ghaemiyeh.com
سرشناسه : مرزوقي اصفهاني، احمد بن محمد، - ق۴۲۱
عنوان و نام پديدآور : ...الازمنة و الامكنة/ تاليف ابي علي احمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الاصفهاني؛ ضبطه و خرج آياته خليل المنصور
مشخصات نشر : بيروت : دارالكتب العلمية ، ۱۹۹۶م. = ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۵.
مشخصات ظاهري : ص ۵۶۶
وضعيت فهرست نويسي : فهرستنويسي قبلي
يادداشت : كتابنامه بصورت زيرنويس
موضوع : فضا و زمان -- متون قديمي تا قرن ۱۴
موضوع : زبان -- جنبههاي مذهبي -- اسلام
موضوع : هستي شناسي (فلسفه اسلامي)
شناسه افزوده : منصور، خليل
رده بندي كنگره : BD۶۳۲/م۴الف۴ ۱۳۷۵
شماره كتابشناسي ملي : م۸۱-۲۳۱۳۴
نضع بين يدي قرائنا الكرام كتاب الأزمنة و الأمكنة فهو كتاب جامع شامل الموضوعات لها من الأهمية شأن كبير في معرفة علوم زاد الاهتمام بها في الماضي كثيرا و ما يزال الاهتمام بها في العصر الحاضر يأخذ مجالا واسعا لكونها تبحث في الطبيعة و في حركة الكواكب و تسمياتها و قوانينها و هي قاعدة انطلاق أساسية في العصر الحاضر للتعرف على الفضاء و على معرفة جوانب منه ما زالت غامضة و تشغل الكثير من العلماء في العصر الحاضر و يعتبر الكشف عنها أو البحث فيها يخدم الإنسانية فهي مترابطة إلى حد بعيد مع بعضها فالعلوم جميعا تكمل بعضها البعض فإثبات صحة تجربة علمية أحيانا و للتأكد من نجاحها يتطلب إجراء اختبارات لها في الفضاء لهذا فإن أجدادنا العرب في الماضي اهتموا كثيرا بالعلوم التي كان لها علاقة مباشرة بحياتهم في حلّهم و ترحالهم و من أهم هذه العلوم علم الفلك الذي كان له دور كبير و مرتبطا ارتباطا وثيقا بهم لمعرفة أحوال الجو و للاهتداء بالنجوم و الكواكب في السير و لمعرفة الزمن و أقسامه، و أدركوا مدى الارتباط بين الزمان و المكان و أهمية هذا الترابط الوثيق بينهما لدرجة أنه لا يمكن لأحدهما أن يكون بدون الآخر.
و قد قسّم الكتاب إلى أبواب و فصول اشتملت على مضمون الكتاب حسب تسلسل الحروف الأبجدية و قد بدأها في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم اللّه تعالى على خلقه في آناء الليل و النهار و في ذكر أسماء الزمان و المكان و متى تسمى ظروفا و معنى قول النحويين الزمان ظرف الأفعال. المهم أن العناوين تجسدت فيها روح النصوص و لم تنفصل عن بعضها البعض فكلها أعطت للكتاب أهمية خاصة في جعله وحدة متكاملة مثل أسماء الشمس و أسماء القمر و ختمها في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمى الثابتة و غيرها المتحركة.
أما المؤلف فقد كان له باع طويل في رفد العلم بمؤلفاته الفريدة في فنون العلوم فقد
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 17/ 475 فقال إمام النحو أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي و ذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء 5/ 34، 35 كما ذكره صاحب كتاب انباه الرواة و غيره و قد عاش أبو علي و عمر طويلا فقد قارب التسعين عاما و توفي في ذي الحجة سنة إحدى و عشرين و أربع مائة و كان له أكبر الأثر في إتحاف المكتبة العربية بمؤلفاته العلمية و الأدبية.
(الجزء الأول) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه الذي لا تحصى آلاؤه بتحديد، و لا تعد نعماؤه بتعديد، خالق الظّلم و الأنوار بعجائب صنعته، و مالك المدد و الأقدار بغرائب حكمته، فله في كلّ ما أنشأ و ابتدع، و في جميع ما أوجب و اخترع، عند تناسخ الأزمنة في أهاليها و تعاقب الملل و الدّول بين مترفيها، آماد و رتب و آيات و عبر لا يجمع جملها إلّا إدراكه و علمه، و لا ينوّع تفاصيلها إلّا إحصاؤه و حفظه، و إن كان كثير منها يحصله العيان و يصوّره الأذهان من الأفلاك و بروجها، و منازل النّيرين فيها و استمرار مسيرها في حدي الاستقامة و الرّجعة و البطر، و السّرعة، و تكوير اللّيل على النّهار، و تكوير النّهار على اللّيل و تبدّل رطوبتها و بردها و حرها و يبسها و لينها، و تغيّر أدوار النّجوم في طلوعها و أفولها، قال اللّه تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [سورة التكوير: الآيات 15- 18] و في الاختفاء عن بعض الأمصار و ظهورها و تساوي الجميع في الدّلالة على حكم الآثار، و له الخلق و الأمر، و إليه المرجع و المستقر، تبارك اللّه أحسن الخالقين و صلاته على من اختاره للنّذارة، و تبليغ الرّسالة، فصدع بأمره و أدّى حقّ نعمته في خلقه محمد و آله و أصحابه أجمعين.
أما بعد: فإنّ الإنسان و إن كان ذا لدد و خصام، و جدال فيما يهوى و جذاب بتيقن الحوادث بوجه الثّبت، و يتسبّب إلى الازدياد، بحب التّوسع فيرى جلائل الأقدار كأنّها تواريه أو تلاعبه، و يحسب غوائل الأخطار كأنّها تساوفه أو تسابقه، ترشح بما رشح له عناصره عند الاختبار، و تجليه لما هيئ له مكاسره لدى الاعتبار، فهم فيما يتردّدون فيه طلعة خباءة، و عن صفايا غنائمهم غفلة نومه لا يردون مستنكرا، و لا يجدون عند الزّلة مستمسكا، نجدهم على تفاوت من أجسامهم، و أقدارهم، و مناشئهم، و مدارجهم، و أسماحهم، و إيابهم، و مآخذهم في استقراء مآربهم، و في أداتهم، و لغاتهم، و صورهم و هيآتهم و اقتراحاتهم و شهواتهم و أقواتهم، و مطاعمهم و حرفهم و مكاسبهم، و تباين ألسنتهم و ألوانهم، و على تنافس بينهم شديد، و تحاسد في خلال أحوالهم عجيب، و تضاغن يلوح من مستكن سرائرهم، و تباغض يبوح به تداني جوارهم.
قد جبلوا على ما إليه سيقوا، و خلقوا لما عليه أدبروا، متوافقين في الانجذاب إلى مدى من حب الوطن و السّكن، و الصّبر على مراري الزّمن، و الاستظهار في تخليد الذّكر باتّخاذ المصانع المؤبّدة، و المباني المشيّدة، كالخورنق، و الحضر، و الأبق الفرد، و غمدان، و المشقر، و الهرمين، و منف، و هو مسكن فرعون و تدمر و الشّعراء ذكروها في ذلك قوله:
اشرب هنيئا عليك التّاج مرتفعافي رأس غمدان دار أمنك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنشيبا بماء فما ذا بعد أبوالا
و قول الآخر: شعرا:
ما ذا أؤمّل بعد آل محرّقتركوا منازلهم و بعد إياد
أهل الخورنق و السّدير و بارقو القصر ذي الشّرفات من سنداد
أرض تخيّرها الطّيب مقيلهاكعب بن مامة و ابن أمّ داود
و قول الآخر شعرا:
و أخو الحضر إذ بناه و إذدجلة نحيى إليه و الخابور
شاده مرمرا و جلّله كلسافللطّير في ذراه و كور
و قول النابغة:
و خيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهميبنون تدمر بالصّفائح و العمد
و كإيوان كسرى أنوشيروان، و هي من الأبنية القديمة و التّهالك في مناصب القرون الخالية، و الأرزاء بمناصبهم و طلب التقدّم عليهم فيما حمدوا فيه و إن كان كلّ منهم يذمّ زمانه و يحمد زمان غيره حتى روي قول لبيد شعرا:
ذهب الذين يعاش في أكنافهمو بقيت في خلف كجلد الأجرب
و من قول عائشة رضي اللّه عنها فيه ما روي:
و سار متى قصروا عنه ذمّواو إن ما هم استأنسوا فيه ملّوا
لا جرم أنهم ابترموا مما اختبر لهم فيجمعوا أيديهم عليه مؤثرين لقبوله، و مقتنعين بحصوله كمن اطّلع على ما أبدله في القسم فاغتنمه، و أوذن بما أعدله عند السّوم فاختصبه، فترى ذكر الزّمان في المكان في جميع ما يندرجون فيه شقيق أرواحهم و مشرع الرّوح لأفئدتهم و مستمد لذّاتهم، و مشتكى أحزانهم، به يكشف البلوى و يستنزل المطر، فليسوا
بشيء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن و المطر، و استطلاع المستنجد من العين و الأثر، لذلك قال شاعرهم:
و كنت فيه كممطور ببلدتهفسر إن جمع الأوطان و المطرا
و قد قيل: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، فلولا ما منّ اللّه تعالى به على طوائف الأمم و عصائب الزّمر من الألطاف في تحبيب ما حب و تأنيس من أنس، و المنع من الاستيثار و الاقتدار، و الاجتهاد بنهمة الاقتار، لما رضيت المهج الكريمة بمجاورة البلاد و الدّيار، و لا سكنت القلاع، في قلل الجبال و التّلاع، و لا عمرت المهاري و الأرانب في مساكن الأسود و الضّباع، و لا نبت حبال الألفة.
و نقطع نظام ما له فسبحان من جعل الاختلاف سببا للائتلاف، و بدل التنافر فصيّره داعيا إلى التّوافق، و للّه الحمد على ما أمضى و قدر، و نسأله التّوفيق فيما أتى و غبر، و قل عن اشتمام الأبنية الرّفعة إلى غاية ما في نفوسهم، بل يدّعون منه شياحين يلزمهم اسم التمام و الفراغ ليس للكلام نهاية، و لا لاختلافهم غاية، لأنّ عددهم كثير، و النّظر فيهم قديم و طبائعهم مختلفة، و قواهم متفاوتة و ألسنتهم مرسلة، و خواطرهم مطلقة، و لو كان الفاسد يشعر فساده، و المنقوص يجد مسّ نقصه لكان الفاسد صالحا و النّاقص وافرا.
و روي عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من باع دارا أو عقارا، فلم يجعل ثمنها في مثلها كان كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف».
و ذكر أحمد بن أبي طاهر أنه سمع آذرباد المؤبد يقول: إنّه وجد في حكم الفرس تربة الصّبي تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في الكبد رقة، و مما قيل في الوطن:
عجبت لعطار أتانا يسومنابدسكرة القيوم دهن البنفسج
فويحك يا عطار هلّا أتيتنابضغث حزار أو بخوصة عرفج
و قالوا: خلق اللّه آدم من تراب فهمته في التّراب، و خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم فهمتها في الرّجال، و مما يعرف به موقع الوطن و الزّمن من ذوي البصائر السليمة و العقائد الصّحيحة قول جرير:
سقى اللّه البشام و كلّ أرضمن الغورين أنبتت البشاما
فيا نعمى الزّمان به عليناو يا نعمى المقام به المقاما
فجمعهما في قول، و أنشدني أبو أحمد العسكري، قال أنشد الصّولي:
سقى اللّه دار الغاضريّة منزلاترفّ عليه الرّوض خضر الرّفارف
و أيامنا و الغاضريّون خضرو عيشي بهم يهتز لدن المعاطف
و رأينا اللّه تعالى قسم مصالح خلقه و لذائذهم بين المقام و الطّعن فجعل أكثر مجاري الأرزاق مع الحركة و الاضطراب، و اغتنام الأرباب بعد التقادي في البلاد لذلك قال الشاعر:
فألقت عصاها و استقرّت بها النّوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر
و قال آخر:
سررت بجعفر و القرب منهكما سرّ المسافر بالإياب
و قد شهد أصحاب المعاني لابن الرومي، فقالوا: لم يبن أحد العلة في الحنين إلى الوطن إبانته حين قال:
و حبّب أوطان الرّجال إليهممآرب قضّاها الشّباب هنالكا
و قد قال الأسدي أيضا شعرا:
أحبّ بلاد اللّه ما بين منعجإليّ و رضوى أن نصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليّ تمائميو أوّل أرض مسّ جلدي ترابها
و أخذه ابن ميّادة فقال:
بلاد بها نيطت عليّ تمائميو قطّعن عنّي حين أدركني عقلي
و قال بعض أصحاب المعاني: العلّة التي من أجلها تساوت الطّباع المختلفة في الحنين إلى الألّاف، و حب ما مضى من الزّمان هي أنّ الذّوات فينا و منا لما كانت لا تحصل إلّا في مكان و زمان صارت لتضمّنها لهما و لكونهما ناشئة حياتها و فاتحة شبيهتها، و طالعة نمائها، تشوقهما و تستنشئ على البعد أرواحهما حتى كأنّهما منها.
و فسّر بعضهم قول ابن الرومي، فقال: يريد بالمآرب المقضيّة للشبّاب ما أقامه الصبيّ من روادف الهوى، و قد ظفر بالمرتاد، أو كان على استقبال من العمر و قوة من الركن، و استعلام من الأمل، و استخبار من الأجل، و تماسك من الجوارح و تساعد من الأعضاء الحوامل، و رخاء من البال و أمن من عوارض الآفات.
و الذي شرحه هذا المفسر الزائد فيه على مذهبهم كالواصل إليه لاجتماعهما في غواشي العشق و الصّبر تحت بيان الحب رجاء الفوز بالمراد، و أظنّ جميعه في قول امرئ القيس:
و هل ينعمن إلا خليّ مخلّدقليل الهموم ما يبيت بأوجال
و هذا في قضايا الأوقات كما اقتصّ الجاحظ من تعصّبه لمصره، فقال: من فضلة البصرة ما خصّت به من أرض الصّدقة إنه لا يسوغ تغيّرها و لا يتهيّأ تبديلها، و من المد و الجزر المبخر خصوصا لأهلها المجمول نوما بين قاطنها و مسافرها، و مصعدها، و منحدرها على مقابلات من الأوقات و مقادير من السّاعات، و على منازل القمر في زيادة النّور و امتلائه، و نقصان ضوئه و استسراره، فلا يعرف مصر جاهلي، و لا إسلامي أفضل من البصرة، و لا أرض جرى عليها الآثار أشرف من أرض الصّدقة، و لا شجرة أفضل من النّخلة و لا بلد أقرب برا من البصرة، فهي واسطة أبجر، و خضراء من بداو، و ريعاء من فلاة، و قانص وحش من صائد سمك، و ملاحا من جمال من البصرة.
فهي وسطة الأرض و فرضة البحر و مضبض الأقطار، و قلب الدّنيا فساحله بعض المتقضية للغيث، و بلاده بأن قال: الكرمة أفضل الأشجار، و العنب سيّد الثمار، ناعمة الورق كأنّها سرقة ناضرة الخضرة بديعة الشكل، سلسة الأفنان، رقيقة الجلد عند المذاق يسرح في البدن نورها، و في القلب سرورها، مع ذكاء العرق و صحّة الجوهر إن عرشت على عمد الخشب، و طبقات القصب تضاعف علتها، و تكامل حسنها و دخلها و رأفة جهارتها و أنق ينعها، و إن بسطت أغصانها على الدّار التي هي فيها أظلّت و إن مدّت على الجدران و قيدت إلى حدود الجيران سامحت قائدها و قلّ اعتياضها تغني عن الشارات و الفساطيط، و تكفّ صيد الحر في حمارة القيظ، و احتدام الشمس أوان الحاجة إلى الرّوح و تردّ عواصف الرّياح و قواصفها، بكثافة ورقها، و ضفاقة ظلّها في كلام يتّصل بين الفريقين و لا ينقضي.
و ليس من همتي و لا سدمي إنما أردت التّنبيه على أنّ كلّ ذي أرب همّته في نظرية بلدته طبعا لا تكلفا و كل ذي سبب نهمته في تزكية ممكنة عمدا لا سهوا، ثم حسن الشّيء و قبحه و فضله و نقصه لما عليه في نفسه لا لجوى راصد أو ألف جاذب. و الحديث شجون، و الفخر بالشيء فنون، لكنّ اللّه تعالى لمّا ذكر الدّيار فخبر عن موقعها من عباده حتّى سوّى بين قتل نفسهم و الخروج من ديارهم في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة النساء: 66] و في موضع آخر: وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا [سورة البقرة: 24] جعل لهم في الأرض بيتا نسبه إلى نفسه بإزاء البيت المعمور لملائكته، و صيّره حرما و أمنا، و مثابة للناس، و مطافا يلوذ به الخائف و لو كان من الوحش.
كما يأوي إليه الهارب من الأنس عظيما شأنه منيعا جاره لا يغشى أهله غضاضة الامتهان، و لا سأمة الابتذال، فهم على مر الأيام و كلة و حمس في أديانهم متمنعة، و قد كان من الفيل و الحبشة ما أرّخ به الزّمن كما أرّخت الحوادث و النّحل، و كما قيدت أيام النّبوات
بما يكشفها من أنباء الفترات و أحوال الأنبياء و المعجزات، و ذكر اللّه تعالى النعمة على قريش، فانبأ عن رحلة الشّتاء و الصّيف بعد أن دعا إبراهيم عليه السلام لسكان مكّة فقال:
رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [سورة البقرة: 126]، و قد كان قال:
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [سورة إبراهيم: 37] فاستجاب اللّه دعوته فهم يصيفون (الطائف)، و يشتون (جدّة) و أنواع الخير منهم بمرصد و فعل مثل ذلك في الزّمان فعظّم ليلة القدر و جعلها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ بما ضمّنها من تنزّل الملائكة بقضاياه إلى رأس الحول، و لأنّها ليلة السّلامة و الأمن من كل داء و بلاء إلى مطلع الفجر.
فالحمد للّه الذي بنوره اهتدينا و بفضله غنينا، حين أدب الأخلاف بما درج عليه الأسلاف، و قرن العبادة باعتبار ما أمضى عليه القرون الماضية في الدّهور الخالية فإنهم و إن مضوا سلفا فقد السّبيل عليهم، و النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، و قد أكثرت، و ظهر الفرض فيما أبدأت، و أعدت، و التّرفية عن المطبة أعون في إملاء قطع الدود أنّ من نكص عن المنهاج تاه في الفجاج، فإنّما هذا الكلام وصلة إلى كتاب في الأزمنة و الأمكنة، و ما يتعلّق بهما من أسماء اللّيل و النّهار و البوارح(1)، و الأمطار، و المزالف، و المآلف، و ما أخذ أخذها مما تعداده يطول و ينطق به الحدود بعد هذا.
و الفصول فقد قدّمت ذكرها، و قد غبرت مدة من الزّمان، و هذا الكتاب منّي ببال أ تصفّح ورقه بأيدي فكري، و أتصوّر مضمونه في مطارح فهمي، فينيلني إذا صادفته جموحا، و يوليني إذا صافحته ازورارا، و شسوعا، كأنه يطلب لنفسه حظا زائدا على ما أوتيه، و سهما عاليا لما أجيله فأعطيه إلى أن تبوأ من علو الوكد، و الاهتمام في أعلى الرّبى، و من مرتقى التّوفر في الاعتناء في أسنى الذرى.
فحينئذ أطلع اللّه على ضميري نور الأستاذ النفيس أبي علي إسماعيل بن أحمد أدام اللّه رفعته، و برهان سلفه قرنا بعد قرن، و كابرا عن كابر من كمال النبل، و جماع الفضل و الجمال الظّاهر، و الكرم الغامر، و النّهوض بأعباء الرّئاسة، و الاستظهار في أنحاء السّياسة، و تدبير المسالك و المهالك، و المدائن و الممالك، و الميل إلى ذوي الأخطار، و أعلام الآداب.
فهم يكرعون من جداهم في أعذب المشارع، و أكرم الموارد.
هذا إلى ما حباه اللّه في خاص و عام قصده من محييات القلوب، و مزيات القبول. فإنّ العزيز الشريف و النّبت الرّفيع إذا أشر بالدّونة المعطف، و سهولة الملتقى، و المختبر ترجما عن الكمال، و وفرا ابهة الجلال. و هذا الثناء منّي ليس على طريقة المادحين فأتجوّز، و لا
1) البارح: الريح الحارة في الصيف- قاموس.
قصدي فيه قصد المجتدير فأتسّمح، بل إملاء طول الصّحبة بلسان الخبرة، فعليه فيه حكم الحق و المعلوم مع تواطؤ الأخبار عنه و شهادة الإثار له، و توارد الوسائل فأقبل بتغاير أبوابه، و انثال عليّ و تسابق أجزائه، و فصوله تنساق إليّ كأنه كان من رباط الشّد في عقال فأنشط، و من حفاظ المنع في وثاق فأهمل، و بيد اللّه تعالى أمره تسهيل المراد و تعجيل الفراغ بحوله و منه.
و اعلم أنّ رؤساء الأمم أربعة بالاتفاق: العرب، و فارس، و الهند، و الروم و هم على طبقاتهم في الذكاء و الكيس، و الدّهاء، و الكيد، و الجمال، و العناد و تملك الممالك و البلاد، و السّياسة و الإيالة، و استنباط العلوم و إثارة الحكم في جوامع الأمور و معلوم شأنهم معروف أمرهم، و ما في على طبقاتهم في الغباوة و العظاظة و سوء الفهم و الدّراية و القسوة، و الغذامة، و النّوك، و الجهالة مراعون لما رهنوا به و قيضوا له، و قد صاروا إلى وجوه المعاش، و فنون الممارسات، و الإغراب في أسرار الصناعات، و الإبداع في أنواع التّركيبات، انفتح لهم من أبواب المعرفة، و حسن التّوفيق في الإصابة، ما لم ينفتح لهم في سواه و ذلك ما لا يدرك غوره من غرائب حكمة اللّه تعالى فيما دبر، و امضى و إن كان للعرب خاصة طبع عجيب في الأخبار، و الاستخبار، و المباحثة، و الاستكشاف، و سرعة إدراك ما يسفر عن الأواخر عند النّظر في الأوائل، فحصل لهم بذلك أخلاق عادت مفاخر، و أفعال صارت مناقب، مع ثبات فيما يعز، و جلد، و بيان و لدد، و افتنان في الخطب و الشّعر و الرّجز على اختلاف أنواعها و تصاريف أساليبها، و على كثرة الأمثال الحكيمة، و طرائف الآداب الكريمة.
ثم لهم الفراسة الصّحيحة، و الكهانة العجيبة، و صدق الفأل الحسن، و الحسّ المصيب مع العلم بأثر القدم في الصّخر الأصم، و القاع العفراء، و قيافة الأثر مع قيافة البشر، ليست لغير العرب لأنّهم يرون المتفاوتين في الطّول و القصر، و المختلفين في الألوان و النّعم فيعلمون أنّ هذا الأسود ابن هذا الأبيض، و هذا القصير ابن أخ هذا الطّويل، مع الرّعاية لأنسابهم و أيّامهم، و محاسن أسلافهم و مساوئ أكفائهم، للتّعاير بالقبيح و التّفاخر بالجميل، و ليجعلوه مبعثة على اصطناع الخير، و مزجرة عن ادخار الشّر، و لهم تبين أحوال النّجوم سعدها و نحسها، و الأنواء و مقتضياتها و الأمطار و مواقيتها، و بوارح الرّياح في إبّانها و حينها، و الزّجر المغني عن التّنجيم و حسن الاهتداء في المسالك المهلكة، و المرامي غير المسلوكة.
و هم على كلّ حال من عيشهم يخافون مأثور الحديث و يتجرّعون من غوارب البحار، و يحبّون المادحين و تقريظهم، و يؤثرون على أنفسهم الخيل، و على عيالهم الضّيفان أصحاب حياء و أنفة، وجود، و فروسية، و فخر، و همة لا تطل دماؤهم و لا يعجز طوائلهم، و لا
ينسيهم طول الأيام دفائن أحقادهم، يراعون الذّمم، و يوفون بالمواثيق، و يوجبون الجوار باعلاق الدّلو بالدلو و شد الطّنب بالطّنب حتى قال زهير:
و جار سار معتمدا عليناأجابته المخافة و الرّجاء
فجاور مكرما حتّى إذا مادعاه الصّيف و انصرم الشّتاء
ضممنا ما له فغدا عليناجميعا نقصه و له النّماء
ثم لم يرضوا لأنفسهم بالاسم الواحد، و الكنية الواحدة، و النّعت الشّريف و الذّكر الرّفيع و المنصب المفخم، و الفخر المقدّم حتى تنقلوا في أسامي و كنى كما اكتنى حمزة بن عبد المطّلب بأبي يعلى- و أبي عمارة، و عبد العزى بن عبد المطلب بأبي لهب- و أبي عتبة، و صخر بن حرب بأبي سفيان- و أبي حنظلة، و حسان بن ثابت بأبي الوليد و أبي الحسام، و عثمان بن عفان بأبي عبد اللّه و أبي عمرو، أو أبي ليلى و عبد اللّه بن الزّبير بأبي بكر، و أبي خبيب و أبي عبد الرّحمن.
و الذين أسماؤهم كنى كثير في العرب يسمّي بعضهم بعضا بسمات تفيد التّفخيم و التّعظيم كقولهم: ملاعب الأسنة، و سم الفرسان و زيد الخيل، و محكم الأقران و أشباه ذلك. فهذه الخصال تختصّ بهم إلى كثير ممّا إن شغلنا الكلام به خرجنا عن الغرض المنصوب و للّه تعالى في خلقه أن يفعل ما شاء، و يصطفي بفضله من شاء، و هو الحكيم العليم، و لو لا اهتزازي لتقديم ما يتعلق به همّة برّ أشاد النّفيس، و سرعة إجابتي إذا أهاب لما رهبته، و ليحصل لي به الفأل الحسن و الذّكر المؤبّد، و الالتذاذ بالدّخول في جملة أهل الفضل و الاستنان بسننهم في إذاعة ما تكسيهم الأيام و يفيدهم الاجتهاد لبقيت في حجر الفن بما أورده لما أرى في أهل الزّمان من اطراح العلم، و احتقار أهل الفضل، و لا أزيد على هذا مخافة الخروج إلى ما يعد سرفا، بل أنشد قول الأول شعرا:
إذا مجلس الأنصار حفّ من أهلهو حلّت مغانيه غفار و أسلم
فما النّاس بالناس الذين عهدتهمو لا الدّهر بالدّهر الذي كنت أعلم
و اعلم أنّ قرب الشيء في الوهم ليس بموجب حصوله، و لا بعده فيه يقتضي بطوله، و هذا الكتاب ليس اختياري لعلمه لغلبته، و لا اشتغالي به عن شبهه لكنّي حصنته تحصين الحزم، و صنته صون العرض المكرم، فهو مذخورة المتلهف، و عقد المعتال المحتكم، ثمره عند الينع لا يخلف، و ماؤه على الميح لا يكدر.
و قد قيل لحاضنك عليك حق اللّبن، و لتربتك حبّ الوطن، و لنسلك حرمة السّكن، و لطربك خلع الرّسن، كما أنّ لما تخلد به ذكرك من نثر أو نظم عليك شرف التّحلية، و حسن
النّعت و التّسمية، و جمع الفوائد الزّكية، و هجر الهوى و العصبيّة، و بيد اللّه تبليغ المراد و توطير المرتاد.
و اعلم أنّ مدار الأدب على الطّلب، و عمدته البحث، و مصرفه الرّغبة، و الحث و أزمة الجميع بيد القريحة فإذا سلمت القريحة من عوارض الآفات و تملست من شوائب الأقذار، و العاهات، و ترقّت في مدارجها من دلائل الرّسوم إلى حقائق الحدود أقبلت تصنع في نيل المطلوب صنعة من طبّ لمن حبّ، و إني و إن أنشأت هذا الكتاب فما في نفسي ادعاء الفضل على الأسلاف؛ و كيف أستجيز ذلك و من ذكرتهم ننفق، و بشهاداتهم نتوثّق، و بين المسلم و المنازع ما بينهما من برزخ التّضاد، و لكن لمن ضمّ النّشر، و سوّى في البناء النّضد و تأنق في الإثارة، ثم بلغ و تناهى إلى الغاية، فسدّد حقه من العمل. نسأل اللّه تعالى حسن التّوفيق فيما نأتي و نذر، و عليه المعوّل في إيزاعنا شكر نعمته، و إعانتنا على ما تعرب من رحمته، و نعم المولى و نعم النصير.
هذا و بيان ما يختلف من أحوالها و يتّفق من أسمائها، و صفاتها، و أطرافها، و إقطاعها، و متعلقات الكواكب منها في صعودها و هبوطها و طلوعها و غروبها، و جميع ما يأخذ أخذها، أو يعدّ معها، أو لا ينفكّ في الوقوع و الاستمرار منها، أو متسبّب بضرب من ضروب التّشابه، أو قسم من أقسام التّشارك إلى الدّخول في أثنائها موشّحة بما يصححها من أشعارهم و أمثالهم، و أسجاعهم و مقامات وقوفهم و منافراتهم جادّين و هازلين، و من كلام روّادهم و ورّادهم و كتّابهم في ظعنهم و إقامتهم و تتبّعهم مساقط الغيث و بوارح الرّيح، و عند ما يقيمون من الجدب، و الخصب و السلم و الحرب، و قري الضّيف في الشّتاء و الصّيف، و أعيادهم، و حجهم، و نسكهم، و وجوه معايشهم و مكاسبهم، و آدابهم.
و قد صدرته بجميع آي من كتاب اللّه تعالى بعض حقائقه لتردد المعاني إذا شافهت الالتباس، بين الوجوب و الجواز و الامتناع فيتّسع أمد القول و يمتد نفسه بحسب الحاجة و على قدر العناية، و من أنكر في طلب الحق واجبا، أو رد جائرا، أو جحد ممتنعا فقد صافح الخذلان. كما أنّ من قصر و كده على ما لا يرد من دينه فائتا و لا يعمر ثابتا، فقد جانب حسن التّوفيق. و على اللّه في الأحوال كلها المعوّل و التّكلان.
و بعد الفراغ من ذلك أتبعته بالكلام في حقيقة الزّمان و المكان، و الرّد على من تكلّم بغير الحق فهما بعد تتبّع لما أصله شديد، و بحث عنه بليغ، و ردّ للسّابق من دعاويهم على اللّاحق(1)على الوارد إذ كانا عندي كالأصل في إلحاد أكثر الملحدين من الأوائل
1) خرم في الأصل 12.
و المتأخّرين، و إذ كنت قد شيّدت من قبل فصول ما ذكرت، و وصوله بلمع من الكلام في المحكم و المتشابه و الاستدلال بالشّاهد على الغائب، و بيان أسماء اللّه تعالى و صفاته، و ما يجوز إطلاقه عليه أو يمتنع لأنّ أطراف هذه الأبواب متعلقة بموارد الآي التي تكلّفت الكلام فيها و مصادرها، و مستقية من العيون التي تحوم أطيارها حوله، و في جوانبها و لأنّ الاشتغال به هو الغرض المرمي في تأليف حل هذا الكتاب و ترتيبه، و تنسيقه هذا إلى غير ذلك مما خلا منه مؤلفات اللّغويين و النّحويين و الباحثين عن طرائق العرب، و ما يراعونه من معتقداتهم في الأنواء و غيرها، و إيمان من آمن منهم بالكواكب حتى عبدوها لما ألفوه من استمرار العادات بهم و اطرادها على حد سالم من التبدّل و التحوّل.
ثم شرعت في الكتاب و تبويب معاطفه و تنويع أساليبه و مدارجه، و أستعين اللّه تعالى على بلوغ ما يزلف عنده، و يستحقّ به مزيد الإحسان و أصحاب التوفيق الكامل منه، و هو حسبنا و نعم الوكيل.
هي ثلاثة و ستّون بابا، و نيّف و تسعون فصلا:
أ: في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم اللّه تعالى على خلقه في آناء اللّيل و النّهار، و بيان النّسيء، و في ذكر أخبار مروية، و في ذكر الأنواء، و ذكر معتقدات العرب فيها و فيما يجري مجراه، و ذكر فصل في جواب مسائل للمشهد من الكتاب و السّنة، و في بيان المحكم و المتشابه و غيرهما، و بيان أسماء اللّه تعالى و صفاته، و هو يحوي تسعة و عشرين فصلا.
ب: في ذكر أسماء الزّمان و المكان، و متى تسمى ظروفا، و معنى قول النّحويين الزّمان ظرف الأفعال، و الرّد على من قال فهما بغير الحق من الأوائل و الأواخر، و يحتوي على فصول أربعة.
ج: هو يشتمل على بيان اللّيل و النّهار، و على فصول من الإعراب تتعلق بظروف الأزمنة و الأمكنة، و فصوله ثلاثة.
د: ذكر ابتداء الزّمان، و أقسامه، و التّنبيه على مبادئ السّنة في جميع المذاهب، و ما يشاكل من تقسيمها على البروج.
ه: في قسمة الأزمنة و دورانها و اختلاف الأمم فيها.
و: في ذكر الأنواء و اختلاف العرب فيها، و منازل القمر مقسّمة الفصول على السّنة، و أعداد كواكبها، و تصوير مأخذها ضارة، و نافعة، و فصوله أربعة.
ز: في تحديد سنيّ العرب، و الفرس، و الرّوم، و أوقات فصول السّنة.
ح: في تقدير أوقات التّهجد التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه عن نبيّه و الصّحابة، و تبيين ما يتصل بها من ذكر حلول الشّمس في البروج الاثني عشر.
ط: في ذكر البوارح، و الأمطار مقسمة على الفصول، و البروج، و في ذكر المراقبة، و هو فصلان.
ي: في ذكر الأعياد و الأشهر الحرم و الأيّام المعلومات و الأيام المعدودات، و الصلوات الوسطى، و هو فصلان.
يا: في ذكر سحر، و غدوة، و بكرة، و ما أشبهها و الحين و القرن و الآن و أيان، و أوان، و الحقبة، و الكلام في إذ، و إذا، و هما للزّمان و إبان، و أفان، و هو فصلان.
يب: في لفظة أمس، و غد، و الحول، و السّنة، و العام، و ما يتلو تلوه، و لفظة حيث، و ما يتّصل به، و الغايات كقبل و بعد، و ذكر أول و حينئذ، و قط، و إذ، و إذا المكانية، و منذ، و مذ، و من، و على و هو فصلان.
يج: فيما جاء مثنّى من أسماء الزّمان، و اللّيل، و النهار، و من أسماء الكواكب و ترتيب الأوقات و تنزيلها، و هو أربعة فصول.
يد: في أسماء الأيام على اختلاف اللّغات و قياسات اشتقاقها و تثنيتها و جمعها.
يه: في أسماء الشّهور على اختلاف اللغات، و ذكر اشتقاقاتها، و ما يتّصل بذلك من تثنيتها و جمعها، و هو فصلان.
يو: في أسماء الدّهر و اقطاعه، و ما يتّصل بذلك، و هو فصلان.
يز: في اقطاع الدّهر، و أطراف اللّيل و النّهار، و طوائفهما و ما يتّصل بذلك من ذكر الحوادث فيها، و هو ثلاثة فصول.
يج: في اشتقاق أسماء المنازل، و البروج، و صورها، و ما يأخذ مأخذها، و هو فصلان.
يط: في اقطاع اللّيل، و طوائفه، و ما يتّصل بذلك و يجري مجراه.
ك: في اقطاع النّهار، و طوائفه، و ما يتّصل بذلك و يجري مجراه.
كا: في أسماء السّماء و الكواكب، و الفلك و البروج، و هو ثلاثة فصول.
كب: في برد الأزمنة، و وصف الأيّام و اللّيالي به.
كج: في حرّ الأزمنة، و وصف الأيّام، و اللّيالي به.
كد: في شدّة الأيّام و رخائها و خصبها و جدبها، و ما يتّصل بذلك.
كه: في أسماء الشّمس و صفاتها، و ما يتعلّق بها.
كو: في أسماء القمر و صفاته، و ما يتصل بها من أحواله، و هو فصلان.
كز: في ذكر أسماء الهلال من أول الشهر إلى آخره، و ما ورد عنهم فيها من الأسجاع، و غيرها.
كح: في أسماء الأوقات، و الأفعال الواقعة في اللّيل و النّهار، و أسماء الأفعال المختصة بأوقات في الفصول و الأزمان.
كط: في ذكر الرّياح الأربع، و تحديدها بها، و ما عدل عنها، و هو فصلان.
ل: في أسماء المطر و صفاته و أجناسه، و هو فصلان.
لا: في السّحاب، و أسمائه و تحليه بالمطر، و هو فصلان.
لب: في الرّعد و البرق، و الصّواعق و أسمائها و أحوالها، و هو فصلان.
لج: في قوس قزح و في الدائرة حول القمر، و في البرد من قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [سورة النور، الآية: 43]، و هو ثلاثة فصول.
لد: في ذكر المياه و النبات ممّا يحسن وقوعه في هذا الباب، و هو ثلاثة فصول.
له: في ذكر المراتع الخصبة و المجدبة، و المحاضر، و المبادي، و هو فصلان.
لو: في ذكر أحوال البادين و الحاضرين، و بيان تنقّلهم و تصرّف الزّمان بهم.
لز: في ذكر الرّواد و حكاياتهم، و هو فصلان.
لح: في ذكر الورّاد و من جرى مجراهم من الوفود.
لط: في السّبر و النّعاس، و الميح، و الاستقاء، و ورود المياه.
م: في ذكر أسواق العرب.
ما: في ذكر مواقيت الضّراب و التّاج.
مب: فيما روي من أسجاع العرب عند تجدّد الأنواء و الفصول، و تفسيرها، و هو فصلان.
مج: في ذكر الصّيام، و القيافة، و الكهانة، و هو ثلاثة فصول.
مد: في ذكر ما لهم من الأوقات حتى لا يبين للسّامع و ما شرح منه.
مه: في الاهتداء بالنّجوم و جودة استدلال العرب بها و إصابتهم في أمهم.
مو: في صفة ظلام اللّيل و استحكامه، و امتزاجه.
مز: في صفة طول اللّيل و النّهار و قصرهما، و تشبيه النّجوم فيهما.
مح: في ذكر السراب، و لوامع البروق، و متخيّلات المناظر، و وصف السّحاب.
مط: في تذكر طيب الزّمان، و التّلهف عليه و الحنين إلى الألّاف، و الأوطان.
ن: في ذكر أنواع الظلّ و أسمائه و نعوته.
نا: في ذكر التّاريخ و ابتدائه، و السّبب الموجب له و ما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه في ضبط آماد الحوادث و المواليد، و هو فصلان.
نب: فيما هو متمم لما عند العرب و من داناهم و أدركوه بالتفقد و طول الدّربة، و لم يدخل في أسجاعهم.
نج: في انقلاب طبائع الأزمنة، و ثباتها، و امتزاجها، و الاستكمال و الامتحاق، و أزمان مقاطع النّجوم في الفلك، و معرفة ساعات اللّيل من رؤية الهلال، و مواقيت الزّوال على طريق الإجمال.
ند: في اشتداد الزّمان بعوارض الجدب، و امتداده بلواحق الخصب.
نه: و يشتمل من حدّها على ذكر ما في إعرابه نظر من حديث الزّمان.
نو: في ذكر الكواكب اليمانية، و الشّمامية، و تمييز بعضها عن بعض، و ذكر ما يجري مجراها من تفسير الألقاب.
نز: في ذكر الفجر، و الشّفق، و الزّوال، و معرفة الاستدلال بالكواكب و تبين القبلة.
نح: في معرفة أيّام العرب في الجاهلية، و ما كانوا يحرفونه و يتعايشون منه، و ذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم.
نط: في ذكر أفعال الرّياح لواقحها، و حوائلها، و ما جاء من خواصها في هبوبها و صنوفها.
س: في ذكر الأيام المحمودة للنّوء و المطر و سائر الأفعال، و ذكر ما يتطيّر منه، أو يستدفع الشّربة.
سا: في ذكر الاستدلال بالبرق، و الحمرة في الأفق و غيرهما على الغيث.
سب: في الكواكب الخنّس، و في هلال شهر رمضان.
سج: في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمّى الثابتة، و هذه التّسمية على الأغلب من أمرها إذ كانت حركة مسيرها خافية غير محسوسة.
اعلم أنّ اللّه تعالى عظّم شأن القرآن، و فصل بيانه بالنّظم العجيب و التّأليف الرّصيف على سائر الكلام، و إن وافقه في مبانيه، و معانيه ثم أودعه من صنوف الحكم، و فنون الآداب و العذر، و جوامع الأحكام و السير، و طرائف الأمثال و العبر، ما لا يقف على كنهه ذوو القرائح الصّافية، و لا في بعد فوائده أو لو المعارف الوافية، و إن تلاحقت آلاتهم، و توافقت أسباب التّفهم و الافهام فيهم، فترى المشتغل به المتأمّل له، و قد صرف فكره إليه، و قصر ذكره عليه، قد يجد نفسه أحيانا فيه بصورة من لم يكن سمعه، أو كان بعد السّماع نسيه استغرابا لمراسمه، و استجلاء لمعالمه، و ذلك أنه تعالى لما أنزله ليفتتح بتنزيله التّحدي به إلى الأبد، و يختتم بترتيله و آدابه البذارة إلى انقضاء السّند، على ألسن الرّسل، جعله من التّنبيهات الجليّة و الخفيّة، و الدّلالات الظّاهرة و الباطنة ما قد استوى في إدراك الكثير منها العالم بالمقلد، و المتدبّر، و المهمل.
و إن كان في أثنائه أغلاق لا تنفتح الأشياء بعد شيء بأفهام ثاقبة، و في أزمان متباينة، ليتّصل أمد الإعجاز به إلى الأجل المضروب لسقوط التّكليف، و لتجدّد في كل أوان بعوائده و فوائده ما يهيج له بواعث الأفكار، و نتائج الاعتبار، فيتبيّن ثناؤه الرّاسخ المتثبّت، و النّاظر المتدبّر عن قصور الزّائغ المتطرّف و تقصير الملول الطّرف. لذلك اختلفت الفرق، و استحدثت المذاهب و الطّرق، فكلّ يطلب برهانه على صحة ما يراه منه، و إن ضلّ عن سواء السّبيل من ضلّ لسوء نظره و فساد تأنّيه، و عدو له عن منهاج الصّحابة و التّابعين و صالحي الأسلاف، فلما كان أمر القرآن الحكيم على ما وصفت، و كان اللّه تعالى فيما شرع من دينه و حدّ عليه من عبادته، و دعا إليه من تبيّن صنعه و تنبّه ما أقامه من أدلّته. قال: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة العنكبوت، الآية: 44] مبيّنا أنه اخترعها بما يشتمل عليه حقا لا باطلا و حتما لا عبثا لتوفّر على طوائف خلقه منافعها، و مثبتها من يصدق بالرّسل، و يميز جوامع الكلم على بعد غورها في قضايا التّحصيل و تراجع الأفهام، و الأوهام عن تقصي مأخذها بأوائل التّكليف.
ثم كرّر ذكرها في مواضع كثيرة في جملتها ما يقتضي الكشف عن نظومها و تصاريفها لما يكشفها من الغموض، و كان مبنى التأليف الذي هو مبني على كتب لا يتم من دون الكلام عليها بترتيبه، بأن جعلتها مقدّمة ثم تجاوزت إلى ما سواها و اللّه المعين على تسهيل المراد منه بمنه.
فمن ذلك قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ يَوْمَ يَقُولُ [سورة الأنعام، الآية: 73] الآية، وصف اللّه تعالى نفسه فيما بسط من كلامه هنا بفصول أربعة، كلّ فصل منها عند التأمّل جملة مكتفية بنفسها عن غيرها، و دالة على كثير من صفاته التي استبدّ بها.
فالفصل الأول قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ، و المعنى في قوله: بالحق، أنّ الحكمة البالغة أوجبت ذلك، ففطرها ليدلّ على نفسه بها و يظهر من آثاره العجيبة فيها ما تحقّق إلهيته و تثبت قدمه، و ربوبيته و يظهر أنّ ما سواه مدبر مخلوق و مسخّر مقهور، و أنه الحق تمّ له ما أحدثه، و أنشأه لا بباطل، و وجبت له العبادة من خليقته بقول فصل لا بهزل، فحجّته بيّنة و آياته محكمة، لا تخفى على النّاظر، و لا تلتبس على المتأمّل المباحث إذ كانت الأبصار لا تدركه، و الحواس لا تلحقه، فعرّف عباده قدرته، و ألزمهم بما غمرهم من منافعه و نعمة عبادته، فلا مانع لما منح، و لا واهب لما ارتجع، أو حرم تسليما لأمره و رضى بحكمه.
و الفصل الثاني قوله: وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ [سورة الأنعام، الآية: 73] قوله: و يوم نصب على الظّرف، و العامل فيه ما يدل عليه قوله الحق، و لا يجوز أن يكون العامل قوله: يقول لأنه قد أضيف اليوم إليه، و المضاف إليه لا يعمل في المضاف. و قوله:
فيكون معطوف على يقول، و ما بعد القول، و هو جملة تكون حكاية في كلامهم، و كن في موضع المفعول ليقول، و قد أبان اللّه هذا المعنى في قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة النّحل، الآية: 4] لأنّ معنى الحكاية ظاهر فيه و مفهوم منه، و إذا كان الأمر على هذا فقوله: كن، حكاية، و المعنى فيه إيجاب خروج الشّيء المراد من العدم إلى الوجود. و قوله: فيكون بيان حسن المطاوعة من المراد و تكوّنه، و ليس ذلك على أنّه مخاطبة المعدوم، و لكنّ اللّه تعالى أراد أن يبين على عادة الآمرين إذا أمروا كيف يقرّب مراده إذا أراد أمرا، فأخرج اللّفظ على وجه يفهم منه ذلك، إذ كان لا لفظ في تصوير الاستعجال، و تقريب المراد أحضر من لفظة كن فاعلمه. و تلخيص الآية و إذا كان يوم البعث و النّشر و السّوق إلى الحشر يوجب وقوع المكون بقولنا: كن، فيقع بحسب الإرادة لا تأخير فيه و لا تدافع، لأن حكمنا فيه المحقوق الذي لا يبدّل، و لأنّ الملك فيه للملك الذي لا يغالب و لا
يمانع، فقوله في الفصل الأول: بالحق- أي بما وجب في الحكمة و حسن فيها. و قوله في الفصل الثّاني قوله الحق- أي المحقوق الذي لا يحول و لا يغيّر إذ كان البدء لا يجوز عليه، و أوائل الأمور في علمه كأواخرها.
و الفصل الثالث قوله: وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [سورة الأنعام، الآية: 73] يريد به أنه في ذلك الوقت متفرّد بتدبير الفرق و الأمم و تنزيلهم منازلهم من الطّاعة و المعصية، كما أبدأهم فكما كان تعالى الأوّل لقدمه يكون الآخر لبقائه، لا مشارك له، و لا مؤازر، و أبين منه قوله في موضع آخر: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [سورة غافر، الآية: 16] و هذا حال المعاد، و المعنى إذا أردنا سوقهم بعد الإماتة للنّشر لم يخف علينا شيء من أحوالهم لأنّا نملكهم، فأمرنا حتم لا تخيّر وفور لا تأخير، و الإحصاء يجمعهم، و الإدراك يعمهم. و قوله: وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [سورة الأنعام، الآية: 73] لم يشر به إلى وقت محدود الطّرفين و لكن على عادة العرب في ذكر الزّمان الممتد الطويل باليوم، فهو كما يقال: فعل كذا في يوم فلان، و على عهد فلان.
الفصل الرابع: قوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سورة الأنعام، الآية: 73] يريد أنّه لا يخفى عليه ما فيه لأنّه العالم لنفسه فلا يغرب عنه أمر، و الغائب عنده كالحاضر و البعيد كالقريب و هو حكيم فيما يقضيه عليم فيما يقضيه. لا يذهب عليه شيء من أحوال عباده، و من مواعيده فيحشرهم جميعا، و يوفّيهم مستحقّهم موفورا.
و منه قوله تعالى: وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [سورة يس، الآية: 37] إلى يسبحون، قوله: نسلخ منه النّهار أي نخرجه منه إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النّهار، أ لا ترى قوله في موضع آخر: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [سورة الأعراف، الآية: 175]، و في هذا دلالة بيّنة على ما تذهب إليه العرب من أنّ اللّيل قبل النّهار لأنّ السّلخ و الكشف بمعنى واحد يبين ذلك أنّه يقال: كشطت الإهاب، و الجلد عن الشّيء، و سلخته أي كشفته، و السّلاخ الإهاب نفسه، و سلخت المرأة درعها نزعته، و سلخت الشّهر: صرت في آخر يوم منه، و سلاخ الحيّة جلدها، و إذا كان ذلك، و كان اللّه تعالى قال: اللّيل نسلخ منه النهار، و المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ فيجب أن يكون اللّيل قبل النّهار، كما أنّ المغطّى قبل الغطاء قوله: فإذا هم مظلمون- أي داخلون في الظّلام يقال: أظلم اللّيل إذا تغطى بسواده، و أظلمنا دخلنا في ظلمات، و هذا كما يقول: أجنبنا و اشملنا- أي دخلنا في الجنوب و الشّمال، و أنجدنا، و أتهمنا أي أتيناهم، ثم قال: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [سورة- يس، الآية: 38] و هذا يحتمل وجوها من التّأويل.
أ- أن يكون المراد جريها لاستقرار يحصل له إذا أراد اللّه وقوفها للأجل المضروب
لانقضاء وقت عادتها في الطلوع و الأفول.
ب- أن يكون المراد بالمستقر وقوفها عنده تعالى يوم القيامة، و الشّاهد لهذا قوله في آية أخرى: كَلَّا لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [سورة القيامة، الآية: 10، 11] فهو كقوله في غير موضع: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ، وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ* [سورة الحديد، الآية: 5]، وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* [سورة البقرة، الآية: 245].
ج- أن يكون المعنى أنها لا تزال جارية أبدا ما دامت الدّنيا تظهر و تغيب بحساب مقدر كأنها تطلب المستقر الذي علمها صانعها فلا قرار لها؛ و يشهد لهذا الوجه قراءة من قرأ و الشّمس تجري لا مستقر لها، و ذلك ظاهر بيّن يوضحه قوله تعالى بعقبه: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* [سورة يس، الآية: 38]، أي تقدير من لا يغالب في سلطانه و لا يجاذب على حكمته، قوله: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ [سورة يس، الآية: 39]، الآية. برفع القمر على، و آية لهم اللّيل و إن شئت على الابتداء، و ينصب على، و قدّرناه و العرجون) عود لعذق الذي تسمّى الكباسة تركبه الشّماريخ مثله الأثكول و العثكول من العذق، فإذا جفّ و قدم دقّ و صغر و حينئذ يشبهه الهلال في أول الشهر و آخره.
و قال أبو إسحاق الزّجاج: وزنه فعلول لأنّه من الانعراج، و قال غيره: هو فعلول لأنه كالفثلول، و معنى الآية و قدّرنا القمر في منازله الثمانية و العشرين، و في مأخذه من ضوء الشّمس، فكان في أوّل مطلعه دقيقا ضئيلا، فلا يزال نوره يزيد حتى تكامل عند انتصاف الشّهر بدرا، و امتلائه من المقابلة نورا، ثم أخذ في النقصان بمخالفته لمحاذاة، و تجاوزه لها حتى عاد إلى مثل حاله الأولى من الدّقة و الضؤلة و ذلك كلّه في منازله الثمانية و العشرين لأنه ربّما استتر ليلة، و ربما استتر ليلتين فمشابهة الهلال للعرجون في المستهل و المنسلخ صحيحة.
فأما قوله: حتى عاد فكأنه جعل تصوّره في الآخر بصورته الأولى في الدّقة مراجعة، و معاودة. و القديم يراد به المتقادم كما قال في قصة يعقوب عليه السلام: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [سورة يوسف، الآية: 95]. و قال الفرّاء القديم يقال لما أتى عليه حول. و قيل أيضا:
معنى عاد صار، و يشهد لذلك قول الشّاعر:
أطعت العرس في الشّهوات حتّىتعود لها عسيفا عبد عبد
و لم يكن عسيفا قط، و قال امرؤ القيس:
و ماء كلون البول قد عاد آجناقليل به الأقوات ذي كلأ مخل
أي صار، و قال الغنوي:
فإن تكن الأيام أحسن مرةإليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
قوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يس، الآية: 40]، يعني ينبغي لها.
أي: لو كانت تطلب إدراك القمر لما حصلت لها بغيتها، و لا ساعدتها طلبتها يقال: بغيت الشيء، فانبغى لي. أي طلبته، فأطلبني، و إذا لم ينبغ لها لو طلبت، فيجب أن لا يحصل الفعل منها البتّة، لأنّ الإدراك معناه اللّحوق و سببه الذي هو البغاء ممنوع منه، فكيف يحصل للسّبب؟ و أيضا فإنّ سرعة سير القمر و زيادته على سير الشّمس ظاهر فهو أبدا سابق لها بسرعته، و تلك متأخرة لبطئها، و قوله: وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [سورة يس، الآية: 40] محمول على وجهين.
الأول: أن يكون المعنى بالسّبق أوّل إقباله و آخر إدبار النّهار.
و الثاني: أن يكون المعنى آخر إدبار النّهار و أول إقبال الصّبح، و سبق اللّيل النّهار بإقباله أن يقبل أول اللّيل قبل آخر إدبار النّهار و هذا ما لا يكون.
و أما سبقه إيّاه بإدباره، فإن سبق آخر إدبار اللّيل أوّل إقبال الصّبح قبل كونه، و هذا أيضا لا يكون، و لا يجوز كونه لأنهما ضدّان يتنافيان و يتعاقبان فلذلك لم يجر سبق اللّيل النّهار في شيء من أحواله.
و قيل معنى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ أي ليس لها أن تطلع ليلا، و لا القمر له أن يطلع نهارا لأنّ لكلّ منهما شأنا قدّر له و وقتا أفرد به، فلا يقع بينهما زاجر فيدخل أحدهما في حد الآخر قوله: وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس، الآية: 40] أي كلّ واحد منهما له فلك يدور فيه فلا يملك انصرافا عنه؛ و لا تأخّرا إلى غيره، و لفظ الفلك يقتضي الاستدارة أي و كلّ له مكان من مسبحه مستدير يسبح فيه أي يسير بانبساط، و منه السّباحة، و قال تعالى لنبيّه: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزمل، الآية: 7] و لا يمنع أن يكون يشير بقوله: في فلك إلى الذي هو فلك الأفلاك، و إذا جعل على هذا فهو أبهر في الآيات، و أدلّ على اقتدار صانعه و إنمّا قال: يسبحون لأنّه لمّا نسب إليها على المجاز و السعة أفعال العقلاء المميّزين جعل الاخبار عنها على ذلك الحد، و مثله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [سورة يوسف، الآية: 4] و هذا كثير.
و منه قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ [سورة الإسراء، الآية: 12] الآية نبه بهذه الآية، و بقوله إنّ عدّة الشهور الآية على نعمه على خلقه فيما إن شاء حالا بعد حال لهم، و ابتدعه و ما عرف مصالحه وقتا بعد وقت، فيما قدّر لهم فكر و ذكر و نصب للحاضرة و البادية من الأعلام و الأدلة بالمنازل و الأهلّة، و مطالع النّجوم السّيارة و غير السّيارة حتى جعلت
مواقيت و آجالا، و مواعيد، و آمادا، فعرفوا حلالها و حرامها و مسالمها و معاديها و ذا العاهة منها مما لا عاهة معها؛ و تبيّنوا بطول التّجارب أضرّها أنواء، و أعودها أمطارا، و أعزّها فقدانا، و أهونها أخلاقا، فأخذوا لكلّ أمر أهبته، و لكلّ وقت عدّته، إلى كثير من المنافع و المضار التي تتعلق باختلاف الأهواء و تفاوت الفصول و الأوقات؛ و من تدبّر قوله: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ [سورة الإسراء، الآية: 12]. ثم فكّر في تميز أحدهما عن الآخر باختلاف حالهما في النّور، و الظّلمة، و الظّهور و الغيبة، و لما ذا صارا يتناوبان في أخذ كلّ واحد منهما من صاحبه، و يتعاقبان في إصلاح ما به مصالح عباده و بلاده؟ و كيف يكون نموّ القمر من استهلاله إلى استكماله و نقصه، و انمحاقه من ليالي شهره و أيامه؟ و أنّى يكون اجتماع الشّمس و للقمر، و افتراقهما، و تساويهما، و تباينهما، ظهر من حكمة اللّه تعالى له إذا تدبّره، و ردّ آخره على أوّله، و ولي كلّ فصل منه ما هو أولى به.
ثم سلك مدارجها، و تتبع بالنّظر معالمها و مناهجها أدّاه الحال إلى أن يصير من الرّاسخين في العلم به تعالى و بمواقع نعمه، و آثار ربوبيته، أ لا ترى أنّه لو جعل اللّيل سرمدا، أو جعل النّهار أبدا لانقطع نظام التّعايش، و انسدت أبواب النّمو و التزايد، و تأدّى انقلاب التّدبر إلى ما شرحه بتعذر فسبحانه من حكيم رءوف بعباده رحيم.
و قد سئل النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن نقصان القمر و زيادته، فأنزل اللّه تعالى أنّ ذلك لمواقيت حجكم، و عمرتكم، و حل ديونكم و انقضاء عدة نسائكم، و قوله تعالى:
آيَةَ اللَّيْلِ، و آيَةَ النَّهارِ إضافتهما على وجه التّبيين و الشّيء، قد يضاف إلى الشيء لأدنى علاقة بينهما، قال تعالى: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [سورة العنكبوت، الآية: 5]. و لما كان هو المؤجل، و قال في موضع آخر: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ* [سورة الأعراف، الآية: 34] لما كان الأجل لهم، فكذلك قوله: آيَةَ اللَّيْلِ، و آيَةَ النَّهارِ، يعني الآية التي يختصّ بهما هذا في إضافة الغير إلى الغير.
فأما إضافة البعض إلى الكل فقولك: خاتم حديد، و ثوب خز، فلا يمنع دخوله فيما نحن فيه، و يكون المعنى أنّ الآية الممحوة كانت بعض اللّيل، كما أنّ الخاتم، يكون بعض الحديد، كأنّ اللّيل ازداد بالمحو آيتها سوادا، و يقال؛ دمنة ممحوة إذا درست آثارها و آياتها، و يقال: محوت الشيء، أمحوه، و أمحاه و في لغة علي محيته، و حكى بعضهم: محا الشيء و محاه غيره، و كتاب ماح، و ممحو و محوة، اسم لريح الشّمال لأنها تمحو السّحاب، و المحوة المطرة التي تمحو الجدب و من كلامهم تركت الأرض محوة إذا جيدت كلها.
و قال بعضهم: يجوز أن يكون عنى بآية النّهار الشّمس، و بآية اللّيل القمر، و عنى بالمحو ما في ضوء القمر من النّقصان، و حكي عن السّلف أنّ المراد بالمحو الطّخاء الذي
في القمر قوله: وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [سورة الإسراء، الآية: 12] هو على طريق النّسبة أي ذات إبصار، و في موضع آخر: وَ النَّهارَ مُبْصِراً* [سورة يونس، الآية: 67] أي مضيئا و كما يقال هو ناصب أي ذو نصب، و يجوز أن يكون لما كان الإبصار فيها جعله لها، كما يقال رجل مخبت إذا صار أصحابه خبتا، و نهاره صائم، و ليله قائم.
و قال أبو عبيد يريد قد أضاء للنّاس أبصارهم، و يجوز أن يكون كقولهم: أصرم النّخل أي أذن بالصّرام، و أحمق الرّجل إذا أتى بأولاد حمق و قوله: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ [سورة الإسراء، الآية: 12] مثل قوله في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً* [سورة يونس، الآية: 67] و مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: 47] و في آخر: وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النبأ، الآية: 11] و مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [سورة القصص، الآية: 73] و هذه الآي، و إن تشابهت في معانيها، فقد اختلفت تفاصيل نظومها، فقوله: جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً أي يغشى كلّ شيء من الحيوان و غيره فيصير ذا دعة و سكون و انقطاع عما يعالجه في النّهار لابتغاء الفضل فيه، وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي وقت معاش، و المعاش، و المعيش ما أعان على الحياة به ممّا الحياة به، و ليس الحياة، قال أمية:
ما أرى من معيشي في حياتي غير نفسي
و قد قال أبو العباس محمد بن يزيد: ثم يرى تفسيرهما جملة ثقة بأنّ السّامع يرد كلّا إلى ماله يريد مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ، ثم قال: لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا و السّكون في اللّيل، و الابتغاء في النّهار، و مثله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ [سورة الرحمن، الآية: 22] و إنّما هو من أحدهما، فإن قال قائل: ما تصنع على هذا بقول سيبويه:
لا يقول لقيته في شهري ربيع إذا كان اللقاء في آخره قال: و كذلك لا يجوز أن يقول لقيته في يومين، و اللقاء في أحدهما. قلت: هذا الذي قال صحيح لأنّ ذكرك الشّهر الذي لم يكن فيه اللّقاء، فصل و لكن لو و صفت الشّهرين بما يكون في واحد منهما فجمعت الصّفة فيهما كان جيدا، و ذلك قولك في الشتاء يكون المطر و يقعد في الشّمس أي هذا و هذا، و كذلك في شهري ربيع تأكل الرّطب و التمر أي هذا في أحدهما، و هذا في أحدهما كما يقول: لو لقيت زيدا و عمرا لوجدت عندهما نحوا أو خطّا، إن كان النّحو عند أحدهما، و الخط عند الآخر فليس هذا بمنزلة الأوّل لأنّ اللقاء في أحد الشّهرين و الآخر لا معنى لذكره البتّة.
قال أبو العبّاس: و من ذلك قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [سورة الرحمن، الآية: 19] بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [سورة الرحمن، الآية: 20] ثم خبر بفضائلهما فقال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ [سورة الرحمن، الآية: 22] و إنما خرج من الملح لا من العذب و لكنه ذكرهما ذكرا واحدا فخبر بما يتضمّنانه. و كذلك قوله: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [سورة القصص، الآية: 73]، فالسّكون في اللّيل و الاكتساب في النّهار، و لكن كما جمعهما في الذّكر ابتداء جمعهما في الخبر انتهاء، افتنانا في النظم و تبحرا في السّبك و ثقة بأنّ اللّبس عنه بعيد كيف رتب و في قوله تعالى:
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ* [سورة الإسراء، الآية: 12] إشارة إلى التّواريخ و ضبط مبالغ الدّيون و المعاملات و آمادها و مواقيتها، و ما فيه معاشهم و رياشهم و عليه تبتنى منافعهم و مصالحهم، و قد دخل تحت ما ذكرنا ما أشار تعالى إليه بقوله: وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا [سورة الإسراء، الآية: 12] و إن كانت هدايته أبلغ، و مجامع بيانه من اللّبس أبعد، فأما قوله تعالى من الآية الأخرى التي أوردتها مستشهدا بها جعل اللّيل لباسا أي للتّودع و السّكون يقال في فلان ملبس أي مستمتع.
قال امرؤ القيس شعرا:
ألا إنّ بعد العدم للمرء فنيةو بعد المشيب طول عمر و ملبسا
و قال ابن أحمر:
لبست أبي حتّى تملّيت عمرهو ملّيت أعمامي و ملّيت خاليا
و يجوز أن يريد باللّباس السّتر لأنّ الليل عطاء كل شيء و ستره كما قدّمنا، و الأحسن الأول يدل على ذلك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ [سورة البقرة، الآية: 187] و جعل العلة فيما أحل منهنّ لهم من الرّفث إليهنّ كون الجميع لباسا أي مستمتعا و قوله: وَ النَّوْمَ سُباتاً أي راحة و أمنا و يقال: رجل مسبوت إذا استرخى و نام و سبت فلان العمل بالفتح إذا ترك العمل و استراح و انسبتت البسرة، إذا لانت و قوله: وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: 47] مثل قوله: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزمّل، الآية: 7] أي ذهابا و تصرّفا في طلب الرّزق، و لمّا كان النّشور في النّهار جعله على المجاز نفسه، كقولك: فلان أكل و شرب على تقدير هو ذو أكل فحذف المضاف، أو لغلبة الفعل عليه، جعله كأنه الفعل على هذين الوجهين يحمل قوله شعرا:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرتفإنّما هي إقبال و إدبار
و هو يصف وحشية. قال بعض أصحاب المعاني النّشور في الحقيقة الحياة بعد الموت بدلالة قوله شعرا:
حتى يقول النّاس مما رأوايا عجبا للميت النّاشر
و هو في هذا الموضع الانتباه من النوم و الاضطراب من الدّعة، و كما سمّى اللّه تعالى نوم الإنسان وفاة بقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [سورة الزمر، الآية: 42] كذلك وفّق بين إبقاء من الموت في التّسمية بالنّشور.
و منه قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ [سورة الفرقان، الآية: 45] الآية قوله أ لم تر لفظ استفهام و حقيقة البعث على النّظر و المعنى انظر حتى تتعجب إلى ما مدّه اللّه من الظّل و إنّما قلنا هذا لأنّ المد مدرك متبيّن و تبيّن كيفيته يبعد في الوهم فكيف في الإدراك فلا يعلمه إلا اللّه و هذا على عادتهم في التّفاهم بينهم يقولون: أ رأيت كذا، و المراد أخبرني و أ رأيتك و أ لم ترك كذا و هل رأيت كذا، و لم تر إلى كذا، و أ لم تر كيف كذا؟ و الفصل في أكثره أن تعق المخاطب على ما تجب منه من المدعو إليه، و قد استعمل هل رأيت معدولا به من حيث المعنى على ظاهره أيضا؟ و ذلك كقول القائل: متى إذا جنّ الظلام، و اختلط جاءوا بمذق؟ هل رأيت الذئب قط؟ و يسمّى مثل هذا التّصوير لأنّ المعنى جاءوا بمذق أورق فصوّروا الورقة بلون الذئب، فأما قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [سورة البقرة، الآية: 258] فمعناه أ رأيت كالذي حاجّه بين ذلك ما عطف عليه من بعد لأنه تعالى قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [سورة البقرة، الآية: 259] لأنّ المعنى على ذلك، و الكلام جار على التعجب، و لفظة إلى تأتي إذا حملت أ رأيت على النظر.
فأما قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [سورة الفيل، الآية: 1] فالمعنى أ لم تعلم و لا يحتاج إلى ذكر إلى.
و المراد بالظّل عند بعضهم الذي يكون بعد طلوع الفجر في انبساط و قبل طلوع الشّمس و ظهورها على الأرض، و قد قال أهل اللغة في الفرق بين الظّل و الفيء إنّ الظّل يكون بالغداة و العشيّ، و الفيء، لا يكون إلا بالعشي لأنه اسم للذي فاء من جانب إلى جانب. و منه قولهم فيء المسلمين للغنائم و الخراج الرّاجعة إليهم. و قد جاء ما يفيد فائدته في صفة الظّل في مواضع، منها أكلها دائم و ظلّها. و منها قوله: و ظلّ ممدود، فجعل ما في الجنة ظلالا فيئا، و كان رؤبة يقول: الظل ما لم تنسخه الشّمس، و هو أول و الفيء ما نسخته الشّمس، و هو آخر، و قالوا: الظل بالغداة و العشي، و الفيء بالعشي، و قيل أيضا: الظل يكون ليلا و نهارا، و الفيء لا يكون إلّا بالنّهار، و ما نسخته الشمس ففيء و كان في أول النهار فلم تنسخه الشّمس، و قيل الظّل للّيل في كلام العرب قال:
و كم هجرت و ما أطلقت عنهاو كم ربحت و ظلّ اللّيل دان
فجعل للّيل ظلا و قول الآخر و تفيئوا الفردوس ذات الظّلال، اتّساع أيضا لأنه جعل للأفياء ظلالا فأما قوله شعرا:
فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعهو لا الفيء من برد العشي نذوق
فقد فصل بينهما قوله: وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [سورة الفرقان، الآية: 45] سئل عنه متى كان متحركا فقيل: معنى السكون هاهنا الدوام و الثبات، أ لا ترى أنك تقول للماء الساكن الواقف ماء دائم و راكد و يمكن أن يقال: إنّ السّاكن هاهنا من السّكنى لا من السكون أي لو شاء لجعله ثابتا لا يزول كما أنّ سكنى الرجل الدّار يكون إذا قام و ثبت.
و قوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [سورة الفرقان، الآية: 45] يراد به أنّه لو لا الشّمس لما عرف الظل، فاللّه تعالى يقبضه و يبسطه في اللّيل و النّهار، و على هذا يكون الدّليل بمعنى.
الدّال.
و قال بعضهم المعنى دللنا الشّمس على الظّل حتى ذهبت به و نسخته أي أتبعناها إياه قال: و يدلّك على ذلك قوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً [سورة الفرقان، الآية: 46] أي شيئا بعد شيء فعلى طريقته يكون دليلا فعيلا في معنى مفعول لا في معنى الدّال، و روي عن الحسن أنه كان يقول: يا بن آدم أما ظلّك فسجد للّه، و أما أنت فتكفر بالله.
و قال بعضهم: و قد أحسن ما قال: الظلّ من آيات اللّه العظام الدّالة بإلزامه الإنسان منه ما لا يستطيع انفكاكا عنه، فدلّ بذلك على لزوم القمر له و لسائر الخلق قال اللّه تعالى:
أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ [سورة النحل، الآية: 48] فظلال الأشياء تمتد عند طلوع الشّمس من المشرق طولا ثم على حسب ارتفاع الشّمس في كبد السّماء تقصر حتى ترجع إلى القليل الذي لا تكاد تحس، و حتى يصير عند انتصاف النّهار في بعض الزّمان بمنزلة النّعل للابسها، ثم يزيد في المغرب شيئا شيئا حتى تطول طولا مفرطا، قبيل غروب الشّمس و إلى غروبها. ثم يدوم اللّيل كلّه، ثم يعود في النّهار إلى حاله الأولى، فالشّمس دليل عليه لو لا الشّمس ما عرف الظّل، فاللّه بقدرته القاهرة يقبضه و يبسطه في اللّيل و النّهار. و إنّما قال: قَبْضاً يَسِيراً لأنّ الظّل بعد غروب الشّمس لا يذهب كلّه دفعة واحدة، و لا يقبل الظلام كلّه جملة واحدة، و إنّما يقبض اللّه تعالى ذلك الظّل قبضا خفيا و شيئا بعد شيء، و يعقب كل جزء منه بقبضه بجزء من سواد اللّيل حتى يذهب كلّه، فدلّ اللّه على لطفه في معاقبته بين الظّل و الشّمس و اللّيل، و من كلامهم وردته و الظّل عقال و طباق و حذاء. و قال:
و لو احقت أخفافها طبقاو الظّلّ لم يفضل و لم يكر
أي لم ينقص، و يقولون: لم يزل الظّل طاردا أو مطرودا، و محولا، و ناسخا، و منسوخا، و سارقا، و مسروقا، و كلّ الذي ذكرت عند التّحصيل بيان و تفصيل لما أجمل فيما قدّمته، و سيجيء من صفات الظّل و أسمائه في بابه ما تزداد به أنسا بما ذكرناه.
و أما قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [سورة النحل، الآية: 48] الآية فقوله: من شيء من دخلت للتّبيين كدخولها مع المعرفة في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [سورة الحج، الآية: 30] و المعنى من شيء له ظلّ كالشّخوص، و من هذه قد تجيء مع النّكرة فتلزم و لا تحذف تقول: من ضربك من رجل و امرأة فاضربه. هذا في الجزاء كقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ و إنّما كرهوا حذف من لأنهم خافوا أن يلتبس الكلام بالحال إذا قلت إلى ما خلق اللّه شيئا، و معنى الحال هاهنا بعيد فألزموه من ليعلم به أنه تفسير و تبيين لما قد وقع غير مؤقت يكشف هذا أنّك لو قلت: للّه درّه من رجل، جاز أن يقول: للّه دره رجلا، و من رجال فإنك قد أمنت الالتباس بالحال إذا لم يكن ذلك موضعه.
فأما قولك: للّه درك قائما، فإنّما جاز سقوط (من) لأنّ الذي قبله مؤقت فلم يبال التباسه بالحال، قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ [سورة النحل، الآية: 48] معناه ما قدّمته في بيان قوله تعالى: كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [سورة الفرقان، الآية: 45] و كشفه أن جميع ما خلقه عزّ و جلّ ظلّه يدور معه و يمتدّ لا ينفك منه حتى لو رام انسلاله من دونه لما قدر عليه يصحبه مقبلا و مدبرا، و كيف مال زائدا عليه و ناقصا منه ليذكره عجزه، و يصوّر له أنه على تصرفه المتين في لزام أضعف قرين و ذلك تفيؤه أي ترجعه يمنة و يسرة و متنعلا من تحت، و معتليا من فوق على حسب اختلاف الأحوال، فيكون للأشخاص فيء عن اليمين و الشمائل إذا كانت الشّمس على يمين الشخص، كان الفيء عن شماله، و إذا كانت على شماله كان الفيء عن يمينه، و قيل: أول النّهار عن يمين القبلة، و في آخره عن شمال القبلة، و معنى قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ [سورة النحل، الآية: 48] انها بآثار الصّنعة فيها خاضعة للّه تعالى، و ذكر السّجود قد جاء في هذا المعنى في غير هذا الموضع قال: (غلب سواجد لم يدخل بها الحصر)، و قال آخر:
بجمع تضلّ البلق في حجراتهترى الأكم فيها سجّدا للحوافر
و المراد الاستسلام بالتسخير و الانقياد.
فأما قوله تعالى: وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ [سورة الكهف، الآية: 17] بعد أن قال: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [سورة الكهف، الآية: 11] فمعنى ضربنا على آذانهم أي أمتناهم، و منعناهم الإدراك، و يقال في الجارحة: إذا أبطلتها ضربت عليها، و في الممنوع عن التصرف في شيء ضربت على يده، و معنى تزاور، و تزور تنحرف عنهم، أي تطلع على كهفهم ذات اليمين و لا تصيبهم، و العرب تقول: قرضته ذات اليمين، و قرضته ذات الشمال، و قرضته قبلا و قرضته دبرا، و حذوته ذات اليمين و ذات الشمال، أي كنت بحذائه من كلّ ناحية، و أصل القرض القطع- أي تعدل عنهم و تتركهم.
و قيل: إنّ باب الكهف كان بإزاء بنات نعش فلذلك لم يكن الشّمس تطلع عليه و إنما جعل اللّه تعالى ذلك آية فيهم، و هو أنّ الشّمس لا تقربهم في مطلعها و لا عند غروبها. و قال اللّه تعالى: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ [سورة الرحمن، الآية: 6] و قد بيّن اللّه المراد بما ذكرنا في آية أخرى فقال تعالى: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ [سورة الرعد، الآية: 15] يريد الانقياد في الطاعة من الملائكة و المؤمنين في السّماوات و الأرضين، و أنه يستسلم من في الأرض من الكافرين كرها و خوفا من القتل، و ظلالهم بالغدوّ، و الآصال يؤدّي ما أودع من آيات الحكم و غرائب الأثر فسبحانه من معبود حقّت له العبادة من كلّ وجه، و على كل حال فلا يتوجه إلا إليه و إن قصد بها غيره، و لا تليق إلا به دون من سواه و الدّاخر: الصّاغر، و يقال: تفيّأت الشّجرة بظلها إذا تميلت. فأما قوله شعرا:
تتبّع أفياء الظّلال عشيّةعلى طرق كأنّهن سبوب
فإنما أضاف الأفياء إلى الظّلال لأنه ليس كلّ ظل فيئا، و كل فيء ظل، و تحقيق الكلام تتبع ما كان فيئا من الظلال، و مثله في الاتساع قول الآخر:
لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبيةو فاز باللّحم للقوم المراجيل
لأن المنصوبة هي الأخبية، و يقال: أظلّ القوم عليهم أي أوقعوا عليهم ظلالهم، و إنما قال: و هم داخرون، لأن المنسوب إليها من أفعال العقلاء، فأعيرت عبارتهم، و قد مضى مثل هذا.
و منه قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [سورة الروم، الآية: 17] إلى تظهرون.
اعلم أنّ قولك: سبحان مصدر كقولك: كفران، و غفران إلا أنّ فعله لم يستعمل، و لو استعمل لكان سبح مثل كفر و غفر، و معناه التّبعيد من أن يكون له ولدا، و يجوز الكذب عليه و التّنزيه له، و البراءة من السّوء و كل ما ينفى عنه إلا أنه التزم موضعا و لم يجر مجرى سائر المصادر في التّصرف و الاستعمال. و ذلك أنّه لا يأتي إلا منصوبا مضافا و غير مضاف، لكنّه إذا لم يضف ترك صرفه فقيل: سبحان من زيد، قال الأعشى شعرا:
أقول لمّا جاءني فخرفسبحان من علقمة الفاخر
فلم يصرفه لأنّه معرفة في آخره ألف و نون زائدتان فهو كعثمان، و سفيان كأنّه أجرى مجرى الإعلام في هذا، و هم يحملون المعاني على الذّوات في تخصيصها بأشياء كالأعلام لها، و على ذلك أسماء الأفعال، فأمّا قولهم: سبّح تسبيحا، فهو فعل بني على سبحان، و معنى سبّح اللّه، أي قال: سبحان اللّه فهو عروض قولهم: بسمل إذا قال بسم اللّه، و قد
أطلق سبّح في وجوه سوى هذا.
منها الصلاة النّافلة يشهد لهذا قوله تعالى: فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [سورة الصافّات، الآية: 143] أي من المصلّين، و هو مستفيض أنّ السّبحة هي النافلة، و كان ابن عمر يصلي سبحته في موضعه الذي يصلي فيه المكتوبة.
و منها الاستثناء كقوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ [سورة القلم، الآية: 28] أي لو لا تستثنون. و قيل: هي لغة لبعض أهل اليمن و ليس للكلام وجه غيره لأنّه تعالى قد قال: قبل ذلك: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وَ لا يَسْتَثْنُونَ [سورة القلم، الآية: 17- 18] ثم قال: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ [سورة القلم، الآية: 28] فأذكرهم تركهم الاستثناء، و المراد من اللّه تعالى أن يعرفنا عبادته و يعلمنا حمده و ما يستحق به إذا أقمناه و كأنه قال: سبّحوا اللّه في هذه الأوقات و تذكّروا في كلّ طرف منها ما يجدد عندكم من أنعامه، ثم قابلوا عليه بمقدار وسعكم من الحمد و التّسبيح. قوله: حين تمسون و حين تصبحون- أي إذا أفضيتم إلى الصّباح و المساء و حق النّظم أن يكون حين تمسون و حين تصبحون و عشيا و حين تظهرون، لكنه اعترض بقوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة الروم، الآية: 18] و مثل هذا الاعتراض إلا أنه أبين الفعل و الفاعل قوله شعرا:
و قد أدركتني و الحوادث جمّةأسنّة قوم لا ضعاف و لا نكل عزل
و في القرآن: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [سورة الواقعة، الآية: 75- 76- 77]، ففصل بين اليمين و جوابها كما ترى، و حسن ذلك لأن المعترض يؤكّد المعترض في الأوّل، و الحمد إذا اقترن بالتّنزيه و التّسبيح صار الأداء أوفر بهما و أبلغ، و الصّبح، و الصّباح، و الإصباح كالمسيء، و المساء، و الإمساء، و هذا مما حمل فيه النّقيض على النّقيض، و على هذا المصبح و الممسي، و جاء فالق الإصباح، و يعني به الصّبح و صبّحت القوم أتيتهم صباحا، أو ناولتهم الصّبوح، و يقولون: يا صباحاه إذا استغاثوا، و المصباح السّراج، و اصطبحت بالزّيت، و الصّباح قرط المصباح الذي في القنديل و العشي آخر النهار، فإذا قلت عشيّة: فهي ليوم واحد، و العشي السّحاب لأنه يغشى البحر بالظّلام الذي يتلخّص به الآية أن يعلم أنّ المساء منه ابتداء الظّلمة كما يكون من الصّبح ابتداء النّور، و الظّهيرة نصف النّهار، و فلان يرد الماء ظاهرة إذا ورد كلّ يوم نصف النّهار يقول، فعلموا اللّه تعالى بما يدلّ عليه آياته في الصّباح و المساء، و الغدو، و الرّواح فإنّ في معنى كلّ لمحة من هذه الأوقات بما يحويه من غرائب صنع اللّه في تبديل الابدال، و تحويل الأحوال و إيلاج اللّيل في النهار و النّهار في اللّيل إيجاب شكره علينا معشر عبيده مؤتنف،
و إلزام حمده ببقاء الزّمان متّصل قوله تعالى: وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة الروم، الآية: 18] يريد به في أهل السّماوات و الأرض، فهو على حذف المضاف كقوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و المراد أهلها، و المعنى أنه محمود في كلّ مكان و بكلّ لسان.
و ذكر بعض المفسرين أنّ قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [سورة الروم، الآية: 17] الآية دالّة على أوقات الصلاة، و هذا سائغ و إن كانت الفوائد فيما ذكرناه أعمّ و قد قال اللّه تعالى في موضع آخر: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [سورة الإسراء، الآية: 78] الآية، منبها على أوقات الصلاة مجملا، و تاركا تفصيلها و بيانها للنبي صلى اللّه عليه و سلم، و الدّلوك مختلف فيه فمنهم من يجعله الزّوال و منهم من يجعله الغروب، و هذا كما اختلفوا في الآية الأخرى و هي:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى [سورة البقرة، الآية: 238]، فمنهم من قال: أراد بالوسطى العصر، و منهم من قال: أراد بها الفجر و يجوز أن يكون المفروض بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [سورة الإسراء، الآية: 78] أربع صلوات في النّهار صلاتان: الظهر و العصر، و في اللّيل صلاتان: المغرب و العشاء الآخرة.
و قوله تعالى: كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: 78] أي يشهده الملائكة، و يجوز أن يكون المراد حقه أن يشهد، و الغسق الظّلمة. فأما اختصاص السّماوات و الأرض بالذّكر من بين الأشياء كلّها فلشمولها لكل مخلوق، و مثله قوله تعالى: وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: 3] و المعنى و هو الذي يحق له العبادة، و إذا كان كذلك فكلّ مذكور معلوم داخل فيهما، و يكون قوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: 3] خبرا ثانيا أي هو إله في الأرض كما هو إله في السّماء لا يخفى عليه خافية.
و يحتمل أن يكون المراد و هو اللّه في السّماوات أي هو معبود فيها، و قد تم الكلام و يكون قوله: وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: 3] على أنه خبر ثان، و المراد أنه معبود في جميع ذلك عالم بالسر و الجهر. و قيل في قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ [سورة الزخرف، الآية: 84] أنّ الخلق يؤلهون إليه- أي يفزعون في الشدائد إليه مستعينين به(1)و أهل الأرض متساوون في حاجتهم إلى رحمته و جميل تفضله. فأما قوله: فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ [سورة الزخرف، الآية: 84] فإله مشترك غير مخصوص و جاز فيه الجمع كما جاء: اجشاء الآلهة إلها واحدا.
و كما قال: اجشاء لنا إلها كما لهم آلهة و هو يعمل عمل الفعل، أ لا ترى أنّ قوله:
1) كذا في الأصل، و الظاهر، و أهل السّماء، و أهل الأرض 12 الحسن النعماني.
وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ الظّرف فيه متعلق بما في الإله من معنى الفعل و في تقديره و إعرابه عدة وجوه: منها أن يقال: إنّ العائد إلى الذي محذوف كأنّه قال: و هو الذي هو في السّماء إله و في الأرض إله، و ساغ حذف العائد بطول، و هي قوله في السّماء إله و في الأرض إله، و هذا كما حكى عنهم ما أنا بالذي قائل لك شيئا، و قد قال الخليل: إني أستحسنه إذا طال الكلام فهذا وجه، و يجوز أن يقال: إنه مرتفع بالابتداء و خبره في السّماء و في الأرض و العائد إلى الذي هو الذي يعود إلى إله لأنّ الذي هو في المعنى و الحمل على المعنى مذهب أبي عثمان، و قال مع ذلك لو لا كثرته لرددته، و مثله قول القائل: أنت الذي فعلت، و قوله:
(أنا الذي سمتني أمي حيدره) و القياس فعال، و سمته و قوله: وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ [سورة الأنعام، الآية: 3] الظّرف لا يتعلق بالاسم أعني لفظة اللّه على حد ما يتعلق بإله إلا على حد ما ذكره لك، و هو أنّ الاسم لما عرف منه معنى التّدبير للأشياء و إبقائها بحفظ صورها في نحو: أنّ اللّه يمسك السّماوات و الأرض أن تزولا، و نحو:
و يمسك السّماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، و نحو: أمن جعل الأرض قرارا، و جعل خلالها أنهارا، صار إذ ذكر كأنه ذكر المدبّر و الحافظ فيجوز أن يتعلّق الظّرف بهذا الذي هو الاسم العالم بعد أن صار مخصوصا و في حكم أسماء الأعلام التي لا معنى فعل فيها، فهذا بمعنى الاسم، و ما كان يدل عليه من قبل من معنى الفعل.
و على هذا تقول: هو حاتم جوادا، و هو أبو حنيفة فقيها، و هو زهير شاعرا، فتعلق الحال مما دخل في هذه الأسماء من معنى الفعل لاشتهارها بهذه المعاني، فلا ترى أنك لا تقول: هو زيد جوادا ما لم يعرف بذلك و على هذا تقول: هو حاتم كلّ الجواد، و هو أبو حنيفة كل الفقيه.
و منه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* [سورة يونس، الآية: 3] الآية، لما كان اللّه تعالى خالق الأشياء و مبتدعها، و مدبّر الأفلاك و مسخّرها، و كانت الأبصار لا تدركه، و الأقطار لا تحده، و أراد مع ذلك أن يعرف نفسه إلى من يتعبّده من خلقه لتسكن نفوسهم إلى مصطنعهم فيعتصموا به و يتمسكوا بدعائه أحالهم على مراده من ذلك بآثاره و آياته في أرضه و سمائه، إذ كان الطريق إلى معرفة الشيء إما أن يكون بما يؤدي إليه رواتب الحس، و هي الأجسام و الأعراض، أو بما يبرهن عليه دلائل الصّنع، و هو ما يكشف عند الاستدلال، فأعلم المشركين فيما أنزله أنّ الذي يجب تعظيمه و يحق ربوبيته هو خالق السّماوات و الأرض في ستة أيام، فتوصّلوا إلى معرفة ما نصبه من أدلّته، فسيشهد لكم من جلائل قوّته و عزّته ما يزيد في البيان على ما يصل إليه الواحد منكم بحاسّته و يصوّر لكم النّظر بما مهل في أوائل عقولكم ما تميّز الشّك من اليقين لكم و تخلّص الصفو من الكدر
في معتقدكم، فالآلة تامة، و العلّة منزاحة، و ما كلف بما كلفتم إلّا بحكمة بينة، و طريقة في فنون الصّواب ثابتة، و إنما خلقهما في ستة أيام ليعرف عباده أن الرفق في الأمور، و ترك التّعجيل هو المرضى المختار في التّدبير لأنّه تعالى لو شاء أن يخلقهما في أدنى اللّمحات، و أوحى(1)الأوقات لما مسّه فيما يأتيه إعياء و لا لغوب، و لا أعجزه كلال و لا فتور.
و إنّما أراد أن يحدثه حالا بعد حال لتدرك ثمرات عبرهم شيئا بعد شيء، و ليتأدّب أولو البصائر بآياته، و حمله قرنا بعد قرن، يبيّن هذا أنه تعالى نهى نبيّه عليه السلام فيما يتلقّاه من وحيه، و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [سورة طه، الآية: 114] و قال أيضا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [سورة الإنسان، الآية: 23- 24]، ثم جعل فيما نزّله مجملا و مطلقا و لو شاء لجعل الكلّ مفسرا، و نعى على الكفار لما قالوا: لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة. و قال: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [سورة الفرقان، الآية: 32] و هذا أحسن.
و قال بعض مشايخ أهل النّظر: لو أراد اللّه تعالى أن يخلقها و يخلق أضعافا كثيرة معها لفعله، و هو عليها قادر لكنه جعلها في ستة أيام ليعتبر بذلك ملائكته الذين كانوا يشاهدونه، و هو يحدث شيئا بعد شيء في هذه الأيام الستّة عبرة مجددة، و يستدل بكل ما يحدث دلالة مستأنفة و ليكون ذلك زيادة في بصائرهم، و الحجة التي يقيمها عليهم، فقيل له في ذلك: إن كان ذلك حكمة فيجب أن يطرد في جميع ما خلقه و ليس الأمر على هذا على أنّ ذلك ليس بسائغ لأنّ الملائكة لا يستغنون عن مكان يحويهم و إذا كان لا مكان في العالم إلّا السّماء و الأرض فليس يعقل كون الملائكة قبل كونهما.
و يمكن أن يقال: في هذا و اللّه أعلم أنه تعالى أعلمنا أنه أحدث شيئا بعد شيء حتى وجدت عن آخرها في ستّة أيام، و بيّن لنا بذكر الأيّام السّتة ما أراد أن يعلّمنا إياه من الحساب الذي لا سبيل لنا إلى معرفة شيء من أمور الدّنيا و الدّين إلا به، كما قال: وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ [سورة يونس، الآية: 5] الآية. فأصل جميع الأعداد التّامة ستة، و منها: يتفرع سائر الأعداد بالغا ذلك ما بلغ إذ كان ما عداها من الأعداد ناقصا، أو زائدا.
أ لا ترى أنّ لهذا النّصف و هو ثلاثة و الثّلث، و هو اثنان، و السّدس، و هو واحد، و إذا حسبت جميعها كانت ستة، و عند من يعتني بهذا الشأن أن نظير الستة من العشرات ثمانية و عشرون، و كذلك لها في كل من المائتين و الألوف نظير واحد، فالسّتة أول الأعداد التامة
1) أي أسرع الأوقات 12 قاموس.
كما أنّ التسعة منتهى الأنواع كلها الآحاد و العشرات و المئات و الألوف لاشتمالها على الفرد، و هو واحد و الزّوج و هو اثنان و الزّوج و الفرد، و هو ثلاثة و الزّوجين، و هو أربعة، و قد انتهى أنّ ما يجيء من بعد يكون مكررا، و إذا حسبت الجميع كان تسعة، فكأنه سبحانه من حكيم أراد أن يكون انتهاء خلقه للعالم بأسره إلى عدد تام فيما يحصى كما أنّه في نفسه تام لا بخس فيه و لا شطط فيما يروى و يتلى.
و نظير هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر: و إن كان فيه زيادة بيان، و سنحكم القول في جميعه لأنّ ما فيه من زيادة بيان نقيضه إن شاء اللّه تعالى.
و قوله تعالى: قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [سورة فصّلت، الآية: 9] إلى فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [سورة فصلت، الآية: 10] يريد ما أضيف إليه لو لا ذلك لما كان لقوله سواء للسائلين معنى فكأنه قال في تمام أربعة أيام سواء لمن يسأل عن ذلك، ثم قال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ [سورة فصّلت، الآية: 11] إلى فِي يَوْمَيْنِ [سورة فصّلت، الآية: 12].
و اعترض بعض الملاحدة فقال: هذا باطل إنكم وفقتم بين التفصيل في هذه الآية و بين الإجمال في الآية المتقدّمة، بأن تقولوا: قوله في أربعة أيام، يريد مع اليومين الذين خلق الأرض فيهما، فما قولكم في قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ الآية. فدلّت هذه الآيات على أنه خلق الأرض قبل السّماء.
و قال في موضع آخر: أَمِ السَّماءُ بَناها إلى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [سورة النازعات، الآية: 27، 30] فدلت هذه الآية على أنه خلق السّماء قبل الأرض.
و الجواب أنه إنما كان يحد الطّاعن متعلقا لو قال: و الأرض بعد ذلك خلقها، أو أنشأها و إنّما قال: دحاها، فابتدأ الخلق في يومين، ثم خلق السّماوات و كانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض أي بسطها و مدها و أرساها بالجبال و أنبت فيها الأقوات في يومين فتلك ستة أيام و ليس أحد أنه تعالى لها في ستة أيام إلا كتكوينه إياها في غير مدة و لا زمان لكن الحكمة التي دللها عليها أوجبت تقسيمها و الإتيان بها على ما ترى.
و قال في موضع آخر: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* [سورة يونس، الآية: 3] و كان عرشه على الماء، و هذا أبلغ في الأعجوبة أن يكون العرش هذا البناء العظيم على الماء و إنما يراعى في أسباب الأبنية و وضع قواعدها أن يكون على أحكم الأشياء فهو مثل ابتداع أعيانها و إقامتها بلا عهد و لا علاقة. و قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [سورة فصّلت، الآية: 11] أي قصد خلق السّماء كما خلق الأرض سواء، و عمد إليها بعقب خلقها من غير
حائل بينهما و ذلك تكوينه لهما جميعا كما أراد. و هذا كما يقال: فعلنا كذا، ثم استوينا على طريقنا، أو استمررنا فيها سائرين و لم يشغلنا عن الامتداد شاغل. قال زهير في مصداق ذلك:
ثم استمرّوا و قالوا إنّ موعدكمماء بشرقي سلمى فيد أو ركك
و يروى ثم استووا، و تنادوا، و قد كان اللّه تعالى قبل تسويته إياها على ما هي عليه خلقها دخانا، فكون بعد ذلك من الدّخان سماء و شمسا و قمرا و كواكب و منازل و بروجا و قوله: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ* [سورة يونس، الآية: 3] يريد الاستيلاء، و الملك يدل عليه قول بعيث:
قد استوى بشر على العراقمن غير سيف و دم مهراق
يعني بشر بن مروان لما ولي العراق، و العرش يحتمل أن يكنى به عن الملك و إن كان الأصل فيه ما يتخذه الملوك من الأسرّة، و لهذا قيل لقوّام أمر الرّجل العرش، و إذا اضطرب قيل ثلّ عرشه، و يحتمل أن يراد به السّماوات و الأرض لأنّ كلها سقف عند العرب، و يقال:
عرشت الشيء، و سمكت، و سقفت، و سطحته بمعنى، و يكون مجيء ثمّ على هذا النّسق خبرا على خبر لا لترتيب وقت على وقت و مثل هذا قول الشاعر:
قل لمن ساد ثمّ ساد أبوهثم قد ساد بعد ذلك جدّه
و ذكر بعض شيوخ أهل النظر أنّ ثم إنما هو لأمر حادث، و استيلاء اللّه على العرش ليس بأمر حادث بل لم يزل مالكا لكل شيء، و مستوليا على كل شيء فيقول: إنّ ثم لرفع العرش إلى فوق السّماوات و هو مكانه الذي هو فيه فهو مستول عليه و مالك له فثمّ للرفع لا للاستيلاء، و الرّفع محدث، قال و يشبه هذا قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ [سورة يونس، الآية: 31] لأنّ حتّى يكون لأمر حادث و علم اللّه ليس بحادث. و إنّما المعنى يجاهد المجاهدون و نحن نعلم ذلك و إنّما قال هذا لأنه لم يعرف ما ذكرناه من الوجه الثّاني في ثم، و معنى يغشى اللّيل النّهار أي يغطي ضياءه و نوره، فهو كقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ* [سورة لقمان، الآية: 29] قوله: يطلبه حثيثا أي يطلب اللّيل النّهار، و الحثيث السّريع، و ذلك كما قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يس، الآية: 40] جعل التّعاقب كالطّلب و قد مرّ القول في ذلك مستقصى.
قوله تعالى: مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ* [سورة النحل، الآية: 12] أي بإرادته و انتصب القمر و ما بعده بالفعل، و هو خلق، و مسخّرات انتصبت على الحال أي سخّرت بالسير، و الطّلوع و الغروب. قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ [سورة الأعراف، الآية: 54] المراد بالخلق
المخلوق و للأمر في اللغة وجوه تجيء و معناه الإرادة و الحال و مصدر أمرت، و تختص هنا بالإرادة على ذلك قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [سورة الروم، الآية: 54].
و المعنى الأمر كله له لا شريك معه في شيء و لا معين، و لا وزير، و لا ظهير. و إنّ إرادته هي النافذة لا ترتد و لا تبوء، و لا تتوقّف، و لا تكبو، بل يحصل المراد على الوجه الذي يريده بلا تعب و لا نصب.
قوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [سورة غافر، الآية: 64] تمجيد و تجليل، و هذا تعليم من اللّه كيف يمجد كما أنّ قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الفاتحة، الآية: 2]، تعليم كيف يحمد، و العالمين الخلائق. و قال بعضهم: هو من العلامة لأنه بآثار الصّنعة فيه يدل على الصّانع فهو كالعلامة له في الأشياء، و قيل هو من العلم كأنه علم الصانع جرى مجرى قولهم الخاتم و الطّابع لأنه يختم بهما الشيء و يطبع، ثم اختير له جمع السلامة لغلبة العقلاء النّاطقين. و قوله تعالى من الآية الأخرى: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ [سورة فصّلت، الآية: 9] بعد قوله: لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ تبكيت للمخاطبين و إزراء بهم. و إنّ أمثال كيدهم لا يعبأ بها و لا تأثير لها مع خالق أصناف الأشياء كلّها على اختلاف فطرها. و تلخيص الكلام أ تكفرون بمن هذه آثاره، و تجحدون نعمه عليكم، مع ادعاء شركاء له ذلك رب الأرباب و خالق الأرض و السّماوات، و هو لنا و لكم بمرصاد.
و معنى قوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [سورة فصّلت، الآية: 11] بيان التكوين، و قوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [سورة فصّلت، الآية: 11] بيان حسن الطاعة، و سرعة التكوّن لكنه لمّا جعل العبارة مبنية على الابتداء و الجواب بالألفاظ المستعارة و الأمثال المضروبة لتمكن في نفوسهم و تعشش في صدورهم جريا على عادتهم في أفانين الكلام، و أساليب التّصاريف في الاستفهام و الأفهام، و إخراجهم ما لا نطق له البتّة في صورة النّاطق حتى صارت أجوبة أسند لهم إذا واجهوها، و إن كانت من عندهم كأنها من مخاطب، إذ كان اعتبارهم يغني عن الجواب و المجيب، حتّى قال بعضهم: إذا وقفت على المزارع المرفوضة و الدّيار الدّارسة المتروكة فقل: أين من شقق أنهارك و غرس أشجارك، و جنى ثمارك؟ أين من بنى دورك و أسّس ربوعك و عرّش سقوفك؟ فإنها إن لم تجبك جوارا أجابتك اعتبارا. فعلى هذا الذي رتّبنا الكلام صار ظاهر بناء الأمر بالإتيان طوعا أو كرها إيجابا لحصول الفعل حتى لا معدل عنه إذا كان وقوع الفعل من الفاعلين لا يقع إلّا على أحد هذين الوجهين، و هذا كاف لمن تدبّر.
فأمّا الطّوع و الكره و الطائع و المكره و استعمال النّاس لهما فيما يثقل أو يخف و يهون أو يشتد فظاهر، و قد قال اللّه تعالى في قصة ابني آدم: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ [سورة
المائدة، الآية: 3] أي سهّلته عليه و دمثته. و أما التأنيث في قال لها و قالتا فللفظ السّماء و الأرض و كونهما في لغتهم مؤنثين، و أما جمع السّلامة في طائعين فلما أجرى عليهما من خطاب المميزين، و قد مضى مثله. و روي في التّفسير أنّ ابتداء خلق الأرض كان في يوم الأحد، و استقام خلقها في الاثنين، و بارك فيها و جعل فيها رواسي في تتمة أربعة أيام مستويات تامّات للسائلين عنها ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [سورة فصّلت، الآية: 11] أي عمد فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهما و فرغ منهما قال الهذلي:
و عليهما مسرودتان قضاهماداود أو صنع السّوابغ تبّع
و قيل: اللّام في للسائلين تعلق بقوله تعالى: وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [سورة فصّلت، الآية: 10] و المعنى قدر الأقوات لكلّ محتاج إليها سائل لها، و الأول أحسن في النّظم و أجود، و يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد لبنائها من غير فصل و لا زمان كما يقال لمن كان في عمل و أريد منه إتمامه و ترك الانقطاع عنه استقم ما أنت عليه و معنى: جَعَلَ فِيها رَواسِيَ [سورة فصّلت، الآية: 10] أي جبالا ثوابت تمسكها، و هذا كما قال تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً [سورة النبأ، الآية: 6، 7] و قوله: سَواءً المنتصب على المصدر أي استوت سواء، و استواء، و يجوز الرفع على معنى و هي سواء أي مستويات. و يجوز الخفض على أن يكون صفة لقوله في: أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً [سورة فصّلت، الآية: 10] و المعنى مستويات.
و قوله تعالى: وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [سورة فصّلت، الآية: 11] المراد بالوحي الإرادة و التكوين، و المعنى أخرج كل واحدة من السّماوات على اختلافها على ما أراد كونها عليه و قدّرها من مراده قال تعالى: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [سورة الأحزاب، الآية: 38] و كما جعل السّماوات سبعا شدادا كذلك خلق الأرض سبعا طباقا بدلالة قوله تعالى: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ [سورة الطلاق، الآية: 12] و قوله: وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً [سورة فصلت، الآية: 12] يريد جعلنا الكواكب زينة للسماء و حفظناها من مسترقة السّمع، فالمصابيح يستضاء بها في الأرض ليلا و نهارا، و قال: وَ حِفْظاً لأنها باللّيل رجوم للشياطين، و انتصب بفعل مقدّر كأنه. قال: زيّنت بمصابيح، و حفظت بها حفظا، ثم ختم القصّة بأن قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [سورة فصلت، الآية: 12] نبه على حكمته فيما فعل و قدرته و أنه العالم بعواقب الأشياء حتى تقع وفق إرادته.
و منه قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [سورة الفرقان، الآية: 61] إلى شُكُوراً أراد بالبروج الحمل، و الثّور إلى الحوت، فالفلك مقسوم بها، و كل برج منها ثلاثون قسما، و يسمى الدّرج و إنما قسّم الفلك بهذه القسمة ليكون لكلّ شهر برج منها لأنّ
القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، فجعلت السّنة اثني عشر شهرا، و هي التي تسمّى الشهور القمرية، و جعل الفلك اثني عشر برجا لأنّ الشّمس تدور في هذا الفلك دورا طبيعيا فمتى انتقلت من نقطة واحدة بعينها عادت إلى تلك النقطة بعد ثلاث مائة و خمسة و ستين يوما و قريب من ربع يوم و يستعد فيها فصول السّنة التي هي الرّبيع و الصّيف و الخريف و الشّتاء. و لهذه العلة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس.
فلمّا كانت العرب تراعي القمر و منازله، و هي ثمانية و عشرون منزلا في قسمة الأزمان و الفصول و الحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال و الشّهور مراعاة عجيبة. و لهم في ذلك من صدق التأمّل و استمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم حتى تستدل منها على الخصب و الجدب، و يعتمد منها على ما تبنى أمورهم عليه في الظن و الإقامة ذكّرهم اللّه تعالى بنعمته عليهم فيها، و على جميع الخلق و دعاهم إلى إقامة الشّكر عليها ليستحقّوا المزيد، فقال تعالى في موضع آخر: أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [سورة نوح، الآية: 15] و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً [سورة يونس، الآية: 5] فقوله: تَبارَكَ تعليم منه أي قولوا تبارك، و المعنى دام ذكره و ثبت بركته عليكم و يمنا و استدامة الخير و نفعا.
و أصل البروج في اللّغة الحصون، فاستعيرت على التّشبيه و قوله تعالى: جَعَلَ فِيها سِراجاً [سورة الفرقان، الآية: 61] أي الشّمس و قد كرر ذكر الأنوار و الظّلم في عدة مواضع؛ و لم يجعل لفظة السّراج من بينها إلّا للشّمس، و ذلك لشيء حسن و هو أنّ الضّياء و النّور و المصباح و ما أشبهها من أسماء ما يستضاء به لا يقتضي شيء منها أن يكون في الموصوف به اتقاد و حمى إلّا الشّمس، فنبّه تعالى على ذلك فيه بأنّ سماه سراجا، و لا تسمى سراجا حتى يكون محرقا، و كشف اللّه تعالى عن المراد بقوله في موضع آخر: وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً [سورة النبأ، الآية: 13]. و الوهج ضوء الجمر و اتّقاده، فلهذا خصّ الشّمس بأن و صفت بالسّراج و هذا بيّن. قوله: جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [سورة الفرقان، الآية: 62] أي مختلفة يجيء هذا خلف هذا، و هذا خلف هذا، و يجوز أن يريد به أنها تجيء و بعضها يخلف بعضا لأنها لا تستقرأ إلا بهذا بل تتابع و تختلف في قصورها و يكون شاهد هذا الوجه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [سورة آل عمران، الآية: 190]. و انتصاب خلفة يجوز أن يكون على الحال، و قوله: لِمَنْ أَرادَ مفعولا ثانيا لجعل، و المعنى صير اللّيل و النّهار على اختلافهما لمن أراد تذكرا، أو تشكرا، و اللّام في لمن تعلق بجعلنا، و يجوز أن ينتصب خلفة على أنه مفعول ثان لجعل، و اللّام في لمن تعلق بها حينئذ أي صيّر خلفة لهم و من أجلهم و الوجه في تفسير خلفة حينئذ أن يكون من الخلافة لا من الاختلاف فاعلمه،
و قوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ روي عن الحسن فيه أنه قال: من فاته(1)عمله من التّذكّر و التّشكر كان له في اللّيل مستعتب و من فاته باللّيل كان له في النّهار مستعتب.
و تلخيص الآية من أراد الاستدلال على اللّه، فتفكر في آلائه التي لا تضبط و تذكر أنعمه التي لا تحصى كانت أوقات اللّيل و النّهار ميسرة له مهيأة، فليأت منها كيف شاء، و الشّكر كل ما كان طاعة و ثناء على اللّه، و يكون بالفعل و القول جميعا قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سورة سبأ، الآية: 13] قال تعالى: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* [سورة القمر، الآية: 17] و من تأمّل هذا التّوسيع من اللّه عليه حتى لا وقت من أوقاته إلّا و له أن ينقطع فيه إلى اللّه من غير تضيق و لا مدافعة على أنّ اللّه تعالى شكور كريم يقبل الإنابة كيف اتفقت، فنعمته عند إنعام من شكره مثل نعمته حين يبتدئ من صنيعه، فسبحانه من منعم في كلّ حال.
و منه قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [سورة المرسلات، الآية: 29] إلى لِلْمُكَذِّبِينَ قوله تعالى: انْطَلِقُوا لم يرد به الأمر بالانطلاق و إنما هو مقدمة يأس من المأمور و بعث على الأخذ في غيره على هذا قوله تعالى: وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [سورة ص، الآية: 6] و هذا في المعنى كقولهم: طفق يفعل كذا، و أقبل يأمر بكذا، و قم بنا نفعل و إن لم يكن، ثم اقبال و قيام و يقولون: ذهب يقول في نفسه و إن لم يكن منه ذهاب لأنّ المراد ما كان مهيأ لذلك و في صورته و على هذا قولهم: تعال نفعل كذا و هلم نأخذ في كذا قوله تعالى: إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ الذي كذّبوا به في الدّنيا هو البعث و النّشور و ملائكة اللّه و كتبه و رسله و شيء من ذلك لم يوجهوا إليه إنّما المراد صيروا إلى ما كنتم تحذرونه و تخوفون له فلا تعبئون به و لا تنزجرون لمكانه و هذا تبكيت و تقريع.
قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [سورة المرسلات، الآية: 30] ذكر أهل التّفسير أنه يخرج لسان من النّار فتحيط بهم كالسّرادق، ثم تنشعب منه ثلاث شعب من الدّخان فيظللهم حتى يفرغ من حسابهم و يساقون إلى النّار و لا يمنع أنّ يكون المراد انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون من شدائد عقابه و أليم سخطه. و يكون انطلقوا الثّاني شرحا للأوّل، و كالتّفسير له و المراد انطلقوا من العذاب إلى ما يلزمكم لزوم الظّل و لا روح فيه و لا راحة من الحركة، كما كنتم ألفيتموه في الدّنيا عند الحرب من لفح الهاجرة و لهب الحرور إلى الظّلال الثابتة بل يرمي بشرر يتطاير، و كأنّها في عظمها جمالات صفر، و الجمالات جمع جمالة، و زيدت التاء توكيد التأنيث الجمع. و هذا كما يقال: بحر و بحارة و ذكر و ذكارة، و قد قرأ ابن
1) كذا في الأصل، و الظاهر من فاته باليوم- الحسن النعماني.
مسعود جمالة، و قرئ جمالات و هو أكثر في القراءة و أقوى و لا تمنع في قراءة ابن مسعود أنّها الطائفة منها، و يراد بالجمالات الطّوائف، و هذا كما يقال: جمال، و جمالان، قال: عند التفرق في الهيجاء جمالان، و يكون جمالات، و جمال كحبال، و حبالات، و بيوت، و بيوتات للطّوائف، و قد قيل: رجال و رجالة كرجالات في كلامهم يريدون ما فسرت و بينت لأنّ رجال نهاية الجمع و رجالة إذا جعلتها للطّائفة فهي دونه، و معنى صفر سود قال: هي صفر ألوانها كالزّغب.
و قد قيل: جعلها صفرا لأنّ لون النّار إلى الصّفرة قوله تعالى: بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [سورة المرسلات، الآية: 32] قيل فيه: واحد القصور و التّشبيه بها لعظمها، و قيل: القصر بسكون الصاد جمع قصرة، و هي الغليظ من الشّجر و قرئ كالقصر بفتح الصاد و هي أعناق الإبل.
فأما تكرير التّشبيه و جعلها أولا كالقصر و في الثاني كالجمالات فكأنه أراد بالقصر الجنس فتحصل الموافقة لأنّ الجنس كالجمع في الدلالة على الكثرة؛ أو أراد تشبيه الشّررة الواحدة بالقصر، فإذا توالت شررا كثيرا فهي كالجمالات، فعلى هذا حصل التّشبيه للواحد و للجمع و اللّه أعلم.
و قوله تعالى: لا ظَلِيلٍ فهو كقولهم: داهية دهياء، و نهار أنهر، و ليل أليل، و ليلة ليلاء يتبعون الشيء بصفة مبنية منه. و المراد المبالغة و التأكيد. و قال: ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [سورة المراسلات، الآية: 30] لأنها محيطة بأهلها من جميع الجوانب إلّا القفاء لأنها لا تقفى نفسها و على هذا كل ذي ظل إذا تأملته و يشهد للإحاطة قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [سورة الزمر، الآية: 16]. و قال تعالى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [سورة العنكبوت، الآية: 55]، و قال بعض أصحاب المعاني: في (ثلاث شعب) المراد أنه غير ظليل، و أنه لا يغني من اللّهب و أنّها ترمي بالشّرر كالقصر، و تحصيل هذا ذي ثلاث صفات.
و منه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [سورة الواقعة، الآية: 75] إلى الْعالَمِينَ قوله: فَلا أُقْسِمُ يجوز أن يكون قوله: فَلا نفيا لشيء قد تقدّم، و تكون الفاء عاطفة عليه و ابتداء اليمين من قوله: أُقْسِمُ و يجوز أن تكون لا دخلت مؤكّدة نافية كما جاء في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [سورة الحديد، الآية: 29]، و المعنى لأن يعلم، و قال بعضهم: لا دخلت لنفي الأقسام، و قال لأنّ الإيمان يتكلّفها المتكلم تأكيدا للإخبار، و إزالة لما يعترض فيها من التّجوز و التّسمح؛ و إذا كان الأمر على هذا فقوله: فَلا أُقْسِمُ يجوز أن يراد به أنّ المحلوف له في الظّهور و خلوصه من الشّك أبين و أوضح من أن
يتكلّف إثباته بالإيمان. و على هذا يكون قوله: و إنّه لقسم يراد به أنّ الحلف بمواقع النّجوم عظيم ممّن أقسم بها، و قوله: لَوْ تَعْلَمُونَ بعث على الفكر في المحلوف فيه و بما يتضمّنه مما يعظم موقعه في الصّدور عند تأمّل الأحوال المبهجة للاستدلال؛ و قيل: أراد بالنّجوم الأنواء و ما يتعلق بها من حاجات النّفوس و من المآرب و الهموم على اختلاف المعتقدات فيها. و قيل: بل المراد بها فرق القرآن لأنّ اللّه تعالى أنزله نجوما لما عرفه من مصالح المكلّفين و المدعوّين إلى الدّين، و يكون الشّاهد لهذا الوجه قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [سورة الواقعة، الآية: 77]، و يكون الطّريق فيمن جعلها الأنواء التّنبيه على وجوه النّعم في الأنداء و الغيوث، و ما به قوام الخلق في متصرفاته. قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ جواب اليمين عند من أثبته يمينا و فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [سورة الواقعة، الآية: 78] يجوز أن يريد به اللّوح المحفوظ لأنه أودع التّنزيل اللّوح، ثم فرّق منه نجوما و يشهد لهذا قوله تعالى: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا [سورة الزخرف، الآية: 4] و ذكر الأم كما قيل في المجرّة أم النّجوم، و كما قيل مكة أمّ القرى، و معنى كريم أنّه خلص من جميع الأدناس، و طهّر من الشّوائب، يشهد لهذا قوله تعالى في صفة المؤمنين: وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [سورة الفرقان، الآية: 72].
و هذا كما يقال: في صفة الشيء العظيم الخطير هو مكرم علي أي يجلّ موقعه، و المراد بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة، الآية: 79] الملائكة إذا جعلت الكتاب اللّوح المحفوظ، و المعنى لا يصل إليه و لا يقرّبه غيرهم و ذلك على حسب ما يصرفون فيه عند تنزيله، و إن جعلت الكتاب المكنون ما حكم اللّه به من قضاياه و تعبّد به عباده من أصناف العبادات، و شاهد هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر، الآية: 9] و إنّ حفظ الشيء و صيانته و كنه واحد، و الشّاهد في أنّ الكتاب المكنون هو الحكم المفروض. قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة النساء، الآية: 66]، و قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [سورة البقرة، الآية: 183]، فحينئذ يكون معنى لا يمسّه لا يطلبه كما قال:
مسسنا من الإباء شيئا و كلّناإلى حسب في قومه غير واضح
و قد حكي أنّ اللمس و الالتماس و المس متفقات، و الحجة في أنّ اللمس مثل الالتماس قوله تعالى: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [سورة الجن، الآية: 8]. و قول الشاعر:
ألام على تبكّيهو ألمسه فلا أجده
فقوله: لا أجده يشهد بأنّ المراد بالمس الطّلب لا غير، و قد أحكمت القول في هذا:
في (شرح الحماسة)، و قال بعض النّظار: قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة، الآية: 79]، لفظه لفظ الخبر، و المراد به النهي، و المعنى لا يتناولن المصاحف إلّا
المطهّرون، فليس يجوز للجنب و الحائض مسّ المصاحف، تعظيما لها و إجلالا. قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الواقعة، الآية: 80] تصديق للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جميع ما دعا إليه من الإيمان بالله تعالى أو في إبطاله دعاويهم و شهاداتهم في القرآن و سائر العبادات، و ارتفع تَنْزِيلٌ على أنّه صفة لقوله: لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، أو على أنّه خبر مبتدأ محذوف.
و منه قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ [سورة الإسراء، الآية: 42]، كما يقولون إلى حَلِيماً غَفُوراً ذكر اللّه تعالى فيما وعظ من قبل قوله: وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ [سورة الإسراء، الآية: 39] ثم أتبعه بقوله تعالى: وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [سورة الإسراء، الآية: 41]، و الإنذار بالتّبكيت الشّديد و الوعيد الممض إلزاما للحجّة، و إظهارا للعناد منهم، و أنه هداهم فلم يهتدوا، و ذكّرهم فلم يعبئوا إعجابا برأيهم، و ذهابا عند التّدبّر، و النّظر ليومهم و غدهم و دنياهم و آخرتهم، ثم أخذ عزّ و جلّ يحاجهم على لسان نبيّهم فقال: قل لهؤلاء الذين ضلّوا عن الرّشاد، و عموا عن الصّواب، إنّ اللّه تعالى لو شركه في ملكه غيره كما تدّعون لفسدت الأحوال، و تقطّعت الوصل و الأسباب. و لعلا بعضهم على بعض و كان يطلب كلّ الاقتسار، و تسليم الأمر له، كما قال هو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [سورة الأنبياء، الآية: 22]. و كان لا ينفع الاستثناء فيما بينهم و ترك الخلاف و إظهار الرّضاء، لأنّ الاستبداد، أو طلبه و إن لم يظهر فعلا من واحد منهم فلا مهرب من تجويزه عليهم؛ و جوازه لن يحصل إلّا عن تقدير استضعاف، و من قدر فيه ضعف فإنه لا يكون إلها و هذا بيّن. قوله تعالى: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [سورة الإسراء، الآية: 42]، أي لطلبوا إلى أخصّهم بالملك، و أولاهم بالأمر منازعته و مجاذبته و مساواته و مسامته؛ قوله:
ذِي الْعَرْشِ يجوز أن يريد به ذا السلطان و العزّ، و يجوز أن يريد به ذا السّرير الذي حمله في السّماء و الملائكة يطوفون حوله. كما أنّ البيت المعمور في السّماء الرابعة. و قال بعضهم: أي العرش، و أنشد قول الشّماخ: (فأدمج دمج ذي شطن بعيد). قال: يريد أدمج شطن، فزاد ذي، فكذلك قوله: إلى ذي العرش، يريد إلى العرش، و المعنى لطلبوا إلى الاستيلاء على العرش، و الاستواء عليه طريقا، قال و مثله لفظ حي أنشد أبو زيد:
يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلدقد كنت خائفه على الإحماق
يريد أنّ أباك خويلد، فزاد قوله: حي، و قوله تعالى: عَمَّا يَقُولُونَ الظّالمون بمعنى علا، و المعنى جلّ، و ارتفع عما يقول المشركون أكده بقوله: عُلُوًّا، و وصف العلو بالكبر مبالغة في التّبعيد. قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [سورة الإسراء، الآية: 44]. يريد ما من شيء إلّا و بما فيه من أثر الصّنعة يدلّ على قدرة اللّه تعالى و يشهد.
بإلهيته، و يدعو إلى عبادته و ينفي عنه مشابهة لخلقه، و جميع ما لا يليق بحكمته. و معنى يسبّح بحمده أي ينزهه، إما إعرابا باللّسان، أو دلالة بواضح البرهان، و فائدة قوله: يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي فيما يظهر من حكمته في خلق ما خلق. و الأنعام على من أنعم حمدا له إذا لم يكن إعداد الشّكر في مقابلة النّعم أكثر من إضافة النّعم إلى المنعم، فإذا كان الحمد تولية النعمة ربّها و إشادة ذكره و نسبتها إليه، فآثار النعم حامدة شاكرة لمسديها. أ لا ترى إلى قول القائل: (و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب). فنسبة الثناء إلى الحقائب كنسبة التّسبيح بالحمد للّه إلى الدّال عليه و المقيم له. و هذا حسن بالغ. قوله تعالى: وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [سورة الإسراء، الآية: 22] أي تجحدونه، أو تعرضون عنه فعل من لا يفهم و هذا كقوله تعالى يصفهم: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [سورة الأعراف، الآية: 179]، ثم قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ [سورة الأعراف، الآية: 179]. قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [سورة الإسراء، الآية: 44]، يريد هو حليم حين لم يعاجلهم فيما ادّعوه بالعقوبة و لكن تركهم إمهالا و رفقا، و هو غفور لمن أناب و إن ارتكب كلّ منكر قبيح رحمة منه لعباده و حسن تفضّل.
و منه قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ [سورة الحديد، الآية: 2] إلى عَلِيمٌ، أثبت اللّه لنفسه أنه القادر الغالب، فهو يملك و جميع ما تدركه الأبصار و الأوهام من أصناف العالم جليلها و دقيقها، خيرها و شرّها، يتصرّف فيها كما شاء؛ و اختار تصرّف الملاك، فهو ملك مالك يبدئ، و يعيد، و يحيي و يميت، و قد أقرّت له الصعاب.
و تذلّلت له الرّقاب. لا يمتنع عليه مراد و إن عزّ و شقّ. و لا يوجد عنه ذهاب فيما ثقل أو خفّ. إليه آماد الأعمار، و الأرزاق، و مصارف البقاء و الفناء فهو القادر الحكيم، و العالم الغني، لا يخفى عليه معلوم و إن دقّ، و لا يعزب عن الظّهور له مطلوب و إن رقّ، الأول في الوجود لقدمه لا عن ابتداء مدة، و الآخر بعد فناء كل شيء خلقه في الدّنيا لبقائه لا إلى غاية، لم يزل و لا يزال على ما هو عليه من ديموميته، و حكمته، و صواب فعله و قدرته، يحيي الأموات إذا شاء، و يميت الأحياء إذا شاء، و يفني المخلوقات إذا شاء، و يعيدها إذا شاء. الظّاهر بما له من آياته التي لا تخفى، و عبره التي لا تفنى، و الباطن لأنه لا تدركه الأبصار و لا تحصله الحواس، و هذا وجه في الآية. و قيل: أراد بالظّاهر أنّه غالب على كل شيء، بما دلّ به على نفسه، من أصناف صنعه كما قال تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [سورة الصف، الآية: 14]، أي عالين غالبين، و يقال: ظهرت على الجلي الواضح الذي هو كالجمر. و قيل في الباطن التي هي في خفائها كالسّر فهو بما تجلّى منها ظاهر، و بما خفي منها باطن، و هذه آية لها جوانب تقتضي الكلام عليها و أنا إن شاء اللّه أبلغ الغاية بمقدار فهمي.
اعلم أنّ اللّه تعالى قال في موضع من كتابه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ [سورة الرحمن، الآية: 26، 27] ما قال على الموت لأنّ الموت إنّما نعدم به الحياة، و اللّه تعالى قال: كلّ من عليها، و لم يقل حياة من عليها، و قال بعده: وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ، و الميت جيفة تبقى، و إذا كان كذلك فلا فضيلة في البقاء مع الشركة فيه، و إذا سقطت الفضيلة فلا تمدّح لرب العالمين، و قال تعالى في موضع آخر: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [سورة العنكبوت، الآية: 88]. و ذكر في صفات نفسه هو الأول، و الآخر، و الظّاهر، و الباطن. و كلّ هذه الآي دالّة على أنّه تعالى يصير منفردا بالوجود، كما كان منفردا به من قبل أن يخلق الخلق و أنه تعالى يفني كل ما خلقه إفناء لا يبقى له أثر و لا رسم حتى يصير بالفناء في حكم ما لم يخلق و لم يوجد، و قال تعالى: هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [سورة الروم، الآية: 27] و في آخر: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ [سورة الأعراف، الآية: 29]، و المعاد هو وجود على صفة لا زيادة عليها، و هو أن يتقدّم الوجود للشيء فيبطل، ثم يعاد إلى الذي كان عليه من الوجود، و إذا كان السمع قد أثبت معادا، و حقيقة المعاد ما ذكرناه من أنّ ما سميّناه في الأول إحداثا و محدثا سمّيناه، و قد بطل و استجد الجادة في الثاني معادا، و مستجدا فقد وضح معنى قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ و الآي التي معها.
فإن قيل الذي يعرفه أهل اللغة من معنى الفناء هو نفاد المركب قليلا قليلا كنفاد الزّاد و الاضمحلال و الهزال هو تحلّل الأجزاء؛ و الاستحالة هو تغيّر مزاج الشيء. قلت: الفناء بطلان الشيء دفعة واحدة، و هو ضد الإنشاء و الاختراع فإذا تجاوزت هذا الموضع فاستعماله على ضرب من التّشبيه به فقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [سورة الرحمن، الآية: 26]، يريد أنّ جميع ما خلقه قبل الوقت الموعود للثّواب و العقاب يبطله بمعنى يخزعه، إذا حصل فنى به الأجسام، و الأعراض كلّها. فناء الضّد بالضّد، و ليس ذلك المعنى بمقدور للعباد. و البقاء لا يجوز عليه، فإذا أفناهم بعزته الغالبة بذلك المعنى أعادهم بقدرته الواسعة كما كانوا قبل الفناء، و لا يصح ما أجمع عليه المسلمون من أمر المعاد و الفناء إلّا على ما ذكرناه، و هو اللغة و الشّرع، و النّاظر فيما ذكرناه بيّن له معرفة الفناء مثل ما بين له من معرفة المعاد.
و حكمة وضع اللّغة لأنّ الذي ينقطع وجوده بالموت كالحي منّا ظاهر التميز عما لا ينقطع وجوده بالفناء، و ما أشبهه من الأعراض. و إذا كان كذلك فإنّا نثبته بالسّمع كما ثبت جواز كونه و خلق اللّه له بالعقل و لكلّ معرفة حقيقة إلى اللّه تعالى، كما قال: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: 85]. و يكون من جملة ما استأثر بعلمه، و إذا أعادهم حشرهم النّظر في أعمالهم في مواقف مختلفة، كما قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [سورة الغاشية، الآية: 25، 26]. و كما قال تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [سورة إبراهيم، الآية: 47]، و كما قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ
مِيقاتاً [سورة النبأ، الآية: 17] إلى سَراباً فإن سأل سائل عن معنى قوله: فَكانَتْ أَبْواباً [سورة النبأ، الآية: 19]. و عن وجه التشبيه بالسّراب قلت: معنى قوله: أبوابا يريد كانت ذات أبواب مفتّحة، و ليس المعنى صارت كلّها أبوابا، كما أنّ قوله: كانت فراخا بيوضها صارت كلّها فراخا، لأنها إذا صارت كلّها أبوابا عادت فضاء، و خرجت من أن تكون أبوابا.
و أما التّشبيه بالسّراب، فالمراد به بيان إلماعها، و تخلخلها في نفسها، و السّراب هو الذي يتخيّل للنّاظر نصف النّهار كأنه ماء يطرد، و يقال: سرب الماء يسرب، إذا سال، و المراد ما يتداخل النّفس من تغير المعهود، و قد أخرج اللّه تعالى صفة القيامة في معارض مختلفة لاختلاف أحوال المسوفين، و كرر ذكرها، و حذّر منها، و نبّه من أمرها على كثير مما يكون فيها ليبين فظاعتها فقال تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [سورة المرسلات، الآية: 8] إلى لِيَوْمِ الْفَصْلِ، و قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ [سورة الحجر، الآية: 48] الآية، فتبديل الأرضين و السّماوات و إطفاء الضّوء و تفريج السّماء و تحليل عقدها حتى تصير أبوابا و طمس نجومها؛ و انتشار كواكبها، و نسف جبالها كلّ ذلك، أو أكثرها مما تؤكد حال الفناء، و إزالة معاقد الأرض و السّماء. و قد درج تعالى في هذه الصفات لأنه تعالى ردّدها متفننة في أوقاتها بين أوائلها، و وسائطها، و أواخرها فمن ذلك قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [سورة النازعات، الآية: 6] إلى بِالسَّاهِرَةِ. و قال تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ أي الوعد به صدق، أو يراد به أنه يوم حق لا باطل معه إذا قام الأوّلون و الآخرون، و يجتمع متفرّق الأسباب، و متمزّق الأجلاد، و يعود غائب الأرواح، و يحشر الأفواج. و قد قال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى [سورة النازعات، الآية: 34] و الطّامة هي العالية على ما قبلها.
و قال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [سورة الانفطار، الآية: 1] إلى وَ أَخَّرَتْ، و قال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [سورة الانشقاق، الآية: 1] إلى وَ تَخَلَّتْ و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [سورة التكوير، الآية: 1] و إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، و إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [سورة الزلزلة، الآية: 1]، و قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [سورة الأعراف، الآية: 187] إلى آخر السورة. و هذا السؤال، و الجواب مثل سؤالهم عن الرّوح فقوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها [سورة النازعات، الآية: 44] مثل قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي و قال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ [سورة البروج، الآية: 12] و الإبداء إبداعه الخلق كلّه لا من شيء و الإعادة ما وعد به من الإحياء بعد الإماتة، و البعث، و الحشر، و إعداد الثّواب و العقاب.
و حكي عن الأصمعي أنه قال: إذا قال الرجل: أول امرأة أتزوّجها فهي طالق لم يعلم هذا من قوله حتى يحدث بعدها أخرى، فإن ماتت لم تكن أول لكنه لا تشركها أخرى.
قال أبو العباس المبرّد: و هذا خطأ لأنّ قوله: أول هو موقع لما بعده و ذلك أن تأتي بعده بما شئت، و لا يكون آخر إلّا لشيء قبله غيره، و إنّما هو مأخوذ من آخره. و قيل: لما كان لا أول له. قال المبرد: و لا يجوز هذا إلّا في صفة القديم تعالى، فهو الأوّل و الآخر و الظّاهر و الباطن. و قال الفقهاء: إذا قال الرجل: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدين جميعا معا لم يعتق واحد منهما، و إن ملك بعد ذلك عبدا آخر لم يعتق أيضا لأنه ليس بأول، و لو قال: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا و نصف عبد عتق العبد و لم يعتق النّصف لأنّ هذا أول عبد ملكه، و النّصف لا يسمّى عبدا واحدا، و لو قال آخر: امرأة أتزوّجها من النّساء فهي طالق، فتزوّج امرأة، ثم تزوّج أخرى، ثم طلّق الأولى، ثم تزوّجها، ثم مات فإنّ الطّلاق يقع على الثانية التي تزوّجها و ما يقع على التي تزوّجها أول مرة و ليست بآخر، و التزوج بها ثانيا لا يخرجها من كونها أول امرأة.
أ لا ترى أنه لو نظر إلى امرأتين، فقال: آخر امرأة أتزوّجها منكما فهي طالق، فتزوّج إحداهما، ثم تزوّج الأخرى طلقت الثانية حين يتزوجها لأنها آخر امرأة تزوّجها منهما و لو تزوّج الأولى بعد الثانية لم تطلق، و كان المبرد إنما قال: لا يجوز هذا إلّا في صفة القديم لمكان الآخر لأنه لم يزل و لا يزال، أولا و آخرا، و الواحد منّا ليس كذلك فاعلمه.
و منه قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [سورة طه، الآية: 14] و في موضع آخر أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [سورة الإسراء، الآية: 78] إلى مَقاماً مَحْمُوداً، و قوله تعالى:
وَ أَقِمِ الصَّلاةَ يريد أدمها و اثبت عليها فلان لا يقوم لكذا، و هذا يقوم علي بكذا، فله تصرّف في الأمر واسع. قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي يحتمل وجهين: أحدهما أقم الصّلاة لتذكرني بها أي الصّلاة ذكرى لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [سورة العنكبوت، الآية: 45] و قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي إذا ذكرتني، فأقم الصّلاة كأنه يرجع النّسيان كالذّكر في الوجه الأول تسبيح اللّه و تمجيده بصفاته الكريمة، و في الوجه الثاني الرّجوع إليه بعد ذهول يسبق و نسيان يلحق، و اللّام من قوله:
لذكري أي عند ذكري، و كذلك قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي عنده و لام الإضافة يدخل في الكلام لوجوه.
أ- التمليك: كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ* [سورة النجم، الآية: 31] و كقوله تعالى: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [سورة الجن، الآية: 18].
ب- أن يكون الشيء سببا لغيره، و علّة له مثل قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [سورة الإنسان، الآية: 9].
ج- أن يكون دخوله لمعنى الإرادة كقولك: قمت لأضرب زيدا أي قمت إرادة
لضربه، و لكي أضربه أي قمت من أجل هذه الإرادة، و قد يحذف اللام من هذا و أشباهه.
د- أن يكون بمعنى في كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [سورة الحشر، الآية: 2] أي في أول الحشر.
ه- أن يكون لمرور الوقت على الشيء كقول النابغة شعرا:
توهّمت آيات لها فعرفتهالستّة أعوام، و ذا العام سابع
أي عرفتها و قد أتت عليها ستة أعوام، أو توهّمتها لذلك، و يقال أتى للصّبي سنتان عليه و كم سنة أتت لك؟
و- أن يكون لمعنى بعد كقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «صوموا لرؤيته»، و قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ [سورة الطلاق، الآية: 1] و العدة هاهنا ظرف للطّلاق و بمنزلة وقت له لا علة و لا سبب، كما لم يكن الحشر علة لإخراج الذين كفروا إنما كان علة إخراجهم كفرهم، و الدليل على ما قلنا أنه قال: لأول الحشر جعل له أولا.
ز- أنه يدخل لما ذكرناه أولا، و هو قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي و أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي لاصفرارها عند غروبها دلكت فهي دالك و قال ابن عباس: لدلوك الشّمس لزوالها الظهر، و العصر و أنشد:
شادخة(1)الغرّة غراء الضّحك
تبلج الزّهراء في جنح الدّلك
فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس، و قال أبو حاتم: روي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها فعلى هذا يجوز أن يكون المفروض بالآية أربع صلوات الظّهر- و العصر، و المغرب، و العشاء- باللّيل. و يجوز أن يكون إلى غسق في موضع مع، فيدل على فرض صلاتين من اللّيل و النّهار، و ثالثة يدل عليها: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: 78].
ثم سائر الصّلوات يدلّ عليها بغير هذه من الآيات و قوله: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ [سورة الإسراء، الآية: 78] يريد، و أقم قرآن الفجر، و المعنى أقم الصلاة بالقراءة، و هذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة، فالضمير في به يرجع إلى القرآن، و معنى كانَ مَشْهُوداً أي حقّه أن يشهد أي يخرج له إلى المساجد، و يقام مع الجماعة فيشاهد و قيل أراد تشهده الملائكة، و قوله تعالى: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [سورة الإسراء، الآية: 17] معنى تهجد اسهر يريد استيقظ، و معنى به أي بالقرآن و يقال هجّد أيضا بمعنى نام.
1) انتشرت الفرّظ من النّاصية إلى الأنف.
قال:
هجدنا، فقد طال السّرىو قدرنا أنّ خنا الدّهر غفل
يريد يومنا و مثل هجد، و تهجّد قولهم حنث و تحنّث لأنّ معنى حنث لم يبر في اليمين، و معنى تحنث ألقى الحنث عن نفسه.
و هذا الأمر اختص به النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تفضيلا له على جميع الخلق.
و معنى نافلة لك عطاء لك و تكرمة لذلك أتبعه بقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [سورة الإسراء، الآية: 79] أي افعل ذلك رجاء أن تثاب هذا الثواب العظيم.
و قيل في المقام المحمود إنّ المراد به الشفاعة للمذنبين، و الذي عليه الناس أنّ الدّلوك مغيب الشّمس، و يذهب العرب لذلك إلى أنّ قول القائل:
هذا مقام قدمي رباحغدوة حتى دلكت براح
يدل على صحة قولهم و أصله أنّ السّاقي يكتري على أن يسقي إلى غيبوبة الشّمس، و هو في آخر النّهار يتبصّر هل غابت الشّمس. قوله: براح أي يضع كفه فوق عينه و يتبصر، قال: و يسلم للحديث ما جاء أنّ ابن عباس قال: إنّ غسق اللّيل ظلمته الأولى للعشاء و المغرب، فإذا زادت قليلا، فهي السّدفة، و قوله: (نافلة لك) ليست لأحد نافلة إلّا للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأنه ليس من أحد إلا يخاف ذنوبه غيره فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر فعمله نافلة.
و منه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [سورة هود، الآية: 114] إلى الْمُحْسِنِينَ، و قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة المزمل، الآية: 2] الآية طرفا النهار النهار الفجر و العصر و كما ثنى الطرف هنا جمع في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ* [سورة الحجر، الآية: 39] إلى وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى [سورة طه، الآية: 130] لذلك اختلف النّاس فبعضهم جعله من أوقات الصلوات المفروضة، و القائل بهذا يكون عنده الفجر من النّهار محتجا بأنه ابتداء الصوم لقوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [سورة البقرة، الآية: 187] و الذين يخالفونه يجعلونه من اللّيل، و يدعون أنّ ابتداء النّهار طلوع الشمس و انتهاءه غروبها، و إذا زالت الشّمس انتصف النّهار فأما قوله تعالى: وَ أَطْرافَ النَّهارِ [سورة الحجر، الآية: 39] فيجوز أن يجعل النهار للجنس حتى يصير له أطرافا، و يجوز أن يجعل الجميع مستعارا للتثنية لأنّ أرباب اللغة قد توسعوا في ذلك أ لا ترى قوله: يا ناحة و دخيلا، ثم قال: طرفا فتلك لهما تنمى، و كقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [سورة التحريم، الآية: 4] و ليس
بمستنكر أن تسمى الساعات أطرافا، كما قيل أصيلالة و عشيّات في آخر الأصيل، و العشية.
قال أبو العباس ثعلب أطراف النّهار قيل يعني صلاة الفجر، و الظهر، و العصر، و هو وجه أن جعل الظهر، و العصر من طرف النّهار الآخر، ثم يضم الفجر إليهما فيكون أطرافا، و قال أبو العباس المبرد: معناه أطراف ساعات النّهار أي من اللّيل سبّحه و أطعه في أطراف ساعات النّهار (الآناء) الساعات واحدها أنى، و يكون من آنيت- أي أخّرت و من قول الشّاعر:
و أنيت العشاء إلى سهيلأو الشّعرى فطال بي الإناء
و قال العجّاج: طال الإناء، و انتظر النّاس الغير من أمرهم على يديك، و التور طال الإناء و زايل الحق الأشر. و في القرآن: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ فأما قوله تعالى: وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [سورة هود، الآية: 114]، فالزّلف السّاعات و من أبيات الكتاب:
طيّ اللّيالي زلفا فزلفاسماوة الهلال حتّى احقوقفا
و الزّلفة واحدة الزّلف، و يقال لفلان عندي زلفة، و زلفى، و هي القربة، و في القرآن:
وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* [سورة الشعراء، الآية: 90] أي قرّبت، و سميت المزدلفة لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، و انتصب سماوة على المفعول من طي اللّيالي، و المعنى أنّ اللّيالي طوت شخص الهلال، و نقصته شيئا شيئا حتى ضمر و دقّ.
قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود، الآية: 114] يجوز أن يريد أنّ الحسنات من أفعال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و المؤمنين يبطلن سيئات الكفّار و المجرمين، و هذا بشارة من اللّه للمؤمنين بأنه سيعلي كعبهم، و ينفذ كلمتهم كما قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [سورة الأنبياء، الآية: 18] و يجوز أن يكون مثل قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [سورة النساء، الآية: 30] و يكون هذا مثل قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* [سورة التوبة، الآية: 33]، و قوله تعالى: ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [سورة هود، الآية: 114] أي أخبرناك بما أخبرنا من ضمان النّصرة، و قمع الباطل، و إعلاء كلمة الحق لكي تتذكر به فيزداد حرصا على الإدخار و الإصلاح و لأنك إذا أقررت به و التزمته فتذكرته تيسّر لك المطلوب و قد قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ [سورة ق، الآية: 37] يريد أنّ المأمور بهذا، أو الموعوظ إذا قبله حصل لك بذلك ذكر في الذّاكرين، و هذا ترغيب لأنّ ما يبقى به الذّكر ليس كما يلغى و ينسى. قال:
فقال له هل تذكرنّ مخبرايدل على غنم و يقصر معملا
أي هل تعتد بهذا الخبر فتذكره به، فأما قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [سورة المزمل، الآية: 2] أي من النّصف، أو زد عليه، فانتصاب اللّيل إلّا قليلا أي قبله بقليل أو بعده بقليل لأنّ بيان أو انقص منه، أو زد عليه ذلك، و المعنى قم نصف اللّيل، أو انقص من نصفه حتى يرجع إلى الثلث، أو زد على نصفه حتى يبلغ الثلثين، و في هذه الأشياء منها أنّه جعل نصف اللّيل قليلا منه سواء جعلته بيانا للقليل المستثنى، أو جعلته بيانا للباقي الواجب لأنّ الكلام يقوم على الوجهين جميعا و منها أنّ قوله: أو انقص منه قليلا بمعنى إلّا قليلا في التّحصيل و لكنّه ذكر مع الزّيادة، و كان كالمكرّر، و كثير من أهل النّظر يذهبون إلى أنّ القلة تقع على ما دون الثلث لقوله عليه السّلام لسعد في الوصيّة:
«و الثلث كثير» و منها أنّ هذا التّنويع يدل على أنّه تعالى لم يفرضها عليه لكنّه على سبيل التّرغيب لأنّ الفرائض التي يفرضها اللّه على عباده ليس يجعل الأمر فيها إليهم فينقصوا ما شاءوا، و يزيدوا فيها ما شاءوا، و قد قيل: إنّ اللّه تعالى كان فرض على رسوله و على المؤمنين قيام اللّيل، ثم نسخه إذ كان شقّ عليهم فقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ [سورة المزمل، الآية: 20] أي يعلم مواقيتها و يعلم أنكم لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذاك و القيام فيه، فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسّر من القرآن، قالوا: و هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالمكتوبات الخمس.
و قوله تعالى: أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ يجوز أن يكون من دنا الشّيء إذا سفل، فنزل كما قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى أي نزل، و منه قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ [سورة الأحزاب، الآية: 59] أي يرسلن، و قال بعضهم: معنى أدنى أدون، لكنّه قلب فقدّم اللّام و قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [سورة المزمل، الآية: 5] يجوز أن يكون المعنى قولا يثقل العمل به، و يجوز أن يريد به قولا له وزن، و خطر بين الكلام إذا ميّز أي ليس بالسّفّساف الدّون، و معنى يلقي ينزل فيتلقنه. و منه قولهم: ألقيت على فلان مسألة كذا، فأعييته. و قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [سورة السجدة، الآية: 23] فبعضهم يجعله من هذا أي لا تلك في شك من نزول هذا الكتاب قبلك، و كان شيخنا أبو علي ينكر أن يكون القيت من لقيت، و يقول: إن لقي يتعدّى إلى مفعول واحد يقول: لقيت زيدا فلو كان ألقيت من لقيت لوجب أن يتعدّى إلى مفعولين. كما أنه إذا دخل على ما لا يتعدى إلى المفعول عداه إلى واحد يقول: خرج زيد و أخرجته و ذهب زيد، و أذهبته.
و تقول في المتعدي: قرأ كذا و أقرأته أنا كذا، و سمع زيد شرا، و أسمعته أنا خيرا. و إذا كان كذلك، و وجدنا لقى يتعدّى إلى مفعول واحد، و ألقيت مثله يتعدّى إلى مفعول واحد
و علمنا أنهما من أصلين فاعلمه. قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ [سورة المزمل، الآية: 6] يريد السّاعة منشأ الحدوث و يقال فلان ناشئ و نشأت السّحابة من قبل البحر، و يجوز أن يكون ناشئة يراد بها الحدث لا الفاعل فيكون كاللاغية في قوله تعالى: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [سورة الغاشية، الآية: 11] أي لغوا و كالكاذبة في قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [سورة الواقعة، الآية: 2] أي كذب و مثل ذلك قم قائما أي قم قياما. قوله تعالى: هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا [سورة المزمل، الآية: 6] أي أبلغ في القيام و أبين في القراءة لما في اللّيل من السكون و القرار، و يجوز أن يريد أنها أشد على الإنسان و أشقّ لأنّ اللّيل للتودّع و الرّاحة.
و قرئ و طاء بالواو و المد و المعنى أشدّ مواطاة للقلب إذا نقله السّمع.
و منه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [سورة الانشقاق، الآية: 16] إلى لا يَسْجُدُونَ أول السورة إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ و الانشقاق و الانفطار، و الانفتاح يتقارب في المعنى و ذلك من أهوال القيامة، و ما يتغيّر فيها من الأمور، و يتبدّل. و قيل: المراد انشقّت بالغمام كقوله تعالى في موضع آخر: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [سورة الفرقان، الآية: 25]. و جواب إذا محذوف لما يدل عليه ما عرف من أهوال القيامة و شدائدها و تخمر في النفوس و تقرّر.
و المراد إذا انشقت السّماء كان من أشراط القيامة فيكم ما عرفتموه، و تكرر عليكم وصفه، و قيل جوابه في قوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [سورة الانشقاق، الآية: 6] و قيل جواب إذا مضمر مقدم، و المراد اذكر إذا حدثت هذه الحوادث. و قيل جوابه أذنت، و الواو زائدة. و النّحويون على اختلافهم يردّون هذا و كأنّ قائله شبهه بقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها [سورة الزمر، الآية: 71] لأنّ المعنى عنده فتحت و الأجود عندي أن يكون جواب إذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ [سورة الانشقاق، الآية: 6] أي في ذلك الوقت يكون ذلك حالك، و معنى أذنت لربّها أطاعت، و استمعت، و أجابت، و حقّت أي وجب ذلك عليها، و كانت محقوقة بالانشقاق.
و قوله تعالى: وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [سورة الانشقاق، الآية: 3] كأنّه بسط مجموعها و أخرج مضمونها و موعدها حتى تخلّت. قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ [سورة الانشقاق، الآية: 6] عموم دخلت الكافة تحته، و قوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [سورة الانشقاق، الآية: 6] يشير إلى ما قاساه مدة حياته و اكتسبه في متصرّفاته و نيل فيه من سعادة و شقوة و حياة و إماتة، و ما تزوّده من دنياه و أعدّه لأخراه، أي تسعى سعيا قد أتعبك و تلاقي له كل ما قدّمته من عملك و تصير من حميته إلى ما تستحقّه بفعلك. قال:
و ما الدّهر إلّا تارتان فمنهماأموت و أخرى أبتغي العيش أكدح
و قوله: فَمُلاقِيهِ من قولك: لاقيت من كذا جهدا و أذى، و قاسيت من كذا
مكروها. و الضّمير في ملاقيه إن شئت جعلته للكدح و الأجود أن تجعله للرّب، و المعنى تلاقي جزاءك منه فيكون على حذف المضاف. و الشفق الحمرة تبقى من الشّمس في المغرب إلى وقت العشاء. و قال بعضهم: هو البياض الذي إذا ذهب صلّيت العشاء الآخرة لأنّ الحمرة تذهب عند الظّلام.
قال الفرّاء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشّفق و كأن أحمر.
قوله تعالى: وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ [سورة الانشقاق، الآية: 17] أي جمع و أدرك من مقتضياته، و هوله و يجوز أن يكون وسق بمعنى، طرد يريد و ما جاء به و احتمله، و الوسيقة الطّريدة.
و قوله تعالى: وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [سورة الانشقاق، الآية: 18] يريد استتبّ، و استوسق لثلاث عشرة و أربع عشرة، و يجوز أن يريد باتّساقه استمراره في سيره و تناهيه في ازدياد ضيائه:
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [سورة الانشقاق، الآية: 19] كما قيل سادوك كابرا، عن كابر، و المعنى كبيرا عن كبير أي يتردّدون بعد أحوال مختلفة، و يخرجون من بعضها إلى بعض من نشر و حشر و فناء و إعادة؛ و (الطّبق) الشّدة قال: (قد طرقت ببكرها أم طبق).
و قال:
فلو رآني أبو حسّان و انحسرتعنيّ الأمور إلى أمر له طبق
يقال: رغب، و رهب أنت بينهما حب الحياة، و هول الموت و الشّفق و فائدة القسم تأكيد الوعيد على المخاطبين بهذا الكلام، و هو قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [سورة الانشقاق، الآية: 19] و قرئ لتركبنّ جعل الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و المراد لتركبنّ طبقا من طباق السّماء.
و قوله تعالى: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [سورة الانشقاق، الآية: 20] لفظة استفهام معناه الإنكار، و التبكيت يقول: ما الذي منعهم من الإيمان، و قد وضحت الدلائل و السّبل، و تكرّرت الآيات و النّذر، و ضاقت المعذرة و حقّت الكلمة. قوله تعالى: وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [سورة الانشقاق، الآية: 21] اكبارا و إعظاما و إيمانا، و إيقانا و هو من المعجزات الباهرة و الإلزامات المسكتة. و هل ذهابهم عن تدبّره و اشتغالهم إلّا عناد فبشّرهم بعذاب أليم. أصل البشارة من البشرة استبشر بشيء انبسط جلده، و نضر وجهه، و هذا و أمثاله إذا استعملت في غيره كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع. أي يقيمون بدل التّحية عند اللّقاء ذلك، فأما قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر، الآية: 1] فإنما معناه سينشق القمر، و من أثبت ذلك دليلا لا ختص به عبد اللّه بن مسعود، و إنّ سائر النّاس لم يروه لأنّ اللّه حال بينهم و بين رؤيته بغمامة، أو غير ذلك. و يجوز أن يكون غير عبد اللّه بن مسعود قد رأى ذلك، فاقتصر في نقله على رؤية عبد اللّه، و على ما نطق به القرآن من ذكر،
و كان الجاحظ ينفيه و يقول: لم يتواتر الخبر به و يقول أيضا: لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن يختلف التقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم و ليلة فلو انشقّ لكان وقت انشقاقه لا يسير.
و منه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [سورة الملك، الآية: 3] إلى وَ هُوَ حَسِيرٌ أوّل السورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [سورة الملك، الآية: 1] و ليس تفاعل هذا كتفاعل الذي يفيد التكلّف للشيء عن غير موجب له نحو تخازر، و تعارج، و تساموا، و تجاهلوا لكنّه بمعنى فعل و أصل البركة البقاء و الزّيادة، و كذلك لفظة تعالى في صفة اللّه، فهي بمعنى علا و مثله لعلا و تكبّر بمعنى كبر و علا، و هذا كما يقال: علا قرنه، و استعلاه و قال زهير: و كان أمرين كلّ أمرهما يعلو. و مثله قرّ و استقر، و هزأ، و استهزأ، و يشهد لما قلنا قول امرئ القيس: تجبر بعد الأكل فهو نميص. و إنّما يصف نبتا قد رعي ثم عاد منه شيء فتجبر بمعنى جبر من قوله: قد جبر الدّين الإله فجبر.
و قد كشف عن المراد بقوله: فهو نميص أي لقصوه كأنّه ينمص بالنّماص، و هو المنقاش، و متى جعلت تجبر صار كالجبارة، و هي النّخلة التي فاتت اليد طولا و أوقع آخر الكلام أوّله لأنّ المنموص لا يتجبّر و لا يطول. و على هذا قوله تعلّى الندى في متنه و تحدّرا يريد علا و حدر، و أنشد أبو عبيدة: تخاطأت النّبل أحشاءه معناه أخطأت، فهذا شاهد تبارك و تعالى، و مثل هذا أجاب، و استجاب و قوله تعالى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [سورة الملك، الآية: 1] أي يملك الملك الذي يمكّن عباده منه، و يصرفهم فيه، فالبقاء له و القدرة و التمكّن، و القمر بأمره و حكمه، و إضافة الفعل إلى اليد ضرب من التّوسع يقال: و في يدي و ملكي و في قبضي، و هو قبضي. قال تعالى: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة الزمر، الآية: 67] أي يحكم فيها حكما لا قصور فيه عن المراد، و لا تجاوز إلى أكثر من المرتاد، ففعله وفق إرادته و وفق قصده و إرادته، فخلق الحياة لمن يريد استبقاءه ليعبده، و الموت إلى غير ما هو عليه إخبارا منه لطاعة المطيع منهم، فيشيبه و معصية العاصي منهم فيعاقبه، و هو العزيز فلا يفوته الهارب، القدير فلا يعجزه المغالب. قوله تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي بعضها فوق بعض و على حدة، فيطابقه، و يشابهه، و لا يخالفه فيباينه و قال الشاعر شعرا:
إذا نزل الظلّ القصير بنحرهفكان طباق الخف أو قل زائدا
و يقال: طابق فلان فلانا على كذا إذا وافقه عليه. و يقال: النّاس طبقات أي بعضهم فوق بعض. و منه قولهم: طابق البعير إذا وضع خفيّ رجليه في موضع خفّي يديه. و قد قال تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [سورة فصلت، الآية: 12] فقوله الدّنيا يدل على أن
بين السّماوات تقاربا، و تباعدا، و أن التي هي فوق هذه ليست بالدّنيا منه، قوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [سورة الملك، الآية: 3] و قرئ من تفوت أي بنى ما خلقه على حكمه فلا يفوت بعضه بعضا و لكنه يتعادل، و في هذا المعنى قالوا: وجه مقسم إذا كان الحسن مقسوما فيه فأعطى كل جزء نصيبه منه حتى لا استبداد فيه، و قالوا: ما أحسن قسمة وجهه و هذا بخلاف ما ذكرناه في تفسير المتفاوت لأنّ المتفاوت ما يزيد على الاعتدال، أو يخرج عن القدر الملائم بالانتقاص، و ذلك ضد التقدير و قوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك، الآية: 3] المراد به أيّها الإنسان قد أعطيت من الآلات، و رتّب في عقلك و تحصيلك من البيّنات ما تدرك به حينا، أو تقديرا تراكيب الأشياء و سلامتها مما يشينها إذ دخولها فيما يجتذب وجوه الفساد إليها، فتأمّل ما صنعه اللّه و اخترعه في هذا الخلق العظيم و اقتف آثاره فيها، و ردّد طرفك و عقلك في ظواهرها و بواطنها و مفرداتها؛ و مركباتها و تأمّل بعد تقصّي و سمك و استفراغ جهدك، ورد المجمل على المفصّل و المشاع على المقسوم، هل تجد فيه خللا، أو هل تتبيّن فيه عيبا؟ و قوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً [سورة الملك، الآية: 4] بعث على الكشف و البحث و تأكيد في المبالغة فيهما و إنّما قال هذا لما يعتقده العرب من أنّ النظرة الأولى حمقاء فينبغي أن لا يكتفى بها في المزاولات، و التتبّع في المستكشفات حتى أنّ بعضهم قال في صفة امرأة شعرا:
لها النظرة الأولى عليهم و بسطةو إن كرّت الأبصار كان لها العقب
يقول لهذه المرأة، على من يستقري محاسنها النّظرة الأولى، فإن لم يقنعهم ذلك، فأخذوا يستنبطون في المعاودة، و يحيلون الطّرف في العين و الأثر كان لها البسطة أيضا، فإن أبوا إلّا أن يكرروا الأبصار، و ردّدوا النّظر حالا بعد حال كان لها العقب، و هو ما يسلم على التّعاقب من أواخر البحث فقوله تعالى: كَرَّتَيْنِ تأكيد على ما ذكرناه، و حكي لي عن بعض أهل النظر أنه قال: إنّ اللّه تعالى أمر بكر البصر ثلاث مرات لأنه قال: ارجع البصر، ثم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ، و هذا الذي ذكره و عوّل عليه من ذكر الكرّتين لا يحصل له المراد، بل يفسد عليه ما اعتمده لأنّه قال تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك، الآية: 3] و هذا لا يقتضي إلّا مرة واحدة، و قال من بعد: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [سورة الملك، الآية: 4]، و لو اقتصر الكلام على فارجع البصر، و لم يأت بذكر المرّتين لكان للسامع أن يتجاوز إلى ما فوقها من الكرّات لأنّ ثم لا يقتضي الحصر، و لا يوجب الوقوف.
فلما قال: كرّتين علم أنه أكّد به ما ذكر من الرّجعتين على أنّ قوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ ليس قبله فعل مذكور فيكون الرّجوع عن ذلك الفعل لأنه قال تعالى: ما تَرى فِي
خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ [سورة الملك، الآية: 3] فكان المراد انظر، فارجع، ثم ارجع أي لا ترض بالنظرة الأولى و لكن راجع بعدها، ثم راجع، و إذا كان التكرار هو الرّجوع إلى الأول، و الأول هنا النّظر المضمر فقوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ كرّر أوّل إلى النظر المستدل عليه، و قوله: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ، و إذا كان الأمر على هذا لم تحصل ثلاث كرّات فلذا اتّبع الكلام بقوله كرّتين و هذا جيد بالغ، و قوله تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي من شقوق و صدوع.
و قوله تعالى: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً [سورة الملك، الآية: 4] المعنى إنك إن أدمت النّظر، و اتبعت البصر تطلب العيب في حكمة اللّه و الفطور في صنعه رجعت من مطلوبك خاسر الصفقة، صاغر الرجعة، خائب الطلبة بعيدا من البغية، و الخاسئ من قولك خسأت الكلب إذا طردته و بعدته خسأ و لا تقل انخسأ، و الحسير الكال المعى. و يقال: إبل حسرى لأنّ حسيرا فعيل بمعنى مفعول، فهو كجريح، و جرحى.
و منه قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ [سورة الرحمن، الآية: 37] الآية، و قوله:
وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [سورة الفرقان، الآية: 25] خضراء ملساء متّصلة الجوانب و الأكناف مرتبة الوسائط، و الأطراف محفوظة من مسترقة السّمع بما أعدّ لها من الارصاد.
و تلخيص هذا يبين إذا ضمّ إلى قوله تعالى: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ و إلى قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ [سورة البقرة، الآية: 210] لأنّ المعنى يأتيهم أمر اللّه، و السّماء كالوردة، و قد انفطرت بالغمام أي تنشق بها، و الملائكة تنزل منها في الغمام فكأنها تنشق، و هم في تكاثفهم، و تراكمهم بما معهم كظل من الغمام و هذا كما يقال: رعف الباب بفلان- أي جاه من قبله، و سال الوادي ببني فلان إذا خرجوا منه، و كقول الشاعر:
و سالت بأعناق المطيّ الأباطح
و كما قال:
ألا صرمت حبائلنا الجنوبففرّقنا و مال بنا قضيب
قضيب: واد باليمامة، و المعنى أنجدنا لما افترقنا، و انهمت هذه المرأة و يقال: نزل بقارعة الوادي- أي أعلاه، و قوله: مال بها، كقوله: سالت الأباطح بأعناق المطي قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [سورة الرحمن، الآية: 37] يريد تحوّلها عما كانت، و الورد الأحمر و ليس بمشبع قال:
فهو ورد اللّون في ازبئرارو كميت اللّون ما لم يزبئر
و قال الفراشية: تلوّن السّماء تلون الوردة من الخيل لأنّها تكون في الرّبيع إلى الصفرة، فإذا اشتدّ البرد كانت وردة حمراء، فإذا كانت بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة قال عبد بني الحسحاس شعرا:
فلو كنت وردا أحمرا لعشقتنيو لكنّ ربّي شانني بسواديا
و قيل في الدّهان: إنها جلود حمر، و قيل: هي جمع دهن- أي تمور كالدّهن صافية، و الشاهد لهذا قوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً [سورة الطور، الآية: 9] أي تتميع.
و قال تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ [سورة المعارج، الآية: 8] و هو الصفّر المذاب، و كان التّشبيه وقع بالذّوب، فيكون المور و الذّوب على طريقة واحدة، و قوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [سورة الفرقان، الآية: 22]، و قوله تعالى في سورة الرّحمن: عند ذكر وعيد الكفار، و الإنذار من يوم الحشر، و المعاد و ما يجري مجراه من الاقتصاص، و الأمر بالعدل و الإنصاف: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* [سورة الرحمن، الآية: 13]. سأل سائل: أي شيء في هذا من الآلاء حتى ذكره اللّه ممتنا به في جملة ما عدّده من صنوف النّعم، و وجوه القسم في الأولى و الآخرة.
و الجواب إن اللّه تعالى منعم في كل حال و مذكّر بما يزيد المتعبد استبصارا في الأمر الأولى و نفورا، و زهدا في الدّنيا، و واعظ بما يكون السّامع له أقرب إلى الطّاعة فيما يعمله من الاستطاعة، و إذا كان الأمر على هذا فنعمه على خلقه في الإنذار و الإعذار مثل نعمه في التّبشير و التّحذير إذ كان الصّارف عن الشر بلطفه مثل الباعث على الخير بفضله، و قد توعّد اللّه جاحدي نعمه و المهملين لآياته و نذره بالخسف و الرّجف و الخزي الثّابت، و البعث المفاجئ، و المسخ المرصد و الرّيح العاصف و الزّلازل، و الصّواعق بعد أن أمضى بها أو بأكثرها الحكم على من حقت عليه الكلمة فمن سعد و وعظ بغيره فأجاب حين دعي، و أدرك لما بصر و نفعته المهلة و الإملاء، و استسعد بالإعادة، و الإبداء و نبهه ضرب الأمثال و المبالغة في الإبلاغ.
ثم عرف حال أولئك المستمرين في الضّلالة و الذّاهبين عن طريق الهداية و مصائر أحوالهم، فإنه إذا راجع نفسه درى عظم نعم اللّه عليه فيما وفقه، أو يسرّ أخذه به من العدول عن سلوك مناهجهم، و أوجب على نفسه شكرين (الأول) لاهتدائه، (و الثّاني) لما زاده اللّه من الاستضاءة بنور الهدى و قربه من التقوى.، أ لا ترى قوله تعالى: حاكيا عن أهل الجنة و قد استقروا في منازلهم منها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [سورة الأعراف، الآية: 43] قوله تعالى: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ [سورة البقرة، الآية: 210] نصف
عقبي حالهم وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة يونس، الآية: 10] و قال تعالى بين أحوالهم قبل ذلك: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ [سورة مريم، الآية: 67] إلى وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [سورة مريم، الآية: 72] فعلى هذا الذي بنينا الكلام عليه قدر اللّه نعمه على الجن و الإنس في دنياهم، و أخراهم، ثم قال: يا أيها تكذبون و كل ما تتصرفون فيه من حياة و ممات و نعمة و نقمة و تيسير و تعسير، و تقريب و تبعيد آثار إحساني فيها ناطقة و أعلام آلائي فيها سنة واضحة و هذا بمن اللّه ظاهر.
و منه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة البقرة، الآية: 164] إلى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة البقرة، الآية: 164] الخلق هو الاحداث على تقدير من غير احتذاء مثال و لذلك لا يجوز إطلاقه إلّا في صفة اللّه تعالى لأنه لا أحد جميع أفعاله على ترتيب من غير احتذاء أمثال إلّا اللّه و إنما جمع السّماوات، و وحّد الأرض لأنّ الأرضين لتشاكلها تشبه الجنس، و الواحد كالرّجل، و الماء الذي لا يجوز جمعه إلّا أن يراد الاختلاف، و ليس يجري السّماوات مجرى الجنس المتفق لأنه دبّر في كل سماء أمرها بالتّدبير الذي هو حقّها قوله تعالى: وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ [سورة البقرة، الآية: 164] يجوز أن يكون من الخلاف كالسّواد و البياض لأنّ أحدهما لا يسدّ مسد الآخر في الأحوال.
و يجوز أن يكون من الخلف لأنّ كل واحد منهما يخلف صاحبه على طريق المعاقبة و النّهار في اللغة يفيد الاتساع أيضا، و يقال: انهرت العنق إذ أوسعته، و ذكر اللّه تعالى هذه الآيات مجموعة معظما شأنها ليصرف بكريم عطفه و حسن نظره أوهام المخاطبين بها إليها، و إلى النظر في تراكيبها و ابتداع خلقها مدرجا إلى الاستدلال بها على خالق لا يشبه الأشياء و لا يشبه من جهة أنه لا يقدر على خلق الأجسام إلا القديم الذي ليس بجسم و لا عرض، إذ جميع ذلك محدث و لا بدّ له من محدث لاستحالة التسلسل، فتقديم السماوات و الأرضين في الذّكر لأنها المعظم في المشاهدات و الأصل و ما عداها تبع لها، و لتكون الحواس إلى تمييزها أسرع، و الأذهان إلى تبحثها أميل، و النّفوس في الكشف عن سرائرها أرغب، و العقول عنها أفهم، و اختلاف اللّيل و النّهار يدلّ على عالم مدبر لأنه متقن في الصنع محكم في التدبّر قريب التحوّل بعيد التأخر، فهو أبلغ أداء و أبين مأخذا، و أفصح برهانا، وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ [سورة البقرة، الآية: 164] لأنه فعل منعم عالم بما يكون قبل أن يكون هيأ اللّه لمنافع الناس و من جرى مجراهم لكي يفكروا، مع كثرة بلواهم بها، و مع تعذر فعل مثلها عليهم منها و ليعلموا بمواقع حاجاتهم و تيسر مرافقهم بها أنّ اللّه لهو الحكيم الرءوف المحدث لهم، و المنشئ و المصرف و المسخر.
فأما الماء المنزل من السّماء، فيدل على الرازق المنعم المبدع لما شاء لا يعجزه شيء
مروم، و لا يتكأده مطلوب، لا يخطئ تدبيره، و لا يقصر عن الحاجة تقديره آخر مراده وفق أوله لائق بآخره.
و أما إحياء الأرض بعد موتها فتمثيل للحشر و البعث، و تنبيه على أنه تعالى تتجدد منحه حالا بعد حال، و وقتا بعد وقت ليكون للعائشين بها أهنأ، و في إظهار القدرة عليها أحكم، و يجوز أن يقال: و صفت الأرض بالحياة لينشأ النبات عنها كنشوء النتاج عن الحيوان فقيل: إذا كانت عامرة حيّة، و إذا كانت هامدة ميتة، و يجوز أن يقال: و صفت بذلك لأنّها تخرج ما تحيي به النّفوس من الثمار و الزّروع. قوله: وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ [سورة البقرة، الآية: 164] يريد من جهة السّماء و من نحو السّماء، و في موضع آخر: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [سورة الفرقان، الآية: 48] يجوز أن يكون بدلا من الماء، أو تبيينا له و تفسيرا، أو يكون كالفطور و أمثاله فلا يدل على الكثرة، و إذا جاز ذلك فيه فليس لأحد من الفقهاء أن يتعلق بظاهر الآية فيقول: إنّ طهورا فعول، و هو صفة للماء فيجب أن يدل على الكثرة و المبالغة في الحكم الذي يجب في فعول إذا كان صفة لأنّ فعولا قد يكون كالفطور فلا يدل على الكثرة، و لأنه قد يجوز أن لا يكون صفة للماء بل يكون بدلا و تفسيرا، و يسقط التعلّق بظاهر الآية.
و أما قوله تعالى: وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ [سورة البقرة، الآية: 164] فيستدلّ به على الاقتدار على ما لا يتأتى للعباد إن ميسرها لأوان فقرهم إليها إن شاء جعلها السّبب في إهلاكهم بها، فهو مذكّر واعظ و مبشّر قادر، و معنى تصرفها تحوّلها من حال إلى حال و من جهة إلى جهة، و كذلك صرف الدّهر تقلبه، و قال الحسن: الصّرف النافلة، و العدل الفريضة.
قوله تعالى: وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [سورة البقرة، الآية: 164] أصل البث التفريق، ثم توسع فيه فقيل بث فيه الشّراب و السّم، و يريد بالفلك السّفن إذا أصعدوا في البحر للتجارات و ما يجري مجراها، و يقع على الواحد، و الجمع قال تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* [سورة الشعراء، الآية: 119] و إذا أنث فلأنه أريد به الجمع، و أصله الدّوران، و منه تفلّكت الجارية إذا استدار ثديها، و إنّما استوى الواحد، و الجمع فيه لأنّ فعلا و فعلا يشتركان كثيرا كمثل قولهم: العرب العرب، و العجم، و العجم، و البخل، و البخل، فمن قال: في أسد أسد، قال: في فلك فلك، فجمعه على فعل، و مثل هذا قولهم: هجان لأن فعيلا و فعالا يشتركان في الجمع، كقولك: قضيب و قضب، و كتاب و كتب، فمن قال: كريم و كرام، و طويل، و طوال يلزمه أن يقول: هجين، و هجان. فإن قال قائل: لم جمعت اللّيل و لم يجمع النهار؟ قلت: النّهار بمنزلة المصدر، فهو كقولك: الضّياء و الظّلام، فوقع على القليل
و الكثير، و اللّيلة مخرجها مخرج الواحد من اللّيل على أنه قد جمع في الشذوذ على نهر قال:
لو لا الثّريد إن هلكنا بالضّمرثريد ليل و ثريد بالنّهر
و أصل التّسخير: التّذليل، و المراد إنّ اللّه يمسكه، و تسكين الأجسام الثقال بغير دعامة و لا علاقة فعل من لا شبيه له و لا نظير، فهو القادر الذي لا يعجزه مراد قوله تعالى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة البقرة، الآية: 164] يريد أنّ هذه البراهين على التّوحيد، و بطلان التّشبيه يستدل بها العقلاء، فيصلون إلى العلم بما يلزمهم، ثم العمل بها ففيه مدح المفسرين المتأملين، و ذمّ لمن سلك غير طريقهم، فأهملوا مع المهملين.
و منه قوله تعالى في سورة النّمل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [سورة النّمل، الآية: 59] إلى قوله:
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [سورة النمل، الآية: 66].
اعلم أنّ هذه الآي تشتمل على فوائد كثيرة و مسائل جمة عجيبة. فمنها بيان الفائدة في قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، و كيف جعل قرآنا متلوا؟ و الظاهر أنه من كلام جبرائيل مخاطبا للنبيّ صلى اللّه عليه و سلم عند أداء المنزل إليه، و منها: كيف مورد قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ [سورة النّمل، الآية: 59] و القصد إلى تبكيت المعاندين و إنذارهم و جمع الحجّة عليهم و قل إنكارهم بدلالة قوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة النمل، الآية: 59] إلى غير ذلك مما سنبيّنه شيئا بعد شيء إن شاء اللّه تعالى، فنقول و بالله التوفيق.
أما لفظة قل: فحيث ما جاء في التّنزيل مبتدأ كان، أو متوسطا، فهو أمارة كونه من كلام اللّه خطابا للنّبي صلى اللّه عليه و سلم تبصيرا عند افتتاح القول، و تهذيبا، أو إسقاطا للسؤال، يوجهه المعاندون نحوه امتحانا، فكان النّبي صلى اللّه عليه و سلم ينتظر في مثل هذه الأحوال ما يلقنه من وحي فيدفع به مضرّتهم، أو يبطل به حجّتهم، أو يتوصّل به إلى تعجيزهم و رد كيدهم في نحورهم، أو يستظهر به داعيا عند طلب السّلامة عليهم ظهر الابتداء المعقب بقل و اللّه يمده بما يعلو به أمره، و يشتد به أزره فلا يجيء لفظة قل في القرآن إلّا و هو تلقين للنّبي صلى اللّه عليه و سلم و كموعد ينتظر إنجازه على هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: 85] و قوله تعالى: ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف، الآية: 9]، و كقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ [سورة ص، الآية: 65] و قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [سورة الكافرون، الآية: 1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص، الآية: 1] و قُلْ أَعُوذُ* [سورة الفلق، الآية: 1] و ما أشبهها.
و أما قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ فإن القوم لما تقرر الكلام عليهم و استمرارهم في لزوم الجحد و مباينتهم لنهج الحق جعل اللّه ابتداء الكلام خطبة على عادة العرب في مقاماتهم و عند تصرّفهم في منافراتهم لأنهم يبدءون في مقارضاتهم بحمد اللّه، و الثّناء عليه و الصّلاة على رسوله يأخذون في مآربهم و يستقرّون في وجه القول مدارجهم لتكون طرق البيان بها أوسع، و براهين الموجبات فيها أثبت فقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي ابتدأ بالثناء على اللّه فيما آتاك من فضله و اختصك به من كرامته، ثم اتبعه بالتّسليم على إخوانك من الأنبياء الذين اصطفاهم اللّه كما اصطفاك، و حمّلهم من أعباء الرسالة مثل ما حمّلك، ثم سل هؤلاء الذين ينازعونك الأمر، و يرادونك فيما تدعو إليه القول، و قل اللّه خير أم ما تجعلونه شركاءه.
و مثل هذا من الكلام يستعمل مع من حقت عليه الشّماتة و لزمت الحجة و تبرأت منه المعذرة فيقرع لسوء اختياره به و يرى بعد ما بين أمريه فيه، ثم أخذ تعالى في إحصاء نعم اللّه التي تفرد بإنشائها يقرّرهم على ما يضطرون إلى تسليمها و نقص يد المنازعة فيها من خلق السّماء و الأرض و إنزال الغيث الذي تنبت به الحدائق، و يحيي به الموات، و يعيش منه الناس و الأنعام كما قال تعالى في موضع آخر: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [سورة الزمر، الآية: 21] الآية. يقول: انظر كيف أنزل الغيث، و كيف أحيي به الأرض؟ ثم جعله فيها ينابيع إلى أن أخرج به المرعى فجعله غثاء أحوى.
و وجه التّقرير بهذا تأنيسهم بما كانوا لا ينكرونه لأنهم كانوا معترفين بأنّ ما يدعونه من الشّركاء لم ينبتوا شجرها، فكيف ما عداها، و أنّ مثل الشّركاء في العجز عنها مثلهم في أنفسهم لا تباين و لا تمايز لتساوي أحوالهم و تقارب آماد قواهم، فقال ذات بهجة، و لم يقل ذوات لأنه لمّا كانت الجموع مؤنثة اكتفى بالتأنيث عن الجمع و مثله القرون الأولى، و الأسماء الحسنى قوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [سورة النمل، الآية: 60] أم فيه لتحوّل الكلام، عن حال إلى أخرى فهي أم المنقطعة لا المعادلة، و في قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ هي المعادلة و المفسرة بأي، و في كلّ منهما تبكيت شديد و تعنيف بليغ و إن اختلف طريقاهما لأنّ قوله تعالى: أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [سورة النمل، الآية: 60] ممتزج بوعيد و تعجيب. و قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ [سورة النمل، الآية: 59] ممتزج بتسخير و لو قيل إلها بإضمار فعل جاز. و مثله:
أ عبدا حلّ في شعبي غريباأ لؤما لا أبا لك و اغترابا
و قوله تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [سورة النمل، الآية: 60] حكم بأنّ الكلمة حقّت عليهم لعبادتهم أ لا ترى أنه تابع بين البراهين السّاطعة و الإلزامات الدّامغة، فأخذ يسألهم عن
الأرض و مصيرها قرارا للخلق و ما في خلالها من الأنهار، و ما ثبت بها من الجبال، و عن البحرين و الحاجز بينهما، و عن إجابة المضطر، و إغاثة الملهوف من يقيمها فيقول: من أنشأها و جعلها كذلك تكرّر التفريع، و مثل هذا من القول مع المصر الجاحد أبلغ من كل وعيد، و أوعظ من كلّ نكير. قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [سورة النمل، الآية: 62] يجري مجرى الالتفات في كلام البلغاء لأنه تعالى بعد تعداد آلائه عليهم و على جميع الخلق معهم، و بعد إظهار الآيات البيّنة و ذهابهم عن المناهج المستقيمة و أنّهم لا يرجون بالنّذر و لا يرعون للعبر.
قال: بلغت المقال في نكوصهم إليهم و يقبح فيما يؤثرونه من صوابهم لديهم: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ، و هو لا يثبت بالقليل شيئا و إنما هو نفي خالص فكأنه قال: لا تذكرون شيئا، و يجوز أن يكون انتصاب قليلا على الظّرف و على أن يكون صفة لمصدر محذوف قوله تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ [سورة النمل، الآية: 63] يريد من يسيّركم و يرشدكم إلى القصد و السّمت في تلك الحال، وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [سورة النمل، الآية: 63] أي أمام الغيث ناشرة، أو مبشرة، فقد قرئ نشرا بالنّون، و بشرا بالباء، و معنى النّشر ضد الطي أي تفتح الأرض، و تعرج أطباقها للمطر و النّبات كما قال تعالى: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [سورة الحجر، الآية: 22]، و ختم الكلام بإعادة التّبكيت لأنّ هذه المسائل لا أجوبة لها تعالى اللّه عما يشركون، ثم قال تعالى: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [سورة النمل، الآية: 64] جعل الخطاب في هذا الفصل، و في فصلين قبله و هما: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ [سورة النمل، الآية: 62] و أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بلفظ المستقبل بعد أن ساق في أول الفصول الكلام على بناء الماضي فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [سورة النمل، الآية: 60] و أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً [سورة النمل، الآية: 61] لأنّ بعض أفعاله تعدم و حصل محصل المستكمل المفروغ منه، و فعل ما يساء في خلقه حالا بعد حال، فهو كالمتّصل الدائم لذلك خالف الآخر الأول، و قال بعد المسائل التي رتّبها معجزاتها: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ [سورة النمل، الآية: 64] على مقالتكم، و استأنف تعليم النّبي صلى اللّه عليه و سلم بما يورده عليهم في إنكارهم البعث و استعجالهم من النّشور بعد الموت لما قالوا: أَ إِذا كُنَّا تُراباً [سورة النمل، الآية: 67] وَ آباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ [سورة النمل، الآية: 67] لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [سورة النمل، الآية: 68] فقال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [سورة النمل، الآية: 65] فما غاب عنكم كيف تحكمون عليه بالبطلان و الامتناع، و قد استوى المخلوقون في استبهام أمر الساعة عليهم فلا يشعرون متى يبعثون أ لا تسمع قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [سورة الأعراف، الآية: 187] و إذا
كان القيامة من الغيب الذي استأثر اللّه بعلمه لما تعلق بخفائه من مصالح المكلفين، فالمتكلم فيه أمّن الكفار واقف من مطلوبه موقف الخزي و الخيبة، و الرّاجع من مرتاد القيامة يفوت السّلامة.
قوله تعالى: بل أدرك علمهم في الآخرة استهزاء بهم جعل علمهم كالثّمر المنتظر ينعه و تكامله، فإذا تم بلوغه قيل أدرك، و قرئ بل إدارك علمهم، و المعنى تدارك، و هو أبلغ في المعنى لأنّ تفاعل بناء لما يحصل شيئا بعد شيء على هذا قولهم: تداعى البناء و تلاحق القوم و ما أشبهه، ثم قال مرزيا بهم و مبطلا لظاهر ما أعطاهم: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [سورة النمل، الآية: 66] فانظر كيف ارتجع منهم ما بذله و على أي ترتيب رتّبه لأنه قال: بل أدرك علمهم بلسان التّهكم و الهزء، ثم حطّهم عن تلك الرّتبة فقال: بل هم في شك منها فضعف علمهم و إدراكهم بالشّبهة العارضة لهم إذ كان الشّك لا يحصل إلا لعارض شبهة، ثم قال: يجهلهم و يردّهم إلى أسوأ منازل الباحث، فقال: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ، و قال بعض أصحاب المعاني: بلغني عن ابن عبّاس أنه قرأ: بلى إدارك يستفهم، و يشدّد الدال، و هو وجه جيد لأنه أشبهه بالاستهزاء بأهل الجحد كقولك للرّجل بكذبه و العمى المذكور بإنما هو من الرّي دون البصر، و هذا بيّن و الحمد للّه.
و منه قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة النور، الآية: 35] إلى وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة النور، الآية: 35] أراد بقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أنّ الآيات الباهرة الدالة عليه و على أنه لا نظير له و لا شبيه، و أنّ العبادة لا تحق إلا له مبينة مضيقة لعذر من شبه بخلقه ظاهرة ظهور المصباح لذي وصفه في المشكاة التي بين أمرها إذا كان اللّه تعالى خالق الظلم و الأنوار، ثم جعل المصباح في زجاجة صافية تشرق إشراق الكوكب المضيء الوقّاد، و قد استصبح ذلك السّراج بزيت من شجرة زيتون قد بورك فيها ثابتة على خط استواء لا شرقية، فيكون خطها منها العشيات فقط بل تستوفي قسطها مما ينمّيها و يربّيها كل وقت حتى إنّ عصيرها إذا اعتصر يقرب من أن يشرق و إن لم تمسه نار، ثم قال: نُورٌ عَلى نُورٍ [سورة النور، الآية: 35] يعني نور المصباح، و نور الزّجاجة، و نور الزّيت يدل على أنّ أسبابه متعاونة في الإضاءة فكلّ موادها نور مفرد لو اكتفى به في الإشراق لأغنى عن غيره، فيقول: إنّ هذه الأنوار المجتمعة المترادفة مثل لآيات اللّه في وضوحها، و الدّلالة على وحدانيته، فلا شبهة تعرض لناظر و لا مرية يتسلط على خاطر فكلّ من ضل عمّا دعي إليه فإنما أتى من قبل نفسه و سوء تأنّيه، أو من هو يجذبها إلى الضّلال فيرديه. فإن قيل: هل تعرف في نظوم كلامهم مثل هذا التركيب، و التّلفيق؟ أو هل تعرف في الأمثال المضروبة لتأكيد القصص و الأخبار ما أسس هذا التأسيس؟
قلت: هم يقولون مثل هذا إذا قصدوا التّنبيه على تناهي الشيء و بلوغه أقصى مأخذه حتى يستغرق أكثر أوصافه على ذلك قول الأعشى، و هو يهول أمره و يعظمه فيما قاساه في الغزل حتى بلي فيه بما لا مزيد على شأنه فقال:
علقتها عرضا و علقت رجلاغيري و علق أخرى غيرها الرّجل
و علقته فتاة ما يخاف لهامن قومها ميت يهذي بها و هل
و علقتني فتاة ما تلا يمنيفاجتمع الحبّ حبا كلّه تبل
فكلّنا هائم يهذي بصاحبهفآب و دان مخبول و مختبل
فهذا من الباب الذي نحن فيه، و قد فعل اللّه مثل ذلك فيما ضربه من المثل للكفر و الضّلال فقال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ الآية، فكما ضرب للهدى المثل بالنّور على ذلك الحدّ من التأكيد ضرب للكفر مثله و على حده.
فأما قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [سورة النور، الآية: 35] فإنه يحتمل وجهين:
(أحدهما) أن يكون مثل قوله تعالى: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [سورة الزمر، الآية: 22] و قوّى بصيرته و نوّر منهاجه و قصده، و يجوز أن يريد بالنّور الذي يهديه له ما يفعل اللّه بالمؤمنين من إرشادهم إلى طريق الجنة، كما قال في صفتهم: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ [سورة التحريم، الآية: 8]، و مثل قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، قوله تعالى في صفة النبي صلى اللّه عليه و سلم: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً* [سورة الفتح، الآية: 8] الآية، و هذا واضح بيّن.
قوله تعالى: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ إلى شِهاباً رَصَداً [سورة الجن، الآية: 8] يقال لمس و التمس بمعنى طلب و حمل عليهما المس أيضا، فالحجة في الأول قوله الام على تبكيه فلا أجده يكشف ذلك قوله: فلا أجده، و فعل، و افتعل يتصاحبان كثيرا، و أما المس و خروجه إلى معنى اللمس فقد استشهد له بقوله:
مسسنا من الآباء شيئا و كلّناإلى حسب في قومه غير واضع
فقيل المعنى طلبنا في نسب آبائنا هل فيه ما يقتضي ما أنكرناه من أخلاقهم لأنّ المس بالجارحة لا يتأتى في الأنساب، و الأحساب، ثم حمل قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة، الآية: 79]، و قيل معناه لا يطلب النّظر في أدلة اللّه المنصوبة في كتابه العزيز للاقتباس من آدابه و حكمه، و الاعتبار بأمثاله، و حججه إلا المطهرون من دنس الشرك و دغل الكفر، و يكون على هذا التأويل الكلام خبرا.
و قيل فيه أيضا: إنّ المس هو التّناول باليد، و يكون على هذا اللّفظ لفظ الخبر، و المعنى معنى النّهي كأنه نهى الحائض و الجنب، و من جرى مجراهما من تناول المصاحف تنزيها لها، و تعظيما لشأنها، و الوجهان قريبان، فأما الآية فهي إخبار عن الجن المسترقة للسّمع و أنهم كانوا قبل الإسلام يقعدون من السّماء مقاعد تقرب الاستماع إلى الملائكة و تسهله في السّماء الدّنيا، فكانوا يلتقطون من تجاورهم و تذاكرهم بما يوحى إليهم امتحانا لهم ما يلقونه على ألسن الكهنة حتى يتصوروا للنّاس بصورة من يعلم الغيب، فيؤمنوا بهم و ذلك من الإضلال، و فساد الأدلة ما لا خفاء فيه، فقالوا: قد كان هذا فلما بعث النبي صلى اللّه عليه و سلم منعنا من ذلك بما أرصد لنا من ثواقب النّجوم.
و قد اعتقد قوم أنّ انقضاض الكواكب ظهر في الإسلام لأنها جعلت رجوما للشياطين فيه، و قد جاء في الشعر القديم تشبيه المسرع من الخيل و غيرها بمنقضّ الكواكب، فالأقرب في هذا أنه كثر في الإسلام، و من قبل كان يتفق نادرا، أو يكون جعلها رجوما إسلاميا و فيما تقدم من الزّمان لم يكن لذلك من الشأن فإنه تعالى قال: وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [سورة الملك، الآية: 5] و قوله تعالى لا يبدل و لا يدخل التسمح بل هو الوحي المحقق و الخبر المصدق.
فإن قيل: من أين لك أنّ الملائكة كان يرد عليهم الوحي فيتدارسونه بينهم و يجاذبونه حتى توصّلت الشّياطين منه إلى الاستماع. قلت: يدل على مثل ذلك قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [سورة البقرة، الآية: 30] الآية، فتبيّن أنّه قدّم إلى الملائكة خبر ما أراده من آدم عليه السّلام و ما كان من ذريته في الأرض امتحانا لهم. قوله تعالى: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً [سورة الجن، الآية: 8] يعني الملائكة فدعاهم حرسا لما كان منهم من منع الشّياطين من السّمع. و الحرس جمع حارس، و مثله غائب، و غيب. و الشهب جمع شهاب، و هو النّار و لو لا فعل اللّه تعالى ذلك لكان الوحي إلى النّبي يتخلّله الفساد، بما يكون من الجن فله الحمد و الشكر على نعمه في كل حال و سيجيء من الكلام من بعد فيه ما تزداد به هذه الجملة انشراحا إن شاء اللّه تعالى.
و منه قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ [سورة التوبة، الآية: 36] الآية، نبّه اللّه تعالى على عدد الشّهور العربية، و هي التي تسمّى شهور القمر. و ميزان السنة اثنا عشر شهرا لأنّ القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، أ لا ترى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ [سورة يونس، الآية: 5] و كذلك فعلت الفرس بقسمة أيام السنة باثني عشر قسما، و جعلوا أيام كل شهر ثلاثين يوما، و زادوا في آخر (ماه ابان) خمسة أيام سموها اللّواحق، و المسرقة،
و سمّوها الكبيسة و إنما زادوا ذلك لتتم سنة الشّمس.
و كذلك زادت الرّوم في أيام شهورهم و نقصت، و كبست ليكون أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، و هي ثلاث مائة و خمسة و ستون يوما و ربع يوم، و ذكر بعضهم أنّ العرب كانت تعمل الكبيسة أيضا لئلا تتغير أحوال فصول سنتهم، و كان شتاؤهم أبدا في جمادي الأولى، و جمادي الآخرة، و يجمد الماء في هذين الشّهرين و لذلك سموهما بهذا الاسم، و يكون صيفهم في شهر رمضان، و شوال، و سموا رمضان بهذا الاسم لشدّة الحر فيه، و وجدوا أيام السّنة القمرية ثلاث مائة و أربعة و خمسين يوما، و تنقص عن أيام السّنة الشّمسية نحو أحد عشر يوما، و أحبوا أن تكون فصول سنتهم على حال واحدة لا تتغيّر، و كانوا يكبسون في كل ثلاث سنين شهرا، و يجعلون سنتهم ثلاثة عشر شهرا و يسمّونها النّسي إلى أن بعث محمد صلى اللّه عليه و سلم، و أنزل اللّه تعالى هذه الآية: إِنَّمَا النَّسِيءُ [سورة التوبة، الآية: 37] الآية فلم يكبس بعد ذلك، فصار شهر رمضان يتقدم في كلّ سنة نحو أحد عشر يوما، و يدور على جميع فصول السنّة في نحو ثلاثين سنة، و لا يلزم نظاما واحدا، و هذا الذي حكاه هذا الإنسان يبطله ما ذكره اللّه تعالى، و رواته نقلة الأخبار، و سأبيّنه من بعد.
فقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ [سورة التوبة، الآية: 36] فالكتاب هاهنا هو الحكم و الإيجاب أ لا ترى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ* [سورة البقرة، الآية: 216] و كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [سورة الأنعام، الآية: 12]، و المعنى إنّ الواجب عند اللّه أنّ عدد الشهور على منازل القمر و أنّ أعياد المسلمين و حجّهم و صلواتهم في أعيادهم و غير ذلك تدور و أنه أجراها على هذا المنهاج: يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، [سورة التوبة، الآية: 36] ثم قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ يريد من الأشهر، أي جعل لها حرمة كما جعل البلد الحرام، و البيت الحرام ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [سورة التوبة، الآية: 36] يريد دين الإسلام قوله تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [سورة التوبة، الآية: 36] أي لا تدعوا مقاتلة عدوكم إذا قاتلوكم في هذه الأشهر، فتكونوا معينين على أنفسكم و ظالمين لها بكشف هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [سورة البقرة، الآية: 217]، و المعنى عن قتال في الشهر قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [سورة البقرة، الآية: 217] و قد تم جواب السؤال لكن اللّه تعالى زاد في الكلام ما انشرحت به القصة و أتى من وراء القصة، فقال: وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [سورة البقرة، الآية: 217]، فقاتلوهم فإنكم معذورون، و معنى قوله تعالى:
كَافَّةً جميعا، و محيطين بهم و مجتمعين. و انتصابه على الحال، و مثل كافة قولهم: قاموا معا لا يدخلها الألف و اللام، و كذلك قاموا جميعا، و قال الزّجاج: اشتقت من كفة الشيء
و هي حرفه و كأنها مأخوذة من كف لأنّ الشيء إذا انتهى إلى ذلك كفّ عن الزّيادة و لا يثنّى و لا يجمع لأنّها مصدر في الأصل كالعاقبة، و قم قائما، و كقولهم: العامّة و الخاصة.
و من هذا قولهم: لقبته كفة كفة، و المعنى كفة ككفة، أو كفة إلى كفة، قوله تعالى:
وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التوبة، الآية: 36] ضمان منه يقال لنصرة المؤمنين قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [سورة التوبة، الآية: 37] النّساء، التأخير، و قال: نسأ اللّه في أجله، و منه النّسيء في تأخير الدّين يقول: فالذي يفعله الكافرون في تقديم الأشهر الحرم على أوقاتها التي جعلها اللّه لها و تأخيرها زيادة في كفر الكافرين، و استمرار في ضلالهم و ذهاب عن الواجب عليهم و إنّما كانوا يفعلون ذلك فيحلّون الشهر من هذه الشّهور في بعض الأعوام و يحرّمونه في العام الآخر ليوافقوا بالتّحليل تحريم اللّه تعالى فيحلّوا الحرام و يحرّموا الحلال.
قوله تعالى: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ [سورة التوبة، الآية: 37] أي استحسنوا من ذلك ما هو سيئ و أتى بلفظ الخبر، عن المفعول و لا فاعل، ثم و مثله قولهم: أعجب بنفسه، و عنى بكذا و هذا كان من عادتهم كما كانوا يفعلونه في البحيرة و السائبة، و الوصيلة، و الحامي حتى أبطلها اللّه تعالى بما أنزل فيه: (و البحيرة) كانت النّاقة إذا انتجت خمسة أبطن، و كان آخرها ذكرا شقّوا أذنها، و امتنعوا من ركوبها و نحرها، و لا تمنع عن ماء و كلاء و لا يركبها المعي إذا لقيها.
و السّائبة: كان الرّجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو برء من علّة يقول: ناقتي سائبة، أو عبدي سائبة فلا يستعان بعد ذلك به و لا يحادث عما يريده.
و الوصيلة: هي الغنم إذا وضعت أنثى كانت لهم و إن وضعت ذكرا جعل لآلهتهم، و إن ولدت ذكرا، و أنثى قالوا؛ وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم.
و الحامي: كانوا إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحملون عليه و لا يمنعونه من ماء و مرعى.
فيما قاله النّاس نقلة الأخبار و المفسرون ذكروا أنه كان قوم من بني كنانة يقال لهم بنو فقيم يتولّون ذلك إذا اضطروا إليه عند اتفاق حرب عظيمة و داعية خطب قوية يرى في الواجب عليهم الاشتغال في المحرّم به، فكان في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب لموسمهم يقوم مناد فينادي: الآن استنسانا، و استفرضنا إلا أن المحرم صفر، و أنّ صفر هو المحرم
الأكبر، فكانوا يحلّون في المحرم ما كان فيه من قتال و سفك دم و استباحة حريم، و يحرمون في صفر ما كان مباحا عندهم و في مذهبهم ليواطئوا العدة، و يبلغوا فيما رأوه من الإرادة، و المواطاة: الموافقة.
و حكى ثعلب أنّ الكناني كان يقال له: نعيم بن ثعلبة، و كان رئيس الموسم في الجاهلية فيقوم إذا أرادوا الصّدر عن منى فيقول: أنا الذي لا أعاب و لا أخاب، و لا يرد لي قضاء فيقولون: صدقت انسينا شهرا، و يريدون أخّر عنّا حرمة المحرم، و اجعلها في صفر فيفعله، و لهذا ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى أنّ الأشهر الحرم كانت في الجاهلية عشرون.
من ذي الحجة، ثم المحرم، ثم صفر، و شهر ربيع الأول، و عشر من شهر ربيع الآخر، و في الإسلام هي ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و رجب ثلاثة متناسقة، و واحد منفرد، و كانت العرب تعظم رجبا، و تسميه منضل الأسنّة، و منضل الآل لأنّهم كانوا ينزعون الأسنّة من الحراب و الرّماح توطينا للنّفوس على الكف عن المحظور فيه في مذهبهم و يسمّونه أيضا شهر اللّه الأصم لأنه كان لا يسمع فيه تداعي القبائل و لا قعقعة السلاح.
قالوا: فلما قام الدّين لمحمد صلى اللّه عليه و سلم أنزل اللّه في النسيء ما أنزل و لتأكيد الأمر فيه ذكره صلى اللّه عليه و سلم في خطبة الوداع فقال: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّماوات و الأرض السّنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و رجب مضر الذي بين جمادي و شعبان». ثم انتسب الناس بعد فراغه مما أراد تأكيدا للقول فيه فقال: في أي يوم يخطب؟ و من أي شهر هو؟ حتى أجابوه فأشهد اللّه على ما فعل فقال: «ألا هل بلغت اللهم فاشهد».
فهذا الأمر النسيء، و معنى قوله عليه السلام: قد استدار كهيئته هو أنهم كانوا يحلون المحرم و يحرمون صفرا كما ذكرنا.
ثم كانوا يحتاجون في سنة أخرى إلى تأخير صفر إلى الشّهر الذي بعده كحاجتهم في المحرم فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك دعة، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك، و كان يتدافع شهرا شهرا حتى دار التّحريم على شهور السّنة كلّها. و قد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه اللّه به و ذلك بعد دهر متطاول، فكان النبي صلى اللّه عليه و سلم أراد رجعة الأشهر إلى مواضعها و بطل النسىء.
و روي عن مجاهد أنه قال: كانت العرب في الجاهلية يحجّون عامين في ذي القعدة، و عامين في ذي الحجّة، فلمّا كانت السّنة التي حج فيها أبو بكر رضي اللّه عنه كان الحج في السنة الثانية من ذي القعدة، و هي حجة قراءة براءة قرأها علي كرّم اللّه وجهه على النّاس، ثم
حج النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فلما كانت السّنة التي حجّ فيها النبيّ صلى اللّه عليه و سلم عاد الحج إلى ذي الحجة، فذلك قوله: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّماوات و الأرض».
ثم قال لما فرغ من خطبته: «أيّ يوم هذا»؟ قالوا: يوم حرام، قال: «أي شهر هذا» قالوا: شهر حرام. قال: «أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، فقال: «ألا إنّ دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا اللهم هل بلّغت».
و مراد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنه قد ثبت الحج في ذي الحجة على ما كان عليه في أيام إبراهيم عليه السّلام، فهذا أيضا طريقه، و الأول أشبه و أشهر و جميع هذا، أو أكثره حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام أيضا. و قيل: إنما قيل رجب مضر لأنّها كانت تعظّمه، و تحرّمه، و لم يكن يستحلّه العرب إلّا حيّان خثعم و طيء فإنهما كانا يستحلان الشهور، فكان الذين ينسئون الشّهور أيام الموسم يقولون حرمنا عليكم القتال في هذه الشهور إلّا دماء المحلّين.
و هذا الفصل لائق بما قدّمناه من التّنزيل، فلذلك جعلناه من تمامه. روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب، و النّياحة، و الاستسقاء بالأنواء». فالاستسقاء بها منكر، كما قال صلى اللّه عليه و سلم إلّا أنّ العرب مختلفون فيما يراعونه من قسمة الأزمان و الفصول و الحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال و الشّهور، و لهم في ذلك من صدق التأمل، و استمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم، يدل على ذلك أنّ كل ما حكموا به قديما عند طلوع هذا المنازل من تحت شعاع الشّمس بالغدوات في ناحية المشرق و سقوط نظائرها في المغرب من أحوال فصول السّنة، و أوقات الحر، و البرد، و مجيء الأمطار و الرّياح فإنّها تجري على ما حكمت به إلى أن لا يتغير و لا يتبدل إلّا على طريق الشذوذ، و على وجه لا يحصل به الاعتداد و على ذلك فهم مختلفون.
فمنهم من اعتقد أن تلك الحوادث من أفعال الكواكب، و أنها هي المدبرة لها و الآتية بها حتى صارت كالعلل فيها و الأسباب؛ و أنّ للأزمنة تأثيرا في أهلها كما أنّ للأمكنة تأثيرا في أهلها و لذلك أخذ قرن عن قرن النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، قالوا: فتصاريف الأزمان تؤثّر في الخلق و الأخلاق و الصّور و الألوان و المتاجر، و المكاسب و الهمم و المآرب و الدّواعي و الطّبائع و اللّسن؛ و البلاغات و الحكم و الآداب، فذمّ اللّه تعالى طرائقهم و نعى عليهم عقائدهم، و قال حاكيا عنهم: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [سورة الجاثية، الآية: 24] الآية، و هذا تجهيل من اللّه تعالى لهم، و ذكر بعضهم أنّ
الذي يدلّ على أنّ شأنهم كان تعظيم الرّجال و الاستسلام للمنشإ و الذّهاب مع العصبيّة و الهوى ما نجد من اعتقاد أكثر أهل البصرة و سوادهم لتقديم عثمان، و اعتقاد أهل الكوفة لتعظيم علي، و من اعتقاد أكثر الشاميين لدين بني أمية و حب بني مروان حتى غلط قوم فزعموا أنّ هذا لا يكون إلّا من قبل الطالع، أو من قبل التّربة، كما تجد لأهل كل ماء و هواء نوعا من المنظرة و الرّأي و الطّبيعة و اللّون و اللّغة، و النّشوء و البلدة و لو كان ذلك كما ظنّوا لما حسن الأمر و النّهي و لا كان لإرسال الرّسل معنى، و لما جاز الثّواب و العقاب بلى لاستمالة النّاس بالتّرغيب و التّرهيب و الاصطناع و التّقريب؛ و الذّهاب مع المألوف شأن عجيب.
و ذكر بعض المفسرين و هو عبد اللّه بن عباس في قوله تعالى: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [سورة الواقعة، الآية: 82] أنه القول بالأنواء و قرأ علي، و تجعلون شكركم أنكم تكذبون، فأما قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [سورة البقرة، الآية: 78] فإنّ للالف و العادة سلطانا على النّفوس و القلوب قويا و أخذا بالبصائر، و العيون عزيزا. و كانوا إذا استهجنوا مستكرما، و استقبحوا مستحسنا، و عدلوا عن مألوف إلى متروك، و عن معمول إلى مرفوض و تنقلت بهم الأحوال و تبدّلت لهم الأبدال طلبوا المعاذير و العلل، و صرفوا الفكر في الأسباب و الدّواعي من جوانب الالف و العادة لا من نواحي النّظر و التّدبر لطلب الإصابة، فرضوا بأن يعملوا الظّنون، و الأوهام، و تحمّلوا تلك الأفاعيل على الأسماء فضلا عن الذّوات ثقة بما يشاهدون و اغترارا بآرائهم فيما يحكمون لذلك قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لا تسبوا الدّهر فإنّ اللّه هو الدّهر» لأنه رآهم يقولون لذلك الاعتقاد الفاسد: أباد بني فلان الدّهر، و أفناهم الليالي كقول بعضهم شعرا:
يا دهر قد أكثرت فجعتنا إذابسراتنا و وقرت في العظم
و سهلتنا ما لست تعقبنا بهيا دهر ما أنصفت في حكم
و كقول الآخر:
و إنّ أمير المؤمنين و فعلهلكالدّهر لا عار بما فعل الدّهر
و معنى قوله صلى اللّه عليه و سلم لا تسبّوا الدّهر أي لا تسبّوا الذي يفعل هذه الأشياء فإنّكم إذا سببتم فاعلها فإنّما يقع السّب على اللّه تعالى. و منهم من اعتقد أنّ تلك الحوادث من فعله تعالى لكنّه أجرى العادة بأن يفعلها عند طلوع تلك النّجوم، أو أفولها لأنّهم مختلفون في ذلك أيضا كأنهم يعدّون تلك التّغيرات أوقاتا لها، و أمارات و سمّوها الأنواء باتّفاق منهم لأنّ النوء يكون السّقوط و الطّلوع، و هذا قريب في الدّين و العقل لا إنكار فيه، و على هذا يحمل قول عمر للعبّاس حين استسقى: يا عمّ رسول اللّه كم بقي من نوء الثّريا. فإنّ العلماء بها يزعمون أنها تعرض في الأفق سبعا لأنّ هذا أمر عيان على مجار قائمة و مسير مركب، و قد جعل اللّه
تعالى في علم هذا و ما أشبه مما ضمّنه هذا الفلك عبرا كثيرة، و آية مبصرة، و دلالة صادقة عم بجليله أكثر هذا الخلق، و خصّ بلطيفه خصائص منهم مدحهم حين تبينوه و أقاموا الشّكر عليه فقال تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي مضيئة: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [سورة الإسراء، الآية: 12] الآية، و قرأ بعضهم مبصرة فيكون مثل قول عنترة: و الكفر مخبثة لنفس المنعم.
و إذا وضعت مفعلة في معنى فاعل كفت من الجمع و التأنيث يقولون: الولد مجبنة، و هذا العشب ملينة مسمنة فاعلمه.
و قال في آية أخرى: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ [سورة الأنعام، الآية: 97] الآية، و قد علمنا أنّ خلقا كثيرا هلكوا بتفويض التّدبير إلى النّجوم و لإفراطهم في الأنواء قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبحت طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا فأمّا من آمن بي و حمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي و كفر بالكواكب».
و روي عنه أيضا من وجه آخر: «لو أن اللّه عز و جل حبس المطر عن النّاس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون مطرنا بنوء المجدح» و مما يدل على ذلك قول الشاعر شعرا:
يا سحم من نتج الذّراعين أنأقتمسائله حتّى بلغن المناجيا
المناجاة المكان المرتفع لا يبلغه السّيل.
و قال آخر شعرا:
و أخلف نوء المرزم الأرض قرّةلها شبم فيه شفيف و جالد
و قال آخر:
تربّع من جنبي قنا فعوارضنتاج الثّريا نوؤها غير مخدج(1)
و لو كان مرادهم بقوله: مطرنا بنوءه كذا: أي مطرنا في نوئه على التّشبيه بقول النّاس:
مطرنا في غرّة الشّهر لم يكن مكروها، و كذلك مذهبهم في تأمّل الغيث أن لو كان على نحو توقّع النّاس أياما للأوقات المعروفة بالمطر لم يكن به بأس، لأنّ النّاس جميعا يعلمون أنّ للحر و البرد و المطر و الرّيح من السّنة وقتا جرت العادة بتقدير اللّه تعالى أن يكون فيه أكثر ما
1) غير ناقص.
يكون، و إن كان اللّه تعالى يأتي به إذا شاء لو لا ذلك ما عرفوا وقت حرث و لا بذر و لا ركوب بحر و لا بر، و لا انتظر حين لمجيء شيء و لا لانصراف شيء، و لكانوا و من يعاملهم كذلك في أجهل الجهل فمما هو ظاهر في زوال المكروه عنه قولهم: إذا طلعت الشّعرى سفرا و لم يروا مطرا فلا تعدون أمره و لا أمرا، لأنّهم وجدوا ذلك مستمرا في العادة و منه قول الشّاعر شعرا:
إذا ما قارن القمر الثّريالخامسة فقد ذهب الشّتاء
لأنّ مقارنة الثّريا في الليلة الخامسة من مهلّه لا يكون أبدا إلّا في قبل الدجفاء و كقول الآخر شعرا:
إذا كبد النّجم السّماء بشقوةعلى حين هرّ(1)الكلب و الثّلج خاسف
لأنه موافاته كبد السّماء في أوّل اللّيل يكون في صبارة الشّتاء و مما يكون على العكس من هذا في موافقة المكروه قول الآخر شعرا:
هنأناهم حتّى أعان عليهمعوافي السّماك ذي السّجال السّواجم
قال أبو حنيفة الدينوري: هذا الشّعر لجاهلي و اتبع أثره بعض الإسلاميين فقال:
هنأناهم حتّى أعان عليهممن الدّلو أو عوّا السّماك سجالها
قال و هنوء القوم أن يكفّهم مئونة و قد يجيء من كلامهم ما يغمض، فيرد بالتّأويل إلى كل واحد من النّاس، و للقائلين بالأحكام في النّجوم مضاهاة للقوم في إثباتهم السّعد و النحس بمقتضيات الكواكب إلا من عصمه اللّه تعالى و للّه الأمر و الحكم يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد لا رادّ لأمره، و لا مناص من قضائه.
و قد روي عنه صلى اللّه عليه و سلم: «من تعلّم بابا من النّجوم تعلّم بابا من السّحر و من زاد استزاد».
كما روي عنه صلى اللّه عليه و سلم في بعض خطبه أنه قال: «ما بال أقوام يقولون إنّ كسوف هذه الشّمس، و خسوف هذا القمر و زوال هذه النّجوم عن مطالعها لموت رجال قد كذبوا». الزّوال، و الزّولان بمعنى و هذا يمكن حمله على قوله: إنّ من البيان لسحرا، فيكون الكلام مدحا لهذا العلم، و للمشتغلين به إذا تبرءوا من الحول و القوة و مما يدخلهم في الإشراك بالله و التّسليم إلى الكواكب.
و قال ابن عباس لعكرمة مولاه اخرج فانظر كم مضى من اللّيل؟ فقال: إني لا أبصر النّجوم فقال له ابن عبّاس: نحن نتحدى بك فتيان العرب و أنت لا تعرف النّجوم، و قال:
1) هرّ الكلب: صات دون نباح.
وددت أني أعرف هفت، و دوازده يريد النّجوم السّبعة السيّارة، و البروج الاثني عشر، و قال معاوية لدغفل بن حنظلة العلّامة و قد ضمه إلى يزيد علّمه العربية و الأنساب و النّجوم: أ ترى هؤلاء حضّوا على الضّلالة، و رغبوا في السّفاهة، فتأمّل ما ذكرته فإنه واضح.
فإن قيل: إذا كان القول في قضايا النّجوم على ما ذكرته فما وجه قول إبراهيم عليه السلام مخاطبا لقومه و هم يعبدون الأصنام ليقربهم إلى اللّه زلفى: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [سورة الصافات، الآية: 87- 90] قلت: قد تكلم النّاس في هذا فقال بعضهم النّجوم جمع نجم، و هو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، و نظر نظرة معناه تفكّر ليدبّر حجّة فقال: إني سقيم يريد سقيم من كفرهم و إيمانهم بغيره، و هذا كما يقال أنا مريض القلب من كذا و إنما تخلف عنهم لما أضمر من كيد أصنامهم لأنّ حجته عليهم في تعطيل عيدهم فلمّا غابت عيونهم جعلها جذاذا.
و سئل ابن الأعرابي عن معنى قوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ [سورة الأنبياء، الآية: 60] معنى يذكرهم يعيبهم و أنشد:
لا تذكري فرسي و ما أطعمتهفيكون جلدك مثل جلد الأجرب
قال أبو إسحاق الزّجاج: قال ذلك لقومه، و قد رأى نجما فقال: إني سقيم يوهمهم أنّ به الطّاعون، فتولّوا عنه مدبرين فرارا من أن يعذبهم الطّاعون، و إنّما قال: إني سقيم لأنّ كل أحد و إن كان معافى لا بدّ له من أن يسقم و يموت. قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [سورة الزمر، الآية: 3] أي أنك ستموت فيما تستقبل فكذلك إني سقيم أي سأسقم لا محالة.
و روي في الحديث لم يكذب إبراهيم عليه السّلام قط إلا في ثلاث و إنّ هذه الثلاث وقعت فيها معارضة. و ذلك قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا على معنى إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [سورة الأنبياء، الآية: 63] فقد فعله كبيرهم، و قوله في سارة: هي أختي في الإسلام. و قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [سورة الصافات، الآية: 89] على ما فسرناه، و قال أبو مسلم: عطف بالفاء هذا الكلام على ما تقدم من أمره في مخاطبة قومه بقوله: ما ذا تعبدون، قال: و نظرة في النّجوم هو الذي أخبر اللّه تعالى به عنه إذ يقول اللّه: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ [سورة الأنعام، الآية: 70] إلى وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة الأنعام، الآية: 79] فكانت نظرته تلك للتبين.
فلما أراه اللّه الآيات في نفسه، و في الآفاق كما قال اللّه تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ الآية، قال لقومه: أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [سورة الصافات، الآية: 86] و ذلك حين قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [سورة
الأنعام، الآية: 79] الآية، و كان قوله: إِنِّي سَقِيمٌ قبل التّبين، و أراد بالسّقيم أنه ليس على يقين و لا شفاء من العلم و يقول الرّجل إذا سأل عن شيء فصدّق عنه و بين له: شفاني فلان فلما كان العلم و اليقين شفاء صلح تسمية الحال التي قبل كنه البيان سقما.
و قد قال اللّه تعالى في قوم لم يكونوا على إيمان محض: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ* [سورة البقرة، الآية: 10]، و هذه الحال التي انتسب فيها إبراهيم عليه السّلام إلى السّقم هي الحال التي فيها البلوغ، و وقوع التّكليف من اللّه عزّ و جلّ و لزوم أمره و نهيه، و الفاء في قوله تعالى:
فَتَوَلَّوْا فاء عطف أيضا ينعطف بها ما هي معه من الكلام على قوله: أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ، فلما دعاهم إلى اللّه تعالى، و أنكر عليهم عبادة ما يعبدون دون اللّه تولوا عنه مدبرين.
و زعم قوم لا يعقلون أنّ إبراهيم عليه السّلام كذب ثلاث كذبات هي واحدة منها، و حاش للرّسول الذي اتّخذه اللّه خليلا أن يكذب، أو يأتي بالقبائح، و الذي توجبه التلاوة و شهادة بعض القرآن لبعض، و يحسن في أوصاف أنبياء اللّه و صفوته من عباده هو ما ذكرناه، و تلخيص ما في هذه القصّة منذ ابتداء ذكر إبراهيم إلى حيث انتهينا أنّ اللّه تعالى أثنى على إبراهيم بأنّه وافق نوحا في الإيمان و الإخلاص حتى توفّاه اللّه على ذلك سليم القلب لئلا يشرك به شيئا و أنه نظر فيما خلق اللّه من النّجوم فاستدلّ على خالقها بها و تبيّن له بالتأمل لها أنّ إلها و آلهة واحد ليس كمثله شيء و هو رب العالمين، و خالق الخلق أجمعين و دعا قومه إلى مثل ما أراد اللّه، و هداه له وزرى عليهم، و عاب اختيارهم في عبادة الأصنام لا تسمع و لا تبصر و لا تغني عنهم و لا عن أنفسها شيئا، فتولّى القوم عنه مدبرين عند ذكره ربّه كما قال تعالى في الكافرين من قوم النبي صلى اللّه عليه و سلم: وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [سورة الإسراء، الآية: 46] و قال تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [سورة المدثر، الآية: 49] الآية. و قال تعالى: وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ [سورة الزمر، الآية: 45] الآية. و قال بعض أهل النّظر إنه عليه السّلام رآهم يعتمدون فيما يعن لهم و يحدث و فيما يستأنفون من مبادئ الأمور، و مفاتحها على النّظر في النّجوم و أحكامها، فاقتدى بهم تأنيسا لهم و أخذا بعادتهم ليسكنوا إليه بعض السّكون و إن لم يركنوا كلّ الرّكون.
قوله: إِنِّي سَقِيمٌ، و إن قاله متأوّلا، ففيه استبناء، و رجاء رفق منهم إمّا لعلة، و إما للتّربص به حتى يأمنوا شرّه، و يشهد لهذا قوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [سورة الصافات، الآية: 90] و هذا حسن قريب.
و قال بعضهم: قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ [سورة الصافات، الآية: 88] يعني به ما ينجم من نبات الأرض كأنه كان يقلب الأدوية متخيرا منها ما يقرب الشّفاء عنده، و قيل
أيضا أراد نظر فيما كان ينزل عليه من نجوم الوحي كيف يتوصّل إلى ما يهم به في آلهتهم، و بما ذا ابتدئ و من أين مخلصه إذا أقدم و يكون قوله: إِنِّي سَقِيمٌ اختداعا منه لهم و إيذانا منه بأنه مشغول بنفسه تارك لما كان لا يؤمن من مكايد، و هذا نهاية ما يقال. فأما قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [سورة الصافات، الآية: 93] يريد مال عليها بالضّرب، كما تقول: التقى الفريقان فراغ أحدهما: أي عزل عن الحرب يقال دار فلان رائغة عن الطّريق أي عدله، و قوله: باليمين قيل: بيده اليمنى، و قيل: هي يمين كان حلف بها، و هي قوله تعالى: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [سورة الأنبياء، الآية: 57] و قيل بالقدرة كما قال:
إذا ما راية رفعت لمجدتلقاها عرابة باليمين
و قيل: راغ معناه أقبل مستخفيا كروغان الثّعلب، و كذلك قوله: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ أي لم يرد أن يشعروا به.
و ذكر أبو علي الفارسي فيما سمعته منه أنّ قول النّبي صلى اللّه عليه و سلم: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» [سورة الذاريات، الآية: 26] أنّ هذا ليس من الرؤية التي هي إدراك البصر بل هي بمعنى العلم و ساغ حذف المفعول الثاني الذي تقضيه تلك لأنّ الكلام قد طال ما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر، أ لا ترى أنّ قوله: كما ترون القمر ليلة البدر تأكيد، و تشديد للتّيقن، و تبعيد من اعتراض الشّبه على العلم به تعالى، و إذا كان بمنزلة ما بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصّلات نحو: علمت أنّ زيدا منطلق، و أحسب النّاس أن يتركوا فلمّا سدّ ما جرى في الصّلتين مسد المفعولين، و من قال: إنه يضمر في الموصولين مفعولا ثانيا كان قياس قوله: أن يضمر هنا مفعولا ثانيا كأنّه ترونه متيقنا، و نحو ذلك و أن يقال: إنّ ما ذكر سدّ مسد المفعول الثّاني أقيس.
أ لا ترى أنّ ما جرى في صلة أن بعد لو في قولك: إنك لو جئتني قد سدّ مسدّ المفعول الذي يقع بعد لو حتى لم يظهر ذلك الفعل معه، و اختزل فكذلك المفعول مع الموصولين في هذا الباب، و مثل هذا قوله: أ عنده علم الغيب فهو يرى لأنّ القول في يرى أنها التي تتعدى إلى مفعولين لأنّ علم الغيب لا يوجب الحسن حتى إذا علمه أحسّ شيئا، و إنما المعنى عنده علم الغيب مثل ما يشهده لأنّ من حصل له علم الغيب يعلم ما يغيب كما يعلم ما يشاهد.
فإن قلت: فكيف حذف المفعولين جميعا؟ قيل: المعنى أ عنده علم الغيب، فهو يرى الغيب مثل المشاهد و المبتدأ و الخبر قبل دخول رأيت عليه كان الغيب فيهما مثل المشاهدة، ثم حذفا للدّلالة عليهما و قد قال الأعشى:
فأنبئت قيسا و لم أبلهكما زعموا خير أهل اليمن
و قال الكميت: (ترى حبّهم عارا علي و تحسب)، فالدّلالة من الفحوى و المعنى في الآية على المفعولين المحذوفين كالدلالة عليهما في البيتين لجري ذكرهما فيهما و إنما ذكرنا ما قاله لغرابته.
أنهم قالوا قال اللّه تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [سورة غافر، الآية: 7] و قال: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [سورة الزمر، الآية: 75] ثم قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [سورة طه، الآية: 5] و قال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ* [سورة يونس، الآية: 3] كما قال: وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [سورة يونس، الآية: 100] و لا فصل بين الكلامين و قال أيضا: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [سورة البقرة، الآية: 255] و الكرسي و العرش بمعنى و مما جاء في الخبر قول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم حيث حكم في بني قريظة: «لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبع سماوات» (و عنه) حين قال: «فأقوم على يمين العرش» و لا يكون يمين إلا لما له يسار، قالوا فقول اللّه: وَ مَنْ حَوْلَهُ و حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ فيه دلالة على أنّ العرش مطاف يطاف به، و دوار يدار عليه و هذه المواضع و أشباهها عمدهم.
و الجواب عنها أنّ للعرش مواضع عدة في كلام العرب منها الملك و العز و قوام أمر الرّجل و ملاكه و يشهد له قولهم ثل عرش فلان إذا أزيل و حطّت رتبته و منها سرير الملك و يشهد له قوله تعالى: وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [سورة النمل، الآية: 23] و قوله: أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ [سورة النمل، الآية: 42] و يجمع على العرشة و الاعراش. و منها سقف البيت و ما يستظل به و العرش كذلك، و منه قيل عرش المكرم فهو عرش و قالوا عرش السّماك لكواكب أربعة تشبّها به لأنه على صورة النّعش. و منها طي البير بالخشب بعد ما يطوى موضع الماء منها بالحجارة، و يقولون عرّشوا بيركم و إذا ثبتت هذه الوجوه حقيقة و تشبّها في لفظة العرش، فالواجب حملها حيث جاءت على الأليق بالمعنى مع قرائنه و الأقرب في الاستعمال و الأشبه في قضية السّمع و العقل و هذا الذي ذكرناه هو الميزان عند طلب الرّجحان حيث حصل الاشتراك في الألفاظ و غيرها.
فأما الخبر المروي و هو: «لقد حكمت بحكم اللّه من فوق سبع سماوات» فقوله من فوق ظرف لقوله حكم اللّه و متعلق به فهو كما يقال حكم اللّه العالي المكان الرّفيع المحل
و القدر و أنت تصف الحكم و لا يجوز أن يكون متعلقا بلفظة اللّه لأنه تعالى لا تحويه الأماكن و لا تحيط به الأقطار و الجوانب و المعنى بحكم يشبه حكم اللّه الذي محلّه و مكانه من الإصابة و الغلبة و العلو فوق سبع سماوات و قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ [سورة غافر، الآية: 7] و منهم من يطوف به و كلّهم يسبح للّه بالحمد له و الاعتراف بنعمه و الإيمان بجميع ما تعبد اللّه به خلقه و يستغفرون لمن في الأرض إلى الشفاعة التي قال اللّه تعالى ما حالهم وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى و قوله تعالى: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [سورة الحاقة، الآية: 17] يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ [سورة الحاقة، الآية: 18] يريد أن جميع من خلق اللّه من البشر في ذلك اليوم يعرضون بأعمالهم و أقوالهم، و كلّ ما أعلنوه و أسرّوه أيام حياتهم فيحاسبون عليه، و ذلك كما يستعرض السلطان جنده بأسلحتهم و دوابهم و آلاتهم، فأما العدد المذكور فهو مما استأثر اللّه به و مثله مما رأى اللّه تعالى إيهام الأمر فيه و الكف عن بيانه كثير، و ذلك لتعلّق المصلحة بأن يكون حازما و سائر ما سألوا عنه إذا أجملناه.
فإنّا نقول في جوابهم الشامل لمقالهم المسقط لكلامهم لمّا أن كان أسفل الأشياء الثّرى و كان أعلى الأشياء السّماء السّابعة ثم الكرسي ثم العرش فكان اللّه تعالى قد جعل للأعلى في القلوب من التّعظيم و القدر و الشّرف ما لم يجعل للأسفل، كما عظّم بعض الشّهور و بعض الأيام و بعض اللّيالي و بعض السّاعات، و بعض البقاع و بعض المحال، و كان قد جعل للعرش ما لم يجعل للكرسي و جعل للكرسي ما لم يجعل للسّماء السّابعة ذكر العرش و الكرسي و السّماء بما لم يذكر به شيئا من سائر خلقه فذكر مرة العرش و الكرسي و السماء في جملة الخلق، و أنّه عال على جميعها بالسلطان و القدرة و القوّة حيث قال تعالى:
أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة البقرة، الآية: 106] و حيث قال تعالى: وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [سورة الكهف، الآية: 45] و قد يقول الرّجل فلان شديد الإشراف على عمّاله و ليس يذهب إلى اشراف بدنه و رأسه، قد خبّر اللّه أنه على كلّ شيء قدير و مقتدر و حافظ و ظاهر، و قد قال: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة الحديد، الآية: 3] و العرش شيء هو عال عليه بالقدرة، و الظّاهر عليه بالسّلطان و إنّما خصّه بالذكر إذ كان مخصوصا عندنا بالنّباهة و أنّه فوق جميع الخلق فذكر مرة في الجملة و مرة بالإبانة قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [سورة البقرة، الآية: 255] فخبّر أنه عال عليه و حافظ له و مانع له من الزّوال و قوله كُرْسِيُّهُ كقوله بيته و لو كان متى ذكر أنّ له كرسيا و عرشا فقد أوجب الجلوس عليهما كان متى ذكر بيته فقد أوجب أنّه ينزله و يسكنه و ليس بين بيته و عرشه و كرسيه و سمائه فرق، و لو كنّا إذا قلنا: سماؤه فقد جعلناه فيها كنّا إذا قلنا أرضه فقد جعلناه فيها قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ
وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ [سورة البقرة، الآية: 98] فأدخلهما في جملة الملائكة ثم أبانهما إذ كانا بائنين من سائر الملائكة، و كذلك سبيل القول في العرش و الكرسي و السّماء و الأرض و الحوت، و الثّرى، لأنّ الكرسي إذا كان مثل السّماوات و الأرض و العرش أعظم منه فمتى ذكر أنّه عال على العرش و ظاهر عليه فقد خبّر أنّه على كل شيء قدير، و قد يكون العلوّ بالقدرة و الاعتلاء، فمرة يذكر العرش، و مرة يذكر الكرسي دون العرش، و مرة يذكر السّماء دون الكرسي و مرة يقول: وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ [سورة الأنعام، الآية: 3] بعد أن قال: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ و ترك ذكر الأرض فلو كان إذا ذكر السّماء دون الأرض كان ذلك دليلا على أنه ليس في الأرض كان في ذكره أنه على العرش، دليل على أنه ليس في السّماء و قد قال: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [سورة الملك، الآية: 17] و مرة يذكر معاظم الأمور، و جلائل الخلق، و كبار الأجسام و أعالي الأجرام، و مرة كلّ شخص كيف كان و حيث ما كان كقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [سورة المجادلة، الآية: 7] الآية. و قد قال أيضا على هذا المعنى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ و قال: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [سورة الواقعة، الآية: 85].
فإن زعم القوم أنّه إنما ذهب إلى معنى القدرة و العلم لأنّ قربه منهم كقربه من العرش قلنا: فقد صرتم إلى المجازات و تركتم قطع الشّهادة على ما عليه ظاهر الكلام، فكيف نعيتم ذلك علينا، حين زعمنا أنّ تأويل قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [سورة طه، الآية: 5] ليس على كون الملك على سريره بل هو على معنى العلو و القدرة و الحفظ و الإحاطة و الظهور بالسلطان و القوّة و هذا بين و الحمد للّه.
فإن قالوا: ما تأويل استوى؟ و ما فائدة على؟ قلنا: قد زعم أصحاب التفسير عن ابن عباس و هو صاحب التّأويل و النّاس عليه عيال، أنّ تأويل قوله: استوى استولى، و قد قال تعالى لنوح: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [سورة المؤمنون، الآية: 28] و لم يرد اللّه تعالى أنّهم كانوا مائلين فاعتدلوا، و إنما معناه فإذا صرتم في السّفينة فقل: كذا و كذا، و قد يقول الرّجل: قلت كذا و كذا ثمّ استويت على ظهر الدّابة بعد أن لم أكن عليها فقلت كذا و قال تعالى: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً [سورة يوسف، الآية: 22] و إنما يريد: فلما انتهى و بلغ جعلناه حكيما، و كما يقال للغلام المقدود: هذا غلام مستو فإن قالوا: قد عرفنا هذه الوجوه و لكن ما معنى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ [سورة فصلت، الآية: 11] قلنا معناه: ثم عمد إلى السّماء فخلقها كما قال ابن مقبل شعرا:
أقول و قد قطعن بنا شرورىعوامد و استوين من الضّجوع
أي خرجن، و قال الآخر:
استوت العير إلى مروانمسير شهر قبله شهران
و لفظة على تختلف مواقعها، فمنها قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ [سورة الغاشية، الآية: 25] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [سورة الغاشية، الآية: 26] و قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ [سورة القيامة، الآية: 17] فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [سورة القيامة، الآية: 18- 19] و قوله تعالى: وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ و المراد في الجميع اللّزوم و الوجوب و منها قول الفرزدق شعرا:
و لو أني ملكت يدي و نفسيلكان عليّ للقدر الخيار
و إنّما قال هذا حين ندم على تطليق امرأته نوّار و أوّله:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّاغدت منّي مطلّقة نوار
و المعنى لو ملكت أمري فكان عليّ أن أختار للقدر، و لم يكن على القدر أن يختار لي، و منها قوله تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [سورة المؤمنون، الآية: 28] و قوله تعالى: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [سورة هود، الآية: 7] و هذا كما أنّ السّماوات بعضها على بعض، و يجوز أن يكون عليه على جهة الالتزاق. و منها قوله تعالى:
وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ [سورة البقرة، الآية: 233] و هذا من قولهم: على فلان نذر، و عليه حتم و عليه يمين. و منها قوله:
سلام اللّه يا مطر عليهاو ليس عليك يا مطر السّلام
و منها قول الآخر شعرا:
و لا الحيّ على الحدثان قوميعلى الحدثان ما تبني السّقوف
يقول: لا ألوم قومي أن يحنوا عليّ و أن يحدثوا الأحداث. فعليّ احتمال ذلك بنى بيت السّؤدد. و منها قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [سورة البقرة، الآية: 259] فمعنى مر على قرية مر بجنباتها، و لم يرد أنّه مر فوقها، و قوله: هي خاوية على عروشها: يريد و هي خالية على عروشها أي هي على ما بها من السّقوف خالية كما يقال: زيد على كثرة محاسنه متواضع. و قال بعضهم: أراد بقيت حيطانها لا سقوف لها و ما قلناه أشبه. و قال أبو عبيدة، هي الخيام و بيوت الأعراب، و منها قولهم: عليك الجادة و الطريق الأعظم في الإغراء بها و في القرآن: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [سورة المائدة، الآية: 105] هذا ما حضر من مواضع علي.
و بيان قول القائل: اللّه أعلم بنفسه من خلقه و الفصل بينهما.
أما قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [سورة الأنعام، الآية: 124] فلا يجوز أن يكون انتصاب حيث على حد انتصابه إذا كان ظرفا لأنّ علمه تعالى في جميع الأماكن على حدّ واحد لا يدخله التّزايد و التّناقص، و إذا لم يسقم حمل أفعل على زيادة علم في مكان فيجب أن يحمل على انتصابه انتصاب المفعول به، و يكون العامل فيه فعلا مضمرا يدلّ عليه قوله: (أعلم) و يحصل الاكتفاء بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ ثم أعلم يدل على يعلم مضمر أو التّقدير اللّه أعلم العالمين يعلم حيث يجعل رسالاته فيختار لأدائها من يصطفيه و مثل هذا قول الشّماخ شعرا:
و جلاهما عن ذي الأراكة عامرأخو الحضر يرمي حيث تكوى النّواجر
فقوله: حيث مفعول لأنه هو المرمي إذ لم يجز أن يكون المعنى يرمي شيئا في ذلك المكان و هذا مثل قول الآخر:
أكروا حمى للحقيقة منهمو اضرب منّا بالسيوف القوانسا
انتصب القوانس بفعل مضمر دلّ عليه قوله و اضرب منا.
و أما قول القائل: اللّه أعلم بنفسه من خلقه حتى قيل: لم يزل معلوما لنفسه فاعلم أنّ هذا الكلام له منصرفات بعضها يجوز و يحسن في وصفه تعالى، و بعضها يمتنع، فإن أردت بقولك نفسه صفة لأنه به حسن، و جاز و يكون هذا كقوله في صفة قدرته و تدبيره و عظمته و إرادته و كرمه و رحمته: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [سورة الرحمن، الآية: 29] و كذلك إن أردت أنّ علم العبد قد يعترض فيه الشّك و يتسلّط عليه النّسيان و يعتريه الآفات كالغشي و النّوم و الموت فتعطله و علم اللّه يدوم و يثبت على حد واحد كان صوابا و قائما و صحيحا (و إن أردت أنّ علمه بذاته متكامل فهو يسعها و علم خلقه بها متناقص فيعزّ عن الإحاطة بها كان غير لائق به و ممتنعا من تجويزه فيه، و كذلك إن أجريت مجرى قول القائل إنّ جبرائيل أعلم بالله من الإنسان، تريد أنّ علمه أعلق به و ألزم له كما يزداد حبّا على حبّ، و يكون تعين أثبت من تعين امتنع أيضا و ذكر النّفس ليس يثبت به شيء غير الذات و كذلك الوجه في قوله تعالى: وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [سورة الرحمن، الآية: 27] و ليس ذلك على ما ينسب إلى المحدثين من الأعضاء و كذلك العين إذا قلت عين الشيء و يصح أن يقال:
اللّه أعلم بنفسه من خلقه و يراد أنه أذكر لوجوه القدرة و صنوف ما تدل عليه الحكمة و العظمة
و لجميع صفاته العلى و أسمائه الحسنى فلا أمد لعلمه، و لا نهاية و لا مدد و لا غاية. و شاهد هذا قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [سورة لقمان، الآية: 27] الآية، و هذا لأنّ العبد لا يكون ذاكرا من وجوه القدرة و الحكمة كلّها إلّا ما علم منها و اللّه تعالى ذاكر لها كلّها، و يكون هذا كما يقال فلان أعلم بالله من فلان، و يراد أنه قد عرف أنّ الدّنيا محدثة من وجوه عدة، و أنّ الآخر لا يعرف ذلك إلا من وجه واحد، و قد ظهر بما بيّناه الفصل بين ما يسأل عنه في الموضعين جميعا.
من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ و الحكمة في إنزاله مقسما بين الوجهين المذكورين و الكلام في المعارف و المعجز.
اعلم أنّ اللّه تعالى لمّا ابتلى العقلاء بتكاليف الدّين بعد إزاحة العلل و تسهيل السّبل و بعث الرّسل رتّب في مراسمه مراتب، و جعل لكلّ مرتبة قدرا من الجزاء و المثوبة ترغيبا في الاستكثار من طاعته، و حضّا على التّنافس في أشرف المنازل لديه و من أجل تلك المراسم ما ندب إليه من تدبّر كتابه الحكيم الجامع للأوامر و النّواهي و أصول الحلال و الحرام، و المندوب إليه و المباح، و قصص الأمم السّالفة، و أخبار الأنبياء معهم، و المواعظ و الأمثال، و الحكم و الآيات و النّذر و المثلات، و العبر و الامتنان بأنواع النّعم، و الإخبار بالشيء، قبل كونه و التّنبيه على مغيبات الأمور و سرائر القلوب من دونه، هذا و قد أنزله علما لنبيّه يتحدى زمان الفصاحة، و أوان التّبلغ بالبلاغة جعل بعضه جليا واضحا و بعضه خفيّا متشابها، ليعمل من تسمو نفسه إلى أعلى الدرجات فكره، فيمتاز في العاجل بما يستنبطه و يثيره من جليل العلم و دقيقه عن غيره ممن لم يسع سعيه، و إن جاهد في ربه و يجتاز في الأجل عند اللّه من الزّلفة و جزيل المثوبة ما يقرب من غايات الأنبياء و ذوي العزم و النّصيحة فلولا حكمة اللّه فيما ذكرته لبطل التّفاضل فيما هو أشرف و تدانت الأقدار فيما هو أفخم.
أ لا ترى أنّ الصّبر في أعمال القلب و أعمال الفكر و كد الرّوح لنتائج النّظر ليس كالصّبر في إتعاب الجوارح و إنصاب الآراب و المفاصل، لذلك قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [سورة العنكبوت، الآية: 69] فأما ما روي من أن لكل آية ظهرا و بطنا و مطلعا فالمعنى لكلّها لفظ و معنى، و مأتى أي طريق يؤتى منه فيتبيّن علمه من ذلك الطّريق و قيل أيضا فيه: الظّهر للإخبار عن مخالفة الأمم و هلاكها و البطن يكون تحذيرا أي لا تفعلوا فعلهم فتهلكوا هلاكهم.
و حكى عن النّظام أنه قال القرآن كلّه أو بعضه جاء على كلام العامّة في أمثالهم إياك أعني فاسمعي يا جارة. و قد ظهر وجه الحكمة بما بينّاه في تنزيله بعض الكتاب محكما و بعضه متشابها فأمّا التّنبيه على كلّ نوع منهما فإنّا نقول و بالله التّوفيق:
اعلم أنّ المحكم من الآي هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فيوافق ظاهره باطنه إذا تأوّل كأنّه أحكم أمره و منع متدبّره من تسليط الشّبهة عليه كما منع هو في نفسه من أن يتورده الاحتمال، و أصل الأحكام المنع. و منه حكمة الدابة فإن قيل: إنّ اللّه تعالى قد وصف آيات القرآن كلّها بمثل هذه الصفة لأنه قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود، الآية: 1] و إذا كان كذلك فالمتشابه محكم أيضا و يؤدّي ظاهر الآيتين إلى تناقض قلت: إنّ قوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ معناه أتقنت و أتي بها على حدّ من الوثاقة في النّظم و الإصابة في المواضع لا يتخلّلها اختلال، و هذا كما يقال للبناء الوثيق محكم. و قد قال اللّه تعالى في موضع آخر: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ [سورة يونس، الآية: 1] فجعل الكتاب حكيما بما تضمّنه من الحكمة و إذا وضح ذلك فقد سلم ما قلناه و لم يحصل بحمد اللّه تناقض، و يشهد لما تأوّلنا عليه المحكم أنّه جعل في مقابلة المتشابه.
و جوّز بعض المتأوّلين أن يكون معنى أحكمت آياته أجملت من حيث جاء بعده، ثم فصّلت إذ كان الإجمال و التّفصيل يتعاقبان، و هذا الذي قاله لا يعرف في اللغة، و المتشابه هو الذي دخل في شبه غيره فيعتوره تأويلات أو أكثر، و من شرطه أن يرد إلى المحكم فيقضي به عليه، لهذا قال تعالى في صفة ثمر الجنة: وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [سورة البقرة، الآية: 25] فقيل المعنى يشبه بعضه بعضا في الجودة و الحسن. و قال المفسرون: يشبه بعضه بعضا في الصّورة و مختلف الطعوم و قد وصف تعالى الكتاب كلّه بالمتشابه كما وصفه بالحكيم، و كما وصف آية بالإحكام فقال: كتابا متشابها و المعنى يصدّق بعضه بعضا فلا يختلف و لا يتناقض. و قل عليّ لابن عباس حين وجّه به إلى الشّراة(1)قبل القتال لا تناظروهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، و لكن ناظروهم بالسّنة فإنّهم لا يكذبون عليها فقوله:
حمّال أي: يحمل عليه كل تأويل، و هذا يترجم عن معنى المتشابه و مثال المحكم نحو قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة النحل، الآية: 145] و كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ [سورة النحل، الآية: 90].
فأمّا وجوه المتشابه فمختلفة، (منها) اتّفاق اللّفظين مع تنافي المعنيين في ظاهر آيتين كقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [سورة فاطر، الآية: 3] فهذا محكم لفظه استفهام
1) قال في القاموس: الشراة الخوارج، و الجبل و الطّريق و جبل بنجد لطيّ.
و معناه نفي، و المراد لا منشئ إلا اللّه. ثم قال تعالى في موضع آخر: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [سورة المؤمنون، الآية: 14] فقلنا الخلق في كلامهم يكون الإنشاء و يكون التّقدير يقال: خلقت الأديم إذا قدّرته قال: و لأنت تعزي ما خلقت و بعض القوم يخلق ثم لا يعزى، و الآية النّافية تقضي على المثبتة بأنّ الخلق يكون فيه التّقدير لا غير لأنّ الذي يخلص للّه تعالى من معنى الخلق فلا يشارك فيه هو الإنشاء و مثله قوله تعالى: وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [سورة محمد، الآية: 11] مع قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ [سورة يونس، الآية: 30] لأنّ المولى في اللغة يقع على السيّد و العبد و المعتق و الولي و النّاصر و ابن العم، فمعنى لا مولى لهم: لا ناصر، و لا ولي و معنى مولاهم الحق الإله و السّيد الذي لا شك فيه يوم يكون الحكم و الأمر له و هذا بيّن. (و منها): التّنافي بين المعنيين في ظاهر آيتين و إن لم يكن عن اتفاق لفظين مثل قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ [سورة الزلزلة، الآية: 6] مع قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً [سورة الكهف، الآية: 99] و هاتان حالتان إحداهما حالة الورود و هي عند البعث و النّشور، و الأخرى حالة الصّدور و الانسياق إلى المعد من الثّواب و العقاب، و هذا معنى ليروا أعمالهم فالمحكمة التي يرد إليها يصدر الناس أشتاتا قوله تعالى: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [سورة الروم، الآية: 14] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ لِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ [سورة الروم، الآية: 15- 16] و هذا واضح و مثله قوله تعالى: وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ [سورة النمل، الآية: 83] أي يدفعون و يستعجلون مع قوله تعالى: وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [سورة مريم، الآية: 95] و معنى فردا لا عدد معه و لا عضد و لا عدّة و لا ذخيرة و المحكمة التي ترد إليه هذه قوله تعالى: وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً [سورة مريم، الآية: 80] و إذا كان كذلك انتفى التّشابه.
و منها استغلاق الآية في نفسها و بعدها باشتباهها عن وضوح المراد منها و من جعل وجه التّشابه هذا و ما يجري مجراه استدل بقوله تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [سورة آل عمران، الآية: 7] و جعل وجه الأحكام ظهور المعنى و تساوي السّامعين في إدراك فهمه و لذلك مثل كثير من أهل العلم المحكمات بالآي الثّلاث التي في آخر الأنعام و هي قوله تعالى:
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [سورة الأنعام، الآية: 151] إلى ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [سورة الأنعام، الآية: 153]، و المتشابهات بقوله تعالى: الم*، و الر*، و كهيعص، و طه و ما أشبهها. و منها ألا يعلم السّبب الذي نزلت الآية فيه على كنهه و حقه لاختلاف قديم يحصل فيه بين الرّواة، و ادّعاء بعضهم النّسخ فيه و لغرابة القصّة و قلّة البلوى بمثلها و الصّواب عندي في مثل هذا أن يؤثر ما يكون لفظة الكتاب أشهد له و أدعى إليه،
و مثاله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ [سورة المائدة، الآية: 106] إلى وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اسْمَعُوا [سورة التغابن، الآية: 16].
و منها أن يروى في تفسير الآية عن طرق كثيرة و عن رجال ثقات عند نقّاد الآثار و رواتها، أخبار يختلف في أنفسها و لا يتّفق و لا يستجاز مخبرها أو يستبعد، ثم تجد إذا عرضتها على ظاهر الكتاب لا تلائمه من أكثر جوانبها و لا توافقه و ذلك مثل قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [سورة الأعراف، الآية: 189] إلى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة الأعراف، الآية: 190] و مثل قوله تعالى:
وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [سورة الأعراف، الآية: 172] إلى أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [سورة الأعراف، الآية: 173] و الوجه في الآيتين و أشباههما عندي أن يراعى لفظ الكتاب بعد الإيمان به و يبدل المجهود في انتزاع ما يتفق فيه أكثر الرّواة من جهة الأخبار المروية و ما هو أشبه بالقصة، و أقرب في التدين، ثم يفسر تفسيرا قصد لا يخرج فيه عن قصة الرّواية و اللفظ و لا يترك الاستسلام بينهما للجواز و الانقياد للاستبشار لما عرف من مصالحنا فيما يمنعنا علمه أو يقنعنا عليه أ لا ترى قوله تعالى فيما استأثر بعلمه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [سورة الإسراء، الآية: 85] و قوله: وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [سورة الأعراف، الآية: 8] بعد قوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ [سورة المدثر، الآية: 29] عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [سورة المدثر، الآية: 30] و مثل هذا الاستبشار ما فعل اللّه من الصّرفة بيعقوب و بنيه حين انطوى عليهم خبر يوسف و كان بينه و بينهم من المسافة ما كان بينهم. و يشبهه الصّرفة التي ذكرناها ما يفعل اللّه من سلب الانبساط من الكفّار فيكون ذلك سببا للتسلّي فيما يبتلون به من العقاب و ذلك قوله تعالى: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [سورة الزخرف، الآية: 39].
و منها الالتباس حال التاريخ أو ما يجري مجراه في آيتين تتعارضان أو آية و خبر فتختلف في النّاسخة منهما و القاضية على الأخرى و ذلك كما روي عن مجاهد في قوله تعالى: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [سورة المائدة، الآية: 49] و هو أمر بالحكم فنسخت ما قبلها و هو: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ [سورة المائدة، الآية: 42] و هو تخيّر. و روي السدّي عن عكرمة في قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [سورة المائدة، الآية: 42] قال نسختها: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [سورة المائدة، الآية: 49] و هذا قول أهل العراق و يرون النّظر في أحكامهم إذا اختصموا إلى قضاة المسلمين و الأئمة، و لما روي من رجم النبيّ صلى اللّه عليه و سلم اليهودية و اليهود، و أمّا أهل الحجاز فلا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون
إلى أنهم قد صولحوا على شركهم و هو من أعظم الحدود التي يأبون و يتأولون في رجم النبي صلى اللّه عليه و سلم اليهوديين على أنّ ذلك كان قبل أن يؤخذ منهم الجزية و المقارة على شركهم و في هذا القدر بلاغ للمتأمّل.
فأمّا الكلام في المعرفة بالله تعالى و وجوبها و بيان فساد قول القائلين بالإلهام فإنا نذكر طرفا منه و نقول: اختلف النّاس في ذلك فزعم قوم أنّ المعرفة لا يجب على العاقل القادر و أنّها تحدث بإلهام اللّه تعالى و كل من لم يلهمه اللّه المعرفة به فلا حجة عليه و لا يجب عليه و قالوا: إنّ الذين قتلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لم يكونوا كفارا و إنّما قتلوا على سبيل المحنة، كما يقتل التّائب و الطّفل و لا يجب عليهم عقاب لأنّ اللّه تعالى لا يجوز أن يغضب و على من لم يرد إغضابه.
و قال الجاحظ: إنّ المعرفة غير واجبة و لكنّها تحدث بالطبع عند النّظر، و قال: إنّ الذين قتلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كانوا عارفين بالله معاندين و احتج بقوله تعالى: وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [سورة النمل، الآية: 14] و قال لا يأخذ اللّه الإنسان بما لم يعلم و لا بما أخطأ فيه أ لا تراه يقول تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [سورة البقرة، الآية: 225] و استدلّوا على صحة مذهبهم بأن قالوا إن الاعتقاد لا يعلم أنه حسن أو قبيح حتى يعلم أنّه علم أو ليس بعلم فإذا علم أنّه علم فقد علم المعلوم لأنّ العلم بالعلم علما هو علم بالمعلوم فإذا علم المعلوم فقد استغنى عن اكتساب العلم به و إن كان لا يعلم أنه علم فإذا لا يجب على هذا الإنسان فعل ما لا يأمن أن يكون قبحا.
و قال أكثر أهل العلم إن المعرفة واجبة و هي من فعل الإنسان و إنّ أول المعرفة يقع متولدا عن النظر و لا يجوز أن يقع مباشرا ثم ما بعد ذلك لا يجوز أن يقع مباشرا و أنّ كلّ من أكمل اللّه عقله و عرّفه حسن الحسن و قبح القبيح فلا بدّ من أن يوجب عليه المعرفة به، و أن يكلفه فعل الحسن و ترك القبيح و بعضهم يضيف إلى هذه الجملة و قد جعل شهوته فيما قبحه في عقله و نفور نفسه عما حسنه في عقله.
و يستدل على وجوب معرفة اللّه فإنه لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا اللّه لحسنها و قبّح الذّهاب عنها أو لم يكلّفنا و تركنا مهملين، فإن كان قد كلّفنا فهو الذي يزيد، و إن كان تركنا سدى فإنّ الإهمال لا يجوز عليه. و يقال أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم، و نعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن نعرف المنعم لنشكره.
و اعلم أنّ المعجز هو ما لا يقدر عليه في صفته أو في جنسه، فأمّا لا يقدر عليه في جنسه فهو مثل إحياء الموتى و أمّا ما لا يقدر عليه في صفته فهو فلق البحر. لأنّا نقدر على تفريق
الأجسام المؤتلفة، و لكن على تلك الصّفة و تلك الحالة لا نقدر عليه، فأمّا الخبر عن الغيوب فليس بمعجز و لا وقوع المخبر على ما أخبر به معجز إذ يجوز على الخبر عن الغيب أن يكون صدقا أو كذبا و إذ قد ثبت أن يخبر الإنسان عن الشيء أنه يكون فيكون و ليس يعلم في حال الخبر أنّ المخبر به يقع على ما أخبر به عنه و لا يعلم أنه معجز و إنّما العلم بأنّ الشيء يكون قبل أن يكون يعجز بلى من سمع النبي صلى اللّه عليه و سلم يذكر أنه سيكون كذا و كذا و يخبر عن الغيب ثم يبقى إلى الحالة يكون فيها ما ذكره فحينئذ يكون ذلك دلالة و حجة عليه، فأمّا من لم يبق إلى تلك الحالة فهو ليس تقوم عليه الحجّة في وقت الإخبار و لا يصح الاستدلال بذلك بل يجب أن يدلّه اللّه بدليل آخر.
فإن قال قائل: كيف يصحّ أن يكون انقضاض الكواكب رجما للشيّاطين و لا يخلو من أن يكون الذي يرمى به الشّيطان ليحرقه كوكب فيجب أن يفارق مكانه و ينقص من عدد الكواكب و قد علمنا منذ عهدت الدنيا لم تنقص و لم تزد أو يكون الذي يرمى به شعاعا يحدث من احتكاك الكواكب و اصطكاك بعضها ببعض فيفصل ذلك الشّعاع من الكواكب و يتّصل بالجنّي حتى يحرقه، إذ لو لم يتّصل به لم يحترق و هذا أيضا لا يجوز لأنّ الكواكب لا تحتك. قيل له: إنّ كل ما ذكرت غير ممتنع قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها كما قال قوم في المجرة إنها كلّها كواكب و لا تبين، فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشّعاع و يحترق الجنّي، و كلّ ذلك ليس بمستنكر و على هذا جاء في القرآن.
و أما انشقاق القمر فإنّ الجاحظ كان ينفيه و يقول: لم يتواتر الخبر به و يقول أيضا لو انشقّ حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن نختلف التّقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم و ليلة، فلو انشقّ القمر لكان وقت انشقاقه لا يسير، فأمّا قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر، الآية: 1] فإنّما معناه سينشقّ و نحن نثبته و نقول:
يكون ذلك دليلا خصّ به عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه و أنّ سائر النّاس لم يرده لأنّ اللّه حال بينهم و بين رؤيته بغمامة أو غيرها و يجوز أن يكون غير عبد اللّه رآه، فاقتصر في نقله على رواية عبد اللّه و على ما نطق به القرآن من ذكره.
لأنّه الأصل في معرفة التّوحيد، و حدوث الأجسام و صدق الرّسل. قال اللّه تعالى:
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [سورة البقرة، الآية: 1- 3] قيل معناه يؤمنون بما غاب عنهم من أمر الآخرة و قيل: يؤمنون بما غاب من
البعث و النّشور، و أخبرهم به النبي. و قيل: المراد يؤمنون بالله و رسوله و ما أنزل إليه، يظهر الغيب لا كالمنافقين الذين يقولون للمؤمنين إنا معكم، و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنّا معكم، إنّما نحن مستهزءون، و مثله قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [سورة يوسف، الآية: 52] و قوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ* [سورة الأنبياء، الآية: 49].
و اعلم أن من لا يفعل ذلك لم يجز له أن يعرف شيئا إلا من جهة المشاهدة أو ببداهة العقل، أو بخبر ممن شاهده و لو كان كذلك لسقط الاستدلال و النظر، و لما جاز أن يعرف اللّه و لا حدوث الأجسام، و لا صدق الرّسل فيما أتت به من عند اللّه، لأنه يجوز أن يعرف اللّه بالمشاهدة و لا ببداهة العقل لأنّه لا يشاهد، و لأنه لو عرف ببداهة العقل لاستوى العقلاء في معرفته، فوجب بهذا أن لا يعرف اللّه إلّا بدلالة المشاهدة، و كذلك حدوث الأجسام، و لسنا نريد باستشهاد الشاهد أن يستدلّ به على ما لم نشاهده إلا بأن نشاهد نظيره، و مثله أ لا ترى أنّا لو شاهدنا في هذا البلد إنسانا لم نعرف بذلك أن في غير هذا البلد إنسانا آخر من غير أن نشاهده، و لكن هو أنا إذا وجدنا الجسم في الشّاهد إنّما كان متحركا لوجود حركته، ثم وجدنا حركته لا توجد إلا فيه، و متى بطلت حركته لم يكن متحركا دلنا ذلك على أن كلّ جسم متحرّك فيما لم نشاهده لم يكن متحركا إلا لوجود حركته، و لا توجد حركته إلا فيه، و متى بطلت حركته لم يكن متحركا؛ لأنّه لو جاز أن يكون متحركا في الغائب مع عدم حركته لجاز في الشاهد مثله، و كذلك إذا وجد الجسم في الشاهد إنّما كان جسما لأنّه طويل عريض عميق و متى عدم طوله أو عرضه أو عمقه لم يكن جسما لزمه أن يعلم بدلالة الشّاهد أنّ الجسم الغائب إنمّا كان جسما لمثل ذلك.
و كذلك إذا وجد الجسم في الشّاهد لا يكون في مكانين في وقت واحد لأن وجوده في أحد المكانين ينافي وجوده في المكان الآخر كان علينا أن نجري القضية في الغائب على حده. و كذلك القول في امتناع اجتماع الضّدين، و الحركة و السّكون و السّواد و البياض، و الاجتماع و الافتراق بحسب أن يراعى حالها في الشّاهد فيحمل الغائب عليها و إذا كان الأمر كذلك وجب أيضا أن يكون إذا وجدنا الفعل في الشّاهد لا يوجد إلّا من فاعل، و لا يحصل موجود إلا بفعله له، ثم وجدنا فعلا لم نشاهد له فاعلا أن نعلم بدلالة الشّاهد أنّ له فاعلا و إن كنّا لم نشاهده، و لا يجب إذا لم نجد إلا أجناسا من الأشياء أن لا يثبت في الغائب خلافا لما شاهدنا، لأنّ الأعمى الذي لم يشاهد الألوان قط لا يجوز له أن يثبت شيئا إلّا من جنس ما شاهده بسائر جوارحه، إذ قد ثبت الألوان التي هي خلاف جميع ما شاهده، و إن كان هو لم يشاهد و كذلك الحياة و القدرة و العلم لا يشاهد و لا شوهد نظائرها و لا يجب مع ذلك أن لا نثبتها مع وضوح الأدلّة عليها فلم يجب علينا لمن أراد منّا نفي القديم إذ كنا لم
نشاهد له مثلا و لا نظيرا أن ننفيه من أجل ذلك إذ كان يجوز أن نثبت بالأدلّة ما لا نظير له كما مثّلناه.
و إنّما يجب تكذيب من وصف الغائب لصفة الشّاهد ثم أزال عنه المعنى الذي استحقّ الشّاهد به تلك الصفة، فأمّا متى أثبت في الغائب شيئا مثبتا من غير أن يكون بصفة المشاهد الذي وجبت له هذه الصّفة لعلّة، و قال مع ذلك: إنه غير مثبت لما شوهد لم يجز أن نبطل قوله بما شاهدنا، إذ كان يجوز أن يكون ما ادّعاه خلافا لما شاهدناه، كما لم يكن للأعمى إنكار الألوان إذا أخبرناه بها من حيث كانت مخالفة لما شاهده بسائر جوارحه، و لم يكن لأحد أن ينكر الحياة و القدرة لأنهما خلاف ما شاهده، و لكن يجب أن يطالب بالدّلالة على صحّة الدّعوى، فإذا ثبتت ثبت مدلولهما، و إلا سقطت الدعوى، و هذا أصل القول في استشهاد الشّاهد على الغائب فاعلمه.
اعلم أنّ الأصوات جنس من الأعراض تحته أنواع تعلم، فإذا توالى حدوثها منقطعة بمخارج الفم و ما يجري مجراها سمّيت حروفا، لذلك قيل: الكلام (مهمل) و (مستعمل).
(فالمستعمل) ما تناولته المواضعة أو ما يجري مجراها من توقيف حكيم، فجعل عبارة عن الأعيان أنفسها و عنها بأحوالها. (و المهمل) ما خالف ذلك، و إنما قلنا هذا لأنّ جنس الصّوت لا يقتضي كونه حرفا و لا كلاما متى لم تطرأ المواضعة عليها، و ما جرى مجراها، و المواضعة لا تصح إلا مع القصد إليها لذلك قيل: ما ينقسم إليه الكلام من الخبر و الأمر و النّهي و الاستخبار لا يكاد يحصل مفيد إلا بإرادة غير القصد إلى المواضعة، لهذا متى ورد الكلام من سفيه لم يفد السّامع شيئا، كما يفيده إذا ورد من الحكيم على المخاطب العارف بالمواضعات لمّا تعذرت معرفة قصده و صار الصّدق و الكذب يستوي حالاتهما و تقام صور أنواع الكلام بعضها مقام الآخر حتى يوجب ذلك التّوقف عن قبول الأخبار و ترك القطع على ما يسمع منها إلا مع البينة.
و اعلم أن الحاجة إلى المواضعة بالأصوات هي البيان عن المراد لما كان الكلام المستعمل تنبها عليه، فلذلك يستغني الحكيم فيما عرف مراده عن الخطاب إلا عند كونه لطفا في فعل المراد و متى أمكنه بالإشارة و الإيماء بيان غرضه عدل عن الخطاب إلا أن يكون لطفا كما ذكرناه. و لما كان الأمر على ذلك اختلفت العبارات لاختلاف المراد و احتيج إلى التبين بعد ذلك، إذ كان الكلام بنفسه لا يدل على ما وضع له و لا بالمواضعة أو التوقيف.
فإن قيل: فما الفرق بين (المهمل) و (المستعمل)؟ حينئذ قلت: الفرق بينهما أنّ الحكيم متى تكلّم بكلام مستعمل صحّ أن يعرف السّامع لكلامه مراده بما يقارنه من الدليل غير الكلام، و متى تكلم بكلام مهمل لم يجز أن يعلم مراده و إن قارنه ما قارنه و كان وجوده و عدمه بمنزلة، و لو كان الكلام دليلا يجوز الاستطراق منه إلى ما وضع له قبلها، لأن الدلالة لا تحتاج في كونها دلالة يجوز الاستطراق منها إلى مدلولها إلى المواضعة و إنما يحتاج في تسميتها دلالة إلى المواضعة لأنهم يسمونها دلالة إذا أراد فاعلها عند فعلها الاستطراق منها إليه و لذلك لا يجوز أن يسمّى فعل اللص دلالة عليه، و كذلك فعل البهيمة، و إن جاز الاستطراق منها إليه، و لهذا جاز أن يعرف اللّه بدلائله من لا يعرف شيئا من المواضعات.
و اعلم أنّ الكلام لمّا وضع للإبانة عن مراد المخاطب للمخاطب، لأنّ الغرض فيه إعلامه حدوث الشيء إذ إعلامه أنّه يريد منه إحداثه أو إعلامه أنه يكره منه إحداثه، و الحدوث لا يكون إلا للذّوات و لم يكن بدّ من إعلامه العبارات عن ذوات الأشياء ليجوز منه أن يفرق الحدوث بها على وجه المراد انقسم الكلام أربعة أقسام:
الأول: عبارة عن الأعيان أنفسها و هي الأسماء.
الثّاني: عبارة عن حدوث الشيء و هو الخبر عنه.
الثالث: عبارة عن إرادة إحداثه و هي الأمر به.
الرّابع: عبارة عن كراهية إحداثه و هي النّهي عنه.
و الأسماء على ضربين:
الضّرب الأول: اسم وضع لتعريف المسمّى به و ليكون علما له دون غيره فيقوم مقام الإشارة إليه عند غيبته، أو لاشتمالها عليه، و يسمّى هذا الضّرب لقبا و لا يفيد في المسمّى به شيئا و لذلك لا يدخله الحقيقة و المجاز إذ كان لا يتعلّق بفعله و لا بحاله و لا بشيء، مما يحلّه أو يحلّ بعضه، و لا يوجب الاشتراك فيها اشتراكا في غيرها كما لا يوجب الاشتراك في غيرها اشتراكا فيها و قال بعضهم هذا القبيل ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وضع تعريفا لآحاد الأشخاص كزيد و عمرو.
القسم الثاني: وضع تعريفا لآحاد أجمل الأشخاص و ليقوم مقام تعداد ذكر جميعها كقولك: إنسان و أسد و حمار و طائر، و لذلك لا يتعلق بشيء من أوصافها و لا بما يحلّها، و يوجب الاشتراك فيها اشتراكا في الصورة دون غيرها و تسمية أهل اللّغة الجسم جسما من هذا لأنه وجب له هيئته و تركيبه و لذلك لم يجز إجراءه على اللّه تعالى.
القسم الثالث: وضع تعريفا لآحاد جمل الأجناس المختلفة المشتركة في باب التّعلق بغيرها على وجه واحد، ليقوم مقام ذكر جميع الأجناس الدّاخلة تحتها، و هذا كاللّون و الكون و الاعتقاد و السّهو و ما يجرى مجراها، و هذا النّوع يسمّى جنس الفعل و يلزم الاشتراك فيها اشتراكا في نوعيتها.
الضرب الثّاني: على وجهين:
الوجه الأول: اسم على المسمّى به تعريفا لجنسه و للتميز بينه و بين ما خالفه و إن شاركه في التّسمية غيره من طريق القياس لاشتراكهما في الفائدة، و رسم بأنه اسم جنس لمّا كانت المسمّيات به أعدادا كثيرة مماثلة و هذا كالسّواد و البياض و الحمرة و الخضرة و الحلاوة و ما جرى مجراها، يوجب مماثلة الموصوفين بها فلذلك استحال اشتراك المختلفين بالذّوات في اشتقاق الوصف بها.
النوع الثاني: اسم جرى على المسمّى ليفيد فيه ما يفارق به غيره مما لم يشاركه فيه من غير أن يكون افتراقهم في الوصف موجبا لمخالفتهم كما لم يوجب اشتراكهم في ذلك مما يليهم في اللفظ بل في المعنى أوجب ذلك لكونه جواهر و رسم بأنه صفة، و إذا قصد به الإكرام في التعلق قيل: إنّها مدح كما إذا قصد بها الاستخفاف قيل إنها ذم، إذ كانت لا تخلو من الحسن أو القبح و هي على وجوه:
الوجه الأول: صفة تفيد في الموصوف معنى حالا فيه و ذلك كقولك: متحرّك و ساكن، و أسود و أبيض، و حلو و حامض، و رسمت هذه الصّفات بصفات المعاني لأنها علل في إجراء الوصف على محالها من طريق الاشتقاق، فلذلك أخذ الاسم من لفظها، و الاشتراك في هذه الصفة يوجب الاشتراك فيما أفادته، و يقتضي مماثلة الموصوفين في المعنى لكونها جوهرا.
الوجه الثاني: صفة تفيد كون الموصوف فاعلا لمقدوره و الاسم يجري عليه مشتقا من لفظ اسم فعله، و هذا كقولك: ضارب و شاتم و متكلم، و رسمت هذه الصّفات لصفات الفعل و لا يوجب الاشتراك في هذه الصّفة تماثل الموصوفين لا بالمعنى و لا باللّفظ كما أوجب في الأولى.
الوجه الثالث: صفة تفيد الإضافة و النّسبة و ذلك كقولك: هاشميّ و بصريّ و دار زيد، و غلام عمرو، فباتّصال الياء المشدّدة بالاسم صار صفة بعد أن كان علما أو غير صفة.
الوجه الرّابع: صفة تفيد وجود الموصوف بها يجري عليه هذه الصفة و يرجع إلى غيره و هذا كوصف الاعتقاد بأنه علم أو جهل، أو تقليد أو ظن. و وصف العلم بأنه غم أو سرور.
و وصف السّهو بأنه نسيان، و كوصف الكون بأنه حركة أو سكون، أو مجاورة أو مفارقة، و كوصف الحروف بأنّها كلام و الكلام بأنه خبر أو أمر أو نهي. و وصف الإرادة بأنّها عزم أو قصد أو خلق و كذلك جميع ما يجري. و الاشتراك في هذه الصّفات يوجب اشتراك الموصوفين بها فيما أفادته دون غيرها مما يجري مجرى تماثل ذواتها و اختلافها.
الوجه الخامس: صفة تفيد كون الموصوف بها على حال من الأحوال و هذا كوصف الشّيء بأنه معدوم أو موجود، أو حي، أو قادر أو عاجز أو معتقد، أو عالم أو جاهل، أو ساه أو مريد، أو كاره أو سميع أو بصير. و على الأحوال التي إذا كان عليها إدراك المدركات يسمّى به الشّيء لتهيأ ذكره و الإخبار عنه و هو قولهم شيء و نفس و عين و ذات. و كذلك الأسماء المضمرة و المبهمة نحو هو و أنت، و ذلك و هذا و الهاء في ضربته و الياء في ضربني.
و فرّقوا في بعضها بين المذكّر و المؤنّث و الواحد و الجمع. و هذه الصّفات و الأسماء التي نوّعناها و أشرنا إليها مقتسمة بين الحقيقة و المجاز، و سنبيّن كيفية وضعها و استمرارها أو انقطاعها في البابين إن شاء اللّه تعالى.
اعلم أنّ اللغة لا يجوز أن يكون فيها غلط و ذلك أنه إن كان اللّه تعالى واضعها على ما يذهب إليه أكثر العلماء، و على ما أخبر به عند قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [سورة البقرة، الآية: 31] فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكيم الذي بيّنها لعباده لا يجوز عليه الغلط و إن كان يجوز أن يكون قد ذهب عنهم بعض ما بينه لآدم عليه السلام و أحدثوا أبدالا منه، أو زادوا عليه على حسب الدّواعي و الحاجة، و لو كانوا فعلوا ذلك لما جاز أن يعلم أحد تغيّرهم لذلك إلا بخبر من اللّه ينزله على نبي من أنبيائه لأن اللّغات لا تعرف إلا من جهة السّمع و لا تعرف بدلالة العقل، و لو كانوا غيّروها بأسرها لما أنزل اللّه القرآن بها على لسان محمد صلى اللّه عليه و سلم، و إن كان ابتداء اللّغة من كلام العباد و تواضعهم على ما يقوله بعضهم فلا يجوز أن يقع فيها أيضا غلط لأنّهم إنما سمّوا الأشياء بأسماء جعلوها علامات لها لتعرف بها و ليكون التّباين و التّمايز منها، و إذا كان أصل كلامهم و لغتهم جروا فيه على ما بيّنا فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكمة تلحقه و لا تفارقه في الحالتين جميعا، و إذا ثبت ما بيّناه من أمر اللغة و وجدنا انقسامها إلى الحقيقة و المجاز و الحقيقة ما وضع من الأسماء للمسمّيات على طريق اللّزوم لها، و الاطراد فيها لأنّها يحق لها عند التعبير عنها و أمثلتها ما قدّمناه، و المجاز ما أجري على الشّيء و ليس له في أصل الوضع، تجوزا على طريق الاستعارة، و تفاصحا منهم و افتنانا و يكون قاصرا عن الأصل و زائدا عليه و مماثلا له، و كيف اتّفق يكون
مستفاده أبلغ من مستفاد الحقيقة و لذلك عدل إليه نظرنا فوجدنا طريق استحقاق الموصوفين من وجوه أربعة:
الوجه الأوّل: طريق الاختصاص و الاستبداد و هو المرسوم لصفات النّفس ليفيد في الموصوف أنه مستبد بها، و مستغن بكونه عليها عن غيره و أنه مختص بها من غير أن يجعل نفسه كالعلّة الموجبة للعلل، و لا قائمة مقامها و هذا كوصف المحدث بأنه موجود و حي و قادر و عالم و سميع و بصير و ما جرى مجراها، و لذلك رسمت بصفات التّوحيد لمّا توحّد اللّه بطريق استحقاقها فلم يشاركه فيها غيره مع جواز وصفهم بها لاستحقاقهم لها من غير هذا الوجه.
الوجه الثاني: طريق المعاني الموجبة لها و هو المرسوم بصفات العلل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بالعلّة الموجبة له عند تعلّقها به دون غيره و هذا كوصف المحدث بأنه عالم و قادر وحي و سميع و بصير و وصف كل موصوف بأنه مريد و كاره، و كقولهم مشته و نافر النّفس و ما شاكل ذلك.
الوجه الثالث: من طريق القادرين و هو المرسوم بصفات الفعل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بكون القادر قادرا عند فعله و إيجاده إيّاه دون غيره، و هذا كوصف المحدث بأنه موجود لما كان معدوما و مقدور القادر عليه و ليس في الأحوال ما يتعلق بالقادر غير المعدوم الموجود.
الوجه الرّابع: من طريق استحالة ضدّها على الموصوف بها و رسمت بالصّفات اللّازمة ليفيد في الموصوف بها أنه مستحق لها على طريق اللّزوم له من غير أن يكون محتاجا في ذلك إلى غير ما يوجبها له، كالعلّة و ما يجري مجراها و من غير أن يكون مختصا به كصفات النّفس و هذا كوصف الشّيء بأنّه معدوم، و معنى المعدوم أنه لا يجوز أن يحصل له من أحكامه التي تخصه و صفاته الجائزة عليه شيء، كما أنّ الموجود هو الذي يكون على حاله يلزمه جميع أحكامه به و الموجبة له، فلذلك قلنا إنّه لا يكون معدوما بفاعل و لا بمعنى و لا بنفسه لمّا لم يكن له واسطة بين الوجود و العدم، فلذلك لزمه العدم عند استحالة الوجود عليه، فأمّا الأوصاف التي تتعلق بالأعيان ممّا لا يكون عبارة عن أحوالها بل هي إخبار عنها و عن غيرها لاختصاصها بها في باب الحلول أو التّعلق أو ما يجري مجراهما فليس لها علة و لا ما يجري مجراها و لا يجوز أن يكون شيء من ذلك بالفاعل.
و اعلم أنّ أعمّ الأشياء قولنا شيء لأنّه يتعلّق بالمسمّى لكونه معلوما فقط و مستحيل أن يكون ذات غير معلومة أو ذات على حال غير معلومة عليها أو غير جائز أن يكونا معلومين، فإن كان العلم لا يحصل بالحال التي عليها لأن العلم بالذّات هو الّذي منه يصل إلى العلم
بالحال، و لذلك كان الذّات لا يخلو من الوجود و العدم معا إذ لو لم يكن الذّات معلومة في العدم للقديم تعالى لم يصح منه القصد إلى اختراعها و إيجادها و ليس قولنا شيء مثل قولنا موجود، بدلالة أنّك تقول هذا شيء زيد، فتضيفه و يمتنع أن يقال: هذا موجود زيد، و كان يجوز أن يحدّ القديم بأنه الشيء لم يزل و المحدث بأنّه الشيء عن أول كما يقال هو الموجود لم يزل و الموجود عن أوّل، و إذا كان قولنا معلوم غير متعلق بفائدة فيه و إنمّا تتعلّق فائدته بغيره فالواجب أن لا يكون قولنا شيء مفيدا من هذا الوجه.
و يمكن أن يقال: إنه يفيد الذّات فكلّ ذات يسمّى شيئا و كلّ شيء يسمّى بذات، و يمكن أن يقال أيضا إنه يفيد المعلوم، فصلا بينه و بين ما يسمّى محالا كاجتماع الضّدين لأنّ مثل ذلك لا يصحّ علمه، قال و ليس يخرج الذّات من أن يكون على حال مع كونه عليها يجوز أن يستحقّ غيرها و لا يجوز، فإن كان يجوز عبّر عنها بأنها موجودة، و إن كان لا يجوز عبّر عنها بأنها معدومة، فلذلك يسمّى المعدوم بالشّيء كما يسمّى الموجود به لما كانا معلومين في الحالين جميعا لذلك قلنا: المراد بقولنا موجود إفادة حال من أحواله أيضا و حالة له أخرى و هي العدم. و فائدة قولنا معلوم أنّ عالما علمه لذلك جاز أن يقال معلوم زيد للشّيء الذي هو مجهول عمرو، و الحال واحدة و يستحيل أن يقال للشيء إنه موجود زيد أو معدوم عمرو على الأحوال كلها.
و اعلم أنّ اللّه تعالى لما أوجب في حكمته عند تكليف المكلّفين مداواة دائهم بالرّحمة لهم و العطف عليهم و الحلم عنهم، و طلب صلاحهم من حيث لا يدرون و يؤلفهم من جانب لا يشعرون رسم لهم في تعبّدهم الرّجوع إليه في مهماتهم و سوغ لهم دعاءه في رفع مأربهم فقال: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [سورة الأعراف، الآية: 180] وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [سورة البقرة، الآية: 186] الآية ثم أنزل في محكم كتابه من أسمائه ما بصّرنا و هدانا و من صفاته ما قوّى إيماننا و إرشادنا، لو لا ذلك و التأسّي بالنّبي صلى اللّه عليه و سلم في أفعاله و قبول أقواله التي بها إبطال الضّلال، و إذا كان كذلك فإنّ ما أثبتته التّلاوة يضاف إليه ما دوّنته الرّواية عن الصّحابة و التّابعين و ما عدا ذلك مما لهج به ألسنة فصحاء الأمة و الصّالحين من أهل اللغة.
فقد روي في التّفسير أنّ قوله تعالى: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [سورة الأعراف، الآية: 180] أنه تسعة و تسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، و جاء في الحديث أنّ: «اسم اللّه الأعظم اللّه» و روى أبو هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «للّه مائة اسم غير واحد من أحصاها دخل الجنة» فيجب أن ينظر فيه فيما سبكه التّحصيل، و كما ذكرنا و ينقى من درن الغباوة و يتلقّى بالقبول فيما يجوز إطلاقه على القديم تعالى، و الباقي يتوقّف فيه و الوصف و الصّفة
جميعا لا يكونان إلا كلاما و قولا فهو كالوعد و العدة. و سمعت شيخنا أبا علي الفارسي يقول: أسماء اللّه تعالى كلّها صفات في الأصل إلّا قولنا اللّه و السّلام لأنّ السّلام مصدر، و لفظ اللّه بما أحدث من صفة و لزوم الألف و اللّام له، يعدّ من الصفات فصار متبوعا لا تابعا كالألقاب يريد يتبعه الصفات و يقدم به، و معناه الذي تحق له العبادة، فإذا قلنا لم يزل إلها الذي حقّت له العبادة من خلقه إذ أوجدهم. و قولنا إله نكرة و يجمع على الآلهة قال تعالى:
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [سورة القصص، الآية: 5] و اشتقّ منه تألّه الرّجل إذا تنسّك، قال:
سبّحن و استرجعن من تألّهلله درّ الغانيات المبدرة
و روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أن عيسى عليه السّلام قال له رجل: ما اللّه؟ قال: اللّه إله الآلهة». و روي عن ابن عباس أنه ذو الألوهية و العبودية على خلقه أجمعين. و روي في قوله تعالى: وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ [سورة الأعراف، الآية: 127] أنّ معناه و عبادتك، فالأصل إله حذفت الهمزة منه و جعل الألف و اللّام عوضا منه لازما و أدغم في اللّام التي هي عين الفعل، فصار الاسم بالتّعويض و الإدغام مختصا بالقديم حتى كأنّه ليس من الإله في شيء، قال سيبويه: و مثله أناس و النّاس يريد في حذف الهمزة لا في التّعويض بدلالة قوله:
إنّ المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا
فجمع بين الألف و اللّام و الهمزة، و لو كان عوضا لما جاز الجمع بينهما، و قد قيل في قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [سورة مريم، الآية: 65] إنّ الاسم الذي لا سمّي له فيه هو قول القائل: اللّه بهذه البنية الصفية، و قولهم في صفات الفعل: يا غياث المستغيثين، و يا رجاء المرتجين، و يا دليل المتحيّرين، موضوع موضع الاسم و كلّ ذلك مجاز و توسّع، و كذلك قولنا: قديم إنما وجب له هذا لتقدمه لا إلى أول، فهو صفة لذاته و ليس ثبت بهذا معنى يسمّى قدما. و قوله تعالى: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [سورة يس، الآية: 39] و في آخر:
هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [سورة الأحقاف، الآية: 11] يراد به تقدّم له و إن كان القصد إلى المبالغة.
فإن قيل: فهل يوجب إجراء لفظ القديم على اللّه تعالى و على الواحد منّا كما ذكرت تشبّها به؟ قلت: لا و ذلك لأنّ اللّه تعالى قدم و تقدّم لنفسه و المحدث يقدم بأن الفاعل فعله في الأوقات المتقدّمة، و إذا كان كذلك فقد اختلف موجب الصّفتين فلم يجب منهما تشبيه، و على هذا قولنا: عالم في القديم و المحدث و قادر و سميع و بصير وحي و قدير و عزيز و ملك و مالك و مليك، على أنّه لو ساعدت العبارة لكان تفرد ما يستحق للذات بعبارة تلزمه، و يخالف بها غيره و كانت الحيطة في ذلك، لكنهم استطالوا ذلك و كان يكتفي بعلم الذات من لا يعلم حالها المختصة بها، فاقتصدوا في العبارة كما اقتصدوا في الأخبار في بابي التذكير
و التأنيث، فأجروا ما لا يصح وصفه بالتّذكير الحقيقي و لا التأنيث الحقيقي مجرى غيره في العبارة.
و كذلك في الاخبار عن اللّه تعالى و إضمار أسمائه في الاتصال و الانفصال إذ قلت هو و أنت و إياك و رأيته و رأيتك و مثل ذلك اقتصادهم في صفات ما غاب عنّا من أمور الآخرة و أهوال القيامة و طي السّماوات و تبديل الأرض غير الأرض إلى غير ذلك مما أخفيت حقائقه عنّا فاقتصروا في بيانها على عبارات لا تستوفيها، و على كنهها لا يؤديها، و هي ما نستعمله إذ عبّرنا عمّا نشاهده.
فأمّا الفصل بين السّامع و السّميع حتّى قيل: لم يزل اللّه سميعا و امتنع لم يزل اللّه سامعا فهو أنّ السّميع لا يقتضي مسموعا فيعدى إليه و السّامع لا بدّ له من مسموع، و المسموع لا يكون مسموعا حتى يكون موجودا و ذلك يدافع قوله: لم يزل و هذا كما يقول: هو عالم و عليم في كل حال ثم تمنع من أن يقول: لم يزل اللّه عالما بأنه خلق زيدا إذ كان ذلك يوجب وجود زيد في الأزل، و على ما ذكر من الاقتصاد و الاقتصار تركوا العبارة عن أشياء و إن أدركها الفهم لقلّة البلوى بها و ذلك تركهم وضع في الصناعات المستجدّة ما أحدث من الأسماء و وضع في الشّرع أو نقل ما وضع و نقل.
و أما الأسماء المشتقة من الأعراض التي ليست مهيات كقولهم: فاعل و محدث و عادل و جابر و صادق و كاذب و مريد و كاره فإنها لا توجب تشبها و ذلك أن الإنسان قد يكون فاعلا لفعل لا يحلى به، و الفعل لا يختلف به هيئته عند أحد ممن يدركه، (أ لا ترى) أنّ هيئته لا تختلف لما يفعل في غيره من الحركات و التأليف و الافتراق و العدل و الجور و لا الإرادة و الكراهة و لا الأمر و النّهي فلم يجب أن تكون تسميتنا بهذه الأسماء للمسمّى بها إذا استحقها تشبها له، لأن التّشبه في الشاهد لا يعقل إلا من وجهين اثنين، أحدهما: اشتباه بالهيئة كالأسود و الأسود و الطويل، أو يشبهان بأنفسهما و أن يكونا من جنس واحد نحو البياض و البياض، و التقدم و التقدم، و التأخّر و التأخّر، و ما جرى هذا المجرى من الأجناس المتفقة بأنفسها، فلما كانت تسميتنا بالفاعل لا توجب جنسيته و لا هيئته لم يوجب تشبها و هذا كقولهم آمر و ناه و قائل و معلوم و مذكور، فأما رحيم و رحمن فهما من الرّحمة و بناءان للمبالغة و حقيقة الرحمة النعمة إذا صادفت الحاجة.
و ذكر بعضهم أنّ الرّحمن هو الاسم الذي لاسم القديم سبحانه فيه و ليس كذلك لأنهم قالوا لمسيلمة رحمن، و قالوا أيضا فيه رحمن اليمامة، و ذكر بعضهم أنه لمّا سمعوا النبي صلى اللّه عليه و سلم يذكر الرّحمن قالت قريش: أ تدرون ما الرّحمن؟ هو الذي كان باليمامة، و إذا كان كذلك فما بقي إلا أن يكون لفظة اللّه هي التي لا سمّي فيها، فإن قيل: فقد نرى الفاعل هيئته يخالف
هيئة من ليس بفاعل و القائل منا له هيئته السّاكت، قيل له: لم تخالف هيئته هيئة السّاكت بالقول و إنما خالفت هيئاتهما بالسكون الذي في شفتي السّاكت و بالحركات التي في لسان المتحرك، لا بالكلام، فإذا كان اللّه يفعل الكلام و الأمر و النهي من غير أن تحل فيه حركة صحّ أنه لا تكون تسميتنا إياه آمرا و ناهيا أو متكلما تشبيها.
و على هذا قولنا: العالم و الحي و القادر و السميع و البصير لأن شيئا من ذلك لا يوجب تجنيسا و لا تركيبا و لا هيئة، فإن قال: أ ليس العالم في الشاهد يحل العلم فيه أو في بعضه، و كذلك الحي فلم زعمتم أن الحيزين لا يشتبهان لحلول الحياة فيهما؟ قلت: إن الحياة ليست بهيئة لهما فيشتبهان بها عند حلولها فيهما، و لو كانا مشتبهين بسائر هيئاتهما، فإن قال: فيلزمكم أن لا يكون من وصف اللّه تعالى بأنه يحله العلم و الحياة مشتبها بخلقه، قيل:
ليس هو بهذا القول مشبها، و لكن بتجويزه حلول الأعراض فيه يكون مشبها لأن ذلك يرجع إلى الهيئة.
و اعلم أنّ الصفة قد تجري على الموصوف من وجهين في أحدهما: يجب له عن اختصاص و استبداد فيكون للذّات و يقترن بما لم يزل و في الثاني: يقصر غايته فنقف دون موقف الأول، و ذلك كقولنا: بصير و مبصر لأنهما للذات، إلّا أنّ مبصرا يتعدى إلى مبصر موجود، و لذلك لم يجز أن يقال لم يزل مبصرا، كما قيل: لم يزل بصيرا و على هذا قولك رأى يتصرف على وجهين.
فإن أريد أنه عالم قلت لم يزل اللّه رائيا و إن أريد أنه مبصر للمبصرات امتنع منه؛ لأنّ المرئي المدرك لا يكون إلا موجودا، و على هذا قولك الصّمد إن جعلته بمعنى السّيد قلت لم يزل اللّه صمدا، و إن قلت هو من الصّمد إليه من العباد و القصد امتنع أن يقال لم يزل صمدا.
و مثله كريم يراد به العز فيقال: لم يزل كريما و هو أكرم عليّ، و يراد به الإفضال فيكون من صفات الفعل، و مثله حكيم يكون بمعنى عالم فيقال لم يزل حكيما و إن أريد به أنه يحكم الفعل لحق بصفات الفعل، و الصفات المستحقة من طريق اللغة الحقيقية و المجازية فإنها تجري عليه تعالى متى لم يمنع مانع من جهة العقول و الشّرع، فإن التبس الحال يختار الأكرم فالأكرم و الأبعد من التشبيه فالأبعد، و ذلك لمجانبتنا لأنّ نصفه بأنه يعقل أو يحس أو يفقه و يستبصر و يتيقن أو يفطن أو يفهم أو يشعر لما تتضمنه هذه الألفاظ من الأحوال التي حصولها لا يليق بالله تعالى.
فإن قيل: هو شاهد و شاهد كل نجوى و قريب مجيب و مطّلع على الضّمائر قلت:
أجرينا عليه هذه الألفاظ مجازا و توسعا و لأنها بكثرة دورانها في ألسنة السّلف الصالح، و الإشارة بها إلى ما لا يخيل و لا يلتبس من القصود السّليمة انتفى عنها ما يلابس غيرها من
كل موهم، و لمثل هذا أجرى قوي في صفة مجرى القادر و امتنع في شديد و متين و ما أشبهه من أن يجري مجراه، فأما قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [سورة البقرة، الآية: 15] و سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [سورة التوبة، الآية: 79] و ما جرى مجراه فمثله في البلاغة يسمى المجانسة و المطابقة و هو ضرب من المجاز سمّي الثّاني فيه بالأول ليعلم أنه جزاؤه و قد أجرى إلى مثله، و المعنى يجازيهم جزاء الاستهزاء و السّخرية و نحو قوله تعالى: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [سورة الشورى، الآية: 40] و الثاني لا يكون سيئة.
فإن قيل: فهل يجري التهاتف و التّهكم مجرى السخرية فتجيزه عليه اتساعا؟ قلت: لا يجوز ذلك؛ لأن المجاز لا يقاس، أ لا ترى أنّ أرباب اللغة مجمعون على أنه لا يجوز سل الجبل، و إن جاء سل القرية، و مثل هذا قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة النور، الآية: 35] و امتناعنا من بعد من أن تقول اللّه سراج السماوات، أو شمسها أو قمرها إذ كانت المجازاة لها انتهاء تجاوزها إلى ما ورائها محظور، هذا مع توافق الصفات، فكيف إذا اختلفت؟ و يقارب هذا قولهم في اللّه لطيف و رحيم، و المراد به الإنعام، ثم امتنعوا فيه من رفيق و مشفق لرجوعهما إلى رقة القلب و استيلاء الخوف، فأما الغضب و السخط و الإرادة و الكراهة و الحب و البغض و الرضاء و الطالب و المدرك و المهلك فمن صفات الفعل، و اللّه يحدثها لا في مكان إذ كان جميعها لا يوجب تصويرا و لا تهيئة و لا تركيبا، و إنما تفيد عقابا للمكلفين أو إثابة أو إيجابا لإيقاع الفعل، أو نفيا له و إذا كانت كذلك انتفت عن المحال على أنه لو أحدثها في المحال لعادت المحال الموصوفة بها.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقع منّا إرادة لا في محل؟ قلت: لا و ذلك أنّ أفعالنا تقع مباشرة، أو متولدة عن مباشرة، فلا بدّ لها من محل و أفعال اللّه تعالى بخلافها. فإن قيل:
هل يجوز أن يوصف اللّه بأنه راع، و أنه خفير، و حارس كما وصف بأنه رقيب و حافظ؟
قلت: قد جاء رعاك اللّه و حرسك و حاطك في دعاء المسلمين و معانيها صحيحة، لكن بناء اسم الفاعل منها في صفاته لم يجيء و هم يستغنون بالشيء عن شبهه في اللغة، فيذهب عن الاستعمال و مع ذلك فوصفه يجب أن يكون كريما، و لفظة الحارس و الرّاعي و الحائط ليس مما يستكرم فيقرن بيا للاختصاص، فيقال يا حارس أو يا راعي، أو يا حائط و مما ينفر منه فيترك قول القائل في اللّه يا معلم و إن كان قد جاء الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [سورة الرحمن، الآية: 1- 2] لاشتهاره في صفات المحترفين به، على أنّ الفرق بين ما يجعل إخبارا و بين ما يجعل خطابا و يصدر بحرف النّداء ظاهر. و إذا كان كذلك فلفظ الخطاب بيا كالمترجم عن تواضع و فاقة فيجب أن يختار معه من الصّفات ما يؤكّد الحال و يحرّر السؤال و يشبه ما نحن فيه أنّهم قالوا في صفاته علّام الغيوب.
ثم امتنعوا من علامة و إن كانت تاء التأنيث زائدة في المبالغة لما يحصل في اللّفظ من علامة التأنيث و لا تنحط رتبته عن رتبة التّذكير. و لأنهم جعلوا اللّفظ مؤنثا لاقتران علامة التأنيث فقالوا للبيضتين الاثنيان، و وصف بعضهم المنجنيق و هو مؤنث في اللّغة فقال و كل أنثى حملت أحجارا، فأمّا الخفير فمعناه لا يصح على اللّه لأنه من السّتر و منه خفرت المرأة.
و قول القائل ثابت في صفة اللّه قليل الاستعمال و معناه صحيح فيه و هو الكائن الذي ليس بمنتف، و قولهم: وتر، و فرد و فذ جميعه جائز عليه لأنّ معناه معنى التّوحيد، إلا الفذ، لأن معناه القلّة. و قولهم إبراهيم خليل اللّه فمعناه الاختصاص، و لا يقال اللّه خليل إبراهيم، لأنّه يخص اللّه بشيء و لا يقاس الصّديق و لا الوامق و لا العاشق على الخليل، و لا على المحب، و لا يوصف اللّه بالكامل، و لا الوافر لأنّ معناه الذي تمّت أبعاضه و توفّرت خصاله و لا يوصف اللّه بالفرح، لأن الفرح إنما يجوز على من يجوز عليه الغم على أنه مع ذلك متناوله مذموم و ليس كالسّرور. يدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [سورة هود، الآية: 10] و مما يقلّ استعماله وصفه بالسّار و البار، و إن كان معناهما صحيحا إذا كان تعالى يسر أولياءه و يبرّهم سمعه و طوله.
فإن قيل: أ فيجوز أن يقال في اللّه تعالى: إنه يمكنه أن يفعل، و يستطيع أن يفعل و يطيق أن يفعل؟ قلت: كلّ ذلك جائز إلا قولك: يطيق أن يفعل، لأن الطّاقة استفراغ الجهد فيما يقصده الإنسان و قوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ [سورة غافر، الآية: 3] حسن جائز لأن معنى ذو الطّول و له الطّول واحد فاعلمه.
و اعلم أنّ قول القائل: ما زال زيد يفعل كذا من العبارات الدّاخلة على المبتدأ و الخبر يفيد الزّمان دون الحدث، و إذا كان كذلك فزيد هو الذي كان مبتدأ و هو المخبر عنه، و الخبر ما بعده، و لا يستقل بنفسه كما أنّ المبتدأ لا يستقلّ بنفسه و ما زال مثل كان و أصبح و أمسى في أنه أفاد الزّمان، إلا أنه بدخول حرف النفي عليه عاد إلى الإثبات، لأن نفي النّفي إثبات، و ممّا صدّر بحرف النفي من إخوانه ما برح و ما فتئ، و ما انفك، و قال سيبويه: تقول زايلته مزايلة و زيالا و التزايل تباين الشيء، و زيلت بينهم فرقت.
فإن قيل: فهل يجوز أن يقال: ما زال زيد يقطع الكلام به، و المراد ثبت زيد. قلت:
إن أخرجته من جملة العبارات الدّاخلة على المبتدأ و الخبر و جعلته فعلا تاما يستغني بفاعله، و يفارق ما لا يتم إلا بخبره، لم يمتنع ذلك فيه، و حينئذ يصير مثل كان الذي يفسر يحدث و جاء في القرآن: وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ [سورة البقرة، الآية: 280] و على هذا قوله تعالى:
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ [سورة يوسف، الآية: 80] لأن تقديره لن أبرح من الأرض لأن برح لا يتعدى مثل زال، و الأرض مخصوص لا يكون ظرفا، و هذا غير المستعمل في قولهم لم يزل
اللّه واحدا سميعا بصيرا، و مثله أصبح الذي يمثل باستيقظ، و أمسى الممثل بنام.
و قد فسّر سيبويه ما برح بما زال، و لم يجعله من البراح إيذانا بالفرق بين ما جعل عبارة و بين غيره، و قال تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [سورة طه، الآية: 91] و في موضع آخر: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ [سورة الكهف، الآية: 60] و المعنى لا أزال أسير حتى أبلغ، و لو جعل من البراح لدافع قوله حتى أبلغ، لأنّ الثّابت في موضعه لا يكون متبلغا، و مما يشرح هذا الذي قلناه امتناعهم من قول القائل: ما زال زيد إلا كذا حتى ردّوا على ذي الرّمة قوله:
حراجيح(1)ما تنفكّ إلا مناخة
على الخف أو ترمي بها بلدا قفرا
و قالوا الاستثناء ممتنع هنا و إنّما هو حراجيح ما ينفك مناخة أي لا يزال شخوصا مجهودة، و حمل إلا على الكثرة و الجنس، و منهم من قال: ما تنفكّ من قولهم فككته فانفكّ كأنه يخرجه من أن يكون مما يدخل على المبتدأ و الخبر، و يجعله مستقلا بفاعله مثل كان التامة، و يكون المعنى لا ينخل قواه إلا في هذه الحالة و على هذا ما فتئ و في القرآن:
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [سورة يوسف، الآية: 85] أي لا تفتؤ و لا تزال.
فإن قال قائل: فهل يجوز أن يوصف اللّه تعالى بأنه ذخر و سند؟ قلت: هذا لا يكون إلا مجازا و ما لا يجب من جهة الحقيقة لا يجوز عندنا وصف القديم به إلّا إذا كثر في كلام أهل الدين و أخبار أرباب اللغة فيصير تبعا فيه لهم، و ذلك أنّ الذّخر ما يذخره الإنسان و يحرزه لنفسه و ليوم حاجته، و يكون في الوقت كالمستغني عنه فيقال: أذخر هذا لطوارق الزّمان و نوائب الدهر و الأيام و على هذه الطريقة لا يجوز ذلك على اللّه لأنّ الحاجة إليه دائمة فهذا في الذّخر و كذلك السند في الحقيقة هو ما أسند الإنسان إليه ظهره و اللّه متعال عن هذه الصفة. فإن قيل: فهل يجوز أن يوصف اللّه بأنه نجي و ولي؟ قلت: النجيّ فعيل و يراد به الذي يناجي، و وصف به الجمع في قوله تعالى: خَلَصُوا نَجِيًّا [سورة يوسف، الآية: 80] و إن كان على لفظ الواحد كما جاء فعول في قوله تعالى: عَدُوٌّ لِي* [سورة طه، الآية: 39] و إذا كان كذلك فليس هو كالنكير و النّذير لأنهما مصدران، و لكنّه بمنزلة العلي و الولي و نحوه مما يكون، و الوالي و الولي بمعنى واحد، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [سورة البقرة، الآية: 257] و قال تعالى: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [سورة الرّعد، الآية: 11]، و كذلك النجيّ و مثله الصّديق و الخليط في أنه بلفظ الواحد و وصف به الجمع، و قوله: إني إذا ما القوم كانوا أنجيه. فأنجيه كقولهم كثيب و أكثبة و رغيف و أرغفة شبه الصفة بالاسم فكسرت تكسيره
1) الحرجوح: الناقة السمينة- قاموس.
و قوله تعالى: وَ إِذْ هُمْ نَجْوى [سورة الإسراء، الآية: 47] وصف بالمصدر كما وصف بالعدل و الرضى، و إذا كان الكلام بيانا عن المعاني فعلى المتكلم أن يبيّن المعاني التي يخبر عنها بكلامه و إلا كان بمنزلة من يلغز و يعمّي كلامه لئلا يفهم، و فاعل هذا مختار عابث فأما قولنا: وكيل علينا أي متول لأمورنا و قائم، بحفظنا و نصرتنا، و لا يجوز أن يقال: وكيل لنا لأنّ الوكيل لنا هو النائب عنّا و خليفتنا فيما يليه لنا فأما قولنا: توكلنا على اللّه، فليس من الوكالة في شيء و إنما معنى يتوكل يلتجئ و يعتمد و إذا كان كذلك فإنّا نقول: اللّه وكيل علينا، و لا نقول: متوكّل علينا.
فإن قيل: كيف جاز مجيء تفعل و تفاعل في صفاته و ممّا من أبنية التكلّف و التّكلف لا تجيزه على اللّه. قلت: قوله المتكبّر و الكبير المتعالي في صفاته كالكبير و العالي و المباني كما يتفرد بالمعاني أو يكثر مجيئها لها فإنها قد تتداخل و تتشارك حتى لا تمايز و لا تباين، و إذا كان كذلك فقول القائل تعلى و تعالى و علا بمعنى واحد قال: (تعلّى الذي في متنه و تحدّرا) بمعنى علا و حدر و قال شعرا:
و مستعجب مما يرى من إناتناو لو زينة الحرب لم يترمرم
بمعنى عجب. و قال أوس:
و قد أكلت أظفاره الصّخر كلّماتعايا عليه طول مرقي توصّلا
بمعنى أعيا، و هذا كثير ظاهر فاعلمه. و منه قوله تعالى: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ [سورة الأعراف، الآية: 167] بمعنى آذن. و اعلم و قد انتهى هذا الباب و كمل بما ضمّ إليه من أخبار الرّسول صلى اللّه عليه و سلم و غيرها، جامعا إلى الوفاء بما وعدته و مجيئه على المثال الذي خططته، أني لم آل جهدا في اختيار ما كانت الحاجة إلى بيانها أمس، و النّفس إلى تبينها أتوق، حتى بلغ حدا يمكن الاستعانة به، مع أدنى تأمّل على فتح كثير مما يستغلق من نظرائه، و كلّ ذلك بعون اللّه و حسن توفيقه، و أنا الآن مشتغل بالباب الثّاني و الكلام في حقيقة الزّمان و المكان، و الرّد على من تكلّم بغير الحق فيهما و اللّه بحوله و قوّته يعين على بلوغ ما نعرب منه و هو حسبنا و نعم الوكيل.
و متى تسمّى ظروفا، و معنى قول النّحويين الزّمان ظرف للأفعال، و الرّد على من قال في بيانهما بغير الحق من الأوائل و الأواخر. و هذا الباب يشتمل على ما ذكر ماهية الزّمان و المكان و حكاية أقوال الأوائل فيهما، محقّهم و مبطلهم و إبطال الفاسد منها و ما يتعلق بذلك و فصوله أربعة:
اعلم أن أسماء الزّمان و المكان إنما تسمّى ظروفا إذا كانت محتوية لما هي ظروف لها فإن لم تكن محتوية فليست بظروف، بل هي أسماء تبيّن ما وقعت عليه من غيره كسائر الأسماء، كقولك: مكانكم طيب، و خلفك واسع، و أمامك الصحراء، و يوم الجمعة مبارك، و شهر رمضان شهر طاعة و إنابة، فإنما هذا كقولك: عبد اللّه كريم، و زيد مبارك، و موضع كونها ظروفا أن تقول: سرت يوم الجمعة و ضربت زيدا يوم السبت، فاليوم مفعول فيه.
و سنذكر قطعة واسعة من الأزمنة تأتيا بأسمائها إلى أن نتمكن من شرح جملها و تفاصيلها، و نأتي على حقها و حقيقتها و يندس في أثنائها الكثير من مبهمات الأمكنة لأنها هي التي تكون ظروفا دون محدوداتها، و اتّسع باب الأزمان، لأنّ الأحداث انقسمت بانقسامها فهي تتضمنها دون الجثث و الأشخاص، و لذلك قال سيبويه: المكان أشبه بالأناسى فلها صور تثبت عليها و حدود تنتهي إليها و تتباين بها.
فمن أسماء الزّمان: اليوم و اللّيلة و البارحة الأولى و أمس و أول من أمس، و أول من أول من أمس، و إذ مضافة إلى جملة كالفعل و الفاعل و الابتداء و الخبر و قط و عصر و زمان و دهر و وقت في الزّمان و المكان، و أسبوع و شهر و عام و سنة فيما مضى و حقب، و غد و أبد في المستقبل، و إذ مضافة إلى فعل و فاعل، و ذات مرة، و ذات المرار، و لا يستعملان إلا ظرفا، و ذات العويم و إبّان و إفان و قبل و بعد، و لا يرفعان، و بعيدات بين، و كذلك، و ليس قبل و بعد و لا بعيد من أسماء الزّمان، و لا بعيدات بين، و لا من أسماء ساعاته.
و كذلك ذات مرّة لأن قبل و بعد يفيدان التقدّم و التأخر، و بعيدات جمع بعد مصغرا، و لذلك ضعفن، و ذو صباح، و ذو مساء و حرى دهر و ابنا سمير و الملوان و الجديدان و الأجدان، و ملء من الدّهر، و المرّة، كقولك: ضربه و ما كان اسما في الدهر للظمإ و الرّعي و غير ذلك مما يعتاد كالوجبة و الغب و الرفة و الثّلث و الرّبع و الخمس و السّدس ما كان ممرا في اليوم، و اللّيلة نحو سحر و بكر و غدوة و هو علم، و بكرة و هو مجهول على عدد، و غداة و ضحوة و ضحى و الضحاء ممدود، و نصف النهار و سواء النهار و الهجير و الهاجرة و الظّهير و الظّهيرة و دلوك الشمس، و غسق الليل، و العصر و قصر العشي و الأصيل، و استعمالهم إيّاه مصغرا تقريبا للوقت، نحو أصيل و أصيلال و أصيلان، و كذلك المغرب في قولك مغيربان و مغيربانات و العتمة و الغداة و مقصر و ظلام و وهن و هدا و هداة و هدو و صباح و مساء و صباح مساء مبنيين، و سير عليه ذا صباح و شطر الليل و يومئذ و هذا مما حذف منه و صار التّنوين بدلا من المحذوف فيه و حينئذ و ساعتئذ و يوم و حين مضافة إلى متمكن و إلى غيره، و السدف و السدفة و أي حين، و مذ و منذ و متى و أيان، و دخول كم على متى للعدد، و دخول حتّى و إلى للمنتهى على أسماء الزمن و قولك ربّما للتقليل، و ربما بما في ذلك من اللغات، و قد التي بمعنى ربما، و الساعات و ألقاب أيام الأسبوع و تسمية العرب لها و ذلك قولهم للأحد أول و للاثنين أهون، و للثلاثاء جبار للأربعاء دبار، و للخميس المونس و للجمعة العروبة، و للسبت شيار و قولهم الوهن و الموهن، و تسميتهم سير اللّيل لا تعريس فيه إلا ساد، و سير النهار لا تعريج فيه التّأويب.
و قولهم: لا أكلمك السّمر و القمر، و اختلاف الأزمنة كالصّيف و الخريف و الشّتاء و الرّبيع و ما ينسب إليها من نتاج أو عشب، و تسميتهم بالحر شهري ناجر، و الشّهرين الموصوفين بالبرد شهري قماح و قماح، و ما نفع من المصادحينا نحو: مقدم الحاج، و خفوق النّجم، و خلافة فلان، و وقعة فلان، و التواريخ، و تقديمهم اللّيلة على اليوم، و قولهم بعد فنك من اللّيل، و هزيع و الأناء و ما واحدها، و أيام الأسبوع و الفصل بينها و الأوان و الآن.
و صفات الزّمان: كقولهم حول كريت و قميط و مجرم و فعله قليلا و كثيرا و طويلا و قصيرا، و قولهم النسيء في الأزمنة و النسيئة(1)في الدّين و اليمين و الشّمال و أعلى و أسفل و خلف و قدّام و أيام العجوز، و هذه تجري مجرى المقدمات و سيأتي التّفسير عليها منوعة.
1) التأخير في دفع الثمن.
ذكر بعض القدماء أن الزمان هو دوران الفلك، و قال أفلاطون: هو صورة العالم متحركة بعد صورة الفلك. و قال آخر: هو مسير الشّمس في البروج حكى جميع ذلك النّوبختي، و وجوه هذه الأقوال تتناسب. و حكى أبو القاسم عن أبي الهذيل أنّ للزمان مدى ما بين الأفعال، و أنّ اللّيل و النّهار هما الأوقات لا غيره. و زعم قوم أنه شيء غير اللّيل و النّهار، و غير دوران الفلك، و ليس بجسم و لا عرض، ثم قالوا: لا يجوز أن يخلق اللّه شيئا إلّا في وقت، و لا يفنى الوقت فيقع أفعال لا في أوقات، لأنه لو فني الوقت لم يصح تقدم بعضها على بعض، و لا تأخّر بعضها عن بعض، و لم يبين ذلك فيها و هذا محال.
و قال بعض المتكلّمين: الزّمان تقدير الحوادث بعضها ببعض، و يجب أن يكون الوقت و الموقت جميعا حادثين، لأن معتبرهما بالحدوث لا غير، و لذلك لم يصح التّوقيت بالقديم تعالى ثم مثل، فقال: أ لا ترى أنك تقول: غرد الديك وقت طلوع الفجر، و تقول: طلع الفجر وقت تغريد الدّيك، فيصير كلّ واحد من طلوع الفجر و تغريد الدّيك وقتا للآخر و مبينا به للمخاطب حدوثه و هذا على حسب معرفته بأحدهما و جهله بالآخر، لأنّ ذلك في التوقيت لا بدّ منه. و قال المحصّل من النّحويين الزمان ظرف الأفعال و إنما قيل ذلك لأن شيئا من أفعالنا لا يقع إلا في مكان و إلا في زمان و هما الميقات.
قال الخليل: الوقت مقدار من الزّمان و كلّ شيء قدرت له حينا فهو موقت، و كذلك ما قدرت له غاية فهو موقت، قال تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ* [سورة الحجر، الآية: 38] و الميقات مصير الوقت قال تعالى: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [سورة الأعراف، الآية: 142] و الآخرة ميقات الخلق و مواضع الإحرام مواقيت الحج و في التّنزيل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ [سورة البقرة، الآية: 189] و الإهلال ميقات الشّهر و في القرآن: وَ إِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ [سورة المرسلات، الآية: 11- 12] و إنما هي وقّتت و يقال: وقت موقوت و موقت. و الزّمان قد يعلم باسمه. و قد يبين بصفاته، فالأول كالسّبت و الأحد و رمضان و شوّال، و الثّاني كقولك الخميس الأدنى، و الجمعة الآتية، و قد يبين بقرينة تضاف إليه كقولك: عام الفيل، و وقت ولاية فلان. و قد يقصد المتكلم بيان قدر الوقت أو صورته أو اتصاله أو انقطاعه بما يكون نكرة كقولك فعلته ليلا و ثابرت عليه حولا، و أقمت عنده شهرا.
و في الاتصال و الانقطاع يقولون: فعلته ليلا و نهارا أو غدوا و عشيا و زرته ذات مرة و بعيدات بين. فأما قول من قال: هو الفلك بعينه فقد أخطأ، لأنّ الأفلاك كبيرة في الحال و ليست الأزمنة كبيرة في الحال، لأنّ الزّمان ماض و مستقبل و حاضر، و الفلك ليس كذلك،
و هذا ظاهر، و ذلك قول من قال: حركات الفلك هي الزّمان لأن أجزاء الزّمان إذا توهّمت كانت زمانا، و أجزاء الحركة المستديرة إذا توهّمت لم تكن حركة مستديرة، و لأنّ الحركة في المتحرّك و في المكان الذي يتحرّك إليه المتحرّك، و الزّمان ليس هو في المتحرّك و لا في المكان الذي يتحرك إليه المتحرّك، بل هو في كل مكان ثم قد يكون حركة أسرع من حركة، أ لا ترى أنّ حركة الفلك الأعلى أسرع من حركة زحل و البطء و السّرعة لا يكونان في الزّمان لأنّ الحركة السّريعة هي التي تكون في زمان يسير و البطيئة هي التي تكون في زمان كثير.
و حكى حنين بن اسحاق عن الاسكندر أنه قال في حد الزمان: إنه مدة بعدها حركة الفلك بالمتقدّم و المتأخر. قال و العدد على ضربين: عدد يعدّ غيره و هو ما في النفس، و عدد يعدّ بغيره، و الزّمان مما يعد بغيره و هو الحركة لأنّه على حسبها و هيئتها و كثرتها و ثباتها، و إنما صار عددا من أجل الأول و الآخر الموجودين في الحركة، و العدد فيه أوّل و آخر فإذا توهّمنا الحركة توهّمنا الزّمان، و إذا توهّمنا الزّمان توهّمنا الحركة، و إنّما صار عدد حركة الفلك دون غيرها لأنه لا حركة أسرع منها، و إنما يعد الشيء و يذرع و يكال بما هو أصغر منه. قال: و الزّمان عدد و إن كان واحدا لأنه بالتّوهم كثير فيكون أزمنة بالقوة و الوهم لا بالوجود و العمل.
و هذا يقارب ما حكاه أبو القاسم عن أبي الهذيل في حدّ الزمان، لأن قوله: مدى ما بين الأفعال، و إن اللّيل و النّهار هما الأوقات إذا حصل يرجع إلى معنى قوله مدة بعدها حركة الفلك بالمتقدّم و المتأخّر، و إن كان لفظ أبي الهذيل أجزل و أغرب، أ لا ترى أنّ الاسكندر قال: و البرهان على أن الزّمان ليس بذي كون و لا ابتداء و لا انتهاء و الفرقة التي زعمت أن الزّمان شيء غير اللّيل و النّهار، و غير دوران الفلك، و ليس بجسم و لا عرض إلى آخر الفصل، فإنّا سنتكلم به على الملاحدة و الخارجين من التّوحيد إلى وراء التشبيه إن شاء اللّه تعالى.
اعلم أن العبارة عن الوقت قد حصلت من القديم تعالى و لا فلك يدور و لا شمس في البروج تسير، و عبر أيضا عن أوقات القيامة فمرة قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [سورة المعارج، الآية: 4] و مرّة قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [سورة السجدة، الآية: 5] و قال تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* [سورة الحديد، الآية: 4] و قال تعالى في صفة أهل الجنّة: وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [سورة مريم، الآية: 62] و لا بكرة ثم و لا عشية، فجميع ذلك أجري لأوقات مؤقتة لمعاني قدّرها اللّه تعالى على أحوال رتّبها و مراتب صورها فمنها ما هو أطول، و منها ما هو أقصر، على حسب آماد الأمور المقدورة فيها، فمثّل كلّا بما تقرّر به النفوس غايته و أمده و مقداره و موقعه ممّا
كنّا نعرفه و نألفه و نشاهده و نتصرّف فيه، و إذا كان الأمر على ما ذكرنا و حصل من الحكيم التّوقيت على ما بيّنا ظهر كثير من عاداتهم فيه و أنهم تخيّروا ما كان في الاستعمال أبين و في العرف أمتن، و على المراد أدل، و في التّمثيل أنبّه و أجل.
و اعلم أنّ الحادث متى حصل فقد حصل في وقت، و المراد أنه يصحّ أن يقال فيه: إنه سابق لما تأخر عنه، و إنّ وقته قبل وقته، أو متأخر عما تقدّمه و إنّ وقته بعد وقته أو مصاحب لما حدث معه، و إنّ وقته هذا هو المراد فقط، و لسنا نريد أنه حدث معه شيء سمّي زمانا له، أو سبقه أو احتاج في الوجود إليه، فلو تصورنا أوّل الحوادث و قد اخترعه اللّه مقدّما على المحدثات كلّها لصلح أن يقال فيه: إنه سابق لها و إنه أول لها، و هذا توقيت، و لو تصوّرنا أنه بقي مفردا بعد حدوثه لم يتبع بغيره لكان يصح تقدير هذا القول فيه و توهّمه، إذ كان اللّه تعالى قادرا على الإتيان بأمثاله و أغياره معه و قبله و بعده.
و هذا معنى قول النّحوي: الفعل ينقسم بانقسام الزّمان ماض و مستقبل و حاضر، و إذا كان الأمر على هذا فقد سقط مئونة القول في أنّ الوقت حادث لا في وقت، و أنه لو احتاج الوقت إلى وقت لأدّى إلى إثبات حوادث لا نهاية لها. و أما من قال: إنّ الزّمان تقدير الحوادث بعضها ببعض و تمثيله بأن القائل يقول: غرد الديك وقت طلوع الفجر، و طلع الفجر وقت تغريد الديك فإنّ كل واحد من التّغريد صار وقتا للآخر، فإنّه جاء إلى فعلين وقعا في وقت واحد، فعرف الوقت مرة بالإضافة إلى هذا، و جعل ذلك الآخر موقتا به، و مرة بالإضافة إلى ذلك، و جعل هذا مؤقتا به، و لم يتعرّض للزّمان و كشف حده و ضبطه و هذا كما يقال: حججت عام حج زيد و حج زيد عام حججت.
و من الظاهر أن العام غير الحجين و أنهما إنما وقعا فيه، و هذا بيّن على أن ما أتى به و اشتغل بتمثيله هو من قبيل ما يكون زمانا و هو ما يصلح أن يكون واقعا في جواب متى و لم يستوفه أيضا، و ترك ما يخرج في جواب كم رأسا، و ذلك كقولهم: يصوم زيد النّهار و يقوم اللّيل، و ما فعلته قط، و لا أفعله أبدا، و أقمت بالبلد شهرا و هجرت زيدا يوما إلى كثير مما ستراه في أبواب هذا الكتاب و فصوله.
و اعلم أنّ الزمان و إن كان حقيقة ما ذكرنا، فإنّ الأمم على اختلافها أولعوا في التّوقيت بذي اللّيالي و الأيام، و الشّهور و الأعوام، لما يتعلّق به من وجوه المعاملات و الآجال المضروبة في التجارات، و من تقرير العدات، و إدراك الزّراعات، و آماد العمارات، و من فعل أهل الوبر في المحاضر و المزالف و المناجع و المجامع، و إقامة الأسواق، و توجيه المعاش، و من اشتغال أرباب النّحل بما افترض عليه عندهم من تقرّب و عبادة، و دعوا إلى الأخذ به في دينهم من فرض و نافلة، و أمروا بالتوجه إليه من سمت و قبلة، و لما أجرى اللّه
تعالى العادة به فيه من حدوث حر و برد، و جزر و مد، و تبدّل خصب و جدب، و رخاء عيش و بؤس، و من ظهور نبات و أوان لقاح، أو ولاد و صبوب أمطار و هبوب أرواح لذلك قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «تعلّموا من النّجوم ما تعرفون به ساعات اللّيل و النّهار، و هداية الطّرق و السّبل» فقدّر أكثر الناس أنّ الزّمان لا يكون غيرها و لا يعدوها إلى ما سواها، و لهذا الّذي تبينته، أو أشرت إليه ذكر أبو الهذيل بعد تحديد الزّمان اللّيل و النّهار هما الأوقات لا غير.
و اعلم أنّ الذين زعموا أن الزّمان شيء غير اللّيل و النّهار، و غير دوران الفلك و ليس بجسم و لا عرض، ثم قالوا: لا يجوز أن يخلق اللّه شيئا إلّا في وقت و لا يفنى الوقت، فيقع أفعال لا في أوقات لأنه لو فني الوقت لم يصح تقدّم بعضها على بعض و لا تأخّر بعضها عن بعض، و لم يتبيّن ذلك فيها، و هذا محال قولهم داخل في أقوال الذين يقولون: إن الزّمان و المكان المطلقين، و يعرب عنهما عند التّحقيق بالدّهر و الخلاء جوهران قائمان بأنفسهما، و الكلام عليهم يجيء بعد تنويع فرقهم و بيان طرقهم فنقول: بالله الحول و القوة من زعم أنّ الأزلي أكثر من واحد أربع فرق:
الأولى: الذين يقولون هما اثنان الفاعل و المادة فقط و يعني بالمادة الهيولى.
الثانية: الذين يدّعون أنّ الأزلي ثلاثة الفاعل و المادّة و الخلاء.
الثّالثة: الذين يدّعون أنه الفاعل و المادة و الخلاء و المدّة.
الرّابعة: الفرقة التي زعيمهم محمد بن زكريا، المتطبب لأنه زاد عليهم النّفس الناطقة، فبلغ عدد الأزلي خمسة بهذيانه.
و شرح مذهبهم أنه لم يزل خمسة أشياء، اثنان منها حيّان فاعلان و هما: الباري و النفس، و واحد منفعل غير حي و هو الهيولى الذي منه كوّنت جميع الأجسام الموجودة، و اثنان لا حيّان و لا فاعلان و لا منفعلان و هما الخلاء و المادة، إلى خرافات لا تطيق اليد بيانها بالخط، و لا اللّسان تحصيلها باللّفظ، و لا القلب تمثيلها بالوهم، فمما يزعمه أن الباري تام الحكمة لا يلحقه سهو و لا غفلة، و تفيض منه الحياة كفيض النّور عن قرصة الشّمس، و هو العقل التام المحض، و النفس تفيض منه الحياة كفيض النور، و هي مترجّحة بين الجهل و العقل كالرّجل يسهو تارة، و يصحو أخرى، و ذلك لأنها إذا نظرت نحو الباري الذي هو عقل محض غفلت و أفقت، و إذا نظرت نحو الهيولى التي هي جهل محض غفلت و سهت، و أقول متعجبا لو لا الكرى لم يحلم و هذا كما قال غيري، أ ليس من العجائب هذيانه في القدماء الخمسة، و ما يعتقده من وجود العالم لحدوث العلّة و ما يدّعيه من وجود الجوهرين الأزليين أعني الخلاء و المدّة لا فعل لهما و لا انفعال، فلولا خذلان اللّه إياه، و إلا
فما ذا يعمل بجوهر لا فاعل و لا منفعل؟! و لم يضع الأرواح المقدّسة قبالة الأرواح الفاسدة، و لم يحدث العلة من غير نقص و لا آفة و لم يذكر شيئا ليس فيه جدوى و لا ثمرة و هذا الفصل إذا أعطي مستحقّه من التّأمل ظهر منه ما يسقط به سخيف كلامهم، و إن لم يكن مورده مورد الحجاج عليهم.
أ لا ترى أنّ من لم يثبت القديم تعالى فيما لم يزل واحدا لا ثاني له، و عالما بالأشياء قبل كونها و بعده، و قادرا على كل ما يصح أن يكون مقدورا، وحيا لا آفة به، و غنيا لا حاجة به إلى غيره في شيء من إرادته، و حكيما لا يبدو له في كل ما يأتيه و يفعله، فننقل إلى ما هو أعلى منه، بل لا يفعل إلا ما هو حسن و واجب في الحكمة و الصّواب، فقد جعله قاصرا ناقصا، تعالى اللّه و جلّ عن صفات المخلوقين، و هذا كما أنّ من الواجب أن يعلم أنّ القديم لو لم يبدع العالم أصلا لاستحال أن يتوقّف على وجوده، أو يتوصل إلى إثباته، لأن ذاته لم تكن ظاهرة للعيان، و لا مستدركا بالحواس، و أنّ الشيء قد يصح إثباته من طريق أفعاله كما يصح إثباته من جهة ذاته، و الأسباب و إن كانت متقدمة لمسبباتها بالوجود فلا يمتنع أن يكون في العقول أسبق إلى الوضوح.
و إذا كان كذلك فالعالم بثبات هذا العالم المحسوس موصول إليه من طريق الإدراك و المشاهدة، و العلم بصانعه من طريق النّظر و المباحثة، و قد تكلّم الناس في المعرفة بالله تعالى و اختلفوا فزعم قوم أن المعرفة لا تجب على القادر العاقل و أنها تحدث بإلهام اللّه، فكل من لم يلهمه اللّه المعرفة فلا حجة عليه، و لا يجب عليه عقاب، لأن عذر من ترك الشيء لأنه لم يعلم كعذر من ترك الشيء لأنه لا يقدر عليه، و الذي يدل على أن المعرفة لا تكون ضرورة لأنا يمكننا التشكك فيه. أ لا ترى أنه كلما اعتقدنا الشيء بدليل فاعترضت شبهة في أصل الدّليل يخرج من العلم بذلك الشيء حتى تثبت حجّة بمحل تلك الشّبهة، و لو كانت بالضّرورة لم يكن التّشكك، و كان العقلاء كلّهم شرعا واحدا في العلم، كما صاروا شرعا واحدا في أخبار البلدان المتواترة عليهم، فبان بذلك أنها ليست بضرورة، و أكثر الناس على أنها واجبة و هي من فعل الإنسان، و إنما يقع أوّلها متولّدا عن النّظر.
قال البغداديون مستدلين: لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا اللّه معرفته أو لا يكون كلّفنا و تركنا مهملين، و تركنا سدى، و إهمالنا لا يجوز عليه و يقال لهم في ذلك: إنّ الإهمال هو تضييع ما يلزم حفظه، و ترك مراعاة ما يجب مراعاته، أ لا ترون أنّ من لم يحفظ مال غيره لا يقال أهمله، لما كان لا يلزمه حفظه فثبتوا أولا أن المعرفة بالله واجبة، ثم ادّعوا الإهمال إذا لم يكلفناها. و قالوا أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم و نعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن يعرف المنعم لشكره.
فإن قال قائل: فهل يجوز أن نعلم القديم تعالى من طريق الخبر؟ قلت: لا، لأنّ الخبر على قسمين: فمنه ما يضطر السّامع إلى العلم بالمخبر به كالخبر عن البلدان و الأمصار، و قد علمنا أنه لا يجوز أن نعلم اللّه من هذه الجهة، لأنا وجدنا العقلاء يشكون من أنّ لهم صانعا مع إخبار المخبرين به، و لو كان يعلم من طريق الخبر لكان لا فرق بين خبر من زعم أنّ الصّانع واحد و بين من قال اثنان أو ثلاثة، على أنّ الخبر إنّما يضطر إذا كان المخبر يخبر عن مشاهدة، لأنه لا يجوز أن يكون حال المخبر يعلم ضرورة و من الخبر ما يعلم من طريق الاستدلال، كخبر النبي صلى اللّه عليه و سلم، و لا يجوز أن يعلم اللّه من هذه الجهة، لأنّ القائل بهذا القول أحد رجلين، إمّا أن يقول لا يعلم اللّه إلا من جهة الخبر، فيلزمه أن يكون النبي لا يعرف اللّه إلّا بنبي آخر و ذلك يوجب التّسلسل إلى ما لا نهاية، و إمّا أن يقول: إنه يعلم من جهة النبي و من جهة أخرى أيضا، و هذا فاسد لأنه ليس في النبيّ أكثر من إظهار المعجزات و المعجزات لا تدل على حكمة فاعلها، فكيف يكون خبر النبي طريقا إلى العلم بالله و إذ قد ذكرنا وجوب معرفة اللّه تعالى و الطريق إليه هاهنا، و ممّا تقدّم فإنّنا ننكر الكلام على الملحدة و المتحيرين.
اعلم أنّ أنواع الضّلال ثلاثة: المعاندة و الحيرة و الجهالة.
فالمعاندة على الإطلاق ينبغي أن لا يحصل لأحد منّا علم حقيقي و لا معرفة تفضي إلى يقين، و إنما هي ظنون و خواطر لا تسكن النّفس إليها، و تسميتنا لها و لأمثالها بالعلوم توسع و مجاز. و الوجه في مدافعتهم أن يقال لهم: أ تقولون ما ذكرتم عن خلوص علم، أو تسلط ظن؟ فإن ادّعوا العلم فقد ناقضوا، و إلّا حصلوا على عناد، و قد ذكر أبو عثمان الجاحظ في الكفار الذين قتلهم النبي صلى اللّه عليه و سلم أنّهم كانوا عارفين بالله معاندين.
و اعترض عليه فقيل: إنّ العناد يجوز على العدد اليسير، فأمّا الجماعة الكثيرة فلا يصح عليها ذلك، و نحن نعلم من أنفسنا و قد كنا على مذاهب فتركناها لفسادها أنّا لم نكن في حال اعتقادنا معاندين و لا كاذبين لأنفسنا، و إنّما تركنا الاستدلال، فكذلك أولئك الكفار قد علموا فيما أظهره النبي صلى اللّه عليه و سلم أنها معجزات، لكنهم تركوا الاستدلال بها على ثبوته و صدقه.
و المتحيرون هم الذين يزعمون أنّ العلم بالمحسوسات قد يصح، و لكن ما عداها مما يحال فيه على العقل نحن شاكون فيه و متوقفون، و الكلام عليهم طريقه أن تقلب عليهم نفس ما أوردوه فيقال: تدفعون مقتضيات العقول بالمشاهدات أو بحجج العقول و لا فلاح لهم أي الطّريقين سلكوا.
و الجاهلون الملاحدة و الخارجون من نور التّوحيد و الاستقامة إلى ظلمة الشّرك فرق، و الضّلالة في عددهم في ازدياد و وفور، و إفسادهم وجوه و فنون و قد فسّرت فقيل: ربما كانت من الحضانة و التربية و قلة الخواطر و غباوة الخليط و جهد المجاورة، و ربّما كان من تعظيم الأسلاف، أو من وجه الآلاف، أو من غباوة الدّاعية و نسل صاحب المقالة، و كونه صاحب سن و سمت و إخبات و طول صمت، و للّه تعالى الحجّة البالغة عليهم، و على طوائف المبتدعة من أهل الصّلاة على اختلاف أهوائهم، و سيعلم الجافي على نفسه كيف ينقلب و قد فاته الأمر. ذكر بعضهم حاكيا عن قوم من الأوائل، أنّ الدّهر و الخلاء قائمان في فطر العقول بلا استدلال، و ذاك أنه ليس من عاقل إلا و هو يجد و يتصور في عقله وجود شيء للأجسام بمنزلة الوعاء و القراب، و وجود شيء يعلم التقدم و التأخّر، و أنّ وقتنا ليس هو وقتنا الذي مضى، و لا الذي يكون من بعد بل هو شيء بينهما، و أن هذا الشيء هو ذو بعد و امتداد.
و قال: قد توهم قوم أنّ الخلاء هو المكان، و أنّ الدّهر هو الزّمان، و ليس الأمر كذلك بإطلاق، بل الخلاء هو البعد الذي خلا منه الجسم، و يمكن أن يكون فيه الجسم، و أمّا المكان فالسّطح المشترك بين الحاوي و المحوى، و أما الزّمان فهو ما قدرته الحركة من الزّمان الذي هو المدة غير المقدرة، فصرفوا معنى الزّمان و المكان المضافين إلى المطلقين، و ظنوا أنهما هما و البون بينهما بعيد جدا، لأنّ المكان المضاف هو مكان هذا المتمكّن و إن لم يكن متمكنا لم يكن مكانا، و الزّمان المقدّر بالحركة يبطل أيضا ببطلان المتحرك و يوجد بوجوده، إذ هو مقدر حركته، فأمّا المكان بإطلاق فهو المكان الذي يكون فيه الجسم و إن لم يكن، و الزّمان المطلق هو المدة قدّرت أو لم تقدّر، و ليس الحركة فاعلة المدة بل مقدرته، و لا المتمكّن فاعل المكان بل الحال فيه، قال: فقد بان أنهما ليسا عرضين بل جوهرين لأنّ الخلاء ليس قائما بالجسم لأنه لو كان قائما به لبطل ببطلانه، كما يبطل التّربيع ببطلان المربّع.
فإن قال قائل: إنّ المكان يبطل ببطلان المتمكن قيل له: أما المضاف فإنّه كذلك لأنّه إنما كان مكان هذا المتمكّن، فأمّا المطلق فلا، أ لا ترى أنا لو توهّمنا الفلك معدوما لم يمكنا أن نتوهم المكان الذي هو فيه معدوما بعدمه، و كذلك لو أنّ مقدرا قدّر مدة سبت كان، و لم يقدر مدة يوم آخر، لم يكن في ترك التقدير بطلان مدة ذلك اليوم الذي لم يقدر، بل التّقدير نفسه، فكذلك ليس في بطلان الفلك أو في سكونه ما يبطل الزّمان الحقيقي الذي هو المدة و الدّهر، فقد ينبغي أنهما جوهران لا عرضان، إذ كانا ليسا بمحتاجين إلى مكان و لا إلى حامل فليسا إذا بجسم و لا عرض، فبقي أن يكونا جوهرين.
و زاد على هذا الوجه الذي حكيناه بعضهم فقال: طبيعة الزّمان من تأكيد الوجود في
ذاتها و قوّة الثّبات في جوهرها، بحيث لا يجوز عدمها رأسا و لم تكن قط معدومة أصلا، فلا بدء لها، و لا انتهاء، بل هي قارة أزلية.
أ لا ترى أنّ المتوهّم لعدم الزّمان لم يخلص له وهمه إلا إذا ثبت مدة لا زمان منها، و المدة هي الزّمان نفسه، فكيف يوهم عدم ما تأكّد لزوم جوهره؟ و يفني العقل الصّحيح تصور عدمه و تلاشيه؟ أو كيف يسوغ إلحاق عدمه بالممكنات؟! و وجوده من الواجبات الأزليات؟ فهذا ما حكي عن الأوائل. و ابن زكريا المتطبّب يحوم في هذيانه عند حجاجه حول ما ذكرناه عنهم و لم يبين بيانهم و لا بلغ غايتهم، فلذلك جعل تابعا لهم و إذ قد أتينا على مآلهم بأتم استقصاد، فإنّا نشتغل بالكلام عليهم، و إن كان فيما قدّمناه قد صورنا خطأهم تصويرا يغني عن مقايستهم و محاجّتهم.
ذكر بعض المنطقيين أنّ الزمان في الحقيقة معدوم الذّات، و احتج بأنّ الوجود للشيء إمّا أن يكون بعامة أجزائه كالخط و السّطح أو بجزء من أجزائه كالعدد و القول، و ليس يخفى علينا أنّ الزّمان ليس يوجد بعامة أجزائه إذ الماضي منه قد تلاشى و اضمحلّ، و الغابر منه لم يتمّ حصوله بعد و ليس يصح أيضا أن يكون وجوده بجزء من أجزائه إذ الآن في الحقيقة هو حدّ الزّمانين و ليس بجزء من الزّمان، و كيف يجوز أن يعد جزءا و لسنا نشك أنّ حقيقة الجزء هو أن يكون مقدارا له نسبة إلى كلّه، كأن يكون جزءا من مائة جزء، أو أقل أو أكثر، فأما أن يتوهّم جزء على الإطلاق غير مناسب لكلّه فممتنع محال و ليس الآن في ذاته بذي قدر مناسب لما يفوض من الزّمان الآتي و الماضي، و لو وجد له قدر ما لصلح أن يجعل قدره عيارا يمسح به الكلّ حسب جواز ذلك على كافة ما يعد جزءا من الشّيء و إذا لم يكن الآن في جوهره ذا مقدار أصلا، و الجزء من الشيء لا يجوز أن يعرى من المقدار، فليس الآن بجزء من الزّمان، و إذا كان الأمر على ذلك فالزّمان إذا ليس يصح وجوده لا بعامة أجزائه و لا ببعض أجزائه، و إن شيئا يكون طباعه بحيث لا يوجد بأجزائه كلّها و لا ببعض منها فمن المحال أن يلحق بجملة الموجودات، و إذا كان ذات الزّمان غير موجود أصلا فليس بجائز أن نعده في الكميات، فإنّ ما لا وجود له لا آنية له، و الذي لا آنية له لا يوصف بوقوعه تحت شيء من المقولات.
و قولهم في الزّمان هو المدة التي تفهم قبل و بعد أجلها، فإن كان المراد أنّ قول القائل: قبل و بعد يفيد أنّ تقدّم المذكور و تأخره من غير أن ثبت بهما جوهران ليسا بجسم، و لا يفنيان و لا يجوز أن يخلق اللّه شيئا من دونهما فهو صحيح، و يكون سبيلهما سبيل لفظ مع إفادتهما معنى الصّحبة إذا قلت زيد مع عمرو، و كما تقول للأعيان أحوال ثم لا تصفها بأكثر من تميز بعضها عن بعض بها، و إن أريد بقبل و بعد غير ذلك فقد تقدّم القول في بطلانه
و بطلان ما قالوه في الخلاء و المكان، على أنا نقول معيدين عليهم إن أردتم أنّ المكان يكون المتمكّن و إن لم يوجد الجسم لم يوجد المكان لأنه قائم بالجسم، و ليس بشيء ذي وجود في نفسه فهو صحيح، و إن أردتم للمكان جوهرا يبقى إذا ارتفع المتمكن، و أنّ الذي بطل بارتفاعه هو النّسبة إليه و الإضافة، و يبقى المكان المطلق مكانا كما كان و هو الخلاء الفارغ و ليس فيه جسم فهذا إحالة على شيء لا الإدراك يثبته و لا الوهم يتصوّره. فإن قالوا: المكان حينئذ يكون مكان ما يمكن أن يكون فيه كالزّق الخالي من الشّراب، فإنّه مكان الشّراب الذي يمكن أن يكون فيه.
قلنا: صور في وهمنا من الخلاء مثل ما نتصوّره إذا توهّمنا الزّق و الشّراب و ذلك مما لا يقدرون عليه، لأنّ كلامهم فارغ لا يفضي إلى معنى محصل، و أيضا فإنّ الأجسام لا يخلو من أن تكون ثقيلة فترسب، أو خفيفة فتطفو، و الخلاء عندهم ليس بثقيل و لا خفيف، فيلزمهم أن يكون النقطة هي الخلاء لأنّها ليست بثقيلة و لا خفيفة، و يلزمهم على قولهم بأن المتحرك لا يتحرك إلا في الخلاء أن يتحرك أبدا و لا يستقر إذا لم يوجد شيء يضاده أو يسكن دائما فلا يتحرّك إذ لا سبب هناك يوجب تحركه، أو إذا تحرّك في الخلاء أن يتحرك إلى جميع الجهات و لا يختص بجهة دون جهة لأنّ الخلاء كذلك. فإن قالوا: إن الذي تسميه خلاء هو الهواء، أسقط قولهم بأن الهواء يقبل اللّون و يؤدي الصّوت و الخلاء ليس كذلك و هذا بيّن.
و أعجب من هذا أن الباري مخترع لجميع ما خلقه و أنه لا يعجزه مطلوب و لا ينكاده معلوم، ثم أقاموا معه في الأزل الهيولى و هو المادة، و رتّبوا معه الصورة ليكون جميع ذلك كالنّجار و الخشب و النّجارة و اللّه تعالى يقول: قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [سورة فصلت، الآية: 9] إلى قوله: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [سورة فصّلت، الآية: 12] و لم يقل ذلك إلا و أهل العلم إذا فكّروا فيه أدركوا منه الآية البيّنة و الحجّة الواضحة، و بيّنوا أنه ليس في العالم شيء إلا و هو منتقص غير كامل، و ذلك هو الدّليل على أنه مقهور لا يستغنى به، و لا بدّ له من قاهر لا يشبهه و لا يوصف بصفاته على حدّها، لأن ذلك آية الخلق و آية الخلق لا تكون في الخالق.
اعلم أنّ الاستدلال بالشّاهد على الغائب هو الأصل في المعرفة بالتّوحيد و حدوث الأجسام لا يعرف ببداهة العقل و لا بالمشاهدة لأنّه لو عرف ذلك لاستوى العقلاء في معرفته كما استووا فيما شاهدوه، و إنما يتهيأ أن يعرف بما علم من تعاقب الأعراض المتضادّة عليها، و إنّما لا تنفك منها على حدوثها إلا بمشاهدة الأجسام و إذا ثبت حدوث الأجسام فلا
بدّ لها من محدث لا يشبهها، و إذا ثبت ذلك صح أنّ الفاعل للأجسام لا تحلّه الحوادث و أنه سابق لها غير مشبه لها و الحوادث غير مشبهة له.
ثم دلّ خلقه للأجسام أنه قادر حيّ كما دلّت أفعال الأجسام في الشّاهد أنّها حيّة قادرة عالمة و أنّها لو لم تكن كذلك لم تكن فاعلة فلما لم يدلّنا على أن الأجسام حية قادرة إلا أفعالها، إذ كانت حياتها و قدرتها لا تشاهد، دلّتنا أفعال اللّه تعالى أيضا على أنه حي قادر، و وجب أن يكون عالما لوجود أفعال محكمة، إذ كانت أفعال الأجسام في الشّاهد إذ كانت محكمة دلّت على أنّها عالمة و لا يدل على علمها غير أفعالها، إذ كان العلم لا يدرك و لا يشاهد.
و لما دلنا جواز الموت على الأجسام نفي الشّاهد و العجز و الجهل دلّنا ذلك على أنهم إنما كانوا أحياء قادرين بحياة و قدرة، و عالمين بعلم، و هذه الأشياء هي غيرهم فلهذا جاز زوالها عنهم و حدوث أضدادها بدلا منها فيهم. و لما كان القديم تعالى لا يجوز شيء من ذلك عليه وجب بدلالة الشّاهد أنه حيّ بنفسه عالم و لما كان الجسم في الشّاهد بالتأليف يصير جسما، و نعلمه جسما لم يجز أن يكون جسما فصحّ بهذا أن التّوحيد لا يعرف إلا بدلالة الشّاهد، و كذلك طريق صدق الرّسل لأنه لا يعرف بالمشاهدة و لا ببداهة العقل، و لو عرف بذلك لاستوى النّاس جميعا فيه، و إذا كان كذلك فإنّما يعرف بالآيات المعجزات، و لا يعرف ذلك إلا باعتبار أمر الشّاهد و حمل الغائب عليه فاعلمه.
و استدلّ أبو القاسم البلخي على أنّ القديم واحد بأن قال: قد ثبت أنّ المحدثات لا بدّ لها من محدث، فمن هذا الطّريق قد بان أنّ هاهنا صانعا لا بدّ منه و لا أقل من واحد فلذلك نعلمه يقينا و أنّه واحد، و أمّا ما عداه مشكوك فيه فلا يتخطاه إلّا بدليل و هذا قريب صحيح.
انتهى الباب و اللّه محمود على ما سهّله و وفقنا له من تحقيق ما أردنا تحقيقه من شرح فضائحهم و إثارة مقابحهم، و الرّد عليهم في أصول دعاويهم و فروعها و مسئول إيزاعنا شكر نعمته وصلة سعينا بمرضاته.
على فصول من الأعراب يتعلّق بهما و هي ظروف
قال الأصمعي أتيته ليلا و قعلته نهارا. قال تعالى: وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ [سورة الصافات، الآية: 137] فقوله: باللّيل خلاف الإصباح. و اعلم أنّ قوله:
وَ بِاللَّيْلِ موضعه نصب على الحال كأنه قال: تمرّون عليهم مصبحين و مظلمين أي داخلين في الظّلام، فأوقع اللّيل على الجزء الذي فيه الظّلام من اللّيل، و إن كان في الحقيقة للجنس. و اليوم بإزاء اللّيلة يقال: جئتك اليوم و أجيئك اللّيلة و يقال: أتيته ظلاما أي ليلا و مع الظّلام. و قال يعقوب: الظّلام أول اللّيل و إن كان مقمرا. و حكى بعضهم أتيته ظلاما أي عند غيبوبة الشّمس إلى صلاة المغرب و هو دخول اللّيل، و هذا يؤيد ما حكاه يعقوب و كأنه جعله الوقت الذي من شأنه أن يظلم، و يقولون: عم ظلاما، كما يقولون: عم صباحا و يقال: نهار أنهر و ليل أليل و ليلة ليلاء و قال الفرزدق: و اللّيل مختلط الغياطل أليل. و أنشد المفضل:
مروان مروان أخو اليوم اليمي
قال سيبويه: أراد اليوم فقلب و قدّم الميم و قيل: بل حذف العين تخفيفا و أطلق الميم إطلاقا.
و قال شيخنا أبو علي الفارسي: وقت قراءتي عليه هذا الموضع من الكتاب و في حاشية نسختي: أخي اليوم اليوم، فاستغربه و قال: يريد أنه بطل يبارز أقرانه و يقول لهم: اليوم اليوم أو هو صاحب هذا اللّفظ في ذلك الوقت و في هذا الوجه قلب أيضا و قولهم: يوم في أبنية الأسماء غريب نادر، لأن فاءه ياء و عينه واو و مثله في المباني يوح اسم للشّمس و باب اليون بالشام.
و قد ذكره ابن الرّقيات في قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان أعني ابن ليلى عبد
العزيز. بباب اليون تغدو جفانه ردما. و قال هميان بن قحافة: فصدقت تحسب ليلا لأيلا.
فقال لأيل و إنما يصفون بما يشتق من لفظ الموصوف بيانا للمبالغة و تنبها عليها على ذلك قولهم ظلّ ظليل، و داهية دهياء و ما أشبهها. و يقال استأجرته مياومة و ملايلة إذا قدر أجرته يوما يوما و ليلة ليلة.
و حكى أبو عبيدة أنّ العرب لا تقول إلا مشاهرة، فأما معاوية و مياومة و ما أشبههما فليست من كلام العرب، و إنما هي قياس على المسموع منهم، و يقال: يوم و أيام، و الأصل أيوام لكن الواو و الياء إذا اجتمعا فأيّهما سبق الآخر بالسّكون يقلب الواو ياء و يدغم الأوّل في الثاني، إلا أن يمنع مانع على ذلك قولهم سيّد و ميّت لأنّهما فيعل من ساد و مات، و الأصل سيود و ميوت هذا فيما السّابق فيه ياء و مما السّابق فيه واو قالوا كويته كيا، و لويته ليا لأن الأصل كوى و لوى و كذلك قولهم أمنية و ازبية و قولي إلا أن يمنع مانع احتراز من مثل قولهم: ديوان لأن أصله دووان، ففرّوا من التّضعيف و أبدلوا من إحدى الواوين ياء. فلو طلبوا الإدغام للواو لعادوا من التضعيف مثل ما فروا منه، و مثله سوير و بويع و مثله لوى و رويه إذا خفف همزتاهما، لأنّ الواو في جميعها لا يلزم، فلم يعتدوا بها واوا.
أ لا ترى أنّها سوير، و بويع منقلبة عن الألف في سائر و بائع. و في رويه و نوي مبدلتان من همزة و تلك الهمزة ثابتة في النّية، و إذا كان كذلك فحكم الواو فيها حكم الألف و الهمزة، فأما ضيون و حيوة فشاذتان عن الاستعمال و منبّهتان على أصل بالباب المرفوض على عادتهم في أمثالها و النّهار و اللّيل لا يجمعان إلا أن يذهب إلى بياض كلّ يوم، و سواد كلّ ليلة، فتصورت بينها خلافا لأنّك حينئذ تجمع للاختلاف الدّاخل في الجنس فيقال: أليال و أليل و أنهر و نهر و على هذا قول الشاعر شعرا:
لو لا الثريدان هلكنا بالضّمرثريد(1)ليل و ثريد بالنّهر
و الذي يكشف لك أنّ اللّيل و النّهار لا يجمعان أنّ سيبويه قال: لا يجوز أن يقول القائل: إذا كان الليل فاتني و لا أن يقول: إذا كان النّهار فاتني لأنهما لا يكونان ظرفين إلا أن يعني بهما كلّ اللّيل و النّهار. و إذا كانا كذلك فسبيلهما سبيل الدهر فكما لا تقول: إذا كان الدّهر فاتني كذلك يمتنع في اللّيل و النّهار و يقال: رجل ليلي و رجل نهاري إذا نسبت، و نهري أيضا و هذا كما بنوا للنّسبة فاعل و فعال مثل تاجر و لابن و بزّاز و ثمّار و أنشده:
لست بليلي و لكني نهرمتى أتى الصّبح فإني منتشر
1) أثرد الخبز: فتّته ثم بلّه بالمرق.
لا أدلج(1)اللّيل و لكن أبتكر و يقال: ليلة و ليال فكأنها جمعت على ليلات و إن لم يستعمل و مثله أهال في جمع أهل و إنما هو في تقدير أهلي، و على هذا قالوا في التّصغير ليلة و القياس في جمع ليلة ليلاء ليال ليل و الأصل لول لأنه فعل مثل حمراء و حمر، لكنّهم حاموا على الياء لئلا يلتبس بنات الياء ببنات الواو، و مثله قولهم بيض و عين في جمع بيضاء و عيناء و ما أنشده الكسائي من قول الكميت:
و لدنك و البدر ابن عائشة التيأضاء ابنها مستحلكات اللّيايل
فإنه أراد اللّيالي، فقلب، و قدم الياء فلما و ليت الألف همزت كما قيل: صحايف و مثله فيما قلبوه ترقوة و ترائق و الأصل تراقي.
و اعلم أنّهم يتوسّعون في ذكرهم اليوم، و اللّيلة أ لا تراهم يقولون: فلان اليوم يعد من الرؤساء و كان في الدّهر الأول على كذا، و اليوم هو خلافه، و إنما يعنون الزّمان و كما قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [سورة السجدة، الآية: 5] يعني القيامة، و ليس ما أشار إليه من صورة ما نعدّه في شيء و قال الشّاعر:
يومان يوم مقامات و أنديةو يوم سير إلى الأعداء تأويب
فقسم دهره يومين، و يقال: الناس أغراض اللّيالي و يراد الأحداث و مثله من الذي يسلم على الليالي و الأيام فأما قوله تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً [سورة الأنفال، الآية: 16] فاليوم يعم أجزاء اللّيل و النّهار، و الزّجر به حاصل في كل جزء من أجزاء الزّمان و على هذا قوله:
يا حبذا العرصاتيوما في ليال مقمرات
يريد وقتا و زمانا في ليال و كذلك قوله تعالى: وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [سورة آل عمران، الآية: 140] أي نجعل الدّول في الأزمان فتحول و تنقل بين الناس على حسب استحقاقهم أو سببا لامتحانهم. و قد سمّت العرب وقعاتها أياما فيقولون لنا: يوم كذا و يوم كذا، و ساغ ذلك لوقوعها فيها.
يقال: اللّيلة لليلتك التي أنت فيها، و البارحة لليلة يومك الذي أنت فيه، و قد مضت
1) أدلج: سار اللّيل كلّه أو في آخره.
و هي من برحت أي انقضت، و منه ما برحت أفعل كذا، و أصله البراح، من المكان و قال الفراء: برحت بالفتح مضت و يقال: برح الخفاء أي زال و منه البارحة و قال قطرب: لا يقال بارحة الأولى لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، و لا إلى نعته و الجمع البوارح.
و ذكر بعض شيوخنا أنّ قوله: لا أبرح بمعنى لا أنال و لا يجوز أن يكون أصله من البراح من المكان بدلالة قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ [سورة الكهف، الآية: 60] أ لا ترى أنّه محال أن يبلغ مجمع البحرين و هو لم يبرح من مكانه قال: و إذا لم يستعمل أبرح إلا على أحد هذين الوجهين و بطل أحدهما ثبت الآخر، و يمكن أن يقال في جوابه معنى لا أبرح حتى أبلغ أي لا أتجاوز هذا الطريق و لا أعدل عن سلوكه و سمته حتى أبلغ هذا المكان، فخذف الطريق و هذا كما يقال: لم أبرح بلد كذا حتّى فعلت كذا و إن كان ينقل في البلد لأنّ المعنى لم أتغيب و يشهد لهذا أنه لا يستعمل ما برح في اللّه تعالى لأنّه لا يقال: لم يبرح اللّه قادرا فلو كان لم يبرح بمعنى لم يزل حتى لا فرق بينهما لما امتنع مما دخله، و إذ قد امتنع فلأنه لا يجيء إلا و أصله البراح من المكان ذكر أو لم يذكر و ذلك لا يجوز على القديم تعالى.
و اعلم أنّ هذه الكلمة في اللغة مدارها الأكثر على التّجاوز، من ذلك قال الأعشى:
أبرحت ربا و أبرحت جارا أي جاوزت ما عليه أمثالك في الخلال المرضية، و البارحة الأولى التي قبل البارحة، و جمع البارحة البوارح، و لم يتجاوزوا ذلك. و أمّا الفائدة فما يستقبل بعد ليلتك التي أنت فيها و كأنها مأخوذة من الاستقبال و يقال: قبلت الوادي أقبله إذا استقبلته و يقال: آتيك القابلة و المقبلة كما يقال: عام قابل و مقبل و أنشد:
أقبلتها الخلّ من حوران مجتهداإني لأزري عليها و هي تنطلق
و يقال فعلته ليلا و نهارا أي ضياء و ظلاما، غير مخصوص بوقت معلوم، و فعلته يوما و ليلة يريد أنّ من جملة الزّمان ما تنحصر بهذا القدر و ربما جعل بعض أجزاء الليلة ليلا و جعل اللّيل لليلة واحدة قال:
و ودّ الليل زيد إليه ليلو لم يخلق له أبد النّهار
و لم يرد الجنس لأنّ الجنس يستوعب الأوقات، فلا يزاد للأمثلة و كذلك قوله: إني إذا ما اللّيل كان ليلتين، أراد كل واحد من الشّاعرين ليلة واحدة و أنها في طولها كانت أوقاتها و ساعاتها لتطاولها و امتدادها و مقاساة ما يعاني منها كليلتين. و غرض الشاعر أن يصف طول ليلته أي كأنها في طولها مضاعفة متزايدة، و إذا جعل اللّيل جنسا فسد المعنى أيضا؛ لأن اللّيل المستوعب لأجزاء جنس اللّيل إذا قيل فيه كان ليلتين و حصر بما يقع فيه التّنبيه من
أجزائه عاد نقصانا لا تضعيفا و قوله تعالى: وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [سورة الإنسان، الآية: 26] المراد به أجزاء ليلة طويلة من اللّيل لأنه لو أريد الجنس لما صحّ فيه ذكر الطّول و للزم التّسبيح ليلة طويلة دون ليلة قصيرة، و إذا أريد الجزء من اللّيل في كلّ ليلة فهو أمر بالتّسبيح جزءا طويلا و أجزاء طوالا.
و قال بعضهم في قوله تعالى: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [سورة إبراهيم، الآية: 5] أي بنعمه، و الكوفيون رووا اللّيل ليلك، و اليوم يومك، و يراد به الوقت وقتك، و يقال: الليل ليلك و اليوم يومك، فيجعلون الأولى ظرفا للثانية، و جعلوا الثّاني جزءا منه لأنّ الظرف وعاء مستوعب، فيجب أن يكون أوسع من ذي الظرف ليوعبه و يشتمل عليه كما يحوي الوعاء ما ضمنه، و أما قوله تعالى: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا [سورة الدخان، الآية: 23] و قد علمنا أن السّرى لا يكون إلا ليلا، فالمراد في جوف اللّيل، و لو قال: فأسر بعبادي، و لم يقل ليلا لكان مطلقا في أول اللّيل و آخره و ما بينهما، أ لا ترى أنك تقول: جاءني فلان البارحة بليل، فيكون المعنى في استحكام اللّيل، و قد يجيء ما لا يحتاج فيه إلى تأكيد، تقول: أدلجت فيكون المعنى سرت في أول الليل، و لو قال: أدلجت في أوّل اللّيل لساغ فيكون تأكيدا كتكرير الاسم أو الفعل قال زهير شعرا:
بكرن بكورا و استحرن بسحرةفهن لوادي الرّسّ كاليد للفم
فقوله بسحرة بكور على وجهين: أحدهما أن يكون الإدلاج لآخر اللّيل و بكرن للسّحر و غيره، فإذا قال بسحرة فقد بين أيّ الوقت من آخر الليل، و يكون توكيدا محضا قال تعالى:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ* [سورة هود، الآية: 81] على هذا و العرب يقول: أتيتك بقطع من اللّيل، و بعد وهن من اللّيل إذا دخلت في استحكامه، فأمّا قول ضمرة شعرا:
بكرت تلومك بعد وهن في النّدىسهل عليك ملامتي و عتابي
فقال: بكرت ثم قال بعد وهن، و الوهن لا يكون إلا ليلا فالمعنى أول ذلك الوقت و قولهم: بكر عليه إذا لم يسمّ الوقت فإنّما يعني جاء في أوله ليلا كان أو نهارا، و بها سميّت الباكورة من الثمر و إن لم تذكر وقتا، و قلت أتانا بكرة فإنّما تأويل ذلك أوّل النّهار لا غير، هذا المستعمل بلا شرط، و ما تقدم فإن تذكر ما يدل عليه و كذلك اليوم إذا كان مطلقا إنما تعني به النّهار دون اللّيل و الألف و اللام يدل على يومك، إلا أن تصله بغيره فتقول: رأيته اليوم الذي مضى.
قوله تعالى: وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [سورة مريم، الآية: 62] يريد على ما
اعتادوا في الدّنيا و البكرة ما اتصل بما قبله من الليل، و العشي ما يتصل به اللّيل و لا ليل في الجنة و لكن على ما ألفوا في الدّنيا و تعودوه من الأوقات و مثله قوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [سورة الإسراء، الآية: 97] و لا خبو لنار المعاد و لكن عند ما علم من خبو نار الدنيا و انقضاء تصرّمها يجدد لأولئك العذاب، فأما قولهم المبكر فهو ما جاء في أوّل الوقت و ليس هو من بكور الغداة. و منه قوله عليه السلام: «بكروا بصلاة المغرب» و التبكير أول أوقات الصّلاة. و منه قوله عليه السلام: «من بكّر و ابتكر» فبكر يكون لأول ساعات النّهار و يكون لأول وقت من الزّوال و ابتكر لا يكون لأوّل ساعات النهار.
قال أبو العباس ثعلب: يجوز في قوله: ابتكر أسرع إلى الخطبة حتى يكون أول دان و سامع، كما تقول ابتكرت الخطبة و القصيدة أي اقتضبتها و ارتجلتها ابتداء لم أرد فيه و قول الفرزدق: إبكار كرم تقطف فالمراد حملت أول حملها و أنشدني شيخنا أبو علي، قال أنشدني أبو بكر السّراج لعنترة العبسي:
إن كنت أزمعت الفراق فإنمازمت جمالكم بليل مظلم
قال يقول: إنّك ابنة ملك فلا يرحل بك إلّا ليلا فلذلك خفي. قال: و يجوز أن يكون المعنى إن كنت أظهرت رحلتك الآن فإنما وقع العزم عليه ليلا، كما قال الحارث بن جلزة شعرا:
أجمعوا أمرهم بليل فلمّاأصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
كان المراد أمرهم في الارتحال دبر بليل و لم يكن فلتة. و قول الشاعر عمرو ابن كلثوم شعرا:
و أيام لنا غرّ طوالعصينا الملك فيها أن ندينا
أراد الأوقات لأنّ معصيتهم للملك كانت في اللّيل و النّهار، فإن قلت: كيف تكون اللّيالي غرا إلا ما يذكر من ليالي الشّهر يقال ثلاث غرر و ذلك لبياضها بدوام القمر فيها؟
قيل: لم يرد بالغر بياض الوقت و وضوحه بضياء شمس أو قمر إنما أراد إسفاره و إشراقه و اشتهاره في مواطن الشّرف و المجد و السّنا و الافتخار، و حميد البلاء، و حسن الآثار و لقاح الغرّة و امتناع الجانب على من يأتيهم و كذلك قول القائل شعرا:
و أيامنا مشهورة في عدوّنالها غرر معلومة و حجول
و يجوز أن يريد في الأوّل بالغر أيضا بياض المقاديم كغرّة الفرس، فأما قولهم: أيامنا طابت ببلد كذا و المراد لياليها، فهو من هذا و لذلك قيل: لو أن إنسانا قال: عبدي حر لوجه اللّه يوم يقدم علينا فلان أنه يعتق و إن قدم ليلا، و على هذا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ [سورة المائدة، الآية: 3] قيل: أراد يوما بعينه و قيل: أراد زمنا و وقتا قال الدّريدي:
و العرب تقول: كيف أصبحت من نصف اللّيل الآخر إلى نصف النهار؟ و كيف أمسيت من الزّوال إلى نصف الليل؟ و يقولون: في يومك كان اللّيلة كذا إلى الزّوال، فإذا أزالت الشّمس قالوا كان البارحة. و حدّث الجمحي قال: تقول العرب: صبّحتك الأنعمة بطيبات الأطعمة.
و حدّث أبو العباس المبرّد قال: أنشدني المازني عن أبي زيد:
كيف أصبحت كيف أمسيت ممّايثبت الودّ في وداد الكريم
قال: المعنى و كيف أمسيت قال: و يقول العرب في مثله: ضربت زيدا عمرا لا يريدون بدل الغلط و لكن يريدون الواو. قال: و لو طال الكلام لكان أحسن مثل ضربت زيدا و أحسنت في ذاك عمر، أو معنى البيت أن كلّ واحدة من هاتين اللفظتين و التّحيّتين تغرس الود للمحيي بهما في قلب المحيّ، و مما استعمل من هذا الباب ظرفا و لم يستعمل اسما قولهم: إنه ليسار عليه صباح مساء معناه: صباحا و مساء و هذا عكس قولهم اللّيل إذا أرادوا به ليل ليلة، لأنّ اللّيل أوقع فيه اسم الجنس على الواحد منه، و هذا أوقع فيه الواحد موقع الجنس و الكثرة.
و التّنبيه على مبادئ السّنة في المذاهب كلّها و ما يشاكل ذلك من تقسيمها على البروج يقال: إن اللّه تعالى خلق الخلق كلّه و الشّمس برأس الحمل و الزّمان معتدل و اللّيل و النّهار مستويان، فأوّل الأزمنة فصل الصيف، و هو الذي يدعوه النّاس الربيع و منه ابتداء سنة الفرس فكلما حلّت الشّمس برأس الحمل فقد مضت للعالم سنة عندهم، قال ابن قتيبة:
و لذلك قال أبو نواس شعرا:
أما ترى الشّمس حلّت الحملاو قام وزن الزّمان فاعتدلا
و غنّت الطير بعد عجمتهاو استوفت الخمر حولها كملا
لأن مراده استوفت الخمر حول الشّمس كملا فالهاء في قوله: حولها كناية عن الشّمس قد مضى ذكرها، قال ثعلب: حولها تقلبها من حال إلى حال.
و قال المبرد: من ابتداء إبراق الكرم إلى استحكام العنب ستة أشهر، و من استحكام العنب إلى استحكام الخمر ستة أشهر، و ذلك عند حلول الشّمس برأس الحمل فلذلك حول. و قال بعضهم: حول الخمر ستة أشهر و الضّمير لها فهذا ما في هذا و قد قال أبو نواس في قصيدة أخرى أوّلها شعرا:
أعطتك ريحانها العفارو حان من ليلك السّفار
ثم قال:
تحيّرت و النّجوم وقفلم يتمكّن لها المدار
و في هذا البيت معنى لطيف مليح و ذلك أن أصحاب النّجوم و الحساب يقولون: إنّ اللّه تعالى حين خلق النّجوم و جعلها واقعة في برج، ثم سيّرها من هناك، فيريد أنّ هذه الخمرة
تخيرت في وقت خلق اللّه تعالى الأفلاك، و الرّوم تجعل ابتداء سنتها من الخريف، و هو زمان الاعتدال و الاستواء أيضا، فكلّما حلّت الشّمس برأس الميزان فقد مضت سنة للعالم عندهم، و العرب تجعل السّنة نصفين شتاء و صيفا و تبدأ بالشّتاء فتقدمه على الصّيف كأنّها تعمد على أنّ مبادئ الأقوات فيه و أوائل النّماء في العالم منه، ثم أوّل الصّيف داخل عليه واصل و ما بعده مزلق منه و فيه يستقبل الأمور و يفتح لأنواع الخلق التدبير و يزدوج الأسباب و تلقح السّحاب و يحيي الأرض بعد موتها و ينشر النّبات غب اندفانها و إلى هذا أشار أبو تمام في قوله:
لو لم تكن غرس الشّتاء بكفّهلاقى المصيف هشايما لا تثمر
و يشهد لذلك تقديم اللّه تعالى الشّتاء على الصّيف حين ذكر رحلتي قريش للتّجارة و امتنّ عليهم بما مكن لهم في النّفوس من الإجلال و المهابة لكونهم قطان الحرم و أرباب الأشهر الحرم، حتى أمنوا الزّمان، و كانت العرب من غلب سلب فقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَ الصَّيْفِ [سورة قريش، الآية: 1- 2].
فابتداء الشّتاء و هو النّصف الأول من السنّة من حين ابتداء النّهار في الزيادة، و ذلك لحلول الشّمس برأس الجدي و في برجه إلى انتهائه في الطّول و ذلك لحلول الشّمس في برج السّرطان، و ابتداء الصّيف و هو النّصف الثّاني من السّنة من حين ابتداء النّهار في النّقصان، و ذلك لحلول الشّمس في برج السرطان إلى حين انتهائه في القصر، و ذلك لحلول الشّمس في برج الجدي و يقسمون الشّتاء نصفين.
و الصّيف أيضا نصفين، و منتصف كل واحد منهما استواء اللّيل و النّهار و الاستواء الذي يكون في نصف الشّتاء يسمّى الاستواء الرّبيعي و هو لحلول الشّمس في برج الحمل، لأنّ الشتاء كله ربيع عندهم من أجل النّدى، و لذلك تسمية الرّبيعين الأول ربيع الماء و الثّاني ربيع النّبات، و الاستواء الذي يكون في نصف الصّيف يسمّى الاستواء الخريفي، و ذلك لحلول الشّمس في الميزان فهذه أرباع السّنة و فصولها الشّتاء و الرّبيع و الصّيف و الخريف، و لكلّ فصل من فصول السنة ثلاثة أبراج من البروج الاثني عشر لأنها ثلاثة أشهر.
فبروج الشّتاء الجدي و الدلو و الحوت، و بروج الربيع الحمل و الثّور و الجوزاء، و بروج الصّيف: السرطان و الأسد و السّنبلة. و بروج الخريف: الميزان، و العقرب و القوس. و أوائل بروج هذه الفصول تسمّى منقلبة و هي الجدي و الحمل و السرطان و الميزان، لأنّ في أوائل هذه الفصول ينقلب الزّمان من طبيعة إلى طبيعة. و أوساطها و هي الدّلو و الثّور- و الأسد- و العقرب- تسمى ثابتة لأن في أوساط الفصول تثبت طبائع الزّمان على حدّها و أواخرها و هي
الحوت- و الجوزاء- و السّنبلة- و القوس- تسمّى ذوات جسدين لامتزاج طبيعة كل فصل بطبيعة الفصل الذي يليه. و ذكر بعضهم أنّ أهل الحجاز يجعل للسنّة ستة فصول و سميا و شتاء و ربيعا فهذه أزمنة الشتاء و صيفا و حميما و خريفا فهذه أزمنة الصّيف.
و اعلم أنهم يبدءون من الأوقات باللّيل كما يبتدئون من الزّمان بالشّتاء و لذلك صار التاريخ به من دون النّهار، و إنّما كان عندهم كذلك لأن الظّلمة الأول و الضّياء داخل فيه و كل معتبرهم بمسير القمر فمستهلّه جنح العشاء و طلوعه تحت البيات. فلولا أنّ نوره و نور الشّمس يجلوان الهواء لكان الظّلام راكدا فهو أقدم ميلادا و أسبق أوانا، و ألذّ استمتاعا، و أوثر مهادا و أغزر مطرا، و أروى سحابا، و أندى ظلا، و أهول جنانا، و أطيب نسيما، و أفضل أعمالا. و لذلك قدمه اللّه تعالى في رتبة الذّكر و رتبة الوصف فقال تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النّبأ، الآية: 10- 11] فرتبة الذّكر ظاهرة من التّلاوة كما ترى، و رتبة الوصف أن السّكن و اللّباس مقدمان على السّبح و المعاش في متصرفات الأنام.
ثم بعد ذلك هما أخو الهدو و القرار اللّذين منهما يبتدئ النّشاء و النّماء. و قال تعالى عند الأقسام بالزمان: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى [سورة الليل، الآيتان: 1- 2] وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [سورة الإسراء، الآية: 12] فلا موضع أجرى ذكرهما إلا و اللّيل مقدّم، ثم فضل تبتيل المجتهد و ترتيل القارئ، و ابتهال المستغفر فيه على ما يكون منها في غيره فقال تعالى: وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [سورة آل عمران، الآية: 17] و في موضع آخر: وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [سورة الذاريات، الآية: 18] إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا [سورة المزمل، الآية: 6] كلّ ذلك لأنه الأول المقدم، و الأصل الموصل، و الأوان الممهد للرّاحة و الوقت الموجه للرّفاهية، و كذلك قالوا عند المدح: ما أمره عليه بغمة و لا ليله عليه بسرمد. و قال النابغة:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركيو إن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
فقال: كاللّيل و لم يقل كالصّبح و إن كان المغر من كل لا يطاق و قال بعضهم: إنما قال كاللّيل لأنه كان عليه غضبان. و قد قيل اللّيل أخفى للويل و أخذ الفرزدق قول النّابغة هذا شعرا:
و لو حملتني الريح ثم طلبتنيلكنت كشيء أدركته مقادره
جعل الرّيح بإزاء اللّيل و اللّيل أعم، و المستحسن قول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «نصرت بالرّعب و جعل رزقي تحت ظل رمحي، و ليدخلن هذا الدّين على ما دخل عليه اللّيل» يعني الإسلام،
و كما ندب المتعبد إلى التقرب فيه إليه. و قال اللّه تعالى للنبي صلى اللّه عليه و سلم: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [سورة الإسراء، الآية: 79] أنبأ عن نفسه تعالى بمثله فيما يبرمه، و يقضيه، فقال تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [سورة الدخان، الآية: 4] يعني في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
ثم قال الناس: هذا أمر دبّر بليل، و ثبت الرأي، و هذا رأي مبيت و ليس القصد تفضيل اللّيل على النّهار، و إنما المراد التّنبيه على سبقه و على إصابة العرب في تقديمه، و قد تكلّمنا في تصحيح طريقة العرب فيما قدّمناه من الآي التي شرحناها عند قوله تعالى: وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ [سورة يس، الآية: 37] و ما يقتضيه لفظة السّلخ بكلام بين، و ذكر أبو حنيفة الدّينوري عن غير واحد من علماء الرّواية أن العرب تبدأ فتقسم السّنة نصفين شتاء و صيفا، و تقدم الشّتاء على الصّيف و تجعله أول القسمين و هذا ضد صنيع الجمهور من أهل القرار و علماء الحساب، لأنهم يقدّمون الصّيف على الشّتاء.
و قد كان بين أهل العلم اختلاف قديما في أنه أي أرباع السّنة أولى بالتّقديم حتى رأوا أنّ ربع الربيع الذي أوله حلول الشّمس برأس برج الحمل أولى بالتّقديم فأطبقوا على تقديمه باتفاق، و لذلك أجمعوا في عد البروج على الابتداء ببرج الحمل. و في عد المنازل على الابتداء بالشّرطين، حتى لا تجد في ذلك مخالفا. هذا صنيعهم في الأزمنة، فأما إذا صرت إلى سني الأمم وجدتهم فيها مختلفين. فمنهم من يفتتح السّنة في ربع الشّتاء، و منهم من يفتتحها في ربع الخريف، و منهم من يفتتحها في ربع الرّبيع كلّ ذلك قد فعلوا.
و ممن افتتحها في الخريف أهل الشّام من السّريانيين، أ لا ترى أوّل سنتهم تشرين الأول و أنه صدر الخريف و ابتداء الوسمي، و لعل العرب أيضا كانت قد ابتدأت السّنة في بدء الأمر على مثل ذلك، فجعلوا مفتتحها في أول الوسمي كما أنه يقدمه في قسمة الأزمان و الأنواء. فثبتوا على أمرهم الأول في تقديم الوسمي، و انتقل مدخل السّنة عن موضعه الأول ثمانين عدد أيام سنة القمر و سنة الشّمس من التّفاوت و الفصول إنما تتفضّل بمسير الشّمس لا بمسير القمر.
و إنمّا توهّمت هذا من صنيع العرب من أجل أنّ كثيرا من علماء الرّواة يزعمون أنّ شهري ربيع إنما سميّا للربيع، و أن جماديين إنما سميتا للشّتاء و وجود الماء. و أن شعبان إنمّا سمي شعبان لاشتعاب الظّعن إياهم عن المرابع للمحاضر و أنّ شهر رمضان إنمّا سمّي رمضان لشدة الحر و الرّمض و أنّ صفر أنسب إلى الزّمان الذي يسمّى الصّفري، و هذا الذي ذكروا أمر قريب لا يبعد في الوهم، لأنّا على هذا الترتيب نجد أزمان السّنة عندهم، و مما يقوي هذا القول ما حكي عن الغنوي الأعرابي و عن غيره فإنه قال: جمادى عند العرب
الشّتاء كلّه قال: و يقال للحر كلّه شهر ناجر، كما يقال للشّتاء كله جمادى، و كان ينشد بيت لبيد في الجزء شعرا:
حتى إذا سلخا جمادى ستةجزءا فطال صيامه و صيامها
بخفض ستة على إضافة جمادى إليها و قال أراد ستة أشهر الشّتاء، و هي أشهر النّدى و الجزء، و كذلك كان ينشده أبو عمر و الشّيباني خفضا و يقول: أراد جمادى ستة أشهر فعرف بجمادى. قال أبو حنيفة، و يشهد للغنوي كثرة ذكر العرب جمادى إما ببرد الزّمان و إما بكثرة الأنداء و الأمطار، و هذا كلّه من أوصاف الشّتاء و لو كان قصدهم إلى ذكر الشّهر لما تطاول لسرعة انتقال الشّهر.
أ لا ترى أنّه يكون مرة في صبارة الشّتاء و مرة في حمارة القيظ و إنما حاله في ذلك كحال سائر الشّهور، و أنت لا تجد جمادى موصوفة بالحر كما تجدها موصوفة بالبرد. قال الشاعر شعرا:
في ليلة من جمادى ذات أنديةلا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا
قال أبو حنيفة: و زعم بعضهم أنهم إنّما قدّموا الشّتاء على الصّيف لأنه ذكر. و أنّ الصّيف أنثى، و لم يذكروا علّة تذكير الشّتاء، و تأنيث الصّيف، و لا أظنه إلّا لقسوة الشّتاء و شدّته و لين الصّيف و هونه، أ لا ترى أنّ من عادتهم أن يذكروا كلّ صعب من الأمور قاس شديد، حتى قالوا: داهية مذكار، و إن كانت أنثى فصعّبوها بأن تكون تنتج ذكورا و حتى قالوا أرض مذكار إذا كانت ذات مخاوف و أفزاع، و قالوا: يوم باسل ذكر في شره و شدته حتى قال الشّاعر شعرا:
فإنّك قد بعثت عليك نحساشقيت به كواكبه ذكور
فجعلها مع نحوستها ذكورا ليكون شرّها أفظع و أصعب و (الصّيف) و إن تلظّى قيظه و حمى صلاه فهو هيّن عندهم إلى جنب الشّتاء، و الشّتاء يبرح بالقوم و لذلك قالت بنت الحسن و قد سئلت عنهما: أيّهما أشدّ فقالت: و ما جعل البئيس من الأدية تقول من يقيس البؤس و الضر إلى أذى فقط أي الشّتاء أشد: (و البئيس و البؤس) واحد قال الفرزدق في نعت امرأة بيضاء من أهل المدينة (لم تذق بئيسا و لم تتبع حمولة مجحد) و لذلك لا تجدهم يشتكون الضّر و سوء الحال و الهزال في الصّيف و لا يعدون أن يصفوا أواره و صخده و عطشه و إذا صاروا إلى الشّتاء عجّوا من وطئه و نوّهوا باسم من آسى فيه، و احتمل الكلّ و أطعم المصرور.
قال الشّيخ الذي قاله أبو حنيفة في تعليل تذكير الشّتاء حسن و أقرب منه أن يقال لما
كان إدراك الثمار في الربيعين و وضع الأحمال من الملاقيح و نتائج الخير في أصناف المعاش من الزرع و الضّرع في الصيف، و إن كانت مبادئها في أوائل الشّتاء ثم تمت حالا بعد حال فكانت تنتظر في آجالها وقتا بعد وقت انتظار ما في بطون الحاملات، فجعلوا الشّتاء ذكرا و الصّيف أنثى. و هذا شرح ما رماه الشّاعر في قوله:
لو لا الذي غرس الشّتاء بكفهلاقى المصيف هشايما لا تثمر
و ذكر أنّ منهم من يجعل الشّتاء نصفين الشّتاء أوّله و الرّبيع آخره، و كذلك يجعل الصّيف نصفين الصّيف أوّله و القيظ آخره.
و ذكر ابن كناسة أبو يحيى أن العرب تسمّي الشّتاء الرّبيع الأوّل و الصّيف الرّبيع الآخر و أن أحدا منهم لم يذكر الخريف في الأزمنة لأنّ الخريف عند العرب اسم لأمطار آخر القيظ، و هذا إذا تؤمل أسفر عن أنهم يجعلون الرّبيع اسما للنّدى و الجزء، لكنّهم فصلوه بالشّتاء لشدّة برده ثم اشتهر الرّبيع اسما لما لان من طرفي الوقت.
حكى ابن الأعرابي عن الغنوي أنه قال: يلقى الرّاعي صاحبه فيقول: أين تربّعت العام إذا سقطت الصرفة(1)؟ و سقوطه عند انصرام نصف السّنة الشّتوية. و قال الفراء ربعية القوم ميرتهم في أول الشّتاء، و أبين من جميع ما ذكرنا أنّهم يسمّون الفرع المؤخر فرع الرّبيع و هو من الشّتاء. و قال النّابغة و قد جعل الحرب كالميرة:
و كانت لهم ربيعة يحذرونهاإذا خضخضت ماء السّماء القنابل
1) الصرفة في القاموس منزلة للقمر نجم واحد نير يتلو الدبرة سمي لانصراف البرد و بطلوعها، محمد شريف الدين عفا عنه.
اعلم أنّ الشّمس تدور في الفلك دورا طبيعيا، و هي لازمة له و عليها طريقها و القمر- و الكواكب الخمسة، و هي: عطارد- و الزّهرة، و المريخ، و المشتري، و زحل. ربما كانت على هذا الفلك، و ربما مالت إلى الشّمال، و الجنوب، و يسمّى هذا الميل عرض الكواكب، و يسمّى هذا الفلك فلك البروج، و هي اثنا عشر: (الحمل)، و (الثور)، و (الجوزاء)، و (السرطان) و (الأسد)، و (السّنبلة)، و (الميزان)، و (العقرب)، و (القوس)، و (الجدي)، و (الدلو)، و (الحوت)، و إنما انقسم هذا الانقسام لأنّ الشّمس متى انتقلت في دورانها من نقطة بعينها عادت إلى تلك النّقطة بعد ثلاث مائة و خمسة و ستّين يوما و ربع يوم.
و في دورها تستوفي فصول السّنة التي هي الرّبيع، و الصيف، و الخريف، و الشّتاء.
و لهذه العلّة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس، و القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة فجعلت الشّمس اثنتي عشر شهرا و سميت الشّهور القمرية، كما جعل الفلك اثني عشر برجا ليكون لكل شهر برج.
و أسماء شهور العرب: المحرم، و صفر، و الرّبيع الأول، و الرّبيع الآخر، و جمادى الأولى، و جمادى الأخرى، و رجب، و شعبان، و رمضان، و شوّال، و ذو القعدة، و ذو الحجّة.
قال الشّيخ: اختلف الناس في أعداد أيام سنيهم، و هم متفقون في عدّة الشّهور و اعتماد العرب فيها خاصة على الأهلّة، فكل اثني عشر هلالا عندهم سنة، فتكون عدد أيامها ثلاث مائة و أربعة و خمسين يوما.
قال أبو الحسن المعروف بالصّوفي: بين أصحاب الحساب من الرّوم، و الهند خلاف يسير في مقدار هذا الكسر، فكان الأوائل من أهل الروم متفقين في القديم على ربع يوم فقط، ثم استدركوا فيه شيئا حقيرا.
و قال أبو حنيفة: ليس في الأمم أحفظ للفصول، و أوقات الأنواء و الطّلوع من الروم، و لذلك من حلّ من العرب في شق الشّام أعلم بهذا من غيرهم، ثم أنشد لعدي بن الرقاع:
فلا هنّ بالبهمى و إيّاه مذ نشاجنوب لراش فاللّها له، فالعجب
شباطا و كانونين حتى تعذّرتعليهن في نيسان باقية الشّرب
و إنما نصف عيرا و أتنارعين البقل في إبّانه
و إنّما نصف عيرا و أتنا رعين البقل في إبانه إلى أن هاج، و نضبت المياه. و هم يبدءون فيجعلون أوّل السّنة تشرين الأول، و يجعلونه أحدا و ثلاثين يوما. ثم تشرين الثّاني ثلاثين يوما، ثم كانون الأوّل واحدا و ثلاثين يوما، ثم كانون الثّاني واحدا و ثلاثين يوما و ربع، ثم شباطا ثمانية و عشرين يوما، غير أنهم يجعلونه ثلاث سنين كلّ سنة منها ثمانية و عشرين يوما و في السنة الرابعة تسعة و عشرين يوما، و تلك السّنة تكون في عددهم ثلاث مائة و ستة و ستين يوما، و يسمونها الكبيسة.
و قال الخليل: يكون في شباط فيما تزعمه الرّوم تمام اليوم الذي كسوره في السّنين، فإذا تمّ ذلك اليوم في ذلك الشهر، سمّى أهل الشّام تلك السنة عام الكبيس، قال: و هو يتيمّن به إذا ولد في تلك السنة، أو قدم فيه إنسان. ثم آذار واحدا و ثلاثين يوما، ثم نيسان ثلاثين يوما، ثم أيار واحدا و ثلاثين يوما، ثم حزيران ثلاثين يوما، ثم تموز واحدا و ثلاثين يوما، ثم آب واحدا و ثلاثين يوما، ثم أيلول ثلاثين يوما، فتكون الزّيادات من الأيام خمسة أيام على ثلاث مائة و ستين يوما.
ثم أحبّوا أن لا تغيّر أحوال فصول سنتهم على السّنين الكثيرة و الدّهور المتابعة، فزادوا في آخر شباط ربع يوم لتصير أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، و هي ثلاث مائة و خمسة و ستون يوما و ربع يوم، و يكون ثلاث سنين متوالية كذلك فإذا تمّت الأرباع في أربع سنين تصير سنتهم في السنة الرابعة التي تليه ثلاث مائة و ستة و ستين يوما، و يصير شباط في تلك السّنة تسعة و عشرين يوما، و تسمى تلك السّنة الرّابعة سنة الكبيسة، فكرهت الفرس أن يزيد في سنتهم ربع اليوم لأنهم لو فعلوا ذلك لاضطروا إلى الكبيسة في كل أربع سنين و لم يمكنهم ذلك لأنهم سمّوا أيام الشّهر بأسام.
زعموا أنها أسامي الملائكة الذين يديرون أيام الشّهر و أسامي الأيام، هرمز، بهمن، ارديبهشت، شهرير، اسفندار، مذخرداد، مرداد، يبا، ذر، آذر، أبان، حوزماه، تير، جوش، ديبمهر، مهر، سروش، رشن، فروردين، لوهرام، رام باذ، دنيدين، دين ارد، اشتاذ، اسمان، زامياذ، ماراسفند، انيران.
و أسماء الشهور اعتقدوا فيها مثل ذلك و هي: فروردين ماه، ارد بهشت ماه(1)، خرداد ماه، تير ماه، مرداد ماه، شهرير ماه، مهر ماه، ابان ماه، آذر ماه، ديماه، بهمن ماه، اسفنديارمذماه.
و زعموا أنّ هرمز هو اسم الملك الذي يدبر أوّل يوم من الشّهر، و بهمن اسم الملك الذي يدبر اليوم الثّاني.
و كذلك الأسامي كلّها و سمّوا أيضا الأيام اللّواحق بأسماء الملائكة الذين زعموا أنهم يدبرونها و هي: خونوذكاه، و استوذكاه، و اسفيذكاه، و مشتحزكاه، و شتكاه. و قالوا إنّ كبسنا في كلّ أربع سنين يوما فجعلنا اللواحق ستة أيام في هذا اليوم بلا مدبر، و سقط أول يوم من آذر ماه و استوحش هرمزد و قدر أنهم يقصدونه ثم كانوا يكبسون في كلّ مائة و عشرين سنة شهرا واحدا ليسوّوا بين الملائكة، و لا يستوحش أحد منهم و تصير سنتهم في تلك السنة ثلاث مائة و خمسة و تسعين يوما و كانوا على ذلك إلى أن انقضت دولة الفرس و لم يكن فيهم من يمكنه فعل ذلك إلى أن كبس المعتضد مقدار ما كان قد مضى من سنة الكبيسة لكل أربع سنين يوما واحدا و جعل النّيروز اليوم الحادي عشر من حزيران و فيه يقول الشاعر مادحا له شعرا:
يوم نيروزك يومواحد لا يتأخّر
من حزيران يوافيأبدا في أحد عشر
و وضع الكبيسة على رسم الرّوم و لا يعمل ذلك إلا ببغداد، فإنّهم يجعلون أوّل سنتهم في التقويم يوم النّيروز المعتضدي، و يستعمل في سائر البلدان النّيروز القديم.
و ذكر هذا الإنسان و هو أبو الحسين الصّوفي أنّ العرب كانت تكبس أيضا. ثم ذكر النسيء من قول اللّه تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [سورة التوبة، الآية: 37] و قد تقدّم القول على ما قاله فيما مضى و بينّا من تفسير الآية و الأخبار المرويّة ما أغنى.
و اعلم أنّ العرب لا تذهب في تحديد أوقات الأزمنة إلى ما يذهب إليه سائر الأمم، و تجعل أوّل عدد الأزمنة في تحديد أوقاتها، إلى ما يعرف في أوطانها من إقبال الحرّ و البرد، و إدبارهما، و طلوع النّبات و اكتهاله و هيج الكلاء و يبسه، و يذهب في عدد الأزمنة إلى الابتداء بفصل الخريف و تسمية الربيع لأنّ أول الرّبيع و هو المطر يكون فيه- ثم يكون بعده فصل الشّتاء- ثم يكون بعده فصل الصّيف- و هو الذي يسميه النّاس الرّبيع و يأتي فيه الأنوار. و إنما
1) في صبح الأعشى: أرديبهشتماه.
سمّوه صيفا لأنّ المياه عندهم تغل فيه و الكلأ يهيج، و قد يسمّيه بعضهم الرّبيع الثّاني، ثم يكون بعد فصل الصّيف فصل القيظ، و هو الذي يسمّيه النّاس الصّيف فأوّل وقت الرّبيع الأول عندهم و هو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول. و أول الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، و أوّل الصّيف عندهم و هو الرّبيع الثّاني خمسة أيام من آذار، و أوّل القيظ عندهم أربعة أيام تخلو من حزيران. و الخريف المطر الذي يأتي في آخر القيظ و لا يكادون يجعلونه اسما للزّمان.
و قال عدي بن زيد فجعله اسما للزّمان في خريف:
سقاه نوء من الدّلو تدلّىو لم يولّيني العراقي
و سماه خريفا، لاختراف الثمار فيه و الحطيئة ممن يجعله المطر و ذكر امرأة فقال:
و تبدو مصاب الخريف الجيالا. يريد أنّها تنقل إلى البدو لمصاب هذه المطرة، فهذه حدود الأزمنة عندهم، ثم يجعلون لكل زمان صميما يخلص فيه طبعه فيذكرون منه شهرين و يدعون شهرا لأنّ نصف شهر من أوله مقارب لطبع الزّمان الذي قبله، و نصف شهر من آخره مقارب لطبع الزّمان الذي بعده، فالخالص منه شهران فيسمّون شهريّ الشّتاء بالخالص شهري قماح قال الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذا شتوناو حبّ الزّاد في شهري قماح
و سميا بذلك لأن الإبل فيهما ترفع رءوسها عن الماء لشدة برده و الإبل القماح هي التي ترفع رءوسها. و قال بشر يصف سفينة:
و نحن على جوانبها قعودنغضّ الطّرف كالإبل القماح
و الإبل إذا رفعت رءوسها عن الماء غضّت أبصارها، و يدعون هذين الشّهرين ملحان و شيبان لبياض الأرض بالصّقيع و الجليد. و قال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جلودهالملحان أو شيبان و اليوم أشهب
فهذان شهر الشّتاء فشيبان من الشّيب و ملحان من الملحة و هي البياض و قيل كبش أملح منه.
و قال قطرب: يقال لجمادى الأولى و الآخرة شيبان و ملحان من أجل بياض الثّلج، قال: و قولهم مات الجندب و قرب الأشيب أي الثّلج، و يسمّون شهري القيظ اللّذين يخلص فيهما حره شهري ناجر و سمّيا بذلك لأنّ الإبل تشرب فلا تكاد تروى لشدّة الحر، و النّجر و البغر متقاربان و هو أن يشرب فلا يروى من الماء يقال نجر من الماء إذا امتلأ منه فكظمه،
و هو على ذلك يشتهيه قال ذو الرمة يصف ماء شعرا:
صرى أجنّ يروي له المرّ وجههو لو ذاقه ظمآن في شهر ناجر
و قال الشّماخ شعرا:
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعد ماجرت في عنان الشّعر بين الأماعز
فهذان شهرا القيظ و لا أعلم أنهم سمّوا شهري ربيع الثاني باسم، إلا أنّهم يقولون:
حللنا ببلد كذا في حدّ الربيع يريدون شهريه و قال أبو ذؤيب شعرا:
بها أبلت شهري ربيع كليهمافقد مار فيها نسؤها و اقترارها
النّسو بدو السّمن و الاقترار أن تحثر بولها و هو من علامات السّمن، قال رؤبة:
شهران مرعاها بقيعان الصّلقمرعى أنيق النّبت مجّاج الغدق
و قال ابن مقبل شعرا:
أقامت به حدّ الرّبيع و حازهاأخو سلوة مسّى به اللّيل أملح
يريد بأخي السّلوة النّدى لأنهم في رخاء و سكون ما دام النّدى عندهم و قولهم: مسّى به الليل: أي جاء عند مجيء الليل، و الأملح الأبيض، ربما ذكروا استيفاءها شهور الرّبيع الثّاني كلّها. قال حميد شعرا:
رعين المراز الجون من كلّ مذنبشهورا جمادى كلّها و المحرّما
قال: شهورا جمادى كلّها و هما شهران كما قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [سورة النساء، الآية: 11] يريد أخوين فصاعدا و لم يفعلوا ذلك في زمن الخريف فيذكروا منه شهرين فيما علمت. و لا أحسب ذلك إلا لأنه لم يدعهم إلى ذكره شيء كما دعا إليه شدّة البرد في الشّتاء، و شدّة الحر في الصّيف و القيظ، و وقت الجزء في الرّبيع.
قال أبو حنيفة: النّاس مجمعون من تقديم البروج على برج الحمل. و من تقديم المنازل على الشّرطين، و في ذلك دلالة على تقديم فصل الرّبيع، و ذكره قبل سائر الفصول و هو لحلول الشّمس برأس الحمل، قال: و الفصل اسم جرى في كلام العرب و جاءت به أشعارهم، قال الشّاعر يصف حمير وحش شعرا:
نظائر جون يعتلجن بروضةلفصل الرّبيع إذ تولّت صبائنه
و سمّي فصلا لانفصال الحر من البرد، و انقلاب الزّمن الذي قبله، و يقال للفصول
أيضا: الفصيان و الواحدة فصية، و هي الخروج من حر إلى برد، و من برد إلى حر. و الفصية تصلح في كل أوقات السّنة متى خرجت من أذى إلى رخاء فتلك فصية، و لا يستعمل الفصل إلّا في حينه، فأمّا الأصمعي فإنّه قال: الفصية: أن يخرج من برد إلى حر، و يقال: أفصى القوم و هم مفصون، و يقال: لو أفصينا لخرجت معك. و الشّمس تحل برأس الحمل لعشرين ليلة تخلو من آذار و عند ذلك يعتدل اللّيل و النهار، و يسمّى الاستواء الرّبيعي.
ثم لا يزال النّهار زائدا، و اللّيل ناقصا إلى أن يمضي من حزيران اثنتان و عشرون ليلة، و ذلك أربع و تسعون ليلة، فعند ذلك ينتهي طول النّهار و قصر الليل، و ينصرم ربع الرّبيع، و يدخل الرّبع الذي يليه، و هو الصّيف، و ذلك لحلول الشّمس برأس السرطان، و يبتدئ اللّيل بالزّيادة، و النّهار بالنقصان، إلى ثلاث و عشرين ليلة تخلو من أيلول، و ذلك ثلاث و تسعون ليلة، و عند ذلك يعتدل اللّيل و النهار ثانية، و يسمّى الاستواء الخريفي، و ينصرم ربع الصّيف و يدخل ربع الخريف، و ذلك لحلول الشّمس برأس الميزان، و يأخذ اللّيل في الزّيادة و النّهار في النقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول إحدى و عشرون ليلة، و ذلك تسع و ثمانون ليلة، و عند ذلك ينتهي طول اللّيل و قصر النّهار، و ينصرم فصل الخريف، و يدخل فصل الشّتاء، و يبتدئ النّهار في الزيادة، و ذلك لحلول الشّمس برأس الجدي إلى مصيرها إلى رأس الحمل، و ذلك تسع و ثمانون ليلة و ربع فعندها ينصرم ربع الشّتاء، و يدخل فصل الرّبيع، فعلى هذا دور الزّمان فاعلمه.
و منازل القمر، مقسمة الفصول على السنة، و أعداد كواكبها و تصوير مأخذها ضارة و نافعة اعلم أنا نذكر من أمر الأنواء و مذهب جهّال العرب فيها، و من صفة المنازل و البروج ما يحتاج إليه هذا الكتاب، و الدّاعي إليه أنهم كانوا ينسبون الأوقات إليها كثيرا، و كذلك ما نذكره من أحوال الشّمس و القمر، و كان في العرب من يسرف في الإيمان بها و نسبة الحوادث إليها، حتى أوهم كلامهم و إفراطهم أنّ السّقيا و جميع ما يحمد منها، أو يذم إلى جميع ما ينقل فيه الأيام من خير و شر، و نفع و ضر، و كلّ ذلك من الأنواء و بها. و هذا كإضافتهم إلى الكواكب أفعال صانعها، و تطابقهم في التّيمن و التشاؤم بها، لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من آمن بشيء من ذلك فقد كفر بما أنزل عليّ».
و قد مرّ فيما تقدّم من الكتاب فصل كثير بيّن فيه فساد طريقتهم، و أنّ من عدل عنها و جعلها آيات يقيمها اللّه تعالى، تنبيها على حكمته فيها، ليعتبر المعتبرون بها و يشكروا نعمه فيها، فقد برئت من الذّم ساحته، و تباعد عن الإثم منهجه، على مثل ذلك يحمد قول عمر بن الخطاب حين خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر و لم يزد على الاستغفار، ثم نزل فقيل: إنّك لم تستسق، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء. قال أبو عمر و المجاديح و أحدها مجدح، و هو نجم من النّجوم كانت العرب تقول: إنّه يمطر به لقولهم في الأنواء.
قال أبو عبيد فسألت عنه الأصمعي، فلم يقل فيه شيئا و كره أن يتأوّل على عمر مذهب الأنواء، و قال الأموي: يقال فيه أيضا: المجدح بالضّم و أنشد فيه قوله شعرا:
و أطعن بالقوم شطر الملوك حتّى إذا خفق المجدح
قال أبو عبيد: و الذي يراد من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار استسقاء يتأوّل قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً [سورة نوح، الآية
: 10- 11] و إنما نرى أنّ عمر تكلّم بهذا على أنها كلمة جارية على ألسنة العرب ليس على تحقيق الأنواء، و لا التّصديق بها، و هذا شبيه بقول ابن عباس في رجل جعل أمر امرأته بيدها، فطلّقته ثلاثا، فقال خطّأ اللّه نوءها أ لا طلّقت نفسها ثلاثا. ليس هذا منه دعاء عليها أن لا تمطر، إنّما هو على الكلام المنقول. و مما بيّن لك أنّ عمر أراد إبطال الأنواء و التكذيب بها بقوله: لقد استسقيت بمجاديح السّماء التي يستنزل بها الغيث. فجعل الاستغفار هو المجاديح لا الأنواء، و هذا القدر إذا ضمّ إليه ما تقدم في فصل يشتمل على تأويل الأخبار المرويّة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و بيان معتقدات العرب في الأنواء و البوارح، أغنى و كفى في عذر من يعذر، و ذمّ من يذم منهم و السّلام.
قال أبو حنيفة يقال: ناء الكوكب ينوء نوأ و نوء، أول سقوط يدركه في الأفق بالغداة قبل انمحاق الكواكب بضوء الصّبح.
و الكوكب إذا وافاه الصّبح و هو مرتفع عن أفق المغرب لا يزال الصّبح يوافيه كلّ غداة، و هو إلى الأفق أقرب، حتى يوافق موافاته الأفق انمحاق الكوكب لضوء الصّبح، ثم يكون سقوطه بعد ذلك، و الكواكب ظاهرة فلا يزال سقوطه يتأخر كلّ ليلة إلى أن يكون في أول اللّيل، فتراه على الأفق غاربا مع ظهوره للأبصار، ثم يستسر فلا يرى مقدارا من الليالي ثم يكون أوّل رؤيته غامضا في ضياء الصّبح حين يبدو للأبصار. فالواجب أن يغرق ما بين الغروب الذي هو أوّل و بين الغروب الذي له النوء لأنّ الذي له النوء سقوط النجم بالغداة في المغرب بعد الفجر و قبل طلوع الشّمس و طلوع رقيبه في المشرق في ذلك الوقت، و لا يكون هذا إلا في غداة واحدة من السّنة للكوكب الواحد.
و أما السّقوط الذي هو أفول و استسرار، فإنّه يكون من أول الليل و ذلك أنّ هذا النّجم السّاقط بالغداة في أفق السّماء يرى بعد اليوم الذي يسقط فيه متأخّر السّقوط عن ذلك الوقت، فيسقط قبله و لا يزال يتأخّر في كل يوم حتى يكون سقوطه في اللّيل، ثم يتأخّر في اللّيل إلى أن يسقط في أوّل اللّيل في المغرب، ثم يستسر بعد ذلك فلا يرى ليالي كثيرة ثم يرى بالغداة طالعا في المشرق خفيا، فهذا سقوط الأفول، و قد أحسن الشّاعر في تحديد ذلك حين قال شعرا:
و أبصر النّاظر الشّعرى مبيّنةلمّا دنا من صلاة الصّبح ينصرف
في حمرة لا بياض الصّبح أغرقهاو قد علا اللّيل عنها فهو منكشف
تهلهل اللّيل لم يلحق بظلمتهقوت النّهار قليلا فهي تزدلف
لا يبأس اللّيل منها حين تتبعهو لا النّهار بها للّيل يعترف
فهذا وقت الطّلوع و السّقوط و معنى قوله: تهلهل اللّيل أي تصير في مشرقه حيث امتزج سواده بياض الصّبح فهي فوت النّهار، لأنّه لم يطمسها بضوئه، و لم يلحق بظلمة اللّيل الخالصة، فهي بينهما، و اللّيل لا يبأس منها، لأنّها في بقية منه، و لا النّهار يسلمها للّيل لأنّها في ابتداء منه، و مراد الشّاعر بهذا الوصف أنّ الأمر الذي وقته كان في حمارّة القيظ، لأن الشّعرى تطلع بالغداة في معمعان الحر.
قال الشيخ: أظنّ هذا الشّاعر سلك في تحديده للاستسرار طريقة زهير حين قال يصف شاهينا و حمامة شعرا:
دون السّماء و فوق الأرض قدرهمافيما تراه فلا فوت و لا درك
فقوله: لا فوت و لا درك، كقول ذاك لا يبأس اللّيل منها، و لا النّهار يعترف اللّيل بها، قال: و قال الكميت في تحديد وقت الطلوع شعرا:
حتّى إذا لهبان الصّيف هبّ لهو أفغر الكالئين النّجم أو كربوا
و ساقت الشّعريان الفجر بعضهمافيه و بعضهما باللّيل محتجب
فجعل طلوعها بين اللّيل و النّهار كما جعله الأوّل. و معنى أفغر النّجم: يريد إذا صارت الثّريا في وسط السّماء، فمن نظر إليها فغر فاه، أي فتحه، و معنى كربوا: قربوا و طعن قوم على الكميت في هذا البيت، و حسبوا أنه أراد أن إحداهما طلعت قبل الفجر، فهي في اللّيل، و أنّ الأخرى طلعت مع الفجر، فهي فيه، فقالوا: لا يجوز ذلك إلا في ثلاثة فصاعدا، قال أبو حنيفة: و الذي قالوا كما قالوا، غير أنّهم ذهبوا إلى غير مذهب الكميت، و لو أراد الكميت ما توهّموا لكان قد أخطأ في المعنى أيضا مثل ما أخطأ في اللّفظ، و ذلك أنّه قال: و ساقت الشّعريان الفجر.
فاعلم أنّ الفجر طلع قبلهما، فكيف يعود فيجعل إحداهما طالعة قبله، هذا بتعجيل، و بعد فإنّ الشّعريين تطلعان معا. و إنّما أراد أنّ بعضهما كلتيهما في اللّيل و بعضهما كلتيهما في النّهار، إذا كانتا بين اللّيل و النّهار، قال الشيخ الأكشف في بصرة الكميت أن يقال أراد أنّ بعضيهما في اللّيل و بعضيهما في النّهار، فيخرج البعض بالثنية من أن يكون بمعنى أحد، و يستفاد منها أنّ الشّعريين تطلعان معا، و أنّ القصد في ذكرهما للتّحديد، إلى أن تكونا بين اللّيل و النّهار، و مع ذلك فقد ضيق على نفسه تضييقا شديدا، فأفرط في التّحديد إفراطا بعيدا، فإذا سمعتهم ينسبون إلى الطّلوع و السّقوط مرسلا غير مضاف إلى وقت، فاعلم أنّهم إنّما يريدون الطلوع و السّقوط للّذين يكونان بالغداة، و ذلك مثل قولهم إذا طلعت العقرب:
حمس المذنب، و مثل قولهم إذا طلعت الشّعرى: جعل صاحب النّخل يرى، و مثل قول الشاعر شعرا:
فلمّا مضى نوء الثّريا و أخلفتهواد من الجوزاء و انغمس الغضر
و مثل قوله:
هنا ناهم حتّى أعان عليهمعزالى السّحاب في اغتماسه كوكب
فهذه السّقوط و ما أشبهه هو بالغداة، و إذا ذكر ذلك من نجوم الأخذ خاصة فهو النوء، أ لا ترى أنّهم لمّا أرادوا الطّلوع بالغداة قالوا: إذا طلع النّجم فالحرّ في خدم، فجاء مرسلا غير مضاف. و لما أرادوا طلوعه لغير الغداة قالوا: إذا طلع النّجم عشاء ابتغى الرّاعي كساء، فجاء مضافا إلى الوقت. و أما قول القائل: حين البارحة حين غاب النّجم و ذهبن ليلة كذا، حين طلع السّماك فإنّما المراد بذلك، وقت المجيء و الذّهاب من تلك اللّيلة بعينها، و ليس من الأوّل في شيء، و منه قول الشاعر شعرا:
حتى إذا خفق السّماك و أسحراو نبا لها في الشّدّ أيّ نبال
و مثل قول الآخر:
فعرسن و الشّعرى تغور كأنّهاشهاب غضا يرمى به الرّجوان
و إذا جاء ذكر المغيب مرسلا، فالمراد حينئذ الغيبوبة التي هي ابتداء الاستسرار و ذلك قولهم: غرب الثّريا أعوه من شرفها، و كقولهم: مطر الثّريا صيف كلّه و هذا الغرب غير السّقوط الذي هو النوء، و مطر نوء الثّريّا و سمي و من هذا الجنس قول الشاعر:
فيمّمت سيرا سريع الرّجاء مائل من راجل يركب
مغيب سهيل صدور الرّكاب سيرا يشقّ على المعتب
فهذا كلّه غيبوبة الاستسرار، و لا يكون إلا بالعشيّات على أثر مغيب الشّمس ثم لا تراه بعد ذلك حتى يتمّ استسراره، ثم يكون أوّل ظهوره بالغدوات و قد اختلف النّاس في معنى النّوء: فبعضهم يجعله النّهوض، قال: لأنه سمى نوى الطّلوع الرّقيب لا لسقوط السّاقط، و هذا ليس بمنكر في اللّغة، لأنّ هذه اللّفظة تعدّ في الأضداد، قال أبو حنيفة: هو النّهوض، و لكنّه نهوض الذي كأنه يميله شيء فيجد به إلى أسفل، و زعم الفراء أنّ النوء السّقوط و الميلان، و أنّ أبا ثروان أنشده في صفة راع نزع في قوس:
حتّى إذا ما التأمت مفاصلهو ناء في شقّ الشّمال كاهله
قال: يريد أنه لما نزع مال إليها، و قوله: التأمت مفاصله فإنّه يعني أنّه لزم بعضه بعضا
لشدّة النّزع. قال: و نرى أنّ قول العرب ما ساءك و ناءك من هذا، و معناه أناءك فألقى الألف للاتباع كقولهم: هنّأني الطّعام و مرّأني، و كان ينبغي أن يكون أمرأني.
قال أبو حنيفة: فأمّا من ذهب إلى أنّ الكوكب ينوء ثم يسقط، و إذا سقط فقد تقضى نوؤه، و دخل نوء الكوكب الذي بعده، فتأويله أنّ الكوكب إذا سقط النّجم الذي بين يديه أطلّ هو على السّقوط، و كان أشبه شيء حالا بحال النّاهض و لا نهوض به، حتّى يسقط، لأنّ الفلك يجرّه الغور، فكأنّه متحامل عليه، يعني قد غلبه. و يجمع النوء أنواء و نوانا. قال حسّان بن ثابت رضي اللّه عنه شعرا:
و يثرب تعلم أنّا بهاإذا قحط القطر نواتها
و قال بعضهم: الحق في ذلك مذهب الخليل الذي حكاه عنه مؤرج، و هو أنّ النّوء اسم المطر الذي يكون مع سقوط النّجم، لأنّ المطر نهض مع سقوط الكوكب، و اسم الكوكب السّاقط النّوء أيضا، فالشيء إذا مال في السّقوط يقال: ناء، و إذا نهض في تناقل يقال ناء به، قال ذو الرمة في وصف الرياك:
ينون و لم يكسين إلا قنازعامن الرّيش تنواء الفصال الهزائل
و ينوء الحمل الثّقيل إذا مال بالبعير، و يقال: المرأة تنوء بها عجيزتها، قال الشاعر:
لها حضور و أعجاز تنوء بهاإذا تقوم يكاد الخصر ينخزل
و في القرآن: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [سورة القصص، الآية: 76].
و هي نجوم الأخذ، قال اللّه تعالى: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [سورة يس، الآية: 39].
و هي ثمانية و عشرون منزلا لا اختلاف في ذلك، و تسمّى نجوما، و إن كان منها ما هو كوكب واحد، و كان منها ما هو أكثر، و قد قيل للثّريا: النجم، و هو كالعلم لها و هي ستّة كواكب. و النّجم إن كان كالعلم، و قد شهرت به، فقد يقولون في النّسبة هذا النّجم الثّريا إذا جعلوه اسما لجماعة كواكبها، و يقولون: هذه نجوم الثّريا إذا جعلوا كلّ كوكب منها نجما، ثم جمعوها. قال ذو الرمة:
لعالية في الأدحى بيضا بقفرةكنجم الثّريا لاح بين السّحائب
و قال الأعشى فجعله جمعا:
يراقبن من جوع خلاء مخافةنجوم الثّريّا الطّالعات الشّواخصا(1)
و قال أبو عبيدة: يقال النجم، فيفرد اللفظ و المعنى للجمع، و أنشد قول الراعي:
فباتت تعدّ النّجم في مستجيرةسريع بأيدي الآكلين جمودها
يعني ضيفة قراها جفنة، قد استجار فيها الدّهم، فهي ترى نجوم اللّيل فيها. و أمّا الكوكب فلا نعلمه يقع إلا على واحد فقط، و قال الآخر في منازل القمر فسمّاها نجوما:
و أخوات نجوم الأخذ إلّا أنضةأنضة محل ليس قاطرها يثري
قال أبو عبيدة: نجوم الأخذ: منازل القمر، سمّيت نجوم الأخذ، لأخذه كلّ ليلة في منزل. و قال أبو عمرو الشّيباني: الأخذ: نزول القمر منازله، يقال: أخذ القمر نجم كذا إذا نزل به. و أنشد أبو عمرو شعرا:
و أمست نجوم الأخذ غبرا كأنّهامقطّرة من شدّة البرد كسف
و قال: مقطّرة من القطار، أراد تناسقها، و مراد الشّاعر كسوفها، لأنّها متناسقة في الخصب و الجدب. و كان على كل حال، و كسوفها ذهاب نورها لشدّة الزّمان و ذلك لما يعرض في الهواء من الكدر و لا يجلوه، قال أبو الطمحان القتبي: تذكر حميرا وردت عيونا.
و تراها نجوم الأخذ في حجراتهاو تنهق في أعناقها بالجداول
و قال أبو حنيفة: أول ما تبتدءون به من المنازل الشّرطان، و لما كانت العرب تقدّم الشّتاء كان أول أنوائها مؤخّر الدلو، و هو الفرع المؤخر، و نوؤه محمود الوقت، عزيز الفقد، و هو أوّل الوسمي، ثم بطن الحوت و هو الذي يسمّيه الرّشاء و لا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه.
و اعلم أنّ المنازل تبدو للعين منها في السّماء أبدا نصفها، و هو أربعة عشر، و كذا البروج يبدو نصفها، و هو ستة لأنه كلّما غاب واحد منها طلع من المشرق رقيبه و سقوط كلّ منزل فيه ثلاثة عشر يوما سوى الجبهة، فإنّ لها أربعة عشر يوما لأنّها خصّت باللّيلة الباقية من أيّام السّنة الثّلاث مائة و الخمسة و الستين، و فضلت بذلك على سائرها، لغزارة نوئها، و كثرة الانتفاع بها، و يكون انقضاء الثمانية و العشرين، و انقضاء الاثني عشر مع انقضاء السنة.
1) شخص النجم: طلع.
و لمّا كانت السّنة أربعة أجراء صار لكلّ ربع منها سبعة منازل، و هي الأنواء و أسماؤها: الشّرطان- البطين- الثّريا- الدّبران- الهقعة- الهنعة- الذّراع- النّئزة- الطّرف(1)- الجبهة- الزّبرة- الصّرفة- العوّاء- السّماك الأعزل- الغفر(2)- الزّباني- الإكليل- القلب- الشّولة- النّعائم- البلدة- سعد الذّابح- سعد بلع- سعد السّعود- سعد الأخبية- الفرغ الأوّل- الفرغ الثاني- الرّشا(3)- فهذه ثمانية و عشرون نجما هنّ أمهات المنازل.
قال أبو حنيفة: و قد يعدّون معها نجوما أخر إذا قصر القمر أحيانا عن هذه المنازل نزل ببعض تلك، و ذلك لأنّ القمر لا يستوي سيره فيها، لأنّك تراه بالمنزل ثم تراه و قد حلّ به في الشّهر الآخر، فتجد مكانيه مختلفين فيه، إذا أنعمت حفظه و ضبطه، و لهذه العلة يخلطونها بالمنازل، حتّى ربّما جعل لبعضها في الأنواء حظّا.
(1) أمّا الشّرطان فهما كوكبان على أثر الحوت مفترقان شمالي و جنوبي بينهما في رأي العين قدر ذراع، و إلى جانب الشّمالي منهما كوكب صغير ذكر أنّهما به سميّت الأشراط، و الواحد منهما شرط متحرك، و قد ذكر عن العرب شرط بالإسكان قال كثيّر في جمعهما شعرا:
عواد من الأشراط و طف نقلهاروائح أنواء الثّريّا الهواطل
و قال الكميت في الإفراد:
من شرطي مرتعن تجلّلتعزال بها منه بتجاجة سحل
و ليس يمنع تحريكه في النّسبة من أن يكون الواحد شرطا بإسكان و إذا نسبت إليها لم ينسب إلّا بالجمع أو الإفراد، فأمّا مثنّى فلم نجدهم قالوا شرطاي. قال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطي
. و هذا قليل.
قال الشيخ: الجمع قد نسب إليه إذا جعل علما أو أجري مجرى العلم، فالعلم كقولهم: كلابي و أنماري و مدايني و ما أجري مجرى العلم أشراطي، قال و يقولون: الشّرطان قرنا الحمل، و يسمّونها النّطح أو النّاطح، و بين يدي الشّرطين كوكبان شبيهان بالشّرطين، يقال لهما الأنثيان. قال أبو حنيفة: ذكر الرواة أنّ العرب تجعلهما مما يقصر القمر، فينزل به و يجعلون لهما في الأنواء حظا.
(2) و أمّا البطين فتلقبه كواكب خفيّة كأنها نقط الشاء، و هو على أثر الشّرطين بين يدي الثّريا، و قد يتكلمون به مكبرا، فيقولون: البطن، و يزعمون أنّه بطن الحمل.
(3) و أمّا الثريا فهي النّجم لا يتكلمون بها مكبرة، و هي تصغير ثروي، مشتقّا من الثّروة، و كأنه تأنيث ثروان، و النّجم كالعلم له يقال له: طلع النّجم، و غاب النّجم و أنشد للمرار شعرا:
و يوم من النّجم مستوقديسوق إلى الموت نور الظّبا
و قال شعرا:
إن النّجم أمسى مغرب الشّمس طالعاو لم يك في الآفاق برق ينيرها
قال الشيخ: هذا كما اشتهر عبد اللّه بابن عباس و صار كالعلم له، و كان له إخوة، قثم و غيره، فلم يشتهروا به، و يقولون: الثريا إليه الحمل.
(4) و أما الدّبران فالكوكب الأحمر الذي على أثر الثّريا بين يديه كواكب كثيرة مجتمعة من أدناها إليه كوكبان صغيران يكادان يلتصقان، يقول الأعراب: هما كلباه، و البواقي غنمه، و يقولون: قلاصه، قال ذو الرمة شعرا:
وردت اغتشافا و الثّريا كأنّهاعلى قمّة الرّأس ابن ماء محملق
يدفّ على آثارها دبرانهافلا هو مسبوق و لا هو يلحق
لعشرين من صغرى النّجوم كأنّهاو إيّاه في الخضراء لو كان ينطق
قلاص(1)حداها راكب متعمّم
إلى الماء من قرن التّنوفة مطلق
قرن التنوفة أعلاها- و المطلق الذي يطلب ليلة الماء و بعده القرب للورد، و يسمّى دبرانا لدبوره الثّريّا، كما قيل: إيبان و صميان، و سمّى تالي النجم، و تابع النّجم. و قد يطلق فيقال: التابع، و يقال أيضا حادي النّجم، و من أسمائه المجدح بالضمّ و الكسر فالضمّ حكاه الشيباني، و الكسر حكاه الأموي، و المنجّمون يسمّونه قلب الثّور و قولهم: الدّبران مما اختصّ و جرى مجرى العلم.
(5) و أمّا الهقعة فهي رأس الجوزاء ثلاثة كواكب صغار مثفاة، و تسمّى الأثافي تشبّها بها.
حكي عن ابن عباس أنّه قال لرجل: طلّق عدد نجوم السّماء يجزئك منها هقعة
1) القلوص: الناقة الشّابة القويّة.
الجوزاء، و قد يقال للدّابرة يكون الشّق الفرس الهقعة، و هي تكره، يقال فرس مهقوع.
(6) و أمّا الهنعة: فكوكبان بينهما قيد سوط، و هما على أثر الهقعة و لتقاصرها عنها سمّيت الهنعة. و الذراع المبسوطة بينهما منحطة عنهما و يقال: أكمة هنعا إذا كانت قصيرة، و تهانع الطّائر إذا كان طويل العنق فقصّرها.
و قال ابن كناسة: يقال للهنعة الزّرق الميسان، فإنّما ينزل القمر بالتّحايي و هي كواكب ثلاثة بإزاء الهنعة و الواحدة منها تحياة.
(7) و أمّا الذراع فهي ذراع الأسد المقبوضة، و للأسد ذراعان مقبوضة و مبسوطة، (فالمقبوضة) منهما هي اليسرى، و هي الجنوبية، و بها ينزل القمر و سمّيت (مقبوضة) لتقدّم الأخرى عليها، و المبسوطة منهما هي اليمنى و هي الشّمالية، و كلّ صورة من نظم الكواكب فميامنها مما يلي الشّمال و مياسرها مما يلي الجنوب، لأنّها تطلع بصدورها ناظرة إلى المغارب فالشّمال على أيمانها، و الجنوب على أيسارها. و قد فهم ذلك القائل و النّجوم التي تتابع باللّيل و فيها ذات اليمين، ازورارها على أيمانها إطافة منها بالقطب.
و قال أبو حنيفة: أنت ترى الكوكب يدرأ من مطلعه من الأفق الشّرقي فلا يستقيم مضيئه إلى مقابل مطلعه من الأفق الغربي في المنظر، و لكن تراه يتجانف إلى القطب، و لذلك قال الشاعر شعرا:
و عاندت الثّريا بعد هدءمعاندة لها العيّوق جار
لأنّها تركت القصد في المنظر، فذلك معاندتها، و علّة ذلك ما بيّنه الكميت في قوله:
مالت إليه طلانا(1)و استطيف به
كما تطيف نجوم اللّيل بالقطب
و أحد كوكبي الذراع المقبوضة هي الشّعرى الغميصاء، و هي تقابل الشّعرى العبور، و المجرّة بينهما و قد تكبر يقال الغمصاء، قال أبو عمر و هي الغميصاء و الغموص و يقال لكوكبها الأحمر الشّمالي المرزم، مرزم الذّراع و هما مرزمان هذا أحدهما، و الآخر في الجوزاء قال:
و نائحة صوتها رابعبعثن إذ أخفق المرزم
و يروى إذا ارتفع المرزم فهذا المرزم هو الذي في الذّراع، لأنّ مرزم الجوزاء لا نوء له، و ليست من المنازل، و قد ذكرا جميعا بالنّوء على ذكر الشّعريين و السّماكين. قال جدار:
1) الطّلا: بالفتح ولد الظبي ساعة يولد، و الصغير من كل شيء.
أحتبك جد المرزمين متىينجدا بنوال تغوّرا
و قال ابن كناسة: الذّراع المقبوضة بأسرها هي المرزم.
و حكي مثل ذلك عن الغنوي، و من أحاديثهم: كان سهيل و الشّعريان مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيا، و نعته العبور عبرت إليه المجرة و أقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل، حتى غمصت، و الغمص في العين ضعف و نقص، و قالوا: ربّما عدل القمر فزلّ بالذّراع المبسوطة.
(8) و أمّا النثرة فثلاثة كواكب متقاربة، أحدها كأنه لطحة، يقولون: هي نثرة الأسد، أي أنفه، قال ذو الرّمة شعرا:
مجلجل الرّعد عراصا إذا ارتجستنوء الثّريا به أو نثرة الأسد
أنث: فعل النوء و هو ذكر، لأنه أضافه إلى الثّريّا، و ليس بمنفصل منها، و يسمّى اللّطحة اللّهاة. و قال الآخر:
فهدّم ما قد بنته اليدانحولين و الأنف و الكاهل
و ذكر الهدم و البناء هاهنا كقول الآخر:
على كلّ موّاز الملاط تهدّمتعريكته العلياء و انضمّ حالبه(1)
رعته الفيافي بعد ما كان حقبةرعاها و ماء الرّوض ينهلّ ساكبه
فأضحى الغلاقد جدّ في برء قصبهو كان زمانا قبل ذاك يلاعبه
(9) و أمّا الطّرف: فكوكبان يبتدئان الجبهة بين يديها يقولون: هما عين الأسد.
(10) و أمّا الجبهة: فجبهة الأسد، قال: إذا رأيت انجما من الأسد جبهة أو الخراة و الكتد، و هي أربعة كواكب خلف الطّرف معترضة من الجنوب إلى الشّمال، سطرا معوجا، و بين كلّ كوكبين منها قبس الذّراع، و الجنوبي منها هو الذي يسمّيه المنجّمون: قلب الأسد.
(11) و أمّا زبرة الأسد: فهي كوكبان على أثر الجبهة، بينهما قيد سوط و الزّبرة كاهله، و فروع كتفيه، و يسمّيان الخراتين الواحدة خراة.
(12) و أمّا الصّرفة فكوكب واحد نيّر على أثر الزّبرة، يقولون: هو قنب الأسد، و القنب وعاء القضيب، و سميّت صرفة لانصراف الحر عند طلوعه غدوة، و انصراف البرد عند سقوطه غدوة.
1) لأبي تمام حبيب بن أوس الطّائي.
(13) و أمّا العوّاء فإنّ ابن كناسة جعلها أربعة أنجم، و هي خمسة لمن شاء و من شاء ترك واحدا إلا أنّ خلقتها خلقة كتاب الكاف غير مشقوقة، و ليست نيّرة و هي على أثر الصرفة، و زعم أبو يحيى أنها سميّت العوّاء بالكوكب الرّابع الشّمالي منها، و إذا عزلت عنها هذا الكوكب الرّابع كانت الباقية مثفاة الخلقة و هم يجعلون العوّاء و ركي الأسد، و أحسب هؤلاء تأوّلوا اسمها، و المحاش حشوة البطن و العوّاء تمد و تقصر، قال الرّاعي:
و لم يسكنوها الجزء حتّى أظلّهاسحاب من العوّا و ثابت غيومها
و يقال لها عوّاء البرد، يزعمون أنّها إذا طلعت أو سقطت أتت ببرد.
(14) و أما السّماك فهما سماكا الأعزل، و القمر ينزل به و لا ينزل بالآخر و هو الرّامح و سمّي رامحا لكوكب صغير بين يديه يقال له: راية السّماك و به سمّي رامحا، و يسمّى الآخر الأعزل، لأنه لا شيء بين يديه كأنه لا سلاح معه و قال كعب بن زهير شعرا:
فلمّا استدار الفرقدان زجرتهاو هبّ سماك ذو سلاح و أعزل
و قال الطّرمّاح:
محاهن صيب نوء الرّبيعمن الأنجم العزل و الرّامحة
و هم يجعلون السّماكين ساقي الأسد، و أحد السّماكين جنوبي، و هو الأعزل و الآخر و هو الرّامح شمالي، و قال ابن كناسة: ربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد، و هي أربعة كواكب، بين يدي السّماك الأعزل، منحدرة عنه في الجنوب، و هي مربعة على صورة النّعش، و يقال لها: عرش السّماك، و تسمّى أيضا الأحمال، و تسمّى الجناء، و هم يجعلون لها حظا في الأنواء، قال ابن أحمر يصف ثورا:
باتت عليه ليلة عرشيةشربت و بات إلى نعي متهدّدا
شربت لجت، و المتهدّد المتهدّم، لا تماسك لمحضره و كان المنجّمون يسمّون السّماك الأعزل السّنبلة لسموكه، سمّي سماكا و إن كان كلّ كوكب قد سمك فهو كقولهم الدّبران.
(15) و أمّا الغفر: فثلاثة كواكب بين زباني العقرب، و بين السّماك الأعزل خفية على خلفه العوّاء. قال ذو الرّمة:
فلمّا مضى نوء الثّريّا و أخلفتهواد من الجوزاء و انغمس الغفر
و العرب تقول خير منزلة في الأيد بين الزّباني و الأسد، يعنون الغفر، لأنّ السّماك
عندهم من أعضاء الأسد، فقالوا: يليه من الأسد ما لا يضر الذّنب يدفع عنه الأظفار و الأنياب، و يليه من العقرب ما لا يضر الذنابي يدفع عنه الحمة.
(16) و أمّا الزّباني و هما زبانيا العقرب: أي قرناه، و هما كوكبان مفترقان بينهما في المنظر أكثر من قامة الرجل، و يقال لهما: زباني الصّيف لأنّ سقوطهما في زمان الحر، قال ذو الرمة:
يا قد زفت للزّباني من بوارحهاهيف أنست بها الأصناع و الخبر
الأصناع محابس الماء و الواحد صنع، و الخبر جمع خبرة و هي أرض يكون بها السّدر، و يدوم فيها الماء يريد أن ريّاح الزّباني أنضبت المياه، و قيل: يسمّي أهل الشام زباني العقرب يديها.
(17) و أمّا إكليل العقرب رأسها، و هي ثلاثة كواكب معترضة بين كل كوكبين قيد ذراع، قال جران:
العود بمطرقين على مثنى أيامنهمراموا النّزول و قد غار الأكاليل
جعل كلّ كوكب منها إكليلا.
(18) و أمّا القلب، قلب العقرب و الكوكب النّير الأحمر الذي وراء الإكليل سيرة كوكبان، و هم يستحسنونه. قال شعرا:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّهسواء عليكم بالنّحوس و بالسّعد
(19) و أمّا الشّولة فإبرة العقرب، كذلك يسمّيها أهل الشّام، و هي كوكبان مضيئان صغيران متقاربان في طرف ذنب العقرب، و قالوا: ربما قصر القمر فنزل بالغفار فيما بين القلب و الشّولة. و الغفار أحد كواكب ذنب العقرب، يجعلون كلّ كوكب منها فقرة، و هي ستّ فقر، و السّابعة الإبرة. قال ابن كناسة: الشّولة التي ينزل بها القمر: حذاء القلب في حاشية المجرة، و ليس هناك شولة، و لكنّ القمر إنّما ينزل بالشّولة على المحاذاة و لا ينحط إليها لأنّها منحدرة عن طريقته و هاهنا يقطع القمر المجرة إذا هو فارق العقرب، و مضى نحو السّعود لأنّ المجرة تسلك بين قلب العقرب و بين النّعائم، منقطع نظام المنازل في هذا الموضع.
و في موضع آخر و هما بين الهقعة و الهنعة، لأنها تسلك أيضا بينهما فيعترض نظام المنازل اعتراضا، و هاهنا أيضا يقطع القمر و سائر الكواكب المحاذية للمجرّة، و ذلك حين ينحدر عن غاية تعاليها إلى ذروة القبة في الهبوط، فأمّا قطعها إياها عن السّعود فذلك حين
يبتدئ الصّعود بعد غاية الهبوط، و يسمّى الشّولة شولة الصّورة، و هي منغمسة في المجرة.
(20) و أمّا النّعائم فثمانية كواكب، أربعة في المجرة و هي النّعائم الواردة، و أربعة خارجة عن المجرة و هي النّعائم الصّادرة، و هي منحدرة، و كلّ أربعة منها على شبه بالتّربيع، و فوقها كوكب إذا تأمّلته مع كوكبين من النّعائم الوارد شبهتها به قبة، و إنّما قيل: واردا لشرعه في المجرة، و قيل: الصّادر لمجيئه عنها.
(21) و أمّا البلدة فرقعة من السّماء لا كوكب بها بين النّعائم و بين سعد الذّابح، ينزلها القمر، و يقولون: ربّما عدل القمر أحيانا فنزل بالقلادة و هي ستة كواكب صغار، خفية فوق البلدة، مستديرة تشبه بالقوس، و يسمّيها العامة القوس و يسمّى موضع النّعائم الوصل.
(22) و أمّا سعد الذّابح: فكوكبان غير نيّرين، و كذلك السّعود كلّها و بينهما في رأي العين قيس الذّراع و (ذبحه) كوكب صغير قد كاد يلزق بالأعلى منها، تقول الأعراب: هو شاته التي تذبح. قال الطّرماح شعرا:
ظعائن شمن قريح الخريفمن الفرغ و الأنجم الذّابحة
قريحه: أوّله.
(23) و أمّا سعد بلع: فنجمان نحو من سعد الذّابح أحدهما خفي جدا، و هو الذي بلعه أي جعله بلعا كأنه مسترط(1)، و ذكر أنه سمّي بلعا لأنه طلع حين قيل: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [سورة هود، الآية: 44] و هذا لست أدري ما هو.
(24) و أمّا سعد السعود: فكوكبان أيضا نحو من سعد الذّابح، و سمّي سعد السّعود بالتّفضيل عليهما، و لأن الزّمان في السّعدين اللّذين قبله قسا، و طلوع سعد السّعود يوافق منه لينا في برده، قالوا: و ربما قصر القمر، فينزل بسعد باثره، و هو أيضا كوكبان أسفل من سعد السّعود. قال الكميت شعرا:
و لكن بنجمك سعد السّعودطبقت أرضي غيثا درودا
(25) و أمّا سعد الأخبية: فثلاثة كواكب متحاذية، فوق الأوسط منها كوكب رابع، كأنها به في التمثيل رجل بطّة.
و قيل: إنّ السّعد منها واحد، و هو أنورها و إنّ الثلاثة أخبية، و قيل: سمّي بالأخبية لأنه
1) في القاموس سرط كنصر و فرح سرطا و سرطانا محركتين ابتلعه كاسترطه و تسرطه. 12- القاضي محمد شريف الدين عفا عنه.
إذا طلع انتشرت فخرج منها ما كان مختبئا في البرد، لأنّ طلوعه في وقت الدّفاء، و السّعود متناسقة بعضها على إثر بعض.
(26) و أمّا الفرغ الأول: فهو فرغ الدّلو، و الدّلو أربعة كواكب مربعة واسعة، بين كل كوكبين قدر قامة الرّجل، أو أكثر في رأي العين، فهم يجعلون هذه الكواكب الأربعة عراقي الدّلو. قال عدي بن زيد في خريف شعرا:
سقاه نوء من الدّلو تدلّى و لم يوار العراقي
و فرغ الدّلو: مصبّ الماء من بين العراقي و قد يقولون لهما العرقوة العليا و العرقوة السّفلى. قال: (قد طال ما حرمت نوء الفرغين).
(27) و أمّا الفرغ الثاني: و هو العرقوة السّفلى فكمثل الفرغ الأول، و قد يقال للفرغ الأول: ناهزا الدّلو المقدمان و للفرغ الأسفل: ناهزا الدّلو المؤخّران. و النّاهز الذي يحرك الدّلو ليمتلئ، و قالوا: يقصر القمر أحيانا فينزل بالكرب، و الكرب الذي وسط العراقي الأربع، و الكرب من الدّلو ما شدّ به الحبل من العراقي. و قالوا: ربما نزل ببلدة الثّعلب، و هو بين الدّلو و السّمكة من عن يمين المرفق.
(28) و أمّا الرّشاء و هو السمكة: فكواكب في مثل حلقة السّمكة، و في موضع البطن منها من الشّق الشّرقي نجم منير ينزل به القمر يسمّونه بطن السّمكة. و المنجّمون يسمّونه:
قلب الحوت. و يقال لما بين المنازل: الفرج. فإذا قصر القمر عن منزلة و اقتحم التي قبلها فنزل بالفرجة، بينما استحبّوا ذلك إلّا الفرجة التي بين الثّريّا و الدّبران، فإنّهم يكرهونها و يستخشونها، و يقال لها الضيّقة(1). قال:
فهلّا زجرت الطيّر ليلة جئتهتضيّقه بين النّجم و الدّبران
و سميّت ضيقة لضيقها عندهم، فإنّهم يتواضعون قصر ما بين طلوع النّجم و طلوع الدّبران. ذكر عن يزيد بن قحيف الكلابي، أنّه قال: ما بينهما إلا سبعة أيام و إنّما هذا نحو نصف ما قدر لما بين المنزلين.
قال أبو حنيفة: فهذا ما حكي لنا، و أمّا نحن فلم نجدها أقصر المنازل كلّها مدة في الطّلوع، و لا فرجة في المنظر، و أنّ الذي نير الطّرف و الجبهة لأقلّ من ذلك و لكن قد وجدناهما في الغروب عندهم متقاربين جدا، حتّى لا نكاد نثبت بينهما شيئا ما هو الآن إلا أن يسقط النّجم، فما يستقيم السّقوط حتّى يسقط الدّبران و أحسب الذي اشتهر أمرهما في
1) الضيقة منزل للقمر- قاموس.
هذا الباب حتى يوصفا من بين المنازل كلّها شهرتهما و كثرة استعمالهم إيّاهما، و لا سيما النّجم، فإن تفقدهم له شديد، و ذكرهم إيّاه كثير، و إذا لم يعدل القمر عن المنزل قيل: كالح مكالحة و المكالحة: مثل المكافحة كأنه إذا لاقاه دافعه من غير حاجز بينهما.
قال أبو الحسين الصّوفي هذا الذي يذكرونه في الضّيقة و أنّ القمر ربما قصر فنزل بها غلط، لأنّ كواكب الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور، و هذان الكوكبان في أربع و عشرين درجة و نصف منه، و بين الثّريّا و بينهما نحو تسع درجات، و أبطأ ما يكون سير القمر في يوم و ليلة، و أبعده نحو إحدى عشرة درجة، و إنّما سمّيت الفرجة التي بين الثّريّا و الدّبران الضّيقة، لأنهم يستعملون طلوعها و سقوطها في المغرب بالغدوات عند طلوع رقبائها، و ظهورها من تحت الشّعاع، و رقيب كلّ واحد منهما هو الخامس منه، و لا يستعملون طلوعهما. و وسط الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور و الدّبران في خمس و عشرين درجة منه و بينهما بدرجات البروج عشر درجات، لكنّ عرض الثّريّا في الشمال عن درجتها أربع درجات و دقائق. و عرض الدّبران في الجنوب خمس درجات.
و من شأن الكواكب الشّمالية أن تطلع قبل طلوع درجتها و تغيب بعد مغيب درجتها، و الجنوبيّة تطلع بعد طلوع درجتها، و تغيب قبل مغيب درجتها، فتطلع الثّريّا كذلك مع ثلاث عشرة درجة من الثّور بالتّقريب و يطلع الدّبران مع سبع و عشرين درجة منه، فيكون بين طلوع الثّريّا و طلوع الدّبران أربع عشرة درجة بالتّقريب، و تغيب الثّريا مع سبع عشرة درجة من الثّور لا تغيب بعد درجتها. و يغيب الدّبران مع ثلاث و عشرين درجة منه، لأنّه يغيب قبل درجة، فيكون بين مغيب الثّريّا و مغيب الدّبران ست درجات بدرجات البروج.
فلمّا وجدوا بين غروب الثّريّا و غروب الدّبران هذا القدر، سمّوا الفرجة بينهما بضيقة، و استخشوها و استخشوا الدّبران أيضا مفردا و تشاءموا به حتى قالوا: إنّ فلانا أشأم من حادي النّجوم، و يتشاءمون أيضا بالمطر الذي يكون بنوءه و يزعمون أنّهم لا يمطرون بنوء الدّبران إلّا و تكون سنتهم جدبة.
قال أبو زيد و قطرب جميعا: و هذه حكاية عن القشريين، قالوا: أوّل المطر الوسمي، و أنواؤه العرقوتان، المؤخّرتان من الدلو ثم الشّرط بتسكين الراء ثم الثّريّا و بين كلّ نجمين نحو من خمس عشرة ليلة ثم الشّتوي بعد الوسمي و أنواؤه الجوزاء ثم الذّراعان و نثرتهما ثم الجبهة و هو آخر الشّتوي و أوّل الدفيء، ثم الدفيء و أنواؤه آخر الجبهة، ثم الصّرفة و هي
فصل بين الدّفيء و الصّيف و أنواؤه السّماكان الأوّل الأعزل و الآخر الرّقيب، و ما بين السّماكين صيف أربعين ليلة. ثم الحميم و هو نحو من خمس عشرة ليلة إلى عشرين عند طلوع الدّبران و هو بين الصّيف و الخريف و ليس له نوء. ثم الخريف و أنواؤه النّسران، ثم الأخضر ثم عرقوتا الدّلو الأوليان و لكل مطر من الوسمي إلى الدّفيء ربيع.
و إنّما هذه الأنواء في غيبوبة هذه النّجوم. قالوا: فأوّل القيظ طلوع الثّريّا و آخره طلوع سهيل. و أوّل الصفريّة طلوع؟ و آخره طلوع السّماك. و في أول الصّفرية أربعون ليلة يختلف حرّها و بردها، و تسمّى المعتدلات. ثم أوّل الشّتاء طلوع السماك و آخره وقوع الجبهة، و أوّل الدفيء وقوع الجبهة و آخر الصّرفة، و أول الصّيف السّماك الأعزل و هو الأول و آخر الصّيف السّماك الآخر، الذي يقال له الرّقيب، و بينهما أربعون ليلة أو نحوها انتهت الحكاية.
قال ابن كناسة: أعلم العرب بالنّجوم بنو مارية من كلب، و بنو مرة بن همام من بني شيبان، و ذكر عنهم أنّ أول الأنواء الدّلو، و نوؤه محمود، و هو أوّل الوسمي ثم بطن الحوت و لا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه، ثم الشّرط محرك الراء و يثنّى و يجمع عرفها يونس و غيره و قال:
و لا روضة غنّاء غضّ نباتهايجود بشتياها لها الشّرطان
و قال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطيمن الرّبيع انقضّ أو دلوي
و قال ذو الرمة:
قرحاء حواء أشراطية و كفتفيها الرّباب و حفّتها البراعيم
قوله: حواء يريد هي من الخضرة سوداء، و جعلها قرحاء لأنوارها، جعلها كقرحة الفرس، و نوؤه محمود. ثم البطن و بعضهم يقول: البطين و نوؤه غير محمود، و لا مذكور، ثم الثّريّا و نوؤه مقدّم في الحمد، و روي عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إذا طلعت الثّريّا ارتفعت العاهة». و لذلك لا يقبل بالحجاز قول من ادّعى عاهة في ثمرة اشتراها بعد طلوع الثّريّا. ثم الدّبران و هو مكروه النّوء؛ ثم الهقعة و لا يذكر نوؤه منفردا، فهذه منازل كلّ الوسمي و هي خمسة فليس قبل الفرغ المؤخر وسمي، و لا بعد الثّريّا وسمي، و هي أوّل أنواء الخريف.
و سمّوا النّوءين الباقيين وليا، و هما الدّبران و الهقعة.
ثم أوّل الرّبيع و أنواؤه سبعة: الأربعة الأولى شتية و هي الهنعة و نوؤه لا يذكر، و الذّراع و نوؤه مقدم مذكور، و النثرة و نوؤه محمود، و الطّرف و نوؤه لا يفرد بالذكر، و الثّلاثة الباقية
دفيئة، و يقال الدثية و هما بمعنى كما يقال اللغام و اللثام، و سميّت بذلك لأنها في دبر الشّتاء.
و ابتداء الدفء و هي الجبهة و نوؤها من أذكر الأنواء و أشهرها و أحبّها إليهم و أعزّها فقدا.
و الزّبوة و قلّما يفرد نوؤه، و الصّرفة و غلبت أنواء الأسد عليها و إنما سمّيت صرفة لانصراف الشّتاء فهذه منازل كلّ الرّبيع.
ثم الصّيف و أنواؤه سبعة: فالخمسة الأولى منه صيف، و النوءان الآخران الباقيان حميم و سمّي حميما لأن أمطارها تجيء و قد تحرك الحر، فأوّلها العوّاء و بعض العرب يمدّه فيقول العواء، و نوؤها ليلة. ثم السّماك و نوؤه من الأنواء المذكورة المحمودة، و لذلك قال الشاعر: أجش سماكي كان ربابه، ثم الغفر و لا يذكر نوؤه و قيل لا يعدم نوؤه. ثم الزّباني، ثم الإكليل، ثم القلب، ثم الشّولة و أربعتها لا تذكر أنواؤها، و ربما ذكرت العرب مجملة، فهذا كلّه الصّيف.
ثم الخريف: و هو فصل القيظ و أنواؤه سبعة و الأربعة المتقدّمة رمضيّة و شمسيّة لشدّة الحر، و الثّلاثة الباقية خريفية، و أول أمطاره في كلام أهل الحجاز و تميم الحميم، فأوّله النعائم- ثم البلدة- ثم سعد الذّابح- ثم سعد بلع- ثم سعد السّعود- ثم سعد الأخبية. و هذه الستّة لا ذكر لأنوائها و لا مبالاة لأخواتها. و سمّيت خريفيّة لأنّها تجيء و الثّمار تخترف في أيّامها. ثم مقدم الدّلو و نوؤه من الأنواء المشهورة و يقال: الفرغ المقدّم أيضا لأنّها مقدّمة ما بين الوسمي و موطئ له و فرط، فهذه منازل كلّ الحميم.
و بعد هذه الأربعة ستة سعود متناسقة في جهة الدّلو، و ليست هي من المنازل. أوّلها سعد ناشره و هو أسفل من سعد الأخبية و يطلع مع الشّرطين. ثم سعد الملك، ثم سعد الهمام، ثم سعد البارع، ثم سعد مطر، و كلّ سعد منها كوكبان في رأي العين قدر ذراع كنحو ما بين سعود المنازل.
فربّما طلع النّجم ببلد في وقت و طلع في غير ذلك البلد، في وقت آخر، إمّا قبله و إمّا بعده بأيام، فهذان النّسران و هما النّسر الواقع، و قلب العقرب يطلعان معا بنجد، و يطلع النّسر الواقع على أهل الكوفة، قبل قلب العقرب بسبع. و يطلع قلب العقرب على أهل الدّبرة قبل النّسر بثلاث، و ربما طلع النّجم ببلد و لم يطلع ببلد آخر كسهيل، فإنّه يظهر بأرض العرب و باليمن و لا يرى بأرمينية، و بين رؤيته بالحجاز و رؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة، و بنات نعش تغرب بعدن و لا تغرب بأرمينية.
قال أبو محمد القتبي: بلغني أنّ كلّ بلد جنوبي فالكواكب اليمانية فيه تطلع قبل طلوعها في البلد الشّمالي. و كلّ بلد شمالي فالكواكب الشّامية فيه تطلع قبل طلوعها في البلد الجنوبي، و في الكواكب الشّامية ما يكون في اللّيلة الواحدة غروب من أوّلها في المغرب، و طلوع من آخرها في المشرق كالعيّوق و السّماك الرّامح و الكفّة و العوائذ و النّسر الواقع و الغوارس و الرّدف و الكف الخضيب، و مددها في ذلك تختلف، فمنها ما يرى كذلك أيّاما و منها ما يرى شهرا و منها ما يرى أكثر من شهر.
و إذا نزل القمر في استوائه ليلة أربع عشرة، و ثلاث عشرة بمنزل من المنازل فهو سقوط ذلك المنزل، لأنّ القمر يطلع من أوّل المشرق ليلة أربع عشرة مع غروب الشمس، و يغيب صبحا مع طلوع الشّمس، فيسقط ذلك النّجم الذي كان نازلا به. و قال ابن الأعرابي بين طلوع الثّريا مع الفجر و بين عوده إلى مثله ثلاث مائة و خمسة و ستون يوما و ربع يوم، فالقمر ينزل بها ثم بسائر المنازل يأخذ كلّ ليلة في منزل، فذلك ثمانية و عشرون منزلا ينزل بها القمر إذا كان كريتا، و يعود للنّجم الذي استهلّ به لتسع و عشرين، و إذا كان حثيثا تخطرف منزلة و الكريت: التّام، و الحثيث: الناقص، و ينزل لثمان و عشرين ليلة بمستهله، فمن ثم صار ما بين حول الأهلّة و بين حول طلوع الثّريّا مع الفجر إلى مثله فصل أحد عشر يوما و ربع يوم. قال و الخطر فيه أن يجعل الخطوتين خطوة، و المنزلتين منزلة، فربما استسر ليلة، و ربما استسر ليلتين أو نحوهما.
قد عرفتك فيما تقدم أنّ العرب تبدأ بالشّتاء بعد أن تجعل السّنة نصفين شتاء و صيفا ثم يقسم الشّتاء نصفين فتجعل الصّيف أوّله و القيظ آخره و أنّها تفارق سائر الأمم في تحديد الأوقات، فأوّل وقت الرّبيع الأوّل عندهم و هو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول، و أوّل الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، و أوّل الصّيف عندهم و هو الرّبيع الثّاني خمسة أيام، تخلو من حزيران، و الخريف عندهم اسم للمطر الذي يأتي في آخر القيظ من دون الزّمان. و ذكر المراد الفقعسي أنّه يكون حلول الشّمس بأعلى منازلها في شدة الحر، و ذلك إذا حلّت بأول السّرطان فقال شعرا:
إذا طلعت شمس النّهار فإنّهاتحلّ بأعلى منزل و تقوم
يريد أنّ الشّمس في منتهى صعودها في القيظ، فإذا طلعت حلّت بأوّل منها، و إذا انتصفت قامت على قمة الرأس. و هذا يدل على معرفتهم بحلول الشّمس رءوس الأرباع، و إن كان حساب فصولهم على غير ذلك.
و أمّا أصحاب الحساب فيحدّون فصول السّنة بحلول الشّمس بنجم من هذه النّجوم الثمانية و العشرين، و يجعلون لكلّ زمان من الأزمنة الأربعة سبعة أنجم منها. و يبدءون من الأزمنة بالفصل الذي تسمّيه العامة: الرّبيع و هو عند العرب الصّيف، و نجوم هذا الفصل الشّرطان و البطين و الثّريّا و الدّبران و الهقعة و الهنعة و الذّراع، و الشّمس تحل بالشّرطين بالغداة لعشرين ليلة تخلو من آذار فتسترهما و تستر المنزل قبلهما، فلا يزال الشّرطان مستورين بها إلى أن يطلعا بالغداة، لستّ عشرة ليلة تخلو من نيسان فيكون بين حلول الشّمس بها و طلوعها سبع و عشرون ليلة.
و إذا حلّت الشّمس برأس الحمل اعتدل اللّيل و النّهار، فصار كلّ واحد منهما اثنتي
عشرة ساعة يوما واحدا و ليلة واحدة، ثم يزيد النّهار و ينقص اللّيل إلى أن يمضي من حزيران اثنتان و عشرون ليلة، و ذلك بعد أربع و تسعين ليلة من وقت اعتدالهما فينتهي طول النّهار، و ينتهي قصر اللّيل، و ينقضي فصل الرّبيع، و يدخل الفصل الذي يليه و هو الصّيف، و دخول الصّيف بحلول الشّمس برأس السّرطان و نجومه النّثرة و الطّرف و الجبهة و الزّبرة و الصّرفة و العوّاء و السّماك.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة و النّهار في النّقصان إلى ثلاث و عشرين تخلو من أيلول، و ذلك ثلاث و تسعون ليلة، و عند ذلك يعتدل اللّيل و النّهار ثانية و يكون كلّ واحد منهما اثنتي عشرة ساعة، يوما واحدا و ليلة واحدة، و ينقضي فصل القيظ و يدخل فصل الخريف، و دخول فصل الخريف بحلول الشّمس رأس الميزان و نجومه الغفر- و الزّباني- و الإكليل- و القلب- و الشّولة- و النّعائم- و البلدة.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة و النّهار في النّقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول واحد و عشرون يوما، و ذلك تسع و ثمانون ليلة، و عند ذلك ينتهي طول اللّيل و ينتهي قصر النّهار، و ينقضي فصل الخريف، و دخول فصل الشّتاء بحلول الشّمس رأس الجدي و نجومه: سعد الذّابح- و سعد بلع- و سعد السّعود- و سعد الأخبية- و الفرع المقدّم و الفرع المؤخر- و بطن الحوت-. و يأخذ النّهار في الزّيادة و اللّيل في النّقصان إلى أن تعود الشّمس إلى رأس الحمل و يعتدل اللّيل و النّهار، و ينقضي فصل الشّتاء و ذلك تسع و ثمانون ليلة و ربع، فجميع أيام السّنة على هذا العدد ثلاث مائة و خمسة و ستون يوما و ربع، لا يتغيّر و لا يزول على مرّ الدّهر.
و قد بيّنا فيما مضى أنّ السيارات سبعة و أخبرنا أنها هي التي تقطع البروج و المنازل فهي تنتقل فيها مقبلة و مدبرة، لازمة لطريق الشّمس أحيانا و ناكبة عنها أحيانا، إمّا في الجنوب و إمّا في الشّمال، و لكلّ نجم منها في عدوله عن طريقة الشّمس مقدار إذا هو بلغه عاود في مسيره الرّجوع إلى طريقة الشّمس، و ذلك المقدار من كلّ نجم منها مخالف لمقدار النّجم الآخر.
فإذا عزلت هذه النّجوم السّبعة عن نجوم السّماء سمّيت الباقية كلّها ثابتة، تسمية على الأغلب من الأمر لأنّها و إن كانت لها حركة مسير فإنّ ذلك خفي يفوت الحس، إلّا في المدّة الطّويلة، و ذلك لأنّه في كلّ مائة عام درجة واحدة فلذلك سمّيت ثابتة.
و اعلم أنّ الطّلوع و الغروب، و تفصيل اللّيل و النّهار، و المشارق و المغارب قد قال اللّه تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [سورة الرّحمن، الآية: 17] و
بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ [سورة المعارج، الآية: 40] و المشرقان مشرقا الشّتاء و الصّيف، و كذلك المغربان مغرباهما، و المشارق مشارق الأيام، و هي جميعا بين المشرقين، و كذلك المغارب هي مغارب الأيّام و هي بين المغربين، فمشرق الصّيف مطلع الشّمس في أطول يوم من السّنة.
قال أبو حنيفة: و ذلك قريب من مطلع السّماك الرّامح، بل مطلع السّماك الرّامح أشدّ ارتفاعا في الشّمال منه قليلا. و كذلك مغرب الصّيف هو على نحو ذلك من مغرب السّماك الرّامح، و مشرق الشّتاء مطلع الشّمس في أقصر يوم من السّنة، و هو قريب من مطلع قلب العقرب، بل هو أشدّ انحدارا في الجنوب من مطلع قلب العقرب قليلا، و كذلك مغرب الشّتاء على نحو ذلك من مغرب قلب العقرب. فمشارق الأيّام و مغاربها في جميع السّنة بين هذين المشرقين و المغربين.
فإذا طلعت الشّمس من أخفض مطالعها في أقصر يوم من السّنة لم تزل بعد ذلك ترتفع في المطالع، فتطلع كلّ يوم من مطلع فوق مطلعها بالأمس، طالبة مشرق الصّيف فلا تزال على ذلك حتى تتوسّط المشرقين، و ذلك عند استواء اللّيل و النّهار في الرّبيع، فذلك مشرق الاستواء، و هو قريب من مطلع السّماك الأعزل، بل هو أميل منه قليلا إلى مشرق الصّيف من مطلع السمّاك الأعزل.
ثم تستمرّ على حالها من الارتفاع في المطالع إلى أن تبلغ مشرق الصّيف الذي هو منتهاه، فإذا بلغته كرّت راجعة في المطالع منحازة نحو مشرق الاستواء، حتّى إذا بلغته استوى اللّيل و النّهار في الخريف، ثم استمرّت منحدرة حتى تبلغ منتهى مشارق الشّتاء الذي هو منتهاه. فهذا دأبها، و كذلك شأنها في المغارب على قياس ما بيّناه في المطالع.
فأمّا القمر فإنّه يتجاوز في مشرقيه و مغربيه مشرقي الشّمس و مغربيها، فيخرج عنهما في الجنوب و الشّمال قليلا، فمشرقاه و مغرباه أوسع من مشرقي الشّمس و مغربيها، و إذا أهلّ الهلال في منزلة من المنازل أهلّ في الشّهر الثّاني في المنزلة الثّالثة، ثم لا يزال بعد مهلّه ينقل كلّ ليلة إلى منزلة، حتّى يستوفي منازله في ثمان و عشرين ليلة ثم يستسر، فلا يرى حتى يهلّ.
فربما كان حلوله المنازل بالمقارنة لها إمّا بالمجامعة، و إمّا بالمحاذاة من فوقها أو أسفل منها، و ذلك المكالحة، يقال: كالح القمر و ربّما قصر و اقتحم فنزل بالفرج و الفرجة ما بين المنزلين، و يقال له الوصل أيضا، و هو يغيب في ليلة مهلّه في أدنى مفارقته الشّمس لستّة أسباع تمضي من اللّيل.
ثم يتأخّر غروبه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع حتّى يكون غروبه في اللّيلة السّابعة نصف
اللّيل، و في ليلة أربع عشرة مع طلوع الشّمس، و يكون طلوعه فيها مع غروب الشّمس، و قد يتقدم ذلك أحيانا و يتأخّر على قدر تمام الشّهر و نقصانه ثم يتأخّر طلوعه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع ساعة، حتّى يكون طلوعه ليلة إحدى و عشرين نصف اللّيل، و يكون طلوعه ليلة ثمان و عشرين مع الغداة.
قال أبو حنيفة: و كلّ هذا تقدير على مقارنة، و لا يكون أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشّمس و بالعشي في المغرب خلف الشّمس في يوم واحد و لا يمكن ذلك، و لكن يمكن ذلك في يومين، فأما في ثلاثة فلا شك فيه، فإذا كان ذلك في يومين فهو حين يستسر ليلة واحدة و إذا كان في ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين.
و يبين ما يتصل بها من ذكر حلول الشّمس البروج الاثني عشر قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ [سورة الإسراء، الآية: 78] و قال ثعلب: يذهب العرب بالدّلوك إلى غياب الشّمس و قول الشّاعر شعرا:
هذا مقام قدمي رباحغدوة حتّى ذهبت براح
يدل على هذا و أصله أنّ السّاقي يكتري على أن يستقي إلى غيبوبة الشّمس و هو في آخر النهار يتبصّر هل غابت الشّمس، و قوله براح أي تجعل راحته فوق عينيه و يتبصّر، قال: و ما روي عن ابن عبّاس من أنه زوالها للشّمس يسلم للحديث، و غسق اللّيل ظلمته، فإذا زادت فهي السّدفة، و قال تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه و سلم: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [سورة الإسراء، الآية: 79] قال أبو العباس ثعلب: قوله نافلة لك: يريد ليس لأحد نافلة إلّا للنّبي صلى اللّه عليه و سلم لأنه ليس من أحد إلّا يخاف على نفسه، و النّبي صلى اللّه عليه و سلم قد غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، فعمله نافلة. فأمّا التّهجد فإنّه يجعل من الأضداد، يقال: هجد و هجد و تهجّد إذا صلّى بالنّهار، و هجد و هجد و تهجّد إذا صلّى باللّيل قائما و قاعدا و أنشد في النّوم قال:
هجدنا فقد طال السّرىو قدرنا أنّ خنا الدّهر غفل
أي نومنا، و أنشد ابن الأعرابي في النّوم:
و منهل من القطا مورودوردت بين الهبّ و الهجود
قال: الهجود: النّوم كأنه أتاه في السّحر و هو بين النّوم و الانتباه. و قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [سورة المزّمل، الآية: 1- 3] و قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [سورة المزّمل، الآية: 20] إلى قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [سورة المزمل، الآية: 20].
اعلم أنّه قد مرّ القول في شرح جوانب هذه الآي بما تقدّم في الباب الأوّل من هذا الكتاب و بقي تحديد الأوقات.
1- الحمل: تحديد الأوقات و ذكر البروج: فيقول: إذا حلّت الشّمس برأس الحمل فغربت، طلع السّماك الرّامح و زاغت الشّعرى العبور عن وسط السماء، و قارب أن يتوسّط الشّعرى الغميصاء فصار خطّ نصف النّهار بينهما، و خط نصف النّهار هو الآخذ من نقطة الجنوب إلى نقطة الشّمال، فعليه يكون زوال الشّمس و زوال جميع الكواكب مما صار بينه و بين الأفق الجنوبي، و بين سمت الرّأس، و عادتهم أن يسمّوه خط نصف النّهار.
و ما كان منه في الحاشية بين سمت الرّأس و بين نقطة الشّمال التي من عادتهم أن يسمّوه خط نصف اللّيل، و عليه يكون زوال الكواكب الشّمالية. فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّسر الواقع و قلب العقرب، و غرب النّاجذ و هو رجل الجوزاء و إذا كان نصف اللّيل طلع الرّدف و هو الكوكب الذي يسمّيه المنجمون ذنب الدجاجة، و طلع النّسر الطائر على أثره بقليل، و جنحت الشّعرى، و جنوحها أن تميل للغروب، و سقط العيّوق، و سقوطه غيبته، فإذا كان ثلث اللّيل قاربت الفكة أن تتوسّط السّماء و زاغ السّماك الرّامح عن وسط السّماء فأدبر، و الإدبار أكثر من الزّيغان، و ضجع الكوكب الفرد، فيصير على خط نصف اللّيل.
و إذا حلّت الشّمس بوسط الحمل فغابت طلعة الفكّة، و زاغت الشّعرى الغميصاء فأدبرت، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ قلب العقرب و النّسر الواقع. و استقلال الكوكب أن تراه قد ارتفع قدر القامة في رأي العين، و أكثر شيئا و غابت الشّعرى العبور قبل ذلك، و غاب المرزم، و هو يد الجوزاء، و جنح العيّوق، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ النّسر الطّائر و سقطت الغميصاء، و سقط العيّوق قبل ذلك، و توسّط السّماك الرّامح أو همّ بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل قلب العقرب بالتّوسّط و منكب الفرس بالطّلوع، و زاغت الفكة و جنح قلب الأسد.
2- الثور: فإذا حلّت الشّمس برأس الثّور فغابت، توسّط قلب الأسد و جنح رأس الغول و النّاجذ و الدّبران، و زاغ الفرد، فإذا كان ثلث اللّيل غاب العيّوق و قارب السّماك الرّامح أن يتوسط و قرب طلوع النّسر الطّائر، و طلع الرّدف، و إذا كان نصف اللّيل قاربت الفكّة أن تتوسّط، و زاغ السّماك الرّامح و جنح الفرد. فإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الكفّ الخضيب، و هي الكوكب الشّمالي من كوكب الفرع الثّاني، و غاب قلب الأسد، و زاغ قلب العقرب فأدبر.
و إذا حلّت الشّمس بوسط الثّور فغربت طلع النّسر الواقع و قد غاب الدّبران قبيل ذلك، و طلع العيّوق و قلب العقرب، و زاغ قلب الأسد فأدبر. فإذا كان ثلث اللّيل توسّط السّماك
و استقلّ النّسر الطائر، فإذا كان نصف اللّيل طلع منكب الفرس و توسّط قلب العقرب، و جنح قلب الأسد، و إذا كان ثلثا اللّيل استقلّت الكفّ الخضيب، و زاغ قلب العقرب فأدبر منصبّا و انصبابه: إمعانه في الزّيغان.
3- الجوزاء: فإذا حلّت الشّمس بأوّل الجوزاء فغربت استقلّ قلب العقرب و النّسر الواقع، و جنح العيّوق و غاب المرزم، فإذا كان ثلث اللّيل توسّطت الفكّة و همت و هي إذا توسّطت السّماء، فصارت على خطّ نصف اللّيل ببلد الدّينور، كانت على قمة الرّأس، سواء أعني أنّها تكون فوق رأس القلم، و قارب قلب العقرب التّوسّط و غاب الفرد، و إذا كان نصف اللّيل طلع الكفّ الخضيب و سقط قلب الأسد، و زاغ قلب العقرب فأدبر، و إذا كان ثلث اللّيل طلع رأس الغول و توسّط النّسر الواقع.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الجوزاء فغرب، طلع الرّدف و جنحت الغميصاء و قارب طلوع النّسر الطائر، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ قلب العقرب سقط قلب الأسد، و طلع منكب الفرس، فإذا كان نصف اللّيل قارب النّسر الطّائر التّوسّط و قارب قلب العقرب خطّ القبلة، فإذا كان ثلثا اللّيل زاغ النّسر الطّائر و أدبر النّسر الواقع، و إدباره أن يبعد عن خطّ نصف اللّيل، و طلع العيّوق و تبعته الثّريا و طلعت.
4- السّرطان: و إذا حلّت الشّمس بأوّل السّرطان فغربت توسّط السّماك الرّامح و استقلّ النّسر الطّائر، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّت الكفّ الخضيب و زاغ قلب العقرب فأدبر، فإذا كان نصف اللّيل زاغ النّسر الواقع و همّ النّسر الطّائر بالتّوسّط و طلع رأس الغول، و إذا كان ثلثا اللّيل طلع العيّوق و تبعته الثّريّا و همّ الرّدف بالتّوسّط، و غوّر قلب العقرب و تغويره: أن يقع في الغور فلا يلبث أن يغيب. و ضجع السّماك الرّامح، و ضجوعه أن يميل للمغيب و هو قبل التّغوير، و الجنوح قبل الضّجوع و الانصباب قبل الجنوح.
فإذا حلّت الشّمس بوسط السّرطان فغربت همّت الفكة و قلب العقرب بالتّوسّط، و غوّر الفرد، و إذا كان ثلث اللّيل توسّط النّسر الطّائر و طلع رأس الغول، و إذا كان نصف اللّيل طلع العيّوق و طلعت الثّريا على أثره، و زاغ النّسر الطّائر، و جنح قلب العقرب، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الدّبران، و غاب السّماك الرّامح.
5- الأسد: و إذا حلّت الشّمس بأوّل الأسد فغربت، طلع منكب الأسد و توسّط قلب العقرب، و ضجع قلب الأسد فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ رأس الغول، و توسّط النّسر الطّائر، و زاغ النّسر الواقع فأدبر، و إذا كان نصف اللّيل توسّط الرّدف و ضجع السّماك الرّامح، و غاب قلب العقرب، و إذا كان ثلثا اللّيل توسّط منكب الفرس و غوّرت الفكّة.
و إذا حلّت الشّمس بوسط الأسد فغربت، طلعت الكفّ الخضيب و زاغ قلب العقرب فأدبر، و غاب قلب الأسد، فإذا كان ثلث اللّيل طلع العيّوق و الثّريّا، و ضجع قلب العقرب، و قارب الرّدف التّوسّط، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ الدّبران، و قارب منكب الفرس أن يتوسّط. و إذا كان ثلثا اللّيل طلع النّاجذ، و توسّط الكفّ الخضيب و استقلّ المرزم.
6- السّنبلة: و إذا حلّت الشّمس بأوّل السّنبلة فغربت، استقلّ الكفّ الخضيب فإذا كان ثلث اللّيل طلع الدّبران و زاغ الرّدف، و غاب السّماك الرّامح، فإذا كان نصف اللّيل زاغ منكب الفرس، و غربت الفكّة و طلع المرزم، و إذا كان ثلثا اللّيل طلعت الشّعرى الغميصاء، و همّت الشّعرى العبور بالطّلوع.
و إذا حلّت الشّمس بوسط السّنبلة فغربت، قارب أن يطلع رأس الغول و قرب توسّط نسر الواقع، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ الدّبران و قارب منكب الفرس التّوسّط، و جنحت الفكّة، فإذا كان نصف اللّيل استقل النّاجذ و زاغت الكفّ الخضيب، و استقل المرزم، و إذا كان ثلثا اللّيل غاب النّسر الطائر و استقلّت الشّعريان، و جنح النّسر الواقع.
7- الميزان: و إذا حلّت الشّمس برأس الميزان فغربت، طلع رأس الغول و زاغ النّسر الواقع، فإذا كان ثلث اللّيل قارب المرزم الطّلوع، و زاغ منكب الفرس، و غابت الفكّة، فإذا كان نصف اللّيل طلعت الشّعريان و انصبّ النّسران، و انصبابهما: تدلّيهما للغروب، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع قلب الأسد و الكوكب الفرد بأثره و رأس الغول و غاب النّسر الواقع.
و إذا حلّت الشّمس بوسط الميزان، و غربت همّ العيّوق بالطّلوع و توسّط النّسر الطائر، فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّاجذ و استقلّ المرزم، و زاغت الكفّ الخضيب، فإذا كان نصف اللّيل استقلّت الشّعريان، و غاب النّسر الطّائر، فإذا كان ثلثا اللّيل استقلّ قلب الأسد و الكوكب الفرد، و توسّط الدّبران.
8- العقرب: و إذا حلّت الشّمس بأوّل العقرب فغربت، طلع العيّوق و تبعته الثّريا و زاغ النّسر الطّائر، و انصبّ السّماك الرّامح، و إذا كان ثلث اللّيل استقلّ النّاجذ، و قرب طلوع الشّعريين، و انصبّ النّسر الطّائر، و إذا انتصف اللّيل طلع قلب الأسد، و زاغ رأس الغول، و غاب النّسر الواقع، و إذا كان ثلثا اللّيل توسّط النّاجذ و زاغ العيّوق، و ضجع منكب الفرس و غاب الرّدف.
و إذا حلّت الشّمس بوسط العقرب، توسّط الرّدف و ضجع السّماك الرّامح فإذا كان ثلث اللّيل اقتربت الشّعريان، و اقترابهما دون الاستقلال، و ضجع النّسر الطّائر، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ قلب الأسد و الكوكب الفرد، و همّ الدّبران بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل همّت
الشّعرى العبور بالتّوسّط، و غاب الرّدف قبل ذلك، و زاغ المرزم، و انصبّت الكفّ الخضيب.
9- القوس: و إذا حلّت الشّمس بأوّل القوس فغربت، طلع الدّبران و غاب السّماك الرّامح اتفاقا، فإذا كان ثلث اللّيل توسّط رأس الغول، و همّ قلب العقرب بالطّلوع، فإذا كان نصف اللّيل همّ النّاجذ بالتّوسّط، و زاغ العيّوق قليلا، و غوّر الرّدف، فإذا كان ثلثا اللّيل أشخص السّماك، و إشخاصه: إقرانه، و هو نهوضه في المطلع قليلا، و توسّط الشّعرى الغميصاء، و زاغت العيّوق.
فإذا حلّت الشّمس بوسط القوس فغربت، توسّط منكب الفرس و غوّرت الفكّة، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ قلب الأسد، و قارب الدّبران التّوسّط، و طلع الفرد، فإذا كان نصف اللّيل زاغ المرزم، و غرب قبل ذلك منكب الفرس، و قاربت الشّعرى العبور التّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الفكّة.
10- الجدي: و إذا حلّت الشّمس بأوّل الجدي فغربت، طلع النّاجذ و استقلّ المرزم، و توسّطت الكفّ الخضيب، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ الدّبران، و همّ النّاجذ بالتّوسّط، و ضجع الرّدف، فإذا كان نصف اللّيل طلع السّماك الرّامح، و غابت الكفّ الخضيب، و همّت الشّعرى الغميصاء بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل همّ قلب الأسد بالتّوسط، و جنح رأس الغول و توسّط الفرد.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الجدي، فغربت، طلعت الشّعريان، و جنح النّسر الطّائر، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ المرزم، و غاب منكب الفرس، و غاب قبل ذلك الرّدف، فإذا كان نصف اللّيل طلعت الفكّة، و زاغت الشّعرى الغميصاء، فأدبرت فإذا كان ثلثا اللّيل همّ الهراران بالطّلوع و غاب النّاجذ و الدّبران و رأس الغول.
11- الدّلو: فإذا حلّت الشّمس بأوّل الدّلو فغربت، قارب رأس الغول التّوسّط، و استقلّت الشّعريان فارتفعتا فإذا كان ثلث اللّيل طلع السّماك الرّامح و غابت الكفّ الخضيب و زاغت الشّعرى العبور، فإذا كان نصف اللّيل قارب قلب الأسد التّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الهراران، و هما قلب العقرب و النّسر الواقع، و ضجعت الشّعرى العبور و المرزم.
و إذا حلّت الشّمس بوسط الدّلو فغربت أشخص قلب الأسد، و طلع الفرد، و قارب الدّبران التّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل طلعت الفكّة و زاغت الشّعرى الغميصاء، فأدبرت بعيدا، فإذا كان نصف اللّيل غاب رأس الغول، و رجل الجوزاء، و زاغ قلب الأسد، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الرّدف و غوّر العيّوق.
12- الحوت: و إذا حلّت الشّمس بأوّل الحوت فغربت، زاغ الدّبران و توسّط العيّوق، و غوّر الرّدف، و همّ النّاجذ بالتّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل قارب الأسد التّوسّط، و استقلّت الفكة فارتفعت، فإذا كان نصف اللّيل طلع الهراران و جنحت الشّعرى اليمانية، فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّسر الطّائر و غوّرت الشّعرى الغميصاء، و غاب العيّوق.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الحوت فغربت، زاغ المرزم، و غاب منكب الفرس قبل ذلك، و همّت الشّعرى العبور بالتّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ قلب الأسد، و غوّر رأس الغول، و رجل الجوزاء، فإذا كان نصف اللّيل غاب المرزم و الشّعرى العبور قبيل ذلك، و استقلّ النّسر الواقع، و قارب طلوع الرّدف، فإذا كان ثلثا اللّيل توسّط السّماك الرّامح و استقلّ النّسر الطّائر.
اعلم أنّ جميع أمطار السّنة ثمانية أصناف، و هي الوسمي- و الولي- و الشّتي- و الدّفيء- و الصّيف- و الحميم- و الرّمضي- و الخريفي- و لكلّ صنف منها وقت عرفته العرب بمساقط منازل النّهار الثّمانية و العشرين التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه فقال: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [سورة يس، الآية: 39] و بالبروج الاثني عشر لأن كلّ برج منزلان و ثلث من هذه الثمانية و العشرين، و ذلك حكم منهم على مناجعهم و مزالفهم بالتّجارات، و هو إلى الآن على ذلك، و إن كان كثير من أطراف الأرض و أوساطها يختلف، فقد قيل: إنّ أهل اليمن يمطرون في الشّتاء و يخصبون في الصّيف.
قال أبو حنيفة: إذا أحببت أن تستيقن ذلك فانظر إلى زمان مدّ النّيل، فإنّه في صميم القيظ، و إنّما يمدّ من أمطار البلاد التي منها يقبل، و قال بعض أصحاب الخليل، و قد صنّف أبواب الانتفاع بالمطر: إنّ من المغرب من مطره الذي يغيثه و ينفعه الخريف، و يكون أكثر مطرهم و أغزره و أنفعه لهم.
و قال أكثرهم: إنّ مطر الرّبيع ضارّ، و هم أهل اليمن و من يليهم من تهامة. و منهم من يحسبه الوسميّ، و هو مطر الشّتاء، و مجيئه الرّبيع، و يكون الخريف ضارا يفسد كلأهم و يلبده، و هم أهل العراق و من قاربهم من نجد، و منهم من يصيبه مطر السّنة كلّها و هم أهل نجد الذين تاخموا نجدا، أي حاذوهم، و أهل العراق، و من قاربهم من الشّام و نجد، و ما بينهما و بين خراسان مطرهم الشّتوي و الرّبعي، و مطر اليمن و ما قاربها من تهامة الصّيفي، و الخريفي. قال: و من تهامة و نجد ما تعمّه هذه الأمطار كلّها، و كذلك طبرستان- و الدّيلم- و أرمينية- و جبلان- و جبل القيق. و العرب تقول: إنّه ما اجتمع مطر الثّريا في الوسميّ و مطر الجبهة في الرّبيع إلّا كان تامّ الخصب ذلك العام، كثير الكلأ.
و هذا كما حكوا عن الحرم أنه إذا أصاب المطر الباب الذي من شقّ العراق كان الخصب في تلك السّنة بالعراق، و إذا أصاب شقّ الشّام كان الخصب و المطر في تلك السّنة بالشّام، و إذا عمّ جوانب البيت كان المطر و الخصب عاما في البلدان.
و اعلم أنّه كما أنّ لكلّ نجم نوء فله بارح أيضا و هي البوارح و هي الرّياح. و العرب تقول: فعلنا كذا أيام البوارح، و هي رياح النّجم- و الدّبران- و الجوزاء- و الشّعرى- و العقرب- و أنشد الأصمعيّ:
أيا بارح الجوزاء مالك لا ترىعيالك قد أمسوا مراميك جوّعا
و قال آخر شعرا:
أ يذهب بارح الجوزاء عنّيو لم أذعر هوامك بالسّنار
و قال آخر شعرا:
أيا بارح الجوزاء مالك لا تجيو قد فني مال الشّيخ غير قعود
و أحبّوا أن تهبّ رياح الجوزاء حتى إذا طردوا إبلا و سرقوها عفت الرّياح آثارها و آثارهم، فأمنوا أن يقتفى أثرهم، و اسم ما يحدث من ريح أو حر بارح على التّشبيه بالبارح من الوحش، لأنه قد يطلع مما يلي شمال النّاظر، و يأخذ على يمينه كالوحش.
و قال أبو حنيفة: زعم قوم لا معرفة لهم باللغة، أنّ البارح ضدّ النوء، و أنّه طلوع الرّقيب فيقولون: برح الكوكب: إذا طلع، قالوا و ذلك لأنه ييامن البيت الحرام إذا طلع و يياسره إذا غرب، و إن قال: خذ من يمينك إلى يسارك فهو بارح. و الذي قالوه ليس بمدفوع، لكنا لم نجد العلماء يعرفون ما قالوه في الكوكب، و لا رووا ذلك عن العرب، قال أبو زيد: البارح: الشّمال الحارة يكون في الصّيف. و قال الفرّاء: البوارح: الرّياح الصّيفية، و سمّيت بذلك لأنّها هي السّموم التي تأتي من الشّمال، و أنشد لذي الرّمّة شعرا:
تلوث على معارفنا و نرميمحاجرنا شآمية سموم
و قال أبو عمرو: و هي ريح السّموم، و قال يزيد بن القحيف: البارح: شدّة الرّيح في الحرّ، و قال مرار في صحة ما قالوا شعرا:
تراها تدور لغيرانهاو يهمجها بارح ذو عما
يهمجها: يرمي بها في كنسها، و هي غيرانها، و جعلها ذا عماء لعرئه و العماء أصله في السّحاب، و قال الأخطل شعرا:
شرقن إذ عصر العيدان بارحهاو أيبست عن مجرى السّنة الخضر
يقول: جفّ كلّ شيء أخضر فلم يبق إلّا من درع يسقى. و السّنة سنة الحراث، و مجرى السّنة الحرث، و قال بعضهم: قيل له بارح: لأنه يبرح بالتّراب أي يذهب به، و قيل أيضا: البارح البين، كما يقال برح الخفاء إذا بان بما كان يخفى. و يجوز أن يكون من البرح، و هو الشّدة لما كان ينسب البرد و الأمطار و السّموم و الحرور إلى نوئه معه. و منه البرح و برحين و بنات برح و بنت برح. و قال أبو زيد: إذا هبّت الجنوب بعد دوام الشّمال في ذلك فرسخ أي راحة و فرجة. و الرياح أربع بإجماع من الأمم. و إنّما اختلفت باختلاف مهابّها في أقطار الأرض الأربعة، و هي: مطلع الاستواء- و مغربه- وجهة القطب الجنوبي- وجهة القطب الشمالي، فالتي تهبّ من مغرب الاستواء هي الغربية و تسمّى الدّبور، و هي التي سمّاها اللّه عقيما.
و قال النّبي صلى اللّه عليه و سلم: «نصرت بالصّبا و أهلكت العاد بالدّبور» و التي تهبّ من جهة القطب الجنوبي هي الجنوب و تسمّى الأزيب. و النّعامي و هي تهبّ من جهة القطب الشّمالي و تسمى الشّمال، و هي الجريباء، و محوة لأنّها تبدّد السّحاب و تمحوه، و نسعا و مسعا و هي الشّامية.
و قال ابن الأعرابي: مهبّ الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثّريا، و مهبّ الصّبا من مطلع الثّريا إلى بنات نعش، و مهب الشّمال من بنات نعش إلى مسقط النّسر الطائر، و مهبّ الدّبور من مسقط النّسر الطائر إلى مطلع سهيل، و الجنوب و الدّبور لهما هيف و هو الرّياح الحارة الصّيفية، و الصّبا و الشّمال لا هيف لهما. و العرب تجعل أبواب بيوتها حذاء الصّبا و مطلع الشّمس.
و قال الأصمعي: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر و ما بإزائها ممّا يستقبلها شمال و ما جاء من وراء بيت اللّه الحرام، دبور، و ما كان قبالة ذلك فهو صبأ و قال غير الأصمعي و ابن الأعرابي: الجنوب التي تهبّ عن يمين القبلة شتاء و الصّبا بإزائها، و قالوا كلّهم كلّ ريح تهبّ بين مهبي ريحين فهي نكباء، لتنكّبها عن المهاب المعروفة، و الجمع نكب، و تميل في طبعها إلى الرّيح التي في مهبها أقرب إليها.
و قال أبو زيد: النّكباء التي لا يختلف فيها: هي التي بين الصّبا و الشّمال و النّكباء ذات ثمان، لأنّ بين كلّ ريح و أختها ريحين، و كلّ واحدة إلى جنب صاحبتها و هبوبها في أيام الشّتاء أكثر، و من رياح الشّتاء الحرجف و البليل، و من رياح الصّيف الهيف و السّموم و الحرور، فإن هبّت ليلا في ابتداء الرّبيع فهي الخاسة. و سيجيء القول في أجناس الرّياح مستقصى في موضعه، و اللّواقح تهبّ في الربيع لا غير، و هي الجنوب، و الصّبا و الشّمال و تسمّى المستثابات، و معناه المستنقعات من الثّواب، و يجوز أن يكون المسئولات النؤب
أي الرّجوع. و روى ابن الأعرابي أنه قلّ ما تهبّ الشّمال إلا و إذا جاء اللّيل ضعفت أو سقطت و لذلك قالوا في أحاديثهم: إنّ الجنوب قالت للشّمال إنّ لي عليك فضلا أنا أسري و أنت لا تسرين، فقالت الشّمال: إنّ الحرة لا تسري باللّيل و هذا كما ترى.
و قال أبو زيد: إنّ أكثر هبوب الشّمال باللّيل، و أنه قلّما ينتفج من الرّياح باللّيل إلا الشّمال، و ربما انتفجت على النّاس بعد نومهم، فتكاد تهلكهم بالقرّ من آخر ليلهم و قد كان أوّل ليلهم دفيئا، و هذا الخلاف فيما أتين لاختلاف البقاع، و تفاوت الأزمان و اللّه أعلم.
و أنشد الأصمعي يصف النّساء:
تصيّفن حتّى أوجف البارح السّفاو نشّت جراميد اللّوا و المصانع
فالمصانع و إيجاف البارح السّفا: مرّ به على وجه الأرض، و هو من الوجيف و هو السّرعة، و السّفا ما تساقط من يبيس البقل، و قال أيضا:
ألفن اللّوى حتّى إذا البروق ارتمىبه بارح راح من الصّيف شامس
و البروق من دفيء النّبت، و في المثل: أشكر من البروق، لأنّه ينبت بالغيم و الرّاح الشّديد من الرّيح، و يشبه هذا قوله:
أقمن على بوارح كلّ نجمو طيّرت العواصف بالتّمام
و البارح مذكّر، و إن كانت الرّيح مؤنّثة.
قال أبو حنيفة: قد حكى بعضهم أنّ العرب كانت تقول لا بدّ لنوء كل كوكب من أن يكون فيه مطر أو ريح أو غيم أو حر- أو برد- ثم كانوا ينسبون ما كان فيه إليه، و الأعمّ الأشهر أنّ الأمطار مقصور ذكرها على الأنواء خاصة. فما يكاد يسمع بشيء منها منسوبا إلى طلوع و لا يحفظ، و أما البوارح فأكثر الأمر فيها أن ينسب إلى طلوع نجوم الحرّ خاصة لأنها رياح الصّيف، و ربّما نسب شيء منها إلى النّوء و ذلك قليل.
و قال ذو الرمة:
حدا بارح الجوزاء أعراف مورهبها و عجاج العقرب المتناوح
الأعراف: الأوائل، المور: الغبار و أراد بعجاج العقرب: عجاج بارح العقرب كقوله:
شفّها هبوب الثّريا و التزام التنائف، أراد هبوب بارح الثّريا فهذا ذكر البوارح.
و اعلم أنّ لكلّ برج و منزل رقيبا من المنازل و البروج، فرقيب كلّ برج البرج السّابع، و رقيب كلّ منزل المنزل الخامس عشر، و معنى الرّقيب الذي في غروبه طلوع الآخر، و هو مأخوذ من المراقبة، لأنه يراقب بالطلوع غروب صاحبه. قال شعرا:
أ حقّا عباد اللّه أن لست لاقيابثينة أو تلقى الثّريّا رقيبها؟!
و المعنى لست لاقيها أبدا، لأنّ هذا لا يكون أبدا، و كيف يلقيان و أحدهما إذا كان في المغرب كان الآخر في المشرق؟ و قال:
قدورهم تغلي أمام قبابهمإذا ما الثّريا غاب قصرا رقيبها
فمراقبة الأبراج للأبراج و المنازل للمنازل، على ما ذكرناه، و من هذه البروج ما يشاكل اسمه صورته كالعقرب و الحوت، و منها ما لا يشاكل اسمه صورته، و البروج الاثنا عشر سمّي بعضها بأسماء. فالحمل يسمّى: الكبش، و الجوزاء: التّوأمين، و السّنبلة: العذراء، و العقرب: الصّورة، و القوس: الرّامي، و الحوت: السّمكة. و يسمّى أيضا الرّشاء، و لكلّ برج منزلان و ثلاثة من منازل القمر، حتّى يستوفيها. فالحمل رقيبه الميزان، و الثّور رقيبه العقرب، و الجوزاء رقيبه القوس، و السّرطان رقيبه الجدي، و الأسد رقيبه الدّلو، و السّنبلة رقيبه الحوت.
و المطالعة هو أن يطلع نجمان معا، أو متقاربين، و لا يكون ذلك في نجوم الآخذ و لا يطلع نجمان منها معا، و لكن يكون في غيرها، و فيها مع غيرها و ذلك كمطالعة الثريا بالعيّوق و لذلك يقول شاعرهم:
فإن صديا و المدامة ما مشىلكالنّجم و العيّوق ما طلعا معا
و مطالعة الشّعرى الغميصاء الشّعرى العبور، و مطالعة الأعزل للرّامح، و مطالعة النّسر الطّائر للعنا، و مطالعة الجبهة سهيلا، فإن كلّ نجم إذا طلع معه الآخر أو قريبا.
و أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى:
و صاحب المقدار و الرّديفأفنى الوفا بعد ألوف
الرّديف النّجم الذي إذا نأى من المشرق انغمس رقيبه في المغرب، و إنما يعني أن تعاقب النّجوم على مرّ الدّهور و لا يبقى أحد.
حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: سألت أعرابيّا فصيحا فقلت: ما الأشهر الحرم؟
فقال: ثلاثة سرد، واحد فرد. قال ثعلب: فالسّرد المتتابعة و هو ذو القعدة- و ذو الحجة- و المحرّم- و الفرد: رجب. و هذا قول ابن عباس و يكون من سنتين، و قال غير ابن عباس:
هي من سنة واحدة فعددها المحرّم و هو أوّلها- و الثّاني: رجب- و الثّالث: ذو القعدة- و الرّابع: ذو الحجّة. و احتج هذا بأنه قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [سورة التوبة، الآية: 36] يعني من الاثني عشر، فجعلها من سنة واحدة.
قال ثعلب: و الاختيار عندي قول ابن عبّاس و هو كلام العرب، و إن كان لفظها من سنتين فهي تعود إلى الاثني عشر إلى سنة واحدة، و روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «دخلت العمرة في الحج» أي في أشهر الحج و لم تكن العرب تعرف العمرة في أشهر الحج، بل كانت العمرة فيها عندهم من أفجر الفجور، و كانوا يقولون: إذا انسلخ صفر، و نبت الوبر، و عفا الأثر، و برأ الدّبر، حلّت العمرة لمن اعتمر. فلمّا اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في أشهر الحج دخلت العمرة في الحج، أي في أشهرها، و روى سفيان بن عيينة أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كتب لآل حزم: «إنّ العمرة الحج الأصغر»، فدلّ كلامه على أن ثمّ أكبر.
و روي عن عطاء أنه قال: من اعتمر ثم مات و لم يحج أجزأت عنه حجة الإسلام، يذهب إلى قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [سورة آل عمران، الآية: 97] و روي عن عليّ كرّم اللّه وجهه: الحجّ الأكبر يوم النّحر، محتجّا بقوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [سورة التوبة، الآية: 2] و هي عشرون من ذي الحجّة- و المحرّم- و صفر- و شهر ربيع الأوّل- و عشر من ربيع الآخر- قال: فلو كان يوم عرفة لكان أربعة أشهر و يوما، و كان ابن عباس يقول: الحج الأكبر يوم عرفة، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، خرج مهلّا بالحج و يقول
بعضهم: خرج لعمرة، و قال بعضهم؛ خرج قارنا و إنما خرج ينتظر أمر اللّه، و علم اللّه أنّها حجة لا يحج بعدها فجمع ذلك كلّه له في شهر واحد، ليكون جميع ذلك سنّة لأمّته، فلمّا طاف بالبيت ثم رأى أن يجعلها عمرة، و حبس من كان معه على هدي، لقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [سورة البقرة، الآية: 196] فجمعت له العمرة و الحج.
و قد قال قوم: إنّ الأربعة الحرم هي التي أجّلها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم للمشركين فقال:
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [سورة التوبة، الآية: 2] و هي شوّال- و ذو القعدة- و ذو الحجّة- و المحرّم. ثم قال: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [سورة التوبة، الآية: 5] و قال: إنّ الأربعة التي جعلت حلّا من عشر ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر، و جعلها حرما، كما قال: مكّة حرم إبراهيم، و المدينة حرمي. و روي أيضا أنه حرم ما بين لابتي المدينة يعني حرّتيها، و في آخر حرم ما بين عير إلى ور و هما جبلان. فأما قوله تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [سورة البقرة، الآية: 197] فإنه يريد أوقات الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر. و هذا خطاب يدلّ على معرفة العرب بشهور معلومة كانوا فيها يحجّون، فأقرّ اللّه أمرها في الإسلام على ما كانت عليه و دعا إلى إقامة الحجّ فيها.
و اعلم أنها أوقات الحجّ دون غيرها، و أنّ من فرض على نفسه فيها الحجّ فمن السنة أن يترك الرّفث و الفسوق و الجدال، و معنى فرض الرّجل على نفسه الحج إهلاله به، و الإهلال التّلبية، و أصله رفع الصوت. و روي عن الشّعبي و ابن عمر أنّها شوّال- و ذو القعدة- و ذو الحجة- و قال بعضهم: له من ذي الحجّة عشر ليال، فكأنّه جعل الشّهرين و بعض الثّالث أشهرا، و هذا في القياس قريب لأنّه كما جاز أن يسمى الشّهر ذا الحجّة، و إن كانت الحجّة في بعض أيّامه، كذلك يجوز أن يسمّى شهر الحجّ، و إن لم يكن جميع أيّامه مصروفا إليه.
و حكي عن ابن عبّاس أنه قال: الأيام المعدودات أيام التّشريق، و الأيّام المعلومات الأيام العشرة من أوّل ذي الحجّة. و قال عطاء: الأيام المعدودات أيام منى و يوم التّروية، سمّي بذلك لأنّهم كانوا يتروّون من الماء، و يتزوّدونه معهم، و يوم عرفة لا يدخله الألف و اللام، و إنّما سمّي عرفة و عرفات، لأنّ من حضرها كانوا يتعارفون بها. و قال بعضهم: بل لأنّ جبرائيل عليه السّلام طاف بإبراهيم صلوات اللّه عليه يديره على المشاهد، و يوقفه عليها، و يقول له: حالا بعد حال عرفت عرفت، و العروف الحدود، و الواحد عرفة. و قيل: سمّيت عرفة بذلك كأنّه عرف حدّه لتميزه عن غيره من الأرضين، و لكونه معرفة امتنع من دخول الألف و اللّام عليه. و حكي؛ طار القطا عرفا عرفا، بعضها خلف بعض.
و أمّا الأعراف: فكل موضع مرتفع عند العرب و منه قوله تعالى: وَ عَلَى الْأَعْرافِ
رِجالٌ [سورة الأعراف، الآية: 46]، و لا يمتنع أن يكون عرفة و عرفات مشتقا من جميع ذلك و التّعريف: الوقوف بعرفات، و تعظيم يوم عرفة إن نصب الضالة فتنادي عليه و إن سمّيت رجلا بعرفات صرفته، و لم يكن التاء فيه كالتاء من عرفة لو سمّيت بها، و ذلك أنّ التاء من عرفات بإزاء النّون في المسلمين، إذ كان هذا الجمع من المؤنث بإزاء جمع المذكّر الصّحيح، و لذلك لمّا كان ذاك في موضع النّصب و الجر بالياء، جعل هذا في موضع النّصب و الجر بالكسرة، لأنّ الكسرة أخت الياء، فلمّا كان الأمر على ذلك لم يكن كالتّاء التي يبدل منها في الوقف هاء كالتي في طلحة و عزّة، و كان يمتنع الصّرف في المعرفة. و في القرآن:
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [سورة البقرة، الآية: 198] فصرفه و إن كان معرفة.
و مشاعر الحجّ واحدها مشعر و هو في موضع المنسك، و كذلك الشّعيرة من شعائر الحجّ، و هي علاماته و أفعاله المختصة به، كالسّعي و الطّواف و الحلق و الذّبح، و كلّ ذلك يجوز أن يكون من شعرت، و ليت شعري، فيرجع إلى العلم كما أنّ عرفة و عرفات في تصاريفه يرجع إلى المعرفة، و في القرآن: وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [سورة الحج، الآية: 36] و قال الخليل: يقال: أشعرت هذه البدنة للّه نسكا أي: جعلتها شعيرة تهدى، قال: و قال بعضهم: إشعارها أن يوجأ سنامها بسكّين فيسيل الدّم على جنبها فيعلم أنّها هدي. أو يعلّم بعلامة تشدّ في سنامها. و كره قوم من الفقهاء تدميتها، و قالوا: إذا قلّدت فقد أشعرت.
و قوله تعالى: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [سورة التوبة، الآية: 3] قيل: هو يوم النّحر، و قيل:
هو يوم عرفة و كانوا يسمّون العمرة: الحج الأصغر.
و يوم النّحر: سمّي به لأنّهم كانوا ينحرون البدن.
و يوم القر: بعده، و هو الذي يسميه العامة يوم الرّءوس، و سمّي بذلك لأنّ الناس يستقرون فيه بمنى لا يبرحونها.
و يوم النفر: سمّي به لأنّ النّاس ينفرون فيه متعجلين.
و يقال: عيد الفطر، و عيد الإفطار، و عيد الضّحى و العيد أصله من عاد يعود لعوده كلّ سنة، لكن واوه انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، ثم جعل البدل لازما حتى كأنّه اسم وضع لليوم، لا مناسبة بينه و بين المشتق منه، و هم يفعلون مثل هذا إذا أرادوا التّخصيص، لذلك قيل في تصغيره: عييد، و في جمعه: أعياد و لم يجر مجرى قوله: ريح و رويحة و أرواح،
و مما يشبه هذا قوله: يا دارميّة بالعلياء فالسّند هو من العلو، فقلب الواو ياء، و قوله: فما أمّ خشف بالعلاية مشدن. مثله و ليس قبل واحد منهما ما يوجب القلب، لكنهم يفعلون ذلك كثيرا في الأعلام و ما يجري مجراها، و قد قالوا: الشكاية و حبيت الخراج حباوة و نحو منها، ما حكاه سيبويه من القواية قال عمرو بن براقة:
و مال بأصحاب الكرى عالياتهافإنّي على أمر القواية حازم
و هو فعالة من القوة، و أصلها قواوة و كأنّه كره اكتناف الواوين للألف.
و الأضحى، إذا ذكّر: يراد به اليوم، و إذا أنّث أريد به السّاعة، و التأنيث أجود.
و يقال: دنت الأضحى، و قيل: سمّيت الأضحية لأنها تذبح ضحوة.
و الفطر: من فطرت النّاقة إذا حلبتها فانفتحت رءوس أخلافها لأنّ الأفواه تنفتح بالأكل و الشّرب، و يقال: أضحاة و أضحى و ضحية و ضحايا و الأضحى يذكّر و يؤنّث، فمن ذكّر ذهب إلى اليوم، و أنشد الأصمعي:
رأيتكم بني الحدواء لمّادنا الأضحى و صلّلت اللّحام
و أنشد الثوريّ في تأنيثه:
قد جاءت الأضحى و ما لي فلسو قد خشيت أن تسيل النّفس
و قال هشام بن معاوية: حكى الأصمعيّ: أضحاة و سمّي الأضحى بجمع أضحاة فأنّث لهذا المعنى و جاء في الحديث: «على كلّ مسلم عتيرة و أضحاة». و قال هشام: التأنيث في الأضحى أكثر من التّذكير، و جمع الأضحية أضاحي، و جمع الضّحية ضحايا.
و أيّام التّشريق سمّيت بذلك لأن لحوم الأضاحي تشرق للشّمس، و قيل: بل سمّيت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير، و قال ابن الأعرابي: سميت بذلك لأنّ الهدي لا ينحر حتى تشرق الشّمس.
و قال أحمد بن يحيى: أنا أذهب إلى أنّ الأيام المعلومات في الأيام المعدودات لأنه جاء في كتاب اللّه تعالى: وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ [سورة الحج، الآية: 28] فدلّ على أنّها أيام نحر.
و يوم عاشوراء في المحرّم، و يقول الفقهاء: يوم عاشوراء التّاسع من المحرم، و حكى بعضهم أنّه سئل النّضر بن شميل عن التّشريق، فقال: هو من قولهم أشرق ثبير: أي لتطلع الشّمس، و قيل: أيام التّشريق: لأنّهم يشرقون اللّحم، قال: فقلت له: إنّ وكيعا حدّثنا عن
شعبة عن سيار عن الشّعبي قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا ذبح إلّا بعد التّشريق» فقال وكيع:
التّشريق الصلاة، قال: هذا حسن. قال النّضر: و قد جاء في الحديث: «لا جمعة و لا تشريق إلّا في مصر جامع»، و التّفسير موافق للحديث، فأما قول أبي ذؤيب بصفا المشرّق كلّ يوم يقرع. فقد حكى عن أبي عمرو الشّيباني أنّه أنشد بصفا المشقّر فأنكره، و قال: المشقّر حصن بالبحرين، و الصّفا موضع، فما لأبي ذؤيب و البحرين، إنّما هو المشرّق، و كان ابن الأعرابي يرويه المشقّر، و حكي عن الأصمعي أنّه أنشد كلّ يوم، فقال اللّه أكرم من ذاك هو:
كلّ حين. ذهب الأصمعيّ إلى أنّ الحج يقال: كلّ سنة لا كلّ يوم، و الحين يقع في كلامهم على المدة الطويلة و السّنين الكثيرة. و قال الأصمعي: المشرّق المصلّى، و مسجد الخيف هو المشرّق. و قال شعبة بن الحجّاج: خرجت أقود سماك بن حرب في يوم عيد، فقال: امض بنا إلى المشرّق يعني المصلّى. و قيل: يعني مسجد العيدين، و قال أبو عبيدة: المشرّق سوق الطائف، و قال الباهلي: جبل البرام.
فأما الصلاة الوسطى: فقد اختلفوا فيها: فروي عن عليّ كرّم اللّه وجهه أنّه الفجر، و قال غيره: هي العصر، و قد جاء القرآن في توكيد أمر الفجر بما يصحح قول عليّ فيه، قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: 78] و كلتا الصّلاتين متوسطة لسائر الصّلوات، فإذا جعلت صلاة الفجر الوسطى فهي بين صلوات اللّيل و النهار و النّهار: الظّهر و العصر، و اللّيل العشاء أن الأولى و الآخرة. و إذا جعلت العصر هي الوسطى: فهي متوسّطة بين الفجر و الظّهر من صلاة النّهار. و العشاءين الأولى و الآخرة من صلوات اللّيل، و قوله تعالى: الصَّلاةِ الْوُسْطى [سورة البقرة، الآية: 238] مؤكد للدلالة على أنّ الصلوات المفروضات خمس، لا زيادة فيها، و يزيل التّأويل فيما ذهب إليه بعض المتفقهة من فرض الوتر، بالخبر المرويّ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنّ اللّه زادكم صلاة و هي الوتر» و قد يزيد اللّه النّاس مما يدعوهم إليه من أعمال البر مما هو فضيلة لفاعله، و نافلة للمتقرّب به و لا يكون في قوله: «زادكم صلاة» ما يوجب الفرض، و لو كان الوتر فريضة لكانت عدة الصلاة المفروضات ستا، و السّتّ لا أوسط لها، و لا وسطى، و إنّما الوسط للإفراد، لأنّها تكون منها واسطة و حاشيتان متساويتان، كالخمس فإنّها اثنان في أحد الطّرفين، و اثنان في الآخر، و واحد في الوسط، و يجوز أنّ يكون معنى الوسطى: العظمى و الكبرى، يراد بذلك فضل محلّها، و زيادة ثوابها و اللّه أعلم أيّ الوجهين هو المراد. و قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ [سورة البقرة، الآية: 194] يقول: حرمة الشّهر تجب على الفريقين في الكفّ عن
القتال لكنّ الكافر إذا اعتدى، فليس على المؤمن أن يقبض يده، و يلقي بها إلى التّهلكة، بل إذا قوتلوا في الأشهر الحرم كان مطلقا لهم، و مفروضا عليهم قتالهم فيها.
و قوله تعالى: الْحُرُماتُ قِصاصٌ [سورة البقرة، الآية: 194] معنى القصاص: أن تفعل بصاحبك مثل الذي هو فعل بك، فإذا قاتلت الكافر في الشّهر الحرام كما قاتلك فقد قاصعته و فعلت مثل فعله، و قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [سورة البقرة، الآية: 194] معناه: جازوه جزاء الاعتداء، فسمّى الجزاء باسم الاعتداء، طلبا للمطابقة في اللّفظ، و إيذانا بأنّ الثّاني كالفرض المؤدّى، فالمواصلة فيه مرعية.
حكى الأصمعيّ أنّ العرب ربما تذكر اسما تعلّق الأحداث بها فيخرجونها مخرج الصّفات و الأفعال منسوبة، و لشهرتها و ظهور الفرض منها استجيز معها ما لم يستجز في غيرها، و لا يتقايس، فمن ذلك: لا آتيك مغرى الغرر، أي حتى يجتمع و ذلك لا يكون أبدا و لا آتيك أبي هبيرة، قال: و أبو هبيرة هو سعد بن زيد مناة بن تميم، و لا آتيك هبيرة بن سعد، و لا آتيك القارظة الغزى، و قولهم: زمن الفطحل: أي حين كانت الحجارة رطبة قال:
لو أنني عمّرت عمر الحسلأو عمر نوح زمن الفطحل
كنت رهين هرم أو قتل جعل الموت حتف الأنف و القتل سواء، أو عام الفتق قال رؤبة: لم ترج رسلا بعد أعوام الفتق، يشيرون بذلك إلى زمن الخصب و الخير كأنّ جلود الأكلة و الرّاعية لسمنها فتقت فتقا، و كأنّ ظواهر الأرض و بطنانها فتقت بالنّبات، و يقال: آتيه قيظ عام أوّل، و ما تركت من أبيه مغدا و لا مراحا و لا مغداة و لا مراحة، يعني من الشّبه به، و بعضهم يقول: و لا رواحا و لا رواحة و لا أكلّمك آخر المنون، و أخرى المنون، و لا أكلمه آخر ما خلقي، يريد آخر عمري أي ما بقيت.
و قال يعقوب: يقال: آخري ما خلقي، و منهنّ أزمان الجنان، و هذا يشيرون به إلى الشر و الآفات و أنشد:
فمن يك سائلا عنّي فإنّيمن الفتيان أعوام الخنان
يقال: خنّ الرجل و هو مخنون: إذا ضاقت خياشيمه حتى يجيء كلامه غليظا لا يكاد يفهم، و قال جرير: و أكوي النّاظرين من الخنان، و الخنان داء يعتري العين، و قال الخليل:
الخنان في الإبل كالزّكام في النّاس، و قال الدّريدي: زمن الخنان معروف، و لم أسمع من
علمائنا تفسير أو ذكر بعضهم أنّه يضرب بالخنان المثل في البلاء و الشّدة، لأنّ البعير إذا خنّ كوي ناظراه، و هما عرقان. قال:
قليلة لحم النّاظرين يزينهاشباب و مخفوض من العيش بارد
يصف امرأة و على هذا تفسير بيت جرير: و أكوي النّاظرين من الخنان: أي من داء الكبر، و يكون كقوله: يداوي به الصّاد الذي في النّواظر.
و ذكر بعضهم: خنّ في الأكل: أسرف، و نحن في خنان من العيش، و سنة مخنة أي مخصبة، و قد أخنت، و عشب أخنّ أي ملتف. قال الشيخ: و هذا الذي فسّرناه أخيرا يصلح أن يصرف زمن الخنان إلى الخير و السّعة أيضا، إلا أنّ ما أنشده الأصمعيّ و رواه يدل على خلافه، و ذكر بعضهم أنّ الخنان أصله أنّ رجلا من العرب غزا قوما في الجاهلية، فلما فرّق الغارة فيهم قال: خنوهم بالسّيوف، فشهر يومه بزمن الخنان، و فسّر خنوهم، على نذودهم.
و اعلم أنّ القبائل مختلفة و لم أذكرها لقلّة فوائدها، و إن كان قطرب و غيره دوّنوها في كتبهم في الأزمنة و أسماء آلهتهم كيغوث و مناة و يعوق و نسر و هبل و ما أشبهها، و ذكر مطافهم و دورهم و ما يتعلق بأيّامهم و أعيادهم و أسواقهم تجاوزتها لأنّ ما نعيد منها لا تحلّ به في موضعه من الكتاب و تطويل الكلام بما ليس من الموضوع في الأصل مرفوض في مصنّفاتنا.
و الحين و القرن و الآن و أيّان و أوان و الحقبة و الكلام في إذ و إذا و هما للزّمان و ما أشبهها قال أبو العباس محمد بن يزيد: اعلم أنّ المعرفة إذا أخبر عنها بنكرة فإنها توجب فيها مثل ما يكون لها لو كانت معرفة بنفسها، و كذلك النكرة إذا أسند إليها معرفة، و الذي جعلها على هذا كونها خبرا عن معرفة، و لو انفردت عنها لم يكن كذلك، يقول: زيد منطلق فالعلم أنّ المنطلق هو زيد جعله مختصا كزيد، و لو انفرد لكان شائعا، و على هذا ما يقرب من النّكرات بالصّفات و ما يجري مجراها كقولك كان عند رجل من آل فلان، و ويل لزيد، لذلك يستفاد منه ما يستفاد من المعارف، أو تقاربه، فعلى هذا ما سمعنا بقول: سير عليه عشية أو غدوة أو ضحوة و كلّ ذلك نكرة لا يكون واحد من أمته أولى به من الآخر، و لا يوم من الأيام أحقّ بتعلّقه به.
فإذا قلت: سير عليه يوم الجمعة عشية، أو ليلة الجمعة عتمة، و أنت تريد ذلك من يومك و ليلتك، لم يكن عشية و لا عتمة و ما كان مثلهما إلا نكرات في الأصل و لوصفك إيّاهنّ موضع المعرفة ضعفن و امتنعن الصّرف، فلم تكن إلّا ظروفا منصوبة بوقوع الفعل عليها، و لم يقمن مقام الفاعل، كما كان يجوز فيهنّ إذا قلت: سير عليه عشية من العشيّات، و ضحوة من الضّحوات، لأن الظّروف إذا قوين في أبوابهنّ فعلن مفعولات على السّعة، و أقمن مقام الفاعل، و وضعن موضع الخبر مرفوعات، كقوله تعالى: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [سورة طه، الآية: 59] و كقولهم: أقمنا ثلاثا لا أذوقهنّ طعاما و لا شرابا، و سير به يوم الجمعة، و كقول لبيد شعرا:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنّهمولى المخافة خلفها و أمامها
فعلى هذا يدور أمرهنّ، و إذا هنّ نكرات، أو كنّ معارف بأنفسهنّ فأما إذا وضعن و هنّ نكرات في موضع المعارف، فقد أزلن عن بابهن و عرفهنّ غيرهنّ فلم يجز أن يخرجن من
الظروف إلى غيرها إذ كنّ قد أزلن عن أصولها فإذا قلت: آتيك ضحوة يومك و عشاءه، لم يكن سبيله سبيل ما هو عام فيما وضع له، فلا يحصل به اختصاص، بل هو موضوع موضع الضّحوة بالعرف، فصار يجري مجرى المعهود للمخاطب، أو المضاف نحو قولك: ضحوة يومي و إذ كان كذلك بان الفرق بين الموضعين، لأنّ حكم اسم الجنس أن يكون شائعا في الأصل.
ثم يحصل التّعريف فيه بوجه من الوجوه المعروفة و قولهم: عتمة مصدر مثل الغلبة و معناه الإبطاء و التأخّر قال:
يذكّرني ابني السّماكان موهناإذا طلعا خلف النّجوم العواتم
إلا أنّه يستعمل ظرفا كما استعمل غيره من المصادر ظرفا، كخفوق النّجم، و خلافة فلان، و غير ظرف أيضا يقول: سير عليه عتمة فينتصب انتصاب اليوم و الليلة و يجوز أن يسند إليه الفعل، فيقال: سير عليه عتمة من العتمات، فيدخل الألف و اللام و قد يلزم الظرفية فلا ينتقل و ذلك إذا أردت به عتمة ليلة، هذا مذهب سيبويه و كان الأخفش يقول: ضحوة و عتمة إذا كان في يومك لرفعهما أيضا، حتى أخذ العرب تمنع منه.
فأما غدوة فإنّه اسم مشتقّ من قولك: غداة، فلقّب به الوقت، فصار علما له كما وضع زيد علما للرجل، فلذلك منع الصّرف، إذا قلت سيّرته غدوة، لأنه معرفة، و جاز فيه ما جاز في يوم الجمعة و أشباهه، لأنّه معرف من جهة التّعريف، يقول: سير بزيد غدوة و إن شئت نصبت على أصل الظّرف، و يكره فيها مثل ذلك إذا حملتها على غدوة، لأنّ المعنى واحد، و إن أردت أن تجعلها كعشية و ضحوة، فجيّد، و إنّما جعلوها معرفة تشبيها بما كان في معناها و هي غدوة، لأنّها غيّرت بالتّعريف كما غيّرت غدوة و امتنعت من الألف و اللام، و نظير جعلهم نكرة بمنزلة غدوة، إذ كانت في معناها رفع الاسم و نصبهم بها الخبر و إجراءها مجرى ليس، إذ كانت في معنى ليس و إن ثبت تركها غير مشبهة فرفعت ما بعدها، و كذلك قولك: ودع يدع إنمّا كان الكسر نحو يعد و يزن، و لكن تعيّن فتحها و أجريت يذر مجراها لأنّها في معناها و لأنّ الفتحة أخفّ و لهذه نظائر.
فإن قلت: قد قرأ أبو رجاء المطاردي بالغدوة و العشي، فجعلها شائعة كما تقول:
جاءني زيد و زيد، تريد جماعة اسم كلّ واحد منهم، فيقول المجيب: و من الزّيد الأوّل و الزّيد الآخر. و هذا الزّيد أشرف من ذاك الزّيد، و على ذلك كانت تثنية المعرفة و جمعها إذا كانت غير مضافة يخرجها إلى النّكرة، لأنّ كلّ واحد يصير مرامه لكلّ واحد منها مثل اسمه، و تضيف زيدا و ما أشبهه كما تضيف النّكرة لأنّه يصير معرفة بما أضيف إليه، كما قال الشّاعر:
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكمبأبيض من ظامي الحد يديمان
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنّماأقادكم السّلطان بعد زمان
و أمّا قوله تعالى: وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [سورة مريم، الآية: 62] فإنّ ذلك نكرة ليس يريد كل بكرة و كلّ عشية، و إنّما تأويله و اللّه أعلم: أنّ الجنة لا ليل فيها يفضي إلى نهار، و لا نهار يتّصل بليل، و لا شمس، و لا قمر إنّما هو في مثل مقادير العادة في الدّنيا.
و على هذا جاء الحديث: «نهار الجنة سجسج»: إنّما المعنى أنه أبدا كالنّهار و قوله:
سجسج أي معتدل لا برد فيه و لا حرّ. فإن قلت: كيف جاز أن يصير ما حكمه أن يكون شائعا فيما يصلح له مختصا ببعضه، حتّى زعمت في هذه الأسماء ما زعمت. قلت: ذلك لا يمتنع في عادتهم و طرقهم، أ لا ترى أنّ قولهم: ابن عباس يختصّ بعبد اللّه حتى لا يعلم منه غيره، و إن للعباس أولادا دون عبد اللّه، و كذلك قولهم: ابن الزبير اختصّ به عبد اللّه فيما استمرّ من العادة.
فأما سحر: فإنّك تقول: سير عليه سحر، فلا ينصرف و لا يتصرّف إذا أردت سحر يومك، و معنى لا يتصرّف لا يتمكّن تمكن أسماء الأزمان في أبوابها. و معنى لا ينصرف: لا يدخله الجر و التنوين. فإن أردت سحرا من الأسحار و هو في موضعه نكرة، فلا مانع له من الصّرف و التمكّن، و نقول: إنّ سحرا جزء من آخر اللّيل، و في سحر وقع الأمر. و قال اللّه تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ [سورة القمر، الآية: 34] و على هذا إن أدخلت الألف و اللّام تقول: سير به السّحر المعروف، و إنما منع الصّرف حين قلت: آتيك سحر، و أنتظر سحر لأنه معدول عمّا فيه الألف و اللّام.
و كان شيخنا أبو علي الفارسي يختار أن يقال: إنّه معدول عن أحوال نظائره أ لا ترى أنّ أخواته إذا عرفت جاءت بالألف و اللّام فهو جار مجرى أخر، و جمع في العدل و إن كان أخر نكرة و سحر و جمع معرفتان، و قد بيّنا الكلام فيه فيما يجري و لا يجري، و إنّما لم ينصرف لأنه بلفظ النّكرة موضوع موضع المعارف من غير أن جعل علما، فهو مناسب لضحوة و عتمة إذا جعلا من يومك الذي أنت فيه.
قال أبو علي الفارسي: دخول الألف و اللّام في عتمة إذا أردت عتمة ليلة لا أعلمه استعملت الكلمة بهما. و سيبويه لم يذكره و لا يجوز حمله على ضحوة و غدوة و بكرة قياسا كما يقوله الأخفش، فيرفع و ينصب. قال: و يقوّي ما ذهب إليه سيبويه من أنّ عتمة لا يستعمل إلا ظرفا إذا أردت به عتمة ليلتك، أنّ ما أشبهها من الظّروف لم يستعمل إلا ظروفا.
فمن ذلك: سير عليه ضحى و صباحا و مساء و عشية و عشاء، إذا أردت بجميعها ما ليومك و ليلتك، و كذلك سير عليه ليلا و نهارا، أشبه بالمصادر و قد جعلت ظروفا.
فإن قيل: إنّ ضحى إذا أريد به ضحى يومه مثل عتمة، و قد دخله لام التّعريف في قوله: أبصرته في الضّحى يرمي الصّعيد به.
و في قوله: نؤوم الضّحى قلت: إنّ هذا قد خرج من أن يكون ظرفا لمكان الإضافة إليه، و دخول حرف الجر عليه فاعلمه، فإن قيل: لم خصّ بعض أسماء أوائل النّهار بأن جعل علما و بعضها بأن جعل معدولا من دون أسماء أجزائه الباقية؟ قلت: لمّا كانت المواعد و الحاجات استمرّت العادة في أنّها أكثر ما تعلق تعلق بأوائل النّهار دون أوساطه و أواخره.
و كثر الاستعمال فيها لذلك استجيز فيها ما لم يستجز في غيرها من التّغيرات، يشهد لهذا أنّهم أقاموا مقام الأزمنة ما ليس منها، و ذلك كالمصادر نحو خفوق النّجم، و خلافة فلان، و كصفات الزّمان نحو: قليل و كثير و قديم و حديث. و هذا ما حضر في قولهم سحر و غدوة و بكرة و نظائرها و فيه كفاية.
قال أبو عمرو و غيره: الزّمان ستة أشهر، و الحين ستة أشهر، قال اللّه تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [سورة إبراهيم، الآية: 25] و حكى ثعلب عن ابن الأعرابي: الزّمان عندهم أربعة أشهر و يقال: شيء مزمن أي أتى عليه زمان، و كان الزّمانية فيه لامتدادها.
و قال ابن الأعرابي: يقال من الزّمان زمنة، و زمن و من الزّمانة أيضا يقال: به زمنة و زمن، و يقال: لقيته في الزّمن بين الزّمنين، أ لا تراه قد حدّ للّقاء وقتا، و للفراق وقتين، و كلّ قريب، و يقال: لقيته ذات الزّمين أي ساعة في مدة من الدّهر يسيرة. و قال غيرهم: الحين الوقت في كلّ عدد، و الملا غير مهموز مثله، و يقال: الحين سبع سنين، و احتجّ بقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [سورة يوسف، الآية: 35] و قيل هو أربعون سنة لقوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [سورة الإنسان، الآية: 1] و ذاك أنّه روي في الخبر أن آدم عليه السّلام أتى عليه بعد خلق اللّه إيّاه و هو طين أربعون سنة ثم نفخ فيه و لم يدر ما هو.
و قيل: الحين ثلاثة أيّام لقوله تعالى: إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ [سورة الذّاريات، الآية: 43] فكان فيما روى ذلك القدر. و قال آخرون: ثلاث مرّات في اليوم لأنّه تعالى قال:
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [سورة الروم، الآية: 17] إلى و حِينَ تُظْهِرُونَ [سورة الروم، الآية: 18] قالوا: و هذا يقتضي أن يكون في قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ [سورة النّحل، الآية: 6] غدوة و عشية قال الشيخ: المحصّل الصّحيح أنّ قولهم: الحين لما يتطاول من الزّمان و يتقاصر و يكون محدودا أو غير محدود.
و قد حكي عن أبي زيد و أبي عبيدة و يونس أن (الدّهر) و (الزّمان) و (الزّمن) و (الحين) يقع على محدود، و على عمر الدّنيا من أوّلها إلى آخرها. قال الأعشى شعرا:
لعمرك ما طول هذا الزّمنعلى المرء إلّا عناء معن
يريد به الوقت الممتد و قيل في قوله تعالى: وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [سورة ص، الآية: 88] أراد يوم بدر و قيل: أريد به القيامة. و جميع ما حكيناه عند الفحص يدلّ على أنّ المراد به تبع لمقصود المتكلّمين. فإذا قال: لم ألقك منذ حين و هو يريد تبعيد الوقت، علم ذلك بالحال أو القرينة، و كذلك لو قال: أعطيك حقّك بعد حين، و أراد: تقريب الوقت.
و إذا حلف الحالف على حين، فإن كان من أهل المعرفة بالحين أخذ بقوله، و إن لم يكن من أهلها حمله الإمام على أعرف الأوقات فيه عند العامة، و استظهرنا بعد الحالين في الوجود.
و قال شرقي الزّمن عندهم شهران- و الزّمين شهر واحد. و قيل: الزّمان ستة أشهر- و الزّمن أربعة أشهر- و الزّمين شهران- و الحرس كمال السّنة ما بين أولها إلى آخرها. و قال غيره: الحرس ما بين الحين إلى السنة. و قال الخليل: الحرس وقت من الدّهر دون الحقب.
قال شعرا:
و عمرت حرسا دون مجرى داحسلو كان للنّفس اللّجوج خلود
و يقال: شيء محروس، أي عليه حرس، و يقال: أحرس بالمكان، أقام حرسا. قال:
و علم أحرس فوق عنز- و العنز أكمة صغيرة.
و البرهة عشر سنين. و قال الخليل للبرهة: حين من الدّهر طويل- و العصر عشرون سنة. و قيل: العصر لا يكون إلّا لما سلف. و قوله تعالى: وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر، الآية: 1، 2] قال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي و المؤتنف، و قد قيل:
عصر و أعصر و عصور. قال: كر اللّيالي و اختلاف الأحصر. و قال آخر: أ بعصور من بعد تلك عصور، و العصران الغداة و العشيّ.
و الأشدّ ثلاثون سنة، و قيل: هو لما بين ثلاث و ثلاثين إلى تسع و ثلاثين. قال الشيخ:
تحقيقه بلوغ نهاية القوّة و الشّباب. و اختلف في بنائه، فمنهم من يقول: هو جمع و واحدة شد و مثله ضب واضب. و منهم من يقول هو واحد و مثله من الأبنية قولهم آنك و هو الأسرب و قولهم آجر. و قال سيبويه: افعل ليس من أبنية الواحد. و هذان أعجبان عند أصحاب العربية.
و السبت من الدّهر ثلاث مائة سنة، و قال بعضهم: السبت أربعون سنة و أنشده:
و قد نرتعي سبتا و لسنا بحيرةمحلّ الملوك تفدة فالمغاسلا
و الحقبة من السّتين إلى الثمانين. و قال بعضهم: من السّبع إلى العشر. و قال الخليل:
الحقبة زمان من الدّهر لا وقت له و الجمع الأحقاب. و قيل الحقب: السّنون واحدها حقب، و الحقب: الدّهر و الجمع الأحقاب. و قيل: في قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [سورة النبأ، الآية: 23] واحدها الحقب ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم منها مقداره ألف سنة من سني الدّنيا. و ذكر قطرب أنّ الحقب بلغة قيس مائة سنة.
و القرن من الثّمانين إلى المائة، و قالت طائفة منهم القرن ثلاثون سنة و قيل القرن أربعون سنة. و قال أبو عمرو غلام ثعلب: الصّحيح عندي أنّ القرن مائة سنة، و ذاك أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و سلم مسح يده على رأس صبي و قال له: «عش قرنا» فعاش مائة سنة. و قد احتجوا أيضا بقوله عليه السلام: «خير النّاس قربي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». و هذا يدل على أنّ القرن ثلاثون إلى الأربعين.
و قال ابن الأعرابي: الهنيد مائة سنة، و الهند مائتا سنة و الدهر ألف سنة. و قول اللّه تعالى: بِضْعَ سِنِينَ [سورة يوسف، الآية: 43] قيل: إنها سبعة. و قال أكثر أهل اللغة: إنّ البضع لما بين الثّلاثة إلى العشر. و حكي البضع بفتح الياء و قال المبرّد: هو ما بين العقدين إلى الواحد، و إنما جاز في الاثنين أيضا عنده لأنه جمع، و بضع اسم الجماعة المحظورة بالعقود. و قال أحمد بن يحيى: البضع من ثلاثة إلى سبعة و أكثره تسعة، و يقال: بضع عشر و بضعة عشر شهرا، و بضع و عشرون إلّا أنه مع العشرة أكثر و أصله من القطع، يقال: بضعة بضعا و المقطوع بضع، فهو مثل الطّحن و الطّحن.
و ذكر أبو عبيد الوقص ما زاد من السّنين على العشر، و إحدى عشرة وقص و كذلك المياه التي لا تورد بين الماءين المورودين وقص قال و الشّنق في الدّية خاصة، و قيل: الوقص و البضع اسمان للعدد فهما يستعملان في كلّ معدود و هذا هو الصّحيح.
و النّيف يجيء بعد العقود يقال: نيّف و عشرون، و نيّف و تسعون، و لا يقال: نيف و عشرة، و يجوز عشرة و نيف لأنه اسم لما يزيد على العقد و وزنه فيعل و أصله من ناف ينوف إذا ارتفع و أشرف و انبسط، و يقال: ناف النّفس ينوف نوفا إذا تحرّك و نسم بعد خفوضه و هموده. و يقال في الدّنف الحرض قد نافت له نفس ترجوه معه، و إذا حمحم الفرس للقضيم، قيل: ناف نوفا، و يقال: أناف على الشيء أي أشرف، نافه يناف. و النّوف السّنام لإشرافه و البطر لزيادته في ذلك الموضع و العلم قال شعرا:
يخبّ به العطّاف رافع نوفهله زفرات بالخميس العرمرم
الآن: فقد قال أبو العباس: يشار به إلى حاضر الوقت، و تلخيص هذا أنّه الزّمان الذي يقع فيه كلام المتكلم فهو آخر ما مضى و أول ما يأتي من الأزمنة، و هذا مراد قولهم:
الآن حد الزّمانين، و الذي أوجب بناءه أنها وقعت في أوّل أحوالها بالألف و اللام. و حكم الأسماء أن تكون منكورة شائعة في الجنس. ثم يدخل عليها ما يعرّفها من إضافة، و ألف و لام فخالفت الآن سائر أخواتها من الأسماء، بأن وقعت معرفة في أوّل أحوالها، و لزمت موضعا واحدا كما تلزم الحروف مواضعها التي وقعت فيها في أوّليتها غير زائلة عنها، و لا نازحة منها و اختيرت الفتحة لآخرها لخفّتها و لمشاركتها للألف التي قبله. و قال الفرّاء فيه قولان:
الأوّل: أنّ أصله أنّ الشيء يئين إذا أتى وقته، كقولك: آن لك أن تفعل كذا و إني لك، ثم أدخلوا الألف و اللّام عليه، و إن كان فعلا كما يروى أنّه نهى النّبي صلى اللّه عليه و سلم عن قيل و قال فعلان ماضيان و أدخل عن الجارة عليهما و تركا على ما كانا.
الثّاني: إنّ الأصل فيهما أوان، ثم حذف الواو فبقي آن، كما قالوا: رواح و راح، و الكلام عليه قد مضى في غير هذا الموضع من كتبنا.
و قولهم أيّان فإنّه يقوم مقام متى، فهو يتضمّن معنى الألف و كان حكمه أن يكون ساكن الآخر، لكنّه حرّك لالتقاء السّاكنين، و اختيرت الفتحة لخفّتها و لأنّ قبلها ياء مشدّدة، و هما بين الياء و النّون، ليس بحاجز حصين و هو الألف.
و حكى الكسائي أنّ أبا عبد الرّحمن السّلمي قرأ: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [سورة النّحل، الآية: 21] بكسر الألف.
و إبّان و أفان فهما معربان متمكّنان و تضيفها فتقول: جئت على إبّان فلان و إفاته أي في وقته، و تفردهما بنزع الجار منهما، فتقول: جئت إبّان ذلك و إفاته، و انتصابهما على الظّرف.
و أما قولهم أوان فمعناه الوقت و يجمع على آونة قال ابن أحمر شعرا:
يؤرّقنا أبو حنش و طلقو عمّار و آونة أنالا
و قد جاء مبينا منونا في قول الشاعر:
طلبوا صلحنا و لات أوانفأجبنا أن ليس حين بقاء
و إن كان متمكنا في جميع الكلام تقول: هذا أوان طيّب، و أدركت أوان فلان، قال أبو العباس: إنّما بني من قبل أنّ الأوان من أسماء الزّمان، و أسماء الزّمان قد تكون مضافات إلى الجمل، كقولك: هذا يوم يقوم زيد، و أتيتك زمن عمرو أمير. فإذا حذفت الجملة من
قولك أوان، و قد يضم معناها و هو في حكم المعرفة بها استحق البناء، ثم عوّضت منها التّنوين كما فعلت ذلك بقولك: حينئذ و ساعتئذ و فارق قولك: أوان الغايات، لأن الغايات مضافة إلى المفردات في التقدير، و أوان مضافة إلى جملة فهو كاسم حذف بعضه و بقي بعضه و قد عوّض مما حذف فيه و الغايات لم يؤت فيها بما يكون عوضا، و نيّة الإضافة فيه أقوى إذا كانت إلى المفرد لا إلى الجملة، و اختيرت الكسرة في أوان لما بني لالتقاء السّاكنين.
و ذكر بعض الكوفيين أنّ لات جارت لأوان بمنزلة حرف من حروف الخفض، و لو كان كذلك لفعل به مثل ذلك في قوله تعالى: وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ [سورة ص، الآية: 3].
و أما إذ و إذا فهما اسمان مبهمان. فإذ لما مضى و إذا للمستقبل، فهما كالأسماء النّاقصة المحتاجة إلى الصّلات، لأنّ الأسماء موضوعها أن تدلّ على مسمياتها في الأصل، فإذا صار بعضها لا يدلّ بنفسه على ما هو المطلوب منه و احتاج إلى ما يكشفه، و يوضح معناه حلّ بما بعده من تمامه محلّ الاسم الواحد، و صار هو بنفسه كبعض الاسم، و بعض الاسم مبنيّ. فإذ يوضح بالابتداء و الخبر، و الفعل و الفاعل تقول: جئتك إذ قام زيد، و إذ زيد قام، و إذ يقوم زيد و إذ زيد يقوم، فإذا كان الفعل مستقبلا حسن تقديمه و تأخيره. و إذا كان ماضيا قبح التأخير، لا يقولون: جئتك إذ زيد قام، إلا مستكرها من قبل، أنّ إذ للماضي، فإذا كان في الكلام فعل ماض اختير إيلاؤه إيّاه لمطابقتهما و مشاكلة معناهما. و إذ عند أصحابنا اسم مضاف إلى موضع الجملة التي بعدها، و لا يجازي بها، لأنها مقصورة على وقت بعينه ماض.
و إذا من أسماء الزّمان أيضا و يقع بعدها الأفعال المستقبلة، و هي موضحة بما بعدها كما كانت إذ غير أنها لا يليها إلا الأفعال مظهرة كانت، أو مضمرة كقولك: أجيئك إذا قام زيد، يعني الوقت الذي يقوم فيه، و فيها معنى المجازاة فلذلك لا يقع بعدها إلا الأفعال.
فإذا رأيت الاسم بعدها مرفوعا فعلى تقدير فعل قبله، لأنّه لا يكون بعده الابتداء و الخبر و إنّما لم يجازيها لأنّها تقع محدودة، و المجازاة معتودة على أنّها يجوز أن يكون و ألّا يكون تقول أجيئك إذا احمرّ البسر، و لا يجوز أن تقول: إن احمر البسر، فلمّا كان إذا لوقت معلوم لم يجاز بها، و إن كان فيها معنى المجازاة، إلا أن يضطر شاعر قال الفرزدق:
ترفع لي خندق و اللّه يرفعنانار إذا ما خبت نار لهم تقد
و معنى المجازاة: أنّ جوابها يقع عند الوقت الواقع كما يقع المجازاة عند وقوع الشّرط. و لإذا موضع آخر يكون فيه اسما لمكان و ذاك من ظروفه و سيجيء الكلام فيه في الباب الذي يليه.
و لفظ حيث- و ما يتّصل به- و الغايات- كقبل- و بعد- و ذكر أول- و حينئذ- و قطّ- و منذ- و مذ و إذ المكانية.
و من عل يقال: اليوم ليومك الذي أنت فيه، و أمس لليوم الّذي يليه يومك الذي أنت فيه و قد مضى. و قال قطرب و غيره: يقول: رأيته أمس فتكسر، كما قالوا: قال الغراب:
غاق يا هذا في حكاية صوته، و تميم يرفعون أمس في موضع الرّفع فيقولون: ذهب أمس بما فيه فلا يصرفونه لما دخله من التّغيير و قال الرّاجز:
لقد رأيت عجبا مذ أمساعجائزا مثل السّعالى خمسا
فكأنّه ترك صرفه في لغة من جرّ بمذ. و قال عدي بن زيد:
أ تعرف أمس من لميس طللمثل الكتاب الدّارس المحول
قال الشيخ: اعلم أنّ أمس اسم معرفة لما مضى و شوهد. و غد بخلافه لأنه و إن كان اسما لليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه، و لم يجيء فهو نكرة. و مثلهما قطّ و أبدا لأن قط معرفة و أبدا نكرة، و في بناء أمس طريقتان:
الأول: ما ذكره أبو العباس المبرّد و هو أنّ شرط الاسم أن يلزم مسمّاه، و لا سيّما ما كان معرفة ليكون علما باقيا له. و أمس ليس يلزم مسمّاه لأنه اسم لليوم الذي يليه يومك الذي أنت فيه و قد مضى، فكلّما مضى يومك انتقل لفظ أمس عمّا كانت له إلى ما كانت بعده، فلمّا كان كذلك أشبهه الحروف في أنّه لا لزوم لها و إنما ينقل إلى ما ينقل إليه كمن و في و إلى، فيفيد معناها فيه فبني لذلك.
الثّاني: إنه كان حق تعريفه أن يكون بالألف و اللّام ليؤدّي العهد فيه فلم يدخلا عليه، بل ضمن معناهما، و الاسم إذا تضمّن معنى حرف، يجب أن يبنى، فهذا وجه بنائه فأمّا من
منعه الصّرف فإنه يجعله معدولا عمّا فيه الألف و اللّام كأنّه لا يأتي بهما، و هو يريد معناهما في الاسم كما أنّ قولك: سحر كذلك و قد مضى القول فيه، فإن نكّرته و جعلته شائعا صرفته به و صرفته، فقلت: مضى أمس و كذلك إن أضفته أو أدخلت عليه ألفا و لاما، لأنّه يصير موقتا محدودا تقول: مضى أمسك، و كان أمسا أطيب من يومنا، و مضى الأمس.
فإن قال: ما بال غد لا يكون مبنيا قلت: أمس معرفة مشاهد معلوم، و غد ليس بمعلوم و لا مشاهد، لأنّه لم يأت قبيلهما سبيل قط المشدّدة و أبدا، لأنّ قطّ للقائل من لدن قوله أي ابتداء كونه فهو معلوم، يقول: ما رأيته قطّ، تحركت الطّاء الأخيرة لأنه لا يلتقي ساكنان و يضمها كما يضم آخر الغايات، و سنبين القول فيها كلّها، و إذا قلت: لا أكلمه أبدا، فالأبد مذ لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، فهو غير معلوم، و جار على أصله الذي له و صار مصروفا منصرفا لم يعرض فيه ما يوجب تنيرا.
قال قطرب: و أظنه حكى عن الخليل أنّهم أرادوا بأمس حين حفظوا رأيته بالأمس، فحذفوا الباء و الألف و اللّام كما قالوا خير عافاك اللّه في جواب: كيف أصبحت؟ يريدون بخير، و كما قالوا: لاه أبوك اللّه أبوك. و قال ذو الأصبع شعرا:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسبدوني و لا أنت ديّاني فتجزوني
فحذف لام الإضافة و لام التّعريف و هذا تقوية لقول الخليل، و مثله قول الآخر:
طال النّواء و ليس حين تقاطعلاه ابن عمّك و النّوى لعدوّ
انتهى كلامه. قال الشّيخ: هذا الذي حكاه لا يكون بناء بل يكون الحركة في أمس إعرابا كما أنّها في حين و في لاه أبوك شاذ، فلا يجعل أصلا لغيره. قال قطرب: فإذا دخلت الألف و اللّام في أمس، فبعض العرب ينصبه، و يقول: رأيته الأمس و بعضهم يخفضه كحاله قبل الألف و اللّام، و يقول: رأيته بالأمس و قال نصيب شعرا:
و إني حبست اليوم و الأمس قبلهببابك حتّى كادت الشّمس تغرب
انتهى كلامه.
قال الشيخ: الوجه في إدخال الألف و اللام أن ينكّر أولا ثم يعرّف بهما، فأمّا من نصب بعد إدخال الألف و اللّام فهو القياس، لأنّ الألف و اللّام و التّنكير يرددان اللفظ إلى ما كان يجب عليه في الأصل.
و أما ما حكاه عن يونس أنّه سمع الكسر مع دخول الألف و اللّام، فالمتكلّم بذلك يجب أن لا يكون قد اعتدّ بالألف و اللّام، و لم ينكّر قبل دخولهما، و بقي الكسر إيذانا بفعله ذلك، و يكون هذا كقوله شعرا:
و لقد جنيتك أكمؤا و عاقلاو لقد نهيتك عن بنات الأوبر
فأدخل الألف و اللّام على الأوبر و هو معرفة، لأنه لم يعتد بهما، أو يكون أجراه مجرى الخازباز و خمسة عشر و أخواته في العدد، لأنّ الألف و اللّام لا يزيلان بناءهما و لا يردانهما إلى أصلهما، و الأول أجود و أكثر نظيرا في الوجود. قال قطرب: و إذا جمعت أمس في القياس قلت: ثلاثة آماس، لأنه مثل فرخ و أفراخ، و فلس و أفلاس، و قال الرّاجز شعرا:
مرّت بنا أوّل من أموستميس فيه مشية العروس
فجمعه على فعول مثل فروخ و فلوس، و قال بعض الأعراب:
مرّت بنا أول من أمسيهتجرّ في محفلها الرّجليه
فبنى أمس انتهت الحكاية. قال الشّيخ: الياء في أمسيه لبيان الحركة، و كذلك في الرّجليه، و كأنه أراد أوّل من أوّل من أمس فثنى أمس بدلا من تكرير أول، و هذا كما قال أبو العباس فيما حكى عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه. و المراد: اضرب اضرب فأتى بدل التّكرير بلفظ التثنية، فأما أوّل من قولك أول من أمس فهو صفة كان المراد به يوما أوّل من أمس، و قالوا: بعد غد، و لم يقولوا: قبل أمس، فكان أول بدل قبل، و بعد غد في موضع الصّفة أيضا.
قال قطرب: فإن أضفته فإنّ بعضهم يجرّه كحاله قبل أن تضيف، كما كأن ذلك في الألف و اللّام. قال الشيخ: الوجه في أمس إذا أضيف أن يعرب و يصرف كما قلناه في الألف و اللّام، فأما من بناه مع الإضافة فإنّه شبهه بخازباز و خمسة عشر و أخواته، لأنها بنيت، و إن أضيفت، و رجوع أمس في التّنكير إلى أصله هو الّذي يدل على مخالفته لباب خازباز و خمسة عشر و أخواته. و قد قال قطرب في أمس: إذا جعلته نكرة فإنه يجري فيه الإعراب و كل ما يرده التنكير إلى أصله تردّه الإضافة و الألف و اللّام إلى أصله، و خمسة عشر و أخواته بنيت نكرات، و إن كان كذلك كان الضّعف و البعد في بناء أمس عند الإضافة و مع الألف و اللام ظاهرين فاعلمه، و تقول: آتيك غدا أو شيّعه، و آتيك الجمعة أو شيّعه و المراد اليوم الذي يليه. قال عمر بن أبي ربيعة شعرا:
قال الحبيب غدا يفرّقناأو شيعه أ فلا تودّعنا؟!
فكان هذا من الاتباع، و في الحديث: شاعه أبو بكر أي اتّبعه، فيقال على هذا النّبي صلى اللّه عليه و سلم و شيّعه، أي مصدّقه و صاحبه و من هذا الشّيعة.
و قال ابن الأعرابي: يقع الشيعة على كل من أحبّ و صدّق و حضّ على الاتباع أو حرّض تأخر عن المتبوع أو تقدم عليه. أ لا ترى قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ [سورة الصّافات، الآية: 83] يعني من شيعة محمد صلى اللّه عليه و سلم فأما قوله:
كأن أمسيا به من أمسيصفرّ ليس اصفرار الورس
فإنّه يعني عرق الإبل، و هو يصفّر إذا يبس و معنى أمسيا به: يريد عرقا ظهر منذ ثلاثة أيام، و معنى من أمس: منذ، كما قال: أقوين من حجج و من دهر و عرق الخيل إذا يبس ابيضّ. قال بشر:
تراها من يبس الماء شهبامخالط درّه فيها اقورار
و الحول: السّنة بأسرها، و جمعه أحوال، و قد حال الحول يحول حولا و حؤلا و احتال الشيء و أحول: أتى عليه حوال أو أحوال، و أحال بالمكان: أقام فيه حولا، و قال الخليل:
أرض مستحالة تركت أعواما من الزّراعة.
و السّنة اسم لاثني عشر شهرا، و هو اسم منقوص و الذّاهب منه في لغة كثير منهم الهاء، كان الأصل سنة، فحذف الهاء لمناسبتها لحروف المدّ و اللّين و على هذه اللغة تصغر سنيهة، و يقال منه: هو يعمل مسانهة، كما يقال: معاومة و نخلة سنهاء: تحمل عاما و تحول عاما قال:
ليست بسنهاء و لا رجبيةو لكن عرايا في السّنين الجوائح
و في لغة غير هؤلاء الذّاهب منه الواو، كان الأصل سنوة، فحذف الواو تخفيفا ثم جمعت على سنين جبرانا بالنقيصة لأنّ جمع السّلامة إذا حصل في غير النّاطقين و من جرى مجراهم يكون للتّفخيم و التّعظيم، أو جبرا لنقص داخل على الاسم، و الأسماء المنقوصة تجد الذّاهب منها في الأعم الأكثر الواو و الياء لاستثقالهم إيّاهما، و كما يحذفونهما حذفا يعلّونهما بالقلب و الإبدال، لأنّ كلّ ذلك يؤدّي إلى التّخفيف، و على ذلك هذه اللّغة يصغّر سنيّة و تجمع سنوات و يقال: هو يعمل مساناة، و يقال: أسنى القوم و هم مسنون: إذا أتت عليهم سنة، و قد جعل السّنة اسما للجدب، فيقال: أصابتهم السّنة، و جعل الفعل منه أسنت، فرقا بين هذا المعنى و غيره، يقال: أسنت القوم و هم مسنتون، و على هذا لغة من جعل لامه واوا دون اللّغة الأخرى، و هم يفعلون ذلك بما فيه لغتان و يقال أيضا: رجل سنت: أي قليل الخير، و قوم سنتون، و التّاء من أسنت هو بدل من الواو، و هذا كما فعلوا في بنت و أخت، ثم جعل البدل في أسنت لازما كأنّهم أرادوا أن يختصّ بالجدب، حتّى كأنّه وضع له، فلا مناسبة بينه و بين ما للوقت و هذا كما جعل البدل في قولهم: عيد، لازما، فقيل: عييد و أعياد في تصغيره و جمعه و لم يردّوه إلى أصله، و إن كان من عاد يعود لقصدهم إلى أن يختص بما يفيده بعد الإبدال العارض فيه كأنّه بناء آخر له و ليس بمشتق.
فأمّا قولهم: العام، فيقال منه: عاومت النّخلة إذا حملت سنة و حالت أخرى، و عنب معوم: كثر حمله سنة و قلّ أخرى. و في الحديث نهى عن المعاومة، و هو: أن تبيع الزّرع
عامك بما يخرج من قابل، و هو أن يزيد على الدّين، و يؤخّر في الأجل، و يقال: أتيته ذات عويم: أي العام، و يقال: أعوام عوم و عام عائم على التّوكيد، كما يقال: شعر شاعر، و هو عامي إذا أتى عليه عام. قال العجّاج: من أن شجاك طلل عامي.
قال قطرب: العام لما أنت فيه، و قابل للثّاني لأنّه يستقبلك، و جمعه قوابل و قباقب للعام الثّالث، و مقبقب للعام الرّابع. قال: و كان أبو عمرو بن العلاء يعرف مقبقبا في العام الرّابع، و جمعه القباقب بفتح أوّله، و هذا كما قيل: عذافر و عذافر و جوالق و جوالق، و أنشدنا أبو علي في قابل و هو من أبيات الكتاب:
فقال: امكثي حتّى يسار لعلّنانحجّ معا قالت أعاما و قابله؟
و مما يسأل عنه أن يقال: من أين جاز أن يقال عاما أوّل، و لا يوما أوّل، و لا سنة أولى. و الجواب: أنّ قولهم عاما أوّل مما عمدوا فيه إلى تخصيصه بشيء لا يكون في غيره، اعتمادا على التّعارف، لأنّ المعنى: عاما أوّل من عامي، فلمّا كانت الكلمة متداولة و كانت الحاجة إلى كثرة استعمالها ماسّة حذفوا و أوجزوا معتمدين على علم المخاطب، و النيّة الإتمام، و مثل هذا الاختصاص قولهم: اليوم فعلت كذا، جعلوه ليومك الذي أنت فيه، و لا يقولون: لقيته الشّهر، و لا السّنة، و قد قالوا أيضا: لقيته العام و إن كان العام بمعنى السّنة قال:
يا أيّها العام الذي قد رابنيأنت الغداء لذكر عام أوّلا
فإن قيل: و لم احتجّ إلى من حتى قدرت في قولك: عاما أوّل أنّ أصله عاما أوّل من عامي. قلت: إنّما افتقر الكلام إلى من لأنّهم أرادوا أن يبيّنوا في أفعل ابتداء الزّيادة من أي شيء كان ليعرف حدّه و مبتدؤه. أ لا ترى أنّ معنى قولك: زيد أفضل من عمرو أنّ ابتداء زيادة فضله من فضل عمرو، فهو حدّه. و أوّله، فكذلك قولهم: عاما أوّل فاعلمه.
و اعلم أنّ حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، بدلالة أنّه يقع على كل مكان، لا جهة من الجهات السّت إلّا و لإبهامه يقع عليها، و احتاج في الاستعمال إلى جملتين: جملة يضاف إليها، و جملة تفيد حدثا يقع فيه، كما أنّ حين يقع على كلّ زمان. و لذلك أضيف إلى الجمل الخبرية من الابتداء، و الخبر و الفعل و الفاعل و الشّرط و الجزاء، كما فعل ذلك بإذ و أخواته- و إن كان ذلك خارجا من شروط الأمكنة، لأنّ المكان إذا جاء بهما حكمه أن يضاف إلى مفرد يخصّصه، فلمّا تناهى حيث في الإبهام لانتظامه جميع الجهات، و لم يضف إلى مستحقّه من مفرد يخصّصه بل أضيف إلى جملة، صار هو مضافا إليها في حكم المفرد
فأشبه الغايات من نحو: قبل و بعد و ما أشبههما، لأنّها هي مفردة تضمّنت معنى المضاف إليه و هو معرفة فبنيت جميعا لذلك، إلّا أنّ الغايات وجب أن تبنى على حركة لأنها ممّا قد يتمكّن في غير هذا الموضع، فصارت لها مزيّة على ما لا يتمكّن البتّة، فبناؤها لما لها في أوّل أمرها و حيث وجب أن تبنى على سكون لعدمها تلك المزيّة، لكنّه حرّك آخره لالتقاء السّاكنين.
و في حيث لغات أربع: حيث و حيث و حوث و حوث، فالضّم لدخوله في شبه الغايات مما ذكرناه و الفتح لخفّته. و حكى الكسائي عن بعضهم أنّهم يكسرون حيث فيقولون: من حيث لا يعلمون كسرة إعراب، و يمكن في هذا أن يقال فيه: إنّه شبّه باسم الزمان إذا أضيف إلى غير متمكّن، نحو من خزي يومئذ و يومئذ و على حين عاتبت و حين عاتبت.
و الغايات أصلها الظّروف و إعرابها في الأصل: للنّصب و الجر، و كان تمامها بما كانت تضاف إليه، فأفردت عنه اعتمادا على علم المخاطب به و جعلت في نفسها غاية الكلام و نهايته، حتّى كأنّه لا افتقار فيه إلى غير هذا، و قد ضمّن معنى ما كان مضافا إليه و يصير به معرفة، و الاسم إذا تضمّن معنى حرف فحقّه أن يبنى، و إنّما قلنا: و يصير به معرفة أنك لو نكّرته لأعرب و أجري على أصله، تقول: جئت قبلا و بعدا كما تقول: أولا و آخرا كما أنّك لو أضفته، فقلت: من قبل كذا، و من بعد كذا لأعرب و لم يبن.
و قال أبو العباس: يقول في الجملة: إنّ كلّ ما كان حقّه الإضافة فحذفت منه استغناء بعلم المخاطب فإنّه معرفة من غير جهة التّعريف و حقّه البناء، فمن ذلك: قبل- و بعد- و أوّل- و منذ- و ليس- و غير- يدلّك على حذف المضمر ما يحذفه بعد حرف الاستثناء إذا قلت: عنده درهم ليس إلّا، حذفت ما بعد إلّا استغناء و منها: من عل و يا زيد، و منها: قطّ و هو لما مضى من الدّهر و حسب و هي للاكتفاء و معنى قطّ فيما مضى فانقطع، و القطّ القطع عرضا، و القدّ القطع طولا، فهو معرفة لا يدخله الألف و اللّام و لا الإضافة.
و قال شيخنا أبو علي: قطّ اسم ينتظم أوّل وقت، ذي الوقت إلى آخر ما بلغه منه، فهو عبارة عن أمده و مدّته، فوجب لذلك أن يكون مضافا إلى ذي الوقت كما أضيف إليه قبل و بعد، فلمّا اقتطع عن الإضافة بني على الضّم كما بنيا، و مثل قط في انتظامه أوّل الوقت إلى آخره، منذ: إذا أريد به تعريف أمد الشّيء و ذلك نحو أن تقول: لم أر زيدا، فيقال: ما أمد ذلك، و ما مدّته، يعني انقطاع الرّؤية فتقول: منذ عشرون يوما فابتداء الوقت و انتهاؤه هذا في انتظام الاسم الذي هو مدّة لهما، و من ثم بني منذ أيضا على الضّم حيث كان غاية مثل قطّ، و يجوز في جوابه المعرفة و النكرة و أبدا يدخله الألف و اللّام لأنّه نكرة و معنى أبدا فيما اتّصل و امتدّ من الوقت، و منه الآبدة و الأوابد. و معنى قطّ مخفّفة مسكّنة إذا قلت: قطك ليكفك
و اكتف و مثله قدك و حسبك و لتضمّنهما معنى الأمر في أوّل أحوالهما، استحقّا البناء، و مثل قطّ و قطك في أنّه يستعمل مثقلا و مخففا قولهم: بخ و بخ.
قال محمد بن زيد: يقال: بخ بخ، و يثقل أيضا كما قال في حسب بخ و عزاقس و أنشد غيره شعرا:
بين الأشجّ و بين قيس باذخبخ بخ الوالدة و المولود
و قال أبو إسحاق الزيادي: الدّليل على أنّ مه ليس من قولك مهلا أنّه ليس في الدّنيا اسم انصرف و هو تام، و امتنع من الصّرف و هو ناقص. فقال أبو عثمان المازني: بلى قطّ المخففة، زعم سيبويه أنّها مخففة من قولك قططته قطّا، قال: و الدّليل على ذلك أنّ معنى قطّ معنى حسب، فهو لقطع الشيء يقوّي ما ذهب إليه أبو عثمان في هذا المعنى قولهم في حسب: بخ فأعربوه مثقلا و بنوه مخففا و تقول: جئت من فوق، و من تحت، و من أمام و من دون، فالضّم في جميع ذلك مستعمل على الوجه الذي بيّنته.
فأما قولك: من عل فمعناه من فوق، و فيه عدة لغات ذكرها أهل اللّغة و سبيلها سبيل ما قدّمناه من أنّ جميعها في تقدير الإضافة، فإذا حذفت المضاف إليه لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان المحذوف نكرة تنكّرت و أعربت و إن كان معرفة بنيت لأنّها بمنزلة اسم قد اكتفي ببعضه عن جميعه، و بعض الاسم يبنى و هو ظاهر.
و اعلم أنّ ل: إذ موضعا آخر غير ما ذكرنا، و هو قولك: بينا زيد قائم إذ رأى عمروا.
و بينما زيد قائم جاء عمرو، فبينما عبارة عن حين، و المعنى وقت أنا قائم جاء عمرو، إلّا أنّ بينما متمكّنة فلها صدر الكلام بمنزلة مذ الذي يرفع الخبر. و كان الأصمعيّ يجرّبها المصدر خاصة و ينشده: بينا تعتقه الكماة و روغه، يريد حين يعتقه و النّحويون يخالفونه لأنّها مبهمة لا تضاف إلّا إلى الجمل التي بيّنتها. و قال سيبويه: إذ يكون للمفاجأة إذا قلت: بينا أنا جالس إذ حضر عمرو، و بينا أنا أكلّم عمرو إذ طلع زيد.
و كان الأصمعيّ و كثير من النّحويين يأبون وقوع إذ في هذا الموضع، لأنّ معنى بينا الحين، فإذا قلت: حين زيد قائم إذ طلع عمرو، فلا معنى له إنّما الكلام حين زيد قائم طلع عمرو، و إذ فضلة. قال أبو العبّاس: أشعار العرب على ذلك قال:
بينا نحن نرقبه أتانامعلق و فضة و زنا دراع
و قال امرؤ القيس:
فبينا نعاج يرتعين خميلةكمشي العذارى في الملاء المهذّب
فكان ينادينا و عقد عذارهو قال صحابي قد شأونك فاطلب
فأمّا ما قاله سيبويه فغير بعيد، و قد أجازه قوم. و أنشد سيبويه شعرا:
بينما هنّ بالكثيب ضحىإذ أتى راكب على جمله
و قولك: خرجت فإذا زيد قائم، يجوز أن يقال: فإذا زيد قائم خرجت كما تقول:
خرجت فإذا زيد، لأنّ إذا ظرف مكان و سمّي الاسم به و المعنى: فحضرني زيد و إذ إذا جعل للمفاجأة كان في مثل معناه و أمّا مذ و منذ فقد قال أبو العباس: أوّل ما يذكر من أمرهما أنّه يجوز أن يكون كلّ واحد منهما اسما و حرفا جارّا و لذلك قال سيبويه: إنّ مذ فيمن جرّ بها بمنزلة من في الأيّام و مذ و منذ شيء واحد إلّا أنّ الأغلب على مذ أن يكون اسما و على منذ أن يكون حرفا لأنّ النّقصان إنما يكون في الأسماء و الأفعال دون الحروف، و ذلك في نحو:
دم و يد و خذ و كل.
و الدّليل على أنّ مذ منقوصة من منذ أنّك لو سمّيت إنسانا أو غيره بمذ ثم صغرته لقلت منيذ، فرددت ما ذهب فإنما هو بمنزلة لد و لدن و من عل و من علا و آتيك غدا و غدوّا، فإن أردت في منذ أن يكون حرفا قلت: لم أرك منذ يومين، و مذ يوم الجمعة و معناه: من هذه الغاية، و كذلك سرت من مكان كذا، و إذا أردت أن يكون اسما قلت: لم أر ذاك مذ يومان أي أمد ذاك يومان و هذا ابتداء و خبر و الرّفع في مذ أكثر. و إذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة أو مذ اليوم صارت بمنزلة منذ التي غلب عليها الحرفية، و ذاك لأنّ العلّة التي يوجب منها الاسمية قد زالت لأنّك إذا قلت: لم أرك منذ يومان، فالمعنى بيني و بينك يومان و إذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة، فليس معناه بيني و بينك اللّيلة، إنما هو في اللّيلة فإنّما المعنى فإذا قال: رأيت زيدا مذ يومان، فيجوز أن تكون الرّؤية متّصلة، و يجوز أن يكون رآه في ذلك الوقت، ثم لم يره بعده، و إنّما هذا على قدر ما تقدم، يقول القائل: إنّ زيدا يأتيك مذ مدة، فأقول: أنا رأيته مذ يومان أو شهران، و تأويل هذا إنّما حدثت هذه الرّؤية في هذا الوقت، أو يقول القائل: زيد أ يأتيك في كلّ يوم؟ فأقول: ما رأيته مذ يومان، أي قد انقطع عنّي بعدهما، و لو قال القائل مبتدئا: رأيت زيدا مذ يومان، ثمّ لم يصله بكلام، و لم يعطفه على كلام، لم يحكم فيما بعد الوقت بشيء و يتصل بهذا أن تقول: رأيت زيدا مذ يومان، يختلف إلى عمرو، و رأيت زيدا مذ يومان يضرب عمرا، فإنّما خبّرت بوقت الضّرب و لم تعرض لما بعده و تقول: رأيت زيدا يوم الجمعة أي أوّل ما فقدته أوّل يوم الجمعة، فيقع النّفي على جميع اليوم كما كانت الرّؤية في جميعه. و يجوز أن يكون النّفي واقعا على بعض اليوم فيكون حدّ الرّؤية منه مجاوز الأول الفقدان، و قول القائل: لا كالمشية زائر و مزورا معناه: لم أر زائرا كزائر رأيته اليوم، قال: و لا يقولون في سائر الصّفات، يعني الظّروف لا يقولون لا كنصف النهار و لا لا كهذه السّنة قال الشاعر شعرا:
روحوا العشيّة روحة مذكورةإن متن متن و إن حيين حيينا
إن متن متن و إن حيين فلا أرىلا كالعشيّة إن بقين بقينا
و اعلم أنّ قول القائل: ما برحت أفعل كذا براحا. أي أقمت على فعله مثل ما زلت أفعله، و هذا في الزّمان و لا بدّ له من خبر. فإن قلت: ما برحت من مكان كذا، فالمعنى ما زلت براحا و بروحا، و هذا في المكان كالأوّل في الزّمان و قد مضى القول فيه، و يمضي في غير موضع من هذا الكتاب.
و قد قيل: إنّ براح اسم للشّمس معدول عن البارحة الزّائلة مثل قطام و قولهم جبل براح يوصف به الأسد و الشّجاع، لأنّ زواله متعذّر كأنه شدّ بالجبال، و هذا غريب فيما يشتق، و مثله قول القائل: البارح من الظّبا و الطّير هو المنحرف عن الرّامي إلى جهة لا تمكّنه من الرّمي، و السّانح المقبل المتعرّض في جهة تمكن. قال: و لذلك يتشاءم بالبارح، و يتيمّن بالسّانح، قال: فأمّا من تيمّن بالبارح، فلأنه نجا، و من تشاءم بالسّانح لأنه هلك. و قول ابن الأحمر:
غدوا و أعدّوا الحيّ الزّيالاو شوقا لم يبالوا العين بالا
الغدو يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدرا، و يجوز أن يكون اسم اليوم الذي يلي يومك، فإن جعلته مصدرا يكون مثل غدا غدوا، و يكون مفعولا و واعدوا الزّيال المفعول الثاني، و ينعطف عليه شوقا كأنّهم لمّا و عدوا بالزّيال المهيّج للشّوق فقد و عدوا بالشّوق.
و مثله الغدوّ في القرآن: غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ [سورة سبأ، الآية: 12] فالغدوّ:
مصدر بدلالة أنّه قابله بالرّواح، و التّقدير مسيرة غدوّها مسيرة شهر، و إن جعلته اسم اليوم فمثله قوله: بها يوم حلّوها و غدوا بلاقع. و المعنى في غدو: أعدوا الحيّ الزّيال و شوقا، و يكون المفعول الثّاني محذوفا، و أما قوله تعالى: وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ [سورة الرعد، الآية: 15] فيجوز أن يكون الغدوّ: جمع غد مثل نحو و نحو، و يقوّي ذلك أنّه قوبل به الجمع الذي هو الآصال، و يجوز أن يكون المصدر، و يقويه قوله: بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ [سورة آل عمران، الآية: 41] و قال:
أفد الرّحيل و ليته لم يأفدفاليوم عاجله و نعذل في غد
أي اليوم عاجل البين، و نعذل في غد أي في أخبار غد يضيف المصدر إلى المفعول به لأنّه خرج بانجراره من أن يكون ظرفا، فهو مثل: من دعاء الخير، و بسؤال نعجتك، و قال:
و ليس عطاء اليوم مانعه غدا. أي مانعه عطاء غد فحذف المضاف.
يقال: اختلف عليه العصران أي اللّيل و النّهار و قد يراد بهما الغداة و العشيّ، لأنّ العصر من أسماء العشي، و لذلك قيل: صلاة العصر، ثم يسمّى الغداة أيضا عصرا، و يثنّى كما يقال: القمران في الشّمس و القمر، و قد تصرفوا هذه اللفظة فقالوا: أ لم يجيء فلان لعصر بضم العين أي لم يجيء حين مجيء.
و في العصر لغتان: الضّم و الفتح و استعمل في هذا أحدهما، و كذلك قالوا: أ ما نام لعصر أي لم ينم حين نومه، و ما نام عصرا، و كلّ ذلك بالضّم و يقال: أعصرت الجارية أي بلغت حين إدراكها. قال: قد أعصرت أو قد دنا إعصارها. و هذا كما يقال: أحصد الزّرع و أجذّ النخل، كأنّها بلغت عصر شبابها و عصور شبابها و عصر شبابها، فأمّا فعل كذا عصرة أي مرة، فيجوز أن يكون من ذلك أيضا.
و حكى بعضهم أنّ العصر لما قد سلف، و لم يجيء في شعر الفحولة إلا كذلك و قد جاء في شعر من دونهم، و قال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي و المؤتنف، و يقال: لا أكلّمك العصرين، و ما اختلف العصران، و هما القرنان و الطّفلان. قال لبيد:
و على الأرض غيابات الطّفل. و قال: يسعى عليها القرنين غلام، و هما العصران و البردان و الأبردان و البردتان، و يجمع فيقال: الأبارد. و يراد بها أطراف النّهار.
و قال أبو سعيد الضّرير: العيّوق ما دام متقدّما على الثّريا، ففي الزّمان بقية من الأبارد، و إذا استوى العيّوق مع الثّريّا فقد بقي منها شيء قليل، و قال ذو الرّمة:
و ماج السّفا موج الحباب و قلّصتمع النّجم عن أنف المصيف الأبارد
و يقال: اختلف عليه الملوان: أي اللّيل و النّهار. قال ابن مقبل:
ألا يا ديار الحيّ بالسّبعانأمل عليها بالبلى الملوان
و هذا تثنية ملا، و فسّر أمل عليها: طال عليها. قال الشيخ: و يجوز عندي أن يكون أمل من إملال الكتاب، يقال: أمل الدّروس و الخلوقة عليها الملوان، و يكون الباء في قوله:
بالبلى: إن شئت زائدة للتأكيد، و إن شئت قلت: أراد بسبب البلى و يكون مفعول أملى محذوفا.
و ذكر بعض النّظار أنّ قولهم: ملوان لا يكون اللّيل و النّهار بدلالة قول ابن مقبل نهار، و ليل دائم ملواهما. و الشيء لا يضاف إلى نفسه و لكنّه المتّسع من الدّهر، و لو قيل: غدوّها و عشيّهما كان أشبه. و قال ابن أحمر شعرا:
ليهنكم أنّا نزلنا ببلدةكلا ملوة بها ميبس غير منعم
و قد تصرّفوا في هذه اللّفظة على أبينة مختلفة فقالوا: لقيت عنده ملوة من الدّهر و ملوة و مليا. قال اللّه تعالى: وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا [سورة مريم، الآية: 46] و مضت ملاوة من الدّهر و ملاؤه و ملاوة. قال أبو ذؤيب شعرا:
حتّى إذا جزرت مياه رزوبةو بأيّ حزّ ملاؤه يتقطّع
و من هذا قوله تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ [سورة الحج، الآية: 44] أي أخّرت النّقمة منهم يقال: أملى اللّه لفلان العمر: أي أخّر عنه أجله، و قوله: بأيّ حز ملاوة، لفظة استفهام و المعنى معنى الخبر أي: تنقطع تلك المياه في حين، و أي حين، و المراد في أشدّ ما كان حاجة إليها عند انتهاء الحر و ذهاب الرّطب، و انتشاف الغدران، و هذا كما تقول: في أيّ حين و وقت زيدا حين تمكّن العدوّ منه، و ضاقت المسالك به، و يقال: على أيّ حزة أتانا فلان؟ أي أي ساعة و حين، و جئتنا على حزّة منكرة، و كأنّه يعني ما حزّ من الدّهر أي قطع، و إنّما أضاف الحزّة إلى الملاوة، و هما اسمان للوقت، لأنّ المراد بأيّ ساعة من الدّهر، فالحز اسم للجزء اليسير. و الملاوة: للممتد المتّصل، و هذا كإضافة البعض إلى الكل، و يقال: تملّيت حبيبا: أي عايشته طويلا ملاوة و حينا، و ملاك اللّه نعمة أي أدامها و أطال وقتها، و قال الأسود بن يعفر:
آليت لا أشريه حتّى يملّنيو آليت لا أملاه حتّى تعارقا
قال قطرب: قوله: أملاه أتى به على مليه: بلاه و قالوا: أملاك الجديدان و الأجدان و الفتنان: أي اللّيل و النّهار، و ابنا سمير، و كل ذلك اشتقاقه و طريقته ظاهر، قال:
لم يلبث الفتنان أن عصفا بهمليل يكرّ عليهم و نهار
و قال آخر:
غدا فينا دهر و راحا عليهمانهار و ليل يكثران التّواليا
و من هذا الباب قولهم: لا أفعله ما اختلف الصّرعان أي الغداة و العشي، و يقال:
الصّرعان: أي الغداة، و بالفتح أيضا و يقال: أتيته صرعي النّهار أي طرفيه من طلوع الشّمس إلى الضّحى، و بالعشيّ بعد العصر إلى اللّيل، ثم قالوا: هما صرعان: أي مثلان، فعلى هذا يراد باختلافهما تصرّفهما، و يقال أيضا: هو ذو صرعين: أي لونين و يجمع على الصروع، و ما أدري على أيّ صرعى أمره وقع، أي حاليه و تركهم صريعين: أي ينتقلون من حال إلى حال، و هو يفعله على كل صرعة، أي على كلّ حالة.
و حكى ابن الأعرابي: لا أكلّمك ما اختلف الصّرعان: الحينان غدوة و عشية، و من كلامهم: عندك ديك يلتقط الحصى صرعيه، يقال: هذا مثلا للنّمام، قال: و على هذا: يراد الاختلاف الذي هو ضد الوفاق. فأما قولهم: المصراعان في الأبواب و أبيات الشّعر فيجوز أن يكون من التماثل، و يجوز أن يكون من قولهم: هو صرع كذا أي حذاءه. الزّيادي اختلف عليه الفتنان، أي الغدوة و العشية من الفتون و هو الضّروب.
و قال أبو سعيد في قول اللّه تعالى: وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً [سورة طه، الآية: 40] أي فتونا في اليمّ و في مدين و حيث قيل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [سورة طه، الآية: 12] و ذكر يعقوب زرته:
البردين و القرنين أي طرفي النّهار. و زرته الغربين أيضا: أي غدوة و عشية. الأصمعي اختلف إليه الرّدفين أي الغداة و العشي- و الغداة ردف اللّيل و العشيّ ردف النّهار.
و يقال: لقيته بأعلى سحرين و بأعلى السّحرين أي وقت السّحر الأعلى و هو قبيل الصّبح. قال: غدت بأعلى سحرين تذأل. و بأعلى سحر. قال العجاج: غدا بأعلى سحر و أجرسا. رد بعضهم بيت العجّاج و قال: كان ينبغي أن يقول: بأعلى سحرين لأنّه أوّل تنفّس الصّبح، ثم الصّبح و تقول: أسحرنا كما تقول: أصبحنا- و تسحّرنا أكلنا سحورا- و جئتك بسحر- و بسحرة- و بالسّحر- و سحيرا.
و قال أحمد بن يحيى: الأسحار: الأطراف و به سمّي سحر، و أنا أراك منذ سحر.
و قال قطرب: أتيتك سحرية و سحريا و سحر، و يقول: سحرى هذه اللّيلة أيضا. قال في ليلة لا نحسّ في سحرّيها و عشائها.
و يقال: صبح و لا جمع له، و صباح و صبيحة و أصبوحة و إصباح، لأنّ العرب تجعل الإصباح لنفس اللّيل، فيقول: أصبح قال فبات يقول: أصبح ليل حتى تجلّى عن صريمة الظّلام.
و الصّبح صبحان، كما أنّ السّحر سحران. و يقال: ابنا جمير اليومان اللّذان يستسر القمر
فيهما في المحاق قبل البحيرة، و ابن حمير أيضا.
و حكى أبو العباس المبرّد أنّه يقال للشّتاء و الصّيف: العصران و كذلك لكل مختلفين معناهما واحد. قال الرّبيع بن صبيع:
أصبح منّا الشّباب قد بكراإن بان منّا فقد ثوى عصرا
يعني سنين كثيرة، و القارنان اللّيل و النّهار و أنشد للكميت شعرا:
يا من عذ يرى من ذوالهكم ذا يزيد على إباله
يغدو عليّ مقارناكالقلونين مع الغزالة
فلا جبانك مشقصاأوسا أويس من الهباله
قوله: على إباله، مثل يقال للرّجل إذا جاء بمكروه ثم أعقب بعده بمثله ضغث يزيد على إباله، و الإبالة الحزمة الكبيرة. قوله فلا جبانك يريد لأرمينّك بسهم حبالك. و الأوس العطية، و أويس تصغير أوس و هو الذّئب. و الهبالة من الاهتبال و هو الاغتنام، و قال بعضهم:
الهبالة اسم ناقة. يقول من يعذرني منه مقارنا غدوة و عشية و قيل في القارنين هما اللّيل و النّهار. و يقال للشّمس و القمر القمران. قال: لنا قمراها و النّجوم الطّوالع. و يقال لهما السّراجان من قوله تعالى: وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [سورة نوح، الآية: 16] و النّيران و مما جاء مثنى من أسماء الكواكب السّماكان الرّامح- و الأعزل- و النّسران: الطّائر- و الواقع- و الفرقدان و الشّعريان- العبور- و الغميصاء- و المرزمان و هما مرزما الشّعريين و الهراران- قلب العقرب و النّسر الواقع و الخراتان(1)في الأسد و الغميصاوان و الوزنان حضار- و الوزن و المحلفان و هما حضار و الوزن أيضا.
و قال ثعلب الهراران النّسران لأنّهما إذا طلعا في المشرق فهو نهاية البرد و هذا كما قيل: سهيل لأنّ الحرّ يسهل عند طلوعه، و قيل للدّبران الحادي و الدّابر و التّابع و يقال: ما رأيته منذ أجردان و جريدان و أجدان و جديدان أي يومان أو شهران. و ابنا سمير اللّيل و النّهار و السّمر الدّهر و ابنا سبات اللّيل و النّهار، و قيل ابنا سبات رجلان و أنشده شعرا:
و كنّا و هم كابني سبات تعزفاسوى ثم كانا منجدا و تهاميا
و عرقوتا الدّلو و الفرغان للمقدّم و المؤخّر، و حكى أبو العبّاس ثعلب: الأثرمان: الدّهر و الموت و أنشد شعرا:
1) و الخراتان نجمان و هما زبرة الأسد و الزّبرة بالضّم الكاهل و كوكب من المنازل و هما كوكبان نيّران بكاهلي الأسد ينزلهما القمر- قاموس.
و لمّا رأيتك تنسي الذّمامو لا قدر عندك للمعدم
و تجفو الشّريف إذا ما أخلّو تثني الدّنيء على الدّرهم
وهبت أخاك للأعجمينو للأثرمين و لم أظلم
أخلّ: احتاج من الخلة و الأعجمان: السّيل و الحريق، و حكى أبو عمر و غلام ثعلب مرزم السّماك و مرزم الجوزاء.
قال أبو نصر: تكوير اللّيل على النهار و النّهار على اللّيل أن يلحق أحدهما بالآخر.
و إيلاج النّهار في اللّيل، و اللّيل في النّهار، دخول أحدهما في الآخر. و قال الخليل: التكوير تغشية اللّيل النّهار و النّهار اللّيل. و منه كارة القصار. و قال الدّريدي: الكور كور العمامة و القطعة العظيمة من الإبل، و في المثل: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، أي النّقصان بعد الزّيادة، و كرت العمامة كورا، و كذلك الكارة و كار الرجل، و استكار: أسرع في مشيته يكور كورا، و زلف اللّيل من النّهار و النّهار من اللّيل ساعات كل واحد منهما يأخذه من صاحبه، و الواحدة زلفة. قال تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [سورة هود، الآية: 114] و منه المزالف و الزّلفى و مزدلفة.
و قال الخليل: مزدلفة: سميت بهذا الاسم لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، قال الأصمعي: إذا طلع الفجر فأنت مفجر حتى تطلع الشّمس فإذا طلعت فأنت مشرق إلى ارتفاع النّهار، ثم أنت مضح. و في القرآن: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [سورة الشعراء، الآية: 60] في وقت طلوع الشّمس، و الإشراق و التّشريق انبساطها، و الشّروق طلوعها. ثم أنت مضح حتى تزول الشّمس، فإذا زالت فأنت مهجر و مظهر إلى أن تصلّي العصر، ثم أنت معصر و مقصر و موصل إلى أن تحمّر الشّمس، ثم أنت مطفل إلى أن تغيب، فإذا غابت فأنت مغيب و مغرب و موجب و مشفق و مسدف، فإذا غاب الشّفق فأنت مظلم و مفحم.
قال أبو العبّاس ثعلب: يقال: رجل نهر و سابح إذا كان يتصرّف في النّهار دون اللّيل، فإذا كان باللّيل دون النّهار قيل: هو ليلي لابس، و هذا أخذه من قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النّبأ، الآية: 10- 11] و قوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزّمل، الآية: 7] و قد قيل: سبحا أي: عملا و تقلبا و منه سمّي السّابح لتقلّبه بيديه و رجليه و لباسا: أي استمتاعا من قوله:
لبست أبي حتّى تملّيت عيشهو ملّيت أعمامي و ملّيت خاليا
و ذكر بعض أصحاب المعاني أنّ العيشة و العيش ليسا بالحياة، و لكن ما يستعان به على الحياة و استدلّ بقوله تعالى: وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النبأ، الآية: 11] قال: و هذا كما قال في الآية الأخرى: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [سورة القصص، الآية: 73] و قال في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً [سورة الفرقان، الآية: 47] أي ما ألبسهم من ظلمته فلبسوه لباسا، و النّوم سباتا أي سكونا و أنشد لأميّة:
ما أرى من يعشّني في حياتيغير نفسي إلّا بني إسرال
و قال: المراد بقوله: يعشني يعينني على أمر الحياة، و السّكون إنّما هو في اللّيل و الابتغاء من فضله بالنّهار، و لكن لمّا عطف أحدهما على الآخر أخرجا مخرج الواحد الجامع للشّيئين، و نظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدا و عمرا لتلقينّ منهما شجاعة و فصاحة، على أنّ الفصاحة لأحدهما و الشّجاعة للآخر، و هذا بمنزلة ما يقع في الجمع إذا قلت: في بني فلان خير و شر، لأنّ الدّعوة قد ضمّتهم جميعا فانطوت على الخير و الشرّ، و إن كان الخير في جماعة و الشّر في آخرين، و كذا كلّ تثنية و جمع تعلّق الخبر به على الإجمال، لأنّه يصير كالواحد.
و قال تعالى في موضع آخر: وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: 47] أي:
ينشرون فيه عن نومهم باللّيل، و الانتشار التّصرف. و قال في موضع آخر: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً [سورة القصص، الآية: 72] أي دائما، يقال: هو يسهر سهرا سرمدا إذا لم يكتحل فيه بغمض و لا يكون السّرمد ما يقع فيه فصل، و قوله تعالى: تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ [سورة النمل، الآية: 49] أي تحالفوا، و كلّ عمل باللّيل تبييت. و يقال: هو أمر دبّر بليل. و يقال للصّقيع: البيوت، لوقوعه باللّيل، و في القرآن: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [سورة النساء، الآية: 108] و أنشد أبو عبيدة شعرا:
أتوني فلم أرض ما بيّتواو كانوا أتوني بأمر نكر
و قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً [سورة الفرقان، الآية: 62] الخلفة ما خلف بعضه بعضا أي كلّ واحد يخلف صاحبه، قال زهير:
بها العين و الأرآم يمشين خلفةو أطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم
و معنى لمن أراد أن يذكر، يريد لمن أراد أن يتذكّر و يستدلّ على نعم اللّه على خلقه و على أنواع لطفه فيما تعبّدهم به و تظاهر حججه و تبيانه فيما ندبهم إليه، و هذا كما قال تعالى: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ* [سورة القمر، الآية: 32] و كقوله تعالى:
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* [سورة الرعد، الآية: 19] و قوله تعالى: أَوْ أَرادَ شُكُوراً [سورة الفرقان، الآية: 62] يريد أو يتأمل ما ينقل فيه حالا بعد حال من صنوف آلائه، و وجوه إحسانه، فيضم الشّكر فيه. قوله: خلفة فيما يؤدّيه من المعنى كما حكاه أبو زيد من قولهم: ولد فلان شطرة، و المراد ذكورهم بعدد إناثهم، فهذا من الشّطر، كما أنّ ذاك من الخلافة. و النّشأة و النّاشئة أوّل ساعات اللّيل.
و قال ابن الأعرابي: إذا نمت من أوّل اللّيل نومة ثم قمت، فتلك النّاشئة و النّشأة حجر يكون على الحوض. قال و منه قوله: هرقناه في بادي النّشيئة داثر و النّشيئة الجارية.
و منه قول الشاعر شعرا:
و لو لا أن يقال صبا نصيبلقلت بنفسي النّشأ الصّغار
قال أبو العباس المبرّد: إذا قال القائل: ما رأيته مذ مدّة من يومي علم أنّ ذلك ساعة أو ساعات. و إذا قال: مذ مدّة من عمري علم أنّ ذلك سنة أو سنون أو ما يدانيه.
و من ظروف المكان مني فرسخين: و كان شيخنا أبو علي يقول: هذا كان يقوله الدّليل لمن يستهديه، أي: إني أرشدك في فرسخين، و معنى من شأني و أمري كما قال: فإنّي لست منك و لست منّي و يجوز أن يقول: أنت منّي فرسخان، كأنّه جعله نفس الفرسخين.
و المعنى: بيننا هذه المسافة، فأمّا قولهم: هو منّي معقد الإزار و مقعد له لقابلة، و مناط الثّريا فإنما ساعت أن تكون ظروفا و إن كان المحدود من الأماكن لا يجعل ظروفا لأنّها أزيلت عن مواضعها، فوضعت موضع القرب و البعد، فدخلها بذلك الإبهام، و تقول: اليوم الجمعة و اليوم السّبت، و جعلت الثّاني هو الأوّل، فرفعت لكونه مبتدأ أو خبرا، و إن نصبت فقلت:
اليوم السّبت و اليوم الجمعة جاز. و تجعل الثّاني كالحدث لتضمّنه معنى الفعل، فيصير كقولك: اليوم الخروج، و غدا الارتحال، و لو قلت: زيد اليوم لم يجز، لأنّ ظروف الأزمنة لا تتضمّن الأشخاص و الجثث، لأنّها لا تخلو منها على كلّ حال، فلا يحصل في الكلام فائدة، و كذلك إذا قلت: حضرت يوم الجمعة، كان يوم الجمعة ظرفا لا غير، لأنّك إن جعلته مفعولا لم يكن فيه فائدة، لأنّه لا يغيب عنه أحد و على هذا قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [سورة البقرة، الآية: 185] و يقول: الصّيام عشرة أيام إلّا يوما، فلا يجوز إلا الرّفع لأنّه يريد الوقت كلّه فهو كقوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ [سورة سبأ، الآية: 12] و تقول: اليوم عشر من الشّهر و الاختيار النّصب، و كذلك إذا قلت لك: اليوم شهران أو سنتان نصبت اليوم، و إن سقط من الشّهر شيء لأنّ الاسم يستحق منه على نقصانه، و تقول: لا أكلّمك أخرى اللّيالي ذكر أخرى ليصلها بما قد مضى، و كذلك غابر الدّهر: أي باقيه و قوله: رآها مكان السّوق أو هو أقربا، مثل قوله تعالى:
وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [سورة الأنفال، الآية: 42] أي في مكان أقرب أو أسفل و يقول: هو منّي قدر أن تناوله يدي، و فوق أن يناوله يدي، و بعضهم يرفعه و الوجه النّصب و على هذا قوله شعرا:
و قد جعلتني من خريمة إصبعاو يقول: لقيته من قبل قبل
على التّكرير، غاية و لقيته من قبل قبل تضيف الأوّل و لا تضف الثّاني، و النّية في الإضافة أن تكون إلى نكرة، و إن كانت النّكرة في مثل هذا المكان تفيد فائدة المعارف، بدلالة قوله آتيك غدا، لأنّه نكرة كالمعرفة، و قبل الذي لم تضفه معرفة لكونه غاية بما ضمّن، و هو في حكم البدل من قبل الأوّل، لأنّ إبدال المعرفة من النّكرة هو الأصل، و إن شئت قلت لقيته من قبل قبل، تنوي الإضافة فيهما على ما بيّنته. و مثله قولهم: من وراء وراء في الوجوه كلّها. و قد ذكر سيبويه في قولهم: من عل أنّه مضارع لقولهم: من عل لأنّهما لمّا وقعا لمعنى واحد على تقديرين مختلفين سمّاه مضارعه، فأمّا قوله: و قد علاك مشيب حين لا حين، فالمراد حين غير حين أي جاء المشيب في غير أوانه، فأدخل النّفي على حدّ ما كان موجبا.
و في أحرف سواه يكثر البلوى به.
قال أبو زيد: يقال: ائتنفت الكلام ايتنافا و ابتدأته ابتداء أو هما واحد، و أنشد:
وجدنا آل مرّة حين خفناجريرتنا هم الأنف الكراما
و يسرح جارهم من حيث أمسىكأنّ عليه مؤتنفا حراما
قال السّكري: الأنف: الذين يأنفون من احتمال الضيم. قال شيخنا أبو علي: فإذا كان كذا فقد جمع فعلا على فعل، لأن واحد أنف أنف بدلالة قوله:
و حمّال المئين إذا ألمّتبنا الحدثان و الأنف النّصور
و وجه هذا أنّه شبّه الصّفة بالاسم، فكسّرها تكسيره، فقالوا في جمع نمر: نمر و أنشد سيبويه: فيها عياسل أسود و نمر. و ليس الأنف و الأنف في البيتين ممّا في الآية في شيء، لأنّ ما في الشّعر من الأنف، و ما في الآية في معنى الابتداء و لم يسمع أنف في معنى ابتداء و إن كان القياس يوجبه.
و قد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير جاء عن فقر و المستعمل افتقر. و كذلك شديد، و المستعمل اشتدّ، فكذلك قولك آنفا و المستعمل ائتنف،
فأما قوله: كان عليه مؤتنفا حراما، فالمعنى كان عليه حرمة شهر مؤتنف حرام، فحذف المضاف و أقام الصّفة مقام الموصوف، و التّقدير: أنّ جارهم لعزّهم و منعتهم لا يهاج و لا يضام، فكأنّه في حرمة شهر حرام و قوله: و يأكل جارهم أنف القصاع، فإنه يريد أنّهم يؤثرون ضيفهم بأفضل الطّعام و خيره فيطعمونه أوّله لا البقايا، و ما أتى على نقاوته، فهذا جمع على أنف مثل: بازل و بزل قابل و قبل. و إذا كان كذلك قرئ قراءة من قرأ: ما ذا قالَ آنِفاً [سورة محمد، الآية: 16] و أمّا ما روي عن ابن كثير من قوله: أنفا فمجوز أن يكون توهّمه مثل حاذر و حذر، و فاكه و فكه و الوجه الرّواية الأخرى آنفا بالمدّ كما قرأ عامتهم.
و قال بعض أصحاب المعاني: لا يمتنع أن يكون الباب الذي قسمه كلّه من أصله واحدا و هو التقدّم، و تكون الأنفة من الأنف الذي هو الجارحة، و سمّيت به لتقدّمه في الوجه. ثم جعل ما يؤنف منه من الذّل، كإضافة الأنف و جدعه يبيّن هذا و يشهد له قولهم:
بعير أنف و مأنوف: إذا عقره في الخشاش فانقاد لما يراد منه، و في الحديث: «المسلم هيّن ليّن إن قيد انقاد» و قد نسب الذّل إلى الأنف في كلامهم حتّى قيل: هو يحمي أنفه من كذا و هو حمي الأنف، و الشاعر قال:
و لا نال أنفا منه بالذّل نائل
و قال أبو إسحاق في قوله تعالى: ما ذا قالَ آنِفاً [سورة محمد، الآية: 16] أراد في أوّل وقت يقرب منّا، و قال الخليل: أنفت فلانا أنفا، كما تقول: الذي قبل أي قبل كأنه أراد أنفته فأنف أنفا، و المعنى حركته من أقرب وقته فابتداء هذا بيان ما رمى به الخليل. و يجوز فيه وجه آخر: و هو أن يريد ما ذا قال فيما أنفه و أنفا و يكون أنفته و أنفا من باب قم قائما و أشباهه. و يكون اسم الفاعل نائبا عن المصدر، قال: و ائتنفت ايتنافا أوّل ما يبتدأ فيه، و المستأنف من الكلام و الأمر كذلك.
قال أحمد: و على ما حرّرناه من كلام المعترض و حكاية الخليل، صحّ قراءة ابن كثير و توجّه اختياره أنفا غير ممدود قياسا و سماعا، و لم يكن متوهّما فاعلمه.
و من الأحرف التي نداولها قوله تعالى: وَ أَدْبارَ السُّجُودِ [سورة ق، الآية: 40] هو مصدر و المصادر تجعل ظروفا على إرادة إضافة أسماء الزّمان إليها و حذفها كقولك: جئتك مقدم الحاج، و خفوق النّجم، و خلافة فلان، يريد في ذلك كلّه وقت كذا فحذفه فكأنّه قال:
وقت أدبار السّجود، إلا أنّ المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر و هذا أدخل في باب الظّروف من قولك أدبار السّجود إذا فتحت و كأنه أمر بالتّسبيح بعد الفراغ من الصّلاة.
و قد قيل: أريد به الرّكعتان بعد المغرب، و أدبار جمع دبر و دبر و قد يستعمل ظرفا نحو: جئتك في دبر الصلاة، أي في أدبار الصّلاة، و قال شعرا:
على دبر الشّهر الحرام لأرضناو ما حولها جدت سنون تلفّع
و قوله تعالى: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ* [سورة يوسف، الآية: 22] أي منتهى شبابه و قوّته واحدها شدّ مثل فلس أو شد مثل فلان ودي، و القوم أودى، أو شد مثل نعمه و أنعم، و معناه قال مجاهد: ثلاثا و ثلاثين سنة و استوى معناه أربعين سنة، قالوا: و أشد اليتيم ثماني عشرة سنة. قال أبو زيد: يقال: هو الأشد و هي الأشد، و في القرآن: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [سورة الأحقاف، الآية: 15].
قال الفرّاء: الأشد هنا هو الأربعون أقرب إليه في النّسق، و أنت تقول: أخذت عامّة المال، إذ كلّه لا يكون أحسن من أن يقول: أخذت أقلّ المال، أو كلّه و أنشد المفضّل في شدّ:
عهدي به شدّ النّهار كأنّماخضب اللّبان و رأسه بالعندم
و عند أكثر أصحابنا البصريّين أنّ الأشدّ واحد، و أنّه شاذ لأنّه لم يجيء أفعل في الواحد.
و قوله تعالى: أَحْسَنُ مَقِيلًا [سورة الفرقان، الآية: 24] من القائلة و هو الاستكنان في وقت انتصاف النّهار، و جاء في التّفسير لا ينتصف النّهار يوم الجمعة حتّى يستقرّ أهل الجنّة في الجنّة و أهل النّار في النار، فتحين القائلة، و قد فرغ من الأمر فيقيل كل من الفريقين في مقره.
السّنون التي دعا النّبي صلى اللّه عليه و سلم فيها على مضر و قال: «اللّهم اشدد وطأتك على مضر، و اجعلها سنين كسني يوسف» يقال: كان النّاظر منهم يرى بينه و بين السّماء دخانا من شدّة الجوع، و يقال: بل قيل للجدب دخان، حتّى قيل في قوله تعالى: بِدُخانٍ مُبِينٍ [سورة الدّخان، الآية: 10] أي جدب، ليبس الأرض، و ارتفاع الغبار، فشبّه ذلك بالدّخان، و من مجازهم و اتّساعهم: ارتفع له دخان إلى السّماء هذا لبشر و ذلك إذا علا.
قال قطرب: أسماء الأيام: السّبت- و الأحد- و الاثنان- و الثّلاثاء- و الأربعاء- و الخميس- و الجمعة. فالأحد هاهنا اسم و أصله: و حد و قد يكون صفة مثل قوله: بذي الجليل على مستأنس وحد. و معنى الواحد الذي لا ثاني له و إنّما لم يثنّ و هو اسم لأنه متى ثنّي خرج من أن يكون واحدا، فلذلك لم يقل: وحدان و إبدال الهمزة من الواو المفتوحة جاء في أحرف معدودة. و الاثنان من ثنّيت الشيء إذا ضعّفته ثنيا ثم يسمّى المثنّى ثنيا، و لا يقال في أحد اثن، لأنّه إذا أفرد عما يثنّى به لم يستحقّ هذا الاسم. فأمّا الثّلاثاء و الأربعاء و الخميس فإنّها و إن أريد بها ما يراد من أسماء العدد إذا قلت ثلاثة و أربعة و خمسة، فإنّ في تغيّر الأبنية لها قصد. و سيبويه قال: أحبّوا في الأوقات أن يحصوها بأبنية تلزمها من بين سائر المعدودات، و شبّهها بقولهم: عدل و عديل و وزين و وزان في الفصل بين الأجناس.
و حكى سيبويه: هذا يوم اثنين مباركا فيه. و استدلّ على تعريفه بانتصاب الحال بعده، و فيه على هذا تعريفان.
الأوّل: باللّام تعريف الحارث و العباس.
الثّاني: تعريف العلميّة و الوضع، كما أنّ عروبة، و العروبة للجمعة كذلك، و السّبت سمّي به قيل: للراحة، و منه السّبات النّوم، و يقال: انسبت الرّجل إذا اعترته سكتة. و قيل:
أصل السّبت القطع. و منه السّبات لأنّه يحول بين التمييز و صاحبه، و يقطعه عن عادته و تصرّفه، و يقال: سبتوا عنقه إذا قتلوه. و المنسبت من النّخل: ما يجري الإرطاب في جميعه، فكأنّه انقطع من حدّ البسر، و يقال لضرب من النّعال: السّبت، و إنّما هي التي قد نثر شعرها. و يقال: إنّ السّبت إنّما سمّي لما أخذ على اليهود في السّبت و نهوا عنه في هذا اليوم مما هو مباح في غيره، و انقطاع حكمه من حكم غيره، و من جعل السّبت إنمّا يسمّى به
للرّاحة، يقول قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [سورة ق، الآية: 38] هو ردّ على اليهود في قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* آخرها يوم الجمعة و استراح في يوم السبت فردّ اللّه ذلك عليهم و أبطل قولهم. و سمّي السّبت: شيارا و اشتقاقه من شيرت الشيء إذا أظهرته و بيّنته، و يقال: شيراي حسن الشيارة و هي ظاهر منظره، و من هذا قيل: القوم يتشاورون أي يظهرون آراءهم كأنّ كلّ جماعة منهم يظهرون ما عندهم و يعرضونه. و يجوز أن يكون قولهم لخيار الإبل الشّيار من هذا الذي ذكرناه. و قيل للأحد: أوّل لأنهم جعلوه أوّل عدد الأيام. و قالوا للإثنين: أهون و أوهد فأهون من الهون و هو السّكون من قوله تعالى: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [سورة الفرقان، الآية: 63] و أوهد يدلّ على هذا المعنى لأنّ الوهدة الانخفاض كأنّهم جعلوا الأوّل أعلى ثم انخفضوا في العد. و قالوا للثّلاثاء الجبار أي جبر به العدد، و أعظم به العدد و قوي، لأنّه حصل به فرد و زوج.
و قال الخليل: سمّي به في الجاهلية الجهلاء، و في الخبر العجماء جبار و المعدن جبار. أي يهدر الأرش فيه، فهو يخالف المعنى الأول. و قولهم للأربعاء: دبار لأنّه عندهم آخر العدد و قد تمّ بإجرائه العقد الأوّل. و دبر كل شيء مؤخّره، و إنما كان كذلك لأنّ الخميس- و الجمعة- و السّبت- سمّوها بأشياء تصنع فيها فاستغنوا بها عن عددها. و قيل للخميس: مؤنس لأنه يؤنس به لقربه من الجمعة و في الجمعة التأهّب للاجتماع. و قيل للجمعة: العروبة لبيانها عن سائر الأيّام، و الإعراب في اللّغة الإبانة و الإفصاح، و العرب شوك البهمي و الواحدة عربة، سمّي بذلك لأنّ الورق يسقط منه فيظهر الشّوك. فالتّأويل أنّه قد بان من الورق و العرابة عسل الخزم، سمّي به لأنّه يقال لثمرة العراب، و الواحدة عرابة، و قد أعربت الخزم، و يقال للمرأة الغزلة هي عربة و عروبة أيضا. و منه قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً [سورة الواقعة، الآية: 35- 36] و قيل: العروبة المتحبّبة إلى زوجها، و يقال للمتهلّل الوجه: عرابه. و بير عربة: كثيرة الماء. و قد قيل:
العروبة بالألف و اللّام و بغير الألف و اللام كأنّه جعل علما، و أنشد فيه شعرا:
و إذا ترى الرّواد ظلّ بأسقفيوما كيوم عروبة المتطاول
يروى يوما كيوم، و يوما كيوم، قال: و لم يزل أهل كل دين يعظّمونه و جعله متطاولا للعبادة فيه، و المعنى و إذا ترى هذا الحمار الوارد ظلّ له يوم طويل و طوله طول مكثه يميل بين الورود و تركه. و إذا نصبت اليوم: فالمعنى ظلّ الحمار يوما طويلا في هذا الموضع، و إذا رفع فالمعنى ظلّ بأسقف يوم له، و روي الأرواد فكأنّه جمع ورد و المعنى: أهل الأوراد أو يجعل الورد للواردين. و قال القطامي: فأتى بالألف و اللّام شعرا:
نفسي الفداء لأقوام هم خلطوايوم العروبة أورادا بأوراد
(و تسمّى الجمعة) حربة أيضا، سمّيت بذلك لبياضها و نورها فهي في الأيّام كالحربة.
(و ذكر أصحاب) السّير أنّ أولاد نوح عليه السّلام عزموا على المسير في الأرض ليروها، و يختاروا منها لمطافهم و أوطانهم فبدءوا بمسيرهم في يوم الأحد فسمّي الأوّل. (ثم لمّا كان اليوم الثّاني) كان السّير الذي شق عليهم في الأوّل أخفّ فسمّي الاثنين أهون. و (في الثّالث) جبروا ما تشعّث من أحوالهم بعد ما نزلوا سمّي لذلك الثّلاثاء جبارا، و لأنّهم جبروا ما كانوا خفّفوه من سيرهم فيما قبله فسمّوه جبارا. و (في الرّابع) انتهوا إلى عقاب و جبال فحجزتهم و منعتهم فأدبروا و غيّروا الطّريق فسمّي الأربعاء دبارا. و (في الخامس) تسهّل الطّريق و رأوا ما أنسهم فسمّي الخميس مؤنسا. و (سميت الجمعة) العروبة لأنّ كلمتهم اجتمعت و بان لهم من الرّأي ما كان خافيا فتعربوا و اتّفقوا. فإذا جمعت السّبت فيما دون العشرة أسبت و الكثير سبوت. و إذا جمعت الأحد قلت في القليل: آحاد و في الكثير أحود مثل جمل و أجمال و جمال و أسد و أسود و آساد. و الاثنان لا يثنّى فإنّه مثنّى، فإن أردت تثنيته جئت بالمعنى فقلت: هذان يوما الاثنين و لا يحسن مضى الاثنانان، فيحصل الإعراب مرتين. قال قطرب: و مع ذلك قد حكي. و في الجمع أيضا تقول: مضت أيام الاثنين، إلا أنّهم قد قالوا: اليوم الثّني فلا بأس على هذا أن يجمع فيقول: مضت أثناء كثيرة.
و حكي عن بعض بني أسد: مضت آثان كثيرة، كأنّه جمع أثناء مثل: قول و أقوال و أقاويل، و أسماء و أسامي، فلا بأس بذلك. قال: و حكيت لنا مضت أثانين، و لا وجه لهذا لأنّه من ثنيت الشيء، فالنّون الأخيرة لا مدخل لها، فأمّا جمع الثّلاثاء و الأربعاء فثلاثاوات، و أربعاوات بالألف و الثّاء، لأنّ فيها علم التأنيث و هو الهمزة بعد الألف كألف حمراء و صفراء.
و زعم يونس أنه يقال: مضت ثلاث ثلاثاوات، و أربع أربعاوات، على تأنيث اللّفظ و يقال: ربعت الجيش إذا أخذت ربع القسمة منهم و لم يأت على وزن المرباع في تجزئة الشيء غير المعشار و المرباع المكان الباكر بالنبات. و منه قوله: رزقت مرابيع النّجوم، و في الأربعاء لغات أربعاء بفتح الباء و أربعاء بكسر الباء و الهمزة، و يجمع على أربعاوات و أرابيع، و تقول أيضا: ثلاث ثلاثاوات و أربعة أربعاوات على معنى التّذكير، لأنّ اليوم مذكّر و قال الشّاعر شعرا:
قالوا: ثلاثاؤه خصب و مأدبةو كلّ أيامه يوم الثّلاثاء
و حكى المفضّل في الثّلاثاء الأثالث في الكثير. و حكى في جمع الأربعاء الأرابيع أيضا، و أمّا الخميس فإذا جمعته على أقل العدد كان على أفعلة تقول: ثلاثة أخمسة، كما
قالوا: جريب و أجربة و كثيب و أكثبة، و يجوز في القياس جمعه على فعلان نحو خمسان، كما قيل: كثيب و كثبان و رغيف و رغفان.
و قال يونس: أخمسة في الأيام، و أخمساء في الخمس، تقول: إذا أخذ الخمس قد أخذ أخمساء في ماله. فأما الجمعة فإنّها إذا جمعتها لأدنى العدد كانت بالتّاء: ثلاث جمعات، أتبعت الضمّة مثل ظلمات، و إن أسكنت فقلت جمعات و ظلمات كما أسكن عضد و عضد و عنق و عنق جاز و إن شئت فتحت فقلت ثلاث جمعات و ظلمات. و قال النّابغة:
و مقعد أيسار على ركبانهمو مربط أفراس و ناد و ملعب
و إن شئت قلت ثلاث جمع كما تقول: ثلاث ظلم و ثلاث برم. و إن شئت كان ذلك لكثير. و أيّام العجوز سبعة كما قال:
كسع الشّتاء بسبعة غيرأيّام شهلتها من الشّهر
فبآمر و أخيه مؤتمرو معلّل و مطفي الجمر
فإذا مضت أيّام شهلتهابالصّن و الصّنبر و الوبر
ذهب الشّتاء مولّيا هرباو أتتك واقدة من النّجر
قال أبو سعيد: سمّيت هذه الأيام غبرا للغبرة و الظّلمة. و الشّهلة العجوز. و آمر سمّيت بذلك لأنّه يأمر الناس بالحذر منه، و سمّي مؤتمر لأنّه يأتمر بالنّاس أي يرى لهم الشّر و يؤذيهم. و منه قول امرئ القيس:
أجاز ابن عمر و كأنّي خمرو يعدو على المرء ما يأتمر
و سمّي (صنا) لشدّة البرد. و الصّن البرد. و سمّي (صنبرا) لأنّه يترك الأشياء من البرد كالصّرة في الجمود، و كلّ ما غلظ فقد استصبر. و سمّي (وبرا) لأنّه وبر آثار الأشياء أي عفا.
(و التّوبير) المحو و الإخفاء، كتوبير الأرنب، و هو أن يمشي في حزونه لا يوقف على أثره، و سمّي (مطفي الجمر) بذلك لأنّ شدّة البرد تطفئ الجمر. (و معلّل) سمّي بذلك لأنّه يعلّل النّاس بتخفيف البرد. (و النّجر) و قدة الحر، و منه قيل شهر ناجر. فهذا ما قاله أبو سعيد الضّرير، و من النّاس من يقول في أيّام العجوز هي: المسترقة في أوّل الشّتاء. و منهم من يجعلها في آخر الشّتاء و يسمّيها أيّام الشهلة. و منهم من يعدّها خمسة، و منهم من يعدّها سبعة على ما تقدم. و حكي أنّ الكسائي سأله الرّشيد عن سببها، فقال: كانت امرأة من العرب قد اهترمت، و كان لها سبعة أولاد فقالت لهم: زوّجوني زوّجوني زوّجوني و هم يضربون عنها و لا يكترثون لها فأنشأت تقول شعرا:
أيا بنيّ إنّني لناكحةفإن أبيتم إنّني لجامحه
هان عليكم ما لقيت البارحةمن الهياج و حكال الوامحه
و يروى الفاضحة. و قيل: أرادت بالوامحة الواحمة أي المشتهية من قولهم: و حمت المرأة توحم و حما و هي امرأة و حمى، فقالوا لها: بيتي لنا سبع ليال على ثنية هذا الجبل لكل ابن ليلة لنزوّجك بعد ذلك، فجاءوها بعد السّابعة و قد انقضت.
(فمن عدّها) سبعة فقال: هي: صن(1)و صنبر- و وبر- و آمر- و مؤتمر- و معلّل- و مطفي الجمر- (و من عدّها) خمسة قال هي: صن- و صنبر و اختهما و بر- و مطفي الجمر- و مكفي الظّعن.
و قال أبو سعيد الضّرير: سمّيت أيام العجوز لأنّ العرب جزّت الأصواف و الأوبار مؤذنة بالصّيف، و قالت عجوز منهم لا أجزّ حتى تنقضي هذه الأيّام فإنّي لا آمنها، فاشتدّ البرد لها، و أضرّ بمن قد جزّ و سلمت العجوز بما لها.
و قال أحمد بن يحيى: الصّحيح أنّ العجوز عجلت بجزّ صوفها لحاجتها إليه و ثقتها بالحر، فجاء البرد و موّتت غنمها، و كانت سبعة فماتت كلّ يوم واحدة فمن جعلها سبعة فلهذه العلّة، و إلّا فبرد العجوز ربّما بقي عشرة أيام أو أكثر.
و قال أحمد بن يحيى: (معتدلات سهيل) بإزاء (برد العجوز) (و الكسع) ضرب الضّرع بالماء البارد حتى لا يدر، و كسع الشّتاء ضرب آخره بهذه الأيّام. و (الشّهلة) العجوز، و تشهّل الغلام إذا تغيّر بخروج لحيته أو لغير ذلك. قوله (بآمر) أي بيوم استعدّ فيه للبرد كأنّه أمر بذلك. و (مؤتمر) أي ايتمر للّذي أمره بذلك فقبله و قوي برده. و (معلّل) من العلل و هو شرب بعد شرب كأنّه جاء ببرد بعد برد (و مطفي الجمر) أي لشدّة البرد لا يكون للجمر ثبات. (و الصّن) المتكمّر برد شديد، (و الصّنبر) مثل ذلك. (و الوبر) يكون من الوبر الذي احتيج إليه من البرد. (و الوقدة) شدّة الحرّ من الوقود و هو النّار. (و النّجر) شدّة العطش.
و شهرا ناجر) تموز و حزيران.
و قال الضّرير في قول أبي عبيدة في الكسعة إنّها الحمير إنّه خطأ، لأنّ الكسعة تقع على الإبل و البقر العوامل و الحمير و الرقيق لأنّها تكسع بالعصا، أي تساق أو بالخب، فكيف جعلها حميرا و حدها؟ و مما يصدّق ما قلنا قول الشاعر في أيّام العجوز كسع الشّتاء، يريد كسعت أيّام العجوز الشّتاء كما تكسع السّيقة إلى حيث يراد بها، و يقال: إنّ يومنا لصنبر،
1) قال في القاموس:( الصّن) بالكسر أول أيام العجوز. و( الصّنبر) الثّاني من أيّام العجوز، و( الوبر) من أيام العجوز، و( آمر)( و مؤتمر) آخر أيّام العجوز.( و معلل) كمحدث يوم من أيام العجوز، و( مطفي الجمر) خامس أيام العجوز أو رابعها. 12 القاضي محمد شريف الدين المصحح عفى عنه.
و هو القر. و قال غيره في شدّة البرد: الخرص و الصّنبر و الزّمهرير. و قال بعضهم: أيّام العجوز: الصّن- و الصّنبر و ابن عمهما الوبر- و المضوضى في القبر- و المسند اللّامة الجمر و المدخل الفتاة في الخدر و المسلخ العجوز في الوكر.
و قد سمّت العرب الأيّام الخمسة بأسماء كما خصّت أيّام العجوز بأسماء و هي الهنبر- و الهنزبر و قالب القمر- و حالق الظّفر- و مدحرج البعر. قال أبو حنيفة: أمّا أيام العجوز فهي عند علماء الحضر في نوء الصّرفة بعد انقضاء الجمرات و هي خمسة.
و قال الكلابي: هي بالبادية عند ثلاثة بعد سقوط الجمرة الآخرة من الجبهة بنحو من سبع ليال، قال: و هذه الأيّام تسمّى صفوان. و الثّاني الصّافي و هو أشدّها قرا، و الثّالث صفى و هو آخرها، و أوّل نهاره يشبه الأوّلين، و آخر نهاره يتباشر النّاس بلينه. و روى غيره عن العرب أول يوم صفي. و الثّاني صفوان. قال و ذلك إذا اشتدّ البرد. و الثّالث همام لأنّه يهم بالبرد و لا برد له. و قال أبو زياد: فيها يقولون: أيّام العجوز ثلاثة، و قد كان أيام العجوز لنا شهرا. قال: و أيّام العجوز عند الجمهور سبعة، و سقوط الجمرة الأولى عند العوام لسبع من شباط. و سقوط الجمرة الوسطى لأربع عشرة من شباط، و سقوط الأخيرة لإحدى و عشرين من شباط. و أول أيام العجوز عندهم لخمس و عشرين من شباط، و آخرها لثلاث من آذار.
و ما يتّصل بذلك من تثنيتها و جمعها و هو فصلان:
أنّ النّاس ينظرون إلى الهلال فيشهرونه يقال: محرّم و محرّمان و محاريم و محرّمات و إنما سمّي محرّما لأنّهم كانوا يحرّمون القتال فيه و صفر و صفران و أصفار و سمّي صفرا لأنّهم كانوا يغزون الصّفرية و هي مواضع كانوا يمتارون الطّعام منها، و قيل: لأنّهم كانت أوطانهم تخلو من الألبان و من كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء و قرع الفناء. و يقال:
صفرت عيبة الود من فلان أي خلت قال شعرا:
و إذ صفرت عياب الودّ منكمو لم يك بيننا فيها ذمام
و يقال شهر (ربيع الأول) و الأوّل فمن خفض ردّه على ربيع و من رفع رده على الشّهر.
و كذلك شهرا ربيع الأوّلان و الأوّل و شهور ربيع الأوائل و الأوّل- و حكي ربيعا الأول و أربعة الأول- و قالوا: أربعة الأوليات و الأوّل و ربيعا (الآخر) و أربعة الأواخر و الآخر. و سمّيا ربيعين لارتباع القوم- أي إقامتهم. و (جمادى الأولى) و جماديان و جماديات و جماديا الأولى- و قالوا: الأوليين- و جماديات الأولى و الأوّل و الأوائل- و (جمادى الأخرى) و الأخريين و جماديات الأخرى و الآخر و الأواخر. قال الشاعر:
إذا جمادى منعت درّهازان جنابي عطن مغضف
و يروى قطرها، و إنّما يصف نخلا فيقول إذا قلّت الأمطار و لم يكن عشب فزين الإبل أعطنة النّاس، فإنّ جنابي يزينه النّخل، فجعل أعطانها منابتها (و المغضف) يقال نخلة مغضفة إذا كثر سعفها. و رواه بعضهم: معصف بالعين و الصّاد، يقال: مكان معصف أي كثيرة العصف و هو التّبن، و الأجود الأوّل و الأصح.
(و قال البصريّون و الكوفيّون) جميعا الشّهور كلّها ذكران إلّا جمادى: لجمود الماء فيها. و يقال: (رجب) و رجبان و أرجاب و أراجيب و أرجبة و سمّي رجبا لترجيبهم آلهتهم فيه، و التّرجيب: أن يعظّموها و يذبحوا عنها، و كانوا يعظّمون الشّهر أيضا و قال الشّاعر: لإبل من أجل و أرجب. و يقال له: شهر اللّه الأصم، و منصل الال بعد ما مضى غير دأداء، و قد كاد يذهب، و ذلك لقعودهم فيه عن الغزو و الكف عن الغارة فلا يسمع فيه قعقعة سلاح، و لا تداعي أبطال، و لا استصراخ لغارة، و يقال: رجبت الأمر إذا هبته و عظّمته، و منه قيل في المثل: أنا جذيلها المحكّك و عذيقها المرجّب.
و قال أبو داود: صادفن منصل آلة في فلتة فجرين سرجا. و يقال للّيلة التي لا يدري أ هي من الشّهر الحرام أو الحلال فلتة. و (شعبان) و شعبانات و شعابين و سمّي شعبان لتشعّب القبائل فيها و اعتزال بعضهم بعضا.
و رمضان و رمضانات و رماضين و سمّي رمضان لشدّة وقع الشّمس و تناهي الحرّ فيه و يقال: هذا شهر رمضان و هذا رمضان و قال شعرا:
جارية في رمضان الماضيتقطع الحديث بالإيماض
أي إذا ابتسمت: قطع النّاس حديثهم ناظرين إليها و إلى ثغرها و مستملحين كلامها و مثل هذا قول الآخر:
ديار التي كادت و نحن على منّىتحلّ بنا لو لا نجاء الرّكائب
و المعنى: كادت تصرفنا عن مقصدنا اشتغالا، لو لا استعجال النّاس، قال الفرّاء:
و كان أبو جعفر الفارسي يروي عن المشيخة أنّهم كرهوا جمع رمضان يذهبون إلى أنّه اسم من أسماء اللّه تعالى، و اللّه أعلم بهذا.
و شوّال و شوّالان و شوّالات و شواويل و سمّي بذلك لشولان الإبل بأذنابها عند اللّقاح، و يقال سمّي بذلك لأنّ الألبان تشول فيه و تقل. و يقال: شال اللّبن و شال الميزان إذا خفّا.
و ذو القعدة و ذواتا القعدة و ذوات القعدة، سمّي بذلك لقعودهم في رحالهم لا يطلبون كلأ و لا ميرة.
و ذو الحجّة و ذوات الحجّة لحجّهم و قالوا: ذواتا القعدتين، و ذوات القعدات و كذلك قيل في ذي الحجّة، و يقال: شهر ناجر لشدّة الحر، و منه نجر من الماء إذا جعل يشرب فلا يروى و أنشد شعرا:
و يوم كأنّ الشّمس فيه مقيمةعلى البيد لم تعرف سوى البيد مذهبا
و يوم على قوسين في شهر ناجرسعيت لأصحابي وراءه منشبا
شبه وشي ردائه بأفواق النشّاب و هي السّهام. و قال الأصمعي: شيبان و ملحان اسمان لشهري قماح و هما الشّهران اللّذان يشتدّ فيهما البرد، سمّي شيبان لابيضاض الأرض بالثّلج كذلك ملحان مأخوذ من الملحة و هو البياض.
و قال قطرب: يقال لجمادى الأولى و جمادى الآخرة شيبان و ملحان من أجل بياض الثّلج و قال قولهم: مات الجندب و قرب الأشيب أي قرب الثّلج. و قال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبهالملحان أو شيبان و اليوم أشهب
و ذكر المفضّل: أنّ من العرب من يسمّي المحرّم (المؤتمر) و الجمع مآمير و مآمر. قال الشّاعر:
لو لا ايتماري بكم في المؤتمرعزمت أمري للفراق فانتظر
و قال آخر:
نحن أجزنا كلّ ذبال فترفي الحجّ من قبل وادي المؤتمر
و اشتقاقه يجوز أن يكون من شيئين. (أحدهما) أنّه يؤتمر فيه الحرب قال: و يعدو على المرء ما يأتمر. و الآخر: أن يكون من أمر القوم إذا كثروا فكأنّهم لمّا حرموا القتال فيه زادوا و أكثروا. و يسمّى صفر ناجرا و الجمع نواجر. قال:
صبحناهم كأسا من الموت مرةبناجر حين اشتدّ حرّ الودائق
و قال الكميت:
قطع التّنائف عائدا بكفي وديقة شهر ناجر
و تكون تسميتهم إيّاه بذلك من شيئين: (أحدهما) أن يكون من النّجر و النّجار و هو الأصل، فكأنّه الشّهر الذي يبتدأ به الحرب، و منه قيل لجادة الطّريق: المنجر. قال: ركبت من قصد الطّريق منجره. (و الآخر) أن يكون من النّجر و هو شدّة الحرّ فيكون وقوع حرارة الحرب و الحديد فيه. و منه قوله: كلّ نجار إبل نجارها و كلّ نار المسلمين نارها، و يسمّى ربيع الأوّل (خوان) مخفف. و قال الفرّاء: بعضهم يقول خوان و الجمع أخونة و خوانات.
قال لقيط الإيادي:
و خاننا خوان في ارتباعنافانفد للسّارح من سوامنا
و قال الآخر:
و في النّصف من خوان ودّ عدوّنابأنّه في أمعاء حوت لدى البحر
و اشتقاقه من الخون و هو النّقص، لأن الحرب يكثر و يشتد فيه فيتخونهم أي ينتقصهم و يسمّى ربيع الآخر (و يصان) مضموم خفيف و قال الفراء: بعضهم يقول: بصان، و بعضهم يجعل الواو أصلا فيقول: وبصان فيجزم الباء و الجميع بصانات و أبصنة. قال:
و سيّان بصان إذا ما عددتهو يرك لعمري في الحساب سواء
و اشتقاقه من الوبيص و هو البريق، أو من البصيص. و أنشد شعرا:
و يوم كأنّ النّار يوقدها لههواجر وبصان عسفت به الحرقا
على ما يرى الضّبعين يشبه دالجاأحال بدلويه على حوضه دفقا
و يسمّى جمادى الأولى: الحنين و بعضهم يقول الحنين، و الجمع أحنّة. قال المهلهل:
أتيتك في الحنين فقلت رنّىو ما ذا بين رنى و الحنين؟!
و قال:
و ذو النّحب يؤويه فيوفي بنذرهإلى البيض من ذاك الحنين المعجّل
و اشتقاقه من الحنين لأنّ النّاس يحنّون فيه إلى أوطانهم.
و يسمّى جمادى الآخرة: رنى و ورنة بجزم الرّاء. قال الفراء: هكذا السّماع لبعضهم و غيره يقول: رنة مثل ورنة، و الجمع ورنات. قال:
و أعددت مصقولا لأيام ورنةإذا لم يكن للرّمي و الطّعن مسلك
و من قال: رنة قال في جمعه رنات مثل زنة و زنات، فأمّا رنى فسمّي به لأنّه يعلم فيه ما نتجت حروبهم. (و الرّني) الشّاة الحديثة النّتاج، و أما رنة و ورنة فمشتق من أرن يأرن، إذا نشط و تحرّك فأبدل الواو من الهمزة، و كأنّه أريد الوقت الذي يتحركون فيه للغزو، فورنة مثل وجهة، ورنة(1)مثل جهة. و قال:
مدرّج الرّيح تربّعن ورنةإذا عاقل و صغن برومان
فالمائر فلمّا دنا لهبان الشّتاء يمّمن أحرجة الحاجر.
و يسمّى رجب الأصم و الجمع صم. قال:
1) ورنة في القاموس اسم ذي القعدة- محمد شريف الدين عفا عنه.
يا ربّ ذي خال و ذي عن عممقد ذاق كأس الحتف في الشّهر الأصم
و إنّما سمّي به لتركهم الحرب حتى لا يسمع فيه صلصلة حديد.
و يسمّى شعبان (و علا) بكسر العين و الجمع أوعال. قال الفرّاء: و بعضهم يقول و علان. و يقال وعل أيضا، و هو الملجأ، يقال: ما لي عنه وعل: أي ملجأ، و لم أجد إليه و علا، أي سبيلا، و كأنّه سمّي الشهر به لأنّ الغارة كانت تكثر فيه فيلتجئ كلّ قوم إلى ما يتحصّن به. و التّوعّل التّوقّل و منه اشتقّ الوعل و المستوعل من الحمير المحترز.
قال و (يسمّى رمضان) (ناتق) و الجمع نواتق. قال:
و في ناتق أجلت لدى حومة الوغاو ولّت على الأدبار فرسان خثعما
و إنمّا سمّي بذلك لأنّه كان مكثرا لهم الأموال، يقال: نتقت المرأة: إذا كثرت الولد، و النّتق الجذب أيضا، كأنّه كان يجذب النّاس إلى غير ما هم عليه. قال الرّاعي:
و في ناتق كان اصطلام سراتهمليالي أفنى القرح جلّ إياد
نفوا إخوة ما مثلهم كان إخوةلحيّ و لم يستوحشوا لفساد
و يسمّى شوّال عاذلا، و الجمع عواذل. قال تأبط شرا:
شعب الوصل عاذلي بعد حجريحبّذا عاذل أتى خير شهر
يا ابنة العامريّ جودي فقد عيلعلى القرب و النّوى منك صبري
و قال:
أبوتا الذي أنسى الشّهور لعزّهفعاذل فينا عدل و علان فاعلم
هذا البيت شاهد لشعبان و شوّال جميعا. و قال زيد الخيل في وعل:
هيهات هيهات برّيات الكللقد كان أدنى متوعد منك و عل
قد مرّ شهران و لم يأت الرّسل و كأنّه سمّي بذلك لأنّه كان يعذلهم على الإقامة، و قد حلّت الحرب و الغارات.
و يسمّى ذو القعدة: هواعا، و الجمع أهوعة، و إن شئت هواعات. قال شعرا:
و قومي لدى الهيجاء أكرم موقعاإذا كان يوما من هواع عصيب
و قيل له ذلك: لأنّه كان يهوع النّاس أي يخرجهم من أماكنهم إلى الحج. و يقال: هاع فلان يهوع هوعا إذا قاء، و تهوّع و ما يخرج من حلقه هواعة.
و يسمّى ذو الحجة (برك) و جمعه بركات، و لك أن تفتح الرّاء. قال:
أعن لي على الهنديّ مهلا و كرةلدى برك حتّى تدور الدّوائر
يعني بالهندي سيفه (و المهلل) دردى الزّيت، (و الكرت) البعر، أي احفظ سيفي من الصدأ و اصقله بذلك، و كان الشّهر سمّي بذلك، لأنّه معدول عن بارك و كأنّه الوقت الذي يبرك فيه الإبل للموسم، و جائز أن يكون مشتقا من البركة لأنّه وقت الحج، فالبركات تكثر فيه، و أصل البركة من الثّبات و منه برك البعير.
و قال الدّريدي: و المشهور أسماء غيرها بلغة العرب العاربة، و هم كانوا يسمّون (المحرم) موجبا، و (صفرا) موجزا، و (ربيع الأوّل) موردا، و (ربيع الآخر) ملزجا و (جمادى الأولى) مصدرا، و (جمادى الآخرة) هوبرا، و (رجبا) مويلا، و (شعبان) موهبا، و (رمضان) ذيمرا، و (شوالا) جيفلا، و (ذا القعدة) محلسا، و (ذا الحجة) مسبلا، و كانوا يبدءون من السّنة برمضان و قد نظم بعضهم المحدثين أسماء الشهور فقال شعرا:
أردت شهور العرب في جاهليّةفخذها على سرد المحرّم يشترك
فهو تمر يأتي و من بعد ناجرو خوّان مع وبصان يجمع في شرك
حنين ورني و الأصم و عاذلو ناتق مع وعل و ورنة مع برك
و قال أحمد بن يحيى: إنّما خصّت العرب شهر ربيع و شهر رمضان بذكر شهر معهما من دون غيرهما من الشّهور ليدلّ على موضع الاسم، كما قالت العرب: ذو يزه، و ذو كلاع، فزادت ذو ليدل على الاسم، و المعنى صاحب هذا الاسم. قال و يصغّر جمادى على جميدى و جميدى و جميدية و جمادية و جمادية، كما قالوا: حبارى و حبيرة، و كان الحكم أن يقال في هذا: شهر الرّبيع الأوّل، و شهر الرّبيع الآخر، إلا أنّه مما أضيف فيه المنعوت إلى النّعت مثل دار الآخرة، و حق اليقين و صلاة الأولى، و مسجد الجامع، حكى ذلك الكسائي و اللّحياني.
و حكى أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي أنّ جمع ربيع المطر: أربعة، و ربيع النّهر أربعاء. و جمادى الأولى و الآخرة على ما يجب لأنّه أتبع فيه النعت المنعوت و لم يضف إليه، و منهم من يجيز جاء رمضان، و لا يذكر الشّهر و لفظ القرآن (شهر رمضان) و حكى الخارزنجي أنّه يقال في جمع ربيع الأول و ربيع الآخر: هذه الأربعة الأوائل، و الأربعة الأواخر، و الربعة أقصى غاية العدد، و أنشد فيه:
أم الفوارس بالدّيداء و الرّبعة
آخره، و فيه لغات: يقال سرار الشّهر، و سراره و سرّه و سرره.
و يزيد النّوء عندهم غرارة و حمدا إذا كان في سرار الشّهر. لذلك قال الرّاعي:
تلقى نوؤهنّ سرار شهرو خير النّوء ما بقي السّرار
و قال الكميت:
هاجت له من جنوح اللّيل رائحةلا الضّب ممتنع منها و لا الورل
في ليلة مطلع الجوزاء أوّلهادهماء لا قرح فيها و لا رجل
(قوله): لا الضّب البيت يعني السّيل يدخل عليهما فيستخرجهما لبلوغه النّجوات، و ذلك أنّ الضّب و الورل يرفعان مكانهما عن مجرى السّيول. (و قوله): لا قرح يريد أنّها من السّرار فلا ضوء في أوّلها و لا في آخرها. و قال الحطيئة شعرا:
بانت له بكثيب حرية ليلةو طغا بين جماديين درورا
و هي اللّيلة التي لا يدرى من أيّ الشّهرين يكون مشكوكا فيها، و قد يحمد أن يكون في أوّل الشهر أيضا. قال الكميت:
و الغيث بالمتألّقاتمن الأهلّة في النّواحر
النّواحر: جمع ناحرة و هي اللّيلة التي تنحر الشّهر، و يقال لها أيضا: النّحيرة. قال أبو حنيفة: و اختلف فيها فزعم بعض أهل العلم أنّها أول ليلة من الشّهر يذهب إلى أنّها في نحره، و زعم غيره: أنها آخر ليلة من الشّهر لأنّها تنحر الشّهر الدّاخل، قال: و لا أظنّه قال هذا إلّا لأنّ يجعل الاختيار في السّرار، لأنّه أشهر لكنه قد جاء بالمتألّقات من الأهلة، و جاء أيضا وافق غر شهر نحيرا، و لا يقال غرّة إلّا و هي ليلة الهلال، و قد قال الفرزدق: في ناحرات سرار بعد إهلال. فجعلها من السّرار و جعلها ناحرة و جعلها بعد الإهلال. قال: فإن كانت هذه الرّواية صحيحة فلا أعلم لها وجها، إلّا أنّ اللّيلة دخلت و هي من السّرار، لأنّ ما بين استسرار القمر إلى أن يرى الهلال سرار، كلّه، فدخلت و هي من السّرار، ثم رؤي فيه الهلال فصارت نحيرة، و صار ما فيها من غيث بعد الإهلال، هذا أقرب ما أعرف منها. و إن كانت الرّواية كما يزعم آخرون أنّها قبل الإهلال، فهذا ما لا كلام فيه. و يكون حينئذ مثل قول الرّاعي شعرا:
و مردة و طغا و افق نوؤهاقبل الهلال بديمة ديجور
و يكون حينئذ في السّرار المحض. فأما قول ابن أحمر:
ثم استهلّ عليها و اكف همعفي ليلة نحرت شعبان أو رجبا
فإنّه يحتمل المعنيين جميعا، هذا إن كانت النّحيرة معروفة عند العرب أنّها أوّل ليلة من الشّهر. و قيل في قول الشّاعر:
كان ابن مزنتها جانحاقسيط لدى الأفق من خنصر
مثل قول الكميت، لأنّ ابن المزنة هو الهلال و قول أبي و جزة:
جيران دان من الجوزاء منحور. فليس هو من النّحيرة بل هو مثل قول الرّاعي:
فمرّ على منازلها فألقىبها الأثقال و انتحر انتهارا
أي يشقّق بالماء و تعشق فعلى هذا مذهب العرب في اختيار السّرار و الغرّة، قال أبو حنيفة: و قد قال أبو و جرة في ليلة لتمام النّصف من رجب: خوارة المزن في أقتادها طول.
فلا أعرف أحدا وافقه على هذا الاختيار و لا أعلمهم حمدوا المحاق بليلة، فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر. و قال الأخطل شعرا:
فإن يك كوكب الصّمعاء نحسابه وافت و بالقمر المحاق
و تزعم الهند فيما يحكى عنها أنّ النّحوسة أبلغ في الأمطار، و إنّما النّحوسة عندهم ما دام القمر مستسرا محترقا، فإذا فارق الشّمس ذهبت عنه النّحوسة لأنّه قد خرج عندهم من الاحتراق، و العرب تقول: إذا نأت النّجوم بغير مطر: خوت تخوي خيا و خويا و أخوت تخوي إخواء. فإذا أمحلت فلم يكن فيها مطر فذلك الخي و الأخلاف، فإذا لم يخلف قبل صدقت و قد صدق النّوء إذا كان فيه مطر و ما كان فيها من أمطار أو بوارح: فهي الهيوج و الواحد هيج. قال الأصمعي: يقال: هذا في الهيج المتقدّم. و قال ذو الرمة:
فلمّا رأين القنع أسغى و أخلفتمن القصر بيّات الهيوج الأواخر
(القنع) المكان الذي انخفض وسطه و ارتفع جوانبه، و إنما وصف نساء دفعن إلى بوارح. و قال آخر:
و نار وديقة في يوم هيجمن الشّعرى نصبت لها الجبينا
قال ابن الأعرابي: العرب تسمّي نجوم الأسد كواكب النّحوس لشدّة بردها. و قال عمر بن اللّجاء شعرا:
لمّا خشيت كبة التّنكيسو قحم السّير بمر مريس
خنست في الباقل و الخليسو اقتحمت كواكب النّحوس
و الكيس أحيانا مع الخنوسحتّى وضعت غدوة دريس
أخبر أنّه اقتحمت كواكب النّحوس فسقطت فوضع ثوبه غدوة، و لم يخف البرد، و قوله: (خنست) في الباقل أي لم أنتجع، و (الباقل) البقل و الخليس من نبات البقل فيه رطب و يابس و منه قولهم: أخلس الإنسان: إذا خالطه شيب، و أنشد:
قوم أبا الجهم صدور العيسأما ترى البرق على خليس
رأى أن يقع النّدى و العرب تقول إذا سبق النّدى للقر، فلذلك عام خصب يستحبّه العرب، و يقولون: أجدحت(1)السماء و يزعمون أنّه من علامات الحياء. قال سهيل المدلجي: و أسد الشّتاء عنها مجدح. و إذا سبق القر الرّبيع خشوا أن يكون ذلك العام جدب.
1) في القاموس مجاديح السماء أنواؤها- المصحح.
و ما يتّصل بذلك و هو فصلان:
حكي باللّام و النون، و أنشد قطرب:
إني أرى لك أكلالا يقوم لهمن الأكولة إلّا الأزلم الجذع
قال: و بعضهم يرويه الأزنم بالنّون، فمن قال الأزنم أراد أنّ الأوقات التي يعرض فيها كالزّنمات له، تشبيها بزنمات الشّاة، و هي الزّوائد المعلّقة من حلقها و من تحت حنكها.
و من قال: الأزلم أراد أنّه سريع المر و التقلّب، يقال: ازلأم به إذا أخذه و عدا به مسرعا.
و منه قوله: أم قيد فأزلم به شاء و العنن. أراد أنّه لا يسمع أن قد فات به الموت و سبق و طار.
و منه قيل للقدح: الزّلم لخفّته في جولانه، و هذا كما قيل في صفاته قدح زلول و دروج، و معنى الجذع أنّه لا يهرم.
و زعم الفرّاء أنّ الأصل هو الأزنم من الزنمة، و أنّ اللّام مبدلة من النّون، و حكى الخليل: أنّ الزّلم: تكون زائدة في حلق المعز فإن كانت في الأذن فهي زنمة، و النّعت إزلم و إزنم، فعلى هذا يكون المعنى فيهما على طريقة واحدة و هو ما ذكرناه من تشبيه الحوادث بالزّنمات. و يجوز أن يكون سمّى الدّهر إزلم تشبّها بالزّلم يكون من القداح لأنّها على غرار واحد. و كذلك اللّيالي و الأيام تجيء على مثال واحد، و لذلك جاء في المثل: ما أشبه اللّيلة بالبارحة، فكأنّ الزّلم هي القطع و القدّ. و لذلك قيل: هو العبد زلمة أي: قدّه قد العبيد، و يقال: رجل مزلم أي يشبه القدح في الخفة و النفاقة.
و من أسمائه المسند و يقال: لا أفعله آخر المسند و إلى المسند و يد المسند و المعنى إلى أن يسند الدّنيا إلى الآخرة، كان المراد آخر الوقت المسند، و إلى الوقت المسند، و يجوز
أن يكون لما أسندت الحوادث إليه لاعتقادهم به الجالب لها و السّابق سمّي مسندا، و كان يجب أن يقال: المسند إليه فحذف إليه تخفيفا. و من أسمائه: عوض، يقال: لا أفعله عوض العائضين و دهر الدّاهرين، قال الأعشى:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسمابأسحم داج عوض لا يتفرّق
و (عوض لا يتفرق) يفتح و يضم، و قد جاء عوض كلمة يقسم بها يقال: عوض لا يكون ذلك أبدا. و روي بيت الأعشى: (بأسحم داجي العوض) و فسّر على أنّ عوض كلّ شيء جوفه. و يستعمل في الزّمان، فيقال: عوض اللّيل أي مثناه.
و حكى بعضهم أنّ عوض اسم للضمّ و أنشد: (حلفت بمائرات حول عوض) و قال بعضهم: يجوز أنّ استعمالهم إيّاه في القسم من حيث كان في الأصل اسما للضم، فأمّا استحقاقه للبناء فمن حيث كان متضمنا معنى لام التّعريف، فمن فتحه فلأنّ الفتح أخفّ الحركات، و من ضمّه فلأنّه شبّه بقبل و بعد.
قال الشّيخ: و يجوز أن يكون عوض في الأصل مصدر عاضه يعوضه عوضا و عياضا.
و جعل اسما للزّمان، و المعنى ما عوض الدّهر النّاس من أيّامه لأنّ الدّهر ليل و نهار يتعاقبان و يتعوّضان، و العوض و العياض و العوض البدل، و يقال: هو عوض لك و عياض لك أي عوض.
و المصادر تقام مقام أسماء الفاعلين و المفعولين. و معنى العائضين النّاس المقيمون في العوض فأمّا قوله: و هل عائض منّي و إن جلّ عائض. فالمراد به هل معط للعوض منّي بمعط و إن جلّ أمره و عظم شأنه. و المعنى لا يفي عوض من الأعواض بي و إن جلّ، لأني أكون أفضل من كلّ عوض. و يقال: عضته كذا فاعتاضه، كما يقال: وهبت له كذا فاتهبه، و قضيته الدّين فاقتضاه، و على هذا قيل في الشيء: هذا لا يعتاض منه، و أنشد صاحب العين شعرا:
يا ليل أسقاك البريض الوامضو الدّيم الغادية الفضافض
هل لك و العارض منك عائضفي هجمة يعذر منها القابض
سدس و ربع تحتها فرائض
أي هل لك في العارض منك على الفضل، قال: كان من قصته أنّ رجلا خطب ليلى، فقال: أعطيك مائة من الإبل يدع السّائق منها إذا ساقها بعضا لكثرتها فلا يطيق شلّها و أنا معارضك، أي معطيك الإبل مهرا، و أنا آخذ نفسك، فأنا عائض قد عضت أي صار العوض كلّه لي، فالفضل في يدي. و منه قولهم: لا أفعله يد الدّهر، و جدى الدّهر، فمعنى يد الدّهر
أي ما كان للدّهر يد أي حكم، كما تقول: لفلان في هذا يد أي ملك و أمر، و معنى جدى:
أي ما كان للدّهر جدى أي عطية.
و من أسمائه الأبض و قال: في سلوة عشنا بذاك أبضا. أي دهرا. و قال بعضهم:
الأبض في الأصل جمع أباض، و يخفّف و يثقّل: و هو الحبل يعقل به البعير فإذا قلت لا أفعله أبضا. فالمعنى ما كان للدّهر سبب. قال الشيخ: أقرب من هذا أن يكون من الأبض و هو العقل و الشّد كان المراد في زمان عقد علينا لا انفكاك منه. و يكون الأبض في أنه مصدر، و الأبض في أنه المأبوض كالسّد و السّدة و العقد و العقدة. و يجوز أن يكون سمّي بذلك لأنّه يضعف و يقيد بالهرم، و يقال للدّابة و الطّير إذا أصابه عقال فلم يسلس: إنه لموتبض النّسا و أبوض النّسا. قال:
و ظلّ غراب البين مؤتبض النّساله في ديار الجارتين نعيق
و قال أبوض النّسا بالمسمين خسوف، و لا أقبله ما اختلف الجرّة و الدّرّة أي أبدا، لأنّ الدّرة إلى أسفل، و الجرّة إلى فوق.
و منه: الأبد و الأبيد. و يقال: لا أقبله أبدا لأبيد، و أبد الآباد، و أبد الآبدين و أبد الأبد، و أبد الأبديّة، و المعنى إقامة الدّهر و مكثه، و الإضافة فيه على طريق التأكيد. و الأبد المقيم الّذي لا يبرح، و أوابد الشّعر، سمّيت أوابد لبقائها على مرّ الأيّام و أنشد شعرا:
صار لطول الدّهر من آبادهكمهرق لم يبق من مداده
غير بقايا نونه و صاده قولك: أبد الآباد كقولك: دهر الدّهور، و أبد الآبدين، كدهر الدّاهرين أي دهر النّاس المقيمين في الدّهر، و أبد الآبد كدهر الدّاهر، و من أمثالهم أتى أبد على لبد للشيء، و قد مضى و انقطع، و لبد اسم لنسر لقمان.
و من أسمائه: الطّيل و الطّول قال: و إن بليت و إن طالت بك الطّيل.
و يروى الطّول، و إنما أخذ من الطّول، و يقال: لا أكلّمك طول الدهر، و إنّما أنّث الشّاعر الطيل ردا على المعنى، كما يؤنث الألف إذا أريد به المعدودة.
و من أسمائه: المنون، و هو من مننت أي قطعت و يقال: حبل منين: أي مقطوع، قال أبو ذؤيب:
أ من المنون و ريبة تتوجّعو الدّهر ليس بمعتب من يجزع
فإن قيل: ما باله ذكّر المنون و هو و المنية سواء، و أنت إذا رويتها و ريبها قلت: أنّثه
لأنّه أريد المنية. قلت: المنون و يراد به الدّهر يشبه أسماء الأجناس و لذلك لا يجمع، و كما لم يجمع لم يؤنّث أيضا، و إذا أريد به المنيّة أشبه اسم الفاعل فأجري مجراه في التأنيث به لمعناه، و يقال: ما فعلته قط.
قال ابن السّكيت: فيه ثلاث (لغات: قطّ بالفتح و التّشديد و ضم القاف و التّشديد و فتح القاف و تخفيف الطّاء إذا كان بمعنى الدّهر. و إذا كان بمعنى حسب فهي مفتوحة ساكنة و أصله من قططت أي: قطعت و المعنى ما فعلته قطع دهري كلّه، و أبدا في المستقبل: بمعنى قط في الماضي. و يقال: لا أفعل كذا ما سمّي ابنا سمير، يعني اللّيل و النّهار، و لا أفعله ما سمر السّمير، و هم النّاس يسمرون باللّيل و ما اختلف ابنا سمير، و لا أفعله السّمر و القمر أي أبدا. و حكي: جاء بالسّمر و القمر أبو سعيد و قال: معناه بالنّور و الظّلمة، كما يقال: جاء بالضّيح و الرّيح، و يقال: السّمير الدّهر، و ابناه اللّيل و النهار. و قيل: الغدوة و العشي. و قيل في السّمر: إنّه ظلّ القمر فضم النّهار إلى اللّيل. و قيل: السّمر الظلمة و المقيم فيه سامر.
و منه السّامرة و السمر: حديث القوم باللّيل.
و قالوا: لا أفعله حرى و حارى دهر و حيرى دهر، بتسكين الياء. و المعنى ما حار الدّهر: أي رجع، و يجوز أن يكون من حار الدّهر يحير: أي أقام، و يقال: حيروا بهذا الموضع، أي أقيموا. قال بعضهم: و منه سمّيت الحياة. و حكي حير الدّهر جمع حيرى، كما قيل: زنجي و زنج، و عربي و عرب.
و يقال: لا آتيك سجيس عجيس، أي الدّهر، قد يصرف فيقال: عجيس أي الدّهر، فقوله: عجيس يجوز أن يكون من عجسه أي قبضه و حبسه، و منه معجس القوس أي مقبضه، و عجاساء اللّيل: ظلمته، لأنّها تحبس النّاس و يكون المعنى ما بقي الدّهر و حبس على أهله. و يجوز أن يكون من عجس اللّيل و عجيسه أي آخره، و منه تعجس عن القتال و عجس: أي تأخّر فيكون المعنى: آخر الدّهر. و سجيس فعيل و يفيد الامتداد على حاله، و سج و سجسج و سجس في طريق. و في الحديث: «نهار أهل الجنة سجسج» أي معتدل متّصل لا آفة فيه. و قال الأعشى:
قيس سجسج ساب إذا هبطتبه السّهل و في الحزن مرجلا عجلا
قال أبو عبيدة: السّجسج: اللّين المروّض، و السّاب من الأرض مسائل صغار، و كذلك السّيب، و روى أبو عمرو الشّيباني سجسا مسجا: إذا هبطت، و قال: السّجس السلس المنقاد لا يتغيّر، و المعنى: أنّ هذا البعير إذا سار في السّهل امتدّ في السّير على حاله و هو في الحزن مرجل، أي رجيل قوي المشي. و يروى مرجما و مرجلا، فعلى هذا جعل
سجيس الدّهر لامتداده و سلاسته في الاتّصال و الاستمرار. و من قال: سجيس عجيس: جعل الأول مع الثّاني كالشيء الواحد و بناءهما لتضمّن معنى حرف الجر، كان الأصل سجيسا لعجيس، فحذف حرف الجر و ضمن الأوّل و الثّاني معناه، و من أضاف الأوّل إلى الثّاني كان أمره ظاهرا و قالوا: لا أكلمك آخر الأوجس، و سجيس الأوجس، أي آخر الدهر، و سجيس اللّيالي. قال تأبّط شرا:
هنالك لا أرجو حياة تسرّنيسجيس اللّيالي مسبلا بالجراير
أي ما اتّصل اللّيالي و انقادت على حالة. و الأوجس: جمع و جس و هو ما يحصل في النّفس من ذعر و فزع لصوت أو حركة، و منه ترجس الوحشى، و في القرآن: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى [سورة طه، الآية: 67] فكأنّه سمّي الزّمان بالحوادث المفزعة فيه أو جعل إقطاع الزّمن يجس و يحدث بمنكرات الأمور حالا بعد حال.
و ذكر بعضهم الحوب في أسماء الدّهر، قال: يجمع على أحوب و أحواب و حوبة كما قالوا: عصر و عصرة، و دهر و دهرة، و غصن و غصنة، و قرد و قردة و كأنّه من الشّدة و العظم لأنّ الحوب الاثم الكبير، و يقال: يحوب الصّائح إذا اشتدّ صياحه. قال الخليل: الحوبا روح القلب، لأنّه ملاك الحي.
و من أسماء الدّهر: المخبل، و التّخبيل الزّمانة، و الخبل الفساد و يقال: خبل خابل.
قال: فأبلغ سليط اللّوم خبلا خابلا. فالخابل المفسد، و إنمّا سمّي الدّهر مخبلا، لأنّه إمّا يهرم، و إمّا يقتل. قال الحارث بن حلّزة:
فضعي قناعك إنّ ريب مخبل أفنى معدا
و يقال: لا أفعله سنّ الخبل: أي دوامه و بقاؤه، لأنّ سنّه من لحيه و ليس بمركب فيه، فلا يسقط، و لا أفعله مالات العفراء بأذنابها، و يقال: الفور و هي الظّباء و ما مصع الظبي بذنبه، و قال الأصمعي: الفور لا واحد له من لفظه، و لا أفعله ما جنح ابن أنان، و يقال:
لقيته أول ذات يدين أي أول شيء، و أما أوّل ذات يدين: فإنّي أحمد اللّه، و آثر ذي يدين، و ذوات يدين أي أول ما يأذن.
و الفطحل: يقال للزّمن القديم قال أبو عمر نوح زمن الفطحل، و يقولون: حين كانت الحجارة رطبة و قد مضى ذكره.
و لا آتيك هبيرة بن سعد و أبوه ابن هبيرة: أي أبدا، و قال الأصمعي: يقال في مقابلة أغببت الزّيارة، اغتمّت الزّيارة بالغين المعجمة، أي: أكثرت، قال: و قالوا كان العجّاج يغتم
أي يطيل الشّعر، و يكثر و يقال: أشوى الدّهر كذا أي تركه و هو من قولهم: فلان أكثر النّاس شواية أي بقية من قومه، و ما أشوى لنا الدّهر له.
و حكى الدّريدي: لا آتيك حد الدّهر و عجيس الدّهر، و سجيس الأوجس و سجيس الحرس، و سجيس الأبض.
و حكى غير واحد جير مبنيّة على الكسر، يراد به الدّهر و ربما أجروها مجرى القسم، يقال جير لأفعلنّ كذا أي حقّا لأفعلنّ و أنشد شعرا:
ابني جير و إن عزّ رهطيبالسّويداء الغداة غريب
و من أسماء الدّهر الخز و الملاوة و قد تقدّم القول فيه، و ذكر ابن الأعرابي قال أنشدني المفضّل شعرا:
و في بني أم زبير كيسعلى الطّعام ما غبا غبيس
قال: الغبيس الدّهر و غبا: بقي.
الأصمعي: لا أفعل ذلك بأسوس الدّهر، أي: أبدا، و هذا كأنّه من قولهم في ترك اللقاء: لا آتيك ما أيس عبد بناقة، و هو أن يقول: بس بس يسكن منها للحلب، و يقال: ما زال على است الدّهر محنونا، و على أسن الدّهر. و يقال: تركته بأست الدّهر، أي و لا شيء معه، و تركته بأسمر المتن: و هو متن الأرض: أي الصّحراء الواسعة. و لقيت منه است الكلبة أي: ما كرهته، و هو أمنع من است النّمر: للّذي لا يطلق الدنوّ منه لمناعته.
قال أبو حاتم: الدّهر سبات: أي أحوال مختلفة: سبة حرّ، و سبة برد، و سبة روح، و سبة دفيء. و يقال: أصابتنا سبة من برد أي لأشد ما يكون من القر فإن أصابك برد في آخر الرّبيع قلت: أصابتنا سبة من الرّبيع و أصابتنا سبة من حرّ و هي مثل الوقدة في نحو من عشرة أيام أو أكثر.
و حكى بعضهم: الأعرم: الدّهر، لأنّ فيه نوائب و صروفا متلوّنة، و يقال: عرم الصّبي: يعرم إذا أتى بألوان من الغيث، و يقال للأفاعي: العرم، لأنّ فيها نقطا تخالف لونها و أنشد: رءوس الأفاعي في مساربها العرم.
فأمّا قوله: حياكه وسط القطيع الأعرم، فإنّما يعني أنّ بعضه ما عز و بعضه ضأن، و يقال: لا أفعل ذاك حتى تحنّ الضّب في إثر الإبل الصّادرة، و لا أفعله حتى يبيض القار، و لا أفعله ما أبس عبد بناقة، و إبساسه: تحريك شفتيه. و لا أفعله ما هدهد الحمام. و لا أفعله ما صلّى على النّبي مصلّ، و ما دعا اللّه داع. و لا أفعله ما حلب حالب أضرع الدّهر.
يقال: دهر داهر، و أبد آبد و أبيد و حين حائن، و محين، و مدة مادة و مديدة، و ليل لايل.
قال هميان بن قحافة: فصدرت تحسب ليلا لائلا. و قيظ قائظ و صيف صائف، و شتاء شات، و ربيع رابع: أي مخصب، و يوم قائظ، و يقال عام أعوم و معيم و أعوام عوم، قال:
من مرّ أعوام السنين العوم، و حول محيل، و سنة سنهاء و شهر أشهر، و يوم كريت و قميط قال شعرا:
أقامت غزالة سوق الضّرابلأهل العراقين حولا قميطا
و شهر أجرد و أقرع و أصلع، و سنة جرداء و قرعاء و صلعاء. و قال قطرب: نهار أنهر و ليل أليل، و ليلة ليلاء: لتأكيد شدّتها. و قال غيره: نهار و نهر، و يوم يوم و يم لآخر يوم من الشّهر، و قيل: الأيوم في الشّديد. قال مروان: مروان أخو اليوم اليمي، و قيل: اليمي أريد الشّديد في حرب أو قتال. و إذا ذكر أمر عظيم حدث في يوم قيل: أيوم يوم، و إن كان ليلا قيل: ليل أليل، و إن كانت ليلة مشهورة قيل: ليلى و ليلاء، قال في ليلة ليلى، و يوم أيوم.
و قال:
كم ليلة ليلاء مدلهمّةكابدتها لحاجة مهمّة
و آخر ليلة في الشّهر لظلمتها ليلى مقصورة، و ليلاء ممدودة، و ليل ليلي. قال: لما أرجحن ليلة اللّيلى. و يقال: أتانا فلان حين هراق اللّيل أوّله إذا مضى بعضه و قال ابن أحمر:
تغمرت منها بعد ما نفد الصّبيو لم يرو من ذي حاجة من تغمّرا
فبتّ أعاطيها الحديث بمسننمن اللّيل أبقته الأحاديث أخضرا
(تغمرت) أي أصبت شيئا يسيرا، (و من ذي حاجة) أي من حاجة، و ذي زائدة.
(و المسنف) المتقدم، (و أبقته الأحاديث) أي انقطع الأحاديث قبل أن يتغد اللّيل، و قوله:
(أخضر) يحتمل ضربين: يكون صفة مسنف لأنّه نكرة مثله و يجوز أن يكون حالا من الهاء في أبقته، و مثله من الحال قوله: و مال لقنوان من البسر أحمرا.
و الحرس: الزّمان و الدّهر، قال الكاتب: و اختاره من سائر الأمثال في حرسه أي في زمانه، و في كتاب الخليل: الحرس وقت من الدّهر دون الحقب. قال بعض أصحاب المعاني من هذا قولهم: بناء أحرس. للأصم من البنيان.
و ما يضارعهما من أسماء الأمكنة أو يداخلها من ذكر الحوادث فيها. و هو ثلاثة فصول
قال الأصمعيّ و غيره: يقال: غبر برهة من دهره و برهة و زمنة و طرقة و طرقة و حقبة و هبة و سبة أي زمان. قال أبو ذؤيب:
بقرار قيعان سقاها صيفواه فأثجم برهة لا يقلع
و أقام درجا من دهره، و حرسا من دهرة لا يفعل كذا أي زمانا، و مضت سنبة من الدّهر و سنبية أي قطعة، و ذكر سيبويه في زيادة التّاء هذه اللفظة، و استدلّ على أنّه فعلية لسنبة، و أنشد الأصمعيّ:
ربّ غلام قد صرى في فقرتهماء الشّباب عنفوان سنبة
و يروى شرته.
و غير مهوان من الدّهر و هو مفعال من الهون، و يقال أيضا: بيني و بينه مهوان من الأرض: أي بعد و مهون أيضا. و يقال: بقي سبتا يفعل كذا قال شعرا:
لقد نرتعي سبتا و لسنا بجيرةمحلّ الملوك نقدة فالمغاسلا
و السّبت القطع، كان المراد به قطعة، كما يقال: الخلق في المخلوق.
و يقال: إنّي لآتيه الغينة بعد الغينة، و فينة بعد فينة. قال:
لك البيت إلّا فينة تحسنينهاإذا حان من ضيف عليّ نزول
و حكى أبو عمرو غلام ثعلب: (فإن يفين فينة): إذا زار وقتا بعد وقت، و يقال لقيته
فينة يا هذا، فجعلوه كالعلم، و لم يفعلوا ذلك برهة، و هذا كما قالوا للغراب: ابن داية و لم يفعلوا ذلك في الظّهر. و يقال: أتيته آئنة بعد آئنة، بوزن عائنة أي تارة بعد تارة و كأنّه اسم مبني على فاعلة من الأوان كاللّائمة من اللّوم و النّاظرة من الأنظار. و قرئ (فناظرة إلى ميسره) و النّائل من النّوال، و لا يجعل آئنة جمعا لأوان مثل الآونة و أنشد:
ترى قورها يغرقن في آل مرةو آئنة يخرجن من غامر نخل
أي و تارة يخرجن، و أوان كزمان و أزمنة. قال ابن أحمر:
أبو عمرو يؤنسنا و طلقو عمّار و آونة أثالا
قال أبو عبيدة: لقيته أدنى ظلم و معناه القرب. و قال الأحمر: فإن كنت تلقاه في اليومين و الثّلاثة فصاعدا قلت: لقيته أفرط في الفرط، و لا يكون الفرط في أكثر من خمس عشرة ليلة. و يقال: فلان تفارطته الهموم: أي لا تصيبه الهموم إلّا في الفرط.
قال أبو زيد: فإن لقيته بعد شهر أو نحوه قلت: لقيته عن عفر. قال: فإن لقيته بعد الحول أو نحوه قلت: لقيته عن هجر. قال: و إذا كان الرجل يمسك عن إتيان صاحبه الزّمان ثم يمسك عنه نحو ذلك أيضا ثم يأتيه قال: لقيته بعيدات بين.
قال الأصمعي: فإن لقيته بين الأعوام قلت: لقيته ذات العويم، قال أبو عبيدة: فأمّا الغب في الزّيارة فمعناه الإبطاء و التّقليل على غير وقت معلوم، و أحسب الأصل كان فيه من غب و هو أن ترد الإبل الماء يوما و تدع يوما. و مثله غب الحمى ثم انتقل المعنى من هذا في الزّيارة خاصة إلى ما فوق وقت الورد و وقت الحمى. قال: و من هذا المعنى قوله صلى اللّه عليه و سلم في الحديث: «زر غبّا تزدد حبّا» فقد علم في هذا أنه أراد الإبطاء في الزّيارة. قال: و كذلك الإلمام نحو الغب، إنما معناه الأحيان على غير مواظبة و لا وقت محدود، فهذا ما قاله، و الإلمام للزّيارة لا للوقت، كما أنّ الاعتمار اسم لها متى كانت لا للوقت. و يقال: رأيته عين عنة أي: السّاعة من غير أن طلبته و قيل: أوّل عائنة أيضا. و يقال: أتيته على حبالة ذاك أي على حين ذاك.
و حكى الخليل: أقمت عنده في ضغيغ دهره، أي قدر تمامه. (ابن الأعرابي) فعلنا كذا و كذا و الدّهر إذ ذاك مسجل. و المعنى لا يخاف أحد أحدا. و يقال: لهذا دهر حول قلب إذا كان كثير التّبديل، كما يقال: رجل حول قلب. (ابن الأعرابي) يقال: حول كميل و دكيك و قميط و كريت أي تام و أنشد في الكميل شعرا:
على أنني بعد ما قد مضىثلاثون للعجر حولا كميلا
أي فصل بين الثلاثين و بين الحول ضرورة، و يقال: في ضد الكميل حول ختت(1)أي ناقص. و يقال: فعلته أيّاما حسوما أي متتابعة، و قيل: تامة و هو من قولك: حسمت الشيء أي فصلته من غيره، و في القرآن: سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [سورة الحاقّة، الآية: 7] أي نحوسا و الأوّل أصح. و يقال: أرمى فلان على الخميس و ذرف و أربى و أوفى.
و حكى الفرّاء فيه ودى و هذا و إن كان أصله في الزّيادة في السّنين فقد استعمل في الزّيادة في غيرها و أنشد:
و أسمر خطيا كأنّ كعوبهنوى القسب قد أربى ذراعا على العشر
و قد ظلف على الخمسين و قد أكل عليها و شرب، و قد طلع على الخمسين و قد ولّاها ذنبا. قال: و سمعت الطّوسي يقول: قيل لبعض الأعراب: كم سنة أتت لك؟ فقال: ولّتني الأربعون ذنبها. و قيل لآخر مثل ذلك فقال: أنا في قرح الثّلاثين، أي في أوّلها و في أوّل شهر منها، و الأقراح أوائل الأشياء، و اقترح فلان على كذا. و قال ابن الأعرابي في قول أوس:
على حين أن حد الذّكاء و أدركتقريحة كحسي من شريح مغمّم
جعل شباب شريح حين بدا كحسي الماء لا ينقطع ماؤه، و مغمم أي ملأ كلّ شيء، و غمّه غرقه. و يقال: سند في الخمسين، و ارتقى فيها هذا عن بعضهم. و قال أبو صاعد:
ارتقى فيها فحسب.
و قال ابن الأعرابي: قلت لأبي الجماهر: ابن كم أنت؟ فقال: قد ولّتني الخمسون ذنبها. و قلت لآخر مثله فقال: حبوت إلى السّتين. و قال بعضهم: أخذت بعنق السّتين.
و قال آخر: راهمت الثّمانين. و هذا مأخوذ من الرّهام و هو العدد الكثير. و يقال: ساعة طبقة أي طويلة. و قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: منحت الأعقد الخمسة بالخاء المعجمة و بالحاء أيضا يعني خمسين سنة و معنى منح قطع. (أبو يوسف) يقال للجارية التي قد استقمت عصر شبابها: معصر و هي كاعب أوّلا إذا كعب ثديها ثم يخرج فيكون ناهدا، ثم استوى نهودها فتكون معصرا. قال الرّاجز:
أوانسا كالرّبرب الرّبايبمن ناهد و معصر و كاعب
و يقال: لقيت فلانا بادئ بدء و بادي بدأ قال:
1) في القاموس في فصل الخاء المعجمة مع التاء المثناة في( الخت) و الختيت الخسيس و النّاقص و اللّه أعلم- الحسن النعماني المصحّح كان اللّه له.
و قد علتني ذراة بادي بديو ريثه ينهض في تشدّدي
و يقال: كشفت النّاقة و أكشفت إذا نتجت في كلّ عام و إذا ألقت النّاقة أو الشّاة ولدها لغير تمام قيل خدجت. و إن كان تام الخلق و أخدجت إذا ألقته ناقص الخلق و إن كانت أيّامه تامة. و يقال شجرة مبكار و بكور إذا أدركت حملها في أوّل السّنة، و شجرة منجار إذا أدركت حملها في آخر السّنة. و شجرة معوام إذا حملت سنة و حالت سنة. و يقال: عاده الوجع عدادا إذا عاوده في الشّهر أو في السّنة لوقت معلوم و أنشد:
أصبح باقي الودّ من سعاداعلاقة و سقما عدادا
إذا أقول قد برأت عادا و قال آخر:
تلاقي من تذكّر آل سلمىكما يلقى السّليم من العداد
و يحلّ الهدي يوم النّحر بمنى و يبلغ محلّه. و المحل الموضع الذي يحل فيه نحره، و هو يوم النّحر إذا رميت جمرة العقبة. معنى يحل يجب و قرئ قوله تعالى: يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي [سورة طه، الآية: 81] و المعنى يجب و إذا قرئ يحلل فمعناه ينزل، و يقال: بيننا و بينهم ليال آبيات: أي هيّنات السّير. و الأوان الدّعة. و يقال: تعاملنا من آمنة و معاومة- و مساناة- و مسانهة- و مشاهرة- و مسابعة- و معاشرة- و مياومة- و مواضحة من وضح النّهار و مناصفة- و مباكرة- و مغاداة- و مظاهرة- و مراوحة- و معاصرة- و ملايلة- و يقال: أسقينا مغارطة أي للسّابق- و مناوبة- و معاقبة- و مداولة- و مراقبة- يرقب حتى يفرغ الغارطة- و مقالدة- و مواضحة- و مساجلة- و مكابلة أي دلوا فدلوا- و مساوقة- أي مرّة أسوق عليه السّانية- مرّة يسوق عليّ- و مؤالبة أي يألب الدّلو إليّ. قال:
يبشّرني بماتح ألوبمطرح شبه غضوب
و معارضة- و مرافضة- و مباينة يبين له الدّلو عن الحجاف- و معالاة- أي يعلي و هو أن يجذب الحبل عن حجر ماء في جانب البير. قال:
لو أنّ سلمى شهدت مظلّيأمتح أو أدلج أو أعلّي
إذن أراحت غير ذات دلّ و مطاردة- و مطاوحة- و مناوشة- أي يأخذ عليّ الدّلو و آخذ عليه و مدالجة أي أدلج بالدّلو إلى الحوض و يدلج و هو المناقلة- و معاطفة يريد عطف السّانية- و ملاطفة و هو أن يحتمل أحدهما لصاحبه فوق الشرط عليه إيجابا له و لطفا به. و مراواة- أي يرتوي إبلي ثم يستقي- و مراوحة و ملاطمة ينزل فيخرج الطين و مداومة- و مثابرة- و مجاحفة- إذا نقص
الماء نزل و غرف في الدّلو. و يقال سقينا إبلنا رفها و مرافهة- و ظاهرة- و زعزعة أنصاف النّهار- و عريحا مرّة بالغداة و مرة بالعشي- و غبّا و مغابة- و ربعا و مرابعة و عشرا و معاشرة- و مطاردة. ابن الأعرابي يقال:
سال واديك من غير مطركو أطرد عيشك في جداول دهرك
لمن عاش في غيره و أنعش بحدّ سواه. و يقال للسّيل إذا سال واديه من مطر- و إذا خرّ سال دراو و إذا سال من مطرك- قيل سال ظهرا. يقال: مضى لذلك دهر داهر- و دهر دهارير- و المراد التّطاول. قال الشّاعر:
و الدّهر بالإنسان أينما حال دهارير
و قال آخر:
أنا الدّهر يفنى الموت و الدّهر خالدفجئني بمثل الدّهر شيئا يطاوله
و قيل: الدّهر تكرار اللّيل و النّهار، و الزّمان: اللّيل و النّهار، و صرف الدّهر ما يتصرف بالشيء من أحوال تختلف، و لهذا قال الشاعر:
و الدّهر بالإنسان دوارى. و الحين يصلح كلّ وقت طال أو قصر، لأنّه اسم كلّ زمان، و منهم من يجعل الجزء و الجزأين من الزّمان حينا و يستدل بقوله. تطلقه حينا و حينا تراجع.
و يقال: مضى هذا الأمر لحين أوان: أي لوقته. قال شعرا:
لأركب صعب الأمر إنّ ذلولهبنجران لا يقضي لحين أوان
و قد حان يحين- حيونا- و حينونة- و حينت الشيء- جعلت له حينا- و التّحيّن في الحلب من هذا، و هو أن يجعل له وقتا معلوما يحلب المحلوبة فيه لا يستنقص و لا يستقصي، و هو خلاف الأفن و هو الاستقصاء- و الامتحاق و الانفصاح و هو ذهاب اللّبن أجمع. و منه قيل للقمر: امتحق و انفصح. و ذلك في ليالي المحاق إذا لم يبق ضوء. و شيء متأبّد أتى عليه أبد. و لا أفعله حتى يفنى الأبد. قال حسان شعرا:
و اللّوم فيك و في سمراء ما بقيتو في سمّية حتّى ينفد الأبد
و لا أفعله آخر كلّ ليلة و أبد اللّه- و طوال الدّهر- و طوال اللّه- و طوال اللّيالي- و سجيس الأوجس- و سجيس الأعجس- و أوجس أعجس- و أحنى أقوس، و أحنى أشوس- و سجيس المسند- و لا أفعله ما أن في السّماء نجما- و ما أنّ في السّماء نجم يريد: ما عنّ أي عرض. و يقال: مضى له أمة، و هي مدّة من الزّمان طويلة و لا تجمع. و قال أبو العباس
ثعلب: الأمة مائة سنة فما زاد. و يقال: إنّ الملوين اللّيل و النّهار. و منهم من يقول هما اختلافهما و أنشد شعرا:
نهار و ليل دائم ملواهماعلى كلّ حال المرء يختلفان
قال أحمد: لو كان الملوان اللّيل و النّهار لم يضافا إلى ضميرهما من حيث لا يضاف الشّيء إلى نفسه، و لكن يريد تكثّر الدّهر و اتّصاله بهما. و مضت ملوة من الدّهر- و ملوة و زمنة- و مدة طبقة- و ساعة طبق- و مدة طبق- و المراد من كلّه الطول و جمع مليء إملاء و جمع طبق أطباق. و يقال: انتظرته مليّا من الدّهر أي متّسعا منه فهذا صفة استعمل استعمال الأسماء. و يقال تملّيت حينا أي عشت معه ملاوة و قال التّوزي: يقال: ملاوة و ملاوة و ملاوة و الملأ المتّسع من الأرض. قال: الأغنياني: و ارفعا الصوت بالملاء. و في القرآن: وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* [سورة الأعراف، الآية: 183].
و قال ثعلب: الحقب واحد و هو بلغة قيس سنة. و قال غيره: الحقب ثمانون سنة و الحقبة السّنة. و قال يونس في قوله:
إني أرى لك أكلا لا يقوم لهمن الحليفة إلا الأزلم الجذع
و بعض يقول الأزنم- و يقال: الأزلم المتجاذع. و يقال: خروف متجاذع إذا كرب يجذع. و قال:
ما زال ذاك الداب حتّى رأيتهميعزون سنّ الأزلم المتجاذع
و إنمّا سمّي جذعا لأنّه أبدا جديد. و لذلك قال بعضهم: سن الدّهر سن الحسل أي: لا يزال جذعا لا يطري عليه سنّ أخرى فينتقل إليها و يقولون: لا أفعله سنّ الدّهر- و سنّ الضّب- و سن الحمل- و المعنى واحد. و قوله: الأزلم و الأزنم يراد به ما يتعلق به من الحوادث بممرّه و متصرّفاته، و يقال: أفعل ذلك غدا أو سلعة إذا كان بعد الغد أو قريبا منه.
ذكر ابن الكلبي أنّ عادا سمّت الشّهور بأسماء، و جاء عن أبي عمرو الشّيباني و الفرّاء و قطرب و الأصمعي و ابن الأعرابي و غيرهم من العلماء وفاق في بعضها و اختلاف في بعضها، و ربما كان الاختلاف في التّرتيب، و ربما اختلفوا في بناء الكلمة و وضعها و صرفها و ترك صرفها، كتركهم الصّرف للشّمس و الشّمال فقالوا: هذه شمس بازغة، و هذه شمال باردة.
و قال الشّاعر حالفا:
أما و شمس لتحصنهم دما و قال:
إذا هبّت شمال غدرت فيهابلفظ بين مقرحة و آن
فمن ذلك قالوا للمحرّم: مؤتمر إجماع منهم. و لصفر: ناجر و منهم من لا يصرف فيقول ناجر. و لربيع الأول قال قطرب: خوان و خوان مخفّف- و قال غيره: خوان بالضّم و التّشديد، و لربيع الآخر: قال قطرب: وبصان و بصان- و قال غيره بصان بالتّخفيف و الضمّ و وبصان و وابصة- و جمادى الأولى: قال قطرب: حنين- و قال ابن الكلبي: ربي بالباء- و قال ابن الأعرابي: رني بالنّون- و قال ابن دريد حنين- و جمادى الآخرة قال قطرب: ربي و ربه- قال ابن الكلبي: حنين- و قال الشّيباني و الفرّاء: حنين و أنشدا شعرا:
و ذو النّحب ينويه فيوفي بنذرهإلى البيض من ذاك الحنين المعجّل
رجب قال قطرب: الأصم و هو إجماع منهم- شعبان عاذل- ابن الكلبي و ابن الأعرابي و عل- الفراء، و عل مثل فخذ شهر رمضان- قطرب: ناتق و غيره نتق- شوّال: و عل- ابن دريد و عل- ابن الكلبي و ابن الأعرابي عاذل- غيرهم معتدل. ذو القعدة: قطرب: ورنة- غيره ورنه- أخررنه- غيره رنة- الشّيباني يقال له: هواع قال:
و قومي لدى الهيجاء أكرم موقعاإذا كان يوم من هواع عصيب
ذو الحجة: برك بإجماع منهم- و روى الصّولي عن أحمد بن يحيى في أماليه زعم ابن الكلبي أنّ العرب كانت تسمّي المحرم مؤتمرا- و صفرا ناجرا- و شهر ربيع الأول خوان- و شهر ربيع الآخر وبصان- و جمادى الأولى ربى- و جمادى الآخرة حنين- و رجب الأصم- و شعبان عاذلا- و رمضان عاذلا- و شوّال وعلا- و ذو القعدة ورنة- و ذو الحجة برك.
استخرجناه من كتاب سيبويه يستغرب أكثر ما فيه و نختم به الكلام في الأماكن و الأوقات و يتّصل به ذكر شيء من الخلاف بيننا و بين الكوفيين إذا تأمّل انشرح به كثير من هذا الباب.
قال سيبويه: يقول هو ناحية من الدّار و داره ذات اليمين و أنشد لجرير:
هبّت حنونا فذكرى ما ذكرتكمعند الصّفاة التي شرقيّ حورانا
قال: و سمعت بعض العرب ينشد:
سرى بعد ما غار الثّريا و بعد ماكأنّ الثّريا حلّة الغور منخل
فانتصاب هذه الأحرف كانتصاب قولك هو قصدك قال: و سمعنا ممن يوثق به من العرب هما خطان جنابتي أنفها يعني الخطين اللّذين اكتنفا جنبي أنف الظّبية. قال الأعشى:
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحيةجنبى فطيمة لا ميل و لا عزل
و يقال: زيد جنب الدار، و جانب الدار، و قالوا: هم حوله و أحواله و حياله و حواليه و هم جنابه و جنابيه و قطريه و أقطاره. و أنشد لأبي حية النّميري:
إذا ما تغشّاه على الرّحل جنبتيمساليه عنه من وراء و مقدم
يعني بمساليه عطفيه فهو بمنزلة جنبي فطيمه. و كقولهم: هو وزن الجبل أي ناحية منه، و هو زنة الجبل، و قولك أقطار البلاد فإن جعلت الآخر هو الأوّل رفعته و أردت به الثّقل أعني الوزن و الزّنة. و من ذلك قول العرب: هو موضعه أي في موضعه كما قالوا: هو صددك و سقبك أي قربك. و تقول كيف أنت إذا أقبل قبلك و يجيء نحوك قال: كيف أنت؟ إذا أريدت ناحيتك، و كيف أنت إذا أقبل التّعب الرّكاب جعلهما اسمين. و النقب الطّريق في الجبل و المراد بقوله جعلهما اسمين، أي لم يجريا على المصدر فهو بمنزلة قولهم هو قريب منك، فإن شئت قلت: هو قريبا و هل قريبا منك أحد. قال: و مما لا يحسن أن يكون ظرفا قولك: جوف المسجد، و داخل الدّار، و خارج الدار و ذلك لمفارقتها خلف و قدّام و ما أشبههما مبهمة .. و المختصّ من أسماء الأماكن لا يكون ظرفا. قال و ممّا شبّه من الأماكن المختصة بالمكان قولهم: هو منّي منزلة الشّغاف و هو منّي مزجر الكلب و أنت مقعد القابلة.
قال فوردن و العيّوق مقعد رأي الضّربا.
و قال آخر:
و إنّ بني حرب كما قد علمتممناط الثّريّا قد تعلّت نجومها
و قال: هو منّي معقد الإزار، و هم درج السّيل قال ابن هرمة:
انصب للمنيّة لقربهمرجالي أم هم درج السّيول
و كل هذا و أشباهه وضعت مواضع القرب و البعد فلذلك استجيز فيها على اختصاصها وقوعها ظرفا قال: فاستعمل هذا ما استعمله العرب و أجيز منه ما أجازوه قال: و زعم يونس أنّ بعضهم قال: هو منّي مزجر الكلب، فرفع جعله بمنزلة مرأى و مسمع. و يجعل الآخر هو كالأوّل. فأمّا قولهم: داري خلف فرسخا فكأنّه لما قال داري خلف دارك، و هو مبهم فلم يدر ما قدر ذلك فقال: فرسخا و ذراعا.
و زعم يونس أنّ أبا عمرو كان يقول: داري من خلف دارك فرسخان، كما تقول: أنت منّي فرسخان و فرسخين. قال فأمّا قولهم: اليوم الأحد و اليوم الاثنان و كذلك إلى الخميس فلأنّها ليست يعمل فيها أراد أن يفرّق بينها و بين السّبت و الجمعة فتقول اليوم خمسة عشر من
الشهر، إذا أردت أنّ اليوم تمام خمسة عشر- و من العرب من يقول: اليوم يومك، فيجعل اليوم الأوّل بمنزلة الآن، لأنّ الرّجل قد يقول: أنا اليوم أفعل كذا و لا يريد يوما بعينه.
و اتّفق الكوفيّون و البصريّون على أنّ قول القائل: خلفك و قدّامك و ما أشبههما من الأماكن العامة ظروف في الإضافة، و اختلفوا فيها إذا أفردت، فقال البصريّون: هي ظروف على ما كانت في حال الإضافة.
و قال الكوفيّون: إذا أفردت صارت اسما فقولك زيد خلفا و قداما عند البصريّين ظرف. و عند الكوفيّين زيد خلف على معنى متأخر، و قدّام بمعنى متقدّم، و كذلك إذا قلت:
قام زيد خلفا نصبته على الظّرف عند البصريّين. و الكوفيّون يقولون: تقديره تقدير الاسم الذي هو حال كأنّه قال: قام متأخرا و كذلك إذا قلت: قام مكانا طيبا يكون ظرفا.
و الكوفيّون يقولون: ناب عن قولك مترفا و معتبطا، و إنمّا يحتاج إلى الإضافة عندهم لأنّه يكون خبرا عن الاسم، كما يكون الفعل خبرا في الوقت، زيد يذهب فلمّا كان الفعل يحتاج إلى فاعل و يتّصل به أشياء يقتضيها من المصدر و المكان و الزّمان و المفعول ألزموا المحلّ للإضافة ليسدّ المضاف إليه مسدّ ما يطلبه الفعل و يدلّ عليه.
و قال البصريّون: إنما الإضافة لتعيين الجهة و التّعريف. و الأصل هو التّنكير و إنّما التّعريف داخل عليه. و أجمع الفرقتان على أنّ الوقت يرفع و ينصب إذا كان خبر المرفوع مبتدأ في حال تعريف الوقت و تنكيره. فالتّعريف قولك: القتال يوم الجمعة و اليوم. و إن شئت قلت: اليوم و يوم الجمعة. و التّنكير كقوله: (زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا) و غد.
فالتّقدير في الرّفع وقت القتال اليوم فحذف المضاف و النّصب بإضمار فعل كأنّك قلت:
القتال وقع اليوم، و إذا كان الفعل مستغرقا للوقت كلّه- فالبصريّون يجيزون فيه النّصب على الظّرف، كما يجيزونه في غير المستغرق و يدخلون عليه (في).
و الكوفيّون لا يجيزون فيه النّصب و هذا غلط، و يجعلونه خبرا هو الأوّل، و لا يدخلون في تقول صيامك يوم الخميس، و الصّوم يستوعب اليوم و يجوز في قولهم: صمت في يوم الخميس. و الكوفيّون لا يجوّزون النّصب و يمنعون من إدخال (في) لأنّها عندهم: توجب التّبعيض، و الصّوم يستوعب اليوم. و قولهم فاسد لأنّ (في) لا يمتنع دخولها على زمان الفعل و إن قلّ، و يقول: كلّمت في القوم أجمعين، فيدخل (في) و قد استوعبتهم الكلام، و امتنع الكوفيون من زيد خلفك أشد منع حتّى قال بعضهم في قوله: أ لا جبرائيل أمامها إنّ ذلك إنمّا جاز لأنّ جبرائيل لعظم خلقه يملأ الأمام كلّه، و هذا في التّحصيل خطأ لأنّ الأمام لا نهاية له، و كذلك سائر الجهات. و أجازوا ذلك في أخبار الأماكن فقالوا: داري خلفك و منزلي أمامك، و على هذا حمل ثعلب قول لبيد: خلفها و أمامها و إذا تأملت فلا فصل.
العواء(1)يمد و يقصر، و القصر أجود و أكثر، و هي خمسة كواكب كأنّها ألف معطوفة الذّنب و أنشد:
فلم يسكنوها الجزء حتّى أظلّهاسحاب من العوّا و تابت غيومها
و سمّيت العوّاء: للانعطاف و الالتواء الذي فيها، و العرب تقول: عويت الشيء إذا عطفته، و عويت رأس النّاقة إذا لويته، و في المثل: ما ينهى و لا يعوي و كذلك عويت القوس و الشّعر و العمامة إذا عطفته. و يجوز أن يكون من عوى إذا صاح كأنّه يعوي في أثر البرد، و لهذا سمّيت طاردة البرد، و يقولون: لا أفعله ما عوى العوّاء و لوى اللّواء. و قال بعضهم:
إنمّا سمّيت العوّاء لأنّها خمسة كواكب كأنّها خمسة كلاب تعوي خلف الأسد و نوؤها ليلة.
السّماك و سمّي السّماك الأعزل لأنّ السّماك الآخر يسمّى رامحا لكوكب تقدّمه، يقولون: هو رمحه و قيل: سمّي أعزل لأنّ القمر لا ينزل به، و قال صاحب كتاب الأنواء، ينزل القمر بهذا دون الرّامح و أنشد:
فلمّا استدار الفرقدان زجرتهاو هبّ سلاح ذو سماك و أعزل
و العرب يجعل السّماكين ساقي الأسد و نوؤه غزير، لكنه مذموم و هو أربع ليال و سمّي سماكا لأنّه سمك أي ارتفع، و قال سيبويه: السّماك أحد أعمدة البيت. قال ذو الرّمة:
1) قال صاحب جواهر الحقائق: العوا هو منزل ثالث عشر للقمر، و السّماك الأعزل هو منزل رابع عشر من القمر، و الغفر منزل خامس عشر له 12 ش.
كأنّ رجليه سماكان من عشرثقبان لم يتفش عنهما النّجب
و بين يدي السّماك الأعزل أربعة كواكب على صورة النّعش يقال لها: عرش السّماك و يسمّى الخباء. و قال بعضهم: هو عرش الثّريا يقال: باتت عليه ليلة عرشية قال ابن أحمر شعرا:
باتت عليه ليلة عرشيةشريت و بات إلى نفا متهدّد
شربت أي لجّت في المطر و متهدّد أي متهدّم لا يتماسك.
الغفرة و هي ثلاثة كواكب بين زباني العقرب و بين السّماك الأعزل خفية على خلقة العوّاء. و العرب تقول: خير منزلة في الأبد بين الزّباني و الأسد تعني الغفرة، لأنّ السّماك عندهم من أعضاء الأسد، فقالوا: ثلاثة من الأسد ما لا يضرّه الذئب يدفع عنه الأظفار و الأنياب، و ثلاثة من العقرب ما لا يضرّ الزّباني لدفع عنه الحمة، و هو من الغفرة و هو الشّعر الذي في طرف ذنب الأسد. و قيل سميّت الغفرة لأنّها كأنّها ينقص ضوؤها، و يقال غفرت الشيء إذا غطّيته فيكون على هذا في معنى مفعول، و يقول: شر النّتاج ما كان بعد سقوط الغفرة، و يعدّون ليلة نزول القمر به سعدا، و نوؤه ثلاث ليال، و قيل بل نوؤه ليلة و أنشد:
فلما مضى نوء الثّريا و أخلفتهواد من الجوزاء و انغمس الغفر
الزّباني(1)و سمّي زباني العرب و هما قرناها، كوكبان و هو مأخوذ من الزّبن و هو الدّفع، و كلّ واحد منهما عن صاحبه غير مقارن لها و نوؤها ثلاث ليال و تهبّ معه البوارح و أنشد:
و رفرفت الزّباني من بوارحهاهيف أنشّت به الأصناع و الخبر
الأصناع محابس الماء و الخبر جمع خبرة و هي أرض بها السّدر و يدفع فيه الماء.
الإكليل و هي ثلاثة كواكب مصطفة على رأس العقرب و لذلك سمّيت الإكليل و كأنّه من التّكلل و هو الإحاطة، و منه الكلالة في النّسب و نوؤه أربع ليال، و هو من العقرب و أنشد نجران العود يصف رفقاءه:
مطرفين على مثنى أيامنهمراموا النّزول و قد غاب الأكاليل
جمع الإكليل كأنّه جعل كلّ كوكب إكليلا ثم جمعه.
القلب: و هو كوكب أحمر نيّر سمّي القلب لأنّه في قلب العقرب، و أوّل النتاج بالبادية
1) هو المنزل السادس عشر للقمر، 12 جواهر.
عند طلوع العقرب، و طلوع النّسر الواقع و يسمّيان الهرارين لهرير الشّتاء عند طلوعهما و نوؤها ليلة، ثم يستحسنونها قال:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّهسواء عليكم بالنّحوس و بالسّعد
(و القلوب) أربعة (قلب العقرب) و (قلب الأسد) و (قلب الثّور) و هو الدّبران و (قلب الحوت).
الشّولة(1)و سمّيت بذلك لأنّها ذنب العقرب. و ذنب العقرب شائل أبدا، و أهل الحجاز يسمّون الشّولة الإبرة، و بعدها إبرة العقرب و هي سمّيت فقر يجعلون كلّ كوكب فقرة، و السّابعة الإبرة. و المجرّة تسلك بين قلب العقرب و بين النّعائم فتقطع نظام المنازل في هذا الموضع. و في موضع آخر و هو ما بين الهقعة و الهنعة فإنّها تسلك بينهما، فتعترض نظام المنازل اعتراضا، و هاهنا تقطع القمر و سائر الكواكب الجارية في المجرّة، و ذلك حين تنحدر عن غاية تواليها إلى ذروة القبة فتأخذ في الهبوط، فأمّا قطعها إيّاها عند السّقوط فذلك حين يبتدئ الصّعود بعد غاية الهبوط، و يسمّى الشّولة شولة الصّورة و هي منغمسة في المجرّة فإذا لم يعدل القمر عن منزله قيل: كالح القمر مكالحة. و معنى شال ارتفع، و يقال:
ناقة شائلة إذا ارتفع لبنها. و جمعها شؤل و ناقة شائل: إذا شالت بذنبها و جمعها شؤل و أنشد:
كأنّ في أذنابهنّ الشّولمن عبس الصّيف قرون الأيل
و نوؤها ثلاث ليال و هي كوكبان مضيئان.
النّعائم(2)و هي ثمانية كواكب (أربعة) منها في المجرّة تسمى الواردة لأنّها شرعت في المجرة كأنّها تشرب (و أربعة) خارجة منها تسمّى الصّادرة و إنمّا سمّيت نعائم تشبها بالخشبات التي تكون على البئر، أو تحت مظلّة الرئية فكأنّها أربع كذا و أربع كذا كما قال:
لأظلّ في يدها إلا نعامتهامنها حزيم و منها قائم باق
و نوؤها ليلة.
البلدة و هي فرجة بين النّعائم- و بين سعد الذّابح- و هو موضع خال ليس فيه كوكب، و إنّما سمّيت بلدة تشبها بالفرجة التي تكون بين الحاجبين اللّذين هما غير مقرونين و يقال:
رجل أبلد إذا افترق حاجباه، و نوؤها ثلاث ليال و قيل ليلة.
سعد الذّابح و سمّي بذلك لكوكب بين يديه يقال هو شاته التي تذبح و نوؤه ليلة.
و أنشد:
ظعائن شمس قريح الخريفمن الفرغ و الأنجم الذّابحة
سعد بلع سمّي بذلك لأن الذّابح معه كوكب بمنزلة شاته و هذا لا كوكب معه فكأنّه قد بلع شاته. و قال بعضهم: سمّي بلع لأن صورته صورة فم فتح ليبلع. و قال غيره: بل لأنّه طلع حين قال اللّه تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [سورة هود، الآية: 44] كأنّ انكشاف ذلك الطّوفان في يومه و نوؤه ليلة.
سعد السّعود(1)و سمّي بذلك لأنّ في وقت طلوعه ابتداء ما به يعيشون و تعيش مواشيهم و نوؤها ليلة و قيل: إنّ السّعد منها في واحد و هو نهارها و أنشد:
و لكن بنجمك سعد السّعودطبقت أرضي غيثا درورا
سعد الأخبية(2)و سمّي بذلك لكوكب في كواكبها على صورة الخباء و قيل: بل لأنّه يطلع في قبل الدفء فيخرج من الهوام ما كان مختبئا، و نوؤه ليلة و ليس بمحمود.
فرغ الدّلو المقدّم(3)و يقال: الأعلى، و بعضهم يقول: عرقوة الدّلو العليا و عرقوة الدّلو السّفلى. و ذكر بعضهم: إنمّا سمّي فرغ الدّلو لأنّ في وقت الأمطار تأتي كثيرا فكأنّه فرغ دلو و هو مصب مائها. و قال بعضهم: إنمّا سمّي بالعرقوة و الفرغ تشبها بعراقي الدّلو، لأنّها على هيئة الصليب و نوؤه ثلاث ليال، و أنشد في خريف:
سقاه نوء من الدّلو تدلّى و لم يوار العراقي
و أنشد:
يا أرضنا هذا أوان تحيينقد طال ما حرمت بين الفرغين
و يقال للفرغ النّاهز و هو الّذي يحرك الدّلو لتمتلئ.
فرغ الدّلو المؤخر(1): و نوؤه أربع ليال و هو محمود.
الرّشا: و هو السّمكة و يقال: بطن السّمكة و قلب الحوت و يقال لما بين المنازل الفرج. فإذا قصر القمر عن منزلة و اقتحم التي قبلها نزل بالفرجة و يستحسنون ذلك إلا الفرجة التي بين الثّريا و الدّبران، فإنّهم يكرهونها و يستنحسونها و يقال لها الضّيقة. قال:
فهلّا زجرت الطيّر ليلة جئتهلضيقه بين النّجم و الدّبران
الشّرطان(2): و سمّي بذلك لأنهما كالعلامتين أي سقوطهما علامة ابتداء المطر، و الشّرط العلامة و لهذا قيل لأصحاب السّلطان: الشّرط لأنهم يلبسون السّواد كأنّهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها و يقال: شرطي في كذا و يقال: إنّهما قرنا الحمل، و هما أوّل نجوم فصل الربيع، و نوؤه ثلاثة أيام و هو محمود غزير.
البطين(3)و سمّي بذلك لأنّه بطن الحمل و نوؤه ثلاث ليال و هو شرّ الأنواء و أنزرها و قلّما أصابهم إلا أخطأهم نوء الثّريّا.
الثّريا(4)و يسمّى النّجم و النّظم و هو تصغير ثروى من الكثرة و قيل: سميّت بذلك لأنّ مطرها يثري و يقال: ثرى و نوؤها خمس ليال غير محمود.
الدّبران(5)و يسمّى التّابع و الثّاني و التّبع و الفتيق و حارك النّجم و سمّي الدّبران لأنّه دبر الثّريا أي صار خلفها، و يسمّى المجدح و المجدح حكاهما الشّيباني و قال الأموي هو المجدح و نوؤه ثلاث ليال و قيل: بل هو ليلة و هو غير محمود.
و قد فسّر بعضهم ورد القطاة إذا استمال التّبع على أنّه الدّبران و مما يحكى عنهم من كلامهم: كان كذا حين خفق المجدح يعنونه. و قال بعضهم: إنمّا قال: مجدح إذا اتّصل نوؤه بنوء الثّريّا فغزر و يقولون: سقيت بمجاديح السّماء و أرسلت السّماء مجاديح الغيث.
فإن قيل: أ تقول لكلّ ما دبر كوكب الدّبران؟ قلت: لا أقول ذلك لأنّه قد يختص الشيء من بين جنسه بالاسم حتّى يصير علما له، و إن كان المعنى يعمّ الجمع على ذلك قولهم النّابغة في الجعدي و الذّبياني و ابن عباس في عبد اللّه و أنشد:
وردن اعتسافا و الثّريّا كأنّهاعلى قمّة الرأس ابن ماء محلق
يدفّ على آثارها دبرانهافلا هو مسبوق و لا هو يلحق
الهقعة(1)و سمّيت بذلك تشبيها بهقعة الدّابة: و هي دائرة تكون على رجل الفارس في جنب، و يقال فرس مهقوع و كانوا يتشاءمون بها و هي ثلاثة كواكب تسمّى رأس الجوزاء، و نوؤه ست ليال، و لا يذكرون نوءها إلا بنوء الجوزاء و هي غزيرة مذكورة و تسمّى الأثافي لأنها ثلاثة صغار متعينة. و قال ابن عباس لرجل طلّق امرأته عدد نجوم السّماء يكفيك منها هقعة الجوزاء. و هي ثلاث.
الهنعة(2)و هي منكب الجوزاء الأيسر و سمّيت بذلك الأيسر من قولهم: هنعت الشيء إذا عطفته و ثنيت بعضه على بعض فكأنّ كلّ واحد منهم منعطف على صاحبه. و منه الهنع في العنق، و هو النّواء و قصر و نوؤها لا يذكر و هو ثلاث ليال إنمّا يكون في أنواء الجوزاء، و يقال: سميّت الهنعة لتقاصرها من الهقعة و الذّراع المبسوطة و هي بينهما منحطّة عنهما، و يقال: أكمة هنعاء إذا كانت قصيرة و تهانع الطّائر الطّويل العنق مقاصرة عن عنقه.
الذّراع: ذراع الأسد و له ذراعان مقبوضة و مبسوطة و نوؤها خمس ليال و قيل ثلاث ليال، و هو أقلّ أنواء الأسد محمود غزير. و المقبوضة هي اليسرى سمّيت مقبوضة لتقدّم الأخرى عليها، و هي الجنوبية و بها ينزل القمر و كلّ صورة من نظم الكواكب، فميامنها ممّا يلي الشّمال، و مياسرها مما يلي الجنوب لأنّها تطلع بصدورها ناظرة إلى المغارب فالشّمال على أيمانها، و الجنوب على أيسارها و قد فهم ذلك القائل، و النّجوم التي تتابع باللّيل وقتها ذات اليمين ازورار و إنمّا ازورارها على أيمانها إطافة منها بالقطب لذلك قال:
و عاندت الثّريّا بعد هدءمعاندة لها العيّوق جار
و أحد: كوكبي الذّراع الغميصاء و هي التي تقابل العبور و المجرّة بينهما. قال أبو عمر:
و هي الغميصاء و الغموص و قد يكبّر فيقال: الغمصاء و يقال لكوكبها الآخر الشمالي المرزم، مرزم الذّراع و الآخر في الجوزاء قال:
و نائحة صوتها رابعبعثت إذا خنق المرزم
و يروى إذا ارتفع المرزم. و مرزم الجوزاء لا نوء له، و قد ذكر بالنوء على سبيل الشّعريين قال:
جرى راحتاك جري المرزمينمتى تنجدا بنو لي ثغور
و من أحاديثهم: كان سهيل و الشّعريان مجتمعة، فانحدر سهيل فصار يمانيا و تبعته العبور عبرت إليه المجرة، و أقامت الغميصاء، فبكت لفقد سهيل حتى غمصت و الغمص في العين نقص و ضعف.
النّثرة: و هي ثلاثة كواكب و سمّيت النّثرة لأنّها مخطة يمخطها الأسد كأنّها قطعة سحاب، و يقولون: بسط الأسد ذراعيه ثم نثر و يجوز أن تكون سمّيت بذلك لأنّها كأنّها من سحاب قد نثر و النّثرة الأنف و نوؤها سبع ليال.
الطّرف: سمّيت بذلك لأنهما عينا الأسد و يقال: طرف فلان أي رفع طرفه فنظر.
قال: إذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف و نوؤه ثلاث ليال.
الجبهة: جبهة الأسد و نوؤه محمود سبع ليال، و يقولون: لو لا نوء الجبهة ما كانت للعرب إبل.
الزّبرة: زبرة الأسد أي كاهله، و قيل: زبرته شعره الّذي يزبئر عند الغضب في قفاه أي ينتعش، و هذا ليس بصحيح، لأنّ ازبأرّ من الرّباعي و الزّبرة من الثلاثي و سمّيت الخراتان من الخرت، و هو الثقب كأنهما تنخرتان إلى جوف الأسد و هذا غلط لأنّ رأي العين يدركهما في موضع زبرة الأسد. و نوؤها أربع ليال.
الصّرفة: و سمّيت بذلك لأنّ البرد ينصرف بسقوطها، و قيل: أرادوا صرف الأسد رأسه من قبل ظهره، و يقال: الصّرفة ناب الدّهر؛ لأنّها تفترّ عن فصل الزّمان، و أيّام العجوز في نوئها، و هو ثلاث ليال، و حكي عن بعض الأعراب أنّه قال: الخراتان مع الأسد تجريان معه و ليستا منه. قال: و معنى قول الشّاعر:
إذا رأيت أنجما من الأسدجبهة أو الخرأة و الكتد
و إن رأيت الخرأة من غير أن يكون جعلها شيئا من خلقه، ثم قال و الكتد فرجع إلى ذكر ما هو من خلقه فهذه المنازل.
و أمّا النّجوم الخنّس الجواري الكنّس: فمعنى الخنّس أنّها تخنس أي ترجع و معنى الكنّس أنّها في بروجها كالوحش تأوي إلى كنسها، و هي سبعة مع الشّمس و القمر سيّارة غير أنّ بعضها أبطأ سيرا من البعض، فكلّ ما كان فوق الشّمس فهو أبطأ من الشّمس، و ما كان
دون الشّمس فهو أسرع من الشّمس بينا ترى أحدها آخر البروج كرّ راجعا إلى أوّله، و لذلك لا ترى الزّهرة في وسط السّماء أبدا و إنّما تراها بين يدي الشّمس أو خلفها، و ذلك أنّها أسرع من الشّمس، فتستقيم في سيرها حتى تجاوز الشّمس، و تصير من ورائها، فإذا تباعدت عنها ظهرت بالعشاء في المغرب فترى كذلك حينا ثمّ تكرّ راجعة نحو الشّمس حتى تجاوزها فتصير بين يديها، فتظهر حينئذ في الشّرق بالغدوات. و هكذا هي أبدا، فمتى ما ظهرت في المغرب فهي مستقيمة، و متى ما ظهرت في المشرق فهي راجعة و كل شيء استمرّ ثم انقبض: فقد خنس، كما أنّ كلّ شيء استتر فقد كنس.
زحل(1): و اشتقاقه من زحل مزحلا إذا بعد، و يقال: زحلت النّاقة إذا تباطأت في سيرها و تأخرت و هو معدول عن زاحل و زاحل معرفة.
المشتري(2)و هو من شرى البرق إذا استطار لمعانا، و يقال: شرى و شرى و منه استشرى غيظا و يقال: شرى يشرى إذا لجّ و تشدّد و منه سميت الشّراة لتشدّدهم في الدّين.
و قال بعضهم: إنما تسمّوا بالشّراة ذهابا إلى قول اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [سورة التوبة، الآية: 111].
المريخ(3): فقيل من المرخ كأنّه يوري نارا لأنّ المرخ شجر سريع الوري و من أمثالهم: في كلّ شجر نار. و استمجد المرخ و العفار، و يجوز أن يكون سمّي به لبعد مذهبه، و منه المرّيخ السّهم الخفيف الرّبع قذذ يجعل للغلاء و هو بعد الرمي و يقال: هو من غلوة السّهم.
الشّمس(4): قال الخليل: الشّمس عين الضح. و به سمّيت معاليق القلادة و قيل هو من المشامسة لأنّها نحس في المقارنة و إن كانت سعدا في النظر و منه شمس لي فلان إذا ظهرت عداوته.
1) قال صاحب الجواهر: مدة دوره حول الشّمس مرة في عشرة آلاف و سبع مائة و تسع و خمسين يوما و ساعتين.
2) و فيه أيضا مدة دور المشتري حول الشّمس مرة في أربعة آلاف و ثلاث مائة و اثنتين و ثلاثين يوما و أربع عشرة ساعة.
3) في الجواهر دور المرّيخ حول الشّمس مرة في ست و ثمانين يوما و ثلاث و عشرين ساعة. 12 القاضي محمد شريف الدين عفا عنه.
4) في جواهر الحقائق قطر الشّمس( 883246) ميلا. 12.
الزّهرة(1): بفتح الهاء من الشّيء الزّاهر، و يكون من الحسن و البياض جميعا. و الزّهور تلألؤ الشّمس. و منه قولهم: زهرت بك زنادي.
عطارد(2): من الاضطراب: لأنّه في مرأى العين كأنه يرقص و هو من قولهم: شاء عطرد أي بعيد و كذلك سفر عطرد، و يجوز أن يكون سمّي به لأنّه لا يفارق الشّمس فكأنّه عدّه لها، و العطردة العدة يقال: عطرد هذا عندك، أي عدة.
القمر: من القمرة و هي البياض، و يقال: تقمرت الشيء إذا طلبته في القمراء. و قال أحمد بن يحيى: إنمّا سمّي القمر (ساهورا) لأنه يخسف بالسّاهرة، و السّاهرة الأرض، قال اللّه تعالى: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [سورة النازعات، الآية: 14] أي أرض القيامة، و ذلك أنّ القمر خسوفه بظل الأرض و حجزها بينه و بين الشّمس. و قال قطرب: بهور القمر علوّه في الظّهور و أنشد:
إذ فارس الميمون يتبعهمكالطّلق يتبع ليلة البهر
(و الكوكب الدّرّي) منسوب إلى الدّر لضيائه، و إن كانت الكواكب أكثر ضوءا من الدّر كأنه يراد: يفضل الكواكب لضيائه كما تفضل الدّر سائر الحب و دري بلا همزة و بكسر أوّله حملا على وسطه و آخره لأنّه تثقل عليهم ضمة بعدها كسرة. و ما آن كما قيل كرسي في الكرسي و درّي فقيل من النّجوم الدّراري التي تدرأ: أي ينحط و يسير متدافعا. يقال: درأ الكوكب إذا تدافع منقضا فيضاعف ضوؤه و لا يجوز أن يضم الدّال و يهمز، لأنّه ليس في الكلام فعيل.
و مثال: درّي فعلي منسوبا إلى الدّر و يقال: درأ بضوئه يدرأ درأ و دروا و درأت له بساطا: أي بسطته، و يجوز دري إذا جعلته منسوبا إلى إندر، فيلحقه تغيّر النّسبة، لأنّ النّسبة تغير لها الكلمة كثيرا، و يقال: كسفت الشّمس و كسفها اللّه و خسف القمر و خسفه اللّه، و طلعت الشّمس، و نجم النّجم و غربت الشّمس و صغا القمر و خفق النّجم و صغا أيضا، و يقال: تعرّضت الثّريّا في السّماء: إذا زالت عن كبد السّماء إلى ناحية المغرب، و جنحت الثّريّا قال:
و أيدي الثّريا جنح في المغارب. و قال آخر:
و كأنّ غالية تباشرهابين الثّياب إذا صغا النّجم
قال يعقوب: يقال: فعلته أوّل اللّيل و هو من عند غيبوبة الشّمس إلى العتمة و العشاء من صلاة المغرب إلى العتمة، و يقال: أتيته ظلاما و عشاء و بعد عشوة من اللّيل، و العتمة:
وقت صلاة العشاء الآخرة.
قال الخليل: العتمة و يقال العتمة بسكون التاء: الثّلث الأوّل من اللّيل بعد غيبوبة الشّفق، و له قبل صلاة العتمة، و العتوام التي تحلب في تلك السّاعة، و إنمّا سمّوها العتمة من استعتام نعمها، و يقال: حلبناها عتمة و عتمة و العتمة بقية اللّبن يغبق به تلك السّاعة يقال: أفاقت النّاقة إذا جاء وقت حلبها، و قد حلبت قبل ذلك.
و قال الأصمعيّ: عتم يعتم إذا احتبس عن فعل الشيء يريده و قد عتم قراه و أعتمه و إنّ قراه لعاتم أي بطن محتبس، و صف عاتم، و عتم أورد إبله في تلك السّاعة و أعتم صار فيها.
قال أوس: أخو شركي الورد غير معتمّ.
و حكى ابن الأعرابي: قالت الينمة: أنا الينمة أعبق الصّبي قبل العتمة، و أكبّ النّمال فوق الأكمة. و الينمة: بقلة تشبه الباذروج، قال: و كلّما كثرت رغوة اللّبن كان أطيب لبنا من المضارع، يقول درّي يتعجل للصّبي و ذلك أنّ الصّبي لا يصبر و المراعي أطيب، و أمّا فورة العشاء فعند العتمة، يقال: أتيته فورة العشاء و عند فورة العشاء، و إنّما هو من فار الظّلام إذا علا و ارتفع. أبو عبيدة: أتيته ملس الظّلام أي حين يختلط الظّلام بالأرض، و ذلك عند صلاة العشاء و بعدها شيئا، و فعلته عند ملس الظّلام، و هو مثل الملث، و عند غلس الظّلام أيضا، و دمسه و جنحه و غسقه. و أتيته في غسق اللّيل، و حين غسق اللّيل أي في اختلاط و حين اختلط. ثم الشّميط و هو مشبه بالشّيب لبياض الفجر في سواد اللّيل كالشّيب في الشّعر الأسود، و يقال: غسق يغسق غسوقا و غسقا. قال تعالى: وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [سورة الفلق، الآية: 3].
و قال كعب: حتّى إذا ذهب الظّلام و الغسق. و يقال: تحندس اللّيل من الحندس و هو شدّة سواد اللّيل و ظلمته، و الجمع حنادس و حناديس. قال: و أدركت منه بهيما حندسا، و ليلة مدلهمّة و ملطخمّة و خدارية. و قالوا: القترة: الظّلمة مع الغبار، و في القرآن: تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [سورة عبس، الآية: 41] و يقال: مضى جرس من اللّيل بالسين غير معجمة، و الجميع أجراس و جروس قال:
حتّى إذا ما بركت بجرسأخذت عشيّ و نفعت نفسي
و مضى عنك من اللّيل، و عنك و الجميع أعناك قال:
فقاموا كسالى يلمسون و خلفهممن اللّيل عنك كالنّعامة أقعس
أي طال، و انحنى: أقعس.
قال يعقوب: و سمعت أبا عمرو يقول: العنك ثلث اللّيل الباقي، و أعطيه عنكا من مال أي قطعة، و يقال: سجا اللّيل و أسجى، قال تعالى: وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى [سورة الضّحى، الآية: 1- 2]. و يقال: يوم أسجى، و ليلة سجواء، و هي اللّينة السّاكنة، و بعير أسجى، و ناقة سجواء أدمة، و يقال: مضى ملي من اللّيل و الجميع أملاء، و مضى هدء و الجمع هدوء، و مضى بضع من اللّيل، و هنيء من اللّيل: قطعة، و مضى هزيع من اللّيل أي ساعة و الجميع هزع. و قال بعضهم: الهزيع من اللّيل النّصف، و يقال: اهتزعوا أي خرجوا بهزيع من اللّيل. و جرش من اللّيل بالشّين المعجمة.
قال يعقوب: و حكى الفرّاء: جئته بعد جوش من اللّيل، و جوشن من اللّيل. قال إذ الدّيك في جوشن من اللّيل أطر. و قال بعضهم: الجوشن: وسط اللّيل. قال ذو الرمة:
تلوم نهياه بياه و قد مضىمن اللّيل جوش و اسبطرّت كواكبه
و قال ابن أحمر شعرا:
يضيء صبيرها في ذي حيّجواش ليلها بينا فبينا
أي قطعة من الأرض بعد قطعة، و قال: جواشن هذا اللّيل كي يتموّلا. و بقيت جهمة من اللّيل، و جهمة أيضا، و الجهمة: بقية من سواد اللّيل في آخره. قال الأسود شعرا:
و قهوة صهباء باكرتهابجهمة و الدّيك لم يتعب
و حكى: جهنة من اللّيل بالنون، و قال بعض أهل اللّغة: جهينة اسم الخمرة منها يشتق. و قال بعضهم: الجهمة السّحر. و حكى أبو حاتم، و الهجمة لغة فيها الهاء قبل الجيم و الفعل عنها اجتهم و اهتجم و اجتهن، و مضى وسع من اللّيل يكون من أوّله إلى ثلثه أو
ربعه. و جوز من اللّيل أي نصف من اللّيل، و الجميع: أجواز، و قال: النّضر جوز اللّيل:
وسطه. و يقال: انطلقنا فحمة العشاء، و الجميع فحمات أي في أوّل الظّلمة. و قال بعضهم:
فحمة العشاء شدّة الظّلمة، و يقال: فحموا من اللّيل أي لا تسيروا في أوّل اللّيل حتى تذهب فحمته، و أفحموا أيضا و كأنّه مأخوذ من الفحم.
و قال ابن الأعرابي: الفحمة ما بين غروب الشّمس إلى نوم النّاس، سمّيت فحمة لحرّها و أوّل اللّيل أحرّ من الآخر. قال: و لا تكون الفحمة في الشّتاء و ذلك لأنّه لا حرّ فيفحمهم، و إنما يفحمون ليكن الحر عنهم فيسيرون ليلتهم و قيل: فحمة العشاء من لدن المغرب إلى العشاء الآخرة.
و قال أبو صالح الفزاري: فحمة العشاء: من لدن العشاء إلى نصف اللّيل، يقال:
أفحم القوم إذا أناخوا فحمة اللّيل. و جاءنا بعد هجعة من اللّيل أي نومة، و مضت جزعة من اللّيل أي ساعة من أوّله، و صبة من اللّيل نحو جزعة و كما استعملا في أوّل اللّيل استعملا في آخره أيضا فقيل: بقيت جزعة من اللّيل و بقيت صبة من اللّيل.
و حكى النّضر: أتيته بسدفة من اللّيل. و مضى طبق من اللّيل: أي هوى منه و جاء بسحرة بدهمة. و جاء سحيرا: أي في آخر الليل و جاء بأعلى سحرين أي: بالسّحر الأعلى.
قال الدّريدي: العرب تقول: جئتك بالسّحر بالألف و اللّام، و جئتك بسحر و بسحرة، و بأعلى السحرين، و جئتك سحر، و لم ينوّنوا فيقولون: سحرا أصلا، و الكلام في هذا و أشباهه قد مضى مستقصى.
و حكى الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء قال: ليس في كلام العرب: أتانا سحرا إنّما يقولون: أتانا بسحر. و يقول: جئتك تنفّس الصّبح أي عند أوّله. و في القرآن: وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [سورة التكوير، الآية: 18] و قد جشر الصّبح يجشر جشورا أي: بدا لك. و منه سمّيت الجاشرية للشّرية عند الصّبح، و يقال: جئتك في غبش اللّيل و الغبش حين تصبح.
قال: منظور الأسدي:
موقع كفّي راهب يصلّيفي غبش اللّيل أو النّثلي
و قيل الغبش: بقية لم يفضحها نهار، قبيل الفجر، و يقال: أتيته بغبش من اللّيل، و يقال: غبش اللّيل و أغبش. و غطش و أغطش، فأمّا العسعس و العسعسة فهما تنفّس الصّبح، و قالوا: عسعس اللّيل عسعسة إذا أظلم.
و قال بعضهم: عسعس ولّى فهذا من الأضداد، و هو قول ابن عباس قال: عسعس:
أدبر. و قال علقمة بن قرط:
حتّى إذا للصّبح لنا تنفّساو انجاب عنها ليلها و عسعسا
و قال آخر:
وردت بأفراس عتاق و قتبةقوارط في أعجاز ليل معسعس
كأنّه أراد هاهنا الظّلمة، و مثله في المعنى:
قواربا من غير دجن نسامدّرعات اللّيل لمّا عسعسا
و البلجة: في آخر اللّيل عند الصّبح، و التّنوير: عند الصّلاة قال:
طال ليلي أراقب التّنويراأرقب الصّبح بالصّباح بصيرا
قال النّضر: جئته بعد ما مضى و هن من اللّيل أي ساعة، و بعد هدء من اللّيل. و قال بعضهم: الموهن حين يدبر اللّيل. و أوهن الرّجل: صار في تلك الساعة. و بعد هدأة من اللّيل و بعد ما هدأت الرّجل. و بعد ما هدأت العيون، و قالوا: تعجس من اللّيل و هو الفريع و السّعواء بعد الوهن، قال: و قد مال سعواء من اللّيل أعوج. و يقال: مضى هيتاء من اللّيل، و قطع. قال: سرت تحت إقطاع من اللّيل ظلتي. و السّاعة الطّويلة ملأ، و يقال: أتيته غطشا و يغطش. و مضى سبج من اللّيل أي: قريب من وسطه و نصفه. أبو زيد: مضى اللّيل عشوة و هو ما بين أوّل اللّيل إلى ربعه. الكسائي: مضى سعو من اللّيل و سعواء من اللّيل أي:
ساعة. و مضى هتأ من اللّيل، و حكى الأحمر: هتى و هتأ من اللّيل.
و حكى قطرب و غيره: ذهب هيتاء من اللّيل، و يقال: ما بقي إلا هتأ عن غنمهم أو إبلهم، و هو الأوّل من الأقل من الباقي أو الذّاهب. و يقال: مضى دهل من اللّيل أي صدر، و أنشد لأبي هجيمة شعرا:
مضى من اللّيل دهل و هي واحدةكأنّها طائر بالدّود مذعور
و يقال: مضى مهواء من اللّيل أي طائفة منه. و مضى مهوان من اللّيل: أي هوى منه.
و يقال في واحد الإناء من قول اللّه تعالى: آناءَ اللَّيْلِ* [سورة آل عمران، الآية: 113] مضى آنى و آني و إني و إنى. قال الهذلي شعرا:
حلو و مر كعطف القدح مرتهفي كلّ آنى قضاه اللّيل ينقل
و يقال: تصبصب اللّيل و هو أن يذهب إلّا قليلا. و فعلته عند تصبصب اللّيل. و كذلك أبهار اللّيل إذا ذهب عامّته. و بقي نحو من ثلثه. قال الأصمعيّ: أبهار اللّيل انتصف.
و البهرة: الوسط من كل شيء. و بهرة الصّدر ما ضمّ الصّدر من الزّور و جمعها بهر. و قيل:
ابهيراره طلوع نجمه، و ذهاب فحمته، حتى بهرت نجومه سواده. و الشّفق بقية ضوء الشّمس و حمرتها من أوّل إلى قريب من العتمة، و يقال: فعلته عند غيبوبة الشّفق، و هما شفقان من أوّل اللّيل كما أنّ الفجر فجران من آخر الليل. و الهبة السّاعة يبقى من السّحر و يقال: ثرنا بهبة من اللّيل. قال أبو نصر حكاية عن الأصمعيّ: الفجر أوّل ضوء تراه من الشّمس في آخر اللّيل كما أنّ الشّفق آخر ضوء منها في أوّل اللّيل. و يقال: فجر الصّبح يفجر أو فعلت هذا حين انفجر الصّبح و انفلق. و سطع سطوعا و السّاطع أسنى من الطّالع. يقال: أدلجنا عند الفلق و الفرق، و عند الانفلاق، و في القرآن: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق، الآية: 1].
و قال قطرب: تميم تقول: فرق الصّبح، و غيرهم فلق الصّبح، و الفلق أيضا الطّريق بين الجبلين، و ناشئة اللّيل: ما ينشأ منه، و من ذلك قولهم: غلام ناشئ و نشأت سحابة، و في القرآن: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً [سورة المزّمّل، الآية: 6] أي أشد مكابرة، و من قرأها و طاء أي مواطأة من قولك تواطأ القوم: إذا اجتمعوا على أمر كان أحدهم يطأ حيث يطأ صاحبه. و النّشيئة مثل النّاشئة، و يقال في الجارية: نشيئة أيضا أحوالها في النّشاء و النّشية أيضا حجر يكون على الحوض من قوله: هرقناه في بادي النّشية داثر. و عمود الصبح نفسه.
و الصّديع الصّبح. قال: كأنّ بياض لبّته صديع. و إيضاح الفجر و إيضاحه إضاءته و استنارته.
و أصله: الانشقاق و منه: انضاحت العصا أي انشقّت، و أدلجنا ببلجة أي سرنا بسدف قبل طلوع الفجر، و تبلّج الصّبح و انبلج، و في المثل تبلّج الصّبح لذي عينين، و جئتك عند البهر، أي حين بهر الصّبح ضوء القمر، و يقال: قمر باهر و أنشد:
و قد بهرت فما تخفى على أحدإلا على أحد لا يعرف القمرا
و الأسفار أن يرى موقع النّبل، و يقال: أتيته في سفر الصّبح و الفجر، و أتيته سحرية.
و يقال: وردت الماء بالغطاط أي: قبل طلوع الفجر. و فعلت كذا عجيس اللّيل و عجاساء اللّيل، و عحبس اللّيل أي آخر اللّيل. و منه قيل: تعجس عن كذا أي تحبس و تأخّر. و يقال:
جئتك غلسا و جئتك جنح اللّيل، و قد جنح جنوحا. و جئتك عند تهوّر اللّيل و توهّره. و ذلك إذا مضى إلّا قليلا. و التّهور في اللّيل: كالمثل و التّشبيه. قال يعقوب: مضت قويهة من اللّيل، أي قطعة و هذا من قولهم: قوّه الصّيد إذا جاشه إلى مكان. و مضى سهواء من اللّيل:
أي بعد ما مضى صدره، و أصله الانبساط و الاتساع، و منه السّهوة الصّفة. و السّاهية ما اتّسع و استطال من غير حمر برد العين. و الرّوية الطّائفة من اللّيل. و قالوا: الصّريم أوّل اللّيل و آخره جميعا لأنّه من الأضداد. و قال بعضهم: إنمّا وقع عليهما لأنّه اسم لما يتصرّم من كلّ واحد منهما عن صاحبه قال:
فلمّا انجلى عنها الصّريم و أبصرتهجانا تسامى اللّيل أبيض معلما
و قال آخر:
علام تقول عاذلتي بلوميؤرّقني إذا انجاب الصّريم
و الدّيسق: النّور و البياض و يقال: انشقّ الصّبح عن ريحانة الفجر أي نسيمه. و يقال:
صبح مكذب و هو عجز اللّيل أي آخره، و ذلك إذا نهض بياض في عجز اللّيل ثم ينمحي و يندجي عجز اللّيل، ثم يمهل ساعة، ثم يظهر شميط الصّبح و هو بياض في سواد آخر اللّيل، و ذلك الصّبح المسدف و قال أبو ذؤيب:
شغف الكلاب الضّاريات فؤادهفإذا ترى الصّبح المصدق يفزع
و الخيط الأسود هو عجز اللّيل ثم يشق خيط اللّيل عن خيط النّهار، فيقال: هذا خيط الصّبح و في القرآن: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة، الآية: 187] و من ذلك قول الرّاجز: (مرّت بأعلى سحرين تذأل) و أعلى سحرين هو قبل الصبح. أبو حاتم يقال: قد شقّ الصّبح- و صدع- و سطع- و انفلق- و تنفس- و جشا- و جشّ- و ذلك إذا طلع و وضح، و يقال: شقّ حاجب الصّبح، و إذا طلع حاجبه و هو أوّله فذلك تباشير الصّبح، و يقال: أذن الصّبح و منادي الصّبح و هما الصّبح بعينه. و بعضهم يقول: بل هو الطائر إذا نطق لا بان الصّبح و الصّبح- و الفجر- و الصّريم واحد و يقال كشط اللّيل عنا غطاءه- و رفع اللّيل عنّا اكتنافه. و الاهتجام من آخر اللّيل. و قال بعضهم: هي الهجمة. و قال بعضهم: الجهمة الجيم قبل الهاء، و ذلك الاجتهام و الجهمة و العسجة سواء و هما من السّحر. و يقال: أتيته بأغباش السّواد- و الواحد غبش قبيل الصّبح- قال ذو الرّمة:
أغباش ليل تمام كأنّ طارقهتطخطخ الغيم حتّى ماله جوب
و قال ابن الأعرابي: علباء مضر تقول ولدته لتمام، فتفتح التاء و تميم تكسر، و يقال:
في كل لغة ليل التّمام بالكسر، و ذكر الأصمعيّ أنّه لا يكسر التّاء إلا في الحمل و اللّيل، و عقب اللّيل بقايا آخره و يقال: أتيته و قد بقيت علينا عقب من اللّيل- و أفراط اللّيل أوّل تباشيره، و الواحد فرط، و منه الفارط الذي سبق القوم إلى الماء فأمّا قول الهمداني:
إذا اللّيل دجى و استقلّت نجومهو صاح من الإفراط هام جواثم
فقد اختلفوا فيه فقال بعضهم: إفراط الصّبح: لأن الهام إذا أحس بالصّباح صرخ.
و قال غيره: الفرط العلم المستقدم من أعلى الأرض، الذي يكون شرعا بين أحياء فمن سبق إليه كان له. و ذكر قطرب: يقال لما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس سجسج. و من الزّوال إلى العصر يقال له: الهاجرة. و من العصر إلى الأصيل: غروب الشّمس، و يقال العشي. ثم هو القصر و العصر إلى تطفيل الشّمس و هو الطّفل. و الجنوح: إذا جنحت الشّمس للمغيب. ثم اللّيل من وقت غروبها إلى انتصاف اللّيل. الجنح ثم السّدف و الملس و الملث و أتيته بمسى اللّيلة أي عند المساء، و أتيته ممسيا و مساء. و حكى الفراء: أتيته ممسى خامسة و مسى خامسة و مساء خامسه، و حين ألقى اللّيل علينا رواقه و كنفيه، و حين ألقى علينا سدوله و سدوره و سقطيه و جلبابه، و دخلنا في جنان اللّيل و هو ما وراءك. و قال:
جنان المسلمين أو دميساو إن جاورت أسلم أو غفارا
و أسطمة اللّيل وسطه، و كذلك أصطمة القوم و البحر للوسط، و الأكثر، و يقال: اصطم بغيرها، و سوق اللّيل ما دخل فيه و صمّ من شيء. و في القرآن: وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ [سورة الانشقاق، الآية: 17] و يقال: أتانا حين هدأت القدم، و حين هدأ السّامر، و جئتك بغطاش من اللّيل. قال أبو حاتم: هو من قوله تعالى: وَ أَغْطَشَ لَيْلَها [سورة النازعات، الآية: 29] و ثبج اللّيل و حومته و لجه معظمه.
و حكى الدّريدي: خرجنا بدلجة- و دلجه- و بلجة- و بلجه- و سدفة- و سدفه- و يقال:
دبر- و أدبر- و قبل النّهار- و أقبل- و حكى أبو عمرو عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: يقال هو اللّيل- و الأيهم- و السّد- و الأبهم- و الجمير- و الأعمى- و الأدهم- قال: و من نعوته و نعوت ظلمته: الغاضي- و المغضي- و الأسود- و الأدلم- و الأخضر- و الأصبغ- و الأقتم- و الأكلف- و البهيم- و الدّيجور- و الدّجوجي- و الغيهب- و المخم- و أطلس- و أطحل- و الأسجع- و السّاجي- و الغيهبان- و الحذاري- و الحندس- و الأغضف- و الأغلف- و الأغطش- و الغاسق- و الكافر- و العافي- و الرّويزي- و السّمر- و الأغم- و الأسهم- و السّاهم- و الأحلس- و الأغدف- و المغدف.
و من أسمائه: الغشي- و الأروق- و الأخطب- و الألمى- و الأحوى- و المدلهم- و الأحم- و الغاطي- و الجان- و المخب- و الأقوس- و الجول- و العمس- و العكامس و العكس- و العكابس- و الحلبوب- و الحلكوك- و الدّامس- و الدّاماء- و هو من أسماء البحر يشبه اللّيل به- و ذو السّدود- و الأغبس- و الأسحم- و الأعشى- و الأغشى- و الغطاط- و الأغطى- و يقال: الغطاط عند السّحر الأعلى- و يقال أيضا: أتيته بغطاط أي بشيء من سواد
اللّيل و المعلنكس- و المعرنكس- و العسكرة الظلمة- و المطخطخ- و قسورة اللّيل شدّته و غسوه- و الطّرمساء- و الطّلمساء- للظّلمة في السّحاب و هي من الضّباب أيضا. و قالوا:
غباشير اللّيل و النّهار لما بينهما من الضّوء. و التّباشير العمود نفسه و يقال: أدمس اللّيل أي أظلم، و يقال للظّلمة: الغيطلة. قال الفرزدق: و اللّيل مختلط الغياطل أليل.
ابن الأعرابي: قيل في مثل يا هادي اللّيل جرت فالبحر أو الفجر يرفعان و ينصبان، و المعنى إنمّا هو الهلاك أو يرى الفجر كنّى عن الهلاك بالبحر. و يقال: اغتمد ليلتك أي سر و اجعلها غمدا لك. و هذا كما يقال: اتّخذ اللّيل جملا و امتطاه. و يقال: اغتمد أيضا.
و الطّراق أيضا اللّيل- و تطارقه تراكمه. و يقال: آتيتك طوى من اللّيل أي بعد ما مضت ساعة و كذلك أتيتك قويمة من اللّيل.
قال النّضر: النّهار من طلوع الشّمس و لا يعدّ ما قبل طلوعها من النّهار و جمعه أنهرة و نهر. و قال الخليل: هو ضياء ما بين طلوع الشّمس يحديه حتى تحلّ صلاة الضّحى.
و غزالة الضّحى أوّلها يقال: أتانا في غزالة الضّحى و هو أوّل الضّحى أي مدّ النّهار الأكبر.
فأمّا رأد الضّحى فحين يعلوك النّهار حتى يمضي منه نحو الخمس، و يقال: أتيته ضحيا و رادا و قد ترادت الضّحى و ترادها و تزيلها و ارتفاعها و جئتك في فوعة النّهار و هي أوّله.
و حكى بعضهم فوعة كلّ شيء أوّله و فوعه، و كذلك فيعته و فيعه. و منه كان ذلك عند أوّل فوعة أوّل شيء، و أتيته مدّ النّهار، و هو بعد الرّأد و أتيته مدّ النّهار الأكبر. و جئته حين ذرّ قرن الشّمس، و حين بزغت و شرقت و أشرقت، فالشّروق الطّلوع، و الإشراق الانبساط و الإضاءة و فعلته حين ترجّلت الضّحى، و النّهار و هو علّوه و اختلاطه.
و أتيته غدوة و بكرة، و هما لا يصرفان لأنّ غدوة علم، و بكرة نحوها: و إنّي لآتيته في البكرة- و آتيه بكرا و آتيه غدوة بكرا، و أتاني غدوة باكرة- و المبكر ما جاء في أوّل وقت و كذلك الباكر. قال:
ألا بكرت عرسي بليل تلومني
و في الحديث: «بكّروا بصلاة المغرب» و يكون الغداة أصله ذاك أيضا. و منه باكورة الرّبيع و التّبكير أوّل الصّلاة. و في الحديث: «من بكر و ابتكر» فبكر يكون لأوّل ساعات النّهار. و قال ثعلب: و يجوز في قوله ابتكر أي أسرع إلى الخطبة حتى يكون أوّل دان و سامع، كما يقال: ابتكرت الخطبة و القصيدة أي اقتضيتها و ارتجلتها ابتداء لم أرو فيها.
و قول الفرزدق شعرا:
إذا هنّ باكرن الحديث كأنّهجنى النّخل أو أبكار كرم تعطّف
أراد أنّها حملت أوّل حملها. و يقال: أتانا بعد ما متع النّهار الأكبر، يريد بعد ما علا النّهار و استجمع النّهار. و ذكر بعضهم: متع النّهار متوعا إذا ارتفع، و ذلك قبل الزّوال.
و انتفح النّهار و ذلك قبل نصف النّهار، و في قبل النّهار أي في أوّله و في الضّحاء الأكبر.
و أتيته شدّ النّهار، و ذلك حين ارتفع النّهار. قال عنترة:
عهدي به شدّ النّهار كأنمّاخضب اللّيان و رأسه بالعظلم
بالعندم. و يروى مدّ النّهار. و أتيته كهر النّهار. و قال الشّاعر:
و إذا العانة في كهر الضّحىدونها أحقب ذو لحم زيم
و قال ابن أحمر في نحر النّهار:
ثم استهلّ علينا و اكف همعفي ليلة نحرت شعبان أو رجبا
و حكى قطرب: (الجون) النّهار. قال و الجون في لغة قضاعة الأسود و فيما يليها الأبيض. و فعلته في شباب النّهار- و في نحر النّهار- و في وجه النّهار- و في هادي النّهار، و هادي كلّ شيء مقدمه- و في القيظ الهاجرة- و هو قبل الظّهر بقليل، و سمّيت هاجرة، لأنّ السّير يهجر فيها، و جعل الهجران للوقت على المجاز، و يقال: هجر القوم و تهجّروا أي ارتحلوا بالهاجرة. و أهجروا دخلوا في الهاجرة. و الظّهيرة نصف النّهار في القيظ حتى تكون الشّمس بحيال رأسك فتركد. و ركودها أن تدوم حيال رأسك كأنّها لا تريد أن تبرح.
و أتيته في فرع النّهار: أي في أوّله، و حكى: بئس ما أفرعت أي ابتدأت. و الفرعة أول نتاج النّاقة. و يقال: أفعل هذا في تلع الضّحى أي في ارتفاعها. و يقال: تلع النّهار: أي ارتفع. و تلع الظّبي أخرج رأسه من الكناس و أتلع رأسه فنظر. كما يقال: طلع و أطلع.
و أتيته حدّ الظّهيرة و في نحر الظّهيرة قال:
حدّ الظّهيرة حتى ترحلوا أصلاإنّ السقاء له رمّ و تبليل
و جئته في الظّهيرة و عند الظّهيرة و بعضهم يجعله على تصرّفه من الظّهور و بعضهم من الإظهار و هو شدّة الحر، و حكى أبو سعيد السّكري يقال: صلّينا عقب الظّهيرة، و أعقاب الظّهيرة أي تطوعا بعد الفريضة. و جئت في عقب النّهار إذا جئت و قد مضى و كذلك عقبانه، و جئت في عقبه و معقبا إذا جئت و قد بقيت منه بقية.
و أتيته عند اصمقرار الظّهيرة: أي حين اصمقرّت الشّمس و صخدت. و زرته بالهجير، و عند آخر الهجير قال العجّاج شعرا:
كأنّه من آخر الهجيرقرم هجان همّ بالغدور
و الهجير فعيل بمعنى المفعول و كما قالوا: هاجرة على المجاز قيل هجير على التّحقيق أيضا. فأمّا تأنيث الهاجرة فكان. المراد بها، و بأمثالها السّاعة. و أمّا التّذكير حيث جاء فلان:
المراد به الوقت- و قولهم: الهجير لو أريد به السّاعة لألحقوا به الهاء بعد أن قطع عن الموصوف، و سلك به طريق الأسماء كما لحق بقوله البيّنة و هي الكعبة و اللّقيطة و ما أشبههما.
و أتيته بالهجير الأعلى، و في الهاجرة العليا: يريد في آخر الهاجرة. و أتيته بالهويجرة و ذلك قبل العصر بقليل، و أتيته هجرا. قال الفرزدق:
كأنّ العيس حين أنخن هجرامفقّأة نواظرها سوام
و يقال: أتيته حين قام قائم ظهر، أي في الظهيرة، و أتيته حمى الظّهيرة و حين صخدت الشّمس و أزمعت بالركود، و أظهر فلان و خرج مظهرا أي داخلا في الظّهيرة و ظهر فلان: نزل في الظّهيرة و به سمّي الرّجل مظهرا.
و أتيته صكّة عمى و أعمى: أي نصف النّهار إذا كادت الشّمس تعمي البصر و قد يصرف فيقال: عمى. و رواه أبو عمرو عمي على فعيل، و هذا على أنّه تصغير أعمى مرخّم مثل زهير و سويد، من أزهر و أسود. و معنى صكه أي كأن الشّمس تصكّ وجه ملاقيها، و لو قيل:
صكة أعيم لكان على الأصل. الأصمعي القائلة النّزول و الحطّ عن الدّواب و الاستظلال، و يقال: أتانا عند القائلة و عند مقيلنا، و عند قيلولتنا، و رجل قائل و قوم قيل. قال العجّاج:
إن قال قيل لم أكن في القيل
و الغائرة: الهاجرة عند نصف النّهار و غوّر القوم: نزلوا في الغائرة، و يقال: أتيته عند الغائرة: يريد عند آخر القائلة. و حكى الأصمعيّ: غوروا بنا فقد رمّضتمونا، و يقال: ارتحلوا فقد غوّرتم أي أقمتم و نمتم، و الأصل الحط عن الدّواب و النّزول. و نزلنا دلوك الشّمس، و ذلك حين تزول عن كبد السّماء و دلكت أيضا غابت، و قال اللّه تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [سورة الإسراء، الآية: 78] فهذا حجة في الزّوال، و أنشد الدّريدي حجة في الغيبوبة:
هذا مقام قدمي رباحغدوة حتّى دلكت براح
أي غابت الشّمس فصارت في المغرب فستر عنه براحته، قال أبو بكر: هذا قول الأصمعي، و احتجّ بقوله: ادفعها بالرّاح كي تزحلفا. يقال: نزلنا سراة النّهار أي: ارتفاعه، و نزلنا عند مدحض الشّمس و قد دحضت الشّمس تدحض دحوضا و دحضا و ذلك إذا كان بين الظّهر الأولى و العشي ما سفل من صلاة الأولى و بعد العصر الأصيل.
و أتيتك عشية أمس آتيه العشي ليومك الذي أنت فيه و سآتيه عشي غد بغير هاء، و كنت
آتيه بالعشي و الغداة و غدوا و عشيا أي كلّ غداة و عشية و آتيه عشاء طفلا و ذلك عند مغيب الشّمس، حين تصفر و ينقص ضوؤها(1).
قال لبيد: و على الأرض غيابات الطّفل، و قد طفلت الشّمس إذا دنت للمغيب.
و يقال: أتيته مرهق العشاء أي حين أتانا، و قد أرهق اللّيل و أرهقنا القوم لحقونا، و أرهقتنا الصلاة: أي استأخرنا عنها. و قال أبو زيد: أرهقنا الصلاة أي: أخّرناها حتى يدنو وقت الأخرى.
و زرته قصرا و مقصرا: أي عشيا، و قد أقصرنا: أي أمسينا. قال:
فأدركهم شرق المروراة مقصرابقية نسل من بنات القراقر
و قد أصلنا و أتينا أهلها موصلين.
و قال الأصمعي: أتيته أصلا و أصيلا و أصيلة و الجمع أصائل و آصال.
قال أبو ذؤيب:
لعمري لأنت البيت أكرم أهلهو أقعد في أفيائه بالأصائل
و قال الأسدي: من غدوة حتى دنا في الأصل. قال تعالى: بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ* [سورة الأعراف، الآية: 205] [سورة الرّعد، الآية: 15] [سورة النّور، الآية: 36]. و قال يعقوب: أتيته أصيلانا و أصيلانا و هو تصغير أصيل على غير القياس كما صغّروا عشية عشيشية و عشية و عشيشيانا و عشيانا كلّ هذا بمعنى العشية قال:
عشيشية و اللّيل قد كاد يستويعلى وضح الصّحراء و الشّمس مطرف
و قد قالوا: أتيته مغيربان الشّمس و مغيربانات. و قال بعضهم: كأنهم جمعوا أصيلا على أصلان كما تقول: بعير و بعران ثم صغّروا أصلان فقالوا: أصيلان ثم أبدلوا من النّون لاما فقالوا: أصيلال، و التّصغير في الأزمان على طريق التّقريب على ذلك قولهم: قبيل الزّوال و العصر و بعيدهما. و كذلك يجيء فيما يكون من الأماكن ظرفا نحو: دوين و فويق و تحيت. فأما الجمع فمردود على أجزائه كأنّه يجعل كلّ جزء من أجزاء العشية عشية، و لا
1) قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه اللّه في كنز المدفون و الفلك المشحون: إنّ من ساعات النّهار الذرور- ثم البزوغ- ثم الضّحى- ثم الغزالة- ثم الهاجرة- ثم الزّوال- ثم الدّلوك- ثم العصر- ثم الأصيل- ثم الصّبوب- ثم الحدور- ثم الغروب- و يقال فيها أيضا البكور- ثم الشّروق- ثم الإشراق ثم الراد- ثم الضّحى- ثم المتوع- ثم الهاجرة- ثم العصر ثم الأصيل- ثم الطّفل- ثم الغروب. 12 القاضي محمد شريف الدين عفا عنه.
يمتنع أن يكون جمعه على ما حوله من الأوقات كما قالوا: ضخم العشاءين، و كما أنّهم يقصدونه بما حوله من الأوقات فيجمعونه كذلك يقصدونه مجردا من غيره فيقولون: جئته ذات العشاء، يريدون السّاعة التي فيها العشاء لا غير، و هذا حسن، و يقال مسى خامسة و ممسى خامسة، و مساء خامسة، و مسيان أمس، و مسى أمس و جئته صبح خامسة و مصبح خامسة، و آتيك ممسى اللّيلة أي عند المساء قال:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنةمن صبح خامسة و أنت موفّق
و حكى يعقوب: لقيته بالضّمير و هو غروب الشّمس من قوله:
ترانا إذا أضمرتك البلاديخفى و يقطع منّا الرحم
و من قول الآخر: أعين لابن ميّة أو ضمار.
و يقال: جئته مرمض البحير، و هو من قولهم: رمضت الغنم رمضا: إذا رعت في شدّة الحر فتحين رئاتها و أكبادها فتقرح، و رمض الرّجل أحرقته الرّمضاء، و هم يرمضون الظّباء أي يأتونها في كنسها في الظّهيرة فيسوقونها حتى تفسح قوائمها فتصاد. و في الحديث:
«صلها إذا رمضت الفصال» و هو وقت تقوم من مواضعها لتؤذيها بالحر. و يقال: فعلته عند متضيّف الشّمس للغروب.
و في الحديث: «يؤخّرون الصّلاة إلى شرق الموتى» و فسّر على أنّه إذا ارتفعت الشّمس عن الحيطان و صارت بين القبور كأنها لجة و قيل: هو أن يمصّ الإنسان بريقه عند الموت كأنّه يريد لا يبقى من النّهار إلا مقدار ما بقي من نفس ذلك. و يقال: أتيته بشفا أي بشيء قليل من ضوء الشّمس. قال الرّاجز:
أشرقته بلا شفاء أو بشفاو الشّمس قد كادت تكون دنفا
و حكى ثعلب عن ابن الأعرابي: القصر بعد العصر، و القصر أيضا فإذا كان بعد ساعة فهو الظّهيرة، فإذا كان بعد ذلك فهو الأصيل، فإذا كان بعد ساعة و هو الطّفل فإذا كان بعد ذلك فهو العرج(1)(حتّى إذا ما الشّمس همّت بعرج) و (التّضمير) الدّخول في الضّمير، يقال: ضمرنا و أضمرنا و ضمّرنا و قصرنا و أقصرنا، و قصّرنا، و عرجنا و أعرجنا و عرّجنا فإذا كان بعد ذلك فهو التّضيف. فإذا كان بعد ذلك فهو الشّفق و هو الأحمر، فإذا غابت الشّمس و ظهر البياض في تلك الحمرة فهو الملث، فإذا اسودّت الدّنيا قليلا فهو المقسورة. فإذ اسودّ أشد من ذلك فهي الفحمة، فإذا جاءت العتمة فهي العتم.
1) في القاموس العرج محركة غيبوبة الشّمس- القاضي محمد شريف الدين.
و ذكر الدّريدي الرّيم من آخر النّهار و اختلاط الظلمة، و هذا يجوز أن يكون من ريم الجزور، لأنّه آخر ما يبقى منه و يأخذه الجارز. قال:
و كنت كعظم الرّيم لم يدر جازرا
و حكى ابن الأعرابي: انصرفوا برياح من العشي، و أرواح من العشي إذا انصرفوا و عليهم بقية من النّهار و أنشد لرفيع الوالبي الأسدي:
و لقد رأيتك بالقوادم نظرةو عليّ من سدف العشيّ رياح
و بيان هذا الذي قاله أنه يقال: هبّت لفلان ريح الدّولة، و السّلطان فكان المراد:
و انصرفوا و للعشي سلطان. فأمّا الشّاعر فإنّه جعل السّدف كناية عن الشّباب و السّواد بدلالة أنّه قال بعد هذا البيت:
خلق الحوادث لمتي فتركن ليرأسا يصلّ كأنّه جماح
و قال بعض أصحاب المعاني: يقال: إني على بقية من رياح: أي أريحيّة و نشاط و هذا يقرب ما قلنا.
و (فواق) من الزّمان مقدار ما بين الحلبتين و في القرآن: ما لَها مِنْ فَواقٍ [سورة ص، الآية: 15].
و الصّريم: يقع على اللّيل و النّهار لأنّ كلّ واحد يتصرّم عن صاحبه و قوله تعالى:
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [سورة القلم، الآية: 20] قيل: كاللّيل المظلم و قيل: كالنّهار أي لا شيء فيها كما يقال سواد الأرض و بياضها، فالسّواد الغامر، و البياض الغامر، و قيل: كالصّريم:
أي المصروم المقطوع ما فيه و يقال: ما رأيته في أديم نهار و لا سواد ليل.
و يقال: ابتلجا ببلجة و بلجة و ذلك قبل الفجر، و قد تبلج الصّبح. و في المثل: تبلج الصّبح لذي عينين. و انبلج أيضا. أبو زيد يقال: انتصف النّهار و لم يعرفوا الأنصاف، و قد أباه الأصمعي، و قال: لا يقال الأنصف، و أنشد للمسيّب بن علبس شعرا:
يمدّ إليها جيده رمية الضّحىكهزّك بالكفّ البري المدوّما
يعني بالبري القدح إذا سوى و لم يرش و تدويمه ثباته في الأرض.
و حكى الفرّاء عن المفضل قال: آخر يوم من الشّهر يسمّى ابن جمير بضمّ الجيم، و قال ابن الأعرابي: هو ابن جمير بالفتح، قال الفرّاء و أنشدنا المفضّل:
و إن أغاروا فلم يحلوا بطائلةفي ظلمة من جمير ساوروا العظما
يعني الذّئب و العظماء جمع عظيم و أنشد الأصمعيّ:
نهارهم ليل بهيم و ليلهمو إن كان بدرا فحمة بن جمير
و يقال: هو اللّيلة التي لا يطلع فيها القمر، و روى بعضهم بيت الأعشى:
و ما بالذي أبصرته العيونمن قطع بأس و لا من فنن
و قال: معناه و لا من قرب يقال: سعى فننا و فنا أي ساعة.
و مما حكى لا يبيتنّ أحدكم جيفة ليل قطرب نهار. القطرب: دويبة تقطع نهارها بالمجيء و الذّهاب.
و من أمثالهم: دلهمس اللّيل برودا المنتجع، يقال لمن يغيب عن فراشه في غارة أو ريبة و ما يجري مجراها، برودا المضجع: أي لو كان أويا الفراش لكان سخنا، و كذلك قوله: دلهمس أي ليلة أبدا مظلم لأنّه لصّ.
و يقال: أقصر الرّجل كما يقال: أمسى و أقصر إذا أخّر أمره إلى العشي، أو جاء في ذلك الوقت. قال: حتى إذا أبصرته للمقتصر، و قصر الشّيء غايته هو الأصل. قال: كلّ من بان قصره أن يسيرا.
و يقال: بات فلان بليلة القدّ بالدّال و الذّال جميعا، و هو القنفذ، و يقال: إنه لا ينام لذلك قال شعرا:
قوم إذا دمس الظّلام عليهمحدجوا قنافذ بالنميمة تمزع
و يقال: ما بقي من النّهار إلا نوّة حتى كان كذا أي ساعة. و منه ذهب توّا أي: منفردا.
و ممّا يجري مجرى المثل قوله: أسائر اليوم و قد زال الظهر. أي: أ باقي اليوم من سير يسير و سار يسير أي بقي فكأنّه قال: أ تنتظر حاجتك غابر يومك و قد مضى أكثره و لم يقض لك.
و يقال: لقيته غارضا باكرا من الغريض الطّري.
و يقال: لقيته غدوة غدوة و بكرة بكرة، و إنه ليخرج غدية و بكيرة غير مصروف و أتيته في سفر الصّبح، و فلقه و فرقه، و لقيته عند التّنوير و الإنارة، و أتيته حين الصّبح و حين صدع.
و يقال: أتيته أمسية كلّ يوم، و أصبوحة كلّ يوم، و صبحة كلّ يوم و صباحة كلّ يوم، و أتيته في فناء النّهار و ذكائه، و روق النّهار، و في ريقه و أنشد ابن الأعرابي:
و الله لا و بيض دمجأهون من ليل قلاص تمعج
مخارم اللّيل لهنّ بهرجحتى ينام الورع المزنج
و قد يقال: محارم الليل بالحاء غير معجمة، و هي مخاوف اللّيل يحرم على الجبان أن يسلكها. (و الدّمج): و المدجة الخلق. و تمعج: تغدو، يهرج أي يقطمه و يبطله و المزنّج النّسل: الذي ليس بتام الحزم.
و قال و يقال: أتيته بالغدايا و العشايا، و جاز الغدايا لاقترانه بالعشايا، و جمع غداة:
أغدية و أغديات، و عشاء و أعشية و أعشيات. و يقال: غدية و غديات، و عشية و عشيات، و ضحية و ضحيات. قال:
ألا ليت شعري من زيارة أمسيهغديّات صيف أو عشيّات أشتية
كذا رواه ابن الأعرابي، و غيره يرويه غديات، و يقال: أتانا عشوة و عشاوة و ذلك عند غروب الشّمس.
تم الجزء الأول و يتلوه الجزء الثاني، و أوله: «الباب الحادي و العشرون» في أسماء السماء و الكواكب و الفلك و البروج