ghaemiyeh.com
سرشناسه : ابن عديم، عمر بن احمد، ۵۸۸-۶۶۰ق.
عنوان و نام پديدآور : زبدةالحلب من تاريخ حلب/ كمالالدين عمربن احمدبن ابيجرادة؛ حققه و قدم له سهيل زكار.
مشخصات نشر : بيروت: دارالكتابالعربي، ۱۴۱۸ق.= ۱۹۹۷م.= ۱۳۷۶ -
مشخصات ظاهري : ج.: نمونه.
وضعيت فهرست نويسي : برونسپاري.
يادداشت : عربي.
يادداشت : ج. ۲( چاپ اول: ۱۴۱۸ق.= ۱۹۹۷م.= ۱۳۷۶).
يادداشت : كتابنامه.
يادداشت : نمايه.
موضوع : حلب (سوريه) --تاريخ
موضوع : حلب (سوريه) -- اوضاع اجتماعي
شناسه افزوده : زكار، سهيل
رده بندي كنگره : DS۹۹/ح۸الف۲۴ ۱۳۷۶
رده بندي ديويي : ۹۵۶/۹۱۳
شماره كتابشناسي ملي : م۷۸-۲۶۸۰۷
بسم اللّه الرّحمن الرحيم
تقديم
تعدّ مدينة حلب من أعرق مدن بلاد الشام و أكثرها أهمية، و قد شغلت أعظم الأدوار فى تاريخ هذه البلاد فى الاسلام، و على محورها و محور دمشق دارت الأحداث الرئيسية لتاريخ الشام الاسلامي، و منها استردت الشخصية الشامية الثقافية ذاتها بعد ما لحق بها التدمير أثر سقوط الدولة الأموية.
و صحيح أن الأدوار السياسية و العسكرية لحلب عالية جدا، لكن دورها الحضاري أكثر تميزا و تأثيرا و شمولية، و كان التاريخ بين أبرز الحقول الثقافية التي أسهم فيها الحلبيون، و لا أعني سكان المدينة فقط بل سكان الشام الشمالي، لأن حلب غدت منذ القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد مركزا لإمارة، غالبا ما امتدت حدودها جنوبا حتى بلده الرستن على العاصي.
و كان أبو غالب همام بن الفضل بن جعفر بن المهذب المعري، أهم مؤرخي القرن الخامس ه/ الحادي عشر م، هذا و لم أستطع الوقوف على ترجمة منفصلة له، و لكن ابن العديم الذي نقل أجزاء كبيرة جدا من تاريخه
في كتابه بغية الطلب، قد ذكره بين تلاميذ أبي العلاء المعري [ت 449 ه/ 1057 م] و توحي النقول الطويلة التي قام بها ابن العديم بطبيعة كتابه، حيث يبدو أنه كان يتألف من تاريخ حولي عام ركز على تدوين أخبار الأحداث التي وقعت في معرة النعمان و حلب، و تعلقت المعلومات المنقولة بتأسيس الدولة المرداسية في حلب من قبل صالح بن مرداس، ثم بحكم ثمال بن صالح بن مرداس و علاقاته بالخلافة الفاطمية، و ببدايات استيلاء السلاجقة على بلاد الشام بعد العراق، مع حملة السلطان ألب أرسلان ضد حلب.
و كان من معاصري ابن المهذب الطبيب المسيحي أبو الخير المبارك بن شرارة، و كان ابن شرارة كاتبا بالاضافة إلى كونه طبيبا، و قد عاش في مدينة حلب حتى أيام رضوان بن تتش (1095- 1113 م)، و قد هجر مدينته و ذهب أولا إلى أنطاكية و من هناك إلى صور بسبب سوء معاملة رضوان له و طغيانه، و في صور توفي حوالي سنة 490 ه/ 1096 م، و كتب المبارك تاريخا روى فيه بشكل أساسي الحوادث التي وقعت في أيامه، لا سيما الوقائع التي شهدتها حلب، و كان من شهودها. و يبدو أن هذا التاريخ لم يرج كثيرا، و لذلك فقدت نسخه بعد وفاة مؤلفه بأمد قصير، ذلك أن القفطي [ت 646 ه/ 1248 م] قال إنه أخفق في الحصول على نسخة منه، و أنه تلقى من مصر نسخة سيئة و مختصرة من هذا التاريخ، كان قد اختصرها مصري غير معروف.
و من معاصري ابن شرارة كان منصور بن تميم بن الزنكل، الذي كان شاعرا من سرمين، شهد أحداث وفود التركمان إلى الشام الشمالي، و دوّن بعضها لكن لا نعرف وفق أي منهج، و الذي نعرفه أن ابن العديم نقل عنه بعض الأخبار في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب.
و قام في القرن السادس ه/ الثاني عشر/ م على الأقل ثلاثة من الحلبيين بكتابة تواريخ خاصة بمدينة حلب و هم: حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي [ت 1147 م] و علي بن عبد الله بن أبي جرادة [ت 1551 م] و محمد بن علي العظيمي المتوفى حوالي سنة 1161 م، و من المؤسف أنه لم يتعد ما وصلنا مما كتبة هؤلاء عن حلب بعض النقول الموجودة لدى ابن العديم في كتابه بغية الطلب.
كان حمدان طبيبا و شاعرا، و قد امتلك ذخيرة كبيرة من معارف عصره، و قد خدم في حقب متفاوته في إدارة كل من المسلمين في حلب (أيام زنكي بشكل خاص) و إدارات الصليبيين في أنطاكية و المناطق المحيطة بها، و قد سفر لزنكي حيث بعثه إلى الصليبيين في أنطاكية و إلى مصر و دمشق و لربما إلى بغداد، و قابل في القاهرة الخليفة الفاطمي الآمر [1101- 1130 م] و لكن بعد ما برهن أنه شيعي إمامي، و أنه لم يكن من أفراد الاسماعيلية الحشيشية، و تمنحنا سيرة حياة حمدان بعض المعلومات المفيدة حول حياة كل من المسلمين و الصليبيين في الشام الشمالي، و حول العلاقات بينهما في النصف الأول من القرن الثاني عشر.
أرخ حمدان لقدوم الفرنجة إلى بلاد الشام، كما و حمل واحد من كتبه عنوان المفوف، و يرجح أنه أوقفه على تاريخ حلب، و اهتم فيه بشكل خاص بالأحداث التي وقعت بعد سنة 490 ه/ 1096 م.
و كان من معاصري حمدان علي بن عبد اللّه بن أبي جرادة، و كان مثله مثل حمدان شاعرا و عالي الثقافة، و أيضا أمامي العقيدة، و قد كتب بالتاريخ كتابا دعاه «تاريخ ملوك حلب»، و عن هذا الكتاب نقل ابن العديم بعض المعلومات المتعلقه بسقوط الامارة المرداسية، و حول الأوضاع الداخلية في مدينة حلب آنذاك.
و كان أيضا من معاصري حمدان و ابن أبي جرادة محمد العظيمي، الذي كان بدوره شاعرا و معلم مدرسة، و قد كتب العظيمي عدة كتب بالتاريخ، أوقف واحدا منها على تاريخ حلب، و حمل واحد منها اسم «الموصل على الأصل المؤصل» و قد كتب هذا الكتاب على شكل حوليات عامة لتاريخ الاسلام، و قد وصلنا ما يمكن عده مختصرا له، أو هو نفسه في نسخة خطية وحيدة (مكتبة بيازيد استانبول رقم 398، و نشر محققا مؤخرا في دمشق سنة 1985 باسم تاريخ حلب). و على الرغم من سيطرة طابع الاختصار و العموميات على هذا الكتاب، فإنه يحتوي في أواخره على معلومات ثمينة جدا تتعلق بحلب خلال أواخر القرن الحادي عشر م، هذا و نقل ابن العديم في كتابه بغية الطلب من كتب العظيمي الأخرى موادا تتعلق بعصر الدولة المرداسية ثم بدايات الحكم السلجوقي لحلب.
و مع أن بعض مؤرخي القرن الثاني عشر م قد صنف كتبا تعالج تاريخ حلب فقط، فإن العدد الأكبر منهم قد تابع السير على مذاهب الأوائل في كتابة حوليات عامة، و كان من بين هؤلاء يحيى بن علي التنوخي، و يعرف عادة بابن زريق، و قد ولد عام 1051 م في معرة النعمان، و لعله مات في العقد الأول من القرن الثاني عشر.
و كتب ابن زريق تاريخا حوليا، أوقف أخباره بشكل أساسي على الاحتلال السلجوقي لبلاد الشام، ثم على الغزو الصليبي، و عنه نقل ابن العديم في كتابه بغية الطلب، و من خلال ابن العديم تعرفنا عليه، لأن كتابه بحكم المفقود.
و كانت الأسرة المنقذية قد تأسست في قلعة شيزر، حيث انتقلت إليها من بلدة كفر طاب، و في شيزر أنجبت الأسرة المنقذية عددا من الفرسان و الشعراء و الكتاب، شهر منهم بشكل خاص أسامة بن مرشد [ت 1188 م]، و مع أسامة أسهم أثنان من أخوانه بكتابة التاريخ هما: علي و منقذ، فقد صنف منقذ تاريخا حوليا جعله ذيلا لتاريخ ابن المهذب المتقدم الذكر، و كتب أخوه علي أيضا تاريخا حوليا حمل اسمه، أما أسامة صاحب كتاب الاعتبار، فقد صنف عددا كبيرا من الكتب وصلنا بعضها لكن لم يصلنا ما كتبه بالتاريخ العام إلا من خلال النقول التي احتفظ بها ابن العديم في كتابه بغية الطلب.
و مثلما نقل ابن العديم عن الأخوة الثلاثة من آل منقذ، نقل عن أبي غالب عبد الواحد ابن مسعود بن الحصين، الذي يرجح أنه كان من أهالي معرة النعمان، و قد صنف تاريخا حوليا، و مثله كان من بين مؤرخي معرة النعمان عبد القاهر بن علوي، و قد ذكره العماد الأصفهاني الكاتب، و بيّن أنه كان شاعرا، شغل منصب قاضي معرة النعمان، و أنه قد لقيه في مدينة حماه في آذار 1176 م، و كتب ابن علوي كتابا بالتاريخ اسمه «نزهة الناظر و روضة الخاطر»، و كان هذا الكتاب أيضا بين مصادر بغية الطلب لابن العديم.
و نقل ابن العديم عن مؤرخ حلبي آخر اسمه أبو منصور هبة الله بن سعد الله بن الجبراني، و لا نعرف تاريخ ميلاد أو وفاة هذا المؤرخ، لكننا نعلم أن واحدا من أولاده و اسمه أحمد قد توفي سنة 628 ه/ 1231 م.
مما تقدم عرضه بايجاز نعلم أن المؤرخين الذين أنجبتهم امارة حلب كثير عددهم خصب انتاجهم، و لقد تأوجت أعمال التدوين التاريخي في الشام الشمالي في القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد، و أبرز الذين خلفوا لنا العديد من المؤلفات هم: ابن أبي طيء (يحيى بن حميدة- توفي سنة 630 ه/ 1231 م)، و القفطي (علي بن يوسف- توفي سنة 646 ه/ 1248 م) ابن العديم (عمر بن أحمد- توفي سنة 660 ه/ 1261- 1262 م) و ابن شداد (محمد بن علي- توفي سنة 684 ه/ 1285 م).
و يمكن أن نضيف إلى هؤلاء بهاء الدين بن شداد صاحب سيرة صلاح الدين لأنه أمضى سنوات حياته الأخيرة في حلب.
و كان القفطي، الذي شغل منصب الوزير بحلب، مصنفا لعدد من الكتب تتضمن عدة موضوعات منها واحد حمل عنوان «الاستئناس في أخبار آل مرداس» لا نعرف نسخة عنه، و فيما عدا ما يوحيه عنوانه لا نعرف شيئا عن محتوياته و لا الطريقة التي كتب بها.
و كتب ابن أبي طيء عدة كتب معظمها بحكم المفقود، و قد ذكر له حاجي خليفة كتابا اسمه «معادن الذهب» في تاريخ حلب، كما و يرجح أنه كتب سيرة لصلاح الدين الأيوبي، و أتى بتفاصيل حوله لا نجدها عند سواه، فقد كان والد هذا المؤرخ من زعماء الشيعة الامامية بحلب، و قد اضطر إلى مغادرة مدينته أيام نور الدين محمود بسبب السياسة الدينية التي اتبعها و لضغطه الشديد على الشيعة، و لذلك جاءت أخبار ابن أبي طيء مشايعة لصلاح الدين مضادة لنور الدين، و مع ذلك هي هامة جدا اعتمدها و استفاد منها كل من ابن العديم و أبو شامة في الروضتين.
هذا و كتب ابن شداد كتاب الأعلاق الخطيرة، و جل مواده عن حلب نقلها عن ابن العديم، و ابن العديم هو أعظم مؤرخ أنجبته بلاد الشام في تاريخها الاسلامي كان غزير الانتاج موسوعي المعارف، و هو خير ممثل للحضارة العربية و الثقافة الشامية قبيل الاجتياح المغولي المدمر.
و ابن العديم هو الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله ...
ابن أبي جرادة، ولد في مدينة حلب في ذي الحجة سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة للهجرة و عند ما بلغ السابعة من عمره حمل إلى المكتب للدراسة، و هناك
ظهرت استعداداته مما بشر بنبوغه المبكر، و قد كان نحيف البنية لذلك عني به أبوه عناية كبيرة، فحدب على رعاية صحته، و سهر على تربيته و تعليمه، و نظرا لمنزلة والده و لما تمتعت به أسرته من مكانة نال ابن العديم حظه وافيا من معارف عصره الدينية و الدنيوية، و يروى بأن اباه حضه على اتقان قواعد الخط، ذلك أنه- أي الأب- كان رديء الخط، فأراد أن يجنب ابنه هذه الخلة، و نجح في هذا المجال نجاحا كبيرا جدا، و قد وصف ياقوت اتقان ابن العديم لقواعد الخط العربي بقوله: «و اما خطه في التجويد و التحرير و الضبط و التقيد فسواد ابن مقلة، و بدر ذو كمال عند علي بن هلال»، و يؤكد شهادة ياقوت هذه المجلدات العشرة من كتاب بغية الطلب التي وصلتنا بخط ابن العديم، حيث نرى واحدا من المع النساخ في تاريخ العربية و أكثرهم ضبطا و براعة و أمانة و يقظة و دراية.
و في باب العناية في إنشاء ابنه و تثقيفه صحب أحمد بن هبة الله ولده عمر في رحلاته و أسفاره، حيث زار دمشق أكثر من مرة كما زار بيت المقدس و رحل إلى العراق و الحجاز.
و عندما بلغ سن الشباب وجد ابن العديم السبل أمامه كلها مفتوحة لمستقبل لامع، و كان لمواهبة و ثقافته و أسرته الفضل الأكبر في تحقيق نجاحاته، و هنا يحسن التوقف قليلا للتعرف إلى اسرة ابن العديم، و ذلك قبل متابعة الحديث عن مراحل حياته:
يعرف الجد الأعلى للصاحب كمال الدين باسم ابن أبي جرادة، و كان
صاحبا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ينتسب إلى ربيعة من عقيل إحدى كبريات قبائل عامر بن صعصعة العدنانية، و كان يقطن مدينة البصرة، و في هذه المدينة عاش أولاد آل أبي جرادة و أحفادهم، و في مطلع القرن الثالث للهجرة قدم أحد أفراد أسرة أبي جرادة إلى الشام في تجارة و كان اسمه موسى بن عيسى و حدث أنئذ أن ألم بالبصرة طاعون، لهذا قرر موسى البقاء في الشام، و استوطن مدينة حلب، و في هذه المدينة التي كانت عاصمة شمال بلاد الشام، و مفتاح الطريق إلى العراق و بلاد المشرق الاسلامي مع آسيا الصغرى و الأراضي البيزنطية، فيها خلف موسى بن عيسى أسرة نمت مع الأيام عددا و مكانة و ثروة و شهرة، و تملكت هذه الأسرة الأملاك، كما ساهمت في جميع ميادين الحياة في حلب من سياسة و علم و قضاء و ادارة و تجارة و غير ذلك، و بهذا غدت أسرة آل أبي جرادة من أبرز أسر حلب، و ظلت هكذا حتى حل بحلب الدمار على أيدي جيوش هولاكو، كما ظلت محتفظة باسمها ذاته طوال تاريخها، إنما في القرن الأخير من حياتها كسبت اسما اضافيا، أخذ رويدا يعم في الاستعمال أكثر من الاسم الأصيل، لكنه لم يلغه و كان الاسم الجديد هو «العديم»، و نحن لا نملك تعليلا لسبب هذه التسمية، فقد قال ياقوت: «سألته أولا لم سميتم ببني العديم؟ فقال:
سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه و قال: هو اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون بهذا».
و دانت أسرة ابن أبي جرادة بالتشيع حسب مذهب الامامية، و ظلت هكذا حتى بدأ التشيع بالانحسار في حلب، و ذلك منذ النصف الثاني للقرن
الخامس/ الحادي عشر، هذا و ان كنا لا نعرف بالتحديد تاريخ أخذ هذه الأسرة بمذاهب السنة أمكننا أن نقدر ذلك، بحكم سقوط سلطة الشيعة في حلب مع عصر السلطان السلجوقي الب ارسلان (و هو أمر بحثته بالتفصيل في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية) و نظرا لعلاقات أسرة آل أبي جرادة الخاصة مع سلطات حلب، لابد أن الحال اقتضى المسايرة و التحول إلى السنة، و لربما حسب المذهب الحنفي.
و في عودة نحو سيرة الصاحب كمال الدين نجده يحدثنا بأن والده خطب له و زوجه مرتين، فقد اخفق في الزواج الأول، لذلك طلق زوجته و تزوج ثانية بابنة الشيخ الأجل بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله- المعروف بالعجمي، و كان شيخ أصحاب الشافعي، و من أعظم أهل حلب منزلة و قدرا و ثروة و مكانة سياسية و دينية و اجتماعية، و من زواجه الثاني رزق الصاحب كمال الدين أولاده، و لم يمت والده حتى كان ابنه أحمد طفلا يدب على الأرض، و يمكننا التعرف إلى هذا الابن من خلال استعراضنا لكتاب بغية الطلب حيث سمع الكتاب على أبيه و قام بعد وفاة والده باستدراك بعض المواد التي حالت المنية بين والده و بين تدوينها في كتابه، فمن المقرر أن ابن العديم مات دون أن يقوم باعادة النظر في مؤلفه «بغية الطلب» و لم يقم بتبييضه، و الذي وصلنا هو مسودة الكتاب، إنما نظرا لبراعة المؤلف و حسن طريقته و جودة خطه، نرى أن مكانة الكتاب و أهميته هي هي، ذلك أن أهمية الكتاب نابعة مما حواه من مواد تاريخية نهلها ابن العديم من وثائق و مصنفات غيبها الزمن عنا، فابن العديم كان مصنفا ممتازا
و لم يكن «مؤرخا» حسب مصطلحات أيامنا هذه، فهو قد جمع في كتابه المواد الاخبارية و نسقها، لكنه لم يحاول تعليلها و معالجتها كما يفعل الباحث في التاريخ في جامعات أيامنا هذه ...
و منذ أن بلغ الصاحب كمال الدين سن الشباب أخذ يشارك في الحياة السياسية و العلمية لمدينة حلب، فقد كان يحضر مجلس الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين- صاحب حلب- فيكرمه و يقربه و يقبل عليه أكثر من أقباله على غيره على الرغم من صغر سنه، و في ذي الحجة سنة ست عشرة و ستمائة ولي ابن العديم أول عمل رسمي، لقد ولي التدريس في مدرسة شاذبخت، و كانت من أجل مدارس حلب و ارقاها، كل «هذا و حلب اعمر ما كانت بالعلماء و المشايخ، و الفضلاء الرواسخ، إلا أنه رئي أهلا لذلك دون غيره، و تصدر، و ألقى الدرس بجنان قوي، و لسان لوذعي، فأبهر العالم و أعجب الناس» و يبدو أنه تولى بعد هذه المدرسة التدريس بالمدرسة الحلاوية، التي كانت أجل مدارس حلب، و هى مدرسة ما زالت قائمة حتى الآن، تعلو واحدا من جدرانها لوحة حجرية كتبها ابن العديم بخطه.
و مع مرور الأيام علت مكانة ابن العديم، فسفر عن ملوك حلب إلى ملوك الدول المجاورة في بلاد الشام و الجزيرة و آسية الصغرى، و إلى سلاطين القاهرة و خلفاء بغداد، و كانت خزائن كتب و وثائق كل بلد زارها تحت تصرفه، فنهل منها ما لم ينهله سواه، و اودع جل ذلك في كتابه بغية الطلب، و من هذه الزاوية يمكن أن نرى أهمية هذا الكتاب، و من ناحية أخرى يمكننا
أن نرى المدى الذي وصلت إليه خزائن المشرق العربي قبيل وقوع الطامة الكبرى على يد المغول بسنوات.
و في كل مكان زاره ابن العديم كان يلقى الحفاوة من رجال السلطة، و كان في الوقت نفسه يلتقي بالعلماء و شيوخ العصر فيأخذ عنهم، و لقد أودع ما أخذه عن علماء عصره، و ما رآه من أحداث أو شارك به، أودعه في كتابه بغية الطلب، حتى غدا هذا الكتاب أشبه بمنجم للمعلومات لا ينضب معينه.
و ظل نجم ابن العديم يصعد في سماء السياسة في حلب و سواها حتى وصل إلى مرتبة الوزير، و لكن مشاغل السياسة و الحياة العامة لم توقف العمل الفكري و لم تعطله، و هكذا صنف ابن العديم عددا كبيرا من الكتب، غلب على معظمها سمة التاريخ، و لعل أشهر كتبه «كتاب زبدة الحلب من تاريخ حلب» و «كتاب الانصاف و التحري في دفع الظلم و التجري عن أبي العلاء المعري» و كتابه بغية الطلب الذي أشرنا إليه حتى الآن كثيرا، و قد طبع كتاب زبدة الحلب في أجزاء ثلاثة في دمشق، و أعدت الآن تحقيقه، أما كتاب الانصاف فقد طبعت قطعة منه للمرة الأولى بحلب ثم اعيد طبعها في القاهرة، و أقول قطعة ذلك أن الكتاب لم يصلنا كاملا بشكل مباشر.
و عندما قلت بشكل مباشر اردت أن أقول بأن الكتاب وصلنا بشكل غير مباشر، فقد روي لي منذ سنوات أن واحدا من أحفاد ابن العديم ممن عاش بعد جده في القاهرة، صنف كتابا حول القاضي الفاضل دعاه باسم
«سوق الفاضل في ترجمة القاضي الفاضل»، و توجد من هذا الكتاب نسخة خطية في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، و قيل لي إن في ثنايا الكتاب ورد في احدى رسائل القاضي الفاضل بيت شعر من شعر المعري، و اراد حفيد ابن العديم أن يعرف بالمعري، فقال: قال جدي في كتابه الانصاف و التحري: و أثبت نص الكتاب بكماله، و يوجد هذا الكتاب مصورا على شريط في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، و مضيت إلى المدينة المنورة للتأكد من هذا الخبر، فتيقنت من عدم دقته و ان حفيد ابن العديم نقل قليلا من كتاب جده الانصاف و التحري.
و يعود سبب انتقال ابن العديم إلى القاهرة، إلى تعرض مدينة حلب إلى الدمار سنة 657 ه على يد جيوش هولاكو، و كان ابن العديم غادر مدينته إلى دمشق، ثم منها إلى غزة فالقاهرة، و يبدو أنه عاد بعد عين جالوت إلى دمشق، و ربما اراد التوجه إلى حلب، أو توجه إليها فعلا ليعاين الدمار الذي لحقها، و في أثناء ذلك عرض عليه هولاكو منصب قاضي حلب، فرفض، و عاد إلى القاهرة، حيث أمضى بقية حياته، و قد وافته منيته في مصر في العشرين من جمادى الأولى سنة ستمائة و ستين للهجرة.
و كنت في عام 1988 قد حققت الموجود من كتاب بغية الطلب و نشرته بدمشق، و كنت من قبل قد تعاملت مطولا مع كتاب «زبدة الحلب من تاريخ حلب» الذي انتزعه ابن العديم و استخلصه من مواد كتاب «بغية الطلب»، و جاء هذا التعامل لدى اعدادي لرسالة الدكتوراه في جامعة لندن عن امارة
حلب في القرن الخامس ه/ الحادي عشر ميلادي، و عندما بدأت بعملي باعداد اطروحتي كان المنشور من كتاب زبدة الحلب الجزء الأول [نشر في دمشق 1951] و الثاني [نشر في دمشق 1954] لذلك قمت بتصوير المتبقي من المخطوط من باريس [نشر الجزء الثالث في دمشق 1968].
لقد تولى المرحوم الدكتور سامي الدهان تحقيق كتاب زبدة الحلب، و نشره في/ 1054/ ص وزعها على ثلاثة أجزاء، و قدم لنشرته بمقدمه مسهبة عن حياة ابن العديم و عن مؤلفاته، و لا شك أنه بذل جهودا طيبة في تحقيق الكتاب الزبدة، لكن يؤخذ على عمله الاطالة، لا بل الاسراف بالاطالة، فهو كان مغرما بالحواشي و باقحام العناوين، و أقحم العناوين في نص الكتاب و كأنها منه، و لم يضعها بين حواصر للأمانة، و في هذا العمل تدليس و تزييف.
أما الحواشي فأكثر من تكرارها فضلا عن أنه اختلق بعضها بلا سبب، حتى أنه كان يدعي وجود طمس بالمخطوط، و من ثم اجتهاده بالقراءة و الضبط، هذا و أخفق الدكتور الدهان في عدة أماكن في قراءة النص إلى حد أن «عين الجر» جاءت عنده «عبر الجسر».
و كان المرحوم الدهان قد وصف المخطوطات التي اعتمدها خاصة الأساسية منها و هي مخطوطة المكتبة الوطنية في باريس (رقم 1666- الرقم القديم 728 مخطوطات عربية) و هي تقع في 268 ورقة بحجم 25* 5، 17 سم، و كتبت هذه النسخة «لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع
الآخر سنة ست و ستين و ستمائة» أي بعد وفاة ابن العديم بست سنوات، و قد اعتمد ناسخها على نسخه ابن العديم التي كتبها بخط يده.
و كنت قد اشتريت منذ أكثر من عامين بعض مصورات مكتبة المرحوم الدكتور الدهان من ذلك مصورة كتاب زبدة الحلب، و على هذا اعتمدت المصورة نفسها التي اعتمدها.
و من المرجح أن ابن العديم انتزع مواد زبدة الحلب من مواد بغية الطلب لكن قبل اكماله لتصنيف كتاب البغية، و لهذا نلاحظ وجود بعض الفوارق بين روايات الكتابين أحيانا حول الخبر نفسه، و صنف ابن العديم الزبدة تلبية لرغبة الملك العزيز بن الظاهر الأيوبي [613- 634 ه] لكنه لم يقيد نفسه بتاريخ عهده، بل زاد عليه، و من المؤكد أنه لم يبيض كتابه بغية الطلب، بل إن بعضهم يرى إنه لم يكمل تصنيفه.
و كتاب زبدة الحلب يختلف في منهجه عن كتاب البغية، و هو يشبه من بعض الوجوه تاريخ دمشق لابن القلانسي، و كتب الحوليات، و لا شك أنه أهم مصدر في بابه، ظهر فيه ابن العديم بمظهر المؤرخ الأصيل.
و انصب اهتمامي لدى تحقيقي لهذا المصدر الهام على ضبط النص و اخراج جميع الشوائب منه، و خففت من الحواشي قدر الامكان، لكن اضطررت لأسباب فنية إلى اضافة بعض العناوين، فوضعت ما أضفته بين حاصرتين و نبهت على ذلك، و لعل مما ساعدني في عملي أنني أعمل في تاريخ
حلب منذ أكثر من ثلاثين سنة، و أنني حققت كتاب بغية الطلب، و توفر لي مصادر جديدة، ثم إن اختصاصي الأساسي هو التاريخ الإسلامي.
و الله الموفق إلى السداد و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.
دمشق 5 جمادى الأولى 1417 ه
17 أيلول 1996 م
الصفحة الأولى من زبدة الحلب- نسخة باريس-
الصفحة الغلاف لمخطوط زبدة الحلب- نسخة باريس-
الصفحة الأخيرة من مخطوط زبدة الحلب- نسخة باريس-
الصفحة الأولى من الدراري بخط ابن العديم
نموذج من خط ابن العديم بغية الطلب
زبدة الحلب من تاريخ حلب تأليف المولى الصاحب سفير الخرقة النبوية كمال الدين أبي حفص عمر بن أحمد بن هبة اللّه(1)
قرى في هذا الكتاب بطرس بن ديب الحلبي من طائفة الملكية رحمة اللّه عليه و على أهله، و على قارىء ذا الخط في باريس في بيت الوزير كولبيرت سنة ألف و ستمية و ثمانين مسيحية.
رأيت بخيل صان سنداس دارهي و لم نر قبله شخص يحرس الخلا. و ما ذاك إلا النهر ضن النهر يعود طعامك مثل ماكان. رمت أمرءا فاحذر عداوته. من يزرع الشوك لا يحصد به مدو و إن أبدى مسالمة إذا رأى منك يوما فرصه و غيره. في سبع و عشرين ليلة بشهر هلال شباط أتى فيها أن يكون فإنه صيام النصارى فاعلمن ذاك و ادرين.
1) جاء على هذه الصفحة من مخطوط باريس:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و ما توفيقي إلا باللّه الحمد للّه مقلّب الأمور. و مصرّف الدّهور. و مالك الأمير و المأمور.
و الصّلاة على نبيّه محمّد المصطفى الصّبور. الذي نسخ بدينه سائر الأديان و قمع به كلّ كفور. و على آله و أصحابه صلاة دائمة إلى يوم النّشور.
و بعد فإنّ بعض من يتعيّن عليّ امتثال أمره. و يجب عليّ الانقياد إلى موالاته و برّه. التمس منّي تعليق ما وقع إليّ من ذكر أمراء حلب و ولاتها.
و ملوكها و رعاتها. فسارعت إلى تحصيل غرضه. و قمت من تلبيته بمفترضه.
و علّقت في هذه الأوراق ذكر من ملكها من الولاة. و بعض من عثرت عليه من الوزراء و القضاة.
و أضفت إلى ذلك ذكر من بناها في قديم الزّمان. و معنى اسمها المختصّة هي به من بين سائر البلدان.
و رسمته: «بزبدة الحلب من تاريخ حلب»؛ لأنّه منتزع من تاريخي الكبير للشهباء. المرتّب على الحروف و الأسماء.
و أرجو أن يكون وصل إليّ من ذلك ما لم يصل إلى سواي. و أن أبلغ من عفو اللّه و رحمته نهاية سؤلي و أقصى مناي. و باللّه أستهدي. و إلى فضله و كرمه أستعدي.
و أقول:
اسم حلب عربيّ لا شك فيه(1)
حافظت على اسمها دونما تبديل، فقد وردت في نصوص ماري باسم حالاب، و خلاب و خالايا و حلبا، و في النصوص المصرية القديمة خرب، و في رسائل تل العمارنة حلب، و في نصوص أوغاريت حلب، و في النصوص الآرامية الصيغة نفسها، و وردت في النصوص الحثية باسم خلب و خالاب و حلباس، و سماها الهلنستيون بيروا، و استردت اسمها الأصيل بعد الفتح العربي، و تعاظمت مكانتها فكانت حاضرة الشمال الشامي، و شغلت دوما أهم الأدوار السياسية و الحضارية و الاقتصادية، و تميزت بتل قلعتها و بنشاط سكانها و عبقريتهم و امكاناتهم المتميزة.
. و كان لقبا لتل قلعتها(2). و إنّما عرف بذلك لأن إبراهيم الخليل- صلوات اللّه عليه- كان إذا اشتمل من الأرض المقدّسة؛ ينتهي إلى هذا التلّ فيضع به أثقاله، و يبث رعاءه إلى نهر الفرات1) حلب مدينة عربية موغلة بالقدم، قامت على ضفة نهر قويق اليسرى، وسط منطقة زراعية، تنتج الحبوب و الزيتون، في موقع استراتيجي هام جدا، فقد شكلت صلة وصل بين بلاد الشام و بلاد ما بين النهرين و الهضبة الايرانية و البلدان الآسيوية الشرقية، من جهة الشرق و آسية الصغرى فأوربا الشرقية من جهة الشمال، و شواطىء البحر المتوسط من جهة الغرب.
2) هناك اجتهادات جعلت إبراهيم الخليل من ايبلا، و هنا يمكن ربطه بتاريخ مدينة حلب، و لا نقيم وزنا للدعاوى الصهيونية التوراتيه بشأن الانتماء إلى إبراهيم الخليل، فبنو اسرائيل اندثروا منذ عدة آلاف من السنين، و ماورد بالتوراة من معلومات تاريخية لم تثبته أعمال الكشف الأثري، و الصهاينة الذين جاءوا من أوربا هم من أصل خزري.
و إلى الجبل الأسود(1). و كان مقامه بهذا التلّ يحبس به بعض الرّعاء؛ و معهم الاغنام، و المعز، و البقر. و كان الضّعفاء إذا سمعوا بمقدمه أتوه من كلّ وجه، من بلاد الشمال. فيجتمعون مع من اتبعه من الأرض المقدسة، لينالوا من برّه؛ فكان يأمر الرّعاء بحلب ما معهم طرفي النّهار. و يأمر ولده و عبيده باتخاذ الطّعام فإذا فرغ له من ذلك أمر بحمله إلى الطرق المختلفة بازاء التلّ، فيتنادى الضّعفاء: «إنّ إبراهيم حلب»، فيتبادرون إليه.
فنقلت هذه اللّفظة كما نقل غيرها، فصارت اسما لتلّ القلعة. و لم يكن في ذلك الوقت مدينة مبنيّة.
قيل: إنّ «بيت لاها»(2)
و في بغية الطلب ص 420 لدى الحديث عن جبل سمعان قال ابن العديم:« و في وسط هذا الجبل جبل عال شاهق على الجبال التي حوله، يقال له بيت لاها، و هو بيت لاها الشرقي، لأن جبل اللكام يقال له بيت لاها الغربي، و معناه بالسريانية بيت اللّه، و يقال إن إبراهيم عليه السلام لما هاجر إلى الشام، كان يرعى غنمه من أرض حلب إلى بيت لاها، و يقال لما حوله من الجبال جبل ليلون، و قيل فيه لولون».
كان يقيم به أيضا إبراهيم- صلّى اللّه عليه- و رعاؤه تختلف إليه. و كان يفعل فيه أيضا، كما يفعل في تلّ القلعة. لكنّ الاسم غلب على تلّ القلعة دون غيره.1) « جبل دون اللكام من شرقيه، و يقال إن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم كان إذا أقام بحلب يبث رعاءه إليه ليرعوا غنمه فيه، و فيه أشجار كثيرة غير مثمرة» بغية الطلب لابن العديم- تحقيقي ط. دمشق 1988 ص 438، و المراد هنا جبال الأمانوس.
2) بهامش الأصل:« و بيت لاها هذا المشار إليه هو جبل اللكام، و يقال له بيت لاها الغربي و بيت لاها الشرقي هو ليلون، و يقال لكل منهما الغربي».
و قيل: إنّ إبراهيم- صلى اللّه عليه- لمّا قطع الفرات من حرّان(1)أقام ينتظر ابن أخيه «لوطا»، في كثير ممّن يتبعه في سنة شديدة المحل. و كان الكنعانيون يأتون إبراهيم- عليه السلام- بأبنائهم فيهبونهم منه؛ و يتصدّق عليهم بأقواتهم من الطّعام، و الغنم. و صار إبراهيم- عليه السلام- إلى أرض حلب فاتخذ الركايا، و كرا الأعين؛ و منها: عين إبراهيم- عليه السلام- و هي التي بنيت عليها مدينة حلب.
و كان للكنعانيين بتلّ القلعة في رأسه بيت للصّنم؛ فصار إليه ابراهيم- عليه السلام- فأخرج الصنم؛ و قال لمن حضره من الكنعانيين: أدعوا إلهكم هذا أن يكشف عنكم هذه الشّدة. فقالوا: و هل هو إلا حجر؟ فقال لهم:
فإن أنا كشفت عنكم هذه الشّدّة، ما يكون جزائي؟ فقالوا له: نعبدك فقال لهم: بل تعبدون الّذي أعبد؛ فقالوا: نعم.
فجمعهم في رأس التلّ؛ و دعا اللّه، فجاء الغيث. و ضرب إبراهيم- عليه السلام- برأس ظلّه حين أقلع الغيث. و توافت إليه رعاؤه؛ فكان يأمر أصحابه بإصلاح الطّعام، و يضعه بين أوعية اللّبن؛ و يأمر بعضهم فينادي:
«ألا إنّ إبراهيم قد حلب فهلمّوا» فيأتون من كلّ وجه، فيطعمون، و يشربون، و يحملون ما بقي إلى بيوتهم. فكان الكنعانيون يخبرون عن مقام
1) حران الآن قرية مهملة داخل الحدود التركية، قريبة من أطراف محافظة الرقة، و كانت دوما من أهم مدن بلاد الشام لاسيما في الجوانب الفكرية و العقائدية.
إبراهيم بما كان يفعله. و صار قولهم «حلب» بطول هذا الاستعمال لقبا لهذا التلّ؛ فلما عمرت المدينة تحته سميت باسمه.
و ذكر بعضهم: أنها إنما سميت «حلب» باسم من بناها، و هو:
حلب بن المهر بن حيص بن عمليق من العمالقة. و كانوا إخوة ثلاثة: بردعه، و حمص، و حلب؛ أولاد المهر. فكلّ منهم بنى مدينة سميت باسمه.
و كان اسم حلب باليونانية «باروا» و قيل «بيرؤأا».
و ذكر ارسطاطاليس(1)في كتاب الكيان(2): أنه لما خرج الاسكندر لقصد دارا الملك، و مقاتلته، كان ارسطاطاليس في صحبته؛ فوصل إلى حلب- و هي تعرف بلسان اليونانية «بيرؤأا»- فلما تحقّق أرسطوطاليس حال تربتها، و صحّة هوائها، استأذن الإسكندر في المقام بها، و قال له: إنّ بي مرضا باطنا، و هواء هذه البلدة موافق لشفائي. فأقام بها فزال مرضه.
و قيل: إنّ الذي بنى مدينة حلب أولا ملك من ملوك الموصل يقال له:
1) لأرسطو ترجمة وافية في بغية الطلب ص 1341- 1345.
2) قال ابن العديم في بغية الطلب أثناء الحديث عن كتب أرسطو:« و أما الكتب التي في العلوم الطبيعية فمنها ما يتعلم منه الأمور التي تخص كل واحد من الطبائع، فالأمور التي يتعلم منها الأمور التي تعم جميع الطبائع و هو كتابه المسمى« بسمع الكيان» فهذا الكتاب يعرف بعدد المبادىء لجميع الأشياء الطبيعية، و بالأشياء التوالي للمبادىء. و بالأشياء المشاكلة للتوالي، فأما المبادىء فالعنصر و الصورة، و أما التوالي فالزمان، و أما المشاكلة للتوالي: فالخلاء، و الملاء، و ما لا نهاية له ...».
بلوكوس الموصلي(1). و يسميه اليونانيون: «سردينبلوس». و كان أول ملكه في سنة ثلاثة آلاف و تسعمائة و تسع و ثمانين سنة لآدم- صلوات اللّه عليه- و ملك خمسا و أربعين سنة. و في سنة تسع و عشرين من ملكه و هي سنة أربعة آلاف و ثماني عشرة سنة لآدم، ملكت ابنته «أطوسا» المسماة «سميرم»(2)
دمشق 1982 ص 293- 294.
مع أبيها بلوكوس.و ذكر أبو الرّيحان البيرونيّ(3)في كتاب القانون المسعوديّ، و قال: بنيت
1) نقل ابن شداد في كتابه الأعلاق الخطيرة- ط. دمشق 1988 ق 1 ج 1 ص 42:« قال كمال الدين ابن العديم: قرأت في الكتاب الجامع للتاريخ، المتضمن ذكر مبدأ الدول، و منشأ الممالك، و مواليد الأنبياء، و أوقات بناء المدن، و ذكر الحوادث المشهورة، مما عني بجمعه أبو نصر يحيى بن جرير الطبيب، التكريتي النصراني، من عهد آدم إلى دولة بني مروان، و نقلت ذلك من خطه قال: ذكر أن في دولة المواصلة أن بلوكوس الموصلي ملك خمسا و أربعين سنة، و أول ملكه في سنة ثلاثة آلاف و تسعمائة و تسع و ثمانين لآدم عليه السلام، قال: كان في سنة تسع و عشرين من ملكه، و هي سنة أربعة آلاف و ثماني عشرة لآدم ملكت أطوسا المسماة سميرم مع بلوكوس أبيها، و بلوكوس هذا هو الذي يسميه اليونانيون سردنيبلوس، و هو الذي بنى مدينة حلب».
2) هي سميراميس، بطلة أسطورة آشورية انتشرت في ايطاليا و بلاد الاغريق، قيل كانت أمها دير كيتوربة عسقلان التي كانت تجمع بين وجه امرأة جميلة و جسم سمكة. انظر تفاصيل الاسطورة في معجم الأساطير اليونانية و الرومانية لسهيل عثمان و عبد الرزاق الأصفر، ط.
3) البيروني هو أبو الريحان محمد بن أحمد 362- 441 ه/ 973- 1050] كان قد عاش في البلاط الغزنوي، بعد سقوط الدولة السامانية، و صنف بالعربية في الجغرافية، و الفلك، و اللغة و الفلسفة، انظر كتابي مائة أوائل من تراثنا- ط. دمشق 1989 ص 496- 499.
حلب في أيام بلقورس(1)من ملوك نينوى، و كان ملكه لمضي ثلاثة آلاف و تسعمائة و اثنتين و ستين سنة لآدم- عليه السلام- و مدة مقامه في الملك ثلاثون سنة.
و شاهدت على ظهر كتاب عتيق من كتب الحلبيين بخطّ بعضهم:
رأيت في القنطرة الّتي على باب أنطاكية، من مدينة حلب، في سنة عشرين و أربعمائة للهجرة كتابة باليونانية، فسألت عنها، فحكى لي أبو عبد اللّه الحسين بن إبراهيم الحسيني الحرّانيّ- أيده اللّه- أنّ أبا أسامة الخطيب بحلب حكى له: أنّ أباه حدّثه: أنه حضر مع أبي الصّقر القبيصي، و معهما رجل يقرأ باليونانية، فنسخوا هذه الكتابة و أنفذ إليّ نسختها في رقعة و هي:
«بنيت هذه المدينة، بناها صاحب الموصل، و الطّالع العقرب و المشتري فيه، و عطارد يليه، و للّه الحمد كثيرا».
و هذا يدل على ما ذكرناه، و هو أن بلوكوس الموصلي هو الذي عمرها.
و كان قبل الاسكندر.
و ذكر يحيى بن جرير التكريتي(2)في كتاب له ضمّنه أوقات بناء المدن،
1) نقل ابن شداد ابن العديم قوله:« و بلقوريس هذا هو بلوكوس الذي قدمنا ذكره، غير أن هذه الأسماء الأعجمية لا يكاد المسمون لها يتفقون فيها على صورة واحدة لاختلاف ألسنتهم». الأعلاق الخطيرة ق 1 ج 1 ص 44.
2) أبو نصر يحيى بن جرير التكريتي، شهر بصناعة الطب، توفي بعد سنة 472 ه، و صنف عدة كتب. عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة- ط. القاهرة 1300 ه ج 1 ص 243.
ما يدل على أن حلب بعد بناء بلوكوس خربت، و جدد عمارتها غيره، بعد موت الاسكندر فانه قال بعد ذكر دولة الاسكندر و موته باثنتي عشرة سنة:
«بنى سلوقوس(1)اللاذقية، و سلوقية، و أفامية، و باروّا و هي حلب، و اداسا و هي الرّها؛ و كمّل بناء أنطاكية و زخرفها و سمّاها على اسم ولده انطيوخوس و هي أنطاكية، و كان شرع في بنائها قبله أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر. و ذكر أنه بناها على نهر أورنطس و سماها: «انطوغينا».
و قال: «كان الملك الأول على سوريا، و بابل، «سلوقوس نيقطور»(2)و هو سرياني؛ و ملك في السنة الثالثة عشرة لبطلميوس ابن لاغوس، بعد موت الاسكندر؛ و ألزم اليهود أن يقيموا في المدن التي بناها و قرّر عليهم الجزية».
و سوريا هي الشام الأولى و هي: حلب و ما حولها من البلاد(3)- على
1) الاشارة هنا إلى سلوقس الثاني كالينيكوس ملك سورية و بابل ابن أنطيوخوس الثاني، خاض عدة حروب و توفي سنة 226 ق. م. الموسوعة العربية الميسرة.
2) كان سلوقس نيكاتور ت 280 ق. م] من أبرز قادة الاسكندر المقدوني، أسهم في حروب خلفاء الاسكندر و ملك سورية و بابل، و تولى تأسيس عدد من المدن، و سعى إلى التشبه بالاسكندر، و بعد وفاته خلفه أنطيوخوس الأول. الموسوعة العربية الميسرة.
3) كانت بلاد الشام مقسمة في عصور ما قبل الفتح العربي الاسلامي إلى عدة مناطق إدارية هي:
ما ذكره بعض الرواة- و في طرف بلد حلب، بناحية الأحص، مدينة عظيمة، و بها آثار قديمة، يقال لها سورية و إليها ينسب القلى السورياني، فلعلّ الناحية كلّها ينسب إليها، و يطلق عليها اسمها، كما أطلق بعد ذلك على جميع الكورة اسم قنسرين.
و قال بعض المؤرّخين من المسيحية: الذي ملك بعد الاسكندر بطليموس الأريب(1)
الموسوعة العربية الميسرة.
و هو الذي بنى مدينة حلب، و سماها «أشمونيت»: و ذلك1) كان بطليموس الأول( سوتر) المنقذ واحدا من كبار قادة الاسكندر الأكبر، أقيم عقب وفاته واليا على مصر، عمل على تفكيك عرى الامبراطورية المقدونية، و أسس في مصر حكم أسرة البطالمة، اعتنى بالاسكندرية وود جعلها عاصمة الحضارة الاغريقية، جعل عبادة الاسكندر ديانة رسمية و هي العبادة التي تطورت إلى عبادة أسرة البطالمة، و حمل بعض ألقاب الفراعنة، أشرك ابنه بطليموس معه بالحكم قبل وفاته، و كانت وفاته سنة 283/ 282 ق. م.
أنه اختار بناء المدينة في موضع، و أراد أن يكون بها الماء، فخرج و دار حولها، حتى رأى الأعين التي «بحيلان»(1)فأمر المهندس أن يبني عليهنّ بناء، و يحكمه، و أن يجريهنّ إلى المكان الذي هو مرسوم بمنزلة الملك. و جمع الناس للعمل في عمارة المدينة، فاحتفر في وسط المدينة حفيرة بثقها إلى النهر الذي أجراه؛ و أمر بالقساطل أن تعمل فاختلّت، فاتخذت من الحجارة؛ فتمّ ما أراد و بنى به بناء في موضع الريحانيين يومنا هذا؛ و اتخذ عليه قصرا، و بنى المدينة.
و آخر ما بناه «باب أنطاكية» ورّتب فيها ابنته «أشمونيت»؛ و سمّى المدينة باسمها و أضاف لها جندا و زوجّها «بإيلياوس»، أحد أبناء ملوكهم؛ و كان قائد جيش الأريب؛ و صار إلى أنطاكية؛ و ليست من بناء اليونان فإنّ رسمّها قديم؛ فتمم بناءها، و أضافها إلى إيلياوس زوج أشمونيت(2).
و ملك الأريب تسعا و عشرين سنة. و ملك بعده ابنه بطليموس، و لقب باليونانية: «محب أخته»(3)و كانت أخته أشمونيت نائبة عنه؛ فبقي في
1) حيلان: قرية بهضبة حلب، تبعد عنها 8 كم نحو الشمال، تصلها بحلب طريق مزفتة، و هي تتبع اداريا قرى مركز و منطقة جبل سمعان. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
2) لم يهتم البطالمة باعمار الجزء الجنوبي الذي حكموه من سورية، و على عكسهم كانت الدولة السلوقية، حيث يبدو أن سلوقس قام بالدور الرئيسي في هذا المجال، فإليه تنسب المدن الأربع: أنطاكية، و أفامية، و سلوقيا، و لاذقية. مدن بلاد الشام حين كانت ولاية رومانية- ط. عمان 1987 ص 36- 41.
3) وقعت حلب في ظل حكم البطالمة و هم: بطليموس الثاني محب أخته( 308- 246 ق. م) و قد جاء بعد بطليموس، و حافظ على استقلال مصر و خلفه بطليموس الثالث الخير يورجتيس] 246- 221 ق. م] و جاء من بعده بطليموس الرابع فيلوباتور] المحب لأبيه، و خلفه بطليموس الخامس 203- 180 ق. م] و جاء بعده بطليموس السادس فيلومنور]
الملك ستا و عشرين سنة. و ملك بعده ابنه بطليموس الاورجاتيس [و لقّب باليونانية بالفاعل فبقي في الملك أربعا و عشرين سنة. و ملك بعده بطليموس فليفاطر] و لقّب باليونانية محب أبيه، و أشمونيت و زوجها و ولدها يتولون حلب. و ملك بعده «بطليموس محب أمه»(1)و هو ابن أشمونيت و كان ينزل حلب، و عمّر على صخرتها قلعة، و حصّنها، فخرج عليه في آخر أيامه «انطياخوس» ملك الروم؛ و استنجد عليه فلم يكن لمحب أمه به طاقه، فخرج عنها مع أمه، فأسرهما أنطياخوس، و عذبهما، و استصفى أموالهما، و شرع في هدم ما جدّدت أشمونيت من بناء حلب. فقيل له إنّ الذي يفعله ليس من عادة الملوك، فكفّ عن هدمها؛ و توّعد من يسكن بحلب، فصار الناس إلى غيرها. و عاد إلى أنطاكية فاستحدث بها أبنية لنفسه. فلذلك يزعم قوم أن أنطاكية من بنائه، و ليس الأمر كذلك؛ و إنما له فيها مثل ما لبطليموس الأريب من التتميم. و يقال: إن أشمونيت و هي حلب تجاوزت عمارتها مارسمه الأريب، حتى صارت العمارة إلى جميع الجوانب. و قيل: إن أشمونيت نصبت حواليها مائة ألف نصبة من الزيتون، و من التين مائة ألف نصبة و غير ذلك من الأشجار الجبلية الشامية. و لم يبق بحلب موضع ينسب إلى أشمونيت غير العين المعروفة بأشمونيت. و ماتت أشمونيت و ولدها في أسر أنطياخوس تحت العقاب.
1) المحب لأمه 180- 145 ق. م] و كان في السابعة من عمره، فتولت الوصاية عليه أمه كليوبترا الأولى، و بعد وفاتها غزا أنطيوخوس الرابع 170 ق. م] مصر. الموسوعة العربية الميسرة.
و قيل هو الذي بنى قنسرين، و أجرى الماء إليها في قناة من عين المباركة، و قيل: بناها غيره، و عرف انطياخوس ببطليموس الرابع.
و قيل: إنّ أشمونيت حال محاربتها أنطياخوس أتتها نجدة من مصر، فهزمته فصار إلى الشرق فمات.
ثم ملك حلب بعد أشمونيت «بطليموس ابيفانيس»(1)و هو قائد العسكر؛ و في زمانه اشترت اليهود منه موضع القلعة المعروفة اليوم بقلعة الشريف فتحصّنوا بها؛ و كانوا يعينون الملك في القتال و يحملون له الأموال.
ثم ملك بعده بطليموس فيلو بطر(2)، و هلك انطياخوس في أيامه. ثم ملك بعده جماعة من ملوك اليونان؛ إلى أن صار الملك إلى القياصرة ملوك الروم؛ فملك منهم عدة ملوك إلى أن ملك أوغسطس قيصر بن مويوخس، فاستولى على الدنيا، و قهر الملوك، و قصد مصر ليستولي عليها، فلما بلغ حلب و كان أمره قد عظم، قال: إنّ بطليموس الأريب لم يرض أن ينزل منزلا لغيره. فسار إلى موضع مدينة قنسرين فأمر القواد أن يأمروا من قبلهم بتحويط منازلهم، و أخذ كلّ واحد ببناء ما حوّطه، فبنى قنسرين و سمّاها «مدينة العسكر»(3). و نقل الأسواق من حلب إليها، و لم يبق بحلب إلا من لا
1) كذا، و بطليموس أبيفانس هو الرابع 203- 180 ق. م] في أيامه فقدت مصر امبراطوريتها. الموسوعة العربية الميسرة.
2) هذا بطليموس الرابع- المحب لأبيه، و سلفت الاشارة إليه.
3) تبعد بقايا قنسرين عن حلب 7 كم و يضم الموقع تلا فيه بقايا مدينة مسورة، هذا و كان يطلق على المنطقة ما بين العاصي و الفرات اسم خالدينChalcidene و كانت قنسرينChalcis حاضرة هذه المنطقة .. 1866A classical Dictionary ,London
حاجة للعسكر به. و كانت هذه أعظم من فعل انطياخوس. و قيل: إنه أمر أن ينفق على القناة إليها فأنفق نائبه مالا على القناة، و أجرى الماء فيها من عين المباركة، و ساقها إلى القناطر إلى قنسرين؛ و بنى بها ثلاث برك على شكل المثلث، و فايضها ينحدر إلى الأرضين التي تحتها.
و صار الملك بعده إلى جماعة من القياصرة ملوك الروم. و صارت أنطاكية دار الملك، و بها مقام ملوك الروم؛ و كانوا يدعونها مدينة اللّه، و مدينة الملك، و أم المدن، لأنّها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية(1). و معظم سور مدينة حلب من بناء الروم.
و ملك منهم ملك يقال له: فوقاس(2)فسفك الدماء، و تتبع حاشية كسرى، فقتلهم؛ فتوجه كسرى أنو شروان إلى الشّام فافتتح حلب، و أنطاكية، و منبج، و رمّ ما استهدم من سور مدينة حلب بالقرميد الكبار، و هو ظاهر في سور المدينة الكبير، فيما بين بابي اليهود و الجنان. و جدّد كسرى بناء منبج و سمّاها منبه؛ و هو بالفارسية: أنا اجود، فعرّبت فقيل منبج.
و استحسن أنطاكية فلما عاد إلى العراق بنى مدينة على صورتها، و سماها ريد خسره، و هي التي تسمى رومية، و أدخل إليها سبي أنطاكية، فقيل إنهم
1) في هذه العبارة دقة كبيرة، فبعد ما نجح بولس الرسول( شاول) في مزج تعاليم السيد المسيح بالغنوصية، بات اسم العقيدة الجديدة النصرانية، و على هذا قال بولس لأتباعه في أنطاكية إثر نجاحه: أنتم آخر الجليليين و أول النصارى. انظر الموسوعة العربية الميسرة.
2) وصل فوقاس إلى عرش الامبراطورية البيزنطية سنة 602 م، إثر مقتل الامبراطور موريس، و قد عزل سنة 610 م من قبل هرقل الذي قدم من قرطاج و نصب نفسه امبراطورا.
لم ينكروا من منازلهم شيئا فانطلقوا إليها إلا رجل اسكاف، كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصاد(1)، فلم يرها على بابه ذلك؛ فتحيّر ساعة؛ ثم دخل الدار، فوجدها مثل داره.
و لما عاد كسرى عن الشام، قام هرقل بن فوق بن مروقس و جمع بطارقة الروم، و أولي المراتب؛ و ذكر لهم سوء آثار فوقاس ملك الروم؛ و غلبة الفرس على ملكهم بسوء تدبيره، و إقدامه على الدماء؛ و دعاهم إلى قتله فقتلوه؛ و وقع اختيارهم على هرقل فملّكوه.
و في أول سنة من ملكه كانت هجرة نبيّنا محمّد- صلى اللّه عليه و سلّم- من مكة إلى المدينة(2)و استولى على حلب، و على جميع البلاد، التي استولى عليها أنو شروان و كان جلّ مقامه بأنطاكية.
فلما افتتح المسلمون أجناد الشام(3)
و جند حمص كان يضم وسط بلاد الشام مع الشمال. من أهم مدنه حماة و شيزر و أفاميا، و تدمر و معرة النعمان، و حلب و البارة، و قنسرين و أنطاكية، مع اللاذقية و جبلة و بانياس و أنطرطوس على الساحل، و كانت تنوخ و طىء تسكن هذه المناطق قبل الفتح و انضاف إليها بعد الفتح القبائل اليمانية التي شاركت في اليرموك و بقية المعارك.
جند الأردن و قصبته مدينة طبرية على شاطىء البحيرة التي حملت الاسم نفسه. و من مدن هذا الجند في الداخل بيسان و فحل و جرش، و في الساحل صور و عكا.
و جند فلسطين و قاعدته مدينة اللد و من مدن هذا الجند القدس و عمواس و نابلس و سبسطيه و بيت جبرين.
و بات لكل جند خراجه و نواة ادارة مستقلة و وال و حامية. فقد تمركزت غالبية القوات التابعة لجند فلسطين في عمواس. و آثر كبار الصحابة سكنى هذه المدينة لوقوعها على مقربة من بيت المقدس.
مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه: 102- 105 كتاب البلدان لليعقوبي: 225- 227.
المسالك و الممالك لابن خرداذبه: 75- 76- الأعلاق الخطيرة قسم دمشق: 41. معجم البلدان مواد: عرقة. صيدا، بيروت، طرابلس. الأنس الجليل: 266.
، و كانت وقعة اليرموك، و قتل1) الفرصاد شجر التوت، و توسع ابن العديم في كتابه بغية الطلب في هذا الباب انظر ج 1 ص 65، 91- 92، 106- 107.
2) اعتلى هرقل العرش في بيزنطة سنة 610 م، و يقابل سنة الهجرة الأولى سنة 622 م. انظر الدولة البيزنطية في عصر الامبراطور هرقل تأليف د. ليلى عبد الجواد اسماعيل- ط. القاهرة 1985 ص 61- 74.
3) أشرت من قبل إلى تقسيمات بلاد الشام اداريا قبل الفتح العربي الاسلامي، و بعد الفتح قام العرب باعادة النظر في هذا التقسيم في ضوء تبدل الجغرافية السياسية لبلاد الشام. فهذه البلاد باتت جزءا من دولة الخلافة التي مركزها الآن المدينة المنورة. و لم تعد تتبع روما الغربية أو الشرقية بل تعاديها. لذلك قسم العرب البلاد أولا إلى أربعة أجناد هي: جند دمشق، و جند حمص، و جند الأردن، و جند فلسطين، و في العصر الأموي أيام يزيد بن معاوية قسم جند حمص إلى قسمين هما: جند حمص و جند قنسرين.- و جند دمشق، حاضرته دمشق، و فيه من الكور: بعلبك قاعدة البقاع، و حوران و مدينته بصرى، و البثنية و مدينتها أذرعات، و الجولان و مدينته بانياس، و كورة الشراة و مدينتها أذرح و مناطق أخرى، على رأسها المناطق الساحلية لعرقة و طرابلس و جبيل و بيروت و صيدا. و كانت الغالبية العظمى لسكان جند دمشق من العرب من قبائل أصل يماني.
المسلمون فيها معظم الرّوم، و أمير المسلمين عليهم أبو عبيدة بن الجرّاج- رضي اللّه عنه- انتقل هرقل من أنطاكية، و عبر الفرات إلى «الرها»؛ و جعل بقنّسرين ميناس الملك،- و كان أكبر ملوك الروم بعد هرقل.
فسار أبو عبيدة بعد فراغه من اليرموك إلى حمص ففتحها؛ ثم بعث خالد بن الوليد على مقدمته إلى قنّسرين؛ فلما نزل بالحاضر زحف لهم الروم؛
و ثار أهل الحاضر بخالد بن الوليد، و عليهم «ميناس»- و هو رأس الرّوم و أعظمهم فيهم بعد هرقل- فالتقّوا بالحاضر؛ فقتل «ميناس» و من معه مقتلة لم يقتلوا مثلها. و مات الروّم على دمه حتى لم يبق منهم أحد.
و أما أهل الحاضر فكانوا من تنوخ، منذ أول ماتنخوا بالشّام، و نزلوه و هم في بيوت الشعر؛ ثم ابتنوا المنازل؛ فأرسلوا إلى خالد: أنّهم عرب؛ و انهم لم يكن من رأيهم حربه؛ فقتل منهم، و ترك الباقين.
فدعاهم أبو عبيدة بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم بعضهم، و بقي البعض على النصرانية؛ فصالحهم على الجزية. و كان أكثر من أقام على النصرانية بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة(1).
و يقال: إنّ جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهديّ، فكتب على أيديهم بالخضرة: قنّسرين.
ثم إنّ خالدا سار فنزل على قنّسرين، فقاتله أهل قنّسرين، ثم لجؤوا إلى حصنهم، فتحصنوا فيه، فقال: «إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا اللّه عليكم أو لأنزلكم إلينا» ثم إنهم نظروا في أمرهم، و ذكروا ما لقي أهل حمص فطلبوا منه الصلح؛ فصالحوه على صلح حمص، فأبى إلا على إخراب المدينة فأخربها.
1) لمزيد من التفاصيل- انظر البلدان للبلاذري- تحقيقي- ص 170- 172. مغازي ابن حبيش- تحقيقي- ص 225- 226. و مفيد أن نشير إلى أن نظام الحواضر في بلاد الشام قد اندثر الآن، اللهم إلا في مدينة حماة حيث ما يزال الجزء العلوي- الشمالي- منها يعرف باسم الحاضر، و تتركز علاقات هذا الجزء مع أهل البادية.
و كان صلح حمص على دينار و طعام على كل جريب(1)أيسروا أو أعسروا. و غلب المسلمون على جميع أرضها و قراها؛ و ذلك في سنة ست عشرة للهجرة.
فتح حلب(2)
ثم إنّ خالدا- رضي اللّه عنه- سار إلى حلب، فتحصن منه أهل حلب. و جاء أبو عبيدة- رضي اللّه عنه- حتى نزل عليهم؛ فطلبوا إلى المسلمين الصلح و الأمان، فقبل منهم أبو عبيدة و صالحهم، و كتب لهم أمانا(3).
و دخل المسلمون حلب من «باب أنطاكية»(4)و حفّوا حولهم بالتراس داخل الباب؛ فبني ذلك المكان مسجدا، و هو المسجد المعروف بالغضائري، داخل باب أنطاكية، و يعرف الآن بمسجد شعيب(5)
الآثار الاسلامية و التاريخية في حلب لمحمد أسعد طلس، ط. دمشق 1956 ص 63- 64.
.و لما توّجه أبو عبيدة إلى حلب بلغه أن أهل قنّسرين قد نقضوا فرد
1) الجريب: مكيال قدر أربعة أقفزة، و قيل هو من الأرض ما يساوي ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع، أو عشرة آلاف ذراع. القاموس.
2) نقل هذا العنوان من هامش الأصل.
3) لمزيد من التفاصيل انظر بغية الطلب ج 1 ص 569- 587.
4) عدد ابن العديم في بغيته أبواب حلب بعدما وصف أسوارها ج 1 ص 55- 57.
5) اسمه الآن جامع النوته في محلة العقبة، لم يبق من بنائه الأول إلا الجهة الغربية لرواق.
إليهم السمط بن الأسود الكندي، فحصرهم ثم فتحها، فوجد فيها بقرا و غنما؛ فقسم بعضها فيمن حضر، و جعل الباقي في المغنم.
و كان حاضر قنّسرين [لطيء] قديما نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزل الجبلين(1)من نزل منهم؛ فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، و صولح كثير منهم على الجزية؛ ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلا من شذّ منهم.
و كان بقرب مدينة حلب حاضر حلب يجمع أصنافا من العرب من تنوخ و غيرهم؛ فصالحهم أبو عبيدة على الجزية، ثم إنهم أسلموا بعد ذلك؛ و جرت بينهم و بين أهل حلب حرب أجلاهم فيها أهل حلب، فانتقلوا إلى قنّسرين(2).
و كانت قنّسرين و حلب إذ ذاك مضافتين إلى حمص فأفردهما يزيد بن معاوية في أيّامه. و قيل: أفردهما معاوية أبوه.
و لما بلغ عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- ما فعل خالد في فتح قنسرين و حلب، قال: أمّر خالد نفسه؛ يرحم اللّه أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال منّي. يعني أنّ خالدا كان أمير المسلمين من جهة أبي بكر- رضي اللّه عنه- على الشام؛ فلما وليّ عمر عزله ووّلّى أبا عبيدة(3).
ثم ولاه عمر- رضي اللّه عنه- على قنّسرين فأدرب خالد و عياض بن غنم أول مدربة كانت في الإسلام، سنة ست عشرة(1).
و رجع خالد، فأتته الامارة من عمر- رضي اللّه عنه- على قنّسرين، فأقام خالد أميرا، تحت يد أبي عبيدة عليها، إلى أن أغزى هرقل أهل مصر في البحر؛ و خرج على أبي عبيدة في عساكر الروم، و أبو عبيدة بحمص بعد رجوعه من فتح حلب.
فاستمدّ أبو عبيدة خالدا فأمدّه بمن معه؛ و لم يخلف أحدا، فكفر أهل قنّسرين بعده؛ و بايعوا هرقل و كان أكفر من هناك تنوخ.
و اشتور المسلمون فأجمعوا على الخندقة و الكتاب إلى عمر- رضي اللّه عنه- بذلك. و أشار خالد بالمناجزة فخالفوه، و خندقوا. و كتبوا إلى عمر- رضي اللّه عنه- و استصرخوه.
و جاء الرّوم بمددهم؛ فنزلوا على المسلمين؛ و حصروهم. و بلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا، سوى أمداد قنّسرين، من تنوخ و غيرهم؛ فنالوا من المسلمين كل منال.
و كتب عمر- رضي اللّه عنه- إلى سعد بن أبي وقاص يخبره بذلك؛ و يأمره أن يبثّ المسلمين في الجزيرة، ليشغلهم عن أهل حمص. و أمدّه عمر-
1) روى ابن العديم في بغيته ج 1 ص 569- 572. أن أول من أدرب إلى الأراضي البيزنطية كل من ميسرة بن مسروق العبسي و الاشتر النخعي.
رضي اللّه عنه- بالقعقاع بن عمرو، فتوغلوا في الجزيرة؛ فبلغ الروم؛ فتقوضوا عن حمص إلى مدائنهم.
و ندم أهل قنّسرين و راسلوا خالدا، فأرسل إليهم: «لو أن الامر إليّ ما باليت بكم، كثرتم أم قللتم؛ لكنّي في سلطان غيري؛ فإن كنتم صادقين، فانفشوا كما نفش أهل الجزيرة». فساموا سائر تنوخ ذلك، فأجابوا؛ و أرسلوا إلى خالد: «إنّ ذلك إليك، فإن شئت فعلنا و إن شئت أن تخرج علينا فنهزم بالرّوم». فقال: «بل أقيموا؛ فإذا خرجنا، فانهزموا بهم».
فلما علم أبو عبيدة و المسلمون بذلك قالوا: «اخرج بنا»! و خالد ساكت، فقال أبو عبيدة: «مالك يا خالد، لا تتكلم» فقال: «قد عرفت الذي عليه رأيي، فلم تسمع من كلامي». قال: «فتكلم فإني أسمع منك، و أطيع». فأشار بلقائهم.
فخرج المسلمون و التقوهم، فانهزم أهل قنّسرين، و الروم معهم فاحتوى المسلمون على الروم، فلم يفلت منهم أحد(1).
و ما زال خالد على إمارة قنّسرين حتى أدرب خالد و عياض، سنة سبع عشرة، بعد رجوعهما من الجابية(2)، مرجع عمر إلى المدينة، فأصابا أموالا عظيمة.
و قفل خالد سالما، غانما، و بلغ الناس ما أصابوا تلك الصائفة؛ و قسم خالد فيها ما أصاب لنفسه؛ فانتجعه رجال من أهل الآفاق، و كان الأشعث بن قيس ممن انتجع خالدا بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف درهم.
و كان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله؛ فكتب إليه من العراق بخروج من خرج منها، و من الشام بجائزة من أجيز فيها. فدعا البريد، و كتب معه إلى أبي عبيدة: أن يقيم خالدا، و يعقله بعمامته، و ينزع عنه قلنسوته. حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث؟ أمن ماله؟ أم من إصابة أصابها؟ فان زعم أنّها من إصابة أصابها فقد أقرّ بخيانة؛ و إن زعم أنّها من ماله، فقد أسرف.
و اعزله على كل حال، و اضمم إليك عمله.
فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه؛ ثم جمع الناس؛ و جلس لهم على المنبر، فقام البريد فقال: «يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف، أم من إصابة»؟ فلم يتكلم حتى أكثر عليه، و أبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا.
فقام بلال إليه فقال: «إنّ أمير المؤمنين أمر فيك بكذا و كذا». ثم تناول عمامته، فنقضها، لا يمنعه سمعا و طاعة. و وضع قلنسوته، ثم أقامه فعقله بعمامته، ثم قال: «ما تقول أمن مالك أم من إصابة»؟ قال: «لابل من مالي» فأطلقه، و أعاد قلنسوته، ثم عمّمه بيده. ثم قال: «نسمع و نطيع لولاتنا، و نفخم و نحترم موالينا».
و أقام خالد متحيرا، لا يدري أمعزول أم غير معزول. و جعل أبو عبيدة يكرمه و يزيده تفخيما و لا يخبره؛ حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان. فكتب إليه بالوصول.
فأتى خالد أبا عبيدة فقال: «رحمك اللّه ما أردت إلى ما صنعت؟ كتمتني سرّا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم». فقال أبو عبيدة: «إني و اللّه ما كنت لأروعك ما وجدت من ذلك بدّا؛ و قد علمت أن ذلك يروعك».
قال: فرجع خالد إلى قنسرين، فخطب أهل عمله، و ودعهم. و قال خالد: «إنّ عمر ولاني الشام حتّى إذا ألقى بوانيه و صار بثنيّة(1)و عسلا عزلني، و استعمل غيري».
و تحمّل و أقبل إلى حمص فخطبهم، و ودعهم. و سار إلى المدينة حتى قدم على عمر فشكاه؛ و قال: «لقد شكوتك إلى المسلمين و باللّه إنّك في أمري غير مجمل يا عمر». فقال عمر: «من أين هذا الثّراء؟ فقال: «من الأنفال و السّهمان». فقال: «مازاد على الستين ألفا فلك». فشاطره على ما في يده و قوّم عروضه، فخرجت عليه عشرون ألفا؛ فأدخلها بيت المال، ثم قال: «يا خالد! و اللّه إنّك لعليّ الكريم، و إنّك إليّ الحبيب؛ و لن تعاتبني بعد اليوم على شيء». ثم إنّه عوّضه بعد ذلك عما أخذه منه(2).
و استعمل أبو عبيدة على قنسرين حبيب بن مسلمة بن مالك.
1) بهامش الأصل: البثنية: الحنطة التي تنبت في البثنية و هي السهل. و جاء في النهاية لابن الأثير: في حديث خالد: فلما ألقى الشام بوانيه عزلني و استعمل غيري؛ أي خيره و ما فيه من السعة و النعمة، و البواني في الأصل: أضلاع الصدر، و قيل الأكتاف و القوائم، الواحدة بانية.
2) لخالد بن الوليد ترجمة وافية في كتاب بغية الطلب لابن العديم، منها استخلص ما أورده هنا من معلومات ص 3120- 3173.
و أما هرقل فانه تأخر من الرّها إلى سميساط؛ و فصل عنها إلى القسطنطينية؛ فلما فصل علا على شرف؛ و التفت؛ و نظر نحو سورية، و قال: «عليك السّلام يا سورية سلام لا اجتماع بعده؛ و لا يعود إليك روميّ أبدا إلآ خائفا، حتى يولد المولود المشئوم؛ و يا ليته لا يولد، ما أحلى فعله و أمرّ عاقبته على الروم.
و طعن(1)أبو عبيدة- رضي اللّه عنه- سنة ثماني عشرة؛ فاستخلف على عمله عياض بن غنم، و هو ابن عمه و خاله؛ و كان جوادا مشهورا بالجود، فقال عمر: «إني لم أكن مغيرا أمرا قضاه أبو عبيدة».
و مات عياض سنة عشرين، فأمّر عمر- رضي اللّه عنه- على حمص و قنسرين سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي و مات سنة عشرين. فأمّر عمر مكانه عمير بن سعد بن عبيد الأنصاري على حمص و قنسرين.
و مات عمر- رضي اللّه عنه- مقتولا في ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين؛ و عمير بن سعد على حمص و قنسرين؛ و معاوية على دمشق و السواحل و أنطاكية. فمرض عمير في إمارة عثمان مرضا طال به، فاستعفى عثمان؛ و استأذنه في الرجوع إلى أهله، فأذن له.
1) حدث في سنة 18 ه طاعون عرف باسم طاعون عمواس، و عمواس بلدة قرب القدس، سكن فيها عدد كبير من الصحابة، و المسلمين و قيل كان عدد الذين ماتوا من المسلمين يتجاوز الخمسة و العشرين ألفا من أبرزهم: أبو عبيدة عامر بن الجراح، و شرحبيل بن حسنة، و معاذ بن جبل. طبقات ابن سعد ج 7 ص 387. الأنس الجليل ص 366.
و ضمّ حمص و قنسرين إلى معاوية سنة ست و عشرين؛ فاجتمع ولاية الشام جميعه على معاوية لسنتين من خلافة عثمان؛ فولى معاوية حبيب بن مسلمة بن مالك الفهري على قنسرين، و كان يسمى حبيب الروم لكثرة غزوه لهم.
و مات عثمان- رضي اللّه عنه- مقتولا في ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين، و الشام مع معاوية؛ و حبيب على قنسرين، من تحت يده.
فجرى بين علي- عليه السلام- و بين معاوية اختلاف إلى أن سار كلّ منهما إلى صاحبه؛ و التقيا بصفّين(1)و ذلك بعد سنة و شهر من خلافة عليّ، في سنة سبع و ثلاثين.
و كان عليّ في تسعين ألفا و معاوية في مائة ألف و عشرين ألفا(2)، و قتل بها من أصحاب علي خمسة و عشرون ألفا، و من أصحاب معاوية خمسة و أربعون ألفا. و كان مقامهما بصفّين مائة يوم و عشرة أيام. و كانت الوقائع تسعين وقعة؛ ثم اتفقا على التحكيم؛ و التقى الحكمان أبو موسى و عمرو بن العاص بأذرح(3)في شهر رمضان سنة ثمان و ثلاثين.
1) المرجح أن موقع صفين هو موقع أبي هريرة، القريب من الرقة حاليا.
2) أخبار صفين مجموعة بشكل ملحمي مفصل في كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري، و في الفتوح لابن الأعثم الكوفي و غيره من المصادر المبكرة، و استخلص ابن العديم جملة من الروايات المتنوعة أودعها في الجزء الأول من بغية الطلب ص 279- 320.
3) أذرح معروفة الآن بالمملكة الأردنية.
و مات عليّ- كرم اللّه وجهه- مقتولا بالكوفة، في سنة أربعين، و معاوية متغلب على الشام جميعه، فصالح الحسن بن عليّ- عليهما السلام- و بويع بالخلافة، في ربيع الأول سنة إحدى و أربعين؛ فمصرّ معاوية قنسرين، و أفردها عن حمص، و قيل إنّما فعل ذلك ابنه يزيد. و صار الذكر في ولاية قنسرين، و وظّف معاوية الخراج على قنسرين أربعمائة ألف و خمسين ألف دينار، و حلب للخلفاء من بني أمية لمقامهم بالشام، و كون الولاة في أيامهم بمنزلة الشرط، لا يستقلون بالأمور و الحروب؛ و ولاة الصوائف ترد كل عام مع الجيوش الاسلامية إلى دابق(1).
و أقام جماعة منهم بنواحي حلب، فإن سليمان بن عبد الملك رابط بدابق إلى أن مات. و أقام [عمر(2)بن عبد العزيز بخناصرة(3)إلى أن مات].
1) دابق الآن قرية في هضبة حلب تتبع ناحية صوران، منطقة أعزاز، محافظة حلب، فيها تل أثري في شمال القرية، تنتشر عليه الكسر الفخارية، أقيم عليه ضريح الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، و قربها جرت المعركة الفاصلة بين السلطان المملوكي قانصوه الغوري و السلطان العثماني سليم الأول. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
2) فقد من الأصل- كما هو مرجح- ورقة جرى استدراك ما رجح أنها حوته، اعتمادا على ما جاء في مصادر التاريخ الاسلامي العامة مع كتاب الأعلاق الخطيرة لابن شداد، و الجزء الأول من اعلام النبلاء للطباخ.
3) هي الآن خناصر، بلدة في الأطراف الجنوبية لهضبة حلب، مركز لناحية خناصر، تتبع منطقة السفيرة، محافظة حلب، تبعد عن السفيرة 45 كم، و هي قائمة عند نهاية السفح الجنوبي لجبل الأحص، فيها آثار ظاهر منها السور و القلعة. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
[و لم يزل حبيب بن مسلمة مع معاوية في حروبه، و قد وجهه إلى أرمينية و اليا، فمات بها سنة اثنتين و أربعين. و استعمل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد على غزو الروم؛ و لشدة بأسه خافه معاوية، و خشي منه؛ و أمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله. و ضمن له أن يضع عنه خراجه ماعاش؛ و أن يوليه خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن من الروم دسّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها، فمات بحمص سنة ست و أربعين.
و قاد مالك بن عبد اللّه الخثعمي الصوائف أربعين سنة. و سير معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم، و جعل عليهم سفيان بن عوف و أمر يزيد ابنه بالغزاة معهم، فتثاقل، و اعتلّ، فأمسك عنه أبوه. فأصاب الناس في غزاتهم جوع و مرض شديد، و ذلك في سنة اثنتين و خمسين.
و شتا بأرض الروم بعده عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي و غزا المسلمون الصائفة في سنة أربع و خمسين كذلك، و فتحوا قرب القسطنيطينية.
فلما مات معاوية سنة ستين، و ولي ابنه يزيد أمرهم بالعود منها فعادوا.
و مات يزيد بن معاوية بحوارين(1)من أرض الشام في سنة أربع و ستين. و بويع بعده معاوية ابنه بالخلافة في الشام و لكنه لم يمكث إلا أربعين يوما حتى خلع نفسه، ثم هلك.
1) حوارين قرية في هضبة حمص الجنوبية الشرقية، تتبع ناحية مهين، منطقة مركز المحافظة- محافظة حمص، تتصل بحمص بطريق مزفتة هي طريق حمص القريتين، فيها آثار من العصور التدمرية، و البيزنطية و الاسلامية، المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
و بويع بعده مروان بن الحكم، و ذلك في سنة أربع و ستين.
و تحارب مروان و الضحّاك بمرج راهط(1)عشرين ليلة، و اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الضحّاك، قتله دحية بن عبد اللّه، و قتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام. و كانت الوقعة في المحرم سنة خمس و ستين.
و لما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابيّ بقنسرين هرب منها فلحق بقرقيسيا(2). و استوثق الشام لمروان و استعمل عماله عليها. و لما مات مروان سنة خمس و ستين قام ابنه عبد الملك في اليوم الذي مات فيه.
و أقام عبد الملك بدمشق بعد رجوعه من قنسرين ما شاء اللّه أن يقيم، ثم سار يريد قرقيسيا، و بها زفر بن الحارث الكلابي، ثم قفل إلى دمشق فدبر لعمرو بن سعيد فقتله. و استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة و أرمينية فغزا منها، و أثخن العدو، و ذلك في سنة ثلاث و سبعين.
و أعاد الكرة في سنة خمس و سبعين حين خرجت الروم من قبل مرعش. و بعد سنتين غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك، و ظل على الولاية إلى أن مات عبد الملك في شوال سنة ست و ثمانين.
1) كان الضحاك بن قيس الفهري قد بايع عبد اللّه بن الزبير، و تزعم القيسية في الشام، و بالمقابل قامت القبائل اليمانية بزعامة حسان بن بحدل الكلبي بعقد مؤتمر الجابية، حيث بويع فيه مروان بن الحكم، و اثر ذلك كانت معركة مرج راهط، شرقي بلدة جوبر، خارج دمشق، و في هذه المعركة هزم الضحاك بن قيس، وترسخت بيعة مروان.
2) هي البصيرة حاليا( البوسرايا) حيث يلتقي الخابور بالفرات في سورية.
و ولى ابنه الوليد بن عبد الملك و محمد بن مروان على ولايته فما زال كذلك إلى أن عزله الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين. و ولى مكانه أخاه مسلمة بن عبد الملك.
فدخل مسلمة حرّان و كان محمد بن مروان يتعمم للخطبة؛ فأتاه آت فقال: هذا مسلمة على المنبر يخطب! فقال محمد: هكذا تكون الساعة بغتة! و ارتعدت يده، فسقطت المرآة من يده؛ فقام ابنه إلى السيف فقال: مه يابني؛ ولاني أخي و ولاه أخوه.
و كان أكثر مقام مسلمة بالناعورة، و بنى فيها قصرا بالحجر الأسود الصلد، و حصنا بقي منه برج إلى زماننا هذا(1).
و كان عبد الملك بن مروان يقول للوليد: كأنني- لو قد متّ- بك قد عزلت أخي و ولّيت أخاك.
و مات الوليد بن عبد الملك في سنة ست و تسعين.
و ولي سليمان بن عبد الملك فسيّر أخاه مسلمة غازيا إلى القسطنطينية و استخلف مسلمة على عمله خليفة؛ و رابط فيها سليمان بمرج دابق إلى أن مات به سنة تسع و تسعين.
و ولي عمر بن عبد العزيز بن مروان، فكان أكثر مقامه بخناصرة الأحصّ. و ولى من قبله على قنسرين هلال بن عبد الأعلى. ثم ولى أيضا عليها الوليد بن هشام المعيطي على الجند، و الفرات بن مسلم على خراجها.
1) لمزيد من المعلومات حول الناعورة انظر بغية الطلب ج 1 ص 64.
و توفي عمر بدير سمعان(1)من أرض معرة النّعمان، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى و مائة.
و ولي يزيد بن عبد الملك، و الوليد على قنسرين؛ و كان مرائيا سأل عمر أن ينقص رزقه تقربا إليه؛ فعلم أنه إنما أراد أن يتزيّن عنده بذلك؛ فحطّ رزقه. و كتب إلى يزيد، و هو ولي عهده: «إنّ الوليد بن هشام كتب إليّ كتابا أكثر ظني أنه تزّين بما ليس هو عليه، فأنا أقسم عليك إن حدث و أفضى هذا الأمر إليك فسألك أن تردّ رزقه، و ذكر أني نقصته فلا يظفر منك بهذا».
فلما استخلف يزيد كتب الوليد إليه: «إنّ عمر نقصني و ظلمني» فغضب يزيد، و عزله، و أغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر و يزيد كلها؛ فلم يل له عملا حتى هلك.
و مات يزيد بن عبد الملك بالبقاء(2)في شعبان سنة خمس و مائة [فاستخلف هشام بن عبد الملك](3).
و ولى على قنسرين و عملها خال أخيه سليمان و هو الوليد بن القعقاع بن خليد العبسيّ و قيل إنّه ولّى عبد الملك بن القعقاع على قنّسرين؛ و إليهم ينسب حيار بني عبس(4)، و إلى أبيهم ينسب القعقاعية قرية من بلد الفايا(5).
1) على مقربة من معرة النعمان أعيد ترميمه حديثا.
2) كانت البلقاء كورة من أعمال دمشق، قصبتها عمان. معجم البلدان.
3) زيد ما بين الحاصرتين لاستقامة السياق.
4) هي أشهر باسم حيار بني القعقاع، و كانت أيضا تعرف باسم كورة قنسرين الثانية. بغية الطلب ج 1 ص 125.
5) الفاية كورة بين منبج و حلب كبيرة. معجم البلدان.
و توفي هشام سنة خمس و عشرين و مائة.
و ولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، و كانت بينه و بين بني القعقاع وحشة، فهرب الوليد بن القعقاع و غيره من بني أبيه من الوليد، فعاذوا بقبر يزيد بن عبد الملك. فولى الوليد على قنّسرين يزيد بن عمر بن هبيرة؛ و بعث إلى الوليد بن القعقاع، فأخذه من جوار قبر أبيه؛ و دفعه إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، و هو على قنسرين، فعذبه و أهله. فمات الوليد بن القعقاع في العذاب.
و خرج يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد، فقتله في «البخراء»(1)في جمادى الآخرة سنة ست و عشرين و مائة. و وثب على عامله بدمشق فأخذه، و سيّر أخاه مسرور بن الوليد، و ولاه قنّسرين؛ و قيل بل ولي قنسرين أخوه بشر بن الوليد. و بويع يزيد، و مات في ذي الحجة من هذه السنة.
و بويع ابراهيم بن الوليد؛ و خلع في شهر ربيع الأول، سنة سبع و عشرين و مائة.
فولي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، و كان بحرّان(2)، فسار منها
1) البخراء: مدينة أثرية في البادية، ناحية مركز و منطقة تدمر. محافظة حمص تقع إلى الجنوب من مدينة تدمر، و على بعد 25 كم، اشتق اسمها من البخر، و هي الرائحة النتنة الصادرة عن الينابيع الكبريتية، أثارها تدل على أنها كانت مدينة محصنة أبعادها 200* 160 م، يحيط بها سور من الحجارة المنحوتة بعرض 3 م، مدعم بأبراج نصف دائرية، يتجه بابها نحو الجنوب الشرقي، و يحيط به برجان مستديران و في وسطها باحة ذات أعمده، تيجانها كورنثية، بناها التدمريون، و اتخذوها محطة رئيسة للقوافل. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
2) حران الآن قرية مهملة داخل الحدود التركية مع محافظة الرقة السورية.
في سنة سبع و عشرين و مائة. و نزل بحلب؛ و قبض على مسرور بن الوليد الوالي بحلب، و على أخيه بشر، بعد أن لقيهما فهزمهما و قتلهما بحلب. و كان معهما ابراهيم بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، فقتله أيضا.
و استتب أمر مروان. و خرج على مروان سليمان بن هشام بن عبد الملك فالتقاه مروان بن محمد بخساف(1)فاستباح عسكره في سنة ثمان و عشرين و مائة.
و كان الحكم و عثمان ابنا الوليد بن يزيد حبسا بقلعة قنسرين؛ و كان يزيد بن الوليد حبسهما؛ فنهض عبد العزيز بن الحجاج و يزيد بن خالد القسري؛ فقتلاهما و قتلا معهما يوسف بن عمر الثقفي بقنسرين؛ و أخذا بعد ذلك فقتلهما مروان و صلبهما.
1) برية خساف: المنطقة القائمة بين بالس- مسكنة حاليا- و حلب، و بين بالس و بين انقضاء برية خساف خمسة عشر ميلا. بغية الطلب ج 1 ص 63- 64.
و بويع أبو العباس السفاح(1)، في شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، بالكوفة، فسيّر عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العبّاس، في جمع عظيم، للقاء مروان بن محمد؛ و كان مروان في جيوش كثيفة، فالتقيا بالزّاب(2)من أرض الموصل، في جمادى الآخرة من سنة اثنتين و ثلاثين و مائة.
فهزم مروان و استولى على عسكره؛ و سار مروان منهزما حتى عبر الفرات من جسر منبج(3)فأحرقه.
فلما مرّ على قنّسرين و ثبت به طي و تنوخ، و اقتطعوا مؤخرة عسكره و نهبوه، و قد كان تعصّب عليهم؛ و جفاهم أيام دولته، و قتل منهم جماعة.
و تبعه عبد اللّه بن عليّ؛ و سار خلفه، حتى أتى منبج، فنزلها. و بعث إليه أهل حلب بالبيعة مع أبي أميّة التغلبي.
و قدم عليه أخوه عبد الصّمد بن عليّ؛ فقلّده حلب و قنسرين. و سار عبد اللّه و عبد الصّمد أخوه معه إليها، فبايعه أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي- و كان من أصحاب مروان- و دخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة.
و سار عبد اللّه إلى دمشق، ثم بلغ خلفه إلى نهر أبي فطرس(1)، و أتبعه بأخيه صالح، حتّى بلغ إلى الديار المصرية، خلف مروان بن محمد، فأدركه ببوصير(2)فقتله؛ ثم عاد إلى دمشق بعده.
و ذكر ابن الكلبي: و قدم بالس قائد من قوّاد عبد اللّه بن عليّ، في مائة و خمسين فارسا؛ و تقدّم إلى الناعورة فعبث بولد مسلمة بن عبد الملك و نسائهم- و كانوا مجاورين أبا الورد بحصن مسلمة بالناعورة و ببالس- فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد الكلابي، فخرج من مزرعته خساف في عدة من أهل بيته؛ و خالف و بيّض؛ و جاء إلى الناعورة، و القائد المذكور نازل بحصن مسلمة بها؛ فقاتله حتى قتله و من معه؛ و أظهر الخلع و التبييض(3)و دعا أهل حلب و قنسرين إلى ذلك فأجابوه.
فبلغ ذلك عبد اللّه بن علي، و هو بدمشق؛ فوجه أخاه عبد الصّمد بن عليّ، في زهاء عشرة آلاف فارس، و معه ذؤيب بن الأشعث على حرسه،
و المخارق بن عفّان على شرطه؛ فسار أبو الورد إليه، و جعل مقدّم جيشه و صاحبه أبا محمد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان؛ و أبو الورد مدبر الجيش، و لقيهم فهزم عبد الصّمد و من معه.
فلما قدم عبد الصّمد على أخيه عبد اللّه أقبل عبد اللّه بن عليّ بعسكره لقتال أبي محمد و أبي الورد، و معه حميد بن قحطبة، فالتقوا في سنة اثنتين و ثلاثتين و مائة، في آخر يوم من السنة؛ و اقتتلوا بمرج الأجم(1)، و ثبت لهم عبد اللّه و حميد فهزموهم. و قتل أبو الورد(2). و أمّن عبد اللّه بن عليّ أهل حلب و قنّسرين و سوّدوا و بايعوا. ثم انصرف راجعا إلى دمشق فأقام بها شهرا.
فبلغه أنّ العباس بن محمد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان السفياني قد لبس الحمرة، و خالف، و أظهر المعصية بحلب؛ فارتحل نحوه حتى وصل إلى حمص، فبلغه أنّ أبا جعفر المنصور- و كان يومئذ يلي الجزيرة، و أرمينية، و أذربيجان- وجّه مقاتل بن حكيم العكّي من الرقّة، في خيل عظيمة لقتال السفيانيّ؛ و أنّ العكي قد نزل منبج، فسار عبد اللّه مسرعا حتى نزل مرج الأجم، فبلغه أنّ العكّي واقع السفيانيّ و هزمه، و استباح عسكره، و افتتح حلب عنوة، و جمع الغنائم، و سار بها إلى أبي جعفر و هو بحرّان.
فارتحل عبد اللّه إلى دابق، و شتا بها، ثم نزل سميساط(1)، و حصر فيها اسحاق بن مسلم العقيليّ، حتى سلّمها؛ و دخل في الطاعة.
ثم قدم أبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، في أربعة آلاف من نخبة من كان مع اسحاق بن مسلم. فسيّر إليه حميد بن قحطبة، فهزم أبانا، و دخل سميساط، فسار إليها عبد اللّه، و نازلها حتى افتتحها عنوة.
و كتب إليه أبو العباس يأمره بالمسير إلى الناعورة، و أن يترك القتال؛ و يرفع السّيف عن الناس، و ذلك في النصف من رمضان سنة ثلاث و ثلاثين و مائة.
و هرب أبو محمد و من معه من الكلبية إلى تدمر ثم خرج إلى الحجاز، فظفر به و قتل(2). و كتب إليه السفّاح أن يغزو بلاد الروم، فأتى دابق، فعسكر بها، و جمع، و توجّه إلى بلاد الرّوم.
فلمّا وصل دلوك(3)يريد الإدراب، كتب إليه عامله بحلب يخبره بوفاة
1) سميساط: بلدة على شاطىء الفرات الغربي في طرف بلاد الروم. معجم البلدان.
2) قتل قرب أحد خارج المدينة المنورة. انظر ترجمته في بغية الطلب السالفة الذكر. و جاء بهامش الأصل بخط مخالف: و ذكر ابن الكلبي أن عبيد اللّه بن العباس بن يزيد من بني حجر بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن ثور بن مرتع الكندي ولي قنسرين لأبي السفاح، و أنه ولي بعد ذلك أرمينية لأبي جعفر و بها مات.
3) عرفها ابن العديم، و أوضح أن الرشيد كان قد أفردها مع غيرها و جعلها من العواصم، و شغلت المدينة هذه دورا في الحروب الصليبية حتى حررها نور الدين محمود بن زنكي، و إثر ذلك خربت المدينة و القلعة، و بقيت قرية مضافة إلى عين تاب. بغية الطلب ج 1 ص 261.
السفاح و بيعة المنصور؛ فرجع من دلوك، و أتى حرّان، و دعا إلى نفسه، و زعم أنّ السّفاح جعله وليّ عهده.
و غلب على حلب، و قنّسرين، و ديار ربيعة و مضر، و سائر الشّام. و لم يبايع المنصور. و بايعه حميد بن قحطبة و قوّاده الذين كانوا معه. و ولّى على حلب زفر بن عاصم بن عبد اللّه بن يزيد الهلالي أبا عبد اللّه، في سنة سبع و ثلاثين و مائة.
فسيّر المنصور أبا مسلم الخراسانيّ صاحب الدعوة لقتال عبد اللّه بن علي؛ فسيّر عبد اللّه حميد بن قحطبة، و كتب له كتابا إلى زفر بن عاصم إلى حلب، و فيه: «إذا ورد عليك حميد فاضرب عنقه»(1). فعلم حميد بذلك؛ فهرب إلى أبي مسلم الخراساني، خوفا من عبد اللّه.
ثم سار أبو مسلم إلى عبد اللّه بن عليّ، فالتقيا، و انهزم عبد اللّه و عبد الصمد أخوه معه؛ فسار أبو مسلم خلفه فوصل إلى الرقة؛ و أخذ منها أموال عبد اللّه، و تبعه إلى رصافة هشام(2)فانهزم عبد اللّه إلى البصرة، و توارى عند أخيه سليمان بن عليّ، فأخذ له أمانا من المنصور؛ و سيّره إليه، فحبسه إلى أن سقط عليه الحبس، فمات(3).
1) لحميد ترجمة جيدة في كتاب بغية الطلب 2973- 2975 فيها تفاصيل ما أوجزه ابن العديم هنا.
2) ماتزال بقايا رصافة هشام قائمة خارج مدينة الرصافة التي تبعد عن الرقة قرابة العشرين ميلا.
3) وجدت في كتاب المقفى للمقريزي ترجمة وافية لعبد اللّه بن علي نشرتها مع تراجم أخرى ملحقة بكتاب تاريخ الخلفاء للوثابي، بيروت 1995.
و قبض أبو مسلم على عبد الصّمد بن عليّ، بالرّصافة، و أخذ أمواله، و سيّره إلى المنصور، فأمّنه و أطلقه.
و ورد كتاب المنصور على أبي مسلم بولاية الشّام جميعه، و حلب، و قنّسرين، و أمره أن يقيم له في بلاده نوّابا، ففعل أبو مسلم ذلك.
و سار إلى المنصور، فالتقاه في الطريق يقطين بن موسى، و قد بعثه المنصور إليه لاحصاء جميع ما وجدوا في عسكر عبد اللّه بن عليّ. فغضب أبو مسلم و قال: «أنكون أمناء في الدماء و خونة في الأموال؟» ثم أقبل و هو مجمع على خلاف المنصور(1). فاستوحش المنصور منه، و قتله في سنة تسع و ثلاثين و مائة.
و لما عاد أبو مسلم من الشّام ولى المنصور حلب و قنسرين و حمص صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس سنة سبع و ثلاثين و مائة؛ فنزل حلب، و ابتنى بها خارج المدينة قصرا بقرية يقال لها بطياس(2)بالقرب من النيرب؛
1) أخبار أبي مسلم الخراساني منتشرة في مختلف المصادر المبكرة مثل أنساب الأشراف للبلاذري، و تاريخ الطبري، و غرر السير للمرعشي، و لأبي مسلم ترجمة متميزة في تاريخ دمشق لابن عساكر تحت اسم عبد الرحمن بن مسلم.
2) في بغية الطلب ج 1 ص 528- 529: و ابتنى صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس« قصره المعروف ببطياس، و كان على الرابية المشرفة على النيرب من جهة الغرب و الشمال، و كان عن يسار المتوجه من حلب إلى النيرب، و موضع اصطبله عن يمين المتوجه، و الطريق بينهما، و دثر القصر، و لم يبق منه إلا الآثار، و يجد الناس في موضعه شيئا من الفسيفساء و كسور الرخام» و ما يزال موقع النيرب يحمل الاسم نفسه خارج حلب.
و آثاره باقية إلى الآن. و معظم أولاده ولدوا ببطياس. و قد ذكرها البحتريّ و غيره في أشعارهم.
و أغزى الصائفة مع ابنه الفضل في سنة تسع و ثلاثين و مائة بأهل الشام، و هي أول صائفة غزيت في خلافة بني العباس. و كانت انقطعت الصوائف في أيام بني أمية قبل ذلك بسنين.
و ظهر في سنة إحدى و أربعين و مائة قوم يقال لهم الراوندية(1)، خرجوا بحلب و حرّان. و كانوا يقولون قولا عظيما. و زعموا أنهم بمنزلة الملائكة.
و صعدوا تلا بحلب، فيما قالوا؛ و لبسوا ثيابا من حرير؛ و طاروا منه فتكدوا(2)و هلكوا. و دام صالح في ولاية حلب إلى أن مات في سنة اثنتين و خمسين و مائة.
و رأيت فلوسا عتيقة، فتتبعت ما عليها مكتوب فإذا أحد الجانبين مكتوب عليه: «ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة ست و أربعين و مائة».
و على الجانب الآخر: «مما أمر به الأمير صالح بن عليّ أكرمه اللّه».
و لما مات صالح بن عليّ تولّى حلب و قنسرين بعده ولده الفضل بن صالح، و اختار له «العقبة»(3)بحلب، فسكنها و أقام بحلب واليا مدّة. ثم ولى المنصور بعده موسى بن سليمان الخراساني. و مات المنصور سنة ثمان و خمسين،
و موسى على قنسرين و حلب. و رأيت فلوسا عتيقة فقرأت عليها: «ضرب هذا الفلس بقنسرين سنة سبع و خمسين و مائة». و على الجانب الآخر: «مما أمر به الأمير موسى مولى أمير المؤمنين».
و لما ولي المهدي خرج عبد السلام بن هاشم الخارجي بالجزيرة، و كثر أتباعه فلقيه جماعة من قواد المهدي، فهزمهم؛ فبعث المهدي إليه جنودا كثيرة، فهرب منهم إلى قنسرين، فلحقوه فقتلوه بها في سنة اثنتين و ستين و مائة؛ و كان مقدم الجيش شبيبا(1).
و عزم المهدي على الغزو فخرج حتى وافى حلب في سنة ثلاث و ستين و مائة، و التقاه العباس بن محمد إلى الجزيرة؛ و أقام له النزل في عمله، و اجتاز معه على حصن مسلمة بالناعورة، فقال له العباس: «يا أمير المؤمنين إنّ لمسلمة في أعناقنا منّة». كان محمد بن علي مرّ به فأعطاه أربعة آلاف دينار، و قال له: «يابن عم، هذه ألفان لدينك و ألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا». فقال المهدي: «أحضروا من ههنا من ولد مسلمة و مواليه»؛ فأمر لهم بعشرين ألف دينار و أمر أن تجري عليهم الأرزاق.
ثم قال: «يا أبا الفضل كافينا مسلمة و قضينا حقه؟» قال العباس:
«نعم، وزدت».
و نزل المهدي بقصر بطياس ظاهر حلب. و ولى المهدي حين قدم
1) شبيب بن واج المروروذي، و تفاصيل ثورة عبد السلام بن هاشم اليشكري في سنة ستين و مائة موجودة في تاريخ خليفة بن خياط- ط. دمشق 1968 ج 2 ص 700- 704.
قنسرين و حلب و الجزيرة علي بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس حربا و خراجا و صلاة.
ثم إن المهدي عرض العسكر بحلب و أغزى ابنه هارون بلاد الروم و سيّر محتسب حلب عبد الجبار فأحضر له جماعة من الزنادقة فقتلهم بحلب.
و ولى حلب و الشام جميعه ابنه هارون. و أمر كاتبه يحيى بن خالد أن يتولى ذلك كله بتدبيره؛ و كانت توليته في سنة ثلاث و ستين و مائة
و لما بويع الهادي أقر أخاه و يحيى على حالهما.
فلما أفضى الأمر إلى الرشيد ولّى حلب و قنّسرين عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد اللّه، فأقام بمنبج، و ابتنى بها قصرا لنفسه و بستانا إلى جانبه، و يعرف البستان يومنا هذا ببستان القصر، و كانت ولايته سنة خمس و سبعين؛ ثم صرفه لأمر عتب عليه فيه.
ثم ولاها الرشيد موسى بن عيسى سنة ست و سبعين و مائة. و مرّ الرشيد على عبد الملك بمنبج فأدخله منزله بها. فقال له الرشيد: «هذا منزلك». قال «هو لك ولي بك». قال: «فكيف هو؟». قال: «دون منازل أهلي و فوق منازل الناس». قال: «فكيف طيب منبج؟». قال: «عذبة الماء، عذبة الهواء، قليلة الادواء». قال: «فكيف ليلها؟». قال: «سحر كله!».
و هاجت الفتنة بالشام بين النزارية و اليمانية، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد في هذه السنة الشّام جميعه، فأقام به حتى أصلح بينهم.
ثم ولاها الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك سنة ثمان و سبعين؛
و توجّه إليها سنة ثمانين، و استخلف عليها عيسى بن العكي.
ثم إنّ الرشيد ولى حلب و قنّسرين اسماعيل بن صالح بن عليّ لما عزله عن مصر سنة اثنتين و ثمانين و مائة؛ و أقطعه ما كان له بحلب في سوقها و هي الحوانيت التي بين باب أنطاكية إلى رأس الدلبة(1)و عزله و ولاه دمشق.
ثم ولى الرشيد بعده عبد الملك بن صالح بن علي ثانية، فسعى به ابنه عبد الرحمن إلى الرشيد، و أوهمه أنه يطمع في الخلافة فاستشعر منه، و قبض عليه في سنة سبع و ثمانين و مائة.
و ولّى على حلب و قنسرين ابنه القاسم بن هارون، و أغزاه الروم و وهبه للّه تعالى في سنة سبع و ثمانين و مائة.
و رابط القاسم بدابق هذه السنة و التي بعدها. و قيل: إنّ الرشيد لما غضب على عبد الملك بن صالح ولى أخاه عبد اللّه بن صالح ثم عزله سنة ثمان و ثمانين و ولى القاسم بن هارون ابنه. و قيل: إن أحمد بن اسحاق بن اسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس ولي قنسرين للرشيد، و قد كان ولي له مصر، و عزله عنها سنة تسع و ثمانين؛ فلا أتحقق ولايته في أي سنة كانت.
و قد ذكر بعضهم: أن عبد اللّه بن صالح توفي ببغداد في أيام المنصور.
و قال بعضهم: إنه توفي بسلمية في سنة ست و ثمانين. فعلى هذا يكون الذي ولاه الرشيد ابن ابنه عبد اللّه بن صالح بن عبد اللّه بن صالح؛ و اللّه أعلم.
1) ترجم ابن العديم لاسماعيل بن صالح في بغية الطلب ص 1648- 1655، و ذكر ما أقطعه الرشيد في حلب و زاد:« و قدرها قدر جليل جسيم».
ثم إنّ الرشيد ولّى حلب و قنّسرين خزيمة بن خازم بن خزيمة، من قبل ابنه القاسم بن الرشيد، في سنة ثلاث و تسعين و مائة. و لم يزل القاسم بن الرشيد في ولاية حلب و قنسرين حتى مات أبوه الرشيد في سنة ثلاث و تسعين و مائة في جمادى الآخرة فأقره أخوه الأمين عليها؛ و جعل معه قمامة بن أبي زيد؛ و ولى خزيمة بن خازم الجزيرة.
ثم إن محمدا الأمين عزل أخاه القاسم بن الرشيد عن حلب و قنسرين و العواصم و سائر الأعمال التي ولاه أبوه سنة أربع و تسعين و مائة؛ و وليّها خزيمة بن خازم في هذه السنة.
ثم ولّى الأمين حلب و قنسرين و الجزيرة عبد الملك بن صالح بن عليّ؛ فخرج إليها، و اجتمعت إليه العرب في سنة ست و تسعين و مائة(1)
بالخلافة في ذي الحجة سنة ... و بايعه أهل قنسرين، و خرج إبراهيم بن اسحق بن قضاعة الثويبي من بني الفصيص في جماعة من أصحابه، ثم هرب أبو العميطر و استخفى». انظر بغية الطلب ج 1 ص 563- 565.
. و هذه الولاية الثالثة لعبد الملك. و كان الأمين قد أخرجه من حبس أبيه حين مات سنة ثلاث و تسعين و مائة في ذي القعدة.و استمر عبد الملك في هذه الولاية إلى أن مات في سنة ست و تسعين و مائة بالرقة؛ و دفن في دار من دور الإمارة. و كان يرى للأمين ما فعله به. فلما خلع الأمين حلف عبد الملك إن مات الأمين لا يعطي المأمون طاعة؛ فمات قبل الأمين فبقيت في نفس المأمون إلى أن خرج إلى الغزاة؛ و وجد قبر عبد
1) بهامش الأصل: و خرج أبو العميطر علي بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية السفياني ...
الملك في دار الإمارة فأرسل إلى ابن لعبد الملك: «حول أباك من داري» فنبشت عظامه و حوّل.
ثم ولي خزيمة بن خزيمة حلب و قنسرين في سنة سبع و تسعين و مائة.
و قيل إن الوليد بن طريف ولي حلب و قنسرين بعد عبد الملك بن صالح؛ و بعده و رقاء عبد عبد الملك ثم بعده يزيد بن مزيد، ثم استأمن إلى طاهر بن الحسين.
فلما قتل الأمين و بويع المأمون ولى حلب و الشام جميعه طاهر بن الحسين؛ و جعل إليه حرب نصر بن شبث فتحصن بكيسوم(1)فقصده طاهر فلم يظفر به ولقيه، فكسر طاهر و عاد مفلولا؛ و ذلك في سنة ثمان و تسعين و مائة.
ثم أضاف إليه ولاية مصر و إفريقية في سنة أربع و مائتين.
ثم ولاه خراسان سنة ست. و ولى ابنه عبد اللّه مصر و الشام جميعه؛ و أمره بمحاربة نصر بن شبث في سنة ست و مائتين.
و توفي طاهر بخراسان سنة سبع و مائتين؛ فأضاف المأمون ولايته إلى ابنه عبد اللّه مع الشام. فسار عبد اللّه بن طاهر إلى الشام من الرقة و احتوى على الشام جميعه. و هدم سور معرة النعمان. و هدم معظم الحصون الصغار مثل
1) كانت كيسوم مدينة كبيرة قديمة، و ولاية واسعة عظيمة، و كان حصنها حصينا و بناؤها قويا ركينا، و بينها و بين الحدث سبعة فراسخ. بغية الطلب ج 1 ص 265.
حصن الكفر و حصن حناك(1)و غير ذلك. و نزل بكيسوم و بها نصر بن شبث فحصره إلى أن ظفر به، و خرج إليه بأمان. و خرّب حصن كيسوم بعد وقائع كثيرة جرت بينه و بين نصر بن شبث؛ و سار إلى مصر؛ و ذلك كله في سنة تسع و مائتين.
و لما فتح مصر في سنة إحدى عشرة و مائتين كتب المأمون إليه:
أخي أنت و مولايو من أشكر نعماه
فما أحببت من أمرفإني الدهر أهواه
و ما تكره من شيءفاني لست أرضاه
لك الله على ذاكلك الله لك الله
و دامت ولاية عبد اللّه بن طاهر إلى سنة ثلاث عشرة و مائتين؛ و وجهه المأمون إلى خراسان، و عزله عن الشام؛ و ولى ابنه العباس بن المأمون حلب و قنسرين و العواصم و الثغور؛ و أمر له بخمسمائة ألف دينار في سنة ثلاث عشرة و مائتين.
ثم ولاها المأمون إسحاق بن ابراهيم بن مصعب بن زريق و عزل ابنه العباس في سنة أربع عشرة و مائتين. ثم إنّ المأمون عزل اسحاق بن ابراهيم في هذه السنة و ولاه مصر، و أعاد ابنه العباس إليها ثانية.
ثم ولى المأمون حلب و قنسرين ورقة الطريفي، و أظنه مع العباس
1) لعله أراد بالكفر، بلدة كفر طاب، علما بأنه يوجد على مقربة من خربة حناك قرية اسمها كفر رومه، تبعد عنها 3 كم. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
و كانت لورقة حركة أيام الفتنة.
فلما قدم المأمون حلب للغزاة و نزل بدابق، في سنة خمس عشرة و مائتين، لقيه عيسى بن علي بن صالح الهاشمي فقال له: «يا أمير المؤمنين أيلينا أعداؤنا في أيام الفتنة و في أيامك؟» فقال: «لا و لا كرامة». فصرف ورقة.
و ولى عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ولده العباس فيما أرى، فوجد عنده من الكفاية و الضبط و حسن السيرة ما أراد فقدّمه و كبر عنده و أحبه.
و كان المأمون كلما غزا الصائفة لقيه عيسى بن علي بالرقة و لا يزال معه حتى يدخل الثغور، ثم يرد عيسى إلى عمله.
و ولى المأمون في سنة خمس عشرة و مائيين قضاء حلب عبيد بن جناد بن أعين مولى بني كلاب، فامتنع من ذلك، فهدده على الامتناع فأجاب.
ثم ولى المأمون عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح لما غزا الصائفة في سنة ثمان عشرة و مائتين العواصم.
و فيها مات المأمون و إنما وليها عبيد اللّه عن العباس بن المأمون في غالب ظني فان العباس ولي حلب و قنسرين و الجزيرة من سنة أربع عشرة و مائتين إلى أن توفي أبوه المأمون بالبذندون من أرض طرسوس(1).
1) للمأمون ترجمة وافية في المقفى للمقريزي ألحقتها بكتاب تاريخ الخلفاء للوثابي، و البذندون قرية بينها و بين طرسوس يوم، ثم نقل إلى طرسوس و دفن فيها، و أودع ابن العديم مادة رائعة عن طرسوس. بغية الطلب ج 1 ص 175- 204.
و بويع أبو اسحاق المعتصم فأقر العباس بن المأمون على ولايته، و كان الجند قد شغبوا و طلبوا العباس و نادوه باسم الخلافة؛ فأرسل المعتصم إليه، و أحضره فبايعه؛ و خرج إلى الناس و قال لهم: «ما هذا الحب البارد قد بايعت عمي» فسكنوا.
و سار المعتصم إلى بغداد و العباس معه؛ فلما توجه المعتصم إلى الغزاة و مرّ بحلب، في سنة ثلاث و عشرين و مائتين، و دخل إلى بلاد الروم اجتمع به بعض الجند و وبّخه على ما فعل من إعطاء المعتصم الخلافة، و حسّن له تدارك الأمر، فاستمال جماعة من القواد و عزموا أن يقبضوا على المعتصم و هو داخل إلى الغزاة فلم يمكنهم العباس و قال: «لا أفسد على الناس غزاتهم».
فنمى الخبر إلى المعتصم فقبض على العباس، و على من ساعده على ذلك، و هو عائد من الغزاة، فلما وصل إلى منبج سأل العباس الطعام و كان جائعا فقدم إليه طعام كثير فأكل. فلمّا طلب الماء منع و أدرج في مسح(1)فمات بمنبج في ذي القعدة، من سنة ثلاث و عشرين و مائتين؛ و صلى عليه بعض إخوته و دفن بمنبج.
و ولى المعتصم حلب و قنسرين حربها و خراجها و ضياعها عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح بن عليّ الهاشمي؛ ثم إنه ولى أشناس التركي الشام جميعه و الجزيرة و مصر، و توّجه و ألبسه و شاحين بالجوهر في سنة خمس و عشرين و مائتين.
1) المسح: الكساء من شعر. المعجم الوسيط.
و نظر في صلات المعتصم لأشناس فوجد مبلغها أربعين ألف ألف درهم. و أظن أنه بقي في ولايته إلى أن مات سنة ثلاثين و مائتين في أيام الواثق.
و ولى الواثق عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي حلب و قنسرين حربها و خراجها و ضياعها؛ و أظنه كان متوليا في أيام المعتصم من جهة أشناس، فأقره الواثق على ولايته.
و ولّى الواثق قنسرين و حلب و العواصم، بعد عبيد اللّه، محمد بن صالح بن عبد اللّه بن صالح فكانت سيرته غير محمودة. و كان أحمر أشقر، فلقّب: «سمّاقة» لشدة حمرته. و يقال: إنه أول من أظهر البرطيل بالشام، و أوقع عليه هذا الاسم؛ و كان لا يعرف قبل ذلك إلا الرّشوة على غير إكراه.
و كان أكثر الناس سكوتا و أطولهم صمتا؛ لا يكاد يسمع له كلام إلا في أمر يأمر به، أو قول يجيب عنه.
و كان قاضي حلب في أيامه أبا سعيد عبيد بن جناد الحلبي، توفي سنة إحدى و ثلاثين و مائتين؛ و كان المأمون ولاه قضاء حلب. و له يقول عمرو بن هوبر الكلبي في قصيدة يغضّ منه؛ أولها:
لا در درّ زمانك المتنكسالجاعل الأذناب فوق الأرؤس
ما أنت إلا نقمة في نعمةأو أصل شوك في حديقة نرجس
يا قبلة ذهبت ضياعا في يدضرب الإله بنانها بالنقرس
من سرّ أبطح مكة آباؤهوجدوده و كأنّه من قبرس
و هذا عمرو بن هوبر كان من معراثا البريدية من ضياع معرّة النعمان و ولي في أيام المتوكل معرّة مصرين و قتل بها(1).
و كان الواثق قد ولى الثغور و العواصم دون حلب و أعمالها أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة، و أمره بحضور الفداء مع خاقان و صاحب الروم ميخائيل، فأمضى الفداء سنة إحدى و ثلاثين و مائتين.
ثم إنه غزا شاتيا فأصاب الناس شدة فوجد الواثق عليه بسبب ذلك، و عزله و ولاها نصر بن حمزة الخزاعي.
و ولّى الشارباميان، في أول أيام المتوكل على حلب و قنسرين و العواصم، و اليين أنا ذاكرهما. و كان الشارباميان أحد قواد المتوكل و كان خصيصا عنده. فإما أن يكون المتوكل ولاه جند قنسرين و العواصم أو أنه كان السلطان في أيام المتوكل فكان أمر الولاية إليه. فانني قرأت في كتاب نسب بني صالح بن علي قال: و ولى الشارباميان جند قنسرين و العواصم عليّ بن اسماعيل بن صالح بن علي، أبا طالب؛ و إنما أراد أن يتزين به عند المتوكل فامتنع من قبول ولايته؛ فأعلمه إن لم يفعل كتب فيه إلى الخليفة فقبلها؛ و أقام على ولاية جند قنسرين و العواصم، حتى مات. فكانت أيامه أحسن أيام و سيرته أجمل سيرة. و كان عليّ بن اسماعيل إذا خرج إلى العواصم استخلف ابنه محمد بن علي على قنسرين و حلب فلا يفقد الناس من أبيه
1) ما يزال هناك أكثر من معراثا على مقربة من معرة النعمان، هذا و أفرد ابن العديم بابين لكل من معرة النعمان و معرة مصرين. ج 1 ص 127- 135.
شيئا، قال: ولى الشارباميان جند قنسرين و العواصم عيسى بن عبيد اللّه بن الفضل بن صالح بن علي الهاشمي.
قال: و ولى المتوكل طاهر بن محمد بن اسماعيل بن صالح على المظالم بجند قنسرين و العواصم، و النظر في أمور العمال؛ و جاءته الولاية منه فألفاه الرسول في مرضه الذي مات فيه، و جعل المتوكل ولاية عهده إلى ابنه محمد المنتصر؛ و ولاه قنسرين، و العواصم، و الثغور و ديار مضر، و ديار ربيعة، و الموصل، و غير ذلك في سنة خمس و ثلاثين و مائتين؛ فاستمر في الولاية إلى أن قتل أباه و كانت الولاة من قبله.
و في أيام ولايته حلب في سنة اثنتين و أربعين و مائتين وقع طائر أبيض دون الرخمة(1)
القاموس.
و فوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من رمضان، فصاح: «يا معشر الناس، اللّه اللّه» حتى صاح أربعين صوتا. ثم طار؛ و جاء من الغد فصاح أربعين صوتا. و كتب صاحب البريد بذلك و أشهد خمسمائة انسان سمعوه. و لا يبعد عندي أن تكون الدّلبة التي ينسب إليها رأس الدلبة(2).و سمع في هذه السنة أصوات هائلة من السماء، و زلزلت نيسابور،
و تقلعت جبال من أصولها، و نبع الماء من تحتها، و وصلت الزلزلة إلى الشام و الثغور.
و أظن أن نائب المنتصر في جند قنسرين في حياة المتوكل كان بغا الكبير؛ فلمّا قتل المتوكل قدم بغا عليه. و سيّر المنتصر و صيفا إلى الثغر الشامي، فأقام به إلى أن مات.
و ولى المستعين في سنة خمسين و مائتين قنّسرين و حلب و حمص موسى بن بغا؛ و توجه إليها حين عاث أهل حمص على الفضل بن قارن. ثم ولي حلب و العواصم أبو تمام ميمون بن سليمان حدقة بن عبد الملك بن صالح في أيام المستعين، و كانت له حركة و بأس في فتنة المستعين.
و عصى أهل حلب و أقاموا على الوفاء للمستعين ببيعتهم؛ فقدم عليهم أحمد المولد محاصرا لهم فلم يجيبوه إلى ما أراد من البيعة للمعتز. و كان السفير بينه و بينهم الحسين بن محمد صالح بن عبد اللّه بن صالح أبا عبيد اللّه الهاشمي.
فلما بايعوا بعد ذلك للمعتز و انقضى أمر المستعين ولاه أحمد المولد جند قنسرين و حلب، في سنة اثنتين و خمسين و مائتين؛ فأقام مدة يسيرة؛ ثم انصرف إلى سلمية- أعني الحسين بن محمد.
و ولي حلب و قنسرين و العواصم صالح بن عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح، في فتنة المستعين؛ و كان له سعي و تقدم و رئاسة.
ثم ولي بعده، فيما أرى، أبو تمام ميمون بن سليمان بن عبد الملك بن صالح. و هذه ولاية ثانية له؛ و مات بالرقة، ثم ولي بعده ثانية صالح بن عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي و انقضت ولاية بني صالح الهاشميين.
ثم ولي حلب و قنسرين في أيام المعتز أبو الساج داود اذ في شهر ربيع الأول، سنة أربع و خمسين و مائتين، و بقي واليا إلى أن تغلب أحمد بن عيسى بن شيخ على الشامات في أيام المهتدي.
فلما مات، و ولي المعتمد سيّر إلى ابن شيخ بولاية أرمينية، على أن ينصرف عن الشام آمنا؛ فأجاب إلى ذلك؛ و رحل عنها في سنة ست و خمسين و مائتين.
[عصر الدولة الطولونية](1)
و وليها أحمد بن طولون مع أنطاكية و طرسوس و غيرها من البلاد و كان أحمد بن طولون شهما شجاعا عاقلا، و كان على مربطه أربعة آلاف حصان، و كانت نفقته في كل يوم ألف دينار(2).
فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الملقب بالموفق على حلب و قنسرين و العواصم، في شهر ربيع الأول سنة ثمان و خمسين و مائتين. ثم ولاه بغداد، و اليمن، و خراسان؛ ولى الشام لابنه جعفر؛ و جعل له ولاية العهد، و هو صبي؛ و جعل الأمر بعده لأخيه أبي أحمد.
فولى أبو أحمد الموفق «سيما الطويل» أحد قواد بني العباس و مواليهم حلب و العواصم. فابتنى بظاهر مدينة حلب دارا حسنة، و عمل لها بستانا.
و هو الذي يعرف الآن «ببستان الدّار» ظاهر باب أنطاكية. و بهذه الدّار سميت المحلة التي بباب أنطاكية «الدّارين»؛ إحدى الدارين هذه؛ و الدار الأخرى
بناها قبله محمد بن عبد الملك بن صالح فعرفت المحلة بالدّارين لذلك.
و إحدى الدارين تعرف بالسليمانية على حافة نهر «قويق»؛ و حاضر السليمانية بها يعرف و هو حاضر حلب.
و جدّد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريبا من داره. و ركب عليه بابا أخذه من قصور بعض الهاشميين بحلب يقال له: «قصر البنات».
و أظن أن «درب البنات» بحلب يعرف به؛ و أظن القصر يعرف بأم ولد كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح اسمها «بنات»؛ و هي أم ولده داود.
و سمى سيما الباب باب السلامة و هو الباب الذي ذكره الواساني(1)في قصيدته الميمية التي أولها:
يا ساكني حلب العواصم جادها صوب الغمامة(2)
و في سيما الطويل يقول البحتري:
فردّت إلى سيما الطّويل أمورناو سيما الرّضا في كلّ أمر يحاوله(3)
و قال يمدح الموفق و يذكر ولاية سيما الطويل الشام:
لقد وفق الله الموفق للذيأتاه و أعطى الشام ما كان يأمله
أضاف إلى سيما الطويل أمورناو سيما الرضا في كل أمر يحاوله
فعصى أحمد بن طولون على أبي أحمد الموفق، و أظهر خلعه و نزل إلى الشام، فانحاز سيما الطويل إلى أنطاكية فحصره أحمد بن طولون بها فألقت
عليه امرأة حجرا و قيل قوفا(1)فقتلته. و قيل بل قتله عسكر ابن طولون، و كان ذلك في سنة أربع و ستين أو سنة خمس و ستين و مائتين.
و استولى أحمد بن طولون على حلب و الشام جميعه منابذا لأبي أحمد الموفق؛ و كان قاضي حلب في أيامه عبيد اللّه بن محمد بن عبد العزيز بن عبد اللّه أبو بكر القاضي العمري. و دام على قضائها إلى أن مات أحمد.
و كان سيما حين صارت له حلب قد قصد جماعة من الأشراف [من] بني صالح بن علي بالأذى، و استولى على أملاكهم، و أودع بعضهم السجن.
فلما ولي أحمد بن طولون قال صالح بن محمد بن اسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي الحلبي، يمدحه و يشكره، و يذكر ظفره بسيما بقصيدة يقول فيها:
و قد لبستنا من قذا الجور ذلةو دار بنا كيد الأعادي فأحدقا
و حكّم فينا عاندا فجرت لهأفاعيل غرّ تترك اللب أخلقا
إلى أن أتيحت بابن طولون رحمةأشار إلى معصوصب فتفرّقا
فدتك بنو العباس من ناصر لهاأنار به قصد السبيل فأشرقا
بنيت لهم مجدا تليدا بناؤهفلم نر بنيانا أعزّ و أوثقا
منحتهم صفو الوداد و لم يكنسواك ليعطي الودّ صفوا مزوّقا
تجوز منك العبد لما قصدتهو أسكن أشراف الأقاوم مطبقا
بلا ترة أسدوا إليه و إنّمايجازي الفتى يوما على ما تحققا
1) القفة و القف: ما ارتفع من متون الأرض و صلبت حجارته. و القف حجارة غاص بعضها ببعض مترادف بعضها إلى بعض حمر لا يخالطها من اللين و السهولة شيء. اللسان.
و هيهات ما ينجيه لو أنّ دونهثمانين سورا في ثمانين خندقا
ثم إنّ أحمد بن طولون توجه إلى مصر، و ولى مملوكه لؤلؤ حلب في سنة ست و ستين؛ فخرج بكار الصالحي من ولد عبد الملك بن صالح، بنواحي حلب بينها و بين سلمية؛ و دعا إلى أبي أحمد الموفق في سنة ثمان و ستين؛ فحاربه ابن العباس الكلابي فهزم الكلابي؛ و وجه إليه لؤلؤ قائدا يقال له أبو ذر، فرجع و ليس معه كبير أحد. ثم. إن لؤلؤ ظفر به فقبض عليه.
ثم إن لؤلؤ الطولوني خالف مولاه أحمد بحلب، و عصى عليه في سنة تسع و ستين؛ و كاتب أبا أحمد الموفق في المسير إليه فأجابه إلى ذلك. و قطع لؤلؤ الدعاء لمولاه أحمد في مدنه جميعها: حلب، و قنسرين، و حمص، و ديار مضر؛ و ترك أهل الثغور الدعاء لابن طولون؛ و أخرجوا نائبه منها و هموا بقبضه، فهرب. فنزل أحمد بن طولون من مصر في مائة ألف فقبض على حرم لؤلؤ و باع ولده و أخذ ما قدر عليه مما كان له؛ و هرب لؤلؤ منه و لحق بأبي أحمد طلحة بن المتوكل و هو على محاربة العلوي البصري عميد الزنج.
و لؤلؤ هو الذي قتل علوي البصرة في سنة تسع و ستين و مائتين. و بقي لؤلؤ ببغداد إلى أن قبض عليه الموفّق؛ و قيّده في سنة ثلاث و سبعين و مائتين، فوجد له أربعمائة ألف دينار. فذكر لؤلؤ الطولوني أنه لا يعرف لنفسه ذنبا إلا كثرة ماله و أثاثه.
و لمّا انحدر لؤلؤ من الرقة كان معه من السفن و الخزائن زهاء ثلاثمائة خزانة.
و لما هرب لؤلؤ من مولاه إلى العراق في جمادى الأولى من السنة، اجتاز ببالس، و بها محمد بن العبّاس بن سعيد الكلابي أبو موسى، و أخوه سعيد فأسرهما.
ثم إن ابن طولون وصل إلى الثغور، فأغلقوها في وجهه، فعاد إلى أنطاكية و مرض. فولى على حلب عبد اللّه بن الفتح، و صعد إلى مصر مريضا، فمات سنة سبعين و مائتين.
و ولي ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون؛ فولى في حلب أبا موسى محمد بن العباس بن سعيد الكلابي، في سنة إحدى و سبعين و مائتين.
و نزل أبو الجيش من مصر إلى حلب، و كاتب أبا أحمد بن المتوكل بأن يولي حلب و مصر و سائر البلاد التي في يده، و يدعى له على منابرها، فلم يجبه إلى ذلك، فاستوحش من الموفق.
و ولى في حلب القائد أحمد بن ذو غباش؛ و صعد إلى مصر فوصل إلى حلب اسحاق بن كنداج(1)، و كان يلي ديار ربيعة؛ و محمد بن أبي الساج، و كان يلي ديار مضر، فولاه الموفق حلب و أعمالها؛ و كتبا إلى العراق يطلبان نجدة تصل إليهما، فان ابن جبغويه و غيره من قواد ابن طولون بشيزر.
فسيّر الموفق ابنه ابا العباس أحمد بن طلحة، و كان قد جعل إليه ولاية عهده، فوصل إلى حلب في ربيع الآخر من سنة إحدى و سبعين
1) لخمارويه ترجمة مفيدة في بغية الطلب ص 3382- 3386، و في هذه الترجمة« اسحق بن كنداجيق».
و مائتين، و كان فيها محمد بن ديوداذ بن أبي الساج، المعروف بالأفشين حينئذ واليا؛ و سار إلى قنسرين، و هي يومئذ لأخي الفصيص التنوخي و هي عامرة و حاضر طيء لطيء و عليها أيضا سور، و قلعتها عامرة.
و سار إلى شيزر، فكسر العسكر المقيم، و سار إلى أن تواقع المعتضد و خمارويه على الطواحين(1)، بقرب الرملة؛ و كانت الغلبة أولا لأبي العباس المعتضد، فهرب خمارويه بمن خفّ معه إلى مصر، و نزل أبو العباس بخيمة خمارويه، و هو لا يشك في الظفر، فخرج كمين لخمارويه، فشدّوا عليهم و قاتلوهم؛ فانهزموا؛ و تفرق القوم(2).
و رجع الأمير أبو العباس إلى أن انتهى إلى أنطاكية؛ و كان محمد بن ديوداذ المعروف بالأفشين بن أبي الساج قد فارق أبا العباس لكلام أغلظ له فيه أبو العباس، فجاء قبل وقعة الطواحين، و استولى على حلب، و معه اسحاق بن كنداج.
و سار أبو العباس من أنطاكية إلى طرسوس فأغلقها أهلها دونه، و منعوه من دخولها؛ فسار إلى مرعش، ثم إلى كيسوم، ثم إلى سميساط، و عبر الفرات، و نكب عن حلب لاستيلاء الأفشين عليها؛ و كان قد جرت بينهما وحشة.
و نزل خمارويه إلى حلب، فصالحه الأفشين و صار في جملته؛ و دعا له
على منابر أعماله، و حمل إليه خمارويه مائتي ألف دينار و نيفا و عشرين ألف دينار لوجوه أصحابه؛ و عشرين ألف دينار لكاتبه؛ و ذلك في سنة ثلاث و سبعين و مائتين. و أعطاه ابن أبي الساج ولده رهينة على الوفاء بعهده؛ فراسل خمارويه أبا أحمد الموفق، و سأله الصلح فأجابه إلى ذلك؛ و ولاه مصر، و أجناد الشام، و قنسرين، و حلب، و العواصم، و الثغور.
و صعد أبو الجيش إلى مصر، و كان أبو الجيش قد أعطى ابن أبي الساج يوم دفع ولده إليه ما مبلغه ثلاثون ألف دينار، فقال ابن أبّا(1): «خدعكم محمد بن ديوداذ، إذ أعطاكم بولة يبول مثلّها في كل ليلة مرات، و أخذ منكم ثلاثين ألف دينار».
ثم إن ابن أبي الساج نكث عهده مع أبي الجيش، و عاث في نواحي الأعمال التي له، في ذي القعدة من سنة أربع و سبعين و مائتين؛ فخرج إليه أبو الجيش، و التقيا بالثنية(2)، من أعمال دمشق فانهزم ابن أبي الساج و استبيح عسكره قتلا و أسرا، ففي ذلك يقول البحتري:
و قد تدلت جيوش النّصر منزلةعلى جيوش أبي الجيش بن طولونا
يوم «الثنّية» إذ ثنّى بكرّتهخمسين ألفا رجالا أو يزيدونا(3)
يكاد عاذلنا في الحب يغرينافما لجاجك في لوم المحبينا
1) هو أحمد بن أبا، و كان من قواد خمارويه. انظر تاريخ الطبري ج 10 ص 34( ط. دار المعارف، القاهرة).
2) ثنية العقاب، اسمها الآن« التنايا» خارج دمشق على الطريق الواصل بين حمص و دمشق.
3) لم ترد القصيدة في ديوان البحتري المطبوع، و ذكر المرحوم د. دهان أنه رآها في مخطوطة ديوان البحتري المحفوظة في باريس الورقة 398، حيث جاء: و قال يمدح أبا الجيش خمارويه بن- أحمد بن طولون:
و كتب إلى ابن أبي الساج يوبخه، و يقول له: «كان يجب يا قليل المروءة و الأمانة، أن نصنع برهنك ما أوجبه غدرك! معاذ اللّه أن تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى(1).
و رجع أبو الجيش إلى مصر في سنة خمس و سبعين و مائتين. فعاد محمد بن ديوداذ، و عاث عليه في أطراف بلاده، فقصده فانهزم بين يديه؛ فوصل ابن طولون خلفه إلى الفرات. و هرب ابن أبي الساج؛ و لحق بأبي أحمد الموفّق، فانضم إليه، فخلع عليه، و أخرجه معه إلى «الجبل»، و ذلك في سنة ست و سبعين و مائتين. فولّى أبو الجيش على حلب غلام أبيه طغج بن جف والد الإخشيذ أبي بكر محمد بن طغج.
و دعا يازمار والي الثغور لخمارويه بطرسوس و الثغور، و حمل إليه خمارويه خمسين ألف دينار، و حمل إليه قبل الدعاء له ثلاثين ألف دينار لينفقها في سبيل اللّه و مائة و خمسين ثوبا و مائة و خمسين دابة و سلاحا كثيرا؛ و ذلك في سنة سبع و سبعين و مائتين.
و رجع أبو الجيش إلى مصر، و مات المعتمد بعد ذلك في سنة تسغ و سبعين؛ فولي الخلافة أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد(2)فبايعه أبو
الجيش بن طولون و خطب له في عمله. و سيّر إليه هدية سنية مع الحسين بن الجصّاص(1). و طلب منه أن يزوج ابنته من عليّ بن المعتضد، فقال المعتضد:
«بل أنا أتزوجها»، فتزوجها المعتضد و هي قطر الندى.
و قيل: إنه دخل معها مائة هاون ذهب في جهازها، و ان المعتضد دخل خزانتها، و فيها من المنائر و الأباريق، و الطاسات، و غير ذلك من الآنية الذهب. فقال: «يا أهل مصر، ما أكثر صفركم». فقال له بعض القوم:
يا أمير المؤمنين، إنما هو ذهب».
و زفّت إلى المعتضد مع صاحب أبيها الحسين بن عبد اللّه بن الجصّاص. فقال المعتضد لأصحابه: «أكرموها بشمع العنبر»! فوجد في خزانة الخليفة أربع شمعات من عنبر، في أربعة أتوار(2)فضة.
فلما كان وقت العشاء، جاءت إليه و قدّامها أربعمائة و صيفة، في يد كل واحدة منهن تور ذهب و فضة؛ و فيه شمعة عنبر. فقال المعتضد لأصحابه:
«أطفئوا شمعنا و استرونا».
و كانت إذا جاءت إليه أكرمها بأن يطرح لها مخدة. فجاءت إليه يوما فلم يفعل ما كان يفعله بها. فقالت: «أعظم اللّه أجر أمير المؤمنين» قال:
«فيمن؟». قالت: «في عبده خمارويه»- تعني أباها- فقال لها: «أو قد سمعت بموته؟» قالت: «لا و لكني لمّا رأيتك قد تركت إكرامي علمت أنه قد مات أبي». و كان خبره قد وصل إلى المعتضد، فكتمه عنها. فعاد إلى إكرامه لها بطرح المخدّة في كل الأوقات.
و قتل خمارويه بدمشق في سنة [ثماني و] ثمانين و مائتين(1)، و حلب في ولاية طغج بن جفّ من قبله.
و أظن أن قاضي حلب بعد أيام أحمد بن طولون حفص بن عمر قاضي حلب.
و ولي مكان خمارويه ولده جيش بن خمارويه(2)، و طغج في حلب على حاله.
و عزل القواد جيش بن خمارويه؛ و ولوا أخاه هارون بن خمارويه، فولى طغج بن جفّ حلب على حاله، و سيّر إلى المعتضد رسولا يطلب منه إجراءه على عادة أبيه في البلاد التي كانت في ولايته، فلم يفعل.
و سيّر رسولا إلى هارون، فاستنزله عن حلب و قنسرين، و العواصم، و سلّم لهارون مصر و بقية الشام، و اتفق الصلح مع المعتضد و هارون على ذلك، في جمادى الأولى من سنة ست و ثمانين و مائتين.
و كان هارون قد ولى قضاء حلب و قنسرين أبا زرعة محمد بن عثمان الدمشقي، فقلد المعتضد حلب و قنسرين ولده أبا محمد علي بن أحمد في هذه السنة.
و ولى بحلب من قبل ابنه الحسن بن عليّ المعروف بكوره الخراساني، و إليه تنسب دار كوره؛ التي داخل باب الجنان(1)بحلب، و الحمام المجاورة لها. و قد خربت الآن و لم يبق لها أثر.
و كان كاتب علي بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، فقلده النظر في هذه النواحي.
و سار المعتضد، في سنة سبع و ثمانين و مائتين، خلف و صيف خادم ابن أبي الساج إلى الثغور إلى أن لحقه. فضم عمل الثغور أيضا إلى كوره، و عاد إلى أنطاكية، و وصيف(2)معه.
ثم رحل إلى حلب، فأقام بها يومين؛ و وجد لوصيف بعد أسره في بستان بحلب مال كان دفنه و هو بها مع مولاه مبلغه ستة و خمسون ألف دينار، فحمل إلى المعتضد؛ ثم رحل إلى بغداد، فمات في شهر ربيع الآخر سنة تسع و ثمانين و مائتين.
و تولى الخلافة ولده أبو محمد، و لقب بالمكتفي؛ فصرف الحسن بن علي
كوره عن ولايته؛ و ولى حلب أحمد بن سهل البوشجاني(1)، في جمادى الآخرة سنة تسع و ثمانين و مائتين. ثم صرفه عنها سنة تسعين و مائتين.
و ولى حلب في هذه السنة أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي(2)، و وجهه إليها لمحاربة القرمطي صاحب الخال- لعنه اللّه- فإنه كان قد عاث في البلاد؛ و غلب على حمص، و حماة، و معرة النعمان، و سلمية. و قتل أهلها و سبى النساء و الأطفال.
فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس، فانفذ القرمطي سرية إلى حلب، فخرج أبو الأغر إلى وادي بطنان(3)، فلما استقر و افاه جيش القرمطي، يقدمه المطوّق غلامه و كبسهم، و قتل عامة أصحابه و خادما جليلا يقال له بدر القدامي(4).
1) كذا بالأصل، و لم يرد في لباب الأنساب لابن الأثير البوشجاني بل البوشنجي، و النوشجاني.
2) ترجم ابن العديم في بغية الطلب لكل من صاحب الخال و خليفة بن المبارك( أبو الأغر السلمي) و سلف لي نشر هاتين الترجمتين في كتابي الجامع في أخبار القرامطة- ط. دمشق 1987 ج 2 ص 407- 425.
3) في ترجمة أبي الأغر- الجامع في أخبار القرامطة ج 2 ص 424:« و للنصف من شهر رمضان- سنة 290 ه- مضى أبو الأغر إلى حلب، و نزل وادي بطنان، قريبا من حلب، و نزل معه جميع أصحابه، فنزع- فيما ذكر- جماعة من أصحابه ثيابهم، و دخلوا يتبردون بمائه، و كان يوما شديد الحر، فبيناهم كذلك إذ وافاهم جيش القرمطي المعروف بصاحب الشامة، مقدمهم المعروف بالمطوق، فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا، و انتهب العسكر، و أفلت أبو الأغر و جماعة من أصحابه، فدخل حلب، و أفلت معه مقدار ألف رجل، و كان في عشرة آلاف رجل ما بين فارس و راجل».
4) رسم هذا الاسم بالأصل دونما ضبط أو نقط، و لم يرد ذكره في ترجمتي أبي الأغر و صاحب الخال.
و سلم أبو الأغر في ألف رجل، فصار إلى قرية من قرى حلب؛ و خرج إليه ابنه في جماعة من الرجّالة و الأولياء، فدخل إلى حلب. و أقام القرامطة على مدينة حلب على سبيل المحاصرة.
فلما كان يوم الجمعة، سلخ شهر رمضان من سنة تسعين و مائتين، تسرّع أهل مدينة حلب إلى الخروج للقاء القرامطة فمنعوا من ذلك، فكسروا قفل الباب، و خرجوا إلى القرامطة، فوقعت الحرب بين الفئتين؛ و رزق اللّه الحلبيين النصر عليهم. و خرج أبو الأغر فأعانهم فقتل من القرامطة خلق كثير.
و خرج أبو الأغرّ يوم السبت يوم عيد الفطر إلى المصلى، و عيد بأهل حلب، و خطب الخطيب؛ و عادت الرعية على حال سلامة؛ و أشرف أبو الأغر على القرامطة، فلم يخرج منهم أحد إليه؛ ثم أنهم رحلوا إلى صاحبهم، في سنة ثلاثمائة.
ثم إن المكتفي ولى حلب الحسين بن حمدان بن حمدون عم سيف الدولة، فعاثت عليه العرب من كلب و اليمن و أسد و غيرهم، فاجتمعوا بنواحي حلب، فخرج للقائهم، في شهر رمضان من سنة أربع و تسعين و مائتين؛ فهزموه حتى بلغوا به باب حلب؛ و جرى بينه و بين القرامطة، في هذه السنة وقعة كسرهم فيها و استأصلهم.
ثم إنه عزل عن حلب، و ولي عيسى غلام النوشري؛ و كان المكتفي قد صار إلى الرقة في سنة إحدى و تسعين و مائتين؛ و كان وجّه بمحمد بن
سليمان صاحب الجيش إلى حلب و الشام في عشرين ألف فارس و راجل، لمحاربة الطولونية و القرامطة، و فتح مصر. فقدم محمد بن سليمان حلب في أواخر سنة تسعين، و الوالي بها على الحرب عيسى غلام النوشري، فدخلها محمد في أحسن تعبئة وزي؛ و أقام بها أياما و طالب عمال الخراج بحمل المال؛ و قصده رؤساء بني تميم و بني كلاب.
فأمر عيسى والي حلب أن يستخلف على عمله و يشخص معه إلى مصر؛ فامتثل أمره، و استخلف على حلب ولده، و أنفق في جنده؛ و رحل في آخر شوال معه. فلما وافى معرة النعمان خلع عليه، و حمله، و ولاه بلده إلى حدود حماة؛ و لقيهم القرامطة بين تل منّس(1)و كفر طاب(2)، في عشرة آلاف فارس، فنصره اللّه عليهم، و انهزموا و قتل الرّجالة، و أسر أكثر الخيّالة(3).
و صار محمد بن سليمان إلى مصر، و افتتحها من يد الطولونية، عند قتل هارون بن خمارويه؛ و استولى على أموالها. ثم ضمّ إلى طغج بن جفّ الطولوني أربعة آلاف رجل، و ولاه حلب، و أخرجه عن مصر.
فلما صار إلى حلب وجد بها ابن الواثقي، و قد أنفذه السلطان إلى حلب لعرض جيوش الواردين من مصر، و ذلك في سنة اثنتين و تسعين
1) تل منس: قرية في سهول ادلب، تابعة لمنطقة معرة النعمان و تبعد عنها مسافة 6 كم، و ذلك إلى الشرق منها، في شمالها الشرقي تل أثري فيه آثار تعود إلى العصور الكلاسيكية و ما تلاها. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
2) تبعد خرائب كفر طاب نحو 3 كم إلى الغرب من بلدة خان شيخون.
3) لمزيد من التفاصيل انظر الجامع في أخبار القرامطة ص 408- 422.
و مائتين. فعرض ابن الواثقي جيشه لما وصل إلى حلب، و أمره بالنفوذ إلى بغداد، فرحل حتى وافى مدينة السلام.
و كذلك ورد حلب جماعة من القواد الطولونية، فعرضهم و توجهوا إلى بغداد. و وافى وصيف البكتمري و ابن عيسى النوشري صاحب حلب بغداد، يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و معهما طغج، و أخوه، و ابن لطغج، فخلع عليهم و طوّق منهم البكتمري و ابن عيسى النوشري.
ثم شخص عيسى النوشري عن مصر إلى حلب، لأنه كان واليها. فلما كان بعد شخوصه إليها بأيام، ورد كتاب العباس بن الحسن الوزير بتولية عيسى النّوشري مدينة مصر، و يؤمر محمد بن سليمان بالشخوص إلى طرسوس للغزو، فوجه محمد بن سليمان من لحق عيسى بالرملة فردّه؛ و ورد إلى عيسى كتاب من السلطان بذلك فعاد واليا على مصر.
و ولى المكتفي في هذه السنة أبا الحسن ذكا بن عبد اللّه الأعور حلب؛ و دام بها إلى سنة اثنتين و ثلاثمائة. و كان كريما يهب و يعطي و إليه تنسب «دار ذكا» التي هي الآن دار الزكاة. و إلى جانبها دار حاجبه فيروز فانهدمت، و صارت تلا يعرف بتل فيروز؛ فنسفه السلطان الملك الظاهر- رحمه اللّه- في أيامه؛ و ظهر فيه بقايا من الذخائر مثل الزئبق و غيره؛ و هو موضوع سوق الصّاغة الآن. و لأبي بكر الصنوبريّ الشاعر فيه مدائح كثيرة.
و عاد محمد بن سليمان إلى حلب، و وافاه مبارك القمّي بكتب يؤمر فيها
بتسليم الأموال، و ركب إليه ذكا الأعور صاحب حلب، و أبو الأغرّ و غيرهما.
فاختلط بهم و سار معهم إلى المدينة، فأدخلوه إلى الدار المعروفة بكوره، بباب الجنان، و وكلوا به في الدار.
و شخص ذكا عن حلب لمحاربة ابن الخلنج(1)مع أبي الأغر إلى مصر؛ و وجّه بمحمد بن سليمان مقبوضا إلى بغداد.
و توفي المكتفي سنة خمس و تسعين و مائتين؛ و ولي أخوه أبو الفضل المقتدر.
و عاثت بنو تميم في بلد حلب، و أفسدت فسادا عظيما، و حاصروا ذكا بحلب، فكتب المقتدر إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكا بحلب، فأسرى من الرحبة(2)حتى أناخ عليهم بخناصرة، و أسر منهم جماعة، و انصرف و لم يجتمع بذكا. ففي ذلك يقول شاعر من أهل الشام:
أصلح ما بين تميم و ذكاأبلج يشكي بالرماح من شكا
يدلّ بالجيش إذا ما سلكاكأنّه سليكة بن السّلكا(3)
و كان وزير ذكا و كاتبه أبا الحسن محمد بن عمر بن يحيى النفري
الكاتب؛ و إليه ينسب حمّام النفري، و هي الآن داثرة. و داره هي المدرسة النورية؛ و مدحه الصنوبري.
ثم إن المقتدر عزل ذكا عن حلب، و ولاه دمشق ثم مصر إلى أن مات.
و قيل إنّ المقتدر ولّى حلب مولاه تكين الخادم أبا منصور ثم عزله عنها.
و الصحيح أنه ولّى الشام و مصر مؤنس المظفر الخادم نيابة عن ابنه أبي العباس، فقدم إلى حلب و صعد إلى مصر.
و ولى مؤنس ذكا الأعور دمشق و مصر، و عزله عن حلب؛ و ولى الأمير أبا العباس أحمد بن كيغلغ حلب سنة اثنتين و ثلاثمائة. و كان على قضاء حلب سنة تسعين محمد بن محمد الجدوعي.
ثم ولى القضاء بحلب و قنسرين محمد بن أبي موسى عيسى الضرير الفقيه، في سنة سبع و تسعين و مائتين. و شخص إلى عمله لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر.
ثم صرف محمد بن عيسى عن قضاء حلب و قنسرين، في سنة ثلاثمائة بأبي حفيص عمر بن الحسن بن نصر الحلبي القاضي. و كانت داره بسوق السرّاجين. و عزل أبو حفيص عن القضاء في حلب سنة اثنتين و ثلاثمائة. و وليها أبو عبد اللّه محمد بن عبده بن حرب.
و توفي عمر بن الحسن القاضي سنة سبع و ثلاثمائة؛ و كان محمد بن عبده بن حرب قاضيا بها سنة خمس و ثلاثمائة.
ثم تولى قضاء حلب و حمص ابراهيم بن جعفر بن جابر أبو اسحاق الفقيه، في سنة ست و ثلاثمائة. و ولي الخراج من قبل المكتفي بحلب الحسن بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحّاك. و توفي بحلب في جمادى الأولى سنة إحدى و ثلاثمائة فجاءة.
و ولي الخراج بعده علي بن أحمد بن بسطام و الانفاق عبد اللّه بن محمد بن سهل. ثم توفي سنة اثنتين و ثلاثمائة؛ و تولى مكانه محمد بن الحسن بن علي الناظري.
و كان أبو العباس بن كيغلغ أديبا؛ شاعرا، جوادا، و هو الذي مدحه المتنبي بقوله:
كم قتيل كما قتلت شهيد(1)
و من شعر الأمير أحمد بن كيغلغ قوله:
قلت له، و الجفون قرحى:قد أقرح الدمع مايليها
ما لي في لوعتي شبيهقال: و أبصرت لي شبيها
ثم ولّى مؤنس المظفر حلب أبا قابوس محمود بن حبك الخراساني؛ و كان جبارا، قاسيا، منحرفا عن أهل البيت. و قيل: هو محمود بن حمل، فدام واليا بها إلى سنة اثنتي عشرة و ثلاثمائة.
و كان مؤنس المظفر بالشام، فاستدعي إلى بغداد لقتال القرمطي، فسار
1) ديوان المتنبي- ط. بيروت 1969 ص 71.
إليها؛ و ولى حلب وصيف البكتمري الخادم سنة اثنتي عشرة و ثلاثمائة. ثم عزله عنها سنة ست عشرة و ثلاثمائة.
و وليها في هذه السنة هلال بن بدر أبو الفتح، غلام المعتضد؛ و كان أمير دمشق قبل ذلك؛ ثم عزل عن حلب؛ و ولي قطربّل(1)و سامرّا في سنة سبع عشرة، فوليها في هذه السنة وصيف البكتمري ثانية.
و مات بحلب على ولايته يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة من سنة سبع عشرة و ثلاثمائة.
و كان كاتبه عبد اللّه والد أبي العباس أحمد بن عبد اللّه الشامر المعروف بابن كاتب(2)البكتمري، فوليها الأمير أحمد بن كيغلغ ثانية إلى ثماني عشرة و ثلاثمائة.
ثم ولّى مؤنس المظفر غلامه طريف بن عبد اللّه السبكريّ الخادم، في سنة تسع عشرة و ثلاثمائة، و كان ظريفا شهما شجاعا، و حاصر بني الفصيص في حصونهم باللاذقية و غيرها، فحاربوه حربا شديدا حتى نفد جميع ما كان عندهم من القوت و الماء، فنزلوا على الأمان فوفّى لهم، و أكرمهم؛ و دخلوا معه حلب مكرمين معظمين، فأضيفت إليه حمص مع حلب.
ثم إن القاهر(1)قبض على مولاه مؤنس المظفر، و تولى طريف قبضه، و أحضره إلى القاهر في سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة، فرأى له ذلك.
و ولى القاهر بشرى الخادم دمشق و حلب؛ و سار إلى حلب ثم إلى حمص، فكسره ابن طغج و أسره، و خنقه. و وصل أبو العباس بن كيغلغ إلى حلب فاتفق مع محمد بن طغج و حالفه.
و ولي الخلافة الراضي بعد القاهر(2). و كان الراضي قد خاف على بدر الخرشني من الحجرية أن يفتكوا به؛ فقلده حلب و أعمالها؛ و هي بيد طريف سنة أربع و عشرين؛ و أمره بالمسير من يومه. فسار و بلغ طريف، فأنفذ صاحبا له إلى ابن مقلة؛ و بذل له عشرين ألف دينار ليجدد له العهد، و أن لا يصرف من حلب. و وصل الخرشني فدافعه طريف، رجاء أن يقضي ابن مقلة و طره، فزحف بدر الخرشني، و التقى طريف في أرض حلب، فانهزم طريف من بين يديه.
و تسلم بدر حلب، و أقام بها مدة يسيرة، ثم كوتب من الحضرة بالانصراف فرجع إلى الحضرة، و قلد طريف حلب مرة ثالثة؛ فقلد طريف السبكري من جهته حلب و العواصم فأقام بها إلى سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة.
و كان قاضي حلب عبيد اللّه بن عبد الرحمن ابن أخي الإمام.
ثم ولي حلب أبو العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي؛ و مدحه أبو بكر الصنوبري؛ و كان بها نائبا عن أبي بكر الإخشيذ محمد بن طغج بن جفّ- في غالب ظني- فان الأخشيذ استولى على الشام إلى سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة.
و في ولاية أبي العباس الكلابي، وردت بنو كلاب إلى الشام من أرض نجد، و أغارت على معرة النعمان، فخرج إليهم والي المعرة معاذ بن سعيد بجنده، و تبعهم إلى البراغيثي، فعطفوا عليه، و أسروه و أكثر جنده. و أقام فيهم مدة يعذبونه، فخرج إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي والي حلب، فخلصه منهم. و كان ورودهم في سنة خمس و عشرين و ثلاثمائة(1)
و جاء في هذه الترجمة أن معاذ بن سعيد لاحق كلاب« إلى مكان يعرف بمرج البراغيث».
.ثم إن الراضي قدم الموصل، و كان أبو بكر محمد بن رائق ببغداد(2)، و بينه و بين بجكم وحشة؛ فأنفذ الراضي أبا الحسين عمر بن محمد القاضي إلى أبي بكر محمد بن رائق يخيّره في أحد البلدين: واسط، أو حلب و أعمالها؛ فاختار حلب؛ و أراد بذلك البعد عن بجكم، فأجابه الراضي إلى ذلك، و خلع عليه أبو جعفر و أبو الفضل ابنا الراضي و عقدا له.
و جعل بجكم يحثّ الراضي على الوصول إلى بغداد، و يتأسف على خروج ابن رائق منها ليشفي غيظه؛ فقال له الراضي: «هذا لا يصلح؛ و هذا رجل قد أمنته، و قلدته ناحية من النواحي، فسمع و أطاع و ما أمكنّك منه».
فخرج أبو بكر بن رائق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة. و قيل: دخل حلب في سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة. و سار عنها إلى قتال الأخشيذ محمد بن طغج بن جف(1)الفرغاني؛ و ولى في حلب نيابة عنه خاصة محمد بن يزداذ.
و جرت بين أبي بكر بن رائق و الإخشيذ وقعة انهزم فيها الإخشيذ؛ و سلّم دمشق إلى ابن رائق، و اقتصر على الرملة و مصر.
ثم وقع بينهما وقعة أخرى في الجفار(2)، أسر فيها أبو الفتح مزاحم بن محمد بن رائق، فرجع في عدة يسيرة حتى يخلّص ابنه، فقتل أبو نصر بن طغج؛ فكفنه ابن رائق؛ و جعله في تابوت؛ و أنفذه إلى أخيه الإخشيذ مع ابنه مزاحم؛ و قال: «ما أردت قتل أخيك؛ و هذا ولدي قد أنفذته إليك لتقيده به». فخلع الإخشيذ عليه؛ و أعطاه مالا كثيرا، ورده. و ذلك في سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة.
ثم أن أبا بكر محمد بن طغج الإخشيذ سيّر كافورا الخادم من مصر، و معه عسكر و في مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي، أحد قواد الإخشيذ؛ فوصل إلى حلب؛ فالتقى كافور و محمد بن يزداذ الوالي بحلب
من قبل ابن رائق، فكسره كافور، و أسره، و أخذ منه حلب؛ و ولّى بها مساور بن محمد الرومي؛ و عاد كافور إلى مصر.
و هذا أبو المظفر مساور بن محمد الرّومي مدحه المتنبي بقوله:
أمساور أم قرن شمس هذاأم ليث غاب يقدم الأستاذا(1)
يريد بالأستاذ: كافورا الخادم. و ذكر فيها كسره ابن يزداذ فقال:
هبك ابن يزداذ حطمت و صحبهأترى الورى أضحوا بني يزداذا
و مساور هو صاحب الدار المعروفة بدار ابن الرومي بالزّجاجين بحلب، و تعرف أيضا بدار ابن مستفاد، و هي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق بحلب، و هي المنسوبة إلى بني العجمي(2).
و أظن أن قاضي حلب في هذا التاريخ كان أبا طاهر محمد بن محمد بن سفيان الدباس أو قبل هذا التاريخ.
ثم اتفق الإخشيذ و محمد بن رائق على أن يخلي له الإخشيذ حمص و حلب و يحمل إليه مالا؛ و زوج الإخشيذ ابنته بمزاحم بن أبي بكر بن رائق.
و قتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد اللّه بن حمدان أبا بكر بن رائق، في رجب سنة ثلاثين و ثلاثمائة بين يدي المتقي يوم الاثنين لتسع بقين منه.
و كان ابن رائق شهما مقداما سخيا جوادا، لكنه كان عظيم الكبر، مستبدا برأيه، منزوعا من التوفيق و العصمة و التسديد.
و كان أحمد بن علي بن مقاتل بحلب من جهة أبي بكر بن رائق و معه ابنه مزاحم بن محمد بن رائق، فقلّد ناصر الدولة علي بن خلف ديار مضر و الشام؛ و أنفذ معه عسكرا، و كاتب يانس المؤنسي أن يعاضده.
و كان يانس يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة فسار إلى «جسر منبج» و سار أحمد بن مقاتل و مزاحم إلى منبج، فالتقوا على شاطىء الفرات.
و سيّر يانس كاتبه و نذيرا غلامه برسالة إلى ابن مقاتل، فاعتقلهما و وقعت الحرب بين الفئتين؛ و لحق يانس جراح كادت تتلفه فعدل به إلى «قلعة نجم»(1)ليشده. و نظر نذير غلامه و هو معتقل في عسكر ابن مقاتل، على بغل إلى شاكري(2)ليانس معه جنيبة من خيله، فأخذ سيف الشاكريّ، و ركب الجنيبة؛ و صار إلى ابن مقاتل فقتله و انهزم عسكره.
و أفاق يانس المؤنسي، فسار و علي بن خلف متوجهين إلى حلب و تلاوم قواد ابن مقاتل على هزيمتهم؛ فعادوا إلى القتال في وادي بطنان، فانهزموا ثانية؛ و ملك علي بن خلف و يانس المؤنسي حلب في سنة ثلاثين و ثلاثمائة.
ثم إنّ علي بن خلف سار منها إلى الإخشيذ محمد بن طغج، فاستوزره و علا أمره معه، إلى أن رآه يوما، و قد ركب في أكثر الجيش بالمطارد و الزيّ؛
و محمد جالس في متنزه له، فأمر بالقبض عليه؛ فلم يزل محبوسا إلى أن مات محمد بن طغج. فأطلق و بقي يانس المؤنسي واليا على حلب في سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة.
و كان يانس هذا مولى مؤنس المظفر الخادم، و تولى الموصل في أيام القاهر، و كان يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة إلى أن كان من أمره ما ذكرناه. فاستأمن إلى الأخشيذ، و دعا له على المنابر بعمله.
و اتفق ناصر الدولة بن حمدان و توزون، في سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة، على أن تكون الأعمال من مدينة الموصل إلى آخر أعمال الشام لناصر الدولة؛ و أعمال السن(1)إلى البصرة لتوزون و ما يفتحه من وراء ذلك؛ و أن لا يعرض أحد منهما لعمل الآخر.
فولى ناصر الدولة حلب و ديار مضر و العواصم أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل صاحب ابن رائق في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين [و ثلاثين] و ثلاثمائة، و وافق ناصر الدولة أبا محمد بن حمدان على أن يؤدي إليه إذا دخل حلب خمسين ألف دينار.
فتوجّه أبو بكر من الموصل و معه جماعة من القواد، و لم يصل إليها؛ فوقع بين الأمير سيف الدولة بن حمدان و بين ابن عمه أبي عبد اللّه الحسين بن سعيد بن حمدان كلام بالموصل و أراد القبض عليه.
1) السن: مدينة على دجلة فوق تكريت. معجم البلدان.
فقلد ناصر الدولة أبا عبد اللّه الحسين بن سعيد بن حمدان، أخا الأمير أبي فراس، حلب و أعمالها، و ديار مضر، و العواصم، و كلّما يفتحه من الشام، فتوجه في أول شهر رجب سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة، و دخل الرقة بالسيف لأن أهلها حاربوه مع أميرها محمد بن حبيب البلزمي، فأسره و سلمه، و أحرق قطعة من البلد و قبض على رؤساء أهله، و صادرهم.
و توجه إلى حلب و معه أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، و بحلب يانس المؤنسي و أحمد بن العباس الكلابي، فهربا من بين يديه من حلب، و تبعهما إلى معرة النعمان ثم إلى حمص.
و هرب أمير حمص اسحاق بن كيغلغ بين يديه، و ملك هذه البلاد و دانت له العرب، ثم عاد إلى حلب، و أقام بها إلى أن وافى الأخشيذ أبو بكر محمد بن طغج بن جفّ الفرغاني.
و إنما لقب بالأخشيذ لأن ملك فرغانه يتسمى بذلك؛ و كان أبوه من أهل فرغانه.
و قدمها الإخشيذي في ذي الحجة من سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة. و لما دنا الإخشيذ من حلب انصرف الحسين بن حمدان عنها لضعفه عن محاربته إلى الرقة.
و كان ابن مقاتل مع ابن حمدان بحلب؛ فلما أحس بقرب الأخشيذ منها و تعويل ابن حمدان على الانصراف استتر في منارة المسجد الجامع إلى أن انصرف ابن حمدان.
و دخل الاخشيذ فظهر له ابن مقاتل، و استأمن إليه، و قلده الاخشيذ أعمال الخراج و الضياع بمصر.
و أما الحسين بن سعيد، فإنّه لما وصل إلى الرقة وجد المتقي للّه بها هاربا من توزون التركي و قد تغلب على بغداد، و سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن حمدان مع المتقي بالرقة؛ و قد فارق أخاه ناصر الدولة لكلام جرى بينهما، فلم يأذن المتقي لأبي عبد اللّه الحسين في دخول الرقة، و أغلقت أبوابها دونه؛ و وقعت المباينة بينه و بين ابن عمه سيف الدولة؛ و سفر بينهما في الصلح، فتمّ، و مضى إلى حران و منها إلى الموصل.
و قدم الاخشيذ عند حصوله بحلب مقدمته إلى بالس(1)، و سار بعدها بعد أن سيّر المتقي أبا الحسن أحمد بن عبد اللّه بن اسحاق الخرقي يسأل الإخشيذ أن يسير إليه ليجتمع معه بالرقة، و يجدد العهد به، و يستعين به على نصرته، و يقتبس من رأيه.
فلما وصل أبو الحسن إلى حلب تلقاه الإخشيذ، و أكرمه؛ و أظهر السرور و الثقة بقرب المتقي، و أنفذ من وقته مالا مع أحمد بن سعيد الكلابي إلى المتقي، و سار خلفه حتى نزل و بينه و بين المتقي الفرات، فراسله المتقي بالخرقي، و بوزيره أبي الحسين بن مقلة؛ فعبر إليه يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة.
1) هي مسكنة الآن في سورية على الطريق الذي يصل حلب بالرقة.
و وقف بين يدي المتقي للّه؛ ثم ركب المتقي للّه فمشى بين يديه؛ و أمره أن يركب فلم يفعل؛ و حمل إليه هدايا و مالا كثيرا، و حمل إلى الوزير أبي الحسين بن مقلة عشرين ألف دينار؛ و لم يدع أحدا من أصحاب المتقي و حواشيه و كتابه إلا برّه و وصله.
و اجتهد بالمتقي للّه أن يسير معه إلى الشام و مصر؛ فأبى. فأشار عليه بالمقام مكانه، و ضمن له أن يمدّه بالأموال فلم يفعل(1)، إلى أن كاتبه توزون، و خدعه، و قبض عليه و بايع المستكفي.
و كتب المتقي عهدا للإخشيذ بالشامات و مصر على أن الولاية له و لأبي القاسم أنوجور ابنه إلى ثلاثين سنة.
و كتب الإخشيذ في هذه السفرة إلى عبده كافور الخادم إلى مصر و قال له: «و مما يجب أن تقف- عليه- أطال اللّه بقاءك- أنّي لقيت أمير المؤمنين بشاطىء الفرات فأكرمني، و حباني(2)، و قال: كيف أنت يا أبا بكر أعزّك اللّه»، فرحا بأنّه كناه، و الخليفة لا يكني أحدا.
1) في ترجمة الاخشيذ في المقفى ج 5 ص 750:« و اجتهد المتقي أن يسير معه إلى مصر، فأشار عليه بالمقام مكانه و لا يرجع إلى بغداد، و أشار على ابن مقلة أن يسير معه إلى مصر ليحكمه في جميع البلاد فلم يجبه، فخوفه من طوزون فلم يوافقه».
2) كذا بالأصل و يرجع أنها تصحيف:« و كناني» فقد جاء في ترجمة الاخشيذ في المقفى ج 5 ص 750، أن الاخشيذ التقى المتقي بالرقة« فلما قدم عليه بالرقة وقف بين يديه و مشى عند ركوبه، فأمره المتقي بالركوب فلم يفعل، فألح عليه المتقي، و أكرمه و كناه و كنى ابنه و جعله خليفة له»، يضاف إلى هذا أن سياق الخبر يؤكد التصحيف.
[عصر الدولة الحمدانية](1)
و عاد الإخشيذ من الرقة إلى حلب و سار إلى مصر. و ولى بحلب من قبله أبا الفتح عثمان بن سعيد بن العباس بن الوليد الكلابي، و ولى أخاه أنطاكية. فحسد أبا الفتح إخوته الكلابيون، و راسلوا سيف الدولة بن حمدان ليسلموا إليه حلب، و قد كان طلب سيف الدولة من أخيه ناصر الدولة ولاية، فقال له ناصر الدولة: «الشام أمامك؛ و ما فيه أحد يمنعك منه».
و عرف سيف الدولة اختلاف الكلابيين، و ضعف أبي الفتح عن مقاومته، فسار إلى حلب؛ فلما وصل إلى الفرات خرج إخوة أبي الفتح عثمان بن سعيد بأجمعهم للقاء سيف الدولة؛ فرأى أبو الفتح أنه مغلوب إن جلس عنهم، و علم حسدهم(2)له، فخرج معهم.
فلما قطع سيف الدولة الفرات، أكرم أبا الفتح دون إخوته، و أركبه معه في العمارية(1)و جعل سيف الدولة يسأله عن كل قرية يجتاز بها:
ما اسمها؟ فيقول أبو الفتح: هذه الفلانية! حتى عبروا بقرية يقال لها «ابرم» و هي قرية قريبة من الفايا(2). فقال له سيف الدولة: «ما اسم هذه القرية؟» قال أبو الفتح: «أبرم». فظن سيف الدولة أنه قد أكرهه بالسؤال. فقال له أبرم من الإبرام. فسكت سيف الدولة عن سؤاله. فلما عبروا بقرى كثيرة، و لم يسأله عنها علم أبو الفتح بسكوت سيف الدولة. فقال له أبو الفتح: «سيدي يا سيف الدولة، و حقّ رأسك، إنّ القرية التي عبرنا عليها اسمها ابرم، و اسأل عنها غيري». فعجب سيف الدولة من ذكائه. فلما وصل حلب أجلسه معه على السرير.
و دخل سيف الدولة حلب، يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة.
و كان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل، فعزله و ولّى أبا حصين علي بن عبد الملك بن بدر بن الهيثم الرقي؛ و كان ظالما، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة. و قال: «كلّ من هلك فلسيف الدولة ما ترك، و على أبي حصين الدّرك»(3).
1) العمارية هودج يجلس فيه.
2) الفايا: كورة بين منبج و حلب كبيرة، و هي من أعمال منبج في جهة قبلتها قرب وادي بطبان، و لها قرى عامرة، فيها بساتين و مياه جارية. معجم البلدان.
3) بهامش الأصل:« هذه حكاية عجيبة من قاض ظالم يقول: كل من هلك فلسيف الدولة- ما ترك، و على أبي حصين الدرك. بئس ما قال هذا القاضي من المقالة القبيحة، و بئس ما فعله من الفضيحة».
ثم إنّ الإخشيذ سيّر عسكرا إلى حلب مع كافور و يانس المؤنسي(1)و كان الأمير سيف الدولة غازيا بأرض الروم قد هتك بلد الصفصاف(2)و عربسوس(3)فغنم؛ و رجع فسار لطيته إلى الإخشيذية، فلقيهم بالرّستن.
فحمل سيف الدولة على كافور، فانهزم و ازدحم أصحابه في جسر الرّستن، فوقع في النهر منهم جماعة.
و رفع سيف الدولة السيف، فأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحدا منهم.
و قال: «الدم لي و المال لكم». فأسر منهم نحو أربعة آلاف من الأمراء و غيرهم، و احتوى على جميع سواده.
و مضى كافور هاربا إلى حمص، و سار منها إلى دمشق؛ و كتب إلى الإخشيذ يعلمه بهزيمته؛ و أطلق سيف الدولة الأسارى جميعهم؛ فمضوا و شكروا فعله.
و رحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق، و دخلها في شهر رمضان
1) في المقفى ج 5 ص 751:« فبعث- الاخشيذ- فاتك و كافور بالجيوش إلى الشام، ثم خرج يوم السبت لخمس خلون من شعبان سنة ثلاث و ثلاثين يريد محاربة سيف الدولة».
2) الصفصاف: كورة من ثغور المصيصة. معجم البلدان، و من أجل المصيصة انظر بغية الطلب ج 1 ص 153- 165.
3) هي مدينة أفسوس في تركية، و كان من الرائج أنها مدينة أهل الكهف. انظر ما جاء حولها في بغية الطلب ج 1 ص 330- 334.
سنة ثلاث و ثلاثين، و أقام بها. و كاتبه الإخشيذ يلتمس منه الموادعة، و الاقتصار على ما في يده؛ فلم يفعل.
و خرج سيف الدولة إلى الأعراب؛ فلما عاد منعه أهل دمشق من دخولها. فبلغ الإخشيذ ذلك فسار من الرملة؛ و توجه يطلب سيف الدولة؛ فلما وصل طبرية عاد سيف الدولة إلى حلب بغير حرب، لأن أكثر أصحابه و عسكره استأمنوا إلى الإخشيذ. فاتبعه الإخشيذ إلى أن نزل معرة النعمان في جيش عظيم؛ فجمع سيف الدولة، و لقيه بأرض قنسرين، في شوال من سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة.
و كان الإخشيذ قد جعل مطارده و بوقاته في المقدمة، و انتقى من عسكره نحو عشرة آلاف؛ و سمّاهم الصابرية فوقف بهم في الساقة.
فحمل سيف الدولة على مقدمة الإخشيذ فهزمها، و قصد قبته و خيمه؛ و هو يظنه في المقدمة؛ فحمل الإخشيذ و معه الصابرية فاستخلص سواده. و لم يقتل من العسكرين غير معاذ بن سعيد والي معرة النعمان، من قبل الإخشيذ؛ فإنه حمل على سيف الدولة ليأسره، فضربه سيف الدولة بمستوفى(1)كان معه فقتله.
و هرب سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيذ و سار على حاله إلى الجزيرة فدخل الرقة. و قيل: إنه أراد دخول حلب فمنعه أهلها.
1) المستوفى: عمود حديد، طوله ذراعين، مربع الشكل، له مقابض مدورة.
و دخل الإخشيذ حلب، و أفسد أصحابه في جميع النواحي، و قطعت الأشجار التي كانت في ظاهر حلب و كانت عظيمة جدا. و قيل: إنها كانت من أكثر المدن شجرا. و أشعار الصنوبري تدل على ذلك.
و نزل عسكر الاخشيذ على الناس بحلب؛ و بالغوا في أذى الناس لميلهم إلى سيف الدولة.
و عاد الإخشيذ إلى دمشق بعد أن ترددت الرسل بينه و بين سيف الدولة، و استقر الأمر على أن أفرج الإخشيذ له عن حلب و حمص و أنطاكية.
و قرّر عن دمشق مالا يحمله إليه في كل سنة.
و تزوج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيذ عبيد اللّه بن طغج(1)و انتظم هذا الأمر على يد الحسن بن طاهر العلوي(2)و سفارته، في شهر ربيع الأول، سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة.
1) في المقفى ج 5 ص 751:« و عاد الاخشيذ إلى دمشق، فسار سيف الدولة إلى حلب و ملكها، و بعث إلى الاخشيذ و هو في دمشق، فاصطلحا على مال يحمله للاخشيذ في كل سنة، و زوجه الاخشيذ بابنة أخيه».
2) ترجم ابن العديم للحسن بن طاهر في بغية الطلب ج 5 ص 2408- 2413 و نقل عن ابن زولاق أنه بعدما هزم الاخشيذ سيف الدولة عاد:« الأمير سيف الدولة عسكر مواجها للاخشيذ، فاختار الاخشيذ المسالمة، و راسله بالحسن بن طاهر على مال يحمله إليه، و أن يكون لسيف الدولة من خرشنة إلى حمص، و زوجه ابنته فاطمة، و كان الولي الحسن بن طاهر بتوكيل الاخشيذ، فسر سيف الدولة بذلك، و عقد النكاح، و نثر سيف الدولة في مضربه على الحاضرين ثلاثين ألف دينار، و نثر خارج المضرب أربعمائة ألف درهم. و حمل إلى الحسن بن طاهر مالا كثيرا و خلعا و حملانا».
فسار الإخشيذ إلى دمشق و عاد سيف الدولة إلى حلب؛ و توفي الإخشيذ بدمشق في ذي الحجة، من سنة أربع و ثلاثين، و قيل: في المحرم من سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة.
و ملك بعده ابنه أبو القاسم أنوجور؛ و استولى على التدبير أبو المسلك كافور الخادم.
و كان سيف الدولة، فيما ذكر، قد عمل على تخلية الشام. فلما مات الإخشيذ سار كافور بعساكر مولاه إلى مصر من دمشق، و كان قد استولى على مصر رجل مغربي(1)
فأخرج إليه عسكر آخر، ثم خرج أونوجور فلقيه فانهزم منه، و ملك غلبون دار الامارة ...
ثم عاد أونوجور فانهزم غلبون، و لحق بالصعيد، فخرجت إليه العساكر، و أحضر رأسه».
، فحاربه كافور، و ظفر به.و خلت دمشق من العساكر، فطمع فيها سيف الدولة، و سار إليها فملكها؛ و استأمن إليه يانس المؤنسي في قطعة من الجيش.
و أقام سيف الدولة بدمشق، وجبى خراجها؛ ثم أتته والدته «نعم» أمّ سيف الدولة إلى دمشق؛ و سار سيف الدولة إلى طبرية.
1) ترجم المقريزي في المقفى ج 2 ص 313- 319 لأونوجور، أنه عندما مات الإخشيذ بدمشق كان أونوجور بمصر، و قد لحق به كافور فيما بعد، فخلت الشام من جيوش الاخشيذ فاستغل الفرصة هذه سيف الدولة فاستولى على دمشق و سار إلى طبرية، فما كان من أونوجور إلا أن« ندب العساكر إلى الشام، و عليها أبو المظفر- عم أونوجور- و كافور فسارا في جمع عظيم و معهما الوزير أبو علي الحسين بن محمد بن علي الماذرائي إلى الشام، و قاتلا ابن حمدان، و دخلا دمشق» و في أثناء غياب الجيش بالشام ورد الخبر بخلاف غلبون بن سعيد المغربي متولي اخميم و خروجه عن الطاعة، فندب لقتاله شادن الصقلبي فانهزم منه ...
و كان سيف الدولة في بعض الأيام يساير الشريف العقيقي بدمشق، في الغوطة بظاهر البلد، فقال سيف الدولة للعقيقي: «ما تصلح هذه الغوطة تكون إلا لرجل واحد»، فقال له الشريف العقيقي: «هي لأقوام كثير». فقال له سيف الدولة: «لئن أخذتها القوانين ليتبرأن أهلها منها». فأسرّها الشريف في نفسه، و أعلم أهل دمشق بذلك.
و جعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق بودائع الإخشيذ و أسبابه؛ فكاتبوا كافورا فخرج في العساكر المصرية، و معه أنوجور بن الإخشيذ.
فخرج سيف الدولة إلى اللّجون، و أقام أياما قريبا من عسكر الإخشيذ ب «أكساك»(1)، فتفرق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة، فعلم به الإخشيذية، فزحفوا إليه. و ركب سيف الدولة يتشرف، فرآهم زاحفين في تعبئة، فعاد إلى عسكره فأخرجهم، و نشبت الحرب فقتل من أصحابه خلق و أسر كذلك.
و انهزم سيف الدولة إلى دمشق فأخذ والدته، و من كان بها من أهله و أسبابه؛ و سار من حيث لم يعلم أهل دمشق بالوقعة؛ و كان ذلك في جمادى الآخرة من سنة خمس و ثلاثين.
و جاء سيف الدولة إلى حمص؛ و جمع جمعا لم يجتمع له قط مثله، من بني
1) تبعد أكساك عن الناصرة ستة كم في اتجاه الجنوب الشرقي. و يجاورها من الشرق جبل الطور. معجم بلدان فلسطين لمحمد شراب.
عقيل، و بني نمير، و بني كلب، و بني كلاب؛ و خرج من حمص. و خرجت عساكر ابن طغج من دمشق، فالتقوا «بمرج عذراء» و كانت الوقعة أولا لسيف الدولة ثم آخرها عليه، فانهزم، و ملكوا سواده؛ و تقطع أصحابه في ذلك البلد، فهلكوا؛ و تبعوه إلى حلب، فعبر إلى الرّقة، و انحاز يانس المؤنسي من عساكر سيف الدولة إلى أنطاكية(1).
و وصل ابن الإخشيذ حلب، في ذي الحجة من سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة. فأقام بها و سيف الدولة في الرّقة فراسل أنوجور يانس المؤنسي و هو بأنطاكية، و ضمن هو و كافور ليانس أن يجعلاه بحلب في مقابلة سيف الدولة، و ضمن لهما يانس بأن يقوم في وجه سيف الدولة بحلب، و أن يعطيهم ولده رهينة على ذلك فأجابوه.
و انصرف كافور و أنوجور بالعسكر عن حلب إلى القبلة، و أتاها يانس فتسلمها. و قيل: إنّ الإخشيذية عادوا.
و أقام سيف الدولة بحلب، فخالف عليه يانس و الساجية، و أرادوا القبض عليه، فهرب و كتابه، و أصحابه، إلى الرّقة. و ملك يانس حلب.
و لم يقم يانس بحلب إلا شهرا، حتى أسرى إليه سيف الدولة إلى حلب، في شهر ربيع الآخر، سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة؛ فكبسه، فانهزم يانس إلى سرمين(2)يريد الإخشيذ. فأنفذ سيف الدولة في طلبه سرية مع
ابراهيم بن البارد العقيلي، فأدركته عند ذاذيخ(1)فانهزم، و خلّى عياله، و سواده، و أولاده. و انهزم إلى أخيه بميّافارقين.
و كان ابن البارد قد وصل إلى سيف الدولة، في سنة خمس و ثلاثين؛ و كان في خدمة أخيه ناصر الدولة، ففارقه، و قدم على سيف الدولة.
ثم إنّ الرّسل ترددت بين سيف الدولة و ابن الإخشيذ و تجدّد الصلح بينهما على القاعدة التي كانت بينه و بين أبيه، دون المال المحمول عن دمشق.
و عمر سيف الدولة داره بالحلبة(2)، و قلّد أبا فراس ابن عمه منبج، و ما حولها من القلاع. و استقرت ولاية سيف الدولة لحلب من سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة. و هذه هي الولاية الثالثة.
و جرى بينه و بين الروم وقائع أكثرها له و بعضها عليه.
فمنها: أنه فتح حصن برزويه(3)
المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
في سنة سبع و ثلاثين و ثلاثمائة من ابن اخت أبي الحجر الكردي(4). و وقع بينه و بين الروم وقعة فكانت الغلبة للروم1) ذكر ياقوت قرية ذا ذيخ و عدها من قرى سرمين.
2) من المعتقد أن موقع الحلبة، و كان خارج حلب، حيث الآن مركز انطلاق السيارات إلى المحافظات.
3) وصف ابن العديم حصن برزويه و ذكر أنه كان يعرف في أيامه باسم حصن برزيه. بغية الطلب ج 1 ص 328- 329، و برزية الآن قلعة في السفوح الشرقية لجبال اللاذقية، حملت قديما اسم ليزياس، على بعد 3 كم شرق مضيق سلمى، مساحتها ثلاثة هكتارات، يحيط بها سور محصن بعشرة أبراج مربعة أو مستطيلة، و ظلت مقطونة حتى القرن الرابع عشر م.
4) في تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي- ط. طرابلس 1990 ص 77،« و فيه يومئذ أبو تغلب الكردي».
و ملكوا مرعش و نهبوا طرسوس. و سار إلى ميّافارقين، و استخلف على حلب ابن أخيه محمد بن ناصر الدولة؛ و خرج لاون الدمستق إلى «بوقا»(1)من عمل أنطاكية. و خرج إليه محمد(2)فكسره الدمستق، و قتل من عسكره خلقا، في سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة.
و منها: أنه غزا، سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة، و معه خلق عظيم، فظفر فيها، و غنم غنيمة كثيرة. فلما رجع إلى درب الجوزات(3)، و فارقه أهل الثغور، فاجتمع الروم في الدّرب على سيف الدولة، فقتل خلق عظيم من المسلمين؛ و أسر كذلك.
و ما سلم إلا سيف الدولة على ظهر فرسه، و عرفوه فطلبوه، و لزّوه إلى جبل عظيم، و تحته واد، فخاف أن يأسروه إن وقف أو رجع، فضرب فرسه بالمهماز، و قبله الوادي، لكي يقتل نفسه، و لا يأسروه فوقع الفرس قائما(4).
و خرج سيف الدولة سالما. و سميّت هذه الغزاة غزاة المصيبة(5)، و أخذ
1) بوقا حصن إلى الشمال من أنطاكية. معجم البلدان. بغية الطلب ج 1 ص 229.
2) محمد بن ناصر الدولة الحمداني. تاريخ يحيى بن سعيد ص 78.
3) حصن الجوزات بينه و بين طرسوس ثمانية فراسخ و هو بين البذندون و طرسوس، و هو حصن مذكور موصوف بالقوة. بغية الطلب ج 1 ص 212- 313.
4) كانت أسس الاستراتيجية البيزنطية في حروب الامبراطورية مع سيف الدولة هي السماح له بقطع الممرات الصعبة في الجبال، و التحرش به في الداخل و اشغاله حتى تتمكن قوات البند من الرجالة من الانتشار بالممرات الجبلية و إقامة كمائن، و في طريق العودة كانت هذه القوات تعمل على حصر قوات سيف الدولة في الممرات و ابادتها، هذا و تمركز في الجبال دوما قوات للانذار البيزنطي استخدمت المرايا العاكسة و النيران و شارات الدخان.
5) من المرجح أن تاريخ يحيى بن سعيد هو مصدر ابن العديم، انظر ص 78- 79.
له من الآلات، و الأموال، ما لا يحصى حتى أنه ذكر أنه هلك منه من عرض ما كان معه في صحبته خمسة آلاف ورقة بخط أبي عبيد اللّه بن مقلة- رحمه اللّه- و كان منقطعا إلى بني حمدان، و كان قد بلغ سيف الدولة إلى سمندو(1)و أحرق صارخة(2)و خرشنة(3).
و منها: أنّ سيف الدولة بنى مرعش في سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة، و أتاه الدمستق بعساكر الروم ليمنعه منها فأوقع به سيف الدولة الوقعة العظيمة المشهورة(4)
أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلاو أدبر إذ أقبلت يستبعد القربا
.و منها: أنّ سيف الدولة دخل بلد الروم، في سنة اثنتين و أربعين و ثلاثمائة، و أغار على زبطره(5)و التقاه قسطنطين بن بردس و الدّمستق على درب موزار(6)و قتل من الفريقين خلق. ثمّ تم سيف الدولة إلى الفرات، و عبره، و قصد بطن هنزيط(7)، و دخل سيف الدولة سميساط(8)، فخرج الدمستق إلى
1) سمندو: بلد في وسط بلاد الروم في شمالي طريق مرعش إلى قيصرية. معجم البلدان.
2) ذكر ياقوت صارخة و أن سيف الدولة غزاها سنة 339 ه.
3) خرشنة بلد قرب ملطية بين سيواس و قيصرية. معجم البلدان.
4) أفرد ابن العديم في بغية الطلب بابا لذكر مرعش، و ذكر هذه الوقعة التي قال فيها المتنبي:
5) زبطرة: بلدة قريبة من الحدث، بينها و بين الحدث ثمانية عشر فرسخا. بغية الطلب ج 1 ص 247- 248.
6) على مقربة من ملطية. تاريخ يحيى بن سعيد ص 83. معجم البلدان.
7) من ثغور الروم، ورد ذكره في شعري المتنبي و أبي فراس. معجم البلدان.
8) مدينة صغيرة على الفرات و لها قلعة حصينة. بغية الطلب ج 1 ص 258- 259.
ناحية الشام؛ فرجع سيف الدولة، فلحقّه وراء مرعش، فأوقع به، و هزم جيشه، و قتل لاون البطريق في الحرب، و أسر قسطنطين ولد الدمستق، و حمّله الإبريق إلى بيت الماء؛ و كان أمرد، فخرج فوجده قائما يبكي، و لم يزل عنده حتى مات من علة اعتلها(1).
و كان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة و دخل فترهب، و لبس المسوح؛ ففي ذلك يقول المتنبي:
فلو كان ينجي من «عليّ» ترهبترهّبت الأملاك مثنى و موحدا(2)
و قال أبو العباس أحمد بن محمّد النامي(3):
لكنّه طلب التّرهّب خيفةممّن له تتقاصر الأعمار
فمكان قائم سيفه عكّازهو مكان ما يتمنطق الزّنّار
1) نقل ابن العديم في بغية الطلب ص 2532 عن« تاريخ أبي اسحق ابراهيم بن حبيب السقطي صاحب كتاب الرديف في حوادث سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة في ذكر من توفي فيها قال: و فيها، أو في سنة ثلاث و خمسين مات أبو العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان ببلد الروم في أسره مسموما، و كان السبب في سمه أن ملك الطاغية بلغه أن علي بن حمدان فسق بابن قسطنطين، كان في أسره فأنفذوا من بلد الروم من سمه فهلك، و سمّوا هم أبا العشائر بن حمدان حنقا لما جرى من قتلهم ابن قسطنطين». و جاء في الأعلاق الخطيرة لابن شداد- ط. دمشق 1991 ج 1 ق 2 ص 312 عن ابن أبي طي الحلبي:« أن قسطنطين المأسور كان في غاية الحسن، فبذل أبوه فيه ثمانمائة ألف دينار، و ثلاثة آلاف أسير، فاشتط سيف الدولة، فسير الدمستق إلى عطار كان بحلب، نصرانيا، و أمره أن يسقي ولده سما ففعل فمات، وعدت هذه من غلطات سيف الدولة».
2) ديوان المتنبي ص 94.
3) أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي، المعروف بالنامي، كان من خواص سيف الدولة، و عدّ بالمرتبة التالية للمتنبي. يتيمة الدهر ج 1 ص 241- 249.
و بنى سيف الدولة الحدث(1)، و قصده الدمستق بردس، فاقتتلا سحابة يومهما. و كان النصر للمسلمين، و ذلك في سنة ثلاث و أربعين، و أسر صهر الدمستق على ابنته اعورجرم(2)
. 20- 719PartiI ,PP ، 4Cambridge Medieval History ,Vol
، بعد أن سلمها أهلها إلى الدمستق.و منها: أن سيف الدولة غزا سنة خمس و أربعين بطن هنزيط و نزل شاطىء أرسناس(3)، و كبس يانس ابن شمشقيق(4)
القاهرة 1966 ص 423.
على تل بطريق(5)فهزمه و فتحها.و قتل في هذه الوقعة رومانوس بن البلنطس صهر ابن شمشقيق، و أسر ابن قلموط(6)
الجزائر 1934 ص 378.
، و انثنى سيف الدولة قافلا إلى درب الخياطين(7)، فوجد عليه1) و تعرف بالحدث الحمراء لحمرة أرضها، و هي مدينة كثيرة الماء و الزروع. بغية الطلب ج 1 ص 239.
2) في بغية الطلب ج 1 ص 242:« و كان أسر قودس- أيTheodose الأعور بطريق سمندو و ابن ابنة الدمستق» انظر أيضا.
3) هو نهر« مرادصو» اليوم، و يعد من فروع الفرات، و قال عنه ياقوت.« نهر ببلاد الروم يوصف ببرودة مائه».
4) يوحنا تذمسيس، و كان من أصل أرمني، و هو بالأرمنيةGemezkig و معناه« قصير القامة» أعلن امبراطورا سنة 969 م و استمر حتى سنة 976 م. أوربا العصور الوسطى لعاشور- ط.
5) يقع تل بطريق على الطرف الغربي للفرات، بينه و بين الفرات ثلاثة فراسخ. معجم البلدان.
6) انظر نخب تاريخية و أدبية جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة الحمداني، لموريس كنار- ط.
7) حدده كنار ص 116 بأنه قريب من آمد.
كذو بن الدمستق فأوقع به و هزمه.
و خلف ابن عمه أبا العشائر الحسين بن عليّ على عمارة عرنداس فقصده ليون بن الدمستق فهزمه، و أسره، و حمله إلى قسطنطينية، فمات بها(1).
و غزا في هذه السنة في جمادى الآخرة مع أهل الثغور و خرب مواضع من بلاد الروم مثل خرشنة و صارخة. و أسر الرست بن البلنطس؛ و أسر لاون بن الاسطراطيغوس، و ابن غذال بطريق مقدونية؛ و هرب الدمستق و بركيل بطريق الخالديات؛ فلما قفل سيف الدولة فكّ قيود الأسارى، و خلع عليهم، و أحسن إليهم(2).
و في جمادى الأولى من سنة ست و أربعين كاتب الروم جماعة من غلمان سيف الدولة بالقبض عليه، و حمله إلى الدمستق عند شخوصه لمحاربته؛ و بذل لهم مالا عظيما على ذلك. فخرج سيف الدولة عن حلب و قد عزموا على ذلك، فصار بعض الفراشين إلى ابن كيغلغ فأخبره بما عزموا عليه؛ فأعلم سيف الدولة، فجمع الأعراب و الدّيلم؛ و قتل منهم مائة و ثمانون غلاما، و قبض على زهاء مائتي غلام، فقطع أيديهم و أرجلهم و ألسنتهم، و هرب بعضهم.
و عاد إلى حلب و قتل من بها من الأسرى، و كانوا زهاء أربعمائة أسير؛
و ضيّق على ابن الدمستق، و زاد في قيده، و صيّره في حجرة معه في داره، و أحسن إلى ذلك الفراش، و قلّد ابن كيغلغ أعمالا، و تنكر على سائر غلمانه.
و منها: أن يانس بن شمشقيق خرج إلى ديار بكر، و نزل على حصن اليماني(1). و عرف سيف الدوة خبره، فسيّر إليه نجا الكاسكي في عشرة آلاف فارس، فالتقاه فانهزم نجا، و قتل من أصحابه خمسة آلاف فارس؛ و أسر مقدار ثلاثة آلاف راجل؛ و استولى على سواد نجا كله.
و سار ابن شمشقيق و البراكموس(2)إلى حصن سميساط، و فتحاه؛ ثم سارا إلى رعبان(3)، و حصراها؛ و سار سيف الدولة إليهما، و لقيهما؛ فاستظهر الروم عليه استظهارا كثيرا.
و عاد سيف الدولة منهزما و تبعه الروم و قتلوا، و سبوا من عشيرته و قواده ما يكثر عدده؛ و ذلك في سنة سبع و أربعين و ثلاثمائة(4).
و في هذه السنة قدم ناصر الدولة الحسين بن عبد اللّه بن حمدان(5)أخو
1) انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 88. حيث قال:« و نزل على حصن يقال له اليماني من عمل آمد».
2) Basile parakimaumene الابن الطبيعي للامبراطور رومانوس الثاني( 959- 963 م) و الذي سيكون الامبراطور باسيل الثاني سفاح البلغار 976- 1025 م].
3) رعبان مدينة صغيرة، قديمة البناء، و لها قلعة حسنة، بينها و بين الحدث سبعة فراسخ. بغية الطلب ج 1 ص 259- 260.
4) لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 88- 89.
5) لناصر الدولة ترجمة في بغية الطلب ص 2433- 2437.
سيف الدولة مستنجدا بأخيه سيف الدولة إلى حلب و معه جميع أولاده عندما قصد معز الدولة الموصل. و تلقاه سيف الدولة على أربع فراسخ من حلب، و لما رآه ترجل له. و أنفق سيف الدولة عليه و على حاشيته؛ و قدم لهم من الثياب الفاخرة و الجوهر ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
و كان يجلس ناصر الدولة على السرير؛ و يجلس سيف الدولة دونه. و لما دخل دار سيف الدولة و جلس على السرير؛ جاء سيف الدولة لينزع خفه من رجله؛ فمدّهما إليه، فنزعهما بيده. و صعب على سيف الدولة لأنه قدّر أنه إذا خفض له نفسه إلى ذلك رفعه عنه، فلم يفعل ذلك إظهارا لمن حضر أنه و إن ارتفعت حاله، فهو كالولد و التبع. و كان يعامله بأشياء نحو ذلك قبيحة كثيرة فيحتملها على دخن. و تحمل عنه سيف الدولة لمعز الدولة مائتي ألفا من الدراهم حتى انصرف عنه(1).
و في هذه السنة مات قسطنطين بن لاوي(2)ملك الروم، و صيّر نفقور بن الفقّاس دمستقا على حرب المغرب، و أخاه ليون بن الفقاس دمستقا على حرب المشرق؛ فتجهّز ليون إلى نواحي طرسوس(3)، و سبى، و قتل، و فتح
1) لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 89- 90. أخبار الدولة الحمدانية لعلي ابن ظافر الأزدي- ط. دمشق 1985 ص 18- 19.
2) هو عند يحيى بن سعيد ص 91« ابن لاون».
3) ما تزال طرسوس تحمل الاسم نفسه في تركيه، و كانت أهم مدن الثغور،« بها كان يقوم سوق الجهاد، و ينزلها الصالحون و العبّاد، و يقصدها الغزاة من سائر البلاد». اهتم بها ابن العديم و أودع كتابه بغية الطلب موادا ثمينة عنها ج 1 ص 175- 204.
الهارونيّة(1)، و سار إلى ديار بكر.
و توجّه إليه سيف الدولة فرحل الدمستق راجعا إلى الشام؛ و قتل من أهله عددا متوافرا، و أخرب حصونا كثيرة من حصون المسلمين؛ و أسر محمد بن ناصر الدولة.
و منها: غزوة مغارة الكحل(2): غزا سيف الدولة في سنة ثمان و قيل تسع و أربعين و ثلاثمائة بلاد الروم، فقتل، و سبى. و عاد غانما يريد درب مغارة الكحل؛ فوجد ليون بن الفقاس الدّمستق قد سبقه إليه، فتحاربوا؛ فغلب سيف الدولة. و ارتجع الروم ما كان أخذه المسلمون؛ و أخذوا خزانة سيف الدولة و كراعه و قتل فيها خلق كثير.
و أسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان و ترك بخرشنة. و أسر علي بن منقذ بن نصر الكناني فلم يؤخذ له خبر. و أسر مطر بن البلدي، و قاضي حلب أبو حصين الرقي، و قتلا. و قيل: إنّ أبا حصين قتل في المعركة فداسه سيف الدولة بحصانه، و قال: «لا رضي اللّه عنك، فإنّك كنت تفتح لي أبواب الظلم». و قيل: إنهم لما أخذوا الطرق على سيف الدولة و ثب به حصانه عشرين ذراعا. و قيل: أربعين؛ فنجا في نفر قليل.
و ولى سيف الدولة، بعد قتل أبي حصين، أحمد بن محمد بن ماثل
قضاء حلب، و كان قد عزله بأبي حصين حين ملك. و ذلك أنه لما قدم حلب خرج للقائه أبو طاهر بن ماثل فترجل له أهل حلب، و لم يترجل القاضي لأحد، فأغتاظ سيف الدولة و عزله.
ثم قدم سيف الدولة من بعض غزواته فترجل له ابن ماثل مع الناس.
فقال له: «ما الذي منعك أولا، و حملك ثانيا؟». فقال له: «تلك المرة لقيتك و أنا قاضي المسلمين، و هذه الدفعة لقيتك، و أنا أحد رعاياك». فاستحسن منه ذلك.
فلما قتل أبو حصين أعاده إلى القضاء. و ولّى سيف الدولة أيضا قضاء حلب أبا جعفر أحمد بن اسحاق بن محمد بن يزيد بن الحلبي المعروف بالجرد، و كان حنفي المذهب.
و نقل الملك رومانوس إلى حرب المشرق نقفور بن الفقاس الدمستق؛ فسار إليه رشيق النسيمي أمير طرسوس في حميّة من المسلمين؛ فبرز إليه نقفور فقاتله؛ و انهزم رشيق و قتل من المسلمين زهاء تسعة آلاف رجل(1).
و عاد نقفور فضايق عين زربه(2)و فتحها بالأمان في ذي القعدة سنة خمسين و ثلاثمائة؛ و هدم سورها فانهزم أهلها إلى طرسوس. و فتح حصن دلوك، و مرعش، و رعبان، في سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة(3).
ثم إنّ نقفور بن الفقاس الدمستق و يانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في هذه السنة، و سيف الدولة بها، و كانت موافاتهما كالكبسة. و قيل:
إنّ عدة رجاله مائتا ألف فارس، و ثلاثون ألف راجل بالجواشن، و ثلاثون ألف صانع للهدم و تطريق الثلج، و أربعة آلاف بغل عليها حسك حديد يطرحه حول عسكره ليلا.
و لم يشعر سيف الدولة بخبرهم، حتى قربوا منه. فأنفذ إليهم سيف الدولة غلامه «نجا» في جمهور عسكره، بعد أن أشار عليه ثقاته و نصحاؤه بأن لا يفارق عساكره. فأبى عليهم و مضى نجا بالعسكر إلى الأثارب(1). ثم توجه منها داخلا إلى أنطاكية فخالفه عسكر الروم؛ و وصل إلى دلوك؛ و رحل منها إلى تل حامد(2)، ثم إلى تبّل(3).
و اتصل خبره بسيف الدولة فعلم أنه لا يطيقه مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج إلى ظاهر حلب و جمع الحلبيين و قال لهم: «عساكر الروم تصل اليوم، و عسكري قد خالفها؛ و الصواب أن تغلقوا أبواب المدينة، و تحفظوها؛ و أمضي أنا ألتقي عسكري، و أعود إليكم و أكون من ظاهر البلد، و أنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء».
فأبى عامة الحلبيين و غوغاؤهم، و قالوا: «لا تحرمنا أيها الأمير، الجهاد؛ و قد كان فينا من يعجز عن المسير إلى بلد الروم للغزو، و قد قربت علينا المسافة». فلما رأى امتناعهم عليه، قال لهم: «اثبتوا فإنّي معكم».
و كان سيف الدولة على بانقوسا(1)، و وردت عساكر الروم إلى الهزازة(2)، فالتقوا فانهزم الحلبيون، و قتل و أسر منهم جماعة كثيرة و قتل أبو داود بن حمدان، و أبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة(3)، و بشرى الصغير غلام سيف الدولة؛ و كان أسند الحرب ذلك اليوم إليه، و جعله تحت لوائه.
و مات في باب المدينة المعروف بباب اليهود(4)ناس كثير لفرط الزحمة.
و كان سيف الدولة راكبا على فرس له يعرف بالفحّى؛ فانهزم مشرقا حتى بعد عن حلب. ثم انحرف إلى قنّسرين فبات بها.
و أقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام محاصرين لها، فخرج شيوخ حلب إلى نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: «تسلّمون إليّ ابن
1) بانقوسا الآن من أحياء حلب، و قال عنها ياقوت: جبل في ظاهر مدينة حلب.
2) الهزازه الآن من أحياء الشمال الغربي من حلب.
3) له ترجمة في يتيمة الدهر، حيث قال عنه الثعالبي: أبو محمد عبد اللّه بن عمرو بن محمد الفياض، كاتب سيف الدولة و نديمه، أخذ بطرفي النظم و النثر، و كان سيف الدولة لا يؤثر عليه في السفارة إلى الحضرة أحدا، لحسن عبارته و قوة بيانه، و نفاذه في استغراق الأغراض، و تحصيل المراد. يتيمة الدهر ج 1 ص 117- 119.
4) هو الباب الشمالي لمدينة حلب، سمى بذلك لأن محال اليهود كانت من داخله، غيره السلطان الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين، و إثر ذلك« سمي الباب باب النصر، و محي عنه اسم باب اليهود» بغية الطلب ج 1 ص 55.
حمدان». فحلفوا أن، ابن حمدان ما هوف البلد. فلما علم أن سيف الدولة غائب عنها طمع فيها و حاصرها.
و قيل: إنّ نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاء منه لهم، يوم الاثنين الثاني و العشرين من ذي القعدة من السنة. و كان نزوله على المدينة، يوم السبت العشرين من ذي القعدة. و جرى بينه و بينهم خطاب آخره على أن يؤمنهم، و يحملوا إليه مالا، و يمكّنوا عسكره أن يدخل من باب و يخرج من آخر، و ينصرف عنهم عن مقدرة. فقالوا له: «تمهلنا الليلة حتى نتشاور، و نخرج غدا بالجواب». ففعل، و مضوا، و تحدّثوا، و خرجوا بكرة الثلاثاء إليه، فأجابوه إلى ما طلب. فقال لهم نقفور: «أظنكم قد رتبتم مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح حتى إذا دخل من أصحابي من يمكنكم أن تطبقوا عليه و تقتلوه فعلتم ذلك». فحلف له بعضهم من أهل الرأي الضعيف أنه ما بقي بالمدينة من يحمل سلاحا، و فيه بطش، فكشفهم نقفور عند ذلك، فعند ذلك قال لهم: «انصرفوا اليوم و اخرجوا إليّ غدا»؛ فانصرفوا.
و قال نقفور لأصحابه: «قد علمتم أنه ما بقي عندهم من يدفع، فطوفوا الليلة بالأسوار و معكم الآلة، فأي موضع رأيتموه ممكنا فتسوّروا إليه، فانكم تملكون الموضع.
فطافوا، و كتموا أمرهم، و أبصروا أقصر سور فيها مما يلي الميدان بباب قنّسرين، فركبوه، و تجمعوا عليه؛ و كان وقت السحر، و صاحوا، و دخلوا المدينة.
و قيل: إنّ أهل حلب قاتلوا من وراء السور، فقتل جماعة من الروم بالحجارة و المقالع؛ و سقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم.
و طمع الروم فيها فأكبوا عليها، و دفعهم الحلبيون عنها؛ فلما جهنّم الليل اجتمع عليها المسلمون، فبنوها، فأصبحوا و قد فرغت، فعلوا عليها و كبّروا؛ فبعد الروم عن المدينة إلى جبل جوشن(1).
فمضى رجّالة الشرط و عوام الناس إلى منازل الناس، و خانات التجار، لينهبوها. فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور، و لحقوا منازلهم. فرأى الروم السور خاليا فتجاسروا، و نصبوا السلالم على السور، و هدموا بعض الأبدان، و دخلوا المدينة من جهة برج الغنم، ليلة الثلاثاء لثمان بقين من ذي القعدة من سنة إحدى و خمسين. و قيل: يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة، في السحر.
و أخذ الدمستق منها خلقا من النساء و الأطفال؛ و قتل معظم الرجال، و لم يسلم منه إلا من اعتصم بالقلعة من العلويين، و الهاشميين و الكتّاب، و أرباب الأموال. و لم يكن على القلعة يومئذ سور عامر فإنها كانت.
قد تهدّمت، و بقي رسومها. فجعل المسلمون الأكف(2)و البراذع بين أيديهم.
و كانت بها جماعة من الديلم الذين ينسب إليهم درب الدّيلم(3)
بحلب، فزحف إليها ابن أخت الملك، فرماه ديلميّ فقتله فطلبه من الناس فرموه برأسه، فقتل عند ذلك من الأسرى اثني عشر ألف أسير. و قيل أكثر من ذلك، و قيل أقلّ؛ و اللّه أعلم.
و أقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، و يقتل، و يسبي باطنا و ظاهرا.
و قيل: إنّه أخرب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة، و تناهى في حسنه، و عمل له أسوارا، و أجرى نهر قويق فيه من تحت الخناقية(1)، يمر من الموضع المعروف بالسقايات حتى يدخل في القصر من جانب، و يخرج من آخر، فيصب في المكان المعروف بالفيض(2)، و بنى حوله اصطبلا و مساكن لحاشيته.
و قيل: إنّ ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ثلاثمائة و تسعين بدرة دراهم؛ و وجد له ألفا و أربعمائة بغل، فأخذها. و وجد له من خزائن السلاح ما لا يحصى كثرة فقبض جميعها، و أحرق الدار فلم تعمر بعد ذلك؛ و آثارها إلى اليوم ظاهرة.
و يقال: إنّ سيف الدولة رأى في المنام أنّ حيّة قد تطوقت على داره فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحيّة في النوم ماء. فأمر بحفر يحفر بين داره و بين قويق، حتى أدار الماء حول الدار.
و كان في حمص رجل ضرير من أهل العلم يفسر المنامات، فدخل على
سيف الدولة فقال له كلاما معناه: أنّ الروم تحتوي على دارك. فأمر به فدفع، و أخرج بعنف. و قضى اللّه سبحانه أنّ الروم خرجوا، ففتحوا حلب، و استولوا على دار سيف الدولة، فذكر معبّر المنام أنه دخل على سيف الدولة بعد ما كان من أمر الروم، فقال له: ما كان من أمر ذلك المنام الملعّن؟.
و كان المعتصمون بالقلعة و الروم بالمدينة تحت السماء ليس لهم ما يظلهم من الهواء و المطر، و يتسلّلون في الليل إلى منازلهم فإن وجدوا شيئامن قوت أو غيره أخذوه و انصرفوا.
ثم ان نقفور أحرق المسجد الجامع و أكثر الأسواق، و الدار التي لسيف الدولة، و أكثر دور المدينة. و خرج منها سائرا إلى القسطنطينية بعد أن ضرب أعناق الأسارى من الرجال، حين قتل ابن أخت الملك؛ و كانوا ألفا و مائتي رجل(1).
و سار بما معه و لم يعرض لسواد حلب و القرى التي حولها. و قال: «هذا البلد قد صار لنا، فلا تقصروا في عمارته؛ فإنّا بعد قليل نعود إليكم».
و كان عدة من سبى من الصبيان و الصبايا بضعة عشر ألف صبي و صبية؛ و أخذهم معه.
و قيل: إنّ جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة و الرخام و الفسيفساء- و هي الفص المذهب- إلى أن أحرقه الدمستق- لعنه اللّه- و إنّ
1) تاريخ يحيى بن سعيد ص 97- 99.
سليمان بن عبد الملك اعتنى به كما اعتنى أخوه الوليد بجامع دمشق(1).
و سار الدمستق عنها، يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة من سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة.
و اختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب، فقيل: إنه ورد إليه الخبر أن رومانوس الملك وقع من ظهر فرسه في الصيد بالقسطنطينية، و انهم يطلبونه ليملكوه عليهم.
و قيل: سبب رحيله أن نجا عاد بجمهور العسكر إلى الأمير سيف الدولة فاجتمع به. و جعل يواصل الغارات على عسكر الروم، و تبلغ غاراته إلى السعدي(2)و أنه أخذ جماعة من متعلفة الروم. و استنجد سيف الدولة بأهل الشام، فسار نحوه ظالم بن السلال العقيلي(3)في أهل دمشق؛ و كان يليها من قبل الإخشيذية. فكان ذلك سببا لرحيله عن حلب.
و كان هذا نقفور بن الفقاس الدمستق، قد دوّخ بلاد الإسلام، و انتزع من أيدي المسلمين جملة من المدن، و الحصون، و المعاقل؛ فانتزع الهارونية،
1) نقل ابن شداد في الأعلاق الخطيرة ج 1 ق 1 ص 103- 105 عن ابن العديم وصف المسجد الجامع في حلب.
2) من منتزهات حلب. ابن الشحنة ص 245.
3) يرجح أن المشار إليه هنا هو ظالم بن موهوب العقيلي الذي ولي دمشق للفاطمين سنة 360 ه، حيث يبدو أنه عمل من قبل مع الاخشيذية ثم تعاون مع القرامطة. انظر تاريخ دمشق لابن القلانسي- تحقيقي- ط. دمشق 1983 ص 9.
و عين زربه- كما ذكرناه- و كذلك دلوك، و أذنة(1)، و غير ذلك من الثغور.
و نزل على أذنه في ذي الحجة من سنة اثنتين و خمسين، و لقيه نفير طرسوس فهزمهم و قتل منهم مقدار أربعة آلاف، و انهزم الباقون إلى تلّ بالقرب من أذنة؛ فأحاط الروم بهم و قاتلوهم و قتلوهم بأسرهم.
و هرب أهل أذنة إلى المصّيصة(2)و حاصرها نقفور مدة فلم يقدر عليها بعد أن نقب في سورها نقوبا عدة. و قلت الميرة عندهم فانصرف، بعد أن أحرق ما حولها.
و ورد في هذا الوقت إلى حلب انسان من أهل خراسان و معه عسكر لغزو الروم؛ فاتفق مع سيف الدولة على أن يقصدا نقفور و كان سيف الدولة عليلا فحمل في قبّة؛ فألفياه و قد رحل عن المصّيصة.
و تفرقت جموع الخراساني لشدة الغلاء في هذه السنة بحلب و الثغور؛ و عظم الغلاء و الوباء في المصيصة و طرسوس حتى أكلوا الميتة.
و عاد نقفور إلى المصيصة و فتحها بالسيف في رجب سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة. و فتح أيضا كفربيّا في هذه السنة و مرعش. و فتح طرسوس من أيدي المسلمين في شعبان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة(3).
1) هي أضنه الحالية في تركيا، أفرد لها ابن العديم بابا في كتابه بغية الطلب ج 1 ص 169- 171.
2) من مدن الثغور، تشتمل على مدينتين بينهما نهر جيجان: مدينة المصيصة من الجانب الغربي من النهر، و مدينة كفربيا من الجانب الشرقي. بغية الطلب ج 1 ص 153- 161.
3) المادة التي رواها ابن العديم عن سقوط طرسوس و ثائقية آخرها:« أن نقفور لما صالح أهل- طرسوس، و خرجوا منها و تسلمها صعد على منبرها و قال: يا معشر الروم أين أنا؟ قالوا: على منبر طرسوس، فقال: لا بل أنا على منبر بيت المقدس، و هذه البلدة التي كانت تمنعكم من بيت المقدس» و جعلت الروح الدينية المتعصبة التي أظهرتها حملات نقفور و الذين تقدموه المؤرخين يطلقون عليها اسم صليبية القرن العاشر. بغية الطلب ج 1 ص 194- 197.
و كان المسلمون يخرجون في كل سنة و يزرعون الزرع فيأتي بعساكره فيفسده.
فضعفت، و تخلّى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها؛ و كان فيها فيما ذكر أربعون ألف فارس، و في عتبة بابها أثر الأسنّة إلى اليوم. فلما رأى أهلها ذلك راسلوا نقفور المذكور، فوصل إليهم، و أجابوه إلى التسليم. و قال لهم:
«إنّ كافورا الخادم قد أرسل إليكم غلة عظيمة في المراكب، فان اخترتم أن تأخذوها و أنصرف عنكم، في هذه السنة، فعلت». فقالوا: لا. و اشترطوا عليه أن يأخذوا أموالهم. فأجابهم إلى ذلك إلا السلاح.
و نصب رمحين جعل على أحدهما مصحفا، و على الآخر صليبا. ثم قال لهم: «من اختار بلد الاسلام فليقف تحت المصحف؛ و من اختار بلد النصرانية فليقف تحت الصليب». فخرج المسلمون فحزروا بمائة ألف ما بين رجل و أمرأة و صبي؛ و انحازوا إلى أنطاكية.
و دخل نقفور إلى طرسوس، و صعد منبرها، و قال لمن حوله: «أين أنا؟» فقالوا: «على منبر طرسوس» فقال: «لا؛ و لكنّي على منبر بيت المقدس؛ و هذه كانت تمنعكم من ذلك».
و استولى بعد موت سيف الدولة في سنة سبع و خمسين على كفر طاب، و شيزر، و حماة، و عرقة(1)، و جبلة، و معرّة النعمان، و معرة مصرين، و تيزين(2)، ثم فتح أنطاكية في سنة ثمان و خمسين؛ على ما نذكره بعد- إن شاء اللّه تعالى.
و صارت وقعاته للروم و النصارى كالنزه و الأعياد. و حكم في البلاد حكم ملوك الروم. و لما رجع عن حلب سار إلى القسطنطينية مغذا، فدخلها في صفر سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة؛ فوجد رومانوس قد مات و جلس في الملك ولداه باسيل و قسطنطين و هما صبيان و والدتهما «تفانو»(3)تدبرهما.
فلما وصل نقفور سلّموا الأمر إليه فدبّرهما مدة. ثم رأى أنّ استيلاءه على الملك أصوب، و أبلغ في الهيبة فلبس الخف الأحمر، و دعا لنفسه بالملك، و تحدّث مع البطريرك في ذلك، فأشار عليه أن يتزوج تفانو أم الصبيّين، و أن يكون مشاركا لهما في الملك؛ فاتقوا على ذلك و ألبسوه التاج.
ثم خافت على ولديها منه؛ فأعملت الحيلة، و رتّبت مع يانس بن شمشقيق أن تتزوج به. وبات نقفور في البلاط في موضعه الذي جرت عادته به. فلما ثقل في نومه أدخلت يانس و معه جماعة، و شكلت رجل نقفور. فلما
1) عرقة: بلدة في شرقي طرابلس بينهما أربعة فراسخ. معجم البلدان.
2) تيزين الآن خربة أثرية في جبل باريشا تتبع منطقة حارم، محافظة أدلب، تشرف على سهل العمق، مهجورة منذ قرون طويلة. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
3) أرخ لهذه الأحداث و ما تلاها المؤرخ البيزنطي ميخائيل بزللوسMichael Psellus الذي ترجم كتابه إلى الانكليزية و طبع تحت عنوان« أربعة عشر حاكم بيزنطي» لندن 1966.
دخل يانس قام نقفور من نومه ليأخذ السيف فلم يستطع فقتله. و لم يتزوّج بها يانس خوفا منها.
و نعود إلى بقية أخبار سيف الدولة:
فإنه لما رحل الروم عن حلب، عاد إليها و دخلها في ذي الحجة سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة. و عمر ما خرب منها؛ و جدّد عمارة المسجد الجامع؛ و أقام سيف الدولة إلى سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة.
و سار إلى ديار بكر بالبطارقة الذين كانوا في أسره ليفادي بهم؛ و أخذهم نجا، و سار إلى ميافارقين فاستولى عليها.
فلما وصل سيف الدولة قال: «أروني نجا»؛ فأروه أيّاه على برج، فوقف تحته، و قال: «يانجا» فقال: «لبيك يا مولانا» فقال: «انزل». فنزل في الوقت، و خدمه على رسمه، و خلع عليه، و سلم إليه البلد و البطارقة. و قتل نجا، قتله غلام لسيف الدولة اسمه قبجاج بحضرته؛ و كان سيف الدولة عليلا، فأمر به فقتل قبجاج في الحال.
و سار سيف الدولة بالبطارقة إلى الفداء، ففدى بهم أبا فراس ابن عمه، و جماعة من أهله، و غلامه «رقطاش»، و من كان بقي من شيوخ الحمصيين و الحلبيين. و لما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى بقية المسلمين من العدوّ كل رجل باثنين و سبعين دينارا؛ حتى نفد ما كان معه من المال. فاشترى الباقين و رهن عليهم بدنته الجوهر المعدومة المثل و كاتبه أبا
القاسم الحسين بن علي المغربي جد الوزير(1)، و بقي في أيدي الروم إلى أن مات سيف الدولة، فحمل بقية المال و خلّص ابن المغربي.
و لما توجّه سيف الدولة إلى الفداء ولّى في حلب غلامه و حاجبه قرغويه الحاجب في سنة أربع و خمسين، فخرج على أعمال سيف الدولة مروان العقيلي، و كان من مستأمنة القرامطة.
و كان مروان مع سيف الدولة حين توجّه إلى آمد. و أقام سيف الدولة بكل ما يحتاج إليه عسكره، و أنفذ إليه ملك الروم هدية سنيّة، فقتل مروان القرمطيّ رجلا من أصحاب الرسول، فتلافى سيف الدولة ذلك؛ و سيّر إلى ملك الروم هديّة سنيّة؛ و أفرد دية المقتول؛ و اعتذر أن مروان فعل ذلك على سكر، فرد الهدية و التمس إيفاد القاتل، ليقيده به أو يصفح عنه؛ فلم يفعل؛ و انتقضت الهدنة؛ و كان ذلك في سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة. و ولّى بعد ذلك مروان السواحل.
فلما توجّه سيف الدولة إلى الفداء سار إلى ناحية حلب، فأنفذ إليه قرغويه غلاما له اسمه بدر فالتقيا غربي كفر طاب؛ فأخذه مروان أسيرا؛ و قتله صبرا؛ و كسر العسكر و ملك حلب. و كتب إلى سيف الدولة بأنه من قبله، فسكن إلى ذلك، و أخذ مروان في ظلم الناس بحلب، و مصادرتهم.
فلم تطل مدته؛ و توفي سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة، من ضربة ضربه بها بدر
1) ترجم ابن العديم للحسين بن علي بن محمد المغربي، و رجح أنه توفي في حياة سيف الدولة، و أن ابنه علي حل محله. بغية الطلب 2532، 2702- 2706.
حين التقيا بلتّ(1)في وجهه. و عاد الحاجب قرغويه إلى خلافة سيف الدولة.
و كان بأنطاكية رجل يقال له الحسن بن الأهوازي يضمن المستغلات لسيف الدولة، فاجتمع برجل من وجوه أهل الثغر يقال له رشيق النسيمي- و كان من القواد المقيمين بطرسوس- فاندفع إلى أنطاكية حين أخذ الروم طرسوس، و تولى تدبير رشيق و أطمعه في أن سيف الدولة لا يعود إلى الشام.
فطمع و اتفق مع ملك الروم على أن يكون في حيزه، و يحمل إليه عن أنطاكية في كل سنة ستمائة ألف درهم.
و كان بأنطاكية من قبل سيف الدولة تنج(2)اليمكي أو الثملي؛ فسار رشيق(3)نحوه، فوثب أهل أنطاكية على تنج؛ فأخرجوه؛ و سلموا البلد إلى رشيق. فأطمع ابن الأهوازي رشيقا بملك حلب، لعلمه بضعف سيف الدولة، و اشتغاله بالفداء. و عمل له ابن الأهوازي كتابا ذكر أنه من الخليفة ببغداد، بتقليده أعمال سيف الدولة، فقرىء على منبر أنطاكية.
و اجتمع لابن الأهوازي جملة من مال المستغلّ، و طالب قوما بودائع ذكر أنها عندهم، و استخدم بتلك الأموال فرسانا و رجالة؛ و استأمن إليه دزبر بن أونيم الديلمي(4)و جماعة من الديلم الذين كانوا مع الحاجب قرغويه بحلب.
فحصل مع رشيق نحو خمسة آلاف رجل، فسيّر إليه الحاجب غلامه يمن في عسكر. فخرج إليه رشيق من أنطاكية، و التقوا بأرتاح(1)فاستأمن يمن إلى رشيق؛ و مضى عسكره إلى حلب، و توجّه رشيق إلى حلب، و نازل حلب، و زحف على باب اليهود، فخرج إليه بشارة الخادم في جماعة؛ فقاتل إلى الظهر؛ و انهزم بشارة و دخل من باب اليهود؛ و دخلت خيل رشيق خلفه.
و استولى رشيق على المدينة في اليوم الأول من ذي القعدة سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة. و نادوا بالأمان للرعية؛ و قرأوا كتابا مختلقا عن الخليفة بتقليد رشيق أعمال سيف الدولة؛ و أقام رشيق يقاتل القلعة ثلاثة أشهر و عشرة أيام. و فتح باب الفرج(2)و نزل غلمان الحاجب من القلعة فحملوا على أصحاب رشيق، فهزموهم، و أخرجوهم من المدينة. فركب رشيق و دخل من باب أنطاكية، فبلغ إلى القلانسيين؛ و خرج من باب قنّسرين، و مضى إلى باب العراق. فنزل غلمان الحاجب، و خرجوا من باب الفرج و هو الباب الصغير.
و وقع القتال بينهم و بين أصحاب رشيق، فطعن ابن يزيد الشيباني(3)
1) أرتاح: حصن منيع كان من العواصم من أعمال حلب. معجم البلدان.
2) قال ابن العديم:« و كان لحلب باب يقال له باب الفرج إلى جانب حمام القصر، كان إلى جانبه القصر المشهور الذي يلي قلعة حلب، فخربه الملك الظاهر» بغية الطلب ج 1 ص 57.
3) هو في بغية الطلب ص 3657« أبو يزيد الشيباني»« و قيل إن أبا يزيد طعن رشيقا فوقع إلى الأرض، و ضربه حسنش الديلمي و احتز رأسه عبد اللّه التغلبي».
رشيقا فرماه؛ و كان ممن استأمن من عسكر سيف الدولة إلى رشيق؛ و أخذ رأسه، و مضى به إلى الحاجب قرغويه، و عاد الحاجب إلى حالته في خلافة الأمير سيف الدولة.
و عاد عسكر رشيق إلى أنطاكية فرأسوا عليهم دزبر بن أونيم الديلمي، و عقدوا له الإمارة، و استوزر أبا علي بن الأهوازي، و قبل كل من وصل إليه من العرب و العجم.
و سار إليه الحاجب قرغويه إلى أنطاكية، فأوقع به دزبر، و نهب سواده، و انهزم قرغويه و قد استأمن أكثر أصحابه إلى دزبر، فتحصّن بقلعة حلب، و تبعه دزبر فملكها في جمادى الأولى من سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة.
و أقام بها و ابن الأهوازي بعسكره في حاضر قنّسرين، و جمع إليه بني كلاب، وجبى الخراج من بلد حلب و حمص؛ و فوّض إلى القضاة، و الولاة، و الشيوخ، و العمال الأعمال و الولايات.
و جاء سيف الدولة فدخل حلب و عسكره ضعيف فبات بها و خرج إلى دزبر و ابن الأهوازي. و كان سيف الدولة قد فلج و بطل شقه الأيسر فالتقوا شرقي حلب ب «سبعين»(1).
فغدرت بنو كلاب بدزبر و ابن الأهوازي حين نظروا إلى سيف الدولة؛
1) اسمها الآن تل سبعين، و هي قريبة من سبخة الجبول. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري. و انظر أيضا بغية الطلب ص 1956- 1957.
و استأمنوا إليه، فآمنهم؛ و وضع السيف في عسكر دزبر وضع محنق مغيظ؛ فقتل جمعا كثيرا، و أسر خلقا، فقتلهم صبرا. و كان فيهم جماعة ممن اشتراه بماله من الروم، فسبقوه إلى الشام، و قبضوا الرزق من ابن الأهوازي، و جعلوا يقاتلونه، فما أبقى على أحد منهم. و حصل دزبر و ابن الأهوازي في أسره. فأما دزبر فقتله ليومه؛ و أما ابن الأهوازي فاستبقاه أياما ثم قتله.
ثم إنّ سيف الدولة قويت علّته بالفالج، و كان بشيزر، فوصل إلى حلب فأقام بها يومين أو ثلاثة. و توفي يوم الجمعة العاشر من صفر من سنة ست و خمسين و ثلاثمائة(1). و قيل: توفي بعسر البول و حمل تابوته إلى ميافارقين فدفن بها في تربته.
و كان على قضاء حلب إذ ذاك- في غالب ظني- أبو جعفر أحمد بن اسحاق بن محمد بن يزيد الحنفي، بعد أحمد بن محمد بن ماثل.
و ينسب إلى سيف الدولة أشعار كثيرة، لا يصح منها له غير بيتين، ذكر أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كاتبه- و هو جدّ الوزير أبي القاسم المغربي- أنهما لسيف الدولة. و لم يعرف له غيرهما. و كتب بهما إلى أخيه ناصر الدولة و قد مدّ يده إلى شيء من بلاده المجاورة له، من ديار بكر، و كانت في يد أخيه:
لست أجفو و إن جفيت و لا أترك حقا عليّ في كل حال
1) بهامش الأصل: وفات سيف الدولة سنة 356، 956.
إنمّا أنت والد و الأب الجفافي يجازى بالصبر و الإحتمال
و وزر لسيف الدولة أبو اسحاق القراريطي(1)ثم صرفه و ولى وزارته أبا عبد اللّه محمد بن سليمان بن فهد؛ ثم غلب على أمره أبو الحسين علي بن الحسين المغربي أبو الوزير أبي القاسم و وزر له.
1) هو محمد بن أحمد بن ابراهيم الاسكافي الكاتب، وزر لمحمد بن رائق، ثم وزر للمتقي للّه مرتين، و صودر، و صار إلى الشام، و كتب لسيف الدولة، و كان ظلوما غشوما، عاش ستا و سبعين سنة» و توفي سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة. العبر للذهبي- ط. الكويت 1984 ج 2 ص 315.
[عهد سعد الدولة](1)
و قام بالأمر بحلب الحاجب قرغويه غلام سيف الدولة، من قبل ابن سيف الدولة؛ فبقي بها إلى أن مضى غلمان سيف الدولة إلى ميّافارقين، فأحضروا ابنه: سعد الدولة أبا المعالي شريف بن علي بن عبد اللّه بن حمدان، و كان مع والدته أم الحسن ابنة أبي العلاء سعيد بن حمدان بها.
فدخل حلب، يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل، من سنة ست و خمسين و ثلاثمائة؛ و زيّنت له المدينة؛ و عقدت له القباب؛ و جلس على سرير أبيه، و جلس الحاجب قرغويه على كرسيّ، و المدّبر لدولته وزيره أبو اسحاق محمد بن عبد اللّه بن شهرام كاتب أبيه.
و قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة بن عبد اللّه بن حمدان على أبيه ناصر الدولة، في هذه السنة(2)فامتعض حمدان بن ناصر الدولة لذلك و عصى على
أخيه بالرقة و الرّحبة(1)
« فلما مات سيف الدولة بن حمدان بحلب سار بتابوته إلى ديار بكر بشارة الخادم، و تقي، في جمادى الأولى سنة ست و خمسين و ثلاثمائة، و كان بينهما منافرة، فأذاع تقي عن بشارة أنه كاتب حمدان بن ناصر الدولة، و كان قد غلب على الرقة عند وفاة عمه سيف الدولة، و حثه على أخذ حلب، و كتب تقي إلى قرغويه القائم بضبط حلب نيابه عن سعد الدولة أبي المعالي شريف ابن سيف الدولة، فقبض قرغويه على أسباب بشارة بحلب.
فلما بلغ ذلك بشارة داخل تقي و وانسه، فأنس به، و صفي بنيته له، و أطلعه على أنه يريد ديار بكر ليعمل على أبي المعالي شريف ابن مولاه، و يقبض عليه، و يملك التدبير، و ضمن لبشارة أنه يسلم له ميافارقين، فأظهر له بشارة القبول، و سار بمسيره إلى قريب من ميافارقين، فكتب بشارة مع من يثق به إلى أبي المعالي يحذره الخروج إلى لقاء تابوت أبيه، و يعرفه ما عزم عليه تقي.
فلما قرب تقي كتب إليه بخبر التابوت و أن يخرج لتلقيه، فأظهر أبو المعالي علة و امتنع عن الركوب، و أخرج كل من في البلد لتلقيه، و ضرب تقي مضاربه و لم يدخل المدينة، و وكل بأبوابها الرجال، فطلع بشارة على السور، و غلق الأبواب، و خاطب أصحابه عن الأمير أبي المعالي بكل جميل، فانقلبوا عن تقي، و بطل مادبره، و سلمه إلى بشارة فقتله». الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية- ط. دمشق 1995 ج 1 ص 300.
.فسار أبو تغلب إليه إلى الرقة، و حصره فيها إلى أن صالحه على أن يقتصر على الرّحبة، و يسلم إليه الرّقة و الرافقة. و كتب لأبي تغلب توقيع بتقليده أعمال ناصر الدّولة و سيف الدّولة من المطيع، و هو بالرّقة.
و كان قرغويه قد جاء إلى خدمته، و هو يحاصر أخاه؛ فلما صالح أخاه قدم حلب جريدة، وزار ابن عمه سعد الدولة، و عاد إلى الموصل.
1) لم تكن هذه محاولة التمرد الوحيدة في صفوف الحمدانيين فقد روى المقريزي في ترجمته لبشارة الاخشيدي مايلي:
و أقام سعد الدولة إلى أن تجدّد بينه و بين ابن عمه أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان- و هو خاله- وحشة و كان بحمص.
فتوجّه سعد الدولة إليه، فانحاز إلى «صدد»(1)، و نزل سعد الدولة بسلمية، و جمع بني كلاب و غيرهم.
و قدّم الحاجب قرغويه و بني كلاب على مقدّمته، مع قطعة من غلمان أبيه، فتقدّموا إلى صدد. فخرج إليهم أبو فراس و ناوشهم، و استأمن أصحابه؛ و اختلط أبو فراس بمن استأمن، فأمر قرغويه بعض غلمانه بالتّركية بقتله، فضربه بلت مضرّس، فسقط؛ و نزل فاحتز رأسه؛ و حمله إلى سعد الدولة.
و بقيت جثته مطروحة بالبرية، حتى كفّنه رجل من الأعراب، و ذلك في شهر ربيع من سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة. و لطمت أمّه سخيّة حتى قلعت عينها عليه؛ و كانت أم ولد.
و خرج في هذه السّنة فاثور(2)للرّوم في خمسة آلآف فارس و راجل؛ فصار إلى نواحي حلب؛ فواقعه قرغويه بعسكر حلب، فأسر قرغويه، ثم أفلت، و انهزم أصحابه؛ و أسر الرّوم جماعة من غلمان سيف الدّولة.
ثم إنّ نقفور ملك الروم خرج إلى معرة النّعمان ففتحها، و أخرب
جامعها و أكثر دورها؛ و كذلك فعل بمعرّة مصرين؛ و لكنه أمّن أهلها من القتل، و كانوا ألفا و مائتي نفس، و أسرهم، و سيّرهم إلى بلد الروم.
و سار إلى كفرطاب و شيزر، و أحرق جامعها؛ ثم إلى حماة ففعل كذلك؛ ثم إلى حمص، و أسر من كان صار إلى تلك الناحية من الجفلة.
و وصل إلى عرقة ففتحها و أسر أهلها؛ ثم نفذ إلى طرابلس و كان أهلها قد أحرقوا ربضها، فانصرف إلى جبلة ففتحها؛ و منها إلى اللاذقيّة؛ فانحدر إليه أبو الحسين علي بن إبراهيم بن يوسف الفصيص. فوافقه على رهائن تدفع إليه منها، و انتسب له فعرف نقفور سلفه، و جعله سردغوس(1). و سلّم أهل اللاذقية.
و انتهى إلى أنطاكية، و في يده من السبي مائة ألف رأس، و لم يكن يأخذ إلا الصبيان و الصّبايا و الشباب؛ فأما الكهول و المشايخ و العجائز فمنهم من قتله و منهم من تركه. و قيل بأنه فتح في هذه الخرجة ثمانية عشر منبرا. و أما القرى فلا يحصى عدد ما أخرب منها و أحرق؛ و نزل بالقرب من أنطاكية، فلم يقاتلهم، و لم يراسلهم بشيء.
و بنى حصن بغراس(2)
بغية الطلب ج 1 ص 151- 152. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
مقابل أنطاكية و رتّب فيه ميخائيل البرجي، و أمر أصحاب الأطراف بطاعته.و تحدّث الناس أنه يريد أن ينازل أنطاكية طول الشتاء، و ينفذ إلى حلب أيضا من ينازلها. فأشار الحاجب قرغويه على سعد الدولة أن يخرج من حلب، و لا يتحاصر فيها؛ فخرج إلى بالس فسيّر إليه قرغويه، و قال له:
«امض إلى والدتك، فإنّ أهل حلب لا يريدونك، و لا يتركونك تعود إليهم».
و حالف قرغويه أهل حلب على سعد الدّولة؛ و تقرّب إليهم بعمارة القلعة و تحصينها، و عمارة أسوار البلدة و تقويتها؛ فيئس سعد الدولة من حلب؛ و مضى أكثر أصحابه إلى أبي تغلب بن ناصر الدّولة.
و قطع قرغويه الدعاء لسعد الدّولة، فعمل على قصد حرّان و المقام بها؛ فمنعه أهلها منها، و راسلهم، و وعدهم بالجميل فلم يستجيبوا له؛ فسألهم أن يتزوّد منها يومين، فأذنوا له في ذلك. فمضى إلى والدته إلى ميّافارقين، و حرّان شاغرة يدبّرها أهلها، و يخطبون لأبي المعالي سعد الدولة.
و لما قرب أبو المعالي من ميّافارقين بلغ والدته أن غلمانه و كتّابه عملوا على القبض عليها و حملها إلى القلعة، كما فعل أبو تغلب بناصر الدولة؛ فطردت الكتّاب، و أغلقت أبواب المدينة في وجه ابنها ثلاثة أيّام حتى استوثقت منه؛ و فتحت له.
و حين علم ملك الروم بتقوية قرغويه لحلب دخل بلاده.
و أما قرغويه فاستولى على حلب في المحرّم من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة؛ و أمّر غلامّه بكجور؛ و شاركه في الأمر؛ و دعي لهما على المنابر في عمله. و كتب اسم بكجور على السّكة. و كان يخاطب قرغويه بالحاجب، و غلامه بكجور بالأمير.
و حصل زهير غلام سيف الدّولة بمعرّة النّعمان، و كان و اليها؛ و انضاف إليه جماعة من غلمان سيف الدّولة. فأقاموا الدّعوة بالمعرّة لسعد الدولة؛ و كاتبوا مولاهم سعد الدولة أبا المعالي و استدعوه إلى الشّام؛ فسار و نزل منبج؛ فاجتمعوا معه. و نزلوا على حلب في شهر رمضان من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة؛ و حاصروا قرغويه و بكجور. و جرت بينهم حروب يطول ذكرها.
و كتب قرغويه إلى الرّوم، فاستدعى بطريقا كان في أطراف بلد الرّوم لنجدته، و هو خادم كان لنقفور و يعرف بالطربازي(1)فسار نحوه، ثم عدل إلى أنطاكية، و ذلك أنّ ملك الروم لما نزل ببوقا، و معه السبي و الغنائم- على ما ذكرناه- توافق هو و أهلها، و كانوا نصارى في أن ينتقلوا إلى أنطاكية، و يظهروا أنّهم إنّما انتقلوا خوفا من الرّوم، حتى إذا حصلوا بها، و صار الرّوم إلى أنطاكية وافقوهم على فتحها. ففعلوا ذلك و وافقوا نصارى أنطاكية، و كاتبوا الطّربازي حين خرج بأن أنطاكية خالية، و ليس بها سلطان.
و كان أهلها من المسلمين قد ضيّعوا سورها، و أهملوا حراستها؛ فجاء الروم إليها مع الطربازي و يانس بن شمشقيق، في أربعين ألفا. فأحاطوا بأنطاكية؛ و أهل بوقا على أعلى السور في جانب منه، فنزلوا و أخلوا السّور، فصعده الرّوم و ملكوا البلد، و ذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان و خمسين.
1) هو في تاريخ يحيى بن سعيد ص 135« بطرس الاصطراطوبودرج»- الستراتيجوس.
و دخل الرّوم فأحرقوا و أسروا و كانت ليلة الميلاد. فلمّا طلع الروم على جبلها، جعلوا يأخذون الحارس فيقولون له: «كبّر و هلّل»؛ فمن لم يفعل قتلوه؛ فكان الحرّاس يهلّلون و يكبّرون، و الناس لا يعلمون بما هم فيه، حتّى ملكوا جميع أبرجتها، و صاحوا صيحة واحدة، فمن طلب باب الجنان قتل أو أسر.
و اجتمع جماعة إلى باب البحر فبردوا القفل فسلموا، و خرجوا و بنوا قلعة في جبلها، و جعلوا الجامع صيرة للخنازير(1)ثم ان البطرك جعله بستانا.
ثم إنّ الطّربازي سار إلى حلب، منجدا لقرغويه و بكجور، و أبو المعالي محاصر لهما؛ فانحاز أبو المعالي شريف عن حلب إلى خناصرة، ثم إلى معرّة النّعمان.
فطمع الرّوم بحلب فنازلوها؛ و هجموا المدينة من شماليها، و حصروا القلعة.
فهادنهم قرغويه على حمل الجزية، عن كل صغير و كبير من سكّان المواضع التي وقعت الهدنة عليها، دينار، قيمته ستّة عشر درهما إسلاميّة؛ و أن يحمل إليهم، في كل سنة عن البلاد التي وقعت الهدنة(2)عليها سبعمائة ألف درهم.
1) الصيرة: الحظيرة.
2) في تاريخ يحيى بن سعيد ص 135:« و ترددت المراسلات بينه و بين أهلها إلى أن تقرر الأمر- على صلح و هدنه مؤبدة، و مال يحمل في كل سنة إلى ملك الروم عن حلب و حمص و جميع أعمالها من المدن و القرى، و هي ثلاثة قناطير ذهب عن حق الأرض، و سبعة قناطير ذهب عن خراج هذه الأعمال، و عن كل رجل حالم دينار واحد في السنة، سوى ذوي العاهات، و أن يكون لملك الروم صاحبا مقيما بحلب يستخرج أعشار الامتعة الواردة إليها من البلاد، و يرفعه إلى الملك».
و البلاد: حمص، و جوسية(1)، و سلمية، و حماة، و شيزر، و كفرطاب، و أفامية، و معرة النّعمان، و حلب و جبل السّمّاق(2)، و معرّة مصرين، و قنّسرين، و الأثارب إلى طرف البلاط(3)الذي يلي الأثارب و هو الرصيف، إلى إرحاب(4)
المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
، إلى باسوفان(5)، إلى كيمار(6)، إلى برصايا(7)، إلى المرج الذي هو قريب عزاز؛ و يمين الحدّ كلّه لحلب؛ و الباقي للرّوم.1) اسمها الآن جوسيه الخراب، تقع قرب الحدود اللبنانية، و هي تابعة لمنطقة القصير- محافظة حمص، تبعد عن القصير 11 كم إلى الجنوب. و تبعد عن حمص 38 كم إلى الجنوب الغربي منها. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
2) هو جبل الأربعين الآن.
3) الطريق الروماني المرصوف، و يوجد الآن مزرعة في منطقة حارم اسمها البلاط. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
4) إرحاب قرية في جبل سمعان، تتبع ناحية دارة عزة، و تتصل بها بطريق مزفته طولها 9 كم.
5) على مقربة من دير سمعان.
6) تقع كيمار على بعد 12 كم من باسوفان.
7) جبل برصايا:« جبل عال شامخ شمالي عزار، يشرف على بلد عزاز و كورة الأرتيق، و هو من أبهى البقاع منظرا، و أرقها هواء». و اسم هذا الجبل الآن برصة، و يقع على بعد 5 كم شمال مدينة أعزاز، يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي بطول 5 كم و عرض أقصى 5، 3 كم. بغية الطلب ج 1 ص 437. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
و من برصايا يميل إلى الشّرق، و يتصل وادي أبي سليمان إلى فج سنياب(1)، إلى نافوذا، إلى أوانا، إلى تلّ حامد(2)إلى يمين السّاجور، إلى مسيل الماء إلى أن يمضي و يختلط بالفرات.
و شرطوا أن الأمير على المسلمين قرغويه؛ و الأمر بعده لبكجور؛ و بعدهما ينصب ملك الروم أميرا يختاره من سكّان حلب. و ليس للمسلمين أن ينصبوا أحدا، و لا يؤخذ من نصراني جزية في هذه الأعمال، إلا إذا كان له بها مسكن أو ضيعة.
و إن ورد عسكر إسلاميّ يريد غزو الروم منعه قرغويه، و قال له:
«امض من غير بلادنا، و لا تدخل الهدنة». فإن لم يسمع أمير ذلك الجيش قاتله، و منعه؛ و إن عجز عن دفعه كاتب ملك الروم و الطربازي لينفذ إليه من يدفعه.
و متى وقف المسلمون على حال عسكر كبير كتبوا إلى الملك و إلى رئيس العسكر، و أعلموهما به لينظروا في أمرهما.
و إن عزم الملك أو رئيس العسكر على الغزاة إلى بلد الاسلام، تلقّاه
1) تحدث ابن العديم عن مخارج نهر قويق فقال:« و المخرج الآخر يجتمع من عيون ماء من سنياب» و قال ياقوت: و سألت عن سنياب« بحلب فقالوا: لا نعرف هذا الاسم، انما مخرجه من شناذر، قرية على ستة أميال من دابق». بغية الطلب ج 1 ص 347. معجم البلدان- مادة قويق.
2) تل حامد: حصن في ثغور المصيصة، و يرجح أن« حامد» تصحيف« خالد» و تل خالد من القلاع الهامة القريبة من حلب. معجم البلدان.
بكجور إلى المكان الذي يؤمر بتلقيه إليه؛ و أن يشيّعه في أعمال الهدنة؛ و لا يهرب من في الضّياع ليبتاع العسكر الرّومي ما يحتاجون إليه، سوى التبن؛ فانه يؤخذ منهم على رسم العساكر بغير شيء.
و يتقدم الأمير بخدمة العساكر الرّوميّة إلى الحدّ؛ فإذا خرجت من الحدّ عاد الأمير إلى عمله؛ و إن غزا الروم غير ملّة الإسلام سار إليه الأمير بعسكره، و غزوا معه كما يأمر.
و أيّ مسلم دخل في دين النصرانيّة فلا سبيل للمسلمين عليه؛ و من دخل من النّصارى في ملّة الإسلام فلا سبيل للرّوم عليه.
و متى هرب عبد مسلم أو نصراني، ذكرا كان أو أنثى، من غير الأعمال المذكورة إليها، لا يستره المسلمون، و يظهرونه، و يعطى صاحبه ثمنه: عن الرّجل ستّة و ثلاثون دينارا؛ و عن المرأة عشرون دينارا رومية؛ و عن الصبيّ و الصبيّة خمسّة عشر دينارا؛ فان لم يكن له ما يشتريه أخذ الأمير من مولاه ثلاثة دنانير؛ و سلّمه إليه. فإن كان الهارب معمدا فليس للمسلمين أن يمسكوه؛ بل يأخذ الأمير حقّه من مولاه؛ و يسلّمه إليه.
و إن سرق سارق من بلاد الرّوم، و أخفى هاربا أنفذه الأمير إلى رئيس العسكر الروميّ ليؤدّبه.
و إن دخل روميّ إلى بلد الإسلام فلا يمنع من حاكى.
و إن دخل من بلد الإسلام جاسوس إلى بلد الروم أخذ، و حبس.
و لا يخرب المسلمون حصنا؛ و لا يحدثوا حصنا؛ فإن خرب شيء
أعادوه. و لا يقبل المسلمون أميرا مسلما؛ و لا يكاتبوا أحدا غير الحاجب و بكجور. فإن توفّيا لم يكن لهم أن يقبلوا أميرا من بلاد الإسلام؛ و لا يلتمسوا من المسلمين معونة؛ بل ينصب لهم من يختاره من بلاد الهدنة.
و ينصب لهم الملك بعد وفاة الحاجب و بكجور قاضيا منهم، يجري أحكامهم على رسمهم.
و للرّوم أن يعمروا الكنائس الخربة في هذه الأعمال، و يسافر البطارقة و الأساقفة إليها، و يكرمهم المسلمون.
و إنّ العشر الذي يؤخذ من بلد الرّوم، يجلس عشّار الملك مع عشّار قرغويه و بكجور فمهما كان من التجارة من الذهب، و الفضة، و الديباج الروميّ، و القزّ غير معمول، و الأحجار، و الجوهر، و اللؤلؤ، و السندس عشّره عشّار الملك. و الثياب، و الكتّان، و المزبون(1)، و البهائم، و غير ذلك من التجارات يعشّره عشّار الحاجب و بكجور بعده؛ و بعدّهما يعشّر ذلك كلّه عشّار الملك.
و متى جاءت قافلة من الرّوم، تقصد حلب، يكتب الزروار(2)المقيم في الطرف إلى الأمير؛ و يخبره بذلك لينفذ من يتسلّمها، و يوصلها إلى حلب. و إن
1) ثوب على تقطيع البيت كالحجلة. القاموس.
2) تحدث ابن الحوقل عن المراتب في القسطنطينية فقال:« ثم الدمستق من بعده، ثم البطارقة و هم اثنا عشر رجلا لا ينقصون و لا يزيدون بوجه، و إذا هلك أحدهم قام مقامه من يصلح له، ثم الزراورة و هم كثرة لا يحصون كالقواد اللاحقين بالأمراء، ثم الطرامخة» صورة الأرض- . بيروت، دار مكتب الحياة ص 178.
قطع الطريق عليها بعد ذلك، فعلى الأمير أن يعطيهم ما ذهب. و كذلك إن قطع على القافلة أعراب أو مسلمون في بلد الأمير، فعلى الأمير غرامة ذلك.
و حلف على ذلك جماعة من شيوخ البلد مع الحاجب و بكجور؛ و سلم إليهم رهينة من أهل حلب: أبو الحسن بن أبي أسامة؛ و كسرى بن كسور؛ و ابن أخت ابن أبي عيسى، و أخو أبي الحسن الخشّاب، و أبو الحسن بن أبي طالب، و أبو الطّيب الهاشميّ، و أبو الفرج العطّار، و يمن غلام قرغويه. و كان المتوسّط في هذه الهدنة رجل هاشميّ من أهل حلب يقال له طاهر.
و عادت الروم عن حلب؛ و بقي الحاجب قرغويه في ولايتها، و التدبير إليه و إلى غلامه بكجور؛ و ذلك في صفر من سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة.
و أقام سعد الدولة أبو المعالي بمعرّة النّعمان ثلاث سنين؛ و راسله الحاجب و بكجور و مشايخ حلب، في سنة ثمان و خمسين، على أن يؤدي إلى الروم قسطا من مال الهدنة، و كان القيّم بأمر أبي المعالي و عسكره رقطاش غلام سيف الدولة؛ و كان قد نزل إليه من حصن برزويه؛ و حمل إليه غلّة عظيمة و علوفة و طعاما؛ و وسّع على عسكره بعد الضّائقة.
و لم يؤدّ سعد الدولة ما هو مقرّر من مال الهدنة على البلاد التي في يده، فخرج الروم و هجموا حمص على غفلة.
و قيل: إن سعد الدولة استولى على حلب في سنة ثلاث و ستين، و وصله في شهر ربيع الأول رسول العزيز و أبو القاسم أحمد بن إبراهيم الرسي من مصر؛ فأقام الدعوة له بحلب في هذه السنة؛ و أرسل معه إلى مصر في
جواب الرسالة قاضي حلب؛ و أظنه ابن الخشاب الهاشمي.
و وصل إليه بكجور من حلب و هو بحمص؛ فخلع عليه أبو المعالي؛ و ولاه حلبّ؛ و أقيمت له الدعوة فيها و في سائر عملها؛ فوافق بكجور و غلمان سيف الدولة على القبض على مولاه قرغويه و قصد أبي المعالي، و قلعه من حمص؛ فقبض عليه. و سار أبو المعالي إلى حلب.
و قيل: دام الأمر بحلب مردودا إلى قرغويه و بكجور، فأحبّ الأمير أبو الفوارس بكجور الحاجبيّ الكاسكّي التفرد بالأمر دون مولاه؛ و حدّث نفسه بالقبض عليه، فقبض عليه و غدر به، في ذي الحجة من سنة أربع و ستين و ثلاثمائة. و استولى على حلب، و انفرد بالأمر، و جعل الحاجب محبوسا بقلعة حلب.
كان سعد الدولة إذ ذاك بحمص، فحين علم بذلك طمع بحلب، فتوجّه إليها و معه بنو كلاب، بعد أن أقطعهم بحمص الاقطاع المعروف بالحمصيّ؛ فنزل بهم على معرّة النعمان، و بها زهير الحمدّاني، و قد استولى عليها، و عصى على مولاه؛ ففتح باب حناك(1)و دخلوا منه فقاتلهم زهير، و أخرجهم. ثم أحرقوا باب حمص؛ فخرج زهير مسلما نفسه بعد أن حلف له كبار الحمدانيّة انّهم لا يمكنوا أبا المعالي منه. فلمّا حصل معه غدر به فتغيّرت
1) نسبة إلى بلدة اسمها حناك؛ هي الآن خربة أثرية في جبل الزاوية، تابعة لمنطقة معرة النعمان. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
وجوه الحمدانيّة؛ فأمرهم بنهب الحصن فنهبوا ما فيه؛ و أنفذ زهيرا إلى حصن أفامية؛ فقتل هناك.
و سار أبو المعالي؛ و نزل بهم على باب حلب؛ و حاصرها مدة فاستنجد بكجور بالرّوم؛ و ضمن لهم تسليم حلب و أموالا كثيرة؛ فتخلّوا عنه. و كان نقفور- لعنه اللّه- قد قتل على ما شرحناه.
و جدّ سعد الدولة في حصارها و القتال، فسلم إليه بعض أهل البلد المرتبين في مراكز البلد برج باب الجنان؛ و رميت أبواب الحديد، و فتحها بالسيف فلم يرق فيها دما و أمن أهلها.
و انهزم بكجور إلى القلعة فاستعصى بها، و ذلك في رجب من سنة خمس و ستين و ثلاثمائة.
ثم أقام سعد الدولة يحاصر القلعة مدة حتى نفد ما فيها من القوت؛ فسلّمها بكجور إليه، في شهر ربيع الآخر من سنة سبع و ستين و ثلاثمائة.
و ولّى سعد الدولة بكجور حمص و جندها؛ و كان تقرير أمر بكجور بين سعد الدّولة و بينه، على يد أبي الحسن عليّ بن الحسين بن المغربي الكاتب، والد الوزير أبي القاسم.
و استقر أمر سعد الدّولة بحلب؛ و جدّد الحلبيون عمارة المسجد الجامع بحلب؛ و زادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع و ستين.
و غيّر سعد الدّولة الأذان بحلب؛ و زاد فيه: «حيّ علي خير العمل؛
محمّد و عليّ خير البشر». و قيل: إنه فعل ذلك في سنة تسع و ستين و ثلاثمائة، و قيل: سنة ثمان و خمسين.
و سيّر سعد الدّولة في سنة سبع و ستين و ثلاثمائة الشريف أبا الحسن اسماعيل بن النّاصر الحسنيّ يهنىء عضد الدّولة بدخوله مدينة السلام، و انهزام بختيار بين يديه؛ فوجّه إليه بتكنية الطائع؛ و وصلته خلعة منه و لقب بسعد الدولة فلبس الخلعة.
و وصل معها خلع من عضد الدّولة أيضا؛ و خاطبه في كتابه:
«بسيدي، و مولاي، و عدتي» فمدحه أبو الحسن محمّد بن عيسى النّامي بقصيدة أوّلها:
هوى في القلب لا عجه دخيل
و كان أبو صالح بن نانا الملقّب بالسّديد قد وزر لسعد الدّولة، فانفصل عنه في سنة إحدى و سبعين؛ و مضى إلى بغداد فاستوزر مكانه أبا الحسن بن المغربي.
و نزل فردس الفقاس الدمستق على حلب، في شهر جمادى الأولى من سنة إحدى و سبعين، و وقع الحرب على باب اليهود في اليوم الثاني من نزوله.
و طالب سعد الدّولة بمال الهدنة، و تردّدت المراسلة بينهما، و استقرّ الأمر على أن يحمل إلى الروم كلّ سنة أربعمائة ألف درهم فضّة، و رحل في اليوم الخامس من وصوله.
و في يوم الخميس السّابع عشر من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة، نزل بردس الدمستق على باب حلب في خمسمائة ألف ما بين فارس و راجل؛ و كان قد ضمن لباسيل و قسطنطين ملكي الروم الأخوين أن يفتتح حلب، و ينقض سورها حجرا حجرا؛ و أنه يحمل سبيها إلى القسطنطينيّة.
و احتفل جمعا و حشد من المجانيق و العرّادات ما لا يحصى كثرة. و أقام بالحدث أيّاما، يرهب الناس، و يهوّل عليهم؛ و سعد الدولة بحلب غير محتفل به.
ثم إنّه أقبل و على مقدمته ملك الجزرية تريثاويل(1)و على ميمنته و ميسرته البطارقه في الحديد السابغ؛ فارتاع النّاس لذلك؛ و بثّ سراياه، و سعد الدّولة قد أمر الغلمان بلبس السلاح؛ فدام على هذا ثلاثة أيام؛ ثم صفّ لقتال البلد؛ و سعد الدولة لا يخرج إليه أحدا حتى استحكم طمعه.
ثم إنّه أمر غلمانه بالخروج إليهم في اليوم السابع، فحملوا حملة لم ير أشد منها؛ و قتلوا فيها ملك الجزرية تريثاويل؛ و كان عمدة عسكرهم؛ فعند ذلك اشتدّ القتال.
و أمر سعد الدولة عسكره بالخروج إليه، فالتقّوا في الميدان فرجع عسكره أقبح رجوع، و عليه الكآبة؛ و سيّر سعد الدّولة جيشه خلفه حتّى بلغت عساكره أنطاكية.
1) كتب بهامش الأصلTaritaouil .
و كان الجيش مع وزيره أبي الحسن عليّ بن الحسين بن المغربي؛ فافتتح في طريقه دير سمعان عنوة بالسيف؛ و خرّب دير سمعان؛ و كان بنية عظيمة و حصنا قويا؛ و قد ذكر ذلك الواسانيّ في بعض شعره.
و قيل: إنّ الدمستق رأى في نومه المسيح، و هو يقول له مهدّدا:
«لا تحاول أخذ هذه المدينة، و فيها ذلك الساجد على الترس». و أشار إلى موضعه في البرج الذي بين باب قنّسرين، و برج الغنم، في المسجد المعروف بمشهد النّور. فلمّا أصبح ملك الرّوم سأل عنه فوجده ابن أبي نمير عبد الرزاق بن عبد السلام العابد الحلبيّ، و كان ذلك سببا لرحيله عن حلب(1)
فانتبه ملك الروم، و ذكر المنام لأصحابه، و صالح أهل حلب، و قال: لا أرحل حتى تعلموني من كان الساجد على الترس في ذلك البرج، فكشفوا عنه فوجدوه ابن أبي نمير، و رحل ملك الروم عن حلب ... و هذا ابن أبي نمير هو أبو عبيد اللّه عبد الرزاق بن عبد السلام بن عبد الواحد بن أبي نمير العابد الأسدي».
.و قيل: إنّه صالح أهل حلب و رحل.
1) قال ابن العديم في بغية الطلب ج 1 ص 461- 462:« هذا مشهد النور إنما سمي بذلك لأنه رئي النور ينزل عليه مرارا، قال: و كان ابن أبي نمير العابد يتعبد فيه، فاتفق أن نزل ملك الروم على حلب محاصرا لها، فجاء الحلبيون إلى ابن أبي نمير العابد، فقالوا: ادع اللّه لنا أيها الشيخ، قال: فسجد على ترس كان عنده، و دعا اللّه تعالى، و سأله دفع العدو عن حلب، فرأى ملك الروم في منامه تلك الليلة قائلا يقول له: ارحل عن هذه البلدة، و إلا هلكت، أتنزل عليها و فيها الساجد على الترس في ذلك البرج، و أشار إلى البرج الذي فيه مشهد النور- و هو بالقرب من باب قنسرين في برج من أسوار حلب، فيما بين برج الغنم و باب قنسرين.
و قيل: هذا كان في نزول أرومانوس على تبّل، سنة إحدى و عشرين و أربعمائة.
و كان ابن أبي نمير من الأولياء الزهّاد و المحدّثين العلماء؛ و توفي بحلب في سنة خمس و عشرين و أربعمائة؛ و قبره بباب قنّسرين.
و يحتمل أن يكون في سنة إحدى و سبعين، حين نزل فردوس على حلب و رحل عنها عن صلح، في سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة؛ فطلب من العزيز أن يوليه دمشق؛ و كاتب العزيز(1)في إنفاذ عسكر ليأخذ له حلب؛ فأنفذ إليه عسكرا، فنزل على حلب إلى أن نزل الدمستق أنطاكية؛ فخاف أن يكبسه، فرحل عنها.
و لما يئس الدمستق من حلب، و خاف على نفسه أن يقتله ملك الروم، خرج إلى جهة حمص، فهرب بكجور من حمص إلى جوسية، فكاتب الدمستق أهل حمص بالأمان؛ و أظهر لهم أنّه يسير إلى دمشق، و أنّه مهادن لجميع أعمال سعد الدّولة، فاطمأنوا إلى ذلك؛ و أمرهم بإقامة الزاد و العلوفة.
و هجم حمص في ربيع الآخر من سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة؛ و أحرق الروم الجامع، و كثيرا من البلد.
و كان استوحش أبو المعالي من بكجور، فأمره أن يترك بلده و يمضي.
و صعد بكجور إلى دمشق فوليها في هذه السنة- أعني سنة ثلاث- من
1) العزيز الفاطمي ثاني الخلفاء الفاطميين في مصر 365- 386 ه/ 975- 996 م].
قبل المصريين، و جار على أهل دمشق، و ظلّم، و جمع الأموال لنفسه، فجرد إليه عسكر من مصر مع منير الخادم في سنة ثمان و سبعين.
و كان بكجور يخاف من أهل دمشق لسوء سيرته؛ فبعث بعض عسكره؛ فكسره منير، فأرسل إليه بكجور و بذل له تسليم دمشق، و الإنصراف عنها؛ فأجابه إلى ذلك؛ فرحل عن دمشق متوجها إلى حوّارين، في شهر رجب من سنة ثمان و سبعين.
و مضى إلى الرقة؛ و أقام فيها الدعوة للمصريين(1). و كان سعد الدّولة قد انتمى إلى المصريين؛ و أقام الدعوة لهم بحلب، في سنة ستّ و سبعين و ثلاثمائة، و وصلته خلع العزيز أبي المنصور، في شعبان من هذه السنة فلبسها.
و مات الأمير قرغويه بحلب في سنة ثمانين و ثلاثمائة.
ثم إنّ بكجور قوي أمره و استفحل؛ و أخذ إليه أبا الحسن عليّ بن الحسين المغربيّ؛ و استوزره لمباينة حصلت بينه و بين سعد الدّولة. و عاث على أعمال سعد الدّولة؛ و جمع إليه بني كلاب؛ و استغوى بني نمير؛ فبرز مضرب الأمير سعد الدولة، يوم السبت الثاني و العشرين من محرّم سنة إحدى و ثمانين، إلى ظاهر باب الجنان.
و سار يوم السّبت سلخ المحرّم، على أربع ساعات؛ و قد كان بكجور
1) لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ دمشق لابن القلانسي ص 50- 54.
سار إلى بالس، و حاصر من كان بها فامتنعوا عليه؛ فقصده سعد الدّولة، و التقوا على النّاعورة، في سلخ المحرّم من سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة.
و هزم بكجور، و هرب، و اختفى عند رحا القديمي(1)على نهر قويق، و بثّ سعد الدّولة الناس خلفه، و ضمن لمن جاء به شيئا وافرا، فظفر به بعض الأعراب، و أتى به إلى سعد الدولة، فضرب عنقه صبرا بين يديه، ببندر النّاعورة، و صلبه على سبع ساعات من يوم الأحد مستهلّ صفر.
و رحل سعد الدّولة يوم الثلاثاء إلى بالس فوجد بكجور قد أخرب ربضها، فأقام بها أربعة أيّام.
و رحل حتّى أتى الرقة، و بها حرم بكجور و أمواله و أولاده، فتلقّاه أهل الرّقة بنسائهم، و رجالهم، و صبيانم، فأقام بها بقيّة يومه.
و نزل أهل الرقة، فاحتاطوا بحرم بكجور و أولاده، فآمنهم سعد الدولة، في اليوم التّاسع من صفر، و تنجّزت أمورهم إلى يوم الخميس الثّاني عشر منه. و رضي عن أولاده، و اصطنعهم، و وهب لهم أموال بكجور، و حلف لهم على ذلك، فمدحه أبو الحسن محمد بن عيسى النّامي بقصيدة أوّلها:
غرائز الجود طبع غير مقصودو لست عن كرم يرجى بمصدود
1) تفاصيل ما أوجزه ابن العديم هنا متوفر عند ابن القلانسي ص 58- 65، و عنده« و وافى بكجور إلى رحا تعرف بالقيريمي على فرسخ من حلب مما يلي قنسرين».
و لمّا خرج أولاد بكجور بأموالهم و آلاتهم استكثرها سعد الدّولة، فقال له وزيره أبو الهيثم بن أبي حصين: «أنت حلفت لهم على مال بكجور، و من أين لبكجور هذا المال؟ بل هذه أموالك». فغدر بهم، و نكث في يمينه، و قبض مال بكجور إليه، و كان مقداره ثمانمائة ألف دينار، و صادر نواب بكجور، و استأصل أموالهم.
ثم عاد إلى حلب فأصابه الفالج في طريقه. و قيل: أصابه في طريقه قولنج فدخل إلى حلب، و عولج فبرىء. ثم جامع جارية له، فأصابه الفالج، و استدعى الطبيب، و طلب يده ليجسّ نبضه، فناوله اليسرى، فقال:
«اليمين» فقال: «ما أبقت اليمين يمين» يشير إلى غدره، و نكثه في اليمين التي حلفها لأصحاب بكجور.
و كان مبدأ علّته لأربع بقين من جمادى الأولى، و مات ليلة الأحد لأربع بقين من شهر رمضان من سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة و حمل في تابوت إلى الرّقة، و دفن(1)بها.
و كان قاضي حلب في أيامه أبا جعفر أحمد بن اسحاق قاضي أبيه؛ ثم ولي قضاءها رجل هاشميّ يقال له ابن الخشاب؛ ثم ولي الشّريف أبو عليّ الحسن بن محمد الحسيني والد الشّريف أبي الغنائم النسّابة؛ و كان زاهدا عالما ولاه سعد الدّولة قضاء حلب و عزل ابن الخشّاب عنه في سنة ثلاث و ستّين؛
1) في ابن القلانسي ص 67:« و حمل تابوته و دفن في المشهد ظاهرها» و المشهد هو للامام علي كرم اللّه وجهه و بعض شهداء صفين، و هو بجوار ما يعرف الآن بباب بغداد في مدينة الرقة.
و دام في ولايته إلى تسع و سبعين و ثلاثمائة؛ و ولي بعده أبو محمد عبيد اللّه بن محمد.
و كان العزيز أرسل إلى سعد الدولة يسأله إطلاق أولاد بكجور و تسييرهم إلى مصر فأهان الرسول، و لم يقبل الشفاعة، ورد عليه جواب متوعد متهدّد.
[عهد سعيد الدولة](1)
ثم إنّ غلمان سعد الدولة ملّكوا ابنه أبا الفضائل سعيدا؛ و لقبوه سعيد الدّولة؛ و نصبوه مكان أبيه في يوم الأحد. و صار المدبّر له و صاحب جيشه من الغلمان الأمير أبو محمد لؤلؤ الكبير السيفي، فاستولى على الأمور و زوّج ابنته سعيد الدولة، فرفع المظالم و الرسوم المقرّرة على الرعيّة من مال الهدنة. وردّ الخراج إلى رسمه الأوّل؛ وردّ على الحلبيين أملاكا كان اغتصبها أبوه و جدّه.
و طمع العزيز صاحب مصر في حلب؛ فاستصغر سعيد الدولة بن سعد الدولة، فكتب إلى أمير الجيوش بنجوتكين التركي؛- و كان أمير الجيوش واليا بدمشق من قبل العزيز- و أمره بالمسير إلى حلب و فتحها، فنزل في جيوش عظيمة، و مدّبر الجيش أبو الفضائل صالح بن عليّ الرّوذباري.
فنزل على حلب في سنة اثنتين و ثمانين و ثلاثمائة؛ و فتح حمص و حماة في طريقه، و حصر حلب مدة، فبذل له سعيد الدّولة أموالا كثيرة على أن يرحل عنه و على أن يكون في الطّاعة، و يقيم الدعوة، و يضرب السكّة باسم العزيز، و يكتب اسمه على البنود في سائر أعماله.
1) أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.
فامتنع من قبول ذلك و قاتل حلب ثلاثة و ثلاثين يوما، و ضجر أهل حلب فقالوا لابن حمدان: «إمّا أن تدبّر أمر البلد و إلا سلّمناه». فقال:
«اصبروا عليّ ثلاثة أيّام، فإنّ البرجي والي انطاكية قد سار إلى نصرتي في سبع صلبان»(1). فبلغ ذلك بنجوتكين، فاستخلف بعض أصحابه و هم: بشارة القلعي، و ابن أبي رمادة، و معضاد بن ظالم، في عسكر معهم كبير على باب حلب.
و سار فالتقى البرجي عند جسر الحديد، و بنجوتكين في خمسة و ثلاثين ألفا و الروم في سبعين ألفا، فانهزم البرجي؛ و أخذ بنجوتكين سواده و قتل من أصحابه مقتلة عظيمة، و أسر خلقا كثيرا(2).
فانحاز ابن أخت البرجيّ إلى حصن عمّ(3)، فسار بنجوتكين إلى «عمّ»، فقاتل حصنها، و فتحه بالسيف؛ و أسر منها ابن أخت البرجي، و والي الحصن، و ثلاثمائة بطريق، و حصل عنده ألفا فارس و غنم من «عمّ» مالا كثيرا، و أحرقها و ما حولها؛ و وجد في «عمّ» عشرة آلاف أسير من المسلمين فخرجوا و قاتلوا بين يديه.
و سار إلى أنطاكية فاستاق من بلدها عشرة آلآف جاموس، و من البقر
1) الصليب الراية لحملها شارة الصليب، و قصده هنا أنه توجه نحوه في سبع قطع عسكرية.
2) قدم ابن القلانسي ص 70- 71، تفاصيل زائدة على ما أوجزه ابن العديم.
3) عم الآن في تركيه و اسمها يني شهر، و هي مزرعة تتبع قضاء الريحانية لواء الاسكندرونه، تكثر فيها الينابيع التي تشكل بركة عم إلى الجنوب من مدينة الريحانية ب 3 كم. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
و المواشي عددا لا يحصى؛ و سار من ظاهر أنطاكية في بلاد الروم حتى بلغ مرعش؛ فقتل، و أسر، و غنم، و خرّب، و أحرق.
و عاد إلى عسكره على باب حلب المعروف بباب اليهود، و قاتلها من جميع نواحيها، و كان هذا في جمادى الأولى و جمادى الآخرة، فأقام على حلب إلى انقضاء سنة اثنتين و ثمانين و ثلاثمائة، و عاد إلى دمشق.
ثم إنّه عاد، و خرج من دمشق في سنة ثلاث و ثمانين و ثلاثمائة، و مدّبر الجيش أبو سهل منشا بن ابراهيم اليهودي القزّاز؛ فنزلوا شيزر و قاتلوها، و فتحوها، و أمّنوا سوسن الغلام الحمداني- و كان واليا بها- و جميع من كان معه.
و سار بنجوتكين إلى أفامية، فتسلمها من نائب سعيد الدولة ثم [سار] أمير الجيوش بمن انتخبه من العسكر إلى أنطاكية، فغنموا بقرا و غنما، و رماكا(1)و جواميس؛ و بلغوا نواحي بوقا، و قطعوا بغراس؛ و عاد العسكر إلى الرّوج(2)ثم إلى أفامية.
و سار إلى دمشق، و سيّر العزيز أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربيّ الكاتب، الذي كان وزيرا لسعد الدولة أبي المعالي مرة، و فارقه عن وحشة- و هو والد الوزير أبي القاسم بن المغربي- في المحرم من سنة أربع و ثمانين
و ثلاثمائة، من مصر إلى بنجوتكين ليجعله مدبّر جيشه و الناظر في أعمال الشام إن فتحت، لخبرته بتلك الناحية. و سار معه عسكر كثير فوصل إلى دمشق.
و سار منها بنجوتكين و ابن المغربي في ثلاثين ألف مقاتل، فوصلوا إلى ظاهر حلب في شهر ربيع الآخر، و ضيّق عليها بالحصار، فاستنجد سعيد الدولة و لؤلؤ بالروم، فخرج البطريق البرجيّ والي أنطاكية بعساكر الروم فنزل بالأرواج؛ على المقطعات على المخاض، و بثّ سراياه؛ و رتّب قوما يغيرون على أعمال حلب و يمنعون المتعلّفة.
و سار بنجوتكين فنزل مقابلهم، و سار عسكر حلب و فيهم الأمير رباح الحمدانيّ و كبار الحمدانية، فنزلوا مع الرّوم على مخاضة أخرى؛ فقطع المغاربة الماء، و عبروا إليهم، و أنفذ بنجوتكين العرب مع قطعة من عسكره للقاء الحلبيين؛ فحين أشرفوا عليهم انهزموا عن المخاضة، و نهبتهم العرب.
فحين شاهد الروم ذلك انهزموا، و تخلّوا عن البرجي؛ و اضطروه إلى الهزيمة؛ و تبعهم المغاربة مع بنجوتكين في يوم الجمعة لست خلت من شعبان سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة؛ فظفر بهم، و غنم الأموال و الرجال و الخيل التي لا تحصى؛ و قتل خلقا كثيرا، و أسر خلقا كثيرا من الروم، و سار فنزل على عزاز فأخذها.
ثم عاد إلى حصار حلب فبنى مدينة بازائها و شتى بها؛ و آثار العمارة التي تظهر حول نهر قويق هي آثار تلك العمائر؛ و لم يزل على حلب إلى أن انقضت سنة أربع و ثمانين؛ و كان حصارهم حلب أحد عشر شهرا، و أكلوا الخيل و الحمير.
و أنفذ أبو الفضائل سعيد الدولة و لؤلؤ: أبا عليّ بن دريس إلى باسيل ملك الروم بالقسطنطينية، يستنجدانه؛ و كانت له على حلب قطيعة تحمل إليه؛ و قالا له: «ما نريد منك قتالا دائما نريد أن تجفله».
فخرج باسيل في ثلاثة عشر ألفا، و عسكر بنجوتكين لا خبر معهم لباسيل فسير باسيل جواسيس، و قال لهم: «امضوا إلى العسكر، و أعلموهم بي». و كانت دوابّ أمير الجيوش بمرج أفامية، في الربيع؛ فلما أخبر الجواسيس عسكر أمير الجيوس بوصول باسيل إلى العمق(1)، ضرب جميع آلته بالنار، و رحل إلى قنّسرين، فصار هزيمة.
و جاء باسيل ملك الروم، فنزل موضعهم، فلم يمله؛ و كان قد خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم؛ و شكره على ما فعل من رحيل بنجوتكين، و معه هديّة جليلة القدر؛ فقبلها منه، ثم أعادها إلى حلب و وهب له القطيعة التي كانت له على حلب في تلك السنة، فقال قسطنطين لأخيه الملك باسيل: «خذ حلب؛ و الشام ما يمتنع منك». فقال: «ما تسمع الملوك أني خرجت أعين قوما فغدرت بهم». فقال له بعض أصحابه: «ليست حلب غالية بغدرة». فقال الملك: «بلى ولو أنها الدنيا»(2).
1) العمق سهل داخلي في لواء اسكندرونه يقع بين جبال حلب و سمعان و حارم شرقا، و جبال الأمانوس أو اللكام غربا، و بين اللجة و وادي نهر الأسود شمالا، و هضبة القصير جنوبا، يبلغ أقصى امتداد له 30 كم بين الشمال و الجنوب و 25 كم بين الشرق و الغرب، كان يشغل مستنقع العمق منه مساحة 22 ألف هكتار، و بحيرة أنطاكية 10 آلاف هكتار، و يجري بالسهل عدة أنهار. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
2) كان الامبراطور باسيل الثاني عندما سمع بأخبار حصار حلب معسكر بعيدا عن القسطنطينية- يحارب البلغار، فترك أرض المعركة، و حث الخطا نحو حلب بمن خف معه من قواته، فقطع مسافة ثلاثمائة فرسخ في ستة عشر يوما حتى وصل إلى حلب، حيث أخذ القوات الفاطمية على حين غرة و أجبرها على رفع الحصار و الانسحاب ... انظر كتابي إمارة حلب- ط. دمشق، دار الكتاب العربي ص 37.
و كان إذا خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم أقام لؤلؤ بحلب؛ و إذا خرج لؤلؤ أقام أبو الفضائل. و كان قد ضاق صدر أبي الفضائل لطول الحصار، و أراد تسليم حلب إلى بنجوتكين.
فتوجّع لؤلؤ فركب إليه أبو الفضائل يعوده، فحجبه ساعة، فشقّ عليه، و انصرف مغضبا فلحقه لؤلؤ و قال له: «ما كنت عليلا، و إنّما أردت أن أعلمك أنك متى مضيت إلى غير هذا البلد انك تحجب على أبواب الناس، و قد شقّ عليك أني حجبتك، و أنا عبدك، و البلد بلدك». فرجع إلى قول لؤلؤ.
و عصى رباح السيفيّ بالمعرّة على مولاه أبي الفضائل؛ فخرج إليه مع لؤلؤ في سنة ست و ثمانين، و انحاز إلى المغاربة، فخرج أبو الفضائل و لؤلؤ و حصراه مدة، فورد بنجوتكين لنجدته فانهزما و دخلا حلب.
و خرج بسيل إلى أفامية بعد وقعة جرت للروم مع المغاربة فجمع عظام القتلى من الروم، و صلّى عليهم و دفنهم، و سار إلى شيزر ففتحها بالأمان من المغاربة، و ذلك في سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة.
و سار ملك الروم إلى وادي حيران(1)، فسبى منه خلقا عظيما من
1) كذا بالأصل و أرجح أنها تصحيف حيلان، هذا و قال ياقوت: حيران: كأنه جمع حير، و هو مجتمع الماء، و اسم ماء ما بين سلمية و المؤتفكة، ذكره ابو الطيب المتنبي.
المسلمين؛ و خرج إليه أبو الفضائل من حلب إلى شيزر، فأكرمه و قال له:
«قد وهبت لك حلب». و وهب لأبي الفضائل في جملة ما وهبه سطيل ذهب، و قال له: «اشرب بهذا».
و مات أبو الفضائل سعيد الدّولة، ليلة السبت النصف من صفر سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة، سقته جارية سما، فمات. و قيل: إنّ لؤلؤ دسّ عليه ذلك و على ابنته زوجة أبي الفضائل، فماتا جميعا.
و كان قاضي حلب في أيامه عبيد اللّه بن محمد بن أحمد القاضي أبا محمد.
و ملّك لؤلؤ السيفي ولديه:
أبا الحسن عليا و أبا المعالي شريفا ابني سعيد الدولة. و استولى لؤلؤ على تدبير ملكهما، و ليس إليهما شيء.
و خاف لؤلؤ على حصن كفر روما(1)
معجم البلدان.
، و حصن عار، و حصن أروح، أن يقفز(2)فيها، فهدمها جميعا سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة.و أحب لؤلؤ التفرد بالملك، فسيّر أبا الحسن و أبا المعالي ابني سعيد الدولة عن حلب إلى مصر مع حرم سعد الدولة، في سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة. و حصل الأمر له ولولده مرتضى الدولة أبي نصر منصور بن لؤلؤ.
و قبض لؤلؤ على أحمد بن الحسين الأصفر بخديعة خدعه بها؛ و ذلك أنه طلب أن يدخل إليه إلى حلب، و أوهمه أن يصير من قبله؛ فلما حصل عنده قبض عليه، و جعله في القلعة مكرما، لأنه كان يهوّل به على الروم(1).
و كان هذا الأصفر قد عبر من الجزيرة إلى الشام مظهرا غزو الروم(2)، فتبعه خلق عظيم، و كان يكون في اليوم في ثلاثين ألفا ثم يصير في يوم آخر في عشرة آلاف و أكثر و أقل.
و نزل على شيزر و طال أمره فاشتكاه باسيل ملك الروم إلى الحاكم، فسيّر إليه والي دمشق في عسكر عظيم فطرده عنها؛ و دام الأصفر معتقلا في قلعة حلب إلى أن حصلت للمغاربة في سنة ست و أربعمائة.
و توفي قاضي حلب أبو طاهر صالح بن جعفر بن عبد الوهاب بن أحمد الصالحي الهاشمي(3)، مؤلف كتاب «الحنين إلى الأوطان»، في سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة. و كان فاضلا؛ و أظن أنّ ولايته القضاء كانت بعد أيام سعيد الدولة، بعد القاضي أبي محمد عبيد اللّه بن محمد بن أحمد.
1) من أنواع المهدي المنتظر، و ظهر هذا بين قبائل حلب سنة 394/ 1003 م و دعا إلى الجهاد ضد الروم، مما سبب اضطرابا في الأراضي البيزنطية، فأوعز الامبراطور باسيل الثاني إلى لؤلؤ بالقبض عليه فغرر به و تخلص منه. انظر كتابي امارة حلب ص 36.
2) كان هناك أصفر آخر نشط في أراضي الجزيرة و قد قبض عليه نصر الدولة ابن مروان حاكم ميافارقين. إمارة حلب ص 36.
3) له ترجمة في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج 12 ص 32.
و ولّى لؤلؤ قضاء حلب في هذه السنة أبا الفضل عبد الواحد بن أحمد بن الفضل الهاشمي.
و توفي لؤلؤ الكبير بحلب في سلخ ذي الحجة من سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة. و قيل: ليلة الأحد مستهل المحرّم سنة أربعمائة؛ و دفن بحلب، في مسجده المعروف به، فيما بين باب اليهود و باب الجنان؛ و كانت داره القصر بباب الجنان؛ و له منها إلى المسجد سرب يدخل فيه إلى المسجد، فيصلي فيه.
و كان لؤلؤ يعرف بلؤلؤ الحجراجي(1)و يعرف بذلك لأنه كان مولى حجراج، أحد غلمان سيف الدولة؛ فأخذه منه و سمّاه لؤلؤ الكبير. و كان عاقلا، محبا للعدل، شهما؛ و ظهرت منه في بعض غزوات سيف الدولة شهامة، فتقدّم على جماعة رفقته من السيفية و السعدية.
1) في أخبار الدولة المنقطعة- الدولة الحمدانية- ص 57: لؤلؤ الحمداني، لؤلؤ الجراحي.
[عهد منصور بن لؤلؤ](1)
و تقرّرت إمارة حلب بعده لابنه:
أبي نصر منصور بن لؤلؤ و لقّب مرتضى الدولة.
و كان ظالما عسوفا، فأبغضه الحلبيّون و هجوه هجوا كثيرا فمما قيل فيه:
لم تلقّب و إنّما قيل فألامرتضى الدّولة التي أنت فيها
و سيّر مرتضى الدولة ولديه أبا الغنائم و أبا البركات إلى الحاكم وافدين عليه، فأعطاهما مالا جسيما؛ و أقطعهما سبع ضياع في بلد فلسطين، و لقّب أباهما مرتضى الدولة، و كان ذلك قبل موت لؤلؤ بسنة(2).
و كان لسعد الدولة بن سيف الدولة بحلب ولد يقال له أبو الهيجاء، و كان قد أوصى سعد الدولة لؤلؤا لما مات به؛ فلما أن ملك لؤلؤ خاف منه، و ضيّق عليه لؤلؤ و مرتضى الدولة؛ و كان قد صاهر ممهد الدّولة أبا منصور أحمد بن مروان صاحب ديار بكر على ابنته؛ و أظن ذلك كان في أيام أبيه.
فخاف أبو الهيجاء من لؤلؤ و ابنه مرتضى الدولة، فتحدّث مع رجل نصراني يعرف بملكونا كان تاجرا و بزّازا لمرتضى الدولة، فأخرجه من حلب هاربا، و التجأ إلى ملك الروم فلقبه الماخسطرس.
فلما كثر ظلم منصور و عسفه رغب الرعية و بنو كلاب المتدبّرون ببلد حلب في أبي الهيجاء بن سعد الدولة؛ و كاتبوا صهره ممهّد الدّولة ابن مروان في مكاتبة باسيل ملك الروم في إنفاذه إليهم.
فأنفذ إلى الملك يسأله تسيير أبي الهيجاء إليه ليتعاضدا على حلب، و يكون من قبله من حيث لا يكلفه إنجاده برجال و لا مال.
فأذن باسيل لأبي الهيجاء في ذلك، فوصل إلى صهره بميّافارقين، فسيّر معه مائتي فارس و خزانه؛ و كاتب بني كلاب بالانضمام إليه.
و سار قاصدا حلب في سنة أربعمائة فخافه منصور، و رأى أن يستصلح بني كلاب و يقطعهم عنه، لتضعف منّته؛ فراسلهم و وعدهم بإقطاعات سنية؛ و حلف لهم أن يساهمهم أعمال حلب البرّانيّة.
و استنجد مرتضى الدولة بالحاكم، و شرط له أن يقيم بحلب واليا من قبله، فأنفذ إليه عسكر طرابلس مع القاضي عليّ بن عبد الواحد بن حيدرة قاضي طرابلس، و أبي سعادة القائد والي طرابلس، في عسكر كثيف فالتقوا بالنقرة.
و تقاعد العرب عن أبي الهيجاء لما تقدّم من وعود مرتضى الدولة لهم،
فانهزم أبو الهيجاء راجعا إلى بلد الروم و نهبت خيامه و جميع ما كان معه.
ثم دخل إلى القسطنطينية فأقام بها إلى أن مات(1).
و كان الحاكم قد كتب لمنصور بن لؤلؤ في شهر رمضان من سنة أربع و أربعمائة سجلا، و قرىء في القصر بالقاهرة، بتمليكه حلب و أعمالها؛ و لقّب فيه بمرتضى الدولة.
و كان في قلعة عزاز غلام من غلمان مرتضى الدولة فاتهمه في أمر أبي الهيجاء، فطلب مرتضى الدولة منه النزول فلم يفعل، و خاف منه و قال:
«ما أسلّمها إلا إلى القاضي ابن حيدرة» فسلمها إليه.
و كتب القاضي فيها كتابا إلى الحاكم، و سلّمها إلى مرتضى الدولة، فنقم عليه، و قتله بعد ذلك.
و أما أبو الهيجاء فأقام بالروم إلى أن مات.
و عاد قاضي طرابلس إلى منصور يطلب منه ما كان وعده به، فدافعه، فرجع إلى طرابلس خائبا ..
و كان أبو المعالي بن سعيد الدولة بمصر، فسيّره الحاكم بعساكر المغاربة إلى حلب، فوصل معرّة النّعمان في سنة اثنتين و أربعمائة؛ و أرادت العرب الغدر به، و بيعه من مرتضى الدولة، لأنهم أغاروا. و ركب يريدهم، فأخذه مضيء الدولة نصر اللّه بن نزّال وردّه إلى العسكر، و رجع فمات بمصر(2).
[قيام الدولة المرداسية](1)
و أما بنو كلاب فانهم طلبوا من مرتضى الدولة ما شرطه لهم من الإقطاع، فدافعهم عنه، فتسلطوا على بلد حلب، و عاثوا فيه، و أفسدوا، و رعوا الأشجار و قطعوها، و ضيّقوا على مرتضى الدولة، فشرع في الاحتيال عليهم، و أظهر الرغبة في استقامة الحال بينهم و بينه و طلبهم أن يدخلوا إليه ليحالفهم و يقطعهم و يحضروا طعامه، و اتخذ لهم طعاما.
فلما حصلوا بحلب مدّ لهم السماط و أكلوا و غلّقت أبواب المدينة، و قيّد الأمراء: و فيهم صالح بن مرداس، و فيهم أبو حامد و جامع ابنا زائدة.
و جعل كبار الأمراء بالقلعة، و من دونهم بالهري. و قتل منهم أكثر من ألف رجل، و ذلك لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة اثنتين و أربعمائة(2).
فجمع مقلّد بن زائدة من كان من بني كلاب خارج حلب، و أجفل بالبيوت، و نزل بهم كفر طاب و قاتلها، فرماه ديلميّ اسمه بندار فقتله، في
أوائل سنة ثلاث و أربعمائة. و كان مرتضى الدولة قد أخرج أخويه أبا حامد و جامعا و غيرهما؛ و جعلهم في حجرة، و جعل فيها بسطا، و أكرمهم لأجل مقلّد. فلما جاءه خبر قتله أنفذ إليهم يعزّيهم به فقال بعضهم لبعض: «اليوم حبسنا».
و سيّر مرتضى الدّولة إلى صالح بن مرداس، و هو في الحبس، و ألزمه بطلاق زوجته طرود، و كانت من أجمل أهل عصرها؛ فطلّقها، و تزوجها منصور، و هي أم عطية بن صالح، و إليها ينسب مشهد طرود، خارج باب الجنان، في طرف الحلبة. و به دفن عطية ابنها؛ و مات أكثر المحبّسين بالقلعة في الضرّ، و الهوان، و القلة، و الجوع.
و كان مرتضى الدولة في بعض الأوقات إذا شرب يعزم على قتل صالح، لحنقه عليه من طول لسانه، و شجاعته. فبلغ ذلك صالحا، فخاف على نفسه، و ركب الصعب في تخليصها؛ و احتال حتى وصل إليه في طعامه مبرد؛ فبرد حلقة قيده الواحدة، و فكّها و صعبت الأخرى عليه، فشدّ القيد في ساقه، و نقب حائط السجن؛ و خرج منه في اللّيل؛ و تدلّى من القلعة إلى التلّ، و ألقى نفسه فوقع سالما ليلة الجمعة مستهل المحرم سنة خمس و أربعمائة.
و استتر في مغازة بجبل جوشن، و كثر الطلب له و البحث عنه، عند الصباح؛ فلم يوقف له على خبر، و لحق بالحّلة؛ و اجتمعت إليه بنو كلاب؛ و قويت نفوسهم بخلاصه، و بعد ستة أيام ظفر صالح بغلام لمنصور كان قد
أعطاه سيف صالح، فاستعاده منه و أيقن بالظفر، و تفاءل بذلك(1).
و لما كان في اليوم العاشر من صفر نزل صالح بتلّ حاصد(2)من ضياع النقرة يريد قسمتها، بعد أن جمع العرب و استصرخهم؛ و كان يعلم صالح محبة مرتضى الدولة لتل حاصد.
فحين علم منصور بنزول صالح على تلّ حاصد، رأى أن يعاجله قبل وصول المدد إليه، فجمع جنده، و حشد جميع من بحلب من الأوباش، و السّوقة، و النّصارى، و اليهود؛ و ألزمهم بالسّير معه إلى قتال صالح؛ فخرجوا ليلة الخميس ثاني عشر صفر من سنة خمس و أربعمائة.
و بلغني: أنّ مرتضى الدّولة لما وصل إلى جبرين(3)تطيّر و قال: جبرنا؛ فلمّا وصل بوشلا(4)قال: شللنا؛ فلمّا وصل تلّ حاصد قال: حصدنا.
و أصبح عليهم يوم شديد الحرّ فماطلهم صالح باللّقاء، إلى أن عطش العوام و جاعوا؛ و سيّر جاسوسا إلى العسكر فجاء و أخبره أنّ معظم عسكره
1) المرجح أن هروب صالح تمّ على غير هذه الصورة، و أن الأمر دبّر مع متولي قلعة حلب أو سواه. انظر إمارة حلب ص 45.
2) في منطقة السفيرة- محافظة حلب، قرية اسمها الآن تل حاصل واقعة شمال جبل الأحص، فلعلها هي التي عرفت من قبل باسم تل حاصد. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
3) جبرين مزرعة قرب حلب تبعد عنها مسافة 8 كم نحو الشرق. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
4) في منطقة أريحا- محافظة ادلب- معلم أثري اسمه« بشلله»، فلعله المقصود هنا، المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
من اليهود، و النّصارى؛ و أنّه سمع يهوديا يقول لآخر بلغتهم: «والك حفيظه اطعزه و اتأخّر، و إيّاك يكون خلفه آخر يطعزك بمطعازه، يخعّب بيتك للدّواغيث»(1).
فقوي طمع صالح فيهم، و حمل عليهم فكسرهم؛ و أسر مرتضى الدّولة و سالم بن مستفاد، أبا المرجّا(2)الحمدانيّ، و خلقا غيرهما.
و قتل جمع كثير من العسكر و مقدار ألفي راجل من العوام؛ و آثار عظامهم إلى اليوم مدفونة في أرجام حجارة شبيهة بالتلال، فيما بين تلّ حاصد و بوشلا.
و انهزم أبو الجيش و أبو سالم أخو مرتضى الدّولة؛ و قصد القلعة فضبطها أبو الجيش المفلول، و ضبط البلد أخوه أبو الجيش و أمّه.
و حدّث بنو كلاب أنّهم لم يروا و لم يسمعوا بأشجع من مرتضى الدّولة، و أنه لو لم يقف به الحصان ما وصلو إليه، و أنّه لما وقف به الحصان لم يقدم عليه أحد حتى جاءه صالح، فقال: «إليّ يا مولانا». فرمى السّيف من يده؛ فلما رماه تقرّبوا منه؛ و أخذه صالح فقيّده بالقيد الذي كان في رجله.
و كان بين هرب صالح و أسره مرتضى الدّولة أحد و أربعون يوما.
و رأى صالح أنّه لا قدرة له على أخذ البلد لضبطه بأبي الجيش، فرأى
أن يوقع الصلح؛ فتراسلوا في ذلك؛ و أشركوا أبا الجيش في تقرير ذلك؛ فخرج مشايخ من أهل حلب من أبي الجيش في حديث الصلح و تقريره.
فلما وصلوا إلى صالح سلّموا عليه غير هائبين له و لا مبجّلين، لقرب عهدهم برؤيته أسيرا حقيرا؛ و كلّموه بكلام جاف؛ و راددوه في شروط شرطها عليهم؛ فأحسّ منهم بذلك، فقال لهم: «قبل أن نتفرق بيننا أمر، اجتمعوا بأميركم، و شاوروه فيما تتحدثون به معي من الشروط».
قال: فقاموا، و دخلوا على مرتضى الدّولة، و فيهم الشاهدان اللّذان شهدا على صالح بطلاق طرود، فوجدوا مرتضى الدّولة على أقبح صورة مكشوف الرأس، على قطعة من كساء خلق، و القيد قد أثّر في ساقيه فاحتقروه؛ و عظم صالح في أعينهم؛ فهنأوه بالسّلامة؛ فقال: «سلامة العطب أصلح منها»؛ ثم قال: «إنّ الأمير صالح يطلب منّي طلاق طرود، فاشهدوا عليّ أنها طالق؛ و يطلب منّي تسليم حلب؛ و لست الآن مالكها، فدبّروا الأمر على حسب ما ترونه و يستصوبه أخي أبو الجيش، الذي هو الآن المستولي على القلعة و المدينة».
فلم يزالوا يتردّدون بينهما؛ و يدخلون إلى حلب، و يشاورون أبا الجيش إلى أن استقرّ الأمر مع صالح بعد التضرّع إليه و سؤاله باللّطف في كلام خلاف ما بدأوه به على أن يطلق منصور؛ على أن يحمل إليه خمسين ألف دينار عينا؛ و مائة و عشرين رطلا بالحلبيّ فضة؛ و خمسمائة قطعة ثياب أصنافا مختلفة؛ و يطلق جميع من في الحبوس من بني كلاب و حرمهم؛ و أن يقاسمه
باطن حلب و ظاهرها شطرين؛ و يجعل ارتفاع ذلك نصفين؛ و أن يزوجه مرتضى الدولة بابنته.
فأجاب إلى ذلك و وقعت اليمين عليه؛ و أخرج إلى صالح أمه بجيلا، و زوجته أم الكرم ابنة رباح السّيفي، و أولاده منها: أبا الغنائم، و أبا علي، و أبا الحسن، و أبا البركات، رهائن على المال.
و أطلق مرتضى الدّولة فدخل إلى حلب يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة خمس و أربعمائة، فلمّا حمل المال إلى صالح، خلّى سبيل الرهائن؛ و باع كلّ واحد من العرب ما حصل في يده من الغنيمة و الأسارى من الجند و غيرهم من الرعيّة المسلمين و أهل الذّمة لأهاليهم بما اتفق؛ و استغنى العرب و قويت شوكتهم.
و لما حصل منصور إلى حلب عاد إلى عادته الأولى في الغدر، و منع صالحا ما صالحه عليه من ارتفاع البلاد و التزوّج بابنته؛ فضيّق صالح عليه، و حاربه، و منع الميرة أن تدخل إليه حتى ضاقت على الرّعيّة فكرهوه(1).
و انضاف إلى ذلك أنه وقعت التّهمة بين مرتضى الدّولة و بين غلامه فتح القلعي- و كان والي القلعة- في العاشر من شهر رجب من سنة ست؛ فاتهمه بأنّه هو الذي هرّب صالحا، و تتابع لومه له، و قال: لولا قلّة تحفّظه و تضجيعه
1) تطور الصراع بين صالح بن مرداس و منصور بن لؤلؤ، إلى درجة عرضه على الامبراطور البيزنطي باسيل الثاني. انظر امارة حلب من 45- 47.
في الاحتياط على صالح لما هرب من السّجن؛ و هذه المحن كلّها بسببه.
و تواعده.
و عزم على أن يوّلي قلعة حلب صاحبا له يعرف بسرور، فأسرّ ذلك إليه؛ فنمّ الخبر من سرور إلى رجل يقال له ابن غانم صديق لفتح، فأطلعه على ذلك؛ فخاف فتح القلعيّ منه، فوافق المقيمين معه على العصيان؛ فأجابوه إلى ذلك.
و طلب نزوله فتعلّل، و أخذ حذره منه؛ ثم كاشفه بالعصيان؛ فصعدت إليه بجيلا والدة مرتضى الدولة و عنّفته، فلم يصغ إلى قولها، فقالت له: «كيف تفعل هذا مع ابن سيدك؟»- لأنه كان مولى لؤلؤ السّيفي- فقال: «كما فعل هو و أبوه بأولاد سيّده»- يعني بولدي سعد الدّولة أبي الفضائل و أبي الهيجاء-.
ثم أنفذ فتح إليه و قال له: «إمّا أن تخرج من حلب، و إلا سلمت القلعة إلى صالح». فبينا مرتضى الدولة في قصره سنة ست و أربعمائة، إذ ضربت البوقات و الطبول على القلعة، و صاح من فيها: «الحاكم يا منصور؛ صالح يا منصور» فظنّ منصور أن صالحا قد حصل في القلعة، ففتح باب الجنان؛ و هرب هو و أخوه و أولاده، و من تبعه من غلمانه إلى أنطاكية؛ و أخذ معه ما قدر على حمله من المال.
فلما علم أهل حلب بخروجه قصدوا داره؛ فأخذوا منها من الذّهب و الفضّة و المراكب و الأثاث ثمانين ألفا من الدّنانير.
و أخذ في جملة ما نهب له ثمانية و عشرون ألفا من الدّفاتر المجلّدة، و كانت مفهرسة بخطّه في درج؛ و نهبوا دور إخوته و دور بعض النّصارى و اليهود(1).
و وصل مرتضى الدّولة إلى أنطاكية لخمس بقين من شهر رجب، فطالع قطبان(2)أنطاكية الملك باسيل بهرب منصور إليه؛ فأنفذ إليه يأمره باكرامه، و أن يواصلة براتب و إقامة، و كذلك برزق أجناده و أصحابه؛ ففعل ذلك، و كان جملتهم سبعمائة رجل من فارس و راجل؛ و أن لا ينقصه في المخاطبة و الكرامة من الرسم الذي كان يخاطبه به في أيّام امارته، و أمر أن يلقّب بالماخسطرس.
و استدعى الملك إخوته و ابنيّه: أبا الغنائم، و أبا البركات؛ فخلع عليهم؛ و أنفذ على أيديهم توقيعا باقطاع عدّة ضياع له و لهم؛ و كان من جملتها شيح ليلون(3)فعمر مرتضى الدولة حصنها، و سكن فيه ليقرب عليه ما يحتاج إلى معرفته من أمور حلب.
أما مرتضى الدولة فانه عمر إلى أن قدم أرمانوس من القسطنطينية؛ و نزل على تبّل في سنة إحدى و عشرين و أربعمائة، و كان معه إذ ذاك، و توفي بعد ذلك(4).
1) بهذه الواقعة انتهى حكم الدولة الحمدانية فعليا من حلب، و يعتقد أن للخلافة الفاطمية دورها في عصيان فتح على منصور بن لؤلؤ. امارة حلب ص 48- 50.
2) Catapan أي حاكم.
3) هي في بغية الطلب ج 1 ص 233« شيخ اللون»، في منطقة أنطاكية.
4) سترد أخبار حملة الامبراطور رومانوس الثالث على حلب بعد مقتل صالح بن مرداس.
[الحكم الفاطمي لحلب](1)
و أما فتح القّلعي أبو نصر فإنه نادى بشعار الحاكم صاحب مصر؛ و صالح صالح بن مرداس على نصف الارتفاع ظاهرا و باطنا؛ و سلّم إليه حرم منصور و حرم إخوته و أولاده، ليسيّرهم إلى ابن لؤلؤ إلى أنطاكية؛ و في الجملة بنته التي وعده أن يزوّجه بها؛ فأخرجهم صالح إلى الحلّة و ضبط عنده بنته التي وعده بتزويجها منه؛ و دخل إليها و أنفذ إليه بقيّة الحرم.
و تسلّم صالح الأعمال و الضّياع التي تقرّر مع ابن لؤلؤ أن يدفعها إليه. و استدعى والي أفامية أبا الحسن عليّ بن أحمد العجميّ المعروف بالضّيف، فأنزله بالمدينة بالقصر بباب الجنّان، في أوائل شعبان من سنة ست و أربعمائة.
و بقي «فتح» بالقلعة فأحسن «الضّيف» السيرة؛ وردّ على الحلبيّين ما كان قد اغتصبه سيف الدولة و ولده من أملاكهم؛ و بالغ في العدل(2).
و كاتب «فتح» الحاكم يخبره بما فعل، فوردت مكاتبة الحاكم إليه يتضّمن شكره على ما فعل، و لقّبه مبارك الدولة و سعيدها.
و كتب إلى أبي الحسن الضّيف يأمره بمعاضدته، و لقّبه سديد الدولة، و كتب إلى صالح بن مرداس يأمره بالاتفاق معهما، و لقّبه أسد الدولة.
و كتب لأهل حلب توقيعا باطلاق المكوس و المظالم، و الصفح عن الخراج؛ و هو عندي متوّج بعلامة الحاكم عليه: «الحمد للّه ربّ العالمين». و نسخته:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
هذا من أمر الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين لجميع أهل حلب و أعمالها ..
إنّه لمّا انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنتم فيه من الظلمة المدلهمّة، و قبيح ظفر(1)من يتولّى أموركم في المعاملات و زيادتهم عليكم في الخراج و الجبايات، إضعافا لكم، و عدولا عن سنن الحقّ بكم، أمر- زاد اللّه أمره علوا و نفاذا- بإطلاق المؤن من داركوره و نظائرها؛ و الصّفح عن الواجب عليكم من مال الخراج لاستقبال سنة سبع و أربعمائة، لتعلموا أن ضياء الدّولة النّبويّة قد لمع و ظهر، و أنّ حندس الظلام قد انجاب و دثر».
و ذكر تمامه.
1) كذا بالأصل، و أراها تصحيف« نظر».
و وصل من قبل الحاكم والي طرابلس مختار الدولة ابن نزال الكتامي؛ و والي صيدا مرهف الدّولة بجكم التركي؛ و كانوا جميعا في البلد من قبل الحاكم.
ثم كتب الحاكم إلى حسّان بن المفرّج بن الجرّاح الطائي(1)و عشيرته، و سنان بن عليان الكلبيّ و عشيرته(2)، بالاحتياط على حفظ حلب، و أتبع ذلك بمكاتبة إلى «فتح»، يمنّيه و يعده الجميل إذا سلّم القلعة. فأجاب إلى تسليمها؛ و أخذ جميع ما كان بها من الذّخائر لمنصور من عين، و ورق، و متاع، و سلاح.
و كتب بولاية صور، فسلّم القلعة إلى الأمير عزيز الدولة أبي شجاع فاتك، في شهر رمضان من سنة سبع و أربعمائة(3). و كان الحاكم قد خلع عليه في جمادى الأولى من سنة سبع و أربعمائة. و حمله على عدة من الخيل بسروج محلاة بذهب مصفّحة؛ و قلّده سيفا و منطقه بمنطقة و سيّره إلى حلب.
و توجّه «فتح» إلى صور. و ولّى «الضّيف» بحلب في سنة سبع
1) لحسان بن المفرج ترجمة في بغية الطلب ص 2239- 2241.
2) سترد بعد قليل أخبار الحلف الثلاثي فيما بين صالح بن مرداس و سنان بن عليان، و حسان بن المفرج ضد الخلافة الفاطمية.
3) بهامش الأصل: مطلب:« و قد كان صالح راسل فتحا و أشار عليه أن يقيم بالقلعة و يكون هو خارج حلب و أن نتفق على إخراج المغاربة من حلب و الاجتماع على حفظها. فعلم أهل حلب بذلك فاجتمعوا تحت القلعة، و قالوا: ما نريد إلا المغاربة، و لا رغبة لنا في البادية. و صارت فتنة، فكتب الضيف إلى الحاكم يطلب منه أن يمده بالعساكر لتقوى يده على صالح؛ فسيّر إلى ولاة البلاد يأمرهم بالتوجه إليه ه.».
و أربعمائة، حين تولّى، القاضي أبا جعفر محمد بن أحمد السمناني الحنفي القضاء بحلب.
و كان عزيز الدولة أرمنيا لبنجوتكين مولى العزيز صاحب مصر. و كان بنجوتكين شديد الشّغف به؛ و كان أديبا عاقلا، كريما، كبير الهمّة. فولاه الحاكم حلب و أعمالها؛ و لقّبه أمير الأمراء، عزيز الدولة، و تاج الملّة. و دخل حلب يوم الأحد الثاني من شهر رمضان من سنة سبع و أربعمائة.
و كان محبّا للأدب و الشّعر. و صنّف له أبو العلاء بن سليمان «رسالة الصّاهل و الشّاحج» و «كتاب القائف».
و فيه يقول القائد أبو الخير المفضّل بن سعيد العزيزيّ شاعره يمدحه، و يذكر و قود قلعة حلب ليلة الميلاد، و كان الغيم قد ستر النجوم:
ابق للمعروف و الأدبآمنا من صولة النّوب
يا عزيز الدّولة الملك المنتضى للمجد و الحسب
كيف يخشى الدّين حادثةو عزيز الدّين في حلب
سدّ منه ثغرها بفتىلا يشوب الجدّ باللّعب
أضرم العنقاء قلعتهفبدت في منظر عجب
لزّت الأرض السّماء بهافثنت كشحا على وصب
و رمتها بالشرار كمارمت الغبراء بالشّهب
أوقدت تحت الغمام فمايلقها من مزنة يذب
سخنت حوض الحيا فهمىبجحيم عنه منسكب
لو تدوم النّار نشّفهحرّ ما يلقى فلم يصب
طلعت شمس النّهار بهاو الدّجى مسدولة الحجب
فلو أنّ النار لاحقةبالنّجوم الزّهر من كثب
حكت الشّماء غانيةحلّيت بالدّر و الذّهب
حاربتها الريح فاضطّرمتغضبة من شدّة الغضب
جاذبتها في تغيّظهاشعلا محمرّة العذب
يا أمير الآمرين و يامستجار القصد و الطّلب
قد نفيت اللّيل عن حلبنفي مظلوم بلا سبب
و تركت الشّمس حائرةفي دجى الظّلمأء لم تغب
و عزيز الدولة هذا، هو الذي جدّد القصر تحت قلعة حلب؛ و تناهى في عمارته؛ و حمّام القصر كانت له، و جعله ملاصقا لسفح القلعة؛ و قصد بعمارته قربه إلى القلعة، خوفا مما جرى لمرتضى الدولة. و كان متّصلا بالقلعة و هو الذي أمر بعمارة القناديل الفضّة للمسجد الجامع، و هي باقية إلى الآن و اسمه عليها.
و كلّف عزيز الدولة أسد الدّولة صالح بن مرداس أن يحمل والدته إلى حلب، لتسكن الأنفس و يعلم العوامّ التئام الكلمة و التضافر على الأعداء، ففعل ذلك في سنة ثمان و أربعمائة.
ثم إنّ عزيز الدولة تغيّر عليه الحاكم فعصى عليه، و ضرب الدينار و الدّرهم باسمه بحلب، و دعا لنفسه على المنبر، فأرسل الحاكم إلى الجيوش، و أمرها أن تتجهزّ إليه في سنة إحدى عشرة و أربعمائة.
فلما بلغ عزيز الدولة ذلك أرسل إلى باسيل ملك الرم يستدّعيه ليسلّم إليه حلب، فخرج باسيل الملك؛ فلمّا بلغ موضعا يعرف بمرج الدّيباج(1)، بلغ عزيز الدولة وفاة الحاكم، فأرسل إلى باسيل يعلمه أنّه قد انتقض ما كان بينهما من الشرّط، و أنّه إن ظهر كان هو و بنو كلاب حربا له.
فعدل باسيل إلى مناز كرد(2)فأخذها من الخزر، و كان الناس قد أجفلوا من ملك الرّوم إلى حلب؛ فكانت هذه الجفلة تسمى جفلة عزيز الدولة لأنها بسببه.
و لما اطمأن عزيز الدّولة بموت الحاكم، و وصلته من الظّاهر الخلع من مصر؛ و دخل غلام له يدعى تيزون، و كان هنديا؛ و كان يميل إليه؛ و دخل في أوّل الليل عليه، و هو نائم في المركز، و في يده سيف مجرّد مستور في كمّه ليقتله، فوجد صبيا من رفقته يغمزه فلما رآه الصبيّ حرّك مولاه ليوقظه، فبادر الهندي، و ضربّ عزيز الدولة فقتله، وثّنى بالصبيّ، و قتل الهندي. و ذلك كله لأربع ليال خلت من شهر ربيع الآخر، سنى ثلاث عشرة و أربعمائة(3).
و عمل شاعره المفضّل بن سعيد:
لحمامه المقضيّ ربّى عبدهو لنحره المفريّ حدّ حسامه
1) واد عجيب المنظر نزه بين الجبال، بينه و بين المصيصة عشرة أميال. معجم البلدان.
2) بلد مشهور قرب خلاط، كان يعد في أرمينية، ليس بعيدا عن بحيرة وان و فيه ستحصل المعركة الحاسمة بين السلطان ألب أرسلان و الامبراطور البيزنطي رومانوس دايجينس.
3) عالجت ملابسات اغتيال عزيز الدولة في كتابي إمارة حلب ص 52- 54، و يبدو أنه كان للخلافة الفاطمية دورها الكبير.
و كان الوالي بالقلعة، من قبل عزيز الدولة، أبا النجم بدرا التركيّ مملوكا كان لبنجوتكين مولى عزيز الدولة فاتك؛ و كانت بينهما في أيام بنجوتكين صداقة و مودّة بحكم المرافقة(1).
فلما تقدّم عزيز الدّولة قرّبه و اصطفاه، و ولاه القلعة بحلب من قبله.
و قيل: إنه مملوك لعزيز الدّولة، و يعرف ببدر الكبير. و قيل: إنّه هو الذي حمل تيزون على قتل عزيز الدّولة؛ فلما قتل استولى على البلد، يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة و أربعمائة، و لقّب وفيّ الدولة و أمينها.
و كان كاتب بدر رجلا يقال له ابن مدبّر إلى أن وردت العساكر المصرية من جهة الظّاهر؛ و زعيمها سديد الدولة علي بن أحمد الضّيف؛ فتسلّم حلب من وفيّ الدّولة بدر.
و لما دخل الضّيف على بدر بكتاب الظّاهر، لطف به، و استرسل إليه، و طرح القيد في رجله، و قبض عليه، و انزله من القلعة، و تسلّمها منه، فسلّمها إلى صفيّ الدّولة أبي عبد اللّه محمد ابن وزير الوزراء أبي الحسن عليّ بن جعفر بن فلاح الكتاميّ، يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة و أربعمائة.
و كان صفيّ الدولة هذا شاعرا أديبا؛ و أبوه عليّ وزر للحاكم؛ و جدّه جعفر بن فلاح أحد قواد المصريين؛ و وليت القلعة يمن الدّولة سعادة الخادم
1) بهامش الأصل:« و أظن أن عزيز الدولة ولىّ قضاء حلب في أيامه أبا علي أحمد بن أبي ابراهيم الشريف الحسيني، و أقطعه اللجينة و اللّه أعلم».
المعروف بالقلانسيّ، و كان خادما بلحية بيضاء؛ و كان من أفاضل المسلمين؛ فيه الدّين و العلم؛ و جعل الظّاهر في المدينة واليا، و في القلعة واليا خوفا أن يبدو من والي حلب ما بدا من عزيز الدّولة فاتك.
و عزل صفيّ الدولة بن فلاح عن حلب، يوم الاثنين النصف من المحرّم سنة أربع عشرة و أربعمائة.
و ولّى حلب الأمير سند الدولة أبو محمد الحسن بن محمد بن ثعبان الكتامي الجيمليّ، و كان و أهله من وجوه كتامة، و كان واليا بحصن أفامية. و هو الذي كتب إليه أبو العلاء بن سليمان «الرسالة السّندّية» في مجلّد واحد، و كان وزيره أبو سعيد مسبح.
و توّفي سند الدّولة بمرض ناله بحلب، يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة و أربعمائة.
و كان خبر مرضه قد وصل إلى الظّاهر، فكتب إلى أخيه سديد الملك أبي الحارث ثعبان بن محمد بن ثعبان إلى تنّيس(1)، و كان يليها، أن يسير واليا إلى حلب.
فخرج من تنّيس في البحر إلى طرابلس، و سار من طرابلس جريدة فورد إلى حلب، و قد توّفي أخوه. و كان وصوله إلى حلب، يوم الأحد السابع عشر من جمادى الأولى سنة خمس عشرة و أربعمائة.
1) تنيس بلدة ما بين الفرما و دمياط. معجم البلدان.
و كان قاضي حلب، في سنة خمس عشرة و أربعمائة، أبا أسامة عبد اللّه بن أحمد بن علي بن أبي أسامة، نيابة عن ابن أبي العوّام قاضي مصر عن الظّاهر. و ولّي القلعة أبو الحارث موصوف الخادم الصقلابي الأبيض الحاكميّ، من قبل الظّاهر؛ و كان شجاعا، عاقلا؛ و أقاما فيها واليين أحدهما بالمدينة، و الآخر بالقلعة، إلى أن حالف الأمير أبو عليّ صالح مرداس بن ادريس الكلابي سنان بن عليان الكلبيّ، و حسّان بن المفرّج بن الجرّاح الطائي على الظّاهر؛ و تحالفوا على احتواء الشّام، و تقاسموا البلاد. فتكون: فلسطين و ما برسمها لحسّان؛ و دمشق و ما ينسب إليها لسنان؛ و حلب و ما معها لصالح. فأنفذ الظّاهر إلى فلسطين أنوشتكين الدّزبري(1)واليا، فاجتمع الأمراء الثلاثة على حربه، فهزموه إلى عسقلان(2).
و فتح حسّان الرملة بالسّيف، في رجب سنة خمس عشرة و أربعمائة.
و أحرق أكثرها، و نهبها، و سبى خلقا من النّساء و الصّبيان(3).
[إمارة صالح بن مرداس](1)
و سيّر صالح بن مرداس كاتبه أبا منصور سليمان بن طوق، فوصل إلى معرّة مصرين؛ و غلب عليها؛ و قبض واليها؛ و قيّده؛ و سار إلى حلب في جماعة من العرب، لسبع بقين من رجب. فجرى بينه و بين سديد الملك ثعبان و موصوف الخادم، حرب في أيام متفرّقة.
و سار صالح بن مرداس إلى حلب، في جمع كثير؛ و نزلها يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من سنة خمس عشرة و أربعمائة؛ على باب الجنان. وجاب الحلل يوم الاثنين؛ و حاصرها ستة و خمسين يوما؛ فوقع خلف بين موصوف الخادم و بين أبي المرجّا سالم بن مستفاد غلام سيف الدّولة بن حمدان؛ و كان من كبار القوّاد بحلب؛ و داره بالزّجاجين، و حمامه أيضا، آثارها باقية إلى وقتنا هذا.
فعزم موصوف على قتل سالم هذا؛ فجمع سالم جمعا، و فتح باب قنّسرين؛ و خرج إلى صالح، فأخذ منه الأمان لنفسه، و لجميع أهل المدينة.
و سلمت المدينة إليه، يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة.
1) أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.
و احتمى سديد الملك بن ثعبان في القصر الملاصق للقلعة؛ و نصبت المنجنيقات و العرّادات عليه و عليها.
ثم إنّ صالحا رتّب أبا المرجّا سالم بن المستفاد، و كاتبه سليمان بن طوق على قتال القصر و القلعة بحلب.
و سار إلى فلسطين منجدا حسّان بن المفرّج على الدّزبريّ، فإنه جمع، و عاد إليه في جيش كثيف، فالتقى الجيشان فكسر الدّزبريّ، و عاد مفلولا.
و أما قلعة حلب فإنّ الحلبيين نقبوها؛ و وصل النقب إلى بئرها المعين؛ و قلّ الماء فيها؛ و دام الحصار عليها سبعة أشهر.
و راسل من في القلعة سالما و سليمان في الصلح في عاشر ربيع الآخر؛ فلم يجيباهم. و نصبوا الصّلبان ثلاثة أيام؛ و دعوا لملك الرّوم؛ و لعنوا الظّاهر؛ و نقر الناقوس؛ و قاتلوا القلعة، ثم نفروا يوم الجمعة ثاني عشر الشّهر، و حملوا المصاحف على أطراف الرّماح في الأسواق؛ و نادوا النّفير و زحفوا.
فاستأمن جماعة من المغاربة الذين في القلعة، فخلع عليهم، و طيف بهم في المدينة. و بسطت ثياب الدّيباج و السّقلاطون(1)و بدر المال مقابل القلعة، و بذلت لمن ينزل إلى ابن مستفاد و سليمان مستأمنا.
1) السقلاطون: نوع من النسيج مصنع من الحرير الموشى بالذهب.
فلمّا يئس أهل القلعة من النجدة نزل رجل أسود يعرف بأبي جمعة، و كان عريف المصامدة إلى المدينة، و بقي أياما ينزل من القلعة و يصعد فأفسده سالم بن مستفاد و سليمان بن طوق.
فلمّا جاء ليطلع القلعة في بعض الأيّام تقدّم موصوف الخادم والي القلعة بردّ الباب في وجهه؛ فصاح إلى أصحابه، فالتفت المصامدة و العبيد في القلعة؛ و وقع الصوت إلى أهل حلب، فطلعوا إلى القلعة من كلّ مكان(1).
و دخلها ابن طوق و ابن مستفاد، يوم الاربعاء مستهلّ جمادى الأولى سنة ست عشرة و أربعمائة، و قدم صالح بن مرداس حلب عائدا من كسرة الدزبري. فدخلها يوم السبت ثامن شعبان من السنة، و قبض على موصوف الصقلبيّ و سديد الملك ثعبان، و أبي الفضل بن أبي أسامة.
فأما ثعبان ففدى نفسه بمال دفعه إلى صالح؛ و أمّا موصوف فضرب رقبته صبرا بين يديه. و أمّا القاضي أبو الفضل بن أبي أسامة فدفنه حيّا في القلعة.
و لمّا جدّد الملك العزيز أبو المظفّر محمّد بن غازي- رحمه اللّه- الدار الكبرى التي ابتناها بقلعة حلب، و حفر أساسها؛ وجدوا مطمورة فيها رجل في ساقيه لبنة حديد، و هو جالس فيها قد دفن حيّا و لم يبق إلا عظامه، و هو على هيئة القاعد فيها. و لا أشكّ في أنّه ابن أبي أسامة المذكور؛ و اللّه أعلم.
1) انظر بشأن سقوط حلب لصالح بن مرداس و دور بيزنطة في ذلك كتابي إمارة حلب ص 77- 80.
و ملك صالح في هذه السنة: حمص، و بعلبكّ، و صيدا، و حصن ابن عكار بناحية طرابلس. و كان في يده الرّحبة، و منبج، و بالس، و رفنّيه(1).
و كان، و هو محبوس بالقلعة عند مرتضى الدولة، قد رأى في المنام كأنّ انسانا قد دخل عليه، فألبسّه قلنسوة ذهب، ففرّج اللّه عنه؛ و خرج من السّجن؛ و كان منه ما ذكرنا.
ثمّ إن الظّاهر سيّر عسكرا مع الدزبريّ و ضمّ رافع بن أبي الليل إليه و قدّمه على الكلبيّين(2)، و جهزّه إلى محاربة حسّان بن المفرّج الطّائي، لأنّه كان قد أخرب الشام، و عاث، و أفسد.
فلما علم حسّان بقربه استصرخ صالحا، فتوجّه نحوه؛ فرأى صالح ذلك الشّخص في المنام بعينه، قد دخل عليه و انتزع من رأسه القلنسوة الذّهب؛ فتطير من ذلك.
و لما وصل إلى حسّان و نشبت الحرب بينهما و بين الدزبري، و ذلك بالموضع المعروف بالأقحوانة(3)على الأردنّ، طعن صالح فسقط عن فرسه،
1) حلت محل رفنية بلدة بارين، التي يرسم اسمها الان« بعرين» و هي تتبع ناحية عوج و تبعد عنها 5، 8 كم إلى الشمال، و تتبع عوج منطقة مصياف، و في بعرين بقايا قلعتها التاريخية الشهيرة. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
2) كان سنان بن عليان قد توفي، فتمزقت قبيلة كلب، و تحالف رافع بن أبي الليل مع الدزبري و صاهره، مما أخل بموازين القوى و أدى إلى انهيار الحلف الثلاثي. إمارة حلب ص 81- 83.
3) كانت على شاطىء طبرية قرب عقبة أفيق. معجم البلدان.
طعنه طريف الفزاري، فرآه رافع بن أبي الليل فعرفه، فأجهز عليه، و قطع رأسه، و بادر به الدّزبري.
و قيل: طعنه رجل يقال له ريحان. [و كان] أسد الدّولة صالح [على](1)فرس؛ فما زال يرمح حتى رماه، و جاءه رافع فأخذ رأسه؛ و كان مقتله لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة عشرين و أربعمائة. و قيل: في يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى من السّنة.
و كان قاضي حلب في أيامه القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن سنان المعروف بالقاضي الأسود، بعد ابن أبي أسامة، ولي قضاءها سنة ست عشرة، و استمرّ على القضاء في أيام ابنه شبل الدّولة.
و كان وزير صالح تاذرس بن الحسن النصراني، فأخذ في الوقعة و صلب و كان هذا النصراني متمكّنا عند صالح؛ و كان صاحب السّيف و القلم.
و قيل: إنّه كان يترجّل له- لعنه اللّه- الولاة و القضاة، فمن دونهم إلا القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن سنان قاضي حلب، و الشيخ أبا الحسن المهذّب بن علي بن المهذّب فانه أراد أن يترجّلا له فحلف أن لا يفعل.
1) جاءت الجملة بالأصل مضطربة كما يلي« فرس أسد الدولة صالح، فما زال يرمح حتى» فأعيد تقويمها.
و قيل: إنّ أهل «حاس»(1)- قرية بمعرّة النّعمان- قتلوا حماه، و كان يقال له الخوري، و كان من أهل تلمنّس لأذّيته لهم؛ فحين سمع تاذرس بقتل حميه الخوري، خرج في عسكر حلب؛ و طلب أهل «حاس» في الجبال و الضّياع؛ و هرب القاتلون إلى أفامية، فلحقهم، فسلّمهم إليه واليها.
فكتب إلى صالح يستأذنه في قتلهم، فأذن له فقتلهم، و صلبهم، فلما أنزلوا عن الخشب ليصلّى عليهم و يدفنوا، صلّى عليهم خلق عظيم.
و قال الناس حينئذ، يكايدون النّصارى: «قد رأينا عليهم طيورا بيضا، و ما هي إلا الملائكة»، فبلغت هذه الكلمة تاذرس- لعنه اللّه- فنقمها على أهل المعرّة، و اعتدها ذنبا لهم.
فاتفق أن صاحت امرأة في الجامع، يوم الجمعة، و ذكرت أنّ صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر كلّ من في الجامع إلا القاضي و المشايخ؛ و هدموا الماخور، و أخذوا خشبه؛ و كان أسد الدّولة صالح في صيدا، سنة سبع عشرة و أربعمائة.
فلمّا توجّه إلى حلب، سنة ثمان عشرة، لم يزل به تاذرس حتى اعتقل مشايخ المعرّة و أماثلها، فاعتقل منهم سبعين رجلا، و قطع عليهم ألف
1) حاس: قرية في جبل الزاوية، تتبع ناحية كفرنبل، منطقة معرة النعمان، محافظة ادلب، تبعد آثارها عن المعرة 9 كم إلى الجنوب الغربي منها. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
دينار. و قال له صالح حين لجّ عليه: «أأقتل المهذّب أو أبا المجد، بسبب ماخور! ما أفعل!».
و قد بلغني أنه دعي لهم في آمد و ميّافارقين؛ فغلبه على رأيه، فبقوا في الاعتقال في الحصن، سبعين يوما، إلى أن اجتاز صالح بالمعرّة؛ و استدعى أبا العلاء بن سليمان بظاهر المعرّة.
فلما حصل عنده بالمجلس قال له الشّيخ أبو العلاء، ساعيا فيهم:
«مولانا السّيد الأجل أسد الدولة و مقدّمها و ناصحها، كالنّهار الماتع، اشتدّ هجيره، و طاب أبرداه، و كالسّيف القاطع، لان صفحه، و خشن حدّاه، خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ(1)فقال صالح: «قد وهبتهم لك أيّها الشّيخ». و لم يعلم أبو العلاء بما قطع عليهم من المال فأخذ منهم. ثم قال أبو العلاء شعرا:
تغيّبت في منزلي برهةستير العيوب فقيد الحسد
فلمّا مضى العمر إلا الأقلّو حمّ لروحي فراق الجسد
بعثت شفيعا إلى «صالح»و ذاك من القوم رأي فسد
فيسمع منّي سجع الحمامو أسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبنّي هذا النّفاقفكم نفقت محنة ما كسد(2)
[إمارة نصر بن صالح](1)
و لمّا قتل صالح بن مرداس؛ ملك حلب بعده ابناه:
معز الدولة أبو علوان ثمال في القلعة، و شبل الدولة نصر في المدينة.
و أوقعا في هذه السنة على قيبار(2)بقطبان أنطاكية ميخائيل الخادم. و كان قصد بلد حلب بغير أمر الملك و لاطفه ثمال و نصر؛ فلم يرجع عن قصد بلد حلب؛ فكبساه في قيبار، و هو يقاتل حصنها؛ و قتل جماعة من الفريقين؛ و انهزم عسكر الرّوم يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة.
ثم استعطّفاه و استقامت الحال بينهم(3)و داما على ذلك إلى أن جرى بين معزّ الدّولة ثمال و بين زوجته كلام؛ فغضبت عليه؛ و خرجت إلى الحلّة بظاهر حلب؛ فأمر ثمال أن يصاغ لها لالكة(4)من ذهب مرصّعة بالجواهر؛
فلما استوت أخذها في كمّه و خرج.
فحين علم نصر ركب و اجتاز تحت القلعة، كأنّه يريد الخروج من باب العراق، في جماعة من أصحابه؛ و جذب سيفه لمّا قارب باب القلعة؛ و هجمها فلم يمانعه أحد من الأجناد لهيبته؛ و تبعه أصحابه مجرّدين سيوفهم؛ فجلس في المركز و قال: «إنّ من قدّم أخي عليّ فقد أساء؛ لأنّني أولى بمداراة الرّجال؛ و هو أولى بمداراة النّساء».
و من ذلك اليوم جعل لأبواب قلعة حلب سلسلة تمنع الرّاكب الصعود فجاءة، و رسم أن لا يدخلها أحد متقلّدا سيفا، و لو أنّه أقرب النّاس مودّة إلى مالكها.
فتفرّد نصر بالأمر في القلعة و البلد، و ذلك في سنة إحدى و عشرين و أربعمائة. و كان وزيره أبا الفرج المؤمل بن يوسف الشمّاس، الذي ينسب إليه حمّام الشمّاس بحلب؛ في الجلّوم(1)و كان نصرانيا و كان حسن التّدبير، محبّا لفعل الخير؛ و كان أخوه ناظرا في البلد البرّاني، فعمره، و عمر المساجد البرّانية.
فجمع أبو علوان ثمال بن صالح الأعراب؛ و عزم على منازلة أخيه نصر؛ فسيّر نصر إلى ملك الرّوم أرمانوس- و كان قد هلك باسيل في سنة
1) من أحياء حلب القديمة، كان ينفذ إلى ظاهر المدينة بباب أنطاكية غربا و باب قنسرين جنوبا. أحياء حلب و أسواقها لخير الدين الأسدي- ط. دمشق 1984 ص 164- 172.
خمس عشرة، و ولي أرمانوس- يستدعيه إلى حلب فخرج على ما قيل في ستّمائة ألف حتّى وصل إلى أنطاكية.
فتوسّط مقدّمو العرب بين نصر و ثمال؛ و وفقوا بينهما على أن يكون لنصر حلب؛ و لثمال بالس و الرّحبة؛ فرجع نصر عمّا كان راسل به ملك الرّوم.
و أرسل ابن عمه مقلّد بن كامل بن مرداس إلى ملك الرّوم، يسأله أن لا يقصده، و يحمل إليه من القطيعة ما كان يحمله أولاد سيف الدولة إلى باسيل، فأبى و اعتقل مقلّد بن كامل عنده؛ فحين تحقّق رجوع نصر عن رأيه الأول جبن و ضعف عن منازلة حلب.
و سار من أنطاكية إلى قيبار في بضعة عشر يوما؛ و كسرت سرية له عرب حلب؛ و كانوا قد طاردوا عسكر الرّوم، فاستظهر الرّوم عليهم، و كان معه ملك البلغر، و ملك الرّوس، و الأبخاز، و الخزر و الأرمن، و البجناك، و الأفرنج.
و نزل الملك بجيوشه على تبّل قريبا من الجبل، في موضع بعيد عن الماء، و ضرب على عسكره خندقا؛ و كانت أمواله على سبعين جمّازة؛ و كان قدر موضع عسكره لمن يدور حوله مقدار يوم في يوم للمجدّ الرّاكب على فرس.
و لقيه في طريقه أبو علوان دفاع بن نبهان الكلابيّ في خيل قليلة؛ فنال من سراياه كلّ ما طلب؛ و أرسل الملك سريّة فيها صناديد عسكره إلى عزاز؛
فلقيتها بنو كلاب، فظفروا بها، و قتلوا بطارقها، و أسروا جماعة من أولاد الملوك الذين معهم، و جسرت عليهم بنو كلاب، فحاصروهم في الموضع الذي نزلوا فيه.
و لقد أخبر بعض من شاهدهم أن مقثاوة كانت قريبة من العسكر بمقدار رمية سهم، و أن الرّوم لم يقطعوا منها قثّاءة واحدة، خوفا من العرب أن تتخطّفهم.
و لمّا كسرت السرية التي أرسلها الملك أجمع رأيه على العود إلى بلاده، و اعتذر قائلا: «لولا عطش عسكري لبلغت مرادي». و هجم نصر و العرب على سوق الملك فنهبوه؛ و تأخّر رحيل ملك الرّوم من منزلته ثلاثة أيام.
و أقبل شبل الدولة نصر في تسعمائة و ثلاثة و عشرين فارسا، و قيل في سبعمائة فارس؛ فحين أشرف على الرّوم ظنّوا أنّها كبسة؛ فانهزموا؛ و منح اللّه أكتافهم يوم الاثنين لسبع ليال خلت من شعبان سنة إحدى و عشرين.
و نزع ارمانوس الملك خفّه الأحمر لئلا يعرف؛ و لبس خفّا أسود- و لا يلبس الخفّ الأحمر عندهم إلا الملك- و هرب. و أخذ شبل الدّولة تاجه و بلاطه و لبّاده؛ و هرب في أرمن كانوا معه حموه بالسّهام(1).
و أخذ الرّوم الطريق إلى الجبل منهزمين و طلعوا فيه، و حصلوا في بلد
1) عالجت هذه الأحداث في كتابي إمارة حلب ص 87- 96، معتمدا على مختلف المصادر، لا سيما البيزنطية منها.
قورس(1)، و كان للرّوم. و لحق بعضهم بعضا و لم يبق مع الملك إلا القليل. و قتل المسلمون من بطارقته و غيرهم ما لا يحصى، و أسروا من أولاد الملوك و غيرهم كذلك، و اشتغل النّاس بالنّهب، و أخذوا من الدّواب و الثياب و الديباج و الأمتعة و آلآت العسكر ما لا يوصف.
و ذكر أنّ طائفة من بني قطن من نمير وردت عند الهزيمة؛ فأخذت ثقل الملك نحوا من ثلاثمائة بغل محمّلة، حتّى أنّهم تقاسموا الدنانير الأرمانوسيّة بالقصعة؛ فحصل لكلّ واحد منهم ثماني عشرة حفنه.
و كان ملك الرّوم لما رحل طرح النّار في المنجنيقات و العرّادات و التّراس؛ و نهب النّاس منها ما أبقته النّار، حتى أنّ أكثر سقوف بلد حلب جعلت التّراس عليها عوض الدفوف.
و قيل: إنّ الناس بحلب باتوا على السّور قبل الوقعة بيوم، و فيهم ابن نمير العابد، فبات يصلّي على السّور، و سجد في آخر اللّيل، فنام و هو ساجد، فرأى في منامه عليا- عليه السّلام- راكبا، و لباسه أخضر، و بيده رمح، و هو يقول له: «ارفع رأسك يا شيخ، فقد قضيت حاجتك». فانتبه بقوله فحكى للنّاس ذلك، فتباشروا به.
و حكي عن مرتضى الدّولة أنّه قال: «استدعاني أرمانوس في آخر تلك
1) لعل قورس المعروفة الآن باسم كويري، و تبعد عن حلب مسافة 33 كم. و كانت قورس كالمسلحة لأنطاكية. بغية الطلب ج 1 ص 263- 264.
الليلة التي رأى ابن نمير تلك الرؤيا فيها، فقال لي: لكم بحلب راهب.
فعلمت أنّه يعني ابن نمير، فقلت: نعم؛ فقال: صفه لي! فوصفته، و حلّيته.
فقال لي: رأيت هذا الرجل بعينه في هذه السّاعة، و كأني قد أشرفت على سور هذه المدينة؛ و هو قائم عليه يومي إليّ بيد و يقول: ارجع، فما تصل إلى هذا البلد. و تكرّر ذلك، و لا أرى أنه يتمّ فيه شيء. فلمّا كان من غد كسرت السّرية التي أرسلها الملك إلى عزاز، ثم كانت الوقعة و الهزيمة بعد ذلك».
و قد ذكرنا عن ابن نمير نحوا من هذه الحكاية، عند منازلة ملك الروم حلب.
و حكى بعض الكتّاب بحلب: أنه كان في خدمة وثّاب بن محمود بن نصر، عند تاج الدّولة تتش بن ألب أرسلان، و هو في نوبتيه على ظاهر حماة، فخلع على وثاب فرجيّة و شقّ، و قال: «هذه مباركة أخذها أبي السلطان ألب أرسلان من ديوخانس ملك الرّوم لمّا كسره»(1).
قال: فاستدعى وثاب قحف مينا ظاهرا و باطنا، و قال: «هذا يا مولانا مبارك نشرب به لأن جدّي نصرا أخذه من الملك أرمانوس بناحية عزاز».
فقال تاج الدولة: «يا وثّاب لم يكن بد من مساواتي في الافتخار». فقال: «لا بل عرّفت مولانا كبر بيتي، و إنّني له كبعض العبيد الصّغار». فقال له بالتركي: «بل أنت أخي الكبير». فقام وثاب؛ و قبّل الأرض قدّام السّرير، فزاد في إقطاعه، و خلع و حمله على مركوبه.
1) لما كسره في معركة منازكرد سنة 463 ه.
و قيل: إنّ ثمالا و نصرا حقد عليهما ملك الرّوم ما جرى منهما على ميخائيل بناحية قيبار، فخرج بنفسه، فسيّرا ابن عمهما مقلّد بن كامل يبذلان له الطاعة و الخدمة، و كان قد سيّر إليهما يسومهما تسليم حلب، و يقول إنّه يخاف أن تتم عليهما حيلة فتخرج حلب من أيديهما؛ و عرض عليهما عوضا عنها ما اختاراه؛ فاعتقلا رسوله انتظارا لما يرد من جواب رسالتهما.
فبلغه ذلك فاعتقل مقلّد بن كامل، و خرج بنفسه؛ فأخرجا حرمهما من حلب إلى البرّية خوفا منه، حتّى كان من أمره ما ذكرناه؛ و كان ثمال في القلعة يحفظها، و نصر باشر القتال.
فلما عاد ملك الرّوم سار نصر و ثمال لاحضار حرمهما، فسبق نصر إليها، و استولى عليها، و عوّض ثمالا بوساطة من توسّط بينهما الرّحبة و بالس و منبج و أعمالها.
و خرج بعد هذه الكسرة قطبان أنطاكية الخادم المعروف بنقيطا- و تفسيره بالعربية الدويك- في خلق عظيم، فعاث في البلد العربيّ، و أفسد، و فتح حصن المنيقة، و هجم رفنيّة، و سبى عشرة آلاف من أهلها، و نقض أبرجة سورها في سنة إحدى و عشرين؛ و فتح في سنة اثنتين حصن بني الأحمر، و حصن بني غناج، و غير ذلك من الحصون و خربّها(1).
1) يرجح أن هذه الحصون وجدت ما بين منطقة القدموس امتدادا حتى سفوح منطقة جبلة و طرطوس. انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 418- 422، فالمنيقة سيكون من حصون الدعوة الاسماعيلية، و بدّل اسم بكسرائيل إلى بني قحطان، و مرقيه تحمل الاسم نفسه أو اسم نبع حسان في أحواز طرطوس إلى جانب منتجع الرمال الذهبية.
فراسله شبل الدّولة و لاطفه إلى أن صالحه، و جعله سفيرا بينه و بين ملك الرّوم في طلب الهدنة، فاستقرّ أن يحمل نصر في كل سنة إلى ملك الرّوم دراهم خمسمائة ألف درهم، في نجمين من السّنة، قيمتها ثمانية آلاف مثقال ذهب.
و أطلق الملك مقلّد بن كامل بن مرداس رسول نصر، و أعطاه صليبا من ذهب مرصّعا أمانا لنصر، و وفاء بالشّرط.
و سيّر شبل الدولة نصر شيخ الدولة أبا الحسن بن الأيسر إلى الظاهر بمصر؛ و حمل إليه هديّة من جملة ما غنمه من الرّوم، من الثياب، و الصياغات، و الأواني، و الألطاف الكثيرة. و قاد في صحبته نحو مائة و خمسين رأسا من الدواب، خيلا و بغالا، و وقع فعله عندهم أحسن موقع(1).
و قام أبو الحسن الجرجرائي بتمهيد أمره.
و أقام ابن الأيسر إلى أن توفي الظّاهر، فخلع المستنصر على ابن الأيسر؛ و سيّر معه خلعا لنصر بن صالح، و لقّبه مختصّ الأمراء، خاصّة الإمامة، شمس الدّولة و مجدها، ذو العزيمتين.
و في أيّام نصر اجتمع بجبل السّماق قوم يعرفون بالدّرزيّة منسوبون إلى رجل خيّاط أعجميّ؛ و جاهروا بمذهبهم، و خرّبوا ما عندهم من المساجد، و دفعوا نبوة الأنبياء، و جحدوهم إلا الإمام الحاضر الذي يدعو إليه الدّرزي،
1) عالجت هذه القضية في كتابي إمارة حلب ص 96- 99.
و أحلّوا نكاح المحارم، و تفاقم أمرهم، و تحصنوا في مغاير شاهقة على العاصي، و انضوى إليهم خلق من فلاحي حلب، و طمعوا بالاستيلاء على البلاد.
فخرج إليهم نقيطا قطبان أنطاكية، و حاصرهم في المغاير، و دخّن عليهم، و ساعده على ذلك نصر بن صالح صاحب حلب، ثمّ التمسوا الأمان بعد اثنين و عشرين يوما، فأخرجوهم بالأمان؛ و قبضوا على دعاتهم و قتلوهم؛ و ذلك في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث و عشرين و أربعمائة.
و في هذه السّنة استوحش سالم بن مستفاد الحمدانيّ من شبل الدّولة نصر؛ و كان صالح بن مرداس قد ولاه رئاسة حلب بعد ما سلّمها إليه، و قدّمه على الأحداث، و أبقاه نصر بعده على حاله إلى هذا التاريخ و استقرّ عليه أحداث حلب و رعاعها؛ و لبسوا السلاح؛ و عوّلوا على محاربة القلعة.
و كان يتردّد بين سالم و بين شبل الدّولة كاتب نصراني يعرف بتوما و كان يحرّف ما ينقله عن ابن مستفاد إلى نصر، و يزيد في التجني، و يسوم شططا لا يمكن إجابته إليه، و ذلك من غير علم ابن مستفاد.
فلما رأى شبل الدّولة نصر كثرة تعديه حمل نفسه على محاربته، و ركب إليه؛ فلمّا رآه الحلبيّون دعوا له و انقلبوا إليه، و قاتلوا دار ابن مستفاد، فطلب الأمان فحلف له أنه لا يجري له دما و حبسه بالقلعة، و نهبت داره؛ ثم خاف استبقاءه فقتله خنقا، ليخرج عن يمينه بأنه لم يجر له دما.
1) انظر إمارة حلب ص 98- 99.
و تبيّن لنصر بعد قليل كذب ذلك النصرانيّ الكاتب، و ما كان يحرّفه في رسالته فقبض عليه، و طالبه بمال؛ فلما استصفى ماله دخل عليه بعض أجناد القلعة فخنقه في ذي القعدة. و قيل ذي الحجة من سنة خمس و عشرين و أربعمائة.
و دام نصر بن صالح في مملكة حلب إلى سنة تسع و عشرين و أربعمائة.
و قتل في المصاف بينه و بين أمير الجيوش الدّزبري.
و ذلك أن أمير الجيوش استقرّ بدمشق، بعد قتله صالح بن مرداس بالأقحوانة؛ فسعى جعفر بن كليد الكتامي والي حمص في إفساد ما بين نصر بن صالح و أنوشتكين الدّزبري. و كان عند أنوشتكين استعداد لذلك لقتله صالحا أباه؛ فشرع جعفر بن كليد يغري أنوشتكين بنصر، و يحمله على أذاه حتى خرجا إلى الوحشة و المنافرة.
فكاتب الدّزبري ملك الروم، و استأذنه في محاربة نصر، و استنقاذ حلب منه، و أن يؤدّي ما عليه من الحمل المقرّر إليه، فأذن له في ذلك، فاستمال الدّزبري جميع العرب من: الطائيّين، و الكلبيّين، و بعض الكلابيين، و سيّرهم إلى نصر بن صالح و معهم رافع بن أبي اللّيل. و من قبله من المغاربة، و اجتمع إليه علان بن حسّان بن الجرّاح الطائي.
و رحل الدّزبري قاصدا حماة، و كان عسكره قد تقدّم إلى وادي الملوك، شرقيّ الرّستن؛ فحين عرف نصر بخروجهم جمع بني عمّه و عسكره؛ و نزل تلا غربيّ سلمية، و التقوا فكسر نصر و أصحابه، و شرع في جمع من قدر
عليه، و استنجد بشبيب بن وثّاب أخي زوجته.
و رحل الدّزبري عقيب الوقعة الأولى إلى حماة، فدخلها، و نهبها. ثم رحل منها فالتقوا عند تلّ فاس، غربي لطمين(1)، فانهزم ثمال بن صالح.
و ثبت نصر في خواصّ أصحابه، و قاتل قتالا شديدا، فطعن و وقع، و احتزّ رأسه في نصف شعبان. و قيل: لسبع عشرة ليلة بقيت منه، من سنة تسع و عشرين و أربعمائة.
و حمل رأسه إلى الدّزبريّ فحمله، و تأسّف عليه، و أظهر عليه حزنا، و أنفذ من تسلّم جثته فصلبت في حماة على الحصن، ثم أمر بانفاذ ثياب، و طيب، و تكفين الجثّة في تابوت، و دفنها في المسجد؛ فنقلها مقلد بن كامل لمّا ملك حماة إلى قلعة حلب.
و قيل: إنّ الذي قتله ريحان الجويني، و أجهز عليه هفتكين التركي المعروف بالسروري. و تأمّل المنجّمون الوقت و الزمان الذي قتل فيه أبوه فكان بين قتله و قتل أبيه أربعة أيام، يريد من السنين الشمسيّة(2).
[عهد أنوشكتين الدزبري](1)
و لما هرب ثمال بن صالح وصل إلى حلب، و معه شبيب بن وثّاب، في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان؛ فملكها ثمال، و وعده مشايخها بالمعونة و النّصر، فخوّفه خليفة بن جابر الكعبي، و قال له: «ربّما خذلتك عشيرتك و قعد بك أهل البلد، و لم يمكنك الثبات و المقاومة، و لا الانصراف على حال السّلامة». و أراد بذلك غشّه لا نصحه.
و كان أمير الجيوش قد سيّر في أثرهم إلى حلب عسكرا يقدمه طغان المظفّري، فخاف ثمال من المقام بحلب، و ولّى بقلعة حلب مقلّد بن كامل بن مرداس، و بالمدينة خليفة بن جابر الكعبيّ.
و أطلق للتجّار ديونا كانت لهم على أخيه مقدارها ثلاثون ألفا ذهبا، ليستميل الناس بذلك إلى طاعته؛ و أخذ أولاد أخيه، و أخذ شبيب(2)زوجة أخيه- أخته غلويّة المعروفة بالسيّدة- و أخذا من المال و الآنية الذّهب و الفضّة و الثّياب ما قدرا على حمله؛ و ساروا إلى الجزيرة.
و قيل: إنّ السيّدة أخذت من القلعة عند قتل نصر خمسين ألف دينار، و أخذ ثمال ثلاثين ألفا، و سار ثمال يستنجد بأخواله بني خفاجة.
و وقعت الفتنة بحلب، و نهبت دار السّلطان، و أموال التجار. و كان رسول ملك الرّوم قد وصل إلى حلب فنهب العامّة متاعه و دوابّه.
و أما طغان فانّه لما وصل بالعسكر إلى حلب نزل على المدينة، فراسله خليفة بن جابر الكعبيّ و من وافقه من الحلبيّين في تسليم البلد؛ فتسلّمه في يوم السبت الرّابع من شهر رمضان.
و أنفذ رسولا إلى الدّزبري يعلمه بذلك؛ فأغذّ السّير إلى حلب، و وصل إليها في عدة قليلة، و اجتاز في طريقه بمعرّة النّعمان، فالتقاه أهلها، فأكرمهم و سألهم عن أبي العلاء بن سليمان. و قال لهم: «لأسيرنّ فيكم بسيرة العمرين». و اجتمع عنده بالمعرّة كثير من العرب، فخشي منهم، فأركب رجلا من أصحابه جملا، و نادى بمعرّة النّعمان و بظاهرها: «من لم يأخذ معه قوت ثلاثة أيّام فلا يلومنّ إلا نفسه». فلم يبق من العرب أحد حوله؛ و ظن كلّ منهم أنه يطلب حلّته.
و تمّ أمير الجيوش إلى حلب، فدخلها يوم الثلاثاء السابع من شهر رمضان، و القلعة مستعصية على أصحابه في يد سيف الدّولة مقلد بن كامل بن مرداس، و قد احتوى على الأموال التي بها، و استولى على جمهورها.
فتردّدت الرسل بينه و بين مقلّد حتى قرّر له عمّا في القلعة ثمانين ألف دينار، و ثيابا، و فرشا، و آلات فضّة، مكرا و خديعة و أن يأخذ المقلّد الباقي،
و قنع الدّزبري بذاك؛ و أفرج له عن نزوله و خروجه فسلّم مقلّد القلعة و صعد إليها أمير الجيوش، يوم الثلاثاء لثمان بقين و قيل لسبع بقين من شهر رمضان.
و أقام مقلّد يوما واحدا بعد نزوله من القلعة؛ و هرب بما معه من الأموال خوفا من غدر الدّزبري به؛ و لحق بحلّته و بثمال بن صالح بالجزيرة؛ و نادى الدّزبري في مدينة حلب بأن يخرج منها جميع الجند و الحواشي الذين كانوا يخدمون ابن صالح.
و اجتمع النّاس من سائر البلدان ليهنئوه بالفتح؛ و جلس للهناء في القصر بباب الجنان؛ و عيّد عيد الفطر بحلب؛ فذكر أنّه لم ير بحلب عيد أحسن منه، لكثرة ما أظهر فيه من العدّة و الآلة؛ و أحسن إلى أهل حلب؛ و أمر بردّ ما كان صالح اغتصبه من أملاك الحلبيّين؛ و تزوج بنت منصور بن زغيب. و ولّى بقلعة حلب مملوكين له: أحدهما يقال له فاتك، و الآخر سبكتكين؛ و ولّى بالمدينة غلامه رضيّ الدّولة بنجوتكين.
ثمّ قصد بالس و منبج؛ فأخذهما. و رام أخذ الرّحبة فلم يقدر عليها.
و أقام بحلب إلى أن عيّد عيد الأضحى، و سار إلى دمشق. و مدحه ابن حيّوس بقصيدة يذكر فيها قتل نصر، يقول فيها:
و لمّا طغى «نصر» أتحت له الرّدىو لم ينجه الجمع الكثير و لا الحشد
(1)و بأخرى يذكر فيها فيها فتح حلب، أوّلها:
1) ديوان ابن حيوس- ط. دمشق 1951 ج 1 ص 173.
هل بعد فتحك ذا لباغ مطمعللّه هذا العزم ماذا يصنع(1)
و ولّى قضاء حلب أبا الوليد سليمان بن خلف الباجي سنة واحدة(2)ثم وليه بعده القاضي أبو الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة- جدّ جدّ أبي-(3).
و مات شبيب بن وثّاب النميري في سنة إحدى(4)و ثلاثين و أربعمائة.
و استولى أخواه مطاعن و قوام على ما كان في يده من الجزيرة؛ و كانت أخته السيّدة علويّة- امرأة نصر- مقيمة بالرّافقة؛ فتحيّلت على غلام أخويها الوالي بالرافقة إلى أن أخرجته؛ و استولت على البلد، و تزوجت بثمال لتقيم هيبتها به، و يحفظ أمرها.
و وقع في هذه السّنة وقعة بين عسكر الرّوم و عسكر حلب، فكسر عسكر أنطاكية الحلبيّين؛ و عاد الدّمستق إلى أنطاكية، و دخل طغان حلب، و حصل ثمال بن صالح في الرّقة، و خشي الدّزبري من قربه إلى حلب، فاشترى قلعة دوسر(5)ليكون مطلا عليه. و راسل نصر بن مروان صاحب ميّافارقين في أن يزوّج ابنته لابنه، فأجابه إلى ذلك، فاستوحش المصريّون منه
لذلك، و أنفذ إلى مصر ليحضر زوجته و ابنته، فلم يطلقهما الوزير.
و ثقل على الوزير الجرجرائي فتح الدّزبري حلب، لأنه لم يكن برأيه؛ و أنكر ذلك فقال الدّزبري: «قد خرف الوزير»، و بسط لسانه فيه بالكلام القبيح، فكاتب ولاة الشّام بترك الانقياد له؛ و كتب توقيعا عن المستنصر لثمال بن صالح بحلب؛ و شرط عليه أن يحمل جميع ما بقلعتها من المال إلى المستنصر.
و كاتب أجناد دمشق، و أغراهم به فثاروا عليه، و أحدقوا به بقصر كان له في ظاهر دمشق؛ فهرب من دمشق ليلا؛ و معه ثلاثمائة صبيّ من غلمانه الأتراك ليس لواحد منهم لحية، و على وسط كل واحد منهم ألف دينار؛ و أحدقت به بنو كلاب فلم يقدروا عليه.
و نزل بحصن المعرة، ثم سار منها إلى حلب؛ و لقيه عسكره بها في أراضي سرمين، فدخل حلب في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة.
و شرع ثمال بن صالح في جمع عشيرته، و حشد من أجابه من العرب و غيرهم لمنازلة حلب؛ و طمع في الدّزبري. فرأى بنفسه الذلّ لمّا لم يكن له طاقة بدفعهم، و زاد همّه و غمّه، حتّى مرض مرضا حادا؛ و مات بعد ثلاثة أيّام، يوم الأحد النصف من جمادى الأولى سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة.
و دفن بحلب؛ ثم نقل منها إلى البيت المقدّس، في سنة ثمان و أربعين
و أربعمائة(1).
فدّبر البلد بعده مملوكه رضيّ الدولة بنجوتكين التّركيّ أبو منصور، بقيّة جمادى الأولى و ثمانية و عشرين يوما من جمادى الآخرة؛ فوصل معزّ الدّولة أبو علوان ثمال بن صالح بالتّوقيع الذي سيّره إليه المستنصر، فسلّم بنجوتكين و أهل المدينة إليه، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة، بعد أن نزل إليها و معه مقلّد ابن عمّه في جماعة، و قاتلوها أيّاما، و استظهر الحلبيّون عليهم، فرحلوا إلى ناحية قنّسرين.
و جرى بين الحلبيّين و المغاربة عربدة، و قتل بينهم جماعة، و نهبت أهراء السّلطان، و طلع أصحاب الدّزبري إلى القلعة خوفا على أنفسهم، فلم يمكنهم سبكتكين من دخولها، فنزلوا في القصر تحت القلعة.
و استدعى الحلبيون ثمالا و مقلّدا. فورد مقلّد في مقدّمته من قنّسرين، فتسلّمها يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى. و وصل ثمال يوم الثلاثاء، فدخلها و اجتمع إليه أحداثها. و اعتصم سبكتكين بالقلعة شهرا و سلّمها إليه.
و قيل: إنه بقي بها إلى النصف من صفر سنة أربع و ثلاثين و أربعمائة؛ و ان القلعيّين رموا على الحلبيّين، و أتوا على عدد كثير منهم، و أصلح الحلبيّون المنجنيقات، و قاتلو بها القصر الذي تحت القلعة، و نقبوه، و خربوا حيطانه مما يلي المدينة مع قطعة من سور المدينة من ناحية باب العراق.
1) بحثت في حقبة حكم الدزبري من مختلف الجوانب في كتابي إمارة حلب ص 109- 111.
و ثبت سبكتكين على الحصار مدّة سبعة أشهر، و استنصر الفريقان(1)و نفد ما مع آل مرداس من المال، و وقع المرض في القلعيّين فأفناهم، و أيس الباقون من نفوسهم فجنحوا إلى التّسليم، و اصطلحوا على شروط منها أن لا يعرض لأحد من القلعيّين بمساءة، و انتظم الأمر و سلّمها سبكتكين بجميع ما فيها بعد أن أخذ لنفسه ثلاثين ألف دينار، و لورثة الدّزبري اثنين و ثلاثين ألف دينار.
1) راسل ثمال الامبراطورية البيزنطية و طلب تأييدها. إمارة حلب ص 113
[إمارة ثمال بن صالح](1)
و استقرّ ملك حلب:
لمعزّ الدّولة أبي العلوان ثمال بن صالح بن مرداس.
و وصله تشريف من المستنصر في سنة ستّ و ثلاثين. و درّت الأرزاق في أيامه على النّاس، و أحسن السّيرة معهم، و جاد بالعطاء.
و ظهر في أيّامه ببعلبك رأس يحيى بن زكريّا في حجر منقور فنقل إلى حمص ثم إلى حلب، فوضع بمقام ابراهيم- صلى اللّه عليه- بقلعة حلب في سنة خمس و ثلاثين و أربعمائة.
و كان ثمال لمّا طاول حصار قلعة حلب قد رغب إلى تدورا ملكة الرّوم، و سيّر رسولا يلتمس نصرتها و إعانتها و انتماءه إليها، فرتبت ثمالا ماخسطرس على حلب، و مقلّد ابن عمه بسطرخس، و جعلت له واجب الماخسطرية عن حلب؛ و رتّبت صالح بن ثمال، و منيع بن مقلّد، و محمود بن نصر، و عطّية و حسنا أخوي ثمال، بطارقة. و رتبت السّيدة علويّة أم محمود بطريقة؛ و أطلقت لجماعتهم واجبات هذه المراتب؛ و سيّرت إليهم هدايا كثيرة؛
1) أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.
و شرطت على ثمال أن يحمل في كلّ سنة ما كان يحمله أخوه نصر، على الشروط المشروطة عليه(1).
و كان المستنصر قد وقّع لثمال بحلب على أن يحمل إليه جميع ما بقلعتها من المال- على ما ذكرناه- فلمّا استولى ثمال على حلب حمل إلى المستنصر من ذلك مائتي ألف دينار؛ و أفرد برسم عمارة القلعة و مساكنها و مصانعها خمسة و سبعين ألف دينار؛ و إقامة العوض عما استنفد من العدّة و هلك من أصحاب الأسلحة باستعمالها و الابتذال لها في الحرب ثلاثين ألف دينار؛ و ما أخذه من آلات ذهب و فضّة و غيرها خمسة عشر ألف دينار.
فلمّا علم المستنصر بذلك شقّ عليه ذلك، و وقعت الوحشة بينه و بين معزّ الدّولة ثمال، فعصى ثمال على المستنصر، فسيّر المستنصر إليه إلى حلب الأمير ناصر الدّولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان(2)
ترجم له ابن العديم في بغية الطلب ص 2329- 2333.
، و معه عبد العزيز بن حمدان، و شجاع الدّولة بن كليد.و كان ناصر الدّولة بن حمدان قد ولّي دمشق من قبل المستنصر بعد الدّزبري، فوصلوا إلى حلب بعد أن فتحوا حماة و معرّة النّعمان، في سنة تسع و ثلاثين و أربعمائة؛ فطاف بحلب و لم ينزل بها؛ فخرج أهل حلب لقتاله، فهزمهم و اختنق منهم في الباب- على ما يقال- سبعة عشر ألف نفس.
و عاد ناصر الدّولة فنزل بصلدي- قرية قريبة من حلب على نهر قويق- فجاءهم سيل في اللّيل لم يسمع بمثله، فغرق أكثر المضارب، و أتلف الرجال، و أهلك الدّواب المشبوحة، فانهزم ناصر الدّولة عن حلب إلى دمشق، فقبض عليه الأمير منير الدّولة بها في شهر رجب من سنة أربعين و أربعمائة، و سيّر إلى مصر(1).
و كان معزّ الدّولة ثمال قد خاف من الحلبيّين أن يسلموا البلد إلى أبي محمد بن حمدان حين توجّه إلى حلب؛ فقبض أعيان الحلبيين- و منهم قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة- و اعتقلهم بالقلعة سنة أربعين، فلمّا كفي أمر ابن حمدان أطلقهم في سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة.
و قتل معزّ الدّولة منهم الشريف أبا علي محمد بن محمد بن صالح المحبره بسعاية ابن الأيسر به، دون الباقين؛ فانّ ابن الأيسر صعد إلى مصر رسولا فتحقّق براءة الباقين من تهمة تتطرق إليهم.
و وصل شجاع الدولة بن كليد والي حمص، في سنة أربعين و أربعمائة عائثا على بلد حلب، فخرج إليه مقلّد بن كامل بن مرداس و أبو الوفاء حفاظ المعرّي، في جمع من الكلابيين و رجّالة الحلبيّين و الفلاحين، فالتقوا بكفر طاب.
و مضى ابن كليد لينهزم، فلحقته بنو كلاب، فقتل في هذه المرّة شجاع
1) إمارة حلب ص 114- 115.
الدّولة بن كليد والي حمص؛ قتله جعفر بن كامل بن مرداس، و حمل رأسه إلى حلب. و كان المنجّم رأى أنّه يدخل إلى حلب، فدخلها قطعا، و انهزمت عساكره.
فسار مقلّد بن كامل إلى حماة ففتحها بعد أن قاتل حصنها أيّاما؛ ثم سار إلى حمص و وجد ابن منزو قد أتاها في عسكر من دمشق، فانهزم إلى باطن حمص، و قاتل قتالا عظيما فقلّ عليه الماء، فخرج ابن منزو إليهم بالأمان.
ثم إنّ المستنصر سيّر الأمير أبا الفضل رفق(1)الخادم الى جيش كثيف إلى حلب، في سنة إحدى و أربعين، و قيل سنة اثنتين. و نزل على حلب على مشهد الجف، فقاتله الحلبيّون، فانكسر عليها و جرح و أخذ أسيرا، فمات في قلعة حلب في الأسر.
و سيّر معزّ الدّولة كلّ من بقي من أصحابه مأسورا إلى مصر؛ ففي ذلك يقول الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة:
يا رفق رفقا ربّ فحل غرّهذا المشرب الأهنى و هذا المطعم
حلب هي الدّنيا تلذّ و طعمهاطعمان شهد في المذاق و علقم
قد رامها صيد الملوك فما انثتواإلا و نار في الحشا تتضرّم(2)
و كان رفق لّما نزل على حلب داهن عليه العرب الكلبيّون، فأشار عليه عسكره أن يرحل عن حلب إلى صلدع فلم يفعل؛ فأشير عليه أن يقبض على أمراء طيء و كلب فلم يفعل، فقيل له أن ينشىء سجلا عن السلطان بانّه قد أقطع الشام لمعزّ الدّولة، و يعود بهيبته فلم يفعل؛ فلمّا رآه أمراء العسكر لا يلتفت إليهم، و لا يقبل مشورتهم، و وقع القتال، انهزم العرب فانهزم العسكر معهم، فسيّر رفق إليهم و أمرهم بالعود فلم يلتفتوا.
و خرج من حلب خيل يسيرة فشاهدوا رحيل العسكر فظنوا أنه حيلة فاتبعوهم، و غنموا منهم. و خرج من بحلب فلحقوا رفق الخادم، في طرف جبل جوشن، و جرح ثلاث جراحات، و أخذ و الضّرب القوىّ برأسه، فمات في القلعة و دفن في مشهد الجفّ. و نهب من العسكر شيء عظيم من الأموال و القماش و الدّواب(1).
ثم أن معزّ الدّولة ثمالا استمال المستنصر بعد هذه الوقعة، و لاطفه، و حمل القسط إلى مصر على يد شيخ الدّولة عليّ بن أحمد بن الأيسر، و سيّر معه ولده وثّاب و زوجته علويّة بنت وثّاب المعروفة بالسيّدة، و سيّر معه من مال القلعة أربعين ألف دينار، و هدايا، و ألطافا فاخرة، و تحفا جليلة.
فلمّا وصلت أكرمها المستنصر غاية الإكرام، و حضرت بين يديه،
1) استنجد ثمال ببيزنطة، و استجاب الامبراطور فسطنطين التاسع إلى طلب ثمال، فبعث رسولا إلى القاهرة يطلب ايقاف حملة رفق و يهدد بالتدخل لصالح ثمال. إمارة حلب ص 116- 119.
فقبّلت الأرض، و قالت: «خصّك اللّه يا أمير المؤمنين بأفضل تحيّة و سلام».
فردّ عليها أفضل ردّ؛ و سألها عمن خلّفته بالشام، فقالت: «في نعيم و خير إن أنعمت عليهم بأمان و ذمام، حسبما جرت به عادة هذا البيت المنيف من الإحسان و الإكرام».
فأعجبه منها سرعة جوابها و حسن توصّلها، و قال لها: «أنت المسمّاة بالسّيدة» فقالت: «نعم، سيّدة قومي و أمتك يا أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليك». فقال: «ما خيّب اللّه من فوّض تدبير أمره إليك في هذه الرّسالة». ثم أمرها أن تمل على كاتبها تذكرة ليوّقع لها بجميع ما تقترحه توقيعا مفردا، و توقيعا بحلب و سائر أعمالها لمعزّ الدّولة.
و أمر لمعزّ الدّولة بتشريف و لجميع بني عمّه، و أفاض عليها ما غمرها و جميع أصحابها و حاشيتها؛ و عادت بمقصودها(1).
و لما وردت زوجة معزّ الدّولة إلى حلب سكن معزّ الدّولة إلى ذلك، و اطمّأنّ، و نشر العدل، و طابت قلوب الرّعيّة. و ولى وزارته في سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة رجلا من أهل الرّحبة يقال له أبو الفضل ابراهيم بن عبد الكريم بن الأنباري، و لقّبه الثقة الكافي؛ و كان رجلا حسن السّياسة.
و سيّر ثمال شيخ الدّولة عليّ بن أحمد بن الأيسر، في سنة ثلاث و أربعين، رسولا إلى القسطنطينية بالمال المقرّر عليه في كلّ سنة، و بهدية
1) انظر إمارة حلب ص 119.
فشاهدوا من سداده و كمال مروءته ما أوجب لهم أن ميّزوه عن غيره من الرّسل، و أكرموه، و جعلوه بسطرخس في مرتبة مقلّد بن كامل، و جعلوا مقلدا ما خسطرس في مرتبة ثمال، و جعلوا ثمالا ابريدرس(1)
Cambridge 22 P, 2 P art, 4 Vol, Medieval History.
و سيّروا إليه هديّة سنّية عوضا عن هديّته.و مات قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة في سنة خمس و أربعين، فولّى القضاء بحلب القاضي أبا محمد كسرى بن عبد الكريم بن كسرى و إليه ينسب آدر بني كسرى(2)بحلب.
ثم قدم الوزير فخر الدّولة أبو نصر محمّد بن محمّد بن جهير حلب فاستوزره معزّ الدّولة، و فوّض أموره جميعها إليه، فاستقامت، و تضاعف ارتفاعه، و ضبط أمواله، فحسد على مكانه، و قربه منه، فسعى به إلى معز الدّولة. و كان معز الدّولة له وفاء و ذمة فنبّهه على ما سعي به عليه، فاستأذنه في المفارقة ففسح له في ذلك، فسار من حلب سنة ستّ و أربعين و أربعمائة، و قصد ابن مروان.
فولّى معزّ الدّولة وزارته سديد الدّولة أبا القاسم هبة اللّه بن محمد بن
الرعباني الرحبي إلى أن سلّم حلب إلى المستنصر؛ و سافر ابن الرعباني إلى مصر، فولاه المستنصر وزارة مصر عشرة أيّام، ثم عزله، ثم أعاده إلى الولاية فأقام فيها عشرة أيام و انصرف.
و وصلت الخلع و التشريف من مصر لثمال، في محرم سنة سبع و أربعين و أربعمائة، على يدي أبي الغنائم صالح بن علي بن أبي شيبة، فمدحه أبو القاسم هبة اللّه بن فارس المؤدّب بقصيدة أوّلها:
لا زال طوعا لأمرك الأممو لا خلت من ديارك النّعم
و تنكّر معزّ الدّولة ثمال لثقته و أمينه شيخ الدّولة عليّ بن أحمد بن الأيسر، و قد ساء رأيه فيه، فصرفه عمّا كان يتولاه من أموره، و أقام مقامه سالما و مسلما ابني علي بن تغلب. و استوحش ابن الأيسر من المقام بحلب خوفا على نفسه فتسبّب في أن سار إلى مصر.
و أرسل ثمال سالما إلى تدورا الملكة بهدّية، و التمس منها الزيادة في مرتبته، فقبلت هديته، و عوضته عنها، و أجابته إلى ملتمسه، و جعلت سالما بسطرخس عوضا عن ابن الأيسر.
و اندفع البساسيري(1)المتغلّب على بغداد إلى الشام، في سنة سبع و أربعين و أربعمائة، منهزما من طغرلبك؛ و حصل في أرض الرّحبة، و وصل
1) للبساسيري ترجمة في بغية الطلب ص 1347- 1357. كما و عالجت مسألة قيام هجرة الغز و تأسيس السلطنة السلجوقية و إثر ذلك ثورة البساسيري في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية- ط. دمشق 1973 ص 13- 124.
في قل من الرّجال، فلقيه معزّ الدّولة ثمال و أكرمه و حمل إليه مالا عظيما.
و حدّث بعض العرب من بني كلاب أنّهم لم يروا مثله في الشجاعة و المكر و الحيلة؛ و كان إذا ركب معزّ الدّولة قفز إليه، ليمسك له الرّكاب، و يصلح ثيابه في السّرج، و همّت بنو كلاب بالقبض عليه فمنعهم معزّ الدّولة.
ثمّ ندم بعد ذلك فإنه تقدّم إلى بالس، و شتّى بشطّ الفرات؛ و اجتمعت إليه العرب و الأتراك، ففزع منه معزّ الدّولة؛ و كان قد عرض عليه معزّ الدولة أولا مفاتيح الرّحبة فلم يأخذها منه؛ ثم طلبها منه في هذه الحالة ليجعل فيها ماله و أهله، في سنة ثمان و أربعين، فسلّمها معز الدولة إليه.
و كان معزّ الدّولة كريما معطاء حليما. فمّها يحكي من كرمه: أنّ العرب اقترحوا عليه مضيرة(1)، فتقدّم إلى وكيله أن يطبخها لهم، و سأله: «كم ذبحت لأجلها؟» فقال: «سبعمائة و خمسين رأسا». فقال: «و اللّه لو أتممتها ألفا لوهبت لك ألف دينار».
استغنى أهل حلب في أيّامه، حتى أنّ الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة امتدحه بقصيدة، شكا فيها كثرة أولاده، و كان له أربعة عشر ولدا، قال فيها:
جنيت على نفسي بنفسي جنايةفأثقلت ظهري بالذي شبّ من ظهري
عداد الثّريّا مثل نصف عدادهمو من نسله ضعف الثّريّا متى يثري
و أخشى اللّيالي الغادرات عليهملأنّ اللّيالي غير مأمونة الغدر
1) المضيرة أن تطبخ اللحم باللبن.
ولي منك إقطاع قديم و حادثتقلّبت فيه تحت ظلّك من عمري
و ما أنا بالممنوع منه و لا الّذيأخاف عليه منك حادثة تجري
و لكنّني أبغيه ملكا مخلّداخلود القوافي الباقيات على الدّهر(1)
فأمر معزّ الدّولة بإحضار شهود، أشهدهم بتمليكه ضيعتين من أعمال حلب و منبج، مضافتين إلى ما كان له من الإقطاع؛ فأثرى و حسنت حاله؛ و عمر بحلب دارا؛ و كتب على روشنها(2):
دار بنيناها و عشنا بهافي نعمة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي و لم يتركواعليّ للأيّام من باس
قل لبني الدّنيا ألا هكذافليفعل النّاس مع النّاس(3)
فكتب معزّ الدّولة له دارا إلى جانب داره؛ و هي الآن لبعض الشراف بحلب بالبلاط، تجاه المسجد؛ و الدّار التي بناها إلى جانبها مقابل حمّام الواساني(4)
الآثار الاسلامية و التاريخية في حلب ص 176- 177.
.و ممّا يحكى عن معزّ الدّولة: أنّ فرّاشا من جملة الحفدة صبّ يوما من الأيّام على يده ماء بإبريق كان في يده، فصادفت أنبوبة الإبريق بعض ثنّيته،
فكسرتها و سقطت في الطّست، فهمّ به الغلمان فمنعهم، و أمر برفعها، و عفا عنه، فقال ابن أبي حصينة:
حليم عن جرائمنا إليهو حتّى عن ثنيّته انقلاعا(1)
و لمّا اتسع الرّزق على معزّ الدّولة، و لم يبق له عدوّ يقصده، اضطرب عليه بنو كلاب، و امتدّت أعينهم إلى ما في يده، و استقلّوا ما كان يصل منه إليهم، و أكثروا في العنت له، و قالوا: «لولانا ما صرت إلى ما صرت إليه، و ما أنت بأحقّ منّا بذلك، فينبغي أن تفرضه على جميعنا».
و أوجب الزيادة في ذلك أنّ معزّ الدّولة في سنة تسع و أربعين، سلم الرقة و الرافقة إلى منيع بن شبيب بن وثّاب النميري، لأنّها كانت لأبيه و كانت عمّته السيّدة زوجة معزّ الدّولة- و كانت قبله عند أخيه شبل الدّولة، فولدت له محمود بن نصر- و هي التي أخذتها من غلمان أبيها، على ما ذكرناه؛ فأعادها إلى منيع؛ فكثر اشتطاط بني كلاب و فسادهم.
فكاتب معزّ الدّولة المستنصر في تسليم حلب إليه؛ و طلب أن يعوّضه عنها أماكن تبعد عن مواطن الكلبيّين، ليأمن شرّهم و تزول منّتهم عنه؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك؛ و عوّضه عنها بيروت، و عكّا، و جبيل(2).
و أنفذ المستنصر نوّابه فتسلّموها منه؛ و هم: مكين الدّولة أبو عليّ
الحسّن بن عليّ بن ملهم بن دينار العقيلي، و عين الدّولة أبو الحسن عليّ بن عقيل، و القاضي أبو محمّد عبد اللّه بن عياض قاضي صور، تسلّموا البلد و القلعة، في ذي القعدة من سنة ثمان و أربعين و أربعمائة.
و قد كان أبو علي بن ملهم مقيما برفنية؛ فقلّد الحرب و الخراج بحلب.
و في اللّيلة التي سلّمها معزّ الدّولة إليهم احترق المركز الشرقي بالقلعة، و ولّوا في قلعة حلب رجلا يعرف بركن الدّولة.
و صعد معزّ الدّولة مع عين الدّولة و قاضي صور إلى مصر، فلقي من المستنصر من الكرامة و الحباء ما لم يلقه وافد منه و لا من آبائه؛ و جعل له كلّ يوم، إلى أن وصل إلى مصر، ثلاثمائة دينار، و أعطي ما لم يعط أحد من المال و الجوهر و الآلة؛ و كان إذا ركب السلطان حجبه، و كان ذنب دابّته عند رأس دابّة السلطان.
و اعتلّ معزّ الدّولة بمصر، فركب السلطان، فوقف بباب داره حتّى خرج إليه و سأله عن حاله.
(1)و أما ابن ملهم: فإنّه أقام بحلّب، و عدل في الرّعيّة، و أحسن السّيرة، و بسط وجهه و يده لهم، و رخصت الأسعار في أيّامه، و بنى كثيرا من أبرجة سور حلب؛ إلى أن تجمّعت بنو كلاب و امتدّت أطماعهم إلى حلب. و ذلك أن البساسيري كان من المنتمين إلى المصريّين، و دعا لهم ببغداد، في سنة إحدى و خمسين و أربعمائة فعاد السلطان طغرلبك، و جمع جموعا عظيمة، و لقي البساسيري فقتله، و كانت الرّحبة في يده- على ما ذكرناه.
فسار الأمير أسد الدّولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح إلى الرّحبة، فأخذ جميع ما تركه البساسيري بها، من السلاح الذي لم ير مثله، كثرة وجودة، و أموالا جزيلة كانت للبساسيري؛ ثم ولى فيها بعض أصحابه(2).
فطمع بنو كلاب حينئذ في حلب، و قوي جأشهم، و قدموا عليهم:
الأمير محمود بن نصر بن صالح.
لأنّ حلب كانت لأبيه شبل الدّولة؛ فسار إليها محمود ببني كلاب، في جمادى الأولى سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة؛ و نزل عليها، و قاتلها، و أقام عليها سبعة أيّام، و معه منيع بن مقلّد بن كامل؛ ثم رحل عنها.
فطلب الأحداث من مكين الدّولة مالا ينفقه فيهم، فقال: «قد أخذتم واجبكم المقرّر على الكمال، و تسلّفتم أيضا؛ فلا تطمعوا في وصول شيء آخر إليكم». فعصى أحداث(1)حلب عليه، و غدروا به، و أنفذوا إلى محمود بن نصر بن صالح فردّوه.
فلمّا قرب منهم محمود، و ثب أهل حلب على دار الشريف القاضي معتمد الدّولة يحيى بن يزيد بن يحيى الحسيني الزّيدي، و كان قاضي الشّام، و على دار رجل يعرف بالظّهير جلال الدّولة؛ و كانا مكرمين لأهل حلب؛ فنهبوا داريهما؛ و أخرجوهما راجلين، حفاة، مكشّفي الرؤوس إلى الضّياع العربيّة، و كان من جملتهم: كندي، و ابن الزغري، و ابن عنتر، و ابن النّاقد.
و وصل محمود ببني كلاب، فسلّموا إليه حلب يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة؛ و انحاز مكين الدّولة بن ملهم
1) عالجت مسألة أصل منظمة الأحداث، و تكوينها و أدوارها في كتابي إمارة حلب ص 215- 220.
إلى القلعة، و تحصّن بها، و أنفذ إلى مصر رسولا، فطلب النّجدة و الإعانة، فوصل الأمير ناصر الدّولة أبو علي الحسين ابن الأمير ناصر الدّولة الحسن بن الحسين بن حمدان- و هو ولد ناصر الدّولة الذي نازل حلب أوّلا في أيّام معزّ الدّولة- و قدم في عسكر ضخم في جيوش المغاربة، حتى نزل حمص لنصرة أصحاب القلعة؛ فسارت إليه بنو كلاب و بنو خفاجة، و كانوا جيرانا لهم بالظّعن، في خلق كبير.
فرجع ناصر الدّولة بن حمدان إلى بعلبك، و همّت بنو كلاب باتّباعه، فأبى عليهم أسد الدّولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس، و انحاز عنهم فافترقوا، و رجعوا إلى قنّسرين.
و أقبل ناصر الدّولة حتى نزل أفامية، و استدعى من قدر عليه من بني كلاب، و استحلفهم أربعين يمينا، و خلع عليهم خلعا فاخرة، و سار بعد أن استوثق منهم، فلمّا وصل إلى سرمين أجفلت بنو كلاب و محمود إلى الشّرق، و أجفل أحداث حلب منها؛ و حصلوا مع بني كلاب، و ذلك ليلة الاثنين السّابع من رجب من السنة.
و نزل مكين الدّولة ابن ملهم و أصحابه من القلعة، فنهبوا المدينة، و قتلوا من وجدوا من أحداثها، و عدّتهم أربعون رجلا، و صلبوا في محال حلب جماعة من القتلى، و نهبوا كلّ موضع جليل يعرفونه بالمدينة، و قياسر الوكلاء، و أموال التجار، و غير ذلك.
و وصل ناصر الدّولة أبو عليّ الحسين فنزل حلب، و أراد أن ينهبها، فقيل
له: «إنّ أصحاب مكين الدّولة قد سبقوك؛ و لم يبق لك و لأصحابك إلا الاسم بلا فائدة» فامتنع من النّهب. و قال: لا بد من أهل المدينة أن يقسطوا لي خمسين ألف دينار، عوضا عن ترحيل محمود عنهم، فبذلوا له خدمة فلم يفعل، و قال: «أنا أمضي إلى الفنيدق و أقابل محمودا على فعله، و أعود أنتقم من الحلبيّين».
فسار عن حلب في مقدار خمسة عشر ألف فارس، و محمود في دون الألفين؛ و نزلوا على الفنيدق و هو المعروف الآن بتلّ السلطان(1)و انهزمت بنو كلب و بنو طيء؛ و بقي العسكر وحده؛ و قلّ الماء عليهم، فكسروا. و أسر الدنين بن أبي كلب الجهبلي الكلابيّ ناصر الدّولة، و أمكنته الهزيمة فلم ير على نفسه أن يولي، و أسر كل مقدم كان في عسكره.
و قتلت بنو كلاب أكثر عسكره، و غنموا كلما كان في العسكر، و لم يسلم منهم إنسان بالجملة إلا عاريا.
و بعد ذلك علم محمود بن نصر بن صالح بأسر الأمير ناصر الدّولة، فاشتراه من الدنين بألفين و سبعمائة دينار؛ و قيل: بأقل من ذلك.
و أسر رجل يقال له جبر من بني كلاب أخا ناصر الدّولة، فاشتري
1) تل السلطان قرية تعرف أحيانا باسم المرج الأحمر، و هي واقعة في سهول ادلب الشرقية، و تتبع ناحية أبي الظهور، و تبعد عنها مسافة 7 كم إلى الشمال الغربي. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
أيضا بمال كثير، و كانت الكسرة في يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة(1)
توجه رسول من حلب إلى القاهرة حاملا طلب المساعدة، استجابة القاهرة بإصدار الأوامر إلى والي دمشق ليقوم بواجب التفريج عن حلب، قيام هذا الوالي باطاعة ما صدر إليه من أوامر بتشكيل جيش فيه ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفا من العساكر و قيادته نحو حلب! من أجل معالجة هذه المسألة انظر إمارة حلب ص 126- 129.
.و وصل وقت الكسرة أسد الدّولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس إلى حلب، و تسلّم المدينة من المغاربة، يوم الخميس؛ و دار فيها ساعة، و نزل عند شافع بن عجل بن الصوفي في داره، التي هي الآن مدرسة القاضي بهاء الدين بن شداد.
و قيل: إن [ابن] ملهم استدعاه، و سلّم المدينة، و فرّج اللّه عن أهل حلب(2). و قدم الأمير محمود بن نصر إلى المدينة، فانهزم عطيّة منه آخر النّهار من يوم الخميس مستهلّ شعبان؛ و تسلّم محمود البلد يوم الجمعة الثاني من شعبان سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة، و هذا من أغرب الاتفاقات أن يملك حلب ثلاثة من الملوك في ثلاثة أيّام متتابعة.
و أيس مكين الدّولة بن ملهم و ركن الدّولة والي القلعة، من حلب و من نجدة تصل إليهما من مصر بعد هذه الكسرة فأنفذا من استحلف محمود بن
نصر على شروط اشترطاها عليه، و سلّما إليه القلعة في عاشر شعبان من هذه السنة، بعد أن أخذا أولاد بني كلاب: ولد محمود بن نصر، و ولد شبل بن جامع، و ولد محمود بن زائدة، و ولد منصور بن زغيب، و جعلاهم في حصن أفامية رهينة على أنفسهما و عسكرهما و أموالهما ثم سيّرهم مع الأمراء في الرّوج إلى أفامية سالمين؛ و أخذوا أولادهم الرهائن و رجعوا إلى حلب.
و أما ناصر الدّولة، فبقي في أسر محمود إلى أن قدم البلد عمّه معزّ الدّولة، فاصطنعه منيع بن وثّاب؛ و خلّى سبيله في سنة ثلاث و خمسين.
و سيّر محمود كل من كان في أسره من الأمراء و القوّاد إلى مصر، بعد أن أحسن إليهم، و شلّت يد ناصر الدّولة في وقعة الفنيدق، فلمّا وصل إلى مصر ولاه المستنصر دمشق، فقال أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الحلبي الفكيك فيه:
على حلب به حلبت دماءو حكّم فيكم الرّمح الأصمّ
و قد أرسلته والي دمشقيد شلا و أمر لا يتمّ
و في ذلك يقول أبو نصر منصور بن تميم بن الزنكل السرميني من قصيدة، يذكر فيها مآثر بني كلاب:
أليس هم ردّوا ابن حمدان عنوةعلى عقبه لا يتّقون العواقبا
أليس ابنه يوم الفنيدق قادهدنين أبي كلب و عرّاه سالبا
و لما أخذ محمود حلب من ابن ملهم، كان عمّه معزّ الدّولة بمصر، فصرفه المستنصر عن عكّا و بيروت و جبيل، و قال له: «إنّ هذه الأماكن
أخذتها عوضا عن حلب، و قد عادت إلى ابن أخيك، فتمضي إلى حلب و تستعيدها منه»، فقال: «إنّ نوّابكم فرّطوا فأعينوني بمال». فأعانوه على ذلك بمال، و سيّروه، و قررّوا ألقابه: «الأجلّ، الأعزّ، تاج الأمراء، عماد الملك، سيف الخلافة، عضد الإمامة، بهاء الدّولة العلوية، و زعيم جيوشها المستنصريّة، علم الدّين ذو الفخرين مصطفى أمير المؤمنين».
فعاد معزّ الدّولة إلى حلب، و جمع قوما من عشيرته، بعد أن كاتبهم حين وصل إلى حمص، فأجابوه، و لقيه أكثرهم بحمص و بعضهم بحماة، فلمّا نزل معرّة النعمان، أقام بها ثمانية أيّام، و ضيّق العرب على النّاس، و كان ذلك في قوّة الشّتاء، فنزلوا منازل الناس.
و سيّر محمود الشيخ أبا محمّد عبد اللّه بن محمّد الخفاجي رسولا إلى ملك الرّوم، يستنجده على عمّه و بقي عندهم إلى أن ملك ثمال حلب؛ و كتب الخفاجي إلى حلب القصيدة المشهورة:
هذا كتابي عن كمال سلامة(1)
و رحل ثمال، فنزل حلب محاصرا لابن أخيه محمود، فأغلق محمود باب حلب في وجهه؛ و عمل قوم من الأحداث؛ و فتحوا لمعزّ الدّولة باب قنّسرين.
و دخل أصحابه إلى أن وصلوا درب البنات، فنزل محمود من القلعة،
1) طبع ديوان ابن سنان الخفاجي في بيروت سنة 1316 ه و كانت نسخة منه موجودة في المكتبة الظاهرية، فقدت و لم أستطع الحصول على نسخة أخرى في سورية، علما أنني وقفت على نسخة موجودة في مكتبة معهد الدراسات الشرقية و الأفريقية بلندن.
و عاد أخرجهم و لم يقتل منهم واحد، و قبض على من كان سبب ذلك من الأحداث و هم: ابن حيّون، و ابن المغازلي؛ و ذلك في ذي الحجّة من سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة.
و وصل منيع بن شبيب بن وثّاب إلى حلب لنصرة محمود ببني نمير، و حصل مع محمود بالقلعة، فرحل معزّ الدّولة عن حلب؛ و نزل منيع ببني نمير مدّة عشرين يوما في ضيافة محمود، و أشار على محمود باطلاق ناصر الدّولة بن حمدان ففعل، و خلع عليه، و قاد خيلا كثيرة إليه، و سيّره إلى مصر.
و سار محمود إلى الحانوتة(1)ليجمع العرب على عمّه فعاد معزّ الدّولة ثاني يوم مسيره، و نزل على حلب، ثم رحل طالبا لمحمود فلقيه، و كسره، و انهزم محمود، و دخل حلب في ثلاث فوارس آخر صفر؛ و أسر معزّ الدّولة أكثر عسكره، و الأحداث الذين كانوا معه، و هم: كندي، و صبح، و ابن الأقراصي، و الشّطيطي، و اللّباد. و استأمن منهم صبح إلى القلعة، فحبسه نائب محمود، و قيّده خيفة من حيلة تتمّ عليه.
و قصد محمود حسام الدّولة منيع بن مقلّد، و قال له: «أنت كنت مساعدي و معاضدي في كسر العسكر المصري الواصل مع ناصر الدّولة و أوثر أيضا أن تساعدني على عمّي» فاستمهله إلى غد ذلك اليوم، و رحل في اللّيل
1) الحانوته أو تل الحواصيد، قرية في هضبة حلب تتبع منطقة جبل سمعان. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
طالبا معزّ الدّولة، و قال لنائبه: «تقول لمحمود: عمّك هو الشيخ الكبير، و العرب تأنف من معاضدة الولد على الوالد، بل أنا برحيلي أصلح الأمر بينكما إن شاء اللّه».
فأمر محمود كاتبه أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمّان النّصرانيّ بأن يعمل شعرا، يذكره فيه بعهده، و يعتب عليه في اطراح ودّه، فكتب إليه:
ألا أيهّا السّاري تخبّ برحلهقصيرة فضل النّسعتين إذا تسري
تحمّل- هداك اللّه- عنّى رسالةإذا بلغت يوما شفيت بها صدري
إلى معشر إن تنح نحوي سهامهمفأخطأ منها ما توغّل في صدري
و خصّ حسام الدّولة ابن مقلّدأخا الغارة الشّعواء و الكرم الدّثر
و من علقت كفّاي حبل ودادهو ما خلت أن تغتاله نوب الدّهر
تذكّر- هداك اللّه- يوما أظلّنابه الموت في ظل الرّدينيّة السّمر
لقد غالني في ودّك الدّهر بعد ماغدوت أراه و هو من أنفس الذّخر
و حاشا لذاك العهد من بعد ما غدانقي الحواشي أن يدنّس بالغدر
و أنت من القوم الذّين نفوسهمترى الغدر بالإخوان ضربا من الكفر
سأصفيك ما صافيت يوما بحفظهو آمل ان ضيّعتني عاجل النّصر
و أنت عليم أنّني غير جازعإذا ما رماني الدّهر بالنّوب الغبر
و إنّي إذا ما يدج ليل خطوبهاأصدعه بالسّيف عن فلق الفجر
و ما الموت إلا خطّة حمّ وقتهاو أكرمها ما كان في طلب الفخر
أبى اللّه و الأصل الذي طاب فرعهإلى اليوم إعطاء القياد على قسر
و أخسر من تلقاه في النّاس صفقةفتى عند مجد لا يريش و لا يبري
فلا تحتقر ذنبا جنيت على الوفاو لا تعتذر منه فما لك من عذر
فقال منيع بن مقلّد و أبو العلوان ثمال لّما وصلت هذه القصيدة: «من أين لمحمود هذه الفصاحة؟ و من له بالشّعر؟». فقيل: «إن هذا شعر أبي العلاء بن سمان النّصراني». فقال منيع بن المقلّد: «لقد ألبسني هذا النّصراني من العار طوقا لا يبلى، و لئن عشت لأقابلنّه بما يكون له أهلا».
و تردّدت الرّسل بين ثمال و محمود، في تسليم حلب، و توّسط بينهما مشايخ العشيرة، و قالوا: هذا بمنزلة والدك، فتأخذ من الأعمال ماشئت.
فأجابهم محمود: بأنّ هذا صحيح، و لكنه ضيّع مملكتنا و إرثنا، و قد استعدتها بسيفي، و بذلت فيها مهجتي. فاعترف له معزّ الدولة بذلك؛ و ضمن له معيشة بخمسين ألف دينار، و ثلاثين ألف مكوك غلّة. و شهد مشايخ العشيرة بها.
و عاد محمود إلى حلب في آخر ربيع الأوّل و قد استقرّ الصلح بينهما يوم الأربعاء الرابع و العشرين من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة. و فتحت أبواب البلد عند دخوله؛ ثم خرج إلى عمه(1)إلى المخيم، و استركبه يوم الاثنين مستهل ربيع الآخر من سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، و داخله القلعة، و سلّمها إليه، و سار محمود ليحضر أهله من الحلّة.
1) بالأصل« عمله» و هو تصحيف واضح.
و لما استقرّ معزّ الدّولة بالقلعة، نفى من الحلبيّين الأحداث العتق جماعة، و صلب منهم خمسة عشر رجلا. و كاتب المستنصر بظفره بحلب، فسيّر إليه الخلع مع ظفر المستفادي، و لأخيه و لأولاده، و لحسام الدّولة منيع بن مقلّد. و لما وصل ظفر رأى المصلّبين من الأحداث فسأل فيهم فدفنوا.
و لمّا ملك معزّ الدّولة حلب جاء أبو العلاء بن سمان ليسلّم عليه، فحمل عليه ليطعنه، فطرح نفسه من بغلته، و غيّب شخصه عنه، و سار إلى أنطاكية، و صار بها أسقفا إلى أن مات.
و فسد ما بين منيع بن وثّاب و بين ثمال. و كان منيع بالرّحبة، فسيّر ثمال أخاه أسد الدّولة عطيّة بن صالح، في شعبّان من سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، لدفع منيع عنها؛ فأخذها عطيّة، و أقام بها، و عصى على أخيه ثمال، و عاد محمود إلى حلب من الحلّة بأمه السيّدة، و اجتمع بعمّه معزّ الدّولة، و سارت السيّدة، و أصلحت ما بين أخيها منيع و بين زوجها معزّ الدّولة(1).
و في المحرّم من سنة أربع و خمسين و أربعمائة، عمر الرّوم حصن قسطون(2)و حصن عين التمر(3)، فسار معزّ الدّولة في جمادى الأولى لغزوهم،
1) امارة حلب ص 130.
2) قسطون قرية في الجزء الشمالي من سهل الغاب عند أقدام السفح الغربي لجبل الزاوية، قربها تل أثري يحمل الاسم نفسه. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
3) لم أقف على عين تمر في بلاد الشام، و تشير المصادر المتفرقة أن بيزنطة أرادت تحصين خط- الثغور بدليل الخبر في أن ثمال بن صالح غزا البيزنطيين و افتتح أرتاح، و المثير للانتباه تغيير ثمال لموقفه من بيزنطة، و لعل أسباب ذلك تغير موازين القوى إثر ظهور الغز و شروعهم باجتياح الأراضي البيزنطية، و ادراك ثمال بعد عودته من القاهرة، أن الخلافة الفاطمية باتت عاجزة عن ممارسة أدنى تهديد ضد حلب. إمارة حلب ص 130- 131.
ففتح حصن أرتاح، فراسلوه في الصّلح، فأرسل إليهم شافع بن الصّوفي يقول: «لا أجيب إلى الصّلح إلا على أن تهدموا الحصنين المجدّدين، و أن يكون ليلون للمسلمين، لا علقة لهم فيه، و يحملون عن حصن أرتاح مالا و يردّه عليهم» فضمنوا ذلك.
فرحل في الثّاني من جمادى الآخرة، و دخل إلى حلب، و لم يف الرّوم إلا ببعض ما ضمنوا له من الشّروط.
و بلغ معزّ الدّولة أن قوما من أحداث حلب مضوا إلى أنطاكية، و تحدّثوا مع واليها في تسليم معرّة مصرين، و التدرّج منها إلى غيرها، و قالوا له: «حزبنا في حلب و أصحابنا تحت أوامرنا». فلمّا صحّ عند معزّ الدّولة ذلك، طلبهم و أحضر منهم قوما و قتلهم. و هم: ابن أبي الريحان، و ابن مطر، و ابن الشّاكري، و بهلول؛ و صلبهم، و ترك باقيهم؛ و ذلك في شهر رمضان من سنة أربع و خمسين.
و كبس الرّوم في شوّال مريمين(1)العقبة، و أحرقوها، و نهبوها، و أدركهم الأمير منصور بن جابر، و الأمير حارثة بن عبد اللّه؛ و ظفروا بالرّوم على كثرتهم و قلّة المسلمين؛ فقتلوا من الرّوم مقدار ألف و خمسمائة.
1) عدّ ياقوت مريمين من قرى حلب المشهورة.
و سار معزّ الدّولة، في العشر الثّاني من شوّال، للغزو فنزل قيبار، و فتحها، و نهبها، و قتل الرجال، و سبى النساء و الصبيان. ثم مرض معزّ الدّولة في العشر الأوّل من ذي القعدة، من سنة أربع و خمسين و أربعمائة؛ و اضطرب البلد، فبلغه ذلك، فاستدعى أخاه أبا ذؤابة عطيّة بن صالح؛ و وصىّ له بحلب، و ولاه الأمر.
و توفي يوم الخميس لستّ بقين من ذي القعدة سنة أربع و خمسين و أربعمائة. و دفن في مقام ابراهيم الفوقاني بالقلعة، داخل الباب الغربي؛ و عمل عليه ضريح؛ و بقي إلى أيّام الملك رضوان(1)و قلع و بلّط عليه.
1) رضوان بن تتش. سترد أخباره في العصر السلجوقي.
(1)و جلس أخوه: أسد الدّولة عطيّة بن صالح بن مرداس
في منصبه يوم الجمعة، فبلغ ذلك محمود بن نصر بن صالح و هو في حلّته فلم يرض بالوصيّة، و أرسل إلى عطية يقول له: «إنّ معزّ الدّولة شرط على نفسه أن يردّ عليّ البلد عند موته لمّا تسلّمه منّي، و أنا أخذته بسيفي من المصريّين عن غلبة و قهر؛ و هو إرثي عن أبي». و عرف ذلك مشايخ العشيرة و اجتمعوا على صحّة ما ذكره، و ساعدوه على منازلة حلب، فكان في كلّ وقت يقصدها و يرعى زرعها و يأخذ ما في ضواحيها و يرحل عنها.
فجاء في رجب من سنة خمس و خمسين و أربعمائة، و نزل بحلّته على عين سيلم(2)، فخرج إليه أسد الدّولة عطيّة فكسره، و نهب حلّته و انهزم محمود.
ثم إنّه تجمع إليه شبل الدّولة بن جامع، و محمد بن زغيب، و غيرهما من بني كلاب، و نزلوا على قنّسرين- و عطية نازل على السعدي بباب حلب- فلم يقدروا على النّزول على حلب.
فسار إليهم سيف الدّولة منيع بن مقلّد بن كامل فقوي جأش محمود به لأنه كان ذا مال عظيم. و كان كريما يطعم العرب و يعلق على خيلهم، و يخلع و يهب، فلما حصل معهم نزلوا على حلب. و حاصروا حلب شهورا فضرب حجر المنجنيق منيع بن مقلد فقتله.
و قيل: إن رجلا حقيرا ضرب صدغه بمقلاع فيه حجر، فبقي أيّاما، و مات؛ و ذلك في العشر الأول من شوّال سنة خمس و خمسين و أربعمائة.
و أوصى منيع بجميع ماله و ما يملكه لخاله أسد الدّولة أبي ذؤابة عطيّة الذي كان يحاربه. و كان إقطاعه يرتفع منه كل سنة ثمانون ألف دينار؛ و كان له في حصن يقال له المجدّد، ثلاثمائة ألف دينار، و سلاح و آلة بمال عظيم.
و كان أبو الحسن عليّ بن محمد بن عيسى العمري الحلبي وزير منيع؛ و كان عطية قد دعاه إلى خدمته فامتنع، فلما مات منيع عاد أبو الحسن العمري إلى حلب فقبض عليه عطية، و قتله لحقده على ما فعله من امتناعه من خدمته.
و لعله احتج بأنه حمل منيعا على حصار حلب مع محمود؛ و بعد أن قتله صلبه؛ و رثاه أبو محمد الخفاجي بأبياته التي يقول فيها:
و معذل جار على غلوائهيروى حديث نداه عن أعدائه
و استوزر عطية أبا الحسن عليّ بن يوسف بن أبي الثريا الذي داره الآن مدرسة ابن أبي عصرون(1)بحلب. ثم صالح عطية بن مرداس ابن أخيه محمودا؛ على أن يدفع لمحمود إقطاعا بخمسة و عشرين ألف دينار؛ من ذلك: سرمين و باقي الاقطاع في بلد حلب من الأرتيق(2)و تحالفا على ذلك و تمّماه.
و في نصف جمادى الأولى سنة ست و خمسين و أربعمائة، سلم ثابت بن معز الدولة إلى ابن عمه محمود معرة النعمان و كفر طاب و حماة، و كان فيها من قبل عمه.
و ذلك أن بني كلاب تجمعوا بأرض شيزر: شبل بن جامع بن زائدة، و محمود بن زائدة، و منصور بن محمد بن زغيب، و حسين بن كامل بن حسين بن سليمان بن الدوح، و جماعة معهم من سبيعة و ذؤيبة؛ و أجمع رأيهم على الوثوب على بلدان أسد الدولة عطية.
فأخذوا حماة و كفر طاب؛ و أتوا إلى معرّة النعمان و فيها شهم الدولة خليفة بن جبهان، فأخذ منهم أمانا و سلّمها، و ساروا حتّى نزلوا قريبا من
حلب، فسار عطية من حلب يكبس محمودا، و كان بتل خالد(1)فظفر به محمود، و عاد عطية منهزما إلى حلب.
و نزل محمود ببني كلاب على حلب، و منعوا منها الميرة، و حصروها، و قاتلوها قتالا كثيرا، و أشرفت على أمر عظيم من الجوع و قلة ما يدخلها.
و كان أسد الدولة عطية قد أرزق أحداثها، فمنعوا باقي أهلها من التسليم.
فلما رأى أسد الدولة ضعف البلد صالح ابن أخيه محمودا. فكان لعطية حلب و الرحبة و بالس و منبج و عزاز و قنسرين. و سلّم بعد ذلك ما كان في يده غير هذه المواضع المذكورة إلى ابن أخيه محمود بن صالح، و وقع الصلح على ذلك.
و استدعى عطية ابن خان و كان في ديار بني مروان مغاضبا لأبيه ملك الترك، و كانت الروم تمده بالخلع و الدنانير إكراما لأسد الدولة عطية لأنه كان مهادنهم، فقدم ابن خان إلى عطية في ألف قوس فأكرمهم و أضافهم.
فلما حصل ابن خان على باب حلب- و كان هذا أول دخول الترك إلى الشام- تجمعت بنو كلاب إلى محمود بن نصر بن صالح؛ و قصدوا حلب فرأى محمود أنه لا طاقة لهم بالترك فانهزم.
و مشى السفراء بين محمود و بين عطية، فانعقد الصلح بينهما على أن يأخذ عطية: حلب و الرحبة و منبج و عزاز و بالس و أعمال ذلك؛ و يأخذ محمود
1) كتبت هذه الصفحة بخط مختلف، و الكلمة مطموسة و هذه أقرب قراءة لها، و تل خالد قلعة قرب حلب. معجم البلدان.
ابن أخيه من الأثارب قبلة و اقطاعه الذي كان قديما و ما كان في يده في أيام معزّ الدّولة ثمال. و تمّ ذلك في المحرّم من سنة سبع و خمسين و أربعمائة.
و خرج عطيّة بالأتراك و أحداث حلب إلى الغزو، ففتح كمنون، و سبى أهلها، و عاد إلى حلب غانما. و دخل ابن خان حلب فخاف الحلبيون و عطية منه؛ فأغرى بهم الأحداث من أهل حلب فنهبوهم ليلا، في صفر من سنة سبع و خمسين و أربعمائة، و قتلوا منهم جماعة، و نهبوا خيولهم و سلاحهم و ما قدروا عليه من رحلهم.
و ركب ابن خان منهزما- و كان ظاهر البلد- و صاح تحت القلعة:
«أليس قد غدرت بي و بأصحابي يا عطية، و اللّه لأنزلك منها على أقبح قضية».
و سار إلى الشرق فعبرت طائفة منهم إلى الجزيرة فنهبتهم بنو نمير، و رجع الباقون فصادفوا عسكرا للروم في بطريق لهم يعرف بالنحت، فلم يجدوا بدا من شق عسكر الروم، و كان في عشرين ألفا ففتح لهم الروم طريقا بينهم ليطبقوا عليهم فعبروا سالمين.
و قتلوا من الروم خلقا عظيما، و كان السالم منهم نحوا من مائة و خمسين رجلا، فركبت عليهم العرب بنو قريظ و ربيعة بن كعب و غيرهم، فأشار أمير منهم يقال له قمار على الملك أن يموت كريما، و لا يثق بالعرب فلم يفعل.
و التجأ إلى منصور بن جابر فغدر به بعد أن كان أعطاه مقنعة زوجته و مخصرته؛ و قتل قمار و جماعة.
و سلم ابن خان في جماعة فلحق بمحمود، و نزل عليه و هو بسرمين؛
فأمنهم؛ و بعث بهم إلى معرة النعمان. ثم أن محمودا سير ولده إلى أنطاكية رهينة، فوجّهوا قطعة منهم، و تلقّاه بالجنايب في كلّ منزل بمراكبها، و جعلوا له كلّ يوم خمسين دينارا، و خلعوا عليه و على أصحابه خلعا سنية، و وهبوا له في جملة ما وهبوا دبوس ذهب وزنه ثلاثمائة مثقال.
و سار محمود بمن جمعه من العرب، و معه ابن خان التركي و من انضوى إليه من التركمان، إلى مرج دابق، فخرج عطية إليهم، و جمع جموعا كثيرة من العوفيين و غيرهم، و قصد محمودا و التركمان، في يوم الخميس حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع و خمسين، فالتقوا، فانهزم عطية إلى حلب، و تبعه محمود بمن معه.
و نزل على حلب محاصرا لها و فيها عمه عطية و جاءه ظفر المستفادي رسولا من المستنصر، و هو محاصر حلب، و لقبوه عظيم أمراء العرب عضد الدولة، سيف الخلافة، ذو الفخرين؛ و كان يلّقب أولا عزّ الدّولة، و شمسها؛ فبقي محاصرا حلب مائة يوم و يومين.
ثم سلّمها إليه عمه أسد الدّولة بن صالح بعد حصار شديد و جوع عظيم؛ و أخذ عمه عطية الرحبة، و عزاز و منبج؛ و بالس، و جميع الضياع التي شرقي حلب و شماليها؛ و أخذ محمود حلب و قبليها؛ و اصطلحا صلحا خالصا ذلت به لهما العرب(1).
1) يعد دخول ابن خان حدثا هاما في تاريخ حلب و بلاد الشام، و قد عالجت هذه المسألة و تقصيت ما ورد في مختلف المصادر حول ابن خان هذا. إمارة حلب ص 133- 136.
(1)و دخلها محمود بن نصر يوم السّبت النصف من شهر رمضان سنة سبع و خمسين و أربعمائة، و استقرت ألقابه: الأجلّ، شرف أمراء العرب، سيف الخلافة، معزّ الدّولة و فخرها، و عضدها، ناصر الملك، ذو الحسبين(2)
و عرف محمود بذي الحسبين لأن أباه من كلاب و أمه من نمير.
.و مضى عطيّة إلى الرّحبة و كانت ألقاب عطيّة خالصة الأمراء، عمدة الإمامة، عضد الخلافة، أسد الدّولة و سيفها، ذو العزيمتين.
و أقطع محمود معرّة النّعمان الملك هرون بن خان ملك الترك؛ فدخل
المعرّة يوم الأربعاء السّابع عشر من شوال، سنة ثمان و خمسين و اربعمائة، و وصل معه إليها من التّرك، و الدّيلم، و الكرد، و الأوج(1)مقدار ألف رجل مع حاشيتهم فنزل بالمصلّى.
فما رؤي أعف منهم عن البساتين و الكروم و غيرها، و لم يكونوا يأخذون من أحد شيئا إلا بثمنه؛ و سقوا دوابّهم الماء بثمنه. و فزعت العرب منه فزعا عظيما؛ ثم استدعي إلى حلب و عوّض معرّة النّعمان.
و خرج محمود بن نصر بابن خان و التّركمان، في سنة تسع و خمسين، و معه بنو عوف من بني أبي بكر بن كلاب، فنزل المعشيرة(2)- من بلد حماة- ثم أتى حماة؛ و وطىء جميع العرب و أذلّها.
و كانت العرب تطلب فتنة تقع بينه و بين عمّه عطيّة بن صالح، و كان بحمص، فظنّت بنو كلاب أنّه يحاربه؛ فلم يفعل عطيّة، لمعرفته بغدر العرب به مرة بعد أخرى؛ و أراد أن لا ينهدم مجد آل مرداس.
و في هذه السّنة سلّم حسين بن كامل بن الدّوح «حصن أسفونا»(3)إلى نوّاب المصريّين، بعد أن نهب عسكر التّرك «حناك»(4)و جميع ضياعه بالشّام.
1) الأوج اسم أطلق على المسلمين من سكان الثغور البيزنطية الاسلامية.
2) لعل المعيشرة هي العشارنة الحالية إلى الغرب من شيزر على العاصي.
3) أسفونا الآن تل أثري في جبل الزاوية، ناحية كفر نبل، منطقة معرة النعمان يقع شمال غرب قرية اسمها سفوهن. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
4) حناك- كما سلف القول- خربة أثرية في جبل الزاوية تتبع منطقة معرة النعمان.
و وقع الوباء العظيم بحلب، حتّى أنه مات في رجب من هذه السّنة زهاء عن أربعة آلاف فضلا عن سائر الشّهور.
و فيها طلعت طائفة كبيرة من التّرك، فنزل بعضها على دلوك و تقدم منهم نحو ألف، فنهبوا بلد أنطاكية عن آخره؛ و أخذوا نحو اربعين ألف جاموس. و قيل أكثر، حتى أنّ الجاموس كان يباع بدينار، و أكثره بدينارين و ثلاثة. و أما البقر، و الغنم و المعز، و الحمير، و الجواري، فلم يقع على ذلك إحصاء من الكثرة. و كانت الجارية تباع بدينارين و الصبيّ بتطبيقة نعال للخيل.
و خرب بلد الرّوم خرابا لم يسمع بمثله؛ و بقيت الغلات في البيادر ما لها من يرفعها منهم، حتّى كان الفلاحون و سائر العوامّ يمضي الواحد منهم و يأخذ ما يريد، فلا يجد من يدافعه عن ذاك؛ لإنّ الرّوم تحصّنوا في الحصون و الجبال، و المغاير، و تركوا بيوتهم على حالها لم يأخذوا منها شيئا، لأنّ التّرك أتوهم على غفلة، و كان ذلك في شوال.
و كان مقدّمهم أفشين بن بكجي، و كان قد غضب عليه العادل ألب أرسلان بسبب خادم كان زعيم بعض عساكره، فقتله الأفشين. و قطع الفرات إلى بلد الرّوم، ثم خرج إلى أعمال حلب، و باع الغنائم التي كانت معه.
و نزل في سنة ستين حول أنطاكية؛ و ضاق الشيّء فيها حتى بلغت
الحنطة قفيزين(1)بدينار. فلمّا لم يبق شيء دون فتحها أتته كتب العادل ألب أرسلان من العراق بالرّضا عنه. و قيل إنّ أصحاب مؤونة السّوق بحلب حصل في دفاترهم نحو سعبن ألف مملوك و مملوكة سوى ما بيع بغير مؤونة في بلد الرّوم و سائر البلدان، و أخذ من أصحاب أنطاكية مائة ألف دينار، و مثلها من ثياب الدّيباج و الآلة و سار إلى العراق في جمادى الآخرة من السنة.
و في هذه السّنة سلّم أمير من أمراء المغاربة يعرف بابن المرأة حصن أسفونا إلى الأمير عزّ الدّولة محمود بن نصر بن صالح. و توّلى ذلك الأمير سديد الملك أبو الحسن عليّ بن منقذ.
و في يوم الثّلاثاء السّابع و العشرين من شعبان، فتحت أرتاح بالسّيف؛ و نهب جميع ما فيها و ما في حصنها من الأموال و الذّراري؛ و كان فيها خلق عظيم من النّصرانية لأنّ جميع من كان في تلك المواضع منهم حصل بها لأنّها كانت الكرسيّ لهم هناك. و قتل من رجالها نحو ثلاثة آلاف رجل؛ و قد كان الملك ابن خان حاصرها زهاء خمسة أشهر.
و أتى عسكر عظيم من عساكر الرّوم، فنزل على باب أنطاكية ليصالح الملك ابن خان عن أرتاح و غيرها من بلاهم؛ فلم يتمّ بينهم صلح. و إنّما كان غرض العسكر أن يدسّ إلى أنطاكية غلّة حملت إلى السّويداء(2)لتقويتها.
و كان فتح أرتاح فتحا عظيما لأنّ عملها قريب من أعمال الشّام، من
الفرات إلى العاصي إلى أفامية إلى باب أنطاكية إلى الأثارب. و قيل بأنهم أحصوا إلى شهر رمضان من هذه السنة أنّه افتقد من الرّوم في الدّرب إلى أفامية بحساب قتلا و أسرا ثلاثمائة ألف نفر.
و خرج ملك الرّوم في سنة إحدى و ستّين و أربعمائة إلى ديار الشام فأخذ كثيرا من أهل منبج، و هرب أهلها من حصنها فأخذه، و شحنه رجالا و غلة و عدّة. و سار إلى عزاز فوقف عليها ساعة، و رجع جاولا، و سلّط اللّه عليه و على أصحابه الغلاء، و العلّة، و الوباء. فذكر ملك الرّوم للقاضي القضاعي رسول المصريّين أنّه مات له في يوم واحد ثلاثة آلاف من خيله سوى عسكره.
و قيل: إنّ منبج بقيت في بلد الرّوم سبع سنين، و هذا الملك هو يوجانس(1). و لا يبعد عندي أنّه الذي عناه هرقل بقوله: «لا يعود إليك روميّ إلا خائفا حتّى يولد المولود المشئوم، و يا ليته لا يولد».
و في يوم السّبت أول شعبان من هذه السنة، جمع قطبان أنطاكية و دوقسها المعروف بالنحت جموعا كثيرة. و طلع إلى حصن أسفونا بعملة عملها عليه قوم يعرفونه ببني ربيع من أهل جوزن ففتحوه، و قتلوا كثيرا من رجاله و كانوا ثمانين رجلا، و أسروا الباقين. و كان الوالي به رجلا من الأتراك يعرف بنادر.
1) اسمه رومانوس الرابع، و معنى لقب ديوجانس: حامي الثغور أو الحدود، و سيقع في أسر السلطان ألب أرسلان في معركة منازكرد.
و بلغ الخبر إلى الأمير عزّ الدّولة محمود بن نصر بن صالح، و هو يسير في الميدّان بظاهر مدينة حلب؛ فسار في الوقت يوم الاثنين في التّرك و العرب؛ و لم يدخل البلد، و اجتمع عليه خلق عظيم سمع من يحزرهم بخمسين ألفا؛ فحاصره سبعة أيام، و فتحه يوم السّبت، و قتل جميع رجاله، و كانوا ألفين و سبعمائة؛ و في ذلك يقول أبو محمّد الخفاجي:
إن أظهرت لعلاك «أنطاكيّة»حزنا فقد ضحكت على قطبانها
بعث البريد مخبّرا عن وثبةما كان أحوجه إلى كتمانها
لمّا أطلّ له لواؤك خافقاعرفت وجوه الذّل في صلبانها
و فيه يقول أبو الفضل عبد الواحد بن محمّد الحلبيّ الربعي:
رددت على الاسلام شرخ شبابهو كادت عليه أن تقام المآتم
و ظنّ طغاة الرّوم منذ أغبّهمنزالك أنا حين ذاك نسالم
ثم إنّ محمودا هادن الرّوم في هذه السّنة على أن اقترض منهم أربعة عشر ألف دينار، و على أن يجعل ولده «نصرا» رهنا عليها، و يهدم حصن أسفونا. فأخرج ثابت ابن عمّه معزّ الدّولة و شبل بن جامع، و جمعا النّاس من معرّة النّعمان و كفر طاب و أعمالهما؛ و خربا حصن أسفونا.
و وقعت فتنة بحلب بين الحلبيّين و الأتراك، و قتل من الأتراك نحو أربعين رجلا، و من الحلبيين عشرة. و وصل في سنة اثنتين و ستّين و أربعمائة صندق التركي خارجا من بلد الرّوم، و معه عسكر عظيم؛ و دخل إلى بلد
حلب من الأرتيق إلى الجزر(1)إلى بلد معرّة النّعمان و كفر طاب إلى حماة و حمص إلى رفنية.
و شتوا في هذه السّنة فنهبوا الضّياع و سبوا منها، و عاقبوا من وجد هناك، و فتحوا جباب الغلّة و مدافنها. و قطع القطائع الكثيرة على مواضع امتنعت عليه.
و لقي أهل الشّام من عسكره شدّة عظيمة، و هو أوّل نهب و فساد جرى بالشّام من الأتراك. و لما انقضى زمن الشّتاء عاد إلى بلد الرّوم بعد أن أكرمه محمود بن نصر بتحف و هدايا حملها إليه.
ثمّ إنّ محمود بن نصر بن صالح راسل في هذه السّنة السلطان العادل ألب أرسلان(2)، و استقرّ الأمر بينهما فأجاب مشايخ البلد إلى ذلك فلبس المؤذّنون و الخطيب السّواد، و خطب للامام القائم، و بعده للسّلطان ألب أرسلان، و بعده لمحمود، و لقّب الأمير الأجلّ حسام الدّولة العبّاسية، و زعيم جيوشها الشّاميّة تاج الملوك، ناصر الدّين شرف الأمّة ذو الحسبّين خالصة أمير المؤمنين.
و أمر ابن خان الأتراك بالوقوف على باب الجامع و قتل كلّ من يخرج ممتنعا من الصّلاة و سماع الخطبة؛ فسأله الشّيوخ ألا يفعل خوفا من وقوع
فتنة. و أخذت العامّة الحصر التي في الجامع، و قالوا: «هذه حصر عليّ بن أبي طالب فليجىء أبو بكر بحصر حتى يصلّي عليها النّاس». و كان ذلك يوم الجمعة التّاسع عشر من شوّال سنة اثنّتّين و ستّين و أربعمائة.
و مدحه الشّيخ أبو محمّد بن سنان الخفاجيّ الحلبيّ بقصيدة طويلة، يقول فيها:
ما يصنع الحسب الكريم بعاجزيبنى له الشّرف الرّفيع و يهدم
على أن يخطب محمود بحلّب للإمام القائم خليفة بغداد و بعده للسّلطان العادل ألب أرسلان و بعده لنفسه؛ فوصل إليه نقيب النّقباء أبو الفوارس طراد بن علي الزينبي لإقامة الدّعوة العبّاسية، و معه الخلع من القائم بأمر اللّه و من السّلطان.
فجمع محمود أهل حلب و قال لهم: «قد ذهبت دولة المصريّين و هذه دولة جديدة، و مملكة سديدة و نحن تحت الخوف منهم، و هم يستحلّون دماءكم لأجل مذهبكم، و الرأي أن نقيم الخطبة خوفا من أن يجيئنا وقت لا ينفعنا فيه قول و لا بذل».
و كان ناصر الدّولة بن حمدّان قد تغلّب على مصر، و وقع بينه و بين جماعة من الأمراء بمصر وحشة؛ فأنفذ إليه الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد البخاري المعروف بقاضي حلب- و أظنّ ناصر الدّولة قلّده قضاء حلب حين وردها؛ و وقعت به وقعة الفنيدق، و السلطان ألب أرسلان حين حاصر حلب و هو معه فعرف بذلك- أرسله ابن حمدان رسولا إلى السلطان ألب أرسلان
يستدعي عساكره ليسلّم إليه ديار مصر و يغيّر الدعوة؛ و ذلك في سنة اثنتين و ستّين.
فلمّا ورد عليه الرسول إلى خراسان جهز العساكر العظيمة التي تملأ الفضاء، و وصل معها على طريق ديار بكر، و نزل الرّها في أوّل سنة ثلاث و ستّين، و أقام عليها نيّفا و ثلاثين يوما.
و سيّر الفقيه أبا جعفر قاضي حلب المذكور رسولا إلى محمود بن نصر بن صالح يستدعيه إلى وطء بساطه و خدمته أسوة بمن وفد عليه من الملوك مثل: شرف الدّولة مسلم بن قريش، و ابن مروان، و ابن وثّاب، و ابن مزيد، و أمير التّرك و الديّلم. فلم يجب محمود إلى ذلك، و خاف منه.
فسار عن الرّها إلى الشّام قاصدا محمود بن نصر، فقطع الفرات في النّصف من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و ستّين و أربعمائة، من نهر الجوز(1)و نزل على بعض المروج فأعجبه، فقال له الفقيه أبو جعفر قاضي حلب:
«يا مولانا أحمد اللّه تعالى على هذه النّعمة؛ و هي أنّ هذا النهر لم يقطعه قطّ تركيّ إلا مملوك. و أنت قد قطعته ملكا». فأحضر الأمراء و الأتراك و أمره بإعادة القول. قال: فأعدته، فحمد اللّه تعالى حمدا كثيرا.
و نزل بنقرة بني أسد إلى أرض قنّسرين إلى الفنيدق. و كان نقيب النقباء بحلب لم ينفصل عنها بعد إقامة الدّعوة، فسأله محمود أن يخرج إلى
1) نهر الجوز: ناحية ذات قرى و بساتين و مياه بين حلب و البيرة على الفرات. معجم البلدان.
السّلطان، و يصلح أمره معه، فخرج مستفسرا و متوسّلا. و تلطّف الأمر، و أحسن السفارة. و خاطب السّلطان بأنّه قريب العهد بالخطبة للخليفة، و قد لبس تشريفه.
فقال السّلطان: «أي شيء تساوي خطبته للخليفة و لبس تشريفه، مع ما سبق من شقّه العصا و خروجه عن الطّاعة!» و أبى قبول الشّفاعة فيه بدون وطء محمود بساطه.
فخاف محمود و لم يجب إلى ذلك، و تمادى الأمر نحو شهرين. و حصّن محمود حلب و جفّل الناس من سائر الشام إليها، و حصل الرّعب في قلوبهم هيبة. لما اجتمع إليه من العساكر الجمة، و الجيوش الكثيفة الضخمة. و كان الأمر بخلاف ما ظنّ الناس؛ فإنّه لما أيس من خروج محمود إليه عاد من الفنيدق و كانت خيمته على ذلك التّلّ فعرف بتلّ السّلطان من ذلك اليوم.
و نزل على حلب في آخر جمادى الآخرة من السّنة، و كانت الخيام و العساكر من حلب إلى نقرة بني أسد، إلى عزاز، إلى الأثارب، متقاربة بعضها من بعض، و لم يتعرّض أحد من العسكر بمال أحد، و لا سبيت حرمة، و لا قاتل حصنا.
و بلغني أنّ عسكره العظيم لم يأخذ عليقة تبن من فلاح إلا بثمنه، و أقام محاصرا حلب شهرا و يومين. و لم يقاتلها غير يوم واحد، و قصد المطاولة بالبلد بعد أن أشرف على الأخذ، و قال: «أخشى أن أفتح هذا الثغر بالسّيف
فيصير إلى الرّوم». و نقب برج الغنم، و علّق(1)، فظفر أهل حلب بمن دخل ذلك النّقب و أخذوا بعضهم، و وقع الرّدم على الباقين.
و عصّب الحلبيون برج الغنم بشقة أطلس، و كان السلطان نازلا بميدان باب قنّسرين، فسأل عن ذلك فقيل: «هؤلاء الحلبيّون يقولون على سبيل المزح: قد صدّع البرج رأسه من حجارة المنجنيق فقد عصّبوه». فغضب، و فرّق في تلك الليلة ثمانين ألف فردة نشّاب خلنج(2)، غير ما رماه بقيّة العسكر.
و أصبح و أمر بالزّحف فجدّ النّاس في قتال البلد، و حمل السّلطان بنفسه في ذلك اليوم، فوقعت يد فرسه في خسف كان هناك، و أصاب في الحال رأس فرسه حجر المنجنيق فركب غيره؛ و عاد، و صرف النّاس عن الحرب بعد أن أشرف البلد على الأخذ إبقاء لحرمة البلد، و كان عسكره دائرا بالبلد من جميع وجوهه.
ثم إنّ السّلطان راسل الأمراء من بني كلاب و أحضرهم من البرّيّة، فوصلوا إليه، و عوّل على تقليد بعضهم و تركه في مقابلة محمود و عوده لأجل ما بلغه من ظهور ملك الرّوم إلى بلاد أرمينية عازما على قصد خراسان.
و لمّا علم محمود بأنّ البلد قد أشرف على الفتح، و علم بوصول الأمراء من بني كلاب، و أنّه إن تم ذلك خرج الشّام من يده، فراسل السّليمانيّ-
و كان يتردّد إليه في الرّسالة- يعلمه أنّه قد عزم على وطء بساط السّلطان و خدمته خوفا مما أشرف عليه.
فخرج إلى السّلطان بنفسه، و معه والدته علويّة، المعروفة بالسّيدة، في أوّل شعبان؛ و أخذ مفاتيح البلد معه، فدخلا و العسكر سماطان بين يديه، فخدماه، و سلّما عليه، فأكرمهما، و أحسن اليهما، و قال للسيّدة: «أنت السيّدة؟» قالت: «سيدة قومي»- و قد ذكرنا أنّه جرى لها ذلك مع المستنصر.
و أطلق له البلد، و شرّفه، و خلع عليه، و كتب له توقيعا بحلب، و تردّد خروج محمود إلى خدمته مرّة بعد أخرى؛ و قرّر معه السّلطان أن يخرج بعسكره، و يضيف إليه السّليماني، و أن يتوجّها إلى بلاد دمشق و الأعمال المصريّة لفتحها ففعل ما أمره به، و عاد السّلطان إلى بلاده(1).
و قيل: إنّه خلّف ابنه مع فوج من عساكره بكورة حلب، و قصد ملك الرّوم، و أسرع في السّير لأنّه بلغه أنّ ملك الرّوم خرج في جموع لا تحصى؛ و أنه وصل إلى قاليقلا- و هي أرزن(2)الرّوم- فوصل السّلطان إلى أذربيجان حين بلغه أنّ ملك الرّوم قد أخذ على سمت خلاط، و كان السّلطان في خواصّ جنده، و جموع عساكره بعيدة عنه، و لم ير العود إلى بلاده؛ فسيّر وزيره نظام الملك و زوجته الخاتون إلى تبريز مع أثقاله.
و بقي في خمسة عشر ألف فارس من نخبة عسكره مع كل واحد فرسه و جنيبه؛ و الرّوم في زهاء ثلاثمائة ألف أو يزيدون ما بين فارس و راجل، من جموع مختلفة من الرّوم، و الرّوس، و الخزر، و اللان، و الغزّ، و القفجق، و الكرج و الأبخاز، و الفرنج، و الأرمن. و فيهم خمسة آلاف جرخي(1)و فيهم ثلاثون ألف مقّدم ما بين دوقس، و قومص، و بطريق.
فرأى السّلطان أنّ الإمهال للحشد و الجمع مضرّ؛ فركب في نخبته و قال: أنا أحتسب نفسي عند اللّه؛ و هي إمّا السعادة بالشهادة، و إمّا النصر وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ(2). ثم سار مرتّبا جيشه قاصدا جموع الرّوم.
و كان ملك الرّوم قد قدم مقدّما في عشرين ألف مدرع من شجعان عسكره، و معه صليبهم الأعظم؛ فوصل إلى خلاط، فنهب و سبى، فخرج إليه عسكر خلاط، و معه صندق التركي الخارج إلى بلد حلب، في سنة اثنتين و ستّين- على ما قدّمنا ذكره- فكسره صندق؛ و أسره، و صادف ذلك وصول السّلطان، فأمر بجدع أنفه.
و عجّل إنفاذ الصّلب الذي كان في صحبته إلى نظام الملك، و أمره بتعجيل إنفاذه إلى «دار السّلام» مبشّرا بالفتح؛ و تلاحق عسكر الرّوم، فنزلوا علي خلاط محاصرين لها؛ و نزل الملك على منازكرد فسلّموها إليه بالأمان خوفا
من معرّة جيوشه إن استولوا عليهم؛ و ذلك في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة، سنة ثلاث و ستّين و أربعمائة.
فلما كان يوم الأربعاء سيّر أهل منازكرد، و خرج بنفسه ليشيعهم و هو في جموعه و وافق ذلك وصول العسكر السّلطاني، و وقعت العين في العين، فحمل المسلمون حملة رجل واحد، فردّوهم على أعقابهم. و شرع أهل منازكرد يتسلّلون من بينهم فقتل الرّوم بعضهم، و نجا الباقون، و ترك الرّوم طريقهم الذي كانوا سالكيه، و عاد ملكهم فنزل في مضاربه بين خلاط و منازكرد؛ و باتوا ليلتهم على أعظم قلق و أشدّه.
فلمّا أصبحوا بكرة الخميس وصل السلطان ألب أرسلان في بقيّة عساكره، فنزل على النّهر، و ملك الرّوم على موضع يعرف بالرّهوة في مائتي ألف فارس، و السّلطان في خمسة عشر ألف؛ فأرسل السّلطان رسولا حمّله سؤالا و ضراعة، و مقصوده أن يكشف أمرهم، و يختبر حالهم و يقول لملك الرّوم: «إن كنت ترغب في الهدنة اتممناها، و إن كنت تزهد فيها و كلنا الأمر إلى اللّه عزّ و جل».
فظنّ الرّومي أنّه إنّما أرسله عن ضرورة فأبى و استكبر، و أجاب بأنّي سوف أجيب عن هذا الرأي بالريّ؛ فغاظ السّلطان جوابه، و انقطعت المراسلة بينهما.
و أقام الفريقان يوم الخميس على تعبئة الصّفوف، فقال أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاريّ الحنفي فقيه السّلطان و إمامه: «أنت تقاتل عن
دين اللّه الذي وعد بإظهاره على الأديان، فالقهم يوم الجمعة بعد الزّوال، و النّاس يدعون لك على المنابر في أقطار الأرض».
فلما أصبحوا يوم الجمعة ركب السّلطان بجموعه و ركب الرّوم فتواقفوا، فلمّا حان وقت الزّوال نزل السّلطان عن فرسه، و أحكم شدّ حزامه؛ و تضرّع بالدّعاء إلى اللّه تعالى، ثم ركب و فرّق أصحابه فرقا كلّ فرقة منهم لها كمين؛ ثمّ استقبل بوجهه الحرب.
و حمل ملك الرّوم بجمعه، فاستطرد المسلمون بين أيديهم، و استجرّوا الرّوم إلى أن صار الكمين من ورائهم؛ ثمّ خرج الكمين من خلفهم، و ردّ المسلمون في وجوههم؛ فأنزل اللّه نصره؛ و كسرت الرّوم، و أسر الملك، و استولى المسلمون على عساكرهم، و غنموا ما لا يعدّ كثرة و لا يحصى عددا و عدّة.
و قيد الملك أسيرا بين يدي السّلطان، فأقامه بين يديه. و معه بازي و كلب صيد.
و كانت مع الرّوم ثلاثة آلاف عجلة تحمل الأثقال و المنجنيقات، و كان من جملتها منجنيق بثمانية أسهم تحمله مائة عجلة؛ و يمدّ فيه ألف و مائتا رجل، وزن حجره بالرّطل الكبير قنطار؛ و حمل العسكر من أموالهم ما قدروا عليه.
و سقطت قيمة المتاع و السّلاح و الكراع، حتى بيعت اثنتا عشرة خوذة بسدس دينار؛ و لم يسلم من عسكر الرّوم إلا العسكر الذي كان محاصرا
خلاط، فلما بلغتهم الكسرة رحلوا عن البلد جافلين؛ فاتبعهم المسلمون و تخطّفوا أطرافهم، فلم يلو أوّلهم على آخرهم.
فمن عجيب الاتفاق ما حكى: أنّه كان لسعد الدّولة كوهرائين مملوك أهداه لنظام الملك، فردّه عليه فجعل يرغبه فيه، فقال نظام الملك: «و ما ذا عسى أن يكون من هذا المملوك يأتينا بملك الروم أسيرا»، مستهزئا به.
ثمّ رحل السّلطان إلى أذربيجان، و الملك في قيده، فأحضره السّلطان بين يديه، و سأله عن سبب خروجه و تعريضه نفسه و عسكره لهذا الأمر؛ فذكر أنه لم يرد إلا حلب، و كلّما جرى علي كان محمود السبب فيه و الباعث عليه، فقال: «اصدقني عما كنت عازما عليه أن لو ظفرت بي» فقال: «كنت أجعلك مع الكلاب في ساجور».
فقال السّلطان: «ما الذي تؤثر أن يفعل بك؟» فقال: «انظر عاقبة فساد نيّتي و اختر لنفسك» فرقّ له قلب السّلطان، فمنّ عليه، و أطلقه، و أكرمه، و خلع عليه بعد أن شرط عليه أن لا يتعرّض لشيء من بلاد الاسلام، و أن يطلق أسرى المسلمين كلهم، و سيّره إلى بلاده، و سيّر معه قطعة من العسكر توصله.
فلمّا انصرف ديوجانس إلى قسطنطينية خلعوه من الملك، و لم يتمّ له ما أراد. و قيل: إنّه كحل، و مات بعد مدّة. و لم ينقل أنّه أسر للرّوم ملك في الإسلام قبل هذا(1).
1) جمعت أخبار هذه المعركة الحاسمة من مختلف المصادر عربية و غير عربية، و من ثم قمت بدراستها بموضوعية و تفصيل. انظر كتاب مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 140- 151.
و أمّا محمود بن نصر بن صالح فإنّه سار بعسكره بعد رحيل السّلطان عن حلب، و معه بنو كلاب و السّليماني، في شعبان من هذه السّنة، فنزلوا بالقرب من بعلبكّ قاصدين دمشق و بلادها- و بها يومئذ ابن منزو الكتاميّ- حسب ما تقدّم السلطان إليه، و أقام محمود ليتبينّ ما يفعل.
و كان عمّه عطيّة بن صالح قد صار مع الرّوم مستنجدا بهم على ابن أخيه محمود؛ و بعد أن قصد المصريّين فلم يحصل على شيء منهم. فخرج عطيّة مع النحت دوقس أنطاكية و عسكر الرّوم؛ فهجموا معه معرّة مصرين و أحرقوا بعضها، و قتلوا من قدروا عليه.
و بلغ الخبر محمودا و هو في أرض بعلبكّ فعاد إلى حلب، و سار السليماني ليلحق بالسّلطان ألب أرسلان؛ و اتصلت غارات الرّوم على الشّام، فاستنجد محمود «بقرلو التركيّ» و من معه من الأمراء بفلسطين، و هم: ابن أخي الملك ابن خان، و أتسز بن أوق(1)و إخوته. و كانوا أوّل من طلع من التّرك إلى بلاد فلسطين، و فتحوها، و أقاموا بها فنزلوا إلى محمود منجدين له، و أقاموا إلى أن تفرّق عسكر الرّوم.
و دخل عطيّة عمّ محمود إلى قسطنطينّية، فسقط من سطح كان نائما
1) لأتسز بن أوق ترجمة في المقفى للمقريزي كنت قد نشرتها في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 265- 268.
عليه و هو سكران؛ فمات سنة أربع و ستّين- و سار محمود إلى الرّحبة فأخذها- و حمل إلى حلب و دفن بها غربيّ باب الجنان، في مشهد أمه طرود قبلي بستان النّقرة، و صلى عليه ابن أخيه محمود. ثمّ عاد الأتراك بعد أن حمل إليهم محمود مالا و خيلا.
و في سنة أربع و ستّين و أربعمائة، تغيّرت أخلاق محمود بعد رحيل السّلطان، و تنكّر لأصحابه؛ و تغيّر على وزيره أبي بشر النّصراني؛ و كان هو الذي ساعده بماله حتى ملك حلب، و استجذب العرب إليه، و كان القائد أبو الحسن بن أبي الثريا- الذي كان وزير عطيّة- قد سعى به ليلي وزارة محمود، و طالبه بمال جليل.
و كان محمود قد رغب في جمع المال، و غلب عليه حبّ الدنيا فذكر له أبو بشر أنه عاجز عن أداء ما طولب به، و أنّه ممّا لا تصل يده إليه و لا إلى بعضه. فأمر محمود بقتل ولد كان لأبي بشر و بقتل أخيه؛ فقتلا و قطع رأساهما، و علّقا في عنقه؛ فسمع أبو بشر و هو يقول:
ويح دهري ما أمرّهما وفى خير بشرّه
و حلف أبو بشر أنه بعد ما فعله بابنه و أخيه لا يظهر له شيئا من ماله.
و قال: كلّ من عنده شيء مودع فهو في حلّ منه و سعة.
و ندم محمود على ما فعل، و أراد الرّجوع له؛ و أرسل إليه شافع ابن الصّوفي أن يقرّر عليه شيئا و يطلقه فامتنع.
و اتّفق أنّ محمودا اصطبح، و قدّم إليه طعام بعد سكره، فأنفذ منه لأبي بشر مع فرّاشه؛ فقام قائما و قبّل الأرض، و شكر و دعا. فعرف ابن أبي الثّريا، فركب، و لقى الفرّاش و دفع إليه مائة دينار؛ و سأله أن يقول لمحمود:
«إنّ هذا شيخ خرف لأنه لم يقبل طعام مولانا، و قال: كافأه اللّه و عجّل عليه». ففعل الفرّاش ذلك.
و دخل ابن أبي الثّريا عقيبة على محمود؛ و جاراه في حديث لا يتعلّق بأبي بشر فلم يقبل عليه، و وجده مملوء القلب غيظا من جواب الفرّاش. فقال ابن أبي الثّريا: «اللّه لا يشغل لمولانا خاطرا، فما أراه منبسطا في مجلسه و لا مصغيا إلى المملوك». فحدّثه بما قال الفرّاش، فقال يا مولانا: «لم تزل إليه محسنا و يقابلك بالإساءة فكيف يكون بعد ما جرى عليه و على ابنه و أخيه ما جرى؟
و أنا أدري أنك تريد ماله؛ و قد تكرّر قوله أنّه لا يعطيك شيئا». قال محمود:
«هذا سيفي و خاتمي، خذهما و امض إليه فان لم يقرّ بشيء فاقتله».
فقام ابن أبي الثّريّا من عنده بذلك، و اشتغل محمود بالشرب فلها عنه؛ و أحضر ابن أبي الثريا أبا بشر فلم يطالبه بمال بل قال له: «ما زلت تتجلّد حتّى صرت إلى هذه الحال». فقال: «يا قائد السّوء قد علمت أنّ هذا كلّه من سعيك؛ و الأجل لا مردّ له، و هذا موت الشّهداء؛ و لكن استعدّ لرجلك بحبل، فستموت ميتة الكلاب، و تجرّ جيفتك إلى الخندق».
و قتل أبو بشر، و رمي وسط بئر بستان القصر. و صعد الوزير أبو نصر بن النحاس ثاني يوم قتل أبي بشر إلى خدمة محمود، فقال له سرّا:
«تمضي إلى أبي بشر لتقرير ما عليه، و يطلق». فقال: «يا مولانا أو ما قد قتلته».؟ فأطرق محمود ساعة و قال: «تمّت عليّ و عليه الحيلة، و يجب يا أبا نصر أن تكتم هذا الأمر».
قال أبو نصر: «فما حدّثت به إلا بعد موت محمود». و استقلّ ابن أبي الثريا بوزارة محمود.
و أما سديد الملك أبو الحسن بن منقذ فإنّه استشعر من تاج الملوك أن يقبضه- و كان أخاه من الرّضاعة- فاجتمع باسباسلار(1)أبي حرب- المعروف، بخريبة الفافا- و كان صاحب سرّ محمود و نديمه، و كان لابن منقذ إليه إحسان كثير و صنائع جمّة؛ فقال له: «قد استشعرت من تاج الملوك فانظر ما تعمله معي». فقال: «تكلّفني أن يقول الأمير أريد أقبض على فلان فأخبرك بذلك؛ لا واللّه، و لكن أنا أنفذ إليك مع عجوز عندي ألفي دينار؛ فإذا نفذت طلبتها منك فشأنك و نفسك».
فبقيت تلك الدّنانير عنده مدّة ثمّ نفّذ العجوز يطلبها، و كان قد أصلح حاله للسّفر، فدفع إليها الدّنانير، و ركب من يومه، و خرج من حلب إلى كفر طاب فاستصحب منها ما أراد.
و سيّر حسين بن كامل بن الدوخ إلى سديد الملك بن منقذ يسأله الاجتماع به فاجتمعا؛ فقال له حسين: «ايش رأيك في الدّخول إلى حلب؟»
1) الاسباسلار أو الاسفهلار فارسية تعني القائد.
فقال: «ما أقول لك شيئا لأنّ لك مالا عظيما، فإن أشرت عليك بتركه كنت ملوما عندك، و لكنّي أقول لك ما أعمل، و أنت ترى رأيك. و اللّه لا نظرت محمودا أبدا»!.
و سار إلى طرابلس فكتب محمود إلى ابن عمار يأمره بالقبض عليه، و يبذل له ثلاثة آلاف درهم و رفنية فلم يظفر به.
و سار ابن منقذ حتى وصل إلى طرابلس في سنة خمس و ستّين، فلقي ابن عمّار و أخاه، فكاتبهما محمود فتنكّرا له.
و عزم ابن منقذ على الطلوع إلى مصر، فاتفق موت أمين الدّولة ابن عمّار فشدّ ابن منقذ من جلال الملك علي بن عمار و عاضده بمماليكه و من طلع معه من أهل كفر طاب؛ فأخرجوا أخا أمين الدّولة؛ و تولّى جلال الملك؛ و عظم محلّ ابن منقذ عنده حتّى كان حكمه في طرابلس مثله. و كاتبه محمود بتطييب قلبه، فلم يثق به، و لم يعد إلى حلب حتّى مات.
و قيل: إنّ ابن النحاس، كاتب محمود، كتب إليه كتابا من نفسه يضمن له فيه الرّضا عن محمود، و كتب في آخر: «إنّ شاء اللّه» و شدّد النّون من «إنّ»؛ ففطن ابن منقذ بأنه أراد قوله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ(1)فكتب جوابه: «و كتب إنّا الخادم» و كسر الألف، و شدّد النّون من «إنّا»؛ ففطن ابن النّحّاس بأنّه أراد قوله تعالى: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها(2).
و أما محمود فإنه لما يئس من عود أبي الحسن بن منقذ قبض على أملاكه جميعها. و أمّا حسين بن الدّوخ فانه دخل إلى حلب فقتله محمود و لم يمهله.
و كان محمود قد خطر له أن يولي في كلّ قلعة من قلاعه رجلا من أهل حلب، و تكون ذريته و أهله تحت يده، و طلب من الوزير ابن أبي الثريا أن يختار له من يوليه عزاز، فقال: «لا أجد لذلك إلا أبا محمد بن سنان الخفاجيّ». و كان أبو نصر ابن النحاس حاضرا، فصوّب الرأي فيه.
فأحضره محمود و ولاه بعد أن امتنع ثمّ أجاب.
ثمّ إنّه استوحش عليه فاستدعاه محمود عدّة دفعات إلى حلب، فتعلل عليه و لم يحضر، و كان أبو نصر بن النحّاس صديقه و كان كاتب محمود؛ فكان يكتب إليه و يحذّره.
فأمره في بعض الأيّام أن يكتب إليه كتابا يتلطّفه و يأمره بالحضور و الكتاب عن أبي نصر؛ لأنّه كان يعلم ما بينهما من المودّة؛ و أمره أن يضمن له عن محمود كلّ خير؛ و أمره أن يكتب الكتاب بين يديه، و لم يقع له أن يلغز فيه شيئا.
قال أبو نصر: «فما قدرت أن أعمل فيه سوى أن شددت النّون من (إن شاء اللّه)؛ و تناهيت في لفظ الكتاب، و قلت: لو عرفت ضدّ ما كتبت لما كنت بصورة من يغشّه». و أخذ محمود الكتاب و وقف عليه، و كرّر فيه نظره فرآه كافيا شافيا، فأمر بالصاقه و عنوانه؛ و دفعه لبعض أصحابه و وصّاه أن يقول:
«هذا كتاب دفعه إليّ أبو نصر بداره». و سار الفرّاش.
فلما وقف أبو محمد عليه كرّر فيه نظره، و بقي متعجّبا منه، و يقول:
«أخي أبو نصر أعطاك الكتاب بداره أم بالديوان أم بالقلعة قدّام الأمير؟» فقال: «بل بداره» فقال: «ما هذا صحيح!» فحلف له فلم يصدقه إلى أن قال: «وقعت على المعنى». و كتب جوابه يذكر فيه شكر أبي نصر، و أنّه مهتمّ بالحضور عندد زوال حمّى جسمه. ثم إنّه كاتب أبا نصر خفية، و أعلمه أنه عثر على المعنى في تشديد «إنّ».
و قد ذكرنا أنه جرى له ذلك مع ابن منقذ فيحتمل أن يكون وقع ذلك معهما جميعا.
ثم إنّ محمودا أفكر و قال: «ما أعرف قتله إلا منك»؛ فقال: «كيف؟» قال: «تمضي إليه اليوم و معك ثلاثون فارسا يقفون لك في بعض الطّريق، و تقدم منك إليه من يعلمه بوصولك و معك في رانك هذه الخشكنانة(1)و معك أنت خشكنان غيره؛ فإذا فعلت ذلك لا بدّ أن ينزل و يلتقيك من قلعة عزاز، و يعرض عليك الصعود و النّزول عنده، فقل له: أنا موجل و مستحلف أن لا أنزل على الأرض، و لا آكل لك طعاما؛ و طوّل الحديث معه إلى أن تعلم أنه قد جاع؛ ثم اذكر أنت الجوع و اخرج لك خشكنانة من الذي معك؛ ثم أخرج المسمومة فادفعها إليه، و كل أنت التي لك، و تحدّث معه و يكون حديثكما على فرسيكما و أنتما بمعزل من أصحابكما، و طوّل معه الحديث و لا تبرح حتّى يستوفي أكلها، و علامة صدقك موته؛ و إلا ضربت عنقك».
1) من أنواع الخبز يصنع من الدقيق و الزبد و الفستق و السكر أو سواه.
قال أبو نصر بن النحاس: فنزل عليّ من ذلك أمر تمنيت الموت معه، فخرجت و أنا على غاية من الجزع و التأسّف كيف قضى اللّه ذلك على يدي، و جعلت دفعة أعوّل على الهرب؛ ثمّ إنّي أفكّر في أولادي و أهلي، و إنّني إن فعلت ذلك أهلكتهم لعلمي بظلم صاحبي؛ ثمّ إنّ الفرسان متوكّلة بي.
فلمّا اجتمعت به فعلت ما ذكره لي، ثمّ ودّعته عند استيفاء أكل الخشكنانة، و رجعت من موضعي مبادرا؛ و أبعدت من أرض عزاز، و ركبت جنيبا كان معي، و جدّيت في السّير خوفا من الطّلب.
و صعد أبو محمد إلى المركز، فوجد مغصا شديدا و رعدة؛ ثمّ قال:
«قتلني أخي أبو نصر اطلبوه». فركبت الخيل خلفه فلم تلحقه.
و وصل أبو نصر فاجتمع بمحمود، فعرّفه ما جرى. فلمّا كان من ذلك الغد وصل رسول من عزاز يستدعي الشّريف النقيب أبا المعالي الفضل بن موسى و ابنه سنان بن أبي محمّد الخفاجيّ، و جماعة من أهله. و ذكر الرسول أنه في السّياق، فمنع محمود ولده من الخروج؛ و أمر الشّريف أن يتولّى القلعة إلى أن ينفذ إليها واليا؛ فولاها بعد خمسة أيام واحدا من أصحابه.
و توفي أبو محمد في قلعة عزاز في سنة ستّ و ستّين و أربعمائة؛ و قيل سنة أربع و ستّين- و هو الصّحيح- و حمل إلى حلب؛ و صلّى عليه الأمير محمود بن صالح؛ و قيل: إنه توفي سنة ثلاث و ستّين- و الأوّل أصحّ- و لمّا أحسّ بالموت عمل:
خف من أمنت و لا تركن إلى أحدفما نصحتك إلا بعد تجريب
إن كانت التّرك فيهم غير وافيةفما تزيد على غدر الأعاريب
تمسّكوا بوصايا اللّؤم بينهمو كاد أن يدرسوها في المحاريب
و قيل: إنّه كان كتبها أبو محمد من عزاز إلى سديد الملك بن منقذ، و يذكر له في كتابه أحواله و لجاج محمود في طلبه، و تغيّر نيّته فيه، و خوفه من غائلته و ظلمه.
و في سنة خمس و ستّين و أربعمائة- و قيل في شوّال سنة أربع و ستّين- وفد أبو الفتيان بن حيّوس على محمود بن نصر بن صالح، و كان سديد الملك بن منقذ اجتمع به بطرابلس، و رأى نفور بني عمّار منه لأجل ميله إلى الدّولة المصريّة، فأشار عليه أن يقصد محمودا بحلب، فقصده صحبة نصر بن سديد الملك بن منقذ، فأحضره محمود.
و كان قد جلس في مجلسه و أمر باحضار الشّراب فشرب أقداحا، ثم قال: «ارفعوا الخمر فإنّ ابن حيّوس يحضرني ممتدحا، و في نفسي أن أهبه جائزة سنيّة فإن كان الشّراب في مجلسي قيل وهبه و هو سكران» فرفع. و حضر الأمير أبو الفتيان فأنشده قصيدته الميميّة التي أوّلها:
قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمّماو لا تقتفوا من جار لمّا تحكّما
أرى كلّ معوجّ المودّة يصطفىلديكم، و يلقى حتفه من تقوّما
و هي قصية طويلة، أحسن فيها كلّ الإحسان، و ذكر إشارة ابن منقذ عليه بقصده فقال:
سأشكر رأيا منقذيا أحلّنيذراك فقد أولى جميلا و أنعما(1)
فوهب له ألف دينار ذهبا في صينيّة فضّة، و جعلها له رسما عليه في كل سنة.
و احتفر الخندق بحلب فجاءه أبو الفتيان فقال: «هذه أعمال يعجز عنها كسرى و ذو الأكتاف». فقال محمود: «ما كان الأمير أبو الحسن ينفذك حتّى سألته ذلك»(2).
و اجتمع بباب محمود بن نصر جماعة من الشّعراء، فلم تصل إلى واحد منهم جائزة غير ابن حيّوس، فكتب إليه ابن الدّويدة، المعروف بالقاق:
على بابك الميمون منا عصابةمفاليس فانظر في أمور المفاليس
و قد قنعت منك العصابة كلّهابعشر الذي أعطيته لابن حيّوس
و ما بيننا هذا التّفاوت كلّهو لكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فقال محمود: «و اللّه لو قال بمثل الّذي أعطيته لأعطيتهم مثله». ثمّ أمر لهم بالجائزة مائة دينار أو أكثر.
و قصد الرّوم ناحية عزاز في جموعهم، فخرج محمود إليهم في عدّة قليلة تناهز ألف فارس، فاندفع الرّوم بين أيديهم، و قصدوا أنطاكية و احتموا بها في سنة أربع و ستّين. و افتتح محمود قلعة السّن(3)في تاسع شهر ربيع الآخر سنة ستّ و ستّين.
و مرض محمود بن نصر بن صالح بحلب في جمادى الأولى من سنة سبع و ستّين و أربعمائة. و حدثت به قروح في المعا كانت سبب منيّته.
و كان محمود في أول ملكه حسن الأخلاق، ليّن الجانب، كريم النفس، عفيفا عن الفروج و الأموال، ثم تنكّر و زاد عليه حبّ الدّنيا، و جمع المال فلحقه من البخل ما لا يوصف.
[إمارة نصر بن محمود](1)
و أوصى بحلب لابنه شبيب- و كان أصغر أولاه- فلم ينفذ أصحابه وصيّته؛ و ملّكوا حلب ولده الأمير نصر بن محمود؛ و جدّه لأمّه الملك العزيز بن جلال الدّولة بن بويه؛ و أحصي ما وجد في خزائن محمود فكانت قيمته من العين و المتاع و الآلات، و الثّياب، و المراكب ألف ألف و خمسمائة ألف دينار.
و أمن الناس في أيام نصر. و كانت سيرته أصلح من سيرة أبيه، و أحسن إلى أهل حلب؛ و أطلق من كان في اعتقال أبيه من أحداثهم، و عمّ النّاس بجوده، و كان بحرا للمكارم إلا أنّه كان لا يستطيع أن يرى أحدا يأكل طعامه مع كرمه و جوده.
و دخل عليه أبو الفتيان بن حيّوس حين ولي حلب فأنشده القصيدة التي أوّلها:
كفى الدّين عزّا ما قضاه لك الدّهرفمن كان ذا نذر فقد وجب النّذر
1) أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.
اعتذر فيها عن تأخّره عن سلفه فقال:
تباعدت عنكم حرفة لا زهادةو سرت إليكم حين مسّني الضرّ
فجاد ابن نصر لي بألف تصرّمتو إنّي لأرجو أن سيخلفها نصر(1)
فأطلق له نصر ألف دينار، و قال: «و حياتي، لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها». و لم يزل يواصل ابن حيوس بالحباء و جزيل العطاء، و أنشده ابن حيّوس يوما بديها و قد خرج ينظر المدّ في قويق:
أرى الأرض تثني بالنّبات على الحياو لو تستطيع النّطق خصّتك بالحمد
بك افترّت الأيّام عن ناجذ الغنىو غرّد طير العيش في الزّمن الرّغد
عهدنا مدود الأرض تأتي بحورهاو لم نر بحرا قطّ سار إلى مدّ(2)
فأعطاه صلة جزيلة.
و جهّز نصر عساكره إلى منبج صحبة أحمد شاه(3)، و كانت في أيدي الروم؛ فحصرها مدّة؛ و أيس و اليها من نجدة تأتيه، فسلّمها في صفر من سنة ثمان و ستّين و أربعمائة، فقال في ذلك ابن حيّوس من قصيدة:
و طريدة للدّهر أنت رددتهاقسرا فكنت السّيف يقطع مغمدا(4)
و وصل في سنة ثمان و ستّين و أربعمائة أتسز بن أوق التركي إلى أعمال
حلب القبلية؛ و نزل العاصي على الجلالي؛ و جفل أهل الشّام بين يديه- و كان قد سمّى نفسه الملك المعظّم- فنهب كلّ ما قدر عليه، و ملك رفنية، و سلّمها إلى أخيه جاولي، و تردّدت سراياه في جميع الشّام، و تمادى فساده.
و تردّدت الرّسل بينه و بين نصر بن محمود صاحب حلب، فلم يستقرّ بينهما أمر، و عاد إلى دمشق فتسلّمها(1).
و اعتمد جاولي مدّة مقامه برفنية إساءة المجاورة؛ و شنّ الغارات و الأذى في الأعمال القبلية من عمل حلب؛ فجهزّ إليه نصر بن محمود عسكر حلب و مقدّمهم أحمد شاه التّركي، و ذكر أنه شيبانيّ فسار إليه، و التقوا بأرض حماة، فكسره جاولي و غنم عسكره.
و عاد أحمد شاه و نزل مذكين(2)و جمع إليه من سلم من عسكره، فلما اجتمعوا عوّلوا على العوة إلى حلب، فقال لهم أحمد شاه: «ما بقي لنا وجه إلى حلب بعد هذه الكسرة، فإن راجعتم الحرب و أظفرنا اللّه بهم كان الأمر لنا بحكم الظّفر، و إن أبيتم فأنا أسير إلى الفرات و أستدعي أهلي، فما لي وجه ألقى به نصر بن محمود؛ و إنما أعطى و منح و أكرم لمثل هذا الموقف».
فأجمعوا أمرهم على معاودة الحرب فأسرى من موضعه إلى عسكر جاولي، و كبسه، فاستثأر منهم؛ و نهب عسكره، و أسر منهم ما يزيد عن ثلاثمائة
نفس؛ و سيّرهم في الوثاق إلى حلب مشاة؛ و هرب جاولي إلى رفنية؛ و سار بعد ذلك إلى أخيه بدمشق.
و كان نصر حين ملك حلب و استقر بها أمر بقتل وزير أبيه أبي الحسن عليّ بن أبي الثريا القائد، صاحب الدّار التي هي المدرسة العصرونية؛ فقتل و كان راكبا تحت القلعة، و هو في حشمه على بغلته، و عمل في رجله حبل و جذبت جثّته من تحت القلعة إلى باب أنطاكية، جزاء على ما فعله بأبي بشر، و صدق فأل أبي بشر فيه- على ما ذكرناه- و كان نصر قد اتّهمه بأنه أشار على أبيه أن يولي أخاه الأصغر شبيبا، و كذلك قتل نصر ناجية بن عليّ أحد ولاة أبيه.
و استوزر نصر أبا نصر محمد بن الحسن التميميّ المعروف بابن النّحاس الحلبيّ، و بقي وزيرا بعده لسابق أخيه إلى أن اعتقله، ثمّ أطلق.
و كان أبو نصر كاتبا لمحمود قبل وزارته.
و في يوم عيد الفطر من سنة ثمان و ستّين و أربعمائة، عيّد نصر بن محمود، و هو في أحسن زيّ، و كان الزمان ربيعا و الأرض نضرة؛ و احتفل الناس في عيدهم و تجمّلوا بأفخر ملابسهم؛ و دخل عليه ابن حيّوس فأنشده قصيدة منها:
ضفت نعمتان خصّتاك و عمّتاحديثهما حتّى القيّامة يؤثر(1)
1) ديوان ابن حيوس ج 1 ص 269.
و قبض نصر على الأمير أحمد شاه التركيّ، و اعتقله في القلعة؛ و جلس فشرب إلى العصر؛ و حمله السّكر على الخروج إلى الأتراك، و سكناهم في الحاضر، و أراد أن ينهبهم، و حمل عليهم، فرماه تركيّ بسهم في حلقه فقتله، و تبعه أصحابه فوجدوه قد مات؛ و ذلك يوم الأحد مستهلّ شوال من سنة ثمان و ستّين و أربعمائة. و كان نصر أهوج(1).
1) امارة حلب ص 151.
[إمارة سابق بن محمود](1)
و زحفت الأتراك إلى البلد و كان والي القلعة رجلا يقال له ورد، و عنده الأمير سديد الملك أبو الحسن بن منقذ، و كان قد عاد من طرابلس إلى حلب في أيّام نصر؛ و عندهما جماعة من الخواصّ؛ فلما علموا بذلك استدعوا أخاه سابق بن محمود(2).
و حمل من العقبة(3)، و كان ساكنا بها في الدّار التي تنسب إلى عزيز الدّولة فاتك، و رفع إلى القلعة بحبل من السّور، و هو سكران، و نادوا بشعاره، و أطاعه الأجناد، و أشاروا عليه باطلاق أحمد شاه فأطلقه في الحال، و خلع عليه.
فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكّن النائرة(4)، و أخمد الفتنة،
و استقرّت قاعدة سابق؛ و لقّب عزّ الملك أبو الفضائل، و دخل عليه ابن حيّوس فأنشده قصيدة أولها:
عليّ لها أن أحفظ العهد و الودّاو إن لم يفد إلا القطيعة و الصدّا(1)
فأطلق له سابق ألف دينار، و جعل له في كل شهر ثلاثين دينارا، و كان سابق من متخلّفي بني مرداس.
و لما ملك سابق اجتمعت بنو كلاب إلى أخيه وثّاب؛ و عوّلوا على معونته عليه و أخذ حلب له من أخيه سابق و انضاف إلى وثّاب أخوه شبيب بن محمود، و مبارك بن شبل ابن خالهما، و عامّة بني كلاب.
فلمّا تحقّق سابق ذلك استدعى أحمد شاه أمير الأتراك، و كان في ألف فارس و شاوره، فأنفذ أحمد شاه إلى رجل من الأتراك يعرف بابن دملاج- و اسمه محمّد بن دملاج- في يوم الأربعاء مستهلّ ذي القعدة، من سنة ثمان و ستّين.
و تحالفوا و خرجوا إلى وثّاب و بني كلاب، في يوم الخميس مستهلّ ذي الحجة من سنة ثمان و ستين و أربعمائة، و كان بنو كلاب في جمع عظيم ما اجتمعوا قط في مثله. يقال إنّهم يقاربون سبعين ألف فارس و راجل، و كانوا قد عاثوا في بلد حلب، و كانوا نزولا بقنّسرين، فعند معاينتهم الأتراك انهزموا من غير قتال و خلّفوا حللهم و كلّ ما كانوا يملكونه و أهاليهم و أولادهم.
1) ديوان ابن حيوس ج 1 ص 144.
فغنم أحمد شاه و أصحابه و محمّد بن دملاج و أصحابه كلّ ما كان لبني كلاب. فيقال: إنهم أخذوا لهم مائة ألف جمل و أربعمائة ألف شاة، و سبوا من حرمهم الحرائر جماعة كبيرة، و من إمائهم أكثر، و كل ما كان في بيوتهم. و عفوا عن قتل عبيدهم المقاتلة، و كانوا يزيدون عن عشرة آلاف عبد مقاتل فلم يقتلوا أحدا منهم، و كان الذي غنمه التّرك من العرب في ذلك اليوم ما لا يحصى كثرة؛ و أسروا جماعة منهم.
و عاد أحمد شاه بالأسرى إلى حلب فتقدّم سابق بن محمود باطلاقهم، و أنزل أخته زوجة مبارك بن شبل في دار، و أكرمها لأنّها كانت فيمن أخذ ذلك اليوم.
و بعد هذه الهزيمة بثلاثة عشر يوما دعا محمد بن دملاج التركي أحمد شاه، فخرج إليه، و كان نازلا شمالي حلب؛ فلما أكلوا و شربوا قبض محمّد بن دملاج على أحمد شاه و أسره؛ و كان في نفر قليل فأقام في أسره تسعة أيام.
1) امارة حلب ص 152- 153.
[التسلط التركماني](1)
ثم إن سابق بن محمود اشترى أحمد شاه من محمّد بن دملاج بعشرة آلاف دينار و عشرين فرسا، يوم السّبت الرابع و العشرين من ذي الحجة من السّنة.
فعند ذلك سار وثّاب بن محمود و مبارك بن شبل، و حامد بن زغيب، إلى السّلطان أبي الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان؛ و حضروا عنده، و شكوا إليه حالهم، و سألوه أن يعينهم على سابق، و يكشف عنهم ما نزل بهم منه.
و أنكر السّلطان ذلك و وعدهم بما طابت به نفوسهم، و وقع لهم باقطاعهم في الشّام؛ و أقطع الشّام لأخيه تاج الدولة تتش، و أمره بالمسير إلى الشّام في أوائل سنة سبعين و أربعمائة.
و تقدّم السّلطان ملك شاه إلى أفشين بن بكجي، و صندق التركي، و محمّد بن دملاج، و ابن طوطو، و ابن بريق، و غيرهم، من أمراء التّرك بالكون مع تأج الدّولة و المسير في خدمته.
1) أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.
فسار تاج الدّولة و معه وثّاب بن محمود، و مبارك بن شبل و حامد بن زغيب، حتّى وصل إلى ديار بكر، و تواصلت إليه الأمداد مع المذكورين.
و كان أحمد شاه قد حصر أنطاكية مدّة و معه عسكر حلب و اشتدّ الغلاء بها في هذه السّنة، و استقرّت الحال على خمسة آلاف دينار مقاطعة، فأخذها، و رحل عنها إلى حلب.
و لما قرب تاج الدّولة من الشّام هرب جماعة الأتراك المقيمين بحاضر حلب مع أحمد شاه إلى حصن الجسر- و كان ابن منقذ جدّد عمارته ليضايق به شيزر، و يقطع المادّة عنها من بلد الرّوم؛ و أذن له سابق بن محمود في ذلك، فجدّد في هذه السّنة- فتركوا أموالهم و أهاليهم بهذا الحصن، و عادوا إلى خدمتهم بحلب، و لم يأمنوا أهل حلب أن يتركوا حرمهم عندهم لما كانوا فعلوه بابن خان؛ و تغيّر الهواء بالجسر عليهم، فهلك عامّتهم بهذا الموضع.
و أما تاج الدولة تتش فإنه أقام بالمروج إلى أن وصلته بنو كلاب بالظّعن، و نزلوا حلب في سنة إحدى و سبعين و أربعمائة.
و وصل شرف الدّولة أبو المكارم مسلم بن قريش في عسكر كثير بأمر ملك شاه، و نزل معه على حلب معينا له، و حصروها ثلاثة أشهر و عشرين يوما؛ و كان نزوله على حلب لثلاث خلون من ذي القعدة من سنة إحدى و سبعين و أربعمائة. و كان القتال عليها متّصلا.
و قتل أحمد شاه مقدّم الأتراك بحلب بطعنة أصابته في الحرب، و كان هوى شرف الدّولة أبي المكارم مع سابق، و كان يسير إليه في الباطن بما يقوّي
نفسه، و كان ينكر على بني كلاب خلطتهم بعسكر التّرك.
فاستأذن بنو كلاب تاج الدّولة في رحيل الظعّون فأذن لهم فأحسّ شرف الدّولة أبو المكارم بتغيّر النيّة فيه، و تحقيق التهمة به من مراسلة سابق و أهل حلب، فاستأذن تاج الدّولة في الرّحيل، و رحل. و جعل عبور عسكره على باب حلب، و باع أصحابه أهل حلب كلّ ما كان في العسكر عصبية و تقوية لهم، و قوّى نفوسهم و نفس سابق.
و سار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عسكره بعد الضّعف الشديد إلى بلاده؛ و أشار على مبارك و وثّاب و شبيب بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب إلى حلب.
و لم يك بقي مع تاج الدّولة من بني كلاب غيرهم في نفر يسير، فكاتبهم سابق و تألفهم و قال لهم: «إني إنّما أذبّ و أحامي عن بلادكم و عزّكم، و لو صار هذا البلد إلى تتش لزال ملك العرب و ذلّوا» و جرت أمور أوحشتهم من الأتراك؛ فهربوا إلى حلب بعد أن قتل أصحابهم قبل الهزيمة و بعدها، و صاروا إلى سابق.
و كتب سابق إلى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي نصر بن النّحاس، يعرّفه ما هو فيه من الضّيق، و يسأله الإقبال عليه و القيام بمعونته؛ و يحذّره من التخلّف عنه، فيكون ذلك مسببا لزوال ملك العرب، و يعتب عليه في التوقف عنه فيما كان جرى مع أحمد شاه التركيّ، و القصيدة هي:
دعوت لكشف الخطب و الخطب معضلفلبّيتني لمّا دعوت مجاوبا
و وفّيت بالعهد الذي كان بينناوفاء كريم لم يخن قطّ صاحبا
و ما زلت فرّاجا لكلّ ملمّةإذا المحرب الصّنديد ضجّع هائبا
فشمّر لها و انهض نهوض مشيّعله غمرات تستقلّ النّوائبا
و قل ل «كلاب»: بدّد اللّه شملكمأو يحكم ما تتّقون المعايبا!
أتستبدلون الذّلّ بالعزّ ملبساو تمسون أذنابا و كنتم ذوائبا
و ما زلتم الآساد تفترس العدىفما بالكم مع هؤلاء ثعالبا
ثبوا وثبة تشفي الصّدور من الصّداو لا تخجلوا أحسابنا و المناقبا
و لا بدّ من يوم نحكّم بينناو بين العدى فيه القنا و القواضبا
أرى الثّغر روحا أنتم جسد لهإذا الرّوح زالت أصبح الجسم عاطبا
و قد ذدت عنه طالبا حفظ عزّكمإباء و لاقيت المنايا السّواغبا
و ها أنا لا أنفكّ أبذل، في حمىحماكم مجدّا، مهجتي و الرّغائبا
أأدخر مالي عنكم و ذخائريإذا بتّ عن طرق المكارم عازبا
شكرت صنيع «ابن المسيّب» إذ أتىيجرّ مغاويرا تسدّ السّباسبا(1)
و منها:
أيا راكبا يطوي الفلاة بجسرةهملّعة(2)لقّيت رشدك راكبا
ألا أبلغ «أبا الرّيّان» عني ألوكةتزيح من الإيلاف ما كان واجبا
أخا شخصه لا يبرح الدّهر حاضراتمثّله عيني و إن كان غائبا
متى تجمع الأيّام بيني و بينهأشدّ عليه ما حييت الرّواجبا(3)
و أهد إلى «شبل» سلامي و قل له:لك الخير دع ما قد تقدّم جانبا
فتلك حقود لو تكلّم صامتلجاء إليها الدّهر منهنّ تائبا
و قد أمكنتكم فرصة فانهضوا لهاعجالا و إلا أعوز الدرّ جالبا
فإنّي رأيت الموت أجمل بالفتىو أهون أن يلقى المنايا مجاوبا
و كان قد بلغ «سابقا» أنّ أميرا من أمراء خراسان يقال له تركمان التّركيّ قد توجّه منجدا لتاج الدّولة، و معه عسكر، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلابي- أحد أمراء بني كلاب- من حلب ليلا، و أعطاه كتابه إلى الأمير أبي زائدة، و فيه هذه الأبيات؛ و معه بعض أصحاب سابق و معهم مال.
فلمّا وقف الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة على هذه الأبيات، اتّفق مع منصور و نائب سابق، و جمعوا ما يزيد عن ألف فارس و خمسمائة راجل من بني نمير، و قشير، و كلاب، و عقيل، و كلّ ذلك بتدبير الأمير شرف الدّولة أبي المكارم و مشورته.
و وفد بهم الأمير أبو زائدة، و وصلوا إلى «وادي بطنان». و اتّفق وصول
المعروف بتركمان التّركي في ألف فارس من الغزّ، و معه جملة من العدد لمحاصرة حلب و معونة تتش.
و عبر تركمان على طريق الفايا، فسار الأمير أبو زائدة بمن معه من الجمع؛ و لقوا تركمان في أرض الفايا، فأوقعوا به و كبسوا عسكره، و قتلوه، و نهبوا ما كان فيه بأسره و جميع ما كان للتجّار الواصلين في صحبته، و اتّصل هذا الخبر بتاج الدّولة و هو منازل حلب، فرحل عنها إلى الفرات، و توجّه نحو ديار بكر و شتى بها.
ثم عاد و قطع الفرات، و تسلّم منبج و حصن الفايا و حصن الدّير، و شحنها بالرّجال، و سار بالعسكر إلى حصن بزاعا(1)، و كان صاحبه شبل بن جامع؛ و بعض رجال هذا الحصن ممّن كانت له النكاية العظيمة في عسكر تركمان، فقاتله تاج الدّولة، و فتحه بالسّيف، و قتل كافّة من كان فيه، و نهبه و شحنه بالرّجال.
و رحل إلى عزاز وقد انضوى إلى قلعتها خلق عظيم، و منعهم الوالي بها من الصّعود إليها فالتجئوا إلى سند القلعة بأقمشتهم، و النّاس عليها؛ و أساء الوالي بها- و كان اسمه عيسى- التدبير و السياسة.
فزحف العسكر إلى القلعة؛ و قاتلها؛ و ضربها بالنار، فاحترقت أقمشة
1) بزاعا: بلدة من أعمال حلب في وادي بطنان بين منبج و حلب- معجم البلدان. و تتبع بزاعة الآن منطقة الباب، و تطل على وادي الذهب الذي يتجه من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي نحو مملحة الجبول. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
الناس، و غلاتهم، و حرمهم، و أولادهم؛ و أشرفت على الأخذ. و خرج قوم من الحريق إلى عسكر تاج الدّولة فأمّنهم، و تقدّم إليهم بالعودة إلى ضياعهم.
و رحل الملك تاج الدّولة إلى جبرين قورسطايا(1)فأخذها و شحنها بالرّجال؛ فخرج الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة من حلب في الليل؛ و وصل إلى ضيعة تعرف بكرمين(2)، فوجد بها خمسين فارسا من الغزّ، فقتلوا أكثرهم، و غنموا كلّ ما كان معهم، و عادوا إلى حلب سالمين.
فأسرى تاج الدّولة في الليل من جبرين عند ذلك في جميع عسكره، و هم ملبسون مستعدّون، فصبّحوا حلب صباحا، و أغاروا عليها، فخرج عسكر حلب فالتقوا على الخنّاقيّة على باب حلب. ثم إنّ بعض عسكر حلب انهزموا لغير موجب؛ و هزم اللّه عسكر تتش بغير قتال.
و كان الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة و ابن عمه شبل بن جامع بن زائدة في قدر خمسين فارسا مقابلهم، فحملوا عليه، و اتّفقت هزيمتهم، فقتلوا من الغزّ جماعة و غنموا.
و لو عاد عسكر حلب في اثرهم ما كان أفلت منهم إلا من سبق به فرسه. و شاع لمحمّد بن زائدة في ذلك اليوم ذكر جميل.
و تقدّم الأمير محمّد بن زائدة إلى الشيخ أبي نصر منصور بن تميم المعروف بابن زنكل أن يجيب أبا الفضائل سابق بن محمود عن القصيدة التي أنفذها إليه، و يعرّفه ما لبني كلاب من الأيّام المعروفة، و يذكر هذه الوقائع، فعمل:
دعوت مجيبا ناصحا لك مخلصايرى ذاك فرضا لا محالة واجبا
فلبيّت لا مستنكفا جزعا و لاهدانا(1)إذا خاض الكريهة هائبا
و منها:
و لمّا دعاني المدركيّ ابن صالحشققت، و لم أرهب؛ إليه الكرائبا
أسابق صرف الدّهر في نصر «سابق»إلى «تركمان» التّرك أزجي النّجائبا
فلمّا التقيناهم غدا البعض سالبالأنفسهم، و البعض للمال ناهبا
فيا لك من يوم سعيد بيمنهعن الثّغر أضحى عسكر الضدّ هاربا
و كان يرى في كفّه الشّام حاصلاو يوم «بزاعا» ردّ ما ظنّ خائبا
1) الهدان: الأحمق، الوخم الثقيل في الحرب.
و ليلة «كرمين» تركنا كرامهمكضأن بها لاقت مع القدر قاصبا
و في يوم «خنّاقيّة» قد خنقتهمبعثير ذلّ ردّ ذا الشّرخ شائبا
عطفت لهم إذ خام من خام منهمبفتيان كالعقبان شامت توالبا(1)
فللّه قومي الصّادرون لو انثنوامعي، أو فريق كنت للجمع ناكبا
فولّوا و قضبان المخافة فيهممسابقة أرماحنا و القواضبا
فكم فارس منهم تركنا مجدّلايباشر ترب القاع منه التّرائبا
و إذ أيقنوا أن ليس للكسر جابرتولّوا و عن «جبرين» حثّوا الرّكائبا
و خلّوا بها كسبا حووه، و أبصرواسلامتهم منّا أجل مكاسبا
و أما تاج الدولة تتش فإنّه رحل من جبرين، و سار إلى دمشق فملكها؛ و تسلّمها من أتسز بن أوق التّركيّ(2)، ثم فسح من عسكره أفشين التركيّ،
و معه أكثر العسكر؛ و عاد شمالا و نهب عسكره ضياعا في أعمال بعلبكّ.
و وصل رفنيّة في اليوم العاشر من جمادى الأولى، و فيها جماعة كثيرة من التّجّار و القوافل متوجّهين إلى طرابلس، فهجمها بغتة؛ و قتل مّمن كان بها جماعة، و استباح أموالهم و حريمهم، و أقام بها عشرة أيام.
ثم سار فنزل حصن الجسر، فأكرمه أبو الحسن بن منقذ فأعلمه بما عوّل عليه من نهب الشّام، فسأله في بلدة كفر طاب ألا يعترضها فأجابه.
و سار فنزل قسطون فجرى أمرها في النهب و العقوبة مجرى رفنيّة، و أقام بها نيفا و عشرين يوما. ثم تنقّل و عسكره بالمنجنيقات على أبراج جبل السّمّاق(1)و غيرها؛ حتى لم يبق بها موضع و لا برج إلا افتتحه و أهلكه؛ و استباح حريمهم و أولادهم، و استغرق أحوال أهل سرمين و المعرّة بالقطائع، و طلع إلى جبل بني عليم(2)فلم يتمّ له بها شيء.
و سار فنزل ضياع معرّة النّعمان الشرقية بالمنجنيقات، ففتح أبراجها و حصونها بالسّيف، و أخذ ما لا يمكن إحصاؤه، و غلب أهلها فهلك منهم خلق؛ و نزل تلّ منس، و قطع عليها خمسة آلاف دينار، و لم يتمكّن من أخذها.
و انتقل إلى عمل معرّة النعمان ففعل مثل ذلك؛ و سار إلى معرتارح(3)-
من بلد كفرطاب- فتحصّن أهلها في أبراجها؛ و تعذّرت عليه فأحرقها، و هلك جميع من كان فيها.
و بلغ تاج الدّولة ذلك، و هو بدمشق، فأسرع السّير إلى أن وصل إلى ظاهر كفرطاب يطلب أرسلان تاش، فوجده قد رحل إلى بلاد الروم، فعاد إلى دمشق و سكن الناس في طريقه.
و حين رجع أفشين من الشّام و لم يبق في أعمال حلب ضيعة مسكونة من بلد المعرة إلى حلب، توجه إلى بلد أنطاكية فأخرب ما قدر عليه، و نهب و سبى ما وجده، و حمل إليه من أنطاكية مال؛ و توجّه إلى الشرق بعد امتلاء صدره و صدر عسكره من النّهب.
و جرى من هذا الحادث بالشّام أمر لم يسمع بمثله، و تلف أهله بعد ذلك بالجوع. و وجد قوم قد قتلوا قوما و أكلوا لحومهم؛ و بيعت الحنطة ستة أرطال بدينار و ما سوى ذلك بالنسبة.
و جلا من سلم من الشام إلى بلد شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش، فأحسن إليهم و تصدّق عليهم؛ و كان ذلك الاحسان منه أكبر الأسباب في مملكته حلب.
و لمّا جرى هذا الحادث طمع شرف الدّولة في الشّام؛ و كاتبه سابق بن محمود يبذل له التّسليم إليه؛ و وفدت عليه بنو كلاب بأسرها، فتوجّه إلى حلب، و نزل بالس(1)يوم عيد النّحر من سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة.
1) هي بلدة مسكنة الحالية في سورية.
و نزل حلب في السّادس عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة فغلّقت أبوابها في وجهه، و كان عند سابق أخواه شبيب و وثّاب بحلب، فلم يمكّناه من التّسليم، فلم يقاتلها، و أهلها يحرصون على التّسليم إليه لما هم فيه من الجوع و عدم القوت.
و كان مع شرف الدّولة في عسكره غلّة كثيرة و قوّة تجوز الحدّ، و تزيد عن الوصف. و كان الرّئيس بحلب و نقيب الأحداث بها الشريف حسن بن هبة اللّه الهاشميّ، المعروف بالحتيتي، و كان ولده أبو منصور قد خرج مع عسكر سابق لقتال بعض الأتراك المخالفين في بيت لاها(1)فأسروه؛ و بقي أسيرا في الموضع مع خطلج أحد أصحاب أحمد شاه.
فلمّا وصل شرف الدّولة إلى حلب وفد التّرك كلّهم عليه؛ و تقرّبوا إليه بولد الشّريف الحتيتي.
و قيل: إنّه طلبه منهم فلمّا حضر عنده خلع عليه، و أطلقه فدخل البلد، و أخذ معه جماعة من أصحابه، و فتح باب حلب، و نادى بشعار شرف الدّولة في اليوم السادس و العشرين من ذي الحجة، من سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة.
و تسلّمها، و دخل أصحابه إليها، و قلع أبوابها جميعها، و فتح باب
1) يقال لبيت لاها الغربي جبل اللكام، و هو مسكن العباد و الزهاد، و فيه من الفواكه المباحة ما يقتاتون به، و هو يفصل بين الثغور الشامية و الجزرية. و بغية الطلب ج 1 ص 439.
أربعين(1)- و كان مسدودا- و أحسن إلى كافّة أهلها، و خلع على أحداثهم، و تصدّق بمال كثير و غلّة.
و كان سديد الملك بن منقذ قد وفد على شرف الدّولة و نزل معه على حلب، و كان شرف الدّولة قد عزم على الرّحيل من حلب لما حلّ بهم من الضجر و مصابرة أهل حلب؛ و غلت الأسعار عندهم حتى صار الخبز ستّة أرطال بدينار.
و فرّ سديد الملك أبو الحسن بن منقذ من سور القلعة، فاطلع إليه صديق له من أهل الأدب، فقال له: «كيف أنتم» فقال: «طول جبّ» خوفا من تفسير الكلمة. فعاد ابن منقذ و هو يقلّب هذا الكلام فصحّ له أنّه قصد بكلامه أنّهم قد ضعفوا. و أوجس أنّها كلمتان، و أنّ قوله: «طول» يريد به:
«مدا» و «جبّ» يريد به «بير» فقال «مدابير و اللّه». فأعلم شرف الدّولة بذلك فقوّى نفسه فملكها.
و لمّا فتحت المدينة انحاز سابق إلى القلعة، و أخواه شبيب و وثّاب في القصر، لضيق القلعة؛ و شرف الدّولة محاصر للقلعة بالمنجنيقات و العساكر. و لم يبق بالشّام و حصون جبل بهراء(2)، و حمص، و فامية شيزر و من لم يفد على السّلطان إلا وفد عليه.
و دبّر شبيب و وثّاب، و هما في القصر على سابق و قفزا في القلعة، و صاح الأجناد بها: «شبيب يا منصور». و قبض سابق و حبس؛ و تسلّم شبيب ما كان بها من مال و سلاح.
ثم وقعت السّفارة بينهم و بين شرف الدّولة على أن أقطع شبيبا و وثّابا قلعتي عزاز و الأثارب و عدّة ضياع. و أقطع سابق بن محمود مواضع أخر في أعمال الرّحبه، و أن يتزوج منيعة بنت محمود أخت سابق، و كان السّفير بينهم في ذلك الأمير سديد الملك عليّ بن منقذ؛ و بتدبيره جرى ذلك.
و وافق ذلك أنّ غار الماء في قلعة حلب؛ و نزل منها أولاد محمود و انقضت دولة آل مرداس.
و كان الوزير لسابق بن محمود الشّيخ أبا نصر محمد بن الحسن بن النّحّاس و عزله، و اعتقله مدّة ثمّ أطلقه.
و ولّى وزارته أبا منصور عيسى بن بطرس النّصرانيّ فامتنع؛ فألزم بها؛ و وزر له في النّصف من شوّال سنة تسع و ستّين و أربعمائة(1).
1) إمارة حلب ص 161- 164.
(1)و تسلّمها أبو المكارم في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة، بعد حصار أربعة أشهر للقلعة. و قال ابن أبي حصينة يهنىء شرف الدّولة بفتح القلعة: لقد أطاعك فيها كلّ ممتنعخوف انتقامك حتّى غارت القلب(2)
و لمّا ملك شرف الدّولة حلب أحسن إلى أهلها، و خفّف عنهم أثقالا كثيرة، و صفح عن كلف كانت عليهم في أيام بني مرداس. و نقلت الغلات إلى حلب، فرخصت الأسعار بعد الغلاء الشّديد.
و في يوم تسلّمه القلعة و دخوله إليها دخل بزوجته منيعة أخت سابق، في اليوم و السّاعة، و هو اتّفاق لم يسمع بمثله، ففتح حصنين و قال في ذلك أبو نصر بن الزّنكل يمدح شرف الدّولة:
فرعت أمنع حصن و افترعت بهنعم الحصان ضحى من قبل يعتدل
و حزت بدر الدّجى شمس الضّحىفعلى مثليكما شرفا لم تسدل الكلل
و مدحه ابن حيّوس بالقصيدة التي أولها:
ما أدرك الطّلبات مثل متمّمإن أقدمت أعداؤه لم يحجم
فلما وصل إلى قوله:
أنت الّذي نفق الثّناء بسوقهو جرى النّدى بعروقه قبل الدّم(1)
اهتزّ شرف الدّولة و أمره بالجلوس، فأتّمها جالسا و أجازه بألفي دينار و قرية.
و قيل: أنّه لما مدحه ابن حيوس قال له أبو العزّ بن صدفة البغدادي وزير شرف الدّولة: «هذا رجل كبير السنّ و لم يبق من عمره إلا القليل، فأرى أن تعظم له الجائزة فتحصل على الذكر الجميل»؛ فأقطعه الموصل جائزة له.
فمات في هذه السنة قبل أن يصل إليها و ترك مالا حزيلا فقيل لشرف الدولة: «هذا لا وارث له إلا بيت المال» فقال «و اللّه لا يدخل خزانتي مال قد جمعه من صلات الملوك انظروا له قرابة». فسألوا عن ذلك فوجوا له من ذوي الأرحام بنت أخ فأعطاها ماله جميعه و هي بنت أخيه أبي المكارم محمّد بن سلطان بن حيّوس.
و لما سفر ابن منقذ في تسليم حلب و تسلّمها شرف الدّولة وعد ابن منقذ و عودا جميلة، و منّاه أماني حسنة و أكرمه غاية الاكرام.
1) ديوان ابن حيوس ج 2 ص 569 مع فوارق.
و نقل شرف الدّولة إلى الشّام من الغلال ما ملأ الأهراء، و عاد بالرّفق على الناس؛ و كذلك نقل إليها من سائر الحبوب و من البقر و الغنم و المعز و الدجاج شيء كثير.
و عاش الناس في أيامه و رخصت الأسعار بحسن تدبيره. و تسلّم حصن عزاز من واليها عيسى. و تسلّم حصن الأثارب بعد حصار و حرب؛ و كذلك الحصون التي كانت في أيدي أصحاب تاج الدّولة من أعمال حلب التي افتتحها.
وصفت له جميع أعمال حلب، و قال لسديد الملك: «أمض في دعة اللّه فأنا سائر إلى بلادي. و يجب أن تصلح حالك فأنا أصل و أبلغك كل ما تؤثره». و رجع إلى بلاده، و جعل أخاه عليّ بن قريش بحلب مع قطعة من عسكره بحلب.
و كاتب السّلطان أبا الفتح ملك شاه يعلمه بما جرى، و يسأله في تقرير شيء يحمله من الشّام فأجيب إلى ذلك.
و وصل أبو العزّ بن صدقة البغدادي وزير شرف الدّولة إلى حلب لجمع أموالها في سنة أربع و سبعين و أربعمائة؛ و عدل عما كان ابتدأ به من العدل و الاحسان، و صادر جماعة، و ضاعف الخراج.
و كان شرف الدّولة بالقادسيّة، فدخل الحمام و هي ملاصقة لداره، فوثب عليه مملوكان برسم خدمته، فجعلا في حلقه أنشوطة ليخنقاه، و انتظرا صاحبا لهما يدخل بسكّين؛ فصاح شرف الدّولة، فسمعت صياحه زوجته
خاتون أخت السّلطان ألب أرسلان، فخرجت إليه فانهزما عنه. و مرض من ذلك أياما، و أخذا و قتلا.
و لمّا بلغ ذلك أبا العز بن صدقة البغدادي عاد من حلب إلى القادسيّة.
و كان سديد الملك ابن منقذ قد عمر قلعة الجسر(1)، و قصد مضايقة شيزر و بها أسقف الباره(2)و ضيّق عليه إلى أن راسله و اشتراها منه، و استحلفه على أشياء اشترطها عليه(3).
و لم يزل ابن منقذ يعده الجميل و يتلطّف له إلى أن سلم إليه حصن شيزر ليلة الأحد النصف من شهر رجب من سنة أربع و سبعين و أربعمائة.
و وفى له ابن منقذ بكلّ ما عاهده عليه، فثقل ذلك على شرف الدّولة و حسد ابن منقذ على شيزر فسار عسكر حلب مع مؤيّد الدّولة عليّ بن قريش إلى شيزر، و نزلوا عليها في يوم الجمعة خامس ذي الحجة سنة أربع و سبعين و أربعمائة، بعد مراسلات جرت فلم يجب ابن منقذ إلى ما التمس منه.
و كان عليّ بن قريش قد أخذ في طريقه حصنا لابن منقذ يقال له أسفونا غربيّ كفر طاب، و كان ابن منقذ قد تأهب للحصار، و حمل من الجسر إلى شيزر ما يكفي لمن فيه مدة طويلة من سائر الأشياء.
و حصره عليّ بن قريش مدة إلى أن وصل شرف الدّولة بنفسه، فنزل
على شيزر يوم الأربعاء سلخ المحرم من سنة خمس و سبعين و أربعمائة.
ثم رحل عنها إلى حمص يوم السبت ثالث صفر، و أقام عسكره على شيزر، فتطارح ابن منقذ عليه، و سيّر ابنه أبا العساكر و امرأته منصورة بنت المطوع و أخته رفيعة بنت منقذ إلى حمص؛ فدخلوا عليه، و حملوا إليه مالا، فأنفذ إلى عسكره، و رحّله عن شيزر في الثامن و العشرين من صفر من السنة.
و لما وصل شرف الدّولة إلى حماة قبض على جميع الأتراك الذين بالشام و أخذ منهم الحصون التي كانت في أيديهم، و هي: بيت لاها، و تل أعذى، و هاب، و كفرنبل(1). و قبض على وثّاب و شبيب ابني محمود، و أخذ منهما قلعة عزاز و الأثارب، و أطلقهما بعد ذلك، و حمل الأتراك، و حبسهم في الرحبة فداموا بها إلى أن قتل.
و قبض شرف الدّولة على أكثر أقطاع بني كلاب بالشام؛ و عاد إلى حلب؛ و قبض على حسن بن وثّاب النّميري أمير بني نمير، و كان قد حصره بسروج(2)في العام الخالي فسلّمها إليه بعد أن عوّضه عنها بنصيبين فاعتقله بحلب مدة و قتله.
و في نزوله على شيزر، و قتاله حصن الجسر، و فعل وزيره أبي العزّ، ابن
صدقة من المصادرة، يقول أبو المعافى سالم بن المهذّب المعرّي(1).
أمسلم لا سلمت من حادث الرّدىوزرت وزيرا ما شددت به أزرا
ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذمن اللّه و النّاس المذمّة و الوزرا
فمت كمدا «فالجسر» لست بجاسرعليه؛ و عاين شيزرا أبدا شزرا
فبلغت الأبيات شرف الدّولة، فقال: «من يقول هذا فينا؟» قالوا:
«رجل من أهل المعرّة يقال له ابن المهذّب». قال: «ما لنا و له اكتبوا إلى الوالي بالمعرّة يكفّ عنه، و يحسن إليه فربّما يكون قد جار عليه و أحوجه إلى أن قال ما قال».
و عاد شرف الدّولة إلى الجزيرة، و قد جرت منه هذه الحوادث، و أجحف ببني كلاب، فأجمع رأي وثّاب و شبيب ابني محمود، و خلف ابن ملاعب الأشهبي صاحب حمص(2)، و أبي الحسن بن منقذ، و منصور بن الدّوح على مكاتبة الملك تاج الدّولة بدمشق، و شكوا أحوالهم، و عرضوا عليه خدمتهم، و أطمعوه في الشّام.
فسار من دمشق إلى الشام و قصد ناحية أنطاكية و أقام عليها مدّة، و اتّصل به خبر شرف الدّولة و ما هو عليه من الجمع و التّأهّب، و اجتماع
العرب إليه من بني نمير، و عقيل، و الأكراد، و المولدة، و بني شيبان، للنّزول على دمشق، و المضايقة لها و الطمع في تملّك دمشق؛ فعاد تاج الدّولة إلى دمشق. و خرج عسكر مع بعض أصحاب شرف الدّولة إلى أعمالها، و رتّبوا ولاتهم فيها و ساروا إلى حماة، و بها وثّاب بن محمود، فلقي عسكر شرف الدّولة و كبسه و قتل منه جماعة، و عاد من سلم منهم إلى حلب.
فنزل وثّاب بن محمود و منصور بن كامل بن الدّوح و ابن ملاعب و ابن منقذ على معرّة النّعمان، و قطعوا كثيرا من شجرها، و رعوا زرعها بالظعون، و قلبوه بالفدن، و قاتلوها أياما، و لم يمكنهم أهلها من فتحها خوفا منهم.
و بلغ شرف الدّولة ذلك كله، فسار و معه أكثر بني كلاب و بني نمير، و بعض بني عقيل؛ و وصله بعض بني طّيء و كلب و عليم؛ و نزل في بالس في محرّم سنة ستّ و سبعين.
و سار إلى دمشق و حاصرها(1)، و قاتل دمشق في بعض الأيّام و خرج إليه عسكر دمشق، و حمل عليه حملة صادقة فانكشف عسكره و تضعضع، و عاد كل فريق إلى مكانه.
و عاد عسكر دمشق بحملة أخرى، فانهزمت العرب، و ثبت شرف الدّولة مكانه، و أشرف على الأسر، و تراجع إليه أصحابه؛ و كان قد ظنّ أنّ
1) عالجت مسألة حصار دمشق من قبل مسلم بن قريش في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 188- 191.
العسكر المصري ينجده فخاف أمير الجيوش من ميل العرب إليه فتثاقل عنه.
و ورد عليه من حرّان خبر أزعجه؛ و ذلك أنّه كان قد تسلّمها من يحيى بن الشّاطر أحد عبيد ابن وثّاب النّميري، و كان يليها لعلّي بن وثّاب الطفل، و كان وثّاب يعدل فيهم و يرفق بهم، فولّى فيها جعفر العقيلي، فعدل عمّا كان وثّاب يسلكه من العدل، و أظهر مذهب التشيّع و الاعلان به؛ و كان يتولى الحكم بها القاضي ابن جلبة، فاتّفق مع أهل حرّان على العصيان على شرف الدّولة، و كاتبوا يحيى بن الشّاطر الّذي تسلّمها منه مسلم، فوصل إليهم و معه ابن عطية النميري و جماعة، و وثبوا على أصحاب شرف الدّولة فهربوا إلى الحصن، و قاتلهم ابن جلبة و من انضم إليه.
فسيّر الوالي جماعة إلى شرف الدّولة يعلمه بالحال، فبعضهم أخذ بالقرب من حرّان، و بعضهم أخذه أصحاب تاج الدّولة؛ فعرف تاج الدّولة الخبر قبل معرفة شرف الدولة فقويت نفسه.
و عرف شرف الدّولة ذلك و استضر عسكره بتواصل الغارات عليه عندما قويت نفس تاج الدّولة، و كان ذا مكر و خديعة، فرحل إلى مرج الصّفر(1)، و أوهم أنه يسير مقتبلا لأمر عزم عليه، و قلق أهل دمشق لذلك.
ثم رحل مشرّقا في البرّيّة على وادي بني حصين و نزل شرقيّ حماة، و راسل ابن ملاعب، و طيّب نفسه إلى أن نزل فخلع عليه؛ و قرّر معه أن يكون بينه و بين تاج الدّولة ردءا يمنع من الأذية في بلاده، فأجابه إلى ذلك؛
1) إلى الجنوب من دمشق فيما بين خان ذي النون و قرية شقحب.
و خلع عليه شرف الدولة و أكرمه و طيّب نفسه.
و سار شرف الدّولة إلى حرّان بعد أن أشرف الحصن على الأخذ، فقاتل حرّان، و نقب نقوبا في سورها و ثلم ثلمتين، و أقام عليها شهرين؛ و مضى أبو بكر ابن القاضي ابن جلبة و يحيى بن الشّاطر.
و استنجدا بجماعة من الأتراك فسيّر ابن عمّه ثروان بن وهيب فكسرهم و أسر منهم خلقا عبر بهم على حرّان و سيّرهم إلى بلاده.
و هجم حرّان بالسّيف من الثلمتين و هم يقاتلون و لم تسكن الحرب حتى أعطى لؤلؤ الخادم الأمان، و أمن أبا بكر ابن القاضي و كان قد عاد إلى البلد، فحينئذ تفرّق النّاس.
و نهب عسكر شرف الدّولة البلد، و قطع عليهم ألف دينار، و قبض على خلق منهم، و قتل ابن جلبة و ولديه و ثلاثة و تسعين رجلا صبرا، و صلبهم، و صلب ابن جلبة أمامهم، و لم يف له بعهده، و ذلك كله في سنة ستّ و سبعين(1).
و وصل ابن جهير(2)وزير القائم ليتسلّم ديار بكر و معه عسكر من ملك شاه- و كان ابن جهير قد وزر مرّة لثمال بن صالح، ثمّ وزر لابن مروان، ثمّ للقائم- فوصل ابن مروان إلى شرف الدّولة، و استنجده عليه فأنجده، فالتقوا
على آمد، فكسرهم ابن جهير، و أخذ أموال شرف الدّولة، و أسر أصحابه، و أطلق من أسر من بني عقيل.
ثم إنّ ابن جهير بثّ سراياه في أعمال شرف الدّولة فعاثت في بلاده، و نهبت؛ و ذلك في سنة سبع و سبعين.
و وصله(1)مال من حلب فتقوّى به؛ و سار إلى الرّحبة و سيّر عمه مقبل بن بدران(2)رسولا إلى مصر يطلب معونتهم، و يبذل لهم الطاعة، و كاتب السّلطان ملك شاه يذكّره بخدمته و طاعته و يذكر ما فعله ابن جهير.
فلما عرف ملك شاه ذلك و انفاذه عمّه إلى مصر سار إلى الموصل و معه نظام الملك- و كان نظام الملك يميل إلى شرف الدّولة، و يشير بالإحسان إليه و الصفح عنه- و كاتب الوزير نظام الملك شرف الدّولة يشير عليه بالوفود على السّلطان، و وعده بما طابت به نفسه، فسار من الرّحبة إليه، و لقيه نظام الملك على مراحل من الموصل.
فترجّل شرف الدّولة و قبّل يده؛ و كان في محفّة لمرض منعه من الرّكوب، فأمره بالرّكوب، و قال له: «ذهب خوفك و شرح صدرك، و حقّق أملك». و كان قد استصحب معه كلّ ما قدر عليه من بقايا ذحائره و أمواله و خيله عقيب هذه النّكبة العظيمة(3).
1) النكبة العظيمة هي أن مسلم بن قريش هزم من قبل ابن جهير هزيمة ساحقة، و هرب مسلم و التجأ إلى آمد، مما جعل ابن جهير يسرع باستدعاء السلطان ملكشاه، فسارع بالتحرك نحو الجزيرة، لكن ابن قريش تدبر أمره مع أرتق قائد قوات ابن جهير، و خرج ناجيا بحياته من آمد، مما غير موازين القوى مجددا. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 194- 195.
2) الضمير عائد هنا إلى مسلم بن قريش.
3) النكبة العظيمة هي أن مسلم بن قريش هزم من قبل ابن جهير هزيمة ساحقة، و هرب مسلم و التجأ إلى آمد، مما جعل ابن جهير يسرع باستدعاء السلطان ملكشاه، فسارع بالتحرك نحو الجزيرة، لكن ابن قريش تدبر أمره مع أرتق قائد قوات ابن جهير، و خرج ناجيا بحياته من آمد، مما غير موازين القوى مجددا. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 194- 195.
و دخل على السّلطان فأكرمه و أحسن إليه، و أجابه إلى كلّ ما طلبه؛ و سامحه بما كان بقي عليه من مقاطعة الشّام؛ و جدّد له التّوقيع بالبلاد الشّامية و الجزرية و كلّ ما كان في يده؛ و قرّر معه مسير ولده محمد و ان يكون في عسكره، و كاتب أخاه تاج الدّولة أن لا يعرض لبلاده، و كان قد توجّه إليها، و سار أبو العزّ ابن صدقة إلى حلب لانجادها عليه، و بلغه خروج عسكر من مصر فرجع من لطمين.
و في سنة سبع و سبعين و أربعمائة، شرع سليمان بن قطلمش في العمل على أنطاكية و الاجتهاد في أخذها إلى أن تمّ له ما أراد.
فأسرى من نيقيه في عسكره، و عبر الدّروب و أوهم أن الفلاردوس استدعاه، و أسرع السّير إلى أن وصل أنطاكية ليلا، فقتل أهل ضيعة تعرف بالعمرانيّة جميعهم لئلا ينذروا به، و علقوا حبالا في شرفات السّور بالرّماح، و طلعوا مما يلي باب فارس؛ و حين صار منهم على السّور جماعة نزلوا إلى باب فارس و فتحوه.
و دخل هو و عسكره من الباب و أغلقوه، و كانوا مائتين و ثمانين رجلا، و ذلك يوم الأحد العاشر من شعبان؛ و قيل يوم الجمعة الثامن، و لم يشعر بهم أهل البلد إلى الصبّاح.
و صاح الأتراك صيحة واحدة فتوّهم أهل أنطاكية أنه عسكر الفلاردوس حتى قاتلوهم فانهزموا و علموا أن البلد قد هجم فبعضهم هرب إلى القلعة و بعضهم رمى بنفسه من السّور فنجا.
و استقلّ سليمان عسكره فوصل إليه ابن منجاك في ثلاثمائة فارس، و لم يزل عسكره يتواصل حتى قوي، فأمن النّاس و ردّهم إلى دورهم، و ردّ أكثر السّبي، و صلّى المسلمون يوم الجمعة خامس عشر شعبان في القسيان(1)، و أذّن فيه ذلك اليوم مائة و عشرة من المؤذنين و خلق كثير من أهل الشّام.
و كان يوم فتحها أوّل يوم من كانون الأول؛ و كان فتح الرّوم لها أول ليلة من كانون الثاني لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة.
و وجد خطّ بعض المنجمين و هو ابن أخت الصّابي على ظهر كتاب عند القاضي أبي الفضل بن أبي جرادة يقول: «ذكر المخبر عن أخذ مدينة أنطاكيّة أنّ دخول العدو- يعني الرّوم- إليها في وقت كذا و كذا من اللّيل؛ فان صحّ قول المخبر فإنها تثبت في أيدي الرّوم مائة و تسع عشرة سنة».
و كان قد وقف على هذا الخطّ محمود بن نصر بن صالح؛ و قد ذكر في مجلسه، و أظنّ ذلك حين نزل الأفشين التركيّ على أنطاكية، و خاف محمود من أن يملك أنطاكية فلم يتفق فتحها حينئذ، و كان الأمر كما ذكر المنجّم، ففتحها سليمان بن قطلمش عند تمام المدّة.
1) القسيان: كاتدرائية أنطاكية.
و أقام سليمان بن قطلمش يحاصر قلعة أنطاكية إلى الثاني عشر من شهر رمضان من السّنة و فتحها بالأمان ليقيها من القتل و السّبي، و نهب الترك من أنطاكية ما يفوت الاحصاء و يزيد عن الوصف.
و سكنها سليمان بعسكره و فتح الحصون المجاورة لها، بعضها عن طوع و بعضها عن استدراج.
و صار لسليمان من نيقية إلى طرابلس، و ملك الثّغور الشّامية، و كان حسن السيرة في جنده و عسكره جوادا بماله، فمال إليه الناس لذلك. و لما فتح أنطاكية أهدى إلى شرف الدّولة من الغنيمة هدّية حسنة.
و لما استقرّ حال شرف الدّولة مع ملك شاه و اطمأن عاد إلى القادسيّة، و ناصف الجند في أرزاقهم، و نقصها عليهم، فصار أكثرهم إلى سليمان، و تركوه فأقطعهم؛ و أحسن إليهم و سبّب لهم أرزاقا تكفيهم.
و كان جماعة من أصحاب بني مرداس يخافون شرف الدّولة و هم متفرقون في الشّام فصاروا إليه.
و كان من ضياع أنطاكية و أعمالها مواضع عدة تغلّب محمود و الأتراك عليها، و قبضوها من الرّوم لضعفهم، و صارت في أعمال حلب، فقبضها سليمان و أقطعها و غيرها مما يجاور أعمال أنطاكية.
و كان الشريف حسن الحتيتي رئيس حلب و غيره من أصحاب شرف الدّولة خافوا منه لمّا استقر حاله مع السّلطان أن يتمّ له الصلح مع ابن
قطلمش فيتفرغ لهم و يقبضهم، و يستأصل أموالهم؛ فتوصّلوا إلى المفاسدة بينهما بمن صار في حلّته من أهل الشام ليشتغل عنهم شرف الدّولة.
و كان لأبي المكارم قطيعة على أنطاكية يحملها الروم إليه فطمع بها من سليمان فلم يجبه إلى ذلك و قال: «تلك جزية كانت على الروم لتمسك عن جهادهم، و قد قمت أنا بفريضة الجهاد، و صارت أنطاكية للمسلمين فكيف أؤدي عنها إليك جزية؟». ففسد ما بينهما لذلك.
و سار شبيب بن محمود و منصور بن الدوح و جماعة من بني كلاب إلى أنطاكية، و حضروا عند سليمان، و وعدهم و وعدوه بما لم يقبح من بعضهم لبعض؛ و أخذوا قطعة من عسكره؛ و خرجوا فعاثوا في بلاد شرف الدّولة، ثم إنّهم خافوا منه فهربوا إلى أسفونا.
و تواصلت غاراته على بلد حلب و سرمين و بزاعا و قبض شرف الدّولة على وزيره أبي العزّ بن صدقة و صادره و حبسه، و سيّر ابن الحلزون إلى حلب ليدبّر أمرها؛ فوصل إلى حلب، و راسل سليمان في الصّلح.
و قبض على عليّ بن قريش بأمر أخيه شرف الدّولة، و صادره على عشرة آلاف دينار، و أخذ منه منبج لأنها كانت أقطاعه، فعند ذلك ازدادت وحشة الشّريف و غيره لما شاهدوه من فعله بأخيه. و كذا كانت سيرته في أصحابه.
و بهذا الطريق فسد حاله؛ و أما رعيّته فكانوا معه على أجمل حال و أحسنه.
و حيث تحقّق شرف الدّولة اختلال حلب و نواحيها بغارات سليمان جمع
عسكره و انضاف إليه بعض الأتراك، و وصل إلى عزاز في صفر من سنة ثمان و سبعين و أربعمائة.
و أشير عليه بالنّزول على حلب و مراسلة سليمان في الصّلح، فامتنع و استدعى بني كلاب فوصله منهم جماعة من أعيانهم و فرسانهم، و سار فنزل على نهر عفرين بموضع يقال له قرزاحل(1).
و وصل سليمان من أنطاكية في أربعة آلاف فارس، و كان شرف الدّولة في عدّة تزيد عن ستة آلاف ليس فيهم مناصح؛ و جاء شرف الدّولة بطيخ فنزل هو و بعض بني عمه و أكلوا، فقال ابن عمه:
كلوا أكلة من عاش يخبر أهلهو من مات يلقى اللّه و هو بطين
فقال شرف الدّولة: «قتلنا فألك يابن العمّ».
و التقوا في آخر نهار السّبت، لستّ بقين من صفر سنة ثمان و سبعين و أربعمائة، و الشّمس في وجوه عسكر شرف الدّولة؛ و كان اللقاء بغتة في غير وقت يظن فيه؛ فانهزم عسكر شرف الدّولة، و جاءته طعنة فقتل(2). و لما طعن قال: «يا شام الشّؤم» و أتّهم بعض أصحابه بقتله. و كان القتل بين الفريقين قليلا لأن أصحاب شرف الدّولة لم يثبتوا معه لقبح رأيهم فيه. و رحل سليمان
و نزل بظاهر حلب، و حمل شرف الدّولة، و طرحه على باب حلب فدفن هناك.
و انفرد الشريف أبو علي الحسن بن هبة اللّه الهاشمي المعروف بالحتيتي بتدبير حلب و سالم بن مالك العقيلي بالقلعة(1).
و كان القاضي بحلب في أيّام شرف الدّولة القاضي كسرى بن عبد الكريم بن كسرى و تولى قضاء حلب في سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة و مات في أيام أبي المكارم مسلم بن قريش؛ فولي قضاءها أبو الفضل هبة اللّه بن أحمد بن أبي جرادة- و هو ابن بنت كسرى المذكور، و ابن القاضي أبي الحسن المتقدم قبل كسرى- و كان أبو المكارم شرف الدّولة يخاطبه بابن العمّ لكونه عقيليا؛ و القاضي عقيلي. و من شعر أبي المكارم بن قريش:
إذا قرعت رجلي الرّكاب تزعزعتلها الشمّ و اهتزّ الصعيد إلى مصر
و من شعره أيضا:
الدّهر يومان ذا أمن و ذا خطرو الماء صنفان ذا صاف و ذا كدر(2)
و أما سليمان بن قطلمش فإنّه حاصر حلب مدّة، ثم ترددّت الرّسل إلى أهل حلب في التّسليم، فاستقرّت الحال بينهم على موادعة مدة.
و سيّر سليمان بن قطلمش قطعة من عسكره لاتباع العرب الذين كانوا
مع شرف الدّولة، فهربوا، و لحقهم شدّة عظيمة من دخول البريّة في حزيران.
و توجّه سليمان إلى معرّة النعمان و كفر طاب، و تسلّمهما، ثمّ سار إلى شيزر، فقاتلها و قرّر أمرها على مال يحمل إليه، و أخذ لطمين، و شحنها بالرّجال، و عدل أصحابه بالشام عما عرف من سيرة العرب.
و جرت بالمعرّة أسباب وصل لأجلها حسن بن طاهر وزير سليمان، في النصف من جمادى الأولى، يطلب أصحابه فثارت فتنة بالبلد، و أخرجوه منه فخرج لوقته، و أصبح قاتل البلد، و قتل جماعة من أهله في الحرب، و أمن الناحية الغربية، و أمن الباقي منها و قطع على أهل البلد عشرة آلاف دينار.
و أما بلاد شرف الدّولة فملكها من بعده أخوه إبراهيم، ما خلا حلب؛ و كاتب من بحلب في تسليمها إليه فلم يجيبوه.
و أما الشّريف حسن الحتيتي فإنّه كان متقدم الأحداث و رئيسهم، فعمر لنفسه في صفر من سنة ثمان و سبعين قلعة الشّريف المنسوبة إليه، و بنى عليها سورا دائرا، و فصل بينها و بين المدينة بسور و خندق خوفا على نفسه أن يسلمه أهل حلب، و كانوا يبغضونه، و يكرهون ولايته عليهم.
و اتّفق الشّريف و سالم بن مالك صاحب القلعة الكبيرة على أن كاتبا السّلطان ملكشاه يبذلان له تسليم حلب إليه، و يحثّانه على الوصول أو وصول نجدة تدفع سليمان بن قطلمش.
و عمر سليمان بن قطلمش قلعة قنّسرين و تحول إليها و تزوج منيعة بنت محمود بن صالح زوجة مسلم بن قريش.
و نزل على حلب و طال انتظار الشّريف حسن لنجدة تصله من السّلطان، فاجتمع بمبارك بن شبل أمير بني كلاب، و اتفقا على أن سار مبارك بن شبل إلى تاج الدّولة تتش يستدعيه إلى حلب ليتسلّمها.
و عرفه ما استقرّ بينه و بين الشريف الحتيتي عن تسليمه حلب، و رغبة الكافة في مملكته، ففرج بذلك و جمع العسكر، و خرج من دمشق في المحّرم من سنة تسع و سبعين و أربعمائة إلى حلب، فحصر حصن سليمان بن قطلمش في قنّسرين.
و وصل إلى تاج الدّولة جماعة من بني كلاب، و رحل إلى النّاعورة و عوّل على مراسلة الشريف حسن فان سلم إليه و إلّا عاد لحربه، فبادر سليمان و هو نازل في عسكره على حلب، و عارضه في طريقه على عين سيلم(1)، و تراءى العسكران، فدبّر أرتق عسكر تاج الدّولة أحسن تدبير، و التقوا فانهزم عسكر سليمان.
و قتل سليمان، و أسر وزيره الحسن بن طاهر و خلق من عسكره في يوم الأربعاء الثّامن عشر من صفر، فأطلق تاج الدّولة الوزير و من أسر، و غنم عسكره و العرب الذين معه جميع ما كان في العسكر.
1) بينها و بين حلب ثلاثة أميال. معجم البلدان.
و اختلف في قتل سليمان، فقيل: عارضه فارس من فرسان تاج الدّولة فرماه في صدغه بسهم فقتله.
و قيل: بأنه لما يئس من النّصرة نزل عن فرسه، و قتل نفسه بسكّين خفّه، و قيل: إنّ المصامدة تتبّعت أسلاب القتلى فظفروا بدرع مرّصع بالياقوت و العقيان النفيس.
و نمى الخبر إلى تاج الدّولة، فأحضره فقال: «هذا يشبه سلب الملوك»، و سار إلى الموضع و إذا به مختلط بدمه فقال: «يشبه أن يكون هذا». و قد كان قال لهم: «لا تبّينوه لي حتى أريكموه من بين القتلى»، فقيل له: «و من أين علمت ذلك؟» فقال: «قدمه تشبه قدمي و أقدام بني سلجوق تتشابه».
ثم قال بلسانه: «ظلمناكم، و أبعدناكم و نقتلكم!» ثم مسح عينيه و اغتمّ لقتله، و ترّحم عليه، و أحضر أكفانا نفيسة فكفّنه، و صلّى عليه، و حمله إلى حلب فدفنه إلى جانب مسلم بن قريش قبل أن ينقل مسلم إلى سرّ من رأى، و قيل: دفن معه في قبر واحد.
و لما جرى ما جرى من قتل سليمان و سار تاج الدّولة إلى حلب عدل الشّريف حسن الحتيتي عما كان اتّفق عليه مع مبارك بن شبل، و امتنع من تسليم حلب إلى تاج الدّولة، و احتجّ بأنّ كتب ملكشاه وصلته بتجهيز العساكر إليه.
فأقطع تاج الدّولة بلد حلب و أعمالها لعسكره إلّا ما كان لبعض العرب الّذين وفدوا عليه، فانّه أقرّه في أيديهم؛ ثم رحل إلى مرج دابق(1)و أقام أيّاما.
ثم عاد و نازل حلب؛ فعمد رجل من تجار حلب يعرف بابن البرعوني الحلبيّ، و راسل تاج الدّولة في تسليم حلب إليه، و رفع بعض أصحابه بحبال إلى بعض أبراج السور، و ساعده قوم من الأحداث و نادوا بشعار تاج الدّولة في ذلك الموضع، و تسامع الناس فنادوا بشعاره في البلد جميعه، و ذلك في ليلة السّبت السّادس و العشرين من شهر ربيع الأوّل من السّنة.
فانهزم هبة اللّه أبو الشريف حسن من قلعة ابنه إلى القلعة الكبيرة إلى سالم بن مالك(2)، و بقي الشّريف حسن في قلعتة المجدّدة، و معه فيها رجال من أحداث حلب، فخافوا على أهلهم بحلب، فخرجوا منها و بقي الشريف حسن في قلعته في نفر قليل، فطلب الأمان فأمّنه تاج الدّولة بوساطة ظهير الدّين أرتق.
و خرج إلى أرتق و صار عنده بماله و أهله، و سلّم القلعة إلى تاج الدّولة تتش، و سيّره أرتق إلى بيت المقدس بماله فأقام به.
و عصى سالم بن مالك بالقلعة الكبيرة، و كان شرف الدّولة بن قريش
لما ولّاه فيها أوصاه أن لا يسلّمها إلّا إلى السلطان ملكشاه، فالتزم بوصيّته، و امتنع أن يسلّمها إلى تتش.
و أقام تتش بمدينة حلب إلى اليوم السّابع و العشرين من شهر ربيع الآخر، و أحسن إلى أهلها، و خلع على أحداثها، فوصله الخبر أنّ السلطان ملكشاه وصلت عساكره إلى نهر الجوز(1)قاصدين مدينة حلب، فسار تاج الدّولة إلى دمشق، و ترك بعض أصحابه بقلعة الشريف و معه عدّة في اليوم المذكور، و معه قوم من بياض حلب، فأقام نائبه أياما يسيرة، ثم سار و لحقه في دمشق.
و وصلت عساكر ملكشاه حلب مع برسق و بوزان و غيرهم، و نزل بعضهم إلى بلد الرّوم، و امتدوا فيما بينها و بين أنطاكية؛ و وصل بعضهم إلى حلب، و سارع أهل حلب و سالم بن مالك و مبارك بن شبل إلى طاعة الواصل و خدمته.
ثم إنّ السلطان وصل بعدهم إلى الرّها فسلّمها إليه الفلاردوس(2)و أسلم على يده، و سار منها إلى قلعة دوسر- و هي المعروفة بجعبر- فتسلّمها في طريقه من جعبر بن سابق القشيري، و قتله لما بلغه عنه من الفساد و قطع الطّريق.
و سار حتّى وصل حلب في الثّالث و العشرين من شعبان من سنة تسع و سبعين و أربعمائة.
و تسلّم حلب و قلعتها و سائر قلاع الشّام، و عوّض سالم بن مالك عن قلعة حلب بقلعة دوسر، و أقطعه معها الرّقة و عدّة ضياع.
و توجّه السّلطان إلى أنطاكية فتسلّمها من الحسن بن طاهر وزير سليمان بن قطلمش، و رتب بأنطاكية يغي سيان بن ألب في عسكر و استخدم حسن بن طاهر في ديوانها، و تمّ إلى السّويديّة(1)، و صلّى على البحر، و حمد اللّه على ما أنعم عليه ممّا تملكه من بحر المشرق إلى بحر المغرب.
و عاد إلى حلب، و رتّب بها الأمير قسيم الدّولة أقسنقر(2)و معه عسكر، و استخدم بها تاج الرّؤساء ابن الخّلال في جمع الأموال.
و وصل إليه الشّريف حسن الحتيتي و هو بحلب يلتمس العودة إلى حلب، و يذكر خدمته و ما جري عليه، فتظلّم منه أهل حلب فلم يأذن له السّلطان فيما التمسه.
و كان هذا السّلطان من أعظم الناس هيبة و أكثر الملوك عدلا حتى أنّ أحدا لا يقول: إنّ أحدا من ذلك العالم العظيم من عسكره- و حزره أربعمائة
ألف- أخذ لأحد من الرّعايا قسرا و ظلما ما يساوي درهما واحدا؛ حتى أنّ البازيار الّذي له اقتنص طائرين من الدّجاج من الأثارب(1)طعما للبزاة في الطّريق، فعلم بذلك فعظم عليه حين رآه و هدّده حتى أعادها إلى صاحبها بعد عوده من أنطاكية.
و خرج هذا السّلطان إلى ضياع معرّة النّعمان يتصيّد، و بات بضيعة بينه و بين المعرّة ثلاثة فراسخ، فابتاع منها أصحابه ما احتاجوه بأوفى ثمن؛ و وضع السّلطان في هذه السّنة المكوس من جميع بلاده، و لم يبق من يستخرج مكسا في مملكته.
و أقام السّلطان بحلب إلى أن عيّد بها عيد الفطر، و عاد منكفئا إلى الجزيرة، و قد قرّر ولاية حلب، و ولّى بقلعتها نوحا التركي، و بلغه عصيان تكش(2)بترمذ فسار السّلطان، و قطع ما بين حلب و نيسابور في عشرة أيّام، و عاد منكفئا إلى الجزيرة و قد قرّر ولاية حلب لقسيم الدّولة أقسنقر التركي في سنة تسع و سبعين و أربعمائة، و جعل معه أربعة آلاف فارس و مكّنه فيها.
و قيل إنّه مملوك لملكشاه، و قيل إنه لصيق و انّ اسم أبيه أل ترغان، و ولّى على جمع المال بحلب في الديوان تاج الرؤساء أبا منصور بن الخّلال
الرحبيّ، و قال شاعر حلبيّ فيه و في الوزير ابن النّحاس:
قد زنجر العيش على النّاسما بين «خلّال» و «نحّاس»
فأحسن قسيم الدّولة في حلب السّيرة و أجمل السّياسة و أقام الهيبة، و أفنى قطّاع الطريق، و تتبع الذعّار في كلّ موضع فاستأصل شأفتهم.
و عمرت حلب في أيامه بسبب ذلك لورود التجار و الجلّابين إليها من كل مكان.
و حكى لي والدي- رحمه اللّه-: أنّه استأصل أرباب الفساد إلى حدّ بلغ به أن نادى في قرى حلب و ضياعها أن لا يغلق أحد بابه، و أن يتركوا آلاتهم الّتي للحرث في البقاع في اللّيل و النّهار.
فخرج متصيّدا فمرّ على فلّاح و قد فرغ من عمله، و أخذ آلة الحرث معه إلى منزله، فانفرد من عسكره، و قال له: «ألم تسمع مناداة قسيم الدّولة بأن لا يرفع أحد من أهل القرى شيئا من آلة الحرث؟» فقال: «بلى و اللّه- حفظ اللّه قسيم الدّولة- و اللّه لقد أمنّا في أيّامه من كل ذاعر و مفسد، و ما رفعت هذا خوفا عليها ممّن يأخذها، و إنّما ههنا دويبة يقال لها ابن آوى إذا تركنا هذه العدّة ههنا جاءت و أكلت هذه الجلود التي عليها».
فلما عاد قسيم الدولة أمر بالصيّادين و بثّهم في أقطار بلد حلب لصيد بنات آوى حتى أفنوها من ضواحي حلب، و كان ذلك سببا لقلّتها في بلد حلب إلى يومنا هذا، دون غيرها من البلاد.
و في أيّام قسيم الدّولة جدّد عمارة منارة حلب الموجودة في زماننا هذا، و جددت في سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة.
و جرى خلف بين لطمين(1)و بين نصر بن عليّ بن منقذ في سنة إحدى و ثمانين، فخرج أقسنقر إلى شيزر، و قتل من أهلها مائة و ثلاثين رجلا، و عاد إلى حلب بعد أن نهب ربضها، و استقّرت الموادعة بينه و بين نصر صاحب شيزر.
و كان أقسنقر قد تزوّج خاتون داية السّلطان ملكشاه(2)و كانت جالسة معه في بعض الأيّام في داره بحلب، و في يده سكّين فأومأ بها إليها على سبيل المداعبة و المزاح، فوقعت في قلبها للقضاء المحتوم غير متعمد لها؛ فماتت و حزن عليها حزنا شديدا؛ و تأسّف لفقدها، و حملها في تابوت لتدفن في مقابر لها بالشّرق؛ و خرج من حلب لتوديع تابوتها في مستهلّ جمادى الآخرة.
و تسلّم أقسنقر حصن(3)برزويه، في شعبان سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة، من الأرمن- و هو آخر ما كان قد بقي في أيدي الكفّار من أعمال أنطاكية- و أقام في يده تسعة أشهر، و هدمه في ربيع الأوّل من سنة ثلاث و ثمانين.
و كتب ولاة الشّام إلى السلطان ملكشاه يشكون ما يلقونه من خلف بن ملاعب بحمص من قطع الطّريق و إخافة السّبيل، فكتب إلى قسيم الدّولة و يغى سيان و بوزان صاحب الرّها، فساروا في عساكرهم، فحاصروها و ضايقوها ففتحوها؛ و أعطاها السّلطان تاج الدّولة تتش.
و نزل قسيم الدّولة على أفامية، فأخذها من خلف بن ملاعب و سلّمها إلى نصر بن منقذ.
ثمّ إنّ السّلطان أمر بحمل ابن ملاعب في قفص حديد إلى أصبهان، فحبسه إلى أن مات ملكشاه؛ و توجّه إلى مصر و عاد إلى الشّام، و احتال حتى ملك أفامية بالحيلة بعد ذلك.
و لما فتحت حمص تسلّمها قسيم الدّولة إلى أن ورد عليه أمر السّلطان بتسليمها إلى تتش(1).
و مات السّلطان ملكشاه ببغداد في اللّيلة السّادسة عشر من شوّال سنة خمس و ثمانين و أربعمائة، و كان أقسنقر قد خرج وافدا عليه، فلما بلغه الخبر عاد إلى حلب، و خطب لابنه محمود مدّة يسيرة، ثم إنّه خطب بعد ذلك لتاج الدّولة تتش- على ما يذكر-(2).
و لما عاد إلى حلب قبض على شبل بن جامع أمير بني كلاب و على ولده مبارك، و اعتقلهما بالقلعة، و راسل تاج الدّولة قسيم الدّولة و يغي سيان و بوزان و جذبهم إلى طاعته، و الكون في جملته ليسيروا معه إلى بلاد أخيه ليفتحها، و يأخذ المملكة فأجابوا إلى ذلك، و خطبوا له في أعمالهم.
فسار في أوّل سنة ستّ و ثمانين، و سار إليه قسيم الدّولة و يغى سيان و بوزان، و وثق به أق سنقر، و فتح تاج الدّولة الرّحبة و نصيبين، فجمع ابراهيم بن قريش و تأهّب للقاء تاج الدّولة.
و التقى العسكران على دارا(1)، و عاد كلّ فريق إلى موضعه، فركب الأمير قسيم الدّولة في خلق من العسكر، و حمل حتّى توسّط عسكر ابراهيم فلم يثبت العرب، و تبعه باقي العسكر، فقتل منهم ما يقارب عشرة آلاف.
و أسر ابراهيم بن قريش و عمه مقبل و غيرهم. فقتلهم تاج الدّولة صبرا و سبيت الحرم، و قتل جماعة من نساء العرب نفوسهن.
و أمر تاج الدّولة بعد ذلك بجمع الأسرى و وهبهم من محمّد بن شرف الدّولة- و كان قد صار في جملته قبل الحرب- و أقطعه نصيبين(2).
و عظمت هيبة تاج الدّولة بعد هذه الوقعة، و راسلته زوجة أخيه تحثّه
على الوصول؛ و استقرّ الحال على أن تتزوّجه؛ فسار عند ذلك بعد أن تسلّم من ابن جهير آمد و جزيرة ابن عمر، حتى وصل إلى تبريز، ففسخ عنه قسيم الدّولة أق سنقر صاحب حلب و عماد الدّولة بوزان و سارا إلى بركيارق ليكونا في خدمته- و كان بالقرب من الريّ(1).
و كان سبب نفار قسيم الدّولة و بوزان تقريب تاج الدّولة يغي سيان و ميله إليه؛ و قيل: لأنّه لم يولهما شيئا من البلاد الّتي افتتحها، فرجع تاج الدّولة إلى ديار بكر، و شحنها بالرّجال، و سار منها إلى سروج فأخذها و ولّى فيها بعض ثقاته.
و وصله الخبر بوصول أق سنقر و بوزان إلى باب السّلطان بركيارق، و إكرامه لهما، و أنّهما وجدا خاله مستوليا على أمره، فقتلاه و بعض الأمراء.
فانبسطت يد بركيارق، و استقامت أحواله، و خاطبه أق سنقر و بوزان أن يسير معهما إلى بلادهما حلب و الرّها و حرّان، لئلا يجري عليهما حادث من تاج الدّولة عند عودته، و ضمنا له أن يكونا بينه و بين تاج الدّولة؛ فسار معهما إلى الرّحبة، و عقد بينهما و بين عليّ بن شرف الدّولة حلفا.
و سار عليّ بن قريش، و معه جماعة من بني عقيل و قطعة من عسكر السّلطان بركيارق مع قسيم الدّولة؛ فأوصلوه إلى حلب، فدخلها في شوّال من سنة ستّ و ثمانين و أربعمائة.
1) الري الآن ضاحية لمدينة طهران.
و سار بوزان إلى بلاده، و عاد من كان معهما إلى السّلطان.
و أما تتش فانّه قطع الفرات و توجّه إلى أنطاكية، و أقام بها مع يغي سيان مدّة، فغلت بها الأسعار، فسار إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السّنة.
و كان وثّاب بن محمود مع نفر يسير من بني كلاب، فأنفذ أق سنقر بعد مسير تتش إلى دمشق من أحرق حصن أسفونا و حصن(1)القبّة، و قبض اقطاع وثّاب.
و في سنة سبع و ثمانين، قبض على الوزير أبي نصر محمّد بن الحسن بن النحاس بسعاية المجنّ بركات الفوعي به إلى قسيم الدّولة. و لم يزل به إلى أن أمره بخنقه، و هو معتقل عنده، فخنقه في هذه السّنة.
و في شهر ربيع الأوّل من سنة سبع و ثمانين و أربعمائة، خرج تاج الدّولة تتش من دمشق، و معه خلق عظيم من العرب، و لقيه يغي سيان بعسكر أنطاكية بالقرب من حماة و أقاموا هناك أياما؛ و زوّج ولده الملك رضوان من ابنة يغي سيان، و سيّره عائدا إلى دمشق.
و سار تاج الدّولة بعساكره فنزل تلمنس(2)، و أقام بها أياما، فوصله الخبر بوصول كربوقا صاحب الموصل و بوزان صاحب الرّها، و يوسف بن
أبق صاحب الرّحبة، في ألفين و خمسمائة فارس إلى حلب، لنجدة أق سنقر، فعدل تاج الدّولة إلى الحانوتة، و رحل إلى النّاعورة، و عوّل على قصد الوادي(1)، و أن يسير منه إلى أعمال أنطاكية؛ و أخذ العسكر دوابّ النقرة و [أحرق] بعض زرعها(2).
فخرج أق سنقر و من وصله من النّجدة و جماعة كثيرة مع شبل بن جامع و مبارك بن شبل من بني كلاب- و كان قد أطلقهما من الاعتقال في هذه السّنة- و محمّد بن زائدة في جماعته و جماعة من أحداث حلب و الديّلم و الخراسانيّة؛ و عدّة عسكره تزيد عن ستّة آلاف فارس و راجل، في أحسن أهبة و أكمل عدّة.
و قصد عسكر الملك تاج الدّولة، يوم السبت تاسع جمادي الأولى من السّنة، و التقوا على «سبعين»(3)، و كان أوّل من قطع السواقي التي كانت بين العسكرين و برز للحرب أق سنقر، و رتّب مصاف عسكره.
و بقي عسكر بوزان و كربوقا لم يتمكن من قطع السواقي، فيختلطون بالعسكر، و لم يستنصح أق سنقر العرب الّذين معه؛ و خاف ميلهم إلى تاج الدّولة، و كان عسكر تاج الدّولة في مثل هذه العدّة من العرب و الرّجالة،
و كان التّرك معه في قلّة لأنّ أصحابه و خواصّه كانوا متفرقين في البلاد التي افتتحها.
و حمل عسكر تاج الدّولة على عسكر أق سنقر فلم يثبت لحظة واحدة، و انهزمت العرب و بوزان و كربوقا نحو حلب فدخلاها، و استأمن يوسف بن أبق إلى تاج الدّولة.
و أسر أق سنقر و جماعة من خواصه و وزيره أبو القاسم بن بديع، و أحضر بين يدي تاج الدّولة أسيرا، فقتله صبرا، و قال له تاج الدّولة: «لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟» قال: «كنت أقتلك» فقال له: «فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم عليّ» فقتله.
و حكى وثّاب بن محمود قال: «جلس تاج الدّولة، و طلب قسيم الدّولة، فأحضر مكشوف الرّأس، مكتوفا، فقام تاج الدّولة، و كلّمه كلاما كثيرا، فلم يردّ عليه جوابا، فضربه بيده أطار رأسه».
و حمل رأسه إلى حلب والي دمشق، و دفن جسده في القبّة التي على سطح جبل قرنبيا(1)، غربيّ المشهد الذي ابتناه بقرنبيا؛ ثم نقله ابنه زنكي لمّا فتح حلب إلى مدرسة الزجّاجين(2)، و وقف شامر- قرية من بلد حلب- على من يقرأ على قبره.
و اختار قسيم الدّولة وقتا للخروج إلى اللّقاء، و هو وقت قران زحل للمرّيخ في برج الأسد- و هو طالع بيت السّلطان بحلب- و كان موقنا بالظّفر، فخرج و أمرهم أن يلحقوه بالجبال لكتافهم بها، و كان تاج الدّولة قد عزم على ما ذكرناه؛ و لم يكن مؤثرا لقاءه؛ فنصره اللّه تعالى كما شاء و أراد؛ لا راد لأمره، و لا معقّب لحكمه، و لا تأثير لشيء في ملكوته.
و أسر شبل بن جامع أمير بني كلاب فوهبه تاج الدّولة لابن أخيه وثّاب بن محمود.
و عوّل بوزان و كربوقا على الاعتصام بحلب، و انتظار النّجدة من بركيارق؛ لأن كتاب الطّائر وصل إلى حلب يخبر بوصول النّجدة إلى الموصل، و قرّروا مع الأحداث ذلك.
فوصل تاج الدّولة بعسكره إلى حلب، و تحيّر أهلها فيما يفعلونه، فبادر قوم من الأحداث ممّن لا يعرف و لا يذكر ففتحوا باب أنطاكية.
و دخل وثّاب بن محمود في مقدّمة أصحاب تاج الدّولة إلى حلب، و سكن البلد، فنزل الوالي بقلعة الشّريف، و سلّمها إلى تاج الدّولة فدخلها، و بات بها، فراسله نوح والي القلعة الكبيرة، و سلّمها إليه بعد أن توثّق منه، و طلع تاج الدّولة إليها في الحادي عشر من جمادى الأولى من السّنة(1).
1) 487 ه/ 1094 م.
و قبض تاج الدّولة على بوزان فضرب رقبته صبرا، و أخذ كربوقا و اعتقله بحمص، و أقطع الشّام لعسكره، و أقطع معرّة النّعمان و اللّاذقية ليغي سيان، و رتّب أبا القاسم بن بديع وزيرا بحلب.
و أقام ثلاثة أيّام ثمّ توجّه فقطع الفرات، و تسلّم حرّان، و سار إلى الرّها فتسلّمها، و قيل: بأنّ واليها امتنع من تسليمها إلّا بعلامة من بوزان، و أنّ بوزان كان محبوسا بحلب، فأنفذ إليه من قطع رأسه و رماهم به، فسلّموا الرّها إليه، و تسلّم ديار بكر.
و سار إلى ميّافارقين فقتل بني جهير بعد أن قطع رؤوس أولادهم و علّقها في رقابهم.
و عدل عن الموصل، و سار للقاء زوجة أخيه خاتون الجلاليّة لإتمام ما كان استقرّ بينهما فماتت في الطريق.
و توجّه تاج الدّولة إلى الرّي، فوصله خلق كثير من التركمان و عساكر أخيه، و ملك كلّ بلدة مرّ بها، و خطب له على منابر الإسلام: الشّام و الفرات، و بغداد.
و عند وصوله إلى همذان كتب إلى ولده الملك رضوان يستدعيه من دمشق فتوجّه إليه و معه بقيّة من تخلّف من أصحابه بالشّام.
و دخل تاج الدّولة الرّي و ملكها في المحرّم سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، و خرج بركيارق من أصبهان، و التقوا على خمسة فراسخ من
الرّي في يوم الأحذ السّابع عشر من صفر، فانهزم عسكر تاج الدّولة تتش و استبيح و نهب، و قتل ذلك اليوم تاج الدّولة و خواصّه في الحرب.
و قتل تاج الدّولة بعض أصحاب قسيم الدّولة بعد أن اصطنعه و قربّه، ضربة بنشّابة في ترقوته اليسرى فوقع؛ و قطع رأسه و طيف به العسكر، ثمّ حمل إلى بغداد فطيف به، و تفرّق من سلم منهم إلى مواضعهم.
و وصل الخبر إلى ولده الملك رضوان، و هو نازل على الفرات بعانة(1)متوجها إلى والده، فقلق و خاف من وصول من يطلبه فحطّ خيمه في الحال(2).
و رحل مجدّا حتّى وصل حلب في جماعة من غلمانه و حاشيته؛ و ترك باقي عسكره من ورائه، فسلم وزير أبيه أبو القاسم بن بديع إليه المدينة و القلعة؛ و صعد إليها؛ و أخذوا الأهبة لمن يقصدها.
و وصل إليه إلى حلب من الفلّ أخوه أبو نصر دقاق(3)و جناح الدّولة حسين(4)، فاستولى جناح الدّولة على تدبير ملك الملك رضوان؛ و كان تاج
1) عانة بلد مشهور على الفرات بين الرقة و هيت يعد في أعمال الجزيرة. معجم البلدان.
2) لرضوان ترجمة مطولة في كتاب بغية الطلب كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي- مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية- ص 387- 396.
3) لدقاق ترجمة في تاريخ ابن عساكر، انظرها في كتاب المدخل ص 386.
4) لجناح الدّولة حسين ترجمة في بغية الطلب كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي المدخل ص 376- 379.
الدّولة قد جعله مدبّرا له، و هو أتابكه في حياته، و جعل دقاق مع أتابك ظهير الدين.
و لمّا افتتح ديار بكر سلّمها إلى ظهير الدّين، و شمس الملوك دقاق معه، و لم يزل بها إلى أن سار إلى الرّيّ فسارا معه.
و عاد دقاق إلى حلب فأقام بها مدّة يسيرة، و راسله الأمير ساوتكين الخادم- و كان نائب تاج الدّولة بدمشق في حفظ القلعة و البلد- [و قرّر] لدقاق مملكة دمشق سرّا، و خاف من أخيه رضوان(1)، فخرج من حلب و هرب إلى دمشق من غير أن يعلم به أحد. و جدّ في السّير، و تبعه رضوان، و أنفذ خلفه عدّة من الخيل ففاتهم، فدخل دمشق فسارع ساوتكين إلى طاعته، و صارت دمشق و بلادها بحكمه.
و قتل رضوان أخويه: أبا طالب و بهرام ابني تتش، و كان أتابك طغتكين معتقلا عند السّلطان بركيارق، و قبض في الوقعة فطلبوا منه كربوقا و الجماعة الذين معه، و كانوا في يد رضوان فاتّفق رأيهم أن يسيروا عضب الدّولة أبق بن عبد الرّزّاق إلى رضوان لاستخلاص كربوقا.
و كان أبق أيضا من جملة من قبض عليه من الجماعة الذين كانوا مع تتش فخاطبوا السّلطان في إطلاقه و تسييره فأجابهم إلى ذلك، و سيّره إلى حلب، فلمّا وصله أكرمه رضوان و أطلق كربوقا في شعبان و سيّره مكرما.
1) انظر لمزيد من التفاصيل ترجمة رضوان- المدخل ص 391- 395.
فأطلق بركيارق أتابك طغتكين(1)و جميع من كان في اعتقاله من خواصّ تاج الدّولة، و وصل دمشق فابتهج دقاق بوصوله و قويت نفسه؛ و ألقى تدبير أموره إليه، فقام فيها أحسن قيام.
فاستأذن عضب الدّولة الملك رضوان في الوصول إليه فأذن له، و قرّر معه قرب العودة إلى حلب و ترك اقطاعه بحلب على حاله، فوصل دمشق و اختار المقام بها، و كتب إلى أصحابه بعزاز يأمرهم بتسليمها إلى رضوان فسلّموها.
و لمّا وصلت هذه الأخبار وثب أهل أفامية على حصنها فأخذوه من الأتراك، و قتلوا بعضهم، و كان تاج الدّولة قد أخذه من ابن منقذ، و سار جماعة من أهلها إلى مصر يستدعون واليا من قبلهم [لميلهم](2)إلى الإسماعيلية و نفورهم من التّرك.
و وصل خلف بن ملاعب في سنة تسع و ثمانين و أربعمائة و تسلمها، و عاد إلى الفساد و قطع الطريق، و قتل خلقا من أفامية.
و أمّا الملك رضوان فإنّه خرج في سنة ثمان و ثمانين من حلب، و معه جناح الدّولة حسين، و وصله يغي سيان و يوسف بن أبق من أنطاكية بعسكرهما، و توجهوا إلى الرّها، و معهم رهائن أهلها ليتسلمها الملك رضوان من المقيمين فيها من أصحاب والده.
فلمّا نزلوا الرّها أراد يغي سيان و يوسف أن يقبضا جناح الدّولة و يتفرّدا بتدبير رضوان، فهرب منهما، و قطع الفرات، و وصل حلب، و تبعه رضوان، فدخل حلب، و هرب رهائن الرّها من العسكر و دخلوها، و عاد يغي سيان و يوسف بن أبق، و قد استوحش رضوان منهما.
و كتب رضوان إلى سكمان(1)- و اقطاعه سروج(2)- يستدعيه إلى حلب لمعونته، فسار و قطع الفرات فلقيه يوسف بن أبق في عدّة وافرة فخافة سكمان، فأظهر موافقته و صار معه.
و خاف جناح الدّولة من اجتماعهم، و كان عقيب وصول رضوان من الرّها قد سيّر جماعة من عسكر حلب إلى معرّة النّعمان مع عضب الدّولة لأخذها من يغي سيان.
و كاتب وثّاب بن محمود فوصل ببني كلاب لمساعدته على أخذ المعرّة، فأخرجوا ابن يغي سيان و أصحابه منها، و تسلّموها.
و عاد عضب الدّولة و وثّاب، فلمّا وصلا حلب حدث ما ذكرناه من أمر سكمان و يوسف بن أبق، فخرج جناح الدّولة بالعسكر، فلقيه يوسف بالقرب من مرج دابق فهرب يوسف و نهبوا عسكره، و أعانهم على ذلك
سكمان، و دخل يوسف أنطاكية. و عاد جناح الدّولة و سكمان و وثّاب و أبق إلى حلب.
و أقطع الملك رضوان معرّة النّعمان سكمان بن أرتق و أعمالها، ثم سار رضوان و سكمان لقصد دمشق و انتزاعها من أخيه دقاق، و ترك جناح الدولة بحلب.
فلمّا نزلا دمشق، وصل إليهما أن دقاق قبض على نجم الدين إيلغازي ابن أرتق، و اعتقله لتهمة وقعت به، فعاد الملك رضوان إلى حلب، و سار سكمان إلى بيت المقدس و تسلّمها من نواب أخيه و أقام بها.
و راسل يوسف بن أبق الملك رضوان و استأذنه في الوصول إلى خدمته فأذن له، و وصل حلب و سكنها.
ثم خاف رضوان و حسين منه فتقدّما إلى بركات بن فارس رئيس حلب المعروف بالمجن(1)بقتله، فهجم عليه و أصحابه فقتلوه و نهبوا داره و أخذوا رأسه، و سيّروه إلى بزاعا و منبج، فتسلموها من أصحابه، و قبضوا على اقطار أخيه و أصحابهما؛ و هربوا من حلب، و كان الملك قد توهّم منه الارتداد عن الاسلام.
ثم أنّ رضوان و جناح الدّولة خرجا في سنة تسع و ثمانين إلى تلّ باشر؛ و شيح الدّير(2)، و فتحاها بالسّيف من أصحاب يغي سيان، و أغارا على
أعمال أنطاكية، و عادا إلى حلب، و سارا في أول شهر رمضان منها إلى دمشق.
فسار يغي سيان منجدا لدقاق فضعفت نفس رضوان و لم يتمكن من العودة، فسار إلى بيت المقدس، فتبعه دقاق و طغتكين و يغي سيان و أقاموا متحابسين مدة.
و أشرف عسكر رضوان على التّلف فانفصل عنه جناح الدّولة، و هرب على طريق البرية إلى حلب، و تبعه الملك رضوان بعد مدّة و حصلا بجميع العساكر بحلب.
و عاد دقاق و طغتكين إلى دمشق و يغي سيان إلى أنطاكية. و عاد سكمان بن أرتق من القدس على البريّة حتّى وصل حلب على البرية في المحرّم من سنة تسعين و أربعمائة.
و اجتمع بجناح الدّولة و اتفقا على قصد بلاد يغي سيان فخرج دقاق و طغتكين، فوصلا حماه و عاث العسكر في بلدها و وصلهما يغي سيان، و ساروا إلى كفر طاب في الثّاني من ربيع الأوّل، فقاتلوها، و نهبوها، و قرّروا على أهلها مالا.
و هرب أصحاب سكمان من المعرّة فتسلّمها يغي سيان و قرّر عليها مالا، و تنقّل العسكر في الجزر(1)و غيرها من أعمال حلب، فاستنجد رضوان
1) الجزر كورة من كور حلب وقعت بينها و بين أنطاكية. معجم البلدان.
بسليمان بن إيلغازي صاحب سميساط(1)فوصل بعسكر كثير إلى حلب.
و جمع رضوان من قدر عليه من التّرك و العرب و أحداث حلب، و نزل عسكر دقاق بقنّسرين.
و نزل عسكر حلب بحاضر قنّسرين فاتّفق الأمر على أن يجتمعوا على نهر قويق و يتحدّثوا، فاجتمعوا و تحدّثوا، و النهر بينهم؛ فلم يتّفق الصّلح، فقال يغي سيان لسكمان: «هؤلاء الملوك يقتتلون على ملكهم، أنت يا بيّاع اللّبن دخولك معهم لأي صفة؟» قال: «غدا تبصر ايش أنا».
فأصبحوا و التقوا يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر من سنة تسعين و أربعمائة فأبلى سكمان بلاء حسنا.
و لم تزل الحرب بينهم إلى آخر النهار، فانهزم يغي سيان إلى أنطاكية، و دقاق و طغتكين إلى دمشق؛ و أسر في الحرب اصباوه(2)، فاعتقل بحلب ثم أطلق، فهرب إلى دمشق و لم يقتل من العسكر إلّاالقليل.
و قتل الفلّاحون في الطّريق وقت الهزيمة من الأرمن الذين كانوا مع يغي سيان جماعة كثيرة، و تغيّرت نيّة الملك رضوان على جناح الدّولة حسين
فهرب من حلب إلى حمص، و خرج من حلب ليلا و معه زوجته أمّ الملك رضوان؛ و أقام بحمص لأنها كانت في يده و حصّنها.
و وصل يغي سيان إلى حلب عقيب ذلك، و خدم رضوان، و دبّر أمره، و تزوّج رضوان ابنة يغي سيان خاتون جيجك(1).
و عوّل رضوان على قصد جناح الدّولة بحمص، و قصد دقاق بدمشق، و وصله رسول الأفضل(2)من مصر يدعوه إلى طاعة المستعلي و إقامة الدّعوة له، و على يده هديّة سنيّة من مصر، و وعده بأن يمدّه بالعساكر و الأموال.
فتقدم بالدّعوة للمصريين على سائر منابر الشّام التي في يده، و دعا الخطيب أبو تراب حيدرة بن أبي أسامة بحلب للمستعلي ثمّ للأفضل ثم لرضوان، في يوم الجمعة السّابع عشر من شهر رمضان من هذه السّنة.
و كان قد ولّى الخطابة أبا تراب و عزل جدّ أبي غانم أبا محمّد بن هبة اللّه بن أبي جرادة عن القضاء و الخطابة بحلب، لأن توليته كانت على قاعدة أبيه من بغداد في سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة.
و كان أبوه القاضي أبو الفضل هبة اللّه قد مات في هذه السّنة المذكورة، و هو على القضاء و الإمامة بحلب.
و ولى رضوان قضاء حلب في سنة تسعين القاضي فضل اللّه الزّوزني العجمي الحنفي، و سيّره رسولا إلى مصر، و ناب عنه في القضاء حال غيبته أبو الفضل أحمد بن أبي أسامة الحلبي، و دامت الدّعوة بحلب إلى رجب من سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة. و قيل: لم تدم أكثر من أربع جمع(1).
و أعادها رضوان للإمام المستظهر ثم للسّلطان بركيارق ثمّ لنفسه، و لم يصحّ له مما التمسة من المصريين شيء.
و أعاد القضاء و الخطابة إلى جدّ أبي أبي غانم على قاعدته الأولى، في سنة خمس و تسعين و أربعمائة، حين قتل الزّوزنيّ، و كان خرج من بين يدي رضوان، فقتل في بعض الدّروب؛ و كان أزرى على الباطنيّة و على معتقدهم فقيل إنّهم قتلوه.
و لما سار رضوان و يغي سيان وصلا إلى شيزر متوجّهين إلى حمص لقصد(2)حمص، فتواصلت الأخبار بوصول خلق من الفرنج قاصدين أنطاكية، فقال يغي سيان: «عودنا إلى أنطاكية و لقآء الفرنج أولى»، و قال سكمان: «مسيرنا إلى ديار بكر و أخذها من المتغلّبين عليها و نتقوى بها، و أنزل أهلي بها و نعود إلى حمص أولى»؛ و اختلفوا.
فسار الملك رضوان نحو حلب جفلا و كان معه وزيره أبو النّجم بن بديع أخو وزير أبيه تتش أبي القاسم، و كان قد ولّاه وزارته حين ملك
حلب، فاتهماه أنه هو الذي يفسد حال رضوان، فطلع إلى حصن شيزر، و أقام به عند ابن منقذ خشية من يغي سيان و سكمان، فلما سارا عن شيزر سار إلى حلب و لحق بالملك رضوان بها.
و لما عاد رضوان مغاضبا ليغي سيان و سكمان عاد(1)و الأمراء من شيزر إلى أنطاكية، و بلغهم نزول الفرنج البلّانة و نهبها(2).
و لما دخل يغي سيان أنطاكية أخرج ولديه شمس الدّولة و محمدا، فسار أحدهما إلى دقاق و طغتكين يستنجدهما، و بثّ كتبه إلى جناح الدّولة و وثاب بن محمود و بني كلاب، و سار محمّد ابنه إلى التركمان و كربوقا و أمراء الشرق و ملوكه، و سارت كتبه إلى جميع أمراء المسلمين.
و في ثامن شهر رمضان، وصل من قبرس إلى ميناء اللاذقية اثنتان و عشرون قطعة في البحر، فهجموه و أخذوا منه جميع ما كان للتجّار؛ و نهبوا اللّاذقية، و عادوا، و وصلت الفرنج إلى الشّام، و اعتبروا عسكرهم فكانوا ثلاثمائة ألف و عشرين ألف إنسان، لأنّهم وصلوا من جهة الشمال.
و في اليوم الثّاني من شوّال نزلت عساكر الفرنج على بغراس(3)و أغاروا على أعمال أنطاكية، فعند ذلك عصى من كان في الحصون و المعاقل المجاورة لأنطاكية، و قتلوا من كان بها، و هرب من هرب منها.
و فعل أهل أرتاح(1)مثل ذلك و استدعوا المدد من الفرنج، و هذا كله لقبح سيرة يغي سيان و ظلمه في بلاده.
و نزل الفرنج على أنطاكية لليلتين بقيتا من شوال من سنة تسعين و أربعمائة.
و خرج في المحرّم من سنة إحدى و تسعين و أربعمائة نحو ثلاثين ألفا من الفرنج إلى أعمال المسلمين ببلد حلب، فأفسدوا و نهبوا و قتلوا من وجدوا.
و كان قد وصل الملك دقاق و أتابك و معهما جناح الدّولة، و نزلوا أرض شيزر، و معهم ابن يغي سيان و هم سائرون لانجاد أبيه، فبلغهم خبر هذه السريّة، فساروا إليها بقطعة من العسكر، فلقوهم في أرض البارة(2)فقتلوا منهم جماعة.
و عاد الفرنج إلى الروج(3)، و عرجوا منه إلى معرّة مصرين(4)، فقتلوا من وجدوا و كسروا منبرها، و حين عاد العسكر الدمشقي من البارة فارقهم ابن يغي سيان و وصل إلى حلب يستنجد بالملك رضوان، فأخذ عسكر حلب و سكمان، و دخل بهما إلى أنطاكية فلقيهم من الفرنج دون عدّتهم، فانهزم
1) أرتاح اسم حصن منيع كان من العواصم من أعمال حلب. معجم البلدان.
2) بليدة في منطقة أريحا محافظة ادلب السورية، كان بها حصن، ما زالت خرائبها شاهدة على عظمة ماضيها، انظر معجم البلدان و انظر الخبر أيضا عند ابن القلانسي ص 219.
3) الروج من كور حلب المشهورة في غربيها. معجم البلدان.
4) معرة مصرين من قرى محافظة ادلب و تتبع إداريا لها و تبعد عن ادلب مسافة 10 كم.
عسكر المسلمين إلى حارم(1)و ذلك في آخر صفر، و تبعهم عسكر الفرنج إلى حارم فانهزموا إلى حلب، و غلب أهل حارم من الأرمن عليها.
و في شهر ربيع الأول من السّنة وصل خلق من الأرمن إلى تل قبّاسين بناحية الوادي فقتلوا من فيه، و خرج المسلمون الذين بالوادي و جماعة من الأتراك تبعوهم و قتلوا منهم جماعة، و التجأ الباقون إلى بعض الحصون الخربة، فأدركهم عسكر حلب فقاتلهم يومين، و أخذوهم فقتلوا بعضهم، و حمل الباقي أسرى إلى حلب فقتلوا، و كانوا يزيدون عن ألف و خمسمائة.
و لما نزل الفرنج- لعنهم اللّه- بأنطاكية جعلوا بينهم و بين البلد خندقا لأجل غارات عسكر أنطاكية عليهم و كثرة الظّفر بهم، و لا يكاد يخرج عسكر أنطاكية و يعود إلّا ظافرا.
و جعل يغي سيان النّاس على البعد و القرب، و كان حسن التّدبير في سياسة العسكر.
و جمع كربوقا صاحب الموصل عسكرا عظيما، و قطع به الفرات، و وصل دقاق و طغتكين و جناح الدولة، و وصل سكمان بن أرتق، و فارق رضوان و سار مع دقاق.
و وصل وثّاب بن محمود و معه جماعة من العرب و وصلوا تل منس و قاتلوها لأنه بلغهم أنهم كاتبوا الفرنج و أطمعوهم في الشّام، و قرّر عليهم
1) حارم الآن من مناطق محافظة ادلب و تبعد عن ادلب مسافة 53 كم.
دقاق مالا أخذ بعضه و رهائن على الباقي، و سيّرهم إلى دمشق.
و سار دقاق بالعساكر إلى مرج دابق، و اجتمع بكربوقا فيه في آخر جمادى الآخرة، و رحلوا منه نحو أنطاكية.
فلما كان ليلة الخميس أوّل ليلة من رجب واطأ رجل يعرف بالزّرّاد من أهل أنطاكية و غلمان له على برج كانوا يتولّون حفظه؛ و ذلك أن يغي سيان كان قد صادر هذا الزّرّاد و أخذ ماله و غلّته، فحمله الحنق على أن كاتب بيمند و قال له: «أنا في البرج الفلاني، و أنا أسلّم إليك أنطاكية إن أمنتني و أعطيتني كذا و كذا». فبذل له ما طلب، و كتم أمره عن باقي الفرنج.
و كان بعسكر الفرنج تسعة قوامص مقدّمين عليهم كندفري، و أخوه القمص، و بيمند، و ابن اخته طنكريد و صنجيل و بغدوين و غيرهم، فجمعهم بيمند و قال لهم: «هذه أنطاكية إن فتحناها لمن تكون؟» فاختلفوا، و كلّ طلبها لنفسه، فقال: «الصّواب أن يحاصرها كلّ رجل منا جمعة؛ فمن فتحت في جمعته فهي له»، فرضوا بذلك.
فلما كانت نوبته دّلى لهم الزّرّاد- لعنه اللّه- حبلا، فطلعوا من السّور، و تكاثروا، و رفع بعضهم بعضا و جاءوا إلى الحراس، فقتلوهم، و تسلّمه بيمند بن الانبرت(1).
1) معلومات ابن العديم هنا على درجة عالية من الدقة، و الانبرت هو الامبراطور، أراد به والد بوهموند جويسكارد النورمندي، و هناك خلاف حول أصل و شخصية الزراد. انظر وقارن وليم الصوري- تاريخ الحروب الصليبية- ترجمتي- ط. بيروت 1990 ص 279- 332.
و طلع الفرنج في سحرة هذه اللّيلة إلى البلد و صاح الصّائح من ناحية الجبل، فتوهّم يغي سيان أنّ القلعة قد أخذت فخرج من البلد في جماعة منهزمين فلم يسلم منهم أحد.
و لمّا حصل بالقرب من أرمناز و معه خادم من غلمانه وقع عن ظهر فرسه، فحمله الخادم الذي كان معه، و أركبه، فلم يثبت على ظهر الفرس، و عاد فسقط، و أدركه الأرمن؛ فهرب الخادم عنه، و قتله الأرمن و حملوا رأسه إلى الفرنج.
و استشهد في ذلك اليوم بأنطاكية ما يفوت الإحصاء و يجاوز العدد، و نهبت الأموال و الآلات و السّلاح؛ و سبي من كان بأنطاكية، و وصل هذا الخبر إلى عمّ و انّب(1)
معجم البلدان.
، فهرب من كان بها من المسلمين و تسلمها الأرمن.و بلغ الخبر إلى دقاق و كربوقا و من كان معهما، فرحلوا إلى أرتاح، و سار بعضهم إلى جسر الحديد(2)و قتلوا من كان فيه من الفرنج، و توجّهوا نحو أنطاكية، فعرفوا أنّ قلعتها باقية في أيدي المسلمين، فأعلموا العساكر الإسلامية بذلك، فوصلوا إلى أنطاكية سحرة يوم الثلاثاء سادس رجب، فانهزم من كان بظاهر البلد من الفرنج إليها.
و نزل المسلمون بظاهرها ممّا يلي الجبل، و دخلوا البلد من ناحية القلعة، و قاتلوا الفرنج في جبل المدينة، و أشرف الفرنج على التّلف فبنوا سورا على بعض الجبل يمنع المسلمين من النزول إليهم، و أقاموا أيّاما، و عدم القوت عندهم.
و احتوى كربوقا على كثير ممّا كان في قلعة أنطاكية، و ولّى فيها أحمد بن مروان، و ترادفت رسل الملك رضوان في أثناء ذلك إلى كربوقا، فتوهّم دقاق من ذلك، و خاف جناح الدّولة من أصحاب يوسف بن أبق و أخيه.
و جرت بين الأتراك و العرب الّذين مع وثّاب منافرة عادوا لأجلها، و تفرّق كثير من التّركمان بتدبير الملك رضوان و رسالته.
و تخيّل بعض الأمراء من بعض ثم اجتمع رأيهم على التحوّل إلى المنازلة في السّهل بظاهر أنطاكية، فنزلوا باب البحر، و جعل المسلمون بينهم و بين البلد خندقا.
و أكل الفرنج بأنطاكية الميتات و الدّواب، فخرجوا من أنطاكية يوم الاثنين السّادس و العشرين من شهر رجب.
فأشار وثّاب بن محمود أن يمنعوا من الخروج، و أشار بعض الأمراء أن لا يمكنوا من الخروج بأجمعهم و يقتلوا أوّلا فأوّلا، فلم يعرّج المسلمون على شيء من ذلك لأنهم أيقنوا بالظّفر بالفرنج، و خرجوا بأجمعهم في خلق عظيم.
و عاث التّركمان في العسكر فانهزم، و توهّم الفرنج أن ذلك مكيدة
فتوقفوا عن تبعهم، فكان ذلك سببا لسلامة من أراد اللّه سلامته؛ و لم يبق غير كربوقا و معه أكثر عسكره، فأحرق سرادقة و خيامه و انهزم نحو حلب.
و قتل من المطوعة و الغلمان و السّوقة خلق كثير، و لم يقتل مذكور، و نهب من المسلمين من الآلات و الخيام و الكراع و الغلّات ما لا يحصى، و من انقطع من العسكر نهبه الأرمن(1).
و عاد الفرنج إلى قلعة انطاكية، و بها أحمد بن مروان، فراسله الفرنج و أمّنوه، و من كان معه، و سلّمها إليهم يوم الأحد الثّاني من شعبان من السّنة، و أنزلوه في دار بأنطاكية و أطلقوا أصحابه و سيّروا معهم من يوصلهم إلى أعمال حلب؛ فخرج الأرمن فأخذوا بعضهم و قتلوا بعضهم، و لم يسلم منهم إلّا القليل.
و لمّا وصل كربوقا إلى حلب خرج إليه الملك رضوان، و حمل له خياما و غيرها، و رحل عنها، و عاد عسكر دمشق إليها و تفرّقت العساكر.
و بعد أيّام من هذه الوقعة خرج جماعة من الفرنج في شعبان، و زحفوا مع أهل تلمنس و جميع نصارى بلد المعرّة على المعرّة و قاتلوها، فوصلت قطعة من عسكر حلب إليهم، فالتقوا بين تلّ منس و المعرّة، فانهزم الفرنج و بقي الرّجالة منهم، فقتل منهم زائدا عن ألف رجل، و حملت رؤوسهم إلى معرّة النّعمان.
1) انظر يوميات صاحب أعمال الفرنجة في كتابي الحروب الصليبية- ط. دمشق 1984 ص 239- 261. وليم الصوري ص 337- 364.
و في هذه السّنة- و هي سنة إحدى و تسعين- في جمادى الأولى عزل الملك رضوان وزيره أبا النجم هبة اللّه بن محمد بن بديع؛ و ولّى وزارته أبا الفضل هبة اللّه بن عبد القاهر بن الموصول. و كان أبو الفضل حسن السّيرة جوادا كثير المعروف و الصّدقات، و وافق ذلك شدة الغلاء و الجوع بحلب، حتّى أكلوا الميتات، فأخرج غلّة كثيرة، و تصدّق بها على النّاس.
و قيل: إنّه كان يخرج في كل سنة صدقة و برّا ثلاثة آلاف مكوك غلّة سوى ما يطلقه لمن يسأله معونته من الوفود و الضّيوف، و غير ما يطلقه من العين و الورق و غير ما كان يعتمد من افتكاك الأسرى من المسلمين.
و فيها قتل الملك رضوان رئيس حلب بركات بن فارس الفوعي المعروف بالمجنّ، و كان هذا المجن أوّلا من جملة اللّصوص الشطّار و قطّاع الطّريق الذعّار فاستتابه قسيم الدّولة أق سنقر، و ولّاه رئاسة حلب لشهامته و كفايته و معرفته بالمفسدين، و كان في حال اللّصوصية يصلّي العشاء الآخرة بالفوعة(1)، و يسري إلى حلب و يسرق منها شيئا و يخرج، و يصلّي الفجر بالفوعة فاذا اتهم بالسّرقة أحضر من يشهد له أنّه صلّى العشاء بالفوعة و الصبح فيبرئونه.
و استمرّ على رئاسة حلب في أيّام قسيم الدّولة و أيّام تاج الدّولة و بعده في أيّام رضوان، و امتدّت يده و حكم على القضاة و الوزراء و من دونهم، و هو الّذي قتل الوزير أبا نصر بن النّحاس في أيام قسيم الدّولة.
1) الفوعة الآن من قرى محافظة ادلب و تبعد عنها مسافة 13 كم.
و بلغني أنه حنق عليه بسبب حصر أراد شراءها فاشتراها المجنّ، فشقّ على أبي نصر، فسيّرها المجنّ إليه، فردّها عليه أبو نصر، و تكلّم في حقّه بكلام قبيح فحنق بسببها على ابن النّحاس، فاعتقله بعد ذلك عنده و خنقه.
و كان كثير السّعاية في قتل النّفوس و سفك الدّماء و أخذ الأموال و ارتكاب الظّلم، فعصى على الملك رضوان، ثم ضعف و اختفى بعد أن حصر رضوان في قلعة حلب في سنة تسعين و أربعمائة.
فأمر رضوان مناديا نادى بالقلعة بأن الملك قد ولّى رئاسة حلب صاعد بن بديع فانقلب الأحداث عنه لبغضهم إيّاه، و مضوا إلى صاعد فاختفى المجنّ، ثم ظهر عليه فعجل اللّه المكافأة له على قبيح فعله.
و سلّط عليه الملك رضوان فسجنه في ذي القعدة من سنة تسعين و عذّبه عذابا شديدا بأنواع شتى، و أراد بذلك أن يستصفي ماله. فممّا عذّبه به أنّه أحمى الطست حتّى صار كالنّار، و وضعه على رأسه، و نفخ في دبره بكير الحدّاد، و ثقب كعابه، و ضرب فيها الرّزز و الحلق.
و لمّا وضع النّجار المثقب على كعبه قطع الجلد و اللّحم و لم يدر المثقب، فلطمه المجنّ و قال: «ويلك لا تعرف! أحضر خشبة، وضعها على الكعب». فأحضر خشبة و وضعها على كعبة، فدار المثقب و نزل و نزل، و ثقب الكعب.
فلما فرغ قيل له: «كيف تجد طعم الحديد؟» فقال: «قولوا للحديد كيف يجد طعمي»، و لم يقرّ المجنّ مع هذا كلّه بدرهم واحد، و لم يحصل للملك رضوان من ماله إلّا ما أقرّ به غلام أو جارية؛ و ذلك شيء يسير، و استغنى جماعة من أهل حلب من ماله.
و لما طال الأمر على رضوان أشير عليه بقتله، فأخرج إلى ظاهر باب الفرج من نحو الشّرق، و معه ابنان له شابان مقتبلا الشباب، فقتلا قبله؛ و هو ينظر إليهما و لا يتكلم.
ثم قتل بعد ذلك في سنة إحدى و تسعين، و سلّمت رئاسة حلب إلى صاعد بن بديع، و لما قدم المجنّ للقتل صاح بصوت عال: «يا معشر أهل حلب، من كان لي عنده مال، فهو في حلّ منه».
و كان ابن بديع من أولاد الدّيلم الّذين كانوا في أيّام سيف الدّولة، و ولد أبوه بحلب.
و في سنة إحدى و تسعين و أربعمائة عصى عمر والي عزاز على الملك رضوان فخرج عسكر حلب و حصره، فاستنجد بالفرنج، فوصل صنجيل بعسكر كبير، فعاد عسكر حلب فنهب صنجيل ما قدر عليه و عاد إلى أنطاكية، و أخذ ابن عمر رهينة، فمات عنده، فوقع الملك رضوان على عمر إلى أن أخذه من تلّ هراق(1)فسلّم إليه عزاز و أقام عنده بحلب مدّة، ثم قتله.
1) انظر حوله الأعلاق الخطيرة لابن شداد- قسم حلب- ط. دمشق 1991 ج 2 ص 64.
و خرج صنجيل في ذي الحجّة، و حصر البارة فقل الماء فأخذها بالأمان، و غدر بأهلها، و عاقب الرّجال و النّساء، و استصفى أموالهم و سبى بعضا و قتل بعضا، ثم خرج بقيّة الفرنج من أنطاكية و الأرمن الّذين في طاعتهم و النّصارى، و انضموا إليه، و وصلوا إلى معرّة النّعمان لليلتين بقيتا من ذي الحجة في مائة ألف.
و حصروا معرّة النّعمان في سنة اثنتين و تسعين، و قطعوا الأشجار، و استغاث أهلها بالملك رضوان و جناح الدولة فلم ينجدهم أحد.
و عمل الفرنج برجا من خشب يحكم على السّور و زحفوا إلى البلد، و قاتلوه من جميع نواحيه حتى لصق البرج بالسّور فكشفوه و أسندوا السّلالم إلى السّور و ثبت النّاس في الحرب من الفجر إلى صلاة المغرب، و قتل على السّور و تحته خلق كثير، و دخلوا البلد بعد المغرب ليلة الأحد الرّابع و العشرين من محرّم سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة.
و دخل عسكر الفرنج جميعه إلى البلد، و انهزم بعض الناس إلى دور حصينة، و طلبوا الأمان من الفرنج فأمّنوهم، و قطعوا على كل دار قطيعة، و اقتسموا الدّور، و هجموها و ناموا فيها، و جعلوا يهدّئون النّاس حتى أصبح الصبح، فاخترطوا سيوفهم، و مالوا على النّاس، و قتلوا منهم خلقا؛ و سبوا النّساء و الصّبيان.
و قتل فيها أكثر من عشرين ألف رجل و امرأة و صبّي، و لم يسلم إلّا القليل ممّن كان في شيزر و غيرها من بني سليمان و بني أبي حصين
و غيرهم، و قتلوا تحت العقوبة جمعا كثيرا، فاستخرجوا ذخائر النّاس، و منعوا النّاس من الماء، و باعوا منهم فهلك أكثر النّاس من العطش، و ملكوها ثلاثة و ثلاثين يوما بعد الهجمة، و لم يبقوا ذخيرة بها إلّا استخرجوها.
و هدموا سور البلد و أحرقوا مساجده و دوره و كسروا المنابر(1). و عاد بيمند إلى أنطاكية و قمص الرّها إليها، و في هذه السّنة فتحوا بيت المقدس و فعلوا فيها كما فعلوا بالمعرّة(2).
و في سنة ثلاث و تسعين، وصل مبارك بن شبل أمير بني كلاب في جمع كثير من العرب فخالف الملك رضوان، و رعوا زرع المعرّة، و كفر طاب، و حماة، و شيزر، و الجسر، و غير ذلك.
و خلت البلاد، و وقع الغلاء في بلد حلب، و لم يزرع شيء في بلدها، و سلّط اللّه الوباء على العرب، فمات شبل و مبارك ولده، و اضمحلت دولة العرب.
و توّجه الملك رضوان في سلخ رجب من هذه السّنة إلى الأثارب و أقام عليها أيّاما، و توّجه إلى «كلّا» في الخامس و العشرين من شعبان لإخراج الفرنج منها، فاجتمع من كان في الجزر و زردنا و سرمين من الفرنج
و التقوا؛ فانهزم رضوان، و استبيح عسكره، و قتل خلق كثير و أسر قريب من خمسمائة نفس و فيهم بعض الأمراء(1).
و عاد الفرنج إلى الجزر و أخذوا برج كفر طاب(2)و برج الحاضر، و صار لهم من كفر طاب إلى الحاضر، و من حلب غربا سوى تلّ منس فإنّ أصحاب جناح الدّولة كانوا بها.
و سار رضوان عقيب هذه النّكبة إلى حمص مستنجدا بجناح الدّولة فأجابه، و عاد إلى حلب و معه جناح الدّولة، و قد عاد الفرنج إلى أنطاكية، فأقام جناح الدّولة بظاهر حلب أيّاما، فلم يلتفت إليه رضوان فعاد عنه إلى حمص.
و تجمع الفرنج بالجزر و سرمين و أعمال حلب و جمعوا العدد و الغلال لحصار حلب، و عولوا على حصارها في سنة خمس و تسعين، و قيل قبلها.
و وصل بيمند و طنكريد إلى قرب حلب فنزلوا المشرفة- من الجانب القبلي على نهر قويق- لما بلغهم من ضعف رضوان و تمزيق عسكره، و عزموا أن يبنوا مشهد الجفّ، و مشهد الدّكّة، و مشهد قرنبيا حصونا، و أن يقيموا على حلب و يستغلوا بلدها.
فأقاموا في تدبير ذلك يوما أو يومين فبلغهم خروج أنوشتكين
الدّانشمند، و أنه قد نازل بعض معاقل الفرنج، و هي ملطية فعادوا للدّفع عنها.
فخرج الدّانشمند فلقي بيمند و جمعا من الفرنج بأرض مرعش فأسره، و قتل عسكره، و لم يفلت منهم أحد، فخيّب اللّه ظنّ الفرنج، و هربوا من أعمال حلب، و تركوا جميع ما كانوا أعدّوه، فخرج رضوان و أخذ الغلال التي جمعوها، و نزل سرمين.
و سار جناح الدّولة إلى أسفونا و به جماعة من الفرنج فهجمه و قتل جميع من فيه، و سار إلى سرمين فكبس عسكر الملك رضوان و نهبه؛ و انهزم رضوان و أكثر عسكره و أسر الوزير أبا الفضل بن الموصول و جماعة و حملهم إلى حمص.
و طلب الحكيم المنجّم الباطني فلم يظفر به، و كان هذا الحكيم قد أفسد ما بينه و بين رضوان و استمال رضوان إلى الباطنية جدّا، و ظهر مذهبهم في حلب، و شايعهم رضوان و حفظ جانبهم، و صار لهم بحلب الجاه العظيم و القدرة الزّائدة، و صارت لهم دار الدّعوة بحلب في أيامه، و كاتبه الملوك في أمرهم، فلم يلتفت و لم يرجع عنهم؛ فوصل هذا الحكيم حلب سالما في جملة من سلم في هذه الوقعة.
و استغلّ جناح الدّولة سرمين و معرّة النّعمان و كفر طاب و حماة، و فدى الوزير ابن الموصول نفسه من جناح الدولة بأربعة آلاف دينار، و فدى أصحاب الملك نفوسهم أيضا بمال حملوه إليه.
و لم يبق في أيدي المسلمين في سنة خمس و تسعين إلّا حصن بسرفوث(1)- من عمل بني عليم- و تسلم دقاق الرّحبة في سنة ست و تسعين و أربعمائة، و كان المقيم بها زوج آمنة بنت قيماز(2)، و كان قيماز من أصحاب كربوقا فمات، و كانت الرّحبة له، و كان جناح الدّولة قد خرج إليها فوجد الأمر قد فات، فعاد و نزل النّقرة و خرج إليه رضوان إلى النقرة و اصطلحا، و أخذه معه إلى ظاهر حلب، و ضرب له خياما، و أقام في ضيافته عشرة أيام، و لم يصف قلب أحد منهما لصاحبه.
و سار جناح الدّولة إلى حمص فسيّر الحكيم المنجّم الباطني ثلاثة أعجام من الباطنّية فاغتالوه، و قد نزل يوم الجمعة الثاني و العشرين من شهر رجب، لصلاة الجمعة فقتلوه، و قتلوا بعض أصحابه و قتلوا، و قيل: إنّ ذلك كان بأمر رضوان و رضاه.
و بقي المنجّم الباطني بعده أربعة و عشرين يوما و مات، و قام بعده بأمر الدّعوة الباطنيّة بحلب رفيقه أبو طاهر الصّائغ العجميّ.
و وصل صنجيل الفرنجي و نزل حمص بعد قتل جناح الدّولة بثلاثة أيّام، فسيّرت زوجته خاتون أم الملك رضوان تستدعيه لتسلم إليه حمص و يدفع الفرنج، فكره المقدّمون ذلك، و خافوا منه لسوء رأيه فيهم، و سيّروا
إلى نواب دقاق إلى دمشق، و كان دقاق بالرّحبة فسار أيتكين الحلبي من دمشق و دخلها و طلع القلعة.
و وصل رضوان إلى القبّة(1)فبلغه الخبر و عاد و رحل صنجيل عنها بعد أن قرّر عليهم مالا، و وصل دقاق فتسلّم حمص و أحسن إلى أهلها و نقل أهل جناح الدّولة و أولاده إلى دمشق، و سلم حمص إلى طغتكين.
و سار والي عزاز و أغار على الجومة- و هي من عمل أنطاكية- فخرج عسكر أنطاكية و عسكر الرّها فنزلوا المسلميّة(2)، و قتلوا بعض أهلها، و قطعوا على عدّة مواضع قطائع أخذوها، و أقاموا ببلد حلب أياما، و راسلوا الملك رضوان.
و استقر الحال على سبعة آلاف دينار و عشرة رؤوس من الخيل، و يطلقون الأسرى ما خلا من أسروه على المسلمية من الأمراء، و ذلك في سنة ستّ و تسعين.
ثم خرج الفرنج من تلّ باشر، و أغاروا على بلد حلب الشمالي و الشّرقي، و أحرقوه، و تكرر ذلك منهم، و نزلوا على حصن بسرفوث، و فتحوه بالأمان، و وصلوا إلى كفرلاثا(3)، فكبسهم بنو عليم فانهزموا إلى بسرفوث.
و وقع بين الفرنج و بين سكمان و جكرمش وقعة عظيمة استظهر فيها المسلمون، و هلك الفرنج، و أسر القمص، و غنم المسلمون غنيمة عظيمة(1).
و كان الملك رضوان قد سار إلى الفرات ينتظر ما يكون من خبر الفرنج، فلما وصله الخبر أنفذ إلى الجزر و غيره من أعمال حلب الّتي في أيدي الفرنج، فأمرهم بالقبض على من عندهم من الفرنج، فوثب أهل الفوعة و سرمين، و معرّة مصرين و غيرها، ففعلوا ذلك.
و طلب بعض الفرنج الأمان من رضوان فأمّنهم من القتل، و حملهم أسرى، و لم يبق بأيدي الفرنج غير الجبل و «هاب»(2)، و حصون المعرّة، و كفر طاب، و صوران(3).
فوصل شمس الخواص و فتح صوران، فهرب من كان بلطمين و كفر طاب و بلد المعرّة و البارة إلى أنطاكية، و سلّموها إلى رضوان و أصحابه ما خلا «هاب».
و استرجع رضوان بالس(4)و الفايا ممن كان بهما من أصحاب جناح الدّولة
و جرى بحماة خلف؛ و خافوا من شمس الخواص، فكاتبوا رضوان، و سلّموها إليه و سلمية، فأمنت أعمال حلب و تراجع أهلها إليها و قوي جأش رضوان.
و اتّصلت غارات عسكر حلب إلى بلد أنطاكية، و عرف بيمند ضعفه عن حفظ البلد، و أنّه لم يفلت من وقعة سكمان إلا في نفر قليل، و خاف من المسلمين فصار إلى بلاده في البحر يستنجد بمن يخرج بهم إلى البلاد، و استخلف ابن أخته طنكريد يدبّر أمر أنطاكية و الرّها(1).
و مات الملك دقاق سنة سبع و تسعين في رمضان، و أوصى بالملك لولد له صغير اسمه تتش(2)، و جعل التدبير إلى أتابك طغتكين، فتوجّه الملك رضوان نحو دمشق، و حاصرها، و قرّر له الخطبة و السكّة، فلم تستتب أموره و عاد إلى حلب.
ثم إنّه خرج في شهر رجب في سنة ثمان و تسعين، و جمع خلقا كثيرا، و عزم على قصد طرابلس معونة لفخر الملك بن عمّار على الفرنج النّازلين عليه.
و كان الأرمن الذين في حصن أرتاح قد سلّموه إلى الملك رضوان لجور الأفرنج، فخرج طنكريد من أنطاكية لاستعادة أرتاح، و خرج جميع من في
أعماله من الفرنج معه، و نزل عليها، فتوجّه نحوه رضوان في عساكره و جموعه و جميع من أمكنه من عمل حلب و الأحداث.
فلمّا تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين فثبت راجل المسلمين و انهزمت الخيل، و وقع القتل في الرجالة فلم يسلم منه إلّا من كتب اللّه سلامته، و وصل الفلّ إلى حلب، و قتل من المسلمين مقدار ثلاثة آلاف ما بين فارس و راجل، و هرب من بأرتاح من المسلمين.
و قصد الفرنج بلد حلب فأجفل أهله، و نهب من نهب و سبى من سبى، و ذلك في الثالث من شعبان.
و اضطربت أحوال بلد حلب من ليلون إلى شيزر، و تبدّل الخوف بعد الأمن و السّكون، و هرب أهل الجزر و ليلون إلى حلب، فأدركهم خيل الفرنج فسبوا أكثرهم، و قتلوا جماعة.
و كانت هذه النّكبة على أعمال حلب أعظم من النّكبة الأولى على كلّا.
و نزل طنكريد على تلّ أعذى- من عمل ليلون- و أخذه و أخذ بقيّة الحصون الّتي في عمل حلب. و لم يبق في يد الملك رضوان من الأعمال القبلية إلّا حماة و من الغربيّة إلّا الأثارب، و الشّرقية و الشّمالية في يده، و هي غير آمنة.
و سيّر أبو طاهر الصّائغ الباطني جماعة من الباطنيّة من أهل سرمين إلى خلف بن ملاعب بتدبير رجل يعرف بابن القنج السّرميني، من دعاة الاسماعيلية، فقتلوه و وافقهم جماعة من أهل أفامية، و نقبوا سور الحصن، و دخلوا منه، و طلع بعضهم إلى القلّة فأحسّ بهم، فخرج فطعنه أحدهم
بخشت(1)فرمى بنفسه، فطعن أخرى فمات؛ و نادوا بشعار الملك رضوان.
و وصل أبو طاهر الصّائغ إلى الحصن عقيب ذلك و أقام به، و سار طنكريد إلى أفامية، فقطع عليها مالا أخذه، و عاد فوصله مصبح بن خلف بن ملاعب و بعض أصحابه، فأطمعوه في أفامية، فعاد و نزلها، و حاصرها فتسلّمها في الثّالث عشر من محرّم من سنة خمسمائة بالأمان.
و قتل ابن القنج السّرميني بالعقوبة، و لم يف لأبي طاهر الصّائغ بالأمان، و حمله معه أسيرا فاشترى نفسه بمال، و دخل حلب.
و في سنة إحدى و خمسمائة، عصى ختلغ بقلعة عزاز، و استقرّ أن يسلّمها إلى طنكريد، و يعوّضه عنها موضعا غيرها، فسار رضوان إليها فتسلم عزاز منه.
و بلغ رضوان، في سنة إحدى و خمسمائة، ما ذكر به من مشايعة الباطنيّة، و أنّه لعن بذلك في مجلس السّلطان محمّد بن ملكشاه، فأمر أبا الغنائم ابن أخي ابن القنج الباطنيّ الذي عمل في قتل ابن ملاعب ما دبر الخروج من حلب فيمن معه، فانسلّ و خرج بجماعة من أصحابه بعد أن قتل أفراد منهم.
و في سنة إحدى- و قيل: اثنتين- و خمسمائة اجتمع جاولي سقاوه و جوسلين الفرنجي، على حرب طنكريد صاحب أنطاكية؛ و استنجد
1) الخشت من أنواع النبل أو الخناجر.
طنكريد بالملك رضوان، فأمدّه بعسكر حلب و التقوا، فقتل من الفرنج جماعة.
و وصل إلى جاولي من أخبره أنّ الفرنج يريدون الاجتماع عليه فمال على أصحابه من الفرنج و قتل فيهم، و هرب بعد أن قتلهم عن آخرهم و هلك جميع رجالة طنكريد و أكثر خيله.
و عاد إلى أنطاكية و عاد عسكر حلب إلى رضوان، فتسلّم بالس من أصحاب جاولي، و خرج بيمند من بلاده و معه خلق عظيم، ثم عاد و توفي سنة أربع و خمسمائة، و كفي المسلمون شره.
و في سنة ثلاث و خمسمائة، كاتب السّلطان الأمير سكمان القطبي صاحب أرمينية و مودود صاحب الموصل، يأمرهما بالمسير إلى جهاد الفرنج، فجمعا و سارا، و وصل إليهما نجم الدّين إيلغازي بن أرتق في خلق كثير من التّركمان، فرحلوا إلى الرّها فنزلوا عليها و أحدقوا بها في شوّال من هذه السّنة.
فاتّفق الفرنج كلّهم، و أزالوا ما كان بينهم من الشّحناء، و كان المسلمون في جمع عظيم، فتصافى طنكريد و بغدوين و ابن صنجيل بعد النّفار، و قصدوا إنجاد من بها من الفرنج، و أحجموا عن العبور إلى الجانب الجزري لكثرة من به من عساكر المسلمين.
فاندفع المسلمون عن الرّها إلى حرّان ليعبر الفرنج و يتمكنوا منهم، و وصلهم عسكر دمشق.
فحين عبر الفرنج و بلغهم خبر المسلمين عادوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطىء الفرات، فنهض المسلمون في أثرهم، و أدركتهم خيول الإسلام، و قد عبر الأجلاد منهم، فغنم المسلمون جلّ سوادهم و أكثر أثقالهم، و استباحوهم قتلا و أسرا و تغريقا في الماء، و أقام المسلمون بإزائهم على الفرات.
و لما عرف الملك رضوان هزيمة الفرنج عن الرّها خرج ليتسلّم أعمال حلب الّتي كانت في أيدي الفرنج، و قاتل ما امتنع عليه منها، و أغار على بلد أنطاكية و غنم منها ما يجلّ قدره، و كان بينه و بينهم مهادنة نقضها.
و كاتب الفرنج رضوان يوهنون رأيه في نقض الهدنة، فلمّا تحقّق سلامة طنكريد و عوده رجع إلى حلب.
و عاد الفرنج من الفرات فقصدوا بلد حلب من شرقيّها، فقتلوا من وجدوا، و سبوا أهل النّقرة، و أخذوا ما قدروا عليه من المواشي.
و هرب النّاس نحو بالس، و عاد طنكريد، فنزل على الأثارب(1)، و طيّب قلوب الفلّاحين من المسلمين، و أمّنهم، و نصب على الأثارب المناجيق و كبشا عظيما ينطح به شرفات الأسوار فيلقيها، فخرب أسوارها و كان يسمع نطحه من مسيرة نصف فرسخ،
و بذل رضوان لطنكريد في الموضع عشرين ألف دينار على أن يرحل فامتنع، و قال: «قد خسرت ثلاثين ألف دينار، فان دفعتموها إليّ و أطلقتم
1) الأثارب من قرى محافظة حلب- منطقة جبل سمعان.
كلّ عبد بحلب منذ ملكت أنطاكية فأنا أرحل». فاستعظم ذلك و اتّكل على الحوادث.
و كان الّذي بقي في القلعة مقدار مائة دينار، و أخذها الخازن على وسطه، و هرب إلى الفرنج، و هرب جماعة أخر من المسلمين إليهم فكتبوا إلى الملك رضوان كتابا على جناح طائر يخبرونه بما تجدّد من قوّة الحصار و قلّة النفقة و قتل الرّجال، و أرسلوا الطّائر فسقط في عسكر الفرنج، فرماه أحدهم بنشّابة فقتله.
و حمل الكتاب إلى طنكريد، ففرح و قويت نفسه، و بذل رضوان المال المطلوب له على أن يكون أقساطا و يضع عليه رهائن فلم يفعل، و يئس من في الأثارب من نجدة تصل إليهم فسلّموها إلى طنكريد في جمادى الآخرة منها، و أمن أهلها و خرجوا منها.
ثم صالح رضوان على عشرين ألف دينار و عشرة رؤوس من الخيل، و قبضها و عاد إلى أنطاكية.
ثم عاد و خرج إلى الأثارب، و قد أدركت الغلّة، و ضعفت حلب بأخذ الأثارب ضعفا عظيما، و طلب من حلب المقاطعة التي قررها على حلب و أسرى من الأرمن كان رضوان أخذهم وقت إغارته على بلد أنطاكية، و الفرنج على الفرات، فأعادهم إليه، و طلب بعض خيل الملك رضوان فأعطاه، و طلب حرم الفلّاحين المسلمين من الأثارب، و كانوا وقت نزول طنكريد على الأثارب حصلوا بحرمهم في حلب فأخرجهنّ إليه.
و ضاق الأمر بأهل حلب، و مضى بعضهم إلى بغداد و استغاثوا في أيام الجمع، و منعوا الخطباء من الخطبة مستصرخين بالعساكر الإسلامية على الفرنج.
و قلّت المغلّات في بلد حلب، فباع الملك رضوان في يوم واحد ستّين خربة من بلد حلب لأهلها بالثّمن البخس، و طلب بذلك استمالتهم، و أن بلتزموا بالمقام بها بسبب أملاكهم، و هي ستّون خربة معروفة في دواوين حلب إلى يومنا هذا، غير ما باعه في غير ذلك اليوم من الأملاك(1).
و لذلك يقال ان بيع الملك من أصحّ أملاك الحلبيين لأنّ المصلحة في بيعها كانت ظاهرة لاحتياج بيت المال إلى ثمنها، و لعمارة حلب ببقاء أهلها فيها بسبب أملاكهم.
و لما استصرخ الحلبيّون العساكر الاسلامية ببغداد و كسروا المنابر، جهّز السّلطان العساكر للذبّ عنهم، فكان أوّل من وصل مودود صاحب الموصل بعسكره إلى شبختان؛ ففتح تلّ قراد(2)و عدّة حصون.
و وصل أحمديل الكرديّ في عسكر ضخم و سكمان القطبي، و عبروا إلى الشّام فنزلوا تلّ باشر، و حصروها حتى أشرفت على الأخذ، و كان طنكريد قد أخذ حصن بكسرائيل(3)، و توجّه مغيرا على بلد شيّزر و نازلها.
و شرع في عمارة تلّ ابن معشر(1)و ضرب اللّبن و حفر الجباب ليودع بها الغلّة، فلما بلغه نزول عساكر السّلطان محمّد على تلّ باشر رحل عنها. و أمّا العساكر الإسلامية النازلة على تلّ باشر فانّ سكمان مات عليها- و قيل: بعد الرّحيل عنها- و أشرف المسلمون على أخذها فتطارح جوسلين الفرنجي صاحبها على أحمديل الكردي و حمل إليه مالا، و طلب منه رحيل العسكر عنه فأجابه إلى ذلك.
و كتب الملك رضوان إلى مودود و أحمديل و غيرهما: «إنني قد تلفت و أريد الخروج من حلب، فبادروا إلى الرّحيل»، فحسّن لهم أحمديل الرّحيل عنها بعد أن أشرفوا على أخذها، و رحلوا إلى حلب، فأغلق رضوان أبواب حلب في وجوههم، و أخذ إلى القلعة رهائن عنده من أهلها لئلّا يسلّموها.
و رتّب قوما من الجند و الباطنيّة الّذين في خدمته لحفظ السّور و منع الحلبيين من الصّعود اليه، و بقيت أبواب حلب مغلقة سبع عشرة ليلة.
و أقام النّاس ثلاث ليال ما يجدون شيئا يقتاتون به، فكثرت اللّصوص من الضّعفاء، و خاف الأعيان على أنفسهم.
و ساء تدبير الملك رضوان فأطلق العوامّ ألسنتهم بالسبّ له و تعييبه، و تحدثوا بذلك فيما بينهم، فاشتد خوفه من الرعية ان يسلموا البلد، و ترك الرّكوب بينهم.
1) هو العشارنة في محافظة حماة في منطقة الغاب.
و ضبر(1)انسان من السّور فأمر به فضربت عنقه، و نزع رجل ثوبه و رماه إلى آخر فأمر به فألقي من السّور إلى أسفل، فعاث العسكر فيما بقي سالما ببلد حلب بعد نهب الفرنج له و سبيهم أهله.
و بثّ رضوان الحراميّة تتخطّف من ينفرد من العساكر فيأخذونه، فرحلوا إلى معرّة النّعمان في آخر صفر من سنة خمس و خمسمائة، و أقاموا عليها أياما و وجدوا حولها ما ملأ صدورهم ممّا يحتاجون إليه من الغلّات و ما عجزوا عن حمله.
و كان أتابك طغتكين قد حصل معهم، فراسل رضوان بعضهم حتى أفسد ما بينه و بينهم، فظهر لأتابك منهم الوحشة، فصار في جملة مودود صاحب الموصل، و ثبت له مودود، و وفى له.
و حمل لهم أتابك هدايا و تحفا من متاع مصر، و عرض عليهم المسير إلى طرابلس و المعونة لهم بالأموال، فلم يعرجوا؛ و سار أحمديل و برسق بن برسق و عسكر سكمان نحو الفرات، و بقي مودود مع أتابك، فرحلا من المعرّة إلى العاصي فنزلا على الجلالي.
فنزل الفرنج أفامية: بغدوين و طنكريد و ابن صنجيل، و ساروا لقصد المسلمين، فخرج أبو العساكر بن منقذ من شيزر بعسكره و أهله؛ و اجتمعوا بمودود و أتابك و ساروا إليهم.
1) أي قفز.
و نزلوا قبلي شيزر و الفرنج شماليّ تلّ ابن معشر، و دارت خيول المسلمين حولهم و منعوهم الماء، و الأتراك حول الشرائع بالقسي تمنعهم الورد، فأصبحوا هاربين سائرين، يحمي بعضهم بعضا.
و وصل إلى حلب في هذه السّنة في شهر ربيع الأوّل من سنة خمس و خمسمائة، رجل فقيه تاجر كبير يقال له أبو حرب عيسى بن زيد بن محمد الخجندي، و معه خمسمائة جمل عليها أصناف التجارات، و كان شديدا على الباطنيّة أنفق أموالا جليلة على من يقاتلهم، و كان قد صحبه من خراسان باطنيّ يقال له أحمد بن نصر الرّازي و كان أخوه قد قتله رجال الخجندي.
فدخل أحمد إلى حلب، و مضى(1)إلى أبي طاهر الصّائغ العجمي رئيس الباطنيّة بحلب، و كان متمكّنا من رضوان، فصعد إلى رضوان، و أطمعه في مال الفقيه أبي حرب، و أراه أنّه بريء من التّهمة في بابه، إذ هو معروف بعداوة الباطنيّة.
فطمع رضوان في ماله و طار فرحا، و بعث غلمانا له يتوكّلوا به، و سيّر أبو طاهر الباطنيّ معه جماعة من أصحابه، فبينا أبو حرب الخجندي في غلمان له يستعرض أحماله و حوله جماعة من مماليكه و خدمه إذ هجم عليه أحمد بن نصر الرّازي في جماعة من أصحاب أبي طاهر الباطنيّ، فقال لغلمانه: «أليس هذا رفيقنا؟» فقالوا: «هو هو». فوقعوا عليه فقتلوه.
1) في ترجمة رضوان- المدخل ص 390:« و استدل على أبي الفتح الصائغ رئيس الملاحدة بها».
و قتل الجماعة الّذين معه من أصحاب أبي طاهر الباطنيّ العجمي بأسرهم، ثم قال أبو حرب: «الغياث باللّه من هذا الباطنيّ الغادر، أمنّا المخاوف و رآنا إلى أن جئنا إلى الأمنة، فبعث علينا من يقتلنا».
فأخبر رضوان بذلك فأبلس، و صار السّنة و الشيعة إلى هذا الرجل، و أظهروا إنكار ما تمّ عليه. و عبث أحداثهم بجماعة من أحداث الباطنيّة فقتلوهم، و لم يتجاسر رضوان على إنكار ذلك.
و كاتب الفقيه أبو حرب أتابك طغتكين و غيره من ملوك الاسلام فتوافت رسلهم إلى رضوان ينكرون عليه، فأنكر و حلف أنه لم يكن له في هذا الرجل نيّة.
و خرج الرّجل عن حلب مع الرّسل فعاد إلى بلده، و مكث الناس يتحدّثون بما جرى على الرجل و نقص في أعين الناس، فتوثّبوا على الباطنيّة من ذلك اليوم.
ثم إنّ رضوان حين ضعف أمره بحلب رأى أن يستميل طغتكين أتابك إليه و يستصلحه، فاستدعاه إلى حلب عندما أراد أن ينزل طنكريد على قلعة عزاز، و بذل له رضوان مقاطعة حلب عشرين ألف دينار و خيلا و غير ذلك، فامتنع طنكريد من ذلك، فوصل طغتكين أتابك، و تعاهدا على مساعدة كلّ منهما لصاحبه بالمال و الرّجال.
و استقرّ الأمر على أن أقام طغتكين الدّعوة و السكّة لرضوان بدمشق، فلم يظهر منه بعد ذلك الوفاء بما تعاهدا عليه.
و مات طنكريد في سنة ستّ و خمسمائة، و استخلف ابن اخته روجار و أدّى إليه رضوان ما كان يأخذه منه طنكريد و هو عشرة آلاف دينار.
و وصل مودود إلى الشّام، و اتفق مع طغتكين على الجهاد، و طلب نجدة من الملك رضوان فتأخّرت إلى أن اتّفق للمسلمين وقعة استظهروا فيها على الفرنج، و وصل عقيبها نجدة للمسلمين من رضوان، دون المائة فارس، و خالف فيما كان قرّره و وعد به، فأنكر أتابك ذلك، و تقدّم بابطال الدّعوة و السكّة باسم رضوان من دمشق في أوّل ربيع الأوّل من سنة سبع و خمسمائة.
و كان رضوان يحب المال، و لا تسمح نفسه باخراجه حتّى كان أمراؤه و كتّابه ينبزونه بأبي حبّة، و هو الّذي أفسد أحواله و أضعف أمره.
و مرض رضوان بحلب مرضا حادّا و توفي في الثّامن و العشرين من جمادى الآخرة سنة سبع و خمسمائة، و دفن بمشهد الملك، فاضّطرب أمر حلب لوفاته و تأسّف أصحابه لفقده، و قيل: إنّه خلّف في خزانته من العين و الآلات و العروض و الأواني ما يبلغ مقداره ستّمائة ألف دينار.
و ملك حلب بعده ابنه ألب أرسلان، و يعرف بالأخرس، و عمره ستّ عشرة سنة، و أمّه بنت يغي سيان صاحب أنطاكية، و كان في كلامه حبسة و تمتمة فلذلك عرف بالأخرس، و كان متهورا قليل العقل، و وضع عن أهل حلب ما كان والده جدّده عليهم من الرّسوم و المكوس.
و قبض على أخويه ملك شاه و مبارك، و كان مبارك من جارية و ملك
شاه من أمّه، فقتلهما، و كذلك فعل أبوه رضوان بأخويه؛ فانظر إلى هذه المقابلة العجيبة، و قبض جماعة من خواصّ والده فقتل بعضهم، و أخذ أموال الآخرين.
و كان المتولّي لتدبير أموره خادم لأبيه يقال له لؤلؤ اليايا، و هو الذي أنشأ خانكاه(1)البلاط بحلب، و كان قبل وصوله إلى رضوان خادما لتاج الرّؤساء ابن الخلّال، فدبر أسوأ تدبير مع سوء تدبيره في نفسه.
و كان أمر الباطنيّة قد قوي بحلب في أيّام أبيه، و تابعهم خلق كثير على مذهبهم طلبا لجاههم، و صار كلّ من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ إليهم.
و كان حسام الدّين بن دملاج وقت وفاة رضوان بحلب، فصاروا معه، و صار ابراهيم العجمي الدّاعي من نوّابه في حفظ القليعة بظاهر بالس.
فكتب السّلطان محمّد بن ملك شاه إلى ألب أرسلان و قال له: «كان والدك يخالفني في الباطنيّة، و أنت ولدي فأحبّ أن تقتلهم».
و شرع الرّئيس ابن بديع متقدّم الأحداث في الحديث مع ألب أرسلان في أمرهم، و قرّر الأمر معه على الإيقاع بهم، و النكاية فيهم، فساعده على ذلك.
1) بقاياها في سوق الصابون بحلب. انظر الآثار الإسلامية و التاريخية في حلب ص 251- 253.
فقبض على أبي طاهر الصائغ و قتله، و قتل اسماعيل الدّاعي و أخا الحكيم المنجّم و الأعيان من أهل هذا المذهب بحلب، و قبض على زهاء مائتي نفس منهم.
و حبس بعضهم و استصفى أموالهم، و شفع في بعضهم فمنهم من أطلق و منهم من رمي من أعلى القلعة، و منهم من قتل. و أفلت جماعة منهم فتفرّقوا في البلاد، و هرب إبراهيم الدّاعي من القليعة إلى شيزر، و خرج حسام الدين بن دملاج عند القبض عليهم فمات في الرقة.
و طلب الفرنج من ألب أرسلان المقاطعة التي لهم بحلب، فدفعها إليهم من ماله، و لم يكلّف أحدا من أهل حلب شيئا منها.
ثمّ إنّ ألب أرسلان رأى أن المملكة تحتاج إلى من يدبّرها أحسن تدبير، و أشار خدمه و أصحابه عليه بأن كاتب أتابك طغتكين أمير دمشق، و رغب في استعطافه، و سأله الوصول إليه ليدبر حلب و العسكر، و ينظر في مصالح دولته، فأجابه إلى ذلك، و رأى موافقته لكونه صبيا لا يخافه الكفّار و لا رأي له، فدعا له على منبر دمشق بعد الدّعوة للسّلطان و ضربت السّكة باسمه، و ذلك في شهر رمضان.
و أوجبت الصّورة أن يخرج ألب أرسلان بنفسه في خواصّه، و قصد أتابك إلى دمشق ليجتمع معه، و يؤكد الأمر بينه و بينه، فلقيه أتابك على مرحلتين، و أكرمه و وصل معه و أنزله بقلعة دمشق.
و بالغ في إكرامه و خدمته و الوقوف على رأسه، و حمل إليه دست ذهب
و طيرا مرصّعا و عدّة قطع ثمينة، و عدّة من الخيل، و أكرم من كان في صحبته(1).
و أقام بدمشق أيّاما و سار في أوّل شوّال عائدا إلى حلب، و معه أتابك و عسكره، فأقام عنده أياما و استخلص كمشتكين البعلبكي مقدّم عسكره، و كان قد أشار عليه بعض أصحابه بقبضه، و قبض جماعة من أعيان عسكره و قبض الوزير أبي الفضل بن الموصول، ففعل ذلك؛ فاستوهب أتابك منه كمشتكين فوهبه إيّاه.
و قبض على رئيس حلب صاعد بن بديع، و كان وجيها عند أبيه رضوان، فصادره بعد التّضييق عليه حتى ضرب نفسه في السجن بسكين ليقتل نفسه، ثمّ أطلقه بعد أن قرّر عليه مالا، و أخرجه و أهله من حلب، فتوجّه إلى مالك بن سالم إلى قلعة جعبر.
و سلّم رئاسة حلب إلى ابراهيم الفراتي، فتمكّن و لقّب و نوّه باسمه، و إليه تنسب عرصة ابن الفراتي بالقرب من باب العراق بحلب، ثمّ رأى أتابك من سوء السيرة و فساد التدّبير مع التقصير في حقّه و الاعراض عن مشورته ما أنكره، فعاد من حلب إلى دمشق، و خرجت معه أمّ الملك رضوان هربا منه.
و ساءت سيرة ألب أرسلان، و انهمك في المعاصي و اغتصاب الحرم
1) انظر تاريخ دمشق لابن القلانسي ص 302- 303. ترجمة ألب أرسلان المنتزعة من بغية الطلب- في ملاحق الجزء الأول من المدخل ص 294- 297.
و القتل(1)، و بلغنا أنّه خرج يوما إلى عين المباركة متنزها، و أخذ معه أربعين جارية، و نصب خيمة، و وطئهنّ كلّهن.
و استولى لؤلؤ اليايا على الأمر، فصادر جماعة من المتصرّفين، و أعاد الوزارة إلى أبي الفضل بن الموصول، و جمع ألب أرسلان جماعة من الأمراء، و أدخلهم إلى موضع بالقلعة شبيه بالسّرداب لينظروه، فلمّا دخلوا اليه قال لهم: «ايش تقولون في من يضرب رقابكم كلكم ههنا؟» فقالوا: «نحن مماليكك و بحكمك». و أخذوا ذلك منه بطريق المزاح، و تضرّعوا له حتى أخرجهم.
و كان فيهم مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر فلمّا نزل سار عن حلب و تركها خوفا على نفسه.
و خاف منه لؤلؤ اليايا فقتله بفراشه بالمركز بقلعة حلب، في شهر ربيع الآخر من سنة ثمان و خمسمائة، و ساعده على ذلك قراجا التركي و غيره.
و لزم لؤلؤ اليايا قلعة حلب و شمس الخواصّ في العسكر، و نصب لؤلؤ أخا له صغيرا عمره ست سنين، و اسمه سلطان شاه بن رضوان، و تولّى لؤلؤ تدبير مملكته، و جرى على قاعدته في سوء التّدبير.
و كاتب لؤلؤ و مقدّمو حلب أتابك طغتكين و غيره يستدعونهم إلى حلب لدفع الفرنج عنها، فلم يجب أحد منهم إلى ذلك.
1) الذي أبلغ ابن العديم هذا هو بدران بن حسين بن مالك بن سالم العقيلي. المدخل ص 295.
و من العجائب أن يخطب الملوك لحلب فلا يوجد من يرغب فيها، و لا يمكنه ذبّ الفرنج عنها، و كان السبب في ذلك أنّ المقدّمين كانوا يريدون بقاء الفرنج ليثبت عليهم ما هم فيه.
و قلّ الربيع ببلد حلب لاستيلاء الفرنج على أكثر بلدها و الخوف على باقيه، و قلّت الأموال و احتيج إليها لصرفها إلى الجند، فباع لؤلؤ قرى كثيرة من بلد حلب، و كان المتولّي بيعها القاضي أبا غانم محمّد بن هبة اللّه بن أبي جرادة قاضي حلب، و لؤلؤ يتولّى صرف أثمانها في مصالح القلعة و الجند و البلد.
و قبض لؤلؤ على الوزير أبي الفضل بن الموصول، و استأصل ماله، و سار إلى القلعة فأقام عند مالك بن سالم، و استوزر أبا الرّجاء بن السّرطان الرحبي مدّة، ثم صادره و ضربه، و طلب أبا الفضل بن الموصول فأعاده إلى الوزارة بحلب.
و جاءت زلزلة عظيمة ليلة الأحد ثامن و عشرين من جمادى الآخرة من سنة ثمان بحلب و حرّان و أنطاكية و مرعش و الثّغور الشامية، و سقط برج باب أنطاكية الشّمالي و بعض دور العقبة و قتلت جماعة.
و خربت قلعة عزاز، و هرب واليها إلى حلب، و كان بينه و بين لؤلؤ مواحشة، فحين وصل إلى حلب قتله و أنفذ إليها من تداركها بالعمارة و التّرميم، و خرب شيء يسير في قلعة حلب، و خرب أكثر قلعة الأثارب و زردنا.
و قيل: إنّ مؤذن مسجد عزاز كان حارسا بالقلعة، فحرس و نام على برج المسجد بالقلعة، فلما جاءت الزّلزلة ألقته على كتف الخندق و هو نائم لم يعلم بها، فاجتاز به جماعة فظنّوه ميّتا، فأخذوا عنه اللّحاف فانتبه و سألهم فأخبروه بما جرى.
و صار شمس الخواصّ مقدّم عسكر حلب، و متولّي أقطاع الجند، و كانت سيرته إذ ذاك صالحة، و كان لؤلؤ في أوّل أمره مقيما بقلعة حلب لا ينزل منها و يدبّر الأمور، فكتب إلى السّلطان على سبيل المغالطة يبذل له تسليم حلب و الخزائن التي خلّفها رضوان و ولده ألب أرسلان، و يطلب إنفاذ العساكر إليه.
فوصل برسق بن برسق مقدّم الجيوش و منكوبرس(1)و غيرهم من أمراء السّلطان في سنة تسع و خمسمائة، فتغيّرت نيّة لؤلؤ الخادم عمّا كان كتب به إلى السّلطان، و كتب إلى أتابك طغتكين يستصرخه و يستنجده، و وعده تسليم حلب اليه، و أن يعوّضه طغتكين من أعمال دمشق، فبادر إلى ذلك(2).
و وصل حلب، و العساكر السّلطانيّة ببالس متوجّهين إلى حلب فرحلوا
منها إلى المعرّة، و وصلهم الخبر أنّ ذلك اليوم وصل أتابك إلى حلب فأعرضوا عن حلب، و ساروا إلى حماة فتسلّموها.
و تسلّموا رفنية(1)من أولاد علي كرد، و سلّموها إلى خير خان بن قراجا، فخاف طغتكين من عساكر السلطان أن يقصد دمشق، فأخذ عسكر حلب، و شمس الخواص، و ايلغازي بن أرتق، و استنجد بصاحب أنطاكية روجار و غيره من ملوك الفرنج و نزلوا أجمعين أفامية.
و نزلت العساكر السّلطانية أرض شيزر، و جعل أتابك يريّث الفرنج عن اللّقاء خوفا من الفرنج أن يكسروا العساكر السّلطانية فيأخذوا الشّام جميعه، أو ينكسروا فتستولي العساكر السّلطانية على ما في يده.
و خاف الفرنج و ضاقت صدور أمراء عسكر السّلطان من المصابرة، فرحلوا و نزلوا حصن الأكراد و أشرف على الأخذ، فاتّفق أتابك و الفرنج على عود كلّ قوم إلى بلادهم، ففعلوا ذلك.
و توّجه أتابك إلى دمشق، و عاد عسكر حلب و شمس الخواص إلى حلب، فقبض عليه لؤلؤ الخادم و اعتقله فعادت عساكر السّلطان حينئذ عن حصن الأكراد، و ساروا إلى كفر طاب، و حصروا حصنا كان الفرنج عمروه بجامعها و أحكموه، فأخذوه و قتلوا من فيه، و رحلوا إلى معرّة النّعمان.
1) ما تزال بقايا رفنية قائمة قرب بلدة بعرين( بارين) على الطريق الذي يصل مصياف بحمص، هذا و ما أورده كل من ابن القلانسي ص 306 و ابن الأثير ج 8 ص 272 بشأن رفنية يحالف رواية ابن العديم هذه، و يوضح ابن الأثير أن الذي استولى عليه عسكر السلطان ثم آل إلى خير خان هو مدينة حماه، و هو الصحيح.
و أمن الترك و انتشروا في أعمال المعرّة و اشتغلوا بالشّرب و النّهب و وقع التّحاسد فيما بينهم، و وصل رسول من بزاعا من جهة شمس الخواص يستدعيهم لتسليم بزاعا، و يقول إنّ شمس الخواص مقبوض عليه عند لؤلؤ الخادم، و لؤلؤ يكشف أخبار العساكر و يطالع بها الفرنج، و رحل برسق و جامدار صاحب الرّحبة نحو دانيث(1)يطلبون حلب، فنزل جامدار في بعض الضّياع.
و وصل برسق بالعسكر إلى دانيث بكرة الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر، و الفرنج يعرفون أخبارهم ساعة فساعة، فوصلهم الفرنج؛ و قصدوا العسكر من ناحية جبل السّماق، و العسكر على الحال التي ذكرناها من الانتشار و التفرّق، فلم يكن لهم بالفرنج طاقة، فانهزموا من دانيث إلى تلّ السّلطان(2).
و استتر قوم في الضّياع من العسكر فنهبهم الفلّاحون و أطلقوهم، و غنم أهل الضّياع ممّا طرحوه وقت هزيمتهم ما يفوت الإحصاء، و أخذ الكفّار من هذا ما يفوت الوصف، و غنموا من الكراع و السّلاح و الخيام و الدّوابّ و أصناف الآلات و الأمتعة ما لا يحصى، و لم يقتل مقدّم و لا مذكور.
و قتل من المسلمين نحو خمسمائة و أسر نحوها و اجتمع العسكر على تلّ السّلطان، و رحلوا إلى النّقرة مخذولين مختلفين، و نزلوا النّقرة؛ و كان أونبا(1)قد طلع أصحابه إلى حصن بزاعا، و كان قد تقدّم العسكر إليها، فلمّا بلغهم ذلك نزلوا و وصلوا إلى العسكر.
و توجّهت العساكر إلى السّلطان و إلى بلادهم، و وصل طغتكين من دمشق فتسلم رفنية(2)ممّن كانوا بها، و أطلق لؤلؤ شمس الخواص من الاعتقال، و سلّم إليه ما كان أقطعه من بزاعا و غيرها، فوصل إلى طغتكين فردّ عليه رفنية، و عاد إلى دمشق و استصحبه معه.
و أما لؤلؤ الخادم فانّه صار بعد ملازمة القلعة ينزل منها في الأحيان و يركب، فاتّفق أنّه خرج في سنة عشر و خمسمائة بعسكر حلب و الكتاب إلى بالس، و هو في صورة متصيّد، فلمّا وصل إلى تحت قلعة نادر قتله الجند(3).
و اختلف في خروجه، فقيل: إنّه كان حمل مالا إلى قلعة دوسر، و أودعه عند ابن مالك فيها، و أراد ارتجاعه منه و العود إلى حلب، و كان السّلطان قد أقطع حلب و الرّحبة أق سنقر البرسقي(4)، فواطأ جماعة من
1) كذا و عند ابن الأثير ج 8 ص 272« جيوش بك».
2) يتوافق هذا مع ما أورده ابن القلانسي ص 306 و ابن الأثير ص 272.
3) في ترجمة ألب أرسلان بن تتش روى ابن العديم« فلما وصل إلى دير حافر»، و أورد ابن الأثير ج 8 ص 279 أنه قتل سنة 511 ه و أعطى المزيد من التفاصيل، و من أجل قلعة نادر و هي قرب بالس انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 25. هذا و دير حافر مركز ناحية تابعة لمنطقة الباب في محافظة حلب، و يبعد عن حلب مسافة 50 كم.
4) للبرسقي ترجمة جيدة في بغية الطلب ص 1963- 1970.
أصحابه على أن أظهروا مفارقته، و خدموا لؤلؤا و صاروا من خواصه، و واطأهم على قتل لؤلؤ، و أمّل أنّهم إذا قتلوه تصحّ له أقطاع حلب فقتلوه.
و سار بعضهم إلى الرّحبة فأعلمه، فأسرع أق سنقر البرسقي المسير إلى حلب من الرّحبة، و انضاف بعض عسكره إلى بقيّة القوم الّذين قتلوه، و طمعوا في أخذ حلب لأنفسهم، و ساروا إليها فسبقهم ياروقتاش الخادم- أحد خدم الملك رضوان- و دخل حلب.
و قيل: إنّ لؤلؤا كان قد خاف فأخذ أمواله، و خرج طالبا بلاد الشّرق للنجاة بأمواله، فلمّا وصل إلى قلعة نادر قال سنقر الجكرمشيّ: «تتركونه يقتل تاج الدّولة و يأخذ الأموال و يمضي!» و صاح بالتّركية: «أرنب أرنب» فضربوه بالسهام فقتلوه.
و لمّا خرج عن حلب أقامت القلعة في يد آمنة خاتون بنت رضوان يومين إلى أن وصل ياروقتاش(1)الخادم مبادرا فدخل حلب و نزل بالقصر، و أخرج عسكر حلب، و أوقع بالّذين قتلوا لؤلؤا، و ارتجع ما كان أخذوه من عسكر حلب و انهزم بعض من كان في النّوبة فالتقوا أق سنقر في بالس في أوّل محرّم سنة إحدى عشرة و خمسمائة.
و لم يتسهّل للبرسقي ما أمّل و راسل أهل حلب و من بها في التّسليم إليه فلم يجيبوه إلى ذلك.
1) ياروقتاش هو شمس الخواص المتقدم ذكره، انظر ابن الأثير ج 8 ص 279.
و كاتب ياروقتاش الخادم نجم الدّين إيلغازي بن أرتق ليصل من ماردين و يدفع أق سنقر، و كاتب روجار صاحب أنطاكية أيضا فوصل إلى بلد حلب، و أخذ ما قدر عليه من أعمال الشّرقية، فحينئذ أيس البرسقيّ من حلب، و انصرف من أرض بالس إلى حمص فأكرمه خير خان صاحبها، و سار معه إلى طغتكين إلى دمشق فأكرمه، و وعده بانجاده على حلب.
و هادن ياروقتاش صاحب أنطاكية روجار، و حمل إليه مالا و سلّم إليه حصن القبّة، و رتّب مسير القوافل من حلب إلى القبلة عليه، و أن يؤخذ المكس منهم له.
ثم إنّ ياروقتاش طلع إلى قلعة حلب، و عزم على أن يعمل حيلة يوقعها بالمقدّمين و يملكها مثل لؤلؤ، فقبض عليه مقدّمو القلعة بأمر بنات رضوان بعد تمام شهر من ولايته، و أخرجوه من حلب و ولّوا في القلعة خادما من خدم رضوان.
و ردّ أمر سلطان شاه و تقدمة العسكر و تدبير الأمور إلى عارض الجيش العميد أبي المعالي المحسن بن الملحّى، فدبّر الأمور وساسها، و ضعفت حلب و قلّ ارتفاعها و خربت أعمالها.
و وصل إيلغازي بن أرتق إلى حلب فأنزلوه في قلعة الشّريف، و منعوه من القلعة الكبيرة، و استولى على تدبير الأمور و تربية سلطان شاه في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و سلّموا اليه بالس و القليعة.
و قبض على أبي المعالي بن الملحّى، و قصر ارتقاع حلب عما يحتاج إليه ايلغازي و التّركمان الذين معه، و لم ينتظم له حال، و استوحش من أهل حلب و جندها فخرج عنها إلى ماردين، و بقيت بالس و القليعة في يده، و أخرج ابن الملحّى من الاعتقال و أعيد إلى تدبير الأمور.
و أفسد الجند الّذين ببالس في أعمال حلب فاستدعوا الفرنج، و خرج بعض عسكر حلب و معهم قطعة من الفرنج و حصروها، فوصل إيلغازي في جمع من التركمان إليها، فعاد عسكر حلب و الفرنج عن بالس و باعها لابن مالك، و عاد إلى ماردين، و بقي تمرتاش ولده رهينة في حلب.
و وصل في هذه السّنة أتابك طغتكين و أق سنقر البرسقي إلى حلب، و راسل أهلها في تسليمها فامتنعوا من إجابته، و قالوا: «ما نريد أحدا من الشّرق» و أنفذوا و استدعوا الفرنج من أنطاكية لدفعه عنهم، فعاد أق سنقر إلى الرّحبة و أتابك إلى دمشق.
و اشتدّ الغلاء بأنطاكية و حلب، لأن الزّرع عرق و لحقه هواء عند إدراكه أتلفه، و هرب الفلّاحون للخوف، و استدعى أهل حلب ابن قراجا من حمص، فرتّب الأمور بها، و حصّنها، و سار إلى حلب، و نزل في القصر خوفا من إيلغازي لما كان بينهما(1).
و خرج أتابك إلى حمص، و نهب أعمالها و شعّثها، و أقام عليها مدّة، و عاد إلى
1) كان خير خان قد أسر إيلغازي سنة ثمان و خمسمائة و ذلك أثناء نزوله على حمص. انظر ابن القلانسي ص 305.
دمشق لحركة الفرنج، و خرجت قافلة من حلب إلى دمشق فيها تجار و غيرهم، و حملوا ذخائرهم و أموالهم لما قد أشرف عليه أهل حلب، فلمّا وصلوا إلى القبّة نزل الفرنج إليهم، و أخذوا منهم المكس، ثم عادوا و قبضوهم و ما معهم بأسرهم، و رفعوهم إلى القبّة، و حملوا الرجال و النساء بعد ذلك إلى أفامية، و معرّة النّعمان، و حبسوهم ليقرّوا عليهم مالا.
فراسلهم أبو المعالي بن الملحى و رغّبهم في البقاء على الهدنة و أن لا ينقضوا العهد، و حمل إلى صاحب أنطاكية مالا و هدّية، فردّ عليهم الأحمال و الأثقال و غير ذلك، و لم يعدم منه شيء.
و قوي طمع الفرنج في حلب لعدم النجد و ضعفها، و غدروا و نقضوا الهدنة، و أغاروا على بلد حلب، و أخذوا مالا لا يحصيه إلّا اللّه، فراسل أهل حلب أتابك طغتكين، فوعدهم بالإنجاد، فكسره جوسلين و عساكر الفرنج، و راسلوا صاحب الموصل و كان أمره مضطربا بعد عوده من بغداد.
و نزل الفرنج بعد عودهم من كسرة أتابك على عزاز، و ضايقوها و أشرفت على الأخذ، و انقطعت قلوب أهل حلب إذ لم يكن بقي لحلب معونة إلّا من عزاز و بلدها، و بقيّة بلد حلب في أيدي الفرنج، و الشرقيّ خراب مجدب، و القوت في حلب قليل جدا، و مكوك الحنطة بدينار، و كان إذ ذاك لا يبلغ نصف مكوك بمكّوك حلب الآن، و ما سوى ذلك مناسب له.
و يئس أهل حلب من نجدة تصلهم من أحد من الملوك، فاتّفق رأيهم
على أن سيّروا الأعيان و المقدّمين إلى إيلغازي بن أرتق، و استدعوه ليدفع الفرنج عنهم و ظنّوا أنّه يصل في عسكر يفرّج به عنهم، و ضمنوا له مالا يقسطونه على حلب يصرفه إلى العساكر.
فوصل في جند يسير و المدبّر لحلب جماعة من الخدم؛ و القاضي أبو الفضل بن الخشّاب هو المرجوع إليه في حفظ المدينة و النظر في مصالحها؛ فامتنع عليه البلد، و اختلفت الآراء في دخوله، فعاد فلحقه القاضي أبو الفضل بن الخشّاب و جماعة من المقدّمين، و تلطّفوا به و لم يزالوا به حتّى رجع.
و وصل إلى حلب، و دخلها، و تسلّم القلعة، و أخرج منها سائر الجند و أصحاب رضوان و أنزل سلطان شاه بن رضوان و بنات رضوان في دار من دور حلب.
و قبض على جماعة ممّن كان يتعلّق بالخدم و يخدمهم، و أخذ منهم ما كان صار إليهم من مال رضوان و مال الخدم الّذين استولوا على حلب بعده.
و راسل الفرنج في مال يحمله عن عزاز ليرحلوا عنها، فلم يلتفتوا لقوّة أطماعهم في أمر الاسلام؛ و كان إيلغازي يعجز بحلب عن قوت الدّواب، و حلب على حدّ التّلف.
فلما عرف من بعزاز ذلك و يئسوا من دفع الفرنج سلّموها إلى الفرنج، و راسلهم من بحلب في صلح يستأنفونه معهم، فأجابوا إلى ذلك لطفا من
اللّه بهم، على أن يسلّموا إلى الفرنج تلّ هراق و يؤدّون القطيعة المستقرّة على حلب عن أربعة أشهر، و هي ألف دينار، و يكون لهم من حلب شمالا و غربا.
و زرعوا أعمال عزاز و قوّوا فلاحها و عادوا إلى أنطاكية و صار يدخل إلى حلب ما يتبلّغون به من القوت.
و سار إيلغازي إلى الشّرق ليجمع العساكر و يعود بها إلى حلب؛ و سارت الرّسل إلى ملوك الشّرق و التّركمان يستنجدونهم.
و كان ابن بديع رئيس حلب عند ابن مالك بقلعة دوسر، فنزل إلى إيلغازي ليطلب منه العود إلى حلب، فلمّا صار عند الزّورق ليقطع الماء إلى العسكر وثب عليه اثنان من الباطنيّة فضرباه عدّة سكاكين، و وقع ولداه عليهما فقتلاهما، و قتل ابن بديع و أحد ولديه و جرح الآخر، و حمل إلى القلعة فوثب آخر من الباطنيّة و قتله، و حمل الباطني ليقتل فرمى بنفسه في الماء و غرق. و توجّه إيلغازي إلى ماردين و معه أتابك، و راسلا من بعد و قرب من عساكر المسلمين و التّركمان، فجمعا عسكرا عظيما، و توجّه إيلغازي في عسكر يزيد عن أربعين ألفا في سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، و قطع الفرات من عبر بدايا و سنجه(1).
و امتدت عساكره في أرض تلّ باشر و تلّ خالد و ما يقاربهما، يقتل
1) سنجة نهر يجري بين حصن منصور و كيسوم و هما من ديار مضر، و على هذا النهر قنطرة عظيمة. معجم البلدان.
و ينهب و يأسر، و غنموا كلّ ما قدروا عليه، و وصل من رسل حلب من يستحثّه على الوصول لتواصل غارات الفرنج من جهة الأثارب و اياس أهلها من أنفسهم، فسار إلى مرج دابق ثمّ إلى المسلمية، ثمّ إلى قنّسرين في أواخر صفر من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة.
و سارت سراياه في أعمال الرّوج و الفرنج يقتلون و يأسرون، و أخذوا حصن قسطون في الرّوج، و جمع سرجال صاحب أنطاكية الفرنج و الأرمن و غيرهم، و خرج إلى جسر الحديد، ثمّ رحلوا و نزلوا بالبلاط بين جبلين، ممايلي درب سرمدا، شمالي الأثارب، و ذلك في يوم الجمعة التّاسع من شهر ربيع الأول.
و ضجر الأمراء من طول المقام، و إيلغازي ينتظر أتابك طغتكين ليصل إليه و يتفقا على ما يفعلانه، فاجتمعوا و حثّوا إيلغازي على مناجزة العدوّ فجدّد إيل غازي الأيمان على الأمراء و المقدّمين أن يناصحوا في حربهم، و يصابروا في قتال العدوّ، و أنّهم لا ينكلون و يبذلون مهجهم في الجهاد، فحلفوا على ذلك بنفوس طيبة.
و سار المسلمون جرايد، و خلّفوا الخيام بقنّسرين، و ذلك في يوم الجمعة السّادس عشر من شهر ربيع الأوّل، فباتوا قريبا من الفرنج و قد شرعوا في عمارة حصن مطلّ على تل عفرين و الفرنج يتوهّمون أن المسلمين ينازلون الأثارب أو زردنا، فما شعروا عند الصبح إلّا ورايات المسلمين قد أقبلت، و أحاطوا بهم من كل جانب.
و أقبل القاضي أبو الفضل بن الخشّاب يحرّض النّاس على القتال، و هو راكب على حجر(1)و بيده رمح؛ فرآه بعض العسكر فازدراه و قال: «إنّما جئنا من بلادنا تبعا لهذا المعمّم!» فأقبل على الناس، و خطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم، و استرهف هممهم بين الصفّين، فأبكى النّاس و عظم في أعينهم.
و دار طغان أرسلان بن دملاج من ورائهم و نزل في خيامهم، و قتل من فيها و نهبها، و ألقى اللّه النصر على المسلمين، و صار من انهزم من الفرنج و قصد الخيام قتل.
و حمل التّرك بأسرهم حملة واحدة من جميع الجهات صدقوهم فيها، و كانت السّهام كالجراد، و لكثرة ما وقع في الخيل و السّواد من السّهام عادت منهزمة و غلبت فرسانها، و طحنت الرّجالة و الأتباع و الغلمان بالسّهام، و أخذوهم بأسرهم أسرى.
و قتل سرجال في الحرب، و فقد من المسلمين عشرون نفرا منهم سليمان بن مبارك بن شبل، و سلم من الفرنج مقدار عشرين نفرا لا غير، و انهزم جماعة من أعيانهم.
و قتل في المعركة ما يقارب خمسة عشر ألفا من الفرنج، و كانت الوقعة يوم السبت وقت الظهر، فوصل البشير إلى حلب بالنّصر، و المصافّ قائم،
1) الحجر: الأنثى من الخيل. القاموس.
و النّاس يصلّون صلاة الظهر بجامع حلب، سمعوا صيحة عظيمة بذلك من نحو الغرب، و لم يصل أحد من العسكر إلى نحو صلاة العصر.
و أحرق أهل القرى القتلى من الفرنج، فوجد في رماد فارس واحد أربعون نصل نشّاب، و نزل إيلغازي في خيمة سرجال، و حمل إليه المسلمون ما غنموه، فلم يأخذ منهم إلّا سلاحا يهديه لملوك الإسلام، و ردّ عليهم ما حملوه بأسره.
و لمّا حضر الأسرى بين يدي إيلغازي، كان فيهم رجل عظيم الخلقة مشتهرا بالقوّة، و أسره رجل ضعيف قصير قليل السّلاح، فلمّا حضر بين يدي إيلغازي قال له التركمان: «أما تستحي يأسرك مثل هذا الضّعيف و عليك مثل هذا الحديد؟» فقال: «و اللّه ما أخذني هذا، و لا هو مولاي و إنّما أخذني رجل عظيم أعظم مني و أقوى، و سلّمني إلى هذا؛ و كان عليه ثوب أخضر و تحته فرس أخضر»(1).
و تفرّقت عساكر المسلمين في بلد أنطاكية و السويدية و غيرهما يقتلون و يأسرون و ينهبون، و كانت البلاد مطمئنّة لم يبلغهم خبر هذه الوقعة، فأخذ المسلمون من السّبي و الغنائم و الدّواب ما يفوت الاحصاء. و لم يبق أحد من التّرك إلّا امتلأ صدره و يداه بالغنائم و السّبي.
و لقي بعض السّرايا بغدوين الرويس و ابن صنجيل في خيلهما بالقرب من جبلة، و قد توجها لنصره سرجال صاحب أنطاكية، فأوقع بهم التّرك،
1) أي أن آسره كان من الملائكة.
و قتلوا جماعة و غنموا ما قدروا عليه، و انهزم بغدوين و ابن صنجيل، و تعلّقوا بالجبال.
و رحل إيلغازي إلى أرتاح، و بادر بغدوين فدخل أنطاكية، و سلّمت إليه أخته زوجة سرجال خزائنه و أمواله، و قبض على أموال القتلى و دورهم، و أخذها و زوّج نساء القتلى بمن بقي، و أثبت الخيل، و جمع و حشد و استولى على أنطاكية، و لو سبقه إيلغازي إلى أنطاكية لما امتنعت عليه.
و وصل أتابك إلى نجم الدّين بأرتاح، فعاد و نزل الأثارب، و هجم الرّبض و نهبه، و قتل من قدر عليه، و خرج أحداث من حلب و نهبوا حصنها فطلبوا الأمان فأمّنهم بعد أن استأخذت، و سيّرهم إلى مأمنهم.
و رحل منها إلى زددنا و كانوا قد حصّنوها و أحكموا عمارتها، و قاتلها فطلبوا الأمان فأمّنهم، و سيّرهم إلى أنطاكية فلقيهم بعض التّركمان، فنهبوهم و قتلوا بعضهم و مضوا إلى أهلهم.
و كان صاحب زردنا لمّا بلغه منازلتها، حمل بغدوين و الفرنج على الخروج لاستنقاذها، و قد عرفوا تفرّق التّركمان بالغنائم و عودهم إلى أهلهم، و أن إيلغازي في عدّة قليلة، فبلغه ذلك فجدّ في قتالها حتى أخدها- كما ذكرناه- و رتّب أصحابه بها، و توجّه بمن بقي معه و استصحب معه عسكر أتابك و طغان أرسلان بن دملاج جرايد إلى دانيث بعد أن ردّ الأثقال و الخيام إلى قنّسرين.
و وصل إلى دانيث في يومه، فوجد الفرنج قد نزلوها يوم فتحه زردنا في
مائتي خيمة و راجل كثير، و قيل إنّهم كانوا يزيدون على أربعمائة فارس سوى الرّجالة، و ذلك في رابع جمادى الأولى، و التقوا فحمل صاحب زردنا و أكثر خيل الفرنج على عسكر دمشق و حمص و بعض التركمان، فكشفوهم و انهزموا بين أيديهم، و سار ليتدارك أمر زردنا، و يكبس الأثقال و الخيام فعرف أخذها و تسيير الأثقال إلى قنّسرين فعاد.
و حمل بقيّة المسلمين على بغدوين و من كان معه، فقتلوهم و ردّوهم على أعقابهم، فحينئذ حمل إيلغازي و طغتكين و طغان أرسلان فيمن بقي من الخواصّ على الفرنج، فكسروهم و قتلوا أكثر الرّجالة و بعض الخيّالة، و تبعوهم إلى أن دخلوا إلى حصن هاب، و غنموا أكثر ما كان معهم.
و عاد نجم الدّين و طغتكين و طغان أرسلان إلى دانيث، فوجدوا صاحب زردنا و الفرنج قد عادوا بعد أن هزموا من كان بين أيديهم من المسلمين و معرفة أخذ المسلمين زردنا، فلقوهم و قتلوا منهم جماعة كثيرة، و انهزم الباقون إلى هاب، و عاد الترك بالظّفر و الغنيمة.
و حين بلغ من بقنّسرين مع الأثقال هزيمة من كان في مقابلة صاحب زردنا رحلوا إلى حلب، و انزعج أهل حلب غاية الانزعاج، فوصلهم البشير بعد ساعتين بما بدّل غمهم سرورا و همّهم حبورا.
و كان البشير من الفرنج قد مضى إلى بلادهم و أخبر بكسرة صاحب زردنا للمسلمين، فزيّنوا بلادهم، و أظهروا فيها الجذل و المسرّة فوصل ابن
صنجيل من الكسرة بعد ذلك، فانقلب سرورهم حزنا و راحتهم تعبا و عناء.
و كان صاحب زردنا، و هو القومص الأبرص و اسمه رونارد(1)، قد سقط عن فرسه، فأدركه قوم من أهل جبل السمّاق من أهل مريمين(2)، فقبضوه و حملوه إلى إيلغازي بظاهر حلب، فأنفذه إلى أتابك طغتكين، فقتله صبرا.
ثم دخل إيلغازي إلى حلب، و أحضر الأسرى فأفرد أصحاب القلاع و المقدّمين و ابن بيمند صاحب أنطاكية و رسول ملك الروم و نفرا يسيرا ممّن كان معه مال فأخذه و أطلقهم، و بقي من الأسرى نيّف و ثلاثون رجلا بذلوا من المال ما رغب عنه، فقتلهم بأسرهم.
و توجّه من حلب إلى ماردين في جمادى الأولى من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، ليجمع من التّركمان من يعود به إلى بلد حلب، و كانت حلب ضعيفة عن مقامه فيها، فخرج الفرنج إلى بلد المعرة، فسبوا جماعة، و أدركهم جماعة من التّرك فرجعوا(3).
ثم خرج بغدوين من أنطاكية في عسكره و نزل على زور، غربيّ البارة- و هو حصن كان لابن منقذ و سلّمه إليهم- و لما جرت الوقعة الأولى
على البلاط عاد و أخذه، فقاتله بغدوين، و أخذه في جمادى الأولى، و أطلق من كان فيه.
و رحل إلى كفر روما(1)فأخذ حصنها بالسّيف، و قتل جميع من كان فيه، و وصلوا إلى كفر طاب، و قد أحرق ابن منقذ حصنها، و أخذ رجاله منه خوفا منهم، فرمّموه، و رتّبوا رجالهم فيه، و ساروا إلى سرمين و معرّة مصرين فتسلّموها بالأمان، ثم نزلوا زردنا، و رحلوا عنها إلى أنطاكية.
و مع هذا فغارات عسكر حلب متواصلة على ما يقرب منهم، و تعود بالظّفر و الغنيمة.
و وصل جوسلين إلى بغدوين خاله وقت أخذه سرمين، فأقطعه الرّها و تلّ باشر، و سيّره إليهما، فأسرى إلى وادي بطنان دفعتين، و إلى ما يلي الفرات من جهة الشّام، و قتل و سبى ما يقارب ألف نفس، و أغار جوسلين على منبج و النّقرة و أعمال حلب الشرقية، و أخذ كلّ ما وجده من [دواب]، و أسر رجالا و نساء، و أسرى إلى الرّاوندان(2)يتبع طائفة من التّركمان كانت قطعت الفرات، فاقتتلوا فانهزم الفرنج و قتل منهم جماعة.
و في صفر من سنة أربع عشرة و خمسمائة، وقعت مشاحنة بين والي الأثارب بلاق بن اسحاق صاحب نجم الدين إيلغازي و بين الفرنج فأسرى و معه جماعة من عسكر حلب إلى أنطاكية، فلقيهم عسكر أنطاكية
فكسرهم، و عاد فتبعه الفرنج و التقوا ما بين ترمانين(1)و تلّ أعذى، من فرضة ليلون.
و وصل في هذه السّنة إيلغازي بجمع كثير من التركمان، و قطع الفرات في الخامس و العشرين من صفر، و توجّه إلى تلّ باشر، و أقام أياما و لم يقاتلها، و رحل إلى عزاز يريد أخذها، و لم يمكّن أحدا من التركمان من تشعيث ضياعها، و رحل إلى أنطاكية و أقام عليها يوما واحدا، و أقام في أعمال الرّوم أياما يسيرة.
ثم خرج إلى قنسرين فتشوشّت قلوب التركمان لأنهم أمّلوا من الغنائم مثل السّنة الخالية، و لم يقاتل بهم حصنا، و لا غنموا شيئا، و باع الأسرى الّذين أسرهم في الوقعة الأولى، فعادوا إلى بلادهم، و بالغوا في التشفّي من المسلمين و القتل و السّبي.
و جرى من نجم الدين إساءة إلى بعض التركمان على شيء أنكره عليهم، فبالغ في هوانهم و حلق لحى بعضهم، و قطع أعصابهم، فتفرّق عسكره و بقي نفر يسير متفرّقين في أعمال حلب.
فطمع الفرنج و خرجوا إلى دانيث، فوصل طغتكين و عسكر دمشق، و اجتمعوا مع إيلغازي في عسكر يقاوم الفرنج، فساروا إلى الفرنج، و هم في ألف فارس و راجل كثير، فدار التّرك حولهم فلم يخرج منهم أحد، و كرهوا
1) ترمانين الآن أحدى قرى منطقة حارم، محافظة ادلب، و تبعد عن ادلب مسافة 76 كم.
أن يعودوا على أعقابهم فتكون هزيمة، فساروا نحو معرّة مصرين لا ينفرد منهم فارس و لا راجل.
و أشرف التّرك على أخذهم، و من خرج منهم قتل، و من وقفت دابّته تركها و أخذت، و لا يقدرون على الماء و هم على حالة الهلاك، و إيلغازي و طغتكين يردّان الناس عنهم بالعصا، فنزلوا بقرب معرّة مصرين، و عاد التّرك عنهم إلى حلب، و عادوا إلى أنطاكية.(1)
و صالحهم إيلغازي إلى آخر سنة أربع عشرة، على أنّ لهم المعرّة و كفرطاب و الجبل و البارة، و ضياعا من جبل السّمّاق برسم هاب، و ضياعا من ليلون برسم تل أعذى، و ضياعا من بلد عزاز برسم عزاز.
و سار نجم الدّين إيلغازي إلى ماردين ليجمع العساكر، و هدم إيلغازي زردنا في شهر ربيع الأوّل، و كان أهل حلب قد شكوا إليه تجديد رسوم جدّدت عليهم في أيّام رضوان، لم تجر بها عادة في دولة العرب و لا دولة المصريّين و لا في أيّام أق سنقر، فأمر بكشف مقدارها، فأخبر أنّها مبلغ اثني عشر ألف دينار في كلّ سنة، فرسم بحذفها، و وقّع لهم بذلك، و كتب لوحا بذلك، و سمّره على باب الجامع و ذلك في هذه السنّة.
1) مزج ابن العديم هنا كما فعل قبله ابن القلانسي ص 320، و ابن الأثير ج 8 ص 294، الروايات حول معركة دانيث لسنة 513 ه/ 1119 م و معركة دانيث الثانية لسنة 514 ه/ 1120 م التي انتصر فيها الفرنجة حسب رواية وليم الصوري ج 1 ص 583- 585.
و خرج الفرنج فقبضوا على الفلّاحين الّذين تحت أيديهم في هذه الأعمال من المسلمين و عاقبوهم و صادروهم، و أخذوا منهم من الأموال و الغلّات ما تقوّوا به، و كانت الضّياع الّتي في أيدي المسلمين قد عمرت، و اطمأنوا بالصّلح، فغدر اللّعين جوسلين، و خرج فأغار على النّقرة و الأحصّ، و احتجّ بأنه أسر له والي منبج أسيرا، و أنّه كاتب في ذلك فلم ينصف، و ذلك في شوّال، و قتل و سبى و أحرق كل ما في النّقرة و الأحص؛ و نزل الوادي و عاث فيه.
ثم سار إلى تلّ باشر، ثمّ عاد و حشد و خرج و عمل كفعله الأول، و أخذ في غارته الأولى المشايخ و العجايز و الضعفاء، فنزع عنهم ثيابهم و تركهم في البرد عراة، فهلكوا بأجمعهم.
فأنفذ والي حلب إلى بغدوين في ذلك، و قال: «إنّ نجم الدّين لم يترك هذه البلاد خالية من العساكر إلّا ثقة بالصلح» فقال: «ما لي على جوسلين يد». و تتابعت من جوسلين غارات متعددة.
ثم خرج الفرنج من أنطاكية عقيب ذلك، و أغاروا على بلد شيزر و أخذوا ما لا يحصى، و أسروا جمعا، و طلبوا المقاطعة التي جرت عادتهم قبل الوقعة بأخذها، فبذل لهم ابن منقذ ذلك على أن يردّوا ما أخذوه، فلم يجيبوه إلى ذلك، فجعل لهم مالا حمله، و صالحهم إلى آخر السّنة.
و هرب ملك العرب دبيس بن صدقة الأسديّ من المسترشد و السلطان محمود، فوصل إلى قلعة جعبر، فأكرمه نجم الدّولة مالك، و أضافه، ثمّ
سار إلى إيلغازي إلى ماردين، و تزوّج ابنته فاشتدّ به و أجاره، و وصل معه الأموال العظيمة و النّعمة الوافرة، و حمل إليه إيلغازي ما يفوت الإحصاء.
فاشتغل إيلغازي بدبيس عن العبور إلى الشّام، فخرب بلد حلب، و استولى الفرنج على معظمه، و أغار جوسلين إلى صفّين(1)، و سبى العرب و التركمان، و نزل بزاعا و قاتلها، و أحرق بعض جدارها، و صونع على شيء و دخل بلده.
ثم هجم الفرنج، في صفر من سنة خمس عشرة و خمسمائة، الأثارب، و قتلوا جماعة و أحرقوها و أسروا من لم يعتصم بالقلعة.
ثم إنّهم في ربيع الآخر من السّنة، نزلوا نواز(2)، و زحفوا إلى الأثارب ثانية، و أحرقوا الدّور و الغلّة، و سار بغدوين، و أغار على حلب؛ و أخذ الناس و الدواب من حاضر حلب و من الفنادق، و أخذ ما يجلّ قدره من الماشية، و أسر نحوا من خمسين أسيرا، و صاح الصائح فخرج نفر يسير من العسكر فظفروا بالفرنج و خلّصوا المواشي، و عاد الفرنج إلى أعمالهم.
و كان النائب بحلب شمس الدّولة سليمان بن نجم الدين إيلغازي، و كان إيلغازي قد ولّى رئاسة حلب، في سنة أربع عشرة في رجب، مكي بن
قرناص الحمويّ، و جعله بين يديه، فكتب إلى ولده و نوّابه يأمرهم بصلح الفرنج على ما يريدون، فصالحوهم على سرمين و الجزر و ليلون و أعمال الشمال على أنها للفرنج، و ما حول حلب للفرنج منه النّصف، حتى أنّهم ناصفوهم في رحى الغربية(1)و على أن يهدم تلّ هراق بحيث لا يبقى للفئتين فيه حكم، و طلبوا الأثارب فأجاب إيلغازي إلى ذلك، فامتنع من كان فيها من التّسليم فبقيت في أيدي المسلمين.
و كان الذي تولى الصلح جوسلين و جفري، و كان بغدوين في القدس، فلما وصل رضي بذلك، و شرع في عمارة دير خراب قديم، بالقرب من سرمدا(2)، و حصّنه ثمّ أطلقه لصاحب الأثارب سير ألان دمسخين.
و أمر إيلغازي ولده باخراب قلعة الشّريف المجدّدة بحلب و إخراج من كان فيها من جند رضوان، فأخرجهم شمس الدّولة و ابن قرناص بعذر الإغارة على أعمال الفرنج، و أغلقت أبواب حلب في وجوههم، و تولى الرئيس مكيّ بن قرناص خرابها في جمادى الآخرة.
و استنجد الملك طغرل بإيلغازي بن أرتق على الكرج و ملكهم داود، فسار إليه في عالم عظيم و معه دبيس بن صدقة، فكسرهم المسلمون، و دخلوا وراءهم في الدّرب، فكرّ الكرج عليهم في الدّرب، فانهزم المسلمون
و تبعهم الكرج قتلا و أسرا، و نهب لدبيس ما مقداره ثلاثمائة ألف دينار، و وصل مع نجم الدين إيلغازي إلى ماردين سالما(1).
و أنفذ إيلغازي إلى ابنه سليمان بحلب يلتمس منه أشياء، فقبّح بذلك عنده، و قيل له أشياء أوجبت عصيانه على والده، فعصى و أخرج الملوك:
سلطان شاه و ابراهيم و غيرهما من حلب، فمضوا إلى قلعة جعبر، و مدّ يده في مصادرة أهل حلب و ظلمهم و الفساد.
و قيل: إن دبيس بن صدقة لما سار مع إيلغازي إلى الكرج سأل إيلغازي في الطّريق أن يهب له حلب و أن يحمل إليه دبيس مائة ألف دينار يجمع بها التركمان و يعاضده حتى يفتح أنطاكية، فأجابه إيلغازي إلى ذلك، و أخذ يده على ذلك.
فلما وقعت كسرة الكرج بدا له من ذلك، فأنفذ إلى ولده سليمان، و كان خفيفا، و قال له: «أظهر أنك قد عصيت عليّ حتى يبطل ما بيني و بين دبيس». فحمله الجهل على أن عصى و نابذ أباه، و وافقه مكيّ بن قرناص و الحاجب ناصر، و هو شحنه حلب و غيرهما.
و قبض سليمان حجّاب أبيه فصفعهم و حلق لحاهم، و مدّ يده إلى أموال النّاس و ظلمهم، فطمع الفرنج و قرّبهم سليمان، فنزلوا زردنا و عمروها لابن صاحبها كليام بن الأبرص.
1) أوسع التفاصيل حول هذه الواقعة عند ابن الأزرق الفارقي انظر الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية ص 5230- 5233.
ثم سار الفرنج إلى باب حلب، فكبسوا في طريقهم حاضر طيّء و غيرها، فخرج إليهم الحاجب ناصر و العسكر فكسروهم و قتلوا منهم جماعة.
و خرج بغدوين في جمادى الآخرة، فنازل خناصرة، و أخذها و خرّبها، و حمل باب حصنها إلى أنطاكية، و نزل برج سينا ففعل به كذلك، و كذلك فعل بغيرهما من حصون النّقرة و الأحصّ، و سبى و أحرق و نهب.
و عاد فنزل صلدع- على نهر قويق- و خرج إليه اتزز بن ترك طالبا منه الصّلح مع سليمان، فقال: «على شرط أن يعطيني سليمان الأثارب حتى أحفظه، و أنا أذبّ عنه و أقاتل دونه»، فقال له: «ما يجوز أن يسلّم ثغرا من ثغور حلب في بدوّ مملكته، بل التمس غير هذا ممّا يمكن ليوافقك عليه» فقال له: «الأثارب لا يقدر صاحب حلب على حفظها، فانّي قد عمرت عليها الحصون بما دارت، و أنا أعلمكم أنّها اليوم تشبه فرسا لفارس قد عطبت يداها، و للفارس هري شعير(1)، يعلفها رجاء أن تبرأ و يكسب عليها، فنفد هري الشّعير، و عطبت الفرس، و فاته الكسب». ثمّ رحل نحوها، فحصرها ثلاثة أيّام، و اتّصل به ما أوجب رحيله إلى أنطاكية.
و لما بلغ إيلغازي إصرار ولده على العصيان ضاقت عليه الأرض، و أعمل في الوصول إليه و أخذ حلب منه، فكاتبه أقوام و عرفوه أن ما بحلب من يدفعه عنها، فسار حتى وصل إلى قلعة جعبر فضعفت نفس ابنه سليمان
1) الهري بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان. القاموس.
عن العصيان على أبيه، فأنفذ إليه من استحلفه على الصّفح عنه و الاحسان إليه و إلى من حسّن له العصيان مثل ابن قرناص و ناصر الحاجب، و أكّد الأيمان على ذلك.
و دخل حلب في أول شهر رمضان فخرج الناس للقائه، و دخل إلى القصر، و أحسن إلى أهل حلب، و سامحهم بشيء من المكوس، و صرف الشّحنة الّذي كان يؤذي الناس في البلد.
و قبض على الرّئيس مكي بن قرناص و على أهله، و شقّ لسانه و كحله و أخذ ما وجد له، و سلّم أخاه إلى من يعذّبه و يستصفي ماله.
و كحل ناصر الحاجب، فعني به من تولّى أمره فسلمت إحدى عينيه، و عرقب طاهر بن الزائر، و كان من أعوان الرئيس مكي.
و أعاد الملوك أولاد رضوان من قلعة جعبر إلى حلب، و خطب بنت الملك رضوان، و تزوّج بها، و دخل بها بحلب، و ولّى رئاسة حلب سلمان بن عبد الرزّاق العجلاني البالسي، و ولّى ابن أخيه بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبار نيابته في حلب، و صالح الفرنج مدّة سنة كاملة، و أعطاهم من الضياع ما كان في أيديهم أيّام مملكتهم الأثارب و زردنا.
و سار في محرّم من سنة ستّ عشرة و خمسمائة إلى الشرق ليجمع العساكر، فمات وزيره بحلب أبو الفضل بن الموصول في صفر و ولي الوزارة أبو الرجاء بن السرطان.
و عبر إيلغازي و بلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر الفرات- و كان بلك غازي ابن أخيه بهرام بن أرتق، و استدعاه من أعمال الرّوم و بيده عدة قلاع بالقرب من ملطية- و صحبتهما عدّة من التّركمان دون ما جرت عادته باستصحابه، فعزل أبا الرجاء بن السرطان عن الوزارة، و قبض عليه لسعاية سعي به إليه عليه.
و نزل إيلغازي زردنا، نزل عليها في العشرين من جمادى الأولى، و حصرها أياما و أخذ حوشها، و كان صاحبها قد سمع حين عبر إيلغازي الفرات أنه ينزلها، فجمع أصحابه و استحلفهم على المصابرة من وقت نزولهم على مدّة خمسة عشر يوما، و حلف هو لهم على أن ينجدهم، و مضى على أن يستجيش، فان جازت هذه المدّة و لم يصلهم فإنّه يبتاع دماءهم بكلّ ما يملكه، و قال لهم: «و اللّه لكم عليّ من الشاهدين، لئن لم يخلصكم إلا إسلامي إن قبله أسلمت على يديه لخلاصكم».
و خرج حتى وصل إلى بغدوين صاحب أنطاكية، و هو بأكناف طرابلس في حكومة بينه و بين صاحبها، فأخبره بعبور إيلغازي و بما بلغه من قصده زردنا، فقال: «مذ حلفنا له و حلف لنا ما نكثنا، و حفظنا بلده في غيبته و نحن شيوخ، و ما أظنه يغدر، بل ربّما قصد طرابلس أو قصدني في القدس، لأنني ما صالحته إلّا على أنطاكية و أعمالها، بل يجب أن تعود إلى أفامية و كفرطاب و تكشف ما يتجدد». فعاد و كشف الأمر.
و سيّر إلى بغدوين فأعلمه بنزوله إلى زردنا، فصالح صاحب
طرابلس، و شرط عليه الوصول إليه. و وصل أنطاكية، و استدعى جوسلين، و نصب المسلمون مجانيق أربعة على زردنا، و أخذوا الفصيل الأوّل، فوصل الفرنج بعد أربعة عشر يوما من منازلة المسلمين لها، فنزلوا تحت الدّير.
و بلغ الخبر إيلغازي، فترك زردنا و توجّه نحوهم، فنزل نواز، و طلب أن يخرج الفرنج من المضيق إلى السّعة فلم يخرجوا، فرجل إلى تلّ السّلطان، و أتابك طغتكين في صحبته، فخرج الفرنج فنزلوا على نواز و هجموا ربض الأثارب و أحرقوا البيدر و الجدار.
و دخل صاحبها يوسف بن ميرخان قلعتها، و نزلوا أبين، و رحلوا منها فنزلوا دانيث، و أقاموا عليها فلم يصلهم أحد، فعادوا إلى بلادهم، فعاد إيلغازي فنزل زردنا، و هجم الحوش الثّاني، و قتل جماعة من الفرنج.
فعاد الفرنج و نزلوا تحت الدّير، فرحل إيلغازي إلى نواز، و أقام ثلاثة أيام يزاحف الفرنج و هم لا يخرجون إلى الصّحراء، فاتّفق أن أكل إيلغازي لحم قديد كثيرا و جوزا أخضر و بطيخا و فواكه، فانتفخ جوفه و ضاق نفسه، و اشتدّ به الأمر، فرحل إلى حلب، و تزايد به المرض، فسار طغتكين إلى دمشق و بلك غازي إلى بلاده.
و دخل إيلغازي ليتداوى بحلب، فنزل القصر، و لم يخلص من علّته، و خرج عسكر حلب في ألف فارس إلى نبل(1)من عمل عزاز، و معهم
1) نبل من قرى أعزاز في محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 22 كم.
أمراء منهم دولت بن قتلمش، فنهبوا و عادوا؛ فوقع عليهم عند حربل(1)كليام في أربعين فارسا، فانهزم المسلمون و قتل منهم جماعة.
و في شهر رجب من هذه السنة، ظفر بلك غازي باللّعين جوسلين و ابن خالته قلران(2)بالقرب من سروج، فأسرهما و أسر ابن أخت طنكريد، و قد كان أسره في وقعة ليلون، و اشترى نفسه بألف دينار و أسر ستّين فارسا.
و طلب جوسلين و قلران أن يسلّما ما بأيديهما من المعاقل فلم يفعلا، و قالا: «نحن و البلاد كالجمال و الحدج، متى عقر بعير حوّل رحله إلى آخر؛ و الذي بأيدينا قد صار بيد غيرنا». فأخذهما و مضى إلى بلده.
و وصل الفرنج بعد ذلك من تلّ باشر في شعبان، و كبسوا تلّ قبّاسين(3)فخرج النائب ببزاعا مع أهلها فالتقوا، و انهزم المسلمون و قتل منهم تسعون رجلا.
و أمّا إيلغازي فأقام أياما، و صلح من مرضه، و سار إلى ماردين، ثم خرج منها يريد ميّافارقين، فاشتدّ مرضه في الطّريق، و توفّي بالقرب من ميّافارقين بقرية يقال لها «عجولين»، في أول شهر رمضان من سنة ستّ عشرة و خمسمائة.
و ملك ابنه سليمان ميّافارقين، و ابنه تمرتاش ماردين، و ابن أخيه بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق حلب، و لما سمع صاحب أنطاكية بوفاته حشد عسكره و جماعة من الأرمن، و نزل وادي بزاعا، و عاث فيه و أفسد ما قدر عليه، و حمل إليه أهل «الباب» من الوادي مالا و خدموه.
فرحل إلى بالس و قاتلها بالمنجنيقات، و قرّروا على بالس مع ابن مالك مالا يحمل إليه، فأسرف في الطلب و كان ببالس جماعة من التركمان و من خيل حلب، فخرج أهلها و الخيل التي عندهم و اقتتلوا، فقتل من الفرنج جماعة من المقدّمين، و ظفر المسلمون أحسن ظفر.
فرحل بغدوين إلى الوادي و قد وصل [سليمان بن] إيلغازي فحصر البيرة(1)و تسلّم حصنها على أن يؤمّن أهلها على أنفسهم فأخذهم و سار بهم إلى أنطاكية، و تتابعت غارات الفرنج حول حلب إلى آخر سنة ستّ عشرة و خمسمائة.
و ولّى بدر الدّولة سليمان الوزارة بحلب أبا الرّجاء سعد اللّه بن هبة اللّه بن السّرطان، في صفر، بعدما قبض عليه إيلغازي- كما تقدم ذكره-
و جدّد بدر الدّولة المدرسة الّتي بالزّجاجين بحلب، المعروفة ببني
1) البيرة بلدة في تركية الآن- اسمها بيرة جك- على الفرات قرب سميساط. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ج 2 ص 769.
العجمي(1)، بإشارة أبي طالب بن العجمي. و ذكر لي أنّه عزم على أن يقفها على الفرق الأربع، و نقل آلتها من كنيسة داثرة كانت بالطّحّانين بحلب.
و في العاشر من شهر صفر من سنة سبع عشرة و خمسمائة، استقر الصّلح بين بدر الدّولة صاحب حلب و بين بغدوين صاحب أنطاكية، و على أن يسلّم بدر الدولة إليه قلعة الأثارب فتسلموها، و صارت لصاحبها أولا سير ألان دمسخين، و بقيت في يده إلى أن مات، و كانت في يد الحاجب جبريل بن برق، فعوّضه بدر الدّولة عنها شحنكيّة حلب.
و في يوم الأربعاء تاسع عشر صفر، سار بغدوين صاحب أنطاكية ليقاتل نور الدّولة بلك بن بهرام بن أرتق، و كان محاصرا قلعة كركر(2)، فالتقيا على موضع اسمه «اروش» بالقرب من قنطرة سنجة، فكسره نور الدّولة بلك، و أسره، و قتل معظم عسكره و مقدّميه و نهب [خيمة]، و فتح [كركر] بعد جمعة؛ و كان في دون عدّة الفرنج، و جعل بغدوين في خرتبرت(3)
و من أجل الأسرى انظر وليم الصوري ص 590- 591. مع نص السرياني المجهول.
مع جوسلين و قلران.ثمّ إنّ نور الدولة بلك عبر الفرات و نزل على حلب و ضايقها، و نزل
من قبليّها، ثم انتقل إلى بانقوسا(1)و أقام أيّاما، و رحل إلى أرض النيرب، و جبرين(2)و أمر بحرق الغلّة و أخذ الدّواب.
و مضى قطعة من عسكره إلى حدادين(3)، فأخذ أحدهم عنزا، فرماه بعض فلّاحي الضيعة بسهم فقتله فحصرت مغارتها و أخذت بعد أن أمتنع أهلها من التسليم، فدخّنوا على المغارة فاختنق بها مائة و خمسون.
و خنق في مغارة تلّ عبّود و تعجين جماعة و سبوا نساء عقر بوز(4)و أولادها و باعوا بعضهم و استعبدوا بعضا و أخذ لاهل حلب جشير(5)خيل ثلاثمائة رأس، و كان حريق الزرع من رهقات بلك و كان سببا للغلاء العظيم.
و في صباح يوم الثلاثاء، غرة جمادى الأولى من سنة سبع عشرة و خمسمائة، تسلّم مدينة حلب سلّمها إليه مقلّد بن سقويق بالأمان و مفرّج بن الفضل، و نودي بشعار بلك من عدّة جهات، و كسر باب أنطاكية، و أخربت ثلمة من غربي باب اليهود.
و في يوم الجمعة رابع الشهر تسلّم القلعة و جلس بها بعدما نزل بدر الدّولة منها بيوم؛ و قرر حالها، و أخرج سلطان شاه بن رضوان، و سيّره إلى حرّان، و كان قد فتحها في شهر ربيع الآخر خوفا منه.
ثم أنّه سار إلى البارة و هجمها، و أسر الأسقف الّذي بها و قيّده، و وكّل به(1)، و رحل إلى كفرطاب فغفل الموكّل به فهرب إلى كفرطاب، فعزم على قتال حصنها و استرجاع الأسقف في يوم الثلاثاء الثاني عشرة من جمادى الآخرة.
فوصله من أخبره أن بغدوين الرّويس و جوسلين و قلران و ابن اخت طنكريد و ابن أخت بغدوين و غيرهم من الأسرى الّذين كانوا مسجونين بجب خرتبرت عاملوا قوما من أهل حصن خرتبرت فأطلقوهم، و وثبوا على الحصن فملكوه، و أخذوا كلّ ما كان لنور الدّولة فيه و كان جملة عظيمة، فقال جوسلين: «كنا قد أشرفنا على الهلاك و الآن فقد خلصنا، و الصواب أن نمضي و نحمل ما قدرنا عليه». فما سمحت نفس بغدوين بترك الحصن و الخروج منه(2).
فاتّفق رأيهم على خروج جوسلين، و حلّفوه على أنّه لا يغيّر ثيابه و لا يأكل لحما و لا يشرب إلّا وقت القربان إلى أن يجمع جموع الفرنجة و يصل بهم إلى خرتبرت و يخلّصهم.
و أما بلك فإنّه سار حتّى نزل على خرتبرت ففتحه بالسّيف في ثالث و عشرين من رجب، و قتل كل من كان به من أصحابه الّذين كفروا نعمته
و من كان فيه من الفرنج، و لم يستبق سوى بغدوين الملك و قلران و ابن أخت بغدوين، و سيّرهم إلى حرّان و حبسهم بها.
و أما جوسلين فمضى إلى القدس، و استنجد بالفرنج، و وصلوا تلّ باشر، فسمعوا خبر فتح خرتبرت بالسّيف فسار إلى الوادي و قاتل بزاعا و أحرق بعض جدارها ثم أحرق الباب و قطع شجره، و أحرق ما سواه من الوادي.
ثم نزل حيلان(1)ثم حلب من ناحية «مشهد الجفّ» من الشمال؛ و خرّب المشاهد و البساتين، و كسر الناس عند «مشهد طرود» بالقرب من بستان النقره؛ و قتل و سبى مقدار عشرين نفرا.
ثمّ رحل و نزل الجانب الغربي في البقعة السوداء، و خرب مشاهد الجانب القبلي و بساتينه، و نبش الضريح الذي ب «مشهد الدكّة»(2)فلم يجد فيه شيئا فألقى فيه النار، و الحلبيّون في كل يوم يقاتلونه أشدّ قتال، و يخسر معهم في كلّ حركة.
ثم رحل يوم الثلاثاء مستهلّ شهر رمضان، و نزل السعدي(3)، و قطع شجره، و افترقوا منه و سار كلّ إلى بلده، و وجد في منازلهم التي نزلوها نيف و أربعون حصانا موتى، و نبش النّاس منهم موتى جماعة.
فأمر القاضي ابن الخشّاب بموافقة من مقدّمي حلب أن تهدم محاريب الكنائس الّتي للنصارى بحلب، و أن يعمل لها محاريب إلى جهة القبلة و تغيّر أبوابها، و تتّخذ مساجد: ففعل ذلك بكنيستهم العظمى، و سمّي مسجد السرّاجين(1): و هو مدرسة الحلاويين الآن. و كنيسة الحدادين: و هي مدرسة الحدادين(2)الآن؛ و كنيسة بدرب الحراف: و هي مكان مدرسة ابن المقدّم(3). و لم يترك للنّصارى بحلب سوى كنيستين لا غير، و هي الآن باقية.
هذا كلّه و نور الدّولة بلك غائب عن مدينة حلب في بلاده.
ثم إنّ جوسلين خرج في تاسع عشر شهر رمضان إلى الوادي و النّقرة و الأحصّ، و أخذ ما يزيد عن خمسمائة فرس كانت في العزيب(4)، حتّى لم يبق بحلب من الخيّالة خمسون فارسا لهم خيل، و أخذ من الدّواب البقر و الغنم و الجمال ما لا يحصى، و قتل و سبى و خرب ما أمكنه و عاد إلى تل باشر.
و خرج سير ألان في عسكر أنطاكية من الأثارب حتى وصل الحانوتة(5)و حلفا، و أخذ ما كان بقي من خيل في العزيب في الجانب القبليّ، و ذلك مقدار ثلاثمائة فرس؛ و أخذ قافلة كانت واصلة من شيزر بغلّة.
ثم عبر جوسلين من الفرات إلى شبختان و أغار على تركمان و أكراد، فأخذ من الغنم و الخيل ما يزيد على عشرة آلاف و سبى و قتل، و من سلم له فرس من عسكر حلب يخرجون مع الحراميّة و لا يقطعون الغارات على بلادهم، و يحضرون الأسارى مرّة بعد أخرى.
ثم أغار جوسلين على الجبّول، و ما حولها، و أخذ دوابّ كثيرة و توجّه إلى دير حافر، فخنق أهلها بالدّخان في المغاير، و فتح المقابر، و سلب الموتى أكفانهم.
و في يوم الأربعاء سادس عشرين من ذي القعدة، عبر بلك إلى الشّام و قبض على نائب بهرام داعي الباطنية بحلب، و أمر بإخراجهم من حلب فباعوا أموالهم و رحالهم و خرجوا منها.
ثم إنّ الأمير نور الدّولة بلك جمع العساكر، و وصله أتابك طغتكين بعسكر دمشق و عسكر أق سنقر البرسقيّ، و عبروا حتى نزلوا على عزاز، و ضايقوها بالحصار، و أخذوا عليها نقوبا إلى أن سهل أمرها، فتجمّع الفرنج و قصدوا ترحيل المسلمين عنها فالتقى الجيشان، و هزم المسلمون، و تفرّقوا بعد قتل من قتل و أسر من أسر.
و عمّر بلك حصن الناعورة بالنّقرة و حصن المغارة- على شطّ الفرات- و تزوّج بالخاتون فرخنده خاتون بنت رضوان، و عرّس بها في ثالث و عشرين ذي الحجّة من سنة سبع عشرة و خمسمائة.
و في المحرّم من سنة ثماني عشرة و خمسمائة، تنكّر بلك على رئيس حلب
سلمان العجلاني و جعل عليها رجلا من أهل حرّان اسمه محمد بن سعدان، و يعرف بابن سعدانة، و كثر الأمن من الذّعّار و قطّاع الطريق عند قدوم بلك حلب؛ و أقام الهيبة العظيمة؛ و تقدّم بفتح أبواب حلب ليلا و نهارا، و حسم مادّة أرباب الفساد. و قال للحارس: «إنّ عدت سمعتك تصيح ضربت عنقك!».
و نقل بغدوين و من كان معه من حبس حرّان، فحبسه في قلعة حلب.
و توّجه في شهر صفر فرقة من أصحابه الأتراك إلى ناحية عزاز فوقع بينهم و بين الفرنج وقعة عند مشحلا(1)، و ظفر بهم الأتراك، و قتلوا منهم أربعين رجلا من الخيّالة و الرجّالة و أخذوا أسلابهم، و وصل الباقون عزاز و ما فيهم إلّا من جرح جراحا عدّة.
و انقطع المطر في كانونين و نصف شباط، ثم تدارك فأخصب الزرع و استغلّ الناس، و كان بحلب غلاء شديد.
و في صفر من سنة ثماني عشرة و خمسمائة، تنكّر نور الدولة بلك على حسّان بن كمشتكين صاحب منبج لشيء بلغه عنه، فأنفذ قطعة من عسكره مع ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، و تقدّم إليهم أن يمروا على منبج، و يطلبوا من حسّان أن يخرج معهم للإغارة على تلّ باشر فإذا خرج
1) مشحلا: قرية من نواحي اعزاز من أعمال حلب. معجم البلدان.
قبضوه، ففعلوا ذلك، و دخلوا منبج، و عصى عليهم الحصن و دخله عيسى أخو حسان.
و سير حسان فحبس في حصن بالو(1)بعد أن عوقب و عرّي، و سحب على الشوك فلم يسلّمها أخوه.
و كتب عيسى إلى جوسلين: «إن وصلتني و كشفت عني عسكر بلك سلّمت إليك منبج». و قيل: إنه نادى بشعار جوسلين بمنبج، فمضى إلى بيت المقدس و طرابلس و جميع بلاد الفرنج، و حشد ما يزيد على عشرة آلاف فارس و راجل، و وصل نحو منبج ليرحل بلك عن منبج.
فسار إليه بلك لمّا قرب من منبج، و التقيا يوم الاثنين ثامن عشر شهر ربيع الأوّل، و اقتتل العسكران، و انهزم الفرنج، و تبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون إلى آخر النهار.
و حمل فيهم بلك ذلك اليوم خمسين حملة يفتك فيهم و يخرج سالما، يضرب بالسيوف و يطعن بالرماح و لا يكلم، و عاد إلى منبج فبات مصلّيا مبتهلا إلى اللّه تعالى لما جدده على يده من الظفر بالفرنج.
و أصبح يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول قتل كلّ أسير أسره في الوقعة، ثم زحف نحو الحصن ليختار موضعا ينصب فيه المنجنيق، و عليه بيضة و بيده ترس.
1) بالو: قلعة حصينة و بلدة من نواحي أرمينية بين أرزن الروم و خلاط. معجم البلدان.
و كان قد عزم على أن يستخلف ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي على حصار منبج، و يطلع منجدا لأهل صور، فإنّ الفرنج كانوا في مضايقتها(1)، و في تلك المضايقة أخذوها، فبينا كان بلك قائما يأمر و ينهى إذ جاءه سهم من الحصن، و قيل: إنّه كان من يد عيسى فوقع في ترقوته اليسرى فانتزعه و بصق عليه، و قال: «هذا قتل المسلمين كلهم»، و مات لوقته.
و قيل: بقي ساعات و قضى نحبه- رحمه اللّه- و حمل إلى حلب، و دفن بها قبليّ مقام ابراهيم(2)- عليه السّلام-.
و وصل حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي إلى حلب يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الأوّل، و دخل القلعة و نصب علمه، و نادى الناس بشعاره.
و سار سليمان بن إيلغازي من ميّافارقين إلى خرتبرت و حصون بلك، و هي نيّف و خمسون موضعا فتسلّمها.
و سار داود بن سكمان، فأخذ حصن بالو و أطلق حسّان بن كمشتكين فعاد إلى منبج.
فأمّا تمرتاش فإنّه لمّا ملك حلب ألهاه الصّبى و اللعب عن التشمير و الجدّ و النظر في أمور الملك، ففسدت الأحوال، و ضعف أمر المسلمين بذلك،
و استوزر أبا محمّد بن الموصول، ثم عزله و صادره في رجب من سنة ثماني عشرة و استوزر أبا الرّجاء بن السّرطان، و ولى الرئاسة بحلب فضائل بن صاعد بن بديع.
و سيّر إلى حرّان فحمل منها سلطان شاه بن رضوان، و كان بلك أسكنه بها؛ فاعتقله في دار بقلعة ماردين و كان فيها طاقة فتدلّى منها بحبل و هرب إلى دارا، ثم رحل منها إلى حصن(1)كيفا إلى داود بن سكمان.
و في العشر الأواخر من ربيع الأول سار نائب جوسلين من الرها و أغار على ناحية شبختان و نهبها فسار إليه نائب تمرتاش عمر الخاص و كان نائبه و ربيب أبيه إيلغازي و ركب خلفه في ثلاثمائة فارس فلحقه على مرج اكساس، فقاتله و هزمه و قتله، و قتل أكثر من كان معه من الفرنج، و عاد غانما، و أنفذ رؤوسهم و ما غنمه إلى تمرتاش إلى حلب.
و ولّاه تمرتاش شحنكية حلب، و هو المدفون في القبّة التي مقابل باب مشهد ابراهيم- عليه السلام- و اسمه مكتوب على جهاتها الأربع.
و ولّى قلعة حلب رجلا يقال له عبد الكريم.
و في غرة جمادى الأولى من هذه السنة استقرّ الأمر بين الملك بغدوين صاحب أنطاكية- و كان في سجن بلك بحلب- و بين تمرتاش بن إيلغازي على تسليم الأثارب و زردنا و الجزر و كفرطاب، و على تسليم عزاز و ثمانين ألف دينار، و قدّم منها عشرين ألف دينار.
1) بلدة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد و جزيرة ابن عمر. اللؤلؤ المنثور ص 507.
و حلف على ذلك و على أن يخرج دبيس بن صدقة(1)من النّاس، و كان قد وصل دبيس منهزما من المسترشد بعد أن كسره المسترشد، و قتل خلقا من عسكره فترك بلاده، و حمل ما قدر عليه من العين و العروض على ظهور المطايا؛ و وفد على ابن سالم بن مالك بن بدران إلى قلعة دوسر، و استجار به فأجاره، و غاضب المسترشد و السلطان محمودا في أمره.
و كاتب دبيس قوما من أهل حلب؛ و أنفذ لهم جملة دنانير، و سامهم تسليمها إليه، و كشف ذلك رئيسها فضائل بن صاعد بن بديع، فأطلع على ذلك تمرتاش بن إيلغازي، فأخذهم و عذّبهم و شنق بعضهم، و صادر بعضا، و أحرق بعضا.
و كان المتوسّط حديث بغدوين مع تمرتاش الأمير أبو العساكر سلطان بن منقذ، و سيّر أولاده و أولاد إخوته رهنا عن بغدوين إلى حلب.
و فكّت قيود بغدوين و أحضر إلى مجلس تمرتاش، و تواكلا و تشاربا و خلع عليه قبآء ملكيا و قلنسوة ذهب و خفافا ورانا(2)و أعيد عليه الحصان الذي كان أخذه منه بلك يوم أسره، فركبه، و سار إلى شيزر يوم الأربعاء رابع جمادى، فبقي عند أبي العساكر حتى أحضر جماعة رهنا على الوفاء بما شرطه لتمرتاش و هم: ابنته، و ابن جوسلين، و غيرهما من أولاد الفرنج، و عدّتهم اثنا عشر نفرا، و حمل العشرين ألف دينار التي عجّلها.
و قبض صاحب شيزر الرّهائن، و أطلق بغدوين من سجن شيزر، في يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب، فخرج- لعنة اللّه- و غدر بتمرتاش و أنفذ إليه يقول: «البطريك الذي لا يمكن خلافه سألني عما بذلت، و ما الذي استقرّ، فحين سمع حديث عزاز و تسليم حصنها منّي أبى، و أمرني بالدفع عنها و قال: إنّ خطيئتك تلزمني، و لا أقدر على خلافه». فتردّدت الرسل بينهما فلم يستقرّ على قاعدة.
و خالط دبيس جوسلين و بغدوين، و صافاهم و صافوه بوساطة الأمير مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر، و اتّفق دبيس و الفرنج على قواعد تعاهدوا عليها منها أن تكون حلب لدبيس و الأموال و الأرواح للفرنج مع مواضع من بلد حلب تكون للفرنج؛ و تقدّم دبيس إلى مرج دابق فخرج إليه حسام الدّين تمرتاش فكسره.
و سار تمرتاش من حلب عندما علم بغدر الفرنج به إلى ماردين، في الخامس و العشرين من شهر رجب، ليستنجد بأخيه سليمان بن إيلغازي و بجمع العساكر، و بقي بنو منقذ رهائن بقلعة حلب عند تمرتاش، و أولاد الفرنج رهائن عند أبي العساكر بن منقذ بشيزر.
و الرسل مع هذا تتردّد بين تمرتاش و بغدوين إلى أن عادت الرسل في ثامن عشر شعبان مخبرة بنقض الهدنة، و بخروج بغدوين إلى أرتاح قاصدا النزول على حلب.
و رحل بغدوين من أرتاح حتى نزل على نهر قويق و أفسد كلّ ما كان
عليه، ثمّ رحل فنزل على باب حلب، في يوم الاثنين السادس و العشرين من شعبان، و هو السادس من تشرين الأوّل.
و خرج دبيس و جوسلين من تلّ باشر، و قصدا ناحية الوادي، و أفسدا القطن و الدخن، و سائر ما كان به وقوّم ذلك بمائة ألف دينار، و رحلا و نزلا مع بغدوين على حلب، و وصل إليهم الملك سلطان شاه بن رضوان.
و نزل بغدوين مقدّم الفرنج من الجانب الغربي من حلب في الحلبة، و نزل جوسلين على طريق عزاز و ما يجاوره يمنة و يسرة. و نزل دبيس و سلطان شاه بن رضوان ممايلي جوسلين من الشّرق؛ و في صحبة دبيس عيسى بن سالم بن مالك.
و نزل يغي سيان بن عبد الجبّار بن أرتق صاحب بالس ممايلي دبيس من الشّرق، و كانت عدّة الخيم ثلاثمائة: للفرنج مائتا خيمة، و للمسلمين مائة خيمة.
و أقاموا على حلب يزاحفونها، و قطعوا الشجر و خربوا مشاهد كثيرة، و نبشوا قبور موتى المسلمين، و أخذوا توابيتهم إلى الخيم و جعلوها أوعية لطعامهم، و سلبوا الأكفان، و عمدوا إلى من كان من الموتى لم تنقطع أوصاله، فربطوا في أرجلهم الحبال، و سحبوهم مقابل المسلمين.
و جعلوا يقولون: «هذا نبيّكم محمد» و آخر يقول: «هذا عليّكم» و أخذوا مصحفا من بعض المشاهد بظاهر حلب و قالوا: «يا مسلم أبصر
كتابكم». و ثقبه الفرنجي بيده، و شدّة بخيطين، و عمله ثفرا(1)لبرذونه؛ فظل البرذون يروث عليه، و كلّما أبصر الروث على المصحف صفّق بيديه و ضحك عجبا و زهوا.
و أقاموا كلّما ظفروا بمسلم قطعوا يديه و مذاكيره و دفعوه إلى المسلمين؛ و المسلمون يفعلون بمن يأسرونه من الفرنج كذلك.
و ربّما شنق المسلمون بعضهم، و يخرج الغزاة من باب العراق، و يسرقونهم من المخيم، و يقطعون عليهم الطّرق، و يقتلون و يأسرون.
و يصيح المسلمون على دبيس من الأسوار: «دبيس، يا نحيس». و الرسل تتردد بينهم في الصّلح، و لا يستتب إلى أن ضاق الأمر بالمسلمين جدّا.
و كان بحلب بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبّار و الحاجب عمر الخاص، و معهما مقدار خمسمائة فارس، و الذي يتولّى تدبيرها و هو في مقام الرئاسة القاضي أبو الفضل بن الخشّاب، و تولّى حفظ المكان و بذل المال و الغلال.
فاتفقوا على أن سيّروا جدّ أبي قاضي حلب القاضي أبا غانم محمد بن هبة اللّه بن أبي جرادة و نقيب الأشراف و أبا عبد اللّه بن الجلي فخرجوا ليلا، و مضوا إلى تمرتاش إلى ماردين مستصرخين إليه و مستغيثين به فوجدوه و قد مات أخوه سليمان بن إيلغازي صاحب ميافارقين في شهر رمضان، و سار تمرتاش إلى بلاده ليملكها، و اشتغل بملك تلك البلاد عن حلب.
1) الثفر: الجلدة التي توضع تحت الذيل و يربط بها حلس الدابة.
و كانت الرسل مترددة بينه و بين أق سنقر البرسقيّ صاحب الموصل في اتّفاق الكلمة على قصد الفرنج و كشفهم عن حلب؛ فاشتغل بهذا الأمر عن هذا التقرير، و الحلبيون عنده يمنّيهم و يمطلهم.
و لما خرج الحلبيّون من حلب بلغ الفرنج ذلك فسيّروا خلفهم من يلحقهم، فلم يدركهم و أصبحوا في صباح تلك اللّيلة و صاحوا إلى أهل حلب: «أين قاضيكم؟ و أين شريفكم؟» فأسقط في أيديهم إلى أن وصل منهم كتاب بخبر سلامتهم.
و بقي الحلبيّون عند تمرتاش يحثّونه على التّوجّه إلى حلب، و هو يعدهم و لا يفعل، و هم يقولون له: «نريد منك أن تصل بنفسك، و الحلبيون يكفونك أمرهم».
فضاق الأمر بالحلبيّين إلى حدّ أكلوا فيه الكلاب و الميتات، و قلّت الأقوات، و نفد ما عندهم، و فشا المرض فيهم، فكان المرضى يئنّون لشدّة المرض، فإذا ضرب البوق لزحف الفرنج قام المرضى كأنما أنشطوا من عقال، و زحفوا إلى الفرنج و ردّوهم إلى خيامهم، ثم يعودون إلى مضاجعهم.
فكتب جدّي أبو الفضل هبة اللّه بن القاضي أبي غانم كتابا إلى والده يخبره بما آل أمر حلب إليه من الجوع، و أكل الميتات، و المرض؛ فوقع كتابه في يد تمرتاش فغضب و قال: «انظروا إلى هؤلاء يتجلّدون عليّ، و يقولون إذا وصلت فأهل حلب يكفونك أمرهم، و يغرّرون بي حتى أصل في قلّة، و قد
بلغ بهم الضعف إلى هذه الحالة».
ثمّ أمر بالتّوكيل و التّضيق عليهم، فشرعوا في إعمال الحيلة و الهرب إلى أق سنقر البرسقيّ، ليستصرخوا به فاحتالوا على الموكّلين بهم، حتى ناموا و خرجوا هاربين، فأصبحوا بدارا(1).
و ساروا حتى أتو الموصل، فوجدوا البرسقي مريضا مدنفا، و الناس قد منعوا من الدّخول عليه إلّا الأطبّاء، و الفرّوج يدقّ له لشدّة الضعف، و وصل إلى دبيس من أخبره بذلك، فضرب البشارة في عسكره، و ارتفع عنده التكبير و التهليل، و نادى بعض أصحابه أهل حلب: قد مات من أمّلتم نصره، فكادت أنفس الحلبيّين تزهق.
و اسؤذن للحلبيّين على البرسقيّ فأذن لهم، فدخلوا إليه، و استغاثوا به، و ذكروا له ما أهل حلب فيه من الضرّ، فأكرمهم- رحمه اللّه- و قال لهم: «ترون ما أنا فيه الآن من المرض، و لكن قد جعلت للّه علي نذرا إن عافاني من مرضي هذا لأبذلنّ جهدي في أمركم، و الذبّ عن بلدكم، و قتال أعدائكم».
قال القاضي أبو غانم قاضي حلب: فما مضى ثلاثة أيام بعد ذلك حتى فارقته الحمى، فأخرج خيمته، و نادى في العساكر بالتأهب للجهاد إلى حلب.
1) مدينة الآن بتركية هي في لحف جبل بين نصيبين و ماردين. معجم البلدان.
و بقي أياما و عمل العسكر أشغاله و خرج- رحمه اللّه- في عسكر قويّ، فوصل إلى الرّحبة، و كاتب أتابك طغتكين صاحب دمشق، و صمصام الدّين خير خان بن قراجا صاحب حمص.
و رحل إلى بالس، و سار منها إلى حلب فوصلها يوم الخميس لثمان بقين من ذي الحجة من سنة ثماني عشرة.
و لما قرب من حلب رحل دبيس ناشرا أعلامه البيض إلى الفرنج عند قربه من حلب، و تحوّلوا إلى جبل جوشن كلّهم، و خرج الحلبيّون إلى خيامهم فنهبوها و نالوا منها ما أرادوا.
و خرج أهل حلب و التقوا قسيم الدولة عند وصوله، و سار نحو الفرنج فانهزموا بين يديه من جبل جوشن، و هو يسير وراءهم على مهل حتى أبعدوا عن البلد.
فأرسل الشالشية(1)، و أمرهم أن يردّوا العسكر، فجعل القاضي ابن الخشّاب يقول له: «يا مولانا لو ساق العسكر خلفهم أخذناهم، فانهم منهزمون و العسكر محيطة بهم». فقال له: «يا قاضي تعلم أنّ في بلدكم ما يقوم بكم و بعسكري لو قدّر علينا- و العياذ باللّه- كسرة؟» فقال: «لا».
فقال: «ما يؤمننا أن يرجعوا علينا و يكسرونا، و يهلك المسلمون، و لكن قد كفى اللّه شرّهم و ندخل إلى البلد و نقوّيه و ننظر في مصالحه، و نجمع لهم إن شاء اللّه، و نخرج إليهم بعد ذلك»(2).
و رجع و دخل البلد و تسلّم قلعتها، و نظر في مصالح البلد و قوّاه، و أزال الظلم و المكوس و عدل فيهم عدلا شاملا و أحسن إليهم إحسانا كاملا.
و كتب لأهل حلب توقيعا باطلاق المظالم و المكوس، نسخته موجودة، بعدما كان الحلبيّون منوا به من الظّلم و المصادرة من عبد الكريم والي القلعة، و عمر الخاص والي البلد، و تسليطهما الجند و الأتراك على مصادرة الناس بحيث أنهم استصفوا أموالهم من الأكابر و الصدور و غيرهم في حالة الحصار.
و أما الفرنج فانهم توجّهوا إلى الأثارب و دخلوا أنطاكية.
و شرع النّاس في الزّرع ببلد حلب في الثّاني عشر من شباط و جعلوا يبلّوا الغلّة بالماء، و يزرعونها فنبتت و تداركت عليها الأمطار فأخصبت، و جاءت الغلّة من أجود الغلال و أزكاها.
و أطلق البرسقيّ بني منقذ من الاعتقال بقلعة حلب، و رحل إلى تلّ السّلطان في سنة تسع عشرة و خمسمائة، في أواخر المحرّم، و أقام به ثلاثة أيام، و رحل إلى أن وصل إلى شيزر في سابع صفر، و تسلّم أولاد الفرنج من ابن منقذ، و باعهم بثمانين ألف دينار حملت إليه.
و أقام بأرض حماة أياما حتى وصل إليه أتابك طغتكين، فرحل في عساكره التي لا تحدّ كثرة، و نزل كفرطاب فسلّمت إليه يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر، و سلّمها إلى صمصام الدين خيرخان بن قراجا، و كان قد
وصل إليه من حمص و التقاه بتلّ السلطان.
و سار إلى عزاز و قاتلها، و نقبت قلعتها فقصدهم الفرنج، فالتقوا سادس عشر ربيع الآخر، و كسر البرسقي كسر عظيمة، و استشهد جماعة من المسلمين من السّوقة و العامة، و لم يقتل من الأمراء و المقدّمين أحد.
و وصل أق سنقر البرسقي سالما إلى حلب، و أقام على قنّسرين أياما، و تفرّقت العساكر إلى بلادهم، و وصل أمير حاجب صارم الدّين بابك بن طلماس، فولّاه البرسقي حلب و بلدها، و عزل عنها سوتكين واليا كان ولّاه.
و وقعت الهدنة بين البرسقيّ و الفرنج على أن يناصفهم في جبل السّماق و غيره مما كان بأيدي الفرنج، و سار البرسقيّ إلى الموصل فلم يزل الفرنج يعلّلون الشحن و المقطعين بالمحال في مغلّ ما وقعت الهدنة عليه إلى العشرين من شعبان من السّنة.
و سار بغدوين إلى بيت المقدس و الرسول خلفه يعلمه بأن الفرنج لا يمكنون أحدا من رفع شيء من الصّيافي؛ و أخذ بعض متصرفي المسلمين بعض الارتفاع من بعض الأماكن و الهدنة على حالها، فتجمّع الفرنج و نزلوا رفنية.
و خرج شمس الخواص صاحبها طالبا أق سنقر البرسقيّ مستصرخا به، و سلّمها إليهم ولده المستخلف فيها في آخر صفر من سنة عشرين و خمسمائة، و قصدوا بلد حمص فشعّثوه.
فجمع البرسقيّ العساكر و حشد، و سار نحو الشّام لحربهم حتى وصل الرّقة في أواخر شهر ربيع الآخر، و سار إلى أن نزل بالنّقرة على النّاعورة في الشهر المذكور، و أقام به أيّاما و الفرنج يراسلونه، فراسله جوسلين على أن تكون الضّياع ما بين عزاز و حلب مناصفة و أن يكون الحرب بينهما على غير ذلك، فاستقرّ هذا الأمر.
و كان بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبّار و شهريار بك ابن عمه، قد توجّها مع جماعة من التركمان إلى المعرّة فأوقعوا بعسكر الفرنج، و قتل المسلمون منهم مائة و خمسين، و أسروا جفري بلنك، صاحب بسرفوث، من جبل بني عليم، و أودع في سجن حلب.
و كان قد سيّر البرسقيّ ولده عزّ الدين مسعودا منجدا لصاحب حمص، فاندفع الفرنج عنها فعاد عزّ الدين إلى والده، فتركه بحلب، و عزل بابك عن ولايتها و ولّاها كافور الخادم إلى أن ينظر فيمن يوليه إياها ولاية مستقلة.
و رحل قسيم الدولة إلى الأثارب في الثامن من جمادى الآخرة من سنة عشرين، و سيّر بابك بن طلماس في جماعة من العسكر و النقّابين إلى حصن الدير المجدّد فوق سرمدا ففتحه سلما.
و قتل من الخيّالة بعد ذلك خمسون فارسا، و نهب العساكر الغلال و الفلاحين في سائر البلد الذي وصلت الغارات إليه، و رفعوا الغلّة جميعها إلى حلب، و زحفوا إلى قلعة الأثارب، و خربوا الحوشين، و لم يتيسر فتحها.
و وصل بغدوين من القدس في جموع الفرنج، و وصل إليه جوسلين، و نزلوا عم(1)و أرتاح، و سيّروا إلى البرسقيّ: «ترحل عن هذا الموضع، و نتّفق على ما كنّا عليه في العام الخالي، و نعيد رفنية عليك»، فتجنّب الحرب، و خشي أن يتم على المسلمين ما تمّ على عزاز فصالحهم إلى أن فرّج الخناق عن الأثارب، و خرج صاحبها بماله و رجاله.
فغدر الفرنج و قالوا: «ما نصالح إلّا على أن تكون الأماكن التي ناصفنا فيها في العام الماضي لنا دون المسلمين». فامتنع من ذلك و أقام على حلب أياما و الرسل تتردد بينهم، فلما لم تتفق حال عاد أق سنقر، و نزل قنسرين، و رحل إلى سرمين، و امتدت العساكر إلى الفوعة و دانيث.
و نزل الفرنج على حوش معرّة مصرين، فأقاموا كذلك إلى نصف رجب، و نفدت أزواد الفرنج، فعادوا إلى بلادهم، ثم عاد البرسقي و في صحبته أتابك طغتكين، و كان وصل اليه و هو على قنسرين فدخلوا من العسكر و نزلوا باب حلب.
و مرض أتابك فعملت له المحفّات، و أوصى إلى البرسقي، و توجه إلى دمشق، و سلّم البرسقي حلب و تدبيرها إلى ولده عزّ الدين مسعود، فدخل حلب، و أجمل السيرة و تحلّى بفعل الخير.
و سار أبوه إلى الموصل، فدخلها في ذي القعدة سنة عشرين
1) عمّ: قرية غناء ذات عيون جارية و أشجار متدانية بين حلب و أنطاكية- معجم البلدان.
و خمسمائة، و قصد الجامع بها ليصلّي فيه يوم الجمعة تاسع ذي القعدة، و قصد المنبر، فلما قرب منه وثب عليه ثمانية نفر في زيّ الزّهاد، فاخترطوا خناجر و قصدوه و عليه درع من الحديد، و حوله جمع عظيم و هو متحفظ منهم، فسبقوا أصحابه إليه، فضربوه حتى أثخنوه و حمل جريحا فمات من يومه.
و قتل من كان وثب عليه من الباطنيّة غير شاب واحد كان من كفرناصح(1)- ضيعة من عمل عزاز- فإنّه سلم، و كان له أم عجوز فلما سمعت بقتل البرسقي و قتل من وثب عليه و كانت قد علمت أنّ ابنها معهم فرحت و اكتحلت و جلست مسرورة فوصلها ابنها بعد أيام سالما فأحزنها ذلك، و جزّت شعرها و سوّدت وجهها.
و قيل: إنّ البرسقي قتل بيده منهم ثلاثة، و كان البرسقي- رحمه اللّه- قد رأى تلك الليلة في منامه عدّة من الكلاب ثاروا به فقتل بعضها، و نال منه الباقون أذى شديدا، فقصّ رؤياه على أصحابه، فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدّة أيام، فقال: «لا أترك الجمعة لشيء أبدا»، و كان من عادته أن يحضر الجمعة مع العامة- رحمه اللّه- و كان وزير البرسقيّ المؤيد بن عبد الخالق، و كان قدم معه حلب حين قدمها.
و ملك عزّ الدين مسعود حلب عند ورود الخبر عليه بقتل أبيه في سنة
1) ما تزال كفر ناصح تحمل الاسم نفسه و هي في منطقة جبل سمعان- محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 33 كم. انظر بغية الطلب 1968- 1970 حيث المزيد من التفاصيل.
عشرين، و استوزر المؤيد وزير أبيه و ولّى فيها من قبله الأمير تومان.
و سار من حلب في سنة إحدى و عشرين و خمسمائة إلى السلطان محمود و هو ببغداد، فسأله أن ينعم عليه ببلاد أبيه، فكتب له منشورا بذلك، فوصل إلى الموصل و ملكها، ثم نزل إلى الرّحبة قاصدا إلى الشام؛ و كان يظن أنّ قاتل أبيه قوم من أهل حماة، فأضمر للشّام و أهله شرّا عظيما.
و رجع عما كان عليه من الأفعال المحمودة و الإقبال على مجاهدة الفرنج، و بلغ طغتكين عنه أنّه يقصده، فتأهّب له فلمّا نزل بظاهر الرّحبة امتنع واليها من تسليمها، فحاصرها أيّاما فسلمها الوالي إليه، و نزل فوجده قد مات فجأة، و قيل: سقي سما فمات.
و ندم الوالي على تسليم الرّحبة، و كان قد وصلت قطعة من العسكر لتقوية حلب فمنعهم تومان من الدّخول إليها، فوقع الشرّ بينه و بين رئيس حلب فضائل بن بديع، و داخلهم إلى حلب.
فوصل إلى حلب ختلغ أبه(1)السّلطانيّ غلام السّلطان محمود، و معه توقيع مسعود بن البرسقي بحلب، كتبه قبل وصوله إلى الرّحبة فلم يقبله تومان والي حلب فعاد ختلغ أبه إلى الرّحبة،- و قد جرى فيها ما ذكرناه من موت مسعود-.
فعاد ختلغ أبه على فوره إلى حلب فتسلّمها من يد تومان، آخر جمادى
1) له ترجمة مفيدة في بغية الطلب ص 3216- 3219.
الآخرة، و صعد إلى قلعتها بطالع اختاره له المنجّمون، فأخذه الطّمع في أموال النّاس، و صادر جماعة من أهل حلب، و اتّهمهم بودائع المجنّ الفوعي، رئيس حلب المقتول في أيّام رضوان.
و قبض على شرف الدّين أبي طالب بن العجمي و عمّه أبي عبد اللّه، و اعتقلهما بحلب، و ثقب كعاب أبي طالب و صادره، فعاد فعله القبيح عليه بالبوار، و ضلّ رأي منجّمه في ذلك الاختيار.
و قام أهل حلب عليه فحصروه، و قدّموا عليهم بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبّار، و نادى أهل حلب بشعار بدر الدّولة، و ساعده على ذلك رئيس حلب فضائل بن صاعد بن بديع، و قبض على أصحاب ختلغ أبه، و ذلك في الثاني من شوّال.
و قصد حلب في تلك الحال ملك أنطاكية و جوسلين فصانعوه على مال حتّى رحل(1)و ضايقوا القلعة و أحرقوا القصر، و دخل إليهم إلى المدينة الملك ابراهيم بن رضوان؛ و وصل اليهم حسّان صاحب منبج، و صاحب بزاعا؛ و دام الحصار إلى النّصف من ذي الحجّة.
و كان أتابك عماد الدّين زنكي بن قسيم الدّولة أق سنقر قد ملك الموصل بتواقيع السّلطان محمود، فسيّر إليه شهاب الدّين مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر، و أعلمه بأحوال حلب و حصارها؛ فسيّر أتابك إليها
1) انظر بغية الطلب ص 3218.
عسكرا مع الأمير سنقر دراز و الأمير الحاجب صلاح الدّين حسن(1).
و دخل الأمير صلاح الدّين فأصلح الحال، و وفّق بينهما على أن استدعيا أتابك زنكي من الموصل، فتوجّه بالجيوش إلى حلب، و قيل: إنّ بدر الدّولة و ختلغ سارا إليه.
1) كذا بالأصل و هذه الرواية مشوشة صوابها ما رواه ابن العديم نفسه في بغية الطلب ص 3218- 3219:« نصف ذي الحجة وصل الأمير سنقر دراز و الأمير حسن قراقش و جماعة أمراء في عسكر قوي إلى باب حلب و اتفق الأمر على يسير بدر الدولة و خطلبا إلى باب الموصل إلى المولى الاصفهسلار الملك عماد الدين قسيم الدولة زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر إلى الموصل، فلمن ولى عاد إلى منصبه، و أقام بحلب الأمير حسن قراقش مع الأمير الحاجب صلاح الدين العمادي، فوصل إلى حلب، و أطلع إلى القلعة واليا من قبله، و رتب الأمور».