 144 ؛ واللباب: 1 / 369 ؛ والجني الداني: 1 / 304.
2) . نقله عن صاحب المغني الرضيّ في شرحه على الكافية: 3 / 208، وهو منصور بن فلاحاليمنيّ من علماء القرن السابع، وكان معاصرًا للرضيّ، فقد ذكر في كشف الظنون أنّه انتهى منتأليف كتابه «المغني» سنة 672 ه ، والرضيّ انتهى من تأليف هذا الشرح سنة 686 ه . ولميذكره الرضيّ باسمه في هذا الشرح، وترجم له السيوطيّ في بغية الوعاة ولم يذكر من مؤلّفاته«المغني»، ولكنّه نقل عنه في كتابه : الأشباه والنظائر كثيرًا، باسمه مرّة، وبقوله : صاحبالمغني أخرى.
الكسر، فلا يدلّ أيضًا على أنّ أصله «منذ»؛ لجواز أن يكون للإتباع.
و «منذ» - على ما نقل عن الفراء (1)- : مركّبة من «من» و «ذو» طائية. وعن
بعض الكوفيّين (2): أنّ أصل «منذ» من : «إذ»، فركّبا فضمّ الذال للساكنين.
قوله: والصحيح أنّهما [ حينئذٍ ] (3)مبتدأن - إلى قوله : - ل- «كان» تامّة محذوفة.
اعلم : أنّ الأقوال في المقام - على ما ذكره - ثلاثة :
الأوّل (4): هو أن يكون كلّ من «مذ» و «منذ» في مثل قولک: «ما رأيته مذ - أو منذ - يومان»، مبتدأ، والاسم المرفوع بعدهما خبرًا (5)، واختاره الشارح حيث
قال: «والصحيح».
وجه اختياره: هو ما مرّ من أنّه لو كان المبتدأ والخبر مساويين في التعريف والتنكير يمنع من تقديم الخبر على المبتدأ، فتعيّن في نحو المثال المذكور أن يكون «مذ» و «منذ» مبتدأ، والاسم المرفوع بعدهما خبرًا.
وفيه نظر؛ لأنّه لا يلزم أن يكون الاسم المذكور بعدهما نكرة؛ لجواز قولک: «ما
1) . نقله عنه في الارتشاف: 3 / 1415 ؛ و شرح الرضىّ على الكافية: 3 / 209.
2) . نقله عن بعضهم الرضيّ في شرحه على الكافية: 3 / 209 ؛ وينظر: شرح التسهيل :2/146.
3) . ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
4) . والقول الثاني: عكس الأوّل، والقول الثالث: هو أن يكون كلّ منهما ظرفين، وما بعدهمافاعل ل- «كان» تامّة محذوفة.
5) . نسب نجم الأئمّة هذا المذهب إلى جمهور البصريّين في شرحه على الكافية: 3 / 210.
رأيته مذ - أو منذ - يوم الجمعة»، وحينئذٍ يلزم أن يكون الاسم المرفوع بعدهما مبتدأ على ما ذكرناه في مبحث العلم (1).
ويمكن الجواب عنه : بأنّ الاسم المذكور بعدهما لو كان نكرة تعيّن فيه ما مرّ من كون الاسم المرفوع بعدهما خبرًا، وهما مبتدأ.
وقيل: في غير ذلک - كالمثال المذكور - طردًا للباب.
وفيه نظر؛ لإمكان العكس (2).
**
[ الإضافة ]
نونًا تليا الإعرابَ أو تنوينا *** ممّا تضيفُ آحذف كطورِ سينا
هذا باب الإضافة
(نونًا تلي الإعراب أي: حروفه (أو تنوينًا) ملفوظًا به أو مقدّرًا (ممّا تضيفُ آحذفْ)؛ لأنّ الإضافة تؤذن بالاتّصال، والتنوين وخَلَفُه وهو النون يؤذنانِ بالانفصال (كطور سينا)، ودراهمک، وغلامَي زيدٍ.
والثانيَ آجرُرْ وآنوِ مِن أو في إذا *** لم يصلح إلّا ذاک واللامَ خُذا
(والثاني) وهو المضاف إليه (آجرر) وجوبًا بالحرف المقدّر عند المصنّف، وبالمضاف عند سيبويه، وبالإضافة عند الأخفش. (وآنو مِن) إن كان المضاف بعض المضاف إليه وصحّ إطلاق اسمه عليه، كذا قال في شرح الكافية تبعًا لابن السرّاج مخرجًا بالقيد الأخير نحو: يد زيد، ممثّلاً بنحو: خاتم فضّة، وثوب قطنٍ، (أو) انو (في إذا لم يصلح إلّا ذاک) نحو: (بل مكرُ الليلِ والنهار) (واللام خذا) ناويًا لها.
لما سوى ذينکَ وآخصص أوّلا *** أو أعطه التعريف بالّذي تلا
(لما سوى ذينک) نحو: غلام زيد، (وآخصص أوّلاً) بالثاني إن كان نكرة، كغلامِ
رجلٍ، (أو أعطِهِ آلتعريف بالّذي تلا) إن كان معرفة، كغلامِ زيد.
وإنْ يشابهِ المضافُ «يفعلُ» *** وصفًا فعن تنكيرِهِ لا يعزل
(وإن يشابهِ المضافُ يفعلُ) أي: المضارع في كونه مرادًا به الحال والاستقبال حال كونه وصفًا كاسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة (فعن تنكيره لا يُعْزَلُ) سواء أُضيفَ إلى معرفة أو نكرة، ولذلک وُصَفَ به النكرة ك- : (هديًا بالغَ الكعبةِ) ونصب على الحال ك- : (ثاني عِطْفِهِ)، ودخل عليه ربّ.
كربَّ راجينا عظيمِ الأملِ *** مُرَوَّعِ القلبِ قليلِ الحِيَلِ
(ك- : رُبّ راجينا عظيم الأمل مُروّعَ القلبِ قليلَ الحِيَلِ).
وذي الإضافةِ اسمها لفظيّة *** وتِلکَ محضةٌ ومعنويّة
(وذي الإضافة) وهي إضافة الوصف إلى معموله (اسمها لفظيّة)؛ لأنّها أفادت تخفيف اللفظ بحذف التنوين والنون، (وتلک) وهي الّتي تفيد التعريف أو التخصيص اسمها (محضة) أي: خالصة (و معنويّة) أيضًا؛ لأنّها أفادت أمرًا معنويًّا.
ووصل «أل» بذا المضافِ مغتَفَرْ *** إن وُصِلتْ بالثاني كالجعدِ الشَّعَرْ
(ووصل أل بذا المضاف) إضافة لفظيّة (مغتفرٌ إِن وصلت) أل (بالثاني) أي : بالمضاف إليه (كالجعدِ الشّعرِ).
أو بالّذي له أضيف الثاني *** ك- : زيدٌ الضاربُ رأسِ الجاني
(أو) وصلت (بالّذي له أضيف الثاني، كزيد الضاربُ رأسِ الجاني)، أو بما يعود إليه إن كان ضميرًا كما في التسهيل، كمررت بالضاربِ الرجلِ والشاتِمِه، ومنع المبرّد هذه، وجوّز الفرّاء إضافة ما فيه أل إلى المعارف كلّها كالضاربک،
والضارب زيد، بخلاف الضارب رجل، وقد استعمله الإمام الشافعيّ في خطبة رسالته فقال: الجاعلنا من خير أمّة أخرجت للناس.
وكونها في الوصف كافٍ إن وقع *** مثنّى أو جمعًا سبيلَهُ آتَّبَعْ
(وكونها) أي أل (في الوصف) فقط (كافٍ إن وَقَعَ مثنّى) نحو: مررت بالضاربَي زيد والضاربَي رجلٍ، (أو) وقع (جمعًا سبيله) أي: سبيل المثنّى (اتّبَع) بأن كان جمع سلامة نحو: مررت بالضارِبي زيدٍ والضارِبي رجلٍ.
وربّما أكسب ثانٍ أوّلاً *** تأنيثًا إن كانَ لحذفٍ موهَلا
(وربّما أكسب ثانٍ أوّلاً تأنيثًا) وتذكيرًا (إن كان) الأوّل (لحذفٍ موهَلا) أي : أهلا، نحو :
..................... كما شرَقت صدرُ القناةِ من الدّمِ
فأكسب القناة المؤنّث الصدر المذكّر التأنيث لما أضيف إليه، ونحو :
رؤيةُ الفِكْرِ ما يؤول له الأم- *** -رُ معين على اجتنابِ التَّواني
فاكسب «الفكرُ» المذكّر «رؤيةَ» المؤنّث التذكير لمّا أضيف إليه. وخرج بقوله : «إن كان لحذفٍ موهلاً» ما ليس أهلاً له بأن يختلّ الكلام لو حذف، فلا يكسبه ما ذكر، كقام غلام هند، وقامت امرأة زيد.
ولا يضافُ اسمٌ لما به اتّحد *** معنًى وأوِّلْ موهِمًا إذا وَرَدْ
(ولا يضافُ اسمٌ لما به اتّحد معنًى)، فلا يضاف اسمٌ لمرادفه، ولا موصوف إلى صفته، ولا صفة إلى موصوفها؛ لأنّ المضاف يتعرّف بالمضاف إليه، أو يتخصّص، والشيء لا يتعرّف ولا يتخصّص إلّا بغيره، (وأوّل موهمًا) ذلک (إذا وَرَدْ) نحو: هذا
سعيد كرزٍ، أي: مسمّى هذا اللقب، ومسجد الجامع أي: مسجد اليوم الجامع، أو المكان الجامع، وجُرد قطيفة أي: جرد من قطيفة.
واعلم: أنّ الغالب في الأسماء أن تكون صالحة للإضافة والإفراد، وبعض الأسماء ممتنع إضافته كالمضمرات.
وبعض الأسماءِ يُضافُ أبدا *** وبعض ذا قد يأتِ لفظًا مفرَدا
(وبعض الأسماء يضاف أبدًا) إلى المفرد لفظًا و معنًى، كقصارى وحُمادى ولَدَى، وبَيْدَ، وسوى، وعند، وذي، وفروعه، وأولى (وبعض ذا) الّذي ذكر أنّه يلزم الإضافة (قد) يلزمها معنًى فقط (ويأتي لفظًا مفردًا) عنها ككلّ وبعض وأيّ نحو : (وإنْ كلّاً لمّا ليوفِّيَنَّهم)، (فضّلْنا بعضَهم على بعض)، (أيًّا ما تدعوا).
وبعض ما يضاف حتمًا امتنعْ *** ايلاؤه اسمًا ظاهرًا حيثُ وقع
(وبعض ما يضاف حتمًا امتنع إيلاؤه اسمًا ظاهرًا)، فلا يليه إلّا ضمير (حيث وقع).
كوحْدَ، لبّى، ودوالَيْ، سَعْدَىْ، *** وشذّ إيلاءُ «يدي» لِلَبّىْ
(كوَحْدَ) نحو: (إذا دُعي الله وحده)،
وكنت إذ كنت إلهي وحدكا .....................
والذئبُ أخشاهُ إن مررتُ به وَحْدِي ..............
(ولبّى) ويختصّ بضمير غير الغائب نحو: لبّيک، أي: إجابة بعد إجابة، وهي عند سيبويه مثنّى للتكثير، وعند يونس مفرد أصله: لَبّى بوزن فعلى، قلبت ألفه ياءً في الإضافة كانقلاب ألف لدى، وعلى، وإلى.
وردّ بأنّه لو كان مفردًا جاريًا مجرى ما ذكره لم تنقلب ألفه إلّا مع المضمر كَلَدَى، وقد وجد قلبها مع الظاهر في البيت الآتي، (ودوالَى) كلبّى، نحو: دواليک أي: تداولاً بعد تداول، (وسعدى) نحو: سعديکَ أي: سعدًا بعد سعدٍ، (وشذّ إيلاء يَدَي لِلَبّى) في قول الشاعر :
..................... فلبَّى، فلبَّى يَدَي مِسورِ
وكذا إيلاؤه ضمير غائب في قوله :
..................... لقلت لبّيه لمن يدعوني
قاله في شرح التسهيل.
وألْزَمُوا إضافةً إلى الجُمَلْ *** «حيث» و «إذ» وإنْ ينوّن يُحتَمَلْ
(وألْزموا إضافة إلى الجمل) اسميّة كانت أو فعليّة (حيث وإذا) نحو: جلست حيث جلس زيدٌ، و حيث زيد جالس، (واذكروا إذ كنتم قليلاً)، (إذا أنتم قليلٌ)، وشذّ إضافة حيث إلى المفرد في قوله :
أمَا ترى حيثُ سهيلٍ طالعا .....................
(وإن ينوّن) إذ ويكسر ذالها لالتقاء الساكنين (يُحتمل) أي: يجوز.
إفرادُ «إذ»، وما كَإذ معنى كَإذْ *** أضِف جوازًا نحو: «حين جانبِذْ»
(إفراد إذ) عن الإضافة، وجعل التنوين عوضًا عمّا تضاف إليه نحو: (وأنتم حينئذ تنظرون)، (و ما كإذ معنى) في المعنى، و هو كلّ إسم زمان مبهم ماضٍ. (كإذ أضف) إلى الجملتين (جوازًا نحوُ: حين جانُبذ)، وجئتک حين الحَجّاجُ أميرٌ.
وابن أوِ اعرِب ما كإذ قد أجريا *** واخترْ بنا متلُوِّ فعلٍ بُنِيا
(وابن) على الفتح (أو اعرب ما كإذْ قد أُجريا)، أمّا الأوّل فبالحمل عليها، وأمّا الثاني فعلى الأصل، (و) لكن (اختر بنا متلوٍّ) أي: واقع قبل (فعل بُنِيا) ماض أو مضارع مقرون بإحدى النونين نحو:
على حين ألهى النّاسَ جلُّ أُمورهم .....................
وقبلَ فعلٍ معربٍ أو مبتدأ *** أعربْ، ومن بنى فلن يفنّدا
(و) الواقع (قبل فعلٍ معربٍ أو) قبل (مبتدأ أعرب) وجوبًا عند البصريّين نحو : (هذا يومُ ينفعُ الصادقينَ صدقُهُمْ)، وجوّز الكوفيّون بناءه، واختاره المصنّف فقال: (ومن بنى فلن يفنّدا) كقراءة نافع: (هذا يومَ ينفعُ).
وألزموا إذا إضافةً إلى *** جُمَلِ الأفعال ك- : «هُنْ إذا اعتَلى»
(وألزموا إذا إضافةً إلى جمل الأفعال فقط (كهنْ إذا اعتلى)، أي: تواضع إذا تعاظَم وتكبَّرَ، وأجاز الأخفش والكوفيّون وقوع المبتدأ بعدها، ولم يسمع، نحو : (إذا السماءُ انشقّتْ) من باب: (وإنْ أحدٌ من المشركينَ استجارکَ)، ونحو:
إذا باهليّ تَحْتَهُ حَنظليّةٌ .....................
على إضمار كان، كما أضمرت هي وضمير الشأن في قوله :
..................... إليَّ فهلّا نفسُ ليلى شفيعُها
فَرْعٌ
مشبه إذا من أسماء الزمان المستقبل كإذا لا يضاف إلّا إلى الجملة الفعليّة، قاله في شرح الكافية نقلاً عن سيبويه واستحسنه قال: «لولا أنّ من المسموع ما جاء بخلافه كقوله تعالى: (يومَ هُمْ بارزون)». انتهى. وأجاب ولده عنها بأنّها ممّا نزّل
فيه المستقبل؛ لتحقّق وقوعه منزلة الماضي، وحينئذ فاسم الزمان فيه ليس بمعنى إذا، بل بمعنى إذ، وهي تضاف إلى الجملتين. قال ابن هشام: ولم أر من صرّح بأنّ مشبه إذا كمشبه إذ يبنى ويعرب بالتفصيل السابق، وقياسه عليه ظاهر، ومنه: (هذا يوم ينفع الصادقين)؛ لأنّ المراد به المستقبل. انتهى.
قلت: قد تقدّم نقلاً عنهم الاستدلال به على مشبه إذ؛ لأنّه ممّا نزّل فيه المستقبل لتحقّق وقوعه منزلة الماضي، لا سيّما في أوّله قال بلفظ الماضي.
لمفهمِ اثنينِ مُعَرَّفٍ بلا *** تفرّقٍ كلتا وكِلا
(لمفهم اثنين) لفظًا ومعنًى أو معنًى فقط (معرّفِ بلا تفرّقٍ) بعطف (أُضيفَ كلتا وكلا)، نحو: جاءني كلا الرجلينِ.
..................... وكلا ذلک وجهٌ وقَبَلْ
ولا يضافان لمفرد ولا لمنكّر خلافًا للكوفيّين، ولا لمفرّق، وشذّ :
كلا أخي وخليلي واجِدِي عَضُدًا .....................
(ولا تضف لمفرد معرَّفٍ أيًّا)، بل أضِفْها إلى مثنّى أو مجموع مطلقًا أو مفرد منكّر (وإن كرّرتها فأضِفْ) إلى المفرد المعرّف نحو :
..................... أيّي وأيُّک فارسُ الأحزابِ
أو تنوِ الاجزا واخصُصَنْ بالمعرفَهْ *** موصولةً أيًّا، وبالعَكْسِ الصِّفَهْ
(أو) أن (تنو الأجزاء) فأضفها إليه نحو: أيّ زيد حسن؟ أي: أيُّ أجزائه؟ (واخصص بالمعرفة) مع اشتراط ما سبق (موصولةً أيًّا)، فلا تضفها إلى نكرة خلافًا لابن عصفور، نحو: (أيّهمْ أشدُّ)، (وبالعكس) أيّ (الصفة) والحال، فلا يضافان إلّا
إلى نكرة، كمررت بفارسٍ أيِّ فارس، وبزيدٍ أيَّ فارسٍ.
وإن يكن شرطًا أو استفهامَا *** فمطلقًا كَمِّلْ بها الكلاما
(وإن يكن شرطًا أو استفهامًا فمطلقًا) أي: سواء أضيف إلى معرفة أو نكرة (كمّلْ بها الكلاما) نحو: (أيّما الأجلينِ قضيتُ)، (فبأىّ حديثٍ).
فَرْعٌ
إذا أضيف أيّ إلى مثنّى معرفة أفرد ضميرها أو إلى نكرة طوبِقَ.
وألزموا إضافةً لَدُن فجرّ *** ونصبُ غَدْوَةٍ بها عنهم نَدَرْ
(وألزموا إضافة لَدُنْ) وهو ظرف لأوّل غاية زمان أو مكان مبنىّ إلّا في لغة قيس (فجرّ) وإفرادُها (ونصب غدوةٍ بها) على التمييز أو التشبيه بالمفعول به أو إضمار كان واسمها الوارد (عنهم ندر)، وكذا رفعها على إضمار كان كما حكاه الكوفيّون، ويعطف على غدوة المنصوبة بالجرّ؛ لأنّه محلّها، وجوّز الأخفش النصب، قال المصنّف: وهو بعيد عن القياس.
ومَعَ مَعْ فيها قليلٌ ونُقِلْ *** فتحٌ وكسرٌ بسكونٍ يتّصلْ
(ومَعَ) اسم لمكان الاجتماع أو وقته معرب إلّا في لغة ربيعة، فيقولون (مَعْ) بتسكين العين (فيها) بناء، وهو (قليل)، وقال سيبويه: ضرورة، ومنه :
فَريشِيَ منكُمُ وهوايَ معْكُم .....................
(ونقل) في هذه الحالة (فتح وكسر) لعينها (بسكون يتّصلُ) بها، مستند الأوّل الخفّة والثاني الأصل في التقاء الساكنين.
تَتِمّةٌ
لا تنفکّ مع عن الإضافة إلّا حالاً بمعنى جميع، كقوله :
بكت عَينِيَ اليُسرى فلمّا زجرتُها *** عن الجهلِ بعد الحلم أسبَلَتَا مَعَا
واضمم - بناءً - غَيرًا إنْ عَدِمتَ ما *** له أُضيفَ ناوِيًا ما عُدِما
(واضمم بناءً) وفاقًا للمبرّد (غيرًا إن عَدِمْتَ ما له أضيف) حال كونک (ناويًا) معنًى (ما عُدما)، قال في شرح الكافية: «لزوال المعارض للشبه المقتضي للبناء، وهو عدم الاستقلال بالمفهوميّة».
قلت: وهي نظيرة أيّ، فيأتي في هذه ما قلته فيها، وهو وجود هذه العلّة فيما إذا لم ينو المضاف إليه مع قولهم بإعرابها حينئذٍ، فالأحسن ما ذهب إليه الأخفش من كونها معربة في هذه الحالة أيضًا، كما أجمعوا على أنّ فتحها في هذه الحالة مطلقًا، وضمّها مع التنوين الّذي هو قليل حركتا إعراب.
وشرط ابن هشام لجواز حذف ما يضاف إليه أن يقع بعد ليس نحو: قبضت عشرة ليس غير، أي: ليس المقبوض غير ذلک، أو ليس غير ذلک مقبوضًا.
وذكر ابن السرّاج في الأصول وغيره وقوعها بعد «لا»، ثمّ بناؤها على الحركة، لأنّ لها أصلاً في التمكّن، ولولاه لم يفارقها البناء، وكانت ضمّةً لئلّا يلتبس الإعراب بالبناء، قاله في شرح التسهيل.
وخرج بقوله: «إن عدمت» إلى آخره، ما إذا لم يعدم المضاف إليه، وما إذا عدم ولم يُنْوَ، فإنّها حينئذ معربة، وسيأتي تصريحه بهذه الحالة، وكذا إذا نوى لفظه دونه معناه كما قال في شرح الكافية، وأخرجه تقييدي المنويّ بالمعنى.
قبلُ كغَيرُ بعدُ حسبُ أوّلُ *** ودون والجهات أيضًا وعَلُ
(قبلُ كغير) في جميع ما تقدّم، فتبنى على الضمّ إذا حذف ما تضاف إليه ونوى معناه نحو: (لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ)، دون ما إذا لم يحذفْ نحو: جئت قبل العصر، أو حذف ولم ينو نحو :
فساغ ليَ الشرابُ وكنت قبلا .....................
أو نُويَ لفظه نحو :
ومن قبلِ نادى كلُّ مولًى قرابة
والأحسن فيها أيضًا وفيما بعدها ما اختاره الأخفش من الإعراب مطلقًا. ومثلها أيضًا (بعد)، فتبنى وتعرب على التفصيل المتقدّم كالآية السابقة، ونحو: جئت بعد العصر، وقُرئ: (لله الأمرُ من قبلُ ومن بَعْدُ). وكذا (حسب) نحو: قبضت عشرة فحسب، أي: فحسبي ذلک، وهذا حسبُک من رجل.
(أوّل) كما حكاه الفارسيّ من قولهم: «ابدأ بِذا من أوّلُ» بالضمّ على نيّة معنى المضاف إليه، والجرّ على نيّة لفظه، والفتح على ترک نيّته، ومنع صرفه للوزن والوصف.
(ودون والجهات) الستّ (أيضًا) نحو :
.....................ولم يكن لقاؤکَ إلّا من وراءُ وراءُ
وحكى الكسائيّ: أفَوق تنامُ أم أسفلَ - بالنصب - أي: أفوقَ هذا.
(وعلّ) بمعنى الفوق نحو :
..................... وأتيت فوق بني كليبٍ من علُ
..................... كجُلمودِ صَخْرٍ حطّهُ السيلُ مِن عَلِ
وفهم من ذكر المصنّف لها جواز إضافتها لفظًا، وبه صرّح الجوهريّ، وخالفه ابن أبي الربيع.
وأعربوا نصبًا إذا ما نُكِّرا *** قبلاً وما من بعدِهِ قد ذُكِرا
(وأعربوا نصبًا) وجرًّا كما تقدّم، ورفعًا (إذا ما نكّرا) أي: قطع عن الإضافة لفظًا ونيّة (قبلاً وما من بعده) وقبله (قد ذكرا)، وشمل ذلک «علُ»، وبه صرّح بعضهم، لكن قال ابن هشام: «ما أظنّ نصبها موجودًا»، ثمّ هو على الظرفيّة في قبل وما بعده، إلّا حسب، فعلى الحاليّة، وذكر المصنّف أنّ أسماء الجهات ما عدا فوق وتحت تتصرّف تصرّفًا متوسّطًا، وأنّ دون تتصرّف تصرّفًا نادرًا.
وما يَلي المضافَ يأتي خَلَفَا *** عنهُ في الإعراب إذا ما حُذِفا
(وما يلي المضافَ) أي: المضاف إليه (يأتي خلفًا عنه) أي: عن المضاف (في الإعراب) والتذكير والتأنيث وغيرهما. (إذا ما حُذِفا) نحو: (وجاء ربُّک) أي: أمرُ ربّک، (وتجعلون رزقكم) أي: بدل شكر رزقكم.
يُسْقَوْن من وِرْدِ البَريصِ عليهِمُ *** بَرَدى يُصَفّقُ بالرَحيقِ السَلْسَلِ
أي: ماء بَرَدى، وهو نهر بدمشق.
..................... والمسکُ من أردائها نافِحَة
أي: رائحته، «إنّ هذين حرامٌ على ذُكُورِ أمّتي» أي: استعمالهما، (وتلک القُرى أهلكناهم) أي: أهلها، «تفرّقوا أيادي سبأٍ» أي: مثلَها.
ورُبّما جَرّوا الّذي أَبْقَوا كما *** قد كان قبل حذفِ ما تقدّما
(وربّما جَرّوا) المضاف إليه (الّذي أَبقوا كما قد كان قبل حذف ما تقدّما)، وهو المضاف.
لكن بشرطِ أن يَكُونَ ما حُذِفْ *** مماثلاً لما عليهِ قد عُطِفْ
(لكن) لا مطلقًا، بل (بشرط أن يكون ما حُذِفَ مماثلاً) في اللفظ والمعنى (لما عليه قد عُطِف) أو مقابلاً له، فالأوّل نحو :
أَكُلَّ امرِىء تحسَبينَ امرءًا *** ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارًا
والثاني كقراءة بعضهم: (تُريدونَ عَرَضَ الدنيا والله يريدُ الآخرةِ) أي: باقي الآخرةِ، كذا قدّره ابن أبي الربيع.
ويحذفُ الثانِ فيبقى الأوّلُ *** كحالِهِ إذا بِهِ يتّصِلُ
(ويحذف الثاني فيبقى الأوّلُ) بلا تنوين (كحالة إذا به يتّصلُ).
بشرطِ عطفٍ وإضافة إلى *** مثلِ الّذي له أضفت الأوَّلا
(بشرط عطفٍ) على هذا المضاف (وإضافة) لهذا المعطوف (إلى مثل الّذي له أضفتَ الأوّلا)، كقولهم: «قطع الله يدَ ورجلَ من قالها» أي: يد من قالها ورجل من قالها، وقد يأتي ذلک من غير عطفٍ كما حكى الكسائيّ من قولهم: «أفَوقَ تنامُ أم أسفَلَ».
فَصْلَ مضافٍ شِبهِ فعلٍ نَصَبْ *** مفعولاً أو ظرفًا أجِزْ ولم يُعَبْ
(فصلَ مضافٍ) عن المضاف إليه بالنصب مفعول أَجز (شِبهِ فعلٍ) صفة لمضاف أي: مصدر أو اسم فاعل (ما نَصبَ) ذلک المضاف فاعل فصل (مفعولاً) تمييزًا (أو ظرفًا أجز) المعنى: أجز أن يفصل الّذي نصبه المضاف على المفعوليّة أو الظرفيّة بينه وبين المضاف إليه، كقراءة ابن عامر: (قتلُ أولادَهُم شركائِهم) ... .
[ باب : الإضافة ] (1)
قوله : أي حرفه (2).
اعلم : أنّ الإعراب ثلاثة: رفع و نصب و جرّ، ولم يكن النون الّتي تحذف لأجل الإضافة تالية لشيء منها، ولهذا حمل الشارح كلام المصنّف على حذف مضاف فيه.
هذا، مع أنّ المقابلة بينه وبين قوله: «أو تنوينًا» أوضح قرينة على ذلک، والتقدير هكذا: أولى تفسير «نونًا» في كلامه بنوني التثنية والجمع؛ لأنّه مع كونه أخصر يشمل النون الّتي خلف حرف الإعراب وإن لم يكن من التثنية والجمع كملحقاتهما، بخلاف الثاني، إلّا أن يزاد في التفسير قيد آخر.
ثمّ اعلم : أنّ تقييد النون بكونها تالية لحرف الإعراب يخرج النون الّتي يليها الإعراب، فإنّها لا تحذف مع الإضافة، كما تقول: شياطين الإنس، وبساتين البلد، وغيرهما.
ثمّ إنّه صرّح بعضهم (1)بأنّه كما تحذف النون والتنوين عند الإضافة، كذلک أنّه قد يحذف تاء التانيث لها أيضًا عند عدم خوف الالتباس، وعن الفرّاء (2)أنّه جعل منه قوله تعالى: ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) (3)، وكذا قوله: ( وَإِقَامَ الصَلاَةِ ) (4)، وذلک لعدم استعمال الغلبة والإقامة بدون التاء في غير إضافة، فلايقال: إقام و غلب، في المصدر إلّا مع الإضافة. وقال بعض المحقّقين (5): انّه لايقاس على ذلک.
قوله : ودراهمک.
هذا مثالٌ للتنوين المقدّر، بمعنى أنّه قدّر لو كان فيه تنوين لحذف عند الإضافة.
قوله : وصحّ إطلاق اسمه عليه.
أي: إطلاق اسم المضاف إليه على المضاف، فإنّ الخاتم في: «خاتم فضّة» بعض الفضّة، وكذا الثوب في: «ثوب خزّ» بعض الخزّ.
ويصحّ إطلاق المضاف إليه على المضاف في كليهما، فنقول: «هذا الخاتم فضّة»، و «هذا الثوب خَزّ»، والتقدير: خاتم من فضّة، و ثوب من خَزّ، مع صدق المضاف على غير المضاف إليه أيضًا، فيكون بين المضاف والمضاف إليه حينئذٍ
1) . صرّح به في شرح الأشمونيّ: 2 / 122 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 91.
2) . نقله عنه في شرح التسهيل: 3 / 91 ؛ والارتشاف: 4 / 1801 ؛ وشرح الرضيّ على شافيةابن الحاجب: 1 / 158 ؛ وشرحه على الكافية: 2 / 205 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 123.
3) . سورة الروم : 3 .
4) . سورة الأنبياء: 73 ؛ وسورة النور: 37.
5) . هو الرضيّ في شرحه على الكافية: 2 / 205.
عموم من وجه؛ لتفارق الخاتم والثوب عن الفضّة والخزّ في غيرهما، وتفارقهما عنهما في غير الخاتم والثوب، ومادّة لاجتماعهما في الخاتم والثوب ومنهما.
قوله : نحو : غلام زيد .
أي: غلام لزيد، وتقديم الإضافة بمعنى «مِن» على الإضافة بمعنى «في» لكثرة الأولى وقلّة الثانية حتّى أنكرها جماعة من المسلمين (1)للإضافة بمعنى «من»، وتقديمهما على الإضافة بمعنى اللام لتعيّنهما وانحصارهما، بخلاف الثالثة، فينبغي أن يقدّم المحصور ليعلم غيره بالمقايسة إليه.
فإن قلت : إنّا لم نر فرقًا بين هذه الأقسام مطلقًا؛ لأنّه كما تكون الضابطة في الإضافة بمعنى «من» و «في» إمكان قصدهما فيهما، كذلک الإضافة بمعنى اللام، فإنّ الضابطة فيها إمكان قصد اللام فيها.
قلت : لانسلّم أنّ الإضافة بمعنى اللام يكون منحصرة فيما إذا أمكن قصد اللام فيها، ألا ترى أنّ عبارة المصنّف حيث قال بعد ذكر الإضافة بمعنى «من» و «في» : «واللّام خذا لما سوى ذينک »، ومعلومٌ أنّ صحّة ظهور اللام في جميع ما كان غير الإضافة بمعنى «مِن» و «في» غير مسلّمة، فإنّ «علم الفقه» و «يوم الخميس» و«طور سيناء» مثلها (2)الإضافة فيها بمعنى اللام مع عدم صحّة ظهور اللام فيها.
هذا، مع أنّ نجم الأئمّة وغيره (1)صرّحا بعدم اشتراط صحّة ذكر اللام في الإضافة اللاميّة، بل يكفي فيها إفادة الاختصاص الّذي هو مدلول اللام، فتأمّل.
ثمّ اعلم : أنّه إذا أضيف الأعداد إلى المعدودات لايخلو إمّا أن يكون المضاف إليه هو العدد أيضًا كقولک : «ثلاثمائة وأربعمائة» وهكذا، فالإضافة فيه بمعنى «مِن»، أو لا يكون كذلک كقولک : «عندي ثلاثة دراهم» ونحوه، وقد اختلف فيه، فعن السيرافيّ والمصنّف في شرحي التسهيل والكافية (2): أنّها أيضًا بيانيّة. وعن المصنّف: إذ المضاف فيه بعض المضاف إليه مع صحّة إطلاق اسمه عليه. وعن الفارسيّ (3): أنّ الإضافة فيها بمعنى اللام.
ثمّ إنّ الظاهر اختصاص تقدير حرف الجرّ في الإضافة المعنويّة وأنّه غير شامل للمضاف إليه بالإضافة اللفظيّة؛ لأنّه لا معنى لاعتبار الحرف في ذلک؛ إذ ليس «الوجه» في قولنا: «زيد حسن الوجه» مضافًا إليه «حسن» بتقدير حرف الجرّ، بل هو هو، وكذا في: «ضارب زيد»؛ لأنّ «ضارب» وإن كان مضافًا إلى «زيد»، لكنّه بنفسه، لا بحرف الجرّ.
ولهذا قد استشكل عليهم الأمر في عامل هذا الجرّ؛ إذ العامل في المضاف إليه إمّا الحرف المقدّر، وقد علمت عدم تقديره هنا، أو المضاف، أو الإضافة، وهما
أيضًا غير صالحين؛ لما قيل (1)من أنّ المضاف أو الإضافة إنّما يعمله ان (2)إذا نابا عن حرف الجرّ.
وقال بعض المحقّقين :
يجوز أن يقال: عمل المضاف الجرّ لمشابهته للمضاف الحقيقيّ بتجرّده عن التنوين أو النون لأجل الإضافة (3).
ولعلّ ظاهر عبارة المصنّف وابن الحاجب يوهم بأنّ المضاف إليه بالإضافة اللفظيّة أيضًا بتقدير حروف الجرّ، وهو كما ترى.
قوله: إن كان معرفة كغلام زيد .
ولا يخفى أنّ هذه الإضافة إنّما تفيد التعريف إذا دلّت على أنّ للمضاف خصوصيّة وعلاقة مع المضاف إليه بحيث لم تكن في غيره، فقولک : «غلام زيد» إنّما يفيد التعريف إذا لم يكن لزيدٍ غلامٌ سواه، أو كان له غلمان كثيرة لكنّک أردت من الإضافة مَن له مزيد خصوصيّة مع زيدٍ لكونه أشهر غلمانه، أو يكون معهودًا بينک وبين مخاطبک وهذا.
والحاصل : أنّ هذه الإضافة إنّما تفيد التعريف إذا يعلم من إطلاق اللفظ أنّ المراد ذلک الغلام المعيّن وضع الإضافة إلى المعرفة أن يستعمل إلى مثل هذا الموضع، واستعماله في غيره استعمال في غير ما وضع له، فلا يتوهّم من التمثيل ب- :
«غلام زيد» لأجل تعريف المضاف بالمضاف إليه أنّه يتعرّف المضاف بذلک مطلقًا وإن لم يشير إلى واحدٍ من غلمانه.
وظاهر العبارة - كالمصنّف - أنّه يتعرّف المضاف بالمضاف إليه إن كان معرفة مطلقًا، وليس كذلک؛ لأنّ عندنا أسماء متعدّدة وفي الإبهام متوغّلة ولا تقبل التعريف وإن اضيف إلى معرفة، و هي: «غير» و «مثل» و «شبهه» و «نظير» و«سوى»؛ لأنّک إذا قلت: مررت برجل غيرک أو مثلک أو شبهک أو نظيرک أو سواک، فهذه الأسماء لتوغّلها في الإبهام لا يحصل لمخاطبک المعرفة بمدلولاتها كالمعرفة، وذلک لعدم قبولها التعريف؛ لأنّ غير المخاطب يشمل جميع الناس إن لم نقل بشموله لجميع الموجودات ما عداه. وكذا: مثلک و شبهک و نظيرک؛ إذ يمكن أن يكون له أمثال وأشباه وأنظار متعدّدة.
وهل يتعرّف المثل والشبه والنظير إذا عين المماثل والمشابه والنظير كقولک : «رأيت زيدًا مثلک» وهكذا ؟
والظاهر لا؛ لأنّ المماثل وغيره وإن عيّن في الأمثلة، لكنّ المثليّة و وجه الشبه والنظير يمكن أن يكون من وجوه متعدّدة - كالعلم والخطّ والصوت والحسن والطول والقصر والشباب والشيب والسواد والبياض وغير ذلک.
نعم، إذا اشتهر ذلک الغير أو المثل وكذا الشبه والنظير بحيث إذا أطلقت علم أنّ المراد ذلک المشتهر بهذا الوصف أو الوصف المعلوم، فحينئذٍ تقبل التعريف .
إن قلت : قبول التعريف في هذه الصورة أيضًا ممنوع؛ لأنّها بمعنى اسم الفاعل مضافًا إلى معموله، فمعنى «مثلک» و «شبهک» و «غيرک»، و هكذا «مماثلک» و«مشابهک» و «مغائرک»، فتكون من الإضافة اللفظيّة، وهي لا تفيد التعريف.
قلت : على تقدير تسليم ذلک نقول : إنّ إضافة اسم الفاعل إنّما يكون لفظيّة إذا كان المراد منه الحال أو الاستقبال كما سيجيء، وأمّا إذا كان المراد منه الماضي فالإضافة حينئذٍ معنويّة، وكذا إذا أريد منه الاستمرار على ما صرّح به في الكشّاف (1)، وسيجيء تحقيقه.
والظاهر من قولک: «مثلک» و «شبهک» على الإطلاق - أي من غير تقييد - هو الاستمرار.
وهكذا لفظة «غير» تقبل التعريف أيضًا إذا وقعت بين الضدّين؛ إذ بانتفاء أحد الضدّين تعيّن الضدّ الآخر، فيحصل التعريف، كقولک: « مررت بالكريم غير البخيل»، أو بالعكس، ومن ذلک قوله تعالى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) (2)، حيث وقع لفظ «الغير» صفة ل- ( الّذين أنعمت عليهم )؛ إذ ليس لمن رضي الله عنهم ضدّ غير المغضوب عليهم. هكذا قيل (3)، وفيه تأمّل لا يخفى.
وما ذكرنا من قبول تعريف لفظ «غير» إذا وقع بين ضدّين هو ممّا صرّح به جماعة (4)، واعترض عليهم (5)بقوله تعالى: ( نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) (6)
1) . تفسير الكشّاف : 1 / 58 و 59.
2) . سورة الفاتحة : 7 .
3) . نقله عن ابن السراج الرضيّ في شرحه على الكافية: 2 / 210.
4) . كالسيرافيّ وابن السراج، ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 210 ؛ ومغني اللبيب :1/158 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2/ 131 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 504 ؛ وتوضيح المقاصد :2/792.
5) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 211 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 131 ؛ وحاشية الصبانعلى شرح الأشمونيّ: 2 / 368 .
6) . سورة فاطر : 37 .
حيث وقع لفظ «غير» بين الضدّين؛ لأنّ عملهم كان فاسدًا وضدّه الصلاح، ومع ذلک لم يتعرّف بالإضافة إلى المعرفة؛ لوقوعه صفة للنكرة - أي: صالحًا.
وأجيب (1): بعدم تسليم كونه صفة، بل هو بدل، ومعلومٌ أنّه يبدل النكرة من المعرفة وبالعكس كما سيجيء إن شاء الله تعالى، ولئن سلّم كونه صفة فنقول: إنّه محمولٌ على غالب حاله.
هذا، ولا يخفى أنّ ما ذكرنا في ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) من كونه صفة ل-(الّذين ) أحدُ الاحتمالين على قراءة «غيرِ» بالكسر، ويجوز أن يكون حينئذٍ أيضًا بدلاً من ( الّذين )، وقرئ بالنصب أيضًا على أن يكون حالاً للضمير المجرور في: ( عليهم ) والعامل هو: ( أنعمت ).
قوله: في كونه مرادًا به الحال والاستقبال.
اعلم : أنّ تحقيق المقام يقتضي تمهيد مقدّمة، فأقول: المراد من الإضافة اللفظيّة هنا هو ما يكون الوصف في اللفظ مضافًا إلى شيء، وفي المعنى يكون عاملاً فيه رفعًا أو نصبًا، ويصدق عامليّة المضاف ومعموليّة المضاف إليه في اسمي الفاعل والمفعول إذا كانا بمعنى الحال والاستقبال.
وإلى هذا أشار بقوله: «في كونه مرادًا به الحال والاستقبال»، فعلى هذا يكون الاسم المجرور بعدهما مضافًا إليه لفظًا ومعمولاً معنًى، بخلاف ما إذا كان بمعنى الماضي، فإنّها حينئذٍ غير عامِلَيْن على ما سيجيء، فلا يكون الاسم المجرور
1) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 210.
بعدهما معمولاً ولو كان معنًى، بل هو حينئذٍ مضاف إليه لفظًا ومعنًى، فالإضافة حينئذٍ معنويّة، إلّا على مذهب الكسائي و مَن تابعه (1)، فإنّه يلزم عليه كونها إضافة لفظيّة مطلقًا؛ لعدم اشتراطه في عملهما الحال والاستقبال.
وأمّا على القول بالاشتراط فإضافتهما حينئذٍ معنويّة كما مرّ، فتقبل التعريف مع الإضافة إلى المعرفة والتخصيص مع الإضافة إلى النكرة، كقولک: «رأيت ضارب رجل أمس»، وكقوله تعالى: ( الْحَمْدُ للهِِ فَاطِرِ السَمَاوَاتِ ) (2)، وقوله تعالى : ( قُلْ أَغَيْرَ اللهِ اتَّخَذَ وَلِيًّا فَاطِرِ السَمَاوَاتِ ) (3)، وقوله تعالى: ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ ) (4)، حيث وقع فيها اسم الفاعل صفة للفظ الجلالة؛
لكونه بمعنى الماضي، أو المراد به الاستمرار، ومثلها قوله تعالى: ( مَالِکِ يَوْمِ الدِّينِ ) (5)على ما ذكر في الكشّاف حيث قال في تفسير الآية :
فإن قلت : إضافة (6)اسم الفاعل إضافة غير حقيقيّة، فلا تكون معطية معنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة ؟!
قلت : إنّما تكون غير حقيقيّة إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال،
فكان في تقدير الانفصال، كقولهم (1): مالک الساعة أو غدًا، فأمّا إذا قصد معنى الماضي كقولهم (2): هو مالک عبده أمس، أو زمان مستمرّ كقولک :
زيد مالک العبيد، فكانت (3)الإضافة حقيقيّة كقولک: مولى العبيد، وهذا هو المعنى في: ( مَالِکِ يَوْمِ الدِّينِ ) (4). ويجوز أن يكون المعنى: ملک الأمور يوم الدين، كقوله تعالى: ( وَ نَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) (5)، ( وَنَادَى أَصْحَابُ الاَْعْرَافِ ) (6). انتهى كلامه (7).
وهو كما ترى صريحٌ في أنّ الصفة إذا أريد منها زمان مستمرّ فالإضافة فيها حقيقيّة - أي: معنويّة - ومع ذلک قال في قوله تعالى: ( وَجَاعِلُ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) (8)ما يناقض ذلک، حيث قال :
أنّه قرء بجرّ الشمس والقمر، عطفًا على الليل، و بنصبهما بإضمار: جعل، أو عطفًا على محلّ الليل؛ لأنّ اسم الفاعل هنا ليس في معنى المضيّ لتكون إضافته حقيقيّة، بل هو دالّ على جعل مستمرّ في الأزمنة
المختلفة، ومثله: ( فَالِقُ الحَبِّ وَالنَوَى ) (1)، و ( فَالِقُ الاِْصْبَاحِ ) (2)، كما تقول: زيدٌ قادرٌ عالم، فلا تقصد زمانًا دون زمان (3). انتهى.
وعلم من هذا أنّ اسم الفاعل إذا كان المراد منه الحدث المستمرّ في الأزمنة وأضيف كانت إضافته غير حقيقيّة، خلاف ما علم من العبارة السابقة، فيكون عاملاً حينئذ، وقال ابن هشام :
وليس الأمر كذلک (4).
وقال نجم الأئمّة :
واسم الفاعل أو المفعول المستمرّ يصحّ أن تكون إضافته محضة، كما يصحّ أن لا يكون كذلک، وذلک لأنّه وإن كان بمعنى المضارع، إلّا أنّ استمرار ملابسة المضاف للمضاف إليه يصحّح تعيينه (5)أو تخصيصه، ولا سيّما إذا كان معنى الاستمرار في الفعل غير وضعيّ، فإنّ وضعه على الحدوث (6).
ثمّ قال :
وقال سيبويه: تقول: «مررت بعبد الله ضاربک»، كما تقول: «مررت بعبد
الله صاحبک»، أي: المعروف بضربک ... ، فإذا قصدت هذا المعنى لم يعمل الفاعل في محلّ المجرور به نصبًا، كما في « صاحبک »، وإن كان أصله اسم فاعل من: صحب يصحب، بل نقدّره كأنّه جامد (1).
هذا، ولا يخفى أنّ ما ذكرنا في : ( مَالِکِ يَوْمِ الدِّينِ ) (2)من كون الإضافة فيه محضة هو مبنيّ على كون صيغة الفاعل فيه بمعنى الماضي - كما مرّ - لتحقّق وقوعه، فكأنّما وقع و مضى، فإضافته إلى «اليوم» ليس من إضافة الصفة إلى المعمول؛ لعدم عمله حينئذٍ، أو كونها للإطلاق المفيد للاستمرار على القول بأنّ اسم الفاعل المفيد للاستمرار عامل، و ( يَومِ ) في الآية منصوبٌ على التوسّع محلاًّ وإن كان مضافًا إليه ظاهرًا، فحينئذٍ يكون الإضافة من الإضافة اللفظيّة، فعلى هذا لا يصلح أن يكون لفظ ( مَالِکِ ) صفةً للفظ الجلالة، بل هو حينئذٍ بدلٌ منه .
وينبغي أن يعلم ما مرّ من عدم عمل اسمي الفاعل والمفعول إذا كانا بمعنى الماضي إنّما هو في المفعول به، وأمّا في المرفوع فإنّهما يعملان فيه ولو كانا بمعنى الماضي.
وأمّا هل هما يضافان إلى المرفوع ؟ فيه تفصيل و تحقيق سنبيّن في مبحث اسم الفاعل إن شاء الله تعالى أيضًا؛ لما عرفت من أنّ إضافة الصفة تكون إضافة لفظيّة إذا عملت في محلّ المضاف إليه، و على تقدير إضافتها إلى المرفوع هي عاملة في محلّ المضاف إليه، فينحصر القول بأنّ اسم الفاعل أو المفعول بمعنى الماضي
إضافتهما محضة إذا أضيفتا إلى المفعول، و على تخصيص الإضافة اللفظيّة في الوصف المراد به الحال والاستقبال - كما فعله الشارح و غيره - لا وجه له، فتأمّل في المقام فإنّه من مزالّ الأقدام، ولا تتّبع إطلاقات كلمات الأعلام.
قوله : كاسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة .
ولا يخفى أنّ ظاهر العبارة يدلّ على أنّ الصفة المشبّهة في إنّما يكون اضافتها لفظيّة إذا أريد الحال أو الاستقبال منها.
و فيه نظر؛ لأنّها لا تستعمل في الاستقبال، بل هي على ما ذكروا للثبوت، فلايمكن إرادة بعض الأزمنة دون الآخر منها، واسم الفاعل والمفعول للحدوث على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
وكيف وقد ذكر الفرق بينها وبين اسم الفاعل بأنّ الثاني يكون للأزمنة الثلاثة، والأولى لا يكون إلّا للحاضر، أي: الماضي المتّصل بالزمن الحاضر، فلا تستعمل في الماضي المنقطع ولا في المستقبل، فكيف يمكن ارادة الاستقبال منها؟!
ويمكن أن يتكلّف فيقال: إنّ التمثيل بالصفة المشبّهة إنّما هو لكونها صفة فقط، لا مع قيد إرادة أحد الزمانين منها، أو يقال: ليس المراد من إرادة أحد الزمانين منها إرادتهما بالذات، بل بالقرينة، ومعلومٌ أنّه مع القرينة إرادة كلّ من الأزمنة الثلاثة منها ممكنة، أمّا الماضي : فكما تقول : «زيدٌ كان حسنًا فقبح»، وأمّا الاستقبال فكما تقول: «زيدٌ سيكون حسن الخلق»، وأمّا الحال فنقول: «هو الآن فقط حسن الخلق».
لكن يرد عليه : أنّ الصفة المشبّهة ليس عملها مشروطًا على زمان دون آخر،
فإضافتها أبدًا لفظيّة، لكون المضاف إليه فيها مرفوعًا محلّاً دائمًا، فتخصيص إضافتها كونها لفظيّة عند إرادة الحال والاستقبال ممّا لا وجه له.
ثمّ اعلم: أنّه قال بعض المحقّقين (1): أنّ المتّفق عليه من الإضافة اللفظيّة هي إضافة الصفات الثلاث.
وظاهر عبارة الشارح - كصريح جماعة منهم (2)- انحصار الإضافة اللفظيّة أيضًا [في ] إضافة اسم التفضيل. وعن سيبويه (3): أنّه نصّ على أنّ هذه الإضافة محضة؛ لأنّه ينعت بالمعرفة؛ وللمحكيّ عن ابن بَرْهان وابن الطراوة (4)حيث ذهبا
إلى أنّ إضافة المصدر إلى مرفوعه أو منصوبه غير محضة.
وليس الأمر كذلک، لما مرّ من أنّ عمل إضافة الصفة إنّما يكون من الإضافة اللفظيّة إذا كانت الصفة عاملة رفعًا أو نصبًا في محلّ المضاف إليه، ولمّا كانت الصفة في العمل أقوى من المصدر فيه لقوّة شباهتها بالفعل لزم القول بعملها معنًى إذا أفرد عنه لفظًا.
وأمّا المصدر فلمّا كان شباهته بالفعل ضعيفة جاز إفراده عن عمل الفعل لفظًا
1) . هو الرضيّ في شرحه على الكافية: 2 / 220.
2) . ينظر: شرح التسهيل: 3 / 94 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 2 / 249 ؛ وشرح الأشمونيّ :2/ 127 ؛ وشرح التصريح: 1 / 679.
3) . حكاه عنه في شرح الرضيّ على الكافية: 2 / 248 ؛ وشرح التسهيل: 3 / 94 ؛ وتوضيحالمقاصد: 2 / 787.
4) . حكاه عنهما في شرح الأشمونيّ: 2 / 126؛ وتوضيح المقاصد: 2 / 786 ؛ وشرح التصريح :1 / 679.
ومعنًى.
أمّا قوّة شباهة الصفة بالفعل فلأنّها توافق معه في الوزن، وتصلح أن يقع موقعه، وتفيد مفاده، كما تقول في «مررت برجلٍ يركب غدًا» : «راكب غدًا».
أمّا ضعف المصدر فلمخالفته معه في الوزن، وعدم صلاحيّته لوقوعه موقعه إلّا بعد ضميمة «أن» أو «ما» المصدريّتين - على ما يجيء في بابه إن شاء الله تعالى - فيكون إضافته معنويّة؛ لعدم عمله في محلّ المضاف إليه، فيقبل التعريف مع الإضافة إلى المعرفة كما سيجيء في البيت، وكذا التخصيص مع النكرة.
لا يقال : إنّ ما ذكرت من كون شباهة الصفة بالفعل أقوى من شباهة المصدر به مسلّم، ومع ذلک كيف تكون مشروطة في عملها بكونها للحال أو الاستقبال، واعتمادها على شيء ممّا سيجيء، أو كونها صلة ل- «أل» مع عمل المصدر من غير شرط.
لأنّا نقول : إنّ المصدر لمّا كان طلبه للفاعل أو المفعول بذاته و بنفسه لحكم العقل بأنّ الحدث يحتاج إلى فاعل ومفعول حتّى يصدر منه ويقع عليه، فيكفي في عمله لهما لفظًا أدنى شباهة بينه وبين ما هو أصل في العمل - أي: الفعل - بخلاف الصفة، فإنّ طلبها لهما ليس لذاتها، بل لتضمّنها المصدر، فيحتاج للعمل فيهما إلى شباهة قويّة، ولهذا اشترط في محلّها ما مرّ، دون المصدر.
وبالجملة: طلب الصفة للفاعل والمفعول ضعيف، وعملها فيهما قويّ، وطلب المصدر لهما قويّ، و عمله فيهما ضعيف؛ لأنّ الضعف والقوّة في العمل إنّما هو للشباهة بالفعل، فكلّما كان الشيء أشبه به من غيره كان أقوى منه، فطلب المصدر بنفسه للفاعل والمفعول كما لا يقتضي كونه قويًّا في العمل فيهما؛ لما عرفت أنّ
ضعف العمل والقوّة إنّما هو لاختلاف مراتب الشباهة بالفعل.
هذا، مع أنّه ورد نعت المصدر المضاف إلى المعرفة بالمعرفة في قوله :
إنّ وجدي بکَ الشديدَ أرانِي *** عاذِرًا فيک مَن عَهِدْتُ عَذُولاً (1)
حيث وقع لفظ «الشديد» صفة ل- «وجدي» لاكتسابه التعريف بالإضافة، فيعلم منه أنّ إضافة المصدر أيضًا من الإضافة المعنويّة، وإلّا لم يصحّ جعل المعرفة صفة له.
قوله : سواء أضيف إلى معرفة أو نكرة .
و ذلک لأنّ المضاف إنّما يتعرّف بالمضاف إليه إذا مزج معه مزجًا يصير به كالكلمة الواحدة.
ألا ترى أنّه يحذف من المضاف ما يدلّ على الانفصال - كالتنوين والنون - ولايفصل بينهما إلّا بما استثنى، فإذا بلغ المزج بينهما بهذا الحدّ يصلح اكتساب المضاف من المضاف إليه حينئذٍ التعريف أو التخصيص، والإضافة اللفظيّة ليس الأمر فيها كذلک؛ لما عرفت أنّها المضاف فيها وإن أضيف لفظًا وحذف منه التنوين أو النون، لكنّه عامل معنًى، فهو ظاهر مضاف، لكنّه بتقدير الانفصال، فلم يبلغ المزج بينهما بتلک المرتبة حتّى يكتسب التعريف.
1) . البيت بلا نسبة في: شرح التسهيل: 2 / 437 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 126 ؛ والدرر :2/138 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 336؛ وتوضيح المقاصد : 2 / 787 ؛ وشرح قطر الندى :264 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 506، و3/ 57 ؛ وشرح التصريح: 1 / 679.
قوله : و هي إضافة الوصف إلى معموله .
لا كلام في ذلک، لكن ينبغي التنبيه على المعمول الّذي يجوز إضافته إليه، فأقول: قال نجم الأئمّة :
واسم الفاعل واسم المفعول لا يضافان إلى (1)مطلوباتهما، إلّا إلى الفاعل
والمفعول؛ لشدّة طلبهما لها، دون سائر معمولاتهما (2).
أقول : و سيجيء في مبحث اسم الفاعل أنّه لا يضاف إلى مطلق الفاعل أيضًا، وأمّا الصفة المشبّهة فالمضاف إليه فيها فاعل معنًى أبدًا، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
قوله : لأنّها أفادت تخفيف اللفظ .
أشار بذلک إلى وجه تسمية هذه الإضافة باللفظيّة، و يرد عليه ما سيجيء، وقد تقدّم منّا وجه آخر لتسميتها بها أحسن ممّا ذكره، فلا تغفل .
لا يقال : إنّها تفيد التخصيص أيضًا، فإنّ «ضارب زيد» أخصّ من «ضارب»، فالإضافة اللفظيّة - كالمعنويّة - أفادت التخصيص .
لأنّا نقول : هذا الكلام منشؤه عدم التدبّر في المسألة؛ لأنّ المراد من الإضافة اللفظيّة إضافة الصفة إلى المعمول، فقولک: «زيدٌ ضارب عمرو» - مثلاً - أصله: هو ضارب زيدًا، فالتخصيص حاصلٌ قبل الإضافة، وإنّما حصل بعدها التخفيف فقط. وكذا الجواب عن الإيراد بإفادة «الحسن الوجه» التخصيص؛ لأنّ إفادته ذلک قبل
الإضافة.
هذا، مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ المضاف في الإضافة اللفظيّة حقيقةً نعتٌ للمضاف إليه، فقولک: «زيدٌ قائم الغلام»، أي: له غلام قائم، ومعلومٌ أنّ النعت هو المخصّص للموصوف في النكرة، لا المكتسب منه التخصيص، كذا قيل (1)، وفيه تأمّل.
قوله : أي خالصة .
يعني: أنّها خالصةٌ عن تقدير الانفصال، بخلاف الإضافة اللفظيّة، فإنّ الصفة فيها وإن كانت مضافة و مزجت مع المضاف إليه بحذف التنوين لفظًا، لكنّها عاملة للرفع أو النصب معنًى، فهي وإن كانت مضافة لفظًا و ممزوجة مع المضاف إليه، لكنّها بتقدير الانفصال عنهما معًا.
وأمّا الإضافة المعنويّة فهي محضة، أي: خالصة عن تقدير الانفصال، وكما يسمّى هذه الإضافة بالمحضة والمعنويّة - كما صرّح به المصنّف حيث قال: «وتلک محضة و معنويّة» - يسمّى أيضًا بالحقيقة كما تقدّم في عبارة الكشّاف، ويسمّى تلک الإضافة باللفظيّة والمجازيّة.
ثمّ اعلم: أنّ التخفيف في هذه الإضافة إمّا في الصفة، أو في المضاف إليه، أو في كليهما.
بيان ذلک : أنّ المضاف إليه في هذه الإضافة إمّا أن يكون أجنبيًّا، أو سببيًّا، فإن كان الأوّل فهو من الأوّل، فتخفيفها بحذف التنوين أو النون، كقولک : «زيدٌ ضارب
1) . قاله نجم الأئمّة في شرحه على الكافية: 2 / 221.
أخيه».
وفي المضاف إليه كذلک، كقولک : «الضارب الغلام»، فإنّ أصله: الضارب غلامه، فحذف الضمير عند الإضافة واستتر في المضاف، فتأمّل.
وفي كليهما كقولک: «زيدٌ قائم الغلام»، فإنّ التخفيف في المضاف بحذف التنوين، وفي المضاف إليه بحذف الضمير، فتأمّل.
قوله : إضافة لفظيّة .
زيادة هذه العبارة للتنبيه على أنّ المشار إليه في قوله: «بذا المضاف» هو ما يستفاد من قوله: «اسمها لفظيّة»، لا ما توهّم بعض (1)مِن جعل المشار إليه المشابه يفعل، وذلک لقرب الأوّل وبُعْد الثاني.
وفي أكثر نسخ الشرح باسم الإشارة بلفظ الأنثى، أي: «بذي»، وحينئذٍ يتعيّن كون المشار إليه ما ذكره الشارح.
ثمّ تقييد اغتفار «أل» في هذه الإضافة يدلّ على عدم افتقارها (2)في المضاف بالإضافة المعنويّة، و هو كذلک؛ لأنّه لو جاز ذلک هناک فلا يخلو إمّا أن يكون المضاف إليه نكرة أو معرفة، و على الأوّل يلزم طلب الأدنى وهو التخصيص مع حصول الأعلى وهو التعريف؛ لما عرفت من أنّ المضاف إليه لو كان في المعنويّة نكرة يكون الغرض منها التخصيص، و على الثاني يلزم تحصيل الحاصل فبلغوا لإضافة.
قوله : أو بما يعود عليه (1)إن كان ضميرًا.
عطفٌ على قول المصنّف: «بالّذي»، أي: وُصِلت «أل» بالّذي يعود الثاني - وهو المضاف إليه - عليه إن كان الثاني ضميرًا، وذلک كقوله: «والشاتمه»، فإنّ المضاف إليه فيه - وهو الضمير - يعود إلى ما فيه «أل» - وهو: «الرجل» في قوله : «بالضارب الرجل».
قوله : و جوّز الفرّاء إضافة ما فيه «أل» إلى المعارف كلّها.
ينبغي إيراد الصور المتصوّرة في المسألة، ثمّ الإشارة إلى أيّ منها جائز وغير جائز، ثمّ الإشارة إلى تحقيق المسألة.
اعلم : أنّ اسم الفاعل والمفعول إذا أضيفا إلى المفعول به لا يخلو إمّا أن يكون كلاًّ منهما مع اللام أو بدونها، وعلى التقديرين إمّا أن يكون معمولهما ضميرًا، أو ظاهرًا منكرًا، أو معرّفًا باللام أو بغيرها، فالأقسام ستّة عشر، يحصل من ضَرْب الأحوال الأربع في اسمي الفاعل والمفعول من التجرّد من اللام وعدمه في الأربع من الاسم بعدها.
الأوّل والثاني والثالث والرابع أن يكون كلّ من اسمي الفاعل والمفعول مجرّدًا من اللام، أو معها، وتاليهما ضميرًا .
والخامس والسادس والسابع والثامن أن يكون كلّ منهما أيضًا مجرّدًا من اللام، أو معها، وتاليهما ظاهر منكّرًا.
والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر أن يكون كلّ منهما أيضًا كذلک،
1) . في المصدر: إليه .
وتاليهما معرّفًا باللام.
والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر أن يكون هما أيضًا كذلک، وتاليهما معرّفًا بغير اللام، ويتّضح حكم الجميع من الصحّة والفساد بما نذكره.
أمّا تجويز الفرّاء (1)إضافة ما فيه «أل» إلى جميع المعارف كقولک: «الضارب زيد» ونحوه، فقد قال ابن الحاجب (2): إمّا لأنّه توهّم أنّ لام التعريف دخولها بعد الحكم (3).
قوله : أو معنًى فقط .
بأن يكون لفظه مفردًا والمعنى متعدّدًا، وهو كذلک في قوله :
إنَّ لِلخَيْر ولِلشَرِّ مَدًى *** وَكِلاَ ذَلِکَ وَجْهٌ وَقَبَلْ (4)
ينبغي التنبيه على معناه، ثمّ الإشارة إلى الاستشهاد، فأقول :
اعلم : أنّ «المَدَى» - بفتح الميم والدال المهملة - : الغاية، و «الوجه» : مستقبل
1) . نقله عنه نجم الأئمّة في شرح الكافية: 2 / 227 ؛ وابن هشام في أوضح المسالک: 156.
2) . نقله عنه الرضىّ في شرحه على الكافية: 2 / 227.
3) . هنا بياض في المخطوطة بقدر نصف صفحة.
4) . البيت لعبد الله بن الزبعريّ في ديوانه: 33 ؛ والدرر: 5 / 25 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 418 ؛وشرح التصريح: 1 / 707. وبلا نسبة في شرح التسهيل: 3 / 106 ؛ والمفصّل: 119 ؛ وأوضح المسالک: 162 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 203 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 62 ؛ وشرح الأشمونىّ :2/154 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 514.
كلّ شيء، و «القبل» قيل (1): بفتح القاف والباء الموحّدة بمعنى: الوجه، فالعطف فيه تفسيريّ، يعني: أنّ للخير والشرّ غاية ينتهيان إليها ويقفان عندها، وكلاهما أمرٌ يستقبله الإنسان ويعرفه؛ لأنّه واضح غير خفيّ.
وربّما قيل (2): إنّ القِبَل - بكسر القاف وفتح الباء - على أنّه جمع : «قِبْلة» بمعنى أنّ كليهما بمعنى القبلة الّتي يتوجّه إليها المصلّي.
وكيف كان: الشاهد في ذلک حيث إنّ لفظه مفرد وأشير بها إلى متعدّ، وهو الخير والشرّ، كقوله تعالى : ( لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِکَ ) (3)، أي: بين الفارض
والبكر، حيث إنّ المشار إليه بذلک الفارض والبكر.
قوله : خلافًا للكوفيّين .
حيث جوّزوا إضافتهما إلى المنكر المثنّى والحاصل مفرد و معناهما مثنّى من الأسماء اللازمة للإضافة إمّا إلى الظاهر أو المضمر، لكن يشترط في الاسم الّذي تضافان إليه ثلاثة أمور :
الأوّل : أن يكون مفهم اثنين مطلقًا، فلا يضافان لمفرد لفظًا ومعنًى.
والثاني : أن يكون معرّفًا.
والثالث : أن يكون إفادته للاثنين بلا تفرّق.
ولا يخفى أنّ الظاهر من الشارح حيث نسب الخلاف في الشرط الثاني إلى
الكوفيّين تجويزهم إضافتهما إلى المنكّر إنّما هو إذا كان مخصّصًا، حيث قال : وأجاز الكوفيّون إضافتهما إلى النكرة المختصّة نحو: «كلا رجلين عندک محسنان»، فإنّ «رجلين» قد تخصّصا بوصفهما بالظرف (1).
ثمّ اعلم : أنّ الضمير الراجع إليهما يجوز إفراده بالنظر إلى لفظهما، كقوله تعالى : (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ) (2)؛ إذ الضمير في « آتت » و « أكلها » يعود إلى
«كلتا»، وهو مفرد.
ويجوز أيضًا الإتيان بالضمير المثنّى مراعاةً لمعناها، وحكم ابن هشام -كغيره (3)- بقلّته ذلک، ثمّ قال :
وقد سئلت قديمًا عن قول القائل: زيد وعمرو قائم، أو كلاهما قائمان، أيّهما السواء (4)؟ فكتبت: إن قدر كلاهما توكيدًا قيل: قائمان؛ لأنّه خبر عن زيد و عمرو، وإن قدر مبتدأ فالوجهان، والمختار الإفراد، وعلى هذا فإذا قيل: إنّ زيدًا وعمرًا فإن قيل : كليهما، قيل : قائمان، أو كلاهما فالوجهان، ويتعيّن مراعاة اللفظ في نحو: كلاهما محبّ لصاحبه؛ لأنّ معناه: كلّ منهما (5).
قوله : سواء أضيف إلى معرفة.
لا مطلقًا، بل بشترط أن لا يكون مفردًا إلّا إذا قصد الأجزاء، أو كرّرت، أي: كما تقدّم، و عدم التقييد هنا للاكتفاء بما سبق.
والحاصل : أنّ «أيّ» على خمسة أقسام: الموصولة والصفة والحاليّة والشرطيّة والاستفهاميّة، كلّها مشتركة في عدم الإضافة إلى المفرد المعرّف، والموصولة تنفرد عن غيرها باختصاصها بالإضافة إلى المفرد، تثنيةً كانت أو مجموعة، فلا تضاف إلى النكرة مطلقًا، لكنّ الإشكال في إضافتها إلى المعرفة؛ لأنّ الموصولات معارف وإضافة المعارف غير جائزة وإن كانت إلى المعارف؛ لاجتماع التعريفين.
ويمكن أن يقال: إنّ تعريف الموصولات إنّما هو بصِلاتها، فقبل الإتيان بالصِلات لا يكون معرفة، فعلى هذا نقول: إنّ أيًّا إنّما يضاف قبل مجيء الصلة، ومعلومٌ أنّها في تلک الحالة غير معرفة، فلا يلزم اجتماع التعريفين.
لا يقال: على هذا أيضًا يلزم اجتماع التعريفين: أحدهما بالإضافة، والثاني بالصلة.
لأنّا لا نسلّم تعريفها بالإضافة ضرورة عدم حصول التعريف بمجرّد قولک : «اضرب أيّهم».
والحاصل : أنّ الكلّيّة - أي: كلّ مضاف إلى معرفة لابدّ أن يكون معرفة - ممنوعة، وأمّا عدم إضافتها إلى النكرة فلعلّ ذلک لكونها بمعنى «الّذي»، وهي
لاتضاف، وكذا ما يكون بمعناه. وأمّا إضافة «أيّ» إلى المعرفة مع عدم إضافة «الّذي» إليها فللفرق بين نفس الشيء وما يكون على معناه.
إن قلت : لِمَ لا يفعل بالعكس بأن أضيفت إلى النكرة، لا المعرفة ؟
قلت : لأنّ الأصل هو أن لا يكون إضافة مطلقًا، لكن لمّا كان المعرفة أقرب من النكرة فأضيف إليها؛ لأجل الفرق المذكور، دون النكرة.
هذا في الموصولة، أمّا الصفة والحاليّة - أي: الواقعة صفة وحالاً - فهما تنفردان عن غيرهما باختصاصهما بالإضافة إلى النكرة، وذلک لأنّ المراد بالصفة هو أن يكون «أيّ» صفة للنكرة، و صفة للنكرة نكرة، ولهذا لايضاف إلى المعرفة.
وأمّا الواقعة حالاً فلأجل أنّ الحال لا يكون إلّا نكرة، وأمّا الشرطيّة والاستفهاميّة فتنفردان عن ما عداهما بإضافتهما إلى النكرة والمعرفة إذا لم تكن مفردة كما مرّ، وذلک لأنّ الاستفهام والشرط كما يكون في المعرفة يكون في النكرة.
قوله : و هو ظرف .
«لَدُنْ» مشترکٌ مع «عِنْدَ» في معناها، إلّا أنّ الفرق بينهما من وجوه :
الأوّل : هو ما أشار إليه بقوله: «وهو ظرف لأوّل غاية زمان أو مكان»، بخلاف «عند» فإنّها كما تكون لأوّل غاية الزمان يكون لغيره، ومعنى أوّل غاية الزمان قد تقدّم في «مِن» حرف الجرّ.
والثاني : هو ما أشار بقوله أيضًا: «مبنيّ»، بخلاف «عند» فإنّها معربة.
والثالث : هو ما أشار إليه أيضًا بقوله: « وإفرادها ونَصبُ غَدْوَة » إلى آخره، فإنّ
«عند» لا يجوز فيها ذلک أبدًا.
والرابع : هو ما صرّح به جماعة منهم (1)بأنّ الغالب في «لَدُن» استعمالها مجرورة ب- «من»، قالوا (2): ولهذا لم ترد في القرآن إلّا ب- «من»، بخلاف «عند» فإنّها ليست كذلک.
والخامس : هو ما ذكره بعضهم (3)من أنّها لا تقع إلّا فضلة، بخلاف «عند» فإنّها كما تقع فضلة تقع عمدة أيضًا، كقولک : «السفر من عند البصرة»، ولا تقول: السفر من لدن البصرة، ولا يخفى أنّ هذا مبنيّ على كون الخبر هو الظرف، لا المتعلّق.
قوله : لزوال المعارض لشبه (4)المقتضي للبناء.
هذا تعليلٌ منه لبناء «غَيْر» في هذه الحالة، وتوضيحه: هو أنّه عند ذكر المضاف إليه وإن كان «غير» أيضًا غير مستقلّ في المفهوميّة وهو المقتضي للبناء، لكن عارضه إضافتها لفظًا، وقولي اسميّة لكونها من خصائص الأسماء، فصار معربًا، وبعد حذف المضاف إليه ارتفع هذا المعارض لعدم إضافته ظاهرًا، فبقي المقتضي للبناء من غير معارض.
1) . ينظر: أوضح المسالک: 163 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 156 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 67 ؛ وشرحالأشمونيّ: 2 / 162 ؛ وشرح التصريح: 1 / 712.
2) . ينظر: مغني اللبيب: 1 / 156 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 67 ؛ وشرح التصريح: 1 / 712.
3) . ذكره في أوضح المسالک: 163 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 162 ؛ وشرح التصريح: 1 / 713.
4) . في المصدر: للشبه .
قوله : فيأتي في هذه ما قلته فيها.
أي: في «أيّ» عند قول المصنّف: «أيّ كما وأعربت ما لم تضف»، فلاحظ (1).
قوله : كما أجمعوا على أنّ فتحها في هذه الحالة مطلقًا وضمّها مع التنوين الّذي هو قليل حركتا إعراب.
واسم «أنّ» قوله: «فتحها»، و «ضمّها» عطف عليه، و «حركتا إعراب» خبرها بإسقاط نون التثنية للإضافة، يعني: ينبغي أن يكون كلمة «غير» في حالة كون المضاف إليه منويًّا معربة أيضًا، كما أجمعوا على أنّ فتحها في هذه الحالة وفتحت مطلقًا، سواء كان مع التنوين أو بدونه، وضمّها لكن لا مطلقًا بل مع التنوين الّذي قليل حركتا إعراب.
وإنّما قيّد الضمّ بالتنوين؛ لأنّ الضمّ بدون التنوين هو محلّ النزاع هل هو علامة بناء أو إعراب كما مرّ.
قوله : ليس غيرَ .
بفتح «غير» على أن يكون المحذوف اسم «ليس»، فالفتح فيه علامة إعراب، ويجوز ضمّه على أن يكون خبر «ليس» محذوفًا، فهو حينئذٍ اسم «ليس» إن قلنا بأنّ ضمّة الموجودة فيه علامة إعراب، وإلّا يحتمل الوجهين.
والحاصل: على الفتح يتعيّن أن يكون «غير» خبر «ليس» واسما (2)محذوف، وعلى الضمّ يحتمل أن يكون الخبر محذوفًا، كما يحتمل أن يكون الاسم محذوفًا
إن قلنا على القول بأنّ الضمّة الموجودة فيه علامة بناء، لا علامة إعراب، كما هو مذهب المبرّد وغيره، وأمّا على القول بأنّها علامة إعراب - كما هو مختار الأخفش (1)- فيعيّن أن يكون اسما (2)والخبر محذوف.
قوله : و خرج بقوله: إن عدمت إلى آخره، ما إذا لم يعدم المضاف إليه.
فإنّه حينئذٍ معرب، وذلک لما عرفت من أنّ مع وجود المضاف إليه يقوى جانب الاسميّة؛ لاختصاصها بالأسماء فيعرب.
إن قلت : إنّ وجود المضاف إليه في اللفظ لو كان مانعًا لبناء الكلمة فلئلّا يمنع ذلک في «حيث» و «إذا» و غيرهما على ما مرّ من أنّهما لازمتا الإضافة، والمضاف إليه فيهما مذكور مع أنّهما مبنيّان.
قلنا : إنّهما لمّا أضيفتا إلى الجملة فالمضاف إليه فيهما ليس نفس الجملة، بل المصدر المستفاد فيها، فقولک: « اجلس حيث زيد جالس » بمنزلة قولک: «اجلس مكان جلوس زيد»، وقولک: «صلّ إذا جاء الظهر» بمنزلة قولک: «صلّ وقت مجيء الظهر».
ولمّا لم يكن المضاف إليه فيهما مذكورًا صريحًا وأثر الإضافة - وهو الجرّ - موجودًا لم يبلغ الإضافة فيهما إلى حدّ تعارض المقتضي للبناء، فلهذا لم يخرجا عن البناء. هذا مع أنّ «إذا» متضمّنة معنى حرف الشرط أيضًا، وهو سبب آخر
لبنائها.
قوله : واخرجه تقييدي المنويّ بالمعنى.
وللعبارة احتمالات، منها : هو أن يكون قوله: «تقييدي» فاعل «أخرجه»، وهو مضاف إلى فاعله - أي: ياء المتكلّم - و «المنويّ» مفعوله، والمراد: هو أنّه أخرج هذا الفرض الّذي نوى فيه لفظ المضاف إليه دون معناه من إطلاق قول المصنّف هنا - وهو قوله: «ناويًا ما عُدِما» - تقييد الشارح «المنويّ» بالمعنى في كلامه حيث قال: «ناويًا معنى ما عدما».
ولعلّ هذا أظهر الاحتمالات في العبارة، وفي بعض النسخ هكذا: «تقييد المنويّ بالمعنى» بحذف الياء، وهو لا ينافيه.
قوله : كالآية السابقة.
وهي قوله تعالى : ( للهِِ الاَْمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ ) (1)بالضمّ، حيث نوي معنى المضاف إليه، فبني بالضمّ، أي: مِن قبل أن غلبت الروم ومِن بعد أن غلبت.
وإنّما بنيا في هذه الحالة لافتقارهما بالمضاف إليه معنًى كافتقار الحرف لغيره، وبنيتا على الحركة دفعًا لالتقاء الساكنين، و على الضمّ دفعًا للالتباس بين حركة الإعراب والبناء.
قوله : و قرئ: ( للهِِ الاَْمْرُ مِنْ قَبْل وَ مِنْ بَعْد ).
أو قرئ بالجرّ وبالتنوين على أن يكون المضاف إليه غيره منويّ؛ لأنّها حينئذٍ معربة.
1) . سورة الروم : 4 .
ثمّ إنّه ذكر أنّ «قبل» و «بعد» نكرتان في هذا الحالة؛ لعدم الإضافة لفظًا وتقديرًا، ولذلک نوّنا كما ينوّن سائر الأسماء النكراة بتنوين التمكّن، وعن بعضهم (1): هما معرفتان بنيّة الإضافة، وتنوينهما تنوين عوض. والمصنّف في شرح الكافية (2)استحسن هذا القول. وأمّا إذا أضيفا لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط - بأن يكون المضاف إليه غير مذكور لكن منويًّا - فقد قيل (3): انّهما معرفتان في هاتين الحالتين، فتأمّل.
واعلم : أنّ الظروف المقطوعة عن الإضافة يسمّونها بالغايات؛ لأنّ غاية الشيء آخره، ففي الحقيقة أنّ الغاية هنا المضاف إليه؛ لأنّ آخر الكلمة المضافة هو المضاف إليه، لكن لمّا حذف ذلک فكان المضاف صار الغاية، ولهذا يسمّى بالغاية.
قوله : أي فحسبي ذلک .
أشار بذلک إلى أنّ «حسب» هنا مبنيّة على الضمّ؛ لكون المضاف إليه منويًّا، ف-«حسب» مبتدأ و «ذلک» خبره إن قلنا بأنّه يتعرّف بالمضاف إليه، وإلّا فهو خبرٌ مقدّم و «ذلک» مبتدأ مؤخّر، أو يكون التقدير: أخذت عشرة فهي حسبي، والفاء فيه إمّا للتزئين، أو دخل لكون مدخوله جزاء لشرطٍ محذوفٍ بأن يكون التقدير : إذا أخذتها فهي حسبي، أو فحسبي ذلک.
اعلم : أنّ «حسب» قد يكون بمعنى اسم الفاعل من : «يكفي»، أي: كاف،
فحينئذٍ إضافته كإضافة اسم الفاعل لا يفيد التعريف ولا التخصيص، ولهذا ترى أنّه مع المضاف إلى المعرفة وقع صفة للنكرة، كقولک: «مررت برجل حسبک من رجل»، أي: كاف لک عن غيره، ويقع حالاً مع ما عرفت اشتراط التنكير في الحال، كقولک: «هذا عبدالله حسبک من غيره»، أي: حال كونه كافيًا لک عن غيره.
ودخول العوامل اللفظيّة عليه يردّ القول بأنّه اسم فعل، لنقل ابن هشام (1)
الاتّفاق على عدم دخول العوامل اللفظيّة على أسماء الأفعال، ومن دخولها عليه قوله تعالى: ( فَإِنَّ حَسْبَکَ اللهُ ) (2)، حيث إنّ «حسب» وقع اسمًا ل- «إنّ»، وقولک :
«بِحَسْبِکَ دِرْهَمٌ»، فإنّه وقع مجرورًا ب- «با»، و هو مبتدأ و « درهم » خبره، دون العكس؛ لأنّهما وإن اشتركا في وصف التنكير، إلّا أنّ الأوّل مخصّص بالإضافة وعلى تقدير عدم التخصيص أيضًا لما مرّ في مبحث المبتدأ والخبر، وهو قوله :
فَامْنَعْهُ حِينَ يَسْتَوِي الجُزْءان *** عُرْفًا ونُكْرًا عَادِمَي بَيَان
وقد يكون «حسب» بمعنى «لا غير»، تقول: «رأيت رجلاً حسب» أي: لا غير، و « قبضت عشرة فحسب » أي : لا غير.
قوله : على نيّة معنى المضاف إليه .
إذ الأصل من أوّل الأمر.
قوله : والجرّ على نيّة لفظه.
لا مع التنوين؛ إذ مع نيّة لفظ المضاف إليه كأنّه مذكور، فلا يجتمع معه تنوين.
قوله : و منع صرفه للوزن والوصف .
كأنّه جواب عن سؤال مقدّر تقديره: هو أنّه مع ترک نيّة المضاف إليه ينبغي أن يكون معربًا ومنوّنًا، فيقال: «مِن أوّلِ» بالجرّ، كما إذا يكون لفظه منويًّا، وكيف تقول بالفتح على ترک نيّته ؟
فأجاب بأنّه مع ترک نيّة المضاف إليه يمنع من صرفه للوزن والوصف، أمّا الوزن فظاهر، وأمّا الوصف فلأنّ «الأوّل» بمعنى الأسبق، فيعلم من هنا أنّ ل-«الأوّل» استعمالين: أحدهما: الظرف - ك- «قبل» و «بعد» - والثاني: صيغة التفضيل بمعنى الأسبق.
قوله : وأتَيْتُ فَوقَ بَنِي كُلَيبٍ مِن عَلُ (1).
بالضمّ، والشاهد فيه حيث حذف المضاف إليه فيه و نوى معناه، أي: من قوّتهم، ولذا بني بالضمّ.
أوّل البيت: «ولقد سددت عليک كلّ ثنيّة»، و هي طريق العقبة.
قوله : كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَيْلُ مِنْ عَلِ (2).
1) . البيت للفرزدق في ديوانه: 2 / 161 ؛ وشرح كتاب سيبويه للسيرافيّ: 1 / 80، و 5 / 104 ؛والدرر: 1 / 449 ؛ وشرح التصريح: 1 / 725. وبلا نسبة في: شرح شذور الذهب: 1 / 139،141 ؛ وأوضح المسالک: 167؛ وهمع الهوامع: 2 / 198.
2) . أوّل البيت : «مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا»، وهو لامرئ القيس في ديوانه: 19 ؛ وخزانة الأدب :3 / 228 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 449 ؛ وشرح التصريح: 1 / 725. وبلا نسبة في: أوضحالمسالک: 167 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 154 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 170.
والشاهد فيه حيث ترک المضاف إليه وأعرب المضاف، أي: من شيء عال.
قوله : وبه صرّح الجوهريّ .
حيث قال في الصحاح :
يقال: أتيته من عَلِ الدار - بكسر اللام - أي: من عال (1).
قوله : إلّا حسب، فعلى الحالية.
أي: فنصبه على الحالية، وهو جيّد فيما إذا لم يكن مثل: رأيت رجلاً حسب أو حسبا، وأمّا في مثل ذلک فالأولى أن يقال: إنّه صفة لا حال؛ لأنّ حقّ ذي الحال التعريف.
قوله : و ذكر المصنّف أنّ أسماء الجهات.
والغرض من إيراد هذا الكلام في المقام هو أنّه لمّا علم ممّا تقدّم أنّه يعرب نصبًا ورفعًا وجرًّا هذه الأسماء من «قبل» و ما ذكر بعده، ومعلومٌ أنّ ممّا ذكر بعده هو الجهات الستّ، فيتوهّم من جميع ذلک أنّ الجهات الستّ مثل غيرها من الأسماء المذكورة في التصرّف عند إفرادها عن الإضافة، ولهذا ألجأ الشارح إلى نقل كلام المصنّف في المقام تنبيهًا على حقيقة الحال، لكن لم يعلم منه حال «فوق» و«تحت»، فأقول: التصرّف فيهما كثير.
قوله : أو (2)المضاف إليه .
اعلم: أنّ المضاف إليه الّذي يقوم مقام المضاف إمّا هو مضاف إليه لذلک
المضاف، أو المضاف إليه لما يضاف إليه ذلک المضاف، والأوّل ظاهر كقوله تعالى : ( وَجَاءَ رَبُّکَ ) (1)، والثاني كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ) (2)؛ لأنّ (رزقكم) ليس مضافًا إليه للمضاف الأوّل، بل هو مضاف إليه لما يضاف إليه المضاف الأوّل كما سيجيء، وأقام مقامه في إعرابه.
إذا عرفت هذا نقول: الظاهر أنّ الشارح خصّص عبارة المتن بالقسم الأوّل؛ لأنّ المتبادر من كلامه ذلک؛ إذ الظاهر من قولک لشيء: «أنّ هذا يليه» هو أن يكون واقعًا بعده بلا فصل، فعلى هذا ربّما يتوهّم من كلام المصنّف أنّه يخلف المضاف إليه لما يضاف إليه المضاف الأوّل عن المضاف إليه المضاف الأوّل، وبعبارة أخرى: يخلف المضاف إليه الثاني عن المضاف إليه الأوّل؛ لأنّه يصدق عليه أنّه مضاف بالنسبة إلى ما بعده، وهو مع فساده غير مراد.
ولهذا خصّص الشارح كلام المصنّف على القسم الأوّل فقال: «أو المضاف إليه»، و هو عطفٌ على «المضاف» في قول المصنّف: «وما يلي المضاف»، يعني : أنّه كما يأتي ما يلي المضاف خلفًا عنه، كذا يأتي ما يلي المضاف إليه خلفًا عن ذلک المضاف أيضًا.
إن قلت : على القسم الثاني يخلف المضاف إليه عن المضاف الأوّل والثاني [و] هو عبارةٌ عن ما يضاف إليه المضاف الأوّل .
قلنا: لا معنى لذلک، بل هو يخلف عن المضاف الأوّل؛ لأنّه لو خلف عنهما يلزم
أن يجتمع فيه إعرابان: إعراب المضاف، وإعراب المضاف إليه.
ولقد صعب فهم المراد على المشتغلين من العبارة، فغيّروا عبارة الشرح، ففي بعض النسخ: «أي المضاف إليه»، حيث جعل ذلک تفسيرًا للموصول في عبارة المتن، وهو «ما» في : «ما يلي المضاف»، وفي بعض النسخ: «وهو المضاف إليه»، لكنّا قد أوضحنا المراد بتأييد خالق العباد.
قوله : و غيرهما.
الإفراد والاشتقاق وغيرهما.
قوله : أي ماء بَرَدَى.
أشار بذلک إلى أنّ المضاف إليه المؤنّث قام مقام المضاف في التذكير، فلذا قال : «يُصَفَّقُ» بالياء التحتانيّة، لا بالتاء الفوقانيّة. «الرَحِيق» هو: الخالص من الخمر (1).
والسَلْسَل والسَلْسَال والسُلاَسِل: ماء صافي حسن الشرب (2).
قوله : أي رائحته.
وهذا مثال كخلف المضاف إليه المذكّر عن المضاف المؤنّث في التأنيث، ولهذا ترى علامة التأنيث في الخبر أي: «نافحة»؛ إذ هي في الأصل: رائحة المسک من أردانها نافحة، والضمير في «أردانها» إلى «امرأة»، و هو جمع: «الرُدْن»، وهو : الكُمّ (3).
قوله : أي استعمالها (1).
لمّا كان من الأمور المسلّمة أنّ الأحكام الخمسة - كالوجوب والحرمة والسنّة والإباحة والكراهة - غير متعلّقة بالذوات، ومع ذلک تعلّق الحرمة هنا بالذات؛ لكونه خلفا ما يصلح تعلّقها به وهو الاستعمال، أي: استعمال هذين حرام، فخلف المضاف في صحّة تعلّق الأحكام به.
هذا، ويمكن أن يقال له وجه آخر، و هو أنّه لمّا كان من الأمور المسلّمة أيضًا أنّ الخبر إذا كان مشتقًّا لحسب مطابقته مع المبتدأ، وعلى هذا كان اللازم أن يقال : إنّ هذين حرامان، لا حرام؛ لكونه مشتقًّا؛ لأنّ الحرام وصف من : «حَرُم» بضمّ العين، كجَبن جَبان بفتح الجيم - كما سيجيء في أبنية اسم الفاعل - لكن لمّا كان المضاف مفردًا وحذف، وناب المضاف إليه المثنّى عنه في الإفراد.
قوله: أي أهلها .
أشار بذلک إلى أنّ المضاف إليه قام مقام المضاف، ولهذا صحّ إرجاع ضمير ذي العقول إلى ( القُرَى ) (2)، أي: تلک أهل القرى أهلكناهم .
قوله: تفرّقوا أيادي سبأ (3).
مثالٌ لخلف المضاف إليه عن المضاف في التنكير؛ إذ أصله: تفرّقوا مثل أيادي
سبأ، فحذف «مثل» وقام «أيادي» مقامه، فجعل حالاً مع أنّه مضاف لا معرفة؛ لكونه قائمًا مقام «مثل»، وهو نكرة وإن أضيف إلى المعرفة، فكذا ما قام مقامه.
قوله: ونارٍ تَوَقَّدُ بِالليلِ نَارًا (1).
والشاهد في «نارٍ» حيث أبقي على الجرّ كما إذا لم يكن المضاف محذوفًا والشرط موجودًا؛ لأنّ ما حذف مماثلٌ لما عليه قد عطف؛ إذ التقدير: وكلّ نار.
إن قلت : لِمَ لا يجوز أن يكون «نار» عطفًا على «امرئ» المجرور، فجرّ لفظ «نار» للعطف على المجرور، لا بحذف المضاف ؟
قلت : لأنّه لو عطفها على «امرئ» المجرور يلزم العطف على معمولي عاملين مختلفين بحرف واحد، و هو غير جائز عند أكثرهم (2).
بيانه: هو أنّ جرّ «امرئ» بإضافة «كلّ» إليه على الخلاف المتقدّم، و «امرأً» المنصوب مفعول ثان ل- «تحسبين»؛ إذ مفعوله الأوّل: «كلّ امرئ» متقدّم عليه، فلو قلنا: إنّ «نار» معطوفٌ على «امرئ» المجرور، فيكون «نارًا» المنصوب عطفًا على
1) . أوّل البيت: «أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً»، وهو لأبي دؤاد الإياديّ في ديوانه: 353 ؛ والكتاب :1 / 66 ؛ والمفصّل: 136 ؛ والمقاصد النحويّة: 3 / 445 ؛ والدرر: 5 / 39 ؛ ؛ وخزانة الأدب :4/ 383، 10 / 508 ؛ وشرح التصريح: 1 / 729. ولعديّ بن زيد العباديّ في: ملحق ديوانه :199. وبلا نسبة في: شرح الألفيّة لابن الناظم: 157 ؛ والإيضاح في شرح المفصّل: 1 / 398 ؛وشرح التسهيل: 1 / 373، 2 / 213، 3 / 134 ؛ والإنصاف: 2 / 386 ؛ وأوضح المسالک :168 ؛ ومغني اللبيب: 1 / 290 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 77 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 175 ؛وهمع الهوامع: 2 / 521 .
2) . ينظر: الإنصاف: 2 / 387 ؛ وشرح الرضىّ على الكافية: 2 / 344 ؛ والفوائد الضيائيّة: 270.
«امرأً» المنصوب، فيلزم عطف الشيئين على معمولي عاملين مختلفين بحرف واحد، وهو غير جائز؛ لأنّ حرف العطف نائب عن عامل المعطوف عليه، وهو غير صالح للعَمَلين المختلفين فضلاً عن نائبه.
وهذا إنّما يلزم إذا قلنا بأنّ «نار» معطوفٌ على «امرئ»، وأمّا إن قلنا بحذف المضاف فلا؛ لأنّه حينئذٍ يكون عطف الشيئين على معمولي عامل واحد، وهو ممّا لا شکّ في صحّته.
وإنّما قلنا: إنّ ذلک غير جائز عند الأكثر؛ لأنّ جماعة منهم ذهبوا إلى الجواز -كالأخفش والكسائيّ والفرّاء والزجّاج (1)- بلا تنوين، والظاهر من هذه العبارة تخصيص المسألة في الألفاظ المفردة، دون التثنية والجمع.
قوله : أي يد من قالها ورِجْل من قالها.
وما ذكره الشارح تبعًا للمصنّف من حذف المضاف إليه في الأوّل وإبقائه على ما كان إنّما هو على مذهب المبرّد و غيره (2).
وعن الفرّاء (3): إضافة كلّ من الاسمين إلى «من قالها» ولا حذف في الكلام.
وهو كما ترى ؛ لوجود الفصل بين أحد جزءي المضاف والآخر بأجنبيّ، وهو حرف العطف.
1) . نقله عنهم في مغني اللبيب: 2 / 486 ؛ وينظر: شرح الرضىّ على الكافية: 2 / 344 ؛والفوائد الضيائيّة: 270 ؛ وشرح التصريح: 1 / 729.
2) . ينظر: شرح ابن عقيل: 2 / 80 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 178 ؛ والأشباه والنظائر: 1 / 51.
3) . نقله عنه ابن عقيل في شرحه : 2 / 81 ؛ ونقله الأشمونيّ عن بعض شرّاح الألفية في شرحه :2 / 179.
وقال سيبويه (1): إنّ الأصل في «قطع الله يد و رِجْل من قالها» (2): «قطع الله يد
من قالها ورجله»، بالضمير العائد إلى الموصول، فحذف الضمير فصار: «قطع الله يد من قالها ورجل»، ثمّ أقحم «ورجل» بين المضاف والمضاف إليه، فصار: «قطع الله يد ورِجْل من قالها»، والمذكور بعد «ورِجْل» في الحقيقة مضافًا إليه، و«رِجْل» محذوف عنده، فانعكس الأمر.
قوله : عن المضاف إليه .
متعلّق بقول المصنّف: «فَصْلَ».
قوله : أي المصدر (3).
وإطلاق العبارة يدلّ على أنّه يجوز الفصل بين المصدر المضاف والمضاف إليه بما نصب ذلک المصدر مطلقًا، سواء أضيف المصدر إلى فاعل أو إلى مفعول، وقد صرّح جماعة باختصاص من ذلک فيما إذا كان المصدر مضافًا إلى فاعله.
لا يقال : إنّ عبارة الشرح أيضًا تدلّ على ذلک؛ لأنّ الفصل بالمنصوب إنّما هو إذا أضيف المصدر إلى فاعله، وأمّا إذا أضيف إلى مفعوله فيكون الفصل بينهما بالمرفوع، لا بالمنصوب.
لأنّا نقول : هذا إنّما يسلّم إذا كان للمصدر منصوب واحد، وأمّا في غيره فلا، كما لا يخفى، وستسمع لهذا تفصيلاً آخر.
قوله: ذلک المضاف .
أشار بذلک إلى أنّ الضمير في قوله: «ما نَصَب» عائد إلى المضاف في قوله : «فَصْلَ مُضافٍ»، فعائد الموصول محذوف، أي: ما نصبه ذلک المضاف.
قوله: فاعل فصل .
يعني: أنّ الصلة والموصول في موضع رفع الفاعليّة ل- «فصل».
قوله : كقراءة ابن عامر (1)في قوله تعالى (2): ( وَكَذَلِکَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَولاَدَهُمْ شُرَكَائِهِمْ ) (3).
برفع ( قتل ) على أن يكون نائبًا عن الفاعل ل- ( زيّن )، و نصب ( أولادهم ) على المفعوليّة ل- ( قتل )، و جرّ ( شركائهم )، وهو فاعل للمصدر أضيف إليه، ومنصوبه فصل بينه و بين الفاعل - أي: المضاف إليه - و هو خلاف الأصل؛ لأنّ المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، ونزّل المضاف إليه من المضاف بمنزلة جزئه.
ولهذا ترى أنّهم إذا أرادوا إضافة لفظٍ يجرّدون منه علامة الانفصال - كالتنوين والنون مثلاً - حتّى يحصل بينهما مزج تامّ، فعلى هذا ينبغي أن لا يفصل بينهما
بشيء، لكن استثنى منه ثلاثة مواضع، فالكوفيّون (1)قالوا بجواز الفصل فيها ويقاس عليها.
[ الموضع الأوّل ]
الأوّل منها : ما مرّ، وهو ما إذا كان المضاف مصدرًا مضافًا إلى فاعله، والفاصل إمّا مفعوله، أو ظرفه؛ لما قيل (2)من أنّ المحسّن لذلک ثلاثة أشياء :
أحدها : كون الفاصل فضلة، فإنّ ذلک مسوّغ لعدم الاعتداد به.
والثاني : كونه غير أجنبيّ؛ لتعلّقه بالمضاف.
والثالث : كونه مؤخّرًا رتبة؛ لأنّ رتبة الفاعل التقديم، فهو وإن تقدّم لفظًا، لكنّه مؤخّر رتبة.
أقول: فعلى هذا إذا كان للمصدر مفعولين ليضاف إلى المفعول الأوّل ينبغي أن يجوز بالمفعول الثاني، فحصرهم جوازه الفصل فيما إذا كان المصدر مضافًا إلى الفاعل مطلقًا ليس على ما ينبغي.
[ الموضع الثاني ]
والموضع الثاني : فيما إذا كان المضاف اسم الفاعل المضاف إلى مفعوله الأوّل، فيجوز الفصل بينهما بالمفعول الثاني أو بالظرف.
أمّا الأوّل فكما أشار إليه الشارح بإيراده قوله تعالى: ( فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ ) (1)في قراءة الغير المشهورة (2)بنصب ( وَعْدَه )، وهو المفعول الثاني، وبجرّ ( رُسُلِه )، وهو المفعول الأوّل، والقراءة المشهورة: ( مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) بجرّ ( وَعدِهِ ) ونصب ( رُسُلَهُ ) بعكس الأولى.
إن قيل : بناءً على هذه القراءة المشهورة لِمَ قدّم المفعول الثاني على المفعول الأوّل ولم يقل: مخلف رسله وعده، مع أنّ الأولى ذلک ؟
أجيب عن ذلک فقيل (3): إنّه لا يخلف الوعد أصلاً، كقوله تعالى: ( إنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (4)، ثمّ قال: ( رسله ) ليؤذن أنّه إذا لم يخلف وعد أحدٍ فكيف يخلف رسله الّذين هم خيرته وصفوته؟
وأمّا الثاني - أي: الفصل بالظرف، وهو يعمّ المجرور أيضًا - فقد أشار الشارح إلى كليهما أيضًا.
والموضع الثالث : هو ما إذا كان الفاصل يمينًا مطلقًا، سواء كان المضاف شبه فعل، أو لا، كما أشار إليه بقوله: «ولم يُعَب فصلُ يَمِين».
وعن ابن الأنباريّ (1): أنّه حكى الفصل بينهما بالشرط، كقولک: «هذا غلام - إن شاء الله - ابن أخيک»، وسيجيء في الشرح عن المصنّف موضع غيرها ما ذكر (2).
**
فَصْلٌ
في المضاف إلى ياء المتكلّم
آخِرَ ما أُضيف لِلْيا اكسِرْ إذا *** لم يکُ معتلاًّ كرامٍ وقذا
الصحيح أنّه معرب خلافًا لابن الخشّاب والجرجانيّ في قولهما إنّه مبنيّ؛ لإضافته إلى غير متمكّن؛ لإعراب المضاف إلى الكاف والهاء والمثنّى المضاف إلى الياء، ولبعضهم في قوله: إنّه ليس بمبنىّ؛ لعدمِ الشَّبه، ولا معرب؛ لعدم تغيّر حركته.
(آخر ما أضيف لليا اكسرْ إذا لم يکُ معتلاًّ)، أو جاريًا مجراه، كصاحبي وغلامي وظبيي ودَلْوي، ولک حينئذ في الياء الفتح والسكون، وحذفها لدلالة الكسر عليها نحو :
خليلِ أَملکُ منّي ... .....................
وفتح ما وليته فتقلب ألفًا نحو :
............... ثمَّ آوي إلى أُمّا .....................
وحذف الألف وإبقاء الفتح نحو :
ولستُ بمدرکٍ ما فاتَ مِنّي *** بلهفَ ولا بليتَ ولا لَوَ انّي
فإن يک معتلاًّ (كرامٍ وقَذَا)،
أو يک كابنين وزيدِينَ فذي *** جميعُها اليا بعدُ فتحُها احتُذي
(أو يک) مثّنى أو مجموعًا جمع سلامة (كابنين و زيدين فذي جميعُها اليا) المضاف إليها (بعدُ) بالضمّ (فتحها) وسكون الياء الّتي في آخر المضاف (احتذى).
وتُدغَمُ اليا فيه والواوُ وإن *** ما قبلَ واوٍ ضُمَّ فاكسِرهُ يَهنْ
ثمّ في ذلک تفصيل، (و) ذلک أنّه (تدغم الياء) الّتي في آخر المضاف (فيه) أي : في ياء المضاف إليه نحو: جاءني قاضِىَّ، ورأيت قاضِيَّ وغلامِيَّ وزيدِيّ، ومررت بقاضِيّ وغلاميّ وزيدِيّ، (والواو) تدغم فيه أيضًا بعد قلبها ياء نحو :
أودى بنِيَّ ............ .....................
(وإن ما قبلَ واو ضُمَّ فاكسِره يهن) وإنْ فُتح سابقة فأبقه نحو: هؤلاءِ مصطفىَّ.
وأَلِفًا سلِّم وفي المقصور عن *** هُذيلٍ انقلابُها ياءً حَسَنْ
(وألفًا سَلِّمْ) نحو مَحيايَ وعصايَ وغلامايَ، و سلامة الألف الّتي هي في المثنّى في لغة الجميع (و) الّتي (في المقصور عن هُذيلٍ انقلابها ياءً حَسَن) نحو :
سبقوا هَوَيَّ ............ .....................
خاتمة
المستعمل في إضافة أب و أخ وحم وهن إلى أبي وأخي وحمي وهَني، وأجاز المبرّد أبيّ بردّ اللام، وفي فم فيّ، وقل فمي، وأجاز الفرّاء في ذى ذيَّ، وصحّحوا أنّها لا تضاف إلى مضمرٍ أصلاً.
[ فصل : في المضاف إلى ياء المتكلّم ] (1)
قوله : لإعراب المضاف إلى الكاف .
هذا دليل لقوله: «أنّه معرب»، والمناسب ذكر الدليل تلو المطلوب بلا فاصلة أجنبيّ، ولكنّ الشارح ذكره بعد قول الخصم ودليله تنبيهًا على أنّ هذا الدليل كما يثبت به المطلوب، يثبت به بطلان دليل الخصم، وبطلان الدليل يستلزم بطلان المطلوب ولو لم يكن له دليل آخر.
بيانه: هو أنّ الصغرى مسلّمة من إضافته إلى غير متمكّن، وأمّا كلّيّة الكبرى -وهي كلّ ما يضاف إلى غير متمكّن أنّه مبنيّ - غير مسلّمة، ألا ترى أنّ المضاف إلى الكاف والهاء معرب مع أنّ المضاف إليه غير متمكّن.
قوله : أو جاريًا مجراه.
لمّا كان ظاهر عبارة المصنّف موهمًا بأنّ كسر آخر المضاف إلى الياء إنّما هو إذا
1) . العنوان منّا .
لم يكن المضاف معتلاًّ، وأمّا إذا كان فلا، وهو بإطلاقه لم يكن صحيحًا؛ لأنّ كثيرًا من الأسماء المعتلّة ممّا اتّفقوا على كسر آخر المضاف فيه.
ولهذا قال الشارح: «أو جاريًا مجراه»، يعني: أنّ كسر آخر المضاف إنّما هو إذا لم يكن معتلاًّ، أو كان معتلاًّ ولكن لم يجر مجراه، بل جرى مجرى الصحيح كما ستقف عليه.
إعلم : أنّ المراد من المعتلّ في المقام هو ما لم يكن حرف إعرابه صحيحًا، فالاسم الصحيح هنا إشارة إلى اسم يكون حرف الإعراب فيه صحيحًا، وليس المراد من المعتلّ في المقام ما هو اصطلاح أهل الصرف، وهو واضح، و «وعد» و«قول» من الأسماء الصحيحة لا المعتلّة، وإن كان في اصطلاح أهل الصرف معتلّين، فتقول عند الإضافة إلى الياء بكسر آخرهما: «وَعْدِي حقّ، وقَولِي صدق».
وإنّما كسر آخر الصحيح المضاف إلى الياء للتناسب بينهما، والمراد بالجارّ ومجرى الصحيح هو الّذي حرف آخره ياء أو واو قبلهما ساكن، فإنّ كلّ اسم يكون كذلک هو جار مجرى الصحيح في ظهوره الكسر على حرف آخره؛ وذلک لما قيل (1)من أنّ حرف العلّة بعد السكون لا يثقل عليه الحركة؛ لمعارضة خفّة
السكون ثقل الحركة.
1) . قاله الجاميّ في الفوائد الضيائيّة: 245.
وقد مثلّ لكلّ منهما مثالين فقال: «كصاحبي وغلامي»، أوّلهما للوصف، وثانيهما للجامد، و «ظَبْيِي و دَلْوِي»، أوّلهما حرف الآخر فيه ياء وقبلها ساكن، والثاني حرف الأخير فيه واو كذلک؛ تنبيهًا على أنّ المراد من المعتلّ الّذي لم يجر مجراه هو ما كان حرف الآخر فيه ياء، أو واو قبلها ساكن.
قوله : ولک حينئذٍ، إلى آخره.
أي: حين كسر آخر المضاف في غير المعتلّ أو ما جرى مجراه، وإنّما خصّص الحكم للياء فيما إذا كان المضاف صحيحًا و ما جرى مجراه .
لكن بقي الكلام في أنّ الأصل في الياء هل هو الفتح أو السكون؟ قيل (1)
بالثاني؛ لأنّ الأصل في البناء السكون. والأوّل أولى؛ لأنّ هذا الأصل إنّما يسلّم إذا لم يكن ذلک المبنيّ على حرف واحد، وأمّا إذا كان فالأصل فيه الفتحة (2). وكيف كان وقد قيل: أكثر استعمالها ساكنة.
قوله : و فتح ما وليته.
عطف على الفتح في قوله: «لک حينئذٍ [ في الياء ] الفتح»، وكذا قوله ما بعد : «وحذف الألف».
قوله : أو مجموعًا جمع سلامة.
والتقييد بذلک لعدم اشتراک الجمع المكسّر معه في الحكم، بل حكمه قد تقدّم من كسر آخر المضاف، تقول: «هؤلاء رجالي»، وكذا جمع المؤنّث السالم، تقول : «هؤلاء مسلماتي»، فإطلاق الجمع في قوله: «جمع سلامة» ليس على إطلاقه.
قوله : بعدُ بالضمّ .
أشار بذلک إلى أنّ المضاف إليه منويّ، أي: بعد هذه الثلاثة، وهي: المعتلّ منقوصًا كان ك- «رام»، أو مقصورًا ك- «قذا»، والتثنية، والجمع.
قوله : وسكون الياء.
وكذا الألف في المقصور مطلقًا، والتثنية حالة الرفع.
وعدم ذكرهما الشارح إمّا لأنّ أمرهما معلوم؛ لأنّ الألف ساكنة بالذات فلا تقبل الحركة، فلا يحتاج إلى التنبيه؛ لوضوح ذلک، وإمّا لأنّه اكتفى عن ذكر ذلک هنا بذكر المصنّف بعد ذلک حيث قال: «وألِفًا سَلِّم»؛ دفعًا للتكرار.
وهذا أولى، ومنه يعلم وجه اكتفاء الشارح بعد ذلک في المثال للرفع بقوله : «جاءني قاضيَّ»، وعدم ذكر التثنية والجمع في هذه الحالة والمقصور مطلقًا على أنّ الظاهر من إيراد تلک الأمثلة لبيان إدغام الياء في الياء، فلا دخل لذكر المقصور والتثنية حالة الرفع والجمع، كذلک هنا؛ لعدم وجود الياء فيها.
بقي الكلام في أنّ سرّ سكون آخر المضاف في هذه الصور ما هو، فأقول: أمّا
في المقصور والتثنية حالة الرفع فظاهر؛ لأنّ حرف الأخير منهما ألف، وعرفت أنّها ساكنة بالذات، فلا تقبل الحركة، وأمّا في الباقي - وهو: المنقوص والتثنية في غير حالة الرفع والجمع مطلقًا - فلأنّ حرف الأخير منها ياء مدغمة في ياء المتكلّم، ومعلومٌ أنّ الحرف المدغم أيضًا ليس قابلاً للحركة.
وإنّما تعيّن فتح ياء المضاف إليها في هذه الصور؛ فلما عرفت من أنّ أغلب استعمالاتها بالسكون، فالتقى الساكنان عند الإضافة والساكن وإن كان إذا حرّک حرّک بالكسر، لكن خولف ذلک في الياء لثقل الكسرة عليها، ففتحت لكونها من أخفّ الحركات.
أمّا قراءة نافع في قوله تعالى: ( وَمَحْيَايْ ) (1)بسكون الياء المضاف إليها، وكذا قراءة الأعمش والحسن البصريّ بكسرها في قوله تعالى: ( هِيَ عَصَايِ ) (2)، فنادران، لكن نقل ابن هشام (3)اطّراد الكسر في لغة بني يَرْبُوع في الياء المضاف إليها الجمع المذكّر السالم، وعليه قراءة حمزة والأعمش و يحيى بن وثّاب: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيِّ ) (4)بكسر الياء (5).
قوله : و سلامة [ الألف ] (1)الّتي [ هي ] (2)في المثنّى في لغة الجميع.
يعني: وسلامة الألف الّتي في المثنّى مجموعٌ عليها، وقد ادّعى الاتّفاق على ذلک منهم جماعة (3)، وأمّا الّتي في المقصورة فاللغة المشهورة الفصيحة أيضًا ذلک، وهُذَيل - و هم طائفة من العرب (4)- استحسنوا انقلابها بالياء (5).
أمّا سلامتها في التثنية فلأنّها لو انقلبت بالياء فيها لالتبس حالة الرفع بحالة النصب والجرّ، فلا يجوز انقلابها بالياء حينئذٍ دفعًا لذلک، فتأمّل.
وأمّا انقلابها في المقصور عندهم فلأنّ الالتباس فيه متحقّق، سواء انقلبت ألفه بالياء، أم لا، ومع ذلک فالأولى قلبها ياء؛ لمشاكلته مع ياء المتكلّم.
لا يقال : مقتضى ما ذكر عدم جواز قلب الواو بالياء في الجمع لانجراره إلى التباس حالة الرفع بغيرها فيما إذا كان قبل الواو مضمومًا، فإذا انقلب الواو بالياء
1) . ما بين المعقوفين لم يرد في المصدر .
2) . ما بين المعقوفين لم يرد في المصدر .
3) . منهم ابن هشام في أوضح المسالک: 171 ؛ وابن عقيل في شرحه: 2 / 90 ؛ والأزهريّ فيشرح التصريح: 1 / 741.
4) . من القبائل العربيّة القحطانيّة الّتي أسهمت في الوضع اللغويّ، وعنها أخذ اللسان العربيّ،وكان فيها أكثر من سبعين شاعرًا مشهورًا، منهم: أبو ذؤيب الهذليّ. قال الأزهرىّ: وهذيلبالتصغير، قال ابن السيّد: يجوز أن يكون تصغير: هذلول، وهو المرتفع من الأرض، ويجوز أنيكون تصغير: مهذول، وهو المضطرب، من تصغير الترخيم فيهما. وهذيل حيّ من مضر، وهوهذيل بن مدركة، أمّهما هند بنت وبرة أخت كلب بن وبرة. شرح التصريح: 1 / 742.
5) . نقله عنهم الرضيّ في شرح الكافية : 2 / 263 ؛ وابن عقيل في شرحه: 2 / 90.
وكسر ما قبله حصل اللبس.
لأنّا نقول : إنّ الألف لخفّته الأصل فيه عدم القلب كما هو اللغة المشهورة، لكن هذيل جوّز القلب في المقصور؛ لما عرفت من أمرٍ استحسانيّ، ولم يجوّزه في التثنية؛ حذرًا عن توهّم الالتباس.
والحاصل : أنّ قلب الألف في المقصور ليس أمرًا لازمًا ولو عند هُذَيل أيضًا، بخلاف الجمع، فإنّ الأمر فيه ليس كذلک، بل قلب الواو فيه لأمر موجب، وهو اجتماع الواو والياء وسكون أوّلهما، فقلب الواو فيه بالياء لازم لا يترک لأجل توهّم الالتباس العارض في بعض المواضع.
ولا يخفى أنّ ما ذكرنا من أنّ المشهور في ألف المقصور إثباتها وعدم انقلابها ياء إنّما هو في غير « على » و « لدى » الظرفين، وأمّا فيهما فقد ادّعى ابن هشام وغيره الاتّفاق على انقلاب ألفهما ياء (1)، لكن نقل عن المراديّ في شرح التسهيل أنّه قال :
إنّ بعض العرب لا يقلب فيقول: «لداي» و «علاي» (2).
قوله : وأجاز المبرّد «أبيّ» بردّ اللام.
وكذا «أخيّ» على ما نسب إليه بعض المحقّقين (3).
قوله : وفي «فم» .
عطفٌ على «أب» في قوله: «المستعمل في إضافة أب»، لا على قوله: «أبيّ» في قوله: «وأجاز الفرّاء أبيّ»؛ لوجوه كلّها يظهر بأدنى تأمّل، فلا يحتاج إلى ذكرها، فيكون التقدير: المستعمل في إضافة «فِم» بكسر الفاء.
وبيان ذلک يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، فأقول : إعلم: أنّ أصل «فم» : فَوْه، بفتح الفاء وسكون الواو.
وأمّا فتح الفاء فلما قيل (1)من أنّ « فَم » بفتح الفاء أكثر وأفصح من الضمّ والكسر.
وأمّا سكون العين فلعدم دليل على الحركة، فالأصل السكون، فحذف لامه - أي: الهاء - نسيًا منسيًّا ك- : لام «يد» و «دم»، فصار: فو، فحينئذٍ إمّا أن يبق الواو، أو قلب بالميم، أمّا الأوّل فغير ممكن؛ لما قيل (2)من أنّه إذا بقيت الواو فيه لدار عليه الإعراب، فيجب قلبه ألفًا؛ لأنّه متحرّک وقبله مفتوح، فحينئذٍ يلتقي الساكنان، وهما: الألف والتنوين، ولا يمكن حذفها؛ لاستلزامه بقاء الاسم المتمكّن على حرف واحد، وهو غير جائز؛ لأنّ الإعراب إنّما يدور على آخر الكلمة، فلا يدور على كلمة أوّلها آخرها، ولا يمكن إبقاؤها لثقل التقاء الساكنين، فتعيّن قلبها بالميم؛ لكونهما قريبي المخرج؛ لأنّهما شفويّتين، فصار: «فما» مثلاً.
ولمّا أضيف إلى ياء المتكلّم قيل (3): قياس الأصل فيه أن يقال: فوي، ثمّ: فأي؛
لتحرّک الواو وانفتاح ما قبلها، إلّا أنّه لمّا جرت العادة فيما أعرب بالحركات إذا أضيف إلى الياء أن يقتصر فيه من جملة الحركات على الكسرة للتناسب، وكان العين هاهنا كالحركة الإعرابيّة، الواو كالضمّة، والياء كالكسرة، والألف كالفتحة، التزمت الياء في الأحوال الثلاث قبل ياء المتكلّم مكان الكسر وإن لم تكن الكسرة إعرابيّة، تشبيهًا للكسرة الّتي ليست بإعرابيّة.
ولمّا كانت الياء الملتزمة فيه كالياء الّتي في الأسماء الستّة وكان ما قبلها مكسورًا، فكسر ما قبل هذه أيضًا، وهو الفاء، فصار: «فِيّ» (1).
قوله : لا تضاف إلى مضمر أصلاً .
أي: لا إلى ياء المتكلّم، ولا إلى غيره من الضمائر؛ وذلک لأنّها - على ما صرّح به جماعة (2)- إنّما وضعت للتوصّل إلى جعل أسماء الأجناس صفة لموصوف معيّن.
بيان ذلک: هو أنّهم لمّا أرادوا وصف شخص بالمال مثلاً ولم يمكن لهم أن يقولوا: رجل مال، فجاؤا ب- «ذو» وأضافوه إليه فقالوا: «رجل ذو مال » - مثلاً - ومعلومٌ أنّ الضمير ليس باسم جنس، فلا يضاف إليه، بل فلا إلى غيره من الاشتمال الّتي ليست باسم جنس.
وأمّا إضافته إلى الضمير في قول الشاعر :
إنّما يَعْرِفُ ذَا الْفَضْ- *** -لِ مِنَ الناس ذَوُوهُ (1)
إنّما يَصْطَنِعُ المَعْر *** وفَ في الناس ذَوُوه
وأنشد عبدالقاهر قبل البيت :
أفضل المعروف ما لم *** تبتذل فيه الوجوه
وفي أنس المسجون وراحة المحزون لصفي الدين الحلبيّ 1 / 184 : أنّه لأبي العتاهية، ينظر :ديوانه: 421.
فشاذّ لا يعتمد عليه.
**
1) . من مجزوء الرمل أنشده الأصمعيّ ولم يعزه لقائل معيّن، ينظر: شرح المفصّل لابن يعيش :3/ 38 ؛ وهمع الهوامع: 2 / 515، والغرّة المخفيّة لابن الخبّاز: ص 12 ؛ والدرر: 5 / 27. وقدروى البيت ابن مالک في شرح الكافية الشافية: 2 / 928، وشرح التسهيل: 3 / 108 هكذا :
[ إعمالُ المصدر ]
بفعلِهِ المصدَرَ أَلحِقْ في العملْ *** مضافًا أو مجرّدًا أو مَع ألْ
بابُ إعمالِ المصَدرِ وفيه إعمال اسمه
(بفعله المصدر ألحق في العمل) سواء كان (مضافًا) وهو أكثر، (أو مجرّدًا) ومنوّنًا وهو أقيس، (أو مع أل) وهو أندر.
إنْ كان فعلٌ مع «أنْ» أو «ما» يَحُلّْ *** مَحَلّهُ ولاسمِ مصدرٍ عَمَلْ
ثمّ إنّه لا يعمل مطلقًا بل (إن كان) غير مضمر ولا محدود ولا مجموع وكان (فعلٌ مع أن أو) مع (ما) المصدريّة (يَحُلّ محلّه) نحو: (ولولا دفعُ اللهِ الناسَ)، (أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبةٍ يتيمًا).
ضعيفُ النكايةِ أعداءَهُ .....................
بخلاف المضمر نحو: ضربُکَ المسيءَ حسنٌ، وهو المحسنُ قبيح، والمحدود نحو: عجبت من ضربتک زيدٌ، وشذٌ :
يحيايِي بِهِ الجَلْدُ الّذي هو حازِمُ *** بضربةِ كفّيهِ الملا نفسَ راكبِ
والمجموع، وشذّ: تركته بملاحِسِ البَقَرِ أولادَها.
(ولاسم مصدر) وهو الدالّ على الحدث غير الجاري على الفعل إن كان غير علم، ولا ميميّ (عمل عند الكوفيّين والبغداديّين نحو :
..................... وبعد عطائک المائةَ الرِّتاعا
فإن كان عَلَمًا كسبحان للتسبيح، وفجارِ وحمادِ للفجرة والمحمدة فلا عمل له بالإجماع، أو ميميًّا فكالمصدر بالإجماع نحو :
أظلومُ إنّ مصابَكم رجلاً *** أهدى السلامَ تحيّةً ظُلْمُ
وبعد جرِّه الّذي أُضيفَ لهْ *** كمّلْ بنصبٍ أو برفعٍ عَمَلَهْ
(وبعد جرّه) أي: المصدر معموله (الّذي أضيف له كمّل بنصبٍ) عمله إن أضيف إلى الفاعل، وهو الأكثر ك- : «منعُ ذي غنًى حقوقًا شَينٌ»، (أو) كمّل (برفعٍ عملهُ) إن أُضيف إلى المفعول، وهو كثير إن لم يذكر الفاعل، نحو: (لا يسئمُ الإنسانُ من دعاءِ الخيرِ). وقليلٌ إن ذكر نحو: بذل مجهود مُقلٌّ زينُ، وخصّه بعضهم بالشعر، ورُدَّ بقوله: (للهِ على الناسِ حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً).
تتمّة
وقد يضاف إلى الظرف توسّعًا، فيعمل فيما بعده الرفع والنصب، ك-: «حُبَّ يومٍ عاقلٌ لهوًا صبًى».
وجُرَّ ما يتبع ما جُرَّ ومَنْ *** راعى في الإتباعِ المحلَّ فَحَسَنْ
(وجُرَّ ما يتبعُ ما جُرّ) مراعاةً للفظ، نحو: عجبت من ضرب زيدٍ الظريفِ، (ومن راعى في الإتباع المَحَلَّ) فرفع تابع الفاعل ونصب تابع المفعول المجرورين لفظًا (فحسن) فعله كقوله :
..................... مشي الهلوکِ عليها الخَيعَلُ الفُضُلُ
وقوله :
..................... مخافةَ الإفلاس واللَّيانا
تتمّة
يجوز في تابع المفعول المجرور إذا حذف الفاعل مع ما ذكر الرفع على تقدير المصدر بحرف مصدريّ موصول بفعل لم يسمّ فاعله.
**
قوله : هذا باب إعمال المصدر .
أي: هذا باب إعمالهم المصدر عمل فعله، أو هذا الباب في بيان العمل الّذي للمصدر، أو في بيان عمل المصدر عمل فعله.
إعلم : أنّ المصدر عند البصريّين (1)إنّما يسمّى بذلک لكونه محلّاً وموضعًا لصدور الفعل عنه، وعند الكوفيّين (2)هو: «مَفْعَل» بمعنى المصدر، نحو: «قعدت مقعدًا حسنًا»، أي: قعودًا حسنًا، فالمصدر عندهم بمعنى المصدر، وهو المصدر الّذي بمعنى الفاعل، أي: الصادر من الفعل، كالعَدْل بمعنى العَادِل، والتكلّف فيه ظاهر.
قوله : وهو أكثر .
ظاهر العبارة يدلّ على أنّ عمل المصدر عند الإضافة مطلقًا - سواء أضيف إلى
الفاعل أو المفعول، و على الثاني ذكر الفاعل أم لا - أكثر من عمل المصدر إلى فاعله الغير المضاف، وهو بإطلاقه غير مسلّم، بل إنّما يسلّم إذا كان المصدر مضافًا.
وأمّا أكثريّة عمله إذا كان مضافًا إلى المفعول مع عدم ذكر الفاعل من عمل المصدر المنوّن فغير معلوم، فمع ذكر الفاعل بطريق أولى.
أمّا الأكثريّة فيما إذا كان مضافًا إلى الفاعل فلأنّ المصدر عبارة من العرض، فلابدّ له من محلّ يقوم به، لحكم العقل بذلک، سواء صدر منه - كالضرب والمشي وغيرهما - أو لا - كالطول والقصر - وهذا المحلّ هو الّذي تسمّيه بالفاعل.
إذا عرفت هذا نقول : إنّ طلب المصدر للفاعل أشدّ وبالذات؛ لحكم العقل بذلک؛ ولهذا يكون الفاعل كأنّه جزء من المصدر، فإضافته إليه أولى من الإفراد عنها؛ لكونها مؤذنة بالاتّصال؛ ولهذا يحذف معها ما يكون علامة الانفصال - كالتنوين وخلفه على ما تقدّم - فهو مع فاعله المضاف إليه كلفظ واحد، فيكون جرّه للفاعل أولى من رفعه له، كما إذا لم يضيف أو أضيف؛ ولأنّ رفعه للفاعل إنّما هو لأجل الشباهة بالفعل، وقد عرفت أنّ شباهته به ضعيفة وزنًا؛ لعدم موافقته معه في الوزن، ومعنًى؛ لعدم صلاحيّته لوقوعه محلّه إلّا مع «أن» أو مع «ما»، وقد عرفت أيضًا أنّ طلبه للفاعل قويّ، فلم يبق إلّا أن يضاف إليه.
وكذا إضافته إلى الفاعل أولى من الإضافة إلى المفعول؛ لأنّ المفعول وإن كان هو أيضًا من ضروريّاته في المصدر المتعدّي، إلّا أنّ الملابسة بينه وبين الفاعل أشدّ ممّا بينه وبين المفعول؛ ولهذا ترى أنّ الإضافة إلى الفاعل أكثر من إضافته إلى المفعول مطلقًا ولو مع عدم ذكر الفاعل كما سيجيء.
قوله : منوّنًا وهو أقيس .
إنّما زاد «منوّنًا» للتنبيه على أنّ مراد المصنّف من التجرّد في قوله: «مجرّدًا» هو المجرّد من الإضافة، قال بقرينة المقابلة، فإذا كان مجرّدًا منهما يكون منوّنًا إنّما يكون المصدر المنوّن في العمل أقيس من غيره.
أقول : ذلک إمّا لما مرّ من أنّ عمل المصدر لأجل شباهته بالفعل، فكلّما كان الشباهة فيه أكثر فعمله أقيس، فالمضاف والمصاحب مع «أل» لكون كلّ من الإضافة و «أل» من خصائص الأسماء، يضعف شباهتهما بالفعل، بخلافه إذا كان مجرّدًا.
وفيه نظر؛ لأنّه كما يكون كلاًّ من الإضافة و «أل» من خصائص الأسماء، كذلک التنوين بلا تفاوة بينهما مطلقًا؛ وإمّا لما قال جماعة منهم (1)من أنّه حينئذٍ يشبه الفعل بالتنكير.
أقول : وفيه أيضًا نظر؛ لأنّا نقول: إنّ مرادهم من قولهم: «أنّه حينئذٍ يشبه الفعل بالتنكير» إمّا تنكيره عن الإضافة واللام - أي: إفراده عنهما - أو المراد به النكرة المقابل للمعرفة - كما هو ظاهر عبارة بعضهم أو صريحه (2)- و على التقديرين لايثبت منه المدّعى.
أمّا على الأوّل فلأنّ هذا المصدر الّذي كلامنا فيه وإن كان مجرّدًا عن الإضافة
ولهذا يقرب شباهته بالفعل، إلّا أنّ مصاحبته مع التنوين مبعّدة عنه إذا تعارضا تساقطا، فمن أين الأولويّة والأقيسيّة في العمل ؟!
اللهمّ إلّا أن يقال بالفرق بينهما؛ لأنّ التنوين ليس جميع أقسامه مختصًّا بالفعل، بل بعض من أقسامه، وهو تنوين الترنّم مشترکٌ بين الاسم والفعل، بخلاف الإضافة، فإنّها لاتوجد في الأفعال أبدًا.
وفيه أيضًا نظر؛ لأنّ الكلام في التنوين الّذي في المصدر، وهو غير الترنّم، وأمّا كون قسم من أقسام التنوين مشتركًا بين الأسماء والأفعال فلا يجدي نفعًا.
وأمّا على التقدير الثاني فلأنّه إنّما يثبت به تمام المدّعى إذا لم يكن إضافة المصدر إلى النكرة جائزًا، وهو باطل قطعًا، فحينئذٍ نقول: إنّ مصدر المضاف إنّما يكون معرفة إذا أضيف إلى معرفة، وأمّا إذا أضيف إلى النكرة فهو نكرة - كالمصدر المنوّن - فلا يتمّ الدليل.
نعم، يمكن أن يقال: إنّ المصدر المنوّن لالتزامه التنكير - كالفعل - صار شباهته أقوى، بخلاف غيره؛ لعدم التزام ذلک فيه، فصار المصدر المنوّن أقيس في العمل؛ لكونه أشبه بما هو أصل في العمل.
أو يقال: إنّ المصدر المنوّن لكونه رافعًا للفاعل لفظًا، وناصبًا للمفعول كذلک، صار أقيس في العمل بالنسبة إلى الفعل من المضاف؛ لكونه جارًّا إمّا للفاعل لفظًا، أو للمفعول كذلک.
هذا إنّما يثبت به أقيسيّة المصدر المنوّن في العمل من المضاف، وأمّا أقيسيّته فيه من المصاحب مع «أل» فلا.
قوله: وهو أندر .
ذلک لأنّ المصدر إنّما يعمل إذا أمكن حلول الفعل مع «أن» أو مع «ما» محلّه كما سيجيء، فالمصدر العامل مقدّر بذلک الفعل، فكما لا يدخل لام التعريف على «أن» مع الفعل ينبغي أن لا يدخل على المصدر المقدّر به، وإنّما يجوز ذلک على ندرة؛ فرقًا بين شيء وبين المقدّر به، كذا قال جماعة منهم (1).
وفيه نظر؛ لأنّا نقول بمثل ذلک في المصدر المضاف والمنوّن، بيانه: هو أنّ المصدر لا يعمل إلّا إذا أمكن حلول الفعل مع «أن» أو مع «ما» محلّه، فكما لايضاف الفعل ولا ينوّن فكذا المقدّر به.
ويمكن أن يقال: إنّ الأمر كذلک، إلّا أنّ المقتضي للإضافة في المضاف موجود وقد عرفته، وأمّا المصدر المنوّن فإنّ الأمر فيه وإن كان كما ذكر، إلّا أنّ التزامه للتنكير صار سببًا لكثرة شبهه بالفعل، فعدم ندرة عمله بالنسبة إلى المصدر المعرّف كان الوجه فيه ذلک، بخلاف المصدر المعرّف، فإنّ المبعّد عن الفعل فيه موجود ولامعارض له.
قوله: بل إن كان غير مضمر ولا محدود .
وذلک لانتفاء الشباهة المقتضية للعمل.
أمّا في الأوّل فلفقدان حروف الفعل، خلافًا للمحكيّ عن الكوفيّين (2)حيث جوّزوا العمل حينئذٍ أيضًا.
وأمّا في الثاني فلأنّ مدلول الفعل غير معيّن، فلا يصحّ حلول الفعل محلّه.
وكذا إذا كان مصغّرًا أيضًا؛ لضعف الشباهة أيضًا؛ لأنّ التصغير هو الّذي لايدخله الأفعال.
قوله : أو مع «ما» المصدريّة .
تقييد المصدريّة هنا و عدمه في «أن»؛ لوضوح كون «أن» مع الفعل مصدريّة، بخلاف «ما».
ولا يخفى عليک أنّ هذا الاشتراط منهم وغيره أوضح قرينة على أنّ الأصل في العمل هو الفعل.
ثمّ إنّه ذكر جماعة (1): أنّ الفعل مع «أن» يقدّر إذا كان الزمان ماض، كقولک :
«عجبت من ضربک زيدًا أمس»، أي: أن ضربته أمس، أو مستقبل كقولک : «يعجبني ضربک زيدًا غدًا»، أي: أن تضربه غدًا، و مع «ما» إنّما يقدّر إذا كان الزمان حالاً فقط، كقولک: «يعجبني ضربک زيدًا الآن».
وصرّح بعض منهم (2)بأنّ «ما» أيضًا تقدّر في الماضي والاستقبال.
ثمّ اعلم : أنّه فرّع على هذا الاشتراط في عمل المصدر فروع :
[ الفرع الأوّل ]
أحدها : عدم عمل المصدر إذا كان مفعولاً مطلقًا، لعدم وجود الشرط حينئذٍ؛ إذ ليس معنى «ضربت ضربًا» : ضربت أن ضربت.
نعم، استثنى جماعة منهم (1)المفعول المطلق الّذي ناب عن الفاعل، فإنّه يجوز
عمله؛ لأنّ المصدر يعمل إذا ناب مناب الفعل مع شيء آخر كما مرّ، فعمله إذا ناب عنه فقط أولى، كقولک : «ضربک زيدًا»، خلافًا للسيرافيّ (2)، فإنّ العامل عنده هو الفعل المقدّر.
والثاني: هو أنّه لا يجوز تقديم معمول المصدر عليه؛ لما عرفت من أنّه مأوّل بحرف مصدريّ مع الفعل، والحرف المصدريّ موصول، ومعمول المصدر في الحقيقة هو معمول الفعل الّذي هو صلة الحرف، ومعمول الصلة لا يتقدّم على الموصول.
وهذا التعليل يقتضي عدم جواز تقدّم معموله عليه مطلقًا ولو كان ظرفًا، لكن قال نجم الأئمّة :
وأنا لا أرى منعًا من تقديم (1)معموله عليه إذا كان ظرفًا أو شبهه، نحو قولک: اللهمّ ارزقني من عدوّک البراءة، وإليک الفرار، قال الله تعالى : (وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ) (2)، وقال: ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) (3).
ثمّ قال :
ومثله كثير في كلامهم، وتقدير الفعل في مثله تكلّف، وليس كلّ مؤوّل بشيء حكمه حكم ما أوّل به ...، نعم (4)لا يتقدّم عليه المفعول الصريح لضعف عمله، والظرف وأخوه يكفيهما رائحة الفعل (5).
[ الفرع الثالث ]
والثالث: هو أنّه لا يجوز الفصل بينه وبين معموله بأجنبيّ؛ لما قالوا (6)من أنّ الفصل بين بعض الصلة وبعض الآخر غير جائز، فلا يقال: «أعجبني ضربک اليوم أمس زيدًا»، على أن يكون «اليوم» معمولاً ل- «أعجبني».
قوله : ( وَلَو لاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ ) (7).
بعضهم ببعض لغلب المفسدون وتعطّلت المصالح.
قوله : «ضعيفُ النِكَايَةِ أعْدَاءَهُ» (1).
الشاهد في: «النكاية» حيث نصب المفعول مع كونه معرّفًا باللام، ومنع المبرّد وغيره عن ذلک (2)، وحملا البيت على أنّ «أعدائه» منصوب بنزع الخافض، أي :
في أعدائه، أو يكون منصوبًا بالنيابة مناب المصدر المحذوف، أي: ضعيف النكاية نكاية أعدائه، فيضمر المصدر بقوّة القرينة الدالّة عليه.
قوله : وهو المحسن قبيح .
الشاهد في الضمير حيث إنّ مرجعه: «ضَرْبُک»، و هو مصدر، فالضمير الراجع إليه عبارة عنه.
قوله : و هو الاسم (3)الدالّ على، إلى آخره.
إعلم : أنّ الفرق بين المصدر واسمه على ما ذكر جماعة منهم (4)هو: أنّ الأوّل
1) . آخره: «يَخالُ الفِرَارَ يُرَاخِي الأَجَلْ». هذا البيت من شواهد سيبويه: 1 / 192، الّتي لميعرفوا لها قائلاً. وبلا نسبة في شرح التسهيل: 2 / 444 ؛ وأوضح المسالک: 172؛ وشرح ابنعقيل: 2 / 95 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 3 / 410 ؛ وخزانة الأدب: 8 / 129 ؛ والدرر :5/ 252 ؛ وشرح الأشمونيّ: 2 / 199؛ وهمع الهوامع: 3 / 59 ؛ وشرح التصريح: 2 / 6.
2) . نقله عن المبرّد الرضيّ في شرحه على الكافية: 3 / 410 ؛ وينظر: اللباب: 1 / 450 ؛والدرر اللوامع: 2 / 125 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 95.
3) . « الاسم » لم يرد في المصدر .
4) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 3 / 399 ؛ وحاشية الصبان على شرح الأشمونيّ :2/171 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 98 ؛ وشرح التصريح: 2 / 3؛ ومجمع البحرين: 6 / 158.
مدلوله الحديث، والثاني مدلوله اللفظ - كالكلام مثلاً - فإنّه اسم للتكلّم، وهو يدلّ على الحديث، وكذا «الوضوء» فإنّه اسم للتوضّأ هو عبارة عن الحدث، كما هو الظاهر من قولک: اسم المصدر، فإنّ الإضافة فيه لاميّة، أي: اسم للمصدر.
وفيه نظر؛ لأنّه لو كان الأمر كذلک لفهم عند استماع لفظ «الوضوء» أوّلاً التوضّؤ، ثمّ معناه المصدريّ، وكذا عند استماع لفظ «الكلام»، أي: فهم أوّلاً التكلّم ثمّ معناه.
ولا يخفى فساده، فإنّ الذهن شاهد قويّ والوجدان حاكم جليّ على عدم كون الأمر على ما ذكر، فالأولى أن يفرّق بينهما بأنّ المصدر عبارة عن الحدث، واسمه عبارة عن الأثر الحاصل منه - كالتكلّم والكلام - فإنّ الأوّل عبارة عن إيجاد الكلام وإحداثه، والثاني عبارة عن الحاصل من المصدر، وكذا التوضّؤ والوضوء، والاغتسال والغسل.
هذا، ويظهر ممّا ذكره الشارح فرق آخر، وهو أنّ المصدر هو الاسم الدالّ على الحدث غير الجاري على الفعل، فيكون المصدر: الاسم الدالّ على الحدث جاريًا على الفعل، لكن لم يعلم أنّ المراد من جريانه على الفعل ما هو؟!
فأقول: الجري يستعمل في كلامهم (1)على أشياء :
أحدها : يقال: إنّ اسم الفاعل جار على فعله، ومرادهم: هو أنّه موازن معه في الحركات والسكنات.
والثاني : يقال: إنّ الصفة جارية على شيء، أي: ذلک الشيء صاحبها، سواء كان
1) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 3 / 399.
موصوفًا لها، أو مبتدأ لها.
والثالث: هو أنّ المصدر جار على الفعل، قيل (1): يعني هو أنّه أصل للفعل ومأخذ اشتقاقه، فيقال للاغتسال: إنّه جار على الفعل، ومثله: التوضّؤ والوضوء، والتبتّل والتبتيل، وغير ذلک.
وقال نجم الأئمّة :
ويعمل اسم المصدر عمل المصدر، وهو شيئان، أحدهما : ما دلّ على معنى المصدر مزيدًا في أوّله ميم - كالمقتل والمستخرج - والثاني : اسم العين مستعملاً بمعنى المصدر، كقوله :
[ أكفرا بعد ردّ الموت عنّي ] (2)*** و بعد عطائک المائة الرتاعا (3)
أي: إعطائک، والعطاء في الأصل: اسم لما يعطي (4). انتهى كلامه.
1) . قاله نجم الأئمّة في شرحه على الكافية: 3 / 399.
2) . ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر .
3) . البيت من قصيدة للقطاميّ، و اسمه : عمير بن شييم، و هو ابن أخت الأخطل، من كلمة لهي مدح فيها زفر بن الحارث الكلابيّ الّذي حماه من القتل في معركة بين قيس و تغلب، فأرادقوم من بني قيس قتله بعد أن أسره زفر، فحال زفر بينهم و بينه و من عليه وأعطاه مائة منالإبل، ولذلک يقوم القطامي في هذه القصيدة :فلو بيدي سواک غداة زلتبي القدمان لم أرج اطلاعالم أرج اطلاعا، أي : نجاة، والرتاع صفة للمائة، المراد بها النوق والرتاع جمع رائعة ( ينظر :أوضح المسالک : 173 ؛ و شرح ابن عقيل : 2 / 99 ؛ و لسان العرب : 8 / 163 و 15 / 69 ؛وخزانة الأدب : 8 / 137 ).
4) . شرح الرضيّ على الكافية : 3 / 412 .
قوله : إن كان غير علم.
هذا تقييدٌ لإطلاق قول المصنّف: « ولاسم مصدر عمل »، يعني: أنّ عمله ليس مطلقًا، بل إذا لم يكن عَلَمًا؛ لأنّه حينئذٍ يقلّ شباهته بالفعل ويقوى شباهته بالاسم.
وأمّا استثناء اسم المصدر الميميّ مع كونه مشتركًا معه في العمل؛ لإرادته بيان الخلاف في المسألة، وعمله متّفق عليه، كما سيصرّح به.
ولا يخفى أنّ ما ذكره من جعل الميميّ اسمًا للمصدر، لا المصدر نفسه، هو ما ذهب إليه نجم الأئمّة - وقد رأيت عبارته - و جماعة، ومنهم ابن هشام حيث قال :
الاسم الدالّ على مجرّد الحدث إن كان علمًا - كفجّار وحمّاد للفَجْرَة والمَحْمِدَة - أو مبدوءًا بميمٍ زائدة لغير المفاعلة - كمَضْرَب ومَقْتَل - أو متجاوزًا فعله الثلاثة، وهو بزنة اسم حَدَث الثلاثيّ - كغُسْلٍ و وُضُوءٍ - ...، فهو اسم مصدر، وإلّا فمصدر (1). انتهى.
وهذا صريحٌ منه أنّ ما زيد فيه الميم لغير المفاعلة فهو اسم مصدر، مع أنّه ذهب في بعض تصنيفاته (2)- كغيره (3)- أنّه مصدر حقيقة، ويسمّى بالمصدر الميميّ.
قوله: وهو الأكثر .
قد مرّ وجهه، ومن ذلک قول المصنّف: «وبعد جرّه الّذي أضيف له»، حيث
أضيف المصدر فيه إلى الفاعل ونصب مفعوله، وهو اسم الموصول.
قوله : وهو كثير إن لم يذكر الفاعل .
أشار بذلک إلى أنّ إكمال عمل المصدر بالرفع عند إضافته إلى المفعول غير لازم على ما يتوهّم من ظاهر عبارة المصنّف، وهي: «كمّل برفعٍ عَمَلَه»، بل يجوز عدم ذكر الفاء وإلقاء المفعول المضاف إليه، بل وهو أكثر من عكسه، كما سيأتي.
والمرجع في قوله: «وهو كثير» مصدر «أضيف»، أي: إضافة المصدر إلى المفعول كثيرة إن لم يذكر الفاعل.
إن قلت : على هذا يلزم حذف الفاعل في المصدر، وهو عند الشارح غير معلوم جوازه على ما مرّ في مبحث الفاعل.
قلت: عدم ذكر الفاعل في اللفظ لا يستلزم حذفه؛ لاحتمال كونه مضمرًا في المصدر، لكن صرّح جماعة (1)بعدم إضمار الفاعل في المصدر.
وبيان ذلک يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، وهي أنّ المصدر إنّما وضعه الواضع للحدث، أي: ما يقوم بالغير من غير نظر إلى ما يقوم به ولا إلى ما وقع عليه، لكنّ العقل يحكم بأنّه لابدّ له من فاعل كما في اسمي الفاعل والمفعول، بخلاف الفعل، فإنّ وضعه على أن يكون مصدره مسندًا إلى شيء مذكور بعده لفظًا، وهو فاعله، فطلب الفعل للفاعل وضعيّ.
وأمّا طلب المصدر واسم الفاعل والمفعول للفاعل فليس بوضعيّ، بل هو عقليّ،
1) . ينظر: شرح كتاب سيبويه للسيرافيّ: 3 / 117؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 3 / 405؛وحاشية الصبان على شرح الأشمونيّ: 2 / 441 ؛ وهمع الهوامع: 3 / 62.
لأنّ الواضع نظر في المصدر إلى ماهيّة الحدث، لا إلى ما قام به، فلم يطلب، إذن في نظره لا فاعلاً ولا مفعولاً، فقد طرأ الوضعيّ على العقليّ وأزال حكمه، فكأنّ حقّ هذه الأشياء أن لا تعمل في الفاعل ولا في المفعول، لكنّها لمّا شابهت الفعل فعملت عمله.
ولمّا كانت الشباهة في اسم الفاعل أكثر - على ما مرّ مرارًا - لزم العمل في الفاعل أبدًا، وجوّز الإضمار فيها كالفعل، والأصل في إضمار المسند إليه: الفعل؛ إذ طلبه له - كما تقدّم - وضعيّ، فجاز أن يتّصل به غاية الاتّصال، وهو إضماره مستترًا، ولمّا كان الشباهة في المصدر ليس بتلک المثابة، لا يلزم مجيئ المسند إليه بعده، ولا جواز الإضمار فيه، وقد مرّ في مبحث الفاعل ما ينفعک في المقام.
قوله : وقليلٌ إن ذكر.
أي: وقليل إضافة المصدر إلى مفعوله إن ذكر الفاعل؛ وذلک لأنّ الفاعل مثل جزء الشيء جعل الشيء مع الأجنبيّ كالكلمة الواحدة مع وجود ما هو كجزئه [وهو ] ليس بجيّد.
قوله: وردّ بقوله تعالى: ( وحِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (1).
حيث إنّ المصدر أضيف إلى المفعول، وهو: ( حِجُّ الْبَيْتِ ) مع ذكر الفاعل وهو : اسم الموصول.
وفيه نظر؛ [ لأنّه ] على هذا لا يصحّ المعنى؛ إذ معناه حينئذٍ يكون: ولله على الناس أن يحجّ البيت مستطيعهم، وهو فاسد؛ لأنّ الحجّ إنّما يجب على المستطيع لا
1) . سورة آل عمران: 97 : ( ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ).
على غيره، فلهذا قال بعضهم (1): إنّ اسم الموصول ليس فاعلاً للمصدر، بل لفعل محذوف، فالتقدير هكذا: ولله على الناس حجّ البيت، فليحجّ مستطيعهم.
والأولى أن يقال: إنّ اسم الموصول بدل من «الناس»، وفي قوله تعالى: (عَلَى النَّاسِ ) بدل بعض من الكلّ، والضمير غير لازم كما سيجيء.
قوله : قد يضاف إلى الظرف توسّعًا، إلى آخره.
فإضافة المصدر على أقسام: الأوّل : أن يكون مضافًا إلى الفاعل مع ذكر المفعول، والثاني : مع عدمه، والثالث والرابع : عكس ذلک، والخامس : هو ما ذكره بقوله: «قد يضاف».
**
1) . نقله عن الكسائيّ في شرح قطر الندى: 309 ؛ وشرح التصريح: 2 / 193.
[ إعمال اسم الفاعل ]
كفعلِهِ اسمُ فاعلٍ في العملِ *** إن كان عن مضيِّهِ بمعزِلِ
هذا باب إعمال اسم الفاعل
وهو - كما قال في شرح الكافية - : ما صيغ من مصدر موازنًا للمضارع ليدلّ على فاعله غير صالح للإضافة إليه، وفي الباب إعمال اسم المفعول.
(كفعله اسم فاعل في العمل) مقدّمًا ومؤخّرًا، ظاهرًا ومضمرًا، جاريًا على صيغته الأصلية و معدولاً عنها (إن كان عن مضيّهِ بمعزلٍ)؛ لأنّه حينئذٍ يكون لفظه شبيهًا بلفظ الفعل المدلول به على الحال والاستقبال، وهو المضارع، فإن لم يكن فإن كان صلة ل- «أل» فسيأتي، وإلّا فلا يعمل خلافًا للكسائيّ.
وَوَلِى استفهامًا أو حرفَ نِدا *** أو نفيًا أو جا صفةً أو مُسْنَدَا
(و) إن (ولِيَ استفهامًا) نحو: أضاربٌ زيدٌ عمرًا (أو حرف ندا) نحو: يا طالعًا جبلاً، وهو من قسم النعت المحذوف منعوته، ولذا لم يذكره في الكافية، (أو نفيًا) نحو: ما ضاربٌ زيدٌ عمرًا، (أو جاء صِفَةً) نحو: مررت برجلٍ ضاربٍ زيدًا، أو جاء حالاً نحو: جاء ضاربًا عمرًا، (أو) خبرًا (مسندًا) لذي خبر نحو: زيدٌ ضاربٌ عمرًا، كان قيسٌ محبًّا ليلى، إنّ زيدًا مكرمٌ عمرًا، ظننت عمرًا ضاربًا خالدًا.
وقد يكونُ نَعْتَ محذوفٍ عُرِفْ *** فيستَحِقُّ العَمَلَ الّذي وُصِفْ
(وقد يكونُ نعتَ محذوف عُرِف، فيستحقُّ العمل الّذي وُصِف)، نحو: (ومن الناسِ والدَوابِ والأنعامِ مُختَلِفٌ ألوانُهُ) أي: صنفٌ مختلِفٌ.
وإن يكنْ صِلَةَ ألْ ففي المضيّ *** وغيرِهِ إعمالُهُ قَدِ ارتُضِيْ
(وإن يكن) اسم فاعل (صلة أل ففي المضيِّ وغيره إعماله قدِ ارتُضي) عند الجمهور، وذهب الرمّانيّ إلى أنّه لا يعمل حينئذ في الحال، وبعضهم على أنّه لا يعمل مطلقًا، وإنّ ما بعده بإضمار فعلٍ.
**
[ باب : إعمال اسم الفاعل ] (1)
قوله : هذا باب إعمال اسم الفاعل.
قد مرّ في المصدر ما يعلم منه تفسيره.
قوله : ما صيغ من المصدر (2).
جنسٌ يشمل جميع ما اشتقّ منه، خلافًا للسيرافيّ (3)، فإنّه ذهب إلى أنّ كلاًّ من اسمي الفاعل والمفعول مشتقّ من الفعل.
قوله : موازنًا للمضارع .
أي: في الحركات والسكنات، مخرجٌ ما ليس كذلک، كأفعل التفضيل، وكثير من صيغ الصفة المشبّهة، وبعض صيغ المفعول أيضًا، والفعل.
وقوله: «ليدلّ على فاعله»، متعلّق ب- «صيغ» مخرجٌ للمفعول؛ لكونه دالاًّ على
المفعول، لا على الفاعل.
وقوله: « غير صالح للإضافة إليه » - أي: إلى الفاعل - مخرجٌ لباقي الصفة المشبّهة كضامر ونحوه؛ لصلاحيّته للإضافة إليه، تقول: «زيدٌ ضامر البطن» و«عمرو ظاهر القلب» كما سيجيء.
أمّا عدم صلاحيّته للإضافة إلى الفاعل فلأنّه لو أضيف إليه لبقي بلا فاعل ظاهرًا، وهو غير جائز في اسم الفاعل؛ لشدّة شبهه بما لابدّ له من فاعل، أي: الفعل؛ ولأنّ الفاعل في اسم الفاعل - كقولک: زيدٌ ضاربٌ غلامه - هو نفس الضارب، والشيء لا يضاف إلى نفسه؛ وأيضًا لو أضيف إلى فاعله لالتبس في الفاعل نحو المثال المذكور بالمفعول؛ إذ قولک: «زيد ضارب الغلام» لا يعلم منه أنّ الغلام فاعل أو مفعول.
إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ في المقام تفصيلاً، وهو أنّا نقول: فاعل اسم الفاعل لايخلو إمّا أن يكون سببيًّا، أو غير سببيّ .
أمّا الأوّل فكقولک: « زيدٌ كاتب يده »، و « عمرو ساع رجلاه »، و « خالد ماش قدماه »، و « وليد شاتم لسانه »، وهكذا، فحينئذٍ يجوز إضافته إلى مثل هذا الفاعل - كما صرّح به نجم الأئمّة وفاضل الأمّة (1)- فيجوز ذلک أن تقول : «زيد كاتب اليد»، و «عمرو وساع الرجلين»، و «خالد ماش القدمين»، و «وليد شاتم اللسان».
وذلک لأنّ مرادنا بالسبب يكون الفاعل سببًا من أن يكون معه ضمير يصحّ
1) . صرّح به في شرحه على الكافية: 2 / 221.
انتقاله منه إلى الصفة بعد الإضافة كما في الأمثلة، وحينئذٍ وإن أضيف اسم الفاعل فيها إلى الفاعل ظاهرًا، لكن لمّا انتقل الضمير منه إليه فصار هو فاعلاً، فلم يبق الوصف من غير فاعل، ولا يلزم محذور.
وأمّا الثاني - أي : إذا كان الفاعل غير سببيّ - وهو ما لم يكن معه ضمير يصحّ انتقاله منه إلى الصفة، كقولک: « مررت برجل قائم في داره عمرو » و « رأيت رجلاً ضارب عنده بكر ».
وبالجملة: الضابط ما ذكرنا من أنّه لا يكون معه ضمير يصحّ انتقاله منه إلى الوصف، فلا يجوز إضافته إلى مثل هذا الفاعل لما عرفت .
وقال بعضهم (1):
هو أنّه إذا قصد باسم الفاعل معنى الثبوت عومل معاملة الصفة المشبّهة على (2)رفع السببيّ، ونصبه على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة، وجرّه بالإضافة.
ثمّ قال :
وهو في ذلک على ثلاثة أنواع: أحدها : ما يجوز ذلک فيه اتّفاقًا، وهو ما أخذ من فعل قاصر، ك- : طاهر القلب.
أقول: وسيجيء التصريح في كلام المصنّف أنّه صفة مشبّهة.
ثمّ قال :
والثاني : ما يمتنع فيه ذلک اتّفاقًا، وهو ما يتعدّى لأكثر من واحد، والثالث : ما اختلف فيه، وهو ما يتعدّى لواحد، فقال الأخفش بالجواز مطلقًا، وبعضهم بالمنع مطلقًا، وقال ابن عصفور وابن أبي الربيع: إن حذف مفعوله [ اقتصارًا ] (1)جاز، وإلّا امتنع (2). انتهى.
قوله : لأنّه حينئذٍ يكون لفظه، إلى آخره .
دليل لقول المصنّف: «كفعله اسم فاعل في العمل»، وفيه نظر؛ لعدم صدقه على التعميم الّذي ذكره الشارح حيث قال: «ظاهرًا ومضمرًا، جاريًا على صيغته الأصليّة ومعدولاً عنها»؛ لأنّه لو كان ضميرًا أو معدولاً عن صيغته الأصليّة لم يصدق أنّ لفظه شبيه بلفظ الفعل كما لا يخفى، بل لا وجه لتخصيصه في حالة كونه معزولاً عن المضيّ؛ لأنّ لفظ اسم الفاعل يكون شبيهًا بلفظ المضارع مطلقًا ولو كان بمعنى الماضي، وتسميته بالحال والاستقبال إنّما هو بالنظر إلى المعنى.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المراد بكون لفظه شبيهًا بلفظ الفعل المضارع هو أن يكون لفظه شبيهًا بلفظ الفعل في إرادة الحال أو الاستقبال من لفظه بحيث يكون لفظه صالحًا لوقوعه موقع لفظ الفعل المضارع، وهو إنّما يكون إذا أريد منه الحال أو الاستقبال.
قوله : فإن لم يكن، إلى آخره .
أي: إن لم يكن معزولاً عن مضيّه بأن يكون بمعنى الماضي.
قوله : وإلّا فلا يعمل.
ظاهر العبارة يدلّ على أنّ اسم الفاعل حينئذٍ لا يعمل مطلقًا، أي: وإن لم يكن صلة ل- «أل» مع كونه بمعنى الماضي، فلا يعمل لا رفعًا ولا نصبًا مطلقًا في الظرف وغيره.
وهو بإطلاقه غير صحيح؛ لما صرّح به نجم الأئمّة وفاضل الأمّة (1)من أنّ اشتراط الحال والاستقبال في اسم الفاعل إنّما هو للعمل في المفعول، لا في الفاعل، بل صرّح (2)بعمله الرفع مطلقًا ولو كان بمعنى الماضي وكان الفاعل غير سببيّ؛ وذلک لأنّ شدّة اختصاص المرفوع بالفعل يكفي للعمل فيه أدنى شباهة العامل بالفعل، وهو حاصل لاسم الفاعل ولو كان بمعنى الماضي، فيصحّ لک أن تقول: «زيدٌ ضارب خدّامه أمس».
ألا ترى أنّ أبا عليّ (3)ذهب إلى رفع الظرف مطلقًا ولو لم يعتمد على شيء، كقولک: «في الدار زيد»، على أن يكون «زيد» فاعلاً للظرف، وكذا رفع المنسوب نحو: «مررت برجل مصريّ حماره».
هذا في عمله الرفع، وأمّا عمل النصب فقد ذكر الاتّفاق (4)على جواز عمله في الظرف وشبهه؛ لأنّه يكفيهما رائحة الفعل، كما تقول: «زيدٌ ضارب أمس بالسوط».
وقال أيضًا :
ينبغي أن يعمل في الحال أيضًا؛ لمشابهتها للظروف، وكذا المفعول المطلق؛ لأنّه ليس بأجنبيّ (1).
وقد ظهر من هذا أنّ اشتراط الحال والاستقبال في عمل اسم الفاعل النصب إنّما هو بالنسبة إلى المفعول به وغير ما ذكر من المعمولات الفعليّة؛ وذلک لكونها أجنبيّة، فيحتاج إلى العمل فيها إلى شباهة قويّة، فلا تصغ إلى إطلاقات كلام جماعة منهم.
ومنهم من قال (2)بأنّ محلّ الخلاف إنّما هو في رفعه الظاهر ونصب المفعول به، أمّا رفع الوصف الماضي الضمير المستتر فجائز اتّفاقًا.
ويمكن حمل كلام الشارح [على ] ما ذكرنا.
قوله : خلافًا للكسائيّ.
وتبعه على ذلک جماعة (3).
إعلم : أنّه على ما مرّ ينبغي أن يكون خلافهم في عمل النصب، فهم يجوّزون عمل النصب مطلقًا لاسم الفاعل وإن كان بمعنى الماضي، بخلاف غيرهم متمسّكين لجواز نحو: «زيد معطي عمرًا أمس درهمًا».
وردّ (1)بكونه منصوبًا بفعل مدلول عليه باسم الفاعل، كأنّه لمّا قال: «معطي زيد»، قيل: «وما أعطى؟»، قال: «درهمًا»، أي: أعطاه درهمًا.
أمّا قوله تعالى : ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) (2)، فلا يكون حجّة لهم؛ لكونه حكاية للحال الماضية، لا المقصود منه الماضي، بقرينة قوله تعالى : (وَنُقَلِّبُهُمْ ) (3)بالمضارع، وإلّا لقال: وقلّبناهم، فيعلم منه أنّه على إرادة حكاية الحال.
ومعنى حكاية الحال قيل :
هو أن تقدر لنفسک كأنّک موجود في ذلک الزمان، أو يقدّر ذلک الزمان كأنّه موجود الآن، و لا يريدون به أنّ اللفظ الّذي في ذلک الزمان محكيّ الآن على ما تلفظ به، بل المقصود بحكاية الحال: حكاية المعاني الكائنة حينئذ، لا الألفاظ (4).
وقال بعض المحقّقين (5):
معناه أن يقدّر أنّ ذلک الفعل الماضي واقعٌ في حال التكلّم، كما في قوله تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ ) (6)، وإنّما يفعل هذا في الفعل
الماضي المستغرب، كأنّک تحضره للمخاطب (1)ليتعجّب منه، تقول :
رأيت الأسد، فآخذ السيف فأقتله (2).
قوله: وإن وَلِيَ.
وهي حرف الشرط وإدخالها للردّ على مَن توهّم أنّ قوله: «و وَلِيَ» حالٌ عن الضمير في «كان» في قوله: «إن كان عن مضيّه بمعزل».
وذلک لأنّ العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، وهو هنا غير جائز؛ لما عرفت من أنّ «كان» وأخواتها لا تعمل في الحال، بل يكون قوله: «و ولي استفهامًا» عطفًا على «كان» في قوله: «إن كان عن مضيّه»، فيكون شرط عمله كلا الأمرين: من كونه لغير الماضي، سواء كان للحال أو الاستقبال، وكونه معتمدًا على أحد ما ذكر.
وإنّما اشترط أن يكون تاليًا للاستفهام أو النفي؛ لِما قالوا من أنّهما بالفعل أولى، فيقوى بهما شباهته بالفعل.
قوله: وهو من قسم النعت المحذوف منعوته.
هذا إشارة إلى الاعتراض الوارد على المصنّف في قوله: «أو حرف ندا».
تقرير الاعتراض: هو أنّک قد عرفت أنّ الوجه في اشتراط كون الوصف تاليًا للاستفهام والنفي هو أنّهما لمّا كانا بالفعل أولى، يقوى شباهة الوصف الواقع بعدهما
بالفعل، فيقوى في العمل، وهذا غير [ جار ] في حرف النداء، وكيف وهو مختصّ بالأسماء، فهو مبعّد للوصف الّذي يقع بعده عن الفعل، فكيف يكون هذا ؟!
تقرير الدفع: هو أنّ ما ذكر مسلّم، لكن هذا إنّما يرد على المصنّف إذا جعل مِن شرط عمل الوصف اعتماده على حرف النداء من حيث إنّه معتمد على حرف النداء، وليس مراده ذلک بقرينة عدم ذكر ذلک في الكافية، بل مراده أنّه مِن قسم النعت المحذوف منعوته، يعني: مِن اشتراطِ عملِ الوصفِ وقوعُه بعد حرف النداء، لا لأنّه وقع بعد حرف النداء، بل لكونه نعتًا لمنعوت محذوف، فيكون من الوصف الّذي جاء صفة، كقولک: «يا طالعًا جبلاً»، أي: يا رجلاً طالعًا جبلاً، ف- «جبلاً» معمول ل- «طالعًا»؛ لكونه معتمدًا على صاحبه المقدّر، فاندفع الاعتراض.
نعم، يرد عليه: أنّه على هذا يلزم التكرار في كلامه؛ لذكره بعد ذلک حيث قال : «وقد يكون نعتَ محذوفٍ عُرِف » إلى آخره، فتأمّل.
قوله: وجاء زيد ضاحكًا (1).
الإتيان بالمثالين للتنبيه على أن ليس المراد من قوله: «أو جاء صفة» الصفة المصطلح عليها، بل المراد ما يكون في المعنى صفة، فيشمل الحال أيضًا؛ لأنّها في المعنى صفة لذي الحال.
قوله: لذي الخبر (2).
ولم يقل: للمبتدأ؛ للاشتراک خبر غير المبتدأ معه كما ذكر في الأمثلة. وإنّما
يشترط في عمله ذلک ليقوى شباهته بالفعل؛ لكونه مسندًا إلى فاعله.
قوله : عند الجمهور.
لأنّ اسم الفاعل حينئذٍ - أي: حين كونه صلة ل- «أل» - مأوّلٌ بالفعل، ماضيًا كان أو غيره، ومعلومٌ أنّ الفعل عاملٌ في جميع الحالات، وكذا ما قام مقامه، فإنّ قولک : «زيد الضارب أمس عمرًا» بمنزلة قولک: «زيد ضرب»، وقولک: «زيد الضارب غدًا والآن» بمنزلة قولک: «زيد يضرب غدًا أو الآن».
لا يقال : إنّه قد تقدّم في المصدر أنّه إذا كان مع اللام يضعّف عمله، فَلِمَ لا يكون اسم الفاعل أيضًا كذلک ؟
لأنّا نقول : قد عرفت أنّ «أل» الداخلة في اسم الفاعل أنّها موصولة، وهي ليست من خصائص الأسماء، بخلاف الداخلة في المصدر، فإنّها من خصائصها، فلا تغفل.
قوله: وذهب الرمّانيّ إلى أنّه لا يعمل حينئذٍ في الحال.
وهو يدلّ على تجويزه عمله حينئذ - أي: حين كونه صلة ل- «أل» - إذا كان بمعنى الاستقبال أيضًا، لكن الّذي صرّح به نجم الأئمّة (1)هو أنّه ذهب إلى أنّ ذا اللام إنّما يعمل إذا كان ماضيًا، نحو: «الضارب زيدًا أمس عمرو»، ولم يوجد في كلامهم عاملاً إلّا ومعناه المضيّ.
ثمّ قال :
ولعلّ ذلک لأنّ المجرّد من اللام لم يكن يعمل بمعنى الماضي، فتوسّل
1) . صرّح به في شرحه على الكافية : 3 / 419.
إلى إعماله بمعناه باللام (1). انتهى.
وقال الأخفش :
إنّما نصب ذو اللام بمعنى الماضي تشبيهًا للمنصوب بالمفعول، لا لأنّه مفعول به، كما في: «زيد الحسن الوجه» (2).
قوله: وبعضهم إلى (3)أنّه لا يعمل مطلقًا.
أي: سواء كان بمعنى الحال وغيره، والقائل جماعة (4)، منهم: المازنيّ، وهو
مبنيّ على قوله بأنّ الألف واللام الداخلة على اسمي الفاعل والمفعول ليست من الموصول، بل هي حرف عنده، كما في سائر الأسماء الجامدة، نحو: «الرجل والفرس»، على ما نقل عنه (5).
وقد مرّ من الشارح أنّ المازنيّ يقول: إنّها حرف موصول، لا اسمه، فالأقوال في ذي اللام من حيث العمل وعدمه مطلقًا ومفيدًا أربعة، ثلاثة منها مذكورة في الشرح، وواحد قد ذكرناه عن الأخفش.
**
[ إعمال صِيَغِ المبالغةِ ]
فعّالٌ أو مفعالٌ أو فعولُ في كثرةٍ عن فاعلٍ بديلُ
(فعّال أو مفعالٌ أو فعول) الدالّات على المبالغة (في كثرةٍ عن فاعلٍ بديلٌ).
فيستحقّ ما له من عمل *** وفي فعيلٍ قلّ ذا وفَعِلِ
(فيستحقّ ما له من عملٍ) بالشروط المذكورة عند جميع البصريّين، نحو: «أمّا العسل فأنا شرّاب»، و «إنّه لمنحارٌ بوائكها».
ضروب بنصلِ السيفِ سُوقَ سِمانها .....................
(وفي فعيلٍ) الدالّ على المبالغة أيضًا (قلّ ذا) العمل حتّى خالَفَ فيه جماعة من البصريّين، (و) في (فعل) كذلک قلّ أيضًا نحو: إنّ اللهَ سميعٌ دعاءَ من دعاه.
أتاني أنّهم مَزِقُون عِرضِي .....................
وما سوى المفردِ مثلَهُ جُعِلْ *** في الحكمِ والشروطِ حيثما عَمِلْ
(وما سوى المفردِ) من اسم الفاعل وأمثلة المبالغة - كالمثّنى والمجموع - (مثله جُعل في الحكمِ والشروطِ حيثُما عَمِلَ)، كقوله :
القاتلين الملک الحَلاحِلا .....................
وقوله :
ثُمَّ زادوا أنّهم في قومِهِمْ *** غُفُرٌ ذنبَهُمُ غيرُ فُخُرْ
تتمّة
المصغّرُ من اسم الفاعل والمفعول لا يعمل إلّا عند الكسائيّ.
وانصب بذي الإعمال تلوًا وَاخفِضِ وهو لنصبِ ما سواهُ مقتضِ (وانصب بذي الإعمال تلوًا) له (واخفضْ) بالإضافة (وهو لنصب ما سواه) من المفاعيل (مقتضٍ)، كأنت كاسٍ خالدًا ثوبًا، ومُعَلِّمُ العلاءِ عمرًا مرشدًا الآنَ أو غدًا.
وخرج بذي الإعمال ما بمعنى الماضي، فلا يجوز إلّا جرّ تاليه، ونصب ما عداه بفعل مقدّر.
واجررْ أوِ انصبْ تابِعَ الّذي انخفضْ *** ك- : «مبتغي جاهٍ ومالاً من نَهَضْ»
(واجررْ أو انصب تابع) المفعول (الّذي انخفض) بإضافةِ اسم الفاعل إليه، أمّا الأوّل فبالحمل على اللفظ، وأمّا الثاني فبالحمل على الموضع عند المصنّف، وبفعلٍ مقدّر عند سيبويه، (ك- : مبتغي جاهٍ ومالاً من نَهَض).
وكلُّ ما قُرِّرَ لاسمِ فاعلِ *** يُعطى اسمَ مفعولٍ بلا تفاضُلِ
(وكلّ ما قرّر لاسم فاعل) من عملٍ بالشروط السابقة (يعطى اسم مفعولٍ بلا تفاضُلِ).
فَهْوَ كفعلٍ صِيغَ للمفعولِ في *** معناهُ كالمُعْطى كفافًا يكتفي
(فهو كفعلِ صيغ للمفعول في معناهُ كالمعطى كفافًا يكتفي).
وقد يضاف ذا إلى اسمٍ مُرتَفِعْ *** معنًى كمحمودُ المقاصِدِ الورعْ
(وقد يضاف ذا إلى اسمٍ مرتفع معنًى) بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير راجع للموصوف، ونصب الاسم على التشبيه على المفعول به، وإن كان اسم فاعل لا يجوز فيه هذا، (ك- : محمودُ المقاصِدِ الورعُ)؛ إذ الأصل: الورع محمودٌ مقاصدُهُ، ثمّ صار: الوَرِع محمودٌ المقاصِدُ، ثمّ أضيف.
**
[ باب : إعمال صيغ المبالغة ] (1)
قوله: وفي «فَعِل» كذلک .
أي: الدالّ على المبالغة قلّ العمل، كما قلّ في «فعيل».
وتقييد الفعيل بالدالّ على المبالغة للتنبيه على أنّه إذا لم يكن كلاًّ منهما ممّا حوّل إليه اسم الفاعل للمبالغة - ككريم وظريف وظرف وفطن - إذا لم يقصد بهما المبالغة لا ينصب بلا خلاف كما قيل (2)، بل هما حينئذٍ من الصفات المشبّهة، لا من صيغ المبالغة.
قوله: كالمثنّى والمجموع .
ظاهر العبارة على أنّ المجموع لعمل هذا العمل مطلقًا وإن كان مكسرًا، وهو مشكل؛ لفقد المشابهة بينه وبين الفعل لفظًا، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الجمع لمّا كان فرعًا للواحد فحمل عليه.
قوله: «غُفُرٌ ذَنْبَهُم غيرُ فُخُر» (1).
الغُفُر - بضمّ الغين المعجمة والفاء - جمع: «غفور» من صيغ المبالغة، حيث نصب «ذنبَهم» ليكون مفعولاً له، اعتمادًا على اسم «أنّ».
[ تتمّة ]
قوله: المصغّر من اسم الفاعل، إلى آخره.
قيل (2): وكذا إذا كانا موصوفين؛ لأنّ التصغير والوصف يخرجانه عن تأويله بالفعل، بخلاف التثنية والجمع، فإنّهما غير مخرجين عنه.
قوله: ونصب ما عداه بفعل مقدّر .
والغرض من هذه العبارة دفع الاعتراض الوارد في المقام، وهو أنّه كيف لم يكن اسم الفاعل بمعنى الماضي عاملاً، مع أنّا نقطع بصحّة قول القائل: «زيدٌ معطي عمرو أمس درهمًا»، بنصب «درهمًا» ؟
وأجاب بأنّ نصب ذلک بفعلٍ مقدّر، لا بالصفة المذكورة، وتقديره: هو إن كان
1) . هذا عجز بيت صدره: «ثمّ زادوا أنّهم في قومهم». وهو لطرفة بن العبد في ديوانه: 55؛وخزانة الأدب: 8 / 188 ؛ والدرر: 5 / 274 ؛ وشرح التصريح: 2 / 18 ؛ والمقاصد النحويّة :3 / 548. وبلا نسبة في: شرح التسهيل: 2 / 407 ؛ وشرح الرضيّ على الكافية: 3 / 423؛وأوضح المسالک: 175؛ والإيضاح في شرح المفصّل: 1 / 613 ؛ وشرح الأشمونىّ: 2 / 225؛وشرح ابن عقيل: 2 / 117 ؛ وهمع الهوامع: 3 / 76.
2) . قاله نجم الأئمّة في شرح الكافية: 3 / 424.
قائلاً يقول بعد قولک: «زيد معطى عمرو»: ما أعطاه؟ تقول: «درهمًا»، أي: أعطاه درهمًا.
وأورد في المقام بأنّ هذا لا يمكن أن يقال في قولک: «هو ظانّ زيد أمس قائمًا»، بل يتعيّن أن يقال كون «قائمًا» منصوبًا ب- «ظانّ»، مع أنّه بمعنى ماض، ولايمكن أن يقال: إنّه منصوب بفعلٍ مقدّر؛ لاستلزامه حذف أحد مفعولي «ظانّ»، وهو غير جائز كما تقدّم.
والجواب : أنّ حذف مفعولي «ظنّ» أو أحدهما غير جائز مع فقد القرينة على المراد، والقرينة هنا موجودة، فيجوز الحذف.
قوله : عند سيبويه .
وبوصف منوّن عند بعضهم (1)، كما تقول: «زيدٌ ضاربٌ عمرو وبكرًا»، فعند سيبويه (2)يكون التقدير: ويضرب بكرًا، وعند البعض : وضارب بكرًا.
ثمّ لا يخفى أنّ مِن شرط العطف على المحلّ عند المحقّقين (3)كون المحلّ بحقّ الأصالة على ما مرّ، وهو غير متحقّق في المقام؛ لأنّ الأصل في الوصف المجتمع فيه شرائط عَمَل الفعل عمله، لا الإضافة.
قوله : من عملٍ بالشروط السابقة.
أشار بذلک إلى أنّ لفظ العامّ في قول المصنّف: «وكلُّ ما قُرِّر» ليس على عمومه؛
لعدم اشتراک اسم المفعول مع اسم الفاعل في جميع ما ذكر، كما لا يخفى.
قوله : وإن كان اسم الفاعل (1)لايجوز فيه هذا.
قد عرفت ممّا تقدّم، وحاصله: عدم تسليم عدم جواز ذلک في مطلق اسم الفاعل، بل نقول: إنّ اسم الفاعل إذا كان لازمًا يشترک مع اسم المفعول في جواز النصب والجرّ مرفوعهما بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير الموصوف، ك- : زيد خارج الغلام، وشاتم اللسان، وقد مرّ في صدر المبحث أيضًا، وسيجيء في الصفة المشبّهة أيضًا.
والحاصل : اشتراک اسم الفاعل اللازم مع اسم المفعول في ذلک، نعم إذا كان متعدّيًا لايجوز فيه ذلک كاسم المفعول، فإنّه إذا كان متعدّيًا أيضًا لا يجوز فيه ذلک؛ لخوف الالتباس إذا جرّ هل هو كان نائبًا عن الفاعل ثمّ جرّ، أو مفعولاً كذلک؟ وذلک إذا لم يكن قرينة لتعيين أحدهما.
قوله: إذ الأصل: الوَرِع محمودة (2)مقاصِدُه.
ثمّ بعد تحويل الإسناد عن المقاصد إلى ضمير الموصوف، وهو: هاء المضاف إليه، واستتاره في المحمود، وبعد نصب المقاصد بالتشبيه بالمفعوليّة صار الورع محمود المقاصد، والمراد بالموصوف الورع، وليس المراد الموصوف الاصطلاحيّ حتّى يرد أنّ «محمودة» ليس صفة له.
[ أبنية المصادر ]
فَعْلٌ قياسُ مصدرِ المعدّى *** من ذي ثلاثةٍ ك- : ردّ ردّا
هذا باب أبنية المصادر
وأخّره وما بعده في الكافية إلى التصريف، وهو الأنسب.
(فَعْل) - بفتح الفاء وسكون العين - (قياس مصدر المعدَّى من) فعل (ذي ثلاثة) مفتوح العين كضرب ضربًا، ومكسورهما كَفَهِم فهمًا، أو مضاعفًا (كردّ ردًّا).
وفَعِلَ اللازمُ بابُهُ فَعَلْ *** كَفَرَحٍ وكَجَوًى وكَشَلَلْ
(وفَعِلَ اللازمُ) - بكسر العين - (بابُهُ فَعَلٌ) - بفتح الفاء والعين - سواء في ذلک الصحيح (كفَرَحٍ) مصدر فَرِح (و) المعتلّ اللام (كجوًى) مصدر جوى، (و) لمضاعف (كشَلَلٍ) مصدر شلّت يَدُه، أي: يبُست، إلّا أن يدلّ على حِرفة أو وَلاية، فقياسه الفعالة.
وفَعَلَ اللازمُ مثلَ قَعَدا *** له فُعُولُ باطّرادٍ كَغَدا
(وفَعَلَ اللازمُ) - بفتح العين - (مثل قَعَد له فُعُول) مصدر (باطّرادٍ كَغَدا) غُدُوًّا.
ما لم يكن مستوجبًا فِعالا *** أو فَعَلانًا فادرِ أو فُعالا
(ما لم يكن مستوجبًا فِعالا) - بكسر الفاء - (أو فَعَلانًا) - بفتح الفاء والعين - (فادر أو فُعالاً) - بضمّ الفاء - أو الفعيل، أو الفِعالة - بكسر الفاء.
فأوّلُ لِذي امتناعٍ كأبى *** والثانِ للّذي اقتضى تَقَلُّبَا
(فأوّل) وهو فعال - بالكسر - مصدر لذي امتناع كأبي إباء، ونفر نفارًا، وشرد شرادًا، (والثاني) وهو: فَعَلان مصدر (للّذي اقتضى تَقلّبًا)، كجالَ جَولانًا.
للدّا فُعالُ أو لصوتٍ وشمَلْ *** سيرًا وصوتًا الفعيلُ كَصَهَلْ
(للداء) الثالثُ وهو (فُعالٌ) - بالضمّ - كسَعَلَ سُعالاً - (أو لصوت) كصَرَخَ صُراخًا، (وشَمَلَ سيرًا وصوتًا) الرابع، وهو (الفعيلُ كصَهَلَ) صهيلاً، ورحَلَ رحيلاً، وللحرفة والولاية الخامس كخاطه خياطة، و سَفَرَ بينهم سِفارَةً، أي: أَصْلَحَ.
فُعُولةٌ فَعالةٌ لفَعُلا *** كسَهُلَ الأمرُ وزيدٌ جَزُلا
و (فُعُولة) - بضمّ الفاء - و (فَعالة) - بفتحها - مصدران (لِفَعُلا) - بفتح الفاء وضمّ العين - (كسَهُل الأمرُ) سهولة، وصَعُبَ صُعُوبة، (وزيدٌ جزُلا) جزالة، وفصُح فصاحة.
وما أتى مخالفًا لما مَضَى *** فبابُهُ النقلُ كسخطٍ ورضى
(وما أتى مخالفًا لما مضى فبابه النقلُ) عن العرب، كشكور وشكران، وذهاب، و(كسخط ورضًى) وبُلْجَة، وبَهْجَة، وشَبْعٍ، وحُسْنٍ، مصادر: شَكَرَ، وذَهَبَ، وسَخِطَ، ورَضِىَ، وَبَلِجَ، وبَهَجَ، وشَبعَ، وحَسُنَ.
وغيرُ ذي ثلاثةٍ مقيسُ *** مصْدَرُهُ كقُدِّسُ التقديسُ
(وغير ذي ثلاثةٍ مقيسُ مصدَرُهُ)، فقياس فعّل صحيح اللام التفعيل، ومعتلّها
التفعلة، وأفعل الصحيح العين الإفعال، والمعتلّ كذلک، لكن تنقل حركتها إلى الفاء، فتنقلب ألِفًا، فتحذف ويعوّض عنها التاء، وتفعّل التفعّل، واستفعل الاستفعال، فإن كان معتلاًّ فكأفعل، (كقدّس التقديس)، وسلّم التسليم.
وزكِّهِ تزكِيَةً وأجْمِلا *** إجمالَ من تَجَمُّلاً تَجَمَّلا
(وزكّهِ تزكيةً) وسمّ تسميةً (وأجملا إجمالَ من تجمُّلاً تجمَّلا)، وأكرِمْ إكرام من تكَرَّمَ تكَرُّمًا.
واستعذِ استعاذةً ثمّ أَقِمْ *** إقامةً، وغالبًا ذا التا لَزِمْ
(واستعِذ استعاذة)، واستقم استقامة، (ثمّ أَقِمْ إقامةً)، وأعِنْ إعانة، (وغالبًا ذا) المصدر (التاء) (لزم)، ونادرًا عرى منها، كقوله: (وإقامَ الصَّلاةِ).
وما يلي الآخرَ مُدّ وافتَحا *** مَعْ كَسْرِ تلوِ الثانِ ممّا افتُتِحا
(وما يلي الآخر مُدّ وافتحا مع كسر تلوِ الثاني) وهو الثالث (ممّا افتُتِحا)
بهمزِ وصلٍ كاصطفى وضُمَّ ما *** يربَعُ في أمثالِ قد تلملَما
(بهمزِ وصلٍ) فيصير مصدره (كاصطفى) اصطفاءً، واقتدر اقتدارًا، واحرنجم احرنجامًا، (وضُمَّ ما يربَعُ) أي: الرابع (في أمثال قد تلملما)، فيصير مصدره كتَدَحْرَجَ تدحْرُجًا، وتلمْلَمَ تَلَمْلُمًا.
فِعْلالٌ أو فَعْلَلَة لفَعْلَلا *** واجعلْ مقيسًا ثانيًا لا أوّلا
(فعلالٌ) - بكسر الفاء - (أو فعللةٌ) - بفتحها - مصدران (لفعللا) - بفتح الفاء - والملحق به كدحرج دحرجة، وحوقل حوقلة، وسرهف سرهافًا، (واجعل مقيسًا ثانيًا لا أوّلاً)، ومنهم من يجعله أيضًا مقيسًا.
لفاعَلَ الفِعالُ والمُفَاعَلهْ *** وغيرُ ما مرّ السِّماعُ عادَلَهْ
(لفاعَلَ) مصدران: (الفِعال) - بكسر الفاء - (والمفاعلة) نحو: قاتل قتالاً ومقاتلة، ويغلب فيما فاؤه ياء نحو: ياسر مياسرة، (وغير ما مرّ السماع عادَلَهُ) نحو : كذّب كِذّابًا، ونزّى تَنْزِيًّا، وتملّق تملاقًا.
وفَعلةٌ لمرّةٍ كجَلْسهْ *** وفِعلةٌ لهيئةٍ كجِلْسَهْ
(وفعلة) - بفتح الفاء - (لمرّةٍ) من الثلاثيّ إن لم يكن بناء المصدر العامّ عليها (كجلسة)، فإن كان فيدلّ على المرّة منه بالوصف كرَحِمَ رحمةً واحدةً، (وفِعلة) بكسر الفاء - (لهيئة) منه كذلک (كجِلسةٍ)، فإن كان بناء العامّ عليها فبالوصف، كنشَدْتُ الضالّة نِشدة عظيمة.
في غير ذي الثلاثِ بالتا المرّةْ *** وشذّ فيهِ هيئةٌ كالخِمْرَهْ
(في غير ذي الثلاث بالتاء) يدلّ على (المرة) إن لم يكن بناء المصدر عليها كانطلق انطلاقة، فإن كان فبالوصف كاستعانة واحدة، (وشذّ فيه) أي: في غير الثلاثة (هيئةٌ كالخِمرة)، والعِمّة، والقِمْصَة.
**
[ باب : أبنية المصادر ] (1)
قوله : وهو الأنسب .
لأنّ علم الصرف مقرّر لبيان جوهر الكلمة ومادّتها، لا النحو.
قوله : من فعل ذي ثلاثة .
إعلم : أنّ حاصل ما ذكر في المقام: هو أنّ فعل الثلاثيّ لا يخلو إمّا مفتوح العين، أو مكسورها، أو مضمومها، وعلى الأوّلين متعدّيان أو لازمان، أمّا المتعدّي فقياس مصدره أن يكون على: «فَعْل» بفتح الفاء وسكون العين مطلقًا، سواء كان صحيحًا أو معتلاًّ، مهموزًا أو غيره، كالنصر والوعد والقول والرمي والأمن والردّ.
وأمّا اللزوم فلا يخلو إمّا أن يكون من مكسور العين أو مفتوحها، والأوّل قياس مصدره أن يكون على: «فَعَل» بفتح الفاء والعين مطلقًا، صحيحًا وغيره، إلّا أن يدلّ على حرفة أو ولاية، فقياس مصدره حينئذٍ: «الفِعالة» بالكسر، ك- : «وَلِيَ عليهم وِلايَة» يجوز أن يكون مثالاً لكليهما؛ لأنّ الولا يأت في معنى الحرف.
1) . العنوان منّا .
واستثنى جماعة (1)أيضًا ما دلّ على لون، فقياسه حينئذٍ: «الفُعْلة» بضمّ الفاء كالحُمْرَة.
والثاني - أي: مفتوح العين اللازم - فقياس مصدره: «فُعُول» بضمّ الفاء والعين إلّا ما استثناه.
هذا كلّه إذا كان الثلاثيّ مفتوح العين أو مكسورها، وأمّا إذا كان مضموم العين فقياس مصدره: «فُعُولة» بضمّ الفاء والعين، أو: «فَعالة» بفتح الفاء.
قوله : الرابع.
هو فاعل « شَمَل » في كلام المصنّف، يعني: لو كان مدلول «فَعَل» مفتوح العين اللازم سيرًا أو صوتًا، يستوجب أن يجيء مصدره على وزن: «فَعِيل»، كصَهِيل مصدر: صَهَل، وهو للصوت، و «رَحِيل» مصدر: رَحَل، وهو للسير.
وإنّما ذكره بعد الأوّل مع أنّ مقتضى اللفّ والنشر المرتّب أن يذكره قبله؛ لأنّه لمّا ذكر المصنّف للثاني «صهل»، فحينئذٍ لو ذكر الشارح «رَحَل رَحِيلاً» أوّلاً للزم عليه أن يقول: كرحل رحيلاً، أو نحوه، وهو يستلزم تكرار علامة التشبيه.
قوله : والحرفة (2)والولاية .
عطفٌ على قول المصنّف: «سيرًا وصوتًا»، والتقدير: شمل الحرفة والولاية الخامس.
قوله : فيصير مصدره: اصْطَفَى (1)اصْطِفَاءً .
ربّما يتوهّم من قول المصنّف: «ممّا افتُتِحا بهمزة (2)وصل كاصطفى» أنّ الحكم الّذي ذكره إنّما هو للفعل، وهو كان فاسدًا، نبّه الشارح على أنّ مراده هو المصدر؛ لكون المقام مقام بيان المصدر، فقال: «فيصير مصدره»، أي: مصدر الفعل الّذي افتتح بهمز الوصل حال لكونه مثل: اصطفى اصطفاءً، حيث مدّ ما قبل الآخر وكسر حرف الثالث، والمراد بقوله: «مدّ وافتتحا (3)» أي: زيد قبل آخره ألف.
إعلم : أنّه استثنى جماعة من المبدو بهمز الوصل ما كان أصله: «تفاعل» أو «تفعل»، نحو: اطّاير و اطّير إذا ادغم الطاء في الطاء و اجتلبت همزة الوصل، فان مصدر ذلک لا يكسر الحرف الثالث ولا تزاد الف قبل الآخر، بل يضمّه جريًا على الأصل، فتقول: الطاير يطاير اطايرا و اطير يطير اطيرا بضمّ الياء في الموضعين.
قوله : سَرْهَفَ سِرْهَافًا.
مثالٌ لكون مصدر «فعلل» على وزن: «فِعْلال» بكسر الفاء، يقال: سَرْهَفت المرأة الصبيّ: إذا أحسنت غذاءه (4).
وإنّما أخّر هذا عمّا قبله مع أنّه خلاف مقتضى اللفّ والنشر المرتّب؛ لما صرّح به المصنّف من أنّ قياس مصدر «فعلل» هو «فعللة»، لا «الفعلال»، وتقديم ما هو
مقتضى القياس أولى من غيره.
قوله: ويغلب ذا.
أي: كون مصدر «فَاعَلَ» على «مُفَاعَلَة»؛ وذلک لاستثقال الكسرة على الياء إذا قيل: «يِسَار» على وزن «فِعال» بالكسر، وإنّما قال: «ويغلب» ولم يقل: ويتعيّن - كما قال غيره (1)- لورود ذلک، كما نقل عن بعضهم (2): ياوم يوامًا، مع أنّ القياس كان أن تقول: مياومة (3).
قوله : كَذَّبَ كِذَّابًا.
مقتضى القياس - على ما مرّ - أن يقال: «تكذيبًا»، وكذا: «تنزيةً» في الثاني، و«تملّقًا» في الثالث.
قوله : إن لم يكن بناء المصدر العامّ.
أي: المصدر الّذي يطلق على المرّة والزيادة، أي: على القليل والكثير على وزن «فَعْلة» - كالرَحمة مثلاً - فإنّه يطلق على القليل والكثير.
قوله : لهيئة منه كذلک.
أي: لهيئة من الثلاثيّ إن لم يكن بناء مصدر العامّ على «فِعلة» بالكسر.
قوله : كالخِمرة، إلى آخره.
«الخِمْرَة» مِن: اختمرت المرأة خمرة، أي: المرأة غَطَّت رأسها بالخمار (1).
و«عِمَّة» مِن: تعمّم الرجل، أي: غطّى رأسه بالعِمَامة (2). و «القِمْصَة» مِن: تقمص،
أي: غطّى رأسه بالقميص (3).
**
[ أبنيةُ أسماء الفاعِلِين والمفعولين والصفات المشبّهة بها ]
كفاعلٍ صُغِ اسمَ فاعلٍ إذا *** من ذي ثلاثة يكون كغَدَا
هذا باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبّهة بها
وفيه أبنية أسماء المفعولين
(كفاعلٍ صُغِ اسمَ فاعل إذا من ذي ثلاثة) مجرّد مفتوح العين لازمًا أو متعدّيًا أو مكسورها متعدّيًا (يكون كغَذا) - بالمعجتمتين - أي: سال، فهو غاذٍ، وذَهَبَ فهو ذاهب، وضرب فهو ضارب، وركب فهو راكب.
وهو قليل في فَعُلْتُ وفَعِلْ *** غير معدّىً، بل قياسُهُ فَعِلْ
(وهو قليل) مقصورٌ على السماع (في فَعُلْتُ) - بضمّ العين - (وفَعِلَ) - بكسر العين - حال كونه (غيرَ معدّى)، كَحَمُضَ فهو حامض، وأَمِنَ فهو آمن، (بل قياسه) أي: فَعِل - بالكسر - أي: إتيان الوصف منه في الأعراض (فَعِلٌ).
وأفْعَلٌ فعلانُ نحوُ: أشِرِ *** ونَحْوُ: صَدْيانَ، ونَحْوُ: الأجْهَرِ
(و) في الخِلقةِ والألوانِ (أفعَلُ) وفيما دلّ على الامتلاء وحرارة الباطن (فعلان نحو: أشِرٍ) وفرحٍ، (ونحوُ: صديان) وعطشان وشبعان وريّان، (ونحو: الأجهر) وهو الّذي لا يبصر في الشمس، والأحول، والأعور، والأخضر.
وفَعْلٌ أولى وفعيلٌ بِفَعُلْ *** كالضَّخْمِ والجميل، والفِعلُ جَمُلْ
(وفَعْلٌ) بسكون العين (أولى، وفعيلٌ بِفَعُل) بضمّها من فاعل وغيره (كالضخم) والفعل ضَخُمَ، (والجميلُ، والفعلُ جَمُلَ).
وأفعلٌ فيهِ قليلٌ وفَعَلْ *** وبسوى الفاعل قد يَغْنَى فَعَلْ
(وأفعلٌ فيه قليلٌ) مقصور على السماع، كخطب فهو أخطب، (و) كذا (فعل) -بفتح العين - كبطل فهو بَطَل، وفَعال - بفتح الفاء - كجَبنُ فهو جَبَان، وبضمّها كشجُع فهو شجاع، وفُعُل - بضمّ الفاء والعين - كجَنُبَ فهو جنُبُ، وفِعْلَ - بكسر الفاء وسكون العين - كعَفُرَ فهو عِفْرٌ. (وبسوى الفاعل قد يغنى) - بفتح الياء والنون - (فَعَل)، كشاخ فهو شيخ، وشابَ فهو أشيبُ، وعَفَّ فهو عفيف، وجميع ما ذكر غير وزن فاعل صفات مشبّهة.
وزِنَةُ المضارعِ اسمُ فاعلِ *** من غير ذي الثلاثِ كالمُواصِلِ
(و) على (زِنَةُ المضارع) يأتي (اسمُ فاعل من غير ذي الثلاث) مجرّدًا أو مزيدًا (كالمُواصِلِ).
معْ كسرِ متلُوِّ الأخيرِ مطلقا *** وضمِّ ميمِ زائدٍ قد سُبِقا
(مَعِ كَسْرِ متلُوِّ الأخيرِ مطلقًا) مفتوحًا كان في المضارع أو مكسورًا، (وضمّ ميمٍ زائدٍ قد سَبَقا) أوّل الكلمةِ كمدحرج، ومكرم، ومفرّح، ومتعلّم، ومتباعد، ومنتظر، ومجتمع، ومستخرج، ومقعنسس، ومعشَوشِب، ومتدحرج، ومحرنجم.
وإنْ فتحْتَ منهُ ما كان انكسرْ *** صار اسمَ مفعولٍ كمثلِ المُنْتظَرْ
(وإن فتحت منه ما كان انكسَرَ صارَ اسمَ مفعول كمثلِ المنتظَرِ)، والمدحْرَجِ،
والمكرَمِ، إلى آخره.
وفي اسمِ مفعولِ الثلاثيِّ اطّرَدْ *** زِنَةُ مفعولٍ كآتٍ مِن قَصَدْ
(وفي اسمِ مفعولِ الثلاثىّ اطّرَدَ زِنَةَ مفعولٍ، كآتٍ مِنْ قَصَد)، وهو مقصود.
ونابَ نقلاً عنه ذو فعيلِ *** نحوُ: فتاةٍ أو فَتًى كحِيلِ
(وناب نقلاً) أي: سماعًا (عنه) أي: عن وزن مفعول ثلاثة أشياء: أحدها (ذو فعيل)، ويستوي فيه المذكّر والمؤنّث، (نحو: فتاةٍ أو فتًى كحيلٍ) بمعنى: مكحول. وثانيها: فَعْل - كقَبْض - بمعنى مقبوض. وثالثها: فِعْل - كذِبحْ - بمعنى مذبوح، وذكرهما في شرح الكافية، ولا تعمل هذه الثلاثة عمل اسم المفعول، فلا يقال : مررت برجُلٍ ذَبْحٍ كَبْشُهُ، ولا صريعٍ غلامُه، وأجازه ابن عصفور.
**
[باب : أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبّهة بها وفيه: أبنية أسماء المفعولين ] (1)
قوله : أسماء الفاعلِين.
بكسر اللام جمع: «الفاعل»؛ لأنّه يذكر فيه كلّ اسم فاعل من أبواب الثلاثيّ وغيره، فالإتيان بصيغة الجمع لهذه الجهة، على أنّ كلاًّ من باب الثلاثيّ و غيره له صيغ متعدّدة يكفي للإتيان بصيغة الجمع، فتأمّل.
وكذا الكلام في أسماء المفعولِين.
وإنّما سمّى جميع هذه الصفة من الثلاثيّ وغيره باسم ما يأتي وزنه في الثلاثيّ، أي: اسم الفاعل، دون ما يأتي وزنه في ثلاثي المزيد وغيره - كالمفعل مثلاً - قيل (2): لأنّه لمّا كان جميع أبواب الثلاثيّ يأتي فيه اسم الفاعل على وزن «الفاعل» إلّا ما قلّ، ولم يكن في غير الثلاثيّ كذلک، بل البابان منه لم يكن اسم الفاعل منهما
موافقًا في الوزن، فكان تسمية الجمع باسم الفاعل أولى؛ لكثرة مجيئة على وزن «الفاعل».
قيل (1): وفيه نظر؛ لأنّه ليس القصد بقولهم: اسم الفاعل اسم الصيغة الآتية على وزن «فاعل»، بل المراد اسم ما فعل الشيء ولم يأت المفعل والمستقبل (2)ونحو ذلک بمعنى الّذي فعل الشيء حتّى يقال اسم المفعل والمستقبل، بلى لو قال: إنّهم أطلقوا اسم الفاعل على مَن لم يفعل الفعل - كالمنكسر والمتدحرج والجاهل والضامر - لأنّ الأغلب في ما بنى له هذه الصيغة أن يفعل فعلاً - كالقائم والقاعد والمخرج والمستخرج - لكان شيئًا.
قوله : أي: إتيان الوصف منه.
نبّه بذلک على أنّ المضاف في عبارة المصنّف محذوف؛ لأنّه لا معنى لظاهر قوله: «بل قياس فَعِل فَعِل»، بل مراده هو أنّ قياس إتيان الوصف منه مِن فَعل فعل على ما ذكره، أو قياس مجيء الوصف منه هكذا.
ويمكن أن يقال: إنّ المرجع في قول المصنّف: «بل قياسه» هو الوصف المستفاد من اسم الفاعل «صُغ» في قوله: «صُغ اسم فاعل»، أي: قياس الوصف من فَعِل فَعِل، إلى آخره.
قوله : وريّان .
مثالٌ لما دلّ على الامتلاء، فالمناسب أن يقدّمه على: «صديان» و «عطشان»،
لكنّه أخّره؛ لأنّ الشرب إنّما هو بعد العطش، فتأمّل.
قوله : و غيره .
كأفعل و فَعَل بفتحتين، و «فعال» بفتح الفاء و ضمّها، وغير ذلک كما سيذكره.
قوله : مفتوحًا كان، إلى آخره.
نبّه بذلک على أنّ «مطلقًا» في كلام المصنّف حالٌ عن «متلُوّ الأخير»، ردًّا على من توهّم أنّه حال عن «كَسْر»؛ وذلک لأنّ شرط جواز الحال عن المضاف إليه مفقود فيه، بخلاف المتلوّ، فإنّه وإن كان مضافًا إليه أيضًا، إلّا أنّ المضاف - وهو : «كَسْر» - اقتضى العمل فيه؛ لكونه مصدرًا.
قوله : ومتعلّم ومتباعد.
مثالان لكون المضارع منهما مفتوحًا ما قبل الآخر، وكذا «معشَوشِب» و«متدحرج»، وإنّما زيد في أوّل اسم مفعول ميم مع أنّ المعهود بين أهل الصرف هو أنّه إذا زيد حرف أن يكون ذلک من أحرف العلّة؛ لعدم إمكان زيادتها هنا.
أمّا الياء والألف فلأنّهما إذا زيدا في أوّل اسم مفعول لاشتبه بالفعل المضارع فيما إذا كان ما قبل الآخر مكسورًا، أمّا الاشتباه مع الياء فظاهر، وأمّا مع الألف ففي المتكلّم.
وأمّا الواو فلأنّها لا تزاد أوّلاً فلمّا امتنع زيادة أحرف العلّة فتوصلوا بالميم؛ لكونه مشتركًا مع الواو في كونهما من الشفويّتين، وأمّا ضمّ الميم حينئذٍ فلعدم إمكان غيره؛ لأنّ مع الفتح ينجرّ الأمر إلى التباس اسم المفعول من غير الثلاثيّ باسم الموضع منه، أي: من الثلاثيّ كما لا يخفى، ومع الكسر فيجرّ إلى التباسه باسم
الآلة منه أيضًا.
هذا في اسم الفاعل في غير الثلاثيّ، وأمّا فيه فزيادة الميم فيه أيضًا لما مرّ حرفًا بحرف، وضمّ فيه ما قبل الآخر؛ لأنّه لو فتح أو كسر لحصل الالتباس، أمّا مع الفتح فباسم الآلة، وأمّا مع الكسر فباسم الموضع.
هذا إذا فتح الميم، أمّا إذا ضمّت فحينئذٍ مع فتح ما قبل الآخر يحصل الالتباس باسم المفعول من غير الثلاثيّ ك- : «مُكْرَم»، ومع الكسر باسم الفاعل منه أيضًا، ففتح الميم للخفّة، وضمّ ما قبل الآخر، ثمّ أشبعت الضمّة، فتولّد منها الواو؛ لئلّا يلزم وقوع «مفعل» في كلامهم، ولهذا أشار بقوله: «وفي اسمِ مفعولِ الثلاثيّ اطّرَدَ زِنَة مفعولٍ، كآتٍ مِن قَصَد، وهو مقصود».
وأمّا قولک: «مدعوّ» و «مقول» و «مبيع» و «مرميّ» فهي مغيّرة عن الأصل؛ إذ أصل «مدعوّ» : مدعوو، و «مقول» : مقوول، و «مبيع» : مبيوع، و «مرميّ» : مرموي، كما هو مذكور في محلّه (1).
قوله: مررت برجل ذَبْحٍ كَبْشُهُ.
وتقديم هذا المثال عن الآخر للتنبيه على أنّه يمكن أن يكون مثالاً ل- «فعل» مطلقًا، مفتوح العين أو مكسورها.
**
1) . ينظر: شرح الرضيّ على الشافية: 3 / 147 ؛ وشرح التصريح: 2 / 43.
[ إعمال الصفة المشبّهة باسم الفاعل ]
صفةٌ استُحسِنَ جرُّ فاعلِ *** معنًى بها المشبهةُ اسمَ فاعلِ
هذا باب إعمال الصفة المشبّهة باسم الفاعل
(صفة استحسن جرّ فاعلٍ معنًى بها) بعد تقدير تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها هي (المشبهة اسمَ فاعل)، فخرج بما ذكره نحو: زيد ضارب أخوه، وبما زدته: زيد كاتب أبوه، واستحسان جرّ الفاعل بها بأن تضاف إليه يدرک بالنظر في المعنى.
وصَوْغُها من لازمٍ لحاضرِ *** كطاهرِ القلبِ جميلِ الظاهرِ
(و) تخالف اسم الفاعل في أنّ (صوغها) لا يكون إلّا (من لازمٍ لحاضر)، وفي أنّها تكون مجارية للمضارع، (كطاهر القلب)، وغير مجارية له، بل هو الغالب نحو : (جميلِ الظاهرِ).
وعملُ اسمِ الفاعل المعدّى *** لها على الحدِّ الّذي قدْ حُدّا
(وعمل اسم الفاعل المعدّى) ثابت (لها على الحدِّ الّذي قد حُدّا) في اسم الفاعل، وهو الاعتماد على ما ذكر، نحو: زيد حسن الوجه، لكنّ النصب هنا هو على التشبيه بالمفعول بخلافه ثمّة.
وسَبْقُ ما تعملُ فيه مُجْتَنَبْ *** وكونُه ذا سببيّةٍ وَجَبْ
(و) ممّا خالفت فيه اسم الفاعل أنّ (سبق ما تعمل فيه مجتنبٌ) لفرعيّتها، بخلاف غير معمولها كالجارّ والمجرور، فيجوز تقديمه عليها، (و) أنّ (كونه ذا سببيّة) بأن اتّصل بضمير موصوفها لفظًا أو معنًى (وجب)، نحو: زيد حسن وجهه، وحسنُ الوجهِ، أي: منه بخلاف غير المعمول.
فارفعْ بها وانصبْ وجرَّ مع ألْ *** ودون ألْ مصحوبَ ألْ وما اتّصلْ
(فارفع بها) على الفاعليّة (وانصب) على التشبيه بالمفعول به في المعرفة، وعلى التمييز في النكرة، (وجرّ) بالإضافة حال كونها (مع أل ودون أل)، وقوله : (مصحوبَ ألْ) هو المتنازع فيه، نحو :
[ 1] رأيت الرجلَ الجميلَ الوجهُ.
[ 2] والجميلَ الوجْهَ.
[ 3] والجميلَ الوجهِ.
[ 4] ورأيت رجلا جميلاً الوجهُ.
[ 5] وجميلاً الوجهَ، لكنّ هذا ضعيف.
[ 6] وجميلُ الوَجهِ، وعطفَ على مصحوب أل قوله: (وما اتّصل).
بها مضافًا أو مجرّدًا ولا *** تجرر بها مع ألْ سُمًا من ألْ خلا
(بها) أي: بالصفة حال كونه (مضافًا) إلى ما فيه أل، أو إلى الضمير، أو إلى مضاف إلى الضمير، أو إلى مجرّد، فالأوّل نحو :
[ 7] رأيت الرجلَ الحسنَ وجهُ الأبِ، و :
[ 8] الحسنَ وجهَ الأبِ، و :
[ 9] الحسنَ وجهِ الأبِ، و :
[ 10] رأيت رجلاً حسنًا وجهُ الأبِ، و :
[ 11] حسنًا وَجْهَ الأبِ، ولكنّ هذا ضعيف، و :
[ 12] حَسَنَ وجهِ الأبِ.
والثاني نحو :
[ 13] رأيت الرجلَ الحسنَ وجهُهُ، و :
[ 14] الحسنَ وجهَهُ، ولا تجّر - كما سيأتي - و :
[ 15] رأيت رجلاً حسنًا وجهُهُ، و :
[ 16] حسنًا وَجهَهُ، و :
[ 17] حَسَنَ وجهِهِ، لكنّ هذان ضعيفان.
والثالث نحو :
[ 18] رأيت الرجلَ الحسَنَ وجهُ أبيه، و :
[ 19] الحسنَ وجهَ أبيهِ، ولا تجرُّ - كما سيأتي - و :
[ 20] رأيت رجلاً حسنًا وجهُ أبيهِ، و :
[ 21] حسنًا وَجهَ أبيهِ، و: حَسَنَ وجهِ أبيهِ، لكن هذان ضعيفان.
والرابع نحو :
[ 22] رأيت الرجلَ الحسَنَ وجهُ أبٍ، لكنّه قبيح، و :
[ 23] الحسَنَ وجهَ أبٍ، ولا تجرّ - كما سيأتي - و :
[ 24] رأيت رجلاً حسنًا وجهُ أبٍ، لكنّه قبيحٌ، و :
[ 25] حسنًا وَجهَ أبٍ، و:
[ 26] حسنًا وجهِ أبٍ.
(أو مجرّدًا) عطفٌ على مضاف نحو :
[ 27] رأيت الرجلَ الحسنَ وجهٌ، لكنّه قبيح، و :
[ 28] الحسَنَ وجهًا، ولا تجرّ - كما سيأتي - و :
[ 29] رأيت رجلا حسنًا وجهٌ، لكنّه قبيح. و :
[ 30] حسنًا وَجهًا، و :
[ 31] حسنَ وجهٍ.
(ولا تجرر بها) حال كونها (مع ألْ سُمًا من أل خلا)
ومن إضافة لتاليها وما لم *** يخلُ فهو بالجوازِ وسما
(ومن إضافة لِتاليها)، فلا تقل :
[ 32] الحسنَ وجهِهِ، أو :
[ 33] وجهِ أبيهِ، أو:
[ 34] وجهِ أبٍ.
(ولم يخلُ) ممّا ذُكر (فهو بالجوازِ وُسِما)، وقد سبق ذلک مشروحًا ممثّلاً مبيّنًا فيهِ الحسنُ والضعيفُ والقبيحُ، ولله الحمدُ.
[ باب : إعمال الصفة المشبّهة باسم الفاعل ] (1)
قوله : هذا باب إعمال الصفة المشبّهة.
قد مرّ في المصدر ما يعلم تفسيره.
وجه شباهتها باسم الفاعل هو أنّ هذه الصفات تؤنّث وتثنّى وتجمع كاسم الفاعل، كقولک: حسن، وحسنان، وحسنون، وحسنة، وحسنتان، وحسنات. قيل (2): فلأنّها تدلّ على حدث وما قام به كاسم الفاعل.
قوله : فخرج بما ذكره نحو: زيد كاتب أبوه (3).
وذلک لأنّ المراد باستحسان جرّ الفاعل معنًى بالصفة هو أن يكون مفهوم الكلام بعد الإضافة كمفهومه قبلها من دون التباس ولا فساد، فعلى هذا نقول: قولک: «زيدٌ ضاربٌ أبوه» لم يستحسن فيه جرّ الفاعل بإضافة الصفة إليه؛ لأنّک لو أضفتها إليه وقلت: «زيدٌ ضارب أبيه» لالتبس المعنى؛ إذ لم يعلم أنّ الأب كان مفعولاً، ثمّ
أضيف إليه الصفة، أو فاعلاً كذلک ؟!
والمراد بنحو: «زيدٌ ضارب أبوه» ما كان الصفة فيه متعديّة وتكون كالمثال المذكور، فلم يستحسن فيه جرّ الفاعل معنًى، فخرج بقوله: استحسن جرّ فاعل، ولكن لم يخرج به في اسم الفاعل في نحو: «زيدٌ كاتب أبوه»؛ لعدم الالتباس فيه بعد الإضافة كقولک: «زيد كاتب الأب»؛ إذ يعلم منه أنّ الأب هو الفاعل، لا المفعول؛ لعدم تعلّق الكتابة بالذوات، فلم يخرج بقيد: «استحسان جرّ الفاعل» مطلق اسم الفاعل، مع أنّ التعريف لابدّ أن يكون مانعًا وجامعًا؛ ولهذا قيّد الشارح كلامه فقال: «بعد تقدير تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوف الصفة»، وهو «زيدٌ» في المثال المذكور.
وأمّا خروج مثل هذا المثال بما زاده الشارح فلأنّه لا يمكن فيه هذا التقدير؛ إذ لو قدّر تحويل إسناد الصفة عن الفاعل إلى ضمير الموصوف لفسد المعنى؛ لأنّه حينئذٍ يكون المعنى: أنّ الكاتب هو زيد، وقد عرفت أنّ المفروض هو أنّ الكاتب أبوه، لا هو، وإنّما نسب الخروج بما زاده إلى «زيدٌ كاتب أبوه»، مع أنّ مثال الأوّل أيضًا يخرج به؛ لأنّ ذلک لكونه خارجًا بقول المصنّف، فلا يحتاج نسبة الخروج إليه بما زاده.
إن قلت : على هذا يلزم عدم جواز إضافة الصفة المشبّهة إلى الفاعل أيضًا؛ لأنّ المراد من قولک: «زيدٌ حسن وجهه» هو أن يكون وجهه حسنًا، وبعد تقدير تحويل الإسناد عن الفاعل إلى ضمير الفاعل يكون معناه هو حسن، وأحدهما غير الآخر.
قلت : الفرق بينهما واضح؛ لأنّ الحسن لمّا كان مستندًا إلى جزء «زيد» وهو
«وجهه»، ومعلوم أنّ الّذي يسند إلى جزء الشيء يصحّ أن يسند إلى كلّه؛ لأنّ التعبير بالكلّ عن الجزء وبالعكس وإن كان مجازًا، لكنّه شايع ذايع.
هذا، مع أنّ فيه نكتة عظيمة هي: أنّ القائل بها يقصد المبالغة [ في ] اتّصاف الموصوف بحيث إنّ الوصف وإن كان في الجزء، لكنّه بحيث استوعب الكلّ، بخلاف المثال الأوّل، فإنّ إسناد الكتابة للأب إلى الإبن مجاز بعيد لا تكاد تعبّر.
لكن يرد عليه ما تقدّم في اسم الفاعل من جواز إضافته إلى فاعله إذا كان سببيًّا بعد تقدير تحويل الإسناد، فعلى هذا أيضًا لا يكون التعريف مانعًا؛ لأنّ قولک : «زيدٌ كاتب يده»، يجوز فيه بعد تقدير تحويل الإسناد أن تقول: «زيد كاتب اليد»، وكذا في: «شاتم لسانه» هو شاتم اللسان، وغير ذلک على ما تقدّم من الأمثلة، فإنّه يستحسن فيها جرّ الفاعل بعد تقدير تحويل الإسناد؛ لأنّ المعنى بعد الإضافة هو المعنى قبلها، ولا التباس كما لا يخفى.
لكن صرّح جماعة منهم (1)بأنّ هذا الوصف وإن كان على وزن اسم الفاعل، لكنّه بعد تحويل الإسناد يسمّى بالصفة المشبّهة، ويجرى عليه حكمها إذا أريد منه الثبوت، لكن بقي الإشكال فيما إذا لم (2).
إن قلت : لا إشكال حينئذٍ أيضًا؛ لأنّ الأدلّة الدالّة على عدم جواز إضافة اسم الفاعل إلى فاعله يشمله، فيخرج عن تعريف الصفة المشبّهة.
قلت: مع عدم مناسبة هذا الجواب في المقام نقول: إنّ دلالة تلک الأدلّة على
عدم جواز مثل هذه الإضافة ممنوعة، كما مرّ إليه الإشارة في اسم الفاعل.
توضيحه: هو أنّ الدليل لهذا المطلب إمّا إبقاء الصفة على تقدير الإضافة بدون الفاعل ظاهرًا، وهو غير جائز في اسم الفاعل؛ لشدّة شبهه بالفعل، وعدم دلالته واضح؛ إذ يعدّ تقدير تحويل الإسناد إلى الضمير فاعلاً.
وإمّا التباس الفاعل بغيره على تقدير الإضافة، وقد عرفت أنّ كلامنا فيما إذا لم يلتبس، كالأمثلة المتقدّمة.
وإمّا إضافة الشيء إلى نفسه، وهي إنّما تلزم إذا لم يقدّر تحويل إسناد الصفة إلى ضمير الموصوف، وأمّا معه فالفاعل هو الضمير المستتر في الوصف، والمضاف إليه في هذه الحالة ليس متّحدًا مع الوصف حتّى يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، هذا.
لا يقال : إنّه يدخل في الحدّ اسم المفعول أيضًا؛ لأنّه يجوز الإضافة فيه بعد تقدير تحويل الإسناد كما تقدّم.
لأنّا نقول : الكلام في الوصف المضاف إلى الفاعل، وهو ليس بمضاف إلى الفاعل، بل إلى النائب عنه؛ ولهذا قال المصنّف هناک: «وقد يضاف ذا إلى اسم مرتفع»، ولم يقل: إلى فاعل، فتأمّل في المقام، فإنّه من مزالّ الأقدام.
قوله : واستحسان جرّ الفاعل بها بأن تضاف إليه يدرک بالنظر في المعنى.
«واستحسان» مبتدأ، و «يدرک» خبره.
هذا إشارةٌ إلى دفع الدور الّذي أورده ولد المصنّف عليه (1)، تقريره: هو أنّ من
1) . ينظر: شرح الألفية لابن الناظم: 173.
المعلومات أنّ المحدود إنّما يعرف بالحدّ، وعلى هذا نقول: إنّ المصنّف قد عرّف الصفة المشبّهة باستحسان جرّ الفاعل بها، فمعرفة الصفة المشبّهة موقوفةٌ على استحسان جرّ الفاعل بها؛ لكونه معرّفًا لها، واستحسان جرّ الفاعل أيضًا موقوفٌ على معرفة الصفة المشبّهة؛ إذ لو لم نعرف أنّها صفات مشبّهة كيف يحكم باستحسان جرّ الفاعل بها ؟ إذ يحتمل أن يكون غيرها، فلا يستحسن جرّ الفاعل.
فنقول: إنّ معرفة الصفة المشبّهة موقوفةٌ على استحسان جرّ الفاعل بها، واستحسان جرّ الفاعل بها موقوفٌ على معرفتها أنّها صفة مشبّهة، فينتج: أنّ معرفة الصفة المشبّهة موقوفةٌ على معرفة الصفة المشبّهة على استحسان جرّ الفاعل مسلّم، لكن توقّف الإحسان على معرفة الصفة المشبّهة غير مسلّم، بل هو يدرک ويعلم بالنظر في المعنى، بمعنى أنّا نضاف الوصف إلى فاعله بعد تحويل الإسناد وينظر في معناه، فإن استحسن جرّ الفاعل بتلک الإضافة لعدم ليس في المعنى ولا فساد فيه، فهو الصفة المشبّهة، وإلّا فلا توقّف لاستحسان الجرّ على معرفة الصفة المشبّهة، فلا دور.
هذا، وربّما يدفع الدور بوجه آخر، وهو أنّ قولَه: «المشبّهة اسم الفاعل» مبتدأ، وقوله: « صفة استحسن » إلى آخره، خبرُه، وقوله: «و صَوغُها من لازمٍ لحاضر» إلى آخره، عطف عليه لتتميم التعريف، ومع بعد ذلک فيه عطف الاسميّة على الفعليّة.
قوله : لا يكون إلّا من لازمٍ لحاضر.
بخلاف اسم الفاعل، فإنّ صوغها لا يكون من لازمٍ لحاضر.
ويحتمل أن يكون «لحاضر» خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: وهي لحاضر، فيكون
إشارة إلى مخالفتها مع اسم الفاعل من وجهين :
أحدهما : هو أنّ صوغها لا يكون إلّا من لازم، بخلاف اسم الفاعل، فإنّ صوغها كما يكون من اللازم - كذاهب مثلاً - يكون من المتعدّي أيضًا - كمانع.
والثاني : هو أنّها للحاضر، بمعنى أنّها يكون للزمن الماضي المتّصل بالزمن الحاضر الدائم؛ ولهذا يقال: إنّها للثبوت، فمعنى قولک: «زيدٌ حسن الوجه» هو أنّ الحسن ثابت له في الزمان الماضي المتّصل بالحاضر، فلا تستعمل في المستقبل، ولا في الماضي المنقطع، فلا نقول: زيدٌ حسن الوجه غدًا أو أمس، بخلاف اسم الفاعل، فإنّه لا يكون لأحد الأزمنة الثلاثة كما مرّ.
قوله : و غير مجارية له.
بخلاف اسم الفاعل، فإنّه لا يكون إلّا مجاريًا للمضارع في الحركات والسكنات.
لا يقال: إنّ اسم الفاعل أيضًا كثيرًا ما يكون غير مجاري للمضارع، فإنّ قولک : «ناصِر» غير مجاري ل- «يَنْصُرُ» في الحركات؛ إذ هو ما قبل الآخر فيه مضموم، وفي «الناصِر» مكسور. وكذا «المانِع»، فإنّ ما قبل الآخر في المضارع مفتوح، وفي اسم الفاعل مكسور. وكذا «عالِم»، فإنّ ما قبل الآخر في المضارع مفتوح، وفي اسم الفاعل مكسور، و غير ذلک، وكيف يكون هذا الفرق ؟
لأنّا نقول : المراد بكون اسم الفاعل جاريًا مجرى المضارع في الحركات والسكنات هو أن يكون اسم الفاعل موافقًا معه في نوع الحركة، لا في شخصها، بمعنى أن يقابل الحركة في اسم الفاعل الحركة في المضارع، سواء كانتا متّحدتين -
كضارب ويضرب - أو مختلفتين - كما تقدّم.
ألا ترى أنّ الشارح مثّل للصفة المشبّهة الجارية للمضارع ب- «طاهِر»، مع أنّ ما قبل الآخر فيه مكسور، و مضارعه: «يطهُر» بضمّ ما قبل الآخر.
والحاصل : أنّ المراد بمجارية اسم الفاعل للمضارع هو أن لا يقابل الحركة بالسكون، أمّا قولک: «قائِم» و «عائِد» و غيرهما حيث قوبل فيهما الحركة بالسكون في المضارع ظاهرًا، كيَقُوم ويَعُود و غيرهما، فالجواب هو أنّ الأصل في المضارع: «يقوم» و «يعود» بسكون القاف وتحرّک ما قبل الآخر، فلا نقض.
قوله : وهو الاعتماد على ما ذكر .
من الاستفهام والنفي وغيرهما.
أشار بذلک إلى أنّ كلام المصنّف ليس على إطلاقه؛ إذ مِن شرط عمل اسم الفاعل كونه للحال أو الاستقبال، وهو غير ملحوظ في الصفة المشبّهة؛ لما عرفت من أنّها للزمان المتّصل بالزمن الحاضر الدائم، فلا يصحّ هذا الاشتراط هنا، بل عملها ثابت لها أبدًا؛ ولهذا يكون إضافتها إلى معمولها أبدًا لفظيّة كما تقدّم مستقصى.
وأيضًا من الحدّ الّذي قد حدّ في اسم الفاعل هو أنّه لو كان صلة ل- «أل» عمل مطلقًا، وهذا غير جار في الصفة المشبّهة؛ لأنّ الصفة المشبّهة لا يجوز أن يكون صلة ل- «أل»؛ لأنّ صلتها مأوّلة بالفعل، والصفة المشبّهة غير مأوّلة به؛ لكونها للثبوت، والفعل للحدوث كما نبّهنا عليه في الموصولات، فلا يكون «أل» الداخلة فيها موصولة.
إن قلت : إن لم يكن «أل» الداخلة فيها موصولة فتكون للتعريف، وهي كما تدخل في المصدر ويضعّف بذلک عملها؛ لكونها من خصائص الأسماء، فليكن الصفة المشبّهة أيضًا كذلک، مع أنّهم لا يقولون بذلک.
قلنا : هذا إنّما يرد إذا قلنا بأنّ الصفة إنّما تعمل لشباهتها، ولم نقل بذلک، بل عملها لأجل شباهتها باسم الفاعل، لا الفعل. ألا ترى أنّهم يعلّلون عدم جواز تقديم معمولها عليها بأنّها فرع الفرع، كما سيجيء إن شاء الله سبحانه.
قوله : لفرعيّتها.
أي: لفرعيّتها لاسم الفاعل؛ لأنّ عملها إنّما هو لشبهها باسم الفاعل، وهو فرع الفعل في العمل، فتكون هي فرع الفرع، فلا تقوى للعمل فيما قبلها.
قوله : بخلاف غير معمولها كالجارّ والمجرور، فيجوز تقديمه عليها.
هذا الكلام مع ما بعده - وهو قوله: في كون الفاعل سببيًّا بخلاف غير المعمول - ردّ على الاعتراضين الّذين أوردهما ولد المصنّف عليه، تقريرهما :
وأمّا الأوّل فهو أنّ قوله: «وسبق ما تعمل فيه مُجْتَنَب» مطلقًا ممنوع؛ لأنّ من معمولها الجارّ والمجرور في قولک: «زيدٌ فرح بک»، ويجوز تقديمه، فتقول: «زيدٌ بک فرح»، وصحّته ممّا لا ريب فيه، فإطلاق القول بعدم جواز سبق معمولها عليها ليس بصحيح.
وأمّا الثاني فهو أنّ قوله: «وكونه ذا سببيّة وَجَبْ» أيضًا إطلاقه غير مسلّم؛ لأنّ المعمول السببيّ - على ما سيأتي - هو ما يكون متّصلاً بضمير موصوفها، وقد عرفت أنّ «بک» في قولک: «زيدٌ فرح بک» معموله، ولم يكن متّصلاً بضمير
الموصوف، وهو «زيد».
وتقرير الدفع : يحتمل أن يكون مراد الشارح هو أنّ الجارّ والمجرور في المثال المذكور وما هو مثله ليس معمولاً للصفة المشبّهة.
بيانه: هو أنّ غرض المصنّف في المقام بيان معمولها الّذي يكون عمل الصفة فيه لأجل شباهتها باسم الفاعل؛ وذلک لأنّه المحتاج إلى البيان، وأمّا عمل الظرف فلايحتاج إلى بيان أصلاً؛ لأنّه معلوم؛ إذ الظرف ممّا يكفيه رائحة الفعل، وقد صرّح بذلک جماعة (1)، منهم: نجم الأئمّة حيث قال :
إنّ الظرف وأخاه يكفيهما رائحة الفعل حتّى أنّه يعمل فيهما ما هو في غاية البعد من العمل، كحرف النفي في قوله تعالى: ( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّکَ بِمَجْنُونٍ ) (2)، فقوله : ( بِنِعْمَةِ رَبِّکَ ) متعلّقٌ بمعنى النفي، أي: انتفى بنعمة الله وبحمده عنک الجنون، ولا معنى لتعلّقه بمجنون (3). انتهى كلامه.
فعلى هذا نقول: إنّه إذا جاز العمل بحرف النفي في الظرف، فالصفة المشبّهة بطريق أولى، فلا يحتاج ذلک إلى بيان، فعلم أنّ المراد ذكر المعمول الّذي تعمل الصفة فيه؛ لأجل شباهتها باسم الفاعل على ما مرّ، فيكون مراد المصنّف من منع تقديم معمول الصفة المشبّهة عليها ولزوم كون معمولها ذا سببيًّا هو مثل هذا المعمول، لا مثل الظرف.
ولعلّ قوله :
وعملُ اسمِ الفاعل المعدّى *** لها على الحدّ الّذي قد حدّا
مشعرٌ بذلک أيضًا، فاندفع الاعتراضان كلاهما، فعلى هذا يكون معنى قول الشارح: «بخلاف غير معمولها» أي: غير معمولها لأجل الشباهة باسم الفاعل.
والأحسن أن يقال: إنّ الظرف في مثل المقام عامله حقيقة هو الفعل كما تقدّم في حرف النفي؛ إذ معنى قولهم: أنّ الظرف يكفي فيه رائحة الفعل، هو أنّ عامله ذلک الفعل حقيقة، فعلى هذا يصحّ قول الشارح: «بخلاف غير معمولها» من غير تقييد.
قوله : على الفاعليّة.
هذا هو الصحيح، وعن الفارسيّ (1): أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة، فيكون بدل بعض من الكلّ.
وفيه نظر؛ لأنّه رفعه لو كان كذلک للزم أن لا يجوز قولک: «رأيت جارية حسن الوجه»، بل يقال: «حسنة الوجه»، واللازم باطل، وكذا الملزوم.
أمّا بطلان اللازم فلأنّه نقل عن الفرّاء (2)حكاية: «مررت بامرأة حسن الوجه»،
وعن الكوفيّين (1): «بامرأة قويم الأنف» ؛ ولأنّه يجوز أن يقال: «رأيت رجلاً حسن أبوه»، مع أنّ المرفوع لا يصلح أن يكون بدلاً، لا بدل الكلّ عن الكلّ، ولا البعض عنه، ولا الاشتمال، وبدل الغلط لايقع من فصيح.
قوله : وجميلاً الوجه، لكنّ هذا ضعيف.
ينبغي أوّلاً ذكر الصور المتصوّرة في المقام على ما ذكره هنا، ثمّ الإشارة إلى وجه الضعف والحسن و غيرهما.
فأقول : عمل الصفة - كما ذكره - إمّا رفع، أو نصب، أو جرّ، بحصر العقليّ، وهي مع كلّ واحد منها إمّا مع اللام أو بدونه، فصار: ستّة، حاصلةٌ من ضرب كلّ واحد من الرفع والنصب والجرّ في حالتي الصفة من اللام وعدمها، أو بالعكس.
ثمّ المعمول إمّا مع اللام، أو مضاف، أو بدونهما، ثمّ المعمول المضاف إمّا مضاف إلى ما فيه «أل»، أو إلى الضمير، أو إلى مضاف إلى الضمير، أو إلى مجرّد، فصار الأقسام: ستّة وثلاثين، حاصلة من ضرب الستّة الأولى في هذه الستّة في المعمول، وهي كون المعمول إمّا مع اللام، أو مجرّدًا عنها وعن الإضافة، أو مضافًا إلى ما فيه «أل»، أو إلى الضمير، أو إلى مجرّد مضاف إلى الضمير، أو إلى مجرّد.
فضبطنا الأقسام في الجدول (2)تسهيلاً على المتعلّم.
فنقول : الصفة مع اللام ومعمولها المرفوع إمّا معها، أو مجرّدًا عنها والإضافة، أو يكون مضافًا إلى ما فيه «أل»، أو إلى الضمير، أو إلى مضاف إلى الضمير، أو إلى
مجرّد مطلقًا.
وهذه هي الصور المتصوّرة المأخوذة من كلام المصنّف على ما حمله الشارح، وليس كلّ منها جائزًا، بل بعضها ممتنع، وهو ما أشار إليه الشارح بقوله: «ولا تجرّ (1)»، وبعضها ضعيف كما صرّح، وبعضها قبيح، والبواقي حسن.
أمّا الممتنع فهو ما كان الصفة فيه مع «أل» والمعمول مجرورًا ومجرّدًا منها ومن الإضافة إلى تاليها، وهو المشار إليه بقول المصنّف: «ولا تجرّ بها مع أل سُما من أل خلا ومن إضافة لتاليها»، و هو منحصر في أربع، كما أشار إليه (2)كلّ منها بقوله :
«ولا تجرّ»، وهي ما كان الصفة مع اللام ومعمولها المجرور مجرّدًا من «أل» والإضافة، فاطلب الأمثلة في الجدول. وجه امتناع ذلک سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأمّا الضعيف فهو ما كان الصفة فيه مجرّدة، والمعمول منصوبًا، أو مجرورًا مع اللام، أو مضافًا إلى ما فيه اللام، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، وهو منحصر في ستّة صور، كما أشار الشارح إلى كلّ واحد منها، وهي ما كان الصفة بدون اللام، ومعمولها المنصوب معها، أو مضافًا إلى المعرّف بها، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، أو معمولها المجرور مضافًا إلى ضميره، أو إلى المضاف إلى ضميره، واطلب الأمثلة أيضًا في الجدول.
ووجه الضعيف أمّا في الأربعة الأول فقد قيل (3): إنّه إجراء وصف القاصر
مجرى وصف المتعدّي. وفيه تأمّل واضح.
وأمّا في الأخيرتين فهو أنّ الإضافة في الصفة إنّما ارتكبت لأجل التخفيف، فينبغي أن يرتكب بحيث يبلغ الخفّة فيها غايتها، وهي إنّما تحصل بحذف التنوين والضمير جميعًا، أو يحذف الضمير وحده؛ لكونه أعظم في حصول التخفيف، بخلاف التنوين وحده.
وأمّا جواز الصورتين مع ضعف فلحصول التخفيف في الجملة بحذف التنوين في الصفة.
هذا، مع أنّ الكوفيّين (1)يجوّزون ذلک في السعة من غير قبح.
وربّما قيل (2): إنّ وجه الضعف اجتماع الضميرين، أحدهما في الصفة، والثاني
في المضاف إليه؛ لكونه زائدًا على القدر المحتاج إليه.
وعن بعضهم (3): منع الصورة الأولى منهما - أي: ما إذا كانت الصفة مضافة إلى معمولها المضاف إلى الضمير ك- : «حسن وجه» - استنادًا إلى أنّه يلزم منه إضافة
1) . نقله عنهم نجم الأئمّة في شرح الكافية: 3 / 436؛ والأزهريّ في شرح التصريح: 2 / 53.
2) . لم نقف عليه، ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 3 / 436.
3) . نقله عن ابن بابْشَاذ نجم الأئمّة في شرح الكافية: 3 / 437 . واسم بابشاذ: طاهر بن أحمد بنباب بن شاذ - بتخفيف الذال - الجوهرىّ الديلميّ البغداديّ، ثمّ المصرىّ. ومعنى شاذ: الفرحوالسرور. والمعروف أنّ كلمة «بابشاذ» كلمة أعجميّة معناها: الفرح والسرور. وقد كان ابنبابشاذ إمامًا في العربيّة، ورد العراق تاجرًا في اللؤلؤ، وعاش بمصر زمنًا، وتوفّي بها سنة469ه . من تصانيفه: التذكرة في القراءات السبع، شرح الجمل للزجاجيّ في النحو،المحتسب في النحو وشرحه، وغير ذلک. ينظر: هدية العارفين: 1 / 429 ؛ الأعلام: 3 / 220.
الشيء إلى نفسه؛ إذ الصفة فيه عبارة عن نفس الوجه، فإضافتها إليه إضافة الشيء إلى نفسه.
وهو ليس؛ لأنّا نقول على فرض امتناعهما في الإضافة اللفظيّة إنّما يلزم ذلک إذا قلنا بإضافتها إليه قبل تحويل الإسناد عنها إلى ضمير الموصوف ونصبه بالتشبيه بالمفعوليّة، ولم نقل بذلک، وكيف ؟! مع أنّ الباعث على نصب معمولها مع كونها قاصرة هو الفرار عن ذلک.
والحاصل : أنّ إضافة الصفة إلى المعمول إنّما هي بعد التحويل والنصب كما تقدّم الكلام في ذلک، فلا يلزم إضافة الصفة إلى معمولها مطلقًا، وتخصيصها في الصورة المذكورة لا وجه له.
وأمّا القبيح فهو أربعة، والضابط فيه أن يرفع الوصف مطلقًا مجرّدًا عن اللام ومعها، المضاف إلى المجرّد، أو المجرّد من اللام، والضمير كأن يكون الوصف مع اللام ومعموله المرفوع مضافًا إلى مجرّد، أو مجرّدًا منها، ومعموله المرفوع مضافًا مجرّد من اللام والضمير، أو بدونها، ومعموله أيضًا كذلک، والأمثلة مذكورة في الجدول (1).
وجه القبح هو عدم الضمير الرابط الوصف بالموصوف لفظًا، أمّا عدم الضمير في المعمول لفظًا فظاهر، وأمّا في الصفة فلأنّ المفروض أنّ معموله مرفوع، فهو فاعل له، فلا يجوز أن يكون فيه ضميره حينئذ؛ لاجتماع الفاعلين على ما مرّ أنّ رفعه على الفاعليّة، لا البدليّة.
1) . لم نقف عليه في النسخ الموجودة.
أمّا جواز الصور فلوجود الضمير مع المعمول معنًى، تقول: حسن وجه، وما أي: منه هذه الصور المذكورة من الممتنع والضعيف والقبيح أربع عشر صورة، وبقي من الأقسام اثنان وعشرون صورة، وجميعها حسن.
والضابط فيها أن تكون الصفة مع اللام رافعة للمضاف إلى المعرّف بها، أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف في ضميره، أو المعرّف بها نفسه، فهذه أربعة، أو مجرّدة عنها رافعة أيضًا لما ذكر، فصار الأقسام ثمانية.
وأن تكون الصفة أيضًا مع اللام ناصبة للمعرّف بها، أو المضاف إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، أو المجرّد من «أل» والإضافة، أو المضاف إلى المجرّد منهما، فهذه ستّة.
وأن تكون الصفة مجرّدة عنها ناصبة لما ذكر، فصار الأقسام مع ما تقدّم عشرين.
وأن تكون الصفة مع اللام جارّة للمعرّف بها، أو المضاف إلى المعرّف بها، فبلغت إلى اثنتين وعشرين صورة، والأقسام مضبوطة في الجدول، فلينظر إليها.
قوله : فلا تقل: الحسنَ وجهِهِ، أو: وجهِ أبِيهِ، أو: وجهِ أبٍ.
وهذه هي الصور الأربع الّتي قد أشرنا إليها بكونها ممتنعة.
بقي الكلام في وجهه، فأقول: أمّا الصورتين الأوليين فلأنّ الغرض من إضافة اللفظيّة التخفيف كما مرّ، وهو غير حاصل فيهما؛ لأنّ التخفيف في الصفة المشبّهة إمّا بحذف التنوين في الصفة، أو بحذف الضمير في فاعلها، أو ممّا أضيف إليه الفاعل واستتاره في الصفة، أو بهما ك- : «حسن الوجه»، وليس شيئًا من التخفيف
حاصلاً فيما نحن فيه، أمّا حذف الضمير فواضح؛ لوجوده، وأمّا التنوين فلأنّه إنّما حذف لأجل الألف واللام، لا لأجل الإضافة، فإذا لم يحصل التخفيف لم يجز الإضافة.
وظاهر المتن عدم جواز إضافتها في الصورتين مطلقًا ولو كان الوصف مثنّى أو مجموعًا، كقولک: «زيدان حسنا وجهيهما»، و «الزيدون حسنوا وجوههم»، وكأنّه ظاهر الشارح أيضًا حيث لم يقيّد كلامه، مع أنّ التخفيف فيهما حاصل بحذف النون، ولذا جوّزهما سيبويه (1)، لكن مع قبح، ولعلّ وجهه ما مرّ في: «حسن وجهه».
وأمّا الصورتان الأخيرتان فالتخفيف فيهما وإن حصل بحذف الضمير، لكن قال نجم الأئمّة :
إنّ الإضافة اللفظيّة وإن كان (2)غير مطلوب فيها التعريف (3)، لكنّها فرع الإضافة المحضة، فإذا لم تكن مثلها لجواز تعريف المضاف أو المضاف إليه معًا ههنا بخلاف المحضة، فلا أقلّ من أن لا تكون على ضدّ ما هي عليه، وهو تعريف المضاف وتنكير المضاف إليه (4). انتهى قوله.
قوله : مبيّنًا فيه الحسنُ والضعيفُ والقبح (1).
فيه: أنّه لم يبيّن الحسن في شيء من الأمثلة.
ويمكن أن يقال: إنّه لمّا تبيّن الضعيف والقبيح والممتنع، علم منه أنّ غيرها حسن.
**
1) . في المصدر: والقبيح .
[ التَّعَجُّب ]
بأَفعَلَ انطِقْ بَعْدَ «ما» تَعَجُّبا *** أو جيءْ ب- : «أَفْعِلْ» قَبْلَ مجرورٍ بِبا
هذا باب التعجّب
وله صيغٌ كثيرة، نحو: (كيف تكفرونَ باللهِ وكنتم أمواتًا فأحياكم)، «سبحانَ اللهِ إنّ المؤمنَ لا ينجَسُ».
واهًا لليلى ثمّ واهًا واها .....................
والمبوَّب له في النحو صيغتان، أشار إليهما بقوله: (بأَفْعَلَ انطق) حالَ كونه (بعد ما) النكرة إن أردت (تعجّبًا، أو جيء بأفعِلْ) وهو خبر بصيغة الأمر (قبل) فاعل له (مجرورٍ بباء) زائدة لازمة.
وتلوَ أَفْعَلَ انصِبَنَّهُ ك- : «ما *** أوفى خليلينا، وأصدِقْ بِهِمَا
(وتلو أَفْعَلَ) أي: الّذي بعده (انصبنّه) مفعولاً، وتِلو أفعِلْ اجرره كما تقدّم (ك- : ما أوفى خليلينا وأصدِقْ بهما).
وحَذْفَ ما منه تعجّبتَ استبِحْ *** إن كان عندَ الحذفِ معناه يَضِحْ
(وحذف ما منه تعجّبْتَ) وإبقاء صيغة التعجّب (استبحْ إن كان عند الحذف معناه يَضِحْ)، ولا يلتبس، كقوله تعالى: (أسمعْ بهم وأبصِر)، وقول عليّ (علیه السلام) :
جزى الله عنّي - والجزاءُ بفضلِهِ - *** ربيعةَ خيرًا ما أعفَّ وأَكْرَمَا
وفى كلا الفِعلينِ قِدمًا لزِما *** منعُ تصرُّفٍ بحكمٍ حُتِما
(وفي كلا الفعلين) أَفعَلَ وأفعِل به (قدمًا لزما منعُ تصرّفٍ بحكمٍ) من جميع النحاةِ (حُتِما) أي: نفذ، وهما نظيرا ليس وعسى وهب وتعلّم.
وصُغهُما من ذي ثلاثٍ صُرِّفا *** قابلِ فضلٍ، تَمَّ، غيرِ ذي انتِفا
(وصُغهما من) فعل (ذي) أحرف (ثلاث)، بخلاف دحرج وانطلق واقتدر واستخرج واحمرّ واحرنجم (صرّفا)، بخلاف نعم وبئس، (قابلِ فضلٍ) أي: زيادةٍ كعَلِمَ و حَسُنَ، بخلاف نحو: مات وفنى (تمّ) بخلاف كان وكاد (غير) فعلٍ (ذي انتفا) أي: منفيّ، بخلاف نحو: ما عِجتُ بالدواء، وما ضربت زيدًا.
وغيرِ ذي وصفٍ يضاهي أَشْهَلا *** وغيرِ سالکٍ سَبيلَ فَعِلا
(وغير) فعل (ذي وصفٍ يضاهي أشهلا) في كونه على أفْعَل، بخلاف ذي الوصف المضاهية نحو: سَوَدَ و عَوِرَ، (وغيرِ) فعل (سالکٍ سبيلَ فُعِلا) في كونه مبنيًّا للمفعول، بخلاف السالک ذلک نحو: ضُرب وشُتِمَ، لكن يستثنى ما كان ملازمًا لذلک نحو: عُنيتُ بحاجتک، فيقال: ما أعناه ... .
**
[ هذا باب : التعجّب ] (1)
قوله : باب التعجّب.
أي: باب الّذي يبيّن فيه الصيغتان اللّتان مدلولهما التعجّب، أو وضعتا لإنشاء التعجّب.
قوله : وله صيغ كثيرة نحو: ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ) (2).
وإطلاق صيغة التعجّب في مثل هذه ليس على ما ينبغي؛ إذ الظاهر من قولنا: إنّ هذا اللفظ صيغة لهذا الشيء، هو أن يدلّ عليه بنفسه، ولا دلالة « كيف » على التعجّب كذلک، نعم إنّما يدلّ عليه بقرينة المقام.
هذا إذا أراد بصيغة التعجّب لفظ «كيف»، وإن أراد مجموع الآية يرد عليه أنّه لم يعهد منهم إطلاق الصيغة على مجموع الآية مثلاً، والأحسن عبارة ابن هشام في المقام حيث قال :
وله عبارات كثيرة (1).
قوله : ما النكرة.
وهو صريحٌ في كونها اسمًا، وهو كذلک؛ لأنّ مرجع الضمير لا يكون إلّا اسمًا، ونقل اتّفاقهم (2)على أنّ في «أفعل» - مثلاً - ضميرًا يرجع إليها.
الإجماع أيضًا (3)، وإن نقل عن الكسائيّ (4)أنّها لا موضع لها من الإعراب، وهو شاذّ.
لكن وقع الخلاف في أنّها نكرة أو معرفة، وما ذكره الشارح من كونها نكرة هو ما ذهب إليه سيبويه (5)وجمهور البصريّين حيث قالوا: إنّها نكرة تامّة، كما حكي عنهم (6)، ومعناها حينئذٍ: شيء.
وإنّما ابتدأ بها مع كونها نكرة؛ لما مرّ في مبحث المبتدأ والخبر من أنّ في مسوّغات الابتداء بالنكرة إفادتها التعجّب وخبرها الجملة الفعليّة بعدها، فيكون محلّها رفعًا.
1) . أوضح المسالک: 183.
2) . نقله في أوضح المسالک: 184 ؛ وشرح التصريح: 2 / 58.
3) . ينظر: شرح التسهيل: 2 / 363 ؛ وأوضح المسالک: 184.
4) . نقله عنه في الارتشاف: 4 / 2065 ؛ وشرح التصريح: 2 / 58.
5) . نقله عنه في الارتشاف: 4 / 2065 ؛ وينظر: الكتاب: 2 / 24.
6) . حكاه عنهم ابن هشام في أوضح المسالک : 184، والأزهرىّ في شرح التصريح: 2 / 58.
وإنّما حملنا كلام الشارح على ذلک مع أنّه يحتمل أن لم يكن مراده من النكرة التامّة، بل تكون ناقصة و «ما» بعدها صفة لها - كما هو أحد مذهبي الأخفش في المسألة (1)- لأنّ الظاهر أنّ النكرة حيث أطلقت تحمل على التامّة، وغيرها يحتاج إلى تقييد أو قرينة.
وإنّما قلنا: هو أحد مذهبي الأخفش؛ لأنّ له في المسألة مذهبًا آخر (2)، وهو أن يكون كلمة «ما» موصولة، وجملة الفعل صلة لها، فلا محلّ لها من الإعراب، والخبر في الموضعين محذوف.
وعلى مذهبه الأوّل يكون التقدير في قولک: «ما أحسن زيدًا» : شيء أحسن زيدًا - أي: جعله ذا حسن - شيء عظيم، وعلى الثاني: أي الّذي أحسن، إلى آخره.
أورد عليه : أنّه يلزم منه حذف الخبر وجوبًا مع عدم ما يسدّ مسدّه.
وقال الفرّاء (3): كلمة «ما» استفهاميّة، نقل ذلک عن الكوفيّين أيضًا (4)، وما بعدها خبرها، وقوّاها نجم الأئمّة، فقال بعد نقله :
1) . نقله عنه ابن هشام في أوضح المسالک : 184 ؛ والرضيّ في شرح الكافية : 4 / 233 ؛ وينظرأيضًا: معاني القرآن للأخفش: 1 / 166.
2) . نقله عنه ابن هشام في أوضح المسالک : 184 ؛ والرضيّ في شرح الكافية: 4 / 223 ؛وينظر: معاني القرآن للأخفش: 1 / 166.
3) . نقله عنه وعن ابن درستويه نجمُ الأئمّة في شرح الكافية: 4 / 234 ؛ وأبو حيّان فيالارتشاف: 4 / 2065 ؛ والأزهريّ في شرح التصريح: 2 / 59.
4) . نقله عنهم ابن مالک في شرح التسهيل: 2 / 364، والأزهريّ في شرح التصريح: 2 / 59.
وهو قويّ من حيث المعنى؛ لأنّه (1)جهل سبب حسنه (2)فاستفهم عنه (3).
قوله : إن أردت .
لمّا كان ظاهر المتن مفاده ليس على ما ينبغي، أنّ معناه: انطق التعجّب ب- «أفعل» حال كونه بعد «ما»، والتعجّب ليس صالحًا لما وقع عليه النطق، فقال: «إن أردت تعجّبًا».
ثمّ في عبارته أيضًا تسامح؛ إذ ليس النطق ب- «أفعل» عند إرادة التعجّب؛ لأنّه عبارةٌ عن انفعال النفس بما ظهر له من خارق العادة، بل التنطّق بها إنّما يكون عند إرادة إظهار أثر التعجّب. وكيف كان، الأمر في ذلک هيّن.
قوله : وهو خبر بصيغة الأمر.
يعني: أنّ معناه خبر؛ إذ معناه ومعنى «ما أحسن زيدًا» واحد، ولفظه لفظ الأمر؛ إذ على صيغة الأمر في الأفعال.
قوله : فاعل [ له ] (4)مجرور بباء زائدة لازمة .
إنّما جرّ هذا الفاعل مع أنّ الأصل في الفاعل الرفع، وذلک يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، فنقول: إنّ أصل هذه الصيغة الّتي خبرٌ معنًى وأمرٌ لفظًا فعلُ ماض كما قيل على صيغة «أَفعَل» بفتح العين والهمزة فيه للصيرورة، فأصل «أحسن بزيدٍ» :
أحسن زيدٌ، أي: صار ذا حسن، ثمّ غيّرت الصيغة من الماضي إلى الأمر لفظًا، فصار: «أحسن زيدٌ» بالرفع.
ولمّا كان إسناد صيغة الأمر إلى الفاعل الظاهر غير جائز؛ لعدم رفعها الظاهر، وكان هذه الصيغة موافقة معه في الوزن، زيدت الباء في فاعلها ليصير كالمفعول به المجرور، فصارت لازمة لما ذكر.
واستثنى جماعة منهم (1)من التزام الباء للفاعل فيما إذا كان «أن» مع صلتها، كقولک: «أحسن أن يقول»، أي: بأن يقول، على ما هو القياس من حذف حرف الجرّ في «أن»، وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلک، فلم يكن الباء لازمة - كقوله تعالى : ( كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا ) (2)- ؛ إذ يمكن فيه رفع الفعل الفاعل الظاهر.
وإنّما قيّد الباء بكونها زائدة؛ تنبيهًا على أنّها لو لم تكن زائدة إمّا تكون مع مجرورها متعلّقًا بمتعلّق غيرها، فحينئذٍ يكون الظرف جملة، وهي لا تكون فاعلاً كما مرّ في النائب عن الفاعل، فلا تبقى إلّا أن تكون زائدة؛ ولهذا صرّح بها.
ولا يخفى أنّ ما صرّح به من كون هذه الصيغة خبرًا وكون المجرور بعدها فاعلاً، هو ما ذهب إليه سيبويه وابن هشام وغيرهما (3)، خلافًا للمحكيّ عن الفرّاء والزجّاج والزمخشريّ وابن كيسان وابن خروف (4)، حيث صرّحوا بكونها أمرًا
1) . منهم: نجم الأئمّة في شرح الكافية: 4 / 234 ؛ والجاميّ في الفوائد الضيائيّة: 494.
2) . سورة النساء: 79 و 166 ؛ سورة الرعد: 43 ؛ سورة الإسراء: 96 ؛ سورة الفتح: 28.
3) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 4 / 234 ؛ وأوضح المسالک: 184 ؛ وشرح التصريح :2/61.
4) . حكاه عنهم ابن هشام في أوضح المسالک : 185 ؛ والأزهريّ في شرح التصريح: 2 / 61.
لفظًا ومعنًى، وفاعلها ضمير مستتر فيها، والباء بعدها ليست لازمة، بل للتعدية فيما بعدها مفعول به.
ثمّ اختلف هؤلاء، فقال الفرّاء والزجّاج وابن خروف والزمخشريّ (1): الضمير فيها للمخاطب كسائر صيغ الأمر، ثمّ قالوا: إنّما التزم الإفراد والتذكير فيها مع أنّ القياس أن يقال: «أحسني» في المؤنّث، و «أحسنا» في التثنية، و «أحسنوا» في الجمع، وهكذا؛ لأنّ «أفعل» جرى مجرى المثل، والأمثال لا تتغيّر.
وقال ابن كيسان (2): إنّ الضمير فيها للحسن المستفاد من قولک: «أحسن»، كأنّک قلت: «يا حسن أحسن بزيد»، ولذلک كان الضمير مفردًا على كلّ حال؛ لأنّ ضمير المصدر كالمصدر لايثنّى ولا يجمع، فتأمّل.
ونقل عن المصنّف (3)أنّه ردّ هذا القول - أي: كون صيغة «ما أفعل به» أمرًا
حقيقيًّا - بوجوه :
أحدها : أنّه لو كان أمرًا لم يكن الناطق به متعجّبًا، كما لم يكن الآمر بالحلف ونحوه حالفًا، ولا خلاف في كونه متعجّبًا.
1) . نقله عنهم ابن مالک في شرح التسهيل: 2 / 365 ؛ وابن هشام في أوضح المسالک: 185؛وابن الحاجب في الإيضاح في شرح المفصّل : 2 / 103 ؛ والأزهريّ في شرح التصريح :2/61 ؛ وأبو حيّان في الارتشاف: 4 / 2067.
2) . نقله عنه ابن هشام في أوضح المسالک : 185 ؛ والأزهريّ في شرح التصريح: 2 / 61 ؛وأبوحيّان في الارتشاف: 4 / 2067.
3) . نقله عنه في توضيح المقاصد: 2 / 888 ؛ وشرح التصريح: 2 / 62 ؛ وينظر أيضًا: شرحالتسهيل: 2 / 365.
والثاني : أنّه لو كان مسندًا إلى ضمير المخاطب لم يَلِهِ ضمير المخاطب في نحو : «أحسن بک».
وغيرهما.
قوله : مفعولاً.
إعلم : أنّه قد نقل جماعة (1)اتّفاقهم على كون الصيغة المتقدّمة - أي: «أَفْعِلْ بِهِ» - فعلاً، لكن وقع الخلاف في ما بعد «أفعل»، وما ذكره هنا من كون ما بعده منصوبًا على أنّه مفعول يبتني على كونه فعلاً، كما صرّح به المصنّف بعد ذلک، فقال: «وفي كلا الفعلين» إلى آخره.
وهو مذهب الكسائيّ وهشام (2)، بل عن البصريّين (3)حيث قالوا: إنّه فعل
ماض، واستدلّ لذلک بلزومه نون الوقاية مع ياء المتكلّم، نحو: « ما أفقرني إلى رحمة الله تعالى»، فعلى هذا يكون الفتحة في آخره كفتحة «ضَرَبَ» من حيث كونها علامة بناء، لا إعراب.
خلافًا للمحكيّ عن بقيّة الكوفيّين غير الكسائي وهشام (4)، حيث ذهبوا إلى أنّ
1) . منهم: ابن هشام في أوضح المسالک : 184، وشرح قطر الندى: 323 ؛ والأزهريّ في شرحالتصريح: 2 / 60 ؛ وأبو حيّان في الارتشاف: 4 / 2066.
2) . ينظر: شرح الرضيّ على الكافية: 4 / 230 ؛ وشرح قطر الندى : 322 ؛ وأوضح المسالک :184؛ والارتشاف: 4 / 2065.
3) . نقله عنهم نجم الأئمّة في شرح الكافية: 4 / 230 ؛ وينظر أيضًا : الإنصاف: 1 / 104 و106؛وشرح ابن عقيل : 2 / 148 ؛ وشرح الأشمونيّ: 4 / 167 ؛ والتصريح : 2 / 108.
4) . حكاه عنهم الرضيّ في شرح الكافية: 4 / 230 ؛ وابن هشام في شرح قطر الندى: 322 ؛وأوضح المسالک : 184 ؛ والأزهريّ في شرح التصريح: 2 / 59. وينظر أيضًا: الإنصاف: 1 /104 ؛ وشرح ابن عقيل: 2 / 148 ؛ والارتشاف: 4 / 2065.
«أفْعَلَ» اسم، لبناء التصغير منه، كقول العرب: «ما أحيسنه»، ومعلومٌ أنّ التصغير من خواصّ الأسماء، فحينئذٍ يكون معربًا خبرًا عن المبتدأ.
وإنّما لم يرفع مع أنّ الخبر مرفوع، بناءً منهم على أنّ الخبر إنّما يرفع إذا كان متّحدًا مع المبتدأ في المعنى، ك- : «زيد قائم»، و «عمرو كاتب».
وأمّا إذا لم يكن كذلک - كأن يكون الخبر مخالفًا له في المعنى أيضًا - فقياس الخبر حينئذٍ عندهم نصبه، كما تقول: « زَيْدٌ عِنْدَکَ »، والاسم ما بعده منصوب على التشبيه بالمفعوليّة؛ لكونه وصفًا للفعل القاصر كالصفة المشبّهة (1).
وأجيب عن ذلک (2): بأنّ التصغير وإن كان من خواصّ الأسماء، لكن صغّر فعل التعجّب لكونه مشابهًا لها من حيث عدم التصرّف، مع أنّ التصغير فيه شاذّ نادر، لايمكن الاستناد إليه بالحكم على اسميّته.
قوله : ولا يلتبس.
نبّه بذلک على أنّ قول المصنّف: «يَضِح» بالضاد المعجمة من: وضح يضح، لا من الصاد المهملة؛ وذلک لأنّ الضمير في قوله: «معناه» يعود إلى المتعجّب منه، ولا يقال لشيء: إنّ حذفه يجوز إذا صحّ معناه، بل يقال: إذا وضح معناه؛ وذلک لأنّ المحذوف إن وجدت القرينة على تعيينه بكون معناه صحيحًا وواضحًا، وإن لم
توجد فمعناه غير معلوم، لا معلوم وغير صحيح.
قوله : كقوله تعالى : ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) (1).
قال ابن هشام وغيره في هذه الصيغة :
أنّ هذا الحذف إنّما يجوز إذا كان «أفْعِلْ» بكسر العين معطوفًا على آخَرَ مذكورٍ معه مثل ذلک المحذوف كما في الآية؛ إذ عطف فيها أحدهما على آخر، والمحذوف مثل المذكور أيضًا، أي: أبصر بهم (2).
ولا يخفى أنّ هذا من الشارح مع تصريحه قبيل ذلک أنّ مجروره فاعل، تسليمٌ بحذف الفاعل هنا، وهو مناف لما ذكره في مبحث الفاعل حيث قال: «ضابطة (3):
قالوا: لايحذف الفاعل»، ثمّ استثنى صورتين ليس المقام منهما كما نبّهنا هناک، فتأمّل.
وإنّما حذف الفاعل هنا؛ لأنّ استلزامه الجرّ كسى صورة الفضليّة عليه. وعن الفارسيّ وجماعة (4): أنّ الفاعل استتر في الفعل بعد حذف الباء.
وإنّما قدّم هذا المثال على متأخّره مع أنّ المناسب عكس ذلک؛ لكون اللفّ والنشر الرتبتيّ أولى من غيره، تنبيهًا على أشرفيّته؛ لكونه من كلام الله المجيد؛
ولأنّه أقرب من الأدب من عكس ذلک كما لا يخفى.
قوله : و هما نظير (1)ليس و عسى وهب و تعلّم.
أي: «أفعل» نظير: «ليس» و «عسى» في عدم التصرّف وملازمته للماضي، و«أفعل به» نظير: «هب» و «تعلّم» في عدم التصرّف وملازمته لصيغة الأمر.
وإنّما يمنع تصرّفهما؛ لكون كلّ واحد منهما بمنزلة لفظ صار علمًا لمعنى المعاني، والأعلام لا تتغيّر، ولهذا لم يتصرّف في: « نعم » و « بئس » وفي الأمثال.
قوله : بخلاف دحرج، إلى آخره.
إنّما قدّم على غيره من الأمثلة؛ لكونه من الرباعيّ المجرّد، والمجرّد أقرب من غيره.
وإنّما لا يجوز بناء صيغة التعجّب من غير الثلاثيّ؛ لأنّ محافظة جميع الحروف فيه متعذّرة، ومع الحذف لم يعلم أنّه كان ثلاثيًّا بني منه التعجّب، أو غيره، فيفوت المقصود.
قوله : بخلاف نعم و بئس.
وذلک لما قيل (2): من أنّ التصرّف فيما لا يتصرّف نقض لوضعه.
قيل (3):
عدم التصرّف على وجهين :
أحدهما : يكون بخروج الفعل عن طريقة الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان، ك- : «نعم» و «بئس».
والثاني : يكون بمجرّد الاستغناء عن تصرّفه بتصرّف (1)غيره، وإن كان باقيًا على أصله من الدلالة على الحدث والزمان، ك- : «يذر» و «يدع»، حيث استغني عن ماضيهما بماضي « يترک »، وكلا القسمين مراد هنا (2). انتهى.
قوله : بخلاف نحو : مات وفتى (3).
أتى بالمثالين: الأوّل لذي الروح، والثاني لغيره.
إن قلت : لا نسلّم أنّ الموت ممّا لا يقبل الزيادة، نرى بالعيان أنّ موت بعض أصعب من الآخر.
قلت : الموت عبارة عن ذهاب الروح وقطع النفس، وهو لا يقبل الزيادة، وأمّا الشدّة والصعوبة قبل ذلک، فهو وإن كان تختلف بالنظر إلى الأشخاص، لكنّها ليست بموت، بل مقدّمة له.
قوله : بخلاف كان وكاد.
وذلک أمّا على القول بعدم دلالة أفعال الناقصة على الحدث فَوَجْهُ عدم جواز بِناءِ فعل التعجّب منها واضح؛ لدلالته على الحدث، وأمّا على القول بدلالتهما عليه
فقال نجم الأئمّة :
لا منع من ذلک حينئذٍ، لكنّه لم يسمع منهم أن يقال: أكون (1).
قوله : نحو : ما عِجْتُ بالدواء.
أي: ما انتفعت به، والإتيان بالمثالين للتنبيه على أنّ النفي مطلقًا لا يجوز بِنَاء فعل التعجّب منه، سواء كان لازمًا للنفي بأن لم يستعمل في غيره كالمثال الأوّل، أي: «ما عجت بالدواء» من: عاج يعيج، وإمّا [ من ] : عاج يعوج بمعنى: مال يميل، فإنّه ليس كذلک، بل يستعمل في النفي والإثبات كليهما، أو غير ملازم له كالمثال الثاني، أي: «ما ضربت زيدًا»، فإنّک إذا بنيت صيغة التعجّب منهما تقول: «ما أعوجه» و «ما أضربه»، فلا يعلم منهما أنّ أصلهما منفيّ، فليلتبس المقصود بغيره.
قوله : بخلاف ذي الوصف المضاهية .
صحّة العبارة موقوفة على ما ذهب إليه الفرّاء (2)من تجويزه إضافة الصفة
المعرفة باللام إلى المعارف كلّها كما تقدّم، بخلاف مَن لم يجوّز ذلک.
قوله: نحو: سَوَدَ و عَوِرَ.
حيث إنّ الوصف منهما جاء على وزن «أفعل»، تقول: «أسود» و «أعور»، وهو مَن كان له عين واحد في أحد معناه.
إنّما لم يجز بِناء التعجّب من فعل الّذي يكون الوصف منه - أي: اسم الفاعل منه
وهذا الدليل إنّما يتمّ إذا ثبت تقدّم بِناء الوصف من «أفعل» للتفضيل، وقال نجم الأئمّة :
وهو كذلک؛ لأنّ ما يدلّ على مطلق ثبوت الصفة مقدّم [ بالطبع ] (3)على ما يدلّ على الزيادة (4)على الآخر في الصفة، والأولى موافقة الوضع للطبع (5).
أقول : التمثيل ب-: «عَوِرَ» في هذا المقام ليس على ما ينبغي؛ لأنّه يخرج من قوله: «قابلِ فضلٍ»؛ لعدم قبوله ذلک، وكذا ما كان الوصف منه على هذه الصيغة، وهو ممّا لم يقبل الزيادة ك-: «عمى» وهكذا، إلّا أن يصحّح التمثيل بالنظر إلى معانيه الأخر، أو لمجرّد ما كان الوصف منه على وزن «أفعل».
قوله : بخلاف السالک.
وذلک لأنّ التعجّب في المبنيّ للفاعل إنّما هو من حيث الفاعليّة، وفي المبنيّ
للمفعول إنّما هو من حيث المفعوليّة إن جوّز فيه بِناء التعجّب، فيلتبس أحدهما بالأخرى؛ لاتّحاد الصيغة.
هذا هو المفهوم من كلمات جماعة منهم (1)في هذا المقام، وفيه نظر؛ لأنّ مفاده امتناع وقوع الاشتراک في الكلام لجري الدليل فيه، مع أنّ وقوعه ممّا لا يرتاب فيه، فليكن هذا أيضًا من ذاک، ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يمتاز سائر الألفاظ المشتركة أحد معانيها عن غيره، وكذا أكثر تعليلاتهم.
قوله : ما كان ملازمًا لذلک نحو: عُنيتُ بحاجتک.
أي: اهتممت إليها؛ وذلک لما مرّ من أنّ عدم الباعث على عدم بناء التعجّب من المبنيّ للمفعول هو الالتباس، وهو مأمون عنه في هذا المقام؛ لعدم استعماله في الفاعل كما هو المفروض.
**
[ إلى هنا ما عثرنا عليه من النسخ الخطّيّة ]
1) . ينظر: شرح الألفية لابن الناظم: 179؛ وشرح التسهيل: 2 / 376 ؛ وشرح الرضيّ علىالكافية: 3 / 449 ؛ وهمع الهوامع: 3 / 316؛ وشرح التصريح: 2 / 72.
« حرف الهمزة »
الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين أبي بكر السيوطي (ت 910)، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، 1416 ه .
أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة، لمحمّد مهدي الموسوي الاصفهاني الكاظميني، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1388 ه .
ارتشَافُ الضَّرَب من لسان العرب، لأبيحيّان الأندلسي (ت 745)، تحقيق و. رجب عثمان محمّد، مكتبة الخانجي بالقاهرة، المؤسّسة السعوديّة بمصر، 1418 ه .
الاستبصار فيما اختلف منالأخبار، لشيخ الطائفة محمّد بنالحسن الطوسي (ت460) تحقيق السيّد حسن الخرسان، دارالكتب الإسلاميّة تهران، 1363 .
الأعلام، لخير الدين الزركلي (ت 1410)، دار العلم للملايين، بيروت، 1980 م.
أعيان الشيعة، للسيّد محسن الأمين (ت 1371)، تحقيق حسن الأمين، دارالمعارف، بيروت، 1403 ه .
الأمالي، لأبي عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر ابن الحاجب المالكي (570 - 646) تحقيق الدكتور فخر صالح سليمان قداره، دار الجيل، بيروت - دار عمّان، الأردن.
الأمالي، لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460)، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة، دار الثقافة، قم، 1414 ه .
الأمالي الشجرية، لابن الشجري هبة الله بن علي (ت 542)، بيروت، بدون تاريخ .
إملاء ما منّ به الرّحمن، لأبي البقاء عبدالله بن الحسين العكبري (538 - 616)، دارالكتب العلمية، بيروت، 1399 .
الأنساب، لأبي سعد عبدالكريم بن محمّد بن منصور التميمي السمعاني (ت 562)، مصر، سنة 1369 ه .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويّين : البصريّين والكوفيّين، تأليف عبدالرّحمن ابن محمّد بن أبي سعيد الأنباري (513 - 577)، تحقيق محمّد محيىالدين عبدالحميد، مؤسّسة دار الحجّة، قم، 1428 ه .
أنوار التنزيل و أسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، لناصر الدّين أبي الخير عبدالله بن عمر البيضاوي (ت 685)، مؤسّسة شعبان للنشر والتوزيع، بيروت، 1330 .
أوضح المسالک إلى ألفيّة ابن مالک، لابن هشام (عبدالله جمال الدين بن يوسف) الأنصاري (ت 761)، تحقيق محمّد محيى الدين عبدالحميد، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1980 .
الإيضاح في شرح المفصّل للزمخشري، لأبي عمرو عثمان بن عمر ابن الحاجب المالكي ( 570 - 646 )، تحقيق محمّد عثمان، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2011 م .
« حرف الباء »
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، للعلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي (1037 - 1110)، مؤسّسة الوفاء، بيروت، 1403 ه .
البداية والنهاية، للحافظ اسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774)، تحقيق علي شيري، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1408 ه .
البسيط في شرح الكافية، لركن الدين الحسن بن محمّد بن شرف شاه الأسترابادي (ت 715) تحقيقالدكتور حازم سليمان الحلّي، المكتبة الأدبيّة المختصّة، قم، 1427ه .
بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين، للإمام السيّد عبدالحسين شرف الدين الموسوي (ت 1377)، المطبوعة ضمن : « موسوعة الإمام السيّد عبدالحسين شرف الدين »، تحقيق مركز العلوم والثقافة الإسلاميّة، دارالمؤرّخ العربي، بيروت، 1431 ه .
البهجة المرضيّة في شرح الألفية، لجلال الدين أبي بكر السيوطي (ت 910)، تحقيق ونشر مؤسّسة دار الهجرة، قم، 1419 ه .
بيان المفاخر، للسيّد مصلح الدّين المهدوي، مكتبة مسجدالسيّد، اصفهان، 1368ش.
« حرف التاء »
تاج العروس من جواهر القاموس، لمحبّ الدين أبي فيض السيّد محمّد مرتضى الحسيني الزبيدي (ت 1205)، تحقيق على شيري، دارالفكر، بيروت، 1414ه .
تاريخ اصفهان، ميرزا حسن خان جابرى، مشعل، اصفهان، 1378 .
تاريخ اصفهان و رى و همه جهان، ميرزا حسن خان جابرى، 1321 .
تاريخ اصفهان (مجلّد ابنيه و عمارات)، جلال الدين همايى، نشر هما، 1381 ش .
تاريخ روضة الصفاى ناصرى، رضا قلى خان هدايت، اساطير، تهران، 1385 ش .
تاريخ زنجان ( علماء ودانشمندان )، سيّد ابراهيم زنجانى موسوى، تهران، 1352.
التبيان في تفسير القرآن، لشيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460)، تحقيق احمد حبيب قصير العاملي، مكتب الاعلام الاسلامي، قم، 1409 ه .
تحفة الغريب في شرح مغني اللبيب، لمحمّد بن أبي بكر بن عمر المخزومي القرشي بدر الدين المعروف بابن الدماميني (763 - 827 ه )، المطبوع بهامش: المنصف من الكلام للشُمُنّي، مكتبة الحوزة لنشر أدب الحوزة، بدون تاريخ .
تذكرة القبور، للشيخ عبدالكريم الجزي، مكتبة آية الله المرعشي، قم، 1371ش.
تذكره مآثر الباقريّة، ميرزا محمّد على زوّارهاى، تحقيق دكتر حسين مسجدى، سازمان تفريحى فرهنگى شهردارى، اصفهان، 1385 ش .
تفسير البيضاويّ أنوار التنزيل و أسرار التأويل
تفسير جوامع الجامع، لأبي علي أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي (ت548)، تحقيق ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1418 ه .
تفسير الصافي، لملّا محسن الكاشاني، مكتبة الصدر، تهران، 1416 ه . تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن
تفسير القمّي، علىّ بن ابراهيم القمّي، مؤسّسة دار الكتب، قم، 1404 ه .
التفسير الكبير، لفخر الدين محمّد بن عمر بن الحسين الرازي (544 - 606)، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ .
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام، تحقيق ونشر مدرسة الإمام
المهدي، قم، 1409 ه .
تكملة أمل الآمل، للسيّد حسن الصدر الكاظميني، تحقيق حسين على محفوظ وعبدالكريم وعدنان الدبّاغ، دار المؤرخ العربي، بيروت، 1429 ه .
تمرين الطلّاب في صناعة الإعراب، للشيخ خالد بن عبدالله الأزهري، راجعه عزيز إيغزيْر، المكتبة العصريّة، بيروت، 1425 ه .
تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ( شرح شواهد الكشّاف )، لمحبّ الدين الأفنديّ ( ت 1016 ه )، شركة مكتبة و مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، 1387 ه .
تهذيب اللغة، لأبي منصور محمّد بن أحمد الأزهري (282 - 370)، تحقيق عبدالسلام هارون، دار الصادق للطباعة والنشر، بدون تاريخ .
التوحيد، للشيخ أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (ت 381)، تحقيق السيّد هاشم الحسيني الطهراني، منشورات جماعة المدرّسين، قم .
توضيح المقاصد والمسالک بشرح ألفيّة ابن مالک، أبو محمّد بدر الدين حسن بن قاسم المراديّ المصريّ المالكيّ ( المتوفّى 749 ه )، تحقيق عبدالرحمن عليّ سليمان، دار الفكر العربيّ، 1428 ه .
« حرف الجيم »
جامع الشواهد، لمولى محمّد باقر بن علي رضا الشريف الأردكاني (ق 13)، منشورات الفيروزآبادي، قم، 1425 ه
الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، لأبي عبدالله محمّد بن أحمد الأنصاري
القرطبي(ت 671)، مؤسّسة التاريخ العربي، دارإحياء التراث العربي، بيروت، 1405 ه .
الجمل في النحو، للخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 175 ه )، انتشارات استقلال، مطبعة الأمير .
جمهرة الأمثال، للعسكري، ضبطه د. أحمد عبدالسلام، بيروت، 1408 ه .
« حرف الحاء »
حاشية الدسوقي على مغني اللبيب، للشيخ مصطفى محمّد عرفه الدسوقي، ملتزم الطبع والنشر عبدالحميد احمد حنفي، مكتبة الشفيعي، اصفهان، بدون تاريخ.
حاشية الصبان على شرح الأشمونيّ على ألفيّة ابن مالک، ومعه شرح الشواهد للعيني، القاهرة، بدون تاريخ .
الحاشية على البهجة المرضيّة، لميرزا أبي طالب الاصفهاني (ت 1237)، الطبع الحجري، ايران، 1290 ه .
الحاشية على الكشّاف، للسيّد الشريف علي بن محمّد الحسيني الجرجاني (ت531)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، 1385 - 1966 م.
الحدائق النديّة في شرح الصمديّة، للسيّد عليخان المدني الحسيني الشيرازي(ت 1120)، من منشورات دار الهجرة، قم، بدون تاريخ .
« حرف الخاء »
« حرف الدال »
دانشمندان وبزرگان اصفهان، سيّد مصلح الدين مهدوي، نشر گلدسته، اصفهان، 1384ش.
الدرر اللوامع على همع الهوامع، للشنقيطي، القاهرة، 1328 ه .
الدرّ النظيم، للشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم العاملي (ت 664)، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، بدون تاريخ .
ديوان الأخطل، نشر أنطون صالحاني، بيروت، 1891 م .
ديوان حُمَيْد بن ثَوْر الهلالي، صنعه الاستاذ عبدالعزيز الميمني، القاهرة، 1371ه .
ديوان رؤبة، عنى بتصحيحه وليم بن الورد، بغداد، 1903 م .
ديوان زيد الخيل، صنعه د. نوري حمودي القيسي، 1968 م .
ديوان طرفة بن العبد بشرح الأعلم الشنتمري، تحقيق درية الخطيب ولطفى الصقال، دمشق 1395 ه 1975 م .
ديوان طَرَفَة، شرحه وقدّم له مهدى محمّد ناصر الدين، بيروت، 1987 م 1407 ه .
« حرف الذال »
« حرف الراء »
رسائل الشهيد الثاني : الشيخ زين الدين بن عليّ العاملي (ت 965)، تحقيق رضا المختاري، بوستان كتاب قم، 1422 ه .
روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات، للسيّد محمّد باقر الموسوي الچهارسوقي، مؤسّسة اسماعيليان، قم، 1390 ه .
الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الثاني زين الدّين بن علىّ العاملي (911 - 965)، منشورات جامعة النجف الدينيّة، قم، 1410 ه .
الروضة البهية في الطرق الشفيعية، للسيّد محمّد شفيع بن علي اكبر الجاپلقي البروجردي (ت 1280 ه )، الطبع الحجري، تهران .
رياض السالكين في شرح صحيفة سيّدالساجدين 7، للسيّد عليخان الشيرازي المدني(ت1120) تحقيق السيّد محسن الأميني، مؤسّسة النشرالاسلامي، قم، 1415ه .
ريحانة الأدب، لميرزا محمّد على المدرّس، خيام، تهران، الطبعة الثانية .
« حرف السين »
سرّ صناعة الإعراب، لأبي الفتح عثمان بن جنّي (ت 392)، تحقيق د. حسن هنداوي، دمشق، 1405 ه .
سنن الترمذي، لأبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي (209 - 279)، تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، دار الفكر، بيروت، 1403 ه .
السنن الكبرى ( سنن البيهقي )، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (384 - 458) نشر دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ .
سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي (ت 303)، بشرح الحافظ جلال الدّين
السيوطي وحاشية السندي، دار الفكر، بيروت، 1348 .
سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748)، تحقيق حسين الأسد، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1413 ه .
السيرة النبويّة، لابن هشام الحميري، تحقيق محمّد محيى الدين عبدالحميد، مكتبة محمّد علي صبيح، مصر، 1383 .
« حرف الشين »
شرح الأشموني على ألفيّة ابن مالک المسمّى: منهج السالک إلى ألفية ابن مالک، للأشموني (عليّ بن محمّد)، تحقيق محمّد محيى الدين عبدالحميد، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة، 1955 م .
شرح ألفية ابن مالک، لابن الناظم محمّد بن محمّد بن مالک الطائي الجياني، تحقيق محمّد بن سليم اللبابيدي البيروتي، نشر ناصر خسرو، تهران، بدون تاريخ .
شرح الألفية، لبهاء الدين عبدالله بن عقيل العقيلي الهمداني (698 - 769)، تحقيق محمّد محيى الدين عبدالحميد، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، 1384 - 1964م.
شرح الألفية، لعبدالرّحمن بن علي بن صالح المكودي (ت 807)، 1301 ه .
شرح التسهيل (تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد)، لجمال الدين محمّد بن مالک الجياني الأندلسي (ت 672)، تحقيق محمّد عبدالقادر عطا وطارق فتحى السيّد، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2009 م.
شرح التصريح على التوضيح أو التصريح بمضمون التوضيح، للشيخ خالد بن عبدالله الأزهري ( ت 950 )، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1421 ه .
شرح جمل الزجاجي، لابن عصفور، تحقيق صاحب أبو جناح، العراق، 1402 ه .
شرح ديوان جرير، شرحه وقدّم له مهدي محمّد ناصر الدين، بيروت، 1406 ه .
شرح ديوان الفرزدق، عنى بجمعه عبدالله اسماعيل الصاوي، 1354 ه .
شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري، تحقيق د. احسان عبّاس، الكويت، 1962 م.
شرح شافية ابن الحاجب، لنجم الأئمّة الشيخ رضي الدين محمّد بن الحسن الأسترآبادي (ت 686) تحقيق جمع من المحقّقين، دارالكتب العلميّة، بيروت، 1395.
شرح شذور الذهب، لابن هشام الأنصاري المصري (ت 761)، تحقيق عبدالغني الدقر، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1984 م.
شرح قطر الندى وبلّ الصدى، لابن هشام عبدالله جمال الدين بن يوسف الأنصاري (ت 761)، تحقيق محمّد محيى الدين عبدالحميد، نشر سيّد الشهداء، قم، 1379 ش.
شرح كافية ابن الحاجب، لنجم الأئمّة الشيخ رضي الدين محمّد بن الحسن الأسترآبادي (ت 686)، تحقيق يوسف حسن عمر، مؤسّسة الصادق، تهران، 1395 ه .
شرح الكافية الشافية، لجمال الدين محمّد بن مالک الجياني الأندلسي (ت 672)، تحقيق د. عبدالمنعم أحمد هريدى، مكّة المكرّمة، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
شرح اللمع، لابن بَرْهَان العكبريّ، حقّقه د. فائز فارس، 1405 ه .
شرح المطوّل، لسعد الدين التفتازاني (ت 792)، وبهامشه حاشية السيّد الشريف، منشورات مكتبة الداوري، قم، 1424 ه .
شرح المفصّل، لموفّق الدين يعيش بن علي بن يعيش (ت 643)، بيروت .
شفاء العليل في إيضاح التسهيل، للسلسبيلي، تحقيق د. الشريف عبدالله علي
الحسيني، مكّة المكرّمة، 1406 ه 1986 م .
« حرف الصاد »
الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربيّة)، لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت 393)، تحقيق أحمد بن عبدالغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، 1407 ه .
صحيح البخاري، لأبي عبدالله بن إسماعيل البخاري (194 - 256)، دار الفكر، بيروت، 1401 ه .
صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (206 - 261) تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، دار الفكر، بيروت، 1398 .
الصحيفة السجّادية الكاملة، للإمام زين العابدين عليه السلام، تحقيق السيّد محمّد باقر الموحّد الأبطحي، مؤسّسة الامام المهدي (ع)، قم، 1411 ه .
« حرف الضاد »
الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر، للالوسي، تحقيق محمود شكرى، المطبعة السلفية بمصر، 1341 .
ضياء الأبصار في ترجمة علماء خوانسار، سيّد مهدي ابن الرضا، انصاريان، قم، 1424ه .
« حرف الطاء »
الطبقات الكبرى، لمحمّد بن سعد (ت 230)، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ .
طرائف المقال، للسيّد علي البروجردي، مكتبة آية الله المرعشي، قم، 1410ه .
الطليعة من شعراء الشيعة، للشيخ محمّد السماوي (1292 - 1370 ه )، تحقيق كامل سلمان الجبوري، دار المؤرّخ العربي، بيروت، 1422 ه .
« حرف العين »
العمدة، ليحيى بن الحسن الأسدي الحلّي المعروف بابن البطريق (533 - 600)، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1407 ه .
عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، لجمال الدّين أحمد بن علي الحسيني المعروف بابن عنبة (ت 828)، تحقيق محمّد حسن آل الطالقاني، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1380 .
« حرف الفاء »
الفائق في غريب الحديث، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (467 - 538)، تحقيق محمّد أبوالفضل إبراهيم وعلي محمّد البجاوي، دارالفكر، بيروت .
الفروق اللغويّة، لأبي هلال العسكري (ن 395)، تحقيق ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1412 ه .
الفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة، للشيخ محمّد حسين بن عبدالرحيم الحائري (ت 1250)، دار احياء العلوم الإسلاميّة، قم، 1404 ه .
الفهرست، لأبي الفرج محمّد بن أبي يعقوب البغدادي المعروف بابن النديم (ت 438)، تحقيق رضا تجدد، بدون تاريخ .
الفهرست، لأبي جعفر محمّد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (385 - 460)، تحقيق الشيخ جواد القيومي، مؤسسة نشر الفقاهة، قم، 1417 ه .
فهرست نسخه هاى خطّى كتابخانه آية الله گلپايگانى، سيّد احمد حسينى، خيام، قم، 1357ش .
فهرست نسخه هاى خطّى كتابخانه آية الله مرعشى نجفى، سيّد احمد حسينى، كتابخانه آية الله مرعشى، قم، 1395 ه .
فهرست نسخه هاى خطّى كتابخانه جامع گوهرشاد، محمود فاضل، كتابخانه جامع گوهرشاد، مشهد، 1363 ش .
فهرست نسخه هاى خطّى كتابخانه مجلس شوراى اسلامى، نشر كتابخانه مجلس شوراى اسلامى، تهران، 1305 تا 1377 .
فهرست نسخه هاى خطّى مركز احياء ميراث اسلامى، سيّد احمد حسينى، قم، 1419 ه .
فهرست نسخه هاى خطّى كتابخانه مسجد اعظم، رضا استادى، كتابخانه مسجد اعظم، قم، 1365 ش .
الفوائد الضيائيّة (شرح كافية ابن الحاجب)، لعبدالرّحمن بن أحمد نورالدّين الجامي (ت 898)، تحقيق رضا اليوسف آبادي، أبوالحسن قاسم فام، علي الميبدي، مكتبة النهاوندي، قم، 1388 ش .
فيض القدير شرح الجامع الصغير، لمحمّد عبدالرؤوف المناوي (ت 1031)، تحقيق أحمد عبدالسلام، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 ه .
« حرف القاف »
القاموس المحيط، لأبي طاهر مجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي (729 - 817)، دار العلم، بيروت، 1306 .
قصص العلماء، ميرزا محمّد بن سليمان تنكابنى، انتشارات علميّه اسلاميّه، تهران .
« حرف الكاف »
الكامل في التاريخ، لأبي السعادات مجد الدّين المبارک بن محمّد بن محمّد المعروف بابن الأثير الجزري (544 - 606)، دار صادر، بيروت، 1386 .
الكتاب لسيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ( ت 180 ه )، طبعة بولاق، 1316 ه .
كتاب سيبويه، تحقيق عبدالسلام هارون، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1983م.
كتاب العين، لأبي عبدالرّحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 - 175)، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي و ابراهيم السامرائي، مؤسّسة دارالهجرة، قم، 1409 ه .
كتاب الكلّيات، لأبي البقاء أيّوب بن موسى الحسيني الكفومي، تحقيق عدنان درويش - محمّد المصري، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1419 ه .
الكرام البررة، للشيخ آقا بزرگ الطهراني (ت 1389)، دارالمرتضى مشهد، 1404 ه .
الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (467 - 538)، دارالكتب العربي ، بيروت، 1366.
كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، لعلاء الدين علي المتّقي بن حسام الدين الهندي (ت 975)، تحقيق الشيخ بكري حياني، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1409 ه .
كنز الفوائد، لأبي الفتح محمّد بن علي الكراجكي (ت 449)، الطبع الحجري، مكتبة المصطفوي، قم، 1369 ش .
الكنى والألقاب، للشيخ عبّاس القمّي، مكتبة الصدر، تهران، 1409 ه .
« حرف اللام »
لسان العرب، لجمال الدّين محمّد بن مكرم بن منظور المصري (630 - 711)، نشر أدب الحوزة، قم، 1405 ه .
اللباب في علل البناء والإعراب، لأبي البقاء محبّ الدين عبدالله بن الحسين بن عبدالله (538 - 616)، تحقيق غازى مختار طليمات، دار الفكر، دمشق، 1995 م .
اللمع في العربية، لأبي الفتح عثمان بن جنّي (ت 392)، تحقيق د. حسين محمّد محمّد شرف، القاهرة، 1399 ه .
« حرف الميم »
ماضي النجف وحاضرها، للشيخ جعفر الشيخ باقر آل محبوبة، تحقيق محمّد سعيد آل محبوبه، دار الاضواء، بيروت، 1430 ه .
مجمع البحرين و مطلع النيّرين، للشيخ فخر الدّين محمّد الطريحي (ت 1085)، تحقيق السيّد أحمد الحسيني، مكتبة نشر الثقافة الإسلامية، 1408 ه .
مجمع البيان في تفسير القرآن، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548)، تحقيق لجنة من العلماء والمحقّقين الأخصائيين، مؤسّسة الأعلمي، بيروت، 1415 ه .
المجموع (شرح المهذب)، لمحيى الدين بن شرف النووي (ت 676)، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ .
المحاسن، لأحمد بن محمّد بن خالد البرقي، دار الكتب الاسلامية، تهران، 1370 ه .
المحصول، لفخر الدين محمّد بن عمر بن الحسين الرازي (544 - 606)، تحقيق دكتور طه جابر فيّاض العلواني، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1412 ه .
مختصر المعاني، لسعد الدين التفتازاني (ت 792)، دار الفكر، قم، 1411 ه .
مرآة الكتب، ثقة الإسلام التبريزي، مكتبة آية الله المرعشي، قم، 1414 ه .
المساعد على تسهيل الفوائد، شرح ابن عقيل على كتاب التسهيل لابن مالک، تحقيق محمّد كامل بركات، دار المدني، 1984 م 1405 ه
مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، للحاج الميرزا حسين المحدّث النوري الطبرسي (1254 - 1320)، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت، قم، 1408 ه .
مسند أحمد، لأحمد بن محمّد بن حنبل أبي عبدالله الشيباني (164 - 241)، دارصادر، بيروت، و بهامشه: منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال.
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأحمد بن محمّد بن علي المقري الفيّومي (ت 770)، منشورات دار الهجرة، قم، 1405 ه .
مطالع الأنوار، للحاج السيّد محمّد باقر الشفتي المعروف بحجّة الإسلام (1180 - 1260 )، طبع الافست، مكتبة مسجد السيّد، نشاط، اصفهان 1366، و 1409 ه .
معارج الأصول، للشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي (602 - 676)، تحقيق محمّد حسين الرضوي، مؤسّسة آل البيت، قم، 1403 ه .
المعارف، لابن قتيبة ( 376 ه )، تحقيق دكتور ثروت عكاشة، دارالمعارف، القاهرة.
معاني القرآن، للأخفش، تحقيق د. هدى محمود قراعة، القاهرة، 1411 ه .
معاني القرآن، للفرّاء، تحقيق د. عبدالفتاح شلبي، الهيئة المصرية، 1972 م.
معجم البلدان، للحموي (ت 626 ه )، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1399 .
معجم قبائل العرب، لعمر رضا كحالة، دار العلم للملايين، بيروت، 1388 .
المعجم الكبير، للطبراني (ت 360)، تحقيق حمدي عبدالمجيد السلفي، دار احياء التراث العربي، بيروت .
معجم المؤلّفين، عمر رضا كحالة، دار احياء التراث، بيروت .
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام عبدالله جمال الدين بن يوسف الأنصاري المصري (ت 761)، تحقيق محمّد محيى الدين عبدالحميد، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، 1404 ه .
مفتاح العلوم، لأبي يعقوب يوسف بن محمّد بن علي السكّاكي (ت 626)، تحقيق الدكتور عبدالحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1420 ه .
المفصّل في صنعة الإعراب، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت 538)، تحقيق الدكتور اميل بديع يعقوب، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1420ه .
المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، محمود بن أحمد العيني، مطبوع مع خزانة الأدب، دار صادر، لا ط، لا ت .
المقتصد في شرح الإيضاح، لعبد القاهر الجرجاني، تحقيق د. كاظم بحر المرجان، بغداد، 1982 م .
المقتضب، للمبرّد، تحقيق محمّد عبدالخالق عضيمة، القاهرة، 1399 ه .
مكارم الآثار، محمّد علي المعلّم حبيب آبادي (ت 1396)، انجمن كتابخانه هاى عمومى اصفهان، 1377 - 1382 .
المنصف من الكلام على مغني ابن هشام، لتقي الدين أحمد بن محمّد الشمنّي القسنطيني الاسكندري (801 - 872 ه ) مكتبة الحوزة لنشر أدب الحوزة، بدون تاريخ.
ميراث حوزه اصفهان، دفتر سوم و چهارم، مركز تحقيقات رايانه اى حوزه علميّه اصفهان، 1386 ش .
« حرف النون »
نقباء البشر في القرن الرابع عشر، للشيخ آقا بزرگ الطهراني (ت 1389)، دار المرتضى، مشهد، 1404 ه .
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير الجزري (544 - 606)، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمّد الطناحي، مؤسّسة إسماعيليان، قم، 1364 ش .
نهج البلاغة، وهو ما جمعه السيّد الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين 7، تحقيق وشرح الشيخ محمّد عبده، دار الذخائر، قم، ايران، 1412 ه .
« حرف الهاء »
هداية العارفين، اسماعيل پاشا البغدادي، استامبول، 1951 - 1955 م.
همع الهوامع شرح جمع الجوامع في علم العربيّة، للسيوطي عبدالرحمن بن أبي بكر (ت 910 ه )، تحقيق عبدالعال سالم مكرم 1980 م - 1400 ه .
« حرف الواو »
الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبک الصفدي، باعتناء عدّة محقّقين، نشر فرانز شتايز بفيسبادن، ط 1، 1981 م .
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان (ت 611)، تحقيق احسان عبّاس، دارالثقافة، بيروت، بدون تاريخ .
دليل الكتاب 5
تصدير 7
نماذج من النسخ المخطوطة 11
متن البهجة المرضيّة 25
باب : الابتداء / 37
متن البهجة المرضيّة 57
باب : نواسخ الابتداء
الأوّل من النواسخ : كان وأخواتها / 65
في حذف « كان » مع اسمها 74
في جواز حذف نون في مضارع « كان » 77
متن البهجة المرضيّة 81
الثاني من النواسخ: ما ولا ولات وإن المشبّهات بليس / 85
في عمل « ما » المشابهة ب- «ليس» 85
في تقديم معمول خبر « ما » إذا كان ظرفًا أو مجرورًا 87
في جرّ الخبر بعد « ما » و « ليس » 90
في بيان أنّ زيادة الباء في الخبر ليس موقوفًا على القول بعامليّة « ما » 91
ذكر شرط جواز العطف على اللفظ 92
ذكر شرط جواز العطف على المحلّ 93
نقل الأقوال في حقيقة « لات » 97
متن البهجة المرضيّة 99
الثالث من النواسخ : أفعال المقاربة / 103
متن البهجة المرضيّة 113
الرابع من النواسخ : إنّ وأخواتها / 121
المواضع الّتي يفتح فيها همزة « انّ » وجوبًا 125
المواضع الّتي يكسر فيها همزة « انّ » وجوبًا 129
المواضع الّتي يجوز فيها فتح همزة « انّ » وكسرها 137
جواز دخول لام الابتداء على خبر « إنّ » 143
تعريف ضمير الفصل وتسميته 149
ما يشترط فيما قبل ضمير الفصل 153
ما يشترط فيما بعد ضمير الفصل 154
الكلام في ضمير الفصل 157
المقام الأوّل : في ما يشترط في ضمير الفصل نفسه 157
المقام الثاني : في فائدة ضمير الفصل 158
الفائدة الأولى: كونه فارقًا بين الصفة والخبر 158
الفائدة الثانية: التأكيد 159
الفائدة الثالثة: الحصر 159
المقام الثالث : في أنّه هل له محلّ من الإعراب، أم لا ؟ 160
تتميم : في أنّه متى تعيّن الحكم بفصليّة الصيغة 163
ذكر الاحتمالات في حديث : « كلّ مولود يولد على الفطرة » 165
عدم جواز العطف بالرفع قبل مضيّ الخبر 169
الاستدلال في جواز العطف بالرفع قبل مضىّ الخبر 172
والجواب عن الاستدلال بالآية في جواز العطف بالرفع قبل مضيّ الخبر 173
الجواب عن الاستدلال بالمثال 175
متن البهجة المرضيّة 195
الخامس من النواسخ : لا الّتي لنفي الجنس / 201
وجوه مخالفة « لا » النافية للجنس مع « إنّ » 209
متن البهجة المرضيّة 215
السادس من النواسخ : ظنّ وأخواتها / 223
متن البهجة المرضيّة 231
فصل: في أعلم وأرى وما جرى مجراهما / 235
متن البهجة المرضيّة 237
باب : الفاعل وفيه المفعول به / 245
متن البهجة المرضيّة 259
باب : النائب عن الفاعل إذا حذف / 265
متن البهجة المرضيّة 273
باب : اشتغال العامل عن المعمول / 275
متن البهجة المرضيّة 277
الاستثناء / 283
المستثنى المتّصل والمنقطع 284
تعريف المستثنى المتّصل والمنقطع 285
تقرير التناقض الوارد في الاستثناء مع الجواب عنه 286
الجواب عن الإشكال 287
المستثنى الواجب نصبه 290
ذكر الأقوال في ناصب المستثنى الواجب نصبه 292
إبليس من الملائكة، أم لا ؟ 295
الشروط المعتبرة في كون الإبدال في المستثنى مختارًا 297
المستثنى المتّصل بعد النفي يختار فيه البدل 299
عدم اشتراط الضمير في بدل البعض 300
إذا تعذّر البدل على اللفظ أبدل على المحلّ 306
المستثنى المنقطع الواقع بعد غير الموجب 309
حكم المستثنى إذا قدّم على صفة المستثنى منه 313
المستثنى لايجوز تقدّمه على المنسوب إلى المستثنى والمستثنى منه معًا 314
حكم « إلّا » إذا وقعت مكرّرة 317
حكم « إلّا » إذا كرّرت للتأسيس 319
اختلافهم في المستثنى المتّصل يمكن استثناء بعضها من بعض 324
المستثنى ب- «غير» 329
إعراب «غير» كإعراب المستثنى ب- «إلّا» 330
أصل «غير» 332
ذكر الشروط المعتبرة لإقامة «إلّا» مقام «غير» 333
القول في «سوى» 341
الأقوال الثلاثة في «سوى» 345
الكلام في ما يعد عليه اسم «ليس» في الاستثناء 347
« ما » المصدريّة تدخل على الفعليّة أيضًا 350
متن البهجة المرضيّة 357
باب : الحال / 367
بيان أقسام الحال 406
انقسام الحال بحسب التبيين والتوكيد 408
الحال المؤكّدة للجملة 408
العامل في الحال المؤكّدة للجملة ما هو ؟ 410
يشترط في الجملة الحاليّة خلوّها من علامة الاستقبال 413
يجب كون الجملة الحاليّة خبريّة 414
لا تقع الجملة الشرطيّة حالاً 416
في بيان ما يكون ربطه بالضمير فقط 418
الأوّل: المضارع المثبت بغير «قد» 418
الثاني: المضارع المنفيّ ب- «لا» 419
الثالث: المضارع المنفيّ ب- «ما» 419
الرابع: الماضي التالي ب- «إلّا» 420
الخامس: الماضي المتلوّ ب- «أو» 420
وجوب حذف عامل الحال إذا ناب مناب الخبر 435
«فصاعدًا» في مثل: «تصدّق بدينار فصاعدًا» حال 438
متن البهجة المرضيّة 443
باب : التمييز / 447
التمييز على قسمين 447
العدد على قسمين 457
التمييزُ في العدد الصريح مفردٌ 457
تمييز «كم» الخبريّة من العدد المكنّى يجب فيه الإفراد 458
تمييز «كم» الخبريّة يجوز فيه الإفراد وغيره 458
تمييز العدد جرّه غيرُ جائز 458
ما اشترک فيه الحال والتمييز وما افترقا 475
بيان الفروق بين الحال والتمييز 475
التمييز مبيّن للذات 476
في قولهم: «التمييز يرفع الإبهام عن النسبة» مسامحة 477
متن البهجة المرضيّة 479
باب حروف الجرّ / 481
المقام الأوّل : اللغات في « ربّ » 486
المقام الثاني : في أنّ « ربّ » اسم أو حرف 487
المقام الثالث : في أنّ وضع « ربّ » لأيّ شيء هو ؟ 490
المقام الرابع : يشترط في مدخول « ربّ » التنكير 492
المقام الخامس : في أنّ « ربّ » جوابٌ لكلام ظاهر، أو مقدّر؟ 494
متن البهجة المرضيّة 499
فصل : في معاني حروف الجرّ / 503
«مِن» التبعيضيّة 503
«مِن» البيانيّة 504
سائر معاني « مِنْ » 514
هل يكون ما بعد «حتّى» داخلاً في حكم ما قبلها؟ 516
وجوه الفرق بين «حتّى» و «إلى» 517
معاني «إلى» 519
لام الاستغاثة زائدة 525
معاني اللام 527
اللام بمعنى «إلى» 527
اللام بمعنى «على» 528
اللام بمعنى «في» 528
اللام بمعنى البَعْد 529
اللام بمعنى «عن» 529
واللام بمعنى القسم 529
تعدية الفعل القاصر إلى المفعول غير مختصّ بالباء، بل يمكن بجميع حروف الجرّ 530
الفرق بين التعويض والبدل 531
الإلصاق على قسمين 532
مواضع زيادة الباء 533
«على» يجيء للتعليل 536
«على» بمعنى «مِن» 536
«على» بمعنى الباء 537
«على» للاستدراک 537
الكاف في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) ليست بزائدة 541
أوجه التركيب الّذي فاتوا في: «نحن كما أنت عليه» 545
«مذ» و «منذ» 550
أصل «مذ» : «منذ» 551
متن البهجة المرضيّة 555
باب : الإضافة / 567
الكلام في: «أىّ» 590
لا يفصل بين المضاف والمضاف إليه بشيء إلّا في ثلاثة مواضع 607
متن البهجة المرضيّة 611
فصل : في المضاف إلى ياء المتكلّم / 613
كسر آخر المضاف إلى الياء 613
المراد من المعتلّ في المقام 614
بيان الأصل في الياء الحركة 615
في بيان سرّ سكون آخر المضاف 616
متن البهجة المرضيّة 623
باب : إعمال المصدر / 627
متن البهجة المرضيّة 643
باب : إعمال اسم الفاعل / 645
متن البهجة المرضيّة 657
باب : إعمال صيغ المبالغة / 661
متن البهجة المرضيّة 665
باب : أبنية المصادر / 669
متن البهجة المرضيّة 675
باب : أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبّهة بها، وفيه: أبنية أسماء المفعولين / 679
متن البهجة المرضيّة 683
باب : إعمال الصفة المشبّهة باسم الفاعل / 687
متن البهجة المرضيّة 705
باب : التعجّب / 707
فهرس المصادر 721
فهرس المحتويات 739
**