تهذیب شرح نهج البلاغه لابن ابی الحدید المعتزلی جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : ابن ابي الحديد، عبدالحميد بن هبةالله، ۵۸۶ - ۶۵۵ق.

عنوان قراردادي : شرح نهج‌البلاغه .برگزيده

نهج‌البلاغه. شرح

عنوان و نام پديدآور : تهذيب شرح نهج‌البلاغه لابن‌ابي‌الحديد المعتزلي/ عبدالهادي الشريفي.

مشخصات نشر : قم: موسسه علمي‌فرهنگي دارالحديث، سازمان چاپ و نشر، ۱۴۲۶ق. =۱۳۸۴-

مشخصات ظاهري : ۲‌ج.

فروست : مركز بحوث دارالحديث؛ ۱۰۱.

شابك : ۸۰۰۰۰ ريال: دوره: 964-493-100-9 ؛ ۱۴۰۰۰۰ ريال: دوره، چاپ دوم 978-964-493-100-0 : ؛ ج.۱، چاپ دوم ‌978-964-493-101-7 : ؛ ج.۲: 964-493-102-5 ؛ ج. ۲، چاپ دوم 978-964-493-102-4 :

يادداشت : عربي.

يادداشت : ج. ۱ و ۲ (چاپ دوم: ۱۴۲۸ ق. = ۱۳۸۶).

يادداشت : كتابنامه.

يادداشت : نمايه.

موضوع : علي‌بن ابي‌طالب (ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق -- خطبه‌ها

موضوع : علي‌بن ابي‌طالب (ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. -- نامه‌ها

موضوع : علي‌بن ابي‌طالب (ع)، امام اول، ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق. -- كلمات قصار

شناسه افزوده : شريفي، عبدالهادي ، خلاصه‌كننده

شناسه افزوده : موسسه علمي - فرهنگي دارالحديث. سازمان چاپ و نشر

رده بندي كنگره : BP۳۸/۰۲۳ /ش۴ ۱۳۸۴

رده بندي ديويي : ۲۹۷/۹۵۱۵

شماره كتابشناسي ملي : ۱۰۲۸۳۸۱

اشاره

باب الخطب والأوامر

۲۰۹. من خطبة له عليه السلام خطبها بصفين فصّل فيها حقوق الراعي والرعية

۲۰۹الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلام خطبها بصفينأَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلاَيَةِ أَمْرِكُمْ ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ ، والحقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ ، لاَ يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ . وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً للّهِِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ ، وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ . وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ .

الشّرْحُ:الذي له عليهم من الحقّ هو وجوب طاعته ، والذي لهم عليه من الحقّ هو وجوب معدلته فيهم . والحقّ أوسع الأشياء في التواصف ، وأضيقُها في التناصف ، معناه أنّ كلّ أحدٍ يصف الحقّ والعدل ، ويذكر حسنه ووجوبه ، ويقول : لو وُلّيت لعدلت ، فهو بالوصف باللسان وسيع ، وبالفعل ضيّق ؛ لأنّ ذلك العالَم العظيم الذين كانوا يتواصفون حسنه ، ويعِدُون أنْ لو وُلّوا باعتماده وفعله ، لا تجدُ في الألف منهم واحدا لو ولِّيَ لعدل ، ولكنه قول بغير عمل . ثم عاد إلى تقرير الكلام الأول ، وهو وجوب الحقّ له وعليه ، فقال : إنّه لا يجري لأحدٍ إلاّ وجرى عليه ، وكذلك لا يجري عليه إلاّ وجرى له ، أي ليس ولا واحد من الموجودين بمرتقع عن أن يجري الحقّ عليه ، ولو كان أحدٌ من الموجودين كذلك لكان أحقّهم بذلك الباري سبحانه ؛ لأنَّه غايةُ الشرف ، بل هو فوق الشرف وفوق الكمال والّتمام ، وهو مالك الكلّ ، وسيّد الكلّ ، فلو كان لجواز هذه القضية وجه ، ولصحّتها مساغ ، لكان الباري تعالى أوْلَى بها ، وهي ألاّ يُستحقّ عليه شيء ، وتقدير الكلام : لكنّه يُستحقّ عليه أُمور ، فهو في هذا

.

الباب كالواحد منّا يَستحقّ ويُستحقّ عليه ، ولكنّه عليه السلام حذف هذا الكلام المقدّر ، أدبا وإجلالاً للّه تعالى أن يقول : إنه يُستحقّ عليه شيء . فإن قلت : فما هذه الأُمور التي زعمتَ أنها تُستحقّ على البارئ سبحانه ، وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام حذفها من اللفظ ، واللفظ يقتضيها؟ قلت : الثواب ، والعوض ، وقبول التوْبة ، واللّطف ، والوفاء بالوعد ، والوعيد ، وغير ذلك مما يذكُره أهلُ العدل . فإن قلت : أليس يُشعر قوله عليه السلام : «وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلاً منه » بمذهب البغداديين من أصحابكم ، وهو قولهم : إن الثواب تفضّل من اللّه سبحانه ، وليس بواجب! قلت : لا ، وذلك لأنّه جعل المتفضَّل به ، هو مضاعفة الثواب ، لا أصل الثواب ، وليس ذلك بمستنكَر عندنا . فإن قلت : أيجوز عندكم أن يستحقّ المكلّف عشرة أجزاء من الثّواب فيعطى عشرين جزءاً منه؟ أليس من مذهبكم أنّ التعظيم والتّبجيل لا يجوز من البارئ سبحانه أن يفعلهما في الجنّة إلاّ على قدر الاستحقاق ، والثواب عندكم هو النفع المقارن للتعظيم والتبجيل؟ فكيف قلت : إن مضاعفة الثواب عندنا جائزة؟ قلت : مراده عليه السلام بمضاعفة الثواب هنا زيادة غير مستحقّة من النعيم واللذة الجسمانية خاصة في الجنّة ، فسمَّى تلك اللذة الجسمانية ثوابا ؛ لأنَّها جزء من الثواب ، فأمّا اللذة العقلية فلا يجوز مضاعفتها . قوله عليه السلام : «بما هو من المزيد أهله» ، أي بما هو أهله من المزيد ، فقدّم الجار والمجرور وموضعه نصب على الحال .

الأصْلُ:ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا ، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً ، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ . وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ ، وَحَقُّ

.

الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي ، فَرِيضةٌ فَرَضَهَا اللّهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لاُلفَتِهِمْ ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ ، فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا السُّنَنُ ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأعْدَاءِ . وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا ، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ ، وَكَثُرَ الاْءِدْغَالُ فِي الدِّينِ ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى ، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ ، فَـلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ ، وَلاَ لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ . فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذلِكَ ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ ـ وَإِنِ اشتَدَّ عَلَى رِضَى اللّهِ حِرْصُهُ ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ ـ بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ . وَلكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللّهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ . وَلَيْسَ امْرُوء ـ وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ ـ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللّهُ مِنْ حَقِّهِ . وَلاَ امْرُؤٌ ـ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ ـ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ .

الشّرْحُ:تتكافأ في وجوهها : تتساوى وهي حقّ الوالي على الرعيّة ، وحق الرعيّة على الوالي . وفريضة ، قد روي بالنصب وبالرفع ، فمن رفع فخبر مبتدأ محذوف ، ومن نصب فبإضمار فعل ، أو على الحال . وجرت على أذلالها السّنن ، بفتح الهمزة ، أي على مجاريها وطرقها . وأجحف الوالي برعيّته : ظلمهم . والإدغال في الدين : الفساد . ومحاجّ السنن : جمع محجّة ، وهي جادّة الطريق . قوله : «وكثرت عِلَل النفوس» ، أي تعلّلها بالباطل . واقتحمته العُيون :

.

۲۱۰ . من كلام له عليه السلام ردّ فيه على رجلٍ من أصحابه أكثر الثناء عليه

احتقرته وازدرته . ومثل قوله عليه السلام : «وليس امرؤ وإن عظمت في الحقّ منزلته» ، قولُ زيد بن علي عليه السلام لهشام بن عبد الملك : إنه ليس أحدٌ وإنْ عظمت منزلته بفوقٍ أن يُذَكَّر باللّه ، ويحذّر من سطوته ، وليس أحدٌ وإن صغُر بدونِ أن يذكَّر باللّه ويخوّف من نقمته . ومثل قوله عليه السلام : «وإذا غلبت الرعيّة واليها» ، قولُ الحكماء : إذا علا صوت بعض الرعيّة على الملك فالملك مخلوع ، فإن قال : نعم ، فقال أحدٌ من الرعيّة : لا ، فالملك مقتول .

۲۱۰الأصْلُ:فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ، ويذكر سمعه وطاعته له ، فقال عليه السلام :إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلاَلُ اللّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ ـ لِعِظَمِ ذلِكَ ـ كُلُّ مَا سِوَاهُ ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللّهِ عَلَيْهِ ، وَلَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ ازْدَادَ حَقُّ اللّهِ عَلَيْهِ عِظَماً . وَإِنَّ مِنْ اَسْخَفِ حَالاَتِ الْوُلاَةِ عَنْدَ صَالِحِ النَّاسِ ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الاْءِطْرَاءَ ، وَاسْتَِماعَ الثَّنَاءِ ؛ وَلَسْتُ ـ بِحَمْدِ اللّهِ ـ كَذلِكَ ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً للّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ . وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاَءِ ، فَـلاَ تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ ، لاِءِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ البقيّة فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا ، وَفَرَائِضَ لاَ بُدَّ مِنْ إِمْضائِهَا ، فَـلاَ تُكَلِّمُونِي بَمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ ، وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ ، وَلاَ تُخَالِطُونِي بالْمُصَانَعَةِ ، وَلاَ تَظُنُّوا بِيَ اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ

.

لِي ، وَلاَ الِْتمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ . فَـلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي ، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي ، فَإنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ ؛ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أنْفُسِنَا ، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلاَلَةِ بِالْهُدَى ، وَأَعْطَانَا الْبصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى .

الشّرْحُ:هذا الفصل وإن لم يكن فيه ألفاظ غريبة سبيلُها أن تشرَح ، ففيه معان مختلفة سبيلها أن تذكر وتوضّح ، وتذكر نظائرها وما يناسبها : فمنها قوله عليه السلام : إنّ من حقّ مَنْ عَظُمت نعمة اللّه عليه أن تعظُم عليه حقوق اللّه تعالى ، وأنْ يعظُم جلال اللّه تعالى في نفسه ، ومن حقّ مَنْ كان كذلك ، أن يصغُر عنده كلُّ ما سوى اللّه . وهذا مقام جليل من مقامات العارفين ، وهو استحقار كلّ ما سوى اللّه تعالى ، وذلك أنّ مَنْ عرف اللّه تعالى فقد عرف ما هو أعظمُ من كلّ عظيم ، بل لا نسبة لشيء من الأشياء أصلاً إليه سبحانه ، فلا يظهر عند العارف عظمةُ غيره البتّة ، كما أنّ مَنْ شاهد الشّمس المنيرة يستحقر ضوء القمر والسراج الموضوع في ضوء الشمس ، حال مشاهدته جرْم الشمس . ومنها قوله عليه السلام : منْ أسخَف حالات الولاة أن يظنّ بهم حبّ الفخر ويُوضع أمرهم على الكِبْر . قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «لا يدخل الجنَّةَ مَنْ كان في قلبه مثقال حبّة من كِبْر» . ومنها قوله عليه السلام : قد كرهتُ أن تظنّوا بي حبّ الإطراء واستماع الثناء ، قد روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلمأنه قال : «احثُوا في وجوه المدّاحين التراب» . وكان يقال : إذا سمعتَ الرّجُل يقول فيك من الخير ماليس فيك ، فلا تأمن أن يقول فيك من الشرّ ما ليس فيك . ومنها قوله عليه السلام : لو كنت كذلك لتركته انحطاطا للّه تعالى عن تناول ما هو أحقّ به من الكبرياء . في الحديث المرفوع : «مَنْ تواضع للّه رفعه اللّه ، ومَنْ تكبّر خفضه اللّه » . وفيه أيضا : العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما قصمتُه . ومنها قوله عليه السلام : لا تظنّوا بي استثقالَ رفع الحقّ إليّ ، فإنه مَن استثقل الحق أن يقال له ، كان

.

العملُ به عليه أثقلَ . هذا معنى لطيف ، ولم أسمع فيه شيئا منثورا ولا منظوما . ومنها قوله عليه السلام : ولا تكفّوا عن قولٍ بحقّ ، أو مشورة بعدل . قد ورد في المشورة شيء كثير : قال اللّه تعالى : «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ» (1). وكان يقال : إذا استشرت إنساناً صار عقله لك . وقال أعرابي : ما غُبِنت قطّ حتى يُغْبَن قومِي ، قيل : وكيف ذاك؟ قال : لا أفعل شيئا حتى أُشاورَهم . ومنها أن يقال : ما معنى قوله : عليه السلام : « وربّما استحلَى النّاسُ الثّناء بعد البلاء ... » إلى قوله : «لابد من إمْضائها»؟ فنقول : إنّ معناه أنّ بعض مَنْ يكره الإطراء والثناء ، قد يحبّ ذلك بعد البلاء والاختبار ، كما قال مرْدَاس بن أديّة لزياد : إنّما الثناء بعد البلاء ، وإنما يثنى بعد أن يبتلى ؛ فقال : لو فرضنا أنّ ذلك سائغ وجائز وغير قبيح ، لم يجزْ لكم أن تثنوا عليّ في وجهي ، ولا جاز لي أن أسمَعه منكم ؛ لأنّه قد بقيتْ عليّ بقيّة لم أفرُغ من أدائها ، وفرائض لم أمْضِها بعد ، ولابدّ لي من إمضائها ؛ وإذا لم يتمّ البلاء الذي قد فرضنا أن الثناء يحسن بعده ، لم يحسن الثناء . ومعنى قوله : «لإخراجي نفسي إلى اللّه وإليكم» أي لاعترافي بين يدي اللّه وبمحضر منكم أنّ عليّ حقوقاً في إيالتكم ، ورئاستي عليكم لم أقم بها بعد ، وأرجو من اللّه القيام بها . ومنها أن يقال : ما معنى قوله : «فلا تخالطوني بالمصانعة»؟ فنقول : إنّ معناه لا تصانعوني بالمدح والإطراء عن عمل الحق ، كما يصانَع به كثير من الولاة الذين يستفزّهم المدح ويستخفّهم الإطراء والثناء ، فيغمضون عن اعتماد كثير من الحقّ مكافأة لما صونعوا به من التقريظ والتزكية والنفاق . ومنها قوله عليه السلام : «فإنّي لست [في نفسي] بفوْقِ أنْ أخطئ» ، هذا اعتراف منه عليه السلام بعَدم العصمة ، فإمّا أن يكون الكلام على ظاهره ، أو يكون قاله على سبيل هضم النفس (2)، كما

.


1) .سورة آل عمران ۱۵۹ .

2) .بل هذا من قبيل هضم النفس ـ دون أدنى شك ـ وليس بنفي العصمة ، والاستثناء يؤيد ذلك ، لا أدفع ذلك إلاّ بكفاية اللّه لي ما هو أملك له ، وهو كقوله تعالى : «وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً» (الإسراء ۷۴) ونحوها من آيات القرآن الدالة على أنّ العصمة تكون بتأييد اللّه سبحانه . وقال المجلسي رحمه الله : هذا من الانقطاع إلى اللّه والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق ، وعدّ نفسه من المقصّرين في مقام العبودية ، والإقرار بأنّ عصمته من نِعمه تعالى عليه فلا يدل كلامه عليه السلام على اعترافه بعدم العصمة . انظر : شرح النهج المقتطف من بحار الأنوار ۲:۴۵۳ .

۲۱۱ . من كلام له عليه السلام في التظلم والتشكي من قريش

قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «ولا أنا إلاّ أن يتداركَني اللّه برحمته» . ومنها قوله عليه السلام : «أخرجنا مما كنا فيه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة بعد العمى» ، ليس هذا إشارة إلى خاصّ نفسه عليه السلام ؛ لأنّه لم يكن كافراً فأسلم ، ولكنه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفْناء الناس ، فيأتي بصِيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسُّعا ، ويجوز أن يكون معناه : لولا ألطافُ اللّه تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه و آله وسلم لكنتُ أنا وغيري على أصلِ مذهب الأسلاف من عبادة الأصنام ، كما قال تعالى لنبيه : «وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدَى» (1)، ليس معناه أنّه كان كافراً ، بل معناه : لولا اصطفاء اللّه تعالى لك لكنت كواحدٍ من قومك . ومعنى «ووجدك ضالاًّ» ، أي ووجدك بعُرْضة للضلال ، فكأنه ضالّ بالقوّة لا بالفعل .

۲۱۱الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلاماللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْش وَمَنْ أَعَانَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَأَكْفَؤُوا إِنَائِي ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي ، وَقَالُوا : أَلاَ إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ ، فَاصْبِرْ مَغْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً . فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ ، وَلاَ ذَابٌّ وَلاَ مُسَاعِدٌ ، إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي ؛ فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى ، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا ، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وخْزِ الشِّفَارِ .

.


1) .سورة الضحى ۷ .

قالَ الرَّضيّ رحمه الله : وَقَدْ مَضَى هذا الكلامُ في أثْناءِ خُطْبَةٍ متقدمة ، إلاّ أنِّي ذَكَرْتُهُ ها هنا لاختِلافِ الرّوايَتَينْ (1).

الشّرْحُ:العدوى : طلبك إلى والٍ ليُعدِيك على مَنْ ظلمك ، أي ينتقم لك منه ، يقال : استعديتُ الأميرَ على فلان فأعداني ، أي استعنت به عليه فأعانني . وقطعوا رحمي : وقطعوا قرابتي ، أي أجروْني مجرى الأجانب . ويجوز أن يُريد أنّهم عدّوني كالأجنبيّ من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . ويجوز أن يريد أنّهم جعلوني كالأجنبيّ منهم ؛ لا ينصرونه ، ولا يقومون بأمره . وأكفؤوا إنائي : قلبوه وكبّوه ، وحذْف الهمزة من أوّل الكلمة أفصح وأكثر ، وقد روي كذلك ، ويقال لمن قد أُضيعت حقوقه : قد [أُكفئ إناؤهُ] (2)تشبيها بإضاعة اللبن من الإناء . وقد اختلفت الرواية في قوله : «ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه» ، فرواها قوم بالنون ، وقوم بالتاء . وقال الراوندي : إنها في خطّ الرضيّ بالتاء . ومعنى ذلك أنك إن وليت أنت كانت ولايتُك حقّا ، وإن وُلِّي غيرُك كانت ولايته حقاً ، على مذهب أهل الاجتهاد (3). ومن رواها بالنون ، فالمعنى ظاهر . والرافد : المعين . والذابّ الناصر . وضننت بهم : بخلت بهم . وأغضيت على كذا : صَبَرت . وجرِعت بالكسر . والشّجا : ما يعترض في الحلْق . والوخز : الطعن الخفيف ، وروي «من حزّ الشفار» والحزّ : القطع . والشِّفار : جمع شفْرة ، وهي حدّ السيف والسكّين . واعلم أنّ هذا الكلام قد نُقل عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يناسبه ، ويجري مجراه ، ولم يؤرّخ الوقت الذي قاله فيه ، ولا الحال التي عَناها به ، وأصحابنا يحملون ذلك على أنّه عليه السلام قاله عَقِيب الشّورى وبيعة عثمان ، فإنه ليس يرتاب أحدٌ من أصحابنا عَلَى أنّه تظلّم وتألّم حينئذٍ . ويكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة .

.


1) .مرّ ذلك في الخطبة (۱۷۳) .

2) .في الأصل : أكفأ إناءَهُ .

3) .وأمّا على مذهب الإمامية ، فيكون المعنى : إن وليتَ أنت كانت ولايتك حقاً ، وإن ولي غيرك ، فعليك الاستسلام والخضوع ومجاراة الظروف . وهو يتضمن اعترافهم بحقه ، ولكنهم طلبوا منه الاستسلام مجاراة للظروف .

۲۱۲ . من كلام له عليه السلام في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلام

وقد روى كثير من المحدّثين أنّه عقيب يوم السّقيفة تألّم وتظلّم ، واستنجد واستصرخ ، حيث ساموه الحضور والبيْعة ، وأنّه قال وهو يشير إلى القبر : «ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ استَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي» (1)، وأنّه قال : واجعفراه ! ولا جعفر لي اليوم ! واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم!

۲۱۲الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلامفَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَخُزَّانِ بَيْتِ مال الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرٍ ، كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي ؛ فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ ، وَأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ ، وَوَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي ، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْراً ؛ وَطَائِفَةً عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ ، فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللّهَ صَادِقِينَ.

الشّرْحُ:عضُّوا على أسيافهم ، كناية عن الصَّبْر في الحرب وترك الاستسلام ، وهي كناية فصيحة ، شبّه قبضَهم على السيوف بالعضّ ، وقد قدمنا ذكر ما جرى ، وأنّ عسكر الجمل قتلوا طائفة من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة بعد أن أمّنوهم غدرا ، وأنّ بعض الشيعة صبر في الحرب ولم يستسلم ، وقاتل حتى قتل ، مثل حكيم بن جبلة العبديّ وغيره ، وروي : «وطائفةٌ عضّوا على أسيافهم» بالرفع ، تقديره : ومنهم طائفة .

.


1) .سورة الأعراف ۱۵۰ .

قرأت في كتاب «غريب الحديث» لأبي محمد عبد اللّه بن قتيبة في حديث حُذَيفة بن اليمان ، أنّه ذكر خروج عائشة ، فقال : «تقاتل معها مُضَر ، مضّرها اللّه في النار (1)، وأزد عُمان سلَت اللّه أقدامها (2)، وإنّ قيسا لن تنفكّ تبغي دين اللّه شرّا ، حتى يركبها اللّه بالملائكة ، فلا يمنعوا ذَنَب تَلْعة ۳ » . قلت : هذا الحديث من أعلام نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه و آله وسلم ؛ لأنّه إخبار عن غيب تلقّاه حُذيفة عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم ؛ وحُذَيفة أجمع أهل السيرة على أنه مات في الأيّام التي قتل عثمان فيها أتاه نعيُه وهو مريض ، فمات وعليٌّ عليه السلام لم يتكامل بيعة الناس ، ولم يدرك الجمل . وهذا الحديث يؤكّد مذهب أصحابنا في فسق أصحاب الجمل ، إلاّ مَنْ ثبتت توبتُه منهم ، وهم الثلاثة ۴ .

.


1) .قال ابن الأثير في شرحه للحديث : «أي جعلها في النار ، فاشتق لذلك لفظا من اسمها ؛ يقال : مضّرنا فلانا فتمضر ، أي صيرناه كذلك ، أي نسبناه إليها . النهاية ۴:۹۸ .

2) .التلاع : مسايل الماء ، من علوّ إلى سفل ، واحدها تلعة ، وذنب التلعة : أسفلها ، قال الزمخشري : «أي يذلّها اللّه حتى لا تقدر على أن تمنع ذنب تلعة . الفائق ۳ : ۳۲ .

۲۱۳ . من كلام له عليه السلام لمّا مر بطلحة بن عبيد اللّه وبعد الرحمن بن عتاب بن أسيد

۲۱۳الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام لمّا مر بطلحة بن عبيد اللّه وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل :لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهذَا الْمَكَانِ غَرِيباً ! أَمَا وَاللّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ ! أَدْرَكْتُ وِتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِمَنَافٍ ، وَأَفْلَتَتنِي أَعْيَانُ بَنِي جُمَحَ ، لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ!

الشّرْحُ:هو عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أُميّة بن عبد شمس . ليس بصحابيّ ، ولكنّه من التابعين . واعلم أنّه عليه السلام أخرج هذا الكلام مخرج الذمّ لمن حضر الجمل مع عائشة زوجة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلممن بني جُمَح ، فقال : «وأفلتتْنِي أعيارُ بني جُمَح» ، جمع عَيْر وهو الحمار ، وقد كان معها منهم يوم الجمل جماعة هربوا ، ولم يقتل منهم إلاّ اثنان ، فإنْ صحّت الرواية : «وأفلتني أعيان بني جُمح» ، بالنون ، فالمراد رؤساؤهم وساداتهم . وأتلعوا أعناقهم : رفعوها، ورجل أتْلَع بيّن التَلع ، أي طويل العنق، وجِيدٌ تلِيع أي طويل .

.

۲۱۴. من كلام له عليه السلام في وصف السالك الطريق إلى اللّه سبحانه

ووُقِص الرّجل ، إذا اندقّت عنُقه ، فهو موقوص ، ووَقصتُ عنقَ الرّجل أقِصُها وَقْصا ، أي كسرتها ، ولا يجوز وقصت العنق نفسها . والضمير في قوله عليه السلام : «لقد أتلعوا» يرجع إلى قريش ، أي راموا الخلافة فقتِلُوا دونها .

۲۱۴الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلامقَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ ، وَلَطُفَ غَلِيظُهُ ، وَبَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ ، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ ، وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ ، وَتَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلاَمَةِ ، وَدَارِ الاْءِقَامَةِ ، وَثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ ، وَأَرْضَى رَبَّهُ .

الشّرْحُ:يصف العارفَ ، يقول : قد أحيا قلبه بمعرفة الحقّ سبحانه ، وأمات نفسه بالمجاهدة ورياضة القوّة البدنية ببالجوع والعطش ، والسهر ، والصّبْر عَلَى مشاقّ السفر ، والسياحة . « حتى دقّ جليلُه» ، أي حتى نَحَل بدنُه الكثيف . «ولطف غليظُه» ، تلطفت أخلاقه وصفتْ نفسه ، فإن كَدر النفس في الأكثر إنّما يكون من كَدَر الجسد ، والبطنة ـ كما قيل ـ تذهب الفطنة . واعلم أن قوله عليه السلام : «وبرق له لامعٌ كثير البرق» ، هو حقيقة مذهبِ الحكماء ، وحقيقة قول الصوفيّة أصحاب الطريقة والحقيقة ؛ وقد صرّح به الرئيس أبو عليّ ابن سينا في كتاب «الإشارات» ، فقال في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان : ثم إنّه إذا بلغت به الإرادة والرياضة حدّا ما عَنَّتْ له خُلْسات من اطّلاع نور الحق إليه لذيذة كأنها بروقُ تُومِض إليه ثم تخمَد عنه ، وهي التي تسمّى عندهم أوقاتا ، وكلّ وقتٍ يكتنفه وجْدٌ إليه ، ووجد عليه ...

.

۲۱۵. من كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهاد

وقال القشيريّ في الرّسالة لمّا ذكر الحال والأُمور الواردة على العارفين ، قال : هي بروق تلمع ثم تخمد ، وأنوار تبدو ثم تخفى ، ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها . فهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حَسْبما ذكره الحكيم ، وكلاهما يتّبع ألفاظ أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّه حكيم الحكماء وعارف العارفين ، ومعلّم الصوفيّة ، ولولا أخلاقه وكلامه وتعليمُه للناس هذا الفن تارةً بقوله ، وتارة بفعله ، لما اهتدى أحد من هذه الطائفة ، ولا عِلم كيف يُورد ، ولا كيف يصدِر . ثم قال عليه السلام : «وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة» ، أي لم يزل ينتقل من مقام من مقامات القوم إلى مقام فوقه ، حتّى وصل ، وتلك المقامات معروفة عند أهلها ، ومَنْ له أنس بها . ثم قال : «وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمين والراحة بما استعمل قلبه وأرضى ربه» ، أي كانت الراحة الكليّة والسعادة الأبديّة مستثمرة من ذلك التعب الذي تحمّله لما استعمل قلبه ، وراض جوارحه ونفسه ، حتى وصل ، كما قيل : عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القومُ السُّرَىوَتَنْجَلِي عَنَّا غَيَابَاتُ الْكَرَى

۲۱۵الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهادوَاللّهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ ، وَمُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ ، وَمُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَمْدُودٍ ، لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ ، فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ ، وَاطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ ، لاَتَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ . مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ ، وَأَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ!

الشّرْحُ:مستأديكم شكره ، أي طالبٌ منكم أداء ذلك والقيام به ، استأديت دَيْني عند فلان ، أي طلبته . وقوله : ومورّثكم أمره» ، أي سيرجع أمر الدولة إليْكم ، ويزول أمر بني أُميّة . ثم شبّه

.

الآجال الّتي ضُرِبَتْ للمكلّفين ليقوموا فيها بالواجبات ، ويتسابقوا فيها إلى الخيرات ، بالمضْمار الممدود لخيل تتنازع فيه السبق . ثم قال : «فشدّوا عُقَد المآزر» ، أي شمّروا عن ساق الاجتهاد ، ويقال لمن يوصَى بالجدّ والتشمير : اشدد عُقْدة إزارك ؛ لأنّه إذا شدّها كان أبعَد عن العثار ، وأسرع للمشي . « واطووا فُضُول الخواصر» ، نهى عن كثرة الأكل ؛ لأنّ الكثير الأكل لا يطوي فضول خواصره لامتلائها ، والقليل الأكل يأكل في بعضها ويطوي بعضها . ثم أتى عليه السلام بثلاثة أمثال مخترعة له لم يسبق بها ، وإن كان قد سبق بمعناها ، وهي قوله : «لا تجتمع عزيمة ووليمة » . وقوله : «ما أنقض النوم لعزائم اليوم» ! وقوله : «وأمْحَى الظلم لتذاكير الهمم»! فمما جاء من ذلك ، قول رجل لولده : ما للمطيعِ هواهُمن الملامِ ملاذُ فاختر لنفسك هَذَامَجْدٌ ، وهذا التِذَاذُ ومثل قوله : «ما أنقَضَ النّوم لعزائم اليوم» قولُ الشاعر : فَتىً لا ينامُ على عزمِهومَن صَمَّمَ العزم لم يرقدِ وقوله : «وأمحى الظّلم لتذاكير الهمم» ، أي الظُّلَم التي ينام فيها ، لا كلّ الظلم ، ألا ترى أنه إذا لم ينم في الظلمة بل كان عنده من شدّة العزم وقوة التصميم ما لا ينام معه ، فإنّ الظلمة لا تمحو تذاكير هممه . والتذاكير : جمع تَذْكار . والمثلان الأوّلان أحسن من الثالث ، وكأن الثالث من تتمة الثاني . وقد قالت العرب في الجاهلية هذا المعنى ، وجاء في القرآن العزيز : «أَمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلاَ إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ» (1). وهذا مثل قوله : «لا تجتمع عزيمة ووليمة» ، أي لا يجتمع لكم دخول الجنة والدّعة ، والقعود عن مشقّة الحرب .

.


1) .سورة البقرة ۲۱۴ .

۲۱۶. من كلام له عليه السلام قاله بعد تلاوته « ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر »

۲۱۶الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام قاله بعد تلاوته «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ» (1)يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ ! وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ ! وَخطَراً مَا أَفْظَعَهُ ! لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ . أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ! أَمْ بَعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ!

الشّرْحُ:قد اختلف المفسرون في تأويل هاتين الآيتين ، فقال قوم : المعنى أنّكم قطعتم أيّام عمركم في التكاثُر بالأموال والأولاد ، حتى أتاكم الموت ، فكنَى عن حلول الموت بهم بزيارة المقابر . وقال قوم : بل كانوا يتفاخرون بأنفسهم ، وتعدّى ذلك إلى أن تفاخروا بأسلافهم الأموات ، فقالوا : منّا فلان وفلان ـ لقوم كانوا وانقرضوا . وهذا هُو التّفسير الذي يدلّ عليه كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : «يا له مراما !» ، منصوب على التمييز . ما أبعده ! أي لا فخر في ذلك ، وطلب الفخر من هذا الباب بعيد ؛ وإنّما الفخر بتقوى اللّه وطاعته . وزورا ما أغفله ! إشارة إلى القوم الذين افتخروا ؛ جعلهم بتذكّر الأموات السالفين كالزائرين لقبورهم . والزوْر : اسم للواحد والجمع ، كالخَصْم والضَّيْف . قال : ما أغفلهم عمّا يراد منهم ! لأنهم تركوا العبادة والطاعة ، وصرموا الأوقات بالمفاخرة بالموتى . ثم قال : «وخطرا ما أفظعه !» إشارة إلى الموت : ما أشدّه ! فَظُع الشيء بالضمّ ، فهو فظيع ، أي شديد شنيع مجاوز للمقدار . قوله : «لقد استخْلَوْا منهم أي مدّكر» ، أراد بـ «استخلَوْا» ذكر منْ خلا من آبائهم ، أي مَنْ مضى ، يقال : هذا الأمر من الأُمور الخالية ، وهذا القرن من القرون الخالية ، أي الماضية . واستخلى فلان في حديثهِ ، أي حدّث عن أُمور خالية ، والمعنى أنّه استعظم ما يوجبه حديثُهم عمّا خلا وعمّن خلا من أسلافهم وآثار أسلافهم من التذكير ، فقال : أيّ مدّكر وواعظ في ذلك ! وروي أيّ مذكَر بمعنى المصدر ، كالمعتقد بمعنى الاعتقاد ، والمعتبر بمعنى

.


1) .سورة التكاثر ۱ و ۲ .

الاعتبار . « وتناوشوهم من مكان بعيد» ، أي تناولوهم ، والمراد ذكروهم وتحدّثوا عنهم ؛ فكأنّهم تناولوهم ، وهذه اللفظة من ألفاظ القرآن العزيز : «وَقَالُوا آمنَّا بهِ وَأنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ» (1)؛ وأنّى لهم تناولُ الإيمان حينئذٍ بعد فوات الأمر!

الأصْلُ:يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ . وَلَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً ، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً ، وَلَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ ، أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ . لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ . وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ ، وَالْرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ ، لَقَالَتْ : ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلاَّلاً ، وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً ، تَطَؤُونَ فِي هَامِهِمْ ، وَتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ ، وَتَرْتَعُونَ فِيَما لَفَظُوا ، وَتَسْكُنُونَ فِيَما خَرَّبُوا ؛ وَإِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ . أُولئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ ، الَّذِينَ كَانتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ ، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ ، مُلُوكاً وَسُوَقاً .

الشّرْحُ:«يرتجعون منهم أجساداً» ، أي يذكرون آباءهم ، فكأنّهم ردّوهم إلى الدنيا ، وارتجعوهم من القبور . وخَوَتْ : خلت . قال : وهؤلاء الموتى أحقُّ بأن يكونوا عبرة وعظةً من أن يكونوا فخراً وشرفاً ، والمفتخرون بهم أولى بالهبوط إلى جانب الذلّة منهم بالقيام مقام العزّ . وتقول : هذا أحْجَى من فلان ، أي أوْلَى وأجدر . والجناب : الفِناء . ثم قال : «لقد نظروا إليهم بأبصار العَشْوة» ، أي لم ينظروا النّظر المفِضيَ إلى الرؤية ؛ لأنّ أبصارَهم ذات عَشْوة ، وهو مرض في العين ينقص به الإبصار ، وفي عين فلان عَشَاءٌ وعَشْوة بمعنىً ، ومنه قيل لكلّ أمرٍ ملتبس يركبه الرّاكب على غير بيان : أمر عَشْوة ، ومنه أوطأتني

.


1) .سورة سبأ ۵۲ .

عُشْوة ، ويجوز بالضمّ والفَتْح . «وضربوا بهم في غَمْرة جهالة» ، أي وضربوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر جهلٍ ، والضرب هاهنا : استعارة ، أو يكون من الضّرب بمعنى السير ، كقوله تعالى : «وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ» (1)، أي خاضوا وسبحوا من ذكرهم في غمرة جهالة ، وكلُّ هذا يرجع إلى معنى واحد ، وهو تسفيه رأي المفتخرين بالموتى ، والقاطعين الوقت بالتكاثر بهم ؛ إعراضاً عمّا يجب إنفاقه من العمر في الطاعة والعبادة . ثم قال : لو سألوا عنهم ديارهم التي خلت منهم ، ويمكن أن يريد بالديار والربوع القبور . «لقالت : ذهبوا في الأرض ضُلاّلاً» ، أي هالكين ، ومنه قوله تعالى : «وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَديدٍ» (2). «وذهبتم في أعقابهم» ، أي بعدهم جهالاً ؛ لغفلتكم وغروركم . قوله عليه السلام : «تَطؤون في هامهم» ، أخذ هذا المعنى أبو العلاء المعرّي ، فقال : خَفّفِ الوطْ ء ما أظنّ أديمَ الـأرْضِ إلاَّ مِنْ هَذِه الأجْسَادِ رُبّ لحدٍ قَد صار لحدا مِراراضَاحكٍ من تزاحُم الأضْدَادِ قوله : «وتستنبتون في أجسادهم» ، أي تزرعون النَّبات في أجسادهم ؛ وذلك لأنّ أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الموتى ، فالزّرع لا محالة يكون نابتا في الأجزاء التّرابية التي هي أبدان الحيوانات . وروي : «وتستثبتون» ، بالثاء ، أي وتنصبون الأشياء الثابتة كالعَمد والأساطين للأوطان في أجساد الموتى . ثم قال : «وترتعون فيما لفظوا» ، لفَظتُ الشيء بالفتح : رميتُه من فمي ، ألفِظه بالكسر ، ويجوز أن يريد بذلك أنّكم تأكلون ما خلّفوه وتركوه . ويجوز أن يريد أنّكم تأكلون الفواكه التي تنبت في أجزاء ترابيّة خالطها الصديد الجاري من أفواههم . ثم قال :«وتسكنون فيما خرّبوا» ، أي تسكنون في المساكن التي لم يعمروها بالذكر والعبادة ، فكأنهم أخربوها في المعنى ، ثم سكنتم أنتم فيها بعدهم . ويجوز أن يريد أنّ كلّ دار عامرة قد كانت من قبل خرِبة ، وإنّما أخربها قوم بادوا وماتوا . ويجوز أن يريد بقوله : « وتسكنون فيما خربوا» ، وتسكنون في دورٍ فارقوها وأخلوْها ، فأطلقَ على الخلوّ والفراغ لفظ «الخراب » مجازاً . قوله : «وإنّما الأيّام بينكم وبينهم بواكٍ ونوائحُ عليكم» ، يريدأنّ

.


1) .سورة النساء ۱۰۱ .

2) .سورة السجدة ۱۰ .

الأيام والليالي تشيّع رائحاً إلى المقابر ، وتبكي وتنوح على الباقين الذين سيلتحقون به عن قريب . « أولئكم سلف غايتِكم» ، السلف : المقدّمون . والغاية : الحدّ الذي ينتهي إليه ، إمّا حسّياً أو معنويا ، والمراد هاهنا الموت . والفرُط : القوم يسبقون الحيّ إلى المنهل . ومقاوم العزّ : دعائمه ، جمع مقوم ، وأصلها الخشبة التي يمسكها الحرّاث . وحلَبات الفخر : جمع حَلْبة ، وهي الخيل تجمع للسباق . والسُّوَق ، بفتح الواو : جمع سُوقة ؛ وهو مَنْ دون الملِك .

الأصْلُ:سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلاً سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ ، وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ ؛ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لاَ يَنْمُونَ ، وَضِمَاراً لاَيُوجَدُونَ ؛ لاَيُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ ، وَلاَ يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الْأَحْوَالِ ، وَلاَيَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ ، وَلاَ يَأذَنـُونَ لِلْقَوَاصِفِ . غُيَّباً لاَ يُنْتَظَرُونَ ، وَشُهُوداً لاَ يَحْضُرُونَ ، وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا ، وَأُلاّفاً فَافْتَرَقُوا ، وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ ، وَلاَ بُعْدِ مَحَلِّهِمْ ، عَمِيَتْ اَخْبَارُهُمْ ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً ، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً ، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً ، فَكَأنـّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ . جِيرَانٌ لاَ يَتَأ نّسُونَ ، وَأَحِبَّاءٌ لاَيَتَزَاوَرُونَ . بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا التَّعَارُفِ ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الاْءِخَاءِ ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَمِيعٌ ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلاَّءُ . لاَ يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً ، وَلاَ لِنَهَارٍ مَسَاءً . أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً ، شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا ، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا ، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ ، فَأتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ . فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا . وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ ، فَقَالُوا : كَلَحَتِ الْوُجُوهُ

.

النَّوَاضِرُ ، وَخَوَتِ الْأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى ، وَتَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ ، وَتَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا ، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا ؛ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً ، وَلاَ مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً . فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ ، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ ، وَتَقَطَّعَتِ الْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلاَقَتِهَا ، وَهَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا ، وعَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلىً سَمَّجَهَا ، وَسَهَّلَ طُرُقَ الآفَةِ إِلَيْهَا ، مُسْتَسْلِمَاتٍ فَـلاَ أَيْدٍ تَدْفَعُ ، وَلاَ قُلُوبٌ تَجْزَعُ ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ ، وَأَقْذَاءَ عُيُونٍ ، لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لاَ تَنْتَقِلُ ، وَغَمْرَةٌ لاَ تَنْجَلِي . فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ ، وَأَنِيقِ لَوْنٍ ، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ ، وَرَبِيبَ شَرَفٍ ! يَتَعَلَّلُ بالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ ، وَيَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ، ضَنّاً بَغَضَارَةِ عَيْشِهِ ، وَشَحَاحَةً بَلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ ! فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ الدُّنيا إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْش غَفُولٍ ، إِذْ وَطِيءَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَنَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ ، فَخَالَطَهُ بَثٌّ لاَ يَعْرِفُهُ ، وَنَجِيُّ هَمٍّ مَا كَانَ يَجِدُهُ ، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ ، آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ ، فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ ، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بالْحَارِّ ، فَلَمْ يُطْفِى ءْ بِبَارِدٍ إِلاَّ ثَوَّرَ حَرَارَةً ، وَلاَ حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلاَّ هَيَّجَ بُرُودَةً ، وَلاَ اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلاَّ أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ ؛ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ ، وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجَى خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ ، فَقَائِلٌ : هُوَ لَمَا بِهِ ، وَمُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ ، يُذَكِّرُهُمْ أُسَى الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ . فَبَيْنَا هُوَ كَذلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا ، وَتَرْكِ الْأَحِبَّةِ ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ ، وَيَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ . فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ

.

عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ ، وَدُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ ، مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ ، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ . وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا .

الشّرْحُ:هذا موضع المثل : «ملْعاً يا ظليم وإلاّ فالتَخْوِيَةُ» مَنْ أراد أن يعظَ ويخوّف ، ويقرع صَفَاةَ القلب ، ويعرّف الناس قدر الدنيا وتصرّفها بأهلها ، فليأتِ بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح وإلاّ فليمسِك ، فإنّ السكوت أستر ، والعيّ خير من منطق يفضح صاحبه . وَمَنْ تأمّل هذا الفصل ، علم صدق معاوية في قوله فيه : « واللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره » . وأُقسم بمن تُقسِم الأُمم كلّها به ؛ لقد قرأتُ هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة ، ما قرأتها قطّ إلاّ وأحدثتْ عندي روعة وخوفا وعظة ، وأثّرَت في قلبي وجيبا ، وفي أعضائي رِعْدة ، ولا تأمّلتُها إلاَّ وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي ، وأرباب ودّي وخيّلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف عليه السلام حالَه . وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى ! وكم وقفت على ما قالوه وتكرّر وقوفي عليه ! فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي ؛ فإمّا أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله ، أو كانت نيّة القائل صالحة ، ويقينه كان ثابتا ، وإخلاصه كان محضا خالصا ، فكان تأثير قوله في النّفوس أعظم ، وسريان موعظته في القلوب أبلغ . ثم نعود إلى تفسير الفصل : فالبرزخ : الحاجز بين الشيئين ، والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث ، فيجوز أن يكون البرزخ في هذا الموضع القبْر ؛ لأنّه حاجز بين الميّت وبين أهل الدنيا ، كالحائط المبنيّ بين اثنين ، فإنّه برزخ بينهما ، ويجوز أن يريد به الوقت الذي بين حال الموت إلى حال النّشور ، والأول أقرب إلى مراده عليه السلام ؛ لأنّه قال : «في بطون البرزخ» ولفظة «البطون » تدلّ على التفسير الأوّل . ولفظتا «أكلت الأرض من لحومهم وشربت من دمائهم» مستعارتان . والفَجَوات : جمع فَجْوة وهي الفُرْجة المتّسعة بين الشيئين ، قال

.

سبحانه : «وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ » (1)، وقد تفاجَى الشيء ؛ إذا صارت له فجوة . «وجماد لا ينمون» ، أي خرجوا عن صورة الحيوانية إلى صورة الجماد الذي لا ينمي ولا يزيد . ويروى : «لا ينِمّون» بتشديد الميم ، من النميمة وهي الهمس والحركة ، ومنه قولهم : أسكت اللّه نامّته ، في قول من شدّد ولم يهمز . وضِماراً ، يقال لكلّ ما لا يرجى من الدّيْن والوعد ، وكلّ ما لا تكون منه على ثقة : ضِمَـار . ثم ذكر أنّ الأهوال الحادثة في الدنيا لا تُفزِعهم ، وأنّ تنكّر الأحوال بهم وبأهل الدنيا لا يحزنهم . ويروى «تُحْزِنهم» على أنّ الماضي رباعيّ . ومثله قوله : «لا يحفِلُون بالرواجف » ، أي لا يكترثون بالزلازل . «ولا يأذنُون للقواصف» ، أي لا يسمعون الأصوات الشديدة ، أذنت لكذا ، أي سمعته . وجمع الغائب غُيّب وغَيَب ، وكلاهما مرويٌّ هاهنا ، وأراد أنهم شهود في الصورة ، وغير حاضرين في المعنى . وأُلاّف ، على فُعّال : جمع آلف ؛ كالطُّرّاق جمع طارق ، والسُّمّـار : جمع سامر ، والكُفّار جمع كافر . ثم ذكر أنه لم تَعْمَ أخبارهم ، أي لم تستبهِم أخبارهم وتنقطع عن بعد عهد بهم ، ولا عن بعد منزل لهم ، وإنّما سُقوا كأسَ المنون التي أخرستهم بعد النطق ، وأصَمَّتْهُمْ بعد السمع ، وأسكنتهم بعد الحركة . وقوله : «وبالسَّمع صمماً» ، أي لم يسمعوا فيها نداء المنادي ، ولا نوح النائح ، أو لم يسمع في قبورهم صوت منهم . «فكأنهم في ارتجال الصّفة» ، أي إذا وصفهم الواصف مرتجلاً غير متروٍّ في الصفة ، ولا متهيئ للقول ، كأنهم «صرعى سُبات» ، وهو نوم ؛ لأنّه لا فرق في الصورة بين الميِّت حال موته والنائم المسبوت . ثم وصفهم ، بأنّه جيران إلاّ أنهم لا مؤانسة بينهم كجيران الدنيا ، وأنّهم أحبّاء إلاّ أنهم لا يتزاورون كالأحباب من أهل الدنيا . وقوله : «أحبّاء» جمع حبيب ، كخليل وأخلاّء ، وصديق وأصدقاء . ثم ذكر أنّ عُرا التعارف قد بليَتْ منهم وانقطعت بينهم أسباب الإخاء ؛ وهذه كلها استعارات لطيفة مستحسنة . ثم وصفهم بصفة أُخرى ، فقال : كلّ واحدٍ منهم موصوف بالوحْدة ؛ وهم مع ذلك مجتمعون ، بخلاف الأحياء الذين إذا انضمّ بعضهم إلى بعض انتفى عنه وصف الوحدة . ثم قال : «وبجانب الهجر وهم أخلاّء» ، أي وكلّ منهم في جانب الهجر وهم مع ذلك أهل خُلّة ومودّة ، أي كانوا كذلك . وهذا كله من باب الصناعة المعنوية ، والمجاز الرشيق . ثم قال : إنّهم

.


1) .سورة الكهف ۱۷ .

لا يعرفون للنهار ليلاً ولا للّيل نهاراً ، وذلك لأنّ الواحد من البَشَر إذا مات نهاراً لم يعرف لذلك النهار ليلاً أبدا ، وإن مات ليلاً لم يعرف لذلك الليل صباحة أبداً . وقال الشاعر : لابد من يومٍ بلا ليلةٍأو ليلةٍ تأتي بلا يومِ وليس المراد بقوله : «أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً» ، أنهم وهم موتى يشعرون بالوقت الذي ماتُوا فيه ، ولا يشعرون بما يتعقّبه من الأوقات ، بل المراد أن صورةَ ذلك الوقت لو بقيتْ عندهمْ ؛ لبقيت أبدا من غير أن يزيلها وقتٌ آخر يطرأ عليها . ويجوز أن يفسّر على مذهب من قال ببقاء الأنفس ، فيقال : إنّ النفس التي تفارق ليلاً تبقى الصورة الليلية والظلمة حاصلة عندها أبداً لا تزول بطرآنِ نهار عليها ؛ لأنها قد فارقت الحواسّ فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شيء من المحسوسات بعد المفارقة ، وإنَّما حصل ماحصل من غير زيادة عليه ، وكذلك الأنفس التي تفارق نهاراً . فإن قلت : ما معنى قوله عليه السلام «وبجانب الهجر»؟ وأي فائدة في لفظة «جانب » في هذا الموضع؟ قلت : لأنّهم يقولون : فلان في جانب الهجر ، وفي جانب القطيعة ، ولا يقولون : «في جانب الوصل» ، وفي «جانب المصافاة» ، وذلك أنّ لفظة «جنب» في الأصل موضوعة للمباعدة ، ومنه قولهم : «الجار الجُنب» ، وهو جارك من قوم غرباء . يقال : جنبت الرجل ، وأجنبته ، وتجنّبته ، وتجانبته ، كلّه بمعنىً ، ورجل أجنبيّ ، وأجنب ، وجُنب ، وجانب ، كلّه بمعنى . قوله عليه السلام : «شاهدوا من أخطار دارهم» ، المعنى أنّه شاهد المتقون من آثار الرحمة وأماراتها ، وشاهد المجرمون من آثار النقمة وأماراتها عند الموت ، والحصول في القبر أعظم مما كانوا يسمعون ويظنّون أيّام كونهم في الدنيا . ثم قال : «فكلا الغايتين مدّت لهم» ، المعنى مدّت الغايتان : غاية الشقيّ منهم وغاية السعيد . إلى مباءة ، أي إلى منزل يعظم حاله عن أن يبلغه خوف خائف ، أو رجاء راج ؛ وتلك المباءة هي النّار أو الجنة . وتقول : قد استباء الرجل أي اتّخذ مباءة ، وأبأت الإبل : رددتها إلى مباءتها ؛ وهي معاطنها . ثم قال : «فلو كانوا ينطقون بها لعيُّوا» بتشديد الياء . وروي «لَعَيُوا» بالتخفيف ، كما تقول : «حَيُوا» ، قالوا : ذهبت الياء الثانية لالتقاء الساكنين ؛ لأنّ الواو ساكنة ، وضمّت الياء الأُولى لأجل الواو ، قال الشاعر : وَكُنَّا حَسِبْناهم فَوَارسَ كَهْمَسٍحَيُوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا قوله : «لقد رَجَعَتْ فيهم» يقال : رجع البصر نفسُه ، ورجع زيد بصره ؛ يتعدّى ولا يتعدى ، يقول : تكلّموا معنىً لا صورة ، فأدركت حالهم بالأبصار والأسماع العقلية لا الحسيّة . وكَلَحت الوجوه كلُوحاً وكُلاحاً ، وهو تكشّر في عُبوس . والنواضِر : النواعم ، والنّضرة : الحسن والرونق . وخوت الأجساد النواعم : خلت من دمِها ورطوبتها وحشوتها . ويجوز أن يكون خوتْ أي سقطت . قال تعالى : «فهيَ خَاويةٌ عَلَى عُروشها» (1). والأهدام : جمع هِدْم ، وهو الثوب البالي . وتكاءدَنا : شقّ علينا ، ومنه : عقبة كؤود ويجوز تكادّنا ، جاءت هذه الكلمة في أخوات لها «تفعّل وتفاعَل» بمعنىً ، ومثله تعهّد الضيعة ، وتعاهدها . ويقال : قوله : « وتوارثْنا الوحشة» ، كأنّه لما مات الأب فاستوحش أهله منه ، ثم مات الابن فاستوحش منه أهله أيضا ، صارت كأنّ الابن ورث تلك الوحشة من أبيه كما تُورث الأموال ، وهذا من باب الاستعارة . قوله : «وتهدّمت علينا الربوع» ، يقال : تهدّم فلان على فلان غضباً ؛ إذا اشتدّ غضبه ، ويجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت . وروي «وتهكمت» بالكاف ، وهو كقولك : « تهدمت» بالتفسيرين جميعاً ، ويعني بالرّبوع الصّمُوت القبور ، وجعلها صموتا ؛ لأنّه لا نطق فيها ، كما تقول : ليل قائم ونهار صائم ، أي يقام ويصام فيهما ، وهذا كلّه على طريق الهزّ والتحريك وإخراج الكلام في معرِض غير المعرِض المعهود ، جعلهم لو كانوا ناطقين مخبرين عن أنفسهم [ لأتَوْا ] بما وصفه من أحوالهم . قوله عليه السلام : «فلو مثّلتَهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوبُ الغطاء لك» إلى آخر جواب « لو» . هذا الكلام أخذه ابن نباتة بعينه فقال : فلو كشفتم عنهم أغطيةَ الأجداث ، بعد ليلتين أو ثلاث ، لوجدتم الأحداق على الخدود سائلة ، والألوانَ من ضيق اللُّحود حائلة ، وهوامّ الأرض في نواعم الأبدان جائلة ، والرؤوس الموسّدة على الأيمان زائلة ، ينكِرُها مَنْ كان لها عارفاً ، ويفرّ عنها مَنْ لم يزل لها آلفاً . قوله عليه السلام : «ارتسخت أسماعهم» أنّه من رسخ الغدير إذا نشّ ماؤه ونضب ، ويقال : قد ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان . واستكّت ، أي ضاقت وانسدّت . « واكتحلتْ أبصارهم بالتراب فخسفت» ، أي غارت وذهبت في الرأس . وذَلاقة الألسن : حدّتُها ، ذَلِق اللسان والسّنان يذلَق ذَلَقا ، أي ذرِبَ ؛ فهو ذلِق ، وأذلق . وهَمَدت ، بالفتح :

.


1) .سورة الحج ۴۵ .

سكنتْ وخمدتْ . وعاث : أفسد . وقوله : «جديد بلىً» ، من فنّ البديع ؛ لأنّ الجدّة ضدّ البلى . وسَمّجها : قبّح صورتها ، وقد سَمُج الشيء بالضمّ فهو سَمْج ، بالسكون ، مثل ضَخُم فهو ضخْم ، ويجوز فهو سَمِج ، بالكسر ، مثل خَشُن فهو خشِن . قوله : «وسهّل طرق الآفة إليها» ؛ وذلك أنّه إذا استولى العنصر الترابيّ على الأعضاء ، قوى استعدادها للاستحالة من صورتها الأُولى إلى غيرها . ومستسلمات ، أي منقادة طائعة غير عاصية ، فليس لها أيدٍ تدفع عنها ، ولا لها قلوب تجزع وتحزن لما نزل بها . والأشجان : جمع شَجَن ، وهو الحزن . والأقْذاء : جمع قَذى ، وهو ما يسقط في العين فيؤذيها . قوله : «صفة حال لا تنتقل» ، أي لا تنتقل إلى حسن وصلاح ، وليس يريد : لا تنتقل مطلقاً ؛ لأنها تنتقل إلى فساد واضمحلال . ورجل عزيز ، أي حدث ، وعزيز الجسد ، أي طريّ ، وأنيق اللون : معجب اللون . وغَذِيّ تَرَف : قد غُذِي بالترف ، وهو التنعّم المطغِي . وربيبُ شَرَف ، أي قد ربِّيَ في الشرف والعزّ . ويقال : ربّ فلان ولدَه يَرُبّه ربّا ، وربّاه يربِّيه تربيةً . ويتعلّل بالسرور : يتلهّى به عن غيره . ويفزع إلى السّلْوة : يلتجيء إليها . وضِنّا ، أي بخلاً . وغضارة العيش : نعيمه ولينه . وشحاحة ، أي بخلاً ، شحِحْتُ بالكسر أشِحّ . وشحَحْت أيضا بالفتح ، أشُحّ وأشِحُّ ؛ بالضم والكسر ، شُحّا وشَحاحةً . ورجل شحيح وشَحَاح بالفتح . وقوم شِحاحٌ وأشِحّة . ويضحك إلى الدنيا وتضحكُ إليه ؛ كناية عن الفرَح بالعمر والعيشة ، وكذا كلّ واحدٍ منهما يضحك إلى صاحبه لشدّة الصفاء ، كأنّ الدّنيا تحبُّه وهو يحبُّها . وعيش غَفول : قد غفل عن صاحبه ، فهو مستغرق في العيش لم ينتبه له الدّهر ، فيكدّر عليه وقته ، قال الشاعر : وكان المرءُ في غفلاتِ عيشٍكأنّ الدَّهْر عَنْها في وَثاق قوله : «إذا وَطئَ الدهر به حَسَكه» ، أي إذا أوطأه الدهر حَسَكه (1). والهاء في « حَسَكه » ترجع إلى الدّهر ، عدّى الفعل بحرف الجرّ ، كما تقول : قام زيد بعمرٍ و ، أي أقامه . وقُواه : جمع قوّة ، وهي المِرّة من مرائر الحبل ؛ وهذا الكلام استعارة . ومن كَثَب : من قرب . والبثّ : الحزن . والبث أيضا : الأمر الباطن الدخيل . ونجيّ الهمّ : ما يناجيك ويسارّك . والفَتَرات : أوائل المرض . وآنس ما كان بصحّته ، منصوب على الحال ، العامل في الحال : «تولّدت» . والقارّ : البارد .

.


1) .الحسك : نبات شائك تعلق قشرته بصوف الغنم ، والكلام على الاستعارة .

فإن قلت : لم قال : «من تسكين الحارّ بالقارّ ، وتحريك البارد بالحارّ»؟ ولأيّ معنى جعل الأول التسكين والثاني التحريك؟ قلت : لأنّ من شأن الحرارة التهييج والتّثوير ، فاستعمل في قهرها بالبارد لفظة « التسكين» ، ومن شأن البرودة التخدير والتجميد ، فاستعمل في قهرها بالحارّ لفظة « التحريك » . قوله : «ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلاّ أمدّ منها كل ذات داء» ، أي ولا استعمل دواء مفرداً معتدل المزاج أو مركّباً كذلك إلاّ وأمدّ كل طبيعة منها ذات مرض بمرض زائد على الأول . وينبغي أن يكون قولُه : «ولا اعتدل بمُمازج» ، أي ولا رام الاعتدال لممتزج ؛ لأنّه لو حصل له الاعدال لكانَ قد بَرِئ من مرضه ، فَسمّى محاولة الاعتدال اعتدالاً ؛ لأنّه باستدلال المعتدلات قدْ تهيّأ للاعتدال ، فكان قد اعتدل بالقوّة . وينبغي أيضا أن يكون قد حذف مفعول «أمدّ» ، وتقديره «بمرضٍ» كما قدّرناه نحن ، وحذف المفعولات كثير واسع . قوله : «حَتّى فَتَر معلّله» ؛ لأنّ معلّلي المرض في أوائل المرض يكون عندهم نشاط ؛ لأنّهم يرجُون البُرْء ، فإذا رأوْا أمارات الهلاك فترت همتهم . «وذَهَل ممرّضُه» ، ذَهَل بالفتح ، وهذا كالأوّل ؛ لأنّ الممرّض إذا أعيا عليه المرض ، وانسدّت عليه أبواب التدبير يذهَل . « وتعايا أهله بصفة دائه» ، أي تعاطوا العِيّ وتساكتوا إذا سُئِلوا عنه ، وهذه عادة أهل المريض المُثقل ؛ يجمْجِمون إذا سئلوا عن حاله . «وتنازعوا دونه شَجَى خبرٍ يكتمونه» ، أي تخاصموا في خبرٍ ذي شجَى ، أي خبر ذي غُصّةٍ يتنازعونه وهم حول المريض سترا دونه ، وهو لا يعلم بنجواهم ، وبما يُفيضون فيه من أمره . فقائل منهم : هو لما به ، أي قد أشفى على الموت . وآخر يمنّيهم إياب عافيته ، أي عَوْدَها ، آب فلان إلى أهله ، أي عاد . وآخر يقول : قد رأينا مثل هذا ، ومَنْ بلغ إلى أعظِم من هذا ثمّ عوفِيَ ، فيمنّي أهلَه عَوْد عافيته . وآخر يصبّر أهله على فقده ، ويذكر فضيلة الصّبْر ، وينهاهم عن الجزع ، ويروِي لهم أخبار الماضين . وأُسي أهليهم ، والأُسَى . جمع أُسْوة ، وهو ما يتأسّى به الإنسان . قوله : «على جناح من فراقِ الدنيا» ، أي سَرْعان ما يفارقها ؛ لأنّ مَنْ كان على جناح طائر ، فأوشِكْ به أن يسقط ! قوله : «إذْ عَرَض له عارض» يعني الموت . ومن غُصصه : جمع غُصّة . وهو ما يعترض مَجْرى الأنفاس . «فتحيّرت نوافذ فطنته» ، أي تلك الفطنة النافذة الثاقبة تحيّرت عند الموت ، وتبلّدت . «ويبست رطوبةُ لسانِه» ؛ لأنّ الرّطوبة اللّعابيّة الّتي بها يكون الذوق تنشف حينئذٍ ، ويبطل الإحساس باللسان تبعدا لسقوط القوة .

.

قوله : «فكم من مهمٍّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه !» ، نحو أن يكون له مالٌ مدفونٌ يُسأل عن حال ما يكون محتَضرا ، فيحاول أن يعرِّف أهلَه به فلا يستطيع ، ويعجز عن ردّ جَوابِهم ، وقد رأينا مَنْ عَجزَ عن الكلام فأشار إشارةً فهموا معناها ، وهي الدّواة والكاغَد ، فلمّا حضر ذلك أخذ القلم وكتب في الكاغد ما لم يُفْهَم ، ويده تُرْعَد . ثم مات . قوله : «ودعاءٍ مؤلمٍ لقلبه سمعه فتصامّ عنه» ، أظهر الصّمم ؛ لأنّه لا حيلة له . ثم وصف ذلك الدعاء فقال : «من كبير كان يعظّمه» ، نحو صُراخ الوالد على الولد والولد يسمع ولا يستطيع الكلام . «وصغير كان يرحمه» ، نحو صراخ الولد على الوالد ، وهو يسمع ولا قدرة له على جوابه . ثم ذكر غمرات الدنيا فقال : إنها أفظَع من أن تحيط الصفاتُ بها . وتستغرقُها ، أي تأتي على كُنْهِها ، وتُعبّر عن حقائقها . قوله : «أو تعتدل على عقول أهل الدنيا» ، هذا كلام لطيف فصيح غامض ، ومعناه أنّ غمرات الموت وأهواله عظيمة جدّا لا تستقيم على العقول ولا تقبلها إذا شرحت لها ووصفت كما هي على الحقيقة ، بل تنبو عنها ، ولا تصدق بما يقال فيها ، فعبّر عن عدم استقامتها على العقول بقوله : «أو يعتدل» ، كأنه جعلها كالشيء المعوجّ عند العقل ، فهو غير مصدّق به .

.

۲۱۷. من كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته « يسبح له فيها الغدو والآصال * رجال

۲۱۷الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته: «يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَتُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ» (1): إِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاَءً لِلْقُلُوبِ ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ ، وَتُبْصِرُ بِهِ

.


1) .سورة النور ۳۶ ، ۳۷ .

بَعْدَ الْعَشْوَةِ ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ ، وَمَا بَرِحَ للّهِ ـ عَزَّتْ آلاَؤهُ فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ ـ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ ، يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللّهِ ، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ ، بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ . مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ ، وَبَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ ، وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالاً ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ ، وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ ، وَكَانَوا كَذلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ ، وَأَدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ . وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلاً ، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْهُ ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللّهِ ، فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ ، وَيَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَتَنَاهُوْنَ عَنْهُ ، فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا ، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذلِكَ ، فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِي طَولِ الاْءِقَامَةِ فِيهِ ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا ، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لاَ يَرَى النَّاسُ ، وَيَسمَعُونَ مَا لاَ يَسْمَعُونَ . فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الَْمحْمُودَةِ ، وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ ـ وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ ، وَفَرَغُوا لُِمحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا ، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا ، وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ ، فَضَعُفُوا عَنِ الاِْسْتِقْـلاَلِ بَهَا ، فَنَشَجُوا نَشِيجاً ، وَتَجَاوَبُوا نَحِيباً ، يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ ـ لَرَأَيْتَ أَعْلاَمَ هَدىً ، وَمَصَابِيحَ دُجىً ، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلاَئِكَةُ ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ ، فِي مَقْعَدٍ اطَّلَعَ اللّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ . يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ . رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ ، وَأُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ ، جَرَحَ طُولُ الْأَسَى قُلُوبَهُمْ ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ . لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اللّه مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ ، يَسْأَلُونَ مَنْ لاَ تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ ، وَلاَ يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ .

.

فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُس لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ .

الشّرْحُ:من قرأ : «يسبَّح له فيها» بفتح الباء ارتفع «رجال» عنده بوجهين : أحدهما : أنْ يضمَر له فعل يكون هو فاعله ، تقديره «يسبحه رجال» ، ودلّ على « يسبّحه» يسبّح . والثاني : أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : «المسبّحون رجال» . ومن قرأ : « يسبِّح له فيها» بكسر الباء ، فـ «رجال» فاعل ، والذكْر يكون تارةً باللسان ، وتارةً بالقلب ، فالّذي باللسان نحو التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والدعاء ، والذي بالقلْب ؛ فهو التعظيم والتبجيل والاعتراف والطاعة . وجلوت السيف والقلْب جِلاء ، بالكسر ، وجلوت اليهودَ عن المدينةِ جَلاء بالفتح (1). والوَقْرة : الثقل في الأذن . والعَشْوة ، بالفتح : فَعْلة ، من العشا في العين . وآلاؤه : نعمه . فإن قلت : أيّ معنى تحت قوله : «عزت آلاؤه» وعزّت بمعنى : «قَلّت»؟ وهل يجوز مثل ذلك في تعظيم اللّه ؟ قلت : عَزّت هاهنا ليس بمعنى «قلّت» ، ولكن بمعنى : «كرمت وعظمت» ، تقول منه : عَزَزتُ على فلان بالفتح ، أي كرُمْت عليه ، وعظُمت عنده ، وفلان عزيز علينا ، أي كريم معظّم . والبُرهة من الدهر : المدّة الطويلة ، ويجوز فتح الباء . وأزمان الفترات : ما يكون منها بين النَّوْبتين . وناجاهم في فكرهم : ألهمهم ، بخلاف مناجاة الرّسل ببعث الملائكة إليهم ، وكذلك « وكلّمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة» : صار ذلك النور مصباحا لهم يستضيئون به . قوله : «مَنْ أخذ القصد حَمِدوا إليهم طريقه»، إلى هاهنا هي التي في قولهم : أحمَد اللّه إليك ، أي مُنهيا ذلك إليك ، أو مفضيا به إليك ونحو ذلك ، وطريقة العرب في الحذف في مثل هذا معلومة، قال سبحانه: «وَلَوْ نَشَاءُ لجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً» (2)، أي لجعلنا بدلاً

.


1) .والجِلاَء : الصقل وكشف الصدأ . والجَلاَء : الإخراج عن الوطن ، أو من الدار ونحوه .

2) .سورة الزخرف ۶۰ .

منكم ملائكة. قوله : «ومن أخذ يميناً وشمالاً» ، أي ضلّ عن الجادّة . و «إلى» في قوله : «ذمّوا إليه الطريق» مثل «إلى» الأُولى . ويهتفون بالزواجر : يصوّتون بها ، هتفت الحمامة تهتِف هتْفاً ، وهتف زيد بالغنم هِتافا بالكسر ، وقوس هتافة وهتفى ، أي ذات صوت . والقسْط : العدل . ويأتمرون به : يمتثلون الأمر . وقوله : «فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة» ، إلى قوله : «ويسمعون ما لا يسمعون» ؛ هو شرح قوله عن نفسه عليه السلام : «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً» . والأوْزار : الذنوب . والنشيج : صوت البكاء . والمقعد : موضع القعود . ويد قارعة : تطرق باب الرحمة ، وهذا الكلام مجاز . والمنادح : المواضع الواسعة . و «على» في قوله : «ولا يخيب عليه الراغبون» متعلّقة بمحذوف مثل «إلى» المتقدّم ذكرها ، والتقدير «نادمين عليه» . والحسيب : المحاسب . واعلم أنَّ هذا الكلام في الظاهر صفة حال القصّاص والمتصدّين لإنكار المنكَرات ، ألا تراه يقول : «يذكّرون بأيام اللّه » ! أي بالأيام التي كانت فيها النقمة بالعصاة ، ويخوّفون مقامه من قوله تعالى : «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» (1)ثم قال : فمن سلك القَصْد حمِدُوه ، ومَنْ عدل عن الطريق ذمُّوا طريقه ، وخوّفوه الهلاك . ثم قال : يهتفون بالزواجر عن المحارم في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط وينهون عن المنكر . وهذا كلّه إيضاح لما قلنا أولاً ؛ أنّ ظاهرَ الكلام شرحُ حالِ القصّاص وأرباب المواعظ في المجامع والطرقات ، والمتصدّين لإنكار القبائح ؛ وباطن الكلام شرح حال العارفين ، الذين هم صَفْوة اللّه تعالى من خلقه ، وهو عليه السلام دائما يكني عنهم ، ويرمز إليهم ، على أنه في هذا الموضع قد صرّح بهم في قوله : «حتّى كأنّهم يروْن ما لا يَرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون» . وقد ذكر من مقامات العارفين في هذا الفصل : الذّكْر ، ومحاسبة النفس ، والبكاءَ والنحيب ، والنّدم والتّوبة ، والدعاء والفاقة ، والذلّة ، والحزن ، وهو الأسى الذي ذكر أنه جرح قلوبهم بطوله .

.


1) .سورة الرحمن ۴۶ .

۲۱۸ . من كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته « يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم »

۲۱۸الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته: «يَا أَيُّهَا الاْءِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ» (1). أَدْحَضُ مَسْؤولٍ حُجَّةً ، وَأَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً ، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ . يَا أَيُّهَا الاْءِنْسَانُ ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنبِكَ ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ، وَمَا أنـَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ ! أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ؟ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْس فَتُظِلُّهُ ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ ! فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ ، وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ ، وَعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِيَ أَعَزُّ الأنْفُس عَلَيْكَ ! وَكَيْفَ لاَ يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ ، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ؟! فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ ، وَكُنْ لِلّهِ مُطِْيعاً ، وَبِذِكْرِهِ آنِساً . وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ ، يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ ، وَيَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ ، وَأَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ ! وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ! وَأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مَتَقَلِّبٌ . فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ ، وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ ، أَوْ سَيّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ . فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ! وَايْمُ اللّهِ لَوْ أَنَّ هذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ ، مُتَوَازِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ ، لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الأخْلاَقِ ، وَمَسَاوِئِ الأعْمَالِ . وَحَقّاً أَقُولُ ! مَا الدُّنْيَا

.


1) .سورة الانفطار ۶ .

غَرَّتْكَ ، وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ ، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ . وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلاَءِ بِجِسْمِكَ ، وَالنَّقْص فِي قُوَّتِكَ ، أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ ، أَوْ تَغُرَّكَ . وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ ، وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ . وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ ، وَبَلاَغِ مَوْعِظَتِكَ ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ ، وَالشَّحِيحِ بِكَ ! وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً ، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلاًّ! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْم . إِذَا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ ، وَحَقَّتْ بِجَلاَئِلِهَا الْقِيَامَةُ ، وَلَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ ، وَبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ ، وَبِكُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ ، فَلَمْ يَجْرِ فِي عَدْلِهِ وَقِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الْهَوَاءِ ، وَلاَ هَمْسُ قَدَمٍ فِي الْأَرْض إِلاَّ بِحَقِّهِ ، فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ ، وَعَلاَئِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ ! فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ ، وَتَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ ، وَخُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لاَ تَبْقَى لَهُ ؛ وَتَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ ؛ وَشِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ ؛ وَارْحَلْ مَطَايَا التَّشْمِيرِ .

الشّرْحُ:لقائل أن يقول : لو قال : «ما غرك بربك العزيز أو المنتقم» أو نحو ذلك ، لكان أوْلَى ؛ لأنّ للإنسان المعاتب أن يقول : غرّني كرمُك الّذي وصفتَ به نفسك! وجواب هذا أنْ يقال : إنّ مجموع الصفات صار كشيء واحد ، وهو الكريم الذي خَلقك فسوّاك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركّبك . والمعنى : ما غرّك بربٍّ هذه صفته ، وهذا شأنه ، وهو قادر على أن يجعلك في أي صورة شاء ! فما الذي يؤمِّنك من أن يمسخك في صورة القرَدة والخنازير ونحوها من الحيوانات العجم ؟ ومعنى الكريم هاهنا : الفيّاض على المواد بالصور ، ومَنْ هذه صفته ينبغي أن يُخاف منه تبديل الصورة . قال عليه السلام : «أدحض مسئول حُجّة» المبتدأ محذوف ، والحجة الداحضة : الباطلة .

.

والمعذِرة بكسر الذال : العذر . ويقال : لقد أبرح فلان جهالةً ، وأبرح لؤما ، وأبرح شجاعة ، وأتى بالبرْح من ذلك ، أي بالشَّديد العظيم . ويقال : هذا الأمر أبرحُ من هذا ، أي أشدّ ، وقتلُوه أبْرَح قَتْل . وجهالةً منصوب على التمييز . قوله : «ما جرّأك» بالهمزة ، وفلان جريء القوم ، أي مقدّمهم . وما أنَّسك بالتشديد ، وروي : «ما آنسك» بالمدّ ؛ وكلاهما من أصل واحد ، وتأنّست بفلان واستأنستُ بمعنىً ، وفلان أنيسي ومؤانسي ، وقد أنّسني وآنسني كلّه بمعنى ، أي كيف لم تستوحش من الأُمور الّتي تؤدي إلى هلكة نفسك ؟ والبُلُول : مصدر بلّ الرجل من مرضه ، إذا برئ . والضَّاحي لحرّ الشمس : البارز . وهذا داء ممضّ ، أي مؤلم ، أمضنى الجرح إمضاضا ، ويجوز «مَضّنِي» . وروي : «وجلّدك عَلَى مَصَائبك» ، بصيغة الجمع . وبَيَات نقْمة بفتح الباء ، طروقُها ليلاً ، وهي من ألفاظ القرآن العزيز (1). وتورّط : وقع في الورْطة ، بتسكين الرّاء ، وهي الهلاك ، وأصل الورْطة أرضٌ مطمئنّة لا طريق فيها ، وقد أورَطَه ، وورّطه توريطا ، أي أوقعه فيها . والمدارج : الطرق والمسالك ، ويجوز انتصاب «مدارج» هاهنا ؛ لأنها مفعول به صريح ، ويجوز أن ينتصب على تقدير حرف الخفض وحذفه ، أي في مدارج سطواته . قوله : و «تَمثّل» أي وتصوّر . ويتغمّدك بفضله ، أي بسترك بعفوه ، وسمِّيَ العفو والصفح فضلاً ؛ تسمية للنّوع بالجنس . قوله : «مَطْرَف عين» بفتح الراء ، أي زمان طرف العين ، وطرْفها : إطباق أحدِ جفنيها على الآخر ، وانتصابُ «مطرف» هاهنا على الظرفية ، كقولك : وردت مقدمَ الحاجّ ، أي وقت قدومهم . قوله : «متوازِيَيْن في القُدرة» ، أي متساوييْن ، وروي : «متوازنين» بالنون . والعظات : جمع عِظَة ، وهو منصوب على نزع الخافض ، أي كاشفتك بالعظات ، وروي «العظاتُ» بالرفع على أنّه فاعل . وروي : «كاشفتك الغطاء» . وآذنْتك ، أي أعلمتك . وعلى سواء ، أي على عَدْل وإنصاف ، وهذا من الألفاظ القرآنية (2). والراجفة : الصيْحة الأُولى ، وحقّتْ بجلائلها القيامة ، أي بأُمورها العظام . والمنسِك : الموضع الذي تذبح فيه النسائك ، وهي ذبائح القربان ويجوز فتح السين ، وقد قرئ بهما في قوله تعالى : «لِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنْسِكا» (3).

.


1) .منه قوله تعالى : «وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ » سورة الأعراف ۴ .

2) .منه قوله تعالى : «وَإمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء» سورة الأنفال ۵۸ .

3) .سورة الحج ۶۷ .

فإن قلت : إذا كان يلحَق بكلِّ معبود عَبَدته ؛ فالنصارى إذن تلحق بعيسى ، والغلاة من المسلمين بعليّ ، وكذلك الملائكة ، فما القول في ذلك؟ قلت : لا ضرر في التحاق هؤلاء بمعبوديهم ، ومعنى الالتحاق أن يؤمَر الأتباع في الموقف بالتحيّز إلى الجهة التي فيها الرؤساء ، ثم يقال للرؤساء : أهؤلاء أتباعكم وعبدتكم؟ فحينئذٍ يتبرؤون منهم ، فينجو الرؤساء ، وتهلك الأتباع ، كما قال سبحانه : «أَهؤلاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحانَكَ أَنتَ وَليُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنّ أكثَرُهُم بِهِمْ مؤمِنُون» (1)، أي إنّما كانوا يطيعون الشياطين المضلّة لهم ، فعبادتهم في الحقيقة للشياطين لا لنا ، وإنهم ما أطاعونا ، ولو أطاعونا لكانوا مهتدين ، وإنما أطاعوا شياطينهم . ولا حاجة في هذا الجواب إلى أن يقال ما قيل في قوله تعالى : «إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ» (2)من تخصيص العموم بالآية الاُخرى ، وهي قوله تعالى : «إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَى أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ» (3). فإن قلت : فما قولك في اعتراض ابن الزّبِعْرَى على الآية ، هل هو وارد؟ قلت : لا ؛ لأنّه قال تعالى : «إنَّكمْ وَمَا تَعْبُدُونَ» و «ما» لما لا يعقل ، فلا يردُ عليه الاعتراض بالمسيح والملائكة ، والذي قاله المفسرون من تخصيص العموم بالآية الثانية تكلّف غير محتاج إليه . فإن قلت : فما الفائدة في أن قَرَن القوم بأصنامهم في النّار؟ وأي معنى لذلك في زيادة التعذيب والسخط؟ قلت : لأنّ النظر إلى وجه العدوّ باب من أبواب العذاب ، وإنّما أصاب هؤلاء ما أصابهم بسبب الأصنام التي ضلّوا بها ، فكلّما رأوها معهم زاد غمّهم وحسرتهم . وأيضا فإنهم قدّروا أن يستشفعوا بها في الآخرة ، فإذا صادفوا الأمرر على عكس ذلك لم يكن شيء أبغضَ إليهم منها . قوله : «فلم يَجْر» قد اختلف الرّواة في هذه اللفظة ، فرواها قوم «فلم يَجْر» وهو مضارع «جَرى يجري» ، تقول : ما الذي جرى القوم؟ فيقول مَنْ سألته : قَدِم الأمير من السفر ، فيكون المعنى على هذا : فلم يكن ولم يتجدّد في ديوان حسابه ذلك اليوم صغير ولا حقير إلاّ بالحقّ

.


1) .سورة سبأ ۴۰ و ۴۱ .

2) .سورة الأنبياء ۹۸ .

3) .سورة الأنبياء ۱۰۱ .

۲۱۹. من كلام له عليه السلام يتبرأ من الظلم ، ويبيّن صِغر الدنيا في نظره

والإنصاف . وهذا مثل قوله تعالى : «لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إنّ اللّهَ سَرِيعُ الحِسَاب» (1)، ورواها قوم «فلم يجز» ، مضارع « جازَ يجوز» ، أي لم يسغ ولم يرخص ذلك اليوم لأحد من المكلّفين في حركة من الحركات المحقرات المستصغرات ؛ إلاّ إذا كانت قد فعلها بحق ، وعلى هذا يجوز فعلها مثلها . ورواها قوم : «فلم يَجُرْ» من «جار» ، أي عدل عن الطريق ، أي لم يذهب عنه سبحانه ، ولم يضلّ ولم يشذّ عن حسابه شيء من أمر محقّرات الأُمور إلاّ بحقه ، أي إلاّ ما لا فائدة في إثباته والمحاسبة عليه ، نحو الحركات المباحة والعبثيّة التي لا تدخل تحت التكليف . والهمس : الصوت الخفيّ . قوله : «فتحرّ من أمرك» ، تحرّيت كذا ، أي توخّيته وقصدته واعتمدته . «وتيسّر لسفرك» ، أي هيئ أسباب السّفر ، ولا تترك لذاك عائقا . والشّيْم : النظر إلى البرق . ورحلت مطيتي ، إذا شددت على ظهرها الرّحل . والتّشْمير : الجدّ والانكماش في الأمر . ومعاني الفصل ظاهرة ، وألفاظه الفصيحة تعطيها وتدلّ عليها بما لو أراد المفسّر أن يعبّر عنه بعبارة غير عبارته عليه السلام لكان لفظه عليه السلام أوْلَى أن يكون تفسيرا لكلام ذلك المفسّر .

۲۱۹الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلاموَاللّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً ، أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْـلاَلِ مُصَفَّداً ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْض الْعِبَادِ ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْس يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا ، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا؟! وَاللّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَماحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً ، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ

.


1) .سورة غافر ۱۷ .

شُعْثَ الشُّعُورِ ، غُبْرَ الألْوَانِ ، مِنْ فَقْرِهِمْ ، كَأنـّمَا سُوِّدَتْ وَجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً ، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي ، فَظَنَّ أنّي أَبِيعُهُ دِينِي ، وَأَتَّبِـعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي ، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ، ثُمَّ أدنَيتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا ، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أ لَمِهَا ، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا ، فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ ، يَا عَقِيلُ أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ ! أَتَئِنُّ مَِنَ الاْذَى وَلاَ أَئِنُّ مِنْ لَظىً؟! وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفَوفَةٍ فِي وِعَائِهَا ، وَمَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا ، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا ، فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ أَمْ زَكَاةٌ ، أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذلِكَ مُحْرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ! فَقَالَ : لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ ، وَلكِنَّهَا هَدِيَّةٌ . فَقُلْتُ : هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ ! أَعَنْ دِينِ اللّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي ؟ أَمُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ ، أَمْ تَهْجُرُ؟ وَاللّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْـلاَكِهَا ، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا . مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى ، وَلَذَّةٍ لاَ تَبْقَى ! نَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ ، وَقُبْحِ الزَّلَلِ . وَبِهِ نَسْتَعِينُ .

الشّرْحُ:السَّعَدان : نبتٌ ذو شوك ؛ يقال له : حَسَك السّعْدان وحَسَكة السعْدان ؛ وتشبّه به حلَمة الثّدي ، فيقال : سَعْدانة الثّنْدُوَة ، وهذا النّبت من أفضل مراعي الإبل ، وفي المثل : « مَرْعىً ولا كالسَعْدان » ؛ ونونه زائدة ؛ لأنّه ليس في الكلام « فَعْلال» غير مضاعف ، إلاّ « خَزْعالٍ» ، وهو ظلْع يلحق الناقة ، «وقهقَار» ، وهو الحجر الصلب ، و «قَسْطال» وهو الغبار . والمسهّد : الممنوع النوم ، وهو السهاد . والأغلال : القيود . والمصفّد : المقيّد . والحُطَام : عروض الدنيا ومتاعها ، شبّه لزواله وسرعة فنائِه بما يتحطّم من العيدان ويتكسّر . ثم قال : كيف أظلم النّاس لأجل نَفْسٍ تموت سريعا ـ يعني نَفْسه عليه السلام ! وأملق : افتقر ، قال تعالى : «وَلاَ تَقْتُلُوا

.

أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إمْلاَقٍ» (1). واستماحني : طلب منّي أن أعطيَه صاعاً من الحنطة ، والصاع أربعة أمداد ، والمُدّ رطل وثلث ، فمجموع ذلك خمسة أرطال ، وثلث رطل ، وجمع الصاع أصوُع ، وإن شئت همزت . والصُّواع لغة في الصاع ، ويقال : هو إناء يشرَب فيه . والعِظْلِم ، بالكسرة في الحرفين : نَبْت يصبغ به ما يراد اسوداده ، ويقال : هو الوَسمة . وشعث الألوان ، أي غُبْر . وأصغيت إليه : أملْتُ سمعي نحوه . وأتّبع قياده : أطيعه وأنقاد له . وأحميت الحديدة في النار ، فهي محماة ، ولا يقال حَمِيت الحديدة . وذي دَنف ، أي ذي سقم مؤلم . ومن ميسمها : من أثرها في يده . وثكلتك الثّواكلُ ، دعا عليه ، وهو جمع ثاكلة ، وفواعل لا يجيء إلاّ جمع المؤنث إلاّ فيما شذّ ، نحو فوارس ، أي ثكلتك نساؤك . قوله : «أحماها إنسانُها» ، أي صاحبها ، ولم يقل «إنسان» ؛ لأنّه يريد أن يقابل هذه اللّفظة بقوله : «جبّارها» . وسَجَرها ، بالتخفيف ، أوقدها وأحماها ، والسَّجور : ما يسجر به التنّور . قوله : «بملفوفة في وعائها» ، كان أهدى له الأشعث بن قيس نوعا من الحَلْواء تأنّق فيه ، وكان عليه السلام يبغض الأشعث ؛ لأنّ الأشعث كان يُبغِضه ، وظنّ الأشعث أنّه يستميله بالمهاداة لغرض دنيويّ كان في نفس الأشعث ، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يفطِن لذلك ويعلمه ، ولذلك ردّ هديّة الأشعث ، ولولا ذلك لقبِلها ؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله وسلم قبل الهديّة ، وقد قبل عليّ عليه السلام هدايا جماعةٍ من أصحابه ، ودعاه بعضُ مَنْ كان يأنس إليه إلى حَلْوَاء عملها يوم نوروز فأكل وقال : لم عَمِلْتَ هذا؟ فقال : لأنّه يوم نوروز ، فضحك : وقال : نَوْرزُوا لنَا في كلّ يوم إن استطعتم . وكان عليه السلام من لطافة الأخلاق وسجاحة الشيَم على قاعدة عجيبة جميلة ، ولكنه كان ينفر عن قومٍ كان يعلم من حالهم الشنآن له ، وعمّن يحاول أن يصانعه بذلك عن مال المسلمين ، وهيهات حتى يلين لِضرْس الماضغ الحجر! وقال : بملفوفة في وعائها ، لأنّه كان في طبق مغطًّى . ثم قال : «ومعجونة شَنئتُها» ، أي أبغضتها ونفرت عنها . كأنها عجنت بريق الحيّة أو بقيئها ، وذلك أعظم الأسباب للنّفرة من المأكول . قوله : «أصِلَةٌ ، أم زكاة أم صدقة ؛ فذلك محرم علينا أهل البيت؟» ، الصّلة : العطيّة لا يراد بها الأجر ، بل يراد بها وصلة التّقرب إلى الموصول ، وأكثر ما تُفْعَل للذِّكْر والصّيت . والزّكاة :

.


1) .سورة الأنعام ۱۵۱ .

هي ما تجب في النّصاب من المال . والصدقة هاهنا : هي صدقة التّطوّع ، وقد تسمّى الزكاة الواجبة صدَقة ، إلاّ أنها هنا هي النافلة . فإن قلت : كيف قال : «فذلك محرّم علينا أهل البيت» ، وإنما يحرم عليهم الزكاة الواجبة خاصة ، ولا يحرم عليهم صدقة التطوّع ، ولا قبول الصِّلات؟ قلت : أراد بقوله : «أهل البيت» الأشخاصَ الخمسة : محمّد ، وعليّ ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين عليهم السلام ، فهؤلاء خاصّة دون غيرهم من بني هاشم ، محرّم عليهم الصلة وقبول الصدقة ، وأمّا غيرهم من بني هاشم فلا يحرُم عليهم إلاّ الزكاة الواجبة خاصّة . فإن قلت : كيف قلت : إنّ هؤلاء الخمسة يحرُم عليهم قبول الصِّلات ، وقد كان حسن وحسين عليهماالسلام يقبلان صِلَة معاوية؟ قلت : كلاّ لم يقبلا صلته ، ومعاذ اللّه أن يقبلاها ! وإنما قبِلا منه ما كان يدفعه إليهما من جملة حقهما من بيت المال ، فإنّ سهم ذوي القربى منصوص عليه في الكتاب العزيز ، ولهما غير سهم ذوي القربى سهم آخر للإسلام من الغنائم . قوله : «هبلتك الهَبُول» أي ثكلتك أُمّك ، والهَبُول التي لها عادة بثكْل الولد . فإن قلت : ما الفرق بين مختبِط ، وذي جنّة ، ويهجُر؟ قلت : المختبط : المصروع من غَلَبة الأخلاط السوداويّة أو غيرها عليه ، وذو الجِنّة مَنْ به مسٌّ من الشيطان . والذي يهجُر هو الذي يهذِي في مرض ليس بصرَع كالمحموم والمبرسَم ونحوهما . وجُلب الشّعيرة ، بضم الجيم : قشرها ، والجُلب والجُلبة أيضا جليدة تعلو الجرح عند البرء ، يقال منه : جلب الجرح يجلِب ويجلُب وأجلب الجرح أيضا ، ويقال للجليدة التي تجعل على القتب جُلْبة أيضا . وتقضَمها بفتح الضاد ، والماضي قَضِم بالكسر . وعَقِيل ، هو عَقِيل بن أبي طالب عليه السلام بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف ، أخو أمير المؤمنين عليه السلام لأُمّه وأبيه . وكان عَقِيل يكنَى أبا يزيد ، قال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «يا أبا يزيد ، إنّي أحبّك حُبّيْن : حبّا لقرابتك منّي ، وحبّا لما كنت أعلم من حبّ عَمّي إياك» . توفي في سنة خمسين وعمره ست وتسعون سنة .

.

۲۲۰. ومن دعاء له عليه السلام يلتجى ء إلى اللّه أن يغنيه

۲۲۰الأصْلُ:ومن دعاء له عليه السلاماللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ ، وَلاَ تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالاْءِقْتَارِ ، فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ ، وَأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ ، وَأُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي ، وَأُفْتَتَنَ بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي ، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الاْءِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ ؛ «إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ» .

الشّرْحُ:صُنْ وجهي باليسار ، أي استره بأن ترزقَني يَسارا وثروة ، أستغني بهما عن مسألة الناس . ولا تبذل جاهي بالإقتار ، أي لا تسقط مروءتي وحرْمتي بين النّاس بالفقر الذي أحتاج معه إلى تكفّف الناس . قوله : «فأسترزقَ» منصوب ؛ لأنّه جواب الدعاء ، كقولهم : ارزقني بعيراً فأحجَّ عليه . بيّن عليه السلام كيفية تبذّل جاهه بالإقتار ، وفسّره فقال : بأن أطلب الرزق ممّن يطلب منك الرزق . واستعطف الأشرار من النّاس، أيأطلب عاطفتهم وإفضالهم، ويلزم من ذلك أمران محذوران : أحدهما أن أبتلي بحمد المعطي . والآخر أن أُفتتن بذمّ المانع . قوله عليه السلام : «وأنت من وراء ذلك كلّه» مثل يقال للمحيط بالأمر ، القاهر له ، القادر عليه ، كما نقول للملك العظيم : هو من وراء وزرائه وكتّابه ، أي مستعدّ متهيّئ لتتبّعهم وتعقّبهم ، واعتبار حركاتهم ، لإحاطته بها وإشرافه عليها . وولّى ، مرفوع بأنّه خبر المبتدأ ، ويكون خبرا بعد خبَر ، ويجوز أن يكون « وليّ» هو الخبر ، ويكون «من وراء ذلك» ، جملة مركّبة من جار ومجرور منصوبة الموضع ؛ لأنّه حال .

.

۲۲۱. من خطبة له عليه السلام في التنفير من الدنيا ووصف سكّان القبور

۲۲۱الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامدَارٌ بِالْبَلاَءِ مَحْفُوفَةٌ ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ ، لاَ تَدُومُ أَحْوَالُهَا ، وَلاَ يَسْلَمُ نُزَّالُهَا . أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ ، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ ، وَالْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتهْدَفَةٌ ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا ، وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا . وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّكُم وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ ، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً ، وَأَعْمَرَ دِيَاراً ، وَأَبْعَدَ آثَاراً ؛ أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً ، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً ، وَأَجْسَادُهُمْ بِالِيَةً ، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً ، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً . فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ ، وَالنمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ ، الصُّخُورَ وَالْأَحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ ، وَالْقُبُورَ الـلاَّطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ ، الَّتي قَدْ بُنِيَ عَلَى الْخَرَابِ فِنَاوءهَا ، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤهَا ؛ فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ ، وَأهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ ، لاَ يَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ ، وَلاَ يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ ، وَدُنُوِّ الدَّارِ . وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى ، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى! وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَاروا إِلَيْهِ ، وَارْتَهَنَكُمْ ذلِكَ الْمَضْجَعُ ، وَضَمَّكُمْ ذلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ . فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ ، وبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ : «هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللّهِ موْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يفْتَرُون» (1).

.


1) .سورة يونس ۳۰ .

۲۲۲. ومن دعاء له عليه السلام يلجأ فيه إلى اللّه

الشّرْحُ:بالبلى محفوفة ، قد أحاط بها من كلِّ جانب . وتارات : جمع تارة ، وهي المرّة الواحدة . ومتصرّفة : منتقلة متحوّلة . ومستهدِفة بكسر الدال : منتصبة مهيّأة للرمي ، وروي : « مستهدَفة» بفتح الدال على المفعولية ، كأنها قد استهدفها غيرُها ، أي جعلها أهدافاً . ورياحهم راكدة : ساكنة . وآثارهم عافية : مندرسة . والقصور المشيّدة : العالية ، ومن روى : « المشِيدة» بالتخفيف وكسر الشين ، فمعناه المعمولة بالشِّيد ، وهو الجِصّ . والنمارق : الوسائد . والقبور المُلْحَدَة : ذوات اللحود . وروي : «والأحجار المسنّدة» بالتشديد . قوله عليه السلام : «قد بُنِيَ على الخراب فناؤها» ، أي بنيت لا لتسكن الأحياء فيها كما تبنى منازل أهل الدنيا . والكلكل : الصدر ؛ وهو هاهنا استعارة . والجنادل : الحجارة . وبعثرت القبور : أُثيرت . وتبلو كلّ نفس ما أسلفت : تخبر وتعلم جزاء أعمالها ، وفيه حذف مضاف ، ومن قرأ : «تتلو» بالتاء بنقطتين ، أي تقرأ كلّ نفس كتابها . وضلّ عنهم ما كانوا يفترون : بطل عنهم ما كانوا يدّعونه ويكذبون فيه من القول بالشركاء وأنهم شفعاء .

۲۲۲الأصْلُ:ومن دعاء له عليه السلاماللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الآنِسِينَ لِأَوْلِيَائِكَ ، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ . تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ ، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ ، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ . فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ . إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ ، وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ لَجَؤُوا إِلَى الاْسْتِجَارَةِ بِكَ ، عِلْماً بَأَنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدِكَ ، وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ . اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسَأَلَتِي ، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي ، فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي ، وَخُذْ

.

بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي ، فَلَيْسَ ذلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ ، وَلاَ بِبِدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ . اللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ ، وَلاَ تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ .

الشّرْحُ:أنِست : ضدّ وحشت ، والإيناس : ضدّ الإيحاش ، وكان القياس أن يقول : إنّك آنس المؤنسين ؛ لأنّ الماضي «أفعل» وإنما الآنسون جمع آنس ، وهو الفاعل من أنست بكذا ، لا من «آنست» ؛ فالرواية الصحيحة إذن «بأوليائك» ، أي أنت أكثرهم أُنسا بأوليائك وعطفاً وتحنُّناً عليهم . وأحضرهم بالكفاية ، أي أبلغهم إحضاراً لكفاية المتوكّلين عليهم ، وأقومُهم بذلك . تشاهدهم في سرائرهم ، أي تطلع على غيبهم ، والبصائر : العزائم ، نفذت بصيرته في كذا ، أي حقّ عزمه . وقلوبهم إليك ملهوفة ، أي صارخة مستغيثة . وفهِهت عن مسألتي ، بالكسر : عَيِيت ، والفهَّة والفَهاهةُ : العيّ رجل أفِهٌ ، ورجل فَهّ أيضا ، وامرأة فَهِهة . وقد فَهِهْتَ يا رجل فَهَها ، أي عييت ، ويقال سفيه فهيه ، وفههه اللّه ، وخرجت لحاجة فأفهَّني عنها فلان ، أي أنسانيها . ويروى : «أو عمهت» بالهاء والميم المكسورة ، والعَمَة : التحيّر والتردّد ، عَمِه الرّجل ، فهو عَمِه وعَامِهٌ والجمع عُمْهٌ ، وأرض عَمْهاء : لا أعلام بها . والنّكر : العجب . والبِدْع : المتبدع ، ومنه قوله تعالى : «قُلْ مَا كُنتُ بِدْعا مِنَ الرُّسُلِ» (1)، أي لم آت بما لم أسبق إليه . ومثل قوله عليه السلام : «اللهم إِحملْني على عفوِك ، ولا تحملني على عَدْلك» قولُ المرْوانية للهاشميّة لما قُتل مروان في خبرٍ قد اقتصصناه قديما : ليسعنا عدْلُكم ، قالت الهاشمية : إذنْ لا نُبقي منكم أحدا ، لأنكم حاربتم عليا عليه السلام ، وسَممتم الحسن عليه السلام ، وقتلتم الحسين عليه السلام وزيداوابنه ، وضربتم عليّ بن عبد اللّه ، وخنقتم إبراهيم الإمام في جراب النّورة . قالت : قد يسعنا عفوكم ، قالت : أمّا هذا فنعم .

.


1) .سورة الأحقاف ۹ .

۲۲۳. من كلام له عليه السلام يريد به بعض أصحابه

۲۲۳الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام (1):ومن كلام له عليه السلام ۲ : للّهِ بِلادُ فُـلاَنٍ ، فَلَقَدْ قَوَّمَ الْأَوَدَ ، وَدَاوَى الْعَمَدَ ، وَأَقَامَ السُّنَّةَ ، وَخَلَّفَ الْفِتْنَةَ! ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ ، قَلِيلَ الْعَيْبِ . أَصَابَ خَيْرَهَا ، وَسَبَقَ شَرَّهَا . أَدَّى إِلَى اللّهِ طَاعَتَهُ ، وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ . رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مَتَشَعِّبَةٍ ، لاَ يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّ ، وَلاَ يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِي .

الشّرْحُ:العرب تقول : للّه بلادُ فلان ، وللّهِ دَرُّ فُلان ، وللّهِِ نادي فُلاَنٍ ، وللّهِِ نائِحُ فُلاَنٍ ! والمراد بالأول : للّهِِ البِلاَدُ الَّتِي أنشأتْهُ وأنبتَتْهُ ، وبالثّاني : للّهِِ الثَّدْي الذي أرْضَعَهُ ، وبالثالثِ : للّهِِ المجْلِسُ الَّذِي رُبِّيَ فيهِ ، وبالرابع : للّهِ النَّائِحَةُ الَّتي تَنُوحُ عَلَيْهِ وَتنْدبُه ! ماذا تَعْهَدُ من مَحَاسِنِهِ ! ويُروى : « للّه بلاءُ فلان !» ، أي للّهِ ما صنع ! وفلان المكنى عنه عمر بن الخطّاب . وسألتُ عنه النّقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العَلوِيّ ، فقال لي : هو عمر ، فقلت له : أيُثنِي عليه أميرُ المؤمنين عليه السلام هذا الثناء ؟ فقال : نعم ؛ أمّا الإماميّة فيقولون : إنّ ذلك من التَّقيّة واستصلاح أصحابه . وأمّا الصّالحيّون من الزيْديّة فيقولون : إنّه أثنى عليه حقّ الثناء ، ولم يضع المدح إلاّ في موضعه ونصابه . وأمّا الجاروديَّة من الزيديّة فيقولون : إنّه كلام قاله في أمر عثمان أخرجه مُخرَج الذمِّ له ، والتنقّص لأعماله ، كما يُمدَحُ الآن الأميرُ الميّت في أيام الأمير الحيّ بعده ، فيكون ذلك تعريضا به . فأمّا الراونديّ ، فإنه قال في الشرح : إنّه عليه السلام مدح بعض أصحابه بحسن السيرة ، وأنّ الفتنة هي التي وقعت بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم من الاختيار والأثَرة .

.


1) .ورد في كثير من نسخ نهج البلاغة (الخطيّة والمطبوعة) عبارة : ( من كلام له عليه السلام يريد بعض أصحابه) فحذف منها ابن أبي الحديد عبارة : (يريد به بعض أصحابه) ؛ ليسجّل فيما بعد أنّ الخطبة وردت في مدح (عمر) لحاجة في نفسه ، واستدل لما ذهب إليه بخبر الطبري وتأييد أبي جعفر النقيب .

قال الطبريّ : فروى صالح بن كيسان ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : لمّا دفن عمر أتيتُ عليّاً عليه السلام ، وأنا أحبّ أن أسمعَ منه في عمر شيئاً ، فخرج ينفُض رأسه ولحيته ، وقد اغتسَل ، وهو ملتحِفٌ بثوب لا يشكّ أنّ الأمر يصير إليه ، فقال : رحم اللّه ابن الخطاب ! لقد صدقت ابنَةُ أبي حَثْمة : « ذهب بخيرها ، ونجا من شرها » ، أما واللّه ما قالت ، ولكن قُوّلت ! وهذا كما ترى يقوّى الظنّ ؛ أن المراد والمعنيّ بالكلام إنّما هو عمر بن الخطاب . قوله : «فلقد قَوّم الأوَد» ، أي العِوَج ، أوِد الشيء بالكسر يأوَدُ أوَدا ، أي اعوجّ ، وتأوّد العود ، يتأوّد . والعَمَد : انفضاخُ سنام البعير ، ومنه يقال للعاشق : عَمِيد القلب ومعموده . قوله : «أصَاب خيرَها» أي خير الولاية ، وجاء بضميرها ولم يجرِ ذكرها لعادة العرب في أمثال ذلك ، كقوله تعالى : «حَتَّى تَوَارَتْ بالحِجَابِ» (1). وسبق شرّها ، أي مات أو قتل قبل الأحداث والاختلاط الذي جرى بين المسلمين . قوله : «واتّقاه بحقّه» ، أي بإداء حقه والقيام به . فإن قلت : وأيّ معنى في قوله : «واتقاه بأداء حقّه» ؟ وهل يتقي الإنسان اللّه بأداء الحق ! إنما قد تكون التقوى علّة في أداء الحقّ ، فأما أن يتّقي بأدائه فهو غير معقول؟ قلت : أراد عليه السلام أنّه اتّقى اللّه ، ودلّنا على أنه اتّقى اللّه بأدائه حقه ، فأداء الحقّ علّة في علمنا بأنه قد اتّقى اللّه سبحانه . ثم ذكر أنّه رَحَل وترك النّاس في طرق متشعّبة متفرّقة ، فالضالّ لا يهتدى فيها ، والمهتدي لا يعلم أنه على المنهج القويم . وهذه الصفات إذا تأملها المنصف ، وأماط عن نفسه الهوى ، علم أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يَعْنِ بها إلاّ عمر ۲ .

.


1) .سورة ص۳۲ .

. .

۲۲۴. من كلام له عليه السلام في وصف بيعته بالخلافة

۲۲۴الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام في وصف بيعته بالخلافة وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفةوَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا ، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الاْءِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا ؛ حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ ، وَوُطِى ءَ الضَّعِيفُ ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاس بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكَعَابُ .

الشّرْحُ:التّداكّ : الازدحام الشديد . والإبل الهِيم : العِطاش . وهَدَج إليها الكبير : مشى مشيا ضعيفا مرتعشا ، والمضارع يهدِج ، بالكسر . وتحامل نحوها العليل : تكلّف المشي على مشقّة . وحَسَرتْ إليها الكَعاب : كشفتْ عن وجهها حِرْصا على حضور البيعة ، والكَعاب : الجارية التي قد نَهَد ثديُها ، كعَبت تكعُب ، بالضمّ . قوله : «حتى انقطع النّعل وسقط الرّداء» ، شبيه بقوله في الخطبة الشِّقشقيّة : «حتى لقد وُطئ الحَسَنَان وشُقّ عِطْفايَ» . وقد تقدّم ذكر بيعتِه عليه السلام بعد قَتْلِ عثمان وإطباق الناس عليها ، وكيفيّة الحال فيها ، وشُرِح شرحاً يُستغنى عن إعادته .

.

۲۲۵. من خطبة له عليه السلام يحثّ على التقوى ، ويصف الزهّاد

۲۲۵الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامفَإِنَّ تَقْوَى اللّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ ، وَعِتْقٌ منْ كلِّ مَلَكَةٍ ، وَنَجَاةٌ مِنْ كلِّ هَلَكَةٍ ؛ بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ ، وَيَنْجُو الْهَارِبُ ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ . فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ ، وَالْحَالُ هَادِئَةٌ ، وَالْأَقْـلاَمُ جَارِيَةٌ . وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمْراً نَاكِساً ، أَوْ مَرَضاً حَابِساً ، أَوْ مَوْتاً خَالِساً ؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ . زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ . قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ ، وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ ، فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ ، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ ، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ ، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ ، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ ، وَدُجُوُّ أَطْبَاقِهِ ، وَخشُونَةُ مَذَاقِهِ . فَكَأَنْ قَدْ أَتْاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ ، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ ، وَعَفَّى آثَارَكُمْ وَعَطَّلَ دِيَارَكُمْ ، وَبَعَثَ وُرَّاثَكُمْ ، يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ ، بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٍ لَمْ يَنْفَعْ ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ ، وَآخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ . فَعَلَيْكُمْ بِالْجِدِّ وَالاِجْتِهَادِ ، وَالْتَّأَهُّبِ وَالإسْتِعْدَادِ ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ ، وَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمَ الْمَاضِيَةِ ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ ، الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا ، وَأصَابُوا غِرَّتَهَا ، وَأَفْنَوْا عِدَّتَهَا ، وَأَخْلَقُوا جِدَّتَهَا ، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً ، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً ، لاَ يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ ، وَلاَ يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ ، وَلاَ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ .

.

فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ ، لاَ يَدُومُ رَخَاؤهَا ، وَلاَ يَنْقَضِي عَنَاؤهَا ، وَلاَ يَرْكُدُ بَلاَؤهَا .

الشّرْحُ:عِتْقٌ من كلِّ مَلكة ، هو مثل قوله عليه السلام : «التوبة تجبُّ ما قبلها» ، أيْ كلّ ذنب موبِق يملك الشيطان فاعله ويستحوذ عليه ، فإنّ تقوى اللّه تعتِق منه ، وتكفّر عقابه ، ومثله قوله : « ونَجَاةٌ من كلّ هَلَكة» . قوله عليه السلام : «والعمل ينفع» ، أي اعملوا في دارِ التَّكْليف ، فإنّ العمل يوم القيامة غير نافع . «والحال هادئة» ، أي ساكنة ليس فيها ما في أحوال الموقف من تلك الحركات الفظيعة ، نحو تطاير الصحف ، ونطق الجوارح ، وعنف السياق إلى النار . «والأقلام جارية» ، يعني أنّ التكليف باقٍ ، وأنّ الملائكة الحفَظة تكتب أعمال العباد ، بخلاف يوم القيامة ، فإنه يبطل ذلك ، ويُستغنى عن الحفظة لسقوط التكليف . قوله : «عمرا ناكساً» ، يعني الهرَم ، من قوله تعالى : «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ» (1)، لرجوع الشيخ الهرِم إلى مثل حال الصبيّ الصغير في ضعف العقل والبنية . والموت الخالس : المختطِف . والطِّيّات : جمع طِيّة بالكسر ، وهي منزل السفر . والواتر : القاتل ، والوِتْر ، بالكسر : الذَّحْل . وأعلقتكم حبائله : جعلتكم معتلقين فيها ، ويروى : «قد عَلِقَتْكم» بغير همز . وتكنّفتكم غوائله : أحاطت بكم دواهيه ومصائبه . وأقصدتكم : أصابتكم . والمعابل : نصال عِرَاض ، الواحدة مِعْبَلة ، بالكسر . وعَدْوته ، بالفتح : ظُلْمه . ونَبْوَته : مصدر نَبَا السَّيف ، إذا لم يؤثِّر في الضريبة . ويوشِك ، بالكسر : يقرب . وتَغْشاكم : تحيط بكم . والدّواجي : الظُّلَم ، الواحدة داجية . والظُّلل : جمع ظُلّة ، وهي السحاب . والاحتدام : الاضطرام . والحنادس : الظلمات . وإرهاقه : مصدر أرهقته ، أي أعجلته ، ويروى : «إزهاقه » بالزاي . والأطباق : جمع طَبَق ، وهذا من باب الاستعارة ، أي تكاثف ظلماتِها طبق فوق طبق . ويروى : «وجُشوبة مذاقه» بالجيم والباء ، وهي غلظ الطعام . والنّجِيّ : القوم يتناجوْن . والنديّ : القوم يجتمعون في النادي . واحتلبوا دِرّتها : فازوا بمنافعها ، كما يحتلب الإنسان اللَّبَن .

.


1) .سورة يس ۶۸ .

۳۲۷. لك أن تشير عليّ وأرى

وهذه الخطبة من محاسن خطبه عليه السلام ، وفيها من صناعة البديع ما هو ظاهر للمتأمّل .

الأصْلُ:منها في صفة الزهاد:كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ ، تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الآخِرَةِ ، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ ، وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ .

الشّرْحُ:بين ظهرانَيْ أهل الآخرة ، بفتح النون ، ولا يجوز كسرها ، ويجوز «بين ظهرَيْ أهل الآخرة» ، لو رُوي ، والمعنى في وسطهم . قوله عليه السلام : «كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها» ، أي همْ من أهلها في ظاهر الأمر وفي مرأى العيْن وليسوا من أهلها ؛ لأنّه لا رغبة عندهم في ملاذّها ونعيمها ، فكأنّهم خارجون عنها . قوله : «عملوا فيها بما يبصرون» ، أي بما يروْنه أصلح لهم ، ويجوز أن يريد أنّهم لشدّة اجتهادهم قد أبصروا المآل ، فعملوا فيها على حسب ما يشاهدونه من دار الجزَاء ، وهذا كقوله عليه السلام : «لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقيناً» . «وبادروا فيها ما يحذرون» ، أي سابقوه ، يعني الموت . قوله عليه السلام : «تُقلّب أبدانهم» ، هذا محمول تارة على الحقيقة ، وتارة على المجاز ، أمّا الأول فلأنّهم لا يخالطون إلاّ أهلَ الدين ولا يجالسون أهل الدنيا ، وأمّا الثاني فلأنّهم لما استحقُّوا الثواب كان الاستحقاق بمنزلة وصولهم إليه ، فأبدانُهم تتقلّب بين ظهرانيْ أهل الآخرة ، أي بين ظهرانَيْ قوم هم بمنزلة أهل الآخرة ؛ لأنّ المستحقّ للشيء نظيرٌ لمن فعل به ذلك الشيء . ثم قال : هؤلاء الزّهّاد يرون أهل الدنيا إنما يستعظمون موت الأبدان ، وهم أشدُّ استعظاماً لموت القلوب .

.

۲۲۶. من خطبة له عليه السلام خطبها بذي قار وهو متوجّه إلى البصرة

۲۲۷. من كلام له عليه السلام كلّم به عبد اللّه بن زمعة وهو من شيعته

۲۲۶الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلام خطبها بذي قار وهو متوجّه إلى البصرة ذكرها الواقديّ في كتاب «الجمل»:فَصَدَعَ بَمَا أُمِرَ بِهِ ، وَبَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ ، فَلَمَّ اللّهُ بِهِ الصَّدْعَ ، وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ ، وَأَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ ، والضَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ .

الشّرْحُ:ذو قار : اسم موضع قريب من البصرة ، وفيه كانت وقْعة للعرب مع الفرس قبل الإسلام . وصدَع بما أمر به ؛ أي جهر ، وأصل الصَّدْع الشقّ . لمّ به : جمع . ورتق : خاط وألحم . العداوة الواغرة : ذات الوغْرة ، وهي شدة الحرّ . الضغائن : الأحقاد . القادحة في القلوب ؛ كأنها تقدح النار فيها كما تقدح النّار بالمِقْدَحة .

۲۲۷الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام كلّم به عبداللّه بن زمعة وهو من شيعته وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً ، فقال عليه السلام :إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلمينَ ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ .

.

۲۲۸. من كلام له عليه السلام

الشّرْحُ:هو عبد اللّه بن زَمَعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ . كان الأسودمن المستهزئين الّذين كفى اللّه رسوله أمرهم بالموت والقتل ، وابنه زَمَعة ابن الأسود، قُتِل يوم بدر كافرا . وكان عبد اللّه بن زَمَعة شيعةً لعليّ عليه السلام . ومن أصحابه ؛ ومن ولد عبد اللّه هذا أبو البختريّ القاضي ؛ وكان منحرفا عن عليّ عليه السلام ، وهو الذي أفتى الرشيد ببطلان الأمان الذي كتبه ليحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وأخذه بيده فمزّقه . قوله عليه السلام : «وجَلْب أسيافهم» ، أي ما جلبتْه أسيافهم وساقته إليهم ، والجلَب : المال المجلوب . وجَناة الثمر ما يُجْنَى منه ، وهذه استعارة فصيحة (1).

۲۲۸الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلامأَلاَ وَإِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الاْءِنْسَانِ ، فَـلاَ يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ ، وَلاَ يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ ، وَإِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَـلاَمِ ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ . وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللّهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلَيلٌ ، وَاللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ ، وَاللاَّزِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الاْءِدْهَانِ ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ ، وَشَائِبُهُمْ آثِمٌ ، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ ، وَقَارِؤهُمْ مُمَاذِقٌ ، لاَ يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ ، وَلاَ يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ .

.


1) .الفيء : في اللغة الرجوع ، وعند الفقهاء الخراج ، والغنيمة التي حازها المسلمون بالجهاد . شَركتهم : شاركتهم .

۲۲۹. من كلام له عليه السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس

الشّرْحُ:بَضْعة من الإنسان : قطعة منه ، والهاء في «يسعده» ترجع إلى اللسان . والضمير في « امتنع» يرجع إلى الإنسان، وكذلك الهاء في«لا يمهله» يرجع إلى اللّسان. والضمير في « اتسع» يرجع إلى الإنسان ، وتقديره : فلا يُسعِد اللسان القول إذا امتنع الإنسان عن أن يقول ، ولا يمهل اللسان النطق إذا اتّسع للإنسان القول ، والمعنى : إن اللسان آلةٌ للإنسان ، فإذا صرفه صارفٌ عن الكلام، لم يكن اللسان ناطقا، وإذا دعاه داعٍ إلى الكلام نطق اللّسان بما في ضمير صاحبه. وتنشّبت عروقه ، أي علِقت ، وروي : «انتشبت» ، والرواية الأُولى أدخل في صناعة الكلام ؛ لأنّها بإزاء تهدّلت ، والتهدّل : التدلّي (1)، وقد أخذ هذه الألفاظ بعينها أبو مسلم الخراساني ، فخطب بها في خطبةٍ مشهورة من خطبه . واعلم أنّ هذا الكلام قاله أمير المؤمنين عليه السلام في واقعة اقتضت أن يقوله ، وذلك أنّه أمر ابن أخته جَعْدة بن هُبيرة المخزوميّ أن يخطب الناس يوماً ؛ فصعد المنبر ، فحصِر ولم يستطع الكلام ، فقام أمير المؤمنين عليه السلام فتسنّم ذرْوة المنبر ، وخطب خطبة طويلة ، ذكر الرضيّ رحمه اللّه منها هذه الكلمات .

۲۲۹الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام روى ذُعْلب اليماني ، عن أحمد بن قتيبة ، عن عبداللّه بن يزيد ، عن مالك بن دِحْية ، قال : كنّا عند أميرالمؤمنين عليه السلام ، فقال وقد ذكر عنده اختلاف الناس :إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ ، وَذلِكَ أنَهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَعَذْبِهَا ، وَحَزْنِ

.


1) .كلّ اللّسان : نبا عن الغرض . عارم : شرِس الخلُق . المماذق : من يخرج الودّ بالغش ، فلا يخلص في ودّه شأن المنافقين .

تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا ، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ ، وَعَلَى قَدْرِ اخْتِلاَفِهَا يَتَفَاوَتُونَ ، فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ ، وَمَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ ، وَزَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ ، وَقَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ ، وَمَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ ، وَتَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ ، وَطَلِيقُ اللَّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ .

الشّرْحُ:ذعلب وأحمد وعبد اللّه ومالك ، رجال من رجال الشِّيعة ومحدّثيهم . وهذا الفصل عندي لا يجوز أن يحمَل على ظاهره ، وما يتسارع إلى أفهام العامّة منه وذلك لأنّ قوله : «أنّهم كانوا فِلقة من سَبَخ أرض وعَذبها» ؛ إمّا أن يريد به أنّ كلّ واحد من النّاس ركّب من طين ، وجعل صورة بشرية طينيّة برأس وبطن ويدين ورجلين ، ثم نفخت فيه الروح كما فعل بآدم ، أو يريد به أنّ الطّين الذي ركِّبت منه صورة آدم فقط كان مختلطا من سَبَخ وعَذْب . والذي أراه أنّ لكلامه عليه السلام تأويلاً باطنا ، وهو أن يريد به اختلاف النّفوس المدبّرة للأبدان ، وكنَى عنها بقوله : «مبادئ طينهم» . وقوله : «كانوا فِلْقة من سبخ أرض وعذبها ، وحَزْن تربة وسهلها» تفسيره أنّ البارئ جلّ جلاله لمّا خلق النّفوس ، خَلَقها مختلفة في ماهيّتها ، فمنها الزكيَّة ومنها الخبيثة ، ومنها العفيفة ومنها الفاجرة ، ومنها القويّة ومنها الضعيفة ، ومنها الجريئة المقدِمة ، ومنها الفَشْلة الذليلة ، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس المختلفة المتضادّة . ثم فسّر عليه السلام وعلّل تساوي قوم في الأخلاق وتفاوت آخرين فيها ، فقال : إنّ نفس زيد قد تكون مشابهةً أو قريبة من المشابهة لنفس عمرو ، فإذا هما في الأخلاق متساويتان ، أو متقاربتان ، ونفس خالد قد تكون مضادّة لنفس بكْر أو قريبة من المضادّة ، فإذا هما في الأخلاق متباينتان أو قريبتان من المباينة . ثمّ بيّن عليه السلام اختلاف آحاد الناس ، فقال : منهم من هو تام الرّواء ، لكنه ناقص العقل . والرّواء بالهمز والمد : المنظر الجميل . قوله عليه السلام : «ومادّ القامة قصير الهِمّة» ؛ قريب من المعنى الأول ، إلاّ أنه خالف بين الألفاظ ، فجعل الناقص بإزاء التامّ ، والقَصِير بإزاء المادّ . ويمكن أن يجعل المعنيان مختلفين ، وذلك لأنّه قد يكون الإنسان تامّ العقل ، إلاّ أنّ همته قصيرة ، وقد رأينا كثيراً من النّاس كذلك ، فإذَنْ

.

۲۳۰. من كلام له عليه السلام قاله وهو يلي غسل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وتجهيزه

هذا قسم آخر من الاختلاف غير الأوّل . قوله عليه السلام : «وزاكى العمل قبيح المنظر » يريد بزكاء أعماله حسنَها وطهارتَها ، فيكون قد أوقع الحَسن بإزاء القبيح ، وهذا القسم موجود فاش بين الناس . «وقريب القعر بعيد السَّبْر» ، أي قد يكون الإنسان قصير القامة ، وهو مع ذلك داهية باقعة ، والمراد بقربِ قعره تقارب ما بين طرفيْه ، فليست بطنه بمديدة ولا مستطيلة ، وإذا سبرته واختبرت ما عنده وجدتَه لبيبا فَطِناً ، لا يوقَف على أسراره ، ولا يدرك باطنه . «ومعروف الضريبة ، منكر الجليبة» ، الجليبة هي الخلقُ الَّذِي يتكلّفه الإنسان ويستجلبه ، مثل أن يكون جبانا بالطبع فيتكلّف الشجاعة ، أو شحيحاً بالطبع فيتكلف الجود ، وهذا القسم أيضا عام في النّاس . ثم لما فرغ من الأخلاق المتضادة ذكر بعدها ذوِي الأخلاق والطباع المتناسبة المتلائمة ، فقال : «وتائه القلب متفرق اللّب» ، وهذان الوصفان متناسبان لا متضادّان . ثم قال : « وطليق اللّسان حديد الجَنان» ، وهذان الوصفان أيضاً متناسبان ، وهما متضادان للوصفين قبلهما ، فالأوّلان ذمٌّ ، والآخران مدح .

۲۳۰الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام قاله وهو يلي غسل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وتجهيزهبِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللّه ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالأنبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ . خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءً . وَلَوْلاَ أَنَّكَ أَمْرْتَ بِالصَّبْرِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ ، لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ (1)وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً ، وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً ، وَقَـلاَّ لَكَ ! وَلكِنَّهُ مَا لاَيُمْلَكُ رَدُّهُ ، وَلاَ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ!

.


1) .الشؤون : منابع الدمع من الرأس . المماطل : المسوف . المحالف : الملازم .

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!

الشّرْحُ:بأبي أنت وأمّي ! أي بأبي أنت مفدىًّ وأُمّي . والإنباء : الإخبار ، مصدر أنبأ ينبئ ، وروي : «والأنباء» بفتح الهمزة جمع نَبَأ ، وهو الخبر . وأخبار السماء : الوحي . قوله عليه السلام : «خصّصت وعمّمت» ، أي خصّت مصيبتك أهل بيتك حتى إنهم لا يكترثون بما يصيبهم بعدك من المصائب ، ولا بما أصابهم من قَبْل ، وعمّت هذه المصيبة أيضاً النّاس ، حتى استوى الخلائق كلُّهم فيها ، فهي مصيبة خاصّة بالنسبة ، وعامّة بالنسبة . قوله عليه السلام : « ولكان الداء مماطلاً » ، أي مماطلاً بالبرء أي لا يجيب إلى الإقلاع . والإبلال : الإفاقة .

۲۳۱الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامالْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ ، وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ ، الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وَجُودِهِ ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ . الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ ، وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ ، وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ ، مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ . وَاحِدٌ لاَ بِعَدَدٍ ، وَدَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ ، وَقَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ . تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لاَ بِمُشَاعَرَةٍ ، وَتَشْهَدُ لَهُ

.

الْمَرَائِي لاَ بِمُحَاضَرَةٍ . لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا ، وَبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا . لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً ، وَلاَ بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً ؛ بَلْ كَبُرَ شَأْناً ، وَعَظُمَ سُلْطَاناً . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ ، وَأَمِينُهُ الرَّضِيُّ ، ـ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ ، وَظُهُورِ الْفَلَجِ ، وَإِيضَاحِ الْمَنْهَجِ ؛ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا ، وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دالاًّ عَلَيْهَا ، وَأَقَامَ أَعْلاَمَ الاِْهْتِدَاءِ ، وَمَنَارَ الضِّيَاءِ ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الاْءِسْلاَمِ مَتِينَةً ، وَعُرَى الاْءِيمَانِ وَثِيقَةً .

الشّرْحُ:الشواهد هاهنا ، يريد بها الحواسّ وسمّـاها «شواهد» ، إمّا لحضورها ؛ شهد فلان كذا أي حضره ، أو لأنها تشهد على ما تدركه وتثبته عند العقل ، كما يشهد الشاهد بالشيء ويثبته عند الحاكم . والمشاهد هاهنا : المجالس والنوادي ، يقال : حضرت مشهد بني فلان ، أي ناديهم ومجتمعهم . ثم فسّر اللفظة الأُولى وأبان عن مراده بها ، بقوله : «ولا تراه النواظر» ، وفسّر اللفظة الثانية وأبان عن مرادها ، فقال : «ولا تحجبه السواتر» . والمراد بقوله عليه السلام : «الدالّ بحدوث الأشياء على قدمه» ، أي على كونه ذاتا لم يجعلها جاعل ، وليس المراد بالقدم هاهنا الوجود لم يزل ، بل مجرد الذاتيّة لم يزل . ثم يستدلّ بعد ذلك بحدوث الأشياء على أنّ له صفة أُخرى لم تزل زائدة على مجرّد الذاتيّة ، وتلك الصفة هي وجوده فقد اتّضح المراد الآن . فإن قلت : فهل لهذا الكلام مساغٌ على مذهب البغداديين؟ قلت : نعم ، إذا حمل على منهج التأويل بأن يريد بقوله : «وبحدوث خلقه على وجوده » ، أي على صحّة إيجاده له فيما بعد ، أي إعادته بعد العدَم يوم القيامة ؛ لأنّه إذا صحّ منه تعالى إحداثه ابتداءً صحّ منه إيجاده ثانيا على وجه الإعادة ؛ لأنّ الماهيّة قابلة للوجود والعدم ، والقادر قادرٌ لذاته ، فأمّا من روى بحدوث خلقه على وجوده ، فإنه قد سقطت عنه هذه الكلف كلّها ، والمعنى على هذا ظاهر ؛ لأنّه تعالى دلّ المكلفين بحدوث خلقه على أنه جواد منعم ، ومذهب أكثر المتكلّمين أنه خلق العالم جودا وإنعاماً وإحساناً إليهم .

.

قوله عليه السلام : «وباشتباههم على أن لا شبَه له» هذا دليل صحيح ، وذلك لأنّه إذا ثبت أن جسماً ما محدَث ، ثبت أنّ سائر الأجسام محدَثة ؛ لأنّ الأجسام متماثلة ، وكلّ ما صحّ على الشيء صحّ على مثله ، وكذلك إذا ثبت أنّ سوادا ما أو بياضا ما محدَث ، ثبت أن سائر السوادات والبياضات محدَثة ؛ لأنّ حكم الشيء حكم مثله ، والسّواد في معنى كونه سواداً غير مختلف ، وكذلك البياض ، فصارت الدلالة هكذا الذوات التي عندنا يُشبِه بعضها بعضا ، وهي محدَثة ؛ فلو كان البارئ سبحانه يشبه شيئا منها لكان مثلها ، ولكان محدَثاً ؛ لأنّ حكم الشيء حكم مثله ، لكنه تعالى ليس بمحدَث ، فليس بمشابه لشيء منها ، فقد صحّ إذا قوله عليه السلام : « وباشتباههم على أن لا شبه له» . قوله عليه السلام : «الّذي صدق في ميعاده» ، لا يجوز ألاّ يصدق ؛ لأنّ الكذب قبيحٌ عقلاً ، والبارئ تعالى يستحيل منه من جهة الدّاعي والصارف أن يفعل القبيح . «وارتفع عن ظلم عباده» ، هذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام أخذوه . ثم أعاد الكلام الأول في التوحيد تأكيداً ، فقال : حدوث الأشياء دليل على قدمه ، وكونها عاجزة عن كثير من الأفعال دليل على قدرته ، وكونها فانية دليل على بقائه . ثم قال : «واحد لا بعدد» لأنّ وحدته ذاتيّة ، وليست صفة زائدة عليه ، وهذا من الأبحاث الدقيقة في علم الحكمة . ثم قال : «دائم لا بأمَد» ؛ لأنهُ تعالى ليس بزمانيّ ولا داخل تحت الحركة والزمان ، وهذا أيضا من دقائق العلم الإلهيّ ، والعرب دون أن تفهم هذا أو تنطق به ، ولكن هذا الرجل كان ممنوحا من اللّه تعالى بالفيْض المقدّس والأنوار الربانيّة . «وقائم لا بِعَمَد» ؛ لأنّه لما كان في الشاهد كلّ قائم فله عماد يعتمِد عليه ، أبان عليه السلام تنزيهه تعالى عن المكان ، وعمّا يتوهمه الجهلاء من أنه مستقرٌّ على عرشه بهذه اللفظة . ومعنى القائم هاهنا ليس ما يسبق إلى الذهن من أنه المنتصب . بل ، ما تفهمه من قولك : فلان قائم بتدبير البلد ، وقائم بالقسط . «تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة» ، أي تتلقاه تلقّيا عقلياً ، ليس كما يتلقى الجسم الجسمَ بمشاعره وحواسّه وجوارحه ، وذلك لأنّ تعقّل الأشياء وهو حصول صورها في العقل بريئة من المادة ، والمراد بتلقّيه سبحانه هاهنا تلقى صفاته ، لا تلقى ذاته تعالى ؛ لأنّ ذاته تعالى لا تتصوّرها العقول . ثم قال : «وتشهد له المرائى لا بمُحاضرة» ، المرائي : جمع مرئيّ ، وهو الشيء المدرَك بالبَصر ، يقول : المرئيّات تشهدُ بوجود البارئ ؛ لأنّه لولا وجوده لما وُجدت ، ولو لم توجد لم تكن مرئيّات ، وهي شاهدة بوجوده لا كشهادتها بوجود

.

الأبصار ؛ لأنّها شهدت بوجود الأبصار لحضورها فيها . وأمّا شهادتها بوجود الباري فليستْ بهذه الطريق ، بل بما ذكرناه . والأولى أن يكون «المرائي» هاهنا جمع «مَرْآة» بفتح الميم ، من قولهم : هو حسن في مَرآة عيني ، يقول : إنّ جنس الرؤية يشهد بوجود البارئ من غير محاضرة منه للحواس . قوله عليه السلام : «لم تُحط به الأوهام» إلى قوله عليه السلام «وإليها حاكَمَها» ، هذا الكلام دقيق ولطيف ، والأوهام هاهنا هي العقول ، يقول : إنّه سبحانه لم تحط به العقول ، أي لم تتصوّر كنهَ ذاته ، ولكنه تجلّى للعقول بالعقول ، وتجلّيه هاهنا هو كشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من صفاته الإضافية والسلبيّة لا غير ، وكشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من أسرار مخلوقاته، فأمّا غير ذلك فلا ؛ وذلك لأنّ البحث النظريّ قد دلّ على أنّا لم نعلم منه سبحانه إلاّ الإضافة والسلب ، أما الإضافة فكقولنا : عالم قادر ، وأمّا السّلب فكقولنا : ليس بجسم ولا عرَض ولا يُرى ، فأمّا حقيقة الذات المقدسة المخصوصة من حيث هي هي ، فإنّ العقل لا يتصوّرها ، وهذا مذهب الحكماء وبعض المتكلّمين من أصحابنا ومن غيرهم . ثم قال : «وبالعقول امتنع من العقول» ، أي وبالعقول وبالنظر ، علمنا أنه تعالى يمتنع أن تدركه العقول . ثم قال : «وإلى العقول حاكَم العقول» ، أي جعل العقول المدعية أنها أحاطت به وأدركته كالخصم له سبحانه ، ثم حاكمها إلى العقول السليمة الصحيحة النظر ، فحكمت له سبحانه على العقول المدّعية لما ليست أهلاً له . واعلم أنّ القول بالحيرة في جلال ذات البارئ والوقوف عند حدٍّ محدود لا يتجاوزه العقل قولٌ ما زال فضلاء العقلاء قائلين به . قوله عليه السلام : «ليس بذي كِبَرٍ» إلى قوله «وعظُم سلطاناً» ، معناه أنه تعالى يطلق عليه من أسمائه الكبير والعظيم ، وقد ورد بهما القرآن العزيز ، وليس المراد بهما ما يستعمله الجمهور من قولهم : هذا الجسم أعظم وأكبر مقدارا من هذا الجسم ، بل المراد عِظمُ شأنه وجلالة سلطانه . والفَلج : النُّصرة ، وأصله سكون العين ، وإنّما حرّكه ليوازن بين الألفاظ ، وذلك لأنّ الماضي منه فَلَج الرجلُ على خَصمه بالفتح ، ومصدره الفَلْج بالسكون ، فأما من روى : « وظهور الفُلُج» بضمتين فقد سقط عنه التأويل ؛ لأنّ الاسم من هذا اللفظ : «الفُلج» بضم أول الكلمة ، فإذا استعملها الكاتب أو الخطيب جاز له ضمّ الحرف الثاني . وصادعا بهما : مظهرا مجاهدا ، وأصله الشقّ . والأمراس : الحِبال ، والواحد مَرَس ؛ بفتح الميم والراء .

.

الأصْلُ:منها في صفة عجيب خلق اللّه من أصناف الحيوان:وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ ، وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ، وَلكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ ! أَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ ، وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ، وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ ! انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا ، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا ، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ ؛ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا ، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا ، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا ، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا ، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا ، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا ؛ مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا ، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا ؛ لاَ يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ ، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ ! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا ، فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا ، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا ، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا ، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً ، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً ! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا ؛ وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا ! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ ، وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ . وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ الَّنمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ ؛ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ ، وَغَامِضِ اخْتِلاَفِ كُلِّ حَيٍّ . وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ . وَكَذلِكَ السَّماءُ وَالْهَوَاءُ ، وَالرِّيَاحُ وَالْمَاءُ . فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ ، وَاخْتِلاَفِ هذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَتَفَجُّرِ هذِهِ الْبِحَارِ ، وَكَثْرَةِ هذِهِ الْجِبَالِ ، وَطُولِ هذِهِ الْقِلاَلِ ، وَتَفَرُّقِ هذِهِ اللُّغَاتِ ، وَالْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ .

.

فَالوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ ، وَجَحَدَ الْمُدَبِّرَ ! زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ ، وَلاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ ؛ وَلمْ يَلْجَؤُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوا ، وَلاَ تَحْقِيقٍ لِمَا أَدْعَوْا ، وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بِانٍ ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ !

الشّرْحُ:مدخولة : معيبة . وفَلَق : شقَّ وخلق . والبَشَر : ظاهر الجلد . قوله عليه السلام : «وصُبّت على رزقها» ، قيل : هو على العكس ، أي وصبّ رزقُها عليها ، والكلام صحيح ولا حاجة فيه إلى هذا ، والمراد : كيف همّت حتى انصبّت على رزقها انصبابا ؛ أي انحطت عليه . ويروى : «وضنّت على رزقها» بالضاد المعجمة والنون ، أي بخلت . وجُحْرها : بيتها . «وفي وِرْدِها لصَدَرها» ، أي تجمع في أيام التمكّن من الحركة لأيام العجز عنها ، وذلك لأنّ النمل يظهر صيفا ويخفى في شدّة الشتاء لعجزه عن ملاقاة البرد . قوله عليه السلام : «رزْقُها وفْقها» أي بقدر كفايتها ، ويروى «مكفول برزقها مرزوقة بوفقها » . والمنّان ؛ من أسماء اللّه تعالى العائد إلى صفاته الفعلية ، أي هو كثير المنّ والإنعام على عباده . والديّان : المجازي للعباد على أفعالهم ، قال تعالى : «أإنَّا لمَدِينُونَ» (1)أي مجزيّون . والحجَر الجامس : الجامد . والشراسيف : أطراف الأضلاع المشرفة على البطن . فأما الحكماء ، فإنهم لا يثبتون للنّمل شَراسيف ولا أضلاعا ، ويجب إن صحّ قولهم أن يحمَل كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام عَلَى اعتقاد الجمهور ومخاطبة العرب بما تتخيّله وتتوهّمه حقّا ، وكذلك لا يثبت الحكماء للنّمل آذاناً بارزة عن سطوح رؤوسها ، ويجب إنْ صحّ ذلك أن نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام عَلَى قوّة الإحساس بالأصوات ، فإنه لا يمكن الحكماءإنكار وجود هذه القوّة للنمل . قوله عليه السلام : «ولو ضربت فيمذاهب فكرك لتبلغ غاياته» ، أي غايات فكرك . وضربت بمعنى سرت . والمذاهب : الطرق ، قال تعالى : «وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ » (2)، وهذا الكلام استعارة.

.


1) .سورة الصافات ۵۳ .

2) .سورة النساء ۱۰۱ .

قال : لو أمعنتَ النّظرَ لعلمتَ أنّ خالق النملة الحقيرَة هو خالق النّخلة الطويلة ؛ لأنّ كلّ شيء من الأشياء تفصيل جسمه وهيئته تفصيل دقيق ، واختلاف تلك الأجسام في أشكالها وألوانها ومقاديرها اختلافٌ غامض السبب ، فلا بدّ للكلّ من مدبّر يحكم بذلك الاختلاف ويفعله ، على حسب ما يعلمه من المصلحة . ثم قال : وما الجليل والدقيق في خلْقه إلاّ سواء ! لأنّه تعالى قادر لذاته ، لا يعجزه شيء من الممكنات . ثم قال : «فانظر إلى الشمس والقمر» إلى قوله : «والألسن المختلفات» ، هذا هو الاستدلال بإمكان الأعراض على ثبوت الصانع . ثم سفّه آراء المعطِّلة ، وقال : «إنهم لم يعتصموا بحجّة ، ولم يحقِّقوا ما وعوْه» ، أي لم يرتّبوا العلوم الضروريّة ترتيبا صحيحا يفضي بهم إلى النتيجة الّتي هي حقّ . ثم أخذ في الردّ عليهم من طريق أُخرى ، وهي دعوى الضَّرُورة ، وقد اعتمد عليها كثيرٌ من المتكلّمين ، فقال : نعلم ضرورة أنّ البناء لابدّ له من بانٍ . ثم قال : «والجناية لابدّ لها من جانٍ» ، وهذه كلمة ساقتْه إليها القرينة ، والمراد عموم الفعليّة لا خصوص الجناية ، أي مستحيل أن يكون الفعلُ من غير فاعل .

الأصْلُ:وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ ، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ ، وَمِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ . يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَ بَّهَا وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا ، وَتَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا . وَخَلْـقُهَا كُلُّهُ لاَ يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً . فَتَبَارَكَ اللّهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ «مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً» ، وَيُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَوَجْهاً ، وَيُلْقِى إِلَيْهِ بِالْطَّاعَةِ سِلْماً وَضَعْفاً ، وَيُعْطِى لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَخَوْفاً ! فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ ؛ أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسَ ، وَأَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبَسِ ؛ وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا ، وَأَحْصَى أَجْنَاسَهَا ؛ فَهذَا غُرَابٌ وَهذَا عُقَابٌ ، وَهذَا

.

۲۳۲. من خطبة له عليه السلام في التوحيد

حَمَامٌ وَهذَا نَعَامٌ ؛ دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بَاسْمِهِ ، وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ . وَأَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا ، وَعَدَّدَ قِسَمَهَا ؛ فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا ، وَأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا (1).

الشّرْحُ:قوله : «وأسْرَج لها حَدقتين» ، أي جعلهما مضيئتين كما يضيء السراج ، ويقال : حدقة قمراء أي منيرة ، كما يقال : ليلة قمراء أي نيّرة بضوء القمر . و «بهما تَقْرِض» أي تَقطَع ، والراء مكسورة . والمِنْجلان : رجلاها ؛ شبّههما بالمناجل لعوجهما وخشونتهما . ويَرْهبها : يخافها . ونزواتها : وثباتها . والجدْب : المحل .

۲۳۲الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلام في التوحيد وتجمع هذه الخطبة من أُصول العلم ما لا تجمعه خطبة غيرها :مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ ، وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ ، وَلاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ ، وَلاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ . كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ ، وَكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ . فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَةٍ ، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَةٍ ، غَنِيٌّ لاَ بِاسْتِفَادَةٍ . لاَ تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ ، وَلاَ تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ ؛ سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ ، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ ، وَالاِبْتِدَاءَ أَوَّلُهُ .

.


1) .الجرادة : دويبة من مستقيمات الأجنحة أنواعها عديدة . الحدقة : سواد العين . النابين : مفردة ناب : وهو من الأسنان خلف الرباعية . منجلين : مفردها منجل : حديدة ملتوية يجتث بها الزرع . الذبّ : الدفع . أجلبوا : أجمعوا . أُرسى : أثبت . الندى : مقابل اليبس . الهطل : تتابع المطر . الجدوب : المحْل .

الشّرْحُ:هذا الفصل يشتمل على مباحث متعدِّدة : أولها : قوله : «ما وحَّدَهُ مَنْ كَيّفه» ، وهذا حقّ ؛ لأنّه إذا جعله مكيَّفا جعله ذا هيئة وشكل ، أو ذا لونٍ وضوء ، إلى غيرهما من أقسام الكَيْف ، ومتى كان كذلك كان جسما ولم يكن واحداً ؛ لأنّ كلّ جسم قابل للانقسام ، والواحد حقاً لا يقبل الانقسام ، فقد ثبت أنه ما وحّده مَنْ كيّفه . وثانيها : قوله : «ولا حقيقته أصاب مَنْ مثّله» ، وهذا حقّ ؛ لأنّه تعالى لا مثل له ، وقد دلّت الأدلّة الكلاميّة والحُكْميّة على ذلك ، فَمنْ أثبت له مثلاً ، فإنه لم يصب حقيقته تعالى ، والسَّجعة الأُخرى تعطي هذا المعنى أيضا من غير زيادة عليه ، وهي قوله عليه السلام : «ولا إيّاه عَنَى مَنْ شبّهه» ولهذا قال شيوخنا : إنّ المشبِّه لا يعرف اللّه ، ولا تتوجّه عباداتُه وصلواته إلى اللّه تعالى ؛ لأنّه يعبد شيئا يعتقده جسما ، أو يعتقده مشابها لبعض هذه الذوات المحدَثة ، والعبادة تنصرف إلى المعبود بالقصد ، فإذا قُصِد بها غيرُ اللّه تعالى لم يكن قد عبدَ اللّه سبحانه ولا عرفه ، وإنّما يتخيّل ويتوهّم أنه قد عرفه وعبده ، وليس الأمر كما تخيّل وتوهّم . وثالثها : قوله عليه السلام : «ولا صَمَده مَنْ أشار إليه» أي أثبته في جهة . الصَّمَد في اللغة العربيّة : السيّد . والصمَد أيضا الذي لا جوف له ، وصار التّصميد في الاصطلاح العرفيّ عبارة عن التنزيه ، والذي قال عليه السلام حقّ ؛ لأنّ مَنْ أشار إليه ـ أي أثبته في جهة ـ فإنه ما صَمَده ؛ لأنّه ما نزّهه عن الجهات ، بل حكم عليه بما هو من خواصّ الأجسام ، وكذلك مَنْ توهّمه سبحانه ، أي مَنْ تخَيّل له في نفسه صورة أو هيئة أو شكلاً ، فإنّه لم ينزهه عَمّا يجب تنزيهه عنه . ورابعها : قوله : «كلّ معروف بنفسه مصنوع» ، هذا الكلام يجب أن يتأوّل ، ويحمل على أنّ كلّ معروف بالمشاهدة والحسّ فهو مصنوع ، وذلك لأنّ البارئ سبحانه معروف من طريقين : إحداهما من أفعاله ، والأُخرى بنفسه ؛ وهي طريقة الحكماء الّذين بحثُوا في الوجود من حيث هو وجود ، فعلموا أنّه لابدّ من موجودٍ واجبِ الوجود ، فلم يستدلّوا عليه بأفعاله ، بل أخرج لهم البحث في الوجود أنه لابدّ من ذات يستحيل عدمها من حيث هي هي . يريد عليه السلام بالفقرة الأُولى كلّ معروف بنفسه من طريق المشاهدة مستقلاً بذاته ، غير مفتقر في تقوّمه إلى غيره فهو مصنوع ، وهذا يختصّ بالأجسام خاصّة ، ولا يدخل الألوان وغيرها من الأعراض فيه ؛ لأنّها متقوّمة بمحالها .

.

وخامسها : قوله : «وكلّ قائم في سواه معلول» ، أي وكلّ شيء يتقوّم بغيره فهو معلول ، وهذا حقٌّ لا محالة ، كالأعراض ؛ لأنها لو كانت واجبةً لاستغنت في تقوّمها عن سواها ، لكنّها مفتقرة إلى المحلّ الذي يتقوّم به ذواتها ؛ فإذا هي معلولة ؛ لأنّ كل مفتقر إلى الغير فهو ممكن فلا بدّ له من مؤثر . وسادسها : قوله : «فاعل لا باضطراب آلة» هذا لبيان الفرق بينه وبيننا ، فإنّنا نفعل بالآلات وهو سبحانه قادر لذاته فاستغنى عن الآلة . وسابعها : قوله : «مقدّر لا بجوْل فكرة» ، هذا أيضا للفرق بيننا وبينه ؛ لأنّا إذا قدّرنا أجَلْنا أفكارنا ، وتردّدت بنا الدواعي ، وهو سبحانه يقدّر الأشياء على خلاف ذلك . وثامنها : قوله : «غنيّ لا باستفادة» ، هذا أيضا للفرق بيننا وبينه ؛ لأنّ الغنيّ منّا مَنْ يستفيد الغنى بسبب خارجي ، وهو سبحانه غني بذاته من غير استفادة أمر يصير به غنياً ، والمراد بكونه غنيّا أنّ كل شيء من الأشياء يحتاج إليه ، وأنّه سبحانه لا يحتاج إلى شيء من الأشياء أصلاً . وتاسعها : قوله : «لا تصحبه الأوقات» ، هذا بحث شريف جدا ؛ وذلك لأنّه سبحانه ليس بزمان ولا قابل للحركة ، فذاته فوق الزمان والدهر . وعاشرها : قوله : «ولا تُرْفِدُه الأدوات» ، رفدت فلاناً إذا أعنتَه ؛ والمراد الفرق بيننا وبينه ؛ لأنّنا مرفودون بالأدوات ، ولولاها لم يصح منا الفعل ، وهو سبحانه بخلاف ذلك . وحادي عشرها : قوله : «سبق الأوقات كونُه ...» إلى آخر الفصل ، هذا تصريح بحدوث العالم . فإن قلت : ما معنى قوله : «والعدم وجوده» ؟ وهل يسبق وجوده العدم مع كون عدم العالم في الأزَل لا أوّلَ له؟ قلت : ليس يعني بالعدم هاهنا عدم العالم . بل ، عدم ذاته سبحانه ، أي غلب وجود ذاته عدمها وسبقها ، فوجب له وجود يستحيل تطرّق العدم إليه أزلاً وأبداً بخلاف الممكنات ، فإنّ عَدمها سابق بالذّات على وجودها ، وهذا دقيق!

الأصْلُ:بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ . ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ ؛ وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ ،

.

وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ . مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا ، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا ، مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا ، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا . لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍّ ، وَلاَ يُحْسَبُ بِعَدٍّ ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا ؛ وَتُشِيرُ الاْلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا .

الشّرْحُ:المشاعر : الحواسّ ، قال بَلْعاء بن قَيس : والرّأسُ مُرْتَفِعٌ فيهِ مشاعِرُهُيَهْدِي السّبيلَ له سَمعٌ وعَيْنَانِ قال : بجعله تعالى المشاعر عُرِف أن لا مشعرَ له ؛ وذلك لأنّ الجسم لا يصحّ منه فعل الأجسام ، وهذا هو الدليل الذي يعوِّل عليه المتكلّمون في أنّه تعالى ليس بجسم . ثم قال : «وبمضادّته بين الأُمور عرف أن لا ضدّ له» ؛ وذلك لأنّه تعالى لما دلّنا بالعقل على أن الأُمور المتضادة إنّما تتضادّ على موضوع تقوم به وتحلّه كان قد دلّنا على أنّه تعالى لاضد له ؛ لأنّه يستحيل أن يكون قائماً بموضوع يحلّه كما تقوم المتضادّات بموضوعاتها . ثم قال : «وبمقارنته بين الأشياء عُرِف أن لا قرين له» ؛ وذلك لأنّه تعالى قَرن بين العَرض والجوْهر ، بمعنى استحالة انفكاك أحدهما عن الآخر ، وقَرَن بين كثير من الأعراض ، واستحالة انفكاك أحد الأمرين عن الآخر ، علمنا أنه لا قرينَ له سبحانه ؛ لأنّه لو قارن شيئاً على حسب هذه المقارنة لاستحالة انفكاكه عنه ، فكان محتاجا في تحقق ذاته تعالى إليه ، وكلّ محتاج ممكن ، فواجب الوجود ممكن ! هذا محال . ثم شرع في تفصيل المتضادات ، فقال : «ضاد النّورَ بالظُّلْمة» ، وهما عَرَضان عند كثير من النّاس ، وفيهم مَنْ يجعل الظلمة عدميّة . قال : «والوضوحَ بالبُهْمة» ، يعني البياض والسواد . قال : «والجمودَ بالبَلَل» ، يعني اليبوسة والرطوبة . قال : «والحَرورَ بالصَّرْد» ، يعني الحرارة والبرودة ، والحرور هاهنا مفتوح الحاء ، يقال : إني لأجد لهذا الطعام حَروراً وحَرورة في فمي ، أي حرارة ، ويجوز أن يكون في الكلام مضاف محذوف ، أي وحَرارة الحَرور بالصَّرْد ؛ والحرور هاهنا يكون الريح الحارّة ، وهي بالليل كالسَّموم بالنهار ، والصَّرْد : البرْد . ثم قال : وإنّه تعالى مؤلِّف بين هذه المتباعدات . المتعاديات : المتباينات ، وليس المراد من تأليفه بينهما جمعه إيّاها في مكان واحد ، كيف وذلك مستحيل في نفسِه ، بل هو سبحانه

.

مؤلف لها في الأجسام المركّبة حتى خلع منها صورة مفردة ، هي المزاج ، ألا ترى أنّه جمع الحارّ والبارد والرطب واليابس، فمزجه مَزْجا مخصوصا حتى انتزع منه طبيعة مفردة،ليست حارّة مطلقة، ولا باردة مطلقة، ولا رطبة مطلقة، ولا يابسة مطلقة، وهي المِزاج ، وهو محدود عند الحكماء بأنّه كيفيّة حاصلة من كيفيّات متضادة ، وهذا هو محصول كلامه عليه السلام بعينه . والعَجب من فصاحته في ضمْن حكمته ، كيف أعطى كلّ لفظةٍ من هذه اللّفظات ما يناسبُها ويليق بها ، فأعطى المتباعدات لفظة «مقرّب» ؛ لأنّ البعد بإزاء القرب ، وأعطى المتباينات لفظة «مقارن» ؛ لأنّ البينونة بإزاء المقارنة ، وأعطى المتعاديات لفظة «مؤلّف» ؛ لأنّ الائتلاف بإزاء التعادي . ثم عاد عليه السلام فعكس المعنى ، فقال : «مفرّق بين متدانياتِها» ، فجعل الفساد بإزاء الكوْن ، وهذا من دقيق حكمته عليه السلام ؛ وذلك لأنّ كلّ كائن فاسد ، فلما أوضح ما أوضح في الكَوْن والتركيب والإيجاد ، أعقبه بذكر الفساد والعدم ، فقال : «مفرّق بين متدانياتها» ؛ وذلك لأنّ كلّ جسم مركّبٌ من العناصر المختلفة الكيفيّات المتضادّة الطبائع ، فإنه سيؤول إلى الانحلال والتفرّق . ثم قال : «لا يُشمَل بحدّ» ؛ وذلك لأنّ الحدّ الشامل ما كان مركَّباً من جنس وفصل ، والبارئ تعالى منزّه عن ذلك ؛ لأنّه لو شمِله الحدّ على هذا الوجه يكون مركَّبا ، فلم يكن واجب الوجود ، وقد ثبت أنّه واجب الوجود ، ويجوز أن يعني به أنّه ليس بذي نهاية ، فتحويه الأقطار وتحدّه . «ولا يحسب بعدّ» ، يحتمل أن يريد : لا تحسب أزليّته بعدّ ، أي لا يقال له : منذ وُجد كذا وكذا ، كما يقال للأشياء المتقاربة العهد ، ويحتمل أن يريد به أنّه ليس مماثلاً للأشياء فيدخل تحت العدد ، كما تعدّ الجواهر ، وكما تعدّ الأُمور المحسوسة . «وإنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلات إلى نظائرها» ، هذا يؤكّد معنى التفسير الثاني ؛ وذلك لأنّ الأدواتِ كالجوارح ، إنّما تحدّ وتقدر ما كان مثلها من ذوات المقادير ، وكذلك إنّما تشير الآلات ـ وهي الحواسّ ـ إلى ما كان نظيراً لها في الجسمية ولوازمها ، والبارئ تعالى ليس بذي مقدار ولا جسم ، ولا حالّ في جسم ، فاستحال أن تحدّه الأدوات وتشير إليه الآلات .

الأصْلُ:مَنَعتْهَا مُنْذُ الْقِدْمَةَ ، وَحَمَتْهَا قَدُ الْأَزَلِيَّةَ ، وَجَنَّبَتْهَا لَوْلاَ التَّكْمِلَةَ ! بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ ، وَلاَ تَجْرِي عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ ، وَكَيْفَ

.

يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ! إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ، وَلَتجَزَّأَ كُنْهُهُ ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ ، وَلاَلْتَمَسَ التََّمامَ إِذْ لَزِمَهُ الْنُّقْصَانُ ؛ وَإِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ ، وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِْمْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤثِّرُ فِي غَيْرِهِ .

الشّرْحُ:قد اختلف الرواة في هذا الموضع من وجهين : أحدهما : قول مَنْ نصب «القِدمة» و «الأزليّة» و «التكملة» فيكون نصبها عنده على أنّها مفعول ثانٍ ، والمفعول الأوّل الضمائر المتصلة بالأفعال ، وتكون « منذ » و «قد» و «لولا» في موضع رفع بأنّها فاعلة ، وتقدير الكلام : إنّ إطلاق لفظة «منذ» على الآلات والأدوات يمنعها عن كونها قديمة ؛ لأنّ لفظة « منذ » وضعت لابتداء الزمان كلفظة «من» لابتداء المكان ، والقديم لا ابتداء له ، وكذلك إطلاق لفظة «قد» على الآلات ، والأدوات تحميها وتمنعها من كونها أزليّة ؛ لأنّ «قد» لتقريب الماضي من الحال ، تقول : قد قام زيد ، فقد دلّ على أن قيامه قريب من الحال التي أخبرت فيها بقيامه ، والأزليّ لا يصحّ ذلك فيه ، وكذلك إطلاق لفظة « لولا» على الأدوات والآلات يجنّبها التكملة ، ويمنعها من التمام المطلق ؛ لأنّ لفظة «لولا» وضعت لامتناع الشيء لوجود غيره ، كقولك : لولا زيد لقام عمرو ، فامتناع قيام عمرو إنّما هو لوجود زيد ، وأنت تقول في الأدوات والآلات وكلّ جسم : ما أحسنه لولا أنه فانٍ ! وما أتمّه لولا كذا ! فيكون المقصد والمنحَى بهذا الكلام على هذه الرواية بيان أنّ الأدوات والآلات محدَثة ناقصة ، والمراد بالآلات والأدوات أربابُها . الوجه الثاني : قول مَنْ رفع «القِدمة» و «الأزلية» و «التكملة» فيكون كلّ واحد منها عنده فاعلا ، وتكون الضمائر المتّصلة بالأفعال مفعولاً أوّلاً ، و «منذ» و «قد» و «لولا» مفعولاً ثانيا ، ويكون المعنى أنّ قِدَم الباري وأزليّته وكماله منعت الأدوات والآلات من إطلاق لفظة «منذ» و «قد» و «لولا» عليه سبحانه ؛ لأنّه تعالى قديم كامل ، ولفظتا «منذ» و «قد» لا يطلقان إلاّ على محدَث ؛ لأنّ إحدَاهما لابتداء الزمان والأُخرى لتقريب الماضي من

.

الحَال ، ولفظة «لولا» لا تطلق إلاّ على ناقص ، فيكون المقصد والمنحَى بهذا الكلام على هذه الرواية بيان قِدَم الباري تعالى وكماله ، وأنّه لا يصحّ أن يطلق عليه ألفاظ تدلّ على الحدوث والنَّقص . قوله عليه السلام : «بها تجلّى صانعُها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون» ، أي بهذه الآلات والأدوات التي هي حواسّنا ومشاعرنا ، وبخلْقِه إياها ، وتصويرِه لها ، تجلّى للعقول وعُرِف ؛ لأنّه لو لم يخلقها لم يعرف ، وبها امتنع عن نظر العيون ، أي بها استنبطنا استحالة كونه مرئيّا بالعيون ؛ لأنّا بالمشاعر والحواسّ كملت عقولنا ، وبعقولنا استخرجنا الدلالة على أنّه لا تصحّ رؤيته ، فإذن بخلقه الآلات والأدوات لنا عرفناه عقلاً ، وبذلك أيضاً عرفنا أنّه يستحيل أن يعرَف بغير العقل ، وأنّ قول من قال : إنا سنعرفه رؤيةً ومشافهة بالحاسّة ، باطل . قوله عليه السلام : «لا تجرى عليه الحركة والسكون» ، هذا دليلٌ أخذَه المتكلّمون عنه عليه السلام فنظموه في كتبهم وقرروه ، وهو أنّ الحركة والسكون معانٍ محدَثة ، فلو حلّت فيه لم يخلُ منها ، وما لم يخل من المحدَث فهو محدث . ثم قال عليه السلام : «إذَاً لتفاوتت ذاتُه ، ولتجزّأ كُنهه ، ولامتنع من الأزَل معناه» ، هذا تأكيد لبيان استحالة جَرَيان الحركة والسّكون عليه ، تقول : لو صحّ عليه ذلك لكان محدَثا ، وهو معنى قوله : «لامتنع من الأزَل معناه» ، وأيضا كان ينبغي أن تكون ذاته منقسمة ؛ لأنّ المتحرّك الساكن لابدّ أن يكون متحيّزا ، وكلّ متحيّز جسم ، وكلّ جسم منقسم أبداً ، وفي هذا إشارة إلى نفي الجوْهر الفرد . ثم قال عليه السلام : «ولكان له وراء إذ وُجِد له أمام» ، هذا يؤكّد ما قلناه إنه إشارة إلى نفي الجوْهر الفرْد ، يقول : لو حلّته الحَركة لكان جرْما وحَجْما ؛ ولكان أحدُ وجهيه غيرَ الوجه الآخر لا محالة ، فكان منقسما ، وهذا الكلام لا يستقيم إلاّ مع نفي الجوهر الفرد ، لأنّ مَنْ أثبته يقول : يصحّ أن تحلّه الحركة ، ولا يكون أحد وجهيْه غير الآخر ، فلا يلزم أن يكون له وراء وأمام . ثم قال عليه السلام : «ولا التمس التمام إذ لزمه النقصان» ، هذا إشارة إلى ما يقوله الحكماء ، منْ أنّ الكوْن عدم ونقْص ، والحركة وجود وكمال ، فلو كان سبحانه يتحرّك ويسكن لكان حال السكون ناقصا قد عدم عنه كماله ، فكان ملتَمسا كمالُه بالحرَكة الطارئة على السّكون ، وواجب الوجود ، يستحيل أن يكون له حالة نقصان ، وأن يكون له حالة بالقوّة وأُخرى بالفعل . قوله عليه السلام : «إذاً لقامت آية المصنوع فيه» ، وذلك لأنّ آية المصنوع كونه متغيّرا منتقلاً من حال إلى حال ، لأنّا بذلك استدللنا على حدوث الأجسام ، فلو كان تعالى متغيرا متحرّكا

.

منتقلاً من حال إلى حال لتحقّق فيه دليل الحدوث ، فكان مصنوعا ، وقد ثبت أنّه الصّانع المطلق سبحانه . قوله عليه السلام : «ولتحوّل دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه» ، يقول : إنا وجدنا دليلنا على البارئ سبحانه ، إنما هو الأجسام المتحرّكة ، فلو كان البارئ متحرّكا لكان دليلاً على غيره ، وكان فوقه صانع آخر صنعه وأحدثه ، لكنه سبحانه لا صانعَ له ولا ذات فوق ذاته ، فهو المدلول عليه والمنتهى إليه . قوله عليه السلام : «وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما أثر في غيره» ، في هذا الكلام يتوهّم سامعه أنه عطف على قوله : «لتفاوتت» ، و «لتجزأ» ، و « لامتنع» ، و «لكان له» ، «ولالتمس» ، و «لقامت» ، و «لتحوّل» وليس كذلك ؛ لأنّه لو كان معطوفاً عليها لاختلّ الكلام وفسد ؛ لأنها كلها مستحيلات عليه تعالى ، والمراد لو تحرّك لزم هذه المحالات كلّها . «وخرج بسلطان الامتناع» ليس من المستحيلات عليه ، بل هو واجب له ، ومن الأُمور الصادقة عليه ، فإذا فسد أن يكون معطوفا عليها وجب أن يكون معطوفا على ما كان مدلولاً عليه ، وتقدير الكلام : كان يلزم أن يتحوّل البارئ دليلاً على غيره ، بعد أن كان مدلولاً عليه ، وبعد أن خرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما أثّر في غيره ، وخروجه بسلطان الامتناع المراد به وجوب الوجود والتجريد وكونه ليس بمتحيّز ولا حالّ في المتحيّز ، فهذا هو سلطان الامتناع الذي به خرج عن أن يؤثّر فيه ما أثّر في غيره من الأجسام والممكنات .

الأصْلُ:الَّذِي لاَ يَحُولُ وَلاَ يَزُولُ ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ . لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً ، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً . جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ ، وَطَهُرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ النِّسَاءِ ؛ لاَ تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ ، وَلاَ تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ ، وَلاَ تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ ، وَلاَ تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ ، وَلاَ يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ ، وَلاَ يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ ، وَلاَ تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ وَالظَّلاَمُ .

الشّرْحُ:هذا الفصل كلّه واضح مستغنٍ عن الشرح ، إلاّ قوله عليه السلام : «لم يلد فيكون مولوداً» ؛ لأنّ لقائل أن يقول : كيف يلزم من فرض كونه والداً أن يكون مولودا ؟ في جوابه : إنه ليس معنى الكلام

.

أنه يلزم من فرض وقوع أحدهما وقوع الآخر ، وكيف وآدم والد وليس بمولود ! وإنّما المراد أنه يلزم من فرض صحّة كونه والدا صحّةُ كونه مولودا ، وبالتالي محال والمقدّم محال . وأمّا بيان أنّه لا يصح كونه مولودا ، فلأنّ كلّ مولود متأخّر عن والده بالزّمان ، وكلّ متأخر عن غيره بالزّمان محدَث ، فالمولود محدَث والبارئ تعالى قد ثبت أنه قديم ، وأنّ الحدوث عليه محال ، فاستحال أن يكون مولودا ، وتمّ الدليل .

الأصْلُ:وَلاَ يُوصَفُ بِشَيءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ ، وَلاَ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ ، وَلاَ بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ ، وَلاَ بِالْغَيْرِيَّةِ وَالْأَبْعَاضِ ، وَلاَ يُقَالُ : لَهُ حَدٌّ وَلاَ نِهَايَةٌ ، وَلاَ انقِطَاعٌ وَلاَ غَايَةٌ ؛ وَلاَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ ؛ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ ، أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ . لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ ، وَلاَ عَنْهَا بِخَارِجٍ . يُخْبِرُ لاَ بِلِسَانٍ وَلَهَوَاتٍ ، وَيَسْمَعُ لاَ بِخُرُوقٍ وَأَدَوَاتٍ . يَقُولُ وَلاَ يَلْفِظُ ، وَيَحْفَظُ وَلاَ يَتَحَفَّظُ ، وَيُرِيدُ وَلاَ يُضْمِرُ . يُحِبُّ وَيَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ ، وَيُبْغِضُ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ ، يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ : كُنْ فَيَكُونُ . لاَ بِصَوْتٍ يَقْرَعُ ، وَلاَ بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ ؛ وَإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً ، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً .

الشّرْحُ:في هذا الفصل مباحث : أولها : أنّ البارئ سُبْحانه لا يوصَف بشيء من الأجزاء ، أي ليس بمركّب ؛ لأنّه لو كان مركّبا لافتقر إلى أجزائه ، وأجزاؤه ليست نفس هويّته ، وكلّ ذاتٍ تفتقر هويّتها إلى أمر من الأُمور فهي ممكنة ؛ لكنّه واجب الوجود ، فاستحال أن يوصَف بشيء من الأجزاء . وثانيها : أنّه لا يوصَف بالجوارح والأعضاء كما يقول مثبتو الصورة ، وذلك لأنّه لو كان كذلك لكان جسما ، وكلّ جسم ممكن ، وواجب الوجود غير ممكن . وثالثها : أنّه لا يوصَفُ بعرَض من الأعراض كما يقوله الكرَّاميّة ؛ لأنّه لو حلّه العَرَض

.

لكان ذلك العَرض ليس بأنْ يُحلّ فيه أوْلى من أن يَحُلّ هو في العرَض . ورابعها : أنّه لا يوصف بالغيريّة والأبعاض ، أي ليس له بَعْض ، ولا هو ذو أقسام بعضها غيرا للبعض الآخر . وخامسها : أنّه لا حدّ له ولا نهاية ، أي ليس ذا مقدار ، ولذلك المقدار طرَف ونهاية ؛ لأنّه لو كان ذا مقدار لكان جسما . وسادسها : أنّه لا انقطاع لوجوده ، ولا غاية ؛ لأنّه لو جاز عليه العدم فيالمستقبَل لكان وجوده الآن متوقّفا على عدم سبب عدمه ، وكلّ متوقف على الغير فهو ممكن في ذاته ، والبارئ تعالى واجب الوجوب ، فاستحال عليه العدَم . وسابعها : أنّ الأشياء لا تحويه فتقلّه ، أي ترفعه ، أو تهويه ، أي تجعله هاويا إلى جهة تحت ؛ لأنّه لو كان كذلك لكان ذا مقدار أصغر من مقدار الشيء الحاوي له ، لكنْ قد بينّا أنه يستحيل عليه المقادير ، فاستحال كونه محويّا . وثامنها : أنّه ليس يحمله شيء فيميله إلى جانب ، أو يعد له بالنسبة إلى جميع الجوانب ؛ لأنّ كلّ محمول مقدّر ، وكلّ مُقدّر جسم ، وقد ثبت أنّه ليس بجسم . وتاسعها : أنّه ليس في الأشياء بوالج ، أي داخل . ولا عنها بخارج ، هذا مذهب الموحدين . وعاشرها : أنّه تعالى يخبر بلا لسان ولهَوات ؛ وذلك لأنّ كونه تعالى مخبرا هو كونه فاعلاً للخبر ، فلا يحتاج في كونه مخبراً إلى لسان ولهَوات يخبر بها . وحادي عشرها : أنه تعالى يسمع بلا حروف وأدوات ؛ وذلك لأنّ البارئ سبحانه حيٌّ لا آفة به ؛ وكلّ حيٍّ لا آفة به ؛ فواجب أن يَسمع المسموعات ، ويبصر المبصرات ، ولا حاجة به سبحانه إلى حروف وأدوات ، كما نحتاج نحن إلى ذلك ، لأنَّا أحياء بحياة تحلّنا ، والبارئ تعالى حيٌّ لذاته . وثاني عشرها : أنّه يقول ولا يتلفّظ ، هذا بحث لفظيّ ؛ وذلك لأنّه قد ورد السمع بتسميته قائلاً ، وقد تكرر في الكتاب العزيز ذكر هذه اللفظة ، نحو قوله : «إذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى» (1)«وَقَالَ اللّهُ إنّي مَعَكُم» (2)، ولم يرد في السمع إطلاق كونه متلفّظا عليه ، وفي إطلاقه إيهام

.


1) .سورة المائدة ۱۱۰ .

2) .سورة المائدة ۱۲ .

كونِه ذا جارحة ، فوجب الاقتصار على ماورد ، وتركُ ما لم يرِد . وثالث عشرها : أنّه تعالى يحفظُ ولا يتحفّظ ؛ أمّا كونه يحفظ فيطلَق على وجهين : أحدهما أنه يحفظ بمعنى أنه يحصِي أعمال عباده ويعلمها ، والثاني كونه يحفظُهم ويحرسهم من الآفات والدّواهي . وأمّا كونه لا يتحفّظ فيحتمل معنيين . أحدهما أنّه لا يجوز أن يطلق عليه أنه يتحفّظ الكلام ، أي يتكلّف كونه حافظا له ، ومحيطا وعالما به ، كالواحد منا يتحفّظ الدرس ليحفَظه ، فهو سبحانه حافظٌ غير متحفّظ . والثاني أنه ليس بمتحرّز ولا مشفق على نفسه خوفا أن تبدر إليه بادرة من غيره . ورابع عشرها : أنّه يريد ولا يضمر ، أمّا كونه مريدا فقد ثبت بالسّمع نحو قوله تعالى : «يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ» (1)، وبالعقل لاختصاص أفعاله بأوقات مخصوصة ، وكيفيّات مخصوصة ، جاز أن تقع على خلافها ، فلا بدّ من مخصّص لها بما اختصّت به ؛ وذلك كونه مريداً ، وأمّا كونه لا يضمر فهو إطلاق لفظيّ لم يأذن فيه الشَّرع ، وفيه إيهام كونه ذا قلب ؛ لأنّ الضمير في العرْف اللغويّ ما استكنّ في القلب ، والبارئ ليس بجسم . وخامس عشرها : أنّه يحبّ ويرضى من غير رقّة ، ويبغِض ويغضب من غير مشقّة ؛ وذلك لأنّ محبته للعبد إرادته أن يثيبه ، ورضاه عنه أن يحمَد فعله ، وهذا يصحّ ويطلق على البارئ ، لا كإطلاقه علينا ؛ لأنّ هذه الأوصاف يقتضي إطلاقها علينا رِقّة القلب ، والبارئ ليس بجسم ، وأمّا بغضه للعبد فإرادة عقابه وغضبِهِ كراهية فعله ووعيده بإنزال العقاب به . وسادس عشرها : أنّه يقول لمن أراد كونه : كن ، فيكون من غير صوت يقرع ، ولا نداء يسمع ، والظَّاهر أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أطلَقه حملاً على ظاهر لفظ القرآن في مخاطبة الناس بما قد سمعوه وأنسوا به ، وتكرّر على أسماعهم وأذهانهم . وسابع عشرها : أنّ كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ، ومثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائناً ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا ، هذا هو دليل المعتزلة على نفي المعاني القديمة الّتي منها القرآن ؛ وذلك لأنّ القِدَم عندهم أخصّ صفات البارئ تعالى ، أو موجب عن الأخصّ ، فلو أنّ في الوجود معنىً قديما قائما بذات البارئ ؛ لكان ذلك المعنى مشاركا للبارئ في أخصّ صفاته ، وكان يجب لذلك المعنى جميع ما وجب للبارئ من الصّفات ، نحو العالميّة والقادريّة وغيرهما ، فكان إلها ثانيا .

.


1) .سورة البقرة ۱۸۵ .

فإن قلت : ما معنى قوله عليه السلام «ومثّله»؟ قلت : يقال : مثّلت له كذا تمثيلاً ، إذا صوّرتَ له مثاله بالكتابة أو بغيرها ، فالبارئ مثّل القرآنَ لجبريل عليه السلام بالكتابة في اللّوْح المحفوظ فأنزله على محمّد صلى الله عليه و آله وسلم . وأيضا يقال : مثل زيد بحضرتي إذا حضر قائما ، ومثّلته بين يدي زيد أي أحضرته منتصبا ، فلمّا كان اللّه تعالى فعل القرآن واضحا بيّنا كان قد مثّله للمكلّفين .

الأصْلُ:لاَ يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ ، وَلاَ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَصْلٌ ، وَلاَ لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ ، فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ ، وَيَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَالْبَدِيعُ . خَلَقَ الْخَلاَئِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ ، وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ ، وَحَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَالاِْعْوِجَاجِ ، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَالاِنْفِرَاجِ . أَرْسَى أَوْتَادَهَا ، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا ، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا ، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا ؛ فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ ، وَلاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ .

الشّرْحُ:عاد عليه السلام إلى تنزيه البارئ تعالى عن الحدُوث ، فقال : لا يجوز أن يوصَف به فتجري عليه الصّفات المحدَثات كما تجري على كلّ محدَث ، وروي : «فتجري عليه صفات المحدَثات» وهو أليَق ، ليعود إلى المحدَثات ذوات الصفات ما بعده ؛ وهو قوله عليه السلام : «ولا يكون بينه وبينها فصل» ، لأنّه لا يحسن أن يعود الضمير في قوله : «وبينها» إلى «الصفات» بل إلى «ذوات الصفات» . قال : لو كان محدَثاً لجرت عليه صفات الأجسام المحدَثة ، فلم يكن بينه وبين الأجسام المحدَثة فرْق ، فكان يستوي الصانع والمصنوع ، وهذا محال . ثم ذكر أنّه خلق الخلْق غير محتذٍ لمثال ، ولا مستفيد من غيره كيفيّة الصنعة ، بخلاف الواحد منّا ، فإنّ الواحد

.

منّا لابدّ أن يحتذِيَ في الصّنعة ، كالبنّاء والنّجّار والصّانع وغيرها . قال عليه السلام : «ولم يستعنْ على خلْقها بأحدٍ من خلقه» ؛ لأنّه تعالى قادر لذاته لا يُعجِزه شيء . ثم ذكر إنشاءه تعالى الأرض ، وأنه أمسكها من غير اشتغال منه بإمساكها ، وغير ذلك من أفعاله ومخلوقاته ، ليس كالواحد منّا يمسك الثقيل فيشتغل بإمساكه عن كثير من أُموره . قال : «وأرساها» ، جعلها راسية على غير قرار تتمكّن عليه ، بل واقفة بإرادته التي اقتضت وقوفها . والأوَد : الاعوجاج ، وكرّر لاختلاف اللفظ . والتّهافت : التساقط . والأسداد : جمع سَدّ ، وهو الجبل ، ويجوز ضمّ السين . واستفاض عيونَها ، بمعنى أفاض ، أي جعلها فائضة . وخدّ أودَيتها ، أي شقّها . فلم يَهُنْ ما بناه ، أي لم يضعف .

الأصْلُ:هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ ، وَالْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلاَلِهِ وَعِزَّتِهِ . لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ ، وَلاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ ، وَلاَ يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ . خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ ، وذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ ، لاَ تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضُرِّهِ ، وَلاَ كُفْ ءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ . هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا ، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا . وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا . وَكَيْفَ وَلَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا ـ مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَا ، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا ، وَمُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا ـ عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا ، وَلاَ عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا ، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذلِكَ وَتَاهَتْ ، وَعَجِزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً ، عَارِفَةً بِأَ نَّهَا مَقْهُورَةٌ ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا ، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا !

.

الشّرْحُ:الظاهر : الغالب القاهر . والباطن : العالم الخبير . والمُراح بضم الميم : النَّعم تُردُّ إلى المُراح ، بالضمّ أيضا ؛ وهو الموضع الذي تأوي إليه النّعم ، وليس المُراح ضدّ السائم على ما يظنّه بعضهم . وأسناخها : جمع سِنْخ بالكسر ، وهو الأصل . وقوله : «ولو اجتمع جميع حيوانها على إحداث بعوضة» ، هو معنى قوله سبحانه : «إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابا وَلَوِ اجتَمَعُوا لَهُ» (1). فإن قلت: ما معنى قوله: «لا تستطيع الهربَ من سُلْطانه إلى غيره فتمتنع مِنْ نَفْعِه وضرّه»؟ وهلاّ قال : «من ضرّه» ؟ ولم يذكر النفع ، فإنه لا معنى لذكره هاهنا! قلت : هذا كما يقول المعتصم بمعقِل حصين عن غيره : ما يقدر اليوم فلان لي على نفع ولا ضرّ، وليس غرضه إلاّ ذكر الضّرر ، وإنما يأتي بذكر النّفع على سبيل سلْب القدرة عن فلان على كلّ ما يتعلق بذلك المعتصم ، وأيضاً فإنّ العفو عن المجرم نفعٌ له ، فهو عليه السلام يقول : إنه ليس شيء من الأشياء يستطيع أن يخرج إذا أجرم من سلطان اللّه تعالى إلى غيره فيمتنع من بأس اللّه تعالى ، ويستغني عن أن يعفو عنه لعدم اقتداره عليه .

الأصْلُ:وَإِنّه سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لاَ شَيْءَ مَعَهُ . كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا ، كَذلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا ، بِلاَ وَقْتٍ وَلاَ مَكَانٍ ، وَلاَ حِينٍ وَلاَ زَمَانٍ . عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِكَ الاْجَالُ وَالْأَوْقَاتُ ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ ، فَلاَ شَيْءَ إِلاَّ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ ؛ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ . بِلاَ قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا ، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا ، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا . لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ ، وَلَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا بَرَأه وخَلَقَهُ ، وَلَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ ، وَلاَ لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ ، وَلاَ لِلاِسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ ، وَلاَ لِلاِحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ ، وَلاَ لِلاِزْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ ، وَلاَ لِمُكَاثَرَةِ

.


1) .سورة الحج ۷۳ .

شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ ، وَلاَ لِوَحْشةٍ كَانَتْ مِنْهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأنِسَ إِلَيْهَا . ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا ؛ لاَ لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا ، وَلاَ لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ ، وَلاَ لِثِقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ . لاَ يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا ، وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ ، ثُمَّ يُعِيْدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا ، وَلاَ اسْتِعَانَةٍ بَشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا ، وَلاَ لاِنْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ ، وَلاَ مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَعَمىً إِلَى عِلْمٍ وَالْتَِماسٍ ، وَلاَ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إِلَى غِنىً وَكَثْرَةٍ ، وَلاَ مِنْ ذُلٍّ وَضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وَقُدْرَةٍ .

الشّرْحُ:شرع أوّلاً في ذكر إعدام اللّه سبحانه الجواهر وما يتبعها ، ويقوم بها من الأعراض قبل القيامة ، وذلك لأنّ الكتاب العزيز قد ورد به ، نحو قوله تعالى : «كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ» (1)؛ ومعلوم أنه بدأه عن عدم ، فوجب أن تكون الإعادة عن عدم أيضاً . وقال تعالى : «هَوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ» (2)؛ وإنّما كان أوّلاً لأنّه كان موجودا ، ولا شيء من الأشياء بموجود ، فوجب أن يكون آخراً كذلك ، هذا هو مذهب جمهور أصحابنا وجمهور المسلمين . ثم ذكر أنّه يكون وحده سبحانه بلا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان ؛ وذلك لأنّ المكان إمّا الجسم الذي يتمكّن عليه جسم آخر ، أو الجهة ، وكلاهما لا وجودَ له بتقدير عدم الأفلاك وما في حشوها من الأجسام ، أما الأوّل فظاهر ، وأمّا الثاني فلأنّ الجهة لا تتحقّق إلاّ بتقدير وجود الفلَك ؛ لأنها أمرٌ إضافيٌّ بالنسبة إليه ، فبتقدير عدمه لا يبقى للجهة تحقّق أصلاً ، وأمّا الزّمان والوقت والحين فكلّ هذه الألفاظ تعطي معنىً واحداً ، ولا وجود لذلك المعنى بتقدير عدم الفلك ؛ لأنّ الزمان هو مقدار حركة الفلك ، فإذا قدّرنا عدم الفلك فلا حرَكة ولا زمان . ثم أوضح عليه السلام ذلك وأكّده ، فقال : «عُدمت عند ذلك الآجال والأوقات ،

.


1) .سورة الأنبياء ۱۰۴ .

2) .سورة الحديد ۳ .

وزالت السنون والساعات» ؛ لأنّ الأجل هو الوقت الذي يحلّ فيه الدَّيْن أو تبطل فيه الحياة ، وإذا ثبتَ أنّه لا وقت ، ثبت أنه لا أجل ، وكذلك لا سنَة ولا ساعة ؛ لأنها أوقات مخصوصة . ثم عاد عليه السلام إلى ذكر الدنيا ، فقال : «بلا قدرة منها كان ابتداء خلْقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها» ؛ يعني أنّها مسخّرة تحت الأمر الإلهي . «ولو قَدَرت على الامتناع لدام بقاؤها» ؛ لأنها كانت تكون ممانعة للقديم سبحانه في مراده ، وإنّما تمانعه في مراده لو كانت قادرة لذاتها ، ولو كانت قادرة لذاتها وأرادت البقاء لبقيت . قوله عليه السلام : «لم يتكاءده» بالمدّ ، أي لم يشقّ عليه ؛ ويجوز «لم يتكأده» بالتشديد والهمزة ، وأصله من العقبة الكؤود ، وهي الشّاقة . قال : « ولم يؤده» أي لم يثقله . ثم ذكر أنّه تعالى لم يخلق الدنيا ليشدّ بها سلطانه ، ولا لخوفه من زوال أو نقص يلحقه ، ولا ليستعين بها على ندٍّ مماثل له ، أو يحترز بها عن ضدٍّ محارب له ، أو ليزداد بها ملكه ملكاً ، أو لِيُكاثر بها شريكا في شركته له ، أو لأنّه كان قبل خلقها مستوحشا فأراد أن يستأنس بمَنْ خلَق . ثم ذكر أنه تعالى : «سيُفنيها بعد إيجادها» لا لضجرِ لحقه في تدبيرها ، ولا لراحة تصلُه في إعدامها ، ولا لثقل شيء منها عليه حال وجودها ، ولا لملل أصابه فبعثه على إعدامها . ثم عاد عليه السلام ، فقال : إنّه سبحانه سيعيدها إلى الوجود بعد الفناء ، لا لحاجة إليها ولا ليستعين ببعضها على بعض ، ولا لأنّه استوحش حال عدمها فأحبّ أن يستأنس بإعادتها ، ولا لأنّه فقد علْما عند إعدامها فأراد بإعادتها استجداد ذلك العلم ، ولا لأنّه صار فقيرا عند إعدامها فأحبّ أن يتكثّر ويُثرِي بإعادتها ، ولا لذلٍّ أصابه بإفنائها فأراد العزّ بإعادتها . فإن قلت : إذا كان يفنيها لا لكذا ولا لكذا ، وكان من قبْلُ أوجدها لا لكذا ولا لكذا ، ثم قلتم : إنه يعيدها لا لكذا ولا لكذا ، فلأيّ حال أوجدها أوّلاً ؟ ولأيّ حال أفناها ثانياً ؟ ولأيّ حال أعادها ثالثا ؟ خَبِّرُونا عن ذلك ، فإنكم قد حكيتم عنه عليه السلام الحكْم ولم تحكُوا عنه العلّة! قلت : إنما أوجدها أولاً للإحسان إلى البشر ليعرفوه ، فإنّه لو لم يوجدهم لبقي مجهولاً لا يعرف ، ثم كلّف البشر ليعرّضهم للمنزلة الجليلة التي لا يمكن وصولهم إليها إلاّ بالتكليف وهي الثواب ، ثم يفنيهم لأنّه لابدّ من انقطاع التكليف ليخلص الثواب من مشاقّ التكاليف ؛ وإذا كان لابدّ من انقطاعه فلا فرقَ بين انقطاعه بالعدم المطلق ، أو بتفريق الأجزاء ، وانقطاعه بالعدم المطلق قد ورد به الشرع ، وفيه لطف زائد للمكلّفين ؛ لأنّه أردع وأهيَب في صدورهم

.

۲۳۳. من خطبة له عليه السلام تختصّ بذكر بالملاحم

من بقاء أجزائهم ، واستمرار وجودها غير معدومة . ثم إنه سبحانه يبعثهم ويعيدُهم ليوصّل إلى كلّ إنسان ما يستحقّه من ثواب أو عقاب ، ولا يمكن إيصال هذا المستحقّ إلاّ بالإعادة ، وإنّما لم يذكر أمير المؤمنين عليه السلام هذه التعليلات ؛ لأنّه قد أشار إليها فيما تقدّم من كلامه ، وهي موجودة في فرش خُطَبه ، ولأنّ مقام الموعظة غير مقام التعليل ، وأمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة يسلُك مسلك الموعظة في ضمْن تمجيد البارئ سبحانه وتعظيمه ، وليس ذلك بمظنّة التعليل والحِجاج .

۲۳۳الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلام تختص بذكر الملاحمأَلاَ بِأَبِي وَأُمِّي ، هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَفِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ . أَلاَ فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ ، وَانْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ ، وَاسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ . ذاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ ! ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي ؛ ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ والنَّعِيمِ ، وَتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ ، وَتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ ، ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلاَءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ . مَا أَطْوَلَ هذَا العَنَاءَ ! وَأَبْعَدَ هذَا الرَّجَاءَ ! أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلْقُوا هذِهِ الْأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ ، وَلاَ تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ ، وَلاَ تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا ، وَخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا ؛ فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ . إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ

.

مَنْ وَلَجَهَا . فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا ، وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا .

الشّرْحُ:الإمامية تقول : هذه العدّة هم الأئمة الأحد عشر من ولده عليه السلام . وغيرهم يقول : إنه عَنَى الأبدال الذين هم أولياء اللّه في الأرض ، وقد تقدّم منّا ذكر القطب والأبدال ۱ . قوله عليه السلام : «أسماؤهم في السماء معروفة» ، أي تعرفها الملائكة المعصومين ، أعلمهم اللّه تعالى بأسمائهم . وفي الأرض مجهولة ، أي عند الأكثرين لاستيلاء الضلال على أكثر البشَر . ثم خرج إلى مخاطبة أصحابه على عادته في ذكر الملاحم والفتن الكائنة في آخر زمان الدنيا ، فقال لهم : توقّعوا ما يكون من إدبار أُموركم ، وانقطاع وُصَلكم ـ جمع وُصْلة ـ واستعمال صغاركم ، أي يتقدّم الصغار على الكبار ، وهو من علامات الساعة . قال : ذاك حيث يكون احتمال ضربة السيف على المؤمن أقلَّ مشقة من احتمال المشقة في اكتساب درهم حلال ، وذلك لأنّ المكاسب تكون قد فسدت واختلطت ، وغلَب الحرام الحلال فيها . قوله : «ذاك حيث يكون المعطَى أعظم أجراً من المعطِي» ، معناه أن أكثر من يعطي ويتصدّق في ذلك الزمان يكون ماله حراما فلا أجرَ له في التصدّق به ، ثم أكثرهم يقصِد الرّياء والسُّمعة بالصدقة أو لهوَى نفسه ، أو لخطرة من خطراتِه ، وأمّا المعطَى فإنه يكون فقيراً

.

ذا عيال ، لا يلزمه أن يبحث عن المال أحرام هو أم حلال ؟ ! فإذا أخذه ليسدّ به خلّته ، ويصرفه في قوت عياله ، كان أعظم أجرا ممن أعطاه . قوله عليه السلام : «ذاك حيث تَسْكَرُونَ من غير شراب ، بل من النَّعمة» ، بفتح النون ، وهي غَضارة العيش . «وتحلفون من غير اضطرار» ، أي تتهاونون باليمين وبذكر اللّه عزّ وجلّ . «وتكذبون من غير إحراج» ، أي يصير الكذب لكم عادة ودُرْبة ، لا تفعلونه لأنّ آخر منكم قد أحرجكم واضطركم بالغيظ إلى الحلف . وروي من غير «إحواج» بالواو ، أي من غير أن يُحوجكم إليه أحد . قال : ذلك إذا عَضّكم البلاء كما يعضّ القَتَبُ غاربَ البعير . هذا الكلام غير متصل بما قبله ، وهذه عادة الرضيّ رحمه الله يلتقط الكلام التقاطاً ، ولا يتلو بعضه بعضا ، وقد ذكرنا هذه الخطبة أو أكثرها فيما تقدّم من الأجزاء الأُول ، وقبل هذا الكلام ذكر ما ينالُه شيعتُه من البؤس والقنُوط ومشقّة انتظار الفرج (1). قوله عليه السلام : «ما أطوَلَ هذا العناء ، وأبعد هذا الرجاء» ! هذا حكاية كلام شيعتِه وأصحابه . ثم قال مخاطبا أصحابه الموجودين حوله : أيّها الناس ، ألقُوا هذه الأزمّة التي تَحمل ظهورُها الأثقَال [من] أيديكم . هذه كناية عن النَّهْي عن ارتكاب القبيح وما يوجب الإثم والعقاب . والظُّهور هاهنا : هي الإبل أنفسها . والأثقال : المآثم . وإلقاء الأزمّة : ترك اعتماد القبيح ، فهذا عمومه ، وأمّا خصوصه فتعريضٌ بما كان عليه أصحابه من الغدْر ومخامرة العدوّ عليه ، وإضمار الغِلّ والغشّ له ، وعصيانه والتلوّي عليه ، وقد فسّره بما بعده فقال : «ولا تصدّعوا عن سلطانكم» أي لا تفرّقوا ، «فتذمّوا غِبّ فعالكم» ، أي عاقبته . ثم نهاهم عن اقتحام ما استقبلوه من فَوْر نارِ الفتنة ، وفَوْر النار : غلَيانها واحتدامُها ، ويروى : «ما استقبَلكم» . ثم قال : «وأمِيطوا عن سَنَنها» أي تنحَّوْا عن طريقها ، وخلّوا قصْد السبيل لها ، أي دعوها تسلك طريقها ولا تقفوا لها فيه فتكونوا حطبا لنارها . ثم ذكر أنّه قد يهلك المؤمن في لَهبها ، ويسلَم فيه الكافر ، كما قيل : المؤمن ملقّىً والكافر موقّىً . ثم ذكر أن مثله فيهم كالسُّرُج

.


1) .انظر : الخطبة (۱۰۱ ،۱۰۷ ، ۱۵۰ ، ۱۵۱) .

۲۳۴. من خطبة له عليه السلام يوصي الناس فيها بالتقوى ويذكّرهم الموت ويحذّرهم الغفلة

يستضيءبهامن وَلَجها، أيدخل فيضوئها. وآذانُ قلوبكم؛ كلمة مستعارة، جعل للقلب آذاناً.

۲۳۴الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامأُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، بِتَقْوَى اللّهِ وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلاَئِهِ إِلَيْكُمْ ، وَنَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ ، وَبَلاَئِهِ لَدَيْكُمْ . فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ ، وَتَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ ! أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ ، وَتَعَرَّضْتُمْ لِأَخْذِهِ فَأْمْهَلَكُمْ ! وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَإِقْلاَلِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ ، وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ ، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ ! فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ ؛ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ ، كَأَ نَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً ، وَكَأَنَّ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً . أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ ، وَأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ ، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا ، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا ، لاَ عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً ، وَلاَ فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً ، أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغرَّتْهُمْ ، وَوَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ . فَسَابِقُوا ـ رَحِمَكُمُ اللّهُ ـ إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا ، وَالَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا ، وَدُعِيتُمْ إِلَيْهَا . وَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَالْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ . مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ ، وَأَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ ، وَأسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمْرِ ! (1)

.


1) .البلاء : الإحسان ، وأصله للخير والشر ، ولكنّه هنا بمعنى الخير . لأخذه : أي أن يأخذكم بالعقاب . أغفله : سها عنه وتركه . أوطن المكان : اتخذه وطنا . أوحشه : هجره حتى لا أنيس منه به .

۲۳۵. من كلام له عليه السلام في الإيمان

الشّرْحُ:أعورتم ، أي انكشفتم وبدتْ عوراتكم ، وهي المَقاتِل ، تقول : أعور الفارس ، إذا بدت مَقاتلُه ، وأعورك الصَّيْدُ إذا أمكنك منه . قوله عليه السلام : أوْحَشوا ما كانوا يوطِنون ، أي أوطنوا قبورهم التي كانوا يوحشونها . « واشتغلوا بما فارقوا» ، أي اشتغلوا وهم في القبور بما فارقوه من الأموال والقيْنات ، لأنها أذىً وعقاب عليهم في قبورهم ، ولولاها لكانوا في راحة . ويجوز أن يكون حكاية حالهم وهم بعد في الدنيا ، أي اشتغلوا أيام حياتهم من الأموال والمنازل بما فارقوه ، وأضاعوا من أمر آخرتهم ما انتقلوا إليه . ثم ذكر أنّهم لا يستطيعون فعل حسنة ، ولا توبةً من قبيح ؛ لأنّ التكليف سقط ، والمنازل التي أمروا بعمارتها ، والمقابر ، وعمارتها الأعمال الصالحة . وقوله عليه السلام : «إن غداً من اليوم قريب » كلام يجري مجرى المثل ، قال : * غدٌ ما غدٌ ما أقرب اليوم من غدِ * والأصل فيه قول اللّه تعالى : «إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بقَريبٍ» (1). وقوله عليه السلام : «ما أسرع الساعات في اليوم ...» إلى آخر الفصل ، كلام شريف وجيز بالغ في معناه ، والفصل كلّه نادر لا نظير له .

۲۳۵الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامفَمِنَ الاْءِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ . فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ

.


1) .سورة هود ۸۱ .

الْمَوْتُ ، فَعِنْدَ ذلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ . وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ ، مَا كَانَ لِلّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الاْءِمَّةِ وَمُعْلِنِهَا . لاَ يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلى أَحَدٍ الاّ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ ، وَلاَ يَقَعُ اسْمُ الاِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعْتْهَا أُذُ نُهُ وَوَعَاهَا قَلْبُهُ . إِنَّ أَمْرَنا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ ، لاَ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللّهُ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ ، وَلاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ ، وَأَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ . أَيُّهَا النَّاسُ ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّماءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ ؛ قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا وَتَذْهَبُ بِأَحْلاَمِ قَوْمِهَا (1).

الشّرْحُ:هذا الفصل يُحمَل على عدّة مباحث : أوّلها : قوله عليه السلام : فمن الإيمان ما يكون كذا . فنقول : إنه قسّم الإيمان إلى ثلاثة أقسام : أحدها : الإيمان الحقيقيّ ، وهو الثابت المستقرّ في القلوب بالبرهان اليقينيّ . الثاني : ما ليس ثابتا بالبرهان اليقينيّ بل بالدليل الجدَليّ ، كإيمان كثير ممن لم يحقّق العلوم العقلية ، ويعتقد ما يعتقده عن أقيِسة جدليّة لا تبلغ إلى درجة البرهان ، وقد سمّى عليه السلام هذا القسم باسم مفرد ، فقال : إنه عواري في القلوب ، والعواري : جمع عاريّة ، أي هو وإن كان في القلب وفي محل الايمان الحقيقيّ ، إلاّ أنّ حكمه حكم العارية في البيت ، فإنها بعرضة الخروج منه ؛ لأنّها ليست أصلية كائنة في بيت صاحبها . والثالث : ما ليس مستندا إلى برهان ولا إلى قياس جدلي ، بل على سبيل التقليد ، وحسن الظن بالأسلاف ، وبمن يحسن ظنّ الإنسان فيه من عابد أو زاهد أو ذي ورع ، وقد

.


1) .عواري : جمع عارية . أي ما تعطيه غيرك شرط أن يردّه لك . فقفوه : أوقفوا الحكم عليه . المستسر : من استسرّ الأمر إذا كتمه . الإِمة ، بكسر الهمزة : الحالة . الأحلام : هنا العقول . الرزينة : الوقرة . الرزين : أصيل الرأي . شغر برجله : رفعها . الخطام : مقود البعير . الخطم : الأنف وما يليه .

جعله عليه السلام عواري بين القلوب والصدور ؛ لأنهُ دون الثاني ، فلم يجعلهُ حالاًّ في القلب ، وجعلهُ مع كونه عارية حالاًّ بين القلب والصدر . فيكون أضعف مما قبله . فإن قلت : فما معنى قوله : «إلى أجل معلوم»؟ قلت : إنه يرجع إلى القسمين الأخيرين ؛ لأنّ من لا يكون إيمانُه ثابتا بالبرهان القطعيّ قد ينتقل إيمانه إلى أن يصير قطعيا ، بأن ينعم النّظر ويرتّب البرهان ترتيبا مخصوصا ، فينتج له النتيجة اليقينيّة ، وقد يصير إيمان المقلّد إيمانا جدليّا فيرتقي إلى ما فوقه مرتبته ، وقد يصير إيمان الجدليّ إيماناً تقليديا بأن يضعف في نظره ذلك القياس الجدليّ ، ولا يكون عالما بالبرهان ، فيؤول حالُ إيمانه إلى أن يصير تقليديّا ، فهذا هو فائدة قوله : «إلى أجل معلوم» في هذين القسمين . فأمّا صاحب القسم الأوّل فلا يمكن أن يكون إيمانه إلى أجل معلوم ؛ لأنّ مَنْ ظفر بالبرهان استحال أن ينتقل عن اعتقاده ، لا صاعداً ولا هابطاً ؛ أمّا لا صاعداً ، فلأنّه ليس فوق البرهان مقام آخر ، وأمّا لا هابطا ، فلأنّ مادّة البرهان هي المقدّمات البديهيّة والمقدّمات البديهيّة يستحيل أن تضعف عند الإنسان حتى يصير إيمانه جدليّا أو تقليديا . وثانيها : قوله عليه السلام : «فإذا كانت لكم براءة» ، فنقول : إنّه عليه السلام نهى عن البراءة من أحدٍ ما دام حيّا ، لأنّه وإن كان مخطئا في اعتقاده ، لكن يجوز أن يعتقد الحقّ فيما بعد ، وإن كان مخطئا في أفعاله ، لكن يجوز أن يتوبَ . فلا تحلّ البراءة من أحد حتى يموت على أمرٍ ؛ فإذا مات على اعتقادٍ قبيح أو فعل قبيح جازت البراءة منه . وثالثها : قوله : «والهجرة قائمة على حدّها الأوّل» ، فنقول : هذا كلام يختصّ به أميرالمؤمنين عليه السلام ، وهو من أسرار الوصيّة ، لأنّ الناس يروُون عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال : «لا هجرة بعد الفتح» (1)، فشفع عمّه العباس في نعيم بن مسعود الأشجعيّ أن يستثنيَه ، فاستثناه ، وهذه الهجرة التي يشيرُ إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليست تلك الهجرة ، بل هي الهجرة إلى الإمام ، قال : إنها قائمة على حدها الأوّل مادام التكليف باقياً (2)، وهو معنى قوله : «ما

.


1) .صحيح البخاري ۲:۱۳۴ ، ومسلم ۳:۱۴۸۹ ح۸۵ . وسنن الترمذي ۴:۱۴۸ ، ح۱۵۹۰ وغيرهم ووسائل الشيعة ، الحرّ العاملي ۵:۱۰۲ . وقيل : إن المراد منه ، لا هجرة بعد فتح مكّة لأنها صارت دار الإسلام أبداً .

2) .صرّح كثير من فقهائنا ؛ بأنّ الهجرة باقية مادام الكفر باقياً ، أو الشرك قائماً ، واستدلّ له بعدة أدلة منها قوله عليه السلام : « لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها » . انظر : شرايع الإسلام ، للمحقق الحلي ۱:۲۳۴ ، والمبسوط ، للطوسي ۳:۴ ، مجمع الفائدة ، ۷:۴۴۷ مسند أحمد ۱:۱۹۲ .

كان للّه تعالى في أهل الأرض حاجة» . ثم ذكر أنّه لا يصحّ أن يعدَّ الإنسان من المهاجرين إلاّ بمعرفة إمام زمانه ، وهو معنى قوله : «إلاّ بمعرفة الحجّة في الأرض» . قال : «فمن عرف الإمام وأقرّ به فهو مهاجر» . ولا يجوز أن يسمّى مَنْ عرف الإمام مستضعفا . فإن قلت : فما معنى قوله : «من مستسرّ الإمّة ومعلنها» ، وبماذا يتعلّق حرف الجر؟ قلت : معناه : ما دام للّه في أهل الأرض المستسرّ منهم باعتقادهِ والمعلن حاجة ، فـ « من » على هذا زائدة ، فلو حذفت لجر المستسر بدلاً من أهل الأرض ، ومن إذا كانت زائدة لا تتعلّق ، نحو قولك : ما جاءني من أحد . ورابعها : قوله عليه السلام : «إن أمرَنا هذا صعب مستصعَب» ، ويروى : «مستصعِب ـ بكسر العين ـ لا يحتمله إلاّ عبد امتحن اللّه تعالى قلبَه للإيمان» ، هذه من ألفاظ القرآن العزيز ، قال اللّه تعالى : «أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ للتَّقْوَى» (1)، وهو من قولك : امتُحِن فلان لأمر كذا وجُرّب ودُرّب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وانٍ عنه ، والمعنى أنهم صُبَّرٌ على التقوى ، أقوياء على احتمال مشاقّها ، ويجوز أن يكون وضع الامتحان موضع المعرفة ؛ لأنّ تحققك الشيء إنما يكون باختباره كما يوضع الخبر موضع المعرفة ، فكأنه قيل : عرف اللّه قلوبَهم للتّقوى ، فتتعلّق اللام بمحذوف ، أي كائنة له ، وهي اللام التي في قولك : أنت لهذا الأمر ، أي مختصٌّ به . ويجوز أن يكون المعنى : ضرب اللّه قلوبَهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى ، أي لتثبت فيظهر تقواها ، ويعلم أنهم متّقون ، لأنّ حقيقة التّقوى لا تعلَم إلاّ عند المحن والشدائد والاصطبار عليها . ويجوز أن يكون المعنى أنه أخلصَ قلوبهم للتقوى ، من قولهم : امتحن الذّهب ، إذا أذابه فخلّص إبريزه من خَبَثه ونَقّاه . وهذه الكلمة قد قالها عليه السلام مرارا ، ووقفت في بعض الكتب على خُطبة من جملتها : « إنّ قريشا طلبت السعادة فشقِيتْ ، وطلبت النجاة فهلكَت ، وطلبت الهدَى فضلّت ، ألم يسمعوا ـ ويحهم ـ قوله تعالى : «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بإيمانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» (2)؟ فأين المعدَل والمنزع عن ذريّة الرسول ، الذين شيّد اللّه

.


1) .سورة الحجرات ۳ .

2) .سورة الطور ۲۱ .

۲۳۶. من خطبة له عليه السلام في الحثّ على التقوى ويذكّر الناس بأمر الآخرة

بنيانهم فوق بنيانهم ، وأعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم ، واختارهم عليهم ! أَلا إنّ الذريّة أفنانٌ أنا شجرتها ، ودوحةٌ أنا ساقها ، وإنّى مِن أحَمدَ بمنزلة الضّوء من الضّوء ، كنّا ضلالاً تحت العرش قبل خلق البشر ، وقبل خلق الطِّينة التي كان منها البشر ، أشباحا عالية ، لا أجساما نامية ، إنّ أمرنا صعب مستصعَب ، لا يعرِف كنهه إلاّ ثلاثة : ملَك مقرّب ، أو نبيٌّ مرسَل ، أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان ، فإذا انكشف لكم سرٌّ أو وضح لكم أمر فاقبلوه ، وإلاّ فاسكُتوا تسلموا ، وردُّوا علمَنا إلى اللّه فإنّكم في أوسع مما بين السماء والأرض » . وخامسها : قوله : «سلُوني قبل أن تفقِدوني» ، أجمع النّاس كلُّهم على أنه لم يقلْ أحد من الصحابة ، ولا أحد من العلماء : «سلوني» غير عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ذكر ذلك ابن عبد البر المحدّث في كتاب «الاستيعاب» (1). والمراد بقوله : «فلأنا أعلم بطرُق السماء منّي بطرق الأرض» ، ما اختصّ به من العلم بمستقبل الأُمور ، ولا سيّما في الملاحم والدّول ، وقد صدّق هذا القولَ عنه ما تواتر عنه من الإخبار بالْغيوب المتكرّرة ، لا مرة ولا مئة مرة ، حتى زال الشكّ والرّيب في أنه إخبار عن علم ، وأنه ليس على طريق الاتفاق .

۲۳۶الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامأَحْمَدُهُ شُكْراً لاِءِنْعَامِهِ ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ ، عَزِيزَ الْجُنْدِ ، عَظِيمَ الْمَجْدِ . وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَنْ دِينِهِ ، لاَ يَثْنِيهِ عَنْ ذلِكَ اجْتَِماعٌ عَلى تَكْذِيبِهِ ، وَالِْتمَاسٌ لاِءِطْفَاءِ نُورِهِ .

.


1) .الاستيعاب في معرفة الأصحاب : القسم الثالث .

فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللّهِ ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ ، وَمَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ . وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ ؛ فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ ؛ وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ ! وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ ، وَشِدَّةِ الاْءِبْلاَسِ ، وَهَوْلِ الْمُطَّـلَعِ ، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ ، وَاخْتلاَفِ الْأَضْلاَعِ ، وَاسْتِكَاكِ الْأَسْمَاعِ ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ ، وغَمِّ الضَّرِيحِ ، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ . فَاللّهَ اللّهَ عِبَادَ اللّهِ ! فَإِنَّ الْدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ ، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ ، وَكَأنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا ، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا ، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا . وَكَأَ نَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلاَزِلِهَا ، وَأَنَاخَتْ بِكَلاَكِلِهَا ، وَانْصَرَفَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا ، وَأَخْرَجَتْهُمْ مَنْ حِضْنِهَا ، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى ، وشَهْرٍ انْقَضَى ، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً ، وَسَمِينُهَا غَثّاً . فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْمَقَامِ ، وَأُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ ، وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا ، عَالٍ لَجَبُهَا ، سَاطِعٍ لَهَبُهَا ، مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا ، مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا ، بَعِيدٍ خُمُودُهَا ، ذَاكٍ وُقُودُهَا ، مَخُوفٍ وَعِيدُهَا ، عَمٍ قَرَارُهَا ، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا ، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا ، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا . «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَـنَّةِ زُمَراً» . قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ ؛ وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ ، وَاطْمَأَ نَّتْ بِهِمُ الدَّارُ ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ ، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً ، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً ، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً ، تَخَشُّعاً وَاسْتِغفَاراً ؛ وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً ؛ تَوَحُشّاً وَانْقِطَاعاً ، فَجَعَلَ اللّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآباً ، وَالْجَزَاءَ ثَوَاباً ، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ، فِي مُلْكٍ دَائِمٍ ، وَنَعِيمٍ قَائِمٍ . فَارْعَوْا عِبَادَ اللّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ ، وَبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ . وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بأَعْمَالِكُمْ ؛ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ ، فَلاَ رَجْعَةً تَنَالُونَ ، وَلاَ عَثْرَةً تُقَالُونَ . اسْتَعْمَلَنَا اللّهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ، وعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ .

.

الْزَمُوا الْأَرْضَ ، وَاصْبِرُوا عَلَى الْبَلاَءِ ، وَلاَ تُحَرِّكُوا بأَيْدِيكُمْ وَسُيُوفِكُمْ فِي هَوَى الْسِنَتِكُمْ ، وَلاَ تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللّهُ لَكُمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً ، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ ، واسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلاَتِهِ لِسَيْفِهِ ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلاً .

الشّرْحُ:وظائف حقوقه : الواجبات المؤقّتة ، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان ، والوظيفة ما يُجعل للإنسان في كلّ يوم ، أو في كل شهر ، أو في كلّ سنة ، من طعام ، أو رزق . وعزيز منصوب ؛ لأنّه حال من الضمير في «أستعينه» ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «حقوقه» . وقاهَر أعداءه : حاربهم ، وروي «وقهَر أعداءه» . والمعقل : ما يعتَصم به . وذروته : أعلاه . وأمهدوا له : اتخذوا مهادا ، وهو الفراش ، وهذه استعارة . قوله عليه السلام : «فإنّ الغاية القيامة» ، أي فإنّ منتهى كلّ البشر إليها ، ولابدّ منها . والأرماس : جمع رَمْس وهو القبر . والإبلاس مصدر «أبلس» ، أي خاب ويئس ، والإبلاس أيضا : الانكسار والحزْن . واستكاك الأسماع : صممها . وغمّ الضريح : ضيق القبر وكَرْبه . والصفيح : الحجَر ، وردمُه : سدّه . والسَّنَن : الطريق . والقرَن : الحبلُ . وأشراط الساعة : علاماتها . وأزفت : قربت . وأفراطها : جمع فَرط ، وهم المتقدّمون السابقون من الموتى ، ومن روى «بإفراطها» فهو مصدر أفرط في الشيء ، أي قربت الساعة بشدّة غُلَوَائها وبلوغها غاية الهول والفظاعة ، ويجوز أن تفسّر الرواية الأُولى بمقدماتها وما يظهر قبلها من خوارق العادات المزعجة ، كالدّجال ودابّة الأرض ونحوهما ، ويرجع ذلك إلى اللفظة الأُولى ، وهي أشراطها ، وإنما يختلف اللفظ . والكلاكل : جمع كلكل ، وهو الصدر ، ويقال للأمر الثقيل : «قد أناخ عليهم بكلكله » ، أي هدّهم ورضّهم كما يهدّ البعير البارك من تحته إذا أنحى عليه بصدره . قوله عليه السلام : «وانصرفت الدنيا بأهلها» ، أي ولّت ، ويروى : «وانصرمت» ، أي انقضت . والحِضْن ، بكسر الحاء : ما دون الإبط إلى الكَشْح . والرّثّ : الخَلق ، والغثّ : الهزيل . ومقام

.

۲۳۷. من خطبة له عليه السلام في حمد اللّه وتمجيده والتزهيد في الدنيا

ضنْك ، أي ضيّق . وشديد كلَبها ، أي شرّها وأذاها . واللجَب : الصوت . ووُقودها هاهنا ، بضم الواو ؛ وهو الحدَث ، ولا يجوز الفتح ؛ لأنّه ما يوقد به كالحطب ونحوه ، وذاك لا يوصف بأنه ذاكٍ . قوله عليه السلام : «عَمٍ قرارُها» ، أي لا يُهتدَى فيه لظلمته ، ولأنّه عميق جداً ، ويروى : « وكأنّ ليلهم نهار» وكذلك أُختها على التشبيه . والمآب : المرجع ، ومدينون : مجزيّون . قوله عليه السلام : «فلا رجعة تُنالون» الرّواية بضم التاء ، أي تعطوْن ، يقال : أنلت فلاناً مالا ، أي منحته ، وقد روي : «تَنَالون» بفتح التاء . ثم أمر أصحابه أن يثبتوا ولا يعجلوا في محاربةِ مَنْ كان مخالطاً لهم من ذوِي العقائد الفاسدة كالخوارج ، ومَنْ كان يُبطِنُ هَوى معاوية ، وليس خطابه هذا تثبيطا لهم عن حرب أهل الشام ، كيف وهو لا يزال يقرِّعهم ويوبِّخُهم عن التقاعد والإبطاء في ذلك ! ولكنّ قوما من خاصّته كانوا يطّلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة ، ويعرفون نفاقهم وفسادهم ، ويرومون قتلهم وقتالهم ، فنهاهم عن ذلك ، وكان يخاف فرقة جُنْده وانتثار حَبْل عسكره ، فأمرهم بلزوم الأرض ، والصبر على البلاء . وروي بإسقاط الباء من قوله : «بأيديكم» ، ومَنْ رَوى الكلمة بالباء جعلها زائدة ، ويكون المعنى : ولا تحرّكوا الفتنة بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم ، فحذف المفعول . والإصلات بالسيف : مصدر أصلت ، أي سلّ . واعلم أنّ هذه الخطبة من أعيان خُطَبه عليه السلام ، ومن ناصع كلامه ونادره ، وفيها من صناعة البديع الرائقة المستحسَنة البريئة من التكلّف ما لا يخفى .

۲۳۷الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامالْحَمْدُ لِلّهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ ، وَالْغَالِبِ جُنْدُهُ ، وَالْمُتَعَالِي جَدُّهُ ؛ أَحْمَدُهُ

.

عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ ، وَآلاَئِهِ الْعِظَامِ ؛ الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا ، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى ، وَعَلِمَ بمَا يَمْضِي وَمَا مَضَى ، مُبْتَدِعِ الْخَلاَئِقِ بِعِلْمِهِ ، وَمُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ ، بِلاَ اقْتِدَاءٍ وَلاَ تَعْلِيمٍ ، وَلاَ احْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ ، وَلاَ إِصَابَةِ خَطَأٍ ، وَلاَ حَضْرَةِ مَلَأٍ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ ، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ ، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ ، وَاسْتَغَلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ . عِبَادَ اللّهِ ! أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّهِ فَإِنَّهَا حَقُّ اللّهِ عَلَيْكُمْ ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللّهِ حَقَّكُمْ ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللّهِ ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللّهِ ؛ فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ ، وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ . مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ ، وَسَالِكُهَا رَابِحٌ ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ . لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ ، وَالْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً ، إِذَا أَعَادَ اللّهُ مَا أَبْدَى ، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى ، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى ، فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَاَ ، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا ! أُولئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً ، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللّهِ سْبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (1). فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا ، وَأَلِظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا ، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً ، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً . أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ ، وَارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ ، وَدَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا ، وَلاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا . أَلاَ فَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا ، وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً ، وَإِلَى الاْخِرَةِ وُلاَّهاً ، وَلاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى ، وَلاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا ، وَلاَ تَشِيمُوا بَارِقَهَا ، وَلاَ تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا ، وَلاَ تُجِيبُوا نَاعِقَهَا ، وَلاَ تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا ، وَلاَ تُفْتَنُوا بِأَعْلاَقِهَا ، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ ، وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ ، وَأَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ . أَلاَ وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ ، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونُ ، وَالْمَائِنَةُ الْخَؤُونُ ، وَالْجَحُودُ

.


1) .سورة سبأ ۱۳ .

الْكَنُودُ ، وَالْعَنُودُ الصَّدُودُ ، وَالْحَيُودُ الْمَيُودُ ! حَالُهَا انْتِقَالٌ ، وَوَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ ، وَعِزُّهَا ذُلٌّ ، وَجِدُّهَا هَزْلٌ ، وَعُلْوُهَا سُفْلٌ . دَارُ حَرَبٍ وَسَلَبٍ ، وَنَهْبٍ وَعَطَبٍ . أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَسِيَاقٍ ، وَلَحَاقٍ وَفِرَاقٍ ، قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا ، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا ، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا ؛ فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ ، وَلَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ ، وَأَعْيَتْهُمُ المَحَاوِلُ : فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ ، وَلَحْمٍ مَجْزُورٍ ، وَشِلْوٍ مَذْبُوحٍ ، وَدَمٍ مَسْفُوحٍ ، وَعَاضٍّ عَلَى يَدَيْهِ ، وَصَافِقٍ بِكَفَّيْهِ ، وَمُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ ، وَزَارٍ عَلَى رَأْيِهِ ، وَرَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ . وَقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ ، وَأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ ، وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ! هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ ، وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ ، وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا ، «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ» (1).

الشّرْحُ:الفاشي : الذائع ، فشا الخبرُ يفشو فشوّا ، أي ذَاعَ ، وأفشاه غيرُه . وتفشّى الشيءُ ، أي اتّسع ، والفواشي : كلُّ منتشر من المال مثل الغنم السائمة والإبل وغيرهما ، فيجوز أن يكون عَنَى بفشوّه حمده إطباق الأُمم قاطبةً على الاعتراف بنعمته ، ويجوز أن يريد بالفاشي سبب حمده ، وهو النّعم التي لا يقدر قدرها ، فحذف المضاف . قوله : «والغالب جنده» ، فيه معنى قوله تعالى : «فإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ» (2). قوله : «والمتعالى جَدّه» ، فيه معنى قوله تعالى : «وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» (3)، والجَدّ فيهذا الموضع وفي الآية : العظمة . والتؤام : جمع توأم على فَوْعل ، وهو الولد المقارن أخاه في بطن واحد ، وقد أتأمت المرأة إذا وضعت اثنين كذلك ، فهي متئِم ، فإن كان ذلك عادتها فهي مِتْآم ، وكلّ واحد من الولدين توأم ، وهما توأمان ، وهذا توأم هذا ، وهذه توأمته ، والجمع توائم ، مثل قشعم وقشاعم ، وجاء في جمعه «تُؤام» على فُعال ، وهي اللفظة التي وردت في

.


1) .سورة الدخان ۲۹ .

2) .سورة المائدة ۵۶ .

3) .سورة الجن ۳ .

هذه الخطبة ، وهو جمع غريب لم يأت نظيره إلاّ في مواضع معدودة . قوله عليه السلام : «مبدِع الخلائق بعلْمه» ، ليس يريد أنّ العلم علة في الإبداع ، كما تقول : هوى الحجَر بثقله ، بل المراد : أبدع الخلق وهو عالم ، كما تقول : خرج زيد بسلاحه ، أي خرج متسلِّحا ، فموضع الجار والمجرور على هذا نصب بالحاليّة ، وكذلك القول في : «ومنشئهم بحُكْمِه » والحُكْم هاهنا : الحِكْمة . ومنه قوله عليه السلام : «إنّ من الشعر لحكمة» . قوله : «بلا اقتداء ، ولا تعليم ولا احتذاء» ، قد تكرّر منه عليه السلام أمثاله مرارا . قوله : « ولا إصابة خطأ» ، تحته معنى لطيف ؛ وذلك لأنّ المتكلّمين يورِدون على أنفسهم سؤالاً في باب كونه عالما بكل معلوم إذا استدلّوا على ذلك فإنه علم بعض الأشياء لا من طريق أصلاً ، لا من إحساس ولا من نظر واستدلال ، فوجب أن يعلم سائرها ؛ لأنّه لا مخصّص . قوله عليه السلام : «ولا حَضرة مَلأ» ، الملأ : الجماعة مِنَ النّاس ، وفيه معنى قوله تعالى : «مَا أشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أنْفُسِهِمْ» (1). قوله : «يضربون في غَمْرة» ، أي يسيرون في جَهْل وضلالة ، والضرب : السير السريع . والحَيْن : الهلاك . والرَّين : الذنب عَلَى الذنب حتى يسودّ القلب ، وقيل : الرَّيْن : الطَّبَع والدنس ، يقال . رانَ عَلَى قلبه ذنبُه ، يرِين رَيْنا ، أي دنّسه ووسّخه ، واستغلقت أقفالُ الرَّيْن عَلَى قلوبهم : تعسّر فتحها . قوله : «فإنّها حقُّ اللّه عليكم ، والموجِبة عَلَى اللّه حقَّكم» ، يريدُ أنّها واجبة عليكم ، فإن فعلتموها وجبَ عَلَى اللّه أن يجازيَكم عنها بالثّواب . قوله : «وأنْ تستعينوا عليها باللّه ، وتستعينوا بها عَلَى اللّه » ، يريد : أُوصيكم بأنْ تستعينوا باللّه عَلَى التقوى بأن تدْعوه وتبتهلوا إليه أن يعينكم عليها ، ويوفّقكم لها وييسّرها ويقوِّي دواعيَكم إلى القيام بها ، وأُوصيكم أن تستعينوا بالتقوى عَلَى لقاء اللّه ومحاكمته وحسابه ، فإنّه تعالى يوم البعث والحساب كالحاكم بين المتخاصمين : «وتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمّةٍ تُدْعَى إلَى كِتَابِهَا» (2)، فالسعيدُ مَن استعان عَلَى ذلك الحساب وتلك الحكومة والخصومة بالتقوى في دار التكليف ، فإنّها نعم المعونة «وتَزَوّدُوا فَإنّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى» (3). والجُنّة : ما يستتر به .

.


1) .سورة الكهف ۵۱ .

2) .سورة الجاثية ۲۸ .

3) .سورة البقرة ۱۹۷ .

قوله : «ومستودَعها حافظ» ، يعني اللّه سبحانه ؛ لأنّه مستودع الأعمال ، ويدلّ عليه قوله تعالى : «إنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عملاً» (1). قوله : «لم تبرح عارضةً نفسها» ، كلام فصيح لطيف ، يقول : إنّ التقوى لم تزل عارضةً نفسها عَلَى مَنْ سلف من القرون ، فقبلها القليل منهم ، شبّهها بالمرأة العارضة نفسها نكاحاً على قومٍ ، فرغب فيها مَنْ رغب ، وزَهِد مَنْ زهد ، وعلى الحقيقة ليست هي العارضة نفسَها ، ولكنّ المكلّفين ممكَّنون من فعلها ومرغَّبون فيها ، فصارت كالعارضة . والغابر هاهنا : الباقي ، وهو من الأضداد يستعمل بمعنى الباقي ، وبمعنى الماضي . قوله عليه السلام : «إذا أعاد اللّه ما أبدى» ، يعني أنشر الموتى . «وأخذ ما أعطى» ، ورث الأرض مالك الملوك ، فلم يبقَ في الوجود مَنْ له تصرُّف في شيء غيره ، كما قال : «لِمنِ المُلْكُ اليَومَ للّهِ الْوَاحِدِ القَهَّارِ» (2). «وسأل عمّا أسدى» ، أي سأل أرباب الثروة عمّا أسدى إليهم من النّعم فيم صرفوها ؟ وفيم أنفقوها ؟ قوله عليه السلام : «فما أقلّ مَنْ قبلها !» ، يعني ما أقلّ مَنْ قبِل التقوى العارضة نفسها على الناس . و «إذا» في قوله : «إذا أعاد اللّه » ، ظرف لحاجتهم إليها ؛ لأنّ المعنى يقتضيه ، أي لأنهم يحتاجون إليها وقت إعادة اللّه الخلق . قوله : «فأهطِعوا بأسماعكم» ، أي أسرعوا ، أهطع في عَدْوه أي أسرع . ويروى : «فانقطعوا بأسماعكم إليها» ، أي فانقطعوا إليها مصغِين بأسماعكم . «وألِظُّوا بجدّكم» ، أي ألحّوا ، والإلظاظ : الإلحاح في الأمر . «بجدّكم» ، أي باجتهادكم ، جددتُ في الأمر جدّا بالغت واجتهدت ، ويروى : «وأكظّوا بحدّكم» والمواكظة : المداومة على الأمر . قوله : «وأشعروا بها قلوبكم» ، يجوز أن يريد : اجعلوها شعارا لقلوبكم ، وهو ما دون الدّثار وألصق بالجسد منه ، ويجوز أن يريد : اجعلوها علامةً يُعرَف بها القلب التقيّ من القلب المذنب ، كالشّعار في الحرب يُعرَف به قوم من قوم ، ويجوز أن يريد : أخرِجوا قلوبَكم بها من أشعار البدن ، أي طهروا القلوب بها ، وصفُّوها من دَنَس الذنوب ، كما يصفّى البدن بالفصاد من غَلبة الدم الفاسد ؛ ويجوز أن يريد : الإشعار بمعنى الإعلام ، من أشعرت زيدا بكذا ، أي عرّفته إياه ، أي اجعلوها عالمة بجلالة موقعها وشرف محلها . «وارحَضُوا بها» ،

.


1) .سورة الكهف ۳۰ .

2) .سورة غافر ۱۶ .

أي اغسلوا ، وثوب رَحِيض ومَرْحوض ، أي مغسول . «وداووا بها الأسقام» ، يعني أسقام الذّنوب .وبادروا بها الحِمام : عجّلوا واسبقوا الموت أن يدرككم وأنتم غير متّقين . واعتَبروا بمن أضاع التقوى فهلك شقيّا ، ولا يعتبرنّ بكم أهلُ التقوى ، أي لا تكونوا أنتم لهم معتبرا بشقاوتكم وسعادتهم . ثم قال : وصونوا التّقوى عن أن تمازجها المعاصي ، وتصوّنوا أنتم بها عن الدناءة وما ينافي العدالة . والنُّزّه : جمع نَزيه ، وهو المتباعد عمّا يوجب الذمّ . والولاّه : جمع وَالهٍ ، وهو المشتاق ذو الوجْد حتى يكاد يذهب عقله . ثم شرع في ذكر الدّنيا ، فقال : «ولا تشيموا بارقَها» ، الشيْم : النظر إلى البرق انتظارا للمطر . ولا تسمعوا ناطقها : لا تصغوا إليها سامعين ، ولا تجيبوا مناديَها . والأعلاق : جمع عِلْق وهو الشيء النفيس . وبرقٌ خالب وخُلّب : لا مطرَ فيه . وأموالها محروبة ، أي مسلوبة . قوله عليه السلام : «ألاَ وهي المتصدّية العَنُون» ، شبّهها بالمرأة المومِس تتصدّى للرجال تريد الفجور . وتتصدّى لهم : تتعرّض . والعَنُون : المتعرّضة أيضا ، عنَّ لي كذا ، أي عرض . ثم قال : «والجامحة الحَرُون» ، شبهها بالدّابة ذات الجِماح ، وهي التي لا يُستطاع ركوبها ؛ لأنّها تعثرُ بفارسها وتغلبُه ، وجعلها مع ذلك حَرُونا وهي التي لا تنقاد . «والمائنة الخؤُون» ، مان ، أي كذب ، شبّهها بامرأة كاذبة خائنة . والجَحود الكَنُود ، جحد الشيء أنكره ، وكَنَد النّعمة : كفرها ، جعلها كامرأة تجحد الصنيعة ولا تعترف بها وتكفر النعمة . ويجوز أن يكون الجَحُود من قولك : رجل جَحِد وجَحْد ، أي قليل الخير ، وعام جَحْد ، أي قليل المطر ، وقد جحد النَّبْت ، إذا لم يَطُل . «والعَنُود : الصَّدُود» ، العَنُود : الناقة تعدل عن مرعى الإبل وترعى ناحية ، والصَّدُود : المعرضة ، صدّ عنه ، أي أعرض ؛ شبَّهها في انحرافها وميلها عن القصد بتلك . « والحَيُود المَيُود» ، حادت الناقة عن كذا تَحِيد فهي حَيُود ، إذا مالت عنه . ومادت تميد فهي مَيُود ، أي مالت ، فإن كانت عادتها ذلك سُمّيت الحَيُود المَيُود في كلّ حال . قال : «حالها انتقال» ، يجوز أن يعني به أنّ شيمتَها وسجيّتها الانتقال والتغيّر ، ويروي : «وحالُها افتعال» ، أي كذوب وزور ، وهي رواية شاذّة . «ووطأتها زلزال» ، الوطأة كالضَّغْطة ، ومنه قوله صلى الله عليه و آله وسلم : «اللهمّ اشدُدْ وطأتَك على مُضَر» ، وأصلها موضع القدم . والزلزال : الشدّة العظيمة ، والجمع زَلاَزِل . «وعُلوها سُفْل» ، يجوز ضمّ أوّلهما وكسره . قال : «دار حَرْب» ، الأحسن في صناعة البديع أن تكون الرّاء هاهنا ساكنة ليوازي السكون هاء «نهْب» ، ومن فتح الراء ، أراد السلب ، حربْتُه ، أي سلبت ماله . قال : «أهلها على

.

ساق وسياق» ، يقال : قامت الحرب على ساق ، أي على شدّة ، ومنه قوله سبحانه : «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» (1)والسِّياق : نَزْع الروح ، يقال : رأيت فلاناً يسوق ، أي ينزع عند الموت ، أو يكون مصدر ساق الماشية سوقاً وسياقاً . «ولَحاق وفراق» ، اللام مفتوحة ، مصدر لَحق به ، وهذا كقولهم : «الدّنيا مولود يولَد ، ومفقود يفقَد» . قال عليه السلام : «قد تحيّرَت مذاهبها» ، أي تحيّر أهلها في مذاهبهم ، وليس يعني بالمذاهب هاهنا الاعتقادات ، بل المسالك . وأعجزت مهاربها : أي أعجزتهم جعلتهم عاجزين ، فحذف المفعول . وأسلمتهم المعاقل : لم تحصّنهم . ولفَظَتهم ، بفتح الفاء : رَمَتْ بهم وقذفتهم . وأعيتهم المحاول ، أي المطالب . ثم وصف أحوال الدنيا فقال : «هم فمِن ناجٍ معقور» ، أي مجروح كالهارب من الحرب بحشاشة نفسه ، وقد جرح بدنه . ولحم مجزور ، أي قتيل قد صار جَزَرا للسباع . وشِلْوٍ مذبوح : الشِّلْو ، العضو من أعضاء الحيوان المذبوح أو الميّت . ودم مفسوح ، أي مسفوك . وعاضٍّ عَلَى يديه ، أي ندماً . وصافقٍ بكفَّيْه ، أي تعسفاً أو تعجباً . ومرتفق بخدّيه : جاعل لهما عَلَى مرفقيه فكرا وهمّا . وزارٍ على رأيه ، أي عائب ، أي يرى الواحد منهم رأياً ويرجع عنه ويعيبه ، وهو البَداء الذي يذكره المتكلّمون . ثم فسّره بقوله : «وراجع عن عزمه» . ثم قال عليه السلام : «وقد أدبرت الحيلة» ، أي ولّت ، وأقبلت الغِيلة ، أي الشرّ ، ومنه قولهم : فلان قليل الغائلة . أو يكون بمعنى الاغتيال ، يقال : قتله غيلة ، أي خديعة . يذهب به إلى مكان يوهمه أنه لحاجة ثم يقتله . «ولاتَ حين مناص» ، هذه من ألفاظ الكتاب العزيز (2)، قال الأخفش : شبّهوا «لات» بليس ، وأضمروا فيها اسم الفاعل . والمناص : المهرب ، ناص عن قرْنه يَنُوص نَوْصاً ومناصاً ، أي ليس هذا وقت الهرب والفرار . ويكون المناص أيضاً بمعنى الملجأ والمفزع ، أي ليس هذا حين تجد مفزعاً ومعقلاً تعتصم به . هيهات : اسم للفعل ومعناه بَعُد . قوله عليه السلام : «ومضت الدنيا لحال بالِهَا» ، كلمة تقال فيما انقضى وفرط أمره ، ومعناه مضى بما فيه إن كان خيراً ، وإن كان شرّا . قوله عليه السلام : «فما بكت عليهم السماء» ، هو من كلام اللّه تعالى ؛ والمراد أهل السماء وهم الملائكة وأهل الأرض وهم البشر ، والمعنى أنّهم

.


1) .سورة القلم ۴۲ .

2) .وهو قوله تعالى في سورة ص ۳ : «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» .

۲۳۸. من خطبة له عليه السلام ، وهي التي تسمّى الخطبة القاصعة

لا يستحقون أن يُتأسّف عليهم ، وقيل : أراد المبالغة في تحقير شأنهم ؛ لأنّ العرب كانت تقول في العظيم القدر يموت : بكته السماء ، وبكته النجوم .

۲۳۸الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلام ومن الناس مَنْ يسمّي هذه الخطبة بالقاصِعة ، وهي تتضمّن ذمَّ إبليس لعنه اللّه ، على استكباره وتركه السجود لآدم عليه السلام وأنّه أوّل من أظهر العصبية وتبع الحمية . وتحذيرَ الناس من سلوك طريقته :الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ ، وَاخْتَارَهُمَا لنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ ، وَجَعَلَهُمَا حِمىً وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ ، وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ ، وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ . ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلاَئِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ ، لَِيمِيزَ المُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ ، وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ : «إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ» (1)؛ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بَخَلْقِهِ ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ ، فَعَدُوُّ اللّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ ؛ الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ ، وَنَازَعَ اللّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ .

.


1) .سورة ص ۷۱ ـ ۷۴ .

أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللّهُ بِتَكَبُّرِهِ ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً ، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الاْخِرَةِ سَعِيراً (1).

الشّرْحُ:يجوز أن تسمّى هذه الخطبة «القاصعة» من قولهم : قَصَعت الناقة بجِرّتها ، وهو أن تردّها إلى جوفها ، أو تخرجها من جوفها فتملأ فاها ، فلمّا كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مردّدة من أولها إلى آخرها ، شبّهها بالناقة التي تقصع الجِرَّة . ويجوز أن تسمى القاصعة لأنها كالقاتلة لإبليس وأتباعِهِ من أهل العصبيّة ، من قولهم : قَصَعت القملة ، إذا هشمتَها وقتلتها . ويجوز أن تسمَّى القاصعة ، لأنّ المستمع لها المعتبر بها يذهب كبْره ونخوته ، فيكون من قولهم : قصع الماءُ عطشه ، أي أذهبه وسكنه ؛ ويجوز أن تسمَّى القاصعة ، لأنها تتضمّن تحقير إبليس وأتباعَه وتصغيرَهم ، من قولهم : قصعت الرجل إذا امتهنتَه وحقّرتَه ، وغلام مقصوع ، أي قميء لا يشِبّ ولا يزداد . والعصبيّة على قسمين : عصبيّة في اللّه وهي محمودة ، وعصبيّة في الباطل وهي مذمومة ؛ وهي الّتي نهى أمير المؤمنين عليه السلام عنها ، وكذلك الحميّة . وجاء في الخبر : «العصبيّة في اللّه تورث الجنة ، والعصبية في الشيطان تورث النار» . وجاء في الخبر : «العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما قصمته» ؛ وهذا معنى قوله عليه السلام : «اختارهما لنفسه دون خلْقه ...» إلى آخر قوله : «من عباده» . قال عليه السلام : «ثم اختبر بذلك ملائكته المقرّبين» مع علمه بمضمراتهم ؛ وذلك لأنّ اختباره سبحانه ليس ليعلَم ، بل ليعلم غيره من خلقه طاعة مَنْ يطيع وعصيان من يعصي . قوله تعالى : «فإذَا سَوَّيتُه» ، أي إذا أكملت خلقه . فقعوا له ساجدين : أمرهم بالسجود له . وقد اختلف في ذلك فقال قوم : كان قبلة ، كما الكعبة اليوم قبلة ، ولا يجوز السّجود إلاّ للّه . وقال آخرون : بل كان السُّجود له تكرمةً ومحنة ، والسجود لغير اللّه غير قبيح في العقل إذا لم يكن عبادة ولم يكن فيه مفسدة .

.


1) .الحَرَم : ما يحميه الإنسان ويدافع عنه . اصطفاهما : اختارهما . نازعه : خاصمه . الحميّة : الأنفة . السلف : المتقدّم . الجبرية : العلو والعظمة . المدحور : المطرود .

وقوله تعالى : «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» ، أي أحللتُ فيه الحياة ، وأجريت الرُّوح إليه في عروقه ، وأضاف الروح إليه تبجيلاً لها ، وسمّى ذلك نفخاً على وجه الاستعارة ؛ لأنّ العرب تتصوّر من الروح معنى الريح ، والنّفخ يصدق على الريح ، فاستعار لفظة «النفخ» توسُّعاً . قوله : «فافتخر على آدم بخلْقه ، وتعصّب عليه لأصله» ، كانت خلقتُه أهونَ من خلقة آدم عليه السلام ، وكان أصلُه من نار وأصل آدم عليه السلام من طين . قوله عليه السلام : «رداء الجَبريّة» الباءُ مفتوحة ، يقال : فيه جبريّة ، وجبروّة ، وجَبَروت ، وجَبُّورة ، كفرُّوجة ، أي كِبْر . وجعله مدحورا ، أي مطرودا مبعدا ، دحره اللّه دُحورا ، أي أقصاه وطرده .

الأصْلُ:وَلَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ ، لَفَعَلَ ؛ وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً ، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلائِكَةِ . وَلكِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ ، تَمْيِيزاً بِالاِخْتِبَارِ لَهُمْ ، وَنَفْياً لِلاِسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ مِنْهُمْ . فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللّهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ ، لاَ يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الاْخِرَةِ ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ ! كَلاَّ ، مَا كَانَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً ؛ إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّماءِ والْأَرْضِ لَوَاحِدٌ . وَمَا بَيْنَ اللّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمىً حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ .

الشّرْحُ:خَطِفت الشيء بكسر الطاء ، أخطَفه ، إذا أخذته بسرعة استلابا ، وفيه لغة أُخرى : خَطَف بالفتح ، ويخطِف بالكسر ، وهي لغة رديئة قليلة لا تكاد تعرف . والرُّواء ، بالهمزة والمد :

.

المنظر الحسن . والعَرْف : الريح الطيبة . والخُيلاء ، بضم الخاء وكسرها : الكِبْر ، وكذلك الخالُ والمخيلة ، تقول : اختال الرجل وخال أيضا ، أي تكبّر . وأحبط عمله : أبطل ثوابه ، وقد حبط العمل حَبْطاً بالتسكين وحُبوطاً . والمتكلّمون يسمُّون إبطال الثواب إحباطاً ، وإبطال العقاب تكفيرا . وجَهْده بفتح الجيم : اجتهاده وجِدّه ، ووصفه بقوله : «الجَهِيد» أي المستقصى ، من قولهم : مرعى جَهِيد ، أي قد جَهده المال الراعي واستقصى رَعْيه . وكلامه عليه السلام يدلّ على أنّه كان يذهب إلى أنّ إبليس من الملائكة لقوله : «أخرج منها مَلكاً» . والهوادة : الموادعة والمصالحة ، يقول : إن اللّه تعالى خلق آدم من طين ، ولو شاء أن يخلقه من النور الذي يخطف أو من الطيب الذي يعبق لَفَعل ، ولو فعل لهال الملائكة أمرُه وخضعوا له ، فصار الابتلاء والامتحان والتكليف بالسّجود له خفيفاً عليهم ، لعظمته في نفوسهم ، فلم يستحقُّوا ثواب العمل الشاقّ ، وهذا يدلُّ على أنّ الملائكة تشمّ الرائحة كما نشمّها نحن ، ولكنّ اللّه تعالى يبتلي عباده بأُمور يجهلون أصلها اختبارا لهم . فإن قلت : ما معنى قوله عليه السلام : «تمييزا بالاختبار لهم» . قلت : لأنّه ميّزهم عن غيرهم من مخلوقاته ، كالحيوانات العُجْم ، وأبانهم عنهم ، وفَضّلهم عليهم بالتّكليف والامتحان . قال : «ونفياً للاستكبار عنهم» ؛ لأنّ العبادات خضوع وخشوع وذلّة ، ففيها نفي الخُيَلاء والتكبّر عن فاعليها ، فأمرهم بالاعتبار بحال إبليس الذي عَبَد اللّه ستة آلاف سنَة ؛ لا يُدْرَى أمِنْ سِنِي الدنيا أم من سني الآخرة ! وهذا يدلّ على أنه قد سمع فيه نصّا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلممجملاً لم يفسّره له ، أو فسَّره له خاصة ، ولم يفسّره أميرُ المؤمنين عليه السلام للناس لما يعلمه في كتمانه عنهم من المصلحة . فإن قلت : قوله : «لا يُدْرَى» على ما لم يسمّ فاعله يقتضي أنه هو لا يدرِي! قلت : إنه لا يقتضي ذلك ، ويكفي في صدق الخبر إذا ورد بهذه الصيغة أن يجهله الأكثرون . واعلم أنّ كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل يطابقُ مذهبَ أصحابنا في أنّ الجنّة لا يدخلها ذو معصية ، ألا تسمع قوله : «فمن بَعْد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ! كَلاّ ، ما كان اللّه ليُدخِل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملَكاً ، إنّ حكمه في أهل السماء والأرض لواحد» .

.

«بأمر أخرج به منها ملَكا» ، معناه أنّ اللّه تعالى لا يدخِل الجنة بشرا يصحبه أمر أخرج اللّه به مَلَكاً منها .

الأصْلُ:فَاحْذَرُوا ـ عِبَادَ اللّهِ ـ عَدُوَّ اللّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ . فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ ، وَأَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ، فَقَالَ : «رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» (1)، قَذْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ ، وَرَجْماً بِظَنٍّ غَيْرِ مُصِيبٍ ؛ صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ . حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَةُ مِنْهُ فِيكُمْ ، فَنَجَمَتِ فيه الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيِّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ ، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ ، وَدَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ ، وَأَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ ، وَأَوْطَؤُوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ ، وَحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ ، وَدَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ ، وَقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ ، وَسَوْقاً بِخَزَائمِ الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ لَكُمْ ؛ فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً ، وَأَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً ، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ ، وَعَلَيْهِمْ مُتَأَ لِّبِينَ . فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ ، وَلَهُ جِدَّكُمْ ، فَلَعَمْرُ اللّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ ، وَوَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ ، وَقَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ . يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ ، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ ، لاَ تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ ، وَلاَ تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ ، فِي حَوْمَةِ ذُلٍّ ، وَحَلْقَةِ ضِيقٍ ، وَعَرْصَةِ مَوْتٍ ، وَجَوْلَةِ بَلاَءٍ . فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ ، وَأَحْقَادِ الجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ ، وَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ .

.


1) .سورة الحجر : ۳۹ .

وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤُوسِكُمْ ، وَإِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحَتْ أَقْدَامِكُمْ ، وَخَلْعَ التَّكَـبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ ؛ وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ ؛ فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَأَعْوَاناً ، وَرَجِلاً وَفُرْسَاناً ، وَلاَ تَكُونُوا كالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللّهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الحَسَبِ ، وَقَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ ؛ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللّهُ بِهِ النَّدَامَةَ ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

الشّرْحُ:موضع «أن يُعدِيَكم» نصب على البدَل من «عدوّ اللّه » . والعَدْوَى : ما يُعدِي من جَرَبٍ أو غيره ، أعدى فلانٌ فلاناً من خُلُقه أو من علّته ، وهو مجاوزته من صاحبه إلى غيره . وأمير المؤمنين عليه السلام حذّر المكلّفين من أن يتعلّموا من إبليس الكِبْرَ والحميّة ، وشبّه تعلّمهم ذلك منه بالعَدْوَى لاشتراك الأمريْن في الانتقال من أحدِ الشّخْصين إلى الآخر . قوله عليه السلام : «يستفزّكم» أي يستخفّكم ، وهو من ألفاظ القرآن : «وَاستَفْزِزْ مَنِ استَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ» (1)، أي أزعجه واستخفّه وأطِرْ قلبَه . والخيل : الخيّالة ، ومنه الحديث : «يا خَيْلَ اللّهِ ارْكَبِي» . والرَّجْل : اسم جَمْع لراجل ، كَركْب اسم جمع لراكِبٍ ، وصَحْب : اسم جمع لصاحبٍ ، وهذه أيضا من ألفاظ القرآن العزيز : «وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ» وقرئ «ورَجِلِك» ۲ بكسر الجيم على أن «فِعلاً» بالكسر بمعنى فاعل نحو تَعِب وتَاعِب . فإن قلت : فهل لإبليس خيل تركبها جنده؟ قلت : يجوز أن يكون ذلك ، وقد فسّره قوم بهذا . والصحيح أنه كلام خرج مخرج المثَل ، شبّهت حاله في تسلّطه على بني آدم بمن يُغِير على قوم بخيله ورجله فيستأصلهم . وقيل : بصوتك، أي بدعائك إلى القبيح. وخيله ورجله: كلّ ماش وراكب من أهل الفساد من بني آدم. وفوّقت السهم ، جعلت له فُوقا ، وهو موضع الوَتر ، وهذا كناية عن الاستعداد . وقوله : «وأغرق إليكُمْ بالنَّزْع» ، أي استوفى مدّ القوس وبالغ في نَزْعِها ليكون مرماه أبعدَ ، ووقعُ

.


1) .سورة الإسراء ۶۴ .

سهامِه أشدّ . قوله : «ورماكم من مكان قريب» ؛ لأنّه كما جاء في الحديث : «يجري من ابن آدم مجرى الدم ، ويخالط القلب» ، ولا شيء أقرب من ذلك . والباء في قوله : «بما أغويتَنِي» متعلّق بفعل محذوف تقديره : أجازيك بما أغويتَني تزييني لهم القبيح ، فـ «ما» على هذا مصدريّة ، أي أجازيك بإغوائك لي تزييني لهم القبيح ، فحذف المفعول . ويجوز أن تكون الباء قَسما ، كأنّه أقسم بإغوائه إياه ليزيِّنَنّ لهم . فإن قلت : وأيّ معنى في أن يقسم بإغوائه ؟ وهل هذا مما يقسم به! قلت : نعم ، لأنّه ليس إغواء اللّه تعالى إيّاه خلْق الغَيّ والضلال في قلبه ، بل تكليفه إيّاه السّجود الذي وقع الغيّ عنده من الشيطان ، لامن اللّه ، فصار حيث وقع عنده ، كأنه موجب عنه ، فنسب إلى البارئ ، والتّكليف تعريض للثّواب ولذّة الأبد ، فكان جديراً أن يقسم به . قوله عليه السلام : «قَذْفا بغيْبٍ بعيد» ، أي قال إبليس هذا القول قَذْفا بغيب بعيد ، والعرب تقول للشيء المتوهّم على بعد : هَذَا قَذْفٌ بغيب بعيد ، والقذفُ في الأصل : رَمْي الحجر وأشباهه ، والغيْب الأمر الغائب ، وهذه اللفظة من الألفاظ القرآنية ، قال اللّه تعالى في كفّار قريش : «وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ» (1)، أي يقولون : هذا سِحْر ، أو هذا من تعليم أهل الكتاب ، أو هذه كهانة ، وغير ذلك ممّا كانوا يرمُونه عليه الصلاة والسلام به . وانتصب « قَذْفا» على المصدر الواقع موقع الحال ، وكذلك «رَجْما» . قوله : «صدّقه به أبناء الحميّة» ، موضع «صدّقه» جرّ ؛ لأنّه صفة «ظنّ» ، وقد روي : «صدّقه أبناءُ الحميّة» من غير ذكر الجارّ والمجرور ، ومَنْ رواه بالجارّ والمجرور كان معناه : صدقه في ذلك الظن أبناء الحميّة ، فأقام الباء مقام «في» . «حتى إذا انقادت له الجامِحة منكم» ، أي الأنفس الجامحة أو الأخلاق الجامحة . «فنَجمت فيه الحال» ، أي ظهرت ، وقد روي : « فنجمت الحال من السرّ الخفيّ» من غير ذكر الجار والمجرور ، ومن رواه بالجارّ والمجرور فالمعنى : فنجمت الحال في هذا الشأن المذكور بينه وبينكم من الخفاء إلى الجَلاء . واستفحل سلطانه : قويَ واشتدّ وصار فَحْلاً ، واستفحل جواب قوله : « حتى إذا» . دلف بجنوده : تقدّم بهم . والوَلجات : جمع ولَجَة بالتحريك ، وهي موضع ، أو كهف يستتِر فيه المارّة من مطر أو غيره . وأقحموكم : أدخلوكم . والورْطة : الهلَكة .

.


1) .سورة سبأ ۵۳ .

قوله : «وأوطَؤوكم إثخان الجراحة» ، أي جعلوكم واطئين لذلك ، والإثخان : مصدر أثخَن في القتل ، أي أكثر منه وبالغ حتى كثف شأنه ، وصار كالشيء الثَّخِين ، ومعنى إيطاء الشيطان ببني آدم ذلك إلقاؤه إيّاهم فيه ، وتوريطهم وحمله لهم عليه . فالإثخان على هذا منصوب ؛ لأنّه مفعول ثانٍ . قوله عليه السلام : «طَعْنا في عيونكم» ، انتصب «طعناً» على المصدر ، وفعله محذوف ، أي فعلوا بكم هذه الأفعال فطعنوكم في عيونكم طعنا . واعلم أنّه لمّا ذكر الطعنَ نسبه إلى العيون ، ولمّا ذكر الحزّ ، وهو الذبح نسبه إلى الحلوق ، ولما ذكر الدّقّ ، وهو الصدم الشديد أضافه إلى المناخر ، وهذا من صناعة الخطابة التي علّمه اللّه إيّاها بلا تعليم ، وتعلّمها الناس كلّهم بعده منه . والخزائم : جمع خزامة ، وهي حلقة من شعر تجعل في وَتَرة أنف البعير فيشدّ فيها الزّمام . وتقول : قد وَرَى الزّند ، أي خرجت ناره ، وهذا الزند أوْرَى من هذا ، أي أكثر إخراجا للنار . يقول : فأصبح الشيطان أضرَّ عليكم وأفسد لحالكم من أعدائكم الّذين أصبحتم مناصبين لهم ، أي معادين ، وعليهم متألبين ، أي مجتمعين . قوله عليه السلام : «فاجعلوا عليه حَدّكُمْ» ، أي شَبَاتكم وبأسكم . وله جِدّكم : من جددت في الأمر جدّا ، أي اجتهدت فيه وبالغت . ثم ذكر أنّه فَخَر على أصلِ بني آدم ، يعني أباهم آدم عليه السلام حيث امتنع من السجود له ، وقال : «أنا خير منه» . ووقع في حَسَبِكم ، أي عاب حَسَبَكم وهو الطين ، فقال : إنّ النّار أفضلُ منه . ودفع في نسبكم مثله . وأجلب بخيله عليكم ، أي جمع خَيَّالته وفُرْسانه وألّبها . ويقتنصونكم : يتصيّدونكم . والبَنان : أطراف الأصابع ، وهو جمع ، واحدته بَنَانة ، ويجمع في القلة على بَنانَات ، ويقال : بنان مخضَّب ؛ لأنّ كلّ جمع ليس بينه وبين واحده إلاّ الهاء فإنه يذكّر ويوحّد . والحَوْمة : معظم الماء والحرب وغيرهما ، وموضع هذا الجارّ والمجرور نصب على الحال ، أي يقتنصونكم في حومة ذلّ . والجَولة : الموضع الّذي تجول فيه . وكَمَن في قلوبكم : استتر ، ومنه الكمين في الحرْب . ونزغات الشيطان : وساوسه الّتي يفسد بها . ونفثاته مثله . قوله : «واعتمدوا وضع التذلّل على رؤوسكم ، وإلقاء التعزّز تحت أقدامكم » ، كلامٌ شريف جليل المحلّ ، وكذلك قوله عليه السلام : «واتّخذوا التّواضع مسلحةً بينكم وبين عدوّكم إبليس وجنوده» ، والمسلحة : خيلٌ معدّة للحماية والدفاع . ثم نهاهم أن يكونوا كقابيل الّذِي حَسَد أخاه هابيل فقتَله ، وهما أخَوانِ لأب وأُمّ ، وإنما

.

قال : «ابن أُمّه» ، فذكر الأُمّ دون الأب ؛ لأنّ الأخَوين من الأُمّ أشدّ حُنُوّا ومحبة والتصاقاً من الأخوين من الأب ؛ لأنّ الأُمّ هي ذات الحضانة والتّربية . وقوله : «من غير ما فضل» ؛ ما هاهنا زائدة ، وتعطي معنى التأكيد ؛ نهاهم عليه السلام أن يحسدوا النّعم ، وأن يبغوا ويفسدوا في الأرض . قوله عليه السلام : «وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة» ؛ لأنّه كان ابتدأ بالقتل ، ومَنْ سنّ سنّة شرٍّ كان عليه وزرها ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة ، كما أنّ مَنْ سَنّ سنّة خير كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة .

الأصْلُ:أَلاَ وَقَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي الْبَغْيِ ، وَأَفْسَدْتُمْ فِي الْأَرْضِ ، مُصَارَحَةً لِلّـهِ بِالمُنَاصَبَةِ ، وَمُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالمُحَارَبَةِ . فَاللّهَ اللّهَ فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ ، وَفَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ! فَإِنَّهُ مَلاَقِحُ الشَّنَآنِ ، وَمَنَافِخُ الشَّيْطَانِ ؛ الَّتِي خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ ، وَالْقُرُونَ الْخَالِيَةَ ؛ حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ ، وَمَهَاوِي ضَلاَلَتِهِ ، ذُلُلاً عَنْ سِيَاقِهِ ، سُلُساً فِي قِيَادِهِ . أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ ، وَتَتَابَعَتِ الْقُرُونُ عَلَيْهِ ؛ وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ . أَلاَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَجَاحَدُوا اللّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ ؛ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ ، وَمُغَالَبَةً لاِلاَئِهِ ، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ آسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ ، وَسُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِليَّةِ . فَاتَّقُوا اللّهَ وَلاَ تَكُونُوا لِنَعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً ، وَلاَ لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً ، وَلاَ تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ ، وَخَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ ، وَهُمْ آسَاسُ الْفُسُوقِ ، وَأَحْلاَسُ الْعُقُوقِ ؛ اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلاَلٍ ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ ، وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ ، اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ ، وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ ، وَنَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ ، فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ ، وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ ، وَمَأْخَذَ يَدِهِ .

.

فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللّهِ وَصَوْلاَتِهِ ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاَتِهِ ، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ ، وَمصَارِعِ جُنُوبِهِمْ ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ .

الشّرْحُ:أمعنتُم في البغي : بالغتم فيه ، من أمعن في الأرض ، أي ذهب فيها بعيدا . ومصارحة للّه ، أي مكاشفة . والمناصبة : المعاداة . وملاقح الشنآن ، أن ملاقح هاهنا جمع مَلْقح وهو المصدر ، من لَقَحت كضربت مضرباً وشربت مشربا . ويجوز فتح النون من الشنآن وتسكينها ؛ وهو البغض . ومنافخ الشيطان : جمع مَنْفَخ ، وهو مصدر أيضا ، من نفخ ، ونَفْخ الشيطان ونَفْثه واحد ، وهو وسوسته وتسويله ، ويقال للمتطاول إلى ما ليس له : قد نفخ الشيطان فيأنفه . قوله : وأعنقوا : أصرعوا ، وفرس مِعْناق ، والسَّيْر العَنَق . والحنادس : الظلَم . والمهاوي : جمع مَهْواة بالفتح ؛ وهي الهُوَّة يتردّى الصيد فيها ، وقد تهاوَى الصَّيْد في المهواة ، إذا سقط بعضه في أثر بعض . قوله عليه السلام : «ذللاً عن سياقه» ، انتصب على الحال ، جمع ذَلُول ، وهو السهل المقادة ، وهو حال من الضمير في «أعنقوا» ، أي أسرعوا منقادين لسوْقه إياهم . وسُلُساً : جمع سَلِس ، وهو السَّهْل أيضاً . قوله عليه السلام : «أمرا» منصوب بتقدير فعل ، أي اعتمدوا أمرا ، «وكبرا» ، معطوف عليه ، أو ينصب «كبراً» على المصدر بأن يكون اسما واقعا موقعه ، كالعطاء موضع الإعطاء . قوله عليه السلام : «تشابهت القلوب فيه» ، أي أنّ الحمية والفخر والكبر والعصبيّة ما زالت القلوب متشابهة متماثلة فيها . وتتابعت القُرون عليه : جمع قَرْن بالفَتْح ؛وهي الأُمّة من الناس . وكِبْراً تضايقت الصدور به ، أي كبر في الصدور حتى امتلأت به وضاقت عنه لكثرته . ثم أمر بالحذر من طاعة الرؤساء أرباب الحمية ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى : «إنَّا أطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَراءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ» (1). وقد كان أمَرَ في الفصل الأوّل بالتّواضع للّه ، ونهى

.


1) .سورة الأحزاب ۶۷ .

هاهنا عن التواضع للرؤساء ، الذين تكبَّروا عن حسبهم ، أي جهلوا أنفسهم ، ولم يفكّروا في أصلهم من النُّطَف المستقذَرة من الطين المنتن ، قال الشاعر : ما بال من أوّله نُطْفَةٌوجيفةٌ آخرهُ يَفْخَرُ قوله عليه السلام : «وألقوا الْهَجِينةَ على ربهم» روي «الهَجِينة» على «فَعِيلة» ، كالطبيعة والخليقة ، وروي «الهُجْنَة» على «فُعْلة» كالمضغة واللُّقمة ، والمراد بهما الاستهجان ، من قولك : هو يهجّن كذا ، أي يقبّحه ، ويستهجنه أي يستقبحه . أن نسبوا ما في الأنساب من القبح بزعمهم إلى ربّهم ، مثل أن يقولوا للرجل : أنت عجميّ ونحن عرب ، فإنّ هذا ليس إلى الإنسان ، بل هو إلى اللّه تعالى ، فأيّ ذنب له فيه ! «وجاحدوا اللّه » ، أي كابروه وأنكروا صنعَه إليهم . وآساس بالمد : جمع أساس . واعتزاء الجاهلية : قولهم : يا لَفلان ! فلا تكونوا لنعمة اللّه أضداداً ؛ لأنّ البغيَ والكبْر يقتضيان زوالَ النعمة وتبدّلها بالنقمة . قوله : «ولا تطيعوا الأدعياء» ، مراده هاهنا بالأدعياء الذين ينتحلون الإسلام ويبطنون النفاق . ثم وصفهم فقال : «الذين شربتم بصفوِكم كدَرَهم» ، أي شربتم كدَرَهم مستبدلين ذلك بصفوكم . ويروى : «الذين ضربتم» ، أي مزجتم . ويروى : « شَرَيْتُم» ، أي بعتم واستبدلتم . والأحلاس : جمع حِلْس ، وهو كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازما له ، فقيل لكل ملازم أمر : هو حِلْس ذلك الأمر . والتَّرجمان ، بفتح التاء : هو الّذِي يفسّر لساناً بلسان غيره ، وقد تُضَمّ التاء . ويروى : « ونثّا في أسماعكم » من نَثّ الحديث ، أي أفشاه .

الأصْلُ:فَلَوْ رَخَّصَ اللّهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنبِيَائِهِ ؛ وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللّهُ بِالْمَخْمَصَةِ ، وَابْتَلاَهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ ، وَمَحَّصَهُمْ بِالْمَكَارِهِ . فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسُّخْطَ بِالمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ ، وَالاِْخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَالاِقْتَارِ ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى : «أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ

.

مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ» (1).

الشّرْحُ:التكابر : التعاظُم ، والغرض مقابلة لفظة «التواضع» لتكون الألفاظ مزدوجةً . وعفّر وجهَه : ألصقه بالعَفَر . وخَفَضُوا أجنحتهم : ألانُوا جانبَهم . والمخمصَة : الجوع . والمجهدة : المشقّة ، وأمير المؤمنين عليه السلام كثير الاستعمال لمفعل ومَفْعَلة بمعنى المصدر ، إذا تصفّحت كلامه عرفت ذلك . ومحّصهم ، أي طهّرهم ، وروي «مخضهم» بالخاء والضاد المعجمة ، أي حرَّكهم وزلزلهم . ثم نهى أن يعتبر رضا اللّه وسخطه بما نراه من إعطائه الإنسان مالاً وولداً ؛ فإن ذلك جهل بمواقع الفتنة والاختبار . وقوله تعالى : «أيحسبون ...» ، الآية دليل على ما قاله عليه السلام ، والأدلة العقلية أيضا دلّت على أنّ كثيراً من الآلام والغموم والبلوى إنما يفعله اللّه تعالى للألطاف والمصالح . وما الموصولة في الآية يعود إليها محذوف ومقدّر لابدّ منه ؛ وإلاّ كان الكلام غير منتظم ، وغير مرتبط بعضه ببعض ، وتقديره : نسارع لهم به في الخيرات .

الأصْلُ:فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ ؛ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ ؛ وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ ـ صلى اللّه عَلَيْهِمَا ـ عَلَى فِرْعَوْنَ ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ ، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ ، فَشَرَطَا لَهُ ـ إِنْ أَسْلَمَ ـ بَقَاءَ مُلْكِهِ ، وَدَوَامَ عِزِّهِ ؛ فَقَالَ : « أَلاَ تَعْجَبُونَ مِنْ هذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ ؛ وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ ، فَهَلاَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ » ؟! إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ ، وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ ! وَلَوْ أَرَادَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الْذِّهْبَانِ ، وَمَعادِنَ الْعِقْيَانِ ، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّماءِ ، وَوُحُوشَ الْأَرَضِينَ

.


1) .سورة المؤمنون ۵۵ ، ۵۶ .

لَفَعَلَ ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاَءُ ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ ، وَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ ، وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَينَ ، وَلاَ اسْتَحَقَّ الْمُؤمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ ، وَلاَ لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا ؛ وَلكِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ ، وَضَعَفَةً فِيَما تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاَتِهِمْ ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنىً ، وَخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذىً .

الشّرْحُ:مدارع الصوف : جمع مِدْرَعة ، بكسر الميم ، وهي كالكساء ، وتدرّع الرجل وتمدْرع إذا لبسها . والعصيّ : جمع عصا . وتقول : هذا سِوار المرأة ، والجمع أسورة ، وجمع الجمع أساورة ، وقرئ : «فَلَوْلاَ أُلقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبِ» (1). وقد يكون جمع أساور ، قال سبحانه : «يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» (2)، قال أبو عمرو بن العلاء : أساور هاهنا جمع إسوار وهو السِّوار . والذِّهْبان ، بكسر الذال : جمع ذهب ، كَخَرب لذكر الحُبارى وخِرْبان . والعِقْيان : الذهب أيضاً . قوله عليه السلام : «واضمحلّت الأنباء» ، أي تلاشت وفنِيت . والأنْباء : جمع نَبَأ ، وهو الخبر ، أي لسقط الوعد والوعيد وبطلا . قوله عليه السلام : «ولا لزمت الأسماءَ معانيَها» ، أي مَنْ يسمّى مؤمناً أو مسلماً حينئذٍ ، فإنّ تسمِيتَه مجاز لا حقيقة ؛ لأنّه ليس بمؤمن إيمانا مِنْ فِعله وكَسْبه ، بل يكون ملجأ إلى الإيمان بما يشاهده من الآيات العظيمة . والمبتَليْن ، بفتح اللاّم : جمع مبتلىً ، كالمعطَيْن والمرتَضَيْن ، جمع معطىً ومرتضى . والخصاصة : الفقر .

الأصْلُ:وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لاَ تُرَامُ ، وَعِزَّةٍ لاَ تُضَامُ ، وَمُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ ؛ لَكَانَ ذلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الاِعتِبَارِ ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ

.


1) .سورة الزخرف ۵۳ .

2) .سورة الحج ۲۳ .

الاِسْتِكْبَارِ ، وَلآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ ، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً ، وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً ؛ وَلكِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاِتِّبَاعُ لرُسُلِهِ ، وَالْتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ ، وَالاِسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ ، وَالاِسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ ؛ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً ، لاَ يَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ .

الشّرْحُ:تمدّ نحوه أعناق الرجال ، أي لعظمته ؛ أي يؤمّله المؤمّلون ويرجوه الراجون ، وكلّ مَنْ أمّل شيئا فقد طَمح ببصره إليه معنىً لا صورة ، فكنَى عن ذلك بمدّ العنق . وتُشدّ إليه عُقَد الرحال : يسافر أربابُ الرغبات إليه ، يقول : لو كانَ الأنبياء ملوكا ذوي بأس وقَهْر لم يمكن إيمان الخلق وانقيادهم إليهم ؛ لأنّ الإيمان في نفسه واجب عقلاً ، بل كان لرهبة لهم أو رغبة فيهم ، فكانت النيّات مشتركة . وكذلك تفسير قوله : «والحسنات مقتسمة» ، قال : ولا يجوز أن تكون طاعة اللّه تعالى تعلو إلاّ لكونها طاعة له لا غير ، ولا يجوز أن يشوبها ويخالطها من غيرها شائبة . فإن قلت : ما معنى قوله : «لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وأبعد لهم من الاستكبار»؟ قلت : أي لو كان الأنبياء كالملوك في السَّطْوة والبطش ؛ لكان المكلّف لا يشقّ عليه الاعتبار والانزجار عن القبائح مشقّتَه عليه إذا تركه لقبحه لا لخوف السيف ، وكان بُعدُ المكلفين عن الاستكبار والبغي لخوف السّيف والتأديب أعظمَ من بعدهم عنها إذا تركوهما لوجه قبحهما ، فكان يكون ثواب المكلّف ؛ إمّا ساقطاً ، وإمّا ناقصا .

الأصْلُ:وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى والاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ ، كَانَتِ الْمُثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ ؛ أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ـ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ ـ إِلَى الآخِرِينَ مِنْ هذا الْعَالَمِ ؛ بَأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تنْفَعُ ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً ، ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً ، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً ،

.

وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً ؛ بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ ، وَقُرىً مُنْقَطِعَةٍ ؛ لا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ ، وَلاَ حَافِرٌ وَلاَ ظِلْفٌ . ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ ؛ فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ ، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهَلِّـلُونَ لِلّهِ حَوْلَهُ ، وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهمْ ، شُعْثاً غُبْراً لَهُ ، قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ ، ابْتِلاَءً عَظِيماً ، وَامْتِحَاناً شَدِيداً ، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً ، وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً ، جَعَلَهُ اللّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ ، وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ . وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ ، وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ ، جَمَّ الْأَشْجَارِ ، دَانِيَ الِّثمارِ ، مُلْتَفَّ الْبُنَى ، مُتَّصِلَ الْقُرَى ، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ ، وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ ، وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ ، وَعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ ، وَزُرُعٍ نَاضِرَةٍ ، وَطُرُقٍ عَامِرَةٍ ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلاَءِ . وَلَوْ كَانَ الإسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا ، وَالْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا ، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ ، وَنُورٍ وَضِيَاءٍ ، لَخَفَّفَ ذلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ الْنَّاسِ . وَلكِنَّ اللّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَـبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ ، وَلِيَجْعَلَ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ .

الشّرْحُ:كانت المثوبة ، أي الثواب . وأجزل : أكثر ، والجزيل : العظيم ، وعطاء جَزْل وجَزِيل ، والجمع جزال ، وقد أجزلت له من العطاء ، أي أكثرت . وجعله للناس قياماً ، أي عماداً ، وفلان قيام

.

أهله ، أي يقيم شؤونهم ، ومنه قوله تعالى : «وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاما» (1). وأوعرُ بقاع الأرض حجرا ، أي أصعبها ، ومكانٌ وعْر ، بالتسكين : صعب المسلك أو المقام . وأقلُّ نتائق الدُّنيا مدَارا ؛ أصل هذه اللفظة من قولهم : «امرأة مِنْتاق» ، أي كثيرة الحَبل والوِلادة ، ويقال : ضيْعة مِنْتاق أي كثيرة الرّيع ، فجعل عليه السلام الضّياع ذوات المدَر التي تثار للحرْث نتائق ، وقال : إنّ مكّة أقلها صلاحا للزرع ؛ لأنّ أرضها حجرية . والقُطْر : الجانب . ورمالٌ دمِثة : سهلة ، وكلّما كان الرَّمْل أسهَل ؛ كان أبعد عن أن ينبت . وعيون وشِلة ، أي قليلة الماء ، والوَشَل ، بفتح الشين : الماء القليل ، ويقال : وشَل الماء وَشَلانا ، أي قطر . قوله : «لا يزكُو بها خُفّ» ، أي لا تزيد الإبل فيها أي لا تسمن ، والخُفّ هاهنا هو الإبل ، والحافر : الخيل والحمير ، والظِّلْف : الشاة ، أي ليس حولها مرعىً يرعاه الغنم فتسمَن . وأن يَثُنوا أعطافهم نحوه ، أي يقصِدُوه ويحجّوه ، وعِطْفا الرَّجل : جانباه . وصار مثابة ، أي يُثاب إليه ويُرْجَع نحوه مرّة بعد أُخرى ، وهذه من ألفاظ الكتاب العزيز (2). قوله عليه السلام : « لمنتجَع أسفارِهم» ، أي لنُجْعتها ، والنُجعَة ، طلب الكلأ في الأصل ، ثم سمي كلّ مَنْ قصد أمراً يروم النفع منه منتجِعاً . «وغاية لمُلقى رحالهم» ، أي صار البيت هو الغاية التي هي الغرض والمقصد ، وعنده تلقى الرِّحال ، أي تحطّ رحال الإبل عن ظهورها ، ويبطل السفر ؛ لأنهم قد انتهوا إلى الغاية المقصودة . قوله : «تَهْوِي إليه ثمار الأفئدة» ، ثمرة الفؤاد : هو سويداء القلْب ، ومنه قولهم للولد : هو ثمرة الفؤاد ، ومعنى «تهوِي إليه» ، أي تتشوّقه وتحنّ نحوه . والمفاوز : هي جمع مَفَازة ، الفلاة سُمِّيَتْ مَفَازة ، إمَّا لأنها مهلَكة ، من قولهم : فَوّز الرَّجُل ، أي هلك ، وإمّا تفاؤلاً بالسلامة والفوز ، والرّواية المشهورة . «من مفاوزِ قفار» بالإضافة . وقد روى قوم : «من مفاوزَ» بفتح الزاء ؛ لأنّه لا ينصرف ، ولم يضيفوا ، جعلوا «قفار» صفة . والسحيقة : البعيدة . والمهاوِي : المساقط . والفِجاج : جمع فَجّ ، وهو الطريق بين الجَبَلين . قوله عليه السلام : «حتّى يهزّوا مناكبهم» ، أي يحرّكهم الشوق نحوه إلى أن يسافروا إليه ، فكنَى عن السَّفر بهزّ المناكب . وذُللاً ، حال إمّا منهم وإمّا من المناكب ، وواحد المناكب ، منكِب بكسر الكاف ، وهو مجمع عظم العَضُد والكتف . و «يهلّلون» ، يقولون : لا إله إلاّ اللّه ، وروي :

.


1) .سورة النساء ۵ .

2) .وهو قوله تعالى في سورة البقرة آية ۱۲۵ : «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنا ...» .

«يُهِلُّون للّه » ، أي يرفعون أصواتهم بالتلبية ونحوها . ويرمُلون ، الرَّمَل : السعي فوق المشي قليلاً . شُعْثا غُبْرا ؛ لا يتعهدون شعورهم ولا ثيابهم ولا أبدانهم ، قد نبذوا السرابيل ، ورموا ثيابهم وقمصانهم المخيطة . وشوّهوا بإعفاء الشعور ، أي غيّروا وقبحوا محاسن صورهم ، بأنْ أعفَوْا شعورهم فلم يَحلِقوا ما فضل منها وسقط على الوجه ونبت في غيره من الأعضاء التي جرت العادة بإزالتها عنها . والتمحيص : التَّطْهير ، من محّصت الذهب بالنار إذا صفّيتَه مما يشوبه ، والتمحيص أيضا : الامتحان والاختبار . والمشاعر : معالم النُّسُك . قوله : «وسهل وقرار» ، أي في مكان سهل يستقرّ فيه الناس ولا ينالهم من المقام به مشقّة . وجمّ الأشجار : كثيرها . وداني الثمار : قريبها . وملتفّ البنَى : مشتبك العمارة . والبُرَّة : الواحدة من البُرّ ، وهو الحنطة . والأرياف . جمع ريف وهو الخِصْبِ والمرعى في الأصل ، وهو هاهنا السّواد والمزارع . ومحدِقة : محيطة . ومغدِقة : غزيرة ، والغَدَق : الماء الكثير . وناضرة : ذات نضارة وَروْنق وحُسْن . قوله : «ولو كانت الإساس» ، يقول : لو كانت إساس البيت الّتي حمل البيت عليها وأحجاره التي رفع بها من زمردة وياقوتة فالمحمول والمرفوع كلاهما مرفوعان ؛ لأنهما صفة اسم كان والخبر «من زمردة» ، وروي : «بين زمردة» . وروي : «مضارعة الشّكّ» بالضاد المعجمة ، ومعناه مقارنة الشك ودنوّه من النفس ، وأصله من مضارعة القِدْر إذا حان إدراكها ، ومن مضارعة الشمس إذا دنت للمغيب . قوله عليه السلام : «ولَنَفَى معتلج الرّيب» ، أي اعتلاجه ، أي ولنفى اضطراب الشك في القلوب . وروي «يستعبدهم» و «يتعبّدهم» ، والثانية أحسن . والَمجَاهد : جمع مَجْهدة ، وهي المشقة . وأبواباً فُتُحاً ، أي مفتوحة . وأسبابا ذُلُلاً ، أي سهلة . واعلم أنّ محصول هذا الفصل أنّه كلّما كانت العبادة أشقّ كان الثواب عليها أعظم ، ولو أنّ اللّه تعالى جعل العبادات سهلة على المكلّفين لما استحقُّوا عليها من الثواب إلاّ قدرا يسيرا ، بحسب ما يكون فيها من المشقّة اليسيرة .

الأصْلُ:فاللّهَ اللّهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى ، وَمَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى ، الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ

.

الْقَاتِلَةِ ، فَمَا تُكْدِي أَبَداً ، وَلاَ تُشْوِي أَحَداً ، لاَ عَالِماً لِعِلْمِهِ ، وَلاَ مُقِلاًّ فِي طِمْرِهِ . وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ ، تسْكِيناً لَأَطْرَافِهِمْ ، وَتَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ ، وَلِمَا فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً ، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً ، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالمُتونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً ؛ مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ . انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ !

الشّرْحُ:بلدة وخِمة ووخيمة : بيّنة الوخامة ، أي وبيئة . مصْيَدَة إبليس ، بسكون الصاد وفتح الياء : آلته الّتي يصطاد بها . وتُساور قلوب الرجال : تواثُبها ، وسار إليه يَسُور ، أي وثب ، والمصدَر السَّوْر ، ومصدر «تَسَاور» المساورة ، ويقال : إنّ لغضبه سَوْرة ، وهو سَوّار ، أيْ وثّاب معربد ، وسَوْرة الشراب : وثوبه في الرأس ، وكذلك مساورة السموم التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام . وما تكدِي : ما تردّ عن تأْثيرها ، من قولك : أكدى حافر الفرس ، إذا بلغ الكُدْية وهي الأرض الصُّلْبة ، فلا يمكنه أنْ يحفر . ولا تُشوِي أحدا : لا تخطئ المَقْتل وتصيب غيره ؛ وهو الشَّوَى ، والشوى : الأطراد ، كاليد والرجل . قال : لا تردّ مكيدته عن أحد لا عن عالم لأجل علمه ، ولا عن فقير لطمره ، والطّمْر : الثوب الخَلق . و «ما» في قوله : «وعن ذلك ما حرس اللّه » زائدة مؤكدة ، أي عن هذا المكايد الّتي هي البغْي والظّلم والكِبر حَرَس اللّه عباده ، فـ «عن» متعلقة بـ « حرس» . ثم بيّن عليه السلام الحكمة في العبادات ، فقال : إنه تعالى حَرَس عباده بالصلوات التي افترضها عليهم من تلك المكايد ، وكذلك بالزكاة والصَّوم ليسكِّن أطرافهم ، ويخشّع أبصارهم ، فجعل التسكين والتخشيع عذرا وعلّة للحراسة ، ونصب اللفظات على أنّها مفعول له . ثم علل السكُون والخشوع الذي هو علّة الحراسة لما في الصلاة من تعفير الوجه على التراب ، فصار ذلك علّة العلة . قال : وذلك لأنّ تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعا يوجب هَضْم النفس

.

وكسرها وتذليلها . وعتاق الوجوه : كرائمها . وإلصاق كرائم الجوارح بالأرض كاليدين والساقين تصاغرا يوجب الخشوع والاستسلام ، والجوع في الصوم الذي يلحق البطن في المتن يقتضي زوال الأَشَر والبطَر ، ويوجب مذلّة النفس وقمْعها عن الانهماك في الشهوات ، وما في الزكاة من صَرْف فواضل المكاسب إلى أهل الفقر والمسكنة يوجبُ تطهيرَ النّفوس والأموال ومواساة أرباب الحاجات بما تسمحُ به النفوس من الأموال ، وعاصم لهم من السرقات وارتكاب المنكرات ، ففي ذلك كلّه دفع مكايد الشيطان . وتخفيض القلوب : حطها عن الاعتلاء والتّيه . والخُيَلاء : التكبّر . والمسكنة : أشدّ الفقر في أظهر الرّأيين . والقَمْع : القهر . والنَّوَاجم : جمع ناجمة ، وهي ما يظهر ويطلع من الكبر وغيره . والقَدْع ، بالدال المهملة : الكفّ ، قدعت الفرس وكبحته باللجام ، أي كففته . والطوالع ، كالنواجم .

الأصْلُ:وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلاَءِ ، أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلاَ عِلَّةٌ . أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ ، فَقَالَ : أَنَا نَارِيٌّ وَأَنْتَ طِينِيٌّ . وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الْأُمَمِ ، فتَعَصَّبُوا لاِثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ ، فَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . فَإِنْ كَانَ لاَبُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ ، وَمَحَامِدِ الْأَفْعَالِ ، وَمَحَاسِنِ الْأُمُورِ ، الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ وَالنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ الْقَبَائِلِ ؛ بِالْأَخْلاَقِ الرَّغِيبَةِ ، وَالْأَحْلاَمِ الْعَظِيمَةِ ، وَالْأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ ، وَالاْثَارِ الْمَحْمُودَةِ . فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ الْحَمْدِ ؛ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ ، وَالْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ ، وَالْأَخْذِ بِالْفَضْلِ ، وَالْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ ، وَالاْءِعْظَامِ لِلْقَتْلِ ، وَالاْءِنْصَافِ لِلْخَلْقِ ، وَالْكَظْمِ لِلْغَيْظِ ، وَاجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ .

.

الشّرْحُ:قد روي : « تحتمل » بالتاء ، وروي «تحمل» ، والمعنى واحد . والتمويه : التلبيس من مَوَّهت النّحَاس ، إذا طليتَه بالذهب ليخفى . ولاط الشيء بقلبي يلوط ويليط ، أي التصق . والمترَف : الذي أطغته النعمة . وتفاضلت فيها : أي تزايدت . والُمجداء : جمع ماجد ، والمجْد الشرف في الآباء ، والحسب والكرم يكونان في الرَّجل وإن لم يكونا في آبائه . والنُّجداء : الشجعان ، واحدهم نَجِيد ، وأمّا نَجِد ونَجُد ، بالكسر والضم ، فجمعه أنجاد ، مثل يَقِظ وأيقاظ . وبيوتات العرب : قبائلها . ويعاسيب القبائل : رؤساؤها ، واليُعسوب في الأصل : ذكرَ النحل وأميرها . والرغيبة: الخَصْلة يُرغَب فيها. والأحلام: العقول. والأخطار: الأقدار. ثم أمرهم بأن يتعصّبُوا لخلال الحمد وعددها ، وينبغي أن يحمل قوله عليه السلام : «فإنكم تتعصّبون لأمر ما يعرف له سبب ولا علّة» ، على أنّه لا يعرف له سبب مُناسب ، فكيف يمكن أن يتعصّبوا لغير سبب أصلاً! وقيل : إنّ أصل هذه العصبية ؛ وهذه الخطبة ؛ أنّ أهلَ الكوفة كانوا قد فسدُوا في آخر خلافة أمير المؤمنين ، وكانوا قبائلَ في الكوفة ، فكان الرَّجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة أُخرى ، فينادِي باسم قبيلته : يا للنَّخَع ! مثلاً ، أو يا لَكِندة ! نداءً عاليا يقصد به الفتنة وإثارة الشرّ ، فيتألَّب عليه فتْيان القبيلة التي مر بها فينادون : يا لَتميم ! ويا لَربيعة ! ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه ، فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها ، فتُسلّ السيوف وتثور الفِتَن ، ولا يكون لها أصل في الحقيقة إلاّ تعرُّض الفِتْيان بعضهم ببعض .

الأصْلُ:وَاحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثُلاَتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ ، وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ ؛ فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ حَالَهُم ، وَزَاحَتِ الأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَانْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ ؛ مِنْ الاِْجْتِنَابِ لِلْفُرقَةِ ، وَاللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ ، وَالتَّحَاضِّ عَلَيْهَا ، وَالتَّوَاصِي بِهَا . وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ ، وَأَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ ؛ مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ ، وَتَشَاحُنِ

.

الصُّدُورِ ، وتَدَابُرِ النُّفُوسِ ، وَتَخَاذُلِ الْأَيْدِي .

الشّرْحُ:المثُلات : العُقوبات . وذميم الأفعال : ما يذمّ منها . وتفاوت حاليْهم : اختلافهما . وزاحت الأعداء : بعدت . وله ، أي لأجله . والتحاضّ عليها : تفاعل يستدعي وقوعَ الحضّ ، وهو الحثّ من الجهتين ، أي يحثّ بعضهم بعضا . والفِقْرة : واحدة فِقَر الظّهر ، ويقال لمن قد أصابته مصيبة شديدة : قد كُسِرت فِقرته . والمُنّة : القوّة . وتضاغُن القلوب وتشاحنها واحد . وتخاذل لأيدي : ألاّ ينصُر النّاس بعضهم بعضا .

الأصْلُ:وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ ؛ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ وَالْبَلاَءِ ؛ أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلاَئِقِ أَعْبَاءً ، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلاَءً ، وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً ؟ اتَّخَذَتْهُمُ الفَراعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، وَجَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ ، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ ، لاَ يَجِدُونَ حِيلَةً فِي امْتِنَاعٍ ، وَلاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ ، حَتَّى إِذَا رَأَى اللّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ ، وَالاِحْتَِمالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلاَءِ فَرَجاً ، فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ ، وَالْأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً ، وأَئِمَّةً أَعْلاَماً ، وَقَدْ بَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللّهِ لَهُمْ ؛ مَا لَمْ تَذْهَبِ الاْمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ .

الشّرْحُ:تدبّروا ، أي تأمّلوا . والَّتمحيص : التطهير والتصفية . والأعباء : الأثقال : واحدها عبْ ء . وأجهد العباد : أتعبهم . والفراعنة : العُتاة ، وكلّ عاتٍ فرعون . وساموهم سوء العذاب : ألزموهم إيّاه ، وهذا إشارة إلى قوله تعالى : «يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ

.

وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» (1). والمُرار : بضمّ الميم : شجر مُرٌّ في الأصل ، واستعير شرب المُرار لكلّ مَنْ يلقَى شديد المشقّة . ورأى اللّه منهم جدّ الصبر ، أي أشدّه . وأئمة أعلاماً ، أي يُهتدَى بهم ، كالعَلم في الفَلاَة .

الأصْلُ:فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلاَءُ مُجْتَمِعَةً ، وَالْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً ، وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً ، وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً ، وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً ، وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً ، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً . أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ ، وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ ! فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ ، حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ، وَتَشَ الْأُلْفَةُ ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالْأَفْئِدَةُ ؛ وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ ، قَدْ خَلَعَ اللّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ ، وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ منْكُمْ .

الشّرْحُ:الأملاء : الجماعات ، الواحد ملَأ . ومترادفة : متعاونة . البصائر نافذة ، يقال : نفذت بصيرتي في هذا الخَبر ، أي اجتمع همّي عليه ، ولم يبق عندي تردّد فيه ، لعلمي به وتحقيقي إياه . وأقطار الأرَضين : نواحيها ، وتش : تفرَّقت . وتشعّبوا : صاروا شُعوباً وقبائل مختلفين . وتفرّقوا متحزّبين : اختلفوا أحزابا ، وروي : «متحازبين» . وغضارة النّعمة : الطيِّب الليِّن منها . والقَصَصُ : الحديث . يقول : انظروا في أخبار مَنْ قبلكم من الأُمم ، كيف كانت حالهم في العزّ والمُلْك لمّا كانت كلمتُهم واحدة ، وإلى ماذا آلتْ حالهم حين اختلفت كلمتُهم ! فاحذروا أن تكونوا مثلَهم ، وأن يحلّ بكم إن اختلفتم مثل ما حلّ بهم .

.


1) .سورة البقرة ۴۹ .

الأصْلُ:فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ؛ فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ ! تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّـتِهِمْ ، وَتَفَرُّقِهِمْ ، لَيَالِيَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الاْفَاقِ ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا ، إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ ، وَمَهَافِي الرِّيحِ ، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ ، إِخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ . أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً ، وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً ، لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا ، وَلاَ إِلَى ظِلِّ أُ لْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا ؛ فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ ، وَالْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ، فِي بَلاَءِ أَزْلٍ ، وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُدَةٍ ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ .

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «فما أشدّ اعتدال الأحوال !» ، أي ما أشبه الأشياء بعضها ببعض ! وإنّ حالكم لشبيهة بحال أولئك فاعتبروا بهم . قوله : «يحتازونهم عن الريف» يبعدونهم عنه ، والريف : الأرض ذات الخِصْب والزّرع ، والجمع أرياف ؛ ورافت الماشية أي رعت الرِّيف ، وقد أرفنا أيْ صرنا إلى الريف ، وأرافت الأرض أي أخصبت ، وهي أرض ريِّفة ، بتشديد الياء . وبحر العِراق : دجلة والفرات ، أمّا الأكاسرة فطردُوهم عن بَحْر العراق ، وأمّا القياصرة فطردُوهم عن ريف الآفاق ، أي عن الشام وما فيه من المرعى والمنتجَع . قوله عليه السلام : «أربابا لهم» ، أي ملوكا ، وكانت العرب تسمِّي الأكاسرة أربابا ، ولمّا عظم أمر حُذَيفة بن بدر عندهم سمّوه ربَّ مَعَدّ . ومنابت الشِّيح : أرض العرب ، والشِّيحُ : نَبْت معروف . ومَهافِي الريح : المواضع التي تهفو فيها ، أي تهِبّ وهي الفيافي والصحاري . ونكَد المعاش : ضيقه وقلّته . وتركوهم عالَةً ، أي فقراء ، جمع عائل ، والعائل ذو العَيْلة والعَيْلة : الفقر ، قال تعالى : «وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُم اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ» (1)، نظيره قائد وقادة ، وسائس وساسة .

.


1) .سورة التوبة ۲۸ .

وقوله : «إخْوانَ دَبَر ووَبَر» ، الدّبر مصدر دَبِر البعيرُ ، أي عقره القَتَب . والوبَر للبعير بمنزلة الصوف للضأن والشعر للمعز . قوله : «أذلّ الأمم دارا» ؛ لعدَم المعاقل والحصون المنيعة فيها . وأجدبهم قراراً ، لعدم الزَّرع والشجر والنخل بها . والجدْب : المحْل . ولا يأوون : لا يلتجئون ولا ينضمّون . والأزْل : الضِّيق . وأطباق جهل : جمع طَبَق ، أي جَهْل متراكم بعضُه فوق بعض ، وغارات مشنونة : مفرّقة ، وهي أصعب الغارات .

الأصْلُ:فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ ؛ كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا ، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا ، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا ، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَاكِهِينَ ؛ قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ ، فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ ، وَتَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ ؛ فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ ، يَمْلِكُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ ، وَيُمْضُونَ الْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ ، لاَ تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ ، وَلاَ تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ .

الشّرْحُ:لمّا ذكر ما كانت العرب عليه من الذلّ والضَّيْم والجهل ، عاد فذكر ما أبدل اللّه به حالهم ، حين بعث إليهم محمداً صلى الله عليه و آله وسلم ، فعقد عليهم طاعتهم كالشيء المنتشر المحلول ، فعقدها بملّة محمد صلى الله عليه و آله وسلم . والجداول : الأنهرُ . والتفّت الملة بهم ، أي كانوا متفرّقين فالتفّت ملّة محمّد بهم ، أي جمعتهم ، ويقال : التفّ الحبل بالحَطَب ، أي جمعه ، والتفّ الحطب بالحبل ، أي اجتمع به . و «في» في قوله : «في عوائد بركتها» متعلّقة بمحذوف ؛ وموضع الجار والمجرور نصب على الحال ، أي جمعتهم الملة كائنةً في عوائد بركتها ، والعوائد : جمع عائدة ، وهي المنفعة .

.

تقول : هذا أعْوَدُ عليك ، أي أنفع لك . وروي : «والتقت الملة » بالقاف ، أي اجتمعت بهم ، من اللقاء . والرواية الأُولى أصحّ . وأصبحوا في نعمتها غرِقين ، مبالغة في وصف ما هم فيه من النعمة . وفاكهين : ناعمين . وروي «فكهين» أي أشِرين وقد قرئ بهما في قوله تعالى: «وَنَعْمَةٍ كانوا فِيهَا فَاكِهِينَ» (1)، وقال الأصمعيّ : فاكهين : مازحين ، والمفاكهة : الممازحة ، ومن أمثالهم : «لا تفاكِهْ أمَة ، ولا تَبُلْ عَلَى أكمة» ؛ فأما قوله تعالى : «فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُون» (2)، فقيل : تندمون ، وقيل : تعجبون . و «عن» في قوله : «وعن خضرة عيشها» ، متعلّقة بمحذوف ، تقديره : فأصبَحوا فاكهين فكاهة صادرة عن خضرة عيشها ، أي خضرة عيش النعمة سبب لصدور الفكاهة والمُزاح عنه . وتربّعت الأُمور بهم ، أي أقامت ، من قولك . رَبَع بالمكان ، أي أقام به . وآوتهم الحال ؛ بالمدّ أي ضمتهم وأنزلتهم ، قال تعالى : «آوَى إليه أخَاهُ» (3)، أي ضمّه إليه وأنزله ، ويجوز «أوتهم» بغير مدّ . أفعلت في هذا المعنى وفعلت واحد ؛ عن أبي زيد . والكنَف : الجانب . وتعطّفت الأُمور عليهم : كناية عن السيادة والإقبال ، يقال : قد تعطّف الدّهر على فلان ، أي أقبل حظُّه وسعادته ، بعد أنْ لم يكن كذلك . وفي ذُرَى مُلْكٍ : بضم الذال أي في أعاليه ، جمع ذروة ، ويكنى عن العزيز الذي لا يُضام ، فيقال : لا يغمز له قناة ، أي هو صلب . والقناة إذا لم تلِن في يد الغامز كانتْ أبعدَ عن الحطم والكَسْر . ولا تُقْرع لهم صفاة ؛ مثَل يضرب لمن لا يطمع في جانبه لعزّته وقوّته .

الأصْلُ:أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ ، بَأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هذِهِ الْأُمَّةِ ؛ فِيَما عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَنْقَلبُونَ فِي ظِلِّهَا ، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا ، بِنِعْمَةٍ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً ، لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ .

.


1) .سورة الدخان ۲۷.

2) .سورة الواقعة ۶۵ .

3) .سورة يوسف ۶۹ .

وَاعْلَمُوا أَ نَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً ، وَبَعْدَ الْمُوَلاَةِ أَحْزَاباً ، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الاْءِسْلاَمِ إِلاَّ بِاسْمِهِ ، وَلاَ تَعْرِفُونَ مِنَ الاْءِيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ ، تَقُولُونَ : النَّارَ وَلاَ الْعَارَ ! كَأَ نَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الاْءِسْلاَمَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ ، وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللّهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ ، وَأَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ . وإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ ، ثُمَّ لاَ جَبْرَائِيلُ وَلاَ مِيكَائِيلُ وَلاَ مُهَاجِرُونَ وَلاَ أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ ، إِلاَّ الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَكُمْ . وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللّهِ وَقَوَارِعِهِ ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ ، فَلاَ تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بَأَخْذِهِ ، وَتَهَاوُناً بِبَطْشِهِ ، وَيَأْساً مِنْ بَأْسِهِ ؛ فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلاَّ لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ ، فَلَعَنَ اللّهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي وَالْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ الْتَّنَاهِي !

الشّرْحُ:نفضتم أيديكم : كلمة تقال في اطّراح الشيء وتركه ، وهي أبلغ من أن تقول : تركتم حبلَ الطاعة ؛ لأنّ مَنْ يخلي الشيء من يده ثم ينفض يده منه يكون أشدّ تخلية له ممّن لا ينفضها . بل ، يقتصر على تخليته فقط ؛ لأنّ نفضها إشعار وإيذان بشدّة الاطّراح والإعراض . والباء في قوله . «بأحكام الجاهليّة» متعلقة بـ «ثلمتُم» ، أي ثلمتم حصن اللّه بأحكام الجاهلية التي حكمتم بها في ملَّة الإسلام . والباء في قوله : «بنعمة لا يَعْرِف» ، متعلقة بـ «امتنّ» . و «في» من قوله « فيما عقد» متعلّقة بمحذوف ، وموضعها نصب على الحال ، وهذا إشارة إلى قوله تعالى : «لَوْ أنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا مَا ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنّ اللّهُ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ» (1). وقوله : «فأَصْبَحْتُمْ بِنِعمَتِهِ إخْوَانا» (2). وروي : «تتقلّبون في ظلها» .

.


1) .سورة الأنفال ۶۳ .

2) .سورة آل عمران ۱۰۳ .

قوله : «صرتم بعد الهجرة أعرابا» ؛ الأعراب على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلممَنْ آمن به من أهل البادية ، ولم يهاجر إليه ، وهم ناقصوا المرتبة عن المهاجرين لجفائهم وقسوتهم وتوحّشهم ، ونشئهم في بُعْدٍ من مخالطة العلماء ، وسماع كلام الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ، وفيهم أُنزل : «الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرا وَنِفَاقا وَأَجْدرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ» (1). وروي : «ولا يعقلون من الإيمان» . وقولهم : «النارَ ولا العارَ» ، منصوبتان بإضمار فعل ، أي ادخلوا النار ولا تلتزموا العار ، وهي كلمة جارية مجرى المثل أيضا ، يقولها أرباب الحميّة والإباء ، فإذا قيلت في حقٍّ كانت صواباً ، وإذا قيلت في باطل كانت خطأ . وأكفأت الإناء وكفأته : لغتان ، أي كببتُه . قوله : «ثم لا جبرائيلَ ولا ميكائيلَ ولا مهاجرين» ، الرواية المشهورة هكذا بالنصب ، وهو جائز على التشبيه بالنّكرة ، كقولهم : معضلة ولا أبا حسن لها . وقد روي بالرفع في الجميع . والمقارعة منصوبة على المصدر ، وقد روي : «إلاّ المقارعةُ» بالرفع ، تقديره : ولا نصير لكم بوجه من الوجوه إلاّ المقارعة . والأمثال التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام هي ما تضمّنه القرآن من أيام اللّه ونقماته على أعدائه ، وقال تعالى : «وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ» (2). والتناهي : مصدر تناهي القوم عن كذا ، أي نهى بعضهم بعضا ، يقول : لعن اللّه الماضين من قبلكم ؛ لأنّ سُفَهاءهم ارتكبُوا المعصية ، وحلماءهم لم ينهوهم عنها ، وهذا من قوله تعالى : «كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلونَ» (3).

الأصْلُ:أَلاَ وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الاْءِسْلاَمِ ، وَعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ ، وَأَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ . أَلاَ وَقَدْ أَمَرَنِي اللّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْي وَالنَّكْثِ وَالْفَسَادِ فِي الَأَرْضِ ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ ، وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ ، وَأَمَّا الْمَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ ، وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ ، وَرَجَّةُ صَدْرِهِ ، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ

.


1) .سورة التوبة ۹۷ .

2) .سورة إبراهيم ۴۵ .

3) .سورة المائدة ۷۹ .

الْبَغْيِ ؛ وَلَئِنْ أَذِنَ اللّهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ ، لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلاَّ مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلاَدِ تَشَذُّراً .

الشّرْحُ:قد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال له عليه السلام : «ستقاتلُ بعدِي النَّاكِثين والقاسطين والمارقين» ، فكان النّاكثون أصحابَ الجمل ، لأنّهم نكثوا بيعته عليه السلام ، وكان القاسطون أهلَ الشام بصفّين ، وكان المارقون الخوارج في النَّهروان ، وفي الفرق الثلاث قال اللّه تعالى : «فَمَنْ نَكَثَ فإنَّما يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ» (1)، وقال : «وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكانُوا لجَهنَّمَ حَطَبا» (2)، وقال النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «يخْرج من ضئْضِئ هذا قوم يمرُقون من الدين كما يمرق السَّهْم من الرميّة ، ينظر أحدكم في النَّصل فلا يجد شيئا ، فينظر في الفُوق (3)، فلا يجد شيئا ، سبق الفرث والدم» . وهذا الخبر من أعلام نبوّته صلى الله عليه و آله وسلم ومن أخباره المفصلة بالغيوب . وأمّا شيطانُ الرَّدْهة ، فقد قال قوم : إنّه ذُو الثُّدَيَّة صاحب النَّهروان ، وروَوْا في ذلك خبراً عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، وممّن ذكر ذلك واختاره الجوْهريّ صاحب « الصحاح» (4)وهؤلاء يقولون : إن ذا الثُدَيَّة لم يقتَلْ بسيف ، ولكنّ اللّه رماه يوم النّهروان بصاعِقة ، وإليها أشار عليه السلام بقوله : «فقد كُفِيته بصَعْقة سمُعت لها وَجْبَة قلبه » ، والرَّدْهة : شبه نُقْرة في الجَبَل يجتمع فيها الماء ، وهذا مثل قوله عليه السلام : «هذا أزبّ العقبة» ، أيْ شيطانُها ، ولعلّ أزبّ العَقَبة هو شيطان الردْهة بعينه ، فتارة يردُ بهذا اللّفظ ، وتارة يردُ بذلك اللفظ . قوله : «ويتشذّر في أطراف الأرض» ، يتمزّق ويتبدّد ، ومنه قولهم : ذهبوا شَذَرَ مَذَر . والبقيّة التي بقيَتْ من أهل البغي : مُعاوية وأصحابه ؛ لأنّه عليه السلام لم يكن أتى عليهم بأجمعهم ، وإنما وقفت الحربُ بينه وبينهم بمكيدة التحكيم . «ولئن أذنَ اللّه في الكَرَّة عليهم» ، أي إن مُدّ لي في العمر لأديلنّ منهم ، أي لتكونن الدَّوْلة لي عليهم ، أدلت من فلان أي غلبته وقهرته ، وصرت ذَا دولةٍ عليه .

.


1) .سورة الفتح ۱۰ .

2) .سورة الجن ۱۵ .

3) .الفوق : مشق رأس السهم حيث يقع الوتر .

4) .الصحاح ۸ : ۲۲۳۲ .

الأصْلُ:أَنَا وَضَعْتُ بَكَلاَكِلِ الْعَرَبِ ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وليدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ ؛ وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ، وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ . وَلَقَدْ قَرَنَ اللّهُ بِهِ صلى الله عليه و آله وسلم مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ . وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً ، وَيَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ ، وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الاْءِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا . أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ . وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صلى الله عليه و آله وسلم فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّهِ ، مَا هذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ : هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ . إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وَتَرَى مَا أَرَى ، إِلاَّ أَ نَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ، وَلكِنَّكَ لَوَزِيرٌ ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُبْرٍ .

الشّرْحُ:الباء في قوله : «بكلا كل العرب» زائدة . والكلا كل : الصُّدور ، الواحد كَلْكل ، والمعنى أنّى أذللتهم وصرعتهم إلى الأرض . ونواجم قرون ربيعة ومضر : مَنْ نجم منهم وظهر ، وعلا قدرُه ، وطار صيته . فإن قلت : أمّا قهره لِمُضرَ فمعلوم ، فما حال ربيعة ، ولم نعرف أنه قتل منهم أحدا؟ قلت : بَلى قد قتل بيده وبجيشه كثيرا من رؤسائهم في صِفّين والجمل ، فقد تقدم ذكر أسمائهم من قبل ، وهذه الخطبة خطب بها بعد انقضاء أمر النهروان .

.

والعَرْف بالفتح : الرّيح الطيّبة ، ومضَغ الشيء يمضَغه بفتح الضاد . والخطْلة في الفعل : الخطأ فيه ، وإيقاعه على غير وجهه . وحِراء : اسم جبل بمكّة معروف . والرّنّة : الصوت . والقرابة القريبة بينه وبين رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم دون غيره من الأعمام ، كونه ربّاه في حِجْره ، ثم حامَى عنه ونصَره عند إظهار الدّعوة دونَ غيره من بني هاشم ، ثمّ ما كان بينهما من المُصاهرة التي أفضتْ إلى النّسل الأطْهر دون غيره من الأصهار . وأمّا حديثُ مجاورته عليه الصلاة والسلام بحِراء فمشهور ، وقد ورد في الكتب الصحاح أنه كان يجاور في حِراء من كلّ سنة شهرا . وأمّا حديث أنّ الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحدٌ يومئذٍ إلاّ النبيّ وهو عليهماالسلاموخديجة ، فخبر عفيف الكنديّ مشهور ، وأنّ أبا طالب قال له : أتدرِي من هذا ؟ قال : لا ، قال : هذا ابنُ أخي محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب ؛ وهذا ابني عليّ بن أبي طالب ، وهذه المرأة خَلْفهما خديجة بنت خويلد ؛ زوجة محمد ابن أخي ، وايمُ اللّه ما أعلم على الأرض كلِّها أحدا على هذا الدّين غير هؤلاء الثلاثة . وروي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، قال : كان عليٌّ عليه السلام يَرَى مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمقبلَ الرسالة الضَّوْء ويسمع الصوت ، وقال له صلى الله عليه و آله وسلم : «لولا أني خاتم الأنبياء لكنتَ شريكا في النبوّة ، فإن لا تكن نبيّا فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه ، بل أنت سيّد الأوصياء وإمامُ الأتقياء» .

الأصْلُ:وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ صلى الله عليه و آله وسلم لَمَّا أَتاهُ المَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ ، وَلاَ أَحَدٌ مِن بَيْتِكَ ، وَنَحْنُ نَسْأَ لُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ ، عَلِمْنَا أَ نَّكَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَ نَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ . فَقَالَ صلى الله عليه و آله وسلم : وَمَا تَسْأَ لُونَ ؟ قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هذِهِ الشَّجَرَةَ ؛ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا ، وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ . فَقَالَ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ فإِنْ فَعَلَ اللّهُ لَكُمْ ذلِكَ ، أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ ! قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ ، وإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لاَ تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ ، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ ، وَمَنْ يُحزِّبُ

.

الْأَحْزَابَ . ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه و آله وسلم : يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ ، إِنْ كُنْتِ تُؤمِنِينَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ ، وَتَعْلَمِينَ أَ نِّي رَسُولُ اللّهِ ، فَانْقَلِعِي بعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللّهِ ؛ وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لاَنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا ، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ؛ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، مُرَفْرِفَةً ، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي ، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذلِكَ قَالُوا ـ عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً ـ : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا ؛ وَيَبْقَى نِصْفُهَا ، فَأَمَرَهَا بِذلِكَ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً ، فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم ، فَقَالُوا ـ كُفْراً وَعُتُوّاً ـ : فَمُرْ هذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ . فَأَمَرَهُ صلى الله عليه و آله وسلم فَرَجَعَ ؛ فَقُلْتُ أَنَا : لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ ؛ إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بَأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللّهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ ؛ وإِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ . فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلاَّ مِثْلُ هذَا ! يَعْنُونَنِي ؛ وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لاَ تَأْخُذُهُمْ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ ، سِيَماهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ ، وَكَلاَمُهُمْ كَلاَمُ الْأَبْرَارِ ؛ عُمَّارُ اللَّيْلِ ، وَمَنَارُ النَّهَارِ ، مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ ، يُحْيُونَ سُنَنَ اللّهِ وسُنَنَ رَسُولِهِ ، لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَلاَ يَعْلُونَ ؛ وَلاَ يَغُلُّونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ ، قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ ، وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ !

الشّرْحُ:الملأ الجماعة . ولا تفيئون : لا ترجعون . ومن يُطْرح في القَليب ، كُعتْبة وشَيْبة ابني ربيعة ابن عبد شمس وعمرو بن هشام بن المغيرة ، المكنّى أبا جهل وغيرهم ، طُرِحوا في قَليب بدْربَعد انقضاء الحرْب ، ومن يحزّب الأحزاب ، أبو سفيان صخر بن حرب بن أُميّة . والقَصْف والقصيف : الصوت . وسيماهم : علامتهم ، ومثله «سيمياء» . ومعنى قوله عليه السلام : «قلوبهم في الجنان ، وأجسادهم في العمل» ، أنّ قلوبهم ملتذّة بمعرفة اللّه تعالى وأجسادهم نصِبة بالعبادةِ .

.

۲۳۹. من كلام له عليه السلام قاله لعبد اللّه بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان

وأمّا أمرُ الشجرة التي دعاها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ؛ فالحديث الوارد فيها كثيرٌ مستفيض ، قد ذكره المحدّثون في كتبهم ، وذكره المتكلّمون في معجزات الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ، والأكثرون رووا الخبر فيها على الوَضْع الّذي جاء في خطبه أمير المؤمنين ، ومنهم من يروي ذلك مختصراً أنّه دعا شجرة فأقبلت تخُدّ إليه الأرض خَدّا . وقد ذكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» حديث الشجرة ، ورواه أيضا محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة والمغازي على وجْه آخر .

۲۳۹الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام قالهُ لعبداللّهِ بن عباسٍ، وقد جاءهُ برسالةٍ من عثمانَ وهو محصورٌ يسألهُ فيها الخروجَ إلى مالِهِ بيَنبُع ، ليقلَّ هتفُ الناسِ باسمهِ للخلافةِ ، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل . فقال عليه السلام :يَا بْنَ عَبَّاس ، مَا يُرِيدُ عُثَْمانُ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ ، أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ ! بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ ، ثُمَّ هُوَ الآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ! وَاللّهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً .

الشّرْحُ:ينبُع على «يفعُلُ» مثل يحلُم ويحكم : اسم موضع ، كان فيه نخلٌ لعليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وينبُع الآن بلد صغير من أعمال المدينة . وهتْف الناس باسمه : نداؤهم ودعاؤهم ، وأصله الصوت ، يقال : هَتف الحمامُ يهتفِ هَتْفا ، وهَتَف زيد بعمرو هُتافاً ، أي صاح به ، وقوس هتّافة وهَتْفَى ، أي ذات صوت . والناضح : البعير يستقى عليه ، وقال معاوية لقيس بن سعد ـ وقد

.

۲۴۰. من كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي صلى الله عليه و آله وسلم ثم لحاقه به

دخل عليه في رَهْطٍ من الأنصار ـ : ما فعلت نواضحكم ! يهزأ به ، فقال : أنصبناها في طلب أبيك يوم بدر . والغرْب : الدلو العظيمة . قوله : «أقبلْ وأدبر» ، أي يقول لي ذلك ، كما يقال : للناضح . قوله : «لقد دفعتُ عنه حتّى خشيتُ أن أكونَ آثما» ، يحتمل أن يريدَ بالغتُ واجتهدت في الدّفاع عنه ، حتى خشيت أن أكون آثما في كثرة مبالغتي واجتهادي في ذلك ، وإنّه لا يستحقّ الدفاع عنه لجرائمه وأحداثه . [ هذا أحد تأويلات ثلاثة ذكرها ابن أبي الحديد ، وهذا هو الصحيح ؛ لأنّه الظاهر من كلامه عليه السلام والمنسجم مع عقيدته في عثمان ] .

۲۴۰الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي صلى الله عليه و آله وسلم ثمّ لحاقه بهفَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ ، فَأَطَأُ ذِكْرَهُ ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى العَرَجِ . في كلام طويل . قَالَ الرّضِيّ رحمه الله : قوله عليه السلام : «فَأطَأُ ذِكْرَهُ» ، من الكلام الذي رمى به إلى غايتي الإيجاز والفصاحة ، أراد أني كنت أُغَطِّي خبره صلى الله عليه و آله وسلم من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع ، فكنى عن ذلك بهذه الكناية العجيبة .

.

۲۴۱. من خطبة له عليه السلام في المسارعة إلى العمل

الشّرْحُ:العَرْج : منزل بين مكّة والمدينة ، إليه ينسب العَرْجيّ الشاعر ، وهو عبد اللّه بن عمرو . قال محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي» : لم يُعلِمْ رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أحدا من المسلمين ما كان عزم عليه من الهِجْرة إلاّ عليّ بن أبي طالب وأبا بكرِ بن أبي قحافة ، أمّا عليّ ، فإنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلمأخبرَه بخروجه ، وأمره أن يبيتَ على فراشه ، يُخادِع المشركين عنه ليروْا أنه لم يبرحْ فلا يطلبوه ، حتى تبعُد المسافة بينهم وبينه ، وأنْ يتخلّف بعده بمكّة حتّى يؤدِّيَ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمالودائع الّتِي عنده للناس ، وكان رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم استودَعه رجالٌ من مكّة ودائعَ لهم ، لما يعرفونه من أمانته ، وأمّا أبو بكر فخرج معه .

۲۴۱الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلامفَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ فِي نَفَس الْبَقَاءِ ، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ ، وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى ، وَالْمُسِيءُ يُرْجَى ، قَبْلَ أَنْ يَجْمُدَ الْعَمَلُ ، وَيَنَقَطِعَ الْمَهَلُ وَتَنْقَضِيَ المُدّةُ ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ ، وَتَصْعَدَ الْمَلاَئِكَةُ. فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ، وَأَخَذَ مِنْ حَيٍّ لِمَيِّتٍ ، وَمِنْ فَانٍ لِبَاقٍ ، وَمِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ ، امْرُؤٌ خَافَ اللّهَ . وَهُوَ مَّعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ ، وَمَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ ، امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا ، وَزَمَّهَا بِزِمَامِهَا ، فأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللّهِ ، وَقَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللّهِ .

الشّرْحُ:في نفَس البقاء ، بفتح الفاء ، أي في سعته ، تقول : أنت في نَفَسٍ من أمرك ، أي في سَعَة . والصحف منشورة ، أي وأنتم بعد أحياء ؛ لأنّه لا تطوى صحيفة الإنسان إلاّ إذا مات . والتوبة

.

۲۴۲. من كلام له عليه السلام في شأن الحكمين وذم أهل الشام

مبسوطة لكم غير مقبوضة عنكم ، ولا مردودة عليكم إن فعلتم ، كما تردّ على الإنسان توبته إذا احتُضر . والمدبِر يدعَى ، أي مَنْ يدبِر منكم ، ويولِّي عن الخير يُدعَى إليه ، وينَادى : يا فلان أقبل على ما يُصلِحك ! والمسيء يُرجَى ، أي يرجَى عوده وإقلاعه . قبل أن يجمد العمل ، استعارة مليحة ؛ لأنّ الميت يجمد عمله ويقف ، ويروى : «يخمد» بالخاء ، من خمدت النار ، والأول أحسن . وينقطع المهَل ، أي العمر الذي أمهلتم فيه . وتصعد الملائكة؛ لأنّ الإنسان عند موته تصعد حفَظته إلى السماء؛ لأنّه لم يبق لهم شغل في الأرض. قوله : «فأخذ امرؤ» ماض يقوم مقام الأمر ، وقد تقدّم شرحُ ذلك ، والمعنى أنّ مَنْ يصوم ويصلّي فإنّما يأخذ بعض قوّة نفسه مما يلقَى من المشقة . لنفسه ، أي عُدّة وذخيرة لنفسه يوم القيامة ، وكذلك مَنْ يتصدّق ، فإنه يأخذ من ماله ، وهو جار مجرى نفسه لنفسه . وأخذ من حيّ لميت ، أي من حال الحياة لحال الموت ، ولو قال : من ميت لحيّ ، كان جيّدا أيضا ؛ لأنّ الحيّ في الدّنيا ليس بحيّ على الحقيقة ، وإنّما الحياة حياة الآخرة ، كما قال اللّه تعالى : «وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوانُ» (1). وروي : «أمسكها بلجامها» بغير فاء .

۲۴۲الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلام في شأن الحكمين وذم أهل الشامجُفَاةٌ طَغَامٌ ، عَبِيدٌ أَقْزَامٌ ، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ ، وَتُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ ، مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤَدَّبَ ، وَيُعَلَّمَ وَيُدَرَّبَ ، وَيُوَلَّى عَلَيْهِ ، وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ . لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلاَ مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالاْءِيمَانَ . أَلاَ وَإِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا يُحِبُّونَ ، وَإِنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ . وَإِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اللّهِ بْنِ قَيْس ، بِالْأَمْس يَقُولُ : إِنَّهَا فِتْنَةٌ ،

.


1) .سورة العنكبوت ۶۴ .

فَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ ، وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ ، فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهٍ ، وَإِنْ كَانَ كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التُّهَمَةُ . فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص بِعَبْدِ اللّهِ بْنِ الْعَبَّاس ، وَخُذُوا مَهَلَ الْأَيَّامِ ، وَحُوطُوا قَوَاصِيَ الاْءِسْلاَمِ . أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى ، وَإِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى !

الشّرْحُ:جفاة : جمع جافٍ ، أي هم أعراب أجْلاف . والطّغام : أوغاد الناس ، الواحد والجمع فيه سواء . ويقال للأشرار واللئام : عبيد ، وإن كانوا أحرارا . والأقزام ، بالزاي : رُذال الناس وسِفْلتهم ، والمسموع قَزَم ، الذكر والأنثى والواحد والجمع فيه سواء ؛ ولكنه عليه السلام قال : « أقزام » ليوازن بها قوله : «طغام» ، وقد روي : «قِزَام» ، وهي رواية جيدة ، وقد نطقت العرب بهذه اللفظة . وجُمعوا من كلّ أوب ، أيْ من كلّ ناحية . وتُلقِّطُوا من كلِّ شوب ، أي من فِرَقٍ مختلطة . ثم وصف جهلهم وبعدَهم عن العِلْم والدّين ، فقال : ممّن ينبغي أن يفقّه ويؤدّب ، أي يعلّم الفقه والأدب . ويدرّب ، أي يعوّد اعتماد الأفعال الحَسنة والأخلاق الجميلة . ويولَّى عليه ، أي لا يستحقُّون أن يولَّوْا أمرا ، بل ينبغي أن يحجَر عليهم كما يحجر على الصبيّ والسّفيه لعدم رُشْده . وروي : «ويولَى عليه» ، بالتّخفيف . ويؤخذ على يديه ، أي يمنع من التصرّف . قوله عليه السلام : «ولا الذين تبوءوا الدّار والإيمان» ، ظاهر اللفظ يشعر بأن الأقسام ثلاثة وليست إلاّ اثنين ؛ لأنّ الّذين تبوءوا الدّار والإيمان الأنصار ، ولكنه عليه السلام كرّر ذكرهم تأكيدا ، وأيضا فإن لفظة «الأنصار» واقعة على كلِّ مَنْ كان من الأوس والخزرج ، الذين أسلَمُوا على عهدِ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلموالذين تبوءوا الدار والإيمان في الآية ، قوم مخصوصون منهم ، وهم أهل الإخلاص والإيمان التّام فصار ذكرُ الخاصّ بعد العام ، كذكره تعالى جبريل وميكائيل ؛ ثم قال : «والمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِك ظَهِير» (1)، وهما من الملائكة . ومعنى قوله : «تبوءوا الدار والإيمان» سكنوهما ، وإن كان الإيمان لا يسكن كما تسكن المنازل ، لكنّهم لما ثبتوا عليها ، واطمأنّوا سمّـاه منزِلاً لهم ومتبوَّأً .

.


1) .سورة التحريم ۴ .

ثم ذكر عليه السلام أنّ أهل الشام اختارُوا لأنفسهم أقربَ القوم مما يحبّونه ، وهو عمرو بن العاص ، وكرّر لفظة «القوم» ، وكان الأصل أن يقول : ألا وإنّ القومَ اختاروا لأنفسهم أقربَهم مما يحبُّون ، فأخرجه مخرج قول اللّه تعالى : «وَاتَّقُوا اللّه إنَّ اللّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (1). والذي يحبّه أهل الشام هو الانتصار على أهلِ العراقِ والظَّفَر بهم ، وكان عمرو بن العاص أقربَهم إلى بلوغ ذلك ، والوصول إليه بمكْره وحيلته وخدائِعه . والقوم في قوله ثانياً : «أقربُ القوم» ، بمعنى النّاس كأنّه قال : واخترتم لأنفسكم أقرب الناس ، ممّا تكرهونه ، وهو أبو موسى الأشعري ، واسمه عبد اللّه بن قيس ، والذي يكرهه أهلُ العراق هو ما يحبّه أهل الشام ، وهو خذلان عسكر العراق وانكسارهم ، واستيلاء أهل الشام عليهم ، وكان أبو موسى أقرَب النّاس إلى وقوع ذلك ، وهكذا وقع لِبلَهِه وغفْلته وفساد رأيه ، وبغضه عليّا عليه السلام من قبل . ثم قال : أنتم بالأمس ، يعني في واقعة الجمل ، قد سمعتم أبا موسى ينهى أهل الكوفة عن نُصْرَتي ، ويقول لهم : هذه هي الفتنة التي وعدنا بها ، فقطّعوا أوتار قِسيِّكم . وشيموا سيوفكم ، أي أغمدوها فإن كان صادقاً فما باله سَار إليّ ، وصار معي في الصفّ ، وحضر حرب صِفّين ، وكثّر سواد أهل العراق وإن لم يحارب ، ولم يسلّ السيف ، فإنّ مَنْ حضَر في إحدى الجهتين وإن لم يحارب كمن حارب ، وإن كان كاذباً فيما رواه من خَبَر الفتنة فقد لزمتهْ التُّهمة وقُبِّح الاختلاف إليه في الحكومة . قوله عليه السلام : «فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العباس» ، يقال لمن يرام كفّه عن أمر يتطاول له : ادفع في صدره ؛ وذلك لأنّ من يقدم على أمر ببدنه فيدفع دافع في صدره حقيقة ، فإنه يردّه أو يكاد ، فنقِل ذلك إلى الدفع المعنويّ . «وخذوا مَهَل الأيّام» ، أي اغتنموا سَعَة الوقت . وخذوه مناهَبَةً قبل أن يضيق بكم أو يفوت . «وحوطوا قواصِيَ الإسلام» ، ما بَعُدَ من الأطراف والنواحي . ثم قال لهم : «ألا ترون إلى بلادِكم تُغْزَى !» ، هذا يدلّ عَلَى أن هذه الخطبة بعد انقضاء أمرِ التحكيم ؛ لأنّ معاوية بعد أن تمّ عَلَى أبي موسى من الخديعة ما تمّ استعجل أمرَه ، وبعث السّرايا إلى أعمال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام . وتقول : قد رمى فلان صَفاة فلان ، إذا دهاه بداهية ، قال الشاعر : والدَّهْرُ يُوتر قوسَهيرمي صَفاتك بالمعابِلْ

.


1) .سورة المائدة ۷ .

۲۴۳ . من كلام له عليه السلام يذكر فيها آل محمّد عليهم السلام

وأصل ذلك الصخرة الملساء ، لا يؤثّر فيها السهام ولا يرميها الرامي ، إلاّ بعد أن نَبَلَ غيرها ، يقول : قد بلغت غاراتُ أهل الشام حدودَ الكوفة التي هي دار الملك وسرير الخلافة ، وذلك لا يكون إلاّ بعد الإثخان في غيرها من الأطراف . أبو موسى الأشعري ، هو عبد اللّه بن قيس الأشعري ، قدم إلى المدينة مع جماعة الأشعرين يوم فتح خيبر . ولاّه عمر البصرة ، ثمّ ولاه عثمان الكوفة ، ثمّ عزله الإمام عليه السلام عنها ، فلم يزل واجدا عليه لذلك . وروي أن عمارا سئل عن أبي موسى ، فقال : لقد سمعتُ فيه من حُذَيفة قولاً عظيما ، سمعته يقول : صاحب البُرْنس الأسود ، ثم كلَح كُلُوحا علمت منه أنّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط . وروي عن سويد بن غفلة : قال : كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات في خلافة عثمان ، فروى لي خبرا عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، قال : سمعته يقول : «إن بني إسرائيل اختلفوا ؛ فلم يزل الاختلاف بينهم ، حتى بعثوا حَكمين يَضلاّن ويُضلاّن من تبعهما» ، فقلت له : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدَهما .

۲۴۳الأصْلُ:ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها آل محمد عليهم السلامهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ . يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ . لاَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ ، وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ . وَهُمْ دَعَائِمُ الاْءِسْلاَمِ ، وَوَلاَئِجُ الاِْعْتِصَامِ . بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ ، وَانْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ . عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ ، لاَ عَقْلَ سَمَاعٍ وَرِوَايَةٍ ؛ فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ .

.

الشّرْحُ:يقول : بهم يحيا العلم ويموت الجهل ؛ فسمّـاهم حياة ذاك ، وموت هذا ، نظراً إلى السببيّة ؛ يدلّكم حلمهم وصفحهم عن الذنوب على علمهم وفضائلهم ، ويدلّكُمْ ما ظهر منهم من الأفعال الحسنة على ما بطن من إخلاصهم ، ويدلّكم صمتهم وسكوتُهم عَمّا لا يعنيهم ، عن حكمة منطقهم . ويروى : «ويدلّكم صمتُهم على منطقهم» ؛ وليس في هذه الرواية لفظة « حكم» . لا يخالفون الحقّ : لا يعدلون عنه ، ولا يختلفون فيه كما يختلف غيرهم من الفرق وأرباب المذاهب ؛ فمنهم من له في المسألة قولان وأكثر ، ومنهم من يقول قولاً ثم يرجع عنه ، ومنهم من يرى في أُصول الدين رأياً ثم ينفيه ويتركه . ودعائم الإسلام : أركانه . والولائج : جمع وَلِيجة ، وهي الموضع يدخل إليه ويستَتر فيه ، ويعتصم به . وعاد الحق إلى نصابه : رجع إلى مستقرّه وموضعه . وانزاح الباطل : زال . وانقطع لسانه : انقطعت حجّته . عقلوا الدين عقل رعاية ، أي عرفوا الدين وعلموه معرفة مَن وعى الشيء وفهمه وأتقنه . ووعاية ، أي وعوا الدين وحفظوه وحاطوه ، ليس كما يعقله غيرهم عن سماع وروايةٍ ، فإن من يروي العلم ويسنده إلى الرجال ويأخذه من أفواه الناس كثير ، ومن يحفظ العلم حفظ فهم وإدْرَاكٍ ، أصالَةً لا تقليدا قليل .

.

. .

باب الكتب والرسائل

اشاره

باب الكتب والرسائل

.

. .

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الواحد العدل

الأصْلُ:باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ورسائله إلى أعدائه وأولياء بلاده ، ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عماله ووصاياه لأهله وأصحابه.

الشّرْحُ:لمّا فَرَغ من إيراد المختار من خطَب أمير المؤمنين عليه السلام وكلامه الجاري مَجْرَى الخُطب من المواعظ والزواجر ، شرع في إيراد بابٍ من مختار كلامه عليه السلام ، وهو ما كان جاريا مَجْرَى الرّسائل والكُتب ، ويدخل في ذلك العهود والوصايا . وقد أورد في هذا الباب ما هو بالباب الأوَّل أشبَه ، نحو كلامه عليه السلام لشُرَيح القاضي لمّا اشترى داراً ، وكلامه لشريح بن هانئ لمّا جعله على مقدّمته إلى الشام . وسمّى ما يكتب للولاة عهدا اشتقاقا من قولهم : عهدت إلى فلان ، أي أوصيته .

.

۱. ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة

۱الأصْلُ:من كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرةمِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ ، جَبْهَةِ الأنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ . إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَهُ ، وَأُقِلُّ عِتَابَهُ ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجِيفُ ، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا الْعَنِيفُ . وَكَانَ مِنْ عَائَشَةَ فِيهِ فَلْتَةُ غَضَبٍ ، فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ ، وَبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ ، وَلاَ مُجْبَرِينَ ، بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ . وَاعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وَقَلَعُوا بِهَا ، وَجَاشَتْ جَيْشَ الْمِرْجَلِ ، وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطْبِ ، فَأَسْرِعُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ ، وَبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ . إِنْ شَاءَ اللّهُ .

الشّرْحُ:قوله : «جبهة الأنصار» ؛ يمكن أن يريدَ جماعة الأنصار ، فإنّ الجبهة في اللغة الجماعة ويمكن أن يريد به سادة الأنصار وأشرافهم ، لأنّ جبهة الإنسان أعلَى أعضائه ، وليس يريد بالأنصار هاهنا بني قَيْلة ، بل الأنصار هاهنا الأعوان . قوله عليه السلام : «وسَنام العرب» ، أي أهل الرفعة والعلوّ منهم ؛ لأنّ السنام أعلى أعضاء البعير . قوله عليه السلام : «أُكثِر استعتابه وأُقلُّ عتابه» ، الاستعتاب : طلب العُتْبى ، وهي الرّضا ، قال : كنت أكثر طلبَ رضاه ، وأقل عتابه وتعنيفه على الأُمور ، وأمّا طلحة والزبير فكانا شديديْن عليه . والوجيف : سير سريع ، وهذا مَثَلٌ للمشمرين في الطعن عليه ، حتى إنّ السّير السريع أبطأ ما يسيران في أمره ، والحُداء العنيف أرفق ما يحرّضان به عليه . ودار الهجرة : المدينة . وقوله :

.

۲. ومن كتاب له عليه السلام إليهم بعد فتح البصرة

«قد قلعت بأهلها وقلعوا بها» ، الباء هاهنا زائدة في أحد الموضعين ، وهو الأول ، وبمعنى «من» في الثاني ، يقول : فارقت أهلها وفارقوها ، ومنه قولهم : «هذا منزل قُلْعة » ، أي ليس بمستوطن . وجاشت : اضطربت . والمِرْجل : القِدْر . ومن لطيف الكلام قوله عليه السلام : «فكنتُ رجلاً من المهاجرين» ، فإن في ذلك من التخلّص والتبرِّي ما لا يخفى على المتأمّل ، ألا ترى أنه لم يبق عليه في ذلك حجّة لطاعن ، حيث كان قد جعل نفسه كواحدٍ من عُرْض المهاجرين (1). ومن لطيف الكلام أيضا قوله : «فأتيحَ له قوم قتلوه» ، ولم يقل : «أتاح اللّه له قوما» ، ولا قال : «أتاحَ له الشيطان قوما» ، وجعل الأمر مبهماً . وقد ذكر أنّ خط الرضيّ رحمه الله «مستكرهين» بكسر الراء ، والفتح أحسن وأصوب ، وإن كان قد جاء : استكرهتُ الشيء بمعنى كرهته .

۲الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إليهم بعد فتح البصرةوَجَزَاكُمُ اللّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ ، وَالشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ ، وَدُعِيتُمْ فَأَجَبْتُمْ (2).

.


1) .نعم اِنّ كلامه عليه السلام من لطيف الكلام ، لكن لا لما قاله . بل ، اِن كلامه دلّ على أن الطاعنين على عثمان والمنكرين عليه كان فيهم من المهاجرين الثابتين على الحقِّ كعمّار ، وأبي ذر ، والمقداد ، وحذيفة ونظرائهم . كما أنّ فيهم من الثوار من مسلمي مصر والكوفة وغيرهما .

2) .جزاكم : من جزى الرجل بكذا وعلى كذا : كافأه . والخطاب لأهل الكوفة بعد الانتهاء من حرب الجمل ، ولا سبيل إلى التوهم بأنّه يعود لأهل البصرة ، لأنهم هم الذين حاربوه ونصروا أعداءه . المصر : القطر .

۳. ومن كتاب له عليه السلام كتبه لشريح بن الحارث قاضيه

الشّرْحُ:موضع قوله : «من أهل مصر» نصب على التمييز ، ويجوز أن يكون حالاً . « وما » يجوز أن تكون مصدرية ، أي أحسن جزاء العاملين ، ويجوز أن تكون بمعنى الذي ، ويكون قد حذف العائد إلى الموصول ، وتقديره أحسن الذي يجزي به العاملين .

۳الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام كتبه لشريح بن الحارث قاضيه روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه السلام ، اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً ، فبلغه ذلك ، فاستدعى شريحا ، وقال له : بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثََمانِينَ دِينَاراً ، وَكَتَبْتَ لَهَا كِتَاباً ، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً . فقال له شريح : قد كان ذلك يا أمير المؤمنين . قال : فنظر إليه نظر المغضب ثمّ قال له :يَا شُرَيْحُ ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأتِيكَ مَنْ لاَ يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ ، وَلاَ يَسْأ لُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً ، وَيُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً . فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لاَ تَكُونُ ابْتَعْتَ هذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ ، أَوْ نَقَدْتَ الَّثمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلاَلِكَ ! فَإِذَا أَنْتَ قدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الاْخِرَةِ. أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ ، لَكَتَبْتُ لَكَ كِتاباً عَلَى هذِهِ النُّسْخَةِ ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هذِهِ الدَّارِ بِالدِّرْهَم فَمَا فَوْقُ . والنسخَةُ هذِهِ : «هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ ، مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ ، اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ ، مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ ، وَخِطَّةِ الْهَالِكِينَ . وَتَجْمَعُ هذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ :

.

الْحَدُّ الْأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الآفَاتِ ، وَالْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ ؛ وَالْحَدُّ الْثَّالِثُ يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي ، وَالْحَدُّ الرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي ، وَفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هذِهِ الدَّارِ . اشْتَرَى هذَا الْمُغْتَرُّ بِالْأَمَلِ ، مِنْ هذَا الْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ ، هذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ ، وَالدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ وَالضَّرَاعَةِ ، فَمَا أَدْرَكَ هذَا الْمُشْتَرِي فِيَما اشْتَرَى مِنْ دَرَكٍ ، فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ الْمُلُوكِ ، وَسَالِبِ نُفُوس الْجَبَابِرَةِ ، وَمُزِيلِ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ ، مِثْلِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ ، وَتُبَّعٍ وَحِمْيَرَ ، وَمَنْ جَمَعَ الْمَالَ عَلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ ، وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ ، وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ ، وَادَّخَرَ واعْتَقَدَ ، وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ ، إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْض وَالْحِسَابِ ، وَمَوْضِعِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ» . شَهِدَ عَلَى ذلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى ، وَسَلِمَ مِنْ عَلاَئِقِ الدُّنْيَا » (1).

الشّرْحُ:هو شُرَيح بن الحارث . استعمله عمر بن الخطاب على القضاء بالكوفة ، فلم يزل قاضياً ستّين سنة ، لم يتعطّل فيها إلاّ ثلاث سنين في فِتْنة ابن الزّبير سخط عليه عليّ عليه السلام مرّة فطرده عن الكوفة ولم يعزله عن القضاء ، توفي سنة سبع وثمانين . قوله عليه السلام : «وخِطّة الهالكين» بكسر الخاء ، وهي الأرض التي يختطّها الإنسان ، أي يُعْلِم عليها علامة بالخَطّ ليعمرها ؛ ومنه خطط الكوفة والبصرة . وزخرف البناء : أي ذهّب جدرانه بالزّخرف ، وهو الذهب . ونجّد : فرش المنزل بالوسائد ، والنّجّاد الذي يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما ، والتنجيد : التزيين بذلك ، ويجوز أن يريد بقوله : «نجّد» رفع وعلا ، من النَّجْد ، وهو المرتفع من الأرض . واعتقد : جعل لنفسه عُقدة كالضّيْعة أو الذّخيرة من المال الصامت . و «إشخاصهم» مرفوع بالابتداء وخبره الجار المجرور المقدّم ، وهو قوله : «فعلى

.


1) .ابتعت : اشتريت . شاخصا : ذاهبا . خالصا : مجرّدا . وأُزعج : سيق . الضراعة : الذلة . أدرك : لحق . الآفات : جمع آفة وهي الداء الذي يصيب الشيء . المردي : المهلك . المغوي : المضلّ . مبلبل الأجسام : المثير لأدوائها وأسقامها . تبّع وحمير : من ملوك اليمن . اعتقد مالاً : جمعه . والعقدة : الضيعة والعقار . يوم الفصل : القيامة .

۴. ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض اُمراء جيشه

مبلبل أجسام الملوك» . وموضع الاستحسان من هذا الفصل ـ وإن كان كله حسنا ـ أمران : أحدُهما : أنّه عليه السلام نظر إليه نظر مغضَب ؛ إنكارا لابتياعه دارا بثمانين ديناراً ، وهذا يدلّ على زهد شديدٍ في الدنيا واستكثار للقليل منها ، ونسبه هذا المشتري إلى الإسراف ، وخوف من أن يكون ابتاعها بمال حرام . الثاني : أنه أملى عليه كتاباً زهديّا وعظيا ، مماثلاً لكتب الشُّروط التي تكتب في ابتياع الأملاك ، فإنهم يكتبون : «هذا ما اشترى فلان من فلان ، اشترى منه دارا من شارع كذا وخطة كذا ، ويجمع هذه الدار حدود أربعة» . ثم تكتب الشهود في آخر الكتاب . شهد فلان ابن فلان بذلك ، وشهد فلان بن فلان به أيضا ؛ وهذا يدلُّ على أنّ الشروط المكتوبة الآن قد كانت في زمن الصحابة تكتب مثلها أو نحوها ؛ إلاّ أنّا ما سمعنا عن أحد منهم أنه نقل صيغة الشرط الفقهيّ إلى معنى آخر كما قد نظمه هو عليه السلام ، ولا غرْو فما زال سبّاقا إلى العجائب والغرائب! فإن قلت : لم جعل الشيطان المغوي في الحدّ الرابع؟ قلت : ليقول : وفيه يشرع باب هذه الدار ؛ لأنّه إذا كان الحدّ إليه ينتهي كان أسهل لدخوله إليها ودخول أتباعه وأوليائه من أهل الشيْطنة والضلال .

۴الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض أُمراء جيشهفَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ ، فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ ، وَإِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَانْهَدْ بِمَنْ أَطاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ .

.

۵. ومن كتاب له عليه السلام إلى الأشعث بن قيس، و هو عامل أذربيجان

الشّرْحُ:انْهدَ : أي انهض . وتقاعس ، أي أبطأ وتأخر . والمتكارِه : الذي يخرج إلى الجهاد من غير نيّة وبصيرة ، وإنما يخرج كارها مرتابا . ومثل قوله عليه السلام : «فإنّ المتكارِه مغيبه خير من مشهده ، وقعوده أغنى من نهوضه» قوله تعالى : «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زَادُوكُمْ إلاّ خَبَالاً» (1).

۵الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلِى الأشعث بن قيس ، وهو عامل أذربيجانوَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ ، وَلكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانةٌ ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعىً لِمَنْ فَوْقَكَ ، لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ ، وَلاَ تُخَاطِرَ إِلاَّ بِوَثِيقَةٍ ، وَفي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللّهِ تَعَالَى ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ ، وَلَعَلِّي أَلاَّ أَكُونَ شَرَّ وُلاَتِكَ لَكَ ، وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:وأذربيجان : اسم أعجميٌّ غير مصروف ، الألف مقصورة ، والذال ساكنة . والنّسبة إليه أذْرِيّ بسكون الذال ، هكذا القياس . والطُّعمة بضم الطاء المهملة : المأكلة ، ويقال : فلان خبيث الطُّعمة ، أي رديء الكسب . والطِّعمة بالكسر لهيئة التطعّم ، يقول : إنّ عملَك لم يسوّغه الشرع والوالي من قِبَلي إياه ؛ ولا جعله لك أكلاً ؛ ولكنه أمانة في يدك وعنقك للمسلمين ، وفوقك سلطان أنتَ له رعيّة فليس لك أن تفتاتَ في الرعيّة الذين تحت يدك ، يقال : افتاتَ

.


1) .سورة التوبة ۴۷ .

۶. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

فلان على فلان ، إذا فعل بغير إذنِهِ ما سبيلُه أن يستأذنَه فيه ، وأصلُه من الفَوْت وهو السَّبْق ، كأنّه سبقه إلى ذلك الأمر . وقوله : «ولا تخاطرْ إلاّ بوثيقةٍ» ، أي لا تُقدِم على أمرٍ مَخوفٍ فيما يتعلّق بالمال الذي تتولاّه إلاّ بعد أن تتوثَّق لنفسك ، يقال : أخذ فلان بالوثيقة في أمره ، أي احتاط . ثم قال له : « ولعلّي لا أكون شرَّ ولاتِك» ، وهو كلام يطيِّب به نفسَه ويسكِّن به جأشَه ؛ لأنّ في أوّل الكلام إيحاشاً له ، إذ كانت ألفاظه تدلّ على أنّه لم يره أميناً على المال ، فاستدرك ذلك بالكلمة الأخيرة ، أي ربّما تحمد خلافتي وولايتي عليك ، وتصادف منّي إحسانا إليك ، أي عسى ألاّ يكون شكرُك لعثمان ومَنْ قبله أكثَر من شكرك لي ، وهذا من باب وعدك الخفيّ ، وتسمّيه العرب المَلْث . وأول هذا الكتاب : «من عبد اللّه عليٍّ أميرِ المؤمنين إلى الأشعث بن قيس . أمّا بعدُ ، فلولا هَنات وهَنات كانت منك ، كنت المقدّم في هذا الأمر قبل الناس ، ولعلّ أمراً كان يحمل بعضه بعضا إن اتّقيت اللّه عزّ وجلّ ، وقد كان من بيعة النّاس إيّاي ما قد علمت ، وكان من أمر طلحة والزبير ما قد بلغكَ ، فخرجت إليهما ، فأبلغت في الدّعاء ، وأحسنت في البقيّة ، وإن عملك ليس لك بطعمة ... » ، إلى آخر الكلام ، وهذا الكتاب كتبه إلى الأشعث بن قيس بعد انقضاء الجمل . وقد ذكرنا نسب الأشعث فيما مضى .

۶الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةإِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثَْمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ ، وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَإِنِ

.

اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ للّهِ رِضىً ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَلاَّهُ اللّهُ مَا تَوَلَّى . وَلَعَمْرِي ، يَا مُعَاوِيَةُ ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ ، لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاس مِنْ دَمِ عُثْمانَ ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كَنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلاَّ أَنْ تَتَجَنَّى ؛ فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ ! وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم ذكرُ هذا الكلام في أثناء اقتصاص مراسلة أمير المؤمنين عليه السلام معاويةَ بجرير بن عبد اللّه البَجَلِيّ ، وقد ذكره أرباب السّيرة كلُّهم (1)، وأول الكتاب : «أما بعد ، فإن بيعتي بالمدينة لزمتْك وأنت بالشام ؛ لأنّه بايعني القومُ الّذين بايعوا ..» إلى آخر الفصل . والمشهور المرويّ : «فإن خرج من أمرهم خارجٌ بطعن أو رغبة» ، أي رغبة عن ذلك الإمام الذي وقع الاختيار له . والمرويّ بعد قوله : «ولاّه اللّه بعدما تولّى» ، «وأصلاه جهنّمَ وساءت مصيراً ، وإنّ طلحةَ والزُّبَيرَ بايعاني ثم نَقضَا بَيْعتي ، فكان نقضُهما كرِدّتهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحقُّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون . فادخل فيما دخلَ فيه المسلمون ، فإنّ أحبّ الأُمور إليّ فيك العافية ، إلاّ أن تتعرّض للبلاء ، فإن تعرّضْتَ له قاتلتك ، واستعنت باللّه عليك ، وقد أكثرتَ في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل النّاسُ فيه ، ثم حاكم القوم إليّ أَحمِلْك وإيّاهم على كتاب اللّه ، فأمّا تلك الّتِي تريدها فخدْعة الصبيّ عن اللّبن ، ولعمري يا معاوية إن نظرت بعقلك ... » إلى آخر الكلام . وبعده : « واعلم أنّك من الطُّلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة ، ولا تعترض بهم الشورى ، وقد أرسلتُ إليك جريرَ بن عبد اللّه البَجَليّ ، وهو من أهل الإيمان والهجرة ، فبايع ولا قوة إلاّ باللّه » .

.


1) .ذكره ابن أبي الحديد في شرحه : ۳:۷۵ .

واعلم أن هذا الفصلَ دالّ بصريحه على كون الاختيار طريقا إلى الإمامة كما يذكره أصحابنا المتكلّمون ؛ لأنّه احتجّ على معاوية ببيعة أهل الحلّ والعَقْد له ، ولم يراعِ في ذلك اجماعَ المسلمين كلّهم ، وقياسه على بيعة أهل الحلّ والعقد لأبي بكر ، فإنه ما رُوعِي فيها إجماع المسلمين ؛ لأنّ سعد بن عُبادة لم يبايعْ ، ولا أحدٌ من أهل بيته وولده ، ولأنّ عليّا وبني هاشم ومَنِ انضوَى إليهم لم يبايعوا في مبدأ الأمر ، وامتنعوا ؛ ولم يتوقّف المسلمون في تصحيح إمامة أبي بكر وتنفيذ أحكامه على بيعتهم ، وهذا دليل على صحة الاختيار وكونه طريقا إلى الإمامة ، وأنه لا يقدح في إمامته عليه السلام امتناعُ معاوية من البيعة وأهل الشام ؛ فأما الإماميَّة فتحملُ هذا الكتابَ منه عليه السلام على التقيّة ، وتقول : إنه ما كان يمكنه ، أن يصرّح لمعاوية في مكتوبه بباطن الحال ، ويقول له : أنا منصوص عليّ من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمومعهود إلى المسلمين أن أكون خليفة فيهم بلا فصل ، فيكون في ذلك طعن على الأئمة المتقدمين ، وتفسد حاله مع الذين بايعوه من أهل المدينة ، وهذا القول من الإمامية دعوى ، لو عضّدها دليل ، لوجب أن يقال بها ، ويصار إليها ؛ ولكن لا دليل لهم على ما يذهبون إليه من الأُصول التي تسوقهم إلى حمل هذا الكلام على التقية ۱ .

.

فأمّا قوله عليه السلام : «وقد أكثرتَ في قَتَلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثمّ حاكم القوم إليَّ أحملك وإيّاهم على كتاب اللّه » ، فيجب أنْ يُذكر في شرحه ما يقول المتكلمون في هذه الوقعة . قال أصحابنا المعتزلة رحمهم اللّه : هذا الكلام حقّ وصواب ؛ لأنّ أولياء الدّم يجب أن يبايعوا الإمام ويدخلوا تحت طاعته ، ثم يرفعوا خصومهم إليه ، فإنْ حَكَم بالحقّ استديمت إمامته ، وإن حادَ عن الحق انقضت خلافته ، وأولياءُ عثمان الذين هم بنُوه لم يبايعوا عليّا عليه السلام ، ولا دَخَلوا تحت طاعته ثَمّ ، وكذلك معاويةُ ابنُ عمّ عثمان لم يبايع ولا أطاع ؛ فمطالبتهم له بأن يقتصّ لهم من قاتلي عثمان قبل بيعتهم إياه وطاعتهم له ظلم منهم وعدوان . فإن قلت : هب أنّ القصاص من قتلة عثمان موقوفٌ على ما ذكره عليه السلام ؛ أما كان يجبُ عليه لا من طريق القصاص أن ينهى عن المنكر ؟ وأنتم تذهبون إلى أنّ النّهي عن المنكر واجب على مَنْ هو سُوقة ، فكيف على الإمام الأعظم؟ قلت : هذا غير وارد هاهنا ؛ لأنّ النهي عن المنكر إنّما يجب قبل وقوع المنكَر ، لكيلا يقع ، فإذا وقع المنكر ، فأيّ نهي يكونُ عنه ! وقد نهى عليّ عليه السلام أهلَ مصر وغيرَهم عن قتلِ عثمان قبل قتلِه مرارا ، ونابذهم بيده ولسانه وبأولاده فلم يغنِ شيئا ، وتفاقم الأمر حتى قُتِل (1)؛ ولا يجب بعد القتل إلاّ القصاص ، فإذا امتنع أولياءُ الدم من طاعة الإمام لم يجبْ عليه أن يقتصَّ من القاتلين ؛ لأنّ القصاص حقّهم وقد سقط ببغيهم على الإمام وخروجهم عن طاعته . وقد قلنا نحن فيما تقدّم : إنّ القصاص إنّما يجب على مَنْ باشر القتل ؛ والذين باشروا قتل عثمان قُتِلوا يوم قتل عثمان في دار عثمان ، والذين كان معاوية يطالبُهم بدم عثمان لم يباشروا القتل ، وإنّما كثّروا السّواد وحَصَروا عثمان في الدار ، وأجلبوا عليه وشتموه وتوعّدوه ، ومنهم مَنْ تسوّر عليه داره ولم ينزل إليه ، ومنهم منْ نزل فحضر محضر

.


1) .عجبا لابن أبي الحديد ، فان الامام عليه السلام يقول : «ولتعلمنّ أنّي كنت في عزلة عنه» ، وهو يقول : نهى علي عليه السلام أهلَ مصر وغيرهم عن قتل عثمان ... ونابذهم بيده ولسانه وبأولاده ...» وقد تقدّم قول الإمام عليه السلام في خطبة (۳۰) في قضية قتل عثمان : « لو أمرت به (القتل) لكنتُ قاتلاً ، أو نهيت عنه لكنت ناصراً ... » ولماذا لم يجب الامام عليه السلام معاوية بذلك اِذا كان قد نابذ ودافع ليدفع عن نفسه التهمة بقتل عثمان ؟ ولكن اليد الأموية هي وضعت أخبار الدفاع عن عثمان حتى لا يكون خليفتهم مهدور الدم بعد أن استأثر فأساء الأثرةَ ، ووضعت أخبارا في الطعن بالإمام عليه السلام حتى يستقيم لهم الأمر .

۷. ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاً

قتله ولم يشرك فيه ، وكلّ هؤلاء لا يجب عليهم القصاص في الشّرع .

۷الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاًأَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ ، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ ، نَمَّقْتَهَا بِضَلاَلِكَ ، وَأَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ ، وَكِتَابُ امْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ ، وَلاَ قَائِدٌ يُرْشِدُهُ ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ ، وَقَادَهُ الضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ ، فَهَجَرَ لاَغِطاً ، وَضَلَّ خَابِطاً .

الشّرْحُ:موعظة موصّلة ، أي مجموعة الألفاظ من هاهنا وهاهنا ، وذلك عيب في الكتابة والخطابة ، وإنما الكاتب من يرتجل فيقول قولاً فصلاً ، أو يَروِي فيأتي بالبديع المستحسَن ، وهو في الحاليْن كليهما يُنفِق من كِيسه ، ولا يستعير كلامَ غيره . والرسالة المحبّرة : المزيّنة الألفاظ ؛ كأنه عليه السلام يشير إلى أنه قد كان يظهر عليها أثر التكلّف والتصنّع . والتّنميق : التزيين أيضا . وهَجَر الرّجل ، أي هَذَى ، ومنه قوله تعالى في أحد التفسيرين : «إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُورا» ۱ . واللاّغط : ذو اللغط ، وهو الصوت والجلبة . وخَبَط البعير فهو خابط ، إذا مشى ضالاًّ فخبط بيديْه كلَّ ما يَلْقاه ، ولا يتوقّى شيئا .

.

۸. ومن كتاب له عليه السلام إلى جرير بن عبد اللّه البجلي لما أرسله إلى معاوية

وهذا الكتاب كتبه عليٌّ عليه السلام جوابا عن كتاب كتبه معاويةُ إليه في أثناء حرب صِفِّينَ بل في أواخرها .

الأصْلُ:ومن هذا الكتاب:لاِنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ يُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ ، وَلاَ يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ ، الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ ، وَالْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ .

الشّرْحُ:لا يثنّى فيها النظر ، أي لا يعاود ولا يراجع ثانية . ولا يستأنف فيها الخيار : ليس بعد عقدها خيار لمن عقدها ولا لغيرهم ؛ لأنها تلزم غير العاقدين كما تلزم العاقدين ، فيسقط الخيار فيها ، الخارج منها طاعن على الأُمّة . «والمروّي فيها مداهن» ، أي الذي يرتئي ويبطئ عن الطاعة ويفكّر ، وأصله من الرويّة . والمداهن : المنافق .

۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى جرير بن عبداللّه البَجَليّ لما أرسله إلى معاويةأَمَّا بَعْدُ ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَصْلِ ، وَخُذْهُ بَالْأَمْرِ الْجَزْمِ ، ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ ، أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ فَإِنِ اخْتَارَ الْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ ، وَإِنِ اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ . وَالسَّلاَمُ .

.

۹. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «فاحمل معاوية على الفَصْل» ، أي لا تتركه متلكّئا متردّدا ، يُطْمِعُك تارة ويؤيسك أُخرى ، بل احمله على أمر فَيْصَلٍ ، إمّا البَيْعة ، أو أن يأذَن بالحرب . وكذلك قوله : « وخذه بالأمر الجزم» ، أي الأمر المقطوع به ، لا تكنْ ممّن يُقدِّم رِجْلاً ويؤخِّر أُخرى ، وأصل الجزْم القطع . وحرب مُجْلِيَة : تَجْلِي المقهورين فيها عن ديارهم ، أي تُخرِجهم . وسِلْم مخزية ، أي فاضحة ؛ وإنما جعلها مخزية لأنّ معاوية امتنع أولا من البَيْعة ؛ فإذا دخل في السلّمْ فإنما يدخل فيها بالبيعة ، وإذا بايع بعد الامتناع ؛ فقد دخل تحت الهَضْم ورَضيَ بالضَّيم ؛ وذلك هو الخِزْي . قوله «فانبذ إليه» من قوله تعالى : «فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَواءٍ» (1)وأصله العهد والهدنة وعقد الحِلف يكون بين الرجلين أو بين القبيلتين ، ثم يبدو لهما في ذلك فينتقلان إلى الحرب فينبذ أحدُهما إلى الآخر عهده ، كأنه كتاب مكتوب بينهما قد نبذه أحدُهما يوم الحرب وأبطله ، فاستعير ذلك للمجاهرة بالعداوة والمكاشفة ، ونسخ شريعة السلام السابقة بالحرب المعاقبة لها .

۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةفَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا ، وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا ، وَهَمُّوا بِنَا الْهُمُومَ ، وَفَعَلُوا بِنَا الْأَفَاعِيلَ ، وَمَنَعُونَا الْعَذْبَ ، وَأَحْلَسُونَا الْخَوْفَ ، وَاضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ ، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ . فَعَزَمَ اللّهُ لَنَا عَلَى الذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ ، وَالرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حَوْمَتِهِ ، مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الْأَجْرَ ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْش خِلْوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ

.


1) .سورة الأنفال ۵۸ .

بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ ، أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنٍ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالْأَسِنَّةِ ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ . وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ ، وَلكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ ، وَمَنِيَّتُهُ أُخِّرَتْ . فَيَاعَجَباً لِلدَّهِرِ ! إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي الَّتِي لاَ يُدْلِي أحَدٌ بِمِثْلِهَا ، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لاَ أَعْرِفُهُ ، وَلاَ أَظُنُّ اللّهَ يَعْرِفُهُ . وَالْحَمْدُ للّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثَْمانَ إِلَيْكَ ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هذَا الْأَمْرِ ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلاَ إِلَى غَيْرِكَ ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ غَيِّكَ وَشِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ ، لاَ يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَلاَ بَحْرٍ ، وَلاَ جَبَلٍ وَلاَ سَهْلٍ ، إِلاَّ أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوؤُكَ وِجْدَانُهُ ، وَزَوْرٌ لاَ يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ ، وَالسَّلاَمُ لِأَهْلِهِ .

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «فأراد قومنا» ، يعني قريشاً . والاجتياح : الاستئصال ، ومنه الجائحة وهي السَّنَة ، أو الفتنة التي تجتاح المال أو الأنفس . قوله : «ومنعونا العذب» ، أي العيش العذب ، لا أنّهم منعوهم الماء العَذْب ، على أنه قد نقل أنّهم منعوا أيام الحصار في شِعْب بني هاشم من الماء العذب . «وأحلسونا الخوف» ، أي ألزموناه . والحِلْس : كساء رقيق يكون تحت برذعة البعير . وأحلاس البيوت : ما يُبسَط تحت حُرِّ الثياب ، وفي الحديث : « كن حِلْس بيتك» ، أي لا تخالط النّاس واعتزلْ عنهم ، فلما كان الحِلْس ملازما ظهرَ البعير ، وأحلاس البيوت ملازمة لها ، قال : «وأحلسونا الخوف» ؛ أي جعلوه لنا كالحِلْس الملازم . «واضطرونا إلى جبل وعر» ، مَثَل ضرَبَه عليه السلام لخشونة مُقامِهم وشَظَف منزلهم ، أي كانت حالنا فيه كحال من اضطر إلى ركوب جبل وَعْر ، ويجوز أن يكون حقيقة لا مثلاً ؛ لأنّ الشّعب الذي حصروهم فيه مَضِيق بين جبلين . قوله : «فعزم اللّه لنا» ، أي قضى اللّه لنا ، ووفّقنا لذلك ، وجعلنا عازمين عليه . والحوْزة :

.

الناحية وحوزة الملك : بَيْضته . وحومة الماء والرمل : معظمه . والرمي عنها : المناضلة والمحاماة ، ويروى : «والرمي من وراء حرمته» ، والضمير في « حوزته» و «حومته» راجع إلى النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، وقد سبق ذكره ، وهو قوله : «نبينا» و يروى : «والرّميّا» . وقال الراونديّ : «وهمُّوا بنا الهمومَ» ، «الهموم» منصوب هاهنا على المصدر ، أي همّوا بنا هموماً كثيرة ، وهمّوا بنا أي أرادوا نهبَنا ، وإنما أدخل لام التعريف في الهموم ، أي هموا بنا تلك الهموم التي تعرفونها ، فأتى باللام ليكون أعظم وأكبر في الصدور من تنكيرها ، أي تلك الهموم معروفة مشهورة بين الناس لتكرّر عزم المشركين في أوقات كثيرة مختلفة على الإيقاع . «وفعلوا بنا الأفاعيل» ، يقال لمن أثروا آثاراً منكرة : فعلوا بنا الأفاعيل ، وقلّ أن يقالَ ذلك في غير الضرر والأذى . قوله : «يحامي عن الأصل» ، أي يدافع عن محمد ويذبُّ عنه حميّةً ومحافظة على النسب . قوله : «خِلْو مِمّا نحن فيه» ، أي خالٍ . الحِلْف : العهد . واحمرّ البأس ، كلمة مستعارة ، أي اشتدّت الحرب حتى احمرّت الأرض من الدم ، فجعل البأس هو الأحمر مجازا ، كقولهم : الموت الأحمر . «وأحجم الناس» ، أي كَفُّوا عن الحرب وجَبُنوا عن الإقدام ، يقال : حجمت فلاناً عن كذا أحجُمه بالضمّ ، فأحجم هُوَ ، وهذه اللفظة من النوادر ، كقولهم : «كببته فأكبّ» . ويوم مؤتة بالهمز ، ومؤتة : أرض معروفة . «وأرادَ مَنْ لو شئتُ لذكرت اسمَه» ، يعني به نفسَه . قوله : «إذ صرتُ يقرَنُ بي مَنْ لم يَسْعَ بقدمي» إشارة إلى معاوية في الظّاهر ، وإلى مَنْ تقدّم عليه من الخلفاء في الباطن ، والدليل عليه قوله : «التي لا يُدْلِي أحد بمثلها» ، فأطلق القول إطلاقا عامّا مستغرقا لكلّ الناس أجمعين . ثم قال : «إلاّ أنْ يدّعِي مدّعٍ ما لا أعرفه ، ولا أظن اللّه يعرفه » ، أي كلّ من ادّعى خلاف ما ذكرته فهو كاذب ؛ لأنّه لو كان صادقاً لكان عليّ عليه السلام يعرفه لا محالة ، فإذا قال عن نفسه : إنّ كل دعوة تخالف ما ذكرت فإنّي لا أعرف صحّتها ، فمعناه أنها باطلة . وقوله : «ولا أظنّ اللّه يعرفه» ، فالظنّ هاهنا بمعنى العلم ، كقوله تعالى : «ورَأَى المُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوهَا» ، وأخرج هذه الكلمة مخرج قوله تعالى : «قُلْ أَتُنَبِّـئونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السَّمَـوَ تِ وَلاَ فِى الْأَرْضِ سُبْحَـنَهُ وَ تَعَــلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» ، وليس المراده عليه السلام سَلْبَ الظّن الذي هو بمعنى العلم ، بل ظن السلب ، أي علم السلب ، أي

.

وأعلم أن اللّه سبحانه يعرف انتفاءه ، وكلّ ما يعلم اللّه انتفاءه فليس بثابت . وتقول : أدلَى فلان بحجّته ، أي احتجّ بها ، وفلان مُدْلٍ برَحمِه ، أي مَتَّ بها ، وأدْلَى بماله إلى الحاكم : دفعه إليه ليجعله وسيلة إلى قضاء حاجته منه ، فأمّا الشّفاعة فلا يقال فيها : «أدليت»، ولكن «دلوت بفلان» أي استشفعت به . قوله عليه السلام : «فلم أره يسعُني» ، أي لم أرَ أنه يحلّ لي دفعهم إليك . والضمير في «أرَهُ» ضمير الشأن والقصّة ، و«أره» من الرأي لا من من الرؤية ، كقولك : لم أرَ الرّأي الفلاني . ونزع فلان عن كذا ، أي فارقه وتركه ، ينزِع بالكسر . والغيّ : الجهل والضلال . والشّقاق : الخلاف . الوجْدان : مصدر وجدت كذا ، أي أصبته . والزّور : الزائر . واللُّقيان : مصدر لقيت ، تقول : لقيته لقاءً ولقياناً . ثم قال : «والسلام لأهله» لم يستجز في الدين أن يقول له : «والسلام عليك » ؛ لأنّه عنده فاسق لا يجوز إكرامه ، فقال : «والسلام لأهله» ، أي على أهله . واعلم أنّ هذه الكلمات التي ذكرها الرضيُّ رحمة اللّه عليه ملتقَطة من كتابه عليه السلام الّذي كتبه جوابا عن كتاب معاوية النافذ إليه مع أبي مسلم الخوْلانيّ ، وقد ذكره أهلُ السِّيرة في كتبهم . وفي تفسير قوله عليه السلام : «مؤمننا يبغي بذلك الأجر ، وكافرنا يحامي عن الأصل ، ومن أسلم من قريش خلوٌ ممّا نحن فيه يحلف يمنعُه ، أو عشيرة تقوم دونه فهو من القتل بمكان أمن» . فنقول : إنّ بني هاشم لما حُصِروا في الشِّعب بعد أن مَنَعُوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم من قُريش ، كانوا صِنْفين : مسلمين وكفاراً ، فكان عليٌّ عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب مسلمين . واختُلف في جعفر بن أبي طالب : هل حُصِر في الشِّعب معهم أم لا ؟ فقيل : حُصِر في الشِّعب معهم ، وقيل : بل كان قد هاجر إلى الحبشة ، ولم يشهد حِصَار الشِّعب ، وهذا هو القول الأصح . وكان العبّاس رحمه الله في حِصَار الشِّعب معهم إلاّ أنَّه كان على دين قومه ، وكذلك عَقِيل بن أبي طالب ، وطالب بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب ، وأبو سفيان بن الحارث بن بعد المطلب ، وابنه الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ـ وكان شديدا على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، يُبغضه ويَهْجوه بالأشعار ، إلاّ أنه كان لا يرضى بقتله ، ولا يقارّ قريشا في دمه ؛ محافظة على النسب ـ وكان سَيّد المحصورين في الشّعب ورئيسهم وشيخهم أبو طالب بن عبد المطّلب ، وهو الكافل والمحامي . واختلف الناس في إيمان أبي طالب ، فقالت الإمامية وأكثر الزّيدية : ما مات إلاّ مسلما .

.

وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك ، منهم الشيخ أبو القاسم البلخيّ وأبو جعفر الإسكافيّوغيرهما . وقال أكثر أهل الحديث والعامّة من شيوخنا البصريين وغيرهم : مات على دين قومه . واحتجُّوا في إسلام الآباء بما روي عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال : يبعث اللّه عبدَ المطّلب يوم القِيامة وعليه سِيما الأنبياء وبهاء الملوك . وروي أنّ العبّاس بن عبد المطلب قال لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم بالمدينة : يا رسولَ اللّه ، ما ترجو لأبي طالب ؟ فقال : أرجو له كلّ خير من اللّه عزّ وجلّ . وروى أنّ رجلاً من رجال الشِّيعة ، وهو أبان بن محمود كتب إلى عليّ بن موسى الرّضا عليه السلام : جُعلتُ فداك ! إني قد شككتُ في إسلام أبي طالب ! فكتب إليه : «وَمَنٍ يُشَاقق الرَّسُولَ مِنْ بعْدِ مَا تَبيّن له الهدى وَيَتَّبعْ غَيْرَ سبيل المؤمنين ..» الآية ، وبعدها : إنك إن لم تقرّ بإيمان أبي طالب كان مصيرُك إلى النار . وقد روي عن محمد بن عليّ الباقر عليه السلام أنه سئل عمّا يقول الناس : إنّ أبا طالب في ضَحْضاح من نار ؛ فقال : لو وضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفة الأُخرى لرجح إيمانه . ثم قال : ألم تعلموا أنّ أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان يأمر أن يحَجّ عن عبد اللّه وأبيه أبي طالب في حياته ، ثم أوصى في وصيته بالحجّ عنهم! وروي عن عليٍّ عليه السلام أنه قال : ما مات أبو طالب حتّى أعطى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم من نفسه الرّضا . قالوا : وأشعار أبي طالب تدلّ على أنه كان مسلما ، ولا فرق بين الكلام المنظوم والمنثور إذا تضمنا إقراراً بالإسلام . قالوا : وروي عن عليّ عليه السلام أنه قال : قال لي أبي : يا بنيّ الزم ابنَ عَمِّك ، فإنك تسلم به من كلّ بأس عاجل وآجل ، ثم قال لي : إن عليا وجعفرا ثقتيعند ملمّ الزَّمانِ والنُّوَبِ لا تخذلا وانصرا ابنَ عمّكماأخي لأُمّي من بينهمْ وأبي واللّه لا أخذل النبيّ ولايخذله من بنيّ ذو حَسَب ومن ذلك قوله : لقد أكرم اللّه النبيَّ محمدافأكرمُ خلق اللّه في النّاس أحمدُ وشقّ له مِنْ اسمِه ليُجلَّهفذُو العرش محمود وهذا محمّد قالوا : وإنّما لم يظهِر أبو طالب الإسلامَ ويجاهر به ؛ لأنّه لو أظهره لم يتهيّأ له من نصْرة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلمما تهيّأ له ، وكان كواحدٍ من المسلمين الّذين اتّبعوه ، ولم يتمكّن من نصْرته والقيام

.

۱۰. ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاً

دونه حينئذٍ ، وإنّما تمكّن أبو طالب من المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش وإن أبطن الإسلام (1).

۱۰الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاًوَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مَنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا ، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا ؛ دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا ، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا ، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا ، وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجِيكَ مِنْهُ مُنْجٍ ، فَاقْعَسْ عَنْ هذَا الْأَمْرِ ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ ، وَلاَ تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَإِنَّكَ مَتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأَخَذَهُ ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوح وَالدَّمِ . وَمَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ ، وَوُلاَةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ ؟ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ ، وَلاَ شَرَفٍ بَاسِقٍ ، وَنَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ . وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتََمادِياً فِي غِرَّةِ

.


1) .ثمّ انّ ابن أبي الحديد يورد روايات كثيرة تؤيد إيمانه ، وأشعاراً كثيرة أيضاً في تمجيد النبي صلى الله عليه و آله وسلمورسالته تدل على إيمانه وإخلاصه . كما يورد أخباراً مكذوبة صنعتها يد الغدر الأُموي والحقد العباسي ، تطعن في إيمانه ؛ الغاية النهائية منها هو إرادة تسقيط الطالبين ، والعلويين والثوار الحسنيين . ثم إن هذا الشارح المتمرس في الانتهازية زعم أنّ الجرح والتعديل تعارضا لديه ، ووفق قواعد الفن ، يقتضي التوقف ، ولذا فهو في أمر إسلام أبي طالب عليه السلام من المتوقفين وهو يعلم أنّ الشك في إيمانه يشكل خدشة في نبوة النبي صلى الله عليه و آله وسلم لأنّه كان حاميه وناصره ومفديه بأولاده ونفسه ، ولا أدلّ على معاندة (ابن أبي الحديد) لمذهب الحق ، هو مصانعته لمذهب أصحابه . وخشيته من اللّه سبحانه ومن رسوله ، ومن مخالفة الوجدان والإيمان !! أولى من خشيته من مخالفة القاعدة الرجالية في الجرح والتعديل .

الْأُمْنِيَّةِ ، مُخْتَلِفَ الْعَلاَنِيَةِ والسَّرِيرَةِ . وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ ، وَالْمُغَطَّى عَلَى بصَرِهِ ! فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأخيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ ، وَذلكَ السَّيْفُ مَعِي ، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي ؛ مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً ، وَلاَ اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً . وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ . وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً بِدَمِ عُثمانَ ! وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثمانَ فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً ، فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ الْجِمَالِ بِالْأَثْقَالِ ، وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِـعِ ، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِـعِ ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ ، إِلَى كِتَابِ اللّهِ ، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَهٌ ، أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ .

الشّرْحُ:الجلابيب : جمعُ جلْباب ، وهي المِلْحفة في الأصل ؛ واستُعير لغيرها من الثّياب ، وتجلبَب الرجلُ جلببةً ، ولم تُدغم لأنّها ملحقة بـ «دَحْرَجة» . قوله : «وتبهّجتْ بزينتها» : صارت ذاتَ بهجة ، أي زينة وحُسْن ، وقد بَهُج الرجلُ بالضم . ويُوشِك : يسرع . ويقفك واقف ، يعني الموتَ ؛ ويُروَى : «ولا ينجيك مِجَنّ» ، وهو التُّرْس ، والرواية الأُولى أصحّ . قوله : «فاقعَسْ عن هذا الأمر» ، أي تأخّر عنه ، والماضي قَعَس بالفتح ، ومثلهُ تقَاعَسَ واقعَنْسَسَ . وأهْبة الحساب : عُدّته ، وتأهّب : استعدّ ، وجمع الأهْبة أُهَب . وشمِّر لما قد نزل بك ، أي جِدَّ واجتهد وخِفَّ ، ومنه رجل شَمَّرِيّ بفتح الشين ، وتُكسر . والغُواةُ : جمع غاوٍ ، وهو الضالّ . «وإلاّ تفعل» يقول : وإن كنت لا تفعل ما قد أمرتُك ووعظتُك به فإنّي أُعرِّفك من نفسك ما أغفلتَ معرفته . إنّك مترَف ، والمترفُ الّذي قد أترفَته النِّعمة ، أي أطغته . «قد أخذ الشيطان منك مأخذه» ؛ ويُروَى «مآخذه» بالجمع ، أي تناوَل الشيطانُ منك لُبَّك وعقلك ، ومأخذه مصدر ، أي تناولك الشيطان تناولَه المعروف ، وحذف مفعول «أخذ» لدلالة الكلام عليه ، ولأنّ اللفظةَ تَجرِي مَجرَى المَثَل . «وجَرَى منك مجرَى

.

الرّوح والدم» ، هذه كلمةُ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : « إنّ الشيطانَ ليَجري من ابن آدمَ مَجرَى الدّم». ثم خرج عليه السلام إلى أمر آخَر ، فقال لمعاوية : «ومتى كنتمْ ساسَةَ الرعيّة ، ووُلاة أمرِ الأُمّة ؟!» ، ينبغي أن يُحمَل هذا الكلامُ على نفي كونِهم سادة وولاة في الإسلام ، وإلاّ ففي الجاهليّة لا يُنكَر رياسة بني عبدِ شَمْس . ولست أقولُ برياستهم على بني هاشم ؛ وأيضا فإنّ في لفظة أمير المؤمنين عليه السلام ما يُشعِر بما قلناه ، وهو قوله : «ووُلاةُ أمرِ الأُمّة» ؛ فإنّ الأُمّة في العرب هم المسلمون ، أمّة محمّد صلى الله عليه و آله وسلم . «بغيرِ قدمٍ سابق» ، يقال : لفلانٍ قدمُ صِدْق ، أي سابقة وأثرَةٌ حَسَنة . «ولا شرف باسق» ، أي عالٍ . وتَمادَى : تَفاعَل ، من المدى ، وهو الغاية ، أي لم يَقِف بل مَضَى قُدُماً . والغِرَّة : الغَفْلة . والأُمْنيّة : طمعُ النّفس . ومختلف السّريرة والعلانِيَة : منافق . قوله عليه السلام : «فدَعِ الناسَ جانباً» ، منصوب على الظَّرْف . والمرين على قلبه : المغلوبُ عليه ، من قولِه تعالى : «كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (1). وقيل : الرَّيْن : الذنب على القريب . وإنّما قال أميرُ المؤمنين عليه السلام لمعاوية هذه الكَلمَة ؛ لأنّ معاوية قالها في رسالةٍ كتبَها ، ووقفتُ عليها من كتاب أبي العبّاس يعقوب بن أبي أحمد الصَّيْمَريّ الذي جَمعَه في كلام عليٍّ عليه السلام وخطبه ، وأوّلها : أمّا بعد ، فإنَّك المطبوعُ عَلَى قلبِك ، المغطَّى على بَصرِك ؛ الشرّ من شيمتك ، والعُتوّ من خَليقتك ، فشمِّر للحرب ، واصبرْ للضَّرب ، فواللّه ليرجعنّ الأمرُ إلى ما علمت ، والعاقبة للمتّقين . هيهاتَ هيهات ! أخطأك ما تمنّى ، وهَوَى قلبك فيما هَوَى ، فاربَعْ عَلَى ظَلْعِك ، وقِسْ شبْرَك بِفترِك ، تَعلم أين حالُك من حالِ من يَزِن الجبالَ حِلمُه ، ويَفصِل بين أهل الشّكّ عِلمُه ؛ والسلام . فكتب إليه أميرُ المؤمنين عليه السلام : « أمّا بعد ، يابن صَخْر ، يابن اللَّعين ؛ يَزِن الجبالَ فيما زعمتَ حِلمُك ، ويَفصِل بين أهلِ الشّك عِلمُك ؛ وأنتَ الجاهلُ القليلُ الفِقْه ، المتفاوتُ العقل ، الشاردُ عن الدين . وقلتَ : (فشمِّر للحرب ، واصبر) ، فإن كنتَ صادقاً فيما تَزعُم ، ويُعينُك عليه ابن النّابغة فدَعِ الناسَ جانباً ، وأَعفِ الفَريقين من القِتال ، وابرُزْ إليَّ لتَعلَم أيّنا المرينُ عَلَى قلبه ، المغطَّى على بصره ، فأنا أبو الحَسَن

.


1) .سورة المطففين ۱۴ .

حقّاً ، قاتلُ أخيك وخالِك وجدِّك ؛ شَدْخا يومَ بدر ، وذلك السّيف معي ، وبذلك القلبِ ألقَى عدوّي » . قولُه عليه السلام «شَدْخاً» ؛ الشّدخ : كَسرُ الشيء الأجْوف ، شَدخْت رأسَه فانشَدَخ ، وهؤلاء الثلاثةُ : حنظلةُ بنُ أبي سُفيان ، والوليد بنُ عتبة ، وأبوه عتبةُ بن ربيعة ، فحنظلة أخوه ، والوليد خالُه ؛ وعتبةُ جدُّه ، وقد تقدَّم ذكرُ قَتْلِه إيّاهم في غَزاةِ بَدْر . والثائر : طالب الثأر . وقوله : «قد علمتَ حيث وقعَ دمُ عثمانَ فاطلبْه من هناك» ، يريد به إن كنتَ تطلُب ثأرَك من عند من أجْلَب وحاصَرَ ، فالّذي فَعَل ذلك طلحةُ والزبير ، فاطلب ثأرَك من بني تميم ومن بني أسَد بن عبدِ العُزّى ، وإن كنت تطلبه ممّن خَذَل فاطلبْه من نَفسِك فإنّك خَذَلْته ، وكنتَ قادراً على أن تَرفِده وتُمِدّه بالرجال ، فخذلتَه وقعدتَ عنه بعد أن استنجَدَك واستغاثَ بك . وتضجّ : تصوِّت . والجاحِدة : المنكرة ، والحائدة : العادلة عن الحقّ . واعلم أنّ قوله : وكأنّي بجماعتك يدعونَني جَزَعا من السّيف إلى كتاب اللّه تعالى ، إمّا أن يكون فِراسةً نبويّة صادقة ، وهذا عظيم ، وإمّا أن يكون إخبارا عن غَيْب مفصّل ، وهو أعظمُ وأعجب ، وعلى كلا الأمرين فهو غاية العَجَب ، وقد رأيتُ له ذِكرَ هذا المعنى في كتاب غيرِ هذا ، وهو : «أمّا بعدُ ، فما أعجب ما يأتيني منك ، وما أعلَمَني بمنزلتك الّتي أنت إليها صائر ، ونحوها سائر ؛ وليس إبطائي عنكَ إلاّ لوقت أنا به مصدِّق ، وأنتَ به مكذِّب ؛ وكأنِّي أراك وأنتَ تضجّ من الحرب ، وإخوانُك يدعونني خوفاً من السّيف ، إلى كتابٍ هم به كافرون ، وله جاحدون» . ووقفت له عليه السلام على كتابٍ آخر إلى معاوية يذكر فيه هذا المعنى ، أوّله : «أمّا بعد ، فطالَمَا دعوتَ أنتَ وأولياؤك أولياءُ الشَّيطان الحقَّ أساطير ، ونبذتموه وراء ظهوركم ، وحاولتم إطفاءَه بأفواهكم ، «وَيَأبَى اللّهُ إلاَّ أنْ يُتمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ» (1). ولَعَمري لينفذنّ العلمُ فيك ، وليتمّنّ النورُ بصِغرك وقماءتك ، ولتخسأنّ طريدا مَدْحورا ، أو قتيلاً مَثْبورا (2)؛ ولتُجْزَينّ بعَملك حيث لا ناصرَ لك ، ولا مُصرِّخَ (3)عندك . وقد أسهَبْتَ في ذكر عثمان ، ولَعمري ما قَتَله غيرُك ، ولا خَذَله

.


1) .سورة التوبة ۳۲ .

2) .مثبوراً : هالكاً ؛ أو مصروفاً عن الخير .

3) .المصرخ : المستغيث .

سواك ، ولقد تربَّصْتَ به الدوائر ، وتمنّيت له الأمانيّ ، طمعا فيما ظهر منك ، ودلّ عليهِ فعلُك ، وإنّي لأرجو أن أُلحِقَكَ به على أعظمَ من ذنبهِ ، وأكبر من خطيئتِه . فأنا ابن عبد المطّلب صاحبُ السّيف ، وإنّ قائمه لفي يدي ، وقد علمتَ من قتلتُ به من صناديد بني عبد شَمْس ، وفراعنة بني سَهْم وجُمح وبني مخزوم ؛ وأيتمتُ أبناءَهم ، وأيَّمت نساءهم (1). وأُذكِّرك ما لستَ له ناسيا ؛ يومَ قتلتُ أخاك حنْظلة ، وجررتُ برجْله إلى القَليب (2)، وأسرتُ أخاك عمراً ؛ فجعلتُ عنقَه بين ساقيه رباطاً ، وطلبتُك ففررتَ ولك حُصاص (3)؛ فلولا أني لا أتبَع فارّا ، لجعلتك ثالثهما ، وأنا أولِي لك باللّه أليّة بَرّة غير فاجرة ؛ لئن جمعتني وإيّاك جوامع الأقدار ، لأتركنّك مثلاً يتمثّل به الناس أبدا ، ولأجعْجِعنّ بك في مناخِك حتّى يحكم اللّه بيني وبينك ، وهو خيرُ الحاكمين . ولئن أنسأ (4)اللّه في أجلي قليلاً لأغزِينّك سَرايا المسلمين ، ولأنهدنّ إليك في جحْفل من المهاجرين والأنصار ، ثم لا أَقبَل لك معذرة ولا شفاعة ، ولا أجيبُك إلى طلب وسؤال ، ولترجعنّ إلى تحيُّرك وتردُّدك وتلدُّدك ، فقد شاهدتَ وأبصرتَ ورأيتَ سُحُب الموتِ كيف هطلتْ عليك بصيِّبها (5)حتى اعتصمت بكتابٍ أنت وأبوك أوّل من كَفر وكذّب بنزُوله . ولقد كنتُ تفرّستُها ، وآذنتْك أنّك فاعِلُها ، وقد مضى منها ما مَضَى ، وانقضى من كَيْدك فيها ما انقضى ، وأنا سائرٌ نحوك على أثر هذا الكتاب ، فاخترْ لنفسك ، وانظرْ لها ، وتداركْها ، فإنّك إن فطرت واستمررْت على غيِّك وغُلَوائك (6)حتى ينهد إليك عبادُ اللّه ، أُرْتُجَت عليك الأُمور ، ومُنعت أمرا هو اليوم منك مقبول . يابن حرب ، إنّ لجاجك في منازعة الأمر أهله من سفاه الرّأي ، فلا يطمعنّك

.


1) .أيمت نساءهم ؛ أي تركتهن بلا أزواج .

2) .القليب : البئر .

3) .الحصاص : شدة العدو .

4) .أنسأ اللّه في أجلي ؛ أي أخره قليلاً .

5) .الصيب : المطر المنصب .

6) .الغلواء : الكبر .

۱۱. ومن وصية له عليه السلام وصّى بها جيشاً بعثه إلى العدو

أهلُ الضلال ، ولا يوبقنّك سفهُ رأي الجهال ، فوالّذي نفسُ عليٍّ بيده لئن برقتْ في وجهك بارقة من ذي الفقار لتُصعَقنّ صعْقةً لا تُفيق منها حتى يُنفخ في الصُور النّفخة الّتي يئست منها «كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ أصْحَابِ القُبُورِ» (1)» . واعلم أن هذه الخُطْبة قد ذكرها نصر بنُ مُزاحم في كتاب «صِفّين» على وجه يقتضي أنَّ ماذكره الرضيُّ رحمه الله منها قد ضمّ إليه بعضَ خطبةٍ أُخرى ، وهذه عادَتُه ؛ لأنّ غَرَضه الْتِقاط الفصيح والبليغ من كلامه . قلتُ : سألتُ النقيب أبا زيد عن معاوية : هل شهد بدرا مع المشركين ؟ فقال : نَعم شهِدَها ثلاثة من أولاد أبي سفيان : حنْظلة وعَمرو ومُعاوية ، قُتِل أحدهم ، وأُسِر الآخر ، وأَفْلت معاويةُ هاربا على رجْليْه ، فقدِم مكّة ، وقد انتفخَ قَدماه ، وَوَرمتْ ساقاه ، فعالج نفسَه شهرين حتى برأ .

۱۱الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام وصّى بها جيشاً بعثه إلى العدوّفَإِذَا نَزَلتُمْ بِعَدُوّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ ، فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الْأَشْرَافِ ، أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ ، أَوْ اَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ ، كَيما يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً ، وَدُونَكُمْ مَرَدّاً . وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ ، وَاجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ ، وَمَنَاكِبِ الْهِضَابِ ، لِئَـلاَّ يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ . وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونُهُمْ ، وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَـلاَئِعُهُمْ . وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ ؛ فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً ، وَإِذَا ارْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً ، وَإِذَا غَشِيكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا

.


1) .الممتحنة ۱۳ .

الرِّمَاحَ كِفَّةً ، وَلاَ تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلاَّ غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً .

الشّرْحُ:المُعسكَر ، بفتح الكاف : موضعُ العسْكَر ، وحيث ينزِل . الأشراف : الأماكن العالية ، وقُبُلها : ما استقْبَلَك منها ، وضدّه الدُّبر . وسفاح الجبال : أسافلُها حيث يَسفَح منها الماء . وأثناء الأنهار : ما انعَطف منها ، واحدُها ثِنْي . والمعنى أنّه أمرهم أن ينزِلوا مسندين ظهورَهم إلى مكانٍ عالٍ كالهِضاب العَظِيمة ، أو الجبالِ ، أو مُنعطَف الأنهار الّتي تجرِي مجرَى الخنادق على العسكر ليأمنوا بذلك من البيات ، وليأمَنوا أيضا من إتيان العدوِّ لهم من خَلْفِهم ، وقد فسّر ذلك بقوله : كيما يكون لكم رِدْءاً ، والرِّدء : العَوْن ، قال اللّه تعالى : «فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْأً يُصَدِّقُنِي» (1). ودونَكم مَرَدّا ، أي حاجزا بينكم وبين العدوّ . ثمَّ أمرَهم بأن يكونَ مُقاتَلتهم ـ بفتح التاء ، وهي مَصدَر «قاتل» ـ من وجهٍ واحدٍ أو اثنين ، أي لا تتفرَّقوا ؛ ولا يكن قتالُكم العدوَّ في جهاتٍ متشعِّبة ، فإنَّ ذلك أدعى إلى الوَهَن ، واجتماعُكم أدعَى إلى الظّفر ، ثم أمرهم أن يجعلوا رقباءَ في صَياصِي الجبال . وصَياصِي الجبال : أعاليها وما جرى مجرَى الحصون منها ، وأصل الصياصي القُرون ، ثم استُعير ذلك للحصون لأنَّه يُمتَنَع بها كما يمتنع ذو القَرْن بقَرْنه . ومناكب الهضاب : أعاليها ؛ لئلاّ يأتيَكم العدوّ إمَّا من حيث تأمَنون ، أو من حيث تخافون . قوله عليه السلام : «مقدِّمة القوم عُيونُهم» ، المقدِّمة ، بكسر الدال ، وهم الّذين يتقدّمون الجيش ، أصله مقدِّمة القوم ، أي الفرْقة المتقدِّمة . والطّلائع : طائفة من الجيش تُبعَث ليُعلم منها أحوال العدوّ . وقال عليه السلام : المقدِّمة عيون الجَيْش . والطلائع عيون المقدِّمة ، فالطّلائع إذا عُيونُ الجَيْش . ثم نهاهم عن التفرّق ، وأمَرَهم أن ينزلوا جميعا ويَرحلوا جميعا ، لئلاّ يفْجَأَهم العدوّ بغتة على غير تعبيةٍ واجتماعٍ ، فيَستأصلهم ؛ ثم أمرَهم أن يجعلوا الرِّماحِ كفَّة إذا غشيَهم الليل ، والكاف مكسورة ، أي اجعلوها مُستَدِيرة حوْلكم كالدّائرة ، وكلّ ما استدار كِفّة بالكسر ، نحو كِفّة الميزان ، وكلّ ما استطال كُفّة بالضم نحو : كُفّة الثوب وهي حاشيته ، وكُفة الرّمل ، وهو ما

.


1) .سورة القصص ۳۴ .

۱۲. ومن وصية له عليه السلام وصّى بها معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام

كان منه كالحَبل . ثم نهاهم عن النّوم إلاّ غرارا أو مضمضةً ، وكلا اللّفظتين ما قلَّ من النوم .

۱۲الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام وصَّى بها معقل بن قيس الرياحيَّ حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة لهاتَّقِ اللّهَ الَّذِي لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ ، وَلامُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ ، وَلاَ تُقَاتِلَنَّ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَكَ ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ ، وَغَوِّرْ بِالنَّاس ، وَرَفِّهْ فِي السَّيْرِ ، وَلاَ تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، فَإِنَّ اللّهَ جَعَلَهُ سَكَناً ، وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لاَ ظَعْناً ، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ ، وَرَوِّحْ ظَهْرَكَ . فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ ، أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ . فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً ، وَلاَ تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ . وَلاَ تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالاْءِعْذَارِ إِلَيْهِمْ .

الشّرْحُ:معقِل بن قَيس ، كان من رجال الكُوفة وأبطالِها ، وله رئاسة وقَدَم ، أوفَده عمّار بنُ ياسر إلى عمرَ بن الخطّاب مع الهُرْمُزان لفَتْح تُسْتَر وكان من شيعة عليّ عليه السلام ، وجّهه إلى بني ساقَةَ فقتَل منهم وسَبى ، وحارَب المستَوْردَ بنَ عُلقة الخارجيّ من تميم الرّباب ، فقتَل كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه بدِجْلة . قوله عليه السلام : «ولا تُقاتلَن إلاّ من قَاتَلك» ، نهى عن البغْي . وسِرِ البَرْدَين : هما الغَداة والعَشِيّ ،

.

وهما الأبرَدان أيضاً . ووصّاه أن يَرفُق بالنّاس ولا يكلّفهم السيرَ في الحرّ . «وغوِّر بالناس» : انزِل بهم القائلة ، والمَصدَر التّغويرُ ، ويقال للقائلة : الغائرة . «وَرفِّه في السّير» ، أي دَعِ الإبلَ تَردُ رِفْها ، وهو أن ترِد الماءَ كلّ يوم متى شاءت ولا تُرهِقها وتجشِّمها السَّير . ويجوز أن يكون قوله : «ورفِّه في السَّير» ، مِن قولك : رَفَّهْتُ عن الغرِيم ، أي نفّست عنه . قوله عليه السلام : « ولا تسر أول الليل» ، قد وَرَد في ذلك خبرٌ مرفوع ؛ وقد علل أميرُ المؤمنين عليه السلام النهي بقوله : «فإن اللّه تعالى جعله سكنا ، وقدّره مُقاماً لا ظعناً » ، يقول : لما امتنّ اللّه تعالى على عباده بأن جعل لهم الليل ليسكنوا فيه (1)كره أن يخالفوا ذلك . ثم أمره عليه السلام بأن يريح في الليل بَدَنه وظَهرَه ، وهي الإبل ، وبنو فلان مُظهرون ، أي لهم ظَهْر يُنقَلون عليه ، كما تقول : منجِبون ، أي لهم نجائب . قوله عليه السلام : «فإذا وقفتَ» ، أي فإذا وقفتَ ثَقَلك ورَحلك لتسير ، فليكن ذلك حين ينبطح السحر . قوله عليه السلام : «حين ينبطح السحر» ، أي حين يتّسع ويمتدّ ، أي لا يكون السحر الأول ، أي ما بين السحر الأول وبين الفَجْر الأول ، وأصل الانبطاح السَّعة ، ومنه الأبطح بمكة ، ومنه البطيحة ، وتبطّح السيل ، أي اتّسع في البطحاء ؛ والفجر انفجر انشقّ . ثم أمره عليه السلام إذا لقي العدوّ أن يقفَ بين أصحابه وسطا لأنّه الرئيس ، والواجب أن يكون الرئيس في قلب الجيش ، كما أنّ قلب الإنسان في وسط جسده ، ولأنّه إذا كان وسطا كانت نسبته إلى كلّ الجوانب واحدة ، وإذا كان في أحد الطرفين بعد من الطَّرف الآخر ، فربما يختلّ نظامه ويضطرب . ثم نهاه عليه السلام أن يدنو من العدوّ دنوَّ من يريد أن يُنشِب الحربَ ، ونهاه أن يبعدُ منهم بُعْدَ من يهاب الحربَ ، وهي البأس ، قال اللّه تعالى : «وحينَ الْبَأْسِ» (2)، أي حين الحَرْب ، بل يكون على حالٍ متوسِّطة بين هذين حتى يأتيه الأمر من أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّه أعرف بما تقتضيه المصلحة . ثم قال له : لا يحملنّكم بغضكم لهم على أن تبدؤوهم بالقتال قبل أن تدْعُوهم إلى الطاعة وتعتذروا إليهم ، أي تصيروا ذوي عذر في حربهم . والشَّنْآن : البغض ، بسكون النون وتحريكها .

.


1) .وهو قوله تعالى : «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً» يونس : ۶۷ .

2) .سورة البقرة ۱۷۷ .

۱۳. ومن كتاب له عليه السلام إلى أميرين من اُمراء جيشه

۱۳الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى أميرين من أُمراء جيشهوَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَعَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ ، فَاسْمَعَا لَهُ وَأَطِيعاَ ، وَاجْعَلاَهُ دِرْعاً وَمِجَنّاً فَإِنَّهُ مِمَّنْ لاَ يُخَافُ وَهْنُهُ وَلاَ سَقْطَتُهُ وَلاَ بُطْؤُهُ عَمَّا الإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ ، وَلاَ إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُط ءُ عَنْهُ أَمْثَلُ .

الشّرْحُ:هو مالك بنُ الحارث بن عبد يغوث ابن النَّخَع . وكان فارسا شجاعا رئيسا من أكابر الشِّيعة وعُظمائها ، شديدَ التحقّق بوَلاء أميرِ المؤمنين عليه السلام ونصرِه ، وقال فيه بعد موته : رحم اللّه مالِكا ، فلقد كان لي كما كنتُ لرَسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم! فأما ثناءُ أمير المؤمنين عليه السلام عليه في هذا الفَصْل فقد بلغ مع اختصاره ما لا يبلغ بالكلام الطويل ، ولَعمري لقد كان الأشتر أهلاً لذلك ، كان شديد البأس ، جوادا رئيسا حليماً فصيحا شاعرا ، وكان يَجمَع بين اللِّين والعُنْف ، فيَسطُو في موضع السَّطْوة ، ويَرفُق في موضع الرِّفق . ومات الأشتر في سنة ۳۹ متوجّها إلى مصر واليا عليها لعلي عليه السلام . قيل : سُقي سُمّا ، دسّه إليه معاوية . وقد جمع أميرُ المؤمنين عليه السلام من أصناف الثّناء والمدْح ، وهي قوله : «لا يخاف بُطْؤُهُ عمّا الإسراعُ إليه أحزَم ، ولا إسراعه إلى ما البط ء عنه أمثَل . قوله عليه السلام : «وعلى من في حيّزِكما» ، أي في ناحيتكما . والِمجَنّ : التّرس . والوَهْن : الضعف . والسَقْطة : الغَلْطة والخطأ . وهذا الرأي أحْزَم من هذا ، أي أدخل في باب الحزْم والاحتياط ، وهذا أمثل من هذا ، أي أفضَل .

.

۱۴. ومن وصية له عليه السلام لعسكره بصفين قبل لقاء العدوّ

۱۴الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام لعسكره بصفّين قبل لقاء العدوّلاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُكُمْ ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللّهِ عَلَى حُجَّةٍ ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَؤُكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ . فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللّهِ فَـلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً ، وَلاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً ، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ ، وَلاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذىً ، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالْأَنْفُس وَالْعُقُولِ ؛ إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ ؛ وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفَهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ .

الشّرْحُ:نَهى أصحابه عن البغي والابتداء بالحرب ، وقد رُوي عنه أنه قال : ما نُصِرت على الأقْران الّذين قتلتهم إلاّ لأنِّي ما ابتدأتُ بالمبارزة . ونَهى ـ إذا وقعت الهزيمة ـ عن قَتْل المدبر والإجهاز على الجريح ، وهو إتمام قتله . قوله عليه السلام : «ولا تصيبوا مُعوراً» ، هو من يعتصم منك في الحَرْب بإظهار عوْرته ؛ لتكفّ عنه ، ويجوز أن يكون المُعور هاهنا المريب الذي يظنّ أنه من القوم وأنّه حَضَر للحرب وليس منهم ؛ لأنّه حضر لأمرٍ آخر . «ولا تُهيجوا النّساء بأذىً» ، أي لا تحرّكوهنّ . والفِهْر : الحجَر : والهِراوة : العصا . وعَطَف «وعقبه» على الضمير المستكنّ المرفوع في «فيُعَبّرُ» ولم يؤكّد للفَصْل بقوله : بها ، كقوله تعالى «ما أَشرَكْنا ولا آباؤنا» (1)؛ لما فَصَل بلا عطف ولم يحتجْ إلى تأكيد .

.


1) .سورة الأنعام ۱۴۸ .

۱۵. ومن دعاء له عليه السلام كان عليه السلام يقول إذا لقي العدوّ محارباً

۱۶. وكان يقول عليه السلام لأصحابه عند الحرب

۱۵الأصْلُ:وكان عليه السلام يقول إذا لقي العدو محارباًاللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ ، وَمُدَّتِ الْأَعْنَاقُ ، وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ ، وَنُقِلَتِ الْأَقْدَامُ ، وَأُنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ . اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ ، وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الْأَضْغَانِ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا ، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا ، وَتَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ .

الشّرْحُ:أفضت القلوب ، أي دَنَت وقَرُبَت ، ومنه أفضَى الرّجلُ إلى امرأته أي غشيَها ، ويجوز أن يكون «أفضت» ، أي بسرّها ، فحذف المفعول . وأُنضيت الأبدان : هَزُلت ، ومنه النِّضو ، وهو البَعير المهزُول . وصَرَّح : انكشَف . والشنآن : البغْضة . وجاشت : تحرّكت واضطربَتْ . والمَراجل : جمع مِرْجل ، وهي القِدْر . والأضغان : الأحقاد ، واحدُها ضغن .

۱۶الأصْلُ:وكان يقول عليه السلام لأصحابه عند الحربلاَ تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ ، وَلاَجَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ ، وَأَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقُهَا ،

.

وَوطِّنوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا ، وَاذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الْدَّعْسِيِّ ، وَالضَّرْبِ الطِّلَحْفِيِّ ، وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ . وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، مَا أَسْلَموا وَلكِنِ اسْتَسْلَمُوا ، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ .

الشّرْحُ:قال : لا تستصعبوا فَرَّةً تفِرّونها بعدها كَرّة ، تجبُرون بها مَا تكسّر من حالكم ، وإنّما الّذي ينبغي لكم أن تستَصْعبوه فَرّة لا كَرّةَ بعدَها ؛ وهذا حَضٌّ لهم على أن يكرّوا ويعودُوا إلى الحرب إن وقعتْ عليهم كسرةٌ . ومثله قولُه : «ولا جَوْلةٌ بعدَهَا حمْلة» ، والجوْلة : هزيمة قريبة ليست بالممعنة . واذمُرُوا أنفسَكم ، مِن ذمَره على كذا ، أي حضّه عليه . والطّعْن الدَّعْسيّ : الذي يُحْشى به أجواف الأعداء ، وأصل الدَّعْس الحشْو ، دَعسْتُ الوعَاءَ حشوْته . وضرب طِلَحْفي بكسر الطاء وفتح اللام ، أي شديد ، واللام زائدة . ثم أمَرَهم بإماتة الأصوات ؛ لأنّ شِدّة الضّوْضاء في الحرب أمارة الخوف والوَجَل . ثمّ أقسَم أنّ معاوية وعَمْرا ومَن والاهما من قريش ما أسلَموا ولكن استَسلَموا خوفاً من السّيف ونافَقُوا ؛ فلمّا قَدَروا على إظهار ما في أنفسهم أظهَروه ؛ وهذا يدلُّ على أنَّه عليه السلام جعل محاربتَهم له كُفراً . وقد تقدّم في شرح حالِ معاويةَ وما يَذكره كثيرٌ من أصحابنا من فساد عقيدتِه ما فيه كفاية (1).

.


1) .ذكر ابن أبي الحديد ، أحوال معاوية وعمرو بن العاص ، في الجزء الأول من شرحه ، ص۳۳۴ وما بعدها ، وج۲ ، ص۶۰ وما بعدها ومما قاله في معاوية ، ص۳۴۰ : (ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا (رحمهم اللّه ) يُرمْى بالزندقة . وروى أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الإلحاد ، والتعرّض لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وما تظاهر به من الجبر والإرجاء ، ولو لم يكن شيء من ذلك ، لكان في محاربته الإمام ما يكفي في فساد حاله) وفي ج۲ ، ص۶۵ . قال عن عمرو بن العاص : قال شيخنا أبو القاسم البلخي : « وما زال عمرو بن العاص مُلْحِداً ، ما تردد قط في الإلحاد والزندقة ، وكان معاوية مثله ... » .

۱۷. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً عن كتاب منه إليه

۱۷الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً عن كتابٍ منه إليهوَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ ، فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لَأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْس . وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلاَّ حُشَاشَاتِ أَنْفُس بَقِيَتْ ، أَلاَ وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ . وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ والرِّجَالِ فَلَسْتَ ، بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ ، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الاْخِرَةِ . وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ! فَكَذلِكَ نَحْنُ ، وَلكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِم ، وَلاَ حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَلاَ أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ ، وَلاَ المُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ ، وَلاَ الصَّرِيحُ كَالَّلصِيقِ ، وَلاَ الُْمحِقُّ كَالْمُبْطِلِ ، وَلاَ الْمُؤْمِنُ كَالمُدْغِلِ . وَلَبِئْسَ الْخَلَفُ خَلَفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ . وَفِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أَذلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ ، وَنَعَشْنَا بِهَا الذَّلِيلَ . وَلَمَّا أَدْخَلَ اللّهُ الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً ، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هذِهِ الْأُمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً ، كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ ؛ إِمَّا رَغْبَةً وَإِمَّا رَهْبَةً ، عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ ، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الْأُوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ؛ فَـلاَ تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً، وَلاَ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً، وَالسَّلاَمُ.

الشّرْحُ:يقال : طلبتُ إلى فلان كذا ، والتقدير طلبتُ كذا راغباً إلى فلان ، كما قال تعالى : «فِي تِسْع آيَاتٍ إلَى فِرْعَوْن» (1)أي مُرسلاً .

.


1) .سورة النمل ۱۲ .

ويُروي : «إلاّ حُشاشةَ نفسٍ» ، بالإفراد ، وهو بقيّة الرُّوح في بَدَن المريض . ورُوِي : « ألا ومَن أكله الحقّ فإلى النار» ، وهذه الرواية أليَق من الرّواية المذكورة في أكثر الكُتُب ؛ لأنّ الحق يأكل أهلَ الباطل ، ومَن رَوَى تلك الرواية أضمَر مُضافا تقديرُه «أعداءَ الحق» ، ومضافاً آخَر تقديرُه «أعداءَ الباطل» . ويجوز أن يكون مَنْ أكله الحقّ فإلى الجَنّة ، أي من أفضَى به الحقّ ونُصرتُه والقيامُ دونَه إلى القتل ؛ فإنّ مصيرَه إلى الجنّة ، فيسمّي الحقّ لما كانت نُصرتُه كالسبب إلى القَتْل أَكْلاً لذلك المقتول ، وكذلك القولُ في الجانب الآخَر . وكان الترتيب يقتضي أن يجعل هاشما بإزاءِ عبدِ شمس ؛ لأنّه أخوه في قُعدد ، وكِلاهُما ولَدُ عبدِ منَاف لصُلْبه ، وأن يكون أُميّة بإزاء عبد المطلب ، وأن يكون حَرْبٌ بإزاء أبي طالب ، وأن يكون أبو سُفيانَ بإزاء أميرِ المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّ كلّ واحد من هؤلاء في قُعْدُدِ صاحبه ، إلاّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا كان في صِفّين بإزاء معاويةَ اضطُرّ إلى أن جَعَل هاشما بإزاء أُميّة بن عبد شمس . فإن قلت : فهلاّ قال : «ولا أنا كأنت»؟ قلتُ : قبيحٌ أن يقال ذلك ، كما لا يقال : السَّيفُ أمضَى من العصا ، بل قبيحٌ به أن يقولها مع أحدٍ من المسلمين كافّةً ، نعم قد يقولها لا تَصريحا ، بل تَعرِيضا ؛ لأنّه يرفع نفسَه على أن يقيسَها بأَحَد . وهاهنا قد عرّض بذلك في قوله : «ولا المهاجِرُ كالطَّليق» . فإن قلتَ : فهل معاويةُ من الطُّلقَاء؟ قلت : نعم ، كلُّ من دَخل عليه رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلممَكّة عَنْوةً بالسّيف فملكه ثم مَنَّ عليه عن إسلامٍ أو غيرِ إسلام فهو من الطُّلَقاء ممّن لم يُسلم كصَفْوان بن أُميّة ، ومَن أسلَم كمعاوية بن أبي سُفْيان ، وكذلك كلُّ من أُسِرَ في حَرْب رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ثم امتَنّ عليه بِفداءٍ أو بغير فِداء فهو طَلِيق ، فممّن أُمتنّ عليه بفداءٍ كسُهيل بن عمرو ، وممّن امتنّ عليه بغير فداء أبو عَزّة الجُمَحيّ ، وممن امتنّ عليه مُعاوَضة أي أُطلِق لأنّه بإزاءِ أسيرٍ من المسلمين عَمْرو بن أبي سُفْيان بن حَرْب ، كلّ هؤلاء معدودون من الطُّلقاء . قوله : «ولا الصريح كاللَّصِيق» ، إنّما أراد الصريحَ بالإسلام واللَّصيق في الإسلام ، فالصريح فيه هو من أسلَم اعتقاداً وإخلاصاً ، واللَّصيق فيه مَنْ أَسلَم تحتَ السيف أو رغبةً في الدنيا ، وقد صَرّح بذلك فقال : «كنتم ممّن دخل في هذا الدِّين إمّا رَغْبةً وإمّا رَهْبة» . فإن قلت : فما معنى قوله : «ولَبئس الخَلَف خَلَفا يَتبَع سَلَفا هَوَى في نار جهنّم » ؟ وهل

.

۱۸. ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن عباس وهو عامله على البصرة

يُعابُ المسلم بأنّ سَلَفه كانوا كُفّاراً؟ قلتُ : نعم ، إذا تَبِع آثارَ سَلفِه واحتَذَى حذوَهم ، وأميرُ المؤمنين عليه السلام ما عابَ معاويةَ بأنّ سَلَفه كُفّار فقط ، بل بكَوْنه متّبعاً لهم . قولُه عليه السلام : «وفي أيدِينا بعدُ فَضْل النبوّة» ، أي إذا فَرَضْنا تَسَاوِي الأقدام في مآثر أسْلافكم ، كان في أيدينا بعدُ الفَضلُ عليكم بالنبوّة التي نَعَشْنا بها الخاملُ ، وأخْمَلْنا بها النّبيه . قوله عليه السلام : «على حينَ فازَ أهلُ السَّبْق» ، قال قوم من النُّحاة : «حينَ» مبنيٌّ هاهنا عَلَى الفَتْح . وقال قوم : بل مَنْصوبٌ لإضافته إلى الفعل . قوله عليه السلام : «فلا تجعَلنّ للشيطان فيكَ نصيبا» ، أي لا تستَلْزِم من أفعالك ما يدوم به كونُ الشيطان ضارِبا فيك بنَصيب ؛ لأنّه ما كتب إليه هذه الرسالةَ إلاّ بعد أن صار للشيطان فيه أوفَرُ نصيب ، وإنّما المراد نهيُه عن دوام ذلك واستمرارِه. وذَكر نصرُ بنُ مُزاحم بن بشّار العُقَيليّ في كتاب «صِفّين» أنّ هذا الكتاب كتبه عليّ عليه السلام إلى معاوية قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة .

۱۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن عباس وهو عامله على البصرةوَاعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ ، فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالاْءِحْسَانِ إِلَيْهِمْ ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ . وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيم ، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ ؛ وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلاَّ طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ ، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً ، وَقَرَابَةً خَاصَّةً ، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا ، وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا . فَارْبَعْ

.

۱۹. ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله

أَبَا الْعَبَّاس ، رَحِمَكَ اللّهُ ، فِيَما جَرَى عَلَى لِسَانِكَ وَيَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ! فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذلِكَ ، وَكُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ ، وَلاَ يَفِيلَنَّ رَأَيِي فِيكَ ، وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : مَهْبط إبليس : موضع هُبوطه . ومغرس الفِتَن : موضع غَرْسِها ، ويروَى «ومُغْرسِ الفتن» ، وهو الموضع الّذي ينزِل في القومُ آخر اللّيل للاستراحة ، يقال : غَرَسوا وأغرَسوا . وقولهُ عليه السلام : «فحادِثْ أهلَها» ، أي تعهّدْهم بالإحسان ، من قولِك : حادثتُ السيفَ بالصِّقال . والتنمُّر للقوم : الغلْظة عليهم ، والمعامَلة لهم بأخلاق النَّـمرِ ، من الجرْأة والوثوب . والوَغْم : التِّرة ، والأوْغام : التِّرات ، أي لم يُهدَر لهمْ دمٌ في جاهليّة ولا إسلام ، يصفُهم بالشّجاعة والحَميّة . ومأزُورون ، كان أصله «مَوْزورُون» ، ولكنّه جاء بالألف لِيُحاذِي به ألفَ « مأجُورُون» ، وقد قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم مثل ذلك . قوله عليه السلام : «فاربَعْ أبا العباس» ، أي قِفْ وتثبَّت في جميع ما تعتمدُه فِعلاً وقَوْلاً من خَيْر وشر ، ولا تَعجَل به فإنّي شريكُك فيه إذ أنتَ عاملي والنائبُ عنّي . ويعني بالشرّ هاهنا الضررَ فقط ، لا الظّلم والفِعل القبيح . «وكن عند صالح ظنّي فيك» ، أي كن واقفا عندَه كأنّك تشاهِدُه فتَمنَعك مشاهَدَته عن فعلِ ما لا يجوز . فال الرأيُ يَفيل ، أي ضَعُف وأخطأ .

۱۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمالهأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً ، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً ، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لَأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ ، وَلاَ أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ ، فَالْبَسَ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ ،

.

۲۰. ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وهو خليفة عامله عبد اللّه بن عباس

وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالاْءِدْنَاءِ ، وَالاْءِبْعَادِ وَالاْءِقْصَاءِ . إِنْ شَاءَ اللّهُ (1).

الشّرْحُ:الدَّهاقين : الزعماء أربابُ الأملاك بالسّواد ، واحدُهم دِهقان بكسر الدال ، ولفظُه معرَّب . وداوِلْ بينهم ، أي مرّة هكذا ومرّة هكذا ، أمره أن يَسلك معهم مَنهَجا متوسّطا ، لا يُدنِيهم كلَّ الدنوّ ؛ لأنهم مُشرِكون ، ولا يقصيهم كلّ الإقصاء ؛ لأنهم مُعاهِدون ، فوجب أن يعاملهم معاملةً آخِذةً من كلّ واحدٍ من القسمين بنصيب .

۲۰الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وهو خليفة عامله عبداللّه بن عباس على البصرة ـ وعبد اللّه عامل أمير المؤمنين عليه السلام يومئذٍ عليها وعلى كُوَر الأهواز وفارس وكِرْمَان وغيرها :وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللّهِ قَسَماً صَادِقاً ، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ ، ضَئِيلَ الْأَمْرِ ، وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «لأشُدّنّ عليك شدّة» ، مثلُ قوله : «لأحملنّ عليك حَملةً» ، والمراد تهديده بالأخذ واستصفاء المال . ثم وصف تلك الشدّة فقال : «إنها تتركك قليل الوَفْر» ، أي أُفقِرك بأخذ ما اجتحتَ من

.


1) .الغلظة : الخشونة ، ضد الرّقة . الجفوة : ضد المواصلة والمؤانسة . الإقصاء : الإبعاد . العهد : الذمّة والأمان . الجلباب : الإزار . تشوبه : تخلطه .

۲۱. ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد أيضاً

بيت مال المسلمين . وثقيل الظّهر ، أي مسكين لا تقدِر على مَؤونة عيالك . وضئيل الأمر ، أي حقير ؛ لأنك إنما كنت نبيها بين الناس بالغنَى والثّروة ، فإذا افتقرتَ صغرتَ عندهم ، واقتحمْتك أعينُهم .

۲۱الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد أيضاًفَدَعِ الاْءِسْرَافَ مُقْتَصِداً ، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً ، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ ، أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللّهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ ! وَتَطْمَعُ - وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي النَّعِيمِ ، أنْ تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ وَالْأَرْمَلَةَ - أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْمُتَصَدِّقِينَ ؟ وَإِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بَمَا أَسْلَفَ وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ ، وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:المتمرِّغ في النّعيم : المتقلّب فيه ، ونهاه عن الإسراف وهو التبذير في الإنفاق ، وأمرَه أن يُمسك من المال ما تَدْعو إليه الضرورة ، وأن يقدِّم فضول أمواله وما ليس له إليه حاجة ضرورية في الصدقة فيدّخره ليوم حاجته ، وهو يوم البَعْث والنشور . قلتُ : قبّح اللّه زياداً ! فإنه كافأ إنعام عليّ عليه السلام وإحسانه إليه واصطناعه له بما لا حاجة إلى شرحه من أعماله القبيحة بشيعته ومحبِّيه والإسراف في لعنه ، وتهجين أفعاله ، والمبالغة في ذلك بما قد كان معاوية يرضى باليسير منه ، ولم يكن يفعلُ ذلك لطلب رضا معاوية ، كلاّ ، بل يفعله بطبعه ، ويعاديه بباطنه وظاهره ، وأبى اللّهُ إلاّ أن يرجع إلى أُمّه ، ويصحِّح نسبه ، وكلُّ إناءٍ يَنْضَح بما فيه . ثم جاء ابنه بعده فختم تلك الأعمال السيّئة

.

۲۲. ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن العباس رحمه الله

بما ختم ، وإلى اللّه ترجع الأُمور!

۲۲الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن العبّاس رحمه الله وكان ابنُ عبّاس يقول : ما انتفعت بكلامٍ بعدَ كلام رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم كانتفاعي بهذا الكلام :أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ ، وَيَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ ، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ ، وَلْيَكُنْ أسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا ، وَمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَـلاَ تُكْثِرْ بِهِ فَرَحاً ، وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَـلاَ تَأسَ عَلَيْهِ جَزَعاً ، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِيَما بَعْدَ الْمَوْتِ .

الشّرْحُ:يقول : إنّ كلّ شيء يصيب الإنسانَ في الدّنيا من نَفْع وضَرّ فبقضاء من اللّه وقَدره تعالى ؛ لكنّ الناسَ لا ينظرون حقّ النظر في ذلك ، فيُسَرّ الواحدُ منهم بما يصيبه من النّفع ، ويُساء بفوْت ما يَفُوته منه ، غيرُ عالم بأنّ ذلك النفعَ الّذي أصابه ، كان لابدّ أن يصيبه ، وأنّ ما فاته منه كان لابدّ أن يفوته ، ولو عرَف ذلك حقّ المعرفة لم يفرَح ولم يَحزَن . ولقائلٍ أن يقول : هَبْ أن الأُمور كلّها بقضاءٍ وقَدَر ، فلم لا ينبغي للإنسان أن يَفرَح بالنفع وإن وَقع بالقَدَر ، ويُساءَ بفَوْته أو بالضّرر وإن وَقَعا بقَدَر؟ والجواب : ينبغي أن يُحمَل هذا الكلامُ على أنّ الإنسان ينبغي أن لا يعتقد في الرِّزق أنه أتاه بسَعْيه وحَرَكته فيَفرَح مُعْجَبا بنفسه ، وكذلك ينبغي ألاّ يساء بفَوات ما يفوته من المنافع لائما نفسَه في ذلك ناسبا لها إلى التقصير وفسادِ الحيلة والاجتهاد ؛ لأنّ الرزق هو من اللّه تعالى لا أَثَر للحركة فيه ، وإن وقع عندها .

.

۲۳. ومن كلام له عليه السلام قاله قبل موته على سبيل الوصية لمّا ضربه ابن مُلجم

۲۳الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام قاله قبل موته على سبيل الوصيّة لمّا ضَرَبه ابن مُلجم لعنه اللّهوَصِيَّتِي لَكُمْ أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللّهِ شَيْئاً ؛ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَـلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّـتَهُ . أَقِيمُوا هذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ ، وَأَوْقِدُوا هذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ ، وَخَلاَكُمْ ذَمٌّ! أَنَا بالْأَمْس صَاحِبُكُمْ ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ ، إِنْ أَبْقَ فَأنَا وَلِيُّ دَمِي ، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي ، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ ، وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ ، فاعْفُوا : «أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ» (1). وَاللّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ ، وَلاَ طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ ؛ وَمَا كُنْتُ إِلاَّ كَقَارِبٍ وَرَدَ ، وَطَالِبٍ وَجَدَ ؛ «وَمَا عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ لِـلْأَبْرَارِ» (2). قال الرضي رحمه الله : أقولُ : وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدّم من الخطب ، إلاّ أن فيه هاهنا زيادةً أوجبت تكريره .

الشّرْحُ:فإن قلت : لقائل أن يقول : إذا أوصاهم بالتّوحيد واتّباع سنّة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم فلم يبقَ شيء بعد ذلك يقول فيه : أقيموا هذين العَمودين وخَلاَكم ذمّ ؛ لأنّ سنّة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم فعلُ كلّ واجب . وتجنُّب كلّ قبيح ؛ فخلاهم ذَمّ فيماذا يقال؟ والجواب : أنّ كثيراً من الصَّحابة كلَّفوا أنفسهم أُمورا من النّوافل شاقّةً جدّا ، فمنهم من

.


1) .سورة النور ۲۲ .

2) .سورة آل عمران ۱۹۸ .

كان يقوم الليل كلّه ، ومنهم من كان يصوم الدهر كلَّه ، ومنهم المرابط في الثّغور ، ومنهم المجاهد مع سقوط الجهاد عنه لقيام غيره به ، ومنهم تاركُ النّكاح ، ومنهم تاركُ المطاعم والملابس ؛ وكانوا يتفاخرون بذلك ، ويتنافسون فيه ، فأراد عليه السلام أن يبيِّن لأهله وشيعته وقتَ الوصيَّة أنّ المهمّ الأعظم هو التّوحيد ، والقيام بما يُعلم من دين محمّد صلى الله عليه و آله وسلم أنه واجب ، ولا عليكم بالإخلال بما عدا ذلك ، فليت من المئة واحدا نَهَض بذلك ، والمراد ترغيبهم بتخفيف وظائف التكاليف عنهم ، فإن اللّه تعالى يقول : «يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ» (1). وقال صلى الله عليه و آله وسلم : «بُعثتُ بالحنيفيّة السّهلة السَّمْحة» . قولُه : وخَلاكم ذمّ ، لفظةٌ تقال على سبيل المثَل ، أي قد أعذَرتم ، وسَقَط عنكم الذمّ . ثم قسم أيامه الثلاثة أقساما فقال : أنا بالأمس صاحبُكم أي كنت أُرجَى وأُخاف ، وأنا اليوم عِبرةٌٍ لكم ، أي عِظة تعتبرون بها . وأنا غداً مفارقكم ، أكون في دار أُخرى غير داركم . ثم ذكر أنه إن بقي ولم يمتْ من هذه بالضربة فهو وليّ دمِه ، إن شاء عَفا ، وإنْ شاء اقتصّ ، وإن لم يَبْق فالفناء الموعد الَّذي لابدّ منه . ثم عاد فقال : وإن أعْفُ ، والتقسيم ليس على قاعدة تقسيم المتكلِّمين . والمعنى منه مفهوم ، وهو إمّا أن أسلم من هذه الضربة أو لا أسلم ، فإن سلمت منها فأنا وليّ دَمي ؛ إن شئتُ عفوتُ فلم أقتصّ ، وإن شئتُ اقتصصتُ ، ولا يعني بالقصاص هاهنا القتل ، بل ضربةً بضربة ، فإن سَرَتْ إلى النفس كانت السراية مُهدَرة كقَطْع اليد . ثم أومأَ إلى أنه إن سلم عفا ، بقوله : إن العفو لي إن عفوْت قرْبة . ثم عُدْنا إلى القسم الثاني من القسمين الأوَّليْن ، وهو أنه عليه السلام لا يَسلَم من هذه ؛ فولاية الدم إلى الورثة إن شاؤوا اقتَصُّوا وإن شاؤوا عَفَوْا . ثم أومأ إلى أنَّ العفوَ منهم أحسن ، بقوله : «وهو لكم حسنة» ، بل أمَرَهم أمرا صريحا بالعفو ، فقال : فاعفوا ، «أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ» . وهذا لفظ الكتاب العزيز ، وينبغي أن يكون أمْرُه بالعفو في هذا الكلام محمولاً على النّدب . ثم أقسَم عليه السلام أنّه ما فجأه من الموت أمْرٌ أنكَرَه ولا كَرهه ، فجأني الشيء : أتاني بغتةً . ثم قال : «ما كنتُ إلاّ كقارِب وَرَد» ، والقارب : الّذي يسير إلى الماء وقد بقي بينه وبينَه ليلة واحدة ، والاسم : القَرَب ، فهم قارِبون ، ولا يقال : «مقرِبون» ، وهو حرف شاذٌّ .

.


1) .سورة البقرة ۱۸۵ .

۲۴. ومن وصية له عليه السلام بما يُعمل في أمواله ، كتبها بعد منصرفه من صفين

۲۴الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام بما يُعمل في أمواله ، كتبها بعد منصرفه من صفينهذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللّهِ ، لِيُولِجَهُ بِهِ الْجَنَّةَ ، وَيُعْطِيَهُ بِهِ الْأَمَنَةَ .

الشّرْحُ:قد عاتبت العثمانِيّة وقالت : إنّ أبا بكر مات ولم يخلِّف ديناراً ولا درهماً ، وإنّ عليّا عليه السلام مات وخلّف عَقاراً كثيراً ـ يَعنون نَخْلاً . قيل لهم : قد عَلِم كلُّ أحدٍ أنّ عليّا عليه السلام استخرَج عيوناً بكدِّ يدِه بالمدينة ويَنْبُع وسُويْعة ، وأحْيَا بها مَواتا كثيرا ، ثم أخرَجها عن مِلكِهِ ، وتَصدّق بها على المسلمين ، ولم يمتْ وشيءٌ منها في ملكِه ، ولم يُورِّث عليٌّ عليه السلام بنيه قليلاً من المال ولا كثيرا إلاّ عبيدَه ، وإماءَه وسَبْعَمئة درهم من عَطائه ، تركها ليشتريَ بها خادماً لأهله ، وإنما لم يَترُك أبو بكر قليلاً ولا كثيرا لأنّه ما عاش ، ولو عاش لتَرَك . وقد مات رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وله ضِياعٌ كثيرةٌ جليلة جدّاً بخيْبَر وفَدَك وَبَني النّضِير ، وكان له وادِي نخْلة ، وضِياعٌ أُخرى كثيرة بالطائف ، فإن كان عليٌّ عليه السلام مَعيباً بضياعه ونخلِه فكذلِك رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وهذا كفر وإلحاد . ورُويَ : «ويُعطيني بهِ الأمَنَةَ» ، وهي الأمْن .

الأصْلُ:منها:فإنَّهُ يَقُومُ بِذلِكَ الْحَسنُ بْنُ علِيٍّ يأْكُلُ مِنْهُ بِالْمعْروفِ ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِنْ

.

حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ وَحُسَيْنٌ حَيٌّ ، قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ ، وَأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ ؛ وَإِنَّ لابنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقةِ عَلِيٍّ مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِيٍّ . وَإِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيامَ بِذلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطِمَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللّهِ ، وَقُرْبَةً إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَتَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ ، وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ ، وَيُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ ، وَأَلاَّ يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلِ هذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً . وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي - الـلاَّتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ - لَهَا وَلَدٌ ، أَوْ هِيَ حَامِلٌ ، فَتُمْسَكَ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظِّهِ ؛ فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُّ ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ . قال السيّد الرضي رحمه الله : قوله عليه السلام في هذه الوصية : «وألا يبيع من نخلها وَدِيَّةً» ، الوَدِيَّةُ : الفَسِيلَةُ ، وجمعها وَدِيّ . وَقوله عليه السلام : «حتى تشكل أرضها غراساً» هو من أفصح الكلام ، والمراد به أن الأرض يكثر فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها بها ، فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها .

الشّرْحُ:جَعلَ للحَسَن ابنه عليه السلام ولاية صَدَقات أمواله ، وأذن له أن يأكل منه بالمعروف ، أي لا يُسرِف، وإنّما يتناول منه مقدارَ الحاجة ، وما جرتْ بمثلِه عادة من يتولّى الصدقات . ثم قال : فإن مات الحسنُ ، والحُسين بعدَه حيّ فالولايةُ للحسين ، والهاء في « مَصدرِه» ترجع إلى الأمر ، أي يصرفه في مَصارفه التي كان الحسن يصرفه فيها . ثم ذكر أنَّ لهذين الولدين حصّة من صدقاته أُسوَةً بسائر البنين ، وإنما قال ذلك ؛ لأنّه قد يتوهّم متوهِّم أنّهما لكونهما قد فوِّض إليهما النظرُ في هذه الصدقات ، قد مُنِعا أن يُسهما فيها بشيء ، وإن الصّدقات إنما يتناولها غيرُهما من بني عليّ عليه السلام ممّن لا ولاية له مع وجودهما ، ثم بيّن لماذَا خصَّهما بالولاية ؟ فقال : إنّما فعلتُ ذلك لشرفهما برسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، فتقرّبتُ إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمبأن جعلتُ لسِبْطيه هذه الرئاسة ، وفي هذا رَمْز وإزراء بمن صَرَف الأمر عن

.

۲۵. ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات

أهل بيتِ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم مع وجود من يصلُح للأمر ، أي كان الأليق بالمسلمين والأوْلى أن يجعلوا الرِّئاسة بعدَه لأهله قُربةً إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وتكريما لحرمته ، وطاعَةً له ، وأنفَة لقَدْره صلى الله عليه و آله وسلم أن تكونَ وَرَثُته سُوقةً ، يليهم الأجانب ، ومن ليس من شَجَرته وأصلِه ، ألاَ ترى أنّ هيبة الرّسالة والنبوّة في صدور الناس أعظمُ إذا كان السلطان والحاكم في الخلق من بيت النبوّة ؛ وليس يُوجد مثل هذه الهيْبة والجلال في نفوس الناس للنبوّة إذا كان السلطان الأعظمُ بعيدَ النسب من صاحب الدعوة عليه السلام ! ثم اشتَرَط على مَنْ يلي هذه الأموال أن يتركَها على أُصولها ، ويُنفِق من ثمرتها ، أي لا يقطع النخل والثمر ويبيعُه خَشَباً وعيداناً ، فيُفضي الأمرُ إلى خراب الضِّياع وعُطْلة العَقار . قوله : «وألاّ يبيع من أولاد نخيل هذه القُرَى» ، أي من الفُسْلان الصّغار ، سمّـاها أولاداً ، وفي بعض النُّسخ ليست «أولاد» مذكورةً ، والوَديّة : الفَسِيلة . تُشْكِلَ أرضها : تمتلئ بالغِراس حتى لا يَبقَى فيه طريقة واضحة . قوله : «أطوفُ عليهنّ» ، كنايةً لطيفة عن غِشْيان النساء ، أي من السَّراريّ ؛ فقال : من كان من إمائي لها ولد منّي ؛ أو هي حاملٌ منّي وقسمتم تركتي فلتكن أُمُّ ذلك الولدِ مبيعة على ذلك الوَلَد، ويُحَاسَب بالثمن من حصّته من التركة، فإذا بيعتْ عليه عتقتْ عليه؛ لأنّ الوَلد إذا اشتَرَى الوالدَ عَتق الوالدُ عنه ، وهذا معنى ، قوله «فتُمسَك على ولدها» ، أي تقوم عليه بقيمة الوقت الحاضر ، وهي منْ حظّه ، أي من نصيبه وقسطه من التركة . قال : فإن مات ولدها وهي حيّة بعد أن تقوم عليه فلا يجوز بيعُها؛ لأنها خرجتْ عن الرِّق بانتقالها إلى ولدها، فلا يجوز بيعُها .

۲۵الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنّما ذكرنا هنا جُمَلاً منها ليُعلمَ بها أنّه عليه السلام كان يقيم عِمادَ الحق ، ويشرع أمثلةَ العَدْل ، في صغير الأُمور وكبيرِها ، ودقيقِها وجَليلِها .انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَلاَ تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً ، وَلاَ تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ

.

كَارِهاً ، وَلاَ تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكثَرَ مِنْ حَقِّ اللّهِ فِي مَالِهِ ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ ، ثُمَّ امْض إِلَيْهِمْ بَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ؛ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ . وَلاَ تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ ، ثُمَّ تَقُولُ : عَبَادَ اللّهِ ، أَرْسَلنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللّهِ وَخَلِيفَتُهُ ، لاِخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ ، فَهَلْ للّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٍّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ! فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لاَ ، فَـلاَ تُرَاجِعْهُ ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ ، أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ ؛ فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَإَنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَـلاَ تَدْخُلْهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَـلاَ تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِ وَلاَ عَنِيفٍ بِهِ . وَلاَ تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَلاَ تُفْزِعَنَّهَا ، وَلاَ تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا . وَاصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرْهُ ، فَإِذَا اخْتَارَ فَـلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ . ثُمَّ اصْدَعِ الْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ ، ثُمَّ خَيِّرْهُ ، فَإِذَا اخْتَارَ فَـلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ ؛ فَـلاَ تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللّهِ فِي مَالِهِ ؛ فَاقْبِضْ حَقَّ اللّهِ مِنْهُ . فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ ، ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللّهِ فِي مَالِهِ. وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَلاَ هَرِمَةً وَلاَ مَكْسُورَةً وَلاَ مَهْلُوسَةً ، وَلاَ ذَاتَ عَوَارٍ ؛ وَلاَ تَأمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلاَّ مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إِلَى وَلِيِّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ ، وَلاَ تُوَكِّلْ بِهَا إِلاَّ نَاصِحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً ، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلاَ مُجْحِفٍ ، وَلاَ مُلْغِبٍ وَلاَ مُتْعِبٍ . ثُمَّ احْدُرْ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللّهُ بِهِ ، فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلاَّ يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا ، وَلاَ يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِهَا ؛ وَلاَ يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً ، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا ، وَلْيُرَفِّهْ عَلَى الـلاَّغِبِ ، وَلْيَسْتَأنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ ، وَلاَ يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الْأَرْض إِلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ ، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ ، وَلُيمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَالْأَعْشَابِ ، حَتَّى

.

تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللّهِ بُدَّناً مُنْقِيَاتٍ ، غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ وَلاَ مَجْهُودَاتٍ ، لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اللّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ ، إِنْ شَاءَ اللّهُ .

الشّرْحُ:قد كَرّر عليه السلام قوله : «لنَقسِمها على كتاب اللّه وسُنّة نبيّه صلى الله عليه و آله وسلم» في ثلاثة مواضعَ مِن هذا الفَصْل! الأوّل ـ قولُه : «حتى يوصله إلى وليِّهم لِيَقسِمَه بينهم» . الثاني ـ قوله عليه السلام : «نصيِّره حيث أمَرَ اللّه به» . الثالث ـ قوله : «لنَقسِمها عَلَى كتاب اللّه » ، والبلاغة لا تقتضي ذلك ، ولكنّي أظنّه أحبَّ أن يَحتاط ، وأن يدفع الظِّنّة عن نفسِه ، فإن الزّمان كان في عهده قد فَسَد ، وساءت ظُنونُ الناس ، لا سيّما مع ما رآه من عثمان واستئثاره بمالِ الفَيْء . ونعود إلى الشرح . قوله عليه السلام : «عَلَى تقَوَى اللّه » ، «على» ليست متعلّقة بـ « انطلِقْ» ، بل بمحذوف ، تقديرُه : مُواظِبا . «ولا تُرَوعَنّ» ، أي لا تُفَزِّعَنّ ، والرَّوع الفَزَع ، رُعتْه أرُوعه ، ولا تُروِّعنّ بتشديد الواو وضَمِّ حَرف المضارَعة ، من رَوّعت للتكثير . «ولا تجتازَنّ عليه كارهاً» ، أي لا تَمُرّنّ ببيوت أحدٍ من المسلمين يكره مُرورَك . ورُوِي : «ولا تَختارَنّ عليه» ، أي لا تَقسِم مالَه وتختَرْ أحدَ القِسْمين ، والهاء في « عليه » ترجع إلى «مُسلِما» ، وتفسير هذا سيأتي في وصيّته له أن يَصدَع المال ثم يصدعه ، فهذا هو النّهي عن أن يختار عَلَى المسلِم . والرواية الأُولى هي المشهورة . قوله عليه السلام : «فانزلْ بمائهم» ، وذلك لأنّ الغريبَ يُحمَد منه الانقباض ، ويُستَهْجَن في القادم أن يُخالط بيوت الحيّ الذي قدم عليه فقد يكون هناك من النساء من لا تليق رؤيتُه ، ولا يحسُن سماعُ صَوته ، ومن الأطفال من يَستهجِن أن يرى الغريبَ انبساطَه على أبويه وأهلِه ، وقد يكره القومُ أن يطّلع الغريبُ عَلَى مأكَلهم ومشرَبهم وملبَسهم وبواطنِ أحوالهم ، وقد يكونون فقراء فيكرهون أن يعرِف فقرَهم فيحتقرهم ، أو أغنياءَ أربابَ ثروة كثيرةٍ فيكرهون أن يَعلَم الغريبُ ثروتَهم فيحسُدَهم ، ثم أمره أن يَمضِيَ إليهم غير متسرِّع ولا عَجِلٍ ولا طائشٍ نزِق ، حتى يقوم بينهم فيسلِّم عليهم ويحيِّيهم تحيّةً كاملة ، غير مخدجة ، أي غير ناقصة ، أخدجَتِ الناقةُ إذا جاءت بوَلَدها ناقصَ الخَلْق ، وإن كَانت أيامه تامّة ، وخَدَجتْ : ألقتْ الولدَ قبل تَمام أيّامه . ورُوي : «ولا تُحْدج بالتحيّة» ، والباء زائدة .

.

ثم أمره أن يسألهم : هل في أموالهم حقٌّ للّه تعالى يعني الزّكَاة ؟ فإن قالوا : لا ، فلينصرف عنهم ؛ لأنّ القولَ قول ربِّ المال ، فلعلّه قد أخرج الزكَاة قبل وصول المصدق إليه . قولُه : « أنعَم لك » ، أي قال : نعم . ولا تعسِفْه ، أي لا تطلب منه الصّدقة عَسْفاً ، وأصلُه الأخذ عَلَى غير الطريق . ولا تُرهِقه : لا تكلِّفه العسرَ والمشقّة . ثم أمَرَه أن يَقبِض ما يدفع إليه من الذّهب والفضّة ، وهذا يدلّ عَلَى أن المصدّق كَان يأخذ العَيْنَ والوَرِق كما يأخذ الماشية ، وأن النّصاب في العَيْن والوَرِق تُدفع زكاتُه إلى الإمام ونوّابه ، وفي هذه المسألة اختلافٌ بين الفقهاء . قوله : «فإنّ أكثرها له» ، كلامٌ لا مَزيدَ عليه في الفصاحة والرِّئاسة والدِّين ؛ وذلك لأنّ الصدقة المستَحقّة جزءٌ يسيرٌ من النِّصاب ، والشَّريك إذا كان له الأكثر حَرُم عليه أن يدخل ويتصرّف إلاّ بإذنِ شريكهِ ، فكيف إذا كَان له الأقلّ . قوله : «فلا تَدخُلها دخولَ متسلِّط عليه» ، قد علم عليه السلام أن الظّلم من طَبْع الوُلاة ، وخصوصا من يتولّى قبضَ الماشية من أربابها عَلَى وجه الصَّدقة ، فإنّهم يدخلونها دخولَ متسلِّط حاكم قاهر ، ولا يَبقى لربّ المال فيها تصرُّف ، فنَهَى عليه السلام عن مِثل ذلك . قوله : «ولا تنفِرنّ بهيمةً ، ولا تُفَزِعَنَّها» ، وذلك أنّهم عَلَى عادة السّوء يُهَجْهجون بالقَطيع حتى تنفِر الإبل ، وكذلك بالشّاء إظهارا للقوّة والقهر ، وليتمكّن أعوانُهم من اختيار الجيّد ، ورَفْض الرديء . «ولا تسوءَنّ صاحبَها فيها» ، أي لا تغمّوه ولا تُحزنوه ، يقال : سؤته في كذا سَوائيةً ومَسائيةً . «واصْدَع المال صدعين ثُمَّ خيِّره» ، أي شقّه نصفين ثم خَيّره ، فإذا اختار أحد النّصفين فلا تَعرِضنّ لما اختار ، ثم اصدع النصف الّذي ما ارتضاه لنفسه صَدْعين وخيِّره ، ثم لا تزال تفعل هكذا حتى تُبقِيَ من المال بمقدار الحقّ الَّذي عليه ، فاقبِضه منه ، فإن استَقالك فأقلهُ ، ثم اخلط المال ، ثم عُدْ لمثل ما صنعتَ حتى يرضى ، وينبغي أن يكون المعِيبات الخمس وهي المَهْلوسة والمكْسورة وأخواتهما يخرجها المصدّق من أصل المال قبل قِسْمته ثم يقسم وإلاّ فربَّما وقعتْ في سهم المصدّق إذا كان يعتمد ما أمره به من صدع المال مرّة بعد مرّة . والعوْد : المُسِنّ من الإبل ، والهرمة المسِنّة أيضا ، والمكسورة الّتي أحد قوائمها مكسورة العظم أو ظهرها مكسورة ، والمهْلوسة : المريضة قد هَلَسها المرض وأفَنى لحمها ، والهُلاس : السلّ . والعَوار ، بفتح العين : العَيْب ، وقد جاء بالضّم . والمعنِّف : ذو العُنْف بالضم وهو ضِدّ الرِّفْق . والُمجحِف : الذي يسوق المال سوْقا عنيفا فيجحف به أي يهلكه أو يذهب كثيرا من

.

۲۶. ومن عهد له عليه السلام إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة

لحْمه ونِقْيه . والمُلغَب : المُتعَب ، واللُّغوب : الإعياء . وحَدرتُ السفينة وغيرها ـ بغير ألف ـ أحدُرها بالضم . قوله عليه السلام : «ولا يَمْصُر لبنها» ، المَصْر حَلْب ما في الضّرع جميعه ، نهاه من أن يحلب اللبن كلَّه فيبقَى الفَصيلُ جائعا ؛ ثم نهاه أن يُجهِدَها ركوباً ، أي يُتعبها ويُحمِّلها مشَقّة ؛ ثم أمَرَه أن يعدِل بين الركاب في ذلك ، لا يخصّ بالركوب واحدةً بعينها ، ليكون ذلك أرْوَح لهنّ ، ليرفِّه على اللاّغب ، أي ليترُكَه وليُعْفِه عن الركوب ليستريح . والرفاهِيَة : الدّعَة والراحة . والنِّقب : ذو النّقب ، وهو رقّة خُفّ البعير حتى تكاد الأرضُ تَجرحه : أمَرَه أن يستأني بالبعير ذي النّقبِ ، من الأناة ، وهي المُهلة . والظالع : الذي ظَلَع ، أي غَمز في مَشْيه . والغُدُر : جمع غدير الماء . وجوادّ الطريق : حيث لا ينبُت المرعَى . والنِّطاف : جمع نطفة ، وهي الماء الصافي القليل . والبُدّن بالتشديد : السِّمان ، واحدها بادن . ومُنْقِيات : ذواتُ نِقْي ، وهو المُخّ في العَظْم ، والشحم في العَين من السِّمَن ، وأنْقَت الإبلُ وغيرُها : سَمنتْ وصار فيها نِقْيٌ ، وناقة مُنْقِيةٌ ، وهذه الناقة لا تُنقِي .

۲۶الأصْلُ:ومن عهد له عليه السلام إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقةاَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّهِ فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ ، حَيْثُ لاَ شاهِدَ غَيْرُهُ ، وَلاَ وَكِيلَ دُونَهُ . وَأَمَرَهُ أَلاَّ يَعْمَلَ بَشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللّهِ فِيما ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيَما أَسَرَّ ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلاَنِيَتُهُ ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ ، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ ، وَأَخْلَصَ الْعِبَادَةَ . وأمَره أَلاَّ يَجْبَهَهُمْ ، وَلاَ يَعْضَهَهُمْ ، وَلاَ يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلاً بِالاْءِمَارَةِ عَليْهِمْ ، فَإِنَّهُمُ الاْءِخْوَانُ فِي الدِّينِ ، وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ . وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً ، وَحَقّاً مَعْلُوماً ، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ . وَإِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ

.

النَّاس خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَبُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللّهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ ، وَالْغَارِمُونَ وَابْنُ السَّبِيلِ! وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ ، وَلَمْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا ، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ وَالْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى ؛ وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ ، وَأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الْأَئِمَّةِ ، وَالسَّلاَم .

الشّرْحُ:حيث لا شهيد ولا وكيلَ دونَه ، يعني يومَ القيامة . قوله : «ألاّ يعمل بشيء من طاعة اللّه فيما ظهر» ، أي لا يُنافق فيَعمَل الطاعة في الظاهر ، والمعصية في الباطن . ثم ذكر أن الذين يتجنّبون النِّفاق والرِّياء هم الُمخلِصون . وألاّ يجْبَهَهم : لا يواجِههُم بما يَكرهونه ، وأصل الجَبْهِ لقاءُ الجَبْهة أو ضَرْبُها ، فلمّا كان المواجِه غيرَه بالكلام القبيح كالضّارب جَبهتَه به سُمِّي بذلك جَبْهاً . «ولا يعضههم» ، أي لا يرْمِيهم بالبُهْتان والكَذِب ، وهي العَضِيهة ، وعَضِهتُ فلانا عَضْهاً ، وقد عَضِهتَ يا فلان ، أي جئتَ بالبهتان . «ولا يرغب عنهم تفضّلاً» ، يقول : لا يحقِرهم ادّعاءً لفضله عليهم ، وتمييزه عنهم بالولاية والإمرة ؛ يقال : فلان يرغَب عن القوم ، أي يأنف من الانتماء إليهم ، أو من المخالطة لهم . ثم قال : إنّ أربابَ الأموال الّذين تجب الصدقةُ عليهم في أموالهم إخوانُك في الدِّين ، وأعوانُك على استخراج الحقوق ؛ لأنَّ الحق إنما يمكن العامل استيفاؤه بمعاونة ربِّ المال واعترافه به ، ودفعه إليه ، فإذا كانوا بهذه الصِّفة لم يجُزْ لك عَضْهُهم وجَبْهُهم وادّعاءُ الفضل عليهم . ثم ذكر أنّ لهذا العامل نصيبا مفروضا من الصدقة ، وذلك بنصّ الكتاب العزيز ، فكما نوفِّيك نحن حقّكَ يجب عليك أن توفِّيَ شركاءَك حقوقَهم ، وهم الفقراءُ والمساكين والغارمون وسائرُ الأصناف المذكورة في القرآن . وانتصب «أهلَ مَسْكنة» ؛ لأنّه صفة «شركاء» ، وفي التّحقيق أنَّ «شركاء» صفةٌ أيضا موصوفُها محذوف ، فيكون صفةً بعد صفة . وقال أيضا : بؤسى ، أي عذابا وشدَّة ، فظنَّه منوََّّنا وليس كذلك ، بل هو بُؤْسَى على وزن «فُعْلَى» كفُضْلَى ونُعمَى ، وهي لفظة مؤنَّثة ؛ يقال : بؤسى لفلان ، قال الشاعر : أرى الحلم بؤْسى للفتى في حياتهِولا عيش إلاّ ما حَبَاكَ به الجهلُ والسائلون هاهنا هم الرّقاب المذكورون في الآية ، وهم المكاتبون يتعذّر عليهم أداءُ مالِ الكتابة ، فيسألون الناسَ ليتخلّصوا من ربْقةِ الرِّق . وقيل : هم الأسارَى يطْلبون فكاكَ أنفسهم ، وقيل : بل المراد بالرّقاب في الآية الرّقيق ، يسأل أن يبتاعه الأغنياءُ فيُعتِقوه . والمدفوعون هاهنا هم الذين عناهم اللّهُ تعالى في الآية بقوله : «وفي سبيل اللّه » (1)، وهم فقراء الغُزاة ، سمّـاهم مدفوعين لفقرِهمْ . والمدفوع والمدفَّع : الفَقير ؛ لأنّ كل أحد يكرَهه ويَدفعه عن نفسه . وقيل : هم الحجيج المنقطَع بهم ، سمّـاهم مدفوعين ؛ لأنهم دُفِعوا عن إتمام حجّهم ، أو دُفِعوا عن العَوْد إلى أهلهم . قوله فقد أحلّ بنفسه الذلّ والخِزي ، أي جعل نفسَه مَحلاّ لهما ، ويُروَى : «فقد أخلّ بنفسه» بالخاء المعجمة ، ولم يذكر الذلّ والخِزْي أي جعل نفسَه مخلاًّ ، ومعناه جعل نفسه فقيراً ، يقال : خلّ الرجل : إذا افتقر ، وأخَلَّ به غيرُه وبغيره أي جَعَلَ غيرَه فقيراً ، ورُوِي «أحلّ» بنفسه بالحاء المهملة ، ولم يذكر «الذلّ والخِزي » ، ومعنى «أحلّ بنفسه» أباحَ دمَه ، والرواية الأُولى أصحّ ؛ لأنّه قال بعدها : «وهو في الآخرة أذلُّ وأخزَى» . وخيانة الأُمّة : مصدرٌ مُضاف إلى المفْعول به ؛ لأنّ الساعيَ إذا خان فقد خان الأُمّة كلَّها ؛ وكذلك غِشّ الأئمة ، مصدرٌ مُضاف إلى المفعول أيضا ؛ لأنّ الساعيَ إذا غَشّ في الصدقة فقد غَشّ الإمامَ .

.


1) .سورة التوبة ۶۰ .

۲۷. ومن عهد له عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر رضى الله عنه ، حين قلّده مصر

۲۷الأصْلُ:ومن عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر رضى الله عنه حين قلَّده مصرفَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ ، وَآس بَيْنَهُمْ فِي

.

الَّلحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ اللّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ . وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الاْخِرَةِ ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ ؛ سَكَنُوا الدُّنْيَا بَأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ؛ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ ؛ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ ؛ أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللّهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ ؛ لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ ، وَلاَ يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ . فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللّهِ الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ ؛ بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً ، أَوْ شَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً . فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا ! وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا ! وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ ؛ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ . الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ ؛ وَالدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ . فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وَحَرُّهَا شَدِيدٌ ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ ؛ دَارٌ لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ ، وَلاَ تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ ، وَلاَ تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ . وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللّهِ ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ ، فَاجْمَعُوا بيْنَهُمَا ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاس ظَنّاً بِاللّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً للّهِ . وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، أنـِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ ، فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ ، وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلاَّ سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ ، وَلاَ تُسْخِطِ اللّهَ بِرِضَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ؛ فَإِنَّ فِي اللّهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ مِنَ اللّهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ .

.

صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا الْمُؤَقَّتِ لَهَا ، وَلاَ تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ ، وَلاَ تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاِشْتِغَالٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاَتِكَ .

الشّرْحُ:آسِ بينهم : اجعَلْهم أسوَة ، لا تفضّل بعضهم على بعض في اللَّحظة والنظرة ، ونبّه بذلك على وجوب أن يَجعَلهم أسوَة في جميع ما عدا ذلك ، من العطاء والإنعام والتقريب ، كقوله تعالى : «فَلا تَقلْ لَهُمَا أُفٍّ» (1). قوله : «حتى لا يطمع العظماءُ في حَيْفك لهم» ، الضمير في «لهم» راجعٌ إلى الرعيّة لا إلى العظماء ، وقد كان سبق ذكرهم في أوّل الخطبة ، أي إذا سلكتَ هذا المسلكَ لم يَطمع العظماءُ في أن تحيف على الرعيّة وتظلمهم وتدفعَ أموالهم إليهم ، فإنّ وُلاة الجور هكذا يفعلون ، يأخذون مال هذا فيُعطونَه هذا . ويجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء ، أي حتّى لا يطمَع العظماءُ في جَوْرك في القَسْم الّذي إنما تفعله لهم ولأجلهم ، فإنّ ولاة الجور يَطمَع العظماءُ فيهم أن يحيفوا في القسمة في الفَيْء ، ويخالفوا ما حدّه اللّهُ تعالى فيها ، حفظا لقلوبهم ، واستمالةً لهم ، وهذا التفسير أليَقُ بالخطابة ؛ لأنّ الضمير في «عليهم» في الفقرة الثالثة عائد إلى الضعفاء ؛ فيجب أن يكون الضمير في «لهم» في الفقرة الثانية عائدا إلى العظماء . قوله : «فإن يعذب فأنتم أظلم» أفعل هاهنا بمعنى الصّفة ، لا بمعنى التفضيل ، وإنما يراد فأنتم الظالمون ، كقوله تعالى : «وَهُوَ أَهوَنُ عَلَيْهِ» (2). وكقولهم : اللّه أكبر . ثم ذكر حال الزُّهاد فقال : أخذوا من الدنيا بنصيبٍ قويّ ، وجعلت لهم الآخرة . ورُوِي : «والمتْجَر المربح» ، فالرابح فاعلٌ من ربح رِبْحا ، يقال : بيعٌ رابح أي يُربَح فيه ، والمُربح : اسم فاعل قد عُدِّيَ ماضيه بالهمزة ، كقولك : قام وأقمتُه . قوله : «جيرانُ اللّه غدا في آخرتهم» ؛ ظاهر اللفظ غيرُ مراد ، لأنّ البارئ تعالى ليس في مكان وجهةٍ ليكونوا جيرانَه ، ولكن لمّا كان الجار يُكرِم جاره سمّـاهم جيران اللّه ، لإكرامه إيّاهم ، وأيضا فإنّ الجنة إذا كانت في السّماء والعرش هو السّماء العليا ، كان في الكلام محذوف مقدَّر ، أي جيرانُ عرش اللّه غدا .

.


1) .سورة الإسراء ۲۳ .

2) .سورة الروم ۲۷ .

قوله : «فإنَّه يأتي بأمرٍ عظيم ، وخطب جليل ، بخيْرٍ لا يكون معه شرٌّ أبداً وشرٍّ لا يكون معه خيرٌ أبدا» ، نصّ صريح في مذهب أصحابنا في الوعيد ، وأنّ من دخل النار من جميع المكلَّفين فليس بخارج ، لأنّه لو خرج منها لكان الموتُ قد جاءه بشرٍّ معه خير ، وقد نَفى نفيا عامّاً أن يكون مع الشرّ المعقب للموت خير البتّة . «من عاملها» ، أي من العامل لها . قوله : « طُردَاء الموت» ، جمع طَريد ، أي يطردكم عن أوطانكم ويُخرجكم منها ، لابد من ذلك ، إن أقمتمْ أخَذَكم ، وإن هَرَبتم أدرَكَكم . قوله : «ألزَم لكم من ظِلّكم» ، لأنّ الظلّ لا تصح مفارَقته لذى الظلّ ما دام في الشمس ، وهذا من الأمثال المشهورة . «معقودٌ بنَواصيكم» ، أي ملازِمٌ لكم ، كالشيء المعقود بناصية الإنسان أين ذهب ذهب معه . «والدنيا تُطوَى مِن خلفِكم » . مِن كلام بعض الحكماء : الموتُ والناس كسطورٍ في صحيفة يقرؤها قارئٌ ويَطوي ما يقرأ ، فكلّما ظهر سطرٌ خفِيَ سطر . ثم أمره عليه السلام بأن يَجمَع بين حُسن الظّن باللّه وبين الخوف منه ، وهذا مَقامٌ جليل لا يصل إليه إلاّ كلُّ ضامرٍ مهزول . ثم قال : «ولّيتُك أعظمَ أجنادي» ، يقال للأقاليم والأطراف : أجناد ، تقول : وَلِيَ جُندَ الشام ، ووَلِيَ جند الأُرْدُنّ ، وولي جندَ مِصرَ . قوله : «فأنت محقوق» ، كقولك حَقِيق وجَدِير وخَلِيق ، قال الشاعر : وإني لَمحقوقٌ بألاّ يَطولَنينَداهُ إذا طاوَلْتُه بالقصائدِ وتُنافِح : تُجالِد ، نافحتُ بالسيف أي خاصمتُ به . قوله : «ولو لم يكن إلاّ ساعة من الدَّهْرِ» ، المراد تأكيد الوَصاة عليه أن يخالِف على نفسه ، وألاّ يتّبع هَواها ، وأن يُخاصِم عن دِينه ، وأن ذلك لازمٌ له ، وواجبٌ عليه ، ويلزم أن يفعله دائما فإن لم يستطع فليفعلْه ولو ساعة من النهار ، وينبغي أن يكون هذا التقييد مصروفا إلى المنافحة عن الدِّين . قال : «ولا تُسخِط اللّهَ برضى أحد من خلقِه ، فإنّ في اللّه خَلَفاً من غيرِه ، وليس من اللّه خَلَفٌ في غيره» . ثم أمَرَه بأن يصلّي الصلاةَ لوقتها ؛ أي في وقتها ، ونهاه أن يحمِلَه الفراغُ من الشّغل على أن يُعجِّلها قبل وقتها ، فإنها تكون غيرَ مقبولة ، أو أن يَحمِله الشّغل على تأخيرها عن وقتها فيَأثم . قولُه : «واعلم أنّ كل شيء من عملك تَبعٌ لصلاتك» ، فيه شَبَهٌ من قول رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم: «الصّلاةُ عِماد الإيمان ، ومن تَرَكَها فقد هَدَم الإيمان» . وقال صلى الله عليه و آله وسلم : «أوّل ما يحاسَب به العبدُ صَلاته ، فإن سُهّل عليه كان ما بعدَه أسهَل ، وإن اشتدّ عليه كان ما بعدَه أشدّ » .

.

ومثل قولِه : «ولا تُسخِط اللّهَ برضى أحد من خلقِه» ، ما رواه المبرِّد في « الكامل» عن عائشة قالت : من أرضَى اللّهَ بإسخاط الناس كفاه اللّه ما بينه وبين الناس ، ومَن أرضَى الناسَ بإسخاط اللّه وَكَله اللّه إلى الناس .

الأصْلُ:ومن هذا العهد:فَإِنَّهُ لاَ سَوَاءَ ، إِمَامُ الْهُدَى وَإِمَامُ الرَّدَى ، وَوَلِيُّ النَّبِيِّ ، وَعَدُوُّ النَّبِيِّ . وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : إِنِّي لاَ أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلاَ مُشْرِكاً ؛ أَمَّا الْمُؤمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللّهُ بِإِيمَانِهِ ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللّهُ بِشِرْكِهِ ، وَلكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مَنَافِقِ الْجَنَانِ ، عَالِمِ اللِّسَانِ ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ .

الشّرْحُ:الإشارة بإمام الهُدَى إليهِ نفسِه ، وبإمام الرَّدى إلى معاويةَ ، وسمّـاه إماماً ، كما سَمَّى اللّهُ تعالى أهلَ الضّلال أئمة ، فقال : «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّار» (1)ثم وصفه بصفة أُخرى وهو أنه عدوّ النّبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ليس يعنى بذلك أنه كان عدوّا أيام حَرْب النبيّ صلى الله عليه و آله وسلملقريش ، بل يريد أنّه الآن عدوّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، لقوله صلى الله عليه و آله وسلمله عليه السلام : «وعدوّك عدوّي ، وعدوّي عدوّ اللّه » . وأوّل الخبر : «وليُّك وَليِّي ، ووليِّي وَلِيّ اللّه » ، وتمامُه مشهور ، ولأنّ دلائلَ النفاق كانت ظاهرة عليه من فَلَتات لسانه ومن أفعاله . ثم قال عليه السلام : «إنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قال : إني لا أخاف على أمّتي مؤمنا ولا مُشرِكا » (2)أي ولا مشركاً يُظهِر الشِّرك ، قال : لأنّ المؤمن يَمنعه اللّهُ بإيمانه أن يُضِلّ الناسَ . والمُشرك مُظهِر الشّرك ، يَقمَعه اللّه بإظهار شِركه ويَخذُله ، ويَصرِف قلوبَ الناس عن اتّباعه ؛ لأنّهم يَنفِرون

.


1) .سورة القصص ۴۱ .

2) .يقمعه : يقهره ويذلّه لِعلم الناس أنّه مشرك فيحذرونه . منافق الجنان : من أسرّ النفاق في قلبه . عالم باللّسان : من يعرف أحكام الشريعة ويبيّنها بقوله ولا يؤيده بفعله .

۲۸. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً . قال الشريف : وهو من محاسن كتبه

منه لإظهاره كلمةَ الكُفْر ، فلا تطمئنّ قلوبُهم إليه ، ولا تَسكُن نفوسهم إلى مقالته ، ولكنّي أخاف على أُمتي المنافقَ الّذي يُسِرُّ الكفر والضلال ، ويُظهِر الإيمانَ والأفعال الصالحة ، ويكون مع ذلك ذا لَسَن وفصاحة ، يقول بلسانه ما تعرفون صوابَه ، ويَفعل سرّاً ما تُنكِرونه لو اطّلعتم عليه ، وذاك أنّ مَنْ هذه صِفتُه تَسكُن نفوسُ الناس إليه ؛ لأنّ الإنسان إنما يحكم بالظاهر فيقلّده الناس ؛ فيضلّهم ويوقعهم في المفاسد .

۲۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً ، وهو من محاسن كتبهأَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللّهِ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله وسلم لِدِينِهِ ، وَتَأْيِيدَهِ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ؛ فَلَقَدْ خَبَأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً ؛ إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاَءِ اللّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا ، فَكُنْتَ فِي ذلِكَ كَنَاقِلِ التمْرِ إِلَى هَجَرَ ، أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ . وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاس فِي الاْءِسْلاَمِ فُـلاَنٌ وَفُـلاَنٌ ؛ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ . وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ ، وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ ! وَمَا لِلطُّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ ، وَالَّتمْييزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ ، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا ، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا ! أَلاَ تَرْبَعُ أَيُّهَا الاْءِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ ، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ ، وَتَتأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ ! فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ ، وَلاَ ظَفَرُ الظَّافِرِ ! وَإِنَّكَ لَذَهّابٌ فِي التِّيهِ ، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ . أَلاَ تَرَى - غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ ، وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللّهِ أُحَدِّثُ - أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأنصَارِ ، وَلِكُلٍّ

.

فَضْلٌ ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ ، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَـلاَتِهِ عَلَيْهِ؟ أَوَلاَ تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ - وَلِكُلٍّ فَضْلٌ - حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ ، قِيلَ : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ؟ وَلَوْلاَ مَا نَهَى اللّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً ، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلاَ تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ . فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِه الرَّمِيَّةُ ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا ، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا . لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا وَلاَ عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بَأَنْفُسِنَا ؛ فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنا ، فِعْلَ الْأَكْفَاءِ ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ ! وَأَنَّى يَكُونُ ذلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ ، وَمِنَّا أَسَدُ اللّهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الْأَحْـلاَفِ ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ ، وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ ، فِي كَثِيرٍ مِمِّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ! فَإِسْلاَمُنَا ما قَدْ سُمِعَ ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لاَ تُدْفَعُ ، وَكِتَابُ اللّهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللّهِ» (1)وَقَوْلُهُ تَعَالَى : «إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواوَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (2)، فَنَحْنُ مَرَّةً أوْلَى بِالْقَرَابَةِ ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ . وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَلَجُوا عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالأنصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ . وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ ، فَإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ ، فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ .

.


1) .سورة الأنفال ۷۵ .

2) .سورة آل عمران ۶۸ .

وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا (1)* وَقُلْتَ : إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ المخْشُوشُ (2)حَتَّى أُبَايِعَ ؛ وَلَعَمْرُ اللّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ ، وَلاَ مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ! وَهذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا ، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا . ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثمانَ ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هذِهِ لِرَحِمِكَ منْهُ ؛ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ ، وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ ! أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ (3)، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَبَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ ؛ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ ؟ كَلاَّ وَاللّهِ لَقَدْ «يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لاِءِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأَتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَليلاً» (4). وَمَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً ؛ فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ ؛ فَرُبَّ مَلُومٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ . * وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ الْمُتَنَصِّحُ ۵ * وَمَا أَرَدْتُ إِلاَّ الاْءِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلاَّ السَّيْفُ ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ! مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعَدَاءِ نَاكِلِينَ ، وَبِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ ، فـ * لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ ۶ *

.


1) .الشكاة : النقيصة والعيب ؛ وأصلها في المرض . وظاهر عنك ، أي لا يعلَق بك . وهذا عجز بيت لأبي ذؤيب الهذليّ ، وأوله : * وَعَيّرها الْواشونَ أنّي أُحِبُّها * .

2) .الجمل المخشوش : في أنفه خشبة يقاد بها . غضاضة : منقصة . أعدى له : أشدّ عدواً . والمقاتل : مواضع القتل .

3) .أي أن الإمام عليه السلام كان قد بذل النصرة لعثمان ، ولكن استقعده ولم ينتصر به .

4) .سورة الأحزاب : ۱۸ .

فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ ، سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ ؛ أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ «وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ» (1).

الشّرْحُ:قولُه : «فلقد خَبَأ لنا الدهرُ منك عَجَباً» ، موضعُ التعجُّب أنّ معاويةَ يُخبِر عليّا عليه السلام باصطفاء اللّه تَعالى محمداً وتشريفه له ، وتأييدِه له ؛ وهذا ظريف لأنّه يجري كإخبار زيدٍ عمراً عن حالِ عمرٍو ، إذ كان النبيُّ صلى الله عليه و آله وسلموعلي عليه السلام كالشيء الواحد . وخبأ مهموز ، والمصدرُ الخَبْ ء ، ومنه الخابية ، وهي الخب ء إلاّ أنّهم تركوا همزَها ، والخَب ء أيضاً والخبيء على « فَعِيل » ما خُبئ . وبلاءُ اللّه تعالى : إنعامُه وإحسانه . وقولُه عليه السلام : «كناقِلِ الَّتمر إلى هجَر» ، مَثَلٌ قديم . وهَجَر : اسم مدينة لا ينصرف للتعريف والتّأنيث . وقيل : هو اسم مذكَّر مصروف ، وأصل المَثَل « كَمُسْتَبْضع تَمْرٍ إلى هَجَرَ» ، والنسبة إليه هاجِرِيّ على غير قياس ، وهي بلدة كثيرة النخل يُحمل منها التمر إلى غيرها .قولُه : «أو داعي مسدّدة إلى النضال» ، أي معلِّمه الرَّمْيَ ، وهذا إشارة إلى قول القائل الأوّل : أُعَلِّمه الرِّمايةَ كلَّ يومٍفلما اشتدّ ساعدُه رماني هكذا الرِّواية الصحيحة بالسين المهملة ، أي استقام ساعدُه على الرّمي ، وسدَّدتُ فلاناً علّمته النِّضالَ ، وسهمٌ سَديد : مُصيب ، ورمحٌ سديد ، أي قلَّ أن تخطئ طعنتُه . قوله عليه السلام : «وزعمتَ أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان» ، أي أبو بكر وعمر .

.


1) .سورة هود ۸۳ .

«فذكرتَ أمْراً إن تَمّ اعتَزَلَك كله ، وإن نَقَص لم يَلْحَقْك ثَلمُهُ» . * وما أنتَ من قيس فَتنبَح دونها * هو معنى قولِ عليّ عليه السلام لمعاوية : «فذكرتَ أمْراً إن تمّ اعتَزلَك كلّه» . قوله عليه السلام : «وما أنتَ والفاضلَ والمفضولَ» ، الرّواية المشهورةُ بالرّفع ، وقد رواها قوم بالنَصْب . ثم قال : «وما للطُّلقَاء وأبناءُ الطُّلَقاء» والتمييزَ النّصبُ هاهنا لا غير ، لأجل اللام في الطلقاء . ثم قال عليه السلام : بين المهاجرين الأوَّلين وترتيب درجاتهم ، وتعريف طبقاتهم ، هذا الكلامُ ينقُض ما يقول من يطعن في السَّلف ، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام أنكَرَ على معاوية تعرّضَه بالمفاضلة بين أعلام المهاجرين ، وأنّ قَدْرَ معاوية يصغر أن يُدخل نفسَه في مِثل ذلك . قوله عليه السلام : «هيهات ، لقد حنَّ قِدْحٌ ليس منها» هذا مَثَلٌ يُضرَب لمن يُدخل نفسه بين قوم لَيس له أن يَدخُل بينهم ؛ وأصله القِداح من عودٍ واحد يجعَل فيها قَدَح من غَيْر ذلك الخشَب ، فيصوّت بينها إذا أرادها المفِيض ، فذلك الصوتْ هو حنينُه . «وطفِق يحكُم فيها مَنْ عليه الحُكم لها» ، أي وطفِق يحكُم في هذه القصّة أو في هذه القضيّة مَنْ يجب أن يكون الحكْم لها عليه لا له فيها ؛ ويجوز أن يكون الضمير يرجع إلى الطّبقات . ثم قال : «ألا تَربَع أيّها الإنسان على ظلْعك !» ، أي ألا تَرْفُق بنفْسك وتَكَفّ ، ولا تحمِل عليها ما لا تطيقُه ، والظلْع : مَصدَرُ ظَلَع البعيرُ يظلَع أي غمز في مشْيه . «وتعرِف قُصورَ ذرْعك» ، أصل الذرْع بَسْط اليد ؛ يقال : ضِقتُ به ذرْعا ، أي ضاق ذرْعي به . فنَقلوا الاسمَ من الفاعلية فجعلوه منصوبا على التمييز ؛ كقولهم : طبت به نفسا . «وتتأخّر حيث أخّرك القَدر» ، مِثل قولِك : ضع نفسَك حيث وضعَها اللّه ؛ يقال ذلك لمنْ يرفع نفسَه فوق استحقاقه . ثم قال : «فما عليك غَلبة المغلوب ، ولا عليك ظفرُ الظّافر» . يقول : وما الّذي أدخَلكَ بيني وبين أبي بكر وعمرَ ، وأنتَ من بني أُميّة ، لستَ هاشميّا ولا تيميّا ولا عدويّا هذا فيما يرجع إلى أنسابنا ، ولستَ مُهاجِرا ولا ذا قَدَم في الإسلام فتزاحِم المهاجرين وأربابَ السّوابق بأعمالِك واجتهادك ، فإذَنْ لا يضرّك غَلَبة الغالب منّها ، ولا يسرّك ظفر الظافر . «وإنّك لذهّابٌ في التّيه ، روّاغ عن القَصْد» ، يحتمل قوله عليه السلام في التِّيه معنَييْن : أحدُهما بمعنى الكِبر ، والآخر التِّيه ، من قولك : تاه فلان في البَيْداء . ومنه قوله تعالى : «فإنّها مُحرَّمة عَلَيْهم أرْبعين سَنةً يتيهُون في الأرض» (1)؛ وهذا الثاني أحسَنُ يقول : إنّك شديد الإيغال في

.


1) .سورة المائدة : ۲۶ .

الضلال . و «ذهّاب» فَعّال ؛ للتكثير ؛ ويقال : أرض متيهة ، مِثلُ معيشةٍ ، أي يُتاهُ فيها . قال عليه السلام : «روّاغ عن القَصْد» ، أي تترك ما يلزمك فعلُه وتعدل عما يجب عليك أن تجيب عنه إلى حديث الصحابة ، وما جرى بعد موت النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، ونحن إلى الكلام في غير هذا أحوَج إلى الكلام في البيعة وحَقْن الدِّماء والدخول تحتَ طاعةِ الإمام . ثم قال : «ألا تَرَى غير مخبِر لك ، ولكن بنعمة اللّهِ أحدِّث» ، أي لستَ عندي أهْلاً لأنّ أُخبرك بذلك أيضا ، فإنّك تَعلَمه ، ومن يَعلم الشيء لاَيَجوزُ أن يُخبَر به ؛ ولكنْ أذكرُ ذلك لأنَّه تحدُّثٌ بنعمةِ اللّه علينا ، وقد أُمِرْنا بأن نحدِّث بنعمتِه سبحانه . «إنّ قوما استُشهدوا في سبيل اللّه » ، المراد هاهنا ، سيّد الشُّهداء حَمْزة رضى الله عنه ، وينبغي أن يُحمَل قولُ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم فيه إنّه سيّد الشهداء على أنّه سيّد الشهداء في حياة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ؛ لأنّ عليّا عليه السلام مات شهيدا ؛ ولا يجوز أن يقال : حمزة سيّده ، بل هو سيّد المسلمين كلِّهم ، ولا خلافَ بين أصحابنا رحمهم اللّه أنّه أفضل من حمزةَ وجعفر رضي اللّه عنهما . قوله عليه السلام : «ولكلٍّ فَضْل» ، أي ولكلّ واحد من هؤلاء فَضْل لا يُجحَد . «أولا ترى أنّ قوما قُطِعت أيديهم» ، هذا إشارة إلى جعفر . «ولولا ما نهى اللّه عنه » ، هذا إشارة إلى نفسِه عليه السلام . «ولا تمجُّها آذانُ السامعين» ، أي لا تقذِفها ، يقالُ : مَجَّ الرجلَ مِن فيه ، أي قذفه . قوله عليه السلام «فدع عنك من مالت به الرَّمِيّة» ، يقال للصيد : يرمى هذه الرميّة ، وهي « فعيلة» بمعنى مفْعولة ، والأصل في مِثلِها ألاّ تلحَقها الهاء ، نحو كفّ خضيب ، وعين كحِيل ، إلاّ أنّهم أجْرَوها مجرَى الأسماء لا النّعوت ، كالقَصيدة والقَطيعة . والمعنى : دَعْ ذكرَ من مالَ إلى الدنيا ومالتْ به ، أي أمالتْه إليها . فإن قلتَ : فهل هذا إشارة إلى أبي بكر وعمرَ؟ قلت : يَنبغي أن ينزَّه أميرُ المؤمنين عليه السلام عن ذلك ، وأن تُصرَف هذه الكلمة إلى عثمانَ ، لأنّ معاويةَ ذكرَه في كتابه وقد أورَدْناه . وإذا أنصف الإنسانُ من نفسه عِلم أنّه عليه السلام لم يكن يذكرهما بما يذكر به عثمان ، فإن الحال بينه وبين عثمان كانت مضطربة جدّا ۱ .

.

قال عليه السلام : «فإنا صنائع ربِّنا ، والناسُ بعدُ صَنائعُ لنا» ، هذا كلام عظيم ، عالٍ على الكلام ، ومعناه عالٍ على المعاني ، وصَنيعةُ الملِك من يصطنِعُه الملك ويرفع قدرَه . يقول : ليس لأحد من البشر علينا نعمة ، بل اللّهُ تعالى هو الذي أنعم علينا ، فليس بيننا وبينه واسطة ، والناس بأسرهم صنائعنا ؛ فنحن الواسطةُ بينهم وبين اللّه تعالى ، وهذا مقامٌ جليل ظاهره ما سمعت ، وباطنه أنهم عبيدُ اللّه ، وأنَّ الناس عبيدهم . ثم قال : «لم يمنعْنا قديم عزِّنا ، وعاديّ طوْلنا» ؛ الطوْل : الفَضْل . وعادِيّ أي قديم ، بئرٌ عاديّة . على قومِك أن خلَطْناكم بأنفسِنا فَنَكَحنا وأنكَحْنا فِعل الأكْفاء ، ولستم هناك ؛ يقول : تزوَّجْنا فيكم وتزوّجتم فينا كما يَفعَل الأكفاء ، ولستم أكفاءنا . ثم قال عليه السلام : «وأنَّى يكون ذلك !» ، أي كيف يكون شرفُكم كشَرَفنا ، ومنّا النبيّ ومنكم المكذِّب ـ يعنى أبا سُفيانَ بنَ حرب ، كان عدوَّ رسول اللّه والمكذِّبَ له والُمجلبَ عليه ـ وهؤلاء ثلاثة : بإزاء أبي سُفْيان رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ومعاويةُ بإزاء عليّ عليه السلام ، ويزيدُ بإزاء الحسين عليه السلام ؛ بينهم من العداوة ما لا تبرك عليه الإبل . قال : «ومنّا أسَدُ اللّه » ، يعني حمزة ، «ومنكم أسَدُ الأحلاف» ، يعني عُتْبة بن ربيعة ، وقد تقدّم شرحُ ذلك في قصّة بدر . «ومنّا سيّدَا شَبابِ أهل الجنّة » ، يعني حَسَناً وحُسَيْناً عليهماالسلام ، «ومنكم صبية النار» ، هي الكلمة الّتي قالها النبي صلى الله عليه و آله وسلملعُقْبة بن أبي مُعَيْط حين قَتَله صَبْراً يوم بَدْر ، وقد قال كالمستعطِف له عليه السلام : مَن للصبية يا محمّد ؟ قال : النار . وعُقْبة بن أبي مُعَيْط من بني عبد شمْس . قوله عليه السلام : «ومنّا خير نساء العالمين» ، يعني فاطمةَ عليهاالسلام ، نصّ رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم على ذلك ؛ لا خلاف فيه ، «ومنكم حمّالة الحطب» ، هي أم جميل بنت حَرْب بن أُميّة ، امرأةُ أبي لهب الذي ورد نصُّ القرآن فيها بما وَرَد . قوله : «في كثير مما لنا وعليكم» ،

.

أي أنا قادر على أن أذكر مِن هذا شيئا كثيرا ، ولكنّي أكتفي بما ذكرت . فإن قلت : فبماذا يتعلّق «في» في قوله : «في كثير»؟ قلتُ : بمحذوف تقديرُه : هذا الكلام داخلٌ في جملة كلامٍ كثيرٍ يتضمّن ما لَنا وعليكم . قولُه عليه السلام : «فإسْلامُنا ما قد سُمِع ، وجاهليّتنا لا تُدفَع» ، كلامٌ قد تعلّق به بعضُ من يتعصّب للأمويّة . وقال : لو كانت جاهليّة بني هاشم في الشّرف كإسلامهم لعدّ من جاهليّتهم حَسب ما عدّ من فضيلتهم في الإسلام . هذه الرسالة الكريمة هي جواب لرسالة كان قد بعثها معاوية مع أبي مسلم الخولاني ، ثم إن ابن أبي الحديد أورد رسالة معاوية من إملاء النقيب أبي جعفر يحيى بن زيد ، بعثها معاوية مع أبي أُمامة الباهلي ، حذفناها للاختصار . قال النّقيب أبو جعفر : فلما وصل هذا الكتابُ إلى عليّ عليه السلام مع أبي اُمامة الباهلي ، كلَّم أبا أُمامة بنحوٍ ممَّا كلَّم به أبا مُسلم الخَولاني ، وكتب معه هذا الجواب . قال النقيب : وفي كتابِ معاويةَ هذا ذكرُ لفظ الجمل المخشوش أو الفَحل المخشوش ، لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم ، وليس في ذلك هذه اللّفظة ، وإنّما فيه : «حسدتَ الخلفاءوبَغيتَ عليهم ، عرفنا ذلك من نظرك الشَّزر ، وقولك الهُجر وتنفُّسك الصُّعداء ، وإبطائك عن الخلفاء » . قال : وإنما كثيرٌ من الناس لا يعرفون الكتابين ؛ والمشهور عندهم كتابُ أبي مسلم فيجعلون هذه اللّفظة فيه ، والصحيح أنّها في كتاب أبي أُمامة . قال ابن أبي الحديد : ثم انّ النقيب أمرني أنْ اكتب ما عليه علي عليه السلام فكتبته ، قال رحمه الله : كان معاوية يتسقّط عليّاً ويَنعَى عليه ما عساه يذكره من حال أبي بكر وعمر ، وأنهما غَصَباه حقَّه ، ولا يزال يكيدُه بالكتاب يكتبه ، والرّسالة يبعثُها يطلب غرّته ؛ لينفُث بما في صدره من حال أبي بكر وعمر ، إمّا مكاتبةً أو مراسلة ، فيجعل ذلك حجّةً عليه عند أهل الشام ، ويضيفه إلى ما قرّره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم ، فقد كان غمصه عندهم بأنَّه قتل عثمانَ ومالأَ على قتله ، وأنه قتل طلحةَ والزّبير ، وأسَرَ عائشة ، وأراق دماء أهلِ البصرة . وبقيت خصلةٌ واحدة ، وهو أن يثبت عندهم أنه يتبرّأ من أبي بكر وعمر ، وينسبهما إلى الظُّلم ومخالفة الرّسول في أمر الخلافة ، وأنهما وثبا عليها غلبةً ، وغصباه إيّاها ؛ فكانت هذه الطامّة الكبرى ليست مقتصرةً على فساد أهل الشام عليه ، بل وأهلِ العراق الَّذين هم جُندُه

.

۲۹. ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة

وبطانته وأنصاره ؛ لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشَّيخين ؛ إلاّ القليل الشاذّ من خواصّ الشِّيعة ، فلما كَتَب ذلك الكتابَ مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يُغضب عليّاً ويُحرِجَه ويُحوِجَه إذا قرأ ذكر أبي بكر ، وأنه أفضل المسلمين ، إلى أن يَخلِط خطه في الجواب بكلمةٍ تقتضي طعنا في أبي بكر ، فكان الجواب مُجَمْجَما غير بيّن ، ليس فيه تصريح بالتّظليم لهما ، ولا التّصريح ببراءتهما ، وتارةً يترحّم عليهما ، وتارةً يقول : أخَذَا حقّي وقد تركته لهما ، فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتاباً ثانياً مناسباً للكتاب الأوّل ليستفزّا عليّاً عليه السلام ويستخِفّاه ، ويحمله الغَضَب منه أن يكتب كلاماً يتعلّقان به في تقبيح حاله وتَهْجين مذهبه . وقال له عمرو : إنّ عليَّاً رجل نَزِق تَيّاه ، وما استطعمت منه الكلامَ بمثل تقريظ أبي بكر وعمر ، فاكتب . فكتب كتاباً أنفَذَه إليه مع أبي أُمامة الباهليّ ، وهو من الصحابة ، بعد أن عزم على بعثته مع أبي الدَّرداء .

۲۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرةوَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبُوْا عَنْهُ ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ ، وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ ، فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ ، وَسَفَهُ الآرَاءِ الْجَائِرَةِ ، إِلَى مُنَابَذَتِي وَخِلاَفِي ، فها أنا ذا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي ، وَرَحَلْتُ رِكَابِي . وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأَوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لاَ يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلاَّ كَلَعْقَةِ لاَعِقٍ ؛مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ ، وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ ، غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيءٍ ، وَلاَ ناكِثاً إِلَى وَفِيٍّ (1).

.


1) .انتشار حبلكم: تفرّقكم. شقاقكم: عداوتكم وخلافكم. المردية: المهلكة. سفه الآراء: ضعفها. المنابذة: المخالفة.

۳۰. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

الشّرْحُ:ما لم تغُبوا عنه ، أي لم تسهوا عنه ولم تغفلوا ، يقال : غبيتُ عن الشيء أغبى غباوة ؛ إذا لم يفطُن ، وغَبِي الشيءُ عليّ كذلك إذا لم تعرفه ، وفلان غبيّ على «فعيل» ، أي قليل الفِطْنة ، وقد تَغَابى ؛ أي تغافل ؛ يقول لهم : قد كان من خروجكم يومَ الجمل عن الطاعة ، ونشرِكم حبلَ الجماعة ، وشقاقِكم لِي ما لستم أغبياء عنه ، فغفرت ورفعت السيف ، وقبلت التوبة والإنابة . والمدبر هاهنا : الهارب . والمقبِل : الّذي لم يفرّ لكن جاءنا فاعتذر وتنصّل . ثم قال : فإن خطت بكم الأُمور ، خطا فلان خُطْوة يخطُو ، وهو مقدار ما بين القَدمين ، فهذا لازم ، فإن عدّيتَه ، قلت : أخطيت بفلان ، وخطوت به ، وهاهنا قد عدّاه بالباء . والمردية : المهلكة . والجائرة : العادلة عن الصواب . والمنابذة ، مفاعلة ، من نبذتُ إليه عهدَه أي ألقيتَه وعدلت عن السِّلم إلى الحرب ، أو من نبذت زيدا ، أي اطّرحته ولم أحفل به . قوله : «قرّبت جيادي» ، أي أمرت بتقريب خيلي إليّ لأركب وأسير إليكم . ورحلت ركابي ، الرّكاب الإبل ، ورحلتها : شددت على ظهورها الرَّحل . كلَعقة لاعق ، مثل يضرب للشيء الحقير التافه ، ويروى بضم اللام ، وهي ما تأخذه المِلْعقة . ثم عاد فقال مازجا الخشونَة باللِّين : مع أني عارف فضلَ ذي الطاعة منكم ، وحقّ ذي النصيحة ، ولو عاقبت لما عاقبت البريء بالسقيم ، ولا أخذت الوفيّ بالناكث .

۳۰الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةفَاتَّقِ اللّهَ فِيَما لَدَيْكَ ، وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ ، وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لاَ تُعْذَرُ بَجَهَالَتِهِ ، فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاَماً وَاضِحَةً ، وَسُبُلاً نَيِّرَةً ، وَمَحَجَّةً نَهْجَةً ، وَغَايَةً مُطَّلَبَةً ، يَرِدُهَا الأكيَاسُ ، وَيُخَالِفُهَا الأنكَاسُ ؛ مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ ، وَخَبَطَ فِي التِّيهِ ،

.

وَغَيَّرَ اللّهُ نِعْمَتَهُ ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ . فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ ! فَقَدْ بَيَّنَ اللّهُ لَكَ سَبِيلَكَ ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ ، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ ، فَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً ، وَأَقْحَمَتْكَ غَيّاً ، وَأَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ ، وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ (1).

الشّرْحُ:قوله : «وغاية مُطّلبة» ، أي مساعفة لطالبها بما يطلبه ، تقول : طلب فلان مِنّي كذا فأطلبتُه : أي أسعفت به . والأكياس : العقلاء . والأنكاس : جمع نِكْس ؛ وهو الدنيء من الرجال . ونكب عنها : عدَل . «وحيث تناهت بك أُمورك» ، الأوْلى ألاّ يكون هذا معطوفا ولا متّصلاً بقوله ، فقد بين اللّه لك سبيلك ، بل يكون كقولهم لمن يأمرونه بالوقوف : حيث أنت ، أي قِفْ حيث أنت ؛ فلا يذكرون الفعل ؛ ومثله قولهم : مكانَك ، أي قف مكانك . قوله : «فقد أجريت» ، يقال : فلان قد أجرى بكلامه إلى كذا ، أي الغاية التي يقصدها هي كذا ، مأخوذ من إجراء الخيل للمسابقة ، وكذلك قد أجرى بفعله إلى كذا ، أي انتهى به إلى كذا . ويروى : «قد أوْحلتك شرّا» ، أي أورطتك في الوحل . والغَيّ ضدُّ الرشاد . وأقحمتك غيّا : جعلتك مقتحماً له . وأوعرت عليك المسالك : جعلتها وعْرة . وأوّل هذا الكتاب : «أمّا بعد ، فقد بلغَنِي كتابُك تذكر مشاغبتي ، وتستقبح موازرتي ، وتزعمني متحيّرا وعن الحقّ مقصِّرا ، فسبحان اللّه ! كيف تستجيز الغيبة ، وتستحسن العضيهة ! إنِّي لم أُشاغب إلاّ في أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، ولم أتجبّر إلاّ على باغ مارق ، أو ملحد منافق ، ولم آخذ في ذلك إلاّ بقول اللّه سبحانه : «لاَ تَجِدُ قَوْما يُؤمِنُونَ باللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أوْ أبْنَاءَهُمْ أو إخْوانَهم» (2)، وأمّا التّقصير في حق اللّه تعالى فمعاذ اللّه ! وإنّما المقصّر في حقِّ

.


1) .أعلاما : علامات ودلائل . المحجّة : الطريق الواضحة . نهجة : واضحة . خبط : سار بغير هدى . التيه : الضلال . تناهت الأُمور : بلغت غايتها . أولجتك : أدخلتك .

2) .سورة المجادلة ۲۲ .

۳۱. ومن وصيّة له عليه السلام للحسن بن علي عليهماالسلام كتبها إليه بحاضرين

اللّه جلّ ثناؤه مَنْ عطّل الحقوق المؤكّدة ، وركن إلى الأهواء المبتدعة ، وأخلد إلى الضّلالة المحيّرة ؛ ومن العجب أن تصِفَ يا معاويةُ الإحسان ، وتخالف البرهان ، وتنكث الوثائق التي هي للّه عزّ وجل طَلِبة ، وعلى عباده حجّة ، مع نبذ الإسلام ، وتضييع الأحكام ، وطمْس الأعلام ، والجري في الهوى ، والتهوّس (1)في الرّدى ، فاتق اللّه فيما لديك ، وانظر في حقّه عليك ...» الفصل المذكور في الكتاب . وفي الخطبة زيادات يسيرة لم يذكرها الرضيّ رحمه الله ، منها : «وإنّ للناس جماعة يد اللّه عليها ، وغضب اللّه على مَنْ خالفها ، فنفسَك نفسَك قبل حلول رمسِك ، فإنّك إلى اللّه راجع ، وإلى حشره مُهْطِع (2)وسيبهظُك كربه ، ويحلّ بك غمّه ، في يوم لا يغنى النادمَ ندمُه ، ولا يُقبَل من المعتذِر عُذرهُ ، «يوم لا يُغنِي مَوْلىً عن مولىً شيئا ولا هم يُنْصَرون» (3)» .

۳۱الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهماالسلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفّين :مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ ، الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ ، الْمُدْبِرِ الْعُمْرِ ، الْمُسْتَسْلِمِ للدَّهْرِ ، الذَّامِّ لِلدُّنْيَا ، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى ، الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً . إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لاَيُدْرَكُ ، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ ؛ غَرَضِ الْأَسْقَامِ ، وَرَهِينَةِ الْأَيَّامِ ، وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا ، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ ، وَغَرِيمِ الْمَنَايَا ،

.


1) .التهوس في الردى : الوقوع فيه!

2) .المهطع : الذي ينظر في ذل وخشوع .

3) .سورة الدخان ۴۱ .

وَأَسِيرِ الْمَوْتِ ، وَحَلِيفِ الْهُمُومِ ، وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ ، وَنُصُبِ الآفَاتِ ، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ ، وَخَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ.

الشّرْحُ:أمّا قوله : «كتبها إليه بحاضرين» ، فالذي كُنا نقرؤه قديما : «كتبها إليه بالحاضرَيْن» على صيغة التثنية ؛ يعني حاضر حلب وحاضر قِنّسرِين ، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد . ثم قرأناه بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لامٍ ، ولم يفسّروه ، ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التثنية ، ومنهم من يقول بخناصرين ، يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها ، وقد طلبتُ هذه الكلمة في الكتب المصنفة ، سيّما في البلاد والأرضين فلم أجدها ، ولعَلّي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع . قوله : «من الوالد الفان» ، حذف الياء هاهنا للازدواج بين «الفان» و « الزمان» ، ولأنّهُ وقف ، وفي الوقف على المنقوص يجوز مع اللام حذف الياء وإثباتها ، والإثبات هو الوجه ، ومع عدم اللام يجوز الأمران وإسقاط الياء هو الوجه . قوله : «المقرّ للزمان» ، أي المقرّ له بالغلبة ، كأنه جعل نفسه فيما مضى خصما للزمان بالقهر . قوله : «المدبر العمر» ؛ لأنّه كان قد جاوز الستين ، ولم يبق بعد مجاوزة الستين إلاّ إدبار العمر ؛ لأنّها نصف العمر الطبيعي الذي قلّ أن يبلغه أحدٌ ، فعلى تقدير أنه يبلغه ، فكلّ ما بعد الستين أقلّ مما مضى ، فلا جرم يكون العمر قد أدبر . «المستسلم للدّهر» ، هذا آكد من قوله : «المقرّ للزّمان» ؛ لأنّه قد يقرّ الإنسان لخصمه ولا يستسلم . «الذام للدّنيا» ، هذا وصف لم يستحدثه عند الكِبر ، بل لم يزل عليه ، ولكن يجوز أن يزيد ذمّه لها ؛ لأنّ الشيخ تنقص قواه التي يستعين بها على الدنيا والدين جميعا ، ولا يزال يتأفّف من الدنيا . قوله : «الساكن مساكن الموتى» ، إشعار بأنه سيموت ، وهذا من قوله تعالى : «وَسَكَنتُمْ فِي مَساكِنِ الّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» (1). قوله : «الظاعن عنها غدا» ، لا يريد الغدَ بعينه ، بل يريد قُرْب الرّحيل والظَّعْن . وهذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام كلام مَنْ قد أيقن بالفراق ، ولا ريب في ظهور الاستكانة والخضوع عليه ، ويدل أيضا على كرب وضيق عَطَنٍ ؛ لكونه لم يبلغ أربه من حرْب أهل الشام ، وانعكس ما قدّره بتخاذل أصحابه عنه ، ونفوذ حكم عمرو بن العاص فيه لحمق أبي

.


1) .سورة ابراهيم ۴۵ .

موسى وغباوته وانحرافه أيضا . قوله : «إلى المولود» ، هذه اللفظة بإزاء «الوالد» . «المؤمّل ما لا يدرك» ، لو قال قائل : إنه كنى بذلك عن أنه لا ينال الخلافة بعد موتي وإن كان مؤملاً لها لم يُبعد ، ويكون ذلك إخبارا عن غيب ، ولكن الأظهر أنّه لم يرد ذلك ، وإنما أراد جنس البشر لا خصوص الحسن ، وكذلك سائر الأوصاف التي تلي هذه اللفظة لا تخصّ الحسن عليه السلام بعينه ، بل هي وإن كانت له في الظاهر بل هي للناس كلّهم في الحقيقة ، ألا ترى إلى قوله بعدها : «السالك سبيل من قد هلك» ، فإن كل واحد من الناس يؤمّل أُمورا لا يدركها ، وكلّ واحد من الناس سالك سبيل من هلك قبله . قوله عليه السلام : «غرض الأسقام» ؛ لأنّ الإنسان كالهدف لآفات الدنيا وأعراضها . «ورهينة الأيام » ، الرهينة هاهنا : المهزول يقال : إنه لرهن ، وإنه لرهينة ؛ إذا كان مهزولاً بالياء . ويجوز أن يريد بالرهينة واحدة الرهائن ؛ يقال للأسير أو للزمِن أو للعاجز عند الرحيل : إنّه لرهينة ؛ وذلك لأنّ الرهائن محتبسة عند مرتهنها . «ورميّة المصائب» ، الرميّة ما يرمى . قوله : «وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا» ؛ لأنّ الإنسان طوع شهواته ، فهو عبد الدنيا ، وحركاته فيها مبنيّة على غرور لا أصل له ، فهو تاجر الغرور لا محالة ؛ ولمّا كانت المنايا تطالبه بالرحيل عن هذه الدار كانت غريماً له يقتضيه ما لابدّ له من أدائه . «وأسير الموت ، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان ، ونصب الآفات ، صريع الشهوات» ، لما كان الإنسان مع الموت ، كان أسيرا له لا محالة ؛ ولمّا كان لابدّ لكلّ إنسان من الهمّ كان حليف الهموم ؛ وكذلك لا يخلو ولا ينفكّ من الحزن ، فكان قرينا له ، ولما كان معرّضا للآفات كان نصباً لها ، ولما كان إنما يهلك بشهواته كان صريعا لها . قوله : «وخليفة الأموات» قد أخذه مَنْ قال : إنّ امرأً ليس بينه وبين آدم إلاّ أب ميّت لمعرق في الموت . واعلم أنّه عدّ من صفات نفسه سبعا ، وعدّ من صفات ولده أربع عشرة صفة ، فجعل بإزاء كلّ واحدة مما له اثنتين ممّا لولده ، فليلمح ذلك .

الأصْلُ:أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ فِيَما تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ ، وَإِقْبَالِ الآخِرَةِ إِلَيَّ ، مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ ، وَالاْهْتَِمامِ بِمَا وَرَائِي ، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي

.

ـ دُونَ هُمُومِ النَّاس ـ هَمُّ نَفْسِي ، فَصَدّقَنِي رَأيِي ، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ ، وَصَرَّحَ لِيمَحْضُ أَمْرِي ، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لاَ يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ . وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي ، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي ، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي ، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي ، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِيني مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فكَتَبْتُ إِليْكَ كِتَابِي مُسْتظْهِراً بِهِ إِنْ أَنا بَقِيْتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ .

الشّرْحُ:يزعني : يكفّني ويصدّني ، وزعتُ فلانا ، ولابدّ للناس من وَزَعة . وسِوى ، لفظة تقصَر إذا كسرت سينها ، وتمدّ إذا فتحتها ؛ وهي هاهنا : بمعنى غير . ومَنْ قبلها بمعنى شيء منكّر . والتقدير غير ذكر إنسان سواي ، ويجوز أن تكون «مَنْ» موصولة ، وقد حذف أحد جزأيِ الصلة ، والتقدير عن ذكر الذي هو غيري ، كما قالوا في : «لَنَنْزِعَنَّ منْ كُلِّ شِيعةٍ أيُّهُمْ أَشَدُّ» ، أي هو أشدّ . يقول عليه السلام : إن في ما قد بان لي من تنكّر الوقت وإدبار الدنيا وإقبال الآخرة شاغلاً لي عن الاهتمام ، بأحد غيري ، والاهتمام والفكر في أمر الولد وغيره ممن أخلفه ورائي . ثم عاد فقال : إلاّ أنّ همّي بنفسي يقتضي اهتمامي بك ؛ لأنّك بعضي بل كلِّي ، فإن كان اهتمامي بنفسي يصرفني عن غيري لم تكن أنت داخلاً في جملة مَنْ يصرفني همّي بنفسي عنهم ؛ لأنّك لست غيري. فإن قلت : أفهذا الهمّ حدَث لأمير المؤمنين عليه السلام الآن ، أو من قبل لم يكن عالما بأن الدنيا مدبرة ، والآخرة مقبلة؟ قلت : كلاّ بل لم يزل عالما عارفا بذلك ، ولكنه الآن تأكد وقوى ، بطريق علوّ السنّ وضعف القُوَى ، وهذا أمر يحصل للإنسان على سبيل الإيجاب ، لابدّ من حصوله لكلّ أحد ، وإن كان عالما بالحال من قبل ؛ ولكن ليس العِيان كالخبر . قوله : «تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي» ، أي دون الهموم التي قد كانت تعتريني لأجل أحوال الناس . فصدّقني رأيي ؛ يقال : صدقته كذا أي عن كذا ، وفي المثل : «صدقني سنّ بكره» ؛ لأنّه لما نفر قال له : هِدَعْ ، وهي كلمة يسكّن بها صغار الإبل إذا نفرت ؛ والمعنى

.

أنّ هذا الهم صدقني عن الصفة التي يجب أن يكون رأيي عليها وتلك الصفة هي ألاّ يفكر في أمر شيء من الموجودات أصلاً إلاّ اللّه تعالى ونفسه ؛ وفوق هذه الطبقة طبقة أُخرى جداً وهي ألاّ تفكر في شيء قطّ إلاّ في اللّه وحده ، وفوق هذه الطبقة طبقة أُخرى تجلّ عن الذكر والتفسير ، ولا تصلح لأحد من المخلوقين إلا النادر الشاذ ، وقد ذكرها هو فيما سبق ، وهو ألاّ يفكر في شيء أصلاً ، لا في المخلوق ولا في الخالق ؛ لأنّه قد قارب أن يتّحد بالخالق ، ويستغني عن الفكر فيه . قوله : «وصرفني عن هواي» ، أي عن هواي وفكري في تدبير الخلافة وسياسة الرعيّة والقيام بما يقوم به الأئمة . «وصرّح لي محض أمري» ، يروى بنصب محض «ورفعه» ؛ فمن نصب فتقديره : عن محض أمري ؛ فلمَّا حذف الجار نصب ، ومن رفع جعله فاعلاً . وصرّح : كشف أو انكشف . «فأَفضى به إلى كذا» ، ليس بمعنى أنه قد كان من قبل يمازج جدّه باللعب ؛ بل المعنى أنّ همومه الأُولى قد كانت بحيث يمكن أن يتخلّلها وقت راحة أو دُعابة لا يخرج بها عن الحق ، كما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم يمزح ولا يقول إلاّ حقا ، فالآن قد حدث عنده همّ لا يمكن أن يتخلّله من ذلك شيء أصلاً . وكذلك القول في قوله : «وصدق لا يشوبه كذب» أي لا يمكن أن يشوبه كذب ؛ وليس المراد بالصدق والكذب هاهنا مفهومهما المشهورين ؛ بل هو من قولهم : صدَقونا اللقاء ، ومن قولهم : حمل عليهم فما كذب ! أي أفضى به هذا الهمّ إلى أن صدقتني الدنيا حربها ، كأنه جعل نفسه محاربا للدنيا ، أي صدقتني الدنيا حربها ولم تكذب ، أي لم تجبن ولم تَخُنْ . أخبر عن شدّة اتّحاد ولده به ، فقال وجدتك بعضي ، قال الشاعر : وإنّما أولادُنا بينناأكبادُنا تمشي على الأرض لو هبّت الرّيح على بعضهمْلامتنعتْ عيني من الغَمْض

الأصْلُ:فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللّهِ - أَيْ بُنيَّ - وَلُزُومِ أَمْرِهِ ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ ، وَالاْعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ .وَأَيُّ سَبَبٍ أَوْثقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنكَ وَبَيْنَ اللّهِ ؛ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ ! أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ ، وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ ، وَنَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ ، وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ

.

الْمَوْتِ ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا ، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ الَّليَالِي وَالْأَيَّامِ ؛ وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ ، فَانْظُرْ فِيَما فَعَلُوا وَعَمَّا انْتَقَلُوا ، وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا ! فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلوُا عَنِ الْأَحِبَّةِ ، وَحَلُّوا دارَ الْغُرْبَةِ ؛ وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ . فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ ، وَلاَ تَبِـعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ ؛ وَدَعِ الْقَوْلَ فِيَما لاَ تَعْرِفُ ، وَالْخِطَابَ فِيَما لَمْ تُكَلَّفْ ؛ وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلاَلِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ (1).

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «وأيّ سبب أوثق» ؛ إشارة إلى القرآن لأنّه هو المعبّر عنه بقوله تعالى : «وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا وَلاَ تَفَرَّقُوا» (2). ثم أتى بلفظتين متقابلتين ، وذلك من لطيف الصنعة ؛ فقال : «أحيِ قلبك بالموعظة ، وأمته بالزَّهادة» ؛ والمراد إحياء دواعيه إلى الطاعة وإماتة الشهوات عنه . قوله عليه السلام : «وأعرض عليه أخبار الماضين» معنى قد تداوله الناس ، قال الشاعر : سل عن الماضين إن نطقتعنهم الأجداث والتُّركُ أيّ دار للبلى نزلواوسبيل للردى سَلَكُوا قوله عليه السلام : «ودع القول فيما لا تعرف» من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «خذ ما تعرف ، ودع ما لا تعرف ، وعليك بخُوَيْصة نفسك» . قوله : «والخطاب فيما لم تكلّف» من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «مِنْ حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . قوله عليه السلام : «وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته» ، مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه و آله وسلم : « دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك» ، وفي خبر آخر : «إذا رابك أمْرٌ فدعْه» .

.


1) .اعتصم : اعتصم بالشيء أمسكه بيده ، فجائع : رزايا جمع رزية وهي المصيبة صولة الدهر : سطوته . فحش : القبيح من القول .

2) .سورة آل عمران ۱۰۳ .

الأصْلُ:وَأمُرْ بالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ ، وَجَاهِدْ فِي اللّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، وَلاَ تَأْخُذْكَ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ . وَخُض الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ ، وَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ ؛ وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ فِي الْحَقِّ! وَأَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ ، فَإِنَّكَ تُلْجِؤُها إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ ، وَمَانِعٍ عَزِيزٍ . وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ ، وَأَكْثِرِ الاِسْتِخَارَةَ ، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي ، وَلاَ تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً ، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ ، وَلاَ يُنْتَفَعُ بِعِلْـمٍ لاَ يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ .

الشّرْحُ:أمره أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وهما واجبان عندنا ، وأحد الأُصول الخمسة التي هي أُصول الدين . ومعنى قوله : «تكن من أهله» ؛ لأنّ أهل المعروف هم الأبرار الصالحون ، ويجب إنكار المنكر باللسان ، فإن لم ينجع فباليد . قوله : «وخض الغمرات إلى الحق» لا شبهة أنّ الحسن عليه السلام لو تمكّنَ لخاضها إلاّ أن من فقد الأنصار لا حيلة له . * وهل ينهض البازي بغير جناح * والذي خاضها مع عدم الأنصار هو الحسين عليه السلام ، ولهذا عظُم عند الناس قدرُه . فإن قلتَ : فما قول أصحابكم في ذلك؟ قلت : هما عندنا في الفضيلة سيّان ، أما الحسن فلوقوفه مع قوله تعالى : «إلاّ أن تَتّقُوا» ، وأمّا الحسين فلإعزاز الدين . قوله : فنعم التصبّر ، قد تقدّم منّا كلام شافٍ في الصبر . وقوله : «وأكثر الاستخارة» ، ليس يعني بها ما يفعله اليوم قوم من الناس من سَطْر رقاع وجعلها في بنادق ، وإنما المراد أمره إياه

.

بأن يطلب الخيرَة من اللّه فيما يأتي ويذر . قوله : «لا خير في علم لا ينفع» قول حقّ ، لأنّه إذا لم ينفع كان عبثا . «ولا ينتفع بعلم لا يحقُّ تعلمه» أي لا يجب ولا يندب إليه ؛ وذلك لأنّ النفع إنما هو نفع الآخرة ، فما لم يكن من العلوم مرغباً فيه إمّا بإيجاب أو ندب فلا انتفاع به في الآخرة ، وذلك كعلم الهندسة والأرثماطيقيّ ونحوهما .

الأصْلُ:أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً ، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي ، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي ، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا ، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ . وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْض الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيءٍ قَبِلَتْهُ ؛ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُو قَلْبُكَ ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤونَةَ الطَّلَبِ ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاَجِ التَّجْرِبَةِ ، فَأَتَاكَ مِنْ ذلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأتِيهِ ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ .

الشّرْحُ:هذه الوصيّة كتبها عليه السلام للحسن بعد أن تجاوز الستين ، وروي أنه ذُكر عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمما بين الستّين والسبعين ، فقال : «معترك المنايا» . قوله عليه السلام «أو أن أُنقص في رأيي» ، هذا يدلّ على بطلان قول من قال : إنّه لا يجوز أن ينقص في رأيه ، وأن الإمام معصوم عن أمثال ذلك (1).

.


1) .عقيدتنا في الامام عليه السلام أنّه كالنبي صلى الله عليه و آله وسلم يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، بل المنقّصات المنفّرة ، وغلبات الهوى ... الخ من سنّ الطفولة إلى الموت عمدا وسهوا ، خطأ ونسيانا . لأنّ الإمام حافظ الشريعة ، حاله حال النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، قائم مقامه في جميع شؤونه إلاّ تلقي الوحي . وليس المراد (بنقصان الرأي) هنا فساد العقل ، بل كلّ ما يحول بين المرء والتعبير عن رأيه . كما أن الإمام لا يغلبه الهوى ، ولا تفتنه الدنيا ، كيف والإمام عليه السلام طلّقها ثلاثا قولاً وعملاً . ولكن هذا من باب هظم النفس والتواضع الذي عرف به عليه السلام وهي لغة القدّيسين وأولياء اللّه سبحانه ، ومن قبله قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «وإنّا أو إيّاكم لعلى هُدًى أو في ضلال مبين» سبأ ۲۴ . وقال نوح عليه السلام : «وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين» هود ۴۷ . ولكن ابن أبي الحديد يؤوّل النصوص بحسب هواه ، ومذهب أصحابه .

قوله : «فتكون كالصّعب النَّفور» ، أي كالبعير الصعب الذي لا يُمكِن راكباً ، وهو مع ذلك نفور عن الأنس . ثم ذكر أنّ التعلّم إنما هو في الصبى ، وفي المثل : «الغلام كالطّين يقبل الختم مادام رطباً» . ومثّل هو عليه السلام قلْب الحدَث بالأرض الخالية ، ما أُلقي فيها من شيء قبلته ، وكان يقال : التعلّم في الصغر كالنقش في الحجر ، والتعلم في الكبر كالخطّ على الماء . قوله : «فأتاك من ذلك ما كنّا نأتيه» ، أي الّذي كنّا نحن نتجشم المشقّة في اكتسابه ، ونتكلّف طلبه ؛ يأتيك أنت الآن صَفوا عَفوا .

الأصْلُ:أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ ؛ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ؛ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ؛ فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ جَلِيلَهُ ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ ، وَنَفْس صَافِيَةٍ ، وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ ، وَشَرَائِعِ الاْءِسْلاَمِ وَأَحْكَامِهِ ، وَحَلاَلِهِ وَحَرَامِهِ ، لاَ أُجَاوِزُ ذلِكَ بَكَ إِلَى غَيْرِهِ . ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ ، مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ إِحَكَامُ ذلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلاَمِكَ إِلَى أَمْرٍ لاَآمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هذِهِ .

.

الشّرْحُ:هذا الفصل وما بعده يشعر بالنّهي عن علم الكلام حسب ما يقتضيه ظاهر لفظه ، ألا تراه قال له : كنت عازما على أن أعلِّمك القرآن وتفسيره والفقه وهو المعرفة بأحكام الشريعة ، ولا أجاوز ذلك بك إلى غيره ، ثم خفت أنْ تدخل عليك شبهة في أُصول الدين فيلتبس عليك في عقيدتك الأصلية ما التبس على غيرك من الناس ، فعدلتُ عن العزم الأوّل إلى أن أوصيك بوصايا تتعلّق بأصول الدين . ومعنى قوله عليه السلام : «وكان إحكام ذلك» إلى قوله : «لا آمن عليك به الهلكة» ، أي فكان إحكامي الأمورَ الأصليّة عندك وتقرير الوصيّة التي أوصيك بها في ذهنك فيما رجع إلى النظر في العلوم الإلهية ؛ وإن كنت كارها للخوض معك فيه وتنبيهك عليه أحبّ إليّ من أن أتركك سدىً مهملاً ، تتلاعب بك الشّبَه ، وتعتورك الشكوك في أُصول دينك ، فربّما أفضى ذلك بك إلى الهَلكة (1). قوله عليه السلام : «قد عَمِرتُ مع أولهم إلى آخرهم» العين مفتوحة والميم مكسورة مخففة ، تقول : عمر الرجل يعمر عمرا وعُمراً على غير قياس ؛ لأنّ قياس مصدره التحريك أي عاش زماناً طويلاً ، واستعمل في القسم أحدهما فقط ، وهو المفتوح . قوله عليه السلام : «حيث عناني من أمرك» ، أي أهمّني ، قال : * عَنَاني مِنْ صُدُودِكَ مَاعَنَاني * قوله : «وأجمعت عليه» ، أي عزمت . ومقتبل الدهر ، يقال : اقتبل الغلام فهو مقتَبل بالفتح وهو من الشواذّ ، ومثله أحصن الرجل إذا تزوج فهو مُحصَن ، وإذا عفّ فمحصَن أيضا ، وأسهب إذا أطال الحديث فهو مسهَب ، وألفج إذا افتقر فهو ملفَج ؛ وينبغي أن يكون له من قوله : « تنبيهك له» بمعنى «عليه» ، أو تكون على أصلها ، أي ما كرهت تنبيهك لأجله . فإن قلت : إلى الآن ما فسّرتَ ، لماذا كره تنبيهه على هذا الفنّ؟ قلت : بلى قد أشرت إليه ؛ وهو أنه كره أن يعدل به عن تفسير القرآن وعلم الفقه إلى

.


1) .الصحيح أن وجه كراهة الإمام عليه السلام هو لتنبيه ولده أن يخلص ذهنه للنظر في معاني القرآن ، والأحكام الشرعية ، والمعرفة الشرعية الحاصلة بالفطرة . وهذا هو الأهم . وواضح لكل منصف أن هذه الوصية الخالدة ، وإن كانت مصدّرة إلى الإمام الحسن عليه السلام لكبر سنه ، ولكونه عظيم أهله ، لكنها في الحقيقة موجهة لسائر المؤمنين إلى يوم القيامة . وأمّا توجيه الخطاب إلى الأكبر والأجل والرئيس ، عادة جرى عليها العقلاء ، وورد بها القرآن ، وجرت عليها سنّة النبيّ الأقدس صلى الله عليه و آله وسلم في وصاياه .

الخوض في الأُمور الأصوليّة فنبّهه على أُمور يجرّه النظر وتأمّل الأدِلّة والشُّبُهات إليها دقيقة يُخافُ على الإنسان من الخوض فيها أن تضطرب عقيدته ، إلا أنه لم يجد به بدّا من تنبيهه على أُصول الديانة ، وإن كان كارها لتعريضه لخطر الشبهة ، فنبّهه على أُمور جملية غير مفصلة ، وأمره أن يلزم ذلك ولا يتجاوزه إلى غيره وأن يُمسك عما يشتبه عليه ، وسيأتي ذكر ذلك .

الأصْلُ:وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللّهِ وَالاْءقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللّهُ عَلَيْكَ ، وَالْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا ، وَالاْءِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا ، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعَْلَمَ كَمَا عَلِمُوا ؛ فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذلِكَ بَتَفَهُّمٍ وَتَعَلُّمٍ ، لاَ بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ ، وَعُلَقِ الْخُصُومَاتِ . وَابْدَأ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالاِسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ ، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلاَلَةٍ ، فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رَأيُكَ فَاجْتَمَعَ ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمّاً وَاحِداً ، فَانْظُرْ فِيَما فَسَّرْتُ لَكَ ؛ وَإِنْ أنت لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ؛ وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ ، فَاعْلَمْ أنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ ، وَتَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ ، وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ، وَالاْءِمْسَاكُ عَنْ ذلِكَ أَمْثَلُ .

الشّرْحُ:أمره أن يقتصر على القيام بالفرائض ، وأن يأخذ بسنّة السَّلف الصّالح من آبائه وأهل بيته ؛ فإنّهم لم يقتصروا على التقليد ؛ بل نظروا لأنفسهم ، وتأمّلوا الأدلة ، ثم رجعوا آخر الأمر إلى الأخذ بما عرفوا ، والإمساك عمّا لم يكلّفوا .

.

فإن قلت : مَنْ سَلُفه هؤلاء الذين أشار إليهم؟ قلت : المهاجرون الأوّلون من بني هاشم وبني المطّلب كحمزة وجعفر والعباس وعبيدة ابن الحارث ، وكأبي طالب في قول الشِّيعة وكثير من أصحابنا ، وكعبد المطّلب في قول الشيعة خاصّة . فإن قلت : فهل يكون أمير المؤمنين عليه السلام نفسه معدودا من جملة هؤلاء؟ قلت : لا ، فإنه لم يكن من أهل المبادئ والجمل المقتصر بهم في تكليفهم العقليّات على أوائل الأدلّة ، بل كان سيِّد أهل النظر كافّة وإمامهم . فإن قلت : ما معنى قوله : لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم؟ قلت : لأنّهم إذا تأمّلوا الأدلّة وفكّروا فيها فقد نظروا لأنفسهم كما ينظر الإنسان لنفسه ليخلّصها من مضرّة عظيمة سبيلها أن تقع به إن لم ينظر في الخلاص منها : وهذا هو الوجه في وجوب النظر في طريق معرفة اللّه ، والخوف من إهمال النظر . فإن قلت : ما معنى قوله : «إلى الأخذ بما عرفوا ، والإمساك عمّا لم يكلَّفوا»؟ قلت : الأخذ بما عرفوا ، مثل أدلّة حدوث الأجسام وتوحيد الباري وعدله ، والإمساك عمّا لم يكلّفوا ، مثل النّظر في إثبات الجزء الَّذي لا يتجزأ ونفيه ، ومثل الكلام في الخلا والملا ، وأمثال ذلك مما لا يتوقّف أُصول التوحيد والعدل عليه ، فإنه لا يلزم أصحاب الجمل والمبادئ أن يخوضوا في ذلك ؛ لأنهم لم يكلّفوا الخوض فيه ؛ وهو من وظيفة قوم آخرين . واعلم أنّ ظاهر الكلام كونه يأمر بتقليد النبي صلى الله عليه و آله وسلموالأخذ بما في القرآن وترك النظر العقليّ ؛ هذا هو ظاهر الكلام ؛ ألا تراه كيف يقول له : الاقتصار على ما فرضه اللّه عليك ، والأخذ بما مضى عليه أهل بيتك وسلفك ؛ فإنّهم لما حاولوا النظر رجعوا بآخره إلى السمعيات ، وتركوا العقليات ؛ لأنّها أفضتْ بهم إلى ما لا يعرفونه ؛ ولا هو من تكليفهم . ثم قال له : فإن كرهت التقليد المحض ، وأحببت أن تسلك مسلكهم في النّظر ، وإن أفضى بك الأمر بأخرة إلى تركه والعود إلى المعروف من الشرعيّات وما ورد به الكتاب والسنّة ، فينبغي أن تنظر وأنت مجتمع الهمّ خالٍ من الشبهة ، وتكون طالبا للحقّ ، غير قاصد إلى الجدل والمراء ؛ فلمَّا وجدنا ظاهر اللفظ يقتضي هذه المعاني ، ولم يجز عندنا أنْ يأمر أمير المؤمنين عليه السلام ولده مع حكمته وأهلية ولده بالتّقليد وترك النظر ، رجعنا إلى تأويل كلامه على وجه يخرج به عليه السلام من أن يأمر بما لا يجوز لمثله أن يأْمر به . واعلم أنَّه قد أوصاه إذا همّ بالشروع في النظر بمحض ماذكره المتكلمون ، وذلك أُمور :

.

منها أن يرغب إلى اللّه في توفيقه وتسديده . ومنها أن يطلب المطلوب النظري بتفهّم وتعلم ؛ لا بجدال ومغالبة وهِراء ومخاصمة . ومنها اطّراح العصبية لمذهب بعينه ، والتورّط في الشبهات التي يحاول بها نصرة ذلك المذهب . ومنها ترك الإلْف والعادة ، ونصرة أمر يطلب به الرياسة ؛ وهو المعنيّ بالشوائب التي تولج في الضلال . ومنها أنْ يكون صافي القلب ، مجتمعَ الفكر ، غير مشغول السرّ بأمرٍ من جوع أو شِبع أو شبَق أو غضب ؛ ولايكون ذا هموم كثيرة ، وأفكار موزّعة مقسّمة ؛ بل يكون فكره وهمّه همّاً واحدا . قال : فإذا اجتمع لك كلّ ذلك فانظر ، وإن لم يجتمع لك ذلك ونظرت كنت كالنّاقة العشواء الخابطة لا تهتدي ، وكمن يتورّط في الظلماء لا يعلم أين يضع قدمه ! وليس طالب الدين مَنْ كان خابطاً أو خالطاً ، والإمساك عن ذلك أمثل وأفضل .

الأصْلُ:فَتَفَهَّمْ يَا بُنْيَّ وَصِيَّتِي ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ ، وَأَنَّ الْمُبتَلي هُوَ الْمُعَافِي ، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلاَّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ النَّعْمَاءِ ، وَالاْءِبْتِلاَءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لاَ تعْلَمُ ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ به ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ!

الشّرْحُ:قوله : «أو ما شاء ممّا لا تعلم» يجوز أن يريد عليه السلام أن اللّه تعالى قد يجازي المذنب في الدّنيا بنوع من العقوبة ، كالأسقام والفقر وغيرهما ، والعقاب وإن كان على وجه الاستحقاق والإهانة فيجوز لمستحقه وهو الباري أن يقتصر منه على الإيلام فقط ، لأنّ الجميع حقّه ، فله

.

أن يستوفي البعض ويسقط البعْض ، وقد روي «أو بما شاء» بالباء الزائدة ، وروي «بما لا يعلم » . وأمّا الثواب فلا يجوز أن يجازي به المحسن في الدّنيا ؛ لأنّه على صفة لا يمكن أن تجامع التكليف ، فيحمل لفظ الجزاء على جزاء العقاب خاصة . ثم أعاد عليه السلام وصيته الأولى ، فقال : وإن أشكل عليك شيء من أمر القضاء والقَدر ، وهو كون الكافر مخصوصا بالنعماء والمؤمن مخصوصا بضرب من الابتلاء ، وكون الجزاء قد يكون في المعاد ، وقد يكون في غير المعاد ، فلا تقدحنّ جهالتك به في سكون قلبك إلى ما عرفتك جملته ، وهو أنّ اللّه تعالى هو المحيي المميت ، المفني المعيد ، المبتلي المعافي ، وأنّ الدنيا بنيت على الابتلاء والإنعام ، وأنهما لمصالح وأُمور يستأثر اللّه تعالى بعلمها ، وأنه يجازي عباده إمّا في الآخرة أو غير الآخرة ، على حسب ما يريده ويختاره . ثم قال له : إنما خلقت في مبدأ خلقتك جاهلاً ، فلا تطلبن نفسك غاية من العلم لا وصول لها إليها ، أو لها إليها وصول بعد أُمور صعبة ، ومتاعب شديدة ، فمن خلق جاهلاً حقيق أن يكون جهله مدّة عمره أكثر من علمه استصحابا للأصل . ثم أراد أن يؤنسه بكلمة استدرك بها إيحاشه ، فقال له : وعساك إذا جهلت شيئا من ذلك أن تعلمه فيما بعد ، فما أكثر ما تجهل من الأُمور وتتحير فيه ، ثم تبصره وتعرفه ! وهذا من الطِّبّ اللطيف ، والرُّقَى الناجعة ، والسحر الحلال .

الأصْلُ:فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ . وَاعْلَمْ يَابُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ نَبيُّنا صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ؛ فَارْضَ بِهِ رَائِداً ، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً ، فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً ، وَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وَإِنِ اجْتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ .

الشّرْحُ:عاد إلى أمره باتّباع الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ، وأن يعتمد على السمع وما وردت به الشريعة ، ونطق به الكتاب ، وقال له : إنّ أحدا لم يخبر عن اللّه تعالى كما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه و آله وسلم ؛ وصدق عليه السلام ! فإنّ

.

التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب أنبياء بني إسرائيل لم تتضمّن من الأُمور الإلهية ما تضمنه القرآن ، وخصوصا في أمر المعاد . ثم ذكر له أنه أنصحُ له من كلّ أحد ؛ وأنه ليس يبلغ وإن اجتهد في النظر لنفسه ما يبلغه هو عليه السلام له ، لشدة حبّه له وإيثاره مصلحته . وقوله : «لم آلك نصحا» لم أقصّر في نصحك ، ألى الرجل في كذا يألو أي قصّر فهو آلٍ والفعل لازم ، ولكنه حذف اللام فوصل الفعل إلى الضمير فنصبه ، وكان أصله : لا آلو لك نصحا ، ونصحا منصوب على التمييز . قوله : «ومنه شفقتك» ، أي خوفك . ورائد : أصله الرجل يتقدّم القوم فيرتاد بهم المرعى .

الأصْلُ:وَاعْلَمْ يَابُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَلَعَرْفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ، لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ ، وَلاَ يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَلْ ، أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ أَوَّلِيَّةٍ ، وَآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بَلاَ نِهَايَةٍ ، عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بَإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ . فَإِذَا عَرَفْتَ ذلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ ، وَقِلَّةِ مَقْدُرَتِهِ ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ ، وَعَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ ، وَالْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَأَمُرْكَ إِلاَّ بِحَسَنٍ ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلاَّ عَنْ قَبِيحٍ .

الشّرْحُ:يمكن أن يستدلّ بهذا الكلام على نفى الثاني من وجهين : أحدهما : أنّه لو كان في الوجود ثانٍ للباري تعالى لما كان القول بالوحدانيّة حقّا ، بل كان الحقّ هو القول بالتثنية ، ومحال ألا يكون ذلك الثاني حكيما ، ولو كان الحقّ هو إثبات ثانٍ حَكِيم لوجب أن يبعث رسولاً يدعُو المكلّفين إلى التثنية ، لأنّ الأنبياء كلّهم دعوا إلى التّوحيد ، لكن التوحيد على هذا الفرض ضلالٌ ، فيجب على الثاني الحكيم أن يبعث من ينبّه المكلّفين على ذلك الضلال ويرشدهم إلى الحق وهو إثبات الثاني ، وإلاّ كان منسوبا في

.

إهمال ذلك إلى السّفه واستفساد المكلّفين ، وذلك لا يجوز ؛ ولكنا ما أتانا رسول يدعو إلى إثبات ثانٍ في الإلهيّة فبطل كون القول بالتوحيد ضلالاً ، وإذا لم يكن ضلالاً كان حقاً ؛ فنقيضه وهو القول بإثبات الثاني باطل . الوجه الثاني : أنه لو كان في الوجود ثانٍ للقديم تعالى لوجب أن يكون لنا طريقٌ إلى إثباته ، إمّا من مجرد أفعاله ، أو من صفات أفعاله ، أو من صفات نفسه ، أو لا من هذا ولا من هذا ، فمن التوقيف . وهذه هي الأقسام التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّ قوله : «أتتك رسله» هو التوقيف ، وقوله : «ولرأيت آثار ملكه وسلطانه» هي صفات أفعاله ، وقوله : « ولعرفت أفعاله وصفاته» هما القسمان الآخران . أما إثبات الثاني من مجرّد الفعل فباطل ؛ لأنّ الفعل إنما يدلّ على فاعل ولا يدلّ على التعدّد ، وأمّا صفات أفعاله وهي كون أفعاله محكمة متقنة ، فإن الإحكام الذي نشاهده إنّما يدل على عالم ولا يدلّ على التعدّد ، وأمّا صفات ذات الباري فالعلم بها فرع على العلم بذاته ، فلو أثبتنا ذاته بها لزم الدور . وأمّا التوقيف فلم يأتنا رسول ذو معجزة صحيحة يدعونا إلى الثاني ؛ وإذا بطلت الأقسام كلّها ، وقد ثبت أن ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته بطل القول بإثبات الثاني . ثم قال : «لا يضادّه في مُلْكه أحد» ، ليس يريد بالضدّ ما يريده المتكلّمون من نفي ذات هي معاكسة لذات الباري تعالى في صفاتها ، كمضادّة السواد للبياض ، بل مراده نفي الثاني لا غير ، فإنّ نفي الضدّ بحث آخر لا دخول له بين هذا الكلام . ثم ذكر له أنّ الباري تعالى قديم سابق للأشياء ، لا سبْقا له حدّ محدود ، وأول معيّن ، بل لا أوّل له مطلقا . ثم قال : وهو مع هذا آخر الأشياء ، آخرية مطلقة ليس تنتهي إلى غاية معينة . ثم ذكر أنّ له ربوبيّة جلّت عن أن تحِيط بها الأبصار والعقول .

الأصْلُ:يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا ، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا ، وَأَنْبَأتُكَ عَنِ الآخِرَةِ وَمَا اُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا ، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا . إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ ، نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ ، فأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً

.

وَجَنَاباً مَرِيعاً ، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ أَلَماً ، وَلاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً . وَلاَ شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ . وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ ، فَنَبا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ ، وَلاَ أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَليْهِ ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ .

الشّرْحُ:حذا عليه يحذو ، واحتذى مثاله ، يحتذي ، أي اقتدى به . وقوم سَفْر ، بالتسكين ، أي مسافرون . وأمُّوا : قصدوا . والمنزل الجديب : ضدّ المنزل الخصيب . والجناب المَرِيع بفتح الميم : ذو الكلأ والعشب ، وقد مَرُع الوادي ، بالضمّ . والجَناب : الفناء . ووعْثاء الطريق : مشقّتها . وجشوبة المطعم : غِلَظه ، طعام جشيب ومجشوب ، ويقال إنّه الذي لا أدْم معه . يقول : مثلَ من عرف الدنيا وعمل فيها للآخرة كمن سافر من منزل جدب إلى منزل خصيب ، فلقي في طريقه مشقّة ؛ فإنه لا يكترث بذلك في جنب ما يطلب ؛ وبالعكس من عمل للدنيا وأهمل أمر الآخرة ، فإنه كمن يسافر إلى منزل ضَنْك ويهجر منزلاً رحيبا طيباً ، وهذا من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «الدّنيا سِجْن المؤمن وجنّة الكافر» .

الأصْلُ:يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ ، وَارْضَ مِنَ النَّاس بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مَنْ نَفْسِكَ ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَاتَعْلَمُ ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الاْءِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ ، وَآفَةُ الْأَلْبَابِ ؛ فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ ، وَلاَ تَكُنْ

.

خَازِناً لِغَيْرِكَ ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ ، فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ .

الشّرْحُ:جاء في الحديث المرفوع : «لا يكمل إيمان عبدٍ حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه ، ويكره لأخيه ما يكره لنفسه» . وقال بعض الأسارى لبعض الملوك : افعل معي ما تحبّ أن يفعل اللّه معك ؛ فأَطلقَه ؛ وهذا هو معنى قوله عليه السلام : «ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم» . وقوله : «وأحسن» من قول اللّه تعالى : «وَأَحْسِنْ كما أحْسَنَ اللّهُ إليك» (1). وقوله : «واستقبح من نفسك» سئل الأحنف عن المروءة ، فقال : أن تستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك . وروي : «وارض من الناس لك» وهي أحسن . قوله عليه السلام : «فاسْعَ في كدحك» ، أي اذهب ما اكتسبت بالإنفاق ؛ والكدح هاهنا : هو المال الّذي كدح في حصوله ، والسعي فيه إنفاقه ؛ وهذه كلمة فصيحة وقد تقدّم نظائر قوله : « ولا تكن خازنا لغيرك» . ثم أمره أن يكون أخشع ما يكون للّه إذ هَدَاه لرشده ، وذلك لأنّ هدايته إيّاه إلى رشده نعمة عظيمة منه ، فوجب أن يقابل بالخشوع ؛ لأنّه ضرب من الشكر .

الأصْلُ:وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ ، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَأَنَّهُ لاَ غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الاْءِرْتِيَادِ ، وَقَدْرِ بَلاَغِكَ مِنَ الزَّادِ ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَـلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ ، وَأَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَلَعَلِّكَ تَطْلُبُهُ فَـلاَ تَجِدُهُ . وَاغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ أمَامَكَ عَقَبَةً كَؤوداً ، الُمخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِن الْمُثْقِلِ ، وَالْمُبْطِى ء عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ ، وَأَنَّ مَهْبَطَكَ بِهَا لاَ مَحَالَةَ ؛ إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ ، فَارْتَدْ

.


1) .سورة القصص ۷۷ .

لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ ، وَوَطِّى ء الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ ، وَلاَ إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ .

الشّرْحُ:أمره في هذا الفصل بإنفاق المال والصَّدَقة والمعروف . فقال : إنّ بين يديك طريقا بعيد المسافة ، شديد المشقّة ، ومَنْ سلك طريقا فلا غنىً له عن أن يرتاد لنفسه ، ويتزوّد من الزاد قدر ما يبلّغه الغاية ، وأن يكون خفيف الظهر في سفره ذلك ؛ فإيّاك أن تحمل من المال ما يثقِلكَ ؛ ويكون وبالاً عليك ؛ وإذا وجدت من الفقراء والمساكين مَنْ يحمل ذلك الثّقل عنك فيوافِيك به غدا وقت الحاجة فحمّله إياه ، فلعلك تطلب مالك فلا تجده . جاء في الحديث المرفوع : «خَمْس مَن أتى اللّهَ بهنّ أو بواحدة منهنّ أوجب له الجنّة : مَنْ سقى هامةً صادِية ، أو أطعم كبدا هافية ، أو كسا جلدة عارية ، أو حمل قدما حافية ، أو أعتق رقبة عانية» .

الأصْلُ:وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بَيَدِهِ خَزَائِنُ السَّموَاتِ وَالْأَرْض قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ ، وَتَكفَّلَ لَكَ بِالاْءِجَابَةِ ، وَأَمَرَكَ أن تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ ، وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بَالنِّقْمَةِ ، وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعرّضْتَ للْفَضِيحَةُ ، وَلَمْ يُشدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الاْءِنَابَةِ ، وَلَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ ، وَلَمْ يُؤِيسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنةً ، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً ، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً ، وَفَتحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ ، وَبَابَ الاِْسْتِعْتَابِ ؛ فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاك ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ ، فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ ، وَأَبْثَثْتَهُ ذاتَ نَفْسِكَ ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَك ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ ، وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غيْرُهُ ، مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ ، وَصِحَّةِ الْأَبْدَانِ ، وَسَعَةِ الْأَرْزَاقِ .

.

ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفاتِيحَ خَزائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلتِهِ ؛ فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ ، وَاسْتَمْطَرْتَ شآبِيبَ رَحْمَتِهِ ، فَلاَ يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ ، وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الاْءِجَابَةُ ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِلِ . وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَـلاَ تُؤتَاهُ ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً ، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاَكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ ، فَلْتَكُنْ مَسَأَلَتُكَ فِيَما يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ ؛ فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَلاَ تَبْقَى لَهُ .

الشّرْحُ:قوله : «بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة» ، هذا متَّفق عليه بين أصحابنا ، وهو أنّ تارك القبيح ؛ لأنّه قبيح يستحقّ الثواب . «وحسب سيئتك واحدة وحسب حسنتك عشراً» ؛ هذا إشارة إلى قوله تعالى : «مَنْ جَاءَ بِالحَسَنةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا» (1). قوله : «وأبثثته ذات نفسك» ، أي حاجتك . ثم ذكر له وجوهاً في سبب إبطاء الإجابة : منها أنّ ذلك أمر عائد إلى النيَّة ، فلعلَّها لم تكن خالصة . ومنها أنه ربما أخرت ليكون أعظم لأجر السائل ؛ لأنّ الثواب على قدر المشقة . ومنها أنّه ربما أخّرت ليعطى السائل خيرا مما سأل ، إمّا عاجلاً أو آجلاً ؛ أو في الحالين . ومنها أنه ربّما صرف ذلك عن السائل ؛ لأنّ في إعطائه إيّاه مفسدة في الدين . قوله : «فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له» ، لفظ شريف فصيح ، ومعنى صادق محقّق فيه عظة بالغة ؛ وقال أبو الطيب : أيْنَ الجبابرةُ الأكاسرَة الأُلَىكنزُوا الكُنوز فما بَقِينَ وَلاَ بَقُوا (2)ويروى : «من يحجبه عنك» . وروي : «حيث الفضيحة» ، أي حيث الفضيحة موجودة منك.

.


1) .سورة الأنعام ۱۶۰ .

2) .ديوانه ۲ : ۳۳۴ .

واعلم أنّ في قوله : «قد أذن لك في الدعاء ، وتكفّل لك بالإجابة» إشارة إلى قوله تعالى : «ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ» (1). وفي قوله : «وأمرك أن تسأله ليعطيَك» إشارة إلى قوله : «واسْألوا اللّهَ مِنْ فضله» (2). وفي قوله : «وتسترحمه ليرحمك» إشارة إلى قوله : «وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (3). وفي قوله : «ولم يمنعك إن أسأت من التوبة» إشارة إلى قوله : «إلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحا فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُورا رَحِيما» (4).

الأصْلُ:وَاعْلَمْ يَا بُنيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلاْخِرَةِ لاَ لِلدُّنْيَا ، وَلِلْفَنَاءِ لاَ لِلْبَقَاءِ ، وَلِلْمَوْتِ لاَ لِلْحَيَاةِ ؛ وَأَنَّكَ فِي مَنزِلِ قُلْعَةٍ ، وَدَارِ بُلْغَةٍ ، وَطرِيقٍ إِلَى الآخِرَةِ ، وَأَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ ، وَلاَ يَفُوتُهُ طَالِبُهُ ، وَلاَ بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ ؛ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذلِكَ ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكتَ نَفْسَكَ . يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ ، وَلاَ يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ . وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلاَدِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا ، وَتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا ، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللّهُ عَنْهَا ، وَنَعَتَتْ هِيَ لَكَ نَفْسِهَا ، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا ، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ ، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْض ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا ، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا . نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا ، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا . سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ

.


1) .سورة غافر ۶۰ .

2) .سورة النساء ۳۲ .

3) .سورة الأنفال ۳۳ .

4) .سورة الفرقان ۷۰ .

وَعْثٍ ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، وَلاَ مُسِيمٌ يُسِيمُهَا . سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى ، وَأخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى ، فَتاهُوا فِي حَيْرَتِهَا ، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا ، وَاتَّخَذُوهَا رَبّاً ، فَلَعِبَت بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا ، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا . رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّـلاَمُ ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ ؛ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ ! (1)

الشّرْحُ:يقول : هذا منزل قُلْعة ؛ بضم القاف وسكون اللام ، أي ليس بمستوطن ؛ يقول : هذا مجلس قُلْعة ، بضم القاف وسكون اللام ، اي ليس بمستوطن ؛ ويقال هذا مجلس قُلْعة إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرّة بعد مرّة . ويقال أيضا : هم على قُلْعة ، أي على رِحْلة ، والقُلْعة أيضا : هو المال العارية ، وفي الحديث : «بئس المال القُلْعة» ؛ وكلُّه يرجع إلى معنىً واحد . قوله : «ودار بلْغة» ، والبلغة : ما يتبلّغ به من العيش . قوله : «سروح عاهة» ، والسّروح : جمع سَرْح ؛ وهو المال السارح . والعاهة : الآفة ؛ أعاه القومُ أصابت ماشيتَهم العاهة . وواد وَعْث : لا يثبت الحافرُ والخُفّ فيه ، بل يغيب فيه ، ويشقّ على مَنْ يمشي فيه . وأوعث القوم : وقعوا في الوعْث . ومسِيم يُسيمها : راعٍ يرعاها . قوله : «رويداً يسفر الظلام ...» إلى آخر الفصل ، ثلاثة أمثال محرّكة لمن عنده استعداد . واستقرأني أبو الفرج محمد بن عباد رحمه الله وأنا يومئذٍ حَدَث هذه الوصيّة فقرأتها عليه من حِفْظي، فلمّا وصلتُ إلى هذا الموضع صاح صيحة شديدة، وسقط ـ وكان جبَّارا قاسيَالقلب.

الأصْلُ:وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ الَّليْلَ والنَّهَارَ ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً ، ويَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً .

.


1) .أدرك الشيء : لَحِقَهُ . يحول : حال بينهما ، حجز واعترض . أفضى : افتقر . افضى به إلى كذا : بلغ وانتهى به إليه . الأزر : الظهر ، والقوة . بغتة : فجأة . لا تغتر : لا تنخدع . أهمل : ترك . أضلّت : أضاعت . سروح : جمع سرح ، الماشية السائمة . العاهة : الآفة . الوعث : الأرض الرخوة التي تغوص الرجل فيها . وأسأم : ترك الحيوان يرعى على رسله .

وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ . فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ ، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ ؛ وَليسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ ، وَلاَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ . وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً . وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللّهُ حُرّاً . وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِشَرٍّ ، ويُسْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِعُسْرٍ . وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ . وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَكَ وَبْيَنَ اللّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ ، فإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ ، وَآخِذٌ سَهْمَكَ ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ .

الشّرْحُ:مثل الكلمة الأولى قول بعض الحكماء ـ وقد نسب أيضا إلى أمير المؤمنين عليه السلام ـ : أهل الدنيا كركْبٍ يُسار بهم وهم نيام . قوله : «مخفّض في الطلب» من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «إنّ روح القدس نفث في رُوعي أنّه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجْمِلوا في الطلب» (1).

الأصْلُ:وَتَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ ، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ ، وَحِفْظُ مَا فِي يَدِيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ ، وَمَرَارَةُ الْيَأس ، خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاس ، وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ

.


1) .تعدو : تتجاوز ، تعدّى الشيء جاوزه . الأجل : وقت الموت . السبيل : الطريق . أجمل : يقال : أجمل في الطلب ، أي اعتدل ولا تفرّط ، وفي الكلام : تلطّف . مجْمِل : معتدل . المحروم : الممنوع . الرغائب : الأمر المرغوب فيه ، العطاء الكثير . لن تعتاض : لن تحصل على البدل والخلف . توردك : تحضرك وتدنيك . مناهل : جمع منهل ، المورد . قسمك : نصيبك وكذلك سهمك .

الْفُجُورِ ، وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ ، وَرُبَّ سَاعٍ فِيَما يَضُرُّهُ ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ ، وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ . قَارِنْ أهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ ، وَبَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ . بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ ! وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ . إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً . رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً ، وَالدَّاءُ دَوَاءً . وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ . وَإِيَّاكَ وَالاِتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى ، وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ . بَادِرِ الْفُرْصَةَ ، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً . لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ ، وَلاَ كُلُّ غَائِبٍ يَؤُبُ ، وَمِنَ الْفَسَادِ ، إِضَاعَةُ الزَّادِ ، وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ . وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ ، سَوْفَ يَاْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ . التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ ، وَرُبَّ يَسِيرٍ ، أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ!

الشّرْحُ:هذا الكلام قد اشتمل على أمثال كثيرة حكميّة : أوّلها ـ قوله : «تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك» ، وهذا مثل قولهم : أنت قادر على أن تجعل صمتك كلاما ، ولستَ بقادر على أن تجعل كلامك صمتاً ؛ وهذا حقّ ؛ لأنّ الكلام يُسمع وينقل ؛ فلا يستطاع إعادته صمتاً ، والصمت عدم الكلام ، فالقادر على الكلام ، قادر على أن يبدّله بالكلام ، وليس الصمت بمنقول ولا مسموع فيُتعذَّر استدراكه . وثانيها ـ قوله : «حفظ ما في يَدَيْك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك» ، هذا مثل قولهم في المثل : البخل خير من سؤال البخيل . وليس مراد أمير المؤمنين عليه السلام وصايته بالإمساك والبخل ، بل نهيه عن التفريط والتبذير ، قال اللّه تعالى «وَلاَ تبْسُطْهَا كلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوما مَحْسُورا» (1). وثالثها ـ قوله : «مرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس» من هذا أخذ الشاعر قوله : وإن كان طعم اليأس مُرّا فإنّهُألذّ وأحْلَى من سؤال الأراذِلِ ورابعها ـ قوله : «الحِرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور» ، والحرْفة بالكسر مثل الحُرف بالضمّ ، وهو نقصان الحظ وعدم المال . ومنه قوله : «رجل محارَف» ، بفتح الراء ، يقول : لأنّ يكون المرء هكذا وهو عفيف الفَرْج واليد ، خير من الغنى مع الفجور ؛ وذلك لأنّ ألم الحرفة مع العفة ومشقّتها إنما هي في أيام قليلة وهي أيام العمر ، ولذّة الغنى إذا كان مع الفجور ، ففي مثل تلك الأيام يكون ؛ ولكن يستعقب عذاباً طويلاً ، فالحال الأُولى خيرٌ لا محالة . وأيضا ففي الدنيا خير أيضا للذكر الجميل فيها ، والذكر القبيح في الثانية ، وللمحافظة على المروءة في الأُولى وسقوط المروءة في الثانية . وخامسها ـ قوله : «المرء أحفظ لسرّه» ، أي الأوْلى ألاّ تبوح بسرّك إلى أحد ، فأنت أحفظ له من غيرك ؛ فإن أذعتَهُ فانتشر فلا تَلُمْ إلاّ نفسك ؛ لأنك كنت عاجزا عن حفظ سرّ نفسك ، فغيرك عن حفظ سرّك وهو أجنبيٌّ أعجز . وسادسها ـ قوله : «رُبَّ ساع فيما يضرّهُ» ، قال عبد الحميد الكاتب في كتابه إلى أبي مسلم : لو أراد اللّه بالنملة صلاحا ، لما أنبت لها جَناحا . وسابعها ـ قوله : «من أكثر أهجر» يقال : أهجر الرجل ؛ إذا أفحش في المنطق السوء والخنا . وهذا مثل قولهم : مَنْ كثر كلامه كثر سَقَطه . وثامنها ـ قوله : «مَنْ تفكّر أبصرَ» ؛ قالت الحكماء : الفكر تحديق العقل نحو المعقول ، كما أنّ النظر البصريّ تحديق البصر نحو المحسوس ، وكما أنّ من حدّق نحو المبصر وحدقته صحيحة والموانع مرتفعة لابدّ أن يبصره ؛ كذلك من نظر بعين عقله ، وأفكر فكراً صحيا ، لابدّ أن يدرك الأمر الذي فكّر فيه ويناله . وتاسعها ـ قوله : «قارن أهلَ الخير تكن معهم ، وباين أهل الشرّ تَبِنْ عنهم» ، كان يقال : حاجبك وجهك ، وكاتبك لسانك ، وجليسك كلّك . عن المرء لا تسألْ وسلْ عن قرينهِفكلّ قَرينٍ بالمُقارِن مُقْتَدِ وعاشرها ـ قوله : «بئس الطعام الحرام» ، هذا من قوله تعالى : «إنَّ الذِينَ يأْكُلونَ أمْوالَ اليَتَامى ظُلْما إنَّمَا يأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارا وَسيَصْلَوْنَ سَعِيرا» (2).

.


1) .سورة الإسراء ۲۹ .

2) .سورة النساء ۱۰ .

وحادي عشرها ـ قوله : «ظلم الضعيف أفحش الظلم» . وثاني عشرها ـ قوله : «إذا كان الرفق خرقاً ، كان الخرق رفقاً» ، يقول : إذا كان استعمال الرفق مفسدة وزيادةٌ في الشرّ فلا تستعمله ؛ فإنه حينئذٍ ليس برِفْق بل هو خرق ، ولكن استعمل الخرق فإنه يكون رفقا والحال هذه ؛ لأنّ الشر لا يلقى إلاّ بشر مثله . وثالث عشرها ـ قوله : «وربما كان الدواء داء ، والداء دواء» ؛ هذا مثل قول أبي الطيّب : * وربّما صَحَّتِ الأجسامُ بالعِلل * ومثله قول أبي نواس : * ودَاوِني بالّتي كانتْ هي الداء * ورابع عشرها ـ قوله : «ربما نصح غير الناصح ، وغشّ المستنصَح» كان المغيرة بن شعبة يبغض عليّا عليه السلام منذ أيام رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وأشار عليه يوم بُويع بالخلافة أن يقرّ معاوية على الشام مدة يسيرة ، فإذا خُطِب له بالشام وتوطّأت دعوته دعاه إليه ، وصرفه فلم يقبل ؛ وكان ذلك نصيحة من عدوّ كاشح . وخامس عشرها ـ قوله : «إياك والاتكال على المُنى ، فإنّها بضائع النَّوْكَى» ، جمع أنْوَك وهو الأحمق ، من هذا أخذ أبو تمام قوله : مَنْ كانَ مَرْعى عَزْمِهِ وَهُمُومِهِرَوْضُ الأماني لم يزلْ مهزولا وسادس عشرها ـ قوله : «العقل حفظ التجارِب» من هذا أخذ المتكلِّمون قولهم : العقل نوعان : غريزيّ ، ومكتسب ، فالغريزيّ العلوم البديهية ، والمكتسب ما أفادته التجربة وحفظته النفس . وسابع عشرها ـ قوله : «خير ما جرّبت ما وعظك» ، مثل هذا قول أفلاطون : إذا لم تعظك التجربة فلم تجرّب ، بل أنت ساذج كما كنت . وثامن عشرها ـ قوله : «بادر الفرصة ، قبل أن تكون غُصّة» . وتاسع عشرها ـ قوله : «ليس كل طالب يصيب ، ولا كل غائب يؤوب» الأُولى كقول القائل : ما كلّ وقتٍ ينالُ المرءُ ما طلبَاولا يسوّغه المقدار ما وَهَبَا والثانية كقول عَبِيد : وكلّ ذِي غيبةٍ يؤوبُوغائب الموت لا يؤوبُ (1)

.


1) .ديوانه ۱۳ .

العشرون ـ قوله : «من الفساد ، إضاعة الزاد ، ومفسدة المعاد» ، ولا ريب أنّ من كان في سفر وأضاع زاده ، وأفسد الحال التي يعود إليها فإنه أحمق ، وهذا مثلٌ ضربه للإنسان في حالتي دنياه وآخرته . الحادي والعشرون ـ قوله : «لكل أمر عاقبة» ، هذا مِثل المثَل المشهور : لكل سائلة قرار . الثاني والعشرون ـ قوله : «سوف يأتيك ما قدّر لك» ، هذا من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «وإنْ يقدّر لأحدكم رزق في قبّة جبل أو حضيض بِقاعٍ يأْتِهِ» . الثالث والعشرون ـ قوله : «التاجر مخاطر» هذا حقّ ؛ لأنّه يتعجّل بإخراج الثمن ولا يعلم : هل يعود أم لا ! وهذا الكلام ليس على ظاهره ، بل له باطن ، وهو أنّ مَنْ مزج الأعمال الصالحة بالأعمال السيئة ، مثل قوله : «خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وَآخرَ سَيّئا» (1)فإنه مخاطر لأنّه لا يأمن أن يكون بعض تلك السيّئات تحبط أعماله الصالحة ، كما لا يأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفّر تلك السيئات ، والمراد أنه لا يجوز للمكلّف أن يفعل إلاّ الطاعة أو المباح . الرابع والعشرون ـ قوله : «ربّ يسير ، أنمَى من كثير» ، قد جاء في الأثر : قد يجعل اللّه من القليل الكثير ، ويجعل من الكثير البركة .

.


1) .سورة التوبة ۱۰۲ .

الأصْلُ:لاَ خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ ، وَلاَ فِي صَدِيقٍ ظَنِينٍ . سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قُعُودُهُ ، وَلاَ تُخَاطِرْ بِشَيءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ . احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ وَالْمُقَارَبَةِ ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ ، وَكَأَنَّةُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ . وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ . لاَ تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً

.

فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ ؛ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً ، وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً ، وَلاَ أَلَذَّ مَغَبَّةً . وَلِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ ، وَخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ . وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذلِكَ يَوْماً مَّا . وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ ، وَلاَ تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ . وَلاَ يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ ، وَلاَ تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ ، وَلاَ يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَى الاْءِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الاْءِحْسَانِ . وَلاَ يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ .

الشّرْحُ:هذا الفصل قد اشتمل على كثير من الأمثال الحكيمة : فأوّلها ـ قوله : «لا خير في معين مهين ، ولا في صديق ظنين» ، مثل الكلمة الأُولى قولهم : إذا تكفّيْتَ بغير كافِوجدتَه للهمّ غيرَ شافِ ومن الكلمة الثانية أخذ الشاعر قوله : فإنّ من الإخوان مَنْ شَحَط النَّوىبه وهو راعٍ للوصال أمينُ ومنهم صديق العين أمّا لقاؤهفحُلْوٌ وأمّا غيبُه فظنِينُ وثانيها ـ قوله : «ساهل الدهر ما ذلّ لك قَعُوده» ؛ هذا استعارة ، والقَعُود البَكْر حين يمكّن ظهره من الركوب إلى أن يثنى ، ومثل هذا المعنى قولهم في المثل : مَنْ ناطح الدّهر أصبح أجمّ . ومثله : إذا الدهر أعطاك العِنان فسِرْ بِهِرويدا ولا تعنُفْ فيصبح شامِسَا وثالثها ـ قوله : «لا تخاطر بشيء رجاءَ أكثر منه» ، هذا مثل قولهم : مَن طلب الفضل ، حُرِم الأصل .

.

ورابعها ـ قوله : «إياك وأن تجمحَ بك مطيّة اللجاج» ، هذا استعارة ، وفي المثل : ألجّ من خنفساء ، وألجّ من زُنبور . وكان يقال : اللّجاج من القِحة ، والقِحة من قلّة الحياء ، وقلّة الحياء من قلّة المروءة ، وفي المثل : لجّ صاحبك فحُجّ . وخامسها ـ قوله : «احمل نفسك من أخيك» ، إلى قوله : «أو تفعله بغير أهله » اللّطَف ، بفتح اللام والطاء ، الاسم من ألطفه بكذا أي برّه به ، وجاءتنا لُطفة من فلان أي هديّة ، والملاطفة المبارّة . وروي «عن اللّطْف» وهو الرفق للأمر ؛ والمعنى أنّه أوصاه إذا قطعه أخوه أن يصله ، وإذا جفاه أن يبرّه ، وإذا بخل عليه أن يجود عليه ، إلى آخر الوصاة . ثم قال له : «لا تفعل ذلك مع غير أهله» . وسادسها ـ قوله : «لا تتخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادي صديقك» ، قد قال الناس في هذا المعنى فأكثروا ، قال بعضهم : إذا صافى صديقُك مَنْ تعادِيفقد عاداك وانقطَعَ الكلامُ وقال آخر : صديقُ صديقِي داخلٌ في صداقتِيوخصمُ صديقي ليس لي بصديقِ وسابعها ـ قوله : «وامحض أخاك النصيحة ، حسنة كانت أو قبيحة» ؛ ليس يعني عليه السلام بقبيحة هاهنا القبيح الذي يستحق به الذم والعقاب ؛ وإنّما يريد نافعة له في العاجل كانت أو ضارة له في الآجِل ، فعبّر عن النفع والضرر بالحسن والقبيح ، كقوله تعالى : «وَإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذَا هُمْ يَقْنَطُونَ» (1). وقد فسّره قوم فقالوا : أراد : كانت نافعة لك أو ضارّة لك . ويحتمل تفسير آخر وهو وصيّته إيّاه أن يمحض أخاه النصيحة سواء كانت ممّا لا يستحيا من ذكرها وشياعها ، أو كانت مما يستحيا من ذكرها واستفاضتها بين الناس ، كمن ينصح صديقه في أهله ويشير عليه بفراقهم لفجور اطّلع عليه منهم ؛ فإنّ النّاس يسمون مثل هذا إذا شاع قبيحا . وثامنها ـ قوله : «تجرّع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذّ مغبّة » هذا مثْل قولهم : الحلم مرارة ساعة ، وحلاوة الدهر كلّه . وكان يقال : التذلّل للناس مصايد الشرف . وتاسعها ـ قوله : «لِنْ لمن غالظك ، فإنّه يوشك أن يلين لك» ، هذا مثل المثل المشهور : إذا عزّ أخوك فهُنْ ، والأصل في هذا قولُه تعالى : «ادْفَع بالَّتي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ

.


1) .سورة الروم ۳۶ .

وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كأَنَّه وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (1). وعاشرها ـ قوله : «خذ على عدوِّك بالفضل فإنّه أحد الظَّفَرين» ، هذا معنى مليح ، ومنه قول ابن هانئ في المعزّ : ضَرّابُ هامِ الرّومِ منتقما وفيأعناقهم من جُودِهِ أعبَاءُ لولا انبعاث السّيف وهو مسلّطٌفي قتلهم قتَلتْهُم النَّعماءُ وحادي عشرها ـ قوله : «إنْ أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدَا ذلك له يوما» ، هذا مثْل قولهم : أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغِض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبَك يوما ما . وما كانَ يقول : إذا هويت فلا تكن غاليا ، وإذا تركت فلا تكن قالياً . وثاني عشرها ـ قوله : «مَنْ ظنّ بك خيراً فصدّق ظنّه» ، كثير من أرباب الهمم يفعلون هذا ، يقال لمن قد شد طرفا من العلم : هذا عالم ، هذا فاضل ، فيدعوه ما ظنّ فيه من ذلك إلى تحقيقه ، فيواظب على الاشتغال بالعلم حتى يصير عالماً فاضلاً حقيقة . وثالث عشرها ـ قوله «ولا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالاً على ما بينك وبينه ، فإنه ليس لك بأخٍ من أضعت حقّه» ، من هذا النحو قول الشاعر : إذا خنتُم بالغيْب عهدِي فما لكمتُدِلّون إدلالَ المقيم على العهدِ صِلُوا وافعلوا فعلَ المدِلّ بوصِلِهوإلاّ فصُدّوا وافعلوا فعلَ ذي الصّدِّ وكان يقال : إضاعة الحقوق ، داعية العقوق . ورابع عشرها ـ قوله : «لا ترغبنّ فيمن زهد فيك» ، الرغبة في الزاهد هي الداء العياء . قال العباس بن الأحنف : مازِلْتُ أزْهَدُ في مودّةِ راغبٍحتى ابتليت برغبةٍ في زاهدِ هذا هو الدّاء الّذِي ضاقت بهحِيَلُ الطبيب وطال يأس العائدِ وخامس عشرها ـ قوله : «لا يكوننّ أخوك أقوى على قطعيتك منك على صلته ، ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان» ، هذا أمر له بأن يصل مَنْ قطعه ، وأن يحسن إلى من أساء إليه .

.


1) .سورة فصلت ۳۴ .

وسادس عشرها ـ قوله : «لا يكبرنّ عليك ظُلْم مَنْ ظلمك ، فإنّه يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرّك أن تسوءه» ، وقوله عليه السلام : «وليس جزاء من سرّك أن تسوءه» ، يقول : لا تنتقم ممن ظلمك فإنه قد نفعك في الآخرة بظلمه لك ، وليس جزاء مَنْ ينفع إنسانا أن يسيء إليه . وهذا مقام جليل لا يقدر عليه إلاّ الأفراد من الأولياء الأبرار . ومن الناس من يجعل قوله عليه السلام : «وليس جزاء من سرك أن تسوءه» ، كلمة مفردة مستقلّة بنفسها ، ليست من تمام الكلام الأول ، والصحيح ما ذكرناه . وسابع عشرها ـ ومن حقه أن يقدم ذكره قوله : «ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك» ، هذا كما يقال في المثل : من شؤم الساحرة أنّها أول ما تبدأ بأهلها ، والمراد من هذه الكلمة النّهي عن قطيعة الرّحِم وإقصاء الأهل وحرمانهم ، وفي الخبر المرفوع : «صلوا أرحامكم ولَوْ بالسلام» .

الأصْلُ:وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ . مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى ! إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ ، مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ ، وَإِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ ، فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ . اسْتَدِل عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ ؛ وَلاَ تَكُونَنَّ مِمَّنْ لاَ تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلاَّ إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلاَمِهِ ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالآدَابِ ، وَالْبَهَائِمَ لاَ تَتَّعِظُ إِلاَّ بِالضَّرْبِ . اِطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ . مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ ، وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ ، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ . وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى ، وَرُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ ، وَقَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ . مَنْ تَعَدَّى الْحَقِّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ . وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّهِ سُبْحَانَهُ . وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ . قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً ، إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلاَكاً . لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ ، وَلاَ كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ ، وَأَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ . أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ

.

تَعَجَّلْتَهُ ، وَقَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ . مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ . لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ . إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ . سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ .

الشّرْحُ:واعلم أنّ هذا الفصل يشتمل على نكت كثيرة حكمية : منها قوله «الرزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك» ، وهذا حقّ ؛ لأنّ ذلك إنّما يكون على حسب ما يعلمه اللّه تعالى من مصلحة المكلّف ، فتارةً يأتيه الرزق بغير اكتساب ولا تكلّف حركة ، ولا تجشّم سَعْي ، وتارة يكون الأمر بالعكس . وأمّا الرّزق الذي يطلبه الإنسان ويسعى إليه فهو كثير جدا لا يحصى . ومنها قوله : «ما أقبح الخضوع عند الحاجة ، والجفاء عند الغنى» ! هذا من قول اللّه تعالى : «حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أنّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ * فَلمَّا أنْجَاهُمْ إذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِالحَقِّ» (1). ومنها قوله : «إنّما لك من دنياك ، ما أصلحت به مثواك» ، هذا من كلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «يابن آدم ، ليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدّقت فأبقيت» . ومنها قوله : «وإن كنت جازعا على ما تفلّت من يديك ، فاجْزَع على كلّ ما لم يصل إليك» ، يقول : لا ينبغي أنْ تجزَعَ على ما ذهب من مالك ، كما لا ينبغي أن تجزع على ما فاتك من المنافع والمكاسب ؛ فإنّه لا فرق بينهما ، إلاّ أنّ هذا حصل ، وذاك لم يحصل بعد ؛ وهذا فرق غير مؤثّر ؛ لأنّ الذي تظنّ أنه حاصل لك غير حاصل في الحقيقة ، وإنما الحاصل على الحقيقة ما أكلتَه ولبستَه ، وأمّا القنيات والمدّخرات فلعلّها ليست لك . ومنها قوله : «استدلّ على ما لم يكن بما كان ، فإن الأُمور أشباه» يقال : إذا شئت أن تنظر للدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك .

.


1) .سورة يونس ۲۲ ، ۲۳ .

ومنها قوله : «ولا تكونَنّ ممّن لا تنفعه العظة ...» إلى قوله : «إلاّ بالضرب» ، هو قول الشاعر : العبد يُقَرع بالعصَاوالحرّ تكفيه الملامهْ (1)وكان يقال : اللئيم كالعبد ، والعبد كالبهيمة عَتْبها ضربُها . ومنها قوله : «اطّرح عنك واردات الهموم بحسن الصبر وكرم العزاء» ، هذا كلام شريف فصيح عظيم النفع والفائدة . ومنها قوله : «مَنْ ترك القصد جار» ، القصد الطريق المعتدل ، يعني أنّ خير الأُمور أوسطها ، فإن الفضائل تحيط بها الرذائل فمن تعدّى هذه يسيرا وقع في هذه . ومنها قوله : «الصاحب مناسب» ، كان يقال : الصديق نسيب الروح ، والأخ نسيب البدن . ومنها قوله : «الصديق مَنْ صدق غيبه» ، من هاهنا أخذ أبو نواس قوله : هل لك والْهَلّ خَبَرْفيمن إذا غبتَ حضرْ أو مالَكَ اليوم أَثَرْفإن رأى خيراً شَكَرْ * أو كان تقصير عَذَرْ * ومنها قوله : «الهوى شريك العمى» ، هذا مِثلُ قولهم : حبُّك الشيء يُعمِي ويُصِمّ قال الشاعر : وَعَيْنُ الرّضا عن كلِّ عيب كليلةٌكما أنّ عينَ السُّخط تُبْدِيالمَسَاويَا (2)ومنها قوله : «ربّ بعيد أقرب من قريب ، وقريب أبعد من بعيد» ، هذا معنى مطروق ، قال الشاعر : لعمركَ ما يضرّ البُعدُ يوماإذَا دَنَت القلوبُ من القلوبِ ومنها قوله «والغريب من لم يكن له حبيب» يريد بالحبيب هاهنا المحبّ لا المحبوب . ومنها قوله : «مَنْ تعدّى الحقّ ضاق بمذهبه» ، يريد بمذهبه هاهنا طريقته ، وهذه استعارة ، ومعناه أنّ طريق الحقّ لا مشقّة فيها لسالكها ، وطرق الباطل فيها المشاقّ والمضارّ ، وكأن سالكها سالك طريقة ضيّقة يتعثّر فيها ، ويتخبّط في سلوكها . ومنها قوله : «مَنْ اقتصر على قدره كانَ أبقى له» ، هذا مثل قوله : «رحم اللّه امرأ عرف

.


1) .لابن مفرغ ، الشعر والشعراء ۳۱۵ .

2) .لعبد اللّه بن معاوية ، الأغاني ۱۲:۲۱۴ .

قدره ، ولم يتعدّ طوره » ، وقال : «مَن جهل قدره قتل نفسه» . وقال أبو الطيّب : وَمَنْ جهلت نفسُه قدرَهُرأى غيرُه منه ما لا يَرَى ومنها قوله : «أوثق سبب أخذتَ به سببٌ بينك وبين اللّه سبحانه» ، هذا من قول اللّه تعالى : «فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ باللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا» (1). ومنها قوله : «فمن لم يبالك فهو عدوّك» ، أي لم يكترث بك ، وهذه الوصاة خاصّة بالحسن عليه السلام وأمثاله من الولاة وأرباب الرعايا ، وليست عامّة للسُّوقة من أفْناء الناس ، وذلك لأنّ الواليَ إذا أنس من بعض رعيّته أنه لا يباليه ولا يكترث به ، فقد أبدى صفحته ، ومن أبدى لك صَفحته فهو عدوّك ، وأمّا غير الوالي من أفناء الناس ، فليس أحدهم إذا لم يبال الآخر بعدوٍّ له. ومنها قوله : «قد يكونُ اليأس إدراكا ، إذا كان الطمع هلاكا» ، هذا مثل قول القائل : مَنْ عاشَ لاقَى ما يسوء من الأُمور وما يسُرّ وَلَرُبَّ حتفٍ فَوْقَهُذهبٌ وياقوتٌ ودرّ والمعنى : ربّما كان بلوغ الأمل في الدنيا والفوز بالمطلوب منها سببا للهلاك فيها ؛ وإذا كان كذلك ، كان الحرمان خيرا من الظفر . ومنها قوله : «ليس كلّ عورة تظهر ، ولا كلّ فرصة تصاب» يقول : قد تكون عورة العدوّ مستترةً عنك فلا تظهر ، وقد تظهر لك ولا يمكنك إصابتها . وقال بعض الحكماء : الفرصة نوعان : فرصة من عدوّك ، وفرصة في غير عدوّك ، فالفرصة من عدوّك ما إذا بلغتها نفعتك ، وإن فاتتك ضرّتك ، وفي غير عدوّك ما إذا أخطأك نفعه لم يصلْ إليك ضرّه . ومنها قوله : «فربما أخطأ البصير قصدَه ، وأصاب الأعمى رشده» ، من هذا النحو قولهم في المثل : مع الخواطئ سهم صائب ، وقولهم : «رمية من غير رام » . وقالوا في مثل اللفظة الأُولى : الجواد يكبُو ، والحسام قد ينبو . ومنها قوله : «أخّر الشرّ فإنك إذا شئت تعجّلتَه» ، مثل هذا قولهم في الأمثال الطفيليّة : «كلْ إذا وجدت ، فإنك على الجوع قادر» . ومن الأمثال الحِكَمية : ابدأ بالحسنة قبل السيئة ،

.


1) .سورة البقرة ۲۵۶ .

فلست بمستطيع للحسنة في كلّ وقت ، وأنت على الإساءة متى شئت قادر . ومنها قوله : «قطيعة الجاهل تعدل صِلة العاقل» ، هذا حق ؛ لأنّ الجاهل إذا قطعك انتفعت ببعده عنك ، كما تنتفع بمواصلة الصديق العاقل لك . ومنها قوله : «منْ أمن الزمان خانه ، ومن أعظمه هانه» ، مثل الكلمة الأُولى قول الشاعر : ومَنْ يأمن الدّنيا يكن مثل قابضٍعلى الماء خَانتْهُ فروجُ الأنامِل وقالوا : احذر الدنيا ما استقامتْ لك . ومن الأمثال الحكمية : من أمن الزمان ضيّع ثغرا مَخُوفا . ومثل الكلمة الثانية قولهم : الدنيا كالأمة اللئيمة المعشوقة ، كلما ازددت لها عشقا وعليها تهالُكا ازدادت لك إذلالاً ، وعليك شطاطاً . ومنها قوله : «سل عن الرفيق قبل الطريق ؛ وعن الجار قبل الدار» ، وقد روي هذا الكلام مرفوعا ، وفي المثل : جار السوء كلب هارش ، وأفعى ناهش .

الأصْلُ:إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَـلاَمِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً ، وَإِنْ حَكَيْتَ ذلِكَ عَنْ غَيْرِكَ . وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأَيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ ، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ ، وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ ، وَلَيَسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ . وَلاَ تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ . وَلاَ تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا ، وَلاَ تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا . وَإِيَّاكَ وَالتَّغايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ ، فَإِنَّ ذلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ ، وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ . وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلاَّ يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ . وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ ، وَيَدُكَ الَّتي بِهَا تَصُولُ . اسْتَوْدِعِ اللّهَ دِينَكَ وَدُنْيَاكَ ، وَاسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالآجِلَةِ ، وَالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَالسَّلاَمُ .

.

الشّرْحُ:نهاه أن يذكر من الكلام ما كان مضحكا ؛ لأنّ ذلك مِنْ شغل أرباب الهزل والبَطالة ، وقلّ أنْ يخلو ذلك من غيبة أو سخرية . ثم قال : وإن حكيت ذلك عن غيرك ، فإنه كما يستهجن الابتداء بذلك يستهجن حكايته عن الغير ؛ وذلك كلام فصيح ألا ترى أنّه لا يجوز الابتداء بكلمة الكفر ، ويكره أيضا حكايتها . فأما مشاورة النساء فإنّه من فِعْل عَجزَة الرجال . قوله عليه السلام : «فإنّ رأيَهنَّ إلى أفْن» الأفْن بالسكون : النقص ، والمتأفّن : المتنقّص ، يقال : فلان يتأفّن فلاناً ، أي يتنقّصه ويعيبه . ومن رواه «إلى أفَنٍ» بالتحريك فهو ضعيف الرأي ، أفِن الرجل يأفِن أفَنا ، أي ضعف رأيه . والوهن : الضعف . قوله : «واكفُفْ عليهنّ من أبصارهنّ» من هاهنا زائدة ؛ وهو مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الموجب ، ويجوز أن يحمل على مذهب سيبويه ، فيعني به : فاكفف عليهنّ بعض أبصارهنّ . ثم ذكر فائدة الحجاب ، ونهاه أن يُدخِلَ عليهنّ من لا يُوثق به ؛ وقال : إنّ خروجهنّ أهونُ من ذلك ، وذلك لأنّ مَنْ تلك صفتُه يتمكن من الخلوة ما لا يتمكن منه مَنْ يراهنّ في الطرقات . قال : «ولا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها» ، أي لا تدخلها معك في تدبير ولا مشورة ، ولا تتعدّينّ حال نفسها وما يصلح شأنها . فإن المرأة ريحانةٌ ، وليست بقهرمانة ، أي إنما تصلح للمتعة واللذّة ، وليست وكيلاً في مال ، ولا وزيرا في رأي . ثم أكّد الوصيّة الأُولى ، فقال : لا تَعْدُ بكرامتها نفسها ، هذا هو قوله : «ولا تملّكها من أمرها ما جاوز نفسها» . ثم نهاه أن يطمِعَها في الشفاعات . فأما قوله عليه السلام : «إيّاك والتغاير في غير موضع غَيْرة» فقد قيل هذا المعنى ، قال بعض المحدثين : يا أيّها الغائر مَهْ لا تغَرْإلاّ لِمَا تُدْركه بالبَصَرْ ما أنت في ذلك إلاّ كمنْبيّته الدبّ لرمْيِ الحجرْ فأما قوله : «واجعل لكلّ إنسان من خَدَمك عملاً تأخذه به» ، قال أبرويز في وصيّتِهِ لولده شيرويه : ولا تجعل أمرك فوضَى بين خدمِك فيفسد عليك ملكك . وأمّا قوله : «فأكرِم عشيرتك فإنّهم جناحك» ، فقد تقدّم منّا كلام في وجوب الاعتضاد بالعشائر .

.

۳۲. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

۳۲الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةوأرْدَيْتَ جِيلاً مِنَ النَّاس كَثِيراً ؛ خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ ، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ ، وَتَتَـلاَطَمُ بِهِمُ الشُّبُّهَاتُ ، فَجَارُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ ، وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدبـَارِهِمْ ، وَعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ ، إِلاَّ مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ ، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ ، وَهَرَبُوا إِلَى اللّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ ، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ . فَاتَّقِ اللّهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ ، وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قيَادَكَ . فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ ، وَالآخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ ، وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:أرديتَهم : أهلكتهم . وجيلاً من الناس ، أي صنفا من الناس . والغيّ : الضلال . وجاروا : عدلوا عن القصد . ووِجهتهم ، بكسر الواو ، يقال : هذا وجه الرأي ، أي هو الرأي بنفسه ، والاسم الوِجْه بالكسر ويجوز بالضم . قوله : «وعوّلوا عَلَى أحسابهم» ، أي لم يعتمدوا على الدّين ؛ وإنما أردتهم الحميّة ونخوة الجاهلية فأخلدوا إليها وتركوا الدين ، والإشارة إلى بني أُميّة وخلفائهم الَّذين اتّهموه عليه السلام بدم عثمان ، فحاموا عن الحسب ، ولم يأخذوا بموجب الشرع في تلك الواقعة . ثم استثنى قوما فاؤوا أي رجعوا عن نُصرة معاوية ؛ وقد ذكرنا في أخبار صِفّين مَنْ فارق معاوية ورجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، أو فارقه واعتزل الطائفتين . قوله : «حملتهم على الصعب» أي على الأمر الشاقّ ؛ والأصل في ذلك البعير المستصعَب يركبه الإنسان فيغرّر بنفسه .

.

۳۳. ومن كتاب له عليه السلام إلى قُثَم بن العبّاس وهو عامله على مكّة

وأول هذا الكتاب : «من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان ، أمّا بعد ، فإنّ الدنيا دار تجارة ، وربحها أو خُسرها الآخرة ؛ فالسعيد مَنْ كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة ، ومَنْ رأى الدنيا بعينها ، وقدّرها بقدرها ؛ وإني لأعِظك مع علمي بسابق العلم فيك ممّا لا مردّ له دون نَفاذه ؛ ولكن اللّه تعالى أخذ على العلماء أن يؤدّوا الأمانة ، وأن ينصحوا الغويّ والرشيد ، فاتّق اللّه ولا تكن ممّن لا يرجو للّه وقاراً ، ومَن حقّت عليه كلمة العذاب ؛ فإنّ اللّه بالمرصاد . وإنّ دنياك ستدبر عنك ، وستعود حسرةً عليك ؛ فأقلع عمّا أنت عليه من الغيّ والضلال ، على كبر سنّك ، وفناء عمرك ؛ فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح مِن جانب إلاّ فسد من آخر ، وقد أرديتَ جيلاً من الناس كثيرا ، خدعتهم بغيّك ...» إلى آخر الكتاب . قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني : فكتب إليه معاوية : من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ، أمّا بعد ؛ فقد وقفتُ على كتابك ، ... الخ .

۳۳الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى قُثَم بن العبّاس وهو عامله على مكّةأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أنـّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، الْعُمْيِ الْقُلُوبِ ، الصُمِّ الْأَسْمَاعِ ، الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ ، الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَ بِالبَاطِلِ ، وَيُطِيعُونَ الَْمخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ ، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ ؛ وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلاَّ عَامِلُهُ ، وَلاَ يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلاَّ فَاعِلُهُ . فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الطَّبِيبِ ، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ ، التَّابِـعِ لِسُلْطَانِهِ ، الْمُطِيعِ لاِءِمَامِهِ . وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ ، وَلاَ تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً ،

.

وَلاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً ، وَالسَّلاَمُ (1).

الشّرْحُ:كان معاوية قد بعث إلى مكّة دعاة في السرّ يدعون إلى طاعته ، ويثبّطون العرب عن نصرة أميرِ المؤمنين ، ويوقعون في أنفسهم أنه إمّا قاتلٌ لعثمان أو خاذل ، وإنّ الخلافة لا تصلح فيمن قتل أو خذل ، وينشرون عندهم محاسن معاوية ـ بزعمهم ـ وأخلاقه وسيرته ، فكتب أميرُ المؤمنين عليه السلام هذا الكتاب إلى عامله بمكّة ، ينبّهه على ذلك ليعتمد فيه بما تقتضيه السياسة ، ولم يصرح في هذا الكتاب بماذا يأمره أن يفعل إذا ظفر بهم . قوله : «عيني بالمغرب» ، أي أصحاب أخباره عند معاوية ، وسمّى الشام مغربا ؛ لأنّه من الأقاليم المغربية . والموسم : الأيام التي يقام فيها الحج . «ويحتلبون الدنيا دَرّها بالدّين» دلالة على ما قلنا : إنّهم كانوا دُعاة يظهرون سَمْت الدين ، وناموس العبادة ، وفيه إبطال قول مَنْ ظنَّ أنْ المراد بذلك السّرايا التي كان معاوية يبعثها ، فتُغِيرُ على أعمال عليّ عليه السلام . ودرَّها منصوب بالبدل من «الدنيا» ، وروي : «الذين يلتمسون الحق بالباطل» ، أي يطلبونه ؛ أي يتبعون معاوية وهو على الباطل التماسا وطلبا للحقّ ، ولا يعلمون أنهم قد ضلوا . قوله : «وإيّاك وما يعتذرُ منه» من الكلمات الشريفة الجليلة الموقع ، وقد رويت مرفوعة ، وكان يقال : ما شيء أشدّ على الإنسان من حمْل المروءة ، والمروءة ألاّ يعمل الإنسان في غيبة صاحبه ما يُعتذَر منه عند حضوره . «ولا تكن عند النعماء بطراً ، ولا عند البأساء فشلاً» معنىً مستعمل ، قال الشاعر : فلستُ بمفراح إذا الدّهر سرّنِيولا جازعٌ من صَرْفه المتقلّبِ ولا أتمنى الشرّ والشرّ تاركيولكن مَتَى أُحمَل على الشّر أركبِ

.


1) .الكُمْه : جمع أكمه ، وهو من ولد أعمى . الدَّر : اللبن . النعماء : الرخاء والسعة . البطر : الشديد الفرح مع ثقة بدوام النعمة .

۳۴. ومن كتاب له عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر لما بلغه تَوَجُّدُهُ من عزله بالأشتر

۳۴الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه تَوَجُّدُهُ من عزله بالأشتر عن مصر ، ثم توفي الأشتر في توجهه إلى هناك قبل وصوله إليها :أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ ، وَإِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ في الجَهْدِ ، وَلاَ ازْدِياداً لَكَ فِي الْجِدِّ ، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ ، لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً ، وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلاَيَةً . إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً ، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً ، فَرَحِمَهُ اللّهُ ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ ، وَلاَقَى حِمَامَهُ ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ ؛ أَوْلاَهُ اللّهُ رِضْوَانَهُ ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ . فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ ، وَامْض عَلَى بَصيرَتِكَ ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ ، وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ، وَأَكْثِرِ الاِسْتَعَانَةَ بِاللّهِ يَكْفِكَ مَا أَهْمَّكَ ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ ، إِنْ شَاءَ اللّهُ .

الشّرْحُ:أُمّ محمد رحمه الله أسماء بنت عُميس الخثعميّة ، وهي أُخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، وأخت لبابة أم الفضْل وعبد اللّه زوج العباس بن عبد المطلب ؛ وكانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة ، وهي إذ ذاك تحت جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، فولدت له هناك محمد وعبد اللّه وعونا ، ثم هاجرت معه إلى المدينة ، فلما قتِل جعفر يوم مؤتة تزوّجها أبو بكر . فولدت له محمدا هذا ثمّ مات عنها فتزوجها علي عليه السلام وولدت له يحيى بن علي . ثم كان في حجر علي عليه السلام ، وكان يُثني عليه ويقرّظه ويفضّله . قوله : «فقد بلغني موجدتك» ، أي غضبك ، وجدت على فلان مَوْجِدة ، ووِجدانا لغة

.

۳۵. ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن العباس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر

قليلة . فأما في الحزن فلا يقال إلاّ وَجَدت أنا ، بالفتح لا غير . والجَهد : الطاقة ، أي لم استبطئك في بذل طاقتك ووسعك ، ومن رواها الجَهْد بالفتح فهو من قولهم : اجهد جَهدك في كذا ، أي ابلغ الغاية ، ولا يقال هذا الحرف هاهنا إلاّ مفتوحا . ثمّ طيّب عليه السلام نفسه بأن قال له : لو تمّ الأمر الذي شرعت فيه من ولاية الأشتر مصرلعوّضتك بما هو أخفّ عليك مؤونة وثقلاً ، وأقلّ نصبا من ولاية مصر ؛ لأنّه كان في مصر بإزاء معاوية من الشام وهو مدفوع إلى حربه . ثم أكّد عليه السلام ترغيبه بقوله : «وأعجب إليك ولاية» . فإن قلت : ما الذي بيده ممّا هو أخفّ على محمد مؤونة وأعجب إليه من ولاية مصر؟ قلت : ملْك الإسلام كلُّه كان بيد علي عليه السلام إلاّ الشام ، فيجوز أن يكون قد كان في عزمه أن يولّيَه اليمن أو خراسان أو أرمينيَة أو فارس . ثم أخذ في الثناء على الأشتر وكان علي عليه السلام شديد الاعتضاد به ، كما كان هو شديد التحقّق بولايته وطاعته . وناقما ، من نقمت على فلان كذا ، إذا أنكرته عليه وكرهته منه . ثم دعا له بالرضوان ؛ ولست أشك بأنّ الأشتر بهذه الدعوة يغفر اللّه له ويكفّر ذنوبه ، ويدخله الجنّة ، ولا فرق عندي بينها وبين دعوة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ويا طُوبَى لمن حصل له من علي عليه السلام بعض هذا . قوله : «فأصْحَر لعدوّك» ، أي ابرز له ولا تستتر عنه بالمدينة التي أنت فيها ، أصحر الأسدُ من خِيسه ، إذا خرج إلى الصحراء . وشمر فلان للحرب ، إذا أخذ لها أُهبتَها .

۳۵الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عبدللّه بن العباس بعد مقتل محمّد بن أبي بكرأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ـ رَحِمَهُ اللّهُ ـ قَدِ اسْتُشْهِدَ ، فَعِنْدَ اللّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً ، وَعَامِلاً كَادِحاً ، وَسَيْفاً قَاطِعاً ، وَرُكْناً دَافِعاً .

.

وَقَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ النَّاسَ عَلَى لِحَاقِهِ ، وَأَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ ، وَدَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَجَهْراً ، وَعَوْداً وَبَدْءًا ، فَمِنْهُمُ الآتِي كَارِهاً ، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً ، وَمِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلاً . أَسْأَلُ اللّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجلاً ؛ فَوَاللّهِ لَوْلاَ طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ ، وَتَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ ، لَأَحْبَبْتُ أَلاَّ أبْقى مَعَ هؤُلاَءِ يَوْماً وَاحِداً ، وَلاَ ألتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً .

الشّرْحُ:انظر إلى الفصاحة كيف تعطِي هذا الرّجل قيادها ، وتملّكه زمامها ؛ واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه وتطاوعه ؛ سِلسة سهلة تتدفق من غير تعسّف ولا تكلّف ؛ حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : «يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبدا» ، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قَسْرَها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثرٌ بيّن ، وعلامة واضحة ، وهذا الصِّنْف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر . ثم إن فواصل كلّ واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية . ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ؛ كيف قال : « ولداً ناصحا» ، « وعاملاً كادحا» ، «وسيفا قاطعا» ، «وركنا دافعا» ، لو قال : «ولداً كادحا» و «عاملاً ناصحا» ، وكذلك ما بعده لما كان صوابا ، ولا في الموقع واقعا ، فسبحان اللّه من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! ولا غرو فيمن كان محمد صلى الله عليه و آله وسلم مربّيه ومخرِجه ، والعناية الإلهية تمدّه وترفُدُه أن يكون منه ما كان! يقال : احتسب ولده ، إذا مات كبيرا ، وافترط ولده ، إذا مات صغيرا . قوله : «فمنهم الآتي ...» ، قسَّم جنده أقساما ، فمنهم من أجابه وخرج كارها للخروج ، كما قال تعالى : «كَأَنّمَا يُسَاقُونَ إلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» (1)، ومنهم من قعد واعتلّ بعلة

.


1) .سورة الأنفال ۶ .

۳۶. ومن كتاب له عليه السلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه

كاذبة، كما قال تعالى : «يَقُولُونَ إنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُريدُونَ إلاَّ فِرَارا» (1)، ومنهم مَنْ تأخّر وصرّح بالقعود والخذلان ، كما قال تعالى : «فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ» (2). والمعنى أنّ حاله كانت مناسبة لحال النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، ومَنْ تذكر تدبّر أحوالهما وسيرتَهما ، وما جرى لهما إلى إن قبضا ، علم تحقيق ذلك . ثم أقسم أنه لولا طمعه في الشهادة لما أقام مع أهل العراق ولا صحبهم .

۳۶الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيشٍ أنفذه إلى بعض الأعداء وهو جواب كتابٍ كتبه إليه عقيل :فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذلِكَ شَمَّرَ هَارباً ، وَنَكَصَ نَادِماً ، فَلَحِقُوهُ بِبِعْض الطَّرِيقِ ، وَقَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلاْءِيَابِ ، فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَـلاَ وَلاَ ، فَمَا كَانَ إِلاَّ كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً بَعْدَمَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمـُخَنَّقِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ ؛ فَـلَأياً بِلَأيٍ مَا نَجَا . فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً فِي الضَّلاَلِ ، وَتَجْوَالَهُمْ فِي الشِّقَاقِ ، وَجِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَبْلِي ، فَجَزَتْ قُرْيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي ! فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي ، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي .

.


1) .سورة الأحزاب ۱۳.

2) .سورة التوبة ۸۱ .

وَأَمَّا مَا سَألتَ عَنْهُ مِنْ رَأيِي فِي الْقِتَالِ ، فَإِنَّ رَأيِي قِتَالُ الُْمحِلِّينَ حَتَّى ألْقَى اللّهَ ؛ لاَ يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاس حَوْلِي عِزَّةً ، وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً ، وَلاَ تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ - وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ - مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً ، وَلاَ مُقِرّاً لِلضيْمِ وَاهِناً ، وَلاَ سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ ، وَلاَ وَطِيءَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ المُقْتَعِد ، وَلكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ : فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِيصَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌفَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ

الشّرْحُ:قد تقدم ذكر هذا الكتاب في اقتصاصنا ذكر حال بُسْر بن أرطاة وغارته على اليمن في أول الكتاب (1). ويقال : طفّلت الشمس ، بالتشديد ، إذا مالَت للغروب ، وطفّل الليل ، مشدّدا أيضا ، إذا أقبل ظلامه ، والطَّفَل ، بالتحريك : بعد العصر حين تطفُل الشمس للغروب ؛ ويقال : أتيته طَفَلى ؛ أي في ذلك الوقت . وقوله عليه السلام : «للإياب» ، أي للرجوع ، أي ما كانت عليه في الليلة التي قبلها ، يعني غيبوبتها . «فاقتتلوا شيئا كلا ولا» ، أي شيئا قليلاً ، وموضع «كلا ولا» نصب ؛ لأنّه صفة «شيئا» ، وهي كلمة تقال لما يستقصر وقته جدا ؛ والمعروف عند أهل اللغة : ( كلا وذا ) . وقد رويت في ( نهج البلاغة ) كذلك ، إلاّ أن في أكثر النسخ : «كلا ولا» ، ومن الناس من يرويها : «كلا ولات» ، وهي حرف أُجري مجرى «ليس» ؛ ولا تجيء «حين» إلاّ أن تحذف في شعر ، ومن الرواة من يرويها : «كلا ولأي» ، ولأي فِعْل ، معناه أبطأ . قوله عليه السلام «نجا جريضا» ، أي قد غصّ بالريق من شدة الجهد والكرب ، يقال : جَرَض بريقه يجرِض بالكسر ، مثال كسر يكسِر ، ورجل جريض مثل قَدَر يقدر فهو قدير ، ويجوز أن يريد بقوله : «فنجا جريضاً» ، أي ذا جريض ، والجريض : الغصّة نفسها . قال الأصمعيّ : ويقال : هو يجرَض بنفسه ، أي يكاد يموت . وأجرضه اللّه بريقه أغصّه . «بعدما أخذ منه بالمخنّق» ، هو موضع الخنق من الحيوان ، وكذلك الخُناق ، بالضمّ ؛ يقال أخذ بخُناقه ، فأما

.


1) .الجزء الثاني من الشرح ص ۳ وما بعدها .

الخِناق بالكسر ؛ فالحبل تخنق به الشاة . والرمَق : بقية الروح . قوله عليه السلام : «فلأياً بلأي ما نجا » ، أي بعد بط ء وشدة ، وما زائدة أو مصدرية ، وانتصب «لأياً» على المصدر القائم مقام الحال ، أي نجا مبطئا ، والعامل في المصدر محذوف أي أبطأ بطئا ؛ والفائدة في تكرير اللفظة المبالغة في وصف البط ء الذي نجا موصوفه به ، أي لأيا مقرونا بلأي . قوله : «فدع عنك قريشا» إلى قوله : «على حرب رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم» ، هذا الكلام حقّ ، فإنّ قريشا اجتمعت على حربه منذ يوم بويع بغضا له وحسدا وحقدا عليه ، فأصفقوا كلّهم يدا واحدة على شقاقه وحَرْبه ، كما كانت حالهم في ابتداء الإسلام مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، لم نخرم حاله من حاله أبدا إلاّ أن ذاك عصمه اللّه من القتل ، فمات موتا طبيعيا ، وهذا اغتاله إنسان فقتله . قوله : «فجزت قريشا عني الجوازي ، فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن أُمّي» ، هذه كلمة تجري مجرى المثل ، تقول لمن يسيء إليك وتدعوا عليه : جزتك عني الجوازي ! يقال : جزاه اللّه بما صنع ، وجازاه اللّه بما صنع ! ومصدر الأول جزاء ، والثاني مجازاة ، وأصل الكلمة أن الجوازي جمع جازية كالجواري جمع جارية ، فكأنه يقول : جَزَتْ قريشا عنّي بما صنعت لي كلّ خصلة من نكبة أو شدة أو مصيبة أو جائحة ، أي جعل اللّه هذه الدواهي كلّها جزاء قريش بما صنعت بي . وسلطان ابن أُمّي ، يعني به الخلافة ، وابن أُمّه هو رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ؛ لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم ، أُمّ عبد اللّه وأبي طالب ، ولم يقل سلطان ابن أبي ؛ لأنّ غير أبي طالب من الأعمام يشرَكه في النسب إلى عبد المطلب . قوله : «فإن رأيي قتال المحِلّين» ، أي الخارجين من الميثاق والبيعة ، يعني البُغاة ومخالفي الإمام ، ويقال لكلّ من خرج من إسلام أو حارب في الحرم أو في الأشهر الحرُمِ : مُحلّ . وروي «متخضّعا متضرّعا» بالضاد . ومقرّ للضيم وبالضيم ، أي راض به ، صابرٌ عليه . وواهنا ، أي ضعيفا . السلس : السهل . ومقتعد البعير : راكبه . والشعرُ ينسب إلى العباس بن مِرْداس السُّلَميّ ، ولم أجده في ديوانه ، ومعناه ظاهر ، وفي الأمثال الحكمية : لا تشكونّ حالك إلى مخلوق مثلك ، فإنه إن كان صديقا أحزنْته ، وإن كان عدوّا أشمتّه ، ولا خير في واحد من الأمرين .

.

۳۷. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

۳۷الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةفَسُبْحَانَ اللّهِ ! مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ ، مَعَ تَضَيِيعِ الْحَقَائِقِ وَاطّرَاحِ الْوَثَائِقِ ، الَّتِي هِيَ للّهِ طِلْبَةٌ ، وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ . فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ عَلَى عُثمانَ وَقَتَلَتِهِ ؛ فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثَْمانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ ، وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:أوّل هذا الكتاب قوله : «أمّا بعد ، فإنّ الدنيا حُلْوة خَضِرة ذات زينة وبَهْجة ، لم يَصْبُ إليها أحدٌ إلاّ وشغلتْه بزينتها عمّا هو أنفع له منها ، وبالآخرة أُمِرنا ، وعليها حُثِثنا ؛ فدعْ يا معاوية ما يَفنَى ، واعمل لما يَبقى ، واحذر الموتَ الّذي إليه مصيرُك ، والحسابَ الّذي إليه عاقبتك . واعلم أنّ اللّه تعالى إذا أراد بعبد خيرا حالَ بينه وبين ما يَكرَه ، ووفّقه لطاعته ، وإذا أراد اللّه بعبد سوءاً أغراه بالدنيا ، وأنساه الآخرة ، وبسَطَ له أمَلَه ، وعاقَه عمّا فيه صلاحُه ، وقد وصلني كتابُك فوجدتُك تَرمي غيرَ غَرضِك ، وتَنشُد غيرَ ضالّتك ، وتخبط في عَماية ، وتَتِيه في ضلالة ، وتعتصم بغير حجّة ، وتلوذ بأضعف شُبهة . فأمّا سؤالك المتارَكة والإقرار لك على الشام ، فلو كنتُ فاعلاً ذلك اليوم لفعلتُه أمس . وأمّا قولُك : إن عُمَر ولاّكه فقد عزل مَنْ كان ولاّه صاحبه ، وعزل عثمانُ من كان عمرُ ولاّه ولم ينصّب للناس إمام إلاّ ليرى من صلاح الأُمّة إماما قد كان ظهر لمن قبله ، أو أخفى عنهم عيبَه ، والأمر يَحدُ بعدَه الأمرُ ، ولكلّ والٍ

.

۳۸. ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر لما ولّى عليهم الأشتر

رأي واجتِهاد . فسبحان اللّه ! ما أشَدّ لزومَك للأهواء المبتدعة ، والحيرة المتّبَعة ...» إلى آخر الفصل . وأمّا قوله عليه السلام : «إنّما نصرتَ عثمانَ حيث كان النصرُ لك ...» إلى آخره ، فقد رَوَى البلاذري قال : لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمدّه ، بعث يزيد بن أسد القَسْريّ ، وقال له : إذا أتيتَ ذا خُشُب فأقِم بها ، ولا تتجاوَزْها ، ولا تقل : الشاهدُ يَرَى ما لا يَرَى الغائب ؛ فإنّني أنا الشاهد ، وأنت الغائب . قال : فأقام بذي خُشُب حتى قتل عثمان ، فاستقدمه حينئذٍ معاوية ، فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أُرسل معه ، وإنّما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمانَ فيدعوَ إلى نفسه .

۳۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر لما ولّى عليهم الأشترمِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ ، إِلَى الْقَومِ الَّذِينَ غَضِبُوا للّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ ، فَـلاَ مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ ، وَلاَ مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ . أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللّهِ ، لاَ يَنَامُ أَيَّامَ الخَوْفِ ، وَلاَ يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ ؛ أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرَيقِ النَّارِ ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيَما طَابَقَ الْحَقَّ ، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللّهِ لاَ كَلِيلُ الظُّبَةِ ، وَلاَ نَابِي الضَّرِيبَةِ ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فانْفِرُوا ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَلاَ يُحْجِمُ ، وَلاَ يُؤَخِّرُ وَلاَ يُقَدِّمُ إِلاَّ عَنْ أَمْرِي ؛ وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتـِهِ لَكُمْ ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ .

.

الشّرْحُ:هذا الفصل يُشكل عليّ تأويله ؛ لأنّ أهل مصرَ هم الّذين قتلوا عثمانَ ، وإذا شهد أميرُ المؤمنين عليه السلام أنهم غضبوا للّه حين عُصيَ في الأرض ، فهذه شهادة قاطعةٌ على عثمانَ بالعصيان ، وإتيان المنكَر . ثم وصف الأشتر بما وصفه به ، ومِثلُ قولِه : «لا ينام أيّام الخوف» ، قولُهم : لا ينام ليلة يخاف ، ولا يَشبَع ليلة يُضاف . ثم أمرهم أن يطيعوه فيما يأمرهم به ممّا يطابق الحقّ ، وهذا من شدّة دينِه وصلابته عليه السلام ، لم يسامح نفسَه في حقّ أحبِّ الخلق إليه أن يهمل هذا القيْد ، قال رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق» . قوله : «فإنه سيفٌ من سيوف اللّه » ، هذا لقبُ خالدِ بن الوليد ، لقّبه به أبو بكر ، لقتاله أهلَ الرّدة ، وقتلِه مُسيلِمة . والظُّبَة ، بالتخفيف : حدُّ السيف . والنابي من السيوف : الّذي لا يَقطع ؛ وأصلُه نبا ، أي ارتفع ؛ فلمّا لم يَقطَع كان مرتفعا ، فسمّيَ نابياً ؛ وفي الكلام حذفٌ تقديرُه : ولا نابي ضارب الضريبة ، وضارب الضريبة ، هو حدّ السيف ، فأمّا الضريبة نفسها فهو الشيء المضروبُ بالسيف ، وإنما دخلتْه الهاء وإن كان بمعنى « مَفْعول» ؛ لأنّه صار في عداد الأسماء ، كالنّطيحة والأكِيلة . ثم أمرهم بأن يطيعوه في جميع ما يأمرهم به من الإقدام والإحجام ، وقال : إنه لا يقدّم ولا يؤخّر إلاّ عن أمري ، وهذا إن كان قاله مع أنه قد سَنَح له أن يعمل برأيه في أُمور الحرب من غير مراجعته فهو عظيم جدّا ؛ لأنّه يكون قد أقامه مقامَ نفسه . وجاز أن يقول : إنه لا يفعل شيئا إلاّ عن أمري ، وإن كان لا يُراجعُه في الجزئيّات على عادة العرب في مِثل ذلك ؛ لأنّهم يقولون فيمن يثقون به نحوَ ذلك . وإن كان عليه السلام قال هذا القول عن الأشتر ؛ لأنّه قد قرّر معه بينه وبينه ألاّ يعمل شيئا قليلاً ولا كثيرا إلاّ بعد مراجعتِه ، فيجوز ، ولكن هذا بعيد ؛ لأنّ المسافة طويلة بين العراق ومصر ، وكانت الأُمور هناك تقف وتفسد . ثم ذكر أنّه آثرهم به على نفسه ، وعليّ عليه السلام كان يصول على الأعداء بالأشتر ، ويقوّي أنفسَ جيوشه بمقامه بينهم ، فلمّا بعثه إلى مصرَ كان مؤثرا لأهل مصرَ به على نفسه .

.

۳۹. ومن كتاب له عليه السلام إلى عمرو بن العاص

۳۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عمرو بن العاصفَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا امْرِئٍ ظَاهِرٍ غَيُّهُ ، مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ ، وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ ؛ اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ ، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ . فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ ، وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ . فَإِنْ يُمَكِّنِ اللّهُ مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُما ، وَإِنْ تُعْجِزَا وَتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا . وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:كلّ ما قاله فيهما هو الحقّ الصريح بعينه ، لم يحملْه بغضُه لهما ، وغيظُه منهما ، إلى أن بالغ في ذمّها به ، كما يبالغ الفُصَحاء عند سَوْرة الغضب ، وتدفّق الألفاظ على الألسنة ، ولا ريبَ عند أحدٍ من العقلاء ذوِي الإنصاف أنّ عمْراً جعل دينَه تبعا لدنيا معاوية ، وأنّه ما بايعه وتابعه إلاّ على جَعالة جعلها له ، وضمانٍ تكفّل له بإيصاله ، وهيَ ولاية مصر مؤجّلة ، وقطعة وافرة من المال معجّلة ، ولولدَيه وغلمانِه ما ملأ أعينهم . فأما قوله عليه السلام في معاوية : «ظاهرٌ غيُّه» ، فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيِه ؛ وكلُّ باغٍ غاوٍ . أمّا مهتوك سِتْره ، فإنه كان كثير الهزل والخلاعة ، صاحب جُلَساء وسمّـار ، ومعاوية لم يتوقُر ، ولم يلزم قانون الرئاسة إلاّ منذ خرج على أمير المؤمنين ، واحتاج إلى الناموس والسكينة ، وإلاّ فقد كان في أيّام عثمانَ شديدَ التهتّك ، موسوما بكلّ قبيح ، وكان في أيّام عمَر يستر نفسَه قليلاً خوفا منه ، إلاّ أنه كان يلبس الحرير والدِّيباج ، ويَشرَب في آنية الذهب والفضّة ، ويركب البَغلات ذواتِ السّروج المحلاّة بها ، وعليها جِلال الدِّيباج والوَشْي ؛ وكان حينئذٍ شابّا ، وعنده نزَق الصِّبا ، وأثَر الشبيبة ، وسكْر السلطان والإمْرة ؛ ونقل الناسُ عنه في كتب السيرة أنّه كان يشرب الخمر في أيّام عثمان في الشام وأمّا بعد وفاةِ أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه ، فقيل : إنه شرب الخمر في ستر ، وقيل : إنه

.

لم يَشربه . ولا خلافَ في أنه سمعَ الغناء وطرِب عليه ، وأعطى وَوصل عليه أيضا . أمّا قوله : «يشين الكريمَ بمجلسه ، ويسفّه الحليمَ بخلْطته» ، فالأمر كذلك ، فإنه لم يكن في مجلسه إلاّ شتْم بني هاشم وقَذْفُهم ، والتعرّضُ بذكر الإسلام ؛ والطعن عليه ، وإن أظهر الانتماء إليه . وأمّا طلب عمرو فَضْله واتباعه أثره اتباعَ الكلب للأسد فظاهر ، ولم يقل : الثعلب غضّا من قدر عَمرو ، وتشبيها له بما هو أبلغُ في الإهانة والاستخفاف . ثم قال : «ولو بالحقّ أخذتَ أدركت ما طلبت» ، أي لو قعدتَ عن نصرِه ولم تَشخص إليه ممالئا به على الحقّ لوَصَل إليك من بيت المال قدر كفايتك . فالأولى أن يقال : معناه لو أخذتَ بالحقّ أدركت ما طلبت من الآخرة . فإن قلت: إن عَمْراً لم يكن عليّ عليه السلام يَعتقِد أنه من أهل الآخرة ، فكيف يقول له هذا الكلام؟ قلت : لا خَلَل ولا زَلَل في كلامه عليه السلام ؛ لأنّه لو أخذ بالحقّ لكان معتقدا كونَ عليّ عليه السلام على الحقّ باعتقاده صحّة نبوّة رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وصحّة التوحيد ، فيصير تقديرُ الكلام : لو بايعتَني معتقدا للزوم بَيْعتي لك لكنتَ في ضِمن ذلك طالبا الثواب ، فكنت تدرِكه في الآخرة . ثم قال مهدّدا لهما ، ومتوعّدا إياهما : «فإن يُمكِن اللّهُ منك ومن ابن أبي سفيان » ، وأقول : لو ظفر بهما لما كان في غالب ظنّي يقتلهما ، فإنّه كان حليما كريما ، ولكن كان يَحبسهما ليَحسِم بحبسهما مادّة فسادِهما . ثم قال : «وإن تُعجزا وتبقيا» ، أي وإن لم أستطع أخذكما أو أمُتْ قبلَ ذلك وبقيتُما بعدي فما أمامَكما شرّ لكما من عقوبة الدنيا ؛ لأنّ عذاب الدنيا منقطِع ، وعذاب الآخرة غيرُ منقطع . وذكر نصرُ بن مزاحم في كتاب «صِفّين» هذا الكتاب بزيادةٍ لم يذكرْها الرّضيّ . قال نصرُ : وكتب عليّ عليه السلام إلى عَمرو بن العاص : «من عبدِ اللّه عليٍّ أمير المؤمنين إلى الأبتر بن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل ، شانئ محمدّ وآلِ محمّد في الجاهليّة والإسلام ، سلامٌ على من اتّبع الهدى ، أمّا بعد ، فإنّك تركتَ مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره ، يشينُ الكريمَ بمجلسه ، ويسفّه الحليمَ بخلطته ، فصار قلبُك لقلبه تَبَعا ، كما قيل : «وافَقَ شنٌّ طَبَقة» ، فسلَبك دينَك وأمانتكَ ، ودنياك وآخرتَك ، وكان علمُ اللّه بالغا فيك ، فصرت كالذئب يتبع الضّرغام إذا ما الليل دَجَى ، أو أَتى الصبح يلتمس فاضل سؤْره ، وحَوايَا فريسته ، ولكن لا نجاةَ من القَدَر ، ولو بالحقّ أخذتَ لأدركت ما رجوتَ ، وقد رَشد من كان الحقّ قائدَه ، فإن يُمَكِن اللّه منك ومِن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله اللّه من

.

۴۰. ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله

۴۱. ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله

ظلَمة قريش على عهدِ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وإن تُعجِزا وتَبقيا بعدُ فاللّه حَسْبكما ، وكفى بانتقامه انتقاما ، وبعقابه عقابا . والسلام» .

۴۰الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمالهأَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطتَ رَبَّكَ ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ . بَلَغَنِي أنـّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاس ؛ وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:أخزيْتَ أمانتك : أذللْتها وأهنْتَها . وجرّدت الأرض : قشرتَها ؛ والمعنى أنّه نسبه إلى الخيانة في المال ، وإلى إخراب الضِّياع .

۴۱الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمالهأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي ، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي ، وَلَم يَكُن في

.

أَهلِي رَجُلٌ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفَسِي لِمُوَاسَاتِي وَمُوَازَرَتِي ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ ؛ فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ ، وَأَمَانَةَ النَّاس قَدْ خَزِيَتْ ، وَهذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فُتِكَت وَشَغَرَتْ ، قَلَبْتَ لاِبْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الِْمجَنِّ ، فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ ، فَـلاَ ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ ، وَلاَ الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ . وَكأنـّكَ لَمْ تَكُنِ اللّهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ ، وَكأنـّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ ، وَكأنـّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ ، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ ، وَعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمُ ، اخْتِطَافَ الذِّئْبِ الْأَزَلِّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ ، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ ، كَأَنَّكَ ـ لاَ أَبَا لِغَيْرِكَ ـ حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ . فَسُبْحَانَ اللّهِ ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ ؟ أَوَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ ؟ أَيُّهَا الْمَعْدُودُ - كَانَ - عِنْدَنَا مِنْ أُولِي الألْبَابِ ، كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً ، وَتَشْرَبُ حَرَاماً ، وَتَبْتَاعُ الاْءِمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللّهُ عَلَيْهِمْ هذِهِ الْأَمْوَالَ ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هذِهِ الْبِلاَدَ! فَاتَّقِ اللّهَ وَارْدُدْ إِلَى هؤلاَءِ الْقَوْمِ مَوَالَهُمْ ، فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللّهُ مِنْكَ ، لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللّهِ فِيكَ ، وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ ! وَوَاللّهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ ، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَةٍ ، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا ، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا . وَأُقْسِمُ بِاللّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلاَلٌ لِي ، أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي ؛ فَضَحِّ رُوَيْداً ، فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى ، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى ،

.

وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالمحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، وَلاَتَ حِينَ مَنَاص (1).

الشّرْحُ:أشركتك في أمانتي : جعلتك شريكا فيما قمتُ فيه من الأمر ، وائتمنني اللّه عليه من سياسة الأُمّة ، وسمّى الخلافة أمانةً كما سمّى اللّه تعالى التكليف أمانةً في قوله : «إنّا عَرَضْنا الأَمَانَةَ» (2). فأمّا قوله : وأداء الأمانة إليّ فأمرٌ آخر ، ومراده بالأمانة الثانية ما يتعارفه الناس من قولهم : فلان ذو أمانة ، أي لا يخون فيما أُسند إليه . وكلِب الزمان : اشتدّ ؛ وكذلك كلِب البردُ . وحَرِب العدوّ : استأسد . وخزيتْ أمانة الناس : ذلّت وهانت . وشَغَرت الأُمّة : خلت من الخير ، وشَغَر البلد : خلا من الناس . وقلبتُ له ظهر المجنّ : إذا كنت معه فصرت عليه ؛ وأصل ذلك أنّ الجيش إذا لقوا العدوّ وكانت ظهور مجانّهم إلى وجه العدوّ ، وبطون مجانّهم إلى وجه عسكرهم ، فإذا فارقوا رئيسهم وصاروا مع العدوّ كان وضع مجانّهم بدلاً من الوضع الذي كان من قبل ، وذلك أنّ ظهور التّرسة لا يمكن أن تكون إلاّ في وجوه الأعداء ؛ لأنها مَرمى سهامهم . وأمكنتك الشدة ، أي الحملة . قوله : «أسرعت الكرّة» ، لا يجوز أن يقال : الكرّة إلاّ بعد فرّة ، فكأنه لما كان مقلعا في ابتداء الحال عن التعرّض لأموالهم ، كان كالفارّ عنها ، فلذلك قال : أسرعت الكرّة . والذئب الأزلّ : الخفيف الوَرِكين ، وذلك أشدّ لعدوه ، وأسرَع لوثبته ، وإن اتفق أن تكون شاةٌ من المِعزَى كسيرة ودامية أيضا ، كان الذئب على اختطافها أقدر . ونقاش الحساب : مناقشته . قوله : «فضحّ رويداً» ، كلمة تقال لمن يؤمر بالتؤدة والأناة والسكون ، وأصلها الرّجل يطعم إبله ضحى ، ويسيّرها مسرعا ليسير ، فلا يشبعها ، فيقال له : ضَحِّ رويدا . وقد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب . فقال الأكثرون : إنه عبد اللّه بنُ العباس رحمه الله ، وروَوْا في ذلك روايات ، واستدلُّوا عليه بألفاظ

.


1) .الشعار : الثوب الملتصق بالجسم . بطانتي : خاصتي . المؤازرة : المناصرة . كَلِبَ الزمان : اشتدّ . فتكتْ : كذبت . آسيت : ساعدت . غرتهم : غفلتهم . حدرت : أسرعت . تسيغ شرابا : تبلعه . وأفاء المال عليه : جعله غنيمة له . الهوادة : اللين والرفق . المدى : الغاية . المناص : المضرّ .

2) .سورة الأحزاب ۷۲ .

من ألفاظ الكتاب كقوله : «أشركتك في أمانتي ، وجعلتك بطانتي وشعاري ، وأنه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك» . وقوله : «على ابن عمّك قد كلب» ، ثم قال ثانيا : «قلبتَ لابن عمّك ظهر الِمجَنّ» ، ثم قال ثالثا : «ولا ابن عمك آسيت» ؛ وقوله : « لا أبا لغيرك » ، وهذه كلمة لا تقال إلاّ لمثله ، فأمّا غيره من أفناء الناس ، فإنّ علياً عليه السلام كان يقول : لا أبا لك . وقوله : « أيها المعدود كان عندنا من أولي الألباب » . وقوله : « لو أنّ الحسن والحسين عليهماالسلام » ، وهذا يدلّ على أنّ المكتوب إليه هذا الكتاب قريب من أن يجري مجراهما عنده . وقال آخرونَ وهم الأقلون : هذا لم يكن ، ولا فارق عبدُ اللّه بن عباس عليّا عليه السلام ، ولا باينه ولا خالفه ، ولم يزل أميرا على البصرة إلى أن قتل عليّ عليه السلام . وهذا عندي هو الأمثل والأصوب . وقد قال الراوندي : المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد اللّه بن العباس ، لا عبد اللّه . وليس هذا بصحيح ؛ فإنّ عبيد اللّه كان عامل علي عليه السلام على اليمن ، ولم ينقل عنه أنّه أخذ مالاً ، ولا فارق طاعة . وقد أشكل عليَّ أمرُ هذا الكتاب ، فإن أنا كذّبت النقل وقلتُ : هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام ، خالفتُ الرواة ، فإنهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه ، وقد ذكِر في أكثر كتب السيَر . وإن صرفته إلى عبد اللّه بن عباس صدني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد وفاته . وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى مَنْ أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السلام ؛ والكلامُ يشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمه ، فأنا في هذا الموضع من المتوقّفين ۱ !

.

. .

۴۲. ومن كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان عامله على البحرين

۴۲الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان عامله على البحرين ، فعزله ، واستعمل النعمان بن عجلان الزّرقي مكانه :أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ نُعْمَانَ بْنَ عَجْـلاَنَ الزُّرَقِيَّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَنَزَعْتُ يَدَكَ بِلاَ ذَمٍّ لَكَ ، وَلاَ تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ ؛ فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلاَيَةَ ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ ، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ ، وَلاَ مَلُومٍ ، وَلاَ مُتَّهَمٍ ، وَلاَ مَأثومٍ ، فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي ، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّيِنِ ، إِنْ شَاءَ اللّهُ .

الشّرْحُ:أمّا عمر بن أبي سَلَمة فهو رَبيبُ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وأبوه أبو سَلَمة بن عبد الأسد ، يكنّى أبا حفص ، وُلد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة ، وتوفّي في المدينة في خلافة عبد الملك سنة ثلاثٍ وثمانين ، وقد حَفِظ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم الحديث . وأمّا النّعمان بن عجلان الزُّرَقيّ فمن الأنصار ، ثم من بني زُرَيق ، كان النّعمان هذا لسان الأنصار وشاعرهم ؛ ويقال : إنه كان رجلاً أحمر قصيرا تزدريه العين ، إلاّ أنّه كان سيّدا ، وهو القائل يوم السقيفة : وإنْ هَوانا في عليّ وإنّهلأهلٌ لها من حيث يدري ولا يدري قوله : «ولا تثريب عليك» ، فالتثريب الاستقصاء في اللّوم ؛ ويقال : ثرّبت عليه ، وعرّبت عليه ، إذا قبّحتَ عليه فعله . والظَّنِين : المتّهم ؛ والظِّنّة التهمة ، والجمع الظِّنن ؛ يقول : قد اظّنّ زيد عمراً ، والألف ألف وصل ، والظاء مشدّدة ، والنون مشدّدة أيضا ، وجاء بالطاء المهملة أيضا ، أي اتّهمه .

.

۴۳. ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني

۴۳الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عامله على أردشير خُرّة :بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إلهَكَ ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ ؛ إِنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ الْمُسْلِمِينَ ـ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ ـ فِيمَنِ اعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ . فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ؛ لَئِنْ كَانَ ذلِكَ حَقّاً ، لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً ، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً ، فَـلاَ تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ ، وَلاَ تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ ، فَتَكُونَ مِنَ الأخْسَرِينَ أَعْمَالاً . ألا وَإِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ ؛ يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم ذكر نسب مَصقَلة بن هُبيرة (1). وأردشير خرّة : كُورةٌ من كُوَر فارَس . واعتامَك : اختارَك من بين الناس ، أصلُه من العِيمة بالكسر ، وهي خيارُ المال ، اعتام المصَّدِّق إذا أخذ العِيمة ، وقد رُوِي : «فيمن اعتماك» بالقلب ، والصحيح المشهور الأوّل ، وروي : «ولتجدنّ بك عندي هواناً» بالباء ، ومعناها اللام ؛ ولتجدنّ بسبب فعلك هوانك عندي ، والباء ترد للسببيّة ، كقوله تعالى : «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» (2). والَمحْق الإهلاك . والمعنى ، أنّه نهى مصقلة عن أن يقسم الفيءَ على أعراب قومه الذين اتّخذوه سيّداً

.


1) .ذكره ابن أبي الحديد في ج ۳:۱۲۷ .

2) .سورة النساء ۱۶۰ .

۴۴. ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه

ورئيسا ، ويَحرِم المسلمين الذين حازُوه بأنفسهم وسلاحهم ؛ وهذا هو الأمر الّذي كان يُنكِره على عثمان ، وهو إيثارُ أهله وأقاربه بمالِ الفَيء ؛ وقد سبق شرحُ مثل ذلك مستوفىً .

۴۴الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه :وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ ، وَيَسْتَفِلُّ غَرْبَكَ ، فاحْذَرْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ يَأتِيالْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ ، وَيَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ . وَقَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثِ النَّفْس ، وَنَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ ؛ لاَ يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ ، وَلاَ يُسْتَحَقُّ بَهَا إِرْثٌ ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ الْمُدَفَّعِ ، وَالنَّوْطِ المُذَبْذَبِ .

فلمّا قرأ زياد الكتاب قال : شهد بها وربّ الكعبة (1)، ولم تزل في نفسه حتى ادّعاه معاويةُ . قال الرضي رحمه الله : قوله عليه السلام : «الوَاغِلُ» : هو الذي يهجم على الشّرْب ليشرب معهم ، وَليس منهم ، فلا يزال مدفّعاً محاجزاً . والنّوْط المُذَبْذَبُ : هو ما يناط برحل الراكب من قُعب أو قَدَحٍ ، أو ما أشبه ذلك ، فهو أبداً

.


1) .قول زياد : (شهد بها وربِّ الكعبة) قول باطل ، لأنّ شهادة الإمام علي عليه السلام هي على كلام أبي سفيان ، هو داخل في نزغات الشيطان وهوى النفس ، وقال : لا يَثبُتُ ولا يقوم بذلك نسب . فكيف يكون هذا الكلام شهادة على إثبات النَّسب ؟ وكيف يكون ردّ عليٍّ على أبي سفيان تحقيقاً لهذا النّسب ؟ [انظر : شرح النهج للبيهقي ، ص ۷۶۰] .

يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره .

الشّرْحُ:يستزلّ لبّك ، يطلب زلله وخطأه ، أي يحاول أن تزلّ . واللبّ : العقل . ويستفلّ غَرْبك : يحاول أن يفلّ حدّك ، أي عزمك ، وهذا من باب المجاز . ثم أمَرَه أن يحذره ، وقال : إنه ـ يعني معاوية ـ كالشّيطان يأتي المرءَ من كذا ومن كذا ، وهو مأخوذ من قول اللّه تعالى : «ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهمْ وَلاَ تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ» (1). قوله : «ليقتحم غفلته» ، أي ليلجَ ويهجم عليه وهو غافل ؛ جعل اقتحامه إياه اقتحاما للغِرّة نفسها لما كانت غالبةً عليه . ويستلب غرّته ، ليس المعنى باستلابه الغِرّة أن يرفعها ويأخذها ؛ لأنّه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل المغتر فاقدا للغفلة والغِرّة ، وكان لبيبا فطنا ، فلا يبقى له سبيل عليه ، وإنما المعنى بقوله : «ويستلب غِرّته» ، ما يعنيه الناس بقولهم : أخذ فلانٌ غفلتي . وفعل كذا ، ومعنى أخذها هنا أخذ ما يستدلّ به على غفلتي وفلتة : أمرٌ وقع من غير تثبت ولا رويّة . ونَزْغَة : كلمة فاسدة ، من نزغات الشيطان ، أي من حركاته القبيحة التي يستفسد بها المكلفين . ولا يثبتُ بها نسب ، ولا يستحقّ بها إرث ؛ لأنّ المقرّ بالزنا لا يلحقه النسب ، ولا يرثه المولود ، لقوله صلى الله عليه و آله وسلم : «الولد للفراش ، وللعاهر الحجر» . ورَوَى أحمد بن يحيى البَلاذُريّ قال : تكلّم زياد ـ وهو غلام حَدَث ـ بحضرة عمر كلاماً أعجَب الحاضرين (2)، فقال عمرو بن العاص : للّه أبوه ! لو كان قرشيّا لساق العرب بعصاه ؛ فقال أبو سُفْيان : أما واللّه إنّه لقُرشيّ ، ولو عرفتَه لعرفتَ أنّه خير من أهلك ؛ فقال : ومَن أبوه؟ قال : أنا واللّه وضعتُه في رَحِم أمّه ، فقال : فهلاّ تستلحقه ؟ قال : أخاف هذا العيْرَ الجالسَ أن يَخرِق عليّ إهابي . ( يعني به عمر بن الخطاب ) . وقال الحسن البصريّ : ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منهنّ لكانت موبقةً : انتزاؤهم على هذه الأُمّة بالسّفهاء حتى ابتزّها أمرها ؛ واستلحاقه زيادا مُراغَمةً لقول

.


1) .سورة الأعراف ۱۷ .

2) .هذا المجلس عقد في قضية الشهادة على المغيرة بن شعبة بالزنا ، بعد أن أدى الشهود شهادتهم عليه ، ووصل دور زياد بن أبيه ، قال له واحد من الصحابة : إياك أن تفضح بلسانك واحداً من صحابة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، فقرر حينئذٍ كلاماً بليغاً ، أعجب الحاضرين . [معارج نهج البلاغة ، للبيهقي ۷۵۹] .

۴۵. ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة

رسول اللّه : «الوَلَد للفراش ، وللعاهر الحَجَر» ؛ وقتلُه حُجْر بن عَدي ، فياويلَه من حُجْر وأصحابِ حُجْر!

۴۵الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ، وكان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها :أَمَّا بَعْدُ ، يَابْنَ حُنَيْفٍ : فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، دَعَاكَ إلى مَأدُبـَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا ، تُسْتَطَابُ لَكَ الألوَانُ ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ . وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ . فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضِمُهُ مِنْ هذَا الْمَقْضَمِ ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ ، وَمَا أَيْقَنَتَ بِطِيبِ وَجهِهِ فَنَلْ مِنْهُ . أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ ؛ أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ . أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ ، وَلكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ . فَوَاللّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً ، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً ، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً ، وَلاَ حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً ، وَلاَ أَخَذْتُ مِنْهُ إلاَّ كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ ، وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَهْوَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ .

الشّرْحُ:هو عثمان بن حُنَيف الأنصاري ثم الأوسيّ أخو سهل بن حُنَيف، ولاّه عليّ عليه السلام على البصرة ، فأخرجه طلحة والزّبير منها حين قدِماها ، وسكن عثمان الكوفة بعد وَفاة عليّ عليه السلام ، ومات

.

بها في زمن معاوية . قوله : «من فتية أهل البَصرة» ، أي من فتيانها ، أي من شبابها أو من أسخيائها ؛ يقال للسخيّ : هذا فتى ، والجمع فِتْية وفتيان وفُتُوّ ؛ ويروَى : «أنّ رجلاً من قُطّان البصرة» ، أي سكانها . والمأدُبة ، بضم الدال : الطعام ، يدعى إليها القوم ، وقد جاءت بفتح الدال أيضا ، ويقال : أدَب فلانٌ القومَ يأدِبهم بالكسر ، أي دعاهم إلى طعامه ، والآدِب : الدّاعي إليه . ويروى : «وكثرت عليك الجفان فكَرعْتَ وأكلت أكل ذئب نَهِمْ ، أو ضبُع قِرَم» . وروي : «وما حَسِبتك تأكل طعامَ قوم» . ثم ذمّ أهلَ البصرة فقال : «عائلهم مجفوّ ، وغنيّهم مدعوّ» ، والعائل : الفقير . ثم أمره بأن يترك ما فيه شبهة إلى ما لا شبهة فيه ، وسمّى ذلك قضماً ومقضما وإن كان مما لا يقضم لاحتقاره له ، وازدرائه إياه ، وأنه عنده ليس مما يستحقّ أن يسمّى بأسماء المرغوب فيه ، المتنافس عليه ، وذلك لأنّ القَضْم يطلق على معنيين : أحدُهما على أكل الشيء اليابس ، والثاني على ما يؤكل ببعض الفم ؛ وكلاهما يدلاّن على أن ذلك المقضم المرغوب عنه ، لا فيه . ثم ذكر عليه السلام حالَ نفسه فقال : «إنّ إمامكم قد قنع من الدنيا بطِمْرَيه» ، والطِّمْر : الثوب الخلِق البالي ، وإنما جعلهما اثنين لأنّهما إزارٌ ورداء لابدّ منهما ، أي للجسد والرأس . «ومن طُعْمه بقُرْصَيه» ، أي قرصان يفطر عليهما لا ثالث لهما . وروي : «قد اكتفى من الدنيا بطمرَيه ، وسدّ فورةَ جوعه بقُرْصيه ، لا يطعم الفلْذةَ في حوليه إلاّ في يوم أضحية» . ثم قال : إنكم لن تقدروا على ما أقدر عليه ، ولكن أسألكم أن تعينوني بالوَرَع والاجتهاد . ثم أقسم أنه ما كنز ذهبا ، ولا ادّخر مالاً ، ولا أعدَّ ثوبا بالياً سملاً لبالي ثوبيه ، فضلاً عن أن يعدّ ثوبا قشيبا كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عِوَض الأسمال التي ينزعونها ، ولا حاز من أرضها شبراً ، والضمير في «أرضها» يرجع إلى «دنياكم» ، ولا أخذ منها إلاّ كقوت أتانٍ دبرة ، وهي التي عقر ظهرُها فقلّ أكلها . ثم قال : «ولهي في عيني أهوَن من عَفْصة مَقِرة» ، أي مُرّة ، مقِر الشيءُ بالكسر أي صار مرّا ، وأمقَرَه بالهمز أيضا .

الأصْلُ:بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قُوْمٍ آخَرِينَ ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللّهُ . وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ ،

.

وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا ، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا ، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا ، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا ، لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ ؛ وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أُرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الأكْبَرِ ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ .

الشّرْحُ:الجَدَث : القبر . وأضغطها الحجر : جعلها ضاغطة ، والهمزة للتّعدية ، ويروى : « وأضغَطها» . وقوله : «مظانّها في غد جَدَث» ، المظانّ : جمع مَظِنّة ، وهو موضع الشيء ومَألفه الّذي يكون فيه . يقول : لا مال لي ، ولا اقتنيتُ فيما مضى مالاً ، وإنما كانت في أيدينا ۱ فَدَك فشحّت

.

عليها نفوسُ قوم ، أي بخلتْ وسختْ عنها نفوسُ آخرين ، أي سامحت وأغْضَت . وليس يعني هاهنا بالسخاء إلاّ هذا ، لا السخاء الحقيقيّ ؛ لأنّه عليه السلام وأهله لم يسمحوا بفَدَك إلاّ غصباً وقَسْرا ؛ وقد قال هذه الألفاظ في موضع آخر فيما تقدّم (1)، وهو يعني الخلافة بعد وفاةِ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . ثم قال : «ونعم الحَكَم اللّه » ، الحَكَم : الحاكم ، وهذا الكلام كلامُ شاكٍ متظلّم ، ثم ذكر مالَ الإنسان وأنّه لا ينبغي أن يكترث بالقَيْنات والأموال ، فإنّه يصير عن قريب إلى دار البِلَى ومنازل الموتى . ثمّ ذكر أنّ الحُفرة ضيّقة ، وأنه لو وسّعها الحافر لألجأها الحجر المتداعي والمدَر المتهافت ، إلى أن تضغط الميّت وتزحمه . وهذا كلام محمول على ظاهره ؛ لأنّه خطاب للعامّة ، وإلاّ فأيّ فَرْق بين سعة الحُفرة وضِيقها على الميّت ! اللهمّ إلاّ أن يقول قائل : إنّ الميّت يحسّ في قبره ، فإذا قيل ذلك فالجاعل له إحِساسا بعد عدم الحسّ هو الّذي يوسّع الحفرة ، وإن كان الحافر قد جعلها ضيّقة ؛ فإذن هذا الكلام جيّد لخطاب العَرَب خاصّة ، ومن يَحمل الأمورَ على ظواهرها . ثم قال : «وإنّما هي نفسي أُروضُها بالتقوى» ، يقول : تَقلُّلي واقتصاري من المطعم والمَلبَس على الجَشِب والخَشِن رياضةٌ لنفسي ؛ لأنّ ذلك إنّما أعمله خوفا من اللّه أن أنغمس في الدنيا ، فالرياضة بذلك هي رياضةٌ في الحقيقة بالتقوى ، لا بنفس التقلّل والتقشُّف ؛ لتأتي نفسي آمنةً يومَ الفَزَع الأكبر ، وتثبت في مداحض الزّلَق .

الأصْلُ:وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ ، وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ . وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ ـ

.


1) .مرّت في الخطبة (۱۶۳) .

وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ اليمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْص ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيِتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى ، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ : وَحَسْبُكَ عَارا أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍوَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِـدِّ أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ وَلاَ أُشَارِكَهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْش ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكلُ الطَّيِّبَاتِ ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ ، هَمُّهَا عَلَفُهَا ، أَوِ الْمُرْسَلَةِ ، شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا ، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا ، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا ، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً ، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً ، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ!

الشّرْحُ:قد روي : «ولو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفّى ، ولباب هذا البُرّ المنقّى ؛ فضربت هذا بذاك ؛ حتى ينضج وقودا ، ويستحكم معقودا» . وروي : «ولعل بالمدينة يتيما تربا يتضوّر سغبا ، أأبيت مِبْطانا ، وحولي بطونٌ غَرْثى ، إذن يحضرني يوم القيامة ، وهم من ذكر وأُنثى» . وروي : «بطونُ غَرْثى» بإضافة «بطون» إلى «غرثى » . والقمح : الحنطة . والجشع : أشدّ الحرْص . والمبطان : الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل . فأما المبطن : فالضامر البطن ؛ وأمّا البطين ، فالعظيم البَطن لا من الأكل ؛ وأمّا البِطن ، فهو الّذي لا يهمّه إلاّ بطنُه ؛ وأمّا المبطون فالعليل البَطْن . وبطون غرثى : جائعة . والبِطْنة : الكِظّة ؛ وذلك أن يمتلئ الإنسان من الطعام امتلاءً شديدا ، وكان يقال : ينبغي للإنسان أن يجعل وعاء بطنه أثلاثا : فثلثٌ للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنَّفَس . والتقمّم : أكل الشاة ما بين يديْها بمقمّتها أي بشفتها ؛ وكلّ ذي ظِلْف كالثور وغيره فهو ذو مقمّة . وتكترش من أعلافها : تملأ كِرشها من العَلف . قوله : «أو أجرّ حبلَ الضلالة» منصوب بالعطف على «يشغلني» ، وكذلك «أترك» ويقال : أجررتُه رَسَنَه ، إذا أهملته . والاعتساف : السلوك في غير طريق واضح . والمتاهة : الأرض يُتاه فيها ، أي يتحيّر .

.

والبيت من أبيات منسوبة إلى حاتم بن عبد اللّه الطائيّ الجواد (1).

الأصْلُ:وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ : إِذَا كَانَ هذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الَضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ ، وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ . أَلاَ وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً ، وَالْرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً ، وَالنَّابِتَاتِ العِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً ، وَأَبْطَأُ خُمُوداً . وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ ، وَالذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ ؛ وَاللّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا ، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا ، وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هذَا الشَّخْص الْمَعْكُوس ، وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوس ، حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ .

الشّرْحُ:الشّجرة البريّة : التي تنبت في البرّ الذي لا ماء فيه ، فهي أصلب عودا من الشجرة التي تنبت في الأرض النديّة ، وإليه وقعت الإشارة بقوله : «والرواتع الخضرة أرقّ جلودا» . ثم قال : «والنابتات العِذْيَة» التي تنبت عِذْياً ، والعِذْي ، بسكون الذال : الزرع لا يسقيه إلاّ ماء المطر ، وهو يكون أقلّ أخذا من الماء من النبت سقيا ، قال عليه السلام : إنها تكون أقوى وقودا ممّا يشرب الماء السائح أو ماء الناضح ، وأبطأ خمودا ؛ وذلك لصلابة جِرْمها . ثم قال : «وأنا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم كالضوء من الضوء ، والذراع من العضد » ؛ وذلك لأنّ الضوء الأول يكون علّة في الضوء الثاني ، ألا ترى أنّ الهواء المقابل للشمس يصير مضيئا من الشمس ! فهذا الضَّوْء هو الضوء الأول . ثم إنه يقابل وجه الأرض فيضيء وجهُ الأرض منه ، فالضوء الذي على وجه الأرض هو الضوء الثاني ، وما دام الضوء الأول ضعيفا فالضوء الثاني ضعيف ؛ فإذا ازداد الجوّ إضاءة ازداد وجهُ الأرض إضاءة ؛ لأنّ المعلول يتْبع العلّة ، فشبّه عليه السلام نفسَه بالضوء الثاني ، وشبّه

.


1) .ديوان الحماسة بشرح المرزوقي ۴ : ۱۶۶۸ .

رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم بالضوء الأول ، وشبّه منبع الأضواء والأنوار سبحانه وجلّت أسماؤه بالشمس الّتي توجب الضّوء الأوّل ثم الضوء الأول يوجب الضوء الثاني . وهاهنا نكتة ، وهي أنّ الضوء الثاني يكون أيضا علّة لضوءِ ثالث . وأمّا قوله : «والذراع من العَضُد» ؛ فلأنّ الذراع فرع على العَضُد ، والعضُد أصل ، ألا ترى أنّه لا يمكن أن يكون ذراع إلاّ إذا كان عضد ، ويمكن أن يكون عضد لا ذراع له . فشبّه عليه السلام نفسه بالنسبة إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمبالذّراع الذي العضد أصله وأُسّه ، والمراد من هذا التشبيه الإبانة عن شدّة الامتزاج والاتّحاد والقرب بينهما ؛ فإنّ الضوء الثاني شبيه بالضّوْء الأوّل ، والذراع متّصل بالعَضُد اتصالاً بيّنا ؛ وهذه المنزلة قد أعطاه إيّاها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم في مقامات كثيرة نحو قوله في قصة براءة : « قد أُمِرت ألاّ يؤدى عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي» ، وقوله : «لتنتهُنّ يا بني وَلِيعة ، أو لأبعثنّ إليكم رجلاً منّي» ، أو قال : «عديل نفسي» ، وقد سمّـاه الكتاب العزيز «نفسَه» فقال : «وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ» (1)، وقد قال له : «لحمك مختلط بلحمي ، ودمك مسُوط بدمي ، وشبرك وشبري واحد» . فإن قلت أمّا قوله : «لو تظاهرت العرب عليّ لما وليت عنها» فمعلوم ، فما الفائدة في قوله : «ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها» ؟ وهل هذا مما يفخر به الرؤساء ويعدّونه منقبة ؛ وإنما المنقبة أن لو أمكنته الفرصة تجاوز وعفا! قلت : غرضه أن يقرّر في نفوس أصحابه وغيرهم من العرب أنه يحارب على حقّ ، وأنّ حربه لأهل الشام كالجهاد أيام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وأنّ من يجاهد الكفّار يجب عليه أن يُغْلِظ عليهم ، ويستأصل شأفتَهم . قوله : «وسأجهد في أن أطهّر الأرض» ، الإشارة في هذا إلى معاوية ، سمّـاه شخصا معكوسا ، وجسما مركوسا ، والمراد انعكاس عقيدته ، وأنها ليست عقيدة هدىً ، بل هي معاكسة للحقّ والصواب ، وسمّـاه مركوسا من قولهم : ارتكسَ في الضلال ، والرّكس ردّ الشيء مقلوبا ، قال تعالى : «واللّهُ أرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا» (2)، أي قلبهم وردّهم إلى كفرهم ، فلما كان تاركا للفطرة التي كلُّ مولود يُولد عليها ، كان مرتكسا في ضلاله . ولما كان معاوية عنده عليه السلام من أهل الشّقاوة ، سمّـاه معكوسا ومركوسا .

.


1) .سورة آل عمران ۶۱ .

2) .سورة النساء ۸۸ .

قوله : «حتى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد» ، أي حتى يتطهّر الدين وأهله منه ؛ وذلك لأنّ الزُرّاع يجتهدون في إخراج المدَر والحجر والشوْك والعَوْسج ونحو ذلك من بين الزرع كي تفسد منابته . فيفسد الحبّ الذي يخرج منه ، فشبّه معاوية بالمدَر ونحوه من مُفْسِدات الحبّ ، وشبّه الدّين بالحَبّ الذي هو ثمرة الزرع .

الأصْلُ:ومن هذا الكتاب وهو آخره:إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا ، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ ، وَأَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ . أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بَمَدَاعِبِكَ ! أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ ! ها هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ ، وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ . وَاللّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً ، وَقَالَباً حِسِّيّاً لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِي ، وَأُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي ، وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلاَءِ ، إِذْ لاَ وِرْدَ وَلاَ صَدَرَ! هَيْهَاتَ ! مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ ، وَمَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لاَ يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ ، وَالدُّنْيَا عنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ انْسِلاَخُهُ (1).

الشّرْحُ:إليك عنّي ، أي ابعدي . وحبلُك على غاربك ، كناية من كنايات الطلاق ، أي اذهبي حيث شئت ؛ لأنّ الناقة إذا أُلقي حبلها على غاربها فقد فُسح لها أن ترعى حيث شاءت ، وتذهب

.


1) .إليك عني : اذهبي عني وابعدي . إنسل : انتزع الشيء وأخرجه برفق . الحبائل : جمع حبالة وهي شبكة الصيّاد . المداحض : المساقط والمزالق . المداعب : جمع مدعبة ، وهي المزاح . المهاوي : المهالك . وطأ الشيءَ : داسه . الدحض : المكان الذي لا تثبت عليه القدم فتزلّ . اللجج : معظم البحر وأعمق أماكنه . ازورّ : تنحّى ومال . المناخ : مبرك البعير . حان : اقترب . انسلاخه : انقضاؤه .

أين شاءت ؛ لأنّه إنما يردّها زمامها ، فإذا أُلقي حبلها على غاربها فقد أُهملت . والغارب : ما بين السَّنَام والعُنق . والمداحض : المزالق . وقيل : إنّ في النسخة التي بخط الرضيّ رضى الله عنه«غررتيهم» بالياء ، وكذلك « فتنتيهم» ، و «ألقيتيهم» ، و «أسلمتيهم» ، و « أوردتيهم» ، والأحسن حذف الياء ، وإذا كانت الرواية وردت بها فهي من إشباع الكسرة . ومضامين اللحود ، أي الذين تضمنتهم ، وفي الحديث نهى عن بيع المضامين والملاقيح ، وهي ما في أصلاب الفحول وبطون الإناث . ثم قال : لو كنتِ أيتها الدنيا إنسانا محسوسا ، كالواحد من البَشَر ؛ لأقمتُ عليك الحدّ كما فعلتِ بالناس . ثم شرح أفعالها فقال : منهم مَنْ غررتِ ، ومنهم من ألقيتِ في مهاوي الضلال والكفر ، ومنهم من أتلفتِ وأهلكتِ . ثم قال : ومن وطئ دَحْضك زلق ، مكان دَحْض أي مزلّة . ثم قال : لا يبالي مَنْ سلم منك إن ضاق مناخه ، لا يبالي بالفقر ، ولا بالمرض ولا بالحبوس والسجون وغير ذلك من أنواع المحن ! لأنّ هذا كله حقير لا اعتداد به في جَنْب السلامة من فتنة الدنيا . قال : والدّنيا عند من قد سَلِم منها كيوم قرب انقضاؤه وفناؤه .

الأصْلُ:اُعْزُبِي عَنِّي ! فَوَاللّهِ لاَ أُذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي ، وَلاَ أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي . وَايْمُ اللّهِ - يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللّهِ - لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهُشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْص إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً ، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً ؛ وَلَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا ، مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعُهَا . أَتَمْتَلِئُ السَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ ؟ وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ ؟ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ ! قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ ! طُوبَى لِنَفْس أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا ، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا ، وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا ، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا ، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا . فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ ، وَتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ ، وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ

.

رَبِّهِم شِفَاهُهُمْ ، وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِم ذُنُوبُهُمْ ، «أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» . فَاتَّقِ اللّهَ يَا بْنَ حُنَيْفٍ ، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ ؛ لِيَكُونَ مِنْ النَّارِ خَلاَصُكَ .

الشّرْحُ:أعزبي : ابعدي ، يقال عَزَب الرجل بالفتح ، أي بَعُد . ولا أسلَس لك بفتح اللام ، أي لا أنقاد لك ، سلِس الرجل بالكسر يسلَس فهو بيّن السّلس ، أي سهل قياده . ثم حلف ، واستثنى بالمشيئة أدباً كما أدّب اللّه تعالى رسوله صلى الله عليه و آله وسلم ليروضنّ نفسه ، أي يدرّ بها بالجوع ، والجوع هو أصل الرياضة عند الحكماء وأرباب الطريقة . قال : «حتى أهشّ إلى القُرْص» ، أي إلى الرغيف وأقنع من الإدام بالملح . ونضب معينها : فنى ماؤها . ثم أنكر على نفسه فقال : أتشبع السائمة من رِعْيها ـ بكسر الراء ، وهو الكلأ ـ والربيضة ـ جماعة من الغنم أو البقر تربض في أماكنها ـ وأنا أيضا مثلها أشبع وأنام ! لقد قرت عيني إذا حيث أُشابه البهائم بعد الجهاد والسبق والعبادة والعلم والجدّ في السنين المتطاولة . قوله : «وعركت بجنبها بؤسها» ، أي صبرت على بؤسها ، والمشقّة التي تنالها ، يقال : قد عرك فلان بجنبه الأذى أي أغضى عنه ، وصبر عليه . «افترشت أرضها» ، أي لم يكن لها فراش إلاّ الأرض . «وتوسّدت كفّها» ، لم يكن لها وسادة إلاّ الكفّ . «وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم» لفظ الكتاب العزيز : «تَتَجَافى جُنُوبُهمْ عن المضاجع» (1). وهمهمت : تكلّمت كلاما خفياً . وتقشعت ذنوبهم : زالت وذهبت كما يتقشع السحاب . قوله : «ولتكفف أقراصك» ، إنما هو نهيٌ لابن حُنيف أن يكفّ عن الأقراص ، وإن كان اللفظ يقتضي أن تكفّ الأقراص عن ابن حُنيف . وقد رواها قوم بالنصب ، قالوا : «فاتق اللّه يابنَ حنيف ولتكفف أقراصَك ، لترجو بها من النار خلاصك» ، والتاء هاهنا للأمر عوض الياء ، وهي لغة لا بأس بها ، وقد قيل : إن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قرأ : «فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحوا» (2)، بالتاء .

.


1) .سورة السجدة ۱۶ .

2) .سورة يونس ۵۸ .

۴۶. ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله

۴۶الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّالهأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيمِ ، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الَْمخُوفِ . فَاسْتَعِنْ بِاللّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ اللِّينِ ، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ ، وَاعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لاَ تُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ . وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ ، وَآس بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ ، وَالإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ . وَالسَّلاَمُ (1).

الشّرْحُ:قوله : «وآس بينهم في اللحظة» ، أي اجعلهم أُسوة ، وروي : «وساوِ بينهم في اللحظة » ؛ والمعنى واحد . وأستظهرْ به : اجعلْه كالظَهْر . والنّخوة : الكبرياء . والأثيم : المخطئ المذنب . وقوله : «وأسُدّ به لَهاة الثّغر» ، استعارة حسنة . والضِّغث في الأصل : قبضة حشيش مختلط يابسُها بشيء من الرّطْب ، ومنه : أضغاث الأحلام ، للرؤيا المختلطة التي لا يصحّ تأويلها ، فاستعار اللفظة هاهنا ؛ والمراد امزُج الشدّة بشيء من اللين فاجعلهما كالضِّغْث ، وقال تعالى : «وَخُذْ بيَدِكَ ضِغْثا» (2). قوله : «فاعتزم بالشدّة» ، أي إذا جدّ بك الجِدّ فدَع اللّين ، فإنّ في حال الشدّة لا تُغنِي إلاّ الشدّة .

.


1) .استظهرْ به : استعين . أقمع : أقهر وأكسر . اللّهاة : لحمة مدلاّة في سقف الفم على باب الحلق . الثغر : ما يمكن أن يهجم منه العدو . آسى : سوىّ بينهم وأعدل .

2) .سورة ص ۴۴ .

۴۷. ومن وصيّة له عليه السلام للحسن والحسين عليهماالسلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه

قوله : «حتى لا يطمع العظماء في حَيْفك» ، أي حتَّى لا يطمع العظماء في أن تمالِئهم على حَيْف الضعفاء ، وقد تقدّم مثل هذا فيما سبق (1).

۴۷الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام للحسن والحسين عليهماالسلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّهأُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللّهِ ، وَأَلاَّ تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا ، وَلاَ تَأسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا ، وَقُولاَ بِالْحَقِّ ، وَاعْمَلاَ لِلْأَجْرِ ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً . أُوصِيكُمَا ، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي ، بِتَقْوَى اللّهِ ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا صلى الله عليه و آله وسلم يَقُولُ : «صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ» . اللّهَ اللّهَ فِي الْأَيْتَامِ ، فَـلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ ، وَلاَ تُضَيِّعُوا بِحَضْرَتِكُمْ . وَاللّهَ اللّهَ فِي جِيرَانِكُمْ ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ ؛ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ . وَاللّهَ اللّهَ فِي الْقُرْآنِ ، لاَ يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ . وَاللّهَ اللّهَ فِي الصَّلاَةِ ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ . وَاللّهَ اللّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ ، لاَ تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا . وَاللّهَ اللّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ . وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ ؛ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ ، لاَ تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ

.


1) .أوّل الرسالة (۲۷) .

وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَـلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ . ثمّ قال: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً ، تَقُولُونَ : قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ! أَلاَ لاَ تَقْتُلُنَّ بِي إِلاَّ قَاتِلِي . انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هذِهِ ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ ، وَلاَ تُمَثِّلوا بِالرَّجُلِ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى اللّهُ عليهِ وآلهِ يَقُولُ : «إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بَالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .

الشّرْحُ:روي : «واعملا للآخرة» ، وروي «فلا تغيّروا أفواهكم» ؛ يقول : لا تطلبا الدّنيا وإن طلبتْكما ؛ فإذا كان مَنْ تطلبه الدنيا منهيّا عن طلبها فمن لا تطلبه يكون منهيا عن طلبها بالطريق الأولى . ثم قال : «ولا تأسفا على شيء منها زُوِي عنكما» ، أي قبض . وروي : «ولا تأسيا» ؛ وكلاهما بمعنى واحد ، أي لا تحزنا ، وهذا من قوله تعالى : «لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ» (1). قوله : «صلاح ذات البين» ، وذات هاهنا زائدة مقحمة . قوله : «فلا تُغبّوا أفواههم» ، أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم غِبّا ، ومن روى : «فلا تغيّروا أفواههم» ؛ فذاك لأنّ الجائع يتغيّر فمه . «ولا تُضَيِّعُوا بحضْرتكم» ، أي لا تضيّعوهم ، فالنهي في الظاهر للأيتام ؛ وفي المعنى للأوصياء والأولياء ، والظاهر أنه لا يعني الأيتام الذين لهم مال تحت أيدي أوصيائهم ؛ لأنّ أولئك الأوصياء محرّم عليهم أن يصيبوا من أموال اليتامى إلاّ القَدْر النَّزْر جدّا عند الضرورة ثم يقضونه مع التمكّن ، ومَنْ هذه حالُه لا يحسن أن يقال له : لا تغيّروا أفواه أيتامكم ، وإنما الأظهرُ أنّه يعني الّذين مات آباؤهم وهم فقراء يتعيّن مواساتهم ويقبح القعود عنهم ، واليُتْم في النّاس من قِبَل الأبِ ، وفي البهائم من قِبَل الأمّ ؛ وجُمع يتيم على أيتام ، كما قالوا : شريف وأشراف . وحكى أبو عَليّ في التَّكْملة : «كميء وأكماء» ، ولا يسمّى الصبيّ يتيما إلاّ إذا كان

.


1) .سورة الحديد ۲۳ .

۴۸. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

دون البلوغ وإذا بلغ زالَ اسمُ اليتيم عنه . واليتامى أحد الأصناف الّذين عُيّنوا في الخُمس بنصّ الكتاب العزيز . ثم أوصى بالجيران ، واللفظ الذي ذكره عليه السلام قد ورد مرفوعا في رواية عبد اللّه بن عمر لمّا ذبح شاة ، فقال : أهْدَيتُم لجارنا اليهوديّ ؟ فإنّي سمعت رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم يقول : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» . قوله عليه السلام : «واللّه اللّه في القرآن» ، أمرهما بالمسارعة إلى العمل به ، ونهاهما أن يسبقهما غيرُهما إلى ذلك ، ثم أمرهما بالصلاة والحجّ . وشدّد الوَصاة في الحجّ ، فقال : «فإنّهُ إن تُرك لم تناظروا» ، أي يتعجّل الانتقام منكم . فأما المثلة فمنهيّ عنها ، أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أن يمثّل بهبّار بن الأسود ؛ لانه روّع زينب حتّى أجهضتْ ، ثم نهى عن ذلك ، وقال : لا مُثْلة ، المثلة حرام .

۴۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةفإِنَّ الْبَغْيَ وَالزُّورَ يُوتِغَانِ الْمَرْءَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَيُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكٍ مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ ، وَقَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَيْرِ الْحَقِّ فَتَأَلّوْا عَلَى اللّهِ فَأَكْذَبَهُمْ ، فَاحْذَرْ يَوْماً يَغْتَبطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ ، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبْهُ ، وَقَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا ، وَلَكِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ فِي حُكْمِهِ ، وَالسَّلاَمُ (1).

.


1) .البغي : الظلم . الزور : خلاف الحق . أدرك الشيء : إذا لحقه . فات : مضى . رام : طلب .

۴۹. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية أيضاً

الشّرْحُ:يوتغان : يهلكان ؛ والوتَغ بالتحريك : الهلاك ؛ وقد وتغ يَوْتَغ وتَغاً ، أي أثِم وهلك ، وأوتغه اللّه أهلكه اللّه ، وأوتغ فلان دينه بالإثم . قوله : «فتألّوْا على اللّه » أي حلفوا من الأليّة وهي اليمين ، وفي الحديث : «من تألّى على اللّه أكذبه اللّه » ، ومعناه : مَنْ أقسم تجبّرا واقتدارا : لأفعلنّ كذا ، أكذبه اللّه ، ولم يبلغ أمله . وقد روي «تأوّلوا على اللّه » ، أي حَرَّفُوا الكلم عن مواضعه ، وتعلّقوا بشبهة في تأويل القرآن انتصارا لمذاهبهم وآرائهم ، فأكذبهم اللّه بأن أظهر للعقلاء فسادَ تأويلاتهم والأوّل أصحّ . ويغتبط فيه : يفْرح ويُسّر ، والغِبطة : السرور ، روي : «يغبط فيه» ، أي يتمنّى مثلُ حاله هذه . قوله : «ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه» الياء التي هي حرف المضارعة عائدة على المكلف الذي أمكن الشيطان من قياده . يقول : إذا لم يجاذب الشيطان من قياده فإنه يندم ؛ فأما مَنْ جاذَبَه قيادَه فقد قام بما عليه . ومثله قوله : «ولسنا إياك أجَبْنا» قوله : «واللّه ما حكّمت مخلوقا وإنما حكّمت القرآن» ومعنى «مخلوقا» : بشرا لا محدِثا .

۴۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إِلى معاوية أيضاًأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا ، وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلاَّ فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا ، وَلَهَجاً بِهَا ، وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا ، وَمِنْ وَرَاءِ ذلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ ، وَنَقْضُ مَا أَبْرَمَ ! وَلَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى ، حَفِظْتَ مَا بَقِيَ ، وَالسَّلاَمُ .

.

۵۰. ومن كتاب له عليه السلام إلى اُمرائه على الجيوش

الشّرْحُ:هذا كما قيل في المثل : صاحب الدّنيا كشارب ماء البحر ؛ كلّما ازداد شربا ازداد عطشاً . وقد ذكر نصر بن مزاحم هذا الكتاب وقال : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كتبه إلى عمرو بن العاص ، وزاد فيه زيادةً لم يذكرها الرضيّ : « أمّا بعد ؛ فإنّ الدنيا مشغلة عن الآخرة ، وصاحبها منهوم عليها ، لم يصب شيئا منها قطّ إلاّ فتَحت عليه حرصا ، وأدخلت عليه مؤنة تزيده رغبةً فيها ؛ ولن يستغنى صاحبُها بما نال عمّا لم يدرك ، ومن وراء ذلك فراق ما جَمَع ؛ والسعيد مَنْ وُعِظ بغيره ، فلا تُحْبِط أجرك أبا عبد اللّه ولا تشرك معاوية في باطله ؛ فإن معاوية غمصَ الناس ، وسفّه الحق . والسلام » . قال نصر : وهذا أوّل كتاب كتبه عليّ عليه السلام إلى عمرو بن العاص ، فكتب إليه عمرو جوابه : أمّا بعد ، فإنّ الذي فيه صلاحنا ، وألفة ذات بيننا ، أن تُنِيب إلى الحقّ ، وأن تجيب إلى ما ندعوكم إليه من الشورى ؛ فصبَر الرجل منّا نفسَه على الحقّ ، وعذَرهُ النّاس بالمحاجزة . والسلام . قال نصر : فكتب عليٌّ عليه السلام إلى عمرو بن العاص بعد ذلك كتابا غليظا . وهو الذي ضرب مَثَله فيه بالكلْبِ يتبع الرجل ، وهو مذكور في «نهج البلاغة» (1). واللَّهَج : الحرص . ومعنى قوله عليه السلام : «لو اعتبرت بما مضى حفِظْت ما بقِي» ، أي لو اعتبرتَ بما مضَى من عمرك لحفظت باقيَه أن تنفقه في الضّلال وطلب الدنيا وتضيّعه .

۵۰الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إِلى أمرائه على الجيوشمِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رفعة إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ .

.


1) .الكتاب رقم (۳۹) .

أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أن لا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ ، وَلاَ طَوْلٌ خُصَّ بِهِ ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللّهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ ، وَعَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ . أَلاَ وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلاَّ أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرّاً إِلاَّ فِي حَرْبٍ ، وَلاَ أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلاَّ فِي حُكْمٍ ، وَلاَ أُؤخِّرَ لَكُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ ، وَلاَ أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ ، وَأَنْ تُكُونُوا عِنِدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلِكَ وَجَبَتْ للّهِ عَلَيْكُمْ النِّعْمَةُ ، وَلِي عَلَيْكُمْ الطَّاعَةُ ، وَأَلاَّ تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ ، وَلاَ تُفَرِّطُوا فِي صَلاَحٍ ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذلِكَ ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَّ مِنْكُمْ ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ ، وَلاَ يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً . فَخُذُوا هذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللّهُ بهِ أَمْرَكُمْ . وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:أصحابُ المسَالح : جماعات تكون بالثّغر يحمون البَيْضة ، والمسْلَحة هي الثّغر ، كالمرغبة ، قال : يجب على الوالي ألاَّ يتطاول على الرعيّة بولايته ، وما خُصّ به عليهم من الطَّوْل وهو الفضل ؛ وأن تكون تلك الزيادة التي أُعطِيها سببا لزيادة دنوّه من الرعيّة وحنوّه عليهم . ثم قال : «لكم عندي ألاَّ أحتجِز دونكم بسرٍّ» ، أي لا أستتر . قال : «إلاَّ في حرب» ، وذلك لأنّ الحرب يحمَد فيها طيّ الأسرار ، والحرب خُدعة . «ولا أطوِي دونكم أمراً إلاَّ في حُكْم» ، أي أظهركم على كلِّ ما في نفسي مما يحسن أن أظهرَكم عليه ؛ فأمّا أحكام الشريعة والقضاء على أحَد الخَصْمين فإنّي لا أعلمكم به قبل وقوعه ؛ كيْلا تفسد القضيّة بأن يحتال ذلك الشخص لصرْف الحكْم عنه . ثم ذكر أنّه لا يؤخّر لهم حقا عن محلّه ، يعني العطاء ، وأنّه لا يقف دون مقطعه ، والحق هاهنا غير العطاء ، بل الحكم ، أي متى تعيّن الحكْم حكَمْتُ به وقطعت ولا أقف ، ولا أتحبَّس . ولمّا استوفى ما شرط لهم قال : فإذا أنا وَفّيت بما شرطت على نفسي وجبتْ للّه عليكم النّعمة ولي عليكم الطاعة . ثم أخذ في الاشتراط عليهم كما شرط لهم ، فقال : ولي عليكم ألاَّ

.

۵۱. ومن كتاب له عليه السلام إلى عمّاله على الخراج

تنكصوا عن دعوة ، أي لا تقاعسُوا عن الجهاد إذا دعوتُكم إليه ، ولا تفرّطوا في صلاح ، أي إذا أمكنتْكم فرصة ، أو رأيتم مصلحة في حرب العدوّ أو حماية الثّغر ، فلا تفرّطوا فيها فتفوت . وأن تخوضوا الغمراتِ إلى الحقّ ، أي تكابدوا المشاقّ العظيمة ؛ ولا يهولنّكم خوضُها إلى الحقّ . ثم توعّدهم إن لم يفعلوا ذلك ، ثم قال : فخذوا هذا من أمرائكم ؛ ليس يعني به أنّ على هؤلاء أصحاب المسالح أمراء من قِبَله عليه السلام كالواسطة بينهم وبينه ، بل من أمرائكم ؛ يعني منّي وممّن يقوم في الخلافة مقامي بعدي ؛ لأنّه لو كان الغرض هو الأوّل لما كان محلهم عنده أن يقول : «ألاّ أحتجز دونكم بسرِّ ولا أطوى دونكم أمراً» ؛ لأنّ محلّ من كان بتلك الصفة دون هذا .

۵۱الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عماله على الخراجمِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَرَاجِ . أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ سَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا . وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ يَسِيرٌ ، وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيَما نَهَى اللّهُ عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ ، لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَالاَ عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ ، فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ ، فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ ، وَوُكَلاَءُ الْأُمَّةِ ، وَسُفَرَاءُ الأَئِمَّةِ ، وَلاَ تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ ، وَلاَ تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ ، وَلاَ تَبِيعُنَّ لِلنَّاس فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلاَ صَيْفٍ ، وَلاَ دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا ، وَلاَ عَبْداً ، وَلاَ تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَـمٍ ، وَلاَ تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاس ، مُصَلٍّ وَلاَ مُعَاهَدٍ ، إِلاَّ أَنْ

.

تَجِدُوا فرَساً أَوْ سِلاَحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الاْءِسْلاَمِ ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الاْءَسْلاَمِ ، فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ . وَلاَ تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً ، وَلاَ الْجُنْدَ حُسْنَ سِيَرةٍ ، وَلاَ الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً ، وَلاَ دِينَ اللّهِ قُوَّةً . وَأَبْلُوا فِي سَبيلِ اللّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا ، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا ، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .

الشّرْحُ:يقول : لو قدّرنا أنّ القبائح العقلية كالظلم والبغي لا عقابَ على فعلها ، بل في تركها ثواب فقط ؛ لم يكن الإنسان معذورا إذا فرّط في ذلك الترك ؛ لأنّه يكون قد حرَم نفسَه نفعا هو قادر على إيصالها إليه . قوله : «ولا تُحشموا أحدا» ، أي لا تغضبوا طالب حاجة فتقطعوه عن طلبها ، أحشمتُ زيدا ، وجاء «حَشَمْته» ، وهو أن يجلس إليك فتغضبه وتؤذيه . وقال ابن الأعرابيّ : حشمتُه : أخجلته ، وأحشمته : أغضبته ، والاسم الحِشْمة ، وهي الاستحياء والغضب . ثم نهاهم أن يبيعوا لأرباب الخراج ما هو من ضروريّاتهم كثياب أبدانهم وكدَابّةٍ يعتَمِلون عليها ، نحو بقر الفلاحة ، وكعبْدٍ لابدّ للإنسان منه يخدُمه ، ويسعى بين يديه . ثم نهاهم عن ضرب الأبشار لاستيفاء الخراج . ثم نهاهم أن يعرِضُوا لمال أحدٍ من المسلمين أو من المعاهَدِين ؛ المعاهد هاهنا : هو الذّميّ أو مَنْ يدخل دار الإسلام من بلاد الشرك على عهد ، إمّا لأداء رسالة ، أو لتجارة ؛ ونحو ذلك ، ثم يعود إلى بلاده . ثم نهاهم عن الظّلم وأخذ أموال النّاس على طريق المصادرة والتأوِيل الباطل ؛ قال : إلاّ أن تخافوا غائلةَ المعاهَدين ، بأن تجدوا عندهم خيولاً أو سلاحا ، وتظنّوا منهم وثبة على بلد من بلاد المسلمين ، فإنه لا يجوز الإغضاء عن ذلك حينئذٍ . قوله : «وأبْلُوا في سبيل اللّه » ، أي اصطنعوا من المعروف في سبيل اللّه ما استوجب عليكم ، يقال : هو يبلوه معروفا ، أي يصنعه إليه . قوله عليه السلام : «قد اصطنع عندنا وعندكم أن

.

۵۲. ومن كتاب له عليه السلام إلى اُمراء البلاد في معنى الصلاة

نشكره» ، أي لأنْ نشكره ، بلام التعليل وحذفها ، أي أحسن إلينا لنشكره ، وحذفها أكثر نحو قوله تعالى : «لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهُمْ أنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ» (1).

۵۲الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى أمراء البلاد في معنى الصلاةأَمَّا بَعْدُ ، فَصَلُّوا بَالنَّاس الظُّهْرَ حَتَّى تَفِيءَ الشَّمْسُ مِنْ مَرْبِض الْعَنْزِ ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ حَيَّةٌ فِي عُضْوٍ مِنَ النَّهَارِ حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ ، وَيَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى مِنىً ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاةَ والرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ ، وَصَلُّوا بِهِمْ صَلاَةَ أَضْعَفِهِمْ ؛ وَلاَ تَكُونُوا فَتَّانِينَ (2).

الشّرْحُ:فأما قوله عليه السلام : «والرجل يعرِف وجه صاحبه» ؛ فمعناه الإسفار . وقوله عليه السلام : « وصلُّوا بهم صلاة أضعفِهم» ، أيْ لا تطيلوا بالقراءة الكثيرة والدّعوات الطويلة . ثم قال : «ولا تكونوا فتّانين» ، أي لا تفتِنوا الناس بإتعابهم وإدخال المشقّة عليهم بإطالة الصلاة وإفساد صلاة المأمومين بما يفعلونه من أفعال مخصوصة ، نحو أن يُحْدِث الإمام فيستخلف فيصلّي الناس خلف خليفته ، فإن ذلك لا يجوز على أحد قولي الشافعيّ ؛ ونحو أن يُطيل الإمام الركوع والسجود ، فيظنّ المأمومون أنّه قد رفع فيرفعون أو يسبقونه بأركان

.


1) .سورة المائدة ۸۰ .

2) .تفيء : ترجع . مربض العنز : مرقدها . يدفع الحاج : يفيض من عرفات أي يخرج منها . توارى : اختفى . الشفق : حمرة الأُفق بعد غروب الشمس .

۵۳. ومن كتاب له عليه السلام كتبه للأشتر النخعي رحمه الله لمّا ولاّه مصر وأعمالها

كثيرة ؛ ونحو ذلك من مسائل يذكُرُها الفقهاء في كتبهم . واعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام إنما بدأ بصلاة الظهر ؛ لأنها أوّلُ فريضة افترضت على المكلّفين من الصلاة على ما كان يذهب إليه عليه السلام ؛ وإلى ذلك تذهب الإماميّة (1)، وينصر قولَهم تسميتها بالأُولى ؛ ولهذا بدأ أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان بذكرها قبل غيرها .

۵۳الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام كتبه للأشتر النخعي ۲ رحمه الله لمّا ولاّه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمّد بن أبي بكر ، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن .ومن كتاب له عليه السلام كتبه للأشتر النخعي ۳ رحمه الله لمّا ولاّه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمّد بن أبي بكر ، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن . بسِم اللّهِ الرحمّنِ الرّحيم هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، مَالِكَ بْن الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ : جِبَايَةَ خَرَاجِهَا ، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا ، وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا ، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا .

.


1) .كنز العرفان ، للمقداد السيوري ۱:۶۲ .

أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّهِ ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ : مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدُ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا ، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا ، وَأَنْ يَنْصُرَ اللّهَ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ ؛ فَإِنَّهُ ، جَلَّ اسْمُهُ ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ . وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ ، وَيَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، إِلاَّ مَا رَحِمَ اللّهُ . ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ ، أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَدٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاَةِ قَبْلَكَ ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةً الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، فَامْلِكْ هَوَاكَ ، وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْس الاْءِنْصَافُ مِنْهَا فَيَما أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ .

الشّرْحُ:نصرة اللّه باليد : الجهاد بالسيف ، وبالقلب : الاعتقاد للحقّ ، وباللسان : قولُ الحقّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد تكفَّل اللّه بنُصرة من نَصَره ؛ لأنّه تعالى قال : «وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» (1). والجمَحات : منازعة النَفْس إلى شهواتها ومآربها ، ونزعها بكفّها . ثم قال له : قد كنت تسمع أخبار الولاة ، وتعيب قوما وتمدح قوما ، وسيقول الناس في إمارتك الآن نحو ما كنت تقول في الأُمراء ؛ فاحذر أن تعاب وتذمّ كما كنت تعيب وتذمّ مَنْ يستحقّ الذم . ثم قال : إنما يستدلّ على الصالحين بما يكثر سماعه من ألْسنة النّاس بمدحهم والثناء عليهم ؛ وكذلك يستدلّ على الفاسقين بمثل ذلك . وكان يقال : ألسنة الرعيّة أقلام الحقّ سبحانه إلى الملوك . ثم أمره أن يشحّ بنفسه ، وفسّر له الشحّ ما هو ؟ فقال : أن تنتصف منها فيما أحبّت وكرهت ، أي لا تمكنها من الاسترسال في الشهوات ، وكُنْ أميرا عليها ،

.


1) .سورة الحج ۴۰ .

ومسيطرا وقامعا لها من التهوّر والانهماك . فإن قلت : هذا معنى قوله : «فيما أحبّتْ» ، فما معنى قوله : «وكرهت»؟ قلت : لأنها تكره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات الشرعية ومن الواجبات العقلية ، وكما يجب أن يكون الإنسان مهيمنا عليها في طرف الفعل يجب أن يكون مهيمنا عليها في طرف التَّرْك .

الأصْلُ:وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ ، وَالَْمحَبَّةَ لَهُمْ ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ ؛ وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ؛ وإمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِيالْعَمْدِ وَالْخَطَإِ ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ ، مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ ، وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ ، وَاللّهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ ، وَابْتَـلاَكَ بِهِمْ . وَلاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللّهِ ، فَإِنَّهْ لاَ يَدَىْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ ، وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ . وَلاَ تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ ، وَلاَ تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ ، وَلاَ تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً . وَلاَ تَقُولَنَّ : إِنِّي مُؤمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ ، فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ ، وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ . وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً ، فانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللّهِ فَوْقَكَ ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ ، وَيُفِئُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ . إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللّهِ فِي عَظَمَتِهِ ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ ، فَإِنَّ اللّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ ، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ .

.

الشّرْحُ:أشعِر قلبَك الرحمة ، أي اجعلها كالشِّعار له ، وهو الثّوب الملاصق للجسد ؛ قال : لأنّ الرعيّة إمّا أخوك في الدّين ، أو إنسان مثلك تقضي رقّة الجنسيّة وطبع البشريّة الرحمةَ له . قوله : «ويؤتى على أيديهم» ، مثْل قولك : «ويؤخذ على أيديهم» ، أي يهذّبون ويثقّفون ، يقال : خذ على يد هذا السّفيه ، وقد حجَر الحاكم على فلان ، وأخذ على يدِه . ثم قال : «فنسْبتُهم إليك كنسبتك إلى اللّه تعالى» ، وكما تحب أن يصفح اللّه عنك ينبغي أن تصفح أنت عنهم . قوله : «لا تنصبن نفسَك لحرْب اللّه » ، أي لا تبارزْه بالمعاصي . فإنه لا يدي لك بنقمته ؛ اللام مُقحمة ، والمراد الإضافة ، ونحوه قولهم : لا أبا لك . «ولا تقولنّ إني مُؤَمّر» ، أي لا تقل : إني أمير ووالٍ آمر بالشيء فأُطاع . والإدغال : الإفساد . ومنهكة للدين : ضعف وسقم . ثم أمره عند حدوث الأُبّهة والعظمة عنده لأجل الرئاسة والإمْرَة أن يذكر عظمةَ اللّه تعالى وقدرتَه على إعدامه وإيجاده ، وإماتته وإحيائه ؛ فإنّ تذكّر ذلك يطامِن من غُلوائه ، أي يغضّ من تعظّمه وتكبّره ، ويطأطئ منه . والغَرْب : حدّ السيف ، ويستعار للسطوة والسرعة في البطش والفَتْك . «ويُفِئ» ، أي يرجع إليك بما بعد عنك من عَقْلك ، وحرْف المضارعة مضموم ؛ لأنّه من «أفاء» . ومساماة اللّه تعالى : مباراته في السموّ وهو العلوّ .

الأصْلُ:أَنْصِفِ اللّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ ! وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللّهِ كَانَ اللّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ ، وَكَانَ للّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ . وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ ؛ فَإِنَّ اللّهَ يَسْمَعُ دَعَوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ . وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ

.

رِضَى الْعَامَّةِ . وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤونَةً فِي الرَّخَاءِ ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ ، وَأَكْرَهَ لِـلاْءِنْصَافِ ، وَأَسْأَلَ بِالاْءِلْحَافِ ، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الاْءِعْطَاءِ ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ . وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ ، وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْعُدَّةُ لِـلْأَعْدَاءِ ؛ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ ؛ فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ .

الشّرْحُ:قال له : أنصِف اللّهَ ، أي قُم له بما فَرَض عليك من العبادة والواجبات العقليّة والسمعيّة . ثمّ قال : وأنصِف الناس من نفسك ومن ولَدِك وخاصّة أهلِك ومَن تحبّه وتميل إليه من رعيّتك ، فمتى لم تفعل ذلك كنتَ ظالما . ثمّ نهاه عن الظّلم ، وأكّد الوِصاية عليه في ذلك . ثمّ عرّفه أنّ قانون الإمارة الاجتهاد في رضا العامّة ، فإنّه لا مبالاة بسُخْط خاصّة الأمير مع رضا العامّة ، فأمّا إذا سخِطَت العامّة لم ينفعه رضا الخاصّة ، وذلك لأنّ هؤلاء ( الخاصة ) عنهم غنىً ، ولهم بدل ، والعامّة لا غنىً عنهم ولا بدل منهم ، ولأنّهم إذا شَغَبوا عليه كانوا كالبحر إذا هاج واضطرب ، فلا يقاومه أحد ، وليس الخاصّة كذلك . ثمّ قال عليه السلام ـ ونِعمَ ما قال ـ : ليس شيءٌ أقلَّ نفعا ، ولا أكثرَ ضررا على الوالي من خواصّه أيّام الولاية ؛ لأنّهم يثقّلون عليه بالحاجات ، والمسائل والشّفاعات ، فإذا عُزِل هَجَروه ورَفَضوه حتّى لو لقوه في الطريق لم يسلّموا عليه . والصِّغو ، بالكسر والفتح ، والصّغا مقصور : الميْل .

الأصْلُ:وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ ، وَأَشْنَأُهُمْ عِنْدَكَ ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاس ، فَإِنَّ في النَّاس عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا ، فَـلاَ تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ ، وَاللّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ ؛ يَسْتُرِ اللّهُ

.

مِنْكَ ما تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ . أَطْلِقْ عَنِ النَّاس عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ ، وَتَغَابَ عَنْ كلِّ مَا لاَ يَضِحُ لَكَ ، وَلاَ تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ ، فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌ ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ . وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بِخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ ، وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ ، وَلاَ جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ ، وَلاَ حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللّهِ .

الشّرْحُ:أشنَأُهم عندك ، أبغَضُهم إليك . وتَغابَ : تغافَلْ ، يقال : تَغابى فلانٌ عن كذا . ويَضِح : يَظهَر ، والماضي وَضَح . فأمّا قوله عليه السلام : «ولا تعجلنّ إلى تصديق ساعٍ» ، فقد ورد في هذا المعنى كلامٌ حَسَن ، قال ذو الرّياستين : قبول السِّعاية شرّ من السعاية ؛ لأنّ السعاية دلالة ، والقبول إجازة ، وليس مَنْ دلّ على شيء كمن قبله وأجازه . قوله عليه السلام : «ولا تُدْخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفَضْل ، ويعدك الفقر» ، مأخوذٌ من قول اللّه تعالى : «الشَّيطانُ يَعِدُكم الفقرَ ويأمُرُكُمْ بالْفَحْشَاءِ واللّهُ يَعِدُكُمْ مَغفرةً منهُ وفَضْلاً» ؛ قال المفسّرون : الفَحْشاء هاهنا البُخْل ؛ ومعنى «يعدكم الفقر» ، يخيِّل إليكم أنكم إن سمحتم بأموالكم افتقرتم فيخوّفكم فتخافون فتبخلون . «فإنّ البخلَ والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظن باللّه » ؛ كلامٌ شريف عالٍ على كلام الحكماء ، يقول : إن بينها قَدْرا مشترَكا وإن كانت غرائز وطبائع مختلفة ، وذلك القدْر المشترك هو سوءُ الظنّ باللّه ، لأنّ الجبان يقول في نفسه : إن أقدمتُ قُتِلت ، والبخيلَ يقول : إن سمحتُ وأنفقتُ افتقرتُ ، والحريصَ يقول : إن لم أجدَّ وأجتهد وأدأب فاتنى ما أروم ؛ وكلّ هذه الأُمور ترجع إلى سوء الظنّ باللّه ، ولو أحسن الظنّ الإنسان باللّه وكانَ يقينه صادقا لعلم أنّ الأجل مقدّر ، وأنّ الرزق مقدَّر ، وأنّ الغنى والفقر مقدَّران ، وأنّه لا يكون من ذلك إلاّ ما قَضَى اللّه تعالى كونه .

.

الأصْلُ:إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِـلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً ، وَمَنْ شَرَكَهُمْ فِي الاْثَامِ فَـلاَ يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً ، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ ، وَلاَ آثِماً عَلَى إِثْمِهِ ؛ أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُونَةً ، وأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً ، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً ، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً . فَاتَّخِذْ أَولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلاَتِكَ ، ثُمَّ لِيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ ، وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيَما يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللّهُ لِأَوْلِيَائِهِ ، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَع (1).

الشّرْحُ:نهاه عليه السلام ألاّ يتّخذ بطانة قد كانوا من قبلُ بطانةً للظَّلمة ، وذلك لأنّ الظلم وتحسينه قد صار ملَكةً ثابتة في أنفسهم ، فبعيد أن يمكنهم الخلوّ منها إذ قد صارت كالخُلُق الغريزيّ اللاّزم لتكرارها وصيرورتها عادَةً ، فقد جاءت النصوص في الكتاب والسنّة بتحريم معاونة الظلمة ومساعَدَتهم ، وتحريم الاستعانة بهم ، فإنّ من استعان بهم كان معينا لهم ، قال تعالى : «وما كُنتُ متَّخِذَ المُضِلِّين عَضُدا» (2).

الأصْلُ:وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ ؛ ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلاَّ يُطْرُوكَ وَلاَ يُبَجّحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الاْءِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ ، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ . وَلاَ يَكُونَنَّ الُْمحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الاْءِحْسَانِ فِي الاْءِحْسَانِ ،

.


1) .الآثام : المعاصي . البطانة : الخاصّة . الآصار والآزار بمعنى . أحنى : أعطف . حفلاتك : جلساتك في المجامع والمحافل . آثرهم : أفضلهم .

2) .سورة الكهف ۵۱ .

وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الاْءِسَاءَةِ عَلَى الاْءِسَاءَةِ ، وَألزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا ألزَمَ نَفْسَهُ .

الشّرْحُ:قوله : «والصَق بأهل الورع» ، كلمةٌ فصيحة ، يقول : اجعلهم خاصّتك وخُلصاءك . ثمّ رُضْهم على ألاّ يُطرُوك ، أي عودهم ألاّ يمدحوك في وجهك . ولا يبجّحوك بباطل : لا يجعلوك ممن يبجَح أي يفخر بباطل لم يفعله كما يُبَجِّح أصحابُ الأمراء الأُمراء بأن يقولوا لهم : ما رأينا أعدل منكم ولا أسمحَ ، ولا حَمَى هذا الثغرَ أمير أشد بأسا منكم ! ونحو ذلك ، وقد جاء في الخبر : «احْثُوا في وجوه المدّاحين التراب» . فأمّا قوله عليه السلام : «ولا يكوننّ المحسن والمسيءُ عندَك بمنزلة سواء» ، فقد أخذه الصّابي فقال : وإذا لم يكن للمُحسنِ ما يَرفعه ، وللمسيء ما يَضَعُه ، زَهِد المحسن في الإحسان ، واستمرّ المسيء على الطّغيان .

الأصْلُ:وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ والٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لهُ قِبَلَهُمْ .فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ . وَلاَ تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الْأُمَّةِ ، وَاجْتَمَعتْ بِهَا الاُلفَةُ ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ . وَلاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ ، فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا ، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا . وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ ، وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ .

.

الشّرْحُ:خلاصةُ صدرِ هذا الفصل ، أنّ مَنْ أحسنَ إليك حَسُن ظنُّه فيك ، ومَنْ أساء إليك استَوْحش منك ، وذلك لأنَّك إذا أحسنتَ إلى إنسان وتكرّر منك ذلك الإحسان تبع ذلك اعتقادُك أنّه قد أحبّك ، ثم يتبع ذلك الاعتقادَ أمرٌ آخر ، وهو أنّك تحبّه ؛ لأنّ الإنسان مجبول على أن يحبّ مَن يحبُّه ، وإذا أحببتَه سكنتَ إليه وحَسُن ظنّك فيه ، وبالعكس من ذلك إذا أسأتَ إلى زيد ؛ لأنّك إذا أسأت إليه وتكرّرت الإساءة تَبِع ذلك اعتقادُك أنّه قد أبغضك ، ثمّ يتبع ذلك الاعتقادَ أمرٌ آخر ، وهو أن تُبغضه أنت ، وإذا أبغضتَه انقبضتَ منه واستوحشت ، وساءَ ظنّك به . ثمّ نهاه عن نقض السّنن الصالحة الّتي قد عمل بها من قبله من صالحي الأُمّة ، فيكون الوزر عليه بما نَقَض ، والأجر لأولئك بما أسّسوا ، ثم أمره بمطارحة العلماء والحكماء في مَصالح عمله ، فإنّ المشورة بركة ، ومن استشار فقد أضاف عَقْلاً إلى عقله .

الأصْلُ:وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ ، لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض ، وَلاَ غِنَىً بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض ؛ فَمِنْهَا جُنُودُ اللّهِ ، وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الاْءِنْصَافِ وَالرِّفْقِ ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاس ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللّهُ لَهُ سَهْمَهُ ، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً . فَالْجُنُوُدُ ، بِإِذْنِ اللّهِ ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ ، وَزَيْنُ الْوُلاَةِ ، وعِزُّ الدِّينِ ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ ؛ وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما يُصْلِحُهُمْ ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفِيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ ، وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ

.

خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا ؛ وَلاَ قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ ، فِيَما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ، مَا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ . ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ . وَفِي اللّهِ لِكُلٍّ سَعَةٌ ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ . وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللّهُ تعالى مِنْ ذلِكَ ، إِلاَّ بِالاِهْتِمامِ وَالاسْتِعَانَةِ بِاللّهِ ، وَتَوْطِينَ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيَما خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ .

الشّرْحُ:قالت الحكماء : الإنسانُ مَدَنيّ بالطّبع ، ومعناه أنه خُلِق خِلْقةً لابدَّ معها من أن يكون منضمّا إلى أشخاصٍ من بني جنسه ، ومتمدّنا في مكان بعينه ، وليس المراد بالمتمدّن ساكنَ المدينة ذات السّور والسّوق ، بل لابدّ أن يقيم في موضع مّا مع قوم من البَشَر ؛ وذلك لأنّ الإنسان مضطرّ إلى ما يأكله ويشرَبُه ليقيمَ صورتَه ، ومضطرّ إلى ما يلبسه ، ليدفع عنه أذى الحرّ والبَرْد ، وإلى مَسكَن يسكُنه ليردّ عنه عادَيةَ غيره من الحيوانات ، وليكون مَنزِلاً له ليتمكّن من التصرّف والحركة عليه ، ومعلومٌ أن الإنسان وحدَهُ لا يستقلّ بالأمور الّتي عددناها ، بل لابدّ من جماعة ، فيَحصلُ مساعدة بعض الناس لبعض ، لولا ذلك لما قامت الدنيا ، فهذا معنى قوله عليه السلام : «إنّهم طبقات لا يصلُح بعضُها إلاّ ببعض ، ولا غَناء ببعضها عن بعض» . ثم فصّلهم وقسّمهم فقال : منهم الجند ، ومنهم الكتّاب ، ومنهم القُضاة ، ومنهم العمّال ، ومنهم أرباب الجزية من أهل الذمّة ، ومنهم أرباب الخراج من المسلمين ، ومنهم التجّار ، ومنهم أرباب الصّناعات . ومنهم ذوو الحاجات والمَسكَنة ، وهم أدوَن الطبقات . ثم ذكر أعمال هذه الطبقات فقال : الجند للحماية ، والخراجُ يُصرَف إلى الجند والقُضاة والعمّال والكتّاب لما يحكمونه من المعاقد ، ويجمعونه من المنافع ، ولابدّ لهؤلاء جميعا من التجّار لأجل البَيْع والشّراء الّذي لا غَناءَ عنه ، ولابدّ لكلٍّ من أرباب الصناعات كالحدّاد والنجّار والبنّاء وأمثالهم . ثمّ تلي هؤلاء الطبقة السفلى ، وهم أهل الفقر والحاجة الّذين تجب معونتُهم والإحسانُ إليهم .

.

وإنّما قسّمهم في هذا الفصل هذا التقسيم تمهيداً لما يذكره فيما بعد ، فإنّه قد شرع بعد هذا الفصل فذَكَر طبقةً طبقةً وصِنفا صِنفا ، وأوصاه في كلّ طبقة وفي كلّ صِنْف منهم بما يليق بحاله ، وكأنّهُ مَهّد هذا التمهيد ، كالفِهْرِست لما يأتي بعده من التفصيل .

الأصْلُ:فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِينَفْسِكَ للّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلاِءِمَامِكَ ، وَأَطْهَرَهُمْ جَيْباً ، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً ، مِمَّنْ يُبْطِيءُ عَنِ الْغَضَبِ ؛ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ ، وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوَيَاءِ ؛ وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ ، وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ . ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ ؛ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ؛ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ ؛ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ . ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا ؛ وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ . وَلاَ تُحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ ؛ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ . وَلاَ تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا ؛ فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ ؛ وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ . وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا ، يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ ، وَلاَ تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاَّ بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاَةِ اُمُورِهِم ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ . فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ ، وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلاَءِ مِنْهُمْ ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ ، إِنْ شَاءَ اللّهُ . ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِيءٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى ، وَلاَ تَضُمَّنَّ بَلاَءَ امْرِيءٍ إِلَى غَيْرِهِ ، وَلاَ تُقَصِّرَنَّ

.

بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلاَئِهِ . وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ صَغِيراً ، وَلاَ ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ عَظِيماً ، وَارْدُدْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ ؛ فَقَدْ قَالَ اللّهُ سُبحانه لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ : «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ» (1)، فَالرَّدُّ إِلَى اللّهِ : الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ ، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ : الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ .

الشّرْحُ:هذا الفصل مختصٌّ بالوَصاة فيما يتعلّق بأُمراء الجيش ، أمَرَه أن يولّيَ أمر الجيش من جنودِه مَن كان أنصَحَهم للّه في ظنّهِ ، وأطهَرهم جَيْباً ، أي عفيفا أميناً ؛ ويُكنَى عن العفّة والأمانة بطهارة الجَيْب ؛ لأنّ الّذي يسرق يجعل المسروق في جَيْبه . فإن قلت : وأيّ تعلّق لهذا بوُلاة الجيش ؟ إنّما ينبغي أن تكون هذه الوصيّة في وُلاة الخراج! قلت : لابدّ منها في أُمراء الجيش لأجل الغنائم . ثمّ وصف ذلك الأمير فقال : «ممّن يبطئ عن الغضب ، ويستريح إلى العُذر» ، أي يقبَل أدْنى عذر ، ويستريحُ إليه ، ويَسكُن عنده ، ويَرْؤفَ على الضّعفاء ، يَرفق بهم ويَرحمُهم . والرأفة : الرحمة . ويَنْبو عن الأقوياء : يَتجافى عنهم ويبعد ، أي لا يُمكِّنهم من الظّلم والتعدّي على الضعفاء . ولا يثيره العُنْف : لا يهيج غضبَه عُنْف وقَسْوة . ولا يَقْعد به الضّعف ، أي ليس عاجزا . ثم أمره أن يَلصق بذوي الأحساب وأهلِ البيُوتات ، أي يكرمهم ويَجعل مُعوّله في ذلك عليهم ولا يتعدّاهم إلى غيرهم ، وكان يقال : عليكم بذوِي الأحساب ؛ فإنْ هم لم يتكرّموا استحيَوْا . ثم ذكر بعدهم أهلَ الشجاعة والسّخاء ، ثم قال : «فإنها جِمَاع من الكرم ، وشُعَب من

.


1) .سورة النساء ۵۹ .

العرف» ؛ من هاهنا زائدة ؛ وإن كانت في الإيجاب على مذهب أبي الحسن الأخفش ، أي جماع الكرم ، أي يجمعه كقوله النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «الخمر جِمَاع الإثم» . والعُرْف : المعروف . وكذلك «من» في قوله : «وشعَب من العُرْف» أي وشُعب العُرْف ، أي هي أقسامه وأجزاؤه ، ويجوز أن تكون «من» على حقيقتها للتبعيض ، أي هذه الخلال جملة من الكرم وأقسام من المعروف ؛ وذلك لأنّ غيرها أيضا من الكرم والمعروف ، نحو العدل والعفّة . قوله : «ثم تفقَّدْ من أُمورهم» ، الضمير هاهنا يرجع إلى الأجناد لا إلى الأُمراء لما سنذكره ممّا يدلّ الكلام عليه . فإن قلت : إنه لم يَجْرِ للأجناد ذِكْرٌ فيما سبق ؛ وإنما المذكور الأُمراء! قلت : كلاّ بل سبق ذكر الأجناد ، وهو قوله : «الضعفاء والأقوياء» . وأمره عليه السلام أن يتفقّد من أُمور الجيش ما يتفقّد الوالدان من حال الوَلد ؛ وأمره ألاّ يعظِّم عنده ما يقوّيهم به وإن عظم ، وألاّ يستحقِر شيئا تعهّدهم به وإن قلّ ، وألاّ يمنعه تفقّدُ جسيم أُمورهم عن تفقد صغيرها . وأمره أن يكون آثر رؤوس جنوده عنده وأحظاهم عنده وأقربهم إليه مَنْ واساهم في معونته ؛ هذا هو الضمير الدالّ على أنّ الضمير المذكور أولاً للجُند لا لأُمراء الجند ؛ لولا ذلك لما انتظم الكلام . قوله : «من خُلُوف أهليهم» ، أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم . ثم قال : لا يصحّ نصيحة الجند لك إلاّ بحيطتهم على ولاتهم ، أي بتعطّفهم عليهم وتحنُّنَهم ، وهي الحِيطَة على وزن الشِّيمة ، مصدر حاطه يحوطه حَوْطا وحياطة ، وحِيطة ، أي كلأه ورعاه ، وأكثر الناس يروونها إلاّ «بحيِّطتهم» بتشديد الياء وكسرها ، والصحيح ماذكرناه . «وقلّة استثقال دُوَلهم » ، أي لا تصحّ نصيحة الجُنْد لك إلاّ إذا أحبُّوا أُمراءهم ثم لم يستثقلوا دُوَلهم ؛ ولم يتمنّوا زوالَها . ثم أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاءَ ذوي البلاء منهم ؛ فإنّ ذلك مما يُرهِف عَزْم الشُّجَاع ويحرّك الجبان . قوله : «ولا تضمَّنَّ بلاءَ امرئٍ إلى غيره» ، أي اذكر كلَّ مَنْ أبلى منهم مفرَداً غير مضموم ذكرُ بلائه إلى غيره ، كي لا يكون مغمورا في جَنْب ذكر غيره . ثم قال له : لا تعظّم بلاء ذوِي الشرف لأجل شرفهم ، ولا تحقِر بلاء ذَوِي الضّعَة لضعة أنسابهم ، بل اذكر الأُمورَ على حقائقها . ثم أمره أن يردّ إلى اللّه ورسوله ما يُضلعه من الخطوب ، أي ما يؤوده ويُميله لثقَله ، وهذه الرواية أصحّ من رواية من رواها بالظّاء ؛ وإن كان لتلك وجه .

.

الأصْلُ:ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاس أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِينَفْسِكَ ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ ، وَلاَ تَمَحِّكُهُ الْخُصُومُ ، وَلاَ يَتََمادَى فِي الزَّلَّةِ ، وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ ، وَلاَ تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ ، وَلاَ يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ ؛ وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ ، وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ ، وَأُولئِكَ قَلِيلٌ . ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ ، وافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيحُ عِلَّتَهُ ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاس ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لاَ يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ ، لِيَأْمَنَ بِذلَكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ . فَانْظُرْ فِي ذلِكَ نَظَراً بِلِيغاً ، فَإِنَّ هذَا الدِّيْنَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى ، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا .

الشّرْحُ:تمحِّكه الخصوم : تجعله ما حكاً ، أي لجوجا ، محك الرّجل ، أي لجّ ، وماحك زيد ، عمْرا ، أي لاجّه . قوله : «ولا يتمادى في الزّلّة» ، أي إن زلّ رجع وأناب ، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل . قوله : «ولا يحصَر من الفيء» هو المعنى الأول بعينه ، والفيء : الرجوع ، إلاّ أنّ هاهنا زيادة ، وهو أنّه لا يحصَر ، أي لا يعيا في المنطق ؛ لأنّ مِن النّاس من إذا زلّ حصِر عن أن يرجع وأصابه كالفهاهة والعيّ خجلاً . «ولا تُشرِفُ نفسه» ، أي لا تشفق . والإشراف : الإشفاق والخوف . والمعنى : ولا تشفق نفسه ، وتخاف من فوت المنافع والمرافق . ثم قال : «ولا يكتفي بأدنى فهم» ، أي لا يكون قانعا بما يخطر له بادئ الرأي من أمر الخصوم ، بل يستقصي ويبحث أشدّ البحث . قوله : «وأقلهم تبرُّما بمراجعة الخصم» ، أي تضجُّرا ، وهذه الخصلة من محاسن ما شرطه عليه السلام ، فإنّ القلق والضجر والتبرُّم قبيح ، وأقبح ما يكون من القاضي . «وأصرمهم» ، أي أقطعهم وأمضاهم . وازدهاه كذا ، أي استخفّه . والإطراء : المدح . والإغراء : التحريض .

.

ثم أمره أنْ يتطلّع على أحكامه وأقضيته ، وأن يفرض له عطاء واسعا يملأ عينه ، ويتعفّف به عن المرافق والرَّشوات ، وأن يكون قريب المكان منه ، كثير الاختصاص به ليمنع قربه من سعاية الرجال به وتقبيحهم ذكره عنده . ثم قال : «إنّ هذا الدّين قد كان أسيرا» ، هذه إشارة إلى قضاة عثمان وحكامه ، وأنّهم لم يكونوا يقضون بالحقّ عنده ، بل بالهوى لطلب الدنيا .

الأصْلُ:ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً ، وَلاَ تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً ، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ . وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ ، وَالْقَدَمِ فِي الاْءِسْلاَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاَقاً ، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً ، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً ، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً . ثُمَّ أَسْبِـغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ ، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاَحِ أَنْفُسِهِمْ ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ ، أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ . ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ . وَتَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً ، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ ، وَأَخْذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ .

الشّرْحُ:لمّا فرغ عليه السلام من أمر القضاء ، شرع في أمر العمّال ، وهم عمّال السواد والصَّدَقات والوقوف والمصالح وغيرها ، فأمَرَه أن يستعملهم بعد اختبارهم وتجرِبَتهم ، وألاّ يولّيَهم محاباةً لهم ، ولمن يشفع فيهم ، ولا أثَرة ولا إنعاما عليهم . ثم قال عليه السلام : «فإنهما ـ يعني استعمالهم للمحاباة والأثرة ـ جماع من شُعَب الجوْر

.

والخيانة» ، وقد تقدّم شرح مثل هذه اللفظة ، والمعنى أن ذلك يجمع ضروبا من الجوْر والخيانة . أمّا الجوْر فإنه يكون قد عدل عن المستحقّ إلى غير المستحقّ ففي ذلك جَوْر على المستحقّ ، وأمّا الخيانة فلأنّ الأمانة تقتضي تقليدَ الأعمالِ الأكفاء ؛ فمن لم يعتمد ذلك فقد خان مَنْ ولاّه . ثم أمره بتخيّر مَنْ قد جرّب ؛ ومَنْ هو من أهل البيوتات والأشراف لشدّة الحرص على الشيء والخوف من فواته . ثم أمره بإسباغ الأرزاق عليهم ؛ فإنّ الجائع لا أمانَةَ له ؛ ولأنّ الحجّة تكون لازمةً لهم إن خانوا ؛ لأنهم قد كُفُوا مؤنة أنفسِهم وأهلِيهم بما فرض لهم من الأرزاق . ثم أمره بالتطلّع عليهم وإذكاء العيون والأرصادِ على حركاتهم . وحدوة : باعث ، يقال : حداني هذا الأمر حَدْوةً على كذا ؛ وأصله سَوْق الإبل ، ويقال للشّمْأل حَدْواء ؛ لأنّها تسوق السحاب . ثم أمره بمؤاخذة من ثبتتْ خيانته واستعادة المال منه .

الأصْلُ:وَتفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ ، فَإِنَّ فِي صلاَحِهِ وَصلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ ؛ لَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ . وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ ؛ لِأَنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلاَدَ ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً ؛ فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً ، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ ، أَوْ بَالَّةٍ ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْض اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ ؛ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِما تَرْجُو أَنْ يصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ . وَلاَ يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمؤُونَةَ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ ، وَتَزْيِينِ وِلاَيَتِكَ ، مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ ، وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ ، بِمَا دَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ ، وَالثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنْ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ ؛ فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ ،

.

وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْض مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا ، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لاِءِشْرَافِ أَنْفُس الْوُلاَةِ عَلَى الْجَمْعِ ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ .

الشّرْحُ:انتقل عليه السلام من ذكر العمّال إلى ذكر أرباب الخراج ودَهَاقين السّواد ، فقال : تفقّد أمرَهم ، فإنّ النّاس عيال عليهم ؛ وكان يقال : استوصُوا بأهل الخراج ؛ فإنّكم لا تزالون سمانا ما سَمِنُوا . وروي : «استحلاب الخراج» بالحاء . ثم قال : «فإن شكَوْا ثِقْلاً» ، أي ثقل طَسْق (1)الخراج المضروب عليهم ، أو ثقل وطأة العامل . «أو علّة» ، نحو أن يصيب الغلّةَ آفة كالجراد والبرق أو البرد . «أو انقطاع شرْب (2)» بأن يَنقُص الماء في النهر ، أو تتعلق أرض الشّرب عنه لفقد الحَفْر . «أو بالّة» ، يعني المطر . «أو إحالة أرض اغتمرها غرق» ، يعني أو كوْن الأرض قد حالت ، ولم يحصل منها ارتفاع ؛ لأنّ الغرق غمرها وأفسد زَرْعها . «أو أجْحف بها عطش » ، أي أتلفها . فإن قلت : فهذا هو انقطاع الشّرب؟ قلت : لا ، قد يكون الشِّرب غير منقطع ، ومع ذلك يُجحِف بها العطش ، بأن لا يكفيها الماء الموجود في الشِّرب . ثم أمره أن يخفّف عنهم مَتَى لحقهم شيء من ذلك ؛ فإنّ التخفيف يُصْلح أُمورهم ، وهو وإن كان يُدْخِل على المال نقصا في العاجل إلاّ أنه يقتضي توفير زيادة في الآجل ؛ فهو بمنزلة التجارة التي لا بُدّ فيها من إخراج رأس المال وانتظار عوده وعود ربحه . قال : ومع ذلك فإنه يفضي إلى تزيين بلادك بعمارتها ، وإلى أنّكَ تَبْجح بين الولاة بإفاضة العدل في رعيّتك معتمدا فَضْلَ قُوّتهم . و «معتمدا» ، منصوب على الحال من الضّمير في «خَفّفت» الأُولى ، أي خَفّفت عنهم معتمدا بالتخفيف فضل قوّتهم . والإجمام : الترفيه . ثم قال له : وربما احتجتَ فيما بعد إلى تكلفهم بحادث يحدُث عندك المساعدة بمالٍ يقسطونه عليهم قرضا لك أو معونة محضة ؛ فإذا كانتْ لهم ثروة نهضوا بمثل ذلك ، طيّبة قلوبُهم به . فإن العمران محتمل ما حمّلته . ثم قال عليه السلام : «إنما تُؤتَى الأرض» ، أي إنما تُدْهَى

.


1) .في اللسان عن التهذيب : الطسق شبه الخراج له مقدار معلوم ؛ وليس بعربي خالص .

2) .الشِّرْب بالكسر : النصيب من الماء .

من إعواز أهلها ، أي من فقرهم . قال : والموجب لإعوازهم طمعُ ولاتهم في الجباية وجمع الأموال لأنفُسهم ولسلطانهم . وسوء ظنّهم بالبقاء : يحتمل أن يريد به أنهم يظنّون طول البقاء وينسَوْن الموتَ والزوال . ويحتمل أن يريد به أنهم يتخيّلون العَزْل والصرف ، فينتهزون الفرص ، ويقتطعون الأموال ، ولا ينظرون في عِمارة البلاد .

الأصْلُ:ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ ، فَوَلِّ عَلَى اُمُورِكَ خَيْرَهُمْ ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحِ الْأَخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ ، فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَفٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَأٍ . وَلاَ تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ ، فِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ ، وَلاَ يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ ، وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْـلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ ، وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفسِهِ فِي الْأُمُورِ ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بَقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ . ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ حديثهم، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ؛ وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً ، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً ، فَإِنَّ ذلِكَ دَلَيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ للّهِ ، وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ . وَاجْعَلْ لِرَأس كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ ؛ لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا ، وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا ، وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْه أُلْزِمْتَهُ .

الشّرْحُ:لما فرغ من أمر الخراج ، شَرَع في أمر الكتّاب الذين يلُون أمر الحضرة ، ويترسّلون عنه إلى عمَّاله وأُمرائه ، وإليهم مَعاقد التدبير وأمرُ الديوان ، فأمَرَه أن يتخيّر الصالح منهم ، ومَنْ يوثق

.

على الاطلاع على الأسرار والمكايد والحِيَل والتدبيرات ، ومن لا يُبِطره الإكرام والتقريب ، فيطمعَ فيجترئ على مخالفته في مَلاَءٍ من الناس والردّ عليه ، ففي ذلك من الوَهَن للأمير وسوء الأدب الذي انكشف الكاتب عنه ما لا خفاءَ به . ثم قال عليه السلام : وليكن كاتبُك غيرَ مقصّر عن عرض مكتوبات عمّالك عليك ، والإجابة عنها حسن الوَكالة والنيابةِ عنك فيما يحتجّ به لك عليهم مِن مكتوباتهم ، وما يُصدِره عنك إليهم من الأجوبة ، فإن عَقَد لك عقداً قوّاه وأحكَمه ، وإن عَقد عليك عقداً اجتهد في نقضِه وحَلّه . قال : وأن يكون عارفاً بنفسه ، فمن لم يعرف قدرَ نفسِهِ لم يَعرِف قدرَ غيرِه . ثمّ نهاه أن يكون مستَند اختيارِه لهؤلاء فِراستُه فيهم ، وغلبةُ ظنّه بأحوالهم ، فإن التّدليس ينمّ في ذلك كثيرا ، وما زال الكتّاب يتصنّعون للأُمراء بحُسن الظاهر ، وليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة والمعرفة ، ولكن ينبغي أن يرجع في ذلك إلى ما حكمتْ به التجربةُ لهم ، وما وُلّوه من قبل ، فإن كانت ولايتُهم وكتابتُهم حسنةً مشكورةً فهم هم ، وإلاّ فلا ، ويتعرّفون لفراسات الوُلاة ، يجعلون أنفسهم بحيث يعرف بضُروب من التصنّع ، وروي «يتعرّضون» . ثم أمَرَه أن يقسم فنونَ الكتابة وضروبَها بينهم ، نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف والأعداء ، والآخر لأجوبة عمّال السواد ، والآخر بحضرة الأمير في خاصّته وداره ، وحاشيته وثقاته . ثم ذكر له أنّه مأخوذ مع اللّه تعالى بما يتغابَى عنه ، ويتغافل من عيوب كتّابه ، فإن الدّين لا يبيح الإغضاءَ والغفلةَ عن الأعوان والخَوَل ، ويوجب التطلّع عليهم . واعلم أنّ الكاتب الذي يشير أمير المؤمنين عليه السلام إليه هو الذي يسمى الآن في الاصطلاح العُرْفي وزيرا ؛ لأنّه صاحب تدبير حضرة الأمير ، والنائب عنه في أُموره ، وإليه تصل مكتوباتُ العمّال وعنه تصدر الأجوبة ، وإليه العَرْض على الأمير ، وهو المستدرِك على العمّال ، والمهيمِن عليهم ، وهو على الحقيقة كاتبُ الكتّاب ، ولهذا يسمّونه : الكاتب المطلَق .

الأصْلُ:ثُمَّ اسْتَوْص بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً ، الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ ، وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ ؛ فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ ، وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَباعِدِ وَالْمَطَارِحِ ، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ ، وَحَيْثُ

.

لاَ يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا ، وَلاَ يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لاَ تُخَافُ بِائِقَتُهُ ، وَصُلْحٌ لاَ تُخْشَى غَائِلَتُهُ . وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ ، وَفِي حَوَاشِي بِلاَدِكَ . وَاعْلَمْ - مَعَ ذلِكَ - أَنَّ فِيكَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً ، وَشُحّاً قَبِيحاً ، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ ، وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ ، وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاَةِ ، فَامْنَعْ مِنَ الاْحْتِكَارِ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَنَعَ مِنْهُ . وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ ، وَأَسْعَارٍ لاَ تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ . فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ ، وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ .

الشّرْحُ:خرج عليه السلام الآن إلى ذكر التّجار وذوي الصناعات ؛ وأمَرَه بأن يعمل معهم الخير ، وأن يُوصِيَ غيره من أُمرائه وعمّاله أن يعملوا معهم الخير . واستوصِ بمعنى « أوص» نحو قَرَّ في المكان واستقرّ ، وعلا قِرْنَه واستعلاه . وقوله : «استوصِ بالتجّار خيرا» ، أي أوصِ نفسك بذلك ، ومنه قول النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم«استوْصوا بالنّساء خيراً» ؛ ومَفْعولا «استوصِ وأوصِ» هاهنا محذوفان للعلم بهما ، ويجوز أن يكون «استوصِ» ، أي اقبل الوصيّة منّي بهم ، وأوصِ بهم أنتَ غيرك . ثمّ قسّم عليه السلام الموصّى بهم ثلاثة أقسام : اثنان منها للتجّار ، وهما المقيم ، والمضطرب ، يعني المسافر . والضّرب : السيرُ في الأرض ؛ قال تعالى : «إذَا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ» (1). وواحد لأرباب الصناعات ، وهو قوله : «والمترفّق ببدنه» ، ورُوِي «بيديه» ، تثنية يد . والمَطارِح : الأماكن البعيدة . وحيث لا يلتئم الناس : لا يجتمعون ، ورُوِي «حيث لا يلتئم » ؛ بحذف الواو . ثم قال : «فإنّهم أولو سِلْم» ، يعني التجّار والصناع ، استعطفه عليهم ، واستماله إليهم ، وقال : ليسوا كعمال الخراج وأُمراءِ الأجناد ، فجانبُهم ينبغي أن يراعي ، وحالُهم يجب أن

.


1) .سورة النساء ۱۰۱ .

يُحاط ويُحمَى ، إذ لا يتخوّف منهم بائقة لا في مال يخونون فيه ، ولا في دَوْلة يُفسِدونها . وحواشي البلاد : أطرافها . ثم قال له : قد يكون في كثير منهم نوعٌ من الشحّ والبُخْل فيدعوهم ذلك إلى الاحتكار في الأقوات ، والحَيْف في البياعات . والاحتكار : ابتياع الغلاّت في أيام رخصها ، وادّخارها في المخازن إلى أيام الغلاء والقَحْط . والحَيْف : تطفيفٌ في الوزن والكيل ، وزيادةٌ في السعر ، وهو الذي عبّر عنه بالتحكّم ، وقد نهى رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلمعن الاحتكار ؛ وأمّا التطفيف وزيادة التَّسْعير فمنهيٌّ عنهما في نص الكتاب . وقارَفَ حُكْرة : واقعها ، والحاء مضمومة ، وأمرَه أن يؤدب فاعل ذلك من غير إسراف ، وذلك أنّه دون المعاصي التي توجب الحدود ، فغاية أمرِه من التعزير الإهانة والمنع .

الأصْلُ:ثُمَّ اللّهَ اللّهَ فِيالطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ ، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالُْمحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى ، فإِنَّ فِي هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً . وَاحْفَظْ للّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ ، وَقِسْماً مِنْ غَـلاَّتِ صَوَافِي الاْءِسْلاَمِ فِي كُلِّ بَلَد ، فإِنَّ لِـلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِـلْأَدْنَى ؛ وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ . وَلاَ يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ ، فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ بِتَضْيِيع التَّافِهَ لإحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ ؛ فَـلاَ تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ ، وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ ، مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ ؛ فَفَرِّغْ لِأُولئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ . ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بَالاْءِعْذَارِ إِلَى اللّهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ ، فَإِنَّ هؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الاْءِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ ؛ وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إلَى اللّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ . وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لاَ حِيلَةَ لَهُ ، وَلاَ يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ ، وَذلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيلٌ ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ ؛ وَقَدْ يُخَفُهُ اللّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللّهِ لَهُمْ .

.

الشّرْحُ:انتقل من التجّار وأرباب الصّناعات إلى ذكر فقراء الرعيّة ومَغْموريها ، فقال : وأهل البؤسَى ، وهي البؤسُ كالنُّعمى للنّعيم ، والزَّمْنى أُولو الزَّمانة . والقانع : السائل ؛ والمعترّ : الّذي يَعرِض لك ولا يسألك ، وهما من ألفاظ الكتاب العزيز (1). وأمَره أن يعطيَهم من بيت مال المسلمين ؛ لأنّهم من الأصناف المذكورين في قوله تعالى : «واعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فأنَّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى والْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ» (2)، وأن يُعطِيَهم من غلاّت صوافي الإسلام ـ وهي الأرَضون الّتي لم يُوجَف عليها بخيل ولا ركاب ـ وكانت صافية لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . ثم قال له : «فإنّ للأقصى منهم مثل الّذي للأدنى» ، أي كلّ فقراء المسلمين سواء في سهامهم ، ليس فيها أقصى وأدنى ، أي لا تُؤثِر مَنْ هو قريب إليك أو إلى أحدٍ من خاصّتك على مَنْ هو بعيد ليس له سببٌ إليك ، ولا علْقة بينه وبينك . ويمكن أن يريد به : لا تَصِرف غلاّت ما كان من الصّوافي في بعض البلاد إلى مساكين ذلك البلد خاصّة ، فانّ حقّ البعيد عن ذلك البلد فيها كمثل حقّ المقيم في ذلك البلد . والتافه : الحقير . وأشخصتُ زيداً من موضع كذا : أخرجتُه عنه . وفلان يصعِّر خدَّه للناس ، أي يتكبّر عليهم . وتقتَحِمه العيون : تزدَريه وتحتقِرُه . والإعذار إلى اللّه : الاجتهاد والمبالغة في تأدية حقّه ، والقيام بفرائضه . وكان لأمير المؤمنين عليه السلام بيتٌ سمّـاه بيتَ القِصَص ، يُلقي الناسُ فيه رقاعَهُم .

الأصْلُ:وَاجْعلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً ، فَتَتَواضَعُ فِيهِ للّهِ الَّذِي خَلَقَكَ ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ ؛ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِصَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ : «لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ

.


1) .وهو قوله تعالى في سورة الحج ۳۶ : «فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ والمُعْتَرَّ» .

2) .سورة الأنفال ۴۱ .

الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ» . ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ ، وَنَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَالْأَنَفَ ، يَبْسُطِ اللّهُ عَلَيْكَ بِذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ ، وَيُوجِبُ لَكَ ثَوابَ طَاعَتِهِ . وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً ، وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإعْذَارٍ . ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا مِنْهَا ؛ إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ ، وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاس عِندَ وَرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ . وَأَمْض لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ ، فإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ .

الشّرْحُ:هذا الفصل من تتمّة ما قبله ، وقد رُوِي «حتّى يكلّمك مكلِّمهم» ، فاعل من «كلّم» ، والرواية الأُولى أحسن . وغير متتعتع : غير مزعِج ولا مقلق . والمتَتَعْتِع في الخبر النبويّ : المتردّد المضطرب في كلامه عِيّا من خوف لحقه ، وهو راجع إلى المعنى الأوّل . والخُرق : الجهل . ورُوِي : «ثمّ احتمل الخُرق منهم والغَيّ» . والغيّ ، وهو الجهل أيضا ، والرواية الأُولى أحسن . ثمّ بيّن له عليه السلام أنه لابدّ له من هذا المجلس لأمرٍ آخر غير ما قدّمه عليه السلام ، وذلك لأنّه لابدّ من أن يكون في حاجات الناس ما يضيق به صدور أعوانه ، والنوّاب عنه ، فيتعيّن عليه أن يباشرَها بنفسه ؛ ولابدّ من أن يكون في كتب عمّاله الواردة عليه ما يعيا كتّابه عن جوابه ، فيجيب عنه بعلْمه . ويدخل في ذلك أن يكون فيها ما لايجوز في حُكْم السياسة ومصلحة الولاية أن يطلع الكتّاب عليه ، فيجيب أيضا عن ذلك بعلمه . ثم قال له : لا تدخِلْ عملَ يومٍ في عمل يومٍ آخر فيُتْعِبك ويُكَدِّرك ؛ فإنّ لكلّ يومٍ ما فيه من العمل .

الأصْلُ:وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّهِ تَعالى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ ، وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا للّهِ ؛ إِذَا صَلَحَتْ فيهَا النِّيَّةُ ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ . وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ للّهِ بِه دِينَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتي هِيَ لَهُ خَاصَّةً ، فَأَعْطِ اللّهَ

.

مِن بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللّهِ سُبْحانَهُ مِنْ ذلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ وَلاَ مَنْقُوصٍ ، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ . وَإِذَا قُمْتَ فِي صلاَتِكَ لِلنَّاس ، فَـلاَ تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَلاَ مُضَيِّعاً ، فَإِنَّ فِي النَّاس مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ ؛ وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الَْيمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ ؟ فَقَالَ : «صَلِّ بِهِمْ كَصَلاَةِ أَضْعَفِهِمْ» ، وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً .

الشّرْحُ:لمّا فرغ عليه السلام من وصيّته بأُمور رعيّته ، شَرَع في وصيّته بأداء الفرائض التي افترضها اللّه عليه من عبادته ، ولقد أحسن عليه السلام في قوله : «وإن كانت كلها للّه » ، أي أنّ النّظر في أُمور الرعيّة مع صحّة النيّة وسلامة الناس من الظّلم من جملة العبادات والفرائض أيضا . ثم قال له : «كاملاً غيرَ مثلومٍ» ، أي لا يحملنّك شُغْل السلطان على أن تختصر الصّلاة اختصارا ، بل صلّها بفرائضها وسُننها وشعائرها في نهارِك ولَيلِك ؛ وإن أتعبك ذلك ونالَ من بَدَنك وقُوّتك . ثمّ أمَرَه إذا صلّى بالناس جماعة ألاّ يطيل فينفّرهم عنها ، وألاّ يخدع الصّلاة وينقُصها فيضيّعَها . ثم رَوَى خبراً عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، وهو قوله عليه السلام له : «صلّ بهم كصلاةِ أضعفهم» ، وقوله : «وكن بالمؤمنين رحيما» ؛ يحتمل أن يكون من تتمّة الخبر النبويّ ، ويحتمل أن يكون من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، والظاهر أنّه من كلام أميرِ المؤمنين من الوصيّة للأشتر ؛ لأنّ اللفظة الأُولى عند أرباب الحديث هي المشهور في الخبر .

الأصْلُ:وَأَمَّا بَعْدَ هذا ؛ فَـلاَ تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاَةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ ، وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ ؛ وَالاْءِحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ ، فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ ؛ وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لاَ يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ ، وَإِنَّمَا

.

أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنَِ : إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ ! أَوْ مُبْتَلَىً بِالْمَنْعِ ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاس عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاس إِلَيْكَ مَا لاَ مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ ، مِنْ شَكَاةِ مَظْلَمَةٍ ، أَوْ طَلَبِ إِنْصافٍ فِي مُعَامَلَةٍ .

الشّرْحُ:نهاه عن الاحتجاب ؛ فإنّه مَظِنّة انطواء الأُمور عنه ، وإذا رُفِع الحجاب دخل عليه كلُّ أحد فعَرَف الأخبار ، ولم يَخْفَ عنه شيء من أحوال عَمله . ثمّ قال له : لم تحتجب ، فإنّ أكثر الناس يحتجبون كيلا يُطلَب منهم الرِّفد ! وأنت فإن كنتَ جواداً سَمْحاً لم يكن لك إلى الحجاب داعٍ ، وإن كنتُ مُمسِكاً فسيعلم الناسُ ذلك منك ، فلا يسألك أحدٌ شيئا . ثم قال : عَلَى أنّ أكثرَ ما يسأل منك مالاً مؤونة عليه في ماله ؛ كردّ ظُلاَمة أو إنصاف من خَصْم .

الأصْلُ:ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً ، فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَتَطَاوُلٌ ، وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِيمُعَامَلَةٍ ، فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ ، وَلاَ تَقِطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعةً ، وَلاَ يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ ، تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاس فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ ، يَحْمِلُونَ مَؤُنَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذلِكَ لَهُمْ دُونَكَ ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ . وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً ، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ . وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ ، وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ ، وَإِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ .

.

الشّرْحُ:نهاه عليه السلام عن أن يَحمِل أقارَبه وحاشيتَه وخواصَّه على رقاب الناس ، وأن يمكنهم من الاستئثار عليهم والتّطاول والإذلال ، ونهاه من أن يقطع أحداً منهم قطيعةً ، أو يملّكه ضَيْعة تضرّ بمن يجاورها من السادة والدَّهاقين في شِرْب يتغلّبون على الماء منه ، أو ضِياعٍ يُضيفونها إلى ما ملّكهم إيّاه ، وإعفاء لهم من مؤنة ، أو حفر وغيره ، فيعفيهم الوُلاة منه مراقبةً لهم ، فيكون مؤنة ذلك الواجب عليهم قد أسقطت عنهم ، وحِمْل ثقلها على غيرهم ؛ لأنّ منفعة ذلك في الدّنيا تكون لهم دونَك ، والوِزْر في الآخرة عليك ، والعيب والذمّ في الدّنيا أيضا لاحقان بك . ثم قال له : إن اتّهمْتك الرعيّة بحيْفٍ عليهم ، أو ظنّتْ بك جَوْرا ، فاذكر لهم عذرَك في ذلك ، وما عندَك ظاهرا غير مستور ، فإنه الأوْلى والأقرب إلى استقامتهم لك على الحقّ . واصحرتُ بكذا ، أي كشفته ؛ مأخوذٌ من الإصحار ، وهو الخروج إلى الصّحراء . وحامّة الرجل : أقاربُه وبطانته . واعتقدت عقدة ، أي ادّخرت ذخيرة . والمهنأ مصدر هنأه كذا . ومغبّة الشيء : عاقبتُه . واعدل عنكَ ظنونهم : نحّها . والإعذار : إقامة العُذْر .

الأصْلُ:وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَللّهِ فِيهِ رِضىً ، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ ؛ وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ ، وَأَمْناً لِبِلاَدِكَ ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكِ بَعْدَ صُلْحِهِ ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ . فَخُذْ بِالْحَزْمِ ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ . وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً ، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً ، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ . وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا اَعْطَيْتَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِض اللّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتَِماعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ ، وَتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ ، مِنْ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ . وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ . فَـلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ ، وَلاَ تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ ، فَإِنَّهُ لاَ يَجْتَرِئُ عَلَى اللّهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ ، وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ

.

الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ ، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ ، فَـلاَ إِدْغَالَ وَلاَ مُدَالَسَةَ وَلاَ خِدَاعَ فِيهِ . وَلاَ تَعْقِدْه عَقْداً تُجوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ ، وَلاَ تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوْثِقَةِ ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ ، وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللّهِ فِيهِ طِلْبَةٌ ، لاَ تَسْتَقْيلُ فَيهَا دُنْيَاكَ وَلاَ آخِرَتَكَ .

الشّرْحُ:أمَرَه أن يقبل السِّلم والصلح إذا دُعِي إليه ، لما فيه من دَعَة الجنود ، والراحةِ من الهمّ ، والأمن للبلاد ، ولكن ينبغي أن يحذر بعد الصّلح من غائلة العدوّ وكيدِه ، فإنه ربما قارب بالصلح ليتغفّل ، أي يطلب غفلتك ، فخذ بالحَزم ، واتّهمْ حُسْنَ ظنك ، لا تثقْ ولا تسكن إلى حُسنِ ظنك بالعدوّ ، وكن كالطائر الحَذِر . ثمّ أمَرَه بالوفاء بالعهود ؛ قال : واجعل نفسك جُنّةً دون ما أعطيت ، أي ولو ذهبتْ نفسُك فلا تَغدِر . ثم قال له عليه السلام : وقد لزم المشركون مع شِرْكهم الوفاءَ بالعهود ، وصار ذلك لهم شريعة وبينهم سنّة ، فالإسلام أولى باللزوم والوفاء . واستَوْبلوا : وجدوه وَبِيلاً ، أي ثقيلاً ، استوبلتُ البلدَ ، أي استَوْخَمته واستثقلْته ، ولم يوافق مِزاجَك . ولا تخيسنَّ بعهدك ، أي لا تَغدِرنّ ، خاسَ فلانٌ بذمته ، أي غَدَر ونَكَثَ . «ولا تختلنّ عدوّك» ، أي لا تمكُرنّ به ، خَتْلته ، أي خدعتُه . وقوله : «أفضاه بين العباد» ، جعله مشتركا بينهم ، لا يختصّ به فريق دون فريق . قال : «ويستفيضون إلى جِواره» ، أي ينتشرون في طلب حاجاتهم ومآربهم ، ساكنين إلى جواره ، فإلى هاهنا متعلقة بمحذوف مقدّر ، كقوله تعالى : «في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْن» (1)، أي مرسلاً . قال «فلا إدْغال» ، أي لا إفساد ، والدَّغَل : الفساد . ولا مُدالسة ، أي لا خديعة ، يقال : فلان لا يوالس ولا يُدالس ، أي لا يخادع ولا يخون ، وأصل الدّلس

.


1) .سورة النمل ۱۲.

الظلمة ، والتدليس في البَيْع : كتمانُ عيبِ السِّلعة عن المشتري . ثم نهاه عن أن يَعقِد عَقْداً يمكن فيه التأويلات والعلل وطلب المخارج . ونهاه إذا عقد العقد بينه وبين العدوّ أن ينقضه معوِّلاً على تأويل خفيّ أو فحوى قول ، أو يقول : إنما عنيت كذا ؛ ولم أعن ظاهر اللفظة ؛ فإن العقود إنما تُعقد على ما هو ظاهر في الاستعمال متداول في الاصطلاح والعُرْف لا على ما في الباطن . وروي «انفساحه» بالحاء المهملة ، أي سعته .

الأصْلُ:إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ ، وَلاَ أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ ، وَلاَ أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا . وَاللّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، فِيَما تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ فَـلاَ تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكَ دَمٍ حَرَامٍ ، فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ ، بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ . وَلاَ عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللّهِ وَلاَ عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ ، وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَأٍ ، وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ ، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً ، فَـلاَ تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ .

الشّرْحُ:ووصيَّة أمير المؤمنين عليه السلام مبنيَّةٌ على الشريعة الإسلاميّة ، والنّهي عن القتل والعُدْوان الَّذي لا يُسيغه الدّين ، وقد ورد في الخبر المرفوع : «إنّ أوّل ما يقضي اللّهُ به يوم القيامة بين العباد أمرُ الدّماء» . قال : إنّه ليس شيء أدعى إلى حلول النِّقم ، وزوال النِّعَم ، وانتقال الدُّول ، من سَفْك الدم الحرام ، وإنك إن ظننتَ أنّك تُقوِّي سلطانك بذلك ، فليس الأمرُ كما ظننتَ ، بل تُضعفه ، بل تُعدِمه بالكليّة . ثمَّ عرّفه أنّ قتل العَمْد يوجِب القَوَد ؛ وقال له : «قَوَد البَدَن» ، أي يجب عليك هَدْم صورتك كما هدمتَ صورة المقتول ، والمراد إرهابُه بهذه اللّفظة فإنّها أبلَغ من أن يقول له : «فإنّ فيه القَوَد» . ثم قال له : إن قتلتَ خطأ أو شِبه عَمْدٍ كالضّرب بالسّوط فعليك الدِّية . وقد اختلف الفقهاءُ في هذه المسألة .

.

وكلامُ أمير المؤمنين عليه السلام يدلّ على أنّ المؤدّب من الوُلاة إذا تَلِف تحت يده إنسان في التأديب فعليه الديّة .

الأصْلُ:وَإِيَّاكَ وَالاْءِعْجَابَ بِنَفْسِكَ ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَحُبَّ الاْءِطْرَاءِ ؛ فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَص الشَّيْطَانِ فِينَفْسِهِ ، لَِيمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ المحُسِنِينَ . وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ ، أَوِ التَّزَيُّدَ فِيَما كَانَ مِنْ فِعْلِكَ ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الاْءِحْسَانَ ، وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللّهِ وَالنَّاسِ . قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى : «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ» (1). وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا ، أَوِ التَّساقُطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا ، أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذا تَنَكَّرَتْ ، أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إذَا اسْتَوْضَحَتْ . فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ . وَإِيَّاكَ وَالاِْسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ ، وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ ، فَإِنَّهُ مَأَخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ . وَعَمَّا قَلَيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ . امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ ، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ ، فَتَمْلِكَ الاِْخْتِيَارَ . وَلَنْ تَحْكُمَ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ . وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فاَضِلَةٍ ، أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا صلى الله عليه و آله وسلم ، أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللّهِ ، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ

.


1) .سورة الصف ۳ .

فِيهَا ، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتَّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِيعَهْدِي هذَا ، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ ، لِكَيْلاَ تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا .

الشّرْحُ:قد اشتمل هذا الفصلُ على وصايا نحنُ شارحوها : منها قولُه عليه السلام : «إيّاك وما يُعجبك من نفسك ، والثّقة بما يُعجِبك منها» ؛ قد ورد في الخبر : «ثلاثٌ مُهلِكات : شُحٌّ مُطاع ، وهوىً متّبَع ، وإعجاب المرءِ بنفسه» . وكان بعضُ الصّالحين يقول إذا أطراه إنسان : ليسألكَ اللّهُ عن حُسن ظنّك . ومنها قولُه : «وإيّاك والمَنّ» ، قال اللّه تعالى : « يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنّ والأَذَى» (1). وكان يقال : المَنّ محبّة للنفس ، مَفسَدة للصّنع . ومنها نَهيُه إيّاه عن التزيّد في فعله ، قال عليه السلام : إنّه يَذهَب بنُور الحقّ ، وذلك لأنّه محض الكذب ، مِثل أن يسديَ ثلاثة أجزاء من الجميل ، فيدّعي في المجالس والمحافِل أنّه أسدَى عشرةً ، وإذا خالط الحقُّ الكذبَ أذهبَ نورَه . ومنها نهيُه إيّاه عن خُلف الوَعد ، قد مدح اللّهُ نبيّا من الأنبياء وهو إسماعيل بنُ إبراهيمَ عليه السلام بصِدْق الوعد . وكان يقال : وعد الكريم نَقْد وتَعْجيل ، ووعدُ اللئيم مَطْل وتَعْطيل . وفي الحديث المرفوع : «عدَة المؤمن كأخذٍ باليد» ، فأمّا أميرُ المؤمنين عليه السلام فقال : « إنّه يوجب المَقْت» ، واستَشهَدَ عليه بالآية . والمَقْت : البُغض . ومنها نهيُه عن العَجَلة ؛ وكان يقال : أصاب متثبّت أو كاد ، وأخطأَ عَجِل أو كاد . وفي المَثَل : «ربَّ عَجَلة تَهَبُ رَيْثاً» ، وذَمّها اللّه تعالى فقال : «خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَل» (2). ومنها نهيُه عن التّساقط في الشيء الممكن عند حضوره ، وهذا عبارةٌ عن النهي عن الحِرْص والجَشَع . ومنها نهيه عن اللّجاجة في الحاجة إذا تعذّرت ؛ كأن يقال : مَن لاجّ اللّهَ فقد جعَلَه خصما ، ومن كان اللّه خصمَه فهو مخصوم ، قال الغزّي : دعْها سماويّة تجري على قَدَرٍلا تُفْسِدَنْها برأيٍ منك مَعكوسِ ومنها نهيُه له عن الوَهْن فيها إذا استوضحت أي وَضَحتْ وانكشفتْ ، ويُروَى : « واستُوضِحَتْ» فِعلُ ما لم يسمَّ فاعله ، والوَهْن فيها إهمالُها وتركُ انتهاز الفرصة . ومنها نهيهُ عن الاستئثار ، وهذا هو الخُلُق النبويّ . غَنم رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم غنائمَ خَيْبر، وكانت مِل ءَ الأرض نعماً ، فلمّا ركب راحلتَه وسار تَبِعه الناسُ يطلبون الغنائم وقَسْمَها ، وهو ساكتٌ لا يكلّمهم ، وقد أكثروا عليه إلحاحاً وسؤالاً ، فمرّ بشجرة فخطفت رداءه ، فالتفتَ فقال : ردّوا عليّ ردائي ، فلو ملكت بعدد رَمْل تِهامةَ مَغنَماً لقسمتُه بينكم عن آخره ثمّ لا تجدونني بخيلاً ولا جبانا ، ونَزلَ وقَسمَ ذلك المالَ عن آخره عليهم كلّه ، لم يأخذ لنفسه منه وَبرَةً . ومنها نهيُه له عن التّغابي ، وصورة ذلك أنّ الأمير يُومَى إليه أن فلانا من خاصّته يَفعل كذا ويَفعل كذا من الأُمور المنكرة ويرتكبُها سرّا ، فيتغابَى عنه ويَتغافل ، نهاه عليه السلام عن ذلك وقال : إنّك مأخوذٌ منك لغيرك ، أي معاقَب ، تقول : اللّهمّ خذ لي من فلان بحقّي ، أي اللّهم انتقِم لي منه . ومنها نهيُه إيّاه عن الغضب ، وعن الحُكْم بما تقتضيه قوّتهُ الغضبيّة حتّى يسكن غضبُه . قد جاء في الخبر المرفوع : «لا يقضي القاضي وهو غَضْبان» ، فإذا كان قد نُهِيَ أن يقضيَ القاضي وهو غَضْبان على غير صاحبِ الخصومة ، فبالأوْلى أن يُنهَى الأميرُ عن أن يَسطوَ على إنسان وهو غَضبان عليه .

.


1) .سورة البقرة ۲۶۴ .

2) .سورة الأنبياء ۳۷ .

الأصْلُ:ومن هذا العهد وهو آخره:وَأَنَا أَسْأَلُ اللّه بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ ، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فيهِ رِضَاهُ ، مِنَ الاْءِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ ، وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبَلاَدِ ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ ، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ ؛ إِنَّا إلَى اللّه راغبون . وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللّهِصَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ .

.

۵۴. ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي

الشّرْحُ:رُوِيَ : «كلّ رَغِيبة» ، والرغيبةُ ما يُرغَب فيه ؛ فأمّا الرّغبة فمصَدرُ رَغِبَ في كذا ، كأنّه قال : القادرُ على إعطاء كلّ سؤال ، أي إعطاء كلّ سائل ما سأله . ومعنى قوله : «من الإقامة على العُذْر» ، أي أسأل اللّه أن يوفّقني للإقامة على الاجتهاد ، وبَذْل الوُسْع في الطاعة ، وذلك لأنّه إذا بذل جهدَه فقد أعذَر ، ثمّ فسّر اجتهاده في ذلك في رضا الخَلْق ، ولم يفسّر اجتهاده في رضا الخالق ؛ لأنّه معلوم ، فقال : هو حُسنُ الثّناء في العباد ، وجميل الأثر في البلاد . فإن قلت : فقولُه «وتمام النّعمة» على ماذا تَعطفه؟ قلت : هو معطوفٌ على «ما» من قوله «لما فيه» ، كأنّه قال : أسأل اللّه توفيقي لذا ولتمام النّعمة ، أي ولتمامِ نعمته عليّ ، وتضاعف كرامته لديّ ، وتوفيقه لهما هو توفيقه للأعمال الصالحة الّتي يستوجبهما بها .

۵۴الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعيّ (1)وذكر هذا الكتاب أبو جعفر الإسكافي (2)في كتاب المقامات :ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعيّ ۳ وذكر هذا الكتاب أبو جعفر الإسكافي ۴ في كتاب المقامات : أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ عَلِمْتُما ، وَإِنْ كَتَمْتُما ، أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي ، وَلَمْ أُبَايِعْهُمْ

.


1) .هو عمران بنُ الحُصَين الخزاعيّ ، وكان من فضلاء الصّحابة وفقهائهم أسلم عام خيبر ، مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين .

2) .أبو جعفر الإسكافيّ ـ وهو محمّد بن عبد اللّه الإسكافي ـ عدّه قاضي القضاة في الطّبقة السابعة من طبقات المُعتزِلة ، وقال : كان أبو جعفر فاضلاً عالما ، صنّف سبعين كتابا في علم الكلام . وهو الذي نقض كتاب (العثمانية) على أبي عثمان الجاحظ في حياته ، وكان أبوجعفر يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد ، ويبالغ في ذلك ، وكان عَلَويَّ الرأي ، محقّقاً منصفاً ، قليل العصبية .

حَتَّى بَايَعُونِي . وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي ، وَإِنَّ العَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ ، وَلاَ لِحِرْصٍ حَاضِرٍ ، فَإِنْ كُنْتُما بَايَعْتُمانِي طَائِعَيْنِ ، فارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللّهِ مِنْ قَرِيبٍ ، وَإِنْ كُنْتُما بَايَعْتُمانِي كَارِهَيْنِ ، فَقَدْ جَعَلْتُما لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ . وَلَعَمْرِي مَا كُنْتُما بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتمانِ ، وَإِنَّ دَفْعَكُمَا هذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلاَ فِيهِ ، كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ . وَقَدْ زَعَمْتُما أَنِّي قَتَلْتُ عُثَمانَ ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِيءٍ بَقَدْرِ مَا احْتَمَلَ . فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا ؛ فَإِنَّ الآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجتَمِعَ الْعَارُ وَالنَّارُ . وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «لم أُرد الناس» ، أي لم أُرد الولايةَ عليهم حتّى أرادوا هم منّي ذلك . «ولم أبايعْهم حتى بايعوني» ، أي لم أمدُدْ يدي إليهم مدّ الطَّلَب والحرْص على الأمر ، ولم أمدُدها إلاّ بعد أن خاطَبُوني بالإمْرَةِ والخلافة ، وقالوا بألسنتهم : قد بايعناك ، فحينئذٍ مددتُ يدي إليهم . قال : ولم يبايعني العامّة والمسلمون لسلطانٍ غَصَبهم وقهرَهم على ذلك ، ولا لحرص حاضر ، أي مال موجود فرّقته عليهم . ثم قسم عليهما الكلام ، فقال : إن كنتما بايَعْتُماني طوعا عن رضىً فقد وجب عليكما الرّجوع ؛ لأنّه لا وجه لانتقاض تلك البيعة ، وإن كنتما بايعتُماني مكْرَهَيْن عليها فالإكراه له صورةٌ ، وهي أن يجرّد السيف ويمدّ العنق ، ولم يكن قد وقع ذلك ، ولا يمكنكما أن تدّعياه ، وإن كنتما بايعتماني لا عن رضىً ولا مكرهين بل كارهين ، وبين المُكْرَه والكاره فرقٌ بيّن ، فالأُمور الشرعيّة إنما تُبنئ على الظاهر ، وقد جعلتُما لي على أنفسكما السّبيل بإظهاركما الطاعة ، والدخول فيما دخل فيه الناس ، ولا اعتبار بما أسررْتما من كراهية ذلك . على أنه لو كان عندي ما يكرهه المسلمون لكان المهاجرون في كراهيّة ذلك سواء ؛ فما الذي جعلكما أحقَّ المهاجرين كلّهم بالكتمان والتقيّة .

.

۵۵. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

ثم قال : وقد كان امتناعكما عن البيعة في مبدأ الأمر أجمل من دخولكما فيها ثم نكثها . قال : وقد زعمتما أنّ الشبهة التي دخلت عليكما في أمري أني قتلتُ عثمان ، وقد جعلتُ الحكمَ بيني وبينكما من تخلّف عنّي وعنكما من أهل المدينة ، أي الجماعة التي لم تَنصُر عليّا ولا طلحة ، كمحمد بن مسلمة ، وأُسامة بن زيد ، وعبد اللّه بن عمر ، وغيرهم ، يعني أنهم غيرُ متَّهمين عليه ، ولا على طلحة والزبير ، فإذا حكموا لزم كلّ امرئ منّا بقدر ما تقتضيه الشهادات . ولا شبْهة أنهم لو حكموا وشهدوا بصورة الحال لحكموا ببراءة عليّ عليه السلام من دم عثمان ، وبأن طلحة كان هو الجملة والتفصيل في أمره وحصره وقتله ، وكان الزبيرمساعدا له على ذلك ، وإن لم يكن مكاشفا مكاشفة طلحة . ثم نهاهما عن الإصرار على الخطيئة ، وقال لهما : إنكما إنما تخافان العار في رجوعكما وانصرافكما عن الحرب ، فإن لم ترجعا اجتمع عليكما العار والنار ؛ أما العار فلأنكما تهزمان وتفرّان عند اللّقاء فتعيَّران بذلك ، وأيضا سيُكشف للنّاس أنكما كنتما على باطل فتعيّران بذلك ، وأمّا النار فإليها مصيرُ العُصاة إذا ماتوا على غير توبة ، واحتمال العار وحده أهوَنُ من احتماله واحتمال النارِ معه .

۵۵الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا ، وَابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا ، لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ، وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا ، وَلاَ بِالسَّعْيِ فِيهَا أُمِرْنَا ، وَإِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَى بِهَا ، وَقَدِ ابْتَـلاَنِي اللّهُ بِكَ وَابْتَلاَكَ بِي ، فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الاْخَرِ ، فَغَدَوتَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا بَتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، وَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلاَ لِسَانِي ، وَعَصَبْتَهُ أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّامِ بِي ، وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ ، وَقَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ . فَاتَّقِ اللّهَ فِي

.

نَفْسِكَ ، وَنَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ ، وَاصْرِفْ إِلَى الآخِرَةِ وَجْهَكَ ، فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُكَ ، وَاحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ تَمَسُّ الْأَصْلَ ، وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ ، فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللّهِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ ، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لاَ أَزَالُ بِبَاحَتِكَ ؟ «حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ» .

الشّرْحُ:قال عليه السلام : «إن اللّه قد جعل الدنيا لما بعدها» ، أي جعلها طريقا إلى الآخرة . ومن الكلمات الحكميّة : الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها . «وابتلى فيها أهلها» : أي اختبرهم ليعلم أيهم أحسنُ عملاً ، وهذا من ألفاظ القرآن العزيز (1)، والمراد ليعلم خلقه ، أو ليعلم ملائكته ورُسُله ، فحذف المضاف ، وقد سبق ذكر شيء يناسب ذلك فيما تقدّم . قال : «ولسنا للدنيا خُلِقْنا» ، أي لم نخلق للدنيا فقط . «ولا بالسعي فيها أُمرنا» ، أي لم نؤمر بالسعي فيها لها ، بل أُمِرْنا بالسعي فيها لغيرها . ثمّ ذكر أنّ كلّ واحد منه ومن معاوية مُبتلىً بصاحبه ، وذلك كابتلاء آدم بإبليسَ وإبليسَ بآدم . قال : «فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن» ، أي تعدّيت وظلمت ، و « على» هاهنا متعلّقة بمحذوف دلّ عليه الكلام ، تقديرُه مثابرا على طلب الدنيا ، أو مصرّا على طلب الدنيا ، وتأويل القرآن ما كان معاوية يموّه به على أهل الشام فيقول لهم : أنا وليّ عثمان ، وقد قال اللّه تعالى : «ومن قُتِلَ مَظْلوما فَقَدْ جَعَلْنا لوليّه سلطاناً» (2). ثم يَعِدُهم الظفر والدولة على أهل العراق بقوله تعالى : «فلا يُسرِفْ في القتْلِ إنه كانَ مَنْصورا» (3). قوله : «وعصبته أنت وأهل الشام» ، أي ألزمتنيه كما تلزم العصابة الرأس . «وألّب عالمكم جاهلَكم» ، أَيّ حرّض . والقيادة : حبل تقاد به الدابّة . «واحذر أن يصيبك اللّهُ منه بعاجل قارعة» ، الضمير في «منه» راجعٌ إلى اللّه تعالى ، و «مِن» لابْتداء الغاية . «تمسّ الأصل» ، أي تقطعه ، ومنه ماء ممسوس أي يقطع الغُلّة . ويقطَع الدابر أي العقب والنسل .

.


1) .في قوله تعالى في سورة الكهف ۷ : «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» .

2) .سورة الإسراء ۳۳ .

3) .المصدر السابق .

۵۶. ومن وصية له عليه السلام وصّى بها شريح بن هانئ لما جعله على مقدمته إلى الشام

والأليّة : اليمين . وباحة الدار : وَسَطها ، وكذلك ساحَتُها . ورُوي : بناحيتك . قوله : «بعاجل قارعة ، وجوامع الأقدار» ، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد ، كقوله تعالى «وإنه لحق اليقين» (1).

۵۶الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام وصّى به شريح بن هانى لما جعله على مقدمته إلى الشاماتَّقِ اللّهَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ ، وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ ، وَلاَ تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ . وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مَخَافَةَ مَكْرُوهٍ ، سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً ، وَلِنَزْوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً .

الشّرْحُ:هو شُرَيح بن هانئ بن يزيدَ المَذْحِجيّ . من جِلّة أصحاب عليّ عليه السلام ، شهد معه المشاهد كلَّها ، وعاش حتّى قُتِل بسِجسْتان في زمن الحجّاج ، وشُرَيْح جاهليّ إسلاميّ ، يكنَى أبا المِقْدام ، ذَكَر ذلك كلَّه أبو عمرَ بنُ عبدِ البرّ في كتاب الاستيعاب (2). قولُه عليه السلام : وخَفْ على نفسك الغَرورَ ، يعني الشيطان ، فأما الغُرور بالضّم فمصدر . والرادع : الكافّ المانع . والنَّزَوات : الوَثَبات . والحَفِيظة : الغضب . والواقِم : فاعلٌ ، من وقَمْتُه أي رددتُه أقبحَ الردّ وقهرتُه . يقول عليه السلام : إنْ لم تَردَع نفسَك عن كثير من شَهَواتِك أفضتْ بك

.


1) .سورة الحاقة ۵۱ .

2) .الاستيعاب ۶۰۷ .

۵۷. ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة

إلى كثيرٍ من الضّرر ، ومثلُ هذا قولُ الشاعر : فإنَّكَ إنْ أعطيتَ بطنَك سُؤلَهاوفَرْجَك نالاَ مُنتَهى الذّمِّ أجمَعَا (1)

۵۷الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرةأَمَّا بَعْدُ ، فَإنِّي خَرَجْتُ مِنْ حَيِّي هذَا : إِمَّا ظَالِماً ، وَإِمَّا مَظْلُوماً ؛ وَإِمِّا بَاغِياً ، وَإِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ . وَإِنِّي أُذَكِّرُ اللّهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ ، فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي ، وَإِنْ كُنْتُ مُسِْيئاً استَعْتَبَنِي .

الشّرْحُ:ما أحسنَ هذا التقسيم وما أبلَغه في عطف القلوب عليه ، واستمالة النفوس إليه! قال : لا يَخْلو حالي في خُروجي من أحد أمرين : إمّا أن أكون ظالما أو مظلوما ، وبدأ بالظّالم هَضْما لنفسه ، ولئلاّ يقول عدوه : بدأ بدعوَى كونه مظلوما ، فأعطى عدوَّه من نفسِه ما أراد . قال : فليَنفِر المسلمون إليّ فإنْ وجدوني مظلوما أعانوني ، وإن وجدوني ظالما نهَوْني عن ظُلمي لأعتِبَ وأنيبَ إلى الحقّ . وهذا كلام حَسن ، ومرادُه عليه السلام يَحصل على كلا الوجهين ، لأنّه إنّما أراد أن يستنفرَهم ، وهذان الوجهان يقتضيان نفيرَهم إليه على كلّ حال ، والحيّ : المنزل ، ولمّا هاهنا بمعنى إلاّ ، كقوله تعالى : «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافظ» (2)في قراءة من قرأها بالتّشديد .

.


1) .البيت لحاتم ، وهو من شواهد المغني ۳۳۱ .

2) .سورة الطارق ۴ .

۵۸. ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل الأمصار

۵۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين :وَكَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَ نَّا الْتَقَيْنَا بِالْقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَاوَاحِدٌ ، وَنَبِيَّنَا وَاحِدٌ ، وَدَعْوَتَنَا فِي الاْءِسْلاَمِ وَاحِدَةٌ ، وَلاَ نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الاْءِيمَانِ بِاللّهِ وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ ، وَلاَ يَسْتَزِيدُونَنَا ؛ وَالْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلاَّ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثمانِ ، وَنَحْنُ مِنْهُ بَرَاءَ ، فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نُدَاوِ مَا لاَيُدْرَكُ الْيَوْمَ بِاِءطْفَاءِ النَّائِرَةِ ، وَتَسْكِينِ الْعَامَّةِ ، حَتَّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَيَسْتَجْمِعَ ، فَنَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ مَوَاضِعَهُ ، فَقَالُوا : بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ ، فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ وَرَكَدَتْ ، وَوَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَحَمِشَتْ . فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَإِيَّاهُمْ ، وَوَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَفِيهِمْ ، أَجَابُوا عِنْدَ ذلِكَ إِلَى الَّذي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ ، فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا ، وَسَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا ، حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ؛ وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَةُ ، فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللّهُ مِنَ الْهَلَكَةِ ، وَمَنْ لَجَّ وَتَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ الَّذِي رَانَ اللّهُ عَلَى قَلْبِهِ ، وَصَارَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ .

الشّرْحُ:رُوِي : «التقَيْنا والقوم» بالواو ومن لم يروها بالواو فقد استراح من التكلّف . قوله : «والظاهر أن ربّنا واحد» ، كلامُ من لم يَحكم لأهل صِفّين من جانب معاوية حُكْما قاطعا بالإسلام ، بل قال : ظاهرُهم الإسلام ، ولا خلْف بيننا وبينهم فيه ، بل الخُلْف في دَمِ عثمان . قال عليه السلام : قلنا لهم : تعالوْا فلنُطفئ هذه النائرة الآن بوضع الحرب إلى أن تتمهّد قاعدتي في الخلافة وتزول هذه الشوائبُ الّتي تُكدِّر عليّ الأمر ، ويكونَ للنّاس جماعةٌ

.

ترجع إليها ، وبعد ذلك أتمكّن من قَتَلةِ عثمان بأعيانهم فأقتصَّ منهم ، فأبَوْا إلاّ المكابرَة والمغالبة والحرب . «حتّى جَنَحتْ الحرب ورَكدَت» ، جَنَحت : أقبلتْ ، ومنه : قد جَنَح الليل ، أي أقبل ، ورَكَدت : دامت وثَبتَتْ . «ووَقَدتْ نِيرانُها» ، أي التهبت . «وحَمِشتْ» ، أي استعرَت وشَبّت . ورُوِي : «واستحشَمَت» وهو أصحّ ؛ ومن رواها «حَمَستْ» بالسين المهملة أراد اشتدّت وصَلُبت . قوله : «فلمّا ضَرّستْنا وإيّاهم» ، أي عضّتْنا بأضراسها ، ويقال : ضَرَسَهم الدهر أي اشتدّ عليهم . قال : لمّا اشتدّت الحرب علينا وعليهم ، وأكلَتْ منّا ومنهم ، عادوا إلى ما كنّا سألناهم ابتداءً ، وضَرَعوا إلينا في رَفْع الحرب ، ورَفَعوا المصاحفَ يسألون النزولَ على حُكمِها ، وإغمادَ السّيف ، فأجبناهم إلى ذلك . قوله : «وسارعْناهم إلى ما طلبوا » كلمةٌ فصيحة ، وهي تَعدِية الفعلِ اللاّزم ، كأنّهما لمّا كانت في معنى المُسابَقة ، والمسابقة متعدّية عدّي المُسارعةَ . قولُه : « حتّى استبانت » ، يقول : استمرَرْنا على كفّ الحرب ، ووضعِها إجابةً لسؤالهم إلى أن استبانت عليهم حجّتنا ، وبطلتْ معاذيرُهم وشُبْهتُهم في الحرب وشَقّ العصا ، فمن تمّ منهم على ذلك ، أي على انقياده إلى الحقّ بعد ظهوره له ، فذاكَ الّذي خَلّصه اللّهُ من الهلاك وعذابِ الآخرة ، ومن لَجّ منهم على ذلك وتَمادَى في ضلاله فهو الرّاكس ؛ قال قوم : الراكس هُنا بمعنَى المَرْكوس ، فهو مقلوب ، فاعل بمعنى مفعول ، كقوله تعالى : «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيةٍ» (1)، أي مرضيّة ، وعندي أنّ اللّفظة على بابها ، يعني أنّ من لجّ فقد رَكَس نفسَه ، فهو الرّاكس ، وهو المركوس ، يقال : ركَسه وأركَسَه بمعنىً ، والكتابُ العزيز جاء بالهمز فقال : «واللّهُ أَركَسَهُم بِمَا كَسَبُوا» (2)، أي رَدّهم إلى كفرهم ؛ ويقول : ارتَكَس فلان في أمرٍ كان نجا منه ، ورانَ على قلبه ، أي رانَ هو على قلبه ، كما قلنا في الرّاكس ؛ ولا يجوز أن يكون الفاعل ـ وهو اللّه ـ محذوفا ؛ لأنّ الفاعل لا يُحذَف ، بل يجوز أن يكون الفاعلُ كالمحذوف وليس بمحذوف ، ويكون المصدر وهو الرَّيْن ، ودَلّ الفعل عليه كقوله تعالى : «ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَارَأَوُا الآيَاتِ» (3)أي بَدا لهم البداء . ورَانَ بمعنى غَلَب وغَطّى ؛ ورُوِي : «فهو الرّاكس الّذي رينَ على قَلْبه» .

.


1) .القارعة ۷ .

2) .سورة النساء ۸۸ .

3) .سورة يوسف ۳۵ .

قال : وصارت دائرةُ السَّوْء على رأسِه ، من ألفاظ القرآن العزيز ، قال اللّه تعالى : «عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ» (1). والدوائر : الدُّوَل . * وإنّ على الباغي تدورُ الدوائر * والدائرة أيضا : الهزيمة ، يقال : على مَن الدائرةُ منهما ، والدوائر أيضا الدّواهي .

۵۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى الأسود بن قُطْبَةَ صاحب جند حلوانأَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ ، فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاس عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيَما افْتَرَضَ اللّهُ عَلَيْكَ ، رَاجِياً ثوَابَهُ ، وَمُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةً إِلاَّ كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ أَبَداً ، وَمِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ ، وَالاِحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ ، فَإِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ . وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:الّذي يَغلِب على ظنّي أنّه الأسود بنُ زيد بنِ قُطْبة بن غَنْم الأنْصاري من بني عُبَيد بن عَدِيّ . ذَكَره أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ في كتاب «الاستيعاب» ، وقال : إنّ موسى بنَ عُقْبة عدّه فيمن شَهِدَ بَدْرا (2).

.


1) .سورة الفتح ۶ .

2) .الاستيعاب ۱ : ۹۰ ( طبعة نهضة مصر ) .

۶۰. ومن كتاب له عليه السلام إلى العمّال الذين يطأ عملهم الجيش

قوله عليه السلام : إذا اختلف هَوَى الوالي منعَه كثيرا من الحقّ قولُ صِدْق ؛ لأنّه مَتَى لم يكن الخصمان عند الوالي سواءً في الحقّ جارَ وظَلم . ثم قال له : فإنّه ليس في الجَوْرِ عِوضٌ من العَدْل ؛ وهذا أيضا حقّ ، وفي العدل كلّ العِوض مِن الجور . ثمّ أمَرَه باجتناب ما ينكَر مِثله من غيره ، وقد تقدّم نحوُ هذا . وقوله : «إلاّ كانت فَرْغَتُه» كلمةٌ فصيحة ، وهي المرّة الواحدة من الفَراغ ، وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «إنّ اللّه يُبغِضُ الصحيحَ الفارغ لا في شُغْل الدنيا ولا في شُغْل الآخرة» ، ومرادُ أميرِ المؤمنين عليه السلام هاهنا الفَراغُ من عمل الآخرة خاصّة . قوله : «فإنّ الّذي يصل إليك من ذلك أفضلُ من الّذي يَصِل بك» ، معناه فإنّ الّذي يصل إليك من ثواب الاحتساب على الرعيّة ، وحفظ نفسك من مَظالِمهم والحَيْف عليهم ، أفضلُ من الّذي يصل بك من حِراسةِ دِمائِهم وأعراضِهم وأموالِهم ؛ ولا شُبهة في ذلك ؛ لأنّ إحدى المنفعتين دائمة ، والأُخرى منقطِعة ، والنفع الدائمُ أفضلُ من المنقطِع .

۶۰الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى العمال الذين يطأ عملهم الجيوشمِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ وَعُمَّالِ الْبِلاَدِ. أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللّهُ ، وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ للّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَفِّ الْأَذَى ، وَصَرْفِ الشَّذَى ، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْش ، إِلاَّ مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرِّ لاَ يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ ، فَنَكِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ ، وَكُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ ، وَالتَّعَرُّض لَهُمْ فِيَما اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ . وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْش ، فَارْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ ، وَمَا عَرَاكُمْ مِمَّا

.

۶۱. ومن كتاب له عليه السلام إلى كميل بن زياد النخعي وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالباً الغارة

يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ وَلاَ تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلاَّ بِاللّهِ وَبِي ، أُغَيِّرُهُ بِمَعُونَةِ اللّهِ ، إِنْ شَاءَ اللّهُ .

الشّرْحُ:رُوِي «عن مُضارّتهم» بالراء المشدّدة . وجُباة الخَراج : الّذين يَجمَعونه ، جَبيتُ الماءَ في الحوض ، أي جمعتُه . والشَّذَى : الضرب والشّرّ ، تقول : لقد أشذَيْت وآذَيْت . وإلى ذمّتكم ، أي إلى اليهود والنّصارى الّذين بينكم ، قال عليه السلام : «من آذى ذِمّيّا فكأنّما آذاني» ، وقال : إنما بذلوا الجِزْية لتكون دماؤهم كدِمائِنا ، وأموَالُهم كأموالنا ، ويسمّى هؤلاء ذِمّة ، أي أهل ذِمّة ، بحذف المضاف .والمَعَرّة : المَضَرّة ، قال : الجيش ممنوعٌ من أذَى من يمرّ به من المسلمين وأهل الذمّة إلاّ من سدّ جَوْعة المضطرّ منهم خاصّة ؛ لأنّ المضطرّ تباح له الميتة فضلاً عن غيرها . ثمّ قال : فنكّلوا من تَناوَل ، ورُوِي : «بمن تَناوَل» بالباء ، أي عاقِبوه . و «عن» في قوله : «عن ظلمهم» ، يتعلّق بنكلوا ، لأنّها في معنَى «اردعوا» ؛ لأنَّ النَّكالَ يُوجِب الرّدْع . ثمّ أمرهم أن يكفّوا أيدِيَ أحداثِهم وسفهائِهم عن مُنازَعة الجيش ومصادَمتِه ، والتعرّض لمنعه عمّا استثناه ، وهو سدّ الجوعة عند الاضطرار ، فإنّ ذلك لا يجوز في الشرع ، وأيضا فإنّه يُفضِي إلى فتنة وهَرَج . ثمّ قال : «وأنا بين أظهُر الجَيْش» ، أي أنا قريبٌ منكم ، وسائرٌ على إثْر الجيش ، فارفعوا إليّ مظالمَكم وما عَراكم منهم على وجه الغَلَبة والقَهْر ، فإنّي مغيِّرٌ ذلك ومنتصِفٌ لكم منهم .

۶۱الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى كميل بن زياد النخعي وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالباً للغارة :أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّيَ ، وَتَكَلُّفَهُ مَا كُفِيَ ، لَعَجْزٌ حَاضِرٌ ، وَرَأْيٌ مُتَبَّرٌ . وَإِنَّ

.

تَعَاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِيسِيَا ، وَتَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتي وَلَّيْنَاكَ - لَيْسَ لها مَنْ يَمْنعُهَا ، وَلاَ يَرُدُّ الْجَيْشَ عَنْهَا - لَرَأْيٌ شَعَاعٌ ، فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ مِنْ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ ، غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ ، وَلاَ مَهِيبِ الْجَانِبِ ، وَلاَ سَادٍّ ثُغْرَةً ، وَلاَ كَاسِرٍ لِعَدُوٍّ شَوْكَةً ، وَلاَ مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ ، وَلاَ مُجْزٍ عَنْ أَمِيرِهِ . والسلام .

الشّرْحُ:هو كُمَيل (1)بنُ زياد بنِ سهيل النخعي . كان من أصحاب عليّ عليه السلام وشيعتِه وخاصّتِه ، وقتله الحجّاج على المَذْهب فيمن قَتَل من الشّيعة . وكان كُمَيل بنُ زياد عاملَ عليّ عليه السلام على هِيتَ ، وكان ضعيفا يمرّ عليه سرايا معاوية تَنهبُ أطرافَ العِراق ولا يردّها ، ويحاول أن يجبُر ما عندَه من الضّعف بأن يُغِير على أطراف أعمال معاوية مثل قَرْقِيسِيا وما يَجرِي مَجرَاها من القُرَى التي على الفرات ، فأنكر عليه السلام ذلك مِن فِعله ، وقال : إنّ من العجز الحاضرِ أن يُهمِل الوالِي ما وَلِيه ، ويتكلّف ما ليس من تكليفه . والمتَبَّر : الهالك ؛ قال تعالى : «إنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ» (2). والمسالح : جمعُ مَسلَحة ، وهي المواضع الّتي يقام فيها طائفةٌ من الجند لحمايتها . ورأيٌ شَعاع بالفتح ، أي متفرّق . ثم قال له : «قد صرتَ جسْرا» ، أي يَعبُر عليكَ العدوّ كما يَعبُر الناسُ على الجُسور ، وكما أنّ الجِسْر لا يَمنَع من يَعبُر به ويمرّ عليه فكذاك أنت . والثُّغْرة : الثُلْمة . ومُجْزٍ : كافٍ ومُغْنٍ ؛ والأصل «مُجزيٌ» بالهمز فخفّف .

.


1) .كان كميل من أعاظم خواص أمير المؤمنين عليه السلام وأصحاب سرّه وهو القائد العابد والزاهد العالم ، كان الإمام عليه السلام يردفه معه على راحلته ويحدّثه بأمور لم يطّلع عليها أحد غيره ، شهد مع الإمام (صفين) ، روى عنه جماعة من التابعين وقد روى دعاء الخضر عليه السلام عن الإمام عليه السلام ، وهو المسمى بدعاء (كميل) ، قتله الحجاج صبراً ، وكان الإمام عليه السلام قد أخبره بذلك . دفن بالثوية في ظهر الكوفة ، وقبره يزار ويتبرك به .

2) .سورة الأعراف ۱۳۹ .

۶۲. ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه الله لما ولاه ولايتها

۶۲الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه الله لما ولاه إمارتهاأَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله وسلم نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ ، وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ . فلمَّا مَضى صلى الله عليه و آله وسلم تنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ ؛ فَوَاللّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي ، وَلاَ يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلاَ أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ ! فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ انْثِيَالُ النَّاس عَلَى فُـلاَنٍ يُبَايِعُونَهُ ، فَأَمْسَكْتُ بِيَدِي حَتَّى رَأيْتُ رَاجِعَةَ النَّاس قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الاْءِسْلاَمِ ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاْءِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً ، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ ، الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَـلاَئِلَ ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ .

الشّرْحُ:المُهيمِن : الشاهد ، قال اللّه تعالى : «إنَّا أرْسَلْنَاكَ شاهِدا وَمُبَشِّرا» ، أي تشهد بإيمان مَنْ آمَن وكُفْر من كَفَر . وقيل : تشهد بصحّة نبوّة الأنبياء قبلك . وقوله : «على المرسلين» ، يؤكّد صحّة هذا التفسير الثاني ، وأصل اللّفظة من « آمن غيره من الخوف» ؛ لأنّ الشاهد يؤمّن غيره من الخَوْف بشهادته ، ثمّ تصرفوا فيها فأَبدلوا إحدَى همزتَي «مؤامن» ياء فصار « مُؤَيْمن» ، ثم قَلَبوا الهمزة هاءً كأرقْت وهَرَقْت فصار «مُهَيْمن» . والرُّوع : الخلَد؛ وفي الحديث : «إنّ رُوح القُدْس نَفَث في رُوعي» ، قال : ما يخطر لي ببالٍ أنّ العرب تَعدِل بالأمر بعد وفاة محمّد صلى الله عليه و آله وسلم عن بني هاشم ، ثمّ من بني هاشم عنّي ؛ لأنّه كان

.

المتيقّن بحكم الحال الحاضرة . قال : «فما راعني إلاّ انثيال الناس» ، تقول للشيء يفْجَؤك بغتَةً : ما راعني إلاّ كذا ، والرَّوْع بالفتح : الفَزَع ، كأنه يقول : ما أفزعني شيءٌ بعد ذلك السكون الذي كان عندي ، وتلك الثقة التي اطمأنَنْتُ إليها إلاّ وقوعُ ما وقع من انثيال الناس ـ أي انصبابهم من كلّ وجه كما ينثال التراب ـ على أبي بكر ، وهكذا لفظ الكتاب الذي كتبه للأشتر ، وإنما الناسُ يكتبونه الآن «إلى فلان» تذمّما من ذكر الاسم كما يكتبون في أوّل الشِقْشِقِيّة : «أما واللّه لقد تقمَّصها فلانٌ» ، واللفظ «أما واللّه لقد تقمّصها ابن أبي قُحافة» . قوله : «فأمسكتُ بيدي» ، أي امتنعتُ عن بيعته ، حتى رأيت راجعة الناس ، يعني أهل الرّدة كمسيلمة ، وسَجاح وطُليحة بن خويلد ، ومانعي الزكاة ؛ وإن كان مانعوا الزكاة قد اختلف في أنّهم أهل رِدّة أم لا ؟ ومحقُ الدِّين : إبطاله . وزَهَق : خَرَج وزال . تنهنَه : سكن ، وأصله الكفّ ، تقول : نهنهت السبعَ فَتَنَهْنَه ، أي كَفّ عن حركته وإقدامه ، فكأنّ الدّين كان متحرّكا مضطربا فسكن وكفّ عن ذلك الاضطراب . قلت : هذا هو الحديث الذي أشار عليه السلام إلى أنه نهض فيه أيام أبي بكر . وكأنه جوابٌ عن قول قائل : إنه عمل لأبي بكر ، فبيّن عليه السلام عذرَه في ذلك ، وقال : إنه لم يكن كما ظنّه القائل ، ولكنه من باب دَفْع الضرر عن النفس وعن الدين ، فإنه واجبٌ سواء كان للنّاس إمام أو لمْ يكن .

الأصْلُ:ومن هذا الكتاب:إِنِّي وَاللّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاَعُ الْأَرْض كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلاَ اسْتَوْحَشْتُ ، وَإِنِّي مِنْ ضَلاَلِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ ، وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ ، لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينٍ مِنْ رَبِّي . وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللّهِ لَمُشْتَاقٌ ، وَلحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ ؛ وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤهَا وَفُجَّارُهَا ، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللّهِ دُوَلاً ، وَعِبَادَهُ خَوَلاً ، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً ، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً ؛ فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ ، وَجُلِدَ حَدّاً فِي

.

الاْءِسْلاَمِ ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الاْءِسْلاَمِ الرَّضَائِخُ . فَلَوْلاَ ذلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَتَأْنِيبَكُمْ ، وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ ، وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَوَنَيْتُمْ . أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى ، وَإِلَى بِلاَدِكُمْ تُغْزَى! انْفِرُوا - رَحِمَكُمُ اللّهُ - إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ ، وَلاَ تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْض فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ ، وَتَبُوؤُا بِالذُّلِّ ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَّ ، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ ، وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:طِلاع الأرض : ملؤُها . وآسَى : أحزَن . وأكثرت تأليبَكم : تَحرِيضَكم وإغراءكم به . والتأنيب : أشدّ اللّوم . وونَيْتم : ضَعُفتم وفَترتم . ومَمالِككم تزوَى ، أي تُقبَض . ولا تثّاقلوا بالتّشديد ، أصلُه «تَتَثاقلوا» . وتقرّوا بالخسف : تَعترفوا بالضّيم وتَصبروا له . وتبوءوا بالذلّ : تَرجِعوا به . والأرِق : الّذي لا ينام . ومِثلُ قولِه عليه السلام : «من نام لم يُنَم عنه» قولُ الشاعر : للّه دَرُّكَ ما أردتَ بثائرٍحرّانَ ليس عن التِّراتِ براقدِ (1)أسهرْتَه ثمّ اضطجَعْت ولم يَنَمحَنَقاً عليك وكيف نَوْمُ الحاقدِ! فأمّا الذي رُضِخت له على الإسلام الرّضائخ ، فمعاوية ؛ والرّضِيخة : شيء قليلٌ يُعطَاه الإنسان يُصانَع به عن شيء يُطلَب منه كالأجر ، وذلك لأنّه من المؤلَّفة قلوبُهم الّذين رَغِبوا في الإسلام والطاعة بجِمالٍ وشاءٍ دُفِعتْ إليهم ، وهم قومٌ معروفون كمعاوية وأخيه يزيد ، وأبيهما أبي سُفْيان ، وحكيم بن حِزام ، وسُهَيل بن عمرو ، والحارث بن هشام بن المغيرة ، وحُوَيْطِب بن عبد العُزّى ، والأخنَس بن شَرِيق ، وصَفْوان بن أُميّة ، وعُمير بن وهب الجُمَحيّ ، وعُيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، وعبّاس بن مِرْداس وغيرهم ، وكان إسلام هؤلاء للطّمع والأغراض الدنياويّة ، ولم يكن عن أصل ولا عن يقين وعلم .

.


1) .الترات : جمع ترة ؛ وهي الأخذ بالثأر .

۶۳. ومن كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الأشعري وهو عامله على الكوفة

وقال الراونديّ : عَنَى بقوله : «رُضِخَت لهم الرضائخ» عَمرَو بنَ العاص ، وليس بصحيح ؛ لأنّ عمراً لم يُسلِم بعد الفَتْح ، وأصحاب الرضائخ كلّهم أسلَموا بعد الفتح ، صُونِعوا على الإسلام بغنائم حُنَين . ولَعَمري إسلام عَمْرو كان مدخولاً أيضا ؛ إلاّ أنّه لم يكن عن رَضِيخة ، وإنّما كان لمعنىً آخر . فأما الذي شَرِب الحرام ، وجُلِد في حدّ الإسلام ، الوليدُ بنُ عُقْبة بن أبي مُعَيط ، وكان أشدّ الناس عليه وأبلَغَهم تحريضا لمعاوية وأهل الشام على حَرْبه .

۶۳الأصْلُ:من كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الأشعريّ وهو عامله على الكوفة وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب أصحاب الجمل:مِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ قَيْس : أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَعَلَيْكَ ، فإِذَا قَدِمَ رَسُولِي عَلَيْكَ فارْفَعْ ذَيْلَكَ ، وَاشْدُدْ مِئْزَرَكَ ، وَاخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ ، وَانْدُبْ مَنْ مَعَكَ ، فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذْ ، وَإِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ ! وَايْمُ اللّهِ لَتُؤتَيَنَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ ، وَلاَ تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ ، وَذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ ، وَحَتَّى تُعْجَلَ عَنْ قِعْدَتِكَ ، وَتَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ ، كَحَذَرِكَ مِنْ خَلْفِكَ ، وَمَا هِيَ بِالْهُوَيْنَى الَّتِي تَرْجُو ، وَلكِنَّهَا الدَّاهِيةُ الْكُبْرَى يُرْكَبُ جَمَلُهَا ، وَيُذَلَّلُّ صَعْبُهَا ، وَيُسَهَّلُ جَبَلُهَا . فَاعْقِلْ عَقْلَكَ ، وَامْلِكْ أَمْرَكَ ، وَخُذْ نَصِيبَكَ وَحَظَّكَ ، فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ ، وَلاَ فِي نَجَاةٍ ، فَبَالْحَرِيِّ لَتُكْفَيَنَّ وَأَنْتَ نَائِمٌ ، حَتَّى لاَ يُقَالَ : أَيْنَ فُـلاَنٌ ! وَاللّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ ، مَا يُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ . وَالسَّلاَمُ .

.

الشّرْحُ:المراد بقوله : «قولٌ هوَ لك وعليك» ، أنّ أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة : إنّ عليّا إمامُ هُدىً ، وبَيْعته صحيحة ، إلاّ أنّه لا يجوز القِتال معه لأهل القِبْلة ، وهذا القولُ بعضُه حقّ ، وبعضه باطل . وقولُه : «فارفَع ذَيْلك» ، أي شَمِّر للنّهوض معي واللّحاقِ بي ، لِتشهدَ حربَ أهلِ البصرة ، وكذلك قولُة : «واشددْ مِئزرَك» ، وكلتاهما كنايتان عن الجِدّ والتشمير في الأمر . «واخرج من جُحْرك» ، أمرٌ له بالخروج من منزلهِ للّحاق به ، وهي كِنايةٌ فيها غَضٌّ من أبي موسى واستهانةٌ به لأنّه لو أراد إعظامَه لقال : واخرج من خِيسِك (1)، أو من غِيلِك (2)كما يقال للأسد ، ولكنّه جعله ثعلبا أو ضبّا . «واندُب مَنْ معك» ، أي واندُب رعيّتك من أهل الكوفة إلى الخروج معي واللَّحاق بي . ثم قال : «وإن تحقّقت فانفذ» ، أي أمرُك مبنيٌّ على الشكّ ، وكلامك في طاعتي كالمتناقض ، فإن حقّقتَ لزومَ طاعتي لك فانفذ ، أي سِرْ حتى تَقدم عليّ ، وإن أقمتَ على الشكّ فاعتزِل العَمَل ، فقد عزلتُكَ . قوله : «وايمُ اللّه لتُؤتَيَنّ» ، معناه إن أقمتَ على الشكّ والاسترابة وتثبيطِ أهل الكوفة عن الخروج إليّ وقولِك لهم : لا يحلّ لكم سَلّ السيف لا مع عليّ ولا مع طلحة ، والزَموا بيوتَكم ، واكسِروا سيوفَكم ، لتأتينّكم وأنتم في منازلكم بالكوفة أهل البصرة مع طلحة ونأتينّكم نحن بأهلِ المدينة والحجاز ، فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم ومن خلفِكم ، فتكونَ ذلك الداهيةُ الكبرى الّتي لا شَواةَ لها . قولُه : «ولا تترك حتّى يخلط زُبْدُك بخاثِرك» تقول للرجل إذا ضربتَه حتى أثخنتَه : لقد ضربتُه حتّى خلطتُ زُبْدَه بخاثِرِه ، وكذلك حتّى خلطتُ ذائبه بجامِدِه ، والخاثِر : اللّبن الغليظ ، والزُّبد خلاصة اللبن وصَفْوَته ، فإذا أثخنتَ الإنسانَ ضَرْبا كنتَ كأنّك خلطتَ مارَقّ ولَطُف من أخلاطه بما كَثُف وغَلُظ منها ، وهذا مَثَل ، ومعناه لتَفسُدَنّ حالُك ولتُخَلِّطَنّ ، وليضطربنّ ما هو الآن منتظمٌ من أمرك . «وحتى تَعجَل عن قِعْدَتك» ، القِعدة بالكسر هيئة القعود كالجلسة والرِّكْبة ، أي وليعجلنّك الأمرُ عن هيئة قعودك ، يصف شدّة الأمر وصعوبته . «وتحذر مَنْ أمامك كحَذَرك من خَلفَك» ، يعني يأتيك مِنْ خلفِك إن أقمتَ على مَنْع الناس عن الحرب معنا ومعهم أهل البصرة وأهل المدينة ، فتكون كما قال اللّه تعالى : «إذْ جَاءُوكُمْ

.


1) .الخيس : معرّس الأسد .

2) .الغيل : الشجر الكثير الملتف .

۶۴. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً عن كتابه

مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ منكم» (1). «وماهي بالهُوَينَى الّتي ترجو» الهُوَينَى تصغير «الهونى» التي هي أُنثى «أَهْوَن» ، أي ليست هذه الداهية والجائحة الّتي أذكُرها لك بالشيء الهيّن التي ترجو اندفاعَه وسهولتَه . ثم قال : بل هي الداهيَة الكبرى ستفعل لا مَحالة إن استمررتَ على ما أنت عليه ، وكنَى عن قوله : «ستفعل لا محالة» بقوله : «يركب جملها» وما بعده ، وذلك لأنّها إذا ركب جملُها ، وذلّل صعبُها وسهل وعَرُها فقد فعلت ، أي لا تقل : هذا أمرٌ عظيم صعبُ المرام ، أي قصد الجيوش من كلا الجانِبَين الكوفة ، فإنه إن دام الأمرُ على ما أشرتَ إلى أهل الكوفة من التخاذُل والجلوس في البيوت ، وقولك لهم : «كن عند اللّه المقتول» لنقعنّ بموجب ما ذكرته لك ، وليرتكبنّ أهل الحجاز وأهل البصرة هذا الأمرَ المستصعب ؛ لأنّا نحن نطلب أن نَملك الكوفة ، وأهلُ البصرة كذلك ، فيجتمع عليها الفريقان . ثم عاد إلى أمره بالخروج إليه فقال له : «فاعقِل عَقْلك ، واملِك أمرَك ، وخذ نصيبَك وحَظّك» ، أي من الطاعة ، واتّباع الإمام الّذي لِزمْتك بيعته ، فإن كرهتَ ذلك ، فتنحّ عن العمل فقد عزلتُك . وابعُد عنّا لا في رحْبٍ ، أي لا في سَعَة ، وهذا ضدّ قولهم : مَرْحبا . ثم قال : فجديرٌ أن تُكفى ما كُلّفته من حضور الحَرْب وأنت نائم ، أي لست معدودا عندنا ولا عندَ الناس من الرّجال الّذين تَفتقر الحروب والتّدبيرات إليهم ، فسيُغني اللّهُ عنك ولا يقال : أين فلان ؟ ثم أقسَم أنّه لحقّ ، أي أنّي في حرب هؤلاء لَعَلَى حقّ ، وإن من أطاعني مع إمام مُحِقّ ليس يُبالي ما صنَع الملحدون ، وهذا إشارةٌ إلى قولِ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «اللهمّ أدِرِ الحقّ معه حيثما دارَ» .

۶۴الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً عن كتابهأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الاُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَفَرَّقَ بيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ

.


1) .سورة الأحزاب ۱۰ .

۵۹. ومن كتاب له عليه السلام إلى الأسود بن قُطبَةَ صاحب جند حلوان

أَمْس أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ ، وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ ، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلاَّ كَرْهاً ، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الاْءِسْلاَمِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، حَرْباً. وذَكَرْتَ أنّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ ، وَشَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ ، وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ ! وَذلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ ، فَـلاَ عَلَيْكَ ، وَلاَ الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ . وَذَكَرْتَ أنّكَ زَائِرِي فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ ، فَإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ ، فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ اللّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ ! وَإِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ : مُسْتَقْبِلِينَ رِيَـاحَ الصَّيْـفِ تَضْرِبُهُـمْبِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَجُلْمُودِ وَعِنْدِيَ السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَـامٍ وَاحِدٍ . وَإِنَّكَ وَاللّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ ، الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ : إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لاَ لَكَ ، لاِنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ ، وَرَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ ، وَطَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلاَ فِي مَعْدِنِهِ ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ ! وَقَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَأَخْوَالٍ ! حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ وَتَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ ، لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً ، وَلَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً ، بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلاَ مِنْهَا الْوَغَى ، وَلَمْ تُماشها الْهُوَيْنَى . وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثمانَ ؛ فَادْخُلْ فِيَما دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ، ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ ، أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللّهِ تَعَالَى ، وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ ؛ فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ . وَالسَّلاَمُ لِأَهْلِهِ .

الشّرْحُ:[مجموع الرسائل المتبادلة بين أمير المؤمنين عليه السلام ، وبين معاوية ۱۵ رسالة ، وهذه الثانية عشرة ، وهي جميعاً متقاربة في مضامينها وأهدافها ، وما فتئ معاوية يكيل الشتائم والتهم

.

للإمام عليه السلام ، من قبيل حسد الشيخين ، والتواطئ على قتل عثمان ، ومعاداة بعض الصحابة ، وقتال أصحاب الجمل شيخي قريش وأم المؤمنين ، وطالما هدد الإمام عليه السلام بالحرب وبإشعال الفتن وكاد للإسلام والمسلمين . ومِن الطبيعي أن يردّ الإمام عليه السلام على مزاعمه واتهاماته ، ليردّ عليه كيده ، ولئلا يلتبس الأمر على السذّج من المسلمين من أهل الشام أو غيرهم . وقد أورد ابن أبي الحديد كتاب معاوية في ذيل جواب الإمام عليه السلام وكتابه . ونورد هنا جملاً من كتاب معاوية حتى يطّلع القارئ الكريم على تجنّي وعدوانية هذا الرجل الطليق وانحرافه اسمعه يقول : « ومن قبل ذلك ما عيبت خليفتي رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمأيام حياتهما ، فقعدت عنهما وألّبتَ عليهما ، وامتنعتَ من بيعتهما ، ورُمتَ أمراً لم يرك اللّه تعالى له أهلاً ، ورقيت سُلماً وعراً ، وحاولت مقاماً دحْضاً ، وادّعيت ما لم تجد عليه ناصراً ؛ ولعمري لو وليتها حينئذٍ لما ازدادت إلاّ فساداً واضطراباً ، ولا أعقبت ولا يتكها إلاّ انتشاراً وارتداداً ؛ لأنك الشامخ بأنفه ، الذاهب بنفسه ، المستطيلُ على الناس بلسانه ويده ؛ وها أنا سائرٌ إليك في جمع من المهاجرين والأنصار تحفُّهم سيوفٌ شاميّة ... » ، إلى آخر الرسالة التي كتبها بتشجيع من شريكه عمرو بن العاص وقد حاول ابن أبي الحديد دفع بعض مزاعم معاوية ، لكن على طريقته وِفق مذهب الاعتزال ] . ثم نعود إلى تفسير ألفاظ كتاب الإمام علي عليه السلام . قال عليه السلام : «وما أسلم مُسلِمكم إلاّ كَرْها» ، كأبي سفيان وأولاده يزيد ومعاوية وغيرهم من بني عبد شمس . قال : وبعد أن كان أَنْفُ الإسلام محاربا لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم» ، أي في أوّل الإسلام ، يقال : كان ذلك في أنْف دولة بني فلان ، أي في أوّلها ، وأنْف كلّ شيء أوّله وطَرَفه ، وكان أبو سُفيانَ وأهله من بني عبد شمس أشدَ الناس عَلَى رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم في أوّل الهجرة ، إلى أن فتح مكة . ثم أجابه عن قوله : ( قتلتَ طلحة والزبير ، وشرّدت بعائشة ، ونزلتَ بين المصريْن ) بكلام مختصر أعرض فيه عنه هَوانا به ، فقال : هذا أمرٌ غبتَ عنه ، فليس عليك كان العدوان الذي تَزْعُم ، ولا العذرُ إليك لو وجب عليّ العذرُ عنه . فأما الجواب المفصّل فأن يقال : إن طلحة والزبير قتلا أنفسهما ببغيهما ونكْثِهما ،

.

ولو استقاما على الطريقة لسلِما ، ومن قتله الحق فدمه هَدَر . وأمّا أمّ المؤمنين عائشة فالذي جَرَى لها كان خطأ منها ، فأيّ ذنب لأمير المؤمنين عليه السلام في ذلك ! ولو أقامت في منزلها لم تُبتذَل بين الأعراب وأهل الكوفة ؛ على أن أمير المؤمنين عليه السلام أكرَمها وصَانها وعظّم من شأنها ، ومَنْ أحب أن يقف على ما فعله معها فليطالع كتب السيرة . ولو كانت فعلتْ بعمر ما فعلتْ به ، وشقّت عصا الأُمّة عليه ، ثم ظفر بها ، لقتلها ومزّقها إرَبا إرَبا ، ولكنّ عليّا كان حليما كريما . قوله عليه السلام : «وذكرت أنّك زائرِي في جَمْع من المهاجرين والأنصار ، وقد انقطعَت الهجرةُ يوم أُسِر أخوك» ، هذا الكلامُ تكذيبٌ له في قوله : ( في جمعٍ من المهاجرين والأنصار ) ، أي ليس معك مهاجر ؛ لأنّ أكثر من معك ممن رأى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم هم أبناء الطُّلَقَاء ، ومن أسلَم بعد الفتح ، وقد قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «لاهِجرةَ بعد الفَتْح » . وعبّر عن يوم الفَتْح بعبارة حَسَنة فيها تقريع لمعاوية وأهلِه بالكفر ، وأنّهم ليسوا من ذوي السّوابق ، فقال : «قد انقطعتْ الهجرةُ يومَ أُسِر أخوك» ، يعني يزيد بن أبي سُفيان أُسِرَ يوم الفَتْح في باب الخَنْدَمة ، وكان خَرَج في نفر من قريش يُحارِبون ويَمنَعون من دخول مكّة ، فقُتِل منهم قومٌ وأُسِر يزيدُ بنُ أبي سفيان ، أسرَه خالدُ بنُ الوليد ، فخلّصه أبو سُفيان منه ، وأدخَلَه دارَه ، فأَمِن ؛ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قال يومئذٍ : «من دخل دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمِن » . قوله عليه السلام : «فإن كان فيك عجل فاسترفِه» ، أي كن ذا رَفاهِية ، ولا تُرهِقَنّ نفسك بالعجل ، فلابدّ من لِقاء بعضنا بعضا ، فأيّ حاجة بك إلى أن تعجل . ثمّ فسّر ذلك فقال : إن أزُرْك في بلادك ، أي إن غَزَوتك في بلادِك فخليق أن يكون اللّه بعثني للانتقام منك ، وإن زُرْتَني ـ أي إن غَزَوتني في بلادي وأقبلتَ بجموعك إليّ ، كنتم كما قال أخو بني ۱ أسد ؛ كنت أسمعُ قديما أنّ هذا البيت من شِعْر بشر بن أبي خازم الأسَديّ ؛ والآن فقد تصفّحتُ شعره فلم أجدْه ، ولا وقفتُ بعدُ على قائله ، وإن وَقَفْتُ فيما يُستقبل من الزّمان عليه ألحقته . وريحٌ حاصِب ، تَحمل الحصْباء ، وهي صِغارُ الحَصَى ، وإذَا كانت بين أغْوار ـ وهي ما سَفُل من الأرض وكانت مع ذلك ريح صَيف ـ كانت أعظمَ مشقّة ، وأشدّ ضَرَرا على مَنْ

.

تُلاقيه . وجُلْمود ، يمكن أن يكون عَطْفا على «حاصِب» ، ويمكن أن يكون عطْفا على « أغْوار » ، أي بين غَوْرٍ من الأرض وحَرَّةٍ ، وذلك أشدّ لأذاها لما تكسِبُه الحَرّة من لَفْح السَّموم وَوَهجِها . والوجه الأوّل ألْيَق . وأعضضْته ، أي جَعلته مَعضوضا برؤوس أهلك ، وأكثر ما يأتي «أفَعَلْته» أن تجعله « فاعلاً» ، وهي هاهنا من المقلوب ، أي أعضَضْت رؤوس أهلك به ، كقوله : «قد قطع الحبل بالمرْوَد» . وجدُّه عُتبة بن ربيعة ، وخاله الوليدُ بنُ عتبة ، وأخوه حَنظلة بن أبي سفيان ، قتلهم عليّ عليه السلام يوم بدر .والأغلَفَ القلب : الذي لا بصيرة له ، كأنّ قلبه في غِلاف ، قال تعالى : «وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ» (1). والمقارِب العقل ، بالكسر : الذي ليس عَقْله بجيّد ؛ والعامَّة تقول فيما هذا شأنه : مقارَب ، بفتح الراء . ثم قال : والأوْلى أن يقال هذه الكلمة لك . ونشدتُ الضّالّة : طَلبتُها ، وأنشدتها : عَرّفتها ، أي طلبتَ ما ليس لك . والسائمة : المال الراعي ؛ والكلامُ خارجٌ مخرج الاستعارة .فإن قلت : كلّ هذا الكلام يطابق بعضه بعضا إلاّ قوله : «فما أبعد قولك من فِعلك» وكيف استبعد عليه السلام ذلك ولا بُعْدَ بينهما ؛ لأنّه يَطلُب الخلافة قولاً وفعلاً ! فأيّ بُعد بين قوله وفعله؟ قلت : لأنّ فعله البَغْي ، والخروج على الإمام الذي ثبتت إمامتُه وصحّت ، وتفريق جماعةِ المُسلمين ، وشقّ العَصا ، هذا مع الأُمور الّتي كانت تَظهر عليه وتقتضي الفسق ؛ من لبس الحرير ، والمَنسوج بالذهب ، وما كان يتعاطاه في حياةِ عثمان من المنكرات التي لم تثْبت توبته منها ، فهذا فعلُه . وأمّا قوله ؛ فزعمه أنه أميرُ المؤمنين ، وخليفةُ المسلمين ، وهذا القولُ بعيد من ذلك الفعل جدا . و «ما» في قوله : «وقريب ما أشبهت» مصدرية ، أي وقريب شبهك بأعمام وأخوال . وقد ذكرنا من قُتِل من بني أُميّة في حرُوب رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم فيما تقدّم ، وإليهم الإشارة بالأعمام والأخوال ؛ لأنّ أخوال معاوية من بني عبد شمس ، كما أنَّ أعمامه من بني عبد شمس . قوله : «ولم تماشها الهوينى» ، أي لم تصحبها ، يصفها بالسرعة والمضيّ في الرؤوس والأعناق . وأمّا قوله عليه السلام : «ادخُل فيما دَخَل فيه الناسُ وحاكِم القومَ» ، فهي الحجّة الّتي

.


1) .سورة البقرة ۸۸ .

۶۵. ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاً

يَحتجّ بها أصحابُنا له في أنّه لم يُسلِّم قَتلة عثمان إلى معاوية ، وهي حُجّة صحيحةٌ ؛ لأنّ الإمام يجب أن يُطاع ، ثمّ يتحاكَم إليه أولياءُ الدّم والمتّهَمون ، فإنْ حَكَم بالحقّ استُدِيمت حكومتُه ، وإلاّ فَسق وبَطَلت إمامَتُه . قوله : «فأمّا تلك الّتي تُريدها» ؛ قيل : إنّه يريد التعلّق بهذه الشّبهة ، وهي قَتلَة عثمان ، وقيل : أراد به ما كان معاوية يكرّر طلبَه من أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو أن يُقِرّه على الشّام وحدَه ، ولا يكلّفه البَيْعة ، قال : إنّ ذلك كمُخادَعة الصبيّ في أوّل فِطامه عن اللّبَن بما تَصنَعه النّساء له ممّا يكرِّه إليه الثّديَ ويُسلِيه عنه ، ويُرغِّبه في التعوّض بغيره .

۶۵الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاًأَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الْأُمُورِ ، فَلَقدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلاَفِكَ بِادِّعَائِكَ الْأَبَاطِيلَ ، وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَالْأَكَاذِيبِ ؛ مِن انْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلاَ عَنْكَ ، وَابْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَكَ ؛ فِرَاراً مِنْ الْحَقِّ ، وَجُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ ؛ مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُك ، وَمُلِيءَ بِهِ صَدْرُكَ ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ وَبَعْدَ الْبَيَانِ إِلاَّ اللَّبْسُ ! فَاحْذَرِ الشُّبْهَةَ وَاشْتِمالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلاَبِيبَهَا ، وَأَغْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا . وَقدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفانِينَ مِنَ الْقَوْلِ ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ ، وَأَسَاطِيرَ لَمْ يَحُكْهَا مِنْكَ عِلْمٌ وَلاَ حِلْمٌ ، أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِض فِي الدَّهَاس ، وَالْخَابِطِ فِي الدِّيمَاس ، وَتَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ الْمَرَامِ ، نَازِحَةِ الْأَعْلاَمِ ، تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ وَيُحَاذَى بَهَا الْعَيُّوقُ . وَحَاشَ للّهِ أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي صَدْراً أَوْ وِرْداً ، أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ

.

آنَ لك وأنَى لَك بمعنىً ، أي قَرَب وحَانَ ، تقول : آنَ لك أن تَفعَل كذا يَئِين أيْنا . و «أنّى» مقلوبة عن «آنَ» ، ومِمّا يجري مَجرَى المَثَل قولُهم لمن يرُونه شيئا شديدا يُبصره ولا يشكّ فيه : قد رأيته لمحا باصِرا ، قالوا : أي نظرا بتَحْدِيق شديد ، ومَخرَجه مَخرَج رجل لابنٍ وتامِر ، أي ذو لبَن وتَمْر ، فمعنَى «باصِر» ذو بَصَر . يقول عليه السلام لمعاوية : قد حانَ لك أن تَنتفِع بما تَعلَمه من معايَنة الأمورِ والأحوالِ وتتحقّقه يقينا بقَلْبك كما يتحقّق ذو اللّمح الباصر ما يُبصِره بحاسّة بصرِه ، وأراد ببَيان الأُمور هاهنا معايَنَتها ، وهو ما يعرفه ضرورة من استحقاق عليٍّ عليه السلام للخلافة دونَه ، وبراءتِه من كلّ شُبْهة يَنسُبها إليه .ثم قال له : «فلقد سلكتَ» ، أي اتّبعتَ طرائق أبي سُفْيان أبيكَ وعُتْبة جَدِّك وأمثالِهما من أهلِك ذَوِي الكُفْر والشّقاق . والأباطيل : جمعُ باطل على غير قياس ، كأنّهم جَمَعوا إبطيلاً . والاقتحام : إلقاءُ النّفس في الأمْر من غير رَويّة . والمَيْن : الكَذِب . والغُرور بالضم المصدَر ، وبالفَتْح الاسم . وانتحلْتُ القصيدة ، أي ادّعيتَها كَذِبا .قال : «ما قد علا عنك» ، أي أنتَ دونَ الخلافة ، ولستَ من أهلِها ؛ والابتزاز : الاستِلاب . «لما قد اختزن دونَك» ، يعني التسمّي بإمرة المؤمنين . ثمّ قال : «فِرارا من الحقّ» ، أي فعلتَ ذلك كلّه هَرَبا من التمسّك بالحقّ والدّين ، وحبّا للكُفْر والشّقاق والتغلّب . «وجُحودا لما هو ألزَم» ، يعني فرض طاعةِ عليّ عليه السلام ، لأنّه قد وَعَاها سَمعُه لا رَيْب في ذلك ، إمّا بالنّص في أيّام رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم كما تَذكرُه الشّيعة ـ فقد كان معاوية حاضرا يومَ الغَدِير ؛ لأنّه حجّ معهم حجّة الوداع ، وقد كان أيضا حاضرا يومَ تَبُوك حين قال له بمَحضَر من الناس كافّة : «أنت منّي بمنزِلة هَارُون مِن موسى» ، وقد سُمِع غيرُ ذلك ـ وإمّا بالبَيْعة كما نَذكره نحن فإنّه قد اتّصل به خبرُها ، وتواترَ عندَه وُقوعُها ، فصار وقوعُها عنده معلوما بالضّرورة كعِلمِه بأنّ في الدّنيا بلداً اسمُها مِصر ، وإن كان مارآها . والظاهر من كلامِ أميرِ المؤمنين عليه السلام أنّه يريد المعنى الأوّل ؛ ونحن نخرِّجه على وَجْهٍ لا يَلزَم منه ما تقوله الشِّيعة ، فنقول : لنَفرض أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلمما نصّ عليه بالخلافة بعدَه ، أليس يَعلَم معاوية وغيرُه من الصّحابة أنه قال له في ألف مقام : «أنا حَرْبٌ لمن حارَبْتَ ، وسِلْمٌ لمن

.

سالَمْت» ، ونحو ذلك من قوله : «اللّهمّ عادِ من عادَاه ، ووالِ مَن وَالاه» ، وقوله : «حربُك حَرْبي وسِلْمُك سِلْمي» ، وقوله : «أنت مع الحقّ والحقّ معك» ، وقوله : «هذا منّي وأنا منه» ، وقوله : «هذا أخِي» ، وقوله : «يحبُّ اللّه ورسوله ، ويحبّه اللّهُ ورسولُه» ، وقولُه : «اللّهمّ ائتِني بأحبّ خَلقِك إليك» ، وقوله : «إنّه وليّ كلّ مؤمن [ ومؤمنة ]بعدي » ، وقوله : في كلام قاله « خاصِف النّعل» ، وقوله : «لا يحبّه إلاّ مؤمن ، ولا يَبغَضه إلاّ مُنافِق» ، وقوله : «إنّ الجنّة لتشتاق إلى أربعة» ، وجعله أوّلَهم ؛ وقوله لعمّار : «تقتُلك الفِئة الباغية» ؛ وقوله : «ستقاتل الناكثِين والقاسِطين والمارِقين بعدِي» ، إلى غير ذلك ممّا يَطولُ تَعدادُه جدّا ، ويحتاج إلى كتابٍ مفرد يُوضَع له ؟ أفما كان ينبغي لمعاويةَ أن يفكّر في هذا ويتأمّله ، ويَخشَى اللّهَ ويتّقيه؟! فلعلّه عليه السلام إلى هذا أشار بقوله : « وجُحودا لما هو ألزَم لك من لَحمِك ودَمِك ممّا قد وَعاه سَمْعُك ، ومُلئَ به صَدْرُك» . قولُه : «فَمَاذَا بَعْدَ الحَقّ إلاَّ الضّلال» (1)كلمةٌ من الكلام الإلهيّ المقدّس . قال : « وبعد البَيان إلاّ اللّبس» ، يقال : لَبّست عليه الأمرَ لَبْسا ، أي خَلطتُه ، والمضارع يَلبِس بالكسر . «فاحذَر الشبهة واشتمالها» على اللُّبْسة بالضمّ ، يقال في الأمر لُبْسة أي اشتباه ، وليس بواضح ؛ ويجوز أن يكون «اشتمال» مصدرا مُضافا إلى معاوية ، أي احذَر الشّبهة واحذر اشتمالَك إيّاها على اللّبسة ، أي ادّراعَك بها ، وتقمُّصَك بها على ما فيها من الإبهام والاشتِباه ؛ ويجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى ضمير الشّبهة فقط ، أي احذر الشّبهة واحتواءَها على اللّبسة الّتي فيها .وتقول : أغدَفَت المرأةُ قِناعَها ، أي أرسلتْه على وجهها ، وأغدَف الليلُ أي أرخَى سُدولَه ، وأصلُ الكلمة التّغطِيَة . والجلابيب : جمع جِلْباب ، وهو الثّوب . «وأعْشَت الأبصارَ ظُلْمتَها» ، أي اكتسبَتْها العَشا ، وهو ظُلْمة العَيْن . ورُوِي : « وأغْشَت» بالغين المعجمة « ظُلمتَها» بالنّصب، أي جعلت الفتنة ظُلمتها غِشاء للأبصار. والأفَانِين: الأساليب المختلِفة.قوله : «ضعفت قُواها عن السّلم» ، أي عن الإسلام ، أي لا تَصدُر تِلكَ الأفانينُ المختلِطة عن مُسلِم ، وكان كَتَب إليه يطلب منه أن يُفرده بالشام ، وأن يوليه العهد من بعده ، وألا يكلّفه الحضور عنده . وقرأ أبو عمرو : «ادخُلُوا فِي السِّلم كَافَّةً» (2)؛ وقال : ليس المعنيّ بهذا الصّلح ، بل الإسلام والإيمان لا غير ، ومعنى «ضَعُفتْ قُواها» ، أي ليس لتلك الطّلبات

.


1) .سورة يونس : ۳۲ .

2) .سورة البقرة ۲۰۸ وانظر تفسير القرطبي ۳ : ۲۳ .

والدّعاوَى والشّبُهات الّتي تضمّنها كتابُك من القوّة ما يقتضِي أن يكون المتمسّك به مُسلِما ، لأنّه كلامٌ لا يَقولُه إلاّ مَنْ هو ؛ إمّا كافرٌ مُنافق أو فاسق ، والكافر ليس بمسلِم ، والفاسق أيضا ليس بمُسلِم ـ على قول أصحابِنا ـ ولا كافر . ثم قال : «وأساطير لم يَحْكها منكَ عِلْم ولا حِلْم» ، الأساطير : الأباطيل ، واحدها أُسطورَة بالضم وإسْطارَة بالكسر والألف . وحَوْكُ الكلام : صَنْعتُه ونَظْمُه . والحِلْم : العَقْل ، يقول له : ما صدر هذا الكلام والهُجر الفاسد عن عالم ولا عاقل . ومن رَواها «الدِّهاس» بالكسر فهو جمع دَهْس ، ومَنْ قرأها بالفتح فهو مُفرَد ، يقول : هذا دَهْس ودَهاس بالفتح مثل لَبْث ولبَاث للمكان السّهل الّذي لا يَبلُغ أن يكون رملاً ، وليس هو بتراب ولا طين . والدِّيماس بالكَسْر : السَّرَب المُظلِم تحتَ الأرض ، وأصله من دَمَس الظلام يَدمُس ، أي اشتدّ ، وليل دامِسٌ ودامُوس ، أي مُظلم ، وجاءنا فلانٌ بأمور دُمْس ، أي مُظلِمة عظيمة ، يقول له : أنت في كتابِك هذا كالخائض في تِلكَ الأرض الرِّخْوة ، تقوم وتقع ولا تتخلّص ، وكالخابط في اللّيل المُظلِم يَعثرُ ويَنهَض ولا يَهتدِي الطريق . والمَرْقَبَة : الموضعُ العالي . والأعلام : جمع عَلَم ، وهو ما يُهْتَدى به في الطّرقات من المَنار ، يقول له : سمَتْ همّتك إلى دَعوَى الخِلافة ، وهي منك كالمرقَبة الّتي لا تُرام بتعدٍّ على من يَطلُبها ، وليس فيها أعلامٌ تَهدِي إلى سلوك طريقِها ، أي الطرقُ إليها غامضة ، كالجَبَل الأملسِ الّذي ليس فيه دَرَج ومَراق يُسلَك منها إلى ذِروَته . والأنُوق على «فَعُول» بالفتح كأَكُول وشَرُوب : طائر ، وهو الرَّخمَة . وفي المثل «أعزّ من بَيْضِ الأنوق» ؛ لأنها تُحرِزه ، ولا يكاد أحدٌ يَظفَر به ، وذلك لأنّ أوكارَها في رؤوس الجبال والأماكن الصّعبة البعيدة . والعَيّوق : كوكب معروف فوق زُحَل في العُلوّ ، وهذه أمثالٌ ضَرَبها في بُعدِ معاوية عن الخلافة .ثم قال : «حاشَ للّه أن أولِّيك شيئا من أُمور المسلمين بَعدِي» ، أي مَعاذَ اللّه ، والأصْلُ إثبات الألف في «حاشا» ، وإنّما اتّبع فيها المصحف . والوِرْد والصَّدَر : الدّخول والخروجُ ، وأصلُه في الإبل والماء . ويَنهَد إليك عباد اللّه ، أي يَنهَض . وأُرتِجَتْ عليك الأمورُ : أُغلِقت .وهذا الكتابُ هو جواب كتابٍ وَصَل من معاوية إليه عليه السلام بعد قَتْل عليّ عليه السلام الخوارجَ ، وفيه تلويحٌ بما كان يقوله من قبْل : إنّ رسولَ اللّه وَعَدني بقتالِ طائفةٍ أُخرى غيرِ أصحابِ الجَمَل وصِفّين ، وإنّه سمّـاهم المارِقين ، فلمّا واقَعَهم عليه السلام بالنَّهرَوان وقتَلهم كلّهم بيوم واحد وهم عَشرَة آلافِ فارسٍ أحَبّ أن يُذكِّر معاوية بما كان يقول من قبلُ ، ويَعِدُ به أصحابَه وخواصّه ، فقال له : قد آن لك أن تَنتفِع بما عايَنت وشاهَدْتَ معاينةً ومُشاهَدةً ، من صدق القول الّذي كنتُ أقولُه للنّاس ويَبلغك فتَستهزِئ به .

.

۶۶. ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن العبّاس وقد تقدّم ذكره بخلاف هذه الرواية

۶۷. ومن كتاب له عليه السلام إلى قُثَم بن العبّاس وهو عامله على مكّة

۶۶الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى عبد اللّه بن العباس وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية (1):ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى عبد اللّه بن العباس وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية ۲ : أَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّ الْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ ، وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ، فَـلاَ يَكُنْ أَفْضَلَ مَانِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ ، أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ ، وَلكِنْ إِطْفَاءَ بِاطِلٍ ، أَوْ إِحْيَاءَ حَقٍّ . وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمتَ ، وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ ، وَهَمُّك فِيَما بَعْدَ الْمَوْتِ .

الشّرْحُ:هذا الفَصْل قد تقدّم شرحُ نظيره ، وليس في ألفاظه ولا معانيه ما يفتَقر إلى تَفسِير .

۶۷الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى قُثَم بن العباس وهو عامله على مكَّةأَمَّا بَعْدَ ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ ، وَاجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ ، فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِيَ ، وَعَلِّمِ الْجَاهِلَ ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ . وَلاَ يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاس سَفِيرٌ إِلاَّ لِسَانُكَ ،

.


1) .أي في الرسالة (۲۱) . أصاب : أدرك . نلت : أدركت وأصبت . الغيظ : أشد الغضب وسورته . خلّفت : تركت .

وَلاَ حَاجِبٌ إِلاَّ وَجْهُكَ . وَلاَ تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا ، فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ في أَوَّلِ وِرْدِهَا ، لَمْ تُحْمَدْ فِيَما بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا . وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللّهِ فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالمجَاعَةِ ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ المفاقر وَالْخَـلاَّتِ ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا . وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلاَّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً ، فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : «سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ» (1)فَالْعَاكِفُ : الْمُقِيمُ بِهِ ، وَالْبَادِي : الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ ، وَفَّقَنَا اللّهُ وَإِيَّاكُمْ لَِمحَابِّهِ ؛ وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم ذكر قُثمَ ونسبه (2). أمَره أن يقيمَ للنّاس حجّهم ، وأن يذكّرهم بأيّام اللّه ، وهي أيّام الإنعام ، وأيّام الانتقام ، لتَحصل الرغبة والرّهبة . واجلس لهم العَصْرين : الغَداةَ والعَشيّ . ثم قَسّم له ثمرةَ جلوسِه لهم ثلاثة أقسام : إمّا أن يفتيَ مُسْتفتيا من العامّة في بعض الأحكام ، وإمّا أن يعلّم متعلّما يطلُب الفِقْه ، وإمّا أن يُذاكر عالما ويُباحِثه ويُفاوِضه ، ولم يَذكُر السّياسة والأُمورَ السّلطانيّة ؛ لأنّ غَرضه متعلّق بالحَجِيج ، وهم أضيافه ، يقيمون ليالي يسيرةً ويقفِلون ؛ وإنّما يذكر السّياسة وما يتعلّق بها فيما يَرجع إلى أهل مَكّة ، ومن يدخل تحت ولايتِه دائما ، ثمّ نهاه عن توسّط السُّفَراء والحُجّاب بينه وبينهم ، بل ينبغي أن يكون سفيرَه لسانُه ، وحاجبَه وجهُه ، ورُوِي «ولا يكن إلاّ لسانُك سفيرا لك إلى الناس» يَجْعل «لسانك» اسم كان مثل قوله : «فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاّ أنْ قَالُوا» (3)، والرواية الأُولى هي

.


1) .سورة الحج ۲۵ .

2) .في الرسالة (۳۳) ، قُثَم بن العباس بن عبد المطلب ؛ كان من أفضل بني العباس ، وأشبههم برسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وكان والياً لأمير المؤمنين عليه السلام على مكّة . استشهد بسمرقند زمن معاوية . [الاستيعاب ۳:۱۳۰۴]

3) .سورة النمل ۵۶ ، العنكبوت ۲۴ و۲۹ .

۶۸. ومن كتاب له عليه السلام إلى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيّام خلافته

المشهورة ، وهو أن يكون «سفيرا» اسم كان ، و «لك» خبرُها . ثم قال : فإنّها إن ذيدت ، أي طُردَتْ ودُفعت . والمفاقر : الحاجات ؛ يقال : سدّ اللّه مَفاقره ، أي أغنَى اللّه فَقْره ، ثمّ أمَرَه أن يأمر أهلَ مكّة ألاّ يأخذوا من أحَد من الحجيج أُجرة مَسكَن ، واحتجّ على ذلك بالآية ، وقرأ «سَواء» بالنصب على أن يكون أحد مفعولي «جعلْنا» أي جعلناه مُستوِيا فيه العاكف والباد ، ومن قرأ بالرّفع جعل الجُمْلة هي المفعول الثاني .

۶۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافتهأَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيِّةِ ، لَيِّنٌ مَسُّهَا ، قَاتِلٌ سُمُّهَا ، فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا ، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا ، وَضَعْ عْنْكَ هُمُومَهَا ، لِمَا أَيْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا ، وَتَصَرُّفِ حَالاَتِهَا ، وَكُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا ، أَحْذَرَ مَا تَكُونَ مِنْهَا ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ ، أَوْ إِلَى إِينَاس أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِيحَاش ! وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:سَلْمان : رجلٌ من فارِسَ من رَامَهُرْمُز ؛ وقيل : بل من أصبهانَ ، من قريةٍ يقال لها جَيّ ، وهو معدودٌ من مَوالِي رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ؛ وكُنيتُه أبو عبد اللّه ، وكان إذا قيل : ابنُ مَن أنتَ ؟ يقول : أنا سَلْمان ، ابنُ الإسلام ، أنا مِن بني آدم . وكان خيّرا ، فاضِلاً ، حبْرا ، عالما ، زاهدا ، متقشّفا . وقد رُوِي من حديثِ ابن بُرَيْدة ، عن أبيه أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قال : «أمَرَني ربي بحُبّ أربعة ، وأخبَرَني أنّه يحبّهم : عليّ ، وأبو ذَرّ ، والمِقْداد ، وسَلْمان» .

.

۶۹. ومن كتاب له عليه السلام إلى الحارث الهمداني

وفي روايةِ زَاذانَ ، عن عليٍّ عليه السلام : سَلمانُ الفارسيّ كلُقمانَ الحكيم . ولِسلمانَ فضائلُ جَمّة ، وأخبارٌ حِسان ؛ وتوفّي في آخِر خلافةِ عُثمانَ سنة خمسٍ وثلاثين ؛ وقيل : توفّي في أوّل سنة سِتّ وثلاثين . وكان سَلْمان مِن شيعة عليّ عليه السلام وخاصّته ، وتَزْعُم الإماميّة أنه أحدُ الأربعة الّذين حَلَّقوا رؤوسهم وأتوه متقلّدي سيوفِهم في خبر يَطُول ؛ وليس هذا موضع ذكره . فأما ألفاظ الفَصْل ومعانِيه فظاهرة ، ومما يُناسِب مضمونه قول بعض الحكماء : تَعَزّ عن الشيء إذا مُنِعْتَه ، بقلّة صحبتِه لك إذا أُعْطِيتَهُ .

۶۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى الحارث الهمدانيوَتَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرآنِ وَاسْتَنْصِحْهُ ، وَأَحِلَّ حَلاَلَهُ ، وَحَرِّمْ حَرَامَهُ ، وَصَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ ، وَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا لِمَا بَقِي مِنْهَا ، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً ، وَآخِرَهَا لاَحِقٌ بِأَوَّلِهَا ، وَكُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ . وَعَظِّمِ اسْمَ اللّهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلاَّ عَلَى حَقٍّ ، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلاَ تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلاَّ بِشَرْطٍ وَثِيقٍ . وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ ، ويُكرِهُهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلاَنِيَةِ ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوِ اعْتَذَرَ مِنْهُ . وَلاَ تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ القوم ، وَلاَ تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ ، فَكَفَى بِذلِكَ كَذِباً ، وَلاَ تَرُدَّ عَلَى النَّاس كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ ، فَكَفَى بِذلِكَ جَهْلاً . وَاكْظِمِ الْغَيْظَ ، وَاحْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ ، وَتَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدَرَةِ ، وَاصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَةِ تَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ . وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللّهُ عَلَيْكَ ، وَلاَ تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمٍ

.

اللّهِ عِنْدَكَ ، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللّهُ بِهِ عَلَيْكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ ، وَانّك مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ ، وَمَا تُؤخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ . وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأْيُهُ ، وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ مَعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ . وَاسْكُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَالْجَفَاءِ ، وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اللّهِ . وَاقْصُرْ رَأَيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ . وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ ، فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ . وَأَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ ، فإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّكْرِ . وَلاَ تُسَافِرْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلاَةَ إِلاَّ فَاصِلاً فِي سَبِيلِ اللّهِ ، أَوْ فِي أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ . وَأَطِعِ اللّهَ فِي جُمَلِ أُمُورِكَ ، فَإِنَّ طَاعَةَ اللّهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا . وَخَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ ، وَارْفُقْ بِهَا وَلاَتَقْهَرْهَا ، وَخُذْ عَفْوَهَا وَنَشَاطَهَا ، إِلاَّ مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ، فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا . وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ وَأَ نْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا . وَإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الْفُسَّاقِ ، فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ . وَوَقِّرِ اللّهَ ، وَأَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ ، وَاحْذَرِ الْغَضَبَ ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ ؛ وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:الحارث الأعور ونسبههو الحارث الأعور صاحبُ أمير المؤمنين عليه السلام ؛ وهو الحارث بنُ عبد اللّه بن كعب الهمْدانيّ ، كان أحد الفُقهاء ، له قولٌ في الفُتْيا ، وكان صاحب عليّ عليه السلام ، وإليه تنسب الشِّيعةُ الخطابَ الذي خاطبه به في قوله عليه السلام : يا حارِ هَمْدان من يمتْ يَرَنِيمِنْ مؤمنٍ أو منافقٍ قِبَلاَ ۱

.

وهي أبياتٌ مشهورة قد ذكرْناها فيما تقدّم . وقد اشتمل هذا الفصل على وصايا جليلة الموقع : منها قوله : «وتمسّكْ بِحَبْل القرآن» ، جاء في الخبر المرفوع لما ذكر الثَّقَليْن فقال : « أحدهما كتابُ اللّه ، حبل ممدود من السماء إلى الأرض طَرَف بيد اللّه وطرف بأيديكم» . ومنها قوله : انتصحْه ، أي عُدَّه ناصحا لك فيما أمرك به ونهاك عنه . ومنها قوله : «وأحِلَّ حلاله وحَرِّم حرامه» ، أي احكم بين الناس في الحلال والحرام بما نص عليه القرآن . ومنها قوله : «وصدِّق بما سلف من الحقّ» ، أي صدِّق بما تضمَّنه القرآن من أيام اللّه ومَثُلاته في الأُمم السالفة لما عصوْا وكذّبوا . ومنها قوله : «واعتبر بما مضى من الدّنيا لما بقي منها» ، وفي المثل : إذا شئت أن تنظر الدنيا بعدَك فانظرها بعد غيرك ، وقال الشاعر : وما نحنُ إلاّ مثلهم غير أنناأقمنا قليلاً بعدهم ثمّ نرحَلُ ويناسب قوله : «وآخرُها لاحقٌ بأولها ، وكلها حائل مُفارق» ، قوله أيضا عليه السلام في غير هذا الفصل الماضي : «للمقيم عِبرة ، والميّت للحيّ عِظة ، وليس لأمس عودة ، ولا المرءُ من غدٍ على ثقة ، الأول للأوسط رائد ، والأوسط للأخير قائد ؛ وكلٌّ بكلّ لاحق ، والكلُّ للكلِّ مُفارق» . ومنها قوله : «وعَظِّم اسم اللّه أن تذكره إلاّ على حَقّ» ، قال اللّه سبحانه «ولا تجْعلوا اللّهَ عُرضةً لأيمانكُمْ» (1)، وقد نهى عن الحلف باللّه في الكذب والصدق ، أمّا في أحدهما فمحرّم وأمّا في الآخر فمكروه ، ولذلك لا يجوز ذكر اسمه تعالى في لغْوِ القول والهزءِ والعبث . ومنها قوله : «وأكثرْ ذكر الموت وما بعد الموت» ، جاء في الخبر المرفوع : « أكثرُوا ذكر هاذم (2)اللذَّات» ، وما بعد الموت : العقابُ والثوابُ في القبر وفي الآخرة .

.


1) .سورة البقرة ۲۲۴ .

2) .هاذم اللذات ، من الهدم وهو القطع .

ومنها قوله : «ولا تتمنّ الموت إلاّ بشرط وثيق» ، هذه كلمةٌ شريفة عظيمة القدْر ، أي لا تتمنّ الموتَ إلاّ وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤدّيك إلى الجنة ، وتُنْقِذك من النار ؛ وهـذا هو معنى قوله تعالى لليهود : «إنْ زعمتمْ أنكم أوْلياءُ للّهِ مِنْ دُونِ الناسِ فتمَنَّوُا الموتَ إنْ كُنتُـمْ صَادِقيـنَ * ولاَ يَتَمَنَّوْنـه أبدا بِمـا قدَّمتْ أيديهمْ واللّهُ عليمٌ بالظّالمين» (1). ومنها قوله : «واحذر كلّ عمل يرضاه صاحبه لنفسه ، ويكرهه لعامة المسلمين ، واحذر كل عمل يُعمل في الستر ، ويُستحيا منه في العلانية ، واحذر كل عمل إذا سُئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه» ، وهذه الوصايا الثلاث متقاربةٌ في المعنى ، ويشملها معنى قول أبي الأسود الدؤلي: لا تنهَ عن خُلق وتأتيَ مثلهُعار عليك إذا فعلتَ عظيمُ وقال اللّه تعالى حاكيا عن نبيٍّ من أنبيائه : «وَمَا أُرِيدُ أنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أنْهَاكُمْ عَنْهُ» (2). ومنها قوله : «ولا تجعَل عِرْضك غَرَضا لنبال القوم» ، قال الشاعر : لا تستتِرْ أبدا ما لا تَقومُ لهولا تَهيجنّ من عِرِّيسِهِ الأسَدَا إنّ الزّنابيرَ إنْ حرّكتها سَفَهامِن كورها أوجعتْ مِن لَسْعِها الجَسَدا ومنها قوله : «ولا تُحَدِّث الناسَ بكلّ ما سمعتَ ، فكفى بذلك كَذِباً» ، قد نهى أن يحدّث الإنسان بكلّ ما رأى من العَجائب فَضْلاً عمّا سَمِع ؛ لأنّ الحديثَ الغريبَ المعجبَ تُسارِع النفسُ إلى تكذيبه ، وإلى أن تقوم الدّلالة على صِدْقه قد فَرَط من سوء الظنّ فيه ما فرط . ومنها قوله : «ولا تردّ على الناس كلّ ما حدّثوك ، فكفى بذلك جَهْلاً» ، من الجَهْل المبادرة بإنكار ما يَسمَعه . ومنها قوله : «واكظم الغَيْظ» ، قد مَدَح اللّهُ تعالى ذلك فقال : «وَالْكاظِمِينَ الغَيظَ» (3). ومنها قوله : «واحلُم عند الغَضَب» ، هذه مُناسَبة الأولى ، وقد تقدَّم منّا قولٌ كثيرٌ في الحِلْم وفضله ؛ وكذلك القول في قوله عليه السلام : «وتجاوَزْ عند المقدرة» ، وكان يقال : القُدْرة

.


1) .سورة الجمعة ۶ ، ۷ .

2) .سورة هود ۸۸ . وهي من مواعظ شعيب عليه السلام إلى قومه .

3) .سورة آل عمران ۱۳۴ .

تذهب الحَفِيظة . ومنها قوله : «واصفحْ مع الدّولة تكنْ لكَ العاقبة» ، هذه كانت شيمةُ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وشيمة عليّ عليه السلام ؛ أمَّا شيمهُ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم فظفِرَ بمشركي مَكّة وعفا عنهم ، كما سَبَقَ القولُ فيه في عام الفَتْح ؛ وأمَّا عليّ عليه السلام فَظفِر بأصحاب الجمل وقد شَقّوا عصا الإسلام عليه ، وطَعَنوا فيه وفي خلافتِه ، فعفا عنهم ، مع علمِه بأنّهم يُفسدون عليه أمره فيما بعد ، ويَصِيرون إلى معاوية إمَّا بأنفسهم أو بآرائهم ومكتوباتهم ، وهذا أعظمُ من الصّفح عن أهل مكّة ؛ لأنّ أهل مكّة لم يَبقَ لهم لمّا فُتِحت فئةٌ يتحيّزون إليها ، ويُفسِدون الدّين عندها . ومنها قوله : «واستَصلح كلّ نعمةٍ أنعَمها اللّه عليك» ، معنى استَصلِحْها استَدِمْها ؛ لأنَّه إذا استدامها فقد أصلَحها ، فإنَّ بقاءها صلاحٌ لها ، واستدامتها بالشكر . ومنها قوله : «ولا تضيّعنّ نعمة من نعم اللّه عندَك» ، أي واس الناسَ منها ، وأحسِنْ إليهم ، واجعلْ بعضها لنَفْسك وبعضها للصّدقة والإيثار ، فإنَّك إن لم تفعلْ ذلك تكنْ قد أضَعْتَها . ومنها قوله : «وليُرَ عليك أثرُ النّعمة» ، قد أمَر بأنْ يُظهر الإنسانُ على نفسِه آثارَ نعمةِ اللّه عليه ، وقال سبحانه : «وأمَّا بنعمةِ رَبِّكَ فحدِّثْ» (1). ومنها قوله : «واعلم أنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسِه وأهله وماله» ، أي أفضلهم إنفاقا في البرّ والخير من مالِه ، وهي التَّقدمة ، قال اللّه تعالى : «وَمَا تقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ» (2)، فأمّا النفس والأهل ، فإنّ تقدِمتهما في الجهاد ، وقد تكون التّقدمة في النّفس بأن يَشفع شفاعةً حسنةً أو يحضر عند السّلطان بكلام طيّب ، وثناءٍ حَسَن ، وأن يُصلِح بين المُتخاصِمَين ، ونحو ذلك ، والتَّقدِمة في الأهل أن يحجّ بوَلَده وزَوْجته ويكلِّفهما المشاقّ في طاعة اللّه ، وأن يؤدِّب ولده إن أذنَب ، وأن يقيمَ عليه الحدّ ، ونحو ذلك . ومنها قوله : «وما تقدّم من خير يَبق لك ذُخُره وما تؤخره يكنْ لغيرك خيرُه» ، قد سبق مثلُ هذا ، وأنّ ما يتركُه الإنسانُ بعده فقد حُرِم نفعه ، وكأنّما كان يكدَح لغيره ، وذلك من الشّقاوة وقلّة التوفيق . ومنها قولُه : «واحذر صَحابَة مَن يَفِيلُ رأيه» ، الصَّحابة بفتح الصاد ، مَصدَر صحبت والصَّحابة بالفتح أيضا جَمعُ صاحب ، والمرادُ هاهنا الأوّل ، وفالَ رأيُه : فَسَد ؛ وهذا المعنى

.


1) .سورة الضحى ۱۱ .

2) .سورة البقرة ۱۱۰ .

قد تَكرّر ، وقال طَرَفة : عن المرءِ لاَ تسأَلْ وسَلْ عن قَرِينِهفإنّ القَرِينَ بالمُقارن يَقتدِي ومنها قوله : «واسكُن الأمْصار العظام» ، قد قيل : لا تسكن إلاّ في مصرٍ فيه سوقٌ قائمة ، ونهرٌ جارٍ ، وطبيبٌ حاذق ، وسلطانٌ عادل ، فأما مَنازل الغَفْلة والجفاء ، فمِثلُ قُرَى السّواد الصغار ، فإنّ أهلها لا نُورَ فيهم ، ولا ضوءَ عليهم ، وإنّما هم كالدّوابّ والأنعام ، هَمُّهم الحَرْث والفِلاحة ، ولا يفقهون شيئا أصْلاً ، فمجاوَرَتهم تُعْمِي القلب ، وتُظلِم الحِسّ ، وإذا لم يَجِد الإنسانُ مَنْ يُعينه على طاعةِ اللّه وعلى تَعلُّم العِلم قصَّر فيهما . ومنها قوله : «واقصر رأيَك على ما يَعْنيك» ، كان يقال : من دَخَل فيما لا يَعْنيه فاتَه ما يَعْنيه . ومنها نَهيُه إيّاه عن القُعود في الأسْواق . قد جاء في المَثَل : السُّوق محلّ الفُسوق . وجاء في الخبر المرفوع : «الأسواقُ مَواطنُ إبليس وجندِه» ، وذلك لأنّها قلّما تخلو عن الأيْمان الكاذبة ، والبُيوع الفاسدة ، وهي أيضا مَجمَع النّساء المُومِسات ، وفجّار الرجال ، وفيها اجتماعُ أرباب الأهواء والبِدَع ، فلا يخلُو أن يتَجادَل اثنان منهم في المذاهب والنَّحِل فيُفضِي إلى الفِتَن . ومنها قوله : «وانظر إلى من فُضِّلْتَ عليه» ، كان يقال : اُنظُر إلى مَن دُونَك ، ولا تَنظُر إلى مَنْ فَوْقَك . وقد بيّن عليه السلام السرّ فيه فقال : إنّ ذلك من أبواب الشّكر ، وصَدَق عليه السلام ؛ لأنّك إذا رأيتَ جاهلاً وأنتَ عالم ، أو عالما وأنت أعلَمُ منه ، أو فقيرا وأنتَ أغْنَى منه ؛ أو مُبتلىً بسَقَم وأنتَ مُعافىً عنه ، كان ذلك باعثا وداعِيا لك إلى الشكر . ومنها نَهيهُ عن السّفر يومَ الجمعة ، ينبغي أن يكون هذا النهيُ عن السَّفَر يومَ الجمعة قبلَ الصلاة ، وأمّا بعدَ الصلاة ، فلا بأس به ، واستَثْنَى فقال : إلاّ فاصلاً في سبيل اللّه ، أي شاخِصا إلى الجهاد . «أو في أمرٍ تُعذَر به» ، أي لضرورة دَعَتْك إلى ذلك . ومنها قولُه : «وأطعِ اللّهَ في جُمَل أُمورك» ، أي في جُمْلَتها ، وفيها كلّها ، وليس يَعنِي في جُملَها دونَ تَفاصِيلها ، قال : فإنّ طاعةَ اللّه فاضلةٌ على غيرها ، وصَدَق عليه السلام ؛ لأنّها توجب السعادةَ الدائمة ، والخلاصَ من الشّقاء الدائم ، ولا أفضلَ ممّا يؤدِّي إلى ذلك . ومنها قوله : «وخادِعْ نَفسَك في العبادة» ، أمَرَه أن يَتلطّف بنفسه في النّوافل ، وأن يُخادِعَها ولا يقْهَرها فتَملَّ وتَضجَر وتترُك ، بل يأخذ عفوَها ، ويتوخّى أوقات النشاط ، وانشراحَ الصّدر للعبادة .

.

۷۰. ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاري وهو عامله على المدينة

قال : فأمّا الفرائض فحُكمُها غيُر هذا الحُكم ، عليك أن تقوم بها كرِهَتْها النفسُ أو لم تَكرَهْها . ثمّ أمَرَه أن يقوم بالفريضة في وقتِها ، ولا يؤخّرها عنه فتصيرَ قضاءً . ومنها قولُه : «وإيّاك أن يَنزِل بك المنون وأنتَ آبِقٌ من ربّك في طَلب الدّنيا » ، هذه وصيّة شريفة جدّا ، جَعَل طالبَ الدّنيا المُعرِضَ عن اللّه عند مَوْته كالعَبْد الآبِق يقدم به على مَوْلاه أسيرا مكتوفا ناكِسَ الرأس ، فما ظنّك به حينئذٍ! ومنها قولُه : «وإيّاك ومصاحَبَة الفُسّاق ، فإنّ الشرّ بالشرّ مُلحَق» ؛ يقول : إنّ الطباع يَنزِع بعضُها إلى بعض ، فلا تَصحَبنّ الفُسّاق فإنّه يَنزِع بك ما فيك ، من طَبْع الشرّ إلى مساعَدَتهم على الفُسوق والمَعصِية ، وما هو إلاّ كالنّار تَقوَى بالنار ، فإذا لم تُجاوِرْها وتمازِجْها نارٌ كانت إلى الانطِفاء والخمُود أقرب . ورُوِي «مُلحِق» بكسر الحاء ، وقد جاء ذلك في الخبر النبويّ «فإن عذابَك بالكفّار مُلحِق» بالكسر . ومنها قولُه : «وأحِبّ أحبّاءه» ، قد جاء في الخبر : «لا يَكمُل إيمانُ أمرئ حتّى يُحبّ مَن أحَبّ اللّه ، ويُبغض من أبغَض اللّه » . ومنها قولُه: «واحذَر الغَضَب». قال إنسانٌ للنّبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : أوصِني ، قال : «لا تَغْضب »، فقال : زِدْني ، فقال : «لا تغضب» ، قال : زِدْني ، قال : «لا أجدُ لك مَزِيدا » ، وإنّما جعلَه عليه السلام جُنْدا عظيما من جُنودِ إبليس ؛ لأنّه أصلُ الظّلم والقَتْل وإفسادِ كلّ أمرٍ صالح ، وهو إحدى القوّتين المشؤومَتَيْن اللّتين لم يخلق أضرّ منهما على الإنسان ، وهما مَنبَع الشرّ : الغَضَب والشَّهْوة .

۷۰الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الانصاري وهو عامله على المدينة ، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية :أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فَـلاَ تَأْسَفْ عَلَى

.

مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ ، فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً ، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً ، فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ ، وَإِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْلِ ؛ فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا ، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا ، وَقَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أُسْوَةٌ ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ ، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحْقاً ، إِنَّهُمْ وَاللّهِ لَمْ يَفِرُّوا مِنْ جَوْرٍ ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ ، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اللّهُ لَنَا صَعْبَهُ ، وَيُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ ، إِنْ شَاءَ اللّهُ ، وَالسَّلاَمُ عليك وَرحمةُ اللهِ وَبَرَكاتهُ (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم نسبُ سَهْل بن حُنيف وأخيه عثمانَ فيما مضى . ويتسلّلون : يَخرُجون إلى معاويةَ هارِبِين في خِفْية واستتار . قال : «فلا تأسَفْ» ، أي لا تحزن . والغَيّ : الضلال . «ولك منهم شافيا » ، أي يكفيك في الانتقام منهم وشفاءِ النّفس من عقوبَتِهم أنّهم يتسلّلون إلى معاوية . قال : «ارض لمن غاب عنك غَيْبَته» ، فذاك ذَنْبُ عِقابِه فيه . والإيضاع : الإسراع . وَضَعَ البعيرُ أي اسرَعَ ، وأوْضَعَه صاحبُه . ومُهْطِعون : مُسرعون أيضا ، والأثَرَة : الاستئثار ، يقول : قد عَرَفوا أنّي لا أقسِم إلاّ بالسويّة ، وأنِّي لا أنفّل قوما على قومٍ ، ولا أُعطِي على الأحْساب والأنْساب كما فعل غيري ، فتَرَكوني وهَرَبوا إلى مَنْ يَسْتأثِر ويُؤثر . قال : فبُعْدا لهم وسُحْقا ، دعاءٌ عليهم بالبُعْد والهلاك . ورُوِي أنّهم «لم يَنْفروا» بالنّون ، من نَفَرَ ؛ ثمّ ذكر أنّه راجٍ من اللّه أن يذلّل له صَعْبَ هذا الأمْر ، ويُسهِّل له حَزْنه ؛ والحَزْن : ما غَلُظ من الأرض ، وضِدّه السّهْل .

.


1) .قِبلك : عندك . يتسللون : يهربون . المدد : العون . الأَثَرة : الاختبار والاختصاص .

۷۱. ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي

۷۱الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي وقد كان استعمله على بعض النواحي ، فخان الأمانة في بعض ما ولاّه من أعماله :أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِـعُ هَدْيَهُ ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ ، فَإِذَا أَنْتَ فِيَما رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَ تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً ، وَلاَ تُبْقِي لاِخِرَتِكَ عَتَاداً . تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بَخَرَابِ آخِرَتِكَ ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ . وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ ، وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ ، أَوْ يُنفّذَ بِهِ أَمْرٌ ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةِ ، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ ،فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هذَا إِنْ شَاءَ اللّهُ .

قال الرضي رحمه اللّه تعالى : المنذر بن الجارود هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام : إنه لنّظّارٌ في عِطفيه مختال في بُرْدَيْه تَفّالٌ في شِرَاكَيْهِ .

الشّرْحُ:هو المُنذِر بنُ الجارود . واسم الجارود بشْرُ بنُ خُنَيس بن المعلّى . ووفد الجارودُ على النبيّ صلى الله عليه و آله وسلمفي سنة تسع ، وقيل : في سنة عشرٍ . وذَكَر أبو عمرَ بنُ عبدِ البرّ في كتاب (الاستيعاب) أنه كان نصرانيّا فأسلم وحَسُن إسلامُهُ ، وسَكَن الجارودُ البَصْرة ، وقُتِل بأرض فارس . فأمّا المُنذِر بنُ الجارُود فكان شريفا ، غيرُ معدود في الصّحابة ، وكان تائها مُعجَبا بنفسِه . قوله عليه السلام : «إنّ صلاح أبيك غرّني منك» ، قد ذَكرْنا حال الجارود وصحبتَه وصلاحه ، وكثيرا ما يغترّ الإنسان بحال الآباء فيظنّ أنّ الأبناءَ على منهاجهم ، فلا يكون الأمرُ كذلك

.

«يُخْرِجُ الحيَّ مِنَ الميِّت ويُخْرِجُ الميِّت من الحيّ» (1). قوله «فيما رقّي» بالتشديد ، أي فيما رفع إليّ ؛ وأصله أن يكون الإنسان في موضعٍ عالٍ فيرقى إليه شيء ، وكأنّ العلوّ هاهنا هو علوّ المرتبة بين الإمام والأمير ، ونحوه قولهم : تعالى باعتبار علوّ رُتْبة الآمر على المأمور . واللاّم في «لهواك» متعلّقة بمحذوف دلّ عليه انقياداً ، ولا يتعلّق بنفس «انقياد» ؛ لأنّ المتعلّق من حروف الجرّ بالمصدر لا يجوز أن يتقدّم على المصدر . والعتاد : العُدّة . قوله : «وتصل عشيرتك » كان فيما رقّي إليه عنه أنه يقتطع المال ويُفِيضه على رَهْطه وقومِه ويُخرِج بعضه في لذّاته ومآربه . قوله : «لجمل أهلِكَ» العَرَب تَضرِب بالجمَل المَثَل في الهوان . فأمّا شِسْع النَّعْل فضَرْب المثل بها في الاستهانة مشهور ، لابتذالها ووطئها الأقدام في التراب . ثم ذكر أنّه من كان بصفته فليس بأهلٍ لكذا ولا كَذَا ، إلى أن قال : «أو يشرك في أمانة » ؛ وقد جَعَل اللّه تعالى البلاد والرعايا أمانةً في ذمّة الإمام ، فإذا استعمل العمّال على البلاد والرّعايا فقد شرَكهم في تلك الأمانة . قال : «أو يؤمن على جباية» ، أي على استِجْباء الخراج وجمعه ، وهذه الرّواية الّتي سمعناها ، ومن الناس من يَرْويها «على خيانة» ، وهكذا رواها الراونديّ ، ولم يرو الرواية الصحيحية التي ذكرناها نحن . ثم أمَره أن يُقبل إليه ، وهذه كنايةٌ عن العَزْل . فأمّا الكلمات الّتي ذكرها الرضيّ عنه عليه السلام في أمر المُنذر فهي دالّة على أنّه نَسَبَه إلى التِّيه والعُجْب ، فقال : نظّار في عِطْفيه ، أي جانبيه ، ينظر تارةً هكذا وتارة هكذا ، ينظُر لنفسه ، ويَستحسِن هَيْئَته ولبْستَه ، وينظر هل عنده نَقْص في ذلك أو عَيْب فيستدركُه بإزالته ، كما يفعل أربابُ الزّهْو ومن يدّعي لنفسه الحسن والملاحة . قال : مُختالٌ في بُرْدَيْه : يمشي الخُيلاء عُجْبا . «تفّال في شِراكيه» ، الشِّراك السَّيْر الّذي يكون في النّعل على ظَهْر القدم . والتَّفْل بالسكون : مصدر تَفَل أي بَصَق ، والتَّفَل محركا البُصاقُ نفسه ، وإنّما يفعله المُعجِب والتّائِهِ في شِراكَيْه ليذهب عنهما الغُبار والوسخ ، يَتْفُل فيهما ويمسَحهما ليعودا كالجَدِيدين .

.


1) .سورة الروم ۱۹ .

۷۲. ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن العبّاس رضى الله عنه

۷۳. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

۷۲الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن العباس رضى الله عنهأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ ، وَلاَ مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ ۱ ؛ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ : يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ ، وَأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ ، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بقُوَّتِكَ .

الشّرْحُ:قد تقدّم شرحُ مثل هذا الكلام ، وهذا معنىً مطروق ، قد قال الناس فيه فاكثروا : قد يُرزَق العاجزُ الضعيفُ وماشَدّ بكُورٍ رَحْلاً ولا قَتَبَا ويُحرَم المرءُ ذو الجلادةوالرّأْي ومن لا يزال مُغترِبا

۷۳الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاويةأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ ، وَالاِسْتَِماعِ إِلَى كِتَابِكَ ، لَمُوَهِّنٌ رَأْيِي ،

.

وَمُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي . وَإِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ ، وَتُرَاجِعُنِي السُّطُورَ ، كَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحَلاَمُهُ ، وَالْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُه مَقَامُهُ ، لاَ يَدْرِي أَلَهُ مَا يَأَتِي أَمْ عَلَيْهِ ، وَلَسْتَ بِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ. وَأُقْسِمُ بِاللّهِ إنَّهُ لَوْلاَ بَعْضُ الاْسْتِبْقَاءِ ، لَوَصَلَتْ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارِعُ ، تَقْرَعُ الْعَظْمَ ، وَتَنْهَسُ اللَّحْمَ ! وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ ، وَتأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحَتِكَ ، وَالسَّلاَمُ لاِهْلِهِ .

الشّرْحُ:رُوي : «نوازع» جمع نازعة ، أي جاذبة قالعة ، ورُوي : «تهلِس اللحم» و « تلهس» بتقديم اللام ، وتهلِس بكسر اللام : تذيبه حتى يصير كبدن به الهُلاس ، وهو السلّ ؛ وأمّا تلهس فهو بمعنى تلحس ، أبدِلت الحاء هاء ؛ وهو من لحِست كذا بلساني بالكسر ، ألحسه ، أي تأتي على اللحم حتى تلحسه لحسا ؛ لأنّ الشيء إنما يلحس إذا ذهب وبقي أثره ، وأمّا «يَنْهس» وهي الرواية المشهورة ، فمعناه يعترق . وتأذَن بفتح الذال ، أي تسمع . قوله عليه السلام «إني لموهِّن رأيي» بالتشديد ، أي إني لائم نفسي ، ومستضعف رأيي في أن جعلتك نظيرا ، أكتُب وتجيبني ، وتكتب وأجيبك ؛ وإنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانِك . فإن قلت : فما معنى قوله : «على التردد»؟ قلت : ليس معناه التوقّف ، بل معناه الترداد والتكرار ؛ أي أنا لائم نفسي على أني أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عمّا تكتبه . ثم قال : وإنك في مناظرتي ومقاومتي بالأُمور التي تحاولها ، والكتب التي تكتبها كالنائم يرى أحلاما كاذبة ، أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان ، أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر ، أو ليخطب بأمر في نفسه ، قد بهظه مقامه ذلك ، أي أثقله فهو لا يدري : هل ينطق بكلام هو له ، أم عليه ، فيتحيّر ويتبلّد ، ويدركه العيُّ والحَصَر ؟! قال : وإن كنتَ لست بذلك الرّجل فإنك شبيه به ؛ أمّا تشبيهه بالنائم ثم ذي الأحلام ، فإن معاوية لو رأى في المنام في حياة رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أنه خليفةٌ يخاطب بإمرة المؤمنين ،

.

ويحارب علياً على الخلافة ، ويقوم في المسلمين مقامَ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم لما طلب لذلك المنام تأويلاً ولا تعبيرا ، ولعدّة من وساوس الخيال وأضغاث الأحلام ؛ وكيف وأنَّى له أن يخطر هذا بباله ، وهو أبعد الخلق منه ؟ وهذا كما يخطر للنّفّاط أن يكون مَلِكا ، ولا تنظرنّ إلى نسبه في المناقب ، بل انظر إلى أن الإمامة هي نبوّة مختصرة ، وأن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم المكذّب بقلبه وإن أقرّ بلسانه ، الناقص المنزلة عند المسلمين ، القاعد في أُخريات الصفّ إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين ، كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه ويملكها ويسمه الناس وسمَها ، ويكون للمؤمنين أميرا ، ويصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدّين والفَضْل ؟ وهذا أعجب من العَجب ! أن يجاهد النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قوما بسيفه ولسانه ثلاثا وعشرين سنة ، يلعنهم ويبعدهم عنه ، وينزل القرآن بذمهم ولعنهم ، والبراءة منهم ، فلما تمهّدت له الدولة ، وغلب الدّين على الدّنيا ، وصارت شريعة دينيّة محكمة ، مات فشيَّد دينه الصالحون من أصحابه ، وأوسعوا رقعة ملَّته ، وعظم قدرُها في النفوس ، فتسلّمها منهم أولئك الأعداء ، الذين جاهدهم النبي صلى الله عليه و آله وسلمفملكوها وحكموا فيها ، وقتلوا الصُّلحاء والأبرار وأقارب نبيّهم الذين يظهرون طاعته ، وآلت تلك الحركة الأُولى وذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم ؛ فليتَهُ كان يبعث فيرى معاوية الطّليق وابنه ، ومَرْوان وابنه ، خلفاء في مقامه ، يحكمون على المسلمين ، فوضح أنّ معاوية فيما يراجعه ويكاتبه به ؛ كصاحب الأحلام . وأمّا تشبيهه إياه بالقائم مقاما قد بهظه ؛ فلأن الحجج والشّبه والمعاذير التي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت ، فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام ، يخبط خبط العشواء ، ويكتب ما يعلم هو والعقلاء من النّاس أنّه سفَه وباطل . فإن قلت : فما معنى قوله عليه السلام : «لولا بعض الاستبقاء» ؟ وهل كانت الحال تقتضي أن يستبقي ؟ وما تلك القوارع التي أشار إليها؟ قلت : قد قيل : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم فَوّض إليه أمرَ نسائه بعد موته ، وجعل إليه أن يقطع عصمة أيَّتهن شاء إذا رأى ذلك ، وله من الصحابة جماعةٌ يشهدون له بذلك ، فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أُمّ حبيبة ، ويبيح نكاحها الرّجال عقوبة لها ولمعاوية أخيها ، فإنها كانت تُبغض عليّا كما يُبغضه أخوها ، ولو فعل ذلك لانتهسَ لحمه ، وهذا قول الإماميّة وقد رووا عن رجالهم أنه عليه السلام تهدّد عائشة بضرب من ذلك ۱ ، وأمّا نحن فلا نصدّق هذا الخبر ، ونفسّر

.

۷۴. ومن حِلف له عليه السلام كتبه بين ربيعة و اليمن

كلامه على معنى آخر ، وهو أنه قد كان معه من الصّحابة قوم كثيرون سمِعوا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم يلعن معاوية بعد إسلامه ، ويقول : إنّه منافق كافر ، وإنّه من أهل النار ، والأخبار في ذلك مشهورة ؛ فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم وشهاداتهم بذلك ، ويسمعهم قولهم ملافظةً ومشافهة لفعل ، ولكنه رأى العدول عن ذلك ، مصلحةً لأمر يعلمه هو عليه السلام ، ولو فعل ذلك لانتهسَ لحمه ، وإنما أبقى عليه .

۷۴الأصْلُ:ومن حِلف له عليه السلام كتبه بين ربيعة واليمن ونقل من خط هشام بن الكلبي :هذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اليمَنِ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا ، وَرَبِيعَةُ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا ، أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللّهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ ، وَيُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ ، لاَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ، وَلاَ يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلاً ، وَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذلِكَ وَتَرَكَهُ ، أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ، دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ ، لاَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ ، وَلاَ لِغَضَبِ غَاضِبٍ ، وَلاَ لاِسْتِذْلاَلِ قَوْمٍ قَوْماً ، وَلاَ لِمَسَبَّةِ قَوْمٍ قَوْماً ! عَلَى ذلِكَ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ ، وَسَفِيهُهُمْ وَعَالِمُهُمْ ، وَحَلِيمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ .

.

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذلِكَ عَهْدَ اللّهِ وَمِيثَاقَهُ ، إنَّ عَهْدَ اللّهِ كَانَ مَسْؤُولاً . وكتب علي بن أبي طالب .

الشّرْحُ:الحِلْف : العهد ، أي ومن كتاب حِلْف ؛ فحذف المضاف . واليمن : كلّ مَن ولده قحطان ؛ نحو حِمْيَر ، وعكّ ، وجُذام ، وكِنْدة ، والأزد ، وغيرهم . وربيعة ، هو ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان ؛ وهم بكْر وتغلِب ، وعبد القيس . وهشام ، هو هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ ، نسّابة ابن نسّابة ؛ عالم بأيّام العرب وأخبارها ، وأبوهُ أعلم منه ، وهو يروي عن أبيه . والحاضر : ساكنو الحَضَر ، والبادي : ساكنو البادية ؛ واللفظ لفظ المفرد والمعنى الجمع . قوله : «إنهم على كتاب اللّه » حرف الجرّ يتعلّق بمحذوف ، أي مجتمعون . قوله : «لا يشترونَ بهِ ثمنا قليلاً» ، أي لا يتعوّضون عنه بالثمن ، فسمّى التعوّض اشتراء ؛ والأصل هو أن يشتري الشيء بالثمن لا الثمن بالشيء ، لكنه من باب اتّساع العرب ، وهو من ألفاظ القرآن العزيز (1). وإنّهم يدٌ واحدة ، أي لا خلف بينهم . قوله : «لمعتبة عاتب» ، أي لا يؤثّر في هذا العهد والحلف ولا ينقضه أن يعتب أحد منهم على بعضهم ؛ لأنّه استجداه فلم يُجدِه ، أو طلب منه أمرا فلم يقم به ، ولا لأنّ أحدا منهم غضب من أمرٍ صدر من صاحبه ، ولا لأنّ عزيزا منهم استذلّ ذليلاً منهم ، ولا لأنّ إنسانا منهم سبّ أو هجا بعضهم ، فإنّ أمثال هذه الأُمور يتعذّر ارتفاعها بين الناس ؛ ولو كانت تنقض الحِلْف لما كان حلف أصلاً . واعلم أنه قد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم : «كلّ حِلْف كان في الجاهليّة فلا يزيده الإسلام إلاّ شدة» ؛ ولا حلف في الإسلام ، لكن فِعْل أمير المؤمنين عليه السلام أولى بالاتّباع من خبر الواحد ؛ وقد تحالفت العرب في الإسلام مرارا ، ومن أراد الوقوف على ذلك فليطلبه من كتب التواريخ .

.


1) .وهو قوله تعالى : «وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنا قَلِيلاً» سورة البقرة ۴۱ ، والمائدة ۴۴ .

۷۵. ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية من المدينة في أوّل ما بويع له بالخلافة

۷۵الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة ذكره الواقدي في كتاب الجمل :مِنْ عَبْدِ اللّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ ، وَإِعْرَاضِي عَنْكُمْ ، حَتَّى كَانَ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَلاَ دَفْعَ لَهُ ؛ وَالْحَدِيثُ طَوِيلٌ ، وَالْكَـلاَمُ كَثِيرٌ ، وَقَدْ أَدبَرَ مَا أَدبَرَ ، وَأَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ . فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ ، وَأَقْبِلْ إِلَيَّ فِي وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ . وَالسَّلاَمُ .

الشّرْحُ:كتابه إلى معاوية ومخاطبته لبني أُميّة جميعا ، قال : «وقد علمت إعذاري فيكم» ، أي كوني ذا عذرٍ لو لُمْتُكُمْ أو ذممتكم ـ يعني في أيّام عثمان . ثم قال : «وإعراضي عنكم» ، أي مع كوني ذا عذر لو فعلت ذلك فلم أفعله ، بل أعرضت عن إساءتكم إليّ وضربت عنكم صفحا . حتى كان ما لابدّ منه ـ يعني قتل عثمان وما جرى من الرّجَبَةِ بالمدينة . ثم قاطعه الكلام مقاطعة وقال له : والحديث طويل ، والكلام كثير ، وقد أدبر ذلك الزمان ، وأقبل زمان آخر ، فبايع وأقدِم . فلم يبايع ولا قدم ، وكيف يبايع وعينه طامحة إلى الملك والرئاسة منذ أمّره عمر على الشام ؛ وكان عاليَ الهمّة ، توّاقا إلى معالي الأُمور ، وكيف يطيع عليّا والمحرّضون له على حَرْبه عدد الحصا ، ولو لم يكن إلاّ الوليد بن عقبة لكفى ، وكيف يسمع قوله : فواللّهِ ما هندٌ بأُمّك إن مضى النّــهارُ ولم يثأر بعثمان ثائرُ أيَقتل عبدُ القوم سيّدَ أهلِهولم تقْتلوه ، ليت أُمّك عاقرُ ومن عجبٍ أنْ بتّ بالشام وادعاقريراً وقد دارت عليه الدوائرُ! ويطيع عليّا ، ويبايع له ، ويُقدم عليه ، ويسلّم نفسه إليه ، وهو نازل بالشام في وسط

.

۷۶. ومن وصية له عليه السلام لعبد اللّه بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة

۷۷. ومن وصية له عليه السلام لعبد اللّه بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج

قَحْطان ودونه منهم حَرَّة لا ترام ؛ وهم أطوع له من نعله ، والأمر قد أمكنه الشروع فيه؟ وتاللّه لو سمع هذا التحريض أجبنُ الناس وأضعفهُم نفسا وأنقصُهم همّة لحرّكه وشحّذَ من عزمه ؛ فكيف معاوية ، وقد أيقظ الوليدُ بشِعره من لا ينام ؟!

۷۶الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام لعبد اللّه بن العباس عند استخلافه إياه على البصرةسَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ ، وإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللّهِ يُبَاعِدُكَ مِنْ النَّارِ ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللّهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ .

الشّرْحُ:رُوي : «وحلمك» . والقرب من اللّه ، هو القرب من ثوابه ؛ ولا شبهة أن ما قرّب من الثواب باعدَ من العقاب ، وبالعكس لتنافيهما . فأما وصيّته له أن يَسع الناس بوجهه ومجلسه وحكمه ، فقد تقدّم شرح مثلِه ، وكذلك القول في الغضب . وطَيْرة من الشيطان : بفتح الطاء وسكون الياء ، أي خفّة وطيش .

۷۷الأصْلُ:ومن وصية له عليه السلام لعبد اللّه بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارجلاَ تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ ، تَقُولُ وَيَقُولُونَ ، وَلكِنْ

.

حَاجِجْهُمْ بالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً .

الشّرْحُ:هذا الكلام لا نظير له في شرفه وعلوّ معناه ، وذلك أنّ القرآن كثير الاشتباه ، فيه مواضع يُظنّ في الظاهر أنها متناقضة متنافية ، نحو قوله : «لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ» (1)وقوله : «إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» (2)، ونحو قوله : «وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْن أيْدِيهمْ سَدّا وَمِنْ خَلْفهِمْ سَدّافأغْشَيناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصرُون» (3)وقوله : «وأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاسْتَحبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى» (4)، ونحو ذلك ، وهو كثير جدّا ؛ وأمّا السنة فليست كذلك ، وذلك لأنّ الصحابة كانت تسأل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلموتستوضح منه الأحكام في الوقائع ، وما عساه يشتبه عليهم من كلامه ؛ يراجعونه فيه ؛ ولم يكونوا يراجعونه في القرآن إلاّ فيما قلّ ؛ بل كانوا يأخذونه منه تلقّفا ، وأكثرهم لا يفهم معناه ، لا لأنّه غير مفهوم ؛ بل لأنهم ما كانوا يتعاطوْن فهمه . وكانوا في السنّة ومخاطبة الرسول على خلاف هذه القاعدة ، فلذلك أوصاه عليٌّ عليه السلام أن يحاجَّهم بالسنة لا بالقرآن . فإن قلت : فهل حاجّهم بوصيّته؟ قلت : لا ، بل حاجّهم بالقرآن ، مثل قوله : «فابْعَثُوا حَكما مِنْ أهلِهِ وَحَكما مِنْ أهلِهَا» (5)ومثل قوله في صيد المحرم : «يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ مِنكم» (6)؛ ولذلك لم يرجعوا والتحمت الحرب ، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم . فإن قلت : فما هي السنّة التي أمره أن يحاجّهم بها؟ قلت : كان لأمير المؤمنين عليه السلام في ذلك غرض صحيح ، وإليه أشار ، وحوله كان يطوف ويحوم ، وذلك أنه أراد أن يقول لهم : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ

.


1) .سورة الأنعام ۱۰۳ .

2) .سورة القيامة ۲۳ .

3) .سورة يس ۹ .

4) .سورة فصّلت ۱۷ .

5) .سورة النساء ۳۵.

6) .سورة المائدة ۹۵ .

۷۸. ومن كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الأشعري

يدور معه حيثما دار» ، وقوله : «اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله» ، ونحو ذلك من الأخبار التي كانت الصحابة قد سمعتها من فَلْقِ فيه صلوات اللّه عليه ، وقد بقي ممن سمعها جماعة تقوم الحجّة وتثبت بنقلهم ، ولو احتجّ بها على الخوارج في أنّه لا يحلّ مخالفته والعدول عنه بحالٍ لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين في محاجّتهم ، وأغراض أُخرى أرفع وأعلى منهم ؛ فلم يقع الأمر بموجب ما أراد ، وقُضي عليهم بالحرْب ؛ حتى أكلتهم عن آخرهم ، وكان أمر اللّه مفعولاً .

۷۸الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام أجاب به أبا موسى الأشعريّ عن كتاب كتبه إليه من المكان الذي اتعدوا (1)فيه للحكومة ، وذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الأُموي في كتاب المغازي :ومن كتاب له عليه السلام أجاب به أبا موسى الأشعريّ عن كتاب كتبه إليه من المكان الذي اتعدوا ۲ فيه للحكومة ، وذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الأُموي في كتاب المغازي : فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظِّهِمْ ، فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا ، وَنَطَقُوا بِالْهَوى ؛ وَإِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هذَا الْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً ، اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ، وَأَنَا أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَلَقاً يَعُودُ . وَلَيْسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَاُلفَتِهَا مِنِّي ، أَبْتَغِي بِذلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ ، وَكَرَمَ الْمَآبِ. وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي ، وَإِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحِ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّجْرِبَةِ ، وَإِنِّي لأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلٍ ، وَأَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللّهُ ، فَدَعْ مَا لاَ تَعْرِفُ ، فَإِنَّ شِرَارَ النَّاس طَائِرُونَ إِلَيْكَ

.


1) .في نسخة : أُقْعِدُوا .

بِأَقَاويلِ السُّوءِ ، وَالسّلاَمُ .

الشّرْحُ:رُوي : «ونطقوا مع الهوى» ، أي مائلين مع الهوى . ورُوي : «وأنا أُداري» بالراء ، من المداراة ، وهي الملاينة والمساهلة . ورُوي : «نفع ما أولى» باللام ؛ يقول : أوليته معروفا . ورُوي : «إن قال قائل بباطل ويفسد أمرا قد أصلَحَه اللّه » . واعلم أنّ هذا الكتاب كتاب مَنْ شكّ في أبي موسى واستوحش منه ؛ ومن قد نقل عنه إلى أبي موسى كلاما إمّا صدقا وإمّا كذبا . وقد نَقَل عن أبي موسى إليه كلاما إمّا صدقا أيضا وأمّا كذبا ، قال عليه السلام : إنّ الناس قد تغيّر كثير منهم عن حظّهم من الآخرة ، فمالوا مع الدنيا . وإنّي نزلت من هذا الأمر منزلاً معجِبا ، بكسر الجيم ، أي يعجِب مَنْ رآه ، أي يجعله متعجّبا منه . وهذا الكلام شكوى من أصحابه ونُصَّاره من أهل العراق ؛ فإنهم كان اختلافهم عليه واضطرابهم شديدا جدّا . والمنزل والنّزول هاهنا مجاز واستعارة ، والمعنى أنّي حصلت في هذا الأمر الذي حصلت فيه عليه حال معجبة لمن تأمّلها لأنّي حصلت بين قوم كلّ واحد منهم مستبدّ برأي يخالف فيه رأيَ صاحبه ؛ فلا تنتظم لهم كلمة ولا يستوثق لهم أمر ؛ وإن حكمت عليهم برأي أراه أنا خالَفوه وعصوْه ، ومن لا يطاع فلا رأي له ، وأنا معهم كالطبيب الذي يداوي قَرْحا ، أي جراحة قد قاربتْ الاندمال ولم تندمِلْ بعدُ ؛ فهو يخاف أن يعود عَلَقا ، أي دما . ثم قال له : ليس أحد ـ فاعلم ـ أحرصَ على ألفة الأُمّة وضمّ نشْر المسلمين . وأدخل قوله : «فاعلم» بين اسم ليس وخبرها فصاحة ، ويجوز رفع « أحرص» يجعله صفةً لاسم «ليس» ؛ ويكون الخبر محذوفا ، أي ليس في الوجود رجل . وتقول : قد وأيتُ وأيا ، أي وعدت وعدا ، قال له : أمّا أنا فسوف أفي بما وعدت وما استقرّ بيني وبينك ؛ وإن كنت أنت قد تغيّرت عن صالح ما فارقتني عليه . فإن قلت : فهل يجوز أن يكون قوله : «وإن تغيّرت» من جملة قوله فيما بعد « فإنّ الشقيّ » كما تقول : إن خالفتني فإنّ الشقيّ من يخالف الحق؟ قلت : نعم ، والأوّل أحسن ؛ لأنّه أدخلُ في مدْح أمير المؤمنين عليه السلام كأنه يقول : أنا أفي وإن كنتَ لا تفي ، والإيجاب يحسّنه السلْب الواقع في مقابلته . والضدّ يظهر حسنَه الضّدُّ . ثمّ قال : «وإني لأعْبَد» ، أي آنف ، من عبِد بالكسر أي أنِف ، وفسّروا قوله : «فَأَنَا أوَّلُ

.

۷۹. ومن كتاب له عليه السلام لمّا استخلف إلى أُمراء الأجناد

الْعَابِدِينَ» (1)بذلك ، يقول : إنّي لآنف من أن يقول غيري قولاً باطلاً ، فكيف لا آنف أنا من ذلك لنفسي ؟! ثم تختلف الرّوايات في اللفظة بعدها كما ذكرنا . ثم قال : «فدَعْ عنك ما لا تعرف» ، أي لا تبْن أمرك إلاّ على اليقين والعلم القطعيّ ، ولا تُصْغِ إلى أقوال الوشاة ونَقلَة الحديث ؛ فإنّ الكذب يخالط أقوالهم كثيرا ، فلا تصدِّق ما عساه يبلِّغك عنّي شرار الناس ؛ فإنهم سراع إلى أقاويل السوء .

۷۹الأصْلُ:ومن كتاب له عليه السلام لما استخلف إلى أُمراء الأجناد :أَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ .

الشّرْحُ:أي منعوا الناس الحق فاشترى الناس الحق منهم بالرّشا والأموال ، أي لم يضعوا الأُمور مواضعَها ، ولا ولّوا الولايات مستحقِّيها ، وكانت أُمورهم الدينية والدنياوية تجري على وَفْق الهوى والغرض الفاسد ، فاشترى الناس منهم الميراث والحقوق كما تُشترى السلع بالمال . ثم قال : «وأخذوهم بالباطل فاقتدوه» ، أي حملوهم على الباطل ، فجاء الخلَف من بعد السلف فاقتدَوا بآبائهم وأسلافهم في ارتكاب ذلك الباطل ؛ ظنّا أنّه حق ، لما قد ألفوهُ ونشؤوا وربّوا عليه . ورُوي «فاستروه» بالسين المهملة أي اختاروه ، يقال استريتُ خيار المال ، أي اخترته ويكون الضمير عائدا إلى «الظلمَة» لا إلى «الناس» ، أي منعوا الناس حقّهم من المال واختاروه لأنفسهم واستأثروا به .

.


1) .سورة الزخرف ۸۱ .

باب الحكم و المواعظ

باب الحكم والمواعظ

.

. .

حكمه عليه السلام ومواعظه ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله وكلامه القصير في سائر أغراضه

اشاره

باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام ومواعظه ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله والكلام القصير الخارج في سائر أغراضهالشّرْحُ:اعلم أن هذا الباب من كتابنا كالرّوح من البدن ، والسواد من العين ؛ وهو الدرّة المكنونة التي سائر الكتاب صدَفها ؛ وربما وقع فيه تكرار لبعض ما تقدّم يسير جدّا ؛ وسبب ذلك طول الكتاب وبعد أطرافه عن الذهن ، وإذا كان الرضيّ رحمه الله قد سَها فكرّر في مواضع كثيرة في «نهج البلاغة» على اختصاره كنّا نحن في تكرار يسير في كتابنا الطويل أعذر .

.

۱. كن في الفتنة

۲. أزرى بنفسه

۱الأصْلُ:كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ .

الشّرْحُ:ابن اللّبون : ولد النّاقة الذّكر إذا استكمل السّنة الثانية ودخل في الثالثة ؛ ولا يقال للأُنثى : ابنة اللّبون ؛ واللّبون من الإبل والشاة : ذات اللّبَن ، غزيرة كانت أو بِكيئة (1)، ويقال : ابن لَبُون وابن اللّبون ، منكّرا أو معرّفا . وابن اللّبون لا يكون قد كمل وقويَ ظهره على أن يركب ، وليس بأُنثى ذات ضرعٍ فيُحلب ، وهو مطّرح لا يُنتفع به . وأيّام الفتنة هي أيّام الخصومة والحرب بين رئيسيْن ضالّين يدعوان كلاهما إلى ضلالة كفتنة عبد الملك وابن الزبير وفتنة مروان والضحّاك وفتنة الحجّاج وابن الأشعث ونحو ذلك ، فأمّا إذا كان أحدهما صاحب حق فليست أيام فتنة كالجَمل وصِفِّين ونحوهما بل يجب الجهاد مع صاحب الحقّ وسلّ السّيف والنهي عن المنكر وبذل النّفس في إعزاز الدين وإظهار الحقّ . قال عليه السلام : أخمِل نفسك أيام الفتنة ، وكن ضعيفا مغمورا بين النّاس ، لا تصلح لهم بنفسك ، ولا بمالك ، ولا تنصر هؤلاء وهؤلاء . وقوله : «فيركَبَ» [ و ] «فيُحلبَ» ، منصوبان لأنهما جواب النفي ، وفي الكلام محذوف تقديره : «له» ؛ وهو يستحق الرفع ؛ لأنّه خبر المبتدأ ، مثل قولك : لا إله إلاّ اللّه ، تقديره «لنا» ، أو «في الوجود» .

۲الأصْلُ:أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الَّطمَعَ ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عن ضُرِّه ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ .

.


1) .البكيئة : قليلة اللبن .

۳. البخل عارٌ

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «أزرى بنفسه» ، أي قصّر بها . مَن استشعر الطمع ، أي جعله شعاره أي لازمه . وفي الحديث المرفوع : «إنّ الصّفا الزّلزال الذي لا تَثبت عليه أقدام العلماء الطمع» . قوله عليه السلام : «من كشف للناس ضرّه» ، أي شكى إليهم بؤسه وفقره ، فقد رضي بالذل . وفي حفظ اللسان : كان يقال : حفظ اللسان راحة الإنسان ، وكان يقال : ربّ كلمة سفكت دما ، وأورثت ندما .

۳الأصْلُ:الْبُخْلُ عَارٌ ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ ، وَالفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حَاجَتِهِ ، وَالْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ (1).

الشّرْحُ:وما أحسن قول القائل : كفى حزنا أنّ الجواد مقتَر عليه ، ولا معروف عند بخيل . وكان يقال : البخل مهانة ، والجود مهابة . ومثل قوله : «الفقر يخرس الفَطِن عن حاجته» ، قولُ الشاعر : فَللمَوْتُ خيرٌ من حياة يرى لهاعلى الحرّ بالإقلال وسْمُ هَوانِ متَى يتكلّمْ يُلْغَ حُكْمُ كلامِهوإن لم يقُلْ قالوا عديم بيانِ ومثل قوله عليه السلام : «والمقلّ غَريب في بلدته» ، قول خَلف الأحمر : لا تظنّي أنّ الغريب هو النّائِي ولكنّما الغريب المقلُّ وكان يقال : مالُك نورُك ، فإن أردت أن تنكسف ففرّقه وأتلفه .

.


1) .المنقصة : المذمّة والعيب . المقلّ : الفقير الذي لا مال له .

۴. العجز آفة

۵. العلم وراثة

۴الأصْلُ:الْعَجْزُ آفةٌ ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ ، وَنِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَا .

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «العجز آفة» ، وهذا حقّ ؛ لأنّ الآفة هي النقص أو ما أوجب النقص ، والعجز كذلك . وكان يقال : العجز المفرط ترك التأهّب للمعاد . وكان يقال : الصبر مرّ ، لا يتجرّعه إلاّ حرّ ، وكان يقال : إنّ للأزمان المحمودة والمذمومة أعمارا وآجالاً كأعمار الناس وآجالهم ؛ فاصبروا لِزمانِ السوء حتى يفنى عمره ، ويأتي أجله . قوله عليه السلام : «والزهد ثروة» ، وهذا حقّ ؛ لأنّ الثروة ما استغنى به الإنسان عن النّاس ، ولا غناء عنهم كالزّهد في دنياهم ؛ فالزّهد على الحقيقة هو الغِنَى الأكبر . قوله عليه السلام : «والورعُ جُنّة» ، كان يقال : لا عصمة كعصمة الورع والعبادة ؛ أمّا الورع فيعصمك من المعاصي ، وأمّا العبادة فتعصمك من خصمك ؛ فإنّ عدوّك لو رآك قائما تصلّي وقد دخل ليقتلك لصدّ عنك وهابَك . قوله عليه السلام : «ونعم القرينُ الرضا» ، وكان يقال : مَنْ سخِط القضاء طاحَ ، ومن رضي به استراح . وكان يقال : عليك بالرّضا ، ولو قُلّبْتَ على جَمْر الغَضا . وفي الخبر المرفوع أنه صلى الله عليه و آله وسلمقال عن اللّه تعالى : «من لم يرض بقضائي فليتخذ ربّا سوائي» .

۵الأصْلُ:الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ ، وَالآدابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ ، وَالْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ .

.

۶. صدر العاقل

الشّرْحُ:إنما قال : «العلم وراثة» ؛ لأنّ كلّ عالم من البشر إنما يكتسب علمه من أُستاذٍ يهذّبه وموقِّف يعلمه ؛ فكأنه ورث العلم عنه كما يرث الابنُ المال عن أبيه . وكان يقال : لا حُلّة أجمل من حلة الأدب ؛ لأنّ حُلل الثياب تبلى ، وحلل الأدب تبقى ، وحُلل الثياب قد يغتصبها الغاصب ، ويسرِقها السارق ، وحُلل الآداب باقية مع جوهر النفس . وكان يقال : عليكم بالأدب ؛ فإنه صاحبٌ في السَفر ، ومؤنس في الوحدة ، وجمال في المحفِل ، وسبب إلى طلب الحاجة .

۶الأصْلُ:صَدْرُ الْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ ، وَالْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ الْمَوَدَّةِ ، وَالاِحْتَِمالُ قَبْرُ العُيُوبِ . ورُوي أنّه قال في العبارة عن هذا المعنى أيضاً : المُسالَمَةُ خَب ءُ الْعُيُوبِ .

الشّرْحُ:قولُه عليه السلام : «صدر العاقل صندوق سرِّه» (1)، وكان يقال : لا تُنكِحْ خاطبَ سرّك . وقال بعض الأعراب : لا تضع سرّك عند من لا سرّ له عندك . قوله عليه السلام : «البشاشة حبالة المودّة» (2)، وكان يقال : البِشْر دالّ على السخاء من ممدوحك ، وعَلَى الوُدّ من صديقك دلالةَ النَّوْر على الثَّـمَر . وكان يقال : ثلاث تُبِين لك الودّ في صدر أخيك : تلقاه ببشرِك ، وتبدؤه بالسّلام ، وتوسّع له في المجلس .

.


1) .أي ، لا يفشي سرّه ، فإنّ السرّ بالكتمان أولى ، وكتمان الأسرار خُلُق محمود من الفضائل ، وهو من باب الأمانة . المعارج للبيهقي : ص۷۹۱ .

2) .البشاشة : طلاقة الوجه ، أو حسن المعاشرة . ولا يضيق نطاقُ البشاشةِ عن الأصدقاء ، ويضيق نطاق المال والجاه عنهم .

۷. ن ر . مَ عن نفسه

قوله عليه السلام : «الاحتمال قبر العيوب» (1)، أي إذا احتملت صاحبك وحلمت عنه ، سترَ هذا الخلق الحسَن منك عيوبك ، كما يستر القبرُ الميّت ، وهذا مثل قولهم في الجود : كلّ عيبٍ فالكرمُ يغطّيه . فأما الخَبْ ء فمصدر خبأته أخبؤه ، والمعنى في الروايتين واحد . ومن كلامه عليه السلام : وجدت الاحتمال أنصرَ لي من الرجال . ومن كلامه : مَنْ سالم النّاس سلم منهم ، ومن حارب الناس حاربوه ؛ فإنّ العثرة للكاثر .

۷الأصْلُ:مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ ، والصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ .

الشّرْحُ:قوله عليه السلام : «من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه» (2). قال الشاعر : أرى كلَّ إنسانٍ يَرَى عيبَ غيرهويعمَى عن العيب الذي هو فيهِ وما خيرُ مَنْ تخفَى عليه عيوبُهويبدو له العيبُ الّذي بأخيهِ قوله عليه السلام : «الصدقة دواء منجح» ، قد جاء في الصّدقة فضل كثير . وفي الحديث المرفوع : «تاجروا اللّه بالصدقة تربحوا» . وقيل : الصدقة صَدَاق الجنّة . ومثل قوله عليه السلام « الصدقة دواء

.


1) .لا يفتح الصندوق فيطّلع الغيرُ على ما فيه . الحبالة : شبكة الصيد ، والبشاش يصيد مودات القلوب . الاحتمال : تحمّل الأذى ومن تحمّل الأذى خفيت عيوبه .

2) .من رضي عن نفسه رفع نفسه فوق قدرها ، ومن رفع نفسه فوقَ قدرها ردّها الناس إلى قدرها ، فكثُر الساخط عليه . ومن رضي عن نفسه لم يجتهد في طلب كمالِه ، وبقي في مهاوي النقصان وتصوّر نقصانه كمالاً ، والعقلاء يتصوّرون نقصانه نقصاناً فلذلك كثر الساخطُ عليه . المعارج للبيهقي : ص۷۹۲ .

۸. اعجبوا لهذا الإنسان

منجح» ، قول النّبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «داووا مَرْضاكم بالصدقة» . قوله عليه السلام : «أعمال العباد في عاجلهم نُصْبُ أعينهم في آجِلِهم» ، هذا من قوله تعالى : «يَوْمَ تَجِدُ كلُّ نَفْسٍ مَاعَمِلتْ منْ خَيْرٍ مُحْضَرا وَمَا عَمِلتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أنَّ بينَها وَبيْنَهُ أمَدا بَعِيدا» . وقال تعالى : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرّةٍ خَيْرا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذرّةٍ شَرّا يَرَهُ» .

۸الأصْلُ:اعْجَبُوا لِهذَا الإِْنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ ، وَيَسْمَعُ بِعَظمٍ ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ .

الشّرْحُ:هذا كلام محمول بعضه على ظاهره ، لما تدعو إليه الضّرورة من مخاطبة العامّة بما يفهمونه ، والعدول عمّا لا تقبله عقولهم ، ولا تَعِيهِ قلوبُهم (1). أما الإبصار ؛ فقد اختلف فيه ، وعلى جميع الأقوال فلابدّ من إثبات القوة المبصرة في الرطوبة الجلْدية ، وإلى الرطوبة الجلدية وقعت إشارته عليه السلام بقوله : « ينظر بشَحْم» . وأمّا الكلام فمحلّه اللسان عند قوم . وقال قوم : ليس اللّسان آلة ضرورية في الكلام ، وعلى كلا القولين فلابدّ أن تكون آلة الكلام لحما ، وإليه وقعت إشارة أمير المؤمنين عليه السلام . فأما السمع للصوت فليس بعظم عند التحقيق ، وإنما هو بالقوّة المودَعة في العصب المفروش في الصّماخ كالغشاء ، وبالجملة فلابدّ من عَظْم ؛ لأنّ الحامل للّحم والعَصَب إنما هو العظْم . وأمّا التَّنفُّس فلا ريبَ أنه من خَرْم ؛ لأنّه من الأنف ، وإن كان قد يمكن لو سدّ الأنف أن

.


1) .كلام الإمام عليه السلام واضح ، أراد أن يحكي فيه عظمة الخالق ودقة صنعه وحكمته ليعتبر الإنسان ويتعظ ، والعلم الحديث يذعن بذلك ، فالإنسان ينظر بشحم ، وهي (الشبكية) وهي شحمة دون شك ، وبها يتم الإبصار . ويتكلم الإنسان بلحم وهو اللسان (ويسمع بعظم) ، وهو إشارة إلى العظيمات الثلاث في الأُذن الوسطى ، التي بواسطتها يتم نقل الأصوات ويتم الاستماع . فسبحان من خلق فسوّى ، وقدّر فهدى .

۹. إذا أقبلت الدنيا

۱۰. خالِطوا النّاس

يتنفس الإنسان من الفم وهو خَرْم أيضا .

۹الأصْلُ:إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى قَوْمٍ أَعَارَتْهُمْ مَحَاسِنَ غَيْرِهِم ، وَإِذَا أَدبَرَتْ عَنْهُمْ سَلَبَتْهُمْ مَحَاسِنَ أنْفُسِهِمْ .

الشّرْحُ:واعلم أنا قد وجدنا تصديق ما قاله عليه السلام في العلوم والفضائل والخصائص النفسانية ، دَعْ حديث الدنيا والسلطان والرئاسة ، فإن المحظوظ من علْمٍ أو من فضيلةٍ ، تضاف إليه شوارد تلك الفضيلة وشوارد ذلك الفنّ .

۱۰الأصْلُ:خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ .

الشّرْحُ:وقد روي : «خَنُّوا» بالخاء المعجمة ، من الخنين ؛ وهو صوت يخرج من الأنف عند البكاء . وإلى تتعلق بمحذوف ، أي حنُّوا شوقا إليكم . وقد ورد في الأمر بإحسان العشرة مع الناس الكثير الواسع . وفي الخبر المرفوع : «إذا وسعتم النّاس ببسط الوجوه ، وحسن الخلق ، وحسن الجوار ، فكأنما وسعتموهم بالمال» .

.

۱۱. إذا قدرتَ

۱۲. أعجزُ النّاسِ

۱۱الأصْلُ:إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .

الشّرْحُ:قد أخذت أنا هذا المعنى ، فقلت في قطعة لي : إنّ الأمانيّ أكسابُ الجهول فَلاتقنعْ بها واركب الأهوالَ والخَطَرا واجعل من العقل جهلاً واطّرِح نظرافي الموبقاتِ ولا تستشعِر الحذَرا وإن قدرتَ على الأعداء منتصرافاشكر بعفوك عن أعدائك الظَّفَرا وكان يقال : أحسن أفعال القادر العفو ، وأقبحها الانتقام . قال معاوية لخالد بن مَعمر السّدوسيّ : على ماذا أحببت عليّا ؟ قال : على ثلاث : حلمه إذا غضب ، وصدقه إذا قال ، ووفاؤه إذا وَعَد .

۱۲الأصْلُ:أَعْجَزُ النَّاس مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الاْءِخْوَانِ ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .

الشّرْحُ:في الحديث المرفوع أنّ النبي صلى الله عليه و آله وسلم بكَى لما قُتِل جعفر بمؤتة ، وقال : «المرء كثير بأخيه» . وقال جعفر بن محمد عليه السلام : «لكلّ شيء حِلْيَةُ وحليةُ الرجل أودّاؤه» . وأنشد ابن الأعرابيّ : لَعَمْرُك ما مالُ الفتى بذخيرةٍولكنَّ إخوان الصّفاء الذخائرُ

.

۱۳. خذَلوا الحقَّ

۱۳الأصْلُ:وقال عليه السلام في الذين اعتزلوا القتال معه : خَذَلُوا الحَقَّ وَلَمْ يَنْصُرُوا البَاطِلَ .

الشّرْحُ:قد سبق ذكر هؤلاء القوم فيما تقدّم ، وهم عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل ، وأُسامة بن زيد ، ومحمد بن مسلمة ، وأنس بن مالك ؛ وجماعة غيرهم . وقد ذكر شيخنا أبو الحسين في (الغرر ) أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا دعاهم إلى القتال معه . واعتذروا بما اعتذروا به ، قال لهم : أتنكرون هذه البيعة ؟ قالوا : لا ، لكنّا لا نقاتل ؛ فقال عليه السلام : إذا بايعتم فقد قاتلتم ؛ قال : فسلِموا بذلك من الذّم ؛ لأنّ إمامهم رضيَ عنهم . ومعنى قوله : «خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل» ، أي خذلوني ولم يحاربوا معي معاوية ؛ وبعض أصحابنا البغداديين يتوقف في هؤلاء ، وإلى هذا القول يميل شيخنا أبو جعفر الإسكافيّ ۱ .

.

۱۴. إذا وصلتْ

۱۵. من ضيّعه الأقرب

۱۴الأصْلُ:إِذَا وَصَلَتْ إِليْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَـلاَ تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ (1).

الشّرْحُ:قال بعضهم : ما شيّبتني السّنون ، بل شكري مَنْ أحتاج أن أشكره . وقالوا : العفاف زينة الفقر ، والشكر زينة الغنى . وقال البحتريّ : فإن أنا لم أشكر لنعماك جاهدافلا نلت نُعْمَى بعدها توجب الشُّكْرا

۱۵الأصْلُ:مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ .

الشّرْحُ:إنّ الإنسان قد ينصره مَنْ لا يرجو نصره وإن أهمله أقربوه وخذلوه ، فقد تقوم به الأجانب من الناس ، وقد وجدنا ذلك في حقّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ضيّعه أهلُه ورهطه من قريش وخذلوه ، وتمالؤوا عليه ، فقام بنصره الأوس والخزرج ، وهم أبعد الناس نسبا منه ، وقامت ربيعة بنصر عليّ عليه السلام في صِفّين ، وهم أعداء مُضَر الذين هم أهله ورهطه ، وقامت الخراسانية وهم عَجَم بنصر الدولة العباسيّة ، وهي دولة العرب . وإذا تأملت السِّير وجدت هذا كثيرا شائعا .

.


1) .أطراف النعم : أوائلها ، فإذا بطرتم ولم تشكروها بأداء الحقوق منها ، نفرت عنكم أقاصيها ـ أي أواخرها ـ فحرمتموها .

۱۶. ما كلُّ مفتونٍ

۱۷. تذلُّ الأمور

۱۶الأصْلُ:مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ .

الشّرْحُ:هذه الكلمة قالها عليٌّ عليه السلام لسعد بنِ أبي وَقّاص ، ومحمّدِ بنِ مَسلَمةَ ، وعبدِ اللّه بنِ عمرَ ، لمّا امتَنعوا من الخروج معه لحرب أصحابِ الجَمَل (1)، ونظيرُها أو قريبٌ منها قولُ أبي الطيّب : فما كلّ فعّالٍ يجازى بفعلِهِولا كلُّ قَوّالٍ لديّ يُجابُ وربَّ كلامٍ مرَّ فوق مَسامعيكما طنّ في لوْحِ الهجير ذبابُ

۱۷الأصْلُ:تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ ، حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ (2).

الشّرْحُ:إذا تأمّلتَ أحوالَ العالَم وجدت صِدقَ هذه الكلمة ظاهرا ، ولو شئنا أن نَذكُر الكثيرَ من ذلك لذكَرْنا ما يَحتاج في تقييده بالكتابة إلى مِثْل حَجْم كِتابنا هذا ، ولكنّا نذكر لمحا ونُكَتا وأطرافا ودُرَراً من القول .

.


1) .يراد : لا يتوجّه العتاب واللّوم على كل داخل في فتنة ، إذ ربّما كان له عذر في ذلك ، أو أن سبب فتنته لم يكن باختياره ، وأمّا من فتن وكان معجبا بنفسه ورأيه لمجرد الهوى والتعصّب ؛ لم ينجع عتابه ، ولم ينفع نصيحته ، كابن عمر ، وابن الوقاص وأضرابهما . حيث امتنعوا عن بيعة الإمام عليه السلام ، ولم ينصروا حقا ، ولم يخذلوا باطلاً .

2) .يعني أنّ مَنْ قدّر اللّه (حتفَه) ، أي هلاكه ، فإن تدبيره وتخطيطه يؤدي إلى تدميره .

۱۸. غيّروا الشيب

وقد دبّرتْ من قبلُ قريش في حماية العِير بأن نفَرتْ على الصَّعْب والذَّلول لِتدفَع رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلمعن اللَّطيمة ، فكان هلاكُها في تدبيرِها . وكُسِرت الأنصارُ يومَ أُحُد بأن أخرَجت النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم عن المدينة ظنّا منها أن الظفر والنُّصْرة كانت بذلك ، وكان سببُ عَطَبها وظَفر قريشٍ بها ، ولو أقامت بين جُدْران المدينة لم تَظفرُ قريشٌ منها بشيء . ودَبَّر أبو مسلم أمرَ الدّولة الهاشميّة ، وقام بها حَتّى كان حَتْفُه في تدبيره . وكذلك جَرَى لأبي عبدِ اللّه المحتسِب مع عبدِ اللّه المهديّ بالمغرب . وأمثالُ هذا ونظائرُه أكثرُ من أن تُحصَى .

۱۸الأصْلُ:وَسُئِلَ عليه السلام عن قول الرسول صلى الله عليه و آله : «غَيِّرُوا الشَّيْبَ ، وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» ؛ فَقَال عليه السلام : إِنَّمَا قَالَ صلى الله عليه و آله ذلِكَ وَالدِّينُ قُلٌّ ، فَأَمَّا الآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ ، وَضَرَبَ بَجِرَانِهِ ، فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَ .

الشّرْحُ:اليهودُ لا تَخضِب ، وكان النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم أمر أصحابه بالخِضابِ ليكونوا في مَرْأى العين شَباباً ، فيَجْبنَ المشركون عنهم حال الحرْب ، فإنّ الشيخَ مَظِنّة الضَّعف . قال عليٌّ عليه السلام : «كان ذلك والإسلامُ قُلّ» ، أي قليل ؛ وأمّا الآن وقد اتّسع نطاقُه وضَرَب بجِرانه فقد سَقط ذلك الأمرُ وصار الخضاب مُباحا غيرَ مندوب . والنِّطاق : ثوبٌ تلبَسه المرأةُ لبسةً مخصوصة ، ليس بصُدرةِ ولا سراويلَ ، واستعارَ أميرُ المؤمنين عليه السلام هذه اللّفظة لسَعة رُقْعة الإسلام ، وكذلك استعار قوله : «وضَرَب بجِرانه» ، أي أقام وثَبَت ، وذلك لأنّ البعير إذا ضَرَب بجِرانه الأرض ـ وجِرانهُ مقدَّم عنقِه ـ فقد استناخ

.

۱۹. مَن جرى في عنان

۲۰. أقيلوا ذوي المروءات

وبَرَك ، وامرؤ مبتَدَأ ، وإن كان نكرَةً ، كقولهم : « شرٌّ أهَرَّ ذا ناب» ، لحصول الفائدة ، والواو بمعنى «مع» ، وهي وما بعدها الخبر ، وما مصدريّة ، أي امرؤ مع اختياره .

۱۹الأصْلُ:مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم لنا قولٌ كثيرٌ في الأمل ، ونذكر هاهنا زيادةً على ذلك : قال الحسن عليه السلام : «لو رأيتَ الأجلَ ومَسيرَه ، لنسيتَ الأملَ وغرورَه ، ويُقدِّر المقدِّرون والقضاءُ يَضحَك» . ورَوَى أبو سَعيد الخُدْرِيّ أنّ أُسامةَ بنَ زيد اشتَرى وَليدةً بمئة دينار إلى شهر ، فقال رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : ألا تَعجَبون من أُسامةَ يَشترِي إلى شَهْر ! إنّ أُسامةَ لطويلُ الأمَل .

۲۰الأصْلُ:أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ ، فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلاَّ وَيَدُهُ بيَدِ اللّه يَرْفَعُهُ (2).

.


1) .العنان : سير اللّجام تمسك به الدابة . عثر : سقط ووقع . الأجل : الموت .

2) .الإقالة : هنا الاغضاء والعفو والستر . العثرة : السقطة . وإقالة العثرة : رفعه من سقطته . والمروءة : صفة للنفس تحملها على فعل الخير . ومن كان صاحب مروءة ، فإنّ اللّه تعالى يهديه في عاقبة أمره إلى ما فيه الخير والصلاح .

۲۱. قُرِنت الهيبةُ بالخيبة

۲۲. لنا حقّ فإن اُعطيناه

الشّرْحُ:قد رُوِيَتْ هذه الكلمة مرفوعة ، ذكر ذلك ابنُ قُتيبة في «عيون الأخبار» . وأحسَن ما قيل في المُروءة قولُهم : اللّذة تركُ المروءة ، والمروءةُ تركُ اللّذة . وفي الحديث أنّ رجلاً قام إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، فقال : يا رسولَ اللّه ، ألستُ أفضلَ قومي ! فقال : إن كان لك عَقْل فلك فَضْل ، وإن كان لك خُلُق فلَك مُروءة ، وإن كان لك مال فلَك حَسَب ، وإن كان لك تُقىً فلك دِين .

۲۱الأصْلُ:قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ ، وَالْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ ، وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ، فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ (1).

الشّرْحُ:في المَثَل : مَنْ أقْدَم لم يَنْدَم . وكان يقال : الفرصة ما إذا حاولْتَه فأخطأَك نفعُه لم يَصِلْ إليك ضرّه . كانت العربُ إذا أوفدَتْ وافداً قالت له : إيّاك والهَيْبة ؛ فإنها خَيْبة ؛ ولا تَبِتْ عند ذَنَب الأمر وبِتْ عند رأسه .

۲۲الأصْلُ:لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ ، وَإِلاَّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ الاْءِبِلِ ، وَإِنْ طَالَ السُّرَى .

.


1) .الهيبة : المخافة . الخيبة : عدم الظفر بالمطلوب . الحياء : الخجل . الحرمان : المنع . فإذا عَظّم الإنسان صَغارَ الأُمورِ في نفسه ، ربما كان ذلك سبب حرمانه مما قدّر له من الرزق أو حسن الذكر .

قال الرَّضيّ رحمه الله : وهذا القول من لطيف الكلام وفصيحه ، ومعناه : أنّا إن لم نعط حقّنا كنا أذلاّء ، وذلك أن الرديف يركب عجُزَ البعير ، كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما .

الشّرْحُ:هذا الفصلُ قد ذكره أبو عبيد الهرويّ في ( الجمع بين الغريبين ) ، وصورته : «إنّ لنا حقّا إن نعطَه نأخُذْه ، وإنْ نُمنَعه نركب أعجاز الإبل ، وإن طال السُّرَى» . قال : قد فسّروه على وجهين : أحدُهما أنّ راكبَ عَجزِ البعير يلحقه مشقة وضرر ، فأراد : أنا إذا مُنِعْنا حَقَّنا صَبرنا على المَشقّة والمَضرّة ، كما يَصبر راكب عجُز البعير ؛ وهذا التفسير قريبٌ مما فسّره الرضيّ . والوجه الثاني : أنّ راكب عجزِ البعير إنما يكون إذا كان غيرُه قد رَكِب على ظَهْر البعير ، وراكبُ ظهر البعير متقدّم على راكب عَجزِ البعير ، فأراد أنّا إذا مُنِعْنا حَقَّنا تأخَّرْنا وتقدَّمَ غيرُنا علينا ، فكُنّا كالراكب رَديفا لِغَيره ، وأكّد المعنى على كلا التفسيرين بقوله : «وإنْ طالَ السُّرَى» ؛ لأنّه إذا طال السرى كانت المَشَقّة على راكب عجز البعير أعظم ، وكان الصبر على تأخّر راكب عجُزِ البعير عن الراكب على ظهره أشدّ وأصعب . وهذا الكلام تزعم الإماميّة أنه قاله يومَ السَّقيفة أو في تلك الأيام ، ويذهَب أصحابُنا إلى أنّه قاله يوم الشورى بعد وفاة عمر واجتماعِ الجماعةِ لاختيار واحد من الستّة ، وأكثر أرباب السِّير ينقُلونه على هذا الوجه (1).

.


1) .صرّح الطبري في تاريخه ۳:۳۰۰ حوادث سنة ۲۴ ، وغيره ، أنه قاله عليه السلام يوم الشورى . وليس مهما زمانه ، بل المهم أنه لا يُثبت حقّا ولا إمضاءً ليوم السقيفة . فقد رويت عنه أقوالٌ أشد قرعا من ذلك . والمراد : أنّ الخلافة حقّ لنا بالنصّ دون جميع الصحابة ، إن أُعطينا ذلك الحق فذاك ، وإن منعناه صبرنا ولا نطلبه بالعسف ما سلمت أُمور المسلمين .

۲۳. مَن أبطأ به

۲۴. مِن كفّارات الذّنوب

۲۵. يابن آدم إذا

۲۳الأصْلُ:مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ .

الشّرْحُ:هذا الكلام حَثٌّ وحَضٌّ وتحريض على العبادة ، وقد تقدّم أمثالُه ، وسيأتي له نظائرُ كثيرة .

۲۴الأصْلُ:مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ ، وَالتَّنْفِيسُ عَن الْمكْرُوبِ .

الشّرْحُ:قد جاء في هذا المعنى آثارٌ كثيرة ، وأخبارٌ جميلة ۱ .

۲۵الأصْلُ:يَابْنَ آدَمَ ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِـعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ .

.

۲۶. ما أضمر أحدٌ

الشّرْحُ:هذا الكلام تخويف وتحذير من الاستدراج ؛ قال سبحانه : «سنسْتَدْرِجُهُمْ من حيثُ لا يعلَمُون» (1)؛ وذلك لأنّ العبد بغروره يعتقد أنّ موالاة النِّعَم عليه وهو عاص من باب الرِّضا عنه ، ولا يعلم أنّه استدراج له ونقمةٌ عليه . فإن قلت : كيف يصحّ القول بالاستدراج على أُصولكم في العدل ، أليس معنى الاستدراج إيهام العبد أنّه سبحانه غيرُ ساخط فعله ومعصيته ، فهل هذا الاستدراج إلاّ مفسدةٌ وسببٌ إلى الإصرار على القبيح؟ قلت : إذا كان المكلَّف عالِما بقبح القبيح ، أو متمكِّنا من العِلْم بقُبْحه ثم رأى النِّعَم تتوالى عليه وهو مُصِرٌّ على المعصية ، كان تَرَادُف تلك النِّعَم كالمنبِّه له على وجوب الحذَر .

۲۶الأصْلُ:مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ ، وصَفَحَاتِ وَجْهِهِ .

الشّرْحُ:قال زُهيرُ بنُ أبي سُلمَى : ومَهمَا تكن عند امرئٍ مِنْ خليقةٍوإن خالَها تَخفَى على الناس تُعلَمِ وكان يقال : العين والوجه واللّسان أصحاب أخبار على القلب ، وقالوا : القلوب كالمرايا المتقابِلة ؛ إذا ارتسمَتْ في إحداهنّ صورةٌ ظهرتْ في الأُخرى .

.


1) .سورة الأعراف ۱۸۲ .

۲۷. امش بدائك

۲۸. أفضل الزهد

۲۷الأصْلُ:امْش بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ .

الشّرْحُ:يقول : مهما وجدتَ سبيلاً إلى الصّبر على أمرٍ من الأُمور الّتي قد دفعت إليها ، وفيها مشَقّة عليك ، وضرر لاحِقٌ بك ، فاصبر ولا تلتمسْ طريقا إلى تغيير ما دفعت إليه أن تَسلُكها بالعُنْف ، ومُراغَمة الوقت ، ومعاناة الأقْضية والأقدار ؛ ومِثال ذلك من يَعرِض له مَرَض ما يُمكِنه أن يَحتمِله ويدافع الوقت ، فإنّه يجب عليه ألاّ يَطرَح جانبَه إلى الأرض ، ويَخلُد إلى النوم على الفِراش ، ليعالج ذلك المرض قوّة وقهرا ؛ فربما أفضَى به مقاهرة ذلك المَرَض الصغير بالأدوية إلى أن يصير كبيرا مُعضِلاً .

۲۸الأصْلُ:أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ .

الشّرْحُ:إنما كان كذلك ؛ لأنّ الجَهْر بالعبادة والزّهادة والإعلان بذلك قلَّ أن يَسلم من مخالطة الرّياء . شاعر : معشرٌ أثبتَ الصلاةَ عليهمْلجِباهٍ يشقُّها المِحراب عَمَرُوا مَوْضع التصنُّعِ منهمْومكانُ الإخلاص منهمْ خَرابُ

.

۲۹. إذا كنت في إدبارٍ

۳۰. الحذر الحذر

۲۹الأصْلُ:إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبـَارٍ ، وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ ، فَمَا أسْرَعَ الْمُلْتَقَى!

الشّرْحُ:هذا ظاهر ؛ لأنّه إذا كان كلّما جاء ففي إدبار ، والموتُ كلّما جاء ففي إقبال ، فياسَرْعانَ ما يَلتَقيان ! وذلك لأنّ إدبارَه هو توجُّهه إلى الموت ، وإقبال الموت هو توجّه الموت إلى نحوه ، فقد حُقّ إذَن الالتقاء سريعا ، ومثالُ ذلك سفينتان بدِجْلة أو غيرها ، تَصعَد إحداهما ، والأُخرى تَنحدِر نحوَها ، فلا رَيْب أنّ الالتقاء يكون وَشِيكا .

۳۰الأصْلُ:الْحَذَرَ الْحَذَرَ ! فَوَاللّهِ لَقَدْ سَتَرَ ، حتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ .

الشّرْحُ:قد تقدّم هذا المعنى وهو الاستدراج الذي ذكَرْناه آنِفا (1).

.


1) .الضمير في (ستر) يعود على اللّه عزّ وجلّ ، ستر مخازي عباده حتى ظُنَّ أنّه غفرها لهم ؛ ويوشك أن يأخذهم بمكروه . وهذا هو (الاستدراج) . انظر : الحكمة (۲۵) .

۳۱. الإيمان على أربعٍ

۳۱الأصْلُ:وسُئِلَ عليه السلام عَنِ الاْءيِمَانِ ، فَقَالَ : الاْءِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ ، والْيَقِينِ ، وَالْعَدْلِ ، وَالْجِهَادِ . وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَربَعِ شُعَب : عَلَى الشَّوْقِ ، وَالشَّفَقِ ، وَالزُّهْدِ ، والتَّرَقُّبِ ؛ فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلاَ عَنِ الشَّهَوَاتِ ؛ وَمَنْ أشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الُمحَرَّمَاتِ ؛ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ ؛ وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ . وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ ، وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ ، وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ ، تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ ، عَرَفَ الْعِبْرَةَ ؛ وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ ، فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ . وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى غائِص الْفَهْمِ ، وَغَوْرِ الْعِلْمِ ، وَزُهْرَةِ الْحُكْمِ ، وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحِلْم ، وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاس حَمِيداً . وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى الاْمْرِ بالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ ؛ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ المُنافِقِينَ ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ ؛ وَمَنْ شَنِى ءَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ للّهِ غَضِبَ اللّهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ ، وَالتَّنَازُعِ ، وَالزَّيْغِ ، وَالشِّقَاقِ ؛ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ ، وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ ، وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ ، وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ ، وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلاَلَةِ ، وَمَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ .

.

۳۲. فاعل الخير

وَالشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى: الَّتمَادِي ، وَالْهَوْلِ ، وَالتَّرَدُّدِ وَالاْسْتِسْلاَمِ ؛ فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ ؛ وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ، وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ ، وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ ، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا (1).

قال الرضي رحمه الله : وبعد هذا كلامٌ تركنا ذكره خوف الإطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب .

الشّرْحُ:من هذا الفصل أخذَتِ الصّوفيّةُ وأصحابُ الطريقة والحقيقةِ كثيرا من فنونهم في علومهم ؛ ومن تأمّل رأى هذه الكلمات في فَرْش كلامِهم تَلُوح كالكَواكِب الزاهرة ، وكلّ المقامات والأحوال المذكورة في هذا الفصل قد تقدّم قولُنا فيها .

۳۲الأصْلُ:فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ .

.


1) .شُعب : جمع شعبة : الفرقة ، الطائفة من الشيء . الشفق : الخوف . الترقّب : الانتظار . سلا : هجر وترك . استهان : لم يعر الأمر اهتماما . التبصّر : التعرّف . الفطنة : الفهم . تأوُّل الحكمة : الوصول إلى دقائقها . العبرة : العظة والاعتبار . سنّة الأولين : طريقتهم وسيرتهم . غور العلم : سرّه وباطنه . زُهرة الحكم : حسنه . رساخة الحلم : ثبوته واستقراره . صدر : رجع . يفرّط : يقصّر ، الشَنَآن : البغض . أرغم أنفه : أجبره على الرضوخ . الزيغ : الانحراف عن مذهب الحق ، الشقاق : العناد . أعْضَلَ الأمر : اشتد وأعجزت صعوبته . التماري : التجادل بغير الحق . الهول : الفزع . التردد : انتقاض العزيمة ، وعدم الجزم بالشيء . الاستسلام : عدم المقاومة . المراء : الجدال . هاله : أفزعه . نكص على عقبيه : رجع متقهقرا . الريب : الشك . وطأته : داسته . سنابك : جمع سنبك طرف الحافر .

۳۳. كن سمحاً

الشّرْحُ:قد نظمتُ أنا هذا اللّفظ والمعنى ، فقلتُ في جملةِ أبياتٍ لي : خيرُ البضائِع للإنسان مَكرُمَةٌتَنْمِي وتزْكو إذا بارَتْ بَضائِعُهُ فالخيرُ خَيرٌ وخيرٌ منه فاعِلُهوالشرّ شرٌّ وشرٌّ منه صانعُهُ فإن قلتَ : كيف يكون فاعلُ الخير خيرا من الخير ، وفاعلُ الشرّ شرّا من الشرّ ، مع أنّ فاعل الخير إنّما كان ممدوحا لأجل الخير ، وفاعل الشرّ إنما كان مذموما لأجل الشرّ ، فإذا كان الخير والشرّ هما سَبَبَا المَدْح والذمّ ـ وهما الأصل في ذلك ـ فكيف يكون فاعلاهما خيرا وشرّا منهما؟ قلت : لأنّ الخير والشرّ ليسا عبارة عن ذات حيّة قادرة ، وإنّما هما فعلان ، أو فعل وعدم فعل ، أو عَدَمان ، فلو قطع النظر عن الذّات الحيّة القادرة الّتي يَصدُران عنها ، لما انتَفَع أحدٌ بهما ولا استضرّ ، فالنّفع والضّرر إنّما حَصَلا من الحيّ الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما ، فلذلك كان فاعلُ الخَيْر خيراً من الخير ، وفاعلُ الشرّ شرّا من الشرّ .

۳۳الأصْلُ:كُنْ سَمِحاً ، وَلاَ تَكُنْ مُبَذِّراً ، وَكُنْ مُقَدِّراً ؛ وَلاَ تَكُنْ مُقَتِّراً (1).

الشّرْحُ:كلُّ كلامٍ جاء في هذا فهو مأخوذٌ من قوله سبحانَه : «وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْط فَتَقْعُدَ مَلُوما مَحْسُورا» . ونحو قوله : «إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَ نَ الشَّيَـطِينِ وَ كَانَ الشَّيْطَـنُ لِرَبِّهِ كَفُورًا» (2).

.


1) .السمح : الجواد . المبذر : الذي يضع المال في غير محلّه . المقدّر : المقتصد . المقتّر : المضيّق في النفقة .

2) .سورة الإسراء ۲۷ .

۳۴. أشرف الغنى

۳۵. من أسرع إلى الناس

۳۶. من أطال الأمل

۳۴الأصْلُ:أَشْرَفُ الْغِنَى ، تَرْكُ الْمُنَى .

الشّرْحُ:يقال : الأمانيّ للنّفس كالرَّوْنَق للبَصَر . ومن كلامِ بعضِ الحُكَماء : الأمانيّ تُعمِي أعيُنَ البصائر ، والحظّ يأتي من لا يأتيه ، وربّما كان الطمع وِعاءً حشوُه المَتالف ، وسائقا يدعو إلى الندامة .

۳۵الأصْلُ:مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاس بِمَا يَكْرَهُونَ ،قَالُوا فِيهِ بِمَا لاَ يَعْلَمُونَ (1).

۳۶الأصْلُ:مَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ ، أَسَاءَ الْعَمَلَ (2).

.


1) .أي من أساء إلى الناس ذمّوه بالحق أو بالباطل .

2) .طول الأمل : الثقة بحصول الأماني بدون عمل لها ، أو إطالة العمر والتسويف بأعمال الخير .

۳۷. واللّه ما ينتفع

الشّرْحُ:وقيل لبعض الصالحين : ألك حاجةٌ إلى بغداد ؟ قال : ما أحبّ أن أبسط أملي حتى تذهب إلى بغداد وتعود . وقال أبو عثمان النَّهدي : قد أتت عليّ ثلاثون ومئة سنةً ما من شيء إلاَّ وأجِد فيه النَّقص إلا أمَلي ، فإني وجدتُه كما هو أو يزيد .

۳۷الأصْلُ:وقال عليه السلام وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه (1):وقال عليه السلام وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه ۲ : مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ ؟ فقالوا : خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا . فقال : وَاللّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهذَا أُمَرَاؤُكُمْ ! وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي اُخرَاكُمْ . وَمَا أخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِ!

الشّرْحُ:اشتدُّوا بين يديه : أسرَعوا شيئا ، فنهاهم عن ذلك وقال : إنكم تشقّون به على أنفسكم لما فيه من تَعَب الأبدان . وتَشْقَوْن به في آخرتكم ، تخضعون للولاة ، كما زعمتم أنه خُلُق وعادةٌ لكم ؛ خضوعا تطلُبون به الدنيا والمنافع العاجلة فيها ، وكلّ خضوع وتذلُّل لغير اللّه فهو معصية . ثمّ ذكر أنّ الخسران المبين مَشقّة عاجلة يتبعها عقاب الآخرة ، والرِّبح البيّن دعةٌ عاجلة يتبعها الأمانُ من النار .

.


1) .الدهاقين : جمع دِهقان ، وهو زعيم الفلاحين في العجم . ترجلوا : نزلوا عن خيولهم مشاة .

۳۸. يا بُني احفظ

۳۹. لا قربة بالنوافل

۳۸الأصْلُ:قال عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام :يَابُنَيَّ ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً ، وَأَرْبَعاً ، لاَ يَضُرَّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ : إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ ، وَأَوحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ ، وَأَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ . يَا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ ، فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ ، فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ ؛ وإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ ، فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ ، وَيُبَعِّدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ (1).

الشّرْحُ:هذا الفصل يتضمّن ذِكرَ العقلِ والحُمق ، والعُجب وحُسن الخُلُق ، والبُخل والفُجور ، والكَذِب ، وقد تقدّم كلامُنا في هذه الخصال أجمَع .

۳۹الأصْلُ:لاَ قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِض .

.


1) .العجب : ظن الإنسان في نفسه استحقاق منزلة هو غير مستحقّ لها . التافه : الشيء القليل . السراب : ما يتراءى في الصحراء ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا .

۴۰. لسان العاقل

الشّرْحُ:هذا الكلام يُمكن أن يُحمَل على حقيقته ، ويمكن أن يُحمَل على مَجازه ، فإنْ حُمِل على حقيقته فقد ذهب إلى هذا المذهب كثيرٌ من الفقهاء ، وهو مَذهَب الإماميّة ، وهو أنّه لا يصحّ التنفّل ممّن عليه قضاءُ فريضة فاتتْه لافي الصلاة ولا في غيرها ؛ وأمّا إذا حُمِل على مَجازه ، فإنّ معناه يجب الابتداء بالأهمّ وتقديمُه على ما ليس بأهمّ ، فتَدخُل هذه الكلمة في الآداب السلطانيّة والإخوانيّة ، وحَمْلُ الكلمة على حقيقتها أولَى ؛ لأنّ اهتمام أميرِ المؤمنين عليه السلام بالأمور الدينيّة والشرعيّة في وصاياه ومنثور كلامِه أعظمُ .

۴۰الأصْلُ:لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ .

قال الرضي رحمه الله : وهذا مِنَ المَعَاني العَجيبةِ الشريفةِ ، والمُرَاد بهِ أنَّ العاقلَ لا يُطْلقُ لسانَهُ ، إلاّ بَعْدَ مشاورةِ الرَّويَّة ومؤامرةِ الفكرةِ ، والأحمقُ تَسبقُ حذفاتُ لسانِهِ وفلتاتُ كلامهِ مراجعةَ فِكرِهِ ، ومماخَضَةَ رأيهِ . فكأنّ لسانَ العاقلِ تابعٌ لقلبِهِ ، وكأنَّ قلبَ الأحمقِ تابعٌ للِسانِهِ . قال : وقد روي عنه عليه السلام هذا المعنى بلفظ آخر ، وهو قوله : « قَلبُ الْأَحْمَقِ فِي فِيهِ ، وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ» ومعناهما واحد .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في العَقل والحُمق ، ونذكر هاهنا زِياداتٍ أُخرى . قالوا : كلّ شيء يَعِزّ إذا قَلّ ، والعقل كلَّما كان أكثرَ كان أعزّ وأغلى . قيل لبعضهم : ما جِماعُ العَقل ؟ فقال : ما رأيتُه مجتمِعا في أحد فأصِفَه ، وما لا يوجد

.

۴۱. جعل اللّه

كاملاً فلا حَدّ له . وقيل : الأحمق يتحفظ من كل شيء إلاّ من نفسه .

۴۱الأصْلُ:وقال عليه السلام لبعض أَصحابه في علة اعتلها:جَعَلَ اللّهُ مَا كَانَ مِنْ شَكْوَاكَ حطّاً لِسَيِّئَاتِكَ ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لاَ أَجْرَ فِيهِ ، وَلكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئَاتِ ، وَيَحُتُّهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ ، وَإِنَّمَا الاْجْرُ فِي الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ ، وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ ، وَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عَبَادِهِ الْجَنَّةَ .

قال الرضي رحمه الله : وأقول : صدق عليه السلام ، إن المرض لا أجر فيه ؛ لأنّه ليس من قبيل ما يستحق عليه العوض ؛ لأنّ العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل اللّه تعالى بالعبد من الآلام والأمراض وما يجري مجرى ذلك . والأجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابل فعل العبد ، فبينهما فرق قد بينه عليه السلام كما يقتضيه علمه الثاقب ورأيه الصائب .

الشّرْحُ:ينبغي أن يُحْمل كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الفصل على تأويلٍ يُطابق ما تدلّ عليه العقول وألاّ يُحْمل على ظاهرِه ، وذلك لأنّ المرض إذا استحقّ عليه الإنسان العوض لم يَجُز أن يقال : إنّ العِوَض يَحُطّ السيّئات بنفسه ، لا على قول أصحابنا ، ولا على قول الإماميّة ، وإذا ثبت ذلك وَجَب أن يُحمل كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام على تأويل صحيح ، وهو الذي أراده عليه السلام ، لأنّه كان أعرفَ الناس بهذه المعاني ، ومنه تَعلّم المتكلِّمون علم الكلام ، وهو أن المرض

.

۴۲. يرحم اللّه خبّاباً

والألم يَحُطّ اللّه تعالى عن الإنسان المبتلَى به ما يستحقّه من العقاب على معاصيه السالِفةِ تفضُّلاً منه سبحانه ، فلما كان إسقاط العقاب متعقّبا للمرض ، وواقعا بعده بلا فَصْل ، جاز أن يُطلق اللفظ بأنّ المرض يَحُطّ السيئات ويحتّها حَتّ الوَرَق ، كما جاز أن يُطْلق اللفظ بأنّ الجماع يُحبل المرأة ، وبأن سَقْيَ البَذْر الماء ينبِته ، إن كان الولد والزرع عند المتكلمين وقعا من اللّه تعالى على سبيل الاختيار ، لا على الإيجاب ؛ ولكنه أجرى العادة ؛ وأن يفعل ذلك عقيبَ الجماع وعقيب سَقي البَذْر الماء . فأما قولُه عليه السلام : «وإنما الأجرُ في القَوْل ...» إلى آخر الفَصْل ، فإنه عليه السلام قَسَم أسباب الثواب أقساما ؛ فقال : لمّا كان المَرَض لا يقتضي الثواب لأنّه ليس فعل المكلّف ـ وإنما يستحق المكلف الثواب على ما كان من فِعله ـ وَجَب أن يبيّن ما الذي يستحق به المكلّف الثواب ، والذي يستحق المكلف به ذلك ، أن يفعل فعلاً إمّا مِنْ أفعال الجوارح ، وإمّا من أفعال القلوب : فأفعال الجوارح إمّا قولٌ باللسان أو عملٌ ببعض الجوارح ؛ وعبّر عن سائر الجوارح عدا اللسان بالأيدي والأقدام ؛ لأنّ أكثر ما يُفعل بها ، وإن كان قد يُفْعل بغيرها ، نحو مجامِعَة الرجل زوجته إذا قُصِد به تحصينها وتحصينه عن الزّنا ، ونحو أن يُنحِّيَ حَجرا ثقيلاً برأسه عند صَدْر إنسانٍ قد يَقتُله ، وغير ذلك ، وأمّا أفعال القلوب فهي العزوم والإرادات والنظر والعلوم والظنون والندم ، فعبّر عليه السلام عن جميع ذلك بقوله : «بصدق النية والسريرة الصالحة » ، واكتفى بذلك عن تعديد هذه الأجناس . فإن قلت : فإنّ الإنسان قد يستحق الثواب على ألاّ يفعل القبيح ، وهذا يخرم الحصر الذي حصره أمير المؤمنين. قلت : يجوز أن يكون يذهب مذهب أبي عليّ في أن القادر بقدرةٍ لا يخلو عن الأخذ والتَّرْك .

۴۲الأصْلُ:وقال عليه السلام في ذكر خباب:يَرْحَمُ اللّهُ خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ ! فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً ، وَهَاجَرَ طَائِعاً ، وَقَنِعَ بالْكَفَافِ ،

.

۴۳. لو ضربت خيشوم

وَرَضِيَ عَنِ اللّهِ ، وَعَاشَ مُجَاهِداً . طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ ، وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ ، وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ ، وَرَضِيَ عَنِ اللّهِ (1)!

الشّرْحُ:خبّاب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب ، يكنى أبا عبد اللّه ـ وقيل : أبا محمد ، وقيل : أبا يحيى ـ أصابه سَبيٌ فبيع بمكة . وخَبّاب من فقراء المسلمين وخيارهم ، وكان في الجاهليّة قيْنا حدادا يَعْمل السيوف ، وهو قديم الإسلام ؛ قيل إنه كان سادس ستة ، وشهد بَدْرا وما بعدها مِن المشاهد ، وهو معدودٌ في المعذَّبين في اللّه . نزل خبّابٌ إلى الكوفة ، ومات بها في سنة سبع وثلاثين ، بعد أن شهد مع أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام صِفِّين ، والنَهْرَوان ، وصلّى عليه عليٌّ عليه السلام ، وكان سنُّه يومَ مات ثلاثا وسبعين سنة ، ودُفِن بظَهْر الكوفة (2). وهو أوَّل من دُفِن بظَهْر الكوفة ، وعبدُ اللّه بن خَبَّاب هو الذي قتلته الخوارج ، فاحتجّ عليّ عليه السلام به وطلبهم بدَمِه ، وقد تقدّم ذكرُ ذلك .

۴۳الأصْلُ:وقال عليه السلام :لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هذَا عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي ، وَلَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى الْمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي . وَذلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضَى عَلَى

.


1) .قنع : رضي . الكفاف : ما يكفي الإنسان ويغنيه عن الناس بلا زيادة . طوبى : سعادة وخير وغبطة . المعاد : يوم الحساب ، يوم القيامة .

2) .الاستيعاب ۱:۴۳۸ .

۴۴. سيّئةٌ تسوءُك خيرٌ

لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قَالَ : «يَا عَلِيُّ ، لاَ يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُحِبُّكَ مَُنَافِقٌ» .

الشّرْحُ:جَمّاتها بالفتح : جَمعُ جَمّة ، وهي المكان يجتمع فيه الماء وهذه استعارة [والمراد : بأجمعها] . والخَيْشوم : أقصى الأَنْف . ومرادُه عليه السلام من هذا الفصل إذكار الناس ما قاله فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وهو : «لا يُبغِضك مؤمن ، ولا يحبك منافق» ؛ وهي كلمةُ حقّ ، وذلك لأنّ الإيمان وبغضَه عليه السلام لا يَجتمعان ؛ لأنّ بغضه كبيرة ، وصاحب الكبيرة عندنا لا يسمّى مؤمِنا ، وأمّا المنافق فهو الذي يُظْهر الإسلامَ ويُبْطن الكفر ، والكافرُ بعقيدته لا يحبّ عليّا عليه السلام ؛ لأنّ المراد من الخبر المحبّة الدّينيّة ، ومن لا يعتقد الإسلام لا يحبّ أحدا من أهل الإسلام ، لإسلامه وجهاده في الدّين ، فقد بان أنّ الكلمة حقّ ؛ وهذا الخبر مَرْوِيٌّ في الصحاح بغير هذا اللفظ : «لا يحبُّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق» ، وقد فسرناه فيما سبق .

۴۴الأصْلُ:سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ عِنْدَ اللّهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ .

الشّرْحُ:هذا حقّ ؛ لأنّ الإنسان إذا وقع منه القبيح ثمّ ساءه ذلك وندم عليه وتاب حقيقة التوبة كَفّرَتْ توبته معصيتَه ، فسقط ما كان يستحقّه من العقاب ، وحصل له ثوابُ التوبة ، وأمّا من فعل واجبا واستحقّ به ثوابا ثم خامره الإعجاب بنفسه والإدلال على اللّه تعالى بعلمه ، والتِّيه على الناس بعبادته واجتهاده ، فإنه يكون قد أحْبط ثواب عِبادته بما شَفَعها من القبيح الذي

.

۴۵. قدر الرجل على قدر همّته

أتاه ، وهو العُجْب والتِّيه والإدلال على اللّه تعالى ، فيعود لا مُثابا ولا مُعاقبا ؛ لأنّه يتكافأ الاستحقاقان . ولا ريب أنّ من حَصَل له ثواب التوبة ، وسَقط عنه عقاب المَعصية ؛ خيرٌ ممن خرج من الأمْرَين كَفافا (1)لا عليه ولا له .

۴۵الأصْلُ:قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ ، وَصِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ ، وَشَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنَفَتِهِ ، وَعِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ .

الشّرْحُ:قد تقدَّم الكلامُ في كلّ هذه الشِّيَم والخصال ، ثم نقول هاهنا : إنّ كِبَر الهمّة خُلق مختصٌّ بالإنسان فقط ، وأمّا سائر الحيوانات فليس يوجد فيها ذلك ، وإنما يتجرّأ كلّ نوع منها الفعل بقدر ما في طبعه ، وعلوّ الهِمة حالٌ متوسِّطة محمودة بين حالتين طرفي رذِيلتين ، وهما الندح ، وتسميه الحكماء التفتُّح ـ وصغر الهمة ـ وتسميه الناس الدّناءة ، فالتفتّح تأهل الإنسان لما لا يستحقه ، وصِغر الهمة تركه لما يستحقه لضعفٍ في نفسه ، فهذان مَذْمومان ، والعدالة وهي الوَسَط بينهما محمودة ، وهي علوّ الهمة ، وينبغي أن يعلم أن المتفتح جاهلٌ أحمق ، وصغيرُ الهمة ليس بجاهل ولا أحمق ، ولكنه دنيءٌ ضعيف قاصر ، وإذا أردت التحقيق ، فالكبير الهمّة من لا يرضى بالهمم الحيوانيّة ، ولا يقنع لنفسه أن يكون عند رعاية بطنه وفرجه ؛ بل يجتهد في معرفة صانع العالم ومصنوعاته ، وفي اكتساب المكارم الشرعية ليكون من خلفاء اللّه وأوليائه في الدّنيا ، ومجاوريه في الآخرة . ولذلك قيل : مَن عظُمتْ همتُه لم يرض بقَيْنة مستردّة ، وحياةٍ مستعارة ، فإن أمكنك أن تقتني قنية مؤبّدة ، وحياة مخلدة ، فافعل غير مكترث بقلّة مَن يَصحبك ويعينك على ذلك فإنه كما قيل : إذا عظم

.


1) .الكفاف من الشيء ، مثله .

۴۶. الظفر بالحزم

المطلوب قل المُساعد . وكما قيل : * طرقُ العلاء قليلة الإيناس * وأمّا الكلام في الصدق والمروءة والشجاعة والأنَفة والعفّة والغيرة ، فقد تقدّم كثيرٌ منه ، وسيأتي ما هو أكثر فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .

۴۶الأصْلُ:الظَّفَرُ بالْحَزْمِ ، وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأَيِ ، وَالرَّأَيُ بِتَحْصِينِ الْأَسْرَارِ .

الشّرْحُ:وقال الحكماء : السرّ ضربان : أحدُهما ما يُلقَى إلى الإنسان من حديثٍ ليُستكتَم ، وذلك : إمّا لفظا كقول القائل : اكتُم ما أقولُه لك ، وإمّا حالاً وهو أن يَجْهر بالقول حال انفراد صاحبه ، أو يخفّض صوتَه حيثُ يُخاطِبه ، أو يُخفِيه عن مُجالِسِيه ؛ ولهذا قيل : إذا حدّثك إنسانٌ والتَفَتَّ إليه فهو أمانة . والضرب الثاني نوعان : أحدُهما أن يكون حديثا في نفسك تَستقبح إشاعتَه ، والثاني أن يكون أمراً تُرِيد أن تفعلَه . وإلى الأوّل أشارَ النبيّ بقوله : «مَن أتَى منكم شيئا من هذه القاذُورات فليستَتِر بسَتْر اللّه عزّوجلّ» ، وإلى الثاني أشار من قال : «مِنَ الوَهَن والضعْفِ إعلانُ الأمر قبل إحكامه» وكتمانُ الضّرب الأوّل من الوَفاء ، وهو مخصوص بعوامّ الناس ، وكتمام الضرب الثاني من المُروءة والحَزْم ؛ والنوع الثاني من نَوْعيه أخصّ بالملوك وأصحاب السياسات . قالوا : وإذاعة السرّ من قلّة الصبر ، وضِيق الصّدر ، ويُوصَف به ضَعَفة الرّجال والنّساء والصّبيان. والسبب في أنّه يَصعُب كتمانُ السرّ أنّ للإنسان قوّتين : إحدَاهما آخِذةٌ ، والأخرَى مُعِطيَة ، وكل واحدةٍ منهما تتشوّق إلى فعلِها الخاصّ بها ، ولولا أنّ اللّه تعالى وَكَل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوّد ، فَعَلَى الإنسان أن يُمسِك هذه القوّة ولا يُطلِقها إلاّ حيث يَجِب إطلاقُها، فإنها إنْ لم تُزَمّ وتُخطَم ؛ تقحّمتْ بصاحبها في كلّ مَهلَكة .

.

۴۷. احذروا صولة الكريم إذا جاع

۴۸. قلوب الرجال وحشيّةٌ

۴۷الأصْلُ:احْذَرُوا صَوْلَةَ الْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ ، واللَّئِيمِ إِذَا شَبِـعَ .

الشّرْحُ:ليس يعني بالجوع والشِّبَع ما يتعارَفُه الناس ، وإنما المراد : احْذَروا صَوْلة الكريم إذا ضِيَم ، وامتُهِن ، واحذَرُوا صَوْلة اللئِيم إذا أُكرِم . ومِثل المعنى الأوّل قولُ الشاعر : لا يصبِر الحُرّ تحتَ ضَيْمٍوإنّما يَصبِر الحِمارُ ومِثلُ المعنى الثاني قولُ أبي الطيّب : إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُوإن أنتَ أكرمْتَ اللّئيم تَمرّدَا (1)

۴۸الأصْلُ:قُلُوبُ الرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ ، فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولهم : من لانَ استمالَ ، ومن قسا نفّر ، وما استُعبِد الحُرّ بمِثل الإحسان إليه . وقال الشاعر : وإنّي لوَحْشِيٌّ إذا ما زَجَرْتَنيوإنّي إذا ألّفتَني لألوفُ وأمّا قول عُمارةَ بن عقيل : وما النفس إلاّ نطفةٌ بقرارةٍإذا لم تكدّر كان صفواً غديرها فيكاد يُخالِف قولَ أمير المؤمنين عليه السلام في الأصل ؛ لأنّ أميرَ المؤمنين عليه السلام جَعَل أصلَ طبيعة القلوب التوحّش ، وإنّما تُستَمال لأمرٍ خارج ، وهو التألّف والإحسان ؛ وعُمارة جَعَل أصلَ طبيعة النّفس الصفو والسلامة ، وإنّما تتكدّر وتَجمَح لأمرٍ خارج ، وهو الإساءة والإيحاش .

.


1) .ديوانه ۱ : ۲۸۸ .

۴۹. عيبك مستور ما أسعدك جدّك

۵۰. أولى الناس بالعفو أقدرهم

۴۹الأصْلُ:عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ ۱ .

الشّرْحُ:قد قال الناسُ في الجَدّ فأكثَروا ، وإلى الآن لم يتحقّق معناه ؛ ومن كلام بعضِهم : إذا أقبل البَخْت باضَت الدَّجاجة على الوَتَد ، وإذا أدبَر البَخْت أُسعِرَ الهاونُ في الشّمس . ومن كلام الحُكماء : إنّ السعادةَ لتَلحظ الحجَر فيُدعَى رَبّا .

۵۰الأصْلُ:أَوْلَى النَّاس بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ .

.

۵۱. السّخاء ما كان ابتداءً

۵۲. لا غناء كالعقل ولا فقر كالجهل

الشّرْحُ:وقال الأحنف : ما شيء أشدّ اتّصالاً بشيء من الحِلْمِ بالعِزّ . وقالت الحُكماء : ينبغي للإنسان إذا عاقَبَ من يستحقّ العقوبة ، ألاّ يكون سَبُعاً في انتقامه ، وألاّ يُعاقِب حتّى يزول سلطانُ غَضَبه ، لئلاّ يَقدَم على ما لا يجوز ، ولذلك جَرَتْ سُنّة السلطان بحَبْس الُمجرم حتّى يَنْظُر في جُرْمه ، ويُعِيدَ النّظر فيه . وقالت الحكماء أيضا : لذّة العفْوِ أطيَبُ من لَذّة التشفّي والانْتقام ؛ لأنّ لذّة العَفْو يَشفَعها حميدُ العاقبة ، ولذّة الانتقام يَلحَقها ألمُ النّدم .

۵۱الأصْلُ:السَّخَاءُ مَا كَانَ اِبتدَاءً ؛ فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةِ فَحَيَاءٌ وَتَذَمُّمٌ (1).

الشّرْحُ:يُعجِبني في هذا المعنى قولُ ابنِ حَيُّوس [ محمد بن سلطان الشامي ] : إنِّي دعوتُ نَدَى الكِرامِ فلم يُجِبْفلأَشكُرَنّ نَدىً أجَابَ وما دُعِي ومن العجائِب والعَجائبُ جَمَّةٌشكرٌ بَطِيءٌ عن نَدَى المتسرِّعِ

۵۲الأصْلُ:لاَ غِنَى كَالْعَقْلِ ، وَلاَ فَقْرَ كَالْجَهْلِ ، وَلاَ مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ ، وَلاَ ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ .

.


1) .التذمّم : الفرار من الذمّ وهنا الاستنكاف . والتأثّم : الفرار من الإثم .

۵۳. الصبر صبران

۵۴. الغنى في الغربة وطن

الشّرْحُ:رَوَى أبو العبّاس في «الكامل» عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال : « خمسٌ من لم يكنّ فيه لم يكن فيه كثيرُ مستمتَع : العقلُ ، والدّينُ ، والأدب ، والحياء ، وحُسن الخُلق » . وقال أيضا : « لم يُقسم بين الناس شيء أقلّ من خمس : اليقين ، والقناعة ، والصبر ، والشكر ، والخامسة الّتي يكمُل بها هذا كلّه العقل » . قال أبو العبّاس : ورُوي عن علي عليه السلام : « هَبَط جبرئيلُ عليه السلام على آدم عليه السلام بثلاث ليختار منهاواحدة ويَدَع اثنتين ، وهي : العقل ، والحياء ، والدين ؛ فاختار العقل ، فقال جبرائيل للحياء والدين: انصرفا؛ فقالا: إنّا أُمِرْنا أن نكون مع العقل حيث كان، فقال: فشأنَكما! ففازَ بالثلاث ». فأما قوله عليه السلام : «ولا ميراثَ كالأدب» فإني قرأتُ في حِكَم الفُرس عن بزُرجُمِهْر : ما ورّثَت الآباءُ أبناءَها شيئا أفضل مِن الأدب ؛ لأنها إذا ورّثتها الأدب اكتسبْت بالأدب المال ، فإذا ورّثتها المال بلا أدب أتلفته بالجهل ، وقَعَدَتْ صِفراً من المال والأدب .

۵۳الأصْلُ:الصَّبْرُ صَبْرَانِ : صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ ، وصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ .

الشّرْحُ:النوع الأول أشقّ من النوع الثاني ؛ لأنّ الأول صبرٌ على مَضَرّة نازلة ، والثاني صبرٌ على محبوب متوقَّع لم يحصل .

۵۴الأصْلُ:الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ .

.

۵۵. القناعة مالٌ لا ينفد

۵۶. المال مادّة الشهوات

الشّرْحُ:قال رجلٌ لبقراط : ما أشدّ فقرَكَ أيّها الحكيم ؟ قال : لو عرفتَ راحةَ الفَقْر لشَغَلك التوجّع لنفسك عن التوجّع لي ؛ الفَقْر مَلِك ليس عليه مُحاسَبَة . وكان يقال : أضعفُ الناس من لا يحتمِل الغنى .

۵۵الأصْلُ:الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ .

قال الرضي رحمه الله : وقد رُوي هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه و آله .

الشّرْحُ:فمن كلام الحُكماء : قاوم الفقرَ بالقناعة ، وقاهِرِ الغِنَى بالتعفّف ، وطاولْ عَناءَ الحاسِد بحُسْن الصُّنْع ، وغالِب الموتَ بالذّكر الجميل . وكان يقال : الناسُ رجلان واجِدٌ لا يَكتفِي ، وطالبٌ لا يَجِد .

۵۶الأصْلُ:الْمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ (1).

.


1) .الشهوة : الرغبة الشديدة ، وما يُشتهى من الملذات المادية ، وتشمل شهوة البطن والفرج ، وحبّ التسلط والتعالي والتباهي والجاه وغير ذلك ، وكلّ هذه مطيتها ووسيلة إشباعها وسببها المال ، ومتى شبعت طغت وبغت ما لم يضبطها العقل والدين .

۵۷. من حذّرك كمّن بشّرك

الشّرْحُ:سئل أفلاطونُ عن المال ، فقال : ما أقولُ في شيء يُعطِيه الحَظّ ويَحفَظه اللّؤمُ ، ويبلغُه الكَرَمُ ! ثم قالوا : وقد سمّى اللّه تعالى المالَ خَيْراً في قوله : «إنْ تَرَكَ خَيْرا» (1)، وفي قوله : «وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ» (2).

۵۷الأصْلُ:مَنْ حَذَّرَكَ ، كَمَنْ بَشَّرَكَ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولِهم : اتّبِع أمرَ مُبْكيانِك ، لا أمرَ مُضْحِكاتك . ومِثْلُه : صديقك من نهاك ، لا من أغراك . ومثلُه : رَحِم اللّه امرأً أهدَى إليّ عيوبي . والتحذير هو النّصح ، والنّصح واجب ، وهو تعريفُ الإنسان ما فيه صَلاحُه ، ودفع المَضَرّة عنه ، وقد جاء في الخبر الصّحيح : «الدِّين النصيحة» ، فقيل : يا رسول اللّه ، لمن ؟ فقال : «لعامّة المسلمين» . وأوّل ما يجب على الإنسان أن يُحذِّر نفسَه ويَنصَحها ، فمن غَشّ نفسَه فَقلّما يُحذِّر غيرَه ويَنصَحُه . ومعنى قوله عليه السلام «كمن بشّرك» ، أي يَنبغي لك أن تُسَرّ بتحذيره لك ، كما تُسَرّ لو بشّرَك بأمرٍ تحبّه ، وأن تَشكُرَه على ذلك كما تَشكُر لو بشّرك بأمرٍ تُحبُهُ ؛ لأنّه لو لم يكن يُريدُ بك الخير لما حَذّرك من الوُقوع في الشرِّ .

.


1) .سورة البقرة ۱۸۰ .

2) .سورة العاديات ۸ .

۵۸. اللِّسان سبعٌ إن خُلّي

۵۸الأصْلُ:اللِّسَانُ سَبُعٌ ، إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ .

الشّرْحُ:وكان يقال : إن كان في الكلام دَرك ففي الصّمت عافية . وقالت الحكماء : النّطق أشرَف ما خُصّ به الإنسان ؛ لأنّه صورتُه المعقولة الّتي بايَنَ بها سائرَ الحيوانات ، ولذلك قال سبحانه : «خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» (1)، ولم يقل : « وعلّمه » بالواو ؛ لأنّه سبحانه جَعَل قوله : «عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» تفسيرا لقوله : «خَلَقَ الإنْسَانَ» ، لا عطفا عليه ؛ تنبيها على أنّ خلْقه له وتَخصِيصَه بالبيان الذي لو توهّم مرتفِعا لارتفَعْتْ إنسانيّته ، ولذلك قيل : ما الإنسانُ لولا اللّسانُ إلاّ بهيمةٌ مُهمَلة ، أو صورةٌ ممثَّلة . وقال الشاعر : لسانُ الفَتَى نصفٌ ونِصفٌ فؤادُهُفلم يَبقَ إلاّ صورة اللّحمِ والدَّمِ (2)قالوا : والصّمت من حيثُ هو صَمْتٌ مَذْموم ، وهو من صفات الجَمادات ، فَضْلاً عن الحيوانات ، وكلامُ أمير المؤمنين عليه السلام وغيرِه من العُلَماء في مَدْح الصّمت محمول على مَنْ يسيء الكلامَ فيقَعُ منه جِنايات عظيمة في أُمور الدِّين والدّنيا ، كما رُوِي في الخبر : «إنّ الإنسان إذا أصبَح قالت أعضاؤه للسانِه : اتّق اللّهَ فينا ، فإنّك إن استقَمتَ نجوْنا ، وإن زُغْت هَلَكْنا» ، فأما إذا اعتُبر النُّطقُ والصَّمتُ بذاتَيْهما فقط فمُحالٌ أن يقال في الصمت فضلٌ ، فضلاً عن أن يخايَرَ ويقايَسَ بينه وبين الكلام .

.


1) .سورة الرحمن ۳ و۴ .

2) .ينسب لزهير ، من معلقته بشرح الزوزني ۹۴ .

۵۹. المرأة عقربٌ حُلوةُ اللّسبْة

۶۰. إذا حُيّيتَ بتحيّةٍ

۵۹الأصْلُ:الْمَرْأَةُ عَقْرَبٌ حُلْوَةُ اللَّسْبَةِ .

الشّرْحُ:اللَّسْبة : اللّسعة ، لَسَبْته العَقْرب بالفتح ، ولَسِبْت العسل بالكسر ، أي لعقْتُه . وقيل لِسُقراط ؛ أيُّ السِّباع أجسر ؟ قال : المرأة . وفي الحديث المرفوع : «استعيذوا باللّه من شِرار النِّساء ، وكونوا من خيارهنّ على حَذَر» . وقد تقدّم مِن كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكتاب ما هو شرحٌ وإيضاح لهذا المعنى (1).

۶۰الأصْلُ:إِذَا حُيِّيتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ، وإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِئْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا ، وَالْفَضْلُ مَعَ ذلِكَ لِلْبَادِئِ .

الشّرْحُ:اللّفظة الأُولى من القرآن العزيز (2)، والثانية تتضمّن معنىً مشهورا . وقولُه : «والفَضْل مع ذلك للبادئ» ، يقال في الكَرَم ، والحثّ على فِعلِ الخَيْر .

.


1) .انظر : الخطبة ۷۹ ، ۱۵۳ .

2) .وهو قوله تعالى في سورة النساء ۸۶ : «وَإذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أوْ رُدُّوهَا» .

۶۱. الشفيع جناحٌ

۶۲. أهل الدنيا كركبٍ

۶۱الأصْلُ:الشَّفِيعُ جَنَاحُ الطَّالِبِ .

الشّرْحُ:جاء في الحديث مرفوعا : «اشفَعوا إليَّ تُؤْجَروا ، ويَقضِي اللّهُ على لسان نبيّه ما شاء اللّه » . خرج العطاءُ في أيّام المنصور ، وأقام الشُّقرانيّ ـ من وَلَد شُقْرانَ مولَى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ـ ببابه أيّاماً لا يَصل إليه عطاؤه ؛ فخَرَج جعفرُ بنُ محمّد عليه السلام من عند المنصور ، فقام الشّقرانيّإليه ، فذكر له حاجتَه ، فرَحّب به ، ثمّ دخل ثانيا إلى المنصور ، وأخرج عطاءُ الشّقرانيّ في كمّه فَصَبّه في كُمّه ثم قال : يا شُقْران ، إنّ الحَسَن من كلِّ أحدٍ حَسَنٌ ، وإنّه منك أحسَنُ لِمكانك مِنّا ، وإن القبيحَ من كلّ أحدٍ قبيحٌ ، وهو منكَ أقبحُ لِمكانِك منّا . فاستحسَن الناسُ ما قالَه ، وذلك لأنّ الشّقرانيّ كان صاحبَ شراب . قالوا : فانظر كيف أحسَنَ السعيَ في استنجاز طَلِبته ، وكيف رَحّب به وأكرَمَه مع معرفته بحاله ، وكيف وَعَظه ونَهاه عن المُنكَر على وجه التّعريض ! قال الزّمَخشَرِيّ : وما هُوَ إلاّ من أخلاق الأنبياء .

۶۲الأصْلُ:أَهْلُ الدٌّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ .

الشّرْحُ:هذا التشبيه واقعٌ وهو صورة الحالِ لا مَحالة . ولو تأمّل الناسُ أحوالَهم ، وتبيّنوا مآلَهم ، لعَلِموا أنّ المقيم منهم بوَطَنِه ، والساكنَ إلى

.

۶۳. فقد الأحبّة غربة

۶۴. فوت الحاجة أهون من طلبها

سَكَنِه ، أخو سَفَر يُسرَى به وهو لا يَسْرِي ، وراكبُ بحرٍ يُجرَى به وهو لا يَدْرِي (1).

۶۳الأصْلُ:فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ .

الشّرْحُ:مثلُ هذا قولُ الشاعر : فلا تَحسَبِي أنّ الغريبَ الّذي نَأَىولكنّ مَن تَنأَيْنَ عنه غَرِيبُ ومِثلُه قولُه عليه السلام : «الغريبُ من ليس له حبيب» .

۶۴الأصْلُ:فَوْتُ الْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا .

الشّرْحُ:وكان يقال : لا تطلُبوا الحوائج إلى ثلاثة : إلى عَبْد يقول : الأمْر إلى غيري ، وإلى رجل حديثِ الغِنَى ، وإلى تاجِرٍ هِمّته أن يستَرْبِحَ في كلّ عشرين دينارا حبّة واحدة .

.


1) .ونحوه ما جاء في الرسالة ۳۱ : « من كانت مطيته الليل والنهار فإنّه يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا » .

۶۵. لا تستح من إعطاء القليل

۶۶. العفاف زينة الفقر

۶۵الأصْلُ:لاَ تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ ، فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ.

الشّرْحُ:هذا نوعٌ من الحَثّ على الإفضال والجُود لطيف ، وقد استُعمِل كثيرا في الهديّة والاعتذار لِقلّتها ؛ وقد تقدّم منّا قولٌ شافٍ في مَدح السّخاء والجُودِ . وكان يقال : أفضِلْ على مَن شِئتَ تَكنْ أميرَه ، واحتَجْ إلى مَن شئتَ تكن أسِيرَه ، واستغْنِ عمّن شئتَ تكن نَظِيرَه .

۶۶الأصْلُ:الْعَفَافُ زِينَةُ الفَقْرِ ، وَالشٌّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى .

الشّرْحُ:من الأبيات المشهورة : فإذا افتقرتَ فلا تكنمتخشِّعا وتجمَّلِ ومن أمثالهم المشهورة : «تَجوعُ الحُرّة ولا تأكلُ بثَدييْها» . وكان يقال : العِلْم بغير عملٍ قولٌ باطل ، والنّعمة بغيرِ شُكْرٍ جِيدٌ عاطِل .

.

۶۷. إذا لم يكن ما تريد

۶۸. لا يرى الجاهل إلاّ مفرطاً

۶۷الأصْلُ:إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَـلاَ تُبَلْ كيف كُنْتَ .

الشّرْحُ:قد أعجم تفسيرُ هذه الكلمة على جماعةٍ من الناس ، وقالوا : المشهورُ في كلام الحكماء : إذا لم يكن ما تُريد فأرِدْ مايكون ، ولا مَعنَى لقوله : «فلا تُبَلْ كيف كُنتَ» ! وجَهلوا مُرادَه عليه السلام . ومُرادُه : إذا لم يكن ما تُريد فلا تُبَلْ بذلك ، أي لا تَكْتَرِثْ بفَوْت مُرادِك ولا تَبْتَئِسْ بالحِرْمان ، ولو وَقَف على هذا لتمّ الكلام وكَمَل المعنى ، وصار هذا مِثل قوله : «فلا تُكثِر على ما فاتَكَ منها أسَفا» ، ومثل قول اللّه تعالى : «لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَافَاتَكُمْ» (1)؛ لكنّه تمّم وأكّد فقال : «كيف كنت» ، أي لا تُبَل بفَوْتِ ما كنتَ أمَّلته ، ولا تَحمِل لذلك همّاً كيف كنت ، وعلى أيّ حال كنتَ ، من حَبْسٍ أو مرضٍ أو فقر أو فقدِ حبيب ؛ وعلى الجملة ، لا تُبالِ الدّهر ، ولا تَكتَرِث بما يَعكِس عليكَ من غَرَضِك ، ويَحرِمك من أمَلك ؛ وليكن هذا الإهْوانُ به والاحتقارُ له ممّا تعتَمده دائما على أيّ حال أفضَى بك الدهر إليها . وهذا واضح .

۶۸الأصْلُ:لاَ يُرَى الْجَاهِلَ إِلاَّ مُفْرِطاً أوْ مُفَرِّطاً (2).

.


1) .سورة الحديد ۲۳ .

2) .أي غالِياً أو مُقَصِّراً .

۶۹. إذا تمّ العقل نقص الكلام

۷۰. الدّهر يخلق الأبدان

الشّرْحُ:العدالة هي الخُلُق المتوسّط ، وهو محمود بين مَذْمُومين ، فالشجاعة محفوفة بالتهوّر والجُبْن . والذّكاء بالغَباوة والجربزة . والجود بالشحّ والتبذير . والحلم بالجمادية والاستشاطة ، وعلى هذا كلّ ضدّين من الأخلاق فبينهما خُلُق متوسّط ، وهو المسمَّى بالعدالة، فلذلك لا يُرَى الجاهلُ إلاّ مُفرِطا أو مفرِّطا ، كصاحب الغَيْرة ، فهو إمّا أن يُفرِط فيها ، فيَخرُج عن القانون الصّحيح فيَغار لا مِنْ مُوجب ، بل بالوَهْم وبالخيال وبالوَسْواس ، وإمّا أن يُفرِّط فلا يَبحَث عن حالِ نسائِه ولا يُبَالي ما صنَعْن، وكلا الأمْرَين مذموم ، والمحمودُ الاعتدال .

۶۹الأصْلُ:إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَـلاَمُ (1).

الشّرْحُ:وكان يقال: إذا رأيتم الرجلَ يُطِيل الصمتَ ويَهرُب من النّاس ، فاقرُبوا منه فإنه يلقَّى الحِكْمة.

۷۰الأصْلُ:الدَّهرُ يُخْلِقُ الْأَبْدَانَ ، وَيُجَدِّدُ الآمَالَ ، وَيُقَرِّبُ الْمَنِيَّةَ ، ويُبَاعِدُ الْأُمْنِيَّةَ ؛ مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصِبَ ، ومَنْ فَاتَهُ تَعِبَ (2).

.


1) .أي أنّ العاقل لا يتكلّم بما لا يعنيه ، فيقلّ كلامُه .

2) .يخلق الأبدان : يبليها . يباعد الأُمنيّة : يجعلها بعيدة صعبة المنال . نصب : أعيى .

۷۱. من نصب نفسه

الشّرْحُ:قال بعضُ الحُكماء : الدنيا تَسُرّ لِتَغُرّ ، وتُفِيد لتَكِيد ، كم راقدٍ في ظلّها قد أيقَظتْه ، وواثقٍ بها قد خذَلَتْه ، بهذا الخُلُق عُرِفَتْ ، وعلى هذا الشرْط صُوحِبتْ . وكتب الإسكندرُ إلى أرِسْطوطاليس : عِظْني ، فكتب إليه : إذا صَفَتْ لك السلامة فجدّد ذِكرَ العَطَب ، وإذا اطمأنّ بك الأَمْن فاستشْعر الخوف ، فإذا بلغتَ نهايةَ الأمل فاذكر الموتَ ، وإذا أجبت نفسك فلا تجعل لها نصيبا في الإساءة .

۷۱الأصْلُ:مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاس إِمَاماً فَعَليهِ أنْ يبدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ ، وَلْيَكُنْ تَأدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ ؛ وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالاْءِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاس وَمُؤدِّبِهِمْ .

الشّرْحُ:الفروع تابعة للأُصول ، فإذا كان الأصل معوجّا استحالَ أن يكون الفرعُ مستقيما ، كما قال صاحبُ المَثَل : وهل يستقيمُ الظِّلّ والعُود أعوج ، فمن نَصَب نفسه للناس إماما ، ولم يكن قد علّم نفسه ما انتصب ليعلمه الناس ، كان مِثل من نصب نفسه ليُعلم النّاس الصِّياغة ، والنجارة ، وهو لا يُحْسِن أن يصوغَ خاتما ، ولا ينجُر لوحا ، وهذا نوعٌ [من] السَّفَه ، بل هو السَّفَهُ كلُّه ؛ ثم قال عليه السلام : وينبغي أن يكون تأديبُه لهم بفعله وسيرته قبل تأديبه لهم بلسانه ، وذلك لأنّ الفِعْل أدلّ على حال الإنسان من القول . ثم قال : ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقُّ بالإجلال من معلم الناس ومؤدّبهم . وهذا حق ؛ لأنّ من علم نفسه محاسن الأخلاق أعظمُ قَدْرا ممن تعاطى تعليم الناس ذلك وهو غيرُ عامل بشيء منه ، فأما من عَلَم نفسه وعلّم الناس فهو أفضل وأجَلّ ممن اقتصر على تعليم نفسه فقط لا شُبْهةَ في ذلك .

.

۷۲. نفس المرء خطاه

۷۳. كلُّ معدود مُنقص

۷۲الأصْلُ:نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ (1).

الشّرْحُ:وجدتُ هذه الكلمةَ منسوبةً إلى عبد اللّه بن المعتزّ في فصلٍ أوّله : الناس وفْد البلاء ، وسُكّان الثَرى ، وأنفاس الحيّ خُطاه إلى أجله ... ، فلا أدري هل هي لابن المعتز ، أم أخَذَها من أمير المؤمنين عليه السلام ! والظاهر أنها لأمير المؤمنين عليه السلام ، فإنها بكلامه أشبه ، ولأنّ الرضيّ قد رواها عنه ، وخبرُ العَدْل معمولٌ به .

۷۳الأصْلُ:كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَض ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ (2).

الشّرْحُ:الكلمة الأُولى تؤكِّد مذهب جمهور المتكلّمين في أنّ العالم كلّه لابدّ أن ينقضيَ ويَفْنَى ، ولكنّ المتكلمين الذاهبين إلى هذا القَوْل لا يقولون : يجب أن يكون فانيا ومنقضيا لأنّه معدود ، فإن ذلك لا يلزم ؛ ومن الجائز أن يكون معدودا ولا يجب فناؤه ، ولهذا قال أصحابنا : إنما علمنا أن العالم يفنى عن طريق السمع لا مِن طريق العقل ، فيجب أن يُحْمَل كلامُ

.


1) .أي أنّ كلّ نفسٍ يتنفّسه الإنسان خطوة يقطعها إلى الأجل ويقرّبه إلى الموت .

2) .لعل الفقرة الأُولى إشارة إلى أنفاس الخلائق وحركاتهم أو أعمار العباد . والثانية ، توقع الشيء : ترقبه ، والمراد بالمتوقع ، مالا مفر من وقوعه ، والمراد ، التحذير عما يتوقع حدوثه كالموت وتوابعه .

۷۴. إنّ الاُمور

أمير المؤمنين عليه السلام على ما يُطابق ذلك ، وهو أنه ليس يعني أن العدَدَ علّةٌ في وجوب الانقضاء ، كما يُشعِر به ظاهرُ لفظِه ، وهو الذي يسمِّيه أصحابُ أُصول الفقه إيماء ، وإنما مُراده كلّ معدود فاعلموا أنه فانٍ ومنقضٍ ، فقد حكم على كلّ معدود بالانقضاء حُكْما مجرَّدا عن العلّة ، كما لو قيل : زيد قائمٌ ، ليس يعني أنه قائم ؛ لأنّه يسمّى زيد . فأما قوله : «وكلّ متوقع آتٍ» فيماثلُه قول العامة في أمثالها : لو انتُظرَت القيامةُ لقامت ؛ والقولُ في نفسه حق ؛ لأنّ العُقلاء لا ينتظرون ما يَستحيل وقوعه ، وإنما ينتظرون ما يمكن وقوعه ، وما لابدّ من وقوعه ، فقد صَحّ أنّ كلّ منتظَر فسيأتي .

۷۴الأصْلُ:إِنَّ الْأُمُورَ إِذا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا .

الشّرْحُ:رُوي : «إذا استبهَمَتْ» ، والمعنى واحد وهو حقّ ، وذلك أن المقدّمات تدلّ عَلَى النتائج ، والأسباب تدلّ على المسبّبات ، وطالما كان الشيئان ليسا عِلّةً ومعلولاً ، وإنما بينهما أدنى تناسبُ ، فيُستدَلّ بحالِ أحدهما على حال الآخر ، وإذا كان كذلك واشتبَهَتْ أمورٌ على العاقِل الفَطِن ولم يعلم إلى ماذا تَؤُول ، فإنه يُسْتَدَلّ على عواقبها بأوائلها وعلى خواتمها بفوَاتِحها ، كالرّعيّة ذاتِ السلطان الرَّكِيك الضعيف السياسة ، إذا ابتدأت أُمورُ مملكتِه تضطرِب ، واستَبْهَم على العاقل كيف يكون الحالُ في المستقبل ، فإنه يجب عليه أن يعتبر أواخرها بأوائلها ، ويَعلم أنه سيفضي أمرُ ذلك المُلْك إلى انتشار وانحلال في مُستقبل الوقت ؛ لأنّ الحركات الأُولى مُنذرة بذلك ، وواعدة بوقوعه ، وهذا واضح .

.

۷۵. يا دنيا إليك عنّي

۷۵الأصْلُ:ومن خبر ضرار بن حمزَةَ الضّبابي عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، ويقول :يَا دُنْيَا ، إِلَيْكِ عَنِّي ، أَبِي تَعَرَّضْتِ ؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ؟ لاَ حَانَ حِينُكِ ! هَيْهَات ! غُرِّي غَيْرِي ، لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَـلاَثاً ، لاَ رَجْعَةَ فِيهَا ! فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ . آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ ، وَطُولِ الطَّرِيقِ ، وَبُعْدِ السَّفَرِ ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ!

الشّرْحُ:السُّدُول : جمعُ سَدِيل ، وهو ما أسدل على الهَوْدَج ، ويجوز في جَمْعه أيضا أسْدال وسدائل ، وهو هاهنا استعارة . والتّـملْمُل والتملّل أيضا : عدمُ الاستقرار من المرض ، كأنه على مَلّة ، وهي الرّماد الحارّ . والسليم : الملسوع . ويُروى «تشوّقت» بالقاف . وقوله : «لا حان حَينُك» ، دعاء عليها ، أي لا حَضَر وَقْتك ، كما تقول : لا كنت . فأما ضِرارُ بن ضَمْرة ، فإنّ الرِّياشيّ رَوَى خبرَه ، ونقلتُه أنا من كتاب عبدِ اللّه بنِ إسماعيلَ بن أحمدَ الحلبي في ( التّذييل على نَهْج البلاغة ) ، قال : دخل ضِرارٌ على معاويةَ ـ وكان ضِرارٌ من صحابةِ عليّ عليه السلام ـ فقال له معاوية : يا ضرار ، صف لي عليّا ، قال : أوَتُعْفِيني ! قال : لا أُعْفيك ، قال : ما أصف منه ! كان واللّهِ شديدَ القُوَى ، بعيد الْمَدى ، يتفجّر العِلْم من أنْحائه ، والحكمةُ من أرْجائِه ، حَسَن المُعاشَرة ، سَهْل المباشرة ، خَشِن المأكَل ، قصير المَلبَس ، غَزير العَبْرة ، طويل الفِكْرة ، يقلّب كَفّه ، ويخاطِب نفسَه ، وكان فينا كأحدِنا ، يُجيبنا إذا سأَلْنا ، ويبتَدِئُنا إذا سكَتْنا ، ونحن مع تقريبه لنا أشَدّ ما يكون صاحبٌ لصاحبٍ هيبةً ، لا نبتدئه

.

الكلام لعظَمَتِه ، يحبّ المساكين ، ويقرِّب أهلَ الدّين ، وأشهَد لقد رأيتُه في بعض مَواقِفه ... وتَمامُ الكلامِ مذكورٌ في الكتاب . وذَكَر أبو عمرَ بنُ عبد البرّ في كتاب ( الاستيعاب ) (1)هذا الخبرَ ، فقال : حدّثنا عبدُ اللّه ابنُ محمّد ابنِ يوسفَ ، قال : حدّثنا يحيى بنُ مالك بنِ عائد ، قال : حدّثنا أبو الحسن محمّد بنُ محمّدِ بنِ مُقْلة البَغْداديّ بمصرَ . وحدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن بنِ دُرَيد ، قال : حدّثنا العُكْليّ ، عن الحِرْمازِيّ ، عن رجل من هَمْدان ، قال : قال معاويةُ لضِرارالضبّابيّ : يا ضرار صِفْ لي عَلِيّا ، قال : اعفِني يا أميرَ المؤمنين ؛ قال : لتَصِفَنّه ؛ قال : أمّا إذ لابدّ من وَصْفِه ، فكان واللّهِ بعيدَ المَدَى ، شديدَ القُوَى ، يقول فَصْلاً ، ويَحكُم عَدْلاً ، يتفجّر العِلم من جَوانبِه ، وتَنطِق الحكمة من نَواحيه ، يَستوحِش من الدنيا وزَهرتِها ، ويَأنَس باللّيل ووَحْشَتِه ، [ وكان ] غزيرَ العَبْرة ، طويلَ الفكْرة ، يُعجِبه من اللّباس ما قَصُر ، ومن الطعام ما خَشُن . كان فينا كأحدِنا ، يجيبُنا إذا سألناه ، ويُنبئنا إذا استَفْتَيْناه ؛ ونحن واللّهِ مع تقريبه إيّانا ، وقربِه منّا ، لا نكاد نكلّمه هيبةً له . يعظِّم أهلَ الدّين ، ويقرِّب المساكينَ . لا يَطمَع القويُّ في باطله ، ولا ييئس الضعيفُ من عَدلِه ؛ وأشهَد لقد رأيتُه في بعض مَواقِفه وقد أرخَى الليلُ سُدوله ، وغارَت نجومُه ، قابضا على لِحيته ، يَتَمَلْمَل تَملْمُل السَّلِيم (2)، ويَبكِي بكاءَ الحزين ، ويقول : يا دُنْيا غُرِّي غَيْري ، أبي تعرّضتِ ! أم إليّ تشوّقْتِ ! هيهاتَ هيهاتَ ! قد باينتُكِ ثلاثا لا رجعةَ لي فيها ، فعُمركِ قصير ، وخطرُكِ حقير ! آهِ منْ قِلّة الزاد ، وبُعد السّفر ، ووَحشةِ الطريق ! فبكى معاويةُ وقال : رَحِم اللّهُ أبا حسن ، كان واللّه كذلك ؛ فكيف حُزْنُك عليه يا ضِرار؟ قال : حزنُ مَن ذُبِح ولدُها في حِجْرها (3).

.


1) .الاستيعاب ۱۱۰۷ و ۱۱۰۸ ، وهو أيضاً في أمالي الفالي ۲:۱۴۷ .

2) .السليم : اللديغ .

3) .تأمّل حال معاوية هذا الطليق ، مع علمه بفضل أمير المؤمنين عليه السلام ، واعترافه بعظمته وسابقته وتقواه ؛ يسنّ سبّه من على كل شاهقة ؛ تمرّدا على اللّه ، وعداوة لرسوله ، وبغضا للحق . ومع هذا يأتي علماء السوء فيعذرونه ويقولون إنّه : مجتهد مصيب لا إثم عليه ولا حرج . كذلك «ويُضِلُّ اللّه ُ الظّالِمِينَ» سورة إبراهيم ۲۷ .

۷۶. ويُحك !

۷۶الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام للسائل الشامي لما سأله : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللّه وقدر ؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :وَيْحَكَ! لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً ، وَقَدَراً حَاتِماً ! وَلَوْ كَانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوابُ والْعِقَابُ ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ؛ إِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً ، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً ، وَكَلَّفَ يَسِيراً ، وَلَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً ، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً ، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً ، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً ، وَلَمْ يُرْسِلِ الْأَنْبِيَاءَ لَعِباً ، وَلَمْ يُنْزِلِ الكُتُبِ لِلْعِبَادِ عَبَثاً ، وَلاَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ؛ «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» .

الشّرْحُ:قد ذكر شيخُنا أبو الحسين رحمه الله هذا الخبرَ في كتاب ( الغُرَر ) ورواه عن الأصبغ بنِ نُباتة ، قال : قام شيخٌ إلى عليّ عليه السلام فقال : أخبرْنا عن مَسيرنا إلى الشام ، أكانَ بقضاء اللّه وقدَرِه ؟ فقال : والّذي فَلَق الحبّة ، وبَرَأ النّسمَة ، ما وَطِئْنا مَوْطِئا ، ولا هَبطنا واديا إلاّ بقضاء اللّه وقَدَرِه . فقال الشيخ ! فعندَ اللّه أحتَسِب عَنائي ! ما أرَى لي من الأجْر شيئا ! فقال : مَهْ أيّها الشيخ ، لقد عَظّم اللّهُ أجرَكم في مَسيرِكم وأنتم سائرون ، وفي مُنصرَفكم وأنتم منصرِفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرَهين ، ولا إليها مضطَرِّين . فقال الشيخ : وكيف القضاءُ والقَدَر ساقَانَا ؟ فقال : وَيْحَك ! لعلّك ظننتَ قَضاءً لازما ، وقَدَرا حَتْما ! لو كان ذلك كذلك لبَطَل الثواب والعِقاب ، والوَعْد والوَعِيد ، والأمرُ والنّهي ، ولم تأتِ لائمةٌ مِن اللّه لمُذنِب ، ولا مَحمَدة لُمحسِن ، ولم يكن الُمحسِن أولَى بالمدح من المسيء ، ولا المسيءُ أولَى بالذمّ من الُمحسِن ؛ تلك مقالةُ عُبّاد الأوثان ، وجنودِ الشّيطان ، وشهودِ الزور ، وأهلِ العَمَى عن الصواب ، وهم قَدَرِيّةُ هذه الأُمّة ومجوسُها ؛ إنّ اللّه سبحانه أمَر تخييرا ، ونَهَى تحذيرا ، وكَلَّف يسيرا ، ولم

.

۷۷. خُذ الحكمة

يُعصَ مغلوبا ، ولم يُطَع مُكرِها ، ولم يُرسِل الرسلَ إلى خلقه عَبَثا ، ولم يَخلُق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً «ذلك ظنّ الذّين كَفروا فوَيلٌ للّذين كفروا من النار» (1)فقال الشيخ : فما القَضَاء والقَدَر اللّذان ما سِرْنا إلاّ بِهِما ؟ فقال : هو الأمرُ من اللّه والحُكْم ، ثمّ تلا قولَه سبحانه : «وَقَضَى رَبُّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيَّاه» (2)، فنَهضَ الشيخُ مسرورا وهو يقول : أنتَ الإمامُ الّذي نَرجُو بطاعتِهيومَ النشورِ من الرّحمن رِضْوانَا أوْضحتَ مِن دِينِنا ما كان مُلتَبِساجزاكَ رَبُّك عنّا فيه إحسانا ذَكَر ذلك أبو الحسين في بيانِ أنّ القضاء والقَدَر قد يكون بمعنى الحكْم والأمر ، وأنّه من الألفاظ المشترَكة .

۷۷الأصْلُ:خُذِ الْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ ، حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ (3). قَال الرَّضيّ رحمه الله ـ وَقَدْ قَال عليٌّ عليه السلام فِي مِثْل ذِلك ـ : الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ ، فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ .

الشّرْحُ:خَطَب الحجّاج فقال : إنّ اللّه أمَرَنا بطلب الآخرة ، وكفانَا مؤونة الدّنيا ، فليْتَنا كُفِينا مؤونةَ الآخرة ، وأُمِرنا بطلب الدنيا!

.


1) .سورة ص ۲۷ .

2) .سورة الإسراء ۲۳ .

3) .تلجلج : تتحرك وتتردد . تسكن : تقرّ وتثبت . إن الحكمة كالضالة عند المنافق لا تهدأ نفسه إلاّ بإخراجها ، فإذا علم شيئاً ، أُعجب بنفسه ، ويكاد يعجز عن الإمساكِ عنه حتى يخرجه ، فإذا سمعها المؤمن ، ضمّها إلى علمه ، فتسْكن عنده فإذا احتيج إلى علمه بَثَّه .

۷۸. قيمة كل امرى ءٍ

۷۹. اُوصيكم بخمس

فسمعها الحسن [ البصري ] فقال : هذه ضالّة المؤمن خرجت من قلب المنافق . وكان سُفيانُ الثّوريّ يُعجِبه كلامُ أبي حَمْزة الخارجيّ ويقول : ضالّة المؤمن على لسان المنافق .

۷۸الأصْلُ:قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ .

قال الرضي رحمه الله : وهذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمة ، ولا توزن بها حكمة ، ولا تقرن إِليها كلمة . يقال : إنّ من كلام أَرْدَشير بن بابك في رسالته إلى أبناءِ الملوك : بحَسْبِكم دلالةً على فَضْل العلم أنّه ممدوح بكلّ لسان ، يتزيّن به غير أهله ، ويدّعيه من لا يلصقُ به . قال : وبحَسْكم دَلالةً على عَيْب الجهل أنّ كل أحد يَنتفِي منه ، ويَغضَب أن يسمَّى به .

۷۹الأصْلُ:أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الاْءبِلِ لَكَانَتْ لِذلِكَ أَهْلاً : لاَ يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ رَبَّهُ ، وَلاَ يَخَافَنَّ إِلاَّ ذَنبَهُ ، وَلاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ : لاَ أَعْلَمُ ، وَلاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعَلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الاْءِيمَانِ كَالرَّأس مِنَ الْجَسَدِ ، وَلاَ خَيْرَ فِي جَسَدٍ لاَ رأْسَ مَعَهُ ، وَلاَ في إِيمَانٍ لاَ صَبْرَ مَعَهُ (1).

.


1) .الإبط : جمع آباط باطن الكتف . ضرب الآباط : كناية عن شد الرحال وحثّ المسير والسفر لأنّ الراكب يضرب برجله إبطَ الإبل . والمراد بالرجاء هنا السؤال وطلب الحاجة .

۸۰. أنا دون ما تقول

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلامُ في جميع الحكم المنطوي عليها هذا الفَصْل ؛ وقال أبو العَتَاهِيَة : واللّهِ لا أرجُو سِواكَ ولا أخافُ سِوَى ذنوبي فاغفرْ ذنوبي يا رَحِيمُ فأنتَ سَتّارُ العيوبِ وكان يقال : من استَحْيا من قولِ : ( لا أَدْرِي ) كان كمن يَسْتحي من كَشْفِ ركْبته ، ثم يكشف سَوْءته ، وذلك لأنّ من امتَنعَ من قول : ( لا أَدْرِي ) وأجابَ بالجَهْل والخطأ فقد واقَعَ ما يجبُ في الحقيقة أن يُستحيا منه ، وكَفَّ عمّا ليس بواجب أن يُسْتَحْيَا منه ، فكان شبيها بما ذكَرْناه في الرُّكبة والعَوْرة . وكان يقال : يحسُن بالإنسان التعلّم ما دامَ يقبح منه الجَهل ، وكما يقبح منه الجهل ما دام حيّا ذلك يحسُن به التعلم ما دام حيّا .

۸۰الأصْلُ:وقال عليه السلام لرجل أفرط في الثناء عليه وكان له مُتَّهِماً : أنا دُونَ مَا تَقُولُ ، وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ (1).

الشّرْحُ:قد سَبَق منّا قولٌ مُقنِع في كراهية مدح الإنسان في وجهه . وقالت الحكماء : إنّه يَحدُث للممدوح في وجهه أمرانِ مُهلِكان : أحدُهما الإعجاب بنفسه ، والثاني إذا أثنى عليه بالدِّين أو العلم فَتَر وقَلّ اجتهادُه ، ورضيَ عن نفسه ، ونَقَصَ تشميرُه وجِدُّه في طلب العلم والدّين ، فإنه إنما يتشمّر من رأى نفسَه مقصّرا فأمّا مَنْ أطلِقت

.


1) .يعني تمدحني بما لا يمدح به مثلي ، وأنا فوق ما تعتقده فيَّ .

۸۱. بقيّة السيف

الألسُنُ بالثّناء عليه ، فإنّه يظنّ أنه قد وصل وأدرك ، فيقلّ اجتهاده ، ويتّكل على ما قد حَصَل له عند الناس ؛ ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم لمن مَدَح إنسانا كاد يَسمَعه : «وَيْحك! قطعتَ عُنُق صاحبك ، لو سمِعها لما أفلَح» . فأمّا قوله عليه السلام له : «وفوقَ مافي نفسك» ، فإنه إنما أراد أن ينبّهه على أنه قد عَرَف أنه كان يَقَع فيه ، وينحرف عنه ، وإنما أراد تعريفه ذلك لِما رآه من المَصلحةِ ، إمّا لظنّه أنه يُقلع عمّا كان يذمّه به ، أو ليُعلمَه بتعريفه أنه قد عَرَف ذلك ، أو ليخوّفه ويزجُرَه ، أو لغير ذلك .

۸۱الأصْلُ:بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَنْهَى عَدَداً ، وَأَكْثَرُ وَلَداً .

الشّرْحُ:قال شيخنا أبو عثمان : ليته لما ذَكَر الحُكم ذكر العِلّة ۱ !

.

۸۲. من ترك قول « لا أدري »

۸۳. رأي الشيخ أحبُّ

۸۲الأصْلُ:مَنْ تَرَكَ قَوْلَ «لاَ أَدْري» أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ (1).

الشّرْحُ:وكان يقول : قولُ «لا أعْلَمُ» نِصفُ العِلم . وقال بعضُ الفُضَلاء : إذا قال لنا إنسانٌ : ( لا أدرِي ) عَلَّمناه حتى يَدري ، وإن قال : أدري ، امتحنّاه حتى لا يدري .

۸۳الأصْلُ:رَأْيُ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلاَمِ . ويُروَى «مِنْ مَشْهَدِ الْغُـلاَمِ» (2).

الشّرْحُ:إنما قال كذلك ؛ لأنّ الشيخ كثيرُ التَّجربة ، فيبلغ من العَدُوّ برأيه ما لا يبلُغ بشجاعته الغلام الحَدَث غير المجرِّب ؛ لأنّه قد يغرِّر بنفسِه فيَهلك ويُهلِك أصحابَه ، ولا رَيبَ أنّ الرأي مقدَّم على الشجاعة .

.


1) .مقاتله : مواضع قتله ؛ لأنّ من قال ما لا يعلم عُرف بالجهل ، ومن عرفه الناس بالجهل مقتوه ، فحرم خيره كلّه فهلك .

2) .جَلَد الغلام ، أي صبره على القتال . مشهد الغلام : إيقاعه بالأعداء .

۸۴. عجبت لِمَن يقنط

۸۵. كان في الأرض أمانان

۸۴الأصْلُ:عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الاِسْتِغْفَارُ (1).

الشّرْحُ:قالوا : الاستغفار حَوارسُ الذّنوب . وقال بعضهم : العبدُ بين ذَنْب ونِعْمة لا يُصْلِحهما إلاّ الشكر والاستغفار .

۸۵الأصْلُ:وحكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليهماالسلام أنّه كان عليه السلام قال:كَانَ فِي الْأَرْض أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللّهِ ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا ، فَدُونَكُمُ الاْخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ ، أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وَأَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي فَالاْسْتِغْفَارُ . قَالَ اللّهُ تَعَالَى : «وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (2).

قال الرضيّ رحمه الله : وهذا من محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط .

الشّرْحُ:قال قومٌ من المفسِّرين : قوله : «وهم يستغْفِرُونَ» ، في موضع الحال ، والمرادُ نفي الاستغفار عنهم ، أي لو كانوا ممّن يستغفرون لما عذّبهم ، وهذا مثلُ قوله تعالى : «وَمَا كَانَ رَبُّك لِيُهْلِكَ القُرَى

.


1) .القنوط : اليأس .

2) .سورة الأنفال ۳۳ . إنّ ضمير الغائبين في (ليعذِّبهم) يعود إلى أهل مكة .

۸۶. من أصلح ما بينه وبين

۸۷. الفقيه كلُّ الفقيه

بظلم وأهلُها مُصلحون» (1)؛ فكأنه قال : لكنهم لا يَستغفرون فلا انتفَاء للعذاب عنهم . وقال قوم : معناه ، وما كان اللّه معذِّبهم وفيهم مَنْ يستغفر ، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلّف عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم من المستضعفين .

۸۶الأصْلُ:مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّهِ أَصْلَحَ اللّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس . وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللّهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ . وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللّهِ حَافِظٌ .

الشّرْحُ:مِثلُ الكلمة الأُولى قولُهم : رِضا الَمخلوقِين عُنوانُ رِضا الخالق . ومِثلُ الكلمة الثانية دُعاءُ بعضهم في قوله : أنا شاكرٌ أنا مادحٌ أنا حامِدٌأنا خائفٌ أنا جائعٌ أنا عارِ هي ستّةٌ وأنا الضّمِينُ بنِصْفهافكُنِ الضمينَ بنِصْفها يا بارِي ومِثلُ الكلمة الثالثة قولُه تعالى : «إنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» (2).

۸۷الأصْلُ:الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ ، وَلَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللّهِ ، وَلَمْ

.


1) .سورة هود ۱۱۷ .

2) .سورة النحل ۱۲۸ .

۸۸. أوضع العلم ما وقف

يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللّهِ (1).

الشّرْحُ:قَلَّ موضعٌ من الكتاب العزيز يَذكُر فيه الوعيد إلاّ ويَمزُجه بالوعد ، مِثل أن يقول : «لَشَدِيدُ الْعِقَابِ» ثم يقول : «وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» ، والحكمة تَقتضِي هذا ليكون المكلَّف متردِّدا بين الرّغبة والرّهبة . ويقولون في الأمثال المرموزة : لقِيَ موسَى وهو ضاحكٌ مستبشرٌ عيسَى وهو كالِحٌ قاطِب ، فقال عيسى : مالَك كأنّكَ آمِنٌ من عذاب اللّه ؟ فقال موسى عليه السلام : مالَكَ كأنّك آيِسٌ من رَوْح اللّه ! فأوحَى اللّه إليهما : موسى أحبُّكما إليّ شِعارا ، فإنِّي عِنْدَ حُسْن ظَنِّ عبدي بي . واعلم أنّ أصحابَنا وإن قالوا بالوعيد ؛ فإنّهم لا يؤيسون أحدا ولا يقنِّطونه من رحمة اللّه ، وإنما يَحُثّونه على التوبة ، ويخوِّفونه إن ماتَ من غير توبة .

۸۸الأصْلُ:أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وَقَفَ عَلَى اللِّسَانِ ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ .

الشّرْحُ:هذا حقّ ؛ لأنّ العالِمَ إذا لم يَظهَر من عِلمِهِ إلاّ لَقْلَقَةُ لسانِه من غيرِ أن تَظْهرَ منه العبادات ، كان عالما ناقصا ، فأمّا إذا كان يُفيدُ الناسَ بألفاظهِ ومنطقِه ، ثمّ يشاهِدُهُ النّاسُ على قَدَمٍ عظيمةٍ من العبادةِ ، فإنَّ النفعَ يكون به عامّا تامّا ، وذلك لأنّ الناس يقولون : لو لم يكن يَعتقِد حقيقةَ ما يقوله ، لما أدْأَبَ نَفسَه هذا الدَّأَب . وأمّا الأوّل فيقولون فيه : كُلّ ما يقوله نفاق وباطل ؛ لأنّه لو كان يعتقد حقيقةَ ما يقول لأخَذَ به ، ولظَهرَ ذلك في حَرَكاته ، فيَقْتَدون بفِعله لا بقَوْله ، فلا يَشتغِل أحدٌ منهم بالعبادة ولا يهتمّ بها .

.


1) .القنوط : اليأس ، وقنّطه : يأّسه . رَوْح اللّه : لطفه ورأفته . مكر اللّه : أخذ العبد بالعقاب من حيث لا يشعر.

۸۹. إنّ هذه القلوب

۹۰. لا يقولنّ أحدكم

۸۹الأصْلُ:إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ (1).

الشّرْحُ:لو قال : إنّها تَمَلّ كما تَمَلّ الأبدان ، فأحمِضُوا ، كما نقل عن غيرِه ؛ لحُمِل ذلك على أنّه أراد نَقلَها إلى الفُكاهات والأخبار والأشعار ، ولكنّه لم يقل ذلك ، ولكن قال : « فابْتَغوا لها طرائفَ الحِكمة» ، فوَجَب أن يُحمَل كلامُه عليه السلام على أنّه أراد أنّ القُلوبَ تَمَلّ من الأنظار العقلِيّة في البراهين الكلاميّة على التوحيد والعدل ، فابتغوا لها عندَ مَلالِها طرائفَ الحِكمة ، أي الأمثال الحِكَمِية الراجعة إلى الحِكمة الخلقية ، كما نحن ذاكرُوه في كثيرٍ من فصولِ هذا الباب ، مِثل مدح الصبر ، والشجاعة ، والزهد ، والعِفَّة ، وذمّ الغضب ، والشهوة ، والهوى ، وما يَرجع إليه سياسة الإنسان نفسه ، وولده ، ومنزله ، وصديقه ، وسلطانه ، ونحو ذلك ؛ فإنّ هذا عِلْمٌ آخَر وفَنّ آخر ، لا تَحتاجُ القلوب فيهِ إلى فِكْر واستنباط ، فتَتعب وتكِلّ بترادُف النّظر والتأمّل عليها ، وفيه أيضا لذَّةٌ عظيمةٌ للنّفس . وقد جاء في إجمامِ النّفس كثيرٌ . قال بعضهم : رَوِّحوا القلوب برَواتِع الذّكر .

۹۰الأصْلُ:لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ الْفِتْنَةِ» ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ ، وَلكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ ، فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ :

.


1) .طرائف الحكم : قيل هي ، لطائفها وغرائبها المعجبة للنفس اللّذيذة لها ، وذلك ليكون أبدا في اكتساب الحكمة بنشاط . وسيأتي مثل هذا مكرراً في الحكمة رقم (۱۹۳) .

«وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ» ، وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُ عبادَهُ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ ، وَالرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ ، وإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذٌّكُورَ وَيَكْرَهُ الاْءِنَاثَ ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْمَالِ ، وَيَكْرَهُ انْثِلاَمَ الْحَالِ . قال الرضي رحمه اللّه تعالى : وهذا من غريب ما سمع منه عليه السلام في التفسير .

الشّرْحُ:الفتنة لفظٌ مشتَرك ؛ فتارةً تُطْلَق على الجائحة والبليّة تصيبُ الإنسان ، تقول : قد افتَتَن زيد وفُتِن فهو مفتون إذا أصابتْه مُصيبة فذَهَب مالُه أو عقلُه ، أو نحوُ ذلك ، قال تعالى : «إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ» (1)يَعنِي الّذين عذَّبوهم بمكّة ليرتدّوا عن الإسلام ، وتارةً تُطلَق على الاختبار والامتِحان ، يقال : فتنتُ الذهبَ إذا أدخلتَه النار لتَنظرَ ما جَوْدَته ، ودينارٌ مَفْتون ، وتارةً تُطلَق على الإحراق ، قال تعالى : «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ» (2)ووَرق مَفْتون ، أي فِضّة مُحرَقة ، ويقال للحَرَّة : فَتِين كأنّ حِجارتَها مُحرَقة ، وتارةً تُطلَق على الضّلال ، يقال رجلٌ فاتن ومُفتن ، أي مُضِلّ عن الحَقِّ جاء ثُلاثيّا ورُباعيّا ، قال تعالى : «مَا أنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ * إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ» (3)أي بمضلّين ، وقرأ قومٌ «مفتنين» ، فمن قال : إنّي أعوذُ بك من الفِتْنة ، وأرادَ الجائحة ، أو الإحراق أو الضلال ، فلا بأس بذلك ، وإنْ أراد الاختبار والامتحانَ فغيرُ جائز ؛ لأنّ اللّه تعالى أعلمُ بالمَصلَحة ، وله أن يَختبِر عبادَه لا ليَعلَمَ حالَهم ، بل ليَعلَم بعضُ عبادِه حالَ بعض ، وعندي أنّ أصلَ اللّفظة هو الاختبار والامتحان ، وأنّ الاعتبارات الأُخرى راجعة إليها ، وإذا تأمَّلْتَ علمتَ صحّةَ ما ذكرناه .

.


1) .سورة البروج ۱۰ .

2) .سورة الذاريات ۱۳ .

3) .سورة الصافات ۱۶۲ ، ۱۶۳ .

۹۱. ليس الخبر

۹۱الأصْلُ:وسُئل عن الخير ما هو؟ فقال : لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ ، وَلكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ ، وَأَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ ، وَأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ ؛ فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللّهَ ، وَإِنْ أَسَأتَ اسْتَغْفَرْتَ اللّهَ .وَلاَ خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِرَجُلَيْنِ : رَجُلٍ أَذنـَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ ، وَرَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ ؛ ولاَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى ، وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُقبَلُ!

الشّرْحُ:قد قال الشاعر لهذا المعنى : ليس السّعيدُ الذي دُنياه تُسعِدُهبل السعيد الذي ينجُو من النارِ قوله عليه السلام : «ولا يَقِلّ عملٌ مع التقوى» ، أي مع اجتناب الكبائر ؛ لأنّه لو كان مُوقِعا لكبيرة لما تُقبِّل منه عملُ أصلاً على قول أصحابنا ، فوجب أن يكون المراد بالتقوى اجتنابَ الكبائر ؛ فأمّا مذهبُ المرجِئة فإنهم يحملون التّقوى هاهنا على الإسلام ؛ لأنّ المسلم عندهم تتقبَّل أعماله ، وإن كان مُواقعا للكبائر . فإن قلت : فهل يجوز حملُ لفظة «التقوى» على حقيقتها ، وهي الخوف؟ قلت : لا . أما على مَذهبنا فلان من يخافُ اللّه ويواقع الكبائرَ لا تتقبل أعمالُه ، وأمّا مذهب المرجئة فلأنّ من يخاف اللّه مِن مخالفِي مِلّة الإسلام لا تتقبل أعمالُه ، فثبت أنه لا يجوز حملُ التقوى هاهنا على الخوف . فإن قلت : مَنْ هو مخالفٌ لمِلة الإسلام لا يخافُ اللّه لأنّه لا يعرفه؟ قلت : لا نسلّم ، بل يجوز أن يعرف اللّه بذاته وصِفاته ، كما نعرفه نحن ، ويجحد النبوّة لشُبْهة وقعت له فيها ، فلا يلزم من جَحْد النبوة عدمُ معرفة اللّه تعالى .

.

۹۲. إنّ أولى النّاس

۹۲الأصْلُ:إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِالأنبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاؤوا بِهِ ، ثُمَّ تَلاَ عليه السلام : «إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ...» الآية . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللّهَ وإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ ، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ .

الشّرْحُ:هكذا الرواية «أعلمهم» ، والصحيح «أعملهم» ؛ لأنّ استدلاله بالآية يقتضي ذلك ، وكذا قوله فيما بعدُ . «إنّ وَلِيَّ محمد من أطاع اللّه ...» إلى آخر الفصل ، فلم يذكر العلم ، وإنما ذكر العمل . واللُّحْمة بالضم : النسب والقرابة ، وهذا مثلُ الحديث المرفوع : «ائتوني بأعمالكم ، ولا تأتوني بأنسابكم ، إنّ أكرمَكم عند اللّه أتقاكم» . وقال رجل لجعفر بن محمّد عليه السلام : أرأيت قوله صلى الله عليه و آله وسلم : «إن فاطمةَ أحصنتْ فرجها فحرَّم اللّهُ ذرّيتها على النار» ، أليس هذا أمانا لكلّ فاطمي في الدنيا؟ فقال : إنك لأحمق ، إنما أراد حسنا وحسَيناً ؛ لأنهما من لحمة أهل البيت ، فأما مَن عداهما فمنْ قَعد به عملُه لم يَنهَضْ به نَسَبُه .

۹۳الأصْلُ:

.

۹۳. نومٌ على يقين

۹۴. اعقلوا الخبر

نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ ، خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَكٍّ .

الشّرْحُ:هذا نهيٌ عن التعرّض للعبادة مع الجَهل بالمعْبود ، كما يصنع اليوم كثيرٌ من الناس ، ويظنون أنّهم خير الناس ، والعقلاء الألبّاء من الناس يضحكون منهم ، ويستهزئون بهم ، والحَروريّة : الخوارج ، وقد سبَق القول فيهم . وفي نِسبتهم إلى حرَوراء (1). يقول عليه السلام : تَرْكُ التنفُّل بالعبادات مع سلامة العقيدة الأصلية ، خيرٌ من الاشتغال بالنوافل وأورادِ الصّلاة مع عدم العلم ؛ وهو المعنيُّ بقوله : «في شَكّ» ، فإذا كان عدمُ التنفّل خيرا من التنفّل مع الشكّ فهو مع الجهل المحض وهو الاعتقاد الفاسِد أوْلى بأنْ يكون .

۹۴الأصْلُ:اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ ؛ لاَ عَقْلَ رِوَايَةٍ ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ .

الشّرْحُ:نهاهم عليه السلام عن أن يقتصروا إذا سمِعوا منه أو من غيره أطرافا من العِلْم والحكمة ، على أن يَرووا ذلك رواية كما يفعله اليومَ المحدثون ، وكما يقرأ أكثرُ الناس القرآن دراسةً ولا يَدْرِي من معانيه إلاّ اليسير . وأمرَهم أن يعقِلوا ما يَسمَعُونه عقلَ رِعاية أي مَعرفة وفَهْم . ثم قال لهم : «إنّ رُواة العلم كثير ، ورُعاته قليل» ، أي من يُراعِيه ويتدبّره ؛ وصَدَق عليه السلام !

.


1) .حروراء : قرية بالنهروان ، نزل بها الخوارج الذين خالفوا أمير المؤمنين عليه السلام ؛ وبها كان أول تحكيمهم واجتماعهم حين خالفوه ، وهناك ناظَرَهم الإمام عليه السلام ، فرجع منهم ألفان .

۹۵. إنّ قولنا : إنّا للّه

۹۶. اللّهم إنّك أعلم بي

۹۵الأصْلُ:وَقَالَ عليه السلام وَقَدْ سمع رجلاً يقول : «إِنَّا للّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» . إِنَّ قَوْلَنَا : «إِنَّا للّهِ» إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ ، وقولَنَا : «وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ .

الشّرْحُ:قوله : «إنّا للّهِِ» اعترافٌ بأنّا مملوكون للّه وعبيدٌ له ؛ لأنّ هذه اللامَ لامُ التمليك ، كما تقول : الدارُ لِزَيد ؛ فأمّا قولُه : «وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ» (1)؛ فهو إقرار واعترافٌ بالنّشور والقيامة ؛ لأنّ هذا هو معنى الرّجوع إليه سبحانه ، واقتَنَع أميرُ المؤمنين عن التصريح بذلك ، فذَكَر الهُلْك ، فقال : إنّه إقرارٌ على أنفُسنا بالهُلْك ؛ لأنّ هُلْكنا مُفضٍ إلى رجوعِنا يومَ القيامة إليه سبحانه ، فعبّر بمقدّمة الشيء عن الشيء نفسه ، كما يقال : الفقرُ المَوْت ، والحمَّى الموت ، ونحو ذلك . ويُمكِن أن يفسّر ذلك على قول مُثبِتي النّفس الناطِقة بتفسيرٍ آخر فيقال : إنّ النفس ما دامت في أسْرِ تدابير البَدَن فهي بمَعزِل عن مبادئها ؛ لأنّها مشتغِلةٌ مستغرِقة بغير ذلك ، فإذا مات البَدَن رجعت النفسُ إلى مَبادِئها ، فقوله : «وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ» إقرارٌ بما لا يصحّ الرجوع بهذا التفسير إلاّ مَعَه ، وهو الموت المعبّر عنه بالهُلْك .

۹۶الأصْلُ:وقال عليه السلام و [ قد ] مدحه قوم في وجهه :اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ . اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا

.


1) .سورة البقرة ۱۵۶ .

۹۷. لا يستقيم قضاء الحوائج

يَظُنُّونَ ، وَاغْفِرْ لِي مَا لاَيَعْلَمُونَ!

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في كراهِيَة مَدْحِ الإنسان في وجهه . وفي الحديثِ المرفوعِ : «إذا مدحْتَ أخاك في وجهِه ، فكأنّما أمرَرْتَ على حَلْقِه مُوسَى وَمِيضه» . وقال أيضا لرجلٍ مَدَح رجلاً في وجهه : «عَقَرْتَ الرجلَ عَقَرك اللّه ! » . وقال أيضا : «لو مَشَى رجلٌ إلى رجل بسَيْف مرهَفٍ كان خيراً له من أن يُثنِيَ عليه في وجهه» .

۹۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :لاَ يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ إِلاَّ بِثَـلاَثٍ : بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ ، وَبِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ ، وَبِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُؤَ .

الشّرْحُ:قد تَقدَّم لنا قَوْلٌ مستقصىً في هذا النحو ، وفي الحوائج وقضائِها واستنجاحِها . قد جاء في الحديث المرفوع : «استعِينوا على حاجاتكم بالكِتمان ، فإنّ كلّ ذي نِعْمة محسود » . وكان يقال : لكلّ شيء أسٌّ ، وأُسُّ الحاجة تعجيلٌ أروَحُ من التأخير . وقال رجلٌ لمحمّد بن الحنفيّة : جئتُك في حُوَيْجة ، قال : فاطلب لها رُجَيْلاً! وكان يقال : من استَعظَم حاجَة أخِيه إليه بعد قضائها امتنانا بها فقد استَصْغَر نفسَه .

.

۹۸. يأتي على الناس زمانٌ

۹۸الأصْلُ:يَأتِي عَلَى النَّاس زَمَانٌ لاَ يُقَرَّبُ فِيهِ إِلاَّ الْمَاحِلُ ، وَلاَيُظَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْفَاجِرُ ، وَلاَ يُضَعَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْمُنْصِفُ ؛ يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنّاً ، وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاس ! فَعِنْدَ ذلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ الإماء ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ ، وَتَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ .

الشّرْحُ:الَمحْل : المكر والكَيْد ؛ يقال مَحَل به إذا سَعَى به إلى السلطان ، فهو ماحِلٌ ومَحُول ؛ والمُماحَلة المماكَرة والمكايدة . قوله : «وَلاَ يُظرَّف فيه إلاَّ الفاجر» ، لا يَعُدّ الناسُ الإنسانَ ظريفا إلاّ إذا كان خليعا ماجنا متظاهرا بالفِسق . وقولُه : «ولا يضعَّف فيه إلاّ المنصِف» ، أي إذا رأوا إنسانا عنده وَرَع وإنصاف في معاملتهِ الناسَ عدوُّه ضعيفا ، ونَسَبوه إلى الرِّكّة والرَّخاوة ، وليس الشَّهم عندهم إلاّ الظالم . ثم قال : «يعُدّون الصدقة غُرْماً» ، أي خسارة ، ويَمُنُّون إذا وَصَلوا الرَّحِم وإذا كانوا ذوي عِبادة استطالوا بها على الناس وتبجّحوا بها ، وأعجبتهم أنفسهم ، واحتقروا غيرهم . قال : فعند ذلك يكون السلطان والحُكم بين الرعايا بمشورة الإماء ... إلى آخر الفصل ، وهو من باب الإخبار عن الغيوب وهي إحدى آياته، والمُعجِزات المختصّ بها دون الصّحابة.

۹۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :وقدْ رُئي عليه إزار خَلَقٌ مرقوع ، فقيل له في ذلك ، فقال :

.

۹۹. يخشع له القلب وتذلُّ به النفس

۱۰۰. إنّ الدنيا والآخرة عدوّان

يَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ ، وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ ، وَيَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ .

الشّرْحُ:قد تقدم القولُ في هذا الباب ، وذكَرْنا أنّ الحكماء والعارفين فيه على قسمين : منهم من آثر لبسَ الأدْنى على الأعلى ، ومنهم من عكس الحال ، وكان عمرُ بنُ الخطاب من أصحاب المذهب الأوّل ، وكذلك أميرُ المؤمنين ، وهو شِعار عيسى بن مريمَ عليه السلام ، كان يلبسُ الصوف وغليظ الثياب ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلميلبس النَّوعين جميعا ، وأكثر لُبسِه كان الجيّد من الثياب مِثل أبراد اليمن ، وما شاكل ذلك ، وكانت مِلحفتُه مورَّسَةً حتى إنها لترتدِع على جِلده كما جاء في الحديث . ورُئيَ محمّد بن الحنفية عليه السلام واقفا بعرفات على بِرذون أصفر ، وعليه مُطْرَف خزٍّ أصْفر . وجاء فَرْقَد السَّبَخِيّ إلى الحسن (1)وعلى الحسَن مُطرف خَزٍّ ، فجعل يَنظُر إليه وعلى فَرْقد ثيابُ صوف ، فقال الحسن : ما بالُك تنظُر إليّ وعليّ ثيابُ أهلِ الجنّة ، وعليك ثيابُ أهلِ النار ! إن أحَدكم ليَجْعل الزهد في ثيابه والكِبْرَ في صَدْره ، فلَهُو أشدُّ عجبا بصوفه من صاحِبِ المُطرَف . وقال ابن السمَّـاك لأصحاب الصّوف : إن كان لباسُكم هذا مُوافِقا لسرائِركم فلقد أحببتم أن يطّلع الناسُ عليها ، ولئن كان مخالفا لها لقد هَلَكتم .

۱۰۰الأصْلُ:إِنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ ، وَسَبِيلاَنِ مُخْتَلِفَانِ ؛ فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلاَّهَا أَبَغَضَ الآخِرَةَ وَعَادَاهَا ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ الآخَرِ ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ .

.


1) .يعني به الحسن البصري .

۱۰۱. يا نوف أراقد أنت أم رامق

الشّرْحُ:هذا الفصل بَيّنٌ في نفسِه لا يَحتاج إلى شَرْح ، وذلك لأنّ عَمَل كلّ واحدة من الدارين مُضادٌّ لِعَمل الأُخرى ، فعَمَل هذا : الاكتساب ، والاضطراب في الرزق ، والاهتمام بأمر المعاش ، والولد والزوجة ، وما ناسَبَ ذلك . وعمل هذه : قَطْعُ العلائق ، ورفض الشهوات ، والانتصاب للعبادة ، وصَرْف الوجه عن كلّ ما يصدّ عن ذِكرِ اللّه تعالى ؛ ومعلومٌ أنّ هذين العَمَلين متضادّان ، فلا جَرَم كانت الدّنيا والآخرة ضرّتين لا يجتمعان!

۱۰۱الأصْلُ:وعن نوف البكّائي ـ وَقِيلَ البَكالِيّ باللاّمِ ؛ وَهُوَ الأصَح ـ قَالَ : رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة، وقد خرج من فراشه ، فنظر إلى النجوم ، فقال لي : يَا نَوفُ ، أرَاقِدٌ أَنْتَ أمْ رامِقٌ ؟ فقلت : بل رامِقٌ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ ؛ قال : يَا نَوْفُ ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا ، الرَّاغِبِينَ فِي الآخِرَةِ ، أُولئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً ، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً ، وَمَاءَهَا طِيباً ، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً ، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ، ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ . يَانَوْفَ ، إِنَّ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَامَ فِي مِثْلِ هذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ : إِنَّهَا لسَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً ، أَوْ عَرِيفاً ، أَوْ شُرْطِيّاً ، أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ ـ وَهِيَ الطُّنْبُورُ ـ أَوْ صَاحِبَ كَوْبَةٍ ، وَهِيَ الطَّبْلُ . وَقَدْ قِيلَ أيضا : إنَّ العَرْطَبَةَ الطَّبْلُ ، والكَوْبَةُ الطُّنْبُورُ (1).

.


1) .العشّار : من يتولّى أخذ أعشار الأموال ، وهو المكّاس . العريف : من يتجسس على أحوال الناس وأسرارهم ليكشفها لأميره . الشرطي : الذي يعاون الحاكم في ظلمه وينفّذ أمره . والعَرطَبَة : الطنبورُ بلغة الروم . الكوبة : الطبل الصغير المخصّر ، غنى بهما صاحب الملاهي .

۱۰۲. إنّ اللّه افترض عليكم فرائض

الشّرْحُ:قال صاحبُ الصّحاح : نَوْفُ البَكاليّ كان صاحبَ عليّ عليه السلام . وقال ثعلب : هو منسوبٌ إلى قبيلة تُدعَى بَكالة ، ولم يذكر من أيّ العرب هي ، والظاهر أنّها من الَيمَن . قوله : أم رامق ، أي أم مستيقِظٌ تَرمُق السماءَ والنجومَ ببَصَرِك . قوله : قَرَضوا الدّنيا ، أي تَرَكوها وخَلّفوها وراءَ ظهورِهم ، قال تعالى : «وَإذَا غَرَبَت تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمالِ» (1)أيتَترُكهُم وتَخلفُهم شمالاً ، ويقول الرجل لصاحبه : هل مَررتَ بمكانِ كذا ، يقول : نَعَم قرَضْته ليلاً ذاتَ الَيمين .

۱۰۲الأصْلُ:إِنَّ اللّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ فَرَائِضَ ، فَـلاَ تُضَيِّعُوهَا ؛ وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً ، فَـلاَ تَعْتَدُوهَا ؛ وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ ، فَـلاَ تَنْتَهِكُوهَا ؛ وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً ، فَـلاَ تَتَكَلَّفُوهَا (2).

الشّرْحُ:قال اللّه تعالى : «لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤكُمْ» (3). وجاء في الأثر : أبهِموا ما

.


1) .سورة الكهف ۱۷ .

2) .قوله عليه السلام : « وسكت لكم عن أشياء ... » ، هذا ردّ على المجادلين الذين يكلّفون أنفسهم معرفة ما لم يكلّفْهم اللّه تعالى به . وأراد بالسكوت أنّه لم يذكر ولم يأمر بالبحث عنه . فلا تتكلّفوها ، أي لا تطلبوا حكمها وحقيقتها . معارج النهج للبيهقي ص۸۱۳ .

3) .سورة المائدة ۱۰۱ .

۱۰۳. لايترك النّاس شيئاً

۱۰۴. رُبّ عالم قد قتله جهله

أبهَم اللّه . وقال بعضُ الصالحين لبعض الفقهاء : لِمَ تفرض مسائل لَمْ تَقَع وأتعبت فيها فكرَك ! حَسْبُك بالمتداوَل بين الناس . قالوا : هذا مِثلُ قولِهم في باب المَسْح على الخُفّين : فإنْ مَسَح على خفّ من زُجاج ؛ ونحو ذلك من النّوادر الغريبة .

۱۰۳الأصْلُ:لاَ يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاِسْتِصْلاَحِ دُنْيَاهُمْ إلاَّ فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ .

الشّرْحُ:مثالُ ذلك إنسان يضيِّع وقتَ صلاةِ الفريضة عليه ، وهو مشتغِل بمحاسَبةِ وَكيله ومخافتهِ على مالِه ، خوفا أن يكون خانَه في شيء منه ، فهو يَحرِص على مناقَشتِه عليه ، فتفوته الصّلاة . قال عليه السلام : مَن فَعَلَ مِثلَ هذا فتَحَ اللّه عليه في أمرِ دُنْياه ومالِه ما هو أضرّ عليه ممّا رام أن يَستدرِكَه بإهماله الفريضة .

۱۰۴الأصْلُ:رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ ، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لاَ يَنْفَعُهُ ۱ .

.

۱۰۵. لقد عُلّق بنياط هذا الإنسان

الشّرْحُ:قد وَقع مِثلُ هذا كثيراً ، كما جَرَى لعبد اللّه بن المقفَّع ، وفضلُه مشهور ، وحِكمتُه أشهر من أن تذكر .

۱۰۵الأصْلُ:لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هذَا الاْءِنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ ؛ وَهُوَ الْقَلْبُ . وَ ذلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَأَضْدَادٌ مِنْ خِلاَفِهَا ؛ فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ ، وَإِنْ مَلَكَهُ الْيَأسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ ، وإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرِّضا نَسِيَ التَّحَفُّظَ ، وَإِنْ غَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحَذَرُ ، وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْأَمْنُ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ ، وَإِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ الْغِنَى ، وَإِنْ عَضَّتْهُ الْفَاقَةُ شَغَلَهُ الْبَلاَءُ ، وَإِنْ جَهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَت بِهِ الضَّعَةُ ، وَإِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشِّبَعُ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ .

الشّرْحُ:رُوِي : «قَعَد به الضّعف» . والنِّياط : عِرْق عُلّق به القلب من الوَتين ، فإذا قُطِع ماتَ صاحبُة ، ويقال له : النّيط أيضا . والبَضْعَة بفتح الباءَ : القِطْعة من اللّحم ، والمراد بها هاهنا القلب ؛ قال :

.

۱۰۶. نحن النُّمرقة الوسطى

يعتَوِر القلبَ حالاتٌ مختلفاتٌ متضادّات ، فبعضُها من الحِكْمة ، وبعضُها ـ وهو المضادّ لها ـ منافٍ للحكمة ، ولم يذكُرْها عليه السلام ، وليست الأُمورُ الّتي عدّدها شرحا لِما قدّمه من هذا الكلام الُمجمَل ، وإن ظَنّ قومٌ أنه أراد ذلك ، ألا تَرَى أنّ الأُمورَ الّتي عدّدها ليس فيها شيءٌ من باب الحِكمة وخلافِها! فإن قلت : فما مِثالُ الحِكمة وخلافها ، وإن لم يذكر عليه السلام مثاله؟ قلت : كالشجاعة في القَلْب وضِدّهها الجُبْن ، وكالجُود وضدّه البُخْل ، وكالعِفّة وضدّها الفُجُور ، ونحو ذلك . فأمّا الأُمور الّتي عدّدها عليه السلام فكلامٌ مستأنَف ، إنّما هو بيانُ أنّ كلّ شيء ممّا يتعلّق بالقلب يَلزَمه لازِمٌ آخر نحوُ الرجاء ، فإنّ الإنسان إذا اشتدّ رجاؤه أذلّه الطمع ، والطّمع يَتْبع الرّجاء ، والفَرْق بين الطمع والرّجاء أنّ الرّجاء توقُّع منفَعَة ممّن سبيلُه أن تَصدُر تلك المَنفعَة عنه ، والطمع توقُّعُ منفَعةٍ ممّن يُستبعَد وُقوعُ تلك المنفعة منه ؛ ثم قال : وإن هاج به الطمع قَتَله الحِرْص ، وذلك لأنّ الحرْص يَتْبع الطّمع ، إذا لم يَعلَم الطامعُ أنّه طامع ، وإنّما يَظُن أنّه راج . ثم قال : وإن مَلَكه اليأس ، قَتَله الأسَف ، أكثَرُ الناسِ إذا يَئِسوا أسِفوا . ثم عدّد الأخلاقَ وغيرَها من الأُمور الواردة في الفَصْل إلى آخره ، ثمّ خَتَمه بأن قال : « فكلُّ تقصيرٍ به مُضِرّ ، وكلّ إفراطٍ له مفسِد» ؛ وقد سَبَق كلامُنا في العدَالة ، وإنّها الدّرجة الوسطى بينَ طرَفين هما رَذِيلتان ، والعَدالة هي الفضيلة ، كالجُود الذي يكتنِفه التّبذير والإمساك ، والذّكاء الّذي يَكتنِفه الغبَاوة . والجَرْبزة (1)، والشجاعة الّتي يَكتنِفها الهَوَج والجُبْن ، وشَرَحْنا ما قالَه الحُكَماء في ذلك شرحا كافيا ، فلا مَعْنَى لإعادتِه .

۱۰۶الأصْلُ:نَحْنُ النُمْرُقَةُ الْوُسْطَى ، بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي ، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي .

.


1) .الجربزة : الخب والخديعة .

۱۰۷. لا يقيم أمر اللّه سبحانه إلاّ

الشّرْحُ:النُّـمرق والنّـمرُقة بالضم فيهما : وِسادةٌ صغيرةٌ ، ويجوز النَّـمرِقة بالكسر فيهما ؛ ويقال للطِّنْفسة فوقَ الرّحل نُمْرقة . والمعنى أنّ كلّ فضيلة فإنّها مجنّحة بطَرَفَين معدُودَين من الرّذائل كما أوضحناه آنِفا ، والمراد أنَّ آل محمد عليه وعليهم السلام هم الأمرُ المتوسّط بين الطّرفين المذمومين ، فكلُّ مَن جاوَزَهم فالواجب أن يَرجِع إليهم ، وكلّ من قَصّر عنهم فالواجبُ أن يَلحَق بهم . فإن قلت : فلمَ استعار لفظَ النّـمرقة لهذا المعنى؟ قلت : لمّا كانوا يقولون : قد رَكِب فلانٌ من الأمر مُنكَراً وقد ارتَكَب الرأيَ الفلانيّ ، وكانت الطِّنفِسة فوق الرّحل ممّا يُركَب ، استعارَ لَفظَ النّـمرقة لما يراه الإنسانُ مَذهَبا يَرجِع إليه ويكون كالرّاكب له ، والجالِس عليه ، والمتورِّك فوقَه . ويجوز أيضا أن تكون لفظة «الوُسْطَى» يراد بها الفُضْلى ؛ يقال : هذه هي الطريقةُ الوُسْطى ، والخَليقةُ الوسطى ، أي الفضلى ، ومنه قولُه تعالى : «قَالَ أوْسَطُهُمْ» (1)، أي أفضلهُم ، ومنه : «جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطا» (2).

۱۰۷الأصْلُ:لاَ يُقِيمُ أَمْرَ اللّهِ سُبْحَانَهُ إِلاَّ مَنْ لاَ يُصَانِعُ ، وَلاَ يُضَارِعُ ، وَلاَ يَتَّبِـعُ الْمَطَامِعَ .

الشّرْحُ:المُصانَعة : بَذْل الرِّشْوة . وفي المَثَل : مَن صَانَع بالمال ، لم يَحتشِم مِن طَلَب الحاجة . فإن قلت : كان ينبغي أن يقول : «من لا يصانَع» بالفتح .

.


1) .سورة القلم ۲۸ .

2) .سورة البقرة ۱۴۳ .

۱۰۸. لو أحبّني جبلٌ لتهافت

قلتُ : المُفاعَلة تدلّ عَلَى كون الفعل بين الاثنين كالمُضارَبة والمُقاتَلة . ويضارع : يتعرّض لطَلَب الحاجَة ؛ ويجوز أن يكون من الضّراعة وهي الخُضوع ، أي يخضعُ لزَيدٍ ليَخضَع زيدٌ له ؛ ويجوز أن يكون من المضارَعة بمعنى المشابَهة ، أي لا يتشبّه بأئمّة الحقّ أو وُلاة الحَقّ ، وليس منهم . وأمّا اتّباع المَطامِع فمعروف .

۱۰۸الأصْلُ:وقال عليه السلام ـ وقد توفي سهل بن حُنَيْفٍ الأنصاري بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين ، وكان أحب الناس إليه ـ:لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ . قال الرضي رحمه الله : ومعنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه ، فتسرع المصائب إليه ، ولا يفعل ذلك إلاّ بالأتقياء الأبرار والمصطفين الأخيار ، وهذا مثل قوله عليه السلام : « مَنْ أحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً» ، وقد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره .

الشّرْحُ:قد ثبت أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قال له : «لا يُحبّك إلاّ مؤمن ؛ ولاَ يَبغَضكَ إلاّ مُنافق » . وقد ثَبَتَ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قال : «إنّ البَلوَى أسرَعُ إلى المؤمن من الماءِ إلى الحدُور» . وفي حَديثٍ آخَرَ : «المؤمنُ مُلَقّىً ، والكافرُ مُوَقّىً» . وفي حديثٍ آخر : «خيرُكم عند اللّه أعظمُكم مصائبَ في نفسِه ومالِه وولدِه » . وهاتان المقدّمتان يَلزَمهما نتيجة صادقة ، وهي أنه عليه السلام لو أحبّه جبلٌ لتَهافَت ولعلّ هذا

.

۱۰۹. لا مال أعود من العقل

هو مرادُ الرضيّ بقوله : وقد يؤوَّل ذلك على معنىً آخرَ ليس هذا موضع ذِكره (1).

۱۰۹الأصْلُ:لاَ مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ ، وَلاَ وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ ، وَلاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَلاَ كَرَمَ كَالتَّقْوَى ، وَلاَ قَرِينَ كَحُسْنِ الْخُلْقِ ، وَلاَ مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ ، وَلاَ قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ ، وَلاَ تِجَارَةَ كالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَلاَ زَرْعَ كَالثَّوَابِ ، وَلاَ وَرَعَ كالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ ، وَلاَ زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ ، وَلاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ ، وَلاَ عِبَادَةَ كَأَدَاءِ الْفَرائِض . وَلاَ إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَالصَّبْرِ ، وَلاَ حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ ، وَلاَ شَرَفَ كَالْعِلْمِ ، وَلاَ عِزَّ كالْحِلْمِ ، وَلاَ مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلامُ في جميع هذه الحكم . أما المال ، فإنّ العقل أعوَدُ منه ؛ لأنّ الأحمق ذا المال طالما ذهب مالُه بحمْقه ، فعادَ أحمقَ فقيرا ، والعاقل الذي لا مال له طالما اكتسب المال بعقله ، وبقي عقلُه عليه . وأمّا العُجْب ، فيوجب المَقْت ، ومن مُقِت أُفرد عن المخالطة واستوحِش منه ، ولا رَيْب أن التدبير هو أفضلُ العقل ؛ لأنّ العيش كله في التدبير . وأمّا التقوى ، فقد قال اللّه : «إنّ أكرمَكُمْ عنْدَ اللّه أتْقاكُمْ» (2).

.


1) .ذكر السيد المرتضى في تأويل كلام الإمام عليه السلام : (من أحبنا أهل البيت فليتخذ للفقر جلباباً) وجوهاً ثلاثة ، والأخير ـ وهو مختاره ـ من أحبنا فليلزُم نفسه وليَخْطِمْها وليَقُدْها إلى الطاعاتِ ، ويصرفها عما تميل إليه من الشهوات ، وليُذلِّلها على الصبر عما كُرِه منها ، ومشَقَّةِ ما أُريد منها ، كما يفعل ذلك بالبعير الصعب . أمالي المرتضى ۱:۱۸ المجلس الثاني .

2) .سورة الحجرات ۱۳ .

۱۱۰. إذا استولى الصّلاح على الزمان

وأمّا الأدب ، فقالت الحكماء : ما وَرَّثتِ الآباءُ أبناءها كالأدب . وأمّا التوفيق ، فمن لم يكن قائده ضَلّ . وأمّا العمل الصالح ، فإنه أشرفُ التجارات ، فقد قال اللّه تعالى : «هَلْ أَدُلُّكُمْ على تِجَارةٍ تُنْجِيكم مِن عذاب أليمٍ» (1)، ثم عدّ الأعمال الصالحة . وأمّا الثواب ، فهو الربح الحقيقي ، وأمّا ربح الدنيا فشبيهٌ بحلم النائم . وأمّا الوقوف عند الشُّبُهات ، فهو حقيقةُ الوَرَع ، ولا رَيْب أنّ من يزْهد في الحرام أفضل ممن يزهد في المباحات ، كالمآكل اللذيذة ، والملابس الناعمة ، وقد وَصَف اللّه تعالى أرباب التفكّر فقال : «ويتفكّرُونَ في خَلْقِ السَّموات وَالأَرْض» (2). وقال : «أوَلَمْ يَنْظُروا» . ولا ريبَ أن العبادة بأداء الفرائض فوق العبادة بالنوافل ، والحياءُ مخّ الإيمان ، وكذلك الصبر والتواضُع مَصْيدة الشرف ، وذلك هو الحسب ، وأشرف الأشياء العلم ؛ لأنّه خاصّة الإنسان ، وبه يَقَع الفَضْل بينه وبين سائر الحيوان . والمشورة من الحَزْم فإنّ عقل غيرك تستضيفُه إلى عقلك . ومن كلام بعض الحكماء : إذا استشارَك عدوُّك في الأمر فامحَضْه النصيحة في الرأي ، فإنه إنْ عمل برأيك وانتفع نَدِم على إفراطه في مُناوأتك ، وأفْضَتْ عداوتُه إلى المودّة ، وإن خالفَك واستضرّ عرف قدر أمانتك بنُصْحه ، وبَلغْت مُناك في مَكروهه .

۱۱۰الأصْلُ:إِذَا اسْتَوْلَى الصَّلاَحُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ ، ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ ، حَوْبَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ ! وإِذَا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وأَهْلِهِ ، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ ، فَقَدْ غَرَّرَ!

.


1) .سورة الصف ۱۰ .

2) .سورة آل عمران ۱۹۱ .

۱۱۱. كيف يكون حال من ينفى

الشّرْحُ:يريد أنّه يتعيّن على العاقل سوء الظنّ حيث الزمان فاسد ، ولا ينبغي له سوء الظّن حيثُ الزمان صالح ، وقد جاء في الخبر المرفوع النهي عن أن يظنّ المسلم بالمسلم ظَنّ السوْء ، وذلك محمولٌ على المسلم الذي لم تظهر منه حَوْبة ، كما أشار إليه عليٌّ عليه السلام ؛ والحوْبة : المعصية ، والخبر هو ما رواه جابر قال : نظر رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم إلى الكعبة فقال : «مرحبا بكِ من بيتٍ ! ما أعظمك وأعظم حُرْمَتك ! واللّه إن المؤمن أعظمُ حرمةً منكِ عند اللّه عزّ وجلّ ، لأنّ اللّه حَرَّم منكِ واحدةً ، ومن المؤمن ثلاثة : دمَه وماله وأن يظن به ظنّ السوء» . قال الشاعر : أسأتُ إذْ أحسنتُ ظنِّي بكمْوالحزمُ سوءُ الظّنّ بالناسِ قيل لعالِم : من أسوأُ الناس حالاً ؟ قال : من لا يثق بأحدٍ لسوء ظَنّه ، ولا يثق به أحد لسُوء فعله .

۱۱۱الأصْلُ:وقيل له عليه السلام : كيف نجدك يا أَمير المؤمنين ؟ فقال : كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ وَيَسْقَمُ بِصِحَّتِهِ وَيُؤْتَى مِنْ مَأمَنِهِ (1)!

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قَوْلِ عَبَدَة بن الطّبيب : أرَى بَصرِي قد رَابَنِي بَعْد صِحّةٍوحَسْبُكَ داءً أن تَصِحّ وَتَسلَمَا ولن يَلبثَ العَصْرانِ يومٌ وليلةٌإذا طَلَبا أن يُدرِكا ما تيمّما

.


1) .كلما طال عمره ـ وهو الحياة ـ تقدّم إلى الفناء ، وسبب السقم ( المرض ) الصحة . يؤتى من مأمنه ، أي من حيث لا يحتسب أنّه يموت في الساعة التي مات فيها .

۱۱۲. كم من مستدرج بالإحسان إليه

۱۱۳. هلك فيّ رجلان

۴۱۸. التّقى رئيس الأخلاق

وقال آخَر : كانت قَناتِي لا تَلينُ لِغامزٍفألانَها الإصْباحُ والإمْساءُ ودعوتُ ربّي بالسلامةِ جاهداليُصِحّني فإذا السّلامةُ داءُ

۱۱۲الأصْلُ:كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالاْءِحْسَان إلَيْهِ ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ ! وَمَا ابْتَلَى اللّهُ أَحَداً بِمِثْلِ الاْءِمْلاَءِ لَهُ (1).

الشّرْحُ:قال رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم لرجلٍ مَدَح رجلاً وقد مَرّ بمجلس رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم فلم يسمع ، ولكن قال : «وَيحَك لكدتَ تَضرِب عنقَه ، لو سَمِعها لما أفلح» .

۱۱۳الأصْلُ:هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ : مُحِبٌّ غَالٍ ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ (2).

.


1) .المستدرج : المأخوذ على غرّة ، واستدرجه اللّه ، أي تابع نعمته عليه وهو مقيم على عصيانه ، إبلاغا للحجة ، وإقامة للمعذرة في أخذه . المفتون : المبتلى . الإملاء : الإمهال ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً» سورة آل عمران ۱۷۸ .

2) .فسّره الإمام عليه السلام بقوله في الخطبة ۱۲۵ : «سيهلك فيّ صنفان : محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحق ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق . وخير الناس فيّ حالاً النمط الأوسط فالزموه» .

۱۱۴. إضاعة الفرصة غُصّةٌ

۱۱۵. مثل الدنيا كمثل الحيّة

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في مِثل هذا ، وقد قال رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «واللّه لولا أنّي أُشفِق أن تقولَ طوائفُ من أُمّتي فيكَ ما قالت النصارى في ابنِ مريَم ، لقلتُ فيك اليومَ مقالاً لا تمرّ بأحدٍ من الناس إلاّ أخَذوا التّرابَ من تحتِ قَدَميك للبَرَكة» . ومع كَونِه صلى الله عليه و آله وسلم لَم يُقل فيه ذلك المَقَال فقد غَلَت فيه غُلاةٌ كثيرةُ العَدَد منتشِرة في الدنيا ، يعتقِدون فيه ما يَعتقِد النصارى في ابن مريم ، وأشنَع من ذلك الاعتقاد . فأمّا المُبغض القالي فقد رأيْنا مَنْ يبغضه ، ولكن ما رأينا من يَلعَنه ويصرّح بالبراءة منه ، ويقال : إنّ في عُمَان وما والاها من صَحارِي وما يَجرِي مَجرَاها قوما يعتقدون فيه ما كانت الخوارجُ تعتقِده فيه ، وأنا أبرأ إلى اللّه منهما .

۱۱۴الأصْلُ:إِضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ .

الشّرْحُ:فِي المَثَل : انتهِزوا الفُرَص ، فإنّها تمرّ مَرّ السّحاب .

۱۱۵الأصْلُ:مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا ، وَالسُّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا ؛ يَهْوِي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْجَاهِلُ ، وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ .

.

۱۱۶. أمّا بنو مخزوم فريحانة قريش

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في الدنيا مِرارا ، وقد أخَذ أبو العَتاهِيَة هذا المعنى فقال : إنّما الدهرُ أرقَمٌ ليّنُ المَــسّ وفي نابِه السِّقامُ العُقامُ

۱۱۶الأصْلُ:وَقَدْ سُئِل عن قريش فقال : أَمَّا بَنُو مَخْزُوم فَرَيْحَانَةُ قُرَيْش ، نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ ، وَالنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ . وَأَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْس فَأَبْعَدُهَا رَأياً ، وَأمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا . وَأَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا ، وَأَسْمَحُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا ، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَمْكَرُ وَأَنْكَرُ ، وَنَحْنُ أَفْصَحُ وَأَنْصَحُ وَأَصْبَحُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في مُفاخَرة هاشم وعبدِ شمس ، فأمّا بنو مخزوم فإنّهم بعد هذين البيتين أفخرُ قُرَيش وأعظمُها شرفا . ويُمكِن أن يُزاد عليه فيقال : قالتْ مخزوم ما أنصَفَنا من اقتَصَر في ذكْرِنا على أن قال : مخزوم ريحانةُ قُرَيش ، نحبّ حديثَ رجالِهم ، والنّكاحَ في نسائهم . ولنا في الجاهليّة والإسلام أثَر عظيم ، ورجالٌ كثيرة ، ورؤساءُ شهيرة ، فمِنّا المغيرةُ بنُ عبد اللّه بن عمْرو بنِ مخزوم ، كان سيّدَ قريش في الجاهليّة . وينبغي أن يقال في الجواب : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يقل هذا الكلام احتقارا لهم ، ولا استصغارا لشأنهم ، ولكن أمير المؤمنين عليه السلام كان أكثر همّه يوم المُفاخَرة أن يُفاخر بني عبد شمس لما بينه وبينهم ، فلما ذكر مخزوما بالعرَض قال فيهم ما قال ، ولو كان يريد مفاخرتهم لما اقتصر لهم على ما ذكره عنهم ، على أنّ أكثر هؤلاء الرجال إسلاميّون بعد عصر

.

۱۱۷. شتّان ما بين عملين

۱۱۸. كأنّ الموت فيها على غيرنا كُتب

عليّ عليه السلام ، وعليّ عليه السلام إنما يذكر من قبله لا من يجيء بعده . فإن قلت : إذا كان قد قال في بني عبدِ شَمْس إنهم أمنَع لما وراءَ ظهورهم ، ثم قال في بني هاشم : إنهم أسمحُ عند الموت بنفوسهم ، فقد تناقض الوَصْفان . قلتُ : لا مُناقضةَ بينهما ؛ لأنّه أراد كثرة بني عبدِ شمس ، فبالكَثْرة تمنع ما وراءَ ظهورها ، وكان بنو هاشم أقلَ عددا من بني عبدِ شمس ، إلاّ أن كلّ واحد منهم على انفراده أشجع وأسمح بنفسه عند الموت من كلّ واحد على انفراده من بني عبدِ شمس ، فقد بان أنه لا مناقَضة بين القولين .

۱۱۷الأصْلُ:شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ ؛ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ ؛ وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ .

الشّرْحُ:أخذ هذا المعنى بعضُ الشعراء ، فقال : تفْنَى اللّذاذَةُ مِمّن نَال بُغْيَتَهُمن الحرَام ويبقى الإثمُ والعارُ تُبقِي عواقبَ سوءٍ في مَغَبَّتِهالا خيرَ في لذّةٍ من بعدِها النّارُ

۱۱۸الأصْلُ:وقالَ عليه السلام وقدْ تبع جنازة فسمع رجلاً يَضحك ، فقال : كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ ، وَكَأَنَّ الَّذِي

.

۱۱۹. غيرة المرأة كفرٌ

نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ! نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ ، كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ ! ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ وَوَاعِظَةٍ ، وَرُمِينَا بِكُلِّ فَادِحٍ وَجَائِحَةٍ . طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ ، وَطَابَ كَسْبُهُ ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاس شَرَّهُ ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى بِدْعَةِ (1). قال الرضي رحمه الله : أقولُ : ومِنَ الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وكذلك الذي قبله .

الشّرْحُ:الأشهر الأكثَر في الرّواية أنّ هذا الكلام من كلام رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ومِثل قوله : «كأن الموت فيها على غيرنا كُتِب» قولُ الحسن عليه السلام : «ما رأيت حَقّا لا باطلَ فيه أشبَه بباطلٍ لا حَقّ فيه من المَوْت» . والألْفاظ التي بعده واضحة ليس فيها ما يُشْرَح ، وقد تقدّم ذِكرُ نظائرها.

۱۱۹الأصْلُ:غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ ، وَغْيْرَةُ الرَّجُلِ إيمَانٌ .

الشّرْحُ:المرجع في هذا إلى العَقْل والتماسك ، فلمّا كان الرجل أعقَل وأشدّ تماسُكا كانت غَيْرَته في موضعها ، وكانت واجبةً عليه ؛ لأنّ النهي عن المنكَر واجب ، وفعل الواجبات من الإيمان ، وأمّا المرأة فلما كانت أنقَصَ عقْلاً وأقلَّ صَبْرا كانت غَيْرَتها على الوَهْم الباطل والخيال غير

.


1) .سَفْر : أي مسافرون . نُبوِّئهُمْ : ننزلهم . أجداثهم : قبورهم . الجائحة : البليّة والتهلكة .

۱۲۰. لأنسبنّ الإسلام نسبةً

المحقَّق ، فكانت قبيحةً لوقوعها غير موقعها ، وسمّـاها عليه السلام كُفْرا لمشارَكَتها الكُفْرَ في القُبْح فأجرى عليها اسمَه . وأيضا فإن المرأة قد تؤدِّي بها الغيرةُ إلى ما يكون كُفْرا على الحقيقة كالسِّحْر ، فقد وَرَد في الحديث المرفوع أنه كُفْر ، وقد يُفضى بها الضَّجَر والقَلَق إلى أن تَتسَخّط وتَشْتُم وتتلفّظ بألفاظٍ تكون كُفرا لا محالة .

۱۲۰الأصْلُ:لَأَنْسُبَنَّ الاْءِسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي: الاْءِسْلاَمُ هُوَ التَّسْلِيمُ ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الاْءِقْرَارُ ، وَالاْءِقْرَارُ هُوَ الْأَدَاءُ ، وَالْأَدَاءُ هَوَ الْعَمَلُ .

الشّرْحُ:خلاصةُ هذا الفَصْل تقتضي أنّ الإسلام والإيمان عبارتان عن معبّر واحد ، وأنّ العمل داخلٌ في مفهومِ هذه اللفظة ، ألا تراه جَعَل كلَّ واحدة من اللَّفَظات قائمةً مقامَ الأُخرى في إفادة المفهوم ، كما تقول : اللّيث هو الأسَدُ والأسد هو السّبع ، والسبع هو أبو الحارث ! فلا شُبهةَ أن اللّيث يكون أبا الحارث ، أي أنّ الأسماء مترادفة ، فإذا كان أوّل اللَّفظَات الإسلام ، وآخرها العَمل ، دَلّ على أنّ العمل هو الإسلام ؛ وهكذا تقول أصحابُنا : إنّ تارك العمل وتارك الواجب لا يسمَّى مسلما . فإن قلت : هَبْ أنّ كلامَه عليه السلام يدلّ على ما قلت ، كيف يدلّ على أن الإسلام هو الإيمان ؟ قلت : لأنّه إذا دَلّ على أن العمل هو الإسلام وَجَب أن يكون الإيمان هو الإسلام ؛ لأنّ كلّ من قال : إنّ العمل داخل في مُسمَّى الإسلام ، قال : إنّ الإسلام هو الإيمان ، فالقول بأنّ العمل داخلٌ في مسمَّى الإسلام ، وليس الإسلام هو الإيمان ، قول لم يَقُل به أحد ؛ فيكون الإجماع

.

۱۲۱. عجبتُ للبخيل

واقعا على بُطْلانه . فإن قلت : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يقل كما تقوله المعتزلة ؛ لأنّ المعتزلة تقول : الإسلامُ اسمٌ واقعٌ على العَمَل وغيرِه من الاعتقاد ، والنطق باللسان ، وأمير المؤمنين عليه السلام جَعل الإسلامَ هو العمل فقط ، فكيف ادّعيتَ أنّ قولَ أميرِ المؤمنين عليه السلام يُطابق مذهبهم؟ قلت : لا يجوز أن يريد غيره ؛ لأنّ لفظ العَمَل يشمل الاعتقاد ، والنطق باللسان ، وحركات الأركان بالعبادات ، إذ كلُّ ذلك عملٌ وفِعْل ، وإن كان بعضه من أفعال القلوب ، وبعضه من أفعال الجوارح ، ولو لم يُرِد أميرُ المؤمنين عليه السلام ما شرَحْناه لكان قد قال : الإسلام هو العمل بالأركان خاصة ، ولم يعتبر فيه الاعتقاد القلبيّ ، ولا النطق اللفظيّ ، وذلك مما لا يقوله أحد .

۱۲۱الأصْلُ:عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الذِي مِنْهُ هَرَبَ ، وَيَفُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ ، وَيُحَاسَبُ فِي الاْخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ ، وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالأَمْس نُطْفَةً ، وَيَكُونُ غَداً جِيفَةً ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِى اللّهِ وَهُوَ يَرَى خَلْقَ اللّهِ ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ وَهُوَ يَرَى مَنْ يمُوتُ ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى ، وَعَجِبْتُ لِعَامِرِ دَارِ الْفَنَاءِ وَتَارِكِ دَارِ الْبَقَاءِ .

الشّرْحُ:قال أعرابيّ : الرِّزق الواسعُ لمن لا يَستمتِع به بمنزلة الطعامِ الموضوعِ على قبْر . ورأى حكيمٌ رجلاً مُثرِيا يأكل خُبْزا ومِلْحا ، فقال : لِمَ تَفعَل هذا ؟ قال : أخافُ الفقرَ ، قال : فقد تعجَّلتَه . فأمّا القول في الكِبْر والتِّيه فقد تقدّم منه ما فيه كفاية (1).

.


1) .الفقر ما قصر بك عن درك حاجتك . والبخيل تكون له الحاجة فلا يقضيها ويكون عليه الحق فلا يؤديه ؛ فحاله حال الفقراء يحتمل ما يحتملون . واستعجاله بالفقر ؛ لعدم انتفاعه بماله حتى كأنه فقير . وقد ذكر عليه السلام محل العجب من هؤلاء الأربعة تنفيرا عنهم .

۱۲۲. من قصّر في العمل

۱۲۳. لا حاجة للّه فيمن

۱۲۲الأصْلُ:مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ ، ابْتُلِيَ بِالْهَمِّ .

الشّرْحُ:هذا مخصوصٌ بأصحاب اليقين ، والاعتقادِ الصّحيح ، فإنّهم الّذين إذا قَصّروا في العمل ابتُلوا بالهَمّ ، فأمّا غيرُهم من المُسرِفين على أنفسهم وذوي النّقص في اليَقين والاعتقاد ، فإنّه لا هَمَّ يَعْرُوهم وإن قَصّروا في العمل ، وهذه الكلمة قد جَرّبْناها من أنفسِنا فوَجَدْنا مِصداقَها واضحا ، وذلك أنّ الواحد منّا إذا أخَلّ بفريضةِ الظّهر مَثَلاً حتّى تغيبَ الشمس وإن كان أخلّ بها لعُذْر وَجَد ثِقْلاً في نفسِه وكَسَلاً وقِلّةَ نَشاط ، وكأنّه مشكولٌ بشِكالٍ أو مقيَّدٌ بقَيْد ، حتّى يقضيَ تلك الفَرِيضة ، فكأنّما أُنشِطَ من عِقال .

۱۲۳الأصْلُ:لاَ حَاجَةَ للّهِ فِيمَنْ لَيْسَ للّهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ نَصِيبٌ .

الشّرْحُ:قد جاء في الخبر المرفوع : «إذا أحَبَّ اللّهُ عبدا ابتلاَه في مالِه أو في نفسِه» . وجاء في الحديث المرفوع : «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من جَسَدٍ لا يَمرَض ، ومن مالٍ لا يُصاب» .

.

۱۲۴. توقّوا البرد في أوّله

ورَوَى عبدُ اللّه بنُ أنَس عنه صلى الله عليه و آله وسلم أنّهُ قال : «أيّكم يُحِبّ أن يَصِحَّ فلا يَسقَم » ؟ قالوا : كلُّنا يا رسولَ اللّه ، قال : «أتحبّون أن تكونوا كالحُمُر الصائلة ؛ ألا تُحِبّون أن تكونوا أصحابَ بَلايَا وأصحابَ كَفّارات ! والّذي بَعثَني بالحقّ إنّ الرجل لتكونُ له الدّرجة في الجنّة فلا يَبلُغها بشيء من عَمَلِه فيَبتَلِيه اللّهُ ليُبلِّغه اللّه درجةً لا يَبلُغها بعمَله» . وفي الحديث أيضا : «ما مِن مُسلِم يَمرَض مرضا إلاّ حَتّ اللّه به خَطَاياه كما تَحُتّ الشجرة وَرَقَها» . وجاء في بعض الآثار : «أشدّ الناس حسابا الصحيحُ الفارغ» . وفي حديث حذيفةَ رضى الله عنه : إنّ أقَرَّ يوم لعيني لَيَوْمٌ لا أجد فيه طعاما ، سمعتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلميقول : «إنّ اللّه ليَتعاهَد عبدَه المؤمنَ بالبلاء كما يَتعاهَد الوَالد ولدَه بالطّعام ، وإنّ اللّه يَحمِي عبدَهُ المؤمنَ كما يَحمِي أحدُكم المريض من الطعام» . جابرُ بنُ عبد اللّه يَرفعه : «يَوَدّ أهل العافِية يومَ القيامة أنّ لحومَهم كانت تُقرَض بالمَقارِيض لما يَرَوْن من ثواب أهلِ البَلاء» .

۱۲۴الأصْلُ:تَوَقَّوُا الْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ ؛ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الْأَشْجَارِ ، أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَآخِرُهُ يُورقُ .

الشّرْحُ:هذه مسألةٌ طبيعيّة قد ذَكَرها الحكماء ، قالوا : لمّا كان تأثيرُ الخَرِيف في الأبدان ، وتوليدُه الأمْراض كالزُّكام والسُّعال وغيرهما أكثرَ من تأثيرِ الرّبيع ، مع أنّهما جميعا فَصْلا اعتدال ، وأجابوا بأنّ بَرْد الخريف يَفْجأ الانسانَ وهو معتادٌ لحرّالصّيف فينكأ فيه، ويسُدّ مَسامَّ دِماغه؛ لأنّ البرد يَكثُف ويَسُدّ المَسَامّ فيكون كمن دَخَل من موضع شديدِ الحرارة إلى خيش بارد . فأما المُنتقِل من الشّتاء إلى فَصْل الربيع فإنّه لا يكاد بَرْد الربيع يؤْذِيه ذلك الأذى ؛ لأنّه قد اعتاد جسمُه بردَ الشتاء ، فلا يُصادِف من بَرْد الربيع إلاّ ما قد اعتاد ما هو أكثر منه ، فلا يَظهَر

.

۱۲۵. عظم الخالق عندك

۱۲۶. يا أهل الدّيار الموحشة

لبَرْد الربيع تأثيرٌ في مِزاجِه .

۱۲۵الأصْلُ:عِظَمُ الْخالِقِ عِنْدَكَ يُصَغِّرُ الَْمخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ .

الشّرْحُ:لا نِسبَة للمخلوق إلى الخالق أصْلاً وخصوصا البَشَر . وعلى الجملة فالأمرُ أعظَم من كلّ عظيم ، وأجلُّ من كلّ جليل ، ولا طاقةَ للعُقول والأذْهان أن تعبِّر عن جلالة ذلك الجناب وعَظَمتِه ، بل لو قيل : إنّها لا طاقة لها أن تعبِّر عن جلالِ مَصْنوعاته الأُولَى المتقدِّمة علينا بالرّتبة العقليّة والزمانيّة لكان ذلك القولُ حقّا وصِدْقا ، فَمن هو المخلوق لِيقال : إنَّ عِظَمَ الخالِق يصغّره في العين ! ولكنّ كلامَه عليه السلام محمولٌ على مخاطَبة العامّة الّذين تَضيق أفهامُهمْ عمّا ذكرْناه .

۱۲۶الأصْلُ:وقال عليه السلام ، وقد رجع من صفين ، فأَشرف على القبور بظاهر الكوفة:يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ ، وَالمحَالِّ الْمُقْفِرَةِ ، وَالْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ ؛ يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ ، أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ ، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ ،

.

۱۲۷. أيّها الذامُّ للدّنيا

هذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا ، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ (1)؟ ثم التفت إلى أَصحابه فقال : أَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَـلاَمِ ، لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى .

الشّرْحُ:الفَرَط : المتقدِّمون . وقد جاء في حديث القبور ومخاطبتِها وحديثِ الأموات وما يتعلّق بذلك شيءٌ كثير يَتجاوَز الإحصاء . وفي وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم أبا ذَرّ رضى الله عنه : زُر القبورَ تَذكُرْ بها الآخرة ولا تَزُرها ليلاً ، وغَسِّل الموتى يتحرّكْ قلبُك ، فإنّ الجسد الخاوِي عِظةٌ بليغة ، وصلِّ على الموتى فإن ذلك يُحزِنْك ، فإنّ الحَزين في ظِلّ اللّه . وُجِد على قبرٍ مكتوبا : مقيمٌ إلى أن يَبعثَ اللّهُ خَلْقَهُلقاؤُكَ لا يُرجَى وأنت رقيبُ تَزِيدُ بِلىً في كلِّ يومٍ وليلةٍوتُنسَى كما تَبلَى وأنت حبيبُ وجاء في الحديث المرفوع : «ما رأيتُ مَنظَراً إلاّ والقبرُ أفظع منه» . وفي الحديث أيضا : «القبر أوّل منزلٍ من منازلِ الآخرة ، فمن نجا منه فما بعدَه أيسَر ، ومن لم يَنْج منه فما بعدَه شرٌّ منه» .

۱۲۷الأصْلُ:وقال عليه السلام ، وقد سمع رجلاً يذم الدنيا:أَيُّهَا الذَّامُّ للدُّنْيَا ، الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا ، المُنخَدِعُ بِأَبَاطِيلِهَا ! أَتَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا ؟ أَنْتَ

.


1) .المحال : جمع محل أي الأماكن . الموحشة : الموجبة للوحشة ، ضد الأنس . المقفرة ، من أقفر المكان إذا لم يكن فيه ساكن ولا نابت . الفَرَط : المتقدّم . التّبَع : التابع .

الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا ، أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ ؟ مَتَى اسْتَهْوَتْكَ ، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى ؟ كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ ، وَكَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ ! تَبْتَغِي لَهُمُ الشِّفَاءَ ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ ، غَدَاةَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ ، وَلاَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤكَ ! لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ ، وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطِلْبَتِكَ ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ ! وَقَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ ، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ . إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا ، وَدَارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا ، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا . مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللّهِ ، وَمُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اللّهِ ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللّهِ ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللّهِ ؛ اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا ، وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا ، وَنَادَتْ بِفِراقِهَا ، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلاَئِهَا الْبَلاَءَ ، وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ ! رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ ، وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ ، ترغِيباً وَتَرْهِيباً ، وَتَخْوِيفاً وَتَحْذِيراً ، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا ، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا ، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا .

الشّرْحُ:تجرّمتُ على فلان : ادّعيتُ عليه جُرْما وذنبا ؛ واستهواه كذا : استَزَلّه . وقولُه عليه السلام : «فمثّلتْ لهم ببلائها البلاء» ، أي بلاءَ الآخرة وعذابَ جهنّم ، وشوّقَتْهم بسرورها إلى السرور ، أي إلى سُرورِ الآخرة ونعيمِ الجنّة . وهذا الفصل كلّه لمدح الدنيا ، وهو ينبئ عن اقتدارِه عليه السلام على ما يريد من المعاني ؛ لأنّ كلامَه كلَّهُ في ذمّ الدنيا ، وهو الآن يَمدَحها وهو صادقٌ في ذاك وفي هذا ؛ وقد جاء عن النبي صلى الله عليه و آله وسلمكلام يتضمّن مدحَ الدنيا أو قريبا من المَدْح ، وهو قولُه عليه السلام : «الدّنيا حُلوةٌ خَضِرة ، فمن أخَذَها بحَقّها بُورِك له فيها» . ومن الكلام المنسوبِ إلى عليّ عليه السلام : «الناسُ أبناءُ الدّنيا ، ولا يلامُ المرء على حبِّ أمِّه»،

.

۱۲۸. إنّ للّه ملكاً ينادي في كلِّ يوم

۱۲۹. الدُّنيا دار ممرٍّ

أخذَه محمّد بن وَهْب الحِمْيَرِيّ فقال : ونحن بنُو الدّنيا خُلِقْنا لغيرِهاوما كنتَ منه فهو شيءٌ مُحبَّبُ

۱۲۸الأصْلُ:إِنَّ للّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ : لِدُوا لِلْمَوْتِ ، وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ .

الشّرْحُ:هذه اللام عند أهل العربية تسمّى لامَ العاقبة ، ومِثلُ هذا قوله تعالى : «فَالْتَقَطَهُ آلُ فرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّا وَحَزَنا» (1)، ليس أنّهم التَقَطوه لهذه العلّة ، بل التَقَطوه فكان عاقبةُ التقاطِهم إيّاه العداوةَ والحُزْن . وأمّا فَحوَى هذا القول وخلاصتُه فهو التّنبيه على أنّ الدنيا دارُ فَناء وعَطَب ، لا دارُ بَقاءٍ وسلامة ، وأنّ الولد يَمُوت ، والدُّور تُخرَّب ، وما يُجمَع من الأموال يَفنَى .

۱۲۹الأصْلُ:الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ ، لاَ دَارُ مَقَرٍّ ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلاَنِ : رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا (2)، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا .

.


1) .سورة القصص ۸ .

2) .أي باع نفسه لهواه وشهواته فأوبقها ، أي أهلكها . وابتاع نفسه ، أي اشتراها وخلّصها من أسر الشهوات.

۱۳۰. لا يكون الصديق صديقاً حتّى

الشّرْحُ:قال عمرُ بنُ عبد العزيز يوما لجلَسائه : أخبرُوني مَنْ أحمَقُ الناس ؟ قالوا : رجلٌ باعَ آخرتَه بدُنْياه ؛ فقال : ألا أُنبئكم بأحمق منه ؟ قالوا : بلى ؛ قال : رجلٌ باعَ آخرته بُدنْيَا غيره . قلتُ : لقائلٍ أن يقول له : ذاك باعَ آخرته بدُنْياه أيضا ؛ لأنّه لو لم يكن له لذّةٌ في بَيع آخرته بدُنْيا غيره لما باعها ، وإذا كان له في ذلك لذَّة فإذَنْ إنما باع آخرته بدُنْياه ؛ لأنّ دُنْياه هي لذّتهُ .

۱۳۰الأصْلُ:لاَ يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلاَثٍ : فِي نَكْبَتِهِ ، وَغَيْبَتِهِ ، وَوَفَاتِهِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم لنا كلامٌ في الصّديق والصّداقة ؛ وأمّا النَّكْبة وحفظ الصديق فيها فإنه يقال : في الحُبوسِ مَقابرُ الأحياء ، وشماتةُ الأعداء ، وتجربةُ الأصدِقاء . وأمّا الغَيْبَة فإنه قد قال الشاعر : وإذا الفتَى حَسُنتْ مودّتهُفي القُرْب ضاعَفَها على البُعْدِ وأمّا الموت فقد قال الشاعر : وإنّي لأستحييه والتُّربُ بينناكما كنتُ أستحييه وهو يَرانِي ومن كلام عليّ عليه السلام : «الصديق من صَدَق في غَيْبَتِه» . قيل لحكيم : مَن أبعد الناس سَفَرا؟ قال : من سافر في ابتغاءِ الأخِ الصالح .

.

۱۳۱. من أُعطي أربعاً لم يحرم أربعاً

۱۳۲. الصّلاة قربان كلّ تقي

۱۳۱الأصْلُ:مَنْ أُعْطِيَ أَرْبعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً : مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الاْءِجَابَةَ ، وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ ، وَمَنْ أُعْطِيَ الاْسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ ، وَمَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ . قال الرضي رحمه الله : وتصديقُ ذَلكَ كتَابُ اللّهِ تعالى ؛ قَالَ في الدّعَاء : «ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ» (1). وقال فيالاستغفار : «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءً أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحِيماً» ۲ . وقال في التوبة : «إنّما التّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُم يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً» .

الشّرْحُ:في بعض الروايات أنّ ما نسب إلى الرّضيّ رحمه الله مِن استنباط هذه المعاني من الكتاب العزيز من متن كلام أمير المؤمنين عليه السلام ؛ وقد سبق القولُ في كلّ واحدةٍ من هذه الأربع مُستقصىً .

۱۳۲الأصْلُ:الصَّلاَةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ ، وَالْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ . وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ ، وَزَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ .

.


1) .سورة غافر ۶۰ . ۲. سورة النساء ۱۱۰ .

۱۳۳. استنزلوا الرزق بالصّدقة

۱۳۴. من أيقن بالخلف جاد بالعطية

الشّرْحُ:قد تقدّم القول في الصّلاة والحجّ والصّيام ، فأمّا أنَّ جهادَ المرأة حسنُ التبعُّل ، فمعناه حسنُ معاشرةِ بَعْلها وحِفظُ ماله وعرضه ؛ وإطاعته فيما يأمر به ، وترك الغيرة فإنها بابُ الطلاق . وأوصت امرأةٌ ابنتها وقد أهدتْها إلى بَعْلها ، فقالت : كوني له فِراشا ، يكن لكِ مَعاشاً ، وكوني له وِطاء ، يكن لكِ غِطاءً ، وإيّاكِ والاكتئاب إذا كان فَرِحا ، والفَرَح إذا كان كئيبا ، ولا يَطّلعَنّ منك على قبيح ، ولا يَشُمَّنَّ منكِ إلاّ طيّبَ ريح . وأوصَى الفرافِصة الكلبيّ ابنته نائلة حين أهدَاها إلى عثمانَ ، فقال : يا بُنيَّة ، إنّك تقدمين على نساءٍ من نساء قريش هنّ أقدَرُ على الطِّيب منكِ ، ولا تُغلَبين على خَصْلَتين : الكُحْل والماء . تطهَّري حتى يكون ريح جِلْدِك ريح شَنٍّ أصابه مطر ، وإيّاك والغَيْرة على بَعْلِك ، فإنّها مفتاح الطلاق .

۱۳۳الأصْلُ:اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ .

الشّرْحُ:جاء في الحديث المرفوع : «تاجروا اللّه بالصَّدَقة تربَحُوا» . وكان يقال : الصَّدَقَةُ صداقُ الجنّة . وفي الحديث المرفوع : «ما أحسن عبدٌ الصّدَقة ، إلاّ أحسنَ اللّه الخلافة على مُخَلَّفِيه» .

۱۳۴الأصْلُ:ومَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ .

.

۱۳۵. تنزل المعونة على قدر المؤونة

۱۳۶. ما عال امرؤٌ اقتصد

الشّرْحُ:هذا حقّ ؛ لأنّ من لم يُوقِن بالخَلَف ويتخوّف الفقرَ يَضِنّ بالعطيّة ، ويَعلَم أنّه إذا أعطَى ثمّ أعطَى اسْتنفَدَ مالَه ، واحتاج إلى الناس لانقطاع مادّته ؛ وأمّا من يُوقِن بالخَلَف ، فإنّه يَعلَم أنّ الجود شَرَفٌ لصاحِبِه ، وأن الجَواد ممدوحٌ عند الناس ، فقد وَجَد الداعي إلى السّماح ـ ولا صارفَ له عنه ـ لأنّه يعلَم أنّ مادّته دائمةٌ غيرُ منقطعة ، فالصارف الّذي يَخافُه من قدّمنا ذكرَه مفقودٌ في حقّه ، فلا جَرَم أنّه يجود بالعطيّة!

۱۳۵الأصْلُ:تَنْزِلُ الْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ .

الشّرْحُ:جاء في الحديث المرفوع : «مَن وَسَّع وُسِّع عليه ، وكلَّما كثُر العيال كثُر الرزق » .

۱۳۶الأصْلُ:مَا عَالَ امْرُؤٌ اقْتَصَدَ (1).

الشّرْحُ:ما عال ، أي ما افتَقَر . وسَمِع بعضُ الفُضلاء قَولَ الحكماء : التدبيرُ نصفُ العَيش ، فقال : بل العيشُ كلُّه .

.


1) .أي ما افتقر من ترك الإسراف والتبذير . والاقتصاد : الإنفاق من غير إسراف .

۱۳۷. قلّة العيال أحد اليسارين

۱۳۸. التودّد نصف العقل

۱۳۷الأصْلُ:قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ .

الشّرْحُ:اليسار الثاني كثرة المال ؛ يقول : إن قِلّة العيال مع الفَقْر كاليسار الحقيقيّ مع كثرتهم . ومن أمثال الحُكماء : العيالُ أرَضَة المال .

۱۳۸الأصْلُ:التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ (1).

الشّرْحُ:دخل حبيب بنُ شَوْذَب على جعفر بن سليمانَ بالبَصْرة ، فقال : نعم المرءُ حَبِيب بن شَوْذَب ! حَسَن التودّد ، وطيب الثناء ، يكرَه الزيارة المتصلة ، والقِعدةَ المنسِيةَ . وكان يقال : قلَّ مَن تودَّد إلاّ صار محبوبا ، والمحبوب مستورُ العيوب .

.


1) .المراد بالتودد ، حسن المعاملة لا التملّق والتصنّع .

۱۳۹. الهمّ نصف الهرم

۱۴۰. ينزل الصبر على قدر المصيبة

۱۳۹الأصْلُ:والْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ .

الشّرْحُ:مِن كلام بعضِ الحُكماء : الهمّ يُشِيب القلب ، ويُعقم العقل ، فلا يتولّد معه رأْي ، ولا تَصدُق معه رَويّة . وقال سُفيان بنُ عيينة : الدنيا كلّها هموم ، وغموم ، فما كان منها سرور فهو رِبح . ومن أمثالهم : الهمّ كافورُ الغُلْمة .

۱۴۰الأصْلُ:يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ (1).

الشّرْحُ:ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، كان يقول عند التعزية : عليكم بالصّبر ، فإنّ به يأخذ الحازمُ ، ويعود إليه الجازع . وقال عمرو بن مَعِد يكرِب : كم مِنْ أخٍ ليَ صالحٍبوّأْتُه بِيَدَيَّ لَحْدَا ألبَسْتُه أكفانَهُوخُلِقْت يومَ خُلِقتُ جَلْدَا وكان يقال : من حدّث نفسه بالبقاء ، ولم يُوَطّنها على المصائب ، فهو عاجزُ الرأي . وكان يقال : كفى باليَأس مُعزِّياً ، وبانقطاع الطمع زاجراً!

.


1) .قوله عليه السلام : من ضرب يده على فخذه فقد أحبط أجره ؛ لأنّ ذلك من شدة الجزع عند المصيبة وهذا يأتي من ترك الرضى بقضاء اللّه سبحانه ، وذلك يحبط الثواب دون شكّ .

۱۴۱. كم من صائم ليس له

۱۴۲. سوسوا إيمانكم بالصّدقة

۱۴۱الأصْلُ:كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الْجُوعُ وَالظَّمَأُ ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ والْعَنَاءُ ، حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاس وَإِفْطَارُهُمْ (1)!

الشّرْحُ:الأكياس هاهنا العلماء العارفون ؛ وذلك لأنّ عباداتِهم تقع مطابِقةً لعقائدهم الصحيَّة ، فتكون فروعا راجعةً إلى أصلٍ ثابت ، وليس كذلك الجاهلون باللّه تعالى ؛ لأنهم إذا لم يعرفوه ولم تكن عباداتهم متوجِّهةً إليه فلم تكن مقبولةً ، ولذلك فَسَدَتْ عِبادة النصارى واليهود . وفيهم وردَ قوله تعالى : «عامِلةٌ ناصِبَةٌ * تَصلى نارا حامِيَةً» (2).

۱۴۲الأصْلُ:سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ الْبَلاَءِبِالدُّعَاءِ (3).

.


1) .هذا الصائم ، هو الذي يسمك عن الطعام والشراب ، ولا يمسك عن المعاصي والفواحش . وأراد بالقائم : المصلّي ، من صلّى وقلبه غير حاضر ، بل مشغول بالدنيا .

2) .سورة الغاشية ۳ ، ۴ .

3) .سوسوا إيمانكم ، أي اعملوا بمقتضاه وانتفعوا به . والمعنى لا إيمان يجدي بلا بذل ، كما لا بذل يجدي بلا إيمان . ومن منع الزكاة فقد عرّض أمواله للتلف .

۱۴۳. يا كميل بن زيادٍ

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلامُ في الصّدقة والزّكاة والدّعاء ، فلا معنَى لإعادةِ القولِ في ذلك .

۱۴۳الأصْلُ:ومن كلام له عليه السلام لكُمَيْل بن زياد النخعي:قال كُمَيْل بن زياد : أخذ بيدي أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأخرجني إلى الجبّان (1)، فلمّا أصحر تنفس الصّعَداء ، ثمّ قال : يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ ، إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا ، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ . النَّاسُ ثَـلاَثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ ، لَمْ يَسْتَضِيؤوا بِنُورِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ . يَا كُمَيْلُ ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ ؛ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ . وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الاْءِنْفَاقِ ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ . يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ ، مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ ، بِهِ يَكْسِبُ الاْءِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ ، وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ . وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ . يَا كُمَيْلُ بن زِيَادٍ ، هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ ؛ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ . هَا إِنَّ ها هُنَا لَعِلْماً جَمّاً ـ وَأَشَارَ

.


1) .الجبَّان والجبَّانة : في الأصل ما استوى من الأرض في ارتفاع وخلا من النبت أو الشجر ، وهي الصحراء . وأهل الكوفة يسمّون المقابر جبّانة . وأصحر ، أي صار في الصحراء .

بِيَدِهِ إلى صدره ـ لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً ! بَلَى أُصِيبُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا ، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللّهِ عَلَى عِبادِهِ ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ ، لاَبَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ ؛ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِض مِنْ شُبْهَةٍ . أَلاَ لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ ! أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ ، سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالاْدِّخَارِ ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ ! كَذلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ . اللَّهُمَّ بَلَى ! لاَ تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للّهِ بِحُجَّةٍ ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً ، وَإِمِّا خَائِفاً مَغْمُوراً ، لِئَـلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللّهِ وَبَيِّنَاتُهُ . وَكَمْ ذَا ؟ وَأَيْنَ ! أُولئِكَ وَاللّهِ ، الْأَقَلُّونَ عَدَداً ، وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللّهِ قَدْراً ، يَحْفَظُ اللّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوب أَشْبَاهِهِمْ . هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ ، وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ ، وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالَْمحَلِّ الْأَعْلَى ؛ أُولئِكَ خُلَفَاءُ اللّهِ فِي أَرْضِهِ ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ . آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ . انْصَرِفْ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ .

الشّرْحُ:الجَبّان والجَبّانة : الصّحراء . وتَنفَّسَ الصُّعَداء ، أي تنفّس تنفُّسا ممدودا طويلاً . قولُه عليه السلام : «ثلاثة» قِسمةٌ صحيحة ، وذلك لأنّ البشر باعتبار الأُمور الإلهيّة : إمّا عالِم على الحقيقة يَعرِف اللّه تعالى ، وإمّا شارع في ذلك فهو بعد في السّفر إلى اللّه يَطلُبه بالتعلّم والاستفادة من العالم ، وإمّا لا ذا ولا ذاك ؛ وهو العامّيّ الساقط الّذي لا يَعبأ اللّهُ به . وصَدَق عليه السلام في أنّهم هَمَج رَعاع أتباعُ كلِّ ناعق ، ألا تراهم ينتقلون من التقليد لشخصٍ إلى تقليدِ الآخَر ، لأدنى خَيال وأضعفِ وَهْم!

.

ثمّ شرع عليه السلام في ذِكر العلْم وتفضيلِه على المال ، فقال : «العلم يَحرُسك ، وأنت تَحرُس المال» ، وهذا أحدُ وجوه التّفضيل . ثمّ ابتدأ فَذَكَر وجها ثانيا ؛ فقال : المالُ يَنقُص بالإنفاق منه ، والعلم لا يَنقُص بالإنفاق بل يَزْكو ؛ وذلك لأنّ إفاضةَ العلم على التلامذة تفيد المُعلّمَ زيادةَ استعداد ، وتُقرِّر في نفسه تلك العلوم الّتي أفاضها على تلامذته ، وتثبّتها وتزيدها رسوخا . فأمّا قوله : «وصَنيعُ المال يزولُ بزواله» ، فتحته سرّ دقيق حكميّ ؛ وذلك لأنّ المال إنّما يَظهر أثرُه ونفعُه في الأُمور الجِسْمانية ، والملاذّ الشَّهوانيّة ، كالنّساء والخيل والأبْنية والمأكَل والمشرَب والمَلابس ونحو ذلك ؛ وهذه الآثار كلُّها تزول بزوال المال أو بزوال رَبِّ المال ؛ ألا تَرَى أنّه إذا زال المالُ اضطُرّ صاحبُه إلى بَيْع الأبنية والخيل والإماء ، ورَفَض تلك العادة من المآكل الشهيّة ، والملابس البهيّة ! وكذلك إذا زال ربُّ المالِ بالمَوْت ، فإنّه تزول آثارُ المالِ عندَه ؛ فإنّه لا يَبقى بعد الموت آكِلاً شارباً لابسا ، وأمّا آثار العِلم فلا يمكن أن تزولَ أبدا والإنسان في الدّنيا ، ولا بعدَ خروجه عن الدّنيا ؛ أمّا في الدنيا فلأنّ العالِمَ باللّه تعالى لا يَعود جاهلاً به ؛ لأنّ انتفَاء العلوم البديهيّة عن الذّهن وما يَلزَمها من اللَّوازم بعدَ حصولها مُحال ، فإذا قد صَدَق قولُه عليه السلام في الفَرْق بين المال والعِلم : إنّ صنيع المال يَزولُ بزواله ، أي وصنيع العلم لا يَزول ، ولا يحتاج إلى أن يقول : «بزَواله» ؛ لأنّ تقديرَ الكلام : وصنيع المال يزول ؛ لأنّ المالَ يَزول ؛ وأمّا بعد خروج الإنسانِ من الدّنيا فإنّ صنيعَ العِلْم لا يزول ؛ وذلك لأنّ صنيعَ العِلم في النّفس الناطقة للّذّة العقليّة الدائمة لدوام سببها ، وهو حصولُ العِلم في جَوْهر النفس الّذي هو مَعشُوق النّفس مع انتفاء ما يُشغِلها عن التمتّع به ، والتلذُّذ بمصاحبته ؛ والّذي كان يشغِلها عنه في الدّنيا استغراقُها في تدبير البدن ، وما تُورِدُه عليها الحواسّ من الأُمور الخارجيّة ، ولا ريبَ أنّ العاشق إذا خلا بمَعشوقِه ، وانتفَتْ عنه أسبابُ الكَدَر ، كان في لذَّة عظيمة ، فهذا هو سرُّ قولِه : «وصنيع المال يزول بزَواله» . فإن قلت : ما معنى قولِه عليه السلام : «معرفةُ العِلْم دينٌ يُدانُ به» ، وهل هذا إلاّ بمنزلة قولك : معرفةُ المَعرِفة أو عِلم العِلم ! وهذا كلامٌ مضطرِب . قلت : تقديرُه : معرفَةُ فَضْل العلم أو شَرفِ العلم ، أو وُجوب العلم دِينُ يدانُ به ، أي المعرفة بذلك من أمرِ الدّين ، أي رُكنٌ من أركان الدّين واجبٌ مفروض . ثمّ شَرَح عليه السلام حالَ العِلْم الّذي ذكر أنّ معرفَة وجُوبه أو شرفه دِينٌ يُدانُ به ، فقال : العِلم

.

يَكسِب الإنسانَ الطّاعة في حَياته ، أي مَنْ كان عالما كان للّه تعالى مُطيعا ، كما قال سبحانه : «إنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء» (1). ثم قال : «وجميل الأُحدوثة بعد وفاتِه » ، أي الذّكر الجميل بعد مَوْتِه . ثم شرع في تفضيل العِلم على المال من وجهٍ آخَر ، فقال : «العلمُ حاكِم ، والمال محكومٌ عليه » ، وذلك لعِلْمك أنّ مَصلحَتَك في إنفاق هذا المال تُنفّقه ، ولِعِلمك بأنّ المصلحة في إمساكه تمسّكه ، فالعِلم بالمصلحة داعٍ ، وبالمَضَرّة صارف ؛ وهما الأمْران الحاكمان بالحَرَكات والتصرّفات إقداما وإحْجاما ، ولا يكون القادر قادرا مختارا إلاّ باعتبارهما ؛ وليسا إلاّ عبارةً عن العِلم أو ما يجري مَجرَى العِلم من الاعتقاد والظّنّ ، فإذَنْ قد بان وظهرَ أن العلم من حيثُ هُوَ علمٌ حاكم ، وأنّ المال ليس بحاكم ، بل محكوم عليه . ثم قال عليه السلام : «هَلك خُزّان المال وهم أحياء» ؛ وذلك لأنّ المالَ المخزون لا فرق بينه وبين الصّخرة المدفونة تحتَ الأرض ، فخازِنه هالك لا مَحالَة ؛ لأنّه لم يلتذّ بإنفاقه ، ولم يَصرِفْه في الوجوه الّتي نَدَب اللّهُ تعالى إليها ، وهذا هو الهلاك المَعْنَويّ ، وهو أعظمُ من الهلاك الحِسّيّ . ثم قال : «والعلماءُ باقون مابقيَ الدهر» ، هذا الكلامُ له ظاهر وباطن ، فظاهرُه قولُه : « أعيانُهم مفقودة ، وأمثالُهم في القلوب موجودة» ، أي آثارُهم وما دَوّنوه من العُلوم ، فكأنّهم موجودون ، وباطنه أنّهم موجودون حقيقةً لا مَجازا ، على قولِ مَن قال ببقاء الأنْفس . وأمثالهم في القلوب : كنايةٌ ولُغز ، ومعناه ذواتُهم في حظيرة القُدّوس ، والمُشارَكة بينها وبين القلوب ظاهرة ؛ لأنّ الأمر العامَّ الّذي يَشمَلُهما هو الشّرف ، فكما أنّ تلك أشرَفُ عالَمها ، كذا القلبُ أشرَفُ عالمه ، فاستُعير لفظُ أحدِهما وعُبِّر به عن الآخر . قوله عليه السلام : «ها إنّ هاهنا لَعِلما جَمّا ، وأشار بيَدِه إلى صدره» ، هذا عندي إشارةٌ إلى العِرْفان والوُصول إلى المقام الأشرَف الّذي لا يصل إليه إلاّ الواحد الفَذّ من العالَم ممّن للّه تعالى فيه سرّ ، وله به اتّصال . ثم قال : «لو أصبت له حَمَلةً !» ، ومن الّذي يُطيق حَمْله ! بل مَن الذي يُطِيق فهمَه فضلاً عن حَملِه ! ثم قال : «بلى أُصيب» . ثمّ قسّم [ الذين ] يصيبهم خمسةَ أقسام :

.


1) .سورة فاطر ۲۸ .

أحدهم : أهلُ الرّياء والسُّمْعة ؛ الذين يُظهِرون الدّين والعلم ومقصودُهم الدّنيا ، فيَجعَلون الناموس الدِّيني شَبَكة لاقتناص الدّنيا . وثانيها : قومٌ من أهل الخير والصّلاح ليسوا بذَوِي بَصيرة في الأُمور الإلهيّة الغامضة ، فيخاف من إفشاء السرّ إليهم أن تَنقدِح في قلوبهم شُبْهة بأدنَى خاطر ؛ فإنّ مَقَام المعرفة مَقَامٌ خَطِر صَعْب لا يَثبُت تحتَه إلاّ الأفرادُ من الرّجال ، الذين أُيِّدوا بالتّوفيق والعصمة . وثالثها : رجلٌ صاحبُ لَذَّات وَطَرب مشتهِر بقضاء الشّهوة ، فليس من رجالِ هذا الباب . ورابعُها : رجلٌ يجمَعْ المال وادّخارِه ، لا يُنفِقه في شَهَواته ولا في غيرِ شَهَواته ، فحكمُه حكمُ القِسْم الثالث . ثم قال عليه السلام : «كذلك يَمُوت العلمُ بموت حامِلِيه» ، أي إذا مِتُّ ماتَ العلمُ الذي في صدري ؛ لأني لم أجد أحدا أدفعُهُ إليه ، وأُوَرِّثُه إيّاه ، ثم استَدرك فقال : اللّهمّ بلى ، لا تخلو الأرضُ من قائمٍ بحجّة للّه تعالى ، كَيْلا يخلوَ الزمان ممّن هو مهيمِنٌ للّه تعالى على عبادِه ، ومسيطِرٌ عليهم ؛ وهذا يكاد يكونُ تصريحا بمَذهب الإماميّة ، إلاّ أنّ أصحابَنا يحملونه على أنّ المراد به الأبْدال الذين وردتْ الأخبارُ النبويّة عنهم أنّهم في الأرض سائحون ، فمنهم من يُعرَف ، ومنهم من لا يُعرَف ، وإنهم لا يموتون حتّى يودعُوا السرّ ، وهو العِرْفان ، عند قومٍ آخَرين يقومون مَقامَهم ۱ .

.

ثمّ استنزَرَ عَددُهم فقال : «وكم ذا ؟» ، أي كم ذا القَبِيل ؟ وكم ذا الفريق ؟ ثم قال : « وأين أولئك ؟» استَبهَم مكانَهم ومحلَّهم . ثم قال : هم الأقلّون عَدداً ، الأعْظمون قَدْرا . ثمّ ذكر أنّ العِلم هجم بهم على حقيقة الأمر ، وانكَشَف لهم المستور المغطَّى ، وباشَروا راحَة اليقين وبَرْدَ القَلْب وثَلْج العلم ، واستَلاَنوا ما شَقّ على المترَفين من النّاس ، ووعر عليهم نحو التوحّد ورفض الشّهوات وخُشونة العيشة . «وأنسِوا بما استَوحَش منه الجاهلون» ، يعني العُزْلَة ومجانَبةَ الناس ، وطول الصّمت ، وملازَمة الخَلْوة ؛ ونحوَ ذلك ممّا هو شِعار القوم . « وصَحِبوا الدّنيا بأرواحٍ أبدانُها معلَّقةٌ بالَمحَلّ الأعلى» ، هذا ممّا يقوله أصحابُ الحِكمة مِن تعلّق النفوس المجرَّدة بمبادئها من العقول المفارقة ، فمن كان أزكَى كان تعلُّقُه بها أتَمَّ . ثم قال : « أولئك خُلفاء اللّه في أرضِه ، والدعاةُ إلى دينه» ، لا شُبهةَ أنّ بالوصول يستحقّ الإنسان أن يسمَّى خليفة اللّه في أرضِه ، وهو المعني بقوله سبحانه للملائكة «إنِّي جاعلٌ في الأرض خليفة» (1)، وبقوله : «هُوَ الذي جَعَلكُمْ خَلائِفَ الأرْض» (2). ثم قال : «آهِ آهِ شوقا إلى رؤيتهم !» ، هو عليه السلام أحقّ الناس بأنَ تشتاق إلى رؤيتهم ؛ لأنّ الجنسية عِلّة الضمّ ، والشيء يشتاق إلى ما هو من سِنْخِه وسُوسَتِه وطبيعته ، ولما كان هو عليه السلام شيخ العارفين وسيّدَهم ، لا جَرَم اشتاقت نفسه الشريفةُ إلى مُشاهدةِ أبناءِ جنسِه ، وإن كان كلُّ واحد من الناس دونَ طبقته . ثم قال لِكمَيل : «اِنصرف إذا شئت» ، وهذه الكلمة من محاسِن الآداب ، ومن لطائف

.


1) .سورة البقرة ۳۰ .

2) .سورة الأنعام ۱۶۵ .

۱۴۴. المرء مخبوءٌ تحت لسانه

۱۴۵. هلك امروٌ لم يعرف قدره

الكلم ؛ لأنّه لم يقتصر على أن قال : «انصرف» كَيلا يكونَ أمرا وحُكْما بالانصراف لا محالة ، فيكون فيه نوعُ عُلوٍّ عليه ، فاتْبَع ذلك بقوله : «إذا شئتَ» ليُخرِجه من ذَلّ الحكم وقَهْر الأمر إلى عِزّة المشيئة والاختيار .

۱۴۴الأصْلُ:الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ .

الشّرْحُ:هذه اللفظة لا نظير لها في الإيجاز والدّلالة على المعنى ، وهي من ألفاظِه عليه السلام المعدودة (1). وقال الشاعر (2): وكائنْ تَرَى من صامتٍ لك مُعجِبٍزيادتُه أو نقْصُه في التكلُّمِ لسانُ الفَتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهفلم يَبقَ إلاّ صورةُ اللحمِ والدّم

۱۴۵الأصْلُ:هَلَكَ امْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ (3).

.


1) .يقول : إنما يظهر عقل المرء وفضله بما يصدر عن لسانه ، فكأنه قد خبئ تحت لسانه ، فإذا تحرّك انكشف .

2) .ينسبان لزهير ، من معلقته : ص ۹۴ بشرح الزوزنيّ .

3) .كل من يدعي ما ليس فيه ولم يعرف قدر نفسه ، فمآله الوبال ، والهلاك ، والخيبة والخسران . وقيل : الهلاك بمعنى النقصان ، يقال : هالِك أي ناقص ، والمعنى نقص من جهل قدره وشأنه .

۱۴۶. لاتكن ممّن يرجو الآخرة

الشّرْحُ:هذه الكلمة من كلماته المعدودة .

۱۴۶الأصْلُ:وقال عليه السلام لرجل سأَله أَن يعظه:لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الاْخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ ، وَيَرْجِئُ التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ ؛ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بَعَمَلِ الرَّاغِبِينَ ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ ؛ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيَما بَقِيَ ؛ يَنْهَى وَلاَ يَنْتَهِي ، وَيَأْمُرُ الناسَ بِمَا لَمْ يَأْتِ به . يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلاَ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ ، وَيُقِيمُ عَلَى مَايَكْرَهُ الْمَوْتَ لَهُ ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً ، وَإِنْ صَحَّ أَمِنَ لاَهِياً ؛ يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ ، وَيَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ ؛ إِنْ أَصَابَهُ بَلاَءٌ دَعَا مُضْطَرّاً ، وإِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً ، تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ ، وَلاَ يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ ، يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ ؛ إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ ، وَإِنِ افْتَقَرَ قَنَطَ وَوَهَنَ ، يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ ؛ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ الْمَعْصِيَةَ ، وَسَوَّفَ التَّوْبَةَ ، وَإِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ انْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ الْمِلَّةِ . يَصِفُ الْعِبْرَةَ وَلاَ يَعْتَبرُ ، وَيُبَالِغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَلاَ يَتَّعِظُ ، فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ ، وَمِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ . يُنَافِسُ فِيَما يَفْنَى ، وَيُسَامِحُ فِيَما يَبْقَى . يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَماً ، وَالْغُرْمَ مَغْنَماً ؛ يَخْشَى

.

الْمَوْتَ ، وَلاَ يُبَادِرُ الْفَوْتَ ؛ يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِّرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ ، فَهُوَ عَلَى النَّاس طَاعِنٌ ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ . اللَّغْوُ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ ، يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ ، وَلاَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ ؛ يُرْشِدُ نَفْسَهُ وَيُغْوِي غَيْرَهُ ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي ، وَيَسْتَوْفِي وَلا يُوفِي ، وَيَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ ، وَلاَ يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ . قال الرضي رحمه الله : وَلَو لَمْ يَكْن في هذا الكتابِ إلاّ هذا الكلامُ لَكَفى به موعظةً ناجعةً ، وحكمةً بالغةً ، وبصيرةً لمبصرٍ ، وعبرةً لناظرٍ مفكِّرٍ .

الشّرْحُ:كثير من الناس يَرْجون الآخرَة بغيرِ عَمَل ، ويقولون : رحمة اللّه واسِعة ؛ ومنهم من يَظُن أنّ التلفّظ بكلمتَي الشهادة كافٍ في دُخول الجنّة ، ومنهم من يسوِّف نفسَة بالتوبة ، ويرجِئُ الأوْقات من اليوم إلى غَد ، وقد يُخْتَرَم على غِرّة فيفوتُه ما كان أمّله ، وأكثرُ هذا الفصل للنّهي عن أن يقول [ يكون ]الإنسان واعظا لغيره ما لم يعلمْ هو من نفسِه ، كقوله تعالى : «أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرّ وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ » (1). فأوّل كلمةٍ قالَها عليه السلام في هذا المعنى من هذا الفصل قولُه : «يقول في الدّنيا بقول الزّاهدين ، ويَعمَل فيها بعمل الراغبين» . ثم وَصَف صاحبَ هذا المذهب وهذه الطريقة فقال : إنّه إنْ أُعطِيَ من الدّنيا لم يَشبَع ؛ لأنّ الطبيعة البشريّة مجبولةٌ على حُبّ الازدياد ، وإنما يَقهَرها أهلُ التوفيق وأربابُ العَزْم القويّ . «وإن مُنِع منها لم يَقنَع» بما كان وَصَل إليه قبل المَنْع . ثم قال : يَعجَز عن شكرِ ما كان أنعَمَ به عليه ، ليس يعني العجزَ الحقيقيَّ ، بل المراد تَرْك الشّكر ، فسمَّى ترك الشكر عَجزا . ويجوز أن يُحمَل على حقيقته ، أي أنّ الشكر على ما أُولِي من النّعم لا تَنتهي قُدْرَته إليه ، أي نِعَم اللّه عليه أجلّ وأعظَم من أن يُقام بواجب شكرها .

.


1) .سورة البقرة ۴۴ .

« ويَبتغِي الزيادَة فيما بَقِي» ، هذا راجعٌ إلى النّحو الأوّل . «يَنهَى ولا يَنتهِي ، ويأمرُ الناسَ بما لا يأتي» ، هذا كما تقدَّم . «يُحِبّ الصالحين ولا يَعمَل عَملَهم» ، إلى قوله : «وهو أحدُهم» ، وهو المعنَى الأوّل بعينه . قال : يَكرَه الموتَ لكثْرةِ ذُنوبه ، ويقيمُ على الذّنوب ، وهذا من العجائب أن يَكرَه إنسانٌ شيئا ثم يُقيمُ عليه ، ولكنّه الغرورُ وتسويفُ النّفس بالأمانيّ . ثم قال : « إن سَقِمَ ظَلّ نادما ، وإن صَحَّ أمِن لاهياً» ، «فَإذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين» (1)... الآيات . قال : «يَعجَب بنفسِه إذا عُوفِي ، ويَقنَط إذا ابتُلي» ، «فَأَمَّا الإنْسَانُ إذا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ * وَأَمَّا إذَا ما ابْتَلاَهُ فَقَدَر عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُول رَبِّي أهَانَنِ» (2)، ومِثل الكلمة الأُخرى : «إن أصابَه بَلاء» ، «وإنْ ناله رَخاء» . ثم قال : «تغلبه نفسُه على ما يَظُنُّ ، ولا يغلبها على ما يَستيقِن» ، هذه كلمة جليلةٌ عظيمة ، يقول : هو يستيقِن الحِسابَ والثوابَ والعِقابَ ، ولا يغلِب نفسَه على مجانبةِ ومتاركةِ ما يُفضِي به إلى ذلك الخَطَر العظيم ، وتغلبُه نفسه على السّعي إلى ما يَظنّ أن فيه لَذّةً عاجلةً ، فواعجبا ممّن يترجّح عندَه جانبُ الظنّ على جانب العلم ! وما ذاك إلاّ لضعفِ يقينِ الناس وحبّ العاجل . ثمّ قال : «يخاف على غيره بأدنى من ذَنْبه ، ويرجو لنفسِه أكثرَ من عَمَله» ، ما يزال يَرَى الواحد منّا كذلك يقول : إنّي لخائف على فلان من الذّنب الفلانيّ وهو مقيمٌ على أفحشَ من ذلك الذنب ، ويرجو لنفسِه النّجاة بما لا تقوم أعمالُه الصّالحة بالمصير إلى النّجاة به ، نحو أن يكون يصلِّي رَكعاتٍ في اللّيل أو يصومَ أياما يسيرةً في الشّهر ، ونحو ذلك . قال : «إن استَغنَى بَطِر وفُتِن ، وإن افتَقَر قَنِط ووهن» ، قنط بالفَتْح ويَقنِط بالكسر ، قُنوطا مثل جَلَس يَجلِس جلوسا ، ويجوز قَنَط يَقنُط بالضمّ مثل قَعَد يَقعُد ، وفيه لغة ثالثة : قَنِط بالكسر يَقنَط قَنَطا ، مثل تَعِب يَتعَب تَعبا وقَناطةً فهو قَنِط ، وبه قرئ : «فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْقَنِطِينَ» (3)، والقُنوط : اليأس . ووهَن الرجلُ يَهِن ، أي ضَعُف وهذا المعنى قد تكرّر . قال : «يقصِّر إذا عَمِل ، ويُبالِغ إذا سُئِل» ، هذا مِثْلُ ما مَدَحَ به النبيُّ صلى الله عليه و آله وسلم الأنصارَ : « إنّكم لتَكثُرون عند الفَزَع ، وتَقِلّون عند الطمع» . قال : «إن عَرَضَتْ له شهوةٌ أسلَفَ المعصية ،

.


1) .سورة العنكبوت ۶۵ .

2) .سورة الفجر ۱۵ ، ۱۶ .

3) .سورة الحجر ۵۵ ، وهي قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب ، وانظر تفسير القرطبي ۱۰ : ۳۶ .

۱۴۷. لكلِّ امرى ء عاقبةٌ حلوة أو مرّة

وسوّف التوبة ، وإن عَرَتْه مِحْنة انفَرَج عن شرائط المِلّة» ، هذا كما قيل : أمدَحُه نَقْداً ويُثِيبُني نَسِيئة . وانفرج عن شرائط الملّة ، قال أو فعل ما يقتضي الخروجَ عن الدّين ؛ وهذا موجودٌ في كثيرٍ من الناس إذا عرتْه الِمحَن كَفَر أو قال ما يُقارِب الكفرَ من التسخّط والتبرّم والتأفّف . «يَصِف العِبْرة ولا يَعتبِر ، ويُبالِغ في الموعظة ولا يتّعظ» ، هذا هو المعنى الأوّل . « فهو بالقول مُدِلّ ، ومن العمل مُقِلّ» ، هذا هو المعنى أيضا . «ينافِسُ فيما يَفنَى» ، أي في شَهَوات الدنيا ولذّاتها . و «يُسامِح فيما يَبقَى» ، أي في الثّواب . «يَرى الغُنْم مَغرَما ، والغُرْم مَغنَماً » (1)، هذا هو المعنَى الّذي ذكرْناه آنِفا . قال : «يَخشَى الموت ، ولا يُبادِر الفَوْت» ، قد تكرّر هذا المعنى في هذا الفَصْل ، وكذلك قولُه : «يَستعظِم من معصيةِ غيرِه ما يستقلّ أكثر منه من نفسِه ... » ، وإلى آخر الفصل كلٌّ مكرّرَ المعنى وإن اختلفت الألفاظ ، وذلك لاقتدارِه عليه السلام على العِبارة ، وسَعةِ مادّة النّطق عندَه .

۱۴۷الأصْلُ:لِكُلِّ امْرِئٍ عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ .

الشّرْحُ:هكذا قرأناه ووجَدْناه في كثيرٍ من النُّسَخ ، ووجَدْناه في كثير منها : «لكلّ أمرٍ عاقبة» ، وهو الأليَق ، ومثل هذا المعنى قولُهم في المَثَل : لكلّ سائلٍ قَرار ، وقد أخَذَه الطائيّ فقال : فكانتْ لوعة ثمّ استقرّتْكذاكَ لكلّ سائلةٍ قَرارُ (2)فأمّا الرواية الأُولى وهي : «لكلّ امرئٍ» فنظائرُها في القرآن كثيرة ، نحو قوله تعالى :

.


1) .الغُنْم : الغنيمة . الغرم : الغرامة . الفوت : فوات الفرصة وانقضاؤها . بادر : أسرع ، بادره : عاجله قبل أن يذهب . يرشد : يهدي . يغوي : يضلّ . يستوفي : يأخذ حقّه كاملاً . يوفي : اعطاه إياه تاماً .

2) .ديوانه ۲ : ۱۵۳ .

۱۴۸. الراضي بفعل قوم

«يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاّ بإذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيد» (1).

۱۴۸الأصْلُ:الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ . وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ : إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ ، وَإِثْمُ الرِّضا بِهِ .

الشّرْحُ:لا فرقَ بين الرّضا بالفعل وبين المُشارَكة فيه ؛ ألا ترى أنّه إذا كان ذلك الفعل قبيحا استَحَقّ الراضي به الذمّ كما يستحقّه الفاعل له ! والرّضا يفسَّر على وجهين : الإرادة وتَرْك الاعتراض ، فإن كان الإرادة فلا رَيْب أنّه يَستحِق الذّم ؛ لأنّ مُريد القَبِيح فاعلٌ للقبيح ، وإن كان ترك الاعتراض مع القدرة على الاعتراض فلا رَيْب أنّه يستحقّ الذمّ أيضا ؛ لأنّ تاركَ النهي عن المنكر مع ارتفاع المَوانِع يستحقّ الذمّ . فأمّا قولُه عليه السلام : «وعلى كلّ داخل في باطلٍ إثمان» ، فإن أراد الدّاخل فيه بأن يَفعَله حقيقة ، فلا شُبْهة في أنّه يأثم من جهتين : إحداهما من حيثُ إنّه أراد القبيح . والأُخرى من حيث أنه فَعَله . وإن أراد أنّ الراضيَ بالقبيح فقط يستحقّ إثمين : أحدهما لأنّه رَضِيَ به ، والآخَر لأنّه كالفاعل ، فليس الأمْر على ذلك ؛ لأنّه ليس بفاعلٍ للقبيح حقيقةً لِيستحقّ الإثم من جهة الإرادة ومن جهة الفعليّة جميعا ، فوَجَب إذَنْ أن يُحمَل كلامُه عليه السلام على الوجه الأوّل .

.


1) .سورة هود ۱۰۵ .

۱۴۹. لكلّ مُقبل إدبار

۱۵۰. لا يعدم الصبور الظّفر

۱۴۹الأصْلُ:لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدبَارٌ ، وَمَا أَدبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ .

الشّرْحُ:هذا معنىً قد استُعمل كثيرا جدّا ، فمنه المثل : ما طارَ طيرٌ وارتَفعْإلاّ كما طارَ وَقَعْ وقول الشاعر : بقدْر العُلوّ يكونُ الهبوطُوإيّاك والرُّتبَ العاليَهْ وقال بعض الحكماء : حركةُ الإقبال بطيئة ، وحركة الإدبار سريعة ؛ لأنّ المُقبل كالصاعد إلى مِرْقاة ، ومِرقاةُ المُدبر كالمَقْذوف به من عَلْو إلى أسْفل . وقال مطرِّف بنُ الشِّخِّير : لا تنظروا إلى خفضِ عيش الملوك ولينِ رِياشِهم ، ولكن انظروا إلى سُرعةِ ظَعْنِهم وسوء مُنقَلَبهم ، وإنّ عُمْرا قصيرا يستوجِب به صاحبُه النار لعُمرٌ مشؤومٌ على صاحبه .

۱۵۰الأصْلُ:لاَ يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم كلامُنا في الصّبر . وقالت الحكماء : الصّبرُ ضَرْبان : جسميّ ونفسيّ . فالجسميّ تحمُّل المَشَاقّ بقدر القوّة البدنيّة ، وليس ذلك بفضيلة تامّة .

.

۱۵۱. ما اختلفت دعوتان إلاّ

۱۵۲. ما كذبتُ ولا كُذبت

وأمّا النفسيّ ففيه تتعلّق الفضيلة ؛ وهو ضَرْبان : صبرٌ عن مشتهى ، ويقال له : عِفّة ، وصَبْر على تحمل مكروه أو محبوب . وتختلف أسماؤهم بحسب اختلافِ مَواقِعه ، ولكن اللفظ العُرْفيّ واقع على الصبر الجُسْمانيّ ، وعلى ما يكون في نزول المصائب .

۱۵۱الأصْلُ:مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلاَّ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلاَلَةً .

الشّرْحُ:هذا عند أصحابنا مختصٌّ باختلاف الدّعوة في أُصول الدّين ، ويَدْخل في ذلك الإمامة ؛ لأنّها من أُصول الدين ، ولا يجوز أن يَختلِف قولان متضادّان في أُصول الدّين فيكونا صوابا . ولا يحمل أصحابنا كلامَ أمير المؤمنين عليه السلام على عمومِه ؛ لأنّ المجتهدين في فروع الشريعة وإن اختَلَفوا وتضادّت أقوالهم ليسوا ولا واحد منهم على ضلال (1).

۱۵۲الأصْلُ:مَا كَذَبْتُ وَلاَ كُذِبْتُ ، وَلاَ ضَلَلْتُ وَلاَ ضُلَّ بِي .

.


1) .قال ابن ميثم في شرح النهج : الدعوة إمّا إلى حق ، أو إلى غيره ، وهو الباطل ، ولا واسطة بينهما وهذا يؤيد المنقول عنه ، وعن أهل بيته عليهم السلام : إنّ الحق في جهة ، وإنه ليس كلّ مجتهد مصيبا .

۱۵۳. للظالم البادي غداً بكفّه عضّةٌ

الشّرْحُ:هذه كلمةٌ قد قالها مراراً ، إحداهنّ في وقعة النّهروان . وكُذِبت بالضم أُخْبِرْت بخبَر كاذب ، أي لم يخبرني رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم عن المخدَج خبرا كاذبا ؛ لأنّ أخبارَه صلى الله عليه و آله وسلم كلها صادقة . وضلّ بي بالضمّ نحو ذلك ، أي لم يُضلِلني مضلّل عن الصدق والحقّ ؛ لأنّه كان يَسْتنِد في أخباره عن الغيوب إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وهو منزَّه عن إضلاله وإضلال أحد من المكلفين . فكأنَّه قال ـ لما أخبرهم عن المخدَج ۱ وإبطاء ظهورِه لهم ـ : أنا لم أكذِب على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ورسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم لا يكذب فيما أخبرني بوقوعه ، فإذا لابدّ من ظفَركم بالمخدَج فاطلبوه .

۱۵۳الأصْلُ:لِلظَّالِمِ الْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَّةٌ .

الشّرْحُ:هذا من قوله تعالى : «ويوم يَعَضُّ الظالمُ عَلَى يَدَيهِ» (1)، وإنما قال : « للبادي » ؛ لأنّ من انتصر بعد ظُلْمه فلا سبيل عليه . ومن أمثالهم : البادي أظلم .

.


1) .سورة الفرقان ۲۷ .

۱۵۴. الرحيل وشيك

۱۵۵. من أبدى صفحته للحقّ هلك

فإن قلت: فإذا لم يكن باديا لم يكن ظالما، فأيّ حاجة له إلى الاحتراز بقوله: « البادي »؟ قلتُ : لأنّ العرب تُطلِق على ما يَقَع في مُقابلة الظلم اسم ( الظلم ) أيضا كقوله تعالى : «وَجَزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلُها» (1).

۱۵۴الأصْلُ:الرَّحِيلُ وَشِيكٌ .

الشّرْحُ:الوشيكُ : السريع ، وأراد بالرحيل هاهنا الرّحيل عن الدنيا وهو الموت . وقال بعضُ الحكماء : قبل وجود الإنسان عدم لا أوّل له ، وبعدَه عدَم لا آخر له ، وما شبّهت الوجود القليل المتناهي بين العدمين الغير متناهِيَين إلاّ ببَرْق يخطَف خَطفة خفيفةً في ظلامٍ مُعتكر ، ثم يخمد ويَعود الظّلام كما كان .

۱۵۵الأصْلُ:مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ .

.


1) .سورة الشورى ۴۰ .

۱۵۶. استعصموا بالذِّمم في أوتادها

۱۵۷. عليكم بطاعة مَن

الشّرْحُ:قد تقدّم تفسيرُنا لهذه الكلمة في أوّل الكتاب ، ومعناها : من نابَذَ اللّه وحاربَهُ هلك ، يقال لمن خالَف وكاشَف : قد أبْدَى صَفْحَته .

۱۵۶الأصْلُ:استَعْصِمُوا بِالذِّمَمِ فِي أَوْتَادِهَا (1).

الشّرْحُ:أي في مَظانّها وفي مركزها ، أي لا تستنِدوا إلى ذمامِ الكافرين والمارِقين ، فإنهم ليسوا أهلاً للاستِعصامِ بذِممهم ، كما قال اللّه تعالى : «لاَ يَرْقُبونَ فِي مُؤمنٍ إلاًّ ولا ذِمّة» (2). وقال : «إنهم لا أيمان لهم» (3). وهذه كلمة قالها بعد انقضاء أمرِ الجمل ، وحضور قومٍ من الطُّلقاء بين يديه ليُبايعوه ، منهم مَرْوانُ بن الحكَم ؛ فقال : وماذا أصنع ببَيْعتك ؟ ألم تُبايعْني بالأمْس ! يعني بعدَ قتل عثمان ، ثم أمر بإخراجهم ورفْعِ نفسه عن مبايعة أمثالهم ، وتكلم بكلامٍ ذكر فيه ذِمامَ العربية وذمامَ الإسلام ، وذكر أنّ من لا دِين له فلا ذِمامَ له . ثم قال : في أثناء الكلام : «فاستعصِموا بالذمم في أوتارِها» ، أي إذا صَدَرَتْ عن ذَوِي الدّين ، فمنْ لا دين له لا عَهْدَ له .

.


1) .اعتصموا : تحصنوا ، والذمم : العهود . والمراد بالأوتاد : أهل الصدق والدين والوفاء .

2) .سورة التوبة ۱۰ .

3) .سورة التوبة ۱۲ .

۱۵۸. ما شككت في الحقّ مُذ أُريته

۱۵۷الأصْلُ:عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لاَ تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ .

الشّرْحُ:يعني نفسَه عليه السلام ؛ وهو حقّ على المذهَبين جميعا ، أما نحن فعندنا أنه إمامٌ واجبُ الطاعة بالاختيار ، فلا يُعذَر أحدٌ مِن المكلّفين في الجهل بوجوب طاعته ، وأمّا على مذهبِ الشِّيعة فلأنه إمامٌ واجبُ الطّاعة بالنصّ ، فلا يُعْذَر أحدٌ من المكلفين في جَهالة إمامته ، وعندهم أنّ معرفة إمامته تَجري مجرى معرفةِ محمد صلى الله عليه و آله وسلمومَجرى معرفة الباري سبحانه ، ويقولون : لا تصحّ لأحد صلاةٌ ولا صَومٌ ولا عبادة إلاّ بمعرفة اللّه والنبيّ والإمام . وعلى التحقيق ، فلا فرق بيننا وبينهم في هذا المعنى ؛ لأنّ من جَهل إمامة عليٍّ عليه السلام وأنكرَ صِحَتها ولزومها ، فهو عند أصحابنا مخلد في النار ، لا ينفعه صوم ولا صلاة ؛ لأنّ المعرفة بذلك من الأُصول الكليّة التي هي أركانُ الدين ، ولكِنّا لا نُسَمِّي مُنكر إمامته كافرا ، بل نسمّيه فاسقا ، وخارجيا ، ومارِقا ، ونحو ذلك ، والشِّيعة تسميه كافرا ، فهذا هو الفرْق بيننا وبينهم ، وهو في اللفظ لا في المعنى (1).

۱۵۸الأصْلُ:مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ .

.


1) .الذي لا يعذر بجهالته أوّلاً هو اللّه سبحانه ثم الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ، ثم أوصياؤه الاثنا عشر عليهم السلام ، قال تعالى : «أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...» النساء ۵۹ .

۱۵۹. قد بُصّرتم إن أبصرتم

الشّرْحُ:أي منذ أُعلِمْتُه ، ويجب أن يُقدَّر هاهنا مفعول محذوف ، أي منذ أُرِيته حقّا ، ويجوز أن يَعنِي بالحقّ اللّهَ سبحانَه وتعالى ، لأنّ الحق من أسمائِه عزّ وجلّ ، فيقول : منذ عرفتُ اللّهَ لم أشُكَّ فيه ، وتكون الرؤية بمعْنَى المَعرِفة ، فلا يحتاج إلى تقدير مَفعولٍ آخَر ؛ وذلك مِثلُ قولِه تعالى : «وآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ» (1)، أي لا تَعرِفونهم ، اللّهُ يَعرِفهم ، والمراد من هذا الكلام ذكرُ نعمةِ اللّه عليه في أنّه منذ عَرَف اللّه سبحانَه لم يَشُكَّ فيه ، أو منذ عرفَ الحقّ في العَقائد الكلاميّة والأُصوليّة والفِقْهِية لم يشكّ في شيء منها ؛ وهذه مَزيّةٌ له ظاهرة على غيرِه من النّاس ، فإنّ أكثرَهم أو كلَّهم يشكّ في الشيء بعد أن عرفَه وتعتَورِه الشُّبَه والوَساوِس ويُرانُ على قَلْبِه وتَختَلِجُه الشياطين عمّا أدّى إليه نظره . وقد رُوِي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم لمّا بَعَثه إلى اليمين قاضيا ضَرَب على صَدْره وقال : « اللهم اهدِ قلبه ، وثَبِّت لسانَه» ، فكان يقول : «ما شكَكْتُ بعدها في قضاءٍ بين اثنين» . ورُوِي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم لمّا قرأ : «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ» (2)، قال : «اللهمّ اجعلها أُذنَ عليٍّ» ، وقيل له : «قد أُجيبتْ دعوَتُك» .

۱۵۹الأصْلُ:وَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ ، وَقَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ .

.


1) .سورة الأنفال ۶۰ .

2) .سورة الحاقة ۱۲ .

۱۶۰. عاتب أخاك بالإحسان إليه

الشّرْحُ:قال اللّه تعالى : «وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى» (1). وقال سبحانه : «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن» (2). وقال بعض الصالحين : ألا إنّهما نَجْدا الخَيْر والشرّ ، فجعل نَجْد الشرّ أحبّ إليكم من نَجْد الخير . قلت : النَّجْد : الطّريق . واعلم أنّ اللّه تعالى قد نَصَب الأدِلّة ومَكّن المكلّف بما أكمَل له من العقل من الهداية ، فإذا ضلّ فمِنْ قِبَل نفسِه أتى . وقال بعضُ الحكماء : الّذي لا يَقبَل الحكمةَ هو الّذي ضَلّ عنها ليست هِي الضالّة عنه .

۱۶۰الأصْلُ:عَاتِبْ أَخَاكَ بِالاْءَحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالاْءِنْعَامِ عَلَيْهِ .

الشّرْحُ:الأصل في هذا قولُ اللّه تعالى : «ادْفَعْ بالتي هِيَ أحْسَنُ فإذا الذِي بينَكَ وبينهُ عداوة كأنّه وليٌّ حميم» (3). وروى المبرد في «الكامل» عن ابن عائشة ، عن رجل مَن أهل الشام ، قال : دخلتُ المدينة ، فرأيتُ رجلاً راكبا على بغلة لم أر أحسَنَ وَجْها ولا ثَوْبا ولا سَمْتا ولا دابةً منه ، فمال قلبي إليه ، فسألت عنه ، فقيل : هذا الحسنُ بنُ الحسن بن عليّ ، فامتلأ قلبي لهُ بغضا ، وحسدتُ عليّا أن يكون له ابن مثله ، فصرتُ إليه وقلتُ له : أنت ابن أبي طالب ؟ فقال : أنا

.


1) .سورة فصلت ۱۷ .

2) .سورة البلد ۱۰ .

3) .سورة فصلت ۳۴ .

۱۶۱. من وضع نفسه مواضع التّهمة

۱۶۲. من ملك استأثر

ابن ابنه ، قلت : فبك وبأبيك ! فلمّا انقضى كلامي قال : أحسَبك غريبا ؟ قلت : أجَل ، قال : فَمِلْ بنا ، فإن احتَجْت إلى منزلٍ أنزلناك ، أو إلى مالٍ واسَيْناك ، أو إلى حاجةٍ عاوَنّاك . فانصرفْتُ عنه وما على الأرض أحدٌ أحبّ إليّ منه (1).

۱۶۱الأصْلُ:مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التُّهَمَةِ فَـلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ .

الشّرْحُ:رأى بعضُ الصّحابة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم واقفا في دَرْبِ من دروب المدينة ومعه امرأةٌ فَسلّم عليه ، فردّ عليه ، فلما جاوَزَه ناداه فقال : هذه زوْجتي فلانة ، قال : يا رسول اللّه ، أوَفيك يُظَنّ! فقال : «إنّ الشيطان يجرِي مِن ابن آدم مجرَى الدّم » . وجاء في الحديث المرفوع : «دَعْ ما يرِيبُك إلى ما لا يريبُك» . وقال أيضا : «لا يكملُ إيمانُ عبدٍ حتى يترُك ما لا بأسَ به» .

۱۶۲الأصْلُ:مَنْ مَلَكَ استأْثَرَ .

الشّرْحُ:المعنى أن الأغلب في كلّ ملك يَستأثر على الرعية بالمال والعزِّ والجاه . ونحو هذا المعنى قولهم : من غَلب سَلَب ، ومن عزّ بَزّ .

.


1) .الكامل في اللغة والأدب ۲ : ۵ ، ۶ .

۱۶۳. من استبدّ برأيه هلك

۱۶۴. من كتم سرّه كانت الخيرة بيده

۱۶۳الأصْلُ:مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا .

الشّرْحُ:قد تقدّم لنا قولٌ كافٍ في المَشُورة مدحا وذما . وكان يقال : الاستشارة إذاعة السرّ ، ومخاطرةٌ بالأمر الذي ترومُه بالمشاوَرة ، فرُبَّ مستشارٍ أذاعَ عنك ما كان فيه فساد تدبيرك . وأمّا المادِحون للمشُورة فكثير جدّا . وقالوا : خاطر مَن استبدّ برأيه . وقالوا : المَشُورة راحةٌ لك ، وتَعبٌ على غيرك . وقالوا : مَن أكثر من المَشورة لم يُعدَم عند الصواب مادحا ، وعند الخطأ عاذرا .

۱۶۴الأصْلُ:مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيرَةُ بِيَدِهِ .

الشّرْحُ:من أمثالهم : مَقتل الرَّجُل بين لَحْيَيه . ومِن كلامهم : سِرُّك من دَمِك ، فإذا تكلّمت به فقد أرَقْتَه . وقال بعض الحكماء : مَن أفشى سِرَّه كَثُر عليه المتآمِرُون .

.

۱۶۵. الفقر الموت الأكبر

۱۶۶. من قضى حقّ من لا يقضي حقّه

۱۶۵الأصْلُ:الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكبَرُ (1).

الشّرْحُ:في الحديث المرفوع : «أشقى الأشقياء مَن جُمِعَ عليه فقرُ الدنيا وعذاب الآخرة» .

۱۶۶الأصْلُ:مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لاَ يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبَّدَهُ .

الشّرْحُ:عَبّده بالتشديد ، أي اتخذه عَبْداً ، يقال عبّده واستَعْبده بمعنى واحد ؛ والمعنى بهذا الكلام مَدْحُ مَن لا يُقضى حقّهُ ، أي من فعل ذلك بإنسان فقد استعبد ذلك الإنسان ، لانه لم يفعلْ معه ذلك مكافأةً له عن حقّ قضاه إيّاه ، بل فعل ذلك إنعاما مبتدأ ، فقد استعبده بذلك .

.


1) .الموت انقطاع الحياة وزوالُها . والفقر انقطاع مادة الحياة ، وانقطاع المادة أشد وأضعف لأنّ الميت مادام ميتاً لا يتألم ، وإنّما يتألم مرة واحدة في سكرات موته ، والفقير في كل ساعة يتألم ، فالفقر هو الموت الأكبر . معارج النهج للبيهقي ص۸۴۶ .

۱۶۷. لا طاعة لمخلوق في معصية

۱۶۸. لا يعاب المرءُ بتأخير حقّه

۱۶۷الأصْلُ:لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ .

الشّرْحُ:هذه الكلمةُ قد رويتْ مَرفوعة (1).

۱۶۸الأصْلُ:لاَ يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ .

الشّرْحُ:لعل هذه الكلمةَ قالها في جواب سائلٍ سأله : لِمَ أخّرت المطالبةَ بحقّك من الإمامة ؟ ولابدّ من إضمار شيء في الكلام على قولنا وقولِ الإماميّة ، لأنّا نحن نقول : الأمرُ حَقّه بالأفضليّة ، وهم يقولون : إنّه حقّه بالنّصّ ، وعلى كِلاَ التقديرَين فلابدّ من إضمار شيء في الكلام . وتقديرُه : لا يُعابُ المرء بتأخير حقّه إذا كان هناك مانعٌ عن طَلَبه ، ويستقيم المعنى حينئذٍ على المَذهبَيْن جميعا ؛ لأنّه إذا كان هناك مانعٌ جاز تقديم غيره عليه ، وجاز له أن يؤخّر طلبَ حقِّه خوفَ الفتنة (2).

.


1) .من عصى اللّه سبحانه كانت الحجة للّه عليه حتى لو أطاع جميع الخلائق ، ومن أطاع اللّه كانت الحجة له عند اللّه حتى ولو عصى جميع الخلائق بل تكون الطاعة أقوى وللثواب أدعى .

2) .قال الإمام عليه السلام في الرسالة ۲۷ : ما على المسلم أن يكون مظلوما . وقال أيضا : إن تلقَ اللّه مظلوما خير لك من أن تلقاه ظالما .

۱۶۹. الإعجاب يمنع من الازدياد

۱۷۰. الأمر قريبٌ والاصطحاب قليل

۱۶۹الأصْلُ:الاْءِعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ الاِزْدِيَاد .

الشّرْحُ:إنّما قال عليه السلام : «يمنع من الأزدياد» ؛ لأنّ المُعجَب بنفسه ظانٌّ أنّه قد بَلغ الغَرَض ، وإنّما يَطلُب الزّيادةَ مَنْ يستشعِر التقصير لا مَن يتخيّل الكمال ؛ وحقيقة العَجَب ظنُّ الإنسان بنفسِه استحقاقَ منزِلةٍ هو غيرُ مستحِقٍّ لها ؛ ولهذا قال بعضهم لرجل رآه معجَبا بنفسِه : يسرّني أن أكون عندَ الناس مِثلك في نفسِك ، وأنْ أكونَ عندَ نفسي مِثلك عند الناس ، فتمنّى حقيقة ما يقدّره ذلك الرجل ، ثمّ تمنَّى أن يكون عارِفا بعيوب نفسِه ، كما يَعرِف الناسُ عيوبَ ذلك الرجل المُعجَب بنفسه . وقال عليه السلام : ثلاثٌ مُهلِكات : شحٌ مُطاع ، وهَوىً متّبَع ، وإعجابُ المرءِ بنفسه . وأصل الإعجاب من حُبّ الإنسان لنفسِه ، وقد قال عليه السلام : «حُبُّك الشيء يُعمِي ويُصِمّ » ، ومن عَمِيَ وصَمَّ تَعذَّر عليه رؤيةُ عُيوبه وسماعُها ، فلذلك وَجَب على الإنسان أن يَجعَل على نفسه عيوناً تُعرِّفه عيوبَه .

۱۷۰الأصْلُ:الْأَمْرُ قَرِيبٌ وَالاْصْطِحَابُ قَلِيلٌ (1).

.


1) .المراد بالأمر هنا الموت . والمراد بالاصطحاب حياة الإنسان في الدنيا وصحبته لها .

۱۷۱. قد أضاء الصُّبح لذي عينين

۱۷۲. ترك الذّنب أهون

الشّرْحُ:هذه الكلمةُ تذكِّر بالموت وسرعةِ زَوال الدّنيا .

۱۷۱الأصْلُ:قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ .

الشّرْحُ:هذا الكلامُ جارٍ مَجرَى المَثَل ، ومثله . * والشمسُ لا تَخفَى عن الأبْصَارِ * ومِثله : * إنّ الغَزَالةَ لا تَخفَى عن البَصَرِ *

۱۷۲الأصْلُ:تَرْكُ الذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التوبة .

الشّرْحُ:هذا حقّ ؛ لأنّ ترك الذَّنْب هو الإحجامُ عنه ، وهذا سَهلٌ على من يَعرِف أثَر الذّنب على ماذا يكون ، وهو أسهَلُ من أن يُواقِع الإنسانُ الذّنب ، ثمّ يَطلُب التّوبة ، فقد لا يخلص داعيه إليها ، ثمّ لو خَلَص فكيف له بحصُوله على شروطها ، وهي أن يَندَم على القبيح لأنّه قبيح ، لا لخَوْف

.

۱۷۳. كم من أكلة تمنع أكلات

۱۷۴. النّاس أعداءٌ ما جهلوا

العقاب ، ولا لِرجاء الثّواب ، ثمّ لا يكفيه أن يتوبَ من الزّنا وحدَه ، ولا مِنْ شُرب الخمر وحدَه ، بل لا تصحّ توبتُه حتّى تكون عامّةً شاملة لكلّ القبائح فيندم عَلى ما قال ويودّ أنّه لم يَفعَل ، ويَعزم على أن لا يُعاود معصيةً أصْلاً ، وإن نَقَض التّوبةَ عادتْ عليه الآثامُ القديمةُ والعقاب المستحق ولا الّذي كان سَقَط بالتّوبة على رأيِ كثيرٍ من أرباب عِلم الكلام ؛ ولا رَيْب أنّ تركَ الذَّنب من الابتداء أسْهَلُ من طَلَب توبةٍ هذه صِفَتها . وهذا الكلام جارٍ مَجرَى المَثَلُ يُضرَب لمن يَشرع في أمرٍ يخاطر فيه ، ويرجو أن يتخلّص منه فيما بعدُ بوَجْه من الوجوه .

۱۷۳الأصْلُ:كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ تَمنَعْ أَكَلاَتٍ .

الشّرْحُ:أخَذ هذا المعنى بلفظه الحَرِيريُّ فقال في المقامات : رُبَّ أكْلةٍ هاضَت الآكل ، ومنَعَتْه مآكل .

۱۷۴الأصْلُ:النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا .

الشّرْحُ:هذه الكلمةُ قد تقدّمت وتقدّم منّا ذكرُ نَظائِرها . والعِلّة في أنّ الإنسان عدوّ ما يَجهَله أنّه يخاف من تقريعه بالنَّقْص وبعَدَم العِلْم بذلك الشيء ، خصوصا إذا ضمّه نادٍ أو جَمْعٌ من

.

۱۷۵. من استقبل وجوه الآراء

۱۷۶. من أحدّ سنان الغضب للّه

الناس فإنّه تتصاغر نفسُه عنده إذا خاضوا فيما لا يَعرِفه ويَنقُص في أعيُن الحاضرين ، وكلّ شيء آذاكَ ونَال منكَ فهو عدوُّك .

۱۷۵الأصْلُ:مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الاْرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَإِ .

الشّرْحُ:وقال الشاعر في المَثَل : شَرّ الرأيِ الدَّبَرِيّ . وخيرُ الرأيِ ما استقبلتَ منهوليس بأنْ تَتَّبعه اتّباعا وليس المراد بهذا الأمر سُرْعة فَضْل الحال لأوّل خاطر ، ولأوّل رأي ، إنّ ذلك خطأ ، وقديما قيل : دَعْ الرأيَ يغبّ . وإنّما المنهيّ عنه تضييعُ الفُرْصة في الرأي ، ثمّ محاوَلة الاستدراك بعد أن فات وَجْهُ الرأيِ ، فذاك هو الرأيُ الدّبريّ .

۱۷۶الأصْلُ:مَن أَحَدَّ سِنَانَ الْغَضَبِ للّهِ قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ .

الشّرْحُ:هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر ، والكلمة تتضمّن استعارةً تَدُلّ على الفَصاحة ؛ والمعنى أنّ من أرهَف عزمَه على إنكار المنكَر وقويَ غضَبُه في ذاتِ اللّه ولم

.

۱۷۷. إذا هبت أمراً فقع فيه

۱۷۸. آلة الرّياسة سعة الصّدر

يَخَفْ ولم يُراقِب مخلوقا ؛ أعانَه اللّه على إزالة المُنكَر ؛ وإن كان قويّا صادرا من جهة عزيزة الجانب ، وعنها وَقَعت الكنايةُ بأشدّاء الباطل .

۱۷۷الأصْلُ:إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ (1).

الشّرْحُ:ما أحسنَ ما قال المتنبّي في هذا المعنى : وإذا لم يكنْ من الموتِ بُدٌّفمِن العَجْز أن تكونَ جَبانا كلّ ما لم يكن من الصَّعْب في الأنــفُسِ سهلٌ فيها إذا هوَ كانا وقال آخر : لَعمْرُك ما المكروهُ إلاّ ارتقابهوأعظم ممّا حلّ ما يُتوقّعُ

۱۷۸الأصْلُ:آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ .

الشّرْحُ:الرئيس محتاجٌ إلى أُمور ، منها الجود ، ومنها الشجاعة ، ومنها وهو الأهمّ سَعَة الصَّدر ، فإنه لا تتمّ الرئاسة إلاّ بذلك .

.


1) .أي إذا تخوّفت من أمرٍ فادخلْ فيه ، فإنْ الترد والتهيّب ، وألم الخوف منه أشدّ من مصيبة اقتحامه والوقوع فيه .

۱۷۹. أُزجُر المسيء بثواب المحسن

۱۸۰. اُحصد الشرّ من صدر غيرك

۱۷۹الأصْلُ:اُزْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ المُحْسِنِ .

الشّرْحُ:قد قال ابنُ هانئ المغربيّ في هذا المعنى : لولا انبعاثُ السَّيفِ وهو مُسلَّطٌفي قتلهمْ قتلتْهُمُ النَّعْماءُ ( إذا جازيت المحسن على إحسانه أقلع المسيء عن إسائته طلبا للمكافئة ) . قال أبو العتاهية : إذا جازيتَ بالإحسان قومازجرتَ المذنبين عن الذّنوبِ فما لَكَ والتناوُل من بعيدٍويمكنك التّناوُل من قريبِ

۱۸۰الأصْلُ:اُحْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ .

الشّرْحُ:هذا يفسَّر على وجهين : أحدهما أنه يريد : لا تُضمر لأخيك سوءا فإنّك لا تُضمر ذاك إلاّ يضمر هو لك سوءا ؛ لأنّ القلوب يشعُر بعضها ببعض ، فإذا صفَوْتَ لواحدٍ صفا لك .

.

۱۸۱. اللّجاجة تسلُّ الرّأي

۱۸۲. الطّمع رقٌّ مؤبّد

والوجه الثاني : أن يريد لا تَعِظِ الناس ولا تَنْهَهم عن منكرٍ إلاّ وأنت مُقلِعٌ عنه ، فإن الواعظ الذي ليس بزكيٍّ لا ينجَعُ وعْظُه ، ولا يؤثِّر نهْيُه .

۱۸۱الأصْلُ:اللَّجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْيَ (1).

الشّرْحُ:هذا مشتقّ من قوله عليه السلام : «لا رأي لمن لا يُطاع» ؛ وذلك لأنّ عدم الطاعة هو اللّجاجة ، وهو خُلُق يتركَّب من خُلقين : أحدهما الكِبْر ، والآخر الجهل بعواقب الأُمور ، وأكثر ما يعتري الولاة لما يأخذهم من العِزّة بالأثم .

۱۸۲الأصْلُ:الطَّمَعُ رِقٌّ مُؤَبَّدٌ .

الشّرْحُ:هذا المعنى مطروقٌ جدّا ، وقد سبق لنا فيه قولٌ شافٍ . وقال الشاعر : تعفّف وعِشْ حُرّا ولا تَكُ طامِعافما قَطّع الأعناق إلاّ المَطامِعُ

.


1) .اللجاجة : هنا العناد والإصرار .

۱۸۳. ثمرةُ التفريط النّدامة

۱۸۴. من لم يُنجه الصّبر أهلكه الجزع

۱۸۳الأصْلُ:ثَمَرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ ، وَثَمَرَةُ الْحَزْمِ السَّلاَمَةُ (1).

الشّرْحُ:وكان يقال : الحَزْم مَلَكةٌ يُوجِبها كثرةُ التجارب ، وأصله قوّة العقل ، فإنّ العاقل خائفٌ أبدا ، والأحمق لا يخاف ، وإن خاف كان قليل الخوف ، ومن خاف أمرا توقّاه ، فهذا هو الحَزْم .

۱۸۴الأصْلُ:مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ ، أَهْلَكَهُ الْجَزَعُ .

الشّرْحُ:وكان يقالُ : ما أحسن الصّبر لولا أنّ النفقة عليه من العمر ! أخذه شاعر فقال : وَإنّي لأدرِي أنَّ في الصَّبْر رَاحَةًولكنّ إنفاقي على الصبر من عُمْرِي فإن قلت : أي فائدة في قوله عليه السلام : «مَنْ لم ينجه الصّبر أهلكه الجزع» ؟ وهل هذا إلاّ كقول مَنْ قال : «مَنْ لم يجد ما يأكل ضرّه الجوع ؟» . قلت : لو كانت الجهة واحدة ، لكان الكلام عبثا ، إلاّ أن الجهة مختلفة ؛ لأنّ معنى كلامه عليه السلام من لم يخلّصه الصبر من هموم الدّنيا وغُمومها هَلَك مع اللّه تعالى في الآخرة بما يستبدله من الصبر بالجزع ؛ وذلك لأنّه إذا لم يصبر فلا شكّ أنّه يجزع ، وكلّ جازع آثم ؛

.


1) .التفريط : التقصير في العمل . والحزم : اغتنام الفرصة .

۱۸۵. واعجبا ، أن تكون الخلافة

والإثم مهلكة ، فلما اختلفت الجهة وكانت تارة للدنيا وتارة للآخرة لم يكن الكلام عبثا بل كان مفيدا .

۱۸۵الأصْلُ:وَاعَجَبَا أَنْ تَكُونَ الْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ ، ولا تكون بِالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ . قال الرضي رحمه الله : وقد روي له عليه السلام شعر قريب من هذا المعنى وهو : فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْفَكَيْفَ بِهذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّبُ وَإِنْ كنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْفَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّـبِيِّ وأَقْرَبُ

الشّرْحُ:حديثه عليه السلام في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر ، أمّا النثر فإلى عمر توجيهه ؛ لأنّ أبا بكر لما قال لعمر : امدد يدك ، قال له عمر : أنت صاحب رسول اللّه في المواطن كلّها ، شدّتها ورخائها ، فامدد أنت يدك . فقال علي عليه السلام : إذا احتججتَ لاستحقاقه الأمر بصحبته إيّاه في المواطن كلّها ، فهلا سلّمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك ، وزاد عليه «بالقرابة»! وأمّا النظم فموجّه إلى أبي بكر ؛ لأنّ أبا بكر حاجّ الأنصارَ في السقيفة ، فقال : نحن عِتْرة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وبيضته التي تفقّأت عنه ، فلما بويع احتجّ على الناس بالبيعة ، وأنها صدرت على أهل الحلّ والعقْد ، فقال عليّ عليه السلام : أمّا احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ومن قومه ، فغيرك أقرب نسبا منك إليه ، وأمّا احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك ، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت!

.

۱۸۶. إنّما المرءُ في الدّنيا غرض

۱۸۶الأصْلُ:إِنَّمَا الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا ، وَنَهْبٌ تُبَادِرُهُ الْمَصَائِبُ ؛ وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ ، وَلاَ يَنَالُ الْعَبْدُ نِعْمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى ، وَلاَ يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ ؛ فَنَحْنُ أَعْوَانُ الْمَنُونِ ، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الْحُتُوفِ ، فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو الْبَقَاءَ ؛ وَهذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً ، إِلاَّ أَسْرَعَا الْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا ، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا!

الشّرْحُ:قد سبق ذرءٌ (1)من هذا الكلام في أثناء خطبته عليه السلام ، وقد ذكرنا نحن أشياءَ كثيرةً في الدنيا وتقلّبها بأهلِها . قوله : «تنتضل» النَّضْل شيء يرمى ، ويروى : «تَبادره» أي تتبادره ، والغرض : الهدْف . والنّهب : المال المنهوب غنيمة ، وجمعه نِهاب . وقد سبق تفسير قوله : «لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق أُخرى» ، وقلنا : إنّ الّذي حصلت له لذّة الجماع حالَ ما هي حاصلة له ، لابدّ أن يكون مفارقا لذّة الأكل والشرب ، وكذلك من يأكل ويشرب يكون مفارقا حال أكلِه وشربه لذّةَ الرّكْض على الخيل في طلب الصّيد ، ونحو ذلك . قوله : «فنحن أعوان المنون» ؛ لأنّا نأكل ، ونشرب ، ونجامع ، ونركب الخيل ، والإبل ، ونتصرّف في الحاجات والمآرب ؛ والموت إنما يكون بأحد هذه الأسباب ، إمّا من أخلاط تحدثها المآكل والمشارب ، أو من سقطة يسقط الإنسان من دابّة هو راكبها ، أو من ضعف يلحقه من الجماع المفرِط ، أو لمصادمات واصطكاكات تصيبه عند تصرفه في مآربه وحركته وسعيه ، ونحو ذلك ؛ فكأنّا نحن أعنّا الموت على أنفسنا . قوله : «نصب الحتوف» ، يروى : بالرفع والنصب ، فمن رفع فهو خبر المبتدأ ، ومن نصبه جعله ظرفا .

.


1) .ذرء : أي طرف . انظر الخطبة ۱۴۵ .

۱۸۷. لا خير في الصمت عن الحكم

۱۸۸. يابن آدم ما كسبت فوق قوتك

۱۸۹. إنّ للقلوب شهوةً وإقبالاً

۱۸۷الأصْلُ:لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ ، كَمَا أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ .

الشّرْحُ:كان يقال : ما الإنسان لولا اللسانُ إلاّ بهيمةٌ مُهمَلة ، أو صورةٌ ممثَّلة . وكان يقال : اللّسان عضوٌ إنْ مرّنْتَه مَرَن ، وإن تركتَه خَزِن (1).

۱۸۸الأصْلُ:يَا بْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ .

الشّرْحُ:أخَذ هذا المعنى بعضُهم ؛ فقال : ما لي أراكَ الدّهر تَجمعُ دائباألِبَعْلِ عِرْسِك لا أبا لك تَجمَعُ!

۱۸۹الأصْلُ:إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإِقْبَالاً وَإِدبَاراً ؛ فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ .

.


1) .خزن : تغير وفسد .

۱۹۰. متى أشفي غيظي إذا

الشّرْحُ:قد تقدّم القوْل في هذا المعنى . والعِلّة في كون القلب يَعمَى إذا أُكرِه على ما لا يحبّه ، أنّ القلبَ عُضْو من الأعضاء يَتَعب ويستريح كما تتعب الجُثّة عند استعمالها وإحمالِها ، وتستريح عند تَرْك العَمَل ، كما يتعب اللّسان عند الكلام الطّويل ، ويستريحُ عند الإمساك ، وإذا تَواصَل إكراه القلبِ على أمرٍ لا يحبّه ولا يؤثِرُه تَعِب ، لأنّ فِعلَ غير المحبوبِ مُتعِب ؛ ألا ترى أنّ جِماعَ غيرِ الَمحْبوب يُحدِث من الضَّعف أضعافَ ما يُحدِثُهُ جِماعُ الَمحْبوب ؛ والرّكوب إلى مكان غيرِ محبوبٍ مُتعِب ولا يُشتَهى ، يُتعِب البَدَن أضعافَ ما يُتعِبه الركوب إلى تلك المسافة إذا كان المكان محبوبا ، وإذا أُتعِب القلب وأعْيـا ، عجَزَ عن إدراك مـا نكلّفه إدراكـه ، لأنّ فعلَه هو الإدراك ، وكلّ عضو يَتعَب فإنّه يَعجَز عن فعلِه الخاصِّ به ، فإذا عجز القلبُ عن فِعلِه الخاصِّ به وهو العِلم والإدراك ؛ فذاك هو عماه .

۱۹۰الأصْلُ:وكان عليه السلام يقول : مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ ! أَحِينَ أَعْجِزُ عَنِ الاِْنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي : لَوْ صَبَرْتَ ! أَمْ حِينَ أَقْدِرُ ، عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي : لَوْ عَفَوْتَ!

الشّرْحُ:هذا الفصل فصيحٌ لطيفُ المَعْنى ؛ قال : لا سبيل لي إلى شفاءِ غَيْظي عند غضبي ؛ لأنّي إمّا أن أكون قادرا على الانتقام فيصدَّني عن تعجيلِه قولُ القائل : لو غَفرتَ لكان أولى ! وإمّا ألاّ أكونَ قادرا على الانتقام فيصدّني عنه كوني غيرَ قادرٍ عليه ؛ فإذَنْ لا سبيلَ لي إلى الانتقام عند الغضب . وكان يقال : العقل كالمِرآة المجلوّة يُصْدِئه الغَضَب ، كما تَصْدَأ المرآة بالخَلّ ، فلا يَثبُت فيها صورةُ القُبْح والحُسْن .

.

۱۹۱. هذا ما بخل به الباخلون

۱۹۲. لم يذهب من مالك ما وعظك

۱۹۱الأصْلُ:وقال عليه السلام وقد مر بقذر على مزبلة : هذَا مَا بَخِلَ بِهِ الْبَاخِلُونَ . وفي خبر آخر أَنه قال : هذَا مَا كُنْتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْس!

الشّرْحُ:قد سبق القولُ في مثل هذا ، وهذا مثلُ قولهم : لو أفكَر الإنسان فيما يؤول إليه الطعام لعافَتْه نفسُه . وقد ضَرَب العلماءُ مَثلاً للدنيا ومخالفةِ آخرِها أولها ، ومضادّها مَباديها عَواقبها ، فقالوا : إنّ شهوات الدنيا في القَلب لذيذةٌ كشَهَوات الأطْعِمة في المعدة ، وسيَجِد الإنسان عند الموتِ لشهوات الدنيا في قلبه من الكَراهة والنَّتْن والقبْح ما يَجده للأطعمة اللّذيذة إذا طبختها المَعِدة وبلغتْ غايةَ نُضْجها ، وكما أن الطعام كلّما كان ألذَّ طَعْماً وأظهر حلاوة، كان رجيعه أقذر وأشدَّ نَتْنا ؛ فكذلك كلُّ شهوة في القلْب أشهى وألذّ وأقوى ، فإنّ نتنَها وكراهتها والتأذِّي بها عند الموت أشدّ ، بل هذه الحال في الدّنيا مُشاهدة ، فإن من نُهبتْ دارُه ، وأُخذ أهلُه وولدُه ومالُه ، تكون مصيبتهُ وألمه وتفجُّعه في الذي فَقَد بمقدار لذّته به ، وحبِّه له ، وحرصه عليه ، فكلُّ ما كان في الوجود أشهى وألذّ ، فهو عند الفَقْد أدهى وأمرّ ، ولا معنى للموت إلاّ فقد ما في الدنيا .

۱۹۲الأصْلُ:لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ (1).

.


1) .اذا أحدث فيك ضياعُ المال بصيرةً وحذرا ، فما اكتسبته خيرٌ مما ضاع ؛ فكأنه لم يذهب من الأموال ما أثمر الوعظَ ، وما وفَني ما بقيت ثمراتُه .

۱۹۳. إن هذه القلوب تملُّ

۱۹۴. كلمةُ حقّ يُراد بها باطل

الشّرْحُ:مثلُ هذا قولهم : إن المصائبَ أثمانُ التجارب . وقيل لعالم فقير بعد أن كان غنيّا : أين مالك؟ قال : تَجَرتُ فيه ، فابتعتُ به تجربةَ الناس والوقت ، فاستفدْتُ أشرَفَ العِوَضَين .

۱۹۳الأصْلُ:إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَل الْأَبْدَانُ ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ .

الشّرْحُ:هذا قد تكرّر (1)، وتكرّر منّا ذِكرُ ما قيل في إجماع النّفس والتنفيس عنها من كَرْب الجِدّ برُوح الإحْماض (2)وفسرنا معنى قولهِ عليه السلام : «فابتغُوا لها طرائف الحكمة» وقلنا : المراد ألاّ يَجْعلَ الإنسانُ وقته كلّه مصروفا إلى الأنظار العقليّة في البراهين الكلاميّة والحِكَميّة ، بل ينقلها من ذلك أحيانا إلى النظر في الحِكمة الخُلُقيّة فإنها حِكمة لا تحتاج إلى إتعاب النفس والخاطر .

۱۹۴الأصْلُ:وقال عليه السلام لما سمع قول الخوارج : ( لا حكم إلاَّ للّه ) : كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ .

.


1) .تكرر بعينه في الحكمة (۸۹) .

2) .الإحماض : التنقل من الجد إلى المزح .

۱۹۵. هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا

الشّرْحُ:معنى قوله سبحانه : «إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ» (1)، أي إذا أراد شيئا من أفعالِ نفسه فلابدّ من وقوعه ، بخلاف غيره من القادرين بالقدرة فإنه لا يجب حصولُ مرادهم إذا أرادوه ، ألا ترى ما قَبْل هذه الكلمة : «يا بَنِيَّ لا تَدْخُلوا من بابٍ واحدٍ وادْخُلوا من أبوابٍ متفرِّقةٍ وماأُغنِي عَنْكم من اللّهِ مِنْ شَيءٍ إن الحُكْمُ إلاّ للّه » خاف عليهم من الإصابة بالعين إذا دخلوا من بابٍ واحد ، فأمرهم أن يدخلوا من أبوابٍ متفرقة ، ثم قال لهم : «وما أُغنِي عنكم من اللّه من شيء» ، أي إذا أراد اللّه بكم سوءا لم يَدفع عنكم ذلك السُّوءَ ما أشرتُ به عليكم من التفرّق ؛ ثم قال : «إن الحُكْم إلاّ للّه » ، أي ليس حيٌّ من الأحياء يَنْفُذُ حكمه لا محالة ومرادُه لما هو من أفعاله إلاّ الحيّ القديم وحدَه ، فهذا هو معنى هذه الكلمة ، وضَلّت الخوارج عندها فأنكروا على أمير المؤمنين عليه السلام موافَقَته على التحكيم ؛ وقالوا : كيف يحكم وقد قال اللّه سبحانه : «إن الحُكْمُ إلاّ للّه » فغَلطوا لموضع اللّفظ المشترك ، وليس هذا الحُكم هو ذلك الحكْم ، فإذَنْ هي كلمةُ حقٍّ يرادُ بها باطل ؛ لأنّها حقٌّ على المفهوم الأوّل ، ويريد بها الخوارجُ نفيَ كلِّ ما يسمّى حكماً إذا صَدر عن غير اللّه تعالى ، وذلك باطل ؛ لأنّ اللّه تعالى قد أمضَى حُكم المخلوقين في كثيرٍ من الشرائع .

۱۹۵الأصْلُ:وقال عليه السلام في صفة الْغوغاء (2): هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا . وقيل : بل قال عليه السلام : هُمُ الّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا . فقيل : قد عرفنا مضرة اجتماعهم ، فما منفعة افتراقهم؟ فقال عليه السلام :

.


1) .سورة يوسف ۶۷ .

2) .( الغوغاء ) وهم الناس المنحطّون ، والأوباش يجتمعون على غير ترتيب ، وهم يغلبون على ما اجتمعوا عليه ، ولكنّهم إذا تفرّقوا لا يعرفهم أحد لانحطاط درجة كل منهم وخمول ذكرهم ، وخفوت صوتهم .

۱۹۶. لا مرحباً بوجوه لا ترى إلاّ

يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهَنِهِمْ ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ ، وَالنَّسَّاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ ، وَالْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ .

الشّرْحُ:كان الحسن إذا ذَكَر الغَوْغاء وأهل السّوق قال : قتلة الأنبياء ؛ وكان يقال : العامّة كالبحر إذا هاج أهْلَكَ راكبه ؛ وقال بعضهم : لا تسبُّوا الغوْغاء فإنهم يُطْفِئون الحريق ، ويُنقِذون الغريق ، ويسُدّون الْبثوق (1).

۱۹۶الأصْلُ:وقال عليه السلام وَقَدْ أُتي بجانٍ (2)ومعه غوغاءُ ، فقال : لاَ مَرْحَباً بِوُجُوهٍ لاَ تُرَى إِلاَّ عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةِ (3).

الشّرْحُ:أخذ هذا اللّفظ المستعينُ باللّه وقد أُدْخِل عليه ابنُ أبي الشَّوارب القاضي ومعه الشّهود ليَشهَدوا عليه أنّه قد خَلَع نفسه من الخلافة وبايَع للمعتزّ باللّه ، فقال : لا مرحباً بهذه الوجوه الّتي لا تُرَى إلاّ يوم سوء .

.


1) .البثوق : الشقوق في الأنهار .

2) .الجاني : المذنب .

3) .السوأة : الفاحشة ، أو الخلّة ، أو الفعلة القبيحة .

۱۹۷. إنّ مع كلّ إنسان ملكين يحفظانه

۱۹۸. لا ولكنّكما شريكان في القوّة

۱۹۷الأصْلُ:إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَإِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ .

الشّرْحُ:قلنا : إنّهُ ذهب كثيرٌ من الحكماء هذا المَذهَب ، وإنّ للّه تعالى ملائكةً مُوَكَّلَةً تَحفَظُ البَشرَ من التردِّي في بئرٍ ، ومِن إصابةِ سَهْم معترِض في طريق ، ومن رَفْس دابّة ، ومن نَهْش حَيّة ، أو لَسْع عَقْرب ، ونحو ذلك . والشرائع أيضا قد وردتْ بِمثله وإنّ الأجل جُنّة ، أي دِرْع ، ولهذا في علم الكلام مخرَج صحيحٌ ، وذلك لأنّ أصحَابنا يقولون : إنّ اللّه تعالى : إذا عَلِم أنّ في بقاء زيدٍ إلى وقت كذا لُطْفا له أو لغيرِه من المكلَّفين صدَّ من يهمّ بقَتْله عن قتلِه بألطافٍ يفعَلها تصدّه عنه أو تَصرِفه عنه بصارف ، أو يَمنَعه عنه بمانع ، كي لا يَقطَع ذلك الإنسانُ بقَتْل زيدٍ الألطافَ الّتي يَعلَم اللّهُ أنّها مقرِّبة من الطاعة ، ومُبعِدة من المَعصِية لزيد أو لغيره ؛ فقد بان أنّ الأجل على هذا التقدير جُنّة حَصِينة لزيْد ، من حيثُ كان اللّه تعالى باعتبار ذلك الأجل مانعا من قتلِه وإبطال حياتِه ، ولا جُنّة ( وقاية ) أحصَنُ من ذلك .

۱۹۸الأصْلُ:وقال عليه السلام ـ وقد قال له طلحة والزبير : نبايعك على أَنّا شركاؤُك في هذا الأَمر ـ : لاَ ، وَلكِنَّكُمَا شَرِيكَانِ فِي الْقُّوَّةِ وَالاْسْتَعَانَةِ ، وَعَوْنَانِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوَدِ .

.

۱۹۹. أيّها الناس ، اتّقوا اللّه

الشّرْحُ:قد ذكرْنا هذا فيما تقدّم (1)حيث شرحْنا بيعة المسلمين لعليّ عليه السلام كيف وقعتْ بعدَ مَقتل عثمانَ ، ولقد أحسنَ فيما قال لهما لمّا سألاه أن يُشرِكَاه في الأَمْر ، فقال : أمّا المُشارَكة في الخلافة فكيف يكون ذلك ؟ وهل يصحُّ أن يدبّر أمرَ الرعيّة إمامان . وهل يُجْمَع السَّيفَان ويحك في غمْد وإنما تُشرِكاني في القوّة والاستعانة أي إذا قوِيَ أمرِي وأمرُ الإسلام بي قوِيتما أنتما أيضا ، وإذا عجزتُ عن أمر أو تأوّد عليَّ أمر ـ أي اعوَجَّ ـ كنتما عَوْنين لي ومساعِدَين على إصلاحهِ . فإن قلت : فما معنى قوله : «والاستعانة» . قلتُ الاستعانة هاهنا الفوزُ والظّفَرُ (2).

۱۹۹الأصْلُ:أَيُّهَا النَّاسُ ، اتَّقُوا اللّهَ الَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ ، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ ، وَإِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ (3).

الشّرْحُ:قد تقدّم منّا كلامٌ كثير في ذكر الموت ؛ ورأى الحَسَنُ البَصريُّ رجلاً يجود بنفْسه ، فقال : إنّ أمْراً هذا آخرُه لجدير أن يُزهَد في أوّله ، وإن أمراً هذا أوّله لجدِيرٌ أن يُخَاف مِن آخره .

.


1) .تقدّم في شرح الخطبة (۹۱) ، فراجع ۷:۳۳ ـ ۴۳ من الأصل .

2) .لأنّ الشركة في الخلافة بدعة في الإسلام ، ودعوة للفساد في الأرض ففي « الأحكام السلطانية » : « لا يجوز عقد الإمامة لاثنين » ، وفي « أُصول الكافي » : « لا يكون في الارض إمامان إلاّ واحد صامت » .

3) .بادروا الموت : استعدوا له بالتقوى والعمل الصالح .

۲۰۰. لا يزهِّدنّك في المعروف مَن

۲۰۱. كلّ وعاءٍ يضيق بما جعل فيه

۲۰۰الأصْلُ:لاَ يُزَهِّدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لاَ يَشْكُرُهُ لَكَ ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، وَقَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ الْكَافِرُ ، وَاللّهُ يُحِبُّ المحْسِنِينَ (1).

الشّرْحُ:قد أخذتُ أنا هذا المعنَى فقلتُ من جملةِ قصيدةٍ لي حِكْميّة : لا تُسدِيَنّ إلى ذي الّلؤم مَكرُمةًفإنّه سَبَخٌ لا يُنبت الشجَرَا فإنْ زرَعتَ فمحفوظٌ بمَضْيَعةٍوأكْلُ زَرْعِك شكرُ الغَيْر إن كَفَرَا

۲۰۱الأصْلُ:كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلاَّ وِعَاءَ الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ .

الشّرْحُ:هذا الكلام تَحْته سرٌّ عظيم ، ورَمْزٌ إلى معنى شريف غامض ، ومنه أخذ مُثْبِتو النفس الناطِقَةِ الحجّة على قولهم ؛ ومحصولُ ذلك أن القُوَى الجُسمانيّة يُكِلها ويُتعِبُها تَكرارُ أفاعِيلها عليها ، كقوّة البصر يُتعِبها تكرار إدْراك المَرْئِيَّات ، حتّى ربّما أذهَبهَا وأبطَلَها أصلاً ، وكذلك

.


1) .المراد بالكافر هنا ناكر المعروف والجميل الذي أُسدي إليه ، وبالشاكر من يستحسن الحسن لذاته ولو صدر من عدوّه . والمعنى : إنك إن أردت بالمعروف وجهَ اللّه سبحانه ، فاللّه يحبُّ المحسنين ، وحسبُك محبةُ اللّه ، وإن أردتَ ثناء الشاكرين فإن كفر من أنعمتَ عليه ، فقد يشكر نعمتَك غيره ، واللّه ُ لا يضيّعه .

۲۰۲. أوّل عوض الحليم

۲۰۳. إن لم تكن حليماً فتحلّم

قوّة السمع يُتعبها تكرار الأصْوات عليها ، وكذلك غيرها من القُوَى الجُسْمانيّة ، ولكنّا وجدْنا القوّة العاقلة بالعكس من ذلك ، فإنَّ الإنسان كلّما تكرّرتْ عليه المعقولات ازدادتْ قوّته العقليّة سَعةً وانبساطا واستعدادا لإدراكِ أُمور أُخرى غير ما أدركتْه من قبلُ ، حتّى كانَ تكرارُ المَعْقولات عليها يَشْحذها ويَصْقُلها ، فهي إذَنْ مخالِفة في هذا الحكم للقُوى الجُسْمانية ، فلَيْست منها لأنّها لو كانت منها لكان حُكْمها حكمَ واحدٍ من أخواتها ، وإذا لم تكن جُسْمانيّة فهي مجرَّدة ، وهي التي نسميها بالنفس الناطقة .

۲۰۲الأصْلُ:أَوَّلُ عِوَض الْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم من أقوالنا في الحلْم ما في بعضِه كفاية . وفي الحِكَم القديمة : لا تَشِنْ حُسْنَ الظَّفر بقُبْح الانتقام . وكان يقال : اعفُ عمّن أبطأ عن الذّنب ، وأسرع إلى النّدم . وقالت الأنصارللنّبيّ صلى الله عليه و آله وسلم يومَ فتحِ مكّة : إنّهم فعلوا بك ثمّ فعلوا . يُغْرُونه بقريش ؛ فقال : «إنماسمِّيت محمّداً لأُحْمَد» .

۲۰۳الأصْلُ:إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بَقَوْمٍ إِلاَّ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ .

.

۲۰۴. مَن حاسب نفسح ربح

الشّرْحُ:التحلُّم : تكلّف الحِلْم ، والّذي قاله عليه السلام صحيح في مَناهِج الحكمة ، وذلك لأنّ من تَشبَّه بقومٍ وتكلّف التخلّق بأخلاقِهم ، والتأدّبَ بآدابهم ، واستمرّ على ذلك ومَرَن عليه الزمان الطويل ، اكتَسَب رياضةً قويّة ، ومَلَكة تامّة ، وصار ذلك التكلّف كالطَبْع له ، وانتقل عن الخُلُق الأوّل ، أَلا ترَى أنّ الأعرابيّ الجِلْف الجافي إذا دَخَل المُدُن والقُرَى وخَالطَ أهلَها وطال مُكْثُه فيهم انتقل عن خُلُق الأعراب الّذي نشأ عليه ، وتلطَّف طَبْعُه ، وصار شبيها بساكِنِي المُدُن .

۲۰۴الأصْلُ:مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ .

الشّرْحُ:قد جاء في الحديث المرفوع : «حاسبوا أنفسَكم قبلَ أن تحاسَبوا» . قولهُ : «ومن خاف أمن» أي مَن اتقى اللّه أمِنَ مِنْ عذابه يوم القيامة . ثم قال : «ومن اعتبر أبصر» ، أي من قاس الأُمور بعضها ببعض واتّعظ بآيات اللّه وأيامه ، أضاءت بصيرته ، ومن أضاءت بصيرته فهم ، ومن فهم علم . فإن قلتَ : الفهم هو العلم ، فأيّ حاجةٍ له إلى أن يقول : «ومن فهم علم ؟» . قلت : الفهم هاهنا هو معرفة المقدّمات ، ولابد أن يستعقب معرفة المقدمات معرفة النتيجة ، فمعرفة النتيجة هو العلم ، فكأنّه قال : من اعتبر تنوّر قلبه بنور اللّه تعالى ، ومَنْ تنوّر قلبه عقل المقدّمات البرهانية ، ومن عقل المقدمات البرهانية علم النتيجة الواجبة عنها ، وتلك هي الثمرة الشريفة التي في مثلها يتنافس المتنافسون .

.

۲۰۵. لتعطفنّ الدُّنيا علينا بعد شماسها

۲۰۵الأصْلُ:وقال عليه السلام :لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوس عَلَى وَلَدِهَا ، وتلا عقيب ذلك : «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» .

الشّرْحُ:الشِّماس : مصدر شَمس الفرسُ إذا منع من ظهره . والضّروس : الناقة السيّئة الخُلق تعضُّ حالبَها ، والإماميّة تزعم أن ذلك وعدٌ منه بالإمام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان ۱ . وأصحابنا يقولون : إنه وعْدٌ بإمام يملك الأرض ويستولي على الممالك ، ولا يلزم من ذلك أنه لا بُدّ أن يكون موجودا ، وإن كان غائبا إلى أن يظهر ، بل يكفي في صحّة هذا الكلام أن يُخلق في آخر الوقت . وبعض أصحابنا يقول : إنه إشارة إلى ملك السفّاح والمنصور وابني المنصور بعده . وتقول الزيديّة : إنه لابدّ من أن يملك الأرض فاطميٌّ يتلوه جماعة من الفاطميِّين على مذهب زيد ، وإن لم يكن أحد منهم الآن موجودا ۲ .

.

۲۰۶. اتّقوا اللّه تقيّة من شمّر تجريداً

۲۰۷. الجود حارس الأعراض

۲۰۶ الأصْلُ:اتَّقُوا اللّهَ تُقَاةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً ، وَجَدَّ تَشْمِيراً ، وَأكمَشَ فِي مَهَلٍ ، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ ، وَنَظَرَ فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ ، وَعَاقِبَةِ الْمَصْدَرِ ، وَمَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ (1). الشّرْحُ:لو قال «وجرّد تشميراً» لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع ؛ لكنّه لم يحفِل بذلك ، وجرى على مقتضى طبعه مِن البلاغة الخالية من التكلّف والتصنّع ، على أن ذلك قد روي ، والمشهور الرواية الأُولى . وأكمش : جدّ وأسرع ، ورجل كميش ، أي جادّ . وفي مَهَل ، أي في مهلة العمر قبل أن يضيق عليه وقتُه بدنوّ الأجَل . ۲۰۷الأصْلُ: الْجُودُ حَارِسُ الْأَعْرَاض ، وَالْحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ ، وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ ، وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ ، وَالاِْسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ . وَقَد خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ ، وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحِدْثَانَ ، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ ، وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى .وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ عند هَوَى أَمِيرٍ! وَمِنَ التَّوْفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ ، وَالْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ . وَلاَ تَأْمَنَنَّ مَلُولاً .

.


1) .الوجل : الخوف . الموئل : مستقرّ السير والمقرّ الأخير ، يريد به ـ هنا ـ ما ينتهي إليه الإنسان من سعادة وشقاء . وكرّته : حملته وإقباله . مغبة : العاقبة وما يناله جزاءً لعمله .

۲۰۸. عجب المرء بنفسه أحد

الشّرْحُ:مثل قوله : «الجود حارس الأعراض» ، قولهم : كلّ عيب فالكَرَم يغطِّيه . والفِدَام : خِرْقة تجعل على فَمِ الإبريق ، فشبّه الحلم بها ، فإنّه يردّ السفيهَ عن السَّفَه كما يردّ الفدامُ الخمرَ عن خروج القَذَى منها إلى الكأس . فأمّا «والعَفْو زَكاة الظَّفَر» ، فقد تقدّم أنّ لكلّ شيء زَكاة ، وزكاة الجاه رِفْدُ الْمُسْتَعِين ، وزكاة الظَّفَر العَفْو . وأمّا «السُّلُوّ عوضك ممّن غدر» ، فمَعْناه أنّ من غدرَ بك من أحبّائك وأصدقائك فاسلُ عنه وتناسَه ، واذكرْ ما عامَلَك به من الغَدْر ، فإنّك تسلو عنه ، ويكون ما استفدتَه من السلوّ عوضا عن وِصالِه الأوّل .وقد سبق القولُ في الاستشارة ، وأنّ المستغنيَ برأيه مخاطِر ، وكذلك القولُ في الصّبر . والمناضَلة : المراماة . وكذلك القولُ في الجزع ، وأنّ الإنسان إذا جَزِع عند المصيبة فقد أعان الزمانَ على نفسِه ، وأضاف إلى نفسِه مصيبةً أُخرى . وسبق أيضا القولُ في المُنى ، وأنّها من بضائِع النَّوْكَى (1). وكذلك القولُ في الهوى ، وأنّه يَغلِب الرأي ويأسِره . وكذلك القولُ في التّجربة ؛ وقولُهم : مَنْ حارب المجرِّب حلّت به النّدامة ، وإنّ من أضاع التجربة فقد أضاع عقلَه ورأيَه . وقد سبق القولُ في المودَّة ، وذكرنا قولَهم : الصّديقُ نسيبُ الرُّوح ، والأخُ نسيبُ الجسم . وسبق القولُ في المَلال .وقال العبّاس بنُ الأحنف : لو كنتِ عاتِبةً لسكَّن عَبْرَتيأمَلِي رضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقَبِ لكنْ ملِلتِ فلم يكن لي حيلةٌصَدُّ المَلُولِ خلاف صَدِّ العاتبِ

۲۰۸الأصْلُ:عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحْدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ .

.


1) .جمع أنوك ؛ وهو الأحمق .

۲۰۹. أغض على القذى والألم

۲۱۰. من لان عوده كثفت أغصانه

الشّرْحُ:معنى هذه الكلمة أنّ الحاسد لا يزال مجتهدا في إظهار معايب المحسود وإخفاء محاسنه ، فلما كان عُجْب الإنسان بنفسه كاشفا عن نقص عقله ، كان كالحاسد الذي دأبُه إظهارَ عيب المحسود ونقصه . وكان يقال : مَنْ رضيَ عن نفسه كثر الساخط عليه .

۲۰۹الأصْلُ:أَغْضِ عَلَى الْقَذَى وَالْأَلَمِ تَرْضَ أَبَداً .

الشّرْحُ:نظير هذا قول الشاعر : وَمَنْ لَمْ يُغَمِّضْ عَيْنَهُ عن صديقِهِوَعَنْ بَعْضِ ما فيه يمتْ وهو عاتبُ ومَن يتتبَّعْ جاهدا كلّ عثرةيجدها ولا يسلمْ له الدهرَ صاحبُ وقال الشاعر : إذا أنْتَ لم تشْرَبْ مرارا على القَذَىظَمِئْتَ وأيّ النَّاس تصفُو مشاربُهْ! وكان يقال : اغْضِ عن الدّهر وإلاّ صرعك .

۲۱۰الأصْلُ:مَنْ لاَنَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ .

.

۲۱۱. الخلاف يهدم الرأي

الشّرْحُ:تكادُ هذه الكلمة أن تكون إيماء إلى قوله تعالى : «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُه بِإذْنِ رَبِّهِ» (1)؛ ومعنى هذه الكلمة أنّ مَنْ حَسُن خُلقه، ولانت كلمته، كثر محبُّوه وأعوانه وأتباعه . ونحوه قوله : «مَنْ لانتْ كلمته ، وجبتَ محبّته» . وقال تعالى : «وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ القَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (2)، وأصل هذه الكلمة مطابِقٌ للقواعد الحكميّة ، أعني الشجرة ذات الأغصان حقيقة ، وذلك لأنّ النبات كالحيوان في القوى النفسانيّة ، أعني الغاذيّة والمنمّية ، وما يخدم الغاذيّة من القوَى الأربع ؛ وهي الجاذبة ، والماسكة ، والدافعة ، والهاضمة ؛ فإذا كان اليبَس غالبا على شجَرة كانت أغصانُها أخفَّ ، وكان عودها أدقَّ ، وإذا كانت الرُّطوبة غالبةً كانت أغصانها أكثر ، وعودها أغلَظ ؛ وذلك لاقتضاء اليَبَس الذبول ، واقتضاء الرطوبة الغِلظ والعبالة والضخامة ، ألا تَرى أنّ الإنسان الّذي غلب اليَبَسُ على مزاجه ، لا يزال مَهْلُوسا نحيفا ، والذي غلبت الرطوبة عليه لا يزال ضخما عَبْلاً .

۲۱۱الأصْلُ:الْخِلاَفُ يَهْدِمُ الرَّأْيَ .

الشّرْحُ:هذا مثل قوله عليه السلام في موضع آخر : «لا رأْي لمن لا يُطاع» (3). ويُروَى : لا إمرة لمن لا يطاع . وفي أخبار قصير وجَذِيمة : «لو كان يطاع لقصيرٍ أمر» . وكان يقال : اللّجاج يَشحَذ الزُّجاج،

.


1) .سورة الأعراف ۵۸.

2) .سورة آل عمران ۱۵۹ .

3) .مرّ هذا القول في آخر الخطبة ۲۷ .

۲۱۲. من نال استطال

۲۱۳. في تقلُّب الأحوال

ويثير العَجاج .

۲۱۲الأصْلُ:مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ .

الشّرْحُ:يجوز أن يريد به : مَنْ أثْرَى ونال من الدنيا حظّا استطال على النّاس . ويجوز أن يريد به : مَنْ جاد استطال بجوده . يقال : نالني فلان بكذا أي جادَ به عليّ ، ورجل نالٌ ، أي جوادٌ ذو نائل ، ومثله رجل طانٍ أي ذو طين ، ورجل مالٌ أي ذو مال .

۲۱۳الأصْلُ:فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ ، عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَال .

الشّرْحُ:معناه لا تُعلَم أخلاق الإنسان إلاّ بالتجربة ، واختلاف الأحوال عليه . وقال الشاعر : لا تَحمَدنّ امرأً حتّى تجرِّبَهُولا تذمّنّه إلاّ بتجريبِ وقالوا : التجربة محكّ ؛ وقالوا مثلُ الإنسان مثل البطّيخة ، ظاهرها مونق ، وقد يكون في باطنها العيب والدود ، وقد يكون طعمها حامضا وتفِها .

.

۲۱۴. حسد الصديق من سقم المودّة

۲۱۵. أكثر مصارع العقول تحت

۲۱۴الأصْلُ:حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدَّةِ.

الشّرْحُ:إذا حسدك صديقُك على نعمة أُعطيتَها لم تكن صداقته صحيحة ، فإنّ الصديق حقّا من يَجري مَجرَى نفسِك ، والإنسان لم يحسدْ نفسه . وقيل لحكيم : ما الصديق ؟ فقال : إنسان ، هو أنت إلاّ أنه غيرُك .

۲۱۵الأصْلُ:أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ (1).

الشّرْحُ:ومنه قولُ الشاعر : طَمِعتَ بلَيلَى أن تَريعَ وإنّما (2)تُقطِّع أعناقَ الرِّجالِ المطَامِعُ وقال آخَر : إذا حدّثَتْك النفسُ أنّك قادرٌعلى ما حوَتْ أيدي الرجالِ فكذِّبِ وإيّاك والأطماعَ إنّ وُعُودَهارَقارِقُ آلٍ أو بَوَارِقُ خُلّبِ (3)

.


1) .تحت بروق المطامع معنى جميل ؛ لإن البرق نور سريع خاطف لا ينتفع منه ، وكذلك الطمع رجاء فاسد ، ووهم لا اعتبار به ، ولا نيل معه بالمقصود ومن هنا جاء التشبيه متّسقاً . والطمع يغلق العقل عند الاستيلاء ، وهو داء لا دواء له . و « رقٌّ مؤيد » كما في الحكمة ۱۸۲ .

2) .تريع : ترجع وتعود ؛ كذا فسره صاحب اللسان .

3) .الرقارق : السراب .

۲۱۶. ليس من العدل القضاء

۲۱۷. بئس الزاد إلى المعاد

۲۱۶الأصْلُ:لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثِّقَةِ بِالظَّنِّ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولِ أصحاب أُصُول الفقه : لا يجوز نَسْخ القرآن والسنّة المتواتِرة بخبر الواحد ؛ لأنّ المَظْنون لا يَرفَع المَعلوم . ولفظ الثِّقة هاهنا مرادِفٌ للفظ العِلم ، فكأنّه قال : لا يجوز أن يزال ما عُلم بطريق قطعيّةٍ لأمرٍ ظَنيّ (1).

۲۱۷الأصْلُ:بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ ، الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ .

الشّرْحُ:وكان يقال : عَجَبا لمن عُومِل فأُنْصِف ! إذا عامَلَ كيف يَظلِم ؟ وأعجب منه من عُومل فظُلِم إذا عامَل كيف يَظلِم ؟! وكان يقال : العدوّ عدوّان : عَدوٌّ ظلمتَهُ ، وعدوٌّ ظَلَمك ، فإن اضطرّك الدهرُ إلى أحدهما فاستَعِن بالذي ظَلَمك ، فإن الآخر مَوْتُور .

.


1) .قال الإمام الصادق عليه السلام : لا ينقض اليقين بالشك ، ولا يدخل الشك في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر . ولكن ينقض الشك باليقين . انظر : وسائل الشيعة للحر العاملي ج۱ ب۱ من أبواب نواقض الوضوء ح۱ .

۲۱۸. من أشرف أعمال الكريم

۲۱۹. من كساه الحياء ثوبه

۲۱۸الأصْلُ:مِنْ أَشْرَفِ أَعْمَالِ الْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ (1).

الشّرْحُ:كان يقال : التغافُل من السُّؤدُد . وقال أبو تمّام : ليس الغَبِيّ بسَيِّدٍ في قومِهلكنّ سيِّد قومِه المُتَغابِي وكان يقال : بعضُ التغافل فضيلة ، وتمام الجود الإمساك عن ذكر المواهب ، ومن الكرَم أن تَصفَح عن التّوبيخ ، وأن تلتمس ستْر هَتْك الكريم .

۲۱۹الأصْلُ:مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ ، لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ .

الشّرْحُ:وكان يقال : الحياء تمام الكَرَم ، والحِلم تمام العقل . وقال بعضُ الحكماء : الحياء انقباض النّفس عن القبائح ، وهو من خصائص الإنسان ، لأنّه لا يوجد في الفرَس ولا في الغنم والبقر ، ونحو ذلك من أنواع الحيوانات ، وهو خُلُقٌ مركّب من جُبْن وعفَّة ، ولذلك لا يكون المستحي فاسقا ، ولا الفاسقُ مستحيا ؛ لتنافي

.


1) .المعنى هو تغافله عن معايب الناس والترفّع عن نشرها ، والتغافل عن هفواتهم بحقّه فلا يَتَتبَّعُها .

۲۲۰. بكثرة الصّمت تكون الهيبة

اجتماع العفّة والفِسْق ، وقلّما يكون الشّجاع مستحِيا والمستحي شُجاعا ؛ لتنافِي اجتماعِ الجُبْن والشجاعة . فأمّا الخجل فحيْرة تَلحَق النّفس لفَرْط الحياء ، ويحمد في النّساء والصبيان ويُذَم بالاتفاق في الرّجال . فأمّا القِحَة فمذْمومة بكلّ لسان ، إذ هي انْسلاخٌ من الإنسانية ، وحقيقتُها لجاجُ النفس في تعاطي القبيح ، واشتقاقها من حافِرٍ وَقَاح أي صُلْب . وقال عليه السلام : «الحياءُ شُعْبة من الإيمان» . وقال : «الإيمان عُرْيان ، ولباسُه التقوى ، وزينته الحياء» .

۲۲۰الأصْلُ:بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ ، وَبِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْمُوَاصِلُونَ ، وَبالاْءِفْضَالِ تَعْظُمُ الْأَقْدَارُ ، وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ ، وَبِاحْتَِمالِ الْمُؤَنِ يَجِبُ السُّؤْدَدُ ، وَبِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُنَاوِئُ ، وَبِالْحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الْأَنْصَارُ عَليْهِ .

الشّرْحُ:قال يحيى بن خالد : ما رأيت أحدا قطّ صامتا إلاّ هِبْتُه حتى يتكلّم ، فإمّا أن تزداد الهيْبة أو تنقُص . ولا رَيْب أن الإنصاف سببُ انعطاف القلوب إلى المنصف ، وأن الإفضال والجود يقتضي عِظَم القَدْر ؛ لأنّه إنعام ، والمُنعِم مشكور ، والتواضع طريقٌ إلى تمام النعمة ، ولا سؤدد إلاّ باحتمال المُؤَن . والسِّيرة العادلة سببٌ لقَهْر الملِك الذي يُسيِّر بها أعداءَه ، ومَنْ حَلُم عن سَفيهٍ وهو قادرٌ على الانتقام منه نَصَره الناس كلُّهم عليه ، واتّفقوا كلُّهم على ذَمّ ذلك السفيه وتقبيح فِعْلِهِ ؛ والاستِقْراءُ واختبارُ العادات تَشهَد بجميع ذلك .

.

۲۲۱. العجب لغفلة الحسّاد

۲۲۲. الطامع في وثاق الذّل

۲۲۱الأصْلُ:الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسَّادِ ، عَنْ سَلاَمَةِ الْأَجْسَادِ!

الشّرْحُ:إنما لم يَحسد الحاسد على صحّة الجسد ؛ لأنّه صحيحُ الجسد ، فقد شارك في الصحّة ، وما يُشارك الإنسانُ غيره فيه لا يَحسده عليه ، ولهذا أرباب الحَسد إذا مَرِضوا حَسدوا الأصحّاء على الصحّة . فإن قلت : فلماذا تَعجَّب أميرُ المؤمنين عليه السلام ؟ قلت : لكلامه عليه السلام وَجْه ، وهو أن الحسد لمّا تمكن في أربابه ، وصار غريزة فيهم ، تعجّب كيف لا يتعدّى هذا الخُلُق الذّميم إلى أن يحسد الإنسان غيره على ما يشاركه فيه ؛ فإن زيداً إذا أبغض عَمْراً بُغْضا شديدا وَدّ أن تزول عنه نِعْمته إليه ، وإن كان ذا نِعْمة كنِعمتِه ، بل ربما كان أقوى وأحسن حالاً . ويجوز أن يريد معنى آخر ، وهو تعجُّبه من غَفْلة الحُسّاد ؛ على أن الحسد مؤثِّر في سلامة أجسادهم ، ومقتضٍ سُقمَهُم ، وهذا أيضا واضح .

۲۲۲الأصْلُ:الطَّامِعُ فِي وَثَاقِ الذُلِّ (1).

.


1) .ونحوه الحكمة ۲۱۵ ، ۱۸۲ .

۲۲۳. الإيمان معرفة بالقلب

الشّرْحُ:من أمثال البُحْتريّ قوله : واليأسُ إحدَى الرّاحتَيْن ولن تَرَىتَعِبا كظَنِّ الخائب المَكْدُودِ وكان يقال : ما طمِعتْ إلاّ وذَلّت ـ يَعنُون النّفس . وفي البيت المشهور : تُقطّع أعناقَ الرِّجال المَطامِعُ . وقالوا : عَزَّ من قَنِع ، وذَلَّ من طَمِع . وقد تقدّم القولُ في الطّمع مراراً .

۲۲۳الأصْلُ:وقال عليه السلام وقد سُئل عن الإِيمان:الاْءِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ ، وعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم قولُنا في هذه المسألة . وهذا هو مذهبُ أصحابنا المعتزِلة بعَيْنه ؛ لأنّ العمل بالأركان عندنا داخلٌ في مسمَّى الإيمان ـ أعنِي فعل الواجبات ، فمن لم يَعمَل لم يسمَّ مؤمناً وإن عَرَف بقلبه وأقَرَّ بلسانه ، وهذا خلاف قول المرجئة من الأشعرية والإمامية (1)والحشوية .

.


1) .وهو قول الامامية دون أدنى شك ، وقد رويت هذه الكلمات عن الامام الرضا عليه السلام ، عنه صلوات اللّه عليه كما في عيون الأخبار ۱ : ۲۶۶ بعدة طرق ، وفي غيره . والمراد بالمعرفة هنا الاعتقاد الجازم المطابق للواقع سواءً كان عن علم أم عن تقليد . فما لم يكن الانسان معتقدا بالقلب لم يكن مؤمنا ولو أقرّ وعمل ، وما لم يقرّ بلسانه ، لم يكن مؤمنا ولو تيقّن بقلبه ، وما لم يقرن ذلك بالعمل المحسوس ، مما ثبت بضرورة الدين كالصلاة والصوم والجهاد والحج والزكاة ... الخ لم يكن مؤمنا ، وإن كان مقرّا بلسانه ومعتقدا بجنانه . (انظر الحكمة ۳۱) .

۲۲۴. من أصبح على الدنيا حزيناً

۲۲۴الأصْلُ:مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً ، فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللّهِ سَاخِطاً . وَمَنْ أَصْبَحَ يَشَكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ ، فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ . وَمَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ . وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ ؛ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً ، وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَـلاَثٍ : هَمٌّ لاَ يُغِبُّهُ ، وَحِرْصٌ لاَ يَتْرُكُهُ ، وَأَمَلٌ لاَ يُدْرِكُهُ .

الشّرْحُ:إذا كان الرّزق بقضاء اللّه وقَدَره ، فمن حَزِن لفَواتِ شيء منه فقد سَخِط قضاءَ اللّه وذلك معصية ؛ لأنّ الرّضا بقضاء اللّه واجب ، وكذلك من شَكا مصيبةً حلّت به ؛ فإنّما يشكو فاعِلَها لاهي ؛ لأنّها لم تنزل به من تِلقاء نفسِها ، وفاعِلُها هو اللّه ، ومن اشتكى اللّه فقد عَصَاه ؛ والتواضُع للأغنياء تعظيما لغِناهم أو رجاءَ شيء ممّا في أيديهم فِسْق . وكان يقال : لا يُحمَد التِّيه إلاّ من فقيرٍ على غَنِيّ . فأمّا قولُة عليه السلام : «ومن قرأ القرآن فماتَ فدخل النار ، فهو ممّن كان يتّخذ آياتِ اللّه هُزُوا » . فلِقائل أن يقول : قد يكون مؤمِنا بالقرآن ليس بمتّخِذٍ له هُزُوا ، ويقرؤه ثمّ يدخل النار ؛ لأنّهُ أتى بكَبيرة أُخرى نحوَ القتل والزّنا والفِرار من الزَّحف وأمثال ذلك! والجواب أن معنى كلامه عليه السلام هو أنّ من قَرَأ القرآن فمات فدَخَل النار لأجلِ قراءتهِ القرآن فهم ممّن كان يتّخذ آياتِ اللّه هُزُوا ، أي يقرؤه هازِئا به ، ساخرا منه ، مستهينا بمواعظه وزواجره ، غير معتقِد أنّه من عندِ اللّه . فإن قلت : إنما دخل مَن ذكرتَ النارَ ؛ لا لأجل قراءته القرآن ، بل لُهُزئه به ، وجحوده إيّاه ، وأنت قلت : معنى كلامه أنّه من دَخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممّن كان يستهزِئُ بالقرآن! قلت : بل إنّما دخل النار ؛ لأنّه قرأه على صفة الاستهزاء والسُّخْرية ، ألا ترى أنّ الساجد للصّنَم يُعَاقَب لسجودِه له على جهة العبادة والتعظيم ، وإن كان لولا ما يحدثه مضافا للسّجود

.

۲۲۵. كفى بالقناعة ملكاً

من أفعال القلوب لما عُوقب . ويمكن أن يُحمَل كلامُه عليه السلام على تَفسيرٍ آخرَ ، فيقال : إنّه عَنَى بقوله : إنّه كما كان ممّن يتّخذ آيات اللّه هُزُوا : أنّه يعتقد أنّها من عند اللّه ، ولكنّه لا يَعمَل بمُوجبها كما يَفعَله الآنَ كثيرٌ من الناس . قولُة عليه السلام : «التاط بقَلْبه» أي لَصِق . ولا يُغِبُّه ، أي لا يَأْخُذُه غِبّا ، بل يلازمه دائما ، وصَدَق عليه السلام فإنّ حُبّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة ، وحبُّ الدنيا هو المُوجِب للهَمّ والغمّ والحِرْص والأمَل والخَوْف على ما اكتَسَبه أن ينفَد ، وللشُّحّ بما حَوَتْ يَدُهُ ، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة .

۲۲۵الأصْلُ:كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً ، وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في هذين ، وهما القناعة وحُسْن الخُلُق . وكان يقال : يستحقّ الإنسانيّة مَنْ حَسُن خلقُه ، ويكاد السيءُ الخُلُق يُعَدّ من السِّباع . وقال بعضُ الحكماء : حدُّ القناعة هو الرّضا بما دون الكفاية ، والزّهد : الاقتصار على الزَّهيد ، أي القليل ، وهما مُتقارِبان ، وفي الأغلب إنما الزهد هو رَفْض الأُمور الدنيويّة مع القُدْرة عليها ؛ وأمّا القَناعة فهي إلزام النّفس الصبرَ عن المشتهَيَات الّتي لا يقدر عليها ، وكلّ زُهْد حَصَل لا عن قَناعةٍ فهو تزهّد ، وليس بزُهد ، وكذلك قال بعض الصُّوفيّة : القناعة أوّل الزُّهد ، تنبيها على أنّ الإنسان يحتاج أوّلاً إلى قدْع نفسه وتخصّصه بالقناعة ليَسهلُ عليه تَعاطِي الزّهد ، والقناعة الّتي هي الغنى بالحقيقة ، لأنّ الناسَ كلّهم فقراء من وجهين : أحدهُما : لافتقارِهم إلى اللّه تعالى كما قال : «يأيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ واللّهُ هُوَ

.

۲۲۶. هي القناعة

الغَنِيُّ الحَمِيد» (1). والثاني : لكَثْرة حاجاتهم فأغناهم لا مَحَالة أقلّهم حاجة ، ومن سدّ مَفاقِره بالمُقتَنَيات فما في انسدادِها مطمَع ، وهو كَمَن يَرقَع الخَرْق بالخَرْق ، ومن يَسُدّها بالاستغناء عنها بقَدْر وُسْعه والاقتصار على تَناوُل ضروريّاته فهو الغنيّ المقرَّب من اللّه سبحانه ، كما أشار إليه في قصّة طالوتَ : «إنّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنّي إلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ» (2)، قال أصحاب المعاني والباطن : هذا إشارةٌ إلى الدنيا .

۲۲۶الأصْلُ:وسُئل عليه السلام عن قـول اللّه عزّ وجلّ : «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً» (3)، فَقَالَ : هِيَ الْقَنَاعَةُ .

الشّرْحُ:لا ريبَ أنّ الحياةَ الطّيبة هي حياةُ الغِنَى ، وقد بيّنّا أن الغَنِيَّ هو القَنُوع ، لأنّه إذا كان الغِنَى عدمُ الحاجة فأغنَى النّاس أقلُّهم حاجةً إلى الناس ، ولذلك كان اللّه تعالى أغْنَى الأغنياء ، لأنّه لا حاجةَ به إلى شيء ، وعلى هذا دَلّ النبيُّ بقوله صلى الله عليه و آله وسلم : « ليس الغِنَى بكَثْرة العَرَض ، إنّما الغِنَى غِنَى النّفس» . وقال أصحابُ هذا الشأن : القَناعة من وجهٍ صَبْر ، ومِنْ وَجْهٍ جُود ، لأنّ الجُودَ ضَرْبان : جودٌ بما في يدك منتَزعا ، وجودٌ عمّا في يدِ غيرك متورِّعا ، وذلك أشرَفهما .

.


1) .سورة فاطر ۱۵ .

2) .سورة البقرة ۲۴۹ .

3) .سورة النحل ۹۷ .

۲۲۷. شاركوا الذي قد أقبل

۲۲۸. العدل : الإنصاف

۲۲۷الأصْلُ:شَارِكُوا الَّذِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ الرِّزْقُ ، فَإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغِنَى ، وَأَجْدَرُ بِإِقْبَالِ الْحَظِّ (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في الحظّ والبخْتِ . وكان يقال : الحظّ يُعدِي كما يُعدِي الجَرَب ، وهذا يُطابق كلمة أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنّ مخالطة المجْدود ليست كمخالَطة غير المجْدود ، فإن الأُولى تقتضي الاشتراك في الحظ والسعادة ، والثانية تقتضي الاشتراك في الشقاء والحرمان . والقول في الحظ وسيعٌ جدا . وقال بعضهم : البَخْت على صورةِ رجلٍ أعمى أصمّ أخرس ، وبين يديه جواهرُ وحِجارة ، وهو يَرمي بكِلتَا يَدَيه .

۲۲۸الأصْلُ:وقال عليه السلام في قولِهِ عزَّ وجَلَّ: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاْءِحْسَانِ» (2): الْعَدْلُ الاْءِنْصَافُ ، وَالاْءِحْسَانُ التَّفَضُّلُ .

الشّرْحُ:هذا تفسيرٌ صحيح اتّفق عليه المفسرون كافّة ، وإنما دخل النّدْب تحت الأمر ؛ لأنّ له صفةً زائدة على حُسْنه ، وليس كالمُباح الذي لا صِفَة له زائدة على حُسْنه .

.


1) .هذه نصيحة من الإمام عليه السلام ، وليست أمراً شرعياً ، والمعنى ، إذا رأيتم شخصاً أقبل عليه الرزق ، فاشتركوا معه في عمله ، فإنّ هذا يجلب لكم الغنى والحظَّ الحسن .

2) .سورة النحل ۹۰ .

۲۲۹. من يعط باليد القصيرة

۲۳۰. لا تدعونّ إلى مبارزةٍ

۲۲۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطَّوِيلَةِ

قال الرضي رحمه الله : ومعنى ذلك أن ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير والبر - وإن كان يسيراً - فإن اللّه تعالى يجعل الجزاء عليه عظيماً كثيراً ، واليدان هاهنا ، عبارة عن النعمتين ففرّق عليه السلام بين نعمة العبد ونعمة الرب تعالى ذكره ، بالقصيرة والطويلة ، فجعل تلك قصيرة وهذه طويلة ، لأنّ نعم اللّه أبداً تُضَعّف على نعم المخلوقين أَضعافاً كثيرة ؛ إذ كانت نعم اللّه أصل النعم كلها ، فكل نعمة إليها ترجع ، ومنها تُنزع .

الشّرْحُ:هذا الفَصْل قد شرَحه الرّضيّ رحمه الله ، فأغنى عن التعرّض بشَرْحِه (1).

۲۳۰الأصْلُ:وقال عليه السلام لابْنِهِ الحَسَنِ : لاَ تَدْعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ ، وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ ؛ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إِلَيْهَا بَاغٍ ، وَالْبَاغِيَ مَصْرُوعٌ .

.


1) .وقيل : إن المراد باليد القصيرة هنا ، عمل الإنسان وجهاده ، والتضحية لنصرة الحقّ والعدل ، أمّا اليد الطويلة ، فهي كناية عن عطاء اللّه سبحانه الذي وصفه بقوله : «عطاء غير مجذوذ» سورة هود ۱۰۸ ، أي غير مقطوع . في ظلال نهج البلاغة / مغنيّة ۴۰ : ۳۵۵ .

۲۳۱. خيار خصال النّساء

الشّرْحُ:قد ذكَر عليه السلام الحِكْمة ، ثم ذكر العِلّة ، وما سَمِعْنا أنه عليه السلام دعا إلى مُبارَزةٍ قَطّ ، وإنما كان يدعَى هو بعينه ، أو يدعو من يبارز ، فيَخْرُج إليه فيقتله ، دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم إلى البراز يوم بَدْر ، فخرج عليه السلام فقتل الوليد ، واشترك هو وحمزة عليه السلام في قَتْل عُتْبة ، ودعا طَلْحة بن أبي طَلْحة إلى البراز يوم أحد ، فخرج إليه فقتله ، ودعا مَرْحبٌ إلى البراز يوم خَيْبَر فخرج إليه فقتله . فأما الخَرْجة التي خرَجَها يوم الخَنْدق إلى عمرو بن عبد وُدّ فإنّها أجلّ من أن يقال جليلة ، وأعظم من أن يقال عظيمة ، وما هي إلاّ كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائلٌ : أيّما أعظم منزلة عند اللّه ، عليٌّ أم أبو بكر ؟ فقال : يابن أخي ، واللّه لمبارزة عليٍّ عَمْراً يوم الخندق تَعْدِل أعمالها المهاجرين والأنصار وطاعتهم كلها وتُرْبِي عليها فضلاً عن أبي بكروحدَه . ( ثم إنّ ابن أبي الحديد نقل قصة الخندق ومبارزة الإمام علي عليه السلام لابن ودّ عن مغازيالواقدي وسيرة ابن إسحاق ، مفصّلة ) .

۲۳۱الأصْلُ:خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ : الزَّهْوُ وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ ؛ فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا ، وَإِذَا كَانَتْ بِخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا ، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شِيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا .

الشّرْحُ:أخَذ هذا المعنَى الطُّغرائيُّ شاعرُ العَجَم فقال : الجودُ والإقْدامُ في فِْتيانِهمْوالبُخلُ في الفَتَيَات والإشفاقُ والطّعنُ في الأحداقِ دأبُ رُماتِهمْوالراميات سِهامَها الأحداقُ وتقول : زُهيَ الرجلُ علينا فهو مَزْهُوٌّ ، إذا افتخَر ، وكذلك نُخِيَ فهو مَنْخُوّ ، من النَّخْوة ، ولا يجوز زَهَا إلاّ في لغةٍ ضعيفة (1). وفَرِقتْ : خافتْ . والفَرَق : الخوف .

.


1) .والمرأة المزهوّة : المتكبّرة بنفسها المفتخرة على غيرها .

۲۳۲. هو الذي يضع الشيء مواضعه

۲۳۳. واللّهِ لدنياكم هذه أهون

۲۳۲الأصْلُ:وَقِيلَ لَهُ عليه السلام : صِفْ لَنَا العَاقِلَ ، فَقَالَ عليه السلام : هُوَ الِّذِي يَضَعُ الشَّيْءَ مَوَاضِعَهُ . فَقِيل : فَصِف لَنَا اَلجاهِلَ ، قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ .

قال الرضي رحمه الله : يعني أن الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه ، فكأنّ تَرْكَ صفته صفةٌ له ، إذ كان بخلاف وصف العاقل .

۲۳۳الأصْلُ:وَاللّهِ لَدُنْيَاكُمْ هذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عُرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ .

الشّرْحُ:العُراق : جمع عَرْق ، وهو العَظْم عليه شيءٌ من اللَّحْم ، وهذا من الجُموع النادرة ، نحو رَخْل ورُخال وتَوْأم وتُؤام ولا يكون شيء أحقر ولا أبغَضُ إلى الإنسان من عُراق خنزير في يدِ

.

۲۳۴. إنّ قوماً عبدوا اللّه رغبةً

۲۳۵. المرأة شرٌّ كلّها

مَجْذوم ، فانهُ لم يَرْضَ بأن يجعلهُ في يدِ مجذوم ـ وهو غايةُ ما يكون مِن التّنْفير ـ حتّى جَعله عُراق خنزير . ولعَمْري لقد صَدَق ـ وما زال صادقا ـ ومن تأمّل سِيرتَه في حالَتيْ خلوّه من العمل ووِلايته الخلافة عَرَف صحة هذا القول .

۲۳۴الأصْلُ:إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ .

الشّرْحُ:هذا مقامٌ جليلٌ تَتقاصر عنه قُوَى أكثر البَشَرِ ، وقد شرَحْناه فيما تقدّم ، وقلنا : إنّ العبادة لرجاء الثواب تجارةٌ ومُعاوَضة ، وإن العبادة لخوفِ العِقاب لمنزِلَةُ من يَستجدِي لسلطانٍ قاهر يخاف سطوتَه ، وهذا معنَى قولِه : «عبادةُ العبيد» ، أي خَوف السّوط والعصا ، وتلك ليس عبادةٌ نافعة ، وهي كمن يَعتذِر إلى إنسان خوفَ أذاه ونِقْمته ، لا لأنّ ما يَعتذِر منه قبيح لا ينبغي له فِعْلهُ ، فأمّا العبادة للّه تعالى شكرا لأنعُمه فهي عبادةٌ نافعة ، لأنّ العبادة شكرٌ مخصوص ، فإذا أوقَعَها على هذا الوجه فقد أوقَعها الموقعَ الّذي وُضِعتْ عليه .

۲۳۵الأصْلُ:الْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا ، وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهَا .

.

۲۳۶. من أطاع التّواني ضيّع الحقوق

۲۳۷. الحجر الغصب في الدّار رهن

الشّرْحُ:حَلَف إنسانٌ عند بعض الحكماء أنه ما دخل بابِي شَرٌّ قطّ ؛ فقال الحكيم : فمِنْ أينَ دخَلَتِ امرأتُك ! وكان يقال : أسباب فِتنة النساء ثلاثة : عينٌ ناظرة ، وصورةٌ مستحسَنةُ ، وشَهوةٌ قادرة ، فالحكيم من لا يردِّد النظرة حتّى يَعرفَ حقائقَ الصّورة ؛ ولو أنّ رجلاً رأى امرأةً فأعجبتْه ثمّ طَالَبها فامتنعتْ ، هل كان إلاّ تارِكَها ! فإن تأبَّى عقلُه عليه في مُطالَبتها كتَأبِّيها عليه في مُساعَفَتها قَدَع نفسَه عن لذّته قَدْع الغَيُور إيّاه عن حُرْمةِ مُسلِم .

۲۳۶الأصْلُ:مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيَّعَ الْحُقُوقَ ، وَمَنْ أَطَاعَ الْوَاشِيَ ضَيَّعَ الصَّدِيقَ (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلامُ في التّواني والعَجْز ، وتقدّم أيضا الكلامُ في الوِشاية والسِّعاية .

۲۳۷الأصْلُ:الْحَجَرُ الغَصْبُ فِي الدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا .

قال الرضيّ رحمه الله :

.


1) .مؤدّاه : أنّ من أخّر الفعل الذي ينبغي أن يُفعل عن وقته المعيّن بلا عذر فقد ضيّع الحقوق ، واستحقّ الذم . ومن سمع قول الوشاة ( النمامين ) في صديقه فقد هدم الصداقة . وضيّع الصديق .

۲۳۸. يوم المظلوم على الظالم

وقَد روي ما يُناسِبَ هَذَا الكَلاَمَ عن النَبيِّ صلى الله عليه و آله وسلم ، ولا عَجَبَ أنْ يَشْتَبهَ الكَلامَانَ ، فإنّ مُسْتقاهُما من قَلِيبٍ ، وَمفْرغَهُما من ذَنوبٍ .

الشّرْحُ:الذَّنُوب : الدلو المَلأى ، ولا يقال لها وهيَ فارغةٌ : ذَنُوب ، ومعنى الكلمة أن الدّار المبنيّة بالحجارة المَغْصوبة ولو بحَجَر واحد ، لابدّ أن يتعجّل خرابُها ، وكأنّما ذلك الحجَر رَهْن على حصول التخرّب ، أي كما أنّ الرَّهْن لابدّ أن يُفْتَكّ ، كذلك لابدّ لِما جُعل ذلك الحجرُ رَهْنا عليه أن يَحصُل .

۲۳۸الأصْلُ:يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ ، أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلامُ في الظّلم مراراً . وكان يقال : اذكُر عندَ الظّلم عدلَ اللّه تعالى فيكَ ، وعند القُدْرة قدرةَ اللّه تعالى عليك . وإنّما كان يومُ المظلوم على الظالم أشدَّ من يومه على المظلوم ، لأنّ ذلك اليومَ يومُ الجزَاء الكُلّيّ ، والانتقام الأعظم ، وقُصارَى أمرِ الظالم في الدنيا أن يَقتُل غيرَه فيُمِيته مِيتةً واحدة ، ثمّ لا سبيل له بعد إماتته إلى أن يُدخِل عليه ألما آخَر ؛ وأمّا يومُ الجَزاء فإنّه يومٌ لا يموت الظالم فيه فيَستريح ، بل عذابُه دائمٌ متجدِّد ، نعوذ باللّه من سُخْطِهِ وعِقابه .

.

۲۳۹. اتّق اللّه بعض التُّقى

۲۴۰. إذا ازدحم الجواب

۲۳۹الأصْلُ:اتَّقِ اللّهَ بَعْضَ التُّقَى وَإِنْ قَلَّ ؛ وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّهِ سِتْراً وَإِنْ رَقَّ .

الشّرْحُ:يقال في المَثَل : ما لا يُدْرَك كلُّه لا يُتْرَك كلّه . فالواجب على من عَسُرتْ عليه التّقوى بأجمعها أن يتقي اللّه في البعض ، وأن يجعل بينه وبينه سِتْرا وإن كان رَقيقا . وفي أمثال العامّة : إجعل بينك وبين اللّه رَوْزنة (1)، والرَّوْزَنة لفظة صحيحةٌ مُعَرَّبة ، أي لا تَجعل ما بينَك وبينه مَسْدودا مظلما بالكليّة .

۲۴۰الأصْلُ:إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ ، خَفِيَ الصَّوَابُ .

الشّرْحُ:هذا نحو أن يورد الإنسانُ إشكالاً في بعض المسائل النَّظَريّة بحضرةِ جماعةٍ من أهل النظر ، فيَتغالب القومُ ويتسابقون إلى الجواب عنه ، كلٌّ منهم يورِد ما خَطرَ له . فلا رَيْب أنّ الصواب يَخفى حينئذٍ ، وهذه الكلمة في الحقيقة أمر للنّاظر البَحّاث أن يتحرّى الإنصاف في بحثه ونظره مع رفيقه ، وألاّ يقصد المِراءَ والمغالَبة والقَهرَ .

.


1) .الروزنة : الكوة . وفي المحكم لابن سيده : الخرق في أعلى السقف .

۲۴۱. إن للّه تعالى في كلّ نعمة حقّاً

۲۴۲. إذا كثرت المقدرة

۲۴۱الأصْلُ:إِنَّ للّهِ تعالى فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً ، فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلامُ في هذا المعنى . وجاء في الخبر : مَن أُوتي نعمةً فأدَّى حقَّ اللّه منها بِرَدِّ اللَّهفة ، وإجابةِ الدّعوة ، وكشْف المظلمة ، كان جديرا بدوامها ومَنْ قَصَّر قُصِّرَ به .

۲۴۲الأصْلُ:إِذَا كَثُرَتِ الْمَقْدُرَةُ قَلَّتِ الشَّهْوَةُ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولهم : كلُّ مقدورٍ عليه مملول ، ومثل قول الشاعر : * وكلُّ كثيرٍ عدوُّ الطّبيعهْ * ولهذا الحُكْم عِلَّة في العِلْم العقلي ، وذلك أنّ النفس عندهم غنيَّة بذاتها ، مكتفِيَة بنفسها ، غيرُ محتاجة إلى شيء خارج عنها ، وإنَما عَرضتْ لها الحاجة والفَقْر إلى ما هو خارج عنها لمقارَنَتها الهَيُولى ، وذلك ، أن أمْرَ الهيُولى بالضّدّ من أمرِ النّفس في الفَقْر والحاجة ، ولمّا كان الإنسانُ مركَّباً من النّفس والهيُولى عرض له الشوقُ إلى تحصيلِ العلوم والقنيات لانتفاعِه بهما ، والتذاذِه بحصولهما ، فأما العلوم فإنّه يحصِّلها في شبيهٍ بالخزانة له ، يَرجِع إليها متى

.

۲۴۳. احذروا نفار النّعم

۲۴۴. الكرم أعطف من الرّحم

شاء ، ويستخرج منها ما أراد ، أعنِي القُوَى النفسانيّة الّتي هي محلّ الصّوَر والمعاني على ما هو مذكور في موضعه . وأمّا القنيات والمحْسوسات فإنّه يروم منها مِثل ما يَرومُ من تلك ، وأن يُودِعها خزِانةً محسوسةً خارجةً عن ذاته ، لكنّه يَغلَط في ذلك من حيث يَستكْثِر منها ، إلى أن يتنبّه بالحِكْمة على ما ينبغي أن يقتنيَ منها ، فأما من كثرت قِنياته فإنّه يستكثر حاجاتِه بحَسَب كثرة قِنياته ، وعلى قدْرها رغّبه إلى الاستكثارِ بكثرة وجوه فَقْره ، وقد بُين ذلك في شرائع الأنبياء، وأخلاقِ الحكماء، فأما الشيء الرخيصُ الموجود كثيرا فإنّما يُرغَب عنه ، لأنّه معلوم أنه إذا التمسَ وُجد والغالي فإنّما يقدر عليه في الأحيان ويصيبه الواحدُ بعدَ الواحد ، وكلّ إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحدُ ليصيبَه وليحصُلَ له ما لا يَحصُل لغيره .

۲۴۳الأصْلُ:احْذَرُوا نِفَارَ النِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ .

الشّرْحُ:هذا أمرٌ بالشُّكْر عَلَى النعمة وتركِ المعاصي ، فانّ المعاصيَ تُزِيل النِّعَم كما قيل : إذا كنتَ في نِعمةٍ فارْعَهافانّ المَعاصي تُزيل النِّعَمْ وقال بعض السلف : كُفْران النِّعْمة بَوار ، وقلّما أقلعتْ نافرةٌ فرجعتْ في نصابها ، فاستَدْعِ شارِدَها بالشّكر ، واستَدِمْ راهنها بكَرَم الجِوار ، ولا تحسب أنّ سُبوغَ ستر اللّه عليك غير متقلّص عمَّا قليل عنك إذا أنتَ لم تَرْجُ للّه وَقارا .

۲۴۴الأصْلُ:الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ (1).

.


1) .قال الشيخ محمد عبده : الرحم ـ هنا ـ كناية عن القرابة ، والمراد ، ينعطف للإحسان بكرمه أكثر مما ينعطف القريب لقرابته . وهي كلمة من أعلى الكلام .

۲۴۵. من ظنّ بك خيراً فصدّق ظنّه

۲۴۶. أفضل الأعمال ما أكرهت

الشّرْحُ:مِثلُ هذا المعنى قولُ أبي تمام لابن الجَهْمِ : إلاّ يَكُنْ نسبٌ يؤلِّفُ بينناأدبٌ أقمناه مقامَ الوَالدِ أو يَختلِفْ ماءُ الوصالِ فماؤُناعَذْب تَحدَّرَ من غمامٍ واحدِ

۲۴۵الأصْلُ:مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ (1).

الشّرْحُ:هذا قد تقدّم في وصيّته عليه السلام لولَدِه الحسن . ومن كلام بعضهم : إنّي لأستحيي أن يأتيَني الرجُلُ يحمَرُّ وجهُه تارةً من الخَجَل أو يصفرّ أُخرى من خوف الرّدّ قد ظَنّ بي الخيرَ وباتَ عليه وغَدَا عليَّ أن أردَّه خائباً .

۲۴۶الأصْلُ:أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ .

.


1) .أي حقّق ما ظنّه فيك من الخير .

۲۴۷. عرفت اللّه سبحانه بفسخ العزائم

۲۴۸. مرارة الدّنيا حلاوة الآخرة

الشّرْحُ:لا رَيْب أنّ الثّواب على قدر المَشقّة ، لأنّه كالعِوَض عنها ، كما أنّ العِوَض الحقيقيّ عِوضٌ عن الألم ، ولهذا قال صلى الله عليه و آله وسلم : «أفضل العبادة أحمَزُها» ، أي أشَقّها .

۲۴۷الأصْلُ:عَرَفْتُ اللّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ ، وَحَلِّ الْعُقُودِ ، وَنَقْض الْهِمَمِ (1).

الشّرْحُ:هذا أحدُ الطُّرُق إلى معرفة الباري سبحانه ، وهو أن يَعزِم الإنسانُ على أمرٍ ، ويصمِّمَ رَأيه عليه، ثمّ لا يَلبَثَ أن يُخطِر اللّهُ تعالى بباله خاطرا صارِفا له عن ذلك الفعل ، ولم يكنْ في حِسابه ، أي لولا أن في الوجود ذاتا مدبّرة لهذا العالم لما خَطَرت الخواطرُ الّتي لم تكن محتَسبة ، وهذا فصلٌ يتضمّن كلاما دقيقا يذكره المتكلّمون في الخاطر الّذي يَخطِر عن غيرِ مُوجب لخطُوره ؛ فإنه لا يجوز أن يكون الإنسان أخطَرَه بباله ؛ وإلاّ لكان ترجيحا من غير مرجّح لجانب الوجود على جانب العدم ، فلابدّ أن يكون المخطر له بالبال شيئا خارجا عن ذات الإنسان ، وذاك هو الشيء المسمَّى بصانِع العالم . وليس هذا الموضع ممّا يحتمِل استقصاءَ القولِ في هذا المبحَث .

۲۴۸الأصْلُ:مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلاَوَةُ الآخِرَةِ ، وَحَلاَوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الآخِرَةِ .

.


1) .العزائم : جمع عزيمة ، وهي ما يصمّم الإنسان على فعله . فسخها : نقضها ، وحلّها . والعقود : جمع عقد بمعنى النيّة .

۲۴۹. فرض اللّه الإيمان تطهيراً

الشّرْحُ:لمّا كانت الدنيا ضدَّ الآخرة ، وجَب أن يكون أحكام هذه ضدّ أحكام هذه ، كالسّواد يجمَع البصَر والبيَاض يفرق البصر ، والحَرارة توجب الخفّة ، والبُرودة توجب الثّقل ، فإذا كان في الدّنيا أعمالٌ هي مرّة المَذاق على الإنسان قد ورد الشرعُ بإيجابِها فتلك الأفعال تَقتضِي وتوجِب لفاعلها ثوابا حُلْوَ المَذاق في الآخرة . وكذاك بالعكس ما كان من المشتَهيَات الدنياويّة الّتي قد نَهَى الشرعُ عنها ، تُوجب ـ وإن كانت حُلوة المذاق ـ مَرارة العقوبة في الآخرة .

۲۴۹الأصْلُ:فَرَضَ اللّهُ الاْءِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاَءً لاِءِخْلاَص الْخَلْقِ ، وَالْحَجَّ تَقوِيَةً لِلدِّينِ ، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلاْءِسْلاَمِ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجاباً لِلْعِفَّةِ ، وَتَرْكَ الزِّنَا تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ ، وَتَرْكَ اللِّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ ، وَالشَّهَادَاتِ اسْتِظْهَاراً عَلَى الُمجَاحَدَاتِ ، وَتَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ ، وَالسَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ المخَاوِفِ ، وَالْأَمَانَةَ نِظَاماً لِلْأُمَّةِ ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِـلإمَامَةِ .

الشّرْحُ:هذا الفصلُ يتضمّن بيانَ تعليل العبادات إيجابا وسَلْباً . قال عليه السلام : فَرَضَ اللّهُ الإيمانَ تَطْهيراً مِن الشِّرْك ، وذلك لأنَّ الشِّرْك نجَاسَة حُكْمِية لا عينيّة ، وأيّ شيء يكون أنجَس من الجَهْل أو

.

أقبَح ، فالإيمان هو تطهيرُ القَلْب من نجاسةِ ذلك الجهل . وفُرِضت الصّلاة تنزيها من الكِبْر ، لأنّ الإنسان يقوم فيها قائما ، والقيام مُنافٍ للتكبُّر وطاردٌ له ، ثم يَرفع يديه بالتّكبير وقتَ الإحرام بالصّلاة فيصير على هيئة من يمدّ عنقَه ليوسِّطه السَّيّاف ، ثم يستكتف كما يَفعَله العبيد الأذلاّء بين يدَي السادة العظماء ، ثمّ يركَع على هيئة من يمدّ عنقَه ليضربَها السيّاف ، ثمّ يَسجُد فيضَع أشرَف أعضائه وهو جَبْهته على أدوَنِ المواضع ، وهو التراب . ثم تتضمّن الصلاةُ من الخضوع والخشوع والامتناع من الكلام والحركة الموهمة لمن رآها أنَّ صاحبَها خارجٌ عن الصّلاة ، وما في غُضونِ الصلاة من الأذكار المتضمِّنة الذُّلَّ والتواضع لعظمةِ اللّه تعالى . وفُرِضت الزّكاة تسبيبا للرزق ، كما قال اللّه تعالى : «وَما أنْفقْتُمْ من شيءٍ فهو يُخلِفه» (1)، وقال : «مَنْ ذَا الّذِي يُقرِضُ اللّهَ قَرْضا حَسنا فَيُضَاعِفَه له» (2). وفُرض الصيامُ ابتلاء لإخلاص الخلْق ، قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلمحاكيا عن اللّه تعالى : « الصّومُ لي وأنا أجْزِي به» ، وذلكَ لأنّ الصوم أمرٌ لا يطّلع عليه أحد ، فلا يقوم به على وجهه إلاّ المخلِصون . وفُرِض الحجّ تقوية للدِّين ، وذلك لما يحصُل للحاجّ في ضِمنِه من المتاجِر والمكاسِب ، قال اللّه تعالى : «ليَشْهَدُوا مَنافعَ لهم ويَذكُروا اسمَ اللّهِ على ما رَزَقهم مِنْ بَهيمةِ الأنعامِ» (3). وأيضا فإنّ المشركين كانوا يقولون : لولا أنّ أصحابَ محمّد كثير وأُولُو قوّة لما حجّوا ، فإنّ الجيشَ الضعيفَ يعجز عن الحجّ من المكان البعيد . وفُرِض الجهادُ عزَّاً للإسلام ، وذلك ظاهر ، قال اللّه تعالى : «ولوْلاَ دَفْع اللّهِ الناسَ بعضَهم ببعض لهُدِّمتْ صَوَامعُ وبِيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكر فيها اسمُ اللّهِ كثيراً» (4)، وقال سبحانه : «وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباطِ الخَيل تُرْهِبون به عدوَّ اللّه وعدوّكُمْ» (5).

.


1) .سورة سبأ ۳۹ .

2) .سورة الحديد ۱۱ .

3) .سورة الحج ۲۸ .

4) .سورة الحج ۴۰ .

5) .سورة الأنفال ۶۰ .

وفُرِض الأمْر بالمعروف مصلحةً للعوام ، لأنّ الأمر بالعدل والإنصاف وردِّ الودائع ، وأداءِ الأمانات إلى أهلها ، وقضاء الديون ، والصِّدق في القول ، وإيجاز الوعد ، وغير ذلك من محاسن الأخلاق ، مصلحة للبَشَر عظيمة لا محالة . وفُرِض النهيُ عن المنكَر رَدْعا للسّفهاء ، كالنّهي عن الظلم والكَذِب والسَّفَه ، وما يَجري مَجرَى ذلك . وفُرِضت صِلَة الرَّحِمِ مَنْماةَ للعَدَد ، قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «صلة الرَّحم تَزيد في العمر ، وتُنَمِّي العَدَد » . وفُرِض القِصاصُ حَقْنا للدِّماء ، قال سبحانه : «ولَكُمْ في القِصَاص حَيَاةٌ يا أولي الألبابِ» (1). وفُرِضت إقامة الحدود إعظاما للمحارم ، وذلك لأنّه إذا أقيمت الحدودُ امتنع كثيرٌ من الناس عن المعاصي التي تجبُ الحدُودُ فيها ، وظهر عظم تلك المعاصِي عند العامّة فكانوا إلى تركها أقرب . وحُرِّم شربُ الخمْر تحصيناً للعقل ، قال قوم لحكيم : اشرَبْ اللّيلة معنَا ، فقال : أنا لا أشرَب ما يَشْرَب عَقْلي ؛ ثم قال عليه السلام : «الخمرُ جماعُ الإثم ، الخمر أمُّ المعاصي» . وحُرِّمت السَّرِقة إيجابا للعفّة ، وذلك لأنّ العفّة خُلُقٌ شريف ، والطمعُ خُلُق دنيءٌ ، فحرمت السّرقة ليتمرَّن الناسُ على ذلك الخُلقِ الشريف ، ويجانبوا ذلك الخُلُقَ الذميمَ ، وأيضا حُرِّمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس . وَحرِّم الزنا تحصينا للنَّسَب ، فإنّه يُفضِي إلى اختلاط المِياه واشتباهِ الأنساب ، وألاّ يُنسَب أحدٌ بتقدير ألاَّ يشرَع النكاح إلى أب ، بل يكون نَسبُ الناس إلى أمَّهاتهم ، وفي ذلك قلبُ الحقيقة ، وعكسُ الواجب ، لأنّ الولد مخلوقٌ من ماء الأب ، وإنّما الأمّ وعاء وظَرْف . وحُرِّم اللِّواط تكثيرا للنَّسل ، وذلك اللّواط بتقدير استفاضتِه بين الناس والاستغناء به عن النِّساء يُفضِي إلى انقطاعِ النّسل والذّرّية ، وذلك خلاف ما يريد اللّه تعالى من بقاء هذا النوع الشّريف الَّذي ليس في الأنواع مِثله في الشّرف ، لمكان النفس الناطقة الّتي هي نسخةٌ ومِثالٌ للحَضْرة الإلهية ، ولذلك سَمَّت الحكماءُ الإنسانَ العالَمَ الصغير . وحُرِّم الاستمناء باليد وإتيان البهائِم للمعنى الّذي لأجلِه حُرِّم اللِّواط ، وهو تقليل النَّسْل ؛ ومن مستحسَن الكلمات النبويّة قولُه عليه السلام فِي الاستمناء باليد : «ذلك الوَأد الخَفيّ» ، لأنّ الجاهليّة كانت تَئِد البناتِ أي تَقتُلُهنّ خَنْقاً ، وقد قدّمنا ذكرَ سبب ذلك ، فشبَّه عليه السلام إتلاف

.


1) .سورة البقرة ۱۷۹ .

۲۵۰. أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه

النطفة الّتي هي ولدٌ بالقوّة بإتلاف الولد بالفعل . وأُوجبتْ الشهاداتُ على الحقوق استظهارا على المجاحَدات ؛ قال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «لو أعُطِيَ الناسُ بدعاوِيهم لاسْتَحَّل قومٌ من قوم دماءَهم وأموالهم » . ووَجَب تركُ الكَذِب تشريفا للصِّدق ، وذلك لأنّ مصلحة العامة إنما تتمّ وتنتظم بالصِّدق ، فإنّ الناس يَبنُون أكثرَ أُمورهم في معاملاتهم على الأخبار ، فإنّها أعمّ من العِيان والمُشاهَدة ، فإذا لم تكن صادقةً وقع الخطأ في التدبيرات ، وفَسَدتْ أحوالُ الخَلْق . وشُرِع رَدُّ السلام أماناً من المخاوِف ، لأنّ تفسير قولِ القائل : «سلامٌ عليكم » ، أي لا حَرْبَ بيني وبينكم ، بل بيني وبينكم السلام ، وهو الصلح . وفُرِضت الإمامة نظاماً للأمّة ؛ وذلك لأنّ الخَلْق لاَ يرتفع الهرْج والعَسْف والظّلم والغَضَب والسّرقة عنهم إلا بوازِعٍ قويٍّ ، وليس يَكْفِي في امتناعهم قُبح القبيح ، ولا وعيدُ الآخرة ، بل لابدّ لهم من سلطان قاهر ينظّم مصالحهم ، فيَردَع ظالمَهم ، ويأخذ على أيدي سُفَهائهم . وفُرِضت الطّاعة تعظيما للإمامة ، وذلك لأنّ أمْرَ الإمامة لا يتم إلاّ بطاعة الرّعيّة ، وإلاّ فلو عَصَت الرعيّة إمامَها لم ينتفعوا بإمامتِه ورئاستِه عليهم .

۲۵۰الأصْلُ:وكان عليه السلام يقول :أَحْلِفُوا الظَّالِمَ - إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ - بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ اللّهِ وَقُوَّتِهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بَهَا كَاذِباً عُوجِلَ ، وَإِذَا حَلَفَ بِاللّهِ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ ، لِأَنَّهُ قَدْ وَحَّدَ اللّهَ تَعَالَى ۱ .

.

۲۵۱. يابن آدم كن وصيّ نفسك

۲۵۲. الحدّة ضربٌ من الجنون

۲۵۱الأصْلُ:يَابْنَ آدَمَ ، كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ ، وَاعْمَلْ فِي مالِكَ مَا تُؤثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ .

الشّرْحُ:لا ريبَ أن الإنسان يُؤثر أن يُخرَج مالُه بعد موته في وجوه البِرّ والصدقات والقُرُبات ليَصِل ثوابُ ذلك إليه ، لكنّه يضِنّ بإخراجه وهو حيٌّ في هذه الوجوه لحبّه العاجلة وخوفِه من الفقر والحاجة إلى الناس في آخِر العُمر ، فيقيم وصيّاً يَعمَل ذلك في ماله بعد موته . وأوصَى أميرُ المؤمنين عليه السلام الإنسانَ أن يَعمَل في ماله وهو حيّ ما يُؤثِر أن يُجعَل فيه وصيّة بعد موته ، وهذه حالة لا يَقدِر عليها إلاّ من أخَذَ التوفيقُ بيَدِه .

۲۵۲الأصْلُ:الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ ؛ فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكَمٌ .

.

۲۵۳. صحّة الجسد من قلّة الحسد

۲۵۴. يا كميل ، مُر أهلك

الشّرْحُ:كان يقال : الحِدّة كُنْية الجهل . وكان يقال : لا يصحّ لحَديدٍ رَأْي ، لأنّ الحِدّة تُصْدِئُ العَقْل كما يُصْدِئُ الخَلُّ المِرآة فلا يَرَى صاحبُه فيه صورة حسن فيَفعَله ، ولا صُورة قبيح فيجتنِبَه . وكان يقال : أوّل الحِدّة جنون وآخِرها نَدَم . وكان يقال : لا تَحمِلنّك الحِدّة على اقتراف الإثم ، فتشفِيَ غيظَك ، وتُسقِم دِينَك .

۲۵۳الأصْلُ:صِحَّةُ الْجَسَدِ ، مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ .

الشّرْحُ:معناه أنّ القليل الحسَدِ لا يزال مُعَافىً في بدنه ، والكثير الحَسد يُمْرِضه ما يجده في نفسه من مَضاضَة المُنافسة ، وما يتجرّعه من الغيظ ، ومزاجُ البدَن يتْبع أحوالَ النّفس .

۲۵۴الأصْلُ:وقال عليه السلام لِكُمَيْل بن زياد النخعي : يَا كُمَيْلُ ، مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا في كَسْبِ الْمَكَارِمِ ، وَيُدْلِجُوا فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ ، فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ ؛ مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلاَّ وَخَلَقَ اللّهُ لَهُ مِنْ ذلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً ، فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ ، حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ

.

۲۵۵. إذا أملقتم فتاجروا اللّه

غَرِيبَةُ الاْءِبلِ (1).

الشّرْحُ:قال عمرو بنُ العاصِ لمعاوية : ما بقيَ من لذّتك ؟ فقال : ما من شيء يُصيبُه الناس من اللّذّة إلاّ وقد أصبتُه حتى مَللتُه ، فليس شيءٌ عندي اليوم ألذّ من شربةِ ماءٍ بارد في يومٍ صائف ، ونظري إلى بَنِيَّ وبناتي يَدرُجون حولي ؛ فما بقيَ من لذّتك أنت ؟ فقال : أرضٌ أغرسُها وآكُلُ ثمرتها ، لم يبق لي لذّة غير ذلك . فالتفت معاويةُ إلى وَرْدان غلام عَمْرو ، فقال : فما بقي من لذّتك يا وُريْد ؟ فقال : سرورٌ أُدخِله قلوب الإخوان ، وصنائعُ أعتقِدُها في أعناق الكرام ؛ فقال معاوية لعَمْرو : تَبّا لمجلسي ومجلسك! لقد غلبني وغلبك هذا العبد ، ثم قال : يا وَرْدان ، أنا أحقُّ بهذا منك ؛ قال : قد أمكنتك فافعَلْ . فإن قلت : السرور عَرَضٌ ، فكيف يَخلُق اللّه تعالى منه لُطْفا؟ قلت : ( مِنْ ) هاهنا هي مِثلُ «مِن» في قوله : «وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُون» (2)، أي عِوَضاً منكم .

۲۵۵الأصْلُ:إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللّهَ بِالصَّدَقَةِ (3).

.


1) .يروحوا : من الرواح ، وهو السير بعد الظُّهر ، ويستعمل في مطلق الذهاب والمضي . المكارم : المحاسن والفضائل . يدلجوا : من الإدلاج ، وهو السير في أول الليل . والمعنى : أوصِ أهلك أن يواصلوا أعمال الخير ، فرواحهم في الإحسان وإدلاجهم في قضاء الحوائج ، وإن نام عنها أربابها . غريبة الإبل : وهي الناقة تدخل مرعىً لغير صاحبها فيطردها منه . وقيل هذه استعارةٌ ، والمراد : من أعان أخاه المسلم عند اضطراره ، دفع اللّه عنه البلاءَ عند اضطراره ورزقه من حيث لا يحتسب .

2) .سورة الزخرف ۶۰ .

3) .أملقتم : افتقرتم . فتجاروا اللّه : أي عاملوه كما يتعامل أهل التجارة ؛ يخرج أحدهم ماله إلى صاحبه ليربح في عوضه ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : « وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه » سورة البقرة ۲۶۸ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في الصّدقة . وقالت الحكماء : أفضل العِبادات الصَّدَقة لأنّ نفعها يتعدّى ، ونفْعُ الصلاة والصّوم لا يتعدّى . وجاء في الأثرأنّ عليّا عليه السلام عَمِل ليهوديٍّ في سَقي نَخْلٍ له في حياة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمبمُدٍّ من شَعير ، فخبزه قُرْصاً ، فلمّا همّ أن يُفطر عليه ، أتاه سائل يستطعم ، فدفعه إليه وبات طاويا وتاجِراً اللّه تعالى بتلْك الصدقة ، فعَدّ الناس هذه الفعلة من أعظم السّخاء ، وعدوُّها أيضا من أعظم العبادة . وقال بعضُ شعراء الشِّيعة يذكر إعادة الشمس عليه وأحسن فيما قال : جادَ بالقُرْص والطَّوَى مِل ءُ جَنْبَيــهِ ، وعافَ الطَّعامَ وهو سَغُوبُ فأعاد القُرْصُ المنيرُ عليه الــقُرْصَ والمُقرِض الكِرامَ كَسوبُ ۱ .

.

۲۵۶. الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللّه

۲۵۷. كم من مستدرج بالإحسان إليه

۲۵۶الأصْلُ:الْوَفَاءُ لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللّهِ ، وَالْغَدْرُ بَأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللّهِ .

الشّرْحُ:معناه أنه إذا اعتِيدَ من العدوّ أن يغدِر ولا يفي بأقوالهِ وأَيْمانه وعهوده ، لم يجزْ الوفاء له ، ووَجَب أن ينقض عهوده ولا يوقَف مع العهد المعقود بيننا وبينه ، فإنّ الوفاء لمن هذه حالُه ليس بوفاء عند اللّه تعالى ، بل هو كالغَدْر في قُبْحه ، والغدر بمن هذه حاله ليس بقبيح ، بل هو في الحسن كالوفاء لمن يَستحِقُّ الوفاء عند اللّه تعالى .

۲۵۷الأصْلُ:كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالاْءِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ ، وَمَا ابْتَلَى اللّهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإمْلاَءِ لَهُ (1).

قال الرَّضي رحمه الله : وَقَدْ مَضَى هذا الكلامُ فيما تقدَّمَ ، إلاّ أنَّ فيه هاهنا زيادةً جيدةً مُفِيدةً .

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلامُ في الاستدراج والإملاء (2).

.


1) .تقدم هذا الكلام في الحكمة (۱۱۲) بالحرف الواحد .

2) .انظر شرح الخطبة (۳۱) الجزء ۲ : ۱۷۰ ـ ۱۷۳ ، وانظر أيضاً شرح الحكمة (۲۵) .

۲۵۸. فإذا كان ذلك ضرب يعسوب

وقال بعضُ الحُكمَاء : اِحذر النِّعم المتواصِلة إليك أن تكون استدراجا ، كما يحذر المحارِب من اتباعِ عدوِّه في الحربِ إذا فرَّ من بين يديه من الكمِين ، وكم من عدوٍّ فرَّ مستدرَجاً ثمّ إذ هو عاطِفٌ ، وكم من ضارِعٍ في يديك ثمّ إذ هو خاطف .

۲۵۸ومن كلامه عليه السلام المتضمِّن ألفاظا منَ الغريبِ تحتاجُ إلى تفسيرالأصْلُ:قولهُ عليه السلام في حديثه : فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قُزَعُ الْخَرِيفِ .

قال الرضيُّ رحمه الله : يَعسُوبُ الدِّينِ : السيدُ العظيمُ المالكُ لأمورِ الناسِ يومئذٍ ، والقُزَعُ : قِطَعُ الغيمِ الَّتِي لا ماءَ فيها .

الشّرْحُ:أصاب في اليَعْسوب ، فأمَّا القُزَع فلا يُشترط فيها أن تكون خاليةً من الماء ، بل القُزَع قِطَعٌ من السحاب رقيقة ، سواء كان فيها ماء أو لم يكن ، الواحدة قَزَعة بالفتح ، وإنما غرّه قولُ الشاعر يصف جيشا بالقِلّة والخفّة . * كأنّ رعالة قُزَع الجهامِ * وهذا الخبر من أخبار المَلاحِم الّتي كان يُخبِر بها عليه السلام ، وهو يَذكُر فيه المهديَّ الّذي يُوجَد عند أصحابنا في آخر الزمان (1). ومعنى قوله : «ضَرَب بذَنَبه» أقام وثبت بعد أضطرابه ،

.


1) .بل هو موجود ، ويظهر في آخر الزمان بعد غيبته وخوفه ، ويجتمع اليه المؤمنون سراعاً كاجتماع قُزَع الخريف ، فيبسط سلطانه ويملأ الأرض قسطا وعدلاً كما ملئت ظلما وجورا . وقد استعار عليه السلام له لفظة اليعسوب ، وهو السيد العظيم .

۲۵۹. هذا الخطيبُ الشّحشح

وذلك لأنّ اليَعسوب فَحْل النَّحْل وَسيِّدها ، وهو أكثرُ زمانه طائرٌ بجَناحَيه ، فإذا ضرَب بذَنَبه الأرضَ فقد أقام وَتَرَك الطَّيَران والحركة . فإن قلت : فهذا يُشيد مذهبَ الإماميّة في أنّ المهديّ خائف مستِتر ينتقل في الأرض ، وأنّه يظهر آخر الزمان ويثبت ويقيم في دار ملكه . قلت : لا يبعد على مذهبنا أن يكون الإمام المهديّ الذي يظهر في آخر الزمان مضطرب الأمر ، منتشرُ المُلك في أوّل أمرِه لمصلحة يَعلَمها اللّه تعالى ، ثمّ بعد ذلك يثبَّت مُلكُه ، وتنتظم أمورُه . وقد وردتْ لَفظةُ اليَعْسوب عن أمير المؤمنين عليه السلام في غير هذا الموضع ، قال يومَ الجمل لعبد الرحمن بنِ عتّاب بن أسيد وقد مرّ به قتيلاً : «هذا يَعْسوب قريش » ، أي سيِّدُها .

۲۵۹الأصْلُ:وفي حديثه عليه السلام : هَذا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ .

قالَ [ الرضي رحمه الله] : يُريدُ الماهرَ بالخطبةِ ، الماضيَ فِيها ، وكل ماضٍ في كَلاَمٍ أو سَيْرٍ فَهُوَ شَحْشحٌ ، والشَّحْشَحُ في غَيرِ هذا المَوْضع : البَخِيلُ المُمْسِكُ .

الشّرْحُ:قد جاء الشَّحْشح بمعنى الغَيُور والشحْشَح بمعنى الشُّجاع ، والشَّحْشَح بمعنى المواظِب على الشيء الملازِم له ، والشَّحْشَح : الحاوِي ، ومِثله الشَّحْشحان . وهذه الكلمة قالها عليٌّ عليه السلام لصَعْصة بن صُوحان العبديِّ رحمه الله ، وكَفَى صعصعةُ بها فخرا أن يكون مِثل عليٍّ عليه السلام ، يُثنِي عليه بالمهارة وفَصاحة اللّسان ؛ وكان صَعصعةُ من أفصَح الناس ، ذكَرَ ذلك شيخُنا أبو عثمانَ الجاحظ (1).

.


1) .البيان والتبيين ۱ : ۹۷ .

۲۶۰. إنّ للخصومة قُحماً

۲۶۱. إذا بلغ النّساء نصّ الحقاق

۲۶۰الأصْلُ:ومنهُ : إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَماً .

قال : يريد بالقُحَم المهالكَ ، لأنَّها تُقحم أصحابَها في المهالكِ والمتالفِ في الأكثرِ ، فَمِن ذلك قُحْمَةُ الأعراب ، وهو أن تصيبَهُمُ السنةُ فَتَتَفَرَّقُ أموالهم فذلك تقحُّمُها فِيهِم . قال : وقيل فيه وجه آخر ، وهو أنَّها تُقْحِمُهُمْ بلادَ الرِّيف ، أي تُحوجُهُمْ إلى دخولِ الحضَرِ عند مُحُولِ البَدْوِ .

الشّرْحُ:أصلُ هذا البِناء للدُّخول في الأمر على غير رويّة ولا تثبُّت ، قَحَمَ الرجلَ في الأمر بالفتح قُحوما ، وأقحَم فلانٌ فرسَه البحرَ فانقحَم ، واقتحَمْتُ أيضا البحرَ دخلتُه مكافحة ، وقَحَم الفرسُ فارِسَه تقحيماً على وجهه ؛ إذا رماه ، وفحلٌ مِقْحَام ، أي يَقتحِم الشَّوْلَ مِن غير إرسالٍ فيها . وهذه الكلمة قالها أميرُ المؤمنين حين وَكَّل عبدَ اللّه بن جعفرٍ في الخصومة عنه ، وهو شاهد .

۲۶۱الأصْلُ:ومنهُ : إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى .

قال : ويروى «نصُّ الحقائقِ» ، والنص منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها كالنص في السير ، لأنّه أقصى ما تقدر عليه الدابة ؛ وتقول : نصصت الرجل عن الأمر ، إذا استقصيت مسألته لتستخرج ما عنده فيه ، ونص الحقائق يريد به الإدراك ، لأنّه منتهى الصغر ، والوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير ، وهو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر وأغربها ؛ يقول : فاذا بلغ النساء ذلك فالعصَبة أولى بالمرأة من أُمها ، إذا كانوا محرماً ، مثل الإخوة والأعمام ؛ وبتزويجها إن أرادوا ذلك .

.

۲۶۲. إنّ الإيمان يبدو لُمظة

والحقاق : محاقّة الأم للعصَبة في المرأة ، وهو الجدال ، والخصومة ، وقول كل واحد منهما للآخر : أنا أحق منك بهذا ، يقال منه : حاققته حقاقاً ، مثل جادلته جدالاً . قال وقد قيل : إن نص الحقاق بلوغ العقل ، وهو الإدراك ، لأنّه عليه السلام إنما أراد منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق والأحكام . قال : ومن رواه«نص الحقائق» فإنما أراد جمع حقيقة ، هذا معنى ما ذكره أبوعبيد القاسم بن سلام . قال : والذي عندي أن المراد بنص الحقاق ها هنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها وتصرفها في حقوقها ، تشبيهاً بالحِقاق من الإبل ، وهي جمع حِقّة وحِقّ وهو الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة ، وعند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يُمكنُ فيه من ركوب ظهره ونصه في سيرهِ ، والحقائق أيضاً : جمع حِقة ؛ فالروايتان جميعاً ترجعان إلى معنى واحد ، وهذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور أولاً .

الشّرْحُ:وأمّا تفسيرُ الرضيّ رحمه الله فهو أشبَه من تفسير أبي عُبَيد ، إلاّ أنّه قال في آخِره : والحقائق أيضا جمعُ حِقّة ، فالروايتان تَرجِعان إلى معنىً واحد . وليس الأمرُ على ما ذُكِر من أنّ الحَقائق جمعُ حِقّة ، ولكنّ الحقائق جمع حِقاق ، والحِقاق جمع حِقّ ، وهو ما كان من الإبل ابنَ ثلاث سنينَ ، وقد دخل في الرابعة ، فاستَحقّ أن يُحمَل عليه ويُنتفع به ، فالحقائق إذْن جمع الجَمْع لِحقّ لا لِحِقّة ، ومثل إفال وأفائل . قال : ويُمكِن أن يقال : الحِقاق هاهنا الخصومة ، يقال : ما لَه فيه حِقّ ولا حِقاق أي ولا خصومة ، ويقال لمن يُنازِع في صِغار الأشياء إنّه لبرق الحِقاق ، أي خصومَتُه في الدَّنيء من الأمر ؛ فيكون المعنى إذا بَلَغت المرأةُ الحَدَّ الذي يستطيع الإنسانُ فيه الخصومَه والجدَالَ فَعَصَبتُها أولَى بها من أُمِّها ؛ والحَدُّ الّذي تَكمُل فيه المرأة والغُلامُ للخُصومة والحكومة والجدالِ والمناظرة هو سِنُّ البُلوغ .

۲۶۲الأصْلُ:ومنهُ : إِنَّ الاْءِيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةً فِي الْقَلْبِ ، كُلَّمَا ازْدَادَ الاْءِيمَانُ ازْدَادَتِ اللُّمْظَةُ .

.

۲۶۳. إنّ الرجل إذا كان له الدّين

قال : اللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض . ومنه قيل فرس ألمظ ، إذا كان بجحفلته شيء من البياض .

الشّرْحُ:قال أبو عُبيد : هي لُمْظَة بضم اللام ؛ والمحدِّثون يقولون : لَمْظة بالفَتح ؛ والمعروفُ من كلام العَرَب الضّم . قال : وفي هذا الحديث حُجّةٌ على مَنْ أنكر أن يكون الإيمانُ يزيدُ ويَنقُص ، ألا تَرَاه يقول : كُلَّما ازدادَ الإيمانُ ازدادتْ اللُّمْظة .

۲۶۳الأصْلُ:ومنهُ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدَّيْنُ الظَّنُونُ ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ .

قالَ : الظُّنُونُ : الذي لا يعلم صاحبه أيَقْبِضُهُ من الذي هو عليه أم لا ، فكأنه الذي يُظنُّ به ذلك ، فمرة يرجوه ومرة لا يرجوه . وهذا من أفصح الكلام ، وكذلك كل أمر تطلبه ولا تدري على أي شيء أنت منه فهو ظَنون .

الشّرْحُ:قال أبو عُبَيْد : في هذا الحديث من الفِقْه أنّ من كان له دَيْن على النّاس فليس عليه أن يُزَكِّيَه حتّى يَقبِضه ، فإذا قَبَضه زَكّاه لما مضى ، وإن كان لا يرجوه ، قال : وهذا يردّه قولَ من قال : إنّما زَكاتُه على الّذي عليه المال ، لأنّه المنتفِع به ؛ قال : وكما يُروَى عن إبراهيم . والعَمَل عندنا على قول عليٍّ عليه السلام (1).

.


1) .في نسخة ابن أبي الحديد : أيقضيه والصحيح ما أثبتناه اعتماداً على نسخ أُخرى .

۲۶۴. أعزبوا عن النّساء ما استطعتم

۲۶۵. كالياسر الفالج ينتظر

۲۶۴الأصْلُ:وَمنهُ : أَنه شيع جيشاً يُغزِيه فقال : اعْزِبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُمْ .

ومعناه : اصدفوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهن ، وامتنعوا من المقاربة لهن ، لأنّ ذلك يَفُتّ في عضد الحميّة ، ويقدح في معاقد العزيمة ، ويكسر عن العَدُوِّ ، ويلفت عن الإبعاد في الغزو ، فكلّ من امتنع من شيء فقد أعْزَبَ عنه ، والعازب والعزوب : الممتنع من الأكل والشرب .

الشّرْحُ:التفسير صحيح ، لكنّ قوله : من امتنع من شيء فَقد أعزَب عنه ، ليس بجيّد ؛ والصحيح : فقد عَزَب عَنْه . ثلاثيُّ .

۲۶۵الأصْلُ:ومنهُ : كَالْيَاسِرِ الْفَالِجِ يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزِةٍ مِنْ قِدَاحِهِ .

قالَ : الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور ، والفالج : القاهر والغالب ، يقال : فلج عليهم وفلجهم ، وقال الراجز : لما رأيت فالجاً قد فلجا

الشّرْحُ:أوّل الكلام أنّ المرء المسلِم ما لم يغشَ دَناءةً يَخشَع لها إذا ذكرتْ ، ويُغرِي به لئامَ النّاس ، كالياسِر الفالِجِ ينتظر أوّل فوزَةٍ من قِداحه ، أو داعيَ اللّه ، فما عند اللّه خيرٌ للأبرار ، يقول : هو بين خيرتين : إمّا أن يصيرَ إلى ما يُحِبّ من الدنيا ، فهو بمنزلة صاحب القِدْح المُعَلّى ، وهو

.

۲۶۶. كنّا إذا احمرّ البأس

أوفرُها نصيبا ، أو يموت فما عند اللّه خيرٌ له وأبقى . وليس يعنِي بقوله : الفالج القامِر الغالبَ كما فسّره الرّضيّ رحمه الله ، لأنّ الياسرَ الغالبَ القامِرَ لا ينتظر أوّلَ فوزةٍ من قِداحهِ ، وكيف ينتظر وقد غَلب ؟! وأيّ حاجة له إلى الانتظار؟! ولكنّه يَعنِي بالفالج الميمونَ النَّقيبة الّذي له عادةٌ مطّردةٌ أن يَغلِب ، وقلّ أن يكون مَقْهورا .

۲۶۶الأصْلُ:ومنهُ : كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللّهِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ .

قالَ : معنى ذلك أنه إذا عظم الخوف من العدو ، واشتد عضاض الحرب ، فزع المسلمون إلى قتال رسول اللّه صلى الله عليه و آله بنفسه ، فينزل اللّه تعالى النصر عليهم به ، ويأمنون مما كانوا يخافونه بمكانه . وقوله : «إذا احمرَّ البأْسُ» كناية عن اشتداد الأمر ، وقد قيل في ذلك أقوال ؛ أحسنها أنه شبّه حَمْيَ الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها ؛ ومما يقوي ذلك قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وقد رأى مُجْتَلَدَ الناس يوم حنين وهي حرب هوازن : «الآن حَمِيَ الوَطِيسُ» ، والوطيس : مستوقد النار ، فشبّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ما استحرّ من جلاد القوم باحتدام النار وشدة التهابها .

الشّرْحُ:الجيّد في تفسير هذا اللّفظ أن يقال : البأس الحرْب نفسُها ، قال اللّه تعالى : «والصابرين في البأساء والضّرّاء وحينَ البأس» (1)؛ وفي الكلام حذفُ مضافٍ تقديرُه إذا احمرَّ مَوضعُ البأس ، وهو الأرْضُ الّتي عليها معرَكة القوم ، واحمرارُها لِما يسيل عليها من الدّم .

.


1) .سورة البقرة ۱۷۷ .

۲۶۷. واللّهِ ما تكفونني أنفسكم

۲۶۷الأصْلُ:وقال عليه السلام : لما بلغه إغارة أصحاب معاوية على الأنبار ، فخرج بنفسه ماشياً حتى أتى النّخَيْلَة ، وأدركهُ الناس ، وقالوا : يا أميرالمؤمنين ، نحن نكفيكهم فقال عليه السلام : وَاللّهِ مَا تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ ، فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ ! إِنْ كَانَتِ الرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا ، فانَّنِي الْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي ، كَأَنَّنِيَ الْمَقُودُ وَهُمُ الْقَادَةُ ، أَوِ المَوْزُوعُ وَهُمُ الْوَزَعَةُ .

قال : فلما قال هذا القول في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب ، تقدم إليه رجلان من أصحابه ، فقال أحدهما : إنّي لاَ أملك إلاّ نفسي وأخي ، فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين نُنَفِّذْ ، فقال : وأَيْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُرِيدُ؟!

الشّرْحُ:النُّخَيْلة : بظاهر الكُوفة ، ورُوِي «ما تَكْفُوني» بحذف النون . والحيْف : الظلم . والوَزَعة : جمع وازِع ، وهو الدافع الكافّ (1). ومعنى قوله : «ما تكفُونني أنفسَكم» ، أي أفعالُكم رديئةٌ قبيحةٌ تحتاجُ إلى جند غيركم أستعين بهمْ على تثقيفِكم وتهذيبكم ، فَمَنْ هذه حاله كيف أُثقِّف به غيرَه ، وأُهذِّب به سواه ؟! وإن كانت الرعايا : إنْ هاهنا مخفَّفة من الثقيلة ، ولذلك دَخَلت اللام في جوابها . وقد تقدّم (2)ذكرُنا هذين الرّجلين ، وإن أحدَهما قال : يا أمير المؤمنين ؛ أقول لكَ ما قاله العبْد الصالح : «ربِّ إنِّي لا أملِك إلاّ نفسي وأخِي» (3). فشكر لهما وقال : وأين تقعان ممّا أريد ؟!

.


1) .الوازع : الحاكم . الموزوع : المحكوم .

2) .تقدّم في شرح الخطبة (۲۷) ، في الأصل ۲:۸۰ .

3) .سورة المائدة ۲۵ .

۲۶۸. يا حارث ، إنّك نظرت تحتك

۲۶۸الأصْلُ:وقيل : إن الحارث بن حَوْط أتى عليّا عليه السلام ، فقال لَهُ : أتراني أظنّ أنّ أصحاب الجمل كانوا على ضلالة؟ فقال عليه السلام : يَا حَارِثُ ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ ، وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ ! إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ أهلَهُ ، وَلَمْ تَعَرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ (1). فقال الحارث : فإني أعتزل مع سعد بن مالك (2)وعبد اللّه بن عمر . فقال عليه السلام : إِنَّ سَعداً وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ ، وَلَمْ يَخْذُلاَ الْبَاطِلَ .

الشّرْحُ:اللّفظة الّتي وردتْ قبلُ (3)أحسَنُ من هذه اللفظة ، وهي أولئك قومٌ خَذَلوا الحقَّ ولم ينصرُوا الباطل ، وتلك كانت حالُهم ، فإنّهم خذلوا عليّا ولم يَنصُروا مُعاوِيَة ولا أصحابَ الجَمَل . ولما كان سعدٌ وعبدُ اللّه لم يَقُوما خَطِيبَين في النّاس يُعلِّمانهم باطلَ معاويةَ وأصحاب الجمل، ولم يَكشِفا اللَّبْس والشُّبْهة الداخلَة على الناس في حَرْب هذين الفَرِيقين ، ولم يُوضّحا وجوبَ طاعة عليٍّ عليه السلام فيردَّ الناسَ عن اتّباع صاحبِ الجَمَل وأهل الشام ، صدق عليهما

.


1) .حرت : من ( حار ) أي تحير . «نظرتَ تحتك» ، أي إنّك قاصر لا تنظر إلاّ موطئ قدميك ، وهذه شبهة دخلت على الحارث لبساطته ، فهو قد نظر إلى طلحة والزبير من خلال صحبتهما للنبي صلى الله عليه و آله وسلم ، ونظر الى عائشة من خلال حرمة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، فاعتقد أن الحق معهم . والحال أن الحق لا يعرف بالرجال ولا بالألقاب والأنساب ، وإنما يؤخذ من معدنه ومصدره من كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه و آله وسلم ، ومتى عرفت الحق من مصدره قست به المحقين والمبطلين . في ظلال نهج البلاغة / مغنية ۴:۴۷۶ .

2) .عنى به سعد بن أبي وقّاص ، وسعد هذا قد سكن البادية بعد مقتل عثمان ، وأمّا عبد اللّه بن عمر فإنه التجأ إلى أخته حفصة أم المؤمنين . وهما قد بايعا الإمام عليه السلام ولكنهما لم ينصراه ، ولم يخذلا الباطل المتمثل بأصحاب الجمل وصفين ، ولذا استحقا الملامة والذمّ .

3) .الحكمة برقم (۱۳) ، وفي ۱۸ : ۱۱۵ من الأصل .

۲۶۹. صاحب السلطان كراكب الأسد

۲۷۰. أحسنوا في عقب غيركم

أنّهما لم يَخذُلا الباطلَ . والحارث بن حَوط بالحاء المهملة . ويقال : إن الموجود في خَطّ الرضيّ «ابن خَوط» بالخاء المعجمة المضمومة .

۲۶۹الأصْلُ:صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الْأَسَدِ يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ .

الشّرْحُ:قد جاء في صُحْبة السّلطان أمثال حِكَميّة مستحسَنةٌ تُناسِب هذا المعنى ، أو تَجرِي مَجْراه في شَرْح حالِ السلطان ، نحو قولِهم : صاحب السُّلْطان كراكبِ الأسَد يَهابُه الناس ، وهو لمرْكُوبه أهْيَب . وكان يقال : ينبغى لمن صَحِب السلطانَ أن يستعدّ للعُذْرِ عن ذَنْبٍ لم يَجْنِه ، وأن يكون آنَسَ ما يكونُ به ، أوحشَ ما يكونُ منه .

۲۷۰الأصْلُ:أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ .

الشّرْحُ:أكثر ما في هذه الدنيا يقع على سبيل القَرْض والمكافأة ، فقد رأيْنا عِيانا مَنْ ظَلم الناس فظُلِم عقبُه ووَلدُه ، ورأينا من قَتَلَ الناس فقُتِل عَقِبه وولدهُ ، ورأينا من أخْرَب دُورا فأُخرِبتْ دارُه ،

.

۲۷۱. إنّ كلام الحكماء إذا كان صواباً

۲۷۲. إذا كان الغد فأتني

ورأينا من أحسَن إلى أعقاب أهل النعم فأحسَنَ اللّه إلى عَقِبه وولدِه .

۲۷۱الأصْلُ:إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً ، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً .

الشّرْحُ:كلّ كلام يقلّد المتكلّم به لحسن عقيدةِ الناس فيه نحو كلام الحُكماء وكلام الفُضلاء والعُلماءمن الناس إذا كان صوابا كان دواءً وإذا كان خطأً كان داءً ، لأنّ الناس يَحذُون حَذْوَ المتكلِّم به ، ويقلِّدونه فيما يتضمّنه ذلك الكلامُ من الآداب والأوامر والنَّواهي ، فإذا كان حقّا أفلحوا ، وحَصَل لهم الثّواب واتّباع الحقّ ، ]وكان ] كالدَّواء المُبرِئ للسّقَم ، وإذا كان ذلك الكلامُ خطأً واتّبعوه خسِروا ولم يُفلِحوا ، فكان بمنزلة الداء والمَرَض .

۲۷۲الأصْلُ:وقالَ عليه السلام حِينَ سأَله رجل أَن يعرِّفَه ما الإِيمانُ ، فقال : إِذَا كَانَ الْغَدُ فَأْتِنِيحَتَّى أُخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاس ، فإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ ، فَإِنَّ الْكَـلاَمَ كَالشَّارِدَةِ يثقفها هذَا وَيُخْطِؤُها هذَا .

قال: وقد ذكرنا ما أجابه به عليه السلام فيما تقدم من هذا الباب، وهو قوله: «الإيمان على أربع شعب» (1).

.


1) .الذي تقدّم في الحكمة ، (۳۱) ۱۸:۱۴۲ من الأصل ، أنّ « الإيمان على أربع دعائم » .

۲۷۳. يابن آدم لا تحمل همّ يومك

۲۷۴. أحبب حبيبك هوناً

الشّرْحُ:يقول : إذا كان غَدٌ فأْتِني فتكون «كان» هاهنا تامّة ، أي إذا حَدَث ووُجِد . ويثقَفها : يَجدها ، ثَقِفتُ كذا (بالكسر) ، أي وجدته وصادفته . والشاردة : الضّالة .

۲۷۳الأصْلُ:يَابْنَ آدَمَ ، لاَ تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ .

الشّرْحُ:قد تقدَّم هذا الفصلُ بتمامه . واعلَمْ أنّ كلّ ما ادّخَرْتَه ممّا هو فاضل عن قُوتك فإنما أنت فيه خازنٌ لغَيْرك . وخلاصةُ هذا الفصل النهْيُ عن الحِرْص على الدّنيا والاهتمام لها ، وإعلامُ الناس أن اللّه تعالى قد قَسم الرّزقَ لكل حَيٍّ مِن خلقِه ، فلو لم يتكلَّف الإنسانُ فيه لأتاه رِزْقه من حيث لا يحتسِب .

۲۷۴الأصْلُ:أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا .

.

۲۷۵. النّاس في الدُّنيا عاملان

الشّرْحُ:الهوْن ـ بالفتح ـ : التأنّي . والبَغِيض : المبغض . وخلاصةُ هذه الكلمة : النّهْي عن الإسراف في المودّة والبِغْضة ؛ فربّما انقلب من تَودّ فصار عدوّا ، وربّما انقَلب مَنْ تُعادِيه فصار صَدِيقا .

۲۷۵الأصْلُ:النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلاَنِ : عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا ، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يُخَلِّفُ الْفَقْرَ ، وَيَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ . وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا ، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ ، فَأَحْرَزَ الْحَظَّيْنِ مَعاً ، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً ، فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اللّهِ ؛ لاَ يَسْأَلُ اللّهَ حَاجَةً فَيَمْنَعُهُ .

الشّرْحُ:معنى قوله : «ويأمنُه على نَفْسِه» ، أي ولا يبالي أن يكون هو فقيرا ، لأنّه يعيش عَيشَ الفقراء وإن كان ذا مالٍ ، لكنّه يدّخر المَال لوَلده فيُفنِي عمرَه في منفعة غيره . فأما العاملُ في الدّنيا لما بعدَها فهمْ أصحابُ العبادة ، يأتيهم رزقُهم بغير اكتساب ولا كَدٍّ ، وقد حصلتْ لهم الآخرةُ ، فقد حَصَل لهم الحظَّان جميعا .

.

۲۷۶. إنّ هذا القرآن أُنزل

۲۷۶الأصْلُ:وروي أنّهُ ذُكِر عندَ عُمر بن الخطاب في أيامه حَلْيُ الكعبةِ وكثرتُه ، فقال قومٌ : لو أخذتَهُ فجهَّزتَ به جيوشَ المسلمين ، كان أعظمَ للأجرِ ، وما تصنعُ الكعبةُ بالحَلْي ! فهمّ عمر بذلك ، وسأل عنه أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : إِنَّ هذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وسلم ، وَالْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ ، أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِض ، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ ، وَالْخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللّهُ حَيْثُ وَضَعَهُ ، وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللّهُ حَيْثُ جَعَلَهَا ، وَكَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ ، فَتَرَكَهُ اللّهُ عَلَى حَالِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً ، وَلَمْ يَخْفَ عَنْهُ مَكَاناً ، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ . فقال له عمر : لولاك لافتضحنا . وترك الحلي بحاله (1).

الشّرْحُ:هذا استدلال صحيح ، ويمكن أن يورد على وجهين : أحدهما أن يقال : أصلُ الأشياء الحظْر والتحريم كما هو مَذهَب كثيرٍ من أصحابنا البغداديّين ؛ فلا يجوز التصرّف في شيء من الأموال والمنافِع إلاّ بإذن شرعيّ ؛ ولم يوجَد إذن شَرْعي في حَلْي الكَعْبة ، فبقينا فيه على حُكْم الأصل . والوجه الثاني أن يقال : حَلْي الكعبة مال مختصّ بالكعبة ؛ هو جَارٍ مَجرى سُتور الكعْبة ، ومَجرَى باب الكَعْبة ، فكما لا يجوز التصرّف في ستُور الكعبة وبابها إلاّ بنصّ فكذلك حَلْي الكعبة ، والجامع بينهما الاختصاص الجاعلُ كلَّ واحد من ذلك كالجزء من الكعبة ، فعَلَى هذا الوجه يَنبغِي أن يكون الاستدلالُ .

.


1) .خلاصة دليل الإمام عليه السلام ، بأن مصدر الحلال والحرام ، هو كتاب اللّه وسنة نبيّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وسنة النبي هي قوله أو فعله أو تقريره . وحلي الكعبة وزينتها كانت على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم بمرأى منه وبمسمع ، لم يتصرّف به ، أو ينهى عنه ، فوجب إبقاؤه على ما كان .

۲۷۷. أمّا هذا فهو من مال اللّه

۲۷۸. لو قد استوت قدماي

ويجب أن يُحمل كلامُ أميرِ المؤمنين عليه السلام عليه ، وألاّ يُحمَل على ظاهره .

۲۷۷الأصْلُ:وروي أنَّه رُفِعَ إليه رجلان سرقا من مال اللّه ، أحدُهُما عَبدٌ من مال اللّه ، والآخر من عُرْضِ الناسِ ، فقال : أَمَّا هذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللّهِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ ، مَالُ اللّهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَأَمَّا الآخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الشَّدِيدُ . فقطع يده (1).

الشّرْحُ:هذا مَذهَب الشّيعة أنّ عبد المَغنَم إذا سَرَق من المَغنَم لم يُقطَع ، فأمّا العبدُ الغريبُ إذا سَرَق من المَغنَم فإنّه يُقطَع إذا كان ما سَرَقه زائد عمّا يَستحِقّه من الغنيمة بمقدار الناصب الّذي يجب فيه القَطْع ، وهو رُبْع دينار . فأمّا الفقهاء فإنّهم لا يُوجِبون القَطْع على مَنْ سَرَق من مال الغنيمة قبل قِسْمَتها ، سواءٌ كان ما سَرَقه أكثر من حَقِّه أو لم يكن .

۲۷۸الأصْلُ:لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هذِهِ الْمَدَاحِض لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ (2).

.


1) .( عبد من مال اللّه ) : أي غير مملوك لأحد من الناس . بل هو جزء من بيت مال المسلمين . و ( عبد من عُرض الناس ) : أي ملك لأحد الناس . والأول لا يحد ، والآخر يحدّ بالشروط التي ذكرها الفقهاء .

2) .المداحض : المزالق ، يريد الفتن التي أثارها الناكثون والقاسطون والمارقون . والمعنى لو استقامت الأُمور للإمام كما ينبغي لقلب الأوضاع الفاسدة ، وغير التقاليد الممقوتة .

۲۷۹. اعلموا علماً يقيناً

الشّرْحُ:لسنا نَشُكّ أنّه كان يَذهب في الأحكام الشرعيّة والقضايا إلى أشياءَ يُخالِف فيها أقوالَ الصّحابة ، وإنّما كان يَمنَعه من تغيُّر أحكام مَن تَقدَّمه اشتغالُه بحَرب البُغاة والخَوارج ، وإلى ذلك يشيرُ بالمَداحض الّتي كان يؤمِّل استواءَ قدمَيْه منها .

۲۷۹الأصْلُ:اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ - وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ ، وَاشْتَدَّتْ طِلْبَتُهُ ، وَقَوِيَتْ مَكِيْدَتُهُ - أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ . وَالْعَارِفُ لِهذَا ، الْعَامِلُ بِهِ ، أَعْظَمُ النَّاس رَاحَةً فِي مَنْفَعَةٍ ، وَالتَّارِكُ لَهُ ، الشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاس شُغُلاً فِي مَضَرَّةٍ . وَرُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى ، وَرُبَّ مُبْتَلىً مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى . فَزِدْ أَيُّهَا المستمع فِي شُكْرِكَ ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ ، وَقِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ (1).

الشّرْحُ:قال بعضُ الحكماء : وجدتُ أطْوَل الناس غمّا الحَسود ، وأهنأهم عيْشا القَنُوع ، وأصبَرَهم على الأَذى الحريص ، وأخفضهم عَيْشاً أرفَضُهم للدنيا ، وأعظمَهم ندامةً العالمُ المفرّط . وقيل لبعض الحكماء : ما الغِنَى ؟ قال : قلّةُ تمَنِّيك ، ورِضاكَ بما يَكْفِيك . ولذلك قيل : العيشُ ساعات تمرّ ، وخُطوب تَكُرّ . وجاء في الخبر المرفوع : «أجْملوا في الطلب ، فإنه ليست لعبدٍ

.


1) .الذكر الحكيم : القرآن . والمراد منه : ليس للإنسان من الكرامة عند اللّه فوق ما نصّ عليه القرآن ولن يحول اللّه بين أحد وبين ما عُين في القرآن وإن اشتد طلب الأول ، وضعف حال الثاني . المستدرج : الذي يمدّ اللّه له بالنعمة ويمهله فلا يأخذه بالمعصية . المبتلى : الممتحن . مصنوع له : معتنى به .

۲۸۰. لا تجعلوا علمكم جهلاً

۲۸۱. الطمع موردٌ غير مصدر

إلاّ ما كُتِب له ، ولن يَخرُج عبدٌ من الدّنيا حتى يأتيَه ما كُتِب له في الدنيا وهي راغمة» .

۲۸۰الأصْلُ:لاَتَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً ، وَيَقِينَكُمْ شَكّاً ، إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا ، وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا .

الشّرْحُ:هذا نهيٌ للعلماء عن تَرْك العمل ؛ يقول : لا تجعلوا عِلمَكم كالجهل ، فإنّ الجاهل قد يقول : جَهِلتُ فلم أعمَل ، وأنتم فلا عُذْر لكم ، لأنّكم قد عَلِمتم وانكشفَ لكم سِرُّ الأمر ، فوَجَب عليكم أن تَعملوا ، ولا تجعَلوا عِلمَكم جَهْلاً ، فإنّ مَنْ عَلِم المنفعة في أمرٍ ولا حائل بينه وبينه ثم لم يأتِه كان سفيهاً .

۲۸۱الأصْلُ:الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ ، وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ ، وَرُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ ، وَكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْءِ الْمُتَنَافَس فِيهِ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ ، وَالْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ ، وَالْحَظُّ يَأتِي مَنْ لاَ يَأتِيهِ (1).

.


1) .ورد الماء : ذهب إليه ، وصدر عنه : عاد ورجع . والطامع يركض لاهثا وراء أطماعه فيهلك ولا يعود . شرِقَ أي غصّ . الحظُّ : التوفيق من اللّه سبحانه . ولا يأتي من يأتي إلاّ بعناية اللّه تعالى .

۲۸۲. اللّهم إنّي أعوذ بك من

الشّرْحُ:قوله : «وربّما شَرِق شاربُ الماء قبلَ ريِّه» ، كلامٌ فصيح ، وهو مَثَلٌ لمن يُختَرم بَغتةً أو تَطرُقه الحوادثُ والخُطوب وهو في تلْهِيَةٍ مِنْ عيشه . ومثل الكلمة الأُخرى قولهم : على قدْر العَطِيّة تكون الرّزيّة . والقولُ في الأماني قد أوسَعْنا القول فيه مِن قبل ، وكذلك في الحظوظ .

۲۸۲الأصْلُ:اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تُحَسِّنَ فِي لاَمِعَةِ الْعُيُونِ عَلاَنِيَتِي ، وَتُقَبِّحَ فِيَما أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي ، مُحَافِظاً عَلَى رِياءِ النَّاس مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي ، فَأُبْدِيَ لِلنَّاس حُسْنَ ظَاهِرِي ، وَأُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي ، تَقَرُّباً إلَى عِبَادِكَ وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في الرِّياء ، وأن يُظهِر الإنسانُ من العبادة والفِعل الجميل ما يُبطن غيره ، ويقصد بذلك السُّمعة والصِّيت لا وجه اللّه تعالى . وقد جاء في الخبر المرفوع : «أخوَفُ ما أخافُ على أُمَّتي الرِّياء والشَّهوة الخفيّة» (1). قال المفسِّرون : والرِّياء من الشّهوة الخفيّة ، لأنّه شَهوة الصِّيت والجاه بين الناس بأنه مَتِين الدِّين ، مُواظِب على نوافِل العِبادات ، وهذه هي الشّهوة الخفيّة ، أي ليست كشهوة الطعام والنّكاح وغيرِهما من المَلاذّ الحسيّة . وفي الخبر المرفوع أيضا :

.


1) .المروي عندنا عن الإمام موسى بن جعفر ، عن آبائه عليهم السلام ، مرفوعاً : « إنّ أخوف ما أخاف على أُمّتي من بعدي هذه المكاسب المحرّمة والشهوة الخفيّة والرِّبا » . (بحار الأنوار ۷۳:۱۵۸ و۱۰۳:۵۴ ح۲۶ باب ۴ من كتاب العقود والإيقاعات) .

۲۸۳. لا والذي أمسينا منه

۲۸۴. قليل تدوم عليه أرجى

«إنّ اليَسير من الرِّياء شِرْكٌ ، وإن اللّه يُحبّ الأتقياءَ الأخفياءَ الّذين هم في بُيوتهم إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حَضَروا لم يُعرَفوا ، قلوبهم مَصابيحُ الهدى ، ينجون من كلّ غَبراءَ مُظلِمة» (1).

۲۸۳الأصْلُ:وقال عليه السلام :لاَ وَالَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبَّرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ ، تَكْشِرُ عَنْ يَوْمٍ أَغَرَّ ، مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا .

الشّرْحُ:قد رُوِي : «تفترّ عن يومٍ أغرّ» . والغُبّر : البقايا ، وكذلك الإغبار . وكَشَر أي بَسَم ، وأصلُه الكَشْف . وهذا الكلام إمّا أن يكون قالَه على جهة التفاؤل ، أو أن يكون إخبارا بغَيْب ؛ والأوّل أوجَه .

۲۸۴الأصْلُ:قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ ، أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ .

.


1) .الحديث أخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين من طريقين في ۱:۴۴ ح۴ ، ۴:۳۶۴ ح۷۹۳۳ .

۲۸۵. إذا أضرّت النوافل بالفرائض

۲۸۶. من تذكّر بُعد السفر استعدّ

الشّرْحُ:لا ريبَ أنّ من أراد حِفْظَ كتاب من الكُتُب العلميّة فحَفِظ منه قليلاً قليلاً ، ودام على ذلك ، فإنّ ذلك أنفعُ له وأرجَى لِفَلاحه من أن يَحفَظ كثيراً ، ولا يَدُوم عليه لمَلالِه إيّاه وضَجَره منه ، والتجربة تَشهَد بذلك . والقول في غير الحفظ كالقول في الحفظ ، نحو الزيادة القليلة ، ونحو العطاء اليسير الدائم غير المنقطع الذي هو خيرٌ من الكثير المنقطع ونحو ذلك .

۲۸۵الأصْلُ:إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بالْفَرَائِض فارْفُضُوهَا .

الشّرْحُ:ولا ريبَ أنّ مَنْ استغرَق الوقتَ بالنّوافل حتّى آنَ أوقاتِ الفرائض لم يفعل الفرائضَ فيها ، وشَغَلها بالعبادة النَّفْليّة ، فقد أخطأ ؛ والواجب أنْ يَرفُض النافلةَ حيث يتضيّق وقتُ الفريضة، لا خلافَ بين المسلمين في ذلك ، ويَصلُح أن يكون هذا مَثَلاً ظاهرُه ما ذكرْنا ، وباطنُه أمرٌ آخَر (1).

۲۸۶الأصْلُ:مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ .

.


1) .تقدّم مثلها في الحكمة ۳۹ .

۲۸۷. ليست الرُّؤية مع الإبصار

الشّرْحُ:هذا مِثل قولهم في المَثَل : الليلُ طويل ، وأنتَ مُقمِر ؛ وقال أصحابُ المعاني : مَثَل الدنيا كرَكْبٍ في فَلاة وَرَدوا ماءً طيّبا ، فمنهم من شَرِب من ذلك الماء شُرْباً يسيرا ، ثمّ فكر في بُعد المسافة الّتي يَقصِدونها ، وأنّهُ ليس بعد ذلك الماء ماءٌ آخَر ، فتزوّد منه ماءً أوصَلَه إلى مَقصِده ، ومنهم من شَرِب من ذلك الماءِ شُرْباً عظيما ولَها عن التزوّد والاستعداد ، وظَنّ أنّ ما شَرِب كافٍ له ومُغْنٍ عن ادّخار شيء آخَر ، فقطع به ، وأخْلَفَه ظَنُّه ، فعَطِش في تلك الفَلاة ومات (1).

۲۸۷الأصْلُ:لَيْسَتِ الرُّؤيَةُ مَعَ الإبْصَارِ ، فَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا ، وَلاَ يَغُشُّ الْعَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولِه تعالى : «فَإنَّها لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الّتي فِي الصُّدُور» (2)، أي ليس العَمَى عَمَى العين ، بل عَمَى القَلْب . كذلك قولُ أمير المؤمنين عليه السلام ، ليست الرؤية مع العُيون ، وإنما الرؤية الحقيقيّة مع العُقول . وقد ذهب أكابر الحكماء إلى أن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات . قالوا : لأنّ حكم الحسّ في مظنة الغلط فأمّا العقل لا يقع فيه غلط أصْلاً .

.


1) .لا سفر أبعد من سفر الآخرة ، ولا موقف أصعب من الوقوف للحساب ، ولا زاد أفضل من التقوى والعمل الصالح .

2) .سورة الحج ۴۶ .

۲۸۸. بينكم وبين الموعظة حجابٌ

۲۸۹. جاهلكم مزداد وعالمكم

۲۸۸الأصْلُ:بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم ذِكرُ الدّنيا وغُرورها ، وأنّها بشَهَواتها ولذّاتِها حِجابٌ بين العبد وبين المَوْعظة ، لأنّ الإنسانَ يَغترّ بِالعاجِلة ، ويتوهّم دَوامَ ما هو فيه ، وإذا خَطَر بباله الموتُ والفَناء وَعَد نفسَه رحمةَ اللّه تعالى وعفوَه ، والإخلاد إلى عفوِ اللّه تعالى والاتّكال على المغفرة مع الإقامة على المعصية ، غرورٌ لا محالةَ ، والحازم مَن عمل لما بعد الموت ، ولم يُمنِّ نفسه الأماني التي لا حقيقة لها .

۲۸۹الأصْلُ:جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ ، وَعَالِمُكُمْ مُسَوِّفٌ .

الشّرْحُ:هذا قريب ممّا سلف : يقول : إنّ الجاهل من الناس مُزْداد من جَهْلِه ، مُصِرٌّ على خطيئته ، مسوِّف من توهُّماته وعقيدته الباطلة بالعَفْو عن ذَنْبه ، وليس الأمر كما توهّمه . «ليـسَ بأمانيّكُمْ ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب من يَعمَل سوءاً يُجْزَ به ولا يَجِدْ له من دُون اللّه وليّا ولا نصيراً» (2).

.


1) .الغِرَّة : الغفلة .

2) .سورة النساء ۱۲۳ .

۲۹۰. قطع العلم عذر المتعلّلين

۲۹۱. كلّ معاجلٍ يسأل الإنظار

۲۹۰الأصْلُ:قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّلِينَ .

الشّرْحُ:يقول : قَطَع العِلْم عُذرَ الَّذِين يُعلِّلون أنفسَهم بالباطل ، ويقولون : إنّ الربّ كَريم رحيم ، فلا حاجة لنا إلى إتعاب أنفسنا بالعبادة . وهذا هو التّعليل بالباطل ، فإن اللّه تعالى وإن كان كريما رحيما عفوّا غفورا ، إلاّ أنه صادقُ القول ، وقد توعّد العُصاةَ وقال : «وإنّ الفُجّار لفي جحيم * يصلَونها يوم الدِّينِ * وما همْ عنها بغائبينَ» (1)، وقال : «لا تختصِموا لدَيَّ وقد قدّمتُ إليكم بالوعيدِ * ما يُبَدَّلُ القولُ لديّ وما أنا بظلاّم للعبيدِ» (2)، ويكفي في رحمته وعفوِه ، وكرمه أن يغفر للتائب أو لمن ثوابُه أكثَر ممّا يستحقّه من العِقاب ، فالقَول بالوعيد معلوم بأدِلّة السّمع المتظاهِرة المتناصِرة الّتي قد أطنَب أصحابُنا في تَعْدادها وإيضاحِها ، وإذا كان الشيءُ معلوما فقد قَطَع العلمُ به عذرَ أصحاب التعلّل والتمنِّي ، وَوجَب العملُ بالمعلوم ورفض ما يُخالِفه .

۲۹۱الأصْلُ:كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ الاْءِنْظَارَ ، وَكُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بالتَّسْوِيفِ .

.


1) .سورة الانفطار ۱۴ ـ ۱۶ .

2) .سورة ق ۲۸ و ۲۹ .

۲۹۲. ما قال النّاس لشيء طوبى له

۲۹۳. طريق مظلم فلا تسلكوه

الشّرْحُ:قال اللّه سبحانه : «حتّى إذا جاء أحدَهم الموتُ قال ربّ ارجعون * لعلِّي أعملُ صالحا فيما تركتُ كَلاّ إنّها كلمةٌ هو قائلُها ومن ورائهمْ بَرزخ إلى يوم يُبعَثون» (1). فهذا هو سؤال الإنظار لمن عُوجِل ، فأمّا من أُجِّل فإنه يعلِّل نفسَهُ بالتسويف ، ويقول : سوفَ أتوبُ ، سَوْف أُقلِع عمّا أنا عليه ، فأكثرُهم يُختَرم من غير أن يَبلُغ هذا الأمل ، وتأتيه المنيّة وهو على أقبَح حال وأسوئها ، ومنهم من تشمَله السّعادة فيتوب قبل الموت ، وأولئك الذين خُتِمت أعمالُهم بخاتِمة الخير ، وهم في العالَم كالشَّعرة البيضاءِ في الثّور الأسوَد .

۲۹۲الأصْلُ:مَا قَالَ النَّاسُ لِشَيْءٍ : طُوبَى لَهُ ! إِلاَّ وَقَدْ خَبَأَ لَهُ الدَّهْرُ يَوْمَ سَوْءٍ (2).

الشّرْحُ:قد تقدّم هذا المعنى ، وذكَرْنا فيه نُكَتا جيّدة حميدة .

۲۹۳الأصْلُ:وقالَ عليه السلام وقد سُئِلَ عن القَدَرِ : طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَـلاَ تَسْلُكُوهُ .

.


1) .سورة المؤمنين ۹۹ ، ۱۰۰ .

2) .طوبى : سعادة وخير وهناء ، وطوبى له : هنيئا له . خبأ : أخفى .

۲۹۴. إذا أرذل اللّه عبداً

ثم سُئلَ ثانيا فقال : بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ ؛ ثم سُئِلَ ثالثا فقالَ سِرُّ اللّهِ فَـلاَ تَتَكَلَّفُوهُ (1).

الشّرْحُ:قد جاء في الخبر المرفوع : «القَدَرُ سِرّ اللّه في الأرض» ، ورُوِي : «سر اللّه في عباده » ، والمرادُ نهيُ المستضعفين عن الخوْض في إرادة الكائنات ، وفي خلق أعمال العباد ، فإنّه ربّما أفضى بهم القول بالجبْر ، لما في ذلك من الغُموض ، وذلك أنّ العامّيَّ إذا سَمِع قولَ القائل : كيف يجوز أن يَقَع في عالَمِه ما يكرَهه ؟ وكيف يجوز أن تَغلِب إرادة المخْلوق إرادةَ الخالق؟ ويقول أيضا : إذا عَلِم في القدم أنّ زيدا يَكْفُر ، فكيف لزيدٍ أن لا يَكْفُر ؟ وهل يُمكن أن يقع خلافُ ما عَلِمه اللّه تعالى في القِدَم ؟ اشتبه عليه الأمر ، وصار شُبهةً في نفسِه ، وقوِيَ في ظنّه مذهبُ المجبِّرة ، فَنهَى عليه السلام هؤلاء عن الخوْض في هذا النّحو من البَحْث ، ولم ينْه غيرَهم من ذوي العقول الكاملة ، والرياضة القويّة ، والملكة التامّة ، ومن له قدرةٌ على حَلِّ الشُّبَه ، والتفصِّي عن المشكلاتِ .

۲۹۴الأصْلُ:إِذَا أَرْذَلَ اللّهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ .

الشّرْحُ:أرذَلَه : جعله رَذْلاً ، وكان يقال : مِنْ علامةِ بُغض اللّهِ تعالى للعبد أن يُبغِّض إليه العِلْم .

.


1) .قد حمل بعضهم كلام الإمام عليه السلام على النهي عن الخوض في خصوصيات حكمة اللّه في قضائه وأقواله وأفعاله ، وإنما المطلوب من العبد أن يعلم أن للّه في كل قضاء وكلّ قول وكلّ فعل حكمة ، ومصلحة خفيت أو ظهرت خصوصيتها .

۲۹۵. كان لي فيما مضى أخٌ في اللّه

۲۹۵الأصْلُ:وقال عليه السلام : كَانَ لِي فِيَما مَضَى أَخٌ فِي اللّهِ ، وَكَانَ يُعْظِّمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ . وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ ، فَـلاَ يَتَشَهَّى مَا لاَ يَجِدُ ، وَلاَ يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً ، فإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ ، وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ ، وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً ! فَإِنْ جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ عَادٍ ، وَصِلُّ وَادٍ ، لاَ يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً ، وَكَانَ لاَ يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ ، وَكَانَ لاَ يَشْكُو وَجَعاً إِلاَّ عِنْدَ بُرْئِهِ ، وَكَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَلاَ يَقُولُ مَا لاَ يَفْعَلُ ، وَكَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى الْكَـلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ ، وَكَانَ عَلَى اَنْ يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ ، وَكَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوَى فَخَالفَهُ ، فَعَلَيْكُمْ بِهذِهِ الْخَـلاَئِقِ فَالْزَمُوهَا ، وَتَنَافَسُوا فِيهَا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ الْقلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ (1).

الشّرْحُ:قد اختَلَف الناسُ في المعنيِّ بهذا الكلام ، ومَن هو هذا الأخُ المشار إليه؟ فقال قوم : هوَ رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، واستبْعَده قومٌ لقوله : «وكان ضعيفا مستضعفا» ، فإن النبي صلى الله عليه و آله وسلم لا يقال في صفاته مثل هذه الكلمة . وقال قومٌ : هو أبو ذَرٍّ الغِفارِيّ واستبعَدَه قومٌ لقوله : فإن جاء الجدّ فهو لَيث عادٍ ، وصِلُّ واد ، فإن أبا ذَرٍّ لم يكن من الموصوفين بالشّجاعة ، والمعروفين بالبَسالة . وقال قومٌ : هو المقدادُ بن عَمْرو المعروفُ بالمقداد بن الأسوَد ، وكان من شِيعة عليٍّ عليه السلام المخلِصين ، وكان شُجاعا مُجاهِدا حسنَ الطريق ، وقد ورد في فضلِه حديث صحيح

.


1) .بذّهم : سبقهم وغلبهم . نقع الغليل : أزال العطش . الليث : الأسد الصِلّ : الحية .

۲۹۶. لو لم يتوعّد اللّه على معصيته

مرفوع ۱ . وقال قومٌ : إنه ليس بإشارةٍ إلى أخ مُعيّن ، ولكنه كلامٌ خارجٌ مخرج المثل ، وعادةُ العرب جارية بمثل ذلك ، مِثل قولهم في الشِّعر : فقلت لصاحبي ، وياصاحبي ، وهذا عندي أقوَى الوجوه . فأما قولُة عليه السلام : «كان لا يَتَشهَّى ما لا يَجد» ، فإنّه قد نهى أن يتشهى الإنسانُ ما لا يَجِد ؛ وقالوا : إنّه دليلٌ على سُقوط المرُوءة .

۲۹۶الأصْلُ:لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اللّهُ ، عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، لَكَانَ يَجِبُ أَلاَّ يُعْصَى شُكْراً لِنِعَمِهِ .

الشّرْحُ:قالت المعتزِلة : إنَّا لو قَدَّرْنا أنّ الوَعِيد السَّمْعيّ لم يرد لما أخَلّ ذلك بكون الواجب واجبا في العقل ، نحو العدل والصّدق ، والعلم ، وردّ الوديعة ، هذا في جانب الإثبات ، وأمّا في جانب السَّلْب فيَجِب في العَقْل أن لا يَظلِم ، وألاّ يَكذِب ، وألاّ يَجهَل ، وألاّ يَخُون الأمانة ، ثمّ اختَلَفُوا فيما بينهم ، فقالت معتزِلة بغدادَ : ليس الثوابُ واجبا على اللّه تعالى بالعَقْل ؛ لأنّ الواجباتِ إنّما تَجِب على المكلَّف ، لأنّ أداءَها كالشُّكر للّه تعالى، وشكر المُنعِم واجب ، لأنّه

.

۲۹۷. يا أشعث ، إن تحزن على ابنك

شكْر منعِم ، فلم يَبقَ وجهٌ يَقتضِي وجوبَ الثّواب على اللّه سبحانه ، وهذا قريبٌ من قولِ أميرِالمؤمنين عليه السلام . وقال البَصْرِيّون : بل الثواب واجبٌ على اللّه تعالى عَقْلاً ، كما يجب عليه العِوَض عن إيلامِ الحيِّ ؛ لأنّ التكليف إلزامٌ بما فيه مَضَرّة ، كما أنّ الإيلامَ إنزالُ مَضَرّة ، والإلزام كالإنْزال (1).

۲۹۷الأصْلُ:وقال عليه السلام للأشعث بن قيس وقد عزّاه عن ابن له : يَا أَشْعَثُ ، إِنْ تَحْزَنْ عَلَى ابْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ ذلِكَ مِنْكَ الرَّحِمُ ، وَإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللّهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ . يَا أَشْعَثُ ، إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأنْتَ مَأجُورٌ ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأنْتَ مَأزُورٌ . يَا أَشْعَثُ ، ابْنُكَ سَرَّكَ ، وَهُوَ بَلاَءٌ وَفِتْنَةٌ ، وَحَزَنَكَ ، وَهُوَ ثَوَابٌ وَرَحْمَةٌ (2).

الشّرْحُ:قد رُوِي هذا الكلام عنه عليه السلام على وجوهٍ مختلِفة ورواياتٍ متنوِّعة ، هذا الوجهُ أحدُهما (3)،

.


1) .يَستقلّ العقل بوجوب حق الطاعة للّه ( عز وجل ) المولى الحقيقي في كل ما ينكشف له من تكاليف حتى بالظن والاحتمال فضلاً عن القطع ، ما لم يرخص هو سبحانه في عدم التحفّظ ؛ شكرا على إنعامه ، ودفعا للضرر عن النفس بعصيانه . فكيف وقد توعد من عصى ، وحكم العقل بمولويته وطاعته ، لكونه هو المنعم الحقيقي بنعمة الوجود وغيرها من النعم التي لا تحصى فيجب شكره بطاعته . ولكونه مالكاً حقيقياً لنا وللوجود بخلقه إيانا وخلقه للوجود فيجب على المملوك إطاعة المالك .

2) .خلف : عوض . مأجور : مثاب . جزعت : حزنت حزنا شديدا مأزور : مأثوم . فتنة : امتحان واختبار . سرّك : أكسبك سرورا . وحزَنك : أكسبك الحزن وذلك عند الموت .

3) .ويأتي في الموعظة (۴۲۱) وجه آخر في تعزيته .

۲۹۸. إنّ الصبر لجميلٌ إلاّ عنك

۲۹۹. لا تصحب المائق

وأخَذَ أبو العتاهية ألفاظَة عليه السلام فقال لمن يعزِّيه عن وَلَد : ولابدّ مِن جَرَيان القَضاءِإمّا مُثابا وإمّا أثِيما

۲۹۸الأصْلُ:وقال عليه السلام عندَ وقوفِهِ على قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ساعة دُفِنَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله وسلم : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلاَّ عَنْكَ ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلاَّ عَلَيْكَ ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ ، وَإِنَّهُ بَعْدَكَ لَقَلِيلٌ .

الشّرْحُ:قد أخذَتْ هذا المعنى الشُّعراءُ ؛ فقال بعضهم : أمسَتْ بجَفْني للدُّموع كُلُومُحَزنا عليك وفي الخُدود رُسومُ والصبرُ يُحمَد في المَواطِن كلِّهاإلاّ عليكَ فإنّه مذمومُ ومن الشِّعر المنسوب إلى عليٍّ عليه السلام ـ ويقال : إنه قاله يومَ ماتَ رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ـ : كنتَ السّوادَ لناظِريفبَكى عليك النّاظرُ من شاءَ بعدَك فليَمُتْفعليكَ كنتُ أحاذِرُ

۲۹۹الأصْلُ:لاَ تَصْحَبِ الْمَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ ، وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ .

.

۳۰۰. مسيرة يومٍ للشّمس

الشّرْحُ:المائق : الشديدُ الحُمْق ، والمُوق : شدّة الحُمْق ، وإنما يزين لك فعله لأنّه يعتقد فعلَه صواباً بحُمْقه فيزيِّنه لك كما يزيِّن العاقلُ لصاحبه فِعلَه لاعْتقاد كونه صواباً ، ولكن هذا صوابٌ في نَفْس الأمر ، وذلك صوابٌ في اعتقاد المائق ، لا في نفس الأمر ؛ وأمّا كونه يودّ أن تكون مِثله معناه أنّه لحبِّه لك ، وصُحْبتِه إيّاك ، يَودّ أن تكون مِثله ؛ لأنّ كل أحدٍ يوَدّ أن يكون صديقُه مِثل نفسِه ، في أخلاقه وأفعالِه ، إذ كل أحد يَعتقِد صوابَ أفعاله ، وطهارَة أخلاقه ، ولا يَشعر بعيبِ نفسِه لأنّه يَهوَى نفسَه ، فعيبُ نفسه مطويٌّ مَسْتور عن نفسه ، كما تخفى عن العاشق عُيوبُ المعشوق .

۳۰۰الأصْلُ:وقال عليه السلام وقد سُئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب ، فقال : مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْس .

الشّرْحُ:هكذا تقول العَرَب : بينهما مَسيرة يوم ، بالهاء ، ولا يقولون : مسيرُ يوم ؛ لأنّ المسيرَ المَصْدَر ، والمَسِيرة الاسم . وهذا الجوابُ تسمِّيه الحكماء جوابا إقناعيّاً ؛ لأنّ السائل أراد أن يذكر له كميّة المسافة مُفصّلة ، وأجابه بغيره ، وهو جواب صحيح لا رَيب فيه ، لكنّه غير شافٍ لغليلِ السائل ، وتحته غرَضٌ صحيح وذلك لأنّه سأله بحضور العامّة تحت المنبر فلو قال له : بينهما ألفُ فرسخ مثلاً ، لكان للسائل أن يطالبه بالدلالة على ذلك ، فعدل إلى جواب صحيح ، إجماليّ أسكت السائل به ، وقَنع به السامعون أيضا وَاستحسَنوه ، وهذا من نتائج حِكمتِه عليه السلام .

.

۳۰۱. أصدقاؤك ثلاثة

۳۰۲. إنّما أنت كالطّاعن نفسه ليقتل

۳۰۱الأصْلُ:أَصْدِقَاؤُكَ ثَـلاَثَةٌ ، وَأَعْداؤُكَ ثَـلاَثَةٌ ؛ فأَصْدِقَاؤُكَ : صَدِيقُكَ ، وَصَدِيقُ صَدِيقِكَ ، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ . وَأَعْدَاؤُكَ : عَدُوُّكَ ، وَعَدُوُّ صَدِيقِكَ ، وَصَدِيقُ عَدُوِّكَ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في هذا المعنى . والأصل في هذا أنّ صديقَك جارٍ مجرَى نفسك ، فاحكم عليه بما تحكُم به على نفسك ، وعدوّك ضدّك ، فاحكُمْ عليه بما تحكُم به على الضّدّ ، فكما أنّ من عاداك عدوّ لك ، وكذلك مَنْ عادى صديقَك عدُوّ لك ، وكذلك من صَادَق صديقَك فكأنّما صادَق نفسَك ، فكان صديقا لك أيضا ، وأمّا عدوُّ عدوِّك فضدّ ضدّك ؛ وضِدُّ ضِدِّك ملائمٌ لك ، لأنّك أنتَ ضِدُّ لذلك الضدّ ، فقد اشتركتُما في ضِدّيّة ذلك الشخص ، فكنتما متناسِبَين ، وأمّا مَنْ صَادقَ عدوَّك فقد ماثلَ ضِدَّك ، فكان ضِدّا لك أيضا .

۳۰۲الأصْلُ:وقال عليه السلام لرجل رآه يسعى على عدوٍّ له ، بما فيه إِضرار بنفسه : إِنَّمَا أَنْتَ كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ .

الشّرْحُ:هذا يختلف باختلاف حالِ السّاعي ، فإنّه إن كان يضرّ نفسَه أوّلاً ثمّ يضرّ عدوَّه تَبَعا لإضرارِه بنفسِه ، كان ـ كما قال أمير المؤمنين عليه السلام ـ كالطاعنِ نفسَه لِيقتلَ رِدْفه ؛ والرِّدفْ : الرجلُ الذي تَرْتدِفه خَلْفَك على فرَس أو ناقةٍ أو غيرهما ، وفاعل ذلك يكون أسْفه الخلق وأقلَّهم عقلاً ،

.

۳۰۳. ما أكثر العبر وأقلَّ الاعتبار

۳۰۴. من بالغ في الخصومة أثم

لأنّه يبدأ بقتل نفسه وإن كان يضرّ عدوّه أولاً ، يحصل في ضمن إضراره بعدوّه إضراره بنفسه ، فليس يكون مثالُ أمير المؤمنين عليه السلام منطبقا على ذلك ، ولكن يكون كقولي في غزلٍ من قصيدةٍ لي : إن تَرْمِ قلبي تُصْمِ نفسَك إنّهلكَ موطنٌ تأوِي إليه ومَنزلُ

۳۰۳الأصْلُ:مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الاْعتِبَارَ!

الشّرْحُ:ما أوجز هذه الكلمة وما أعظم فائدتها ! ولا ريب أنْ العبَر كثيرة جدّا ، بل كلّ شيء في الوجود ففيه عِبْرةٌ ، ولا ريب أن المعتبِرين بها قليلون ، وأنّ الناس قد غلب عليهم الجهل والهوى ، وأرداهم حبُّ الدنيا ، وأسكرهم خَمرُها ؛ وإنّ اليقين في الأصل ضعيف عندهم ، ولولا ضعفه لكانتْ أحوالهم غيرَ هذه الأحوال .

۳۰۴الأصْلُ:مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثِمَ ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظُلِمَ ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اللّهَ مَنْ خَاصَمَ .

.

۳۰۵. ما أهمّني ذنبٌ أُمهلت بعده

الشّرْحُ:هذا مثل قوله عليه السلام في موضع آخر : «الغالب بالشرّ مغلوب» (1). وكان يقال : ما تسابّ اثنان إلاّ غلبَ ألأمُهما . وقد نهى العلماء عن الجدل والخصومة في الكلام والفقه ؛ وقالوا : إنهما مظنّة المباهاة وطلب الرئاسة والغلبة ، والمجادل يكره أن يقهرَه خصمُه ؛ فلا يستطيع أن يتّقي اللّه . وهذا هو كلام أمير المؤمنين عليه السلام بعينه . وأمّا الخصومة في غير العلم ، كمنازعة الناس بعضِهم بعضا في أُمورهم الدنياوية ، فقد جاء في ذمّها والنهي عنها شيء كثير .

۳۰۵الأصْلُ:مَا أَهَمَّنِي ذَنْبٌ أُمْهلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأَسْأَلَ اللّهَ الْعَافِيَةَ .

الشّرْحُ:هذا فتحٌ لباب التوبة وتطريق إلى طريقها ، وتعليم للنهضة إليها والاهتمام بها ، ومعنى الكلام أنّ الذَّنب الذي لا يعاجَل الإنسانُ عقيبَه بالموت ينبغي للإنسان ألاّ يهتم به ، أي لا ينقطع رجاؤه عن العفو وتأميله الغفران ، وذلك بأن يقوم إلى الصلاة عاجلاً ، ويستغفر اللّه ، ويندم ويعزم على ترك المعاودة ، ويسأل اللّه العافية من الذنوب والعصمة من المعاصي ، والعون على الطاعة ، فإنه إذا فعل ذلك بنيّة صحيحة واستوفى شرائط التوبة سقط عنه عقابُ ذلك الذنب . وفي هذا الكلام تحذيرٌ عظيم من مواقعة الذنوب ؛ لأنّه إذا كان هذا هو محصول الكلام ، فكأنّه قد قال : الحذَرَ الحذَرَ من الموت المفاجئ قبل التوبة .

.


1) .عيون الحكم والمواعظ / الليثي الواسطي : ص۴۴ ، غرر الحكم : ص۱۰۸۵ . ويأتي في الحكمة رقم (۳۳۳) .

۳۰۶. كما يرزقهم على كثرتهم

۳۰۷. رسولك ترجمان عقلك

۳۰۸. ما المبتلى الذي

۳۰۶الأصْلُ:وسُئل عليه السلام : كيف يحاسب اللّه الخلق على كثرتهم ؟ فقال : كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ . فَقيل : كيف يحاسبهم ولايرونه ؟ فقال : كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَلاَ يَرَوْنَهُ .

الشّرْحُ:هذا جواب صحيح ؛ لأنّه تعالى لا يرزقهم على الترتيب ، أعني واحدا بعد واحد ، وإنما يرزقهم جميعَهم دفعةً واحدة ، وكذلك تكون محاسبتهم يوم القيامة . والجواب الثاني صحيح أيضا ؛ لأنّه إذا صحّ أن يرزقنا ولا نرى الرّازق ، صحّ أن يحاسبَنا ولا نرى المحاسب .

۳۰۷الأصْلُ:رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ ، وَكِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ .

الشّرْحُ:قالوا في المَثَل : الرّسول على قدر المرسِل . وقيل أيضا : رسولُك أنتَ ، إلاّ أنّه إنسانٌ آخَر .

۳۰۸الأصْلُ:مَا الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلاَءُ، بِأَحْوَجَ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ المُعافَى الَّذي لايَأْمَنُ الْبَلاَءَ.

.

۳۰۹. النّاس أبناء الدّنيا

۳۱۰. إنّ المسكين رسولُ اللّه

الشّرْحُ:هذا ترغيب في الدعاء ، والذي قاله عليه السلام حقّ ؛ لأنّ المعافَى في الصورة مبتلىً في المعنى ، وما دام الإنسان في قيْد هذه الحياة الدنيا فهو من أهل البلاء على الحقيقة ، ثم لا يأمن البلاء الحسِّيّ ، فوجب أن يتضرّع إلى اللّه تعالى أنّه ينقذه من بلاء الدنيا المعنويّ ، ومن بلائها الحسيّ في كلّ حال ، ولا ريب أن الأدعية مؤثرة ، وأنّ لها أوقات إجابة ، ولم يختلف الملِّيون والحكماء في ذلك .

۳۰۹الأصْلُ:النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا ، وَلاَ يُلاَمُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ .

الشّرْحُ:قد قال عليه السلام موضع آخر : «الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم» (1). وقال الشاعر : ونحنُ بَنِي الدُّنيا غُذِينَا بدَرِّهاوما كنتَ منه فهو شيء محبَّبُ

۳۱۰الأصْلُ:إِنَّ الْمِسْكِينَ رَسُولُ اللّهِ ، فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ اللّهَ ، وَمَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى اللّهَ (2).

.


1) .خصائص الأئمة / الشريف الرضي : ص۱۱۵ ، عيون الحكم والمواعظ / الليثي : ص۶۶ .

2) .المسكين : هنا صاحب الحاجة مهما كان نوعها ، والمراد برسول اللّه هنا أمره تعالى وطلبه . والمعنى : أن من يأته صاحب حاجة يقدر على قضائها وردها ولم يقضها فقد ردّ أمر اللّه وعصاه . في ظلال نهج البلاغة ۴:۳۹۹ .

۳۱۱. ما زنى غيور قطّ

۳۱۲. كفى بالأجل حارساً

الشّرْحُ:هذا حضٌّ على الصدقة ، وقد تقدّم لنا قولٌ مقنع فيها (1). وفي الحديث المرفوع : «اتّقوا النّار ولو بشِقِّ تَمْرة ، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة » . وقال صلى الله عليه و آله وسلم : «لو صَدَق السّائل لما أفلح مَنْ ردّه» .

۳۱۱الأصْلُ:مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ .

الشّرْحُ:قد جاء في الأثر : مَنْ زنى زُنيَ به ولو في عَقِب عقِبه . وهذا قد جُرّب فوجد حقّا ، وقلّ مَنْ ترى مِقداما على الزّنا إلاّ والقول في حَرَمه وأهلِه وذوي مَحارمه كثير فاشٍ . والكلمة التي قالها عليه السلام حقّ ، لأنّ مَنْ اعتاد الزنا حتى صار دُرْبته وعادتَه وألفَتْه نفسه ، لابدّ أن يهون عليه حتى يظنّه مباحا ، أو كالمباح ، لأنّ مَنْ تدرّب بشيء ومَرَن عليه زال قبحه من نفسِه ، وإذا زال قبحُ الزنا من نفسه لم يعظم عليه ما يقال في أهله ، وإذا لم يعظم عليه ما يقال في أهله ، فقد سقطت غَيْرتُه .

۳۱۲الأصْلُ:كَفَى بِالْأَجَلِ حَارِساً!

.


1) .راجع الجزء ۱۰:۲۰۸ من الأصل .

۳۱۳. ينام الرجل على الثكل

۳۱۴. مودّة الآباء قرابة بين الأبناء

الشّرْحُ:قد تقدّم القول في هذا المعنى . وكان عليه السلام يقول : «إن عَلَيّ من اللّه جُنّة حصينة ، فإذا جاء يَوْمِي أسلمتْني ؛ فحينئذٍ لا يَطيش السَّهْم ، ولا يبرأ الكَلْم» . والقول في الأجل وكونه حارساً شُعْبة من شُعَب القول في القضاء والقَدَر ، وله موضع هو أملَكُ به .

۳۱۳الأصْلُ:يَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى الثُّكْلِ ، وَلاَ يَنَامُ عَلَى الْحَرَبِ (1). قال السيّدُ : ومعنى ذلك أنه يصبر على قتل الأولاد ، ولا يصبر على سلب الأموال .

الشّرْحُ:كان يقال : المال عِدْل النّفس . وفي الأثر : أنّ مَنْ قُتِل من دون ماله فهو شهيد .

۳۱۴الأصْلُ:مَوَدَّةُ الآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الأَبْنَاءِ ، وَالْقَرَابَةُ أَحْوَجُ إِلَى الْمَوَدَّةِ مِنَ الْمَوَدَّةِ إِلَى الْقَرَابَةِ .

الشّرْحُ:كان يقال : الحبّ يُتوارث ، والبُغْض يُتَوارث .

.


1) .الثكل : فقد الأولاد . والحَرَب ( بفتح الراء ) : سلب الأموال، والأول بقضاء اللّه وقدره والصبر عليه عقل وإيمان ؛ والثاني ظلم واعتداء والسكوت عنه ذل وهوان .

۳۱۵. اتّقوا ظنون المؤمنين

۳۱۶. لا يصدق إيمان عبد حتى

وقال الشاعر : أبقَى الضَّغَائِنَ آباءٌ لنا سلفُوافلن تبِيدَ وللآباء أبناءُ ولا خير في القرابة من دون مودّة ، والقربى محتاجة إلى المودّة ، والمودّة مستغنية عن القرابة .

۳۱۵الأصْلُ:اتَّقُوا ظُنُونَ الْمُؤمِنِينَ ، فَإِنَّ اللّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى ألْسِنَتِهِمْ (1).

الشّرْحُ:كان يقال : ظَنُّ المؤمن كَهانة . وهو أثرٌ جاء عن بعض السلف . قال أوْس بن حجر : الألمعيُّ الذي يَظُنّ بك الظنكأنْ قد رأى وقد سَمِعا

۳۱۶الأصْلُ:لاَ يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ ، حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللّهِ سُبحانَه أَوْثَقَ مِنْهُ بَمَا فِي يَدِهِ (2).

.


1) .الظن هنا الفراسة ، وهو ظن مصيب .

2) .المراد به أن تكون ثقته بما عند اللّه من ثواب وفضل ، أشد من ثقته بما في يده .

۳۱۷. إن كنت كاذباً فضربك اللّه

الشّرْحُ:هذا كلام في التوكّل ، وقد سبق القول فيه . وقال بعض العلماء : لا يشغلَك المضمونُ لك من الرّزق عن المفروض عليك من العَمل ، فتضيّع أمرَ آخرتك ، ولا تنال من الدنيا إلا ما كَتَب اللّه لك .

۳۱۷الأصْلُ:وقال عليه السلام لأنسِ بنِ مالكٍ ، وقد كان بَعَثَه إلى طلحةَ والزبير لما جاءا إلى البصرة يذكّرهُما شيئاً مما سمعه من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم في معناهما ، فَلَوَى عن ذلك فرجع إليه ، فقال : إِنِّي أُنْسِيتُ ذلِكَ الْأَمْرَ ، فَقال عليه السلام : إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اللّهُ بِهَا بَيْضَاءَ لاَمِعَةً لاَ تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ . قال : يعني البرص ، فأصاب أنساً هذا الداء فيما بعد في وجهه ، فكان لا يُرى إلاّ مُتَبرقِعاً .

الشّرْحُ:المشهور أنّ عليا عليه السلام ناشد الناس اللّه في الرّحبة بالكوفة ، فقال : أنشدكم اللّه رجلاً سمع رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم يقول لي وهو منصرف من حَجّة الوداع : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، اللهـمّ وَالِ مَنْ والاه ، وعادِ مَنْ عاداه» ! فقام رجال فشهدوا بذلك ، فقال عليه السلام لأنس بن مالك : لقد حضرتَها ، فما بالُك ! فقال : يا أميرَ المؤمنين كبرتْ سنّي ، وصار ما أنساه أكثر مما أذكره ؛ فقال له : «إن كنت كاذبا فضربك اللّه بها بيضاء لا تواريها العِمامة» ، فما مات حتى أصابه البرص . فأما ماذكره الرضيّ من أنّه بعث أنسا إلى طلحة والزبير فغيرُ معروف . وقد ذكر ابنُ قتيبة حديث البرص ، والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنين عليه السلام على أنس ابن مالك في كتاب ( المعارف ) في باب البُرْص من أعيان الرجال ، وابن قتيبة غير متّهم في حقّ

.

۳۱۸. إن للقلوب إقبالاً وإدباراً

۳۱۹. في القرآن نبأُ ما قبلكم

عليّ عليه السلام ، على المشهور من انحرافِه عنه (1).

۳۱۸الأصْلُ:إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالاً وَإِدباراً ؛ فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ ، وَإِذَا أَدبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِض .

الشّرْحُ:لا ريب أنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان ؛ وتُقبِل تارةً على العِلم وعلى العَمَل ، وتُدبِر تارةً عنهما . قال عليّ عليه السلام : فإذا رأيتموها مقبلة أي قد نشِطتْ وارتاحت للعمل فاحملوها على النّوافل ؛ ليس يعني اقتصروا بها على النافلة ، بل أدّوا الفريضة وتنفّلوا بعد ذلك . وإذا رأيتموها قد ملّت العمل وسئمتْ فاقتصروا بها على الفرائض ، فإنه لا انتفاع بعمل لا يَحضُر القلبُ فيه .

۳۱۹الأصْلُ:فِي الْقُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ .

.


1) .انظر : فضائل الخمسة من الصحاح الستة ، الفصل ۳۸ ، ۱۵۲ من المقصد الثاني .

۳۲۰. ردُّوا الحجر من حيث جاء

الشّرْحُ:هذا حقّ ؛ لأنّ في أخبار القرون الماضية ، وفيه أخبار كثيرة عن أُمور مستقبلة ، وفيه أخبار كثيرة شرعيّة ؛ فالأقسام الثلاثة كلُّها موجودة فيه .

۳۲۰الأصْلُ:رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ ، فَإِنَّ الشَّرَّ لاَ يَدْفَعُهُ إِلاَّ الشَّرُّ (1).

الشّرْحُ:هذا مثل قولهم في المثل : إن الحديد بالحديد يُفلَح .

۳۲۱الأصْلُ:

.


1) .رَدّ الحجر : كناية عن مقابلة الشرّ بالدفع على فاعله ليرتدع عنه . والمعنى : اقضوا على الشر بالشر . قال تعالى : «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ» الأنفال ۳۹ . «وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ» الشورى ۴۱ .

۳۲۱. ألِق دواتك

۳۲۲. أنا يعسوب المؤمنين

أَلِقْ دَوَاتَكَ ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ ، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ ، وَقَرْمِطْ بَيْنَ الْحُرُوفِ ؛ فَإِنَّ ذلِكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ الْخَطِّ .

الشّرْحُ:لاقَ الحِبرُ بالكاغَد يليق ، أي التصق ، ولِقْتُه أنا يتعدّى ولا يتعدّى ، وهذه دواة مليقة : أي قد أُصلح مدادُها ، وجاء ألق الدّواة إلاقةً فهي مُلِيقة ، وهي لغة قليلة وعليها وردتْ كلمة أميرِ المؤمنين عليه السلام . ويقال للمرأة إذا لم تحظ عند زوجها : ما عاقَتْ عند زوجها ولا لاقَتْ ، أي ما التصقت بقلبه . وتقول : هي جِلْفة القلم بالكسر ، وأصل الجَلف القَشْر ، جلفتُ الطّين من رأس الدنّ ، والجِلْفة هيئة فتحَة القلم التي يستمدّ بها المداد ، كما تقول : هو حَسن الرِّكْبة والجِلسة ونحو ذلك من الهيئات . وتقول : قد قرمط فلان خطوَه إذا مشى مشيا فيه ضِيق وتقَارُب ؛ وكذلك القول في تضييق الحروف . فأما التفريج بين السطور فيُكسِب الخطَّ بهاءً ووضوحا .

۳۲۲الأصْلُ:أَنا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ . وقالَ : معنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني ، والفجار يتبعون المال ؛ كما تتبع النحل يعسوبها ، وهو رئيسها .

الشّرْحُ:هذه كلمةٌ قالها رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم بلفظين مختلفين (1)، تارةً : «أنت يعسوب الدِّين » وتارة :

.


1) .الاستيعاب لابن عبد ربه ۲:۶۵۷ ط ۱ حيدر آباد ۱۳۳۶ . أسد الغابة لابن الأثير ۵:۲۸۷ ط ۱ مصر ۱۲۸۵ .

۳۲۳. إنّما اختلفنا عنه ، لا فيه

«أنت يعسوب المؤمنين» ، والكلّ راجع إلى معنىً واحد ، كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيِّدَهم ، أو جعل الدِّين يتبعه ، ويقفُو أثرَه ؛ حيث سلك كما يتبع النحلُ اليعسوبَ . وهذا نحو قوله : «وأدِرِ الحقَّ معه كيف دارَ» .

۳۲۳الأصْلُ:وقالَ لبعض اليهود حينَ قالَ لهُ : ما دَفَنتُمْ نبيَّكُمْ حتى اختلفتُمْ فيه ! فقال له : إِنَّمَا اخْتَلَفْنَا عَنْهُ لاَ فِيهِ ، وَلكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ : «اجْعَلْ لَنَا إلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» (1).

الشّرْحُ:ما أحسن قوله : «اختلفنا عنه لا فيه» ، وذلك لأنّ الاختلاف لم يكن في التوحيد والنبوّة ؛ بل في فرُوع خارجة عن ذلك ، نحو الإمامة والميراث ، والخلاف في الزكاة هل هي واجبة أم لا ؛ واليهود لم يختلفوا كذلك ، بل في التوحيد الذي هو الأصل . قال المفسرون : مرُّوا على قوم يعبدون أصناما لهم على هيئة البقَر ؛ فسألوا موسى أن يجعلَ لهم إلها كواحد منها ، بعد مشاهدتهم الآيات والأعلام ، وخلاصِهم من رقّ العبوديّة ، وعبورهم البحر ، ومشاهدةِ غَرَق فرعون ؛ وهذه غاية الجهل . وقد رُوي حديث اليهوديّ على وجه آخر ؛ قيل : قال يهوديٌّ لعليّ عليه السلام : اختلفتم بعد نبيِّكم ولم يجفَّ ماؤه ـ يعني غسله صلى الله عليه و آله وسلم ـ فقال عليه السلام : وأنتم قلتم : اجعلْ لنا إلها كما لهم آلهة ولما يجفّ ماؤكم .

.


1) .سورة الأعراف : ۱۳۸ .

۳۲۴. ما لقيت أحداً إلاّ أعانني

۳۲۵. يا بُنيّ إنّي أخاف عليك الفقر

۳۲۴الأصْلُ:وقيل له عليه السلام : بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَبْتَ الأَقران ؟ قال : مَا لَقِيتُ أحَدا إِلاَّ أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِهِ .

قال الرضي رحمهُ اللّهُ تعالى : يومئُ بذلك إلى تمكُّنِ هَيبتِه في القلوب .

الشّرْحُ:قالت الحكماء : الوهم مؤثِّر ، وهذا حقّ ، لأنّ المريض إذا تقرّر في وهمه أن مرضه قاتل له ربّما هلك بالوَهم ، وكذلك مَنْ تلسبُه الحيّة ؛ ويقع في خياله أنها قاتلته ؛ فإنه لا يكاد يسلم منها ، فكذلك الذين بارزوا عليّا عليه السلام من الأقران ؛ لما كان قد طار صيتُه ، واجتمعت الكلمة أنه ما بارزه أحد إلاّ كان المقتول ، غلب الوهم عليهم ، فقصرت أنفسهم عن مقاومته ، وانخذلت أيديهم وجوارحهم عن مناهضته ؛ وكان هو في الغاية القصوَى من الشّجاعة والإقدام ، فيقتحم عليهم ويقتلهم .

۳۲۵الأصْلُ:وقال عليه السلام لابنِهِ محمّدِ بن الحنفيَّةِ : يَابُنَيَّ ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ ؛ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ ، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ ، دَاعِيَةٌ لِلْمَقْت .

الشّرْحُ:هذا موضع قد اختلف الناس فيه كثيرا ، ففضّل قومٌ الغنى ، وفضّل قومٌ الفقر . فقال أصحاب الغنى : قد وصف اللّه تعالى المال ، فسمّـاه خيرا ، فقال : «إنِّي أحببْتُ حُبَّ

.

۳۲۶. سل تفقُّهاً ، ولا تسأل تعنّتاً

الخَيْرِ عن ذِكْرِ رَبِّي» (1). وقال أصحاب الفقر : الغِنَى سبب الطُّغيان ، قال اللّه تعالى : «كَلاّ إنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى * أنْ رَآهُ اسْتَغْنَى» (2). [ ثمّ إنّ ابن أبي الحديد أورد أقوالاً حكميّة في الغنى والفقر ، لكنه لم يبيّن الوجه الحقيقي الذي يبتني عليه كلام أميرالمؤمنين عليه السلام . والتحقيق أن يقال: إن الفقر ممقوت يحمل معه الكفر والذل والغربة والنقيصة ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم يستعيذ منه ، ولذا يأمر الامام عليه السلام ولده أن يلتجئ إلى اللّه لدفعه، وذكر له ثلاث معايب مهمة وأساسية ، هي منقصة للدين فإذا اشتدّ الفقر صعب على الإنسان أن يؤدي حقوق اللّه سبحانه، وربما يحمل على الخيانة أو الكذب... الخ . والفقر أيضا مدهشة للعقل ؛ لان الفقير يعجز عن استجماع قواه العقلية بصورة جيدة ، والثالثة الفقر داعية لمقت الناس واحتقارهم وإهانتهم للفقير . وقد تقدّم قوله عليه السلام في الحكمة ۱۶۵ : «الفقر الموت الأكبر» ] .

۳۲۶الأصْلُ:وقال لِسَائل سأَله عن مسألة : سَل تَفَقُّهاً وَلاَ تَسْأَلْ تَعَنُّتاً ؛ فَإِنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَعَلِّمَ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَنِّتَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ (3).

الشّرْحُ:قد ورد نهىٌ كثير عن السؤال على طريق الإعنات . وقال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له : «منْ حَقّ العالم ألاّ تكثر عليه بالسؤال ، ولا تُعنِته في الجواب ، ولا تضع له غامضات المسائل ، ولا تلحّ عليه إذا كسل ، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ،

.


1) .سورة ص ۳۲ .

2) .سورة العلق ۶ ، ۷ .

3) .تفقها : تعلّما . تعنتا : طلبا للغلبة وإظهار الخطأ .

ولا تُفْشِ له سرّا ، ولا تغتابنّ عنده أحدا ، ولا تنقلنّ إليه حديثا ، ولا تطلبنّ عثرته ، وإن زلّ قبلْتَ معذرتَه ، وعليك أن توقّره وتُعظِّمه للّه مادام حافظا أمر اللّه ، ولا تجلس أمامه ، وإذا كانت له حاجة فاسبق أصحابك إلى خدمته» .

۳۲۷الأصْلُ:وقال عليه السلام لعبدِاللّه بن العبّاسِ رضى الله عنه وقد أَشارَ إليهِ في شيءٍ لم يوافق رأيَهُ : لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَأَرَى ، فَإِذَا عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي .

الشّرْحُ:الإمام أفضل من الرعيّة رأيا وتدبيرا ، فالواجب على مَنْ يشير عليه بأمرٍ فلا يقبله أن يطيعَ ويسلّم ويعلم أن الإمام قد عَرَف من المصلحة ما لم يعرف (1).

۳۲۸الأصْلُ:وروي أنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادماً من صفّين مر بالشّاميين (2)، فسمع بكاء النساء على قتلى صفّين ، وخرج إليه حرب بن شُرَحْبِيل الشّامي ؛ وكان من وجوه قومه ،

.


1) .أصل هذه الكلمات ، أنّ المغيرة بن شعبة كان قد أشار على الإمام عليه السلام بإبقاء معاوية على ولاية الشام ، حتى يستتب الأمر ، فلم يقبل عليه السلام منه ، ثمّ جاء ابن عباس فصدّق رأي المغيرة وأصرّ على الإمام عليه السلام ليقبل ذلك ، فقال عليه السلام له ما قال له . رواه الطبري ۴ / ۴۴۱ سنة ۳۵ .

2) .في نسخ أُخرى : مرّ بالشّباميين ، وهو حي من أحياء اليمن .

۳۲۸. أيغلبكم نساؤكم على ما أسمع ؟

۳۲۹. بؤساً لكم ، لقد ضرّكم من

فقال له : أَيَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أسْمَعُ ! أَلاَ تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هذَا الرَّنِينِ! (وأقبل حرب يمشي معه وهو عليه السلام راكب ، فقال له ) : ارْجِعْ ، فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي ، وَمَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ .

الشّرْحُ:الرّنين : الصوت ، وإنما جعله فتنة للوالي لما يتداخله من العُجْب بنفسه والزَّهْو ، ولا ريب أيضا في أنّه مذلّة للمؤمن ، فإنّ الرّجل الماشي إلى ركاب الفارس أذلّ الناس .

۳۲۹الأصْلُ:وقال عليه السلام وقد مر بقتلى الخوارج يوم النَّهْرَوَان : بُؤْساً لَكُمْ ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ . فقيل له : مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ المؤمنين؟ فقال : الشَّيْطَانُ الْمُضِلُّ ، وَالنَّفُسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ ، غَرَّتْهُمْ بالْأَمَانِيِّ ، وَفَسَحَتْ لَهُمْ في الْمَعَاصِي ، وَوَعَدَتْهُمُ الإِظهَارَ ؛ فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ .

الشّرْحُ:يقَالُ : بؤسَى لزيد وبؤسا ـ بالتنوين ـ لزيد ، فبؤسى نظيره نُعمَى . وبؤسا نظيره نعمةً ، ينتصب على المصدر . وهذا الكلام ردّ على المجبِّرة ، وتصريح بأن النفس الأمّارة بالسوء هي الفاعلة . والإظهار : مصدر ، أظهرته على زيد ، أي جعلته ظاهرا عليه غالبا له ، أي وعدتهم الانتصار والظفر .

.

۳۳۰. اتّقوا معاصي اللّه في الخلوات

۳۳۱. إنّ حزننا عليه على قدر

۳۳۰الأصْلُ:اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللّهِ فِي الْخَلَوَاتِ ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ .

الشّرْحُ:إذا كان الشاهد هو الحاكم استغنَى عمّن يشهد عنده ؛ فالإنسان إذن جديرٌ أن يتّقي اللّه حقّ تُقَاته ؛ لأنّه تعالى الحاكم فيه وهو الشاهد عليه .

۳۳۱الأصْلُ:وقال عليه السلام لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر (1)رضى الله عنه : إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ ، إِلاَّ أَنَّهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً ، وَنَقَصْنَا حَبِيباً .

الشّرْحُ:قد تقدّم ذكر مقتل محمد بن أبي بكر رضى الله عنه . وقال عليه السلام : إن حزننا به في العِظَم على قدر فَرَحِهم به ؛ ولكنْ وَقع التفاوت بيننا وبينهم من وجه آخر ؛ وهو أنّا نقصنا حبيباً إلينا ، وأمّا هم فنقصوا بغيضا إليهم . فإن قلت : كيف نقصوا ، ومعلوم أن أهل الشام ما نقصوا بقتل محمّد شيئا ؛ لأنّه ليس في عددهم! قلت : لمّا كان أهل الشام يعدُّون في كل وقت أعداءهم وبغضاءهم من أهل العراق ،

.


1) .انظر الخطبة ۳۵ .

۳۳۲. العمر الذي أعذر اللّه فيه

۳۳۳. ما ظفر من ظفر الإثم

وصار ذلك العدد معلوما عندهم محصور الكميّة ، نقصوا بقتل محمد من ذلك العدد واحدا ، فإنّ النقص ليس من عدد أصحابهم ، بل من عدد أعدائهم الذين كانوا يتربّصون بهم الدوائر ، ويتمنَّوْن لهم الخُطوب والأحداث ، كأنّه يقول : استراحوا من واحدٍ من جملة جماعةٍ كانوا ينتظرون موتهم .

۳۳۲الأصْلُ:وقال عليه السلام : الْعُمْرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً .

الشّرْحُ:أعذَرَ اللّه فيه ؛ أي سَوَّغ لابن آدم أن يَعتذر ، يعني أنّ ما قبل الستّين هي أيّام الصِّبا والشبيبة والكُهولة ، وقد يُمكن أن يُعذر الإنسانُ فيه على اتّباع هَوَى النفس لغَلَبة الشّهوة ، وشَرَه الحَداثة ، فإذا تَجاوَز الستّين دخَل في سِنّ الشَّيْخُوخة ، وذهبتْ عنه غُلَواء شِرَّتِه ، فلا عُذرَ له في الجهل .

۳۳۳الأصْلُ:مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الاْءِثْمُ بِهِ ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ (1).

.


1) .والمراد ، إذا كانت الوسيلة لظفرك بخصمك ركوب إثم ، واقتراف معصية ، فإنك لم تظفر حيث ظفرت بك المعصية فألقت بك إلى النار (عن محمد عبده) ، وأمّا قوله عليه السلام : «الغالب بالشرّ مغلوب» أي فمن غلب غيره بالشرِّ والمعصية ، فهو مغلوب لا غالب . إذاً لا يجتمع الظفر والإثم ، ولا الغلبة والشرّ .

۳۳۴. إنّ اللّه سبحانه فرض في

۳۳۵. الإستغناء عن العذر

الشّرْحُ:قد قال عليه السلام نحوَ هذا ، وذكَرْناه في هذا الكتابِ : «مَنْ قَصّر في الخصومة ظَلَم ، ومَنْ بالَغ فيها أثِم» (1).

۳۳۴الأصْلُ:إِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أمْوَالِ الْأغْنِيَاءِ أقْوَاتَ الفُقَرَاءِ ؛ فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِي ، وَاللّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في الصَّدَقة وفضلِها وما جاء فيها (2). وقد ورد في الأخبار الصّحِيحة أنّ أبَا ذَرّ قال : انتهيتُ إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وهو جال في ظِلّ الكعبة ، فلمّا رآني قال : هم الأخْسَرون ورَبِّ الكعبة ! فقلت : مَنْ هم ؟ قال : هم الأكثرون أموالاً ، إلاّ مَن قال هكذا وهكذا من بين يديه ومِن خلفِه وعن يمينه وعن شماله ، وقليلٌ ما هُم ، ما مِن صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدِّي زكاتَها إلاّ جاءت يوم القيامة أعظمَ ما كانت وأسمَنَه ، تَنطَحُه بقرُونها ، وتطأُه بأظلافها ، كلّما نَفِدَتْ أُخراها عادَتْ عليه أولاها حتّى يقضيَ اللّه بين الناس ..

۳۳۵الأصْلُ:الاِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْعُذْرِ ، أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ بِهِ .

.


1) .مرّ هذا في الحكمة (۳۰۴) مع تقديم وتأخير .

2) .راجع الجزء ۱۰:۲۰۸ من الأصل .

۳۳۶. أقلّ ما يلزمكم اللّه سبحانه

۳۳۷. إنّ اللّه سبحانه جعل الطّاعة

الشّرْحُ:رُوِيَ : «خيرٌ مِن الصِّدق» ، والمعنى : لا تَفْعل شيئا تعتذِر عنه وإن كنت صادقا في العُذْر ، فألاّ تفعلْ خيرٌ لك وأعزُّ لك من أن تفعَل ثمَّ تعتذر وإن كنتَ صادقا .

۳۳۶الأصْلُ:أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ للّهِ سُبْحانَهُ أَلاَّ تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ .

الشّرْحُ:لا شُبْهةَ أنّ من القبيح الفاحشِ أن يُنعِم المَلِك على بعضِ رَعِيّته بمالٍ وعبيدٍ وسلاحٍ ، فيَجعلَ ذلك المالَ مادّةً لِعصيانه والخروج عليه ، ثمّ يُحارِبه بأولئك العبيد ، وبذلك السلاح بعينه .

۳۳۷الأصْلُ:إِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الأكْيَاس عِنْدَ تَفْرِيطِ الْعَجَزَةِ .

الشّرْحُ:الأكياس : العُقَلاء أُولُو الألْباب . قال عليه السلام : جعلَ اللّهُ طاعتَه غنيمةَ هؤلاء ، إذا فَرّط فيها العَجَزة الَمخْذولون من النّاس ، كصَيْدٍ استذفّ (1)لرَجُلين : أحدُهما جَلْد والآخَر عاجز ، فقَعَد عنه

.


1) .استذفّ : تهيأ .

۳۳۸. السّلطان وزعة اللّه في أرضه

۳۳۹. «المؤمن» بشره في وجهه

العاجز لعَجْزه وحِرْمانه ، واقتَنَصه الجَلْد لشَهامتِه وقوّة جدِّه .

۳۳۸الأصْلُ:السُّلْطَانُ وَزَعَةُ اللّهِ فِي أَرْضِهِ .

الشّرْحُ:الوازعُ عن الشيء : الكافُّ عنه ، والمانعُ منه ، والجمع وَزَعة ، مِثل قاتِل وقَتَلة . وقد قيل هذا المَعنَى كثيرا ، قالوا : لابدّ للنّاس مِن وَزَعة . وقيل : ما يَزَع اللّه عن الدّين بالسّلطان أكثَرُ ممّا يَزَع عنه بالقرآن .

۳۳۹الأصْلُ:وقال عليه السلام في صفة المؤمن : بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ ، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ . أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً ، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً . يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ ، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ . طَوِيلٌ غَمُّهُ ، بَعِيدٌ هَمُّهُ ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ ، مَشْغولٌ وَقْتُهُ ، شَكُورٌ صَبُورٌ ، مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ ، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ ، سَهْلُ الْخَلِيقَةِ ، لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ ، نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ ، وَهُوَ أَذَلُ مِنَ الْعَبْدِ .

الشّرْحُ:هذه صفاتُ العارِفين ؛ وقد تقدّم كثيرٌ من القول في ذلك . وكان يقال : البِشْر عُنْوان النّجاح ، والأمْر الذي يختصّ به العارفُ أن يكونَ بِشْرُه في

.

۳۴۰. الغنى الأكبر اليأس عمّا

۳۴۱. المسؤول حرّ حتى يعد

وَجْهه وهو حزين وحُزْنُه في قلبه ، وإلاّ فالبِشْر قد يوجَد في كثيرٍ من الناس . ثمّ ذكر أنّه أوسَعُ الناس صَدْراً ، وأذَلّهم نَفْساً ، وأنه يَكرَه الرّفعة والصّيت . وطُولُ الغَمّ وبُعد الهمّ من صِفاتهم ، وكذلك كَثرةُ الصّمت وشَغْل الوَقْت بالذّكر والعِبادة ، وكذلك الشّكر والصّبر والاستغراق في الفِكْر وتدبُّر آياتِ اللّه تعالى في خَلْقه ، والضَنّ بالخلّة وقلّة المخالطَة والتوفّر على العُزْلة وحُسْن الخُلُق ولِين الجانب ، وأن يكون قَوِيّ النفس جدّاً ، مع ذُلّ لِلناس وتَواضُع بينهم ؛ وهذه الأُمور كلُّها قد أتى عليها الشّرح فيما تقدّم .

۳۴۰الأصْلُ:الغِنَى الأكبَرُ اليَأْسُ عَمَّا فِي أيْدِي النَّاسِ .

الشّرْحُ:هذه الكلمة قد رُوِيتْ مرفوعةً ، وقد تقدّم القولُ في الطّمع وذَمّه ، واليأسِ ومَدْحِه . وفي الحديث المرفوع : «إزْهَدْ في النّاس يُحبّك اللّه ، وازْهَدْ فيما في أيدِي الناسِ يُحبّك الناس » .

۳۴۱الأصْلُ:الْمَسْؤُولُ حُرٌّ حَتَّى يَعِدَ .

الشّرْحُ:قد سَبَق القولُ في الوَعد والمَطْل . ونحن نذكر هاهنا نُكَتا أُخرى : في الحديث المرفوع : «مَن وَعَد وَعْدا فكأنما عَهِد عَهْدا» . وكان يقال : الوعدُ دَيْن الكِرام ، والمَطْل دَيْن اللّئام .

.

۳۴۲. لو رأى العبد الأجل

۳۴۳. لكلّ امرئ في ماله شريكان

۳۴۴. الدّاعي بلا عملٍ كالرّامي

۳۴۲الأصْلُ:لَوْ رَأَى الْعَبْدُ الْأَجَلَ وَمَصِيرَهُ ، لَأَبْغَضَ الْأَمَلَ وَغُرُورَهُ .

الشّرْحُ:وكان يقال : واعجباً لصاحِبِ الأمَل الطّويل ! وربما يكون كَفَنُه في يد النّسّاج وهو لا يَعلم .

۳۴۳الأصْلُ:لِكُلِّ امْرِئٍ فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ : الْوَارِثُ وَالْحَوَادِثُ .

الشّرْحُ:أخَذَه الرَّضيُّ فقال : خُذْ من تُراثِك ما استطعتَ فإنماشُرَكاؤك الأيامُ والورّاثُ لم يقضِ حَقَّ المالِ إلاّ مَعشَرٌنظروا الزمانَ يعيثُ فيه ، فعاثُوا وقد قال عليه السلام في موضعٍ آخَر : «بَشِّرْ مالَ البخيل بحادثٍ أو وارث» .

۳۴۴الأصْلُ:الدَّاعِي بَلاَ عَمَلٍ ، كَالرَّامِي بِلاَ وَتَرٍ .

.

۳۴۵. العلم علمان : مطبوع ومسموع

۳۴۶. صواب الرأي بالدُّول

الشّرْحُ:مَنْ خَلا من العَمَل فقد أخَلّ بالواجبات ، ومن أخَلّ بالواجبات فقد فَسَق ، واللّه تعالى لا يَقبل دُعَاءَ الفاسق . وشَبَّهه عليه السلام بالرّامي بلا وَتر ، فإن سهمَه لا يَنفذ .

۳۴۵الأصْلُ:الْعِلْمُ عِلْمَانِ : مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ ، وَلاَ يَنْفَعُ الْمَسْمُوعُ ، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَطْبُوعُ .

الشّرْحُ:هذه قاعدةٌ كليّة مذكورةٌ في الكتب الحكميّة ، إنّ العلومَ منها ما هو غَرِيزيّ ، ومنها ما هو تَكْلِيفي ؛ ثمّ كلُّ واحدٍ من القِسْمين يَختلِف بالأشدّ والأضعف . وقال عليه السلام : ليس يَنفَع المسموعُ ، إذا لم يكن المطبوع ، يقول : إذا لم يكن هناك أحوالُ استعدادٍ لم ينفَع الدَّرْس والتَّكرار ، وقد شاهدْنا مِثلَ هذا في حَقّ أشخاصٍ كثيرة اشتَغَلوا بالعِلم الدّهرَ الأطولَ ؛ فلم ينجَعْ معهم العِلاج ، وفارَقوا الدّنيا وهم على الغَرِيزة الأُولى في الساذجيّة وعَدَم الفَهْم .

۳۴۶الأصْلُ:صَوَابُ الرّأيِ بِالدُّوَلِ يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا ، وَيُدْبِرُ بإدْبَارِهَا (1).

.


1) .المراد بالدول هنا الأيام . وإقبال الدولة : كناية عن سلامتها وعلوّها ، كأنّها مقبلة على صاحبها تطلبه للأخذ بزمامها وإن لم يطلبها ، وعلو الدولة يعطي العقل مكنة الفكر ، ويفتح له باب الرشاد ، وإدبارها يوقع العقل في الحيرة والارتباك ، فيذهب عنه صائب الرأي . عن شرح محمد عبده .

۳۴۷. العفاف زينة الفقر

۳۴۸. يوم العدل على الظالم أشدّ

الشّرْحُ:اجتَمَع بنو برْمَك عند يحيى بن خالد في آخِر دَوْلتهم وهم يومئذٍ عشرة ، فأدارُوا بينهم الرأيَ في أمرٍ فلم يصلحُ لهم ، فقال يحيى : إنا للّه ! ذهبتْ واللّهِ دولَتُنا ! كنّا في إقبالنا يُبرِم الواحدُ منّا عَشْرة آراء مُشكلة في وقت واحد ، واليومَ نحنُ عَشرة في أمرٍ غيرِ مُشكل ، ولا يَصِحّ لنا فيه رَأْي ! اللّهَ نسأَل حُسنَ الخاتمة .

۳۴۷الأصْلُ:الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ ، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى .

الشّرْحُ:قد سَبَق القولُ في أنّ الأجْمَل بالفقير أن يكون عفيفا ، وألاّ يكون جَشِعا حَرِيصاً ، ولا جادّا في الطّلب مُتهالِكا ، وأنّه ينبغي أنه إذا افتقر أن يتيه على الوَقْت وأبناءِ الوقْت ، فإنّ التِّيه في مِثل ذلك المَقامِ لا بأسَ به ، ليَبعُد جدّا عن مَظِنّة الحِرْص وَالطَّمع . وقد سبق أيضا القولُ في الشّكر عند النعمة ووجوبه ، وأنّه سبب لاسْتَدامَتِها ، وأن الإخلالَ به داعيةٌ إلى زَوالها وانتقالِها .

۳۴۸الأصْلُ:يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ ، أَشَدُّ مِنْ يَومِ الْجَوْرِ عَلَى الْمَظْلُومِ (1).

.


1) .تقدّم مثله في الحكمة ۲۳۸ .

۳۴۹. الأقاويل محفوظة

الشّرْحُ:شيئان مُؤلمان : أحدُهما يُنقضى سريعا ، والآخر يَدُوم أبدا ؛ فَلا جَرم ، كان اليومُ المذكور على الظّالم ؛ أشدّ من يَوْم الجور على المظلوم!

۳۴۹الأصْلُ:الأقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ ، وَالْسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ وَ «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» ، وَالنَّاسُ مَنْقُوصُونَ مَدْخُولُونَ إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللّهُ ؛ سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ ، يَكَادٌ أَفْضَلُهُمْ رَأياً يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأيِهِ الرِّضا وَالسُّخْطُ ، وَيَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اللَّحْظَةُ ، وَتَسْتَحِيلُهُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ .

الشّرْحُ:السرائر هاهنا ما أُسِرَّ في القلوب من النيّات والعقائد وغيرِها ، وما يَخفى من أعمال الجوارح أيضا . وبلاؤُها : تعرُّفُها وتصفُّحُها ، والتمييز بين ما طابَ منها وما خَبُثَ . ذكَر عليه السلام الناسَ فقال : قد عَمّهم النّقص إلاّ المعْصومين . ثم قال : سائلُهم يَسأَلُ تَعنُّتاً ، والسّؤال على هذا الوجه مَذْموم ، ومجيبُهم متكلِّف للجَواب ، وأفضلُهم رأياً يكاد رِضاهُ تارةً وسُخْطه أُخرى يَرُدُّهُ عن فضل رأيه ، أي يتبِعون الهوى . ويكاد أصلبُهم عوداً ، أي أشَدّهم احتمالاً . تنكَؤُه اللّحظة ، نكأتُ القَرْحَة إذا صَدَمْتهَا بشيء فتَقشرَها . «وتَستحيله الكلمةُ الواحدة» ، أي تحيله وتغيِّره عن مُقتضى طبعِه ؛ يَصِفهم بسرعة التقلّب والتلوّن ، وأنّهم مُطِيعون دواعِيَ الشّهوةِ والغَضَب . واستَفعَل بمعنى «فَعَل» قد جاء كثيراً استَغْلَظ العسل ، أي غَلظُ .

.

۳۵۰. معاشر الناس ، اتقوا اللّه

۳۵۱. من العصمة تعذّر المعاصي

۳۵۰الأصْلُ:قالَ : مَعَاشِرَ النَّاس ، اتَّقُوا اللّهَ ؛ فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لاَ يَبْلُغُهُ ، وَبَانٍ مَا لاَ يَسْكُنُهُ ، وَجَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعهُ ، وَمِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ ؛ أَصَابَهُ حَرَاماً ، وَاحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً ، فَبَاءَ بِوِزْرِهِ ، وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ ، آسِفاً لاَهِفاً ، قَدْ «خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ» (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم شرحُ هذه المعاني والكلامُ عليها ، أمّا الآمال الّتي لا تُبلَغ ، فأكثَر من أن تُحصَى ، بل لا نهايةَ لها . وما أحسنَ قولَ القائل : واحسرتَا مَاتَ حَظِّي من وصالِكُمُوللحظُوظِ كما للنّاس آجالُ إنّ متّ شَوْقاً ولم أبلُغْ مَدَى أملِيكم تحتَ هذِي القبورِ الخرْس آمالُ! وأمّا بناء ما لا يُسْكَن ، فنحو ذلك . وأمّا جامعُ ما سَوفَ يَتْركه ، فأكثَرُ الناس ، [ يترك كلّ شيء فالمهنأ لغيره والعب ء على ظهره] .

۳۵۱الأصْلُ:مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ الْمَعَاصِي .

.


1) .سورة الحج ۱۱ . انظر : الخطبة ۱۰۳ ، ۱۰۸ ، والحكمة ۱۸۶ .

۳۵۲. ماءُ وجهك جامد

۳۵۳. الثناء بأكثر من الاستحقاق

الشّرْحُ:قد وردتْ هذه الكلمة على صِيغ مختلفة : «من العِصْمة ألاّ تقدر» . وأيضاً : «من العِصْمة ألاّ تجد» . وقد رُوِيتْ مرفوعةً أيضا . وليس المرادُ بالعِصْمة هاهنا العِصْمة الَّتي ذكرها المتكلّمون ؛ لأنّ العصمة عند المتكلمين من شرطها القُدْرة ، وحقيقتها راجعة إلى لُطْفٍ يمنَع القادِرَ على المَعْصية عنده من المعصية ، وإنّما المراد أنّ غيرَ القادِر في اندفاع العقوبة عنه كالقادِر الذي لا يفعَل . [ فهما شريكان في عدم الخطيئة ، لكن الثاني له ثواب الطاعة دون الأوّل ] .

۳۵۲الأصْلُ:مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّؤالُ ، فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ .

الشّرْحُ:هذا حَسَن ، وقد أخَذَه شاعرٌ فقال : إذا أظمأْتكَ أكُفُّ اللِّئامِكفَتْك القَناعةُ شِبْعاً ورِيَّا فكنْ رَجُلاً رِجْلُه في الثَّرىوهامَةُ هِمّته في الثُّرَيّا فإنّ إراقةَ ماءِ الحياةِدونَ إراقةِ ماءِ المحيّا [ المقصود بماء الوجه هنا الكرامة . أي احفظ كرامتك بالترفّع عن السؤال وطلب المعونة إلاّ من اللّه سبحانه . وإذا احوجتك الضرورة فمن ذوي المروءات والنجدة ] .

۳۵۳الأصْلُ:الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الاْسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ ، وَالتَّقْصِيرُ عَنِ الاِسْتِحْقَاقِ عِيٌّ أَوْ حَسَدٌ .

.

۳۵۴. أشدُّ الذنوب

۳۵۵. من نظر في عيب نفسه

الشّرْحُ:وينبغي أن يكون قوله عليه السلام محمولاً على الثّناء في وجهِ الإنسان ؛ لأنّه هو الموصوف بالمَلق إذا أفْرطَ ، فأمّا من يُثنِي بظَهْر الغَيْب فلا يُوصَف ثناؤه بالملَق ؛ سواءٌ كان مُقتصِدا أو مسرِفاً . وقوله عليه السلام : «والتقصير عن الاستحقاق عيٌّ أو حَسَد» لا مزيدَ عليه في الحُسنِ ؛ لأنّه إذا قَصّر به عن استِحقاقه كان المانع إمّا من جانب المُثني فقط من غير تعلّق له بالمثنى عليه ، أو مع تعلُّق به ؛ فالأوّل هو العِيّ والحَصر ، والثاني هو الحسد والمنافسة .

۳۵۴الأصْلُ:أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِها صَاحِبُها (1).

الشّرْحُ:قد ذكرْنا هذا فيما تقدّم وذكرنا العِلّة فيه ، وهي أنّ فاعَل ذلك الذَّنْب قد جَمَع بين فعْل الذّنب وفِعْل ذَنْب آخَرَ ، وهو الاستهانة بما لا يُستهان به ، لأنّ المَعاصِي لا هين فيها ، والصغير منها كَبير ، والحقيرُ منها عظيم ، وذلك لجلالةِ شأن المعْصيِّ سبحانَه . فأمّا من يذنِب ويَستعظم ما أتاه ، فحاله أخفّ من حالِ الأوّل ، لأنّه يكاد يكون نادما .

۳۵۵الأصْلُ:مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرهِ ، وَمَنْ رَضِيَ برِزْقِ اللّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى

.


1) .يأتي بنفس المضمون في الحكمة (۴۸۵).

مَا فَاتَهُ ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ ، وَمَنْ كَابَدَ الأمُورَ عَطِبَ ، وَمَنِ اقْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِقَ ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ . وَمَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ . وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ غَيْرِهِ ، فَأَنْكَرَهَا ، ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ ، فَذلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ . وَالْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ . وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ . وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إِلاَّ فِيَما يَعْنِيهِ .

الشّرْحُ:كلُّ هذه الفصول قد تقدّم الكلامُ فيها ، وهي عَشَرة : أوّلها : من نَظَر في عَيْب نفسِه اشتَغل عن عيبِ غيرِه ؛ كان يقال : أصلِح نفسَك أوّلاً ، ثمّ أصلِح غيرَك . وثانيها : من رضَي برِزق اللّه لم يَحزَن على مافاته ؛ كان يقال : الحُزْن على المَنافع الدنيويّة سُمٌّ تِرْياقُه الرِّضَا بالقَضاء . وثالثَها : من سَلَّ سيفَ البَغْيِ قُتِل به ؛ كان يقال : الباغي مَصْروع وإن كثُرَ جنودُه . ورابعُها : مَنْ كابَدَ الأمورَ عَطِب ، ومن اقْتَحَم اللُّجَجَ غَرِق ؛ مِثل هذا قولُ القائل : مَن حارَبَ الأيّامَ أصبَحَ رُمْحُهقِصَدا وأصبحَ سيفُه مَفْلولاَ وخامسُها : من دخل مَداخِلَ السّوء اتُّهِم ؛ هذا مِثْل قولِهم : من عَرَّض نفسَه للشُّبُهات فلا يلُومَنّ مَن أساءَ به الظَّنّ . وسادسُها : مَن كَثُر كلامُه ... إلى قوله : دَخَل النار ؛ قد تقدّم القولُ في المَنطِق الزائد وما فيه من المحذور ؛ وكان يقال : قَلَّما سَلِم مِكْثار ، أو أَمِن مِنْ عِثار . وسابعُها : مَن نَظَر في عُيوب غيرِه فأنكَرَها ثمّ رضيَها لنفسِه فذاك هو الأحمقُ بعَيْنه ؛ كان يقال : أجهَلُ الناسِ من يَرضَى لنفسِه بما يَسخَطُه مِن غيرِه . وثامنها : القَناعة مالٌ لا يَنفَد ؛ قد سَبَق القولُ في هذا ، وسيأتي أيضا . وتاسعُها : من ذَكَر الموتَ رضيَ من الدّنيا باليسير ؛ كان يقال : إذا أحببتَ ألاّ تحسُد أحَداً فأكْثِر ذكرَ الموت ، واعلمْ أنّك ومَن تَحسُده عن قليل مِن عَدِيد الهَلْكَى .

.

۳۵۶. للظالم من الرجال

۳۵۷. عند تناهي الشدّة

وعاشِرُها : من عَلِم أنّ كلامَه مِن عَمله قلَّ كلامُه إلاّ فيما يَعنيه ؛ لا رَيْبَ أنّ الكلامَ عَملٌ من الأعمال ، وفِعلٌ من الأفعال ، فكما يُستهجَن من الإنسان ألاّ يزال يُحرِّك يدَه وإن كان عابثا ، كذلك يُستهجَن ألاّ يزال يُحرِّك لسانَه فيما هو عَبَث ، أو يَجرِي مَجرَى العَبَث .

۳۵۶الأصْلُ:لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَـلاَثُ عَلاَمَاتٍ : يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ .

الشّرْحُ:يُمكِن أن يفسَّر هذا الكلامُ على وجهين . أحدُهما : أنّ كلَّ من وُجِدَت فيه إحدى هذه الثلاث فهوَ ظالم ، إمّا أن يكون قد وجبتْ عليه طاعةُ مَن فوقَه فعصاه ، فهو بعصيانه ظالم له ، لأنّه قد وضعه في غير موضعه ، والظُّلم في أصل اللّغة ؛ هو هذا المعنى ، فكذلك من عَصَى مَن فوقَه فقد زَحزَحه عن مَقامه إذا لم يُطِعه . وإمّا أن يكون قد قهر مَن دُونَه وغلبَه . وإمّا أن يكون قد ظاهَر الظَلَمة . والوجه الثاني : أنّ كلّ ظالم فلابدّ من اجتماع هذه العلامات الثلاثِ فيه ؛ وهذا هو الأظهر .

۳۵۷الأصْلُ:عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفَرْجَةُ ، وَعِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقِ الْبَلاَءِ يَكُونُ الرَّخَاءُ .

.

۳۵۸. لا تجعلنَّ أكثر شغلك بأهلك

الشّرْحُ:كان يقال : إذا اشتدّ المَضِيق ، اتّسعَتْ الطريق ، وكان يقال : توقَّعوا الفَرَج عند ارتتاجِ الَمخرَج . وفي الأثر : تَضايَقِي تَنْفرجِي ، سَيَجعل اللّه بعدَ العُسر يُسْراً . والفَرْجة بفتح الفاء : التفصِّى من الهمّ . فأمّا الفُرْجة بالضّم ، ففُرْجة الحائط وما أشبَهَه .

۳۵۸الأصْلُ:وقال عليه السلام لبعض أصحابه : لاَ تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ ، فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَوَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اللّهِ ، فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ ، وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللّهِ ، فَمَا هَمُّكَ وَشُغْلُكَ بأَعْدَاءِ اللّهِ!

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ نحوَ هذا المعنى ، وهو أمر بالتّفْويض والتوكُّل على اللّه تعالى فيمن يَخلُفه الإنسانُ مِن وَلده وأهله ، فإن اللّه تعالى أعلم بالمصلحة ، وأرأف بالإنسان من أبيه وأُمِّه ؛ ثم إن كان الوَلَد في عِلم اللّه تعالى وليّا من أولياء اللّه سبحانه ، فإنّ اللّه تعالى لا يضيِّعه ، قال سبحانه : «ومن يتوكّل على اللّه فهو حَسْبُه» (1). وكلُّ وليٍّ للّه فهو متوكِّل عليه لا محالَة ، وإن كان عدوّا للّه لم يَجُز الاهتمامُ له والاعتناء بأمره ؛ لأنّ أعداءَ اللّه تجب مُقاطعتهم ، ويَحرُم تولِّيهم ، فعلى كلِّ حال لا ينبغي للإنسان أن يَحفِل بأهله وولدِه بعد موتِه . واعلم أن هذا كلامُ العارفين الصّدّيقين ، لا كلامُ أهل هذه الطبقات التي نعرِفها ، فإن هذه الطبقات تقصُر أقدامُهم عن الوصول إلى هذا المقام .

.


1) .سورة الطلاق ۳ .

۳۵۹. أكبر العيب أن تعيب

۳۶۰. لا تقل ذلك ، ولكن قل :

۳۵۹الأصْلُ:أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ .

الشّرْحُ:قد تقدَّم هذا المعنى مِرارا . وقال الشاعر : إذا أنت عِبْتَ الأمر ثم أتيتَهفأنت ومَن تُزرِي عليه سَواءُ

۳۶۰الأصْلُ:وهنأَ بحضرتهِ رجلٌ رجلاً آخر بغلام وُلِدَ له فقال لهُ : لِيَهْنِئْكَ الْفَارسُ ! فقال عليه السلام : لاَ تَقُلْ ذلِكَ ، وَلكِنْ قُلْ : شَكَرْتَ الْوَاهِبَ ، وَبُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ (1).

الشّرْحُ:هذه كلمة كانت من شِعار الجاهلية ، فنُهِيَ عنها كما نُهِيَ عن تحيّة الجاهلية : ( أبيتَ اللّعن ) ، وجُعِل عِوَضَها ( سلامٌ عليكم ) .

.


1) .بلغ أشدّه : صار رجلاً . ورزقت برَّهُ : أي طاعته وحسن معاملته .

۳۶۱. أطلعتِ الورقُ رؤوسها

۳۶۲. من حيث يأتيه أجله

۳۶۱الأصْلُ:وبنى رجل من عماله بناءً فخماً ، فقال عليه السلام :أَطْلَعَتِ الْوَرِقُ رُؤُوسَهَا ! إِنَّ الْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ الْغِنَى (1).

۳۶۲الأصْلُ:وقيل له عليه السلام : لو سُدَّ على رجلٍ بَابُ بَيْتٍ ، وتُرِكَ فيه ، من أَين كان يأتيه رِزْقُهُ ؟ فقال عليه السلام : مِنْ حَيْثُ يَأتِيهِ أَجَلُهُ .

الشّرْحُ:ليس يعني عليه السلام أنّ كلّ من يُسَدَّ عليه بابُ بيت ؛ فإنه لا بدّ أن يرزقه اللّه تعالى ، لأنّ العيان والمُشاهَدة تقتضي خلاف ذلك ؛ وما رأيْنا من سُدّ عليه بابُ بيت مدّةً طويلة فعاش . فإذا معنى كلامه عليه السلام أنّ اللّه تعالى إذا علم فيمن يُجعل في دارٍ ويُسَدُّ عليه بابُها أنَّ في بقاءِ حياتِه لُطْفا لبَعْض المكلّفين ، فإنه يجب على اللّه تعالى أن يُديم حياته ، كما يشاء سبحانه ؛ إمّا بغذاء يقيم به مادة حياته ، أو يديمُ حياتَه بغير سبب ، وهذا هو الوجْه الذي منه يأتيه أجَلُه أيضا ؛ لأنّ إماتَةَ اللّه المكلَّف أمرٌ تابعٌ للمصلحة ، فإذا كان الموت تابعا للمصلحة ، فقد أتى الإنسانَ رِزقه ـ يعني حياته ـ من حيث يأتيه أجله . وانتظَمَ الكلام .

.


1) .فخما : عظيما ضخما . الوَرِق : الفضة أو الدراهم . وأطلعت رؤوسها ، كناية عن الظهور . وإن البناء يصف لك الغنى : أي يدل عليه .

۳۶۳. إنّ هذا الأمر ليس لكم بدأ

۳۶۴. أيّها الناس لَيَرَكم اللّه

۳۶۳الأصْلُ:وَعَزَّى قوماً عن ميت مات لهم فقال عليه السلام :إِنَّ هذَا الْأَمْرَ لَيْسَ لَكُمْ بَدَأَ ، وَلاَ إِلَيْكُمُ انْتَهَى ، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هذَا يُسَافِرُ ؟ فَقَالُوا : نَعَم ، قَالَ : فَعُدُّوهُ فِي بَعْض سَفَرَاتِهِ ، فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَإِلاَّ قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ (1).

۳۶۴الأصْلُ:أَيُّهَا النَّاسُ ، لِيَرَكُمُ اللّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ ، كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ ! إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ ، فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اسْتِدْرَاجاً ، فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً ، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ ، فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اخْتِبَاراً ، فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً (2).

الشّرْحُ:قد تقدَّم القول في استدراج المترَف الغَنيّ ، واختبار الفقير الشّقيّ ، وأنه يجب على الإنسان وإن كان مشمولاً بالنّعمة أن يكون وَجِلاً ، كما يَجب عليه إذا كان فقيرا أن يكون شَكوراً صَبوراً .

.


1) .المراد بالأمر هنا : الموت . والمعنى ، ليس الموت بالشيء الغريب الجديد ، فقد كان قبلكم ، ويبقى بعدكم ، فإن لم يعد هذا الميت فأنتم عليه قادمون لا محالة . في ظلال نهج البلاغة ۴:۴۲۳ .

2) .وجلين : خائفين . فرقين : فزعين . المأمول : هنا الأجر والثواب .

۳۶۵. يا أسرى الرغبة أقصروا

۳۶۶. لا تظنّنّ بكلمةٍ خرجت

۳۶۵الأصْلُ:يَا أَسْرَى الرَّغْبَةِ ، أَقْصِرُوا ، فَإِنَّ الْمُعَرِّجَ عَلَى الدُّنْيَا لاَ يَرُوعُهُ مِنْهَا إِلاَّ صَرِيفُ أَنْيَابِ الْحِدْثَانِ . أَيُّهَا النَّاسُ ، تَوَلَّوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ تَأدِيبَهَا ، وَاعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا (1).

الشّرْحُ:ضرَى يضرِي ضِرايةً مِثل رمى يرمي رِماية ، أيّ جرَى وسالَ ، ذكره ابنُ الأعرابيّ ، وعليه ينبغي أن يُحمَل كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام ؛ أي اعدِلُوا بها عن عاداتها الجارية ، مِن باب إضافة الصّفة إلى الموصوف . وقوله : «يا أسرَى الرغبة» كلمةٌ فصيحةٌ . وكذلك قوله : «لا يَرُوعُه منها إلاّ صَرِيفُ أنْياب الحِدْثان» ، وذلك لأنّ الفهَدْ إذا وَثَب والذِّئبَ إذا حَمل يَصرِف نابُه ، ويقولون لكلّ خَطْب وداهية جاءت ! تصرِفُ نابها . والصَّرِيف : صوتُ الأسنان إمّا عند رِعْدةٍ أو عند شِدَّة الغَضَب والحَنَق ، والحِرْص على الانْتقام ، أو نحو ذلك . وقد تقدّم الكلامُ في الدّنيا والرغبةِ فيها ، وغَدْرِها وحوادِثها ، ووجوب العُدُول عنها ، وكسر عادِية عاداتِ السّوء المكتسبة فيها .

۳۶۶الأصْلُ:لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سَوءاً وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلاً .

.


1) .أسْرَى : جمع أسير . والرّغبة : الطمع . أقصروا : كفّوا . المعرّج : المائل إليها ، أو المعوّل عليها . يروعه : يفزعه . الحدثان : المصائب والخطوب . الضِّراية : اللهج بالشيء والولوع به .

۳۶۷. إذا كانت لك إلى اللّه سبحانه

الشّرْحُ:قال الشاعر : إذا ما أتتْ من صاحِبٍ لك زَلّةٌفكنْ أنت مُحْتالاً لزَلّته عُذرَا

۳۶۷الأصْلُ:إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه و آله ، ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ ؛ فَإِنَّ اللّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ ، فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ الْأُخْرَى .

الشّرْحُ:هذا الكلام على حَسَب الظّاهر الذي يَتعَارفُه الناس بينَهم ، وهو عليه السلام يسلُك هذا المسلَك كثيرا ، ويُخاطِب الناسَ على قَدْر عُقولهم ، وأمّا باطنُ الأمر فإنّ اللّه تعالى لا يُصلِّي على النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم لأجل دُعائِنا إيّاه أن يصلّيَ عليه ، لأنّ معنى قولنا : اللهمّ صلّ على محمد ، أي أكرِمْه ، وارفَعْ درجَتَه ، واللّه سبحانه قد قضَى له بالإكرام التامّ ورِفْعَةِ الدّرجة من دُون دعائِنا ، وإنّما تَعبّدنا نحن بأن نُصَلِّي عليه لأنّ لنا ثواباً في ذلك ، لا لأنّ إكرامَ اللّه تعالى له أمرٌ يَستعقبُه ويستِتبُعه دعاؤنا ۱ . وأيضا فأيُّ غَضاضةٍ على الكريم إذا سُئِل حاجَتَين فَقَضى إحداهما

.

۳۶۸. من ضنَّ بعرضه فليدع المراء

۳۶۹. من الخرق المعاجلة

دونَ الأُخرى ، إنْ كان عليه في ذلك غَضاضةٌ فعليه في رَدّ الحاجة الواحدة غَضاضةٌ أيضا .

۳۶۸الأصْلُ:مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ الْمِرَاءَ .

الشّرْحُ:قد تقدَّم من القولِ في المِراء مافيه كفاية ، وحدُّ المِراءِ الجِدالُ المتّصِل لا يُقصَد به الحقّ . وكان يقال : ما ضَلّ قومٌ بعدَ إذْ هدَاهم اللّهُ تعالى إلاّ بالمراء والإصرارِ في الجِدال على نُصْرة الباطل .

۳۶۹الأصْلُ:مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الإِمْكَانِ ، وَالْأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في هذين المَعْنَييْن . ومن كلامِ ابنِ المعتزّ : إهمالُ الفُرْصة حتّى تَفوتَ عجز ، والعَجَلَة قبل التمكُّن خرْق .

.

۳۷۰. لا تسأل عمّا لم يكن

۳۷۱. الفكر مرآةٌ صافية

وقد جَعَل أميرُ المؤمنين عليه السلام كِلْتا الحالتين خُرْقاً ؛ وهو صَحِيح ؛ لأنّ الخُرْق الحُمقْ ، وقلّة العقل ، وكلتا الحالتين دليلٌ على الحُمق والنَّقْص .

۳۷۰الأصْلُ:لاَ تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ ، فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ .

الشّرْحُ:من هذا الباب قولُ أبي الطَّيِّب في سَيْف الدولة : ليسَ المدائحُ تَستوفِي مَناقِبَهُفمَنْ كُلَيبٌ وأهلُ الأعْصُر الأُوَلِ! خُذْ ما تَرَاه ودَعْ شيئا سمعتَ بهفي طلعةِ البدرِ ما يُغنيكَ عن زُحَلِ [ ديوانه ۳ : ۸۱ ] [ والمعنى : لا تتمنَّ من الأُمور بعيدها فكفاك من قريبها ما يشغلك ] .

۳۷۱الأصْلُ:الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ ، وَالاْعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ ، وَكَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ (1).

.


1) .الفكر : العقل السليم . الاعتبار : الاتعاظ بما يحصل من حوادث الدهر .

۳۷۲. العلم مقرونٌ بالعمل

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في نحو هذا . وفي المَثَل : كَفَى بالاعتبار منذرا ، وكفى بالشَّيب زاجرا ، وكفى بالموتِ واعِظاً ، وقد سَبَق القولُ في وُجوب تَجنُّب الإنسانِ ما يَكرَهه من غيره . وقال بعضُ الحكماء : إذا أحببتَ أخلاقَ امرئٍ فكُنْه ، وإن أبغَضْتَها فلا تَكُنْه .

۳۷۲الأصْلُ:الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلاَّ ارْتَحَلَ عَنْهُ .

الشّرْحُ:لا خيرَ في عِلمٍ بلا عَمَل ، والعِلْم بغير العَمَل حُجَّةٌ على صاحبه ، وكلامُ أمير المؤمنين عليه السلام يُشعِر بأنّه لا عالِم إلاّ وهو عامِل ، ومُرادُه بالعلم هاهنا العِرْفان ؛ ولا رَيْبَ أن العارف لابدّ أن يكون عاملاً . ثم استأنف فقال : العِلمُ يهتف بالعَمَل أي يُنادِيه ، وهذه اللّفظة استعارة . قال : فإن أجابَه وإلاّ ارتحل ، أي إن كان الإنسانُ عالما بالأمور الدّينيّة ثمّ لم يَعمَل بها سَلَبه اللّه تعالى عِلْمَه ، ولم يَمُتْ إلاّ وهو معدود في زُمْرة الجاهلين ، ويُمكِن أن يفسَّر على أنّه أراد بقوله : ارتَحَل ارتحَلَتْ ثَمَرتُه ونتيجتُه ، وهي الثّواب ، فإنّ اللّه تعالى لا يُثِيب المكلَّف على عِلمِه بالشّرائع إذا لم يَعمَل بها ، لأنّ إخلالَه بالعَمَل يُحبِط ما يستحِقّه مِن ثواب العِلم لو قَدّرنا أنّه استَحَقّ على العِلم ثواباً ، وأتَى به على الشّرائط الّتي معها يستحقّ الثواب .

.

۳۷۳. أيّها النّاس متاع الدّنيا

۳۷۳الأصْلُ:أَيُّهَا النَّاسُ ، مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِئٌ ، فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاةً قُلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأنِينَتِهَا ، وَبُلْغَتُهَا أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا . حُكِمَ عَلَى مُكْثِريها بِالْفَاقَةِ ، وَأُعِينَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالَّراحَةِ ، مَنْ رَاقَةُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً ، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بِهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً ، لَهُنَّ رَقْصٌ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ ، هَمٌّ يَشْغَلُهُ ، وَغَمُّ يَحْزُنُهُ ، كَذلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ ، مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ ، هَيِّناً عَلى اللّهِ فَناؤُهُ ، وَعَلَى الاْءِخْوَانِ إِلْقَاؤهُ . وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الدُّنْيَا بَعَيْنِ الاْعْتِبَارِ ، وَيَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ الاِضْطِرَارِ ، وَيَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ الْمَقْتِ وَالاْءِبْغَاض ، إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى ! وَإِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ ! هذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ .

الشّرْحُ:مَتاعُ الدنيا : أموالها وقُنْيَاتُها . والحُطام : ما تكسَّر من الحشيش واليَبَس ، وشَبَّه متاع الدنيا بذلك لحقَارته . ومُوبئ : مُحدث للوباء ، وهو المَرَض العامّ . ومَرْعاة : بقعةٌ تُرعى ، كقولك : مَأسَدة ، فيها الأسد ، ومُحياة ، فيها الحَيّات . وقلْعتها بسكون اللام ، خيرٌ من طمأنينتها ، أي كون الإنسان فيها منزعجا متهيّئا . للرّحيل عنها خيرٌ له من أن يكون ساكنا إليها ، مطمئنّا بالمُقام فيها . والبُلْغة : ما يتبلَّغ به . والثّروة : اليسار والغِنَى ، وإنما حُكِم على مُكثريها بالفاقة والفَقْر ؛ لأنّهم لا ينتهون إلى حَدٍّ من الثروة والمال إلاّ وجدّوا واجتَهدوا ، وحَرَصوا في طلب الزّيادة عليه ، فهمْ في كلّ أحوالهم فقراءُ إلى تحصيل المال ، كما أنّ من لا مال له أصلاً يَجدّ ويجتهد في تحصيل المال ، بل ربما كان جدُّهم وحِرْصُهم على ذلك أعظَم من كَدْح الفقير وحرصه ، ورُوي : «وأُعين من غَنِيَ عنها» ، ومن رواه : « أَغْنَى» ، أي أغْنَى اللّهُ ، من غَنِي عنها وزَهِد فيها بالراحة وخلوّ البال وعدم الهمّ والغمّ . والزِّبْرِج : الزّينة ، وراقه : أعجَبَه . والكَمَه :

.

۳۷۴. إنّ اللّه سبحانه وضع الثواب

العمى الشديد ، وقيل : هو أن يولد أعمى . والأشْجان : الأحْزان . والرّقَصُ بفتح القاف : الاضطراب والغلَيَان والحَرَكة . والكظَم بفتح الظاء : مجرى النَّفَس . والأبْهران : عِرْقان متّصلان بالقلب ؛ ويقال للميّت : قد انقطَع أبهرَاه . قوله : «وإنما ينظُر المؤمن» ، إخْبارٌ في الصورة ، وأمْرٌ في المعنى ، أي لينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار ، ولْيأكُل منها ببطن الاضطرار ، أي قَدْر الضرورة ، لا احتكار أو استكثار ، ولْيَسْمع حديثَها بأُذُن المَقْت والبُغْض ، أي ليتّخذها عدُوّاً قد صاحَبَه في طريق ، فلْيأخذ حِذْرَه منه جُهْده وطاقته ، ولْيَسْمَع كلامه وحديثه لا استماع مُصْغ ومحِبّ وامِق ، بل استماع مُبغِض محترز مِن غائِلتهِ . ثم عاد إلى وصفِ الدنيا وطالبها فقال : إنْ قيل أثْرَى قيل : أكْدَى ، وفاعِلُ « أثْرَى» هو الضّمير العائد إلى مَن استشعر الشَّغَف بها . يقول : بينا يقال : أَثرَى ، قيل : افتقر ، لأنّ هذه صِفة الدنيا في تقلبها بأهلها ، وإن فرح له بالحياة ودوامِها ، قيل : مات وعَدِم ، هذا ولم يأتهم يومَ القيامة يومٌ هم فيه مُبْلِسون ، أبلس الرجلُ يُبلِسُ إبْلاساً أي قَنِط ويئس ، واللّفظ من لَفظات الكتاب العزيز .

۳۷۴الأصْلُ:إِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَالْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ ، وَحِيَاشَةً لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ .

الشّرْحُ:ذِيادة ، أي دَفْعاً ذُدْتُه عن كذا ، أي دَفعته ورددته . وحياشةً مصدر حُشْتُ الصّيد بضم الحاء ، أَحوشُه ، إذا جئته من حوالَيه لتَصرِفه إلى الحِبالة ، وكذلك أحشْتُ الصيد وأحْوَشْتُه ، وقد احتوش القومُ الصيد إذا نفّره بعضهم إلى بعض . وهذا هو مذهب أصحابنا ، إن اللّه تعالى لما كلّف العباد التكاليف الشاقّة ، وقد كان يمكنه

.

۳۷۵. يأتي على الناس زمانٌ

أن يجعلها غير شاقّة عليهم بأن يزيد في قَدْرهم ، وجب أن يكون في مقابلة تلك التكاليف ثواب ؛ لأنّ إلزام المشاق كإنزال المَشاقّ ، فكما يتضمن ذلك عوض ، وجب أن يتضمّن هذا ثوابا ، ولابد أن يكون في مقابلة فعل القبيح عِقاب ، وإلاّ كان سبحانه ممكّنا الإنسان من القبيح ، مغرِيا له بفعله ، إذ الطبع البشري يهوى العاجل ، ولا يَحفِل بالذمّ ، ولا يكون القبيح قبيحا حينئذٍ في العقل ، فلابدّ من العقاب ليقع الانزجار .

۳۷۵الأصْلُ:يَأْتِي عَلَى النَّاس زَمَانٌ لاَ يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ رَسْمُهُ ، وَمِنَ الاْءِسْلاَمِ إِلاَّ اسْمُهُ ، وَمَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ ، خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى ، سُكَّانُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْض ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ ، وَإِلَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ ؛ يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا ، وَيَسُوقُونَ مَنْ تأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا . يَقُولُ اللّهُ سُبْحَانَهُ : فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولئِكَ فِتْنَةً أترُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ . وَقَدْ فَعَلَ ، وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللّهَ عَثْرَةَ الْغَفْلَةِ .

الشّرْحُ:هذه صفةُ حالِ أهلِ الضّلال والفِسق والرِّياء من هذه الأُمّة ، ألا تراه يقول : سُكّانها وعُمّارها ، يعني سكّان المساجد ، وعمّار المساجد شرّ أهل الأرض ؛ لأنهم أهل ضلالة كمن يَسكن المساجد الآن ممّن يعتقد التجسم والتشبيه والصّورة والنّزول والصعود والأعضاء والجوارح، ومن يقول بالقَدَر يُضِيف فعل الكُفْر والجهل والقبيح إلى اللّه تعالى ، فكل هؤلاء أهل فتنة ، يردُّون من خرج منها إليها ، ويسوقون من لم يدخل فيها إليها أيضا . ثم قال حاكياً عن اللّه تعالى : إنه حلف بنفسه ليبعثنّ على أولئك فتنةً ، يعني استئصالاً وسيفاً حاصداً يترك الحليمَ أي العاقل اللّبيب فيها حيران لا يعلم كيف وجهُ خَلاصه . ثم قال عليه السلام : وقد فعل . وينبغي أن يكون قد قال هذا الكلام في أيام خلافته ، لأنّها كانت

.

۳۷۶. أيّها النّاس ، اتّقوا اللّه

أيام السيف المسلط على أهل الضلال من المسلمين ، وكذلك ما بعثه اللّه تعالى على بني أُميّة وأتباعهم من سيوف بني هاشم بعد انتقاله عليه السلام .

۳۷۶الأصْلُ:ورُوي أَنَّه عليه السلام قَلَّما اعتَدلَ به المنبرُ إِلاّ قال أَمامَ خطبتِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، اتَّقُوا اللّهَ ، فَمَا خُلِقَ امْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ ، وَلاَ تُرِكَ سُدىً فَيَلْغُوَ وَمَا دُنْيَاهُ الَّتي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ الآخِرَةِ الَّتي قَبَّحَها سُوءُ النَّظَرِ عِنْدَهُ ، وَمَا الْمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالاْخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الاْخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ (1).

الشّرْحُ:قال تعالى : «أفَحَسِبْتُمْ أنّما خَلَقْنَاكُم عَبثا وأنّكم إلينا لا تُرجَعون» (2). ومن الكلمات النبويّة : إنّ المرء لم يُترَك سُدىً ، ولم يُخلق عَبَثاً . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنّ مَن ظَفِر من الدنيا بأعلى وأعظم أمنيّة ليس كآخَرَ ظِفر من الآخرة بأدْوَن درجات أهلِ الثواب ، لا مناسبة ولا قياسَ بين نعيم الدنيا والآخرة . وفي قوله عليه السلام : «الّتي قبحها سوء المنظَر عندَه» تصريحٌ بمذهب أصحابنا أهلِ العدل رحمهم اللّه ، وهو أنّ الإنسان هو الذي أضلّ نفسَه لسوء نظرِه ، ولو كان اللّه تعالى هو الذي أضلّه لما قال : قبّحها سوء النظر عنده .

.


1) .لها : تلهى بلذاته ، واللهو : اللعب . اللغو : ما لا فائدة فيه . خَلَفَ : ما يخلف الشيء ويأتي بعده . ظفر : فاز . السُّهمة ـ بالضم ـ : النصيب . وأدنى حظّ الآخرة أفضل من أعلاه في الدنيا .

2) .سورة المؤمنين ۱۱۵ .

۳۷۷. لا شرف أعلى من الإسلام

۳۷۸. يا جابر ، قوام الدين والدنيا

۳۷۷الأصْلُ:لاَ شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الاْءِسْلاَمِ ، وَلاَ عِزَّ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى ، وَلاَ مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ الْوَرَعِ ، وَلاَ شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ ، وَلاَ كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ ، وَلاَ مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَى بِالْقُوتِ . وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ ، وَتَبَوَّأَ خَفْضَ الدَّعَةِ . وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ ، وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ ، وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ ، وَالشَّرُّ جَامِعٌ لِمَساوي الْعُيُوبِ (1).

الشّرْحُ:كلّ هذه المعاني قد سبق القولُ فيها مرارا شتَّى ؛ نأتي كلّ مرّة بما لم نأت به فيما تقدّم ، وإنّما يكرّرها أميرُ المؤمنين عليه السلام لإقامة الحجّة على المكلّفين ، كما يكرّر اللّهُ سبحانه في القرآن المواعظَ والزواجر .

۳۷۸الأصْلُ:وقال عليه السلام : لجابر بن عبد اللّه الأَنصاريّ : يَا جَابِرُ ، قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ : عَالِمٍ يَسْتَعْمِلُ عِلْمَهُ ، وَجَاهِلٍ لاَ يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ، وَجَوَادٍ لاَ يَبخَلُ بِمَعْرُوفِهِ ، وَفَقِيرٍ لاَ يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ ؛ فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ، وَإِذا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ .

.


1) .المعقل : الملجأ . الفاقة : الحاجة . البلغة : ما يتبلّغ به الإنسان ، أي يكفيه الكفاف قدر الحاجة . انتظم الراحة : ظفر بالراحة . الخفض : السعة . الرغبة : الطمع . النصب : التعب . التقحم : الدخول بقوة .

يَا جَابِرُ ، مَنْ كَثُرَتْ نِعَمةُ اللّهِ عَلَيْهِ ، كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاس إِلَيْهِ ، فَمَنْ قَامَ بِمَا يَجِبُ للّه فِيهَا عَرَّضَ نِعمَةَ اللّهِ لِدَوَامِهَا ، وَمَنْ ضَيَّعَ مَا يَجِبُ للّهِِ فِيها عَرَّضَ نِعْمَتَهُ لِزَوَالِها .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في هذه المعاني . والحاصل أنّه رَبط اثنتين من أربعة إحداهما بالأخرى ، وكذلك جعل في الاثنتين الآخرتين ، فقال : إنّ قوام الدِّين والدنيا بأربعة : عالمٍ يستعمل علمَه ، يعني يَعمَل ولا يقتصِر على أن يعلم فقط ولا يَعمَل ، وجاهل لا يستنكِف أن يتعلّم ، وأضرُّ ما على الجهلاء الاستنكاف من التعلّم ؛ فإنهم يستمرّون على الجهالة إلى الموت ، والثالث جَواد لا يَبخل بالمعروف ، والرابع فقير لا يبيع آخرته بدنياه ، أي لا يَسرق ، ولا يَقطع الطّريق ، أو يكتسب الرزق من حيث لا يحبّه اللّه ، كالقِمار ، والمواخير ، والمزاجر ، والمآصر ، ونحوها . ثم قال : فالثانية مرتبطة بالأُولى إذا لم يستعمل العالم علمَه استنكف الجاهلُ من التّعلم ، وذلك لأنّ الجاهل إذا رأى العالم يعصي ويجاهِر اللّه بالفسق زهِد في التعلّم ؛ وقال : لماذا تعلُّمُ العلم إذا كانتْ ثمرته الفسق والمعصية . ثم قال : والرابعة مرتبطة بالثالثة ، إذا بخل الغَنيّ بمعروفه ، باع الفقيرُ آخرته بدنياه ، وذلك لأنّه إذا عدم الفقير المواساة مع حاجته إلى القُوت دعتْه الضّرورة إلى الدخول في الحرام ، والاكتساب من حيث لا يحسنُ ، ويَنبغي أن يكون عوض لفظة جواد لفظة غنيّ ليطابق أوّل الكلام آخره ، إلاّ أنّ الرواية هكذا وردتْ ، وجواد لا يبخل بمعروفهِ ، وفي ضمير اللّفظ كون ذلك الجواد غنيّا لأنّه قد جعل له معروفا والمعروف لا يكون إلاّ عن ظهر غِنىً ؛ وباقي الفصل قد سبق شرحُ أمثاله .

۳۷۹الأصْلُ:وروى ابن جرير الطبري في تاريخه ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه - وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث - أنه قال فيما كان يحضّ به الناس على الجهاد : إني سمعت علياً رفع اللّه درجته في الصالحين ، وأثابه ثواب الشهداء وَالصدّيقين ، يقول يوم لقينا أهل الشام :

.

۳۷۹. أيّها المؤمنون ، إنّه من رأى

۳۸۰. فمنهم المنكر للمنكر بيده

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ ، وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ ؛ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبهِ ؛ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى ، فَذلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبيلَ الْهُدَى ، وَقَامَ عَلَى الطَّريق ، وَنُوِّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ (1).

الشّرْحُ:وقد ذكرْنا فيما تقدّم ، وسنذكر فيما بعدُ من هذا المعنى ما يجب . وكان النهيُ عن المنكَر معروفا في العرب في جاهليّتها ؛ كان في قريش حِلْف الفُضول ، تحالفتْ قبائلُ منها على أن يَردَعُوا الظالم ، ويَنصُروا المظلوم ، ويردّوا عليه حقَّه ما بلَّ بحرٌ صوفة ، وقد ذكرنا فيما تقدّم .

۳۸۰الأصْلُ:وقال عليه السلام في كلام آخر له يجري هذا المجرى : فَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ للْمُنْكَرِ بيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبهِ ، فَذَلِكَ الْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الْخَيْرِ ؛ وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ ، فَذلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ ، وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةً ؛ وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ ، وَالتَّارِكُ بيَدِهِ وَلِسَانِهِ ، فَذلِكَ الَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّـلاَثِ ، وَتَمَسَّكَ بوَاحِدَةٍ ؛ وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لاِءِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ ، فَذلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ ؛ وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلاَّ كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ، وَإِنَّ الْأَمْرَ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ

.


1) .العدوان : الظلم . أنكر المنكر : عابه ونهى عنه . برئ ، أي برئ من الإثم وسلم من العقاب إن كان عاجزا . أُجِر : أُثيب . أصاب : أدرك .

عَنِ الْمُنْكَرِ لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ ، وَلاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إمَامٍ جَائِرٍ .

الشّرْحُ:قد سبق قولُنا في الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر ، وهو أحد الأُصول الخمسة عند أصحابنا . ولجَّة الماء : أعظَمُه . وبحرٌ لُجِّيّ : ذو ماء عظيم . والنّفْثَة : الفَعلة الواحدة ، من نَفَثْت الماء من فمي ، أي قذَفته بِقوّة . قال عليه السلام : لا يعتقدنّ أحدٌ أنّه إنْ أمرَ ظالماً بمعروف ، أو نهى ظالماً عن منكَر ، أنّ ذلك يكون سببا لقتل ذلك الظالم المأمور أو المنهيّ إيّاه ، أو يكون سببا لقطع رزقه من جهته ، فإنّ اللّه تعالى قدّر الأجل ، وقضى الرِّزق ، ولا سبيلَ لأحد أن يَقطَع على أحد عمرَه أو رزقَه . وهذا الكلام ينبغي أن يُحمَل على أنّه حثّ وحضّ وتحريض على النّهي عن المنكر والأمر بالمعروف ، ولا يُحمَل على ظاهرِه ؛ لأنّ الإنسان لا يجوز أن يُلْقِيَ بنفسِه إلى التَّهلُكة ، معتمِدا على أنّ الأجل مقدَّر ، وأن الرِّزق مقسوم ، وأنّ الإنسان مَتى غلب على ظنّه أنّ الظالم يقتله ويقيم على ذلك المنكر ، ويضيف إليه منكرا آخَر لم يَجُزْ له الإنكار . فأمّا كلمة العدل عند الإمام الجائر فنحو ما رُوِيَ أنّ زيدَ بن أرقَم رأى عبيد اللّه بن زياد ـ ويقال : بل يزِيد بن معاوية ـ يَضرِب بقضيبٍ في يده ثَنايَا الحُسين عليه السلام حيث حمِل إليه رأسُه ، فقال له : إيها ! ارْفَع يدَك ؛ فطالَما رأيتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه و آله وسلميقبّلها! فأمّا قولُه عليه السلام : «ومنهم المنكِر بلسانِه وقلبِه ، والتارِكُ بيَدِه ، فذلك متمسِّك بخصْلتين من خصال الخير ، ومضيِّع خَصْلة» ، فإنّه يَعنِي به من يَعجِز عن الإنكار باليد لمانع ، لأنّه لم يُخرِج هذا الكلامَ مخرج الذمّ ، ولو كان لم يَعِن العاجز لَوَجبَ أن يخرج الكلام مَخرَج الذمّ ، لأنّه ليس بمعذور في أن يُنكِر بقلبه ولسانه إذا أخلّ بالإنكار باليد مع القدرة على ذلك ، وارتفاع الموانع . وأمّا قوله : «ضيّع أشرف الخصلتين» فاللاّم زائدة ، وأصلُه «ضيّع أشرَفَ خَصْلتين من الثّلاث » ، لأنّه لا وجهَ لتعريف المعهود هاهنا في الخَصْلتين ، بل تعريف الثّلاث باللاّم أولَى ؛ ويجوز حذفُها من الثّلاث ، ولكن إثباتَها أحسَن ، كما تقول : قلتُ أشرفَ رجلين من الرّجال الثلاثة . وأمّا قوله : «فذلك ميّت الأحياء» ، فهو نهاية ما يكون من الذمّ .

.

۳۸۱. أوّل ما تغلبون عليه

۳۸۲. إنّ الحقّ ثقيلٌ مريءٌ

۳۸۱الأصْلُ:وروى أبو جُحَيْفَةَ قال : سَمعتُ أَميرَ المؤْمنينَ عليه السلام يقولُ : أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ، ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ ؛ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَلَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً ، قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ ، وَأَسَفَلُهُ أَعْلاَهُ .

الشّرْحُ:إنّما قال ذلك لأنّ الإنكار بالقَلْب آخِرُ المراتب ؛ وهو الّذي لابدّ منه على كلّ حال ، فأمّا الإنكار باللّسان وباليد فقد يكون منهما بُدٌّ ، وعنهما عُذْر ، فمن تَرَك النهيَ عن المنكَر بقلبه ، والأمرَ بالمعروف بقلبه ، فقد سَخِط اللّهُ عليه لعصيانه ، فصار كالممسوخ الّذي يَجعَل اللّه تعالى أعلاه أسفَله ، وأسفَله أعلاه تشويها لِخلقته .

۳۸۲الأصْلُ:إِنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ (1).

الشّرْحُ:تقول : مرُؤَ الطّعام بالضّم ، يَمرُؤ مَراءة فهو مَرِيءٌ على «فَعِيل» مثل خفيف وثقيل ، وقد جاء مَرِيء الطّعام بالكَسر ، كما قالوا فَقِه الرجُل وفَقُه . ووَبئ البلد بالكسر يَؤبَأ وبَاءَة فهو وَبيءٌ على «فعيل» أيضا ، ويجوز فهو وَبِئٌ على «فَعِل» مثل حَذِر وأَشِر .

.


1) .مَرؤَ الطعام : أي صار هنيئاً حميد العاقبة . الوبيء : الوخيم العاقبة .

۳۸۳. لا تأمننّ على خير هذه الأُمّة

۳۸۴. البخل جامع لمساوئ العيوب

يقول عليه السلام : الحقّ وإن كان ثقيلاً إلاّ أن عاقبته محمودة ، ومَغَبّته صالحة ، والباطلُ وإن كان خفيفا إلاّ أنّ عاقبته مذمومة ، ومَغَبّته غير صالحة ، فلا يحملنّ أحدَكم حلاوةُ عاجلِ الباطل على فعله ، فلا خَير في لذّة قليلة عاجلة ، يتعقّبها مضارُّ عظيمةٌ آجلة ، ولا يَصرِفنّ أحدَكم عن الحق ثِقلُه فإنّه سيَحمَد عُقبَى ذلك ، كما يَحمَد شاربُ الدّواء المُرّ شُرْبه فيما بعدُ إذا وَجَد لذّةَ العافية .

۳۸۳الأصْلُ:لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ اللّهِ ، لِقَوْلِهِ سبحانه وتَعَالَى : «فَـلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ» وَلاَ تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللّهِ تَعَالَى ، «إِنَّهُ لاَ يَيْأْسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» (1).

الشّرْحُ:هذا كلامٌ ينبغي أن يُحمَل على أنّه أراد عليه السلام النّهيَ عن القطع على مغيب أحدٍ من النّاس ، وأنّه لا يجوز لأحد أن يقول : فلان قد نجا ، ووجبتْ له الجنّة ، ولا فلان قد هَلَك ووجبتْ له النار ، وهذا القول حقّ ، لأنّ الأعمال الصالحة لا يُحكَم لصاحبها بالجنّة إلاّ بسلامة العاقبة ، وكذلك الأعمال السيّئة لا يُحكَم لصاحبها بالنّار إلاّ إنْ مات عليها .

۳۸۴الأصْلُ:الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ ، وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ .

.


1) .سورة يوسف ۸۷ .

۳۸۵. يابن آدم الرزق رزقان :

۳۸۶. رُبَّ مستقبل يوماً

الشّرْحُ:قد تقدّم القول في البخل والشّحّ . ونحن نذكر هاهنا زيادات أُخرى . قال عليه السلام : « لا يجتمع شحّ وإيمانٌ في قلب أبداً » ، فأمّا الجود فإنّه محمود على جميع ألسنة العالم ، ولهذا قيل : كفى بالجود مدحا أنّ اسمَه مطلَقا لا يقع إلاّ في حَمْد ، وكَفَى بالبخل ذَمّا أن اسمه مطلقا لا يقع [إلاّ] في ذم .

۳۸۵الأصْلُ:يَابْنَ آدَم ، الرِّزْقُ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ . فَـلاَ تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ ، كَفَاكَ كُلُّ يَوْمٍ مَا فِيهِ ؛ فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اللّهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ فِيَما لَيْسَ لَكَ ؟ وَلَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ ، وَلَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ .

قال [الرضيّ] : وقدْ مَضَى هذا الكلامُ فيما تقدَّمَ مِنْ هذا البابِ ، إلاّ أنّه ها هنا أوضحُ وأشرحُ ، فلذلكَ كرّرنَاه على القاعدةِ المقرّرةِ في أوّلِ هذَا الْكتابِ .

۳۸۶الأصْلُ:رُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ ، وَمَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ ، قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ (1).

.


1) .المغبوط : المنظور إلى نعمته ، فقد يكون المرء كذلك في أوّل اللّيل فيموت في آخره فتقوم بواكيه ، جمع باكية .

۳۸۷. الكلام في وثاقك

۳۸۸. لا تقل ما لا تعلم

الشّرْحُ:مثلُ هذا قولُ الشاعر : يا راقدَ الليل مسرورا بأوَّلهإنَّ الحوادث قد يَطرُقن أسحارا ومِثلُه : لا يَغُرّنك عِشاءُ ساكنٌقد يُوافي بالمَنيَّات السَّحَرْ

۳۸۷الأصْلُ:الْكَـلاَمُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ ؛ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ ، فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ ؛ فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً (1).

الشّرْحُ:قد تقدم القولُ في مدح الصّمت وذمِّ الكلام الكثير . وكان يقال : لا خير في الحياة إلاّ لصَمُوت واعٍ ، أو ناطق مُحسِن . وقيل لحذيفة : قد أطلتَ سجن لسانِك ! فقال : لأنّه غيرُ مأمون إذا أُطلِق .

۳۸۸الأصْلُ:لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ ، بَلْ لاَتَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ ، فَإِنَّ اللّهَ سُبحانَه قد فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ

.


1) .الوَثاق : ما يشدّ به ويربط . الوَرِق : الفضّة . والمعنى : أنك تملك كلامك قبل أن يصدر منك ، وليس لأحد حق عليك ؛ فإذا تكلّمتَ به صرتَ في وثاقه ومملوكاً له . وربما صدَرتْ منكَ كلمةً سلبتْ منك نعمتكَ ورزقكَ ، وربما جرّت عليك المصائب .

۳۸۹. إحذر أن يراك اللّه عند معصيته

۳۹۰. الرّكون إلى الدنيا

كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

الشّرْحُ:هذَا نَهيٌ عن الكذب، وأن تقول ما لا تَأمَن من كونه كَذِباً، فإنّ الأمرين كِليْهما قبيحان عَقْلاً عند أصحابنا.

۳۸۹الأصْلُ:احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللّهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ ؛ وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ ، فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ؛ وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللّهِ ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللّهِ .

الشّرْحُ:مَن علم يقيناً أنّ اللّه تعالى يراه عند معصيته ، كان أجْدَرَ الناس أن يجتنبَها ؛ كما إذا علمْنا يقيناً أنَّ الملك يرى الواحد منّا وهو يراود جاريتَه عن نفسها ، أو يحادث ولده ليفجُر به ، ولكنّ اليقين في البَشَرِ ضعيفٌ جدّا ، أو أنّهم أحمقُ الحيوان وأجهَلُه وبحقّ أقول : إنهم إن اعتقدوا ذلك اعتقادا لا يخالطه الشكّ ، ثم واقعوا المعصية ، وعندهم عقيدة أُخرى ثابتة أنّ العقاب لاحِقٌ بمن عصى ، فإن الإبلَ والبقرَ أقربُ إلى الرَّشاد منهم . وأقول : إنّ الذي جرّأ الناسَ على المعصية الطمعُ في المغفرة ، والعفو العامّ وقولهم : الحلم والكرم والصّفح من أخلاق ذويالنَّباهة والفَضْل من الناسِ، فكيف لا يكون من الباريسبحانه عفوٌعن الذّنوب!

۳۹۰الأصْلُ:الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ مِنْهَا جَهْلٌ ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ الْعَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ

.

۳۹۱. من هوان الدّنيا على اللّه أنّه

۳۹۲. من أبطأ به عمله لم يسرع

بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ ، وَالطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الاْخْتِبَارِ لَهُ عَجْزٌ .

الشّرْحُ:قد تقدّم الكلام في الدّنيا وحُمق من يَركَن إليها مع معاينة غدرِها ، وقلّة وفائها ونقِضها عهودَها ، وقتِلها عُشّاقها . ولا ريبَ أنّ الغَبْن وأعظمُ الغَبْن هو التّقصير في الطاعة مع يقين الثواب عليها ، وأمّا الطمأنينة إلى مَنْ لم يعرف ولم يختبرْ فإنها عجز ـ كما قال عليه السلام ـ يَعني عجزا في العقل والرأي ، فإن الوثوق مع التجربة فيه ما فيه ، فكيف قبل التجربة!

۳۹۱الأصْلُ:مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللّهِ أَنَّهُ لاَ يُعْصَى إِلاَّ فِيهَا ، وَلاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِتَرْكِهَا .

الشّرْحُ:هذا الكلام نسبَه الغَزاليّ في كتاب ( إحياء علوم الدين ) إلى أبي الدَّرداء ، والصحيح أنّه من كلام عليٍّ عليه السلام ، ذكَرَه شيخُنا أبو عثمانَ الجاحظ في غير موضع من كُتُبه ، وهو أعرَف بكلام الرجال . وقد تقدّم من كلامنا في حال الدنيا وهَوانِها على اللّه واغترارِ الناس بها وغدْرِها بهم ، وذَمِّ العقلاء لها ، وتحذير منها مافيه كفاية . يقال : إنّ في بعض كتب اللّه القديمة : الدّنيا غنيمة الأكياس ، وغفلة الجُهّال ، لم يَعْرِفوها حتّى خرجوا منها ، فسألوا الرَّجعة فلم يَرجِعوا .

۳۹۲الأصْلُ:مَنْ أَبْطَأ بِهِ عَمَلُهُ ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ .

.

۳۹۳. من طلب شيئاً ناله أو بعضه

۳۹۴. ما خيرٌ بخيرٍ بعده النّار

وفي رِوَايةٍ أُخْرَى : مَنْ فاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ ، لَمْ يَنفَعْهُ حَسَبُ آبائِهِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم مِثلُ هذا ، وقد ذكرنا ما عندَنا فيه ، وقال الشاعر : لئن فخرتَ بآباءٍ ذَوِي حَسَبٍلقد صدقتَ ولكنْ بئس ما وَلَدُوا وكان يقال : أجهَل الناس من افتخر بالعظام البالية ، وتبجّح بالقرون الماضية ، واتّكل على الأيام الخالية . وكان يقال : من طريف الأُمور حَيٌّ يتّكل على ميّت .

۳۹۳الأصْلُ:مَنْ طَلَبَ شَيْئا نالَهُ أوْ بَعْضَهُ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولهم : مَنْ طلبَ وَجَدّ وجَد .

۳۹۴الأصْلُ:مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ ، وَمَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ ، وَكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْقُورٌ ، وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ (1).

.


1) .كلّ ما يؤدي إلى الجنّة ورحمة اللّه فهو خير ، وكلّ ما يؤدي إلى النار وغضب الجبار فهو شرّ .

۳۹۵. ألا وإنّ من البلاء الفاقة

۳۹۶. للمؤمن ثلاثة ساعات

الشّرْحُ:موضع «بعده النار» رَفْعٌ ؛ لأنّه صفة «خير» الذي بعد «ما» ، وخير يرفع لأنّه اسمُ ما ، وموضع الجار والمجرور نَصْب لأنّه خبر ما ، والباء زائدةٌ ، مِثلها في قولك : ما أنت بزيد ، كما تزاد فيخبر ليس ، والتقدير ما خيرٌ تتعقبه النار بخير ، كما تقول : ما لذّة تتلوها نغصة بلَذّة .

۳۹۵الأصْلُ:أَلاَ وإِنَّ مِنَ الْبَلاَءِ الْفَاقَةَ ، وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَض الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ ، أَلاَ وَإِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ المالِ ، وأفْضَلُ مِنْ سَعَةِ المالِ صِحَّةُ البَدَنِ ، وَأفْضَلُ من صِحَّةِ الْبَدَنِ تَقْوَى الْقَلْبِ .

الشّرْحُ:تقدّم الكلام في الفاقة والغنى . فأما المرض والعافية ففي الحديث المرفوع : «إليك انتهت الأمانيِّ يا صاحبَ العافية» . فأمّا مَرَض القَلْب وصحّته فالمراد به التّقوى وضدّها .

۳۹۶الأصْلُ:لِلْمُؤْمِنِ ثَـلاَثُ سَاعَات : فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَايشَهُ ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ . وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلاَّ فِي ثَـلاَثٍ : مَرَمَّةٍ لِمَعَاش ، أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ .

.

۳۹۷. ازهد في الدّنيا يبصّرك اللّه

۳۹۸. تكلّموا تعرفوا

الشّرْحُ:تقدير الكلام : يَنبغي أن يكون زمانُ العاقل مقسوما ثلاثةَ أقسام . ويرُمّ معاشَه : يُصلِحه . وشاخصاً : راحلاً . وخطوة في معاد ، يعني في عَمل المَعاد ، وهو العبادة والطّاعة .

۳۹۷الأصْلُ:اِزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اللّهُ عَوْرَاتِهَا ، وَلاَ تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ .

الشّرْحُ:أمَرَه بالزُّهد في الدنيا ، وجعل جزاءَ الشَّرط تبصيرَ اللّه تعالى له عَوْراتِ الدُّنيا ، وهذا حقّ ؛ لأنّ الرّاغب في الدُّنيا عاشقٌ لها ، والعاشق لا يَرَى عيبَ معشوقِه . فإذا زَهِد فيها فقد سَخِطها ، وإذا سخطها أبصَر عيوبَها مُشاهدةً لا رواية . ثمّ نهاه عن الغفلة ، وقال له : إنّك غيرُ مغفول عنك ، فَلا تغفَل أنتَ عن نفسك ، فإنّ أحقّ الناس وأولاهم ألاَّ يَغفل عن نفسه من ليس بمغفولٍ عنه ؛ ومن عليه رقيب شَهيدٌ يناقِشه على الفَتِيل والنَّقِير (1).

۳۹۸الأصْلُ:تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا ، فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ (2).

.


1) .الفتيل : ما يكون في شق النواة ، والنقير : النقرة التي في ظاهر النواة .

2) .الظاهر المراد أن من كان من أهل الفضل والمعرفة ، ووثق من نفسه العلم والسداد في المقال ، فليتكلم بما آتاه اللّه من العلم والمعرفة . وليس المراد مطلق التكلّم فقط ، وقد تقدّم في الحكمة ۱۴۵ « المرء مخبوءٌ تحت لسانه » .

۳۹۹. نعم طيب المسك

۴۰۰. ضع فخرك واحطط كبرك

الشّرْحُ:هذه إحدى كلماته عليه السلام الّتي لا قيمةَ لها ، ولا يقدّر قَدرُها ؛ والمعنى قد تَداوَله الناسُ قال : وكائنْ تَرى مِن صامتٍ لك معجِبٍزيادتُه أو نقصه في التّكلّمِ لسانُ الفَتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُفلم يَبقَ إلاّ صورةُ اللَّحمِ والدّمِ

۳۹۹الأصْلُ:نِعْمَ الطِّيبُ الْمِسْكُ ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ ، عَطِرٌ رِيحُهُ .

الشّرْحُ:كان النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم كثيرَ التطيّب بالمِسك وبغيره من أصناف الطِّيب . وجاء في الخبر الصّحيح عنه : «حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث : الطِّيب ، والنّساء ، وقُرّة عيني في الصّلاة» .

۴۰۰الأصْلُ:ضَعْ فَخْرَكَ ، وَاحْطُطْ كِبْرَكَ ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في العجبْ والكبر والفخر . في الحديث المرفوع : «إنّ اللّه قد أذهب عنكم عيبة الجاهليّة وفخرها بالآباء ، الناسُ لآدم ، وآدمُ من تراب . مؤمن تقيّ ، وفاجرٌ شقيّ ، لينتهين أقوام يتفاخرون برجال إنّما هم

.

۴۰۱. خذ من الدّنيا ما أتاك

۴۰۲. رُبَّ قول أنفذ من صولٍ

فحم من فحم جهنّم أو ليكونن أهوَنَ على اللّه من جُعَلات تدفع النَّتنْ بأنفها» . ومن وصيّته صلى الله عليه و آله وسلم إلى عليّ عليه السلام : «لا فقر أشدّ من الجهل ، ولا وحشة أفحش من العُجْب» . قيل لحكيم : ما الشيء الذي لا يَحسُن أن يقال وإن كان حقاً ؟ فقال : الفخر .

۴۰۱الأصْلُ:خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ ؛ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ .

الشّرْحُ:كان يقال : اجعل الدّنيا كغَرِيم السّوء حَصِّل منه ما يَرضَخ لك به ، ولا تأس على ما دَفَعك عنه ؛ ثمّ قال عليه السلام : فإن لم تفعل فأَجمِلْ في الطّلب ، وهي من الألفاظ النبويّة : «لن تموتَ نفسٌ حتّى تَستكمِل رِزقَها ، فأجمِلوا في الطّلب» .

۴۰۲الأصْلُ:رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ ۱ .

.

۴۰۳. كلُّ مقتصر عليه كاف

۴۰۴. المنية ولا الدّنيّة

الشّرْحُ:قد قيل هذا المعنى كثيراً ، فمنه قولُهم : * والقولُ يَنفذُ ما لاَ تنفُذُ الإبَرُ *

۴۰۳الأصْلُ:كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ .

الشّرْحُ:هذا من باب القناعة ، وإنّ من اقتصر على شيء وقنعتْ به نفسُه فقد كفاه ، وقام مقام الفضول التي يرغَب فيها المُترَفون .

۴۰۴الأصْلُ:الْمَنِيَّةُ وَلاَ الدَّنِيَّةُ ، وَالتَّقَلُّلُ وَلاَ التَّوَسُّلُ (1).

الشّرْحُ:قال الشاعر : لمَصُّ الـثِّـماد وخَرْطُ القَتادِوشربُ الأُجاج أوان الظَمَى على المرء أهوَن من أن يُرَىذليلاً لخلْقٍ إذا أَعدَما وخيرٌ لعينيك من مَنظَرٍإلى ما بأيدي اللّئام العَمَى قلتُ : لحاه اللّه ، هلاّ قال : بأيدي الرّجال!

.


1) .المنيّة : الموت الدنية : العار . التقلل : الاكتفاء بالقليل ، يرضى به الشريف ولا يرضى بالتوسل إلى الناس .

۴۰۵. من لم يُعطَ قاعداً

۴۰۶. الدّهر يومان

۴۰۵الأصْلُ:مَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً ، لَمْ يُعْطَ قَائِماً (1).

الشّرْحُ:مرادُه أن الرزق قد قَسَمه اللّه تعالى ، فمن لم يرزقه قاعدا لم يجب عليه القيام والحركة .

۴۰۶الأصْلُ:الدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ، وَيَوْمٌ عَلَيْكَ؛ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَـلاَ تَبْطَرْ ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فاصْبِرْ!.

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في ذمّ البَطر ومدحِ الصّبر ، ويُحمَل ذمّ البَطَر هاهنا على محملين . أحدهما البَطَر بمعنى الأَشَر ، وشدّة المرح ، بطِر الرجُل بالكسر يَبطَر ، وقد أبطَره المال ، وقالوا : بطر فلانٌ معيشتَه ، كما قالوا : رَشِد فلانٌ أمرَه . والثاني البَطَر بمعنى الحيرة والدَّهش ، أي إذا كان

.


1) .أراد بالقعود الطلب والسعي برفق ، وبالقيام الطلب والسعي بإلحاح وتعسّف . والمعنى إرشاد إلى الرفق في السعي والطلب ، لأنّ من لم يدرك رزقه بهذا الأسلوب ، فسوف لن يرزق بأسلوب الإلحاح .

۴۰۷. إنّ للولد على الوالد حقّاً

۴۰۸. العين حق والرقى حق

الوقت لك فلا تقطعن زمانك بالحيرة والدهش عن شكرِ اللّه ومكافأةِ النّعمة بالطاعة والعبادة . والمحمَل الأوّل أوضَح .

۴۰۷الأصْلُ:إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ حَقّاً ، وَإِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ حَقّاً ، فَحَقُّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ فِي مَعْصِيَةِ اللّهِ سُبْحَانَهُ ، وَحَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ ، وَيُحْسِّنَ أَدَ بَهُ ، وَيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ .

الشّرْحُ:أمّا صدرُ الكلام فمن قول اللّه سبحانه : «أن اشكرْ لي ولوالدَيك إليَّ المصير * وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا» (1). وأمّا تعليم الوالد الولدَ القرآن والأدبَ فمأمور به ، وكذلك القول في تسميته باسم حسن .

۴۰۸الأصْلُ:الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَالرُّقَى حَقٌّ ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ ، وَالْفَأْلُ حَق ، وَالطِّيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقٍّ ، وَالْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقٍّ ، والطِّيبُ نُشْرَةٌ ، وَالْعَسَلُ نُشْرَة ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَةٌ.

.


1) .سورة لقمان ۱۴ ، ۱۵ .

۴۰۹. مقاربة النّاس في أخلاقهم

الشّرْحُ:ويروى : «والغسل نُشرة» بالغين المعجمة ، أي التّطهير بالماء . فأمّا لفظ أمير المؤمنين عليه السلام في قوله : «نَشْرة» ، فإنّ النّشرة في اللغة كالعُوذَة والرُّقْية ، قالوا : نَشّرْت فلاناً تَنْشيراً ، أي رَقَيْتُه وعوّذتُه . وقال الكلابيّ : إذا نشر المَسْفوع فكأنّما أُنشِط من عِقال ، أي يذهب عنه ما به سَرِيعا . وقد عدّ أميرُ المؤمنين عليه السلام أُمورا أربعةً ذكر منها النشرة ، ولم يكن عليه السلام ليقول ذلك إلاّ عن تَوْقيف من رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم .

۴۰۹الأصْلُ:وقال عليه السلام : مُقَارَبَةُ النَّاس فِي أَخْلاَقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ (1).

الشّرْحُ:إلى هذا نَظَر المتنبِّي في قوله : وخَلّةٍ في جليسٍ أتّقيه بهاكَيْما يَرى أنّنا مِثْلان في الوَهَنِ وكِلْمةٍ في طَريق خِفْتُ أُعْرِبُهافيُهتَدَى لي فلم أقدِرْ على اللَّحَنِ

۴۱۰الأصْلُ:وقال عليه السلام : لبعض مخاطبيه ، وقد تكلّم بكلمةٍ يُستصغَرُ مثلُهُ عن قول مِثلها :

.


1) .الغوائل : جمع الغائلة ، أي الشر . المنافرة في الأخلاق والمباعدة فيها مجلبة للعداوات ، ومن عاداه الناس وقع في غوائلهم ، فالمقاربة لهم في أخلاقهم تحفظ المودّة . لكن لا تجوز المصانعة على الباطل ، بل موافقتهم على ما يجيزه الشرع ولا يأباه العقل .

۴۱۰. لقد طرت شكيراً

۴۱۱. من أومأ إلى متفاوت

لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً ، وَهَدَرْتَ سَقْباً .

قال [ الرضيّ ] : الشَّكِيرُ هاهنا : أوّلُ ما ينبُتُ من ريشِ الطائرِ ، قَبلَ أنْ يَقْوى ويَستحْصفَ ، والسَّقْبُ : الصغيرُ من الإبلِ ، ولا يَهدرُ إلاّ بعدَ أنْ يستفحِلَ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولهم : قد زَبَّبَ قبل أن يُحصرم ، ومن أمثال العامّة : يقرأ بالشّواذّ ، وما حفِظ بعدُ جزءَ المفصَّل .

۴۱۱الأصْلُ:وقال عليه السلام : مَنْ أَوْمَأَ إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ الْحِيَلُ (1).

الشّرْحُ:قيل في تفسيره : من استدلّ بالمتشابه من القرآن في التّوحيد والعَدْل انكشفتْ حيلتُه ، فإنّ علماء التّوحيد قد أوضحوا تأويلَ ذلك . وقيل : مَن بَنَى عقيدةً له مخصوصةً على أمرين مختلفين : حقٍّ وباطل ، كان مُبطلاً . وقيل : من أومَأَ بطمَعه وأمَله إلى فائتٍ قد مَضى وانقضى لن تَنفعَه حِيلة ، أي لا يُتبِعنّ أحدُكم أمَله ما قد فاتَه ، وهذا ضعيفٌ ؛ لأنّ المُتفاوت في اللّغة غيرُ الفائت (2).

.


1) .أومأ : أشار ، والمراد طلب وأراد .

2) .المتفاوت : المتباعد أو المتناقض ، أي مَن طلب تحصيل المتباعدات وضمّ بعضها إلى بعض خذلته الحيل فيما يريد فلم ينجح فيه . أو من حاول التأليف بين المتناقضات كالجمع بين رضوان اللّه ومعصيته ، وبين الإعتداء على الآخرين والفوز بحبهم وثقتهم ؛ فقد حاول المحال . في ظلال نهج البلاغة / مغنية ۴:۴۵۰ .

۴۱۲. إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً

۴۱۲الأصْلُ:قال عليه السلام : وَقَدْ سُئِلَ عن معنى قولهم «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللّهِ» : إِنَّا لاَ نَمْلِكُ مَعَ اللّهِ شَيْئاً ، وَلاَ نَمْلِكُ إِلاَّ مَا مَلَّكَنَا ؛ فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا ، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا .

الشّرْحُ:مَعنَى هذا الكلام أنّه عليه السلام جعل الحولَ عبارةً عن المِلْكية والتصرّف ، وجعل القوّة عبارةً عن التكليف ، كأنّه يقول : لا تَملُّك ولا تَصرُّف إلاّ باللّه ، ولا تكليف لأمرٍ من الأُمور إلاّ باللّه ؛ فنحن لا نَملِك مع اللّه شيئا ، أي لا نستقلّ بأن نَملِك شيئا ؛ لأنّه لولا إقدارُه إيّانا وخلقته لنا أحياءً لم نكن مالِكِين ولا متصرِّفين ، فإذا ملّكَنا شيئا هو أملك به ـ أي أقدَرُ عليه منّا ـ صرْنا مالكين له كالمال مثلاً حقيقة ، وكالعَقْل والجوارح والأعضاء مَجازا ، وحينئذٍ يكون مكلِّفا لنا أمرا يتعلّق بما ملّكَنا إيّاه ، نحو أن يكلّفنا الزّكاة عند تمليكنا المال ، ويكلّفنا النَّظَر عند تمليكنا العَقْل ، ويكلّفنا الجِهادَ والصّلاة والحجّ وغيرَ ذلك عند تمليكِنا الأعضاء والجوارح ، ومتى أخذ منّا المالَ وَضَع عنا تكليفَ الزّكاة ، ومتى أخَذَ العَقْل سَقَط تكليفُ النّظَر ، ومتى أخذَ الأعضاء والجوارح سَقَط تكليف الجِهاد وما يَجري مجراه . هذا هو تفسيرُ قوله عليه السلام ؛ فأمّا غيرُه فقد فسّره بشيء آخر ، قال أبو عبد اللّه جعفرُ بنُ محمد عليه السلام : فلا حَوْلَ على الطاعة ولا قوّةَ على تَرْك المعاصي إلاّ باللّه ؛ وقال قوم ـ وهم المجبرة ـ : لا فعل من الأفعال إلاّ وهو صادِرٌ مِن اللّه ، وليس في اللّفظ ما يدلّ على ما ادّعَوْا ؛ والأوْلى في تفسير هذه اللفظة أن تُحمَل على ظاِهرِها ، وذلك أنّ الحَوْل هو القوّة ، والقوّة هي الحَوْل كلاهما مُترادِفان ؛ ولا ريبَ أنّ القدرة من اللّه تعالى ، فهو الّذي أقدَر المؤمنَ على الإيمان ، والكافرَ على الكفر .

.

۴۱۳. دعه يا عمّار ؛ فإنّه لن يأخذ

۴۱۳الأصْلُ:وقال عليه السلام لِعَمَّار بِن ياسِرٍ رحمه الله وقد سَمِعهُ يراجعُ المغيرةَ بنَ شُعبة كلاماً : دَعْهُ يَا عَمَّارُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلاَّ مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا ، وَعَلَى عَمْدٍ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ ، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ ۱ .

الشّرْحُ:أصحابُنا غيرُ متَّفقين على السكوت على المغيرة ، بل أكثر البغداديِّين يفسِّقونه ، ويقولون فيه ما يقال في الفاسق . وكان إسلامُ المغيرة من غير اعتقاد صحيح ، ولا إنابة ونيّة جميلة ، كان قد صَحب قوما في بعض الطُّرق ، فاستغفَلهم وهم نيام ، فقتلهم وأخذ أموالهم وهرب خوفا أن يُلحَق فيُقتل ، أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم ؛ فقَدم المدينة فأظهر الإسلام ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم لا يردّ على أحدٍ إسلامَه . وكانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به ؛ من لعن عليٍّ عليه السلام على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل ، وكان المتوسط من عمره الفِسْق والفُجور وإعطاء البَطْن والفَرْج سؤالهما ، وممالأة الفاسِقِين ، وصرْف الوقت إلى غير طاعة اللّه ، كيف نتولاّه ! وأيّ عُذْر لنا في الإمساك عنه ، وألاّ نكشف للناس فِسْقَه! فأمّا عمار بن ياسر رحمه الله حليف بني مخزوم ، أسلم هو وأخوه وأبوهما وسميّة اُمهما ، وكان إسلامُهم قديما في أوّل الاسلام ، فعذّبوا في اللّه عذابا عظيما . قتل عمار وهو ابن ثلاثٍ وتسعين سنةً [ في صفّين بين يدي إمامه علي عليه السلام ] ، والخبر المرفوع مشهور في حقّه : «تقتلك الفئة الباغية» . وقال صلى الله عليه و آله وسلم في عمار : «مُلئ إيمانا إلى مشاشه» . وفضائله كثيرة .

.

۴۱۴. ما أحسن تواضع الأغنياء

۴۱۵. ما استودع

۴۱۴الأصْلُ:وقالَ عليه السلام :مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِمَا عِنْدَ اللّهِ ! وأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ اتِّكَالاً عَلَى اللّه سُبْحَانَهُ (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم شرح مِثل هذه الكلمة مرارا .

۴۱۵الأصْلُ:قال عليه السلام :مَا اسْتَوْدَعَ اللّهُ امْرَأً عَقْلاً إِلاَّ ليَسْتَنْقِذَهُ بِهِ يَوْماً مَا .

الشّرْحُ:لابدّ أن يكون للباري تعالى في إبداع العَقْل قلبَ زيد مَثلاً غَرَض ، ولا غَرَض إلاّ أَن يستدلّ به على ما فيه نجاتُه وخلاصُه ، وذلك هو التّكليف ، فإنْ قصّر في النظر وجَهِل وأخطأ الصّواب فلابدّ أن يُنقذه عقلُه مِن وَرْطة مِن وَرَطات الدنيا ، وليس يخلو أحدٌ عن ذلك أصلاً ؛ لأنّ كلّ عاقل لابدّ أن يتخلّص من مَضرّةٍ سبيلُها أن تُنَال بإعمال فِكرتِه وعقله في الخلاص منها ؛ فالحاصل أنّ العقل إمّا أن ينقذ الإنقاذ الدّيني ، وهو الفلاح والنّجاح على الحقيقة ، أو يُنقذ من بعضِ مَهالِك الدّنيا وآفاتها ، وعلى كلّ حال فقد صَحّ قولُ أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد رُويتْ هذه الكلمة مرفوعةً ، ورُويتْ : «إلاّ استنقذَهُ به يوما مّا» .

.


1) .التيه : الزهو والتكبّر . إن تيه الفقراء على الأغنياء ينطوي على التوكل على اللّه والإباء ، والرضا والقناعة بما يسّر ، وأمّا تواضع الأغنياء للفقراء فهو حسن لا شك في ذلك إلاّ أنّ زهو الفقراء على الأغنياء أفضل وأكمل .

۴۱۶. من صارع الحقّ

۴۱۷. القلب مصحف البصر

۴۱۶الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ .

الشّرْحُ:هذا مِثْلُ قوله في موضعٍ آخر : «مَنْ أبدى صفحته للحقّ هلك» (1).

۴۱۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ .

الشّرْحُ:هذا مِثلُ قولِ الشاعر : تخبّرني العينان ما القلبُ كاتمُوما جنّ بالبَغْضاء والنَّظَر الشَّزْرِ يقول عليه السلام : كما أنّ الإنسان إذا نظر في المصحَف قرأ ما فيه ، كذلك إذا أبصر الإنسانُ صاحبَه فإنه يَرَى قلبه بوساطة رؤية وجهه ، ثم يعلم ما في قلبه من حُبٍّ وبُغْض وغيرهما ، كما يعلم برؤية الخطّ الذي في المُصحف ما يدلّ الخطّ عليه . وقال الشاعر : إنّ العيونَ لَتُبدِي في تَقلُّبهاما في الضَّمائر من وُدٍّ ومِنْ حَنَقِ

.


1) .أُنظر الخطبة (۱۶) ، والحكمة (۱۵۵) .

۴۱۹. لا تجعلنّ ذرب لسانك على مَن

۴۱۸الأصْلُ:وقال عليه السلام :التُّقَى رَئِيسُ الْأَخْلاَقِ .

الشّرْحُ:يعني رئيس الأخلاق الدينيّة ، لأنّ الأخلاق الحميدةَ كالجود والشجَاعة والحلم والعفّة وغير ذلك ، لو قَدَّرْنا انتفاءَ التكاليف العقلية والشرعيّة ، لم يكن التُّقى رئيسا لها ، وإنما رئاسة التُّقى لها مع ثُبوت التكليف ، لا سيّما الشرعيّ . والتّقى في الشّرع هو الوَرَع والخوْفُ من اللّه ، وإذا حصل حَصَلت الطاعات كلّها ، وانتفت القبائح كلّها ؛ فصار الإنسان معصوما ، وتلك طبقة عالية ، وهي أشرف من جميع الطّبقات التي يُمدح بها الإنسان .

۴۱۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :لاَ تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ ، وَبَلاَغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ .

الشّرْحُ:يقول : لا شُبهةَ أنّ اللّه تعالى هو الّذي أنطَقك ، وسدّد لفظَك ، وعلّمك البيان كما قال سبحانه : «خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلّمَه البيان» (1)فقبيحٌ أن يَجعَل الإنسانُ ذَرَب لسانهِ وفصاحةَ منطِقه على من أنطقَه وأقدرَه على العبادة ، وقبيحٌ أن يَجعَل الإنسانُ بلاغة قوله على من سدّد قولَه ، وجعَلَه بليغا حسَنَ التعبير عن المعاني الّتي في نفسه ، وهذا كمن يُنعِم على إنسانٍ بسيفٍ فإنّه

.


1) .سورة الرحمن ۳ ، ۴ .

۴۲۰. كفاك أدباً لنفسك

۴۲۱. من صبر صبر الأحرار

يَقبُح منه أن يَقتُله بذلك السّيف ظُلما قبحا زائدا على ما لو قَتَله بغير ذلك السيف .

۴۲۰الأصْلُ:وقال عليه السلام :كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ .

الشّرْحُ:قال عليه السلام هذا اللّفظ أو نحوَهُ مرارا ، وقد تكلّمنا نحنُ عليه ، وذكرْنا نظائرَ له كثيرة نَثْراً ونَظْماً . وكَتَب بعضُ الكُتّاب إلى بعض الملوك في حالٍ اقتضَتْ ذلك : ما عَلَى ذا افترَقْنا بِشَبْذَانَ إذْ كُنّاولا هكذا عَهِدْنا الإخاءَ تَضرب الناسَ بالمهنَّدة البِــيضِ على غدرِهم وتَنسَى الوَفاءَ

۴۲۱الأصْلُ:وقال عليه السلام يعزِّي قوْما :مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الْأَحْرَارِ ، وَإِلاَّ سَلاَ سُلُوَّ الْأَغْمَارِ (1). وفي خَبرٍ آخرَ أنّه عليه السلام قال للأشْعثِ بن قيسٍ مُعزِّياً عن ابنٍ لهُ : إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الْأَكَارِمِ ، وَإِلاَّ سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِمِ (2).

.


1) .سلا : نسي . الأغمار : جمع غَمْر ، وهو الجاهل .

2) .مرّ في الموعظة (۲۹۷) وجه آخر أكثر تفصيلاً .

۴۲۲. الدُّنيا تغرُّ وتضرُّ وتمرُّ

۴۲۳. وإنّ أهل الدّنيا كركبٍ

الشّرْحُ:أخذ هذا المعنى أبو تمّام بل حكاه فقال : وقال عليٌّ في التّعازي لأشعثٍوخافَ عليه بعضَ تلك المآثِم (1)أتصبرُ للبَلوى عَزاءً وحِسْبةًفتؤجَر أم تسلو سُلُوَّ البهائم!

۴۲۲الأصْلُ:وقال عليه السلام في صِفة الدُّنْيا :الدُّنيا تَغُرُّ وَتَضُرُّ ، وَتَمُرُّ ؛ إِنَّ اللّهَ سُبحانَهُ لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ ، وَلاَ عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ (2).

الشّرْحُ:قد تقدّم لنا كلام طويل في ذمّ الدنيا . ومن الكلام المستحسَن قولُه : «تَغُرُّ وتَضُرّ وتَمُرّ» والكلمة الثانيةُ أحسن وأجمل .

۴۲۳الأصْلُ:وَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ ، بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا .

.


1) .ديوانه ۳ : ۲۵۸ ، ۲۵۹ .

2) .أراد أنّها تغرّ الدنيا بزينتها ، وتضر لما فيها من مصائب ومحن ، وتمرّ بفراقها ، من المرارة .

۴۲۴. يا بنيّ لا تخلّفنّ وراءك شيئاً

الشّرْحُ:رُوِي : «بينَا هُم حُلُول» ، وبينا هي (بَيْن) نفسُها ، ووزنها «فَعْلى» ، أُشبِعت فَتحةُ النون فصارت ألفاً . وممّا جاءَ في وصف الدّنيا ممّا يناسب كلامَ أمير المؤمِنين قولُ أبي العَتَاهية : إنّ دارا نحن فيها لدارُليس فيها لمقيم قَرارُ كم وكمْ قد حلَّها من أناسٍذَهبَ اللّيلُ بهمْ والنّهارُ فهُمُ الرَّكْب أصابوا مَناخافاستراحوا ساعةً ثم ساروا وكذا الدّنيا على ما رَأيْنايَذهَب الناسُ وتخلُو الدّيارُ

۴۲۴الأصْلُ:وقال عليه السلام لابنِه الحسن عليه السلام :يا بُنَيَّ ، لاَ تُخَلِّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا ، فَإِنَّكَ تُخَلِّفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ ، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللّهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ ؛ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ؛ وَلَيْسَ أَحَدُ هذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ . ويروى هذا الكلام على وجه آخر ، وهو : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدَيكَ مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلٍ بَعْدَكَ ، وَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : رَجُلٌ عَمِلَ فِيَما جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ ، أَوْ رَجُلٌ عَمِلَ فِيهَ بِمَعْصِيَةِ اللّهِ ، فَشَقِيِ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ ؛ وَلَيْسَ أَحَدُ هذَيْنِ أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ ، وَلاَ أَنْ تَحْمِلَ لَهُ عَلَى ظَهْرِكَ ، فَارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اللّهِ ، وَلِمَنْ بَقِيَ رِزْقَ اللّهِ .

.

۴۲۵. ثكلتك أُمّك ، أتدري ؟

الشّرْحُ:رُوِي : «فإنّكَ لا تُخلِّفه إلاّ لأحدِ رجلين» ، وهذا الفصل نَهيٌ عن الادّخار ، وقد سَبَق لنا فيه كلامٌ مُقنع . وخلاصةُ هذا الفَصْلِ أنّك إنْ خلّفت مالاً ؛ فإمّا أن تخلِّفه لمن يَعمل فيه بطاعة اللّه ، أو لِمن يَعمَل فيه بمعصيته ، فالأوّل ، يَسعَد بما شَقيتَ به أنتَ ، والثاني ، يكون مُعانا منك على المَعْصية بما تركتَه له من المال ، وكلا الأمرينِ مذموم ، وإنّما قال له : «فارْجُ لمن مضى رحمةَ اللّه ، ولمن بَقيَ رزقَ اللّه » ، لأنّه قال في أوّل الكلام : «قد كان لهذا المال أهلٌ قَبْلَك ، وهو صائرٌ إلى أهلٍ بَعدك » .

۴۲۵الأصْلُ:وقالَ عليه السلام (لقائلٍ قالَ بحضرَتهِ : أَسْتَغْفِرُ اللّهَ ) : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ! أَتَدْرِي مَا الاْسْتِغْفَارُ ؟ الاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى ، وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً ، وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللّهَ عزَّ وجَلَّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ ، وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا ، وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْمِ ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ ، وَالسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ الْمَعْصِيَةِ ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ : «أَسْتَغْفِرُ اللّهَ» .

الشّرْحُ:قد رُوِي : «إنَّ الاستغفارَ درجهُ العلِّيين» ، فيكون على تقدير حَذْف مضاف ، أي أنّ دَرَجة الاستغفار درجة العِلِّيّين ، وعلى الرواية الأُولى يكون على تقدير حَذْف مضاف أي أن

.

لصاحب الاستغفار دَرَجة العليِّين . وهو هاهنا جمعٌ على «فِعِّيل» كضِلِّيل وخِمّير ، تقول : هذا رجلٌ عليٌّ ؛ أي كثيرُ العلُوّ ، ومنه العلّية للغُرْفة على إحدى اللّغتين . قوله : «نَبَت على السُّحْت» ، أي على الحرام ؛ يقال : سُحْت بالتسكين ، وسُحُت بالضمّ ، وأسحَت الرجُل في تجارتِه ؛ أي اكتَسَب السُّحْت . أما ماهيّة التوبة فهي النّدم والعَزْم ، لأنّ التوبة هي الإنابة والرّجوع ، وليس يمكن أن يرجع الإنسانُ عمّا فعله إلاّ بالنّدم عليه ، والعزم على تَرْك معاودته ، وما يتوب الإنسان منه ؛ إمّا أن يكون فعلاً قبيحا ، وإمّا أن يكون إخلالاً بواجب ، فالتوبة من الفعل القبيح هي أن يَندَم عليه ، ويَعزِم ألاّ يعود إلى مِثله ، وعَزمُه على ذلك هو كراهيته لفِعله ، والتوبةُ من الإخلال بالواجب هي أن يَندَم على إخلاله بالواجب ويَعزم على أداء الواجب فيما بعد . قال أصحابُنا : وللتوبة شروط أُخَرُ تَختلِف بحَسَب اختلاف المعاصي ، وذلك أنّ ما يتوب منه المكلّف ؛ إمّا أن يكون فيه لآدميّ حَقٌّ أو لا حقَّ فيه لآدميّ ، فما ليس للآدميّ فيه حقّ فنحو تَرْك الصّلاة ، فإنّه لا يجب فيه إلاّ النّدم والعَزْم على ما قدّمنا ، وما لآدميٍّ فيه حقٌّ على ضربين : أحدُهما أن يكون جنايةً عليه في نفسِه أو أعضائِه أو مالِه أو دِينِه ، والآخَر ألاّ يكون جِنايةً عليه في شيء من ذلك ، فما كان جنايةً عليه في نفسِه أو أعضائِه أو مالِه ، فالواجبُ فيه النَّدَم والعَزْم ، وأن يَشرَع في تَسلِيم بدل ما أَتْلَف ، فإن لم يتمكّن من ذلك لِفقرٍ أو غيره عَزَم على ذلك إذا تمكّن منه ، فإنْ مات قبلَ التمكّن لم يكن من أهل العِقاب ، وإن جَنَى عليه في دينه بأن يكون قد أضلَّه بشُبْهة استَزلّه بها ؛ فالواجبُ عليه مع النّدم العَزْم والاجتهاد في حَلِّ شبهتِه من نفسِه ، فإن لم يتمكّن من الاجتماع به عزم على ذلك إذا تمكّن ، فإنْ ماتَ قبلَ التمكّن ، أو تمكّن منه واجتَهَد في حلّ الشبهة فلم تَنحَلّ من نفس ذلك الضالّ ، فلا عقابَ عليه ؛ لأنّه قد استَفْرَغ جهدَه ؛ فإن كانت المعصية غيرَ جناية نحو أن يَغتَابه أو يَسمَع غيبتَه فإنّه يَلزَمه النّدم والعَزْم ، ولا يلزَمه أن يستحلَّه أو يعتذرَ إليه ، لأنّه ليس يلزمه أرْشٌ لمن اغتَابه فيستحلّه ، ليَسقُط عنه الأرْشُ ، ولا غَمَّه فيزيل غمّه بالاعتذار ، وفي ذكر الغِيبَة له ليستحِلَّه فيزيل غمّه منها إدخالُ غمٍّ عليه ، فلم يَجُزْ ذلك ، فإن كان قد أسمَع المغتابَ غيبَته فذلك جِنايةٌ عليه ؛ لأنّه قد أوصَل إليه مَضَرّة الغمّ ، فيَلزَمه إزالة ذلك بالاعتذار .

.

۴۲۶. الحلم عشيرة

۴۲۷. مسكين ابن آدم

۴۲۶الأصْلُ:وقال عليه السلام : الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ (1).

الشّرْحُ:كان يقال : الحلم جنودٌ مجنَّدة لا أرزاقَ لها . وكان يقال : مَن غَرَس شجرة الحِلْم ، اجتَنَى ثَمرَة السِّلْم .

۴۲۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ ! مَكْتُومُ الْأَجَلِ ، مَكْنُونُ الْعِلَلِ ، مَحْفُوظُ الْعَمَلِ . تَؤْلِمُهُ الْبَقَّةُ ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ ، وَتُنْتِنُهُ الْعَرْقَةُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم هاهنا خبر المبتدأ عليه ، والتقدير : «ابنُ آدم مِسكين» ، ثمّ بيّن مَسْكَنَتَه من أين هي؟ فقال : إنّها من سِتّة أوجُه : أجلُه مكتوم لا يَدرِي مَتَى يُخترَم ، وعِلَلُه باطنة لا يَدرِي بها حتّى تَهيجَ عليه، وعَملُه محفوظ ؛ «مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إلاَّ أحْصَاهَا» (2)، وقَرْص البَقّة يؤلمُه ، والشَّرْقة بالماء تَقتُله ، وإذا عَرِق أنتنْته العَرْقة الواحدة وغيّرتْ رِيحَه ؛ فمن هو على هذه الصِّفات فهو مسكين لا محالَة ، لا ينبغي أن يأمَن ولا أن يَفْخَر (3).

.


1) .أي إن الحلم يجمع لك من الأنصار والأعوان ما يجتمع لك بالعشيرة .

2) .سورة الكهف ۴۹.

3) .ونحو هذه الحكمة ، ما جاء في الحكمة ۲۸۱ .

۴۲۸. إنّ أبصار هذه الفحول طوامح

۴۲۸الأصْلُ:ويُروى أنه عليه السلام كان جالساً في أصحابه ، فمرت بهم امرأة جميلة ، فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال عليه السلام : إِنَّ أَبْصَار هذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ ، وَإِنَّ ذلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا ؛ فإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ . فقال رجل من الخوارج : قاتله اللّه كافراً ما أفقهه ! قالَ : فوثب القوم لِيقتلوه ، فقال عليه السلام : رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنبٍ .

الشّرْحُ:تقول : هَبَّ الفَحْل والتَّيْسَ يهِبّ بالكَسْر هَبيباً أو هباباً ؛ إذا هَاجَ للضِّراب أو للسِّفاد ، والهباب أيضا : صَوتٌ ، والتَّيْسُ إذا هبّ فهو مِهْباب ؛ وقد هَبْهبتُه ، أي دعوتُه ليَنزُوَ فتهبهب ؛ أي تَزعْزَع . وسَأَلني صديقُنا عليُّ بن البِطْريق عن هذه القِصّة فقال : ما بالُه عَفَا عن الخارجي وقد طَعَن فيه بالكفر ، وأنكَر على الأشعث قوله : «هذه عليكَ لا لَك» ، فقال : ما يُدْريك عليكَ لعنةُ اللّه ما عليّ ممّا لي ! حائك ابن حائك ، منافق ابن كافر ! وما وَاجَهَه به الخارجيّ أفظَع ممّا واجَهَه الأشعث ! فقلتُ : لا أدري . قال : لأنّ كلّ صاحب فضيلة يعظُم عليه أن يُطعَن في فضيلته تلك ، ويُدَّعَى عليه أنّه فيها ناقص ، وكان عليٌّ عليه السلام بيت العلم ، فلمّا طعن فيه الأشعث طعن بأنّك لا تَدْري ما عليك ممّا لك ، فشَقّ ذلك عليه ، وامتَعَض منه ، وَجَبَهه ولعَنَه ؛ وأمّا الخارجي فلم يَطعَن في عِلمه ، بل أثبتَه له ، واعتَرَف به ، وتعجّب منه ، فقال : «قاتَلَه اللّه كافرا ما أفقَهَه !» ، فاغتَفَر له لفظةَ «كافر» بما اعترف له به من علوّ طَبَقته في الفِقْه ، ولم يَخْشُن عليه خُشونته على الأشعث ، وكان قد مَرَنَ على سَماعِ قول الخوارج : أنت كافر ، وقد كفرتَ ، يَعنُون التّحكيم ، فلم يَحفِل بتلك اللّفظة ونَهى أصحابَة عن قتلِه محافظة ورعايةً له على ما مَدَحه به .

.

۴۲۹. كفاك من عقلك ما أوضح لك

۴۳۰. افعلوا الخير ولا تحقروا منه

۴۲۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ ، مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ .

الشّرْحُ:يقول عليه السلام : كَفَى الإنسان من عِقْله ما يَفرِقُ به بين الغيّ والرّشاد ، وبين الحقّ من العقائد والباطل ، فإنّه بذلك يتمّ تكليفُه ، ولا حاجةَ في التّكليف ، والفَرْق بين الغَيّ والرُّشْد إلى زيادة على ذلك نحو التّجارب الّتي تُفِيده الحَزْم التامّ ، ومعرفة أحوالِ الدّنيا وَأهلِها ، وأيضا لا حاجةَ له إلى أن يكون عندَه من الفِطْنة الثّاقبة والذّكاء التَّام ما يَستنبِط به دقائقَ الكلام في الحِكْمة والهَنْدسة والعلوم الغامِضَة ، فإنّ ذلك كلّه فَضْل مستغنىً عنه ، فإنْ حُصِّل للإنسان فقد كَمُل ، وإن لم يُحصَّل للإنسان فقد كَفَاه في تكليفه ونجاتِه من مَعاطِب العِصْيان ما يَفرِق به بين الغَيّ والرَّشاد ، وهو حصول العلوم البديهيّة في القَلْب ، وما جَرَى مَجراها من علوم العادات ، وما يذكره أصحابُنا في باب التكليف .

۴۳۰الأصْلُ:وقال عليه السلام :افْعَلُوا الْخَيْرَ ، وَلاَ تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً ، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ ، وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ ، وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي ، فَيَكُونَ وَاللّهِ كَذلِكَ .

الشّرْحُ:القليلُ من الخير خيرٌ مِنْ عَدَم الخيرِ أصلاً . قال عليه السلام : لا يقولَنّ أحدُكم إنّ فلانا أَولَى بِفعْل الخَيْر منّي ؛ فيكون واللّه كذلك ، مثاله قوم

.

۴۳۱. إنّ للخير والشرّ أهلاً

۴۳۲. من أصلح سريرته

مُوسِرون في محلّة واحدة ، قَصَد واحدا منهم سائلٌ فرَدّه ، وقال له : اذهبْ إلى فلان ، فهو أَولَى بأن يتصدّق عليك منّي ، فإنّ هذه الكلمة تقال دائما . نَهَى عليه السلام عن قولِها وقال : فيكونَ واللّه كذلك ، أي أنّ اللّه تعالى يوفِّق ذلك الشخصَ الّذي أُحيلَ ذلك السائلُ عليه ، ويُيسّر الصّدَقة عليه ، ويُقوّي دواعيَه إليها ، فيَفعَلها فتكون كلمة ذلك الإنسان الأوّل قد صادفتْ قَدَراً وقَضاءً ، ووَقَع الأمر بمُوجَبِها .

۴۳۱الأصْلُ:إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً ، فَمَهْمَا تَرَكتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ .

الشّرْحُ:يقول عليه السلام : إنْ عَنَّ لك بابٌ من أبواب الخير وتركتَه ، فسوف يَكفيكَه بعضُ الناس ممّن جَعَله اللّه تعالى أهلاً للخير وإسداءِ المعروفِ إلى الناس ، وإنْ عنّ لك بابٌ من أبواب الشرّ فتركْته ، فسوفَ يَكفيكَه بعضُ الناس ممّن جعلتْهم أنفسُهم وسوءُ اختيارِهم أهلاً للشرّ وأَذَىً الناس ؛ فاخترْ لنفسك أيّما أحبّ إليك ، أن تَحظَى بالَمحمَدة والثواب ، وتَفعل ما إن تركتَه فَعَلَه غيرُك وحَظِيَ بحَمْده وثوابِه ، أو أن تَترُكُه ، وأيّما أحبّ إليك ، أن تَشقَى بالذّم عاجلاً ، والعقابِ آجلاً ، وتفعل ما إن تركتَه كَفاكَه غيرُك ، وبلغتَ غرضك منه على يدِ غيرِك ، أو أن تفعله ، ولا ريبَ أنّ العاقلَ يختارُ فعلَ الخير وترك الشّر إذا أَفْكَر حقّ الفِكْر فيما قد أَوضحْناه .

۴۳۲الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ ، أَصْلَحَ اللّهُ عَلاَنِيَتَهُ ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ ، كَفَاهُ اللّهُ أَمْرَ

.

۴۳۳. الحلم غطاءٌ ساتر

دُنْيَاهُ ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيَما بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّهِ ، أَحْسَنَ اللّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس .

الشّرْحُ:لا ريبَ أنّ الأعمال الظاهرة تبَعٌ للأعمال الباطنة ، فمَن صلَح باطنُه صَلَح ظاهرُه وبالعكس ، وذلك لأنّ القلبَ أميرٌ مسلَّطٌ على الجوارح ، والرعيّة تَتْبَع أميرَها ولا ريبَ أنّ من عَمِل لدينهِ كفاهُ اللّه أمرَ دُنْياه ، وقد شَهِد بذلك الكتابُ العَزى زُ في قوله سبحانه : «ومَن يتّقِ اللّهَ يَجعلْ له مَخرَجا * ويَرْزُقْه من حيث لا يحتسِب» (1). ولهذا أيضا عِلّة ظاهرة ؛ وذاك أنّ من عَمِل للّه سبحانه وللدّين فإنه لا يخفى حالُه في أكثر الأمر عن الناس ، ولا شبهة أنّ الناس إذا حَسُنتْ عقيدتُهم في إنسان وعَلِموا مَتانَة دينه بَوّبوا له إلى الدّنيا أبوابا لا يَحتاجُ أن يتكلّفها ، ولا يَتعَب فيها ، فيأتيه رزقُه من غيرِ كُلْفةٍ ولا كَدٍّ ؛ ولا ريبَ أنّ من أحسَن فيما بينَه وبين اللّه أحسَنَ اللّه ما بينَه وبين الناس ، وذلك لأنّ القلوبَ بالضّرورة تَميلُ إليه وتحبّه ، وذلك لأنّه إذا كان مُحسِنا بينَه وبين الناس عَفَّ عن أموالِ الناس ودِمائِهم وأعراضِهم ، وَترَك الدخولَ فيما لا يَعنِيه ، ولا شبهةَ أنّ من كان بهذه الصّفة فإنّه يحسن ما بَينَه وبين الناس .

۴۳۳الأصْلُ:وقال عليه السلام :الْحِلْمُ غِطَاءٌ سَاتِرٌ ، وَالْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ ، فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ .

الشّرْحُ:لمّا جعل اللّه الحِلْم غِطاءً ، والعَقل حُساما ، أمرَه أن يَستُر خَلَل خُلُقه بذلك الغِطاء وأن يُقاتِل هَواهُ بذلك الحُسام ، وقد سبق القولُ في الحلم والعَقْل .

.


1) .سورة الطلاق ۲ ، ۳ .

۴۳۴. إنّ للّه عباداً يختصّهم اللّه بالنعم

۴۳۵. لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين

۴۳۴الأصْلُ:وقال عليه السلام :إِنَّ للّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمُ اللّهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ ، فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا ؛ فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ ، ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ .

الشّرْحُ:قد ذكرْنا هذا المعنى فيما تقدّم ، وقد قالت الشعراءُ فيه فأَكثَروا . وأشدّ تصريحا بالمعنى قول الشاعر : لم يُعطِك اللّهُ ما أَعطاكَ من نِعمٍإلاّ لتُوسِع من يَرْجوكَ إحسانَا فإنْ مَنَعت فأَخلِقْ أن تُصادِفهاتطير عنكَ زرافاتٍ ووِحْدانَا

۴۳۵الأصْلُ:وقال عليه السلام :لاَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثِقَ بِخَصْلَتَيْنِ : الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى ، بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافىً إِذْ سَقِمَ وَبَيْنَا تَرَاهُ غَنِيّاً إِذِ افْتَقَرَ .

الشّرْحُ:قد تقدَّم القولُ في هذا المعنى . وبينما المرءُ في الأحياءِ مُغْتَبِطٌإذ صارَ في اللّحْدِ تَسْفِيهِ الأعاصيرُ آخر : يَغُرُّ الفَتَى مَرُّ الليالي سَليمةًوهُنّ به عمّا قلِيلٍ عَواثِرُ

.

۴۳۶. من شكا الحاجة إلى مؤمن

۴۳۷. إنّما هو عيدٌ لمن

وقال آخَر : ورُبّ غَنيٍّ عظيم الثّراءِأمسَى مُقِلاًّ عَديما فَقيرَا وكم باتَ مِنْ مُترَفٍ في القُصورفعُوِّض في الصّبح عنها القُبورَا

۴۳۶الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَ نَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللّهِ ، وَمَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ ، فَكَأَنَّمَا شَكَا اللّهَ .

الشّرْحُ:كلامُ أميرِ المؤمنين عليه السلام يدلُّ على أنه لا يَكرَه شَكوَى الحالِ إلى المؤمن ، ويَكرَهها إلى غير المؤمن ، وهذا مذهبٌ دِينيٌّ غيرُ المذهب العُرْفيّ . وأكثر مذاهِبه ومقاصده عليه السلام في كلامه يَنْحو فيها نحوَ الدِّين والوَرَع والإسلام وكأنّه يَجعَل الشكوى إلى المؤمن كالشكوى إلى الخالق سبحانه ، لأنّه لا يشكو إلى المؤمن إلاّ وقد خَلَتْ شكْواه من التسخُّط والتأفّف ، ولا يشكُو إلى الكافر إلاّ وقد شابَ شَكْواه بالاستزادة والتَّضجُّر ، فافترقَتْ الحالُ في الموضعين . فأمّا المذهب المشهورُ في العُرْف والعادة فاستهْجانُ الشّكوى على الإطلاق ؛ لأنّها دليلٌ على ضَعْف النّفس وخذْلانها ، وقلّة الصّبر على حوادث الدّهر ، وذلك عندَهم غيرُ محمود .

۴۳۷الأصْلُ:وقال عليه السلام في بعض الأَعيَاد :وإِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبلَ اللّهُ صِيَامَهُ ، وَشَكَرَ قِيَامَهُ ، وَكُلُّ

.

۴۳۸. إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة

۴۳۹. إنّ أخسر النّاس صفقة

يَوْمٍ لاَ تَعْصِي اللّهَ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ .

الشّرْحُ:المعنَى ظاهرٌ ، وقد نَقَله بعضُ الُمحدَثين إلى الغزَل فقال : قالوا أتَى العِيدُ قلتُ أهلاًإنْ جاءَ بالوَصْل فهوَ عِيدُ منْ ظَفِرتْ بالمُنى يدَاهُفكلّ أيامِه سُعودُ

۴۳۸الأصْلُ:وقال عليه السلام :إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّهِ ، فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللّهِ سُبْحَانَهُ ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ ، وَدَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ (1).

۴۳۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :إِنَّ أَخْسَرَ النَّاس صَفْقَةً ، وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً ، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ مَالِهِ ، وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ ، وَقَدِمَ عَلَى الآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ .

.


1) .إنما كانت عليه أعظم الحسرات لعدم انتفاعه بماله ، وعذابه في الآخرة ومشاهدته لانتفاع غيره به . مصباح السالكين / ابن ميثم : ص ۶۷۶ .

۴۴۰. الرزق رزقان : طالب ومطلوب

الشّرْحُ:هذه صورةُ أكثر الناس ، وذلك لأنّ أكثرهُم يَكُدّ بدنَه ونفسَه في بلوغِ الآمال الدّنيويّة ، والقليل منهم من تساعِده المقاديرُ على إرادته ، وإن ساعدَتْه على شيء منها بقِيَ في نفسه ما لا يَبْلغه ، كما قيل : نَروحُ ونَغدُو لحاجاتناوحاجَةُ من عاش لا تَنْقضِي تَموتُ مع المرءِ حاجاتُهوتبْقَى له حاجَةٌ ما بقِي فأكثرُهم إذَنْ يَخرُج من الدنيا بحَسْرته ، ويُقدِم على الآخرة بتَبِعته ، لأنّ تلك الآمال التي كانت الحركة والسعيُ فيها ليستْ متعلقةً بأمور الدّين والآخرة ، لا جَرَم أنها تبعات وعُقوبات ، ونسأل اللّه عَفوَه .

۴۴۰الأصْلُ:وقال عليه السلام :الرِّزْقُ رِزْقَانِ : طَالِبٌ وَمَطْلُوبٌ ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا ، وَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ .

الشّرْحُ:هذا تحريضٌ على طلب الآخِرة ، ووَعْد لمن طَلَبها بأنه سيُكفى طلب الدنيا ، وإنّ الدنيا ستَطلبُه حتى يستوفيَ رزقَه منها . وقد قيل : مَثَل الدّنيا مَثل ظِلّك ، كلّما طلبتَه بَعُد عنك ، فإن أدبَرْتَ عنه تَبِعَك (1).

.


1) .في الحكمة ۳۸۵ : « الرزق رزقان ... » .

۴۴۱. إنّ أولياء اللّه هم الذين

۴۴۱الأصْلُ:وقال عليه السلام :إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللّهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِن الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا ، وَاشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا ، فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا أَحَسُّوا أَنْ يُمِيتَهُمْ ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ ، وَرَأَوُا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلاَلاً ، وَدَرْكَهُمْ لَهَا فَواتاً ، أَعْدَاءٌ لِمَا سَالَمَ النَّاسُ ، وَسَلْمٌ لِمَنْ عَادَى النَّاسُ ! بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ ، وَبِهِ عُلِمُوا ، وَبِهِمْ قَامَ كِتَابُ اللّهِ تَعَالى ، وَبِهِ قَامُوا ، لاَ يَرَوْنَ مَرْجُوّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ ، وَلاَ مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ .

الشّرْحُ:هذا يَصلُح أن تَجعله الإماميّة شرح حال الأئمّة المعصومِين على مذهبهم ، لقَولِه : فوقَ ما يَرْجون ، بهم عُلِم الكتاب ، وبه عُلموا ؛ وأمّا نحن فنجعله شرح حالِ العلماء العارفين ۱ وهم أولياءُ اللّه الذين ذكرهم عليه السلام لما نظر الناسُ إلى ظاهر الدنيا وزُخْرُفها من المناكح والملابس والشَّهَوات الحِسِّية ، نظروا هُمْ إلى باطن الدنيا ، فاشتغلوا بالعلوم والمعارف والعبادة والزهد في المَلاذّ الجُسْمانيّة ، فأمَاتُوا من شَهَواتِهم وقُواهم المذمومة كقوّة الغَضب وقوّة الحسد ما خافوا أن يُميتَهم ، وتَركُوا من الدنيا اقتناءَ الأموال لعلمهم أنها ستترُكهم ، وأنه لا يمكن دوامُ الصُّحْبة معها ، فكان استِكثارُ الناس من تلك الصفات استقلالاً عندهم ، وبلوغ الناس

.

۴۴۲. اذكروا انقطاع اللّذّات

لها فَوْتاً أيضا عندهم ، فهم خَصْم لِما سالَمه الناسُ مِن الشهوات ، وسِلْم لِما عاداه الناس من العُلوم والعبادات ، وبهم عُلم الكتاب ، لأنّه لولاهم لما عُرِف تأويل الآيات المتشابهات ، ولأَخَذَها الناسُ على ظواهرها فضلّوا وبالكتاب عُلموا ، لأنّ الكتابَ دلّ عليهم ، ونبّه الناس على مواضعهم ، نحو قوله : «إنما يَخشَى اللّهَ من عبادِه العلماءُ» . وقوله : «هل يستَوي الذين يعلمون والذين لا يَعلمون» (1). وقوله : «ومَن يُؤْتَ الحكمةَ فقد أُوتيَ خيرا كثيرا» (2). ونحو ذلك من الآيات التي تنادي عليهم ، وتَخطُب بفَضْلهم ، وبهم قام الكتاب ؛ لأنهم قرّرُوا البَراهين على صِدْقه وصحة وروده من اللّه تعالى على لسان جبريل عليه السلام ولولاهم لم يَقُم على ذلك دَلالة للعوامّ ، وبالكتاب قاموا ، أي باتباع أوامر الكتاب وآدابه قاموا ، لأنّه لولا تأدُّبهم بآداب القرآن ، وامتثالهم أوامرَه ؛ لما أَغنى عنهم عِلمُهم شيئا ، بل كان وَبالُه عليهم ، ثم قال : إنّهم لا يَرَوْن مَرْجُوّا فوق ما يَرْجون ، ولا مَخُوفاً فوق ما يخافون ، وكيف لا يكونون كذلك ومَرْجُوُّهم مجاوَرة اللّه تعالى في حظائر قُدْسه ، وهل فوق هذا مَرْجُوّ لراجٍ ! ومخوفهم سخط اللّه عليهم وإبعادُهم عن جَنَابه ، وهل فوق هذا مخوفٌ لخائف!

۴۴۲الأصْلُ:وقال عليه السلام :اذْكُرُوا انْقِطَاعَ اللَّذَّاتِ ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في نحو هذا مراراً ؛ وقال الشاعر : تفنى اللّذاذةُ ممن نال بُغْيَتَهُمن الحرام ، ويَبقَى الإثمُ والعارُ تبقى عواقب سُوءِ في مَغبّتهالا خير في لذّة من بعدها النّارُ

.


1) .سورة الزمر ۹ .

2) .سورة البقرة ۲۶۹ .

۴۴۳. أُخبر تقله

۴۴۴. ما كان اللّه ليفتح على عبد

وراوَدَ رجل امرأة عن نفسها ، فقالت له : إن امرأً يبيع جنّةً عرضُها السماوات والأرض بمقدار إصبَعين لجاهلٌ بالمساحَة ؛ فاستحيا ورَجَع .

۴۴۳الأصْلُ:وقال عليه السلام :اُخْبُرْ تَقْلَهْ.

قال الرضي رحمه الله : ومن الناس من يروي هذا لرسول الله صلى الله عليه و آله وسلم . ومما يقوّي أنّه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما حكاه ثَعلب قال : حدّثنا ابنُ الأعرابيّ ، قال : قال المأمون : لولا أن علياً عليه السلام قال : «اُخْبُرْ تَقْلَهُ» لقلت أنا : اِقْلَهْ تَخْبُرْ .

الشّرْحُ:المعنى اختَبِر الناسَ وَجرِّبهم تُبغِضهم ، فإن التجربةَ تكشف لك عن مَساوِيهم وسوءِ أخلاقهم ، فَضربَ مَثلاً لمن يُظَنّ به الخيرُ وليس هناك ، فأمّا قول المأمون : لولا أنّ عليّا قاله لقُلتُ : اقْلَهْ تَخْبُر ، فليسَ المراد حقيقة القِلَى ، وهو البُغْض بل المراد الهَجْر والقطيعة ، يقول : قاطِعْ أخاك مجرّبا له هل يَبقَى على عَهدِك أم يَنقُضه ويحوّله عنك . ومن المعنى الأوّل قولُ أبي العَلاء : جرّبتُ دهرِي وأهلِيه فما تَركتْليَ التجاربُ في وُدِّ امرئٍ غَرَضَا (1)

۴۴۴الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَا كَانَ اللّهُ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الدُّعَاءِ ، وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الاْءِجَابَةِ ، وَلاَ لِيَفْتَحَ

.


1) .سقط الزند : ص ۶۵۶ .

۴۴۵. أولى الناس بالكرم من

عَلَيْهِ بَابَ التَّوْبَةِ ، وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْمَغْفِرَةِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في الشّكر واقتضائِه الزيادة ؛ واقتضاء الدّعاء الإجابةَ ؛ والتّوبة المغفرة ، على وجهِ الاستقصاء في الجَميع .

۴۴۵الأصْلُ:وقال عليه السلام :أَوْلَى النَّاس بِالْكَرَمِ مَنْ عَرَّقَتْ فِيهِ الْكِرَامُ .

الشّرْحُ:أعرَقت وعَرَّقت في هذا المَوْضع بمعنىً ، أي ضربتْ عروقُه في الكَرَم ، أي له سَلَف وآباءٌ كرامٌ . وقال المبرّد : أنشدني أبو محلّم السعديّ : إنّا سَأَلْنا قَومَنا فخيارُهممن كان أفضلُهم أبوهُ الأفضَلُ أعطَى الّذي أعطَى أبوه قبلَهوتَبخّلتْ أبناءُ من يَتَبخّلُ وقال البُحتريّ : وأرى النّجابَة لا يكون تمامُهالنَجيبِ قومٍ ليسَ بابن نجيبِ

۴۴۶الأصْلُ:وسُئل عليه السلام : أَيُّما أَفضل ، العدل ، أَو الجود ؟ فقال :

.

۴۴۶. العدل يضع الاُمور مواضعها

۴۴۷. الناس أعداء ما جهلوا

الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا ، والْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا ، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ ، وَالْجُودُ عَارضٌ خَاصٌّ ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا .

الشّرْحُ:هذا كلامُ شريفٌ جليلُ القَدْر ؛ فضَّل عليه السلام العَدْل بأمرين : أحدُهما : أنّ العدل وضعُ الأمُور مواضعَها ، وهكذا العَدالة في الاصطلاح الحُكْميّ ، لأنها المَرْتَبة المتوسّطة بين طَرَفي الإفراط والتّفريط ، والجُود يُخرِج الأمر عن موضعِه ، والمراد بالجُود هاهنا هو الجود العُرْفيّ ، وهو بَذْل المُقتَنَيات للغير ، لا الجود الحقيقيّ ؛ لأنّ الجُود الحقيقيّ ليس يُخرِج الأمر عن جهتِه ، نحو جود البارِي تعالى . والوجه الثاني : أنّ العدل سائسٌ عامّ في جميع الأُمور الدّينيّة والدنْيويّة ، وبه نظام العالَم وقِوام الوجود ؛ وأمّا الجود فأمرٌ عارِضٌ خاصّ ، ليس عموم نفعه كعموم نفع العَدْل .

۴۴۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا .

الشّرْحُ:هذه من ألفاظه الشّريفة الّتي لا نظيرَ لها ، وقد تقدّم ذكرها (1)وذكرُ ما يُناسبها . وكان يقال : مَن جَهِل شيئا عادَاه . وقال الشاعر : جهلتَ أمرا فأبدَيْتَ النَّكيرَ لهوالجاهلُون لأهْلِ العلم أعداءُ

.


1) .انظر : الحكمة ۱۷۴ .

۴۴۸. الزهد كلّه بين كلمتين

۴۴۹. الولايات مضامير الرّجال

۴۴۸الأصْلُ:وقال عليه السلام :الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ ؛ قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ : «لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ» (1)، وَمَنْ لَمْ يَأسَ عَلَى الْمَاضِي وَلَمْ يَفْرَحْ بِالآتِي ، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في هذين المعنَيَين بما فيه كفاية (2).

۴۴۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :الْوِلاَيَاتُ مَضَامِيرُ (3)الرِّجَالِ .

الشّرْحُ:أي تُعرَف الرجالُ بها كما تُعرَف الخيل بالمضمار ، وهو المَوضع أو المُدّة الّتي تُضمَّر فيها الخيل ، فمِن الوُلاة مَن يَظهَر منه أخلاقٌ حميدة ، ومنهم من يظهَر منه أخلاقٌ ذميمة .

.


1) .سورة الحديد ۲۳ .

2) .لم يَأسَ : لم يحزن على ما نفذ به القضاء .

3) .مضمار : جمع مضامير ، وهو المكان والمدة التي تُضمرّ فيها الخيل للسباق . يقول : تُعرف الرجال بالولايات ، وبعد تولي الرئاسة ، وتظهر فيها طباعهم المخبوءة ، كما تعرف أحوال الخيل في المضمار ، ويتبين فيها السابق من اللاحق .

۴۵۰. ما أنقض النوم لعزائم اليوم

۴۵۱. ليس بلد بأحقّ بك من بلد

وقال الشاعر : سكراتٌ خمسٌ إذا مُنِيَ المرءُ بها صارَ عُرضةً للزّمانِ سَكْرةُ المَالِ والحداثة والعِشْـقِ وسكرُ الشّراب والسّلطانِ

۴۵۰الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ (1)!

الشّرْحُ:هذه الكلمةُ قد سبقتْ ، وتكلّمنا عليها (2)، وما أحسنَ قولَ المَعرِّي : ما قَضَى الحاجاتِ إلاّ شِمِلٌّنومُه فوقَ فِراشٍ من نمالْ (3)

۴۵۱الأصْلُ:وقال عليه السلام :لَيْسَ بَلَدٌ بأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ ؛ خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ .

الشّرْحُ:هذا المعنى قد قيل كثيرا ، ومن ذلك قولُ الشاعر : لا يَصْدِفنّكَ عن أمرٍ تُحاوِلُهُفِراقُ أهلٍ وأحبابٍ وجيرانِ تلقَى بكلِّ ديارٍ ما حللتَ بهاأهلاً بأهلٍ وأوطانا بأوطانِ

.


1) .أي قد يعزم الإنسان على أمر ، فإذا نام وجد انحلالاً في عزيمته ، فيغلبه النوم على عزيمته ، فتذهب هباءً .

2) .انظر : الخطبة ۲۱۵ .

3) .الشمل : السريع .

۴۵۲. مالك ، وما مالك

۴۵۳. قليلٌ مدومٌ عليه خير من

۴۵۲الأصْلُ:وقال عليه السلام وقد جاءه نعي الأشتر رحمه الله : مَالِكٌ ، وَمَا مَالِكٌ ! وَاللّهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً ، أوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً ، لاَ يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ ، وَلاَ يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ . وقال الرضي رَحِمهُ اللّهُ تعالى : والفند : المنفرد من الجبال .

الشّرْحُ:يقال : إنّ الرّضيّ خَتم كتاب نَهْج البلاغة بهذا الفصل ، وكُتبتْ به نُسَخٌ متعدِّدة ثمّ زاد عليه إلى أن وَفى الزِّيادات التي نذكرها فيما بعد . وقد تقدّم ذكرُ الأشتر ، وإنما قال : لو كان جَبَلاً لكان فِنْداً ، لأنّ الفندِ قطعةُ الجَبل طُولاً ، وليس الفِنْد القِطعةَ من الجبل كيفما كانت ، ولذلك قال : لا يرتقيه الحافر ، لأنّ القطعة المأخوذة من الجَبَل طُولاً في دِقّة لا سبيل للحافر إلى صعودِها ، ولو أُخِذت عَرْضاً لأمكَنَ صُعُودها . ثم وَصَف تلك القطعَة بالعلوّ العظيم ، فقال : ولا يوفي عليه الطائر ، أي لا يصعد عليه ، يقال : أوفى فلانٌ على الجبَل : أشرَف .

۴۵۳الأصْلُ:وقال عليه السلام :قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ .

.

۴۵۴. إذا كان في رجل خلّة رائعة

الشّرْحُ:هذا كلامٌ يُخاطِب به أهل العبادات والصلاة ، قال : قليلٌ من النوافل يدومُ المرءُ عليه خيرٌ له من كثير منها يمَلّه ويترُكه . والجيّد النادر في هذا قولُ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : إنّ هذا الدِّين متين ، فأوْغِلْ فيه برِفْق ، فإنّ المنْبتَّ لا أرضا قَطَع ولا ظَهْراً أبْقَى .

۴۵۴الأصْلُ:وقال عليه السلام :إذَا كَانَ في رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرُوا مِنْهُ أَخَوْاتِهَا .

الشّرْحُ:مثال ذلك إنسان مَستور الحال عنا رأيْناه وقد صدرتْ عنه حركةٌ تَروعُك وتُعجبك ؛ إمّا لحُسنها أو لقُبْحها ، مثل أن يتصدّق بشيء له وَقْع ومقدار مِن مالِه ، أو ينكر منكرا عجز غيرُه عن إنكاره ، أو يَسرِق أو يَزني ، فينبغي أن يُنتظر ويُترقّب منه أخَوات ما وَقَع منه ؛ وذلك لأنّ العقل والطبيعة الّتي فيه المحرِّكة له إلى فعل تلك الحركة ، لابدّ أن تحرّكه إلى فِعْل ما يُناسِبها ، لأنّه ما دعته إلى فعل تلك الحركة لخصوصيّة تلك الحركة ، بل لما فيها من المعنى المقتضي وقوعها وهذا يتعدّى إلى غيرها ممّا يجانسها .

۴۵۵الأصْلُ:

.

۴۵۵. ما فعلت إبلك الكثيرة ؟

۴۵۶. من اتّجر بغير فقه

مَا فَعَلَتْ إِ بِلُكَ الْكثِيرَةُ ؟ قَالَ : ذَعْذَعَتْهَا الْحُقُوقُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ . فَقال عليه السلام : ذلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا .

الشّرْحُ:ذعذَعَتْها بالذال المعجمة مكرّرة : فرّقتْها ، ذَعْذَعْتُه فتَذعذَع ، وذَعْذَعةُ السرّ : إذاعتُه . والذَّعاذِع : الفِرَق المتفرِّقة ، الواحدةَ ذعذَعة ، وربما قالوا : تفرّقوا ذَعاذِع . دخل غالبُ بنُ صعصعةَ بن ناجية بن عقال الُمجاشِعيّ على أمير المؤمنين عليه السلام أيّام خلافته ، وغالبٌ شيخٌ كبير ، ومعه ابنُه همّام الفَرَزْدق وهو غلام يومئذٍ ، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : مَن الشيخ ؟ قال : أنا غالبُ بنُ صعصعة ؛ قال : ذو الإبل الكثيرة ؟ قال : نعم ، قال : ما فعلت إبلُك ؟ قال : ذعذعتْها الحقُوق ، وأذهبَتْها الحَمالات والنوائب ؛ قال : ذاك أحمد سُبُلِها ؛ مَن هذا الغلامُ مَعَك ؟ قال : هذا ابني ، قال : ما اسمُه ؟ قال همّام ؛ وقد روّيْتُه الشِّعرَ يا أميرَ المؤمنين وكلامَ العَرَب ، ويوشِك أن يكون شاعرا مُجيدا ؛ فقال : لو أقرأتَه القرآنَ فهو خيرٌ له ؛ فكان الفرزدقُ بعدُ يَروي هذا الحديثَ ويقول : ما زالتْ كلمتُه في نفسي حتّى قيّد نفسَه بقَيْد ، وآلَى ألاّ يَفُكّه حَتّى يَحفَظ القرآن ، فما فَكّه حتّى حَفِظه .

۴۵۶الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهٍ فَقَدِ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا .

الشّرْحُ:يقول : تَجَر فلانٌ واتّجر فهو تاجر ، والجمع تَجْر ، مِثل صاحِب وصَحْب ، والتِّجارة والتَّجْر بمعنىً واحد ؛ إذا أخذْتَهما مصدَرَيْن لـ «تَجَر» ، وأرض مَتْجَرةٌ يُتّجر فيها . وارتطم فلانٌ في الوَحْل والأمر إذا ارْتَبَك فيه ولم يَقدِر على الخروج منه ، وإنّما قال عليه السلام

.

۴۵۷. من عظّم صغار المصائب

۴۵۸. من كرمت عليه نفسه

ذلك لأنّ مسائلَ الرِّبا مُشتَبِهة بمسائل البَيْع ، ولا يَفْرِق بينهما إلاّ الفقيه حتّى إنّ العُظماءَ من الفقهاء قد اشتَبَه عليهم الأمرُ فيها فاختلفوا فيها أشدَّ اختلاف .

۴۵۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ؛ ابْتَلاَهُ اللّهُ بِكِبَارِهَا .

الشّرْحُ:إنّما كان كذلك لأنّه يشكو اللّه ويَتسخّط قضاءه ، ويَجْحد النّعمة في التّخفيف عنهُ ، ويدّعي فيما ليس بمجحِف بهِ من حوادث الدهر أنّهُ مجحف ويتألمُ بين الناس ؛ لذلك أكثَر ممّا تقتضيه نَكْبَتُه ، ومَن فعَلَ ذلك استَوْجَب السُّخْطَ من اللّه تعالى ، وابتُلِيَ بالكثير من النَّكبة ، وإنما الواجب على من وقع في أمر يَشُق عليه ، ويتألّم منه ويَنال من نفسه ، أو من مالِه نَيْلاً ما ، أن يَحمَد اللّه تعالى على ذلك ، ويقول : لعلّه قد دَفَع بهذا عنّي ما هو أعظَم منه ، ولئن كان قد ذهب من مالي جزءٌ فلقد بقَي أجزاءٌ كثيرة .

۴۵۸الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ ، هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَتُهُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم مِثلُ هذا المعنى مِرارا ، ومن الكلام المشهور بين العامّة : قبّح اللّه امرأً تَغْلِب شَهْوَته على نَخْوَته .

.

۴۵۹. ما مزح امرؤٌ مزحةٌ إلاّ

۴۶۰. زهدك في راغب فيك

والجيّد النادر في هذا قولُ الشاعر : فإنّك إنْ أعطَيْتَ بطنَك سُؤلَهوفَرْجَك نالاَ مُنتهَى الذَّمِّ أَجمعَا (1)

۴۵۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً (2).

الشّرْحُ:قد تقدَّم القولُ في المزاح . وكان يقال : خيرُ المزاحِ لا يُنال ، وشرّه لا يُستقَالُ . وقيل : إنّما سُمِّيَ المِزاحُ مِزاحا ؛ لأنّه أُزِيح عن الحقّ .

۴۶۰الأصْلُ:وقال عليه السلام :زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظٍّ ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْس .

الشّرْحُ:أي نقصانُ حظٍّ لك ، وذلك لأنّه ليس مِن حقّ مَن رَغِب فيك أن تَزهَد فيه ؛ لأنّ الإحسان لا يُكافَأ بالإساءة ، وللقصد حُرْمة ، وللآمل ذِمام ، ومن طَلَب مودّتك فقد قَصَدك ، وأمّلك ،

.


1) .لحاتم الطائي ، ديوانه : ص ۱۱۴ .

2) .المزْح والمُزاح : المضاحكة بفعل أو قول . ومجّ الماء من فيه : رماه ، ويقال : هذا كلام تمجّه الأسماع أي تستكرهه . والمزاح الحرام هو ما يؤدي إلى الحرام . وأمّا المزاح في حدود الشرع جائز .

۴۶۱. ما زال الزبير رجلاً منّا

فلا يجوزُ رفضُه واطّراحُهُ والزّهدُ فيه ، وإذا زَهدت فيه فذلك لنُقصانِ حَظّك لا لنُقْصان حَظّه ، فأمّا رَغْبَتُك في زاهدٍ فيك فمذَلّة ؛ لأنّك تطرح نفسَك لمن لا يعبأ بك ، وهذا ذُلٌّ وصَغار .

۴۶۱الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ الْمَشْؤُومُ عَبْدُاللّهِ .

الشّرْحُ:ذكر هذا الكلامَ أبو عُمَر بنُ عبد البرّ في كتاب ( الاستيعاب ) عن أميرِ المؤمنين عليه السلام في عبدِ اللّه ابن الزبير ، إلاّ أنّه لم يَذكُر لفظة المشؤوم . يُكنى عبدُ اللّه بن الزبير أبا بكر . وشَهِد عبدُ اللّه الجَمَل مع أبيه وخالتِه . فيه خلال لا يَصلُح معها للخلافة ، فإنّه كان بخيلاً ضَيِّق العَطَن سيّء الخُلُق حَسُوداً ، كثيرَ الخلاف ، وبُويع له بالخلافة سنةَ أربع وستّين في قول أبي مَعشر . كان يُطعِم جندَه تمرا ، ويأمُرهم بالحرْب ، فإذا فَرّوا مِن وَقع السّيوف لا مَهم وقال لهم : أكَلتم تَمْري ، وعَصيْتم أمري . جَمَع عبدُ اللّه بنُ الزبير محمدَ بن الحنفية وعبدَ اللّه بن عباس في سبعةِ عشر رجلاً من بني هاشم ، منهم الحسن بنُ الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وحصَرَهم في شِعْب بمكة يُعرَف بشعب عارِم ، وقال : لا تمضي الجمعةُ حتى تُبايعوا إليَّ أو أضرب أعناقَكم ، أو أُحرّقكم . قطع عبد اللّه بن الزبير في الخطبة ذكرَ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم جُمعا كثيرة ، فاستعظم الناس ذلك ، فقال : إني لا أرغب عن ذكره ، ولكنّ له أُهيل سوء إذا ذكرتُه أتلعوا أعناقَهم ، فأنا أُحِبّ أن أكْبِتهم .

.

۴۶۲. ما لابن آدم والفخر

۴۶۳. الغنى والفقر

۴۶۲الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ ! أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ . لاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ ، وَلاَ يَدْفَعُ حَتْفَهُ .

الشّرْحُ:قد تقدّم كلامُنا في الفَخْر ، وذكَرْنا الشِّعرَ الّذي أُخِذَ من هذا الكلام ، وهو قولُ القائل : ما بالُ مَن أوّلُه نُطفةٌوجيفةٌ آخِرُه يفخَرُ يُصبِح ما يَملِك تقديمَ مايَرجُو ولا تأخيرَ ما يَحذَرُ! وإذا كان لابدّ من الفَخْر فلْيفْخَر الإنسانُ بعلْمه وبشَرِيف خُلُقه ، وإذا أعجَبَك من الدّنيا شيءٌ فاذكرْ فناءَك وبقاءَه ، أو بقاءَك وفناءَه ، أو فناءَكما جميعا .

۴۶۳الأصْلُ :الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْض عَلَى اللّهِ .

الشّرْحُ:أي لا يُعَدّ الغنيّ غنيّا في الحقيقة إلاّ من حَصَل له ثوابُ الآخرة الّذي لا يَنقطع أبدا ولا يعدّ الفقِير فقيرا إلاّ مَنْ لم يَحصُل له ذلك ، فإنّه لا يزال شقيّا معذَّباً ، وذاك هو الفَقْر بالحقيقة . فأمّا غِنَى الدنيا وفَقْرُها فأمران عَرَضيّان ، زوالهما سريع ، وانقضاؤهما وَشِيك . وإطلاق هاتَيْن اللّفظتين على مُسمّـاهما الدّنيويّ على سبيلِ المجاز عند أربابِ الطريقة ، أعنِي العارِفين .

.

۴۶۴. إنّ القوم لم يجروا في حلْبةٍ

۴۶۵. ألا حُرٌّ يدع هذه اللّماظة

۴۶۴الأصْلُ:وسُئل عن أشعر الشعراء ، فقال عليه السلام : إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبَةٍ تُعْرَفُ الْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا ، فَإِنْ كَانَ وَلاَ بُدَّ فَالْمَلِكُ الضِّلِّيلُ (1). قال : يُرِيدُ اُمْرَأ القَيْسَ .

الشّرْحُ:فأما قولُ أمير المؤمنين عليه السلام «المَلك الضّلِّيل» فإنما سُمِّي امرُؤ القيس ضِلِّيلاً لما يُعلن به في شِعره من الفِسْق ، والضِّلِّيل : الكثيرُ الضلال ، كالشِّرِّيب ، والخِمِّير والسِّكير ، والفِسِّيق ، للكثير الشُرْب وادّمان الخَمر والسُكر والفِسْق .

۴۶۵الأصْلُ:وقال عليه السلام :أَلاَ حُرٌّ يَدَعُ هذِهِ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا ! إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ ، فَـلاَ تَبِيعُوهَا إِلاَّ بِهَا .

الشّرْحُ:اللَّماظة بفَتْح اللاّم : ما تَبقَّى في الفم من الطّعام ولَمَظ الرجل يَلمُظ بالضمّ لَمْظاً ، إذا تتبّع بلسانِه بقيّة الطعام في فمه وأخرَج لسانه فمسَح به شفَتيه ، وكذلك التَّلمُّظ [ والمراد بها هنا الدنيا ] .

.


1) .جرى الفرس : ركض وعدا . الحَلْبة : القطعة من الخيل تجتمع للسباق . القصبة : الغاية التي تنصب آخر السباق .

۴۶۶. منهومان لا يشبعان

۴۶۷. علامة الإيمان : أن تؤثر الصدق

وقال : «ألا حُرٌّ» ، مبتدأ ، وخبرُه مَحْذوف أي في الوجود . ثم قال : إنه ليس لأنفسِكم ثمنٌ إلاّ الجنة ، فلا تبيعوها إلاّ بها ، من الناس من يبيعُ نفسه بالدراهم والدّنانير ، ومن الناس من يبيع نفسه بأحقر الأشياء وأهونِها ، ويتبع هواهُ فيَهلك ، وهؤلاء في الحقيقة أحمقُ الناس ، إلاّ أنه قَدْ رِين على القُلوب ، فغطّتها الذنوب ، وأظلمت الأنفسُ بالجهْل وسوء العادة ، وطال الأمد أيضا على القلوب فَقَسَتْ ، ولو أفكر الإنسانُ حَقّ الفِكْر لما باع نفسه إلاّ بالجنّة لا غير .

۴۶۶الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا .

الشّرْحُ:تقول : نَهم فلانٌ بكذَا فهو مَنْهوم ، أي مُولع به ، وهذِه الكلمة مَرْويّة عن النّبيّ صلى الله عليه و آله وسلم : «مَنْهومان لا يَشبَعان : منهومٌ بالمالِ ، ومنهومٌ بالعلْم» . والنَّهَم بالفَتْح : إفراطُ الشَّهْوة في الطّعام ، تقول منه : نَهِمْتُ إلى الطّعام بكسرِ الهاء أنْهَم فأنَا نَهِم . فأمّا طالبُ العِلْم العاشِقُ له ، فإنّه لا يَشبَع منه أبدا ، وكلّما استَكثَر منه زادَ عِشْقهُ له ، وتَهَالُكُه عليه .

۴۶۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :علامَةُ الاْءِيمَانُ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ ، عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ ،

.

۴۶۸. يغلب المقدار على التقدير

وَأن لا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ .

الشّرْحُ:قد أخَذ المعنَى الأوّل القائلُ : عليكَ بالصِّدْق ولَو أنّهأحْرَقَك الصِّدْقُ بنارِ الوَعِيدْ ويَنبغِي أن يكونَ هذا الحُكْم مقيّدا لا مطلقاً ، لأنّه إذا أضَرّ الصِّدْق ضَرَراً عظيماً يؤدِّي إلى تَلَف النَّفْس أوْ إلى قَطْع بعضِ الأعضاء لم يَجُزْ فِعلُه صَريحاً ، ووجَبتْ المعَاريضُ حينئذٍ . قال عليه السلام : «وأن لا يكونَ في حديثِك فَضْل عن علمِك» ، مَتَى زاد مَنطِق الرجل على عِلْمِه فقد لَغَا وظَهَر نقصُه ، والفاضلُ من كان عِلمُه أكثرَ من مَنطِقه . قوله : «وأن تَتّقي اللّه في حديثِ غيرك » ، أي في نَقْلِه وروايتِه فَترْوِيه كما سَمِعْتَه من غير تحريف .

۴۶۸الأصْلُ:وقال عليه السلام :يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ ، حَتَّى تَكُونَ الآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ .

قال : وقد مضى هذا المعنى فيما تقدم برواية تخالف هذه الألفاظ (1).

الشّرْحُ:قد تقدَّم هذا المعنى ، وهو كثيرٌ جداً ، ومن جيّده قول الشاعر : لعَمْرُك ما لامَ ابنُ أخطبَ نَفْسَهولكنه من يَخْذُل اللّه يخذلِ لجاهدَ حتى تَبلُغَ النفس عُذْرَهاوقَلْقَل يبغي العِزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ

.


1) .يريد الشريف الرضي بهذا الحكمة ۱۷ «تذلّ الأُمور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير» .

۴۶۹. الحلم والأناة توأمان

۴۷۰. الغيبة جهد العاجز

۴۷۱. رُبَّ مفتون بحسن القول فيه

۴۶۹الأصْلُ:وقال عليه السلام :الْحِلْمُ وَالأناةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ (1).

الشّرْحُ:قد تقدّم هذا المعنى وشرحه مرارا . وكان يقال : الأناة حِصْن السلامة ، والعَجلة مفتاحُ الندامة . وكان يقال : التأنِّي مع الخَيْبة ، خيرٌ من التهوُّر مع النّجاح .

۴۷۰الأصْلُ:وقال عليه السلام :الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجزِ (2).

الشّرْحُ:وقيل للأحنف : مَنْ أشرَف الناس ؟ قال : من إذا حَضَر هابُوه ، وإذا غاب اغتابوه .

۴۷۱الأصْلُ:وقال عليه السلام :رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ .

.


1) .الحِلْم : إمساك النفس عن هيجان الغضب . الأناة : عدم العجلة والتروي في الشيء . التوأمان : المولودان في بطن واحد .

2) .الغيبة : ذكرك أخاك المؤمن بما يكره وهو غائب ، وهي سلاح العاجز ينتقم به من عدوّه ، وهي جهده : أي غاية ما يمكنه .

۴۷۲. الدُّنيا خلقت لغيرها

الشّرْحُ:طالَما فُتِن الناسُ بثنَاءِ النّاس عليهم ، فيقصِّر العالِم في اكتساب العِلم اتّكالاً على ثَناءِ النّاس عليه ، ويقصِّر العابدُ في العِبادة اتّكالاً على ثَناءِ الناسِ عليه ، ويقول كلّ واحد منهما : إنّما أردتُ ما اشتَهَرْتُ به ، للصِّيت ، وقد حَصَل ، فلِمَاذا أتكلّف الزّيادة ، وأُعاني التّعب ! وأيضاً فإنّ ثَنَاء النّاس على الإنسان يَقتضي اعتراء العُجْب له ، وإعجاب المرءِ بنَفْسه مُهلِك . قال ابن أبي الحديد : واعلمْ أنّ الرّضيّ رحمه الله قَطَع كتابَ نَهْج البلاغة على هذا الفَصْل ، وهكذا وجدتُ النُّسخة بخَطّه وقال : ( هذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قَطْع المُنتزَع من كلام أمير المؤمنين عليه السلام : حامِدين للّه سبحانَه على ما مَنَّ به من توفيقِنا لضمّ ما انتشَرَ من أطرافه وتقريب ما بَعُد من أقطاره ، مقرِّرِين العزَم كما شرطْنا أوّلاً على تفضيل أوراقٍ من البياض في آخِر كلّ باب من الأبواب ، لتكون لاقتناص الشارِد ، واستِلْحاقِ الوارد ، وما عَساه أن يَظهرَ لنا بعد الغمُوض ، ويقع إلينا بعد الشّذوذ ، وما توفيقُنا إلاّ باللّه ، عليه توكّلنا ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيل ، نعمَ المولَى ونعمَ النّصير ) . ثم وجَدْنا نسخا كثيرةً فيها زيادات بعد هذا الكلام ؛ قيل : إنها وُجِدَتْ في نسخةٍ كتبتْ في حَيَاةِ الرَّضيّ رحمه الله وقُرئَت عليه فأمضاها ، وأَذِن في إلحاقِها بالكِتاب ونحن نذكرها .

۴۷۲الأصْلُ:وقال عليه السلام :الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا ، وَلَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا .

الشّرْحُ:قال أبو العلاء المَعَرّيّ ـ مع ما كان يُرمَى به ـ في هذا المعنى ما يُطابِق إرادةَ أمير المؤمنين عليه السلام بلَفْظه هذا : خُلِقَ الناسُ للبَقاءِ فضَلّتْأمّةٌ يحسَبونَهم للنَّفادِ إنّما يُنقَلون من دارِ أعمالٍ إلى دارِ شِقْوةٍ أو رَشادِ

.

۴۷۳. إنّ لبني أُميّة مروداً

۴۷۳الأصْلُ:وقال عليه السلام :إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيَما بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ الضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ . قال الرضيُ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى : وهذا من أفصح الكلامِ وأَغربهِ ، والمرْوَدُ هاهنا مِفْعَل من الإرْوَاد ، وهو الإمهال والإنظَارُ ، فكأنه عليه السلام شبّه المهلة التي هم فيها بالمِضْمارِ الذي يجْرُون فيه إلى الغاية ، فإذا بلغوا منقَطَعها انتقض نظامُهُم بعدها .

الشّرْحُ:هذا إخبارٌ عن غَيْب صريح ، لأنّ بني أُميّة لم يزل مُلكُهم منتظِما لمّا لم يكن بينهم اختلاف ، وإنّما كانت حروبُهم مع غيرهم كحَرْب معاويةَ في صِفِّين ، وحرب يزيد أهلَ المدينة ، وابن الزبير بمكّة ، وحرب مروانَ الضحّاك ، وحَرْب عبد الملك ابنَ الأشعث وابنَ الزبير ، وحرب يزيد ابنه بني المهلّب ، وحرب هشام زيدَ بن علي ، فلمّا ولي الوليد بن يزيد وخرج عليه ابنُ عمّه يزيد بن الوليد وقتَلَه ، اختلفتْ بنو أُميّة فيما بينهما ، وجاء الوعدُ ـ وصَدَق من وعد به ـ فإنّه منذ قتل الوليد دَعت دعاةُ بني العبّاس بخُراسان ، وأقْبَل مروانُ بنُ محمّد من الجزيرة يَطلُب الخلافة ، فخلع إبراهيم بن الوليد ، وقَتَل قوماً من بني أُميّة ، واضطرَب أمرُ الملك وانتَشَر ، وأقبَلت الدولةُ الهاشميّة ونَمَتْ ، وزال مُلْك بني أُميّة ، وكان زَوال مُلْكهم على يد أبي مُسلِم ، وكان في بدايته أضعفَ خَلْق اللّه وأعظمَهم فَقْراً ومَسكَنة ، وفي ذلك تَصديقُ قوله عليه السلام : «ثمّ لو كادَتْهم الضِّباع لغَلَبَتهم» .

.

۴۷۴. هُم واللّه رَبُّوا الإسلام

۴۷۵. العين وكاء السته

۴۷۴الأصْلُ:وقال عليه السلام في مدْحِ الأنصارِ :هُمْ وَاللّهِ رَبَّوُا الاْءِسْلاَمَ كَمَا يُرَبَّى الْفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمُ السِّبَاطِ ، وَأَلْسِنَتِهِمُ السِّلاَطِ (1).

الشّرْحُ:ويُروَى : «بأيديهم البِساط» ، أي الباسِطة ، والأُولى جَمْع سَبْط يَعنِي السَّماح ، وقد يقال للحاذق بالطَّعن : إنّه لسَبْط اليَدَين ، يريدُ الثّقافة . وألسنتهم السِّلاط ، يعني الفَصيحة . وقد تقدّم القولُ في مَدْح الأنصار ، ولو لم يكن إلاّ قولُ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم فيهم : «إنّكم لتَكثرُون عند الفَزَع ، وتَقِلّون عند الطَّمَع» ، لكان فخراً لهم . وهذا عظيمٌ جدّاً وفوق العَظِيم ، ولا ريبَ أنّهم الّذين أيّد اللّهُ بهم الدّين ، وأظهَرَ بهم الإسلام بعد خَفائِه ، ولولاهم لَعَجز المهاجرون عن حَرْب قريش والعرب ، وعن حِمايةِ رَسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلمولولا مَدينتهم لم يكن للإسلام ظَهْر يَلْجَؤون [ إليه ] ، ويكْفِيهم فَخْراً يوم حَمْراء الأسد ، يوم خرجَ بهم رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم إلى قريش بعد انْكسار أصحابِه ، وقتلِ مَن قُتل منهم ، وخرجوا نحوَ القوم والجراحُ فيهم فاشية ، ودماؤهم تَسيل ، وإنّهم مع ذلك كالأُسْد الغِراث تَتواثَب على فَرائِسها ، وكم لهم من يومٍ أغرّ محجَّل ! وقالت الأنصار : لولا عليّ بنُ أبي طالب عليه السلام في المهاجِرين لأبَيْنا لأنْفُسنا أن يُذكَر المهاجرون مَعنا ، أو أن يُقرَنوا بنا ، ولكنْ رُبَّ واحدٍ كألف ؛ بل كألُوف .

۴۷۵الأصْلُ:وقال عليه السلام :الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّتَهِ .

.


1) .ربّوا الإسلام : من التربية والإنماء ، والمراد أنهم أقاموا على تقوية الدين ونصرته ودعمه . الفلو : المهر إذا بلغ سنة .

۴۷۶. ووليهم والٍ فأقام واستقام

قال الرضي (رَحمهُ اللّهُ تعالى) : وهذه من الاستعارات العجيبة ، كأنه يشبه السَّتَهَ بالوعاء ، والعين بالوكاء ، فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء . وهذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النبي صلى الله عليه و آله ، وقد رواه قوم لأميرالمؤمنين عليه السلام ؛ وذكر ذلك المبرد في كتاب (المقتضب) في باب اللفظ بالحروف . قالَ الرَّضيّ : وقد تكلمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم (بمجازات الآثار النبوية) .

الشّرْحُ:المعروف أنّ هذا من كلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ذكَرَه المحدِّثون في كُتِبهم وأصحابُ غَرِيب الحديث في تصانيفهم ، وأهلُ الأدب في تفسير هذه اللّفظة في مجموعاتهم اللّغوية ، ولعل المبرِّد اشتَبَه عليه فنَسَبه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، والرواية بلَفْظ التثنية : «العَيْنان وِكاءُ السَّتَهِ» ، والسَّتَهُ : الاسْتُ . وقد جاء في تمامِ الخَبَر في بعض الرّوايات : «فإذا نامت العَيْنان استَطلَق الوِكاء» ، والوكاء : رِباطُ القِرْبة ، فجعل العَيْنين وِكاء ـ والمُرَادُ اليَقَظة ـ للسَّتَه كالوِكاء للقِرْبة ، ومنه الحديث في اللُّقَطة : «احْفَظ عِفاصَها ووِكاءها ، وعرّفها سنةً ، فإن جاء صاحِبُها وإلاّ فشأنَك بها» ، والعِفاص : السِّداد ، والوكاء : السّداد ، وهذه من الكِنايات اللطيفة .

۴۷۶الأصْلُ:وقال عليه السلام في كلامٍ لَه :وَوَلِيَهُمْ وَالٍ فأَقَامَ وَاسْتَقَامَ ، حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بِجِرَانِهِ .

الشّرْحُ:الجِران : مقدَّم العُنُق ، وهذا الوالي هو عمرُ بنُ الخَطاب (1).

.


1) .قال محمد عبده : يريد بالوالي هنا : النبي صلى الله عليه و آله وسلم . ووليهم : أي تولّى أُمورهم وسياسة الشريعة فيهم . انتهى . وقوله عليه السلام : «فأقام واستقام» ، أي لم يكن عمر مثل عثمان لم يملك أمر نفسه ، وكان عمر بالضدّ ، كان مستبدّا . وقوله عليه السلام : «على عسف وعجرفية كانا فيه » : كقوله عليه السلام في الشقشقية : «حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخش مسّها ويكثر العثار فيها ...» نهج الصباغة للتستري ۹ : ۵۰۹ .

۴۷۷. يأتي على الناس زمانٌ عضوضٌ

وهذا الكلامُ من خطْبةٍ خَطبها في أيّام خلافته طويلةٍ ؛ يذكر فيها قُرْبه من النبي صلى الله عليه و آله وسلمواختصاصه له ، وإفضاءَه بأسراره إليه ، حتى قال فيها : «فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلاً منهم ، فقارَبَ وسَدّد حَسَب استطاعته على ضَعْفٍ وَحدّ كانا فيه ، وليهم بعده وَالٍ ، فأقامَ واستقامَ حتى ضَرَب الدِّين بِجرانهِ ، على عَسْف وعَجْرَفيّة كانا فيه ، ثمَّ اختلفوا ثالثاً لم يكن يملك من أمر نفسه شيئا ، غَلَب عليه أهلُه فقادوه إلى أهوائهم كما تقود الوليدةُ البعير المخْطوم ، فلم يزل الأمرُ بينه وبين الناس يَبعُد تارة ويقرُب أُخرى حتى نزَوْا عليه فقَتَلوه ، ثم جاءوا بي مَدَبّ الدَّبا يريدون بَيْعتي» . وتمام الخطبة معروف ، فليطلب من الكُتُب الموضوعة لهذا الفنّ .

۴۷۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :يَأتِي عَلَى النَّاس زَمَانٌ عَضُوضٌ ، يَعَضُّ الْمُوسِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذلِكَ ، قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ «وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» ؛ يَنْهَدُ فِيهِ الْأَشْرَارُ ، وَيُسْتَذَلُ الْأَخْيَارُ ، ويُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله عَنْ بِيَعِ الْمُضْطَرِّينَ .

الشّرْحُ:زمانٌ عَضُوض ؛ أي كلِب على النّاس ، كأنه يَعَضّهم ، وفُعول للمبالَغة ، كالنَّقور والعَقوق ، ويجوز أن يكون من قولهم : بئرٌ عَضُوض ، أي بعيدةُ القَعْر ضَيّقة ، وما كانت البئر عَضُوضاً ، فأعضّت ، كقَوْلهم : ما كانت جَرُوراً فأجرّت ، وهي كالعَضوض . وعَضّ فلانٌ على ما في يده ، أي بَخِل وأمسك .

.

۴۷۸. يهلك فيّ رجلان

وينْهد فيه الأشرار ، ينهضون إلى الولايات والرِّياسات ، وترتفع أقدارُهم في الدنيا . ويُستَذَلّ فيه أهْل الخيْر والدِّين ، ويكون فيه بَيْعٌ على وجه الاضطرار والإلجاء ؛ كمن بيعتْ ضَيْعَته ؛ وهو ذليل ضعيف ، مِن ربِّ ضَيْعةٍ مجاورة لها ذي ثَرْوة وعِزّ وجاه فيلجِئه بمَنْعه الماء واستذلاله الأكرةَ والوكيل إلى أن يبيعها عليه ؛ وذلك منهيٌّ عنه ، لأنّه حرامٌ مَحْض .

۴۷۸الأصْلُ:وقال عليه السلام :يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ : مُحِبٌّ مُفْرِطٌ ، وَبَاهِتٌ مُفْتَرٍ .

قال الرضي رحمه الله : وهذا مثل قوله عليه السلام : «هَلَكَ فِيّ اثْنانِ : مُحِبٌّ غَالٍ ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ » .

الشّرْحُ:قد تقدّم شرحُ مِثلِ هذا الكلام ؛ وخلاصةُ هذا القول : أنّ الهالك فيه المُفْرِط والمفرِّط ، أما المُفرِط فالغُلاة ، ومن قال بتكفير أعيان الصّحابة ونِفاقِهم أو فِسْقهم ، وأمّا المُفرِّط فمن استنقص به عليه السلام أو أبغَضَه أو حارَبَه أو أضمَر له غِلاًّ ؛ ولهذا كان أصحابُنا أصحابَ النّجاة والخلاص والفَوْز في هذه المسألة ؛ لأنّهم سَلَكوا طريقةً مقتصدة ، قالوا : هو أفضل الخَلْق في الآخرة ، وأعلاهُم منزلةً في الجنّة ، وأفضل الخَلق في الدّنيا ، وأكثرهم خصائص ومزايَا ومناقب ، وكلّ من عاداه أو حاربه أو أبغَضَه فإنه عدوٌّ للّه سبحانه وخالدٌ في النّار مع الكفّار والمنافقين ، إلاّ أن يكون ممن قد ثبتتْ توبتُه ، ومات على تولِّيه وحُبِّه . فأما الأفاضلُ مِن المهاجرين والأنصار الذين وَلُوا الإمامَة قبله فلو أنّه أنكر إمامتَهم وغضب عليهم ، وسخط فعلهم ، فضلاً عن أن يُشهِر عليهم السيف ، أو يدعو إلى نفسه ، لقُلْنا : إنهم من الهالكين ، كما لو غضب عليهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، لأنّه قد ثبَت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمقال له : «حربُك حَرْبي ، وسَلْمك سَلْمي» ، وأنه قال : «اللهم والِ مَن والاه ، وعاد من عاداه» ، وقال له : «لا يُحبُّك إلاّ مُؤْمن ، وَلا يبغضك إلاّ مُنافِق» ، ولكنا رأيناه رضيَ إمامَتَهم وبايعهم وصلّى

.

خلفهم وأنكحهم وأكل من فيئهم ، فلم يكن لنا أن نتعدَّى فعله ، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه ؛ ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئْنا منه ، ولمّا لَعَنه لعنّاه ، ولمّا حَكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصّحابة كعَمْرو بن العاص وعبد اللّه ابنه وغيرهما حكمنا أيضا بضلالهم! والحاصل أنا لم نَجْعل بينه وبين النبي صلى الله عليه و آله وسلم إلاّ رتبة النبوّة ، وأعطيناه كلّ ما عدا ذلك من الفَضْل المشترك بينه وبينه ، ولم نَطعَن في أكابر الصحابة الذين لم يصحّ عندنا أنه طعن فيهم ، وعاملْناهم بما عامَلَهم عليه السلام به ۱ .

.

۴۷۹. التوحيد ألاّ تتوهّمه

۴۷۹الأصْلُ:وسُئل عن التوحيد والعدل ؛ فقال : التَّوْحِيدُ أَلاَّ تَتَوَهَّمَهُ ، وَالْعَدْلُ أَلاَّ تَتَّهِمَهُ .

الشّرْحُ:معنى قوله : «ألاّ تتوهّمه» ، أي ألاّ تتوهّمهُ جسْماً أو صورةً أو في جهةٍ مخصوصة ، أو مالئا لكلِّ الجهات كما ذَهَب إليه قومٌ ، أو نُوراً من الأنوار ، أو قوّة ساريةً في جميع العَالم ، كما قالَه قومٌ ، أو مِنْ جنس الأعْرَاض الّتي تَحُلُّ الَمحالّ أو تَحُل الَمحَلّ ، وليس بعَرَض كما قاله النّصارى وغُلاة الشِّيعة ، أو تحلّه المعاني والأعراض ، فمتى تُوُهّم على شيء مِنْ هذا فقد خُولف التوحيد . وأمّا الركن الثاني فهو ألاّ تتّهمه ، أي لا تتّهمه في أنه أجْبَرك على القبيح ، ويعاقبك عليه ،

.

۴۸۰. اللّهم اسقنا ذلل السحاب

۴۸۱. الخضاب زينةٌ ونحن قومٌ

حاشَاه من ذلك! ولا تتَّهمه في أنّه مَكّن الكَذّابين من المعجزات ، فأضَلّ بهم الناس ، ولا تتهمه في أنّه كلّفك ما لا تُطِيقه ، وغير ذلك .

۴۸۰الأصْلُ:وقال عليه السلام في دُعاءٍ اسْتَسْقَى بِهِ :اللَّهُمَّ اسْقِنَا ذُلُلَ السَّحَابِ دُونَ صِعَابِهَا .

قال الرضي رحمه الله : وهذا من الكلام العجيب الفصاحة ، وذلك أنه عليه السلام شبّه السُّحُبَ ذوات الرعود والبوارق والرياح والصواعق ، بالإبل الصعاب التي تقمص برحالها ، وتَتَوقَّص بركبانها ، وشبّه السَّحاب الخالية من تلك الزوابع بالإبل الذلل التي تُحتلب طيّعة ، وتُقتعد مُسمحة .

الشّرْحُ:قد كَفَانا الرضيُّ رحمه الله بَشرْحه هذه الكلمةَ مَؤُونَة الخَوْض في تفسيرها .

۴۸۱الأصْلُ:وقيل له عليه السلام : لو غَيّرتَ شيبَكَ يا أميرَ المؤمنين ! فقال عليه السلام :الْخِضَـابُ زِينَـةٌ ، وَنَحْـنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَـةٍ برسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم .

.

۴۸۲. ما المجاهد الشهيد

۴۸۳. القناعة مالٌ لا ينفقد

۴۸۲الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَا المُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ (1)؛ لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ .

الشّرْحُ:قد تقدّم القولُ في العِفّة ، وهي ضُرُوب : عِفّة اليد ، وعِفّة اللسان ، وعِفّة الفَرْج ، وهي العُظْمَى ، وقد جاء في الحديث المرفوع : «مَن عَشِق فكَتَم وعَفّ وصَبَر فماتَ ماتَ شهيدا ودخَل الجنّة» . وفي حكمةِ سليمانَ بن داود : إن الغالبَ لِهوَاه أشدّ من الّذي يَفتَح المدينة وحدَه .

۴۸۳الأصْلُ:وقال عليه السلام :الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ . قال : وقد روى بعضهم هذا الكلام لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم .

الشّرْحُ:قد تَقدَّم القولُ في هذا المعنى (2)، وقد تكرّرتْ هذه اللّفظة بذاتِها في كلامِه عليه السلام .

.


1) .العفة : هي ضبط النفس عن الملاذ الحيوانيّة .

2) .تقدم مثله في الحكمة ۵۵ .

۴۸۴. استعمل العدل واحذر العسف

۴۸۵. أشدُّ الذنوب ما استخفّ به

۴۸۴الأصْلُ:وقال عليه السلام لزياد بن أبيه وقد استخلَفَه لعبد اللّه بن العبّاس على فارس وأَعمالِها ، في كلام طويل كان بينهما ، نهاه فيه عن تقدُّم الخراج : اسْتَعْمِلِ الْعَدْلَ ، وَاحْذَرِ الْعَسْفَ والْحَيْفَ ، فَإِنَّ الْعَسْفَ يَعُودُ بِالْجَلاَءِ ، وَالْحَيْفَ يَدْعُو إِلَى السَّيْفِ (1).

الشّرْحُ:قد سَبَق الكلامُ في العَدْل والجَوْر . وكانت عادة أهلِ فارس في أيّام عثمانَ أن يَطلُب الوالي منهم خرَاجَ أملاكِهم قبل بَيْع الِّثمار على وَجْه الاسْتِسْلاف ، أو لأنّهم كانوا يظنّون أن أوّل السنّة القَمَريّة هو مُبتدَأ وجُوبِ الخرَاج حَمْلاً للخَراج التابع لسَنَة الشّمس على الحُقوق الهلاليّة التابعة لسَنَة القَمَر ، كأُجْرةِ العَقار ، وجَوالِي أهلِ الذِّمّة ، فكان ذلك يُجْحِف بالنّاس ويدعو إلى عَسْفِهم وحَيْفِهم .

۴۸۵الأصْلُ:وقال عليه السلام :أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهَا صَاحِبُها (2).

.


1) .العسف : الشدّة في غير حقّ . الحيف : الميل عن العدل إلى الظلم . وهو ينزع بالمظلومين إلى القتال لإنقاذ أنفسهم . الجلاء : التفرّق والتشتّت .

2) .مرّ مثله في الحكمة (۳۵۴) بلفظ : ما استهان بدل ما استخفّ .

۴۸۶. ما أخذ اللّه على أهل الجهل

۴۸۷. شرُّ الإخوان من تُكُلّف له

الشّرْحُ:عُظْمُ المصيبةِ على حَسَب نِعْمة العاصي ، ولهذا كان لَطْم الولد وجهَ الوَالدِ كبيرا ليس كلَطمةِ وجه غيرِ الوَالد . ولمّا كان الباري تعالى أعظَمَ المُنعِمين ، بل لا نِعمةً إلاّ وهي في الحَقيقةِ مِن نِعَمه ، ومنسوبة إليه ، كانت مخالفَتَه ومعصِيَته عظيمة جدّاً ، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعصِيَه في أمرٍ وإن كان قليلاً في ظَنّه ، ثم يستقلّه ويستهين به ، ويُظهِر الاستخفافَ وقلّة الاحتفال بمواقَعته ، فإنّه يكون قد جَمَع إلى المعصية معصيةً أُخرى ، وهي الاستخفاف بقَدْر تلك المعصية الّتي لو أمعَن النَّظَر لَعلم أنّها عظيمة ، ينبغي له لو كان رشيداً أن يَبكِيَ عليها الدَّمَ فَضْلاً عن الدَّمْع ، فلهذا قال عليه السلام : «أشدّ الذنوب ما استَخَفَّ بها صاحِبها» .

۴۸۶الأصْلُ:وقال عليه السلام :مَا أَخَذَ اللّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا .

الشّرْحُ:تعليمُ العِلْم فرضُ كفايةٍ ، وفي الخَبَرِ المرفوعِ «من عَلِم عِلْما وكَتَمَهُ ألجَمَهُ اللّهُ يومَ القيامة بِلجامٍ من نار» .

۴۸۷الأصْلُ:وقال عليه السلام :شَرُّ الاْءِخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَهُ .

.

۴۸۸. إذا احتشم المؤمن أخاه

الشّرْحُ:إنما كان كذلك لأنّ الإخاء الصادق بينهما يوجب الانبساط ، وترك التكلف ، فإذا احتيج إلى التكلّف له فقد دلّ ذلك على أن ليس هناك إخاء صادق ، ومن ليس بأخ صادق فهو من شرّ الإخوان .

۴۸۸الأصْلُ:وقال عليه السلام :إِذَا احْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ .

الشّرْحُ:ليس يعني أن الاحتشام علة الفرقة ، بل هو دلالة وأمارة على الفرقة ؛ لأنّه لو لم يَحْدُث عنه ما يقتضي الاحتشام لا نبسط على عادته الأُولى ، فالانقباض أمارة المباينة . * * * هذا آخر ما دَوّنه الرَّضيّ أبو الحسن رحمه الله من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في ( نهج البلاغةِ ) ، قد أتينا على شرحِه بمعونةِ اللّهِ تعالى . * * * وللّه المنّة والشكر على توفيقه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل فقد وقع الفراغ من هذا المختصر في ۱ ذي الحجة سنة ۱۳۲۳ ه أسأله تعالى بكرمه ولطفه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وختم ابن أبي الحديد (رحمه اللّه ) شارح نهج البلاغة كتابه بقوله وصلى اللّه على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الأطهار الأبرار وسلّم تسليما كثيرا ... وأنا أستغفرُ اللّه العظيم من كلِّ ذنب يُبعدُ من رحمته ، ومن كل خاطرٍ يدعو إلى الخروج عن طاعته ؛ وأستشفعُ إليه بمن أنصبتُ جسدي ، وأسهرتُ عيني ، وأعملت فكري ، واستغرقتُ طائفةً من عمري ، في شرح كلامه ، والتَّقرُبِ إلى اللّه بتعظيم منزلته ومقامه ، أن يعتق رقبتي من النّار ، وألاّ يبتليني في الدّنيا ببلاء تعجز عنه قوَّتي ، وتضعف عنه طاقتي ،

.

وأن يصون وجهي عن المخلوقين ، ويكفَّ عنّي عادية الظالمين ، إنه سميعٌ مجيبٌ ، وحسبنا اللّهُ وحده وصلواته على سيدنا محمّدٍ النبيِّ وآله وسلامه . تمّ بحمد اللّه تعالى نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد . وأنا العبد المفتقر إلى رحمة اللّه ورضوانه عبد الهادي بن السيد مجبل الحسيني الشريفي أحمد اللّه الذي أكرمني بإتمام هذا التهذيب المستخلص من شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة ، وما أوردت فيه من نكات مهمة في الهوامش دفاعاً عن الحقيقة وتحقيق نصوصه بقدر وسعي وطاقتي . أرجو أن يسد هذا الأثر الخالد فراغاً كبيراً في المكتبة الإسلامية ، ويعين المطالع الكريم على الوصول إلى مقاصد أمير البيان عليه السلام . أسأل الباري عزوجل أن يغفر لي ولوالدي وأهل بيتي ، وأن يمنّ بقوته على ضعفي ، وبغناه على فقري ويكفني المهمّ من أمر دنياي وآخرتي ، ويقبل تقربي إليه بهذه البضاعة المزجاة ويجعلها جوازي إلى شفاعة سيد الوصيّين عليه السلام إنه سميع مجيب . والصلاة وأتمّ التسليم على سادة الخلق محمد وآله الطاهرين الأوصياء المرضيين . وقع الفراغ منه في ۲۳ ربيع الثاني ۱۴۲۵ ، المصادف ۱۲ حزيران ۲۰۰۴ ، واللّه ولي التوفيق والتسديد ، والحمد للّه ربّ العالمين .

.

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

فهرس الكتب

.

.

. .

محتويات الكتاب .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .

. .