ghaemiyeh.com
سرشناسه : مرزوقي اصفهاني، احمد بن محمد، - ق۴۲۱
عنوان و نام پديدآور : ...الازمنة و الامكنة/ تاليف ابي علي احمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الاصفهاني؛ ضبطه و خرج آياته خليل المنصور
مشخصات نشر : بيروت : دارالكتب العلمية ، ۱۹۹۶م. = ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۵.
مشخصات ظاهري : ص ۵۶۶
وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي
يادداشت : كتابنامه بصورت زيرنويس
موضوع : فضا و زمان -- متون قديمي تا قرن ۱۴
موضوع : زبان -- جنبههاي مذهبي -- اسلام
موضوع : هستي شناسي (فلسفه اسلامي)
شناسه افزوده : منصور، خليل
رده بندي كنگره : BD۶۳۲/م۴الف۴ ۱۳۷۵
شماره كتابشناسي ملي : م۸۱-۲۳۱۳۴
و هي ثلاثة فصول
قال قطرب: السّماء مؤنثة و تصغيره سميّة. و زعم يونس أنّ سماء البيت يذكّر و يؤنّث، و كان أبو عمرو بن العلاء يقول: السّماء سقف البيت يذكر و ينشد لذي الرّمة:
و بيت بمهواة خرقت سماءهإلى كوكب يروي له الماء شاربه
فإن قيل: لم ألحق بمصغّره الهاء و هو على أربعة أحرف، فقيل: سميّة و من شرط ما كان على أربعة أحرف من المؤنّث أن لا يلحق بمصغّره الهاء قلت: كان مصغّره يجتمع في آخره ياءات استثقل و خفّف بما حذف منه فعاد يصغّر من حيث اللّفظ به تصغير الثّلاثي.
و قال بعضهم: يجوز أن يكون الواحد سماءة و هي السّماءة أعلى كل شيء، و قال رجل من بني سعد:
زهر تتابع في السّماء كأنّماجلد السّماء لؤلؤ منثور
و على هذا يذكّر و يؤنّث لأنّ ما ليس بينه و بين واحده إلّا طرح الهاء كالنّخل و النّخلة يذكّر و يؤنّث. قال تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [سورة المزّمّل، الآية: 18] فذكر، و يقال في جمعه: اسمية و هذا إنما يجيء على جمعه مذكّرا لأنّ أفعله من جمع المذكّر كالغطاء و الأغطية و الرداء و الأردية، و المؤنّث يكون على أفعل مثل ذراع و أذرع. قال العجّاج: بلغه الرّياح و السّمى، و هذا جاء التأنيث كعناق، و عنوق. قال سماء و سمي ليس كعناق و عنوق، لأنّ عناقا مؤنّث، و سمي الذي هو المطر مذكّر على أنّ المطر سمّي سماء لنزوله من السّماء، فأما قوله لنهدر كان من أعقاب السمي فإنما خففه و إن كان فعولا للقافية مثل من سر ضرّ، و قوله:
كأنّما قد رفعت سماؤهافصار لون تربها هواؤها
معنى رفعت سماؤها: لم يصبها مطر، و مثل لون تربها قول الآخر: كأنّ لون أرضه سماءه، أي لون سمائه للقتام الذي يغشى الجو، قالوا: هذا بطن السّماء، و هذا ظهر السّماء لظهرها الذي تراه. قال تعالى: رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ [سورة الشورى، الآية: 33] و قالوا: الظّهر الوجه، و كذلك ظهر النّجوم و السّماء، و قال تعالى: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [سورة الرحمن، الآية: 54] البطائن: هاهنا الظّواهر، و جاء على هذا الضدّ فهو كقولهم: أمر جلل للشديد و الهيّن. و قال جندل الطّهوي: يا ربّ رب النّاس في سمائه، فقصرها و أدخل الهاء.
و قال أبو حنيفة: يقال سماء البيت، و سماوته و أنشد لامرئ القيس:
ففئنا إلى بيت بعلياء مردحسماوته من الحمى معصب
و قال أبو حنيفة: يجمع السّماوة سماوات، و سماوي: قال: و روي بيت ذي الرّمة مسموعا من العرب:
و أفصم سيّار مع الحيّ لم يدعيروع حافات السّماء له صدرا
يعني بالأفصم الحلال الذي تحل به الأعراب مواضع الفتوق في آنيتهم، و جعله أفصم لانكسار فمه من طول اعتماله، ثم يجعل الواو في سماء همزة لمّا وقعت بعد ألف زائدة فقيل سماء، فأما قول أمية: سماء الإله فوق سبع سمائنا فإنه أتى بثلاثة أوجه من الضرورة.
منها أنّ سماء و نحوها يجمع على سمايا كما يجمع مطية على مطايا، فحمله على الصّحيح لا على المعتل، و جمعه على سماي كما يقال: سحابة و سحائب.
و الثّاني: أنه حرك التاء في حال الخبر و كان يجب أن يقول: سبع سماء كما يقال جرار.
و الثّالث: أنه جمع سماءة على سماي، و كان يجب أن يقول: سماءة، و سماء كما يقال: سمامة و سمام قوله:
فصبحت جابيته صهارجاكأنّه جلد السّماء خارجا
فإنه أراد بجلد السّماء الخضرة التي تظهر، فشبّه صفاء الماء بصفائه فهو مثل قوله:
رزقا جمامة و التقدير: كأنّ لون مائه لون جلد السّماء.
و من أسماء سماء الدّنيا برقع بكسر القاف، و قد جاء في شعر أميّة:
و كأنّ برقع و الملائك حولهاسدر تواكله القوائم أجرد
و من أسمائها: الجرباء، و الخلقاء و كأنّها سمّيت خلقاء لملاستها كالخلقاء من الحجارة قال:
و خوت جربة السّماء فمالشرب أرويه بمري الجنوب
و خوت: أخلقت، و قال الهذلي:
أرته من الجرباء في كلّ منظرطبابا فمثواه النّهار المراكد
و يقال في الجربة ما زرع من الأرض، و كأنّها إنما سميت جرباء لما فيها من آثار المجرة كأنّها الجرب.
و من أسمائها: الكحل و المشهور في الكحل أنّها السّنة المجدبة. قال:
قوم إذا صرّحت كحل بيوتهمعزّ الذّليل و مأوى كلّ قرضوب
و قال يونس: يشهد للكحل أنها السّنة قوله:
بات عرار يكحل فيما بينناو الحقّ يعرفه ذووا الألباب
و هذا مثل و قيل: أصله أنّ عرار يراد به ما يعرّ من الشّر، و كحل: سنة شديدة، و المعنى استوينا فيما أصاب به بعضنا بعضا من الشّدة و المكروه، و يقال: اركب عرعرك أي صعب أمرك.
و حكي عن الأعراب أنّ عرارا و كحلا بقرتان كانتا في مرج، فقتلت كحل عرارا فجاء صاحبها فقتل كحلا و وقع الشّر بين صاحبيهما و ناديا إلى القتال، فقال النّاس: بات عرار بكحل فما القتال؟ أي في كلّ واحد ما يبوء بدم الآخر.
و عنان السّماء: نواحيها و الواحد عنو. و قال الدّريدي: لا أعرف أعنانا، و عنان السّماء ما عنّ لك أي عرض، و يقال: بلغ فلان عنان السّماء للعالي المحل، و منه قولهم: جمعتهم في عنن أي في سنن. و قول الشّماخ بعد ما جرت في عنان الشّعريين الأماعز، هو معانتها لهما يصف شدّة الحر. و أما قول الآخر: عنان الشّمال لا يكونن أضرعا، فالمراد معانة الشّؤم و هو التّعرض.
و من أسماء السّماء: (الرقيع) يقال: ما تحت الرقيع أرقع من فلان و هو علم كزيد و عمرو. و ذكر بعضهم أنه إنمّا سمّي السّماء الرّقيع لأنها الشيء الذي رقعت به الأرض: أي جعلت مشتملة على الأرض. و جاء في الحديث: «من فوق سبعة أرقعة».
قال: و سمّيت خلقاء: لأنها ملساء. فإن قيل: كيف تكون جرباء و تكون ملساء. قيل:
إنما سمّيت بالصّفات على حسب أحوالها، فإذا اشتبكت نجومها فهي الجرباء، و إذا غابت النّجوم فهي الملساء، و هذا كما سمّي البحر المهرقان فعللان من المهرق، و هو فارسية مهره، و إنما أريد به ملاسته و استواؤه إذا انقطع عنه الموج على أنّ قولهم الخلقاء لا ينافي الجرباء إن كان المراد بالجرباء: النّجوم التي فيها.
و ذكر بعضهم أنّ قولهم للبحر: مهرقان و هو من هرقت الماء و زنته مفعلان كأنّه يهرق الماء إلى السّاحل ثم يعود. و الصّحيح ما قدّمته و أنشدت لابن مقبل:
يمشي به شول الظّباء كأنّهاجني مهرقان سال باللّيل ساحله
و يريد بجني مهرقان الودع، و شبّه الظّباء به.
و المجرّة قيل: هي باب السّماء و افتخر أعرابيان فقال أحدهما: بيتي بين المجرّة و المعرّة و قيل: المعرّة و ما وراء المجرّة من ناحية القطب الشّمالي سمّيت معرّة لكثرة النّجوم فيه، و أصل المعرّة موضع العر، و هذا كما يسمّون السّماء الجرباء.
و يقال: أتيتك حين ازمهرّت الكواكب في السّماء أي أضاءت.
و يقال: أجهر لك الفجر إذا استبان و وضح.
و حكى الخليل الصّاقورة: و قال: هو اسم السّماء الثّانية في شعر أمية بن أبي الصّلت:
و بنى الإله عليهم صاقورةصماء ثالثة تماع و تجمد
و ذكر الحافورة في شعر أمية و قيل هو اسم السّماء الرّابعة و قد ذكره الخارزنجي أيضا.
و ذكر الدّريدي أنّ البرجس و البرجيس نجم من نجوم السّماء قال هو بهرام: و الجبار:
اسم للجوزاء و الشّعرى العبور تلو الجوزاء و يسمّى: كلب الجبار أيضا و في المثل: أتلي من الشّعرى (و من أسماء السّماء اللّاهة) و سمّيت اللّاهة تعظيما لها، و هو مشتق من لفظ الإله لأنّه المعبود المعظّم.
و يقال: شنع النّجم إذا ارتفع و هو من تشنّعت الفرس إذا ركبته و تشنّعت الغارة إذا تثبتها.
الفلك أصله الدّوران و الفلك السّفينة يذكّر و يؤنّث قال تعالى: وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا [سورة هود، الآية: 37] ثم قال تعالى: فَاسْلُكْ فِيها [سورة المؤمنون، الآية: 27] فأنّث. و قال في موضع آخر: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* [سورة الشعراء، الآية: 119] فذكّر،
و الفلك جماعة السّفن، و قد فلكت الجارية إذا تفلّكت ثدياها و ذلك عند استدارة أصلها قبل النّهود. قال: لم يعد ثدياها أنّ تفلّكا. و يقال: فلكت الجدي، و هو قضيب يدار على لسانه لئلّا يرضع، و الفلكة أكمة من حجر مستديرة كأنّها فلكة مغزل، و الجميع الفلك و الفلكات.
قال الخليل: و هو على تقدير النّبكة في الحلقة إلّا أنّ النبكة في ذلك أشدّ تحديدا من رأس الفلكة، و قال النّحويون: الفلك اسم للسّفينة و يجمع على أفلاك، و على فلك فيصير الفلك اسما للجميع، و ذلك لأنّ فعلا و فعلا يكثر اعتوارهما الشّيء الواحد نحو: العجم و العجم و العرب و العرب، فمن قال: جمل و أجمال، قال فلك و أفلاك. و من قال في مثل: خشب و خشب قال: في فلك إذا جمع فلك. و قال الكميت:
و الدّهر ذو فلك و النّاس دوّار
قال أبو حنيفة: و ليس قول من قال هو القطب بشيء لأنّ القطب لا يزول من قطب الرّحى و الفلك دوّار يدور بدورة كل ما فيه فدور الكواكب كلّها حول القطبين و هما نقطتان من الفلك متقابلان أحدهما في الشّمال و الآخر في الجنوب، و ليس يظهر القطب الجنوبي في شيء، من جزيرة العرب، و قال أبو عمرو الشيباني: هو القطب و القطب بالكسر و الضّم و للسّماء آفاق و للأرض آفاق.
فأمّا آفاق السّماء فما انتهى إليه البصر منها مع وجه الأرض من جميع نواحيها و هو الحدّ بين ما بطن من الفلك و بين ما ظهر قال الرّاجز: قبل دنوّ الأفق من جوزائه. يريد قبل طلوع الجوزاء لأنّ الطلوع و الغروب هما على الأفق قال:
فهو على الأفق كعين الأحولصفواء قد كادت و لمّا تفعل
شبّهها بعين الأحول في أحد الشّقين، و الصّفواء المائلة للمغيب و قال آخر:
حتّى إذا المنظر الغربيّ حار دمامن حمرة الشّمس لمّا اغتاله الأفق
و اغتياله إيّاها تغيّبه لها:
و أمّا آفاق الأرض: فأطرافها من حيث أحاطت بك. قال الرّاجز:
يكفيك من بعض ازديار الآفاقسمراء ممّا درس ابن محراق
يعني بالسّمراء الحنطة، و درس و داس بمعنى و يقال للرّجل إذا كان من أفق من الآفاق أفقى و أفقي، و كذلك السّماء وسطها آفاق عينها فإنّ الفرّاء قال: تقول العرب: مطرنا بالعين، و من العين: إذا كان السّحاب ينشأ من ناحية القبلة.
قال ابن كناسة: عين السّماء ما بين الدّبور و الجنوب عن يمينك إذا استقبلت القبلة قليلا، قال أبو نصر: العين من عن قبلة العراق و هذه الأقاويل قريب بعضها من بعض، و في تثبيت عين السّماء قول العجّاج:
سار سرى من قبل العين فجرعبط السّحاب و الرابيع الكبر
و قال أيضا: فثارت العين بماء بجس. و قال أبو عبيدة في العين مثل ذلك، و قال الأصمعيّ: العين المطر يقيم خمسا أو ستا لا يقلع، قال: و يقال: أصابتنا عس غزيرة و احتجّ بقول المتلمّس:
فاجتاب أرطات فلاذ بدفئهاو العين بالجون المثالي ترجس
و يؤكّد قول الأصمعي:
و أنا حيّ يحب عين مطيرةعظام البيوت ينزلون الرّوابيا
و قول ذي الرّمة:
و أردفت الذّراع أرى بعينسجوم الماء ينسجل انسجالا
و قوله أيضا:
سقى دارها مستمطر ذو غفارةأجشّ تحرّى منشأ العين رائح
يريد أنّ هذا السّحاب تحرّى أن يكون منشؤه من حيث نشأ للعين غير أنّه ثبت أنّ هناك منشأ هو أحمد المناشئ و بيّنه الكميت بقوله:
راحت له بين صيفي و أوليةمن الرّبيع سحاب المغرب الهضب
و إذا كان السّحاب مغربيا فمنشؤه من حيث وصف و ليس يمتنع أن يقال: عين و إن كان الأصل في العين عين السّماء، كما يقال للمطر: سماء أ لا ترى أنّهم يقولون: أصابتنا سماء غزيرة، و كلا المذهبين صحيح.
و في السّماء مجرّتها.
و جاء في الأثر أنّها شرج السماء، كأنّها مجمع السّماء كشرج القبّة و سمّيت مجرّة على التّشبيه لأنّها كأثر المستجب و المجر و تسمّيها العرب: أم النّجوم لأنّه ليس من السّماء بقعة أكثر عدد كواكب منها كما قيل: أم الطريق لمعظمها. قال:
ترى الواحد الأنس الأنيس و يهتديبحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك
و قال أبو حنيفة: المجرّة دائرة متّصلة اتصال الطّوق و هي و إن كانت مواضع منها أرقّ، و مواضع أكثف، و مواضع أدق، و مواضع أعرض فهي راجعة في خاصتها إلى الاستدارة و أكشف قناعها و أوسعها هو ما بين شولة العقرب فإلى النّسرين، فإلى الرّدف، و الشّولة، و الرّدف كلاهما في نطاقها الأوسط أو قريب.
فإذا كانت الشّولة مشرفة على الثّور رأيت حينئذ من فوق الثّريا مستقدا في المشرق، و رأيت المجرّة قد أخذت من عند شولة العقرب فمضت حتّى سلكت بين النّسرين. ثم مضت حتى غشيت كواكب الكفّ الخضيب رقّت و استدقّت إلى أن تبلغ العيّوق فتكشف هناك. فإذا بلغت العيّوق سلكت بين الكوكبين الجنوبيين من كواكب الأعلام الثّلاثة المعروفة بتوابع العيّوق. ثم مضى قدما حتّى تسلك بين الهقعة و الهنعة و حاك بحاشيتها الشّرقية كوكبي الهنعة. ثم مضت حتى تسلك بين الشّعريين، ثم تمضي و تغشى الغدرة بحاشيتها الغربية فتكشف هناك، ثم تمضي عند العذرة حتى تسلك أسفل من كواكب الحمل، ثم تمضي من هناك حتّى تشتمل على الشّولة، و منها كنّا بدأنا بالوصف، فتجدها دائرة متّصلة.
أ لا ترى أنا بدأنا بوصفها من عند الشّولة ثم لم تزل تستقر بها حتى عدنا إلى الشّولة فهذا الإيضاح عن استدارتها و اتّصال بعضها ببعض اتّصال الطّوق، و في تحوّلها من جهة إلى جهة. يقول ذو الرّمة و هو يذكر رفقاءه:
بشعب يشجون الغلاء في روسهإذا حوّلت أمّ النّجوم الشوابك
إمّا أن يريد زمانا من الأزمنة لأنّ المجرّة تتغيّر مواضعها في الأزمنة فتراها في الشّتاء أوّل اللّيل في خلاف موضعها من السّماء، و في الصّيف أوّل اللّيل و كذلك من آخر اللّيل في الشّتاء و الصّيف و لذلك قيل: سطى هجر نرطب هجره و ذلك أنّ أوّل ظهور المجرة عشاء من المشرق، هو في ابتداء القيظ و أيّام طلوع الثّريا فيبدو منها عشاء قوس في المشرق أخذه من شرقي الشّمال إلى شرقي الجنوب مضجعه في الأفق، ثم يزداد كلّ عشاء ارتفاعا و توسطا إلى أن يسترقّ القيظ و يطلع السّهيل عشاء قد كبدت السماء، فتوسّطتها فصار أحد طرفيها في قبلة العراق، و طرفها الآخر في فقاء المصلّى، و وسطها على قمة الرّأس، و ذلك زمان يكثر فيه الرّطب. و المجرّة بهذه الصّفة سواء آخر اللّيل أيام طلوع الثّريا فإمّا أن يكون ذو الرّمة أراد هذا المعنى، أو يكون أراد وقتا من اللّيل، لأنّ المجرة تراها في آخر اللّيل في غير موضعها من أوّله و ذلك في جميع ليالي الدّهر على ذا و ليس ما ترى من هذا المفاز منها الذي وضعت له من الفلك، و لكنّها وضعت فيه على انحراف، فأنت ترى ذلك منها لدور الفلك بها.
و قولهم في المجرة أم النّجوم كقولهم في السماء جربة النّجوم. قال الشّاعر:
و خوت جربة النجوم فماتشرب أروية لمري الجنوب
قوله خوت يريد لم يكن معها مطر و أصل الجربة القراح من الأرض. قال الأشعر بن حمران:
أما ذا يعدو فثعلب جربةأو ذيب عادية يعجرم عجرمة
(العجرمة) سرعة في خفة.
و يقال: للسّماء الخضراء للونها كما قيل للأرض الغبراء، و الهواء ممدود و هو الفتق الذي بين السّماء و الأرض في كلّ وجه و هو السّكاك و السّكاكة و اللّوح و السّحاح، و أعنان السّماء نواحيها. و يقال: لا أفعل كذا و لو نزلت في اللّوح و السّكاك. و قال بعض أصحاب المعاني أصله من الضيّق على هذا قولهم بيرسك و قوله: استكّت المسامع من كذا أي ضاقت فلم ينفتح للاصغاء إليها و الصّبر عليها كأنّ الهواء و هو ما بين السّماء و الأرض يمتلئ منها كلّ شيء فلا مجوّف إلا و يتخاله حتى يضيق عنه و هذا حسن.
قال أبو نصر: كبة الشّتاء شدته و دفعته كالكبة في القتال، و يقال: شتاء الشتاء، إذا اشتدّ برده، و هذا شتاء شات، و كلاب الشّتاء نجوم أوّله و هي الذّراع و النثرة- و الطّرف- و الجبهة.
قال أبو حاتم: البرد- و القر- و لا يقال: القر إلا في شدّة البرد- و يقال: يوم قر، و ليلة قرة و قد قرّ يومنا، و كان روية تقر، و لقد قررت يا يومنا قرة و قرورا. و من أمثالهم:
حرّة تحت قرّة إذا عطش الإنسان في اليوم البارد فأكثر شرب الماء و يوم قر. قال: تحرّقت الأرض و اليوم قر. و قرّ الرجل و هو مقرور و هرئ فهو مهروء و أصابته قرّة و أصابت المحموم قرّة فانتفض و يقال لذلك العروراء و قد عري فهو معروء:
و صرد الرجل و أصردنا إذا صرد ماؤنا. و الصّراد الواحدة و صرادة غيوم تهيج ببرد شديد و لا يكاد يكون معها مطر.
و قال أبو زيد: النافجة: شدّة البرد و الريح، قال: و الحرجف و الشّهباء و البليل نحوها- و البليل يكون معه بلل و ندى. و القرقف البرد في قبل اللّيل. و قال الأصمعيّ: قيل للحمى قرقف لأنّ صاحبها يقرقف عنها أي يرعد.
و الهريئة: مهموزة شدّة البرد، و قيل للأعرابي: إنّ الجنوب إذا هبّت دفئت الأرض، فقال: ربّ هريئة إذا هبّت تذري الشّجر، يقول: إنها و إن كانت كذلك فربما كان تحتها البرد. قال أبو حاتم: إذا رأوها تدهدئه و تطيره. و يقال للأحمق: و ما هو إلّا هراءة على فعالة و الهراء و الخطل و أنشد:
و منطق رخيم الحواشي لا هراء و لا بزر
قال الأصمعي: يقال: قر حمطير بالحاء مثل الزمهرير و قال النّميري: بالقاف قمطرير
و قال التّميميون: من أسمائه (الصّر) و الصّنبر و (الزمهرير) و (النّوافج) و (الكلب) و (اليبس و القعقع).
فأمّا (الصنبر) فالقر الشّديد في ريح أو غير ريح. و يقال: إنّ يومنا لصنبر القر. قال طرفة شعرا:
يجفان تعتري مجلسناو سديف حين هاج الصّنبر
كسر الباء للحاجة.
و يقال: يوم ذو صر و يومنا يوم صر و من أمثالهم: صر و صنبر، و المرقي في القر، و الزّقاء الصيّاح.
و يقال: يوم زمهرير على النّعت و أيام زمهريرة.
و النّافجة: الرّيح تهبّ في برد و قد نفجت نفجا و يقال: ازمهرّ يومنا و هذا قر زمهرير، و قمطرير. و أنشد:
و يوم قتام مزمهرّ شفيفهجلوت ترباع تزين المثاليا
و الكلب: الزّمان الشّديد القر القليل المراعي و يقال: زمان كلب و عام كلب إذا قلّ خيره و كثر ضيره. قال: و عضّ السّلطان و شرّه و غلاء السعر، و قلة المرعى هذا كله كلب.
و اليبس: شدّة الحال في القر و غيره يقال: زماننا يابس.
و القعقع مثل اليبس و تقعقع زماننا: و هو أن يكون شديدا مع قر و من دون السّعر فتعذر التّجارات و يجور السّلطان.
و الخشيف: شدّة البرد يقال: أصابنا خشيف و قد خشفت ليلتنا، و الماء الجامس خشيف.
و الصّقيع: أن يرى وجه الأرض بالغداة كالماء اليابس، و ترى الشّجر و البقل كأنما نثر عليه دقيق. و قد صقعت السّماء بصقيع كثير و ضربتنا السّماء اللّيلة بصقيع و ليلتنا ذات صقيع.
و الجليد شدّة البرد جمس الماء أو لم يجمس، و يقال: جلدتنا السّماء اللّيلة بجليد شديد، و ضربتنا بجليد منكر و هو أشد القر و أيبسه.
و يقال: جمس الماء و جمد و الجموس: أكثر على ألسنة العرب من الجمود.
و الأرين: القرّ الشديد يحصر منه الإنسان و المال و هو شبيه بالصّقيع و ليلة ذات أرين و لا يقال يوم ذو أرين.
قال أبو زيد يقال: أرزت ليلتنا تأرزا أريزا، و هي أرزة إذا اشتدّ بردها و أكثر ما يكون ليلا.
و يقال: ليلة جاسية: إذا كان بردها شديدا، و يوم جاسئ و قد جسأ جسوءا و يقال: برد البرد على ثيابي أي تركها باردة. و قيل: نحن مبردون في شدة البرد. و أنشد ابن الأعرابي:
ها إنّ ذا ظالم الدّيان متكئاعلى أسرته يشفي الكوانينا
الدّيان بن قطن كان شريفا فشبه ظالما به و ترك التّنوين كما قال: (و حاتم الطّائي و هاب المسمى) قوله: يشفي الكوانينا أي: يشفي في البرد الشّديد، أراد أنّه صاحب نعمة فانتصب الكوانين على الظرف، أي في هذا الوقت الشديد البرد و العرب تشبه الثّقيل من الرجال بالكانون. قال الحطيئة يهجو أمّه:
أ غربالا إذا استودعت سرّاو كانونا على المتحدثينا
قال أبو حاتم: لا أعرف هذا و لكن يقال في القيظ: أبرد القوم فهم مبردون و الإبراد أن يصيبهم الرّوح آخر النهار في القيظ و في غير هذا البرد النّوم و في القرآن: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَ لا شَراباً [سورة النبأ، الآية: 24] أي نوما، و من كلامهم منعنا البرد من البرد أي القر من النوم. و أنشد:
بردت مراشفها علي فصدّنيعنها و عن قبلاتها البرد
أي النّوم و يقال: أصابتنا سبة من برد، و هو أن يصيبك من القر أشد مما كنت فيه أياما و إن أصابك برد في آخر الرّبيع قلت: أصابتنا سبة و الدّهر سبات أي أحوال حال هكذا و حال هكذا، أصابتنا سبة حر، و سبة برد، و سبة روح، و سبة دف، و قالوا: الصّحو في الشتاء ذهاب القر و يقال: ليلة مصحية إذا ذهب قرّها و إن كانت متغيمة و إن طلعت الشّمس نهارا و اشتدّ القر فليس بصحو.
قال أبو حاتم: العامّة تظن أن الصّحو لا يكون إلّا ذهاب الغيم و ليس كذلك لأنّ الصّحو ذهاب البرد و تفرّق الغيم، و يقال: تقشّعت السّماء إذا ذهب غيمها، و يقال: يوم صحو على النّعت و ليلة صحوة و أيام صحوات الهاء ساكنة، و يوم مصح، و ليلة مصحية، و قد أصحينا من القر. و قال أبو أسلم: يوم فصية و ليلة فصية.
أما الطّلقة فمثل الصّحوة و يقال: كانت اليوم فصية و طلقة و يوم طلقة و فصية و يوم طلق و ليلة طلقة و يقال: أفصينا من ذلك القر أي خرجنا منه و أصابتنا فصيات، أي أيام دفيات طيبة، و يقال: انفسخ القر و انفسخ الشّتاء إذا انكسر و ضعف، و الحضر شدّة البرد في
الأطراف و السّبرة يكون غدوة و عشية في البرد قبل طلوع الشّمس و بعدها قليلا، و حين تجنح الشّمس للغروب و الجميع السبرات، و في الحديث: «و إسباغ الوضوء في السّبرات».
و قال بشر بن برد: الماء في السّبرات أي بارد الماء، و قال قطرب: السّبرة برد الغداة خاصة، و العرواء: البرد عند اصفرار الشّمس، و قال: يوم شبم و ماء شبم.
و حدّث الأصمعيّ أنّ أعرابيا قال: موسى خدمة. في جزور سنمة. في غداة شبمة، و قد شبم الماء. قال أبو حاتم: و لو وجدت في شدّة القيظ ماء باردا لقلت: هو شبم. و أنشد جرير:
تعلّل و هي ساغبة بنيهابأنفاس من الشّبم القراح
و يقال: هرأ القرّ أموالنا أي: قتلها و أهلكها هرأ. قال ابن مقبل يرثي عثمان رضي اللّه عنه:
و ملجأ مهروءين يلقى به الحياإذا حلقت كحل هو الأمّ و الأب
و قالوا: تصيب النّافجة النّاس، و القر الشديد، و هم مرقون مبصرون فيقتل أموالهم، يقال: هو مرق في الرّقيق المال و الحال، و قد أهرأ بنو فلان إذا أصابهم القر في الجرز، و هي الأرض التي ليس بها شجر و لا دفء فماتت مواشيهم.
و قال أبو أسلم؛ أهرءوا في هذه القرّة، و هرءوا فيها، سواء إذا ماتت أموالهم. و قال أبو حاتم أهرءوا إذا أصاب أموالهم لهرء هرءوا لا أدري في هذا المعنى هو أم لا.
و يقال: مرّت بنا صناديد من البرد أي بابات منه ضخام، و صناديد الغيث كذلك، و يقال: غيث صنديد. و أنشد لابن مقيل:
عفته صناديد السّماكين و انتحتعليه رياح الصّيف غبرا محاوله
يعني أمطارا تقشر وجه الأرض و قد جاءت بنو السّماكين.
و حكى ابن الأعرابي يوم صفوان: لا غيم فيه، و لا كدر، شديد البرد صاف، و يوم شيبان: بارد فيه غيم صراد.
و يقال: شهري الشّتاء شيبان و ملحان، لبياض الأرض فيهما و الأبيض الأملح، و قيل:
هما الكانونان و أنشد الأصمعيّ شعرا:
تحوّل لونا بعد لون كأنّهبشفان يوم مقلع الوبل يصرد
يقال: أصردنا و صردنا و شفان الرّيح بردها، و كذلك شفيفها: يريد أنّ السّحاب قد
أقلع و انقشع فهو أشد لبرده.
حكى الأصمعيّ قال: قلت لأعرابي: ما أعددت للشّتاء؟ فقال: قرموصا دفئا و شملة مكوذة، و صيصية سلوكا (المكوذة) التي يبلغ الكاذنين- (و الصّيصية) التي يقلع بها التّمر من الجلال (و القرموص) شبه بير يحفره فيأوي من البرد إليه. و أنشد:
جاء الشّتاء و لمّا اتّخذ ربضايا ويح كفّي من حفر القراميص
(و الرّبض) قيل: هو المرأة لأنّها تربض البعل أي تخدمه. و قيل: الرّبض القيّم. و منه قيل: منك ربضك و إن كان سمارا: أي منك: قيّمك و إن كان قيّم سوء، و هذا كما قيل:
منك عيطك و إن كان أشيا. و قال ابن الأعرابي: الرّبض في هذا المثل: ما يقيم الإنسان من القوت و يربضه أي يكفيه. و قد قيل: منك محضك، و منك ربضك و إن كان سمارا.
(و السمّار) الذي قد أكثر ماؤه، و هو نحو الضّياح و هذا يدلّك على معنى الرّبض في المثل و ما سواه من التّفسير، فهو محمول على المعنى لا على اللّفظ، كما قيل: منك أنفك و إن كان أجدع، فيحمل تفسير الأنف على العشيرة و الأنف في الحقيقة هو المشم الذي قد عرف.
و ربض البطن أمعاؤه و الرّبيض جماعة الغنم. قال الدّريدي: الرّبض القطعة العظيمة من الثّريد، فإذا قالوا: جاءنا بثريد كربضة أرنب كسروا الرّاء.
قال الزّهري: حجرت المطار العام، حجرت: امتنعت و المطار: جمع مطر مثل جمل و جمال. و حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: يقال: هو الحس- و البرد- و القر- و القرس- و الصر- و العرقف- و الهلبة- و الكلبة- و العنبرة- و الصّرة. هذا كله حدّة الشّتاء و كلبه- و الزّمهرير- و الأريز.
و قال الكلابي: العثية: الهلباء الباردة- (القرّة) ترميهم بالقطقط و هو القطر الصّغار من المطر- و الثّلج- و اليوم الأهلب: الشديد البرد- و غداة هلباء و قالوا: الشّهر الآخر من الشّتاء يسمّى الأهلب، و لا يسمّى غيره من شهوره أهلب، و ذلك لشدّة صفق رياحه، مع قرّ و عواصف.
و حكى اللّحياني: هلبة الشّتاء و كلبه مثقلان و حكى أيضا يوم هلبة و يوم كلبة. و حكى قطرب مثل ذلك، و يقال: أرزت ليلتنا أريزا، و ليلة آرزة، و أتت اللّيلة تأرزهم أشد الأرز.
و أنشد عن المفضل في شدة البرد بعد أن حكى المثل السّائر (أبرد من غب المطر) أي من غب يوم المطر شعرا:
طوينا يجمع و النّجوم كأنّهامن القرّ في جوّ السّماء كواسف
و قال آخر: العابط الكرم للأضياف إن نزلوا في يوم صرّ من الصّراد. هرار الصّراد الجهام: و هو السّحاب الذي لا ماء فيه مع الشّمال- و الجليد- و الضّريب- و السّقيط- و الجليب- و الصّقيع- و السّقيع- و السّميخ- ما ينزل من السّماء و من الثّلج و أنشد شعرا:
نعاء ابن ليلى للسّماخ و للنّدىو أيدي شمال باردات الأنامل
نعاء مثل دراك أي أنع و أنشد ثعلب شعرا:
و يوم بليل الحمار الصّديدمحمرة شمسه بارد
سقيت رغيبا و أطعمتهفليس بحارّ و لا جامد
قال ابن الأعرابيّ: الفصيّة: ما بين الحر و البرد، و هو من فصيت الشيء إذا أنبتّه من غيره. و زعم أنّ قولهم أفصى برد عمى اشتقاقه من هذا.
و (ضبارة) الشّتاء صميمه، الرّاء مشدّدة، و قد يخفّف فيقال: ضبارة ذكر ذلك عن غير واحد من العلماء.
و يقال: من الكلبة: كلب البرد إذا اشتدّ كلبا و أنشد الفرّاء:
أنجمت قرة الشّتاء و كانتقد أقامت بكلبه و قطار
و قال العكلي: جئتك في صنبر الشّتاء و في بركته، و قد استعمله بعضهم في الحر و حكى غداة صنبرة. و قال جرّان العود:
و ألفين فوقي شرّ ثوب علمتهمن البرد في شهر الشّتاء الصّنابر
و قال طرفة: (و سديف حين هاج الصّنبر)(1)و قال أبو حنيفة: بلغني عن بعضهم أنّه حكي عن العرب في الصّبارة مثل ذلك يجعلونه في شدّة الحر أيضا.
و الصّرصر: الرّيح الشّديدة الباردة و في القرآن: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً [سورة القمر، الآية: 19] و قيل: تداكؤ الصّر ازدحامها. و أنشدني حمزة بن الحسن قال:
أنشدني علي بن سليمان عن المبرّد:
فذاك نكس لأبيض حجرهمخيرق العرض لئيم مطره
1) أورد صاحب القاموس صنابر الشّتاء شدة برده، و أمّا قول الشاعر نطعم الشّحم و السّديف و نسقي المخض في الصّنبر و الصّراد بتشديد النّون و الرّاء و كسر الباء فللصرواة 12 القاضي محمد شريف الدين الحنفي عفا عنه.
في ليل كانون شديد حضرهعضّ بأطراف الزّباني قمره
يقول: هو أقلف ليس بمختون إلّا ما قلص منه القمر و شبه قلفته بالزّباني. و قال آخر:
(إنّك أقلف إلّا ما جنى القمر) و يقال: من ولد و القمر في العقرب فهو نحس. و قال الأصمعي: إذا عضّ أطراف الزّباني القمر: فهو أشد ما يكون من البرد.
(الأصمعي) قال: قيل للضّانية: كيف أنت في اللّيلة القرّة الباردة؟ قال: أوّله رخالا و آخره جفالا- و أحلب كثبا ثقالا- و لم تر مثلي مالا- الرّخال الإناث من أولاد الضّأن الواحد رخل، و الكثبة البقية من اللّبن، قال ابن الأعرابي: لا أعلم جمعا على فعال إلّا خمسة أحرف: رخال و فرار و توام و ظآر و رباب.
قال الأصمعيّ: إنما قيل ذلك لأنّ الإناث أعجب إلى أصحاب النّتاج من الذّكور لأنّ الإناث تحبس للغنية، و الذّكور تذبح و تباع، و حكي أنهم يقولون: إذا نتجت أحلبت أي:
أذكرت أم أنأثت، و يقال: للمبعوث في الههم أحلبت.
و قال الأصمعيّ: العرب تقول المحق الخفي إذكار الإبل، و قال ابن الأعرابي:
و يقولون: الضّأن تمشي عجالا- و تحتلب علالا- و تجز جفالا- و تنتج رخالا. و حكي أيضا الضّأن تكسوك و هي رابضة أي لها سمن- و لبن- و صوف- و هي مقيمة، قال: و يقال:
الماعز لبنها رغوة- و شعرها عروة- و قيل: النّعجة مساء أي لا تقدر على احتباس بولها.
قال الأصمعيّ: تقول العرب: الغنم إذا أقبلت أقبلت- و إذا أدبرت أقبلت- و تقول في الإبل: إذا أقبلت أدبرت- و إذا أدبرت ذنبت رأسا.
و قيل للمعز: لك الويل: جاء البرد، فقال: است حجواء- و ذنب ألوى- و الذئب جفاء- است حجواء و جحواء: أي بارزة لا يسترها شيء. و روي قيل: للمعز: جاء البرد، قالت: استي جحوى، و الذّنب يعوي، فأين المأوى، و البيت الأجهى الذي لا ستر عليه.
و قيل للمعز: كيف أنت في اللّيلة الباردة؟ قالت: الإهاب رقاق- و الشّعر دقاق- و الذّئب جفاء. و لا بدّ لي من الكن. و قيل للنّاقة: كيف أنت في اللّيلة الباردة؟ قالت؛ أبرك بالعرى- و أوّلها الذّرى- و يروى: أبرك بالنّحى- و أولاها الذّرى- و يحمى و زيمة عن أخرى- و قيل:
أطابق شحمه فوق أخرى- و الوزيمة البضعة. و قيل للكلب: أنت فيها قال: أحوي نفسي:
أجعل أنفي عند استي، و يقال: إنّه قال: أحويه أي أجمعه- و أكويه و أجعل طرفه عند فيه-
و يقال: إنه حكي هذا عن الضّب، لأنّه يلوي جحره حتّى يرد آخره إلى ابتدائه، و يجعل أقصاه عند أدناه. اللهمّ اجعلني أحويه و ألويه حتى أجعل قعره عند فيه.
و يقال: إنّ الضّانية و المعز خيّرتا فقيل للضّانية أيّما أحبّ إليك السّتارة- أم الغزارة- فاختارت السّتارة، فسترت و قلّ لبنها و صارت الغزارة للمعز و هتك سترها و كشف فرجها، و مما حكي عن البهائم و إن لم يكن من هذا الباب، قالت الأرانب: اللهم اجعلني حذمة لذمة أسبق الأكف بالأكمة الحذمة و اللّذمة التي تلزم الأشياء، و قولها أسبق الأكف بالأكمة: فإنها قصيرة اليدين، فإذا صعدت فانت و إذا هبطت أدركت. و مما يحكى أنّ الأرنب قال للشّاة: لا عفطت و لا نغطت، فقال العنز: لا مررت إلّا على حاذق قاذق.
قال أبو حاتم: الحر و الحرارة- و حر يومنا يحر بكسر الحاء حرا و حرارة. قال أبو نصر: قد قيل: يحر و لم أسمعه من الأصمعيّ. و في القيظ: قاظ يومنا يقيظ قيظا و قد قظنا أي صرنا في القيظ.
و قالوا: أصفنا نصيف صيفا، و يوم صائف و يوم قائظ، و الحرّة العطش و في الأمثال:
حرّة تحت قرّة.
و يقال: صمخة الشّمس الخاء معجمة، و صمخة الحر أشد الصّمخ و دمغته الشّمس بحرّها أي أصابت دماغه فهي دامغة، و الدّامغة أيضا: الجلدة التي فيها الدّماغ، و تدعى أم الدّماغ، و الجميع الدّوامغ، و أنشد للعجّاج شعرا:
لهامهم أرضه و أفتخأم الصّدى عن الصّدى و أصمخ
و فتخته الشّمس فتخا مثل دمغته.
و وغيرة الغيظ أشدّ الغيظ حرّا.
و الوقدة: سكون الرّيح و اشتداد الحر، و يقال: يوم و مد و ليلة و مدة و أنشد أبو زيد:
قد طال ما حلأتمونا لا نزدفخلّياها و السّجال تبرد
من حرّ أيام و من ليل و مد
قالوا: و الوغرة عند طلوع الشّعرى، و قد وغرنا و غرة شديدة، و غرنا أيضا و غرا، و أوغرنا أصابنا الحر الشّديد و أصابتنا و غرات.
و أصابتنا أكة من حرّ و الأكة الحر المحتدم الذي لا ريح فيه، و يقال هذا يوم آكة بالإضافة، و يوم ذو آكة، و ذو آك، و قد أكت يومنا و أنشد:
إذا الشّريب أخذته آكةفخلّه حتّى يبكّ بكّة
و قالوا في الأكة: شيء قليل من سدى.
و العكّة: الرّيح الشّديدة مع السّدى و اللّثق الكثير، و هذا يوم عكّة بالإضافة و يوم ذو عكيك، و أنشد أبو زيد:
يوم عكيك يعصر الجلموديترك حمران الرّجال سودا
و قد عكّ يومنا يعكّ عكا و يوم عكّ على الإضافة. و ليلة عك، و يوم عك على النّعت، و ليلة عكّة كل هذا يقال.
و الأجّة: مثل الوغرة و منها الأجيج و النّاجج من النّار و أوار الحر صلاؤه، و شدّته، و كذلك أوار النّار، و يوم ذو أوار و إنّ الحر الشّديد الأوار.
و إذا دنوت من النّار فوجدت حرّها في وجهك فذاك أوارها و أوار الهاجرة و السّموم، و هو ما يصيب وجهك من الحر الشّديد، و أنشد القحيف العامري:
و لا استقبلت بين جبال بمّو إسبيذ لها جرّة أوار
فأما قول لبيد:
أسبّ الكانس لم يؤر بهاشعبة السّاق إذا الظّل عقل
قوله: يؤر من الإرة و هو مستوقد النّار تحت القدر و غيرها، و يجمع على الإرّات و الأرين، و روي لم ياور، بها، مثل يعوت و يكون من الأوار إلّا غيره.
و حمّارة القيظ أشدّ ما يكون منه يقال: أتيته في حمارة القيظ، و في حمر القيظ و في حمرة القيظ، و حمر كل شيء أشدّه. قال أبو حاتم: و سألت الأصمعيّ، هل يقال: حمرة الشّتاء فقال: حمرة القيظ يعرف، و هاب أن يقال: حمرة الشّتاء و الوديقة: شرّ الحر.
يقال: أصابتنا وديقة حرّ، و يوم ذو وديقة بالإضافة، و كذلك إذا دنت الشّمس من الأرض فيقال: و دقت الشّمس، و فلان يأتينا في الودائق أي في أنصاف النّهار في القيظ و أنشد:
أ لم يكن حقا أن يتولّ عاشقتكلّف إدلاج السّرى و الودائق
و صخدان الشّمس: محرك الخاء و مسكنه: شدّة الحر، و يوم صخدان و ليلة صخدانة، و قد صخد يومنا بفتح الخاء، و يوم صاخد، و ليلة صاخدة، و الصّخد مثل الوسد، و يقال:
السّخد بالسين.
و اللّهبة: لهبة القيظ، و يوم ذو لهبان، و يقال: يوم وهجان، و ليلة وهجانة و أتيتك في وهجان الحر، و إنّ يومنا لوهج، و قد وهج يومنا وهجا و توهّج و وهج الحر و توهّج الحر و أنشد:
لقد رأيت الظّعن الشّواخصاعلى جبال تهص المراهصا
في وهجان بلح له الوصاوصايوما ترى حرباءه محاوصا
يطلب في الجنفل ظلّا قالصا الجنفل: ما يحفل من السّحاب و الظّل أي أسرع و يروى الجيفل و هو ما تناهى من كل شيء، و الوصاوص: خرق البرقع الصغير و إنما يفعل ذلك نساء بني قيس، فأما نساء بني تميم فتحلّ المرأة برقعها، و منه قول الشّاعر شعرا:
لهو لا بمنحول البراقع حقبةفما بال دهر لزّنا بالوصاوص
و يقال: قابت المرأة برقعها قوبا إذا جعلت لها عينا.
و الوقدة أن يصيبك حرّ شديد في آخر الحر بعد ما يقال: قد أبردنا، و يستنكر الحر فيصيبك الحر بغير ريح و لا سدى فتلك الوقدة و الوقدان و قيل الوقدة نصف شهر و عشرة أيام، و أقلّها سبعة أيّام، فأمّا اليوم و اليومان فلا يعدونه و قدة.
و يقال: أصابتنا سبة من حرّ و السّبة نحو من شهر، و نصف شهر، و عشرة أيام.
و يقال: احتدم علينا الحرّ و الاحتدام شدّة الحرّ مع همود الرّيح، و لا يقال مع الرّيح احتدم، و يقال: اسم يومنا و أحر إذا كان ذا سموم و حرور.
و اللّفحة: إذ تحرّق جلده، و قد سفعت لونه السّموم.
و ألفحته: و كافحته أي قابلت وجهه ليس بينهما سترة. و منه قيل: كافحت الرّجل و كلّمته كفاحا و أنشد: و لا كافحوا مثل الذين يكافح.
و يقال: أتيته في معمعان الصّيف و معمان الصّيف، و في معمعان الحر، و يوم معمعان، و ليلة معمعانة و معمعاني و معمعانية. قال ذو الرمة:
حتّى إذا معمعان الصّيف هبّ لهبأجة نش عنها الماء و الرّطب
و الرّمض: شدّة الحر على الأرض، و قد رمض التّراب و رمض الإنسان إذا أصاب جلده الرّمض، و قد رمضت الفصال إذا احترقت أخفافها بحر الأرض، و زعموا أنّ رمضان سمّي بذلك: لأنّهم حين سمّوا الشّهور اشتقوا أسماءها مما يكون فيها، فسمّوا جمادى
لجمود الماء فيها، و رمضان لأنّ الفصال كانت ترمض فيه. و أنشد:
المستغيث بعمرو عند كربتهكالمستغيث من الرّمضاء بالنّار
و قيل: الرّمضاء: التّراب الحامي، و يقال: يوم ذو سموم و يوم سموم بالإضافة، و يوم سموم على النّعت. و قد اختلفوا في السّموم و الحرور، فمنهم من يجعل السّموم بالنهار و الحرور باللّيل، و منهم من يجعلهما على العكس من ذلك.
و الدّفاءة: مهموزة مثل الومدة و قد دفىء يومنا دفاء، و المعتدلات بالدّال غير معجمة أيّام شديدة الحر. و كان الأصمعي يقول بالذّال المعجمة، و كان ينشد بيت ابن أحمر:
حلّوا الرّبيع فلمّا أن تجلّلهميوم من القيظ حامي الودق معتدل
بالذّال (و المعتذلات) نحو من خمسة عشر يوما، و هي أيام الفصل في دبر الصّيف عند طلوع سهيل.
و قال أبو زيد: (السّكنة) مثل الوقدة، و كذلك السّختة، و قال أبو حاتم: هي فارسية.
قال رؤبة: (و أرض جسر تحت حر سخت) قال أبو زيد: يقال: باض علينا الصّيف، فإن قيل: القيظ و الصّيف واحد، قيل: النّجم و الكوكب واحد و لا يجوز أن يقال: في عين فلان نجم إنّما يقال: في عين فلان كوكب. و كلام العرب لا يختلف، و الحرة شدّة العطش في الشّتاء و الصّيف، و مثل العرب: حرّة تحت قرّة فهذا في الشّتاء و أنشد شعرا:
ما كان من سوقه أسقى على ظمأخمرا بماء إذا ما جودها بردا
من ابن مامة كعب ثم عى بهزؤ المنيّة إلّا حرة و قدى
زؤ المنية: قدرها. (و قدى): نعت للحرّة على فعلى و هو من التّوقد، و من أمثالهم:
برد غداه حر غد من ظماء و أصله رجل أراد سفرا فأصبح فرآها باردة فقال: لا أحتاج إلى الماء، فصبّ ما كان معه فلمّا توقّدت الحران عطش، فقال: هذا لقيت منه ما يصر الجندب، أي حرّا شديدا، و في المثل: علقت معالقها و صرّ الجندب للشّدة، و من أمثالهم:
قيل للجندب: ما يصرّك؟ فقال: أصرّ من حرّ غد يضرب لمن يخاف ما لم يقع فيه.
و يقال: يوم ذي شربة أي يشرب فيه الماء الكثير من شدّة الحر، و يقال: يوم و مد و مصمقر و أنشد للمرار العدوي:
خبط الأرواث حتّى هاجهمن يد الجوزاء يوم مصمقر
و يقال: يوم أبت و أمت و حمت و هو مثل الومد و قد أبت يومنا و أمت و حمت و أتيته في حمراء الظّهيرة و الظّهيرة الخوصاء أشد الظّهائر حرّا و أصله في النّجوم، يقال: تخاوصت
النّجوم إذا صغت للغروب، و يقال: ظهيرة شهباء لبياض غمسها و شرابها. قال عدي بن الرّقاع شعرا:
و دنا النّجم يستقلّ و حارتكلّ يوم ظهيرة شهباء
و رددن بالسّماوة حتّىكذبتهنّ غدرها و النّهاء
و قال أيضا: ظهيرة غرّاء، و يقال: هذا يوم يرمح فيه الجندب: أي يضرب الحصى برجله، لارتماضه. قال: و يشبّهون الشيء القليل اللّبث بسحابة الصّيف. قال ابن شبرمة الضّبي:
أراها و إن كانت تحبّ كأنّهاسحابة صيف عن قليل تقشّع
قال الدّريدي: أفرة الصّيف: شدّة حر، و أنشد في شدة الحر:
لدن غدوة حتّى ألاذ بخفّهابقيّة منقوص من اللّيل صائف
يصف ناقة ركبت في الهاجرة، و الظّل تحت أخفافها إلى أن صار الظّل كما وصف و يقال: لاذ و ألاذ بمعنى.
و ذكر صاحب العين يوم خدر شديد الحر، و أنشد لطرفة:
و مكان رعل ظلمانهكالمخاض الجرب في اليوم الخدر
و يقال: خدر النّهار إذا لم يتحرّك فيه ريح، و لا يوجد فيه روح. و قوله: و إن كان يوما ذا كواكب أشهبا. قال: كان اليوم ذا كواكب من السّلاح و أشهب أي يوم شمس لا ظلّ فيه.
قال آخر: و يوم كظلّ الرّمح و الشّمس شامس، أي طويل لا ظلّ فيه لشدّته، و ظلّ الرّمح يطول جدا في أوّل النّهار. و أنشد:
و يوم ضربنا الكبش حتّى تساقطتكواكبه من كلّ عضب مهنّد
قوله: تساقطت كواكبه: يعني به معظم الحر. و أنشد ابن الأعرابي:
قد شربنا بالثّريا حقبةو رقينا في مراقي السّحق
قال: يطلع الثّريا في أول حدّ القيظ و في آخر مطر الصّيف، فربما رؤيت في الفدين من الماء، فشربنا بالثّريا و استقصينا الجزء إلى آخره، و طلوع الثّريّا أول الجزء، و طلوع الجوزاء آخر انقطاع البقل، و قال: في مراقي السّحق يريد به: الضّياع. قال الأصمعي: و تقول العرب: استقبال الشّمس داء و استدبارها دواء و أنشد:
إذا استدبرتنا الشّمس درّت متونناكأنّ عروق الجوف ينضحن عندما
الأصمعي: جداع: اسم للسّنة المجدبة على مثال خدام. و قال أبو حنبل الطّائي:
لقد آليت أغدر في جداعو إن منيت أمّات الرّباع
لأنّ الغدر في الأقوام عارو إنّ الحرّ يجزع بالكراع
و أنشد غيره في صفة الجدب:
إلى اللّه أشكو هجمة عربيّةأضرّ بها مرّ السّنين النوائر
فأضحت رذايا تحمل الطّين بعد ماتكون غياث المقترين المفاقر
يصف نخلا أيبسها الجدب، فسقف بها البيوت بعد أن كان غياثا للفقراء و المحاويج.
و مفاقر جمع فقير على غير قياس، مثل مطايب الجزور. و أنشد:
يا ويحها من ليلها ما ضمّاضمّ إليها هقما هقما
أجهد من كلب إذا ما طمّا
يصف امرأة نزل بها ضيف في ليلة مجدبة. و الهقم: الجائع و انهقم جاع و خمص و الهقم: الكثير الأكل الواسع الجوف. و يقال: بحر هقم أي بعيد القعر، و هو يتهقّم الطعام أي يتلقّمه لقما عظاما و أجهد من كلب: أي أجوع، و رجل جاهد: أي جائع شهوان و طم الكلب الشيء أي اختلسه و مرّ به. و أنشد ابن الأعرابي:
في روضة بذل الرّبيع لهاو سمّي غيث صادق النّجم
و قال في صادق النّجم: أراد أن نوءه لم يخلف بل و فى بوعده، و قيل: أراد به ما نجم من النّبات يعني موضعا معشبا حسن النّبت. و قال أبو عمرو: الهتأة على وزن الهتعة ستة أهلكت كلّ شيء و يقال: هتأت الثّوب إذا خرّقته.
و يقال: أرمتهم السّنة و الأرم القطع، و يقال: اقتحمتهم السّنة أي حطّهم الجدب إلى الأمصار، و قال آخر:
يا دهر ويحك فأولى ممّا ترىقد صرت كالقب الملح المعقر
و يقال: دفت دافّة و هفت هافّة، و هفت هافية، و قذت قاذية إذا أتاهم قوم قد أقحمتهم السّنة من البدو، قوله في البيت: فأولى مما ترى: أي ارحمني، يقال: أويت له ماوية و أية أي: رفقت، قوله: مما ترى أي مما يوجبه و يذهب إليه. و أنشد:
ظلم البطاح له انهلال حريصةو صفا النّطاف له بعيد المناح
هذا رواية المفضل و غيره، و في رواية ابن الأعرابي: ظلم البطاح له هلال حريصة.
قال: و هو مقلوب، أراد حريصة هلال أي سحابة نشأت في أول ليلة من الشّهر.
و الحريصة: سحابة تحرص وجه الأرض: أي تقشر، و معنى انهلال حريصة انصبابها، و ظلمة البطاح أن تحرف إليها الطّين من غيرها و أنشد:
و له مكارم أرضها معلومةذات الطّوى و له نجوم سمائها
ذات الطّوى: سنة جدبة و الطّوى الجوع، و رجل طيان و انتصب ذات الطّوى على الظّرف. و قوله: و له نجوم سمائها. إذا أخلفت النّجوم فلم تمطر جار هذا الرّجل فكأنّه الأنواء، و كأنّ الأنواء له، و أنشد الطّوسي:
سقى المتدلّيات من الثّريانوء الجوزاء أخت بني عديّ
المتدلّيات سحابات دنت من الأرض، و مطرها أكثر، و صوبها أغزر.
قال الآخر: يكاد يدفعه من قام بالرّاح، و الجوزاء قيل: امرأة، و نوؤها موضعها الذي سارت إليه يريد سقى هذا المطر الآتي بنوء الثّريا نوء الجوزاء أخت بني عدي و نوؤها:
و جهتها التي تنوء بها، و انجر أخت على البدل من الجوزاء و الصفة.
و يقال: اغتفت السّنة بني فلان، و الغفة البلغة من العيش و أنشد الأصمعيّ إذ بعضهم يغتف جاره.
و الجلبة: السّنة المجدبة و هي الجوع أيضا قال الهذلي:
من جلبة الجوع جيّار و أرزيز، أبو عبيد خطر به الضّيق في المعاش و الرفاغة و الرّفاغية و الرّفاهية و الرّفهنية مثل البلهنية.
و يقال: هو في عيش أغضف- و أغزل- و أرغل- و أوطف- و أهدب- و أزب-
و هلوف- يعني واسعا و زمانه زمان سلوة و خفض.
و يقال: هو في رخاخ من العيش، و عيش دغفل- و دغفق- و مدغفق- و رفيغ أي واسع. قال الدّريدي: المدغفق اشتقاقه من دغفق الماء إذا صبّه صبّا واسعا.
قال العجّاج: و إذا زمان النّاس دغفل، فأضافه. قال أبو عبيدة: هو في عيش أوطف- و أغضف- و غاضف- و رافع و عفاهم إذا كان واسعا.
يقال: نحس في ربيلة من العيش أي في عيش متربل ند. و في المثل، ليس المتعلّق كالمتأنقّ، يقول ليس من عيشه ضيق يتعلق به، كمن عيشه ليّن واسع يختار منه ما شاء.
و العلقة ما يبلغ به.
و في الحديث: انّ عبد اللّه بن مسعود كان يقول: إذا قرأت (آل حاميم) صرت في روضات أتأنّق فيهنّ أي يعجبني.
و يقال: عيش طان ذو رزغة أي كثير النّدى، و قولهم: طان كقولك: رجل مال.
و يقال: إنّهم لفي غضراء من العيش، و غضارة و قد غضرهم اللّه، و إنّه لذو طرة و كلّ ذلك من السّعة.
أبو عمرو: نشأ فلان في عيش رقيق الحواشي و في زمان مخضم لا مقضم.
و يقال: نبتت في زماننا نابتة، أي نشأت فيه نشوء صغار. و ما أحسن نابتة بني فلان لأولادهم، و أولاد أولادهم، إذ تناسقوا في الحسن و الرّضا. و مما يشبه هذا قولهم: بتّ بليلة النّابغة يراد قوله:
فبتّ كأني ساورتني ضئيلةمن الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع(1)
و قوله في موضع آخر:
فبتّ كأنّ العائدات فرشن ليهراسا به يعلى فراشي و يقشب(2)
و هذا كما ضرب المثل بصحيفة المتلمس لقوله: و كذلك افتوا كلّ قط مضلّل.
و يقال للّيلة التي لا نوم فيها: مات بليلة انقذ(3)يراد به القنفذ، لأنه لا ينام ليلة بدلالة قول الأخر:
قوم إذا دمس الظّلام عليهمجدحوا قنافذ بالنّميمة تمرع
و يقال: زمان غزير، و عيش غزير أي لا يفزع أهله.
و يقال: عيش رغد مغد. و يقال: عام غيداق، أي كثير الخير، و سيل غيداق و ماء غدق.
الفرّاء: عام أزب: أي مخصب. أبو عبيدة: عيش خرم: أي ناعم و هي عربية و معيشية رفلة.
و يقال: أنت في عام رخي اللّبن، عريض البطان، أي واسع الخصب و هذا كما يقال:
أصاب فلان قرن الكلأ، أي أنفه الذي لم يؤكل منه شيء، و وقع في الأهيغين أي الطّعام و الشّراب، و زمانه زمان الأهيغين.
و المعصب الذي عصبت السّنون ماله.
و يقال: في عيشة شظف: أي يبس و شدة، و قد شظفت يده إذا خشنت.
الأصمعيّ يقال: موت لا يجر إلى عار خير من عيش في رماق، أي قدر ما يمسك الرّمق.
و يقال: أصابتهم من العيش و الزّمان ضعف- و حفف- و قشف- و ويد- كلّ هذا من شدّة العيش.
و قال يعقوب: بنو فلان في ويد أي في ضيق، و كثرة عيال، و قلّة مال، و هو في رتب من العيش: أي غلظ.
الأصمعي: عيش مزلج أي مدنق.
و يقال: أصابتهم الضّبع أي السّنة، و قد كحلتهم السّنون: أي اشتدّت عليهم و أنشد:
لسنا كأقوام إذا كحلتإحدى السّنين فجارهم تمر
أي يأكلون جارهم. و قال سلامة بن جندل:
قوم إذا صرحت كحل بيوتهمعزّ الذّليل و مأوى كلّ قرضوب
و أصابتهم أزمة و أزبة و لزمة. و حكى الأصمعي: أزمت أزام و أنشد:
أهان لها الطّعام فلم تصفهغداة الرّوع إذا زمت أزام
و دعاء النّبي صلى اللّه عليه و سلم: «أشدد وطأتك على مضر و اجعل سنين كسني يوسف» فاستجاب اللّه دعوته حتى أكلوا العلهز.
و السّنة: الشّهباء البيضاء من الجدب. و قال ابن الأعرابي: الّتي ليس فيها مطر، و قال هي الشّهباء ثم البيضاء ثم الحمراء، فالشّهباء أمثل من البيضاء و الحمراء شرّ من الجميع.
و سنة غبراء: و قماء و كهباء و الكهبة كدرة في اللّون.
و عام مجوعة و مجاعة، و سنة جداء، و حجرة و رملاء.
و عام الرّمادة: و سنة و سنة و عام سنيت و مسنت و سنة جالفة بالمال.
و الرّمادة: سنة المحل، و قد أرمدوا.
و سنة محاردة: من حراد النّاقة إذا قلّ لبنها.
و يقال: عام أرمد في قلة الخير، و أبقع أي بقع فيه المطر في مواضع و لا يعم. و أحرج و أسهب، و كلّ هذا في قلة الخير.
قال أبو يوسف: سمعتهم يقولون: حراميس واحدها حرمس. و يقال: هذه السّنة ذات فحم عظام، و يقال: أزمتهم السّنة أي دقّتهم، و الأزم العض.
و سنة حصّاء: لا نبت فيها، و امرأة حصاء لا شعر عليها.
الفرّاء: عام أرشم: قليل النّبات. و البوازم الشّدائد الواحدة بازمة، و أنشد:
و نحن الأكرمون إذا غشيناعياذا في البوازم و اعتزازا
و قال:
و ما أخذ الدّيوان حتّى تصعلكازمانا و حتّ الأشهبان غناهما
في سنتين لا خير فيهما. و قال آخر:
رأت مرّ السّنين أخذن منّيكما أخذ السّرار من الهلال
و يقال: ثلمة ثلم المحاق جانب الهلال، و يقال: مطر مريع، و أنشد متمم بن نويرة:
تقى اللّه أرضا حلّها قبر مالكذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
و قال آخر:
و يقيم في دار الحفاظ بيوتنازمنا و نظعن غيرنا للأمرع
و حكى ابن الأعرابي: أ لا صبّحته صباحا حازرا؟ و الأصل في الحازر: اللّبن الحامض.
يقال: أمد الخصب قريب على النّعال. قال: و سأل الحجّاج بن يوسف الحسن عن أشياء، فأجابه ثم قال له: كم أمدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر، يعني عمر بن الخطّاب، فقال: و اللّه عينك أكبر من أمدك. الأمد العمر أي ما بدا منك أكثر مما غاب. و أنشد:
لنا في الشّتاء جنة يثربيّةمسطّعة الأعناق بلق القوادم
قوله: مسطّعة من السّطاع سمة على عنق البعير، يقول: إذا كثرت الريّاح ظهر السّواد و إذا كثرت الأمطار ظهر البياض، يعني اللّبن و التمر. و أنشد:
أغث مضرا إنّ السّنين تتابعتعلينا بدهر يكسر العظم جابره
يقول: نحرنا إبلنا بعد أن كنّا نثمرها و نرعاها، و أنشد يعقوب:
إنّ لها في العام ذي الفتوقو زلل النيّة و التّصفيق
رعيّة رب ناصح شفيق
الزّلل التّباعد و النّخعة(1)و يقال: أفتقنا إذا لم يمطر بلادنا و مطر غيرها.
ابن الأعرابي: يقال للزّمان السّليم من الآفات ركوض في غير عروض و أصله ناقة لا عرضة في مرّها، قال: و يقال هذا في الطّاعة الحسنة التي لا يثبتها ما يفسدها.
و يقال: و قره الدّهر و قرة: استكان منها و أنشد:
حياء لنفسي أن أرى متخشّعالو قرة دهر يستكين وقيرها
و قال آخر:
و خفت بقايا النقي إلا قصيّةقصيد السّلامي أو لموسا سنامها
يصف زمن جدب و القصيّة من الإبل: التي تقصى عمّا يفعل بالإبل و القعية أيضا:
الخيار الكريمة و القصد السّمينة، و يقال: كذا و كذا حين لعق اللّبن بالصّوف، و هذا كناية عن الجدب، لأنه إنما يلعق اللّبن بالصّوف فلا يمكن شربه. قال:
فلا تحسبنّ الغزو لعقا بصوفةو شريك ألبان الجداد الغوابر
و الجداد: جمع جدود و هي من الغنم و الحمير التي بها بقية من اللّبن غير كثير، و مثل الجداد الجدائد، قال أبو ذؤيب:
و الدّهر لا يبقى على حدثانهجون السراة له جدائد أربع
1) في القاموس في( نخع) و الرجل عن أرضه بعد 12 المصحح.
و يقال: كان في الأرض تقاطير غيث إذا كانت بها أمطار قليلة في كلّ ناحية قال أبو علي: قال الضّبي و الغنوي: يقال: أقاطير و تقاطير من الرّبيع، و قال طفيل:
أرى إبلي تأتي الحياض و آلفتتقاطير وسمي و إحناء مكرع
و يقال للرّجل إذا ظهر بوجهه بثور، ظهر به تقاطير الشباب، و حكي أنّه سئل أبو العبّاس ثعلب عن قول بشّار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرّيةهتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما
فيقال: معناه حاربنا حتى لم يكن حرب، فلم يكن للشّمس حجاب، و حجابها الغبار قال السائل: فرددته على أبي العبّاس المبرّد فقال: ما يدري الخرنوبي ما هذا إنمّا يقال:
اشتدّت الحرب أوّلا، ثم سعينا بينهم فأصلحنا ما فسد فسقط الغبار فكأنّهم هتكوا حجاب الشّمس، قال فعدت إلى ثعلب فأوردت عليه، فقال: ما للخلدي و لهذا، خذ ما أقول، قال أبو عبد اللّه الطّوال و الأموي هتكنا حجاب الشّمس معناه خلّينا عن أنفسنا و تركناها لها ذكرا واضحا كوضوح الشّمس بفعلنا، و قوله: أو قطرت دما، كما يقال: كان ذلك فيما مطرت السّماء دما أي لم يكن يلتفت إليه، قال: و ما سمعته في الأبيات إلّا من ابن الأعرابي ما سمعت كان ذلك، فمطرت السّماء دما إنمّا يقال في النّعي، فرجعت إلى المبرد، فقال:
هؤلاء أعلم منه و حقط و حقل حين عدت إليه و تركني، و دخل داره، و يقال: بات بليلة سوء من اللّيالي الشّوامت.
قال النّابغة:
فارتاع من صوت كلاب فبات لهطوع الشّوامت من خوف و من صرد
أي ما أطاع الأعداء و سرّها و فسّر بعضهم على أن الشّوامت في البيت هي القوائم و المعنى بات له ما أطاع الشّوامت لأنّها عبدت طول اللّيل.
و قال أبو زيد: يوم أرونان و قسقاس و قسي و عصبصب و عصيب و قماطر و مقمطر و عماس. و قال الأصمعي: من العماس قولهم: أتانا بمعمسات أي أمور علويات خفيّات، و قال الخليل: العماس كلّ ما لا يقام له، و يوم عماس و عموس و قد عمس عماسة و عموسا.
و يقال: يوم باسل: و مفلق و فلق و ذكر و مذكر و أشتع و أشهب و مظلم و ذو كواكب، و يوم معمعاني و أروناني بعيد ما بين الطّرفين، و قال بعضهم: يوم أرونان شديد صعب و لا فعل له و ليلة أرونانة. قال الجعدي:
و ظلّ لنسوة النّعمان منّاعلى سفوان يوم أرونان
و يقال: يوم أروناني و ليلة أرونانية، و قال أبو عبيدة و أبو زيد: كلّ هذا بوصف الشّديد من القتال و البرد و البلاء و الخوف.
و يقال لهم؛ يوم عربسيس، و أخذ القوم طريقا عربسيسا لما فيه من الخوف و العطش و المشقّة، و إذا عظموا الأمر على إيهام في الوصف، قالوا: كان ما لا يحد يوم أيوم، و ذا كان ذلك ليلا قالوا: ليل أليل، و يقال: أطول اللّيالي يدعى ليل التّمام.
و يقال: جاء من الطّيخة أي الفتنة و الحرب المطيخ الفاسد.
و يقال: هذا دهر حول قلب أي كثير التّحول و التّقلّب.
و يقال: ليل ذو كئود قال: يدر عن اللّيل ذا الكئود.
قال أبو زيد: سمعت أعرابيا فصيحا يقول: إذا أجدب النّاس أتى الهاوي و العاوي.
الهاوي: الجراد، و العاوي: الذّئب. قال الدّريدي: الخجل سوء احتمال الغني، و الدّقع سوء احتمال الفقر. و في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال للنّساء: «إنكّن إذا جعتنّ دقعتنّ و إذا شبعتن خجلتنّ» و أنشد:
و لم يدفعوا عند ما نابهملصرف الزّمان و لم يخجلوا
و يقال: جاحه الدّهر و اجتاحه و عسره الزّمان أي اشتدّ عليه و مثله: استحصف و يقال:
أشاربهم لمع الأصم، و حكى بات فلان ليلة ابن أفلس أي ليلة شديدة، قال و مثله و ليلة دعشقة.
و يقال: ما رأينا العام قابة من المطر، و الارعفاء أي مطرا، و هذا مأخوذ من الرّعاف، قال أبو العبّاس ثعلب: لم يأت برعف، غير ابن الأعرابي و يقال في شهرة اليوم: يوم أغر محجّل.
قال أوس:
و أنت الذي أوفيت فاليوم بعدهأغرّ ممسّ باليدين محجّل
و يقال: سنة قاشورة أي تقشر كلّ شيء و يقال: أصاب النّاس شراسيف أي أصابهم أوّل الشّدة، فأمّا قولهم: بات فلان بليلة انقد فالمراد الشّدة قال الطّرماح:
و بات يقاسي ليل انقد دائباو يحذر بالحقف اختلاف العجاهن
و انقد الشّيهم و في المثل: أسرى من انقد و يقال: ابن انقد أيضا، و العجاهن قال: ابن السّكيت: هو الطباخ، و قال الأعشى:
لعمري لئن جدّت عداوة بيننالترتحلن منّي على ظهر شيهم
و قال عمرو بن قميئة:
إنّي من القوم الذين إذالزم(1)الشّتاء و دوخلت حجره
و دنا و دونيت البيوت لهو ثنى فثنى ربيعه قدره
وضع المنيح و كان حظّهمفي المنقيات يقيمها يسره
و أنشد أبو العبّاس ثعلب عن الأصمعي و غيره:
سقى سكرا كأس الذّعاف عشيةفلا عاد مخضر العشب جوانبه
قال و السكر اسم جمله، و إنّما يدعو على واد، رعاه جمله فأصاب من النّشر فمات و قال الهذلي:
و حبسن في هزم الضّريع فكلّهاحدباء دامية اليدين حروذ
يصف إبلا بسوء حال، و الهزم ما يهزم من النّبات و يحطم، و الضّريع نبات غير طائل.
قال أبو عبيدة: الضّريع عند العرب: يابس العشرق، و هو يؤكل و لكنه كما قال اللّه تعالى:
لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [سورة الغاشية، الآية: 7] و هو من نبات الحجاز، و الشّبرق ما دام غضّا نوره حمراء. قال الهذلي يصف قوما قتلوا:
ترى القوم صرعى حثوة أضجعوا معاكأنّ بأيديهم حواشي شبرق
و قيل: الخيف الحناتم ماء النّشر. قال ندى السّماك في قصب الوسمي. و ذلك أنّ السّماك يسقط و قد انفسخ القر، و هاجت الأرض في بلاد العرب، و في عروق الشّجر بقية من ثرى الوسمي، فيسقط السّماك لتسع خلون من نيسان، فيصيبه مطر السّماك فيخير نبته، و نبت فيه الرّطب، فذلك النّشر تراه خضرة على بياض، و هو السّم الرّغاف. قال أبو محلم:
سمعت أبا زيد العكلي يقول: هو السّمّ السّاكت.
1) بعض النسخ: أزم.
الباب الخامس و العشرون في أسماء الشّمس(1)و صفاتها و ما يتعلق بها
قال أبو حاتم: يقال للشّمس الجونة- و الجارية- و العين- و الماوبة- و هي من التأويب و هو سير النّهار كلّه يقال: آب و تأوّب بمعنى. قال النابغة:
تطاول حتّى قلت ليس بمنقضو ليس الذي يتلو النّجوم بآئب
فسّره ابن الأعرابي على ذلك، لأنّها تسير آئبة أبدا ما بينها ما بين المشرق إلى المغرب تدأب يومها فتئوب المغرب مساء.
و يقال لها السّراج- و الضّح- و ذكاء- و قد أشمس يومنا: إذا اشتدّ حرّ شمسه، و يوم مشمس- و شامس- و شمس لي فلان إذا بدت عداوته. و قال الخليل: الشّمس- عين الضّح- و به سمّيت معاليق القلادة، و قيل هو من المشامسة لأنّها نحس في المقارنة و إن كانت سعدا في النظر.
و قال التميميّون: الجونة- الشّمس حين تسودّ و تدنو من الغيوب لا يقال لها الجونة إلا على هذه الحال و أنشد أبو حاتم:
تبادر الآثار أن تدأباو حاجب الجونة أن تغيّبا
و أما الجارية- فمن قول اللّه تعالى: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [سورة يس، الآية: 38] و هي تجري من المشرق إلى المغرب- و السّراج من قوله تعالى: وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً [سورة الفرقان، الآية: 61] و قال: وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [سورة نوح، الآية: 16].
و يقال: دلكت الشّمس دلوكا- و دلوكها: اصفرارها عند غيوبها.
1) قال في كنز المدفون أسماء الشّمس الغزالة- البيضاء- يوح- الجارية- العين- الجونة- السّراج- يوح الاهة- الضّحى- الضح- الشّرق- حناذ. الزبرقان 12 القاضي محمد شريف الدين عفا عنه.
و قال ابن عباس: لدلوك الشّمس- أي لزوالها الظّهر و العصر. قال:
شادخة الغرّة غرّاء الضّحكتبلج الزّهراء في جنح الدّلك
فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس. و روي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها و اللّه أعلم.
و يقال: رهقتنا الشّمس إذا دنت. و منه غلام مراهق: إذا دنا الاحتلام.
و يقال للسّيد و هو مرهق النّيران: أي يغشاه الأضياف. و غلام فيه رهق أي غرامة و في القرآن: فَزادُوهُمْ رَهَقاً [سورة الجن، الآية: 6] أي مكروها.
و قال أبو زيد: براح بفتح الأول و كسر الآخر اسم للشّمس مثل: قطام و أنشد:
هذا مقام قدمي رباحغدوة حتّى دلكت براح
و قال الأصمعيّ: ليس الرواية كذلك إنّما الرّواية دلكت براح بكسر الباء، و هو جمع راحة و هو أن ينظر إليها عند غيوبها يستشفها، يضع يده على جبينه يستكف بها حتى ينظر تحتها. و قال العجّاج:
أدفعها بالرّاح كي تزحلفارحاه عان تحتها تصدّفا
و زعم أنّه يطلب أسيرا له و قال: و سمّيت بذلك لأنها تسود حين تغيب- و الجون الأسود، هذا قول الأصمعي، و قال غيره: الجون يكون الأبيض أيضا قال: و عرض أنيس الحرمي على الحجّاج بن يوسف درع حديد و كانت صافية، فجعل الحجّاج لا يرى صفاها، فقال له أنيس: إنّ الشّمس جونة أي شديدة الضّوء قد غلب ضوؤها بياض الدّرع- و الجونة اسم للدّرع ذكره الأحمر و غيره. قالوا: و يقال لا أفعله حتّى تغيب الجونة.
و قال بعضهم: معنى براح أي أستريح منها فذهبت، و قيل أيضا: راح هاهنا موضع.
و حكى قطرب: دلكت براح بالضّم و (لعاب الشّمس) أن يرى في شدّة الحر مثل نسج العنكبوت أو السّراب ينحدر من السّماء و إنّما يرى ذلك عند نقاء الجو، و سكون الأرواح و اشتداد الحر. و أنشد شعرا:
هممن بتغوير و قد و قد الحصىو ذاب لعاب الشّمس فوق الجماجم
و أنشد ابن الأعرابي:
و ذاب للشّمس لعاب فنزلو استوقدت في غرفات كالشّعل
قال الدّريدي: لعاب الشّمس بلغة اليمن الوهر. و يقال: وهر يومنا يوهر وهرا فأقرن
الشّمس فحد ذرورها حين تذر قرونها و قرونها: نواحيها، و يقال: طلع قرن من قرونها أي:
ناحية من نواحيها.
و عين الشّمس شعاعها الذي بهرك إليه. و قال ابن السّكيت: عين الشّمس رأسها و وجهها و قرونها نواحيها. قال:
فما أن ذرّ قرن الشّمس حتّىطرحن سخالهنّ و صرن آلا
و الضّح: الشّمس يقال: لا تجلسوا في الضّح أي في الشّمس، و قد ضحى فلان في الضّح أي برز للشّمس يضحي ضحوا، و يقال: شد ما ضحوت للشّمس أي طال بروزك لها و يقال: ضحى الرّيح و ضحى لي إذا خرج من بيته فبرز لك. قال أبو حاتم: لا ثبت عندي ضحيت للشّمس و ليس في قوله تعالى: وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى [سورة طه، الآية: 119] بيان ضحيت من ضحوت لأنّ قوله: تضحى يجوز أن يكون مستقبل ضحا. و قد قال قائل:
ضحيت له كي أستظلّ بظلّهإذا الظّل أضحى في القيامة قالصا
فقال أبو حاتم: الذي يقول هذا لا يجوز قوله قمة رأسه، و من كلامهم جاء بالضح و الرّيح، أي جاء بالشّيء الكثير أي ما طلعت عليه الشّمس و بزغت. و الذّرور: أول طلوعها و بزوغها و طلعت تطلع طلوعا و مطلع الشّمس بالكسر المكان الذي تطلع منه.
و قال الأصمعي: شرقت الشّمس تشرق شروقا إذا طلعت، فإذا أضاءت جدا قلت:
أشرقت، قال اللّه تعالى: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها [سورة الزّمر، الآية: 69] و يقال:
أشرق وجهه: إذا أضاء و استنار.
و يقال: آتيك كلّ يوم طلعت فيه الشّمس، و شرقت، و آتيك كلّ شارق و الشّرق زعموا أنه الشّمس، يقال: آتيتك كلّ يوم طلع شرقه، و قد طلع الشّرق و لا يقال غاب الشّرق.
و المشرق: المطلع. قال أبو يوسف: شرقة الشّمس موقعها في الشّتاء، فأمّا القيظ فلا شرقة له. و الشّعاع: ضوء الشّمس و المطلع بفتح اللام الطّلوع، لذلك قرأ القراء: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [سورة القدر، الآية: 5] و مغربها حتّى تغرب فيه غروبا، و يقال: غابت الشّمس غيبوبة و غيوبا، و قد وجبت الشّمس وجوبا إذا غابت، و كسفت الشّمس كسوفا و ذلك ذهاب ضوئها و شرقة الشّمس: موقعها في الشّتاء و دفوؤها و لا يقال لموقعها في القيظ: شرقة، و يقال: أقعد في الشّرق و في الشّرقة و في المشرقة سواء.
و حكى أبو عمرو: الشّرق الشّمس، و الشّرق بالكسر: الضوء الذي يدخل من شق الباب. و منه خبر ابن عباس أنّه قال: في السّماء باب للتّوبة يقال له الشّريق و قد ردّ حتى ما
بقي منه إلا شرقة. و حكى بعضهم: الشّرق الشّمس التي تكون في المقابر بعد العصر، و جاء في المسند: أنه ذكر الدّنيا فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إنّه بقي منها كشرق الموتى».
قال ابن الأعرابي: يحتمل وجهين: أحدهما: أنّ الشّمس في ذلك الوقت إنما تلبث ساعة ثم تغيب، فشبّه ما بقي من الدّنيا بذلك. و الوجه الآخر: يشرق الميت بريقه عند خروج نفسه، فشبّه قلة ما بقي من الدّنيا بما بقي من حياة الشّرق بريقه.
و يقال: ما بقي من النّهار إلا شفا، و الشّفاء بقية الشيء، و أتيته بشفا أي بشيء من ضوء الشّمس، و يقال: شفّت الشّمس بالتّشديد أي غابت إلّا يسيرا منها.
و قد طفلت الشّمس: إذا دنت للغروب، و أتيتك طفل الشّمس، و في طفل الشّمس، و قال أبو حاتم و أنشدنا أبو زيد شعرا:
قد ثكلت إحدى بني عديّأحبّها في طفل العشيّ
إن لم يثبت وصل قبل الرّوي و طفلت الشّمس أي جنحت و مالت للغروب و قد صغت الشّمس إذا اصفرّت كان لها صلابة.
و أدنفت: و ازدنفت و دنفت و هذه وحدها عن أبي عبيدة إذا همّت بالمغيب، و غارت و آبت و ألقت يدا في كافر و رجفت. و يقال: مغرب الشّمس و مغربان الشّمس و مغيربان الشّمس. و يقال: على الأرض غيابات الطّفل و قد أرهقت أي دنت للمغيب. و أنشد في قوله:
دنفت و الشّمس قد كادت تكون دنفا
و حكي الغزالة في أسماء الشّمس لدوران قرصها في مرأى العين. و منه المغزل و مغازلة النّساء لأنّهن عند المراودة كأنّهنّ يدرن في أفانين الحديث. و قال أبو حاتم: ليست الغزالة من أسماء الشّمس، إنّما الغزالة الضّحوة و أنشد لذي الرّمة شعرا:
فأشرقت الغزالة رأس حوضيأراقبهم و ما أغنى قبالا
أراد أشرقت في الغزالة أي في ذلك الوقت و أنشد أيضا:
أسوق بالقوم غزالات الضّحى
و يقال: أتيتك بوجه النّهار و بشباب النّهار و هي الغزالة الكبرى. قال ذو الرمة:
توضّحن في قرن الغزالة بعد ماترشّفن ذرّات الرّهام الرّكائك
و هذا حجة في تثبيت الغزالة اسما للشّمس. و كذلك رأد الضحى- و رونق الضّحى-
و في تلع الضّحى. و أتيتك حين تلعت الضّحى- و أتيتك مدّ النّهار.
و كذلك ضحوة و ضحى و الضّحاء الأكبر ممدود مفتوح مدّ النّهار الأكبر، و ذكاء: اسم للشّمس معرفة غير منوّنة، و طلعت ذكاء، و من أمثالهم؛ أضاءت الذّكاء و انتشر الرّعاء.
قال الشيخ: و حكي عن المبرّد أنّه قال: ابن ذكاء هو القمر، لأنّ له بصيصا كبصيص الشّمس، و روي عن ثعلب أنّه قال: بعض العرب يجعل ابن ذكاء النّهار و نبت ذكاء الشّرقة، و هو ضوء الشّمس، و يقال للصّبح ابن ذكاء و أنشد فيه:
و ابن ذكاء كامن في كفر. أي في ليل يستره و أنشد:
في ليلة كفر النّجوم غمامها. أي غطاؤها و يقال لحسنها: عب الشّمس، عب مخفّف مثل دم، و قال الذّئري:
و ليس بموتيك الذي أنت مغرمبتسآله ما أبرق ابن ذكاء
و إياء الشّمس: بياضها و الإياء أيضا أيا النّبت حسنه و زهرته، و قال الشّاعر، فمدّ الإياء و كسر الألف شعرا:
تنازعها لونان ورد و حوّةترى لإياء الشّمس فيه تحدّرا
و قالوا: إياء الشّمس: شعاعها. قال طرفة: سقه إياة الشّمس إلا لثاثه. قال الشّيخ:
بعضهم يثقل عب الشّمس فيقول: هذه عب الشّمس، و العب أيضا البرد، و في المثل أبرد من العب، فمن شدّد الباء يجعله من العباب، و هو معظم الشيء أي أعظمه. و من خفّف الباء جعله منقوصا كدد من ددن.
و يقال للصّبح: ابن جلا، كما قال: أنا ابن جلا و طلّاع الثّنايا. أي أنا منكشف الأمر، و جلا فعل في الأصل و حكي لقبا كما قيل: تأبط شرا و قد جعل لقبا فحكي.
و قال قطرب: العب مثل الدم بتخفيف الباء و هو ضوء الشّمس و حسنها يقولون عب شمس و من ثقل قال هذه عب الشّمس و رأيت عبّ الشّمس يريد عبد الشّمس فأدغم الدال في الشّين كما قيل ثلث الدّرهم، فيدغم الثّاء في الدّال، و قال بعضهم: يقول هو عبّ الشّمس فيفتح في كلّ وجه و قال:
إذا ما رأت شمسا عب الشّمس شمّرتإلى رملها و الجلهميّ عميدها
و شعاع الشّمس و شعاعتها و شعّها ضوؤها و أشعّت الشّمس انتشر شعاعها، فإذا طال النّهار و قيل: تمطّى النّهار و امتدّ وا معط و متع متوعا.
و يقال: بقي علينا ريم من النّهار للسّاعة الطويلة و نهار ريم أيضا فإذا انتصف النّهار فهي ظهيرة، و ظهر و هجير و هجر، و وديقة حين هجم المقيل و انحنى للتّغوير. و الشّمس في كبيدات السّماء إذا توسّطت و عوّمت و دوّمت و حلّقت.
و يقال: زالت الشّمس زوالا و زالوا في التفرقة زيالا قال:
نعى حجشانها نجم دفوءخليط لا ينام على الزّيال
و الظلّ: يكون ليلا و نهارا، و لا يكون الفيء إلا بالنّهار، و هو ما نسخته الشّمس ففاء أو كان من النّهار فلم تنسخه الشّمس، و الفيء هو التّبع أيضا. قالت الجهينة:
ترد المياه خصيرة و بقيضةورد القطاة إذا استمال التّبع
و إذا لم يكن فيء و لا ظل قيل: (الظّل طباق الخف) و إذا ارتفع إلى موضع العقال من ساق الشجرة فنسخ الفيء إلى ذلك الموضع قيل: (قد عقل الظّل) فإذا صفا، أي زاد على طول الشّخص قيل: قد فاء الفيء و الظلّ الضّافي الطّويل، و يقال للظّل الكثيف ظلّ المي.
و يقال للمكان الذي لا تقع فيه الشّمس: (مقناة) و مقان جمع، و الذي تصيبه الشّمس مضحاة و الجمع مضاح. و يقال للشّمس المهاة. قال أمية بن أبي الصّلت شعرا:
تم يجلو الظّلام ربّ رحيمبمهاة شعاعها مستنير
و أصل المهاة البلوة.
و يقال للشّمس الإلهة. قال التميمي:
تروّحنا من اللّعباء قصراو أعجلنا الإلهة أن تئوبا
و يقال: الآهة فيصير كالعلم، و ذكر قطرب أنّ الإلهة من أسماء السّماء و الفتح في همزتها لغة و اشتقاقه من لفظ إله لأنّ كل ما رغب فيه إلى اللّه تعالى يطلب من جهة السّماء.
و يقال للشّمس البيضاء و طلعت البيضاء و لقيته في الصّفراء أي حين اصفرت الشّمس.
و قال الأصمعي: روي عن ابن الزّبير أنّه قال في كلام له: البوح يعني الشّمس قال:
و لم أسمع البوح إلا في كلامه. قال ابن الأعرابي: العرب تقول استدبار الشّمس مصحة.
و أنشد:
إذا استدبرتنا الشّمس درّت متونناكأنّ عروق الجوف ينضحن عندما
درّت يعني لانت، و روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «استدبروا الشّمس و لا تستقبلوها فإنّ استدبارها دواء، و استقبالها داء».
و يقال: ضرعت الشّمس إذا غابت، (و زبت و أزبت) إذا دنت للمغيب. قال الدّريدي:
صرعت غير معجمة. و يقال: سقط القرص. و يقال: ما بين المشرقين مثل فلان أي بين المشرق و المغرب.
و حكى بعضهم: التّغوير بالنّهار من آخره بإزاء التّعريس و هو النزول باللّيل من آخره.
(و القسطلانية) نداءة الشّفق أو نداءة قوس قزح. و يقال للّذي يسمّى قوس قزح القسطلاني بالضمّ.
و قال الدّريدي: أهل المدينة يسمّون الهباء الذي يدخل من ضوء الشّمس إلى البيت:
خيط باطل. قال الشّيخ: أخبرني أبو أحمد الحسن بن عبد اللّه العسكري قال: أخبرني أبو عمرو غلام ثعلب عن ابن الأعرابي و عن عمر بن أبي عمرو عن أبيه و ابن نجدة عن أبي زيد قال: يوح اسم للشّمس و من رواه بالباء فقد صحّف- و ذكاء- و العروج- و المهاة- و العبورية- و البتيراء- و الجونة- و الفين- و المأوبة- لأنها آئبة أبدا و تأويبها: سيرها من المشرق إلى المغرب- و السّراج- و الضّح- و الأهة بالضّم- و الأهة بالفتح و روى قطرب الإهة بالكسر و الأهة بالضم. قال ثعلب: الضّم أفصح و العمل عليه.
من أسماء الشّمس: الغورة لأنّها تغور- و أم شعلة- و أم النّجوم- و الغراه- و الهالة- و أنشد:
منتجب كأنّ هالة أمّهضعيف الفؤاد ما يعسّ بمعقول
منتجب هاهنا مفتخر أي يتخيّر و ينتجب ما يفتخر به علينا و هو جبان في نفسه.
و حكى المفضّل: (الحومانة) الشّمس.
و يقال: سفرت الشّمس طلعت، و أسفرت أضاءت مثل و أشرقت و قيل هما لغتان.
و أنشد ابن الأعرابي:
بيضاء شطّت مزارهابلسنا إن سفرت أسفارها
فأتى باللّغتين جميعا و أنشد أيضا:
كأنها الشّمس إذا ما تسفرو الشّمس منها يوم دجن أسفر
أي تضيء منها الشّمس يوم الدّجن. و أنشدنا أبو أحمد العسكري قال: أنشدني أبو عمر الزّاهد عن ثعلب عن ابن الأعرابي:
و جارية رفعتها لأنالهايكفي عن خرجاء يهفو رواقها
قال: الجارية هاهنا الشّمس، و الخرجاء: عين الشّاعر لأنّها ذات لونين. و أنشد عن
ثعلب عن ابن الأعرابي:
و معمولة إن زدت فيها نقصتهاو إن نقّصت زادت على ذاك حالها
قال: يريد الكوّة التي تكون في السّقف مدخلها ضوء الشّمس كأنّه حبل ممدود و لذلك سمّي ذلك الضّوء خيط باطل، لأنّ ما تراه فيه إذا قبضت عليه لم يحصل في يدك منه شيء، و قوله: إن زدت فيها نقصتها أي إن زدت في جسمها نقصت من ضوئها فهكذا حالها. و أنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:
و الشّمس معرضة تمور كأنّهاترس تغلّبه كمي رامح
قال الشّيخ: أظنّ أن ابن المعتز أخذ قوله من هذا:
و مصباحنا قمر مشرقكترس اللّجين يشقّ الدّجى
مخاط الشّمس، و مخاط الشّيطان جميعا.
و يقال: ركدت الشّمس و هو غاية زيادتها، و قسبت الشّمس تقسب و صفت تصفو صفوا، و كلّ هذا في معنى الرّسوب. و قال أبو النّجم: صفواء قد همّت و لمّا تفعل.
و يقال: قنب يقنب قنوبا و ذلك إذا لم يبق منها شيء و أنشده شعرا:
مصابيح ليست باللّواتي تقودهانجوم و لا بالآفلات الدّوالك
يقال: أفلت الشّمس: إذا غابت، و الأفول يستعمل فيها و في غيرها، و كذلك البزوغ و هو الطّلوع قال اللّه تعالى: فَلَمَّا أَفَلَتْ [سورة الأنعام، الآية: 78] في الشّمس و فلما أفل في القمر.
و حكى قطرب: جئتك غبة الشّمس أي عند مغيبها كأنه قلب، فقدم الباء قال: و قالوا:
شمسنا و شمسنا أي أوذينا بحرّها و أشمسنا صرنا في حرّ الشّمس و شمس يومنا و شمس و أشمس.
يقال: أزبت الشّمس و زببت و زبّت إذا دنت للمغيب.
و يقال: انصلعت انصلاعا و هو تكبّدها وسط السماء، و صلاع الشّمس حرّها، و قال:
حرّ الظهيرة تحت يوم أصلع، و حكى أبو عمرو: العباء أنوار الشّمس.
و يقال: قصبت الشّمس و ذلك إذا بدا قصبها في عين النّاظر إليها. و ذكر في أسماء الشّمس قطيفة المساكين و ما أظنه إلا من وضع العامة.
و حكى أبو حنيفة: الشّرق الشّمس، و يقال: أتيتك كلّ يوم شرقه أي شمسه و طلع
الشّرق، و لا يقال: غاب الشّرق. و ذكر قوله: و همت الجونة أن تصوما، و معنى صوم النّهار أنّ الشّمس إذا توسّطت السّماء نصف النّهار كأنها تقف أ لا تسمع قوله:
و الشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم
. و حكى أبو حنيفة أنّ الإلهة تأنيث إله، و أحسب أنّ الشّمس سمّيت بها لأنّه كانت تعبد.
قال: و النداءة قوس المزن و أكثر ما يكون في الوسمي و الصّيف و قيل: بل هي الحمرة العارضة في مطلع الشّمس و مغربها إذا عرضت.
و يقال: سبأته الشّمس و النّار و الحمّى إذا غيّرته، و كذلك السّفر يسبأ الإنسان. و حكى ابن الأعرابي أنّك لتريد سبأة أي سفرا، و قال سربد مثلها: و السّبأة البعد فكان السّربد السّفر القريب.
و يقال: جاءني فلان قمة أي حين غابت، و قال أبو عمرو و ما قمسته و قامسته بمعنى و المقامسة المقاطة قال الهذلي:
قلو رجلا خادعته لخدعتهو لكنما حونا برحنا أقامس
سبّته الشّمس و سبّأته إذا أحرقته.
قال أبو حاتم: قال أبو زيد: يقال الهلال: ما دام ابن ليلة أو ابن ليلتين، فإذا استدار و عظم قبل أن يستدير فهو: القمر المستقبل، فإن غطّاه سحاب أو قوة فلم ير إلّا بعد ثالثة من أول الشهر فهو قمر، و إلّا يدعى هلالا.
و أمّا القمر: فهو ضوء القمر، و يقال: طلّع القمر، و لا يقال طلعت القمراء و لكن يقال: أضاءت القمراء، كما يقال أضاء القمر.
و يقال: قمر اللّيل، و لا يقال: قمر القمر، و يقال: قمرنا و نحن مقمرون، و يقال:
تقمّرت فلانا إذا قصدته في القمراء.
و روى الشّعبي أنّ شيخا تقمّر جارية و لم يبلغ منها ما أراد فرفعا إلى عمر فعزره و أراد تعزيرها أيضا فشهدوا لها أنها أنكرت قربه و صاحت فخلّى سبيلها.
و يقال: وضح القمر وضوحا.
و يقال: استهلّ الهلال و أتيتك عند مستهلّ الشّهر.
و يقال: أهللنا الهلال، و أهل الهلال، قال أبو حاتم: بالبصرة يقولون هلّ الهلال، و لا يجوز ذلك، قال أبو حنيفة: حكي عن الثّقة أنّه يقال: هلّ الهلال نفسه أي طلع و أهللناه نحن رأيناه، و إذا كان الهلال منبسطا قيل: هلال أوفق.
و يقال: أتيته عند إهلاله و استهلاله و هلة و هلّه و هلوله، و أتيته تيفاق الهلال و توفاقه و ميفاقه.
قال الفرّاء: يقال إذا عاينت الهلال رأيته قبلا، و إن استقبلك قبل: رأيته قبلا، قال:
و كل ما قابلك فهو قبل منك، و قال غيره: رأيت الهلال و هو أوّل ما يرى و لم ير قبل ذلك،
و تكلّم فلان قبلا، إذا تكلّم بكلام لم يكن قد استعد له.
و يقال: سلخت الشّهر سلخا و سلوخا و سلخ هو و انسلخ.
و يقال: نصف الشّهر و أنصف و نصف و كذلك كلّ شيء يؤول إلى النّصف. قال الفرّاء: طرح الألف أجوده، و حكى الجرمي عن الأصمعي: أنصف النّهار و لا يقال: نصف، و لكن يقال: نصف الماء القدح، هذا و ما أشبهه ممّا يبلغ نصف غيره. قال:
ترى سيفه لا ينصف السّاق نعلهأجل لا و إن كانت طوالا محامله
و قال الفرزدق:
و إن يقنهبن الولائد بعد ماتعالى نهار الصّيف أو كاد ينصف
و قال ابن علس:
نصف النّهار الماء غامرةو شريكه بالغيب ما يدري
فكلتا اللّغتين صحيحة، و قال العجّاج في نصف:
حتى إذا اللّيل التّمام نصفا
و قال أبو زيد: يقال: انتصف النّهار انتصافا، و أنشد:
فانتصف النّهار و النّعامو المهر مزدم له قتام
يعني أنّه عقر نصف النّعام على الفرس إلى نصف النّهار.
و يقال: وسط النّهار حكاه أبو زيد يقال: قمراء أضحيان، و هو ضوء القمر من أوّل اللّيل إلى الصّباح.
و يقال: أضحيان لكل ليلة من العشر الوسط، و يسمّون القمر في أول اللّيل و آخره قميرا يصغّرونه لصغره. قال ابن أبي ربيعة:
و قمير يد الخمس و عشرينله قالت الفتاتان قوما
يريد قومن و أنشد في القمراء:
يا حبّذا القمراء و اللّيل السّاجو طرق مثل ملاء النّساج
و القمر الباهر في اللّيالي البيض و معنى الباهر الذي يملأ كلّ شيء بضوء بهر بهورا، قال أبو حاتم: و البهر: الذي يصيب الإنسان من ذلك لأنّ المتنفس يمتلئ و يتردّد فيه النّفس فيستبهر. و قال:
عمّ النّجوم ضوؤه حين بهرفغمض النّجم الّذي كان ازدهر
و قال:
و القمر الباهر السّماء لقدزرنا كلانا بجحفل لجب
ليلة عفراء: ليلة ثلاث عشرة. و يقال لها أيضا: ليلة السّواء، و قال بعضهم: تسمّى بذلك لأنّ القمر يستوي فيها، و هو قول الأصمعي، و قال آخرون: لأنّه يستوي ليلها و نهارها. و قال: هي السّواء و الغرّاء.
و يقال: أسفر القمر في أوّل ما يرى ضوؤه، و لم يظهر بعد، و أضاء القمر، و قالوا:
ليل أسفر، و قالوا: امتحق القمر، و لم يعرفوا فيه فعل يعني محق، و الاسم المحاق و المحاقة غداة يخفى عليك، لأنّ الشّمس تغيبه عنك من أوّل نهارك قبل طلوعها ثم الاستسرار إلى أن يهلّ الهلال.
قال الأصمعي: المحاق أن يطلع القمر قبيل الشّمس في ضوئها، فلا يزال ينمحق حتى يذهب. و السرّار: أن يطلع خلفها. و قال أبو عبيدة: العرب تقول: لليلة ميلاد القمر: ابن ليلته و أنشد:
كأنّ ابن ليلة طلع جانحاقسيط لدى الأفق من خنصر
و قال أبو عبيدة: إنما قيل: ليلة البدر لأنّ القمر يبادر الشّمس أن يطلع، قال اللّه تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس، الآية: 40] أي يجرين في قطب المدار. و قال زهير:
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
قال أبو حاتم: قد روي عن ابن عباس هذا القول: إنّ القمر إنّما سمّي البدر لأنه يبادر أن يطلع، و لا أظنّه إلا غلطا عليه، إنّما البدر الممتلئ. و يقال: ليلة البدر، و قمر بدر و أبدر القمر صار بدرا. قال الشّاعر:
ثم كشعة القمر البدرحقوق الأحشاء و الكبد
و يقال: غلام بدر إذا امتلأ شبابا قبل الاحتلام، و جاء ببدرة أي سقاء ممتلئ لبنا.
قال أبو عبيدة: ثم سمّوا ليلة البدر، و ليلة النّصف، و ليلة السّواء و هي ليلة ثلاث عشرة البيض قال: و لم أسمع عربيّا سمّى شيئا منهنّ و لكن عدّوهنّ فلمّا بلغوا آخر الشّهر سمّوا ثلاثا منهنّ الدادي صفاة لشدّة ظلمتهنّ.
و قال أبو نصر: الدأداء: هي الغلبة إذا كنت تشكّ في اللّيلة هي ممّا أنت فيه أو من المقبل، يدل على هذا قوله:
هاجت عليه من الأشراط نافحةبغلته بين أظلام و أحفار
و قال:
تداركه في منضل الآل بعد مامضى غير ما دأدأ و قد كاد يذهب
ثم قالوا: سرار الشّهر. قال جرير:
رأت مرّ السّنين أخذن منّيكما أخذ السّرار من الهلال
و يكون سرار الثّلاثين من آخر الشّهر إذا تمّ الشّهر، فإذا نقص فهو سرار ليلة.
و يقال: أتيته عند سرار الشّهر و عند سرار القمر. قال:
تلقى نوؤهنّ سرار شهرو خير النّوء ما لقي السّرار
و قال الكسائي: آخر ليلة من الشّهر. قال كثير:
هلال عشية لشفا غروبتسرّ و ليلة بعد المحاق
و قال الراجز:
نحن صبحنا عامرا في دارهاعشيّة الهلال أو سرارها
و السّرار: يفتح و يكسر و الفتح أعرف، و قال بعضهم: المحاق ثم السّرار لأنّ ضوأه يمتحق ثم يستتر. و قال غيره: امتحاق القمر: احتراقه و احتج ببيت ساعدة:
في ما حق من نهار الصّيف محتدم
و يقال: محاق القمر، و محاق الشّهر. قال:
بنيت بها قبل المحاق بليلةفكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
و قال آخر:
فإن تك كوكب الصّمعاء نحسابه ولدت و بالقمر المحاق
و يقال: حجر القمر، و قمر القمر: إذا استدار بخط دقيق.
و يقال: لحف القمر فهو ملحوف: إذا جاوز النّصف و أخذ في النّقصان. و البراء: آخر ليلة في الشّهر لتبرأ القمر من الشّمس.
و يقال: طفاوة القمر: إذا حجه و أنشد: كأنّه البدر في طفاوته. و بعضهم يفتح الطّاء فيقول طفاوة.
و يقال: أفتق القمر: إذا خرج من السّحاب لفرجة يجدها، و الفرجة الخصاصة. قال ذو الرمة شعرا:
تريك بياض لبّتها و وجهاكقرز الشّمس أفتق ثمّ زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلاكلا و انفلّ سائره انفلالا
و قال بعضهم: يسمّى القمر: الزّبرقان و هو من قولهم: زبرق عمامته: إذا صفّرها.
قال أبو حاتم: و زعم من لا أسكن إلى قوله أنّ القمر يسمّى في الدادي السّاهور. قال أمية بن أبي الصّلت:
و الشّهر بين محاقه و هلالهأجل لعلم الناس كيف يعدد
و لا نقص فيه غير أنّ خبيئهقمر و ساهور يسلّ و يغمد
و زعم أنّ السّاهور بالنّبطية أو السّريانية، و قال بعضهم: هو غلاف القمر يخرج منه أول حتى يبرز كلّه، فإذا انتصف الشّهر ارتدّ فيه.
و حكى بعضهم: ليالي السّاهور التّسع البواقي كلّها. و حكى الحارزنجي: السّاهور الشّهر، قال: و يقولون: لقوا الشّر في ساهوره، أي في كثرته. قال: و السّاهور من أسماء القمر و هو السّحاب أيضا، و السّاهرة الأرض العريضة البسيطة.
و قال شيخنا أبو علي: السّاهرة وجه الأرض من السّهر، و معناه أنه إذا سهر قلق جنبه، فقلّ حظّه من الأرض، إمّا بالقيام، و إمّا بالقعود، و إمّا بالقلق و الحركة فتأويله أنّه سلب ملابسة الأرض، و كذلك قولهم: سهروا و المعنى واحد و الأخذ منزله كلّ ليلة و الرّكس منزله الذي ينكسف فيه.
و يقال للسّواد الذي في القمر: المحو و الشّامة. و الهالة دارة القمر.
و يقال: طمس القمر و النّجم إذا ذهب ضوؤهما.
و يقال: القمر اللّيلة في الهالة قال: في هالة هلالها كالإكليل يعني دارته أنشد في الهالة:
فمن يسع من حيّ الأراقم جاهداليدرك مسعاة ابن هالة يسبق
و يقال: سميّت هالة لحسنها و جمالها كأنّهم شبّهوها. و قال قطرب: الفخت ضوء القمر و الشّمس، و هي أيضا: ثقوب مستديرة في السّقف، و قد انفخت و قال ثعلب: الذي
يدل على أنّ الفخت الضّوء لا الظّل أن الفاختة سمّيت لفخت القمر و منه الصّبغ الفاختي.
و كذلك ذكره أبو عبيدة و الكسائي، و يقال: جاء تيفاق الهلال، و توفاق الهلال، و توفق الهلال، و ميفاقه أي لوقته، و حين و جاء على نفته و نافته، و على أفاته أي لوقته.
و أخبر أبو عمر بن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: هو القمر- و الطّوس- و الجلم- و الجيلم و الأرسلم- و الباهر- و الزّبرقان- و الرّباض- و البدر- و السّمار و المتّسق و البادر- و الغاسق.
قال ابن الأعرابي: و يقال للهلال: الأزميم- و ابن ملاط- و ابن مزنة- قال شعرا:
كأنّ ابن مزنة طلع جانحافسيط لدى الأفق من خنصر
قال: و يقال له الأزميم إذا دفق. قال: كأنما شخصها في الآل أ زميم. و زعموا أنّ أعرابية قالت لزوجها: لقد رأيت الأزميم بوجهك فما رأيت خيرا.
و يقال: قمر سنمار إذا كان مضيئا، و قمر سنمان بالنّون أيضا.
قال أبو عمرو: أخبرني السيّاري عن قوله في الغاشق أنّه القمر. و قلب الغسق عند العرب السّواد، قال: إنما قال: تعوّذي بالله من شرّ هذا الغاسق أي من شرّه إذا انكسف فهو آية و يسود، فمعناه يا عائشة افزعي إلى الصلاة و استعيذي بالله من شرّ هذه الآية إذا رأيتها، قال ابن الأعرابي و أنشد نصر و الأسديون شعرا:
و مستنبت لا بالهلال نباتهو ما أن تلاقت باسمه الشّفتان
له شامة سوداء في حرّ وجههمجللة لا ينقضي لأوان
و يدرك في تسع و ستّ شبابهو يهرم في سبع معا و ثمان
قال: هو الهلال لأنّه ثبت بلا سقي ذكر الشفتان لأنّه ليس في اسم الهلال من الحروف التي ينضم عليها الشّفتان شيء و حرّ الوجه ما بدا منه و منه قوله:
كريمة حر الوجه غير المحسر
و حكى ثعلب عن أبي مسجل عن الكسائي أهلّ الهلال و استهلّ، و لا يقال: هلّ و لا أهللنا الهلال. و الحمرة التي يغيب فيها القمر يقال لها: الندأة. قال الفزاري و الجمع ندى ثلاثة، أخط أحمر بين أخضرين، فإذا رأيتها فتق بالمطر من غرب أو شرق بإذن اللّه عز و جل. قال ثعلب: الأخط جمع خط كما يقال: صل و أصل و شد و أشد. و غرة الشهر أوّل ليلة، لأنّ الهلال في أوّله كالغرة في وجه الفرس. و تقول العرب للحجر البراق: هو بصاقة القمر، و قيل بصاق و بصق. و البلماء ليلة البدر.
و يقال: وجه مسلم إذا امتلأ نورا و استكمل حسنا، و قال بعضهم: يقال كذلك طفاوة القمر.
الغرر و يقال الغر أيضا لأنّها كالغّرة في الوجه البهيم من الخيل.
و يقال أيضا: القرح لأنّها كالقرحة فيها. و لثلاث يليها السّبع، و قيل لها: الزّهر بفتح الهاء و قد سكنت أيضا، و قد أزهر القمر و الزّهرة البياض و النجم المعروف الزّهرة، أبو عبيدة يبطل التّسع و العشر و رواه غيرهما. و من قال الغرر جعلها جمع غرة. و من قال غر جعلها جمع غرّاء. و قيل بعد الغر ثلاث شهب، لأن ضوء القمر فيها غير باهر، و قيل: ثلاث بهر لأنّ ضوء القمر بهر كلّ ظلمة أي غلب، و قيل في التّسع: إنّها سمّيت بها لأنّ فيها الليلة التّاسعة، كما سمّيت الغرر لأنّ فيها الغرة، و هي ليلة واحدة ليلة الهلال.
و كذلك العشر: لأنّ فيها اللّيلة العاشرة، و لثلاث يليها التّسع، و قيل لها: الدّرع بفتح الرّاء، و يجعل درعة مثل ظلمة و ظلم و قيل الدّرع بسكون الراء جعل جمع درعاء. و قيل:
صبح أدرع: لاختلاط الضّوء بالظّلمة. و شاة درعاء إذا اسودّ مقدمها و ابيضّ سائرها. و يقال:
أدرع الشّهر إذا جاوزت النّصف منه و الدّرع و الظّلم و الزّهر و قد حركت الثّاني منها كلّها و جاءت على غير قياس. قال ابن أبي ربيعة:
قالت له شفقا لا تأت في قمرإن كنت تأتي بليل و احذر الدّرعا
ففتح الرّاء و القياس إسكانها. قال أبو حاتم: لم أسمع في الظلم أنّها جاءت على القياس. و قال بعضهم: أتيت و ثوب السّماء مجزع، لأنّ أوّلها أبيض و آخرها أسود.
و قال الأصمعي: عن العرب: اللّيالي البيض: ثلاث ليال: ليلة السّواء، و ليلة البدر، و ليلة خمس عشرة. قال: و لا يقال أيام البيض إنّما يقال: ليالي البيض، و تسمّى هذه اللّيالي المحمقات، و ذلك أنه إذا كان في السّماء غيم رقيق و طلع القمر من أوله إلى آخره خفي على الإنسان ضوء الصّبح، فيظنّ أنّه قد أصبح و عليه ليل فيسمين محمقات لذلك. و يقال: غرّ فلان غرور المحمقات.
و قد قيل لما يلي التّسع إلى اثنتي عشرة: الجزع، ثم ثلاث عشرة السّواء و العفراء، و أربع عشرة البدر، و خمس عشرة ميسان، و إلى العشرين الذرع، و قد تقدّم القول في جميعه، و التّسع البواقي الدّادي، و آخر ليلة في الشّهر ليلى مقصورا لظلمتها. و حكي المد فيها. و قيل للثّلث الأواخر محاق، لأنّه يمتحق القمر فيها كأنّه يحترق عند طلوع الشّمس فلا يرى.
و يقال: ليلة المحق و يقال: أتيته في المحاق أي في امتحاق القمر.
و يقال: من البدر قد أبدرنا، و من السّواء قد أسوينا، و من نصف الشّهر قد أنصفنا.
و يقال: ليلة ضحيان و ضحيانة، و ليلة قمراء، و ليلة بيضاء، و ليلة ضحياء، و ليال ضحيانات، و ليلة طلقة، و ليال طلقات، و طوالق إذا كنّ مقمرات.
و يقال: ثلاث دادي، و ثلاث ظلم، و ثلاث حنادس. قال شعرا:
تداركه في متصل الآل بعد مامضى غير دأداء و قد كاد يسحب
و قيل: اللّيالي النّحس و الدّهم. و قيل أيضا: ثلاث قحم: لأنّ القمر قحم في دنوّه إلى الشّمس.
و يقال لليلة ثمان و عشرين: الدّعجاء، و ليلة تسع و عشرين الدّهماء، و لليلة ثلاثين اللّيلاء، و يجوز أن يكون القحم أخذ من افتحام في السّير، و قال الأصمعيّ في الحنادس:
كلّ ظلماء من اللّيالي حندس، و قال أبو عمرو: قول النّاس العشر و النفل لا تعرفه العرب.
قال الجعدي في الظّلم: كاللّيلة المباركة القمراء تهدي أوائل الظّلم. و قال المسيّب بن علس: كالطّلق يتبع ليلة البهر.
قال أبو زيد: الأعراب يقولون للقمر لأوّل ليلة، رضاع سخيلة حلّ أهلها برميلة.
و لابن ليلتين: حديث أمتين يكذب و مين، و لابن ثلاث: حديث فتيات غير جد مؤتلفات، و يروى ما أنت ابن ثلاث، فقال: قليل اللّبات، و لابن أربعة: عتمة ربع غير حبلى و لا مرضع. و يروى غير جائع و لا مرضع. و قال بعضهم: عتمة أم ربع غير حبلى و لا مرضع.
و لابن خمس: عشاء خلفات قعس و زعم غير أبي زيد أنّه يقال لابن خمس: حديث و أنس.
قال أبو زيد: و يقال لابن ست: سر و بت. و قال غيره: أسر و بت. قال أبو حاتم: لأنّه يقال: سرى و أسرى بمعنى. و قال أبو زيد: لابن سبع دلجة الضّبع، و قال غيره: حد و الأنس ذو الجمع. و قال أبو زيد لابن ثمان: قمراء أضحيان. قال أبو حاتم: أضحيان.
قال أبو زيد: و لا بن تسع: انقطع الشّبع. و قال غيره: ملتقط ماء الجزع و قيل مثقّب الجزع.
و قال أبو زيد لابن عشر: ثلث الشّهر. و قال غيره: محنق الفجر. و قال غير أبي زيد قيل للقمر: ما أنت لإحدى عشرة قال: لدى عشاء و أرى بكرة. قيل: فما أنت لاثنتي عشرة؟
قال: موثق للشّمس بالبدو و الحضر. الذي حكاه أبو حاتم موثق للشّمس. و قيل: ينبغي أن يكون موثق للخلق. قيل: فما أنت لثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر يعشى له النّاظر. قيل: فما أنت لأربع عشرة؟ قال: مقتبل الشّباب أضيء مدجنات السّحاب. قيل: فما أنت لخمس عشرة؟ قال: تمّ التّمام و نفدت الأيام. قيل: فما أنت لستّ عشرة؟ قال: نقص الخلق في الغرب و الشّرق. قيل: فما أنت لسبع عشرة؟ قال: أمكنت المغتفر الغفرة. قيل: فما أنت لثماني عشرة؟ قال: قليل البقاء سريع الفناء. قيل: فما أنت لتسع عشرة؟ قال: بطيء الطّلوع بين الخشوع. قيل: فما أنت لعشرين؟ قال: أطلع بسحره و أرى بالبهرة، قيل: فما
أنت لإحدى و عشرين؟ قال: كالقبس أطلع في غلس. قيل: فما أنت لاثنتين و عشرين؟ قال:
أطيل السّرى ألا رأيت ما أرى. قيل: فما أنت لثلاث و عشرين؟ قال: أطلع في قتمة و لا أجلي الظّلمة. قيل: فما أنت لأربع و عشرين؟ قال: أرى في تلك اللّيالي لا قمر و لا هلال.
قيل: فما أنت لخمس و عشرين؟ قال: دنا الأجل و انقطع الأمل. قيل: فما أنت لستّ و عشرين؟ قال: دنا ما دنا فليس يرى لي سناء. قيل: فما أنت لسبع و عشرين؟ قال: أطلع بكرا و أرى ظهرا. قيل: فما أنت لثمان و عشرين؟ قال: أسبق شعاع الشّمس، و قيل: فما أنت لتسع و عشرين؟ قال: ضئيل صغير لا يراني إلا البصير. قيل: فما أنت لثلاثين؟ قال:
هلال مستقبل.
و يقال: جئت لعقب الشّهر و عقبا له أي بعد ما يمضي، و في عقبه و عقبه إذا بقيت منه بقيّة.
و يقال: لا يفعل كذا إلّا عقبة القمر. و ذلك إذا قارن الثّريا و يقارنها في السنّة مرّة و هو من المعاقبة، و ذلك إذا استوى اللّيل و النّهار، و قيل: هو عودته إذا غاب و قال بعضهم في العقبة:
لا يطعم العسل و الخطميّ لمتهو لا الزّريرة إلّا عقبة القمر
و أنشد ثعلب عن ابن الأعرابي عن المسروحي قال:
لما رأيت الشّعراء أبدواو كلّ شيء جمعوه عدّدوا
حاجتهم ما ذو عصا مسندحيّ كميت عينه توقد
سيد جمع حوله لم يولد
(سيّد جمع): يعني القمر و النّجوم حوله و (ذو عصا) قال جعل عصاه المجرّة و (مسند): أي في السّماء، و قيل أيضا: يسند إليه الشّهور و الأيام و (حي كميت) أي يسير و لا روح له و معنى (أبدوا) أتوا بالأوابد و الدّواهي. و أنشد أبو زيد عن المفضل لرجل من بني سعد شعرا:
مهما يكن ريب المنون فإنّنيأرى قمر اللّيل المعذّب كالفتى
يهلّ صغيرا ثم يعظم قدرهو صورته حتّى إذا هو ما استوى
يقارب يخبو ضوؤه و شعاعهو يمصح حتّى يستسرّ فلا يرى
كذلك زيد المرء ثم انتقاصهو تكراره في إثره بعد ما مضى
(زيد المرء) زيادته. و قال آخر:
يدان بنا و ابن اللّيالي كأنّهحسام جلت عنه العيون صقيل
فما زال يغلو كلّ يوم شبابهإلى أن أتتك العيس و هو ضئيل
و المعنى سرنا من أوّل الشّهر إلى آخره حتى انتهينا إليك. و أنشد ابن الأعرابي:
فلو كنت ليلا كنت ليلة صيفمن المشرقات في موسّطة الشّهر
و لو كنت ظلّا كنت ظلّ غمامةو لو كنت عرشا كنت تعريشة الفجر
و لو كنت يوما كنت يوم سعادةيرى شمسه و المزن يهضب بالقطر
و أنشدت عن نقطويه، قال: أنشدني ثعلب عن ابن الأعرابي شعرا:
لو كنت ليلا من ليالي الشّهركنت من البيض تمام البدر
بيضاء لا يشقى به من يسريأو كنت ماء كنت غير كدر
ماء سماء في صفاء من صخرأظلّه اللّه بعيض السدر
فهو شفاء من غليل الصّدر
و أنشدني حمزة بن الحسن قال: أنشدني علي بن سليمان عن المبرد:
و ليل في جوانبه فضولعلى الآفاق أبهم غيبهان
كأنّ نجومه دمع حبيسترقرق بين أجفان الغواني
قال أبو عمر الزّاهد: عرضت هذين البيتين على ثعلب، فقال: البيت الثّاني مضاف إلى شعر الشّاعر و ليس له. و قال جرير في قصّة الأيام:
و يوم كإبهام القطاة مزينإلى صباه غالب لي باطله
و أنشد في مثله:
ظللنا عند دار أبي نعيمبيوم مثل سالفة الذّباب
و أنشد أبو العباس ثعلب:
و سيّارة لم تسر في الأرض تبتغيمحلّا و لم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لا تسري الرّكاب و لم ينخلورد و لم يقصر لها القيد مانع
تفتّح أبواب السّماء و دونهاإذا ما ارتجت عنها المسامع سامع
يعني دعوة مظلوم دعا اللّه تبارك و تعالى و أنشد في مثله شعرا:
خدنان لم يريا معا في منزلو كلاهما يجري به المقدار
لونان شتّى يغشيان ملاءةتسفي عليه الرّيح و الأمطار
(الخدنان): اللّيل و النّهار و (الملاءة) يعني بها الأرض. و قال آخر في المحاجاة:
ما جملي قهقرني و إبلي يعذرنيو قربتي روية و كلبتي حميّة
جمله القمر، و القهقر الشّديد و إبلي يعذرني: يعني النّجوم، و قربته السّماء تمطر و كلبته حميّة يعني الشّمس. و أنشدني العسكري أبو أحمد، قال: أنشدني المفجع الكاتب:
و ما واضح بعد الغياث مصورله خلع شتّى و ما هو لابس
يعني: قوس قزح، و (الغياث) المطر. قال و أنشدني الآخر:
أكلت النّهار فأفنيتهفهل في لياليك من طمع
النّهار: الذّكر من الحبارى و اللّيل: فرخ الكروان، قال: و أنشدني عن ثعلب:
ألا ليتني أصبحت يوما بمنزلبعيد من اسم اللّه و البركات
هذا رجل طال سفره، فكان إذا ارتحل أصحابه قالوا: اسم اللّه. و إذا نزلوا قالوا: على بركة اللّه، قيل: طول السّفر، و قال ذلك. و قال آخر في ضده:
ليتني في المسافرين حياتيلا لحبّ الحلول و التّرحال
بل لخمس تحطّ منهنّ ستّو ثلاثين لا تكون ببالي
يعني خمس صلوات، يحطّ منها ست ركعات و هي: صلوات المسافر. و أنشدني أبو أحمد العسكري:
رمتني بنجلاوين من ترميانهبسهمها شدّت عليه التمائم
و شفّت سحابا فيه سبعون أنجماو شمس تولّتهنّ عشر نواعم
النّجلاوان: العينان يقول من أصابته بطرفها جن، و السّحاب: أراد به أنّها حلّت أزرارها جعل الغطاء كالسّحاب و الأنجم اللآلئ، و الشّمس منه كالقلادة من فضّة أو ذهب و أراد بالعشر النّواعم الأصابع و أنشد:
ستة إخوة و أخت شريفةهي في دارنا و دار الخليفة
يعني أيام الأسبوع.
و أسماء لأفعال مختصّة بأوقات في الفصول و الأزمان يوم العداد: يوم العطاء و الفرض. لذلك قيل: عداد فلان في بني فلان أي ديوانه.
قال ابن الأعرابي: العداد: الوقت الذي تتهيج فيه أوجاع البطن. و العداد الرّبع من الحمى و أنشد:
يلاقي من تذكّر آل ليلىكما يلقى السّليم من العداد
و في الحديث: «و ما زالت آكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري» أي يأتيني الأذى منها لوقت معلوم. (و العداد): اللّيلة التي يناح فيها على الميت من كلّ أسبوع.
و عدة المرأة: أيام قرئها.
و الصّبوح: ما يشرب صباحا. و الغبوق: ما يشرب عشاء. و من أمثالهم: جاء فلان و قد أحيل صبوحه على غبوقه، إذا صرف عن رأيه و أمره. و مثله: جاء فلان و قد فتلت ذوائبه و فتّ في عضده. و في الحديث: «ما زال يفتل في الذّروة و الغارب» و أنشد:
ما لي لا أسقى على علّاتيصبائحي غبائقي قيلاتي
و النّحويون يحتجّون بهذا في حذف حروف العطف من الكلام.
و القبيل: شرب نصف النّهار، و في قصة تأبّط شرّا: شروب للقبيل- يضرب بالذّيل كمغرب الخيل- و أنشد:
يا ربّ مهر مزعوقمقيل أو مغبوق
من لبن الدّهم الرّوق.
مزعوق: أي نشيط.
و الجاشريّة: شرب السّحر. يقال: أسحرنا فتجشّرنا فنحن مسحرون متجشّرون من جشر الصّبح. و أنشد:
إذا ما شربنا الجاشريّة لم نبلأميرا و إن كان الأمير من الأزد
و ما يؤكل فيه اسمه السّحور و الطّائر المسحّر: إذا غرّد سحرا. و السّحر و السّحرة واحد. و يقال: صبّحناهم و غبقناهم و غشيناهم و غديناهم قال عدي:
بينك فلم يلقهم حقباء
و الضّحاء للإبل: كالغداء للنّاس، و أوّل وقت الغداء قبل الفجر الثّاني، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم للعرباض حين دعاه إلى السّحور: «هلمّ إلى الغداء المبارك». فالغداء و العشاء مأخوذان من الغداة و العشيّ. و يقال لمن خرج في هذا الوقت: قد غدا منه، فإن يقدم في هذا الوقت لم يقل غدا، و لكن يقال: دلج إذا خرج في نصف اللّيل، أو في أوّله و أدلج إذا خرج في آخره، فإذا انبسطت الشّمس فإن شئت سمّيت الغداء ضحاء. و يقال: ضح إبلك، أي غدها و سمّى ضحاء لأنّهم يضحّون للشّمس و في القرآن: لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى [سورة طه، الآية: 119] أي لا تعطش و لا تصيبنّك الشّمس. و بناء الفعل من هذه الأفعال قياسه مطّرد و في أظمأ الفعل و الظماء ما بين الوردين، يقال: وردت الإبل الرّبع و الخمس إلى العشر و من هذا قول الكميت:
و ذلك ضرب أخماس أريدتلأسداس عسى ألّا تكونا
هذا مثل يضرب للرّجل يتعلّل بغير علّة يظهر لك شيئا و يريد غيره، و الّذي يريد شيئا يتوصّل إليه بغير وجهه، و يخيّل عنه صاحبه. و وردت الماء ظاهره أي وردت كلّ يوم نصف النّهار.
و الغب: أن يرد يوما و يدع يوما، و كذلك الغب في الزّيارة. و في الحديث: «زر غبّا تزدد حبّا» و منه قيل: أغبّ اللّحم أغبابا، و غب غبوبا إذا أروح و لحم غاب و مغب. و حكى أبو زيد: لأضربنّك غبّ الحمار و ظاهره الفرس. و غب أنّه يرعى يوما و يشرب يوما.
و الظّاهر أنّه يشرب الفرس كلّ يوم.
و يقال: أفضينا اليوم: إذا شربت الإبل قليلا قليلا، و أشربنا إذا رويت إبلنا. و الغب في الورود: معروف، و لا يقال: بدله الثّلث، كما قيل الرّبع. و الورد يوم الحمى، و يقال: هو مورود. و القلد: يوم يأتي فيه المثلّثة. و القد أيضا أن يمطر النّاس من الأسبوع في يوم معلوم ثلاثا أو أربعا أو أحد الأيام.
و يقال: هو مربع و مربوع في حمى الرّبع. قال الهذلي:
من المربعين و من آزلإذا جنّه اللّيل كالنّاحظ
و القلع: و حواذها أن يعاود و ينقطع مرّة بعد أخرى، و هذا كما قال النّابغة في صفة السّليم: تطلّقه طورا و طورا تراجع. و السّرح: المال يسأم في المرعى.
يقال: سرح القوم إبلهم سرحا و سرحت الإبل، و المسرح مرعى السّرح و لا يسمّى سرحا من المال إلا ما يغدى به و يراح، و الجميع السّروح و يكون السّارح اسما للقوم الذين لهم السّرح، نحو الحاضر و السّامر و هما للجميع. و أنشد في ذلك:
سواء فلا جدب فيعرف جدبهاو لا سارح فيها على الرّعي يشبع
و قال: أم حصان لم تكن أمة في الحي ترعى سارح الغنم. قال أبو بكر الدّريدي، و في دعاء الاستسقاء: قلّدتنا السّماء قلدا قلدا أي: وردا وردا، و يقال: صارت الحمى تحاودنا بالزّيادة، أي يتعهدنا بين الأيام.
و الغداء و العشاء معروفان. و قيل لبعضهم: ما المروءة؟ قال: إصلاح المال و الرّزانة في المجلس. و الغداء و العشاء بالأفنية. و ما يتعلّل به قبل الغداء السّلفة و العجلة و اللّهنة.
قال: عجيز عارضها، منفل، طعامها اللّهنة أو أقل. و يقال: لهنوا ضيفكم أي قدّموا إليه ما يتعلّل به قبل إدراك الغداء. و القيلولة: نوم نصف النّهار، و يقال: فلان يعشو إلى نار فلان:
إذا جاءها ليلا و ذلك لما يغطي بصره من الظّلمة. و قال:
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
و منه: أوطانه العشوة إذا حربه بالباطل، و هذا كما قال تعالى: أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [سورة يونس، الآية: 27] و يقال للأكلة في اليوم و اللّيلة: الوجبة و الوزمة، و قد وجب و الوزمة: و قد وجب نفسه و عياله و توجّب بنو فلان، و ما يجلب بنو فلان إبلهم و غنمهم الأوجبة و الأوزمة و أنشد:
علقت عجوزهم إذا هي أظلمتبالجاشريّة مثل وزمة درهم
و الجاشريّة: شربة في السّحر على غير طعام و منه قوله:
و ندمان يزيد الكأس طيباسقيت الجاشريّة أو سقى لي
و من كلامهم: من أكل الوجبة أو الوزمة لم يمعد، و الممعود: الذي يشتكي معدته و يقال: أتيته آئنة بعد آئنة، على وزن عائنة أي تارة، و أتيته بعد أين و يهمزون الأين و لا يهمزون و أنشد:
ترى قورها يغرقن في الآل مرّةو آئنة يخرجن من عام ضحل
و حكى الأصمعيّ قال: قيل للرّجل أسرع في مشيه: كيف كنت في سيرك؟ قال: كنت
آكل الوجبة- و أنجو الوقعة- و أعرس إذا أفجرت- و أرتحل إذا أسفرت- و أسير الوضع- و أجتنب الملع- فجئتكم لمسي سبع- قوله: أنجو الوقعة: أي أقضي الحاجة في اليوم مرة يعني إتيان الخلاء. و يقال: أنجا و نجا جميعا. و الملع ضرب من السّير و هو أشدّ من الوضع، و اختار الوضع على الملع لئلّا ينقطع سيره.
و قد قيل: شرّ السّير الحقحقة- و يقال: جزم حزم إذا أكل أكلة في اليوم و اللّيلة.
و يقال: ما زال يتمهّق إذا شرب يومه أجمع.
و يقال: تهقّعوا أوردا: أي ورودا كلّهم.
و التّحيين: حلب النّاقة مرة في اليوم و اللّيلة. و أنشد:
إذا أفنت أرمي عيالك أفنهاو إن حينت أربي على الوطب حينها
قال: الأصل الحينة، و هو أن يأكل في اليوم مرّة.
و يقال للعروس إذا غشيها زوجها: هذه ليلة فضتها أي ليلة اقتراعها. الكسائي يقال:
أمرجت الدّابة في لغة بني تميم و غيرهم، يقول: مرجتها قال العجّاج:
رعى بها رعي ربيع ممرجا، و عبهلتها و أسمتها، كلّ ذلك إذا أهملها في المرعى نهارا، فإذا كان باللّيل قيل أنفشها. قال:
أجرش لهابا بن أبي كباشفما لها اللّيلة من أنفاش
غير السّرى و سائق نجّاش
و الفعل لها نفشت، و لا يستعمل إلا باللّيل، و في القرآن: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [سورة الأنبياء، الآية: 78].
و كذلك النّشر أن ينشر الغنم باللّيل فترعى، و إذا أرسلت فرعت قيل: صبت الإبل تصبو. قال شعرا:
إذا تروّحن من الإعياءباللّيل لا يصبون في عشاء
و يقال: فلان قنفذ ليل: أي يدور في اللّيل و لا ينام، و القنفذ لا ينام. و هذا كما أنّ القطرب دويبة تقطع نهارها بالمجيء و الذّهاب. و في الحديث: «لا يبيتنّ أحدكم جيفة ليل و قطرب نهار» قال:
قوم إذا دمس الظّلام عليهمحدجوا قنافذ بالنّميمة تمزع
و الدّلجة: السّرى من أوّل اللّيل إلى آخره. و قيل: دلج اللّيل: سار من أول اللّيل، و أدلج: سار من آخره. قال أبو حاتم: أو بعد نومة ينامها.
و التّعريس: النّزول في آخر اللّيل، كما أنّ التّغوير في آخر النّهار. و هذا كما أنّ الاقتحام من أوّل اللّيل، و الاهتجام في آخره.
و يقال: بلغ الأمر نياه: أي وقته. ثم قيل: طال به الأناء مقصورا، فإن فتحت مددت الألف، و أنشد الحطيئة:
و أتيت العشاء إلى سهيلأو الشّعرى فطال بي الأناء
و حكى أبو نصر عن الأصمعي: آن آنه: أي حان حينه، و أنى له أن يفعل كذا يأني أنيا.
و آن يئين أينا. و أنشد الدّريدي: قال أنشدني أبو حاتم عن الأصمعي: أونوا فقد آن عليها الطّلح. و قال: و هذا من الأون الرّفق- يقال: إن يؤن أونا، و كان الواجب أن يقول: أونوا على الطّلح فقد آن، أي ارفقوا بها فقد أعيين.
و التّأويب: السّير من غدوة إلى اللّيل. قال الرّاجز:
كأنّ غرّ متنه إذ نجنبهسير صنائح في حزير نكلّبه
من بعد يوم كامل نؤوّبه
غرّ المتن: طريقته. يقال: إنها تبرق كأنّها سير في حزر.
و يقال: فلان على جول فلان إذا كان على سنّه، و هو سوغه أي طريده، ولد بعده ليس بينهما ولد، و هم أسواغه.
يقال: هو سنه و تنّه: أي مثله و قرنه.
و الملى و المعك و المدالك و المطل: تأخير قضاء الدّين عن وقته و مطله.
و يقال: لقيته أوّل وهلة و واهلة و وهلة- و أوّل ذي أوّل- و أوّل صوك و بوك- أي قبل كلّ شيء و قبل كلّ أحد.
و قال يونس: أقامت امرأة فلان عنده: يعني امرأة العنين ربضتها إذا أقامت عنده حولا ثم فرّق بينهما. و يوم الطّلق و يوم القرب. قال الأصمعيّ: سألت أعرابيا عن القرب، فقال:
سير اللّيل لورود الغد، و يقال: ناقة طالق: من الطّلق، و قارب من القرب.
قال: أسد و كلب: يسمّون صلاة المغرب صلاة الشّاهد، و غيرهم من العرب يسمّي الفجر: صلاة الشّاهد و أنشد:
فصبحت قبل الأذان الأوّلتيماء و الصّبح كسيف الصّيقل
قبل صلاة الشّاهد المستعجل
و أنشد غيره: بين الظّلام و صلاة الشّاهد. و أنشد ابن الأعرابي:
يا حبّذا قولهم أبيلواو عرّسوا فقد دنا المقيل
يقول: إذا أبالوا الإبل اجتمعت فأمكن السّلام و المصافحة، و استراح العسيف.
قال الأصمعيّ: المستمي: الطّالب للصّيد نصف النّهار، و السّامي مثله. و قال الأصمعيّ: هو الطّالب الصّيد و غيره في أيّ وقت كان، و أنشد:
إذا بكر العواذل أستميتو هل أنا خالد أما ضحوت
قال: أستميت أي طلبت بكرا. و أنشد أبو عبيدة شعرا:
و ليس بها ريح و لكن وديقهيظلّ بها السّامي يهلّ و ينقع
يهلّ: يستحلب ريقه ينفعه تحت لسانه من العطش. و قال جرير:
بقر أوانس لم يصب غرّاتهانبل الرّماة و لا رماح المستمي
(أبو عمرو): ليلة شيباء: هي اللّيلة التي يقترع الرجل امرأته فيها و أنشد:
كليلة شيباء التي لست ناسياو ليتنا إذ مرّ في اللّهو قرمل
قال: الشّيباء الضّعيفة، و الأشيب: الضّعيف، و قال قطرب: ليلة الشّيباء التي يفتضّ الرّجل فيها أهله ثم أنشد شعرا:
و كنت كليلة الشّيباء همّتبمنع الشّكر آتمها القبيل
آتمها: صيّرها أتوما، و هي المفضّاة التي صارت شيئا واحدا. و القبيل: الذي يقابلها في الجماع. و قد قيل: الشّيباء يمد و يقصر، و قال الأسدي: باتت بليلة شيباء على الإضافة و بليلة شيباء بالتّنوين، و ضدّها ليلة حرّة.
و حكى ابن الأعرابي: قال سألت أبا المكارم عن الصّوص، فقال: هو الذي ينزل وحده، و يأكل وحده بالنّهار، فإذا كان اللّيل أكل في القمراء لئلّا يراه الضّيف. و أنشدني:
صوص الغنيّ سدّ غناه فقره. سدّ غناه فقره: يعني فقر النّفس يمنعه من الكرم. و أنشد أيضا شعرا:
يا ربّ شيخ من بني قلاصيأكل تحت القمر الوباص
باهرة باتت على أدراص الأدراص: ولد الفأر، و يقال: فصيل صيفي، و فصيل ربعي، و ما تنتج بعد سقوط الغفر إلى أن يمضي، يقال له هبع و سمّي هبعا لأنّ الصّال الرّبعيّة أكبر منه و قد قويت، فهو لا يلحقها إذا مشت لأنّها أدرع منه فيهبع في مشيه، و الهبع و الهبعان شبيه بالإرقال.
و قال ابن قينة: الشّرب في نصف النّهار: القيل، و لم يبلغني عنهم اسم للطّعام في هذا الوقت، فإذا زالت الشّمس و صار الظّل فيئا فهو أرواح. و لهذا قيل في يوم الجمعة: راحوا إلى المسجد، و يرى أهل النّظر أنّ الرّواح مأخوذ من الرّوح لأنّ الرّيح تهبّ مع زوال الشّمس. قال لبيد: راح القطين بهجر ما ابتكروا، فجعل الرّواح في الهاجرة.
ثم يكون الأكل بعد الهجير عشاء، لأنّه يكون بالعشيّ. و العشي إلى سقوط القرص.
ثم يكون المساء بعده إلى عتمة اللّيل. و ليس يزيل المساء العناء.
قال شعرا:
و أ نيئت العشاء إلى سهيلأو الشّعرى فطال بي الأناء
و قال أحمد بن يحيى: (التّعريس): باللّيل و النّهار. و (التّهويم): بالفجر و (وفعوا وفعة): ناموا نومة.
و حكى ابن الأعرابي أنّ أحدنا يجزم الجزمة أي يأكل في النّهار مرّة.
و حكى أيضا: أنّ أحدنا ليدعلج دعلجة الجرد، و الدّعلجة الذّهاب و المجيء في الأكل. قال: يأكل دعلجة و يشبع من عفاء.
و يقال: ناقة مسحقة: إذا أسحقت أيّام سنتها منذ يوم ولدت، و ناقة مسحقة إذا استحقت سمنا، و استبان ذلك فيها، و مستحقة لإرسال الفحل عليها.
و يقال: أرح إبلك عليك: أيّ بيتها عندك و أغربها بيتها في الكلأ. و يقال: في معنى أرح روح أيضا، قال كعب بن سعد شعرا:
وقور فاه حلمه فمروّحعلينا و أمّا جهله فغريب
و هذا من كلامه مثل، يريد أنّ حلمه يعطف عليهم، و جهله يغرب عنهم، و المعنى لا جهل.
ثم قال الأصمعيّ: التّجمير: طول الإقامة في الثّغور، قال و لا لغاز إن غزا لجمير.
قال أبو عمر: و التّغمير: أن يدبّ الأعرابي في اللّيلة المقمرة إلى النّساء. و التأطير: أن
تبقى المرأة في دار أبويها زمانا لا تتزوّج. و أنشد المفضّل:
تأطّرن حتّى قيل لسن بوارحاو ذبن كما ذاب السّديف المسرهد
و يقال: باتت المرأة: إذا تحوّلت من دار أبويها إلى دار زوجها. و أنشد لكثير عزة:
و إنّي لأستأني و لو لا طماعةلعزّة قد جمّعت بين الضّرائر
و همّت بناتي أن يبتن و حمّمتوجود رجال من بني الأصاغر
فإذا تحوّلت يقال لها عانق و قد عنقت. و أنشد ابن الأعرابي:
ضح قليلا يلحق الدّاريون. و يقول: ارع إبلك ضحى، و هذا مثل أي كفّ عن الطّرد حتى يلحقك أصحاب الدّور، و هذا تفسير ابن الأعرابي.
و هو فصلان
قال أبو سعيد: أخبرنا أبو الحسن الطّوسي: حدّثنا ابن الأعرابي عن الأصمعي و غيره. (قالوا): الرّياح أربع: الجنوب- و الشّمال- و الصّبا- و الدّبور- قال ابن الأعرابيّ و كلّ ريح بين ريحين فهي نكباء و الجمع نكب.
فأمّا مهبّهنّ: فابن الأعرابي قال: (مهبّ الجنوب) من مطلع سهيل إلى مطلع الثّريا.
و الصّبا: من مطلع الثّريا إلى بنات نعش.
و الشّمال: من بنات نعش إلى مسقط النّسر الطائر.
و الدّبور: من مسقط النّسر الطّائر إلى مطلع سهيل.
و النّكب: كلّها داخلة في هذا القول في الأربع.
قال: و الجنوب و الدّبور لهما هيف. (الهيف): الرّيح الحارة. قال: و الصّبا و الشّمال لا هيف لهما، و العرب تجعل أبواب بيوتها حذاء الصّباء و مطلع الشّمس.
و قال الأصمعيّ: ما بين سهيل إلى حرف بياض الفجر جنوب، و ما بإزائها مما يستقبلها من الغرب شمال.
و ما جاء من وراء البيت الحرام: فهو دبور، و ما جاء قبالة ذلك فهو صباء و الصّباء القبول. قال: و إنما سمّيت قبولا لأنّها استقبلت الدّبور. و قال المبرّد: سمّيت قبولا لأنّها لطيبها تقبلها النّفوس.
و ذكر أبو يحيى بن كناسة أنّ خالد بن صفوان قال: الرّياح أربع: (الصّبا) و مهبّها ما
بين مطلع الشّرطين إلى القطب. (و مهبّ الشّمال) ما بين القطب إلى مسقط الشّرطين.
(و مهبّ الدّبور) ما بين مسقط الشّرطين إلى القطب الأسفل. و (مهبّ الجنوب) ما بين القطب الأسفل إلى مطلع الشّرطين.
و حكي عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب أنه قال: الرّياح ستّ: القبول، و هي:
الصّبا- و الدّبور- و الشّمال- و الجنوب- و النّكباء- و ريح سادسة يقال لها محوة.
ثم فسّر ذلك فجعل ما بين المشرقين مخرج القبول و هي الصّبا. و جعل ما بين المغربين مخرج الدّبور. و جعل ما بين مشرق الصّيف إلى القطب مخرج النّكباء. و جعل ما بين القطب إلى مشرق الصّيف مخرج الشّمال، و جعل ما بين مغرب الشّتاء إلى القطب الأسفل مخرج الجنوب. و جعل ما بين القطب الأسفل إلى مخرج الشّتاء مخرج محوة.
قال أبو يحيى: النّاس على قول خالد: فالقبول هي المشرقيّة لأنّها من قبل المشرق تجيء. قال:
إذا قلت هذا حين أسلو يشوقنينسيم الصّبا من حيث يطلع الفجر
و الدّبور: تناوحها و هي المغربيّة. قال أبو حنيفة؛ و هاتان الرّيحان على ما ذكرنا في جميع الأرض.
فمهب الصّبا بكل بلد من قبل مشرقه. و مهبّ الدّبور من قبل مغربه.
و كذلك الرّيحان الآخران مهبّهما بكل بلد من جهة القطبين. فأما قولهم للجنوب اليمانية و للشّمال الشّامية فلأنّ مهبّهما كذلك هو بالحجاز و نجد فالشّمال تأتيهم من قبل الشّمال. و الجنوب من قبل اليمن.
و ليس ذلك بلازم لكل بلد لا يكون الشّمال ببلاد الرّوم شاميّة و لا الجنوب ببلاد الزّنج يمانيّة، فاعلموا و يقال: هبّت الرّيح تهب هبوبا.
و حكي عن بعض العرب: أنّ الريح لشدّة الهبوب. و يقال: جنبت الرّيح تجنب جنوبا. و من الشّمال شملت الرّيح تشمل شمولا. و صبت تصبو صبوا و صبا. و قبلت تقبل قبولا و قبلا. و دبرت تدبر دبورا.
و يقال في الشّمال: شمأل و شامل و شمل و شميل و شمول، و يقال: هبّت الشّمال و هبّت شمالا، و هبّت ريح الشّمال، و هبت ريح شمال. قال جرير شعرا:
هبّت شمالا فذكرى ما ذكرتكمإلى الصّفا إلى شرقي حورانا
و جعل قوله شمالا صفة، و نصبه على الحال.
و قال:
و هبّت الشّمال البليل و إذبات كميع الفتاة ملتفعا
و يسمّى الجنوب: الأزيب، و يسمّى النّعامى، قال أبو ذؤيب:
مرته النّعامى فلم يعترفخلاف النّعامى من الشّام ريحا
و تسمّى الشّمال محوة، و يقال: هاجت محوة غير مجراه، و تسمّى الجريباء. قال ابن أحمر:
بواد من قسا ذفر الخزاميتداعي الجريباء به الحنينا
و إنّما سمّيت محوة لأنّها تمحو السّحاب: تكشفه و تذهب به، و يقال: أصبحت السّماء صحوة محوة إذا انمحى ما عليها من السّحاب.
قال أبو زيد: من أسماء الدّبور: محوة و القفواء. و عند الأصمعي: محوة اسم للشّمال و يسمّى أيضا مسعا و نسعا. قال شعرا:
قد حال دون دريسيه مؤوّبةتسع لها بعضاه الأرض تهزيز
و يقال: أجنبنا و اشملنا و أدبرنا و أصبينا أي دخلنا فيها، و كذلك أرحنا فإن أردت أنّها أصابتنا قلت: قبلنا و صبينا، فنحن مصبئون و مصبيّون و جنبنا و دبرنا و رحنا فنحن مريحون.
قال:
غير درست غير رماد مكفورمكتئب اللّون مريح ممطور
و قال آخر: مجنوبة الدّل مشمول خلائقها.
و خالف الطّرمّاح أكثر العرب فجعل الهيف في البرد فقال:
و طفأ سارية و هيف مبرد
و قال أبو زياد يقول: إذا كان يوم ريح هذا يوم هائف طيب، و من أمثالهم: ذهبت هيف لأديانها. و قال ذو الرّمة:
أهاضيب أنواء و هيفان جرّتاعلى الدّار أعراف الجبال الأعافر
و ثالثة تهوي من الشّام حرجفلها سنن فوق الحصى بالأعاصر
و رابعة من مطلع الشّمس أجلفتعليها بدقعاء المعا فقراقر
فذكر الرّياح الأربع كلّها فجعل الجنوب و الدّبور منها يحيي الخير، و هما الهيفان-
و قال الرّاعي: و ذكر ريح الشّتاء فغلب عليها الشّمال لأنها أشدّ ريحي الشّتاء بردا:
و هبّت بأرواح الشّتاء عليهمشمال يؤدّي الرّائحات نسيمها
و قال أوس في مثله:
و عزّت الشّمال الرّياح و إذبات كميع الفتاة ملتفعا
و قال أيضا:
و غداة ريح قد وزعت و قرةإذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
و من صفاتها عند هبوبها و قد اشتدّ خزيق قال جميد:
بمثوى حرام و المطيّ كأنّهاقنا مسند هبّت لهنّ خزيق
و النّافجة: أوّل كلّ ريح إذا اشتدّت. قال ذو الرّمة:
يستنّ في ظلّ عراص و يطردحفيف نافجة عثنونها خضب
و ريح نوج: شديدة، قال العجّاج: و اتّخذته النّافجات مناجا.
و ريح سيهواء و سيهوج: سريعة المر، شديدة القشر للأرض. و قال رجل من بني سعد شعرا:
يا دار سلمى بين دارات العوججرّت عليها كلّ ريح سيهوج
و قال ذو الرّمة:
و صوح البقل ناح يجيء بههيف يمانية في مرّها نكب
و ريح زفزف: لها صوت كزفزفة الظّليم. و ريح هدوج تسمع لها هدجة، و ريح هفافة و الهفهفة سرعة المرّ. و ريح ريدة رادة و ريدانة من راد يرود. قال ابن ميّادة:
أهاجك المنزل و المحضررادت به ريحانة صرصر
و قال آخر: جرّت عليها كلّ ريح ريدة. و قال ابن أحمر:
ولهت عليها كلّ معصفةهوجاء ليس للبها زبر
قوله ليس للبها زبر: مثل يقال للرّجل إذا كان ذا رأي و حجى إنّه لذو زبر و ذو جول و الزّبر طي البير بالحجارة.
و السّموم: الرّيح الحارة باللّيل و النّهار. و الحرور مثلها. و السّمام: الرّيح الحارّة و هي
السّموم. و يقال: يوم ذو سمائم، و لا يقال: يوم ذو حرائر و ليلة سموم و ليلة ذات سموم.
و حكى ابن الأعرابي: يوم سام و مسم. و يقال: حرّ يومنا، و حرّت ليلتنا و هو يحر و يحر حكاهما جميعا ابن الأعرابي و اللّحياني، و قد حرّرت يا يوم و حرّرت يا رجل. و أنت تحر حرارة و حرة. و رجل حرّان، و امرأة حرّى من العطش. و قوم حراري و حرارى و حرار.
و نسوة حريات و حرارى. و قد قرّ يومنا، و هو يقر مرفوعة القاف و لغة قليلة يقرّ.
و اللّجوج: الدّائمة الهبوب لا تكاد تسكن.
و الرّياح: اللّواقح تثير السّحاب بإذن اللّه و تلقح الشّجر. و الذّاريات التي تذر التّراب.
و العقيم: التي لا تلقح السّحاب. و الرّهاء و الرّهو: جميعا اللّينة، و قد رهت ريحها أي سكنت بعد شدة. و الشّفان: الرّيح الباردة، و إنّ ريحها لذات شفان، و أمست ريحها تشف شفيفا إذا اشتدّ بردها، و يقال: ليلة شفان. و قال:
و ليلة شفان بأرض كريهةأقمت بها صحبي و لمّا أعرّس
أي أقمتهم على السّير و الحرجف: الباردة. و يقال: ليلة حرجف و ريح حرجف للشّديدة الهبوب.
و الجيلان: التي تجيل الحصى. و يقال: ريح ذات جيلان و ريح جائلة. و العجاج: الغبار و عجّ يومنا بعجاج، و ريح عجاجة و ذات عجاج. و الإعصار: التي ترفع التراب لشدة هبوبها بين هبوبها بين السّماء و الأرض، و إنّما هي في مكان واحد. و قد عصرت الرّيح بأعاصير و ريح معصر.
و الهباء: التّراب الذي تطيّره الرّيح، تراه على وجوه النّاس و ثيابهم و الهبوة: الغبرة تراها في السّماء. و يقال: إنّ يومنا لذو هبوة و لا يقال: أرى في السّماء هباء، و لا يومنا ذو هباء، و لكن ذو هبوة إذا كانت الرّياح تجيء بتراب مثل الزّريرة. و الغبرة: الغبار و قد اغبرّ يومنا، و رجل مغبر في حاجته إذا قصد لها و جدّ فيها. و قد أقتم يومنا، و يوم ذو قتام، و في السّماء قتمة و غبرة و يقال: قتمة أيضا.
قال الأصمعي: و الحرجوج: الدائمة الهبوب المتمادية، و الصّر: القر بلا ريح.
و يقال: يوم صر، و ليلة صر و ليلة صر. و الهوجاء: الشّديدة كأنّ فيها هوجاء. و النّسيم:
الرّويد و قد نسمت و تنسمها و ريح ذات نسيم. و الرّامسات: التي تعفي الآثار، و ترمس الحجرة، أي تدفنها. و السّافية: التي تسفي التّراب و يوم ذو سافياء، و ريح قاصف تكسر ما تمر به. و المجافيل: الشّداد يجفلن الشّجر و ريح جافلة: و المور العجاج و الحاسة الباردة تحرق النّبات.
و البارح: الشّديدة تجيء في القيظ. و يقال: إنّ يومنا لبارح. و ريح حاصبة و ضربتنا بحاصب.
و النّافجة: ينتفج برد.
و الخجوج: الشّديدة الهبوب و لا تكون إلا في القيظ، و قد خجّت الرّيح خجيجا.
و الهارية: الشّديدة البرد. قال الكميت:
نباري الرّيح ما هرأت و فئنالأموال الغرائب ضامنينا
نصب ضامنينا بفئنا، و معنى: فئنا: رجعنا و يروى و قئنا كأنه قال: و قئنا لأموال الغرائب و ينتصب ضامنين على الحال كما يقول: وقينا السّماحة و الهارية.
و البليل: و الحاسة في الشّتاء و يقال: أصابتنا ريح بليل، و يوم بليل، و ليلة بليل أي باردة، و إن لم يكن فيها ريح.
و النّعور: التي تفجأك ببرد و أنت في حرّ، أو بحرّ و أنت في برد. و الهدوج: التي تزعزع كلّ شيء.
و يقال: راح يومنا يراح: إذا اشتدّت ريحه، و يوم راح و ريح. و يقال: سكنت الرّيح و فترت و سجت. فأما قول ذي الرّمة و هو يصف قفرا شعرا:
إذا هبّت الرّيح الصّبا درجت بهغرائب من بيض هجائن دردق
فإنّما اكتفى بذكر هبوب الصّبا لأنّه علم أنّ ذلك يكون في الشّتاء فكأنّه قال: إذا كان الشّتاء درجت بهذا البلد خفان النّعام، و النّعام لا توطن إلّا القفر البعيد من الأنس. و كلّ مواطنه النّعام. فالخفان فيه في الشّتاء موجود لأنّها تبتدئ البيض في الوسمي. و قيل:
الشّتاء أكثر ذلك، و لهذا قال ذو الرّمة:
حتى إذا الهيق أمسى شأم أفرخهو هنّ لا مؤيس نابا و لا كتب
يرقد في ظلّ عراص و يطردهحفيف نافجة عثنونها خضب
تبرى له صلعة خرجاء خاضعةفالخرق دون بياض البيت منتهب
ويل أمّها روحة و الريح معصفةو الويل مرتجز و اللّيل مغترب
لا يأمنان سباع اللّيل أو برداإن أظلما دون أطفال لها لجب
و يقال: عصفت الرّيح و أعصفت، و في القرآن: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [سورة إبراهيم، الآية: 18] فهذا شأن الرّياح و البلاد و المواطن من بعد يختلف، فربّ بلد يكون تأذّي أهله
بإحدى الرّياح أشدّ من تأذّيها بسائرها، و يكون بعضها أوفق لهم و إن كانت أكرهها إلى غيرهم، كالّذي يذكر من أنّ الجنوب أحبّ الرّياح إلى أرض الحجاز في الشّتاء و الصّيف، ذكر ذلك أبو الحسن الأثرم.
و عكاك: الجنوب يتعوّذ غيرهم منها قال ذو الرّمة شعرا:
إلى بلد لم ينتجعه بعكّةجنوب و لم يغرس بها النّخل غارس
و كالذي ذكره ابن الأعرابي عن الرّوحي من تأذّي أهل سابة و الشّارة و نواحيها بالصّبا، و كراهتهم لها، و أنها إذا اشتدّ هبوبها عندهم طوى النّاس و طابهم، لأنّ الألبان تقلّ، و الوطاب تجف لأنّها ترضع في ضروع الغنم أي ينشفه، و منزلهم بين مكّة و المدينة، هذا و إن كان الآخر قال:
فإنّ الرّيح طيّبة قول. و قال طرفة:
و أنت على الأقصى صبا غير قرّةتذاب منها مزرع و مسيل
و قال آخر:
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمتعلى كبد حرّى تجلّت غمومها
و زعم ابن الأعرابي أنّ الجنوب إنّما يشتدّ حرّها بالعراق، فأمّا بالحجاز فلا. و أنشد قول كثيّر:
جنوب تسامى أوجه الرّكب مسّهالذيذ و مسراها من الأرض طيّب
و هذا من حال الرّياح في دارنا و أوطاننا متعالم أيضا، و كما اختلف في هذا الباب اختلف في الأمطار أيضا، و لا زعم من ذلك ما ذكر عن أبي عبيدة أنه قال: الشّمال: عند العرب للرّوح، و الجنوب: للأمطار، و الأنداء و اللّثق و الغمق و الدّبور للبلاء، و أهونه أن يكون غبارا عاصفا تقذي الأعين و هي أقلّهن هبوبا، و الصّبا لإلقاح الأشجار.
و يقال: إذا كان النّشأ من العين ثم ألقحته الجنوب- و أبست به الصّبا و استدرته الشمال- فذلك أجود ما يكون من المطر، و أنشد في ذلك:
لتلقيحها هيج الجنوبو يقبل الشّمال نتاجا
و الصّبا جالب بمرى. و قال آخر:
مرته الصّبا و زهته الجنوبو انتجفته الشّمال انتجافا
و الانتجاف: استخراج أقصى ما فيه.
قالوا: إنّ الشّمس إذا مرّت على الأرض رفعت منها بخارين: بخارا رطبا و بخارا يابسا، و كلّ واحد من البخارين قد يخالط البخار الآخر، إلا أنّه يسمّى بالأغلب عليه منهما.
فأمّا البخار الرّطب: فهو مادة الأمطار و الأنداء كلّها.
و أمّا البخار اليابس فهو مادة الرّياح كلّها، و إنّما يختلف هذان البخاران لاختلاف مواضعهما التي ثارا منها. و أقلّ ما يكون هيج الرّيح بعد المطر و ذلك أنّ الأرض تبتل بالمطر، فلا يثور منها البخار اليابس الذي هو مادة الرّيح و كذلك يكون سكون الرّياح عند المطر و عند انقضائه.
فأمّا حرارة ريح الجنوب: فمن قبل أنها تأتي من ناحية ممر الشّمس من بلاد حارة فتسخن قبل أن تبلغ إلينا.
و أمّا برودة ريح الشّمال فلأنّها تأتي من بلاد الشّمس عنها غائبة فهي تبرد من قبل أن تبلغ إلينا، و تمر أيضا بثلوج كثيرة.
و أمّا كثرة ريح الجنوب فلتحلّل البخارات من ناحية الجنوب. و البخار مادّة الريح.
و أمّا كثرة ريح الشّمال في الصّيف، و قلّة ريح الجنوب، فلأنّ الشّمس يكون مرورها في الصّيف بناحية الشّمال، فتذيب الثّلوج الكثيرة، و تهيج البخارات من ناحية الشّمال.
و أمّا احتباس الرّيح و قلتها فلعلّتين. إحداهما: كثرة البرودة فإنّ البرودة تجفف الأرض و تصلبها فلا يخرج منها بخار. و الثّانية: كثرة الحر، فإنّ الحر يجفف الأرض و ييبسها و يحرقها فينقطع لذلك الريح، و ربما تتابع ذلك سنين فيكون القحط منه فإذا كثر ذلك و صلب وجه الأرض اجتمعت البخارات في جوف الأرض، فلم تقدر على الخروج و أحدثت الزّلازل. فإذا كثرت تلك البخارات و قويت و ظهرت ذهب القحط و عاد الخصيب.
و أمّا كثرة ريح الشّمال في الرّبيع: فلأنّ النّهار يمتد بعد القصر و تدنو الشّمس من النّاحية الشّمالية فتذيب الثّلوج هناك، فتحدث هذه البخارات التي منها يكون الغيوم و الرّياح الشّمالية.
و أمّا كثرة هبوبها آخر الصّيف فلأنّ النّهار يقصر و يبرد الهواء فيحتقن البخارات في جوف الأرض.
فإذا كثرت قويت فظهرت رياح الشّمال، و إنما تقوى البخارات على الظّهور لأنّ البرد
ضعيف في تلك الأيام، فلا يقوى على منع البخارات من الخروج.
و أمّا كثرة ريح الشّمال و الجنوب و قلة ريح الصّبا و الدّبور: فلأنّ الشّمس لبثها في هاتين الجهتين أكثر من لبثها في خط الاستواء.
و إذا كثر لبثها في مكان عملت عملا قويا فأثارت بخارات كثيرة. و إذا قلّ لبثها في مكان عملت عملا ضعيفا، و مع ذلك أيضا فإنّ الشّمس تصادف في هاتين الجهتين مياها و ثلوجا لبعد ما بين الجهتين عن طريقة خط الاستواء، و لست أعني بالشّمال و الجنوب اللّذين بالإضافة فإنّ كلّ قوم يسمّون ما يلي أيمانهم إذا كانوا متوجّهين إلى المشرق جنوبا، و ما يلي شمائلهم شمالا، و لكنّي أعني بالشّمال و الجنوب اللّذين عن جانبي خط الاستواء الذي هو مدار رأس الحمل و الميزان.
قال أبو زيد سعيد بن أوس: قال القبسيّون: أوّل المطر الوسمي- و أنواؤه العرقوتان المؤخّرتان- ثم الدّلو- ثم الشّرط- ثم الثّريا- و بين كل نجمين نحو من خمس عشرة ليلة.
ثم الشّتوي بعد الوسمي، و أنواؤه- الجوزاء ثم الذّراعان و نثرتهما- ثم الجبهة و هي آخر الشّتوي و أول الدّفئي- ثم الدّفئي و أنواؤه آخر الجبهة- و العوّاء.
ثم الصّرفة و هي فصل بين الدفئي و الصّيف و أنواؤه: السّماكان الأول الأعزل- و الآخر الرّقيب. و ما بين السّماكين صيف، و هو نحو من أربعين ليلة- ثم الحميم و هو نحو من عشرين ليلة، و سمّي حميما لكون مائه حارا و يختار أن يكون رعدها غير قاصف، و برقها غير خاطف، لذلك قال الشاعر:
إذا حرّكته الرّيح أرأم جانببلا هزق منه و أومض جانب
كما أومضت بالعين ثم تبسّمتخريع بدا منها جبين و حاجب
و حكي عن أبي الوجيه أنه قال: أحب السّحاب إليّ الخرساء، و الحميم نحو من عشرين ليلة إلى خمس عشرة ليلة عند طلوع الدّبران، و هو بين الصّيف و الخريف ليس له نوء. ثم الخريف و أنواؤه النّسران- ثم الأخضر- ثم عرقوتا الدّلو الأوليان- و كل مطر من الوسمي إلى الدفيء ربيع، و إنّما هذه الأنواء في غيوبه. و غيوب هذه النّجوم أوّل القيظ عند طلوع الثّريا و آخره طلوع سهيل.
1) قال في كنز المدفون أسماء المطر أوّلها الوبل- الغيث- الدّيمة- الوكف- الهطل- الصّيب- الرّباب- المزن- الصّوب- القطر- الرّزق- الماء- الثّلة- الودق- الحياء- العهد- و اللّه أعلم- القاضي محمد شريف الدّين المصحح عفا عنه.
و أوّل الصّفرية طلوع سهيل، و آخره طلوع السّماك. و فيء الصّفرية أربعون ليلة يختلف حرّها و بردها و تسمّى المعتدلات.
ثم أوّل الشّتاء طلوع السّماك و آخره وقوع الجبهة فهو أوّل الدفيء و آخره الصّرفة.
و أول الصّيف السّماك الأعزل و هو الأوّل- و آخر الصّيف السّماك الآخر الذي يقال له:
الرّقيب- و بينهما نحو من أربعين ليلة.
و أوّل أسماء المطر القطقط و هو أصغر المطر و الرّذاذ: فوق القطقط. و يقال: قططت السّماء و أرذت. و منه الطّش و هو فوق القطقط و الرّذاذ و الفعل طشت.
و منه البغش و هو فوق الطّش، و الفعل: بغشت و الغبية فوق البغشة. و كذلك الحلبة و الشّجذة. و يقال: أغبت السّماء فهي مغبية و حلبت حلبا و شجذت شجذا و هو فوق البغشة.
و منه: الحفشة و هو مثل الغبية و يقال: خفشت خفشا. و الحشكة مثلها. و يقال:
حشكت.
و من المطر: الدّيمة و هي الدائم لا رعد فيه و لا برق، أقلّها ثلث النّهار و ثلث اللّيل، و أكثرها ما بلغت من العدة.
و التّهتان: نحو الدّيمة قال:
يا حبّذا تضحك بالمشافركأنّه تهتان يوم ماطر
و من الدّيمة الهضب و الهطل، هضبت هضبا، و هطلت هطلا و هطلانا قال الشّاعر:
ندى الرّضم من ذات المزاهر إذ جنتعليها هضاب الصّيف تهضبها هضبا
و يقال: سحابة داجنة و مدجنة و قد دجنت دجنا و الدّجنة من السّحاب المطبق الرّيان الذي ليس به مطر. و يقال: يوم دجن و يوم دجنة. و كذلك اللّيلة توصف بهذا أو تضاف كاليوم، و الدّاجنة الماطرة المطبقة نحو الدّيمة. و الدّجن: المطر الكثير.
و من الدّيمة: الرّهمة و هي أشدّ وقعا من الدّيمة و أسرع ذهابا، يقال: أرهمت السّماء إرهاما و جماعتها الرّهم و الرّهام.
و منها: الهفاء واحدها هفأة و هي نحو الرّهمة، و قال الغبري: أفا و إفاءة.
و منها: الدثة و هي المطرة الخفيفة. و الهدمة مثلها، و جماعتها الهدم و الهدام و الدثّ و الدّثاث. و يقال: أرض مدثوثة و مهدومة.
و الوطفا: الدّائمة السّح، الحثيثة طال مطرها أو قصر.
و منها القطر: و هو في كلّ مطر ضعيفه و قويّه.
و منها: الذّهاب و هو اسم للمطر كلّه ضعيفه و شديده، و الرّش المطر القليل الخفيف.
و الملبد تلبيدا نحو الرّش، و ارشّت السّماء و جمع الرش الرّشاش و أرض مجوبة و مقوبة إذا أصاب المطر بعضها و لم يصب بعضها، و كحلت السّنة اشتدّت تكحل كحلا، و سنة كحل، و أرض ميتة و ميتة و سنة خداعة و قشر.
و منها الوابل: و هو أغزر المطر و أعظمه قطرا، و يقال: وبلت الأرض وبلا و وبلت توبل وبلا.
و الجود من المطر الكثير العام و هو في كلّ زمان. قال شعرا:
أنا الجواد بن الجواد بن سبلإن ديّموا جادوا و إن جادوا وبل(1)
و المدرار و الدّرة التي يتبع بعضها بعضا و جمع الدّرة الدّرر.
و الرّك من المطر الضّعيف الذي لا ينفع إلا أن يكون له تبعة- و التّبعة- المطر بعد المطر. و يقال: أرض مرككة و جمع الرّك الرّكاك.
و يقال: وابل ساجية و هو المطر الذي يسجى ما يقع عليه فيسيل به.
و يقال: أرض مشجورة، و هي التي يأخذها المطر الجود فلا يزال بها حتى تقلب نباتها و تقلعه من أصوله، و يقلب ظهر الأرض لبطنها، و قد شجرت الأرض شجرا. و يقال للمطر الذي لا يدع شيئا إلا أساله: جار الضّبع، و ذاك أنّه يكثر سيله حتى يخرج الضّبع من جحره و المحتفل: الذي يتدارك حثيثا، و السّح: مثله غير أن السّح ربّما لم يتبيّن قطره.
و المنهمر: مثل السّح و الوبل و القطر و الضّرب: المطر الضعيف.
و الدّهان مثل ذلك، و الواحد دهن، و يقال: دهنها أولى فهي المدهونة.
و المروية التي تروي الأرض. و المبلد: الذي يندي وجه الأرض و يسكن التّراب.
و الجلباب المطر الكثير و السّاجية السّاكنة و الأهاضيب: جمع أهضوبة و هي مثل الهضاب، واحدها هضب، و هي جلباب القطر. و الهلل: أوّل المطر. و المتفخّر و المسحنفر: السّيل الكثير. و الولي: المطر بعد المطر في كلّ حين. و العهد: المطر الأوّل
1) الوابل: المطر الشديد الضخم القطر.( القاموس).
و جمعه عهاد و أرض معهودة، و قيل العهدي الذي يجيء و عهد ما قبله جديد لم يدرس، و يقال: أرض معهدة للّتي يصيبها النّفضة.
و النّفضة المطر يصيب القطعة من الأرض و يخطئ القطعة، و يقال: أرض منفضة.
و الخطيطة: الأرض لم يصبها مطر، و كذلك الفوائد و الخوبة.
و يقال للخطيطة: أرض خط، و أرض مجروزة، و أرض جرز و جرز و أجرزت الأرض.
و يقال أيضا: أجرزت النّاقة إذا هزلت.
و الشّؤبوب: المطر يصيب المكان و يخطئ الآخر و جمعه شآبيب.
و مثله النّجو و الجمع النّجاء و الأرض المنضوحة و هي المجودة نضحت نضحا.
و الغيث: اسم للمطر كلّه و أرض مغيثة و مغيوثة.
و يقال: استهلّت السّماء و ذلك في أوّل المطر و الاسم الهلل.
و أسبلت: و الاسم السّبل و هو المطر بين السّحاب و الأرض حين يدل يخرج من السّحاب و لم يصل إلى الأرض.
و يقال للمطر القليل: العرض و هو مثل الشّؤبوب و مثل السّبل. العثانين: و هو المطر بين السّحاب و الأرض و يقال: هو الضّريب و الصّقيع و الجليد و لا يكون إلّا باللّيل، و الثّلج باللّيل و النّهار في الغيم و هو لا يكون إلا في الصّحو. و يقال: أرض ضربة إذا أصابها الجليد فأحرق نباتها، و قد ضربت الأرض ضربا و أضربها الضّريب إضرابا. و صقعت صقعا إذا أحرق الصّقيع نباتها. و ثلجت ثلجا و هي مثلوجة.
و الطّل أثر النّدى في الأرض من كلّ ذلك. و يقال للنّدى الذي يخرجه عروق الشّجر إلى غصونها: طل.
و قيل: الضّريب و الصّقيع و الجليد و السّقيط يخرج من جردة السّماء جردا إذا لم يكن فيها غيم. و قد جردت السّماء و الاسم الجردة.
و يقال: تصلّعت السماء إذا انقطع غيمها حتى تتجرد و حكى الأصمعي قال: قلت لأعرابي: ما أوقع الأمطار؟ قال: صوب غادية- عن مرى حادية- لا بل بادية- مرى حادية، أي استخراج سحابة تحدو ما يتأخّر دونها. و البادية: السّاكنة للبدو.
و يقال: أصحت السّماء و الاسم الصّحو. و يقال: أقصر المطر و أقلع و أقشع إذا انقطع.
و يقال: طلّ القوم و هم مطلولون.
و يقال: من المطر الرّثاث و هي القطار المتتابعة يفصل بينهنّ أقلّ ما بينهنّ ساعة، و أكثر ما بينهنّ يوم و ليلة. و يقال: أرض مرثة ترثيثا.
و يقال: أرهجت الأرض إرهاجا و أضبت إضبابا و من الرّهج السّيق من الغمام الذي يسوقه الرّيح.
و الإغصان المطر الدّائم الذي ليس فيه فرج، و الفرج اليوم و اللّيلة أو أكثر من ذلك قليلا. و مثله الإلثاث.
قالوا: إنّ العلة في المطر- و الثّلج- و الجليد- و الرّيح- واحدة و هي أنّ الشّمس إذا مرّت بموضع ندى أثارت بخارا بحرارة مرورها فيكون كيفيّة ذلك البخار على طبيعة الموضع الذي يثور منه البخار. فأما كميّة فعلى قدر كبر ذلك الجسم المهيأ للثوران إن كان كثيرا و كانت الشّمس قويّة عليه أثارت بخارا كثيرا من ذلك الجنس الذي هو طبيعة ذلك الموضع.
فإذا أشرقت الشّمس بدورانها على موضع ندي إذا سخن ثار منه بخار و ذلك أنّ الحرارة إذا خالطت الرّطوبة لطفت أجزاؤها فصيّرتها هواء. فإذا كثر ذلك البخار و تباعدت الشّمس عن ذلك الموضع الذي ثار منه البخار استقبل ذلك البخار البرد الذي هو فوق الأرض الذي يرد الهواء فردّه إلى الأرض، فتكاثف بالعصر فصار ماء فانحدر. فإن كان ذلك المنحدر شيئا يسيرا صغير الأجزاء سمّي ندى. و لذلك تكون الأنداء في الشّتاء أكثر لكثرة برودة الهواء و ضغطها البخار الرّطب إلى الأرض و لذلك تكون الأنداء باللّيل أكثر منها بالنّهار.
إن كان المنحدر كثيرا كثير الأجزاء سمّي مطرا، فهذه علّة النّدى و المطر و إن كان الذي يصعد من البخار يسيرا، و كان الّذي هجم عليه من فوق شديدا جدا، صيّر ذلك البخار جليدا، و إن كان ذلك البخار الصّاعد كثيرا و كان الذي هجم عليه شديدا جدا، صار ذلك البخار ثلجا، ففرّق بين الثّلج و الجليد خلّتان، إحداهما: كثرة البخار و قلته، كما فرّق بين النّدى و المطر كثرة البخار و قلّته. و الخصلة الأخرى: أن الجليد إنما هو بخار جمد في الهواء لا في السّحاب، و الثّلج إنّما هو بخار جمد في السّحاب.
و كذلك الفرق أيضا بين النّدى و المطر، هذا لاختلاف أنّ النّدى إنّما هو بخار انحدر إلى الأرض من دون السّحاب، و أنّ المطر انحدر من السّحاب و لكنّ البخار الذي يصعد من
الأرض تميّز منه اللّطيف فصار هواء، و الغليظ هو الذي يكون منه النّدى و المطر.
و قال أبو زياد الكلابي: إذا احتبس المطر اشتدّ البرد. فإذا مطر الناس مطرة كان البرد بعد ذلك فرسخ، أي سيكون من قولهم تفرسخ عنّي المرض و إنما سمّي الفرسخ فرسخا لأنّه إذا مشي صاحبه استراح عنه و جلس.
و روى الأصمعيّ عن المنتجع بن نبهان أنّ شيخا من العرب كان في غنيمة له، فسمع صوت رعد فتحوّف المطر، و هو ضعيف البصر، فقال لأمة ترعى معه: كيف ترين السّماء؟
فقالت: كأنّها ظعن مقبلة، فقال: ارعي. ثم قال: كيف ترين السّماء؟ قالت: كأنها بغال دهم تجرّ جلالها، قال: ارعي. ثم قال: كيف ترين السّماء؟ قالت: كأنّها ثروب مغزى هزلى، فكأنّها بطون حمير صحر. قال: انجي و لأنجأ بك، فلجأ إلى كهف و أدخل غنمه، و جاءت السّماء بما لا يقام ليلة، فقال الشّيخ: هذا و اللّه كما قال عبيد:
فمن بنجوته كمن بعقوتهو المستكنّ كمن يمشي بقرواح
و هو فصلان
قال اللّه تعالى في ذكر ما عدّد من نعمه على خلقه فيما نصبه من الأدلة على وحدانيته في خلق السّماوات و الأرض، و اختلاف الليل و النّهار فقال تعالى: وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ [سورة البقرة، الآية: 164] و المراد أنّ في تعاقب الظلم و الأنوار و ما ينشئه تعالى جدّه من أنواع السّحاب بين السّماء و الأرض و ينزّله من الأمطار و يخرجه من النّبات أعظم الأدلة على حدوثها لما فيها من إحكام الصّنعة و ثباتها على ما ثبت عليه من العبرة، إذ لا تفاوت فيها و لا اضطراب، و لا تناقض، و لا فساد فمن تدبّرها و تأمّل الأحوال التي تعتورها من الحركة و السّكون، و الزّيادة و النّقصان، و الانكشاف و التروية و الإقلاع، أدّاه الاعتبار إلى أنّه واحد ليس كمثله شيء، تعالى اللّه عما يقول الظّالمون علوا كبيرا.
و روي في الحديث: «السّحاب غربال المطر، لو لا ذلك لتهدّم البنيان» و يقال:
سحاب، واحده سحابة و مثله الغيم و الغيوم. و يقال ذلك في القليل و الكثير و الغمام و الواحدة غمامة و هي الغراء البيضاء و الجمع غر و بيض.
و يقال: المزن و الواحدة مزنة. و منها الغماء و هي السّحابة السّوداء.
و من دلائل الغيث أن يتقدّمه هبوب المبشّرات ثم يكون النّشأ من قبل العين فيحسن خروجه و التئامه. ثم استكشافه حتى لا ترى فتقا، و ذلك التطخطخ و يسد الآفاق. ثم يكفهرّ و يرجح فيتدانى و يستأرض أركانه و يتمكّن رجاءه و تنوس هيادبه، و تهمى أكفته، و يتعلق ريانه، و يتدحى عفا يده و يحمومي. ثم يصحار و يرج الرّعد رجا. و يتمّ البرق أتاما، و هو الوكيف من البرق. ثم ينفل و لا يزدهيه الرّيح حتى يتحيّر و يلين رعده، و برقه يتعاون عليه
الجنوب و الصّبا بالإلقاح و الإبساس. ثم ينتجفه الشّمال حتى يستقصى ما فيه، و هذا نهاية ما جاءت أوصافهم و أخبارهم و أشعارهم.
و منها السّيق و هي كل ما طردته الرّيح و افترزته من السّحاب كان فيه ماء أو لم يكن.
و الخلق ما يرجى أن يكون فيه مطر و الواحدة خلقة. و الصّبير من السّحاب الذي تراه متراكبا في بياض و الجمع الصّبر. و السّد النّشأ الأسود ينشأ من أي أقطار السّماء شاء. قال:
تبصّر هل ترى ألواح برقأوائله على الأفعاة قود(1)
قعدت له و شيّعني رجالو قد كثر المخايل و السّدود
المخايل: واحدتها مخيلة، و يقال سحابة مخيلة و سحابة ذات مخيلة: إذا كانت خليقة بالمطر. و في الحديث أن النّبي صلى اللّه عليه و سلم كان إذا رأى مخيلة أقبل و أدبر و تغيّر، قالت عائشة:
فذكرت ذلك له، فقال: «ما يدرينا لعلّه كقوم ذكرهم اللّه تبارك و تعالى» فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة الأحقاف، الآية: 24].
و يقال للسّحاب أيضا: الخال، فإذا أرادوا أنّ السّماء قد تغيّمت، قالوا و قد أخالت فهي مخيلة بضم الميم.
و منها الحماء و هي السواد. و العارض: السّحابة تراها في ناحية السّماء و هو مثل الجلب، إلّا أنّ الجلب أبعد و أضيق من العارض. و العارض الأبيض و الجلب أكثر ما يكون إلى السّواد. و في السّحاب النّضد و هي مثل الصّبير و جمعه الأنضاد. و الرّكام: ما تراكم بعضه على بعض، و هو مثل النّضد. و منه الرّباب: و لا يقال لها ربابة واحدتها ربابة: و هي السّحابة الدّقيقة السّوداء يكون دون الغيم في المطر، و لا يقال لها ربابة إلا في مطر.
و منها الرّيف: و هو أوّل السّحاب الممطر. و الكنهور: السّحاب الضّخام البيض، و يقال: غمامة كنهورة و غيم كنهور. و منه الطّخاء: و هو السّحاب الرّقاق و الواحدة طخاة.
و منه القزع: و هو السّحاب الصّغار و المتفرّق منه واحده قزعة. و منه: نمرة: و هي الغيم الذي يرى في خلله نقاط، الواحدة نقطة و الجمع نمر، و من أمثالهم: أريتها نمرة أريكها مطرة.
و منه الجفل: و هو كلّ سحاب ساقته الرّيح قد صبّ ماءه. و الجهام: مثل الجفل واحدته جهامة. و يقال للسّحاب الذي هراق ماءه السّيقة لأنّ الرّيح تسوقه لخفته، و هذا كما يقال لما تستلينه و تستهينه: ليّن و هيّن.
1) اتّسع الغيث( المحيط).
و الصّراد واحدتها صرادة، و هو مثل الجفل. و مثله الرّهج: من الغيم.
و منه السّيق و الجيء: و هو الغيم في عرض السماء الغريب الحسن. و منه الحير و هو الغيم ينشأ مع المطر فتحير في السّماء.
و منه بنات نحر و نجر و هي سحائب يخرجن في السّحر، بين الخريف و الرّبيع و هنّ سحائب غرّ طوال مشمخرّات.
و منه الزّبرج: و هو مثل الرّهج و السّيق.
و منه الغماء: و هو شبه الدّكان يركب رءوس الجبال. قال:
ليلة غمّاء طامس هلالها
و منه الضّباب، و هو شبه الدّخان و النّدى يظلّل السّماء، واحدته ضبابة، و يقال: أضبت السّماء فهي مضبّة.
و منه الظلّة و هي أوّل سحابة تظلّل.
و منه الطّخارير، واحدها طخرور و هو السّحاب الصّغار. و الغياية: ظلّ السّحابة و قال بعضهم غياءة. قال الشّاعر:
كساع إلى ظلّ الغياية يبتغيمقيلا فلمّا أن أتاها اضمحلّت
و قال: و لغة الكلابيين امضحلّت و المكفهر: السّحاب الضّخام الرّكام و يقال: عجاجة مكفهرة، و طرّة الغيم: أبعد ما يرى من الغيم، و يقال: طرة الكلأ و طرة القف و هي ناحيتها.
و منها: النّشاص: و هي الطّوال و الواحدة نشاصة و هي الطّويلة البيضاء، و أكثر ما ينشأ من قبل العين. قال:
بل البرق يبدو في ذرى من دفائهيضيء نشاصا مكفهر الغوارب
و في الحديث: أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا نشأت السّحابة بحريّة ثم تشامت فتلك عين غديقة» يريد إذا ابتدأت من ناحية البحر، ثم أخذت نحو الشّام فتلك عين غديقة أي: مطر جود. و الغديق: الكثير الماء من قول اللّه تعالى: لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [سورة الجن، الآية: 16].
و كذلك إذا كانت السّحابة سوداء فتلك من علامات الغيث، و في الحديث الذي سأل فيه النّبي صلى اللّه عليه و سلم: «أ جون هو أم غبره؟ فقالوا: جون، فقال: جاءكم الحياء» و كذلك إذا رأى الرّباب دوين السّحاب قال:
كان الرّباب دوين السّحابنعام تعلّق بالأرجل
و أنشد:
و ما لي لا أغزو للدّهر كرةو قد نبحت نحو السّحاب كلابيا
يقول: كنت لا أغزو مخافة العطش على الخيل و الأنفس، فما عذري اليوم، و قد كثر المطر، و اتّصل العشب و امتلأت الغدران. و لبعضهم:
أغر سماكي كأنّ نشاصهقطار يخات أو جبال تقلّع
تلألؤ غوريا كأنّ وميضهحريق بجزل في ضرام تشيّع
رأته عيون ممحلات تتابعتله سنوات فهو للغيث جوع
ملثّ دنا دون السّحاب سحابةمن الأرض حتّى كاد بالرّاح يدفع
و يقولون: إذا رأيت السّماء كأنّها بطن أتان قمراء فذلك الجود. قال الهذلي:
يمدّ له جوالب مشعلاتتخلّلهن أقمر ذو انغطاط
و يقال: إنّ معقر بن حماد البارقي قال لابنته، و قد سمع صوت رعد: أيّ شيء ترين؟
قالت: أرى سحابة عقاقة كأنّها حولاء، ناقة ذات هيدب دان و سيروان. قال:
و ابلي بي إلى جنب قفله فإنّهالا تنبت إلّا بمنجاة من السّيل
و إذا كانت السّحاب نمرة فهي كذلك. و قال آخر في المخيلة:
دان مسف فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالرّاح
فمن بنجوته كمن بعقوتهو المستكنّ كمن يمشي بقرواح
أي طبق الأرض، فمن كان في الارتفاع كمن هو في الاستواء، و من كان في ظهر الصّحراء كمن في بطنها، و إذا كان السّحاب أصهب إلى البياض فذاك إمارة الجدب، و يقولون: هو هف أو جلب إذا حمر الأفق. قال:
و سوّدت شمسهم إذا طلعتبالجلب هفا كأنه الكثم
و قال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبهالشيبان(1)أو ملحان(2)و اليوم أشهب
و قال الفرزدق يذكر قوما مسافرين:
يغضّون أطراف العصيّ تلفّهممن الشّام حمراء الضّحى و الأصائل
و من أمثالهم: ما يضرّ السّحاب نباح الكلاب، و زعموا أنّ الكلاب تنبح السّحاب من كثرة المطر و الحاجة. و في صفة غيم المحل:
و هاج غمام مقشعر كأنّهبنيله نعل بان منها شريحها
الفضل بن عبّاس:
كأنّ سيوف فارس في ذراهو غرفا من قيان مسمعات
أقام على معاهدهنّ شهرافأقلع و هو مهتزّ النّبات
و قال حسين بن مطير يصف المطر و السّحاب، و رواه الأصمعيّ شعرا:
كثرت لكثرة قطره أطباؤهفإذا تحلّب فاضت الأطباء
و كجوف ضرّته التي في جوفهجوف السّماء سجلّة جوفاء
و له رباب هيدب لرفيقهقبل التعنّق ديمة و طفاء
و كأنّ ريعه و لمّا يحقلو دق السّحاب عجاجة كدراء
و كأنّ بارقه حريق يلتقيوهج عليه عرفج و ألاء
مستضحك بلوامع مستعبربمدامع لم يمرها الأنداء
فله بلا حزن و دون مسرّةضحك يؤلف بينه و بكاء
حيران منبعق صباه يقودهو جنوبه كنف له و كفاء
و دنت له نكباؤه حتّى إذامن طول ما لعبت به النّكباء
غاب السّحاب فصار بحرا كلّهو على البحور من السّحاب سجاء
ثقلت كلاه فبهرت أصلابهو تعجبت من مائه الأحشاء
غدق يسبّح بالأباطح قد غدتبلد السّيول و ما له أفلاء
غرّ محجلة دوالح ضمّنتحمل اللّقاح و كلّها غدراء
سجم فهنّ إذا كظمن أواجمو إذا ضحكن فإنّهنّ و ضاء
لو كان من لجج السّواحل ماؤهلم يبق في لجج السّواحل ماء
و حكى أحمد بن يحيى قال: أخبرني ابن الأعرابي، قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ذات يوم جالس مع أصحابه إذ نشأت سحابة فقيل: يا رسول اللّه هذه سحابة فقال عليه السّلام: «كيف ترون قواعدها» قالوا: ما أحسنها و أشدّ تمكّنها. قال: «و كيف ترون رحاها»؟ قالوا: ما أحسنها و أشدّ استدارتها. قال: «فكيف ترون بواسقها»؟ قالوا: ما أحسنها و أشدّ استقامتها.
قال: «فكيف ترون برقها أ وميضا أم خفيا أم يشق شقا»؟! فقال عليه السّلام: «الحياء الحياء»
قال: فقالوا: يا رسول اللّه ما رأينا أفصح منك، فقال: «و ما يمنعني و إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين» قواعدها أسافلها، و رحاها وسطها، و معظمها، و بواسقها: أعاليها. و إذا استدار فيها البرق من طرفها إلى طرفها فهي أعاليها و هو الذي لا يشك في مطره وجوده، و إذا كان البرق في أسافلها لم يكد يصدق. قال ابن الأعرابي: و قال رجل من العرب و قد كبر و كان في داخل بيته، و كان بيته تحت السّماء: كيف تراها يا بني؟ قال: أراها و قد نكبت و تبهّرت، و أرى برقها أسافلها، قال: أحلقت يا بني. معنى نكبت: عدلت عن القصد، و تبهرت:
تقطّعت. و البهر حفر يكون في الأرض، و الومض: أن يومض إيماضة ضعيفة ثم يخفي، ثم يومض ثم يخفي ثم يومض، و ليس في هذا يأس مطر قد يكون و لا يكون. و أما المسلسل في أعاليها فلا يكاد يخلف.
و يقال: خفي كأقيد الطير و اقيد الطير: نظره- ثم إغماضه ينظر نظرة- ثم يغمض- ثم ينظر نظرة- ثم يغمض. قال حميد بن ثور يصف البرق:
خفيّ كأقيد الطّير و اللّيل ملبسبجسمانه و الصّبح قد كاد يسطع
قال الهذلي شعرا:
فسائل سبره الشّجعيّ عنّاغداة يخالنا نجوا خبيّا
قالوا: إنّ المطر إذا وقع على الأرض اجتمعت منه المياه، فإذا صادفت مكانا إلى الانصباب ما هو جرت منه الأودية و الأنهار، لأنّ المياه من شأنها طلب الحدور، فإن صادفت حواليها أرضين مرتفعة بقيت فلم تجر، فإن كانت تحتها أرض رخوة غارت أبدا إلى أن ينتهي إلى أرض أو جبل فلا يقدر على النفوذ فيقف فإذا كثرت المياه أكلت ما حولها من الأرضين اللّينة حتّى ينقب موضعها، فيخرج منه فيسمّى ذلك الموضع عينا.
و ربما انتقبت من ذلك الموضع الواحد مواضع كثيرة، فجرت أنهار كثيرة و كلّها كانت أغزرا لتلك العيون. و إن كانت المياه المستنقعة كثيرة جدا لم تنقطع تلك العيون في أوّل الصّيف، و انقطعت في آخره على قدر القلّة و الكثرة. و ربّما كانت تلك العيون غزيرة سنين كثيرة، ثم ينقص ماؤها غير نقصان المطر و ذلك أن ينتقب في جهة هذه العيون، فيخرج بعض تلك المياه إلى تلك الجهة فإن كانت تلك الجهة منفسحة المذهب دام ذلك النّقصان.
و إذا كانت تلك الجهة ليست بمنفتحة بل استقبل الماء مكانا عاليا أو جبلا تراجع الماء،
و رجعت تلك العيون الأولى إلى ما كانت عليه، و ربّما جرت الأودية و الأنهار من ثلوج تقع على جبال، فإذا أصابها الحر ذابت قليلا قليلا، فجرت منها الأودية و الأنهار، فإن كان ذلك الثّلج كثيرا لم تنقطع تلك الأودية و الأنهار، و إن كان قليلا انقطعت.
و أما الأبحار فإنما هي من مواضع عميقة في الأرض و الماء من شأنه يطلب العمق، فالمياه تنصبّ إلى تلك المواضع العميقة من الأنهار و الأودية و السّيول، يستنقع فيه فما كان من ذلك الماء عذبا فإنّه يصير فوق لخفّة العذوبة و ما كان منه مرّا و ملحا صار إلى أسفل لثقله، فإذا مرّت الشّمس عليه رفعت ما كان منه عذبا لخفّته و لطافته، و ما كان منه لطيفا جدا صار هواء، و ما كان منه في اللّطافة دون ذلك صار ندى و مطرا.
فأمّا ما يقال: لم لا تستبين الزّيادة في البحار مع كثرة ما يجري فيها من الأنهار و الأودية، فذلك لكثرة سعتها و إنها لا تبقى بل ترفع الشّمس لطيغها فيصير منها الذّرى و الأمطار، و كذلك أيضا لأنّ الذي يعود إليها في الأودية و الأنهار و ربّما نقص بعض البحار في طول الأزمان أو زاد بعضها، و لكنّ ذلك لا يستبين لطول الزّمان الذي يحتاج فيه إلى أن يستبين، لأنّ ذلك لا يستبين في قدر عمر إنسان أو إنسانين.
قالوا: و إن قلنا: إنّها تزداد و تنقص، لم يبعد من قبل أنّه ليس من الواجب أن يكون البخار الصّاعد منها سواء مثل الأودية و الأنهار السّائلة فيها، بل قد يكون أحدهما أكثر من الآخر، فلذلك قلنا: قد تزيد البحار و تنقص.
و أما ملوحة ماء البحر و مرارته، فلكثرة مرور الشّمس عليها فإنّ الرّطوبة إذا خالطتها الحرارة صارت مالحة، فإن أفرطت الحرارة عليها صارت مرة، و مثال ذلك العرق و البول، فإنّهما مالحان جميعا لعمل الحرارة فيهما.
و هو فصلان
قال اللّه عزّ و جل: وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ [سورة الرّعد، الآية: 13] الآية. و في موضع آخر: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ [سورة البقرة، الآية: 19] الآية. قوله: أو كصيّب تشبيه بعد تشبيه و ذلك أنّ اللّه تعالى شبّه أعمال المنافقين و اغترارهم بما اعتقدوه من مخادعة المؤمنين في إظهار موافقتهم و إبطان مخالفتهم، و أنّ ذلك يقضي لهم بالفلاح و النّجاح فقال: مثلهم في ذلك و إن كان لا ينفعهم و لا يدفع السّوء عنهم، بل يرجع بالوبال عليهم، كمثل رجل أوقد نارا و هو يظنّ استبانة الطّريق بها، فجاءت ضعيفة في إنارتها، و لمّا أضاءت ما حولها و قدر بقاها على ما بها، خمدت فعاد و هو أسوأ حالا و أشدّ عمّى لأنّ النّاظر في ظلمة بعد ضياء أضعف تبيّنا أو مثل قوم أصابهم صيّب استصحب رعدا و برقا و نكدا و خوفا فخشوا رهبة من صاعقة تحرقهم، و تنزل البلاء بهم و هذا القدر كاف هاهنا.
و روي أنه سئل ابن عباس عن البرق، فقال: مخاريق الملائكة. و أصل المخراق خشبة في رأسها سنان عريض تحته عذبة، و كان القوم إذا انصرفوا من حرب ظافرين قدّموا بشيرا معه مخراق، ليعلم الحال به و كان يوفي على نشز بقرب منهم، و يلوّح بالمخراق، فيجتمع ولدان الحي فرحين و يقولون: مخرق المخراق في رأس اليضع، فالجيش لا شكّ كما بدا رجع، فلا يزالون كذلك حتّى تطلع عناق الخيل، فيستقبلونها مصفقين، و إذا انصرف الخيل مغلوبين، أو طلبوا مددا بعثوا رجلا و أعطوه سيفا فأوفى على النّشز و ألاح بالسّيف و صوّت، ليعلم الحيّ بالحال فاجتمع الصّبيان باكين و يقولون: رأى حتفا و ألاح سيفا، و هذا رواه أبو نصر عن الأصمعي رأى حيفا، قال ثعلب هذا تصحيف ما يروي الرّاوون الأجنفا، و منه قول تأبّط شرا:
يا نار شبّت فارتفعت لضوئهاكالسّيف لاح مع النّذير المقبل
و أنشد ابن الأعرابي شعرا:
إنّي إذا ما علقت علاقو شمّرت أولادها عن ساق
شمطاء ذات مضحك براقكريهة المنظر و المذاق
و صافحت بكفّها حلّاقصار به يطعن للأرواق
أعمل خلق اللّه بالمخراقو بالشّهاب اللّامع الخفّاق
و بيّنات جشأ دقاقو أبسط الكفّين للعناق
و إنّما الدّولة بالأرزاق فسر المخراق منها على أنّه السّيف و عنى ببنات جشاء: النّبل، و يقال: رعدت السّماء و برقت، و يقال: أرعدت و أبرقت أيضا، و بعضهم ينكره و ينشد:
أبرق و أرعد يا يزيد فما و عيدك لي بضائر
و يقال: أرعد القوم إذا أصابهم الرّعد، و في الرّعد الإرزام و هو صوت للرّعد غير شديد، و يقال: أرزم الرّعد. و فيه انهزم و هو اسم صوت الرّعد شديدة و ضعيفة، و هو الهزيم. و يقال: تهزّم الرّعد تهزّما و انهزم الرّعد انهزاما. و فيه القعقعة و هو تتابع صوت الرّعد في شدّة، و جمعه القعاقع. و فيه الرّجس و الرّجسان و هو صوت الرّعد الثقيل. يقال: رجس الرّعد و السّماء يرجس. و فيه الصّاعقة و جماعة الصّواعق، و هي نار تسقط من السّماء في رعد شديد، و يقال: أصعقت علينا إصعاقا، و يقال: صاعقة أيضا. و قال:
يحكون بالمصقولة القواطعيشقّق البرق عن الصّواعق
و ذكر بعضهم البرق فقال: يلتمع الأبصار، و يهلك الغض من الثمار، و يكنع بعاع البقل، و قيل: لا يكون برق لا رعد معه إلا أن يكون رزالا يعنق السّحاب أو يكون خفوا لا يشنق، و وصف بعضهم الرّعد فقال: يرج الأرض، و يحرق الطّير، و يمرق بيضها، و يصم السّمع، و يسقط الأحبال، و يصدع القلوب. و فيه الأريز يقال: إنّ الرّعد تأرّز تأرّزا و ترززت السّماء ترززا. قال:
جارتنا من وابل الأسلميترززا من وراء الأكم
رز الزّوايا بالمزاد المعصم
و يقال: جلجل الرّعد جلجلة و هو الصّوت ينقلب في جنوب السّحاب و تهزج الرّعد تهزجا و هو مثل الجلجلة، و زمزم زمزمة و هو أحسنه صوتا و أثبته مطرا، و أرنت السّماء إرنانا: و هو صوت الرّعد الذي لا ينقطع، يقال: رنّ و أرنّ بمعنى واحد و جمع.
البروق و يقال: برقت السّماء و برق البرق، و برق برقا و أبرق القوم إبراقا إذا أصابهم البرق، و تكشّف البرق تكشفا، و هو إضاءته في السّماء، و استطار استطارة مثل التكشّف.
و لمع البرق يلمع لمعا و لمعانا و هي البرقة. ثم الأخرى المرّة بعد المرّة. و لمح يلمح لمحا و لمعانا مثل اللمع غير أنّ اللمح لا يكون إلا من بعيد. و تبسّم البرق تبسّما مثل التكشّف، و استوقد البرق الذي يملأ السّماء و السّلسلة برق النّهار أو برق السّحاب، و هي البرقة الضّعيفة قال:
تربعت و الدّهر عنها غافلآثار أحوى برقة سلاسل
و يقال: هذا برق الخلّب، و برق خلّب، و هو الذي ليس فيه مطر.
و يقال: خفق البرق خفقا و خفقانا و هو تتابعه، و خفا البرق يخفو خفوا و هو أن تراه من بعيد خفيا، و يقال: هو أخفى ما يرى من البرق.
و يقال: أومض البرق إيماضا، و هو الوميض و هو الضّعيف من البرق.
و يقال: سنا البرق و هو ضوؤه تراه من غير أن ترى البرق أو ترى مخرجه في موضعه، و إنمّا يكون السّنا باللّيل دون النّهار، و ربّما كان بغير سحاب، و السّماء مصحية وضوء البرق مثل سناه.
و تشقّق البرق تشقّقا و هو أن تبرق البرقة فتتّسع في النّشر. و تألّق البرق تألّقا مثل التّشقق. و تكلّح البرق تكلّحا: و هو دوامه و تتابعه في الغمامة البيضاء و تلألأ تلألؤا و هو السّريع الخفيف المتتابع.
و مصع البرق يمصع مصعا: و رمح يرمح رمحا و هما سواء و هو البرق السّريع الخفيف المتقارب.
و ألهب إلهابا: و هو سرعة رجعته و تداركه، و ليس بين البرقين فرجة.
و العراص: الذي يلمح و لا يفتر نحو التّبسم.
و قد عرصت السماء: تعرص عرصا إذا دام برقها و رأيت السّماء عراصة.
و فرى البرق يفري: و هو تلألؤه و دومه في السّماء و كانوا يسمّون البرق، فإذا لمعت سبعون برقة انتقلوا مستغنيين عن الرّواد لاستحكام ثقتهم.
و يقال: برق و ليف إذا لمع لمعتين، و قد شبّه ذلك بلمع يدين. قال امرؤ القيس شعرا:
أ صاح ترى برقا أريك وميضهكلمع اليدين في جبي مكلّل
و قال الهذلي:
تبسّم بعد شتات النّوىو قد بتّ أخيلت برقا و ليفا
و ارتعج البرق إذا تتابع لمعانه. قال أبو عبد اللّه: سئل بعضهم عن البرق فقال: مصعة ملك أي يضرب السّحاب ضربة فترى النّيران و أنشد:
و كان المصاع بما في الجون
و يقال: أزعج البرق و برق مزعج قال:
سحّا أهاضيب و برقا مزعجاتجاوب الرّعد إذا تبوّجا
و التبوّج: مثل التكشّف، و يقال: تبوّج تبوّجا.
و يقال: أخفى البرق كأقيد الطّير قال:
خفا كأقيد الطّير و هنا كأنّهسراج إذا ما يكشف اللّيل أظلما
و قال عمرو بن معدي كرب: يلوح كأنّه مصباح باز. قال أصحاب المعاني: أراد مصباح رجل من بني باهلة فمصباح لا يطفأ.
قالوا: إذا علا البخار الرّطب و بلغ إلى الموضع البارد و الجبال دفعه البرد إلى أسفل، فاحتقن هناك، و صارت الجبال القريبة له كالمغارات، و تكاثفت أجزاؤه فيكون منه السّحاب و الضّباب و النجدى، على قدر اختلاف البخار الذي يصعد.
فإذا اجتمع ذلك البخار الرّطب هناك حصر ما فيه من البخار اليابس الصّاعد من الأرض معه، و إذا كان ذلك اضطرب البخاران اليابس الحار و البارد الرّطب في جوف السّحاب، فقرع السّحاب و صدعه فيكون من ذلك القرع صوت يسمى الرّعد، و يكون من ذلك التّصدع تلهّب، يقال له: البرق، و هما يكونان في وقت واحد، و لكنّ البصر ترى الألوان بلا زمان و السّمع لا يدرك الصوت إلا بزمان، و ذلك الزّمان على قدر بعد السّحاب من الأرض.
فإذا كان ذلك السّحاب من الأرض قريبا تبيّن رؤية البرق، و سمع الرّعد في زمانين متقاربين. و إذا كان السّحاب بعيدا من الأرض كان بين رؤية البرق و سماع الرّعد زمان طويل. و شبّه ذلك الصّوت الذي يكون من السّحاب بالحطب الرّطب الذي تشتعل فيه النّار
فيسمع له صوت و قرقعة، فعلى قدر كيفية السّحاب و كيفية البخار الحار اليابس المختنق فيه، يكون ذلك الصّوت الذي هو الرّعد و الضوء الذي هو البرق.
فأمّا اختلاف ألوان السّحاب فعلى قدر عمل الحرارة: فإن كانت الحرارة قد عملت فيه عملا شديدا رؤي لون السّحاب أسود، و إن كانت قد عملت فيه عملا قليلا رؤي السّحاب أبيض، و إن كان فيما بينهما رؤي أحمر أو أصفر على قدر عمل الحرارة فيها لأنّ الحرارة تحرق الأجسام فتكون ألوانها على حسب إحراقها.
و أما صغر قطر المطر و كبره: فعلى قدر شدّة دفع الرّيح السّحاب و ضعفه: فإن دفعته دفعا شديدا اجتمعت أجزاؤه، فكان منه قطر كبار. و إن دفعته دفعا ضعيفا كان منه قطر صغار.
و أمّا اختلاف ألوان البرق فعلى قدر السّحاب الذي يتصدّع، فإنّ البرق أيضا مختلف اللّون، فربّما كان إلى السّواد ما هو، و ربّما كان إلى الصّفرة ما هو، و إلى الشّقرة، و ذلك كلّه على قدر كيفية السّحاب، فهذا ما في الرّعد و البرق و السّحاب.
فأمّا الصّاعقة في اللغة فهي الواقع الشّديد من صوت الرّعد يسقط معه قطعة من نار، و صوت العذاب أيضا. و قد صعقتهم السّماء و أصقعتهم، و يقال: صعق إذا أغمي عليه من صوت يسمعه و مات أيضا، و يقال: صعق و هو صعق الصّوت أي شديده، و المصدر الصّعق و الصّعاق. قال إذا ائتلاهنّ صلصال الصّعق. و في القرآن: وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً [سورة الأعراف، الآية: 143] أي مغشيا عليه بدلالة قوله: فلما أفاق.
و قال الخليل: الصّاعقة: صوت العذاب. و قال بعضهم: نار ريحيّة و ريح ناريّة و ذلك أنّها إذا وقعت في الخشب أحرقته و أشعلته. و إذا وقعت على ذهب أو فضة أحمته و أذابته.
و هذا الفعل من أفعال النّار. قال: فيقول: إنّها و إن كانت نارا فليست بالنّار الحرية بل هي نار لهبانيّة. و ذلك أنّها إذا سقطت على الأرض لم يوجد جمرها بل يرى ذلك الموضع الذي تقع فيه الصّاعقة كثير الدّخان متصدّعا. و هذه من خواص النّار و الرّيح، و الصّاعقة أيضا ألطف من جميع النّار اللّهبانية التي عندنا، و ذلك أنّ النّار التي عندنا لا تنفذ في الحيطان و لا في الأرضين. و الصّاعقة تنفذ في كلّ جوهر محسوس، و هي لا تبصر لأنّها بلطافتها تفوت أبصارنا، لكنّ أفعالها تبصر، و لسرعة حركتها تجاوز الوقت الذي يمكن أن يكون فيه البصر.
و الصّاعقة تكون لعلّتين: إمّا لاكتمان النّار في الغمام و إفلاتها بغتة، و إمّا لا كتمان الرّيح في الغمام و احتكاكها به و شدّة خروجها بغتة، و في مجيئها إلى الأرض تصير نارا، كما ترى ذلك في الرّصاص إذا رمي بالمقلاع، فإنّه يسخن بمحاكّة الهواء و يلتهب و يذوب.
في قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [سورة النّور، الآية: 43] الآية و هو ثلاثة فصول:
قال الخليل: قوس قزح طريقة مستوسقة تبدو في السّماء أيّام الرّبيع. و في الحديث عن ابن عباس أنّه قال: «لا تقولوا قوس قزح، فإنّ قزح من أسماء الشّياطين و لكن قولوا:
قوس اللّه عزّ و جلّ» و قال أبو الرّقيش: القزح الطّرائق التي فيها و الواحدة قزحة و التّقزيح إذا اتّسع رأس الشّجرة أو النّبت شعبا مثل برثن الكلب. و في الحديث: «نهى عن الصّلاة خلف الشّجرة المقزحة» فأمّا قول الأعشى شعرا:
جالسا في نفر قد يئسوافي محلّ القدّ من صحب قزح
فقزح لقب رجل.
و أمّا الهالة: فهي الدّارة حول القمر، و قد مرّ القول فيه في باب القمر و من كلام الأوائل فيها: أنّ رؤيتها دالة على مجيء المطر، و كينونته، و اضمحلالها و تحلّلها يدلّ على حدوث الصّحو لكونه دالا على يبس الهواء، و كما يدلّ على المطر يدل على هبوب الرّياح، لأنّ المحلّل لتلك الرّطوبة إنمّا هو البخار الحار اليابس الذي هو مادّة الرّيح، و النّدأة تكون في أيّام الغيوث و هي عندهم و عند بعض العجم من أمارات المطر، و مما يصفون به صدق مخيلة السّحاب أن يروا القواري تكثير الطّيران في الدّجن. قال الجعدي شعرا:
فلا زال يسقيها و يسقي بلادهامن المزن رخّاف يسوق القواريا
و كذلك المرع: ضرب من الطيّر يظهر في المطر، و هي طويلة العنق مشرّبة صفرة،
قال أبو زياد: النّاس يستبشرون برؤية القواري.
و من أسماء القوس: الدّاح و من أمثالهم: لا يعرف الماح من الدّاح. فالماح: صفرة البيض. و الدّاح: الذي يسمى قوس قزح. و هذه الدّائرة أكثر ما ترى باللّيل، و قد ترى بالنّهار أحيانا، و أكثر ذلك نصف النّهار و بالعشي. فإمّا عند طلوع الشّمس و عند غروبها، فقلّما ترى. و علّة هذه الدّارات كلّها واحدة و ذلك أنّ البخار الرّطب إذا كثر في الجو و أشرقت الشّمس أو القمر و الكواكب المنيرة فيها سطع نورها في الهواء. ثم عطف ذلك النّور راجعا من الهواء على البخار الرّطب فترى تلك الدّارة كذلك.
و قالوا في قوس قزح: إنّها لا ترى دائمة، و أكثر ما ترى بالغداة و العشي فأما نصف النّهار فلا ترى، و أكثر ما ترى في الخريف. فأمّا في الصّيف فلا ترى و ربما رؤيت قوسين، فأما علّة كونها فهي من شعاع الشّمس الرّاجع إلى البخار الرّطب كمثل ما يشرق في الماء.
ثم يرجع إلى الحائط و ربّما يرى قوس قزح باللّيل من ضوء القمر، و قلّما يرى ذلك، و إنما يرى إذا رأيت في مثله ليلة البدر إذا كمل ضوء القمر.
فأمّا كدورة قوس قزح و صفاؤها فعلى ما تغلب عليها الرّطوبة كان اللّون إلى الصّفا، و البياض، لأنّ صفاء الهواء و كدورته من قبل هاتين العلّتين الرّطوبة و اليبس، و قياس ذلك النّار فإنّها إذا كانت في حطب رطب كان لون النّار أحمر كدرا، و إذا كانت في حطب يابس كان لون النّار أصفر صافيا، فكذلك لون قوس قزح أيضا.
أمّا الحمرة التي ترى أحيانا في أيّام الصّحو في الهواء: فمن قولهم فيها: إنّ الهواء إذا تكاثفت أجزاؤه و غلظ ثم سطع ضوء الشّمس أو الكواكب في موضع من الأرض، رجع ذلك الضّوء إلى الهواء كالضّوء الذي يرجع من الماء إلى الحائط، فكذلك الهواء إذا رجع إليه الضّوء من الأرض، أو من المياه قبله على قدر مشاكلته، لقبوله فيرى لون الهواء أحمر أحيانا، و على الهواء القابل لذلك.
و القول في الآية بدأ اللّه تبارك و تعالى يذكّر بنعمه على خلقه، حالا بعد حال و وقتا بعد وقت، و بكمال تدبيره، مجملا و مفصّلا، و مقدّما و مؤخّرا و كيف سبّب الأسباب و رتّب الأقدار فيما هيّأ من درور رزق و درج من نزول غيث فقال: انظروا كيف جمع فرق السّحاب بعد إنشائها، و كيف ألّف سياقها على تباينها، و في أيّ حال كشفها عقب رقّتها و تخلخلها، حتى صار مع تراكمها يؤدي ما أودع و ينخرق بما ضمّن، فيخرج من خلاله الماء، مرافقا للنّار، جامدا و ذائبا، و متخلخلا و متماسكا.
ثم يقسمه سحابة بين منتظريه و طالبي الانتفاع به، كما يشاء فيعطي كما يحرم و يهب كما يمنع، مقلّبا اللّيل و النّهار، و مبدّلا الظّلم و الأنوار، و اعتبروا ففي ذلك عبرة لأولي الأبصار.
قوله: يزجي يعيد سوفا على رفق، لذلك قال عدي: و يزجي بعد الهذين جهة شمال كما يزجي الكسير. لأنّ الكسير يرفق به. و الرّكام: الغليظ المتلبّد المتطارف، و الودق: الماء و الفعل منه و دق.
و قوله: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [سورة النّور، الآية: 43] فكلّ مستحجر صلب غليظ يوصف بأنّه جبل و جبال. و منه قوله تعالى: وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ [سورة الشّعراء، الآية: 184] و قوله تعالى: مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [سورة النّور، الآية: 43] أراد من جبال برد فيها، و هذا على التّكثّر كما يقال: عند فلان جبال من المال. و المراد أنّ ما ينزله من الغيث يكون ذائبا و جامدا فيقسمه بين الخلق على ما يرى من مصالحهم و إنّما قال تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [سورة النّور، الآية: 43] لأنّ الضّوء الباهر إذا أديم النّظر إليه أضرّ بالعين، و كذلك الشيء الأبيض كالثّلج و ما أشبهه.
قالوا: إنّ البرد إنّما يكون في البخار الحار إذا أصابه برد الهواء و ذلك لتنافر الحرارة و البرودة. فإذا أصاب البرد السّحاب انقبض الماء في داخل السّحاب من كثرة حرارة ذلك البخار، فيجمد في جوف السّحاب، و ذلك لمضادة الحرّ للبرد و لذلك إنّما يكون البرد في الأيام الحارة لمضادة الحرّ البرد.
فأمّا في الأزمنة الباردة و البلاد الشّديدة البرد و إن كان البرد منتشرا في جميع الأماكن، فليس يقع هناك مضادة الحر للبرد فلا يكون بردا. فأمّا اختلاف خلقها فمن قبل بعده و قربه من الأرض: فإن كان بعيدا من الأرض كان صغير الحب و ذلك لأنّه يذوب فيما بين مخرجه و بلوغه إلى الأرض، فيصغر قدره و يستدير.
فأمّا ما كان قريبا من الأرض فإنّه ينزل سريعا فلا يستدير لكن يبقى كثيرا مختلف الشّكل، و إن كان الصّغر و الكبر فيه تبع قدر الماء، و كونه مضغوطا في السّحاب، و ربما كان علّة كبر القطر من قبل قوّة الرّيح فيضغط أشدّ ضغط فهذا ما في البرد.
فأمّا أسباب الطّل: فيكون إذا كان في الموضع السّفلي و اجتمع أو تصاعدت بخارات فغلظت من البرودة ينزل الشيء الذي يغلظ لما فيه من الثّقل، لأنّه ليس تحته من الهواء كثير فيمنعه من النّزول كما يمنع الهواء فوق لكثرة الغمام من النزول و القطع الصّغار. و الدّمق:
يكون إذا جمد الطّل بالبرودة، قالوا: و السبب في بياض الدّمق ما تداخله من الهواء لأنّ الشّيء الذي هو فوق ثلج، هو أسفل دمق و الشّيء الذي هو فوق مطر هو أسفل طل، و من أجل ذلك قيل: إنّ الدّمق يكون من جمود البخار قبل أن يجتمع فيصير ماء.
و هو ثلاثة فصول
الأصمعيّ يقال: وقع الغيث بمكان كذا إذا مطر، و لا يقال: سقط. قال الشّاعر:
وقع الرّبيع و قد يقارب خطوهو رأى بعقوته أزلّ نسولا
يعني بالأزل الذّئب. و قال آخر:
حتّى إذا وقع السّماك و عشرتعين فمنبعه و أخرى مقرب
يريد وقع غيث السّماك، و لو أراد السّماك نفسه لقال سقط و لم يقل وقع، إنّما الوقع للغيث، و السّقوط للنّجم، قال السّاجع: إذا النّجم هبط، و إذا النّسر سقط، و إذا وقع الغيث قيل: نصرت الأرض فهي منصورة، و إذا وقع الغيث فابتلّ التراب فهو ثرى و الأرض ثرية ما دامت رطبة، فإذا جفّ قيل: بلح و مصح. قال يصف إبلا:
و بلح الرّب لها بلوحاو أصغر في الأرض الثّرى مصوحا
و إذا اشتدّ ندى الثّرى حتى يلزم بعضه بعضا: فهو الثّرى الجعد، فإذا زاد فهو كباب، فإذا ارتفع عنه فهو عمد.
قال الغنويّ: فإذا أصاب المطر و كان ثراه في الأرض إلى الرّبيع فهو المرسغ و هو ربيع، و خير ما يكون من المرسغ إذا كان في شحاح الأرض، و هو ما صلب منها، و الرّسغ موصل الكف في الذّراع. و عن غيره إذا كان الثّرى في الأرض مقدار الراحة فهو المرحى، قال أبو حنيفة: هكذا روي بتقديم الحاء يريد أنّه يجيء من الرّاحة مروح. قال الغنويّ: و إذا كان الثّرى إلى مستحلّ الذّراع، و مستحلّها ما غلظ منها مما يلي المرفق فهو الرّسغ المنبت
النّافع. و إذا كان إلى المرفق فهو المطر الجود و هو يجزي الأرض شهرا من المطر. فإذا بلغ الثرى نصف العضدين قيل: حيا. فإذا بلغ المنكب فهو حيا عند جميع النّاس لما بعده. فإذا حفر الحافر الثّرى فذهبت يده حتى يمس الأرض باذنه و هو يحتفر. و الثّرى جعد. فقد اعتقدت الأرض حيا سنتها. و يقال: غيث جدا، لا يحفره أحد و لا سكفه، أي لا يعلم أحد أين أقصاه.
و قال الأصمعي: إذا التقى الثّريان فهو الجود يعني أن يتّصل النّدى الظّاهر بالنّدى الباطن المستكنّ في جوف الأرض. و حكى الأصمعيّ عن رؤبة: شهر ثرى و عشر ثرى- و شهر مرعى- و شهر استوى. و قال ابن الأعرابي: قيل لابنة الخنسي: كم يعقد المطر في الأرض و لا يخرج؟ فقالت: عشر ثرى و عشر ثرى و عشر مرعى(1). أرادت أنّ الماشية تشبع في ثلاثين. فهذان القولان متّفقان، و معنى استوى: اكتهل في الشّهر الرّابع ثم يشبع المعزى.
و اعلم أنّ البلاد تختلف في ذلك: فإنّ منها الأنبت الممراح فلا يبطئ نباته، و منه المصلاد النكد الجحد الإنبات. و يختلف أيضا من قبل الزّمان، فإنّ الأرض إذا جيدت و الزّمان لين كزمان الصّفوى و الدفيء و الخريف لم تلبث الأرض أن تعشب. و إذا جيدت و الزّمان قسيء بارد منعها البرد من الإعشاب فأبطأت به.
و قال ابن الأعرابي: قال أبو المجيب أعرابي من بني ربيعة: لقد رأيتنا في أرض عجفاء، و زمان أعجف، و شجر أعشم في قف غليظ، و جادة مدرعة غبراء فبينا نحن كذلك، إذ أنشأ اللّه من السّماء غيثا مستكفا نشوؤه، مسبلة عزاليه- عظاما قطره- جوادا صوبه- زاكيا ودقه- أنزله اللّه رزقا لنا فتنعش به أموالنا- و وصل به طرقا فأصابنا. و أما السّوطة بعيدة بين الأرجاء فاهرمع مطرها حتّى رأيتنا و ما نرى غير السّماء و الماء، و صهوات الطّلح فضرب السّيل النّجاف.
و أمّا الأودية فرعها فما لبثنا إلا عشرا حتّى رأيناها روضة تندى، فهذا اجزأنها روضت في عشر و هو دون ما قدّمناه من قبل. و العلّة فيه الزّمان، و إذا اتّفق الزّمان اللّين و الأرض الممراح كان هذا و نحوه. و إذا وقع الغيث: فنجع و رؤي تباشير خيره قيل: رأينا أرض بني فلان غب المطر واعدة حسنة. حكاه الأصمعي، فإذا أبصرت شيئا من النّبات فذاك الإيشام و الطّرور و البقول و الإيفال.
أوشمت الأرض توشم إيشاما، و طر النّبت طرورا كما يطرّ الشّارب، فإذا تطررت
1) كذا في الأصل و اللّه أعلم.
الخضرة لعينك فقد خصبت الأرض تخصب خصبا و خصوبا و دست و تودست حسنا، و التّربص مثل التّودس.
و كذلك الإبشار يقال: أبشرت الأرض، و ما أحسن بشرتها و دسّها و كنأ النّبت إذا طلع.
و إذا اتّصل قيل: وصت الأرض فهي واصية قال:
وصي لها غراد و جاد ملبس كلّ أجرعا. فإذا بلغ اتّصاله أن يغطي الأرض قيل:
استحلست الأرض. قال ذو الرّمة:
حتى كسا كلّ مرتاد له خضلمستحلس مثل عرض اللّيل يحموم
و حينئذ ترى الأرض مدهانّة.
و إذا رأيتها كذلك فذاك الوراق، فإذا نهض البقل قليلا و هو أغض ما يكون و أنعمه، فذلك اللّعاع و النّعاع و قد ألعت الأرض إلعاعا حسنا. و يقال: تركت المال يتلقى أي يرعى اللّعاع، و الشّعتد نحو من اللّعاع، و إذا ارتفع عن ذلك حتى يشتد قيل: عرد يعرد عرودا.
و النّقاء: القطع المتفرقة من النّبات و الواحدة نقأة. قال:
جادت سواريه و آزر نبتهنفأ من الصّفراء و الزّباد
و كذلك الثّجر و الواحدة ثجرة فإذا نهض حتى يملأ أفواه المال فهو جميم، أخذ من الجمة على التّشبيه.
فإذا ارتفع عن ذلك فهو عميم. و يقال: اعتمّ النّبت. قال ساعدة:
يرتدن ساهرة كأنّ جميمهاو عميمها أسداف ليل مظلم
و يقال: جادت الأرض بالنبات و غيث جود، و ذلك إذا طال و ارتفع و قد غلا يغلو غلوا و اغلولب.
و يقال: استلّ و ذلك حين لا يرى فرجة لطوله و انتشاره.
و يقال: أغنت الأرض: و ذلك إذا سمعت لها غنّة لالتفاف النّبات و كثافته و حينئذ يقال: استأسد، و قد يكون ذلك من أصوات الذّبان. قال شعرا:
مستأسد ذبّانه في غيطلتعلن للدايدا عشبت أنزل
فإذا ظهرت أكمامه و هي غلف النّور فذلك البراعيم و الواحدة برعومة. و الكعابر و الواحدة كعبرة حتى يتفتّح ثم ينشق عن النّور فتخرج زهرته و ذلك التّقصيح، و النّور حينئذ فقاح و البراعيم من قبل ذلك صمع واحدها صمعاء.
و يقال حينئذ: جنّ النّبت جنونا و أخذ زخرفه و زخاريه و ألفى بهجته. قال ابن مقبل:
زخارى النّبات كأنّ فيهجياد العبقريّة و القطوع
و يقال: اقتان النّبت اقتيانا إذا تزيّن و ظهر حسنه و هو مأخوذ من التّقيّن. و منه قيل للماشطة: مقيّنة. قال:
و هنّ مناخات تحلّلن رمةكما قتلن بالنّبت العهاد المجوّز
و يقال: أزهر النّبت إذا ظهرت زهرته و زهر و هو ألوان نوره.
و يقال: نور النّور و نواره و زهرته سواء.
و كذلك الفغو و الفاغية. و يقال: أفغى النّبت إذا نور. فأما الأصمعيّ فإنّ الفغو و الفاغية عنده ورد كلّ ما كان من الشّجر طيب الرائحة.
و غير الأصمعي يجعل الجنون طوله يقول جنّ إذا طال فهو مجنون. قال الرّاجز يصف نخلا: ينقص ما في السّحق المجانين. و قال ابن أحمر:
تنفقأ فوقه القلع السّواريو جنّ الخازباز به جنونا
فإذا انتهى و بلغ فهو مكتهل، و كل ما انتهى منتهاه فهو كهل. قال ابن مقبل:
وقوفا به تحت أطلالهكهول الخزامى وقوف الظّعن
و هو في جميع هذا الأحوال خلا و عشب، و يقال: أعشبت الأرض و اعشوشبت و أعشبت الإبل أصابت العشب.
و كذلك أخلت الأرض إذا نبت خلاها، فإذا جززته قلت: اختليته. قال:
سوف المعاصير خزامى المختلى. و هذا كلّه ما دام رطبا رطب و خضر. فأما الشّجر:
فإنّ أوّل توريقه النّضح يقال: نضح الشّجر نضحا إذا تقطر بالورق و هو اليغط و الفقح يقال:
فقح الورق إذا انفتح.
فإذا اكتسى خضرة من الإبراق قيل: قد تمشّر و أمشر إمشارا و ظهرت مشرته و مشرته بالتّحريك و الإسكان، و المشرّة من الشّجر كاللّعاعة من البقل. قال: و قصارها إلى مشرة لم تعتلق بالمحاجن.
و يقال: أورق الشّجر إيراقا و ورق توريقا، و لا يسمّى ورقا إلا ما عرض و تبسّط.
فإذا طال طولا شديدا مع بعض التّبسّط فهو خوص و الواحدة خوصة.
فإذا طالت مع اندماج، فلم يكن فيه تبسّط فهو الهدب، و العبل نحو منه، عن أبي
عبيدة و أبي عمرو يقال: قد أعبل الأرطيّ إذا ورق.
و للإعبال موضع آخر: و هو أن يقال: قد أعبل الشّجر و ذلك إذا تساقط ورقه في قبل الشّتاء و كأنّه من الأضداد.
فإذا نقصت غضاضة النّبات و اشتدّ عوده قيل عسا يعسو عسوا.
فإذا ولت بلولته و أخذ يتهيأ للجفوف قيل: ذوى يذوي و ذأى يذأى أي فهو ذا و في كلتا اللغتين: و ألوى إلواء و ذلك نحو الذوي فيكون النبات حينئذ لويا.
فإذا تجاوز ذلك قيل: قد أقطر اقطرارا و إقطارا أيضا.
فإذا شعفه اليبس قيل: هاج يهيج هياجا و هيجا و هو حينئذ يبس الباء ساكنة و يبس و قفل.
قال أبو ذؤيب: فحزت كا تتابع الرّيح بالقفل و هو الحفيف و الغفيف و القف قال:
كشيش أفعى في يبس قف.
و قد قفت الأرض قفوفا و هو في هذه الحال حشيش، و في كلّ حال كلأ و لا يقال له قبل أن يجف حشيش، فإذا تمّ فيه اليبس لوى، فإذا تكسّر بعد اليبس فهو حطام و هشيم.
و قال الكلابي: إذا يبس النّبت فما دام قائما فهو القف. فإذا تكسّر و سقط إلى الأرض فهو الحبة، قال أبو النّجم:
في حبة جرف و حمض هيكل. فأمّا الأصمعي فالحبّة عنده: حبّة ما له حب من النّبات، قال و يقال: الإبل في حبة ما شاءت، فإذا ركب بعضه بعضا فهو ألثن، قال: و أقام بعد الحدب في ثن، فإذا اسودّ من القدم فهو الدّندن. قال:
كالسّيل يغشى أصول الدّندن البالي. و الدّرين حطام جميع النّبت، و السّفا شوك البهمي خاصة، و السّفير ما تساقط من الورق لأنّ الرّيح تسفره أي تكنسه و إذا أخذ النّبت يجف و أصوله حيّة ثم جاء المطر عليه فعاد أخضر فذلك النّشر. قال شعرا:
و فينا و إن قيل اصطلحنا تضاغنكماطر أوبار البعير على النّشر
و هو مطر يأخذ عنه الإبل إذا رعته السّمام، و الهرار ثم تشلح عنه فتهلك و أنشد:
كما نشأت في الجزء مزنة صيفو ضمنت الأكوار عاقبة النّشر
فأمّا ما نبت في أصول فهي الغمير.
و الرّبل: ما ينبت من غير مطر ببرد اللّيل و يقال: أربلت الأرض و أربل الشّجر، و يقال له الخلفة كأنّه يخلف ما يقدم.
و يقال: راح النّبت و تروح إذا اكتسى ورقا. و حكي عن الكلابي أنّه قال: الرّبل و الخلفة و الرّيحة واحد، و كل هذا نبت مع طلوع سهيل و ضروب من النّبات تدوم خضرتها الصّيف فلا يهيج مع هيج النّبات.
يقال لها: الرّبب و الواحدة ربة و النّبات كلّه يجمعه الشّجر و العشب. فالشّجر ما قام على ساق، و العشب ما خالف ذلك ثم ينقسم العشب قسمين: بقلا و جنية، فالجنية ما له أرومة فهو أقوى من البقل، و البقل أحرار و ذكور فأحراره ما رقّ و عنق، و ذكوره ما غلظ منه.
و هو فصلان
قال الأصمعيّ: إنّ الأوطان و المراتع تختلف في هذا الباب اختلافا شديدا لأنّ منها ما يطول بقاء الرّطب و دوام الماء فيه. و منها ما يقصر ذلك فيه.
و من المراتع أيضا مسهفة معطشة. و منها مرواة، و لذلك تراهم يختلفون في ذكر هيج النّبات و فناء المياه، فيأتي توقيت زمانه مقدّما و مؤخرا، و يحضر قوم و يبقى قوم في النّجعة، و ربّما وجدت السّائمة متعلفا من بقايا الرّطب في مثاني الأرض، و محاني الأودية، و أعماق البطون، و أقام الحيّ يستحلف لهم من الاعداد على الزّوايا فيؤتون بالماء إلى مباديهم حتى يستنفدوا الرّطب فيكون حضورهم إذا لم يجدوا له مدفعا، و لا يجدون إلى الأجزاء سبيلا.
و اعلم أنّ المراعي تنقسم قسمين: خلّة و حمضا، فالحمض ما كانت فيه ملوحة و الخلّة ما لا ملوحة فيه. و الحمض: يرخي بطون الإبل و يعنق لحومها، و يطيل أوبارها و ينفشه، و يغلظ و يكثر عليه شربها.
و الخلّة على خلاف ذلك، و الخلّة للإبل كالجز، و الحمض كالأدم، فإذا عافيت بينهما كان ذلك أفضل ما يكون.
و إذا أخضب النّاس قيل: أحيوا الحيوان أحياء، و الحياء الخصب، و جمع الخصب أخصاب، و جمع الحياء أحياء، و أنشد الأصمعيّ في جمع الخصب:
كأنّما يزينه الإخصاب بالمعر الحمر
. و هذا عام: حياء- و عام أوطف- و أعزل- و أقلف- و غيداق- و عام فنق- و كلّ ذلك معناه الخصب قال. لم ترج رسلا بعد أعوام العنق. فإذا كان عاما مشهورا بالخصب قيل له:
عام المال. قال:
رآني تجاذيب الغداة و من يكنفتى قبل عام الماء فهو كبير
و يقال: ربع الرّبيع، و نحن في ربيع رابع، و النّاس في الرّغد، و الرّغد و قد أرغدوا و هم في رفاهة و رفاهية و رفهفية، و بلهنية، و رخاخ من العيش، و رخاء و رفاغة و في عيش دغفل، و غدفل و أغضف و غاضف، و هم في مثل حدقة البعير و في مثل الحولاء.
و ذلك إذا كانت الأرض مخصبة معشبة و في عيش إبله و أهيغ كلّ ذلك الخصب و هذا بلد خصيب و خصيب و خصب. و إذا كان ذلك عادته فهو مخصاب.
و يقال: أرتع القوم إذا رتعوا في خصب و تحقيقه: نالوا مرتعا. و أفتق القوم إذا أعشبوا، و أسمنوا و إذا أجدب النّاس قيل: أسنتوا و هذا عام سنة. و مما حكي: الأرض وراءنا سنة، و أرضون سنون أي مجدبات.
و كذلك محول و أرض محل و ممحلة و أمحلت و محلت، و بلد ممحل و ما حل و أصابتهم أزبة و أزمة- و لأواء و لولاء- و شصاصاء- و فحمة و حجرة. و يقال: أحجر عامنا إذا قلّ مطره قال:
إذا الشّتاء أحجرت نجومهو اشتدّ في غير ثرى أزومه
و يقال: أصابتهم كلبة الزّمان، و هلبة الزّمان، و السّنة القاوية القليلة الأمطار و قد قوي المطر، و العام الأبقع الذي قلّ مطره.
و يقال: سنة سنواء، و أرض بني فلان جرز، و مجروزة و جرزات و فل و مخرجة و بقعاء.
و يقال: لم يصبها قابة أي قطرة، و إذا أخطأ الأرض الوسميّ كلّه و صدر الولي ففي ذلك الشتاء بكلبه و إصراده، فذلك المحل لا شكّ فيه المجلى، و هذا المعنى عبّر عنه الشّاعر في قوله:
إذا غرد المكاء في غير روضةفويل لأهل الشّاء و الحمرات
و ذلك أنّ المكاء لا يعدن بغير الرّياض، و لا يقيم إلا في معاشيب الأرض و فيها تبيض و تفرخ و تزقو و تغرّد. و قد بيّن الرّاعي، فقال: يفضل الإبل على المعزى و الحمر.
إنّا وجدنا العيس خير بقيةمن الفقع أذنابا إذا ما اقشعرّت
ينال جبالا لم ينلها جبالهاو دويّة ظمآى إذا الشّمس ذرّت
مهاريس في ليل التّمام نهتهإذا سمعت أصواتها الجنّ فرّت
يعني بالفقع أذناب المعزى، يقول الإبل: تستطيع أن تنال من البلاد ما لا تستطيعه الغنم، و يصبر على الظمأ و قال جندل الطّهوي يصف عيرا:
رعى جماد ثادق فالقرقرهأزواج مزه زخري الزّهرة
حتى إذا ما الهيف حتّ تمرهو أسبلت بعد الجناه الهيشرة
و ودّع العشّ فراخ الحمرةو نشر اليسروع بردي حبرة
و ظهرت ذات العشاء الحشرةو نقض الفقع فأبدى بصرة
و قام للجندب ظهرا صرصرةشدّ على أهل الورد ميزرة
أراد بالأزواج الألوان من النّبات و المزهي: ذو الزّهو و الهيشرة نبت، و يعني ببردي حبرة جناحيه لأنّه يسلخ فيصير فراشة في آخر الرّبيع و إنمّا ظهرت الحشرة ذات العشاء لبرد اللّيل. و إنّ حرّ النّهار كان مانعها من الانتشار، و الفقع ضرب من الكماة أبيض، فإن استبشر في أول الزّمان، و إلّا شقّ الأرض عن نفسه، و ظهر ثم يصفر إذا تطاولت به الأيام و اشتدّ الحر. لذلك قال السّاجع: إذا طلعت الهقعة أدرست الفقعة، و تعرض النّاس للقلعة، و رجعوا عن النّجعة، و قال الرّاعي في ظهور الفقعة من تحت التّراب:
بأرض يبن الفقع فيها قناعهكما أبتنّ شيخ من رفاعة أجلح
شبه الفقعة برأس الشّيخ لتجرّدها. و قال السّاجع أيضا في الظّعن عن البدو و الرّجوع إلى الحضر: إذا طلع الشّرطان خضرت الأعطان، و طلوع سهيل وقت لأوّل التّبدي و غيبوبته وقت لأول الحضور، و هو يطلع إذا ناء سعد السّعود و يغيب قبل أن ينوء الغفر. فمدة طلوعه نحو من ثمانية عشر نوءا و ذلك قريب من ثلثي السنة، و مدة غيبوبته نحو من عشرة أنواء، و هو قريب من ثلث السّنة. و قال ذو الرّمة يصف امرأة و يذكر وقت مبدئها و محضرها شعرا:
غراء أنسة تبدو بمعقلهإلى سويقة حتّى يحضر الحضرا
تشتو إلى عجمة الدّهنا و مربعهاروض يناصي على ميثه العفرا
حتى إذا هزّت البهمى ذوائبهافي كلّ يوم يشهي البادي الحضرا
و زفزفت للزّباني من بوارحهاهيف أنشّت به الأصناع و الخبرا
ردّوا لأحداجهم بزلا مخيسةقد هرمل الصّيف عن أكتافها الوبرا
و واحد الأصناع صنع، و هو محبس الماء و زفزفة الرّيح سوقه لحطام النّبت فيسمع جرسها و معنى أنشّت أيبست، و الخبرة القاع نبت السّدر، و الجميع الخبر فهذا ابتداء ذكر المبدأ و المحضر و سنحكم القول فيه فيما بعد إنّ شاء اللّه تعالى.
قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي: كانوا إذا استمطروا عمدوا إلى السّلع و العشر فعقدوهما في أذناب البقر، و أضرموا فيهما النّار، و أصعدوها في جبل وعر و تبعوها يدعون اللّه عزّ و جلّ يستسقونه. قال ابن الكلبي: و كانوا يضرمون تفاؤلا للبرق قال لمية في ذلك:
سنة أزمة تخيل للنّاسترى للعضاة فيها صريرا
لا على كوكب ينوء و لا ريح جنوب و لا ترى طخرورا
و يسوقون باقر السّهل للطّود منها زيل خشية أن تبورا
عاقدين النّيران في تكن الأذناب منها لكي يهيج البحورا
سلع ما و مثله عشر ماعائل ما و عالت البيقورا
بيقور: جماعة بقر، يقال: بقر و باقر و بيقور و غلط في هذا عيسى بن عمرو و الأصمعي جميعا، فأمّا الأصمعي فإنه روى و غالت البيقورا، و احتجّ لتصحيفه بأنه ذهب إلى المرارة من أجل السّلع، فقال: يقال: ما أبقره و أمقره. و قال عيسى: لا معنى لقوله: سلع ما. و قال ابن السّكيت: معنى قوله: و عالت البيقورا أنّ السنة الجدبة بقلت البقر، ممّا حملت من السلع و العشر، و أنشد أبو عثمان الجاحظ للورل الطّالي شعرا:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أ جاعل أنت بيقورا مسلعةذريعة لك بين اللّه و المطر؟!
قوله مسلعة يعني ما عقد في أذنابها من السّلع. و قال أبو حنيفة: و كانوا إذا فعلوا ذلك توجّهوا بها نحو المغرب من بين الجهات قصدا إلى العين، يعني عين السّماء. و هذا الذي ذكرناه عن العرب من الزّمن تشاركها الأمم في أمثاله كنيرنجات الفرس، و وهم الهند، و عقد الرّوم.
و قالت الفلاسفة: رموز النّفس تنقسم ثلاثة أقسام: قسم منها رمز فوق الطّبيعة كالرّقي و الوهم، و قد قال بعضهم: إن للنّفس كلمات روحانية من نحو ذاتها. و قسم منها رمز نحو الطّبيعة كتعليق الحرز و ما أشبهها. و قسم منها دون الطّبيعة كالتّماثيل و استعمالها، فهذا كما ترى و إن عرض فيما يعمله ما يقتضي القول في شيء من الرّموز أعدنا القول فيها إن شاء اللّه تعالى.
قال الأصمعيّ: للعرب ظعنان: أحدهما ظعن للتّبدي و ذلك إذا أخرفوا و ميقاته ما بين طلوع سهيل إلى سقوط الفرغ المؤخّر، فإذا أخرفوا تصدّعوا عن المحاضر و لقسمتهم المناجع، و حجروا الأعداد، و استبدلوا بها الأوراد، فظعنوا عن دار المقيظ.
و الظّعن الآخر: يكون عند انصرام الرّطب و هيج الأرض و نضوب الماء، و هجوم الصّيف كما قال: (حتى إذا العود اشتهى الصّبوحا) يعني شدّة الحر، و العود أصبر على العطش من غيره، فإذا اشتهى الماء في أول النّهار فهو أشدّ الحر، و قد كثر متصرّفاتهم في وصف المحلين، و التّردّد في الرّحلتين، و مفارقة الحضارة، و مراجعة البداوة. و ذلك أنّهم يقيمون على مياههم ما أقامت وقدات الحر، و عزات القيظ، فإذا سكنت نائرتها و أذنت بتولّيها، فباخت سورتها و أمكن مدّ إظمائها، و أقبلت الأرض تربل، و العضاه تتروّج ابتدءوا يبدون.
و قد أخبر بعضهم عن ذلك قال:
قد تشكّى النّساء و أظلم الأمعوذ و اخضرّ جيب أمر قسيم
أي اتّخذن الشّكاكين، و أظلم أراد أنّ الظّباء سمنت و أشرت، فهي تتناطح، و أمر قسيم: إذا خرجت زهرتها من النّبات فمن متبطّئ و متعجّل، و ذلك على حسب مساعدة الأحوال و مداورة الأزمان لأنّها كما تستنهض تستوقف، و على ما تقدم قد تؤخر، فبكاؤهم للظّاعنين و جزعهم في أثر المفارقين، و حنينهم على الخلطاء، و المجاورين للعارض المغير، كما أنّ مداناة المزالف و مراجعة المؤالف و المخالف لحادث آخر مبدّل، فتارة يبنون عرش الشّجر و هو الخيام مظللة بالثّمام و تارة يسكنون بيوت الصّوف و الوبر منصبة بالعمد و الحبال.
فمن ذلك قول ذي الرّمة شعرا:
ألا حيّ المنازل بالسّلامعلى نحل المنازل بالكلام
لمية بالغا درجت عليهارياح الصّيف من عام فعام
سحبن ذيولهنّ بها فأضحتمصرعة بها دعم الخيام
أقمن على بوارح كلّ نجمو طيّرت العواصف بالتّمام
قال ذلك لأنّهم إذا ظعنوا عن المحاضر تركوا الخيام على حالها أو نزعوها و نضدوها استعدادا للعودة، فتزعزعها الرياح إذا تقادم العهد بها. و من ذلك قول امرئ القيس:
أ مرخ خيامهم أم عشر؟أم القلب في إثرهم منحدر؟
قصده أن يعلم بأي الماء نزلوا خيامهم من شجرها و المعنى أنجدوا أم غاروا أم اتهموا فأحدر القلب بانحدارهم، و هذا كما قال: ففرعنا و مال بها قضيب. لأنّ قضيبا من تهامة، و كما قال الآخر: و سالت بأعناق المطيّ الأباطح.
و قال ابن الأعرابي: الحنتمة ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام يستظل بها في الحر، و المظلة لا يكون إلا من النّبات، و تكون كبيرة، و يكون لها رواق و ربما كانت شقّة أو شقّتين أو ثلاثا. و ربما كان لها كفا و هو مؤخّرها. قال: و الخباء من شعر أو صوف، و القبّة: تكون من أدم. و كذلك الطّراف، و قال: المظلّة بفتح الميم لا غير. قال زهير:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائنتحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
جعلن القنان عن يمين و حزنهو كم بالقنان من محلّ و محرم
فلمّا وردن الماء زرقا جمامهو ضعن عصيّ الحاضر المتخيم
فهذا الظّعن للبداوة فأمّا قول طفيل شعرا:
على اثر حيّ لا يرى النّجم طالعامن اللّيل إلّا و هو قفر منازله
فإنّ من تبدّى أوان التّبدي من الخريف لم ير الثّريا طالعة أوّل اللّيل إلّا و هو نازل بالقفر لأنّ أوّل طلوع الثّريا عشاء هو لطلوع السّماك الأعزل بالغداة و سقوط الرّشاء، و ذلك في الوسمي و بعد طلوع سهيل. و أمّا قول ذي الرّمة:
إذا عارض الشعرى سهيل بجهمةو جوزاؤها استغنين عن كلّ منهل
فهو يصف إبلا و استوثق لها، لأنّ سهيلا إذا طلع بقية من اللّيل و هي الجهمة، فذاك قبل الوسمي، و دبر القيظ، و الزّمان زمان ندى، و روح و طل و غيث. و قد قال ساجعهم: إذا طلعت الصّرفة أميز عن الماء زلفة، لأنّها إذا طلعت ناء الفرع المقدم و هو آخر أنواء الخريف، و في اثره الفرع المؤخّر و هو أوّل أنواء الوسمي فلا يزالون يتبعون مواقع الغيث
و يتحوّلون في معاشيب الأرض و يشربون ماء السّماء و يجتزون بالرّطب، عن الورد و هم في سلوة من العيش، و رغد من الخفض يرمي النّوى بهم المرامي، فمن شعب يلتئم إلى شعب، و من جمع يلتئم مع جمع و مزار تقرّب بعد بعد، و مطاف يسهل عقيب وعر، و مواعيد بين الأحبّة أنجزت و عقود من حبال جوار و وصال أوثقت حتّى إذا تحرّك الهيف و هو أوّل الحر و مبدء البوارح، بدّلت الأرض و الدّهر ذو تبدّل، فمن بقل ذابل و ماء غائض و نهي ناضب، و صيف صائف، و هيج يشتد و ورد يمتد، و كبد من الماء تحر، و صبر على بلواه ينفد و يقلّ، حينئذ ترى ذا الرّاحة يتعب، و المتأخّر يلحق، متصدّعين عن مباديهم، سعيا و مفترقين عن مقارّهم شفقا فكم قلب لفراق الأحبّة جزع، و دمع لوداعهم همع، و أنس لبيتهم يقطع، و وجد ببعدهم تجدّد. و كلّ هذا أتت به الأشعار و ترادفت بأمثالها الأخبار، فمن ذلك قول جرير يذكر سائرة ضمّتها إليهم النّجعة ثم تفرّقوا فأسف لفراقهم. قال شعرا:
ألا أيّها الوادي الذي ضمّ سيلهإلينا نوى ظمياء حيّيت واديا
فقد خفت ألّا تجمع الدّار بينناو لا الدّهر إلا أن نجدّ الأمانيا
و قولا لواديها الّذي نزلت بهأوادي ذي القيصوم أمرعت واديا
و قال ذو الرّمة:
حتّى إذا ما استقلّ النّجم في غلسو أحصد البقل أو ملو و محصود
ظللت تخفق أحشائي على كبديكأنّني من حذار البين مورود
من ورد الحمى، و قال الجعدي يذكر امرأة جاورتهم في مرتع شعرا:
أقامت به حدّ الرّبيع و جارهاأخو سلوة مسّى به اللّيل أملح
فلمّا انتهى في المرابيع أزمعتحفوفا و أولاد المصانيف رشّح
و حبّ السّفا و اعترّها القيظ بعد ماطباهنّ روض من زبالة أفيح
و حاربت الهيف الشّمال و آذنتمذانب منها اللّدن و المتصوّح
و قمن يزورن الهوادج بعد مامضى بين أيديها نعام مسرّح
يريد بأخي السّلوة: الندى لأنّهم في سلوة و رخاء ما أقام لهم، و هو الأملح لبياضه.
و قوله: مسى به اللّيل: لأنّ النّدى باللّيل يسقط. و قوله في المرابيع: يريد سمنها.
و المرابيع: جمع المرباع و هي التي من عادتها أن تنتج في أوّل النتاج. و المصانيف: التي تنتج في آخر النّتاج. و الرّشح: جمع راشح و هي التي تمسكها أمّها لئلا تسقط و هو التّرشح.
و يقول الرّجل لصاحبه: لقيت فلانا يرشح ولد ناقته إذا فعل بها. و قوله: و حاربت الهيف الشّمال. لأن الشّمال و الصّبا ريحا البرد. و الجنوب و الدّبور ريحا الحرّ. و المتصوّح: اليابس المتشقّق، قال ذو الرّمة:
و صوّح البقل ناج تجيء بههيف يمانية في مرّها نكب
فجعلها النّكباء التي تلي الجنوب. و قال الكعبي المنقري:
تمرع إذ تسعى بها ذو إيالةمن الحرّ ما كانت مذانبه خضرا
يصف راعيا تمرع طلب مريع الكلأ. تسعى بها: تتمادى في الطّلب. ذو إيالة: حاذقا بمعالجة الإبل و القيام عليها. و المذانب: المشارب و ذلك أنّ الثّريا إذا طلعت سحرا تحوّل جميع أهل المراتع إلى المحاضر ليبس الكلاء، و نضوب الماء، و ذهاب الجز، فلا يبقى في المراتع إلّا من يتولّى رعيه الإبل بنفسه، و يتشيّع سرار الغيطان، و بطون الأودية. و العلان:
التي فيها بقايا الرّطب، و لا يكون ذلك التّخلف إلّا شهرا و بعض آخر، و هو من وقت طلوع الشّرطين، لستّ عشرة ليلة نحو من نيسان إلى وقت طلوع الثّريا يخلو من أيار إلى طلوع الدّبران و هو لليلة من حزيران و أنشد:
أقمن شهرا بعد ما تصيّفاحتّى إذا ما طرد الصّيف السّفا
قرين بزلا و دليلا محشفاو بدّلت و الدّهر ذو تبدّل
هيفا دبورا بالصّبا و الشّمال
فلم تزل الشّمال عالية زمان العشب و وقت الحركة، حافظة لبلولة النّبات لروحها حتى إذا انقضت أيامه، و دخل الصّيف ذهب سلطانها و هبت الجنوب فدافعتها.
و إنّما سمّي الهيف لحرّها و يبسها، و لذلك قيل للسّريع العطش: المهياف و رجل هاف، و امرأة هافة، و قد هاف الرّجل إذا عطش.
و قال الكلابي: الهيف أوّل السّموم و قد يجعل كلّ ريح هبت بحرّ هيفا و إن كانت الشّهرة في ذلك للجنوب و الدّبور. و النّكباء التي بينهما. هذه أغلب الرّياح على الهيف و قال ذو الرّمة يصف عيشا و نساء انتجعنه شعرا:
ألقى عصى النّوى عنهنّ ذو زهرو حفّ على ألسن الرّواد محمود
حتّى إذا و جفت بهمى لوى لبنو اصفرّ بعد سواد الخضرة العود
و غادر الفرخ في المثوى تريكتهو كان من حاضر الرّجلين تصعيد
ظللت تخفق أحشائي على كبديكأنّني من حذار البين مورود
قوله: ذو زهر يريد بها نباتا ثم و اكتهل فظهرت زهرية يريد استغنى به عن انتجاع.
و قوله: و حفت: أي يبست فطيرته الرّيح، و قوله: غادر الفرخ تريكته أي بيضته التي خرج منها، و هذا باب واسع. فأمّا قول الآخر:
و نقيم في دار الحفاظ بيوتنازمنا و يظعن غيرنا للأمرع
فإنما تبجّح بحسن صبره في دار المحافظة على العزّ و المنع عن الحريم، إلّا أنه عد الظّعن عيبا يدل على ذلك قوله من بعد:
يسيل تغر لا يسرح أهلهاسقم يشار لقاؤه بالإصبع
و أنشد الأصمعيّ:
إذا الجوزاء أردفت الثّريّاظننت بآل فاطمة الظّنونا
و هذا يحتمل وجهين: يجوز أن يكون جمعهما المربع، و كان ساكن النّفس لاستمتاعه بها و امتداد الوصال معها، حتى إذا رأى الجوزاء طالعة علم أنّها تظعن و ينقطع ما بينهما، فترجع إلى بعض محاضرها، لأنّ ذلك وقت الانصراف عن البدو، فلذلك ظنّ الظّنون السّيئة لا سيما و قد كان أبهم عليه منصرفها.
و أما أن يكون مبدؤه كان مخالفا لمبدئها، فهو لا يدري مقرّها، لأنّهم ما داموا منتجعين فدارهم حيث يصادفون الكلأ و الماء فلمّا طلعت الجوزاء علم أنه لا بدّ لها من الحضور، و قد عرف لها محاضر شتّى، فالظّنون تردّده بينهما و تخالجه فلا يتملّك متيقنا.
قال أبو ليلى: يفارق القمر الثّريا في زمن الوسمي كله، و هو شهران، و شهر من الدفيء ثم تأفل الثّريا أربعين ليلة شهرا من الدفيء و عشر ليال من الصّيف. ثم تطلع صلاة الغداة إلى أن تأفل ثانية من العام المقبل.
قال أبو حنيفة: و ربّما اعتاد الحيان مبدأ بعينه، فلا يزال الرّبيع يجمعهما فيه ثم يصرفهما الصّيف و لذلك قال ذو الرمة شعرا:
إذا الصّيف قد أجلى نساء من النّوىأملت اجتماع الحيّ في عام قابل
و قال أيضا و هو يصف نساء أخرن الظّعن عن مرتعهنّ حتى تصيفن:
تصيّفن حتّى اصفرّ أقواع مطرقو هاجت لأعداد المياه الأباعر
و لم يبق أنواء الثماني بقيةمن الرّطب إلا بطن واد و حاجر
فلما رأين الصّنع أسعى و أخلقتمن العقربيات الهيوج الأواخر
جذبن الهوى من سقط حوضي بسدفهعلى أمر ظعان دعته المحاضر
نسب بوارح هذا الزمان إلى سقوط رقيب الهقعة، لذلك قال: الهيوج الأواخر و قد أكثر الشّعراء في إشراط هذه الأوقات التي حدّدناها بما ذكرنا من أوصافها و بيّنا كثيرا من أحوال الحاضرين و البادين فيها و في القدر الذي أوردناه كفاية.
و هو فصلان
قال ابن الأعرابي: يقال: ماء مدرع: إذا أكل ما حوله من الكلأ و ماء قاصر: إذا كان المال حوله يرعى.
و حكى الأصمعي في صفة رائد: هو شديد النّاظر سديد الخابر، ينظر بملء عينه لنفسه و غيره. قال: و زعم أبو صالح التميمي أنّ رجلا من العرب سأل أعرابيّين، فقال: أين مطرتما؟ قالا: مطرنا بمكان كذا و كذا. قال فما ذا أصابكما من المطر؟ قالا: حاجتنا. قال:
فما سيل عليكما؟ قالا: ملنا الوادي كذا و كذا فوجدناه مكسرا، و ملنا الوادي كذا فوجدناه مشطيا. قال: فما وجدتما أرض بني فلان؟ قالا: وجدناها ممطورة- قد ألس غميرها- و أخوص شجرها- و أخلس نصيصها، و أليث سخيرها- و أحلس حليها- و نببت عجلتها.
قوله: مكسرا يعني سالت جرفته و شعابه و معنانه أي جوانبه، و معنان لا واحد لها من لفظها و معنى مشطيا سال شاطياه، و معنى نببت صارت لها أنابيب. و أحلس حليها أي قد خرج فيه خضرة و الخضرة الطرّية. و يقال: قد أخلس و أليث سخيرها يعني اشتعل ورقا.
قال: و قيل لآخر: كيف كلأ أرضك؟ قال: أصابتنا ديمة بعد ديمة على عهاد غير قديمة. فالتاب يشبع قبل العظيمة. و قيل لابنة الحسن: ما أحسن شيء؟ قالت: غادية في اثر سارية في تنجاء قاوية. التنجاء: أرض مرتفعة لأنّ النبت في أرض مشرف أحسن. و قد قالوا: نفخاء رابية. قال: ليس فيها رمل و لا حجارة. و الجميع نفاخى و نبت الرّابية أحسن من نبت الأودية. لأنّ السّيل يصرع الشّجر فيقذفه بالأودية فيلقي عليها الدّمن.
و قالت أيضا: أحسن شيء سارية في إثر غادية، في روضة أنف، أكل منها و ترك.
و قيل لأعرابي: أيّ مطر أصابك؟ قال: مطيرة يسيل شعاب السّخبر. و تروي التلعة المحلة شعاب السّخبر. عرضها ضيّق و طولها قدر رمية الحجر. و التلعة المحلّة التي تحلّ
بيتا. و قد حنأت الأرض تحنأ و هي حانية أي اخضرّت و التفّ نبتها و إذا أدبر و تغيّر نبتها قيل:
اصحامت فهي مصحامة.
و قال أبو داود الأعرابي: تركنا بني فلان في ضفيغة من الضّفائغ و هي الكلأ و العشب الكثير.
و يقال: و عبنا رقة الطّريقة و هي الصّليان و النّصى. و الرّقة أول خروج نبتها رطبا.
و حكوا عن الينمة أنا الينمة أغبق الصّبي قبل العتمة و أكب الثّمال فوق الأكمة، كهيئة زيد الغنم يقال: ثمال لبنها كثير، و كلما كثرت رغوة اللّبن كان أطيب له، يعني دري بعجل للصّبي لأن الصبي لأبصر و المراغي أطيب لبنا من المصاريح. و الينمة بقلة يشبه الباذروج.
و قيل لأعرابي: هل لك في البدو؟ فقال: أما ما دام السّعدان مستلقيا فلا قال، و هو أبدا مستلق كره البادية.
و عن غير ابن الأعرابي قال: خرج الحجاج إلى ظهرنا هذا فلقي أعرابا و قد انحدروا في طلب الميرة، فقال: كيف تركتم السّماء وراءكم؟ فقال: متكلمهم: أصابتنا السّماء هي بالمثل، مثل القوائم حيث انقطع الرّمث يضرب فيه تفتير و هو على ذلك يعضد و يرسغ ثم أصابتنا سماء أمثل مهنا يسيل الدّماث- و التّلعة- الزّهيدة- القليلة الأخذ فلمّا كنّا حذاء الجفر أصابنا ضرس جود ملأ الآخاذ. واحدها أخذ و هي المصانع. فأقبل الحجّاج على زياد بن عمرو العتكي، فقال: ما يقول هذا الأعرابي؟ قال: و ما أنا و ما يقول إنما أنا صاحب سيف و رمح. قال: بل أنت صاحب مجذاف و قلس أسج، فجعل يفحص الثّرى و يقول: لقد رأيتني و إنّ المصعب يعطيني مائة ألف، فها أنا أسبّح بين يدي الحجّاج.
قال: و سئل أعرابي عن المطر فقال: أصابتنا السّماء بدثٍ، و هو المطر القليل لا يرضي الحاضر و يؤذي المسافر- ثم رككت- ثم رسغت- ثم أخذنا جار الضّبع فالأرض اليوم لو يقذف بها بضعة لم تقض بترب، أي لم يقع إلّا على عشب قضت و أقضت إذا أصابها القضض أي كثر المطر، حتّى لم يوجد القضض و رسغت، أي كثر المطر حتى يغيب الرّسغ، و الرّك أكثر من الدّثّ.
و قيل لأعرابي: ما أشدّ البرد؟ قال: إذا كانت السّماء نقية- و الأرض ندية- و الريح شآمية. و قيل لآخر: ما أشدّ البرد؟ فقال: إذا صفت الخضراء، و ندبت الدّقعاء، و هبت الجربياء. و قيل لآخر: ما أشدّ البرد؟ قال: إذا دمعت العينان و قطر المنخران، و لجلج اللّسان.
و قال أعرابي: ليس الحياء بالسّجيّة يتبع أذناب أعاصير الرّيح، و لكنّ كلّ ليلة مسبل رواقها، منقطع نطاقها، نبيث أذان ضأنها تنطف إلى الصّباح.
و حكي عن أبي عبيدة قال: قلت لأعرابي: ما أسحّ الغيث قال: ما ألقحته الجنوب و مرته الصّبا و نتجته الشّمال. ثم قال: أهلك و اللّيل ما يرى إلا أنه قد أخذه. و قال الأصمعي: قيل لرجل: كيف وجدت أرض بني فلان؟ قال: وجدتها أرضا شبعت قلوصها، و نسيت شاتها يعني لا يذكر. قال: فهل مع ذلك خوصة؟ قال: شيء قليل كل ما خرج عود ثم قوي فهي خوصة. قال و اللّه ما أحمدت و إن كان القوم صالحين.
قال ابن الأعرابي: أخصب الخصب عند العرب فيما ذكره أبو صالح إذا كان الخوص وافرا، و قال رائد مرة: تركت الأرض مخضرة كأنما حولانها قصيصة رقطا و عرفجة خاصبة، و قنادة مزيدة، و عوسج كأنّه النّعام من سواده مزيدة أي قد أورقت.
و حكي عن أبي المجيب و وصف أيضا جدبة فقال: قد اغبرّت جادتها- و درع مرتعها- و قضم شجرها- و ألقى سرحاها- و رقت كربتها- و خوّر عظمها- و تميّز أهلها، و دخل قلوبهم الوهل- و أموالهم الهزل. قال: الجادّة الطريق إلى الماء. قوله: و ألقى سرحاها: هو أن يأكل كلّ سرح مذيلها، حتّى يلتقيا من الجدب، قال: و إذا لم يكن للمال مرعى إلّا الشّجر رقّت أكراشه، و خوّر عظمه. قوله: درع مرتعها: أكل ما عليه حتّى لم يبق شيء و هو مأخوذ من الشّاة الدّرعاء.
و قال أبو المجيب يصف أرضا قد أحمدها، فقال: خلع شيحها- و أبقل رمتها- و خضب عرفجها- و اتّسق نبتها- و اخضرّت قرياها- و أخوصت بطنانها،. و أحلت آكامها- و اعتمّ نبت جراثيمها- و أحزت بقلتها- و ذرقتها و خبازتها- و خوّرت خواصر إبلها- و شكرت محلوبتها- و سمنت قتوبتها- و عمد تراها، و عقدت تناهيها، و أماثت ثمادها- و وثق النّاس بصائرتها.
قوله: خلع شيحا إذا أورق، و المخالع من العضاة: الذي لا يسقط ورقه أبدا. و يقال:
كلح الشّجر إذا انحرد. قوله: خضب عرفجها: أي اسودّ النّبات قبل أن يطلع، و الرّمث من الحمص مخصب ثم عاد- ثم سقد- ثم يرمس- يقال: أطلع الشّجر إذا أورق و تفطّر- و اتقد- و أربس- و أرمس- و أرى العرفج- و بقل الرّمث خاصة- و أجدر الشّجر إذا طلع ثمره حتى كأنّه الجدري.
قوله؛ أخوصت: أي نبت فيها عيدان رطبة فهي خوصة ما دامت رطبة فإذا يبست فهي شجر، و لا يخوص من الشّجر إلّا ما لم يكن له شوك. قوله: أحزت لفلتها أي نبت فيه الحزا، و هو نبات يسمّى الحزا كما تقول العلقة- و الحيلة- و الفتلة- فالحيلة للسلم- و العلقة للطّلح- و الفتلة للسّمر- و الذّرق الحندفوق. قوله: خوّرت خواصرها: هو أن يؤخذ جنبها
فيضرب على خواصرها خوف أن يحبط فيبعد أفقها- و الأفق الخواصر. قوله: عمد ثراها العمد أن يجاوز الثّرى المنكب.
و يقال: إنّ ذلك حيا سنتين. قوله: عقدت تناهيها: فالتناهي حيث يتناهى السّيل فيستقر فعقدها أن يمر السّيل مقبلا حتّى إذا انتهى منتهاه. دار بالأبطح حتى تلتقي طرفا السّيل، و وثقوا بصائرتها: يراد بها ماؤها و كلاؤها.
و قال الأصمعي: وصف بعض الأعراب جدبا و عيشا، فقال: بينما نحن في زمن أعجف- و أرض عجفاء- وقف غليظ- و جادة مدرعة- إذ أنشأ اللّه سحابا مستكفا نشوءه- ضخاما قطره، مسبلة عزاليه- جعود صوبه فاهرمع المطر حتى ملأ الأودية، فرعبها و بلغ السّيل النّجاء حتّى لم ير إلّا الماء. و صهوات الطّلح فلم يمكث إلا عشرا حتّى رأيتها يندى، فنعش اللّه به أموالنا، و وصل به طرقنا و كنّا بنوطة بعيدة بين الأرجاء. قوله: الجادة: يعني الطّريق إلى الماء و مستكفا أي مستديرا. و نشوؤه ما نشأ إليه. و عزاليه أفواه مخارجه. و صوبه ما سال منه و انصبّ. و اهرمع اشتد. و رعبها ملؤها. و النّجاء جمع نجوة و هو الموضع المرتفع لا يكاد يبلغه السّيل. و الصّهوات عالي الطّلح. و النّوطة البعد. و الأرجاء: النّواحي.
و قال ابن الأعرابي: بعث قوم رائدا لهم فقالوا: ما رأيت؟ قال: رأيت جرادا كأنه نعامة جاثمة، جراد جبل. قوله: نعامة جاثمة يقول: فيه من الخصب و العشب الكثير حتّى كأنه نعامة، و إنّما أراد سواد العشب و أعلى النّعامة أسود. و بعث آخرون رائدا لهم فقالوا: ما رأيت؟ قال: رأيت عشبا ينجع له كبد المصرم إذا رأى هذا، وجعت له يعني أنه لا مال له أي إبلا ترعى هذا العشب حسرة على ما رأى. و يقولون: و ردنا على كلأ الحابس فيه كالمرسل يعني يستويان فيه لكثرته و التفافه. و يقولون: وردنا على كلأ لا يكتمه البغيض. و قال طرفة:
يرعين و سميّا وصى نبتهفانطلق اللّون و دقّ الكشوح
وصى نبته اتّصل و اكتهل. و أنشد أبو العبّاس ثعلب شعرا:
دفاء عليه اللّيث أفلاذ كبدهو كهله قلد من البطن مردم
يريد أنه مطر بنوء الأسد، و من نجوم الأسد النّثرة و الجهة و نوؤهما غزير تسقط النّثرة لاثنين و عشرين تخلو من كانون الثاني، و تسقط الجبهة في ثماني عشرة تخلو من شباط.
و القلد النوبة يقال: القوم يتقالدون الماء أي يتصافيونه و يقتسمونه. قال: و الماء لا قسم و لا أفلاذ.
قال النّبي صلى اللّه عليه و سلم لأصيل الخزاعي حين قدم عليه المدينة: «كيف تركت مكة يا أصيل؟» قال: تركتها و قد أحجن تمامها، و أغدق أذخرها، و أمشر سلمها، فقال: «يا أصيل دع القلوب تقر». و روي أنه لمّا هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أصاب القوم و عك فدخل عليه السّلام على أبي بكر (رضي اللّه عنه) فقال: كيف تجدك فقال شعرا:
كلّ امرئ مصبح في أهلهو الموت أدنى من شراك نعله
ثم دخل على عامر بن فهيرة فقال: كيف تجدك فقال شعرا:
وجدت طعم الموت قبل ذوقهإنّ الجبان حتفه من فوقه
و الثّور يحمي أنفه بروقه ثم دخل على بلال (رضي اللّه عنه) فقال: كيف تجدك فقال شعرا:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبفجّ و حولي أذخر و جليل
و هل أردن يوما مياه مجنّةو هل يبدون لي شامة و طفيل
فقال صلى اللّه عليه و سلم: «طرب القوم إلى بلادهم: اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة» و قال الرّاجز: جاء بنو عمّك روّاد الأنق. و قال رؤبة من طول بعد الرّبيع في الأنق. و قال بعض الرّواد و سئل عمّا وراءه فقال: هلمّ أظعنكم إلى محل تطفأ فيه النّيران، يعني لا يوجد عود يابس يوقد عليه. و قيل لأعرابي: كيف كان المطر عندكم؟ فقال: مطرنا بعراقي الدّلو و همي ملي.
و قال أبو زياد: بعث شيخ أبنين له يرتادان، فانصرف إليه أحدهما فقال الشّيخ: خلّ على ما وجدت، فقال: ثأد ماد، مولى عهد، يشبع منه النّاب، و هي تعدو أقفر، يعني مكاكية فلبث و لم يظعن، حتّى أتاه الآخر فقال: كيف وجدت الحياء؟ قال حياء ما ذا؟ قال:
العام و عام مقبل؟ فقال له الشّيخ: خلّ على ما وجدت. قال؛ وجدت بقلا و بقيلا و سبلا و سبيلا، خوصه مثل اللّيل، قد دبّ ما تحث هنا كم السّيل قال: هل به أحد؟ قال: نعم به بنو الرّجل لا يوجد أثرهم.
قال أبو زيد: بقلا أي و سميا كان مطره قبل الشّتاء. و بقيلا كان مطره بعد ذلك.
و سبلا كان من الوسمي. و سبيلا كان بعد ذلك و هو الذي نبت منه البقيل، قال: و عنى بالخوصة العرفج و الثمام و السّبط و ما كان في أصل، قال: فلم يشك بنوه أنّ الشّيخ ظاعن
إلى ما أخبر به ابنه الأول، فلما أصبح تحمّل جهة ما أخبر به الأخير ابنه، ففزع بنوه و قالوا:
اهتزّ الشّيخ فقالوا: تذهب إلى أرض بها النّاس و تدع أرضا قفرا لا يرعاها أحد معك؟ قال:
إنّ تلك طغوة لا و أخيك و قد وجد أخوكم هذا الأخير حياء العام و عام مقبل ما يبقى من هذا العام، قال: فمضى و اتّبعوه قوله: يشبع منه النّاب و هي تعدو، و يعني لطوله و اتّصاله لا تحتاج أن تقف عليه و لا أن تتبعه. قال: و قال رائد مرة، تركت الأرض مخضرة كأنها حولاء بها بصيصة رقطا، و عرفجة خاصبة، و عوسج كأنه النّعام من سواد، و هذا كما قال الآخر:
وجدت جرادا كأنه نعامة باركة، يريد كثرة العشب و سواده و شدّة الخضرة سواده، قال:
و سأل أبو زياد الكلابي صقيلا العقيلي حين قدم من البادية عن طريقه، فقال: انصرفت من الحج فأصعدت إلى الرّبذة في مقاط الحرة، فوجدت بها صلالا من الرّبع من خضمة و صليان و قرمل حتى لو شئت لأنخت الإبل في أزراء القفعاء، فلم أزل في مرعى لا أحسّ منه شيئا حتى بلغت أهلي. الصّلال: أمطار متفرقة. و القفعاء نبت من الذّكور يقول: أخصبت حتى صارت تستر البعير البارك.
و قال آخر: رأيت ببطن فلج منظرا من الكلأ لا أنساه، وجدت الصّفراء و الخزامى يضربان نحر الإبل، و تحتها قفعاء، و حريث قد أطاع و أمسك بأفواه الإبل أغناها عن كل شيء و إذا نقع الجوذان في الاجارع فذلك غاية ريّ الأرض لأنّ الأجارع أشرب للماء، و إذا نقع الماء في الأجارع غرقت الأجالد، و قال ابن كناسة: بعث قوم رائدا فقيل: ما وراءك؟
فقال: عشب و تعاشيب و كماة متفرقة شيب تندسها بأخفافها النّيب، فقيل: هذا كذب.
فأرسلوا آخر، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: عشب ثأد ماد، مولى عهد، متدارك جعد، كأفخاذ نساء بني سعد، تشبع منها النّاب و هي تعدو. و قد مضى تفسير ما فيه من الغريب.
و بعث رجل بنين له يرتادون في خصب فقال أحدهم: رأيت ماء غللا يسيل سيلا، و خوصه يميل ميلا، يحسبها الرّائد ليلا. و قال الثّاني: وجدت ديمة على ديمة في عهاد غير قديمة، يشبع منها النّاب قبل العظيمة. الغلل: الماء يجري في أصول الشّجر. و قال بعضهم: إذا أحيي النّاس قيل: قد أكلأت الأرض، و اجرنفشت العنز لأختها، و لحس الكلب الوضر اجرنفاشها، ازبئرارها، و زفيانها في أحد شقّيها لتنطح صاحبتها، و إنّما ذلك من الأشر حين سمنت فأخضبت. و لحسس الكلب: يعني أنّه يجد و ضرا و يلحسه، و إذا كانوا مجدبين لم يتركوا للكلب شيئا. و قيل لرجل منهم: ما أخصب ما رأيت البادية؟ قال: رأيت الكلب يمرّ بالخصفة عليها الخلاصة فيشمّها و يتركها. و قال أعرابي: و قد قيل له: ما تركت وراءك؟ قال: خلّفت الضّأن تظالم معزاها، يعني أنّها لنشاطها تنطح بعضها بعضا.
و قال أبو زياد: بعث قوم رائدا لهم، فلمّا رجع إليهم قالوا له: ما وراءك؟ قال: رأيت
بقلا يشبع منها الجمل البروك، و تشكّت منه النساء و همّ الرّجل بأخيه. قال أبو زياد: لم يطل العشب بعد، فإذا أقام البعير قائما لم يتمكّن منه.
و تشكّت النّساء اتّخذن الشّكّاء الصّغار، لأنّ اللّبن لم يكثر بعد. و قوله: و همّ الرجل بأخيه: أي همّ أن يدعوه إلى منزله، و لم يتّسع له، و يحتمل من التّفسير وجها آخر، و هو أن الجمل إذا برك شبع مما حوله من مبركه و لم يحتج إلى أكثر منه. و قوله: و همّ الرّجل بأخيه: يجوز أن يكون مثل قوله شعرا:
و أحيانا على بكر أخيناإذا ما لم نجد إلّا أخانا
و مثل قوله: يا بن هشام، أهلك الناس اللّبن، لأنّ الجدب يشغلهم عن طلب الطّوائل، و في الخصب يتفرّغون للضّغائن. و مثل قوله شعرا:
ثعالب في السّنين محصّصاتو أسد حين يمتلئ الوطاب
و مثل قوله:
قوم إذا اخضرّت نعالهميتناهقون تناهق الحمر
و قيل في تشكّي النّساء ما رواه الشّعبي عن برد و ردّوا على الحجّاج و هو حاضر.
رواه عنه أبو بكر الهذلي قال: جاءه الحاجب فقال: إنّ بالباب رسلا، فقال: ائذن لهم، فدخلوا و عمائمهم في أوساطهم، و سيوفهم على عواتقهم، و كتبهم بأيمانهم، قال:
فتقدّم رجل من سليم يقال له سيابة بن عاصم فقال الحجّاج له: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الشّام. قال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم أصابتني ثلاث سحائب فيما بيني و بين أمير المؤمنين، قال: فانعتهنّ لي، قال: أصابتني سحابة بجودان فوقع قطر صغار و قطر كبار، فكأنّ الصّغار لحمة الكبار و وقع بسيط متدارك و هو السّح الذي سمعت به، فؤاد سائح، و واد بارح، و أرض مقبلة، و أرض مدبرة أي أخذ السّيل في كل وجه، و أصابتنا سحابة بسواء، فلبّدت الدّمات و أسالت الغراز، و أدحضت التّلاع و صدعت عن الكماة أماكنها. و أصابتني سحابة بالقريتين، فقاءت الأرض بعد الرّيّ و امتلأت الآخاذ و أنعمت الأودية و جئتك في مثل مجرّ الضّبع.
ثم قال: ائذن فدخل رجل من بني أسد، فقال: هل كان وراءك من غيث؟ فقال: لا، كثرت الأعاصير، و اغبرّت البلاد، و أكل ما أشرف من الجنبة، فاستيقنّا أنّه عام سنة، فقال:
بئس المخبر أنت، قال: خبّرتك بما كان.
ثم قال: ائذن فدخل رجل من أهل اليمامة فقال: هل كان وراءك؟ قال: نعم سمعت
الرّواد تدعو إلى ريادته، و سمعت قائلا يقول: هلم أظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النّيران و تشكّى منها النّساء، و تنافس فيها المعزى. قال الشّعبي فلم يدر الحجّاج ما يقول: فقال:
إنما تحدث أهل الشّام فأفهمهم، قال: نعم أصلح اللّه الأمير أخصب النّاس فكان السمن و الزبّد و اللّبن فلا توقد نار يختبز بها. فأمّا تشكّي النّساء فيحتمل وجها آخر من التّفسير سوى ما تقدم، و هو أنّ المرأة تظلّ ترتق بهمها و تمخض لبنها، فتبيت و لها أنين من التّعب، و يكون التّشكّي من الشّكوى لا من الشّكوة.
و حكى أبو عبد اللّه قال: قدم رجل من سفر كان فيه، فقالت له ابنته: كيف كنت في سفرك؟ فقال: تقسّمتني الأداوي و النّجم، قال: يعني بالنّجم طلب الهداية باللّيل أن لا يضل. و الأداوي يريد أن ينظر كم فيها من الماء أ قليل أم كثير يشكو جزعه و اهتمامه و خوفه من المتالف، و أنشد للمرار بن سعيد شعرا:
له نظرتان فمرفوعةو أخرى تأمل ما في السّقاء
قوله: مرفوعة أي ينظر إلى السماء يسأل ربّه النّجاة، و أخرى إلى السّقاء هل فيه ما يبلغه إلى الماء.
و لقي أعرابي آخر فسأله عن المطر فقال: أصابتنا أمطار غزيرة و اشتدّ لنا ما استرخى من الأرض، و استرخى لنا ما اشتدّ من السّماء، أي استرخى لنا جلد السّماء، و اشتدّ الرّمل الذي ندي، و هذا مثل قول العجّاج شعرا:
عزّز منها و هي ذات إسهالضرب سوارى ديمة و تهطال
و قال أعرابي و نظر إلى السّماء فوجدها مخيلة: هذا صيّب لا يؤمن معه الدّوافع أن تدرأ عليكم بسيولها فتحوّلوا بأخبيتكم، و لن تنجوا من الموت، و أنشدني بعضهم للكميت في المخيلة شعرا:
فإيّاكم و داهية نادأظلّتكم بعارضها المخيل
قال: العريجاء أن ترد غدوة و تصدر عن الماء فيكون سائر يومها في الكلأ و ليلتها و يومها من غدها، ثم ترد ليلا ثم تصدر عن الماء، و يكون بقية ليلتها في الكلأ و يومها من الغد و ليلتها ثم يصبح الماء غدوة، فهذه العريجاء، و هي من باب صفات الرّفه. و في الرّفه الظّاهرة و الضّاحية و الآئبة و العريجاء و ظاهرة الغب، و هي للغنم لا تكاد تكون للإبل، و الظّاهر أن ترد كلّ يوم ضحوة و الآئبة أن ترد كلّ ليلة، و ظاهرة الغب أقصر من الغب قليلا، و قال: أقصى ظمأ الغنم في الشّتاء سدس، و في الصّيف ترد كلّ يوم، و الإبل أقصى ظمأها ثلاثة أعشار في غير الجزء، و الجزء أن يكتفوا بالرّطب عن الماء، و أقصى ظمأ الحمار الأهلي غبّ في الشّتاء و الرّفه أن يرد كلّما أراد و أقلّ ظمأ الإبل الغب، و كلّ هذا حكاه ابن الأعرابي.
قال: و دخل رؤبة على سليمان بن علي فقال: ما بقي من باتك؟ فقال: إنّي لأظمي فأورد فأقصب، قال: أقصب الرّجل: إذا أورد فلم يشرب إبله إلّا شربا ضعيفا و قصبت هي.
و دخل عليه مرة أخرى، فقال: ما عندك؟ فقال: يمتد فلا يشتد، فإذا أكرهته يرتد، فقال:
إنّي لأجد ذلك.
و حكى غير واحد من الرّواة أنّه لما وردت وفود العرب على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قام طهفة بن أبي زهير، فقال: أتيناك يا رسول اللّه من غور تهامة بأكوار الميس، ترتمي بنا العيس، نستحلب الصّبير، و نستخلب الخبير و نستعضد البرير، و نستخيل الرّهام، و نستجيل الجهام، من أرض غائلة النّطأ، غليظة الموطأ قد نشف الدّهن، و يبس الجعتن، و سقط الأملوج، و ماد العسلوج و هلك الهدي، و مات الودي، برئنا يا رسول اللّه من الوثن و العنن، و ما يحدث الزّمن لنا دعوة السّلام، و شريعة الإسلام ما طما البحر، و قام تعار، و لنا نعم همل إغفال، ما تبض ببلال و وقير كثير الرّسل، قليل الرّسل، أصابتها سنة حمراء موزلة ليس
لها علل و لا نهل، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اللّهمّ بارك لها في محضها و مخضها(1)و مذقها، و ابعث راعيها في الدّثر يبالغ الثمر، و بارك له في المال و الولد من أقام الصّلاة كان مسلما، و من آتى الزكاة كان محسنا، و من شهد أن لا إله إلا اللّه كان مخلصا لكم، يا بني نهد ودائع الشّرك و وضائع الملك، لا تلطط في الزكاة و لا تلحد في الحياة، و لا تثاقل في الصلاة».
و كتب معهم كتابا إلى بني نهد: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من محمد رسول اللّه إلى بني نهد بن زيد: السّلام على من آمن بالله و رسوله لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، و لكم القارض و الفريش و ذو العنان الرّكوب و الفلو الضّبيس، لا يمنع سرحكم و لا يعضد طلحكم، و لا يحبس درّكم ما لم تضمروا الآماق، و تأكلوا الرّباق، من أقرّ بما في هذا الكتاب فله من رسول اللّه الوفاء و العهد و الذّمة، و من أبى فعليه الرّبوة».
تفسيره قوله: نستحلب الصبير: يريد الغيم الأبيض المتراكم أي نتطلب منه الغيث و نستخلب الخبير: أي نحصده و الخلب القطع و منه المخلب و الخبير: النّبات، و منه المخابرة في الزّراعة، و معنى نستخيل الرّهام: أي الأمطار و الواحدة الرّهمة و نستخيل من قولك سحابة مخيلة و خيلت و تخيلت و معنى: نستجيل الجهام(2)أي نجده جائلا في الأفق، و الجهام السّحاب الذي قد أراق ماءه.
قال الهذلي: ثلاثا فلما استجيل الجهام و استجمع الطّفل منه رشوحا. و يروى نستحيل بالحاء، و يكون من استحلت الشّخص: إذا نظرت إليه هل يتحرك. و قوله: من أرض غائلة النّطا يريد من أرض مغنية البعد، أي من ركبها أهلكته، يقال: غالته غول و النّطاء البعد قال، و بلدة يناطها نطي. و قوله: نشف المدهن أي انتشف القارات ما تقع فيها من ماء المطر، و قوله و يبس الجعثن يعني أصول النبات.
و يقال: جعثنه أيضا و جمعها جعاث. و قوله: و سقط الأملوج، الأملوج ورق لبعض الأشجار مفتول كالعبل. و قوله: و ماد العسلوج أي مالت الأغصان و انبثت. و يقال: عسلوج و عسلج قال: أنبت الصّيف عساليج الخضر.
و قوله: هلك الهدي يراد به الإبل و أصله فيما يهدى من القرابين، و في القرآن: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [سورة البقرة، الآية: 196] و الهدي.
1) في مجمع الأنوار المحض بحاء مهملة و ضاد معجمة: اللّبن الخالص بلا ماء و هو بمعجمتين ما مخض من اللّبن و أخذ زبده- الحسن النعماني كان اللّه له.
2) كذا في الأصل و قال في مجمع بحار الأنوار في خيل: بالخاء المعجمة و نستخيل الجهام هو نستفعل من خلت إذا ظننت أي نظنّه خليقا بالمطر، و أخلت السّحابة و اخبلتها و منه حديث إذا رأى في السماء اختيالا تغير لونه. الاختيال أن يخال بنوءه المطر 12 الحسن النعماني المصحح كان اللّه له.
و قوله: و ملت الودي يراد به فسيل النّخل.
و قوله: من الوثن و العنن، فالعنن الاعتراض و المخالفة، يريد برئنا إليك من المشاقّة و كل معبود من دون اللّه. و قام تعار: اسم جبل يريد الأبد.
و قوله: نعم إغفال أي لا ألبان لها. و الغفل الذي لا سمة له.
و قوله: ما تنبض ببلال: أي لا تنطف ضروعها بما يبتل.
و قوله: و وقير كثير الرّسل فالرّسل اللّبن، و إنما وصف السّنة بالحمرة للجدب الشّامل لذلك. قال: إذا احمرّ آفاق السّماء من الفرس.
و يقال: جوع أغبر و موت أحمر. و قوله: موزلة من الأزل و هو الضّيق. و يقال: أزل أي صار في أزل، كما تقول أسهل و أحزن. و الدّثر: المال الكثير.
و قوله: ودائع الشّرك و وضائع الملك. الوديع: العهد. يقال: توادع الجيش إذا عاهد كلّ واحد منهما صاحبه أن لا يرى له إلا ما يراه لنفسه، فكان بينهما تشارك و لا عرو بينهما و لا شر. و يقال: أعطيته وديعا أي عهدا. و الوضائع جمع الوضيعة: و هي ما وضع على المسلمين في أموالهم و أملاكهم. و المعنى: أنهم يساوون المسلمين فيما يلزمون لا زيادة عليهم و لا عتب، متى لم يلطوا الحقّ أو لم يلحدوا في حياتهم عن واجب، و لم يتثاقلوا فيما اشترع من فرائض الدّين. و الإلطاط: المنع و يقال: لطّ و ألط بمعنى. و الإلحاد: العدول.
و قوله: لكم في الوظيفة الفريضة، فالفريضة الهرمة، و كذلك الفارض و المعنى: لا يعد عليكم في الصّدقة مثله.
و كذلك العارض: هي الكبير و ذات الآفة، من كلامهم: بنو فلان أكّالون للعوارض.
و الفريش من الخيل: التي وضعت حديثا فهي كالنّفساء من النّاس و الرّكوب الذّلول و الفلو(1)الضّييس: الصّعب، و هذا كما روي: «عفونا لكم عن صدقة الخيل».
و قوله لا يمنع سرحكم: يريد ما تسرحونه في مراعيكم لا تمنعون منها و لا تزاحمون فيها. و لا يعضد أي لا يقطع.
و قوله: يمنع درّكم هو على حذف المضاف أي ذوات الدّراي لا يمنع من الرّعي، و يحشر أي إلى المصدق.
1) في المجمع الفلو بفتح فاء و ضم لام فمشدّدة و روي بسكون لام و فتح فاء.
و الأماق(1)العته و الغل، يقال في فلان ماقة.
و قوله: و تأكلوا الرّباق: يعني العهود التي صارت كالأرباق في الأعناق.
و قوله صلى اللّه عليه و سلم: «من أبي فعليه الرّبوة» أي: الزّيادة، يريد أنّ الخارج من الطّاعة يتضاعف عليه ما يلزمه، و هذا كما روي عنه صلى اللّه عليه و سلم و قد قيل له: إنّ فلانا قد منع الصّدقة، فقال: هي عليه و مثلها.
حديث قيلة: روت قيلة: قالت وردت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فصلّيت معه الغداة حتّى إذا طلعت الشّمس دنوت و كنت إذا رأيت رجلا ذا رواء، و ذا قشر طمح بصري إليه، فجاء رجل فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «و عليك السّلام»، و هو قاعد القرفصاء، و عليه أسمال مليتين، و معه عسيب نخل مقشو غير خوصتين من أعلاه، قالت:
فتقدّم صاحبي فبايعه على الإسلام ثم قال له: يا رسول اللّه اكتب لي بالدّهناء، فقال: «يا غلام اكتب له» قالت: فشخص بي و كانت وطني و داري، فقلت: يا رسول اللّه الدّهناء مقيد الجمل، و مرعى الغنم، و هذه نساء بني تميم وراء ذلك فقال: «صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم بينهما الماء و الشّجر، و يتعاونان على الفتان». و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أ يلام ابن هذه أن يفصل الخطة و ينتصر من وراء الحجرة». يقال شخص بفلان: إذا أتى ما يقلقله و يحرّه.
و الفتان جمع فاتن و هم الشّياطين يفتنون و يفتح فاؤه فيقال: فتّان، على المبالغة.
و الرّواء: المنظر، و القشر: اللّباس، و القرفصاء: جلسة المحتبي، و العسيب: جريد النّخل، و المقشو: المقشور.
و ممّا روي من أخبار الوفود أن معاوية بن ثور وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو ابن مائة سنة، و معه ابنه بشر، فقال معاوية للنبي صلى اللّه عليه و سلم: إني أتبرّك بمسّك و قد كبرت و ابني هذا بربي فامسح وجهه، فمسح صلى اللّه عليه و سلم وجه بشر، و أعطاه أعنزا عفرا، و برك عليهم، قالوا: و كانت السّنة ربما أصابت بني البكاء و لا يصيبهم فقال محمد بن بشر شعرا:
و أبي الذي مسح النّبي برأسهو دعا له بالخير و البركات
أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزاعفرا نواحل لسن باللّجبات
يملأن رفد الحيّ كلّ عشيّةو يعود ذاك الملء بالغدوات
بوركن من منح و بورك مانحاو عليه منّي ما حييت صلاتي
1) الإماق الحمية و الأنفة و قيل الجرأة- مجمع.
و هذا باب له جوانب، و ورّاد العرب مختلفة الطّرق، فمنهم من قال:
و لقد وردت الماء لون حمامةلون الفريقة صفّيت للمدنف
فصدرت عنه طاميا و تركتهيهتزّ علفته كأن لم يقشف
و قال آخر:
و ماء قد وردت أميم طامعلى أرجائه زجل القطاط
فبتّ أنهته السّرحان عنهكلانا وارد حرّان ساط
و قال لبيد:
فوردنا قبل فراط القطاإنّ من وردي تغليس النّهل
طامي العرمض لا عهد لهبأنيس بعد حول قد كمل
فهرقنا لهما في داثرلضواحيه نشيش بالبلل
و قال العجّاج:
وردته قبل الذّباب العسالو قبل إرسال قطا فإرسال
بالقوم عبدا و المطي الكلال
و قال امرؤ القيس:
فأوردها من آخر اللّيل مشربابلالق خضرا ماؤهنّ قليص
يعني: عيرا و أتنا، فربّما قصدوا الحج بركوب الفلوات التي لم تسلك، و المياه التي لم تورد ابعادا في الغزو، و اقتحاما على المهالك. و ربما ذكروا التّوحّش و مجاورة الوحوش لذلك قال الشّنفري:
طريد خبايات تياسرن لحمهعقيرته لا بأيما حن أوّل
بجناياته في القبائل حتى أسلمه ذووه و تبرءوا من موالاته.
و قال:
و يشرب أسارى القط الكدر بعد ماسرت قربا أحياؤها يتصلصل
و ربما قصدوا الافتخار فيه بورود أبواب الملوك و منافرة الخصوم بها و السّعي في تحمّل الدّيات و إصلاح ما بين العشائر. و جعل المياه فراطة لهم لسبقهم كل الإغراء إليها يدل على هذا قوله:
و لا يردن الماء إلّا عشيةإذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
و ذكر بعضهم هذا فقال: خير الورد ما كان أوّل النّهار و شره ورد العشي حتى أنهم يتعايرون به، و ذكر البيت و خالفه آخر فقال: خير الورد ما وافق الحاجة ثم أنشد:
أوردها مهجرا يساريسار لا يروي يدا العشار
ليس بإيراد العشيّ عار
قال أبو عبد اللّه: و الذي بسط له النبي صلى اللّه عليه و سلم رداءه أشج عبد القيس و اسمه عائذ بن عمرو، و قال له: «فيك خصلتان يحبّهما اللّه: الحلم و الإناءة» قال: هما فيّ أو شيء جبلني اللّه عليه، فقال: «جبلك اللّه عليه» فقال: الحمد للّه الذي جبلني على ما أحبّ أو نحو ذلك.
و حكى هشام عن أبيه أنه أخبره رجل من رحبة حمير قال: كنت في جمة فبينا نسير في بعض مفاوز اليمن فأضلّلهم بعارض عرض و قد سرت ثلاثا لا أرى أنيسا إذ دفعت إلى شجر و ظلّ و ماء معين. و قد ظمئت و أكللت فإذا أنا بشيخ له غديرتان بيضاوان كأنّهما ينطفان بالدّهان، و عليه حلة كأنّها فارقت من يومها الصّبيان، و بين يديه بغلان حضرميّتان كأن لم تنالا بوطء، و هو قائم يصلّي بقراب ما بين شجرات عم، فدنوت و سلّمت، و إنّ رأسه ليحاذي قمّة رأسي و إنّي لعلى نجيب ساف عليك. ثم أنخت و شربت من الماء و سقيت بعيري و جلست وراءهما، فلما أحس بجلوسي ركع و سجد ثم ردّ عليّ سلامي.
ثم قال: من أين وضح الرّاكب؟ فقلت: من رمع فقال: ما بالك على غير سمت؟
فقلت: ما زلت على لقم بهجم أؤم أطراف قوادم الفجر الأشمل، و منكب الأريب الأيمن حتّى هبطت بالأمس غوطا ملطاطا، حين طفل الأصيل فبتّ حيث طخطخ اللّيل بصري، فلما تهور اللّيل شبه لي ثائبة رعاء فثاء ذلك عني بعض ما كان يشيزني، ثم ثبت فحله أن قد استثبت فقمت إلى بعيري فغيرت عليه.
ثم ركبت أؤم الأصوات و كأنني في أكساء أهلها، و ما يزداد إلّا بعدا فتفزّع عنّي سربال اللّيل، بين نعاف متواصية، فزلت أخبطها سحابة يومي متوسّما تارة و متعسّفا أخرى، حتى رفع لي هذا السّواد، حين نجهت من نقب، ذلك القف فرمته حتى أضافني إليك هذا الضّوح، فقال: حسبك بواقيه الموقى جنه- و لو كنت ذا خبر تكنه، خطر ما هجمت عليه ما رأيت للنّوم سميرا، فقابل النّعمة بالسّلام بشكرها، فقال: يا بن أخي السّماء غطاء، و الأرض وطاء. و أما موطن وراء هذا الضّراء فقد أخذتني منه وحشة، و قلت: يا عمي هل أنت بمخبري عمّا رأيت من عجائب الدّهر في مدة أيامك؟ فقال: نعم أ رأيت النّعاف المتقابلات، و الغيطان المتواصيات اللّواتي جرعتهن سائر اليوم؟ قلت: نعم. قال: هل أحسست هنالك رسما واضحا، و إثرا ماضحا؟ قلت: لا. قال: و اللّه يا بن أخي لقد عهدت بتلك البيضة الفيحاء مجادل كالشّناخيب، مشرفات المحاريب، يرى الرّاكب شعافها من منزلة ثلاث،
محفوفة بالجحافل الململمة، و الكتائب المسوّمة، ينم على أبوابها الأحبوش، و تهز الآل ينم الأسد على الأشبال، و تحوص لربّها الآمال، في الأموال، فتأذى ثات، و ماذ و ثات الأسد الضّرغام، الأبلج القمقام، الملك الهمام، يخضع لبيته الأذقان، و تذعر لهيبته الجنان، عطاؤه غمر، و أخذه قهر، و سلامه إنعام، و محاله اصطلام، عمل بذلك سبعين خريفا، و أعين الحوادث عنه مغضية، ثم شصاءه إليه يوم من الدّهر، كدر المعاش، و بدّد شمل الريّاش، ثم اقتعد مطيّ تلك النّعمة، ذو هلاهلة تقمع الأضداد، و غمر الأنداد، و أنشأ المصانع، و بثّ الصّنائع، فغيّر بذلك أربعين حجة و سبعا، لا تروعه حادثة و لا يعتن له عاتنة، و لا تعرض له هاتنة.
ثم كشّرت له عن أنيابها أم اللّميم، فرمته بأقصد سهامها، و رهقتهم بأفظع أيامها فحطّتهم عن وثابه، دون حجابه، و مصارع أبوابه، و لم يمنعه العز الصّم، و لا العدير الدّهم، ثم سحب و اللّه الزّمان على آثارهم ذيول البلاء، و طحنهم بكلاكل الفناء- فأصبحت الآثار بائدة- و العزّة هامدة- و في ذلك يقول شاعر من غابرهم:
خلق النّاس سوقة و عبيداو خلقنا الملوك و الأربابا
كان ذو ثات الهمام ربيعايحسب النّاس سيبه أحسابا
و طىء الأرض بالجنود اقتداراو اقتسارا حتّى أذلّ الصّعابا
حوله الصّهب و الجعاد يخالون لدى بابه اللّيوث الغضابا
و تغضّ العيون من دونه الأملاك مائدا و تحنو الرّقابا
فرماني الزّمان منه بيومغادر المعمر الخصيب يبابا
فكأنّ الجموع و العدد الدّهمو ذاك النّعيم كان ترابا
ثم قال لي: عليك تلك الثّنية فأسند فيها، فإذا فرعتها فمثلت لك الخورمات- على المازم، فتنكّبها ذات اليمين، فهناك الطريق ثم غاب عنّي فلم أره بعد.
الماء المعين: الظّاهر و ينتعان: يقطران. و يقال: (وضح الرّاكب): و أوضح أي طلع، و اللّهجم: البين، و اللّقم: الطّريق، و الأريب: ريح تهب متنكّبة بين الصّبا و الجنوب، فإذا هبّت من تحت مطلع سهيل فهي الجنوب الخالصة. و قوله: (قوادم الفجر): يعني جناحه، و الغوط الملطاط: ما اعترض من الأرض في الغائط و حجب ما وراءه، و طفل الأصيل: أي أقبلت في الظّلمة، و طخطخ اللّيل بصري: أي سترت الظّلمة عيني، تهور اللّيل: أدبر، و الثّائبة: الزّحر، فثأ: سكن، تشيزني: تقلقني. و الإكساء: الماخير الواحد
كسوء، و المتواصية: المتواصلة. نجهت: بدوت، النّقب: الطّريق الضّيق، الضّوح: منعطف الوادي، الأثر الماصح: الدّارس، البيضة الفيحاء: الأرض الملساء، الشّناخيب: أعالي الجبال، الواحد شنخوب. المحاريب: الغرف بلغة حمير و غيرهم، ذوثات: قيل من أقيال حمير دون الملك المتوّج. قوله: و سلامه إنعام، يريد أنّه يسالم منعما لا مضطرا، و المحال: الكيد و العقوبة، يقال: شصا بصره: أي شخص، و شصا برجله: دفعه، و الرّياش: الهيئة، و ثروة لا يعتن: لا يعترض. الهائثة: الدّاهية و كذلك: أم اللّميم. الوثابة:
السّرير بلغة حمير، الصّم: الشّديد الثابت.
قال الأصمعي: كانت حمير تسمّي الملك إذا لم يغز (موثبان) قال: و كانت ملوك حمير قد رتّبوا المملكة أن يختار الملك ثمانية من أبناء الملوك، يسمّيهم المثامنة يخدمونه فإذا مات الملك انتخب أهل المملكة من المثامنة رجلا إن لم يكن له ابن أو ابن أخ، ثم أخذ من الأقيال رجل يجعلونه بدل ذلك من المثامنة لتمام الثمانية و أخذ من أهل البيت رجل فجعل قيلا. و الأقيال: ثمانون رجلا، و أهل البيت أكثر من أن يحصوا، (و الخورمات): ثنايا الجبال، و (المآزم) المضائق.
قال لبيد شعرا:
و مجود من صبابات الكدىعاطف النّمرق صدق المبتذل
قال: هجدنا فقد طال السّرىو قدرنا إن خنا العيش غفل
قل ما عرس حتى هجتهبالتّباشير من الصّبح الأول
يلمس الأحلاس في منزلهبيديه كاليهوديّ المصل
يتمارى في الذي قلت لهو لقد يسمع قولي حين هل
(المجود): أصله الذي قد مطر جودا و جعله عاطف النّمرق لانثنانه في النّعاس و تمايل، و معنى صدق المبتذل: إذا ابتذل نفسه للعمل كان صلبا، و معنى (هجدنا): نومنا يريد أنّ السّير قد امتد و اتّصل و أنّهم مالكون لورود المقصد إن سلموا من آفات العيش، و جعله لامسا لحلسه كاليهودي في صلاته لزوال تماسكه، و غلبة التّوابد قوله: (يتمارى) يبين به زوال تحصيله فهو شاك فيما يدركه بسمعه و إن كان مميز الماء يخاطب به أبا حية النّميري:
و أغيد من طول السّرى برحت بهأفانين مضاء على الأسّ مرجم
سريت به حتّى إذا ما تمزّقتتوالى الدّجى عن واضح اللّون معلم
أنخنا فلمّا أفرغت في لسانهو عينيه كأس السّحر قلت له قم
يودّ بوسطى الخمس منه لو أنّنارحلنا و قلنا في المناخ له نم
حظاء الكره مغلوبا كأنّ لسانهبمارد من رجع لسان مرسم
ذكر ابن الأعرابي أنّ عقيل بن علقة خرج في سفر و معه ابنه عملس و ابنته الحرباء فقال شعرا:
قضت و طرا من دير أروى و ربّماعلى عجل ناطحته بالجماجم
فقال لابنه: أجز، فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فينةتشاوى من الإدلاج ميل العمائم
ثم قال لابنته أجيزي فقالت شعرا:
كأنّ الكرى يسقيهم صرخديةعقارا تمشّت في الطّلى و المعاصم
فقال: و اللّه ما وصفتها حتى شربتها و ضربه ابنه بسهم فاختلّ ساقه و قال شعرا:
إنّ بني رملوني بالدّممن يلق أبطال الرّجال يكلم
و ما يكن من صعر يقومشنشنة أعرفها من أخزم
قال ذو الرّمة:
و ليل كجلباب العروس ادّرعتهبأربعة و الشّخص في العين واحد
أجم غدافي و أبيض صارمو أعسر مهري و أشعث ماجد
أخو ثقة جاب الفلاة بنفسهعلى الهول حتى لوّحته المطارد
و أشعث مثل السّيف قد لاح جسمهو حيف المهاري و المهوم الأباعد
سقاه الكرى كأس النّعاس برأسهلدين الكرى من آخر اللّيل ساجد
أقمت له صدر المطيّ و ما درىأ جائرة أعناقها أم قواصد؟
ترى النّاشئ الغرّيد يضحى كأنّهعلى الرّجل مما منه السّير عاصد
قوله: (كجلباب العروس): في التشبيهات الظّريفة لأنّ اللّيل لا يشبه جلباب العروس إلا في سبوغه و اتّساعه و قلة فرجه و تمامه و مثله قول الآخر شعرا:
إذا ما الثّريا طلعت في سنائهاطلاع العروس في ثياب جلاء
تنفّست من علمي بما البين صانعو إنّ ردائي ليس لي برداء
و إنما ذكر الثّريا لطلوعها في أطول ما يكون، و حينئذ تطلع في وقت غروب الشّمس و ذلك في أوّل الشّتاء، فإذا طلعت طلعت في حمرة الأفق، فشبّهها في تلك الحالة بثياب العروس في حمرتها و سبوغها. قوله: (تنفّست): أي علمت أنّ الزّمان قد تغيّر عن هيئته، و أنّ الإنسان لا يكتفي من الكسوة بما كان يكتفي به قبل ذلك لتحرك البرد، و أنّ الأحياء تتفرّق فيطلبون المحاضر و يهجرون البوادي و لابن أم صاحب:
و فتية أرّقتهم من مهجعو النّوم أحلى عندهم من العسل
لا يطعمون النّوم إلا قللاحسوا كحسو الطّير من ماء الوسل
قلت لهم: أصبحتم فارتحلواو اللّيل ملق حلسه داني الظّلل
فنهضوا مائلة أعناقهمكأنّهم من الكلال و الثّمل
شرب تساقوا قرقفا حمصيةكرّت عليهم عللا بعد نهل
و أنشد أحمد بن يحيى:
إني إذا ما اللّيل كان ليلينو لجلج الحادي لسانين اثنين
لم تلفني الثّالث بعد العدلينساد الرّقئين منهم ذو البردين
الرّقئين: المتكابس، و قد يعد من هذا الباب قوله:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيةو اضطرب القوم اضطراب الأرشيه
و شدّ فوق بعضهم بالأرديةهناك أوصيني و لا توصي بيه
و قال آخر:
يقول و قد مالت به نشوة الكرىنعاسا و من يعلق سرى اللّيل يكسل
أنخ نعط أنضاء النّعاس دواؤهاقليلا ورقة عن قلائص ذبل
فقلت له: كيف الإناخة بعد ماحدا اللّيل عريان الطّريقة منجل
و قال العجاج و ذكر ماء:
كأنّ أرياش الحمام النّسلعليه ورقان القران النّصل
فويق طامي مائه المجللجفالة الأجن كحمر الجمل
يريد بالنّسل: السّاقطة، و القران: نبل صيغت صيغة واحدة و جعلها ورقا لأنّها إذا عرضت على النّار تسودّ فتصير ورقا، و النّصل: التي قد نصلت: أي خرجت من مواضعها، و المجلّل: المغطى بالعرمض و هو الطّحلب. قوله: جفالة: انتصب بالمجلّل و جفالة كل شيء ما أخذ منه، و قلع من أعلاه، يريد أنّ الماء قد يبس مثل العباية مما لا يورده، فعلاه مثل الحمر: و هو بقية الألية إذا أذيبت. و الجمل: الذين يذيبون الشّحم يقال: جملت الشّحم و أجملته، و الجميل الودك المذاب و مثل هذا قوله:
يتجفّل عن جمانه دلو الدّاليعانه غشراء من آجن طال
الغشراء: البيضاء إلى الدّسمة، و الآجن: المتغيّر و الطّالي: الذي عليه طلاوة و هو ما يلبسه. و أنشد في الاستسقاء:
قد علمت إن لم أجد معينالأخلطنّ بالخلوق طينا
يعني امرأته، أي استعملها في الاستسقاء إن لم أجد غيرها. و قال آخر يخاطب الدّلو:
تملئي ثمّ هلمّي حيّإلى سواد نازع مكبّ
يقول: ارتفعي إلى شخص المستقي و هو سواده و النّازع بالدّلو: هو المكبّ و قال آخر:
لتروينّ أو لتبيدنّ السّجلأو لأروحنّ أصلا لا أشتمل
أي لا أقدر على الاشتمال من إعيائي و ضعفي. و قال الآخر:
إن سرّك الريّ أخا تميمفاجعل بعبدين ذوي وزيم
بفارسي و أخي الرّوم
الوزيم: القوّة و رجل متوزم: أي شديد الوطء، أي اجعل السّاقين من جنسين مختلفين، لأنهما إذا كانا كذلك لم يفهم أحدهما كلام الآخر و كان أحثّ للعمل لقلّة الإنس بينهما. و أنشد في معناه:
و ساقيان سبط و جعدو فارطان فارسن و بعد
و أراد و عاد فجعل الفعل بدله. و قال: و أنشده الأصمعي:
إذا بلغت قعرها فانشقّيو اغترفي من تربها الأدقّ
انشقّي: انفتحي واجر ما فيها. و يقال: بل دعا عليها كأنه قال: انشقّي و حسبي أن بكون حظّك التّراب. و قال و ذكر إبلا:
فوردت عذبا نقاخا سمهجافأعجلت شفتها أن تنفجا
نقاخ عذب و سمهج: مثله يعني أنّ الإبل جاءت عطاشا، فلم ينتظروا بها أن يبلوا الدّلاء فألقوها كما هي يابسة. قوله وردت: قد تكلّم النّاس فيه من قوله تعالى: وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [سورة القصص، الآية: 23] الآية و من قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [سورة مريم، الآية: 71].
فمنهم من يقول: إنّ الورود يقتضي الاختلاط بالمورود و مشافهته و الدّخول فيه، بدلالة قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [سورة مريم، الآية: 73] فكيف ينجّيهم منها و هم لم يأتبسوا بها، فعلى قولهم يجب أن يكون قد حتم على نفسه إيراد الخلق جميعا النّار، ثم ينجّي منها المتّقين و يذر فيها الظّالمين. و الحكمة في ذلك أن يشاهد المؤمنون موضع الكفّار، فتكثر لديهم مواقع النّعم و يزدادوا اعتدادا و فرحا بما منحهم اللّه تعالى، قالوا:
و تصير النّار عليهم بردا و سلاما كما كانت على إبراهيم عليه السّلام في الدّنيا و إن كانت على الكفار عقوبة و عذابا، و استدلّوا على ما قالوا بقوله تعالى: وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ [سورة مريم، الآية: 72] فإنه لم يقل و يدخل الظّالمين.
و قال بعضهم: إنّ هذا يعني به الكفّار خاصة، و احتجوا بقراءة بعضهم: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [سورة مريم، الآية: 71] مسوقا على قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ [سورة مريم، الآية: 69] الآية. و يكون على هذا التأويل و في هذا المذهب قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [سورة مريم، الآية: 72] يراد به يخرج المتّقين من جملة من يدخل النّار فكأنّ الخلق على اختلاف طبقاتهم، يردون عرصة القيامة ثم يفترقون فرقا على ما بيّن اللّه تعالى في غير هذا الموضع.
و قال أهل النظر و كثير من المفسّرين منهم الحسن و ابن مسعود و قتادة: ليس الورود من الدّخول في شيء. أ لا ترى أنّ الأصل في ذلك قصد المشارع و المناهل و قصدها ليس بالخوض فيها يدل على ذلك قوله تعالى: وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [سورة القصص، الآية: 23] فالورود البلوغ إلى الماء ثم توسّع فيه فاستعمل في بلوغ كلّ مقصد يقولون: وردنا بلد كذا و كذا.
و قال الخليل: الورد، يوم وقت الورود بين الظماءين، يقولون: وردت الطيّر الماء وردا و وردته أورادا و قال تعالى: وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [سورة مريم، الآية: 86] و قالوا: أرنبة واردة و هي المقبلة على السّبلة و قال تعالى: فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ [سورة يوسف، الآية: 19] يراد طالب الماء منهم و بالغه. و قال زهير:
فلمّا وردن الماء زرقا جمامهو ضعن عصيّ الحاضر المتخيّم
و هذا أصدق شاهد على أنّ الورود ليس بالدّخول، و الحجة القاطعة في أنّ المؤمنين و إن حضروا حول جهنّم مع الإنس و الجن للحتم المقضي، و الوعد من اللّه الزكي، فإنّهم مبعدون عن النّار قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [سورة الأنبياء، الآية: 101] و نرجع إلى إتمام الباب لأنّ هذا عارض عرض. و قال عجيز السّلولي:
و لي مائح لم يورد الماء قبلهمعلّى و أشطان الطّوى كثير
(المائح): الذي يصير في البئر فيملأ الدّلو من الماء إذا قلّ الماء. قال:
يا أيّها المائح دلوي دونكاإنّي رأيت النّاس يحمدونكا
و استعارة العجز لمن كان يمنحه عند السّلطان و يستخرج له ما عنده و يعينه.
و المعلّي الذي رشاؤه فوق الأرشية. و يقال: هو الذي إذا زاغ الرّشاء عن البكرة علاه فأعاده إليه. و أنشد الأصمعيّ شعرا:
ما ليلة الفقير إلّا شيطانمجنونة تودي بروح الإنسان
يدعى بها القوم دعاء الصّمانو هنا من الأنفس غير عصيان
الفقير: بئر قليلة الماء ورودها و جعلها شيطانا لما يلقون فيها من التّعب، المعنى أنهم فتروا و ضعفوا فكأنّهم صمّ من النّعاس، و إنّما وصف قوم وردوا و سقوا و هنا من الأنفس: أي ضعفا من الأنفس لا عصيانا للرّاعي. و مثله لذي الرّمة:
كأني أنادي مائحا فوق رحلهاو في غرفة و الدّلو ناء قليبها
و قال الرّاعي:
حتّى وردن أتمّ خمس بائصجدرا تعاوره الرّياح وبيلا
سدما إذا التمس الدّلاء نطافهصادفن مشرقه المثاب دحولا
البائص: السّابق، و البوص: الفوت و السّبق أي أتم خمس و بعده. و الجدر: البئر الجديدة الموضع من الكلأ، و الوبيل: الثّقيل غير المريء. سدم: مندفنة، و النطاف: المياه.
و المثاب: هاهنا الموضع الذي يثوب منه الماء، يقال: هذه بئر لها ثائب، و المثاب في غير هذا الموضع قد يكون مقام السّاقي، و الدحول: بئر لها إرجاف. و أنشد الأصمعيّ:
أعددت للورد إذا الورد خفزعريا حرورا و جلا لا خزخز
و ما دحا لا ينثني إذا احتجزفي كلّ عضو جرذان و خزز
شبّه عضل المائح و لحمه المتفرّق في أعضائه بالجرذان. و الخزز: هو ذكر اليرابيع هنا و في مثله قال أبو النّجم شعرا:
في لحمه بالقرب كالتّزيلينماز عنه دخل عن دخل
أي تنفرج أعضاؤه من ثقل الدّلو و ينماز: يصير كل قطعة لحم منه على حدة إذا تمطّى من ثقل الدّلو: يريد أنّ لحمه صار كتلا.
قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، في إسناد ذكره أنّ أسواق العرب الكبيرة كانت في الجاهلية ثلاث عشرة(1)سوقا.
فأوّلها قياما: سوق دومة الجندل: و هي على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة، و على عشر مراحل من الكوفة، و على عشر مراحل من دمشق، حصنها ممرد و بها التقى الحكمان، ثم صحار- ثم دبا- ثم الشّحر- ثم رابية حضرموت- ثم ذو المجاز- ثم نطاة خيبرا، ثم المشقر- ثم حجر باليمامة- ثم منى، ثم عكاظ- ثم عدن- ثم صنعا.
و كانت هذه الأسواق منها ما يقوم في الأشهر الحرم و لا يقوم في غيرها، و منها ما لا يقوم في الأشهر الحرم، و يقوم في غيرها. لكنّه لا يصل أحد إليها إلا بخفير و لا يرجع إلا بخفير.
قال أبو المنذر: كان أوّل هذه الأسواق قياما دومة الجندل: يوافيها العرب من كل أوب، و قيامها أوّل يوم من شهر ربيع الأول إلى النّصف منه، ثم ترق و لا تزال قائمة على رقّتها إلى آخر الشهر- ثم يفترقون منها إلى مثلها من قابل. قال: و كانت كلب و جديلة طيء جيرانها، و كان ملكها بين اكيدر العبادي من السكون و بين قنافة الكلبي، و كان غلبة الملكين عليها أن يتحاجبا فأيّهما غلب صاحبه بما يلقي عليه تركه، و السّوق يفعل بها ما شاء و لم يبع فيها أحد من الشّام و لا أهل العراق إلا بإذنه، و لم يشتر فيها و لم يبع حتى يبيع الملك كلّ
1) و قال أيضا في كنز المدفون إن أسواق العرب كانت في الجاهلية ثلاثة: مجنّة و كانت بالظّهران و عكاظ بين نجد و الطائف و ذو المجاز: بالجانب الأيسر إذا وقفت بعرفة 12 القاضي محمد شريف الدين عفا عنه.
شيء يريد بيعه مع ما كان إليه من مكسها، و كان للكلب فيها قنّ كثير في حوانيت من شعر، و كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء، فكانوا أكثر العرب قنا، و كانت مبايعة العرب بها بإلقاء الحجارة، و ذلك أنّهم كانوا يجتمع النّفر منهم على السّلعة يساومون بها صاحبها فأيّهم رضي ألقى حجره، و ربما اتّفق في السّلعة الرّهط فلا يجدون بدّا من أن يشتركوا و هم كارهون، و ربما ألقوا الحجارة جميعا فيوكسون صاحب السّلعة إذا تظاهروا عليه، و كانت قريش تخرج قاصدة إليها من مكّة فإن أخذت على الحزن لم تتخفر بأحد من العرب حتى ترجع، و ذلك أنّ مضر عامّتهم لا تتعرّض لتجّار قريش، و لا يهتجمهم حليف مضري، مع تعظيمهم لقريش و مكانهم من البيت.
قال: و كانت مضر تقول: قد قضت عنّا قريش مذمّة ما أورثنا أبونا إسماعيل من الدّين، و كانوا إذا خرجوا من الحزن أو على الحزن، و ردوا مياه كلب، و كانت كلب حلفاء بني تميم، فلا يهتجمهم كلب، فإذا سفلوا عن ذلك أخذوا في بني أسد حتى يخرجوا على طيء، فتعطيهم و تدلّهم على ما أرادوا لأنّ طيئا حلفاء بني أسد، فإذا أخذوا طريق العراق تخفّروا ببني عمور مرثد من بني قيس بن ثعلبة فيجيز لهم ذلك ربيعة كلّها.
ثم يرتحلون منها إلى المشقر بهجر، فيقوم لهم سوقها أول يوم من جمادى الآخرة إلى آخر الشّهر، يوافي بها أهل فارس يقطعون إليها تبعا لعادتهم ثم يتقشّعون عنها من مثلها إلى مثلها من قابل، و كانت عبد القيس و تميم جيرانها- و كانوا ملوكها من بني تميم، من بني عبد اللّه بن زيد رهط المنذر بن ساوي- و كانت ملوك فارس تستعملهم عليها كما يستعملون بني نصر على الحيرة و بني المستكبر على عمان، و كانوا يصنعون فيها ما يريدون، و يسيرون بسيرة الملوك بدومة في البيع، و كانوا يعشرونها أي يمكسونها، و كان جميع من يأتيها لا يقدر عليها إلا بخفارة من سائر الناس، و كانت أرضا معجبة لا يراها أحد فيصبر عنها، و كانت لا يقدمها لطيمة إلّا تخلّف بها منهم ناس، فمن هناك صارت بهجر من كلّ حيّ من العرب و غيرهم، و كان بيعهم فيه الملامسة- و الهمهمة- و الإيماء- يومئ بعضهم إلى بعض فيتبايعون و لا يتكلّمون حتى يتراضوا، و إنمّا فعلوا ذلك كيلا يحلف أحدهما على كذب أن يزعم أنه بذل له صاحب السّلعة.
ثم يرتحلون منها إلى صحار أول يوم من رجب، في غير خفارة فيقدمونها لعشرين يوما تمضي من رجب، فيوافيهم بها من لم يشهد ما قبلها من الأسواق، و من شغل بحاجة
و لم يكن له إرب فيما يباع في الأسواق التي قبلها، فينشرون من بزّها و بياعاتها أو يبيعون بها خمسا، فكان الجلندي يعشرهم فيها و كان بيعهم فيها بإلقاء الحجارة.
ثم يرتحلون منها إلى دبا، و كانت إحدى فرص العرب يجتمع بها تجار الهند و السّند- و الصّين- و أهل المشرق و المغرب- فيقوم لها سوقها آخر يوم من رجب، فيشترون بها بيوع العرب و البحر، و بيعهم مساومة و كان الجلندي يعشرهم فيها، و كان يصنع في ذلك فعل الملوك في غيرها.
ثم يسيرون بجميع من فيها من تجّار البحر- و البر- إلى الشّحر شحر مهرة فيقوم سوقهم تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود النّبي عليه السّلام و يبيعونهم بما ينفق بها من الأدم- و البز- و سائر المرافق- و يشترون بها الكندر و المر- و الصّبر- و الدّخن- و لم يكن بها عشور، لأنّها ليست بأرض مملكة و كان جميع من يختلف إليها من العرب بتجارة يتخفّر ببني يثرب و هي تقلل من مهرة، و كانت سوقهم تقوم للنّصف من شعبان و بيعهم بها بإلقاء الحجارة.
ثم يرتحلون منها إلى عدن إلّا تجار البحر، فإنه لا يرتحل منهم إلّا من بقي من بيعه شيء و لم يبعه، فيوافي النّاس بعدن من بقي معه من تجار البحر شيء و من لم يكن شهد الأسواق التي كانت قبلها و كانت تقوم أوّل يوم من شهر رمضان إلى عشر يمضين منه.
ثم ينقشع النّاس منها إلى مثلها من قابل، و كانوا لا يتخفّرون بأحد، لأنّها أرض مملكة و أمر محكم و كانت تعشرهم ملوك حمير- ثم من ملك اليمن من بعدهم.
و آخر من عشّرهم الأبناء من فارس غلبوا على اليمن و كان لا يشتري في أسواقهم و لا يبيع، و كان طيّب الخلق جميعا، بها يعبأ و لم يكن أحد يحسن صنعه من غير العرب، حتى أنّ تجار البحر لترجع بالطّيب المعمول تفخر به في السّند- و الهند- و ترتحل به تجار البر إلى فارس و الروم، و إنّ بالناس على ذلك اليوم ما يحسن اليوم عمله إلا أهل الإسلام بعدن.
ثم يرتحلون إلى صنعاء فيأتونها بالقطن- و الزّعفران- و الأصباغ- و أشباهها مما ينفق بها، و يشترون بها ما يريدون من البز- و الحديد- و غيرهما. و كانت تقوم في النّصف من
شهر رمضان إلى آخره، ثم تنقشع إلى مثلها من السّنة المقبلة و بيعهم بها الجس جس اليد، و لم يكن أحد من أهل هذه الأسواق يريد السّوق الأخرى إلا إذا اشترى رجل من أهل بلده، فإنّه كان يشتري منه كما يتبايعون بتلك البلاد.
ثم يصدر النّاس عنها إلى سوقين. أحدهما: رابية بحضرموت و الأخرى عكاظ في أعلى نجد و عكاظ قريب من عرفات.
فأمّا الرابية فلم يكن يصل إليها أحد إلا بخفارة لأنّها لم تكن أرض مملكة و كان من عزّ فيها بزّ صاحبه، فكانت قريش تتخفّر ببني أكل المرار من كندة، و سائر النّاس بآل مسروق بن وائل الحضرمي، فكانت مكرمة لأهل البيتين، و فضل أحدهما على الآخر كفضل قريش على سائر النّاس، فكان يأخذ إليها بعض النّاس و بعضهم إلى عكاظ، و كانتا تقومان بيوم واحد في النّصف من ذي القعدة.
و كانت عكاظ من أعظم أسواق العرب، و كانت قريش تنزلها- و هوازن- و غطفان- و خزاعة- و الأحابيش- و هم الحارث بن عبد مناة- و عضل و المصطلق و طوائف من أفناء العرب ينزلونها في النصف من ذي القعدة فلا يبرحون حتى يروا هلال ذي الحجّة. فإذا رأوه انقشعت و لم يكن فيها عشور و لا خفارة، و كانت فيها أشياء ليست في أسواق العرب، كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسّيف الجيد- و الحلّة الحسنة- و المركوب الفاره- فيقف بها و ينادي عليه ليأخذه أعزّ العرب، يراد بذلك معرفة الشّريف و السّيد فيأمره بالوفادة عليه و يحسن صلته و جائزته، و كان بيعهم بها السّرار، فإذا وجب البيع و عند التاجر ألف رجل ممن يريد الشّراء و لا يريده فله الشركة في الرّبح.
فإذا أهلّوا هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز، و هو قريب من عكاظ و أقاموا بها حتّى يوم التّروية، و يواتيهم حينئذ حجّاج العرب و رءوسهم ممّن أراد الحج ممن لم يكن شهد الأسواق، و كانت العرب في أشهر الحج على ثلاثة أهواء: منهم من يفعل المنكر و هم المحلّون الذين يحلّون الحرم فيغتالون فيه و يسرقون، و منهم من يكفّ عن ذلك و يحرّمون الأشهر الحرم، و منهم أهل هوى شرعه، لهم صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم فإنه أحلّ قتال المحلّين.
قال أبو المنذر عن أبيه و خراش: هذا قول بني تميم، فأمّا الثبت عندنا فهو القملس الكناني و أجداده من قبله و هو الذي نسأ الشّهور- و المحلّون- طيّىء و خثعم و ناس من بني
أسد بن خزيمة. و كان أشراف العرب يتوافون بتلك الأسواق مع التّجار من أجل أنّ الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكلّ شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كلّ بلد يحضر سوق بلده، إلّا عكاظ فإنّهم كانوا يتوافون بها من كل أوب و لا يوافيها شريف إلّا و على وجهه برقع، مخافة أن يؤسر يوما، فيكبر فداؤه، فكان أوّل من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه و يتفرّسون في شمائله، قال: قبح من وطّن نفسه إلا على شرفه، و رمى بالقناع و حسر عن وجهه، قال يذكر قصته و عذره في مخالفة من قبله. شعرا:
أ و كلّما وردت عكاظ قبيلةبعثوا إلى عريفهم يتوسّم
قال أبو المنذر عن أبيه: كان الرّجل إذا خرج من بيته حاجّا أو داجا و الدّاج التّاجر في الشّهر الحرام، أهدى و أحرم، ثم قلّد و أشعر، فيكون ذلك أمانا له في المحلين. و كان الدّاج إذا انفرد و خشي على نفسه و لم يجد هديا قلّد نفسه بقلادة من شعر أو وبر، و أشعر نفسه بصوفة، فيأمن بها، و إذا صدر من مكة تقلّد من لحاء شجر الحرام. و كان الدّاج و غيره إذا أمّ البيت و ليس له علم بذلك و لا هو في سيماء المحرّم أخذ المحلّون ما معه، و كانت العرب جميعا تنزع أسنّتها في الأشهر الحرم غير المحلّين و الذين يقاتلونهم، فإنّهم كانوا يقاتلونهم حتى الأشهر الحرم.
و كانت الخمس تدع عرفات تهاونا بها و إخلالا، و تدع الصّفا و المروة فأنزل اللّه تعالى:
إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: 158] الآية و أنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ [سورة المائدة، الآية: 2] الآية. هذا للمسلم:
وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [سورة المائدة، الآية: 2] فأذن لهم في الصّيد بعد أيّام التّشريق و حرّم عليهم الذي أهلّ لغير اللّه به مع المنخنقة بالحبل إذا لم تدرك زكاتها، فهي حرام، و الموقوذة كانوا يقذون الدّابة العضل من الإبل- و البقر- و الغنم- ليرخص لحمها. و المتردّية التي تردى في بئر أو من جبل. و النّطيحة التي تنطحها شاة أخرى فتموت. و ما أكل السّبع إلا ما زكّيتم أدركتموه و به حياة. و ما ذبح على النّصب يعني آلهتهم التي كانوا يعبدون من دون اللّه.
قال أبو المنذر: و تزعم مضر أنّ أمر الموسم و قضاء عكاظ كان في بني تميم، يكون ذلك في أفخاذهم الموسم على حدة- و عكاظ على حدة- و كان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظّرب العدواني- و سعد بن زيد مناة بن تميم- و قد فخر المخبّل بذلك في شعره فقال:
ليالي سعد في عكاظ يسوقهاله كلّ شرق من عكاظ و مغرب
ثم وليه حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. ثم وليه ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم وليه مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ثم وليه ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، ثم وليه
معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، ثم وليه الأضبط بن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ثم وليه صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم. فكان آخر من اجتمع له الموسم و القضاء بعكاظ. ثم قتل رجل من محارب بعكاظ فادّعى واحد قتله في قوله:
فإن فخرت يوما رجال محاربفيا طعنة ما قد طعنت أخا حرّ
فشدّ عليه رجل من محارب بعكاظ فقتله، فقال: بؤباخي حر. و قد ذكر ذلك شعراؤهم ثم وليه سفيان بن مجاشع بن دارم، فمات فافترق الأمر فلم يجتمع القضاء و الموسم لأحد منهم حتّى جاء الإسلام، فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، فمات فصار ذلك ميراثا لهم.
و كان آخر من قضى منهم و وصل إلى الإسلام الأقرع بن حابس.
و أجاز بالموسم أحد بني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. و كان آخر من أجاز منهم كرب بن صفوان بن حباب بن شجنة بن عطارد بن عوف و هو الذي قام عليه الإسلام.
قال أبو بكر الدّريدي: لم يكن حديث الأسواق في كتاب أبي عبيدة و إنمّا ألحقه أبو حاتم فنقلناه من كتابه.
فلمّا دخلت سنة خمس و ثلاثين من عام الفيل و ذلك قبل المبعث بخمس سنين حضر السّوق من نراز و اليمن- ما لم يروا أنّه حضر مثله في سائر السّنين فباع النّاس ما كان معهم من إبل و بقر و نقد و ابتاعوا أمتعة مصر- و الشّام- و العراق- و فيمن حضر السّوق عمرو بن شريد السّلمي و ابناه معاوية و صخر، و حضر معمر بن الحارث بن الخبيري بن ظبيان بن حن بن حزام بن كثير بن عذرة جد جميل بن عبد اللّه الشّاعر، فلمّا نظر إلى عمرو صافنه و أمر ولده أن يخدموه، ففعلوا فلمّا تقوّضت السّوق دعا عمرو بن الشّريد ابنيه صخرا و معاوية فقال لهما: إنّ معمرا قد طوّقني ما لم يطوّقني أحد من العرب، و قد أحببت أن أكافئه، فقالا: افعل ما بدا لك، فدعا بكاتب و صحيفة فكتب: هذا ما منح عمرو بن الشّريد السّلمي معمر بن الحارث بن الخيبري بن ظبيان بن حن بن حزام العذري منحه ماله بالوحيدة من أخلاف يثرب أطلال ذلك و مغانيه- و رسومه- و أعراصه- و دواويه- و زحاليفه- و قريانه- و برادغة- و قسوره- و عجرمه- و بشامه- و ينعه- و تاليه- و حماطه- و شبحه- و أراكه.
و أجزته- و حذاريه- و آكامه- و برقه- و علجانه- و كل ما صاء و صمت فيه- و بكت السّماء عليه- و ضحكت الأرض عنه- فهو لمعمر دون عمرو، و ممنوح به من نيات الصّدر- لا يشوبه كدر الامتنان- و لا أمارات الامتهان- مستنزل من هضاب الجندل و جرثومة ودّ بعيد المحل، لا تخلق الأيام جدته- و لا يركد لمتنسم بارحه ما دام الزّمان- و توقّد الحران-
و سمر ابنا سمير، و أقام حراء و ثبير. و كتب لخمس و ثلاثين عاما خلت من عام الفيل. ثم بعث بالكتاب مع طرف من طرائف اليمن و عدد إلى معمر. قال الأصمعي: فهي باقية إلى الآن يفض على ولده دخلها و ذلك في أيام الرّشيد رحمه اللّه تعالى.
و قال ابن كناسة: إذا غابت الثّريا مع غيوب الشّمس لم ترها أربعين يوما و ذلك أفولها، قال: و أهل الشّام يطلعونها لخمس و عشرين من غير أن تطلع أو يروها، فيقيمون أسواقهم فتقوم سوق (دير أيوب) و هي أول أسواقهم المذكورة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين يوما.
ثم تقوم سوق (بصرى) قال فأدركتها تقوم خمسا و عشرين ليلة، و أخبرت أنّها كانت تقوم بولاية بني أمية ثلاثين إلى أربعين ليلة، فإذا انقضت اعتدوا سبعين ليلة.
ثم تقوم سوق (أذرعات) و هي اليوم أطولها قياما، و ربما لقيت النّاس صادرين منها و أنا وارد. ثم أصدر قبل أن تقلع، يقال: قلعت السّوق خفيفة.
قال: و زاد بعضهم في الأسواق (المجنة) و هو قريب من ذي المجاز و الأسقى خلف حضرموت.
قال أبو المنذر: كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته و فعاله و عدّ مآثره، و أيّام قومه من عام إلى عام، فيما أخذت العرب أيّامها و فخرها و كانت المنابر قديمة يقول فيها حسّان رضي اللّه عنه شعرا:
أولاء بنو ماء السّماء توارثوادمشق بملك كابرا بعد كابر
يؤمّون ملك الشّام حتى تمكّنواملوكا بأرض الشّام فوق المنابر
و كانوا إذا غدر الرّجل، أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل يخطب بذلك الغدر فيقول: ألا إنّ فلان ابن فلان غدر فاعرفوا وجهه، و لا تصاهروه، و لا تجالسوه، و لا تسمعوا منه قولا فإن أعتب و إلّا جعل له مثل مثاله في رمح، فنصب بعكاظ فلعن و رجم و هو قول الشّماخ شعرا:
ذعرت به القطا و نفيت عنهمقام الذّئب كالرّجل اللّعين
و إنّ عامر بن جوين بن عبد الرّضى رفعت له كندة راية غدر في صنيعه بامرئ القيس بن حجر في وجهه إلى قيصر، و رفعت له فزارة راية وفاء في صنيعه بمنظور ابن سيار، حيث اقحمته السّنة فصار بماله و إبله و أهله إلى الجبلين، فأجاره و وفى و صار النّاس بين حامد له، و ذام فذهبت مثلا.
و ما يتسبب من جميع ذلك، حالا بعد حال بقدرة اللّه و إرادته.
قال اللّه تعالى: وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [سورة النّور، الآية: 45] الآية. و قال تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [سورة الزّمر، الآية: 6] و دخل تحت قوله تعالى: كُلَّ دَابَّةٍ أصناف ما خلقه اللّه تعالى و سيفصّل إن شاء اللّه تعالى.
قال ابن كناسة: إذا أنزي على الشّاة عند اطلاع نجم من النّجوم بالغداة جدت حين ينوء، و النّخلة مثل الشّاة سواء. و قال الغنوي: وقت إرسال الفحول في الإبل حين يسقط الذّراع اليسرى، على أيّ حال من جدب أو حياء، فأمّا إذا كان الحياء فإنهم يرسلون الفحول قبل ذلك لسمن المال فهذا هو الوقت الأوسط للضّراب، و كذلك الوقت الأوسط العام للنّتاج، لأن الميقات في حمل النّاقة سنة.
و قال أبو عبيدة: سمعت الأصمعي يقول في نتاج الإبل قال: أجود الأوقات عند العرب فيه أن تترك النّاقة بعد نتاجها سنة لا يحمل عليها الفحل ثم تضرب إن أرادت الفحل، و يقال لها عند ذلك: قد ضبعت. فإذا أورم حياؤها من الضّبعة قيل: أبلمت. فإذا اشتدّت ضبعتها قيل: قد هرمت. فإذا ضربها قيل قعا عليها وقاع و العيس الضّراب. فإذا ضرب الفحل الإبل كلّها قيل: أقمها إقماما، فإن كلّ عليها سنتين متواليتين فذاك الكشاف.
و البسر: أن يضربها على غير ضبعة، و اليعارة: أن يعارضها الفحل فتحمل. قال الرّاعي:
قلائص لا يلحقن إلّا يعارةعراضا و لا يشرين إلّا غواليا
قال: و من الإبل جرر يزيد على ذلك، فإذا أتت النّاقة على مضربها و هو الوقت الذي لقحت فيه لقد أتت على حقها ولدت أو أدرجت.
و قال ابن كناسة: أقلّ النّتاج بالبادية مع طلوع الهرارين، و هو نتاج سيئ الغذاء لشدّة البرد و قلة اللّبن و العشب.
و قال الغنويّ: إذا تصوّب المرزم و هو الذّراع قبل سقوطه أرسلت الفحول في النّعم فضربت خيار الإبل و متعطّراتها، و هي التي تحسن للفحل بنقيها و حسن حالها، و هذا نحو قول أبي يحيى في طلوع الهرارين، لأنّ طلوعهما مع سقوط الدّبران.
و إذا سقط الدّبران: فالمرزم منصوب لأنّ بينه و بين الأفق نجمين، و هما الهقعة و الهنعة، و قول السّاجع إذا طلع القلب: هرّ الشّتاء كالكلب- و لم تمكن الفحل إلّا ذات شرب- شاهد لما قالاه.
أ لا ترى أنّه جعله وقتا لأوّل الضّراب فكذلك يكون وقتا لأوّل النّتاج و إذا كانت الأنثى مخصبة حسنة الحال أسرعت الضّبعة و احتملت الضّراب فيقدم الفحل في إلقاحها، و إذا كانت هزيلة لم تضبع و لم تمكن الفحل إلّا أخيرا و الوقت الذي ذكره الغنوي من سقوط المرزم هو وقت يتحرّك فيه النّبت لذلك قيل: إذا طلعت البلدة- حممت الجعدة، و زعلت كل تلدة، و قيل للبرد: اهده. و زعل التلدة نشاطها يعني تلاد المال.
و قال الغنوي: فإذا سقطت النثرة استحق ضراب الإبل، و عفصت الفحول في النّعم، فإذا سقطت الجبهة أقمت الفحول النّعم. و (الإقمام) أن تلقح جميع النوق. فإذا سقطت الصّرفة: جفرت الفحول كلّها إلّا القليل إذا الفضل على الفحول في الهباب و القوّة، و الهباب: شدّة الهيج.
قال ابن كناسة: و أفضل النّتاج الرّبعي و لا يزال ما نتج فيه قويّا حسن الحال إلى سقوط الصّرفة، و هي آخر نجوم الرّبيع، ثم ينتجون في أوّل الصّيف إلى سقوط الغفر و ذلك صالح.
و يقال للذي ينتج بعد سقوط الغفر إلى أن يمضي الخريف يقال له: هبع، و يكون ضعيفا لذلك سمّي هبعا لأنّ الفصال الرّبعية أكبر منه و قد قويت فهو لا يلحقها إذا مشت لأنها أذرع منها فهبع في مشيه. و الهبع و الهبعان شبيه بالإرقال. و إذا نتجت الإبل تركت بواهل على أولادها إلى أن تبرك، فإذا بركت و أعتمت و ذهبت فحمة العشاء حلبت، فتلك حلبة العتمة و تكون للحي.
ثم لا تزال بواهل على أولادها حتى يحضروا المياه، فإذا حضروا حلبت كلّ يوم عند الظّهر، ثم لا تزال بواهل، ثم لا تصر، ثم تعنق بين الصّلاتين الظّهر و العصر فترضعها، ثم تصر و ذلك الفواق حتى تحلب تلك السّاعة من الغد و ربما قالوا: ثلث بها و ذلك أن تيصروا ثلاثة أخلاف و يدعوا للفصيل خلفا واحدا يرضعه و ربما تركوها ترضع أمهاتها من أول
النّهار، ثم تصرّ و إنما فعلت هذه الأشياء بالفصال حيث حضروا لأنّها أعانت على نفسها و تناولت الشّجر، فلا يزال للفصيل في أمه حظ حتّى يطلع سهيل. فإذا طلع سهيل خلّلت، و هو أن يدخل عود في أنفه، فإذا أراد أن يرضع نخس الخلال ما دنا منه فأوجعه فتزيفه، و ربما أجروه، و هو أن يشقّ لسانه فلا يقدر أن يمصّ خلف أمّه فإذا فطمت أولادها و اشتدّ البرد حلبت الضّرعين غدوة و عشية.
و الكفاتان: و قد يفتح الكاف منه: أن يكون للرجل إبل يراوح بينها هذه تنتج و تحمل هذه.
و المخاض: إذا طلع سهيل مال و قال: إذا طلع سهيل أخذ أحدهم بأذن الفصيل ثم استقبل به مطلع سهيل يريه إيّاه يحلف أنّه لا يرضع بعد يومه قطرة، و يفصله من أمّه، و قد وصف أبو النّجم ما ذكرناه فقال: يذكر عيرا رعت الرّطب إلى أن تخرم وقته:
كان رعي الأنواء في تبكيرهادلوبها الأوّل من ظهيرها
حتى إذا ما طار من خبيرهاو بانت العيدان من عصيرها
و لجت القروم في نذورهاو اصفرت الأعجاز من جفورها
بعد الثّرى الملبّد من خطيرهاو اختارت الماء على هديرها
و اعلم أنّ الرّطب لما تصرّم و حاجت الأرض لجت الفحول في الغدور و تركت الخطران و التّهدار، و طلبت الورود. و قوله: بعد الثّرى الملبّد من خطيرها مثل قول ذي الرّمة:
و قربن بالزّرق الحمائل بعد ماثقوب عن غربان أوراكها الخطر
و إنما يصف نساء أقمن في مربع ما أقمن ثم قربن الفحول ليرتحلن عليها إلى المحاضر، و ذلك أنّها لمّا جفرت استغني عن ضرابها. و ثقوب الخطر تقلع ما لصق بأعجازها من أبوالها في أيام هبابها لأنّها كانت تبول في أذنابها، ثم تخطر بها فتضرب أوراكها فتلبد. قال: و قد وقتوا وقتا آخر للضّراب و هو إدبار الحرّ و إقبال البرد من آخر الخريف، و ذلك قبل الوسمي يشهد بذلك قول الرّاجز ينعت إبلا شعرا:
مدالق الورد مكيثات الصّدرعنابل الخلق نجيبات الخير
جوف لهنّ بجر فوق بجرحتى إذا شال سهيل بسحر
كعشوة القابس يرمي بشررأرسل فيها مقرما غير قفر
أصهب ذيالا غلافي الوبرففئن تعسّرن بأذناب عسر
فجعل الزّمان الذي يرى فيه سهيل سحرا شائلا مرتفعا وقتا لإرسال الفحول في النّعم،
و أدنى ذلك أن يكون الطّالع بالغداة الصّرفة، و ذلك لانصراف الحر و انصرام القيظ، و آخر الخريف و قبل الوسمي. و قال ذو الرّمة يصف فحلا، قال شعرا:
إذا شمّ أنف البرد ألحق بطنهمراس الأوابي و امتحان الكواتم
أنف البرد: أوّله فأخبر أنّ هذا الفحل في الوقت الذي ذكره متعب بطروقته يمارس أوابيها، و هي التي لا تمكن من الضّراب، و بامتحان كواتمها، و هي التي يظن أنها قد لقحت و ليست بلاقح، فيسرها ليعلم حقيقة اللقح، و ذلك أنّ النّاقة ربما تلقّحت و ليست بلاقح، و تلقحها أن تشول بذنبها و توزّع ببولها و تستكبر، و يقال: لا يمكن شيء من الحيوان الأنثى منها إذا كانت حاملا الفحل و لا يطلبها الفحل إذا حملت، و ذلك أنه يجيئها و يتشممها، فيعرف أ حامل هي أم لا فيولّي عنها، فلا هي تمكّنه و لا الفحل يطلبها، و ذلك في الإبل و الخيل و الحمير و البقر و الشّاة، قال الشّماخ.
شج بالرّيق إذ حرمت عليهحصان الفرج واسقة الجنين
قال: يقول شجى هذا الحمار بريقه حيث لا يقدر أن يضربها لمّا حملت واسقة يقول:
اتّسق يعني اجتمع جنينها في رحمها. و الاتساق: الاستدارة و الاجتماع، و في التنزيل:
وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [سورة القمر، الآية: 18]. و قال شعرا:
إنّ لنا قلائصا حقائقامستوسقات لو يجدن سائقا
و قال أعشى عكل:
حتّى إذا لقحت و آخر حولهاوضع الغيار و أحرز الأرحاما
أي لمّا وجدها حولا ترك الغيرة و أحرز أرحامها، و يقال لها في أوّل ما تضرب أيضا:
هي في منيتها، و ذلك ما لم يعلموا أ بها حمل أم لا، فمنية البكر عشر ليال، و منية العقبنى و هو البطن الثاني خمس عشرة، و هي منتهى الأيام. و قول ذي الرّمة: إذا شمّ أنف البرد يريد أنّ النّاقة تتلقح له و ليست بلاقح، فقد أنضبه ذلك حتّى ألحق بطنه بظهره فجعل ذلك في إقبال البرد.
و قال الكلابي: إذا طلع سهيل من آخر القيظ ثم لأوّل ما لقح من المخاض عشرة أشهر فسمّيت العشار، و انقطع عنها ذكر المخاض. و قول السّاجع: طلع سهيل. و برد اللّيل، و للفصيل الويل. و يروى: و لأم الفصيل الويل. و الفصل بين الرّوايتين أنّه إذا جعل الويل للأم فلأنّ الفصال إذا فطمت في هذا الوقت أسرع إلى ضعافها الفساد، فكثرت موتاها، و كذلك قيل: إذا طلعت الجبهة تحانت الولهة، و طلوع الجبهة مع طلوع سهيل. و إذا جعل
الويل للفصيل فذكر الأم كما يقال للإنسان: لأمك الويل، و إنّما يراد به هو، و كما قيل هوت أمّه و في القرآن: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [سورة القارعة، الآية: 9].
و إنّما يعم الفصال في هذا الوقت بالفطام، لأنّ الأجواف تبرد فيه، و تكثر الأفياء و الظّلال، و يطيب الوقت، فتقوى على الفطام. قال و يقال: امرأة نفساء و شاة ربّي، و فرس عائذ و أتان فريش: و هو أيام نتاجها، قال و العرب تقول: أحسن ما تكون المرأة غبّ نفاسها- و غبّ نباتها- و غبّ السّماء- و غبّ النّوم- و أحسن ما تكون الفرس و الناقة غبّ نتاجها.
و حكى ابن الأعرابي قال: قالت هند بنت الحسن بن حابس الإياديّة لأبيها: يا أبت مخضت الفلانية النّاقة لأبيها. قال و ما علمك؟ قالت: المصلاراج- و الطّرق لاج. و تمشي و تفاج- قال: أ مخضت يا بنية فاعقلي، قال فلم تصبح في مبركها. فقال أبوها لها: ما أراك إلا و قد ضيّعت، قالت: أما أنا و اللّه فقد رأيت عقدتي و اجتهدت، منتي و نقضت عذرتي.
قال: استوثقت إذا قال، و يقال: قالت شددتها شدّا اهتزّت منه عذرتي، و انقضت منه أزرتي. قال: حرّكت يد ناقتك؟ فقضوها فوجدوها تفحص في مثبرها. راج يرتج: لاج يلج في سرعة الطّرف. تفاج: تباعد ما بين رجليها، مثبرها: منتجها.
و حكى ابن الأعرابي عن بعضهم: أيّهم أحبّ إليك من الإبل: المعشار أم المشكار أم المغبار؟ قال: فالمعشار: التي تغزر أيام تنتج، و المشكار: التي تغزر في أوّل الرّبيع صيفتها ثم ينقطع، و المغبار: الباقية الغبر التي تدوم على محلبها و هي الرّفود المكود، و المجالح التي تقضم عيدان الشّجر اليابس في الشّتاء، فيبقى لبنها لذلك.
و حكي أيضا ناقة مقراع مضباع مسناع مرباع. قال: و المقراع: التي تلقح لأوّل قرعة و المضباع: التي تعجل ضبعتها، و المنساع: السّنية العظمة القدر، و المرباع: التي تلقح في أوّل الربيع و هي خيار الإبل. و أنشد: (طب بإظهار المرابيع الشّور) يصف فحلا بأنّه عالم بأحوال النّوق و الشّور: جمع شورة يقال: ناقة شورة: إذا كانت خيارا و ناقة شيار: إذا كانت سمينة، و أنشد ابن الأعرابي لغيره شعرا:
قامت تريك لقاحا بعد سابعةو العين ساجية و القلب مستور
كأنما بصلاها و هي عاقدةكور خمار على غدراء معجور
البكر من الإبل يسمّى بعد أربع عشرة و إحدى و عشرين. و المسنّة: بعد سبعة أيام، و الاستماء: أن يأتيها صاحبها فيضرب بيده على صلاها و ينقر بها فإن اكتارت بذنبها، و عقدت رأسها، و جمعت بين قطريها رأسها و ذنبها، علم أنّها لاقح، و قوله مستور: إذا لقحت ذهب نشاطها.
و يقال: مسيت النّاقة إذا سطوت عليها و هو إدخال اليد في الرّحم، و المسي: استخراج الولد، و المسط: أن تدخل اليد في رحمها فتستخرج وثرها و هو ماء الفحل يجتمع في رحمها ثم لا يلقح منه، يقال: قد وثرها الفحل يثرها وثرا إذا أكثر ضرابها فلم تلقح.
فأما قوله تعالى: وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [سورة النّور، الآية: 45] و ما تضمّنه من تنويع الخلق فقد قيل فيه: إنّ ما مشى على رجلين فركبتاه في رجليه مثل الإنسان و النّعام و الطّير كلّها، و ما كان من الخلق كلّه يمشي على أربع فركبتاه في يديه خلافا لما يمشي على رجلين مثل الإبل و البقر و الخيل و الحمير، و ما كان في الرّجلين فهو عراقيب و لا يقال ركب.
و كلّ حيوان مصمت لا شقّ في قوائمها مثل الخيل و ذواتها فليس لها أكراش، و لا تجتر و يكون لها أعفاج. الواحد: عفج و إنّما تجتر ما كان لها كرش، و هو من ذوات الأربع من الذّوات التي في قوائمها خف كالإبل و البقر و الغنم فهي ذوات الأكراش و تجتر.
و ما كان من الخلق له أذنان ناتئتان فغرموله(1)ناتئ ظاهر و كذلك مذاكيره ظاهرة بيّنة ترى. فما كان كذلك تلد ولادة مثل الإبل- و الخيل و السّباع- و الفأر- و الخفاش- فإن أذنيه ناتئتان و غرموله ناتئ- و هو يلد و إن كان من الطّير.
و ما كانت أذناه ممسوحتين لا تظهران فكذلك ذكره لا يظهر و هو يبيض مثل الطّير كلّها و الحيات- و السّمك- و جوارح الطّير.
و أمّا من كان من الطّير يغر فراخه أي يزفّها فليس يزيد على فرخين لعظم مئونته على أبويه مثل الحمام الأهلي- و الطّوراني- و الورشان- و الفواخت- و القمارى- و الدّياسى- و ما أشبهه.
و ما كان يطعم إطعاما، و لا يغر غرّا فهو أخفّ مئونة على أبويه إذا كانا إنما يطعمانه إطعاما فهو يفرخ الثلاثة- و الأربعة- إلى السّبعة- مثل البازي- و العقاب- و الصّقر- و الهدهد- و الغراب- و السّوداني- و البلبل و الفتير- و العقعق و العصفور فلخفّة مئونته زاد على الاثنين، و ما كان لا يغر، و يطعم فهو أخف مئونة من هذين و هو يلتقط التقاطا، و يفرخ العشرة و العشرين و أقل و أكثر لخفة مئونته، لأنه يأكل بنفسه مثل الدّجاج- و النّعام و القبج- فهو يلتقط التقاطا ليس له مئونة على أبويه و هذا القدر في التّنبيه على آثار صنعته كاف في هذا الموضع سبحان ربّنا من خبير.
1) الغرمول: بالضّم: الذكر أو الضخم، الرّخو قبل أن تقطع عزلته. القاموس المحيط.
و هو فصلان:
اعلم أنّ العرب أحفظ الأمم لما أدّت إليه تجاربهم من أحوال الزّمان- و تعاقب الشهور و الأيام- و اختلاف الفصول و الأعوام- بما يتجدّد فيها من الأحداث- و يتغيّر من تدبير المعاش- فهم على اختلاف ديارهم- و تباين أوطانهم و تفاوت هممهم- يراعون من هبوب الرّياح- و طلوع الكواكب- و تبدّل الأوقات- ما لا يراعيه غيرهم من سكان المدر- و الوبر- و قطان البدو- و الحضر- و ليس ذلك مستحدثا فيهم. و إنما هو عادة منهم يتوارثونه الخلف عن السّلف- و الغابر عن الماضي- و مقياسهم طول الدّربة- و دوام التفقّد- فلهم اعتبار في كلّ ما يتجدّد في الجو من طلوع كوكب أو أفوله- و هبوب بارح- أو سكون يؤدّيهم إلى ما يبنون عليه أمرهم في مقامهم و ظعنهم و مزالفهم، و محاضرهم و يعتمدونه في مكاسبهم- و معايشهم- و مناتجهم- و ملاقحهم- و سائر متصرفاتهم- من غزو- و استباحة- و انتجاع و ملازمة- استغنوا به عن نظر أصحاب الحساب.
و توغلهم من لطائف البحث و الاستقصاء، فهم أتباع ما اعتادوا من البرق إذا لمع، و الغيث إذا أصاب و وقع، و الحر إذا أقبل و أدبر، و البرد إذا خفّ و اشتدّ، لا يغفلون و لا يضيعون، فسبحان من جعل لكلّ أمة خصائص صاروا لها بمنجاة من الشرّ، و عوائد أصبحوا فيها على شفا الخير، و قد سجع حكماؤهم أسجاعا أبانوا بها فوائد يحبهم، أنا ذاكر ما يحضرني مفسرا.
قال أبو حنيفة: وجدتهم بدءوا بالثّريا و إن كان الشّرطان قبلها في نسق المنازل، و لم أجد العلّة في ذلك إلّا تعطل الأنواء و انصرام الرّطب، و هجوم الحر و قوة البوارح، فجعلوا الشّغل بما هم فيه، و طلوع الثّريا هو أمارة قوة الحر عند الجميع لا اختلاف فيه، فقال
فقيههم: إذا طلع النّجم- و يراد به الثّريا تقي اللّحم- و خيف السّقم- و جرى السّراب على الأكم. و قيل أيضا: إذا طلع النّجم جعلت الهواجر تحتد، و العانات تكتدم، و قيل: طلع النّجم غدية، و ابتغى الرّاعي شكيه، و حكى الكلابي طلع النّجم غديا و ابتغى الرّاعي شقيا، يجوز أن يكون شقوى لغة في شكوى، و يكون الشكوى بمعنى الشكوة، و قيل أيضا: طلع النّجم عشاء، و ابتغى الرّاعي كساء، و قيل أيضا: إذا الثّريا طلعت عشاء قبع الرّاعي الغنم كساء.
و حكى أبو زياد: إذا أمسى النّجم يقبل فشهر فتى و شهر جمل. و قيل أيضا: إذا أمسى النّجم يدبر- فشهر نتاج و شهر مطر، و إذا أمسى الثّريا قم رأس. فليلة فتى و ليلة فاس- و مما يحفظ من كلام لقمان بن عاد: إذا أمست الثّريا قم رأس ففي الدّثار فاحنس، و عظاماها فاحدس و أنهس بليل و أنهس، و إن سئلت فاعبس و مما سير فيها قوله:
إذا ما قارن القمر الثّريابخامسة فقد ذهب الشّتاء
و حكى النّضر في صدر هذا الباب: أضاءت ذكاء- و انتشر الدّعاء- و إذا طلعت العقرب، و هي أول بروج الشّتاء- جمس المذنب و مات الجندب و فرفر الأشيب.
إذا طلع الدّبران توقّدت الحزان، و هي ظواهر صلبة من الأرض ليست بجبال، و يبست الغدران و استعرت النّيران، و استنعرت الذيان- و رمت بأنفسها حيث شاءت الصّبيان.
و إذا طلعت الهقعة تقوّض النّاس للقلعة و رجعوا إلى النّجعة و أورست الفقعة و أرذقنها المنعة.
و إذا طلعت الجوزاء توقّدت المغراء و أوفى على عوده الحرباء، و كنست الظّباء، و عرقت العلباء و طاب الخباء. و يروى انتصب العود في الحرباء، و إنّما ذكرت الجوزاء مع الهقعة لأنّها رأسها.
و إذا طلعت الذّراع حسرت الشّمس القناع، و أشعلت في الأفق الشّعاع، و ترقرق السّراب بكلّ قاع.
و إذا طلعت الشّعرى نشف الثّرى، و أجن الصّرى، و جعل صاحب النخل يرى. و قال بعضهم: إنما ذكر الشّعرى مع الذّراع لأنّها أحد كوكبيها و قيل:
إذا طلعت الشّعرى سقرا، و لم تر مطرا، فلا تغدونّ إمرة و لا أمرا. و أرسل العراضات ببغيتك في الأرض معمرا.
و إذا طلعت النّثرة قنأت البسرة، و جنى النخل بكرة، و أدّت المواشي حجره و لم تترك في ذات درّ قطرة.
و إذا طلعت الصّرفة بكرت الخرفة و كثرت الطّرفة، و هانت للضيف الكلفة.
و إذا طلعت الجبهة تحانت الولهة، و تنازت السّفهة، و قلّت في الأرض الرّفهة، و قيل أيضا:
و إذا طلعت الجبهة تزيّنت النّخلةو إذا طلعت النّثرة تشفّحت البسرة
. و إذا طلعت العذرة فعكة بكرة على أهل البصرة، و ليست بعمان بسرة، و لا لأكاريها بذرة، و إنما ذكرت العذرة هاهنا لأنّها تطلع مع الطّرف أو قريبا منه.
و إذا طلعت الصّرفة احتال كلّ ذي حرفة و جفر كلّ ذي نطفة، و امتيز عن المياه زلفة.
و إذا طلع سهيل خيف السّيل، و برد اللّيل، و امتنع القيل، و لام الحوار الويل، (القيل) يريد القائلة يقال: قال يقيل قيلا و قائلة و مقيلا و قيلولة. (و قيل أيضا): إذا طلع سهيل طاب الثّرى و حار اللّيل، و كان للفصيل الويل، و وضع كيل، و رفع كيل. قال بعضهم: ذكر سهيل لأنّ طلوعه مع طلوع الجهة قال: و أهل البادية يعظّمون الفصال عند طلوع سهيل، و قيل: إذا طلعت الصّرفة احتال كلّ ذي حرفة، و قيل: احتال كلّ ذي جرفة، و جفر كلّ ذي نطفة، و امتزّ عن المياه زلفة.
و إذا طلع العوّاء ضربت الخباء و طاب الهواء و كره العراء و شنن السّقاء.
و إذا طلع السّماك ذهب الحرّ و العكاك، و استفاهت الأحناك، و قلّ على الماء العراك.
و إذا طلع الغفر اقشعرّ السّفر، و تزيّل النّضر و حس في العين الجمر.
و إذا طلع الزّبانى أحدثت لكلّ ذي عيال شبانا، و لكلّ ماشية هوانا و قالوا: كان و كانا.
و بردت الثنايا فاجمع لأهلك و لا تتوانى.
و إذا طلع الإكليل، حاجت الفحول، و شمّرت الدّيول تخوّفت السّول.
و إذا طلع القلب، جاء الشّتاء كالكلب، و صار أهل البوادي في كرب و لم تمكن الفحل إلّا ذات ثرب.
و إذا طلعت الشّولة أعجلت البولة، و اشتدّت على العيال العولة، و قيل: شقوة و زولة.
و إذا طلع الهراران هزلت السّمان و اشتدّ الزّمان و وحوح الولدان. و (الهراران): قلب العقرب و النّسر الواقع و هما يطلعان معا.
و إذا طلعت النّعائم توسّقت البهائم، و قيل أيضا: إذا طلع النّعام، كثر الغمام و ذلك ليل التّمام، و قيل أيضا: إذا طلعت النّعائم ابيضّت البهائم من الصّقيع الدّائم، و أيقظ البرد
كلّ نائم. و روي خلص البرد إلى كلّ نائم، و تلاقت الرّعاء بالنّمائم.
و إذا طلعت البلدة حممت الجعدة و أكلت القشدة و زعلت كل ثلدة و قيل للبرد اهده، و القشدة و القلدة و الخلاصة: ما يسلأ به السّمن.
و إذا طلع سعد الذّابح حمى أهله النّاتج، و نفع أهله الرّائح، و تصبح السّارح و ظهر في الحي الأنافح.
و إذا طلع سعد بلع اقتحم الرّبع و لحق الهبع و صيد المرع و صار في الأرض بقع أو لمع و قيل تشكّى كلّ ربع.
و إذا طلع سعد السّعود: مضر العود، و لانت الجلود، و كره النّاس في الشّمس القعود.
و إذا طلع سعد الأخبية: ذهبت الأسقية، و نزلت الأحوية، و تحاورت الآنية، و قيل إذا طلع السّعد كثر الثعد.
و إذا طلع الدّلو ينيت الجزو، و انسلّ العفو، و طلب اللّهو الحلو، و قيل أيضا: إذا طلع الدّلو فهو الرّبيع و البدو. و القيظ بعد الشّتو و كان فيه كل نوء أي مطر.
و إذا طلعت السّمكة: أمكنت الحركة و تعلّقت الحسكة و نصبت الشّبكة و طاب الزّمان للنّسكة.
و إذا طلع الشّرطان استوى الزّمان و حضرت الأعطان و توافت الأسنان و تهادت الجيران و بات الفقير بكلّ مكان، و ألقيت الأوتاد في الأبطان و قيل أيضا: إذا طلع الشّرطان ألقت الإبل أوبارها في الأعطان.
و إذا طلع البطين اقتضى الدّين و امتيز بالعين و اقتفى العطار و القين. و من هذا قول الشاعر شعرا:
فإن كنت قينا فاعترف بنسيهو إن كنت عطّارا فأنت المخيّب
أ فينا تسوم السّاهرية بعد مابدا لك من شهر المليساء كوكب
المليساء: تصغير الملساء، و السّاهرية: جنس من الطّيب، و الاقتفاء: الكرامة و قيل أيضا: إذا طلع البطين تزينت الأرض بكل زين. و قيل: إذا طلعت الهنعة تحمل النّاس للقلعة.
و إذا طلع الذّراع: هرأت السّناسن و الكراع، و هرأت: نضجت من قولهم: لحم مهراء. و السّناسن فقار الظّهر و الواحد سنسن.
و إذا طلعت النّثرة التقط البلح بكره، و إذا طلع الطّرف شقح الطّرف.
و إذا طلعت الجبهة تزيّنت البنهة، و هو ضرب من النّخل.
و إذا طلعت الخرأتان: طابت أم الجرذان لضرب من التّمر.
و حكى ابن الأعرابي: إذا طلع سهيل أخذ أحدهم بإذن الفصيل، ثم استقبل به مطلع سهيل، يريه إيّاه ثم يحلف أنّه لا يرضع بعد يومه ذلك قطرة و يفصله من أمّه.
و قيل: إذا طلع سعد الذّابح- انحجرت الضّوابح- و لم تهرّ النّوابح- من الشّتاء البارح.
و قيل: طلع الحوت- و خرج النّاس من البيوت- و قيل: طلعت الأشراط، و نقصت الأنباط.
تفسير ما فيه إشكال من ألفاظ هذه الأسجاع: الاحتدام: الذّكاء و يقال: احتدم الرجل: إذا تلظّى غضبا. و الحطم: الكسر. و الشّكوة: السّقاء الصغير من مسك السّخلة قبل أن يقرم. و قرمه: أكله الشجر، و القبل: أصله النّشر من الأرض يستقبلك.
و قال أبو زياد: إذا أمسى النّجم مقابلك من المطلع على قدر رمح أو رمحين قال:
و الدّبران تراه قد انصبّ عن وسط السّماء حين تبدو النّجوم قم الرأس، بأن تكبد السماء حتى إن سقط لسقط على رأس القائم، و قوله: (عظاماها) يريد عظمي إبله و غنمه و المراد به الجنس.
و الحدس: الصرع يقال: حدس بناقته فوجأها في سبلتها: إذا أناخها فوجأها في نحرها.
و حكي عن بعضهم حدس لهم بمطفئة الرّضف، إذا ذبح لهم شاة يطفئ الرّضف من سمنها. و الرّصف: الحجارة المحماة. و استفار: الذّبان شدّة أذاها و معرتها. و الإيراس:
الاصفرار. و أردفتها: جاءت بعدها يقال ردفته و أردفته و إذا جعلته خلفك فليس إلّا أردفته.
و قال يزيد بن القحيف الكلابي: يقول الرجل للرجل يلقاه: هل لك علم برفقة بني فلان؟ فيقول: نعم ها هي ذه مردفتنا أي وراءنا.
و يقول: حسرت الشّمس القناع، و هو مثل، و المعنى أنها لم تدع غاية في الذكو.
و يقال للشّمس إذا اشتدّ حرّها و لم يحل من دون شعاعها شيء: انصلعت و يوم أصلع:
أي حام و أنشد:
يا قردة خشيت على أظفارهاحرّ الظهيرة تحت يوم أصلع
و الخرفة: ما لقط من الرّطب و خرفت فلانا و أخرف لنا أي اجتنى.
و تشقيح البسرة أن تحمر: يقال شقح بسر و أشقح إذا تلوّن بحمرة.
قال الأصمعيّ: الأمر و القميد الصّغير من أولاد الضّأن، قال أبو عمر و هو السّائمة كلّها. و العراضات: الإبل العراض واحدتها عراضة، لأنّ آثار أخفافها في الأرض عراض.
و الولهة: جمع والهة و هي ما بقي في المداوس من التّبن بعد تنقيته من الحب. و من أمثالهم: هو أغنى عن ذلك من التّفة عن الرّفه. و التّفة عناق الأرض و هو لا يقتات التّبن لأنّه سبع. و أم جرذان: نخلة بالحجاز يتأخّر إدراكها.
قال الأصمعي: هو المشان بالعراق، و الجفور: الانتهاء من الضّراب و الامتياز التنحي. و استفاهة الاحناك: شهوة الطعام، يقال: رجل فيه للجيد الأكل، و اللّكاك: التّدافع و التّزاحم، و النّضر: الخضر من كل نابتة، و الوحوحة: حكاية صوت الولدان من البرد، و الزّولة: المنكرة. و قوله قرب الأشيب أوقر الأشيب يعني الثّلج و الجليد، و ابيضاض البهائم من السّقيط الواقع على ظهورها. قال شعرا:
و أصبح مبيضّ الصّقيع كأنّهعلى سروات النّيب قطن مندف
و التّوسف: التّقشر. قال:
و أوقدت الشّعرى مع اللّيل نارهاو أمست محولا جلدها يتوسّف
و تحميم الجعدة: أن تراها قد همّت باطلاع كما تحمّم وجه الغلام إذا همّ بالبقول.
و قوله: كل تلدة فهو من التّلاد و الزّعل و النّشاط، و (البلدة): من التّلبيد، و (اقتحام الرّباع) إسراعه في عدو لأنّه قوي، و (المرعة) طائر سمين طويل العنق يملأ كفيّ الإنسان، و أكثر ما يرى في الخضرة و العشب. و أنشد:
له مرغ يخرجن من تحت و دقةمع الماء جون ريشها يتصبّب
و يقال: هو أحرص شيء على الطّيران في المطر، و هي خضراء، أشربت صفرة، و (الثّعد): العشب و (الغض): الرّطب. و من الأسجاع: كلأ ثعد ماد يشبع منه الناب، و هي تعدو، و (الماد): النّاعم و (الحواء) قطعة من بيوت الأعراب. و (الحسكة): ثمرة السّعدان و هي بقلة تتسطع على الأرض إذا نبتت، و (الأنباط): المياه المظهرة نحو الآبار.
و (القني): ما أنبطته فهو نبط و في المثل: لتجدنّ نبطه قريبا، و (الجزء) الاجتزاء بالرّطب عن الماء، و إنما قيل: (هيب): لأنّه يخاف انقطاعه و (العفو) ولد الحمار، يقال: نسل و أنسل بمعنى إذا ألقى وبره.
و اعلم أنّ الفصل اسم قد جرى في كلام العرب و جاءت به أشعارهم قال يصف حميرا شعرا:
نظائر حون يعتلجن بروضةبفصل الرّبيع إذ تولّت ضبائبه
و سمّي فصلا لانفصال الحرّ من البرد، و انقلاب الزّمن عن الزّمن الذي قبله.
و يقال للفصول: الفصيّات، الواحدة فصيّة و هي الخروج من حرّ إلى برد و من برد إلى حر، و الفصيّة تصلح في كل أوقات السّنة متى خرجت من أذى إلى رخاء، فتلك فصيّة، و لا يستعمل الفصل إلا في حينه. فأمّا الأصمعي فإنّه قال: الفصيّة: أن تخرج من برد إلى حر، و أفصى القوم و هم مفصون و يقال: لو أفصينا لخرجت معك.
و هو ثلاثة فصول
حكى ابن الأعرابي قال: أضلّ رجل ذودا له و أمة، فخرج في طلبها فمر برجل من بني أسد يحلب ناقة فسأله هل أحسست من ذود فيه أمة سوداء؟ فقال: لا و لكن ادن مني أحلب لك فتشرب ثم أدلّك على ذودك و أمتك فدنا فحلب له فسقاه، ثم قال له: ما سمعت حين خرجت من أهلك قال: نباح الكلب- و ثغاء الشّاء- و رغاء البعير- قال نواة تنهاك. قال ثم رأيت ما ذا؟ قال: ثم عرض لي الذّئب فقال: كسوب ذو حيلة، قال ثم رأيت ما ذا؟ قال:
عرضت لي النّعامة، قال: ذات ريش و اسمها حسن، هل تركت في أهلك مريضا يعاد؟ قال:
نعم. قال: فارجع إلى أهلك فإنّ ذودك و أمتك في أهلك فرجع، فوجد ذلك كما قال. قال:
و إنّما قال هل في بيتك مريض يعاد من قوله شعرا:
صعل يعوذ بذي العشيرة بيضةكالعبد ذي الفرو الطّويل الأصلم
و قال هشام الكلبي: حدّثني أبي عن أبي الذّيال بن نغر عن الطّرماح بن حكيم الشاعر، قال: خرج خمسة نفر من طيء من ذوي الحجى و الرأي (منهم برج) بن مسهر و هو أحد المعمرين و (أنيف بن حارثة بن لام) و (عبد اللّه بن) سعد بن الحشرج أبو حاتم طيء و (عارق) الشّاعر و (مرة بن عبد رضا) يريدون سواد بن قارب الدّوسي و كان كاهنا ليمتحنوا علمه، فلمّا قربوا من السّراة قال ليخبّئ كل واحد منكم خبيئا، و لا يخبر به صاحبه، لنسأله عنه، فإن أصاب عرفنا علمه، و إن أخطأ ارتحلنا عنه و أحللنا عنه، و أحللناه محله، فخبأ كلّ واحد منهم خبيئا.
ثم صاروا إليه فأهدوا له طرفا من طرف الحيرة و إبلا فضرب عليهم قبة و نحر لهم، فلما مضت ثلاث دعاهم فدخلوا عليه فتكلّم برج و كان أسنّهم فقال له: جادك السّحاب- و أمرع لك الحباب- و ضفت عليك النّعم الرّغاب- نحن أولو الآكال- و الحدائق- و الأغيال- و النّعم الجفال- و نحن أصهار الأملاك و فرسان العراك- يورّي عنه أنّه من بكر بن وائل.
فقال سواد و السّماء و الأرض- و الغمر- و البرض- و القرض- و الفرض- إنّكم لأهل الهضاب الشمّ- و النّخل العم- و الصّخور الصمّ- من أجاء العيطاء- و سلمى ذات المرقبة السّطعاء- فقالوا: إنا لكذاك، و قد خبّأ كلّ رجل منّا خبيئا لتخبر الرّجل باسمه و خبيئه. فقال لبرج:
أقسم بالضّياء و الحلك- و النّجوم- و الفلك- و الشّروق و الدّلك في أسنخة الفلك لقد خبأت برثن فرخ- في إعليط مرخ- تحت أسرة الشّرخ. قال: ما أخطأت شيئا، فمن أنا؟ قال: أنت برج بن مسهر عصرة المعور و ثمال المحجر.
ثم قام أنيف بن حارثة فقال: ما خبيئي و ما اسمي؟ فقال سواد- و السّحاب و التّراب- و الأسباب- و الأحداب و النّعم الكتاب- و يروى الكباب- لقد خبّأت قطامة فسيط، و قذّة مريط، في مدرة من مدى مطيط فقال: ما أخطأت شيئا فمن أنا؟ فقال: أنت أنيف- قاري الضّيف- و معمل السّيف- و خالط الشّتاء بالصّيف.
ثم قام عبد اللّه بن سعد فقال: ما خبيئي و من أنا؟ فقال سواد أقسم بالسّوام العارب و الوقير الكارب- و المجد الرّاكب- و المشيح الجادب- لقد خبّأت نغاثة فنن- في قطيع قد مرن- من أديم قد جرن- فقال: ما أخطأت حرفا فمن أنا؟ قال: سعد النّوال- عطاؤك سجال- و شرّك عضال- و عمدك طوال- و بيتك لا ينال.
ثم قام عارق فقال: ما خبيئي و ما اسمي؟ قال سواد أقسم بنقف اللّوح- و الماء المسفوح- و الفضاء المندوح- لقد خبّأت زمعة طلى أعفر- في زعنفة أديم أحمر- تحت حلس نضؤ أدبر- قال ما أخطأت شيئا فمن أنا؟ قال: أنت عارق ذو اللّسان العضب- و القلب النّدب- مضاء الغرب- مناع السّرب- مبيح النّهب.
ثم قام مرّة بن عبد رضا قال: ما خبيئي و ما اسمي؟ قال سواد: أقسم بالأرض و السّماء- و البروج و الأنواء- و الظّلمة و الضّياء- لقد خبّأت دمة- في زمة شيط لمة- قال: ما أخطأت حرفا فمن أنا؟ قال: أنت مرة السّريع الكره- البطيء الغرة الشّديد المرة- القليل الغرة.
قالوا فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك، فقال سوادا: أقسم بالنّاظر من حيث لا يرى- و السّامع من قبل أن يناجي- و العالم بما لا يدري- لقد عفت لكم عقاب عجزاء- على
شناغيب دوحة جرداء- تحمل جذلاء- فتماريتم إمّا يدا و إمّا رجلا، قالوا: كذلك كان ثم مه قال:
سنح لكم قبل ترجّل الشّروقسيدا مق على ماء طروق
قالوا: ثم ما ذا؟ قال: ثم تيس أفرق- فسند في إبرق- فرماه الغلام الأزرق- فأصاب بين الواهلة و المرفق- قالوا: صدقت و أنت أعلم من تحمل الأرض ثم انصرفوا فقال عارق شعرا:
ألا للّه علم لا يجارىإلى الغايات في جنبي سواد
أتيناه نسائله امتحاناو نحسب أن سيبعل بالعناد
نسائل عن خفي مخبئاتفأضحى سرّها للنّاس باد
حسام لا يليق و لا تثأثأعن القصد الميمّم و السّداد
كأنّ خبيئنا لمّا انتخبنابعينيه يصرّح أو ينادي
فأقسم بالعشائر حيث قيسو من نسل الأقيصر باللّباد
لقد جزت الكهانة عن سطيحو شق و كم فل من الإياد
تفسير ما يشكل منه، (النّعم): الرّغاب هي الكثيرة منه (و أولو الآكال): يريد القطائع و كانت ملوك الحيرة تقطع بكر بن وائل و لم يكن ذلك لغيرهم. و (الأغيال): جمع الغيل:
و هو الماء الجاري و بطن الوادي. و قوله: (نحن أصهار الأملاك): يريد بنت عمرو بن الحارث الملك الكندي أم أناس منهم و هم أصهار ملوك لخم أم عمرو بن امرئ القيس الذي كان يقال له: ابن ماء السماء- و ابن ماء المزن. و (الغمر): الماء الكثير، و (البرض):
الماء القليل و (النّخل العم): الطّوال، و (العيطاء): الطّويلة، و (السّطعاء): الطّويلة العنق، و (أجاء و سلمى): جبلان. (الحلك): الظلمة، (الدّلك): السّواد، (البرثن) الإصبع، و (الشّرخ): من الرّجل بمنزلة القربوس من السّرج، و (الإعليط): وعاء تمر. (المرخ):
مثل وعاء الباقلي، و (المرخ): شجر، و (العصرة): الملجأ و (المعور): الذي قد ظهرت عورته، و (الثمال): العصمة و (المحجر): الذي قد احجرته السّنة. و (الأصباب): جمع الصبب و هو المنحدر من الأرض، و (الأحدب): جمع حدب و هو المرتفع من الأرض، (الكتاب): المجتمع- و الكباب الكثير، و (القطامة): ما قطعته بأسنانك، و (الفسيط):
قلامة الظفر، و (المريط): سهم تمرط ريشه، و (المدى): ما سال من الحوض من الماء، و (المطيط): الخاثر بما بقي في الحوض من الماء، و (الوقير): القطيع من الغنم برعائه، و (العازب): البعيد في المرعى، و (القارب): القريب، و (الجادب): العائب، و (النغاثة): ما ترميه من السّواك، و (النّفنف): الهواء بين السّماء و الأرض، و (جرن
و مرن): بمعنى لان، و (اللّوح): الهواء، و (العفرة): حمرة أشربت غبرة، و (الزعانف):
أطراف الأدم، و (الحلس): البرذعة و الكساء، و (النضو): الذي أنضاه السّفر، و (الأدبر و الحرب و السّرب): المال الرّاعية، و (النّدب): الخفيف، و (الدّمة): النّملة الصّغيرة، و (الرّمة): العظم البالي، و (المشيط): ما سقط من الشّعر عند المشط، و إذا كانت الرّيشة البيضاء ظاهرته فالعقاب عجزاء. و إذا بطنت فهي كسعاء. و (الجذل): العضو بكماله، و (الشّناغيب): أطراف الغصون العلى، و (الأمق): الطّويل، و (الراملة): رأس العضد الأعلى، و (الأبرق): حجارة اختلط بها طين، و (البعل): و البقر الدهش و يقال تثأثأ الرجل عن المكاره، إذا زال، و (اللّباد): موضع.
و مما رواه محمد بن إسحاق قال: ذكر وقع باليمن من الحبشة فيما بلغني عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس و غيره من علماء أهل اليمن ممن يروي الأحاديث و يرغب في جمعها يحدث بعضهم عن بعض الحديث، و بعضهم يحدّث بعضا كل ذلك قد اجتمع فيما أذكره، أنّ ملكا من لخم كان باليمن فيما بين التّبابعة(1)من حمير يقال له ربيعة بن نصر، و كان قبل ملكه باليمن ملك تبّع الأول ثم كان بعد تبع شمر بن عش بن ياسر بن ينعم الذي غزا الصّين و بنى سمرقند- و حير الحيرة و هو الذي يقول:
أنا شمر أبو كرب اليمانيجلبت الجند من يمن و شام
لناتي أعبدا مردوا عليناوراء الصّين في غيم و يام
و إنّ الملك ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته، فبعث إلى الخيرة من أهل أرضه و الكهان و السحار و العراف(2)و المنجمين ثم جمعهم فقال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا أفزعتني و هالتني فأخبروني بها، فقالوا: أقصصها علينا نخبرك بتأويلها، فقال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عنها أنّه لا يصيب تأويلها إلا الذي يخبرني بها قبل أن أخبره، فلما قال لهم ذلك، قال رجل من القوم: إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح و شق، فهما يخبرانه عما رأى من ذلك و هما أعلم من بقي، و كان سطيح رجلا من غسّان يقال له: سطيح الذئبي نسب إلى ذئب بن عدي بن مازن بن غسان و كان شق رجلا من قسر بن عبقر بن أنمار، و كانا كاهني اليمن في ذلك الزّمان و إليهما انتهت الكهانة، فأرسل الملك ربيعة بن نصر إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فدخل عليه فقال له الملك: يا سطيح إني قد رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها حين رأيتها و إنّك إن تصبها قبل أن أخبرك عنها أصبت تأويلها.
قال: رأيت حممة خرجت من ظلمة- فوقعت تهمة- و في رواية فوقعت بين روضة و أكمة. فقال الملك: ما أخطأت من رؤياي و سمه، فما عندك في تأويلها يا سطيح؟ قال:
أحلف بما بين الحرتين من حنش- لتنزلنّ أرضكم الحبش- و ليملكنّ ما بين أبين إلى جرش. قال له الملك: و أبيك يا سطيح إنّ هذا لنا لغائظ و موجع فمتى هو كائن يا سطيح؟
أ في زمني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين- أكثر من ستين أو سبعين- يمضين من السّنين.
ثم يقتلون فيها أجمعين- أو يخرجون منها هاربين. فقال له الملك: و من الذي يقتلهم، و يلي ذلك من إخراجهم؟ قال الذي يليه ابن ذي يزن- يخرج عليهم من عدن- فلا يترك أحدا منهم باليمن. قال الملك: أ يدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال سطيح: بل ينقطع. قال و من يقطعه؟ قال: نبي مكي يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: و من هذا النّبي يا سطيح؟
قال: رجل من دار غالب بن فهر بن مالك بن النّضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر.
قال له الملك: و هل للدهر من آخر؟ قال: نعم يوم يجمع فيه الأوّلون و الآخرون- يشقى فيه المسيئون- و يسعد فيه المحسنون. قال له: أحقّ ما تقول يا سطيح؟ قال له: نعم و الشّفق و الغسق و القمر إذا اتّسق إنّ ما نبّأتك لحقّ.
فلما فرغ من مسألته خرج من عنده و قدم عليه شق فقال له الملك مثل ما قال لسطيح، فقص عليه الرؤيا على ما قصّها سطيح، فقال الملك: ما تأويلها يا شق؟ قال:
أحلف بما بين الحرّتين ليغلبنّ على أرضكم السّودان و ليملكنّ كلّ طفلة البنان- و لينزلنّ ما بين أبين إلى نجران- قال الملك: و أبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ فمتى هو كائن؟ أ في زماني أم بعده؟ قال بل بعده بزمان- ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، فيذيقهم أشدّ الهوان. قال له الملك: و من هذا العظيم الشّأن يا شق؟ قال: غلام ليس يدني و لا مدن- يخرج من بيت ذي يزن- قال: فهل يدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل- يأتي بالحق و العدل- بين أهل الدّين و الفضل- يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل- قال له الملك: و ما يوم الفصل يا شق؟ قال: يوم يجزي فيه الولاة و يدعى فيه من السّماء دعوات، يسمع فيه الأحياء و الأموات، و يجمع النّاس فيه للميقات، فيكون فيه لمن اتّقى الفوز و الخيرات. قال له الملك: أحقّ ما تقول يا شق؟ قال: إي و ربّ السّماء و الأرض- و ما بينهما من رفع و خفض- إنّ ما نبأتك به لحقّ ما فيه من أمض- فلمّا فرغ من مسألتهما وقع في نفسه أنّ ما ذكرا له كائن من أمر السّودان فجهّز بنيه و أهل بيته إلى العراق بما يصلحهم و كتب لهم إلى ملك من ملوك الفرس يقال له سابور بن خرزاد فأنزل الحيرة. و في غير هذا أنّه قال للمنجّمين و الكهنة لمّا سألوه أن يقصّ عليهم رؤياه أنّها انسلخت منّي فقالوا: ما عندنا علم المنسلخ و لكنّا ندلّك على من يعلم.
قال الدّال على الفعل كفاعله فأرسل مثلا فقالوا: أرسل إلى سطيح الغسّاني فإنّه يخبرك، فدعا سطيحا فأتي به محمولا و لم يكن له عظم كان مستلقيا دهره يفتي النّاس يأتيه رئي من الجن بأخبار السماء، و ما يحدث في الأرض و لم تكن الشّياطين ممنوعة من الاستراق إذ ذاك، و إنما رجمت بالنّجوم و حجبت بعد مولد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فالمسترق للسّمع الآن يرمى بنجم فيصيبه و لا يقتل بل يبقى مخبولا إلى يوم القيامة.
و في حديث إنّ الشيطان إذا رجم و خاف الاحتراق رمى بنفسه في البحر.
و في هذا الحديث أنّ سطيحا قال: أحلف بآله ما بين الحرتين إلى جرش- و ما بينهما من ذي ناب و حنش- ليقطعنّ أرضكم الحبش- فليقتلنّ من دبّ و انكمش. و في رواية الشّرقي ابن القطامي أنّه قال: فمن يلي قتل الأحبوش. قال: غلام من ذي يزن- يأتي ببني الأحرار من قبل عدن- فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال: فهل يدوم ملك بني الأحرار أو ينقطع؟ قال: يقطعه نبي زكي- يأتيه الوحي من قبل العلي. قال و من هذا النّبي الزكي؟ قال:
رجل من ولد النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدّهر.
قال الكلبي: اسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذّئب بن الحارث.
و قال الشّرقي: أخذته ذئبة- و هو طفل فذهبت به إلى غيضة- فجعلت تغذوه بأنواع الثّمار حتى أدرك و اشتدّ فهرب منها و أتى قومه فخبرهم بقصّتها، و أقبلت في أثره كالأم الثّكلى تطلب ولدها فرموها حتّى قتلوها.
قال هشام: و شق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار.
قال: و حدّثنا أبو يحيى زكريّا بن يحيى السّاخي في إسناد ذكره ينتهي إلى سعيد بن مزاحم. و حدّث أبو الحسن علي بن حرب الطّائي في إسناد ذكره ينتهي إلى مخزوم بن هانئ المخزومي، فقال: حدّثني أبي و قد أتت له خمسون و مائة سنة قال: لمّا كانت اللّيلة التي ولد فيها النّبي صلى اللّه عليه و سلم ارتجس إيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة، و خمدت نار فارس، و لم تخمد قبل ذلك بألف عام و غاضت بحيرة ساوة، و فاض وادي السّماوة و كان منقطعا قبل ذلك بألف عام.
و رأى مؤبذ المؤبذان إبلا صعابا- تقود خيلا عرابا- قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك و تصبّر عليه. ثم رأى أن لا يستر ذلك عن وزرائه و مرازبته فلبس تاجه و قعد على سريره و جمعهم إليه فأخبرهم بالذي رأى فبينا هم كذلك، إذ ورد عليهم كتاب بخمود النّار فازداد غمّا إلى غمّه.
قال مؤبذ الموبذان: و أنا أصلح اللّه الملك، فقد رأيت في هذه اللّيلة ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال كسرى: أيّ شيء يكون هذا يا مؤبذان؟ قال: حادث يكون من ناحية العرب، فكتب عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النّعمان بن المنذر، أمّا بعد فوجّه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيّان بن بقيلة الغسّاني، فلمّا قدم عليه قال: هل عندك علم بما أريد أن أسألك قال: ليخبرني الملك فإن كان عندي منه علم و إلّا دللته على من يعلمه و يخبره فأخبره بما رأى. فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن بمشارف الشّام يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتيني بجوابه، فخرج عبد المسيح حتى ورد على سطيح، و قد أشفى على الموت، فسلّم عليه و حيّاه فلم يرد عليه سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول شعرا:
أصمّ أم يسمع غطريف اليمن؟أم فاظ فأزلم به شاء و العنن
يا فاضل الخطّة أعيت من و منو كاشف الكربة في الوجه الغضن
أتاك شيخ الحي من آل سننو أمّه من آل ذئب بن حجن
أزرق جهم الوجه صرار الأذنأبيض فضفاض الرّداء و البدن
لا يرهب الرّعب و لا ريب الزّمنو هو رسول العجم يسري للوسن
يجوب في الأرض علندن ذو فرنبلغه في الرّيح يوغاء الدّمن
كأنما حثحث من حضني ثكن
فلمّا سمع سطيح شعره فتح عينيه، ثم قال: عبد المسيح على جمل طليح- و يروى مشيح- يخبّ إلى سطيح- و قد أوفى على ضريح، بعثك ملك بني ساسان- لارتجاس الإيوان، و خمود النّيران، و رؤيا المؤبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة و انتشرت في البلاد، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، و ظهر صاحب الهراوة، و غاضت بحيرة ساوة، و فاض وادي السّماوة، فليست الشّام لسطيح شاما، يملك منهم ملك و ملكات، على عدد الشرفات، و كل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فثار عبد المسيح إلى رحله و قال شعرا:
شمّر فإنّك ماضي الهمّ شميرلا يفزعنّك تفريق و تغيير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهمفإنما الدّهر إفراط دهارير
فرّبما أصبحوا يوما بمنزلةتهاب صولتهم أسد مهاصير
و ربّ يوم له ضحيان ذي أمرسارت بلهوهم فيها المزاهير
و أسعدتها أكف غير معرفةبحّ الحناجر تثنيها المعاصير
من بين لاحقه الصّقلين أسفلهاو غث و عسلوج بادي المتن محصور
منهم أخو الصّرح بهرام و إخوتهو الهرمزان و سابور و سابور
و النّاس أولاد علّات فمن علمواأن قد أقلّ فمحقور و مهجور
و هم بنو أمّ من رأوا له نشبافذاك بالغيب محفوظ و منصور
و الخير و الشرّ مقرونان في قرنفالخير متّبع و الشّر محذور
و في غير هذا أنّ الملك قال لعبد المسيح: هل بقي في العرب أحد يخبرنا عمّا نسأل عنه؟ قال: نعم ابن عم لي بباب الجابية يقال له سطيح، و كان سطيح لحما يحمل في جلد لم يخلق له عظم، و إذا أرادوا تحويله من موضع طوي كما يطوى القرطاس، فإذا أرادوا أن يتكهّن مخض كما يمخض الزّق ثم علاه بهر و عرق، و علته برحاء ثم تكهّن. (و فيه) فلما قدم على كسرى أخبره بالخبر، فقال كسرى: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكا يذهب دهر طويل، و كان الرّجل منهم ربّما ملك مائة سنة فهلك منهم تسعة في أربع سنين، و ظهر أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.
و حدّث أبو المنذر عن شيوخه عن زفر بن زرعة قال: خرجت مع نفر من قومي في الشّهر الحرام في بغية لنا فسرنا ثلاثا حتى إذا انخرقت لنا الفلاة نزلنا واديا موحشا فعقلنا رواحلنا. و قام رجل منّا فنادى بأعلى صوته: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شرّ من فيه، و كذا كنّا نفعل في الجاهلية. و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [سورة الجن، الآية: 6] قال: فلما أبهار اللّيل و قد نام أصحابي و قعدت أكلؤهم و قد كنّا تحدثنا بخروج النبي صلى اللّه عليه و سلم بمكة، و شاع خبره في العرب، سمعت هاتفا يقول: يا وزر بن خوتع بن غزوان- هل راعك اليوم حديث الرّكبان؟ عن نبأ أيقظ كلّ و سنان- فأجابه آخر شعرا:
أربت يا هوبر من داع دانروّعت معمود الفؤاد روبان
(أربت) قطّعت إربا، و (المعمود): الذي قد عمد المرض فؤاده، و روبان ناعس ثقيل مسترخ من النّعاس جل فقد أشأزت قلبي الحيران- و قال الأول: قد لفظت مكة ذات أشبرة.
جمع شبر و هي أربعة آمار ما كان أبونا أثره امار علامة أثره. رواه أنّ امرأ بين المنطباح الضّفر، أي متداخل بعضها في بعض قد نجم القول الذي قد أظهر. فقال الثّاني:
إن كان يا بن نعجة بن صبرهما قيل حقا فابعثن حبشرة
في آل ز لقوم و آل سجرهإنّ التي بنخلة المستغفرة
حلت بها أم اللميم القشرة
العرب كانوا يستنفرونها فإذا صوّت كصوت الرّعد من أحد أعداء الوادي يقول:
إن كان ما أنبأتما قد كانافقد أقم القلت الأوثانا
و لم تزو جنانها الكهاناو صادفت دون العلى شهبانا
يمنعها أن تغرب الأعنانا
(أقم الفحل): شوله. إذا ضربها كلّها و (الأعنانا): نواحي السّماء. ثم صرخ صرخة اشتعل منها الوادي نارا، فخررت صعقا، فما استيقظت إلا بأصوات أصحابي فاظ و اللّات فاظ ذللا فانتبهت، و اقتصصت عليهم قصّتي و رجعنا من سفرنا و قد شاع خبر النبي صلى اللّه عليه و سلم في العرب.
و حكى الهيثم بن عدي عن شيوخه قال: انطلقت أمّ مالك و طيّئ ابنا سبأ و هما ابنا أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان حين ترعرعا إلى كاهنة يقال لها: شهيرة بأرض سبأ بموضع يقال له: بلخع لتنظر إليهما و تقول فيهما، و ساقت معها إبلا فوجدت في طريقها سحق نعل، فجعلتها في كرية نخل، ثم دفعتها إلى رجل معها من قومها يقال له: صعل، فقالت: أخبئ هذا معك حتى نثور الكاهنة بشيء قبل المسألة، فلمّا انتهت إليها عقلت ببابها ثم قالت: يا شهيرة إني قد خبّأت لك خبئا فأخبريني به قبل المسألة، فقالت: أقسم بالشّمس و القمر، و الكثكث و الحجر- و الرّياح و المطر، لقد خبّأت لي جلد بقر أشعر، و ما به شعر محضر، أو ما به حضر. قالت أحلف بالسّهل و الجبل و الجدي و الحمل، و القمر إذا أفل، و ما حنّ بنجد من جمل، أن قد خبّأت لي فرد نعل، في كرنافة نخل- مع رجل يدعى صعل- رب شاة و حقل، قالت:
صدقت فأخبريني عمّا جئت أسألك عنه، قالت: تسألين- عن غلامين ولدا في يومين- في بطن توأمين، (أحدهما): ربعة جعد، تعني طيا، و (الآخر): سبط نهد تعني مالكا. قالت:
صدقت، فأخبريني عنهما، قالت: أ هما معك؟ فأراهما أم تسجع نبقت عنهما؟ قالت: هما معي فنظرت إليهما ثم أقبلت على مالك فقالت: يكون من ولده قبائل و عدد و مصاليت نجد، و رأس و كتد و حق و فند، يصيبون و يصابون، و يلحم عليهم و يلحمون الحق لا المين.
ثم نظرت إلى طيء فقالت: يكون في ولده سماح و جلد و إباء و نكد و عرام و سدد يأكلون و لا يؤكلون، شديد و الكلب، قليلو السّلب، الحق لا الكذب.
فهذا عنوان ما يحكى عن كهانتهم و غيض من فيض ما يتلى من آياتهم و عبرهم و كلّ ذلك كان قبيل ما أراد اللّه تعالى اطّلاعه من شأن النّبوة بعد الفترة الممتدة، لأنّه هو الحكيم العالم يسبّب الأسباب لما يقضيه- و يهيئ الآراب و الدّواعي لإتمام ما يمضيه، و يزيح العلل عما يتعبد به، و يسهّل الطرق إلى ما يدعو إليه حتى تصير المدارج صاحبة للسّالكين و الدلائل متوافية للنّاظرين و المراصد ظاهرة للمعتبرين، و أبواب الفلاح مفتتحة للمسترشدين.
فلما دنا وقت خلق النبي صلى اللّه عليه و سلم و اصطفائه إيّاه لبعثه و رسالته و كان في الجنّ من يقعد
للسّمع إلى سكان السماء و المتصرفين فيما يجري عليه أهل الأرض من خير و شر، و رفع و وضع فيؤدّي ما يدركه إلى الكهنة، فيتسوقون به و يدعون علم الغيب فيه، حكى اللّه تعالى أمرهم في ذلك في غير موضع، و بيّن أنّ الجنّ عزلوا عمّا كانوا يتولّونه من التقاط الأنباء من أهل السّماء و بثّها فيمن كان يعبدهم من السّحرة و الكهنة.
فقال عزّ و علا(1): وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً [سورة الجن، الآية: 8] وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [سورة الجن، الآية: 9] يريد أنّا طلبنا السّماء جريا على عادتنا من قبل في التسمّع إلى أهلها و قد حجبنا الآن دونها و ملئت بمن يحرسها منّا و يرمينا بالنّار إذا تعرّضنا له.
ثم ختم الكلام في الحكاية عنهم بأنّهم قالوا: لا نعلم ما ذا أريد بما فعل لأهل الأرض من الغيّ أو الرّشد أو الصّلاح، أو الفساد يريدون ما خفي عليهم من ايتناف الرّسالة و استحداث الشّريعة و الدّلالة على أنّ لمسنا طلبنا قول الشاعر و هو يرثي ابنا له:
هوى ابني من أشرفيهول عقابه صعده
ثم قال:
ألام على تبكيهو ألمسه فلا أجده
فاقتران الوجدان بقوله ألمسه: يدل على أنّ المراد به أطلبه فلا أجده، و قال تعالى في موضع آخر: وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [سورة الشعراء، الآية: 210- 212] يريد تنزيه وحيه و تثبيت رسالته على لسان نبيّه.
فإن قيل: إذا كان أمر الكهّان مع شياطين الجن على ما ذكرت و مؤدّى الغيب على ألسنتهم من نقلهم كما اقتصصت، فما الفرق بين أخبار النّبي و أخبارهم؟ و بما ذا يتميز ما مبناه على الحق و الصدق لا تبديل يصحبه و لا خلف يعترض فيه مما هو بخلافه، و مبناه على التّمويه و التّشبيه و المخرفة و التّزويق؟! قلت: إنّ أولئك الكهّان إنمّا تكهّنوا في أثناء أيام الفترة المتأخرة، و قبل طلوع سوابق المعجزة، و استقام لهم ذلك لمّا أراد اللّه تعالى من تمرين النّاس على ما يريد إظهاره من إعلام النّبوّة يدل على هذا أنّه لم يحك ما يشبه بلاغاتهم عند الإخبار و الاستخبار فيما تقادم من أخبار ملوك قحطان و عدنان و الذوين و التّبايعة و فيما ذكر قبلهم من أخبار طسم و جديس، و من كان في الجاهلية الجهلاء، و إنّما قامت أسواقهم في أيام النّعمان و المنذر ابن ماء السّماء و أشباههم.
1) يعني حكاية عن الجن الذين أسلموا- الحسن النعماني.
و إذا كان الأمر على هذا فكما تناهت البلاغة نظما و نثرا على ألسن فصحاء العرب لتعقبها التّحدي بالقرآن، فبيّن شأن الإعجاز، كذلك تعالت أشواطها الكهّان و الحزاة فيما تهاذوا به و ادّعوه في أوقاتهم من علم مكتمن الأخبار ليعلوها شأن النّبي عليه الصّلاة السّلام في إعلان المغيبات- و سائر ما أتي به من البيّنات.
هذا و قد كان امتلكتهم صرفة من قبل اللّه تعالى تمنعهم فيما يأتونه من ادّعاء نزول الوحي عليه.
فإن قيل: بما ذا يتفصّل، مما قال لك إنّ التّحدي بالقرآن- و عجز من في زمانه عن الإتيان بمثله و بأقلّ سورة منه ضمن تصوير المراد من تباري الخطباء و الشّعراء، و الوصّاف و البلغاء؟ إذ كان انبعاث هممهم- و تحرّك شهواتهم- و اهتياج طبائعهم له لا داعي إليها، و لا مسبّب لها عند الفحص و التأمل إلّا ذلك و يكشفه ما تراه من مساعدة دخلائهم من غيرهم و تعاونهم عند الأخذ عنهم في طلب الزّيادة عليهم كلّ ذلك لتصير المعجزة في كلّ أوان مجددة- كما كانت في زمانهم محققة فما العذر في الكهانة؟ و كيف ينماز حالها عما خلّدته النّبوة؟ قلت: إنّ النّبوة غايتها لا تدرك لأنّها محفوفة بالصّدق و النّزاهة و الآيات البيّنة و عليها واقية من قبل اللّه تعالى يبعدها من الرّيبة، و يحفظها من درن الشّبهة و الظّنة، و الكاهنين قد بيّن اللّه تعالى حاله في محكم كتابه فقال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ [سورة الشعراء، الآية: 221- 223] فحالهم حال المنجّم فيما يحكم به و هو يردّد بين مصدّق و مكذّب و مؤمن به و مبطل، و إذا كان الأمر على هذا انسدّت طرق المعارضات فالاكتفاء في تبيّن أمرهم بما ذكرته واجب.
فأمّا القيافة: فقد خصّ بها قوم من العرب، و إنّما هو في الأنساب خاصة و قد ثبّتها النبي صلى اللّه عليه و سلم، و يحكم بها الشّافعي و أصحابه، و يلحقون بها الولد و هذه فضيلة خصّت بها العرب. روى سفيان بن عيينة عن الزّهري عن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أعرف السّرور في وجهه، فقال: أ لم تري أنّ مجزز المدلجي نظر إلى أسامة و زيد و عليهما قطيفة و قد غطيا رأسيهما و بدت أقدامهما فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض، و هذا استدلّ به الشّافعي و ذكره المزني فيما حكى من مذهبه.
و روي أنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه دعا قائفا لرجلين ادّعيا ولدا فقال: لقد اشتركا فيه، فقال عمر للغلام: وال أيّهما شئت. و روي أنّ أنسا شكّ في ابن له فدعا القافة
للنّظر في أمره. و هذه الأدلة تسوّغ في الدّين القيافة، و إنّما هي علم يتتبع أثرا أرشد اللّه له قوما خصّهم بفضيلته و يقال: قفاه و قافه و اقتافه و اقتفاه بمعنى. و في القرآن: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [سورة الإسراء، الآية: 36].
و أمّا العيافة ففعل الزّجار. قال الأعشى:
ما تعيف اليوم من طير روحمن غراب البين أو تيس برح
فقال في الإجمال: ما تعيف من طير روح، و في التّفصيل (قال): من غراب البين أو تيس برح، فجعل التّيس من تفسير الطّير لأنّهم يقولون في تعارفهم: جرى طائره بكذا، و حكى أبو زيد عنهم: سألت الطّير، و قلت للطّير، و إنّما هو زجرانها. و في القرآن: قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ [سورة يس، الآية: 19] و قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [سورة النّمل، الآية: 47] و الأمم على اختلافها تفعلها. فمن ذلك قول الهذلي:
أتيح له من الفتيان خرقأخو ثقة و خريق حشوف
فبينا يمشيان جرت عقابمن العقبان خاسئة دفوف
فقال له: و قد أوحت إليهألا للّه إنّك ما تعيف
فقال له: أرى طيرا ثقالاتبشّر بالغنيمة أو تخيف
ففي هذا الذي قاله بيان، إنّ ذلك رجم ظن، و في العرب من يشتقّ من اسم ما يعنّ له عند الطّيرة، فيبني قصّته عليه كقول القائل:
قالوا: حمام قلت: هم لي اللقاء. و قالوا: غراب قلت: غرب من النّوى. و قد اشتق أبو تمام على ضد هذا فقال شعرا:
لا تشجينّ لها فإنّ بكاءهاضحك و إنّ بكاءك استعقام
هنّ الحمام فإن كسرت عيافةمن جابهنّ فإنّهنّ حمام
فأمّا ما يقولون في الغراب و الظّباء و هي: (السّانح) و (البارح) و (النّاطح) و (القعيد) و (الجابه) و (غراب البين) فقد اختلفوا في (السّانح) و (البارح) فمن العرب من يتشاءم بالسّانح و يتيمّن بالبارح على ذلك قول زهير:
جرت سخّا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللّقاء
و قال النابغة:
زعم البوارح أنّ رحلتنا غداو بذاك خبّرنا الغداف الأسود
فما تطيّر به زهير تبرّك به النّابغة، (فالسّانح): ما جاء من ميامنك فولّاك مياسره،
و (البارح) ما جاء من مياسرك فولّاك ميامنه، فأحدهما راعى من نفسه ما كرهه و الآخر راعاه من الماربة، (فأما الناطح) فما يلقاك و (القعيد) ما استدبرك و (الجابة) ما جاء من أعلاك و قوله: (أجيزي نوى مشمولة) معناه اقطعي نوى هبّت عليها ريح الشّمال فبدّدت شملها و قوله: (فمتى اللقاء): استبعاد لوقوعه.
و حكى أحمد بن يحيى عن أبي المنهال المهلبي عن أبي زيد الأنصاري أنّ ما مر من ظبي أو طائر أو غيره فكلّ ذلك عندهم طائر. و أنشد في ذلك لكثيّر:
فلست بناسيها و لست بتاركإذا عرض الأدم الجواري سؤالها
ثم خبّر بعد أن قال الأدم الجواري أنه طائر فقال:
أدرك من أمّ الحكيم غبطةبها خبّرتني الطّير أم قد أتى لها
و قد فسّر قوله تعالى: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [سورة الإسراء، الآية: 13] الآية على أنّ معناه حظّه، و قيل: عمله و ما قدّمه من خير أو شر. و يكون ذلك في الكتاب الذي لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها. و قال تعالى فيه: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [سورة يونس، الآية: 30] و في موضع آخر: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [سورة الحاقة، الآية: 19] و قال الكميت في تصديق ما ذكرناه شعرا:
و ما أنا ممّن يزجر الطّير همّهأ صاح غراب أم تعرّض ثعلب
و قال حسان بن ثابت رضي اللّه عنه:
ذريني و علمي بالأمور و سيرتيفما طائري فيها عليك مخيلا
رواه أبو زيد و فسّره على أنّ المراد ليس رآني بمشئوم. و أنشد لكثير:
أقول إذا ما الطّير مرّت مخيلةلعلّك يوما فانتظر أن تنالها
(مخيلة): مكروهة من الأخيل، و أنشد: و لقيت من طير العراقيب أخيلا. و من المأثور قولهم:
اللهمّ لا خير إلّا خيرك، و لا طيرا إلّا طيرك، و لا ربّ غيرك، و قال خثيم بن عدي في ضدّ ما تقدّم:
و لست بهيّاب إذا شدّ رحلهبقول عداني اليوم واق و حاتم
قال:
فإذا الأشائم كالأيامنو الأيامن كالأشائم
و كذلك لا خير و لا شر على أحد بدائم، و يشبه هذا المعنى ما أنشده أبو عبيدة عن أبي عمرو:
يا أيّها المزمع ثم آنسنيلا يثنك الحادي و لا الشّاحج
و لا قصيد أعضب قرنههاج له من مزبع هائج
هذا الفتى يسعى و يسعى لهتاج له من أمره خالج
يترك ما رقح من عيشهيعيث فيه همج هامج
لا تكسع الشّول بأغبارهاإنّك لا تدري من الناتج
و اصبب لضيفانك ألبانهافإنّ شرّ اللّبن الوالج
اعلم أنّ مذاهب العرب في التّنبيه على أوقات الأفعال مختلفة و ذلك لاختلاف أحوالهم فيما يقصدونه من البيان، فربّما بالغوا في التّعين و الشّرح حتى يصير المستدل عليه كما يشار باليد إليه، و ربما أبهموها اعتمادا على القرائن لأنّها قد تنوب عن الأوصاف المخصصة فيعتمد في الإبانة عليها أو ربما أبهموها حتى لا يكاد يتحصّل للسّامع منها تفقّه على واحد منها بعينه لشمول صفاته للأوقات كلّها و جميع ذلك موجود في أشعارهم، فمن ذلك قوله يصف امرأة:
ساهرت عنها الكالئين فلم أنمحتّى التفتّ إلى السّماك الأعزل
و السّماك قد يطلع في كلّ آناء اللّيل و مثله:
و نائحة صوتها رائعبعثت إذا ارتفع المرزم
و (ارتفاع المرزم) ليس مما يكون و قد لا يكون، و يروى إذا خفق المرزم، و حينئذ يقرب التّحديد به، و مثل هذا قول الآخر:
حتى رأيت عراقي الدّلو ساقطةو ذو السّلاح مصوح الدّلو قد طلعا
قوله: (و ذو السّلاح مصوح الدّلو): هو مما يكون على حالة واحدة أبدا، و ذلك أنّ السّماك الرّامح متى طلع سقطت عراقي الدّلو، و (المصوح) الغيبوبة و قد جاء في المصيح و الفعول و الفعيل يجتمعان في فعل واحد مصدرين، و مثله الوكوف و الوكيف، و مثل قول الآخر:
قلت له و الجدي فوق الفرقدإنّك إن تضج بهذا المرقد
لا ترد الأمواه إلّا من غد
و مثله الوكوف و الوكيف.
فلمّا استدار الفرقدان زجرتهاو هبّت شمال ذو سلاح و أعزل
و معنى هبّ طلع، فهذه أمثلة المبهمات، و من المحدود قوله:
فلمّا أن تغمّر صاح فيهاو لمّا يغلب الصّبح المنير
(و التّغمّر): شرب دون الرّي و ذلك من خوف الرّماة و (الصّبح المنير): الواضح أي كان ذلك سحرا قبل استنارة الصّبح. و قال الرّاعي في مثله:
فصبّحن مسجورا سقته غمامةدعاك القطا ينفضن فيه الخوافيا
و قال ذو الرّمة:
ففسلت و عمود الصّبح منصدععنها و سائرها باللّيل محتجب
فهذه الأبيات كلّها وقّتت آخر اللّيل. و مما يستدل بالقرينة على حده قول امرئ القيس:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
أ لا ترى أنّ هذا الوصف و إن كان يتّفق في كل آناء اللّيل فقد حظره بقوله:
فجئت و قد نضّت لنوم ثيابهالدى السّتر إلّا لبسة المتفضّل
فلما علم أنّ الموقت يكون من أوّل الليل و أنّ الذي وصف من تعرّض الثّريا إنمّا يكون عند انصبابها للمغيب، علم أنّ الزمان زمان الدفيء، فباجتماع هذه الأدلة عاد محظورا بعد أن كان مرسلا، و مثله قول حاتم:
و عاذلة هبّت بليل تلومنيو قد غاب عيّوق الثّريا فغرّدا
(فغيبوبة العيّوق): و إن كان قد يكون في كل آناء اللّيل ففي ذكره (العاذلة) دليل على أنّه في آخر اللّيل، لأنّه وقت العواذل بدلالة قول زهير شعرا:
غدوت عليه غدوة فوجدتهقعودا لديه بالصّريم عواذله
(و الصّريم): بقية من اللّيل لأنّهن يأتين بعد نومهنّ و بعد إفاقة المعذول.
و إذا علم أنّ هذا الوقت الذي عنى الشاعر هو في آخر الليل معلوم و هو زمن الشّتاء و ليالي التّمام، فقد صار الزّمان معلوما و الوقت محظورا بالأدلة، (و التّغريد): العدول إلى
الغرد، و أصله الغراد و الخص، و في الكلام تقديم و تأخير كأنّه قال: و قد غرد عيّوق الثّريا فغاب. و كذلك قول أبي ذؤيب شعرا:
فوردن و العيّوق مقعد رأىالضّربا خلف النّجم لا تتبلّع
(لأنّ العيّوق و النّجم) يكونان كما وصف، إذا توسّطا السماء و توسطهما السّماء آخر اللّيل إنّما يكون في حمارّة القيظ. و قوله: (مقعد رأى الضّربا) في حمارة القيظ. و قوله:
(مقعد رأى الضّربا) في إعرابه كلام و قد بيّنته فيما شرحته من شعر هذيل و مثله قول الآخر.
كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم نواهد. قوله: لا تتبلع: أي لا تتعدم، و ذلك أنّ النّجوم إذا توسّطت السماء خيّل إليك أنها تتحير، فلا تبرح لذلك قال: و الشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم، و ليس قول امرئ القيس:
فيا لك من ليل كأنّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
من هذا إنما يريد أن يصف اللّيل بالطّول فكأنّ كواكبه لا تسير، و الأوّل يريد ركود النّجوم إذا توسّطت السّماء خاصة، و قد أحسن لبيد في قوله و هو يصف الكواكب:
عشت دهرا و ما يدوم علىالأيام إلا برمرم و تعار
و النّجوم التي تتابع باللّيلو فيها ذات اليمين ازورار
دائبا مورها و يصرفها الغوركما يصرف الهجان الدوار
و إنّما (ازورارها ذات اليمين) عطفا إلى القطب لأنّها جميعا تدور على القطب الشّمالي مرتفع فإذا توسّط كوكب ثم انصبّ فقدرت له في نفسك مغربا على أم قاصد عدل عن السّمت الذي توهّمته. (و تزاور ذات اليمين) حتى يغيب فوق الذي قدّرته حتّى ربّما كان البعد في ذلك بعيدا و على هذا حال جميع الكواكب في مدارها، و لازورارها إلى القطب. قال الشّاعر يمدح رجلا:
مالت إليه طلاها و استطيف بهكما يطيف نجوم اللّيل بالقطب
و لعلّة ذلك قال بشر:
و عاندت الثّريا بعد هدءمعاندة لها العيّوق جار
لمّا تدانيا في رأي العين حين توسّطا السّماء و قد كان أحدهما بعيدا من صاحبه في المطلع جعل ذلك تركا من الثّريا لطريقها، و عدولا إلى العيّوق و ليس ذلك بمعاندة، و لكن لما بيّنته من ازورار النّجوم كلّها في مدارها إلى القطب، إذ كانت عليه تدور، لأنّ الكواكب إذا كانت في آفاق السّماء كانت أعظم في المنظر، و كان البعد الذي بينها أوسع في الرأي،
فإذا توسّطت كانت في العين أصغر و رأيت أيضا أشدّ تقاربا.
قال أبو حنيفة: لذلك أيضا يرى الكوكب من الكواكب إذا طلع متقدما لكوكب آخر، حتى إذا تدلّيا من وسط السّماء يطلبان الغور صار المتقدّم متأخرا منهما، و المتأخّر متقدما، و حتى يغيب أبطؤها طلوعا و يبقى صاحبه بعده مدة كالسّماك الرّامح، فإنّه يطلع بين يدي الفكة بزمن، حتى إذا هما تصوّبا للمغيب تقدم السّماك فغاب قبلها بمدة، و كالعيّوق فإنه يطلع قبل الدّبران بزمن ثم يغيب بعده بحين.
و كذلك الرّدف يطلع قبل النّسر الطّائر بقليل، و يغيب بعده بزمن. و قول لبيد (دائب مورها) يعني جريها. و أما قوله: (يصرفها الغور) كما يصرف الهجان الدّوار، فقد أحسن التّشبيه لأنّ النّجوم إذا غابت ردّها الفلك إلى الطّلوع كما يفعل الطّائفون بالدّوار، فإنهم إذا قضوا طوافا استأنفوا طوافا، و الدّوار: أنصاب كانت لأهل الجاهلية يطوفون حولها كما يطاف بالكعبة.
قال أبو حنيفة: و لازورار الكواكب ذات اليمين قال الشاعر شعرا:
ألا طرقت دهقانة الرّكب بعد ماتقوّض نصف اللّيل و اعترض النّسر
يعني النّسر الطّائر و إنما اعتراضه من قبل ازوراره في السّير و أنت تراه في وسط السّماء باسطا جناحا في جهة الجنوب، و جناحا في جهة الشّمال حتى إذا تصوّب للمغيب اعترض فصار أحد جناحيه في جهة المغرب و الآخر في جهة المشرق على خلاف الصّفة الأولى، من هذا النّحو قول امرئ القيس شعرا:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
لأنها تتلقاك في مطالعها بأنفها، و هو أدقّ طرفيها، حتى إذا تصوّبت للمغيب اعترضت فكانت أشبه شيء بانظام جمع طرفاها ثم طرح و تلقاك بعرضه و ذلك أنّ الثّريا سطران فهي كانظام مثنى مثنى و منه قول المرار شعرا:
و بنات نعش يعترضن كأنّماتمسي الرّكاب معارضات صواريا
و (بنات نعش): من أشد الكواكب اعتراضا لأنّها لا تغيب إلا في بعض المواضع فإذا دار الفلك بها بحيث لا تغيب، نظرت إليها بكلّ منظر معترضات و منتصبات و منقلبات، و كذلك جميع الكواكب المنتظمة على أشكال مما قارب القطب كذلك حالها حيث لا تغيب، فأمّا تشبيه إيّاها بالصّوار فإنّ من عادة الشّعراء تشبيه الكواكب بالبقر و الظّباء، و إذا رأيت الوحش سوارب في مراتعها رأيتها بيضاء تلوح كأنّها نجوم.
اعلم أنّ الاهتداء بالنّجوم يحتاج إليها صنفان من النّاس: سيّارة البحر و سائلة الإغفال و القفر، و لذلك مهر الهداية بالنّجوم الصّراريون و الأعراب و قد ذكره اللّه تعالى في جملة ما عدّد من نعمه على خلقه فقال: جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ [سورة الأنعام، الآية: 97] و قال تعالى أيضا: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [سورة الإسراء، الآية: 12] الآية. ثم قال تعالى: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [سورة الأنعام، الآية: 97] و هؤلاء الذين فصّل لهم هذه الآيات و اختصّهم بفضل عليها هم الذين عنى بقوله تعالى: وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [سورة النّحل، الآية: 16] فافهم عن اللّه قوله.
ثم اعلم أنه لا يجد من أحبّ علم الاهتداء بالنّجوم بدأ من التقدّم بمعرفة أعيان ما يحتاج إليه منها، و اعتبار النّظر إليها في جميع آناء اللّيل حتى يعرفه كمعرفة خلطائه، لئلا يلتبس عليه إذا اختلفت أماكنها في أوقات اللّيل، فإنّ كثيرا ممن يعرف النّجم من النّجوم إذا كان في جهة المشرق حتى إذا دار به الفلك فنقله إلى جهة أخرى عمي عليه حتى لا يعرفه، و يتحيّر حتى لا يهتدي إليه، و يحتاج بعد الاستثبات في معرفة أعيانها إلى معرفة مطالعها و مغاربها، و حال مجاريها من لدن طلوعها إلى غروبها، لأنّ ذلك مما يبدّل أعيان الكواكب في الأبصار، و يدخل على القلوب الحيرة و يورث الشّبهة و يحتاج أيضا إلى أن يعرف سموت البلدان التي تقصد، و جهات الآفاق التي تعمد لئلا يعلم بأي كوكب ينبغي له أن يأتمّ.
و التوجّه إلى القبلة في كل بلد هو من هذا الجنس أيضا، و علم ذلك ليس بصغير القدر في خاصة الدّين، لأنّه أمر أمر اللّه به عباده فقال تعالى: مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [سورة البقرة، الآية: 150].
و ليس بعد أدلّة الحساب دليل أدلّ من أعيان النّجوم، فليس الشّمس بخارجة منها بل
هي أعظم النّجوم خطرا و قدرا. و هل الدّليل في وضح النّهار إلا هي مع ما استعان به الإنسان من هبوب ريح، و كلّ ذلك في الدّلالة دونها فإذا تقدّم المرء فأحكم علم ما وصفت، ثم كان ثبتا في النّظر، فطنا في العبر، أدرك علم الهداية.
و ذكر جبار بن مالك عامر بن الطّفيل فقال: كان لا يضلّ حتى يضلّ النّجم و لا يعطش حتى يعطش البعير، و لا يهاب حتى يهاب السّيل، كان و اللّه خير ما كان يكون، حتى لا تظنّ نفس بنفس خيرا. و العرب تقول للدّليل إذا كان هاديا إنّه لدليل ختع و خوتع، و إنّه لبرت و إنّه لخريت، و إنّه لدليل مخشف.
و ذكر اللّغويون: أنّه إنّما سمّي خرّيتا لأنه كان يهتدي بمثل خرت الإبرة و قال الشاعر في البرت:
و مهمه طعنت في مغبرةتله عين البرت من ذي شره
(تله): من الوله و هو ذباب العقل، و قال رؤبة يصف أرضا مجهلا. ينبو بإصغاء الدّليل البرت. يعني إذا توجّس، و قال ذو الرّمة في الختع فجاء به على فوعل و وصف فلاة:
يهماء لا يحنا بها المغرّربها يضلّ الخوتع المشهّر
يريد (بالمشهّر) المعروف المشار إليه بالهداية و قال الخطفي:
حتّى إذا ما طرد النّيف السّفاقرين بزلا و دليلا مخشفا
قال أبو عبيدة: و للعرب في حسن الاهتداء في المعامي المضال، و المجاهل الاغفال أحاديث عجيبة في جاهليتها و إسلامها، كان الرّجل منهم يعدو على الإبل ببلاد لخم و جذام و هي واغلة في الشّام أو بسماوة كلب فيقطعها ثم يطردها متنكرا بها أوطان الانس متتبعا بها بلاد الوحش، حتّى يلقى بها الأسواق إما بصعدة من اليمن، أو بحجر من اليمامة، فيتبعهنّ و يفعل مثل ذلك باليمن. ثم يرد سوق بصرى أو اذرعات و نحوهما من أسواق الشّام، و كان الواحد من الرّابيل و هم الذين يغزون فرادى، و ذو السّرية و هو الذي يغزو في شيعته فيمضي في تلك المعامي و في مناقع المياه فيأخذ بيض النّعام فينقعها و يملؤها ماء و يدفنها، فإذا بلغ غاية مراده و جاء الوقت الذي ينتظره، و لعلّ ذلك يكون في مدة شهر في مسيره، حتى إذا نضبت المياه، و انقطع الغزو و أمن النّاس اعتمد مغزاه فلا يخطئ السّمت و لا يضلّ عن تلك الدّفائن، فيمضي معتسفا على غير هدى، مستثيرا ذلك البيض، و معتمدا عليه في شراء به.
ثم يرجع عوده على بدئه لا يستدلّ إلّا بالشّمس أو الكوكب.
قال: و ممّن فعل ذلك و علة الجرمي في الجاهلية، و له قصة، و كان السّليك بن السلكة السّعدي، ثم أحد بني مقاعس ممن يفعل ذلك، و كان أوّل النّاس بالأرض و من هداتهم
المشهورين في الجاهلية، و له قصة دعميص الرّمل العبدي يزعمون أنّه ورد الدّيار التي يزعمون أنّ بها إرم ذات العماد، و لم يردها أحد قط غيره و خبره مشهور. و سمّي دعميص الرّمل تشبيها بدعموص الماء.
و قال الأصمعي: يقال للدّخال الخراج، حيث لا يرام دعموص، قال الشّاعر يصف رجلا:
دعموص أبواب الملوك و جائب للخرق فاتح
يعني أنّه يلج أبواب الملوك و لا يحجب عنهم. و قال الأصمعي: حدثني شيخ من غطفان قال: أرسل زياد بن سيارة أخاه من أرض بني عامر فقال: إني أسير عشرا و لا أدله، أي لا علم لي بالهداية، قال: ادخل تحت هذا الكوكب حتى تبلغ.
و حكى ابن الأعرابي قال: يقال: دلّ يدل من الدّلالة أي صار دليلا، و دلّ غيره يدله دلالة و دلالة، و دلت المرأة تدل دلالا، و أدلّ يدلّ من الإدلال.
و ممن شهر بالهداية: عبد اللّه بن أريقط دليل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أبي بكر رضي اللّه عنه، حيث هاجر و هما مطلوبان فتخلّل الطّرق حتى أوردهما المدينة.
و من المشتهرين منهم في الإسلام بالهداية: رافع بن عميرة الطّائي دليل خالد بن الوليد رضي اللّه عنه حين توجّه من العراق يريد الشّام، فخادعن جيش الرّوم و هم على طريقه ببلاد الجزيرة، فامتد رافع مفوزا به من قراقر إلى سوى و بينهما فلاة مجهل فقال فيه الشاعر:
للّه عينا رافع أنّى اهتدىفوّز من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ما ساره الجيش بكىما سارها من قبله إنس يرى
و ممن شهر منهم أيضا بصدق الأم: عبد الجبار بن يزيد الكلبي دليل بني المهلّب حين فرّوا من يد الحجّاج إلى سليمان بن عبد الملك، و كانوا محتبسين بلعلع فهربوا و لحقوا بالشّام، فتنكّب بهم عبد الجبار جواد الطرق و تتبّع معامي الأرض فتحيّر يوما و هم بالسّماوة، و ارتبك، فاتّهمه يزيد و أراد قتله، فقال له عبد الجبار: أنت على قتلي إذا شئت قادر، و لكن دعني أنم نومة فنام ثم انتبه، و قد تجلّت حيرته فسمت بهم السّمت المصيب حتى نفد فقال شعرا:
و رهط من أبناء الملوك هديتهمبلا علم باد و لا ضوء كوكب
و لا قمر إلّا ضئيل كأنّهسوار جلاه صانع السّور مذهب
على كل خرجوج كأنّ ضلوعهاإذا حلّ عنها الكور أعواد مشجب
قوله: (و لا ضوء كوكب): يعني أنّ الكواكب غمّت في القتام فهداهم بالقمر ثم أخبر أنّ (القمر أيضا ضئيل) لما دونه من القتام، فكأنّه في تلك الحالة (سوار مذهب).
و ذكر ابن الأعرابي و هو يعد أدلّاء العرب في الإسلام، فقال: هم ثلاثة فذكر رافعا و عبد الجبار و زاد في شعره:
تفرّ فرار الشّمس ممّن وراءناو نمسي بجلباب من اللّيل غيهب
فإلا تصبح بعد خمس ركابناسليمان من أهل الملاء تناوب
قوله: (نفرّ فرار الشّمس) يريد أنا نتوجه إلى المغرب كما تغرب الشّمس.
و جعل الثالث منهم خالد بن دثار الفزاري دليل ابن فزارة على بنات قين حين قتلت كليبا. و قال أبو ذؤيب: يشبّه النّجوم بالوحش و هو يذكر امرأة:
بأطيب منها إذا ما النّجومتعانقن مثل توالي البقر
و قال آخر:
وردت و أرادف النّجوم كأنّهامهاة علت من رمل يبرين رائبا
و قال ذو الرّمة يشبّه الوحش بالكوكب شعرا:
كأنّ بلادهنّ سماء ليلتكشّف عن كواكبها الغيوم
و قال آخر:
وردت و آفاق السّماء كأنّهابها بقر أقناؤه و هراقبه
الهراقب: المسان شبه الكبار بالهراقب، و الصّغار بالأقناء. و قال ابن كناسة و في الاهتداء بالنّجوم يقول الشاعر:
نؤمّ بآفاق السّماء و ترتميمغانيها- أرجاء دواية قفر
و قال أبو حنيفة قول الشاعر:
رأت غلامي سفر بعيديدرعان اللّيل ذا السّدود
إما بكل كوكب جريد إنّما اختص الفرد الحريد لأنّ الجماعة يتغيّر حالها في المطالع و المغارب و المجاري فتلتبس، و ضبط السّير بالحريد أسهل، و من لم يكن مدرّبا بمعرفة أعيان الكواكب التبس عليه الحريد أيضا إذا تغيّر مكانه.
و روي عن شيخ من العرب أنّه سرى برفيق له فتعب، فقال لرفيقه: هذا الجدي جداه كثيرة فلم أدر أيّها هو، و لذلك قال الآخر شعرا:
بصباصة الخمس في زوراء مهلكةيهدي الأدلّاء فيها كوكب وحد
و قال الفرزدق يهجو عاصما العبدي، و كان أدلّ العرب و أعرفهم بالنّجم و أقدمهم على هول اللّيل باللّيل، و أراد أن يضلّ الفرزدق و يقتله غشّا و ذاك أنّه استصحبه إلى المدينة ليلقى سعيد بن العاص، و رغبه في جعله، فلما ركب الفلاة أراد أن يغتال الفرزدق ليحظى به عند زياد و يحبوه و يعطيه، فلما كانا في اللّيل و أمعنا في السّير انتبه الفرزدق فإذا النّجم على غير الطريق، فصاح بالعنبري إنّك على غير الطريق، فانتبه فقال: أنت على الطريق، ناولني إداوتك فإنّي عطشان و خبّأ اداوته، فقال الفرزدق: و الذي أحلف به لتموتنّ قبلي، و شهر السّيف عليه فأقامه على الطّريق، و عرض لهما الأسد على الطّريق، فقال العنبري هذا الأسد على الطّريق، فأناخ الفرزدق ناقته و أخذ سيفه و جحفته و أقبل إلى الأسد و هو يقول:
فلأنت أهون من زياد شوكةاذهب إليك محزّم الشّغار
فتنحّى الأسد عن الطريق و مضيا، فقلب الفرزدق هذا المعنى كله و نسب العنبري إلى الجبن و أنه ليس بالخرّيت راع لا يصلح إلّا لرعي الغنم و طعن في نسبه. فقال شعرا:
ما نحن إن جارت صدور ركابنابأوّل من عزّت هداية عاصم
أراد طريق العنصلين فياسرتبه العيس في ناي الصّوى متشايم
(العنصلين) على طريق مكة، (و ياسرت): أخذت يسارا و (المتشايم) الآخذ إلى الشام، قال: و سمعت فصيحا يقول: توصّلوا أتوا الموصل فأسقط الميم.
فكيف يضلّ العنبريّ ببلدةبها قطعت عنه سيور التمائم
أي لو كان عنبريا لعرف بلاده.
فإنّ امرؤ ضلّ البلاد التي بهاتغبّر ثديي أمّه غير حازم
(تغبّر): أي أتم رضاعه، و الغبر بقية اللّبن.
بلاد بها ذلّت يديه و رأسهو رجليه من جار استها المتضاجم
يعني (بالجار) الفرج و أصل (الضّجم) العوج في شفتي الرّجل.
شعر:
و لو كان في غير الفلاة خنوعاخنوعا بأعناق الجداء التّوائم
أي لو كان في رعي الجداء لأحسن رعيها و أخذها بأعناقها ففصلها عن أمهاتها.
شعر:
و كنت إذا كلّفت صاحب ثلةسرى اللّيل دنا أم فروج المخارم
(الثّلة): القطيع من الشّاء و (الثّلة) الجماعة من الناس و (دنا) قصر و (الفروج) الطّرق.
رأى اللّيل داغول عليه و لم يكنيكلّفه المعزى عظام المجاشم
(الغول) الموت و منه غالته غول.
أنخنا بهجر بعد ما و قد الحصىو ذاب لعاب الشّمس فوق الجماجم
و نحن بذي الأرطي يعيس ظماؤنالنا بالحصى شربا صحيح المقاسم
أي ليس فيه ضيم، أي لا يفضل فيه أحد على أحد.
شعر:
فلما تضاما في الإداوة أجهشتإلى غضون العنبري الجراضم
(تضافى غضونه) عروق حلقه و ثنيه، و (الجراضم) الشّديد الأكل، و يروى: فلمّا تصافنا الإداوة، و (التّصافن): التّقاسم على الماء عند قلّته و ضيقه في المفاوز.
و جاء بجلمود له مثل رأسهليسقي عليه الماء بين الصّرايم
تشنّع عليه بهذا لأنّ المقلة حصاة صغيرة يقسم عليها.
فضاق عن الأثفية القعب إذ رمىبها عنبريّ مفطر غير صائم
يريد أنّ (القعب) لم يسع الجلمود لعظمه.
و لمّا رأيت العنبريّ كأنّهعلى الكفل حرّان الضّباع القشاعم
أي المسان، و قيل الضّبع لا صبر لها على العطش.
صدى الجوف يهوي مسمعاة قد التظىعليه لظى يوم من القيظ جاحم
(جاحم): شديد، يهوي أي يجدد ما في رأسه من العطش.
شددت له أزري و خضخضت نطفةلصديان يرمي رأسه بالسّمائم
أي تحيات لأوثره على نفسه خوفا من أن يموت.
و قلت له ارفع جلد عينيك إنّماحياتك بالدّهنا و حيف الرّواسم
أمر صاحبه أن يشمّر للسّير أي حياتك في قطع الطّريق.
شعر:
عشيّة خمس القوم إذ كان فيهمبقايا الأداوي في النّفوس الكرائم
فآثرته لمّا رأيت الذي بهعلى القوم أخشى لاحقات الملاوم
حفاظا و لو أنّ الإداوة تشترىغلت فوق أثمان عظام المغارم
على ساعة لو كان في القوم حاتماعلى جوده ضنّت بها نفس حاتم
و كان كأصحاب ابن مامة إذ سقىأخا النّمر العطشان يوم الضّجاعم
(الضّجاعم): من منازل الفرزدق، شبّه الفرزدق بنفسه بكعب بن مامة الإيادي لما آثر العنبري على نفسه، و ذلك أن كعبا نزل بموضع يقال وهب أو وهبين و قد اتّقد القيظ، و كان صديقه و رفيقه النّمري في سفرته فعطش القوم فاقتسموا و كاد النّمري يهلك عطشا، فقال لساقي القوم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فجعل له الماء صبوحا لعزّه، و إنما يكون الصّبوح في اللّبن و النّبيذ، ثم أعاد القوم القسم فنظر كعب إلى النّمري قد غلبه العطش، و دارت عيناه في رأسه، فقال لصاحب القسم: اعط أخاك النّمري يصطبح، فآثره بشربته، ثم ثلّث السّاقي فآثره، و ارتحل القوم، فلما ركبوا الفلاة أناخ كعب ناقته و قال: يا قوم النّجاء أ لا ماء معكم فإنّي أحسّ الموت، فمات كعب و ارتحل أصحابه، و معهم نجيبته و سلاحه و متاعه فأوردوه أهله فقال أبوه و قد كتم بعض الخبر شعرا:
أ من نطف الدّهنا و قلة مائهاذوات الرّمال لا يكلّمني كعب
فلو أنّني لاقيت كعبا مكسرابأنقاء وهب حيث ركبها وهب
لآسيت كعبا في الحياة التي ترىفعشنا جميعا أو لكان لنا شرب
و قال فيه:
ما كان من أحد أسقى على ظمأخمرا بماء إذا ناجودها بردا
من ابن مامة كعب ثم عى بهزوء المنيّة إلا حرة و قدا
يروى و قذا فيه:
وفى على الماء كعب ثم قيل لهيا كعب إنّك ورّاد فما وردا
و يروى ورد كعب. و أما التّعاقب بها فمنه قول الفرزدق شعرا:
أقول لمغلوب أمات عظامهتعاقب أدراج النّجوم العوائم
ستدنيك من خير البريّة فاعتدلسأقل نصّ اليعملات الرّواسم
و (تعاقب النّجوم): أن يوقّت القوم لمقدار مسيرهم وقتا فتلك عقبتهم، فإذا قضوها و دخلوا في غيرها من أمثالها فتلك عقبة ثانية، فإن دام ذلك منهم فذلك تعاقب أدراج الكواكب، و من ذلك سمّوا الطّريق مدرجة، و من هذا قول الرّاجز يخاطب ناقته:
سامي سمامات النّهار و اجعليلفلك ادراج النّجوم الأفل
و يقال للكوكب الذي يعاقب به: معقب. فقال ذو الرّمة يذكر المطايا و دوام سيرها:
إذا اعتقبت نجما و غاب تسحّرتعلالة نجم آخر اللّيل طالع
جعل السّير سحورا لها في الآخر، كما جعلها غبوقا لها في الأوّل. و قال الرّاعي و ذكر إبله:
أرى إبلي تكالأ راعياهامخافة جارها طبق النّجوم
(تكالأ): تحارس و قوله: (طبق النّجوم) أي اللّيل كلّه فتكالؤها طبق النّجوم و هو درج النّجوم. و من هذا قول الآخر:
و لا العسيف الذي يشتدّ عقبةحتى يبيت و باقي نعله قطع
و قال بعضهم:
فأصبحن لا يتركن من ليلة السّرىلذي الشّوق إلّا عقبة الدّبران
كأنهم جعلوا لمدى سراهم طلوع نجوم معلومة، و كان الدّبران آخرها، فقضوا عقب تلك النّجوم كلّها إلّا عقبة الدّبران، فإنّهم قطعوا السّير حين بلغوه، و كان المشتاق يهوى ألّا يقطعوه و قال حميد بن ثور شعرا:
قد لاحه عقب النّهار و سيرهبالفرقدين كما يلاح المسعر
قال النّضر: سدف اللّيل: ظلماؤه و ستره، و قد أسدف علينا اللّيل أي أظلم، و قال غيره: السّدف و السّدفة بقيّة من سواد اللّيل في آخره مع الفجر. و قال الأصمعيّ: السّدف الظّلمة. قال العجّاج: و أقطع اللّيل إذا ما أسدفا. و السّدف: الضوء أيضا. قال أبو داود:
فلمّا أضاءت لنا سدفةو لاح مع الصّبح خيط أنارا
و قال الدّريدي: كلّ العرب يسمّي الظّلمة سدفا إلّا هوازن فإنّها تقول: أسدفي لنا أي أسرجي لنا، فكأن السّدفة عندهم اختلاط بياض الصّبح بباقي سواد اللّيل و ذلك عند سائر العرب (الغطاط و الغبش) بقية من سواد اللّيل في آخره و الجميع أغباش. قال ذو الرّمة:
أغباش ليل تمام كان طارقهتطخطخ حتّى ماله جوب
و يقال: غبش اللّيل و أغبش.
و يقال: غسا اللّيل غسوا و غسي غسّا، و أغسى اللّيل أيضا إذا أظلم. و يقال لمن أراد السّفر اغس من اللّيل شيئا ثم ارتحل أي أقم ساعة.
و يقال للظّلمة و الآمر غير الرّشيد عشوة و عشوة و عشوة و تعشّيتني أوطأتني عشوة، و أعشينا دخلنا في الظّلمة، و العشواء بمنزلة الظّلماء، و يقال: هو في عشواء من أمره.
و (الغطش) السّدف و قد أغطش اللّيل و غطش أيضا.
و أغسينا: أمسينا. قال الأصمعي: أغسى اللّيل و غسى يغسى و غسا يغسو، غسوا، و هو مساؤه و اختلاطه. و حكى أبو بكر الدّريدي عن الأصمعي قال: قلت لأبي عمرو أ تقول غس اللّيل يغسي؟ فقال: سمعت أعرابيا منذ ستين سنة ينشد:
كأنّ اللّيل لا يغسى عليهإذا زجر السّبنداة الأمونا
و هذا من غسى يغسى، و سمعت بعد ذلك لسنين منشدا ينشده شعرا:
فلمّا غسي ليلي و أيقنت أنّهاهي الأرباء جاءت بأمّ حبو كرا
فهذا من غسى يغسو. ثم سمعت رويتكم ينشد. (و مر أيام و ليل مغس) فهذا من غسى يغسى.
و يقال: ليل دامس: و هو الأسود الذي ألبس كلّ شيء و قد دمست ليلتك تدمس دموسا. و أنشد:
لو كنت أمسيت طليحا ناعسالم يلق ذا رواية درابسا
يسقى عليها أغنما خوامسايحتاب موماة و ليلا دامسا
و شركا من الطّريق دارسايحمل سوطا أو وبيلا يابسا
(الوبيل): الهراوة و أصل (الدّمس): التّغطية. و أنشد الفرّاء عن الكسائي شعرا:
إذا ذقت فاها قلت علق مدمسأريد به قيل فغودر في سأب
أراد (بالعلق) الخمر و (المدمس) المغطى و (القيل) الملك و (السأب) الزّق.
و يقال: غلسنا الماء أي أتيناه قبل الصّبح بسواد من اللّيل و جنوح اللّيل إذا ذهب معارف الأرض لظلامه.
و جنون اللّيل إظلامه، و يقال: جنّ علينا اللّيل. النّضر يقال: تطخطخ اللّيل و أظلم في غيم و غير غيم إذا لم يكن فيه قمر، فإن كان فيه قمر فجاء غيم و ذهب بضوئه فقد تطخطخ أيضا، و ليلة طخياء، و قد طخطخ اللّيل على فلان بصره أي تركه لا يبصر من ظلمته، و تطخطخ بصر فلان: أي عمي.
و يقال: تدحرج اللّيل أيضا: و هو اختلاطه و ظلماؤه كان فيه غيم أو لم يكن و تدحرجت الظّلماء و أنشد:
حتى إذا ما ليله تدحرجاو انجاب لون الأفق البرندجا
و يقال: ليلة غدرة و مغدرة: بيّنة الغدر إذا كانت شديدة الظّلمة، و في الحديث:
«المشي إلى المسجد في اللّيلة المغدرة يوجب كذا و كذا».
و ليلة دامجة و ليل دامج و خداري قال يعقوب: الخدارية الظّلماء الشّديدة السّواد البهيم، و يقال: ليلتك هذه خدارية قال العجّاج:
و خدر اللّيل فيجتاب الخدر
و يقال: غطا اللّيل يغطو إذا ألبس كل شيء. و كل شيء ارتفع فقد غطا. و كذلك: دجا اللّيل يدجو إذا ألبس كلّ شيء، و تدجّى أيضا و أدجى. قال يعقوب: و ليس هو من الظّلمة إنّما هو من الاشتمال. و قال الأصمعي: و دجا شعر الماعزة: إذا ألبس بعضه بعضا.
و أنشدني أعرابي أبى مذ دجا الإسلام لا يتجنّف. و قال: و تدجّى بعد نور، و اعتدل، و قال غيره: ليلة داجية سوداء. و أنشد في أدجى شعرا:
إذا اللّيل أدجى و استقلّت نجومهو صاح من الإفراط هام جواثم
و قال نضر: الدّجى دجى الغيم و هو أن لا ترى قمرا و لا نجما، لأنّ السّحاب يواريه و لا يكون الدّجى إلا باللّيل، و هذه ليلة دجى، و ما زلنا نسير في دجى حتى أتيناكم أبو زيد غمى مثل كسلى إذا كان على السّماء غمى مثل رمى، و غمّ و هو أن يغمّ عليهم الهلال، و ليل دجوجي قال:
و ليل دجوجي تعسّفت هولهبلا صاحب إلا الحسام المذكّر
(غيره): ليلة مدلهمة: مظلمة، و ديجور و ديجوج. و الطّرمساء الظّلمة. يقال: أطرمس اللّيل أي أظلم. و قال الدّريدي: الطّرمساء تراكب الظّلمة و الغبار. و منه طرمس اللّيل و طرسم. و يقال: الطّلمساء أيضا. و أنشد في ليلة طخياء طرمساء. و الطّرمسة و الطّلمسة و مرّ طرمساء من اللّيل: أي قطعة عظيمة. و حكى أبو حاتم طرفساء أيضا.
و الغيهب نحوه، و العلجوم الظّلمة و كل شيء أسود. قال ذو الرّمة: ظلماء علجوم:
أي التي لا ترى معها من سوادها شيئا. و المسحنكك الأسود، و الملطخم مثله، الأموي ليلة غاضية شديدة الظّلمة. يقال: ليل طيسل: مظلم، عن أبي عمرو ليل دحمس، قال أبو نخيلة:
و ادّرعي جلباب ليل دحمسأسود داج مثل لون السّندس
(و الغردقة): إلباس اللّيل، يقال: غردقت سترها إذا أرسلته، و تأطم اللّيل ظلمته.
(و ليلة مطلخمّة): و قد اطلخمّت علينا الظّلمة فما يبصر منها شيئا.
يقال: ليلة بهيم لا يبصر فيها شيء، و ليال بهم. و الحندس: اللّيل الشّديد الظّلمة.
يقال: حندس اللّيل و ليال حنادس قال شعرا:
و ليلة من اللّيالي حندسلون حواشيها كلون السّندس
و يقال: ليلة طخياء: بيّنة الطّخاء، و ذلك إذا كان السّحاب بعد قمر، فاشتدّت الظّلمة
فطخا اللّيل، و سرنا إليكم في ليال طخى، قال الرّاجز:
و ليلة طخياء ترمعلفيها على السّاري نديّ مخضل
ترمعل: يسير يقال أرمعل دمعه: سال.
و يقال: ظلمة ابن جمير، و فحمة ابن جمير: للّيلة التي لا يطلع فيها القمر.
قال: نهارهم ليل بهيم، فإن كان بدرا فحمة ابن جمير رماهم بالتلصّص و التّغيب بالنّهار، و قال ابن زهير:
و إن أغار فلم يحلى بطائلةفي ظلمة ابن جمير ساور القطما
قوله: لم يحلى: أتى بالفعل على التمام. و ذكر بعضهم أنّ ابن جمير: اللّيل المظلم لاجتماع النّاس إلى منازلهم. و ابن ثمير: اللّيل المقبل، لأنّه يثمر انبساط النّاس للحديث و غيره من التّصرف. قال: و هذا من قولهم: هذا جمير القوم أي مجتمعهم و شعر مجمر أي مضغور و مجمور، و أجمروا على الآلاء أي أجمعوا.
و ليلة معلنكسة؛ أي مظلمة، و ليلة ظلماء ديجور، و هي الدّياجير أي الظّلمة و ليل عظلم أي مظلم. قال:
و ليل عظلم عرّضت نفسيو كنت مشيّعا رحب الذّراع
و يقال: أغضن اللّيل و أغضى و أغضف و طلخم و ادلهمّ و روق.
و يقال: أرخى رواقيه و سجوفه و سدوله.
و غسق اللّيل: ظلمته، و منه قول عمر حين غسق اللّيل على الضّراب أي انصبّ.
و سجو اللّيل إذا غطّى اللّيل النّهار، و يقال: هو من التّسجية، كقولك سجية بالثّور.
قال:
يؤرّق أعلى صوتها كلّ فائححزين إذا ليل التمام سجالها
و حكى قطرب الغبس بعد الفحمة. و قال الخليل: هو لون الذّئب، يقال: ذئب أغبس و ليل أغبس، و غبس اللّيل و أغبس. و عسعس اللّيل إذا أظلم و إذا أدبر.
قال قطرب: هي من الأضداد، و حقيقة ذلك أنّها طرفاه، فهذا ما ذهب عن معظمه.
و قال ابن عبّاس: و اللّيل إذا عسعس أي أدبر. و قال علقمة:
حتّى إذا الصّبح لنا تنفّساو انجاب عنها ليلها و عسعسا
و قال آخر:
وردت بأفراس عتاق وفيّةفوارط في أعجاز ليل معسعس
و قال آخر:
قوارب من غير دجن مسسامدّرعات اللّيل لمّا عسعسا
و الشّميط: بياض الصّبح في سواد اللّيل و هو عندنا مشبّه بالشّيب، و قد قيل في الثّلاث من آخر الشّهر الدّادي، ثم جعل دادي صفة لشدّة ظلمتهن كما قيل: حنادس ثم قالوا: أسود حندس.
و يقال: إنّ عليك ليلا أغضف، و هو الذي علا كل شيء، و ألبسه، و قد تغضف علينا اللّيل أي ألبسنا و أظلم علينا.
و يقال: إنّ عليك ليلا مرجحنا، و هو المجلّل و الملبس و قد أرحجن اللّيل.
و ليل اثجل: أي واسع و ليلة ثجلاء، و يوم اثجل.
و عكمس اللّيل: أظلم، و هو عكامس و عكمس متراكم الظّلمة كثيفها.
و أدلمس اللّيل: و ليل دلامس: مظلم.
و حكى الدّريدي: طرشم اللّيل و طرمش أظلم، و غطرش اللّيل بصره و غرطش: أظلم عليه.
و الغيطل: اختلاط ظلمة اللّيل و اختلاط أصوات النّاس و اشتقاقه من الغطل: و هو تغطية الشيء، يقال: غطلت السّماء يومنا و أغطلت إذا أطبق دجنها.
و يقال: أتانا حين وارى دمس دمسا و حين سد اللّيل كلّ خصاص و دارى كل جداد.
و أنشد:
و اللّيل غامر جدادها دجاحين قلت أخوك أم الذّئب
و يقال: ليل أدعج، و يقال: التفت غياطل اللّيل، و اسحنكك عساكره و تلاحزت المسالك به، و ذلك تراكم الظّلمة و معنى تلاحزت: تضايقت.
و شجيج لحز: أي ضيق. و الفتل إظلام الأرض من النّخل و الشّجر.
و يقال: غتل يغتل غتلا حكاه الدّريدي. و قال أبو مالك: السّديم الرّفيق من الضّباب.
و أنشد شعرا:
و قد حال ركن من أحيمر دونهمكأنّ ذراه جلّلت بسديم
و الجنان ذكر بعضهم في أسماء اللّيل. و أنشد:
و ساري جنان مقفعل بناتهرفعت بضوء ساطع فاهتدى ليا
يعني رجلا أقوى فاستنيخ فأوقد له نارا ليهتدي بها، و قال غيره: جنان اللّيل ظلمته و أنشد:
و لو لا جنان اللّيل أدرك ركضنابذي الأثل و الأرطي عياض بن ناشب
و حكى عمرو عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول: ما زلت أتعسف الهولول حتى سطع الفرقان، قلت: ما الهولول؟ قال: ظلمته. قلت: و ما الفرقان؟ قال: الصّبح.
و حكى سلمة عن الفرّاء عن الكسائي قال: لم يسمع في الألوان فعلول إلّا هذا، و حلكوك، قال ثعلب: قلت: ذلك لابن الأعرابي فوافقه.
و يقال: أطم الدّجى و أقفل باب النّور بالظّلمة قال:
بدا لي كملتاح الجناحين و الدّجىمطم و باب النّور باللّيل مقفل
و قالوا: قسورة اللّيل: شدّته، و قسوره، و قال توبة بن الحمير: و قسورة اللّيل الذي بين نصفه و بين العشاء قد أذابت أسيرها، و قيل في قوله تعالى: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [سورة المدّثّر، الآية: 51] إنّه الأسد، و قيل: أريد به الرّماة و أنشد:
و قسورة أكتافهم في قسيّهمإذا ما مشوا لا يغمزون من النّساء
و يقال: دبر اللّيل دبورا و أدبر فدبر: ذهب و أدبر ولّى، و قيل: أدبر أخذ به في النّقص، و كما قيل: دبر و أدبر بمعنى قبل قبل و أقبل. و قال ابن عباس: إنمّا هو و اللّيل إذا دبر. فأما أدبر: فإنما يقال: أدبر: ظهر البعير و قرأه زيد إذا أدبر، و يقال: دبرني أي جاء من خلفي.
و يقال: متح اللّيل و هو يمتح متحا إذا طال و كذلك النّهار.
و منه قولهم: بيننا و بينهم كذا فرسخا متحا أي مدّا و فرس متاح مداد.
و سرنا في ليلة عكامسة و عكمسة أي طويلة، حكاه أبو حاتم قال: و يقال: عكر عكامس أي كثير من الإبل.
و يقال: يوم اثجل أي واسع و ليلة ثجلاء، و منه الثجل في الخاصرة و ليل التّمام في الشّتاء أطول ما يكون اللّيل، و يكون لكلّ نجم أي يطول اللّيل حتى تطلع النّجوم كلّها في ليلة واحدة. قال: و سمعت أبا عمرو يقول: إذا كان اثنتي عشرة ساعة فما زاد فهو ليل التّمام. و أنشد:
لقد طرقت دهماء و البعد دونهاو ليل كأثناء اللّقاع بهيم
على عجل و الصّبح تال كأنّهبأدعج من ليل التّمام بريم
فجعل ليل التمام للطّويل من اللّيالي خاصة آخر.
كأنّ شميط الصّبح في أخرياتهملاء تجلى عن طيالسة خضر
تخال بقاياها التي أسأر الدّجىتمدّ و شيعا فوق أردية الفجر
و يقال: أغضب و هو انثناؤه و طوله و اجتماعه و إقباله.
و حكي أنّ عليك ليلا أغضف، قال العجّاج: فانغضفت بمرحجن أغضفا.
(و المرحجن): الطّويل الثّقيل، و قال الدّريدي: ذكر أبو عبيدة أنّ المتلهب و المتمهل مثل المسجهر و هو امتداد اللّيل و غيره. و حكى ثعلب عن رجاله قالوا: ليل التّمام في الشّتاء أطول ما يكون لكل نجم طويل أي يطول اللّيل حتى تطلع النّجم كلّها و قال أبو عمرو
الشّيباني وحده إذا كان ظلمته خالصة فهو الخيط الأسود، و إذا خلص ضوؤه فهو الخيط الأبيض. و البريم و الشّميط إذا اختلط، و في القرآن: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [سورة البقرة، الآية: 187].
و حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: ما كان من الأجسام و المعاين من الأشياء فهو التّمام بالكسر الفصيح العالي، و يجوز التّمام بالفتح و ما كان من الكلام و الأفعال و ما شاكلها فهو التّمام بالفتح لا يجوز غيره، يقال: ليل التّمام و التّمام و قمر التّمام و التّمام و ولدته للتمام و التمام. فإذا جئت إلى الأفعال و الكلام قلت: تمّ الكلام تماما، و تمّ الأمر تماما، و إذا أردت أنّ القمر تمّ في نفسه قلت: تمّ تماما و تم النّهار تماما و تمّ اللّيل تماما. و قال الأصمعيّ: لا يكسر التاء منه إلا في الحمل و اللّيل و ما يجري مجرى المثل طال عليّ اللّيل و لا أسب له أي لا أكن كالتّسبّي فأستطيله يدعو لنفسه أن لا يبتلي بما يطيل اللّيل عليه.
الأصمعي شهر المليساء أطول الشّهور عليهم، و أتعبها لهم، و يكون على أثر الصّفريّة و هو نجمان السّماك و الغفر، فهم يشتغلون في أيام المليساء بأنفسهم و مواشيهم و مسيرهم، لأنّهم يحتاجون إلى إعداد المثاوي و البيوت و مأوى الإبل و الغنم و العنز و الحظائر، و الضّرب في الأرض استعدادا للشّتاء.
و حكى الدّريدي: اجرهد النّهار أو اللّيل طال، و اجرهد بالقوم السّير: إذا امتدّ بهم ظلام و شدة. و أنشد:
و ليلة داجية طخياءحالكة الإهاب و الرّداء
يضرب بالذّاهب وجه الجائي ابن المعذل:
أقول و جنح الدّجى ملبّدو للّيل في كلّ فجّ يد
و يقال: عجبت من سرع ذلك الوقت، و من سريحه في اللّيل و النّهار جميعا قال:
فيقولون: أدرك يومك أو ليلتك بربغة أي: بجنة و حدثانة، و هذا كما يقال: اتق النّاقة بجن ضراسها أي بحدثان نتاجها و سوء خلقها، و يدخل في هذا الباب قول الشّاعر:
يكون بها دليل القوم نجمكعين الكلب في هبى قباع
يعني أنّ الكوكب بالظّلام تعصّب و بالقتام انتقب، فليس يظهر منه إلّا شفا و شبهه بعين الكلب: لدوام إغضائه و اتّصال نعاسه. و الهبي جمع هاب و هو الذي حال دونه الهباء.
و القباع: الدّواخل في الظّلام.
و يقال: قبع القنفذ إذا أدخل رأسه في قرونه قبوعا، و على هذا يقولون: تخاوصت
النّجوم و تخازرت. أبو تمام:
إليك هتكنا جنح ليل كأنّهقد اكتحلت منه البلاد بإثمد
أبو نواس:
أبن لي كيف صرت إلى حريميو نجم اللّيل مكتحل بغار
فأمّا تشبيه النّجوم فبابه واسع إلا أنا نذكر منه ما يستحسن من شعر القدماء أو يستغرب من ذلك قول مهلهل:
أ ليلتنا بذي جسم أنيريإذا أنت انقضيت فلا تحوري
فإن يك بالذّنائب طال ليليفقد أبكى من اللّيل القصير
و أنقذني بياض الصّبح منهالقد أنقذت من شرّ كبير
كأنّ كواكب الجوزاء عوذمعطفة على ربع كسير
كأنّ بنات نعش ثانياتو فرقدهنّ مجتنب الأسير
تتابع مشية الإبل الزّهارىلتلحق كلّ تالية غيور
و تحنو الشّعريان إلى سهيليلوح كقمّة الجمل الغرير
كأنّ الغدرتين مكفّ ساعألحّ على تمايله ضرير
كأنّ التابع المسكين شيخيزجّي أعنزا خلف الوقير
كأنّ النّجم إذ ولّى سحيرافصال جلن في يوم مطير
كأنّ الفرقدين يدا مغيضيكبّ على مقاسمة الجزور
كأنّ مجرة النّسرين نهجلكل طريقة تحدى و غير
و عارضهنّ ناحية سهيلعراض مجرّب شكس غيور
كأنّ الجدي جدي بنات نعشيكبّ على اليدين كمستدير
كأنّ المشتري حسنا ضياءبنيق قاهر من فوق قور
و قال مضرس بن لقيط:
و ليل يقول القوم من ظلماتهسواء بصيرات العيون و عورها
كأنّ لنا منه بيوتا حصينةمسوحا أعاليها و ساجا كسورها
قال ابن هومة:
و بنات نعش يبتدرن كأنّهابقرات رمل خلفهنّ جاذر
و الفرقدان كصاحبين تعاقداتالله تبرح أو تزول عتائر
و الجدي كالرّجل الذي ما إن لهعضد و ليس له حليف ناصر
و تزاور العيّوق عن مجداتهكالثّور يضرب حين عاف الباقر
و ترفّع النّسران هذا باسطيهوي لسقطته و هذا كاسر
و النّطح يلمع و البظين كأنّهكبش يطرده لحتف ثائر
و الحوت يسبح في السّماء كسبحهفي الماء و هو بكل سبح ماهر
و كواكب الجوزاء مثل عوائدتمرى لهنّ قوادم و أواخر
و كأنّ مرزمها على آثارهافحل على آثار شول هادر
و تعرضت هادي السّعود كأنّهاركب تأوّب بطن تبع مائر
و بدا سهيل كالشّهاب مشبهراع على شرف العرينة ساير
و بدت نجوم بين ذاك كأنّهادرّ تقطّع سلكه متناثر
و قال أبو الأشهب الأسدي:
و لاحت لساريها الثّريا كأنّهالدى الأفق الغربيّ قرط مسلسل
قال الهيثم بن عدي: قال لي صالح بن حسان: أنشدني أحسن بيت قيل في الثّريا، قال قلت: بيت عبد اللّه بن الزّبير الأسدي رضي اللّه عنهما:
و قد خرم الغرب الثّريا كأنّهابه راية بيضاء تخفق للطّعن
قال: أريد أحسن من هذا، قلت بيت امرئ القيس:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
قال: أريد أحسن من هذا، قلت بيت ذي الرّمة:
وردت اعتسافا و الثّريا كأنّهاعلى قمة الرأس ابن ماء محلّق
قال: أريد أحسن من هذا، قلت: بيت يزيد بن الطّثريّة
إذا ما الثّريا في السّماء كأنّهاجمان و هي من سلكه فتبدّدا
قال: أريد أحسن من هذا، قلت: قول أبي قيس بن الأسلت:
و قد لاح في الصّبح الثّريا لمن يرىكعنقود ملاحية حين نوّرا
و قال الفرزدق:
كليل مهلهل ليلى إذا ماتمنّى اللّيل ذو الليل القصير
تهامى كأنّ شآمياتجنحن لجانبيه إلى الغثور
كأنّ اللّيل يعطفه عليناضرارا أو يكرّ إلى نذور
كأنّ نجومه ليل تثنّىلأزهر في مباركه عقير
و كيف بليلة لا نوم فيهاو لا ضوء لساريها منير
و أنشد المبرّد:
إذا ما الثّريا في السّماء تعرّضتيراها الحديد العين سبعة أنجم
على كبد الجرباء و هي كأنّهاجبيرة درّ ركبت فوق معصم
(الجبيرة): الدستبنج العريض و شبه ابن الرّومي الثّريا فقال: و ذكر شعر امرأة:
يغشى غواشي قرونها قدمابيضاء للنّاظرين معتذره
مثل الثّريا إذا بدت سحرابعد غمام و حاسر حسره
فأخذه ابن المعتز فقال:
و أرى الثّريا في السّماء كأنّهاقدم تبدّت من ثياب حداد
و قال كعب الغنوي في الجوزاء:
و قد مالت الجوزاء حتّى كأنّهافساطيط ركب بالفلاة تزول
و لابن المعتز:
كأنّما الجوزاء في أعلى الأفقأغصان نور أو وشاح من ورق
و له:
كأنّ نجوم اللّيل في فحمة الدّجىرءوس مدار ركّبت في معاجر
و له:
كأنّ سماءنا لمّا تجلّتخلال نجومها عند الصّباح
رياض بنفسج خضل نداهتفتّح بينها ورد الأقاحي
و له:
و رنا إلي الفرقدان كما رنتزرقاء تنظر من نقاب أسود
و له:
تظلّ الشّمس ترمقنا بلحظمريض مدنف من خلف ستر
تحاول فتح غيم و هو يأبىكعنّين يحاول فضّ بكر
آخر:
ما ذقت طعم النّوم لو تدريكأنّ جنبي على جمر
في قمر مسترق نصفهكأنّه مجرفة العطر
و آخر:
و البدر يأخذه غيم و يتركهكأنّه سافر عن خدّ ملطوم
و قال امرؤ القيس:
نظرت إليها و النّجوم كأنّهامصابيح ركبان تشبّ لقفّال
و قال محمد بن يزيد بن مسلمة:
لمّا تراءى رخلذات عشاء فمتع
و أخمس النّسرين شخصالرّدف بالحمل الذّرع
أطار نسرا واقعاو طائر النّسر يقع
فردا و وافى سيرهو سار هذا اقشع
و عن سعد ذابحيتبعه سعد بلع
و سعد سعد بعدهيسعد سعد ذو تبع
دافع ذا ذاك و ذادافع هذا فاندفع
أما مهار أم إذاأعرق في فوق نزع
يتلو نعاما وارداو صادرا حيث سكع
يطير ما طردن فإنوقعن في الأرض وقع
و عقرب يقدمهاكليلها حيث دسع
لها مصابيح دجىتحكي مصابيح البيع
يتلو الزّبانى فإذاجد بها السّير طلع
و وارن الكفّ التيفيها خضاب قد نصع
قال الدّليل عرّسوافليس في صبح طمع
هذا ظلام راكدما للسّرى فيه نجع
و العيس في دويّهتعمل فيها و تدع
ممتدة أعناقهاللورد عن غبّ التّسع
فإنّها سفائنيولج في الموج الدّفع
فقلت سدّد قصدهالا كنت من نكس ورع
أما ترى غفر الزّبانى ساجدا أو قد ركع
و قبل ذاك ما لحاضوء السّماك فخشع
و انتشرت عوّاؤهتناثر العقد انقطع
حتّى إذا الكبش ارتعىرغاؤه ثمّ نقع
تتابع الخيل جرتفيها مذك و جذع
يعيد في خافاتهاهينمة ثم سطع
شعر:
كلمعة البرق اليماني إذا البرق لمع
أو سلّة السّيف انتضىسلته القين الصّنع
في نقبه ينسجهابيضاء ما فيها لمع
و انهزمت خيل الدّجىتركض من غير فزع
و الصّبح في أعراصهايخبّ طورا و يضع
فقلت إذ طار الكرىعن العيون و انقشع
لمّا بدا في رحلهنشوان من غير جرع
ليس المذكّي سنةفي الحرب كالغمر الضّرع
قال أبو الحسن العلوي الأصبهاني:
كأنّ سهيلا و النجوم أمامهيعارضه راع و راع قطيع
إذ قام من ربائه قلت راهبأطال انتصابا بعد طول ركوع
قال آخر:
فإذا كانت الشّعرى العبور كأنّهامعلق قنديل عليه الكنائس
و لاح سهيل من بعيد كأنّهشهاب ينجيه عن الرّيح قابس
و قال آخر:
سريت على الجوزاء و هي كأنّهاشمائل رقاص تميل مناطقه
قال محمد بن عبد الملك:
كأنّ كواكب الجوزاء لمّاسئمت تعرضت بالمنكبين
أخو حرب تقلّد قوس رامو قلّد خصره بقلادتين
قال العلوي الأصبهاني في النّسر شعرا:
و ركب ثلاث كالأثافي تعاوروادجى اللّيل حتّى أومضت سنة الفجر
إذا جمعوا سميتهم باسم واحدو إن فرّقوا لم يعرفوا آخر الدّهر
و قال أبو النّجم في إصغاء الشّمس للمغيب:
صب عليه قانص لمّا عقلو الشّمس قد صارت كعين الأحول
و لابن الرّومي في طلوع الشّمس من خلل السّحاب:
ظلّت تسترنا و قد بعثتضوءا يلاحظنا بلا لهب
قال ذو الرّمة في مثله و هو يصف امرأة:
تريك بياض لبّتها و وجهاكقرن الشّمس أفتق ثم زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلاكلا و انفلّ سائره انفلالا
قال آخر في دارة الشّمس:
و الشّمس معرضة تمور كأنّهاترس يقلّبه كميّ رامح
و أنشد ثعلب:
كأنّ ابن مزنتها جانحافسيط لدى الأفق من خنصر
و قد تركنا تقصّي الباب لأنّ في هذا القدر كفاية.
(السّراب): هو الذي يتلألأ نصف النهار كأنّه ماء، لازقا بالأرض و هو الآل و قيل الآل يكون ضحوة، و السّراب نصف النّهار. و في القرآن: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [سورة النّور، الآية: 39] و قيل في الفرق بينهما: إنّ الآل هو الذي يرفع كلّ شيء، و سمّي الآل لأنّ الشخص هو الآل، فلما رفع الشّخص قيل هذا آل. قال الأعشى:
حتّى لحقناهم تعدى فوارسناكأنّنا رعن قف يرفع الآلا
و قيل: هذا من المقلوب، أراد كأنّنا رعن قف يرفعه الآل، و الآل يرتفع عن وجه الأرض، و اللّعاب الذي يتساقط من السّماء كأنّه زبد في مرأى العين و يسمى ريق الشّمس.
قال:
يثرن الثّرى حتّى يباشرن بردهإذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
و يلمع اسم السّراب، و في المثل: إنما أنت يلمع.
و يقال لبرق الخلّب: يلمع أيضا و لذلك قيل: أكذب من يلمع، و اليلامع من السّلاح:
ما برق نحو البيضة، و لا معا المفازة جانباها.
و يقال: ما بها لا مع أي أحد، و (الرّقراق) مثل السّراب و قيل رقراق السّراب ترقرقه.
قال الشّاعر:
يدوم رقراق السّراب برأسهكما دوّمت في الأرض فلكة مغزل
و قد صحا السّراب أي انكشف و مصح الآل و تسعسع و الذي تراه في الشّمس كأنه خيط ممتد يقال له مخاط الشّيطان. و قد كنّي عن السّراب بأبوال البغال قال شعرا:
و حمير أبوال البغال بأنّنيتسديت و هنا ذلك البينا
قال بشر يصف إبلا:
فقد جاوزن من غمدان أرضالأبوال البغال بها وقيع
يطان بها فروث مقصراتبقاياها الجماجم و الضّلوع
و إنّما قالوا ذلك لأنّ البغال لا تتناسل فلا ينتفع بأبوالها كما لا ينتفع بالسّراب.
و يقال: فلان كثير البول إذا كان كثير، و (الوقيع) الخضر تكون في الأرض.
و قال ابن الأعرابي: البغال باليمن، فبيّن أنّ هذه الأرض تكون باليمن.
قوله بطان: يعني قوائم النّاقة، و المراد بالأرواث كروش إبل قصرن عن السّير فتركت مخلفات فأكلهنّ السّباع.
و يقال للسّراب المسجهر الكذوب اللّون. و قال ذو الرّمة يصف الأظعان:
توارى و تبدو لي إذا ما تطاولتشخوص الضّحى و انشقّ عنها غديرها
(الشّخوص): تطاول في وقت الضّحى لأن السّراب يرفعها يقول تبدو لي الأظعان في ذلك الوقت إذا رفعها الآل و تواري إذا انشقّ عنها غديرها، يعني السّراب، و هذا الذي يشير إليه لتخيل الشّخوص في المناظر، لذلك قال ابن أحمر:
و ازدادت الأشباح أخيلةو تعلّل الحرباء بالثّغر
و قال جرير
و من دونه تيه كأنّ شخوصهايحلن بأمثال فهنّ شوافع
و قال ذو الرّمة في بيان السّراب يصف فلاة:
بها غدر و ليس بها بلالو أشباح تحول و ما تريم
تموت قطا الفلاة بها أواماو يحسر في مناكبها النّسيم
قوله: (أشباح تحول): أي تتحرّك و لا تبرح بل يخيّل ذلك إليك. و قال الشّماخ و ذكر ناقة:
إذا شرفات الآل زالت و نصفتتناطح ضبعاها به و يداهما
قوله: نصفت: صار السّراب إلى أنصافها، و قوله: و يداهما: جعل اليدين للضّبعين و قال:
و حومانة زرقاء يجري سرابهابمنسجة الآباط حدب ظهورها
(حومانة): أرض غليظة، و (المنسجة): المنصبّة أي ليست بضيقة الفروج و قال الكميت:
إذا ما الآل أعرض لم يجمحإليّ بأعين الخوف الغيوب
(يجمح): ينظر نظرا شديدا، و (الغيوب): جمع الغيب و هو المتخفّض. و قال ذو الرّمة:
ترى الريعة القوداء منه كأنّهامناد بأعلى صوته القوم لامع
الرّيعة: هضبة و هي الجبل الصّغير المفترش مع الأرض، أي كأنّها في السّراب، (مناد): يلمع بثوبه، و قوله يصف قنه. قوداء طائقها في الآل محزوم الطّائق حرف شاخص في القنّة و قوله: كأنّما الأعلام فيها سير. أي كأنّها تسير في السّراب. قال جران العود و ذكر أرضا:
ببلقعة كأنّ الأرض فيهاتجهز للتّحمل و البكور
يريد أنّ السّراب يطرد فيها فكأنها تجهز. و قال ابن الدّمينة:
برماحة الأنضاد فماصة الصّوىتداوي المطايا من مروح العجازف
(الأنضاد): جمع النّضد و هو ما تراكم من الجبل. و (الصّوى): الأعلام و تقصمها في السّراب.
قال أبو النّجم:
بمهمة سابغة جلالهينفض في العين الضّحى أسماله
أراد ينفض الضّحى أسمال السّراب فيما ترى العين و قال:
حتى إذا الأكم طفت في آلهامثل طفو الحمّ في آهالها
و قال:
إذا السّراب استشخص الأجذالاو اطّردت دياسقا أسمالا
و استنسج الآرام و التّلالا الأجذال: أصول الشجر، (و اطّردت دياسقه): و هو السّراب الأبيض و شبهه بأسمال الثّياب. قال ابن مقبل:
و يوم يقسّم ريعانهرءوس الأكام يغشّين آلا
ترى البيد تهدج من حرّهكأنّ على حزم راء بغالا
بغالا عقارى تغشّينهو كلّ تحمل منه فزالا
جعلها (عقارى): لأنّها لا تلد، و (ريعانه): أوّله، (تهدج): تتحرك يعني أنّ الآل يتحرّك فكأنّ (بغالا) على كل شرف توجف. و لأبي ذؤيب:
يستنّ في عرص الصّحراء فائزهكأنّه سبط الأهداب مملوج
و أنشد:
و نسجت لوامع الحرورسبائيا كسرق الحرير
فالمراد به السّراب يستدل من هذا البيت على أنّ السّرق يقع على الحرير الأبيض دون غيره. قال ذو الرّمة:
إذا تنازع جالا مجهل قذفأطراف مطّرد بالحرّ منسوج
تلوى الشّنايا بأحقيها حواشيهلي الملأ بأطراف التّفاريج
جعل أطراف السّراب المنسوج بالحرّ يتنازعها جانبا المفازة، و قد بالغ في الإبانة و التّصوير. و هذا كما قال الرّاعي:
و إذا ترقّصت المفازة غادرتزبدا يبغّل خلفها تبغيلا
و يعني بالزّبد حادي الإبل، و ما أوردناه في السّراب و وجوه تشبيه كاف في هذا الموضع.
فأمّا البرق: فإنّ الأصمعيّ قال: أحسن ما قيل في وصف البرق و الغيث قول عدي بن الرّفاع:
فقمت أخبره بالغيب لم يرهو البرق إذانا محزون له أرق
قال أبو نصر: كذا رويناه عن الأصمعي، و هذا مما يعد من تصحيفه. و رواه أبو عمر و الشيباني و ابن الأعرابي و أبو عبيدة. و البرق إذانا محزوله أرق: أي مشترف مراقب.
و تصحيح رواية الأصمعي:
لا كلفته فيه و بعده مرنيسبح في ريح شآمية
مكلل بعماء ألماه منتطق
معنى (يسبح): يعرض و روى يسبح أي الرّعد. و قال:
ألقى على ذات أحقاد كلاكلهو شتّ نيرانه و انجاب يأتلق
نارا يعاود منها العود حدّتهو النّار تسفع عيدانا فتحترق
و بات تجتلب الجوزاء درتهابنوءها حين هاجت مربع نعق
يبكي ليدرك محلا كان ضيّعهيريق منبسط منه و مندفق
جون المسارب رقراق تظلّ بهشم المخارم و الأثناء تصطفق
يكاد يطلع ظلما ثم يغلبهعز الشّواهق و الوادي به شرق
و يقال في البرق: يشرى- و يومض- و يعن- و يعترض- و يوبض- و يستطير- و يستطيل- و يلمع- و يتبوج- و يخطف- و يخفو- و يبرق- و يتألّق- و يتلألأ- و يستشري- و ينيض- و يخرق- و يسلسل- و يشتن- و يبتسم- و يضحك- و يبعق- و ينشق- و يرتعص- و يقري- و يهص- و يثقب- و يلوّح- و يتهلّل- و يتكلّل. و مما يستحسن في وصف البرق و خفائه، و الرّعد في حدائه، و الثّلج و لألائه- قول بعضهم:
ينبض نبض العرق في استخفاءكأنّه في البعد و الخفاء
شرارة تطرف من قصباءأو طرف طيرهم باقتداء
حتى إذا امتدّت على السّواءو رجفت بزجل الحداء
و قعقعت بالرّعد ذي الضّوضاءكأنّ بين الأرض و السّماء
رجل جراد ثار في عماءأو سرعانا من دبا غوغاء
و كرسفا ينذف في الهواءتطيره الرّيح على قواء
أو حلبا ينطف من أطباءأو رغوة تنفش من غرلاء
أو كتفي الفضّة البيضاءأو كانتثار الدّر ذي اللّألاء
أو كانتظام الودع في الإخفاءفأشمطت الأرض على فتاء
و استوفت الآكام بالصّواء
و قال آخر:
و أرض أنست بأهوائهاو غيث سريت له إذ سرى
و شمت بوارق أقطارهفبرق يلوح و برق خبا
و بات يعجّ عجيج القطاو باتت بجوالقها تمترى
و قد هدأ الصّوت من غيرهو دارك بين البكا و الفنا
و قلت له حين أبصرتهيراوح بين الخسا و الزّكا:
أ أنت القطار أم أنت البحار أم أنت قاسم المرتجى؟
فأنبت ما لم يكن نابتاو قلع من نبته ما عفا
و لم تلبث الأرض أن صرّحتعن النور و اخصر أعلى الضّفا
و صار على الأرض من وبلهقناع السّيول و إزر الربى
شعر:
تأزّرت الأرض ثم ارتدتمن النّور حليا كساها الحيا
و صار سواء إذا جبتهامفاوز بربّها و القرى
قال العتابي:
أرقت للبرق يخبو ثمّ يأتلقيخفيه طورا و يبديه لنا الأفق
كأنّها غرّة شهباء لامحةفي وجه دهماء ما في جلدها يلق
أو ثغر زنجية تغترّ ضاحكةتبدو مشافرها طورا و تنطبق
أو غرّة الصّبح عند الفجر حين بدتأو في المساء إذا ما استعرض الشّفق
له بدائع حمر اللّون هائلةفيها سلائل بيض ما لها حلق
و الغيم كالثّوب في الآفاق منتشرمن فوقه طبق من تحته طبق
تظنّه مصمتا لا فتق فيه فإنسالت عزاليه قلت الثّوب منفتق
إن قعقع الرّعد فيه قلت ينخرقأو لألأ البرق فيه قلت تحترق
تستكّ من رعده أذن السّميع كمايغشي إذا نظرت في برقه الحدق
فالرّعد صهصلق و الرّيح مخترقو البرق موتلق و الماء منبعق
غيث أواخره تحدو أوائلهأرب بالأرض حتى ماله لثق
قد حاك فوق الرّبى نورا له أرجكأنّه الوشي و الدّيباج و السّرق
فطار في الأنف ريح طيب عبقو نار في الطّرف لون مشرق أنق
من خضرة نبتها حمراء قانيةأو أصفر فاقع أو أبيض يقق
و لبعض بني مازنة:
إذا اللّه لم يسق إلّا الكرامفاسق ديار بني حنبل
ملثا مربا له هيدبصخور الرّواعد و الأزمل
تكركره حصحصات الجنوب و تفرغه هزة الشّمال
كأنّ الرّباب دوين السّحابنعام تعلق بالأرجل
كأنّ الركية من فيضهإذا ما بدا فلكة المغزل
قال علي بن الجهم في السّحاب شعرا:
و سارية ترتاد أرضا تجودهاشغلت بها عينا قليلا هجودها
أتتنا بها ريح الصّبا و كأنّهافتاة ترجيها عجوزا تقودها
تميس بها ميسا فلا هي إن دنتنهتها و لا إن أسرعت تستعيدها
تقاربها في كلّ أمر تريدهليسرح في أكنافها من يريدها
إذا فارقتها ساعة ولهت لهكأمّ وليد غاب عنها وليدها
فلمّا أضرّت بالعيون بروقهاو كادت تصمّ السّامعين رعودها
دعتها إلى حلّ النّطاق فأرعشتيداها و خرّت سمطها و عقودها
و كادت تمسّ الأرض إمّا تلهفاو إمّا حذارا أن يضيع فريدها
فلمّا رأت حرّ الثّرى متعقدابما زلّ عنها و الرّبى تستزيدها
و أنّ أقاليم العراق فقيرةإليها أقامت بالعراق تجودها
فما برحت بغداد حتّى تفجّرتبأودية ما تستفيق مدودها
و حتّى رأينا الطّير في جنباتهاتكاد أكفّ الغانيات تصيدها
و حتّى اكتست من كل نور كأنّهاعروس عليها وشيها و برودها
و دجلة كالدّرع المضاعف نسجهالها حلق تبدو و تخفي حديدها
فلمّا قضت حقّ العراق و أهلهأتاها من الرّيح الشّمال يريدها
فمرّت تفوت الطّير سبقا كأنّهاجنود عبيد اللّه ولّت بنورها
كنا قد ذكرنا فيما صدّرنا به هذا الكتاب ما أنشأ اللّه عليه الخليقة من حبّ الوطن و السّكن، و ما درج إليه أولي النّحل السّليمة- و العقد الصّحيحة من الولوع بحفظ متقادم أعصارهم، بما اتّفق من سير و حكم نخبهم- و أنه حبّب إليهم ما يأثره القرن بعد القرن، منهم ليظهر من جلائل صنعه- في كل حين و فوائد منحه على كلّ حال ما توافق فيه الرّواة- و تلاحق به المدد و الأوقات.
و ذكرنا أيضا شيئا صالحا من علّة الحنين إلى الألّاف و الأوطان، و ما تأسّس عليه أسباب التّنافس و التّحاسد بين الرّجال، إلى انكشاف الأحوال عن التّراضي بينهم بمختلفات الأقسام، و إنّ جميع ذلك حكمة بالغة من اللّه جلّ جلاله في الأنام، فأحببنا أن نجدد هنا ما يتأكّد به ما تقدّم، أنشد المبرد شعرا:
لعمري لئن جليت عن منهل الصّبالقد كنت ورّاد المشربة العذب
ليالي أعدو بين بردين لاهياأميس كغصن البانة النّاعم الرّطب
سلام على سير القلاص مع الرّكبو وصل الغواني و المدامة و الشّرب
سلام امرئ لم تبق منه بقيةسوى نظر العينين أو شهوة القلب
قال أبو تمام:
إذا لا صدوف و لا كنود اسماهماكالمعنيين و لا نوار نوار
إذ في القتادة و هي أنجل أيكةنمر و إذ عود الزّمان نضار
قال دريد بن عبد اللّه:
حننت إلى ريّا و نفسك باعدتمزارك من ريّا و شعباكما معا
و أذكر أيّام الحمى ثمّ أنثنيعلى كبدي من خشية أن تقطّعا
تلفّت نحو الحيّ حتّى وجدتنيوجعت من الإصغاء ليتا و أخدعا
و ليست عشيات الحمى برواجععليك و لكن خلّ عينيك تدمعا
أنشد أبو صالح الآمدي عن الأخفش:
سقى اللّه أياما لنا ليس رجّعاإلينا و عصر العامريّة من عصر
ليالي أعطيت البطالة مقوديتمرّ اللّيالي و الشّهور و لا أدري
مضى لي زمان لو أخيّر بينهو بين حياتي خالدا آخر الدّهر
لقلت دعوني ساعة و حديثهاعلى غفلة الواشين ثم اقطعوا عمري
و قال آخر:
أقول لصاحبي و العيس تهويبنا بين المنيفة فالضّمار
تمتّع من شميم عرار نجدفما بعد العشيّة من عرار
ألا يا حبّذا نفحات نجدو ريّا روضه بعد القطار
و أهلك إذا يحلّ الحيّ نجداو أنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين و ما شعرنابأنصاف لهنّ و لا سرار
قال ابن الرّومي:
بكيت فلم تترك لعينك مدمعازمانا طوى شرخ الشّباب فودّعا
سقى اللّه أوطارا لنا و مآرباتقطّع من أقرانها ما تقطّعا
ليالي ينسين اللّيالي حسابهابلهنية أقضي بها الحول أجمعا
على غرة لا أعرف اليوم باسمهو أعمل فيه اللهو مرأى و مسمعا
قال معن بن زائدة:
تمطّى بنيسابور ليلي و ربّمايرى بجنوب الدّير و هو قصير
ليالي إذا كلّ الأحبة حاضرو ما كحضور من يحبّ سرور
فأصبحت أمّا من أحبّ فنازحو أمّا الألى أقليهم فحضور
و إذ لا أبالي أن يضيّع سائسو يشقى بما جرّت يداه وزير
يحنّ إلى الألّاف قلبي و قلبهإذا شاء عن ألّافه لصبور
أبيت أناجي النّفس حتى كأنّمايشير إليها بالبنان مشير
لعلّ الذي لا يجمع الشّمل غيرهيدير رحى جمع الهوى فتدور
فتسكن أشجانا و تلفي أحبةو يورق غصن للشّباب نضير
أراعي نجوم اللّيل حتى كأنّنيبأيدي العداة الثّائرين أسير
و له:
باد الهوى و تقطّعت أسبابهو صبا فعاود قلبه أطرابه
ذكر النّميريّ الغواني بعد مانزل المشيب و بان منه شبابه
و تذكّر اللّهو القديم فساقهأن شطّ بعد تقارب أحبابه
غشي المنازل بالسّليل فهاجهربع تبدّل غيره أربابه
بانوا و ما من بين حيّ راحلإلّا له أجل يلوح كتابه
و لقد نراه للقتول و أهلهاجارا تمسّ بيوتهم أطنابه
صافت بوج في ظلال كرومهحتى شتا و تصرّمت أعنابه
و تذكّرت متربّعا من أرضهبردت شمائمه و جال سحابه
كم قد أربّ بجوّه من معذقمتهزّم قرد يطير ربابه
فمحلّها منه رواء مبقلهزج إذا ارتفع النّهار ذبابه
حلّ به ثمد و محضر بهجةحرما و أمنا حوله أنصابه
يهوي إليها العالمون كأنّهمقطع القطا متواترا أسرابه
إنّ الذي يهوى فؤادك قربهقد سدّ بالبلد الحرام حجابه
أنّى ينال إذا انتمت في مشرفدون السّماء حصينة أبوابه
لجّ المتيّم في البعاد سفاهةو البين ينعب ظبيه و غرابه
حتى إذا احتمل الحبيب تبادرتعيناه دمعا دائما تسكابه
إنّ امرأ كلفا بذكرك موزعاحقّ عليكم وصله و ثوابه
قد طال ما انتظر النّوال لديكمحتى استملّ و لامه أصحابه
لو تنطق العيس اشتكت ما عالجتمن حبسها عند القتول ركابه
قال ابن ميادة:
ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلةبحرّة ليلى حيث رببني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائميو قطّعن عني حين أدركني عقلي
قال ابن الرومي:
و لي وطن آليت ألّا أبيعهو ألّا أرى غيري له الدّهر مالكا
عهدت بها شرخ الشّباب و نعمةكنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
و قد ألفته النفس حتى كأنّهلها جسد إن غاب غودرت هالكا
و حبّب أوطان الرّجال إليهممآرب قضّاها الشّباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمعهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
اعتل رجل في غربته فتذكّر أهله فقال:
لو أنّ سلمى أبصرت تحدّديو دقة في عظم ساقي و يدي
و بعد أهلي و جفاء عوديعضّت من الوجد بأطراف اليد
قال أبو عنية:
ألا خبّروا إن كان عندكم خبرأ تقفل أم نثوي على الهمّ و الضّجر
شعر:
نفى النّوم عن عيني تعوّض رحلةلها الهمّ و استولى بها بعدها السّخر
فإن أشك من ليلى ليلى طولهفقد كنت أشكو منه بالبصرة القصر
فيا حبّذا بطن الحزير و ظهرهو يا حسن واديه إذا ماؤه ذخر
و يا حسن تلك الباسقات إذا غدتمع الماء تجري مصعدات و محدر
و يا حبّذا نهر الأبلة منظراإذا مدّ في إبانه النّهر أو جزر
و فتيان صدق همّهم طلب العلىو سيماهم التّحجيل في المجد و الغرر
لعمري لقد فارقتهم غير طائعو لا طيب نفسا بذاك و لا مقر
و قائلة ما ذا نآى بك عنهمفقلت لها لا علم لي فسلي القدر
فيا سفرا أووى بلهوي و أنثيو نغّصني عيشي عدمتك من سفر
و قال آخر:
أعلى اليأس أنت أم أنت راجكلّ همّ مصيره لانفراج
ما تغنّى القمريّ إلا شجانيو غناء القمريّ للقلب شاج
فلنوح الحمام يهتاج قلبييا لقوم لقلبي المهتاج
و خليل سرى إليّ و دونيسير شهرين للبغال النّواج
عامدا ما تراه يقظان عينيو هو في النّوم لي ضجيع مناج
جعلت نفسه لنفسي على البعدمزاجا أحبب به من مزاج
كم بجرجان ليت شعري مقاميو متى من غمومها أنا ناج
إنّ أشهى إلي منها مقامبين دار المنجاب و الحجاج
في فتو من كل أيلج يكفيوجهه في الظّلام فقد السراج
ربّ فاحفظهم و ردّ إليهمغرابتي يا مؤلف الأزواج
و قال آخر:
ألا ما لعينك لا ترقدو ما لدموعك لا تجمد
و ما بال ليلك ليل السّليمساوره الحيّة الأربد
و خلّاك صحبك في زفرةو همّ عنك في غفلة هجّد
فما لك من وحشة مؤنسو ما لك عند البكا مسعد
فقاس الهوى و تقرد بهفأنت الوحيد به المفرد
مللت بجرجان طول الثّوىو بالبصرة الدار و المولد
و كم لي بها من أخ أصيدنماه لمجد أب أصيد
مصابيح ليل إذا أشرقتيفرج عنه الدّجى الأسود
إذا النّاس غمّتهم أزمةفلم يبق كهل و لا أمرد
يؤمّل أو يرتجى رفدهيعود بخير و لا يرفد
و لم يدر حرّان ذو درّيةإلى من بكربته يقصد
سواء إذا ازدحم الواردون أقربهم فيه و الأبعد
إذا ما التقوا و ثقوا عندهبأن لن يزادوا و لن يطردوا
و يغشون في الحرب حوماتهاإذا شبّ نيرانها الموقد
و أعرضت الخيل مزورةسرابيلها العلق المجسّد
إذا وعدوا أنجزوا وعدهمو إن أوعدوا حان من أوعدوا
مواريث آباء آبائهميورثها سيّد أسيد
فلو كان يخلد أهل الندىو أهل المعالي إذا خلدوا
متى ألقهم بعد طول المغيبأجدهم على خير ما أعهد
ألا ربّما طاب لي مصدريلديهم و طاب لي المورد
شعر:
و إن يقدر اللّه لي رجعةفجدّي بقربهم الأسعد
و إلّا فلا حزني منقضو لا حرّ نيرانه يبرد
فيا سادة النّاس أنتم منايعلى بعد داري فلا تبعدوا
و أقسم ما طاب لي بعدكممقام و لا طاب لي مقعد
يغور هواي إذا غرتمو إن تنجدوا فالهوى منجد
ألا ليتني جاركم بالعراق ما جاور الفرقد الفرقد
ألا أيّها النّاس إنّي لكمعلى خالد مشهد فاشهدوا
بكى من عتاب توالت بهقواف يردّدها المنشد
فكيف إذا ما استحرّ الهجاءإذا لا يقوم و لا يقعد
قال محمد بن عبد اللّه بن ظاهر:
يا جبل السّماق سقيا لكاما فعل الظّبي الذي حلكا
فارقت أوطانك لأنّهفارقك الخلّ و لا ملكا
فأيّ أوطانك أبكي دماماءك أو طينك أو ظلّكا
أو نفحات منك تأتي إذادمع الندى تحت الدّجى بلّكا
حدّث الزّيدي قال: أخبرنا الزّبير بن بكار قال: كانت ظبية تحت محمد بن أبي بكر بن مسور و كانت ذات مال و لا مال له، فخرج يطلب الرّزق فلمّا كان في موضع يقال له:
بلكثة، انصرف راجعا فدخل إليها فقالت: الخير رجعت فقال شعرا:
بينما نحن بالبلاكث فالقاع سراعا و العيس تهوي هويّا
خطرت خطرة على القلب من ذكراك و هنا فما استطعت مضيّا
و لو أنّ ما أهدين لي كان شربةببطن اللّوى من وطب راع شفانيا
و أنشد أبو بكر بن دريد قال: أنشدني أبو عمر أنّ الكلابي لرجل من قومه قال شعرا:
يحنّ إلى الرّمل اليماني صبابةو هذا لعمري لو رضيت كثيب
فأين الأراك الدّوح و السّدر و الغضاو مستنجز عما يحبّ قريب
هناك تغنّينا الحمام و يجتنيجنا اللّهو يحلو لي لنا و يطيب
قال أعرابي:
أيا أثلاث القاع من بين توضححنيني إلى أظلالكنّ طويل
و يا أثلاث القاع قد ملّ صاحبيثوائي فهل في ظلّكن مقيل
و يا أثلاث القاع ظاهر ما بداعلى ما بقلبي شاهد و دليل
و يا أثلاث القاع قلبي موكّلبكنّ و جدوى خيركنّ قليل
ألا هل إلى شمّ الخزامى و نظرةإلى قرقري حتى الممات سبيل
قال أعرابي:
ألا حبّذا و اللّه لو تعلمانهظلالكما يا أيّها الطّللان
و ماء كما العذب الذي لو شربتهو بي صالب الحمّى إذا لشفاني
و أنشد الأخفش علي بن سليمان:
اقرأ على الوشل السّلام و قل لهكلّ المشارب مذ هجرت ذميم
سقيا لظلّك بالعشيّ و بالضّحىو لبرد مائك و المياه حميم
لو كنت أملك منع مائك لم يذقما في فلاتك ما حييت لئيم
قال الرّياشي أنشدني أعرابي:
سلّم على قطن إن كنت تاركهسلام من يهوى مرة قطنا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشّوقو للحاد بين كرا المطيّا
ثم كرّوا صدور عيس عتاقمضمّرات طوين السّير طيّا
ذاك مما لقين من دلج اللّيلو قول الحداة باللّيل هيّا
فقالت: لا جرم و اللّه لأشاطرنك ملكي فشاطرته.
قال أبو تمام:
و ما سافرت في الآفاق إلّاو من جدواك راحلتي و زادي
مقيم الظّنّ عندك و الأمانيو إن تلفت ركابي في البلاد
معاد البعث معروف و لكنندى كفّيك في الدّنيا معادي
و أين تجور عن قصد لسانيو قلبي رائح برضاك غاد
و مما كانت الحكماء قالتلسان المرء من خدم الفؤاد
قال البحتريّ:
أملي فيكم و حقّي عليكمو رواحي إليكم و ابتكاري
و اضطرابي في النّاس حتى إذا عدتإلى حاجة فأنتم قصاري
قال أبو تمام:
كلّ شعب كنتم به آل وهبفهو شعبي و شعب كلّ أديب
إنّ قلبي لكم لكالكبدالحرّى و قلبي لغيركم كالقلوب
أبو عبد اللّه بن الأعرابي قال: أنشدتني امرأة من أهل اليمامة لنفسها و كانت مرضت بمصر شعرا:
تحاشد جاراتي فجئن عوائداقصار الخطى تجر البطون حواليا
و جئن برمان و تين و فرسكو بقل بساتين ليشفين دائيا
شعر:
أحبّه و الذي أرسى قواعدهحبّا إذا ظهرت أعلامه بطنا
فليتنا لا نريم الدّهر ساحتهو ليته حين سرنا غربة معنا
ما من غريب و إن أبدى تجلّدهإلّا سيذكر عند الغربة الوطنا
قال أعرابي:
لا و الذي إن كذبت اليوم عاقبنيو إن صدقتكم ربّي فعافاني
ما قرّت العين بالأبدال بعدكمو لا وجدت لذيذ النّوم يغشاني
و من المستحسن في هذا المعنى قوله:
شيب أيام الفراق بمفارقيو انشزن نفسي فوق حيث يكون
و قد لان أيام اللّوى ثم لم يكدمن العيش شيء بعدهنّ يلين
يقولون: ما أبلاك و المال غانمعليك و ضاحي الجلد منك كثير
فقلت لهم: لا تعذلوني و انظرواإلى النّازع المقصور كيف يكون
يعني بالنازع المقصور: بعير حنّ إلى وطنه فقيّد مخافة أن يهيم على وجهه و هذا في الإبل معروف لذلك قال القائل:
لا تصبر الإبل الجلاد تفرّقتبعد الجميع و يصبر الإنسان
قال:
هبت و ما في الأفق منه قزعةو ليس منه أحد على أمل
فأنشأته قطعا تمت مازال و ما زالت به حتى اتّصل
و طأطأت بالأرض من أكتافهو سدّدت منه الفروج و الخلل
حتى إذا كان بعيدا فدناو كان في السّير خفيفا فثقل
و أسمع الأصمّ صوت رعدهو وقر السّمع الصّحيح و أعل
و أبصر الأكمه ضوء برقهو خطف الطّرف الحديد و أكل
و صرّ حتى قيل هذا حاصبمن السّماء و عذاب قد أظل
و نحن مصنوع لنا مدبرفيه و لكنّا خلقنا من عجل
حلّت عزاليه بسرّمنرأىفلم تزل تعلّها بعد النّهل
إذا تلكا هتف الرّعد بهو أومضت فيه البروق فهطل
ليل التّمام و النّهار كلهمتّصلا مذ غدوة حتى الأصل
فما دنا حتّى اتّقى النّاس أذىإفراطه و قالت الأرض بجل
شرقت فيما ضرّ منه أهلهو ما شركت في السّرور و الجذل
و لا نقعت غلة بمائهفي معشر قد نقعوا به الغلل
و لا أجلت الطّرف في رياضهو لا أسمت السّرح في الوادي البقل
و لا تحملت له صنيعةيشملني مرفقها فيمن شمل
إلّا بتحميل السّلام سيلهإلى مدينة السّلام إن حمل
إلى بلاد جلّ إخواني بهاو من أعزّ من صديق و أجل
خرج عوف بن محلم مع عبد اللّه بن طاهر إلى متصيّد، فكان عبد اللّه يحدثه و سمعه يثقل عن الاستماع فانبرى يقول شعرا:
إنّ الثّمانين و بلّغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
و أبدلتني بشطاط الخناو كنت كالصّعدة تحت السّنان
و عوّضتني من زماع الّذيو همّه همّ الدثور الهدان
فتهت بالأوطان وجدا بهاو بالفواني أين مني الفوان
و صرت ما فيّ لمستمتعإلّا لساني و بحسبي لسان
أدعو به اللّه و أثني بهعلى الأمير المصعبي الهجان
و قرّباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
و قيل ينعاني إلي نسوةأوطانها حرّان فالرّقتان
سقى قصور الشّاذياخ الحيامن بعد عهدي و قصور الميان
و يقال: ظلّ و فيء و تبع فجمع ظل ظلال و ظلول و جمع الفيء أفياء و فيوء.
تتبع أفياء الظّلال عشيةعلى طرق كأنّهنّ سبوت
و قال آخر:
فسلام الإله يغدو عليهمو فيوء الفردوس ذات الظّلال
و إنما قال: أفياء الظّلال، فأضاف الفيء إلى الظّل، لأنّه ليس كلّ ظل فيء و كلّ فيء ظل و كان رؤبة يقول: الظّل ما نسخته الشّمس و هو أول، و الفيء ما نسخته الشمس و هو آخر.
و قالوا: الظّل بالغداة و العشي، و الفيء بالعشي. و قال أبو حاتم: الظّل يكون ليلا و نهارا، و لا يكون الفيء إلّا بالنّهار، و هو ما نسخته الشّمس ففاء و كان من أوّل النّهار و لم تنسخه. قال الشاعر:
فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعهو لا الفيء من برد العشيّ نذوق
و قال:
لعمري لأنت البيت أكرم أهلهو أقعد في أفيائه بالأصائل
و التّبع: الظّل بالغداة و العشي. قال الشّاعر:
نرد المياه حضيرة و نفيضهورد القطاة إذا استمال التّبع
و إذا كان الظّل تاما لم ينقص و لم تنسخه الشّمس قيل: ظل دوم و دائم. قال: شتّان هذا و العناق و النّوم و المشرب البارد و الظل الدّوم.
و هذا كقوله تعالى: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً [سورة الملك، الآية: 30] أي غائرا- و ظلّ
رفق و مسترفق، و جلس في أرفق الظّل و ظلّ ممدود و مديد، و ظلّ واصب- و ظلّ ساكن.
و ظلّ راتب راسب و معتد و عتيد. و ظلّ أمم و عمم، فإذا كان كشيفا ثخينا لم تنسخه الشّمس أو نسخته و وفرته. قيل ظلّ قوي- و كشيف- و ثخين رصين- و سجس- و وارف- و وريف.
قال:
غدا تحت فينان من الظّل وارف
و ظل واف ضاف- و ظلّ سابغ- و ظلّ و حف نعف- و ظلّ- واعد- و صادق- و موثوق- و ظلّ- مظلّ- و ظليل و ظلّ فينان- و ذو فيون- و ظلّ مغطال- و مغطئل.
و إذا كان ضعيفا شفا قيل شف هف. و شفيف هفيف- و شفشف- و شفشاف- و هفهف- و هفهاف- و شعشع- و شعشاع- و خادع- و خداع- و خدوع و كاذب- و كذاب- و كذوب- و ظنون- و حتيفور- و ملذان- و ملاق- و خفاق.
فإذا أكلته الشّمس- و تحيفته قيل أخذ الظّل يتراجع- و يتراد- و يزحل و ينحلّ و يضهل- و يذبل- و ينحف- و يهرد و ينزل- و يأفل- و ينشل- و يشل- و يليح- و يلق- و يدق- و يموت- و يأزي- و يحسر- و يقصر- و يمصح- و يهرب- و يجنح- و يرزح- و ينفق- و يحول و يزول- و يصيف- و يضيف- و يقلص- و يضحي- و يكري. قال ابن أحمر:
و تواهقت أخفافها طبقاو الظّل لم يفضل و لم يكثر
و يتأزّف- و يتجارف- و يتأزّى- و يتقاصر- و يسمئيل- و يضمحلّ- و يغيب- و ظلّ منقوص.
و إذا ضاق كلّ ضيق قيل: أخذ يضيق- و يقع- و يسقط- و ينصب- و كرب يغيب- و يرزأ- و يفيء- و يبلى- و يموت- و قد عاد- و لاذ- و عاوذ- و لاوذ، و ألاذ- و استرق- و انحمق- و انغفق- و انسرب- و انبتر.
و الظلّ: ضيق- و ضيق- و زناء- و أحمق- و محمق- و ضهل- و واشل- ناشل- و شعى- و لقي- و هزيل- و نحيف- و حرض- و دنف- و هالك- و ساقط- و متكرس- و متزرب- و خانس كانس- و أعجف- و محيف مذيق- و صحصاح.
فإذا أسرع الزّوال- و تعجّل في الانفتال- قيل ظلّ مستوفز- و مستقلص و مستطرد- و مالح- و راغش- و والق- و دالق.
فإذا أخذ يترجّح قيل يترجّح- و يميد- و يمور- و يتراد- و يتغيف- فإذا وقف قيل قد وقف- و صام- و قام- و مكد- و ركد- و مصد- و حار- و تحيّر- و دوم- و تلدد- و تبلد- و عقل- و اعتقل- و تخبس- و تصبّر- و ظلّ حيران ثابت لا يزول.
و يقال: وردته و الظّل عقال- و حذاء- و طباق- و طراق- قال الشّاعر:
و كان طرّاق الخف أو قل زائدا
و شعار و دثار- و رداء- و خف- و نعل- و جورب.
قال: و انتعل الظّل فصار جوربا. و ساق- و ظل مثارب من الأرومة و متجعثن من الجعثنة و متجرثم من الجرثومة.
فإذا حوّل قيل حول- وفاء- و راع- و نسخ- و انتقل- و بدل- و اعتدب.
و يقال: يزل الظّل محولا و محولا و طاردا، و مطرودا- و ناسخا- و منسوخا و سارقا- و مسروقا- و لاحقا- و ملحوقا.
و يقال: له أول ما يظهر في فيئه نبت الظلّ- و نجم- و نسم- و عسم- و بدا- و تولّد- و ظهر- و أنتج- و نبع- و نبغ- و انتعش- و انتقش- و أحنى- و طلع- و نسغ و جلس في نسيغ الظّل و رسيغه. و موكده- و منتجه- و منبته- و مستنبته- و مستنبطه- و مستوشاه- و مستعلقه- و مستذاقه- و مستطعمه- و مسترفقه- و مستحلقه- و مستودقه- و مستمتعه- و مسترفده- و ملتقطه- و مستفاه- و مشتفه- و نفاشه- و جناه.
فإذا انبسط شيئا في فيئه قيل: حي- و ربا- و نبت- و سعى- و مشى- و حبا- و ثار- و سار- و جسم- و سمن- و استطال- و فضل- و نمى.
و يقال: ظلّ شاب- و جذع- و قيان- و شارخ- و غض. قال قد صبحت و الظّل غض ما زجل- و ظلّ دوم و دائم- و روح- و رائح و ثمل- و هائل- و ظلال ثمل- و ثملة و ثوامل- و جاءنا في ثميلة الظّل- و ثامله- و مشتمله- و ثمله- و ثمده- و شجرة مثملة و قد استبرد في الظلّ- و استروح- و استدفأ- و ظلّ مدفئ- و دفيء- على فعيل- و سخن- و ساخن- و سخاخين- و ظلّ بارد- و كريم- و أدفأت الشّجرة بظلالها- و دفأت و أبردت- و أروحت- و أراحت- و أطابت- و أطيبت- و تفيأت الشّجرة بظلها- و أفاءت ظلالها- و قد فاء الظّل بفيء فاء و فيئا.
و يقال: ظل مومن- و مشمل- و موسر- و ميامن و مياسر- و قد أيمنت- و يامنت و أيسرت- و ياسرت- و أشملت- و وقع ذات اليمين- و ذات الشّمال- و إذا تحرّك خلال الشّجر قيل رمح الظلّ- و ركض و ارتكض- و صرخ- و رقص- و رنق.
و يقال: ركض الماء في المجمر أيضا.
و يقال: ظل أبيض- و أشهب- و أسمر ليس بشديد السّواد- و العس- و أدعج و أظمأ-
و ألمى- و أحمر- و أحوى قال في ظلّ أحوى الظّل رفاف الورق- و يحموم و أدهم- و أدلم شديد السّواد- و أتيته في دلمة اللّيل و ظلمته أي في شدّة سواده.
و يقال: ظل يقق- رقق- و ازغاز- و ناضب غائب- و منسرق منحمق- و مخنق مدنق- و حاسر- و قاصر- و عادل مائل- و زائل حائل- و ناحل ضاهل- و جانح- أو ماضح و منتقل- أو معتقل- و ماكد راكد- و مشفش- و ناسم- أو جاسم- و ساه واه و عائذ لايذ- و معاوذ- ملاوذ- و معافر- أو منافر- و مضمحل- و مسمئل- و والق دالق- و ملس محلس- و هفهف- شفشف- و هف شف- و هفهاف شفشاف- و هفهف أو رفرف و ساج داج- و متجارف متأزف- و صايم قائم- و ثخين رصين- و ناحل- أو زاحل و وحف- نغف- و أمم- أو عمم- و زائل آفل- و ناشل و اشل- و مكر مجن- و متبلّد و متلدّد- و نافق عافق و شارخ أو مالخ و خانس كانس و سقيط- أو لقيط- و راتب راسب- و منزب منسرب.
قال أبو عمرو ما يجري مجرى التفسير و هو أكثر سماع من أبي العبّاس ثعلب.
يقال: سجس الظّل فهو سجس إذا دام و سكن. و منه سجس الماء علاه الطّحلب فواراه. و كذلك لا أفعله سجيس اللّيالي و هو باقيها و دائمها. و ظل ساج: أي ساكن. و قد سجا سجوا. و ظل داج ملبس. و قد دجا دجوا و هو من قولهم دجا الإسلام أي ظهر و انتشر.
قال شعرا:
و ما مثل عمرو غير أعتم فاجرأبي مذ دجا الإسلام لا يتجنّف
و يقال: دجت شعرة الشّاة: ضفت و سبغت. و رفق الظّل ما تسترفق به منه.
و يقال: ماء رفق قليل للغشاء قريب الرّشاء. و ظل ماتع طويل. قال:
ماتعة رأد الضّحى أفياؤهاو قد متع الظّل و متع النّهار و متع النّبات
قال ابن مقبل: و عاد لويه بعد المتوع، و ظل وحف كشف- و شعر وحف و قد وحف وحوفة و وحافة. و لغف مثله. و قد ألغف قناعه، و أغدفه، و ظل واعد يعد بسكون، و دوام و سحاب واعد يعد يمطر، و فرس واعد يعد بجري. قال:
حتى إذا أدرك الرّامي و قد عربتعنه الكلاب فأعطاها الذي يعد
يصف ثورا دافع كلبا بقرنه.
و ظلّ مظل- و ظليل- و قد أظلّ يومنا- و ظل مغطال و مغطئل- قال و أغطال شكيرها- و شف هف- من قولهم: شف الثّوب إذا أدى ما وراءه، و هف رقيق.
و يقال: سحاب هف رقيق- و شهدة هف لا عسل فيه- و ثوب هفهف رقيق- و هفهاف كذلك.
و يقال: ظلّ مشعشع أي رقيق. و شعشع كذلك و هما غير الظّليل. قال الهذلي: و الظّل بين مشعشع و مظلّل. و شعشع الشّراب: أرقّه بالمزج.
و رجل شعشاع طويل دقيقإلى كلّ شعشاع و أبيض فادعم
و خادع و ظنون لا يوثق بدوامه.
و يقال: سنون خداعة لا زكوة فيها، و كل شيء لا دوام له و لا بقاء فهو خيتعور، و الدّنيا خيتعور، و حبّ المرأة خيتعور. قال شعرا:
كلّ أنثى و إن بدا لك منهاآية الحبّ حبّها خيتعور
و الغول خيتعور و شيء يظهر على وجه الأرض، فلا يثبت خيتعور و الملذان الكذوب.
و يقال: زحل الظّل أي سار. قال: و الظّل غض ما زحل. و ضهل قل: يقال ماء ضهل و ضاهل و ظل ضهل. و هرب الظلّ: غاب. قال: من هارب الوتد. و أفل غاب و أفلت الشّمس تأفل أفولا و أفلت السّحاب صحت، و أفل لبن النّاقة، قلّ، و الأفيل و الإفال صغار الإبل لأنّها تغيب في جلتها و كبارها.
و يقال: نشل الظّل قل و يدنا شلة نحيفة ضئيلة، و وشل اللّبن و وشل حظ الرّجل و ولق يلق أسرع. قال: جاءت به عنس من الشّام تلق.
و ودق: دنا من السّقوط، و يقال: و دقت الأتان و أودقت و استودقت فهي وديق و مودق و مستودقة إذا اشتهت الفحل فدنت منه، و ودقت السّرة تدلّت إلى الأرض، و الوديقة الهاجرة لأنّ الشّمس تنزل إلى الأرض بحرّها.
و يقال: أزي الظّل يأزى أزيا و أزيا إذا قصر و صار نعلا، و تأزّى القوم في حلتهم إذا تقاربوا، و فلان أزءمال يلازمه فلا يبرحه. و اسمأل الظّل لاذ بأصل الشّجر و اسمأل الثّوب أخلق، و كلّ ضعيف مسمئل و كلّ قوي مضمئل.
و يقال: قلص الظّل قلوصا و ضحى يضحى ضحوا. و مصح مصوحا، و جنح جنوحا، و رزخ رزوخا، و نضب الظّل و نضب الماء و نضب البرق. و أنشد أبو زيد في عماء ناضب.
و زنا الظّل و هو زناء. قال شعرا:
و تدخل في الظّل الزّناء رءوسهاو تحسبها هيما و هنّ صحائح
و عادنا الشّجر و جلست في عوذ الظّل، و انسرق الظلّ.
و يقال: قواه منسرقة أي ضعيفة، و غزال منسرق، و انغفق: ضعف و كاد ينتقل.
و يقال: تغفق بظلّ الشجرة. قال:
تغفّق بالأرطى لها و أرادهارجال فبذّت نبلهم و كليب
و انسرب: دخل في السّرب و انزرب دخل في الزرب و كنس و جنس و ظل لقا و ظلال القاء و ملخ الظّل أسرع ملخا. قال: تمير في الباطل مرا مالخا. و داغش لاوذ و قد داغش الورد. قال عطشان داغش ثم عاد يلوب.
و قال: (أ ما تراهنّ يداغشن السّرى): و يروى يواغشن و عقل الظلّ.
قال شعبة السّاق إذا الظّل عقل، و الظل بالغداة محول و بالعشيّ محول. قال شعرا:
إذا حوّل الظّل العشي رأيتهحنيفا و في قرن الضّحى يتنصّر
و يقال: جلس في نسيغ الظّل و رسيغه. قال: و في نسيغ الظّل أو رسيغه. و ظلّ رقق و رقيق و نفق سريع الزّوال واز قصير و غاز و قد غزا و طنه فقصر.
و يقال: غزا الماء أوطانه: إذا لحق بقرارة من الأرض و حسر عنه المدد.
و يقال: ساه راه و ظلال أرهاء. قال شعرا:
و استكن العصفور كرها مع الضّبو أوفى في عوده الحرباء
فنفى الجندب الحصا بذراعيه و أودت بأهلها الإرهاء
و المعافر لم يفسر، و قالت امرأة لابنتها: لا تأتيني إلّا معافرة أو منافرة.
و يقال: شجر المي الظّل قال:
إلى شجر المي الظّلال كأنّهرواهب أحلى من الشّراب عذوب
يقال: أخذ الظّل يموت و قد مات و ماتت الرّيح، قال: إني لأرجو أن تموت الرّيح، و أقعد اليوم و تستريح. و قوله مشتفة من قولهم: اشتف الشّراب: إذا أخذ يتجرعه و أشنف جوز الفرس الحزام إذا استوفاه، قال: و دفان يشتفان كل ظفان بمنزلة الحرام.
و هو فصلان:
تاريخ كل شيء في اللغة غايته و وقته الذي انتهى إليه. و منه قولهم: فلان تاريخ قومه في الجود: يريدون الذي انتهى إليه ذلك، و سئل بعض أهل اللّغة ما معنى التاريخ؟ قال:
معنى التأخير. و قال آخر: بل هو إثبات الشيء.
و يقال: و رخت الكتاب توريخا هو لغة بني تميم و أرخته تأريخا لغة قيس و تأريخ و تاريخان و تواريخ.
و يقال: أرخ كتابك و ورّخه. قال أحمد: جميع ما ذكرنا فيه من اختلاف اللّغات و ما دارت عليه الكلمة في التّصاريف يدل على أنّها جارية مجرى ما أصله العربية دون ما نقل إليه من العجمية، و لكل نبوة و مملكة تاريخ، فأمّا العرب فكانوا يؤرخون بالنّجوم قديما و هو أصل، و منه صار الكتّاب يقولون: نجمت على فلان كذا حتى يؤديه في نجوم و يجمع النّجوم أنجمه.
و يقال: نجم له رأي أي ظهر، و اشتهر لفظة النّجم بالثّريا فأما قوله تعالى: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى [سورة النّجم، الآية: 1] كان الكلبي يقول: و القرآن إذا نزل نجوما أو شيئا بعد شيء و قال غيره: النّجم هاهنا الثّريا أقسم اللّه تعالى به على المعنى الذي فسّرناه كأنه قال: و خلقي الذي لا يقدر أحد أن يخلق مثله، و على أقسامه بالطّور و التّين و ما أشبههما، و فسّروا قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [سورة الواقعة، الآية: 75] على النّجوم الطّوالع لقوله:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [سورة الواقعة، الآية: 77] و على نجوم القرآن أيضا، و قيل في قوله:
وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ [سورة الواقعة، الآية: 77] إنّ النّجم ما نجم من النّبات و لا ساق له و يقال لواحد: هذا النّجم نجمة. قال الحارث بن ظالم شعرا:
أحصي حمار بات يكدم نجمةأتوكل جيراني و جارك سالم
صغّر أمره و شبّهه بحمار سوء، و كانت العرب تؤرّخ بكلّ عام ينفق فيه أمر جليل مشهور متعارف كتاريخهم بعام الفيل، و فيه ولد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و كان ذلك في السّنة الثامنة و الثّلاثين من ملك كسرى أنو شروان.
و روي لنا عن أبي العيناء في إسناد يرفعه إلى أبي جعفر محمد بن علي قال: ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ليلة الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول، و كان الفيل في النّصف من المحرّم بينه و بين مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خمس و خمسون ليلة. و بذلك الإسناد أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ماتت أمّه و له ستّ سنين.
و روى جبير بن مطعم أنه قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: أنا يومئذ ابن ثمان سنين.
و روي عن الزّهري أنّ أبا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم توجّه إلى الحجاز ممتارا فمات و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حمل.
و روي أن آمنة أم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ماتت و تركت أم أيمن و هي أم أسامة بن زيد، فأرثها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و كان إذا رآها قال: بقية أميّ. فهكذا كان يجري أمر التّاريخ، و كما أرّخوا قبله بعام الخنان(1)لأنّهم تماوتوا فيه، و عظم أمره عليهم. قال النّابغة شعرا:
فمن يك سائلا عنّي فإنّيمن الشّبان أيّام الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيهاو عشر بعد ذاك و حجّتان
فقد أبقت صروف الدّهر منّيكما أبقت من السّيف اليماني
و روي من غير وجه أنّه كان بعد النّبي صلى اللّه عليه و سلم كان الأقرع بن حابس يحكم العرب في كلّ موسم، و كانت العرب تتيمّن و هو أول من حرّم القمار، فانقادوا له لذلك قال البعيث:
و عمّي الذي انقادت معد لحكمهفألقوا بأرسلان إلى حكم عدل
قوله: القوا بأرسلان: كما قيل: ألقيت إليك المقاليد، و ما أقل من أرّخ في شعره على أنه يروى للمستوغر بن ربيعة و هو من المعمّرين:
و لقد سئمت من الحياة و طولهاو ازددت من عدد السّنين سنينا
مائة أتت من بعدها مائتان ليو أردت من عدد الشّهور مئينا
هل ما بقي إلّا كما قد فاتنايوم يكرّ و ليلة تحدونا
1) في القاموس الخنان كغراب داء يأخذ الطّير في حلوقها و في العين و زكام الإبل. و زمن الخنان كان في عهد المنذر بن ماء السماء ماتت الإبل منه- شريف.
قال أكثم بن صيفي:
إن امرأ قد سار تسعين حجّةإلى مائة لم يسأم العيش جاهل
أتت مائتان غير عشر و فاءهاو ذلك من مرّ اللّيالي قلائل
أنشد المازني:
هزئت زينب و إن رأت يرميو إنّ الخنى ليقال من ظهري
من بعد ما عهدت فأدلفنييوم يجيء و ليلة تسري
حتّى كأنّي خاتل قنصاو المرء بعد تمامه يجري
لا تهزئي منّي زينب فمافي ذاك من عجب و لا سحر
أولم تري لقمان أهلكهما اقتأت من سنة و من شهر
و بقاء نسر فلمّا انقرضتأيامه عادت إلى نسر
ما طال من أبد على لبدرجعت محورته إلى قصر
و لقد حلبت الدّهر أشطرهو علمت ما أتى من الأمر
و أرّخت العرب بموت هشام بن المغيرة المخزومي لجلالته فيهم، و لذلك قال الشاعر:
و أصبح بطن مكّة مقشعرّاكأنّ الأرض ليس بها هشام
و مات زهير بن أبي سلمى قبل مبعث النّبي صلى اللّه عليه و سلم بسنة، و مات النّابغة قبله فقال زهير لبنيه: رأيت رؤيا و ليحدثنّ أمر عظيم و لست أدركه رأيت كأنّي أصعدت إلى السماء حتى إذا كدت أنا لها انقطع السبب، فهويت فمن أدركه منكم فليدخل فيه فأتى ابنه بحير(1)النبي صلى اللّه عليه و سلم و كان زهير يكنى بحير فأسلم و أبى كعب أن يسلم حتى هاجر النّبي صلى اللّه عليه و سلم إلى المدينة فقدم و أسلم، و مدح النّبي صلى اللّه عليه و سلم بقصيدته اللّامية و اعتذر مما كان فيها.
و روى الزّهري و الشّعبي أنّ بني إسماعيل أرّخوا من نار إبراهيم إلى بنائه البيت حين بناه مع إسماعيل فإنّ بني إسماعيل أرّخوا من بنيان البيت إلى تفرق معد، ثم أرّخوا بشيء إلى موت كعب بن لؤي، ثم أرّخوا بعام الفيل إلى أن أرّخ عمر بن الخطاب من هجرة النبي صلى اللّه عليه و سلم و كان سبب ذلك أنّ أبا موسى كتب إليه أنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب ليس لها تاريخ، فلا ندري على أيّها نعمل.
1) في تجريد أسد الغابة بحير بن زهير بن أبي سلمى أخو كعب أسلم قبل أخيه و كلاهما شاعران مجيدان و أبوهما من فحول الشعراء. 12 الحسن النعماني.
و روي أنه قرأ صكا محلّه شعبان، فقال الشّعابين الماضي أم الآتي؟ فكان ذلك سبب التّاريخ من الهجرة بعد أن أرادوا أن يؤرّخوا من المبعث، ثم اتّفق الرأي على الهجرة، و قالوا: ما نجعل أوّل التّاريخ؟ فقال بعضهم: شهر رمضان و قال بعضهم: رجب، فإنّه شهر حرام، و العرب تعظّمه، ثم اجمعوا على المحرّم فقالوا: شهر حرام و هو منصرف النّاس عن الحج، و كان آخر الأشهر الحرم فصيّروه أوّلا لأنّها عندهم ثلاثة سرد: ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم، و واحد فرد و هو رجب فكان الأربعة تقع في سنتين. فلما صار المحرم أولا اجتمعت في سنة، و التاريخ لغة قيس، و عليه استعمال النّاس و التّوريخ لغة تميم و ما استعمله كاتب قطّ، و إن كان التّكلم به كثيرا في ألسنة العرب.
و قال بعض الكتّاب: التاريخ عمود اليقين- مبيد الشّكوك- به تثبت الحقوق- و تحفظ العهود.
قال أبو بكر الصّولي: و كان لا يقع التّاريخ في شيء من الكتب السّلطانية من رئيس أو مرءوس إلّا في أعجاز الكتب، و قد يؤرخ النّظر و التّابع ما خص من الكتب في صدورها.
و قال إبراهيم بن العباس: الكتاب بلا تاريخ نكرة بلا معرفة، و غفل بغير سمة.
قال أبو عبد اللّه: و كتب عمر بن الخطاب إلى الأمصار أن يبعث إليه من كلّ مصر برجله، فوفد عليه عتبة بن فرقد السّلمي من الكوفة- و مجاشع بن مسعود السّلمي من البصرة- و أبو الأعور السّلمي من الشّام- و معن بن يزيد السّلمي من مصر فتوافوا عنده كلّهم من بني سليم.
قال أبو الحسن علي بن سليم: قال بعض الشعراء في صاحب توفّي و كان يؤرّخ علم القرون فها هو اليوم أرخاء.
و ذكر الصّولي أنّه كاتب أبا خليفة الفضل بن الحباب القاضي في أمور أرادها، قال:
فأغفلت التّاريخ، فكتب بعد نفوذ الثّاني: وصل كتابك مبهم الألوان مظلم البيان، فأدى جراما القرب فيه بأولى من البعد، فإذا كتبت أعزّك اللّه فلتكن كتبك موسومة بتاريخ لأعرف به أدنى آثارك، و أقرب أخبارك إن شاء اللّه قال: فكتبت إليه كتابا جعلت التّاريخ في صدره و قلت معه: قد قبلنا دلائل البرهان- و اعترفنا بالبرّ و الإحسان- و جعلت التّاريخ بعد دعاء لائحا للعيون كالقنوان.
شعر:
حبّذا أنت من مفيد علوموافدات بحكمة و بيان
هي أسنى ذكرا و أكثر نفعامن كنوز اللّجين و العقيان
فكتابي إليك يا زينةالدّنيا لخمس خلون من شعبان
قال أبو العباس: آخر من مات بالكوفة من الصّحابة من الأنصار عبد اللّه بن أبي أوفى- و بالبصرة أنس بن مالك، و بالشّام أبو أمامة الباهلي، و بالمدينة سهل بن سعد، و بمكة عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهم، و ممن ذكر سنه في شعره و أرّخه زهير بن خباب الكلبي في قوله:
و نادمت الملوك من آل عمروو بعدهم بني ماء السّماء
و حقّ لمن أتت مائتان عاماعليه أن يملّ من الشّواء
قال الصّولي: و كنّا يوما عند المغيرة بن محمد المهلبي، فقال له رجل: كم كان سن يزيد بن المهلّب يومئذ؟ فجعل جوابه إنشادا بمبلغه فقال: أنشدني التّوجي لحمزة بن بيض الحنفي فيه يرثيه:
أغلق دون السّماح و النّجدةو المجد باب خروجه أشب
يان ثلاث و أربعين مضتلا صريح واهن و لا ثلب
لا بطر إن تتابعت نعمو صابر في البلاء محتسب
برزت سبق الجواد في مهلو قصرت دون سبقك العرب
قال أبو عبد اللّه: حكّام العرب في الجاهلية عبد المطلّب بن هاشم- و أبو طالب بن عبد المطلب- و العاصي بن وائل- و العلاء بن حارثة الثّقفي. و حكام كنانة: يعمر بن الشّداخ و صفوان بن أمية بن الحارث، و سلم بن نوفل أحد بني الدّيك بن بكر. و من بني أسد:
ربيعة بن حدار أحد بني سعد بن ثعلبة بن دودان و له يقول الأعشى:
و إذا طلبت المجد أين محلّهفاعمد لبيت ربيعة بن حدار
يهب التّحية و الجواد بسرجهو الأدم بين لواقح و عشار
و هو الذي حكم بين حاجب بن زرارة و خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل فنفر حاجبا على خالد.
و حكّام قيس: عامر بن الظرب و سنان بن أبي حارثة المرّي، و غيلان بن سلمة الثّقفي، و كانت له ثلاثة أيام: يوم ينشد النّاس بشعره، و يوم يحكم فيه بين النّاس و يوم يقعد فيه
للنّاس فيزار و ينظر إلى سرره و جماله. و جاء الإسلام و عنده عشر نسوة فخيّره النبي صلى اللّه عليه و سلم فاختار منهن أربعا فصارت سنة. قال: و قتلت بنو أسد من الأشراف حجر بن عمرو بن الشّريد السّلمي، و ربيعة بن مالك الجعفري أبا لبيد الشّاعر، و عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي. و زعموا أنّهم قتلوا شهابا جد عتيبة، و بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن عيسى الفزاري و هو جد عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر.
في أوقات التّاريخ إنما غلّبت العرب اللّيالي على الأيام في التّاريخ، فقيل: كتبت لخمس بقين، و أنت في اليوم لأنّ ليلة الشّهر سبقت يومه، و لم يلدها و ولدته و لأنّ الأهلّة للّيالي دون الأيام، و فيها دخول الشّهر، و لذلك ما ذكرهما اللّه تعالى إلا و قدّم اللّيالي على الأيام قال تعالى: سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [سورة الحاقة، الآية: 7] و قال تعالى:
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ* [سورة فاطر، الآية: 13] و قال تعالى: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ [سورة سبأ، الآية: 18] و العرب تستعمل اللّيل في الأشياء التي يشاركها فيها النّهار دون النّهار، و إن كانت لا تتم إلا به قال تعالى: وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ [سورة الأعراف، الآية: 142] و قال الفرّاء: و لقد دعاهم تغليب اللّيل على الأيام إلى أن قالوا:
صمنا عشرا من الشّهر. قال: و قال أنو شروان: اليوم عشر من الشّهر و يقولون: عندي عشر من الإبل و إن كانت ذكورا، و عشر من الشّاء و إن كانت كباشا، و يقولون: أدركنا اللّيل بموضع كذا لأنّه أوّل أ لا ترى قول النّابغة:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركيو إن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
و لم يقل كالنّهار.
و حكى بعضهم أنّ العرب تقول في اللّحم: ابن يومه، و في الخبز ابن ليلة، و في النبيذ ابن سنة و أنشد:
و فتيان صدق لا تغبّ لحامهمإذا شبّه النّجم الصّوار المنفّرا
و مدح حميد الطّوسي علي بن جبلة بمثل قول النابغة، فقرن إلى اللّيل النّهار فقال:
و ما لامرئ حاولته منك مهربو لو رفعته في السّماء الطّوالع
بل هارب لا يهتدي لمكانهظلام و لا ضوء من الصّبح ساطع
و قال عبيد اللّه بن عبد اللّه في معنى قول النابغة:
إنّي و إن حدّثت نفسي أنّنيأفوتك إنّ الرأي منّي لعاذب
لأنّك لي مثل المكان المحيط بيمن الأرض أنّى استنهضتني المذاهب
فجعل مكان اللّيل من قول النّابغة، لأنّك لي مثل المكان إذ كان لا بد للمخلوق من مكان و زمان، و قالوا: صمنا عشرا من رمضان، و أنشد أبو عبيدة:
فصامت ثلاثا لا مخافة بينهاو لو مكثت خمسا هناك لصلّت
و الشّهور كلّها مذكّرة سوى جماديين، و لا يذكّرون من شهر كذا إلا في ثلاثة أشهر:
شهر رمضان و شهرا ربيع، لأنّ الربيع وقت من السّنة فخافوا إذا قالوا من ربيع أن يظن أنه من الرّبيع الذي قبل الخريف، و قال الرّاعي:
شهري ربيع لا يذوق لبونهمإلّا حموضا وخمة و دويلا
الدّويل كسار الحلى ينبت مجتمعا، و كلّ ما يكسر من النّبات و أسود فهو دويل و لو كتب كاتب في ربيع الأول و في رمضان، و لم يذكر الشهر لجاز و ليس بالمختار كما قال:
جارته في رمضان الماضيتقطع الحديث بالإيماض
و اعلم أنّه لا يكتب لليلة مضت لأنّهم يعدون في اللّيلة، فإذا أصبحوا كتبوا لليلة خلت، و يكتب أوّل يوم من كذا، و لا يكتب مهلّ كذا، و لا مستهل كذا لأنّ الهلال إنّما يرى باللّيل. و أنشد الأصمعي و الشّعر لنابغة بني جعدة، و عاش ثمانين و مائة سنة:
قالت أمامة كم عمرت زمانهو ربحت من عزّ على الأوثان
و لقد شهدت عكاظ قبل محلّهافيها و كنت أعد في الفتيان
و المنذر بن محرّق في ملكهو شهدت يوم هجا بن النّعمان
و عمرت حتّى جاء أحمد بالتّقىو قوارع يتلى من الفرقان
فلبست بالإسلام ثوبا واسعامن سيب لا حرد و لا منّان
و قال حين أتت عليه مائة و اثنتا عشرة سنة:
مضت مائة لعام ولدت فيهو عشر بعد ذاك و حجّتان
و أبقى الدّهر و الأيام منّيكما أبقى من السّيف اليماني
يصمّم و هو مأثور جرازإذا اجتمعت بقائمة اليدان
قال أبو عبد اللّه فتّاك الجاهليّة: الحارث بن ظالم المرّي- و البراض بن قيس الضّمري- و تأبّط شرّا و اسمه جابر بن سفيان الفهمي- و حنظلة بن فاتك أحد بني عمرو بن أسد. و فتّاك
الإسلام: مالك بن ريب المازني- و عبيد اللّه بن الحر الجعفي- و عبد اللّه بن سبرة الجرشي- و عبد اللّه بن خازم السّلمي- و القتال الكلابي- و مرار بن يسار الفقعسي- و عتيبة بن هبيرة الأسدي- و من باب التّاريخ قول الشّاعر:
ها أنا ذا أملّ الخلود و قدأدرك عمري و مولدي حجرا
أيا امرأ القيس هل سمعت بههيهات هيهات طال ذا عمرا
و ما يجري مجرى التّاريخ بما يتضمّن من التّشبيه ما أنشده ابن الأعرابي و أظن بعضه قد مضى، و إن كان يسيرا، و أنشد أبو هفان و زعم أنّه من أحسن أشعارهم شعرا:
منعمة لم تلق بؤسا و لم تسقبعيرا و لم تضمم وليدا إلى نحر
و لم تدر أي النّاس أعداء قومهاو تمضي اللّيالي و الشّهور و لا تدري
سوى أن تصوم الشّهر فيمن يصومهو تسأل عن يوم العروبة و الفطر
فلو كنت ماء كنت صوب غمامةو لو كنت مزنا كنت ثرة من بكر
و لو كنت لهوا كنت تعليل ساعةو لو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
كلفت بها عمري فلمّا تقطّعتو سائلنا ودّعت ما فات من عمري
و أنشد نفطويه عن أبي العبّاس ثعلب:
فلو كنت ليلا كنت ليلة صيفمن المشرقات البيض في وسط الشّهر
و لو كنت ظلّا كنت ظلّ غمامةو لو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
و لو كنت يوما كنت يوم سعادةترى شمسه و المزن يهضب بالقطر
و في هذه الطّريقة ما أنشد به أحمد بن لجأ و يروى للعين المنقري:
فقيّم يا شرّ تميم محتدالو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم ليلا لكنتم صرداأو كنتم شاء لكنتم نقدا
أو كنتم صوفا لكنتم فرداأو كنتم عيشا لكنتم جحدا
و أنشد:
لو كنت لحما كنت لحم كلبأو كنت نارا لم تحل في عطب
أو كنت ماء لم تسع لشربأو كنت سيفا لم تكن بعضب
و روى أبو عمر عنه أيضا قال: أنشدني أبو عبد اللّه:
لو كنت من مال امرئ ذي نيقةلكنت خير ناقة مسوّقة
من ناقة خوّارة رقيقةترميهم ببكرات روقة
و حكى ابن الأعرابي قال: غزا خالد بن قيس بن المضلّل فيمن تبعه من بني أسد فغنم و سبا فمرّت به جارية أعجبته فقال لها: كيف كان أبوك يطبخ اللّباء؟ قالت: كان يهنيه و يمنيه حتى يستقر، و رضفه فيه، فأعرض عنها ثم دعا بأخرى فسألها عن مثل ذلك، فقالت: كان يهذره و يمذره، و يطعن الفارس فينثره، فاتّخذها لنفسه، فجاءت بعاصم بن خالد، و كان يقال له: البر من برّه بأبيه و له يقول أبوه شعرا:
أرى كلّ أمر إلى عاصمفما أنا لو كان لم يولد
فلو كنت شيئا من الأشربات لكنت من الأسوغ الأبرد
قول الأولى: يهنيه و يمنيه: أي يحسن علاجه و هذا مما يوصف بها الرّعاة.
و قول الثّانية: (يهذره و يمذره): أي يفسده فإذا طعن الفارس أشرقه بدمه فأنثره، و يشبه هذا عندي قول الآخر:
إنّ عليها فارسا كعشرةإذا رأى فارس قوم أنثره
أورده منكفيا أو أشعره معنى أشعره: رماه بسهم جعله شعارا له، و هذا شبيه بقول الجعدي:
فتانا بطرير مرهف جفرةالمخرم منه فسعل يريد
لما جافه بالطعنة أشرقه بدمه فسعل به، و أنشدت عن نفطويه، قال: أنشدني ثعلب عن ابن الأعرابي:
لو كنت ليلا من ليالي الشّهركنت من البيض تمام البدر
بيضاء لا يشقى به من يسريأو كنت ماء كنت غير كدر
ماء سماء في صفاتي صخرأظلّه اللّه بعيص الصّدر
فهو شفاء من غليل الصّدر و أنشدت عنه أيضا قول الآخر:
فلو كنت يوما كنت يوم تواصلو لو كنت ليلا كنت لي ليلة القدر
و لو كنت عيثا كنت نعمة جنةو لو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
و أنشده من غير هذا الوجه:
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
و أنشد أبو العبّاس المبرّد في الذّم و الإزراء:
لو كنت ماء لم تكن بعذبأو كنت عاما كنت عام خصب
أو كنت سيفا لم يكن بعضبأو كنت غيرا لم يكن بندب
أو كنت لحما كنت لحم كلب
و أنشد ابن الأعرابي:
لو كنت ماء كنت لاعذب المذاق و لا مسوسا
ملحا بعيد القعر قدفلّت حجارته الفئوسا
قال المسوس: كلّ ما شفى الغليل، لأنّه مسّ الغلة و أصابها و أنشد:
يا حبذا ريقتك المسوسو أنت خود بادن شموس
و يقال: ماء قعاع، و زعاق و حراق و ليس بعد الحراق في الملوحة شيء لأنه إذا شربت الإبل أحرقت أكبادها.
و روى لنا أبو الحسن البديهي قال: سمعت أبا عبد اللّه إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي يقول: سأل بعض أهل العلم أصحابه فقال: أ تعرفون رجلا من الصّحابة يروى عنه الحديث، و يقال له أسد بن عبد مناف بن شيبة بن عمرو بن المغيرة بن زيد؟ قالوا: لا. قال:
علي بن أبي طالب: سمّته أمّه فاطمة أسدا و هي بنت أسد باسم أبيها، و عبد مناف اسم أبي طالب، و شيبة اسم عبد المطلب و عمرو اسم هاشم، و المغيرة اسم عبد مناف، و زيد اسم قصي.
و أخبر أنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم تولّى دفن فاطمة بنت أسد و كان أشعرها قميصا له، فسمع و هو يقول: ابنك، فسئل صلى اللّه عليه و سلم فقال: إنّها سئلت عن ربّها فأجابت، و عن نبيها فأجابت، و عن إمامها فلجلجت، فقلت: ابنك ابنك(1).
1) الظاهر أنّ هذه الرواية من كتب الشيعة الإمامية و اللّه أعلم.
قال أبو حنيفة: يقولون إذا طلع فرغ الدّلو المؤخّر، و ذلك أول الرّبيع اختال العشب، و أدرك الباقلي و الفاكهة المنكرة بالعراق، و ظهرت الهوام.
و إذا طلع بطن الحوت حصد أوّل الشّعير بالعراق، و زعموا أنّ النوء الذي فيه هو نوء السّماك قلّ ما يخلف.
و إذا طلع الشّرطان أكل فريك الحنطة.
و إذا طلع البطين: فرغ من حصاد الشّعير، و ابتدئ بحصاد الحنطة و القطابي و هي الجنوب، و كثرت الفاكهة بالعراق و الشّام، و قيل: إنّه قلّ ما يعدمه سحاب.
و إذا طلعت الثّريا عم الحنطة الحصاد، و أدرك التّفاح، و مدّ في آخره النّيل.
و إذا طلع الدّبران: هبّت السّمائم و أسود العنب.
و إذا طلعت الجوزاء فيها الهقعة أدرك البطيخ و الفاكهة.
و إذا طلعت الهنعة: أدرك البسر و التّين، و فيه تنقص المياه.
و إذا طلعت الذّراع و فيها الشّعرى: أدرك الرّمان، و حصد القصيب النّبطي.
و إذا طلعت العذرة و فيها النّثرة: قطف العنب بالعراق، و أكل الرّطب و بلح النّخل بالحجاز. و أدرك جميع الفاكهة بالعراق و الشّام.
و إذا طلع الطّرف كثر الثمر في ذلك الوقت، و اللّبن الذي يستقضونه من الضّروع، لفصال الأولاد عن الأمهات، و يطوف أهل مصر. و نوؤه ستّ ليال و ينسب في الشّعر إلى الأسد.
و إذا طلعت الجبهة: كثر الرّطب و سقط الطّل.
و إذا طلعت الزّبرة و طلع معها سهيل بالعراق: برد اللّيل و الماء و ولّى القيظ.
و إذا طلعت الصّرفة برد الليل و اختلفت الرياح و تحرّك أول الشّمال و قطعت العروق، و شربت الأودية، و جدّ النّخل بالحجاز، و بكل غور و يشتار العسل.
و إذا طلعت العوّاء و طلع معها السّماك الرّامح: أخذ النّاس في صرام النّخل و قطف الرّمان و السّفرجل، و فيه، ينتهي غور المياه و تهيج الصّبا.
و إذا طلع الغفر: زرع أول زرع الحنطة و زرع الرطاب و حصد القصب الفارسي وجد النخل و في النوء الذي فيه و هو نوء الشرطين أول مطر ينتفع به.
و إذا طلعت الزّباني دخل الناس البيوت، و يسقط الرّبل: و هو الورق الذي نبت في دبر القيظ ببرد اللّيل.
فإذا طلع الإكليل لم يكد يخطئ النّوء الذي فيه و هو نوء الثّريا السّحاب و الغيوم، و قطعت الحداء و الخطاطيف و الرّخم إلى الغور.
و إذا طلع قلب العقرب: هبّت رياح الشّتاء الباردة.
و إذا طلعت الشّولة سقط الورق كلّه و كثر الرّذاذ و المطر.
و إذا طلعت النّعائم و طلوعها لاثنين و عشرين ليلة من كانون الأول و سقوطها لاثنين و عشرين يخلو من حزيران، يتشعّب الرّعاء و يتلاقى التمايم لأنّهم حينئذ يفرغون، و لا يشغلهم رعي فيلاقون و يدس بعضهم إلى بعض الأخبار.
و إذا طلعت البلدة نقى البساتين و كرب الكروم.
و إذا طلع سعد الذّابح لم يكد يخطئ النّوء الذي فيه و هو نوء النّثرة مطر و إن أخلف فريح.
و إذا طلع سعد بلع نقّت الضّفادع، و باضت الهداهد، و تزاوجت العصافير و هبّت الجنوب، و أعشبت الأرض.
و إذا طلع سعد السّعود و تحرّك أوّل العشب، و أورق الشّجر و زقا المكاء و جاءت الخطاطيف، و قلما يخطئ النّوء الذي فيه، و هو نوء الجبهة المطر الجود.
و إذا طلع سعد الأخبية لم يكد يخطئ النّوء الذي فيه، و هو نوء الزّبرة مطرا شديدا و قلّما أخلف المطر و فيه يورق الكرم.
و إذا طلع فرغ الدّلو المقدم: يسلم الناس من الحاسة في النّوء الذي فيه و هو نوء
الصّرفة فقد أمنت بإذن اللّه من الحواس إلى آخر السنة، و فيه يقول القائل: إذا دخل آذار أخياء و آبار، لما يتخوّف النّاس من الآفات في هذا النوء و فيه يعقد اللّوز و التفاح، و هذا الذي ذكره أبو حنيفة خرّجه غيره على الشّهور الرّومية، فقال زائدا عليه:
سلطان المرّة السّوداء و هو ثلاثون يوما آيته واحد، و هو بالفارسية شهريرماه و آيته أربعة، و هو أوسط الخريف و له من البروج الميزان و هو هوائي مؤنّث نهاري شمالي. ربّه بالنّهار زحل و باللّيل عطارد، و الشّريك المشتري و هو بيت الزّهرة، و شرف زحل هبوط الشّمس فيه. و الإقليم الروم إلى إفريقية مصر، و له من المنازل الغفر و الزّبانى و ثلث الإكليل، و في أوله يبتدئ أهل الحجاز بالزّراعة و في عشر منه تزرع الحنطة و الشّعير و الرّطاب و يقوم سوق القادسان بسوق الأسواق أسبوعا. و في خمس عشرة منه يبرد الزّمان و تكثر الرّياح بإذن اللّه، و في إحدى و عشرين يطلع الغفر و يسقط، و فيها يغلظ الشّجر و يكون أول مطر، فإن أخطأ فريح شديدة، و تريح نيل مصر، و يقوم سوق حلب، و في خمس و عشرين منه يطلع الزّبانى و يسقط البطين، و فيها يدخل النّاس البيوت و استقبل الوسميّ و يقوم سوق ماسرجسان.
سلطان المرّة السّوداء: ثلاثون يوما آيته أربعة، و هو بالفارسية مهرماه آيته ستة، و هو آخر شهور الخريف. و له من البروج العقرب، و هو من بروج الماء و هو بيت بهرام، و بهرام هو المرّيخ، و منزله فوق قلب العقرب و هبوط القمر فيه. ربّه باللّيل الزّهرة و بالنّهار المريخ، و الشّريك القمر، و الإقليم مكة. و له من المنازل ثلثا الإكليل و القلب و ثلثا الشّولة، في أول يوم تهبّ الجنوب و في الثّاني يطلع الزبانيان و يسقط البطين و تقوم سوق عند كنيسة الرّقة و يبرد الماء و يبتدئ أهل الشّام بالزّراعة، و يذهب زمان المنّ و السلوى، و يلقط الزيتون و يدخل النّمل ذوات الأجنحة بالشّام و بكل أرض باردة جوف الأرض و يخرج الحداء و الرّخم من كل أرض باردة، و عند ذلك يعرف الشّتاء من الصّيف، و في خمس عشرة منه يطلع الإكليل و يسقط الثّريا و هو آخر الخريف و يكون المهرجان عيد المجوس، و فيها يبتدئ البرد و يرتج البحر و يجيء شيء من المطر، فإن لم يجيء هاجت الرياح، و تهلك كلّ دابة ليس لها عظم، مثل الدود و الدّباء و الجراد و اليعاسيب، و يسقط ورق الشّجر، و ما قطع فيه من الخشب لم يقع فيه أرضة، و يقع الجليد فوق الأرض و تتحرك فحولة الغنم. و في أربعة و عشرين منه يكون النّهار عشر ساعات، و اللّيل أربع عشرة ساعة، و لخمس و عشرين منه تعلق البحر فلا يركبه أحد. و لثمان و عشرين منه يطلع القلب، و يسقط الدّبران و يطلع النّسر
الواقع و يشتدّ القر، و يختار النّاس ما يقل من الثّياب و يشتد موج البحر و يقل صيده و يعصر الزّيت و يلقط الجوز.
سلطان البلغم، آيته واحد، و هو أوّل شهور الشّتاء و له من البروج القوس و هو من بروج النار ذو جسدين، و هو بيت المشتري. ربّه بالنّهار الشّمس و باللّيل المشتري و الشّريك زحل. الإقليم بابل و له من النّجوم ثلاثة، الشّولة و النّعائم و البلدة. و في أول يوم منه يقوم سوق دمشق، و لإحدى عشرة منه يطلع الشّولة و هي ذنب العقرب، تسقط الهقعة و يجيء مطر، و تهيج رياح و يخرج النّمل ذوات الأجنحة فتجيء القواري من الطيّر فتصطادها و تولد الضأن. و لاثنتي عشرة منه يرى أول الطّلع، و لخمس و عشرين منه تطلع النّعائم و تسقط الهنعة و هو حمية الشّتاء، و فيه ميلاد المسيح عليه السلام و هي أطول ليلة في السّنة و أقصر يوم يكون يومه تسع ساعات، و ليله خمس عشرة ساعة. و هو عيد النصارى، يكون الميلاد الدّهر كلّه في خمس و عشرين من كانون الأول و تطلع البلدة، و يسقط الذّراع، و ذلك أشد ما يكون من القر وقت السّحاب و المطر و يطلع النّسر الطّائر.
سلطان البلغم واحد و ثلاثون يوما، آيته اثنان، و هو بالفارسية آذر ماه آيته ثلاثة، أوسط شهور الشّتاء، له من البروج الجدي، و هو برج منقلب من بروج الأرض و هو بيت زحل و شرف المرّيخ و هبوط المشتري. ربّه بالنّهار الزّهرة و باللّيل المرّيخ، و الشّريك القمر.
و للجدي من النّجوم سعد الذّابح و سعد بلع و ثلث سعد السعود. و في اليوم الثّاني منه عيد النصارى يقال له القليدس، و تهبّ فيه ريح عاصفة، و لستّ خلون منه تطلع البلدة و يسقط الذّراع و هو ميلاد عيسى عليه السلام، الأخير يقال له الرّيح و هو حد الشّتاء يكون الرّيح الدّهر كلّه في سبع من كانون الآخر. و فيه تفقأ عيون الحيات و تموت الذبان و يغمس النّصارى أولادهم في الماء، يزعمون أنّ في تلك اللّيلة تعذب المياه المالحة و يطلع النّسر الطائر. و فيه يبدأ بكراب الكرم، و في أربع عشرة تكون الثّلوج و الأمطار و يكون آخر القر.
و في تسع عشرة منه يطلع سعد الذّابح و تسقط النثرة و يشتدّ البرد، و هو حد الشّتاء، و فيه البرد و فيه يبتدئ أهل الرّوم بالكراب و غرس الأشجار، و ذلك وقت دوام المطر، و يجري الماء في فروع الشّجر، و فيه تقطع الزّرة بتهامة و يزرع القطاني و البطيخ، و هو وقت رذاذ و طل و يكون معه الضّباب، و في أربع و عشرين منه يطلع سعد بلع و يسقط الطّرف. و اللّيل أربع عشرة ساعة، و النّهار عشر ساعات.
سلطان البلغم ثمانية و عشرون يوما، آيته خمسة، و هو بالفارسيّة ديماه آيته خمسة، و هو آخر شهور الشّتاء و له من البروج الدّلو و هو برج الرّياح ثابت مذكر مغربي و هو بيت زحل، ربّه بالنّهار و بالليل عطارد، و الشّريك المشتري و الإقليم الشّام، و له من المنازل ثلثا سعد السّعود و سعد الأخبية و ثلثا مقدّم الدّلو. و في اليوم الأوّل منه يطلع سعد بلع و يسقط الطرف و ينكسر البرد، و يرى الحداء و الرّخم. و فيه ينسك النّصارى، و هو وقت كثرة الأمطار. و فيه يورق الشّجر، و يخرج النّمل و ينبت العشب و تكثر الذّباب، و لسبع منه تهبّ الرّياح اللّواقح و تغرس الكروم. و اليوم العاشر و الحادي عشر و الثّاني عشر صوم قوم يونس عليه السلام حين صرف اللّه تعالى عنهم العذاب. و في أربع عشرة منه يطلع سعد السّعود و تسقط الجبهة، و فيه يسخن جوف الأرض و تؤكل الكمأة و الفطر و الهليون و تسقط الجمرة الأولى، و يخرج النمل ذوات الأجنحة و الذّر و يجري الماء في العود، و تسقي الدروع و يخرج بقول الفرس، و الورد و الياسمين و تنشر دواب الأرض، و تزرع بقول الصّيف، و لتسع عشرة منه أول يوم من أيام العجوز، و في أربع و عشرين منه يكون النّهار إحدى عشرة ساعة و اللّيل ثلاث عشرة، و لسبع و عشرين منه يطلع سعد الأخبية و يسقط الخرأتان، و تقع الجمرة الوسطى، و لا يغرس فيه إلى أربع من آذار لا غرس و لا كرم، فإنّه يفسده السّوس و فيه: تتزاوج الطّيور و يتوالد الوحش.
سلطان البلغم أحد و ثلاثون يوما، آيته خمسة، و هو بالفارسية بهمن ماه آيته سبعة، و هو أوّل شهور الصّيف، و له من البروج الحوت، و هو ذو جسدين مؤنث من بروج الماء، فيه هبوط عطارد و شرف الزّهرة، و هو بيت المشتري، ربّه بالنّهار زحل، و باللّيل عطارد، و الشّريك المشتري، و الإقليم الصّين و له من النّجوم ثلاثة: الفرغ المقدّم و الفرغ المؤخّر و بطن الحوت. و في أول يوم منه يطلع الدّلو و تسقط الصّرفة و هي الحمرة الأخيرة، و يلقى حرّ السماء و حر الأرض و تخرج كلّ دابة ليس فيها عظم، و في اليوم الثّاني يزرع قصب السكر بالأهواز، و البطيخ و يلقح النخل. و في اليوم الخامس يطلع الغفر، و هو وقت ذهاب الحواس و أول الصّيف و تختلف الرّياح، و تجري السّفن في البحر، و تفتح عيون الحيّات. و ذاك أنّها تغمضها في الشّتاء، و فيها ترى معالم الصّيف و يستبل الزّرع. و في أربع و عشرين منه يطلع مؤخّر الدّلو، و يسقط العواء و يستوي اللّيل و النّهار. و في سبع و عشرين منه يسخب جنان، و تخرج الهوام و يكثر موج البحر و يبذر الأرز بالأهواز.
سلطان الدّم ثلاثون يوما، آيته واحد، و هو بالفارسية اسفندارمذماه، آيته اثنان، و له من البروج الحمل، و هو بيت المرّيخ، برج منقلب مذكّر من بروج النّار، و للحمل من النّجوم الشّرطان و البطين و ثلث الثّريا، و هو شرف الشّمس و هبوط زحل. ربّه باللّيل المشتري و بالنّهار الشّمس، و يشاركه باللّيل و النّهار زحل، و الإقليم بابل، في أوّل يوم منه قام يوحنا و هو غداة يوم الأحد بعد ثلاثة من نزول المريخ. و لستّ منه تأفل الثّريا، فلا ترى أربعين ليلة. و لسبع منه يطلع الحوت، و يسقط السّماك، و قلّما يخطئ المطر فيه بإذن اللّه تعالى، و يبدأ بحصاد الشّعير، و تفيض العيون و الأنهار، و تقوم سوق الدّبر بأرض سوارت من سوق الأهواز ستة أيام، و لعشر منه توفي آدم عليه السّلام، و في ثلاث عشرة منه يطلع الشّرطان و يسقط الغفر، و يظهر ما استخفى من الهوام، و هو فيهما ظل و غيوم و يمد الفرات المد الأعظم، و تهبّ الرّياح الشّريفة كالصّبا، و فيها يفرّخ الطّير. و في ستّ بقين منه يطلع البطين، و يسقط الزّبانيان، و يقوم سوق كرو بفلسطين سبع ليال، و يكون النّهار فيه ثلاث عشرة ساعة، و اللّيل إحدى عشرة ساعة.
سلطان الدّم واحد و ثلاثون يوما، آيته ثلاثة، و هو بالفارسية فروردين ماه آيته واحدة، و هو من شهور الصّيف و هو النّيروز رأس سنة القمر، و هو عيد المجوس الأكبر ثمانية أيام، له من البروج الثّور و هو برج أنثى من بروج الأرض و هو بيت الزّهرة و شرف القمر، ربّه بالنّهار الزّهرة و باللّيل القمر، و يشاركه باللّيل و النّهار المريخ، الإقليم التّرك و الخزرج. و له من النّجوم ثلثا الثّريا و الدّبران و ثلثا الهقعة. و في ثلث منه يطلع البطين و يسقط الزّبانيان.
و في اليوم السّابع تطلع الغميصاء، و يكون فيه ريح و مطر، و في اليوم الرّابع عشر يجري الماء في منتهى العيون، و في ستة عشر منه تطلع الثّريا و يسقط الإكليل و هو أوّل يوم من الصّيف و آخر الربيع، و بطلوعها يطيب ركوب البحر، و يبدأ أول السّمائم و يفرك القمح و يبرد نيل مصر، و تغور المياه، و يخرج الجراد و تهيج الصّبا. و في أربع و عشرين منه يكون النّهار أربع عشرة ساعة، و الليل عشر ساعات، ينقص ساعة لتمام ثلاثين يوما. و تزرع الذّرة و الدّخن بأرض تهامة و اليمن و أرض النّوبة. و في سبع و عشرين منه يرتفع الطّاعون بإذن اللّه تعالى من كل أرض، و لتسع و عشرين منه يطلع الدّبران و يسقط القلب و تهيج فيها البوارح و السّمائم، و يسودّ أوّل العنب و تستبين زيادة نيل مصر و تهب الشّمال.
سلطان المرّة الصّفراء ثلاثون يوما، آيته ستة، و هو بالفارسيّة اردبهشت ماه، آيته ثلاثة و هو أوّل شهور القيظ، و له من البروج الجوزاء، و هو ذو جسدين و هو التوأمان من بروج الرّياح، برج مذكّر مغربي شرف رأس التّنين، ربّه بالنّهار زحل و باللّيل عطارد.
و يشاركه باللّيل و النّهار المشتري. الإقليم بربر و إفريقية، و له من النّجوم ثلاثة: الهقعة- و الهنعة- و الذّراع- و في إحدى عشرة منه تطلع الهقعة و تسقط الشّولة، و في أربع و عشرين منه تطلع الهنعة و يسقط النّعائم، و يرجع الشّهر، و يهبط من صعودها الأعلى، و هو أطول يوم في السّنة، و هو اليوم الذي ولد فيه يحيى بن زكريا عليهما السلام فيما زعموا و يزعم أهل العلم أنّ داود النّبي عليه السلام فيه افتتن، و في ثلاثين منه يطلع الذّراع و يسقط البلدة، و فيه تسكن الرّياح و يشتدّ الحر.
سلطان المرة الصّفراء واحد و ثلاثون يوما، آيته واحدة، و هو بالفارسية خرداد، آيته خمسة، و هو أوسط القيظ، و له من البروج السّرطان برج منقلب أنثى من بروج الماء، و هو شرف المشتري و هبوط المرّيخ، ربّه بالنّهار المرّيخ و باللّيل الزّهرة، و يشاركه باللّيل و النّهار القمر. و الإقليم الشّام و الجزيرة و الرّوم، و له من النّجوم النّثرة- و الطّرف- و ثلث الجبهة- و يشتدّ الحر فيه، و لسبع منه يطلع الذّراع و تسقط البلدة. و يقوم سوق سليمة جمعتين، و يرتفع الطّاعون بإذن اللّه تعالى، و فيه يحرث ما يصلح في تلك السّنة من الزّرع، و ما يفسد منه، و يؤخذ لوح قبل أن تطلع الشّعرى بتسع ليال، فيزرع عليه من كل صنف حتى إذا كان ليلة تطلع الشّعرى وضع ذلك فوق بيت على مكان مرتفع لا يحول بينه و بين السّماء شيء فما أصبح منه مخضرّا فإنه يصلح بإذن اللّه تعالى، و تطلع الشّعرى الغامضة في خمس منه. و في عشرين منه تطلع النّثرة و يسقط سعد الذّابح، و فيه مولد السّنة أبدا، فاحفظ منه أعلام الشّتاء، و يزرع البطّيخ الشّتوي في أرض اليمن.
سلطان المرة الصّفراء واحد و ثلاثون يوما، آيته أربعة، و هو بالفارسية تير ماه، آيته سبعة، و هو آخر شهور القيظ. و له من البروج الأسد، و هو برج ثابت مذكّر مشرقي من بروج الملوك توافقا، و هو بيت الشّمس، ربّه بالنّهار الشّمس و باللّيل المشتري، و يشاركه باللّيل و النّهار زحل، الإقليم بابل. و للأسد من النّجوم ثلثا الجبهة- و الخراتان- و ثلثا الصّرفة- في
يومين منه يطلع الطّرف و يسقط سعد بلع و يقوم سوق بيت جبرين(1)و يطلع سهيل و لا يرى بالعراق. و في خمس عشرة منه تطلع الجبهة، و يسقط سعد السّعود و فيها يبرد آخر اللّيل و يرتفع سهيل، حتى يرى بالعراق و تطيب البوارح و إن تخلّلها السّمائم و يهيج الزّكام، و يكون فيه عيد عسقلان، و هو عيد كبير جامع للنّصارى. و هو يوم ماتت مريم بنت عمران فيما يزعم أهل الكتاب. و يبرد جوف الأرض، و يرجى فيه المطر بالسّند. و في أربع و عشرين يكون النّهار ثلاث عشرة ساعة، و هو أول الشّتاء، و العرب تسمّي ذلك الزّمان الخريف. و في ثمان و عشرين منه يطلع الخراتان، و يسقط سعد الأخبية، و تهب الشّمال، و هو فيما يذكرون يوم قتل يحيى عليه السلام، و هو آخر يوم من القيظ، و فيه تسقط المنّ و السلوى بأرض الشّام و أرض بني إسرائيل.
سلطان المرة السّوداء، ثلاثون يوما، آيته سبعة، و هو بالفارسية مرداد ماه، آيته اثنان، و له من البروج السّنبلة برج ذو جسدين أرضي أنثى، و هو بيت عطارد و شرفه و هبوط الزّهرة، و ربّه بالنّهار الزّهرة، و باللّيل القمر و يشاركه باللّيل و النّهار المرّيخ. الإقليم الشّام و الجزيرة، و له من النّجوم ثلث الصّرفة و العوّاء و السّماك. في ثلث منه توقد النّار بآذربيجان و بكل أرض باردة. و يقوم سوق منيح بالجزيرة، و سوق هرمردان بجند نيسابور. و هو رأس سنة اليهود، و تزرع فيه البقول الشّتوية، و يسقط النّدى، و تتحرك أول الشّمال. و لعشر منه يطلع الغفر و يسقط مقدّم الدّلو. و يزرع أهل مصر و الجزيرة. و لثلاث عشرة منه يكون عيد الصّليب و هو الصّوم الأكبر. و تجري فيه ريح شديدة الهبوب، يتّقى فيها على السّفن، و لإحدى و عشرين يبني النصارى في كنائسهم، يريدون بذلك تقويم قبلتهم، و فيه يقوم سوق رحبة بالجزيرة و سوق بردرايا بالسّوس، و يقوم سوق اسبايريار بتستر أسبوعا. و لأربع و عشرين تطلع العواء و يسقط مؤخّر الدّلو، و يستوي اللّيل و النّهار، و يجري الماء في فروع الشجر، و هو آخر القيظ و أوّل الخريف و أوّل الصّرام بالبصرة. و قال أبو عبد اللّه أول نجوم القيظ و البوارح الثّريا، و سهيل، و إذا مضى سهيل آخرها و إذا مضى سهيل طالت الأظماء، و برد اللّيل، فإذا طلعت الجبهة انكسر الحر و امتد الظّماء، و تباعدت الإبل في مراعيها، و يكثر الكرش و يغلظ فيمسك الماء و يطول لذلك ظمؤها، و إذا قصر الظّماء رعت حول الماء، فإذا طلعت الصّرفة فهو انقطاع الحرّ و تحرّك ريح الشّتاء، ثم نجوم القر الشّديد و أوّلها سقوط الذّراع، فإذا سقطت الجبهة سخفت الأرض و لانت على الماشي و أطلعت الأرض ذخائر وسميّها من النّبات، و اختلفت الإبل في مراعيها يعني تباعد بعضها من بعض. و نظرت الأرض بإحدى عينيها فإن
1) في القاموس بيت جبرين بين غزّة و القدس- الحسن النعماني.
كان في ذلك الوقت كان مخصبا بإذن اللّه تعالى، و كان أنفع مما قبله و ما بعده، و يقال: ما امتلأ واد من نوء الجبهة إلا امتلأ بقلا، و هي أنفع النّجوم للأرض إذا صدق نوؤها و هي من نجوم الشّتاء و أنفع نجوم الوسمي مطر الثّريا، فإن صدق نجمها حمد الوسمي في ذلك العام، فإن ولتها الجبهة في وقتها كان عاما حياء، و خير بإذن اللّه تعالى، فإن ردفها السّماك في الصّيف، و هو أحد نجوم الصّيف فهو حياء تلك السّنة، فإذا سقطت الصّرفة نظرت الأرض بعينها و أخرجت كلّ ذخيرتها، و انصرف القرّ و صفت فأوّل الصّيف العوّاء و آخرها سقوط الشّولة و طلوع الهنعة.
و أزمان مقاطع النّجوم في الفلك، و معرفة ساعات اللّيل من رؤية الهلال، و مواقيت الزّوال على طريق الإجمال.
اعلم أنه قد تقدّم القول في أنّه متى انتقلت الشّمس إلى أول نقطة الحمل اعتدل اللّيل و النّهار، و أخذ النّهار في الزّيادة على اللّيل، و ذهب برد الشّتاء، و رطب الهواء و مالت الشّمس إلى الشّمال، و في الارتفاع إلى سمت الرءوس في البلدان الشّمالية و مواضع العمارة في الصّعود إلى ذروة فلكه الخارج المركز و ابتداء النّشوء و النّمو في النّبات و الحيوانات و المعادن و المياه و تورّقت الأشجار.
و إذا انتقلت إلى أوّل السّرطان صار النّهار في نهاية الطّول و الزّيادة على الاعتدال، و اشتدّ الحرّ و سلس الهواء، و أخذ النّهار في النقصان.
و إذا انتقلت إلى أوّل الميزان اعتدل اللّيل و النّهار ثانيا، و أخذ اللّيل في الزّيادة على النّهار و يغلب اليبس على الهواء مع ابتداء البرد، و كل شيء من أحواله يخالف أحوال الربيع، و تأخذ الشّمس في الميل إلى الجنوب و تتباعد عن سمت الرءوس و يكون في انحطاط من الارتفاع، و انحدار إلى حضيض فلكه الخارج المركز.
و إذا انقلب إلى أوّل الجدي يصير النّهار في نهاية القصر، و اللّيل في نهاية الزّيادة و الطّول. و اللّيل في النّقصان إلى أن تعود الشّمس إلى أوّل الحمل و قد بان بما و صفنا أنّ ابتداءهم بالحمل دون سائر البروج للأحوال التي ذكرنا.
و لكل فصل من هذه الفصول ثلاثة أبراج من البروج الاثني عشر. (فبروج الرّبيع):
الحمل- و الثّور- و الجوزاء. (و بروج الصيف): السّرطان- و الأسد و السّنبلة. (و بروج الخريف): الميزان- و العقرب- و القوس. (و بروج الشّتاء): الجدي- و الدلو- و الحوت.
و لذلك سمّيت الحمل و السّرطان و الميزان، و الجدي منقلبة لأنّها متى نزلت الشّمس أوّل الحمل انقلب الزّمان من طبيعة فصل الشّتاء و أحواله إلى طبيعة فصل الرّبيع، و إذا نزلت السّرطان انقلب الزّمان من طبيعة فصل الرّبيع إلى طبيعة فصل الصّيف و أحواله. (و إذا نزلت) الميزان انقلب الزّمان من طبيعة فصل الصّيف و أحواله إلى طبيعة فصل الخريف و أحواله.
و إذا نزلت الجدي انقلب الزّمان من طبيعة فصل الخريف إلى طبيعة فصل الشّتاء و أحواله، و سمّيت الثّور و الأسد و العقرب و الدّلو ثابتة لأنّه إذا نزلت الثّور ثبتت طبيعة فصل الرّبيع، و إذا نزلت الأسد ثبتت طبيعة فصل الصّيف، و إذا نزلت العقرب ثبتت طبيعة فصل الخريف، و إذا نزلت الدّلو ثبتت طبيعة فصل الشّتاء، و سمّيت الجوزاء و السّنبلة و القوس و الحوت ذوات جسدين، لأنّه إذا صارت الشّمس في النّصف من الجوزاء تمتزج طبيعة فصل الرّبيع و طبيعة فصل الصّيف، و إذا صارت في النّصف من السّنبلة تمتزج طبيعة فصل الصّيف بطبيعة فصل الخريف، و إذا صارت في النّصف من القوس تمتزج طبيعة فصل الخريف بطبيعة فصل الشّتاء. و إذا صارت في النّصف من الحوت تمتزج طبيعة فصل الشّتاء بطبيعة فصل الرّبيع.
و اعلم أن الشهر إذا تمّ فكان ثلاثين يوما طلع الهلال(1)
و قيل: غير هذه ثلاث غرر، و غرة كل شيء أوله، و قيل: شهب و ثلاث زهر و الزّهرة البياض، و قيل نفل و ثلاث تسع لأن آخر يوم منها هو التّاسع و ثلاث بهر لأنّه يبهر فيها الظّلام، و ثلاث بيض لأنّ لياليها بيض بطلوع القمر من أوّلها إلى آخرها و ثلاث درع لأنّ أوّله يكون أسود و باقيته أبيض و ثلاث دهم، و فحم و ثلاث حنادس و ثلاث دآدئ و ثلاث محاق لانمحاق الشّهر، و قيل: إنّ العرب تسمّي اللّيلة الثامنة و العشرين دعجاء و ليلة تسع و عشرين دهماء، و ليلة ثلاثين ليلاء( من كلام الشيخ كمال الدّين الدّميري). قال شعرا:
ثمّ ليالي الشّهر ما قد عرفواكلّ ثلاث الصّفات تعرف
فغرر و تفل و تسعو بهر و البيض ثمّ الدّرع
و ظلم حنادس دآديثم المحاق لانمحاق بادي
القاضي محمد شريف الدّين المصحح عفا اللّه عنه.
بعد ما تجاوز.1) قال في كنز المدفون: يقال للهلال: هلال لليلتين من أول الشهر و لليلتين من آخره، و يسمّى ما بين ذلك قمرا، و قيل إنه خصّ كلّ ثلاث ليال باسم، فالثلاثة الأول يقال لها هلال، و الثّلاثة الثانية يقال لها قمر، و الثّلاثة الثالثة يقال لها بهر، و الثّلاثة الرّابعة يقال لها زهر، و الثّلاثة الخامسة يقال لها: بيض، و الثّلاثة السّادسة يقال لها درع، و الثّلاثة السابعة يقال لها ظلم، و الثّلاثة الثامنة يقال لها حنادس، و الثلاثة التّاسعة يقال لها: دآدئ، و الثلاثة العاشرة يقال لليلتين منها محاق و ليلة و هي آخره سرار.
الشّمس بمنزلة و نصف و يرى عظيما فيدخل تلك المنزلة في مسيره حتى يستتر في ثمان و عشرين و نصف، فيكون استتاره في ذلك الشّهر يوما و نصفا و يطلع و هو خفي، و يكون ذلك الشّهر تسعة و عشرين يوما، و يكون استهلاله بعد ما تجاوز الشّمس بمنزلة فإذا رؤي الهلال على رأس منزلة من الشّهر كان أدق ما يكون و أخفاه لقربه من الشّمس، و يكون ذلك الشّهر ثلاثين يوما. و إذا رؤي على منزلة و نصف من الشّهر كان أعظم ما يكون و أبينه لبعده من الشّمس، و يكون ذلك الشهر الذي يعظم فيه الهلال تسعة و عشرين يوما فأقلّ ما يستتر يومان.
و اعلم أنّك إذا رأيت الهلال لليلة فإنه يمكث في الشّتاء ستة أسباع الساعة- و إذا كان لليلتين فإنّه يمكث ساعة و خمسة أسباع الساعة، و إذا كان لثلاث فإنّه يمكث ساعتين و أربعة أسباع السّاعة. و إذا كان لأربع فإنه يمكث ثلاث ساعات و ثلاثة أسباع السّاعة، و إذا كان لخمس فإنه يمكث أربع ساعات و سبعي السّاعة، و إذا كان لستّ فإنه يمكث خمس ساعات و سبع السّاعة، و إذا كان لسبع فإنه يمكث ستّ ساعات و إذا كان لثمان فإنه يمكث ست ساعات و ستة أسباع الساعة، و إذا كان لتسع فإنه يمكث سبع ساعات و خمسة أسباع الساعة.
و إذا كان لعشر فإنّه يمكث ثمان ساعات و أربعة أسباع السّاعة، و إذا كان لإحدى عشرة فإنّه يمكث تسع ساعات و ثلاثة أسباع السّاعة، و إذا كان لاثنتي عشرة فإنّه يمكث عشر ساعات و سبعي السّاعة، و إذا كان لثلاث عشرة فإنّه يمكث إحدى عشرة ساعة، و سبع السّاعة و إذا كان لأربع عشرة فإنّه يمكث اثنتي عشرة ساعة، و ذلك ساعات اللّيل كلّه، و إذا كان لخمس عشرة فإنّه يطلع بعد ستة أسباع السّاعة. و إذا كان لست عشرة ليلة فإنّه يطلع بعد ساعة و خمسة أسباع السّاعة، و كذلك ينقص في كل ليلة ستة أسباع السّاعة حتى يستتر تحت الشّعاع ليلة ثمان و عشرين.
و اعلم أن الشّمس تقطع البروج الاثني عشر التي هي جماع الفلك على ما ذكره بعض المتقدّمين في ثلاث مائة و خمسة و ستين يوما و ست ساعات و خمسي السّاعة، و تسير في كلّ برج ثلاثين يوما و عشر ساعات.
و يقطع القمر البروج في ثمانية و عشرين يوما، و يصير في كل برج يومين و ثمان ساعات.
و يقطع زحل البروج في ثمانية و عشرين يوما، و يصير في كل برج يومين و ثمان ساعات.
و يقطع زحل البروج كلّها في ثلاثين سنة، و يصير في كلّ برج خمسة و أربعين يوما.
و يقطع المشتري في اثنتي عشرة سنة، و يصير في كل برج اثني عشر شهرا.
و يقطع المرّيخ في سبعة عشر شهرا يصير في كلّ برج خمسة و أربعين يوما.
و تقطع الزّهرة في عشرة أشهر و تصير في كل برج خمسة و عشرين يوما.
و يقطع عطارد البروج كلّها كما يقطع الشّمس سواء و يسير في كلّ برج كما تسير الشّمس لأنّه معها لا يفارقها.
و تقطع الجوزاء البروج في ثماني عشرة سنة و يصير في كلّ ثمان عشر شهرا.
فأمّا الكلام في مواقيت الزّوال في الشّتاء و الصّيف و نقصان ذلك و زيادته في كلّ شهر من شهور الفارسيّة، و الدّاعي إليه ضبط أوقات الصّلاة المفروضة و الاحتياط في إقامتها سننها و في أوقاتها.
و لمّا كان يختلف في السّنين و البلدان من أجل اختلاف العروض و السّماوات، عمدت إلى حلول الشّمس أوائل البروج و قسمت عليها أقدام الظلّ ببلدنا الذي هو أصبهان سنة ثلاث مائة و اثنتين و تسعين ليزدجرد إذ كان أبعد من الاختلاف و أقرب إلى الدّوام و الثّبات، و لئلا يجب أن يغيّر في كلّ سنة عند تحوّلها، و علمت أنّ من يكمل للنّظر في هذا الكتاب يكون متمرنا بمعرفة حلول الشّمس أول كل برج، و متدربا بعلم وقته و اللّه الموفّق.
فأوّل حلول الشّمس برج الحمل يكون الظلّ عند الزّوال أربعة أقدام و نصف العشر، و إذا سار عشر درجات منه يكون ثلاثة أقدام و ربع و خمس، و إذا سار عشرين درجة منه يكون قدمين و نصف و ثلث و عشر.
و أوّل حلولها برج الثّور يكون الظّل قدمين و ثلثي قدم و ثلثي عشر. و إذا سار عشر درجات يكون قدمين، و إذا سار عشرين درجة يكون قدما و ثلثي قدم.
و أوّل حلولها برج السّرطان يكون الظلّ ثلثي قدم و خمسا و عشرا و إذا سار عشر درجات يكون قدما و عشرا و نصف العشر.
و أوّل حلولها برج الأسد يكون الظّل قدمين و ربعا و سدسا. و إذا سار عشر درجات يكون الظلّ قدمين و ثلثين و ربعا. و إذا سار عشرين درجة يكون ثلاثة أقدام و نصف قدم.
و أوّل حلولها برج الميزان، يكون الظّل أربعة أقدام و عشرا، و إذا سار عشر درجات يكون أربعة أقدام و خمس و سدس و عشر قدم.
و أوّل حلولها برج العقرب يكون الظّل ستة أقدام و سدس قدم. و إذا سار عشر درجات يكون سبعة أقدام، و إذا سار عشرين درجة يكون سبعة أقدام و نصف و ربع.
و أوّل حلولها برج القوس يكون الظّل ثمانية أقدام و ربع و خمس قدم. و إذا سار عشر درجات يكون تسعة أقدام، و إذا سار عشرين درجة يكون تسعة أقدام و ربع و عشر قدم.
و أوّل حلولها برج الجدي يكون الظّل تسعة أقدام و نصف قدم. و إذا سار عشر درجات يكون تسعة أقدام و ثلث قدم، و إذا سار عشرين يكون ثمانية أقدام و نصف و ثلث و عشر قدم.
و أوّل حلولها برج الدّلو يكون الظّل ثمانية أقدام و ثلث قدم، و إذا سار عشر درجات يكون سبعة أقدام و نصف و خمس قدم، و إذا سار عشرين درجة يكون ستّة أقدام و نصف و ثلث و عشر قدم.
و أوّل حلولها برج الحوت يكون الظّل ستّة أقدام و سدس قدم و إذا سار عشر درجات يكون خمسة أقدام و ثلث و عشر قدم، و إذا سار عشرين درجة يكون أربعة أقدام و ثلثي و نصف عشر قدم.
يروى عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال في دعائه على الكفار: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، و اجعل عليهم سنين كسني يوسف» فدعاهم جهد البلاء إلى أن أكلوا العلهز و هو المعجون من الوبر بدم القراد أعاذنا اللّه تعالى من السوء برحمته و من ذلك قول الشّاعر شعرا:
هلّا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا رعائي راحت قبل حطّابي
و ذلك إذا اشتدّ البرد فراح الرّاعي بإبله قبل الحطّاب، لقلة المرعى و لأنّ المحتطبين يحتبسون مستكثرين من الحطب لشدّة البرد، و قال النابغة في مثله:
هلّا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا الدّخان تغثّى الأشمط البرما
و يقال: أتانا فلان من الطّيخة إمّا في فتنة و إمّا في جدب و بلاء، و أنشد:
و كنا بها بعد ما طيخت عروضهمكالبهرقية يبغي ليطها الدّسما
و المطيخ: الفاسد و قال ابن مقبل:
أ لم تعلمي أن لا يذم فجاءنيدخيلي إذا اغبرّ العضاة المجلّح
يريد أنّ الدّخيل لا يذمّه إذا غشيه في وقت لم يكن مستعدا للاحتفال به و المجلّح الذي أكلته الإبل حتى ذهبت بغصونه، و صار كالرأس الأجلح، و مثله قول الأعشى:
و إني لا يشتكيني الألوكإذا كان صحو السّحاب الضّريبا
أراد بالألوك ذو الألوك و هي الرسالة، يريد لا أردّ صاحبها بغير شيء فيشكوني في هذا الوقت البارد الجدب، و بيّن هذا المعنى لبيد و بسطه فقال:
و غلام أرسلته أمّهبألوك فبذلنا ما سأل
أو نهته فأتاه رزقهفاشتوى ليلة ريح و اجتمل
زاد على الأول لأنّه قال: تطلب إذا طلب و نبتدئه إذا أمسك، و قال الكميت يذكر سنة جدب:
و كأنّ السوف للقينات فوقاتعيش به و هنيت الرّقوب
و صار وقودهم للنّار أماو هان على المخبأة الشّحوب
قال أيضا:
و أنت ربيعنا في كلّ محلإذا المهداء قيل لها العفير
(المهداء): الكثيرة البر على الجيران، و العفير الذي لا يهدي من الجدب، و الأصل في التّعفير أن يعلّل العظيم بالشّيء ليستغني به عن اللّبن و يشهد للمهداء قوله:
و إذ الجراد اغبررن من المحلو كانت مهداؤهنّ عفيرا
و قال لبيد:
يكبون العشار لمن أتاهمإذا لم تسكت المائة الوليدا
أي لا يوجد في المائة من اللّبن ما يعلل به صبي إذا بكى و قال أوس في مثله:
و ذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولبا جدعا
(الهدم): الخلق، (و التّولب): ولد الحمار، و استعاره للعظيم و الجدع السيئ الغذاء.
و قال الفرزدق: و عام تمشي بالفراع أرامله، الفراع: الجرب، و إنما يتمشّى بها تسأل الصّدقة و قال الهذلي:
و ليلة يصطلي بالفرث جارزهايختص بالنّضرى المثرين داعيها
يريد أنّ الجارز لشدّة البرد يدخل يده في الكرش ليدفأ و قال الفرزدق:
إذا السنة الشّهباء حلّ حرامها
أي: يأكلون فيها الميتة و الدّم، و قال رؤبة جدباء فكّت أسر القعوس. و القعس:
الهودج أي فكّوها و أوقدوا بها من شدّة البرد، و قال الكميت:
فأيّ عمارة كالحيّ بكرإذا اللّزيات لقيت السّنينا
أكرّ غداة أبساس و نقرو أكشف بالأصائل إذ عرينا
اللّزيات: الشدائد، و اللّزية تلقب بالسّنة حتى بني منه الفعل، فقيل: أسنت القوم أصابتهم السّنة، و التّاء في أسنت قال أصحابنا: هي بدل من الواو الظاهرة في الجمع، إذا
قيل سنوات، و مثله التاء في قولهم أخت.
و يقال هذا عام سنة و الأرض وراءنا سنة. و من ألقاب الجدب قولهم: كحل و تحوط.
قال: و الحافظ النّاس في تحوط إذا لم يرسلوا تحت عائد ربعا. و يروى في تحيط.
و يقال: أصابتهم لزية- و حطمة- و أزمة- و لأواء- و لولاء- و قحمة- و حجرة و شصاصاء و أكلتهم الضّبع و الفاشورة قال:
قوم إذا صرحت كحل بيوتهمعزّ الذّليل مأوى كلّ قرضوب
و أحجرنا عامنا و هي الحجرة قال:
إذا الشّتاء أحجرت نجومهو اشتدّ في غير ثرى أزومه
و السنة القاوية، و قد قوي المطر إذا قحط، و يقال: حقد المطر: إذا احتبس و قوله: إذا عرينا: يريد بردن، و يقال: ليلة عرية و يوم عرى أي بارد، يقول: يكشفون تلك الأصائل بالإطعام و تفقّد الناس، و قال الكميت يصف زمن الجدب شعرا:
و جالت الرّيح من تلقاء مغربهاو ضنّ من قدره ذو القدر بالعقب
و كهكه المدلج المقرور في يدهو استدفأ الكلب في الماسور ذي الذئب
(العقبة): شيء كان يردّه مستعير القدر من المرق في القدر و هو العافي. و (كهكه):
نفخ في يده من شدّة البرد. و أنشد الأصمعي في العافي:
إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها
و قال الفرزدق:
و هتكت الأطناب كلّ ذفرةلها تامك من عاتق التي أعرف
(التامك): السّنام، و (الأعرف): الطّويل العرف، يقول: إذا أصابها البرد دخلت الخباء فقطّعت الأطناب. و قال الكميت:
فأيّ امرئ أنت أيّ امرئإذا الزّجر لم يستدرّ الزّجورا
و لم يعط بالعصب منها العصوب لا النّهيت و إلا الطّخيرا
(النّهيت): الصّياح و الرّغاء، و (الطّخير): الضّرب بالرجلين و (الزّجور): التي لا تدر حتى تزجر، و هذا في شدة الزّمان. و قال أيضا:
بعام يقول له الموكفون هذا المعيم لنا المرجل
و كان سواء لنا تجينتمام الحوارين و المعجل
و المرجل أي جعلهم رجالا، و قوله: و كان سواء أي ليس للأمهات لبن، فالتمام يموت أيضا، قال أبو عمر: و هما حواران أحدهما، (تمام): و الآخر. (معجل).
و حكى ابن الأعرابي: هذا عام صار الرّوم فيه علوقا، و الرّفود زجورا، فالرءوم العطوف على ولدها، و الرّفود التي تملأ رفدين في حلبة أي قد حين و العلوق التي ترأم بأنفها و تمنع درّها و الزّجور التي لا تدر حتى تزجر، و كلّ ذلك الانقلاب للصّر و الشدّة و كلب الزّمان و قال ابن مقبل شعرا:
و لا اصطفى لحم السّنام ذخيرةإذا عزّ ريح المسك باللّيل قاتره
قاترة من القتار، عزّه غلب عليه، يقول في زمان الجدب: يكون ريح القتار أطيب من ريح المسك و قال:
بلى إنّ الزّمان له صروفو كلّ من معاركه السّنين
فيسمن ذو العريكة بعد هزلو يغتر الهزيلة بالسمين
العريكة من قولهم ناقة عروك إذا لم يكن في سنامها إلا شيء يسير، و المعنى إن صروف الدّهر تقلب: فيسمن المهزول و يهزل السّمين و الهزال من الشّحم و الهزل من الجدب و الموت و قال عروة شعرا:
أقيموا(1)بني أمّي صدور قناتكم
فإنّ منايا النّاس شرّ من القتل
و يقال عام: (مجرنمز) إذا كان المطر وسطه دون أوله، و المجداب الأرض لا تكاد تخصب، و الرّمد القحط و أرمد القويم هلكوا جدبا.
و يقال: سنة سنواء- و حصاء- و شهباء- و غبراء- و أرض بني فلان جرز و الجمع أجراز و مجروزة، و أنشد ابن الأعرابي الأسودان أبردا عظامي. الأسودان الفث و الماء، و الفث حب يطحن و يخبز منه خبزا أسود، و هذا كما قيل في التمر و الماء الأسودان و معنى: (أبردا عظامي) أي أذهبا مخي، و الفث يأكله الضّركاء. قال الطّرماح:
لم يأكل الفثّ و الدّعاع و لميتعفّ هبيدا بجنبه مهتبده
(الهبيد): حب الحنظل، قال حسّان رضي اللّه عنه:
لم يعللن بالمغافير و الصّمغو لا شرى حنظل الحظبان
1) أقيموا بني أميّ صدور مطيّكمفإنّي إلى قوم سواكم لأميل
المغافير: جمع المغفور و هو شيء ينضجه التمام.
و يقال: عيس عزير- و زمان عزير: أي لا يفزع أهله و عام غيداق. و سيل غيداق، و ماء غدق. و يقال: زمن مخضم لا مقضم. و حكى الفراء عام أزب.
قال أبو عبيدة: عيش حزم و هي عربية و أنشد لأبي عيينة:
و جنة فاقت الجنان فماتبلغها قيمة و لا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطناإنّ فؤادي لأهلها وطن
زوج حيتانها الضّباب بهافهذه كنة و ذا ختن
و انظر تفكّر فيما يطوف بهإنّ الأريب المفكّر الفطن
من سفن كالنّعام مقبلةو من نعام كأنها سفن
أخذ هذا من قول الخليل بن أحمد شعرا:
زر وادي القصر نعم القصر و الواديلا بدّ من زورة من غير ميعاد
يرفى بها السّفن و الظمآن واقفةو الضّب و النّون و الملاح و الحادي
و قال بعضهم: سقيا لزمن حضنتني أحشاؤه- و أرضعتني أحساؤه- فما هو في الأزمان إذا قيس حاله- و اعتبر نشوه و نماؤه- أ لا أخ عرفت مذاهبه- و جزت خلائقه- فصح لك غيبه- و بعد عنك عيبه- فهو شقيق روحك- و باب الرّوح إلى روعك.
و قال بعض البلغاء: من أتى قصر أنس بن مالك ظهرا يرى أعرابيا يحدو بزوملته- و رأى ملاحا يغنّي على سكانه- و رأى صيادا قد طرح شبكته- و رأى غلاما عند جحر ضب يريغ صيده- ثم رأى أرضا كان ترابها الكافور- و لا تسفيه الرّيح لأنّها تربة- فمتى شئت رأيت بساطا موشيا- و متى شئت رأيت جنة و حريرا- و قال أبو عيينة شعرا:
تذكّرني الفردوس طورا فأرعويو طورا تواتيني على القصب و الفتك
بغرس كأبكار الجواري و تربةكأنّ ثراها ماء ورد على مسك
فيا حسن ذاك القصر قصرا و منظرابأفيح سهل غير وعر و لا ضنك
كأنّ قصورا لقوم ينظرن حولهإلى ملك موف على منبر الملك
يدلّ عليها مستطيلا بحسنهو يضحك منها و هي مطرفة تبكي
و أنشد ابن أبي ناظرة، قال أنشدني الرّياشي عن الأصمعي:
إنمّا يتمّ الفؤاد غزالذو دماليج يوم سال العقيق
مالئ الطّرف من بعيد عميمو مليح إذا دنوت عتيق
لو رآه رهبان مدين طارواو استخف المطران و الجاثليق
و لها مربع بطيبة لذّو لها بالحمى مبدي أنيق
سلوة العيش و النّدى فإذاما ودّعتها رواعد و بروق
سكنت دسكراتها و أطباهاظلّ عيش نضر العيون و ريق
في رياض تحفّهنّ نخيلباسقات تعلى عليها الوسوق
و إذا أهل جنة حصّنوهاحين تعرو نوائب و خفوق
ثلموها لابن السّبيل و للعافي ففيها للمعتقين طريق
و من كلامهم: وقع في الأهيغين: أي الطّعام و الشّراب. و سئل بعضهم ما أطيب العيش أو الأوقات؟ فقال: ما قلّ أذاه. و كثر جداه، أيام تربيع الحمى و قصيفه، و يريح من الهوى ظلّ المنى و ريفه.
و حكى الأصمعيّ: موت لا يجرّ إلى عار خير من عيش في رماق: أي قدر ما يمسك الرّمق. و قال طرفة:
نحن في المشتاة يدعو الجفلىلا ترى الآداب فينا ينتقر
و يقال: فلان يدعو الجفلى و الأجفل إذا عمّ بدعائه، و فلان يدعو النّقرى إذا خصّ قوما دون قوم، و قال كلّ الطّعام يشتهي ربيعة: الخرس و النقيعة. (الخرس): للولادة.
(و الأعذار): للختان و (الوليمة) للعرس، و (النقيعة): طعام القادم من سفره و (المأدبة) كلّ طعام صنع و دعي إليه و (الوكيرة) الطّعام يصنع عند بناء البيت و قال الشاعر:
فظللنا بنعمة و اتّكأناو شربنا الحلال من قلله
اتّكأنا طعمنا: و منه قوله تعالى: وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [سورة يوسف، الآية: 31] أي طعاما (القلل) جمع قلّة، و قال حرملة بن حكيم:
يا كعب إنك لو قصرت علىحسن النّدام و قلّة الجرم
و سماع مدجنة تعلّلناحتّى نئوب تناوم العجم
لصحوت و النّمريّ يحسبهاعمّ السّماك و خالة النّجم
و يروى على شرب المدام (المدجنة) الدّاخلة في الدّجن و هو اليوم المطير، و أراد حتى نئوب نتناوم تناوم العجم، و كانوا لا ينامون إلّا على ضرب الأوتار و شرب الرّحيق.
و قال ابن الأعرابي: يقول لو أحسنت المنادمة لنادمتك حتى الصّبح إلى صياح الدّيكة.
قال: و النمريّ: هو كعب نفسه، أي لصحوت و أنت تحسب هذه المسمعة. كذلك في عظم
القدر، و هذا كقولك ما يحسبه إلا ابن ماء السماء و قال لبيد:
يثني ثناء من كريم و قومهألا انعم على حسن التّحية و اشرب
قوله: يثني ثناء أي يديم ما كان عليه من الثّناء. و قال آخر:
كرام إذا ناب البحار ألذّهمخاريق لا يزجون في الخمر
و ألذه مخاريق أي يخرقون في العطاء كما قال:
فتى إذ هو استغنى تخرّق في الغنىو إنّ قلّ مالا لم يضع متنه الفقر
قال ذو الرّمة شعرا:
فلمّا نصفن اللّيل أو حين نصبتله من خذي آذانها و هو جانح
يروى لبسن اللّيل يعني الحمر، و نصبت للتّوجّه إلى الماء، و قال بعضهم حين فعل من الحينونة و المراد أو حين دنا اللّيل للنّصف فحذف و أنشد سيبويه:
أرواح مودّع أو بكورلك فاعمد لأيّ حال تصير
و قيل: جعل الرّواح هو المودّع على السّعة، و قيل: أراد ذو رواح أنت أم بكور فحذف.
و روى سيبويه: أنت فانظر و معناه انظر أنت، فانظر، و قال هذا يرتفع على الحدّ الذي ينتصب به عبد اللّه إذا قلت عبد اللّه ضربته، و قال: أي حال و وجه الكلام أية حال لكنّه حمله على لفظة الحال. و قال ابن أحمر شعرا:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالثإلى ذاكما ما غيّبتني غيابيا
أراد شهرين أو شهرين أو شهرين و نصف ثالث، و قيل: أراد بل و أو يكون بمعنى بل و قيل: أو بمعنى الواو كأنه أراد و نصف ثالث، قوله: ما غيّبتني غيابيا أراد بالغياب الغيابة، لذلك أنّث كما قال تعالى: فِي غَيابَتِ الْجُبِّ* [سورة يوسف، الآية: 10] إنّه حذف الهاء مع الإضافة لأنّ المضاف إليه كالعوض مثل: ليت شعري و هو أبو عذرها.
و يجوز أن يكون غيابة و غياب مثل قتادة و قتاد، فحمله على التّأنيث مثل نخل خاوية.
و قالت أمية بنت عتيبة بن الحارث:
تروّحنا من اللّعباء قصراو أعجلنا الإلهة أن تئوبا
و يروى: و أعجلنا الحمائل أن تئوبا. يريد به الشّمس أي استعجلناها مخافة أن تئوب و لئلا تئوب و معنى تئوب: تغيب كما قال:
و ليس الّذي(1)يتلو النّجوم بآئب
و يروى: و أعجلنا الإهة و قيل الإهة اسم للشّمس، لأنّه كانت تعبد. و قال الفرزدق:
فسد الزّمان و من تغيّر أهلهحتى أمية عن فزارة تنزع
أي و من تغيّر أهله فسد، فحذف و قيل: و من تغير أهله أمية تنزع، و قيل: بل أراد أن يجعل حتى معلقة لا تعمل في شيء، و يكون بمعنى الواو. سبب هذا الشّعر أنّ أمية بن خالد بن أسد عزل عن عمله لعمر بن هبيرة، و يشبه هذا قوله شعرا:
فيا عجبا حتّى كليب تسبّنيكأنّ أباها نهشل أو عطارد(2)
و قال عبد العزيز بن وديعة المزني:
نسأت القلوص على لاحبو مرّ اللّيالي يزلن النّعيما
مرّ اللّيالي: هو الليالي، لذلك قال يزلن و مثله لجرير:
رأت مرّ السّنين أخذن منّيكما أخذ السّرار من الهلال
و أنشد سيبويه في مثله:
لمّا أتى خبر الزّبير تواضعتسور المدينة و الجبال الخشّع
و قال الفرزدق:
على حين ولّى الدّهر إلا أقلّهو كاد بقايا آخر العيش تذهب
جعل لآخر العيش بقايا، و البقايا من العيش لا من آخره، و المعنى كادت بقايا ذلك الأقل تذهب أيضا. و قال و علة الجرمي:
و لمّا رأيت الخيل تترى أتايجاعلمت بأنّ اليوم أحمس فاجر
يروى حاذر و حاذر، أي: محذور. و قال الفرزدق:
مثل النّعام يدينها تنقلهاإلى ابن ليلى بها التّهجّر و البكر
ارتفع التّهجر و البكر على أن يكون فاعل يدينها و انتصب تنقلها على البدل من المضمر في يدينها. و قال حميد بن ثور:
تعلّلت ريعان الشّباب الذي مضىبخمسة أهلين الزّمان المذبذب
الزّمان: بدل من الشّباب، و جعله مذبذبا استقصارا لوقته، و قال أيضا شعرا:
فإمّا تريني اليوم أمسكت بعد ماتردّيته برد الشّباب المجر
انتصب برد على البدل من المضمر في تردّيته، يريد بعد ما لبست برد الشّباب أي استمتعت به. و قالت امرأة منهم شعرا:
صاح الغراب بدار هند سدفةصمّ الغراب و خرس ما ذا ينثر
دعت عليه بالصّم و الخرس.
و مرّ القول في السّدفة. و أنشد ابن الأعرابي لبعض بني أسد:
و لقد رأيتك بالقوادم مرّةو عليّ من سدف العشيّ رياح
أي أريحية و خيلا من الشّباب. فقال رياح و أنشد سيبويه لعمر بن قمية:
لما رأت ساتيدما استعبرتللّه درّ اليوم من آلامها
فرّق بين المضاف و المضاف إليه بالظّرف كما يفرّق بينهما بالقسم. و قال عمر بن ربيعة:
أما الرحيل فدون بعد غدفمتى تقول الدّار تجمعنا
أجرى: تقول مجرى تظن في الاستفهام، أعمله عمله.
و إذا كان كذلك فانتصاب الدّار على المفعول الأول، و تجمعنا مفعول ثان: المعنى متى تظنّ الدار جامعة لنا تقول. و أنشد سيبويه:
أ كلّ عام نعم تحوونهيلقحه قوم و تنتجونه
قوله: تحوونه صفة للنّعم كأنه قال: نعم محوية، فكونه صفة منع من أن يكون عاملا فيما قبله. و أنشد للهذلي:
حتّى شاءها كليل موهنا عملبانت طرابا و بات اللّيل لم يتم
جعل سيبويه كليلا يتعدّى إلى موهن كما يتعدّى ضارب إلى مفعوله، و خالفه جمع
النّحويون كلّهم، و جعلوا موهنا ظرفا و قد تكلّمت له و عليهم فيما عملته من شعر هذيل و أنشد سيبويه لعدي بن زيد:
أرواح مودّع أم بكور؟أنت فانظر لأيّ حال تصير
قال: أراد ذو رواح أنت أم بكور فحذف. و قال سيبويه: معناه: انظر أنت فانظر و قال هذا يرتفع على الحد الذي ينتصب به على شيء ما بعده تفسيره، و مثال ذلك المنصوب إذا قلت زيد أضربته لأنّ المعنى أهنت زيدا ضربته. و قال شعرا:
ذكرتك لمّا أتلعت من كناسهاو ذكرك سبات إلى عجيب
قال: إلى بمعنى عند و السبة القطعة من الدّهر. و قال آخر:
أرى كلّ يوم زرتها ذو بشاشةو لو كان حولا كلّ يوم أزورها
يقول: أراد و لو كانت زيارتي كلّ يوم حولا. قال:
على حين عاتبت المشيب على الصّبافقلت أ لمّا أصح و الشّيب وازع؟!
قوله: على حين بناه على الفتح أي في حين و أراد عاتبني المشيب فجعل الفاعل مفعولا. و قال الأصمعي في قول سحيم بن وثيل:
و إنّي لا يعود إليّ قرنيغداة الورد إلّا في قريني
أراد: مع قرين أي مع أسير آخر أقرنه إليه، و قال غير الأصمعي: أراد بالقرين الحبل.
و قال متمّم بن نويرة:
فلمّا تفرّقنا كأنّي و مالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
قال: أراد مع طول اجتماع، و قيل: أراد كأن طول الاجتماع كان سبب التّفرق، لأنّ الشيء إذا تناهى عاد ناقصا. و قال آخر:
إنّ الرّزية لا رزيّة مثلهاأخواي إذ قتلا بيوم واحد
أي في يوم واحد.
و من القلب و الإبدال قوله: كان لون أرضه سماؤه، أراد كان لون سمائه أرضه. قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويةتقضّي لبانات و يسأم سائم
أراد في ثواء: حول ثوية، و قوله: و يسأم سائم: أراد سأمة سائم و قال:
مروان مروان أخو اليوم اليمي قال: أراد اليوم اليوم فأخّر الواو و قدّم الميم، ثم قلب الواو حين صار ظرفا كما يقال في جمع دلو: آدل، و قيل: بل أراد أخو اليوم اليوم كما يقال في الحرب عند التداعي اليوم اليوم، أي هو أخو هذا المقالة. و أنشد الأخفش بيت الفرزدق:
كم عمة لك يا جرير و خالةفدعاء قد حلبت عليّ عشاري
قال: يجوز في عمة الرفع و النصب و الخفض. قال فرفعه على الابتداء و بجعل كم ظرفا و خالة، و نصبه على نية التّنوين في كم فشبّه بعشرين درهما و ما أشبهه، و الخفض على الإضافة، كما يقول كم رجل قد رأيت لأنه أجري مجرى عدد لا تنوين فيه، نحو ثلاثة أثواب. و قال عمرو بن معديكرب و يروى لغيره:
و كلّ أخ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلّا الفرقدان
ارتفع الفرقدان عند أصحابنا البصريين على أنّه بدل من قوله: كلّ أخ و الكوفيون يجعلون إلّا بمعنى الواو، كأنّه قال: و الفرقدان أيضا. و قال جرير شعرا:
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرىو نمت و ما ليل المطيّ بنائم
و مثل هذا كثير.
قال سيبويه: جعل النّوم للّيل كما جعل النّابغة السّهر له في قوله:
كتمتك سرّا يا لجومين ساهراو همين هما مستكنا و ظاهرا
و التّحقيق ما ليل المطيّ بذي نوم، و قال غيره: أراد لا ينام من قاساه، فحذف لأنّ المعنى معروف. و قال و علة الجرمي شعرا:
و لمّا رأيت الخيل تترى أتايجاعلمت بأنّ اليوم أحمس حاذر
قالوا: أراد بالحاذر المحذور، و روي فاجر أي سديد ذو فجور، و كانوا يسمّون من يغزو في الأشهر الحرم فاجرا، قالت ليلى الأخيليّة:
على تقاها دائما و فجورها. و أنشد:
بني أسد ما تعلمون بلاءناإذا كان يوم ذو كواكب أشنعا
جعل أشنعا حالا و لعنترة:
أ من سميّة دمع العين مذروفلو كان ذا منك قبل البين معروف
قال: أراد لو كان القصة، و قال الفرّاء: لو كان ذا في موضع نصب. و قال أحمد بن يحيى في الأمر و كان مجهول، و هذا يقارب طريقة أصحابنا. قال: و من العرب من يجعل العفل للصّفة فيرفعه كما قال: قلت أحبي عاشقا يحبكم مكلف: أي هو مكلف. قال الأعشى:
أسرى و قصّر ليلة ليزوداو مضى و أخلف من قتله موعدا
أخلف: أي وجده كذلك كما قال:
و أهيج الخلصاء من ذات البرق: أي وجده هائجة النّبت، و كقول العبّاس:
لعمرة رسم أصبح اليوم دارساو أقفر منها رحرحان و راكسا
أي وجدهما قفرا. و قال جرير:
إذا خفت يوما أن يلجّ بك الهوىفإنّ الهوى يكفيكه مثله صبرا
أراد: فإنّ الهوى يكفيك هوى مثله، أي هوى آخر، و تمّ الكلام و نصب صبرا على معنى فاصبر صبرا. و قال آخر: أراد يكفيكه أن تصبر صبرا. و قال الأعشى:
هذا النهار بدا لها من همّهاما بالها باللّيل زال زوالها
نصب النّهار: أي في النّهار و نصب، زوالها: كأنّه دعاء على اللّيل فقال: زال زوالها:
أي مع زوالها، فلا يكون ليل إذ زالت أتارق فيه و أسهر. قال أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء: زال زوالها: كلمة تقال بالرّفع فتركها على حالها، و لم يلتفت إلى القافية، و قال الأصمعي: لا أدري ما هو. و قال الأخفش: أزلته عن مكانه و زلته لغة، فأراد أزال اللّه زوالها بزوال زال. قال أبو صخر الهذلي شعرا:
أ رائح أنت يوم اثنين أم غادو لم تسلّم على ريحانة الوادي
العرب تقول: هذا يوم اثنين بغير ألف و لام، و كان أبو زيد يقول: مضى الاثنان بما فيها، و مضت الجمعة بما فيها، و مضى الثّلاثاء بما فيهن. و قال جرير:
فالشّمس طالعة ليست بكاسفةتبكي عليك نجوم اللّيل و القمرا
أراد الشّمس طالعة و ليست بكاسفة نجوم اللّيل، و القمر، لأنّها طلعت لفقدك ضعيفة النّور. و قيل: انتصب القمر لأنّه مفعول معه أراد مع القمر. و روي: تبكي عليك نجوم اللّيل
على أن تكون نجوم اللّيل مفعول تبكي، يقال: باكيته فبكيته، أبكيه و يكون من أفعال المبالغة، كأنّ الشّمس تغالب في البكاء النّجوم و القمر فتغلبها و أفعال المبالغة تجيء في الماضي على فاعلته أفعله بضم العين، يقول: طاولته فطلته أطوله، إلّا ما كان من بنات الياء، فإنّه يحامي على الياء منه لئلا يختلط بنات الياء ببنات الواو. هذا الباب المعتمد فيه على السّماع فاعلمه. و قال الطّرمّاح شعرا:
فإني و إيّاكم و موعد بينناكيوم لبيد يوم فارق أربدا
يريد: أنّ يومنا و يومكم و يوم ميعاد بيننا كيوم لبيد، و الأجود في تفسير البين أن يكون المصدر لا الظرف. و قوله: يوم فارق العامل فيه معنى الفعل الذي دلّ عليه قوله: يوم لبيد لأنّه يريد به الشّدة و الصّعوبة. و أخبره أنّ السّبيل ثنية صعودا ينادي كلّ كهل و أمردا، صعود فمن يعمل يلمع به اليوم بأنها، و من لا يلهي بالضّحاء فأوردا. أربد أخو لبيد مات فقال:
و أرى أربد قد فارقنيو من الأرزاء رزء ذو جلل
و المعنى؛ فجعت بكم و أنا أتبعكم فما الخلق فيما كتب من آجالهم إلّا سابق و لا حق، على ذلك نحن و من تقدّمنا في تواعدنا، و السّبيل يريد به سبيل الموت و أنّ الاقدام تتساوى فيه فمن دعي أجاب، و قوله: فمن يلمع به الصّعود يأتها، يريد إذا أشارت إليه أولا، و هذا كما قال أوس: أشاربهم لمع الأصم. و قوله: ثنية صعود يريد أنّها عقبة شاقة. و قوله: و من لا يلهى بالضّحاء، وضع الماضي موضع المستقبل أراد و من لا يلمع به في أوّل النّهار يلمع به من بعد، و الضّحاء للإبل و هو وقت الغذاء للناس، يريد به قرب ما بين الأحياء و الأموات في الموت و مثل قوله: و من لا يلهى به في حذف الشّرط منه قول الآخر:
و الّا يقيموا صاغرين الرّؤسا. لأنّ المعنى: الّا تقيموا تقيموا كما أنّ التقدير في هذا لا يلمع به يلهى. و قوله: فأوردا. في موضع الجزم لأنّه معطوف على من لا يلهى. و المعنى من لم يتله فيورد و فيه وجه آخر. قال زهير:
إنّ الرّزية لا رزية مثلهاما يبتغي غطفان يوم أضلّت
(لا رزية): مثلها في موضع الصّفة للرّزية و ما ينبغي في موضع الخبر.
شعر:
إنّ الرّكاب ليبتغي ذا مرّةبجنوب نخل إذا الشّهور أحلّت
يعني: إذا انقضت الأشهر الحرم. و قال آخر:
و باد الشّباب و لذّاتهو ما كان للدّهر الأخلّا
أي أكلها أكل الحشيش و في طريقته قوله: فلست خلاة لمن أوعدن. قال حميد بن ثور:
أ تنسى عدوّ إسار نحوك لم يزلثمانين عاما قبض نفسك تطلب
و تذكر سرداحا من الوصل باقياطويل القرى أنضبته و هو أحدب
تقعّدته عصرا طويلا أروضهيلين و ينبو تارة حين أركب
أراد بالعدو الدّهر، و السّرداح الطّويل من الإبل، ضربه مثلا للعيش الذي قضاه قوله:
يلين و ينبو أي: يأتي مرة بالبؤس و مرة بالنّعم. قال آخر:
و صاحب المقدار و الرّديفأفنى ألوفا بعده ألوف
يعني بالرّديف النّجوم التي تتعاقب، يقول: يعاقبها على مرّ الدّهور لا يبقي أحدا.
أنشد أبو العبّاس:
أجدّك لن ترى بثعيلباتو لا بيداء ناجية ذمولا
و لا متدارك و الشّمس طفلببعض جوانب الوادي حمولا
قال لك: إن تقول ما زيد قائما و لا قاعدا، و لا قائم و لا قاعد. من رفع توهّم أنّ الأول مرفوع. و كذلك الخفض، و لو خفض الأوّل جاز في المنسوق عليه ثلاثة أوجه. و كذلك لو كانت صفة قلت ما زيد خلفك و لا محسن و لا محسنا و لا محسن، يتوهّم أنّ المقدّم فعل و يجوز ما زيد بقائم و لا بقاعد، و أنشد: بطعنه لا غس و لا بمعمر. و أنشد الكسائي: أما ترى حيث سهيل طالعا.
قال: رفع حيث و أضافها و خفض بها، و إذا خفض بها فينبغي أن ينصب و وجه الكلام عبد اللّه حيث زيد نصبت حيث، و أضفتها. و أنشد للنابغة شعرا:
تبدو كواكبها و الشّمس طالعةلا النور نور و لا الإظلام إظلام
قيل: أراد شدّة الأمر بقوله: تبدو كواكبه كما قال: و يريه النّجم يجري بالظّهر. و كما يقال: لأرينك الكواكب، و قيل بل أراد لمعان السّيوف و بريق البيض ذهبا بظلمة الغبار.
و إنّ الغبار غطّى الشّعاع السّاطع منهما، فلذلك حال كلّ عن المعهود. و أنشد أبو الحسن عن يونس:
إذا أنا لم أو من عليك و لم يكنكلامك إلا من وراء وراء
وراء من أسماء الزّمان. قال الشّعر مرفوع. و قد جوّز فيه غير وجه منها الضّم فيها و يكون الثّاني بدلا من الأوّل، و قد جعل غايته و جوّز إلّا من وراء وراء يريد و رأى فحذف ياء
الإضافة، و ترك الكسرة عليها، و تكون الثانية بدلا أو تكريرا و يكون من وراء وراء على أن يجعل وراء معرفة فلا يصرفها للتأنيث و التّعريف، و تكون الثانية تكريرا و روى ابن حبيب عن أبي توبة إلا وراء وراء أضاف وراء إلى وراء فجرّه للإضافة و وراء المضاف إليه بني على الضّم مثل تحت و دون و يجوز إلّا من وراء وراء تضيف وراء الأول إلى الثّاني. و قد جعلته لا ينصرف للتأنيث و التّعريف، و وراء الأوّل التّقدير فيه الإفراد كما يقدّر في سائر ما يضاف.
قال زهير شعرا:
لعب الرّياح بها و غيّرهابعدي سوافي المور و القطر
القطر: لا يسفي. فقال الأخفش: هذا الباب يشير إلى مثل قوله:
متقلد أسفا و رمحاو علفتها تبنا و ماء باردا
و قول جرير شعرا:
تبيّن في أنف الفرزدق لؤمهيقبّح ذاك الأنف أنفا و مشفرا
كلّه إنما جاز بإضمار فعل آخر كأنه قال: و حاملا رمحا و سوافي المور، و صوب القطر و قال:
ما كان مثلك يستخفّ لنظرةيوم المطيّ لغربة مر حول
و هذا مثل أتيتك زمن الحجّاج أمير. و قال حميد الأرقط:
فأصبحوا و النّوى عالي معرّسهمو ليس كلّ النّوى يلقى المساكين
قال سيبويه: أضمر القصّة أو الأمر و قدم مفعول الخبر، و هذا لا يجوز لو لم يكن فيه إضمار كأنّه قال: و ليس الأمر كلّ النّوى يلقى المساكين، لأنّه لا يلي ليس و لا كان ما يعمل فيه فعل آخر، لا يجوز أن يقول: كانت زيدا الحمى تأخذ فيفرق بين كان و اسمها بمفعول غيرها، و لو كان مفعولها لجاز كقولك: كان زيد قائما لأنّ قائما مفعول كان. و أنشد سيبويه لعمر بن أبي ربيعة شعرا:
معاوي إنّنا بشر فأسجحفلسنا بالجبال و لا الحديدا
و قال: هذا مما يجري على الموضع لا على الاسم الذي قبله لأنّ المعنى فلسنا جبالا و لا حديدا. و قيل: إن سيبويه دسّ هذا البيت لأنّ القصيدة مجرورة، و في هذا كلام. و قال آخر:
فأوّه لذكراها إذا ما ذكرتهاو من بعد أرض بيننا و سماء
من قولك: أوّه و أراد من بعد أرض، و من بعد سماء، فجعله للصّفتين و نحوه قول القطامي:
أ لم يحزنك أنّ جبال قيسو تغلب قد تباينت انقطاعا
يريد: و جبال تغلب. و قال النّابغة الجعدي شعرا:
غدا فتيا دهر و راحا عليهمنهار و ليل يكثران التّواليا
و إنمّا يغدو واحد و يروح آخر، و يجوز على هذا أن يقول: غلامان قد طبخا خبزا و أحدهما طبخ و الآخر خبر. و قال آخر:
تعلمنّ و اللّه ما أباليتعود عند آخر اللّيالي
أراد أن يقول: أخرى اللّيالي، و هو وجه الكلام. و قال جرير شعرا:
مطاعيم الشّتاء إذا استحنّتو في عرواء كلّ صبا عقيم
قال ابن الأعرابي: استحنّت بفتح التاء بمعنى حنّت يعني الشّمال، و قال عمارة: بضم التاء، و قال: أراد استحنّ الشّتاء الشّمال أي هيّجها، و الشّمال: مستحنّة فلذلك روى استحنّت.
سبقنا العالمين بكلّ نجمو بالمستمطرات من النّجوم
و قوله: و ليست يعني النّجوم و أضمر لأنّ في الكلام دليلا عليه. و قال جرير شعرا:
يأوي إليك فلا منّ و لا جحدمن ساقت الضّيع الحصا و الذّئب
فاعل يأوي من ساقت، و أراد بالضّيع الحصا السّنة الجدبة لا نبت فيها، قوله: و الذّئب يريد أنّ الذئب تطمع في الناس لضعفهم. و روي أنّه سئل السّنة: أي الجدب ما عوانك، فقال: الحرب و الذّئب. و قال الفرزدق شعرا:
يداك يد ربيع النّاس فيهاو في الأخرى الشّهور من الحرام
أراد في إحدى يديك ربيع النّاس، يعني إنّه يغنيهم، و الأخرى كالأشهر الحرم يعني عقد جوارح، فأخرج الكلام كما ترى. و أنشد ثعلب:
و لعلّ خيرا منك قرما ماجداضحّاك ساعات النّجوم سميدع
يعني طلاقة وجهه في الجدب إذا خوت النّجوم، و اللّفظ على ما يشاهد و في طريقته قال شعرا:
قفار إذ العام المسمّى تزعزعتبشيفائه هوج الرّياح العقائم
قوله: المسمّى. يعني المشتهر بصفاته. و أنشد للعجّاج أو رؤبة:
كأنّه لو لم يكن حمارابهنّ تالي النّجم حيث غارا
يجوز أن يكون المراد بقوله: بهنّ بطردهنّ فحذف المضاف، و يجوز أن يريد كأنّه باجتماعه معهنّ، و يكون في الباء تقديران: أحدهما: أن يكون العامل فيه ما في كان من معنى الفعل، أي يشبه العير تطرده الأتن تالي النّجم، و الآخر: أن تعلقه بكان أي لو لم يكن حمارا بطردهنّ أو بالاجتماع معهنّ، و المعنى أنّ كونه حمارا يمنعه أن يكون كتالي النّجم على الحقيقة، و إن كان كونه خلفها، يطردها ككون الدّبران خلف الثّريا و قال: مرّت على آثارها دبرانها. يشبه هذا ما أنشده أبو زيد. كوني بالمكارم ذكّريني. قولهم زيدا ضربه، و زيد ليقم، فبالمكارم متعلّق بذكّريني فكأنّه قال: أنت ذكرتني فرفع أنت بالابتداء ثم دخل الفعل عليه، و يشبهه قول الجميح: إن الرّياضة لا ينصبك للشّيث. فإن قلت: بيت الجميح أحسن في القياس أو ما أنشده أبو زيد، قيل: جهة قياسهما في الارتفاع بالابتداء واحد. و قوله: لا ينصبك أحسن من كوني بالمكارم ذكريني لأنّ قوله ذكرتني يدل على كوني، و نظيره قولهم:
كان زيد قام، و قد أجازه النّحويون إجازة حسنة و زعموا أنّ أخوات كان ليس في ذلك لكان و اللّه أعلم.
و ذكر ما يجري مجراه من تفسير الألقاب.
و اعلم أنّ القوم لمّا أرادوا تميز الكواكب قسموا الفلك قسمين، و سمّوا أحد النّصفين جنوبيّا، و هو الذي يلي الجنوب، و سمّوا النّصف الآخر شماليّا و هو الذي يلي الشّمال، و سمّوا كلّ ما وقع في النّصف الجنوبي من البروج و الكواكب جنوبيّة، و سمّوا ما وقع في النّصف الشّمالي من البروج و الكواكب شماليّة، و سمّت العرب تلك الشّمالية شاميّة، و الجنوبية يمانية، و المعنيان واحد، لأنّ مهبّ الشّمال عندهم من جهة الشّام، و مهبّ الجنوب من ناحية اليمن و لذلك جعلوا ما بين رأس الحمل إلى رأس الميزان من البروج شاميّة. و جعلوا ما بين رأس الميزان إلى رأس الحمل من البروج يمانية. و كذلك جعلوا ما بين الشّرطين من المنازل إلى السّماك شاميّة، و جعلوا ما بين الغفر إلى الرّشاء يمانية. فكلّ كوكب مجراه ما بين القطب الشّمالي إلى ما بين مدار السماك الأعزل أو فويقه قليلا فهو شاميّ، و كلّ كوكب مجراه دون الفلك إلى ما يلي القطب الجنوبي فهو يماني. و النّسران أحدهما الطّائر و الآخر الواقع و هما شاميّان. فأما الواقع فهو منير، و خلفه كوكبان منيران، يقولون: هما جناحاه، و قدّامه كواكب يقال لها: الأظفار. و أمّا الطّائر فهو إزاء الواقع، و بينهما المجرّة، و لا يستتر إلا خمس ليال. و أمّا قول ذي الرّمة شعرا:
يحبّ امرؤ القيس العلى أن ينالهاو تأبى مقاريها إذا طلع النّسر
فإنّما يذمّهم بأنهم لا يطعمون في الشّتاء، و المقاري الجفان.
قال أبو حنيفة: و كذلك مدار الكوكب الذي تسميه العرب: الفرد و هو قريب من الفصل بين شاميّ الكواكب و يمانيّها. و قول عمر بن أبي ربيعة في سهيل بن عبد الرّحمن:
و تزوّجه الثّريا العبلية من بني أميّة، يضرب لهما كوكبي سهيل و الثريّا مثلا فقال:
أيّها المنكح الثّريا سهيلاعمرك اللّه كيف يلتقيان؟
هي شاميّة إذا ما استقلّتو سهيل إذا استقلّ يمان
و قال آخر في نعت سهيل إذا طلع صباحا:
أراقب لمحا من سهيل كأنّهإذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف
و قيل: هو كوكب ذكر نكاح، حريص عليه، و ربما طلع في اللّيلة الواحدة مرّتين، و يغيب مرّتين. و يقال: غيبته بعد طلوعه لدنوّه من كوكبتيه و صاحبتيه.
و حكي عن بعض علماء العرب: النّظر إلى سهيل يشفي من البرسام، و لذلك يقول مالك بن الرّيب:
أقول لأصحابي ارفعوني فإنّنييقرّ بعيني أن سهيل بدا ليا
و يقال: سهيل أشفق الكواكب على الغرباء و أبناء السبيل، و بين رؤية سهيل بالحجاز و بين رؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة، و قالت الهند: إذا نظر ناظر إلى سهيل عند نهيق الحمار و به صداع عوفي. من خرافات العرب: أنّ سهيلا طلع بأرض العراق و قابل الزّهرة، فضحكت إليه و قالت: أ لست الذي يقال فيك إنّك كنت عشارا فمسخك اللّه شهابا، عقوبة لك؟ فأجابها و قال: ليس كلّ ما يقوله النّاس حقا، فقد قالوا فيك: إنّك كنت امرأة فاجرة فمسخك اللّه كوكبا مضيئا يحكم في خلقه.
فأمّا معرفة الشّرقيّ من الكواكب و الغربي فيجب أن تعلم أنّ الكواكب إذا كانت خلف الشّمس بخمس عشرة درجة فهي شرقية في ذاتها إلى ما تباعدت. و إذا كانت قدّام الشّمس بخمس عشرة درجة فهي غربيّة في ذاتها إلى ما تباعدت. و الكوكب الشّمالي إذا جاز رأس جو زهرة إلى أن يبلغ ذنبه، و الجنوبي إذا جاز ذنب جو زهرة إلى أن يبلغ إلى رأسه.
و أمّا معنى اقتران الكوكبين فهو مسامتة أحدهما الآخر، لأنّ أحدهما أعلى من صاحبه، و فلكه خلاف فلك الآخر، فيسامت أحدهما صاحبه فيحاذيان موضعا واحدا من ذلك البرج، و يتحرّكان على سمت واحد، فيراهما النّاظر مقترنين لبعدهما من الأرض، و بين أحدهما و صاحبه في العلو بعد كثير فبهذه العلّة صار اقتران الكوكبين، و هذا كما يقال:
البروج المتصادفة إذا اتفقت في جميع الجهات، كالبروج النّارية مثل الحمل- و الأسد- و القوس- و الجوزاء- و الميزان- و الدّلو. و البروج المتعادية: و هي المتضادة في كل وجه كالحمل- و السّرطان- لأنّ أحدهما ناري و الآخر مائي. و من هذا النوع قولهم: البروج الجامعة إذا دلّت على صلاح الحال. و البروج المبدّدة إذا دلّت على التّبديد و البروج
المعطية: تدل على اليسار و الإحسان. و البروج الآخذة تدل على خلافه و مما يبيّن ما ذكرناه في سهيل قوله:
إذا ما نجوم اللّيل آضت كأنّهاهجاين يطلعن الفلاة صوادر
شآمية إلّا سهيلا كأنّهفنيق غدا عن شوله و هو جافر
أ لا ترى أنّه جعل يمانيا إذ كان مداره في شق اليمن. و جعل الثّريا شآمية إذ كان مدارها في شق الشّمال. و قال آخر في سهيل:
فمنهنّ إدلاجي إلى كلّ كوكبله من عماني النّجوم نظير
فجعله عمانيا إذ كان مجراه في ذلك الشّق، كما جعل الأول يمانيا و في معنى قوله:
فنيق غدا عن شوله و هو جافر. يقول الآخر شعرا:
و قد لاح للسّاري سهيل كأنّهقريع هجان يتبع الشّول جافر
شبّه في انفراده بفحل انقطع عن الضّراب فتنحّى عن الإبل و تركها. و قال آخر:
إذا سهيل لاح كالوقودفردا كشاة البقر المطرود
فهذا يريد وبيصه و شعاعه و انفراده كما قال غيره يريد التّهيّج، قال شعرا:
حتى إذا لاح سهيل بسحركعشوة القابس ترمي بالشّرر
و قال آخر يصف ثور وحش:
فبات عذوبا للسّماء كأنّهسهيل إذا ما أفردته الكواكب
العذوب: القائم الذي لا يطعم. و قال آخر في انفراده:
من يك ذا مال يكاشر لمالهو إن كان أنأى من سهيل الكواكب
يعارض عن مجرى النّجوم و ينتحيو يسري إذا يسرين غير مصاحب
و قال آخر يصف رفقاء تجمّعوا:
و فتية غيد من التّسهيدنبتهم من مهجع مورود
و النّجم بين الغمّ و التّعريدإذا سهيل لاح كالوقود
فردا كشاة البقر المطرودو لاحت الجوزاء كالعنقود
كأنّها من نظر ممدودبالأفق انظامان من فريد
الإنظام: القلائد ينظم فيها، و الفريد: الشّذر، و إذا نظرت إلى الجوزاء و هو على الأفق
فتأملت نظمها رأيتها أشبه شيء بما وصف. و هذا من حسن التّشبيه، و هذا كما شبّهوا الكوكبين المتدانيين اللّذين على منطقة الجوزاء بالعذبة، و العذبة في اللغة طرف السّوط، و ما أرسل من شراك النّعل، و كذلك عذبة العمامة و الغصن، و العذبة الطّرادة أيضا. و كما قال بعضهم: راية السّماك يعني رمحه، و يسمى السّماك وحده حارس السّماء، لأنّه يرى أبدا لا يغيب تحت الشّعاع فلا طلوع له و لا غروب.
روي عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة، الآية: 187] قال: عمدت إلى عقالين أحدهما أبيض، و الآخر أسود، فجعلتهما تحت و سادي، فلما تقارب مرّ اللّيل جعلت أنظر إليهما فلم يتبيّن لي شيء، فلمّا أصبحت غدوت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأخبرته، فضحك و قال:
«و سادتك إذن لعريض اللّيل و النّهار، إذن تحت و سادتك إنّما ذلك اللّيل و النّهار».
و روي عن عليّ رضي اللّه عنه أنّه صلّى الفجر ركعتين ثم جلس على مجلس له ثم قال: هذا حين تبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
و اعلم أنّ الفجر فجران: أحدهما قبل الآخر: فالفجر الكاذب يستدقّ صاعدا في غير اعتراض، و يسمى ذنب السّرحان لدقته، و لا يحلّ شيئا و لا يحرّمه، و إنّما يؤذن بقرب النهار. و قال الخليل: الفجر ضوء الصّباح و قد انفجر الصّبح، و الفجر المعروف منه. يقال:
ما أكثر فجره و في التّنزيل: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [سورة البقرة، الآية: 60] لأنّ الحجر كان يفجر منه الماء في اثني عشر موضعا عند نزولهم، فإذا ارتحلوا غارت مياهها.
و الفجر الثّاني: هو الصّادق و المصدّق، قال أبو ذؤيب يذكر الثّور و الكلاب شعرا:
شغف الكلاب له الضّاريات فؤادهفإذا يرى الصّبح المصدّق يفزع
و إنما قال: يفزع لأنّه وقت القائض الفجر الثّاني هو المستطير المنتشر الضّوء و مع طلوعه يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. قال أبو داود:
فلمّا أضاءت لنا سدفةو لاح من الصّبح خيط أنارا
و قال آخر:
نميت إليها و النّجوم شوابكتداركها قدّام صبح مصدّق
و الصّبح- و الصّباح- و الإصباح واحد. و في التّنزيل: فالِقُ الْإِصْباحِ [سورة الأنعام، الآية: 96] و الصّبيح: الحسن الوجه. و كذلك الصّبحان، و قد صبح صباحة و الحق الصّابح البيّن، و قد صبح الحق يصبح صبحا. و المصباح السّراج و كما قيل: وجه صبيح قيل أيضا وجه مسرج. قال: و فاحما و مرسنا مسرجا.
و كذلك الشّفق شفقان: أحدهما قبل الآخر، و مثالهما من أول اللّيل مثال الفجرين من آخره، فالأول هو الأحمر و إذا غاب حلّت صلاة العشاء الآخرة. و الثّاني: هو الأبيض و الصلاة جائزة إلى غروبه و هو يغرب في نصف اللّيل و آخر أوقات العشاء الآخرة نصف اللّيل.
و الزّوال: يشار به إلى ما دلّ اللّه تعالى عليه بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [سورة الإسراء، الآية: 78] و دلوك الشّمس: غروبها و زوالها، فدلّ بالدّلوك على صلاة الظّهر، و على صلاة المغرب، و دلّ بقوله: إلى غسق و هو الظّلام على صلاة العشاء الآخرة. و قال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى [سورة البقرة، الآية: 238] و هي العصر، و جعلها الوسطى لأنّها بين صلاتين في النّهار و صلاتين في اللّيل. و قال تعالى: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: 78] فدلّ على صلاة الصّبح. و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يصلّي الظّهر إذا دحضت الشّمس. يراد إذا زالت، و أصل الدّحض الزّلق و ذاك أنها لا تزال ترتفع حتى في جوّ السّماء فتراها تقف شيئا ثم تنحطّ، فحينئذ تزول و تحول الظّل من جانب إلى جانب، و يسمّى فيئا. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أمّني جبرائيل مرّتين فصلّى الظّهر حين مالت الشّمس قيد الشّراك، و صلّى العصر و ظلّه مثله، و صلّى المغرب حين رفعت الشّمس و صلّى العشاء حين غاب الشّفق، و صلى الصّبح حين طلع الفجر، فلما كان الغد صلّى الظّهر و ظلّه مثله، و صلّى العصر و ظلّه مثلاه، و صلّى المغرب حين رفعت الشّمس، و صلّى العشاء حين ذهب ثلث اللّيل، و صلّى الغداة فأسفر بها و قال: الوقت ما بين هذين». و يروى أنّه قال: إنّ الصلاة فيما بينهما. فقوله صلى اللّه عليه و سلم حين مالت الشّمس قيد الشّراك: يريد أنّها زالت، فصار للشخص فيء يسير قدر الشّراك، و ليس يكون هذا في كل بلد إنما يكون في البلد الذي يتنقل فيه الظّل عند الزّوال، فلا يكون فيء أصلا.
و قال الرّاجز:
إذا زقا الحادي المطيّ اللّغباو انتقل الظّل فصار جوربا
و قال ابن مقبل و ذكر فرسا:
يبني على حامييه ظلّ حاركهيوم توقّده الجوزاء مسموم
و الحاميان: جانبا حافره. و الحارك: فروع كتفيه و إذا قام ظلّ كل شيء تحته صار ظل الحارك على حاميي حافره، فالحجاز و ما يليه يتنقل فيه الظّل، فأما البلد الذي تزول فيه الشّمس، و للشّخص ظلّ فإنّه يعرف به قدر الظّل الذي زالت عليه، فإذا زاد عليه مثل طول الشخص فذاك آخر وقت الظّهر، و أوّل وقت العصر، فإذا زاد عليه مثلا طول الشّخص فذلك آخر وقت العصر، على ما روي في الحديث. فأمّا قول الشّاعر:
إني على أوني و انجراريأؤمّ بالمنزل و الدّراري
فالأون: الرّفق و الانجرار: سير الإبل و عليها أحمالها و هي ترعى و أؤم: يريد أقصد بمنازل القمر و كبار الكواكب فأهتدي. و قال ذو الرّمة و ذكر الإبل:
تياسرن عن جري الفراقد في السّرىو يا منّ شيئا عن يمين المغاور
يعني: أنّهن قصدن وسطا فيما بين الفرقدين و بين المغاور، و هي المغارب و ذلك أنّ ابتداء المغارب قريب من منحدر بنات النّعش و قال لناقة:
فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّهايمينا و مهوى النّسر من عن شمالك
فإنما يصف سمت جهة و أجراها أنّه يريد في مسيره ما بين منحدر النّسر للمغيب و بين الفرقدين، فإذا أردت الاهتداء بالنّجوم فاعرف البلد الذي تؤمّه و في أي أفق هو، فإن كان في ناحية المشرق كخراسان و ما صاقبها، استقبلت منازل الشّمس و القمر، إن كان مسيرك ليلا و السّماء مضحية و جعلت الجدي و بنات النعش على يسارك و الشّعريين و سهيلا عن يمينك، و إن كنت في ناحية المغرب استدبرت منازل القمر و جعلت الجدي، و بنات نعش وراءك و الشّعريين و سهيلا عن يسارك. و إن كان في ناحية اليمن جعلت منازل القمر على يمينك و جعلت الجدي و بنات نعش أمامك، و سهيلا وراءك، فإذا أنت فعلت ذلك فأنت على سمت الوجه الذي تريد إن كنت على الطّريق غير راجع و لا جائز و إن كان مسيرك ليلا و السّماء غائمة استدللت أيضا بالمشرق و المغرب، فإن اشتبها عليك استدللت على المشرق بنسيم الصّبا و روحها، فإنّها تأتي من ناحيته و على المغرب بريح الدّبور و حرّها في الصّيف.
و أمّا القبلة فالاستدلال عليها بالجدي: و ذلك أن تجعله حذاء منكبك الأيمن، أو أخدعك، و إن كان مسيرك نهارا، فبالشّمس، فإنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة المسافر.
و قال محمد بن كناسة: إذا سقط منزل من منازل القمر بالغداة عند نوئه فعدّ منها سبعة أنجم على موالاة العدد، فالسّابع هو القبلة إلى أن يسقط العقرب. فإذا سقطت العقرب فالنّعائم قبلة. و البلدة بعد تلك السّاعة قليلا قبلة. ثم يعود الحساب فإذا سقط سعد الذّابح فالحوت قبلة و هو السّابع. و مثال ذلك أنّه إذا سقط الشّرطان كان السّابع منه الذّراع و هو
القبلة. و إذا سقط البطين فالنّثرة قبلة. و إذا سقطت الثّريا فالطّرف قبلة. و إذا سقطت الدّبران فالجبهة قبلة. و إذا سقطت الهقعة فالزّبرة قبلة، و إذا سقطت النّثرة فالسّماك قبلة، و إذا سقط الطّرف فالغفر قبلة، و إذا سقطت الجبهة فالزّباني قبلة. و إذا سقطت الزّبرة فالإكليل قبلة، ثم يقع الشّك في القبلة عند سقوط الصّرفة- و العوّاء- و السّماك- و الغفر- و الزّباني- و الإكليل- و القلب- و الشّولة- و النّعائم- و البلدة.
و ذلك لأنّ العقرب تسقط جميعا فلا يستقيم الحساب على سبعة أنجم، غير أنّه إذا سقطت العقرب كلّها كانت النّعائم قبلة. ثم البلدة قبلة و القبلة قريب منها. ثم يسقط سعد الذّابح فيكون رأس الحوت قبلة. و هو مذموم بالكف الخضيب و يرجع الحساب إلى السّابع.
و قال ابن كناسة في ذلك و ذكر طريق مكة، قال شعرا:
يوم النّجوم السّابعات من الّتيتأوّب إلا أن تأوّب عقرب
فإن هي آنت فالنّعائم آبهاو بلدتها ثم السّوابع أصوب
قال: و كواكب العقرب أربعة: منازل تطلع في الأوقات التي بيّنت و تسقط كلّها في وقت واحد.
ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: 115] قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سرية فأتتهم ضبابة، فصلّوا لغير القبلة، فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلم يأمرهم بالإعادة، و كانوا يصلّون نحو بيت المقدس فنزلت: فأينما ولّوا فثم وجه اللّه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لجبرائيل: «وددت أنّ ربي جلّ جلاله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها»، فقال جبرائيل:
إنما أنا عبد مثلك، فادع ربّك و سله ثم ارتفع جبرائيل و جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يديم النظر إلى السّماء رجاء أن يأتيه بالذي سأل، فأنزل اللّه تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [سورة البقرة، الآية: 144] الآية. قال: فنسخت هذه الآية ما كان من الصّلاة قبلها نحو بيت المقدس، قال: و كانوا يصلّون نحو صخرة بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، بعد أن قدم المدينة ثم حوّل إلى الكعبة إلى الميزاب قبل بدر بشهرين.
و روي عن ابن عباس قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الذين ماتوا و هم يصلّون إلى البيت المقدس فأنزل اللّه تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [سورة البقرة، الآية: 143] و ذكر سعيد بن المسيب أنّ قوله تعالى: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ [سورة التوبة، الآية: 100] هم أهل القبلتين.
و اعلم أنّ الذي لا غنى لمؤمن عنه و لا يتم إيمانه إلا به هو: العلم بأنّ اللّه ليس بناسخ مديحه، و لا حسن الثناء عليه، و لا أسماءه الحسنى، و لا ما أضيف من الصّفات العلى إليه، و لا ينسخ شيئا من أخباره عمّا كان أو يكون، لأنّ نسخ المديح ذم و تقبح و نسخ الأسماء الحسنى إثبات الأسماء السوأى، و نسخ الصّفات العلى إيجاب للصّفات السّفلى، و نسخ الأخبار انصراف المخبر من الصّدق إلى الكذب و عن الحق إلى الهزل و اللّعب. و هذا من جوّزه على اللّه تعالى فيما مدح به نفسه، و أخبر به عباده الحد في أسمائه و اللّه تعالى يقول:
وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [سورة الأعراف، الآية: 180] يقول أيضا: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [سورة الأنعام، الآية: 115] و هذا كاف، و الاقتصار عليه واجب، لأنّ الكتاب لم يوضع لذلك فاعلمه إن شاء اللّه تعالى.
و ذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم.
اعلم أنّ احتراف العرب في الجاهليّة و قرب الإسلام على وجوه خمسة: قود الكتائب- و جرّ الغارات- و شنّها على القبائل حين كان الزّمان من عزيز- و أخذ الرؤساء منهم المرباع- و ما يجري مجراه من الصّفية و الفضول و النّشيطة، و صنوف الاحتكام منهم. ثم الوفادات على الملوك في فكّ الأسرى- و حقن الدّماء و حمل الدّيات- و إصلاح ذات البين و غيرها، ثم ترقيح(1)العيش من ظهور الإبل و بطونها و نتاج الخيل، ثمّ غراس النّخل- لذلك روي عنه صلى اللّه عليه و سلم: «خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة».
و روي أيضا: الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» إلى كثير تركناه لشهرته، كقوله صلى اللّه عليه و سلم: «ارتبطوا إناث الخيل، فإنّ ظهورها حرز و بطونها كنز». و كقوله صلى اللّه عليه و سلم: «الخيل تعدو بأحسابها فإذا كان يوم الرّهان عدت بحدود أربابها» و كقوله: «جعل رزقي في أطراف الأسنة» يعني من الغزو، ثم طبقة العسفاء و الجمّالين و هذه حرفة يرغب عنها كرامهم و صرحاؤهم فهذه وجوه مكاسبهم، و معالم حرفهم عليها تدور أزمنتهم قبل الإسلام و بها شافهت ما داناه.
ثم صارت في الإسلام على أربع طبقات:
الأولى: مهاجرون يقبضون الدّواوين و يحفظ بهم البيضة فيغزون الثّغور و يقاتلون العدو. حكي عن جعفر بن محمد قال: قال علي رضي اللّه عنه، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الخير في السّيف و الخير مع السّيف و الخير بالسّيف».
و الثانية: مقيمون يعتملون سوارح الإبل و روائحها، و يتبعون مساقط الكلام، و مدافع المطر، و يكرّون عواملهم إلى الأمصار و الكور و يتواردون الأرياف و جوانبه الخضر.
1) في القاموس ترقيح المال صلاحه و القيام عليه. 12 محمد شريف الدين.
و الثّالثة: طبقة مقيمة في مياهها و محاضرها و مرابعها و مزالفها، راضية من العيش بما يحفظ عليهم التّجمل و ينفي عنهم التقشّف و التّبدل، فيتّجرون فيما يعتنون جلبا، و ينقلون ما به يقضون أربا.
الرّابعة: العسفاء و الأجراء و يروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن الخيل العراب تراث أبيكم إسماعيل فاقتنوها و اركبوها، و كان أول من ركبها إسماعيل و بنوه، و كانوا اثني عشر رجلا يسمّون الفوارس». قال أسد بن مدركة منتميا في شعره إلى إسماعيل عليه السلام.
أبونا الذي لم يركب الخيل قبلهو لم يدر شيخ قبله كيف يركب
و عوّدنا فيما مضى من ركوبهافصرنا عليها بعده نتلقّب
لعمرك ما عمّاي شمر و يبهسو لكنّما عمّاي بكر و تغلب
فإن يك أقوام أضاعوا آباءهمسفاها فما ضلّت ربيعة أكلب
و روي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنّ هذه الخيل كانت وحشا في الفلوات، لها أجنحة في مواضع أكتافها» قال: و كان في دور العجم مثل خلق الخيل صورا لها كالأجنحة في مواضع أكتافها تسمّى بالفارسية درواسف و تفسيرها بالعربية ذو الأجنحة من الخيل، فلم أعرف معناه حتى سمعت هذا الحديث، قال ثم ذللت لاسماعيل و كانت معه في جرهم فلمّا توفّاه اللّه عادت و حوشا إلى مواضعها، حتى جاء زمن داود فذلّلت له ثم ورثها سليمان، و كان يعجب بها و هي التي ذكرها اللّه تعالى في قوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ [سورة ص، الآية: 31] و كان أصحاب النّخل أكثر دعة و أرفع عيشا، و أندى جنابا و أحضر نفرا من أرباب الإبل، إذ كانت الإبل أشدّ امتهانا لأهلها و ابتذالا لمتخذيها مع ما يلحقها عند سقوط الغيث، و نبات البقل، و درور الألبان من الفارة و النّدود و الشّرود مع الكلف اللّاحقة من لوازم الرّعاء و التّحفظ من الحزابة و السّلة و مع ما ينالها في شهب السّنين من السّواف و سائر العاهات، و في استقبال بارد الرّياح من الأدواء المهلكة، و تلحقها من عدوة السّباع الضّارية، حتى أنّ ربّها يمسي غنيا مكثرا و يصبح فقيرا مدقعا.
و الخيل ثلاثة أصناف: فمنها ملوك الخيل التي لا تجارى، و هي تسبق بعنقها و كرمها و حسبها مع حسنها و تمام خلقها و استوائها و هي الرّوابع. و الصّنف الثّاني المضامير: و هي سباع الخيل المتعالية اللّحوم، و خلقتها غير خلقة الأولى لكنها أخفّ و أرقّ منها. و الصّنف الثّالث: ضباع الخيل قوّية شديدة تحمل الزّاد و المزاد في السّهل و الجبل، و هي الغلاظ الشّداد، مع جودة الأنفس، لأنّ الغليظ أحوج إلى شدّة النّفس من غيره.
و قال أبو داود الإيادي يصف الجواد من الخيل بصفة جامعة يستغنى بها عن تخصيص المفردات بما يحمد منها:
و قد أغروا بطرف هيكل ذي ميعة سكب
ذو ميعة؛ أي جري سائل، و كذلك السّكب، و يقال: فرس سكب و بحر و حت.
أسيل سلجم المقبل لا شخت و لا جأب السّلجم: الطويل و الشّخت: الدّقيق، و الجأب: الغليظ يريد أنه بين و صفين.
طويل طامح الطّرف إلى مفزعة الكلب يريد أنه يسمو بطرفه إلى حيث يفزعه الكلب من الصّيد إذا طلبه.
مسح لا يواري العير منه عصر اللّهب اللّهب: شق في الجبل أي من إشراقه يراه، و إن كان مستسرا فيه بشيء.
مكر سبط العذرة ذي عفو و ذي عقب العذرة: شعر النّاصية، و العقب: آخر الجري.
كشخص الرّجل العريان فعم مدمج العصب العصب: إدماج الخلقة.
له ساقا ظليم خاضب فوحى بالرّعب الخاضب: الذي قد رعى الرّبيع.
و قصري شبح الإنسان بناح من الشّعب الشّعب: الملتوية القرون.
و متنان خطانان كزحلوق من الهضب الزّحلوق: الأملس و كذلك الزّحلوف.
يهزّ العنق الأجرد في مستأمق الشّعب الأجرد: يريد به المحكم الأمر.
من الحارك مخشوش بجنب مجفر رحب
أي أدخل: في الجنب. و الجفر: الواسع.
ترى فاه إذا أقبل مثل السّاق الجدب السّلق: الأرض المتجرّدة من النّبات.
نبيل سلجم اللّحيين صافي اللّون كالقلب القلب: السّوار.
جواد الشّدّ و الإحضار و التّقريب و العقب عريض الخدّ و الجبهة و الصّهوة و الجنب يخد الأرض خدّ الصّمل سلط و أب الصّهوة: مقعد الفارس، و الصّمل: الشّديد من الحوافر، و الوأب: التّعب.
صحيح النّسر و الحافر مثل الغمر القعب له بين حواميه نسور كنوى القسب القسب: التمر الرّديء.
و أرساغ كأعناق ضباع أربع غلب و المستفرغ: الميعة بعد النّزع. و الجذب: الميعة النّشاط.
يعني الخاضب الأخرج في ذي عمد صهب و عير العانة القب الحماص النّحص الحقب يزين البيت مربوطا و يشفي قرم الرّكب فبهذه الصفات و ما يشبهها يختار جياد الخيل. و قال مرار بن منقذ يفضّل النّخل على سائر ما يحترف منه إذا أخرج الحقوق منها، قال شعرا:
كأيّن من فتى سوء تراهيعلك هجمة حمرا و جونا
يضنّ بحقها و يذمّ فيهاو يتركها لقوم آخرينا
و إنّك لن ترى إبلا سواناو تصبح لا ترين لنا لبونا
فإنّ لنا حظائر ناعماتعطاء اللّه ربّ العالمينا
طلبن البحر بالأذناب حتّىشربن جمامة حتّى روينا
تطاول محزمي صددي أشتىبوائك لا يبالين السّنينا
كأنّ فروعها في كلّ ريحجوار بالذّوائب ينتصينا
بنات الدّهر لا يحفلن محلّاإذا لم تبق سائمة يقينا
يسير الضّيف ثم يحلّ فيهامحلا مكرما حتى يبينا
فتلك لنا غنا و الأجر باقفغضّى بعض لومك يا ظعينا ب
نات بناتها و بنات أخرىصواد ما صحين و قد روينا
و لأحيحة بن الجلّاح في مثله:
لقد لامني في اشتراء النّخيلقومي فكلّهم يعذل
و أهل الذي باع يلحونهكما عذل البائع الأوّل
هو الظلّ في الصّيف حقّ الظّليلو المنظر الأحسن الأجمل
تغشى أسافلها بالجنوبو يأتي حلوبتها من عل
و تصبح حيث تبيت الرّعاءو إن ضيّعوها و إن أهملوا
و لا يصبحون يبغونهاخلال الملا كلّهم يسأل
فعمّ لعميكم نافعو طفل لطفلكم يؤمل
و قال كعب بن زهير يذمّ الغنم، و قد اتّخذ مالا و معيشة، شعرا:
يقول حيّان من عوف و من جشميا كعب ويحك لم لا تشتري غنما
من لي منها إذا ما جلبة أزمتو من أويس إذا ما أنفه رذما
أخشى عليها كسوبا غير مدّخرعاري الأشاجع لا يشوي إذا ضغما
إذا تولّى بلحم الشّاة نبّذهاأشلاء برد و لم يجعل لها و ضما
إن يغد في شيعة لا يثنه نهرو إن غدا واحدا لا يتّقي الظّلما
و إن أغار فلا يحلى بطائلةفي ليلة ابن جمير ساور العظما
إذ لا يزال فريش أو مغيبةصيداء تنشج من دون الدّماغ دما
الكسوب: يعني به الذّئب. لا يشوي: أي لا يصيب غير المقتل و قوله: لا يثنيه نهر:
أي نهار، يقال: ليلة نهرة أي مضيئة. و قوله: في شيعة: يعني أصحابه من الرّباب، و ابن جمير: أظلم ليلة في الشّهر، و هي التي لا يطلع القمر فيها من أولها إلى آخرها. و العظم:
السّخال التي قد فطمت. يقول: جاء يطلب الكبار فلما لم يجدهنّ ساور الصّغار. و المغيبة:
التي قد دنت من الموت، و فيه بقية. و الصّيداء: التي قد التوت عنقها و تنشج: أي ما لها نشج و صوت من الدّم.
قد ذكر بما اقتصّ كيف كان أصل خيل العرب، فأمّا النبي صلى اللّه عليه و سلم فكان له خمسة أفراس:
الظّرب- و السّكب- و اللّزار- و اللّجاف- و المرتجز، سمّي به لحسن صهيله.
ثم خيل أصحابه كان لجعفر بن أبي طالب فرس أنثى يسمّى سبحة يقال اسمها سمحة، و كان عرقبها يوم استشهد و هو أول من عرقب الخيل في الإسلام، كانت تحته يوم استشهد في غزوة مؤتة. و لحمزة بن عبد المطلب فرس من بنات العقال قال فيه شعرا:
ليس عندي إلّا السلاح و وردفارح من بنات ذي العقال
أتّقي دونه المنايا بنفسيو هو دوني تغشى صدور العوالي
و في هذا ألمّ بقول الآخر:
أقيه بنفسي في الحروب و تقيبها دية إنّي للخليل وصول
و كان تحت الزّبير بن العوام يوم بدر فرس يسمّى اليعسوب. و تحت المقداد بن الأسود فيه فرس يقال له: ذو العنق، و لأبي ذر فرس يسمى الأجدل، و لمحمد بن مسلمة فرس يسمّى ذا الجناح، و لعبّاس بن مرداس فرس يسمّى العتيد، و لعكاشة بن محصن فرس يقال له: أطلال كانت تحته يوم القادسيّة، و تحدث أنّ النّاس أحجموا عن عبور نهرها أو خندقها، و كان عرضها أربعين ذراعا، فصاح بها فخلفته و ثبا، حتى قال أهل النظر: ذلك من معجزات النّبي صلى اللّه عليه و سلم.
و سبّاق: خيل العرب مشاهير. كأعوج الكبير، و أشقر مروان. و الزّعفران فرس بسطام بن قيس، و ثادف و اليحموم و زهدم و إنّما المراد التّنبيه على مكاسب صميم العرب و فضلائهم، و الإشارة إلى ما تنطوي عليه أيّامهم في الجاهلية و قبيل الإسلام، و فيمن صحب النّبي صلى اللّه عليه و سلم.
و أما فرسان العجم فلم يذكر لهم خيل و لا فرس سابق إلا أدهم اسفنديار- و شبديز كسرى- و رخش رستم- و ذكروا عنها أحاديث ظريفة.
فأمّا الشجاعة و الصّبر على المجاهدة فناهيك ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ما حكي عن قول القائل: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ما قاله عبد الملك بن مروان في حديث عمرو بن ود. خرج عمرو يوم الخندق معجبا بخيلائه، فبرز له أبو الحسن فضربه ضربة سطحه بها، و كان لمثلها فعالا. و قيل لعلي: هل رأيت أحدا؟ قال: نعم الوليد بن عتبة كان حدثا، فضربته ضربة على رأسه فبدرت منه عيناه.
و ممّا يشهد لما آثرناه عن العرب من حسن تفقّدهم للخيل، و اشتغالهم بمصالحها و اشتراكهم في إيثارهم إيّاها على أنفسهم، و التّوفر على مناقبها و مذامها لما يرجونه من جميل العقبى، منها: ما روي عن امرئ القيس و علقمة بن عبدة العجلي. و ذكر أنهما تنازعا فى الشّعر و احتكما إلى أم جندب، امرأة امرئ القيس، و ادّعى كلّ منهما أنّه أشعر من
صاحبه، فقالت قولا شعرا في صفة الخيل على رويّ واحد، فقال امرؤ القيس في قصيدته:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندبلتقضي حاجات الفؤاد المعذّب
للسّوط الهوب و للساق درةو للزّجر منه وقع أخرج متعب
و في نقيضها قال علقمة:
فولّى على آثارهنّ بحاصبو غيبة شؤبوب من الشّد ملهب
فأدركهنّ ثانيا من عنانهتمرّ كمرّ الرائح المتحلّب
فحكمت لعلقمة على امرئ القيس، و قالت: أما أنت فحمدت نفسك بسوطك و زجرك و مريك إيّاها بساقك. و أما هو فإنه أدرك فرسه الطّريدة ثانيا من عنانه لم يمرّه بساق، و لم يضربه بسوط، و لم يزجره بنده، فقال امرؤ القيس: ما هو أشعر مني و لكنّك تعشقينه فطلّقها. و قال طفيل شعرا:
و للخيل أيام فمن يصطبر لهاو يعرف لها أيّامها الخير يعقب
و قال مالك بن نويرة شعرا:
جزائي دوائي ذو الخمار و صنعتيبما بات مطويّا بني الأصاغر
رأى أنني لا بالقليل أهورهو لا أنا عنه بالمواساة ظاهر
أهوره: أي لا أظنّ القليل يكفيه، يقول: هو يهار بكذا و يهابه: أي يتّهم و يزن. قوله:
و لا أنا عنه ظاهر: من قولك: ظهرت لجاجة فلان إذا لم يعن بها. و قال عنترة لامرأة:
لا تذكري مهري و ما أبليتهفيكون جلدك مثل جلد الأجرب
يعني: أنه إن آذته ضربها حتى يظهر عليها أثر الضّرب.
شعر:
إنّ الغبوق له و أنت مسوءةفتأوّهي ما شئت ثم تحوّبي
فذوقوا كما ذقنا غداة محجرمن الغيظ في أكبادنا و التّحاوب
كذب العتيق و ماء شن باردإن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
إنّ الرجال لهم إليك وسيلةإن يأخذوك تكحّلي و تخضّبي
و يكون مركبك القعود و رجلهو ابن النّعامة يوم ذلك مركبي
و أنا امرؤ إن يأخذوني عنوةأقرن إلى شر الرّكاب و أجنب
و قد قال بعض الرواة: لم يكن قوم أشد عجبا بالخيل، و لا أعلم بها، و لا أصنع لها
و لا أطول لها ارتباطا، و لا أهجى لمن لم يتّخذها، أو اتّخذها و أهزلها، و لا أمدح لمن اتّخذها و أكرمها منهم.
و كذلك أضيفت إليهم بكلّ لسان- و نسبت إليهم بكلّ مكان- و في كلّ زمان- حتى قالوا: هذا فرس عربي، و لم يقولون: رومي، و لا هندي، و لا فارسي فحصنوها تحصين الحرم، و صانوها صون المهج، ليبذلوها يوم الرّوع و يأمنوا بها أوان الخوف، و ليجعلوها درّية يوم اللّقاء، و وصلة إلى درك الثّأر حتى قالوا: إنّ الحصون الخيل، لا مدر القرى، كما قال الآخر شعرا:
و لمّا نأت عنّا العشيرة كلّهاأنخنا فخالفنا السّيوف على الدّهر
و كانوا يصبرون على مئونتها في الجدب، و يغتبقون الماء القراح في الأزل و يؤثرونها على العيال بالصّنيعة، ليكافئ عند الطلب، أو الهرب، و لذلك قال الأشعري مالك الجعفي:
لكن قعيدة بيننا محفوةباد جناجن صدرها و لها غنى
تقفي بعيشة أهلها و ثابةأو جرشع عبل المحازم و الشّوى
و قال خالد بن جعفر الكلابي:
أريغوني أراغتكم فإنّيو حذفة كالسّجى تحت الوريد
أسوّيها بنفسي أو بحرّو ألحفها ردائي في الجليد
أمرت الرّاغبين ليؤثروهالها لبن الحلوبة و الصّعود
قال مؤرخ من خواص الجنوب: أنّها تثير البحر حتى يسودّ، و تظهر كلّ ندى كائن في بطن الوادي حتى يلتصق الأرض، و إذا صادفت بناء بني في الشتاء و الأنداء أظهرت نداه و حسنه، حتى يتناثر و يطيل الثّوب القصير، و يضيق الخاتم في الإصبع، و يسلس بالشّمال و الجنوب تسرى باللّيل. تقول العرب: إنّ الجنوب قالت للشمال: إنّ لي عليك فضلا أنا أسري، و أنت لا تسرين. فقالت الشّمال: إنّ الحرة لا تسري و قال الهذلي:
قد حال دون دريسة ماويةمسع لها بعضاه الأرض تهزيز
الماويّة: التي تهبّ بالنّهار كلّه إلى اللّيل ثم تسكن، قال اللّه تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ [سورة سبأ، الآية: 10] أي: سبّحي النّهار كلّه. و مسع الشّمال و الدّريس: الثّوب الخلق، و الشّمال تستذري منها بأدنى شيء، و يسترك منها رحلك، و ذرى الشّجرة و الجنوب لا يستر منها شيء، و ربما وقع الحريق بالبادية في اليبيس، فإن كانت الرّيح جنوبا احترق أياما، و إن كانت شمالا فإنّما يكون خطأ لا يذهب عرضا. و للشّمال ذرى الشّجرة، و ذلك أن يجتمع التّراب من قبلها فيستذري بالشّجر، فإن كان الشّجر عظاما كانت لها جراثيم، و إن كانت صغارا ساوى التّراب غصونها، و لا ذرى للجنوب ترى ما يلي الجنوب منها عاريا مكشوفا. و الشّمال تذمّ بأنّها تقشع الغيم و تجيء بالبرد، و تحمد بأنها تمسك الثرى، و تصاحب الضّباب، فتصبح عنها كأنّها ممطورة، و تصبح الغصون و تنظف و أكثر ما يكون عن غب المطر، فإذا ارتفعت الشّمس ذهب النّدى و تقطع الضّباب و انحسر، و ليس من الرّياح أدوم في الشّتاء و الصيف من الشّمال، كما أنّه لا شيء منها أكثر عجاجا و سحابا، لا مطر فيه و هي هيف، تقشر الأرض، و يحرق العود من النكباء التي بين الجنوب و الدّبور التي تهبّ من مغيب سهيل.
و قال أبو عبيدة في قوله تعالى: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [سورة الحجر، الآية: 22]
جمع ملقحة على لواقح. قال: و رأيت العرب تجعل الرّياح لقاحا للرّياح لأنها تنشئ السّحاب و تقلّبه و تصرفه و تحلّه. قال الطّرماح و ذكر بردا استظلّ به:
قلق لأفنان الرّياح للاقح منها و حائل
فاللاقح: الجنوب لأنّها تلقح السّحاب، و الحائل: الشّمال لأنّها لا تنشئ سحابا، و كما سمّوا الجنوب لاقحا سمّوا الشّمال عقيما، لأنّها عندهم لا تحمل كما تحمل الجنوب.
و قال كثير: و مرّ بسفساف التّراب عقيمها.
و قال أبو و جزة:
حتّى سلكن الشّوى منهنّ في مسدمن نسل جوّابة الآفاق مهداج
يذكر حميرا وردت ماء يقول: أدخلت قوائمها في الماء، و هذا الماء من نسل جوّابة الآفاق، أي ريح تجوب البلاد، أي هي أخرجته من الغيم و استدرّته، فجعل الماء لها نتاجا ولدا، فالرّياح على هذا هنّ اللّواقح.
و أكثر العرب تجعل الجنوب هي التي تنشئ السّحاب، و تسدّده و تصف بواقي الرّياح بقلّة المطر، و الهبوب في سني الجدب. قال أبو كثير الهذلي:
إذا كان عام مانع القطر ريحهصبا و شمال قرة و دبور
فأخبر أنّ هذه الثّلاثة لا قطر معها، و أنّ القطر مع الجنوب.
و قال طرفة:
و أنت على الأدنى شمال عريةشآميّة تزوي الوجوه بليل
و أنت على الأقصى صبا غير قرّةتدأب منها مزرع و مسيل
فأخبر أنّها إذا لم تكن باردة كان معها القطر، و لعلّ الهذلي أراد مثل هذا فاكتفى بذكر الشّمال و وصفه. و قال آخر:
فسائل سبرة الشّجعيّ عنّاغداة تحاليا نجوا جنيبا
و النّجو: السّحاب، و الجنيب: الذي أصابته جنوب، فشبه حفيفهم في القتال بحفيف المطر، و قال المسحل:
حار و عقّت مزنة الرّيحو العارية العرص و لم يشمل
حار: تحيّر و تردّد، و عقّت: قطعت، و لم يشمل: أي لم تصبه الشّمال فيقشعه.
و قال أبو كثير:
حتّى رأيتهم كأنّ سحابةصابت عليهم لم يشمل و دقها
و قال آخر من هذيل:
مرتها النّعامى و لم تعترفخلاف النّعامى من الشّام ريحا
النّعامى: الجنوب، و مرتها: استخرجت مطرها، و من الشّام: يريد الشّمال، فهذه كلّها تجعل العمل في المطر للجنوب، و تجعل الشّمال يقشع السّحاب، و يسمّونها محوة، لأنّها تمحو السّحاب.
قال العجّاج:
سغر الشّمال الزّبرج المزبرجاقد بكرت محوة بالعجاج
فدمّرت بقية الزّجاج
السّغر: القشر، و الزّبرج: السّحاب.
و كان الأصمعي يحكي عن العرب: أنّ ما كان من أرض الحجاز فالجنوب هي التي تمري السّحاب فيه و الشّمال تقشعه. و ما كان من أرض العراق، فالشّمال تمري فيه السّحاب و يؤلفه، و لم يقل إنّ الجنوب تقشعه، و لا أنّه لا عمل لها فيه. قال: و أحسبه أراد أنّ الشّمال و الجنوب تفعلان ذلك جميعا بأرض العراق دون الحجاز، و على هذا وجدت بعض الشّعراء. قال الكميت، و كان ينزل الكوفة:
مرته الجنوب فلمّا اكفهرّحلّت عزاليه الشّمال
فجعل الجنوب تستدرّه و الشّمال تحلّه. و قال عدي و كان ينزل الحيرة و ينتقل في أرض العراق: و جيء بعد الهدو يزجيه شمال كما يزجي الكسير فاستدرّت به الجنوب على الحرير، فالجنوب سيره مقصور، يريد لثقله و جعل الشّمال تسوقه و الجنوب تستدرّه، لأنّ الجنوب عند أهل الحجاز و ما يليه هي التي تأتي بالغيث حتّى جعلوها مثلا للخير. قال حميد:
ليالي أبصار الغواني و سيرهاإليّ و إذ ريحي لهنّ جنوب
و على حسب تيمّنهم بالجنوب و تصييرهم إيّاها مثلا للخير، تشاؤمهم بالشّمال و تصييرهم إيّاها مثلا للشر. قال أبو و جزة يذكر امرأة:
مجنوبة الأنس مشمول مواعدها
جعلها لا تفي بوعدها كالشّمال لا تأتي بالغيث. قال زهير شعرا:
جرت سحّا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللّقاء
و قال بعضهم: أراد جرت الطّير بها من ناحية الشّمال، و لذلك قيل: اليمن و الشّؤم، فاليمن من اليمن، و الشّؤم من اليد الشّؤمى، قال: و قد يتشاءمون بها من جهة البرد، قيل لبعضهم: ما أشدّ البرد؟ فقال: ريح جربياء في أثر عماء، في غب سماء. و الجربياء:
الشّمال و العماء: السّحاب يريد شمالا هبّت بعد مطر، و قيل لآخر: أيّ الأيام أقرّ فقال:
الأحصّ الورد، و الأزب الهلوف.
قال أبو عمرو: الأحص الورد: يوم تطلع شمسه، و تصفو شماله، و يحمر فيه الأفق، و لا يجد لشمسه مسا. و الأحص: التي لا سحاب فيه كالرأس، و الأحص: الذي لا شعر عليه، قال و الهلوف: يوم تهبّ فيه النّكباء تسوق الجهام و الصراد لا تطلع شمسه، و الأزب:
من الإبل الكثير الوبر.
يقال: لحية هلوفية إذا كانت كثيرة الشّعر، و اليوم إذا كان بهذه الصفة كان ذا زمهرير، و كانوا يقولون مع هذا: إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض و إذا ذخرت الأودية بالماء كثرت الثّمر، و المؤتفكات: الرّياح البوارح و هي شمال حارّة في الصيف، و ذات عجاج، سمّيت لتقلّبها العجاج، مؤتفكات و لا أحسبهم أنّ لها عملا في ذلك، و إنّما يريدون أنّ عضوفها، إذا اشتدّ و كثر كان ذلك إمارة الزّكاء، و يجوز أن يكونوا أرادوا بالمؤتفكات الرّياح كلّها إذا اشتدّت.
قال بعض الحكماء: الرّياح على ثلاثة أضرب: منها ما هي من الملائكة و صفتها أن تكسح من الأعلى إلى الأسفل، و تهبّ صافية ثم تنقطع، و منها ما هي حركة الجو، و صفتها دوام هبوبها صافية، و كدرة سفلا و علوا.
و روى طاوس في خبر يرفعه: لا تسبّوا الرّياح و لا المطر و لا الرّعد و لا البرق، بعثن رحمة للمؤمنين و عذابا على الكافرين. و في حديث آخر: لا تسبّوا الرّيح فإنّها من نفس الرّحمن. و في آخر: ما هلك قوم و لا عاش آخرون إلا بهبوب الرّياح و درور السّحاب.
و ذكر بعضهم أنّ الروم تسمّي الأمطار و الرّياح نقالات الدّول. و عن سفيان الثّوري:
الدّعاء عند هبوب الرّياح و تحت المطر لا يرد.
و قال بعضهم: النّسيم الطّيب صديق الرّوح، قال: و الرخاء: ريح سليمان و كانت تحمل عرشه، و قيل: النّسيم بدو كلّ ريح، يقال: نسمت الرّيح.
و يروى عن عبد اللّه بن عباس أنه قال: الرّياح في كتاب اللّه ثمان: أربع منها رحمة:
النّاشرات و المبشّرات و الذّاريات و المرسلات، و أربع منها عذاب: القاصف و العاصف و العقيم و الصّرصر.
و قال الحكماء: الجنوب ريح، ذكر سعد شرقي حار لاقح يقوّي السّحاب و يفجّر الأمطار، و يلقح الأشجار.
و قال؛ راح تمرّ به الصّبا ثم انتحى فيه شئوب جنوب، منفجر و يسمّى الأرنب و النّعامي.
و يروى عن جعفر بن محمد أنّه قال: إنّ الجنوب تخرج من الجنة و تمر بالنّار فيصيبها وهجها، فما فيها من حرّ فمن ذاك، و هي ريح بروج الرّبيع، كما أنّ الشّمال ريح بروج الصّيف، و هي أبرد الرّياح.
و يروى عن جعفر بن محمد الشّمال: تمر بالجنّة جنّة عدن فتأخذ من طيب عرفها، فتمرّ بها على أرواح الأبرار و الصّديقين. و الدّبور تهيج الرياح و تثيرها و هي أشد الرّياح على ركاب البحر، و لا تهب إلا عاصفا، و هي التي أرسلت على قوم عاد.
و روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «نصرت بالصّبا و أهلكت عاد بالدّبور»، و هي ريح بروج الخريف. و الصّبا لطيب نسيمها و هبوبها لقبت بريح العشّاق.
و قال ابن دمية:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجدفقد زادني مسراك وجدا على وجد
و قال امرؤ القيس:
إذا قامتا يضوع المسك منهمانسيم الصبا جاءت بريح القرنفل
و قال آخر:
أريد لأنسى ذكرها فيهيجنينسيم الصّبا من حيث ما يطلع الفجر
و روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [سورة الأحزاب، الآية: 9] هي الصّبا. و قالت العرب: عصف الجنوب في الخريف دليل النّقمة، و عصف الدّبور في الرّبيع دليل العذاب، و عصف الشّمال في الشّتاء دليل الوفاء، و عصف الصّبا في الصّيف دليل البؤس. و قيل في الدّبور: هي ريح بروج الشّتاء.
و قالت الحكماء: مهبّ الجنوب من مطلع الشّمس إلى زوالها، و مهبّ الشّمال من مطلع الشّمس إلى غروبها. و مهبّ الدّبور من مغرب الشّمس إلى شطر اللّيل. و مهبّ الصّبا من شطر اللّيل إلى طلوع الشّمس، لا تطلع هذه في هذه و لا هذه في هذه.
اعلم أنّ العرب تحمد الولد إذا ولد في الهلال، فإن حملته في قبل الطّهر كان ذلك أعجب إليها، و لذلك قالت الفارعة أخت لقمان بن عاديا لإمرأة إني امرأة نزور و زوجي رجل محمق، و أنا في ليلة طهري، فهي لي ليلتك، و اسميني على فراشك فإذا رجع لقمان من عند الشّرب ثملا، فوجدني على فراشك وقع عليّ، و هو رجل منجب فعسى أن ألد منه ابنا نجيبا، فأجابتها إلى ذلك، فوقع عليها لقمان فحبلت بلقيم بن لقمان. و لذلك قال النّمر بن تولب لقيم بن لقمان: فإنّ ولدته قبل النّهار كان ذلك الغاية. قال:
ولدت في الهلال من قبل الطّهرو قد لاح للصّباح بشير
و قال الرّاعي:
و ما أمّ عبد اللّه إلّا عطيةمن اللّه أعطاها امرأ فهو شاكر
هي الشّمس وافاها الهلال فنسلهانجوم بآفاق السّماء نظائر
و المنجّمون يزعمون أنّ الهلال نحس، و نحن نجد عامة حاجات النّاس إنما تجزئ مع الأهلة منها التاريخات كلّها، و محل الدّيون، و فراغ الصّناع و التّجار، و يوم الفطر، و آجال المستغلات، و قدوم الولاة، و زيادة المد، و نقصان الجزر، ما بين الصّيبين إلى المزار، و المواعيد، و الإجارات، و أكثر الحيض الذي جعله اللّه مصحة أبدان النساء. ثم نزول الغيث الذي نشر اللّه به رحمته فأحيا به الأرض بعد موتها، و في حياتها حياة من عليها و لأسد بن ناغضة جاهلي في شأن عبيد بن الأبرص شعر:
غداة توخّى الملك يلتمس الحيافصادت نحسا كان كالدّبران
و للأسود بن يعفر يهجو رجلا:
ولدت بحادي النّجم يحدو قرينهو بالقلب قلب العقرب المتوفّر
و قال آخر جاهلي:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّهسواء عليكم بالنّحوس و بالسّعد
و قال آخر:
فإنّك قد بعثت عليك نحساشقيت به كواكبه ذكور
و قال آخر:
فإن يك كوكب الصّمعاء نحسابه ولدت و بالقمر المحاق
و قال الأصمعي: إذا كان المطر عندهم في سرار الشّهر كان محمودا، و رجوا غزارته، و كثرة الخيرات به. و أنشد للرّاعي:
تلقّى نوءهنّ سرار شهرو خير النّوء ما لقي السّرار
و قال الكميت:
هاجت له من جنوح اللّيل رائحةلا الضبّ ممتنع منها و لا الورل
في ليلة مطلع الجوزاء أوّلهادهماء لا قرح فيها و لا رجل
يريد إنّ هذه الليلة من السّرار، فلا ضوء في أوّلها، و هو القرح، و القرح: بياض وجه الدّابة. و قوله: مطلع الجوزاء أوّلها يريد أنّها من الشّتاء، و الجوزاء في الشتاء يطلع أوّل اللّيل.
و قال الحطيئة:
باتت لها بكسيب حريه ليلةو طفاء بين جماديين درور
قوله: بين جماديين يريد أنّها ليلة لا يدري أ هي آخر من الشّهر الأول، أو أوّل ليلة من الشّهر الثاني. و أراد أنّ المطر كان في السّرار أو في الغرّة.
و إذا كان أيضا في الغرة كان محمودا.
قال الكميت:
و الغيث بالمتألّقاتمن الأهلّة في النّواحر
النّواحر: جمع ناحرة و هي اللّيلة التي تنحر الشهر، أي تكون في نحره.
و قال ابن أحمر:
و لا مكللة راج الشّمال بهافي ناحرات سرار بعد إهلال
و قد توافقوا كلّهم على هذا إلا أبا و جزة، فإنّه ذكر نصف الشّهر فقال:
في ليلة لتمام النّصف من رجبخوارة المزن في أقتارها طول
و ليس يحمدون المحاق إلّا في المطر وحده، و قال جران العود، و ذكر امرأة تزوّجها فلم يستوفقها: قال شعرا:
أتوني بها قبل المحاق بليلةو كان محاقا كلّه ذلك الشّهر
و حكى المفضّل أنّ زبّان بن سيار خرج غازيا و معه النّابغة فرأى جرادا، فقال النّابغة:
جرادة تجرد ذات ألوان. فانصرف متطيّرا، و مضى زبّان فغنم و سلم فلما قفل قال شعرا يخاطب به النّابغة من ذلك قوله شعرا:
شعر:
تعلّم أنّه لا طير إلّاعلى متطيّر و هو الثّبور
بلى شيء يوافق بعض شيءيفاجئنا و باطله كثير
و من يبرح به لا بدّ يومايجيء به نعيّ أو بشير
و قال الكميت:
أ للورق الهواتف أم لباكعمّ عمّا يزنّ به غفول
الباكي: الغراب يقول: يزن بأنه ينعب بالفراق و هو غافل عن ذلك. و قال الكميت لجذام في انتقالهم إلى اليمن شعرا:
و كان اسمكم لو يزجر الطير عائفلبينكم طيرا منبئة الفأل
أي اسمكم جذام، و الزّجر فيه الانجذام، و هو الانقطاع. و قال أيضا يمدح زيادا:
و اسم امرئ طيره لا الظبي معترضاو لا النّعيق من الشّحاجة النعب
فقال اسمه زياد، فالزّجر فيه الزّيادة و الشّحاجة الغربان.
و قال آخر:
دعا صرد يوما على ظهر شوحطو صاح بذات البين منها غرابها
فقلت: أ تصريد و شحط و غربةفهذا لعمري نأيها و اغترابها
و قال في مخالفته آخر:
و قالوا: قاب قلت: عقبى من النّوىدنت بعد هجر منهم و نزوح
فزجر في العقاب الخير ثم قال:
و قالوا حمام قلت حمّ لقاؤهاو عادت لنا ريح الوصال تفوح
و قالوا تغنّى هدهد فوق ليلةفقلت هدى نغدو به و نروح
قال أبو العباس المبرّد: و لم أرهم زجروا في الغراب شيئا من الخير لكنّي سمعت بيتين أنشدهما بعضهم في المدح و التفاؤل به أحدهما:
نعب الغراب فرقّ بالمشتاقفدنا و صاح برؤية و تلاق
لا سلّ ريشك إذا نعبت بقربهمو وقاك من ريب المنيّة واق
و الآخر:
نعب الغراب برؤية الأحبابو لذاك صرت أحبّ كلّ غراب
لا سلّ ريشك إذ نعبت بقربهمو سقيت من نام صبيب سحاب
و سكنت بين حدائق في جنةمحفوفة بالنّخل و الأعناب
و لم أسمع غير ذلك، و يقال للعائف الحازي، و كان أصل التّطير في الطّير، و كذلك الرّجز بأصواتها و عددها و التغلّي و التّنسف، ثم صاروا إذا عاينوا الأعور و الأعضب و الأبتر زجروا و زجروا بالسّنوح و البروح. و قد تقدّم فيه كلام و قال رؤبة:
يشقى به الغيران حتّى أحسباسيدا مغيرا أو لياحا مغربا
اللّياح: الثّور الأبيض، و كانوا يتشاءمون بالمغرب و قال:
قد علم المرهتون الحمقىو من تجزي عاطسا أو طرقا
أ لا نبالي إذ بدرنا الشّرقاأ يوم نحس أم يكون طلقا
و قال:
و قد أغتدي قبل العطاس بهيكلسديد مسك الجنب فعم المنطق
و قال:
و خرق إذا وجّهت فيه لغزوةمضيت و لم يحسبك عنه الكوادس
الكداس: العطاس و كانوا يتطيّرون منه. و كانوا إذا عطس العاطس قالوا: قد أنجمنا أي منعنا. و قال ابن الأعرابي: يقال: عطست فلانا النّجم أي أصابه الهلاك الذي يتطيّر فمات، قال و النّجم أيضا دويبة صغيرة. و قال ذو الرّمة:
و لا أبالي النّجم العواطسا
و قال طرفة:
لعمري لقد مرّت عواطس جمةو مرّ قبيل الصّبح ظبي مصمع
قال عواطس لأنّه رأى أشياء مما يتشاءم بها، فجعل كلّ واحد كالعاطس و جعل الظّبي مصمعا: و هو الصّغير الأذن استقباحا له. و قيل: المصمع: المسرع. قال:
و عجراء دفث بالجناح كأنّهمع الفجر شيخ في بجاد مقنّع
فإن تمنعي رزقا لعبد يصيبهو لن تدفعي بؤسي و ما يتوقع
قال الفرزدق:
إذا وطنا لمغتنيه ابن مدركفلقيت من طير العراقيب أخيلا
و يقال: صبّحهم بأخيل: أي بشؤم. و يقال: بعير مخيول: إذا وقع الأخيل على عجزه فقطعه. و قال الأعشى:
انظر إلى كفّ و أسرارهاهل أنت إن أوعدتني صابر
جعله مثلا لأنّهم كانوا ينظرون إليها يستدلّون بها. و قال جرير في طريقته:
و ما كان ذو شغب يمارس عيصنافينظر في كفيه إلا تندّما
العيص: الأكمة شبّه حسبهم بها، و معنى ينظر في كفيه أي إذا تعيف علم أنّه لاق شرا.
و قال المرقم السّدوسي مخالفا لهم شعرا:
و لقد غدوت و كنت لاأغدو على واق و حاتم
فإذا الأشائم كالأيامن و الأيامن كالأشائم
الواق: الصّرد، و الحاتم: الغراب. و أنشد الجاحظ:
و لست بهيّاب إذا شدّ رحلهيقول: عداتي اليوم واق و حاتم
و لكنّه يمضي على ذاك مقدماإذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم
الخثارم: المتطهّر من الرّجال.
قال الجاحظ: و لإيمان العرب بباب الطّيرة و الفأل عقدوا التمائم و الرّتائم و عشّروا إذا دخلوا القرى كتعشير الحمار، و استعملوا في القداح الآمرة و النّاحية و المتربّص، و هي غير قداح الإيسار و يشتقّون من اسم الشيء المعاين أو المسموع ما يقيمون به العادة في ذلك، فجعلوا الحمام مرة من الحمام و مرة من الحميم، و مرة من الحمى. و جعلوا البان مرّة من البين، و مرّة من البيان.
و قال الحارث بن حلزة، و كان ينكر الطّيرة: يا أيها المزمع ثم انثنى. الأبيات و قد مرّت في باب العيافة و القيافة. و أنشد المفضّل شعرا:
تغتال عرض الرّويّة المذالةو لم ينطعها على غلاله
إلّا بحسن الخلق و النّبالهآذن بالبين صريد الصّاله
فبات منه القلب في البلبالةينزو كنز و الطّير في الحباله
صريد: تصغير صرد، و أضاف إلى الصّالة، و هذا كما يقال: غراب البين.
و لقي النبي صلى اللّه عليه و سلم حضرميّ بن عامر في ناس من قومه فنسبهم النّبي صلى اللّه عليه و سلم و قال: «من أنتم؟» فقيل: نحن بنو الزّنية فقال عليه السلام: «بل أنتم بنو الرّشدة» فقالوا: لا نرغب عن اسم أبينا، و لا نكون مثل بني محولة، يعنون بني عبد اللّه بن غطفان. قال: «بل أنتم بنو عبد اللّه فسمّوا بني محولة».
و ما ذكرناه في هذا الباب كاف في موضعه، و قد استقصيت الكلام في فنونه و شعبه في كتابي المعروف (بعنوان الأدب) و ذلك في الباب الجامع لذكر الرّموز و العادات. و هو باب كثير الفوائد، غريب الموارد.
و في الحديث: أنه كان يعجبه الفأل و يكره الطيرة، و اعترض بعضهم عليه فقال: إذا كان الفأل لا يوجب إلّا مثل ما توجب الطّيرة فيما يرجى أو يخاف، فلا فصل بينهما و ذاك أن قول القائل يا واجد و أنت باغ، لا يوجب أمرا بخلاف ما يوجبه قوله: يا مضلّ، لأنّ مطلوبك على ما كان عليه لا حقيقة تبدّله، و لا مجاز يغيّره، فيؤدّي الحالتين على طريقة واحدة. قلت: إن تسمع كلمة في نفسها مستحسنة و تكون قد أحدثت من قبل طمعا في أمر من عند اللّه تعالى فيعجبك سماعك لها إذ كان الطّمع خلاف اليأس، و لأنّ الكلمة واقفته.
و مثاله أن تسمع و أنت خائف يا سالم، فالفأل لا يوجب السّلامة، و لكن كأنّه يبطل اليأس، و يدفع سوء الظّن، و الرّجاء بالله و حسن الظّن به محمود مندوب إليه، و إذا ظنّ أنّ المرجو من حيث وافق تلك الكلمة كالأقرن، ففرح بذلك فلا بأس عليه. و إذا كان الأمر على هذا فالطّيرة بعيدة من هذا، و كذلك المتطيّر فيما يأتيه أو يذره و هذا ظاهر.
و حكى الجاحظ عن الأصمعي، قال: هرب بعض البصريّين من بعض الطّواعين فركب حمارا و مضى بأهله نحو سفوان، فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه و يقول: لن يسبق اللّه على حمار، و لا على ذي ميعة مطار أن يأتي الحتف على مقدار، قد يصبح اللّه أمام السّاري، فلمّا سمع ذلك رجع بهم، و من أعجب ما لهم قول الشّاعر:
فإن يبرأ فلم أنفث عليهو إن يفقد فحقّ له الفقود
و قول آخر:
فلم أرقه إن ينج منها و إن يمتفطعنة لا غس و لا بمغمر
لأنّ ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّهم كانوا إذا شكوا سلامة رميهم رقوا نبالهم برقية، و نفثوا فيها نفث السّواحر في عقد ما يبرمونه من سحرها. و هذا كما اعتقد في النّيران و هي كثيرة ينسب بعضهم إلى العجم، و بعضهم إلى العرب و في أثنائها نيران الدّيانات حتى عبدت. و يذكر هنا ما يأخذ كتابنا هذا منه بحظ، فقد استقصى الجاحظ القول فيها، و ذكر أحوال المعظمين لها و المستهينين بها و قد قال اللّه تعالى في ذكر الثّقلين: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [سورة الرّحمن، الآية: 35- 36] و ليس يريد أنّ التعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة، و لكنّه أراد التّحذير بخلقه لها و الوعيد بها غير إدخال النّاس فيها، و إحراقهم بها، و في ذلك نعمة من اللّه مجدّدة، إذ كان حال من حذر مخالفا بحال من أهمل و ترك و ما يختاره. و قال الشاعر يد الخصب شعرا:
في حيث خالطت الخزامي عرفجايأتيك قابس أهله لم يقبس
و من أمثالهم: في كلّ شجر نار، و استمجد المرخ و العفار. و في الجاهلية الأولى إذا تتابعت عليهم الأزمات، و ركد البلاء، و اشتدّ الجدب، و احتالوا إلى استمطار جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها و بين عراقيبها السّلع و العشر ثم صعدوا بها في جبل وعر و أشعلوا فيها النّار و ضجّوا بالدعاء و التّضرع، و كانوا يرون أنّ ذلك من أسباب السّقيا. لذلك قال أمية بن أبي الصّلت:
سنة أزمة تخيل بالنّاسترى للعضاة فيها صريرا
سلع ما و مثله عشر ماعائل ما و عالت البيقورا
و يقال: بقر و باقر و بيقر و بيقور و بقير. و قال بعضهم: تقرّبوا بذلك، كما تفرّد بعضهم بقربان تأكله النّار فإنهم كانوا يأتون بالقرابين و يوقدون نارا عظيمة و تدنى تلك القرابين في لخلف منها و هم يطوفون حولها و يتضرّعون، فإذا أكلت النّار و قد أشعلوها تلك القرابين عدّوا ذلك قبولا لها، و إسعافا بالمطالب منها. و أنشد القحذمي للورل الطّائي في لاستمطار:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أ جاعل أنت بيقورا مسلعةذريعة لك بين اللّه و المطر
و على ذكر النّار فللعرب منها ما يذكر في الرّموز. و منها ما يجعل علامة لحوادث كحذر. و منها ما يضرب بذكره مثل، أو يعقد به ديانة، أو يقام به تشبيه و سنّة، و الجاحظ قد
أثار الرّهج في جمعها و وصفها، و الكلام عليها و على المتديّنين بعبادتها، و أنا أذكر منها هنا ما يكتفى به إن شاء اللّه تعالى.
قال الجاحظ: قال اللّه تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [سورة يس، الآية: 80] النار من أكبر الماعون، و أعظم المرافق، و لو لم يكن فيها إلّا أنّ اللّه تعالى جعلها الزّاجرة عن المعاصي، لكان في ذلك ما يزيد في قدرها و نباهة ذكرها و قال تعالى: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ [سورة الواقعة، الآية: 73] فالعاقل المعتبر إذا تأمل قوله تعالى: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً تصوّر ما فيها من النّعم أولا و من النقم آخرا. و قد عذّب اللّه تعالى الأمم بأنواع العذاب و لم يبعث عليهم نارا لأنّه جعلها من عذاب الآخرة.
قال: و من النّيران بعد ما ذكرها من أنّ العرب في الجاهليّة كانت تستمطر بالنّار التي كانوا يوقدونها عند التّحالف، فلا يعقدون حلفهم إلّا عندها، و كانوا يقولون في الحلف:
الدّم الدّم و الهدم الهدم لا يزيده طلوع الشّمس إلا شدّا، و طول اللّيالي إلا مدّا، و ما بلّ البحر صوفة، و ما أقام رضوى في مكانه، إذ كان جبلهم رضوى أو ما أنفق من مشاهير بلادهم يؤكّدون العقود بمثل ذلك، و على هذا ما ورد في الخبر أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال للأنصار لمّا أرادوا أن يبايعوه، فقال أبو الهيثم بن التّيهان: إنّ بيننا و بين القوم حبالا نحن قاطعوها و نخشى إن اللّه أعزّك و أظهرك أن ترجع إلى قومك، فتبسّم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثم قال: «لا بل الدّم الدّم، و الهدم الهدم، و اللّدم اللّدم» أي حرمتي مع حرمتكم أطلب الدّم بطلبكم، و أعفو بعفوكم، فأجرى الكلام صلى اللّه عليه و سلم على ما كان يجرونه حينئذ عند التّحالف و قال الشّاعر:
ثم الحقي بهدمي و لدمي: أي أصلي و موضعي. و الهدم متحركا المهدوم. و قال أوس يصف عيرا:
إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجههكما صدّ عن نار المهول حالف
و كان قوم اختلفوا عند نار فغشوها حتّى محشتهم النّار، فسمّوا المحاش. لذلك قال النّابغة يخاطب رئيسهم.
جمع محاشك يا يزيد فإنّنيجمّعت يربوعا لكم و تميما
و نار أخرى: و هي التي كانوا يوقدونها خلف المسافر و الزائر الذي لا يريدون رجوعه.
لذلك قال بشار:
صحوت و أوقدت للجهل ناراو ردّ عليك الصّبيّ ما استعارا
و نار أخرى توقد لجمع النّاس للحرب، و توقّع جيش عظيم. قال عمرو بن كلثوم:
و نحن غداة أوقد في خزازىرفدنا فوق رفد الرّافدينا
و نار أخرى: و هي نار الحرّتين و هي نار خالد بن سنان، و لم يكن في بني إسماعيل نبيّ قبله، و هو الذي أطفأ اللّه تعالى به نار الحرّتين، و كان حرّة ببلاد عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، و كانت طيّء ينفش بها إبلها من مسيرة ثلاث، و ربّما ندرت منها العنق فتأتي على ما تقابله فتحرقه. و إذا كان النّهار فهي دخان يفور فبعث اللّه تعالى خالد بن سنان عليه السلام، فأطفأها و له قصة مرويّة.
و روي أنّ ابنته قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فبسط لها رداءه و قال: «هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه» و أنشدوا شعرا:
كنار الحرّتين لها زفيرتصمّ مسامع الرّجل البصير
و نار أخرى و هي التي أطفأها خالد بن الوليد لمّا أرسله رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إليها، و كان السّادن احتال حتى رماه بشرر يوهمه أنّه لتعرّضه لها فقال: كفرانك لا سبحانك إني رأيت اللّه قد أهانك، فكشف اللّه تعالى ذلك الغطاء برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.
فأما نيران السّعالي و الجن و الغيلان فلها شأن آخر. و النّار التي توقد للظّباء و صيدها معلومة.
و من النّيران المذكورة نار أبي حباحب، و نار الحباحب أيضا، و قيل أبو حباحب رجل كان لا ينتفع به في ماعون و لا في موقد نار، فجعل ناره مثلا لكلّ نار تراها العين، و لا حقيقة لها عند التماسها و نسبت إليه. و قال القطامي:
ألا إنّها نيران قيس إذا شتوالطارق ليل مثل نار الحباحب
و يشبه نار الحباحب نار البرق.
و نار اليراعة، و اليراعة: طائر صغير يصير باللّيل كأنّها شهاب قذف أو مصباح يطير.
و كانوا ربّما أوقدوا نارا واحدة و ربّما أوقدوا نيرانا عدة، و ربّما أوقدوا نارين. فالواحدة توقد للقرى، و يستدلّ بها الضّالّ و المتحيّر في الظّلمة في اللّيل البهيم. و المطعام يوقد اللّيل كلّه في الشّتاء. و لذلك قال الشّاعر شعرا:
له نار تشبّ بكلّ وادإذا النيران ألبست القناعا
و ما أن كان أكثرهم سواماو لكن كان أرحبهم ذراعا
و قال مزرد:
و شبّت له ناران نار برهوةو نار بني عبد المدان لدى الغمر
فامّا الإكثار من النيران في مجمعهم فكما يكثرون من الذّبح فيه مخافة أن يجزرهم
جازر، فيستدل بقلّة الذّبح و النّيران على قلّة العدد و ضعف العدد، و هذا من مكائدهم.
و من أحسن ما قيل في نار الضّيافة قول الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرةإلى ضوء نار في بقاع يحرق
تشبّ لمقرورين يصطليانهاو بات على النّار النّدى و المحلّق
رضيعي لبان ثدي أمّ تقاسمابأسحم داج عوض لا نفرق
و قول الحطيئة أحسن منه و هو:
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
و نار أخرى و هي نار الميسم: و يقال: ما نارك؟ فيقول: علاطة أو خباطة، أو كذا لذلك قال بعض الحزاب:
تساكني الباعة أين دارهاإذ زعزعوها فسمت أبصارها
فكلّ دار لأناس دارهاو كلّ نار المسلمين نارها
قد و فرّنا قسط هذا الباب لفوائده، و قد أتى الجاحظ على ذكر نيران العرب و العجم و نيران الدّيانات، فبلغ الغاية، و لم يترك لمتتبّع مقالة، و إن كان أخلّ بذكر نارين، إحداهما:
نار الغدر، و هي التي أرادها زبير في قوله شعرا:
و توقد ناركم شررا و يرفعلكم في كلّ مجمعة أواء
و الثانية: نار الوشاة: و هي التي أرادها أبو ذؤيب في قوله:
أبى القلب إلا أمّ عمرو فأصبحتتحرّق ناري بالشّكاة و نارها
قال أبو عمرو تقول العرب في السّحابة: تنشأ إن تبهرت متنكبة و وميضها ضعيف يخفى مرّة و يظهر أخرى، فقد أخلفت و معنى تبهّرت: تقطّعت و البهر حفر تكون في الأرض، و معنى تنكّبت: عدلت عن القصد، و منه النّكباء في الرّياح.
و حكي عن أبي عبيدة قال: قلت لأعرابي: ما أسحّ الغيث؟ قال: ما ألقحته الجنوب و مرته الصّبا، و نتجه الشّمال، و إذا كان السّحاب أبيض يبرق بضوء فذاك دليل مائه، و يقولون: إذا رأيت السّماء كأنه بطن أتان قمراء، فذلك الجود. قال الشّاعر:
و أضحى يحطّ المعصمات حزيرةو أصبح رجّاف اليمامة أقمرا
الرّجاف: ما رجف من السّحابة. و قال آخر: و هو المتنخّل الهذلي يذكر مطرا شعرا:
تمدّ له حوالب مشعلاتتجلّلهنّ أقمر ذو انعطاط
قالوا: و إذا كانت السّحابة تبرق كأنها حولاء ناقة، و هو ما يخرج مع الولد فذلك من علامات.
و إذا كانت السّحابة نمرة فهي خليقة بالمطر لذلك قال قائلهم: أرينها نمرة- أركها مطرة. و النّمرة التي ترى سحابها صغارا بتداني بعضها من بعض، و يكون كلون النّمر، و إذا كان السّحاب بطيئا في سيره، فذاك دليل على كثرة مائه و لذلك قال الهذلي يصفه:
و أقبل مرّا إلى بحدلسباق المقيد يمشي رسيفا
و قال عبيد:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالرّاح
جعل له هدبا يتدلّى لثقله و دنوّه من الأرض.
شعر:
فمن بنجوته كمن بعقوتهو المستكنّ كمن يمشي بقرواح
و مثله قول الآخر:
أسدف منشقّ عراه فذو الأدماثما كان كذي الموئل
الأسدف: الأسود و جعل عراه ينشقّ بالماء و الدّمث: السّهل اللّين، و الموئل: المكان المرتفع الذي يئل النّاس إليه من السّيل.
و روي أن المعقّر البارقي سأل ابنته عن السّحابة و قد كفّ بصره، و إنمّا سمع صوت رعدة فقالت: أرى سحما عفاقة، كأنّها حولاء ناقة ذات هيدب دان و سير وان فقال: يا بنية وائلي بي إلى جنب قفلة، فإنها لا تنبت إلا بمنجاة من السّيل. القفل: ضرب من الشّجر لا ينبت إلا مرتفعا من السّيل و إذا كان السّحاب أصهب إلى البياض فذاك دليل على أنه لا ماء فيه و على الجدب. قال النابغة شعرا:
صهباء ظمّاء أبين البين عن عرضيزجين غيما قليلا ماؤه شبما
و قال أمية بن أبي الصّلت يذكره شدّة الزّمان في الشّتاء:
و شوّذت شمسهم إذا طلعتبالجلب هفا كأنّه الكتم
شوّذت: عليت و عمّمت، و يقال للعمامة المشوّذ و الجلب: سحاب لا ماء فيه، و الهف: الرّقيق. و ذلك من علامات الجدب.
و قد يعترض في الأفق حمرة بالغداة و العشيّ من غير سحاب في الشّتاء فيستدلّ به على قلّة الخير و شدّة الزّمان. و قال النابغة شعرا:
لا يبرمون إذا ما الأفق جلّلهصرّ الشّتاء من الإمحال كالآدم
يريد: لا يخلون في هذا الوقت، و البرم: الذي لا يدخل مع القوم في المسير. و قال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبهالشيبان أو ملحان فاليوم أشهب
و قال الفرزدق:
يغضّون بأطراف العصيّ تلفّهممن الشّام حمر الضّحى و الأصائل
يريد حمر الآفاق: أوّل النّهار و آخره، فهذه الحمرة التي بيّنتها و دللت عليها بشواهدها
من الشّعر و غيره هي التي تدلّ على الجدب.
و قد يستدلّ بالحمرة إذا اشتدّت جدا في السّحاب المخيّل و إنّما تكون من شعاع الشّمس عند الطّلوع و عند الغروب على المطر. و الفرق بينهما أنّ تلك تكون بغير سحاب أو تكون مع شيء رقيق منه، و حمرة الغيث تكون شديدة عند الطّلوع و عند الغروب في سحاب متكاثف مخيل. و الحمرة التي يشير إليها إنما هي من قرص الشّمس لأنّك تراه في المشرق و المغرب للغبار و البخار، و الضّباب المعترض بينك و بينها أحمر و أصفر للهواء الملابس لها، و قد توجد النّار تختلف على قدر اختلاف النعظ الأزرق و الأبيض و الأسود.
و ذلك كلّه يتغيّر في مرأى العين بالعرض الذي يعرض للعين، و على قدر جفوف الحطب و رطوبته، و على قدر أجناس العيدان و الأدهان تجدها حمراء أو صفراء أو خضراء.
و لذلك يوجد برق السّحاب مختلفا في الحمرة و البياض على قدر المقابلات و الأعراض، و تجد السّحابة بيضاء، فإذا قابلت الشّمس بعض المقابلة فإن كانت السّحابة غربيّة و الشّمس منحطة، رأيتها صفراء ثم حمراء ثم سوداء تعرض العين لبعض ما يدخل عليه، و قال الفلتان الفهمي في النّار:
و يوقدها شقراء في رأس هضبة
و قال مزرّد:
فأبصر ناري و هي شقراء أوقدتبعلياء يشز للعيون النّواظر
و قال الراعي و هو يريد أن يصف لون ذئب:
كدخان مرتجل بأعلى تلعةغرثان حزم عرفجاء ميلولا
المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد و هو يشويها و جعله غرثان لأنه لغرثه لا يميز الرّطب من اليابس، فهو يشويها بما حضره، و أدلّة هذا الكلام كلّه ليكون لون الدخان و لون الذئب الأطحل متّفقين، فأما شيم البروق فكانوا يقولون: إذا بلغت سبعون برقة انتقلوا و لم يبعثوا رائدا لثقتهم بالمطر، و إذا كان البرق عندهم و ليفا و ثقوا بالمطر. و الوليف: الذي يلمع لمعتين. قال الهذلي شعرا:
لشمّاء بعد أشتاب النّوىو قد بتّ أجنبت برقا و ليفا
و إذا تتابع لمعانه كان مخيلا للمطر.
و يقال: ارتعج البرق إذا كثر و تتابع. و قال الرّاجز شعرا:
سحّا أهاضيب و برقا مرعجايجاوب الرّعد إذا تبوّجا
و إذا تتابع بلمعتين لمعتين شبّه بلمع اليدين. قال امرؤ القيس شعرا:
أ صاح ترى برقا أريك وميضهكلمع اليدين في حبيّ مكلّل
الحبي: السّحاب المشرف، مكلّل بعضه على بعض.
و يقال: مكلّل بالبرق و إذا كان خفوا كان دليلا على الغيث. و قال حميد بن ثور شعرا:
خفا كاقتذاء الطّير و هنا كأنّهسراج إذا ما يكشف اللّيل أظلما
و اقتذاء الطّير: تغميضها أعينها و فتحها إيّاها، كأنّها تلقي القذى منها، و كلّهم يجعل البرق يمانيا و لا يجعله أحد شاميا، لأنّ الشّامي أكثره خلّب عندهم، و هذا يدلّ على أنّ المطر للجنوب لأنّها يمانية. و قال آخر شعرا:
ألا حبّذا البرق و حبّذاجنوب أتانا بالعشيّ نسيمها
و يقال: أوسم البرق إذا بدا و ألاح إذا أضاء ما حوله. و أنشد لأبي ذؤيب شعرا:
رأيت و أهلي بوادي الرّجيعمن آل قيلة برقا مليحا
و يقال: أوسمت المرأة؛ إذا بدا ثديها ينوء. قال أبو عبد اللّه و قال العقيلي: إذا رأيت السّماء قد اصحامت فكأنها بطن أتان قمراء. و رأيت السّحاب متدليا كأنه اللّحم الثنت، مستمسك منه و منهرت، فحينئذ الغياث. و قال أبو صالح الفزاري: كنا نقول: إذا رأيت البرق في أعلى السّحابة أو في جوانبها فهي بإذن اللّه ماطرة غير مخلفة، و إذا رأيت البرق في أسافلها فقد أخلفت.
قال اللّه تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ [سورة التكوير، الآية: 15- 16] و قد تقدّم القول في أنّها خمسة: زحل- و المشتري- و المريخ- و الزهرة- و عطارد. و أنّها سيّارة كالشّمس- و القمر. و قد يسمّى بعضها بغير هذه الأسماء المريخ بهرام. و يسمّى المشتري البرجيس- و يسمّى الزّهرة أناهيد- و يسمّى زحل كيوان- و يسمّى القمر ماه- و تسمّى الشمس مهر- و يسمى عطارد نير- و قال رؤبة:
أسقيه نضّاح الصّبا بجيساكافح بعد النّثرة البرجيسا
البجيس: المتفجّر، و في القرآن: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [سورة الأعراف، الآية: 160].
و يقال: هذه أرض تنبجس عيونا، و كافح: واجه. و النّثرة: من ذوات الأنواء، و البرجيس: هو المشتري، و لا حظّ له في المطر عندهم، و ظن رؤبة أنه من ذوات الأنواء، و هذا كما أنّ الكميت قال و هو يصف ثورا بشدّة العدو شعرا:
ثم استمر و للأشباه تذكرةكأنّه الكواكب المريخ أو زحل
أراد أن يشبّهه بكوكب منقض، فظنّ أنّ المريخ و زحل ينقضّان، و قيل في عذر رؤبة:
إنه كان سمع البرجيس و إنه اسم كوكب، و خفي عليه أنه اسم المشتري في لسان غيرهم.
و قيل في عذر الكميت: إنّ انقضاض الكوكب إسلامي رجم به مسترقة السمع، و لم يعرف قبل الإسلام فلذلك خفي عليه أنّ المريخ و زحل ليسا من الرّجوم. و إنما سمّيت هذه الكواكب خنّسا لأنها تسير في الفلك ثم ترجع، بينا أحدها في آخر البروج كرّ راجعا إلى أوّله، و لذلك لا ترى الزّهرة في وسط السّماء أبدا، و إنّما تراها بين يدي الشّمس أو خلفها.
و ذلك أنّها أسرع من الشّمس، فتستقيم في سيرها حتى تجاوز الشّمس فتصير من ورائها، فإذا تباعدت عنها ظهرت بالعشاء في المغرب، فترى كذلك حينا ثم تكرّ راجعة نحو
الشّمس حتى تجاورها، فتصير بين يديها فتظهر حينئذ في المشرق بالغداة، هكذا هي أبدا، فمتى ظهرت في المغرب فهي مستقيمة و متى ظهرت في المشرق فهي راجعة، و كل شيء استمرّ ثم انقبض فقد خنس، و منه سمّي الشّيطان خناسا لأنه يوسوس في القلب، فإذا ذكر اللّه خنس، و سمّيت كنّسا بالاستسرار كما تكنس الظّباء. و صفات الخنّس الزّهرة أعظمها في المنظر، و أشدّها بياضا ثم المشتري في مثل هيئتها. و في زحل كمودة. و في المرّيخ حمرة و في عطارد صفرة. و قد تقدّم القول في استسرار القمر، و أنّه يقطع المنازل في استسراره كما يقطع في ظهوره. و أنهم يسمّون آخر ليلة في الشهر البراء لتبرّؤ القمر من الشّهر فيه. و أما قول الشّاعر شعرا:
يا عين بكّي عامرا و عبسايوما إذا كان البراء بخسا
فالمراد إذا لم يكن فيه مطر، لأنّ المطر يستحبّ في سرار القمر.
فأمّا هلال شهر رمضان فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إذا غمّ عليكم فاكملوا العدة». و هذه رواية ابن عباس رضي اللّه عنهما.
و في حديث آخر: «إذا غمّ عليكم فاقدروا له» رواية ابن عمر رضي اللّه عنهما. و معنى أقدروا له: قدّروا له المسير و المنازل.
يقال: قدرت الشيء و قدرته بمعنى، و التّقدير له يكون إذا غمّ على النّاس ليلة ثلاثين في آخر شعبان لليلة و يعلم أنّه يمكث ستة أسباع ساعة من أوّلها ثم يغيب و ذلك في أدنى مفارقته للشّمس، و لا يزال يزيد في كلّ ليلة على مكثه في اللّيلة قبلها ستة أسباع ساعة، فإذا كان في اللّيلة السّابعة غاب في نصف اللّيل، و إذا كان في ليلة أربع عشرة طلع مع غروب الشّمس، و غرب مع طلوعها ثم يتأخّر طلوعه عن أول ليلة خمس عشرة ستة أسباع، و لا يزال يتأخر طلوعه ليلة ثمان و عشرين مع الغداة فإن لم ير صبح ثمان و عشرين، علم أن الشّهر ناقص و عدته تسعة و عشرون يوما.
و إن رؤي علم أن الشّهر تام و عدّته ثلاثون، و قد يعرف أيضا بمكث الهلال في ليالي النّصف الأوّل من الشّهر و مغيبه، و أوقات طلوعه ليالي النّصف الآخر من الشّهر، و تأخّره عن أوّل اللّيل، و يتعرّف من المنازل بأنّ الهلال إذا طلع في أوّل ليلة من شعبان في الشّرطين، و كان شعبان تاما طلع في أول ليلة من شهر رمضان في الثّريا، و إن كان شعبان ناقصا طلع في البطين، و هذا أمر يضيق و يصعب على الناس، و يكثر فيه التّنازع و الاختلاف، فنسخه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بقوله: «إذا غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» و لا يمكن أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشّمس و بالعشي في المغرب خلف الشّمس في يوم واحد، و لكن يمكن ذلك في يومين فهو حين يستسر ليلة واحدة، و إذا كان في ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين.
و أما ما روي من قوله صلى اللّه عليه و سلم: «صوموا لرؤيته و افطروا لرؤيته» فإن اللّام فيه بمعنى بعد و مثله قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ [سورة الطلاق، الآية: 1] و اللّام لإضافة عدّة مواضع.
و قد ذكرتها أو أكثرها في غير هذا الموضع، و قال بعض أهل النظر: المراد صوموا لما أقبل من رؤيته.
و كذلك طلّقوهنّ لما أقبل من عدّتهن. قال و قبل كلّ شيء وجهه و أوّله، كما أنّ دبره آخره، و كلّما يوقّت فله أوّل و آخر، فما دام زائدا فهو مقبل، فإذا أخذ في النّقصان فهو مدبر مثل النّهار فهو مقبل من الفجر إلى الاستواء لأنّه في الزّيادة ثم مدبر، لأنّه في النّقصان إلى اللّيل، و لا يقال: هو مقبل و قد أقبل إلّا عند دخول وقته. و منه قوله صلى اللّه عليه و سلم: «إذا أقبل اللّيل و أدبر النّهار فقد أفطر الصائم». و لا يجوز أن يقال: أقبل اللّيل إلّا بعد مغيب الشّمس، لأنّ الصّائم لا يعود مفطرا إلا به لقوله: فقد أفطر الصّائم. أي انقضى صومه لذهاب وقته و دخول وقت آخر لا يكون الصّوم فيه و يؤيد هذا الّذي ذكرناه قول الرّاجز شعرا:
و قلّة الطّعم إذا الزّاد حضرو تركي الحسناء في قبل الطّهر
لأنّ المراد أوّل طهرها لا ما قبله من الحيض، فمراد الشّاعر فيه مثل مراد الأخطل حين قال شعرا:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهمدون النّساء و لو باتت بإطهار
و قد بيّن غيره بأتمّ من هذا الذي قال:
أ فبعد مقتل مالك بن زهيرترجو النّساء عواقب الأطهار
و هذا ظاهر و لو جاز أن يكون إقبال شيء في إدبار غيره الذي هو ضدّه لكان الصّائم مفطرا قبل مغيب الشّمس، إذ اللّيل عنده يقبل في إدبار النّهار، و قبل انقضائه كلّه و هذا لا يقوله أحد. و إذا كان الأمر على هذا فأذن اللّه تعالى في الطّلاق بقوله: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ [سورة الطلاق، الآية: 1] لا يكون واقعا إلا بعد دخول وقت العدّة التي أذن اللّه في الطّلاق له، و الطّهر و بعد انقضاء إدبار الوقت الذي منع من الطّلاق فيه و انتهائه و هو الحيض، فكذلك قوله صلى اللّه عليه و سلم: «صوموا لرؤيته و افطروا لرؤيته» يعني الهلال و الصّوم لا يكون إلا بعده بساعات و وقت مديد، و من مواضع اللّام قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [سورة طه، الآية: 14] لأنّ المعنى أدم الصّلاة لتسبّحني و تمجّدني، و ذلك هو الذّكر إذ كان علة له و سببا، و هذا يخالف: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [سورة الإسراء، الآية: 78] لأنّ دلوك الشمس بيان وقت، و مثله قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [سورة الحشر، الآية: 2] في أنه بيان وقت، أ لا ترى أنّ الحشر لم يكن علة لإخراجهم، بل كان علة إخراجهم كفرهم و إباؤهم الإسلام.
إذ كانت حركة مسيرها خافية غير محسوسة.
قال أبو حنيفة: اعلم أنّ سير هذه الكواكب على خفائه مستمر على تأليف البروج الاثني عشر لا يعرض لشيء منها رجوع، فقد ميّز قدماء العلماء كواكب السّماء على وجه الدّهر و صنّفوها فجعلوها منزلة في منازل سبعة من الأقدار فجعلوا كبارها في القدر الأول، و هي التي يسمّيها العرب الدّراري، و الواحد دري منسوب إلى الدرّ في الصّفاء و الحسن، و في التنزيل: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ [سورة النّور، الآية: 35] و قال الرّاجز:
أنّى على أوني و انجراريأؤم بالمنزل و الدّراري
الأون: الثقل، و الانجرار: أن يترك الإبل في مسيرها و عليها الأحمال ترى.
يقال: جرّ الإبل يجرّها جرّا و يعني بالمنزل و الدّراري منازل القمر و دراري الكواكب، و هي مشبوباتها ذوات السّطوع و التّوقّد. قال الشّماخ:
و عنس كألوان الأران لضاتهاإذا قيل للمشبوبتين هماهما
لضاتها و نساتها بمعنى أي زجرتها و هيّجتها. و قيل: أراد بالمشبوبتين الشعريين. و قيل الزّهرة و الشّعرى العبور و هما أنور نجوم السّماء. فالذي أحصى العلماء من دراري النّجوم سوى الخمسة المتحيّرة خمسة عشر كوكبا، و هي في القدر الأوّل من العظم و هي الشّعريان- و سهيل- و المحنّث- العيّوق- و السّماكان- و اليدان- و قلب الأسد- و النّسر الواقع- و الصّرفة- و منكب الجوزاء- و رجلها و أضوأ كواكب الفرعين.
و الذي أحصوا مما هو دون هذه و هي في القدر الثّاني من العظم خمسة و أربعون كوكبا: كالفرقدين و بنات نعش الكبرى و قلب العقرب و الرّدف و النّسر الطائر، و رأس الغول- و العناق- و قلب الحوت- و أشباهها مما ترك ذكر سائرها للأقدار الباقية لأنّ مواضعها غير
كتابنا هذا. و قد ميّز أصحاب الأحكام من المنجّمين من هذه الكواكب الستّين ثلاثين كوكبا و جعلوا لكلّ كوكب منها خراجا من طبائع الكواكب الخمسة المتحيّرة و وضعوها أساسا للأقضية التي يحلفونها و اللّه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.
فإن قيل: كيف تميّز للعلماء مواضع هذه الكواكب و مقاديرها في سيرها على خفائها و عجز الحس عن إدراكها؟ قلت: أدركوا ذلك في الأزمنة المتعاقبة و الدّهور المترادفة، فكان أحدهم يقف في عمره مع تفقّده البليغ لها على بعض أحوالها، ثم يرسم ما يقف عليه لمن يخلف بعده، و قد شاركه فيما مضى ثم قاس الأخلاف بعدهم قرنا بعد قرن، فوجدوها و قد تقدّمت عن تلك الأماكن الأول، و كذلك فعل الأخلاف للأخلاف، و قد ضبطوا تواريخ تلك الأزمنة معتبرين فوجدها تتحرك بأسرها معا حركة واحدة، فتقطع في كلّ مائة عام درجة واحدة، حينئذ حكموا بما قالوا، فهذه حال هذه الكواكب المسمّاة ثوابت، إلّا كوكبا واحدا، فإنّه سيّار خلاف سيرها، و خلاف سير السّيارات كلّها و هو الكوكب الذي سمّاه المنجّمون ذا الضفيرة و ذا الذّؤابة و هو الذي تسمّيه العامّة كوكب الذّنب، و إنّما يظهر في الزّمان بعد الزّمان و لأصحاب الملاحم فيه روايات.
فعلى هذا عرف العلماء مواضع هذه الكواكب من الفلك و حكموا بما حكموا في كتبهم من شأنها.
و لما أرادوا تميّز كواكب السّماء قسّموا الفلك قسمين، فسموا أحد القسمين جنوبيا، و النّصف الآخر شماليا، و لذلك سمّوا ما وقع من البروج و الكواكب فيهما، و سمّت العرب تلك الشّمالية شآمية، و الجنوبية يمانية، و لا فرق بين المقصودين، و لذلك جعلوا ما بين رأس الحمل إلى رأس الميزان من البروج شآمية، و ما بين رأس الميزان إلى رأس الحمل من البروج يمانية.
و كذلك جعلوا ما بين الشّرطين من المنازل إلى السّماك شآمية، و جعلوا ما بين الغفر إلى الرّشاء يمانية، و جميع ذلك قد تقدم القول فيه، فأقرب مشاهير الكواكب إلى القطب بنات النّعش الصّغرى و هي شآمية سبعة كواكب في نظم بنات نعش الكبرى، أربعة منها نعش و ثلاث بنات، و المنجّمون يسمّونها ذنب الدّب الأصغر. فمن الأربعة الفرقدان و هما المتقدّمان المضيئان، و الآخران وراءهما خفيّان. و من البنات و هي ثلاث أوّلها: الكوكب الذي يسمّى الجدي و هو الكوكب الذي يتوخى النّاس بها القبلة، لأنّه لا يزول و تسميه العرب جدي بنات نعش، يكبّ على اليدين فيستدير. و قال الأخطل و ذكر بني سليم شعرا:
و لا يلاقون فراضا إلى نسبحتى يلاقي جدي الفرقد القمر
نسب الجدي إلى الفرقد كما نسبه الآخر فقال يذكر المطايا:
تياسرن عن جدي الفراقد في السّرىو يا من شيئا عن يمين المغاور
و هذا الجدي ليس من البروج و لا منازل القمر فهو لا يلقى القمر أبدا، و كذلك بنات نعش، لذلك قال بعضهم و هو يهجو:
أولئك معشر كبنات نعشخوالف لا تسير مع النّجوم
خوالف: أي متخلّفة عن النّجوم، و الخالفة ما لا خير فيه فيقول: لا نفع عندهم و لا فائدة من جهتهم.
و يروى: ضواجع و معناه: رواكد لا غناء عندهم، كما أنّ بنات نعش لا نوء لها و لا نسب شيء إليها. و قال بشر بن أبي حازم في دورانها حول القطب:
أراقب في السّماء بنات نعشو قد دارت كما عطف الظّؤار
يريد أنّه سهر ليلته كلّها إلى أن دارت بنات نعش و هي تنقلب في آخر اللّيل و خص بنات نعش لأنّها لا تغيب لذلك لا يجعلون الاهتداء بها و بالفرقدين. و قال الراعي شعرا:
لا يتّخذنّ إذا علونا مفازةإلّا بياض الفرقدين دليلا
قال أبو حنيفة: فالكواكب الثّلاثة التي هي البنات و كوكبان من النّعش فيهما أحد الفرقدين، هؤلاء الخمسة في شطر فيهما واحد كقوس، و قد قابله شطر آخر مثله فيه كواكب خفيّة متناسقة، أخذت من الجدي إلى الفرقدين حتى صار هذان الشّطران شبهان بخلقة السّمكة، و النّاس يسمّونها بالفأس تشبها بفأس الرّحى التي القطب في وسطها، يظنّون أنّ قطب الفلك في وسط هذه الصّورة. قال: و ليس كذلك بل القطب بقرب الكوكب الذي يلي الجدي من هذا الشّطر الخفي الكواكب فوجدت هذه الكواكب أقرب كواكب السّماء كلّها من هذا القطب، لم أجد بينه و بين القطب إلّا أقلّ من درجة واحدة. و ليس القطب بكوكب بل هو نقطة من الفلك.
و من الشآمية بنات نعش الكبرى، و هي أيضا سبعة كواكب على عدد الصّغرى و في شبيه تنظمها ثلاث بنات و أربعة نعش، و العرب تسمّي الأوّل من البنات، و هو الذي في الطّرف القائد: و تسمّي الأوسط العناق: و تسمّي الثّالث الذي يلي النّعش، الجون: و إلى جانب الكواكب الأوسط منها كويكب صغير جدا يكاد يلزق به و يسمّى السّهى و به جرى المثل في قولهم: أريه السّهى و يريني القمر، و يقال له: الصّيدق و يعيش و النّاس يمتحنون به أبصارهم فمن ضعف بصره لم يره.
و يروى أنّ أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كانوا يفعلون ذلك، و تقول العرب لبنات نعش بنو نعش و آل نعش. قال:
تمزّزتها و الدّيك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
و إنما قال: دنوا فتصوّبوا لأنّه لما أخبر عنها كما يخبر عن العاقلين جعل ضميرها ضمير العاقلين. و قال الشّاعر:
فنيت و أفناني الزّمان و أصبحتلداي بنو نعش و زهر الفراقد
و قال آخر:
و هل حدّثت عن أخوين داماعلى الأيّام إلّا ابني شمام
و إلّا الفرقدين و آل نعشخوالد ما تحدّث بانهدام
و قال آخر يذمّ قوما:
و أنتم كواكب مسحولةترى في السّماء و لا تعلم
فهذا في طريقة قوله:
أولئك معشر كبنات نعش
و المسحولة: المرذولة. و بالقرب من الفرقدين كوكبان مقترنان بينهما في رأي العين بعد القامة، إذا اعترض الفرقدان انتصبا، و إذا انتصب الفرقدان اعترضا، يسمّيها العرب:
الحرّين و يسمّيان أيضا: الذّنبين، و يسمّيان أيضا: العوهقين.
و قال الرّاجز:
بحيث بارى العوهقين الفرقداعند مسدّ القطب حيث استوسقا
و قال أبو زيد الكلابي: الحرّان كوكبان أبيضان بين العوائذ، و الفرقدين بينهما قدر ثلاثة أذرع في رأي العين، و يسمّيان الذّنبين، و قدّامهما كواكب صغار تسمّى: أظفار الذّئب، و هناك كوكبان أوسع من كوكبي الحرّين يقال لهما: كوكبا الفرق و عند الأعلى منهما كواكب صغار خفيّة مستديرة تسمّى: القدر و القرحة كوكب أسفل من كوكبي الفرق كموضع قرحة الدّابة من الأذنين. و زعموا أنّ القرحة إذا طلعت استقبلت قبلة الكوفة و فيما هنالك الهلبة:
و هي كواكب ملتفة يظنّ من لم يتثبّت من تأملها أنّها الثّريا، و العامة تسمّيها السّنبلة و معنى الهلبة الخصلة من الشّعر. و العرب تسمّي هلبة الأسد، و هي فيما بين البنات من بنات نعش الكبرى.
و أمّا الصرفة فهي الكوكب النّيّر المنفرد الذي على أثر الزبرة، و العرب تقول:
ضرب الأسد بذنبه فنغزت الظّبأ، و نغزات الظبأ ثلاث: كلّ نغزة منها كوكبان متقاربان كأثر ظلفي الظّبي.
و يقال لها أيضا: النّوافز و الفقرات و يسمّى أيضا القرائن و أشعيلبات، و الظّبا كواكب خفيّة مستطيلة مثل الحبل الممدود من عند الهلبة إلى العيّوق، و أولاد الظبأ كواكب صغار فيما بين الظبأ و الفقرات. و فيما هنالك الحوض و ليس بمتّصل الاستدارة و العوائذ و هي كواكب أربعة مربعة غير متباعدة في وسطها كوكب كأنّه لطخة غيم يسمى الرّبع شبّههنّ بأنيق أربع، عطفن على ربع و هي من الشآمية عن يسار النّسر الواقع فيما بينه و بين بنات نعش.
و من الشآمية الفكة: و هي كواكب مستديرة فيها مرجة، و العامّة تسميها قصعة المساكين من أجل الثّلمة التي فيها. و من كواكبها كوكب هو أنورها يقال له: منير الفكة و الأوائل من المنجمين سمّوا الفكة الإكليل الشّمالي و إذا توسّطت الفكّة السّماء أو قاربت فنظرت إليها رأيت السّماك الرّامح بين يديها، و رأيت رأية السّماك خلفه بينه و بين الفكّة و هو كوكب منتبذ عنه، يعارضه كوكب بالقرب منه كأنه عذبة في رمح. و لذلك قيل له: الرّامح و ذو السّلاح و قيل للسماك الآخر الأعزل.
و النّسقان: شطران ابتدأ أحدهما إلى قرب النّسر الواقع، و هو النّسق الشآمي، و الآخر إلى جهة النّعام الوارد حتّى شرع في المجرّة و هو النّسق اليماني.
و يقال لما بين النّسقين الرّوضة، و في داخل الرّوضة كوكب أبيض منفرد يقال له الرّاعي. و بالقرب منه كواكب صغار، و يقولون هي غنمة يرعاها في الرّوضة، و في أضعاف تلك الكواكب كوكب و باض صغير، يقولون: هو كلبة و يقال للنّسق النّسيق أيضا.
و من الشآمية النّسر الواقع، و إليه ينتهي النّسق الشآمي و هو كوكب أزهر خلفه كوكبان منه كأنهما و إياه أثافي قدر، و كذلك تسمّيها العامّة، و إنّما قيل له: الواقع لأنّ الكوكبين اللّذين معه بمنزلة جناحيه قد ضمّهما إليه، و لأنّ هناك نسرا آخر يقال له: الطائر، و سمّى القدماء من المنجمين النّسر الواقع الاوزة.
و بإزاء النّسر الواقع مما يلي الجنوب النّسر الطائر ثلاثة كواكب مصطفة و الأوسط منها هو أنورها، و هو النّسر و الآخران جناحاه، و قد بسطهما و لذلك قيل له الطّائر، و العامّة تسمّيه الميزان، لاستواء كواكبه في اصطفافها و اعتدال الأوسط منها بين الآخرين.
و رواء النّسر الواقع كواكب أربعة على اختلاف قد قطعت المجرّة عرضا و يسمّيه العرب الفوارس، تشبيها بفوارس أربعة يتسايرون.
و وراءها بالقرب كوكب أزهر منفرد في وسط المجرّة تسمّيه العرب الرّدف كأنّه ردف
الفوارس يتبعها، و المنجّمون يسمّون هذا الكوكب: ذنب الدّجاجة، و قد وضعوه في الاصطرلاب للقياس به، و يسقط الفوارس و الرّدف مع طلوع النّثرة و تطلع مع طلوع الشّولة.
و كذلك النّسران و هما من الكواكب الشآمية، و على أثر النّسر الطائر كواكب أربعة مصلّبة النّظم تسمّيها العامّة الصّليب، و تسمّيها العرب القعود و يسقط الصّليب مع طلوع سهيل، و تطلع مع سقوط الشّعرى.
و وراء الرّدف في حومة المجرّة كفّ الثّريا الخضيب، و هي كواكب خمسة بيض مختلفة النّظام و هي أيضا سنام النّاقة، و النّاقة في مثل خلقة النّجيب الضّامر الدّقيق الخطم، و خطمها في جهة الجنوب، و عنقها كواكب تتابعت من عند الرّأس، فانحدرت انحدار العنق، ثم ارتفعت إلى سنامها، و هنالك لطخة سحابيّة في مثل موضع الفخذ، يقولون: هي وسم النّاقة، و هذه اللّطخة هي معصم الثّريا و رأس الحوت في لبّة النّاقة، و هو في مثل صورة السّمكة غير أنّها عظيمة.
و في جملتها كوكب هو أضوؤها يقال له: قلب الحوت. و فوق رأس النّاقة حوت آخر، و رأس النّاقة ذنبه و هو أقصر من الحوت الأسفل و أعرض.
و وراء الكفّ الخضيب العيّوق، و هو كوكب عظيم نيّر في حاشية المجرّة التي تلي الشّمال يقال له: عيّوق الثّريا، و ذلك كأنّهما يطلعان معا، و إذا توسّطا السّماء تدانيا في رأي العين. قال الشاعر شعرا:
كأنّ صديا و الملامة ما سقىلكالنّجم و العيّوق ما طلعا معا
يقول: لا يتخلّف اللّوم عن صدى كما لا يتخلّف واحد من الثّريا و العيّوق عن صاحبه، و في إضافة العيّوق إلى الثّريا قال الشاعر:
و عاذلة هبّت بليل تلومنيو قد غاب عيّوق الثّريا فعرّدا
و لتدانيهما إذا توسّطا السّماء قال بشر:
و عاندت الثّريّا بعد هدءمعاندة لها العيّوق جار
ظنّ أنّ الثّريا تركت طريقها و عاندت إلى العيّوق و ذلك من أجل البعد الّذي بينهما في المطلع و القرب الذي بينهما في وسط السّماء، و هو فيعول من العوق و العيق جميعا و العوق الذي لا حرّ فيه.
و يقال: العيق و هو من قولهم ما يعيق به حرّ و لا يليق. و وراء العيّوق غير بعيد كواكب
ثلاثة: زهر مصطفّة متقوّسة قد قطعت المجرّة عرضا و يسمّى: توابع العيوق. و يقال لها:
الأعلام أيضا. و يقال للذي تحته: رجل العيّوق.
و من أمثالهم فيما يبعد من الطمع: هو أبعد من العيّوق، كما يقولون: هو أبعد من الثّريا. و هناك سطر من كواكب امتدّت في الشّمال على انعطاف تسمّى: الكفّ الجذماء لقصرها، و يقولون للثّريا: الرّأس فيما بين اليدين و في اليمنى كواكب هي أنورها فيها العاتق و هو أقربها إلى الثّريا، ثم المنكب بعده، ثم المرفق كويكب صغير يقال له: إبرة المرفق، و هنالك أيضا المابض.
أما ابرة المرفق من الإنسان فهو طرف عظم السّاعد و هو الذي يذرع بذراع و الطرف الآخر الذي يثنى إذا قبضت ذراعك إليك يقال له: القبيح. حيث تلاقي الإبرة القبيحا.
و يقال لما بين المرفق و المعصم الساعد و يصغّر فيقال: السّويعد. و يقال ما بعد المعصم و هي الكف، الخضيب كف الثّريا. و هناك كوكب نيّر قدر كوكبي المرفق و العضد فهو معهما في صورة مثلّثة واسعة كلّ كوكب في زاوية من زواياها و المنجّمون يسمّون هذا الكوكب: رأس الغول. و قريب منه كوكب نيّر فيما بين قلب الحوت و مرفق الثّريا يسمّى:
عناق الثريّا و هي غير العناق الذي في بنات نعش.
روى ابن الأعرابي عن العرب: قال عند بنات نعش كوكب يقال له: رأس الحية و رأس الحية مثل رأس الخلخال، و التّنين فيما وصفه المنجّمون هناك عند رأسه.
و يوجد من بنات نعش كوكب أحمر يقال له: الذّبح. و هو ذكر الضّباع. و هناك كواكب صغار فيما بين القرحة و الجدي. و الرّاعي كوكب من كواكب الشاء. و كلب الراعي: كوكب صغير قريب منه.
و أسفل من بنات نعش كواكب كثيرة مختلطة يقال لها الضباع.
و يوجد كواكب صغار عن يمين الضّباع بينها و بين بنات نعش. و الخباء كواكب في مثل هيئة الخباء أسفل من أولاد الضّباع.
و خلف العاتق كوكبان بينه و بين العنق يسمّيان: المرجف و البرجس.
و قال عن يمين الكف الجذماء البقر أسفل من الكفّ الجذماء متّصلة بالثّريا فهذه مشاهير الكواكب الشّامية.
و نذكر الآن الكواكب اليمانية فمنها: منكبا الجوزاء و هما أيضا يداها. و الأيمن منهما كوكب أحمر، و قد وضع في الاصطرلاب، و العرب تسمّيه مرزم الجوزاء، و الهقعة بين
المنكبين و هي عند العرب رأس الجوزاء لأنّ الجوزاء في المنظر شبيهة بصورة الإنسان.
و ربّما سمّوا المنكب الأيسر النّاجذ.
و أمّا الكواكب البيض المستعرضة في وسط الجوزاء الوباضة فإنّ العرب تسمّيها النّظم و تسمّيها أيضا: نطاق الجوزاء و فقار الجوزاء. و يسمّون الكواكب الثلاثة المنحدرة من عند هذه الأولى الجواري و كأنّها في موضع الرّجل من ظاهر الصّورة.
و هناك كوكب أبيض و باض في مثل القدم يقال له: رجل الجوزاء اليسرى و قد وضعه المنجّمون للقياس، و رجلها اليمنى كوكب أبيض أصغر من الأول و قال الشّاعر:
فلمّا رأى الجوزاء أوّل صابح
و ضرتها الكواكب التي معها. و قال الآخر فيهما جميعا. و فتية غيد من التّسهيد.
الأبيات. و قد مضت في الباب السّادس و الخمسين، و من نظر إليها و هي على الأفق بان له حسنها.
و تحت كلّ واحدة من رجل الجوزاء كواكب أربعة تسمّى كرسي الجوزاء، و أحد الكرسيين أبين من الآخر، و يسمّى كرسي الجوزاء النّهل.
و فوق رأس الجوزاء كواكب صغار كالعقد الموزج يسمّى تاج الجوزاء و يسمّيها العرب أيضا ذوائب الجوزاء.
و أسفل من الجوزاء على يسارك إذا نظرت إليها الشّعرى العبور، و هي الكوكب العظيم الوباض، و قد ذكرنا الأخرى في منازل القمر، و إنّ المجرّة تمرّ بين الشّعريين و أسفل من كرسي الجوزاء.
و من الشّعرى العبور ثلاثة كواكب بيض مختلفة التّثليث تشبهها العرب عذرة الجوزاء و قد يجعلها قوم خمسة كواكب. و هناك كواكب إن ضمّ بعضها إلى الثّلاثة صارت خمسة، و قد تسمّيها العرب: العذارى و هي في حاشية المجرّة الغربيّة.
و إذا انحطّت الجبهة عن كبد السّماء فنظرت رأيت بينها و بين الشّعرى الغميصا أربعة كواكب مربعة فيها استطالة كهيئة وجه الفرس، تسمّى رأس الحيّة، و قد امتدت من عنده كواكب متناسقة على تعريج، حتى قربت من عرش السّماك الأعزل، و هذه الكواكب هي بدن الحيّة، و فيها كوكب هو أضوأ كواكبها يسمّيها المنجّمون: عنق الحيّة، و منهم من يسمّيه فقار الحية، لأنّه بعيد من الأوّل، و قد وضع هذا الكوكب في الاصطرلاب، و العرب تسميه الفرد، و إيّاه عنى الشّاعر بقوله:
و قد مالت الجوزاء بالكوكب الفرد
و سمّي فردا لانفراده عن أشباهه.
و الخيل كواكب كثيرة أكثر من العشرة نيّرة، و فيها ستّة كواكب في ثلاثة أمكنة متفرقة في كلّ مكان منها كوكبان. و فيما بين كواكب الخيل كواكب صغار تسمّى أفلاء الخيل، و هي كلّها بين يدي الشّولة فوق المجرّة و أسفل من الخيل.
و من شولة العقرب كواكب يقال لها: القبّة، و إذا رأيت الزّبانيين مرتفعتين عن أفق المشرق رأيت فيما بينهما و بين عرش السّماك أسفل منها كواكب مجتمعة نيّرة مختلطة على غير نظم، تسمّى الشّماريخ، لأنّها كأنّها شماريخ كباسة.
و إذا توسّطت الشّعرى العبور السّماء ثم نظرت على سمتها قريبا من الأفق رأيت سهيلا قد توسّط مجراه أو قريبا و ذلك أرفع ما يكون في السّماء و هو قليل العلو، قريب المجرى من الأفق، و هو عند المنجّمين طرف سكّان السّفينة، و هو كوكب منير عظيم أحمر منفرد عن الكواكب، و أقرب مجراه من الأفق تراه أبدا يضطرب، و لما يعرض لسهيل من ذلك و لانفراده قال الشّاعر:
أراقب لوحا من سهيل كأنّهإذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف
يعارض عن مجرى النّجوم و ينتحيكما عارض الشّول البعير المؤلف
و لو بيضه و شعاعه و انفراده. قال الآخر يصف ثورا شعرا:
خبّأت عذوبا للسّماء كأنّهقريع هجان يتبع الشّول جافر
شبّهه في انفراده بفحل انقطع عن الضّراب فتنحّى عن الإبل و لتوهّجه قال الآخر:
حتّى إذا شال سهيل بسحركعشوة القابس ترمي بالشّرر
و طلوعه بالعراق لأربع ليال بقين من آب و ذلك مع طلوع الزّبرة، و يطلع بالحجاز لأربع عشرة ليلة تمضي من آب مع طلوع الجبهة. قال الشّاعر شعرا:
إذا أهل الحجاز رأوا سهيلاو ذلك في الحساب بشهر آب
و يسمّى سهيل كوكب الخرقاء. قال الشّاعر:
إذا كوكب خرقاء لاح بسحرةسهيل أذاعت غزلها في القرائب
يريد أنّ الخرقاء لعبت صنعها، و ضيّعت وقتها، و لم تغزل، فلمّا طلع سهيل و جاء الشّتاء و ضاق الوقت استغزلت قرابها، و في نحوه قال الآخر شعرا:
علّك أن تنسجي و تدأبيإذا سهيل فاق كلّ كوكب
فتعلّمي قرضك غير معجب
و إذا طلع مغرب الشّمس استبدلت الإبل الأسنان قال:
إذا سهيل مغرب الشّمس طلعفابن اللّبون الحق و الحق جذع
و في مجرى سهيل كوكبان يقال لهما: حضار و الوزن و هما يطلعان قبل سهيل و من كلامهم حضار و الوزن محفان.
و ذلك أنه إذا طلع أحدهما فرآه الرّائي قال لصاحبه: طلع سهيل فيقول صاحبه: ليس بسهيل فيتماريان حتى يحلفا، فلا بدّ من حنث أحدهما، و إذا كان الشيء يعرض فيه الشّك كثيرا قيل: إنه لمحلف و محنث، و لذلك قيل كميت محلف قال:
كميت غير محلفة و لكنكلون الصّرف غلّ به الأديم
و هنالك أيضا الفرود و هي كواكب صغار عند حضار. قال الشّاعر:
أرى نار ليلى بالعقيق كأنّهاحضار إذا ما أعرضت و فرودها
و ذكر ابن الأعرابي أنّ في مجرى قدمي سهيل من خلفهما كواكب زهر أ لا ترى بالعراق يسمّيها أهل تهامة الأعيار.
و بعد السّعود الأربعة المذكورة في منازل القمر، سعود ستّة متناسقة في جهة الدّلو كلّ سعد منها كوكبان، بينهما كنحو ما بين سعود المنازل، و هي أربعة، و هي كواكب خفيّة غير نيّرة، فأوّلها سعد ناشرة، و هو أسفل من سعد الأخبية و هو يطالع الشّرطين أي يطلع مع طلوعه.
و على أثره سعد الملك ثم سعد البهام، و يقال له: مربق البهام، و أسفل منه كواكب صغار تسمّى: الرّبق، و الرّبق: حبل يمد بين و تدين يربق إليه البهم، و على إثره سعد البارع ثم سعد مطر.
و روى ابن الأعرابي عن العرب في الكواكب اليمانية أشياء، قال: سهيل اليمن و تحته سهيل بلقين و هو غير حضار و غير الوزن، و قال: فيما بين الفرد و بين زباني العقرب الخباء.
قال أبو حنيفة: إن كان عنى بالخباء عرش السّماك فذاك، و إلّا فليس هناك خباء غيره، و قال: على أثر الخباء كواكب يقال لها: الشّراسيف و هي كواكب مستطيلة مثل الحبل.
و قال: بين الشّراسيف و الخباء كواكب مستديرة متبدّدة على غير نظام يقال لها:
المعلف. قال: و بعد المعلف: الشّماريخ.
و وراء القبة الصّردان، أحدهما يجري قريبا من الأفق و الآخر فوقه بحياله. قال:
و خلف الصّرد الأعلى اليمامتان: و بينهما و بين الصّردين في رأي العين نحو من عشرين
ذراعا. قال: و هنالك: القطا، و هي كواكب متقاطرة كتقاطر القطاء و هي كواكب غير نيّرة إلّا كوكبان.
قال: و ثم الظّليمان فوق ذلك و هما كوكبان نيّران بينهما في رأي العين إذا استويا في السّماء قدر مائة ذراع و بينهما الرّال.
و قال السّفينة كواكب خفيّة متتابعة متقدمها عند سعود البهائم و مؤخّرها السّمكة.
و قال: في مقدّمها الضّفدع الأوّل في مؤخرها الضّفدع الآخر.
فهذا ما أردنا ذكره من مشاهير الكواكب.
تم الباب و بتمام هذا الباب تم الكتاب و للّه الحمد بلا عدد. و على المصطفى محمد، و آله و أزواجه و ذريّاته و أصهاره و أصحابه و أنصاره أبد الأبد صلوات و رضوان و سلام و غفران.
فرغت منه ضحوة يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث و خمسين و أربع مائة، حامدا اللّه تعالى على نعمه و أياديه الظّاهرة و الباطنة، و مصلّيا على أنبيائه و رسله و مسلما.
قال الشّيخ أبو علي المرزوقي رحمه اللّه هذا الفصل خاتما به كتابه حرس اللّه ما خوّلك من الشّتات، و حفظ ما نوّلك من عارض الانبتات، و أعانك في طلب الأدب على الازدياد. و وفقك في سائر متصرّفاتك لصلاح البدء و المعاد.
قد سهّل اللّه تعالى و له المنّ ما تمنيت بلوغه من الفراغ من كتاب الأزمنة فجاء على حدّ من الكمال، طاب له العيش و خفّ على النّفس فيه التّعب، و ما أدّاني إلى ذلك إلا لطيف هداية اللّه تعالى جدّه و كريم كفايته، فبهما اشتدّ أزري و استبد ما اختلّ من خاطري و ذهني، فأمّا ما كنت أشكوه من قبل حتى استطيلت مدة الانتظار في عمله، فلما ألزم حواملي و جوارحي من الضّعف العارض و الوهن الحادث، و قد أبدل اللّه تعالى على كريم عادته به استجمام الأمل في زواله و استحكام الطّمع في انحسامه على تطوّل اللّه المعول في تحقيق المرجو و هو حسبنا وحده و نعم الوكيل.
و اعلم أنّ هذا الكتاب ينقسم أقساما ثلاثة و هذا الحكم يتناول جماهير أبوابه و فصوله لا يختصّ به بعض دون بعض.
أحدها: التّنبيه على نعم اللّه جل جلاله فيما نصب للمكلّفين في آناء اللّيل و النّهار من الأدلّة الواضحة و الحكم البالغة، و أفادهم فيما سخّره لهم و أعانهم به في جوانب البر و البحر من النّعم الظّاهرة و الباطنة قولا و فعلا و جملا و تفصيلا في بداهة العقل، و على ألسنة الرّسل
فإنّ صلة إحدى النّعمتين بالأخرى فيهما كصلة الإبصار بالضّوء- و الأنفاس بالجو- و كما هدى إلى الاستدلال بالشّاهد على الغائب- و بالجلي على الخفي، و كثر ما أشرت إليه يمرّ عليه المارّون، و هم عنها معرضون.
و الثّاني: التّذكير بحكم العرب في لغاتهم- و آدابهم- و عاداتهم- و مآربهم- مع تلاحق أقطارهم- و تضايق أوطانهم- و رضاهم بالعفو من مقاماتهم- و مآبهم على اختلاف أسبابهم- و طرقهم، و اقتنان هممهم- و وجههم- هذا إلى ما خصّوا به من الفضائل دون الأمم، و توحّدوا به من جلائل المنح و النّعم، و فوائد هذين القسمين في الاتّساع كالشّمس في ضيائها- و الرّيح في هبوبها يتكافأ في نيل الحظ منهما المحب و الكاره، و يعترف بهما إذا أنصف المسلم و المعاند.
و الثّالث يحوي لمعا من الأشعار- و غررا من النّوادر و الآثار- اقتضى ذكرها مناسبتها للأزمان التي هي من همّنا و فرضنا على أنفسنا الوقوف تحت ظلّها، و لو تقصّينا أبوابها لفني العمر و بقي منه الكثير فتطرّفنا منها ما تطرّفنا إيذانا بأنّ الغفلة لم تحل دونها و لئلا تخلو تضاعف الأبواب من بعضها فليعذر النّاظر فيه هذا الكتاب. إذا انتهى إلى المواضع التي أشرنا إليها متصوّرا حالنا، و ليحذر إلحاق الغائب بنا، ففي مستحسنه إن شاء اللّه ما يشغل عن مستهجنه، و الشّمس يطمس نورها- ما أحاط من الكواكب بها- و قد قيل: لكلّ حسناء ذامّ.
و اعلم أنّ من حقّ المصنّف إذا جمع الأصول بحقائقها- و استوفى الفروع بلواحقها- أن يمنع الخاطر من تجاوز الأنس بالميسور، إلى وحشة المعسور، و يدفع الهاجس من الخروج عن مساعدة الألوف إلى مشامسة الثّغور، حرصا على بلوغ غاية شأوه لا يلحقها، و دفعا في وجه ممكنة جهده لا يحيط إلا بها، لأنّ التّحفظ مع الإقلال أقرب- و هو مع الإكثار أبعد- و نصرة الرّأي في مجاذبة الهوى حصن من النّدامة- و أمن من الملامة، و لأنّ البليغ و إن كان مؤيدا في خصله مسددا في نقده، يصحب التّثبت و يجتنب التّجوّز لا يعجزه ما غاب- و لا يغلبه ما راب، فمن الواجب عليه أن يجتنب الاستبداد- عند الاستعداد- و يحاذر الملال- قبل حصول الكلال، لأنّ من عاف مصادر الغرور- لم يركن إلى موارد الحبور- فتراه يصافح المذموم بيد الاحتقار- متهاتفا فيطرحه، و يكافح المرذول بسيف القباحة متأنفا فيتنزّه عنه و ترك الشّر قبل الاختيار- أفضل من ملابسة على الاغترار و الأدب حبس العقول، و التأدّب اكتساب القلوب- و الاستنباط جوالب الأفكار، و البحث عن المكامن بأداة البصائر و الأبصار، و لكلّ منها أسباب مكرمة- و أعلام مرفعة- يسيره كاسب الجمال- و كثيره كاسي الجلال و لا غرو فإنّ السّجايا تدخلها المتاجرة و المرابحة، فمنها ما هو أمحض من الكرم- و أنزه من الدّنس- و في الثّناء الباقي الدّهر خلف من نفاد العمر.
بسم اللّه براعة الاستهلال، و التّخلص بالصّلاة على محمد رسوله و الآل. ثم براعة الختام عليه و على آله و صحبه السّلام، و بعد فمن قابل أبواب هذا الكتاب و سلك أرجاءه المطرزة بالآداب وجد حديقة موشّحة ببديع الطّريقة، مرصّعة بدراري البيان موشّعة بلوامع التّبيان، مرشحة بعقود اللآلئ، مدبّجة كالغزالي، منسجمة الألفاظ و المعاني، موزونة الأركان و المباني، مطيبة بأفواه البلاغة، مسوّرة بلجين لا لجين الصّناعة، فكأنّ بانيها قد خطّها في ذهنه الوقّاد قبل الشّروع، و مهّد أصولها لاستنباط الفروع ثم أسّسها بأساس التّحقيق، و رفعها بلبن التّدقيق، و زيّنها بمصابيح الفصاحة، و أنارها بثوابت السّماحة، حتى أتت جنة عالية، قطوفها دانية، فيها أعين فوائد جارية، و حور خرائد لقلوب المدنفين فارية، و موائد للمعاني و للمعاني قارية، و غرائب لم تكن على الأفئدة طارئة، و طرائق للسّالكين واضحة كافية، و دبارق لقلوب العاشقين فنون البلاغة شافية، بيد أنها جامعة للّغة الغريبة، و النّكت العجيبة و خرائد الأذهان الحصان، التي لم يطمثهن أنس قبله و لا جان، فبخّ له من لوذعي نحرير، و ألمعي تنقيح و تقرير، ما أرشق براعة استهلاله و تخلّصه، و ما أوفق حسن مقطعة و تربّصه، إلى أن حافظ على براعة الختام، بأوقات الصّلاة بخير اهتمام، و جعلها تذكرة مدة الأعوام و الأيام، و ها أنا أختم بالسّلام على سيّدنا محمد خير الأنام، و على آله الأعلام و خير صحبه الماسكين زمام الإسلام.
الفهرس المقدمة 3
مقدمة المصنف 5
ذكر أبواب الأزمنة و الأمكنة، و فصولها 15
الباب الأول 19
فصل في بيان النسيء 67
فصل في تأويل أخبار مروية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و الصحابة و بيان ما يحمد و يذم من معتقدات العرب في الأنواء و البوارح 69
فصل آخر في جواب مسائل للمشبهة من الكتاب و السنة مما تستدل به المشبه 76
فصل في تبيين المحكم و المتشابه 81
فصل الاستدلال بالشاهد على الغائب 86
فصل في أسماء اللّه و صفاته و أحكامه (و بيان الأصوات كيف تكون حروفا، و الحروف كيف تصير كلاما) 88
الباب الثاني: في ذكر أسماء و معان للزمان و المكان، و متى تسمى ظروفا، و معنى قول النحويين الزمان ... و إبطال الفاسد منها و ما يتعلق بذلك و فصوله أربعة: 101
فصل في ماهية الزمان 103
الباب الثالث: و يشتمل على بيان الليل و النهار على فصول من الأعراب يتعلق بهما و هي ظروف الفصل الأول 113
الباب الرابع: في ذكر ابتداء الزمان و أقسامه و التنبيه على مبادئ السنة في المذاهب كلها و ما يشاكل ذلك من تقسيمها على البروج 120
الباب الخامس: في قسمة الأزمنة و دورانها و اختلاف الأمم فيها 126
الباب السادس: في ذكر الأنواء، و اختلاف العرب فيها، و منازل القمر، مقسمة الفصول على السنة و أعداد كواكبها و تصوير مأخذها ضارة و نافعة 132
فصل في بيان الاختلاف الواقع بين العرب في أوقات الأنواء و الكلام في الضيقة 146
الباب السابع: في تحديد سني العرب و الفرس و الروم و أوقات فصول السنة 150
الباب الثامن: في تقدير أوقات التهجد التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه عن نبيه و الصحابة و يبين ما يتصل بها من ذكر حلول الشمس البروج الاثني عشر 154
الباب التاسع: في ذكر البوارح و الأمطار، مقسمة على الفصول و البروج، و في ذكر المراقبة 160
الباب العاشر: في ذكر الأعياد، و الأشهر الحرم، و الأيام المعلومات، و الأيام المعدودات، الصلاة الوسطى 165
الباب الحادي عشر: في ذكر- سحر- و عدوة- و بكرة- و ما أشبهها، و الحين و القرن و الآن و إيان و أوان و الحقبة و الكلام في إذ و إذا و هما للزمان و ما أشبهها 172
فصل في المحدود من الزمان و غير المحدود 175
الباب الثاني عشر: في لفظ أمس- و غد- و الحول- و السنة- و العام- و ما يتلو تلوه، و لفظ حيث- و ما يتصل به- و الغايات- كقبل- و بعد- و ذكر أول- و حينئذ- و قط- و منذ و مذ و إذ المكانية 180
الباب الثالث عشر: فيما جاء مثنى من أسماء الزمان و الليل و النهار، و من أسماء الكواكب و ترتيب الأوقات و تنزيلها 189
فصل في ترتيب الأوقات و تنزيلها 193
الباب الرابع عشر: في أسماء الأيام على اختلاف اللغات و مناسبات اشتقاقها و تثنيتها و جمعها 199
الباب الخامس عشر: في أسماء الشهور على اختلاف اللغات، و ذكر اشتقاقاتها، و ما يتصل بذلك من تثنيتها و جمعها و هو فصلان 205
الباب السادس عشر: في أسماء الدهر و أقطاعه، و ما يتصل بذلك و هو فصلان 214
الباب السابع عشر: في أقطاع الدهر و أطراف النهار و الليل- و طوائفهما و ما يضارعهما من أسماء الأمكنة أو يداخلها من ذكر الحوادث فيها. و هو ثلاثة فصول 221
الباب الثامن عشر: في اشتقاق أسماء المنازل و البروج و صورها، و ما يأخذ مأخذها و الكواكب السبعة و هو فصلان 230
فصل في بيان الكواكب السبعة 236
الباب التاسع عشر: في أقطاع الليل- و طوائفه- و ما يتصل به و يجري مجراه 239
الباب العشرون: في أقطاع النهار و طوائفه- و ما يتصل به و يجري مجراه 247
الباب الحادي و العشرون في أسماء السماء و الكواكب و الفلك و البروج و هو ثلاثة فصول 255
فصل 255
فصل 258
فصل في بيان امر المجرة و شرح بعض أحوالها 260
الباب الثاني و العشرون في برد الأزمنة و وصف الأيام و الليالي به 263
فصل فيما وضع على السنة البهائم 269
الباب الثالث و العشرون في حر الأزمنة و وصف الليالي و الأيام به 271
الباب الرابع و العشرون في شدة الأيام و رخائها و خصبها و جدبها و ما يتصل بها 276
الباب الخامس و العشرون في أسماء الشمس و صفاتها و ما يتعلق بها 285
الباب السادس و العشرون في أسماء القمر و صفاته و ما يتصل بها من أحواله 294
فصل 294
فصل في أسماء ليال من أول الشهر 300
الباب السابع و العشرون في ذكر أسماء الهلال من أول الشهر إلى آخره و ما ورد عنهم فيها من الاسجاع و غيرها 302
الباب الثامن و العشرون في ذكر أسماء الأوقات لأفعال واقعة في الليل و النهار و أسماء لأفعال مختصة بأوقات في الفصول و الأزمان 306
الباب التاسع و العشرون في ذكر الرياح الأربع و تحديد مهابها و ما عدل عنها 314
الفصل الأول 314
الفصل الثاني في تبيين ما ذكر من كلام الأوائل في ذلك 321
الباب الثلاثون في أسماء المطر و صفاته و أجناسه 323
الفصل الأول 323
الفصل الثاني في علة ما ذكرنا من كلام الأوائل 327
الباب الحادي و الثلاثون في السحاب و أسمائه و تحليه بالمطر 329
فصل 329
فصل في كلام الأوائل يتبين منه حال الأندية و الأمطار و العيون و الانهار و غيرها 334
الباب الثاني و الثلاثون في الرعد و البرق و الصواعق و أسمائها و أحوالها 336
فصل 336
فصل في الرعد و البرق و السحاب من كلام الأوائل 339
الباب الثالث و الثلاثون في قوس قزح و في الدائرة حول القمر 341
فصل في قوس قزح 341
فصل في كلام الأوائل في البرد و الطل و الدمق 343
فصل في أسباب الطل 344
الباب الرابع و الثلاثون في ذكر المياه و النبات مما يحسن وقوعه في هذا الباب 345
فصل 345
الباب الخامس و الثلاثون في ذكر المراتع المخصبة و المجدبة و المحاضر و المبادي 351
فصل 351
فصل في ذكر ما كانت العرب تفعله وقت إمساك القطر 354
الباب السادس و الثلاثون في ذكر أحوال البادين و الحاضرين 355
الباب السابع و الثلاثون في ذكر الرواد و حكاياتهم 360
فصل 360
فصل في ذكر مواقعهم و مسارحهم 364
الباب الثامن و الثلاثون في ذكر الوراد و من جرى مجراهم من الوفود 368
الباب التاسع و الثلاثون في السير- و النعاس و الميح- و الاستسقاء و رد المياه 376
الباب الأربعون في أسواق العرب 382
الباب الحادي و الأربعون في ذكر مواقيت الضراب و النتاج و أحوال الفحول في الإلقاح و الغرور و ما يتسبب من جميع ذلك حالا بعد حال بقدرة اللّه و ارادته 386
الباب الثاني و الأربعون فيما روى من اسجاع العرب عند تجدد الانواء- و الفصول- و تفسيرها 395
فصل 395
فصل 401
الباب الثالث و الأربعون في ذكر العيافة و القيافة و الكهانة 402
فصل 402
فصل 402
فصل في القيافة و العيافة 412
الباب الرابع و الأربعون في ذكر ما ابهم من الأوقات حتى لا يتبين للسامع حاله و ما شرح منها 416
الباب الخامس و الأربعون في الاهتداء بالنجوم و جودة استدلال العرب و اصابتهم في
أمهم 420
الباب السادس و الأربعون في صفة ظلام الليل و استحكامه و امتزاجه 428
الباب السابع و الأربعون في صفة طول الليل و النهار و قصرهما و تشبيه النجوم بها 434
الباب الثامن و الأربعون في ذكر السراب و لوامع البروق و متخيلات المناظر و وصف السحاب 442
الباب التاسع و الأربعون في تذكر طب الزمان- و التلهف عليه و الحنين إلى الآلاف- و الأوطان 449
الباب الخمسون في ذكر أنواع الظل و أسمائه و نعوته 458
الباب الحادي و الخمسون في ذكر التاريخ و ابتدائه و السبب الموجب له و ما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه في ضبط آماد الحوادث و المواليد 464
فصل 464
فصل في حكام العرب في الجاهلية 468
فصل في أوقات التاريخ 469
الباب الثاني و الخمسون فيما هو متعالم عند العرب و من داناهم، و أدركوها بالتفقد و طول الدرية و لم يدخل في اسجاعهم 474
الباب الثالث و الخمسون في انقلاب طبائع الأزمنة و ثباتها و امتزاجها و الاستكمال و الامتحاق و ازمان مقاطع النجوم في الفلك و معرفة ساعات الليل من رؤية الهلال و مواقيت الزوال على طريق الاجمال 483
الباب الرابع و الخمسون في اشتداد الزمان بعوارض الجدب و امتداده بلواحق الخصب 488
الباب الخامس و الخمسون في حد ما يشتمل على ذكر ما في اعرابه نظر من حديث الزمان 495
الباب السادس و الخمسون في ذكر الكواكب اليمانية و الشامية و تميز بعضها عن بعض و ذكر ما يجري مجراه من تفسير الألقاب 506
الباب السابع و الخمسون في ذكر الفجر- و الشفق- و الزوال- و معرفة الاستدلال بالكواكب و تبيين القبلة 510
فصل في صرف القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة 513
الباب الثامن و الخمسون في معرفة أيام العرب في الجاهلية و ما كانوا يحترفونه و يتعايشون منه. و ذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم 515
الباب التاسع و الخمسون في ذكر أفعال الرياح لواقحها- و حوائلها و ما جاء من خواصها في هبوبها و صنوفها 523
الباب الستون في ذكر الأوقات المحمودة للنوء و المطر و سائر الأفعال و ذكر ما يتطير منه أو يستدفع الشر به 528
الباب الحادي و الستون في ذكر الاستدلال بالبرق و الحمرة في الأفق و غيرهما على الغيث 538
الباب الثاني و الستون في الكواكب الخنس و في هلال شهر رمضان 542
الباب الثالث و الستون في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمى الثابتة 545
التقريظ المكتوبة على الأصل 557.