ghaemiyeh.com
المؤلف: الشيخ يوسف بن أحمد البحراني [ صاحب الحدائق ]
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1405 ه.ق
الصفحات: 667
المكتبة الإسلامية
183
الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة
تأليف: العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفی سنة 1186 هجرية
الجزء الثاني و العشرون
مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة)
لجماعة المدرسين بقم المشرفة (ايران)
المحرر الرقمي: محمّد علي ملك محمّد
سرشناسه : بحرانی، یوسفبن احمد، ق۱۱۸۶ - ۱۱۰۷
عنوان و نام پدیدآور : الحدائق الناضره فی احکام العتره الطاهره/ تالیف یوسف البحرانی
مشخصات نشر : قم.
وضعیت فهرست نویسی : فهرستنویسی قبلی
یادداشت : فهرستنویسی براساس جلد هجدهم
یادداشت : کتابنامه
شماره کتابشناسی ملی : ۵۵۶۰۹
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين ، وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين.
قال في التذكرة : الوكالة عقد شرع للاستنابة في التصرف ، وهي جائزة بالكتاب ، والسنة ، والإجماع ، أما الكتاب «فقوله سبحانه (1)( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ) » فجوز العمل ، وذلك بحكم النيابة عن الشخص ، وقوله تعالى (2)«فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ» وهذه وكالة ، وقوله تعالى (3)«اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً» ، فهذه وكالة وأما السنة فما رواه العامة ثم نقل جملة من أخبارهم ، ومنها حديث عروة البارقي (4)في شراء الشاة ، وحديث وكالته (صلىاللّهعليهوآله) عمرو بن أمية الضيمرى (5)في قبول نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان ، ووكل أبا رافع (6)في قبول نكاح ميمونة ، ثم نقل حديثا من طرق الخاصة ، وأحال على الأحاديث الآتية في الكتاب ، الى أن قال : وقد اجتمعت الأمة في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوكالة ، ولأن اشتداد
الحاجة الى الوكالة ظاهرة ، إذ لا يمكن لكل أحد مباشرة ما يحتاج اليه من الأفعال فدعت الضرورة إلى الاستنابة ، انتهى كلامه.
وتحقيق الكلام في ذلك يقع في مسائل الأولى : قال في التذكرة عقيب الكلام المتقدم : الوكالة عقد يتعلق به حكم كل واحد من المتعاقدين ، فافتقر إلى الإيجاب والقبول ، كالبيع والأصل فيه عصمة مال المسلم ، ومنع غيره من التصرف فيه إلا بإذنه ، فلا بد من جهة الموكل من لفظ دال على الرضا بتصرف الغير له ، وهو كل لفظ يدل على الاذن ، مثل أن يقول وكلتك في كذا وفوضت إليك ، واستنبتك فيه ، وما أشبهه ، ولو قال : وكلتني في كذا فقال : نعم ، وأشار بما يدل على التصديق كفى في الإيجاب ، ولو قال : بع وأعتق ونحوهما حصل الاذن ، وهذا لا يكاد يسمى إيجابا بل هو أمر واذن ، وانما الإيجاب قوله وكلتك واستنبتك وفوضت إليك وما أشبهه وقوله أذنت لك في فعله ليس صريحا في الإيجاب ، بل اذن في الفعل ، الى أن قال : ولا بد من القبول لفظا ، وهو كل ما يدل على الرضا بالفعل أو قولا ، ويجوز القبول بقوله قبلت ، وما أشبهه من الألفاظ الدالة عليه ، وكل فعل يدل على القبول ، نحو أن يأمره بالبيع فيبيع أو بالشراء فيشتري ، لأن الذين وكلهم النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لم ينقل عنهم سوى امتثال أمره ، ولأنه اذن في التصرف ، فجاز القبول فيه بالفعل ، كأكل الطعام انتهى.
أقول : قد تقدم في غير موضع ما يدل على سعة الدائرة في العقود وأن المعتبر فيها هو كل ما يدل على الرضا من الطرفين بذلك المعقود عليه ، بقي الكلام في قوله «ان قوله بع وأعتق لا يسمى إيجابا ، وانما هو أمر واذن ، وكذا في قوله أذنت لك في فعله ، ليس صريحا في الإيجاب.
ففيه أنه قد صرح أولا بأن الإيجاب عبارة عن كل لفظ يدل على الرضا بتصرف الغير له ، وهو كل لفظ يدل على الأذن ، وقال : أخيرا في تعليل صحة القبول الفعلي ، ولأنه اذن في التصرف ، فجاز القبول فيه بالفعل ، وتقدم في كلامه السابق عد الآية ، وهي قوله عزوجل (1)«اذْهَبُوا بِقَمِيصِي» وقوله تعالى (2)«فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ» عن باب الوكالة ، وقال : أيضا بعد هذا الكلام الذي نقلناه وقد وكل النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) عروة البارقي (3)في شراء شاة بلفظ الشراء ، يعنى اشتر ، وهو مثل لفظ بع الذي منع منه هنا ، وقال : قال اللّه تعالى مخبرا عن أهل الكهف ، ثم ذكر الآية ثم قال : دل على الاذن فجرى مجرى قوله وكلتك ، ومقتضى ذلك كون المثالين المذكورين ، وقوله أذنت لك كذلك.
وبالجملة فإن المستفاد من كلامهم هو سعة الدائرة ، في هذا العقد زيادة على غيره من العقود من حيث أنه من العقود الجائزة ، فلا يختص بألفاظ مخصوصة ، بل يكفي كل ما دل على الرضا بالاستنابة.
قال في المسالك : لما كان عقد الوكالة من العقود الجائزة صح بكل لفظ يدل على الاستنابة وان لم يكن على نهج الألفاظ المعتبرة في العقود ، وينبه عليه قول النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لعروة البارقي «اشتر لنا شاة» وقوله تعالى حكاية عن أهل الكهف (4)«فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» ومنه بع ، واشتر ، وأعتق ، وأذنت لك في كذا ، ونعم ، عقيب الاستفهام التقريري ، كو كلتني في كذا ، لأنها نائبة مناب وكلتك ، وكذا الإشارة الدالة على المراد الواقعة جوابا ، فإنها وان لم تفد جوابا صريحا ولم يحصل النطق به ، إلا أنه بمنزلته في الدلالة ، فيكفي فيه التوسع في مثل هذا العقد ، انتهى وهو جيد.
ثم ان ظاهر كلامهم هنا الاتفاق على الاكتفاء بالقبول الفعلي ، وان اختلفوا فيه في غيره من العقود سيما العقود اللازمة كما تقدم ذكره في جملة من العقود ، وذلك بأن يوكله في البيع أو الشراء ، فيبيع أو يشتري من غير لفظ يدل على القبول ، قالوا : والوجه في ذلك أن المقصود عن الوكالة الاستنابة ، والاذن في التصرف ، وهو اباحة ورفع حجر ، فأشبه إباحة الطعام ، ووضعه بين يدي الآكل ، فإنه لا يفتقر الى القبول اللفظي.
بقي الكلام في أن ظاهر ما قدمنا نقله عنه من قوله «وكل فعل يدل على القبول» الى آخره يدل على أن القبول الفعلي هو فعل ما تعلقت به الوكالة ، وهو الذي صرح به غيره من الأصحاب أيضا الا أنه قال بعد هذا الكلام والقبول يطلق على معنيين : أحدهما الرضا والرغبة فيما فوض اليه ، ونقيضه الرد ، والثاني اللفظ الدال عليه على النحو المعتبر في البيع ، وسائر المعاملات ، ويعتبر في الوكالة القبول بالمعنى الأول ، حتى لو رد وقال : لا أقبل أو لا أفعل ، بطلت الوكالة ولو ندم وأراد أن يفعل أو يرجع ، بل لا بد من استيناف اذن جديد مع علم الموكل ، لأن الوكالة جائزة من الطرفين ، يرتفع في الالتزام بالفسخ انتهى.
وظاهر هذا الكلام أنه لا يكفي مجرد الفعل لما تعلقت به الوكالة ، بل لا بد من اقترانه بالرضا والرغبة ووقوعه قبل أن يرد ، ومقتضى الكلام الأول هو صحة الوكالة متى فعل ما وكل به لأن بذلك يحصل القبول ، وينضم إلى الإيجاب المتقدم وان رد أولا ، وقال : لا أقبل ، والفسخ إنما يكون بعد تمام العقد بالقبول ، وما لم يفعل أو يقبل باللفظ فلا معنى للفسخ ، لعدم حصول العقد.
ويؤيد ما ذكرناه عموم أدلة الوكالة مثل قوله عليهالسلام (1)«الوكالة ثابتة حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول». على أن انعزاله بعزله نفسه بعد تمام
1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 1 ، الفقيه ج 3 ص 47 ح 3381 ، الوسائل ج 13 ص 285 ح 1.
العقد مع عدم عزل الموكل له محل منع ، كما سيأتي التنبيه عليه ان شاء اللّه تعالى في محله.
ثم ان ظاهر ما ذكروه من الاكتفاء في الإيجاب بما يدل على الوكالة ، ولو بالإشارة هو الاكتفاء بالكتابة أيضا ، قال في المسالك : وما ذكره المصنف والجماعة من الاكتفاء في الإيجاب بالإشارة اختيارا يقتضي الاكتفاء بالكتابة أيضا ، لاشتراكهما في الدلالة مع أمن التزوير انتهى.
أقول : والذي وقفت عليه من أخبارهم عليهمالسلام في المقام ما رواه الصدوق عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة (1)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن رجل قال لآخر اخطب لي فلانة ، فما فعلت من شيء مما قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذلك لي رضا وهو لازم لي ولم يشهد على ذلك ، فذهب فخطب له ، وبذل الصداق. الحديث وما رواه عن حماد عن الحلبي (2)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال في رجل يحمل المتاع لأهل السوق وقد قوموا عليه قيمة فيقولون بع فما ازددت فلك. إلى أنه قال في امرأة ولت أمرها رجلا فقالت : زوجني فلانا. الحديث ، وفيه أنه بعد أن قاول الزوج على المهر زوجها من نفسه فأبطل عليهالسلام التزويج ، وموثقة سماعة (3)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في الرجل يحمل المتاع لأهل السوق ، وقد قوموا عليه قيمة فيقولون : بع فما ازددت فلك ، فقال لا بأس بذلك.
وفي صحيحة زرارة (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 12 ص 381 ح 3 و 2 و 1.
قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : رجل يعطي المتاع فيقول ما ازددت علي كذا فهو لك فقال : لا بأس».وفي صحيحة محمد بن مسلم (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 12 ص 381 ح 3 و 2 و 1.
عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «انه قال في رجل1) الفقيه ج 3 ص 49 ح 4 و 50 ح 6، التهذيب ج 6 ص 216 ح 7 ، الوسائل ج 13 ص 288 ح 1 و ص 290 ح 1.
2) الفقيه ج 3 ص 49 ح 4 و 50 ح 6، التهذيب ج 6 ص 216 ح 7 ، الوسائل ج 13 ص 288 ح 1 و ص 290 ح 1.
3) الفقيه ج 3 ص 145 ح 29 ، الكافي ج 5 ص 195 ح 3 ، التهذيب ج 7 ص 54 ح 33. الوسائل ج 12 ص 381 ح 3.
4) التهذيب ج 7 ص 54 ح 32 و 31.
5) التهذيب ج 7 ص 54 ح 32 و 31.
قال لرجل : بع ثوبا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك ، قال : ليس به بأس».
والعقود في هذه الأخبار كلها كما ترى من قبيل ما تقدم من قوله بع وأعتق واشتر ، ونحو ذلك مما يدل على الاذن والاستنابة ، وليس في شيء منها ما يتضمن القبول لفظا وانما تضمنت المبادرة إلى امتثال ما أمر به ، لكنه في الحديث الثاني حيث خالف مقتضى الأمر وزوجها من نفسه أبطل عليهالسلام التزويج.
ونحو ذلك في صحيحة هشام (1)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : إذا قال لك الرجل اشتر لي فلا تعطه من عندك ، الحديث.
وقوله في موثقة إسحاق بن عمار (2)عنه عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يبعث الي الرجل فيقول : ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق الحديث.
وفي الثانية منهما دلالة على ثبوت الوكالة من الغائب بالمكاتبة أو الإرسال على لسان شخص آخر كما تقدم ذكره.
وفي رواية هشام بن سالم (3)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في رجل وكل آخر على وكالة في إمضاء أمر من الأمور وأشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر» ، الحديث.
وهو ظاهر في الاكتفاء بالقبول الفعلي وإطلاق هذه الاخبار ظاهر فيما هو المشهور من حصول القبول الفعلي بالإتيان بما تعلقت به الوكالة ، خلافا لما تقدم نقله عن التذكرة من اشتراط الرضا والرغبة.
وفي رواية العلاء بن سيابة (4)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن امرأة وكلت رجلا أن يزوجها من رجل ، فقبل الوكالة وأشهدت له بذلك ، فذهب الوكيل فزوجها» الحديث.
وهذا الخبر مما يدل على القبول لكنه أعم من أن يكون بلفظ قبلت ونحوه ، أو بمجرد إظهار الرضا ، وفي صحيحة أبي ولاد الحناط (1)قال : «سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة بالمدينة ، وسما هاله ، والذي أمره بالعراق فخرج المأمور فزوجها إياه» الحديث.
ورواية الحذاء (2)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة من البصرة من بني تميم ، فزوجه امرأة من أهل الكوفة من بني تميم ، قال : خالف أمره». الحديث.
وفي هذين الخبرين دلالة على ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من قوله : «زوجني أو اخطب لي» والقبول فيهما إنما وقع بالإتيان بما أمر به ، لكنه في الثاني أبطل الوكالة من حيث المخالفة. وفي رواية محمد بن عيسى (3)«أنه بعث إليه أبو الحسن الرضا عليهالسلام بثلاثمائة دينار الى رحم امرأة كانت له ، وأمره أن يطلقها عنه ويمتعها بهذا المال». وفيها دلالة على ما قدمنا ذكره من ثبوت الوكالة عن الغائب بالكتابة أو الإرسال على لسان شخص ، الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع ، ولا يخفى على من تتبع الروايات الخاصة والعامة أن ما اشتملت عليه من عقود الوكالة ليس فيها أزيد من الأوامر بما يريده الموكل مما يدل على الاذن له في التصرف ، وليس فيها لفظ «وكلتك» ولا نحوه من تلك الألفاظ ، وكذا في جانب القبول ليس فيها أزيد من الرضا بذلك ، والمبادرة إلى فعل ما وكل فيه ، وكأنهم إنما أخذوا هذا اللفظ واشتقوه من لفظ الوكالة فعبروا به ، وعبروا بالقبول من حيث الدلالة على الرضا الذي هو الأصل في صحة العقد ، فسرى الوهم الى ترجيح الفرع على الأصل.
أقول : ويستفاد من موثقة إسحاق بن عمار ، وصحيحة أبي ولاد عدم فورية القبول في عقد الوكالة ، والظاهر أنه اتفاقي عندهم ، كما يفهم من التذكرة حيث أسنده إلى أصحابنا ، وجوز تراضيه إلى سنة ، ومما ذكر يعلم ضعف مناقشة المسالك للمصنف حيث ان المصنف استدل على جواز تأخير القبول ، بأن الغائب له أن يوكل ، والقبول متأخر ، وأورد عليه أن جواز توكيل الغائب فرع جواز التراخي في القبول ، إذ لو قلنا بفوريته لم يصح.
وفيه ان المصنف إنما استدل بتوكيل الغائب بناء على النص الدال على ذلك كما ذكرناه ، ومتى ثبت ذلك بالنص في الغائب ثبت في غيره بتنقيح المناط ، إذ لا خصوصية للغائب بذلك ، مع تأيد ذلك بإطلاق جملة من أخبار الوكالة أيضا واللّه سبحانه العالم.
الثانية لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط التنجيز في الوكالة ، فلو علقها على شرط يمكن وقوعه وعدم وقوعه ، مثل «ان قدم زيد» أو على صفة وهي ما لو كان وجوده في المستقبل محققا كطلوع الشمس ، ومجيء رأس الشهر بطلت.
قال في التذكرة : لا يصح عقد الوكالة معلقا بشرط ، أو وصف ، فان علقت عليهما بطلت ، مثل أن يقول : «إن قدم زيد» أو «إن جاء رأس الشهر وكلتك» عند علمائنا ، وهو أظهر وجهي الشافعية ، انتهى.
والظاهر أن مرجع ذلك الى أنه لا يجوز توقيف حصول الوكالة على شيء من هذين الأمرين ، سواء كان مقرونا بأداة الشرط مقدما أو مؤخرا ، مثل «إن كان كذا فأنت وكيل» أو «أنت وكيل إن كان كذا» أو غير مقرون بها مثل «وكلتك بشرط مجيء زيد» هذا.
والظاهر أنه لا خلاف أيضا في أنه لو تنجز الوكالة وشرط تأخير التصرف كأن يقول «وكلتك في كذا ، ولا تتصرف إلا بعد شهر» ، فإنه يجوز ، ونقل الإجماع عليه في التذكرة أيضا ، وكذا الظاهر أنه لا نزاع عندهم في جواز التوقيت ، مثل أن
يقول : وكلتك شهرا ، وأنه لا يكون بعد تمامه وكيلا ، وأنت خبير بأنه لا فرق عند التأمل بعين التحقيق بين التعليق على الصفة ، وهو قولنا : وكلتك ان جاء رأس الشهر ، أو ان طلعت الشمس ، وبين التنجيز الذي ذكروه مع شرط التأخير كأن يقول وكلتك ، ولا تتصرف إلا بعد شهر ، فانا لا نعرف لهذا التنجيز هنا معنى ، ولا ثمرة مع هذا الشرط ، والمسئلة من أصلها عارية من النص.
وحينئذ فالظاهر أن الفارق إنما هو الإجماع المدعى في التذكرة في كل من الموضعين ، وأما ما ذكره في المسالك حيث قال بعد ذكر المسئلة الثانية : وهي ما لو نجز الوكالة ، وشرط تأخير التصرف جاز ، والوجه أن منعه من التصرف في الوقت المعين شرط زائد على أصل الوكالة المنجزة ، وهي قابلة للشروط السابغة ، وهذا وان كان في معنى التعليق الا أن العقود لما كانت متلقاة من الشارع نيطت بهذه الضوابط ، وبطلت فيما خرج عنها ، وان أفاد فائدتها ، انتهى.
ففيه أنه أي نص دل هنا على ما ذكروه من بطلان العقد بالتعليق على الشرط ، أو الصفة المذكورين في كلامهم ، وأي نص دل على اشتراط التنجيز الذي ذكروه.
وبالجملة فإنه لا مستند لكل من المسئلتين ، ولا للفرق بينهما إلا الإجماع المدعى ، والى ما ذكرنا يميل كلام المحقق الأردبيلي قال : ثم اعلم أن الأصل وعموم أدلة التوكيل - وكونه جائزا ، ومبناه على المساهلة ، دون الضيق ، وما تقدم في عبارة التذكرة من أنه اذن وأمر وأنه مثل الاذن في أكل الطعام ولا شك في جواز تعليقه مثل ان جئت فأنت مأذون في الأكل ونحوه مع عدم مانع ظاهر - يدل على جواز التعليق ، ويؤيده جواز التعليق في العقود الجائزة مثل القراض ، بل هو وكالة بجعل ، والعارية وغيرها ، انتهى.
وبالجملة فمقتضى إطلاق روايات الوكالة وعمومها هو الصحة مطلقا وتخصيصها يتوقف على الدليل ، وليس إلا الإجماع ، فمن ثبت عنده حجية الإجماع وأنه
دليل شرعي فله أن يخصص به عموم تلك الأخبار ، والا فالعمل على ما دلت عليه تلك العمومات ، بقي الكلام في أنه متى حكمنا ببطلان العقد بتعلقه على الشرط ، فهل يجوز له التصرف بعد حصول الشرط ، أم لا؟ قرب في التذكرة الجواز ، وجعله في القواعد احتمالا.
قال في التذكرة : قد بينا بطلان الوكالة المعلقة ، فلو تصرف الوكيل بعد حصول الشرط فالأقرب صحة التصرف ، لأن الإذن حاصل لم يزل بفساد العقد ، وصار كما لو شرط في الوكالة عوضا مجهولا ، فقال : بع كذا على أن لك العشر من ثمنه ، فإنه يفسد الوكالة ، ولكن ان باع يصح الشرط ، ثم اعترض على نفسه بعدم ظهور فائدة للفساد ، فقال : ان قيل لا فائدة حينئذ للفساد على تقدير صحة التصرف التي هي ثمرة صحة عقد الوكالة ، فإذا وجدت مع القول بالفساد فلا ثمرة في القول بالبطلان ، بل لا معنى للبطلان حينئذ ، إذ البطلان في المعاملات عدم ترتب الأثر ، وقد قيل : هنا بالترتيب مع الفساد ، ثم أجاب بأنه تحصل الفائدة في سقوط الجعل المسمى في عقد الوكالة ان كان ، والرجوع الى أجرة المثل كما في المضاربة الفاسدة ، فإنه تبطل الحصة المسماة ، ويرجع الى أجرة المثل ، وكذا الشرط الفاسد في النكاح يفسد الصداق ، ويوجب مهر المثل ، وان لم يؤثر في النكاح ، انتهى ملخصا.
واعترضه في المسالك بأن الوكالة ليست أمرا زائدا على الاذن ، والجعل المشروط ليس جزء منها ، وانما هو شرط زائد عليها لصحتها بدونه ، بخلاف المضاربة فإن اشتراط الحصة شرط في صحتها ، ولأنه لو تم ذلك لزم الحكم بصحة التصرف مع فسادها بوجه آخر ، كقول الوكيل نفسه مع علم الموكل به وسكوته ، فإن الإذن
حاصل منه ، فلا يرتفع بفسخ الوكيل ، ولأن العقد حينئذ فاسد قطعا ، ولا معنى للفاسد إلا ما لا يترتب عليه أثره ، ولأن الإذن المطلق انما وجد في ضمن الوجه المخصوص ، إذ لا وجود للكلي إلا في ضمن جزئياته ، ولم يوجد منها إلا هذا الجزئي فإذا ارتفع ارتفع الكلي ، ثم قال : وللتوقف في هذا الحكم مجال ، انتهى.
أقول : ويزيده تأييدا أن مقتضى كلام العلامة المذكور أن ثمرة ما ذكره انما تظهر في صورة ما إذا كان العقد مشتملا على جعل وإلا فمع عدم اشتماله على ذلك فإنه لا يظهر للحكم بالبطلان فائدة ، ولا أثر يترتب عليه ، وحينئذ لا يكون ما ذكره كليا ، ويتم ما أورده على نفسه ، وعلى هذا يجب القول بصحة العقد حينئذ ، وليس ذلك إلا من حيث بطلان اشتراط التنجيز الذي جعلوه شرطا في صحة الوكالة ، ولأنه إذا حكم بفساد الوكالة من حيث كون عدم التعليق شرطا في صحتها ، فمع التعليق المذكور يجب الحكم بالبطلان ، لفوات شرط الصحة ، فكيف يصح التصرف حينئذ الذي هو ثمرة الصحة ، ويحكم باستحقاق الأجرة ، وكيف تظهر الفائدة فيما ذكره ، مع أنه يرجع الى القول بعدم اشتراط التنجيز ، وعدم البطلان مع التعليق ، بل تصح فيها إذا لم يكن جعل ، بل معه أيضا ، وإنما يبطل الجعل خاصة ، على أن ما ادعاه من الصحة - استنادا الى الاذن وأنه لم يزل بفساد العقد ، - قد عرفت ما فيه من كلام المسالك ، وتوضيحه أن الاذن إنما علم على تقدير الشرط الذي اشتملت عليه عبارة العقد ، والحال أنه قد حكم ببطلانها ، وليس هنا ما يدل على الاذن غيرها ، ولزوم الأجرة على هذا أيضا ممنوع ، كما تقدمت الإشارة إليه ، لأنه إنما تلزم لو فعل ما وكل فيه على ما أمر ، والحال أن ذلك الأمر قد بطل.
وبالجملة فإن الحكم بالصحة لا يتجه ولا يتم إلا بناء على عدم اشتراط التنجيز ، وهو ليس ببعيد ، كما عرفت من أنه لا دليل على هذا الشرط غير الإجماع المدعى ، مع ما عرفت من المجازفة في أمثال هذه الإجماعات ، واللّه العالم.
الثالثة : اختلف الأصحاب في ما لو وكله في شراء عبد هل يفتقر الى وصفه لينتفي الغرر أم لا؟ وبالأول قال في المبسوط وجماعة منهم الشرائع ، قال في المبسوط :
إذا وكله في شراء عبد وجب وصفه ، ولو أطلق لم يصح لما فيه من الغرر ، ونحو عبارة الشرائع ، وقيل : بالعدم ، وهو اختيار المسالك والمختلف وغيرهما ، وحجة
الأولين ما عرفت من الغرر ، لأن العبد المطلق متوغل في الإبهام ، وصادق على أصناف مختلفة ، فلا بد من وصفه ببعض الأوصاف المزيلة للجهالة ، ولو في الجملة ككونه تركيا أو زنجيا ولا يجب استقصاء الأوصاف الرافعة للجهالة بالكلية.
وأجاب الآخرون بأن الغرر يندفع بمراعات الوكيل المصلحة في شرائه ، فإن الإطلاق محمول شرعا على الاستنابة في شراء عبد يكون شرائه مشتملا على مصلحة للموكل ، ويتخير الوكيل حيث توجد المصلحة في متعدد كذا ذكره في المسالك ، وفي المختلف أجاب بأن الإطلاق ينصرف الى شراء الصحيح بثمن المثل.
وظني أن شيئا من هذين الجوابين لا يفي بالمطلوب ، أما الأول : فلأن مراعاة مصلحة الموكل فرع العلم بغرضه ومطلوبه من شراء ذلك العبد ، والمفروض أعم من ذلك ، وأما الثاني فإن دفع الغرر لا ينحصر في ما ذكره ، وقد ذكروا في كتاب البيع ولا سيما في السلم من توقف صحة البيع على الوصف الرافع للغرر ما هو ظاهر في تأييد ما قلناه.
وبالجملة فالاحتياط يقتضي الوقوف على ما ذهب اليه الشيخ ومن تبعه ، واللّه سبحانه العالم.
الرابعة : الظاهر أنه لا خلاف في أن الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين فيجوز لكل منها العزل والفسخ قال في التذكرة : العقود أربعة أضرب : الأول : عقد لازم من الطرفين لا ينفسخ بفسخ أحد المتعاقدين ، وهو البيع ، والإجارة ، والصلح ، والخلع ، والنكاح.
الثاني : عقد جائز من الطرفين وهو الوكالة ، والشركة ، والمضاربة ، والجعالة ، فلكل منهما فسخ العقد في هذه.
الثالث : عقد لازم من أحد الطرفين جائز من الآخر كالرهن ، فإنه لازم من طرف الراهن ، جائز من طرف المرتهن ، والكتابة عند الشيخ جائزة من طرف العبد ، لأن له أن يعجز نفسه ، ولازمة من جهة المولى.
الرابع : المختلف فيه ، وهي السبق والرماية ان قلنا إنهما اجارة ، كان لازما ، وان قلنا إنهما جعالة ، كان جائزا ، ولا نعلم خلافا من أحد من العلماء في أن الوكالة عقد جائز من الطرفين ، لأنه عقد على تصرف مستقبل ، ليس من شرطه تقدير عمل ، ولا زمان ، فكان جائزا كالجعالة ، فان فسخها الوكيل انفسخت ، وبطل تصرفه ، وان فسخها الموكل فكذلك ، الى أن قال : ولا خلاف في أن العزل يبطل الوكالة ، انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مقامين الأول : في عزل الوكيل نفسه ، وقد عرفت أنه لا خلاف فيه ، قالوا : ولا فرق في بطلان الوكالة بعزله نفسه ، بين اعلام الموكل وعدمه ، بخلاف عزل الموكل له لما سيأتي - ان شاء اللّه تعالى - في المقام الثاني ، ومقتضى ذلك أنه لا ينفذ تصرفه بعد عزله نفسه ، وقبل علم المالك ، لأن مناط صحة التصرف هو العقد ، والمفروض أنه صار باطلا بعزله نفسه ، الا أنه قد صرح جملة منهم بأنه يحتمل توقف انعزاله على علم الموكل ، وحينئذ فيجوز له التصرف قبل بلوغه ، عملا بالاذن العام الذي تضمنه الوكالة ، بل يحتمل ذلك مع بلوغه أيضا ، لأصالة بقاء الاذن ، ومجرد علمه بالرد لا يدل على بطلانه من قبل الاذن ، قالوا : ولو اكتفينا في قبول الوكيل بفعله مقتضاها كيف كان ، قوي هذا الاحتمال جدا لأنها حينئذ تصير مجرد اذن واباحة ، ويجوز مع ذلك إطلاق العقد عليها ، بحيث أن قبولها بالقول يصح ، ويترتب عليه أثر في الجملة ، وبهذا الاحتمال قطع في القواعد مع جهل الموكل بالرد.
أقول : قد عرفت مما قدمناه من الأخبار أنه ليس فيها ما يدل على ما ذكروه من القبول اللفظي الذي أدخلوا به الوكالة في باب العقود ، وإنما دلت تصريحا في بعض وتلويحا في آخر على القبول بالإتيان بالفعل المأمور به ، وان أدخلوها بذلك في باب الاذن والإباحة دون باب العقود ، كما أنه لا دلالة في شيء منها على ما اعتبروه من صيغ الإيجاب التي ذكروها ، وعدوا بها الوكالة
من باب العقود كلفظ وكلتك ونحوه ، وإنما اشتملت على مجرد الاذن والأمر الذي هو عندهم أيضا من باب الإباحة.
وبذلك يظهر لك أن الأظهر والأقوى بالنظر الى مراجعة الأخبار والعمل بما دلت عليه هو أنه بعزله نفسه - علم المالك أو لم يعلم - لا تبطل الوكالة ، لبقاء الاذن المفهوم من تلك الأوامر التي اشتملت عليها الأخبار ما لم يعزله المالك ، ويصرح بعزله.
وبالجملة فإني لم أقف على دليل من النصوص يدل على البطلان بعزله نفسه ، غير ما يدعونه من الإجماع ، ومقتضى النصوص المذكورة وعموم أدلة الوكالة هو البقاء على مقتضاها ، حتى يثبت المخرج من ذلك ، والمانع منه ، وليس الأعزل الموكل ونحوه مما سيأتي ، وأما عزله نفسه وكونه مبطلا لها فلم أقف فيه على نص ، ومجرد كونها من العقود الجائزة لا يوجب ما ذكروه من بطلانها بعزله نفسه ، وانه فسخ لها ، بل غاية ما يوجبه أنه لا يلزمه شرعا ولا يجب القيام بذلك ، كما هو مقتضى العقود اللازمة ، بل ان شاء فعل وان شاء لم يفعل ، وعدم مشية الفعل في وقت عزله نفسه ورده لها ، لا يوجب منعه من الرجوع متى أراد ، الا أن يعزله الموكل.
قال في المسالك - في بيان تطبيق ما قدمنا نقله عنهم من الاحتمال الدال على جواز التصرف على ما ذكروه في أصل المسئلة ، من بطلان الوكالة وعدم جواز التصرف ما لفظه - : ويمكن الجمع بين كونها عقدا جائزا تبطل بالرد ، وعدم بطلان التصرف بالرد ، بأن يحكم ببطلان الوكالة الخاصة وما يترتب عليها من الجعل لو كان ، وبقاء الاذن العام.
أقول : لا يخفى ما فيه من التكلف البعيد ، بل التحمل الغير السديد ، أما أولا فبما أشرنا إليه آنفا من أنه لا منافاة بين كونها عقدا جائزا وبين كونها صحيحة مع الرد ، وعزله نفسه ، لأن جوازها ليس الا بمعنى عدم وجوب القيام
بها ، وعدم ترتب المؤاخذة على تركها ، وهذا لا ينافي جواز الرجوع إليها بعد تركها والاعراض عنها.
وثانيا ان ما ذكره من الحكم ببطلان الوكالة الخاصة وبقاء الاذن العام مردود بما قدمنا نقله عنه في المسئلة الثانية في مقام الرد على كلام التذكرة ، من قوله ان الوكالة ليست أمرا زائدا على الاذن ، وهذا هو الذي عضدته الأخبار المتقدمة ، فإنه ليس فيها أزيد من الأوامر الدالة على طلب تلك الأشياء المذكورة من قوله اشتر ، وبع ، واخطب ، وطلق ، ونحو ذلك الراجع جميعه الى الاذن في مباشرة هذه الأمور ، وهذه صيغ الوكالة التي اضطرب فيها كلامهم ، وقبولها إنما هو عبارة عن امتثال تلك الأوامر والمسارعة إلى الإتيان بها ، وليس في شيء منها لفظ وكلت وقبلت ولا نحوهما ، ولكنهم لعدم مراجعة الأخبار في هذه الأبواب والجري على أبحاث العامة تلبس عليهم كثير من الأحكام.
وبالجملة فإن كلامهم في هاتين المسئلتين لا يخلو من تناقض واضطراب ، ولا سيما شيخنا العلامة ، فإنه أطلق القول بالبطلان في المسئلتين في التحرير والإرشاد ، وهو ظاهر الشرائع أيضا ، وجزم في القواعد بصحة التصرف هنا ، وجعله احتمالا في مسئلة بطلان الوكالة بالتعليق على الشرط ، وعكس في التذكرة كما قدمنا نقله عنه في تلك المسئلة ، فاستقرب بقاء الإذن الضمني وجعل بقائه هنا احتمالا فصار في المسئلة ثلاثة أقوال.
وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسئلة الاولى التوقف ، كما مر في عبارته وربما ظهر منه هنا الترجيح لما ذهب إليه في القواعد ، حيث قال هنا ويمكن بناء هذا الحكم على ما تقدم من أن بطلان الوكالة هل يقتضي بطلان الاذن العام أو لا؟ وقد مر تحقيقه لاشتراكهما في بطلان الوكالة هناك ، لعدم التنجيز ، وهنا لعدم القبول ، الا أن الحكم هنا لا يخلو عن رجحان على ذلك ، من حيث أن الاذن صحيح جامع للشرائط ، بخلاف السابق فإنه معلق ، وفي صحته ما قد
عرفت ، ومن ثم جزم في القواعد ببقاء صحته هنا وجعل الصحة هناك احتمالا انتهى.
أقول : وأنت إذا تأملت فيما حققناه في المسئلتين بعين التحقيق ، وأطرحت ما ادعوه من هذه الإجماعات ورجعت الى الأخبار التي هي السبيل الواضح إلى الأحكام الشرعية والطريق ، ظهر لك المخرج من هذا الاشكال ، والنجاة من هذا المضيق ، واللّه سبحانه العالم.
المقام الثاني في عزل الموكل له : وقد اختلف الأصحاب في انعزال الوكيل بعزل الموكل له ، فذهب جمع منهم الشيخ في النهاية وأبو الصلاح ، وابن البراج ، وابن حمزة ، وابن إدريس إلى أنه لا ينعزل إلا بإعلامه بالعزل مشافهة ، أو اخبار ثقة ، ومع عدم إمكان الإعلام فيكفي الإشهاد على ذلك ، فالانعزال دائر بين الاعلام والاشهاد مع عدم إمكانه ، وبدون ذلك لا ينعزل والمشهور بين المتأخرين وهو قول الخلاف أنه لا ينعزل إلا بالإعلام ، وقيل : انه ينعزل بمجرد العزل ، وان لم يعلمه ولم يشهد على ذلك ، وهو قول القواعد.
والذي وقفت عليه من الأخبار في المسئلة ما رواه في الفقيه والتهذيب عن العلاء بن سيابة (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن امرأة وكلت رجلا بأن يزوجها من رجل ، فقبل الوكالة وأشهدت له بذلك ، فذهب الوكيل فزوجها ، ثم إنها أنكرت ذلك الوكيل ، وزعمت أنها عزلته عن الوكالة ، فأقامت شاهدين أنها عزلته ، فقال : ما يقول من قبلكم في ذلك؟ قلت : يقولون : ينظر في ذلك ، فان كانت عزلته قبل أن يزوج فالوكالة باطلة ، والتزويج باطل ، وان عزلته وقد زوجها فالتزويج ثابت على ما زوج الوكيل وعلى ما اتفق معها من الوكالة إذا لم يتعد شيئا مما أمرت به واشترطت عليه في الوكالة ، قال : ثم قال : يعزلون الوكيل عن وكالتها ولا تعلمه بالعزل ، فقلت : نعم : يزعمون أنها : لو وكلت
1) الفقيه ج 3 ص 48 ح 3 ، التهذيب ج 6 ص 214 ح 5 ، الوسائل ج 13 ص 286 ح 2.
رجلا وأشهدت في الملاء وقالت في الملاء اشهدوا أني قد عزلته بطلت وكالته ، بلا أن تعلم العزل ، وينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة. وفي غيره لا يبطلون الوكالة ، الا أن يعلم الوكيل بالعزل ، ويقولون : المال منه عوض لصاحبه والفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد ، فقال عليهالسلام سبحان اللّه ما أجور هذا الحكم وأفسده ، ان النكاح أحرى وأحرى أن يحتاط فيه ، وهو فرج ومنه يكون الولد ، ان عليا عليهالسلام أتته امرأة مستعدية على أخيها ، فقالت : يا أمير المؤمنين وكلت أخي هذا بأن يزوجني رجلا فأشهدت له ثم عزلته من ساعته تلك فذهب وزوجني ولي بينة أني قد عزلته قبل أن يزوجني ، فأقامت البينة ، وقال الأخ : يا أمير المؤمنين عليهالسلام انها وكلتني ولم تعلمني أنها عزلتني عن الوكالة حتى زوجتها كما أمرتني به ، فقال لها ما تقولين :؟ فقالت : قد أعلمته يا أمير المؤمنين فقال لها : ألك بينة بذلك؟ فقالت : هؤلاء شهود يشهدون بأني قد عزلته فقال أمير المؤمنين عليهالسلام لهم ما تقولون؟ قالوا : نشهد أنها قد قالت اشهدوا أني قد عزلت أخي فلانا عن الوكالة بتزويجي فلانا واني مالكة لامري من قبل أن يزوجني فلانا فقال : أشهدتكم على ذلك بعلم منه ومحضر ، قالوا : لا ، قال فتشهدون أنها أعلمته العزل كما أعلمته الوكالة؟ قالوا : لا ، قال : أرى الوكالة ثابتة ، والنكاح واقعا أين الزوج فجاء فقال خذ بيدها بارك اللّه لك فيها ، فقالت : يا أمير المؤمنين أحلفه أني لم أعلمه العزل وأنه لم يعلم بعزلي إياه قبل النكاح قال : وتحلف؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين فحلف وأثبت وكالته وأجاز النكاح.
وما رواه في الفقيه عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم (1)وطريقه الى ابن أبى عمير صحيح ، عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في رجل وكل آخر على وكالة في أمر من الأمور وأشهد له بذلك شاهدين ، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال : اشهدوا أني قد عزلت فلانا عن الوكالة ، فقال : ان كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكل
1) الفقيه ج 3 ص 49 ح 5 ، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.
عليه قبل العزل عن الوكالة فإن الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل ، كره الموكل أم رضي ، قلت : فان الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم بالعزل أو يبلغه أنه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟ قال : نعم ، قلت : فان بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر ، ثم ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟ قال : نعم ، ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه ، أو يشافه بالعزل عن الوكالة».
ورواه الشيخ في التهذيب بسند فيه العبيدي (1). وما رواه في الفقيه عن ابن مسكان عن أبي هلال الرازي (2)قال : قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام رجل وكل رجلا بطلاق امرأته إذا حاضت ، وطهرت ، وخرج الرجل فبدا له فأشهد أنه قد أبطل ما كان أمره به ، وأنه بدا له في ذلك ، قال : فليعلم أهله وليعلم الوكيل.
وما رواه في الفقيه والتهذيب عن جابر بن يزيد ومعاوية بن وهب (3)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : من وكل رجلا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول ، فيها». وطريقه في الفقيه إلى معاوية بن وهب صحيح ، فتكون الرواية فيه صحيحة.
وأنت خبير بما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة على القول المشهور بين المتأخرين ، وقد اشتملت رواية العلاء بن سيابة على ما يؤذن ببطلان ما ذهب إليه في القواعد ، لقوله عليهالسلام في الرد على العامة يعزلون الوكيل عن الوكالة ولا تعلمه بالعزل الى آخره ، وكذا بطلان قول النهاية ومن تبعه من الاكتفاء بمجرد الاشهاد مع عدم إمكان الاعلام ، كما يفهم من حكم أمير المؤمنين عليهالسلام في قضية المرأة المذكورة ونحوها صحيحة هشام بن سالم (4).
1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 2.
2) الفقيه ج 3 ص 48 ح 2 وص 47 ح 1، التهذيب ج 6 ص 214 ح 4 وص 213 ح 1، الوسائل ج 13 ص 288 باب 3 وص 285 باب 1.
3) الفقيه ج 3 ص 48 ح 2 وص 47 ح 1، التهذيب ج 6 ص 214 ح 4 وص 213 ح 1، الوسائل ج 13 ص 288 باب 3 وص 285 باب 1.
4) الفقيه ج 3 ص 49 ح 5 ، التهذيب ج 6 ص 213 ح 2 ، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.
بقي هنا شيء وهو أن ظاهر عبارة الخلاف وجود الرواية بالانعزال بمجرد العزل ، كما ذهب إليه في القواعد ، حيث قال : إذا عزل الموكل وكيله من الوكالة في غيبة عن الوكيل ، لأصحابنا فيه روايتان إحديهما أنه ينعزل في الحال ، وان لم يعلم الوكيل وكل تصرف يتصرف فيه الوكيل بعد ذلك يكون باطلا ، وهو أحد قولي الشافعي ، والثانية أنه لا ينعزل حتى يعلم الوكيل ذلك ، وكل ما يتصرف فيه يكون واقعا موقعه الى آخره.
وأنت خبير بأن هذه الرواية لم تصل إلينا ولم ينقلها أحد غيره وبذلك اعترف في المختلف أيضا حيث قال : ولم نظفر بالرواية الأخرى التي نقلها في الخلاف ، ثم انه قال في المختلف : والظاهر عدم عزل الوكيل الا أن يعلم العزل لهذه الروايات ، ولأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر ، لأنه قد يتصرف تصرفات تقع باطلة ، وربما باع الجارية فيطؤها المشتري ، والطعام فيأكله أو غير ذلك فيتصرف فيه المشتري ويجب ضمانه بتصرف المشتري والوكيل.
ثم قال : والقول الآخر ليس بردي ، لأن الوكالة من العقود الجائزة ، فللموكل الفسخ وان لم يعلمه الوكيل ، والا كانت لازمة حينئذ هذا خلف ، ولأن العزل رفع عقد ، لا يفتقر الى رضا صاحبه ، فلا يفتقر الى علمه كالطلاق ، والعتق ، وقول النهاية لا بأس به ، لأنه توسط بين الأقوال ، انتهى.
ونسج على منواله المحقق اردبيلى بالنسبة إلى تعليل هذين القولين ، سيما قول القواعد ، وأطال المناقشة والطعن في أسانيد الاخبار حتى أنه في آخر البحث قال : والمسئلة من المشكلات ، لما علمت مما تقدم.
وأنت خبير بان كل ذلك اجتهاد في مقابلة النصوص ، وجرأة تامة على أهل الخصوص ، سيما في الروايات المذكورة ما هو صحيح السند باصطلاحهم مع صراحة الدلالة بما لا يحوم حوله الشك ، والاشكال ، ولكنهم جرت عادتهم بالركون الى هذه التعليلات العقلية ، وترجيحها على الأدلة النقلية ، ويتفرع
على الخلاف المذكور صحة تصرف الوكيل بعد العزل ، وقبل الاعلام بناء على القول المختار ، وعلى القولين الأخيرين من الانعزال بمجرد العزل أو بمجرد الاشهاد يبطل جميع ما فعله بعد الأمرين المذكورين ، وهو الظاهر ، واللّه سبحانه العالم.
الخامسة : قد صرح الأصحاب بأن الوكالة تبطل بأمور منها ما تقدم من عزل الوكيل نفسه على ما قالوه ، وعزل الموكل كما عرفت ، ومنها التعليق بالشرط أو الصفة
، وقد عرفت الكلام فيه ، الا أن في عد هذا الفرد نوع تسامح.
ومنها موت كل من الوكيل أو الموكل ، أما موت الوكيل فظاهر ، وأما موت الموكل فلأن ما وكل فيه ينتقل الى غيره ، فلا يجوز التصرف فيه إلا بإذن من انتقل اليه ، ولأن العقد كان جائزا منوطا باذنه ، ورضاءهما غير متحققين بعد الموت.
وبالجملة فإنه لا خلاف ولا إشكال في البطلان في الصورة المذكورة وقد صرحوا بأنه لو مات الموكل فان تصرف الوكيل بعد الموت باطل ، وان لم يعلم الموت ، لأن ذلك هو الأصل وإنما خرجت مسألة العزل بالنص.
وعندي فيه توقف ، لعدم إيرادهم نصا على ما ادعوه من البطلان ، سيما مع ما عرفت من خروج النصوص بعدم انعزال الوكيل قبل بلوغ العزل له الجاري ذلك على خلاف قواعدهم ، حتى اضطربوا في التفصي عنها ، فمنهم من قال بها ، وألغى تلك القواعد ، ومنهم من ألغاها وقدم تلك القواعد ، فمن المحتمل قريبا أن يكون الحكم هنا كذلك أيضا ، وما ادعوه من الأصل هنا لا أعرف له أصلا ، وكأنهم أرادوا بالأصل أصل العدم.
وفيه أن الأصل بمعنى الاستصحاب لثبوت الوكالة حتى يقوم الدليل على الإبطال في الصورة المذكورة قائم ومرجع هذا الاستصحاب الى عموم الدليل ، حتى يثبت الرافع له ، ويعضده الأمر بالوفاء بالعقود ، وبالجملة فالحكم لعدم النص لا يخلو عن اشكال.
نعم يمكن أن يستدل لما ذكروه بما رواه في الكافي عن ابن بكير (1)في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في رجل أرسل يخطب عليه امرأة وهو غائب ، فأنكحوا الغائب وفرضوا الصداق ، ثم جاء خبره بعد أنه توفي بعد ما سيق الصداق ، فقال : ان كان أملك بعد ما توفي فليس لها صداق ، ولا ميراث ، وان كان أملك قبل أن يتوفى فلها نصف الصداق ، وهي وارثة ، وعليها العدة».
فإنها ظاهرة في أنه وكل في حال الغيبة من يخطب له ويعقد عنه ويسوق المهر ثم مات ، وقد حكم عليهالسلام بصحة العقد متى وقع قبل الموت ، وبطلانه متى كان بعده ، وحينئذ فيتم ما ذكروه من الحكم المذكور ، وان لم يتنبه أحد منهم لهذا الخبر الذي ذكرناه ، بل إنما بنوا الحكم على قواعدهم المتداولة بينهم ثم انهم نبهوا على أنه وان بطلت الوكالة في الصورة المذكورة ، لكن ما بيده يكون أمانة لأن الأمانة لا تبطل بالموت كما تبطل الوكالة الا أنه يجب المسارعة وردها على الوارث فإن أخر لا لعذر ضمن ، كما تقدم في الوديعة ، ولو تلف بغير تفريط فلا ضمان.
ومنها الجنون والإغماء من كل منهما والظاهر أن المستند فيه هو الإجماع كما في المسالك ، فقال : هذا موضع وفاق ، ولأنه من أحكام العقود الجائزة ، وكان مبناه على الخروج عن أهلية التصرف وقد صرحوا أيضا بأنه لا فرق بين أن يكون مطبقا أو أدوارا ولا في الإغماء بين طوله وقصره ، ولا فرق بين أن يعلم الموكل بعروض المبطل وعدمه.
ثم انهم صرحوا أيضا بأنه يجيء في هذه المسئلة ما تقدم في مسئلة ما تقدم في مسئلتي بطلان الوكالة بالرد وبالتعليق ، من جواز التصرف وعدمه ، فإنه بعد زوال الجنون أو الإغماء الذين بهما بطلت الوكالة ، هل يجوز لهما التصرف بالاذن العام فكل من قال بالجواز ثمة ، فإن الحال فيه هنا كذلك.
وقد عرفت مما حققناه في تلك المسئلتين ، أن الحق هو جواز التصرف بل
1) الكافي ج 5 ص 415 ح 1 ، الوسائل ج 14 ص 230 ح 2.
عدم بطلان الوكالة بشيء من ذينك الأمرين وان ادعوا الإجماع عليه فكذلك هنا لأنا لم نقف لهم على دليل يدل على ابطالها بما ذكروه ، سوى ما ادعي من الإجماع وحينئذ فيجوز التصرف فيما وكل فيه ، ولا يحتاج إلى تجديد عقد من الموكل بعد زوال ذلك عنه لو كان هو المصاب بأحد الأمرين ، بل يكفي استصحاب حكم العقد السابق ، أما عندنا فلعدم ثبوت الابطال بذلك كما عرفت ، وأما عندهم فلاستصحاب الاذن العام ، لانه وان بطل عقد الوكالة الا أن الاذن باق.
ويؤيد جواز التصرف هنا وان امتنع بوجود أحد هذين الأمرين جملة من النظائر ، كما صرحوا به من دخول الصيد الغائب في ملك المحرم ، بعد زوال الإحرام ، وأن من وكل محلا فصار محرما لم يحتج الى تجديد الوكالة بعد تحلله عن الإحرام ، ونحو ذلك مما يقف عليه المتبع ، وفي جميع ذلك تأييد لما ذكرناه من عدم بطلان الوكالة هنا.
ومنها الحجر على الموكل فيما يمنع الحجر من التصرف فيه ، فإنه إذا منع ذلك الموكل منع وكيله بطريق أولى ، ولان الحجر موجب لزوال أهلية التصرف المالي ، قالوا : وفي حكم الحجر طرو الرق على الموكل بأن كان كافرا فاسترق ، ولو كان هو الوكيل صار بمنزلة توكيل عبد الغير ، وسيأتي الكلام فيه إنشاء اللّه تعالى ، ويأتي الكلام في التصرف بعد زوال الحجر كما تقدم.
ولا تبطل بالنوم وان طال لبقاء أهلية التصرف ، ومن ثم أنه لا تثبت الولاية عليه ، وقيد في اللمعة النوم المتطاول بأن لا يؤدى الى الإغماء ، وفيه كما أشار إليه الشارح خروج عن موضع فرض المسئلة ، لأن الإبطال انما هو بالإغماء ، لا بالنوم.
ومنها تلف ما تعلقت به الوكالة كتلف العبد الموكل ببيعه وموت المرأة الموكل بتزويجها أو طلاقها ، وتلف الدينار الموكل بأن يشري به شيئا ، قالوا : وفي حكم التلف انتقاله عن ملكه كما لو أعتق العبد الموكل في بيعه ، أو باع
العبد الموكل في عتقه.
ومنها ما لو فعل الموكل ما تعلقت به الوكالة كأن يوكله في بيع عبد ثم يبيعه هو ، وثبوت البطلان ظاهر ، إذ لا شك في ثبوت ذلك له قبل الوكالة ، والوكالة غير مانعة منه ، ولا منافية له ، سيما مع ثبوت كونها جائزة ، ومعلوم أنه بعد فعله لم يبق ما وكل فيه ، فلا تبقى الوكالة ، لعدم بقاء محلها فهو بمنزلة تلف ما وكل فيه ، كما في سابق هذا الموضع.
وبالجملة فالأمر في ذلك أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بيان ، وفي حكمه فعل الموكل ما ينافي الوكالة ، قال في المسالك وفي كون وطئ الزوجة الموكل في طلاقها والسرية الموكل في بيعها منافيا وجهان : من دلالة الوطي على الرغبة ظاهرا ولهذا دل فعله على الرجوع في المطلقة رجعية فرفعه للوكالة أولى ، ومن ثبوت الوكالة ومنافاة الوطي لها غير معلوم ، وثبوت الفرق بين الطلاق والوكالة ، فإن الطلاق يقتضي قطع علاقة النكاح فينافيه الوطي ، بخلاف التوكيل فإنه لا ينافيه انتفاع الموكل بالملك الذي من جملته الوطي بوجه نعم فعل مقتضى الوكالة ينافيه ، والأولوية ممنوعة ، وهذا أقوى وأولى بعدم البطلان فعل المقدمات.
وفي القواعد فرق بين الزوجة والسرية فقطع في الزوجة بالبطلان ، وفي السرية بخلافه ، وفي التذكرة توقف في حكم الوطي والمقدمات معا انتهى ، ونحوه كلام المحقق الثاني في شرح القواعد.
والتحقيق أن يقال : ان الوطي والمقدمات التي هي عبارة عن التقبيل والمباشرة دون الفرج ونحو ذلك الدال بظاهره على الرغبة ان وقع مقرونا بالندامة على التوكيل وقصد العزل ، فإنه لا إشكال في كونه عزلا ، وأنه تبطل الوكالة بذلك ، وان وقع مقرونا بعدم ذلك ، فالظاهر بقاء الوكالة وعدم العزل ، وان وقع مشتبها فإنه ينبغي استفسار ذلك من الموكل ، ويقبل قوله في ذلك ، وان لم يمكن مراجعته
واستعلام الحال منه فإن الأقرب عدم العزل وبقاء الوكالة ، لأن ما فعله من هذه الأشياء أعم من قصد الإمساك والعزل عن الوكالة والرغبة فيها ، ومن عدم ذلك ، فالأصل ثبوت الوكالة وبقائها حتى يعلم الرافع لها.
ويشير اليه ما تقدم في الأخبار المتقدمة من قوله عليهالسلام في بعضها «الوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» وفي آخر «الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه ، أو يشافه العزل» الدال جميع ذلك على أنه بعد ثبوت الوكالة ، فإنه يجب البقاء عليها الا مع العلم بالرافع لها ، ولهذا لو كان المبلغ للعزل غير ثقة لا يترتب على خبره العلم لم يوجب العزل ، فكذا هنا بمجرد وقوع هذه الأشياء على وجه لا يعلم به ارادة العزل لا توجب عزلا ، ويمكن إرجاع كلام الفاضلين المذكورين الى ما حققناه هنا ، فان ظاهر اعتراضهما على الوجه الأول - بأن منافاة الوطي لها غير معلوم - أنه لو كانت المنافاة معلومة لكان ذلك عزلا ، وحينئذ فإذا كان مقرونا بالمنافي من قصد الإمساك وقصد العزل عن الوكالة فلا ريب في كونه عزلا عندهما ، وأما ما نقله عن التذكرة من أنه توقف في حكم الوطي والمقدمات فالذي يظهر لي أن التوقف انما هو في المقدمات.
وأما حكم الوطي فالظاهر أنه الأقرب عنده ، وان عبر عنه بلفظ الاحتمال حيث قال في عد عبارات العزل والفسخ فإذا وكله في طلاق زوجته ثم وطئها احتمل بطلان الوكالة ، لدلالة وطئه لها على رغبته واختياره إمساكها ، وكذا لو وطئها بعد طلاقها رجعيا ، كان ذلك ارتجاعا لها ، فإذا اقتضى الوطي رجعتها بعد طلاقها ، فلأن يقتضي استبقاؤها على زوجيتها ومنع طلاقها أولى ، وان باشرها دون الفرج أو قبلها أو فعل ما يحرم على غير الزوج فهل يفسخ الوكالة في الطلاق؟ إشكال ، ينشأ من حصول الرجعة به ، وعدمه انتهى.
والتقريب فيما ذكرناه أنه ذكر الدليل على بطلان الوكالة بالوطء ولم يتعرض لرده ، بل جمد عليه بل جعله أولى من الرجعة ، فكيف ينسب له التوقف
مع الحكم بذلك عنده في الرجعة ، وعدم التوقف فيها وهو قد حكم بالأولوية من الرجعة.
نعم التوقف في المقدمات ظاهر حيث صرح بالإشكال في ذلك ، وجعل الإشكال في الإبطال بها تابعا للإشكال بحصول الرجعة بذلك ، واللّه سبحانه العالم.
السادسة :قالوا : إطلاق الوكالة يقتضي الابتياع بثمن المثل بنقد البلد حالا ، وان يبتاع الصحيح دون المعيب ، ولو خالف وقف على الإجازة.
أقول : الظاهر أن الوجه في اقتضاء الإطلاق هذه الأمور هو أن المتبادر من الإطلاق ذلك بحسب العرف والعادة ، لأن المرجع في مثل ذلك اليه كما صرحوا به في غير موضع ، وادعى في التذكرة الإجماع هنا على ذلك ، الا أنه في التذكرة قيد إطلاق الوكالة في البيع بثمن المثل ، بما إذا لم يكن هناك باذل بأزيد ، وإلا فلا يجوز ، بل لا يصح البيع حينئذ ، فإنه تجب رعاية المصلحة على الوكيل وصحة فعله موقوفة عليها ، قال في الكتاب المذكور : كما لا يجوز للوكيل أن ينقص عن ثمن المثل ، لا يجوز أن يقتصر عليه ، وهناك طالب بالزيادة ، بل يجب بيعه على باذل الزيادة ، لأنه منصوب لمصلحة الموكل ، وليس من مصلحته بيعه بالأقل مع وجود الأكثر ، انتهى ، وصرح أيضا بأنه لو باع بخيار ثم وجد باذلا يزيد في الثمن في زمن الخيار وجب عليه الفسخ ، تحصيلا لمصلحة المالك في ذلك والتزام البيع مناف لها فلا يملكه.
وزاد المحقق الأردبيلي أيضا أنه يمكن ذلك فيما لو عين الموكل الثمن أيضا ، قال : فان تعيينه إنما هو لظن عدم الزيادة عليه ، وهو المفهوم عرفا إذ المتعارف والغالب أن شخصا لم يبع بأنقص مع وجود الزائد ، والأمور محمولة على الغالب والعرف ، مع أن ذلك أيضا منوط بالمصلحة ، ولا مصلحة في البيع بالناقص مع وجود الزائد ، انتهى وهو غير بعيد ، واستثنى بعضهم أيضا من ثمن المثل النقصان اليسير الذي يتسامح الناس فيه ، ولا يناقشون فيه كدرهم أو درهمين في ألف درهم ،
ولا بأس به نظرا الى ما قدمنا ذكره من دوران هذه الأحكام مدار العرف والعادة.
وأما نقد البلد فان كان واحدا في تلك البلد ، لا تعدد فيه فمعلوم انصراف الإطلاق إليه في البيع والوكالة ، ومع التعدد فإنه ينصرف الى الغالب ، فان استوت تحرى ما هو الأنفع للموكل ، وإلا تخير.
وأما كونه حالا فإنه هو الغالب في العادة ، فيجب حمل الإطلاق عليه.
واما اقتضاء الإطلاق الصحيح دون المعيب ، فادعى عليه في التذكرة الإجماع ، قال : لأن الإطلاق في الشراء يقتضي سلامة المبيع ، حتى أن للمشتري الرد لو خرج معيبا ، ثم نقل عن أبي حنيفة جواز شراء المعيب ، وانه كالمضارب ثم رده بالفرق بين المضارب والوكيل ، وأن المضارب إنما يشترى للربح ، وقد يكون في المعيب ، بخلاف الوكيل فإنه قد يكون للغنية والانتفاع ، والعيب قد يمنع بعض المقصود ، وإنما يقتضي ويد خر السليم ، الى آخر كلامه رحمة اللّه عليه.
ثم أنه لو خالف الوكيل وشرى المعيب ، فان كان عالما كان فضوليا على القول بصحة الفضولي ، وباطلا على القول الآخر ، وهو المختار كما تقدم في البيع ، ومثله يأتي فيما لو اشترى بزيادة على ثمن المثل عالما ، فإنه للمخالفة يكون موقوفا أو باطلا ، وكذا الحكم عندهم فيما لو اشتراه جاهلا بالعيب.
وإن كان باطنا قالوا : يقع عن الموكل ، لأنه إنما يلزمه الشراء الصحيح بحسب الظاهر ، ولا يخاطب بالسلامة في الباطن ، لأنه يعجز عنه ، ولا يمكنه الوصول إليه إذ هو عيب لا يجوز التكليف به ، فيقع البيع للموكل ، كما لو شرى بنفسه جاهلا بالعيب.
بقي الكلام في خيار العيب بعد العلم به ، والرد به أو الإمساك ، والظاهر أنه للموكل دون الوكيل وبه صرح في التذكرة ، وظاهره الإجماع عليه ، قال : وحيث قلنا يقع عن الموكل وكان الوكيل جاهلا بالعيب فللموكل الرد إذا اطلع عليه ، لأنه المالك ، وهل يملك الوكيل الرد بالعيب ، أما عندنا فلا ، لأنه
إنما وكله في الشراء ، وهو مغاير للرد ، فلا يملكه ، انتهى.
ومنه يظهر أنه لو كانت الوكالة مطلقة أو كان وكيلا في الشراء والرد ، فان للوكيل الرد ، وهو ظاهر ، الا أنه سيأتي في كلامهم أيضا ما يؤذن بأن للوكيل الرد بالعيب.
ثم ان ظاهرهم فيما لو اشترى جاهلا بالغبن ، بأن شرى بما يزيد على ثمن المثل جاهلا ، فإنه لا يقع للموكل ، كما في العيب ، بل يكون حكمه حكم العالم ، كما تقدم ، قالوا : والفرق بين الجهل بالعيب ، والجهل بالغبن أن العيب قد يخفى فهو في شرائه معذور ، والوكالة شاملة له ، لأن التكليف بالصحيح إنما هو بالنظر الى الظاهر ، لا الباطن كما عرفت آنفا.
وبالجملة فهو لا يزيد على شرائه لنفسه ، بخلاف الجهل بالغبن فان الغبن لا يخفى ، ونقص القيمة أمر ظاهر ، مستند الى تقصيره في تحرير القيمة ، فلا يكون داخلا تحت الوكالة.
وفيه أن ما ذكروه لا يطرد كليا لأنه وان تم ذلك في بعض الأفراد الا أن الأمر في بعضها على خلاف ذلك ، فان من العيب ما يكون ظاهرا لا خفاء فيه كالعور والعرج ، ومن الغبن ما هو خفي بل أخفى على كثير من أهل الخبرة ، كما في كثير من العيوب ، كما في الجواهر ونحوها ، وعلى هذا فينبغي أن يجعل الضابط فيهما واحدا بأن يقال ان كلا من العيب والغبن ان كان مما يخفى غالبا ، فإنه يقع الشراء من الموكل مع الجهل بهما ، وإلا وقف على الإجازة ، كما ذكروه ، وبطل على المختار ، واللّه سبحانه العالم.
السابعة : الظاهر أنه لا خلاف في أن إطلاق الوكالة بالبيع يقتضي بيع الوكيل على ولده الكبير وزوجته ، كما في غيرهما ، ولم ينقل فيه الخلاف الا عن بعض العامة ، محتجا بمظنة التهمة ، وأما على الولد الصغير فعن الشيخ القول بالمنع : للزوم اتحاد الموجب والقابل ، ولأنه تجب عليه رعاية المصلحة من
الجانبين والمماكسة مهما أمكن ، وذلك غير ممكن هنا.
أقول : ويلزم ذلك كل من قال بعدم جواز شراء الوكيل بنفسه ، قال في التذكرة : إذا منعنا من شراء الوكيل لنفسه لم يجز أيضا أن يشتري لولده الصغير ، ولا لمن يلي عليه لوصية ، لأنه يكون بيعا من نفسه ، وبه قال الشافعي ، وعندي فيه نظر ، أقربه الجواز في ذلك كله ، انتهى.
أقول : ويؤيد الصحة أيضا عموم أدلة البيع وأدلة الوكالة ، والمنع من بطلان الاتحاد ، وقد جوز الشيخ ذلك في الأب والجد بالنسبة إلى الصغير ، وهو ظاهر في عدم مانعية الاتحاد ، وفي عدم اشتراط المماكسة.
وأما البيع على نفسه أو الشراء لنفسه ، فقد تقدم الكلام فيه في الموضع الخامس من المسئلة الخامسة من المقام الأول في البيع (1)ويأتي الكلام في ذلك إنشاء اللّه تعالى في المطلب السادس ، واللّه سبحانه العالم.
الثامنة : قال في الشرائع : إطلاق الوكالة في البيع يقتضي تسليم المبيع ، لأنه من واجباته ، وعلله الشارح في المسالك بأنه إنما كان من واجباته ، لأن البيع يقتضي إزالة ملك البائع عن المبيع ، ودخوله في ملك المشتري ، فيجب على مدخل الملك التسليم ، لأنه من حقوقه.
وقال في الإرشاد : ووكيل البيع لا يملك تسليم المبيع قبل توفية الثمن ، ووجهه الشارح الأردبيلي بأن تسليم المبيع ليس بداخل في مفهوم البيع ، ولا يشترط في ذلك ، فلا يكون وكيله مالكا له ، إذ ما وكله إلا في البيع ، وأما إذا دفع الثمن إلى الموكل أو وكيله الجائز له قبضه ، أو أبرأه من الثمن فلا يجوز منعه ، لأنه صار ملكا خالصا للمشتري ، بحيث لا يجوز للموكل منعه ، فيجب عليه التسليم كالوكيل ، وان لم يكن وكيلا في التسليم صريحا ، انتهى.
وظاهر عبارة القواعد مثل الشرائع ، والظاهر أنه يجب تقييدهما بما ذكره
1) ج 18 ص 416.
هنا من دفع الثمن أولا ، بناء على قاعدتهم من عدم الوجوب الا بالتقابض ، وكذا تقييد عبارة المسالك المذكورة ، فإنه وان دخل في ملك المشتري بمجرد عقد البيع كما ذكره ، الا أن ملكه له لا يستلزم وجوب تسليمه له قبل قبض الثمن منه ، حيثما صرحوا به فيما لو باع مال نفسه ، كما تقدم في البيع ، ولهذا انه في المسالك استدرك ذلك ، فقال في تتمة العبارة المتقدمة : لكن لا يسلمه حتى يقبض الثمن هو ، أو من يكون له قبضه.
قال في التذكرة : إذا وكله في البيع يملك تسليم المبيع إلى المشترى ان كان في يده ، وهو قول أكثر الشافعية ، لأن البيع يقتضي إزالة الملك ، فيجب التسليم ، ولأن تسليم المبيع إلى المشترى من تمامه وحقوقه ، وهذا عين ما علله في المسالك ، ثم قال في المسئلة التي بعدها : إذا وكله في البيع لم يملك قبض الثمن على ما تقدم ، ويملك تسليم العين إلى المشتري ، لكن لا يسلم قبل أن يقبض الموكل أو من نصبه الثمن ، فإن سلمه قبل قبضه كان ضامنا ، وقد قيد في هذه المسئلة ما أطلقه في المسئلة التي قبلها.
وبالجملة فإن رعاية قواعدهم في المسئلة توجب ذلك ، ولهذا انه في المسالك استدرك بالتقييد بذلك ، هذا بالنسبة إلى تسليم المبيع.
وأما قبضه الثمن فقد صرحوا بأن إطلاق الوكالة في البيع لا يقتضي قبض الثمن ، لأنه قد لا يؤمن على القبض والوكالة انما وقعت في البيع ، وقبض الثمن أمر زائد على ذلك ، إلا أن يكون هناك قرينة تدل عليه ، فيكون الاعتماد في ذلك عليها ، كما لو أمره بالبيع في سوق بعيدة أو بلد آخر بحيث أنه يضيع الثمن بترك قبضه ، ولا يمكن للموكل قبضه ، ففي مثل ذلك يجوز ، بل يجب قبضه حتى أنه لو تركه ولم يقبضه كان ضامنا ، لأن الظاهر من حال الموكل أنه انما أمره بالبيع للانتفاع بالثمن ، ولا يرضى بتضييعه ، ولهذا يعد من فعل ذلك مفرطا هذا في الوكيل في البيع.
وأما الوكيل في الشراء فإنهم قد صرحوا بأن إطلاق الوكالة في الشراء يقتضي الاذن في تسليم الثمن ، ولا يقتضي الاذن في تسلم المبيع ، قال في التذكرة : الوكيل بالشراء إذا اشترى ما وكل فيه ملك تسليم ثمنه ، لأنه من تتمته وحقوقه ، فهو كتسليم المبيع في الحكم ، والحكم في قبض المبيع كالحكم في قبض الثمن في البيع ، الوجه عندنا أنه لا يملكه ، كما قلناه في البيع لا يملك الوكيل فيه قبض الثمن ، انتهى ، وعلى هذا النهج كلام الشرائع والإرشاد وغيرهما.
أقول : وينبغي تقييد إطلاقهم هنا عدم ملكه تسلم المبيع ، لعدم دخوله تحت إطلاق الوكالة بما قيد به عدم قبض الثمن في صورة الوكالة في البيع ، من أنه لو دلت القرائن على فوات المبيع وذهابه لو لم يتسلمه لكان الواجب عليه قبضه ، فضلا عن أن يكون جائزا لعين ما ذكروه ثمة ، كما لو وكله في شراء عين من مكان بعيد يتعذر على الموكل قبضها ، بحيث لو لم يقبضها ذهبت وفاتت ، فإنه يجب عليه قبضها ، وأنه يضمن بترك ذلك لعين ما تقدم ،
وينبغي أيضا تقييد إطلاقهم ملك تسليم الثمن هنا بما تقدم في الوكالة في البيع من تقييد ملكه لتسليم المبيع ، بما إذا قبض الموكل أو من يقوم مقامه الثمن لعين ما تقدم من الدليل في تلك الصورة ، ولعله الى ذلك يشير قوله في التذكرة : فهو كتسليم المبيع ، فان قياسه على تسليم المبيع وجعله مثله وعلى نهجه مع أنه كما عرفت قد صرح ثمة بأنه لا يسلم المبيع حتى يقبض الموكل أو من نصبه الثمن ، بمقتضى ما قلناه هنا من أنه لا يسلم الثمن إلا بعد قبض المبيع ، فمعنى قولهم أنه مأذون في دفع الثمن يعنى بعد تسليم المبيع.
وبالجملة فالظاهر عدم الفرق بين الوكيل البائع والوكيل المشتري ، في أنه ليس لهما دفع ما بيدها وإقباضه إلا بعد وصول عوضه الى الموكل أو من نصبه لقبضه ، حيثما تقدم في كلامهم في البيع في غير موضع من اشتراط التقابض ونحوه واللّه سبحانه العالم.
التاسعة : قد صرح جمع من الأصحاب منهم الفاضلان في الشرائع والإرشاد بأن للوكيل الرد بالعيب مع حضور الموكل وغيبته ، وعلله في الشرائع قال : لأنه من مصلحة العقد.
أقول : قد تقدم في عبارة التذكرة في المسئلة السادسة ما يؤذن بدعوى الإجماع على أن الوكيل لا يملك الرد بالعيب ، لأنه إنما وكله في الشراء وهو مغاير للرد فلا يملكه ، وعلل في المسالك كلام المصنف هنا بأن الموكل قد أقامه مقام نفسه في هذا العقد ، والرد بالعيب من لوازمه لأن التوكيل لما لم ينزل إلا على شراء الصحيح ، فإذا ظهر العيب كان له الرد وشراء الصحيح ، ثم اعترضه فقال : ويشكل الأول بأنه انما أقامه مقام نفسه في العقد ، لا في اللوازم ، إذ من جملتها القبض ، والإقالة وغيرهما ، وليس له مباشرتهما إجماعا ، والثاني بأن مقتضاه وقوف العقد على الإجازة كما مر لا ثبوت الرد ، الى أن قال : والأجود عدم جواز الرد مطلقا ، وفاقا للتذكرة ، لأن الوكالة في الشراء انما اقتضت إدخال المبيع في ملكه ، والرد يقابله ويضاده ، فلا يدخل فيها ، انتهى وهو جيد.
وكيف كان فإنه متى رضي به الموكل أو منعه عن الرد فإنه ليس له الرد ، أما على ما اخترناه فإنك قد عرفت أن الوكيل ليس له الرد ، وانما الخيار للموكل بين الرد والإمساك.
وأما على ما ذكروه هنا من أن للوكيل الرد فلأنه بمنعه عن الرد قد انعزل عن الوكالة في ذلك ، كما ذكره في المسالك بناء على ذلك ، حيث قال - بعد قول المصنف ولو منعه الموكل لم تكن له مخالفته - ما لفظه : لا شبهة في بطلان رده بالنهي المذكور ، لأنه إبطال للوكالة فيما تضمنه ، وعزل له فيه ، وإذا جاز عزله عن الوكالة فمن بعض مقتضياتها أولى وفي حكمه إظهار الرضا بالعيب ، فإنه في معنى النهي عن الرد وأراد بذلك الفرق بين الوكيل ، وعامل المضاربة ، حيث انه قد سلف أن ليس للمالك منعه من الرد بالعيب ، وان رضى به مع كون العامل في معنى الوكيل ، والفارق انحصار الحق هنا في الموكل ، واشتراكهما في العامل.
قال في التذكرة : البحث الرابع فيما فيه التوكيل والنظر في شرائطه ، وهي ثلاثة
الأول : أن يكون مملوكا للموكل ، الثاني : أن يكون قابلا للنيابة ، الثالث : أن يكون ما به التوكيل معلوما ولو إجمالا ، انتهى.
والكلام في هذا المطلب يقع في موارد : الأول : قال في التذكرة : يشترط فيما يتعلق الوكالة به أن يكون مملوكا للموكل ، فلو وكل غيره بطلاق زوجة سينكحها أو بشراء عبد سيملكه ، أو إعتاق رقبة يشتريه ، أو قضاء دين يستدينه ، أو تزويج امرأة إذا انقضت عدتها أو طلقها زوجها ، وما أشبه ذلك ، لم يصح ، لأن الموكل لا يتمكن من فعل ذلك بنفسه ، فلا تنتظم فيه اقامة غيره ، وهو أصح وجهي الشافعية.
الثاني : انه صحيح ، ويكتفى بحصول الملك عند التصرف ، وأنه المقصود من التوكيل ، وقال بعض الشافعية : الخلاف عائد الى أن الاعتبار بحال التوكيل أم حال التصرف ، انتهى.
أقول : ينبغي أن يعلم أن المراد بكون متعلق الوكالة مملوكا للموكل بمعنى كونه مما يمكن الموكل التصرف فيه ، ومباشرته بنفسه عقلا وشرعا ، ومثل هذه الأمور المعدودة لما لم يمكنه مباشرتها بشيء من الوجهين المذكورين انتفت الوكالة فيها ، وأولى منها الأمور المستحيلة عقلا أو شرعا ، فلا يجوز التوكيل في الغصب والسرقة والقتل ونحوه ، وأحكامها انما تلزم المباشر لها ، وهل يعتبر الإمكان المذكور من حين التوكيل الى حين التصرف ، ظاهر جمع منهم ذلك على ما نقله في الكفاية ، وهو ظاهر عبارة التذكرة المتقدمة.
وقال المحقق الثاني في شرح القواعد على ما نقله بعض الأفاضل فمن شرط صحة الوكالة أن يكون التصرف مملوكا للموكل في وقت صدور عقد التوكيل والظاهر أن ذلك متفق عليه عندنا ، وللشافعية خلاف في ذلك.
أقول : ومنه يعلم أن الاكتفاء بحصول الملك وقت التصرف مختص بالعامة كما تقدم نقله عن بعض الشافعية ، وقد تلخص من ذلك أنه متى كان شرط الوكالة ذلك امتنع التوكيل في هذه الأفراد المعدودة ، الا أنه قد أورد المحقق الأردبيلي هنا عليهم اشكالا ، وهو انهم قد حكموا بجواز التوكيل للطلاق في طهر المواقعة وفي حال الحيض ، وانهم يجوزون التوكيل في تزويج امرأة وطلاقها قبل التزويج وكذا في شراء عبد وعتقه من غير نزاع ، ثم نقل عن التذكرة التصريح بذلك ، ثم قال : وأيضا يجوزون الطلقات الثلاث مع رجعتين بينهما ، ومعلوم جواز عقد القراض ، وهو مستلزم للبيوع المتعددة الواردة على المال مرة بعد أخرى ، وليس بموجود حال العقد.
وبالجملة لا شك في جواز التوكيل في أمر لا يكون بالفعل للموكل فعله بل بعد فعل آخر كما مثلناه ، وجميع ذلك مع قولهم بهذا الشرط مشكل ، الى أن قال : فهذا الشرط غير متحقق اعتباره لي ، سواء قلنا وقت التوكيل فقط ، أو يستمر الى وقت الفعل انتهى.
أقول : من المحتمل قريبا حصول الفرق بين ما قدمنا ذكره عن التذكرة من الأمثلة التي يمتنع التوكيل فيها لعدم الشرط المذكور ، وبين ما ذكره من الأمثلة بأن يقال : بالفرق بين ما وقع فيه التوكيل مستقلا كالأمثلة التي منعوا عن الصحة فيها ، وبين ما وقع التوكيل فيه تبعا لما يجوز التوكيل فيه اتفاقا كالأمثلة التي أوردها ، فيبطل في الأول ، ويصح في الثاني ، ويشير الى ذلك ، جمعه في التذكرة بين الكلام الذي اعترض به عليه ، وبين ما قدمنا نقله عنه في صدر المسئلة في موضع واحد ، فإنه قال : على أثر ما قدمناه في صدر المسئلة ما صورته : ولو وكله في شراء عبد وعتقه أو في تزويج امرأة وطلاقها ، أو في استدانة دين وقضاءه صح ذلك كله ، لأن ذلك مملوك للموكل ، انتهى.
وحينئذ فلو لم يكن الفرق حاصلا بما ذكرنا بل كان الجميع من باب
واحد كما ذكره ، لحصل التدافع بين كلاميه ، فكيف يصرح في محل واحد في بعض الأمثلة بأنه لا يصح التوكيل ، لأنه لا يملك التصرف ، ويقول في نظيره أنه يصح ، لأن ذلك مملوك للموكل.
وبالجملة فإن الفرق بين وقوع الشيء أصالة وتبعا غير عزيز في الأحكام ، وقد تقدم في الضمائم الى ما لا يصلح بيعه منفردا ما هو ظاهر في ذلك ، ومنه أيضا عدم جواز الوقف على من لم يوجد أصالة ، وصحة الوقف عليه تبعا فلو وقف على من سيولد له بطل اتفاقا ، وعلى من ولد ومن سيولد صح اتفاقا.
نعم يبقى الكلام في الدليل الدال على هذا الشرط ، ولا أعلم لهم دليلا زيادة على ما يفهم من الاتفاق الذي ادعاه المحقق الشيخ علي ، وفيه ما عرفت في غير مقام مما تقدم فالمسئلة غير خالية من الاشكال ، كما في غيرها من مسائلهم الجارية على هذا المنوال.
الثاني : قد عرفت أن من الشروط قبول الفعل الموكل فيه للنيابة ، والأصحاب قد جعلوا لذلك ضابطا ، فقالوا : ان كلما تعلق قصد الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة فإنه لا يقبل التوكيل ، ولا تصح فيه النيابة ، فكلما جعل ذريعة إلى غرض لا يختص بالمباشرة تصح النيابة فيه.
قال في التذكرة ، الضابط فيما تصح فيه النيابة وما لا يصح أن نقول : كلما يتعلق غرض الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة لم تصح فيه الوكالة ، وأما مالا يتعلق غرض الشارع بحصوله من مكلف معين ، بل غرضه حصوله مطلقا ، فإنه تصح فيه الوكالة وذلك لان التوكيل تفويض وانابة ، فلا يصح فيما لا تدخله النيابة ، انتهى.
وعدوا من الأول الطهارة ، وان جازت النيابة في غسل الأعضاء عند الضرورة ، الا أن ذلك ليس وكالة ، والصلاة الواجبة ما دام حيا ، وكذا الصوم والاعتكاف والحج الواجب مع القدرة ، والايمان والنذور والغصب والقسم بين الزوجات لانه
يتضمن استمتاعا ، والظهار واللعان وقضاء العدة والجناية ، والالتقاط والاحتطاب والاحتشاش ، واقامة الشهادة إلا على وجه الشهادة على الشهادة.
وعدوا من الثاني البيع ، وقبض الثمن ، والرهن والصلح ، والحوالة والضمان والشركة والعارية ، واختلفوا في جملة من الأفراد كما سيأتي التنبيه عليها إنشاء اللّه تعالى.
أقول : لا يخفى ان الظاهر أن بناء هذا الضابط إنما هو على التقريب في جملة من هذه المعدودات ، والا فإنه لا نص على هذا الضابط ، ولا دليل عليه من الأخبار.
أما العبادات فالتقريب فيها أنه لما كان المقصود منها الانقياد والخضوع والخشوع لله سبحانه ، وتهذيب النفس الأمارة وتذليلها كان مستلزما للمباشرة ، وفعل المكلف بنفسه ليترتب عليه الأغراض المذكورة ، ولا ينافي ذلك الاستنابة في غسل أعضاء الطهارة مع العجز في الطهارة المائية ، أو الترابية فإنه لا يسمى وكالة ، ولذلك تجوز الاستنابة فيه ، لمن لا يصح توكيله كالمجنون والصغير والنية في ذلك من المكلف إذ لا عجز فيها إلا مع زوال التكليف بالكلية ، وأما تطهير الثوب والبدن من النجاسة فليس في حد ذاته من العبادات ، ليمتنع التوكيل فيه ، وان ألحق بها من حيث استحباب النية ، ولهذا يحكم فيه بالطهارة بحصول الغسل كيف اتفق وان كان لا من قصد ولا نية بالكلية.
نعم قد استثنى من العبادات هنا مواضع : منها الصلاة الواجبة كركعتي الطواف حيث تجوز الاستنابة في الحج الواجب مع العذر ، ومنها الحج في الصورة المذكورة ، ومنها الحج المندوب وركعتا الطواف فيه ، والطواف المندوب حيث يناب فيه وصلاة الزيادة ، وأما غيرها من النوافل والصوم المندوب ففي جواز التوكيل فيه اشكال ، وإطلاق جمع من الأصحاب المنع من الاستنابة في العبادات يشملهما ، وان قيد الإطلاق في غيرهما لقيام الدليل عليه ، ويبقى ما عداه على
المنع ، ومنها عتق العبد عن كفارة وجبت عليه ، ومنها أداء الزكاة الواجبة والخمس فإنه يجوز التوكيل فيها بغير اشكال ، وكذا الزكوات المستحبة.
وأما الالتقاط والاحتطاب والاحتشاش فالكلام فيها مبني على ما تقدم تحقيقه في الشركة في المسئلة الثانية من الفصل الثالث اللواحق من الكتاب المذكور ، ومن ذلك يعلم أن هذه الأشياء مما قد اختلف فيه كلامهم.
وهنا مواضع قد وقع الخلاف في جواز التوكيل فيها ، منها الإقرار بأن يقول وكلتك لتقرعنى لفلان بكذا وكذا ، فذهب الشيخ الى جواز التوكيل فيه ، وهو أحد قولي الشافعية ، لأنه قول يلزم به الحق فأشبه الشراء وسائر التصرفات. وتردد في التذكرة ، ومن ذهب الى المنع علله بأن الإقرار إخبار بحق عليه ، ولا يلزم الغير إلا على وجه الشهادة ، ولا يليق التوكيل بالإنشاءات.
ومنها أيضا التوكيل في إثبات الحدود التي هي حق اللّه سبحانه ، وأما ما يتعلق بالآدميين فقد جوزوا الوكالة فيه ، ووجه المنع من التوكيل فيها أنه مبنية على التخفيف ، ولقوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)«ادرأوا الحدود بالشبهات». والتوكيل يؤدي الى إثباتها ، والقول بذلك مذهب الفاضلين ، في غير التذكرة ، وأما في التذكرة فإنه قال : ويجوز التوكيل في إثبات حدود اللّه سبحانه ، وبه قال بعض العامة ، ثم نقل خبرا من أخبار العامة يدل على أنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وكل في إثبات الحد واستيفائه ، ثم قال : ولأن الحاكم إذا استناب نائبا في عمل فإنه يدخل في تلك النيابة الحدود وإثباتها فإذا دخلت في التوكيل بالعموم فبالتخصيص أولى ، ثم نقل عن الشافعي المنع من التوكيل في إثباتها ، محتجا بما تقدم ثم رده بأن للوكيل أن يدرء بالشبهة ، وإلى هذا القول قال في المسالك محتجا بما ذكره العلامة هنا ، وأجاب عن دليل المانع بما أجاب به هنا أيضا.
1) الفقيه ج 4 ص 53 ح 12 ، الوسائل ج 18 ص 336 ح 4.
ومنها الجهاد قال في المبسوط : وأما الجهاد فلا تصح النيابة فيه على حال ، لأن كل من حضر الصف توجه فرض القتال اليه ، وكيلا كان أو موكلا ، وقد روى أنه تدخله النيابة ، قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه : والمعتمد دخول النيابة فيه ، ولذا يصح الاستيجار عليه ، وهذا اختيار ابن البراج ، انتهى.
أقول : ما نقله الشيخ من وجود الرواية بالنيابة لا تحضرني الآن ، فان ثبت فلا معدل عن القول بها ، وبه يزول الاشكال ، ويضعف ما ذهب اليه ، وما استدل به العلامة قوى أيضا ان ثبت صحة الاستيجار عليه ، كما ادعاه.
ومنها وكالة الرجل لزوجته في طلاق نفسها منه ، قال في المبسوط : وأما المراءة فإنها تتوكل لزوجها في طلاق نفسها عند الفقهاء وفيه خلاف بين أصحابنا ، والأظهر أنه لا يصلح ، وتبعه ابن إدريس قال في المختلف : والوجه عندي الجواز ، لنا أنه فعل تدخله النيابة صدر من أهله في محله ، فكان واقعا ، عملا بالأصل ، ولا يخفى أن ما استدل به ، لا يخرج عن المصادرة ، وأنه عين المدعى ، واما التمسك بأصالة الصحة فهو أيضا لا يخلو من الاشكال.
ومنها توكيل الكافر في تزويج المسلمة ، منع عنه في المبسوط ، وجوزه ابن إدريس ، واختار في المختلف ما ذهب اليه الشيخ ، واستدل عليه بأنه نوع سلطنة ، وثبوت ولاية وسبيل على المسلم ، فلا يصح لقوله تعالى (1)«وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً».
أقول : لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الوهن ، ثم قال : احتج بالأصل والجواب المنع من التمسك به مع قيام منافيه.
ومنها من وكل غيره في طلاق زوجته وهو حاضر ، فذهب الشيخ وجماعة منهم ابن البراج وأبو الصلاح الى عدم جواز ذلك ، وذهب ابن إدريس ومن تأخر عنه الى الجواز ، وسيأتي تحقيق المسئلة في محلها ان شاء اللّه تعالى.
1) سورة النساء - الاية 141.
ومنها أن يتوكل المسلم للذمي على المسلم ، وظاهر الخلاف المنع منه ، وكذا في النهاية ، وهو ظاهر الشيخ المفيد أيضا ، ومنع أبو الصلاح من ذلك ، وصرح ابن إدريس والعلامة في المختلف بالجواز ، قال في المختلف : لنا الأصل الدال على الجواز السالم عن المعارضة بإثبات السبيل للكافر على المسلم.
ومنها توكيل الحاضر في الخصومة من غير أن يلزمه الحضور ، رضي خصمه بذلك أم لا ، والمشهور الجواز ، وذهب ابن الجنيد إلى أنه مع حضوره لا يجوز إلا أن يرضى الخصم بمخاصمة وكيل خصمه.
ومنها أيضا قبض الزكاة والخمس ، فهل يجوز للفقير والسيد التوكيل في قبض ذلك له ممن عليه ذلك ، قولان : الجواز وهو قول المبسوط ، والمختلف والتذكرة ، والمنع وهو قول ابن إدريس ، وابن البراج ، إما إخراجهما فلا خلاف نصا وفتوى في ذلك.
قال ابن إدريس : قال بعض أصحابنا يجوز من أهل السهمين التوكيل في قبضها ، وقال ابن البراج : لا يجوز ، وهو الذي يقوى في نفسي ، لأنه لا دلالة عليه ، فمن ادعى ذلك فقد أثبت حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي ولا دلالة ، وأيضا فالذمة مرتهنة بالزكاة ، ولا خلاف بين الأمة ان دفعها الى مستحقها يبرء الذمة بيقين ، وليس كذلك إذا سلمه الى الوكيل ، لأن الوكيل ليس هو من الأصناف الثمانية بغير خلاف ، لأن الزكاة والخمس لا يستحقهما واحد بعينه ، ولا يملكهما إلا بعد قبضه لهما ، فتعين له ملكهما ، والوكيل لا يستحق إلا ما تعين ملكه للموكل ، واستحق المطالبة به ، وكل واحد من أهل الزكاة والخمس لا يستحق المطالبة بالمال ، لأن الإنسان مخير في وضعه فيه ، أو في غيره ، فلا يجبر على تسليمه اليه ، انتهى.
واستدل في المختلف على ما ذهب اليه من الجواز ، فقال لنا : أنه عمل مباح يقبل النيابة ، فصحت الوكالة فيه ، أما إباحته فلا شك فيه ، وأما قبوله
النيابة فظاهر ، ولهذا وضع الشارع نصيبا للعامل ، ولا خلاف أنه يجب دفع الزكاة الى الامام والعامل ، ويبرأ ذمة الدافع ، وان تلف لأنهما كالوكيلين لأهل السهمين ، وأي استبعاد في أن يقول الفقير : وكلتك في قبض ما يدفعه المالك الي عن زكاته ، ولا يستلزم ذلك استحقان المطالبة ، بل إذا اختار المالك الدفع الى ذلك الفقير جاز الدفع الى وكيله ، انتهى.
أقول : والمسئلة لا يخلو عن شوب الاشكال ، وان كان قول ابن إدريس هو الأقرب الى جادة الاعتدال ، أما ما ذكره العلامة من أنه عمل مباح يقبل النيابة ، فإنه مصادرة ظاهرة ، لأن هذا هو عين المدعى ، إذ الخصم ينكر ذلك.
وما ذكره من الدفع الى الامام بيده أو يد عامله ، ففيه أنه ليس كون الامام هنا وكيلا عن المستحقين بأولى من كونه وكيلا عن المالك ، ويكون نائبا منابه في تفريقه على المستحقين ، ولهذا ان بعض الأصحاب صرح بكونه وكيلا عن المالك.
وكيف كان فهو مستثنى بالنصوص الدالة على ذلك ، حتى قيل : بوجوب الدفع اليه ، وان كان المشهور الاستحباب ونائبه عليهالسلام في معناه.
وإنما يبقى الكلام فيما عداه ، ومما يتفرع على ذلك أنه لو تلف المال في يد الوكيل بتفريط أو غير تفريط فمقتضى كلام القائل بالجواز براءة ذمة المالك ، وهو مشكل ، لأنه مأخوذ عليه بظواهر النصوص في براءة ذمة الدافع الى المستحق ، والمتبادر منه كما هو الشائع المتعارف هو الدفع اليه بيده ، والحال أنه لم يدفع اليه بيده ، وكون الدفع الى وكيله دفعا اليه ، يتوقف على قيام الدليل على صحة الوكالة في هذه المسئلة.
ومما يتفرع على ذلك أيضا أنه لو تصرف الوكيل في المال المدفوع اليه صح ذلك ومضى ، لأن المستحق الذي وكله لا يستحق المطالبة به ، لأنه لا يصير ملكا له الا بعد قبضه ، فلا يستحق المطالبة به ، والدافع قد برئت ذمته كما هو المفروض
على هذا القول ، وهذا عين السفسطة ، ودعوى كون قبض الوكيل في حكم قبض الموكل ، يتوقف على صحة التوكيل بالدليل في الصورة المذكورة ، ويمكن أن يستدل لما ذكره العلامة بعموم أدلة الوكالة ، وليس هنا ما يصلح للمنع الا عدم تعيين الدفع الى ذلك الموكل ، وجواز العدول عنه الى غيره ، وهذا لا يصلح للمانعية ، إذ يكفي بناء على تسليمه أن يكون ذلك حقا له في الجملة ، وهو هنا كذلك ، ويمكن أن يؤيد ذلك بما صرحوا به من جواز الدفع إلى أطفال المؤمنين ، وأنه يدفع إلى وليهم ان كان ، أو عدل يقوم بإنفاقه عليهم ، وبالجملة فإن المسئلة لعدم الدليل الواضح باقية في قالب الاشكال ، واللّه سبحانه العالم.
الثالث : قد عرفت أن من جملة الشروط العلم بما فيه التوكيل ، ولو إجمالا قال في التذكرة : لا يشترط في متعلق الوكالة وهو ما وكل فيه أن يكون معلوما من كل وجه ، فإن الوكالة إنما جوزت لعموم الحاجة ، وذلك يقتضي المسامحة فيها ، ولكن يجب أن يكون مبينا من بعض الوجوه ، حتى لا يعظم الغرر ، ولا فرق في ذلك بين الوكالة العامة والخاصة ، فأما الوكالة العامة بأن يقول وكلتك في كل قليل وكثير ، فان لم يضف إلى نفسه فالأقوى البطلان ، لأنه لفظ مبهم بالغاية ، ولو ذكر الإضافة إلى نفسه - وقال : وكلتك في كل أمر هو لي أو في كل أموري أو في كل ما يتعلق بي ، أو في جميع حقوقي ، أو في كل قليل وكثير من أموري ، أو فوضت إليك جميع الأشياء التي تتعلق بي ، أو أنت وكيل مطلقا تصرف في مالي كيف شئت ، أو فصل الأمور المتعلقة به التي تجري فيها النيابة ، وفصلها فقال : وكلتك ببيع أملاكي وتطليق زوجاتي وإعتاق عبيدي أو لم يفصل على ما تقدم أو قال : وكلتك في كل أمر هو لي مما يناب فيه ، ولم يفصل أجناس التصرفات أو قال : أقمتك مقام نفسي في كل شيء - فالوجه عندي الصحة في الجميع ، وبه قال ابن أبي ليلى ، وقال الشيخ : لا تصح الوكالة العامة ، وهو قول العامة ، إلا ابن أبى ليلى لما فيه من الغرر العظيم ، والخطر الكثير ، لأنه
يلزمه فيه هبة ماله ، وتطليق نسائه ، وإعتاق رقيقه ، وأن يزوجه نساء كثيرة ، وتلزمه المهور الكثيرة ، والأثمان العظيمة فيلزم الغرر العظيم.
والجواب أنا نضبط جواز تصرف الوكيل بالمصلحة ، وكلما لا مصلحة فيه لم ينفذ تصرف الوكيل ، كما لو وكله في بيع شيء وأطلق ، فإنه لا يبيع الا نقدا بثمن المثل من نقد البلد ، فكذا في الوكالة العامة ، انتهى.
أقول : ما نقل عن الشيخ هنا هو مذهبه في الخلاف ، وأما في النهاية فإنه قد وافق الأصحاب ، والقول بالصحة منقول أيضا عن الشيخ المفيد ، وسلار ، وابن البراج ، وابن إدريس ، وهو المشهور بين المتأخرين ، الا أن ظاهر الشرائع الميل إلى ما ذكره في الخلاف ، حيث قال : ولو وكل على كل قليل وكثير لا يصح لما يتطرق من الضرر ، وقيل : يجوز ، ويندفع الخبال باعتبار المصلحة ، وهو بعيد عن موضع الفرض ، نعم لو وكل على ما يملك صح ، لأنه يناط بالمصلحة.
قال في المسالك : والجواز مذهب الأكثر ، لاندفاع الغرر والضرر بمراعاة المصلحة في فعل الوكيل مطلقا ، والمصنف رد هذا القيد بأنه بعيد عن موضع الفرض ، فان الفرض كونه وكيلا في كل شيء فيدخل فيه عتق عبيده ، وتطليق نسائه ، وهبة أملاكه ، ونحو ذلك مما يوجب الضرر ، والتقييد خروج عن الكلية.
وجوابه أن القيد معتبر وان لم يصرح بهذا العموم ، حتى لو خصص بفرد واحد تقيد بالمصلحة ، فكيف بمثل هذا العام المنتشر ، وفرق المصنف بين هذا العام وبين ما خصصه بوجه ، كقوله وكلتك على ما أملك ونحوه ، لاندفاع. معظم الغرر ، نظرا إلى أن رعاية المصلحة في الأمور المنتشرة أمر خفي جدا ، فإذا خصص متعلقها سهلت ، وهو غير واضح ، لأن رعاية المصلحة تضبط الأمرين ، وانتشار الأمور لا يمنع من ذلك ، فان مرجع المصلحة إلى نظر الوكيل ، فما علم فيه المصلحة يفعله ، وما اشتبه عليه يمتنع فعله ، ولأنه لو فصل ذلك العام المنتشر فقال : وكلتك في عتق عبيدي ، وتطليق زوجاتي وبيع أملاكي صح ،
لأن كل واحد منضبط برعاية المصلحة على ما اعترفوا به ، وذلك مشترك بين الأمرين ، فالأقوى الجواز مطلقا ، انتهى.
أقول : لا يخفى أن العموم المستفاد من هذه الأمثلة التي ذكرها في التذكرة مما ينافي اعتبار المصلحة ، كما أن تقييد هذا العموم مناف أيضا ، فإن ظاهر هذا العموم أن للوكيل إخراجه من جميع ما يملكه من أموال عينية وحقوق شرعية وإثبات ما عليه ربما لا يمكنه الخروج عن عهدته ، وجميع ذلك خلاف المصلحة عرفا وعادة ، كما أنه لو فصل كان كذلك ، فكلام المحقق لا يخلو عن قرب ، الا أن يقال : انه قد رضي بذلك ، فهو في حكم ما لو فعل ذلك بنفسه ، «والناس مسلطون على أموالهم». فيصح بناء على ذلك ، ولا ثمرة هنا للتقييد بالمصلحة ، لأنه من الظاهر المعلوم عدم المصلحة ، لو فعل ذلك تفصيلا ، مع قولهم بالجواز ، فكذا في صورة الإجمال الذي هو بمعناه.
وبالجملة فالأمر دائر بين احتمال عدم الصحة من لزوم الضرر ، وبين احتمال الصحة بناء على رضاه بذلك ، لمعلومية ذلك عنده ، كما أنه لو فعله بنفسه كان كذلك ، وأما التقييد بالمصلحة وعدمها فلا مدخل له هنا.
نعم لقائل أن يقول : ان ما ادعيتموه من أن للإنسان أن يفعل بنفسه وماله ما شاء ممنوع ، فإنه متى تجاوز في التصرف إلى حد يوجب الإسراف وإدخال الضرر على نفسه ، كان ممنوعا بالآيات والروايات الدالة على تحريم الإسراف ، ووجوب دفع الضرر عن النفس والمال (1)، وحينئذ فيرجع الأمر إلى اعتبار المصلحة في تصرفه بنفسه أو وكيله ، وعلى هذا فيمكن القول ببطلان الوكالة في صورة العموم على وجه المذكور ، لإدخاله الضرر على نفسه ، لأن مقتضى هذا العموم الضرر كما عرفت ، كما أنه لو فصل هذا العموم كان ضررا بينا ، فتبطل الوكالة في الموضعين ، ويمكن أن يقال : بالصحة نظرا إلى أنه وان كان مقتضى العموم ذلك ، الا أن تقييد تصرف الوكيل بالمصلحة يزيل ذلك.
1) الكافي ج 4 ص 52 عدة روايات باب فضل القصد ، الوسائل ج 15 ص 261 ب 27.
ومما يمكن أن يستدل به على جواز تصرف الإنسان في ماله كيف شاء وان أوجب الضرر صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي (1)قال : «كنا عند أبي عبد اللّه عليهالسلام جماعة إذ دخل عليه رجل من موالي أبي جعفر عليهالسلام فسلم عليه ثم جلس وبكى ، ثم قال له : جعلت فداك إني كنت أعطيت اللّه تعالى عهدا ان عافاني اللّه من شيء كنت أخافه على نفسي أن أتصدق بجميع ما أملك وان اللّه تعالى عافاني منه ، وقد حولت عيالي من منزلي إلى قبة من خراب الأنصار وقد حملت كل ما أملك ، فأنا بائع داري وجميع ما أملك فأتصدق به؟ فقال : أبو عبد اللّه عليهالسلام انطلق وقوم منزلك وجميع متاعك وما تملك بقيمة عادلة واعرف ذلك ثم اعمد إلى صحيفة بيضاء فاكتب فيها جملة ما قومت ثم انظر الى أوثق الناس في نفسك فادفع إليه الصحيفة وأوصيه ومره ان حدث بك حدث الموت أن يبيع منزلك وجميع ما تملك فيتصدق به عنك ، ثم ارجع الى منزلك وقم في مالك على ما كنت فيه فكل أنت وعيالك مثل ما كنت تأكل ثم انظر بكل شيء تصدق به فيما تستقبل من صدقة أو صلة قرابة أو في وجوه البر فاكتب ذلك كله وأحصه ، فإذا كان رأس السنة فانطلق الى الرجل الذي أوصيت إليه فمره أن يخرج إليك الصحيفة ، ثم اكتب فيها جملة ما تصدقت وأخرجت من صلة قرابة أو بر في تلك السنة ، ثم افعل ذلك في كل سنة ، حتى تفي لله بجميع ما نذرت فيه ويبقى لك منزلك ان شاء اللّه تعالى قال : فقال الرجل : فرجت عني يا بن رسول اللّه جعلني اللّه فداك».
وفيه أنه قد استفاضت الأخبار المعصومية وعضدتها الآيات القرانية بتحريم الإسراف. كقول أبي عبد اللّه عليهالسلام في رواية حماد اللحام (2)المروية في الكافي وتفسير العياشي لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل اللّه ما كان أحسن ولا وفق أليس اللّه تبارك وتعالى يقول «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» وأحسنوا
ان اللّه يحب المحسنين» يعنى المقتصدين.
وفي رواية هشام ابن المثنى (1)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام الواردة في تفسير قوله تعالى «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» ، فقال : كان فلان بن فلان الأنصاري سماه وكان له حرث ، فكان إذا أخذ يتصدق به يبقى هو وعياله بغير شيء ، فجعل اللّه تعالى ذلك سرفا».
وفي صحيحة الوليد بن صبيح (2)قال : «كنت عند أبي عبد اللّه عليهالسلام فجاءه سائل فأعطاه ثم جاء آخر فأعطاه ، ثم جاء آخر فقال يسع اللّه تعالى عليك ثم قال :
لو أن رجلا كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألف درهم ثم شاء أن لا يبقى منها إلا وضعها في حق لفعل فيبقى لا مال له ، فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاؤهم قلت من هم؟ قال : أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في غير وجهه ، ثم قال : يا رب ارزقني فيقال له : «ألم أرزقك».
ومن ذلك خبر الصوفية (3)
و هما في الوسائل ج 6 ص 322 ح 1 و ص 302 ح 8.
المروي في الكافي الي غير ذلك من الأخبار الصريحة في تحريم ذلك ومن المقرر أن صحة نذر شيء فرع مشروعيته ، فلو لم يكن مشروعا لم ينعقد نذره ، ومنه يعلم أن الرواية المذكورة واردة على خلاف القواعد الشرعية ، بل ربما يقال : أن دلالة هذه الرواية على ما ندعيه من بطلان النذر أقرب ، لأنه لو كان النذر صحيحا لأمره عليهالسلام بالتصدق بأمواله حسبما نذره لأنه هو الواجب بالنذر ، ولما جاز نقلها إلى الذمة بالقيمة ثم التصدق بها تدريجا على وجه يندفع به الضرر الموجب لبطلان النذر لو لم يكن كذلك ، ولهذا ان الأصحاب قصروا العمل بالرواية على موردها لمخالفتها لمقتضى القواعد الشرعية كما عرفت واللّه سبحانه العالم.وفيه مسائل الاولى : يشترط فيه التكليف بالبلوغ والعقل وعدم الحجر عليه بالنسبة الى ما حجر عليه التصرف فيه ، وجملة من الأصحاب انما عبروا هنا بأنه يشترط أن يملك مباشرة ذلك التصرف بملك أو ولاية.
قال في التذكرة : يشترط في الموكل أن يملك مباشرة ذلك التصرف ، ويتمكن من المباشرة لما وكل فيه ، اما بحق الملك لنفسه ، وبحق الولاية عن غيره ، فلا يصح للصبي - ولا المجنون ولا النائم ، ولا المغمى عليه ولا الساهي ولا الغافل - أن يوكلوا ، سواء كان الصبي مميزا أم لا ، وسواء كانت الوكالة في المعروف أم لا ، وعلى الرواية المقتضية لجواز تصرف المميز أو من بلغ خمسة أشبار في المعروف ووصيته في المعروف ينبغى القول بجواز توكيله ، وكذا كل من يعتوره الجنون حال جنونه ، ولو وكل حال إفاقته صحت الوكالة ، لكن لو طرء الجنون بطلت الوكالة ، انتهى.
أقول : لا ريب أنه وردت الروايات الكثيرة (1)الظاهرة في جواز تصرف الصبي المميز بالعتق والوصية والصدقة بالمعروف من غير معارض ، وبها قال جملة من الأصحاب ، وبذلك تثبت له جواز التوكيل ، وان كان خلاف المشهور بينهم لإعراض أكثرهم من العمل بتلك الروايات ، ولهذا أحال ذلك هنا على تقدير ثبوت الرواية ، ومن ثم أيضا قال في المسالك بعد ذكر عبارة المصنف المرادفة لهذه العبارة والأقوى المنع.
وأما ما ذكره من بطلان وكالة المجنون لو وكل حال الإفاقة ، وطرء الجنون ، ومثله لو طرء الإغماء والحجر عما وكل فيه ، فالظاهر أن دليله أنه لا يصح التصرف من نفسه ، لو كان كذلك فمن وكيله بطريق أولى ، وقد مر أن من
1) الوسائل ج 13 ص 321 الباب 15 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات.
شرائط صحة التوكيل تملكه فعل ما وكل فيه ، ولا شك أنه ليس بما لك له في تلك الأحوال.
وفيه أنه ان أريد بطلان الوكالة بطرو هذه الأمور واستمرارها بحيث لا تحصل له الإفاقة من الجنون ولا من الإغماء ولا دفع الحجر فهو جيد ، وان أريد البطلان ولو مع زوال تلك الأمور كما هو الظاهر من كلامهم ، فإنه يمكن تطرق المناقشة إليه ، بأنه من الجائز أن اشتراط تملك الموكل لما وكل فيه انما هو باعتبار الابتداء ، بمعنى أنه لا يجوز له التوكيل الا فيما يملك التصرف فيه ، كما تقدم ذكره ، لا باعتبار الاستدامة ، فلو حصلت الوكالة في حال كونه مالكا للتصرف بحيث يصح وقوع ذلك الفعل منه ، فالوكالة صحيحة اتفاقا ، وبطلانها بمجرد عروض أحد هذه الأشياء يحتاج الى دليل ، ولا دليل على شرطية هذا الشرط في الاستدامة ، ولانتقاض ذلك بالنائم مع الاتفاق على عدم البطلان بالنوم ، ولعل دليلهم إنما هو الإجماع ، الا أنه لم يدعه أحد منهم فيما أعلم.
وبالجملة فإن أصالة صحة الوكالة ثابتة ، والبطلان يحتاج الى دليل ، والدليل الذي أوردوه قاصر ، كما عرفت.
والظاهر أن المراد بمن له حق الولاية هو الأب والجد والوصي والحاكم الشرعي ، أما الأب والجد فظاهر ، وأما الوصي إذا كان وصيا على الأطفال فإن له ولاية كولاية الأبوين ، وكذلك الوصي في إخراج الحقوق اليه ذلك ، فان معنى وصيته اليه بذلك جعله كنفسه.
قال في التذكرة : للوصي أن يوكل ، وان لم يفوض إليه الموصي ، ذلك بالنصوصية ، لأنه يتصرف بالولاية كالأب والجد ، لكن لو منعه الموصي من التوكيل وجب أن يتولى بنفسه ، وليس له أن يوكل حينئذ لقوله تعالى (1)«فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ» الآية ويجوز للحاكم أن يوكل عن السفهاء والمجانين
1) سورة البقرة - الاية 181.
والصبيان من يتولى الحكومة عنهم ، ويستوفي حقوقهم ، ويبيع عنهم ، ويشتري لهم ، ولا نعلم فيه خلافا ، انتهى.
وأما العبد على القول بملكه فإنه ليس له التوكيل على الأشهر الأظهر إلا بإذن الموصي ، لأنه وان ملك الا أنه محجور عليه ، كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع وفي كتاب الحجر.
نعم استثنى من ذلك الطلاق ، فإنه بيد من أخذ بالساق ، فله التوكيل فيه ولو أحلنا ملكه كما هو أحد القولين ، فوقوع التوكيل منه إنما يكون في حق مولاه ، فيتوقف على الاذن ، لأنه لا يجوز له التصرف مباشرة بدون الاذن ، ولا يملك التصرف.
وقد عرفت أن التوكيل في أمر فرع صحة تملك التصرف فيه ، ومثله سائر أفراد المحجور عليهم ، فإنه يجوز لهم التوكيل ، فيما لا يتعلق به الحجر ، قال في التذكرة : وللمحجور عليه بالفلس أو السفه أو الرق أن يوكلوا فيما لهم الاستقلال حيث شاؤا من التصرفات ، فيصح من العبد أن يوكل فيما يملكه من دون إذن سيده ، كالطلاق والخلع ، وطلب القصاص ، والمفلس له التوكيل في الطلاق والخلع وطلب القصاص ، والمعاملة بغير عين المال ، والتصرف في نفسه ، فإنه يملك ذلك ، وأما ماله فلا يملك التصرف فيه ، وأما مالا يستقل أحدهم بالتصرف فيه فيجوز فيه مع إذن الولي والمولى ، انتهى.
وما يشعر به كلامه من جواز توكيل السفيه مع إذن المولى قد تأمل فيه بعض المحققين ، قال : فإنه بمنزلة المجنون والصبي ، وقد منع منهما وما اعتبر بإيقاعه بحضور الولي أيضا وبرضاه لعدم الاعتداد بعبارته.
أقول : قد مر في كتاب الحجر نقل الخلاف فيما لو أذن الولي للسفيه في البيع فقيل : بالمنع وهو مذهب المبسوط وابن البراج ، وقيل : بالصحة ، ونقله العلامة في المختلف عن بعض علمائنا واختار ، فينبغي أن يكون الكلام هنا كذلك ،
الا أن الأقرب هو الصحة في الموضعين ، والفرق بينه وبين الصبي والمجنون ظاهر ، فان عبارتيهما مسلوبة الصحة ، لعدم التكليف الذي هو مناط ذلك بخلاف السفيه. فان الحجر عليه إنما هو من حيث خوف الإفساد والتبذير ، وعدم الإصلاح في تصرفاته ، وهذا مأمون بالإذن له فلا مانع حينئذ من الصحة ، ولو وكله إنسان في شراء نفسه من مولاه فالمشهور الصحة ، قالوا : والمراد وكالته باذن مولاه لتوقف تصرفاته على الاذن منه ، الا ما استثنى والظاهر أنه يكفى في الاذن المذكور إيجاب السيد للبيع مخاطبا به العبد ، وان كان ظاهر كلام جملة منهم الاذن الخاص في ذلك ، وربما قيل : بالمنع لاشتراط مغايرة المشتري للمبيع ، والمشترى والمبيع هنا واحد ، وهو العبد ، ورد بأن المغايرة الاعتبارية كافية ، وربما قيل. بلزوم كون السيد موجبا قابلا.
وفيه أيضا ما تقدم ، قال في المبسوط : إذا وكل رجل عبدا في شراء نفسه من سيده قيل : فيه وجهان : أحدهما يصح ، كما لو وكله في شراء عبد آخر باذن سيده ، والثاني لا يصح ، لأن يد العبد كيد السيد وإيجابه وقبوله بإذنه بمنزلة إيجاب سيده وقبوله ، فإذا كان كذلك وأوجب له سيده وقبله كان السيد هو الموجب القابل للبيع ، وذلك لا يصح ، فكذلك هيهنا ، ثم قال : والأول أقوى.
وقال ابن البراج : الأقوى عندي أنه لا يصح الا أن يأذن له سيده في ذلك ، فان لم يأذن له فيه لم يصح ، قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين : والحق ما قوية الشيخ ، لأن بيع مولاه رضا منه بالتوكيل ، انتهى.
أقول : ومن كلامه يفهم أن من أطلق من الأصحاب كالشيخ والمحقق والعلامة فإن مرادهم الاكتفاء بالإيجاب ، وما يدل عليه من الرضا بذلك عن الاذن الصريح ، وظاهر كلام ابن البراج تقدم الإذن أولا قبل العقد ، وهو ظاهر شراح كلام المحقق والعلامة ، والحق ما ذكره في المختلف ، واللّه سبحانه العالم.
الثانية : قالوا : ليس للوكيل أن يوكل إلا بإذن من الموكل ، لأن الوكيل
لا يملك مباشرة ما وكل فيه بنفسه قبل الوكالة ، ومن شرط صحة التوكيل تملك الموكل للتصرف بنفسه ولا ولاية له ، فلا بد من الاذن حينئذ ، الا أن يدل اللفظ بإطلاقه أو عمومه على ذلك ، كقوله اصنع ما شئت ، ونحوه من الأمثلة المتقدمة في كلامه في التذكرة ، وان لم يحصل ذلك صريحا ولا ضمنا ، لكن دلت القرائن على ترفع الوكيل عن مثل ذلك الفعل لشرفه وعلو منزلته ، وعدم لياقة مباشرة ذلك الفعل به أو عجزه عنه فكذلك أيضا ، لكن يجب علم الموكل بذلك.
الأول : قال في التذكرة : التوكيل على ثلاثة أقسام الأول : أن يوكل الموكل وكيله في التوكيل ، فيجوز أن يوكل إجماعا ، والثاني : أن ينهاه عن التوكيل ، فليس له أن يوكل ، الثالث : أطلق الوكالة ، وأقسامه ثلاثة : أحدها أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله ، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن مثلها في العادة ، كما لو وكله في البيع والشراء ، والوكيل أمين لا يتبدل بالتصرف في الأسواق ، أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه ، فله التوكيل فيه ، لأن تفويض مثل هذا التصرف إلى مثل هذا الشخص لا يقصد منه إلا الاستنابة ، وهو قول علمائنا أجمع وأكثر الشافعية.
الثاني : أن يكون العمل مما لا يرتفع الوكيل عن مثله الا أنه عمل كثير منتشر لا يقدر الوكيل على فعل جميعه ، فيباشره بنفسه ، ولا يمكنه الإتيان بالكل ، فعندنا يجوز له التوكيل ، ولا نعلم فيه مخالفا ، وله أن يوكل فيما يزيد على قدر الإمكان قطعا ، وفي قدر الإمكان اشكال أقربه ذلك ، لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه ، فجازت في جميعه كما لو أذن له في التوكيل فيه بلفظ ، وللشافعية ثلاث طرق ، ثم ساق الكلام الى أن قال الثالث ما عدا هذين القسمين ، وهو ما أمكنه فعله بنفسه ، ولا يرتفع عنه ، وقد قلنا أنه لا يجوز له أن يوكل فيه الا بإذن الموكل ، إلى أن قال : إذا وكله بتصرف وقال : افعل ما شئت لم يقتض ذلك
الاذن في التوكيل ، لأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه ، وقوله اصنع ما شئت لا يقتضي التوكيل ، بل يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه ، وهو أصح قولي الشافعية ، والثاني أن له التوكيل وبه قال أحمد ، واختاره الشيخ في الخلاف ، لأنه أطلق الإذن بلفظ يقتضي العموم في جميع ما شاء فيدخل في عمومه التوكيل وهو ممنوع ، انتهى.
أقول : والنصوص هنا غير موجودة ، الا أن ما ذكره جيد بناء على الجري على مقتضى تعليلاتهم في أمثال هذه المقامات ، الا فيما ذكره من قوله وفي قدر الإمكان اشكال أقربه ذلك ، فان الظاهر أن ما قربه بعيد ، قوله «لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه» إلى آخره ممنوع ، بل إنما اقتضت جواز التوكيل فيما يعجز عنه من حيث العجز ، لاعترافه أخيرا بأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه ، وهو هنا بالنسبة إلى محل الاشكال عنده ممكن ، لأن المفروض أنه ممكن لا يتعلق به عجز ، فلا يجوز التوكيل فيه ، بل يجب عليه مباشرته بنفسه ، كما هو مقتضى الوكالة باعترافه.
والى ما أشرنا أشار في المسالك أيضا ، فقال بعد ذكر جواز التوكيل فيما يرتفع عنه التوكيل أولا ثم الجواز فيما يعجز عنه ما لفظه : ويقتصر في التوكيل في الأخير على ما يعجز عنه ، لأن توكيله خلاف الأصل ، فيقتصر فيه على موضع الحاجة ، وهو جيد ، وكذا قوله : ان قوله افعل ما شئت لا يقتضي الاذن في التوكيل ، فان الظاهر هنا انما هو ما نقله عن الشيخ من الجواز حسبما قدمنا نقله عنهم.
ومن جملة من صرح بذلك شيخنا في المسالك فقال : فان أذن له في التوكيل صريحا فلا اشكال ، وكذا لو دل اللفظ بإطلاقه أو عمومه على ذلك ، كاصنع ما شئت أو مفوضا ونحوه ، وبما أوردناه عليه في هذين الموضعين اعترف في القواعد ، فقال : ولا يصح توكيل الصبي الى أن قال : ولا الوكيل إلا بإذن
موكله صريحا أو فحوى ، مثل اصنع ما شئت ، والأقرب أن ارتفاع الوكيل عن المباشرة واتساعه وكثرته بحيث يعجز عن المباشرة اذن في التوكيل معنى فحينئذ الأقرب أنه يوكل فيما زاد على ما يتمكن منه لا الجميع انتهى.
وبيان ذلك هنا أن إطلاق التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه ، كما صرح به ، فلا بد لزيادة هذا القيد ونحوه من فائدة تترتب عليه ، والا لكان لغوا من القول ولا ريب أن من جملة ما يشاء توكيل الغير إذا شاء ، ولو حمل هذا اللفظ على ما دل عليه أصل الوكالة من غير أن يكون له فائدة تترتب عليه لكان اللازم ما قلناه ، ولا شك أنه هو المتبادر من اللفظ ، الا أن يكون ثمة قرائن حالية توجب الخروج عن ذلك.
ثم ان ما ذكره من جواز التوكيل في صورة الترفع والعجز ينبغي تقييده بما أشرنا إليه آنفا من علم الموكل بذلك ، لأنه لو لم يعلم الموكل بشيء من هذين العذرين المانعين من القيام بما وكل فيه لم يجز لذلك الوكيل توكيل غيره ، لانتفاء القرينة من جانب الموكل التي هي مناط الإذن ، لأن معرفة الموكل بكونه يرتفع أو يعجز في قوة الإذن له بالتوكيل ، كما عرفت من عبارة القواعد المذكورة ، وأنه انما وكله ، والحال كذلك إلا مع رضاه واذنه بالتوكيل ، بخلاف ما لو لم يعلم بذلك ، وهو ظاهر.
الثاني : قال في التذكرة ، إذا أذن له أن يوكل فأقسامه ثلاثة : الأول : أن يقول له : وكل عن نفسك ، ففعل كان الثاني وكيلا للوكيل ، ينعزل بعزل الأول إياه ، لأنه نائبه وهو قول الشافعي ، ثم ذكر الخلاف في ذلك من العامة وأقوالهم الى أن قال : والثاني : لو قال : وكل عني فوكل عن الموكل ، فالثاني وكيل للموكل وليس لأحدهما عزل الآخر ، ولا ينعزل أحدهما بموت الأخر ، ولا جنونه وانما ينعزل أحدهما بعزل الموكل ، فأيهما عزله انعزل.
الثالث : لو قال : وكلتك بكذا وأذنت لك في توكيل من شئت ، أو في أن توكل وكيلا ولم يقل عني ولا عن نفسك ، بل أطلق فللشافعية وجهان : أحدهما
أنه كالصورة الأولى ، وهي أن يكون وكيلا عن الوكيل ، لأن المقصود من الاذن في التوكيل تسهيل الأمر على الوكيل ، وأصحهما عندهم أنه كالصورة الثانية يكون وكيلا للموكل ، فان التوكيل تصرف يتولاه باذن الموكل ، فيقع عنه إذا جوزنا للوكيل أن يوكل في صورة سكوت الموكل عنه ، فينبغي ان يوكله عن موكله ، ولو وكل عن نفسه ، فللشافعية وجهان ، انتهى.
أقول : ظاهر كلامه هو التوقف في القسم الثالث حيث لم يذكر فتواه في ذلك ، وإنما اقتصر على نقل الوجهين من كلام الشافعية ، وذكر تعليلاتهم ، ويحتمل أن يكون عدم رده لما ادعوه من الأصحية ولا رد دليلها مؤذنا باختياره ذلك ، ورجحه بعض محققي متأخري المتأخرين ، قال : لأن صاحب المال إذا أذن بتوكيل من يوكل في بيع ماله أنه يوكله عن نفسه ، ولأنه ثبت بذلك توكيله وبإذنه في فعل الثاني ذلك الموكل فيه فعزله ومنعه من ذلك يحتاج إلى دليل ، والأصل عدمه والاستصحاب يفيده ، انتهى.
أقول : والمراد من قوله يوكل في صورة سكوت الموكل يعنى مع فهم الجواز من القرائن كما تقدم لا مطلقا ، فإنه لا قائل به.
الثالث : قال في التذكرة أيضا : كل وكيل جاز له التوكيل فليس له ان يوكل الا أمينا لأنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين فيفيد جواز التوكيد فيما فيه الخطر والضرر كما أن الاذن في البيع يقتضي الإذن بثمن المثل ، الا أن يعين له الموكل فيجوز سواء كان أمينا أو لا ، اقتصارا على ما نص عليه المالك ، ولأن المالك قطع نظره بتعيينه ، ولو وكل أمينا فصار خائنا فعليه عزله ، لأن تركه يتصرف في المال مع خيانته تضييع وتفريط على المالك ، وللشافعية وجهان : في أن يحل له عزله ، انتهى.
أقول : الظاهر من كلامهم من غير خلاف يعرف هو عدم اشتراط العدالة في الوكيل ، وغاية ما ذكروه في شروطه هو البلوغ والعقل ، والإسلام ان كان
الغريم مسلما ، بل صرح في الشرائع بجواز كونه فاسقا أو كافرا أو مرتدا ، والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الوكيل عن المالك ، والوكيل عن وكيله ، لأن الحكم في الوكيل لا يزيد على الحكم في المالك فكل من جاز للمالك توكيله ، جاز لوكيله كذلك ، لأنه قائم مقام المالك وفي حكمه ، إلا أن يقوم دليل على الفرق بينهما ، ولا أعرف لذلك دليلا ، والأصل العدم في الموضعين ، وما ذكره هنا من التعليل بقوله لأنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين إنما يتم لو قلنا : باشتراط الوثاقة والأمانة فيمن يوكله الموكل.
وقد عرفت أنه غير شرط ولم يصرح به أحد منهم بل إنما صرحوا بخلافه ، وكيف يتم ما ذكره من أنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين بمعنى أنه ليس يرضى بذلك ولا يجيزه ، والحال أنه يوكل الفاسق المقطوع بكونه غير أمين كما عرفت ، فلو كان نظر الموكل مقصورا على الأمين ، وان ذلك من شروط الوكالة لامتنع توكيله الفاسق ، وكيف يراعى هذا النظر في وكيل وكيله ، ولا يراعى في وكيله هو.
وبالجملة فإنه إذا صحت وكالته للفاسق والكافر. المعلوم عدم أمانتهم ، والجائز وقوع الخطر والضرر بوكالتهم ، فلم لا يجوز فيمن يوكله الوكيل والخطر والضرر في الموضعين متدارك بفسخ الموكل الوكالة ، وقياسه ذلك على الاذن في البيع المقتضى لثمن المثل قياس مع الفارق ، فإن البيع لما كان الغالب فيه هو البيع بثمن المثل حمل عليه الإطلاق ، لما عرفت في غير موضع مما تقدم أن الإطلاق إنما يحمل على الأفراد الغالبة الشائعة ، بخلاف التوكيل ، لما عرفت من أن للموكل توكيل الفاسق والكافر والمرتد ونحوهم ممن لا أمانة لهم ، فإطلاق توكيل الوكيل لغيره إنما ينصرف إلى ذلك ، لا إلى خلافه وعكسه من اشتراط الأمانة فيه ، وبما صرح به هنا صرح في القواعد أيضا ، فقال : وكل موضع للوكيل أن يوكل فيه فليس له أن يوكل الا أمينا الا أن يعين الموكل
غيره ، على أن ما ذكره من التعليل بقوله لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين لا يخرج عن المصادرة ، لأن هذا عين المدعى كما هو الظاهر.
وبالجملة فإنه لا يظهر لي وجه صحة لما ذكره ، ولعله لسوء فهمي القاصر وضعف بصيرتي الحاسر ، وبذلك يظهر أن ما أطال به المحقق الأردبيلي هنا الكلام بعد نقل العبارة المذكورة من أن المراد بالأمانة العدالة بالمعنى المشهور بين الأصحاب أو مجرد اطمينان النفس به في عدم الخيانة لا أعرف له وجها لأن هذا البحث فرع صحة هذا الشرط ، وقد عرفت ما فيه وانه لا وجه له ، ولا دليل عليه الا أن يقال بذلك في الوكيل : ولا قائل بذلك بل القول إنما هو بخلافه كما عرفت ، واللّه سبحانه العالم.
الثالثة : لا يجوز للموكل أن يوكل فيما لا يجوز له مباشرته كما تقدم في صدر هذا المطلب ومن فروع ذلك أنه لا يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في شراء خمر أو خنزير ، لأنه لا يجوز شراءه ، وإن جاز ذلك للذمي ، ومنها أنه لا يجوز للمحرم أن يوكل في عقد النكاح ولا ابتياع الصيد ، ولا يجوز له أيضا أن يتوكل فيما ليس للمحرم فعله كابتياع الصيد وإمساكه وعقد النكاح ، وهذا الحكم قد ذكره الأصحاب في أحكام الموكل فعبروا بالعبارة الأولى ونحوها ، وفي أحكام الوكيل فعبروا بالعبارة الثانية ونحوها ، والوجه في ذلك ظاهر ، فإنه كما يشترط في الموكل أن لا يوكل إلا فيما يجوز له مباشرته ، كذلك يشترط في الوكيل أن لا يكون وكيلا إلا فيما يكون قادرا على الإتيان به بنفسه ، وحينئذ فكما لا يجوز للمحرم أن يوكل في العقد فكذلك لا يجوز له أن يتوكل فيه ، وقد تقدم الكلام في ذلك في الحج ، إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا إشكال في تحريم إيقاع العقد فيهما في حال الإحرام ، وكذا التوكيل فيه.
وانما الكلام فيما لو وقع التوكيل في حال الإحرام لإيقاع العقد بعد الإحلال ، فإن ظاهر إطلاقهم هنا هو البطلان ، مع أن الذي صرح به جملة منهم
في كتاب الحج هو الجواز ، تمسكا بالأصل السالم عن المعارضة.
وكذا الكلام في أنه هل يخص التحريم بما إذا كان العقد للموكل ، أو أعم من ذلك؟ اشكال ، وان كان المتبادر من كلامهم الأول.
قال في المسالك : وهل التحريم مشروط بكون العقد للموكل كما هو ظاهر الكلام والنص ، أو هو أعم من ذلك حتى يحرم على الأب والجد ، وشبههما التوكيل حال الإحرام في إيقاع عقد المولى عليه ، وكذا الوكيل الذي يسوغ له التوكيل كل محتمل ، وطريق الاحتياط واضح ، انتهى واللّه سبحانه العالم.
الرابعة : قالوا : يستحب أن يكون الوكيل تام البصيرة فيما وكل فيه عارفا باللغة التي يحاور بها ، وعن ابن البراج ان ذلك واجب ، وكذا عن ظاهر أبي الصلاح ، ثم ردوا ذلك بأنه ضعيف ، قالوا : ويكره لذوي المروات بان يتولوا المنازعة بأنفسهم ، والمراد بأهل المروات يعني أهل الشرف والخطر والمناصب الجليلة الذين لا يليق بهم الامتهان.
ونقل الأصحاب في كتب الفروع أنه روي (1)«أن عليا عليهالسلام وكل عقيلا في خصومة ، وقال ، ان للخصومة قحما ان الشيطان ليحضرها وأني لأكره أن أحضرها». وفي الصحاح القحمة بالضم المهلكة ، والمراد بأن للخصومة قحما أي انه تقحم بصاحبها الى ما لا يريده.
أقول : لم أقف على هذا الخبر فيما حضرني من كتب أخبارنا بل الموجود فيها إنما هو ما يدل على خلافه «من تحاكم علي عليهالسلام (2)مع من رأى درع طلحة أخذت غلولا عنده ، فقال عليهالسلام درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة ، فأنكر من هي بيده ، فدعاه المنكر إلى المحاكمة إلى شريح القاضي فحاكمه اليه». والقضية
مشهورة مروية «وتحاكم النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)مع صاحب الناقة إلى رجل من قريش ، ثم الى علي عليهالسلام. والرواية بها متعددة ، وتحاكم علي بن الحسين عليهماالسلام (2)الى قاضي المدينة مع زوجته الشيبانية لما طلقها وادعت عليه المهر». وهذه كلها كما ترى ظاهرة في عدم الكراهة ، إذ لا ريب في أنهم عليهمالسلام سادات أرباب الشرف ، بل لا شرف فوق شرفهم.
نعم ما ذكروه باعتبار العرف الذي عليه الناس الآن مما لا شك فيه ، ومن الطرائف المناسبة للمقام أنه ادعى رجل من عامة الناس على رجل من أهل الشرف في بلادنا البحرين ، وكان من عادة ذلك الرجل الشريف لعلو مقامه أن يجلس بجنب الحاكم ، فلما ادعى عليه ذلك ، قال له الحاكم : قم واجلس إلى جنب خصمك ما دامت الخصومة ، فإن هذا هو مقتضى الشرع ، فإذا فرغت الخصومة عد الى مكانك ، فقال الرجل : انى لا أبيع مقامي هذا بأضعاف ما يدعيه هذا المدعى وأني أشهدكم أني قد سلمت اليه دعواه ، ولا أقوم من مجلسي هذا ، وهو غاية في المحافظة على شرف النفس وعزتها ، وعدم امتهانها ومذلتها واللّه سبحانه العالم.
وفيه أيضا مسائل الاولى : كلما يشترط في الموكل من البلوغ والعقل ، ونحوهما ، وضابطه ما تقدم من التمكن من التصرف يشترط في الوكيل أيضا ، قال في الشرائع : الوكيل يعتبر فيه البلوغ وكمال العقل ، ولو كان فاسقا أو كافرا أو مرتدا ، ولو ارتد المسلم لم تبطل وكالته ، لأن الارتداد لا يمنع الوكالة ابتداء ، فكذا استدامة.
وقال في التذكرة : كما يشترط في الموكل التمكن من مباشرة التصرف في الموكل فيه بنفسه ، يشترط في الوكيل التمكن من مباشرته بنفسه ، وذلك بأن يكون صحيح العبارة فيه فلا يصح للصبي ولا للمجنون أن يكونا وكيلين في
التصرفات ، سواء كان مميزا الى آخر ما قدمنا نقله عنه في سابق هذا المطلب من الأفراد المعدودة ثمة ، وعلى هذا النهج كلام غيرهما.
وهو كما ترى ظاهر بل صريح فيما قدمنا ذكره من عدم اشتراط الوكيل وعدم اشتراط كونه أمينا كما ذكره العلامة فيما قدمنا نقله عنه في وكيل الوكيل وكان ذكر المرتد في عبارة الشرائع - بعد ذكر الكافر الشامل له ، لدفع توهم بطلان تصرفاته بعد الردة ، فإن البطلان مخصوص بما كان من أمواله ، فإنه يمنع منها دون مال الغير الذي وكل فيه ، فإنه لا يدخل في ذلك ولا يمنع من تصرفه فيه بحسب الوكالة.
وما ذكره في التذكرة من الشرط المذكور ، بمنزلة الضابط الكلي للوكيل ، ولكنه يحتاج أيضا الى قيد زائد على ما ذكره ، كما نبه عليه المحقق في عبارة الشرائع بقوله : وكلما له أن يليه بنفسه وتصح النيابة فيه صح أن يكون فيه وكيلا ، والأول احتراز عما لا يصح أن يليه بنفسه ولا يتمكن من مباشرته بنفسه ، كتوكيل المحرم في عقد النكاح إيجابا وقبولا ، وتوكله في حفظ الصيد وشرائه ، إذ ليس للمحرم أن يلي ذلك بنفسه كما تقدم ذكره.
ومنه الصبي والمجنون كما ذكره في التذكرة فإنهما لا يليان ذلك ، ومنه الكافر لا يجوز له تزويج المسلمة ففي جميع هذه المواضع التي لا يملك فيها التصرف لنفسه لا يجوز له أن يكون وكيلا فيها ، الا أن ظاهر ابن إدريس الجواز في الأخير.
والثاني احتراز عما لا تصح النيابة فيه وان صح أن يليه بنفسه ، كالعبادات ونحوها مما تقدم ذكره مما يليه الإنسان بنفسه من صلاة وصوم ونحوهما ، فإنه لا تصح النيابة فيها ، لكونها مطلوبة من المكلف مباشرة ، ويدخل في هذا الضابط المحجور عليه لسفه أو فلس من جهة ، ويخرج من جهة ، فمن جهة ما حجر عليه التصرف فيه يخرج ، ومن جهة ما خرج عن موضع الحجر مما له التصرف فيه يدخل ، لأنهما يليان لأنفسهما بعض الأفعال ، فتصح وكالتهما فيها.
الثانية : يجوز ، للمرئة أن تتولى طلاق غيرها بلا خلاف ولا إشكال ، لأن
الطلاق مما يقبل النيابة ، ولا فرق بين نيابة الذكر والأنثى ، أما نيابتها في طلاق نفسها فمحل خلاف ، وقد تقدمت اشارة اليه في المورد الثاني من المطلب الثاني.
وكذا يجوز وكالتها في عقد النكاح عندنا ، ولم ينقل فيه الخلاف الا عن الشافعي ، حيث منع من توكيلها فيه إيجابا وقبولا كالمحرم ، قال في التذكرة :
يجوز للمرأة أن يتوكل في عقد النكاح إيجابا وقبولا عندنا ، الى آخره وقال فيها أيضا : بجواز توكيلها في رجعة نفسها ، وتوكيل امرأة أخرى.
أقول : أما الحكم الأول مما ذكره فظاهر ، وأما الثاني فلا يخلو من توقف لأن أصالة صحة الطلاق ثابتة الى أن يحصل الرافع لها بيقين ، ولم يثبت من الشارع زوالها بتوكيلها في الرجعة ، والظاهر أن الكلام هنا كالكلام في توكيلها في طلاق نفسها وسيأتي تحقيق الحال فيه في موضعه إنشاء اللّه.
ويجوز وكالة العبد باذن مولاه لانه لا مانع من ذلك الا كون منافعه مملوكة للمولى ، وحينئذ فإذا حصل الاذن زال المانع ، وظاهر إطلاق كلام أكثر الأصحاب هو توقف ذلك على الاذن ، أعم من يكون ما وكل فيه مما يمنع شيئا من حقوق المالك أولا ، بأن يوكله في إيجاب عقد أو قبوله في حال خلوه عن أمر المولى له بشيء أو في حال اشتغاله بأمره حيث لا منافاة بين القيام بالأمرين.
ويدل على ذلك ما تقدم من أن منافعه بأسرها مملوكة لسيده ، فلا يجوز التصرف في شيء منها قليلا أو كثيرا إلا باذنه وذهب في التذكرة إلى جواز توكيله بغير إذنه ، إذا لم بمنع شيئا من حقوقه ، واليه يميل كلام جملة ممن تأخر عنه ، كالمسالك والمحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد ، نظرا إلى شهادة الحال ، وانتفاء الضرر.
وأما وكالته في شراء نفسه ، فقد تقدم الكلام فيها ، وفي حكمها وكالته في عتق نفسه ، بأن يوكله مولاه في عتق نفسه ، ووجه المنع هنا من حيث أنه يعتبر مغايرة المعتق اسم الفاعل ، للمعتق اسم المفعول ، والجواب الاكتفاء بالمغايرة
الاعتبارية ، كما تقدم نظيره.
أقول : وينبغي أن يعد من هذا القبيل أيضا ما لو وكله سيده في بيع نفسه على الغير ، فان الكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضعين المذكورين صحة وبطلانا واللّه سبحانه العالم.
الثالثة : قال في التذكرة : مدار الوكالة بالنسبة إلى الإسلام والكفر على ثمان مسائل ، تبطل منها وكالة الذمي على المسلم ، وهو صورتان ، توكل الذمي للمسلم أو للكافر على المسلم عند علمائنا أجمع لقوله تعالى (1)«وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» ويكره أن يتوكل المسلم للذمي عند علمائنا أجمع.
أقول : أما ما ذكره من الصور الثمان هنا فإنه باعتبار أن الموكل اما مسلم ، أو كافر ، وعلى التقديرين فالوكيل اما مسلم ، أو كافر ، وعلى التقادير الأربعة فالموكل عليه اما مسلم ، أو كافر ، فهذه ثمان صور المسئلة ، وظاهره دعوى الإجماع على البطلان في صورتين منها ، وهو كون الكافر وكيلا على المسلم ، سواء كان الموكل مسلما أو كافرا وفي الشرائع نسب هذا القول إلى الشهرة ، فقال بعد ذكره : على المشهور ، وربما كان فيه إيذان بالطعن في دليله.
وأما الاستدلال بالآية المذكورة فهو وان اشتهر بينهم في أمثال هذه المواضع ، إلا أنك قد عرفت ما فيه في ما تقدم في غير موضع ، من ورود النص (2)عن الرضا عليهالسلام بأن ذلك إنما هو من جهة الحجة والدليل ، وقد تقدم تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه في المسئلة السادسة من المقام الثاني في المتعاقدين من الفصل الأول في البيع في كتاب التجارة (3).
وظاهره الجواز فيما عدا ذلك من غير كراهة ، إلا في صورة واحدة من الست الباقية ، وهي أن يتوكل المسلم للذمي على المسلم ، وادعى الإجماع على
الكراهة ، مع أنه في النهاية على ما نقل عنه ، قال : بعدم الجواز ، ونقله في المختلف أيضا عن الخلاف والنهاية وأبى الصلاح ، وهو ظاهر الشيخ المفيد أيضا ، وقد تقدم ذكر ذلك في المورد الثاني من المطلب الثاني ، والظاهر أنه لذلك تردد في الشرائع ، وان استوجه بعد ذلك الجواز على الكراهة.
ثم أنه لا يخفى أن أكثر الأصحاب إنما عبروا بالذمي ولا يظهر له وجه ، مع أنه متى ثبت ذلك في الذمي ثبت في غيره بطريق أولى ، واللّه سبحانه العالم.
الرابعة : قد عرفت مما قدمنا نقله عن الشرائع في المسئلة الأولى جواز أن يكون الوكيل فاسقا أو كافرا أو مرتدا ، وقال في المسالك في مسئلة عدم اشتراط عدالة الولي ولا الوكيل في عقد النكاح ما لفظه : وكذا الوكيل في عقد النكاح ، لا يشترط أن يكون عدلا بل يصح توكيل الفاسق فيه إيجابا وقبولا لقبوله النيابة وأصالة عدم اشتراط العدالة ، إذ لا يتضمن ذلك استئمانا على أمر خفي كالمال ، خلافا لبعض الشافعية ، حيث اشترط العدالة فيهما.
وأما اشتراط عدالة الولي في ولاية المال ففيه خلاف بين أصحابنا ، وفي التذكرة قطع بأن الفاسق لا ولاية له ، حتى لو كان عدلا ففسق انتزع المال منه ، واستشكل في القواعد في باب الوصايا ، انتهى.
أقول : ما نقله عن التذكرة لم أقف عليه في كتاب الوكالة بعد التتبع لأبحاث الكتاب المذكور ، والذي وقفت عليه إنما هو خلاف ما نقله ، حيث قال في الكتاب المذكور : لو فسق الوكيل لم ينعزل عن الوكالة إجماعا ، لأنه من أهل التصرف إلا أن تكون الوكالة مما ينافي الفسق ، كالإيجاب في عقد النكاح عند العامة ، فإنه ينعزل عندهم ، بمجرد فسقه ، أو فسق موكله لخروجه عن أهلية التصرف فيه عندهم ، وعندنا لا ينعزل بالفسق ، إذ لا يشترط العدالة في ولي النكاح ، وأما في القبول وان فسق الموكل لم ينعزل وكيله بفسقه ، لأنه لا ينافي في جواز قبوله ، وهل ينعزل الوكيل بفسق نفسه ، فيه للعامة وجهان : ولو كان وكيلا
فيما يشترط فيه الأمانة كوكيل ولي اليتيم وولي الوقف على المساكين ، ونحوه انعزل بفسقه ، وفسق موكله لخروجهما بذلك عن أهلية التصرف ، وان كان وكيلا لوكيل من يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه ، لأنه ليس للوكيل أن يوكل فاسقا ، ولا ينعزل بفسق موكله ، لأنه وكيل لرب المال ، ولا ينافيه الفسق ، انتهى.
أقول : وأنت خبير بما فيه من الصراحة في صحة كون الوكيل فاسقا ، وظاهره دعوى الإجماع عليه ، لأن عدم انعزاله بالفسق إنما هو من حيث عدم منافاة الفسق ، لصحة الوكالة كما هو المذكور في آخر عبارته ، وأن المدار في الوكيل وصحة كونه وكيلا إنما هو على أهلية التصرف ، كما قدمنا نقله عنه في المسئلة الأولى ، وان هذا هو الضابط في صحة الوكالة ، وكأن الوجه فيه أن المالك إذا رضي بذلك وسلم اليه ماله وأمره بالتصرف فيه على الوجه الذي أمره «والناس مسلطون على أموالهم».
ولا مانع من الصحة ، ولهذا استثنى من ذلك وكيل ولي اليتيم ، ووكيل ولي الوقف الذين قد علم من الشارع أن ولاية موكليهما على ذينك الأمرين إنما هو لأجل المحافظة على ذلك ، ومراعاة المصلحة ، فلا بد من أن يكون عدلا ، إذ لا وثوق بغيره ، بخلاف مال الإنسان نفسه ، فإنه مخير في دفعه الى من شاء كيف شاء.
وأما عده من ذلك وكيل الوكيل ، فقد تقدم الكلام فيه ، وتطرق المناقشة اليه ، ويظهر من ابن إدريس في السرائر أيضا دعوى الإجماع على عدم اعتبار عدالة الوكيل كما سمعت من كلام العلامة هنا ، حيث قال في مسئلة وكالة الكافر في التزويج : والذي يقوى في نفسي أنه لا يمنع من وكالة الكافر مانع في التزويج المذكور ، لأنا لا نعتبر العدالة في الوكيل ، بغير خلاف ، لأنه لا مانع منه من كتاب ولا إجماع ولا سنة متواترة ، انتهى.
ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم في المسئلة الثالثة في بيان مدار الوكالة ، وما
ذكروه بالنسبة إلى المرتد من أنه لا تبطل وكالة المسلم بردته ، لأن الردة غير مانعة من صحة الوكالة ابتداء ، فكذا الاستدامة ، كما صرح به في التذكرة وغيره من غير نقل خلاف الا من بعض العامة ، وبما ذكرنا يظهر ما في دعوى شيخنا المتقدم ذكره أن المسئلة في وكالة المال خلافية ، وأن بعضهم ذهب الى اشتراط العدالة فيها ، ومما يؤيد ما قلناه أيضا ظاهر قوله سبحانه (1)«وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ» وبالجملة فإنه يجب القطع بعدم اشتراط العدالة في الوكيل في كلامهم ، والأصل العدم حتى يقوم الدليل على خلافه ، واللّه سبحانه العالم.
الخامسة : قال في التذكرة : يجب على الوكيل اعتماد ما عين الموكل وقرره معه ، ولا يجوز له المخالفة في شيء مما رسمه له ، فيصح تصرف الوكيل فيما وافق الموكل ، ويبطل فيما يخالفه مع صحة الوكالة ، والموافقة والمخالفة قد يعرفان بالنظر الى اللفظ تارة ، وبالقرائن التي تنضم إليه أخرى ، وأن القرينة قد تقوى فينزل عليها إطلاق اللفظ.
أقول : هذا من جملة الضوابط في الوكالة أيضا ، ومرجعه إلى أنه لا يجوز له المخالفة عما رسمه الموكل ، الا أن تدل القرائن على إرادته ، ورضي الموكل به أو تشهد العادة بذلك ، ولكن لا بد من اطرادها بما دلت عليه ، فإنه يكون حينئذ في حكم المعين ، والمرسوم من جهة الموكل.
ويتفرع على ذلك فروع : منها - ما لو أذن له في البيع نسية فباع نقدا أو عين له ثمنا فباع بأزيد منه ، فإنه داخل في المأذون فيه بطريق أولى ، لأنه قد زاد خيرا ، والعرف والعادة يشهدان بذلك ، إلا أنه يجب تقييده بما إذا لم يعلم له غرض في التعيين بذلك وإلا لم يجز التعدي عما رسمه ، وان لم يصرح بالنهي ، لأن الأغراض تختلف في ذلك والمصالح لا تنضبط ، ولو صرح له بالمنع فأولى بعدم الجواز.
1) سورة آل عمران - الاية 75.
قال في التذكرة لو أمره بالبيع بمأة ، ونهاه عن البيع بالأزيد لم يكن له البيع بالأزيد قطعا ، لاحتمال تعلق غرضه بذلك ، فلا يجوز له التخطي ، ومنها ما لو أمره بالبيع في سوق معين ، بثمن معين ، فباع في غيرها بذلك الثمن ، أو أطلق ولكن باع بثمن المثل الذي ينصرف إليه الإطلاق صح أيضا : بناء على أن الغرض تحصيل الثمن الا أنه يجب تقييده بما قدمنا ذكره ، من عدم العلم بالغرض من ذلك التعيين ، فلو علم الغرض منه كما لو كان الراغبون بذلك السوق أكثر ، أو النقد فيها أجود ، أو المتعاملون فيها أسمح ، أو نحو ذلك لم يجز له التخطي ، وعن التذكرة ، أنه اشترط هنا العلم بعدم الغرض ، وعليه فلا يصح في صورة الجهل ، ولا يجوز التخطي.
وكيف كان فإنه مع صحة البيع في غير ما عين ، فالظاهر من كلام بعضهم أنه لا يجوز النقل له الى غير ذلك المكان الذي عدل اليه ، والظاهر أنه لخروجه عن الاذن يكون ضامنا بالنقل اليه ، ويكون ضامنا للثمن بعد البيع أيضا لعين ما ذكر ، وإنما تظهر الفائدة في الحكم بصحة البيع خاصة.
وقال في التذكرة بعد ذكر مسئلة البيع في السوق - وعدم تعرضه فيها للضمان وعدمه - : ولو قال بعه في بلد كذا احتمل أن يكون كقوله بعه في السوق الفلاني ، حتى لو باعه في بلد آخر جاء فيه التفصيل ، ان كان له غرض صحيح في التخصيص لم يجز التعدي ، وإلا جاز ، لكن يضمن هنا الوكيل بالنقل إلى غير البلد للعين ، وكذا الثمن يكون مضمونا في يده ، بل لو أطلق التوكيل في بلد يبيعه في ذلك البلد فلو نقله صار ضامنا ، انتهى.
وعندي في كل من هذين الكلامين إشكال ، أما الأول وهو الضمان مع النقل إلى تلك البلد الأخرى ، فلانه لا يجامع ما ذكروه من أنه يصح البيع ، لأن الغرض تحصيل الثمن الا أن يعلم غرضه في التعيين ، فان مقتضى هذا الكلام جواز المخالفة والنقل ، وان هذا الغرض مع عدم المانع المذكور قرينة على جواز المخالفة في
تعيين السوق ، فكأنه بالنظر إلى هذا الغرض وعدم المانع قال له بع بهذا الثمن ان شئت ، فإذا حكم بجواز المخالفة كيف يتعقبه الضمان.
وبالجملة فإن المانع من جواز النقل إنما هو العلم بالغرض من التعيين ، وأما مع عدمه فيجوز كما هو ظاهر عبارة التذكرة المذكورة ، وعليه فلا يتم القول بالضمان ، لأنه مأذون في ذلك بمفهوم الكلام المتقدم.
وأما الثاني وهو ما ذكره في التذكرة فإن ظاهره كما عرفت أنه مع عدم العلم بالغرض الصحيح في التخصيص يجوز التعدي ، ثم انه فرق بين الاذن بالبيع في السوق وفي البلد ، فأوجب الضمان في الثاني دون الأول ، ولا أعرف له وجها ظاهرا ، وبيان ذلك أنه ذكر مسئلة البيع في السوق أولا ، ولم يتعرض للضمان بالمخالفة ، ثم ذكر مسئلة البيع في البلد كما نقلناه عنه ، وقال : لكن يضمن هنا ، وهو ظاهر فيما قلناه من تخصيصه الضمان بهذه الصورة ، دون تلك ، وفيه ما ذكرناه.
وبالجملة فإنه ان فهم الاذن في المخالفة من الكلام المذكور في كل من هذين الموضعين فإنه تجوز المخالفة ، ولا يتعقب ذلك ضمان ، وان لم يفهم لم يجز النقل وتعقبه الضمان ، لأنه تصرف في مال الغير بغير اذن ، وفي صحة البيع أيضا إشكال.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر كلام كثير منهم الفرق بين السوق وغيرها مما يعينه الموكل ، وتخصيص جواز المخالفة بالسوق خاصة ، إلا مع العلم بالغرض مع التعيين ، وأما غيرها فلا ، وهو مشكل لعدم ظهور الفرق.
قال في التذكرة : يجب على الوكيل تتبع تخصيصات الموكل ، ولا يجوز. له العدول عنها ، ولا التجاوز إلا في صورة السوق على ما يأتي ، بل يجب النظر الى تقييدات الموكل في الوكالة ، ويشترط على الوكيل رعاية المفهوم منها بحسب العرف الى آخره ، ويشير الى ما ذكرناه أيضا ما صرح به المحقق الأردبيلي (رحمهاللّه عليه) ، ثم ان الأصحاب ذكروا هنا جملة من الفروع في مطولات كتبهم ومرجعها الى ما عرفت في الضابط المتقدم ، واللّه سبحانه العالم.
السادسة : قد صرحوا : بأن كل موضع يبطل الشراء للموكل إما للمخالفة كما أشير إليه في سابق هذه المسئلة ، أو لإنكار الموكل التوكيل ، فان كان سمى الموكل في العقد لم يقع العقد عن الموكل لعدم الوكالة ، أو للمخالفة ، ولا عن الوكيل ، لأن المذكور في العقد غيره ، كما هو المفروض ، وان لم يكن سماه وقع عن الوكيل بحسب الظاهر ، وأما في نفس الأمر فإن كان قصده ونواه لنفسه فهو له ، وإن نواه للموكل لم يقع له أيضا لما تقدم ، والمخرج عن ذلك إما بالمصالحة ، أو بأن يقول الموكل إن كان لي فقد بعته من الوكيل.
أقول : وان أردت زيادة توضيح لهذا المقال فاعلم أن ذلك يقع في موضعين أحدهما أن يكون بطلان الشراء مستندا إلى المخالفة لأمر الموكل ، ولا ريب أنه مع تسمية الموكل في العقد ، والحال أنه قد خالفه فيما وكله فيه فإنه لا يقع عنه وإن سماه بل يكون فضوليا يتوقف صحته على الإجازة بناء على المشهور في عقد الفضولي ، ولا يقع عن الوكيل أيضا لأن المسمى في العقد غيره ، وأما مع عدم ذكر الموكل في العقد فإنه يقع بحسب الظاهر عن الوكيل ، حيث أن الخطاب معه ، وعلى هذا فللبائع أن يأخذ منه الثمن ، ويلحقه جميع الأحكام المترتبة على البيع بناء على ذلك الظاهر ، فإن الأحكام إنما تبنى عليه دون نفس الأمر ، ولكن يجب تقييد الحكم بكون الشراء للوكيل كما ذكرنا بأن لا يكون قد شرى بعين مال الموكل ، وإلا فإنه يقع فضوليا عن الموكل ، موقوفا على إجازته ، فان لم يجز بطل ، لأنه يصير كظهور استحقاق أحد العوضين المعينين في العقد ، وإن جازه صح.
وكذا يجب الحكم بالبطلان في هذه الصورة إذا علم البائع أن الثمن ملك الموكل ، أو قامت به البينة ، ويجب على البائع رد الثمن حينئذ ، وان لم يعلم البائع بذلك ، ولا بينة ثبت البيع ظاهرا كما تقدم ، ووجب على الوكيل دفع عوض ذلك الثمن للموكل ، وانما كان الواجب هو العوض ، لتعذر استرجاع عين الثمن ، فان البيع صحيح بحسب الظاهر كما ذكرنا ، واعترافه بالتفريط بسبب
المخالفة ، وللموكل إحلاف البائع لو ادعى عليه العلم بأن الثمن له وإلا فلا.
وثانيهما أن يكون بطلان الشراء لإنكار الموكل التوكيل ، ولا يخلو إما أن يكون الاشتراء بعين مال الموكل بناء على دعواه الوكالة ، أو في الذمة ، وعلى الأول يكون الشراء فضوليا ، سواء ذكر الموكل لفظا أو قصده نية أو لا فيهما فان أجازه الموكل صح على المشهور في عقد الفضولي ، وان لم يجزه والحال أنه ذكره لفظا أو كان للموكل بينة بأن العين له أو كان البائع عالما بذلك ، فلا يخلو إما أن يكون الوكيل صادقا في دعوى الوكالة ، فإنه يكون العقد صحيحا بحسب الواقع ، فاسدا بحسب الظاهر ، وان كان الوكيل كاذبا بحسب الواقع بطل الشراء بالعين في الواقع والظاهر.
وعلى الثاني وهو الشراء في الذمة فإن ذكر الموكل لفظا أو نية وقع الشراء له باطنا ان كان صادقا في دعوى الوكالة ، وبطل بحسب الظاهر من حيث إنكار الموكل الوكالة ، وان لم يذكره بالكلية لا لفظا ولا نية فالشراء للوكيل ظاهرا وباطنا ، وان كان الوكيل مبطلا في دعوى الوكالة وذكر الموكل بطل البيع مطلقا ، إذ لا يصح عن الموكل وان سماه ، لأنه مبطل في دعوى الوكالة ، ولا عن نفسه لأن المسمى في العقد غيره ، وان لم يذكره وقع الشراء للوكيل.
قالوا : وطريق التخلص في مواضع الاشتباه باحتمال كونه لأيهما أن يقول الموكل : إن كان لي فقد بعته من الوكيل : ولا يضر التعليق هنا على الشرط في صحة هذا البيع ، لأن الشرط المبطل إنما هو ما أوجب توقف العقد على أمر يمكن حصوله ، وعدم حصوله ، والأمر المعلق عليه هنا واقع ، بعلم المكلف حاله فلا يضر جعله شرطا.
وكذا القول في كل شرط علم وجوده كقول البائع ان كان اليوم الجمعة فقد بعتك كذا مع علمه بكون ذلك اليوم الجمعة ، ولو امتنع الموكل عن البيع جاز للموكل أن يستوفي عوض ما أداه إلى البائع عن موكله من المبيع ، ويرد
عليه ما يفضل ان كان في المبيع زيادة على ما استوفاه ، ويرجع اليه بما يزيد له ان نقص المبيع مما استوفاه ، والرجوع عليه هنا بطريق المقاصة بمعنى أنه إن ظفر بمال الموكل وأمكنه وضع يده عليه ، وكما يحصل التخلص بما ذكر يحصل أيضا بالمصالحة ، ويحصل أيضا بإبراء الذمة من الثمن أو يقول ، وهبتك إياه هذا ملخص ما ذكروه في المقام ، واللّه سبحانه العالم.
السابعة : قالوا : لو وكل اثنين وشرط الاجتماع أو أطلق لم يكن لأحدهما الانفراد ، ولا القسمة ، ولو مات أحدهما بطلت ، وليس للحاكم أن يضم اليه ، ولو شرط الانفراد جاز.
أقول : لا ريب في أنه إذا صرح بالانفراد فان كل واحد منهما وكيل على حده ، وإذا صرح بالاجتماع لم يكن لأحدهما الانفراد ، والمراد باجتماعهما صدور الأمر الموكل فيه عن رأيهما واتفاقهما على ذلك ، فان كان عقدا فينبغي أن يأذن أحدهما للآخر في إيقاع العقد أو يتفقا على ثالث ، فيوقع الصيغة ، إذ الظاهر جواز الاذن هنا في مثله كما رجحه بعض المحققين ، وقيده آخرون باقتضاء الوكالة جواز التوكيل ، والا فلا ، وبالجملة فإن قصد الموكل أن يكون العاقد واحدا لا إيقاع كل منهما الصيغة.
وظاهره في المسالك أيضا جواز إيقاع كل منهما الصيغة ، واستشكله بعض المحققين بأنه يلزم أن يكون العقد الصحيح غير مؤثر للمطلوب المترتب عليه ، بل يكون موقوفا على عقد آخر غير معهود في الشرع ، وفي صدق تعريف العقد الصحيح عليه تأمل وتكلف ، انتهى.
وأما مع الإطلاق فإن وجدت قرينة تدل على الافراد أو الاجتماع وجب العمل بمقتضاها ، والا فإن ظاهر الأصحاب هو الحكم بالاجتماع ، وعلى هذا فشرط الاجتماع على الخصوص انما يفيد مجرد التأكيد ، لأن مقتضى الإطلاق هو الاجتماع كما عرفت ، والوجه في اقتضاء الإطلاق الاجتماع أن قوله وكلتكما
موجها الخطاب إليهما معا يقتضي كونهما وكيلين ، والأصل في كل منهما على حدة عدم الوكالة. وعدم جواز التصرف إلا بإذن الموكل ، والاذن انما حصل لهما معا والمعية يقتضي الاجتماع ، ولو مات أحدهما بطلت الوكالة من أصلها ، كما إذا ماتا معا ، لأن توكيلهما على جهة الاجتماع يؤذن بعدم رضاه برأي أحدهما ، وتصرفه منفردا ، وليس للحاكم ضم آخر اليه ، وتنفيذ الوكالة ان كان الموكل غائبا ، بخلاف الوصاية ، فإنه متى مات أحد الوصيين المجتمعين فان للحاكم نصب آخر يشاركه في تنفيذ الوصايا ، والفرق بين الموضعين أنه لا ولاية للحاكم هنا على الموكل ، بخلاف الوصي فإن النظر في حق الميت واليتيم اليه ، فإذا مات أحد الوصيين صار وجود الأخر كعدمه ، فان الموصى لم يرض برأيه منفردا وحيث كان الحاكم له النظر في أمور الميت واليتيم كان عليه أن ينصب شريكا للوصي في تنفيذ الوصايا.
ومما ذكرنا يعلم بطريق أولى أنه لو غاب أحد الوكيلين المشروط اجتماعهما فليس للحاكم نصب أخر عوضه ، وبذلك صرح في التذكرة أيضا ، وعلله بأن الموكل رشيد جائز التصرف ، ليس للحاكم عليه ولاية ، وأنت خبير ، بأن هذا التعليل إنما يجري في حضور الموكل ، لا في غيبته ، واحتمال جواز ضم الحاكم في صورة الموت والغيبة قائم ، سيما في مقام تطرق الضرر على الموكل ببطلان الوكالة ، وبقاء أموره وما وكل فيه في معرض التلف ، وتطرق الضرر ، واللّه سبحانه العالم.
الثامنة : قالوا : لو وكل زوجته أو عبده ثم طلق الزوجة وأعتق العبد لم تبطل الوكالة ، أما لو أذن لعبده في التصرف في ماله ثم أعتقه بطل الإذن ، لأنه ليس على حد الوكالة ، بل هو اذن تابع للملك.
أقول : الوجه في الحكم الأول هو عدم مدخليته للزوجية والمملوكية في صحة الوكالة ، فلا منافاة بين الطلاق أو العتق وبينها ، فيستصحب حكمها في الحالين
المذكورين ، ويأتي مثل ذلك في العبد لو باعه بعد أن وكله ، وقلنا بصحة وكالته فيما إذا لم يمنع شيئا من حقوق المولى كما هو أحد القولين المتقدمين في المسئلة الثانية من مسائل هذا المطلب ، فتستصحب صحة الوكالة قبل البيع الى دخوله في ملك المشترى في هذه الصورة.
نعم لو منع ذلك شيئا من حقوق المولى أو قلنا بالتوقف على الاذن مطلقا كما هو المشهور اشترط في صحتها اذن المشتري ورضاه بذلك.
وأما الوجه في الحكم الثاني فقد عرفته من قوله لأن الإذن ليس على حد الوكالة ، بل هو اذن تابع للملك ، والظاهر أن مرجع ذلك الى الفرق بين الأذن والوكالة ، والعبد هنا انما تصرف بالاذن من حيث وجوب الخدمة عليه لسيده ، فهو مأذون من حيث أنه خادم فمنشأ التصرف انما هو ذلك ، لا الوكالة فإن الوكالة أمر مستقل.
وبالجملة فإن النظر هنا يرجع الى قصد الموكل لا الى مجرد وقوع اللفظ بالإذن ، فإن كان قصده فيه الوكالة المستقلة كغيره من الوكلاء الأحرار كان ذلك وكالة ، انما هو من حيث وجوب الخدمة عليه كسائر الخدمات التي يؤمر بها ، فليس ذلك وكالة ، بل اذن ، ويترتب على كل منهما ما يلحقه من الأحكام ومن جملة ما يترتب على الأذن هنا هو بطلانه بعد البيع والعتق ، لانه تابع للملك ، وقد زال بكل من السببين المذكورين ، قال في المسالك بعد قول المصنف في الاذن بنحو ما ذكرنا من أنه ليس على حد الوكالة ما لفظه : قد عرفت في أول الوكالة أن صيغتها لا تنحصر في لفظ ، بل تصح بكل ما دل على الأذن في التصرف ، وحينئذ فيشكل الفرق بين توكيل العبد ، والاذن له في التصرف حيث لا تبطل الوكالة بعتقه ، ويبطل الإذن الا أن يستفاد ذلك من القرائن الخارجة الدالة على أن مراده من الأذن انما هو ما دام في رقه ، ومراده من الوكالة كونه مأذونا مطلقا ، وحينئذ فلا فرق بين كون الإذن بصيغة الوكالة وغيرها ، مع احتمال الفرق ، فيزول
مع الاذن المجرد ، لا مع التوكيل بلفظها ، حملا لكل معنى على لفظه : ويضعف بما مر ، فإن الوكالة ليست أمرا مغايرا للإذن ، بل تتأدى بكل ما دل عليها ، ولا فرق بين الصيغتين ، انتهى.
أقول : لا ريب في صحة ما ذكره من أن الوكالة ليست إلا مجرد الأذن للوكيل فيما وكل عليه على النحو المتقدم ، ويترتب أحكام الوكالة على ذلك ، كما تقدم تحقيقه ، الا أن الكلام هنا بالنسبة إلى أوامر السيد لعبده ، فإنها لما كانت انما تقع غالبا على جهة الاستخدام المطلوب منه ، فالإذن المفهوم من هذه الأوامر ليس على حد الأذن المفهوم من تلك الأوامر الواردة في الأخبار ، مثل قول شخص لآخر بع لي هذا أو اشتر لي كذا ونحو ذلك ، فان المفهوم من الأخبار أن ذلك الاذن هنا وكالة شرعية ، يترتب عليه ما يترتب على الوكالة من الأحكام ، بخلاف أوامر السيد على عبده ، من حيث أن الغالب أن تلك الأوامر انما تقع على جهة الاستخدام ، لأنها وكالة شرعية في كل مقام ، والفرق بين الأمرين أظهر من أن يخفى على ذوي الأفهام ، فحمل بعض أوامر السيد لعبده على الوكالة يحتاج إلى قرينة ظاهرة في قصد الوكالة ليترتب عليها ما يترتب على الوكالة ، والا فهي أعم من ذلك كما لا يخفى ، واللّه سبحانه العالم.
التاسعة : قالوا لو قال : وكلتك على قبض حقي من فلان لم تكن له مطالبة الورثة بعد موته وقبل قبضه الحق ، ولو قال له : وكلتك على قبض حقي الذي على فلان كان له ذلك ، والفرق بين الصيغتين أن الجار والمجرور في الصورة الأولى وهو قوله من فلان متعلق بلفظ قبض ، ففيه تعيين للمقبوض منه ، وهو المديون ، ولا يتعدي الى الوارث ، فإنه غير المديون.
نعم يتعدى الى وكيل المديون ، فيجوز القبض ، لأن يده كيده ، وهو نائب عنه والفرق بينه وبين الوارث ، ان الملك لم ينتقل الى الوارث بحق النيابة عن المورث وانما انتقل اليه بالملك أصالة بخلاف الوكيل ، فان يده عليه انما هي بطريق النيابة.
وأما في الصورة الثانية فإن جملة الصلة والموصول فيها وقعت صفة للحق ، وليس فيه تعيين للمقبوض منه بوجه ، بل الاذن معلق بقبض الحق الذي في ذمة زيد مثلا ، فالوكيل يتبع الحق حيثما كان ، وأينما كان ، قال في التذكرة : لو وكله في قبض دينه من فلان فمات نظر في لفظ الموكل ، فان قال : اقبض حقي من فلان بطلت الوكالة ، ولم يكن له القبض من وارثه ، لأنه لم يؤمر بذلك ، وانما وكله في قبض مبدأه من المديون ، وقد مات وان قال : اقبض حقي الذي على فلان أو الذي في قبل فلان فله مطالبة وارثه ، والقبض منه ، لأن قبضه من الوارث قبض للحق الذي على مورثه ، فإذا قبض من الوارث لم يكن قبضا من فلان ، لا يقال : لو قال اقبض حقي من زيد فوكل زيد إنسانا في الدفع اليه كان له القبض منه فكذا ينبغي أن يقبض من الوارث لأن الوارث نائب الموروث ، كما أن الوكيل نائب الموكل ، لأنا نقول : الوكيل إذا دفع عنه بإذنه جرى مجرى تسليمه ، لأنه أقامه مقام نفسه ، وليس كذلك هنا ، فان الحق انتقل إلى الورثة ، فاستحقت المطالبة عليهم لا بطريق النيابة عن الوارث ، ولهذا لو حلف ان لا يفعل شيئا حيث يفعل وكيله ، ولا يحنث بفعل وارثه ، انتهى.
فان قيل : وصف الحق بكونه من فلان يشعر بحصر القبض فيه ، لأن الصفة إذا زالت بموته لم يكن الحق المتعلق بالوارث موصوفا بكونه في ذمة فلان ، ولا يكون هو الموكل فيه.
فالجواب أن الوصف انما يفيد الاحتراز به عن دين آخر له في ذمة شخص آخر ، ولا اشعار فيه بتخصيص القبض ، ومع فرض أنه لا يكون له دين آخر على غيره فالصفة هنا لمجرد التوضيح ، فيكون كما لو قال : بع عبدي النائم ، أو الآكل أو ما شاكلهما من الأوصاف ، فإن له بيعه وإن انتبه أو ترك الأكل ، كذا حققه في المسالك ، واللّه سبحانه العالم.
وفيه مسائل الأولى : قالوا لا يحكم بالوكالة بدعوى الوكيل ولا موافقة الغريم ما لم يقم بذلك بينة وهي شاهدان ، ولا تثبت بشهادة النساء ولا بشاهد وامرأتين ، ولا بشاهد ويمين.
أقول : وتثبت أيضا بإقرار الموكل على نفسه ، ويظهر من التذكرة أن المستند - في عدم ثبوتها بشهادة النساء وشهادة رجل وامرأتين أو شاهد ويمين - هو الإجماع ، قال : وتثبت الوكالة بإقرار الموكل على نفسه أنه وكله ، وبشهادة عدلين ذكرين ، ولا تثبت بشهادة رجل وامرأتين ، ولا بشهادة رجل ويمين عند علمائنا أجمع.
وظاهر كلام المحقق هنا حيث نسب الحكم بذلك إلى قول مشهور التوقف ، فان مرمى هذه العبارة ذلك ، وقال في المسالك بعد نقل عبارة المصنف المشعرة بما ذكرنا هذا هو المذهب ، ولا نعلم فيه مخالفا ، ولأن متعلق الشاهد واليمين والشاهد والمرأتين الحقوق المالية ، والغرض من الوكالة الولاية على التصرف ، والمال قد يترتب عليها ، ولكنه غير مقصود بالذات هيهنا ويشكل الحكم فيما لو اشتملت الدعوى على الجهتين ، كما لو ادعى شخص على آخر وكالة بجعل ، وأقام شاهدا وامرأتين أو شاهدا وحلف معه ، والظاهر أنه يثبت المال ، لا الوكالة ، ولا يقدح في ذلك تبعض الشهادة ، ومثله ما لو أقام ذلك بالسرقة ، فإنه يثبت المال لا القطع ، ولان المقصود بالذات هنا هو المال لا الولاية نعم لو كان ذلك قبل العمل اتجه عدم الثبوت ، لأن إنكار الوكالة أبطلها ، والمال لم يثبت بعد ، ويمكن أن يكون نسبة المصنف القول إلى الشهرة حينئذ المشعر بتوقفه فيه ، لأجل ذلك ، فيكون التوقف في عموم الحكم لا في أصله ، انتهى.
ويمكن تطرق النظر والاشكال إلى بعض مواضع هذا المقال ، منها ما استظهره
من ثبوت المال دون الوكالة فيما لو ادعى الوكيل الجعالة عليها وأقام شاهدا وحلف معه ، أو ضم إليه امرأتين ، فإن فيه أنه لا ريب أن الجعالة فرع على الوكالة ، تابعة لها كما هو المدعى ، فكيف يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل ، والتابع مع عدم وجود المتبوع ، بل هذا مما تنكره بديهة العقول.
ومنها قوله في السرقة أنه يثبت بذلك المال لا القطع ، يعنى لو أقام شاهدا وامرأتين أو شاهدا مع اليمين على أن زيدا سرق يثبت المال المسروق ، ولم يثبت القطع على السارق ، مع أن هذين أعنى ثبوت المال والقطع معلولا علة واحدة ، وهي السرقة فإن ثبتت ثبتتا ، وإلا فلا ، فكيف يثبت بالبينة المذكورة أحدهما دون الآخر.
وبذلك يظهر بقاء الإشكال الذي ذكره لما عرفت من ضعف ما استظهره فإنه لا ينطبق على القواعد والأصول بل هو مما تنكره بديهة العقول.
ومنها جملة عبارة المصنف المشعرة بتوقفه على هذه الصورة الخاصة ، وهي إنكار الموكل الوكالة قبل عمل الوكيل ، فإنه بعيد غاية البعد ، أما أولا فلأنها صورة نادرة ، لا يحسن أن يحمل عليها الإطلاق ، واما ثانيا ، فإنه متى كان الإنكار في الصورة المذكورة من مبطلات الوكالة ، فلا معنى لفرض المسئلة بإقامة الشهادة واليمين معه ، أو ضم المرأتين ، فإنه إقامة بينة على أمر قد حصل بطلانه ، بل لا يحسن فرضه ، والتمثل به بالكلية كما لا يخفى على ذوي الذوق السليم.
وكيف كان فإنه لا مندوحة عن الحمل على ذلك وان بعد ، لاتفاق الأصحاب المعتضد بالأخبار الدالة على اختصاص الثبوت بهذين الأمرين بالمال ، والوكالة ليست مالا ، وإنما هي ولاية كما عرفت.
بقي الكلام هنا في شيئين أحدهما ما قدمنا نقله عنهم من قولهم أنه لا يحكم بالوكالة بدعوى الوكيل ولا بموافقة الغريم ما لم يقم بينة ، ينبغي تخصيصه بحصول المنازع في الوكالة ، بأن ينكرها الموكل ، والا فإن الظاهر أنه لو ادعاها ولا منازع له فإنه يصح تصرفه ، والشراء منه ، لأن هذا أحد أفراد القاعدة الكلية ، وهي من ادعى
ولا منازع له فإنه يسمع دعواه ، وعلى هذا عمل كافة الناس في ارسالهم الوكلاء بأموالهم إلى البلدان البعيدة التي يتعذر فيها إقامة البينة على الوكالة ، ويبيعون ويشترى الناس منهم من غير نكير ولا توقف. وكان الأئمة عليهمالسلام يفعلون كذلك يرسلون الوكلاء للتجارة لهم في مصر ونحوها فلو لم يقبل دعوى الوكيل الوكالة في ذلك لزم الحرج الشديد ، والضيق ، ويؤيده قبول قول المرأة في الخروج من العدة ، وموت الزوج (1)وأنها حللت نفسها بتزويج محلل ، ثم طلاقه لها ، وخبر الكيس (2)، الذي بين أولئك الجالسين فقال أحدهم لمن هذا الكيس الدراهم أو الدنانير؟ فقال : أحدهم هو لي فقال عليهالسلام هو له وبالجملة فالظاهر أن الحكم المذكور لا اشكال فيه ، ولا شبهة تعتريه ، وقد أشبعنا الكلام في تحقيق هذه القاعدة في كتاب الزكاة في مسئلة ما لو ادعى الفقير الفقر هل يسمع دعواه أم لا؟ ثم ان ظاهر كلامهم أنه في صورة التوقف بالإثبات على الشاهدين ، لا بد من ضم حكم الحاكم بذلك في باب الوكالة وغيرها ، الا ما استثني من رؤية الهلال ، فإنه يكفي فيه مجرد السماع عن الشاهدين ، كما هو ظاهر جملة من أخبار تلك المسئلة ، وقد تقدم تحقيقه في كتاب الصيام.
قال في التذكرة : ولو قال يعنى الوكيل الذي شهد عدلان على وكالته ما أعلم صدق الشاهدين لم تثبت وكالته ، لقدحه في شهادتهما على اشكال ، أقربه ذلك ، ان طعن في الشهود ، والا فلا ، لأن الاعتبار بالسماع عند الحاكم ، وجهله بالعدالة مع علم الحاكم بها بنفسه أو بالتزكية لا يضر في ثبوت حقه ، انتهى.
وربما أشعر هذا الكلام بأنه مع معرفته عدالتهما ، فإنه لا يحتاج إلى ضم حكم الحاكم ، وكيف كان فهذا الفرض المذكور إنما يكون في غير صورة النزاع بإنكار الموكل الوكالة وادعاء الوكيل لها ، وقد عرفت أنه لا تتوقف الوكالة
هنا على البينة بل يقبل مجرد دعوى الوكيل لها من غير راد لدعواه ، ولا منازع.
وثانيهما أن الظاهر من كلامهم عدم ثبوتها بالاستفاضة حيث خصوا الثبوت بالإقرار والعدلين ، ويحتمل أن يكون الحصر إضافيا بالنسبة إلى رجل وامرأتين أو رجل ويمين ، ونحوهما من شهادة النساء ، وشهادة رجل وحده ، فلا ينحصر في الأمرين المذكورين ويؤيده أنهم جمعوا بين العدلين ، والاستفاضة في مواضع.
والظاهر عدم الفرق بين هذه المواضع ، الا أن الظاهر الوقوف على ما ثبت بالدليل ، فإن الأحكام الشرعية صحة وبطلانا وجوازا وتحريما يدور مدار الأدلة الشرعية ، وقد ثبت هنا ثبوته بالإقرار ، للأدلة الدالة على (1)«أن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز». والعدلين للروايات الدالة على الثبوت بهما في جميع أبواب الدعاوي فغيرهما يتوقف على الدليل.
وما ربما يتوهم من كون الاستفاضة ربما كانت أقوى من الشاهدين مدفوع بأن العمل بالشاهدين ليس من حيث افادة الظن ، وحصول الظن بهما ، كما قيل فإذا حصل ما هو أقوى منه ثبت به بطريق الأولوية بل إنما ذلك من حيث كونه تعبدا محضا فإنه كثيرا ما يحصل الظن الأقوى منهما بغيرهما من الأسباب ، ومع ذلك فلا يجوز الحكم به ، ولهذا ان بعض الأصحاب جعل شهادة الشاهدين إنما هي من قبيل الأسباب الموجبة للحكم على الحاكم الشرعي لا من حيث افادة الظن ، واللّه سبحانه العالم.
الثانية : المشهور في عبارات الأصحاب وكذا غيرهم أن شاهدي الوكالة إذا اختلفا في تاريخ ما شهدا به لم تثبت الوكالة ، وكذا لو اختلفا في اللغة عربية وفارسية ، وكذا في العبارة بأن يقول : أحدهما بلفظ وكلتك ، ويقول الآخر : بلفظ استنبتك ، بل لا بد من اتفاقهما في كل من هذه الأمور المذكورة ، أما لو كانت
1) التهذيب ج 8 ص 235 ح 79 و 80 ، الكافي ج 7 ص 219 باب ما يجب على من أقر على نفسه بحد ومن لا يجب عليه الحد ، الوسائل ج 16 ص 133 ح 2 الباب 3 من أبواب الإقرار.
الشهادة على الإقرار بها فإنها لا يضر ذلك.
قال في التذكرة : من شرط قبول الشهادة اتفاق الشاهدين على الفعل الواحد ، فلو شهد أحدهما أنه وكله يوم الجمعة ، وشهد الآخر أنه وكله يوم السبت لم تثبت البينة ، لأن التوكيل يوم الجمعة غير التوكيل يوم السبت ، فلم تكمل شهادتهما على فعل واحد ، ولو شهد أحدهما أنه أقر بتوكيله يوم الجمعة وشهد أنه أقر يوم السبت ، تثبتت الشهادة ، لأن الإقرارين اخبار عن عقد واحد ، ويشق جمع الشهود على إقرار واحد ليقر عندهم في حالة واحدة ، فجوز له الإقرار عند كل واحد وحده رخصة للمقر ، وكذا لو شهد أحدهما أنه أقر عنده بالوكالة بالعربية ، وشهد الآخر أنه أقر بها بالعجمية تثبتت الوكالة ، ولو شهد أحدهما أنه وكله بالعربية ، وشهد الآخر أنه وكله بالعجمية لم تثبت ، لأن الإنشاء هنا متعدد ولم يشهد بأحدهما شاهدان ، وكذا لو شهد أحدهما أنه قال : وكلتك ، وشهد الآخر أنه قال : أذنت لك في التصرف ، أو قال : جعلتك وكيلا أو شهد أنه قال جعلتك جريا أي وكيلا لم يتم الشهادة ، لاختلاف اللفظ ، ولو شهد أحدهما أنه وكله ، وشهد الآخر أنه أذن له في التصرف ، ثبتت الشهادة لأنهما لم يحكيا لفظ الموكل ، وانما عبرا عنه بلفظهما واختلاف لفظهما لا يؤثر إذا اتفق معناه ، انتهى وعلى هذا النهج كلامه في سائر كتبه وغيره.
الا أن ظاهر كلام الشرائع هو صحة الشهادة في صورة الاختلاف في الوكالة كما في الإقرار وظاهره عدم الفرق بين الوكالة والإقرار في صحة الشهادة حيث قال : ولو شهد أحدهما بالوكالة في تاريخ ، والآخر في تاريخ آخر ، قبلت شهادتهما نظرا إلى العبارة في الإشهاد ، إذ جمع الشهود لذلك في الموضع الواحد قد يعسر ، وكذا لو شهد أحدهما أنه وكله بالعجمية ، والآخر بالعربية ، لأن ذلك يكون إشارة إلى المعنى الواحد ، ولو اختلفا في لفظ العقد بأن يشهد أحدهما أن الموكل قال : وكلتك ، ويشهد الآخر أنه قال : استنبتك لم تقبل ، لأنها شهادة على عقدين
إذ صيغة كل واحد منهما مخالفة للأخرى ، وفيه تردد ، إذ مرجعه إلى أنهما شهدا في وقتين ، أما لو عدلا من حكاية لفظ الموكل واقتصرا على إيراد المعنى جاز ، وان اختلفت عبارتهما ، انتهى.
أقول : الظاهر أن القول الأول هو الأنسب بالقواعد والأصول ، والأقرب عند التأمل في هذه النقول ، لما تقدم في كلام التذكرة ، وتوضيحه أن الصيغة الواقعة في أحد اليومين غير الواقعة في اليوم الآخر ، وكل واحدة من الصيغتين المذكورتين لم يقم عليها شاهدان ، بل شاهد واحد ، وقول المحقق هنا في تعليل ما ادعاه من الصحة ، نظرا إلى العادة في الإشهاد الى آخره لا معنى له ، الا أن يحمل الاشهاد في اليوم الثاني على الإقرار ، لا على التوكيل ، وهو خارج عن محل البحث والمدعى ، لأن الصيغة متى حصلت في اليوم الأول فقد تم العقد بها ، وما تأخر انما يكون إقرارا واعترافا بها ، والمدعى انما هو الشهادة على الوكالة وانها هل تثبت مع اختلاف التاريخ أم لا؟ لا الإقرار ، فيكون كلامه خروجا عن محل البحث ان حمل على إرادة الإقرار ، والا فهو لا معنى له بالكلية لما عرفت ، والفرق بين الشهادة على التوكيل والشهادة على الإقرار في أنه تصح الشهادة في الثاني مع الاختلاف في التاريخ ونحوه مما تقدم ، دون الأول ، أن الوكالة إنشاء لا خارج له يقصد مطابقته ، والإقرار له خارج نفس أمري يقصد بالأخبار مطابقته ، ولا يلزم من تعدد الخبر تعدد الخارج ، فإن الإنسان يفعل فعلا ، ويخبر بذلك الفعل مرارا متعددة في أوقات متعددة بألفاظ مختلفة أو متحدة ، والأمر الخارج لا دخل له في ذلك ، ولا يتعلق به تعدد ، ولا اختلاف بتعدد الاخبار واختلافه. بخلاف الوكالة التي هي إنشاء لا واقع له يقصد مطابقته ، فان تعدد زمانه ومكانه واختلاف صيغته توجب اختلافه ، ومع هذا الاختلاف فإنه لم يقم البينة الشرعية ، وهي العدلان على فرد من هذه الأفراد المختلفة ، بل انما قام بها شاهد واحد ، كما هو المفروض ، ومن أجل ذلك يثبت الإقرار مع الاختلاف دون الوكالة.
وأما قول المحقق الأردبيلي انتصارا لما ذكره المحقق هنا حيث قال بعد كلام في المقام : أيضا لم نجد لهم دليلا على عدم اعتبار اتحاد الشاهد للقبول على كل عقد من العقل والنقل ، بل نجده مجرد الدعوى ، فلم لا يجوز الاكتفاء بشاهد واحد في كل عقد إذا كان مما يقبل التعدد ، ولا يضره ، فإنه من الجائز أن يقول عند شاهد عدل يوم الجمعة وكلتك ، وفي يوم السبت عند آخر (وكيل كردم شما را) ، لغرض من الأغراض مثل الاشهاد كما في الإقرار الى آخره ، ففيه أنه لا ريب أنه بالتوكيل في يوم الجمعة قد حصلت الوكالة الشرعية المترتب عليها أحكامها المقررة ، وهذا التوكيل الثاني في يوم السبت ان قصد به التوكيل ، والإنشاء كما هو المفهوم من كلامه فهو لا يخرجه عن اللغو في القول ، لما عرفت من ثبوت التوكيل وحصوله ، وترتب أحكام التوكيل عليه بلا خلاف ، وان أريد الإقرار والاعتراف تم ما ذكره ولكنه خلاف ما أراده ، وبذلك يظهر لك ما في قوله ، فلم لا يجوز الاكتفاء بشاهد واحد في كل عقد إذا كان مما يقبل التعدد ، فاني لا أعرف لقبول عقد الوكالة هنا التعدد دون غيره من العقود وجها ، فإنه ان ثبت الوكالة بما يترتب عليها بالعقد الأول ، فلا معنى لهذا التعدد ، والا فلا تورد ، بل الثاني في الحقيقة إنما يرجع الى الإقرار والاعتراف كما هو ظاهر لمن تأمل بعين الإنصاف.
أقول : ومما يمكن أن يؤيد به القول المشهور ما هو المفهوم من جملة من قضايا أمير المؤمنين عليهالسلام في تفريق الشهود متى حصلت الريبة في شهادتهم من الأخذ بالمشخصات الزمانية والمكانية والقولية ونحو ذلك ، وانه متى اختلفت الشهود في ذلك أبطل شهادتهم ونقل عليهالسلام مثله عن داود ودانيال عليهماالسلام والأخبار المشار إليها مشهورة (1)، واللّه سبحانه العالم.
الثالثة : لو ادعى الوكالة عن غائب في قبض ماله ، وكان لذلك الغائب مال عند أحد فإن كان ثمة بينة على الوكالة وجب تسليم ذلك اليه ، وان لم تكن
1) الوسائل ج 18 ص 202 ح 1.
بينة فلا يخلو اما أن ينكر الغريم الوكالة ، أو يصدقه ، وعلى الثاني فاما أن يكون الحق عينا أو دينا فهنا صور أربع ، الأولى : أن يقيم الوكيل البينة على دعوى الوكالة وقد عرفت أنه لا إشكال في وجوب الدفع إليه ، في هذه الصورة دينا كان أو عينا.
الثانية : أن ينكر الغريم الوكالة ولا بينة فإنه لا يكلف بالدفع اليه لعدم البينة وعدم تصديقه ، وقيل : لا يمين أيضا على الغريم ، ومن عنده المال هنا ، لأن اليمين عندهم إنما يتوجه على من لو صدق يلزم بمقتضى تصديقه ، كذا قيل ، وفيه نظر سيأتي إنشاء اللّه ذكره ، فلو دفع بناء على الظاهر مع كونه غير مكلف بالدفع ثم حضر الموكل وأنكر الوكالة فالقول قوله مع يمينه ، فإذا حلف على نفي الوكالة رجع على الدافع ويرجع الدافع على مدعى الوكالة ، لأنه إنما دفع اليه بناء على الظاهر ، فإذا تبين خلافه وقد غرم للمالك رجع بذلك عليه بلا إشكال.
الثالثة : أن يصدق الغريم مدعى الوكالة ، والحق الموكل فيه عين في يده ، والحكم أنه لا يؤمر بالتسليم اليه لجواز كذبهما معا ، وهذا الإقرار إنما تعلق بحق المالك فلا يسمع ، لأن له أن يكذبهما معا ، لكن لو دفع والحال هذه جاز بناء على علمه بصحة الوكالة وتصديقه له فيها ولأنه لا منازع غيرهما الآن ويبقى الموكل على حجته ، فإذا حضر وصدق الوكيل برئت ذمة الدافع ، وان كذبه فالقول قوله مع يمينه ، فان كانت العين موجودة أخذها ، وله مطالبة من شاء منهما بالرد ، لترتب أيديهما عليها وان تعذر ردها لتلف أو غيره ، تخير في الرجوع على من شاء منهما ، لما عرفت من ترتب الأيدي عليها ، فان رجع على الوكيل لم يرجع على الغريم مطلقا لاعترافه ببرائته بدفعها اليه ، وان رجع على الغريم لم يرجع على الوكيل ان تلفت في يديه بغير تفريط لأنه عنده أمين حيث صدقه في دعوى الوكالة ، وإلا رجع عليه ومنه يظهر أنه لا رجوع للغارم منهما على الآخر لو تلفت بغير تفريط منهما ، لما عرفت ، ولأنه مظلوم بزعمه ، والمظلوم لا يرجع الا على ظالمة.
الرابعة : الصورة بحالها ويكون الحق دينا ، وهل الحكم هنا كما تقدم في
تقدم في سابق هذه الصورة أو أنه يجب الدفع اليه؟ وجهان : للأول منهما أن تسليمه إنما يكون عن الموكل ، ولا يثبت إقرار الغريم عليه استحقاق غيره لقبض حقه ، ولأن التسليم لا يؤمر به إلا إذا كان مبرءا للذمة ، ومن ثم يجوز لمن عليه الحق الامتناع من تسليمه لمالكه حتى يشهد عليه وليس هنا كذلك ، لأن الغائب يبقى على حجته ، وله مطالبة الغريم بالحق لو أنكر الوكالة ، وللثاني ان هذا التصديق انما اقتضى وجوب التسليم من مال المقر نفسه ، لا من مال الموكل ، وإنكار الغائب لا يؤثر في ذلك ، فلا مانع من نفوذه ، ولعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
أقول : ومن أجل ذلك تردد في الشرائع ، وفي التذكرة ذكر الوجه الثاني احتمالا ، ولم يتعرض لذكر الوجه الأول ، فقال : وان كان دينا احتمل وجوب الدفع اليه ، لاعترافه بأنه مستحق للمطالبة ، والفرق بين الدين والعين ظاهر ، فان المدفوع في الدين ليس عين مال الموكل ، وأما العين فإنه عين مال الغير ، ولم يثبت عند الحاكم أنه وكيل ، فلم يكن له أمره بالدفع ، انتهى.
وظاهر المسالك هنا اختيار الوجه الثاني حيث أجاب عن أدلة الوجه الأول بعد ذكر ما نقلناه من أدلة الوجه الثاني المتضمنة للجواب أيضا عن بعض تلك الأدلة ، فقال : وتوقف وجوب التسليم على كونه مبرءا مطلقا ممنوع ، والبراءة هنا بزعمه حاصلة ، والاحتجاج بجواز الامتناع للإشهاد إنما يقتضيه على المدفوع اليه ، وهو ممكن بالنسبة إلى مدعى الوكالة ، فوجوب الدفع هنا أوجه ، انتهى.
ثم إنه لو حضر المالك وأنكر الوكالة فالقول قوله بيمينه ، ويطالب الغريم وان كان ما دفعه الغريم إلى الوكيل موجودا بعينه ، لأن ذلك ليس مال المالك كما تقدمت الإشارة اليه ، وإنما هو من مال الدافع ، لأن الدين لا يتعين إلا بتعيين مستحقة ، أو من يقوم مقامه والحال أن هذا القابض ليس أحدهما
نعم للغريم الرجوع على الوكيل بما دفعه مع بقاء العين أو تلفها بتفريط لا بدونه ، لأنه من حيث تصديقه له على الوكالة فهو أمين عنده ، والأمين لا يضمن
بدون تفريط ، ويأتي بناء على الوجه الثاني من وجهي هذه الصورة أن الغريم لو لم يصدق المدعي كما تقدم في الصورة الثانية ، وكان الحق دينا أنه لو ادعي عليه الوكيل العلم بالوكالة ، فله عليه اليمين بعدم العلم ، لأنه لو أقر لزمه التسليم ، وهي قاعدة كلية عندهم.
قال المحقق : وكل موضع يلزم الغريم التسليم لو أقر يلزمه اليمين إذا أنكر ، فإطلاق عدم اليمين كما تقدم عن جملة منهم ثمة ليس في محله ، بل إنما يتم في العين حيث أنه لا يلزم بدفعها بمجرد التصديق كما تقدم ، واللّه سبحانه العالم.
وفيه مسائل الاولى : المشهور في كلام الأصحاب بل ادعي عليه الإجماع أن الوكيل أمين لا يضمن الا مع التعدي أو التفريط ، وقال في شرح القواعد : أنه يلوح من كلامهم أنه لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام.
أقول : ان أريد بكونه أمينا هو قبول قوله بيمينه في كل ما يدعيه من تلف المبيع والثمن بعد قبضه ، ورده على الموكل مثلا ، وقبول قوله في فعل ما وكل فيه ونحو ذلك فكلامهم لا يساعد عليه ، وان أريد أن ذلك في بعض هذه الأفراد فالأولى التخصيص بتلك الأفراد المرادة ، إلا أن تعليلاتهم في المقام يقتضي العموم كما ستقف عليه ، وها نحن نسوق لك جملة من عبائرهم في المقام.
قال في المسالك - بعد قول المصنف لو اختلفا في التلف فالقول قول الوكيل لأنه أمين ، ولأنه يتعذر إقامة البينة بالتلف غالبا فاقتنع بقوله دفعا لالتزام ما تعذره غالب ، ما لفظه - : المراد تلف المال الذي بيده على وجه الأمانة لتدخل فيه العين الموكل في بيعها قبله ، وثمنها حيث يجوز له قبضه بعده ، والعين الموكل في شرائها كذلك ، ووجه القبول مع مخالفته للأصل بعد الإجماع ما ذكره
المصنف ، ولا فرق بين أن يدعي تلفها بسبب ظاهر كالحرق والغرق ، أو خفي كالسرق عندنا ، وفي حكمه الأب والجد والحاكم وأمينه والوصي ، وقد تقدم الخلاف في قبول قول بعض الأمناء ، انتهى.
وقال في التذكرة : الوكيل أمين ، ويده يد أمانة لا يضمن ما يتلف في يده الا بتعد أو تفريط ، فان تلف ما قبضه من الديون والأثمان أو الأعيان من الموكل أو غرمائه فلا ضمان عليه ، سواء كان وكيلا بجعل أو بغير جعل ، فان تعدي فيه كما لو ركب الدابة أو لبس الثوب أو فرط في حفظه ضمن إجماعا ، وكذا باقي الأمانات كالوديعة وشبهها ، وبالجملة الأيدي على ثلاثة أقسام : يد أمانة كالوكيل والمستودع والشريك ، وعامل المضاربة ، والوصي والحاكم وأمين الحاكم ، والمرتهن والمستعير على وجه يأتي ، ويد ضامنة كالغاصب والمستعير على وجه ، والمساوم والمشتري شراء فاسدا ، والسارق ، ويد مختلف فيها ، وهي يد الأجير المشترك كالقصار والصائغ والحائك والصناع وما أشبه ذلك ، وفيها للشافعية قولان ، وعندنا أنها يد أمانة ، إذا عرفت هذا فكل يد أمانة لا ضمان على صاحبها الا بتعد أو تفريط ، لأنه لو كلف الضمان لامتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها ، فيلحقهم الضرر ، فاقتضت الحكمة زوال الضمان عنهم ، انتهى.
وقال في موضع آخر : إذا ادعى الوكيل تلف المال الذي في يده للموكل أو تلف الثمن الذي قبضه بثمن متاعه ، وأنكر المالك قدم قول الوكيل مع يمينه ، وعدم البينة ، لأنه أمينه ، فكان كالمودع ، ولأنه قد يتعذر إقامة البينة عليه ، فلا يكلف ذلك ، ولا فرق بين أن يدعى التلف بسبب ظاهر ، إلى آخر كلامه.
وقال في موضع آخر : إذا اختلفا في الرد فادعاه الوكيل وأنكره الموكل ، فان كان وكيلا بغير جعل احتمل تقديم قول الوكيل ، لأنه قبض المال لنفع مالكه ، فكان القول قوله مع اليمين كالودعي ، ويحتمل العدم ، لأصالة عدم الرد ، والحكم في الأصل ممنوع ، وان كان وكيلا بجعل ، فالوجه أنه لا يقبل قوله ،
لأنه قبض المال لنفع نفسه ، فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير ، وهو أحد قولي العامة.
والثاني أن القول قول الوكيل ، لأنه وكيل ، فكان القول قوله كالوكيل بغير جعل ، لاشتراكهما في الأمانة ، وسواء اختلفا في رد العين أو رد ثمنها ، وجملة الأمناء على ضربين : أحدهما - من قبض المال لنفع مالكه لا غير ، كالمودع والوكيل بغير جعل ، فيقبل قولهم في الرد عند بعض الفقهاء من علمائنا وغيرهم لأنه لو لم يقبل قولهم لامتنع الناس عن قبول الأمانات ، ولحق الناس الضرر ، والثاني - من ينتفع بقبض الأمانة كالوكيل بجعل ، والمضارب ، والأجير المشترك والمستأجر ، والمرتهن ، فالوجه أنه لا يقبل ، وهذا الكلام مؤذن بأن الوكيل ليس أمينا مطلقا ، وإلا لقبل قوله في الرد ، وسيأتي مزيد تحقيق لهذا الحكم إنشاء اللّه تعالى في مسائل النزاع.
وقال في مواضع آخر إذا ادعى الوكيل الرد الى الموكل ، فالأقوى أنه يفتقر إلى البينة ، ثم نقل عن الشافعي تقسيم الأمناء إلى ثلاثة أقسام : قسم يقبل قوله في الرد بيمينه ، وهم المودعون ، والوكلاء بغير جعل ، ومنهم من لا يقبل إلا ببينة وهم المرتهن والمستأجر ، ومنهم من اختلف فيه على وجهين ، وهم الوكلاء بجعل والشريك ، والمضارب ، والأجير المشترك الى آخره.
وهذا الكلام يؤذن بأنه لا فرق بين الوكيل بجعل وغيره في عدم قبول قوله إلا بالبينة ، مع أن ظاهره في الكلام الأول التردد فيما إذا لم يكن الوكالة بجعل ، وقال في موضع آخر : إذا وكله في بيع أو هبة أو صلح أو طلاق أو عتق أو إبراء أو غير ذلك ، ثم اختلف الوكيل والموكل فادعى الوكيل أنه تصرف كما أذن له ، وأنكر الموكل وقال : لم يتصرف بعد ، فإن جرى هذا النزاع بعد عزل الوكيل لم يقبل قوله إلا ببينة ، لأن الأصل العدم ، وبقاء الحال كما كان وان جرى قبل العزل فالأقرب أنه كذلك ، وأن القول قول الموكل ، لأن الأصل
العدم الى آخره ، وسيأتي الكلام في هذه المسئلة أيضا ، وتصريح غيره بخلاف ما صرح به ، ومرجعه الى الخلاف في قبول قول الوكيل وعدمه ، وبذلك يظهر لك أن ما ادعى من الإجماع المتقدم ذكره غير تام إلا في صورة دعوى التلف ، حيث أن ظاهرهم الاتفاق على قبول قول الوكيل فيه.
وأما دعوى الرد ودعوى التصرف فهو محل خلاف واشكال عندهم ، مع أن التعليل الذي ذكروه في قبول دعوى التلف زائدا على الإجماع ، وهو لزوم امتناع الناس عن قبول الأمانات مع إلجاء الحاجة إلى ذلك ، جار في هذين الأمرين.
وبالجملة فإن المسئلة لعدم النص في هذه الأفراد المعدودة ، بل في أصل مسئلة الوكالة لا يخلو من الاشكال ، والإجماع المدعي لو سلم حجيته غير تام ، والتعليلات المذكورة في كلامهم لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية كما تقدم ذكره في غير مقام ، والأصالة متعارضة في بعض هذه المواضع ، فإن أصالة العدم في دعوى الوكيل التصرف فيقدم قول الموكل ، معارضة بأصالة براءة الذمة ، وعدم الغرم وحمل أفعال المسلمين على الصحة مهما أمكن ، كما يشير اليه كثير من الأخبار الا أنه يمكن أن يقال : لا يخفى أن مقتضى الأخبار التي تقدمت في كتاب الوديعة دالة على النهي عن اتهام من ائتمنه ، المشعر ذلك بقبول قوله في جميع ما يدعيه ، كون الوكيل كذلك وأن كان بجعل ، لأن الجعل إنما هو في مقابلة السعي والعمل ، وهو غير مناف للايتمان ، ولا ريب أن الايتمان في الوكالة أشد وأبلغ منه في الموادعة ، لأنه في الوكالة مؤتمن على الحفظ والتصرف بجميع أنواع التصرفات المأذون فيها ، بخلاف الودعي فإنه مأمون على الحفظ خاصة ، ولا ريب أيضا أن الايتمان الذي رتبت عليه هذه الأحكام في الوديعة ليس إلا عبارة عن الوثوق بالمدفوع إليه في عدم الخيانة ، والمخالفة لأمر المالك ، ولهذا وردت الأخبار (1)
1) الكافي ج 5 ص 299 ح 4 ، الوسائل ج 13 ص 228 ح 8 المنقول مضمون الأحاديث.
«ما خانك الأمين ، ولكن ائتمنت الخائن». ، بمعنى أنه متى حصلت الخيانة من المدفوع اليه فالتقصير إنما هو منك ، حيث لم تثبت في الفحص عن حال المدفوع اليه ، وكونه أمينا والا فمتى ثبت عندك أمانته والوثوق به ، فإنه لا يحصل منه خيانة ، والايتمان بهذا المعنى مشترك بين جميع الأمناء ودعيا كان أو وكيلا أو مستعيرا أو مرتهنا.
وبه يظهر أن الفرق الذي ذكروه بين هذه الافراد - باعتبار مصلحة تعود على الأمين ولا يقبل قوله ، وعدمها فيقبل - ليس بموجه ، نعم قد استثنى بعض المواضع في مسئلة الإعارة من هذه القاعدة ، فيقتصر فيه على مورد النص ، وهذا هو الظاهر عندي من الأخبار المشار إليها ، وان كان كلامهم على ما عرفت من الاختلاف والاضطراب في جميع هذه الأبواب ، واللّه سبحانه العالم.
الثانية : يجب على الوكيل تسليم ما في يده إلى الموكل مع المطالبة وعدم العذر ، بل يجب على كل من في يده مال لغيره ، أو في ذمته ذلك ، فلو امتنع والحال كذلك ضمن ، الا أن له الامتناع حتى يشهد صاحب الحق له بالقبض.
وتفصيل هذا الإجمال يقع في مواضع - الأول : لا ريب في وجوب الدفع مع الطلب وإمكان الدفع ، وأنه لو امتنع والحال هذه ضمن ، قالوا : وليس المراد به القدرة العقلية ، بحيث يدخل فيها فعل ما يمكنه فعله من المبادرة ، وان كان على خلاف العادة ، بل يرجع ذلك إلى العرف شرعا ، ثم إلى العرف العام ، ويعذر بما عد عذرا فيهما ، وان كان مقدورا كإكمال الصلاة عند الطلب في أثنائها ، وان كانت نقلا ، والتشاغل بها عند ضيق الوقت وان كان الطلب قبل الشروع فيها عذر شرعي ، والفراغ من الحمام وأكل الطعام ونحو ذلك من الأعذار العرفية ، كذا صرح به في التذكرة ، مع أنه في باب الوديعة من الكتاب المذكور حكم بأنه لا يعذر في ردها مع الطلب الا بتعذر الوصول إلى الوديعة ، وإكمال الصلاة الفرض دون النفل ، وغيره من الأعذار العرفية فضيق الأمر في الوديعة ،
ووسعه في الوكالة ، والحال أن العكس كان هو الأنسب ، لأن الأمر في الوديعة أسهل حيث أنها مبنية على الإحسان المحض والأنسب بالسهولة ، والوكالة قد يتعلق بها أغراض للوكيل ، كالجعل فيها ونحوه ، فلا أقل من المساواة.
قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد : الظاهر أنه لا خلاف في وجوب تسليم مال الغير إلى مالكه مع طلبه ، والقدرة على التسليم مطلقا ، وجوبا فوريا وكيلا كان أو غريما ، أو مستعيرا أو ودعيا وكذا في خروج الأمين عن الأمانة فيصير ضامنا بالتأخير كالغاصب ، وإنما الخلاف في بطلان ما ينافي الدفع من العبادات ، والقوانين الأصولية تقتضي البطلان على تقدير بقاء الوجوب ، لوجوب الفورية في الدفع ، وعدم استثناء وقت العبادة ، وعدم كون العبادات مضيقة ، وهو ظاهر بل نجد الاتفاق في ذلك بعد التأمل ، حيث نجد أن القائل بالعدم يقول به ، وكذا الحكم في كل الفوريات كالزكاة والخمس والمال الموصى به للفقراء ، بل ما دفع للصرف في مصرف ، الا أنه لا يشترط هنا المطالبة إذا كان المصرف عاما مثل الزكاة والخمس ، فإنه لا يتوقف على الطلب ، إذ ليس له مطالب معين ، صرح به في الدروس ، انتهى.
أقول : ما ذكروه من الاختلاف في الحكم ببطلان ما ينافي الدفع من العبادات مبنى على العمل بالقاعدة الأصولية المشهورة ، وهي أن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا؟ وحيث انه كان من القائلين باقتضاء الأمر ذلك ، بل المبالغين في تشييد هذا القول ، حكم بالبطلان في جميع هذه المواضع المعدودة.
وفيه أولا ما قدمنا تحقيقه في كتاب الطهارة (1)من أن الأظهر عدم العمل بهذه القاعدة ، وما يترتب عليها من الفائدة ، ولا بأس بذكره هنا وان استلزم التكرار لدفع ثقل المراجعة على النظار ، سيما مع عدم حضور ذلك الكتاب المشار اليه بيد من أراد الوقوف عليه.
1) ج 1 ص 59.
فأقول : التحقيق عندي وان أباه من ألف بالقواعد الأصولية إنا متى رجعنا في الأحكام الشرعية إلى الأدلة العقلية التي لا تقف على حد ولا ساحل ، ولو طويت لها المراحل ، ولهذا كثرت في هذه المسئلة الأبحاث ، وصنفت فيها الرسائل ، أو تصادمت فيها من الطرفين الدلائل واضطربت فيها أفهام الأفاضل أشكل الأمر ، أي إشكال وصار الداء عضالا وأى عضال ، والحق أن الأحكام الشرعية توقيفية من الشارع لا مسرح للعقول فيها ، ولو كان لهذه المسئلة أصل مع عموم البلوى بها لخرج عنهم عليهمالسلام ما يدل عليها أو يشير إليها ، وحيث لم يخرج عنهم عليهمالسلام فيها شيء سقط التكليف بها ، إذ لا تكليف الا بعد البيان ولا مؤاخذة إلا بعد إقامة الحجة والبرهان ، وهذا يرجع في التحقيق إلى ما قدمنا ذكره في غير موضع من كتب العبادات ، وبه صرح الأمين الأسترآبادي من الاستدلال بالبراءة الأصلية ، والعمل بها فيما يعم به البلوى من الأحكام ، هذا مع أن القول بذلك موجب للحرج والضيق المنفيين بالآية والرواية ، والإجماع ، فإنه لا يخفى أنه لا يكاد أحد من المكلفين فارغ الذمة من واجب من الواجبات البدنية أو المالية ، واللازم على هذا القول الذي ذكروه بطلان عباداتهم وصلواتهم في غير ضيق الوقت ، وبطلان نوافلهم ومستحباتهم ، وعدم الترخص في أسفارهم ولزوم الإثم والمؤاخذة في جملة أفعالهم من أكل وشرب ونوم ونكاح ، ومغدا ومجيء ، ونحو ذلك ، لأن الغرض أنهم منهيون عن هذه الأضداد الخاصة ، والنهي حقيقة في التحريم ، فأي حرج وضيق أعظم من ذلك.
ومن أظهر ما يدل على عدم التكليف بهذه الأمور التي لم يرد فيها حكم بنفي ولا إثبات ، قول مولانا الصادق عليهالسلام في رواية إسحاق بن عمار (1)أن عليا عليهالسلام كان يقول : أبهموا ما أبهم اللّه».
وما رواه الشيخ المفيد (2)عن مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام قال : «قال
رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أن اللّه تعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها ، وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها ، وسن لكم سننا فاتبعوها ، وحرم عليكم حرمات فلا تنهكوها ، وعفى لكم عن أشياء رحمة من غير نسيان فلا تتكلفوها». وما رواه الفقيه (1)في خطبة أمير المؤمنين عليهالسلام قال فيها : ان اللّه تعالى حد حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تنقصوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفونها ، رحمة من اللّه تعالى فاقبلوها».
ولا ريب أن هذه المسئلة داخلة فيما سكت اللّه تعالى عنه فتكلف البحث فيها كما ذكره أصحابنا تبعا للعامة العمياء في كتبهم الأصولية ، رد على ما دلت عليه هذه الاخبار ، وكم لهم مثل ذلك ، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار.
ومما يؤكد ذلك ما تكاثرت به الأخبار عنهم عليهمالسلام (2)من النهي عن القول بما لم يسمع منهم ، ولا يرد عنهم ، والكف والتثبت حتى يسأل».
ومنه حديث صاحب البريد (3)المروي في الكافي قول الصادق عليهالسلام فيه «أما انه شر عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا».
وفي معناه أخبار عديدة ، وبذلك يظهر لك ما في قوله ان القوانين الأصولية يقتضي البطلان ، فان فيه كما عرفت أن القوانين الشرعية الثابتة عن أهل العصمة عليهمالسلام تقتضي الصحة ، وهي الأولى والأحق بالاتباع ، وان كانت قليلة الاتباع من حيث عدم التأمل فيها ، والرجوع في ذلك إليها ، والظاهر أن من وقف على ما شرحناه لا يخالف في صحة ما اخترناه.
وثانيا أنه من المعلوم الذي لا يداخله الشك والريب أن أصل هذا العلم الذي هو علم الأصول انما هو من العامة وقد كانت العامة زمن الأئمة عليهمالسلام كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأضرابهم عاكفين على هذا العلم ، وصنفوا فيه الكتب
ويستدلون به على مطالبهم ، ويستنبطون به أحكامهم ، ولم يكن لهذا العلم رواج في الأحكام بين أصحاب الأئمة عليهمالسلام من الشيعة ، لاستغنائهم بالسؤال من أئمتهم في جملة أحكامهم ، ولو كان هذا العلم كما يدعيه من سماه بعلم الأصول أصل أصيل في الأحكام الشرعية كيف غفل الأئمة عليهمالسلام عن تعليمه للشيعة في زمانهم ، ونشره لهم حيث أنه لم يبق نقير ولا قطمير من الأحكام والسنن والآداب وجميع ما يمر بالإنسان ويعرض له إلا خرجت به الأخبار ، وتكاثرت به من أكله وشربه ونومه ، ويقظته ، وتزويجه ونكاحه ، وسفره ولبس الثياب وضرب الخلا ونحو ذلك ، فكيف ينبهون على هذه الأمور ويتركون أهم الأشياء وأشدها حاجة ، وهي الأصول التي يبنى عليها الأحكام الشرعية ، وتستنبط منها ، ما هذا الأعجب عجاب عند ذوي الألباب وذيل الكلام واسع في الباب ، يوجب التطويل به الخروج عن موضوع الكتاب ، واللّه سبحانه العالم.
وثالثا : أنه ما ذكره من الفورية في الزكاة والخمس والمال الموصى به للفقراء ونحو ذلك لا أعرف عليه دليلا ، إذ ليس الا مجرد الأمر بالإخراج والأمر لا يستلزم الفور ، كما هو المشهور بين محققيهم ، على أنه قد دلت الاخبار على تأخير الزكاة الشهر والشهرين ، وفي بعض الأخبار (1)قيد ذلك بعزلها وإثباتها ، وقد ورد جواز حمل الخمس الى الامام (2)من البلدان البعيدة مع وجود المستحق ، وكل ذلك ينافي الفورية.
الثاني : أن ما ذكر من أن له الامتناع حتى يشهد له صاحب الحق بالقبض أحد القولين في المسئلة ، وقيل : بالتفصيل بأنه ان كان مما يقبل قول الدافع فيه ، ولا يتوجه عليه ضرر ، بترك الإشهاد كالوديعة ، وشبهها ، فليس له الامتناع ، والا فله الامتناع إلى الإشهاد ، كالدين والغصب ونحوهما وربما قيل بتفصيل آخر أيضا بالنسبة إلى هذا القسم الأخير ، بأنه ان كان هناك بينة بالحق فله الامتناع
حتى يشهد ، والا فلا ، مثلا المديون ان كان عليه بينة بالدين ، فلا يدفعه الى صاحبه حتى يشهد له على القبض ، وان لم يكن عليه بينة بذلك ، فإنه وان لم يقبل قوله بالدفع لو أقر بالدين ، إلا أنه يمكنه التخلص بوجه آخر ، وهو أن ينكر أصل الحق بأن يقول : لا يستحق عندي شيئا ، فيقبل قوله بيمينه كالأول لأنه منكر.
أقول : والذي وجدته في فتاوى من حضرني كلامه هو القول الأول ، وهذه التفاصيل لم أقف على قائل بها منا وان نقلت مجملة في كتب أصحابنا نعم نسبها في التذكرة إلى الشافعية ، واحتج من ذهب من أصحابنا إلى القول الأول بأن تكلف اليمين ضرر عظيم - وان كان صادقا وأذن الشارع فيها ، ويترتب الثواب عليها - خصوصا في بعض الناس من ذوي المراتب فان ضرر الغرامة عليهم أسهل من ضرر اليمين.
أقول : ويعضد ما ذكره من تحمل ذوي المراتب ضرر الغرم تفاديا من اليمين حديث على بن الحسين عليهالسلام (1)مع زوجته الشيبانية الخارجية لما طلقها وادعت عليه مهرها عند قاضي المدينة فأنكر عليهالسلام فألزمه القاضي اليمين فأمر ابنه الباقر عليهالسلام بدفعه إياها إجلالا لله سبحانه أن يحلف به ، وان كان صادقا.
قال المحقق الأردبيلي بعد الكلام في توقف التسليم على الاشهاد كما ذكره الأصحاب : واعلم أن في فتح هذا إشكالا ، إذ قد يتعذر وجود عدلين مقبولين خصوصا في زماننا هذا ، وفي أكثر البلدان فإن أهلها يمتنعون عن الصلاة جماعة بل صارت معدومة بالكلية ، لعدم العدل مع سهولة الأمر في ذلك ، وأن يرتكبوا الطلاق مع صعوبة الأمر فيه بالنص والإجماع ، وكذا في بعضها عن الطلاق أيضا حتى قال الشهيد الثاني والسيد المعاصر تلميذه انه لو قيل : بعدم جواز التقصير للعاصي بسفره ، لم يجز لأحد التقصير الا نادرا لتركهم الواجبات العينية ، وعدم إمكان تحصيلها في السفر ، فهو معصية وان كان فيه بحوث قد مضت ، منها أنه
1) الكافي ج 7 ص 435 ح 5 ، الوسائل ج 16 ص 142 ح 1.
مبنى على أن الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص ، وهو لا يقول به ، فلا يبعد عدم الجواز مع التعذر أو التعسر المستلزم لمنع صاحب المال عن ماله الذي يدل العقل والنقل على قبحه ، خصوصا إذا استلزم فوت المصالح مع أنا ما نعرف دليلا واضحا على جواز ذلك المنع ، الا ما أشير وهو احتمال لزوم اليمين ، وهو لا يعارض العقل والنقل ، على أنه قد لا يلزم ، بل قد تعلم من صاحب المال انتفاء ذلك وأنه لا محذور فيه ، وعلى تقديره ليس بأشد من منع المال عن مالكه ، مع أنه لا يعانده في تكليفه أيضا بذلك ، لعدم حضور الحاكم في ذلك البلد ، والشهود إنما تنفع مع الحاكم على ما قالوه ، وأنه قد يسد أبواب المعاملة مثل الديون ، والعارية ، والإجارة ، وغيرها فالمنع عن مثله - لاحتمال بعيد - اعتمادا على أمر غير متحقق ، إذ قد لا يكون الحاكم أو يموت الشهود ، أو يخرج عن شرط القبول بعيد ، خصوصا ممن يقبل قوله ، ولهذا خص البعض بما عليه البينة.
وبالجملة الحكم الكلى مشكل جدا ، الا أن يكون عليه نص أو إجماع واللّه يعلم ، انتهى وهو جيد لعدم الدليل عليه ، والأصل العدم ، ويخرج ما ذكره مؤيدا لذلك.
وأما الإجماع فلم ينقل في المقام ، بل ظاهر عبارة التذكرة إنما هو العدم ، حيث جعل القول بالإشهاد مطلقا هو الأقرب ، إيذانا باحتمال غيره وبالجملة فإن التمسك بالأصل أصل رزين حتى يقوم الدليل على خلافه ، وليس الا هذه التعليلات العليلة كما عرفت في غير موضع.
الثالث : قد عرفت أنه إذا امتنع من الرد بعد المطالبة من غير عذر كان ضامنا ، لكن لو ادعى تلف المال قبل الامتناع أو ادعى الرد قبل المطالبة فهل تسمع دعواه وبينته بذلك؟ أم لا ، وتفصيل ذلك أن الامتناع من الرد ان كان مجرد تقصير ومطل ، فالظاهر أن هذا لا يمنع من قبول قوله وسماع بينته بدعوى التلف قبل الامتناع ، أو الرد قبل المطالبة ، إذ لا منافاة بينهما ، وهو وان كان
يضمن بالامتناع ، الا أن هذه الدعوى متقدمة على وقت الامتناع والرجوع إلى الضمان ، وحصول أحد الأمرين المذكورين قبل الامتناع بهذا المعنى ممكن ، وحينئذ يقبل الدعوى بذلك ، وتسمع البينة ، وان كان الامتناع بالجحود فلا يخلو اما أن يرجع إلى نفي الحق عن نفسه ، بأن يقول : لا حق لك عندي أو لا يلزمني دفع شيء إليك ، أو يرجع إلى إنكار قبضه وتسلمه منه بالكلية ، بأن يقول : ما قبضت منك شيئا وعلى الأول منهما ، فالحكم كما تقدم ، بل أوضح ، لأنه متى ادعى التلف قبل الامتناع أو الرد قبل المطالبة ، فامتناعه بهذا المعنى لا يكذب تلك الدعوى ، بل يؤكدها فإنه متى تلف منه أورده صدق أنه لا حق لك عندي ولا يلزمني دفع شيء إليك ، وأما على الثاني فهو محل الخلاف في المسئلة ، فقيل بعدم قبول دعواه ، وان أقام البينة وهو مذهب العلامة في أكثر كتبه ، قال في التذكرة لو أنكر الوكيل قبض المال ، ثم ثبت ذلك ببينة أو اعتراف ، فادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله لثبوت خيانته ، لجحوده ، فإن أقام بينة بما ادعاه من الرد والتلف ، لم يقبل بينته ، وللعامة وجهان : أحدهما لا يقبل كما قلناه ، لأنه كذبهما لجحوده ، فان قوله ما قبضت يتضمن أنه لم يرد شيئا ، والثاني يقبل لأنه يدعي الرد والتلف قبل وجود خيانته ، وان كان صورة جحوده ذلك لا تستحق على شيئا أو مالك عندي شيء سمع قوله مع يمينه ، لأن جوابه لا يكذب ذلك ، لأنه إذا كان قد تلف أورده فليس له عنده شيء ، فلا تنافي بين القولين ، الا أن يدعى أنه رد أو تلف بعد قوله مالك عندي شيء ، فلا يسمع قوله ، لثبوت كذبه وخيانته ، انتهى.
وقيل بقبول قوله وسماع بينته ، وهو اختيار الشرائع قال في المسالك :
ووجه ما اختاره المصنف من القبول جواز استناد إنكاره إلى سهو ونسيان ، وعموم (1)«البينة على المدعى واليمين على من أنكر». ويقوى ذلك ان أظهر لإنكاره هذا التأويل ونحوه ، انتهى.
1) المستدرك ج 3 ص 199 ح 5 الباب 3.
وظاهر المحقق الأردبيلي التردد هنا حيث قال : ولكن لو أظهر لجحوده وإنكاره القبض أولا وجها ، مثل أن قال : كنت نسيت أو خفت أن لا تسمع دعوى التلف ، فيلزمني المال فأنكرت هل يسمع ذلك أم لا؟ فيه تردد ، من حيث إمكانه ، والحمل على الصحة ، وأنه أمين ، ومن حيث أن فتح هذا الباب يصير سببا لبطلان كثير من الحقوق ، فتأمل ، ولعل الأول أقرب.
هذا كله فيما لو كانت الدعوى بالتلف أو الرد قبل الجحود ، أما لو كانت بعده بأن قال : إني قبضت بعد ذلك الزمان الذي جحدت فيه ، ورددته إليك أو تلف ، فإنه وان لم يصدق ولم يقبل قوله بمجرده ، لظهور خيانته لكن يقبل دعواه ، وتسمع بينته ، لإمكان ذلك وعدم المنافاة ، وغايته أن يكون بجحوده متعديا ضامنا ، وذلك لا ينافي قبول دعواه وسماع بينته ، فإذا أقام البينة على الرد الذي ادعاه ثبت الحكم ، وسقطت المطالبة.
وأما دعوى تلف العين فإنه وان برئت ذمته من رد العين بالبينة أو اليمين الا أنه يلزمه المثل أو القيمة من حيث الضمان المترتب على الخيانة ، وبالفرق بين صورتي القبلية والبعدية هنا صرح العلامة في الإرشاد ، وفي غيره أطلق عدم سماع دعواه ، واللّه سبحانه العالم.
الثالثة : قال في التذكرة : لو دفع الى وكيله عينا وأمره بايداعها عند زيد فأودعها ، وأنكر زيد فالقول قوله مع اليمين ، فإذا حلف بريء ، وأما الوكيل فان كان قد سلمها بحضرة الموكل لم يضمن ، وان كان بغيبته ففي الضمان اشكال وللشافعية وجهان : أحدهما انه يضمن كما في الدين ، لأن الوديعة لا تثبت إلا بالبينة والثاني لا يضمن ، لأن الودعي إذا ثبت عليه - بالبينة - الإيداع ، كان القول قوله في التلف والرد فلم تفد البينة شيئا ، بخلاف الدين ، لأن القضاء لا يثبت إلا بها ، انتهى.
أقول : المشهور في كلامهم هو الفرق بين الوكالة في قضاء الدين ، والوكالة في الإيداع ، بأنه في الأول لو لم يشهد الوكيل على القضاء ضمن ، وفي الثاني
لا يضمن ، وعلى هذا فيجب الاشهاد في الأول دون الثاني ، ووجه الأول أن برأيه الذمة ظاهرا وباطنا الذي هو مطلوب الموكل - انما يتحقق بالإشهاد ، وكذا الأمر الموكل فيه انما يتحقق بالإشهاد ، فإنه متى أنكر صاحب الدين القبض من الوكيل ولا بينة ، فكأنه لم يأت الوكيل بما وكل فيه ، ولم يأت بما أمر به الموكل فيكون ضامنا بخلاف الإيداع ، فإنه لا يلزمه الاشهاد ، ولا يضمن لو تركه ، لأن الودعي أمين ، وقوله مقبول ، أشهد عليه أو لم يشهد ، فلا يظهر للإشهاد فائدة.
الا أنه يمكن أن يقال : ان الأصل العدم في الموضعين ، ومطلق الأمر في كل من الموضعين لا يدل على الاشهاد ، ويؤيده أن الوكالة مطلقة لا تقييد فيها بالإشهاد ، ويؤيده أن الوكالة قد حصل الامتثال بإنفاذ ما وكل فيه ، فيجوز من دون الإشهاد ، إلا أن يقوم دليل من خارج على الإشهاد ، كالوكالة في الطلاق مثلا ، والظاهر أنه لا إجماع في القضاء ، ولهذا ان ظاهر المحقق في الشرائع التردد في ذلك ، ويؤيده ما تقدم في كلام المحقق ذكره ، ويؤيده أيضا أن فيه سد باب قبول الوكالة لما يتطرق اليه من الضرر الا أن يكون جاهلا فيعذر.
وبالجملة فالمسئلة كغيرها لا يخلو من الاشكال لعدم النصوص القاطعة لمادة القيل والقال في أمثال هذا المجال ، واللّه سبحانه العالم.
الرابعة : قالوا : لو تعدى الوكيل في مال الموكل ضمنه ، كلبس الثوب ، وركوب الدابة الموكل ببيعهما ، ولكن لا تبطل وكالته بذلك ، ولو باع ما تعدى فيه وسلمه الى المشتري بريء من ضمانه.
أقول : أما الحكم الأول فالظاهر انه لا خلاف فيه إلا من بعض العامة كما ذكره في المسالك ، وفيه أن العلامة في المختلف قد نقل ذلك عن ابن الجنيد أيضا حيث قال : تعدى الوكيل فيما وكل فيه بما يلزمه الغرم والضمان مبطل للوكالة.
وكيف كان فهو ضعيف ، والوجه في بقاء الوكالة وعدم بطلانها وان ضمن بالتعدي أن الوكالة تضمنت شيئين ، الأمانة ، والاذن في التصرف ، فإذا تعدى زالت
الأمانة ، وبقي الإذن بحاله ، ونظيره الرهن ، فإنه متضمن لشيئين الأمانة والتوثيق فإذا بطل الأول بالتعدي لا يلزم منه بطلان الثاني ، وهذا بخلاف الوديعة ، حيث أنها أمانة محضة ، فبالتعدي تزول وتبقى مضمونة.
وأما الحكم الثاني فالوجه فيه أنك قد عرفت بقاء الوكالة وعدم زوالها بالتعدي ، وحينئذ فإذا باع تلك العين وسلمها إلى المشتري زال الضمان عنه إجماعا كما نقله في التذكرة ، لاستقرار ملك المشتري عليه ، وزوال ملك الموكل عنه ، لأنه تسليم مأذون فيه ، فيجري مجرى قبض المالك.
بقي الكلام هنا في مواضع الأول : هل يخرج من الضمان بمجرد البيع قبل التسليم أم لا؟ وجهان : يلتفتان إلى أنه قد خرج عن ملك المالك ، ودخل في ملك المشتري وضمانه ، فلا ضمان على الوكيل حينئذ ، والى أنه ربما بطل العقد بتلفه قبل قبض المشترى ، فيكون التلف على ملك الموكل ، قال في المسالك وهذا أقوى.
وفي التذكرة بعد أن قرب هذا الوجه أولا وذكر أنه أصح وجهي الشافعية ذكر الوجه الأول وعلته ، وقال بعد : ونحن فيه من المترددين.
الثاني إذا باع ما فرط فيه وقبض الثمن في صورة الجواز كان الثمن أمانة في يده ، غير مضمون عليه ، وان كان أصله مضمونا ، لانه لم يتعد فيه وقد قبضه باذن الموكل ، فيخرج عن العهدة.
الثالث : لو تعدى في هذا الثمن بعد قبضه أو دفع اليه نقدا يشترى به شيئا فتعدي فيه صار ضامنا له ، فإذا اشترى به وسلمه الى البائع زال الضمان بالتقريب المتقدم ، وهل يزول بمجرد الشراء؟ الوجهان المتقدمان.
الرابع : قد عرفت أنه إذا تعدى في العين ثم باعه وسلمها إلى المشتري بريء من الضمان إجماعا ، لكن لو ردها المشتري عليه ، بعيب قال في التذكرة : عاد الضمان ، وقال في المسالك : وفي عود الضمان وجهان : أجودهما العدم ، لانتقال الملك إلى المشتري بالعقد ، وبطلان البيع من حينه لا من أصله ، انتهى.
أقول : مقتضى ما ذكره من الانتقال إلى المشتري بالعقد أن الانتفاعات بالمبيع والنماء مدة الخيار للمشتري ، وان فسخ العقد ورد المبيع بالعيب بعد ذلك ، الا أنه قد تقدم في كتاب المبيع أن الاخبار في ذلك مختلفة ، وأخبار خيار الحيوان متفقة على أن تلفه في زمن الخيار من مال البائع وهو مؤذن بعدم الانتقال للمشتري ، ولهذا نقل عن بعض الأصحاب أن منفعة المبيع في زمن الخيار والنماء انما هو للبائع ، وحينئذ فلا استبعاد في أن الفسخ هنا يبطل البيع من أصله واللّه سبحانه العالم.
الخامسة : المشهور بين الأصحاب أنه إذا أذن الموكل للوكيل في بيع ماله من نفسه أو الشراء له من نفسه جاز ونقل عن الشيخ ومن تبعه المنع للتهمة ، ولأنه يصير موجبا قابلا ، ورد بمنع التهمة مع الاذن ، ومراعاة المصلحة المعتبرة في كل وكيل ، وجواز تولى الواحد من الطرفين عندنا كذا في المسالك.
وعندي فيه نظر ، فان ظاهر كلام الشيخ وخلافه في هذه المسئلة انما هو في صورة الإطلاق ، لا في صورة التصريح بالاذن ، وبذلك صرح في التذكرة ، فقال : إذا وكله في بيع شيء فان جوز له أن يشتريه هو ، جاز أن يبيعه على نفسه ، ويقبل عن نفسه ، وان منعه من ذلك لم يجز أن يشتريه لنفسه إجماعا ، وان أطلق منع الشيخ من ذلك ، لأنه قال : جميع من يبيع مال غيره وهم ستة أنفس ، الأب والجد ووصيهما ، والحاكم وأمينه والوكيل ، لا يصح لأحد منهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلا لاثنين ، الأب والجد ، ولا يصح لغيرهما الى آخره وهو ظاهر كما ترى في أن خلاف الشيخ إنما هو في صورة الإطلاق ، لا الاذن كما ذكره.
ومنه يعلم أنه لا خلاف مع الاذن ، وإنما الخلاف مع الإطلاق ، ثم ان ظاهرهم أنه لا فرق في ذلك بين الوكالة في بيع أو عقد نكاح أو غيرهما في أنه يصح مع الاذن ، مع أنه قد روى عمار (1)في الموثق قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن
1) التهذيب ج 7 ص 378 ح 5 ، الوسائل ج 14 ص 217 ح 4.
المرأة تكون في أهل بيت وتكره أن يعلم بها أهل بيتها أيحل لها أن توكل رجلا يريد أن يتزوجها؟ تقول له : قد وكلتك فاشهد على تزويجي؟ قال : لا ، قلت : جعلت فداك وان كانت أيما؟ قال : وان كانت أيما ، قلت : وان وكلت غيره يزوجها ، قال : نعم» ، وأنت خبير بأن هذه الرواية صريحة في المنع مع الاذن والظاهر أنه ليس إلا من حيث تولي طرفي العقد ، ولكن موردها النكاح خاصة ، فيمكن أن يقال : بذلك في غيره أيضا نظرا إلى أن الأصل عصمة مال المسلم وعصمة الفروج ، حتى يقوم الدليل على صحة العقد ، ومجرد الأذن كما ادعوه لا يوجب الصحة ، إذ يمكن أن يكون المانع هو تولى طرفي العقد ، وان جاز ذلك في الأب والجد مع الإغماض عن المناقشة فيه أيضا.
وجملة أدلتهم التي استندوا إليها في جواز تولي الواحد طرفي العقد لا يخلو عن خدش ، كما نبهنا عليه في ما تقدم من كتاب البيع في المسئلة الخامسة من المقام الثاني من الفصل الأول في البيع (1)فليراجع اليه من أحب الوقوف عليه ، إلا أن المفهوم من بعض الاخبار الواردة في هذا المقام كما ستظهر لك ان شاء اللّه هو أن المنع إنما هو من حيث خوف التهمة والخيانة ، وهو مشعر ، بأنه مع الاذن الموجب لارتفاع ذلك فإنه يصح ، وحينئذ فينبغي الفرق في ذلك بين البيع والنكاح ، ويخص المنع بالنكاح ، للخبر المذكور ، هذا كله مع الاذن.
أما مع الإطلاق فالمشهور بين أكثر الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين هو المنع ، وهو مذهب العلامة في غير التذكرة والمختلف ، وذهب في الكتابين المذكورين إلى الجواز على كراهية ، ونقل عن أبى الصلاح وهو مذهب الدروس ، والأظهر هو القول المشهور ، ويدل عليه أن الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير عقلا ونقلا الا مع الاذن ، والمفروض عدمه ، فإن الإطلاق لا يدل عليه.
والظاهر أن من قال بالجواز إنما قال ذلك من حيث دعوى فهم الأذن من
1) ج 18 ص 417.
الإطلاق ، وحينئذ فمطرح النزاع في أنه هل يفهم الاذن من الإطلاق أم لا؟ والا فالظاهر أنه لا نزاع مع عدم فهمه ، وحينئذ فالذي يدل على عدم فهمه زيادة على الأصل المتقدم عدم ظهور الدلالة ، لأن المتبادر من قوله بع هذا الشيء هو البيع على الغير عرفا وعادة ، يدل على ذلك جملة من الأخبار ، وقد تقدمت في المقدمة الثانية في آداب التجارة في مسئلة ما لو قال انسان للتأجر : اشتر لي متاعا (1)ومنها موثقة إسحاق بن عمار (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول : ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق ، فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده ، قال : لا يقربن هذا ، ولا يدنس نفسه ، ان اللّه عزوجل يقول (3)«إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها (وَأَشْفَقْنَ مِنْها) وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً» وان كان عنده خير مما يجد في السوق فلا يعطيه من عنده».
ورواية علي بن أبي حمزة (4)قال : «سمعت عمر الزيات يسأل أبا عبد اللّه عليهالسلام قال : جعلت فداك إني رجل.
أبيع الزيت يأتيني من الشام فآخذ لنفسي مما أبيع؟ قال : ما أحب لك ذلك ، قال : إني لست أنقص لنفسي شيئا مما أبيع ، قال بعه من غيرك ، ولا تأخذ منه شيئا أرأيت لو أن الرجل قال لك : لا أنقصك رطلا من دينار ، كيف كنت تصنع لا تقربه.
فظاهر هذا الخبر أن بيع الرجل من نفسه أو شرائه لنفسه لا يدخل تحت الإطلاق الذي اقتضته الوكالة ، والا فإن مقتضى إطلاق الوكالة صحة البيع والشراء بما يراه الوكيل وفعله ، فلا معنى لقوله عليهالسلام بالنسبة إليه لو أن الرجل قال لك :
لا أنقصك رطلا من دينار لو كان داخلا تحت الإطلاق ، ونحوها الموثقة المتقدمة ، فإنه لا معنى لكونه يدنس نفسه ، ويخوفه في الأمانة مع كونه داخلا تحت إطلاق الوكالة.
وفي رواية ميسر (1)قال : قلت له يجئنى الرجل فيقول لي اشتر لي فيكون ما عندي خيرا من متاع السوق قال : إذا أمنت أن لا يتهمك فأعطه من عندك ، وان خفت أن يتهمك فاشتر له من السوق».
وفي هذا الخبر دلالة على أن المنع من ذلك في هذه الأخبار إنما هو من حيث خوف التهمة ، وفيه اشعار بالجواز بل دلالة ظاهرة على ذلك مع الأمن من التهمة ، وحينئذ فمع الاذن صريحا كما تقدم ، فالجواز بطريق الأولى كما تقدمت الإشارة إليه ، إلى غير ذلك من الأخبار المتقدمة في الموضع المتقدم ذكره.
ومنه يعلم أنه ليس المنع فيما دل على المنع من حيث تولي طرفي الإيجاب والقبول ، وقد تقدم مزيد توضيح لذلك في المسئلة الخامسة من المقام الثاني من فصل البيع (2)على أنه ان أريد بطرفي الإيجاب والقبول ، هو قول البائع بعتك مثلا ، وقول المشتري قبلت كما هو ظاهر هذه العبارة ، وهو مرادهم فهذا ليس عليه دليل ولا أثر في الأخبار وان اشتهر بينهم ، وإنما الموجود فيها الإيجاب بلفظ الأمر كقوله اشتر لي أو بع هذا ، ونحو ذلك ، والقبول إنما هو فعل ما أمر به ، وهو القبول الفعلي بمعنى أنه أمره بالبيع فباع أو الشراء فيشتري ونحو ذلك وحينئذ فبيعه على نفسه إنما هو عبارة عن أن يأخذ ذلك الشيء المأمور ببيعه لنفسه ، ويدفع ثمنه من ماله ، كما هو المستفاد من هذه الأخبار المذكورة هنا ونحوها ، وقد عرفت أن هذا النهي إنما هو من حيث خوف التهمة ، وحينئذ فمع تسليم صدق تولى الطرفين على هذه الصورة فإنه لا مانع من هذه الجهة ، وإنما ، المنع من الجهة المذكورة ، وان اختص ذلك بالصورة المذكورة الأولى كما هو ظاهر كلامهم ،
وقد عرفت أنه لا وجود له في الأخبار بالكلية.
واستدل في المختلف على ما ذهب إليه من الجواز بأدلة ذكرناها في مسئلة ما لو قال : انسان للتأجر اشتر لي من المقدمة الثانية في آداب التجارة (1)وبينا بطلانها فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه ، وقد تلخص مما ذكرناه أنه مع الاذن فالظاهر الصحة في البيع أو الشراء ، ومع الإطلاق فالظاهر المنع إلا مع أمن التهمة ، وأما تعليل المنع بتولي طرفي العقد فلا دليل عليه إلا في النكاح ، كما عرفت من الرواية المتقدمة ، وباقي ما يتعلق بالمسئلة المذكورة من الفروع والتحقيق يرجع فيه إلى الموضعين المتقدمين المشار إليهما ، واللّه سبحانه العالم.
وفيه أيضا مسائل الاولى : في الاختلاف في الوكالة ولو أحقها وفيه صور :
منها الاختلاف في أصل الوكالة ، فيحلف المنكر لها ان لم يكن بينة ، لأن القول قوله بيمينه ، حيث أن الأصل العدم ، وهذا فيما إذا ادعى العامل الوكالة ، وأنكرها المالك ، ظاهر.
أما إنكار الوكيل فإنه بحسب الظاهر لا معنى له ، حيث أن الموكل لا حق له يدعيه ليتحقق إنكاره ، الا أنه يمكن فرض ذلك فيما لو كان التوكيل في شيء مشروطا في عقد لازم ، وشرط إيقاعه في وقت معين ، كيوم الجمعة مثلا ، ثم حصل الاختلاف في الوكالة بعد انقضاء ذلك الوقت ، فادعى الموكل الوكالة ليتم له العقد ، وأنكرها الوكيل ليتزلزل العقد ، ويتسلط على الفسخ ، وكما أن القول قول الموكل لو أنكر الوكالة كذلك ، لو اتفقا على أصل الوكالة ، واختلفا في بعض الكيفيات أو المقادير ، كما إذا قال الوكيل : وكلتني في بيعه كله أو بيعه نسيئة أو شرائه بعشرين ، وقال الموكل : بل ببيع بعضه أو بيعه نقدا أو شرائه بعشرة فالقول قول الموكل ، لأن الأصل عدم الاذن فيما يدعيه الوكيل ، ولأن
1) ج 18 ص 32.
الاذن صادر عن الموكل ، وهو أعرف بحال الاذن ومقاصده الصادرة منه ، ولأنه كما كان القول قوله في أصل العقد ، كذلك في صفته ، والظاهر أنه لا خلاف فيه.
ومنها الاختلاف في التلف ، وظاهر كلامهم الاتفاق على أن القول قول الوكيل بيمينه ، لأنه أمين ، ويتعذر عليه إقامة البينة بالتلف غالبا ، وقد تقدم نقل جملة من عبائرهم في المسئلة الاولى من سابق هذا المطلب ، بل ظاهر عبارة المسالك دعوى الإجماع على ذلك ، الا أن فيه ما عرفت في الموضع المشار اليه من أن الإجماع المدعى ان كان على حكم التلف خاصة ، فإن أحدا لم يدعه ، وان كان ظاهر كلامهم الاتفاق على ذلك ، وان كان على كونه أمينا وترتب أحكام الأمين عليه ، فكلامهم واختلافهم في بعض الأحكام المتفرعة على ذلك ينافي دعوى الإجماع المذكور.
وكيف كان فالقول قول الوكيل بيمنه في دعوى التلف بالنسبة إلى العين الموكل في بيعها ، وثمنها لو كان وكيلا في قبضه ، أعم من أن يكون التلف بسبب ظاهر أو خفي.
ومنها الاختلاف في الرد ، والمشهور أنه ان كان وكيلا بجعل فعليه البينة ، ولا يقبل قوله ، والا فالقول قوله بيمينه كالودعي ، والوجه في هذا التفصيل أنه مع عدم الجعل أمين ، وقد قبض المال لمجرد مصلحة المالك ، فكان محسنا محضا ، وكل ما يدل على قبول قول الودعي - من قولهم ان عدم قبول قوله يؤدي إلى الاعراض عن قبول النيابة في ذلك ، وهو ضرر عظيم - يدل عليه هنا.
وأما مع الجعل ، فإنه قبض المال لمصلحة نفسه ، فجرى مجرى المرتهن والمستعير ، فلم يقبل قوله ، وللخبر المتفق عليه (1)«البينة على المدعي واليمين
1) المستدرك ج 3 ص 199 ح 5 الباب 3.
على المنكر». خرج منه الأول من حيث أنه أمين وبقي ما عداه.
وقيل : ان القول قول الموكل ، بيمينه مطلقا ، سواء كان الوكيل بجعل أو بدونه ، ووجهه أن الأصل عدم الرد ، والخبر المتفق عليه ، وأجيب عن الوجوه المتقدمة فيما إذا لم تكن بجعل أن كونه أمينا لا يستلزم القبول ، كمن قبضه لمصلحة نفسه مع كونه أمينا ، والضرر يندفع بالإشهاد ، والتقصير في تركه إنما هو منه ، وكونه محسنا لا ينافي عدم قبول قوله في الرد ، وكونه من جملة السبيل المنفي عنه ، يندفع بأن اليمين عليه سبيل أيضا ، وليس بمندفع.
أقول : وهذه الوجوه المستدل بها وأجوبتها لا يخلو من المناقشات التي ليس في التعرض لها مزيد فائدة بعد ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أنها لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية ، وإنما المدار فيها على النصوص المعصومية ، والمستفاد منها كما تقدم تحقيقه - في ذيل المسئلة الاولى (1)من مسائل سابق هذا المطلب - هو أن الأمين وكيلا كان أو غيره بجعل كان أو بغير جعل ، يقبل قوله فيما ادعاه من تلف أورد أو غيرهما ، وأن هذه الاخبار الدالة على ذلك أخص من الاخبار الدالة على ما ذكروه من تلك القاعدة وهي «أن البينة على المدعي واليمين على المنكر» التي استندوا إليها هنا في تقديم قول الموكل ، ومقتضى القواعد الشرعية تقديم العمل بهذه الأخبار ، لأنها أخص ، ويخصص ما استندوا إليه من تلك القاعدة بها.
وبذلك يظهر لك بطلان الوجه العقلي الذي استندوا إليه في الفرق بين الودعي والوكيل بغير جعل ، وبين غيرهما ممن له مصلحة في تلك المعاملة ، وأن الأول محسن محض فلا يضمن ، بخلاف الثاني ، فإنه مجرد تخريج لا دليل عليه ، كما اعترف بذلك في المسالك في كلام قدمنا نقله عنه في كتاب العارية قال فيه : وهذه العلة ليست منصوصة وإنما هي مناسبة ، وهو جيد.
1) ص 83.
وبالجملة فالعمل على الأخبار وهي كما حققناه دالة على ما ذكرنا ، ولكنهم لغفلتهم عن ملاحظة الأخبار ، وعدم الاطلاع عليها انجرت بهم المناقشة إلى الوديعة أيضا ، حيث أن ظاهرهم أن المستند فيها انما هو الإجماع.
قال في المسالك في هذا المقام بعد البحث في المسئلة : والحق أن قبول قول الودعي ان كان خارجا بالإجماع الفارق فهو الفارق ، والا فلا فرق ، وفي الإجماع بعد وقد تقدم الكلام فيه ، انتهى.
وهو ظاهر فيما قلناه ، حيث انهم نظروا الى أخبار (1)«البينة على المدعى واليمين على المنكر ،». خاصة ، ولم يطلعوا على تلك الأخبار التي خصصنا بها هذه القاعدة ، وهي كما عرفت ظاهرة في المدعي ، واللّه سبحانه العالم.
ومنها ما إذا ادعى الوكيل التصرف فيما وكل فيه ، مثل قوله : بعت ما وكلتني في بيعه أو قبضت ما وكلتني في قبضه ، وأنكر الموكل ذلك ، فقيل : القول قول الوكيل ، وبه جزم العلامة في الإرشاد من غير خلاف ، وقربه في القواعد وجزم في التذكرة بتقديم قول الموكل ان كان النزاع بعد عزل الوكيل ، واستقرب كون الحكم كذلك أيضا قبل عزله ، وقد قدمنا عبارته بذلك في المسئلة الاولى (2)من مسائل سابق هذا المطلب ، وتوقف في التحرير ، وقال في الشرائع ان القول قول الوكيل ، لأنه أقر بماله أن يفعله ، ولو قيل : القول قول الموكل أمكن ، لكن الأول أشبه.
قال في المسالك : وجه الأشبهية انه أمين ، وقادر على الإنشاء ، والتصرف اليه ، ومرجع الاختلاف الى فعله ، وهو أعلم به ووجه تقديم قول الموكل ظاهر لأصالة عدم الفعل.
أقول : والأقرب عندي الرجوع الى ما قدمناه من التحقيق في المقام ،
ومقتضاه أن القول قول الوكيل ، لأنه أمين ، وقضيته ذلك قبول قوله في التصرف وغيره واللّه وسبحانه العالم.
ومنها ما لو اختلفا في قدر الثمن المشترى به ، فقال في المبسوط : ان القول قول الوكيل ، لأنه أمين ، فيقبل قوله كما يقبل في التسليم والتلف ، وقال الفاضلان ان القول قول الموكل ، لأنه غارم ومنكر ، ولأصالة عدم الزيادة ، واحتمل الشهيد في شرح نكت الإرشاد أن القول قول الموكل ان كان الشراء في الذمة وقول الوكيل ان كان الشراء بالعين ونقله عن القواعد.
وقال في المسالك - بعد فرض المسئلة في كلام المصنف بما إذا كان وكله في ابتياع عبد فاشتراه بمائة ، فقال الموكل اشتريته بثمانين ، وذكر القولين في المسئلة ما صورته - : التقدير أن المبيع يساوي بمائة كما ذكره في التحرير ، وإلا لم يكن الشراء صحيحا لما تقدم من حمل إطلاق الاذن على الشراء بثمن المثل ، ووجه تقديم قول الوكيل ، أن الاختلاف في فعله وهو أخبر ، وأن الظاهر ان الشيء انما يشترى بقيمته ، وهو قوي ، ووجه تقديم قول الموكل أصالة برأيه الذمة من الزائد ، ولأن في ذلك إثبات حق للبائع على الموكل ، فلا تسمع ، ولا فرق في ذلك بين كون الشراء بالعين أو في الذمة ، لثبوت الغرم على التقديرين ، انتهى.
أقول : ومقتضى ما ذكرناه من التحقيق المتقدم العمل لقول الشيخ واللّه سبحانه العالم.
ومنها ما لو ادعى الوكيل أنه قبض الثمن وتلف في يده ، فأنكر الموكل القبض ، فان كان الدعوى بعد تسليم المبيع للمشتري فالقول قول الوكيل بيمينه مع عدم البينة ، لأنه أمين ، والأصل عدم الغرامة ، ولأنه لو لم يقبل يلزم سد باب التوكيل ، ولأن دعوى الموكل يتضمن خيانته مع كونه أمينا ، وقد عرفت من الأخبار المتقدمة النهي عن تهمته ، ووجه تضمن دعوى الموكل عدم القبض الخيانة هو أن الدعوى بعد تسليم المبيع للمشتري كما هو المفروض ، فيلزم على دعواه
أن يكون قد سلم المبيع قبل أن يتسلم الثمن ، مع أنه لا يجوز تسليم المبيع إلا بعد قبض الثمن كما تقرر بينهم وان كان الدعوى قبل تسليم المبيع ، بل هو باق في يد الوكيل قالوا : القول قول الموكل ، لأن الأصل عدم الأخذ ، ولا يلزم الخيانة ولا يلزم سد الباب ، كذا قيل وفيه تأمل.
تذنيب : قد صرحوا بأن القول قول الوصي في الإنفاق ، دون تسليم المال الى الموصى له ، وكذا القول في الأب والجد والحاكم مع اليتيم ، إذا أنكر القبض بعد بلوغه ورشده ، قال في المسالك : وظاهرهم هنا عدم الخلاف في تقديم قول الموصى له أو اليتيم في عدم القبض ، وهو يؤيد تقديم قول الموكل فيه ، للاشتراك في العلة ، بل ربما كان الإحسان هنا أقوى.
أما الإنفاق فخرج من ذلك ، مع أن الأصل عدم ما يدعيه المنفق لعسر إقامة البينة عليه في كل وقت يحتاج اليه ، فيلزم العسر والحرج المنفيين ، بخلاف تسليم المال ، انتهى.
أقول : لما كان المستند عندهم في عدم تضمين الأمين من وكيل وغيره ، وقبول قوله إنما هو آية (1)«ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» وأن الودعي والوكيل بغير جعل فعلا إحسانا محضا ، فلا يلحقهما الضمان ، بل يقبل قولهما استدل بعدم الخلاف في تقديم قول الموصى له أو اليتيم على تقديم قول الموكل في إنكار الدفع اليه ، وان لم يكن الوكالة بجعل ، لأنه مع الجعل كما عرفت ، فالقول قول الموكل عندهم ، بل ربما كانت العلة الموجبة لقبول قوله وهو الإحسان أقوى في جانب الوكالة ، لأنه يتصرف له ويبيع ويشترى ويسعى بغير جعل ، ولا ريب أن الإحسان في هذه الحال أزيد منه في حفظ الوصي ، والولي الشرعي مال الموصى
1) سورة التوبة - الاية 91.
اليه ، واليتيم ، والدفع إليهما.
وأنت خبير بأنك إذا رجعت الى الأخبار التي قدمناها في الوديعة دليلا على ما ذكرناه من كون الأمين مقبول القول فيما يدعيه ، بل لا يمين عليه وان كان خلاف المشهور بينهم ، وجدت أن موردها أنما هو من دفع ماله الى غيره بعنوان الوديعة ، أو الوكالة ، أو نحوهما ، لا من كان عنده مال لغيره بعنوان الوصاية أو الولاية الشرعية ، لأن موردها النهي عن اتهام من ائتمنه ، بمعنى تصديقه فيما يدعيه ، ونحوها أخبار (1)«ما خانك الأمين ، ولكن ائتمنت الخائن». بالتقريب الذي تقدم ذيلها.
وبالجملة فإن الخطاب بقبول قول الأمين إنما توجه للذي دفع اليه المال بمعنى أنك ائتمنته ، ووثقت بديانته وأمانته ، فلا تتهمه بعد ذلك ، بل صدقه فيما يدعيه ويقوله ، وما ذكر هنا من الوصي والأب والجد والحاكم وان كانوا أمناء ، إلا أنهم لا يدخلون في عنوان تلك الأخبار ، بحيث يلحقهم الحكم المتفرع على الأمين فيها من سماع قوله ، فاستدلاله غير تام ، وهو نظر الى صدق الأمين في الموضعين واعتمد على التعليل العقلي الذي اعتمدوه ، ولم يطلع على الأخبار المذكورة ، فالواجب حينئذ في هذه المسئلة هو الرجوع الى القاعدة الكلية الدالة (2)على «أن البينة على المدعى واليمين على المنكر». وهي تقتضي تقديم قول الموصى له واليتيم لأنهما منكران ، وأما الوكيل ونحوه فقد عرفت أن مستنده تلك الأخبار الخاصة التي خصصنا بها تلك القاعدة ، فافترق الأمران ، واللّه سبحانه العالم.
قالوا : لو اشترى إنسان سلعة وادعي أنه وكيل في ذلك الشراء الآخر ،
فأنكر ذلك الآخر ، فان القول قوله بيمينه ، فإذا حلف اندفع عنه الشراء ، وحكم به للمشتري ، وحكم عليه بالثمن ، سواء اشترى بعين أم في الذمة ، ولكن يجب تقييده بعدم اعتراف البائع بكونه وكيلا أو كون العين التي اشترى بها ملكا للمنكر ، أو قيام البينة بذلك ، وإلا يبطل البيع ، كما لو ظهر استحقاق أحد العوضين المعينين ، واللّه سبحانه العالم.
لثانية : اختلف الأصحاب فيما لو وكله على أن يزوجه امرأة ، فعقد له على امرأة ثم أنكر الموكل الوكالة بذلك ، فقيل : القول قول الموكل بيمينه ، لأنه منكر ، ويلزم الوكيل مهرها ، وهو مذهب الشيخ في النهاية ، قال : ويجوز للمرأة أن تتزوج بعد ذلك ، غير أنه لا يحل للموكل فيما بينه وبين اللّه تعالى الا أن يطلقها ، لأن العقد قد ثبت عليه ، وبه قال ابن البراج.
وقال في المبسوط : ان الذي على الوكيل إنما هو نصف المهر ، قال في المسالك : وهو المشهور بين الأصحاب ، وبه قال ابن الادريس ، ثم قوي بعد ذلك مذهب النهاية.
وقيل : ببطلان العقد نقله في المختلف عن بعض علمائنا ، قال بعض علمائنا : إذا أنكر الموكل الوكالة كان القول قوله مع اليمين ، فإذا حلف بطل العقد ظاهرا ، ولا مهر ، ثم الوكيل ان كان صادقا وجب على الموكل طلاقها ونصف المهر ، قال في المختلف : وفيه قوة.
احتج الشيخ على القول الأول بأن المهر قد ثبت بالعقد ، ولا ينتصف الا بالطلاق ، ولم يحصل فيجب الجميع ، استدل على ما ذهب إليه في المبسوط برواية عمر بن حنظلة (1)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في رجل قال لآخر : اخطب لي فلانة ، فما فعلت من شيء مما قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذلك رضا لي ، وهو لازم لي ولم يشهد على ذلك ، فذهب فخطب له ، وبذل عنه الصداق
1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 3 ، الفقيه ج 3 ص 49 ح 4 ، الوسائل ج 13 ص 288 ح 1.
وغير ذلك مما طالبوه وسألوه ، فلما رجع إليه أنكر ذلك ، قال يغرم لها نصف الصداق عنه ، وذلك أنه هو الذي ضيع حقها ، فلما أن لم يشهد لها عليه بذلك الذي قال له ، حل لها أن تتزوج ولا يحل للأول فيما بينه وبين اللّه تعالى الا أن يطلقها فان اللّه تعالى (1)يقول «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» فان لم يفعل فإنه مأثوم فيما بينه وبين اللّه تعالى ، وكان الحكم الظاهر حكم الإسلام قد أباح اللّه لها أن تتزوج». رواه في التهذيب والفقيه.
وظاهر الشرائع والمختلف كما سلف تقوية القول بالبطلان ، وهو ظاهره في المسالك أيضا ، حيث قال بعد نقل الخبر المذكور : وفي سند الحديث ضعف ، ولو صح لم يمكن العدول عنه ، والقول الثالث الذي اختاره المصنف قوي ، ووجهه واضح ، فإنه إذا أنكر الوكالة وحلف على نفيها انتفى النكاح ظاهرا ، ومن ثم يباح لها أن تتزوج ، وقد صرح به في الرواية ، فينتفى المهر أيضا ، لأن ثبوته يتوقف على لزوم العقد ، ولأنه على تقدير ثبوته إنما يلزم الزوج ، لأنها عوض البضع ، والوكيل ليس بزوج ، نعم لو ضمن الوكيل المهر كله أو بعضه لزمه حسب ما ضمن ، ويمكن حمل الرواية عليه ، وأما وجوب الطلاق على الزوج مع كذبه في نفس الأمر ووجوب نصف المهر فواضح ، انتهى.
ومرجع ردهم الخبر الى ما اشتمل عليه من إيجاب نصف المهر على الوكيل ، مع أنه ليس هو الزوج مع بطلان العقد بعد حلف الموكل ، فلا يترتب عليه مهر ، ولهذا جوز لها أن تتزوج ، بناء على ذلك ، ولا شك في قوته بالنظر الى العقل ، الا أنه من الجائز كون إلزام الوكيل بنصف المهر إنما هو عقوبة له حيث ضيع حقها بعدم الاشهاد ، والأحكام الشرعية لا مسرح للعقول في الاطلاع عليها ، وأسبابها ، ويؤيد هذه الرواية صحيحة أبي عبيدة الحذاء (2)المروية في الفقيه والتهذيب «عن
أبي عبد اللّه عليهالسلام في رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة من أهل بصرة من بنى تميم ، فزوجه امرأة من أهل الكوفة من بنى تميم ، قال : خالف أمره ، وعلى المأمور نصف الصداق لأهل المرأة ، ولا عدة عليها ، ولا ميراث بينهما ، قال فقال له بعض من حضر : فإن أمره أن يزوجه امرأة ولم يسم أرضا ولا قبيلة ، ثم جحد الأمر أن يكون قد أمره بذلك بعد ما زوجه؟ قال : فقال : ان كان للمأمور بينة أنه كان أمره أن يزوجه ، كان الصداق على الآمر لأهل المرأة ، وان لم يكن له بينة فان الصداق على المأمور لأهل المرأة ، ولا ميراث بينهما ، ولا عدة ، ولها نصف الصداق ان كان فرض لها صداقا» ، وزاد في الفقيه «فان لم يكن سمى لها صداقا فلا شيء لها» ، والرواية كما ترى صحيحة صريحة فيما دلت عليه الرواية الأولى ، ويؤكده السؤال الأول من هذه الرواية أيضا ، والمفهوم من جملة هذه الروايات أن المرأة بالعقد عليها استحقت المهر على الزوج ، لكن لما أنكر الزوج الوكالة ولا بينة ، وحلف انتفى النكاح ، ولكن جعل حقها من المهر على الوكيل ، حيث ضيع حقها بعدم الاشهاد على الوكالة ، وإذا كان وجوب ذلك على الوكيل إنما هو لما ذكرناه ، فلا ينافيه بطلان العقد ، ألا ترى ان العقد في السؤال الأول من الصحيحة المذكورة باطل ، حيث انه ليس هو المأمور به ، مع أنه عليهالسلام حكم على الوكيل بنصف المهر عقوبة له.
وبالجملة فإن الحكم المذكور بعد دلالة هذين الخبرين لا مجال للمنازعة فيه ، سيما بعد اعترافه في المسالك بأنه لو صح لم يمكن العدول عنه ، وهذه الرواية الثانية التي ذكرناها صحيحة السند ، لأن الشيخين المذكورين روياها عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطية عن أبي عبيدة الحذاء ، والثلاثة المذكورون ثقات ، والطريق إلى الحسن بن محبوب صحيح في الكتابين ، فلا مجال للتوقف فيها.
قال في المسالك : واعلم أن المرأة إنما يجوز لها التزويج مع حلفه إذا لم
تصدق الوكيل عليها ، والا لم يجز لها التزويج قبل الطلاق ، لأنها باعترافها زوجة ، بخلاف ما إذا لم تكن عالمة بالحال ، فلو امتنع من الطلاق لم يجبر عليه ، لانتفاء النكاح ظاهرا ، وحينئذ ففي تسلطها على الفسخ دفعا للضرر ، أو تسلط الحاكم على الطلاق ، لأن له ولاية الإجبار على الممتنع أو بقائها كذلك حتى يطلق ، أو يموت أوجه ، انتهى واللّه سبحانه العالم.
الثالثة : لو ادعى الوكيل الاذن في البيع بثمن معين فأنكر المالك الاذن في ذلك القدر ، فالمشهور وهو قول الشيخ في المبسوط أن القول قول الموكل بيمينه ، لأنه كما أن القول قوله في أصل الوكالة فكذا في صفتها ، لأنها فعله ، وهو أعرف بحاله ومقاصده الصادرة عنه ، ولأن الأصل عدم صدور التوكيل على الوجه الذي يدعيه الوكيل ، وحينئذ فإذا حلف الموكل بطل البيع ، ووجب أن يستعاد العين ان كانت باقية ، ومثلها أو قيمتها ان تلفت.
وقيل : انه يلزم الدلال إتمام ما حلف عليه المالك ، صرح به الشيخ في النهاية ، ورد بأنه ضعيف لا مستند له ، وحمله في المختلف على تعذر استعادة العين عن المشترى والقيمة ، وتكون القيمة مساوية لما ادعاه المالك ، ولا يخلو عن بعد ، وحيث علم بطلان البيع بحلف الموكل على عدم ما ادعاه الوكيل ، فلا يخلو إما أن تكون العين باقية أو تالفة ، وعلى كل منهما فإما أن يصدق المشترى الوكيل في الوكالة وصحة البيع أم لا ، وعلى فرض التلف فإما أن يرجع الموكل على المشترى أو على الوكيل ، فهذه خمس صور :
الأولى : أن تكون العين باقية ، ولم يصدق المشترى الوكيل ، فان الموكل يسترجع العين من كل من كانت في يده ، ويرجع المشترى على الوكيل بالثمن الذي دفعه اليه ان دفع اليه ذلك.
الثانية : الصورة بحالها ولكن صدق المشترى الوكيل ، والحكم بالنسبة إلى استرجاع العين كما تقدم ، وأما بالنسبة إلى رجوع المشترى على الوكيل بالثمن ، فإنه
بتصديقه للوكيل وحكمه بصحة البيع ، وأن الموكل ظالم بإبطاله ، فإنه انما يرجع على الوكيل بأقل الأمرين من الثمن الذي دفعه وقيمة المبيع ، لأن الثمن إن كان هو الأقل فليس في يد الوكيل من مال الموكل الذي هو ظالم للمشتري في أخذ العين بزعمه ، سواه فيأخذه قصاصا ، لأن هذا الثمن بزعم الوكيل والمشترى انما هو مال الموكل كما عرفت ، وان كان الثمن المدفوع أكثر من القيمة فالمشتري ليس له أكثر من القيمة ، لأن حقه شرعا بزعمه انما هي العين ، إلا أنه بأخذ الموكل لها وحيلولته بينه وبينها ، يرجع الى قيمتها ، فليس له شرعا إلا القيمة خاصة ، وعلى هذا فالزائد من الثمن في يد الوكيل مجهول المالك ، لأن الوكيل ليس له شيء من ذلك ، والمشترى ليس له إلا قيمة ماله ، والموكل لا يدعيه.
الثالثة : تلف العين مع التصديق ، ولا خلاف في أن للموكل الرجوع بالقيمة مع التصديق على أيهما شاء ، أما المشتري فلتلف المال في يده ، وأما الوكيل فلعدوانه ظاهرا ، فيدهما يد ضمان إلا أنه متى رجع الموكل على المشترى بالقيمة مع تصديقه لم يرجع المشترى على الوكيل ، لتصديقه له في صحة البيع وزعمه أن المالك ظالم في رجوعه عليه فلا يرجع على غير ظالمة ، هذا مع عدم قبض الوكيل الثمن من المشترى.
وأما لو قبضه منه ، والحال أنه لا يستحقه ، والموكل لا يدعيه ، فإنه يرجع به المشترى عليه ، لكن إذا كان المدفوع بقدر القيمة أو أقل ، فالرجوع به ظاهر ، وإلا رجع بمقدار ما غرمه للمالك من قيمة العين ، فلو كان المدفوع أزيد كان الزائد في يد الوكيل مجهول المالك ، لأن المشتري لتصديقه وصحة البيع عنده فحقه شرعا إنما هو البيع الذي تلف عنده ، لكن لما أغرمه الموكل القيمة فالذي له إنما هو ما غرمه يرجع به على ما دفعه الى الوكيل ، فإذا كان الثمن الذي دفعه أولا زائدا على القيمة ، وعلى ما أغرمه الموكل فتلك الزيادة لا يستحقها بوجه ، والوكيل لا يستحقها ، والمالك لا يطلبها ، لإنكاره البيع. فتصير
مجهولة المالك ، إلا أنه يحتمل وجوب دفعها الى المالك ، لأنه بمقتضى زعمهما صحة البيع تكون مال المالك ، فيجب عليهما بمقتضى ما يزعمانه أن يدفعاها له ، ويأتي هذا الاحتمال في زيادة الثمن في الصورة الثانية أيضا.
الرابعة : الصورة بحالها مع عدم التصديق ، قالوا : يرجع على الوكيل بما غرمه أجمع لغروره ، ولو كان الثمن الذي دفعه الى الوكيل أزيد مما غرمه رجع به عليه لفساد البيع ظاهرا عنده.
الخامسة : رجوع الموكل على الوكيل مع التلف ، فإنه في هذه الصورة يرجع الوكيل على المشترى بالأقل من ثمنه ، وما اغترمه ، لأنه ان كان الثمن هو الأقل فهو يزعم أن الموكل لا يستحق سواه ، وأنه ظالم يأخذ الزائد من القيمة فلا يرجع به على المشترى ، وان كانت القيمة التي اغترمها الأقل فإنه لم يغرم سواها ، لكن يبقى الزائد مجهول المالك ظاهرا ، مثلا ثمنه الذي باع به ثمانون درهما ، والذي اغترمه للمالك مائة درهم ، فإنه انما يرجع بالثمانين ، خاصة للعلة المذكورة أو ان الثمن مائة درهم ، والذي اغترمه ثمانون درهما ، فإنه انما يرجع بما اغترمه.
بقي الكلام في هذه العشرين الزائدة ، فإنها مجهولة المالك ، لأن الموكل لا يستحقها بزعمه ، وموافقة الظاهر له ، والوكيل قد خرج عن الوكالة بإنكار الموكل ، فليس له قبضه ، وينتزعه الحاكم الشرعي ، ويتوصل الى تحصيل مالكه ، هذا خلاصة كلامهم في المقام.
ولو قيل : بالتصدق بهذا الزائد المجهول في جميع هذه الصور عن صاحبه ، كما في المال المجهول الصاحب ، كان وجها لدخوله تحت عموم أخبار تلك المسئلة ، واللّه سبحانه العالم.
المسئلة الرابعة : قيل : إذا اشترى الوكيل لموكله كان البائع بالخيار ، ان شاء طالب الوكيل ، وان شاء طالب الموكل ، وعلل بأن الحق على الموكل ،
والعقد على الوكيل ، فيتخير في مطالبة أيهما شاء والظاهر ضعفه ، وقيل : باختصاص المطالبة بالموكل مع العلم بالوكالة ، والاختصاص بالوكيل مع الجهل بذلك وعلل أما مع الجهل ، فلان العقد وقع معه ، والثمن لازم له ظاهرا فله مطالبته وأما مع العلم بكونه وكيلا فلأنه يكون نائبا عن غيره ، فلا حق له عنده ، بل عند الموكل ، والى هذا القول مال في الشرائع.
وأورد عليه بأن الحكم بمطالبة الموكل مع العلم ، والوكيل مع الجهل لا يتم على إطلاقه ، لأن الثمن لو كان معينا لم يكن له مطالبة غير من هو في يده ، وقيل : إذ اشترى الوكيل بثمن معين ، فان كان في يده طالبه البائع به وإلا طالب الموكل ، لأن الملك يقع له ، وان اشترى في الذمة ، فإن كان الموكل قد سلم اليه ، ما يصرفه الى الثمن ، طالبه البائع أيضا ، وان لم يسلم فإن أنكر البائع كونه وكيلا أو قال لا أدري هل هو وكيل أم لا ، ولا بينة طالبه وان اعترف بوكالته ، فالمطالب بالثمن الموكل لا غير ، لوقوع الملك له ، والوكيل سفير بينهما ومعين للموكل ، فلا يغرم شيئا ، والقول المذكور للتذكرة ، قال وهو أحد وجوه الشافعية.
والثاني : أن البائع مع تصديق الوكالة يطالب الوكيل لا غير ، لأن أحكام العقد يتعلق به ، والالتزام وجد منه.
والثالث : أنه يطالب من شاء منهما نظرا الى الظاهر والمعتمد الأول انتهى.
أقول : وما اعتمده هو أقرب الأقوال ، إلا أنه لا يخلو من الخدش في بعض هذه الترديدات ، والظاهر هو ما فصله في المسالك قال : والاولى أن يقال في المسئلة ان الحق اما أن يكون معينا أو مطلقا ، وعلى التقديرين فاما أن يسلم الى الوكيل أم لا ، وعلى التقادير فاما أن يكون البائع عالما بوكالته أو غير عالم ، وحكمها أنه متى كان الثمن معينا فالمطالب به من هو في يده ، سواء في ذلك الوكيل أو الموكل وان كان في الذمة ودفعه الموكل إلى الوكيل تخير البائع في مطالبة
أيهما شاء مع علمه بالوكالة ، أما الوكيل فلأن الثمن في يده ، وأما الموكل فان الشراء له ، وما دفع لا ينحصر في الثمن بعد ، وان لم يكن دفعه الى الوكيل ، فله مطالبة الوكيل مع جهله بكونه وكيلا ، وعدم البينة عليها ، والموكل مع علمه ، انتهى.
ومنه يعلم أن ما أطلقه في التذكرة من أنه متى كان في الذمة وقد سلمه الموكل الى الوكيل ، فإنه يطالب الوكيل ليس كذلك ، بل الأظهر كما ذكره في المسالك هو التخيير مع العلم بالوكالة.
الخامسة : قالوا : إذا طالب الوكيل بحق موكله فأجابه من عليه الحق بأنك لا تستحق المطالبة لم يلتفت الى هذا الجواب ، لانه مكذب للبينة القائمة على الوكالة ، فإن مقتضى البينة ثبوت الوكالة ، وقضية ثبوت الوكالة استحقاق المطالبة ، وأورد عليه بأن نفي استحقاق المطالبة لا يستلزم تكذيب البينة ، لأنه يجوز ثبوت الوكالة ثم عزله عنها ، أو الإبراء من الحق المدعى ، أو الأداء الى الموكل أو وكيل آخر ، وفي جميع هذه الوجوه لا يستحق المطالبة وان ثبت كونه وكيلا ، ولهذا نقل عن القواعد أنه استشكل الحكم المذكور ، وأجيب عن هذا الإشكال بأن نفي الاستحقاق لما كان مشتركا بين ما يسمع وما لا يسمع لم يسمع الا بعد التحرير لأنه لا تعد دعوى شرعية إلا بعد تحريرها ، ولو أجاب من عليه الحق بأن قال عزلك الموكل ، أو أن الموكل أبرأه من الحق لم يسمع ، الا أن يدعى العلم على الوكيل ، فله عليه اليمين بعدم العلم.
السادسة : لا خلاف بين المسلمين في قبول شهادة الوكيل على موكله ، لحصول الشرائط وانتفاء الموانع ، وكذا لا خلاف في قبولها له فيما لا ولاية له عليه مطلقا ، وأما فيما له ولاية ووكالة فيه ، فتقبل عند الأصحاب فيه أيضا إذا كانت الشهادة بعد العزل ، ما لم يكن أقام الشهادة حين الوكالة ، فإنه بإقامتها حين الوكالة ترد للتهمة ، وكذا ترد فيما لو لم يكن عزله بعد شروعه في المنازعة والمخاصمة.
قال في التذكرة : تقبل شهادة الوكيل مع الشرائط على موكله مطلقا ، وتقبل لموكله في غير ما هو وكيل فيه ، كما لو وكله في بيع دار فشهد له بعد ، ولو شهد فيما هو وكيل فيه ، فان كان ذلك قبل العزل لم تقبل ، لأنه متهم حيث يجر إلى نفسه نفعا ، وهو ثبوت ولاية التصرف لنفسه ، وان كان بعد العزل ، فان كان قد خاصم الغريم فيه حال وكالته لم تقبل منه أيضا ، لأنه متهم أيضا ، حيث يريد تمشية قوله ، وإظهار الصدق فيما ادعاه أولا وان لم يخاصم سمعت شهادته عندنا ، انتهى.
أقول : لا يخفى ما في هذه التعليلات من الإشكال في ابتناء الأحكام الشرعية عليها ، بعد ثبوت العدالة في الشاهد ، ثم أنه أي نفع هنا في ثبوت ولاية التصرف له ، بل ربما كان الضرر أظهر باشتغاله بذلك عن القيام بأموره ، ونظم معاشه ومعاده ونحو ذلك.
وإلى ما ذكرناه يميل كلام المحقق الأردبيلي حيث قال : وأما وجه العدم على أحدهما فهو التهمة ، ووجه عدم القبول حين الوكالة فيما وكل فيه جر النفع وفيهما تأمل ، إذ قد لا يكون جر نفع ، ولا نسلم كون مطلق الولاية والوكالة نفعا ، بل قد يكون مضرا ، وكذا التهمة وكون مثلها مانعا - من قبول الشاهد المقبول - يحتاج إلى الدليل ، بعد الدليل على قيام شهادة العدل المتصف بالشرائط سوى هذا المتنازع ، فتأمل انتهى وهو جيد.
السابعة : قالوا : لو وكله في قبض دين من غريم له ، فأقر الوكيل بالقبض ، وصدقه الغريم ، وأنكر الموكل فالقول قول الموكل ، وتردد فيه في الشرائع.
وقال في التذكرة إذا وكل وكيلا باستيفاء دين له على انسان ، فقال : قد استوفيته فأنكر الموكل نظر ، فان قال : قد استوفيته وهو عندي فخذه فعليه أخذه ، ولا معنى لهذا الاختلاف ، وان قال : استوفيته وتلف في يدي فالقول قوله مع يمينه على نفي العلم باستيفاء الوكيل ، لأصالة بقاء الحق ، فلا يقبل قول
الوكيل والمديون إلا ببينة ، لأن قولهما على خلاف الأصل ، انتهى.
أما لو أمره ببيع سلعة وتسليمها وقبض ثمنها فتلف الثمن من غير تفريط فأقر الوكيل بالقبض وصدقه المشتري وأنكر الموكل فالقول قول الوكيل.
قالوا : والفرق بين الصورتين أن الدعوى في الصورة الثانية على الوكيل من حيث سلم المبيع ولم يقبض الثمن ، بناء على زعم الموكل ، وهو موجب للضمان ، لأنه نوع خيانة كما تقدم ذكره في آخر المسئلة الأولى من هذا المطلب ، وفي الصورة الأولى الدعوى على الغريم ، والأصل بقاء ماله عليه ، وتنظر في الفرق المذكور في الشرائع.
أقول : والظاهر من النصوص الدالة على قبول قول الأمين هو تقديم قول الوكيل في الصورتين المذكورتين ، لاشتراكهما في كون محل النزاع هو تصرف الوكيل ، وقد عرفت فيما تقدم أن قوله مقبول في ذلك ، والظاهر أنه من أجل ذلك تردد المحقق في الصورة الأولى حيث حكموا فيها بتقديم قول الموكل ، وتنظر في الفرق المذكور في الثانية ، وبالجملة فالظاهر هو تقديم قول الوكيل في الموضعين.
قال في التذكرة : لو وكله في البيع وقبض الثمن أو البيع مطلقا ، وقلنا أن الوكيل يملك بالوكالة في البيع ، قبض الثمن واتفقا على البيع ، واختلفا في قبض الثمن ، فقال الوكيل قبضته وتلف في يدي ، وأنكر الموكل ، أو قال الوكيل : قبضته ودفعته إليك ، وأنكر الموكل القبض ، فالأقوى عدم قبول قول الوكيل في ذلك ، وللشافعية في ذلك طريقان : أحدهما أنه على الخلاف المذكور في البيع وسائر التصرفات وأظهرهما عندهم أن هذا الاختلاف ان كان قبل تسليم المبيع فالقول قول الموكل ، لما في المسئلة السابقة ، وان كان بعد تسليمه فوجهان : أحدهما أن الجواب كذلك ، لأن الأصل بقاء حقه ، وأصحهما أن القول قول الوكيل ، لأن الموكل ينسبه إلى الخيانة بالتسليم قبل قبض الثمن ، ويلزمه الضمان والوكيل ينكره فأشبه ما إذا قال الموكل ، طالبتك برد المال الذي دفعته إليك ،
أو بثمن المبيع الذي قبضته ، فامتنعت مقصرا إلى أن تلف ، وقال الوكيل لم تطالبني بذلك ، ولم أكن مقصرا ، فان القول قوله ، انتهى.
أقول : قوله فالأقوى عدم قبول قول الوكيل في ذلك في نسختين عندي من نسخ الكتاب ، وهو خلاف ما صرح به الأصحاب من أن القول هنا قول الوكيل ، كما عرفت من كلامهم في الفرق بين الصورتين المتقدمتين ، ولم أقف أيضا على من نقل الخلاف عن التذكرة في ذلك ، فليتأمل في ذلك ، والأصحاب إنما حكموا بتقديم قول الوكيل هنا بناء على كون الدعوى بعد تسليم العين إلى المشتري ، بالتقريب الذي نقله هنا عن أصح قولي الشافعية.
وأما لو كانت الدعوى قبل تسليم العين بل هي باقية في يد الوكيل فان القول عندهم قول الموكل لما ذكره ، وما تقدم في المسئلة الاولى ، وان كان الحكم في ذلك عندي هنا لا يخلو عن اشكال بالنظر إلى ظواهر الأخبار الدالة على قبول قول الأمين مطلقا والوكيل أمين كما عرفت ، فلا معنى لترجيح قول الموكل بأصالة عدم القبض ونحو ذلك ، لأن مقتضى العمل بالأخبار المذكورة تخصيص هذا الأصل والخروج عنه ، فإن الأصل العدم في كل ما يدعيه الأمين ، فلا معنى للعمل بها في موضع وإطراحها في آخر بل الواجب العمل بها في الجميع ، إلا أن العذر لهم انهم إنما استندوا في قبول قوله إلى الإجماع ، والدليل العقلي الذي تقدم نقله عنهم ، ولم يذكروا الأخبار أو لم يطلعوا عليها بالكلية ، والإجماع لا يقوم حجة في موضع النزاع والخلاف.
بقي الكلام هنا في مواضع - الأول : قال في التذكرة على أثر الكلام المتقدم : وهذا التفصيل فيما إذا أذن في المبيع مطلقا أو حالا فان أذن في التسليم قبل قبض الثمن ، أو أذن في البيع بثمن مؤجل ، وفي القبض بعد الأجل ، فهيهنا لا يكون خائنا بالتسليم قبل القبض ، والاختلاف كالاختلاف قبل التسليم ، انتهى.
أقول : مراده أن تقديم قول الوكيل إنما هو في موضع يستلزم نسبته إلى
الخيانة ، والحال أنه أمين ، فيقدم قوله ، والموضع الذي يستلزم ذلك هو كل موضع يتوقف التسليم فيه على القبض ، أما لو لم يكن كذلك بأن يأذن له في التسليم قبل قبض الثمن ، أو أذن له في البيع بثمن مؤجل ، والقبض بعد الأجل ، فإن مرجع الاختلاف بينهما في هذه الحال إلى صورة الاختلاف قبل تسليم المبيع ، بمعنى أن القول قول الموكل ، وفيه ما تقدمت الإشارة إليه من أن مرجع ذلك إلى دعوى الوكيل التصرف بقبض الثمن والتلف ، وقد عرفت أن قوله مقدم فيها ، الا أنه يمكن أن يقال أيضا : ان دعوى التلف الذي يقبل قوله فيه إنما هو بعد القبض ، والحال أنه منتف هنا كما هو المفروض ، وبالجملة فالحكم هنا لا يخلو عن شوب الإشكال.
الثاني : إذا قلنا أن القول قول الوكيل في قبض الثمن من المشتري ، فحلف الوكيل على قوله ، فهل يحكم ببراءة ذمة المشترى أم لا؟ وجهان : قوى أولهما في التذكرة واستظهره في المسالك ، وعلل بأن الحق واحد ، فإذا قبل قول الوكيل في قبضه ، فكيف يتوجه إيجابه على المشتري.
وثانيهما أنه لا يبرئ ذمة المشتري لأصالة عدم الأداء ، وإنما قبلنا من الوكيل في حقه لا يتمانه إياه ، بمعنى أن قبول قول الوكيل في قبضه إنما هو من حيث كونه أمينا يقبل قوله ، وهذا المعنى مفقود في المشتري ، إذ لا يقبل قوله في ذلك لو كان النزاع معه ابتداء ، واستحسن هذا الوجه في التذكرة أيضا ، والوجهان المذكوران للشافعية كما نقله في التذكرة ، والتعليلات المذكورة لهم.
الثالث - إذا حلف الوكيل وقلنا ببراءة المشتري بذلك ثم وجد المشتري بالمبيع عيبا ، فان رده على الموكل وغرمه الثمن لم يكن له الرجوع على الوكيل ، لاعترافه بأن الوكيل لم يأخذ شيئا ، وان رده على الوكيل وغرمه لم يرجع على الموكل ، والقول قول الموكل بيمينه في أنه لم يأخذ منه شيئا ، ولا يلزم من تصديقنا الوكيل في الدفع عن نفسه بيمينه ان نثبت بها حقا على غيره ولو خرج
المبيع مستحقا رجع المشتري بالثمن على الوكيل ، لأنه دفعه إليه ، ولا رجوع له على الموكل لما مر ، كذا ذكره في التذكرة ، والظاهر أنه أشار بقوله لما مر إلى ما قدمه من أن القول قول الموكل بيمينه في أنه لم يأخذ من الوكيل شيئا.
وكيف كان فظاهر كلامه هنا هو الفرق بين صورة ظهور العيب ، وصورة خروج كونه مستحقا ، وأنه في الصورة الثانية انما يرجع على الوكيل خاصة ، ولا رجوع له على الموكل ، وأما في الصورة الأولى فإن له الرجوع على كل منهما كما ذكره في رجوع كل منهما على الآخر ما عرفت.
والمفهوم من كلام الأصحاب هو الخلاف في هذه الصورة أعني الأولى ، فعن الشيخ وبه صرح جمع منهم ، بل الظاهر أنه الأشهر هو أنه يرجع المشتري على الوكيل خاصة ، دون الموكل ، وعلل بأنه لم يثبت وصول الثمن الى الموكل ، واختار في الشرائع الرجوع على الموكل ، قال بعد نقل القول الأول : ولو قيل برد المبيع على الموكل كان أشبه ، وهو مؤذن بأنه لا قائل بذلك قبله واختار ذلك في المسالك أيضا ، قال : والأقوى ما اختاره المصنف ، لان الملك له ، والوكيل نائب عنه ، والبائع في الحقيقة هو الموكل ، ووصول الثمن اليه ، وعدمه لا مدخل له في هذا الحكم أصلا ، بل لا يجوز رده على الوكيل ، لانه ينعزل بالبيع ان لم يكن وكيلا في قبض المبيع على تقدير رده بالعيب ، وكيف كان فقول الشيخ ضعيف ، وكذا تعليله ، انتهى واللّه سبحانه العالم بحقائق أحكامه ونوابه القائمون بمعالم حلاله وحرامه ، والحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على محمد وإله الطاهرين.
وتفصيل البحث في هذه المذكورات يقع في مقاصد أربعة :
وهو ثابت بالنص والإجماع ، وستأتي النصوص بذلك في محلها ، وقد ورد الترغيب فيه وفي جملة من الأخبار وان عبر فيها بلفظ الصدقة ، فإن هذا الإطلاق كان شائعا في الصدر الأول كما دلت عليه جملة من الأخبار.
ومن الأخبار المشار إليها ما رواه في الكافي والتهذيب عن هشام بن سالم (1)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال صدقة أجراها في حياته ، فهي تجري بعد موته ، وسنة هدى سنها ، فهي يعمل بها بعد موته ، أو ولد صالح يدعو له».
وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال ، صدقة أجراها في حياته ، فهي تجري بعد موته ، وصدقة مبتولة لا تورث ، أو سنة هدى فهي يعمل بها بعده ، أو ولد صالح يدعو له».
وعن معاوية بن عمار (3)في الصحيح قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : ما يلحق الرجل بعد موته؟ قال : سنة يسنها يعمل بها بعد موته ، فيكون له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء ، والصدقة الجارية تجري من بعده والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ، ويحج ويتصدق ويعتق عنهما ، ويصلي ويصوم عنهما ، فقلت : أشركهما في حجي؟ قال : نعم».
وعن أبي كهمس (4)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : ستة تلحق المؤمن بعد وفاته ولد يستغفر له ، ومصحف يخلفه ، وغرس يغرسه ، وقليب يحفره ، وصدقة يجريها ، وسنة يؤخذ بها من بعده».
وعن إسحاق بن عمار (5)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام يتبع الرجل بعد موته ثلاث خصال ، صدقة أجراها في حياته ، فهي تجري له بعد وفاته ، وسنة هدى سنها ، فهي يعمل بها بعد موته ، وولد صالح يدعو له».
1) الكافي ج 7 ص 56 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 232 ح 2 ، الوسائل ج 13 ص 292 ح 1.
2) الكافي ج 7 ص 56 وص 57 ح 2 و 4، الوسائل ج 13 ص 292 ح 2 وص 293 ح 4.
3) الكافي ج 7 ص 56 وص 57 ح 2 و 4، الوسائل ج 13 ص 292 ح 2 وص 293 ح 4.
4) الكافي ج 7 ص 57 و 56 ح 5 و 3، الوسائل ج 13 ص 293 ح 5 و 3.
5) الكافي ج 7 ص 57 و 56 ح 5 و 3، الوسائل ج 13 ص 293 ح 5 و 3.
قال في المسالك : قال العلماء الصدقة الجارية الوقف ، وهو تعريف ببعض الخواص ، وكيف كان فاللفظ الصريح في عقده وقفت ، لأنه الموضوع له لغة وشرعا وقد صرح جملة من الأصحاب بأن أوقفت بالهمزة لغة شاذة فيه ، قال في المسالك والظاهر أن الصيغة بها صحيحة ، وان كانت غير فصيحة ، وأما غير هذا اللفظ من الألفاظ مثل حبست ، وسبلت فقيل : أنه يصير وقفا من غير توقف على القرينة ، للحديث النبوي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) المتقدم. وقيل : لا يكون الا مع القرينة.
وأما أبدت وحرمت وتصدقت فلا يحمل على ذلك الا مع القرينة ، كقيد التأبيد ، ونفي البيع ، والهبة والإرث ونحوها.
والوجه في ذلك أن الوقف لما كان من العقود الناقلة للملك على وجه اللزوم ، افتقر الى اللفظ الصريح الدال على ذلك ، وهذه الألفاظ لما كانت مشتركة بين هذا المعنى وغيره ، ولم تكن صريحة فيه امتنع الحكم بدلالتها على ذلك ، فإنه يصح إطلاقها على التمليك المحض وإخراج الزكاة والصدقات المطلقة ، والهبات ونحوها ، فلا بد في الحكم بالوقف فيها من ضم قرينة تدل على ارادة ذلك ، كقوله صدقة موقوفة ، أو دائمة أو مؤبدة وأن لاتباع ، ولا توهب ، ونحو ذلك.
وقد ظهر مما ذكرناه أن الألفاظ المعبر بها في عقد الوقف منها ما هو صريح فيه ، لا يتوقف على قرينة إجماعا ، وهو لفظ وقفت.
ومنها ما هو متوقف على القرينة إجماعا كحرمت وتصدقت وأبدت.
ومنها ما هو مختلف فيه كحبست وسبلت ، فذهب جمع منهم العلامة في التذكرة والقواعد إلى أنهما صريحان ، كوقفت ، ومثلهما أحبست بزيادة الهمزة بغير اشكال ، نظرا إلى الاستعمال العرفي لهما فيه مجردين ، كما ورد في الخبر النبوي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) المتقدم فإنه أطلق عليه تحبيس الأصل ، ورد بأن مجرد الاستعمال أعم من المطلوب ، والظاهر وجود القرينة في هذا الاستعمال ومعها لا اشكال فيه.
والمراد بالصدقة الجارية في هذه الأخبار هي الوقف كما أشار إليه الشهيد في الدروس ، وقال ابن فهد في موجزه : قال العلماء : المراد بالصدقة الجارية الوقف فان قيل : المعدود في الحديث الثاني أربع خصال ، مع أنه صرح في صدر الخبر بأنها ثلاث خصال ، قلنا : المعدود فيه إنما هو ثلاث ، ولكنه قسم الصدقة التي هي إحدى الثلاث إلى قسمين ، صدقة أجراها في حياته ، فهي تجري بعد موته ، وهي الوقف كما ذكرناه ، وصدقة مبتولة لا تورث ، ولعله مثل بناء المساجد والرباطات وحفر الآبار ، وبناء القناطر ، ونحو ذلك ، ولعل المراد بكونها مبتولة كونها مرادا بها وجه اللّه عزوجل والتقرب إليه.
وذكر الشيخ في المبسوط أن أوقاف الجاهلية كانت أربعة ، السائبة والبحيرة والوصيلة والحام ، ثم بين معانيها الى أن قال : وجاء الشرع بإبطالها ، قال اللّه تعالى (1)«ما جَعَلَ اللّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ» الآية.
والبحث في هذا المقصد يقع في مطالب الأول - في العقد وما يلحق به ، والكلام فيه يقع في موضعين الأول - قالوا : الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة قيل : وهذا التعريف تبعا للحديث النبوي (2)«عنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) قال : حبس الأصل وسبل الثمرة». والمراد بتحبيس الأصل المنع من التصرف فيه ، كالتصرف في الأملاك بالبيع والهبة ، والصدقة ونحوها ، بحيث يكون ناقلا للملك ، وتسبيل الثمرة إباحتها للموقوف عليه ، بحيث يتصرف فيها كتصرفه في أملاكه.
وجملة من الأصحاب عبروا بإطلاق المنفعة عوض لفظ التسبيل ، وهو أظهر في مقابلة التحبيس ، وعرفه في الدروس بأنه الصدقة الجارية ، قال : وثمرته تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة ، قيل هذا التعريف تبعا لما ورد في الأخبار المتقدمة.
وذهب جمع ومنهم المحقق والعلامة في غير الكتابين المذكورين إلى افتقارهما إلى القرينة ، لاشتراكهما في الاستعمال بينه وبين غيره ، والمشترك لا يدل على شيء من الخصوصيات من حيث هو ، ولأصالة بقاء الملك إلى أن يحصل الناقل الشرعي ، وهو غير معلوم.
وأما أقوال المتقدمين من الأصحاب في المقام فمنها قول الشيخ في الخلاف ، قال : إذا تلفظ بالوقف فقال : وقفت أو حبست أو تصدقت ، أو سبلت وقبض الموقوف عليه أو من يتولى عنه لزم الوقف.
وهذا الكلام كما ترى يعطي صحة الوقف بأي هذه الألفاظ من غير توقف على قرينة ، مع أنه قد ادعي الإجماع على الاختصاص بلفظ الوقف ، والإجماع على العدم مع عدم القرينة في لفظ تصدقت وحرمت ، كما قدمنا ذكره ، وقال في الخلاف أيضا : ألفاظ الوقف التي يحكم بصريحها قوله ، وقفت وحبست وسبلت وما عداها يعلم بدليل ، وبإقراره أنه أراد به الوقف ، وذلك كقوله تصدقت وحرمت وأبدت وبذلك قال ابن زهرة ، وقطب الدين الكيدري.
وقال في المبسوط : الذي يقوى في نفسي أن صريح الوقف قوله واحد ، وهو وقفت لا غير ، وبه يحكم بالوقف فأما غيره من الألفاظ فلا يحكم به الا بدليل ، وهو قول ابن إدريس قال : لأن الإجماع منعقد على أن ذلك الصريح في الوقف ، وليس كذلك ما عداه.
قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال : والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط ، لنا أصالة بقاء الملك على صاحبه ، وعدم خروجه عنه الا بوجه شرعي ولا عرف شرعي هنا سوى صريح الوقف ، لاشتراك البواقي بينه وبين غيره ، والموضوع للقدر المشترك لا دلالة له على شيء من الخصوصيات بشيء من الدلالات نعم إذا انضم القرائن صار كالصريح في صحة الوقف به.
بقي الكلام هنا في أمور الأول : لو نوى الوقف فيما يفتقر إلى القرينة
وقع الوقف باطنا ، ودين بنيته ، ولو اعترف بذلك أخذ باعترافه ، كما أنه لو لم ينو بالصريح الوقف لم يكن وقفا باطنا ، وان حكم به بظاهر اللفظ ، لأن المدار في الصحة واقعا إنما هو على القصود والنيات.
والفرق بين الصريح وغيره مع اشتراكهما في اعتبار القصد والنية أن الصريح يحمل عليه ظاهرا ، قصد أو لم يقصد ، بخلاف غيره ، فإنه لا يحكم عليه الا مع القرينة ، أو الاعتراف بقصد الوقف ونيته ، وهو معنى كونه يدان بنيته.
الثاني : نقل عن العلامة في التذكرة الفرق بين اضافة لفظ الصدقة إلى جهة عامة كقوله تصدقت بهذا على المساكين ، وإضافته إلى جهة خاصة ، كقوله لمعين تصدقت به عليك أو عليكم فجعل الأول ملحقا بالصريح ، فيكون وقفا بخلاف الثاني ، فإنه يرجع فيه إلى نيته كما أطلقه غيره ، ورد بان الفرق غير واضح.
الثالث : ظاهر عبارات أكثر الأصحاب وهو صريح العلامة في التذكرة والقواعد أن كل واحد من الألفاظ الثلاثة التي هي غير صريحة في الوقف إجماعا يقع الوقف بكل منها مع نيته ، أو انضمام غيره اليه ، وقال الشهيد في الدروس :
ان ظاهر الأصحاب يدل على أن تصدقت وحرمت صيغة واحدة ، فلا تغني الثانية عن الأول ، وتغني الأولى مع القرينة ، قال في المسالك : وما ادعاه من الظاهرية غير ظاهر.
الرابع : لا يخفى على من له أنس بالاخبار ومن جاس خلال تلك الديار أن الوقف في الصدر الأول أعني زمن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وزمن الأئمة عليهمالسلام إنما يعبر عنه بالصدقة ، لكن هذا التعبير محفوف بقرائن عديدة ، وألفاظ كثيرة تدل على ارادة الوقف ، ومن ذلك الأخبار المتقدمة في صدر المقصد المعبر في بعضها بصدقة جارية ، وفي آخر لا تورث ، والمراد بالجارية المستمرة بعده ، وهو كناية عن التأبيد.
ومن ذلك خبر صدقة علي عليهالسلام (1)بداره التي في بني زريق ، قال : هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب عليهالسلام وهو حي سوي تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولا توهب حتى يرثها اللّه تعالى الذي يرث السموات والأرض ، وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهن ، فان انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين».
وأخبار صدقة فاطمة عليهاالسلام (2)وأنها جعلتها لبني هاشم ، وبنى عبد المطلب.
وصدقة أمير المؤمنين (3)عليهالسلام لما جائته البشير بالعين التي خرجت في ينبع فقال : عليهالسلام بشر ، الوارث هي صدقة بتة بتلا في حجيج بيت اللّه وعابري سبيل اللّه ، لاتباع ولا توهب ، ولا تورث».
وصدقة الكاظم عليهالسلام (4)بأرض له ، «وفيها تصدق موسى بن جعفر بصدقته هذه وهو صحيح صدقة حبسا بتلا بتا لا مشوبة فيها ولا رد أبدا ابتغاء وجه اللّه عزوجل والدار الآخرة ، لا يحل لمؤمن يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيعها أو شيئا منها ، ولا يهبها ولا ينحلها» الحديث.
الى غير ذلك من الأخبار ، وبذلك علم اشتراك هذا اللفظ بين الوقف وبين الصدقة بالمعنى الآتي في المقصد الثاني.
وأما اللفظان الآخران فالاشتراك فيهما من حيث مفهوم اللفظ ، فإنه أعم من الوقف وغيره ولم أقف في شيء من الأخبار لغير هذين اللفظين أعنى لفظي الوقف والصدقة على أثر ، فالأحوط أن يجعل العقد أحدهما خاصة ، وان صح بغيرهما من الكنايات المحفوفة بالقرائن بناء على المشهور ، الا أنه لا يبعد الانحصار في هذين اللفظين وقوفا على ما خالف الأصل على مورد النص بمعنى أن الأصل بقاء الملك لمالكه والذي ورد من الصيغة المخرجة منحصر في هذين اللفظين وليس
1) التهذيب ج 9 ص 131 ح 7 ، الفقيه ج 4 ص 183 ح 23 ، الوسائل ج 13 ص 304 ح 4.
2) الكافي ج 7 ص 48 وص 54 ح 4 و 9، التهذيب ج 9 ص 148 ح 56 ، الوسائل ج 13 ص 294 ح 8 وص 303 ح 2.
3) الكافي ج 7 ص 48 وص 54 ح 4 و 9، التهذيب ج 9 ص 148 ح 56 ، الوسائل ج 13 ص 294 ح 8 وص 303 ح 2.
4) الكافي ج 7 ص 53 ح 8 ، الوسائل ج 13 ص 314 ح 5.
الحكم هنا كسائر العقود المبنية على مجرد الرضا ، فكل لفظ دل عليه كفى في المراد وحصل به النقل ، ولهذا ان روايات سائر العقود غاية ما تدل عليه ، هو الأنعقاد بمجرد الألفاظ الجارية في مقام المحاورة بين المتعاوضين دالة على الرضا ، وفيما نحن فيه انما دلت على هذين اللفظين خاصة ، إلا أنه ربما انقدح الاشكال هنا من وجه آخر ، وهو انهم قد صرحوا باستعمال لفظ الوقف في مجرد الحبس الذي هو معناه لغة ، ويرجع الى ما يأتي من السكنى والعمرى والرقبى ، وعليه دلت الأخبار أيضا كما سيأتي إنشاء اللّه ، وبه ينقدح الاشكال فيما ادعوه من أن لفظ الوقف صريح في هذا المعنى المدعي الذي هو مشروط بالتأبيد ، وكيف يكون صريحا فيه مع استعماله نصا وفتوى فيما قلناه.
وكيف كان فالأحوط هو ضم القرائن الدالة على الوقف المدعى ، سوآء وقع التعبير بلفظ الوقف أو الصدقة ، والاقتصار على هذين اللفظين من حيث ورود النصوص بهما واللّه العالم.
الموضع الثاني : اختلف الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في اشتراط القبول في الوقف بعد الاتفاق على الإيجاب فظاهر الأكثر حيث ذكروا الإيجاب ولم يتعرضوا لذكر القبول هو عدم اشتراطه مطلقا ، وهو أحد الأقوال في المسئلة ، وعلل بأن الأصل عدم الاشتراط ، ويؤيده أنه ليس في النصوص ما يدل عليه ، ولأن الوقف كالإباحة ، خصوصا إذا قلنا أن الملك فيه ينتقل الى اللّه عزوجل ، ولأنه فك ملك فيكفي فيه الإيجاب كالعتق ، واستحقاق الموقوف عليه النفقة كاستحقاق العتق منافع نفسه.
وقيل ، باعتباره مطلقا ، ونقل عن التذكرة ، لإطباقهم على أنه عقد ، فيعتبر فيه الإيجاب والقبول كسائر العقود ، ولأن إدخاله في ملك الغير بغير رضاه بعيد ، ولأصالة بقاء الملك على مالكه بدونه.
وقيل : بالتفصيل وهو اعتباره ان كان على جهة خاصة ، كشخص معين ،
أو جماعة معينين ، لما تقدم في سابق هذا القول ، ولإمكان القبول ، وان كان على جهة عامة كالفقراء والمساجد ونحوهما لم يعتبر ، لأنه حينئذ فك ملك ، ولأن الملك فيه ينتقل إلى اللّه عزوجل ، بخلاف الأول ، فإنه ينتقل فيه إلى الموقوف عليه.
أقول : وإلى هذا القول ذهب الشهيد في الدروس ، ويظهر من المحقق في الشرائع والشارح في المسالك الميل إليه ، وأنت خبير بأن الذي يظهر لي من تتبع الأخبار هو القول الأول لخلوها من ذكر ذلك في الوقوف الخاصة والعامة.
وقد تقدم صورة وقف أمير المؤمنين عليهالسلام داره التي في بني زريق على خالاته ، والخبر مروي في الفقيه في الصحيح عن ربعي (1)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام ، قال : «تصدق أمير المؤمنين عليهالسلام بدار له في المدينة في بني زريق فكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به على بن أبي طالب عليهالسلام الحديث». كما تقدم.
والتقريب فيه أنه لو كان القبول شرطا لنقله عليهالسلام في حكاية الصدقة المذكورة ، لأنه ليس الغرض من حكاية ذلك إلا بيان الأحكام في المقام ، وظاهره لزوم الوقف وصحته بهذا اللفظ الذي كتبه عليهالسلام في ذلك ، وإثبات شيء يزيد على ذلك يتوقف على الدليل ، وأصالة العدم أقوى مستمسك ، في المقام.
ونحو هذا الخبر ما رواه الشيخ في التهذيب عن عجلان أبي صالح (2)«قال أملى علي أبو عبد اللّه عليهالسلام بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به فلان بن فلان وهو حي سوي بداره التي في بنى فلان بحدودها صدقة لاتباع ولا توهب ولا تورث حتى يرثها وارث السموات والأرض وأنه قد أسكن صدقته هذه فلانا وعقبه فإذا انقرضوا فهي على ذي الحاجة من المسلمين».
ومن الظاهر أن ما ذكره عليهالسلام إنما هو تعليم للناقل كيفية الوقف المترتبة
عليه أحكامه ، ولو كان القبول من شروط الصحة فيه كما ادعوه لذكره عليهالسلام.
ومن ذلك أيضا حديث صدقة الكاظم عليهالسلام (1)بأرض له على أولاده المروي في الكافي ، وفيه هذا ما تصدق به موسى بن جعفر عليهالسلام بأرض بمكان كذا وكذا وحد الأرض كذا وكذا كلها ونخلها وأرضها وبياضها ومائها وأرجائها وحقوقها وشربها من الماء إلى أن قال : تصدق بجميع حقه من ذلك على ولده من صلبه الرجال والنساء ، ثم ذكر قسمة الغلة بعد عمارة الأرض وما يحتاج اليه عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، وذكر شروطا في البنات إلى أن قال : صدقة حبسا بتلا بتا لا مشوبة فيها ، ولا رد أبدا ابتغاء وجه اللّه تعالى سبحانه والدار الآخرة ، لا يحل لمؤمن يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيعها ولا شيئا منها ، ولا يهبها ولا ينحلها ولا يغير شيئا منها مما وصفته حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها» : ثم ذكر الناظر في الوقت من أولاده على ترتيب ذكره عليهالسلام ولم يتعرض فيها لذكر القبول ، فلو أنه شرط في الصحة كما ادعوه لأخبر بأنهم قد قبلوا ذلك ، وهذا الكتاب حجة على منكر الوقف من أولاده ، ولو كان القبول شرطا في الوقف والحال أنه لم يذكره في الكتاب لكان للمنازع أن يبطل الوقف لهذه الدعوى فلا يكون كتابه عليهالسلام حجة في ذلك ، وهذا خلف ، وهذه جملة من أخبار الوقوف الخاصة.
ومن الأخبار في الوقوف العامة خبر وقف أمير المؤمنين عليهالسلام العين التي في ينبع ، والخبر مروي في التهذيب عن أيوب بن عطية الحذاء (2)قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : قسم نبي اللّه الفيء فأصاب عليا عليهالسلام أرض فاحتفر فيها عينا فخرج ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير فسماها ينبع فجاء البشير يبشره فقال : عليهالسلام بشر الوارث هي صدقة» الحديث. كما تقدم ومعلومية عدم الاشتراط فيه أظهر.
وبالجملة فإنه لا أثر لهذا الشرط في الأخبار ، ولا دليل بالكلية غير هذه الوجوه الاعتبارية ، وأصالة العدم أقوى دليل ، واللّه الهادي إلى سواء السبيل ، قال في المسالك بعد الكلام في ذلك : وحيث يعتبر القبول مطلقا أو على بعض الوجوه يعتبر فيه ما يعتبر في غيره من العقود اللازمة من اللفظ العربي المطابق للإيجاب المتعقب له بغير فصل يعتد به ، الى غير ذلك من الشروط ، ويتولاه في المصالح العامة على القول باعتباره الناظر عليها كالحاكم ومنصوبه كما يتولى غيره من المصالح ، وعلى القولين لا يعتبر قبول البطن الثاني ولا رضاه ، لتمامية الوقف قبله فلا ينقطع ، ولأن قبوله لا يتصل بالإيجاب ، فلو اعتبر لم يقع له كغيره من العقود اللازمة ، انتهى.
وأنت خبير بما في أكثر هذا الكلام ، وان جمد عليه جملة ممن تأخر عنه من الأعلام ، فإنه نفخ في غير ضرام كما تقدمت الإشارة إليه في غير مقام ، مضافا الى ما عرفت من أنه لا دليل هنا على هذا القبول ، وما ذكره من الاشتراطات المذكورة في العقود اللازمة كله محض دعا ولا دليل عليها إلا مجرد أمور اعتبارية عللوها بها ، مع ردها بالأخبار الظاهرة في خلافها.
ثم ان قوله وعلى القولين لا يعتبر قبول البطن الثاني ولا رضاه لتمامية الوقف قبله لا يخلو من المناقشة ، فإن هذا انما يتم لو قام الدليل على اشتراط الرضا في البطن الأول ، فيقال : حينئذ ان شرط صحة الوقف قد حصل ، وانعقد الوقف ، والحكم ببطلانه بعد ذلك يحتاج الى دليل ، ولم يثبت ان عدم رضا البطن الثاني موجب للبطلان. أما على ما قلناه من أنه لا دليل على القبول ، ولا على اعتبار الرضا في البطن الأول بل ظاهر الأدلة انما هو الأعم كما سمعت من أوقاف الأئمة عليهمالسلام فإنه ليس فيها اشارة ، فضلا عن صريح الدلالة باعتبار رضا الموقوف عليه ولا قبوله ، فإنه يكون ذلك في البطن الثاني بطريق أولى ، واللازم لهم باعتبار اشتراطهم ذلك في البطن الأول بهذه التعليلات الاعتبارية ، هو كونه
كذلك في البطن الثاني ، إذ العلة مشتركة ، والتعليل بتمامية الوقف قبله معلوم فإنه يمكن أن يقال : ان تمامية الوقف مراعاة برضا البطن الثاني والثالث وهكذا فان حصل استمر الوقف ، والا بطل ، والتعليل بأن قبوله لا يتصل بالإيجاب أظهر بطلانا ، فإنه انما يتم لو قام دليل على ما يدعونه من هذا الشرط ، وقد عرفت أنه لا دليل عليه ان لم تكن الأدلة واضحة في خلافه ، بل هي كذلك كما لا يخفى على من راجع أخبار العقود واللّه العالم.
قالوا : وهي أربعة : الدوام والتنجيز والإقباض وإخراجه عن نفسه ، فهنا مسائل الاولى : الظاهر من كلام الأكثر هو اشتراط الدوام في الوقف ، وقد تقدم في أخبار وقوف الأئمة عليهمالسلام ما يدل عليه ، وظاهره في المسالك المناقشة في ذلك حيث ذكر أنه متنازع مشكوك فيه ، واقتفاه صاحب المفاتيح في ذلك فقال : ان اشتراط التأبيد لا دليل عليه ، بل الأصل والعمومات تنفيه.
أقول : لا يخفى ان العقود الشرعية الموجبة لنقل الأملاك يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة من الكيفية والشروط فعلا أو أمرا بذلك ، والأوقاف التي صدرت منهم عليهمالسلام كما قدمنا لك جملة منها ، قد اشتملت على التأبيد ، لقولهم حتى يرثها اللّه الذي يرث السموات والأرض ، وهو كناية عن دوامها الى يوم القيامة ، والخروج عنها بغير معارض سفسطة ، وبه يظهر ما في تمسكه بالأصل والعموم ، فإنه ناش عن الغفلة عن ملاحظة الأخبار المذكورة كما لا يخفى ، وحينئذ فلو قرنه بمدة معينة كسنة مثلا أو وقف على من ينقرض غالبا فإنه يبطل الوقف بغير خلاف.
وانما الخلاف هنا في مواضع ثلاثة الأول - فيما لو قرنه بمدة معينة ، فإنه هل يصح أن يكون حبسا فلا يبطل بالكلية أم لا؟ قولان : وبالثاني منهما صرح المحقق في الشرائع ، لأن شرط الوقف الدوام ، فيبطل ، لعدم حصول الشرط ،
وبالأول صرح الشهيد في الدروس ، واختاره في المسالك ، قال : لوجود المقتضي وهو الصيغة الصالحة للحبس ، لاشتراك الوقف والحبس في المعنى ، فيمكن اقامة كل منهما مقام الآخر ، فإذا قرن الوقف بعدم التأبيد كان قرينة لإرادة الحبس ، كما لو قرن الحبس بالتأبيد فإنه يكون وقفا كما مر ، وهذا هو الأقوى ، لكن انما يتم مع قصد الحبس ، فلو قصد الوقف الحقيقي وجب القطع بالبطلان لفقد الشرط ، انتهى.
أقول : من الظاهر أنه يمكن إرجاع القول الأول الى ما ذكره من هذا التفصيل ، فان تعليل القول المذكور بما تقدم من قوله ان الدوام شرط فيبطل الوقف بعدم الشرط ، يشير الى ذلك ، حيث أن غاية ما يعطيه هو بطلان الوقف لا بطلان الحبس ، والا لاحتياج في بطلان الحبس إلى أمر زائد على ما ذكر مع أنه غير مذكور في كلامه القول بالصحة ، وكونه حبسا صرح ابن إدريس أيضا فقال والوقف لا يصح إلا أن يكون مؤبدا على ما قدمناه ، فلا يصح أن يكون موقتا. فان جعله كذلك لم يصح الا أن يجعله سكنى أو عمري أو رقبى على ما سنبينه عند المصير اليه.
والأظهر في الاستدلال على الصحة في الصورة هو ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) في الصحيح عن علي بن مهزيار (1)قال : «قلت : روى بعض مواليك عن آبائك عليهمالسلام أن كل وقف الى وقت معلوم فهو واجب على الورثة وكل وقف الى غير وقت معلوم جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة ، وأنت أعلم بقول آبائك عليهمالسلام فكتب عليهالسلام : هو عندي كذا».
والظاهر أن معنى الخبر المذكور هو أن الوقف إذا كان مقيدا بوقت معلوم كما هو محل البحث فهو صحيح واجب على الورثة إنفاذه في تلك المدة ، ويكون حبسا ، وان لم يذكر له وقت ، أو كان وقتا مجهولا كأن يقول : الى وقت ما ، فإنه يكون باطلا.
1) التهذيب ج 9 ص 132 ح 8 ، الفقيه ج 4 ص 176 ح 3 ، الكافي ج 7 ص 36 ح 31 ، الوسائل ج 13 ص 307 ح 1.
والشيخ (رحمة اللّه عليه) في الكتابين حمل الوقت هنا على الموقوف عليه دون المدة.
استنادا إلى صحيحة الصفار (1)قال : كتبت الى أبى محمد عليهالسلام أسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو؟ فقد روى أن الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة ، وإذا كان موقتا فهو صحيح ممضى ، قال قوم : ان الموقت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان وعقبه ، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين الى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها : وقال آخرون : هذا موقت إذا ذكر أنه لفلان وعقبه ما بقوا ، ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين الى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، والذي هو غير موقت أن يقول : هذا وقف ، ولم يذكر أحدا فما الذي يصح من ذلك ، وما الذي يبطل؟ فوقع عليهالسلام الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها.
أقول : لا يخفى أن المتبادر من لفظ الوقت انما هو الزمان ومجرد تفسير هؤلاء المذكورين بالموقوف عليه مجازا لا يقتضي تقييد ذلك الخبر بذلك ، بل يحمل كل منهما على ما دل عليه كما هو المقرر في كلام الأصحاب ومع تسليم التقييد ، فإنه يكفي في الاستدلال على ما نحن فيه بهذا الخبر إطلاق قوله عليهالسلام «الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها» ويدل على أنه إذا وقفه مقيدا بمدة معينة كان صحيحا في تلك المدة ، ويخرج من هذا الإطلاق ما قام الدليل على بطلانه كما لو وقف بغير مدة ، ولا ذكر الموقوف عليه ، ونحوه من الوقوف التي قام الدليل على بطلانها ، وفي هذين الخبرين دلالة على ما قدمنا ذكره من صحة إطلاق الوقف على التحبيس وبه يظهر أن ما قدمنا نقله عنهم من أن لفظ وقف صريح في الوقف المؤبد ليس في محله.
الثاني : لو وقف على من ينقرض غالبا ولم يذكر المصرف بعده ، كأن وقف على أولاده واقتصر على بطن أو بطون ، فهل يصح وقفا أو حبسا أو يبطل؟ أقوال
1) التهذيب ج 9 ص 132 ح 9 ، الفقيه ج 4 ص 176 ح 1 ، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
ثلاثة : وبالأول قال الشيخان ، وابن الجنيد ، وسلار ، وابن البراج ، وابن إدريس على ما نقله في المختلف ، والظاهر أنه المشهور.
وبالثاني قال العلامة في القواعد والإرشاد ، وبه قال ابن حمزة ، فإنه قال على ما نقله في المختلف : فان علق على وجه يصح انقراضه كان عمري ، أو رقبى أو سكنى أو حبسا بلفظ الوقف.
والثالث غير معلوم قائله ، وقال الشيخ في المبسوط والخلاف : إذا وقف على على من يصح انقراضه في العادة مثل أن يقف على ولده وولد ولده وسكت ، فمن أصحابنا من قال : لا يصح الوقف ، ومنهم من قال يصح.
أقول : والى القول بالصحة قال العلامة في المختلف ، واحتج عليه قال : لنا أنه نوع تمليك وصدقة ، فيتبع اختيار المالك في التخصيص وغيره ، كغير صورة النزاع ، وللأصل ، ولأن تمليك الأخير ليس شرطا في تمليك الأول ، وإلا لزم تقدم المعلول علي العلة.
وما رواه أبو بصير (1)قال : «قال أبو جعفر عليهالسلام : ألا أحدثك بوصية فاطمة عليهاالسلام؟ قلت : بلى فأخرج حقا أو سفطا فأخرج منه كتابا فقرأه «بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أوصت بحوائطها السبعة العواف والدلال والبرقة والميثب والحسنى والصافية وما لأم إبراهيم الى علي بن أبي طالب عليهالسلام فان قضى علي فإلى الحسن فان مضى فإلى الحسين فان مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي شهد اللّه على ذلك ، والمقداد بن الأسود والزبير بن العوام ، وكتب علي بن أبي طالب عليهالسلام.
ثم قال (قدسسره) : ويمكن أن يتعرض على الحديث بأنها عليهاالسلام علمت عدم انقراض أولادها من النص على الأئمة عليهمالسلام وأن الدنيا تقبض مع انقراضهم ، ومن
1) التهذيب ج 9 ص 144 ح 50 ، الفقيه ج 4 ص 180 ح 13 ، الوسائل ج 13 ص 311 ح 1.
قوله (1)(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) حبلان متصلان لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ،». قال (قدسسره) : احتج المانعون بأن الوقف مقتضاه التأبيد ، فإذا كان منقطعا صار وقفا على مجهول ، فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء.
والجواب المنع من الصغرى ، والفرق بينه وبين مجهول الابتداء ظاهر ، فان المصرف غير معلوم هناك ، وأما هنا فالمصرف معلوم ، انتهى.
وأنت خبير بما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه وخافية فإن لقائل أن يقول ان ما ذكره من انه نوع تمليك مردود بأنه لم يعقل في التمليك كونه موقتا بمدة وكذا الصدقة وما ذكره من الأصل بمعنى أصالة الصحة متوقف على اجتماع شرائط الصحة ، وهو عين المتنازع ، لان الخصم يجعل من تلك الشرائط التأبيد ، فالاستدلال بذلك لا يخرج عن المصادرة ، وهكذا ما ذكره غيره من الاستناد الى الأمر بالوفاء بالعقود ، فإنه موقوف على تحقق العقد ، ومع عدم جمعه الشرائط لا يصير عقدا يمكن الاستدلال به ، فهو لا يخرج عن محل النزاع.
وأما قوله ولأن تملك الأخير ليس شرطا ففيه أنا لا ندعي كونه شرطا وانما الشرط بيان المصرف الأخير ليتحقق معنى الوقف ، وهو هنا غير حاصل ، فلا يتم صحة الوقف.
وأما الخبر الذي أورده ففيه أولا أنه لم يصرح فيه بالوقف ، وانما هو وصيته والظاهر أن المراد انما هو الوصية بالولاية على الوقف ، لما دل عليه غيره من أن صدقتها كانت لبني هاشم ، وبنى المطلب ، وسيأتي الخبر المذكور إنشاء اللّه تعالى ، فهو خارج عن محل البحث.
وثانيا أنه مع تسليم ارادة الوقف من هذا اللفظ فالجواب عنه ما ذكره من علمها عليهاالسلام ببقاء الموقوف عليه الى تمام الدنيا ، فلا يكون ايضا من محل البحث.
1) الوسائل ج 18 ص 19 ح 9 الباب 5 من أبواب صفات القاضي.
وبالجملة فإن القول بكونه وقفا والحال هذه انما يتم بمنع اشتراط التأبيد في الوقف ، وهم لا يقولون به ، فإن جملة من نقلنا خلافه في هذه المسئلة وقوله بكونه وقفا قد صرح باشتراط الدوام في الوقف ، وهو مناقضة ظاهرة ، وممن صرح بذلك ابن إدريس في سرائره ، والشيخ في النهاية والمبسوط ، والعلامة في القواعد والإرشاد ، والمحقق وغيرهم.
نعم ظاهر المفيد في المقنعة حيث لم يصرح بهذا الشرط هو عدم شرطيته وحينئذ فالمناقضة غير لازمة له ، وأما غيره فالأمر فيه كما ترى.
وبالجملة فإن مقتضى القول بشرطيته هو ما قلناه من عدم القول بصحته وقفا هنا ، سيما مع دلالة ظاهر النصوص على شرطيته كما عرفت ، وحينئذ فيجب انتفاء القول بالوقف ، والظاهر حينئذ من القولين الباقيين هو القول بالتحبيس وعلى تقدير النزاع في شرطية التأبيد كما يظهر من المسالك ، أنه لا يظهر الفرق هنا بين كونه وقفا وحبسا الا بالقصد ، والواجب هو الرجوع في ذلك اليه ، إلا أن فائدة الفرق بين الأمرين على هذا الوجه نادرة ، والأقرب عندي هو القول بالتحبيس لما عرفت من ثبوت شرطية الدوام في الوقف ، فلا يمكن الحكم بكونه وقفا ، وليس القول بالتحبيس إلا لزوم استعمال لفظ الوقف في الحبس مجازا ، وقد عرفت أنه شائع في الأخبار.
وتدل على الصحة وكونه حبسا هنا صحيحة الصفار المتقدمة ، والتقريب فيها أن السائل سأله أنه قد روى أنه ان كان موقتا فهو صحيح ممضى ، ولكن اختلف الأصحاب في هذا الفرد الصحيح هل هو المؤبد أو منقطع الأخر؟ فأجاب عليهالسلام بأن الوقف على حسب ما يذكره الواقف ، بمعنى أنه ان ذكره الوقف مؤبدا فهو وقف مؤبد ، وان ذكره منقطع الآخر فهو وقف ما دام الموقوف عليه موجودا.
الثالث : قد عرفت الخلاف في الوقف المنقطع الآخر وأن الأشهر هو الصحة ، أما وقفا كما هو أحد الأقوال ، أو حبسا ، ثم انه لو لم ينقرض الموقوف عليه بل
استمر كما لو وقف على أولاده ، ثم أولاد أولاده ، وهكذا واستمر الانتساب ، فالظاهر أنه لا خلاف في صحة الوقف
أما لو انقرضوا فقد اختلف الأصحاب فيمن يرجع اليه ، فقيل : برجوعه إلى ورثة الواقف ، وقيل : ورثة الموقوف عليهم ، وقيل : انه يصرف في وجوه البر ، وبالأول قال الشيخ وسلار وابن البراج ، واختاره العلامة في المختلف بل في أكثر كتبه ، والمحقق في الشرائع ، وأسنده في المسالك إلى الأكثر ورجحه.
وبالثاني قال الشيخ المفيد وابن إدريس وقواه العلامة في التحرير.
وبالثالث قال ابن زهرة ، قال : وقد روي أنه يرجع الى ورثة الواقف ، والأول أحوط ، ونفى عنه البأس العلامة في المختلف ، وظاهر الشهيد في الدروس التوقف في الحكم المذكور ، حيث اقتصر على نقل الأقوال في المسئلة ، ولم يرجح منها شيئا ، وهذا الخلاف هنا متفرع على القول بكونه وقفا كما هو المشهور بينهم ، وإلا فإنه على تقدير كونه حبسا لا إشكال في أنه انما يرجع الى الواقف أو ورثته ، كما هو قضية التحبيس المختص بمن حبس عليه ، وأظهر منه في ذلك القول بالبطلان ، واستدل للقول الأول بأنه بالوقف لم يخرج عن ملك المالك بالكلية ، وانما تناول أشخاصا فلا يتعدى الى غيرهم ، ولظاهر قول العسكري عليهالسلام (1)الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها إنشاء اللّه تعالى. والواقف إنما وقفه هنا على من ذكره ، فلا يتعدى الى غيرهم ، ويبقى أصل الملك لمالكه.
واستدل للقول الثاني بانتقال الملك الى الموقوف عليه قبل الانقراض ، فيستصحب ، ولأن عوده الى الواقف بعد خروجه يفتقر الى سبب ولم يوجد ، ولأنه نوع صدقة ، فلا يرجع اليه.
1) التهذيب ج 9 ص 129 ح 2 ، الفقيه ج 4 ص 176 ح 1 ، الكافي ج 7 ص 37 ح 34 ، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
وللثالث بما ذكره العلامة في المختلف ، ونفى عنه البأس حيث قال : ولا بأس بقول ابن زهرة ، لانتقال الوقف من الواقف ، وزوال ملكه عنه ، والعجب ان هذه الحجة التي احتج بها لابن زهرة ترجع الى ما استدل به على القول الثاني ، وهو في المختلف قد أجاب عن ذلك بالمنع من كون الوقف مطلقا ناقلا بل المؤبد ، قال : ونمنع من كون الموقوف عليه مالكا إلا مع التأبيد ، وما أجاب به عن ذلك الدليل لازم له في رد دليله المذكور.
وبذلك يظهر لك ما في القولين الآخرين من القصور ، وأن الظاهر هو القول المشهور ، إلا أن كلامهم هنا غير خال من الإجمال ، بل تطرق الاشكال ، لما عرفت من أن هذا الخلاف متفرع على القول بصحة الوقف كما هو المشهور والذي هو أحد الأقوال الثلاثة في المسئلة المتقدمة في الموضع الثاني ، وإلا فعلى القول بكونه حبسا فإنه يرجع الى الواقف أو ورثته بغير خلاف ولا اشكال ، وعلى القول بالبطلان فالأمر أظهر مع أنك قد عرفت فيما تقدم أن هذا القول وان كان هو المشهور إلا أن ذكرهم التأبيد في شروط الوقف - كما صرح به من وقفت على كلامه منهم عدا المفيد في المقنعة - لا يجامع القول بصحة الوقف في الصورة المذكورة ، لأن الوقف هنا منقطع غير مؤبد والوقف الصحيح إنما هو المؤبد.
نعم بناء على ما اخترناه في المسئلة الأولى من كونه حبسا يتجه القول برجوع ذلك الى ورثة الواقف ، ويصير الخلاف في هذه المسئلة ساقطا لا معنى له ، وهذا غاية ما تدل عليه الصحيحة المنقولة عن العسكري عليهالسلام (1)من «أن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها». والمراد فيها بالوقف ما هو أعم من الوقف المبحوث عنه والتحبيس ، فهو ان كان مؤبدا وقف ، وان كان مقطعا تحبيس ، وأما قول ابن زهرة وقد روى أنه يرجع الى ورثة الواقف ، وكذا قول الشيخ في المبسوط في هذه المسئلة ، وقال قوم : يرجع اليه ان كان حيا والى ورثته ان كان ميتا
1) التهذيب ج 9 ص 129 ح 2 ، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
وبه تشهد روايات أصحابنا ، فإن أريد به كما هو ظاهر كلامه أن هنا أخبارا دالة على موضع البحث ، وأنه مع كون الوقف منقطعا قد صرحت الأخبار بالرجوع الى الواقف أو ورثته بعد انقراض الموقوف عليه فإنه لم يصل إلينا في الأخبار ما يدل على ذلك ، وإلا لزال إشكال في هذا المجال ، وان أريد هذه الصحيحة المذكورة وقريب منها الصحيحة الأخرى المتقدمة معها ، فإن غاية ما تدلان هو أن الوقف يتبع فيه ما رسمه الواقف ، والوقف فيهما أعم من التحبيس والوقف بالمعنى المبحوث عنه وغاية ما تدلان عليه الاقتصار في الوقف على الجماعة الموقوف عليهم ، واللازم من ذلك هو الرجوع بعد انقراض الموقوف عليه الى الواقف أو ورثته ، وهذا هو معنى التحبيس وان سمي وقفا ، هذا ما أدى اليه الفكر الكليل والذهن العليل من الكلام في المقام ، حسب ما رزق اللّه تعالى فهمه من أخبارهم عليهمالسلام.
ثم انه بناء على القول المشهور من الرجوع الى ورثة الواقف بعد انقراض الموقوف عليه ، فله المراد وارثه حين الانقراض ، أو وارثه بعد موته مسترسلا الى أن يصادف الانقراض؟ وجهان قالوا : وتظهر الفائدة فيما لو مات الواقف عن ولدين ، ثم مات أحدهما عن ولد قبل الانقراض : فعلى الأول يرجع الى ولد الباقي خاصة ، وعلى الثاني يشترك هو وابن أخيه لتلقيه من أبيه ، كما لو كان معينا.
المسئلة الثانية : المشهور في كلام المتأخرين أن من جملة شروط الوقف التنجيز وهذا الشرط لم أقف عليه في جملة من كتب المتقدمين ، منها كتاب النهاية للشيخ والمبسوط ، وكتاب السرائر لابن إدريس ، وكذا المقنعة للشيخ المفيد ، فإنه لم يتعرض أحد منهم لذكره في الكتب المذكورة ، مع أنه لا نص عليه فيما أعلم.
وبذلك اعترف في المسالك أيضا فقال ، وليس عليه دليل بخصوصه وأرادوا بالتنجيز ما تقدم في كتاب الوكالة ، من أن لا يكون معلقا بوصف لا بد من وقوعه كطلوع الشمس ، ومجيء رأس الشهر ، وهو باصطلاحهم تعليق على الصفة ، وأن لا يكون معلقا على ما يحتمل الوقوع وعدمه ، كمجيء زيد مثلا ، ويسمى
بالمعلق علي شرط ، أما لو كان الشرط واقعا والواقف عالم به كقوله وقفت ان كان اليوم الجمعة مع علمه بذلك ، فإنه يصح عندهم ، وقد تقدم البحث معهم في ذلك في الكتاب المشار اليه ، وحيث قد عرفت ان الحكم المذكور غير منصوص نفيا ولا إثباتا.
فلو وقع الوقف على هذه الكيفية ، فيمكن القول بعدم الصحة استنادا الى أن العقود الناقلة متلقاة من الشارع ، ولم يثبت كون هذا منها ، والأصل بقاء الملك لمالكه ، ولا يقال : انه يمكن القول بالصحة نظرا الى قوله عليهالسلام «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها». لأنا نقول : المتبادر من الخبر المذكور انما هو باعتبار العموم والخصوص ، والتشريك والانفراد ، والتساوي والتفضيل في الموقوف عليه والتأبيد والتحبيس ونحو ذلك لا باعتبار ما ذكر هنا.
المسئلة الثالثة : لا خلاف في اشتراط القبض في صحة الوقف وتمامه بحيث أنه بعده لا رجوع في الوقف ، وأما قبله فله الرجوع ولو مات قبله رجع ميراثا ، بمعنى أن الانتقال عن المالك مشروط بالعقد والقبض فيكون العقد جزء السبب الناقل ، وتمامه القبض ، وعلى هذا فالعقد في نفسه صحيح ، الا أنه غير ناقل إلا بالقبض ، ولهذا جاز فسخه قبل القبض ، وبطل بالموت قبله.
ومن ذلك يعلم أن النماء المتخلل بين العقد والقبض للواقف ، وربما عبر بعضهم بأنه شرط في اللزوم ، والظاهر أن مراده ما ذكر لا ما يتبادر من ظاهر هذه العبارة ، وقد صرح في المسالك بذلك.
وبالجملة فالظاهر أن أصل الحكم لا اشكال فيه ولا خلاف نصا وفتوى ، والذي وقفت عليه من النصوص المتعلقة بهذا الحكم ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن صفوان بن يحيى (1)«عن أبى الحسن عليهالسلام قال : سألته عن الرجل
1) الكافي ج 7 ص 37 ح 36 ، التهذيب ج 9 ص 134 ح 13 ، الوسائل ج 13 ص 298 ح 4.
يوقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئا ، فقال : ان كان أوقفها لولده ولغيرهم ، ثم جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع وان كانوا صغارا وقد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها ، وان كانوا كبارا لم يسلمها إليهم ولم يخاصموا حتى يحوزوها عنه فله أن يرجع فيها ، لأنهم لا يحوزونها وقد بلغوا».
وما رواه الصدوق في كتاب كمال الدين وتمام النعمة بسنده إلى محمد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه من جواب مسائله من محمد بن عثمان (1)العمري (رضياللّهعنه) عن صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) ، ورواه الطبرسي في الاحتجاج (2)عن أبى الحسين محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن عثمان عن صاحب الزمان عليهالسلام قال : وأما ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا وما يحل لنا ثم يحتاج اليه صاحبه فكل ما لم يسلم فصاحبه فيه بالخيار ، وكل ما سلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج افتقر اليه أو استغنى عنه ، الى أن قال : وأما ما سألت من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة يسلمها لمن يقوم فيها ويعمرها ، ويؤدي من دخلها خراجها ومؤنتها ، ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فان ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها ، انما لا يجوز ذلك لغيره».
واستدل الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) هنا بجملة من الأخبار التي بلفظ الصدقة بناء على ما فهموه منها من حمل الصدقة فيها على الوقف ، وسيأتي نقلها إنشاء اللّه تعالى في محلها.
ومنها ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة (3)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا : قال : إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث
فان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز ، لأن الوالد هو الذي يلي أمره وقال : لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه اللّه.
وبهذه الرواية استدل الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) على أن موت الواقف قبل الإقباض مبطل للوقف ، وموجب لرجوعه ميراثا حيث أنهم فهموا من الصدقة هنا الوقف.
واعترضهم في المسالك فقال : وقد فهم الأصحاب من الحديث أن المراد بالصدقة الوقف ، واستدلوا به على ما ذكرناه ، مع احتمال أن يريد بالصدقة معناه الخاص ، فلا يكون دليلا ، ويؤيده قوله في آخر الحديث ، «وقال : لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه اللّه تعالى» فان الحكم من خواص الصدقة الخاصة ، لا الوقف.
أقول : قوله فان الحكم من خواص الصدقة الى آخره محل بحث سيأتي ذكره ان شاء اللّه تعالى ، وقال في المسالك : والظاهر أن موت الموقوف عليه قبل القبض كموت الواقف ، لأن ذلك هو شأن العقد الجائز فضلا عن الذي لم يتم ملكه ولكنهم اقتصروا على المروي ، ويحتمل هنا قيام البطن الثاني مقامه في القبض ويفرق بينهما بأن يموت الواقف ينتقل ماله الى وارثه وذلك يقتضي البطلان كما لو نقله في حياته ، بخلاف موت الموقوف عليه ، فان المال بحاله ولم ينتقل الى غيره ، لعدم تمامية الملك ، وفي التحرير توقف في صحته إذا قبض البطن الثاني ولم يذكره في غيره ولا غيره ، انتهى.
وفيه أن المفهوم من الأخبار المتقدمة والمتبادر من إطلاق القبض انما هو بالنسبة إلى البطن الأول ، وهو الموقوف عليه أولا ، فإن قوله في صحيحة صفوان المذكورة «وان كان لم يسلمها إليهم فله أن يرجع» وقوله في الرواية الثانية «وكلما لم يسلم فصاحبه بالخيار» ظاهر في أن القبض الموجب للزوم إنما هو بالنسبة إلى الموقوف عليه أولا ، وإلا فإنه متى لم يقبض فالواقف بالخيار ، ان شاء
سلمه ولزم الوقف ، وان شاء لم يسلمه فيبطل الوقف ، على أنه لو صح ما احتمله بالنسبة إلى البطن الثاني لجرى أيضا فيما بعده.
وبالجملة فإن الانتقال إلى البطن الثاني فرع صحة الوقف ولزومه بالنسبة إلى البطن الأول ، وإلا لصح الوقف لو وقف أولا على من لا يصح الوقف عليه ثم على غيره ممن يصح ، وهم لا يقولون به ، ثم انه يجب أن يعلم أن القبض المعتبر هنا هو القبض المتقدم تحقيقه في كتاب البيع.
وتمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور الأول : الظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في أن قبض الولي لمن هو ولي عليه كقبضه وان كان الواقف الولي ، كما لو وقف على أولاده الأصاغر ، فإن قبضه قبل الوقف كاف في قبضه لهم بعده ، وعليه تدل صحيحة صفوان المتقدمة ، وكذا رواية عبيد بن زرارة ، ومثلهما روايات أخر أيضا ، ولا يجب تجديد النية والقصد في كونه قبضا عن المولى عليه ، لعدم الدليل عليه ، وإطلاق النصوص يقتضي العدم ، واحتمل بعضهم اعتبار قصده قبضا عن المولى عليه بعد العقد ، لأن القصد هو الفارق بين القبض السابق الذي كان على جهة الملك ، واللاحق الذي للموقوف عليه.
وإطلاق النصوص المذكورة يرده ، إلا أن ظاهر صحيحة صفوان ربما أشعر به ، لقوله «وان كانوا صغارا وقد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم» فان الظاهر أن المراد قصد ولايتها لهم ، إلى أن يبلغوا ، فلا بد حينئذ من تجديد النية ، على أن التحقيق أن التجديد أمر لا بدئ لا ينفك عنه الواقف كذلك بحسب الطبيعة والجبلة ، لأن من كان له ملك وأزال ذلك الملك عن نفسه بنقله الى غيره ممن له الولاية عليه ، فإنه لا بد من تغير قصده ، ونيته في وضع اليد عليه من أنه بالملك في الأول ، وبالولاية في الثاني ، فاختلاف القصد بين الحال الأولى والثانية أمر جبلي طبيعي كما لا يخفى ، والظاهر كما استظهره جملة من الأصحاب ان ما كان في يد الولي بطريق الوديعة أو العارية ، ووقفه صاحبه على المولى عليه
فان قبضه بإحدى الطريقتين المذكورتين كاف ، كما لو كان هو الواقف.
الثاني : الظاهر أنه لا فرق في الاكتفاء بقبض الولي بين كون الولي أبا أو جدا أو وصيهما أو حاكما شرعيا ، وان كان مورد الأخبار المتقدمة الأب ، فإنها إنما خرجت مخرج التمثيل ، لا الاختصاص ، إذا العلة مشتركة بين الجميع ، وتردد بعض الأصحاب في إلحاق الوصي بالمذكورين ، نظرا إلى ضعف يده وولايته بالنسبة إلى غيره.
قال في المسالك ونعم ما قال في رد هذا المقال : ولا وجه للتردد ، فإن أصل الولاية كاف في ذلك ، والمعتبر هو تحقق كونه تحت يدي الواقف ، مضافا إلى ولايته على الموقوف عليه ، فتكون يده كيده ، ولا يظهر لضعف اليد وقوتها أثر في ذلك ، انتهى وهو جيد.
الثالث : الظاهر أن المشهور هو كون القبض باذن الواقف ، فلو وقع بدونه لغى وتوقف فيه صاحب الكفاية ، قال : وحجته غير واضحة ، وعلله في الروضة بامتناع التصرف في ملك الغير بغير إذنه ، والحال أنه لم ينتقل إلى الموقوف عليه بدونه.
وفيه أنه وان لم ينتقل إليه قبل القبض الا أنه ينتقل إليه بالقبض بلا خلاف ولا اشكال فلو قبضه الموقوف عليه وان لم يكن باذن الواقف صدق حصول القبض الذي هو الناقل ، واشتراط الأذن يحتاج إلى دليل.
ويمكن الاستدلال على ما ذكروه بقوله عليهالسلام في صحيحة صفوان «وان كانوا كبارا لم يسلمها إليهم فله أن يرجع» وكذا قوله عليهالسلام في التوقيع «فكل ما لم يسلم فصاحبه بالخيار وكلما سلم فلا خيار فيه» ، فان ظاهره أن القبض إنما يتحقق بتسليم الواقف ، ودفعه بالفعل أو الأذن ، إلا أن رواية عبيد بن زرارة قد وقع التعبير فيها هنا بلفظ القبض المنسوب إلى الموقوف عليه ، فقال : إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث ، ومفهومه أنه لو قبضوا أعم من أن يكون بإذن أو غيره
كان صحيحا لازما ، ومثلها في هذه العبارة قوله عليهالسلام في صحيحة محمد بن مسلم إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث ونحوها ، روايات آخر الا أنها وردت بلفظ الصدقة ، لكن الأصحاب استدلوا بها على أحكام الوقف ، بناء على فهمهم منها أن المراد بالصدقة منها الوقف كما تقدمت الإشارة إليه.
ويمكن تقييد إطلاق هذه الروايات بالخبرين الأولين بمعنى تخصيص القبض المذكور فيها بما إذا اقترن بالإقباض من الواقف ، فلا بد من تسليم الواقف ، ودفعه ليحصل القبض المعتبر شرعا ، وكيف كان فالاحتياط يقتضي الوقوف على القول المشهور.
الرابع : هل يكتفى بالقبض السابق وان كان على غير وجه شرعي كالمقبوض بالغصب ، والشراء الفاسد إشكال ، ينشأ من أن المتبادر من القبض في أخبار المسئلة هو القبض الشرعي ، وهذا القبض منهي عنه ، فلا يؤثر في الصحة ، ولهذا لو قبضه الموقوف عليه بغير إذن بطل كما تقدم ، ومن حصول القبض في الجملة ، وأن النهي عنه غير موجب للبطلان ، لأن ذلك في العبادات ، وإنما غايته الإثم مع أنه لقائل أن يقول : إن النهي عن هذا القبض وان وقع باعتبار أول الأمر من حيث الغصب ونحوه ، الا أنه بعد وقف الواقف ذلك المغصوب على من هو في يده وارادة تمليكه إياه ، يعلم اختلاف الحالين ، فإنه قرينة ظاهرة في الرضا بقبضه ويصير اختلاف حالي القبض هنا كما في صورة قبض الولي لأولاده الصغار ما وقفه عليهم ، فان القبض أمر واحد مستصحب في كلتي المسئلتين وان كان في الأول ملكا للواقف ، وبعد الوقف يصير ملكا للموقوف عليهم بالنسبة إلى تلك المسئلة ، وغصبا منهيا عنه قبل الوقف ، وشرعيا بعد الوقف ، لإفادته الرضا به بالنسبة إلى هذه المسئلة ، وقد تقدم نظير ذلك في الرهن.
واضطرب كلام العلامة (رحمهاللّه عليه) في التذكرة في هذه المسئلة ، ففي كتاب الرهن كما قدمنا نقله عنه ثمة قطع باشتراط الأذن ، ومضي زمان يمكن
تجدد القبض فيه ، ولم يكتف بقبض الغاصب ونحوه ، وفي هذا الكتاب قطع بالاكتفاء بقبض الغاصب كما اخترناه ، وظاهر كلام المحقق في الشرائع يؤذن بالاكتفاء بقبض الغاصب ، قال في المسالك : ولعله أجود.
أقول : وجه قوته يعلم مما ذكرناه وان لم يتنبه له أحد من أصحابنا ، (رضوان اللّه عليهم) ، قال في المسالك : وحيث لا يعتبر تجديد القبض ، لا يعتبر مضي زمان يمكن فيه احداثه ، وان اعتبر اعتبر ، لأن الإذن فيه يستدعي تحصيله ، ومن ضروراته مضي زمان يمكن فيه ، بخلاف ما لا يعتبر فيه التجديد ، وقد تقدم مزيد تحقيق له في الرهن.
أقول : قد أشرنا في الكتاب المذكور إلى أن ما ذكره من التحقيق غير جدير بالنظر إليه ، ولا حقيق.
الخامس : قد صرح جملة من الأصحاب (رحمهماللّه) بأنه لا يشترط في القبض الفورية بعد العقد ، بالأصل وعدم الدليل على ذلك.
أقول : ويشير إلى عدم ذلك قوله عليهالسلام في رواية عبيد بن زرارة ، وصحيحة محمد بن مسلم «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث» فإنه ظاهر فيما قلناه ، حيث علق البطلان بعدم القبض حتى يموت ، المؤذن بعدم البطلان متى تحقق القبض وان تراخى عن العقد الا أن يموت ، أو يفسخ العقد.
السادس : ينبغي أن يعلم أن القبض المعتبر شرعا في الوقف إنما هو بالنسبة إلى البطن الأول بغير خلاف يعرف ، فيسقط اعتبار ذلك في بقية البطون ، لأنهم يتلقون الملك عن البطن الأول ، وقد تحقق أولا ، ولزم بالقبض أولا ، وهذا هو مقتضى الأخبار المتقدمة ، فإن غاية ما يدل عليه هو القبض ممن وقف عليه أولا دون غيره ممن تأخر من البطون ، والأصل العدم حتى يقوم دليل على خلافه.
السابع : لو كان الوقف على الفقراء أو الفقهاء فلا بد من نصب قيم للقبض ، لما عرفت من أن القبض معتبر شرعا في صحة الوقف ، والموقوف على هؤلاء
المذكورين في الحقيقة إنما هو وقف على الجهة ، كما سيأتي بيانه إنشاء اللّه تعالى قريبا ، لا وقف على الأشخاص ، فلا يكفى قبض بعضهم ، لأنه ليس هو الموقوف عليه ، وإنما الوقف على جهة من جهات مصلحته ، فلا بد من نصب قيم للقبض من الواقف أو الحاكم ، أو قبض الحاكم بنفسه ، الا أن ظاهر خبر صدقة أمير المؤمنين عليهالسلام بالعين التي في ينبع كما تقدم ليس فيه أزيد من قوله ذلك اللفظ المحكي في الخبر ، وبه ثبت الوقف وتم ، الا أنه يمكن أن يقال : ان قبضه عليهالسلام لذلك لما كان بطريق الولاية لتلك الجهة ، وهو الحاكم الشرعي كان ذلك كافيا.
نعم لو كان الواقف ليس حاكما شرعيا فان الواجب نصب القيم من جهته ، أو جهة الحاكم أو الحاكم بنفسه كما ذكرناه ، وقد تقدم في صحيحة صفوان قوله عليهالسلام ان كان أوقفها لولده أو لغيرهم ثم جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع ، والظاهر أن المراد أنه أوقفها على أولاده البالغين مع غيرهم من الجهات العامة ، وجعل قيما للوقف ، فإنه لا يجوز له الرجوع لحصول القبض من القيم ، فيكون الخبر دليلا في المسئلة ، وحمل الأولاد على البالغين ، لأن حكم الصغار مذكور بعدهم في الرواية ، وأن الأب يقبض عنهم بالولاية ، ولو كان على مصلحة محضة ، كالمساجد والقناطر ونحوها ، فان القبض في ذلك إلى الناظر المعين لتلك المصلحة من الواقف أو الحاكم ، والحكم عندي في هذا المقام لا يخلو من شوب التردد والأشكال لعدم معلومية اشتراط القبض من الأدلة كما لو كان الوقف على موجود مخصوص ، ولا يشترط القبول هنا ، ولا في السابق لما تقدم من أن القبول إنما هو من الموقوف عليه في هذين الموضعين إنما هو الجهة ، ولا يعقل اعتبار قبولها على أنك قد عرفت ما في ذلك من البحث والمناقشة.
الثامن : أطلق بعضهم تحقق القبض في وقف المسجد والمقبرة بصلاة واحد فيه ودفن واحد فيها ، وقيده آخر بوقوع ذلك بأذن الواقف ، ليتحقق الإقباض الذي هو شرط صحة القبض ، وقيده ثالث بأن يوقع الصلاة والدفن بنية القبض أيضا فلو
أوقعا ذلك لا بنيته كما لو وقع قبل العلم بالوقف أو بعده قبل الاذن في الصلاة أو بعده ، لا بقصد القبض ، إما لذهوله عنه أو لغير ذلك لم يلزم ، ومثله الدفن قالوا : هذا إذا لم يقبضه الحاكم الشرعي أو منصوبه والا فالأقوى الاكتفاء به إذا وقع باذن الواقف لأنه نائب المسلمين.
أقول : لم أقف في هذا المقام على نص يتضمن شيئا من هذه الأحكام ، وهو مبني على ما تقرر عندهم من عدم ثبوت المسجدية الا بالوقف ، وقد تقدم منا تحقيق في ذلك في كتاب الصلاة في التتمة الملحقة بالمقدمة السادسة في المكان (1)واستوفينا الكلام معهم رضوان اللّه عليهم في ذلك فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه.
التاسع : المفهوم من كلام أكثر الأصحاب وهو صريح جملة منهم أنه بعد القبض ليس للواقف فيه رجوع بوجه وقال الشيخ المفيد (رحمة اللّه عليه) في المقنعة : الوقوف في الأصل صدقات ، لا يجوز الرجوع فيها الا أن يحدث الموقوف عليه ما يمنع الشرع من معونتهم ، والقربة إلى اللّه بصلتهم ، أو يكون تغير الشرط في الوقف إلى غيره أرد عليهم وأنفع لهم من تركه على حاله.
قال ابن إدريس بعد نقل ذلك عنه : والذي يقتضيه مذهبنا أنه بعد وقفه وتقضيه لا يجوز الرجوع فيه ، ولا تغييره عن وجوهه وسبيله ولا بيعه ، سوآء كان بيعه أرد عليهم أم لا ، إلى أن قال : فمن ادعي غير ذلك فقد ادعي حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي ، انتهى.
وأجاب العلامة في المختلف عن ذلك : بما يؤذن بالجمع بين الكلامين ، من حمل كلام الشيخ المفيد على أن الواقف له قد شرط شرطا يمتنع بدونه اجراء الوقف على حاله ، قال : فههنا يخرج الوقف عن اللزوم ، وأن يكون الواقف قد قصد معونة الموقوف عليهم لصلاحهم ودينهم ، فيخرج أربابه عن هذا
1) ج 7 ص 301.
الوصف إلى حد الكفر ، فلقائل أن يقول يخرج أربابه عن الاستحقاق ، لأن الوقف صدقة ، ومن شرط الصدقة التقرب إلى اللّه تعالى ، فمن لا يصح التقرب بالمعاونة عليه يبطل الوقف عليه ، انتهى.
والذي يقرب عندي أن كلام الشيخ المشار اليه (قدس اللّه روحه) مبنى على مسئلة أخرى ، وهو أنه هل يشترط في صحة الوقف القربة الى اللّه تعالى به ، فلو خلا منها لم يكن وقفا صحيحا أم لا؟ فعلى الأول لو تجدد من الموقوف عليه بعد الوقف ما ينافي التقرب الى اللّه تعالى بصلته كاتصافه بالكفر بطل الوقف ، كما أنه يبطل ابتداء لو كان كافرا ، فإنه لا يجوز الوقف عليه ، الا أن يكون الكافر أحد الأبوين على ما سيأتي تفصيله - ان شاء اللّه تعالى - في تلك المسئلة ، وقد صرح بما قلناه ابن إدريس في تلك المسئلة ، فقال : لا يجوز الوقف على الكفرة الا أن يكون الكافر أحد الأبوين ، لان من صحة الوقف وشرطه نية القربة فيه ، انتهى.
والشيخ المفيد (قدسسره) قد صرح في كتابه المذكور باشتراط القربة في صحة الوقف ، كما يشير اليه كلامه هنا ، فقال في موضع آخر : ولا بد في ذكر الوقف من شرط الصدقة به ، والقربة الى اللّه تعالى بذلك ، وحينئذ فاعتراض ابن إدريس عليه ليس في محله ، لأنه من القائلين بهذا القول كما سمعت من عبارته المذكورة ، ومثلها ما صرح به في موضع آخر أيضا حيث قال : وجملة القول أنه يفتقر صحة الوقف إلى شروط ، إلى أن قال : ومنها أن يكون متلفظا بصريحه قاصدا اليه ، والتقرب به الى اللّه تعالى ، والمراد بقوله متلفظا بصريحه ، يعنى الإتيان بالعبارة الصريحة في عقد الوقف ، وحينئذ فإذا كان مذهبه أن التقرب شرط في صحة الوقف فيبطل بدونه ، لفوات الشرط المذكور ، فإنه لا فرق بين البطلان بفواته في الابتداء ، وفي الأثناء ، فإن شرطيته ثابتة ابتداء واستمرارا ، فكلام الشيخ المذكور بناء على ما ذكرناه لا يعتريه نقص ولا قصور ، بقي الكلام في تحقيق هذه المسئلة ، وهو أنه هل يشترط في صحة
الوقف القربة أم لا؟ قد عرفت من كلام الشيخ المفيد وابن إدريس القول بذلك ، ونحوهما الشيخ في النهاية ، حيث قال : والوقف والصدقة شيء واحد ، ولا يصح شيء منهما إلا بعد ما يتقرب به الى اللّه تعالى ، وان لم يقصد بذلك وجه اللّه لم يصح الوقف.
وأما في المبسوط فلم يتعرض لذلك بنفي ولا إثبات ، وظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك العدم ، كما يشير اليه كلامه المتقدم في هذه المسئلة وقال في المفاتيح وفي اشتراط نية القربة قولان ، والأصح العدم ، لعدم دليل عليه بل العمومات تنفيه ، نعم حصول الثواب يتوقف عليه.
أقول : ويدل على ما ذكره المتقدمون من الاشتراط ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1)قال : بعث الي أبو الحسن موسى عليهالسلام بوصية أمير المؤمنين عليهالسلام وهي : بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد اللّه علي ابتغاء وجه اللّه ليولجني به الجنة ، ويصرفني به عن النار ، ويصرف النار عني يوم تبيض وجوه وتسود وجوه أن ما كان لي من مال ينبع من مال يعرف لي فيها وما حولها صدقة ، وما كان لي بوادي القرى صدقة ، وما كان لي بديمة وأهلها صدقة ، وما كان لي بأذنية وأهلها صدقة ، في سبيل اللّه ، الى أن قال : هذه صدقة واجبة بتلة حيا أنا أو ميتا ينفق في كل نفقة يبتغي بها وجه اللّه في سبيل اللّه ، وذوي الرحم من بنى هاشم وبنى المطلب الى أن قال : ولا يباع منه شيء ولا يوهب ولا يورث». الحديث وما نقلناه ملخص الخبر فإنه طويل ، وهو كما ترى وقف مشتمل على التقرب.
ومثله ما روى من وقف الكاظم عليهالسلام (2)وقد تقدم ذكرها في الموضع الثاني
من المطلب الأول ، وفيها تصدق موسى بن جعفر بصدقته هذه وهو صحيح ، صدقة حبسا بتلا بتا لا مشوبة فيها ولا ردا أبدا ابتغاء وجه اللّه تعالى والدار الآخرة» إلى آخر ما تقدم.
الا أن الخبرين المذكورين ليسا في الاشتراط ، فيجوز أن يكون ذكر ذلك لترتب الثواب الأخروي على ذلك الوقف ، إذ بدون التقرب لا يترتب عليه ثواب وان صح ولزم ، كما صرحوا به.
ويمكن أن يكون مستند الشيخ المفيد ومن تبعه في ذلك انما هو الأخبار الدالة على أن الصدقة لا تصح ولا تلزم إلا بالقربة ، بحمل الصدقة على الوقف ، مثل قول أبي عبد اللّه عليهالسلام في موثقة حماد وهشام وابن أذينة وابن بكير (1)«لا صدقة ولا عتق إلا ما أريد به وجه اللّه تعالى». وموثقة عبيد بن زرارة (2)قال : سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يتصدق بصدقة إله أن يرجع في صدقته ، فقال : ان الصدقة محدثة ، انما كان النحل والهبة ولمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز ، ولا ينبغي لمن أعطى شيئا لله أن يرجع فيه».
ورواية زرارة (3)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال. إنما الصدقة محدثة ، انما كان الناس علي عهد رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ينحلون ويهبون ، ولا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه ، قال. وما لم يعط لله وفي اللّه فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز» الحديث.
والتقريب فيها أن المفهوم من كلام الشيخ المفيد أن الوقوف لا تخرج عن الصدقات بل هما أمر واحد في قصد التقرب الى اللّه عزوجل ، وهو صريح كلام الشيخ في النهاية لقوله والوقف والصدقة شيء واحد ، لا يصح شيء منهما إلا بعد التقرب ، واليه يشير
قوله في المقنعة ان الوقوف في الأصل صدقات ، بمعنى أنه إنما يطلق في الأصل والصدر السابق على الوقف لفظ الصدقة ، وهو حق كما سمعته من الأخبار المتقدمة ، سيما أخبار وقوف الأئمة عليهمالسلام واليه يشير قوله عليهالسلام في هذين الخبرين «إنما الصدقة محدثة ، يعني إطلاق هذا اللفظ على ما يعطى بقصد التقرب محدث ، وانما الذي كان يستعمل في زمنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) النحلة والهبة أعم من أن يكون مقترنة بالتقرب لله سبحانه ، فتدخل فيه الصدقة بالمعنى المتأخر أو لم يكن كذلك ، وهذا المعنى الذي استعمل فيه لفظ الصدقة انما هو الوقف ، والمستعمل من لفظ الصدقة في الصدر الأول انما هو الزكاة كما دلت عليه الآية ، وحينئذ فإذا كان الأصل في إطلاق الصدقة انما هو المعنى المترتب علي لفظ الوقف ، فلا بد من اشتراط التقرب فيه لاشتراط الصدقة بالقربة ، وان جرى ذلك أيضا في الصدقة بالمعنى المتأخر فيجب اشتراط القربة في الصدقة بكل من المعنيين بالتقريب المذكور.
ومجملة أن إطلاق لفظ الصدقة على الوقف كما عرفت في الأخبار إنما هو من حيث أن الوقوف إنما تكون لله سبحانه ، وما كان لله سبحانه فلا رجعة من هذه الجهة لأنه قد استحق الأجر ، وكتب له الثواب ، فلا يجمع بين العوض والمعوض ، وبهذا التقريب يتم المدعى من شرطية التقرب في الوقف ، كما هو قول أولئك الفضلاء المتقدمين ، ولم يحضرني الآن من كتب المتقدمين غير من قدمت ذكره.
المسئلة الرابعة : قد عرفت أن من شرائط الوقف إخراجه عن نفسه ، ولا خلاف في بطلانه لو وقف على نفسه ، سواء اقتصر على ذلك أو جعله بعد نفسه لغيره ، إنما الخلاف فيما إذا جعله لغيره بعد ذكر نفسه وهو الوقف المنقطع الأول فقيل : بالصحة فيه ، وهو قول الشيخ في المبسوط والخلاف ، ولا فرق في ذلك بين أن يقفه أولا على نفسه أو على غيره ممن لا يجوز الوقف عليه ، ومرجعه الى منقطع الأول ، والمشهور في كلام الأصحاب بطلان الوقف من أصله.
وقال الشيخ في الخلاف : إذا وقف على من لا يصح الوقف عليه مثل العبد ، أو حمل لم يوجد ، أو رجل مجهول وما أشبه ذلك ، ثم بعد ذلك على أولاده الموجودين في الحال ، وبعدهم في الفقراء والمساكين بطل الوقف فيما بدأ بذكره لأنه لا يصح الوقف عليهم ، وصح في حيز الباقين ، لأنه يصح الوقف عليهم ، واستدل بأنه ذكر نوعين ، أحدهما لا يصح الوقف عليه ، والآخر يصح ، فإذا بطل في حيز من لا يصح الوقف عليه ، صح في حيز من يصح الوقف عليه ، لأنه لا دليل على إبطاله ولا مانع منه.
وقال في المبسوط : إذا كان الوقف منقطع الابتداء ، ومتصل الانتهاء ، بأن يقف أولا على من لا يصح الوقف عليه ، ثم على من يصح ، كمن يقف على نفسه أو عبده أو المجهول أو المعدوم أو الميت ، ثم على الفقراء والمساكين ، الذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يصح الوقف ، لأنه لا دليل عليه ، وفي الناس من قال : يصح تفريق الصفقة ، وإذا قال : لا يصح تفريق الصفقة بطل الوقف في الجميع ، وبقي الوقف على ملك الواقف لم يزل عنه ، ومن قال : يصح تفريق الصفقة أبطله في حق من لا يصح الوقف عليه ، وصححه في حق الباقين ، وهذا قوي يجوز أن يعتمد عليه ، لأنا نقول بتفريق الصفقة ، انتهى.
واستدل العلامة في المختلف والشهيد الثاني في المسالك على البطلان كما هو المشهور بما ملخصه أن اللازم من القول بالصحة أحد أمور ثلاثة : إما صحة الوقف مع انتفاء الموقوف عليه ، أو وقوع الوقف المشروط ، أو عدم جريان الوقف على حسب ما شرطه الواقف ، واللوازم كلها باطلة ، وليرجع في توجيه الملازمة الى ما ذكروه ثمة.
والأظهر في الاستدلال على ذلك هو ما رواه في الكافي عن علي بن سليمان (1)قال : «كتبت إليه يعني أبا الحسن عليهالسلام : جعلت فداك ليس لي ولد
1) الكافي ج 7 ص 37 ح 33 ، التهذيب ج 9 ص 129 ح 1 ، الوسائل ج 13 ص 296 ح 1 ، الفقيه ج 4 ص 177 ح 623.
ولي ضياع ورثتها من أبي وبعضها استفدتها ولا آمن الحدثان ، فان لم يكن لي ولد وحدث بي حدث فما ترى جعلت فداك؟ لي أن أوقف بعضها على فقراء إخواني والمستضعفين أو أبيعها وأتصدق بثمنها في حياتي عليهم؟ فإني أتخوف أن لا ينفذ الوقف بعد موتي ، فإن أوقفتها في حياتي فلي أن آكل منها أيام حياتي أم لا؟ فكتب عليهالسلام : فهمت كتابك في أمر ضياعك ، وليس لك أن تأكل منها ، ولا من الصدقة ، فإن أنت أكلت منها لم تنفذ» الحديث.
وهو ظاهر في أنه لو وقف على نفسه بطل الوقف ، والتقريب فيه أن مقتضى الوقف على نفسه جواز الأكل منه ، مع أنه ليس له ذلك بالخبر المذكور ، فلا ثمرة لهذا الوقف لو قيل به ، ومنه يعلم أن عدم جواز الأكل مستلزم لبطلان الوقف على نفسه ، والمراد من عدم النفوذ إنما هو البطلان.
ومما يدل على إخراجه نفسه مما يقفه على غيره ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير ، وقال : ان احتجت إلى شيء من مالي أو من غلة فأنا أحق به ، إله ذلك وقد جعله لله؟ وكيف يكون حاله إذا هلك الرجل؟ أيرجع ميراثا أو يمضي صدقة؟ قال : يرجع ميراثا على أهله».
وما رواه عنه (2)في الصحيح أيضا «عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : من أوقف أرضا ثم قال : ان احتجت إليها فأنا أحق بها ثم مات الرجل فإنها ترجع الى الميراث».
وهذه الروايات ، وان لم تدل على خصوص البطلان في وقفه على نفسه كما هو المدعى ، إلا أنك قد عرفت من التقريب المتقدم ما يدل على ذلك ، ومع الإغماض عن ذلك ، فإنها ظاهرة بل صريحة في أنه يجب إخراج نفسه مما أوقفه
على غيره من جميع الجهات ، أعم من أن يقف على نفسه أو يشترط الرجوع اليه كلا أو بعضا أو نحو ذلك مما يخرج عن الوقف على غيره ، ونحوها أيضا رواية طلحة بن زيد (1)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه أن رجلا تصدق بدار له ، وهو ساكن فيها ، فقال : الحين اخرج منها».
والأظهر عندي في الاستدلال على بطلان الوقف المنقطع الأول هو أن يقال : لا ريب أن الأصل عصمة المال من الانتقال الا بدليل شرعي ، ولم نعلم من الشرع صحة الوقف بهذه الكيفية ، فإن الأخبار الواردة في الوقف عنهم عليهالسلام فعلا أو أمرا أو تقريرا إنما اشتملت على الوقف أولا على من يصح الوقف عليه ، ثم على من عقبه به ، فلو صدره بمن لا يصح الوقف عليه من نفسه ، أو غيره من الافراد المشار إليها آنفا فالحكم بالصحة يتوقف على دليل ، وليس فليس ، وتخرج الروايات المذكورة شاهدة على ذلك ، وان كان موردها أخص ، والمفهوم من عبارة المبسوط أن القائل بالصحة إنما هو من المخالفين ، لأن مرمى لفظ الناس ذلك ، ويعضده ما ذكره من التعليل العليل ، فإنه الأربط بمذاهب العامة ، وان استحسنه هنا وتبعهم فيه ، كما أن قوله الذي يقتضيه مذهبنا ، فيه إشارة إلى الاتفاق عليه عندنا وتعليله المذكور جيد ، كما ذكرنا.
الأول - اعلم أنهم قد صرحوا بأنه على تقدير القول بالصحة كما هو مذهب الشيخ في الكتابين المذكورين فهل ثبتت هذه الصحة لغيره من حين الوقف؟ أم بعد موت الواقف؟ وجهان : ثم نقلوا عن الشيخ اختيار الأول ، وهو أن الوقف ينتقل لذلك الغير من حين الوقف كما هو ظاهر كلامه المتقدم.
ثم انهم اعترضوه بأنه خلاف مقصود الواقف. وقد قال العسكري عليهالسلام (2)
«ان الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها». وأهلها لم يقصدوا ذلك الغير ابتداء فكيف تصرف إليه.
وهذا الاعتراض عندي لا يخلو من خدش ، لأنه لا خلاف في بطلان الوقف على نفسه في هذه الصورة ، ولا خلاف في أن الخبر على إطلاقه غير معول عليه ، والا لدخل تحته جملة الوقوف الباطلة التي لا خلاف في بطلانها ، فلا بد من تخصيصه بما كان صحيحا شرعا ، والشيخ يدعي أن الوقف على ذلك الغير مع تقدم الوقف على نفسه صحيح ، وإن بطل وقفه على نفسه ، لأن وقفه على نفسه قد خرج من إطلاق الخبر المذكور ، فيكون شاملا لما ادعاه بناء على دعواه ، فإلزامهم له بأن مقتضى ما ذكره خلاف ما دل عليه الخبر ، مردود بأنه وان دل بإطلاقه على ذلك ، الا أنه يجب تخصيصه ، وإخراج هذه الصورة ونحوها من إطلاقه ، كما عرفت.
وبالجملة فإن الظاهر ان اعتراضهم عليه غير موجه ولا ظاهر ، ومن ثم أعرضنا عن نقل دليلهم المتقدم ذكره إلى ما قدمناه من الدليل الواضح السبيل.
ثم انهم ذكروا بعد رد قول الشيخ بما قدمنا نقله عنهم بأن الأقوى تفريعا على الصحة انصرافه إليه بعد موت الموقوف عليه ، قالوا : وبهذا يسمى منقطع الأول.
أقول : لا أعرف لقوة ما ذكروها وجها ، الا أن يكون باعتبار صدق هذه التسمية على هذا التقدير ، دون الأول ، وهو لا يجدي نفعا ، على أن هذه التسمية إنما هي في كلامهم ، ومجرد اصطلاح منهم ، بل الأقوى إنما هو الأول بالتقريب الذي ذكرناه ، واندفاع ما أوردوه على الشيخ (رحمهاللّه).
الثاني : قالوا : لو وقف على نفسه وغيره بأن وقع العطف بالواو ففي صحة الوقف على الغير بأن يكون في النصف ، ويبطل في النصف الآخر ، أو في الكل بأن يكون الكل وقفا عليه ، أو يبطل في حقه كما في قرينة أوجه ، : وظاهره في المسالك ترجيح الأول والميل إليه ، قال : ولو عطف الغير في الأول على نفسه بالواو ، فليس بمنقطع الأول ، لبقاء الموقوف عليه ابتداء وهو الغير ، فان الموقوف عليه
ليس هو المجموع منه ومن الغير ، من حيث هو مجموع ، بل كل واحد منهما ، والأقوى حينئذ صحة الوقف على الغير في نصفه ، وبطلان النصف في حقه ، لعدم المانع من نفوذ الوقف في النصف ، مع وجود المقتضي للصحة وهو الصيغة مع ما يعتبر معها.
ويحتمل ضعيفا أن يكون الكل للغير ، خصوصا لو جعلناه للغير في السابق كما مر ، نظرا إلى أن الموقوف بالنسبة إليهما هو المجموع من حيث هو مجموع ، فالحكم بالتنصيف إنما نشأ من امتناع كون المجموع وقفا على كل منهما كمنقطع الأول ، فإذا امتنع الوقف على أحدهما خاصة ، انصرف وقف المجموع إلى الآخر.
ويضعف بأنه إنما وقف عليهما بحيث يكون لكل منهما حصة ، فإذا بطل في أحدهما لم ينصرف الموقوف كله إلى الآخر ، لان ذلك خلاف مدلول الصيغة ، وخلاف مراد الواقف ، والعقد تابع للقصد ، انتهى ، وكأن من احتمل البطلان كما قدمنا نقله نظر إلى أنه منقطع الأول ولو في الجملة.
أقول : المسئلة كغيرها لخلوها من النص لا تخلو من الأشكال ، وان كان ما اختاره في المسالك قوي الاحتمال.
الثالث : قد صرحوا بأنه لو وقف على غيره وشرط قضاء ديونه أو أدار مؤنته بطل الوقف ، وهو كذلك لما تقدم من الأخبار في المسئلة ، فإنها وان لم تتضمن ما ذكروه هنا بخصوصه ، الا أن ظاهرها نقل الملك والمنافع عن نفسه ، وإذا شرط الواقف قضاء ديونه أو أدار مؤنته أو نحو ذلك فقد شرط ما ينافي مقتضاه ، فيبطل الشرط والوقف ، والأولى أن يجعل هذا الكلام توجيها للنص ، والعلة الحقيقية إنما هي النص ، وهذا الكلام مما يصلح توجيها له وبيانا للحكمة في ذلك ، ومقتضى الأخبار المذكورة بطلان الوقف بهذا الشرط ، كما هو المشهور ، وقد تقدم الخلاف في ذلك ، والقول في المسئلة بأن الباطل إنما هو الشرط خاصة مع صحة أصل العقد ، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسئلة في مواضع
أولها مقدمات الكتاب أعنى المقدمات الواقعة في أول جلد كتاب الطهارة (1)وبينا ثمة أن الأولى في ذلك هو الوقوف على الأخبار فيما ترد به من الأحكام ، وأن ذلك لا تتخذ قاعدة كلية في بطلان الشرط خاصة ، أو أصل العقد ، كما يفهم من كلام الأصحاب ، بل يجب الوقوف فيه على موارد النصوص ، حيث أن بعضها تضمن بطلان الشرط خاصة ، مع صحة أصل العقد في بعض الأحكام ، وبعضها تضمن بطلان أصل العقد في بعض آخر ، كما في هذا الموضع وغيره ، ثم انه لا فرق في البطلان بما يشترط بين أن لا يكون قليلا أو كثيرا ، لوجود المقتضي في الجميع ، قال في المسالك : ومن جوز الوقف على نفسه جوز اشتراط هذه الأشياء مطلقا.
أقول : ظاهر هذا الكلام وجود قول في المسئلة بجواز الوقف على نفسه ، مع أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على العدم وهو نفسه ممن صرح بذلك أيضا ، فقال في شرح قول المصنف ومن وقف على نفسه لم يصح ، لا خلاف بين أصحابنا في بطلان وقف الإنسان على نفسه الى آخره ، والظاهر أن منع الاشتراط المذكور انما هو بالنسبة إلى نفسه ، وإلا فلو اشترط لغيره من أقاربه أو غيرهم صح الوقف والشرط ، ويدل على ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن جعفر بن حيان (2)وهو مجهول أو واقفي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوقف غلة له على قرابته من أبيه ، وقرابته من أمه ، وأوصى لرجل ولعقبه عن تلك الغلة ليس بينه وبينه قرابة بثلاثمائة درهم في كل سنة ويقسم الباقي على قرابته من أبيه ، وقرابته من أمه؟ قال : جائز للذي أوصى له بذلك ، قلت : أرأيت ان لم يخرج من غلة الأرض التي وقفها إلا خمسمائة درهم ، فقال : أليس في وصيته ان يعطى الذي أوصى له من الغلة ثلاثمائة درهم ويقسم الباقي على قرابته من أمه وقرابته من أبيه ، قلت : نعم ، قال : ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفي الموصى له بثلاثمائة درهم ، ثم لهم ما بقي من
بعد ذلك ، قلت : أرأيت ان مات الذي أوصى له؟ قال : ان مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها ما بقي أحد منهم فإذا انقطع ورثته ، ولم يبق منهم كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميت ، ترد الى ما يخرج من الوقف ، ثم يقسم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلة ، قلت : فللورثة من قرابة الميت بأن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة؟ قال : نعم إذا رضوا كلهم وكان البيع خيرا لهم باعوا».
وفي هذا الخبر دلالة علي تفسير العقب بالورثة ، والأكثر على أن المراد به إنما هو الولد ، وولد الولد ، وقيل بتفسيره بالورثة ، وهذا الخبر صريح فيه كما ترى ، وأما ما ذكره آخر الخبر من جواز بيع الوقف ، فقد تقدم الكلام فيه مستوفى في فصل البيع من كتاب التجارة (1).
وما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد (2)والظاهر أنه البزنطي في الصحيح «عن أبي الحسن الثاني عليهالسلام قال : سألته عن الحيطان السبعة التي كانت ميراث رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لفاطمة عليهاالسلام فقال : لا انما كانت وقفا ، وكان رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) يأخذ إليه منها ما ينفق على أضيافه ، والتابعة تلزمه فيها فلما قبض جاء العباس يخاصم فاطمة عليهاالسلام فيها فشهد علي عليهالسلام وغيره أنها وقف على فاطمة عليهاالسلام وهي الدلال ، والعواف ، والحسنى ، والصافية ، وما لأم إبراهيم والميثب ، والبرقة».
ورواه الصدوق والشيخ مرسلا (3)وفيه بدل والتابعة تلزمه فيها ومن يمر به ، وظاهر الخبر المذكور أنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وقف هذه الحوائط في حياته على فاطمة عليهاالسلام ، وشرط الإنفاق منها على أضيافه ، وما ينوبه وهو المشار اليه
بالتابعة أي ما يتبع الإنسان مما يهمه ويعينه.
الرابع : المشهور بين الأصحاب أنه لو وقف على الفقراء فصار فقيرا أو على الفقهاء فصار فقيها فإنه يصح له الأخذ منه ، ومشاركة المذكورين ، وخالف في ذلك ابن إدريس ، فمنع من ذلك لخروجه عنه ، فلا يعود اليه.
وفصل العلامة في المختلف تفصيلا حسنا ، فقال : والوجه عندي أن الوقف ان انتقل الى اللّه تعالى كالمساجد ، فإنه للواقف الانتفاع به ، كغيره من الصلاة فيه ، وغيرها من منافع المسجد ، وان انتقل الى الخلق لم يدخل ، سواء كان مندرجا فيهم وقت الوقف ، كما لو وقف على المسلمين أو على الفقهاء وهو منهم ، أو لم يكن ، كما لو لم يكن فقيها وقت الوقف ثم صار منهم ، لنا أنه مع الانتقال الى اللّه تعالى يكون كغيره ، لتساوي النسبة مع جميع الخلق ، فلا معنى لإخراجه عنه مع ثبوت المقتضى وهو الإباحة السالمة عن معارضة وقفه على نفسه ، ومع الانتقال إلى من يندرج فيهم ، أو دخل لمكان دخوله تحت اللفظ العام ، فيكون قد وقف على نفسه وغيره ، فيبطل في حق نفسه ، فان العام يتساوى نسبة أفراده اليه ، انتهى.
أقول : ومما يؤيد أن الوقف في هذه الصورة انما ينتقل الى اللّه عزوجل دون الموقوف عليه ، أن الوقف على هذه الكيفية ليس وقفا على الأشخاص المتصفين بهذا الوصف ، فليس وقفا على نفسه ، ولا على جماعة هو منهم ، وانما هو وقف على جهة مخصوصة ، وهي جهة الفقر والمسكنة مثلا ، وقصد نفع الموصوف بهذه الصفة لا أشخاص بعينهم ، ولهذا انه لا يشترط قبولهم ولا قبول بعضهم وإن كان ممكنا لأنه لم ينتفل إليهم ، ولا يجب صرف النماء على جميعهم ، بل يجوز أن يخص به بعضهم ولو واحد منهم ، ولو كان وقفا عليهم لوجب إيصاله إلى كل فرد فرد منهم ، مثل ما لو وقف على أولاده ونحوهم.
والى هذا التفصيل مال في المسالك أيضا احتج القائلون بالعموم بأنه وقف
صحيح فيتناول كل من يدخل تحت اللفظ عملا بإطلاقه ، وهو كغيره والفرق ظاهر بين الوقف عليه بالتنصيص ، والاندراج تحت العموم ، ومع الفرق لا يتم القياس ، وأجيب بالمنع من كونه كغيره فان الفرق واضح ، إذ يصح الوقف على غيره دونه ، ولا فرق بين التنصيص والاندراج في الإرادة من اللفظ ، والمطلق ممنوع منه ، ويتساوى جزئياته في المنع.
وأنت خبير بأن المسئلة لعدم النص لا تخلو من شوب الأشكال وان كان ما ذكره العلامة (أجزل اللّه تعالى إكرامه) لا يخلو من قرب.
ونقل عن الشهيد في بعض فتاويه أنه يشارك ما لم يقصد منع نفسه أو إدخالها واستحسنه في المسالك ، قال : فإنه إذا قصد إدخال نفسه فقد وقف على نفسه ، ولم يقصد الجهة ، وإن قصد منع نفسه فقد خصص العام بالنية ، وهو جائز فيجب اتباع شرطه السابق وانما يبقى الكلام عند الإطلاق ، انتهى وهو جيد.
الخامس : اختلف الأصحاب فيما لو شرط الواقف في عقد الوقف عوده اليه عند الحاجة ، والخلاف هنا وقع في موضعين : أحدهما في صحة هذا الشرط وبطلانه ، والمشهور الأول ، بل ادعى المرتضى (رضياللّهعنه) الإجماع عليه ، قال : ومما انفردت به الإمامية القول بأن من وقف وقفا جاز أن يشترط أنه ان احتاج اليه في حال حياته كان له بيعه ، والانتفاع بثمنه ، وبه قال الشيخ المفيد والشيخ في النهاية ، وابن البراج ، وسلار ، والمحقق في الشرائع ، والعلامة والشهيد الثاني في المسالك وغيرهم.
وقيل : بالثاني وهو مذهب ابن إدريس ، مدعيا عليه الإجماع ، والشيخ في المبسوط ، وابن حمزة ، وابن الجنيد ، والمحقق في النافع ، احتج الأولون على ما ذكره في المسالك ، وقبله العلامة في المختلف بالإجماع المنقول في كلام المرتضى وعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)«والمؤمنون عند شروطهم» (2). وقول العسكري عليهالسلام
«الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» (1).
وخصوص رواية إسماعيل بن الفضل (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير؟ وقال : ان احتجت إلى شيء من مالي أو من غلة فأنا أحق به أله ذلك وقد جعله لله؟ وكيف يكون حاله إذا هلك الرجل أيرجع ميراثا أم يمضي صدقة؟ قال : يرجع ميراثا على أهله».
هكذا نقله في المسالك ، قال : والمراد بالصدقة في الرواية الوقف لقرينة الباقي ، ولأن الوقف تمليك المنافع ، فجاز شرط الخيار فيه كالإجارة ، انتهى.
وعندي ان هذا الاستدلال لا يخلو من تطرق الإشكال ، أما الإجماع فمعلوم مما سبق في غير مقام ، ولا سيما مع مقابلته هنا بالإجماع الذي ادعاه ابن إدريس ، وإجماعات المرتضى (رضى اللّه عنه) فيما انفرد به من الأقوال كثيرة ، وبه يظهر ضعف الاستناد إليه في جميع الأحكام كما تقدم تحقيقه ، وأما عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» «والمؤمنون عند شروطهم» ففيه أنه لا ريب أن العقد كما يطلق على الصحيح ، يطلق على الفاسد ، وكذلك الشرط ، فيقال : عقد صحيح ، وعقد فاسد ، وشرط صحيح وشرط فاسد ، ولا جائز أن يأمر الشارع بالوفاء بالعقد الفاسد ، ولا بالشرط الفاسد ، فالأمر بالوفاء بالعقد والشرط إنما يتوجه إلى العقد الصحيح ، والشرط الصحيح ، ودعوى كون ذلك صحيحا هنا محل النزاع كما ذكرنا ، فلا يتم الاستدلال.
وبذلك يظهر أن الاستدلال بهذين الدليلين لا يخرج عن المصادرة ، وأما حديث العسكري عليهالسلام فقد قدمنا سابقا أنه لا يجوز الاستدلال به على إطلاقه ، لتناوله للوقوف الباطلة اتفاقا كالوقف على نفسه ، أو على عبد أو حمل أو نحو ذلك
مما اتفقوا على بطلانه ، فلا بد من تخصيصه بالوقف الصحيح المستكمل لشرائط الصحة ، ودعوى كونه هنا كذلك محل البحث والنزاع ، فيرجع ذلك إلى المصادرة أيضا.
وأما حديث إسماعيل بن الفضل فلا أعرف له دلالة على ما ادعوه ان لم يكن بالدلالة على البطلان أشبه ، وذلك فان كلام السائل قد تضمن السؤال عن شيئين : أحدهما أن هذا الشرط هل يصح أم لا؟ وإليه أشار قوله في الخبر المذكور «إله ذلك وقد جعله لله» والثاني أنه ما حكمه بعد موت الرجل ، والحال هذه أيرجع ميراثا أم يبقي وقفا ، والجواب في الخبر إنما وقع عن الثاني خاصة ، ولا ريب أن رجوعه ميراثا كما أجاب به عليهالسلام كما أنه يصح مع صحة الوقف ، كما ادعوه كذلك يكون صحيحا مع البطلان ، كما يقوله الخصم ، بل هو أولى بالبطلان ، بل هو الظاهر ، فإن الأظهر أن الامام عليهالسلام جعل هذا الجواب جوابا عن السؤالين معا ، والا فسكوته عن جواب السؤال الأول من غير وجه يدعوه إليه مشكل ، وحينئذ فحكمه عليهالسلام برجوعه ميراثا متضمن للجواب صريحا عن السؤال الثاني ، وضمنا عن الأول ، بمعنى أن رجوعه ميراثا كناية عن كونه لم يخرج عن ملكه في حال حياته ، ويؤيده قوله وقد جعله لله.
وقد تقدم في جملة من الأخبار أن ما جعله لله لا رجعة فيه ، وحاصله أنه ليس له الرجوع بما ذكره لكونه قد جعله لله سبحانه ، بل هو باطل في حال حياته وموته ، ورجوعه ميراثا إنما هو لذلك ، لأن الحكم بصحته في حال الحياة باطل ، بما ستعرفه في حجة القول الثاني.
ونحو هذه الرواية صحيحة إسماعيل الثانية (1)المتقدمة عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : من أوقف أرضا ثم قال : ان احتجت إليها فأنا أحق بها ، ثم مات الرجل فإنها ترجع ميراثا». فان الظاهر أن رجوعها كاشف عن بطلان الوقف في حياته ، وأن
1) التهذيب ج 9 ص 150 ح 59.
رجوعها ميراثا إنما هو لذلك ، وأما ما ذكره والعلامة (رحمهاللّه عليه) قبله من قوله ولأن الوقف تمليك للمنافع إلى آخره ، فهو في البطلان أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بيان ، مضافا إلى أن بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العليلة مجازفة محضة.
استدل القائلون بالقول الثاني على ما نقله في المسالك ، بأن هذا الشرط خلاف مقتضى الوقف ، لأن الوقف إذا تم لم يعد إلى المالك على حال ، فيكون فاسدا ويفسد به العقد.
والعجب أنه في المسالك مع تصديه للانتصار للقول المشهور ، والجواب عما أورد على أدلته ظاهرة القصور لم يتعرض للجواب عن استدلال الخصم المذكور ، وكيف يمكنه الجواب عنه ، وهو قد اعترف بذلك في مسئلة ما لو وقف على غيره ، وشرط قضاء ديونه ، أو أدار مؤنته ، حيث قال : ثمة وإذا شرط الواقف قضاء ديونه أو أدار مؤنته أو نحو ذلك ، فقد شرط ما ينافي مقتضاه ، فبطل الشرط والوقف ، انتهى.
ولا ريب أن مقتضى الوقف الذي ذكره هو عدم العود إلى الواقف بوجه ، وحينئذ فكما أنه يبطله شرط قضاء الديون وأدار المؤنة ، كذلك يبطله اشتراط الرجوع إليه لحاجته وفقره.
وبالجملة فإن الظاهر من الأخبار المتقدمة هو البطلان باشتراط الرجوع بأحد الوجوه المذكورة في مواضع هذه المسئلة ، لبطلان هذه الشروط من الأكل من الوقف ، أو شرط قضاء ديونه ، أو الرجوع عند الحاجة ، لاشتراك الجميع في العلة المقتضية للمنع ، وهو الخروج عن مقتضى الوقف.
قال في المختلف : احتج المانعون بأنه شرط ينافي عقد الوقف ، فيبطل لتضمنه شرطا فاسدا ، والجواب المنع من منافاة الشرط العقد ، وإنما يكون منافيا لو لم يكن الوقف قابلا لمثل هذا الشرط ، انتهى.
وفيه ما عرفت من ثبوت المنافاة ، قوله وإنما يكون منافيا لو لم يكن الوقف قابلا لمثل هذا الشرط محض مصادرة ، فان الخصم يدعى أنه غير قابل ، وبما حققناه في المقام يظهر لك أن جميع أجوبتهم عن حجج القول الثاني لا يخرج عن المصادرة ، وأن الأظهر هو بطلان العقد لبطلان الشرط المذكور ، كسابقه من الشروط المتقدمة.
وثانيهما أنه على تقدير القول بصحة العقد كما هو المشهور ، فإنه إن حصلت الحاجة ورجع في الوقف ، فإنه يجوز الرجوع ، ويبطل الوقف بلا خلاف بينهم ، وانما الخلاف فيما إذا لم يرجع حتى مات ، فهل يبطل الوقف بالموت؟ لصيرورته قبله بالشرط المذكور حبسا ، فيرجع بعد الموت إلى ورثة الواقف ، أم يستمر الوقف على حاله؟ قولان : نقل عن الشيخ وجماعة منهم المحقق والعلامة الأول ، عملا بالرواية المتقدمة وهي صحيحة إسماعيل بن الفضل الأولى ، بناء منهم على دعوى دلالتها على صحة الوقف وعدم بطلانه بمجرد هذا الشرط ، ولكن هذا الشرط حيث كان منافيا للدوام الذي هو من شروط الوقف كان من قبيل الحبس فيبطل بالموت ، وقد عرفت ما فيه ، وأنه لا دلالة في الرواية على ما ادعوه.
وقيل : بالثاني وبه صرح المرتضى : (رضياللّهعنه) واختاره في المختلف ، قال المرتضى (رضياللّهعنه) معترضا على نفسه في تتمة كلامه الأول بأن هذا شرط يناقض كونه وقفا وحبسا بخلاف غيره من الشروط ، وأجاب بأنه غير مناقض ، لأنه متى لم يختر الرجوع فهو ماض على سبيله ، ومتى مات قبل العود نفذ أيضا نفوذا تاما ، وهذا الحكم ما كان مستفادا قبل الوقف ، فكيف يكون ذلك نقضا لحكمه ، وقد بينا أن الحكم باق ، انتهى وهو ظاهر في استمرار صحة الوقف بعد الموت ، قال في المختلف : وهو الوجه عندي وتحمل الرواية على ما إذا رجع.
والتحقيق بالنظر الى ما قدمناه حيث أنه لا دليل على الصحة هو بطلان الوقف وأن عوده ميراثا انما هو من هذه الحيثية ، فلا أثر لهذا الخلاف ، لبطلان الأساس
المبني عليه ، وهو ثبوت الصحة.
وأما جواب المرتضى (رضياللّهعنه) عن الاعتراض الذي أورده على نفسه بأنه متى لم يختر الرجوع فهو ماض على سبيله الى آخر ما ذكره ، ففيه أن المناقضة لا تترتب على اختياره الرجوع ، ووقوع الرجوع بالفعل بل المناقضة حاصلة بمجرد هذا الشرط ، وذكره في العقد ، حيث أن مقتضى العقد هو عدم الرجوع في الموقوف عليه بعد الوقف ، ومقتضى الشرط هو الجواز فالمناقضة حاصلة ، وبها يجب الحكم ببطلان الشرط ، وببطلانه يبطل العقد ، وهذا هو دليلهم على بطلان العقد فيما لو شرط قضاء ديونه ، أو أدار مؤنته ، كما عرفت من عبارة المسالك المتقدمة وبه يظهر لك ما في جوابه (قدسسره) من الضعف ، وان جمد عليه العلامة في المختلف حيث أنه موافق لما اختاره واللّه العالم.
المسئلة الخامسة : في جملة من الشروط زيادة على ما تقدم : منها ما لو شرط إدخال من يريد مع الموقوف عليهم ، وقد صرحوا بالجواز ، سواء كان الوقف على أولاده أو غيرهم ، وعللوا ذلك بأن هذا الشرط لا ينافي مقتضى الوقف ، فإن بنائه على إدخال من سيوجد ، ومن سيولد من الموجودين وقت الوقف ، واشتراط إدخال من يريد إدخاله في معناه بل أضعف ، لأنه قد يريد ، فيكون في معنى اشتراط دخوله ، وقد لا يريد فيبقى الوقف على أصله ، فإذا جاز الأول اتفاقا جاز الآخر كذلك أو بطريق أولى.
قالوا : وما يقال - من أن إدخال من يريد يقتضي نقصان حصة الموقوف عليهم فيكون إبطالا للوقف في ذلك البعض - غير قادح ، لأن ذلك وارد في شرط إدخال المولود ونحوه ، ولأن العقد لما تضمن الشرط لم يكن للموقوف عليه حق إلا مطابقا له ، فلا يتغير ، ولأن الوقف لازم في حق الموقوف عليه في الجملة ، وانما المختلف الحصة ، وذلك غير قادح ، كما لو وقف على بطون فزادت تارة ، ونقصت أخرى.
أقول : ويمكن الاستدلال على أصل المسئلة بالأخبار الآتية في المقام الدالة
على جواز الإدخال من غير شرط ، كصحيحة علي بن يقطين (1)قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ، ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده قال : لا بأس بذلك». ونحوها غيرها مما سيأتي ان شاء اللّه تعالى في المسئلة.
والتقريب فيها أنه إذا جاز الإدخال من غير شرط كما هو مدلول الأخبار المذكورة فمع الشرط بطريق أولى.
وكيف كان فالمسئلة لا تخلو من شوب الاشكال ، لعدم النص الواضح في هذا المجال ، وما ذكروه من التعليل لا يصلح لتأسيس حكم شرعي كما عرفت في غير موضع ، وما ذكرنا من الأخبار غير خال من الأشكال كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى بيانه واللّه العالم.
ومنها - ما لو شرط إخراج من يريد ، وقد صرحوا هنا ببطلان الوقف ، قال في المسالك : وهو عندنا موضع وفاق ، ثم علله زيادة على ذلك بأن وضع الوقف على اللزوم ، وإذا شرط إخراج من يريد من الموقوف عليهم كان منافيا لمقتضى الوقف ، إذ هو بمنزلة الخيار ، وهو باطل ، انتهى.
وهو جيد إلا أن فيه ردا عليه فيما اختاره من صحة الوقف مع اشتراط عوده إليه ، عند الحاجة ، فإنه لا يخفى أن اللزوم الذي هو وضع الوقف عليه كما يعتبر من جهة الموقوف عليه ، بحيث لا يجوز إخراج بعضهم ، كذلك يعتبر من حيث حبس الوقف عليهم ، فلا يجوز للواقف الرجوع إليه بوجه ، خصوصا مع اقترانه بالقربة ، كما قدمنا بيانه من اشتراط الوقف بذلك ، وقد تكاثرت الأخبار بأن ما كان لله تعالى فلا رجعة فيه.
ومنها ما لو شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى من سيوجد ، والمشهور هنا البطلان ، بل ادعى عليه الشيخ الإجماع ، وذهب العلامة في التذكرة إلى صحة
1) التهذيب ج 9 ص 137 ح 22 ، الوسائل ج 13 ص 300 ح 1.
الشرط المذكور ، مدعيا عليه الإجماع ، وفي القواعد استشكل الحكم بالبطلان ، ومنشأ الاستشكال المذكور كما ذكره في المسالك من بناء الوقوف على اللزوم ، فإذا شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى غيره فقد شرط خلاف مقتضاه ، فيبطل الشرط والعقد ، ومن عموم (1)«المؤمنون عند شروطهم». وقول العسكري عليهالسلام (2)المتقدم ذكره «من أن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها». وأنه يجوز الوقف على أولاده سنة ، ثم على المساكين.
أقول : قد عرفت ضعف الوجه الثاني من الاستدلال بالخبرين المذكورين وأما جواز الوقف على أولاده سنة ثم على المساكين ، فصحته متوقفة على قيام دليل عليه ، ومع تسليم صحته ، فوجه الفرق ظاهر ، لأن مقتضى ما نحن فيه هو أنه بالوقف عليهم يلزم بقاؤه ما وجدوا كما هو مقتضى الوقف ، وشرط النقل مناف له ، وأما الوقف على أولاده سنة فليس كذلك ، لأنه إنما وقف عليهم مدة معينة ، فلا ينافيه التعقيب بالوقف على المساكين
وبما ذكرنا يظهر لك ما في دعواه في التذكرة الإجماع على الصحة ، مع استشكاله في القواعد ، وأما ما قيل في تعليل الصحة - زيادة على ما ذكر - من أنه يصح الوقف باعتبار صفة للموقوف عليه كالفقر ، فإذا زالت انتقل عنه إلى غيره ان شرط ، وهو في معنى النقل بالشرط ، ونقل عن الدروس انه استقر به.
ففيه أولا ما عرفت في غير موضع من أن بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه الاعتبارات الوهمية - والتخريجات العقلية ، مع استفاضة الآيات والاخبار بالمنع من القول بغير علم ودليل واضح من كتاب أو سنة - مجازفة محضة في الأحكام الشرعية ، نسئل اللّه سبحانه المسامحة لنا ولهم من زلل الأقدام ، وهفوات الأقلام.
وثانيا أنه مع الإغماض عن ذلك فوجه الفرق بين الموضعين ظاهر مما قدمناه في التنبيه الرابع من المسئلة السابقة (1)، وملخصه أن الوقف على الفقراء إنما هو وقف على الجهة كالوقف على المساجد ، والوقف هنا ينتقل إلى اللّه تعالى ، ويشترك فيه كل من اتصف بذلك العنوان حتى الواقف نفسه ، فلا يحصل هنا نقل عن الموقوف عليه ، لأنه ليس ثمة موقوفا عليه ، وإنما يصير مراعى ببقاء الصفة المذكورة من الفقر ونحوه ، فإذا زالت كان في حكم موت الموقوف عليه ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنه بالوقف عليه يصير ملكا له ، ونقله عنه بالاختيار مناف لتمليكه له بالوقف ، وبذلك يظهر لك أن الحق هو بطلان الوقف بهذا الشرط واللّه العالم.
ومنها ما لو وقف على أولاده الأصاغر ، فإنه يجوز أن يشرك معهم غيرهم بالشرط في العقد ، والظاهر أنه لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف في أنه هل يجوز مع عدم الشرط أم لا؟ المشهور الثاني ، وقال الشيخ في النهاية بالأول ، قال : إذا وقف على ولده الموجودين وكانوا صغارا ثم رزق بعد ذلك أولاد جاز أن يدخلهم معهم فيه ، ولا يجوز أن ينقله عنهم بالكلية إليهم ، ووافقه ابن البراج ، إلا أنه قيده بعدم قصره على السابقين ، قال : الوقف يجب أن يجري على ما يقفه الواقف ، ويشترط فيه ، وإذا وقف على ولد موجود وهو صغير ، ثم ولد له بعده غيره ، وأراد أن يدخله في الوقف مع الأول كان جائزا ، إلا أن يكون قد خص الولد الموجود بذلك ، وقصره عليه ، وشرط أنه له دون غيره ممن عسى أن يرزقه من الأولاد ، فإنه لا يجوز له أن يدخل غيره في ذلك.
والاختلاف في هذه المسئلة ناش من اختلاف الأخبار فيها ، فمما تدل على القول المشهور صحيحة علي بن يقطين (2)«عن أبي الحسن عليهالسلام قال : سألته
عن الرجل يتصدق ببعض ماله على بعض ولده ويبينه لهم ، إله أن يدخل معهم من ولده غيرهم بعد أن أبانهم بصدقته؟ قال : ليس له ذلك الا أن يشترط أنه من ولد له فهو مثل من تصدق عليه فذلك له».
ويؤيدها رواية جميل (1)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام الرجل يتصدق على ولده بصدقة وهم صغار ، إله أن يرجع فيها قال : لا ، الصدقة لله». والتقريب فيها أن إدخال الغير نوع من الرجوع فيها ، وفيه ما فيه.
ومما تدل على القول الآخر صحيحة علي بن يقطين الأخرى (2)قال : سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ، ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده ، قال : لا بأس بذلك».
ورواية محمد بن سهل عن أبيه (3)قال : «سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده؟ قال : لا بأس به».
وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في الرجل يجعل لولده شيئا وهم صغار ثم يبدو له أن يجعل معهم غيرهم من ولده؟ قال : لا بأس».
وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن (5)عن علي بن جعفر «عن أخيه موسى عليهالسلام قال : سألته عن رجل تصدق على ولده بصدقة ثم بدا له أن يدخل غيره فيه مع ولده أيصلح ذلك؟ قال : نعم ، يصنع الوالد بمال ولده ما أحب».
وأنت خبير بأن إيراد الأصحاب هذه الأخبار في هذا المقام دليل على فهمهم
الوقف من إطلاق الصدقة ، ويؤيده ما قدمناه من الأخبار الظاهرة في أن الصدقة في الصدر الأول إنما هي بمعنى الوقف ، واستعمالها في هذا المعنى المشهور بين الفقهاء إنما هو محدث ، وهي بهذا المعنى إنما تدخل في النحل والهبة ، كما في زمنه (صلىاللّهعليهوآله).
بقي الكلام في الجمع بين هذه الأخبار ، وهو لا يخلو من الإشكال ، الا أنه يمكن أن يقال : ان رواية جميل فالظاهر أنه لا دلالة فيها على ما نحن فيه ، ولا تعلق لها به ، إذ المتبادر من الرجوع في الصدقة إنما إخراجها عما فعله ، وجعلها ملكا ، كما كان أولا ، فلا يكون من محل البحث في شيء ، وكذا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، فإنها غير صريحة بل ولا ظاهرة في محل البحث ، لأن جعله لولده أعم من أن يكون بطريق لازم ، أم لا كالوصية به ، أو الصدقة مع عدم القربة ، فيمكن حمله على أحد الوجهين المذكورين ، ولا يكون من محل البحث في شيء.
وأما صحيحة علي بن يقطين الأولى ، فهي معارضة بصحيحة الثانية ، وجمع بينهما في المسالك بأمرين أحدهما حمل الصحيحة الأولى على ما إذا قصر الوقف على الأولين ، كما ذكره القاضي ابن البراج فيما قدمنا من نقل عبارته ، ويشعر به قوله بعد أن أبانهم ، فتحمل الثانية على ما لو لم يشترط ذلك كما يدل عليه إطلاقه ، وثانيهما حمل النفي في الأولى على الكراهة ، ثم قال : وكلاهما متجه ، الا أن الأول من التأويلين أوجه.
أقول : الذي يخطر ببالي العليل ويختلج بفكري الكليل إن ما ذكره من التأويل الأول الذي استوجهه وجعل عليه المعول لا يخلو من خدش ، وذلك فإنه متى حمل الخبر على ما ذكره من قصر الوقف على الأولين ، مع أنه عليهالسلام قال : في الجواب ليس له ذلك الا أن يشترط أن من ولد له فهو مثل من تصدق عليه ، فاللازم من ذلك هو عدم التعرض لحكم الإطلاق في الرواية ، مع أنه محل البحث ،
وموضع الخلاف المحتاج إلى الدليل ، لأن حاصل معنى الخبر على ما ذكره أنه متى قصر الوقف على الأولين فليس له أن يدخل معهم غيرهم إلا أن يشترط الإدخال ، يعني بأن لا يقصره عليهم ويشترط ، فيكون الاستثناء منقطعا ، فالمعلوم منه إنما هو حكم ما لو قصره عليهم ، فإنه لا يجوز الإدخال ، وحكم ما لو اشترط فإنه يجوز الإدخال ، والحكمان مما لا خلاف فيهما ولا اشكال ، وأما لو لم يقصر الحكم عليهم ولا اشترط الإدخال فحكمه غير معلوم من الخبر ، وهو محل البحث كما عرفت ، ومحتاج إلى الاستدلال.
وما ذكره (قدسسره) معنى قريب في الخبر ، الا أنه يخرج به عن محل البحث كما عرفت ، وتبقى صحيحته الأخرى خالية من المعارض ، فان ظاهرها الإطلاق ، بمعنى أنه تصدق ولم يقصر ولم يشترط وقد أجاب عليهالسلام بأنه لا بأس بالإدخال ، والحال هذه ونحوها الروايات الأخر ، وعلى هذا يبقى القول المشهور عاريا عن الدليل ، لأن دليله كما عرفت منحصر في الروايتين المذكورتين ، وهما صحيحة علي بن يقطين الاولى ، ورواية جميل ، وقد عرفت ما فيهما.
ومنه يظهر قوة قول الشيخ في النهاية ، لدلالة الروايات الباقية عليه ، الا أنه يبقي الإشكال في هذا القول ، ورواياته ، فان مقتضى الوقف اللزوم ، حيث أنه من العقود اللازمة متى تمت شرائطه ، وقضية اللزوم تمنع جواز الإدخال ، ولهذا حمل الشيخ وغيره خبر محمد بن سهل عن أبيه على عدم القبض ، وهذا الحمل يجري أيضا في صحيحة علي بن يقطين الثانية ، ورواية قرب الاسناد ، وأما رواية عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة في عداد هذه الأخبار فقد عرفت ما فيها ، وعلى هذا فيمكن حمل صحيحة علي بن يقطين الاولى على ما إذا أقبضهم ، ولعل المراد بالإبانة في الخبر المذكور ذلك ، بمعنى أنه متى أبانهم بالوقف وأقبضهم إياه فليس له الإدخال إلا مع الشرط في أصل العقد ، وعلى هذا تجتمع الأخبار المذكورة.
وبالجملة فالمسئلة غير خالية من الاشكال ، وان كان القول المشهور هو الأوفق بالقواعد الشرعية ، من حيث اقتضائها لزوم الوقف بالعقد ، وأما الاستدلال على ذلك بشيء من هذه الأخبار ففيه ما عرفت من تعدد الاحتمال في الصحيحة التي هي أظهر ما استدل به على القول المذكور ، وأما غيرها فقد عرفت ما فيه ، وغاية ما استدل به العلامة في المختلف لذلك قول العسكري عليهالسلام المتقدم ، وقد تقدم ما فيه : ورواية جميل المتقدمة ، وقد عرفت ما فيها ، واللّه العالم.
يشترط فيه أن يكون عينا مملوكة ، يصح الانتفاع بها مع بقائها ، ويصح إقباضها ، والكلام هنا في مواضع :
الأول : أن يكون عينا ، والمراد بالعين ما لم يكن دينا ولا منفعة ولا مبهما ، لأن العين تطلق في مقابلة كل من هذه الثلاثة ، فأما الوجه في عدم صحة وقف الدين ، فلأن الوقف كما تقدم عبارة عن تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة ، وذلك يقتضي أمرا موجودا في الخارج يحكم عليه بذلك والدين في الذمة أمر كلي لا وجود له في الخارج ، فيكون وقفه قبل التعيين من قبيل وقف المعدوم ، ومن ثم منعوا من جواز هبة الدين لغير من هو عليه لذلك ، كذا قالوا والأظهر في تعليل ذلك انما هو ما تقدمت الإشارة إليه سابقا من أن الوقف يقتضي نقل الوقف الى الموقوف عليه ، فيجب الوقوف فيه على ما علم من الشارع كونه ناقلا ، وما علم كونه قابلا للانتقال بذلك ، ولم يعلم من الأخبار تعلق الوقف بالديون ونقلها به ، والأصل العدم الى أن يثبت الدليل على ذلك ، وإنما علم منه العين خاصة ، وأما الوجه في عدم جواز وقف المنفعة فعلل بأن وقفها مناف للغاية المطلوبة من الموقوف ، وهي الانتفاع بها مع بقاء عينها ، والانتفاع بالمنفعة يستلزم استهلاكها شيئا فشيئا ، ولجواز التصرف في العين ، لأنها لم يتعلق
بها الوقف ، فتتبعها المنفعة فيفوت الغرض من الوقف ، والأظهر عندي في الاستدلال هو ما تقدم ذكره ،
وأما الوجه في عدم الجواز في وقف المبهم سواء استند الى معين كفرس من هذه الأفراس ، أم الى غير معين كفرس بقول مطلق فلأن مرجع ذلك الى أمر كلي غير موجود في الخارج كما تقدم في الدين ، وانما يتعين بالتعيين ، والأظهر هنا أيضا هو الرجوع الى الدليل المتقدم ، وانما صرنا الى مخالفة الأصحاب في هذه الأبواب فيما هنا وما سلف في غير باب ، لما عرفت من أن الأحكام الشرعية لا تبنى على مثل هذه التعليلات العقلية ، وانما تبنى على الأدلة الشرعية وأصالة العدم قاعدة كلية واضحة جلية ، لا نزاع فيها ولا شبهة تعتريها ، إذ لا تكليف إلا بعد البيان ، ولا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان كما هو مسلم بين جملة العلماء الأعيان ، فالعلة في الجميع انما هو ما ذكرناه ، ويخرج ما ذكروه من التعليلات شاهدا ووجها لما ذكرناه.
الثاني : أن تكون مملوكة وهو اما بمعنى صحة تملكها بالنظر الى الواقف فما لا يصح تملكه لا يصح وقفه ، فلا يصح وقف الحر ولو رضى بذلك ، ولا يصح وقف الخمر والخنزير من المسلم على مسلم أو كافر ، ويصح من الكافر على مثله كما صرحوا به ، ويصح وقف الكلب المملوك ، قال في المسالك : والمراد بالمملوك أحد الكلاب السبعة.
أقول : لا أعرف من الكلاب المذكورة سوى كلب الصيد ، وكلب الماشية وكلب الزرع ، وكلب الحائط ، وكلب الدار ، هذا هو المصرح به في كلامهم ، وقد تقدم في المقدمة الثالثة من المقدمات المذكورة في صدر كتاب التجارة (1)تحقيق ما يملك وما لا يملك منها ، وبينا هنا أن المستفاد من الأخبار هو بيع كلب الصيد خاصة ، ولهم فيما عداه اختلاف وأقوال قد قدمنا نقلها ثمة.
1) ج 18 ص 79.
وبما ذكرنا يظهر أنه لا يجوز وقف شيء من الكلاب إلا كلب الصيد لأنها غير مملوكة ، والذي ثبت تملكه منها انما هو هذا الفرد خاصة ، ومجرد أن لها منفعة لا يكفي في صحة وقفها مع كونها غير مملوكة ، ولو صح تملكها لصح بيعها فكما امتنع البيع لعدم دخولها في الملك امتنع الوقف لذلك ، وقد عرفت أن المعلوم من الأخبار هو بيع الصيد بخصوصه.
وأما بمعنى كونه ملكا للواقف بالفعل فلو لم يكن كذلك لم يصح وقفه ، وعلى هذا لا يصح الوقف فضولا وان أجاز المالك كما هو أحد القولين في المسئلة وقيل : يصح بإجازة المالك ، وتوقف في التذكرة والدروس.
وكلماتهم في هذا المقام عليلة لا تصلح لتأسيس الأحكام ، وقد عرفت في كتاب البيع (1)بطلان التصرف الفضولي بيعا كان أو وقفا أو غيرهما ، لأنه تصرف في مال الغير بغير اذنه وهو قبيح عقلا ونقلا ، وقد مرت الروايات المصرحة بذلك.
وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة : ان أريد بالمملوكية صلاحيتها بالنظر الى الواقف ، فهو شرط الصحة ، وان أريد به المالك الفعلي فهو شرط اللزوم ، والأولى أن يراد به الأعم ، انتهى ملخصا.
أقول : هذا التفصيل مبني على مذهبه ، وقوله بصحة العقد الفضولي ، وأما على ما اخترناه من القول ببطلانه فالأمر واحد ، وهو أنه شرط في الصحة في كلا الاحتمالين وما ذكره من أن الأولى أن يكون المراد به الأعم جيد ، إذ كما لا يصح بالنسبة الى ما لا يصح تملكه ، كذا لا يصح بالنسبة الى ما لا يملكه بالفعل.
الثالث : أن يصح الانتفاع بها مع بقائها ، ولا ريب أنه يجب أن يكون لذلك العين نفع محلل مع بقائها فلو وقف مالا نفع فيه بالكلية ، أو كان الانتقاع به محرما ، أو كان الانتفاع موجبا لذهاب عينه كالخبز والفاكهة والطعام بطل ، ولا يشترط في الانتفاع كونه في الحال : فيصح وقف العبد الصغير والدابة الصغيرة ،
1) ج 18 ص 377.
ولا يشترط كون العين مما تبقى مؤبدا فيصح وقف العبد والثوب وأثاث البيت والقفار ، وضابطه ما عرفت من أنه ما يصح الانتفاع به منفعة محللة مع بقائه ، والتأبيد المشترط في الوقف إنما هو بمعنى دوامه بدوام وجود العين الموقوفة.
الرابع : أنه لا بد من إقباضها لما تقدم من أن شرط صحة الوقف القبض ، فلو لم يحصل القبض بطل ، فلا يجوز وقف الآبق ، ونحوه البعير الشارد ، قيل : ويشكل بأن القبض المعتبر في صحة الوقف ليس بفوري ، وحينئذ فلا مانع من وقوع الصيغة صحيحة ، وصحة الوقف مراعاة بقبضه بعد ذلك وان طال الزمان ، فان تعذر بطل ، وهذا بخلاف البيع ، فإنه معارضة من الجانبين ، وشرطه إمكان تسليم العوضين في الحال بالنص ، فلا يتعدى الى غيره ، للأصل ، ولو قدر الموقوف عليه على تحصيله فالأولى الصحة ، لزوال المانع ولا عبرة بالضميمة هنا ، لأن شرط الوقف القبض ، ولا يكفي قبض بعض الموقوف ، وهو هنا الضميمة عن الباقي ، وعلى هذا فبين حكم البيع والوقف بالنسبة إلى الآبق عموم وخصوص من وجه ، انتهى وهو جيد.
الخامس : هل يجوز وقف الدنانير والدراهم أم لا؟ قولان : مبنيان على وجود المنفعة لهما مع بقاء عينهما وعدمه ، ونقل في المبسوط الإجماع على المنع من وقفهما إلا من شذ ، وقد تقدم تحقيق البحث في ذلك في كتاب العارية (1)وأوضحنا فيه بالأخبار الواردة عنهم عليهالسلام حصول المنافع منهما مع بقاء عينهما ، فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه واللّه العالم.
الظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في صحة وقف المشاع كغيره مما كان متميزا ، والقبض موقوف على اذن الواقف والشريك ، وتدل على ذلك جملة من
1) ج 21 ص 507.
الأخبار وان كانت بلفظ الصدقة ، لما عرفت آنفا من التعبير بهذا اللفظ عن الوقف وأن أكثر استعماله قديما انما هو في هذا المعنى.
ومنها صحيحة الحلبي (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ قال : يجوز ، قلت : أرأيت ان كان هبة؟ قال : يجوز».
ورواية أبي بصير (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن صدقة ما لم تقسم ولم تقبض؟ فقال : جائزة إنما أراد الناس النحل فأخطأوا».
قوله صدقة ما لم تقسم ولم تقبض» يعنى ما كان مشتركا قبل القسمة ، أو اشتراه مثلا ولم يقبضه ، أو لم يقبضه بعد القسمة ، وأما قوله «وانما أراد الناس الى آخره» فهو لا يخلو من خفاء وغموض ، واحتمل فيه بعض الأصحاب احتمالات بعيدة ، الا أنه من المحتمل قريبا بمعونة ما قدمناه في الأمر التاسع من المسئلة الثالثة أن المراد انما أراد الناس من لفظ الصدقة في مثل صدقة الدار النحلة والهبة أخطأوا في ذلك ، بل المراد به الوقف ، كما يشير اليه قوله عليهالسلام فيما قدمنا أن الصدقة محدثة ، انما كانت النحلة والهبة وتسمية بعض أفرادها ، هو ما كان مقرونا بالقربة صدقة ، محدث من العامة ، وانما الصدقة معنى الوقف.
ومنه يعلم أن التقسيم الذي ذكره أصحابنا هنا من الوقف والصدقة والهبة ، انما هو من العامة تبعهم فيه الأصحاب ، والا فليس الا الوقف المعبر عنه بالصدقة في أخبار هذا الباب والنحلة والهبة ، وهذه الصدقة التي جعلوها قسيما هنا انما هي من جملة أفراد النحل والهبات.
وما ذكرناه وان لم يوافق كلامهم (رضوان اللّه عليهم) إلا أنه ظاهر الأخبار المذكورة ، وعسى يأتي له مزيد تحقيق إنشاء اللّه تعالى في باب الهبة والنحلة.
ومنها رواية زرارة (1)عن أبى جعفر عليهالسلام قال : في الرجل يتصدق بالصدقة المشتركة قال : جائز». ورواية الفضل بن عبد الملك (2)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في رجل تصدق بنصيب له في دار على رجل قال : جائز وان لم يعلم ما هو ، واللّه العالم.
والمشهور أنه يعتبر فيه البلوغ والعقل ، وجواز التصرف ، والكلام هنا يقع في موضعين أحدهما - في وقف من بلغ عشرا ، وفيه قولان : استدل على الصحة برواية زرارة (3)عن أبي جعفر عليهالسلام قال : إذا أتي على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق ، وتصدق وأوصى على حد معروف وحق فهو جائز».
والظاهر أن معنى آخر للحديث أن كل ما صنع على وجه المعروف ، فهو جائز.
والرواية وان كان موردها الصدقة ، الا أن الشيخ وجماعة عدوه إلى الوقف نظرا إلى أنه بعض أفراد الصدقة بالمعنى الأعم.
أقول : ظاهر الخبر كما عرفت أن كل ما صنع على وجه المعروف فهو جائز ، وحينئذ فيدخل فيه الوقف كما عرفت ، ويؤيد الرواية المذكورة موثقة جميل بن دراج (4)عن أحدهما عليهالسلام قال يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ، ووصيته وان لم يحتلم.
وموثقة الحلبي ومحمد بن مسلم (5)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : سئل عن صدقة الغلام ما لم يحتلم قال : نعم إذا وضعها في موضع الصدقة».
1) الكافي ج 7 ص 34 ح 26 ، التهذيب ج 9 ص 137 ح 23 ، الوسائل ج 13 ص 309 ح 4.
2) التهذيب ج 9 ص 152 ح 68 ، الوسائل ج 13 ص 309 ح 3.
3) الكافي ج 7 ص 28 ح 1 ، الفقيه ج 4 ص 145 ح 2 ، الوسائل ج 13 ص 321 ح 1.
4) التهذيب ج 9 ص 182 ح 8 ، الوسائل ج 13 ص 321 ح 2.
5) التهذيب ج 9 ص 182 ح 9 ، الوسائل ج 13 ص 321 ح 3.
قال المحقق في الشرائع وفي وقف من بلغ عشرا تردد ، والمروي جواز صدقته ، والاولى المنع ، لتوقف رفع الحجر على البلوغ والرشد ، وقال في المسالك بعد إيراد رواية زرارة وقريب منها رواية سماعة : ومثل هذه الأخبار الشاذة المخالفة لأصول المذهب ، بل وإجماع المسلمين ، لا تصلح لتأسيس هذا الحكم.
أقول : يمكن أن يقال : ان ما دل على الحجر قبل البلوغ والرشد وهو المشار إليه في كلامه في المسالك بأصول المذهب مخصص بهذه الأخبار التي ذكرناها ، ونحوها غيرها مما ورد في الوصية ، كرواية عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه (1)قال : «قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : «وإذا بلغ عشر سنين جازت وصيته». وفي معناها روايات عديدة في الوصية ، ونسبة جميع هذه الروايات إلى الشذوذ بعيد جدا.
نعم لو كانت المخالفة منحصرة فيما نقله من الروايات لأمكن ما ذكره ، إلا أنك قد عرفت كثرة الأخبار بما يوجب الخروج عن تلك الأصول المذكورة ، فيجب التخصيص ، ولو أنه ناقش بعدم صراحة الرواية في الوقف كما هو المدعى كان كلامه أقرب إلى القبول ، إلا أنك قد عرفت أن إطلاق الصدقة على الوقف شائع ، ذائع في الأخبار ، بل هو الأصل في الإطلاق ، وانما الإطلاق على ما ذكروه مستحدث وبما ذكرنا تظهر قوة ما ذهب إليه الشيخ وأتباعه في هذه المسئلة ، واللّه العالم.
وثانيهما - أنه صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بأنه يجوز للواقف أن يجعل النظر لنفسه في الوقف ولغيره أيضا ، ولو لم يعين كان النظر إلى الواقف ، أو الموقوف عليه ان قلنا بانتقال الملك إليه ، والا فإلى الحاكم الشرعي ، والذي تدل على الأول الأخبار الدالة على وجوب الوفاء بالشروط الا ما حلل حراما أو حرم حلالا (2)«وعلى الثاني - مضافا إلى عموم ما دل على وجوب الوفاء
بالشروط - خصوص التوقيع الخارج من الناحية المقدسة (1)كما تقدم ، «وفيه وأما ما سألت من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة يسلمها من قد يقوم بها ويعمرها ويؤدى من دخلها خراجها ومؤنتها ويجعل ما يبقي من الدخل لناحيتنا فإن ذلك لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها إنما لا يجوز ذلك لغيره». الحديث.
ويدل على ذلك خبر صدقة فاطمة عليهاالسلام بحوائطها حيث جعلت النظر فيه لعلي عليهالسلام ثم الحسن ثم الحسين عليهماالسلام ثم الأكبر من ولدها روى في الكافي والفقيه والتهذيب عن أبى بصير (2)وهو ليث المرادي بقرينة عاصم بن حميد عنه ، فيكون الخبر صحيحا.
قال : قال أبو جعفر عليهالسلام : ألا أقرؤك وصية فاطمة عليهاالسلام؟ قال : قلت : بلى ، قال : فأخرج حقا أو سفطا فاخرج منه كتابا فقرأه : بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله أوصت بحوائطها السبعة : العواف ، والدلال ، والبرقة ، والميثب ، والحسنى ، والصافية ، وما لأم إبراهيم إلى علي بن ابى طالب عليهالسلام فإن مضى علي فإلى الحسن فان مضى الحسن فإلى الحسين فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي - شهد اللّه على ذلك ، والمقداد بن الأسود ، والزبير بن العوام وكتب علي بن أبي طالب عليهالسلام.
وقد تقدم ما يدل أن هذه الحوائط كانت وقفا (3)، وكان رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) يأخذ منها ما ينفق على أضيافه ، وأن العباس خاصم فاطمة عليهاالسلام فيها بعد موته ، فشهد علي عليهالسلام وغيره أنها كانت وقفا على فاطمة.
ومنها حديث وقف علي عليهالسلام أمواله التي له في ينبع (4)وقد تقدم شطر منه
1) الوسائل ج 13 ص 300 ح 8.
2) الكافي ج 7 ص 48 ح 5 وص 49 ح 6 ، التهذيب ج 9 ص 144 ح 50 الفقيه ج 4 ص 180 ح 13 ، الوسائل ج 13 ص 311 ح 1.
3) الكافي ج 7 ص 47 ح 1 وص 48 ح 7 التهذيب ج 9 ص 145 ح 51 وص 146 ح 55، وهما في الوسائل ج 13 ص 311 ح 2 وص 312 ح 4.
4) الكافي ج 7 ص 47 ح 1 وص 48 ح 7 التهذيب ج 9 ص 145 ح 51 وص 146 ح 55، وهما في الوسائل ج 13 ص 311 ح 2 وص 312 ح 4.
«وفيه أنه يقوم على ذلك الحسن عليهالسلام يأكل منه بالمعروف ، ثم ذكر بعده الحسين عليهالسلام ثم من بعده الى من يختاره الحسين عليهالسلام ويثق به. الحديث ملخصا».
ومنها صدقة الكاظم (1)عليهالسلام بأرضه ، وقد جعل الولاية فيها الى الرضا عليهالسلام وابنه إبراهيم ثم على من بعدهم على الترتيب المذكور في الخبر ، هذا كله مع الشرط لنفسه أو لغيره.
وأما لو لم يعين فإنه يبنى القول في ذلك هنا على أنه هل ينتقل الوقف عن الواقف بالوقف أم لا؟ وعلى الأول فهل ينتقل الى الموقوف عليه مطلقا ، أو لله سبحانه مطلقا ، أو للموقوف عليه ان كان على جهة عامة؟ وعلى الأول والثالث فالنظر لكل منهما ، وعلى الثاني والرابع فالنظر للحاكم ، حيث لا يوجد الخاص ويصير الواقف في ذلك كالأجنبي ، وسيأتي الكلام في تحقيق المسئلة المذكورة ان شاء اللّه تعالى.
بقي في المسئلة أمور يجب التنبيه عليها ، الأول - متى قلنا ان النظر للواقف ابتداء أو مع شرطه ، فهل تشترط عدالته أم لا؟ ظاهر الأصحاب الثاني ، وبه قطع في التذكرة مع احتمال اشتراطها ، لخروجه بالوقف عن الملك ، ومساواته لغيره ، فلا بد من اعتبار العدالة في التولية ، كما تعتبر في غيره.
وعلل العدم بأنه انما نقل ملكه عن نفسه على هذا الوجه ، فيتبع شرطه والمسئلة محل توقف لعدم النص ، أما بالنسبة إلى غيره ممن شرطه في العقد أم لم يشترطه فلا بد من العدالة فيه ، لا أعرف خلافا فيه ، ويدل عليه ما في خبر صدقة أمير المؤمنين (2)عليهالسلام بماله الذي في ينبع حيث قال في آخره بعد ذكر الحسن والحسين عليهماالسلام كما قدمنا الإشارة إليه ، قال فان حدث بحسن وحسين حدث فإن
الآخر منهما ينظر في بنى علي ، فان وجد فيهم من يرضى بهديه وإسلامه وأمانته ، فإنه يجعله اليه ان شاء ، وان لم ير فيهم بعض الذي يريد فإنه يجعله الى رجل من آل أبي طالب يرضي به ، فان وجد آل أبى طالب قد ذهب كبرائهم ، وذوو آرائهم فإنه يجعله الى رجل يرضاه من بنى هاشم». الحديث.
قالوا : فان لم يكن عدلا أو خرج عنها خرج عن النظر ، وكان الحكم كما لو أطلق ، ولو عادت العدالة عاد الى النظران كان مشروطا من الواقف ، وإلا فلا ، قالوا : ويشترط فيه مضافا الى ذلك الاهتداء إلى كيفية التصرف كما يعتبر ذلك في الوصي.
الثاني - قد عرفت أنه متى صرح بالنظر للغير صح إلا أنه لا يجب على ذلك الغير القبول ، ولو قبل لم يجب عليه الاستمرار ، لأنه في معنى التوكيل ، كذا صرح به في الدروس.
أقول : كما يحتمل أنه في معنى الوكالة فيترتب عليه ما ذكره ، كذلك يحتمل أنه في معنى الوصية فيجب عليه الاعلام بعدم القبول ، وإلا لزمه القيام بذلك ويمكن ترجيح الأول بأن الأصل عدم الوجوب ، وإذا كان الأصل عدم وجوب القبول عليه ابتداء استصحب الحكم في عدم الاستدامة ، فلا يجب عليه الاستمرار استصحابا للأصل المذكور ، فإذا رد صار كما لا ناظر له ابتداء فيتولاه الحاكم أو الموقوف عليه ان قلنا بالانتقال اليه ، وكيف كان فالحكم لا يخلو من شوب التردد.
الثالث - الناظر من قبل الواقف على قسمين أحدهما - أن يكون مشروطا في العقد ، وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز للواقف عزله ، عملا بوجوب الوفاء بالشروط الا أن يظهر ما يوجب عزله.
وثانيهما - ما لم يكن كذلك ، بأن نصبه بعد العقد بالنظر المتناول فإنه يجوز عزله متى شاء ، لأنه حينئذ في حكم الوكيل الذي يجوز عزله بعد الوكالة متى أراد.
الرابع - لو شرط للناظر شيئا من الريع صح وكان ذلك اجرة عمله ليس له أزيد منه وان كان أقل من الأجرة وان أطلق فله مثل أجرة عمله.
أقول : ان أريد بالإطلاق هو عدم ذكر شيء معين ، مع ذكر ما يوجب ان له أجرة ، فما ذكروه جيد ، وان أريد وقوع العقد خاليا من التعرض لذلك نفيا ولا إثباتا فما ذكروه مشكل ، لأن الوقف قد انتقل بالعقد إلى من عينه الواقف من الموقوف عليه ، وإخراج شيء منه يحتاج الى دليل ، وليس في العقد ما يدل على ذلك كما هو المفروض ، والنصوص الدالة على جواز جعل الواقف ناظرا للوقف خالية من ذلك ، والظاهر أن الناظر إنما رضي بذلك مجانا فلا يستحق أجرة.
الخامس - قد صرحوا بأن وظيفة الناظر في الوقف العمارة له أولا ، وتحصيل الريع وقسمته على المستحق ، وحفظ الأصل والغلة ، ونحو ذلك من مصالحه.
أقول : وقد صرح بذلك في التوقيع المتقدم ذكره وهو المفهوم من إطلاق باقي الأخبار ، ومقتضاه انه لا يجوز التصرف في شيء من الأعمال المذكورة ، ولا في الغلة إلا باذنه ، ولو كان التصرف من الموقوف عليه وهو مقتضى إطلاق كلام الأصحاب أيضا.
قال في المسالك : وفيه اشكال ، من وجهين : أحدهما - ما لو كان الموقوف عليه متحدا ، اما ابتداء أو لاتفاق ذلك في بعض الطبقات ، فإنه مختص بالغلة ، فتوقف تصرفه على اذن الناظر بعيد ، لعدم الفائدة خصوصا مع تحقق صرفها إليه بأن تكون فاضلة عن العمارة وغيرها مما يقدم على القسمة يقينا ، نعم لو أشكل الحال توقف على اذنه قطعا ، لاحتمال أن يحتاج إليها أو الى بعضها في الأمور المتقدمة على اختصاص الموقوف عليه.
أقول : يمكن الجواب عن ذلك بأنه لا عموم في الأمرين المتقدمين على وجه يشمل ما ذكره من هذه الصورة ، فإن الظاهر من نصب الناظر انما هو فيما يحتاج الى النظر والعمل ، مثل التعمير ودفع الخراج ، وقسمة الحاصل بين أربابه
ونحو ذلك ، لا مطلقا بحيث يشمل مطلق التصرف ، وإلا لأدى ذلك الى انه لا يجوز لأحد من الموقوف عليه بعد القسمة وتميز حصته ، التصرف فيها إلا بإذنه ، مع أنه ليس كذلك اتفاقا.
وبالجملة فإن حكم الغلة فيما فرضه ، حكمها فيما لو قسمها الناظر وميزه فكما أنها اختصت بصاحبها في صورة القسمة ، كذلك في صورة الاتحاد ، ثم قال (قدسسره) : وثانيهما - الأوقاف العامة على المسلمين ، ونحوهم التي يريد الواقف انتفاع كل من الموقوف عليه بالثمرة إذا مر بها ، كأشجار الثمار ، فان مقتضى القاعدة أيضا عدم جواز تصرف أحد منهم في شيء منه ، الا بإذن الحاكم ، ولا يخلو من اشكال وتفويت لكثير من أغراض الواقف ، بل ربما دلت القرينة هنا على عدم ارادة الواقف النظر على هذا الوجه ، بل يريد تفويض الانتفاع إلى كل واحد من أفراد تلك الجهة العامة ، فكأنه في قوة جعل النظر إليه ، لكن هذا كله لا يدفع الاشكال ، لما تقدم من أنه بعد الوقف حيث لا يشترط النظر لأحد يصير كالأجنبي ، وينتقل الحكم إلى الحاكم ، فلا عبرة بقصده خلاف ذلك حيث لا يوافق القواعد الشرعية ، وجعل مثل هذا الإطلاق نظرا لكل واحد في حيز المنع.
وبالجملة فهذه القواعد الشرعية المتفق عليها لا تدفع. بمثل هذا الخيال ، وينبغي أن يقال : ان المتصرف على هذا الوجه يأثم خاصة ، ويملك حيث لا يجب صرف الثمرة في الأمور المتقدمة على صرفها إلى الموقوف عليه ، وكذا القول في تصرف الموقوف عليه المتحد.
أما المتعدد فلا ، لأن قسمتها وتميز حق كل واحد من الشركاء يتوقف على الناظر ، وحينئذ فيكون كالتصرف في المال المشترك بغير إذن الشريك ، فيستقر في ذمته حصة الشريك من ذلك ، ولم أقف في هذه الأحكام للأصحاب على شيء ، فينبغي تحرير النظر فيه ، انتهى.
أقول : ويمكن الجواب أيضا بما قدمنا في سابقه ، فإنه متى كان الأمر
كما ذكره من أن الغرض من وقفه على المسلمين انتفاع كل من الموقوف عليه بالثمرة إذا مر بها ، فانا لا نسلم دخوله تحت القاعدة المذكورة ، لأن ذلك في قوة قوله من شاء أن يأكل من هذه الثمرة ، فهو مأذون ، ومع تسليم التوقف على إذن الحاكم ، فالواجب على الحاكم أيضا أن يأذن إذنا عاما على حسب ارادة الواقف ومطلوبه ، فلا يتوقف كل فرد فرد من أفراد تلك الجهة الموقوف عليها إلى إذن خاص ، كما ظنه (قدسسره).
ويؤيد ما قلناه قوله «بل ربما دلت القرينة على عدم ارادة الواقف النظر على هذا الوجه إلى آخره» وجوابه عن ذلك بأنه لا عبرة بقصد الواقف ذلك بعد رجوع الأمر إلى الحاكم ، حيث انه يصير مع عدم الاشتراط كالأجنبي فلا عبرة بقصده خلاف ما يقتضيه نظر الحاكم ، مردود ، بأنا نجعل هذا القصد من الواقف قرينة على عدم دخول هذا الفرد في الإطلاق ، بمعنى استثنائه من ذلك ، فلا يرجع إليه في هذه الصورة ، على أن ما ذكره من أنه بعد الوقف حيث لا يشترط النظر لأحد كالأجنبي ، وينتقل الحكم إلى الحاكم ، فلا عبرة بقصده خلاف ذلك ، محل منع وكيف لا ، والعقود تابعة للقصود ، ومقتضى القواعد الشرعية هو الوقوف على ما علم منه من القصد صريحا أو بقرينة أو نحو ذلك وكونه أجنبيا بعد العقد لا يوجب الخروج عما عينه وقصده ، وإنما المراد منه ليس له بعد العقد إحداث شيء على خلاف ما دل عليه العقد ، والنظر الذي انتقل إلى الحاكم الشرعي إنما هو على حسب ما دلى عليه العقد ، ولا يجوز له الخروج عن مقتضاه ، وهو قد فرض في صورة الاشكال أنه وبما دلت القرينة هنا على عدم ارادة الواقف النظر على هذا الوجه ، بل يريد تفويض الانتفاع إلى كل واحد من أفراد تلك الجهة العامة إلى آخره.
وحينئذ فإنه متى كان الأمر كذلك فلا ريب أنه في قوة التقييد للوقف بما ذكر ، والتصريح به ، فكيف تجوز مخالفته والخروج عنه ، ويكون الخروج عنه موافقا للقواعد الشرعية ، بل الوقوف عليه هو مقتضى القواعد الشرعية ،
والخروج عنه على خلافها ، فتأمله بعين البصيرة ، وتناوله بيد غير قصيرة ليظهر لك ما في الزوايا من الخبايا ، وكم ترك الأول للآخر كما هو المثل السائر ، وبذلك يظهر أنه لا اثم على الأخذ في الصورتين المذكورتين كما ظنه (قدسسره) ، واللّه العالم.
ويشترط فيه أن يكون موجودا وله أهلية التملك ، أو تابعا لموجود كذلك ، وأمكن وجوده عادة ، وكان قابلا للوقف.
فهنا مسائل الأولى : الظاهر أنه لا خلاف في بطلان الوقف على المعدوم ابتداء ، ولم أقف على نص في المقام ، الا أنه يمكن أن يقال : مضافا إلى ظاهر الاتفاق أن الوقف نقل للمنفعة البتة أو العين على أحد الأقوال إلى الموقوف عليه ، والمعدوم لا يصلح لذلك.
قالوا : وفي معناه الحمل أيضا ، لأنه وان كان موجودا الا أنه غير صالح للتملك ما دام حملا ، فان قيل : انه تصح الوصية له ، وهو نوع تمليك فالجواب الفرق بين الأمرين ، فإن الوقف تمليك في الحال ، فلا بد من قابلية الموقوف عليه للتملك ، والوصية تمليك في المستقبل ، فالتملك فيها مراعى بوضعه حيا ، فلو مات قبل خروجه حيا بطلت ، ولم يرثها وارثه ، بخلاف ما لو خرج حيا ولو لحظة ثم مات ، فإنها يكون ميراثا.
نعم لو ذكر المعدوم تبعا لموجود كما لو وقف على أولاده الموجودين ، ومن سيوجد منهم صح بلا خلاف يعرف ، وكذا لو وقف على أولاده ومن سيتجدد منهم ، وهكذا ، أما لو كان التابع ممن لا يمكن وجوده ، كالميت أو لا يقبل الملك كالعبد بطل فيما يخصه ، ولو ذكر المعدوم أولا ثم الموجود كان منقطع الأول ، وكذا نفسه أو الميت أو العبد ، ثم بعده الموجود ، وقد تقدم الكلام ، في ذلك في المسئلة الرابعة
من المطلب الثاني في شرائط الوقف (1)ونقل ما فيها من الخلاف محررا محققا ، فلا حاجة إلى إعادته ، ثم انه ينبغي أن يعلم أن عدم صحة الوقف على العبد إنما هو بناء على القول بأنه لا يملك ، أولا يملك الا فاضل الضريبة مما لا يدخله الوقف ، أما على القول بكونه يملك ، وان كان محجورا عليه في التصرف ، فإنه لا مانع من الوقف عليه ، وبه صرح الأصحاب (رضياللّهعنهم) أيضا قيل : ولا ينصرف الوقف إلى مولاه ، لأنه غير مقصود في العقد ، والعقود بالقصود.
أقول : الظاهر أن هذا الكلام خرج في معرض الرد على بعض العامة ، حيث جوز الوقف على العبد ، وجعله مصروفا إلى مولاه ، ولا ريب في ضعفه ، لما عرفت من أن العقود تابعة للقصود ، ومولاه لم يقصد بالوقف عليه ، فمن أين ينصرف إليه.
قد عرفت أن من جملة الشروط في الموقوف عليه أن يكون له أهلية التملك ، ويشكل ذلك بالوقف على المساجد والقناطر ونحوهما ، فإنه مما لا خلاف فيه ، مع أن شيئا منها غير قابل للتملك كما لا يخفى ، والجواب ما صرح به الأصحاب من أن الوقف المذكور في التحقيق إنما هو وقف على المسلمين ، باعتبار بعض مصالحهم ، ولا ريب أنهم قابلون للتملك ، وغايته أنه وقف عليهم باعتبار مصلحة خاصة من مصالحهم ، فكأنه وقف عليهم بشرط صرفه في مصرف خاص ، ومصلحة خاصة ، ولا منافاة فيه.
وربما ظهر من الصدوق من المنع من الوقف على المساجد ، لما روى في كتابه مرسلا (2)قال : «وسئل عليهالسلام عن الوقوف على المساجد ، فقال : لا يجوز ، فان المجوس أوقفوا على بيوت النار» ، وروى فيه وفي التهذيب عن أبي الصحاري (3)
«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : قلت له : رجل اشترى دارا فبقيت عرصة فبناها بيت غلة أيوقفه على المسجد؟ فقال : ان المجوس أوقفوا على بيت النار».
والمستفاد من الخبرين تعليل المنع بالتشبه بالمجوس ، ولم يتعرض لنقل الخبرين المذكورين أحد من الأصحاب في هذا المقام ، فضلا عن الجواب عنها ، ويمكن حملهما على الكراهة ، بناء على أن المفهوم من الأخبار خفة المؤنة في المساجد ، لا كما هو المتعارف في هذه الأزمان من التكلفات الزائدة فيها ، كما لا يخفى ، واللّه العالم.
المسئلة الثانية : قد اختلف الأصحاب (رضياللّهعنهم) في الوقف على الكافر وقد اضطرب كلامهم في هذا المقام ، فقيل : بالجواز مطلقا ، والمنقول عن الشيخين (عطر اللّه مرقديهما) أنهما منعا من وقف المسلم على الكافر ، إلا أن يكون من الأقارب سواء كان الأبوين أو غيرهما من ذوي الأرحام ، وبه قال أبو الصلاح وابن حمزة ، وعن سلار وابن البراج الحكم بالبطلان مطلقا وان كان من الأبوين.
واضطرب كلام ابن إدريس فقال : يصح وقف المسلم على والديه الكافرين دون غيرهما من الأهل والقرابات وغيرهم ، لقوله تعالى (1)«وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» وأما غيرهما فلا يجوز وان كان قريبا ، لأن شرط الوقف القربة ، ولا يصح التقرب إلى اللّه تعالى بالوقف على الكافر ، ونسب كلام الشيخ في النهاية من صحة الوقف على الأقارب ، إلى أنه خبر واحد أورده بلفظه إيرادا لا اعتقادا ، كما أورد غيره ، إلى أن قال : والأولى عندي أن جميع ذوي أرحامه من الكفار يجرون مجرى أبويه الكافرين في جواز الوقف عليهم ، لحثه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) بصلة الأرحام (2)قال : وبهذا أفتى ، ثم أمر بلحظة وتأمله ، ثم نقل بعد ذلك بكلام طويل عن الشيخ في الخلاف أنه يجوز الوقف على أهل الذمة إذا كانوا
أقاربه ، ثم قال : وقد قلنا ما عندنا في هذه المسئلة أنه لا يجوز الوقف على الكفرة الا أن يكون الكافر أحد الأبوين ، لأن من صحة الوقف وشرطه نية القربة ، انتهى.
واضطرابه ظاهر ، وحينئذ ففي المسئلة أقوال أربعة : الأول - الجواز مطلقا ، واستدل عليه بالعمومات ، مثل «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها (1)». «ولكل كبد حرى أجر (2)، وقوله تعالى «لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (3)».
الثاني - المنع ، واستدل عليه بقوله عزوجل «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ (4)» الآية.
الثالث - تخصيص الجواز بالأرحام ، ومستنده الجمع بين ما ذكر وبين الأخبار الدالة على وجوب صلة الأرحام (5).
والرابع - التخصيص بالأبوين ، ووجهه ما ذكر مضافا إلى قوله تعالى «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً (6)» وقوله «وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً (7)» فيجب الجمع بين الأدلة مما دل على المنع ، ومما دلت عليه هذه الأدلة بالتخصيص بالأبوين.
والمفهوم من كلام المتأخرين كالمحقق وغيره تقسيم الكافر إلى حربي وذمي ،
1) الفقيه ج 4 ص 176 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 129 ح 2 ، الوسائل ج 13 ص 307 ح 2.
2) الكافي ج 4 ص 57 ح 2 وص 58 ح 6 وفيه «أفضل الصدقة إبراد كبد حرى» الوسائل ج 6 ص 330 ح 2 و 5 وص 284 ح 2.
3) سورة الممتحنة - الآية 8.
4) سورة المجادلة - الاية 22.
5) الكافي ج 4 ص 10 باب الصدقة على القرابة ، الوسائل ج 6 ص 286 الباب 20.
6) سورة الأحقاف - الاية 15.
7) سورة لقمان - الاية 15.
والقول في الأول بالمنع مطلقا ، والخلاف في الثاني بهذه الأقوال الأربعة ، فمحل هذه الأقوال عندهم إنما هو الذمي.
ويشير إلى ما ذكرنا أن المحقق في الشرائع قال : ولا يقف المسلم على الحربي وان كان رحما ، ويقف على الذمي وان كان أجنبيا ، وشيخنا الشهيد الثاني في الشرح نقل الأقوال الأربعة في الذمي ، ثم قال : واعلم أنه لم يرد في عبارات المتقدمين الا الوقف على الكافر غير المبسوط ، فإنه صرح بالذمي ، ولعل مرادهم ذلك يعنى لعل مراد الأصحاب بالكافر الذي أطلقوه وجعلوه محل البحث والخلاف في المسئلة هو الذمي ، دون الحربي.
واختار في المسالك المنع في الحربي مطلقا ، كما هو مذهب المصنف ، وظاهره أيضا الميل إلى قوله في الذمي ، حيث قال بعد نقل الأقوال الأربعة المتقدمة : وكيف كان فالقول بالمنع مطلقا ضعيف ، وقول المصنف لا يخلو من وجه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أني لم أقف في النصوص على ما يدل على حكم الوقف على الكافر ذميا كان أو غيره ، ونسبة ابن إدريس في رده على الشيخ في النهاية ما ذكره في النهاية إلى أنه خبر واحد أورده الشيخ إيرادا لا اعتقادا ، ربما أشعر بوجود خبر بذلك ، الا أنه لم يصل إلينا كما عرفت.
نعم يبقى الكلام فيما ذكر من العمومات التي ذيلت بها الأقوال المتقدمة وهي أيضا غير خالية من الاشكال ، سيما الآيات المذكورة ، فإن الآية التي استدل بها على الجواز مطلقا ، ظاهرة في ذلك حتى قال أمين الإسلام الطبرسي - في تفسيرها من كتابه مجمع البيان على ما نقله عنه بعض الأعيان بعد كلام في البين - : والذي عليه الإجماع أن بر الرجل من يشاء من أهل الحرب قرابة كان أو غير قرابة ليس بمحرم ، وإنما الخلاف في إعطائهم مال الزكاة والفطرة والكفارات ، فلم يجوزه أصحابنا ، وفيه خلاف بين الفقهاء ، وهو كما ترى صريح في دعوى الإجماع على جواز برهم ، والوقف من جملة ذلك ، فالآية كما ترى دليل ظاهر
على القول المذكور.
وأما الاستدلال بحديث «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها». فقد عرفت آنفا ما فيه ، والحديث الذي بعده ، وان لم يكن ظاهرا في الدلالة ، الا انه صالح للتأييد.
وأما الآية التي استدل بها على المنع مطلقا فهي ظاهرة الدلالة أيضا على القول المذكور ، وفي معناها قوله عزوجل (1)«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ» الآية وهما صريحتان في النهي عن مودة الكافر ، ولا ريب أن الوقف عليه إنما ينشئ من المحبة والمودة ، وهو مؤكد لها ، والحال أنه منهي عن المودة التي نشأ منها الوقف ، وتأكد بها ، فيكون منهيا عنه أيضا بالطريق الأولى.
نعم لا يخفى أن الآية الأولى وان دلت على الجواز مطلقا الا أنه يدفعها بالنسبة إلى الحربي أولا للقول باشتراط القربة في الوقف ، وقد عرفت أنه مذهب جملة من الأصحاب (رحمهماللّه) فإنه مقتضى الأدلة ، والتقرب إلى اللّه تعالى بصلته مع نهيه سبحانه عن مودته لا يجتمعان.
وثانيا حل أمواله للمسلمين ، فان مال الحربي فيء للمسلمين يصح أخذه وبيعه ، وهو ينافي صحة الوقف عليه ، والمعارضة كما ترى حاصلة بين الآية المستدل بها على الجواز ، وبين ما ذكرناه ، ولم يظهر لي وجه يجمع به بينهما ، وبذلك يزيد الاشكال.
ومن ثم أنه في المسالك رجح القول بالمنع في الحربي ، والجواز في الذمي ، لكن الواجب عليه كان أن يجيب عن الآية الدالة على الجواز مطلقا ، مع أنه لم يتعرض لذلك ، إلا أنه خص آية الجواز بالذمي كما أشرنا إليه آنفا ، من أنه جعل الأقوال الأربعة في الذمي خاصة ، والآية كما ترى أعم ، بل صريح أمين الإسلام
1) سورة الممتحنة - الاية 1.
الطبرسي كما عرفت هو كونها في الحربي ، وربما قيل : بأن النهي عن الموادة في تلك الآية إنما هو من حيث المحادة ، فلا ينافيه الوقوع على غير تلك الحيثية ، وهو محتمل ، وبه يقوى الاعتماد على الآية الأخرى مع ما عرفت من المعارض لها وبالجملة فالمسئلة عندي لما عرفت محل اشكال وإعضال ، واللّه العالم بحقيقة الحال.
قد عرفت الكلام في وقف المسلمين على الكفار ، بقي الكلام في وقف الكافر على مثله مطلقا ، أو وقف الحربي على الذمي أو الذمي على الذمي خاصة ، فظاهر الأصحاب الصحة ، وكذا الوقف على البيع والكنائس ، وعلل الصحة باعتقادهم شرعيته ، مضافا إلى إقرارهم على دينهم.
والثاني : إنما يتم بالنسبة إلى الذمي ، والمسئلة محل توقف لعدم الظفر فيها بنص ، ويشكل أيضا باشتراط القربة في الوقف على القول به ، حيث أن ذلك معصية في الحقيقة والواقع ، فلا يعقل التقرب والحال ذلك ، الا أن يحمل قصد القربة على قصدها في الجملة ، وان لم يحصل حقيقة ، أو يخصص قصدها ممن يعتقد حصولها ، والأول بعيد غاية البعد ، فإنه لغو محض ، والثاني أيضا لا يخلو من بعد ، وان استظهره في المسالك ، ولهذا ان الأصحاب منعوا من تولى الكافر الأفعال المشروطة بالقربة ، مثل غسل الأموات ونحوه ، وأبطلوا ذلك من حيث عدم تأتي ذلك من الكافر.
المسئلة الثالثة : قد صرح الأصحاب (رضى اللّه عنهم) ببطلان الوقف على البيع والكنائس ، وكذا لو وقف في معونة الزناة وقطاع الطريق ، وشاربي الخمر وأمثالهم ، وكذا على الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل من غير خلاف يعرف.
أما الأول فالوجه فيه على ما قالوه وان قلنا بجواز الوقف على أهل الذمة كما أحد الأقوال المتقدمة ، هو الفرق بين الأمرين ، فإن الوقف على أهل الذمة
أنفسهم لا يستلزم معصية ، حيث أن نفعهم من حيث الحاجة ، وأنهم عباد اللّه ، ومن جملة بنى آدم ، وممن يجوز أن يتولد منهم المسلمون ، ولا معصية فيه ، وما ربما يترتب عليه من الإعانة على شرب الخمر ، وسائر المحرمات التي يستحلونها فهي غير مقصودة للواقف ، ولو فرض قصدها حكمنا ببطلان الوقف ، وكذا لو وقف عليهم لكونهم كفارا بل على فسقة المسلمين ، كما سيأتي الكلام فيه إنشاء اللّه تعالى.
وبالجملة فالمدار في البطلان والصحة على الغاية المترتبة على الوقف ، ولما كانت الغاية المترتبة عليه بالنظر إلى ما قلنا صحيحة سائغة ، صح الوقف ، وهذا بخلاف الوقف على البيع والكنائس ، حيث أنه وان كان وقفا على جهة خاصة من مصالح أهل الذمة ، إلا أنه معصية محضة ، لما يتضمن من الإعانة لهم على الاجتماع لتلك العبادات المحرمة ، ورسوخهم في الكفر ، فالغرض والغاية من الوقف هنا ليس على حسب باقي الغايات المترتبة على الوقف عليهم أنفسهم ، فلذا صح الوقف هناك ، وبطل هنا.
وأما الثاني فالوجه فيه ظاهر ، لانه متى كان الغرض المترتب على الوقف والغاية المقصودة منه إنما هو معونة هؤلاء من هذه الحيثيات المذكورة التي لا ريب في تحريمها ، وأنها معينة ، فلا ريب أن الوقف معصية ، فإن الإعانة على المعصية معصية.
واما لو وقف على من هو متصف بذلك من المسلمين ، لكنه لا من هذه الحيثية فلا إشكال في صحته ، سواء أطلق أم قصد جهة محللة.
واما الثالث فعلله الأصحاب بأن الكتابين المذكورين محرفان عما كانا عليه أولا ، ومع ذلك فهما منسوخان ، ولهذا حكموا بعدم جواز حفظهما ، كما تقدم في مقدمات كتاب التجارة من عدم جواز حفظ كتب الضلال.
نعم جوزوا الحفظ للنقض والحجة بها ، وقد نقل الأصحاب في هذا المقام
حديثا من طرق العامة وهو أنه قد روى عن النبي (1)(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) «أنه قد خرج إلى المسجد فرأى في يد عمر صحيفة ، وفيها شيء من التورية ، فغضب (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لما رأى الصحيفة في يده ، وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية حتى لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي». قال : في المسالك بعد نقل الخبر المذكور ، وهذا يدل على أن النظر إليها معصية ، وإلا لما غضب منه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لذلك.
أقول : وقد نقل ابن أبى الحديد في شرح نهج البلاغة مثل هذا الخبر عن عمر أيضا بوجه المنع ، وقد ذكرناه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبى الحديد ، وبينا ما فيه من نفاق ذلك الطاغي العنيد.
قال في المسالك : وينبغي جواز الوقف عليها على الوجه الذي يجوز إمساكها لأجله وهو النقض والحجة ، لأن الحجة طاعة ، الا أن الغرض لما كان نادرا أطلقوا المنع عليها ، انتهى.
أقول : ومقتضي ما ذكروه هنا جواز الوقف على كتب الشريعة ، والظاهر أنه لا اشكال فيه ، وهل يدخل في ذلك كتب أهل الخلاف أم لا؟ وجهان مبنيان على أنه هل تدخل تلك الكتب تحت كتب أهل الضلال أم لا وقد تقدم الكلام في ذلك في الموضع المشار إليه آنفا ، فعلى الأول كما هو الأظهر لا يجوز ، وعلى الثاني كما اختاره بعض محققي متأخري المتأخرين يجوز ، واللّه العالم.
المسئلة الرابعة : إذا وصف الموقوف عليه بصفة أو نسبة ، دخل فيه كل من تناوله الإطلاق عرفا مع اتفاق العرف أو الاصطلاح على ذلك ، والا فالمتعارف عند الواقف ، اعتبارا بشاهد الحال ، ولو كان ثمة قرائن وجب العمل بمقتضاها.
وفي هذا الباب صور منها - ما لو وقف على الفقراء ، فان كان الواقف مسلما انصرف إلى فقراء المسلمين ، وان كان كافرا وقلنا بصحة وقف الكافر انصرف
1) المسالك ج 1 ص 349.
إلى فقراء نحلته ، والوجه فيه ، أن صفة الفقر وان شملت لغة لكل من المسلم والكافر ، ومقتضاه العموم للجميع في كل من الصورتين المذكورتين ، الا أن العرف وشاهد الحال يدل على ارادة المسلمين في الأولى ، وأهل نحلة الواقف في الثانية ، والعرف عندهم مقدم على اللغة ، وهذا يتم مع تحقق دلالة العرف وشهادة الحال عليه ، والا فاللغة مقدمة ، الا أنه لما كان تحقق الدلالة العرفية هنا وشهادة الحال بذلك ظاهرا جزموا بالحكم المذكور من غير تردد.
بقي أنه لو وقف على الفقراء فهل يجب تتبع من خرج عن بلد الوقف أو يكفي الدفع إلى فقراء البلد؟ صرح جملة من الأصحاب بالثاني ، وعلل بأن الوقف على غير منحصر إنما هو وقف على الجهة ، لا على أشخاصها ، ومصرف الجهة من اتصف بوصفها من فقر أو فقه لو كان الوقف على الفقهاء ، فلا يجب الدفع إلى جميع الأشخاص الداخلين في الوصف ، ويدل عليه ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن على بن محمد بن سليمان النوفلي (1)قال : «كتبت إلى أبى جعفر الثاني عليهالسلام أسأله عن أرض وقفها جدي على المحتاجين من ولد فلان بن فلان وهم كثير متفرقون في البلاد فأجاب عليهالسلام ذكرت الأرض التي أوقفها جدك على فقراء ولد فلان بن فلان وهي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف ، وليس لك أن تتبع من كان غائبا».
وظاهر الخبر الاختصاص بمن حضر البلد لظاهر اللام ، المؤذن بالملك أو الاختصاص ، والأصحاب صرحوا بأنه لو تتبع جاز ، لأن المنفي إنما هو وجوب التتبع ، والظاهر من الخبر خلافه ، وان أمكن احتماله.
وظاهر الخبر وجوب استيعاب من في البلد ، وبه صرح بعضهم ، وقيل : يجزى الاقتصار على ثلاثة مراعاة للجمع ، مع ما علم من أن الجهة لا يقتضي الأشخاص ، وقيل : يكفى اثنين ، بناء على أنه أقل الجمع.
قال في المسالك : ويحتمل جواز الاقتصار على واحد ، نظرا الى أن الأشخاص
1) الكافي ج 7 ص 38 ح 37 ، الوسائل ج 13 ص 308 ح 1.
مصرف الوقف ، لا مستحقوه إذ لو حمل على الاستحقاق وعمل بظاهر اللفظ لوجب الاستيعاب ، لأنه جمع معرف مفيد للعموم ، فيجب التتبع ما أمكن ، انتهى.
وفيه أن الظاهر من الخبر المذكور هو وجوب استيعاب من في البلد ، فلا ينبغي الالتفات الى هذه الأقوال ، ولا الى ما عللت به.
ومنها ما لو وقف على المسلمين ، والظاهر صدقه على من أقر بالشهادتين مع عدم إنكاره ما علم من الدين ضرورة ، فيدخل فيه جملة الشكاك والمستضعفين ويخرج منه من حكم بكفره من أفراد المسلمين ، كالخوارج ، والنواصب ، والمجسمة والغلاة ، ولفظ المسلمين وان شمل هؤلاء المذكورين عرفا ، إلا أنه شرعا لا يشملهم والعرف الشرعي مقدم على العرف العام اتفاقا.
وبذلك يظهر ما في قوله في المسالك بعد أن ذكر المعنى الأول وهو حمل المسلمين على من أقر بالشهادتين ولم ينكر شيئا من ضروريات الدين فيخرج عنه هؤلاء المذكورون ما لفظه : مع احتمال العموم نظرا الى المفهوم عرفا.
فان فيه أنه وان صدق ذلك عرفا إلا أن المفهوم من هذا اللفظ بالنظر الى الأخبار إنما هو الأول ، ولهذا أنهم صرحوا في تسميتهم مسلمين إنما هو بمعنى منتحلي الإسلام ، وإذا ثبت أن عرفهم عليهالسلام إنما هو المعنى الأول وجب تقديمه وبطل ما ذكره من الاحتمال.
وفي دخول المخالفين وعدمه قولان مبنيان على الحكم بإسلامهم كما هو المشهور بين المتأخرين ، أو كفرهم كما هو مذهب جملة من محققي متقدمي الأصحاب ، وهو المختار ، كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في جملة من زبرنا ، ولا سيما كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب ، وقد تقدم في الجلد الثاني من كتاب الطهارة نبذ من القول في ذلك (1)«قال في المسالك : ولا فرق بين كون الواقف من المسلمين محقا وغيره ، عملا بالمفهوم ، وقيل : إن كان الواقف
1) ج 5 ص 181.
محقا يختص الوقف بقبيلة بشهادة الحال ، كما لو وقف على الفقراء ، ورد بأن تخصيص عام لا يقتضي تخصيص آخر ، وشهادة الحال ممنوعة ، والفرق بين المسلمين والفقراء قائم ، فان ارادة الوقف على جميع الفقراء على اختلاف آرائهم وتباين مقالاتهم ومعتقداتهم بعيد ، بخلاف ارادة فرق المسلمين من إطلاقهم ، فإنه أمر راجح شرعي مطلوب عرفا ، والأقوى المشهور.
نعم لو كان الواقف من أحد الفرق المحكوم بكفرها لم يخرج قبيلته من وقفه ولا غيره ممن يحكم بكفره أيضا ، حيث لا يشهد حاله بإخراجه ، ويحتمل اختصاص عدم الحرمان بقبيلة خاصة اقتصارا في التخصيص على محل اليقين ، وهو حسن إلا مع شهادة الحال بخلافه ، انتهى.
أقول : ما نقله من القول الذي نقضه هو قول ابن إدريس حيث قال : وإذا وقف المسلم المحق شيئا على المسلمين كان ذلك للمحقين من المسلمين ، واستدل بأن فحوى الخطاب وشاهد الحال يدل عليه ، كما لو وقف الكافر وقفا على الفقراء كان ماضيا في فقراء أهل نحلته خاصة ، بشهادة دلالة الحال عليه ، قال : وما أورده الشيخ خبر واحد أورد ، إيرادا لا اعتقادا ، لأنا وإياه نراعي في صحة الوقف التقرب به الى اللّه ، وببعض هؤلاء لا يتقرب الإنسان المحق بوقفه عليه ، انتهى.
وأنت خبير بأن كلام ابن إدريس جيد بناء على مذهبه ، وبيان ذلك أن الخارج عن هذا العنوان أعنى المسلم المحق منحصر في أفراد ثلاثة : أحدها - من أنكر شيئا من ضروريات الدين كالإفراد المتقدم ذكرها ، وهم موافقون على خروجها عن هذا العنوان بل عن عنوان المسلمين ، لأنهم كفار عندهم بلا اشكال.
وثانيها - أفراد المخالفين من العامة ، ومن يتبعهم من فرق الزيدية وغيرهم وهؤلاء وإن كانوا عندهم من المسلمين ، إلا أنهم عند ابن إدريس وجملة من محققي المتقدمين من الكفار باليقين ، وهو الحق كما تقدمت الإشارة اليه ، ومحل اعتراضهم هنا نشأ من هذا الفرد ، مع أن مذهبه فيه ما عرفت من القول بالكفر
فخروجهم بناء على ذلك ظاهر.
وثالثها - أفراد المستضعفين من الشكاك وغيرهم ، وهؤلاء على ما يفهم من الأخبار الكثيرة تجري عليهم أحكام الإسلام في الدنيا وأما في الآخرة فهم من المرجئين لأمر اللّه ، وان دل بعض الأخبار على أن عاقبة أمرهم الجنة أيضا ، كما أوضحناه في كتابنا المتقدم ذكره وهؤلاء لا ريب في دخولهم لوجوب إجراء أحكام الإسلام عليهم ، وهذا منها.
ويعضد ما ذهب اليه ابن إدريس هنا أيضا ما ألزم به الشيخ حيث أن مذهبه في النهاية كما قدمنا نقله عنه القول باشتراط القربة في الوقف ، كما هو مذهب ابن إدريس ، وبموجب ذلك أنه لا يصح التقرب الى اللّه بالوقف على أحد من المخالفين ، الذين قد عرفت أنهم محل البحث ، سيما على القول بالكفر الذي هو مذهب هذا القائل ، وبذلك يتبين لك قوة ما ذهب اليه.
وأما بحثه معه في المسالك بما قدمنا نقله عنه من المناقشة في الوقف على هؤلاء ، كوقف الكافر الذي ينصرف الى فقراء نحلته ، فهي مناقشة لفظية ، لا يوجب بطلان ما ذهب إليه ، لأنه إنما قصد بذلك التنظير والتمثيل لدفع الاستبعاد ، وإلا فدليله المعتمد انما هو ما ذكرناه ، وهو كما ترى واضح الظهور ، لا تعتريه شائبة القصور واللّه العالم.
ومنها الوقف على المؤمنين ، وقد اختلف الأصحاب في ذلك ، فقال الشيخ في النهاية : إذا وقف على المؤمنين كان ذلك لمجتنبي الكبائر من أهل المعرفة بالإمامة دون غيرهم ، ولا يكون للفساق منهم معهم شيء على حال ، وكذا قال الشيخ المفيد وابن البراج وابن حمزة ، وقال ابن إدريس : لا يختص ذلك بالعدل بل هو عام لجميع المؤمنين ، العدل منهم والفاسق ، وعلى هذا القول جرى المتأخرون.
أقول : والتحقيق في ذلك أن الكلام هنا يتوقف على بيان معنى الايمان ، والمشهور بين الأصحاب أنه عبارة عن الإقرار باللسان ، والتصديق بالجنان يعني
الإقرار بالشهادتين ، وجميع ما جاء به النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) مقرونا بالتصديق والإذعان ، وقيل : انه كذلك مع انضمام العمل بالأركان إلى ذلك ، والمراد بالعمل الذي يكون جزء من الايمان هو الإتيان بكبائر الطاعات ، واجتناب كبائر المعاصي ، وهو مذهب الصدوق ، والشيخ المفيد (رحمة اللّه عليهما) وجملة من المتقدمين ، وهو المستفاد من الأخبار المتكاثرة ، ولا فرق في أخذ العمل جزء من الايمان بين أن يكون من الاثني عشرية ، وغيرهم ، وان كان الايمان عندنا لا يثبت لغير الاثني عشرية.
فما ذكره في المسالك من أن الايمان الخاص قسمان : أحدهما المأخوذ فيه العمل الصالح ، والثاني اعتقاد إمامة الاثني عشر اماما عليهمالسلام مما يؤذن بعدم اعتبار أخذ الأعمال جزء بالنسبة إلى المعتقد بهذا الاعتقاد ، فليس في محله.
وبالجملة فإن المستفاد من الأخبار على وجه لا يعتريه الشبهة للمتتبع ، ولا يقبل الإنكار ، هو أن الايمان عبارة عن المركب من هذه الثلاثة ، وهي الإقرار باللسان والاعتقاد بالجنان ، والعمل بالأركان ، وبهذا المضمون جملة من الأخبار أوردها الصدوق في عيون الأخبار (1).
وعلى هذا فهيهنا ثلاثة أقسام : مؤمن ، وهو من كان كذلك ، وكافر وهو من لم يتصف بشيء من هذه الثلاثة ، وهؤلاء أهل الوعدين ، الجنة والنار ، فالأولون يساقون من قبورهم إلى الجنة ، والآخرون إلى النار ، لا حساب عليهم ولا كتاب ، والقسم الثالث المسلم ، وهو من خرج من الكفر ، لعدم إنكاره ، ولم يدخل في الايمان لعدم اعماله ، وهؤلاء أكثر الناس ، وهم أصحاب الحساب وأهل المحشر ، ولتحقيق هذا المقام محل آخر.
وبالجملة فإن ما ذهب إليه المتقدمون في هذه المسئلة مبني على مختارهم
1) عيون اخبار الرضا (عليهالسلام) ج 1 ص 177 ط النجف الأشرف سنة 1390 الكافي ج 2 ص 25 باب ان الايمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الايمان.
في معنى الايمان ، وما ذكره المتأخرون مبني أيضا على ما اختاروه ، فالنزاع هنا لفظي ، ومحل البحث في تحقيق معنى الايمان ، والحق عندي فيه هو مذهب المتقدمين ، لأنه المستفاد من الأخبار المستفيضة ، وان حملها متأخرو الأصحاب على الفرد الأكمل منه ، إلا أن الحمل فرع وجود المعارض ، ثم الظاهر أنه على تقدير تفسير الايمان بالمعنى المشهور ، فمظهر الفرق بينه وبين التفسير بالمعنى الثاني وهو اضافة العمل إلى ما ذكر ، إنما هو في اتصاف الفساق بالايمان وعدمه ، فيتصفون به على القول المشهور ، لا على القول الآخر ، ولكن مع عدم اتصافهم به لا يكونون كفارا ، بل مسلمين ، لأنها المنزلة الوسطى بين الكفر والايمان ، وكيف كان فإن محل الجميع الإمامية الاثني عشرية.
وما يظهر من المسالك من أن الايمان بمعنى اعتقاد إمامة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم) أخص من الايمان بالمعنى المشهور ، ان أريد به الخصوص والعموم بحسب المفهوم فهو كذلك ، وان أريد مصداقا بمعنى أنه يصدق الايمان بالمعنى المشهور على ما هو أعم من الاعتقاد بإمامة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم) كما هو ظاهر كلامه فهو باطل ، لأنا نمنع صدق الايمان بأي معنى فسر على غير القائلين بإمامة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم) ، لما علم من الأخبار على وجه لا يقبل الإنكار من شرف المؤمن وحرمته ، وحرمته ، ووجوب قضاء حقوقه ونحو ذلك من الأخبار المروية في الكافي في كتاب الايمان والكفر (1)، وتفصيل حقوق المؤمن مضافا إلى ما دل على أنه الموجب لدخول الجنة ، وهذا كله لا يصح إجراؤه على غير الاثني عشرية ، فإنهم المرادون بذلك على الخصوص.
نعم يجب التفصيل فيهم بالفسق والعدالة ، بناء على القول الآخر في معنى الايمان ، وحينئذ فلو وقف على المؤمنين وأطلق فإن كان الواقف من الإمامية وهم الاثني عشرية فلا ريب في أن المراد بهم الإمامية ، لكن يبقى الكلام في الاختصاص
1) الكافي ج 2 ص 192 باب قضاء حاجة المؤمن.
بالعدول ، وشمول الفساق المبني على القول المشهور في الايمان ، من عدم أخذ الأعمال في معناه فيشمل ، أو أخذها فيختص ، وان كان الواقف من غيرهم ، فالظاهر أن الحكم كالأول ، وهو المفهوم من كلام الأصحاب أيضا ، قال في المسالك - بعد أن اعترف بأنه في هذه الصورة ظاهر المصنف والأكثر كونه كالصورة الأولى - ما لفظه : وهو مشكل ، لأن ذلك غير معروف عنده ، ولا قصده متوجه إليه ، فكيف يحمل عليه ، وليس الحكم فيه كالمسلمين في أن لفظه عام فينصرف إلى ما دل عليه اللفظ وان خالف معتقد الواقف كما تقدم ، لأن الإيمان لغة هو مطلق التصديق ، وليس بمراد هنا ، واصطلاحا يختلف بحسب المصطلحين ، والمعنى الذي اعتبره أكثر المسلمين هو المعنى العام ، فلو قيل بحمله عليه إذا كان الواقف غير امامي كان حسنا ، أو يقال : ان كان من الوعيدية يحمل على معتقده ، أو من الإمامية فعلى معتقده ، أو من غيره فعلى معتقده عملا بشاهد الحال في دلالة العرف الخاص ، والقرائن الحالية ، انتهى.
ووجه الدخل في كلامه أن ما ادعاه من الاختلاف في معنى الايمان بحسب اختلاف المصطلحين ، وانما اعتبره أكثر المسلمين هو المعنى العام ، بمعنى أنه عبارة عن مجرد الإقرار باللسان والاعتقاد بالجنان مردود ، بأن الكلام في ذلك ينبغي الرجوع فيه إلى المعنى الشرعي الذي دلت عليه الأخبار ، فإنه هو الأولى بالرجوع إليه والاعتبار ، وعليه تبنى الأحكام في الإيراد والإصدار ، ولا عبرة بعد ذلك باصطلاح المصطلحين ، ولا باختلافهم في اصطلاحهم ولا اتفاقهم ، والذي دلت عليه الأخبار كما تقدمت الإشارة إليه أن الايمان لا يصدق على غير الإمامية ، وإلا لزم دخول غيرهم الجنة ، ولا قائل به.
ثم انه قال في المسالك : إذا تقرر ذلك فهل يشترط مع الاعتقاد المذكور في المعنى المشهور اجتناب الكبائر؟ قال الشيخ : نعم ، فلا يجوز للفساق من الإمامية أخذ شيء منه ، وتبعه جماعة ، ولعل مبناه على أن العمل جزء من الايمان
كما هو مأثور عن السلف ، وورد في كثير من الأخبار أنه مركب من ثلاثة أشياء : اعتقاد بالجنان ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان ، فيكون العمل ثلث الايمان ، والمشهور وهو الأصح عدم اعتباره ، وإليه ذهب الشهيد في البيان أيضا لما تحقق في الكلام من أن الايمان هو التصديق بالقلب ، والإقرار باللسان على الوجه السابق ، وأن العمل ليس بجزء منه ، ولا شرط ، انتهى.
وفيه أنه لا يخفى على من راجع الأخبار التي هي العمدة في الإيراد والإصدار أنها دائرة بين قسمين ، فقسم منها اشتمل على أن الايمان عبارة عن التصديق والإقرار ، وهذه الأخبار وردت في مقام الفرق بين الايمان والإسلام ، وأن الايمان أخص مطلقا.
وقسم منها ورد بأنه عبارة عما ذكر مع اشتماله على العمل ، وصرحت بأنه إقرار باللسان ، واعتقاد بالجنان ، وعمل بالأركان ، ولهذه الأخبار مؤيدات من الأخبار أيضا ، مثل الأخبار الدالة على تقسيم الناس إلى ثلاث فرق ، الراجعة إلى ست فرق ، مثل حديث الطيار المروي في الكافي (1)قال : قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : الناس على ست فرق ، يؤولون (2)كلهم إلى ثلاث فرق : الايمان والكفر والضلال : وهم أهل الوعدين الذين وعدهم اللّه تعالى الجنة والنار ، المؤمنون والكافرون ، والمستضعفون والمرجون لأمر اللّه ، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، والمعترفون بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، وأهل الأعراف» ، ومرجع ذلك إلى إثبات منزلة بين الكفر والايمان ، وهو مبني على أخذ الأفعال في الأعمال ، وهؤلاء بمقتضى النصوص من المسلمين ، لا بالمعنى المشهور الذي يدخل فيه المنافقون ، بل أخص منه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا منافاة بين هذه الأخبار ، إذ غاية الأخبار الأول
أنها مطلقة والثانية مقيدة ، وطريق الجمع حمل الإطلاق في تلك الأخبار على ما دلت عليه هذه من أخذ الأعمال ، وإلا فإن اطراحها من غير موجب لا معنى له سيما مع ما عرفت من تأيدها بغيرها.
وبذلك يظهر لك أن ما اختاروه في علم الكلام من أن الايمان عبارة عما ذكروه ، لا أعرف له وجها وجيها ، بل المفهوم من الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو ما ذكرناه ، من أنه مركب من الثلاثة المذكورة ، ثم ان في كلامه اشارة ظاهرة إلى أن مذهب السلف أعنى متقدمي الأصحاب هو القول بما اخترناه ، والترجيح لما رجحناه ، والعجب أنه مع اعترافه بذلك وأنه قد ورد في كثير من الأخبار كيف خالفه ، وخرج عنه من غير حجة واضحة ، سوى ما أحاله على علم الكلام.
وفيه أن ما تحقق في علم الكلام ان كان مستفادا من الأخبار فقد عرفت أنه ليس كذلك لما ذكرناه ، وان كان من غيرها فلا عبرة به ، ولا عمل عليه ، واللّه العالم.
ومنها الوقف على الشيعة قال الشيخان : لو وقفه على الشيعة ولم يميز كان ذلك ماضيا في الإمامية ، والجارودية من الزيدية ، دون التبرية ، وبه قال سلار وابن البراج وابن حمزة ، وقال المحقق في الشرائع والمراد بهم الإمامية والجارودية دون غيرهم من فرق الزيدية.
قال في المسالك : اسم الشيعة يطلق على من قدم عليا عليهالسلام في الإمامة على غيره بعد النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ولا شبهة في كون الإمامية منهم ، وكذا الجارودية ، وكذا الإسماعيلية ، حيث لا يكونون ملاحدة ، وأما باقي الشيعة كالكيسانية والواقفية والفطحية فداخلة لكن لانقراضهم استغنى عن ذكرهم.
أقول ويؤيد ما ذكره من إطلاق الشيعة على هذه الفرق ما رواه الكشي في
كتاب الرجال بسنده عن عمر بن يزيد (1)قال : «دخلت على أبى عبد اللّه عليهالسلام فحدثني مليا في فضائل الشيعة ، ثم قال : ان من الشيعة بعدنا من هو شر من النصاب ، قلت : جعلت فداك أليس ينتحلون حبكم ويتولونكم ويبرءون من عدوكم؟ قال : نعم ، قلت : جعلت فداك بين لنا لنعرفهم ، فلسنا منهم؟ قال : كلا يا عمر لست منهم ، إنما هم قوم يفتنون بزيد ، ويفتنون بموسى» ،.
إلا أن المستفاد من الأخبار الكثيرة المستفيضة بل المتواترة معنى ، من طرق الخاصة والعامة في فضائل الشيعة هو التخصيص بالإمامية بحيث يقطع بعدم دخول غيرهم في هذا الإطلاق ويؤيده ما صرح به في النهاية الأثيرية (2)حيث قال بعد ذكر بعض معاني لفظ الشيعة ما لفظه : وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا وأهل بيته ، حتى صار لهم اسما خاصا فإذا قيل : فلان من الشيعة ، عرف أنه منهم ، وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم ، انتهى.
ويؤيده أنه وان كان لفظ الشيعة مما يطلق على هؤلاء في تلك الأعصار السابعة ، الا أنه في الأعصار المتأخرة لا يتبادر من لفظ الشيعة إلا الإمامية ، حتى اشتهر المقابلة له بأهل السنة ، فيقال : شيعي ، وسني.
وبالجملة فإن المتبادر عنه في هذه الأزمان إنما هو ما ذكرناه ، ومنه يعلم أن ما ذكره الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) من الخلاف والكلام في هذه المسئلة على إطلاقه غير متجه ، فان المشهور بينهم أنه لو وقف على الشيعة انصرف إلى من ذكر مما قدمنا نقله عن المسالك.
وفصل ابن إدريس ، فقال : ان كان الواقف من احدى فرق الشيعة كالجارودية والكيسانية والناووسية والفطحية والواقفية والاثني عشرية حمل كلامه العام على شاهد حاله ، وقوى قوله ، وخصص به ، وصرف في أهل نحلته دون من عداهم من سائر المنطوق به ، عملا بشاهد الحال ، انتهى.
وبمقتضى ما قلناه ينبغي أن يخص هذا الخلاف بما لو وقع الوقف في تلك الأعصار ، أما في مثل أوقاتنا هذه ونحوها مما تقدمها وتأخر عنها ، فإنه لا ينبغي الريب في انصرافه إلى الإمامية لو كان الواقف منهم ، وانما يبقى الشك فيما لو كان الواقف من أحد تلك الفرق الموجودة الآن ، فإنه لا يبعد القول فيه بما ذهب اليه ابن إدريس عملا بشاهد الحال ، وهكذا لو كان في الصدر السابق من أي واقف كان ، ونقل عن التذكرة أنه نفى البأس عن قول ابن إدريس ؛ وقال في المسالك :
وهو حسن مع قيام القرينة على إرادته لفريقه ، ومع اشتباه الحال فالحكم العموم لعموم اللفظ كالمسلمين. انتهى.
وإنما خص الأصحاب الجارودية من فرق الزيدية بالذكر ، لأنهم هم القائلون بإمامة علي عليهالسلام بعده (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وأما غيرهم من الصالحية والسليمانية والتبرية فإنهم يقولون بإمامة الشيخين ، وان اختلفوا في غيرهما ، والجارودية نسبة إلى أبى الجارود زياد بن المنذر ، واللّه العالم.
ومنها الوقف على الإمامية ، والظاهر أنه لا خلاف في أن المراد بهم الاثني عشرية القائلون بإمامة الأئمة الاثني عشر (صلوات اللّه عليهم) ، وفي الدروس صرح باشتراط اعتقاد عصمتهم ، بناء على أنه لازم المذهب.
قال في المسالك : وفي اشتراطه نظر وان كان أولى ، قال : ويلزمه اشتراط اعتقاد أفضليتهم على غيرهم ، وغيره من معتقدات الشيعة المجمع عليها عندهم ، والفتاوى خالية عنه ، والظاهر يشهد بخلافه ، انتهى.
أقول : لا يظهر لي وجه في هذا الخلاف ولا أثر يترتب عليه ، فإنه لا ريب أن القول بإمامة الإمام عليهالسلام مستلزم للقول بما يستتبع ذلك من عصمته وأفضليته ونحوهما ، إذ المراد من الإمامية هو من قال بإمامتهم واعتقدها مع جميع ما يتبعها ، فتصريح الدروس باشتراط اعتقاد عصمتهم دون غيرها لا وجه له ، لأن هذا حاصل من غير اشتراط ، والتخصيص بالعصمة دون غيرها لا يظهر له وجه ، ونزاعه
له في المسالك جيد إلا أن قوله «وان كان أولى» لا أعرف له وجها وجيها.
وبالجملة فالحق أن هذه الأشياء كلها لازمة للقول بالإمامة ، فاشتراطها لا يزيد على أصل حصولها ، وتخصيص بعضها دون بعض ترجيح من غير مرجح ، مع ما عرفت من أنه لا معنى لهذا الاشتراط بالكلية.
ويظهر من الدروس أيضا أن الخلاف في اشتراط اجتناب الكبائر آت هنا ورده في المسالك بأنه ليس كذلك ، قال : والفرق يظهر من دليل القائل باشتراطه ، فان مفهوم الإمامية لا مدخل له في العمل مطلقا ، بخلاف المؤمنين ، انتهى وهو جيد.
ومنها الوقف على الزيدية فمن وقف عليهم كان ذلك للقائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليهماالسلام فإنهم يجعلون الإمامة بعده لكل من خرج بالسيف من ولد فاطمة عليهاالسلام من ذوي الرأي والعلم والصلاح ، ولا فرق بين أن يكون الواقف منهم ، أو من غيرهم هذا هو المشهور ، وبه قال الشيخان والأكثر.
وقال ابن إدريس : هذا الإطلاق غير جيد ، بل إذا كان الواقف زيديا ، وان كان الواقف إماميا لم يصح الوقف ، بناء على أن وقف المحق على غيره باطل قال في المسالك بعد نقل ذلك عنه : وهو باطل.
أقول : وقد تقدم الكلام في ذلك في هذه المسئلة في صورة ما لو وقف على المسلمين ، وقد بينا ثمة قوة ما ذهب اليه ابن إدريس ، ومرجعه إلى أنه يحكم بكفر هؤلاء ، وهم يقولون بإسلامهم ، وهو يشترط القربة في الوقف ، وهي هنا متعذرة ، وهم لا يشترطونها ، فيكون قول ابن إدريس جيدا على أصوله ، وهو الحق في كل من الحكمين كما سلف بيانه ، واللّه العالم.
ومنها الوقف على الجيران وقد اختلف الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في الجوار ، فقيل أنه يرجع إلى العرف ، وهو اختيار العلامة في المختلف ، قال : والمعتمد العرف ، لأن ألفاظ الشرع يحمل عليه في غير الحقيقة الشرعية ، ونحوه في
المسالك ، قال : ووجهه واضح حيث لا يكون للفظه حقيقة شرعية
وقيل : لمن يلي داره إلى أربعين ذراعا ، وبه قال الشيخان وأبو الصلاح وسلار وابن البراج وابن إدريس وابن زهرة وابن حمزة والقطب الكيدري ، قال في الشرائع : وهو حسن ، وبه قال الشهيد ، وإليه مال العلامة في التحرير.
قال في المسالك : ولم نقف لهم على مستند خصوصا لمثل ابن إدريس الذي لا يعول في مثل ذلك على الأخبار الصحيحة ونحوها ، والعرف لا يدل عليه ، فكيف فيما لا مستند له ، ولعله عول على ما تخيله من الإجماع عليه ، كما اتفق له ذلك مرارا.
وقيل : إلى أربعين دارا من كل جانب ، قال في الشرائع وهو مطرح ، وفي المسالك : لم أعلم قائله ، وجماعة من باحثى مسائل الخلاف كالإمام فخر الدين في الشرح والمقداد في التنقيح والشيخ علي ، أسندوا دليله إلى رواية العامة عن عائشة (1)«عن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) سئل عن حد الجوار؟ فقال : أربعين دارا.
أقول : والعجب كل العجب منهم (رضوان اللّه عليهم) في هذه المسئلة حيث اختلفوا فيها كما عرفت ، وقالوا ما قالوا ، مع أنه قد روى ثقة الإسلام في الكافي هنا روايات تدل على القول الثالث الذي حكم المحقق في الشرائع بإطراحه ، وجملة منهم كما عرفت إنما استندوا فيه إلى الرواية العامة ، مع ان الكتاب المذكور في أيديهم ، عاكفون على درسه وشرحه ومطالعته ، فمن الأخبار المشار إليها ما رواه في الحسن عن معاوية بن عمار عن عمرو بن عكرمة (2)وهو مجهول عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) كل أربعين دارا جيران من بين يديه ، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله.
وعن جميل بن دراج (1)في الصحيح أو الحسن عن أبى جعفر عليهالسلام قال : «حد الجوار أربعون دارا من كل جانب من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله».
وعن عمرو بن عكرمة (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : ان رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أتاه رجل من الأنصار فقال : انى اشتريت دارا في بني فلان وان أقرب جيراني مني جوارا من لا أرجو خيره ، ولا آمن شره قال :
فأمر رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) عليا وسلمان وأبا ذر ونسيت آخر وأظنه قال : والمقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه فنادوا بها ثلاثا ، ثم أومي بيده الى كل أربعين دارا بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله».
وهذه الأخبار كما ترى واضحة الدلالة في القول المذكور ، وبه يظهر أنه هو المختار المنصور ، وأن ما عداه بمحل من القصور ، ولم أعثر على من تنبه لهذه الروايات وذكرها في هذا المقام منهم سوى شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ، والعجب قوله بعد ذكرها ولولا شذوذ القول به بين أصحابنا لكان القول به حسنا لكثرة رواياته من الطرفين ، وكثيرا ما يثبت الأصحاب قولا بدون هذا المستند ، والعامة عاملون برواياتهم في ذلك ، انتهى.
فان فيه أن الواجب على الفقيه والمأمور به من اللّه سبحانه ورسوله وأوصيائه هو القول بالدليل الوارد عنهم عليهمالسلام والنهي عن القول بغير دليل ، فضلا عن مخالفة الدليل الوارد ، ومن الظاهر أن هذا الاختلاف في هذه المسئلة إنما نشأ من حيث عدم الوقوف على هذه الأخبار ، والا فمع الوقوف عليها والعدول عنها الى ما لا دليل عليه بالكلية أمر لا تجوز نسبتهم إليه ، لأنه موجب لحملهم على مخالفة اللّه سبحانه ورسوله تعمدا من دليل ، وأي طعن أعظم منه ، على أنه قد صرح هو
نفسه بنحو ما قلناه من وجوب عمل الفقيه بما قام له الدليل عليه ، وان ادعى الإجماع على خلافه في مسئلة ما لو أوصى له بأبيه فقبل الوصية ، حيث قال ما صورته : والأقوى ما اختاره المصنف ، ولا يقدح دعواه الإجماع في فتوى العلامة ، لأن الحق أن الإجماع عند أصحابنا انما يكون حجة مع تحقق دخول المعصوم في جملة قولهم ، فان حجيته انما هي باعتبار قوله عندهم ، ودخول قوله في قولهم في مثل هذه المسئلة النظرية غير معلوم ، وقد نبه المصنف في أوائل المعتبر على ذلك ، ثم نقل عبارته الى أن قال : وهذا الإنصاف عين الحق ، فإن إدخال قول شخص غائب لا يعرف قوله في قول جماعة معروفين بمجرد اتفاقهم على ذلك القول بدون العلم بموافقته لهم ، تحكم بارد ، وبهذا يظهر جواز مخالفه الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا فيها الإجماع إذا قام عنده الدليل على ما يقتضي خلافهم ، وقد اتفق ذلك لهم كثيرا ، لكن زلة المتقدم متسامحة عند الناس دون المتأخر ، انتهى وهو جيد نفيس.
ومنه يعلم أيضا ان ما يقول به هو وغيره من هذه الإجماعات المتناقلة في كلامهم والجارية على رؤس أقلامهم مما لا اعتماد عليها ولا التفات إليها ، كما حققه أيضا في رسالته التي في وجوب صلاة الجمعة ، وحققناه بما لا مزيد عليه في باب صلاة الجمعة من كتاب الصلاة (1).
بقي في المقام فوائد ينبغي التنبيه عليها الأولى - أنه على تقدير القول المختار من اعتبار الجوار بعدد الدور من الجوانب الأربعة ، فالظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الدار الصغيرة والكبيرة ، ولا بين قرب المسافة بين الدور وبعدها ، عملا بالإطلاق وحصول مسمى العدد ، ويحتمل اعتبار قرب المسافة نظرا إلى العادة والعرف في البلدان ، وأن دورها في الغالب متصلة بعضها ببعض ، أو يكون بينها مسافة يسيرة ولعله الأقرب ، وهل يصدق هذا الحكم في سكان البادية؟ ظاهره في المسالك ذلك
1) ج 9 ص 361 الى ص 376.
حيث قال : ولو كان في أهل البادية اعتبر من ينزل حوله ، ويسمى جاره عرفا أو مساحة أو عددا بالنسبة إلى البيوت المخصوصة ، انتهى.
وفيه اشكال بناء على القول المختار ، وأما على القولين الآخرين فيمكن ذلك وان كان لا يخلو من بعد ، ووجه الأشكال أن مورد النصوص تفسير الجوار بالدور والعدد المخصوص منها ، ومن المحتمل قريبا أن استمرار السكنى مما له مدخل في ذلك ، بخلاف البادية التي ينتقل ويتحول من مكان الى آخر.
الثانية - الظاهر أنه لا فرق في صدق الجوار بين أن يكون الدار ملكا للساكن أو إجارة أو عارية ، وفي التحرير توقف في استحقاق المستأجر والمستعير وربما قيل : باحتمال التخصيص بالمملوكة ، وعلى هذا فان كان مستعارا أو مستأجرا لم يستحق أحد منهما من الوقف شيئا.
أما المالك فلعدم حصول الجوار بالنسبة اليه ، وأما الساكن فلعدم كونه مالكا ، وعلى ما استظهرناه فهل يكون الغاصب كذلك؟ اشكال من صدق الجوار عرفا ، ومن أنه عدوان فلا يترتب عليه أثر ، وتنظر فيه في المسالك ، قال : لعدم المنافاة ، ورجح في التحرير العدم.
الثالثة - لو باع الدار التي يسكنها زال حقه من الجوار ، وانتقل إلى المشتري ان سكنها ، ولو عاد إليها عاد إليه الحق ، وكذا المستأجر بعد انقضاء المدة يعود إلى كل منهما الحق متى حصل السكنى.
الرابعة - لو غاب عن الدار بسفر مع ارادة الرجوع فأطلق بعضهم أنه لا يخرج بذلك عن الاستحقاق ، والأقرب التفصيل بأنه ان كانت الغيبة بعد السكنى وله فيها أهل وعيال ، وأسباب ، وإنما سافر لأمر من الأمور التي جرت العادة بالسفر لها ، فلا ريب في صحة ما ذكروه من أنه لا يخرج عن الاستحقاق ، سواء كان الوقف متقدما على سفره أم وقع في حال غيبته ، وان كانت غيبته عن الدار وليس له فيها أهل ولا أسباب بالكلية ، فما ذكروه محل اشكال ، لعدم صدق
السكنى على هذه الحال على حال الغيبة ، والفرق بين الصورتين أنه باعتبار أنه في الدار من الأهل والعيال والأسباب في الصورة الأولى في حكم الساكن ، بل هو ساكن ، وان كان غائبا بنية الرجوع ، بخلاف الثانية.
الخامسة - قالوا : لو كان له داران يتردد إليهما في السكنى فهو جار لأهلهما فيستحق بسببهما معا لصدق الاسم مع وجود القدر المعتبر عند معتبرة ، ولو كان يسكنهما على التناوب أو بحسب الفصول استحق زمن السكنى.
أقول : وفي تخصيص الاستحقاق بزمن السكنى في الصورة الأخيرة تأييد لما قدمنا ذكره في الغائب عن داره ، وليس له فيها عيال ولا مال ولا أسباب وان كان بنية الرجوع ، فإنه لا يستحق زمن الغيبة شيئا.
السادسة - ان قلنا ببناء الجوار على العرف كما هو أحد الأقوال المتقدمة ، وجب قسمة الموقوف على رؤس الجيران مطلقا ، وكذا ان قلنا بالأذرع ، ويستوي فيه الصغير والكبير والذكر والاثني ، وان قلنا بالبناء على عدد الدور ، والظاهر قسمته على عددها صغيرة كانت أو كبيرة ثم يقسم رصد كل دار على عدد أهلها ، وقيل : بأنه يقسم من أول الأمر على عدد أهل الدور ، واللّه العالم.
ومنها ما لو وقف على قومه ، قال الشيخان : يكون على جماعة أهل لغلته من الذكور دون الإناث ، وتبعهما ابن البراج وابن حمزة ، وقال أبو الصلاح : يعمل بالمعلوم من قصده ، فان لم يعرف ما قصده عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق ، وقال سلار : يكون لجماعة أهل لغته ولم يخص الذكور بالذكر.
وقال ابن إدريس : الذي يقتضيه أصول المذهب وتشهد بصحته الأدلة الظاهرة أنه يكون مصروفا إلى الرجال من قبيلته ممن ينطلق العرف بأنهم أهله وعشيرته ، دون من سواهم ، هذا الذي يشهد به اللغة وعرف العادة وفحوى الخطاب ، قال الشاعر :
«قومي هم قتلوا أميم أخي *** فإذا رميت يصيبني سهمي»
قال : وإنما قلنا انه يختص بالذكر لقوله تعالى «لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ. وَلا نِساءٌ
مِنْ نِساءٍ» (1)وقول زهير : «فما أدرى وسوف أخال أدري أقوم أهل حصن أم نساء» قال : وأما الرواية التي وردت بأن ذلك على جميع أهل لغته فهي خبر واحد ، لا يوجب علما ولا عملا من غير دليل يعضدها من إجماع أو كتاب أو سنة أو دليل أصل ، فإذا عدم جميع ذلك وورد خطاب مطلق حمل على العرف ، والعرف ما اخترناه.
وقال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك عنه ، والجواب المنع من ذلك ، فان الشيخين أعرف باللغة ، ومقاصد العرب ، والمرجع في ذلك إليهم ، انتهى.
أقول : الظاهر أن الأقرب من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه ابن إدريس (رحمهاللّه عليه) لشهادة ما استند إليه من البيت بذلك ، فإنه ظاهر فيما ادعاه من أن المراد بقومه هم الأهل والعشيرة ، وجواب العلامة له بما ذكره مجرد تحامل عليه ، كما هو عادته غالبا ، وأما ما يشير إليه كلام ابن إدريس من ورود رواية بتفسير القول بما ذكره الشيخان وأتباعهما فلم تصل إلينا ، ولا نقلها غيره ولو ثبتت لما كان عنها معدل ، وكلام ابن إدريس هنا في المنع من العمل بها على قاعدته غير مسموع ولا موجه ، ومن المحتمل قريبا ان ابن إدريس ظن أن الشيخين إنما ذكرا ذلك لرواية وصلت إليهما ، فطعن فيها بما ذكره ، ومثل ذلك كثير في كلامه مع الشيخ من نسبة كلام الشيخ إلى أخبار الآحاد ، مع أنه ليس ثمة خبر.
ومنها ما لو وقف على عشيرته ، فقال الشيخان : إنه على الخاص من قومه الذين هم أقرب إليه في نسبه ، وبه قال سلار وابن البراج وابن إدريس ، وقال : أبو الصلاح بعمل بالمعلوم من قصده ، فان لم يعرف عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق ، قال : وروى أنه إذا وقف على عشيرته كان على الخاص من قومه الذين هم أقرب الناس إليه في نسبه ، مع أنه قال عقيب ذلك : إذا وقف على قومه كان ذلك على جميع أهل لغته من الذكور دون الإناث.
1) سورة الحجرات - الاية 11.
أقول : ما ذكره هنا من الرواية أيضا فإنا لم نقف عليها ولم تصل إلينا ، ومن المحتمل قريبا ان هذه الرواية وكذا المذكورة في سابق هذا الموضع إنما هي من روايات العامة ، فإن أصحابنا كثيرا ما يستسلفون رواياتهم في أمثال هذه المقامات سيما مع عدم ورود نص من طرقهم ، واللّه العالم.
المسئلة الخامسة : إذا قال : وقفت على أولادي ثم على الفقراء ، فإن أضاف إلى ذلك ما يدل على الاختصاص بأولاد الصلب كقوله أولادي لصلبي ونحوه أو ما يدل على العموم لكل من تناسل منه ، بان يقول : على أولادي والحال أنه لا ولد له لصلبه ، أو يقول : إلا ولد البنات ، أو إلا ولد فلان ، أو قال : يفضل البطن الأعلى على التالي أو نحو ذلك ، فإنه لا خلاف ولا إشكال في التخصيص في الأول ، والعموم في الثاني ، إنما الخلاف فيما لو أطلق ، فالمشهور بين المتأخرين هو الاختصاص بأولاد الصلب ، وهو قول الشيخ في المبسوط وابن الجنيد ، لأنهم الأولاد ، إذ هم المتولدون من نطفته ، وإطلاقه على أولاد الأولاد مجاز ، والمشهور بين المتقدمين العموم لكل من تناسل منه ذكورا وإناثا حقيقة ، وهو قول الشيخ المفيد وابن البراج وأبو الصلاح وابن إدريس وغيرهم.
وقال الشيخ المفيد في المقنعة : وإذا وقف الإنسان ملكا على ولده ولم يخص بعضا من بعض بالذكر والتعيين كان لولده الذكور والإناث وولد ولدهم ، وقال ابن إدريس في السرائر : وإذا وقف على أولاده فحسب ، ولم يقل لصلبه دخل فيهم أولاد أولاده ، ولد البنين والبنات ، بدليل إجماع أصحابنا ، ولان اسم الولد يقع عليه لغة وشرعا ، وقد أجمع المسلمون على أن عيسى عليهالسلام ولد آدم ، وهو ولد ابنته ، وقال النبي (1)(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) في الحسن والحسين عليهماالسلام «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا».
ولا خلاف بين المسلمين في أن الإنسان لا يحل له نكاح بنت
1) البحار ج 43 ص 278.
بنته ، مع قوله تعالى (1)«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ» وبنت البنت بنت بغير خلاف ، فاما استشهاد المخالف على خلاف ما ذكرناه بقول الشاعر :
بنونا بنوا أبنائنا ، وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فإنه مخالف لقول الرسول (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وقول الأمة والمعقول فوجب رده ولا يقضى بهذا البيت من الشعر على القرآن والإجماع ، إلى آخر كلامه زيد في إكرامه.
والعجب من أصحابنا المتأخرين حيث خصوا الخلاف في كون المتولد من البنت ابنا حقيقة أم لا؟ بالمرتضى (رضى اللّه عنه) وكلام هؤلاء المذكورين مما نقل هنا وما لم ينقل صريح في أنه ابن حقيقة ، ونحو ذلك كلام الشيخ في الخلاف في هذا الكتاب ، فإنه قال : إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده دخل أولاد البنات فيه ، ويشتركون فيه مع أولاد البنين الذكر والأنثى فيه سواء ، ثم نقل أقوال العامة واختلافهم إلى أن قال : دليلنا إجماع المسلمين على أن عيسى بن مريم من ولد آدم ، وهو ولد ابنته ، لأنه ولد من غير أب ، وأيضا دعاء رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) الحسن ابنا وهو ابن بنته (2)، فقال : لا تزرموا على ابني أو لا تقطعوا عليه بوله ، وكان قد بال في حجره فهموا بأخذه ، فقال : ذلك». فاما استشهادهم بقول الشاعر بنونا ثم ذكر البيت ثم قال فإنه مخالف لقول النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وإجماع الأمة والمعقول ، فوجب رده ، على أنه إنما أراد بذلك الشاعر الانتساب ، لأن أولاد البنت لا ينسبون إلى أمهم وإنما ينسبون إلى أبيهم ، وكلامنا في غير الانتساب ، انتهى وهو الحق الحقيق بالاتباع ، وقد حققنا المسئلة بما لا مزيد عليه ، ولا سبق سابق ولا لحق لا حق من علمائنا إليه في كتاب الخمس (3)، واللّه العالم.
المسئلة السادسة : المشهور أنه لو وقف على مصلحة فبطل رسمها ، فإنه يصرف في وجوه البر ذكره الشيخ ، وتبعه الجماعة من غير نقل خلاف ، ويظهر من المحقق في النافع التوقف في ذلك ، حيث أنه نسب الحكم بذلك الى قول ، مؤذنا بالتردد فيه ، وعلل القول المشهور بأن الملك خرج عن ملك الواقف بالوقف الصحيح أولا ، فلا يعود اليه ، والقربة الخاصة قد تعذرت ، فإنه يصرف الى غيرها من القرب ، لاشتراك الجميع في أصل القربة ، ولأنه أقرب شيء إلى مراد الواقف ، ولا أولوية لما أشبه تلك المصلحة التي بطل رسمها ، لاستواء القرب في عدم تناول عقد الوقف لها ، وعدم قصد الواقف لها بخصوصها ، ومجرد المشابهة لا دخل له في تعلقه بها ، فيبطل القيد ، ويبقى أصل الوقف من حيث القربة.
واعترضه في المسالك قال : وفيه نظر ، فإنه لا يلزم من قصد القربة الخاصة وارادتها قصد القربة المطلقة ، فإن خصوصيات العبادات مقصودة ، ولا تلزم ارادة بعضها من ارادة بعض ، انتهى.
وعلل ما ذهب اليه المحقق في النافع بأنه حيث لا دليل على القول المذكور فالأصل بقاء الملك ، خرج عنه ما نص الواقف عليه ، فمع تعذره يرجع الوقف اليه مع وجوده ، ومع فقده الى ورثته ، كذا ذكره ابن فهد في شرحه على الكتاب.
أقول : لا يخفى أن المسئلة المذكورة وان كانت غير منصوصة على الخصوص ، الا أن لها نظائر في الشرع عديدة قد ورد الحكم فيها بما ذكره الأصحاب ، ويرجع الجميع إلى أنه مع تعذر ما عينه المالك من وصية أو نذر أو نحو ذلك ، مما يجب إنفاذه شرعا ، فإنه مع تعذر المصرف المخصوص يصرف في وجوه البر ، ولا يرجع الى الورثة ، وان خالف فيه بعض الأصحاب كما هنا ، فأوجب رده الى الورثة مع تعذر المصرف ، الا أنه محجوج بالأخبار الدالة على ما ذكرناه ، فمن ذلك ما لو أوصى بأبواب عديدة من الوصايا فنسي بابا أو أبوابا ، فإنه يصرف في وجوه
البر كما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن الريان (1)«أنه كتب الى أبى الحسن محمد بن علي عليهماالسلام يسأله عن إنسان أوصى بوصية ، فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها كيف يصنع في الباقي؟ فوقع عليهالسلام الأبواب الباقية يجعلها في البر».
وذهب ابن إدريس هنا والشيخ في المسائل الحائريات إلى أنه يرجع ميراثا حيث أن الوصية بطلت ، لامتناع القيام بها ، والنص كما ترى بخلافه ، ومن ذلك ما رووه (عطر اللّه تعالى مراقدهم) عن علي بن يزيد صاحب السابري (2)
و هما في الوسائل ج 13 ص 453 ح 1 و ص 473 ح 1.
عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في حديث طويل يتضمن أنه أوصى رجل بتركته إلى على المذكور ، وأمره أن يحج بها عنه ، قال : «فنظرت فإذا هو شيء يسير لا يكفى للحج ، فسألت الفقهاء من أهل الكوفة فقالوا : تصدق بها عنه ، فتصدق به ثم لقي بعد ذلك أبا عبد اللّه عليهالسلام فسأله وأخبره بما فعل ، فقال : ان كان لا يبلغ أن يحج به من مكة فليس عليك ضمان وان كان يبلغ ما يحج به فأنت ضامن». والتقريب فيه أنه قرره على الصدقة إذا لم يبلغ الحج به من مكة ، ولم يحكم بكونه ميراثا.وفي جملة وافرة من الأخبار (3)ما يدل على أن ما أوصى به بالكعبة أو كان هديا لها أو نذرا فإنه يباع ان كان جارية ونحوها ، وان كان دراهم فإنه يصرف في المنقطعين من زوارها ، معللين عليهمالسلام ذلك بأن الكعبة لا تأكل ولا تشرب ، فيصرف ذلك الى المحتاجين من زوارها ، وهو مؤيد لذلك.
وقد تقدمت الأخبار المشار إليها في آخر جلد كتاب الحج (4)وهذه الأخبار
وان كان موردها الوصية كما في بعض ، والهدي كما في آخر ، والنذر كما في ثالث ولم يتضمن شيء منها حكم الوقف إلا أنها مما يتبادر منها الى الفهم السليم والذهن القويم كون الوقف كذلك ، فان الجميع مشترك في الخروج عن المالك بما وقع من وقف أو وصية أو نذر أو نحوها ، فعوده اليه عند تعذر المصرف المخصوص يتوقف على الدليل ، ولا دليل ، بقي الأمر في أنه متى لم يرجع اليه فلا بد من مصرف ، وهذه الأخبار قد عينت مصرف ما اشتملت عليه بأنه أبواب البر ، وان كان مخصوصا في بعضها بنوع خاص ، كما في أخبار الكعبة ، فلا بد أن يكون مصرف الوقف كذلك للاشتراك في العلة ، وإلا بقي بغير مصرف وهو باطل إجماعا.
وما ذكره في المسالك في الاعتراض على دليل القول المشهور من أنه لا يلزم من قصده القربة الخاصة وارادتها قصد القربة المطلقة الى آخره ، وارد في هذه الأفراد التي ذكرناها ، مع أن الأخبار قد صرحت بخلافه ، وحينئذ فلا اعتماد عليه ، إذ لو كان صحيحا في حد ذاته لكان كليا في جميع هذه الموارد ، مع أن الأخبار كما دريت على خلافه.
وأما ما ذكره في المسالك على أثر الكلام المتقدم حيث قال : والتحقيق أن المصلحة المذكورة الموقوف عليها لا يخلو من أن يكون مما ينقرض غالبا أو يدوم غالبا أو يشتبه الحال ، والأول كما لو وقف على شجر مخصوص كالتين والعنب ، وهذا الوقف يكون كمنقطع الأخر إذ هو بعض أفراده ، فيرجع بعد انقضائه إلى الواقف ، أو ورثته على الخلاف ، حيث لا يجعله بعده لمصلحة أخرى تقتضي التأبيد.
والثاني كالوقف على مصلحة عين من ماء مخصوص ونحوه مما تقضى العادة بدوامه ، فيتفق عوزه أو على قنطرة على نهر يتفق انقطاعها ، وانتقاله عن ذلك المكان حيث لا تكون العادة قاضية بذلك ، والمتجه فيه ما ذكره الأصحاب لخروج الملك عن الواقف بالوقف ، فعوده يحتاج الى دليل ، وهو منتف ، وصرفه في وجوه البر أنسب بمراعاة غرضه الأصلي ان لم يجز صرفه فيما هو أعم منه.
والثالث كالوقف على مسجد في قرية صغيرة أو على مدرسة كذلك بحيث يحتمل انقطاع مصلحته كما يحتمل دوامها ، وفي حملها على أي الجهتين نظر ، من أصالة البقاء فيكون كالمؤبد ، والشك في حصول شرط انتقال الملك عن مالكه مطلقا الذي هو التأبيد ، فيحصل الشك في المشروط ، فلا نحكم إلا بالمتيقن منه ، وهو خروجه عن ملكه مدة تلك المصلحة ، ويبقى الباقي على أصلية البقاء على ملك مالكه ، انتهى.
ففيه أنه لا يخفى على المتأمل في هذا الباب أن أصل هذا الحكم لا نص عليه ، ولا دليل في الوقف على المصالح ، بل هو بمقتضى قواعدهم باطل غير صحيح ، لما تقدم أن من جملة شروط الموقوف عليه عندهم أن يكون موجودا له أهلية التملك والحكم بصحة الوقف على هذه الكيفية إنما استندوا فيه الى ان الوقف هنا في الحقيقة وقف على المسلمين ، وان كان باعتبار مصلحة خاصة ، وحينئذ فإذا كان الموقوف عليه انما هو المسلمون ، فإنه لا يلزم من بطلان تلك المصلحة بطلان الوقف ، بل يجري في غيرها من مصالحهم بأي نحو كانت تلك المصلحة الموقوف عليها أولا من الأنحاء التي ذكرها.
بقي الكلام في أنه هل يتعين الأقرب فالأقرب إلى تلك المصلحة أم لا؟ وجهان أحوطهما الأول ، هذا وعندي في أصل الحكم أعنى الوقف على المصالح اشكال ، حيث لم أقف على خبر دال على شيء من أفراد هذا النوع ، فضلا عن أن يدل عليه بأمر كلي ، وغاية ما يتعلقون به ويدور في كلامهم الوقف على المساجد ، وقد عرفت أن ظاهر الصدوق المنع منه ، للخبرين المتقدمين ، وظاهر الخبرين المذكورين ذلك أيضا ، وبذلك يظهر أن تعميم الكلام في المصلحة المذكورة إلى شمول مثل شجر العنب والتين وعين الماء كما تقدم في كلام شيخنا المشار اليه مشكل ، واللّه العالم.
بقي فيما يتعلق بهذا المطلب أمور يجب التنبيه عليها ، أحدها : لو وقف على
بنى تميم أو بنى هاشم ، فالمشهور الصحة ، ويصرف إلى من يوجد منهم ، وقال ابن حمزة : لا يصح الوقف على بنى فلان ، وهم غير محصورين ، وما ذهب اليه ابن حمزة هو قول الشافعي ، معللا بالجهل في المصرف ، حيث انه متعذر استيعابهم وحصرهم وفي التذكرة أسند القول بالصحة إلى علمائنا ، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه ، ورد ما ذكره ابن حمزة والشافعي بالأخبار والإجماع الدالين على صحة الوقف على الفقراء والمساكين والمؤمنين مع انتشارهم وعدم حصرهم.
أقول : ويدل عليه ما رواه في الكافي عن على بن محمد بن سليمان النوفلي (1)قال : «كتبت الى أبى جعفر الثاني عليهالسلام أسأله عن أرض وقفها جدي على المحتاجين من ولد فلان ابن فلان ، وهم كثير متفرقون في البلاد ، فأجاب : ذكرت الأرض التي وقفها جدك على فقراء ولد فلان بن فلان وهي لمن حصر البلد الذي فيه الوقف وليس لك أن تتبع من كان غائبا».
ورواه الشيخ مثله ، (2)إلا أنه قال : من ولد فلان بن فلان الرجل يجمع القبيلة ، وهم كثير متفرقون في البلاد وفي ولد الواقف حاجة شديدة فسألوني أن أخصهم بهذا دون سائر ولد الرجل الذي يجمع القبيلة ، فأجاب عليهالسلام كما تقدم.
وثانيها المشهور بينهم جواز الوقف على الذمي ، لأن الوقف تمليك فهو كإباحة المنفعة وقيل : لا يصح ، لأنه تشترط فيه نية القربة.
أقول : مرجع هذا الخلاف الى ما تقدم في الوقف على الكافر ، فان اشترط التقرب في الوقف بطل هذا الوقف ، وإلا فلا ، وقد مر تحقيق الكلام في هذا المقام.
وثالثها - المشهور أنه لو وقف ولم يذكر المصرف بطل الوقف ، لأن الوقف تمليك فلا بد من ذكر المالك ، كالبيع والهبة ونحوهما ، فلو قال : بعت داري
بكذا أو وهبتها ولم يذكر المشتري ولا الموهوب بطل إجماعا.
أقول : ويؤيده ما تقدم ذكره من أن الوقف من العقود الناقلة للملك ، فلا بد فيه من دليل يدل على ما يحصل به النقل ، والعقد بهذه الكيفية لم يقم دليل على كونه ناقلا ، وبالجملة بقاء الملك حتى يقوم دليل شرعي على نقله أقوى دليل في المقام.
ونقل عن ابن الجنيد الصحة ، قال : ولو قال : صدقة لله ولم يذكر من تصدق بها عليه جاز ذلك ، وكان ذلك في أهل الصدقات الذين سماهم اللّه لأن الغرض من الوقف الصدقة والقربة ، وهو متحقق ، وأورد عليه بأن الغرض من الوقف ليس مطلق القربة بل القربة المخصوصة ، أقول : والأظهر في رده هو ما قدمنا ذكره.
ورابعها - المشهور أنه إذا وقف على أولاده أو اخوته أو ذوي قرابته ولم يفضل بعضا على بعض ، فان مقتضى الإطلاق الاشتراك والتساوي بين الذكور والإناث ، والأقرب والأبعد ، والوجه في ذلك هو أن كل من تناوله أحد هذه الألفاظ ونحوها دخل في الحكم المذكور ، والاشتراك يقتضي التسوية ، وبعض هذه الألفاظ وان كان مخصوصا بالذكور كالأخوة مثلا إلا أنه لا خلاف في دخول الإناث تبعا ، كما في سائر الأحكام الشرعية التي مورد الاخبار فيها الذكور ، الا مع قيام دليل على التخصيص ، ونقل عن ابن الجنيد هنا أنه مع الإطلاق يكون للذكر مثل حظ الأنثيين ، حملا على الميراث ، وكذا لو قال : لورثتي وفيه أنه قياس مع الفارق.
وفيه مسائل الأولى - اختلف الأصحاب (رحمهماللّه) في أن الوقف هل ينتقل عن ملك الواقف أم لا؟ وعلى الأول فهل ينتقل إلى الموقوف عليه أم إلى اللّه تعالى؟ أم يفصل في ذلك بين ما كان الوقف لمصلحة أو جهة عامة؟ فإنه ينتقل الى اللّه عزوجل ، وما كان الموقوف عليه ممن يصح تملكه ، فإنه ينتقل إليه ، فالكلام هنا يقع في مقامين الأول - أنه هل ينتقل الموقوف بالوقف عن ملك الواقف أم لا؟ المشهور الأول ، ونقل عن ظاهر أبى الصلاح وأسنده في المسالك
أيضا إلى اختيار جمع من العامة أنه يبقى على ملك الواقف ، احتج الأولون بأن الواقف يزيل التصرف في العين والمنفعة ، فيزيل الملك كالعتق ، ولأنه لو كان باقيا على ملكه لرجعت إليه قيمته.
احتج الآخرون بقوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)«حبس الأصل وسبل الثمرة». وسيأتي أن التحبيس على الآدمي لا يخرج عن الملك ، ولجواز إدخال من يريد مع صغر الأولاد ، ولو انتقل لم يجز ذلك ودليل الصغرى قد تقدم ، والكبرى ظاهرة ، وأجيب عن الأول بأن المراد بتحبيس الأصل أن يكون محبوسا على ملك الموقوف عليه ، وما في معناه لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، والملك إنما زال على هذا الحد من الشرائط ومطلق الحبس لا يدل على عدم الخروج ، فان منه ما يخرج عن الملك ، مع أن هذا الحبس ليس هو ذلك ، لأنه قسيمه ، فلا يكون قسما منه ، بل هذا حبس أقوى.
وعن الثاني بأن إدخال من يريد من أولاده ان سلم ، فبدليل من خارج.
أقول : لا يخفى على من لاحظ الأخبار المتقدمة سيما أخبار صدقاتهم (2)عليهمالسلام ووقوفهم أنه لا يرتاب في دلالتها على خروج الوقف عن ملك الواقف ، وصيرورته كالأجنبي خصوصا ما دل على نصب القيم بذلك الوقف ، وان مورد الصدقة فيها التي هي عبارة عن الوقف كما عرفت هو العين بأن قصد المتصدق بها ابتغاء وجه اللّه سبحانه ، بمعنى أنه أخرج هذه العين عن ملكه الى ملك أولئك الموقوف عليهم ابتغاء وجه اللّه ، ويؤكده قوله (3)عليهالسلام في بعضها صدقة بتلا بتا. أي منقطعة عن صاحبها الأول ، ومبانة عنه ، فان البتل لغة القطع ، والبت أيضا بمعناه ، وفي حديث صدقة الكاظم (4)عليهالسلام وفي حديث صدقة أمير المؤمنين عليهالسلام بأمواله هذه
1) المستدرك ج 2 ص 511 الباب 2 ح 1.
2) الكافي ج 7 ص 47 باب صدقات النبي (صلی اللّه عليه وآله) وفاطمة والأئمة (عليهمالسلام) ووصاياهم. الوسائل ج 13 ص 311 الباب 10.
3) الكافي ج 7 ص 54 ذيل ح 8 وص 49 ح 7، وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 311 الباب 10.
4) الكافي ج 7 ص 54 ذيل ح 8 وص 49 ح 7، وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 311 الباب 10.
صدقة واجبة بتلة حيا أنا أو ميتا ينفق في كل نفقة يبتغى بها وجه اللّه الى آخره ، وبتلة منقطة عن صاحبها.
وفي صحيح محمد بن مسلم والحلبي (1)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قالا سألناه عن صدقة رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وصدقة فاطمة عليهاالسلام قال : صدقتها لبني هاشم وبنى المطلب». واللام للملك ، ونحوه رواية أبي مريم ، وبالجملة فالظاهر أنه لا خلاف في ضعف القول المذكور ، واللّه العالم.
الثاني - أنه على تقدير الانتقال هل ينتقل الى الموقوف عليه أم الى اللّه سبحانه ، أم التفصيل؟ أقوال : أشهرها الأول - قال الشيخ في المبسوط : إذا وقف وقبض زال ملكه عنه على الصحيح ، وملكه الموقوف عليه ، واختاره ابن إدريس وغيره ، ونقل ابن إدريس عن بعضهم أنه ينتقل الى اللّه ، وحكاه الشيخ في المبسوط عن قوم ، والقول بالتفصيل اختيار شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.
استدل للقول الأول ، بأنه مال لثبوت أحكام المال فيه ولهذا يضمن بالقيمة ، فكان ملكا كأم الولد ، وبهذا النحو وان كان مجملا استدل المحقق في الشرائع ، وأوضحه في المسالك بأنه مال مملوك لوجود فائدة الملك فيه ، وهي ضمانه بالمثل والقيمة ، وليس الضمان للواقف ولا لغيره ، فيكون للموقوف عليه.
وأورد عليه بأنه ينتقض ذلك ببواري المسجد والأمة ، فإنها تضمن بالقيمة ، وملكها لله تعالى لا للناس.
واحتج القائل بالقول الثاني بأن الوقف ازالة ملك عن العين والمنفعة على وجه القربة ، فانتقل الملك الى اللّه تعالى كالعتق ، ولأنه ممنوع من بيعها فلو ملكها لكان له سبيل إلى إخراجها عنه ، لأن «الناس مسلطون على أموالهم» (2). وأجاب في المختلف بظهور الفرق بين العتق والوقف ، قال : لأن العتق إخراج عن المالية
بالكلية ، وازالة التسلط عن العبد بالنسبة الى كل أحد والمنع من البيع ، لا يقتضي الخروج عن الملك ، كأم الولد.
وأما القول بالتفصيل فاستدل عليه في المسالك قال : بعد ان اختار القول بالانتقال عن الواقف لكن هذا إنما يتم في الموقوف عليه المعين المنحصر ، أما لو كان على جهة عامة أو مسجد أو نحوه فالأقوى أن الملك فيه لله تعالى لتساوى نسبة كل واحد من المستحقين إليه ، واستحالة ملك كل واحد ، أو واحد معين ، أو غير معين للإجماع ، واستحالة الترجيح ، ولا المجموع من حيث هو مجموع ، لاختصاص الحاضر به ، انتهى.
أقول : لا يخفى على من راجع الاخبار وقطع النظر عن كلامهم فان المستفاد منها أنه متى كان الموقوف عليه موجودا منحصرا فإنه ينتقل الملك إليه ، ولهذا دلت على اشتراط قبضه ، أو قبض وليه ، ليتم بذلك الملك ، ويمتنع الرجوع فيه كما تقدمت الأخبار به ، ومتى كان الموقوف عليه جهة عامة كالفقراء أو مصلحة كالمساجد فإن غاية ما يفهم منها هو أنه بالوقف يخرج من ملك الواقف ، وأما أنه يصير إلى اللّه سبحانه أو غيره ، فلا دلالة في شيء من الأخبار عليه ، وإنما يدل على أنه بعد الوقف وخروجه عن ملك الواقف يجب إبقاء العين ، ولا يجوز التصرف فيها ببيع ولا هبة ولا ميراث ولا نحو ذلك من الأمور الموجبة لإخراجها عما صارت إليه وصرف حاصلها في تلك الجهة ، أو المصلحة المعينة.
وأما أنه يشترط القبض فيها كما هو المشهور من أن القبض شرط في صحة الوقف مطلقا ، فيجب القبض هنا من القيم الذي ينصبه الواقف ، أو الحاكم الشرعي أو غير ذلك ، فلا دليل عليه في الأخبار ، ومورد القبض فيها إنما هو فيما إذا كان الموقوف عليه موجودا معينا محصورا ، على أن المراد من كونه في هذه الصورة ملكا لله كما صرح به في المسالك إنما هو الكناية عن عدم انتقاله الى أحد من الآدميين.
قال : والمراد بكون الملك لله تعالى انفكاك الموقوف عن ملك الآدميين واختصاصهم ، لا كونه مباحا كغيره مما يملكه اللّه تعالى ، انتهى وهو يرجع الى ما ذكرناه.
وفي حديث وقف أمير المؤمنين عليهالسلام أمواله (1)على جهة الطاعات والقربات وصلة الرحم بعد أن جعل الولي القيم بذلك الحسن ثم الحسين عليهماالسلام ثم من يختاره الحسين عليهالسلام ما صورته «وأن يشترط على الذي يجعله إليه ان يجعل المال على أصوله ، وينفق الثمرة حيث يأمره به من سبيل اللّه ، وذوي الرحم من بنى هاشم وبنى المطلب القريب والبعيد لا يباع منه شيء ، ولا يوهب ، ولا يورث» الحديث ، وليس فيه كما ترى أزيد من أنه بعد الوقف يجب إبقاء أصوله على ما هي ، ولا يتصرف فيها بشيء من هذه التصرفات ونحوها ، ويصرف الحاصل في الوجه الذي عينه ، ولا دلالة فيه على الانتقال لأحد ، وهو ظاهر في الرد على القول المشهور من أنه ينتقل في هذه الصورة إلى الموقوف عليه ، وليس في الخبر أيضا على طوله ما يشعر بأنه أقبضه أحدا ، بل ظاهره أنه مدة حياته عليهالسلام كان في يده يصرفه في الوجوه المذكورة ، وبعد موته فوض الأمر فيه الى الحسن ثم الى الحسين عليهماالسلام ثم من ذكره في الخبر ، ولو كان القبض في هذه الصورة شرطا في صحة الوقف لوقعت الإشارة إليه في الخبر ، واحتمال أنه قبضه بالولاية العامة وان أمكن ، إلا أن الظاهر بعده ، إذ هو فرع وجود الدليل على اشتراط القبض في هذه الصورة ونحوها ، وقد عرفت أنه لا دليل على ذلك فيها سوى الصورة المتقدمة.
الأول : قال في المختلف : ان قلنا بأن الوقف ينتقل الى الموقوف عليه ثبت بشاهد ويمين ، لأن المقصود منه المال ، وان قلنا انه ينتقل الى اللّه تعالى لم يثبت
1) الكافي ج 7 ص 49 ح 7 ، الوسائل ج 13 ص 312 ح 4.
بالشاهد واليمين ، كالعبد لو ادعى العتق ويحتمل عندي ثبوته بالشاهد واليمين ، وان لم ينتقل إليه ، لأنه يحلف لتحصيل غلته ومنفعته ، فلما كان المقصود من الوقف المنفعة ، وهي مال يثبت بالشاهد واليمين ، بخلاف حرية العبد ، لان المقصود منها تكميل الأحكام ، انتهى.
أقول : ما ذكره جيد فيما إذا كان الموقوف عليه معينا محصورا ، أما لو كان الموقوف عليه الجهة أو المصلحة كما هو مقتضى القول بالتفصيل الذي شرحناه ، فإشكال لما عرفت من أن غلة الوقف هنا لا مالك لها معينا ، ليقيم الشاهد ، ويحلف معه ، سيما إذا كان الوقف لمسجد ونحوه ، والقيم لا تعلق له بذلك الا من حيث صرف الغلة وحفظ الأصول ونحو ذلك ، ولأنه غير مالك للغلة ، إذ هو غير داخل في الموقوف عليه ، واللّه العالم.
الثاني : قالوا : لو أعتق العبد الموقوف عليه لم يصح ، لتعلق حق البطون به قيل : في توجيهه لما كان الحكم بانتقال الملك الى الموقوف عليه ربما أوهم جواز تصرفه في العين بالعتق وغيره ، والأمر ليس كذلك ، نبهوا على منعه أيضا ، وعللوا بأنه وان كان مالكا الا أن الحق غير منحصر فيه ، بل مشتركا بينه وبين ما بعده من البطون ، وان لم تكن موجودة بالفعل ، فتصرفه فيه بالعتق يبطل حقهم.
أقول : لا يخفى أن الأخبار قد تكاثرت بأن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث بعد أنه عقد صيغة الوقف ، والانتقال عن الواقف يجب إبقاؤه على حاله ، لا يتصرف فيه بما يوجب النقل بأي وجه كان ، وهذه الألفاظ إنما خرجت مخرج التمثيل ، والمراد إنما هو ما ذكرناه كما يشير اليه قول أمير المؤمنين عليهالسلام فيما تقدم قريبا «وأن يجعل المال على أصوله ، وينفق الثمرة حيث أمره ، الى أن قال : لا يباع منه شيء ولا يوهب ، ولا يورث وفي آخر لاتباع ولا تورث ، ولا توهب ، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين».
وفي ثالث لاتباع ولا توهب حتى يرثها وارث السموات والأرض.
وفي رابع حتى يرثها اللّه الذي يرث السموات والأرض» والمراد بجعل المال على أصوله يعني جعله على الوجه الذي عينه الواقف من كونه لا يتصرف فيه بشيء من الوجوه الناقلة ، الى أن يرثه وارث السموات والأرض ، ولا ريب أن العتق تصرف ناقل ، ومخرج عما عينه الواقف ، سواء كان الوقف - بعد الموقوف عليه - راجعا الى البطون أو أحد الجهات العامة والمصالح ، وبه يظهر ما في العبارة المتقدمة من الحزازة ،
الثالث : لو كان العبد مشتركا بين اثنين بالمناصفة ، فوقف أحدهما نصفه ، ثم أعتق الآخر نصفه فهل يسرى عليه ويعتق أجمع ، أم لا؟ قالوا : يبنى على أن الملك في الوقف هل بقي للواقف ، أم انتقل الى اللّه تعالى ، أم إلى الموقوف عليه؟ فعلى الأولين لا سراية لأنه على تقدير عدم انتقاله عن الواقف في معنى إعتاقه ، وهو ممتنع أيضا لما يستلزم من إبطال حق الموقوف عليه ، وعلى تقدير انتقاله الى اللّه تعالى يكون في معنى التحرير الذي لا يقبل التحرير ثانيا.
وأما على تقدير انتقاله الى الموقوف عليه فان الأكثر على عدم السراية أيضا ، قيل : بل كاد أن يكون إجماعا ، وعلل بأن العتق لا ينفذ في الحصة الموقوفة مباشرة ، كما تقدم ، فبالأولى أن لا ينفذ فيها سراية.
وقيل : بالسراية والفرق بين المباشرة والسراية بما هو مذكور في كلامهم ، ولهم في المقام كلام لا فائدة في التعرض لذكره ، فإنه لا يخفى على من لا حظ أخبارهم عليهمالسلام في المقام ، أن جميع ما أطالوا به من الكلام والنقض والإبرام كله نفخ في غير ضرام لأنها قد صرحت كما تقدم ذكره بأنه بعد عقد الوقف الجامع لشرائط الصحة يجب إبقاء العين الموقوفة ، بمعنى أنه لا يتصرف فيها بنقل ، وانما المتصرف في حاصلها بصرفه على من وقف عليه من بطون أو جهة أو مصلحة ، وأنه يجب إبقاء العين على الوجه المذكور الى أن يرثها اللّه تعالى وارث السموات والأرض ، وهو
كناية الى التأبيد إلى يوم القيمة ، وهو معنى الخبر النبوي (1)«حبس الأصل وسبل الثمرة». ولا معنى لحبسه إلا عدم التصرف فيه بوجه ناقل عما هو عليه بعد الوقف ، ونحوه قول أمير المؤمنين عليهالسلام المتقدم ، ويجعل المال على أصوله وينفق الثمرة» وبذلك يظهر لك أن هذا الخلاف والتفريع على ما ذكروه من تلك الأقوال التي قد عرفت خروج أكثرها عن جادة الاعتدال كله تطويل بغير طائل واللّه العالم.
الرابع : قالوا : مما يتفرع على الخلاف المتقدم نفقة العبد الموقوف ، فان جعلناه للموقوف عليه ، كما هو أحد الأقوال ، ففي نفقته وجهان : بل قولان : أحدهما للشيخ في المبسوط ، وهو أنها في كسبه ، لأن نفقته من شروط بقائه ، كعمارة العقار وهي مقدمة على حق الموقوف عليه ، ولأن الغرض بالوقف انتفاع الموقوف عليه ، وهو موقوف على بقاء عينه ، وانما يبقى بالنفقة فيصر كأن قد شرطها من كسبه.
والثاني - والظاهر أنه الأقرب وقواه في المسالك وهو اختيار العلامة في المختلف وغيره أيضا ، وجوب النفقة على الموقوف عليه ، لأنه ملكه ، والنفقة تابعة للملك.
أقول : ويؤيده أن منافعه مستحقة للموقوف عليه بالوقف ، وربما أوجب سعيه في كسب النفقة وتحصيلها تفويت المنافع المذكورة ، فلا ثمرة للوقف حينئذ وما تقدم من الاستدلال على كونها في كسبه بأن النفقة من شروط بقائه مسلم ، ولكن لا يستلزم ذلك أن يكون من كسبه ، بل الواجب على الموقوف عليه ذلك للغرض المذكور.
وان قلنا بكونه لله عزوجل فإنهم بنوه على أن نفقة مستحق المنافع كالأجير الخاص والموصى بخدمته على مستحقها ، أم لا؟ فان جعلناها عليه ، فهي هنا على الموقوف عليه أيضا ، وإلا ففي كسبه ، فان تعذر ففي بيت المال ، وان قلنا بكونه للواقف فإشكال.
1) المستدرك ج 2 ص 511 الباب 2 ح 1.
قال في المسالك : وعلى القول بكون المالك هو الواقف ، فالنفقة على الموقوف عليه على الأول ، وعلى الواقف على الثاني ، انتهى.
وهو غير ظاهر المراد ، ولعل ذلك لغلط في العبارة المذكورة وبالجملة حيث كانت المسئلة خالية من النص فللتوقف فيها مجال ، إلا أنه يمكن الكلام في ذلك جريا على قواعدهم بأن يقال : انك قد عرفت آنفا أن الأظهر هو انتقال الوقف الى الموقوف عليه ان كان معينا ، وان كان جهة أو مصلحة فهو غير مملوك لأحد ، وهو الذي عبروا عنه بأنه ملك لله سبحانه ، وعلى الأول فإن مقتضى القول بالملك وجوب النفقة على المالك كما هو أحد القولين المتقدمين ، وأشهرهما وأظهرهما.
وعلى الثاني فإن الظاهر أن النفقة تكون في كسبه مقدمة على حق الموقوف عليه ، فان قصر كسبه ففي بيت المال ان كان ، وإلا وجبت كفاية على المكلفين كغيره من المضطرين ، وأما البناء على أن نفقته على مستحق المنافع كما تقدم ، فالظاهر بعده ، لان مستحق المنافع قد لا يكون له مال ، من أجل ذلك كان أحد الأقوال فيه أن نفقته على نفسه ، وليست على المستأجر كما تقدم تحقيق القول فيه في كتاب الإجارة على أن البناء على نقل ذلك لا يخرج عن القياس الخارج عن أصول الشريعة.
ولو مات العبد فمؤنة تجهيزه كنفقته حال حياته ، ولو كان الوقف عقارا فإنهم صرحوا بأن نفقته حيث شرط الواقف ، فان انتفى الشرط ففي غلته مقدمة على الحق الموقوف عليه ، فان قصرت لم يجب الإكمال.
أقول : ويدل على الإخراج من الغلة مقدما على حق الموقوف عليه قول الكاظم عليهالسلام (1)في حديث وقف أرضه المتقدم ذكره ، «يقسم وإليها ما أخرج اللّه من غلتها بعد الذي يكفيها من عمارتها ، ومرافقها بين ولد موسى الى آخره». ولو عدمت الغلة لخراب الوقف واضمحلاله لم تجب عمارته ، بخلاف الحيوان لوجوب صيانة روحه.
1) الكافي ج 7 ص 53 ح 8 ، الوسائل ج 13 ص 314 ح 5.
ولو صار العبد الموقوف مقعدا أو عمى أو جذم انعتق ، وبطل الوقف وسقطت عنه الخدمة ، وقضية ذلك سقوط النفقة عن مولاه ، لأن وجوب النفقة عليه من حيث أنه مملوك له ، والآن قد صار حرا ، وعلى هذا فنفقته مع عدم وجود باذل من الواجبات الكفائية على المسلمين كغيره من المضطرين ، والموقوف عليه من الجملة ، فالوجوب شامل له ، وان تغاير الوجه واللّه العالم.
المسئلة الثانية : لو جنى العبد الموقوف على غيره عمدا أو خطأ أو جني عليه فهنا مقامات ثلاثة الأول - أن يجني عمدا ولا خلاف في أنه يلزمه القصاص وان استلزم إبطال الوقف عمدا ، بما دل على وجوب القصاص من الجاني.
قال في المسالك : وهو موضع وفاق ، ثم انه ان كانت الجناية دون النفس قالوا : يبقى الباقي وقفا لوجود المقتضي ، فإن الوقف لا يبطل بتلف بعض الموقوف وهو ظاهر لا اشكال فيه ولا خلاف ، وان كانت الجناية النفس ، فان اختار الولي القصاص كان ذلك له ، ولا إشكال أيضا ، وان اختار الولي الاسترقاق الذي هو أحد فردي الحقين المخير فيهما الولي فيما إذا كان الجاني عمدا عبدا ، فهل له ذلك أم لا؟ قولان : فقيل : بالأول ، لأن المجني عليه له إبطال الوقف وإخراجه عن ملك الموقوف عليه بالقتل قطعا ، والعفو عنه أمر مطلوب شرعا ، وراجح قطعا ، وفي استرقاقه جمع بين حق المجني عليه ، وفضيلة العفو ، فيكون أولى من القتل ، والى هذا القول مال في المسالك فقال : انه الأقوى.
وقيل : بالثاني وبه جزم المحقق في الشرائع والعلامة في الإرشاد والتحرير وفي القواعد بعد أن أفتى بذلك قال : على اشكال ، وعلل القول المذكور بأن الوقف يقتضي التأبيد ما دامت العين باقية ، وهو ينافي استرقاقه ، لاستلزام بطلان الوقف مع بقاء عينه وخروجه عن الوقف في بعض الموارد لدليل خارج ، لا يقتضي التعدي بحيث لا دليل.
أقول : ومن تعارض هذين التعليلين استشكل في القواعد ، إلا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث اختار القول الأول أجاب عن هذا التعليل ، بأن
التأبيد الواجب في الوقف إنما هو من حيث لا يطرء عليه ما ينافيه ، وهو موجود هنا فيما هو أقوى من الاسترقاق ، انتهى.
وبالجملة فالمسئلة لخلوها من النص محل اشكال ، لما عرفت من عدم الركون الى أمثال هذه التعليلات ، في تأسيس الأحكام الشرعية ، فكيف مع تعارضها ، الا أنه يمكن أن يؤيد ما ذكره شيخنا المتقدم بإطلاق الأخبار الواردة في المسئلة.
ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبان بن تغلب (1)عمن رواه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «إذا قتل العبد الحر دفع الى أولياء المقتول ، فان شاؤا قتلوه ، وان شاؤا حبسوه ، وان شاؤا استرقوه يكون عبدا لهم». وبهذا المضمون أخبار آخر هي المستند في أصل المسئلة ، والتقريب فيها هو أن العبد المذكور في هذه الأخبار شامل للموقوف والمطلق ، فإنه بالوقفية لم يخرج عن العبودية ، وقد دلت على أن الحكم في العبد القاتل عمدا التخيير بين القتل والاسترقاق.
نعم ظاهر كلامهم يدعون الخروج عما دلت عليه هذه الأخبار بالنسبة إلى جواز اختيار الاسترقاق بالمعارضة ، بأن الوقف يقتضي التأبيد ما دامت العين موجودة ، فلا يجوز الاسترقاق وإلا للزم بطلان الوقف مع بقاء عينه ، وغاية ما يلزم من هذه المعارضة ، أنه قد تعارض هنا عموم الأخبار الدالة على جواز استرقاق العبد القاتل عمدا أعم من أن يكون وقفا أو طلقا ، وعموم الأخبار الدالة على أن الوقف يقتضي التأبيد ما دام الموقوف موجودا أعم من أن يكون عبدا قاتلا أو غيره ، وتخصيص أحد العمومين بالآخر يحتاج الى دليل ، فمن أين يرجح ما ادعوه من تخصيص العموم الأول بالثاني دون العكس ، بل يمكن ترجيح العكس ، باتفاقهم على الخروج عن العموم الثاني باختيار جواز القتل لهذه الأخبار ، وهي كما دلت على ذلك دلت على جواز اختيار الاسترقاق ، فالواجب تخصيص العموم الثاني بالأول ، واللّه العالم.
1) الكافي ج 7 ص 304 ح 6 ، التهذيب ج 10 ص 194 ح 63 ، الوسائل ج 19 ص 73 ح 2.
الثاني - أن تكون الجناية خطأ وقد اختلف كلامهم في هذا المقام فقال الشيخ وجماعة : بأنها تتعلق بمال الموقوف عليه ، لتعذر استيفائها من رقبته ، إذ لا يتعلق الأرش إلا برقبة من يباع ، والبيع هنا ممتنع من حيث الوقف ، وحق الموقوف عليه ، فالواجب عليه أن يفديه بالأرش.
قال في المبسوط : إذا جنى العبد الموقوف جناية توجب المال لم يتعلق إلا برقبة من يباع فيه ، فأما رقبة من لا يباع فالأرش لا يتعلق بها ، إذا ثبت هذا فمن قال : أن الملك ينتقل اليه ، فهو في ماله ، ومن قال : ينتقل الى اللّه قيل : من مال الواقف ، لأنه الذي منع الرقبة من تعلق الأرش بها ، وقيل : يكون في بيت المال كالحر ، انتهى.
وذهب المحقق في الشرائع إلى أنه يتعلق بكسبه ، قال : لأن المولى لا يعقل عبدا ، ولا يجوز إهدار الجناية ، ولا طريق إلى عتقه ، فيتوقع ، وبهذا القول صرح العلامة في التحرير والمختلف.
قال في المسالك : وهو الأقوى ، وهو اختيار الشهيد في الدروس ، معللا بما ذكره المحقق بأن كسبه أقرب الأشياء الى رقبته ، فإذا تعذر تعلقه برقبته تعلق بما هو أقرب إليه ، واحتمل في المختلف تعلقها برقبته ، فيباع فيها كما يقتل في العمد ، والبيع أدون من القتل ، وهذا كله مبني على انتقال الملك الى الموقوف عليه.
أما على القول بانتقاله الى اللّه ، أو القول ببقائه على ملك الواقف كما تقدم نقله عن أبى الصلاح وبعض العامة ، فإنهم قالوا : يحتمل تعلق أرش الجناية بالوقف ، لأنه بوقفه منع من تعلق الأرش برقبته ، ويحتمل أن تكون في بيت المال كالحر المعسر.
أقول : قد عرفت من كلام الشيخ المتقدم أنه حكى هذين الاحتمالين قولين في المسئلة ، وزاد بعضهم على هذا التقدير احتمال التعلق بكسبه أيضا ، والظاهر
أن احتمال تعلقها ببيت المال أو الكسب إنما هو بناء على القول بالانتقال الى اللّه ، وإلا فعلى القول بالبقاء على ملك الواقف ، فالمناسب هو كون ذلك على الواقف ، للتعليل المتقدم ، ثم انه على تقدير القول بتعلقها بكسبه فلو لم يكن كسوبا قال في المسالك : اتجه تعلق الجناية برقبته ، وجواز بيعه كما يقتل في العمد ، والبيع أدون من القتل.
أقول : قد تقدم في كلام العلامة احتمال التعلق بالرقبة ، وجواز البيع مطلقا ، ومن هنا أورد الشهيد (رحمة اللّه عليه) في شرح الإرشاد ، وعلى عبارة الشيخ المتقدم الدالة على تعذر استيفاء الجناية من رقبته ، لعدم صحة بيعه ، بأن هذا إنما يتم لو لم يكن على منحصر ، وكان المنحصر موسرا ، وقد تلخص من ذلك احتمال التعلق بالرقبة مطلقا ومع العجز عن الكسب ، ومع كون الموقوف عليه منحصرا معسرا ، هذا حاصل كلامهم في المقام ، والمسئلة محل توقف واشكال ، واللّه العالم.
الثالث - لو جنى عليه فان كانت جناية توجب القصاص كأن يقتله عبد مثله ، فظاهر كلامهم تفريع ذلك على الخلاف المتقدم ، فان قلنا بأن الملك ينتقل الى الموقوف عليه ، فإنه يصير القصاص اليه كما لو كان المقتول عبده ، ولو قلنا بانتقاله الى اللّه تعالى مطلقا أو على التفصيل المتقدم ، فإنه يكون ذلك الى الحاكم الشرعي ، لأنه ولي هذه المصالح المتعلقة به سبحانه ، ولو قلنا ببقائه على ملك الواقف كان حق القصاص إليه ، وقد عرفت فيما تقدم أن الأصح هو التفصيل ، بأنه ان كان الموقوف عليه منحصرا ، فإنه للموقوف عليه ، وان كان على جهة عامة أو مصلحة عامة فإنه لله سبحانه ، وعلى هذا يترتب القصاص هنا ، فيقال : بكونه للموقوف عليه على الأول والحاكم على الثاني ، وأما إذا أوجب القتل الدية كأن يقتل خطأ أو أخذت صلحا أو يكون القاتل حرا ، أو فيه شيء من الحرية ، أو أوجبت الجناية أرشا كقطع يده مثلا ، وملخصه أن تكون الجناية موجبة للمال ، فهل يكون ذلك
للموجودين من الموقوف عليهم وقت الجناية ، أو أنه يشترى به عبد أو بعض عبد يكون وقفا؟ قولان.
قال في المبسوط : لو جني على العبد الموقوف عليه ، ووجبت قيمته ، قال قوم : يشترى بها عبد آخر يقوم مقامه ، سواء قيل : انتقل ملكه الى اللّه ، أو إليه ، لأن حق البطون الأخر تعلق برقبة العبد ، فإذا مات أقيم غيرها بقيمتها مقامها ، وفيهم من قال : انتقل القيمة إليه ، وهو الأقوى ، لأنا قد بينا أن ملكه له ، والوقف لم يتناول القيمة ، والأول قول من قال : ينتقل الى اللّه ، انتهى.
وظاهره أنه على تقدير القول بانتقال الملك الى الموقوف عليه كما هو مذهبه فإنه يصير المال اليه ، وعلى تقدير القول بأنه ينتقل الى اللّه ، فإنه يشتري به عبد آخر يقوم مقامه ، ويكون وقفا.
وقال العلامة في المختلف : والمعتمد اقامة غيره مقامه ، لعدم اختصاص البطن الأول بملكه ، ولهذا يملك البطن الثاني عن الواقف عن البطن الأول ، والوقف ان لم يتناول القيمة لكنها بدل عن العين ، انتهى.
وهو صريح في اختيار القول الثاني ، كما أن كلام الشيخ صريح في اختيار الأول ، وهو اختيار المحقق في الشرائع أيضا ، والعلامة في التحرير ، وجعل الثاني احتمالا ، وظاهر الشهيد في الدروس ، وشرح الإرشاد التوقف في المسئلة ، حيث اقتصر على نقل القولين ، ولم يرجح شيئا منهما في البين ، وهو في محله.
وتوضيح أدلة القولين زيادة على ما تقدم ، أما القول الأول فلأن الدية عوض رقبته ، والرقبة ليست ملكا تاما للموجودين ، بل للبطون اللاحقة منها حق وان لم يكن بالفعل ، لكنه بالقوة القريبة منه ، لحصول السبب والمعدات للملك ، ولم يتخلف منها سوى وجودهم ، وحينئذ فلا سبيل إلى إبطال حقهم ، فيجب أن يشترى به عبدا ، وبعض عبد يكون وقفا ، إبقاء للوقف بحسب الإمكان ، وصيانة له عن الابطال ، وتوصلا الى غرض الواقف ، ولأن الوقف تابع لبقاء المالية ، ولهذا
يجب الشراء بقيمته - حيث يجوز بيعه - يكون وقفا.
وأما الثاني فوجهه أن الوقف ابتداء متعلق بالعين ، لأن موضوعه العين الشخصية لا غير وقد بطلت بإتلافه ، فامتنع أن يكون لمن سيوجد من البطون فيه حق ، لأنهم حال الحياة غير مستحقين ، ووقت صيرورتهم مستحقين قد خرج التالف عن كونه وقفا ، هكذا قرره في المسالك.
ثم أنه أورد على الدليل الثاني حيث أنه اختار القول الأول ما لفظه : ويضعف بأن القيمة بدل عن العين ، فيملكها على حد ما يملكها ، ويتعلق بها حق من يتعلق حقه بها والوقف وان لم يتناول القيمة مطابقة ، لكنه يتناولها اقتضاء ، من حيث أنها قائمة مقام العين ، ولأن الوقف أقوى من حق الرهن ، وهو يتعلق بالقيمة ، والوقف أقوى ، وحينئذ فالأقوى الأول.
أقول : لو صح بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية ، لاتجه قوة ما قواه (قدسسره) سيما أنه الأوفق بالاحتياط المطلوب في أمثال هذه المقامات الخالية من النصوص ، إلا أنك قد عرفت ما فيه في غير مقام مما تقدم.
الاولى : ظاهر الأكثر أن محل الخلاف ما قدمنا ذكره من الجناية الموجبة للمال دية أو غيرها ، والظاهر من كلام المحقق في الشرائع أن محل الخلاف الدية خاصة ، وأما ما كان أرشا فإنه للموجودين من غير خلاف ، ومقتضى الدليل المتقدم يؤيد ما ذكره الأكثر.
الثانية : أنه على تقدير شراء عبد أو بعض عبد يكون وقفا ، فمن الذي يتولى ذلك؟ قال شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد : والأجود تفويضه الى الناظر الخاص ، فان تعذر فالناظر العام ، وان تعذر فالموقوف عليه ، قضية للشرط في النظر عموم حكم الحاكم على البطون ، وأولوية الموقوف عليه ، وفي المسالك
أنه يبنى على الخلاف المتقدم ، فان حكمنا بالملك للموقوف عليه ، فان حق الشراء راجع إليه ، لأنه المالك لذلك ، والبطون اللاحقة تابعة لهم ويحتمل الحاكم نظرا الى حق البطون اللاحقة ، وأن للحاكم حق الولاية عليهم دون البطون المتقدمة وان حكمنا بكونه لله سبحانه فللحاكم لا غير ، وان حكمنا للواقف فالوجهان الأولان.
أقول : ولو تعذر الحاكم فالظاهر قيام عدول المؤمنين بذلك ، كما في غير هذا الموضع من الأمور الحسبية ، وقيل : بتقديم الموقوف عليه ، والأظهر الأول.
الثالثة : انه هل يصير وقفا بمجرد الشراء أم يفتقر إلى الصيغة؟ قال في المسالك : كل محتمل ، وان كان الأول أقوى ، لأنه بالشراء يصير بدلا عن العين كالرهن وعلى الثاني يباشره من يباشر الشراء أقول : وبالأول صرح شيخنا الشهيد (رحمة اللّه عليه) في الإرشاد.
الرابعة : قال في المسالك : لو لم تف القيمة بعبد كامل اشترى شقص بها امتثالا للأمر بحسب الإمكان ، ولو فضل منه فضل عن قيمة عبد اشترى معه ولو شقص آخر.
أقول : قوله امتثالا للأمر بحسب الإمكان لا أعرف له معنى في هذا المكان ، إذ لا نص كما عرفت ، إلا أن يكون المراد بناء على ما يدعونه قصد الواقف.
الخامسة : قال شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد : والأقرب أن البدل يجب كونه من جنس الموقوف ، لأنه أقرب الى الوقف ، وكلام المصنف هنا يشمل الجنس وغيره ، وحينئذ تجب المساواة في الذكورة والأنوثة ، وان أمكن المساواة في باقي الصفات أو معظمها فهو أولى ، ولو قيل : في القيمي بضمانه بالمثل وأمكن له مثل ، كان هو الوقف ، واستغنى عن الشراء ، وان قيل : بالقيمة وأتى بعبد بالصفات أمكن وجوب قبوله ، لأن غاية القيمة صرفها في مثلة ، انتهى.
السادسة : هل للموقوف عليهم العفو عن القصاص أو عن الأرش أو الدية؟
قال في المسالك : يبنى على أن البطون اللاحقة هل تشاركهم فيه أم لا؟ فعلى الأول ليس لهم العفو ، وعلى الثاني لهم ، لانحصار الحق فيهم.
السابعة : قال : في المسالك : على تقدير المشاركة لو عفى الأول فللثاني أن يستوفي ، لوجود سبب الاستحقاق من حين الجناية وان لم يثبت بالفعل ، مع احتمال العدم ، لتجدد استحقاقهم بعد سقوط الحق بالعفو ، وعلى تقدير جواز استيفاء الثاني هل له القصاص كالأول ان كانت الجناية توجبه أم يختص بالدية؟ وجهان : من مساواته للأول في الاستحقاق ، ومن تغليب جانب العفو بحصوله من الأول ، والأقوى الأول.
أقول : لا يخفى أن قضية المشاركة - وان كان أخذ حق أحد الشريكين موقوفا على وجوده - هو أن حكم الثاني كالأول في كل من الأمرين المذكورين ، قوله في الاحتمال المذكور «لتجدد استحقاقهم بعد سقوط الحق بالعفو» مدفوع بأن الساقط انما هو حق أولئك العافين ، لا حق هؤلاء المتأخرين ونحوه قوله في الثاني لتغليب جانب العفو بحصوله من الأول ، فإن الحاصل من الأول انما هو بالنسبة إليه ، لا الى شريكه ، وهو ظاهر واللّه العالم.
المسئلة الثالثة : المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) أنه إذا وقف في سبيل اللّه انصرف الى كل ما يكون وصلة الى الثواب ، لأن السبيل بمعني الطريق فيكون المراد كلما يكون طريقا الى حصول الثواب منه سبحانه ، ويكون وسيلة إلى رضوانه ، وكذا لو قال : في سبيل اللّه وسبيل الثواب وسبيل الخير ، فان مرجع الثلاثة إلى أمر واحد ، وهو سبيل اللّه بالمعنى المتقدم.
وخالف الشيخ في أحد قوليه في الموضعين ، فقال. في الأول ان سبيل اللّه الغزاة المقطوعة ، دون العسكر المقاتل على باب السلطان ، والحج والعمرة يقسم أثلاثا فخص السبيل بهذه الثلاثة ، وعن ابن حمزة أن سبيل اللّه ، المجاهدون.
وقال في الثاني : بقسمته أثلاثا فثلث للغزاة والحج والعمرة ، وهو سبيل اللّه ، وثلث الى الفقراء والمساكين ، ويبدأ بأقاربه ، وهو سبيل الثواب ، وثلث إلى خمسة
أصناف من الذين ذكرهم اللّه في آية الصدقة ، وهم الفقراء ، والمساكين ، وابن السبيل ، والغارمون ، والرقاب ، ولا يخلو من تحكم ، فإنا لم نقف له على دليل على هذا التفصيل.
أقول : وقد تقدم في كتاب الزكاة (1)في معنى سبيل اللّه فمما تدل على القول المشهور رواية علي بن إبراهيم (2)في تفسيره عن العالم عليهالسلام قال : وفي سبيل اللّه قوم يخرجون الي الجهاد ، وليس عندهم ما يتقوون به ، أو قوم مؤمنون ليس عندهم ما يحجون به ، أو في جميع سبيل الخير ، فعلى الامام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد ،. وأشرنا ثمة أيضا الى ان الظاهر من بعض الروايات أن تفسير السبيل بالجهاد ، انما كان تقية ، حيث أن مذهب العامة ذلك ، واللّه العالم.
المسئلة الرابعة : إذا وقف على مواليه ، فان انحصرت الموالي في الأعلى أو الأسفل فلا اشكال ، والمراد بالأعلى هم المعتقون له ، بأن باشروا العتق أو انتهى إليهم ولاية العتق ، والأسفل هم من أعتقهم بعد عتقه كذلك ، فان اجتمعوا فان كانت ثمة قرينة تدل على إرادة أحد الصنفين أو كليهما فلا إشكال أيضا ، وان انتفت القرائن وجب الرجوع إليه في تفسير ذلك وما أراد به ، فان تعذر الرجوع اليه أو أخبر بأنه لم يقصد شيئا بخصوصه ، وانما بنى على مدلول اللفظ ، فهل يبطل الوقف أو يصح ويصرف إليهما أو إلى أحدهما أو يفرق بين المفرد والجمع؟ أقوال.
فنقل عن الشيخ في المبسوط والخلاف القول بالصحة ، قال في الخلاف : إذا وقف على مولاه ، وله موليان مولى من فوق ، ومولى من أسفل ، ولم يبين انصرف إليهما ، لأن الاسم يتناولهما ، فيجب صرفه إليهما ، كما لو أطلق الوقف على الاخوة انصرف إليهم وان كانوا متفرقين ، وليس ذلك بمجهول ، كما أن الوقف
على الأخوة ليس بمجهول ، وبذلك قال ابن إدريس أيضا ، معللا بتناول الاسم ، إلا أن الشيخ فرضه في المفرد ، وابن إدريس فرضه في الجمع ونحوه المحقق في الشرائع ، فإنه تبع الشيخ في الحكم بالصحة ، الا أنه فرضه في الجمع.
وقال ابن حمزة : إذا وقف على مولاه اختص بمولى نفسه ، دون مولى أبيه وبمولاة الذي أعتقه ، دون مولى نعمته ، إلا إذا لم يكن له مولى عتق ، وكان له مولا نعمة ، وإن قال : على موالي دخل فيه مولى العتاقة ، ومولى النعمة.
وقال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال : والوجه أن نقول : ان عرف بقرينة حالية أو مقالية قصده فيهما حمل لفظه عليه ، عملا بالقرينة ، وان انتفت القرائن فإن كان اللفظ مفردا ليس بجمع بطل الوقف ، وان كان جمعا وقلنا بجواز ارادة معنى المشترك من لفظ الجمع حمل عليهما ، وان قلنا إن حكمه حكم الواحد بطل ، لنا أنا قد بينا في أصول الفقه أنه لا تجوز ارادة معنى المشترك منه بلفظ واحد ولا شك أن لفظة مولى من الألفاظ المشتركة بين المعالي المتضادة ، وهي المعتق والمعتق ، وقول الشيخ أن الاسم يتناولهما ، قلنا : ان أراد ذلك على سبيل الجمع ، فهو ممنوع لأن الواضع لم يضعه لكلا المعنيين ، فيكون استعماله فيهما استعمالا للفظ في غير موضوعه والقياس على الاخوة ضعيف ، لأن الإخوة موضوع لمعنى واحد ، يتناول المتقرب بالأبوين وأحدهما على سبيل التواطؤ ، بخلاف المولى ، وقول ابن إدريس يشعر بمتابعته للشيخ ، وقول ابن حمزة في الجمع جيد ، أما في المفرد فحمله على المعتق ضعيف ، وكونه أقوى من المولى من أسفل لأنه يرث لا يخرج اللفظ عن كونه مشتركا ، ولا يوجب ترجيحا في التناول ، انتهى.
وظاهر شيخنا الشهيد (رحمة اللّه عليه) في شرح الإرشاد الميل الى ما ذكره العلامة هنا من الفرق بين المفرد والجمع ، والبطلان في الأول دون الثاني ، قال بعد الكلام في المسئلة : واعلم أن الصحة وتناول الجميع يقوى إذا كان اللفظ بصيغة الجمع ، كالمسئلة المفروضة ، فإن بعض من منع استعمال المشترك المفرد في كلا معنييه
أجازه في الجمع ، ولأنه يكون جمعا مضافا وهو للعموم ، كما قرر في الأصول ، وان كان اللفظ مفردا كما لو وقف على مولاه ، يقوى البطلان ، ونصر شيخنا المرتضى عميد الدين الصحة في المجموع ، وهو ظاهر المصنف في المختلف لأنه لفظ مستغرق لجميع ما يصلح له ، انتهى.
أقول : قد تقدم في مواضع من كتب العبادات الإشارة الى أن ما اشتهر بينهم في الأصول من عدم جواز استعمال المشترك في معينة مما يظهر من الأخبار خلافه ، وبذلك اعترف في الذكرى أيضا ، ومنه تظهر قوة ما ذهب اليه الشيخ ، وكيف كان فالمسئلة لما عرفت محل اشكال ، واللّه العالم.
المسئلة الخامسة : في الوقف على الأولاد ، وله صور أحدها - الوقف على أولاد الأولاد ، والظاهر أنه لا خلاف في أنه إذا وقف على أولاد أولاده فإنه يشترك أولاد البنين والبنات ذكورهم وإناثهم من غير تفصيل.
أما الحكم الأول ، فلان إطلاق الولد شامل للذكور والإناث بلا اشكال لقوله سبحانه (1)«يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» ونحوها فيصدق على أولادهم مطلقا أنهم أولاد أولاد ، وان اختلف في صدق الأولاد على أولاد الأولاد ، كما سيأتي ذكره ان شاء اللّه تعالى.
وأما الحكم الثاني فلاقتضاء الإطلاق ذلك ، واقتضاء الاشتراك التسوية حتى يقوم الدليل على خلافها ، وكما يدخل الذكور والإناث في لفظ الولد تدخل الخناثي أيضا ، أما لو كان بلفظ البنين خاصة أو البنات خاصة ، وأولادهم ، فالظاهر عدم صدق ذلك عليهم ، وأما لو جمعهما بأن قال : على البنين والبنات وأولادهم فهل يدخلون في ذلك أم لا؟ قولان للعلامة في القواعد والتحرير منشأ الثاني منهما أنهم ليسوا بذكور ولا إناث ، والأول أنهم لا يخرجون عن الصنفين في نفس الأمر ، ولهذا يستخرج أحدهما بالعلامات ، ومع فقدها ترث نصف النصيبين.
1) سورة النساء - الاية 11.
ورد بأنه لا كلام مع وجود العلامة ، ولا دلالة لنصف النصيبين على حصره فيهما ، بل يمكن دلالته على عدمه ، وجاز أن تكون طبقة ثالثة متوسطة النصيب كما أنها متوسطة الحقيقة.
الثانية - ما لو قال : على من انتسب إلي ، قال في الشرائع لم يدخل أولاد البنات ، وقال بعد ذكر العبارة هذا هو المشهور ، وقد تقدم خلاف المرتضى في ذلك ، فإنه حكم بدخولهم في الأولاد حقيقة ، وهو يقتضي انتسابهم بطريق أولى.
أقول : ونحن قد استوفينا الكلام بما لا يحوم حوله نقض ولا إبرام في هذا المقام ، وأوضحنا ضعف هذه الأوهام في كتاب الخمس (1)ولكن ربما تعذر على الناظر هنا الرجوع إلى ذلك ، فلا علاج ان ارتكبنا مرارة التكرار في بيان ضعف هذا الكلام ، دفعا لثقل المراجعة على النظار :
فنقول : أما ما ذكره من أن أولاد البنات لا يدخلون في النسبة إلى أب الأم ، فقد علله العلامة في المختلف في كتاب الخمس في مقام الرد على المرتضى (رضى اللّه عنه) فقال : لنا أنه إنما يصدق الانتساب حقيقة إذا كان من جهة الأب عرفا ، فلا يقال : تميمي إلا إذا انتسب إليهم بالأب ، ولا حارثي إلا إذا انتسب الى حارث بالأب ، ويؤيده قول الشاعر :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وما رواه حماد بن عيسى (2)قال : «رواه لي بعض أصحابنا عن العبد الصالح أبى الحسن الأول عليهالسلام ومن كانت أمه من بنى هاشم وأبوه من سائر قريش ، فإن الصدقة تحل له ، وليس له من الخمس شيء لأن اللّه تعالى (3)«يقول ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ». ولأنه أحوط ، انتهى.
وفيه نظر من وجوه ، أحدها - ما ادعاه من أنه لا يصدق الانتساب حقيقة إلا إذا كان من جهة الأب ، فإن الأخبار عموما وخصوصا متظافرة بخلافه ، فمن الأول ما رواه في الكافي في كتاب الروضة والثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي الجارود (1)قال : «قال أبو جعفر عليهالسلام : يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين عليهماالسلام قلت : ينكرون علينا أنهما ابنا رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) قال : فأي شيء احتججتم عليهم؟ قلت : احتججنا عليهم بقول اللّه تعالى في عيسى ابن مريم (2)( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ ) » ثم ساق الآية قال : فأي شيء قالوا لكم؟ قلت : قالوا : قد يكون ولد الابنة من الولد ، ولا يكون من الصلب ، قال : فأي شيء احتججتم عليهم قلت : بقول اللّه تعالى لرسوله «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ» (3)قال : فأي شيء قالوا؟ قلت : قالوا : قد يكون في كلام العرب أبناء رجل ، ويقول آخر أبناؤنا قال : فقال أبو جعفر عليهالسلام : يا أبا الجارود لأعطينكها من كتاب اللّه عزوجل أنهما من صلب رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لا يردها إلا الكافر قلت : فأين ذلك جعلت فداك؟ قال : من حيث قال اللّه عزوجل «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ» (4)الآية الى أن انتهى الى قوله «وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم» فسلهم يا أبا الجارود هل كان يحل لرسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) نكاح حليلتيهما؟ فان قالوا : نعم كذبوا وفجروا ، وان قالوا : لا فهما ابناه لصلبه» الحديث.
أقول : لا يخفى أن تأويل المخالفين للآيتين الأولتين مرجعه الى التجوز ، كما يدعيه أصحابنا هنا مع ما في الخبر من التشنيع الفضيع على من قال من أصحابنا بالقول المشهور ، تبعا للعامة العمياء في هذا الباب ، نعوذ باللّه من طغيان
الأقلام ، وزيغ الأفهام ، ولكن العذر لهم (رضوان اللّه عليهم) بقصور التتبع للأخبار ، وبمضمون هذا الخبر أخبار عديدة ، قد تقدمت في الكتاب المشار إليه آنفا.
ومن الثاني ما رواه في الكافي في باب ما نص اللّه ورسوله على الأئمة عليهمالسلام واحدا فواحد بسند صحيح عن عبد الرحيم بن روح القصير (1)«عن أبي جعفر عليهالسلام في قول اللّه عزوجل «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (2)ثم ساق الحديث الأول على اختصاص الإمامة بهم الى أن قال : فقلت : هل لولد الحسن فيها نصيب ، فقال : لا واللّه يا عبد الرحيم ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا».
وما رواه الصدوق في كتاب معاني الأخبار عن حمزة ومحمد ابني حمران (3)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال عليهالسلام فيه بعد ذكر حمران لعقيدته في الإمامة ما صورته : يا حمران مد المطمر بينك وبين العالم ، قلت : يا سيدي وما المطمر؟ قال : أنتم تسمونه خيط البناء فمن خالفك على هذا الأمر فهو زنديق ، قلت : وان كان علويا فاطميا فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : وان كان محمديا علويا فاطميا».
وهما كما ترى صريحان في صحة النسبة إليه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ، مع أن ذلك انما من جهة الأم ، وأن كل من كان من ذريته في أبناء ابنته ، فهو محمدي ، وبه يظهر أن ما ادعاه (قدسسره) من أنه لا تصح النسبة ، ولا يقال : تميمي ولا حارثي إلا لمن انتسب بالأب كلام شعري ، لا تعويل عليه ، والظاهر أنه مأخوذ من كلام العامة العمياء المنكرين لكون ابن البنت ابنا حقيقيا ، للتوصل بذلك الى الطعن على الأئمة عليهمالسلام كما هو المفهوم من جملة من الأخبار التي ابتنا عليها في الكتاب المتقدم ذكره.
ومن ذلك أيضا ما رواه في الكافي في حديث طويل في باب ما يفصل به بين
دعوى المحق والمبطل في الإمامة (1)«عن أبي جعفر عليهالسلام قال : في آخره اللّه بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقنا وأفشى سرنا ونسبنا الى غير جدنا» الحديث.
وما رواه العياشي في تفسيره والبرقي في محاسنه (2)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : واللّه لقد نسب اللّه عيسى بن مريم في القرآن إلى إبراهيم من قبل النساء ، ثم تلا ( ومن ذريته ) . الآية.
وثانيها - أن الاستناد الى هذا البيت ، في مقابلة الآيات المتظافرة والروايات المتكاثرة الدالة على كون ولد البنت ولدا حقيقيا ، مما لا يلتفت اليه ، ولا يعول عليه ، كما صرح بذلك الشيخ في الخلاف في كلامه المتقدم في المسئلة الخامسة من سابق هذا المطلب ، وقد فسر معنى البيت المراد منه بأن الشاعر أراد الانتساب بمعنى أن أولاد البنات لا ينسبون إلى أمهم ، وإنما ينسبون إلى أبيهم.
وثالثها - ما ذكره من مرسلة حماد ، فان فيه أولا أنه بمقتضى اصطلاحهم ، فان الخبر ضعيف ، لا تقوم به حجة كما ذكروه في أمثاله.
وثانيا أنه معارض بالآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة الدالة على خلافه عموما وخصوصا ومن الثاني ما رواه الشيخ المفيد (رحمة اللّه عليه) في كتاب الاختصاص (3)في حديث طويل عن الكاظم عليهالسلام مع الرشيد ، وفيه قال الرشيد له عليهالسلام لم لا تنهون شيعتكم عن قولهم لكم يا ابن رسول اللّه ، وأنتم ولد علي ، وفاطمة إنما هي وعاء ، والولد ينسب إلى الأب لا إلى الأم ، فقال عليهالسلام بعد أن طلب منه الأمان وآمنه : أعوذ باللّه السميع العليم ، ثم أورد عليهالسلام آية عيسى (4)عليهالسلام ، ثم أورد آية المباهلة (5). وما رواه في كتاب الاحتجاج (6)عن الكاظم عليهالسلام في حديث طويل لما
أدخل على الرشيد وموضع الحاجة منه أنه قال له الرشيد : لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ويقولون يا ابن رسول اللّه وإنما ينسب المرء إلى أبيه ، وفاطمة ، إنما هي وعاء ، والنبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) جدكم من قبل أمكم فقال : يا أمير المؤمنين لو أن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال : سبحان اللّه ولم لا أجيبه بل أفتخر على العرب وقريش بذلك ، فقال : لكنه لا يخطب الي ، ولا أزوجه ، فقال : ولم فقلت لأنه ولدني ولم يلدك ، فقال : أحسنت يا موسى» ، ونحوهما غيرهما والتقريب في هذين الخبرين ونحوهما أن الرشيد لما أنكر عليه نسبتهم عليهمالسلام إليه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) بواسطة الأم وانما ينسب المرء إلى أبيه ، كما ذكره عليهالسلام في مرسلة حماد المذكورة واحتج بقوله (1)«ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ» احتج عليه بالآيات المذكورة ، وما ذكره الرشيد في هذه الأخبار في إنكاره عليه هو عين ما ذكره عليهالسلام في مرسلة حماد التي استند إليها الخصم ، مع أنه عليهالسلام في هذه الأخبار قد رد ذلك بالآيات المذكورة الدالة على البنوة حقيقة ، ولو كانت البنوة في هذه المواضع إنما هي على جهة المجاز كما يدعيه العامة ومن قال بقولهم من أصحابنا ، (سامحهم اللّه بغفرانه) فكيف يحتاج الى الاستدلال بهذه الآيات ، بل كيف يعترض الرشيد وغيره عليهم بهذه التسمية ، وباب المجاز واسع ، وهو لا يوجب فخرا ولا يخد ذكرا فلو لا أن المخالفين من الرشيد وغيره عالمون بان دعواهم البنوة إنما هو على الحقيقة لما اعترضوا عليهم بذلك ، ولما احتاجوا عليهمالسلام إلى الاستدلال بهذه الآيات ونحوها ، لما عرفت ، وهذه الآيات لا تصلح للاستدلال الا بناء على دعوى البنوة الحقيقية ، وهذا بحمد اللّه ظاهر تمام الظهور لمن اطلع على الأخبار والآيات الظاهرة ، كالنور على الطور ، ولم يعتر بصر بصيرته قصور ولا فتور.
وأما ما ذكره في المسالك ومثله غيره من نسبة هذا الخلاف إلى المرتضى
1) سورة الأحزاب - الاية 5.
(رضياللّهعنه) خاصة فهو عجب وأي عجب ، فان هذا القول مذهب جملة من متقدمي الأصحاب ، بل ربما كان هو المشهور بينهم كما تقدمت الإشارة إليه في المسئلة الخامسة من مسائل المطلب المتقدم ، وقد ذكرنا في كتاب الخمس (1)من ذهب إلى ذلك من علمائنا المتقدمين والمتأخرين ، بما ربما يزيد على عدد من صرح بالخلاف المشهور بين المتأخرين ، واللّه العالم.
الثالثة - ما لو وقف على أولاده ، المشهور بينهم أنه يختص بالأولاد لصلبه ، دون أولاد الأولاد ، إلا أن يكون هناك قرينة تدل على دخولهم ، كقوله الأعلى فالأعلى ، أو بطنا بعد بطن ، أو يقف على أولاد فلان ، وهو يعلم أن لا ولد له لصلبه ، ونحو ذلك ، وقيل : يشترك الجميع إلا مع القرينة ، وهو الأظهر ، احتج القائلون بالقول الأول بأن المتبادر من الولد هو ما كان لصلب ، ولا يفهم منه ولد الولد إلا بالقرينة.
قالوا : ولهذا يصح سلبه عنه ، فيقال ، ليس ولدي ، بل ولد ولدي.
أقول : فيه أن المفهوم من الآيات الكثيرة في باب الميراث ، والنكاح ، والأخبار المستفيضة هو أن الولد حقيقة أعم من أن يكون من صلب بلا فاصلة أو بفاصلة سواء كان الفاصلة ذكرا أم أنثى ، وقد اعترف بدلالة الآيات على ذلك في المسالك في باب الميراث في مسئلة أن أولاد الأولاد هل يقومون مقام آبائهم في الميراث؟ فلكل نصيب من يتقرب به ، أو يقتسمون اقتسام أولاد الصلب ، حيث ذكر أن القول الثاني مذهب المرتضى ، وجماعة من الأصحاب ، ثم استدل لهم بآيات تحريم حلائل الأبناء ، وتحريم بنات الابن والابنة ، والحجب بهم للأبوين ، والزوجين.
ثم قال : وهذه توجيهات حسنة ، الا أن الدليل قد قام أيضا على ان أولاد البنات ليسوا أولادا حقيقة لثبوت ذلك في اللغة وصحة السلب الذي هو علامة المجاز ، وفيه أنه مع تسليم دلالة اللغة على ما ذكره فعرف الشرع مقدم على عرف
1) ج 12 ص 391.
اللغة ، وهو قد اعترف بدلالة الآيات على ذلك ، ومثلها الأخبار كما ستعرفه ان شاء اللّه تعالى وحينئذ يلتفت الى ما دل عليه كلام أهل اللغة لو كان كما يدعونه وأما الاستناد الى ما ذكروه من صحة السلب في قول القائل هذا ليس ولدي ، بل ولد ولدي ، وهو عمدة أدلتهم فهو على إطلاقه ممنوع ، فانا لا نسلم سلب الولدية حقيقة ، فإن حاصل المعنى بقرينة الإضراب أن مراد القائل المذكور انما هو أنه ليس بولدي بلا واسطة ، بل ولدي بالواسطة ، فالمنفي حينئذ انما هو كونه ولده بلا واسطة ، والولد الحقيقي عندنا أعم منها ، ولو قال ذلك القائل : ليس ولدي من غير الإضراب منعنا صحة السلب.
وأما الأخبار الواردة في المقام فمنها رواية أبي الجارود المتقدمة : وهي صريحة في كون ولد البنت ولدا للصلب ، كما عرفت ، ونحوها الروايات الأخر.
ومنها ما رواه في الكافي في أبواب الزيارات بسنده عن بعض أصحابنا (1)قال حضرت أبا الحسن الأول عليهالسلام وهارون الخليفة وعيسى بن جعفر وجعفر بن يحيى بالمدينة قد جاؤا الى قبر رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فقال هارون لأبي الحسن عليهالسلام تقدم ، فأبى فتقدم هارون فسلم وقام ناحية ، وقال عيسى بن جعفر : لأبي الحسن عليهالسلام تقدم فأبى ، فتقدم عيسى فسلم ووقف مع هارون ثم ساق الخبر الى أن قال : وتقدم أبو الحسن عليهالسلام فقال : السلام عليك يا أبت أسأل اللّه الذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى بك أن يصلى عليك ، فقال هارون لعيسى : سمعت ما قال؟ قال : نعم ، فقال هارون : أشهد أنه أبوه حقا».
أقول : لو كان لفظ الأب هنا انما هو مجاز كما يدعيه أصحابنا تبعا للعامة العمياء فأي فخر فيه ، حتى أنه عليهالسلام يعبر به ، ثم انظر الى شهادة هارون بأنه أبوه حقا ، وأي محل للحمل على المجاز في ذلك ، لو لا عدم التدبر في الأخبار ، والوقوف عليها.
1) فروع الكافي ج 4 ص 553 ح 8 ، الوسائل ج 10 ص 268 ح 4.
ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) بطرق عديدة ، ومتون متقاربة عن عائذ الأحمسي (1)قال : دخلت على أبى عبد اللّه عليهالسلام فقلت : السلام عليك يا بن رسول اللّه فقال : وعليك السلام أي واللّه أنا لولده ، وما نحن بذوي قرابته.
أقول : انظر الى صراحة كلامه عليهالسلام في أنهم ولد حقيقة له (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) - لا أنهم من ذوي قرابته وأن إطلاق الولد عليهم انما هو مجاز - كما يدعيه من لم يعض على التطلع في الأخبار - بضرس قاطع ، وأكد ذلك بقسمة باللّه سبحانه ، الى غير ذلك من الأخبار التي ذكرناها في كتاب الخمس (2)ومجمل القول فيها أنها قد دلت على دعواهم عليهالسلام البنوة له (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وافتخارهم بذلك ، وأن شيعتهم كانوا عاكفين على تسميتهم بذلك ، وان المخالفين أنكروا ذلك عليهم ، وهم عليهمالسلام قد استدلوا بالآيات القرآنية كما عرفت ، فلو لا أن المراد البنوة الحقيقية ، لما كان لما ذكر من هذه الأمور وجه بالكلية ، لأن المجاز لا يوجب الافتخار ، ولا يتوقف على الاستدلال ، ولا يكون محلا للمخاصمة والجدال بل هذه الأشياء إنما تترتب على المعنى الحقيقي ، كما لا يخفى على الناقد البصير ، ولا ينبئك مثل خبير.
ولكن أصحابنا (سامحهم اللّه برضوانه) لما لم تصل هذه الأخبار الى نظرهم ، ولم يطلعوا عليها بالكلية جروا على ما جرت عليه العامة العمياء في المباحث الأصولية ، إلا أن الآيات حجة ظاهرة عليهم ، وهي مكشوفة لديهم فخروجهم عنها الى التمسك بهذه التخريجات الضعيفة من قول أعرابي بوال على عقبيه ، وما ذكروه من صحة السلب ونحو ذلك كله رمي في الظلام ، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
ولذلك ملل إلى هذا القول زيادة على من ذكرنا من المتقدمين جملة من من متأخري علمائنا الأعلام ، واللّه العالم.
الرابعة - ما لو قال : على أولادي وأولاد أولادي ، فإنه على المشهور بين المتأخرين يختص بالبطنين المذكورين من البطون المتجددة ، لأنهم أولاد عندنا حقيقة كما عرفت ، واللّه العالم.
الخامسة - لو قال : على أولادي فإن انقرضوا وانقرض أولاد أولادي فعلى الفقراء ، فإنه لا شك في صحة الوقف على أولاده ، لكن بعد انقراضهم فهل يرجع الوقف إلى أولاد الأولاد؟ ثم بعد انقراضهم الى الفقراء؟ أو يرجع الى الفقراء بعد انقراض أولاده ، ولا يرجع الى أولاد الأولاد ، قولان : قال في المبسوط : إذا قال : وقفت على أولادي فإذا انقرضوا أولادي وأولاد أولادي فعلى الفقراء ، فإنه صرح بالوقف على أولاده أولا ، وعلى الفقراء والمساكين ، فعلى هذا إذا انقرض أولاده وبقي أولاد أولاده صرف انتفاعه إلى أقرب الناس إليه ، الى أن ينقرضوا ، فإذا انقرضوا صرف الى الفقراء ، ومنهم من يقول : يكون وقفا على أولاد أولاده بعد انقراض أولاده ، لأنه شرط انقراضهم ، وذلك بظاهره يقتضي أنه وقف عليهم ، كما لو صرح به ، فعلى هذا يصرف إليهم بعد الأولاد ، فإذا انقرضوا صرف الى الفقراء ، وهذا أقوى.
قال العلامة في المختلف - بعد نقل كلام الشيخ المذكور : والوجه عندي الأول ، لأن الوقف بصريحه دل على صيرورته إلى أولاده ، ثم بعدهم وبعد أولاد أولاده يصرف الى الفقراء ولا دلالة صريحة على صيرورته بعد أولاده إلى أولاد أولاده ، وأما الدلالة الالتزامية فهي منفية هنا أيضا ، لإمكان اقتران كلا النقيضين بهذا اللفظ ، ويكون اللفظ معه صادقا ، فصدقه أعم من اقترانه بالصيرورة إلى أولاد أولاده ، ومن اقترانه بعدم ذلك ، ولا دلالة للعام على الخاص ، قوله شرط انقراضهم يقتضي مشاركتهم ، فأي وجه لترتبهم على أولاد ، فهلا شاركوهم ، فإنه لم يوجد ما يدل على الترتيب فكأنه قال : وقفت على أولادي وأولاد أولادي ، فإذا انقرضوا
جميعا فعلى الفقراء ، انتهى.
والظاهر أن هذا القول هو المشهور بين المتأخرين وقوته بالنظر الى تعليلاتهم ظاهرة ، فإن أولاد الأولاد لم يتعرض للوقف عليهم بالكلية ، فكيف يدخلون في الوقف ، ومجرد اشتراط انقراضهم في الوقف على الفقراء لا يستلزم كونه وقفا عليهم ، لانتفاء وجه التلازم ، ولأنه لو دل ذلك على الوقف عليهم أوجب التشريك بينهم وبين الأولاد ، لانتفاء ما يدل على الترتيب كما ذكره العلامة مع أنه لا يقول به.
هذا كله بناء على ما هو المشهور بين المتأخرين من عدم دخول أولاد الأولاد في إطلاق الأولاد ، وأما على القول بدخولهم كما هو المختار ، وبه صرح الشيخ المفيد وابن إدريس وغيرهم ممن تقدم ذكره ، فإنه لا شك في صحة الوقف المذكور ، وأنه إنما ينتقل إلى الفقراء بعد انقراض أولاد الواقف من أولاد الصلب ومن بعدهم من الأولاد ، وان تعددت الطبقات وتكاثرت.
بقي الكلام في أنه على تقدير عدم دخول أولاد الأولاد في الوقف وصحته على الفقراء بعد انقراض الجميع فالنماء المتخلل في تلك المدة بعد موت الأولاد وقبل انقراض أولاد الأولاد لمن هو؟ قد عرفت من عبارة الشيخ المتقدمة أنه يصرف إلى أقرب الناس إليه الى أن ينقرض أولاد الأولاد ، فإذا انقرضوا صرف الى الفقراء.
وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك احتمال تفريع ذلك على انتقال الوقف وعدمه ، قال : فان قلنا ببقائه على ملك الواقف ، فلا شبهة في كونه لورثته ، وان قلنا بانتقاله الى اللّه ، فالمتجه صرفه في وجوه البر ، وعلى القول بانتقاله الى الموقوف عليه ، يكون لورثة البطن الأول.
أقول : قد تقدم في المطلب الثاني ذكر الخلاف في المنقطع الآخر ، ومثله يأتي في منقطع الوسط ، من أنه هل يصح ، ويكون وقفا أو حبسا أو يبطل من أصله ، وقد رجحنا أنه يصير حبسا لاشتراط الوقف بالدوام ، وعلى هذا فإنه يكون
النماء هنا لورثة الواقف ، ولا يعود الى الفقراء بالكلية.
وبهذا أيضا صرح شيخنا المذكور في آخر البحث في هذه المسئلة فقال : نعم إذا قلنا حبسا لبطلانه بانقطاع وسطه اتضح عوده إلى ورثة الواقف على وجه الملك ، ثم لا ينتقل عنهم الى الفقراء ، وهذا هو الأقوى ، انتهى.
وهو جيد بناء على مذهبهم في المسئلة ، والا فقد عرفت أن الأظهر صحة الوقف بغير اشكال كما قدمنا ذكره ، واللّه العالم ، أقول : وقد تقدم بعض صور المسئلة أيضا في المباحث السابقة.
يجب اتباع الشروط المذكورة في عقد الوقف من الترتيب والتشريك ، والتفصيل ، فلو وقف على أولاده وأولاد أولاده اقتضى ذلك تشريك البطن الأخير مع البطن الأول ، ويأتي على ما اخترناه من دخول أولاد الأولاد في إطلاق الأولاد اشتراك جميع البطون من غير تفصيل كما هو مقتضى الإطلاق.
ولو قال : على أولادي ثم أولاد أولادي أو قال : الأعلى فالأعلى ترتبوا ، ولا يستحق البطن الثاني شيئا ما بقي من الأول واحد ، وكل من مات من البطن الأول فنصيبه يرجع الى الباقين ، الا أن يقول : فنصيبه لولده ، فإنه يجب اتباع الشرط المذكور ، فلو مات أحدهم ممن ولد كان نصيبه لولده ، ولو مات بعضهم عن غير ولد كان نصيبه للباقين من البطن ، دون الولد الذي أخذ نصيب أبيه ، والمراد بأولادي هنا هم الذين من الصلب ، فلا يدخل فيه أولاد الأولاد لقرينة العطف.
لكن يبقى الكلام في أولاد الأولاد ، فإن المشهور تخصيصهم بالبطن الثاني ، وعلى ما اخترناه فإنه يدخل فيه جميع البطون المتأخرة عن البطن الأول ، لدخولهم في إطلاق أولاد الأولاد كما عرفت ، فالترتيب حينئذ إنما هو بين البطن الأول ، وهم أولاد الصلب ، وبين من عداهم من الطبقات المتأخرة ، وأما الطبقات
المتأخرة من أولاد الأولاد وما بعدهم من البطون ، فإنه لا ترتيب بينهم.
ولو قال : بطنا بعد بطن ، فالمشهور أنه يفيد الترتيب بين البطون ، وقال في التذكرة : انه لا يفيد ، والأقرب الأول ، ولو قال : على أولادي ثم أولاد أولادي على أن من مات منهم عن ولد فنصيبه لولده ، ومن مات عن غير ولد فنصيبه لأهل الوقف ، ثم لو مات أحدهم عن ابنين فان نصيبه لأبنية ثم ان مات الثاني عن غير ولد ، فان نصيبه لباقي طبقته مع الابنين المذكورين بالسوية ، لأن الجميع أهل الوقف فيشتركون فيه ، ولو مات أحد الابنين المذكورين كان نصيبه لأخيه وعمه ، لأنهم أهل الوقف ، واللّه العالم.
السادسة - لو خرب المسجد الموقوف ، أو خربت القرية أو المحلة لم يخرج المسجد عن الوقف ، لما عرفت من أن الوقف مقتضى للتأبيد ، ولأن المسجد حقيقة إنما هو العرصة التي هي الأرض ، وهي باقية ، ولأن الغرض المقصود منه وهو الصلاة فيه باق ، فإنه يصلي فيه من يمر به ، وربما تعود القرية أو يحصل من يعمره.
وبالجملة فإن الخراب غير موجب للخروج عن الوقفية إذ لا منافاة ، نعم هذا إنما يتم في غير المساجد المبنية في الأرض المفتوحة عنوة ، حيث يجوز وقفها تبعا لآثار التصرف ، وقد تقدم في مقدمات صدر كتاب التجارة (1)أنه متى زالت الآثار سواء كانت آثار التملك أو الوقف فإن الأرض تعود الى ما كانت عليه ، لزوال المقتضى للاختصاص ، الا أن تبقى فيه رسوم أصل الحيطان كما هو الغالب ، بحيث يصدق وجود الآثار في الجملة ، فإنه يكفي في بقاء حكم المسجدية ، بل هذا هو المفهوم من النصوص ، فان ما صار الآن معمولا من البناء وتشييد الجدران ووضع السقف عليها أمر مخترع ، والمفهوم من النصوص إنما هو مجرد التحجير والعلامات الدالة على المسجدية ، ونقل عن بعض العامة خروجه عن المسجدية بالخراب قياسا عن عود الكفن الى الوارث عند اليأس من الميت بأن أخذه السيل
1) ج 18 ص 438.
قياس منه بجامع استغناء المسجد عن المصلين كاستغناء الميت عن الكفن ، ورده الأصحاب بأنه قياس مع الفارق ، فان الكفن ملك للورثة ، فإن التركة تنتقل الى الوارث بالموت وان وجب صرفه في التكفين ، فإذا زال الموجب عاد الى ما كان عليه ، بخلاف المسجد ، فإنه قد خرج بالوقف عن ملك الواقف ، والمسجد حقيقة إنما هي العرصة كما عرفت ، وهي باقية ، وأيضا فإن القياس من الميت الذي أوجب رجوع الكفن إلى الورثة غير مسلم هنا ، لجواز عمارة القرية كما عرفت ، وصلاة المارة فيه ، واليأس عن المسجدية غير حاصل ، وما ذكر في الكفن عن العود الى الوارث إنما يتم فيما لو كان الكفن من التركة ، أما لو كان من الزكاة أو الوقف أو من باذل فإنه يرجع الى أصله ، وما ذكر من الكلام هنا في المسجد يجري في الدار الموقوفة ، فإنه بانهدام الدار لا يخرج العرصة عن الوقف ، ولا يجوز التصرف فيها ببيع ونحوه ، والكلام في الفرق بين الأرض الخراجية وغيرها كما تقدم في المسجد ، واللّه العالم.
السابعة - المشهور بين الأصحاب جواز بيع الوقف إذا وقع بين الموقوف عليهم خلف ، بحيث يخشى خرابه ، وقد تقدم تحقيق هذه المسئلة وما فيها من الكلام بما لا يحوم حوله للناظر نقض ولا إبرام في كتاب البيع (1)ولو انقلعت نخلة من أرض الوقف قال الشيخ : يجوز بيعها ، لتعذر الانتفاع إلا بالبيع ، وقال ابن إدريس : وتبعه أكثر المتأخرين انه يمكن الانتفاع بهذه النخلة من غير بيعها كالإجارة للتسقيف ، أو جعلها جسرا ونحو ذلك.
قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين : وهذه المنازعة تجري مجرى النزاع اللفظي ، لأن الشيخ فرض سلب منافعها على ما ذكره في دليله ، وابن إدريس فرض لها منافع غير الثمرة ، قال في المسالك - بعد أن ذكر أن كلام ابن إدريس جيد ، حيث يمكن الانتفاع ، والا فكلام الشيخ جيد - ما صورته : وأما ما ادعاه
1) ج 18 ص 439.
العلامة من أنه لا نزاع بينهما إلا في اللفظ حيث أن الشيخ (رحمة اللّه عليه) فرض سلب منافعها كما يقتضيه دليله ، وابن إدريس فرض وجودها غير الثمرة ، فلا يخلو من حيف على ابن إدريس ، لأن دليل الشيخ اقتضى ادعاءه عدم المنافع حينئذ ، لا على تقدير عدم المنافع ، ففيه قصور بين ، وحينئذ فالتفصيل أجود ، انتهى. والظاهر أن ما ذهب اليه ابن إدريس هو المشهور بين المتأخرين ، استنادا الى عدم جواز بيع الوقف ، أما على مذهب ابن إدريس فإنه يمنع منه مطلقا ، وأما على المشهور فإنهم إنما يجوزونه في الصورة المتقدمة ، وهذا ليس منها ، والشيخ إنما جوزه بدعوى عدم حصول النفع الذي هو الغرض من الوقف ، فيجوز البيع حينئذ ، لبطلان الوقف ، ومتى ثبت وجود النفع كما ادعاه ابن إدريس فلا يصح البيع ، بل يبقى وقفا على حاله ، وما ذكر من الكلام في المقام يجري أيضا في حصير المسجد إذا خلق ، وجذعه إذا انكسر ، وتعذر الانتفاع به فيه أو في غيره.
قال في المسالك : ومتى جاز البيع وجب أن يشتري بقيمته ما يكون وقفا على الأقوى ، مراعيا للأقرب الى صفة الأول فالأقرب ، ونقل في المختلف عن ابن الجنيد أنه قال : والوقف رقيقا أو ما يبلغ حاله الى زوال ما سبله من منفعته ، فلا بأس ببيعه ، وابدال مكانه بثمنه ان أمكن ذلك ، أو صرفه فيما كان يصرف فيه منفعته ، أورد ثمنه على منافع ما بقي من أصل ما حبس معه ، إذا كان في ذلك الصلاح ، ثم قال : وهو الأقوى عندي.
أقول : قد تقدم في مسئلة بيع الوقف المشار إليها آنفا من كتاب البيع (1)ما يؤذن بالمناقشة في ذلك ، فليراجع ، واللّه العالم.
الثامنة - قالوا : إذا آجر البطن الأول مدة ، ثم انقرضوا في أثنائها ، فإن قلنا الموت يبطل الإجارة فلا كلام ، وان لم نقل فهل يبطل هنا فيه تردد ، أظهره البطلان ، لأنا بينا أن هذه المدة ليست للموجودين ، فيكون للبطن الثاني الخيار
1) ج 18 ص 447.
بين الإجازة في الباقي ، وبين الفسخ فيه ، ويرجع المستأجر على تركة الأولين بما قابل المتخلف ، انتهى.
أقول : الكلام هنا يقع في موضعين الأول - في بطلان الإجارة وعدمه بموت البطن الأول ، بناء على عدم بطلان الإجارة بموت الموجر ، كما هو الأظهر ، وظاهر المشهور القول بالبطلان هنا ، وجعلوه من جملة المستثنيات من قاعدة عدم بطلان الإجارة بموت الموجر ، وعلل البطلان بما أشير إليه من قوله : ان هذه المدة ليست للموجودين ، وتوضيحه أن ملك الموجر هنا لما آجره غير تام ، لمشاركة باقي البطون له في ذلك بأصل العقد ، والموجر إنما يملك مدة حياته ، وبعدها ينتقل الملك الى غيره ، فبموته يتعين انتهاء حقه ، فتكون إجارته بالنسبة إلى بقية المدة تصرفا في غير حقه ، متوقفا على اجازة البطن الذي بعده ، ومن ذلك يظهر أن صحة الإجارة في هذه المدة التي اشتمل عليها العقد مراعاة ببقاء الموجر ، فلو مات في أثنائها تبين بطلان الإجارة في المدة الباقية ، ومما ذكر يظهر وجه الفرق بين اجارة البطن الأول من الموقوف عليهم بالنسبة الى من بعده ، واجارة المالك بالنسبة إلى الورثة ، فإن اجارة المالك تصرف في ملكه المستقل به حال حياته ، حتى لو أراد إتلافه بالكلية لم يكن للوارث اعتراض في ذلك ، والوارث انما يتلقى الملك بعد موته ، بخلاف الوقف فان البطن الأول غير مستقل بالملك كما عرفت ، بل البطون الأخيرة مشاركون له في الاستحقاق بأصل العقد ، لا أنهم انما يتلقونه بعد موته كما في الورثة ، ووجه التردد في المسئلة مما ذكر ، ومن أن المتصرف حينئذ كالمالك ، فكان تصرفه ماضيا.
وأنت خبير بأنه بالنظر الى هذه التعليلات ، لا خفاء في قوة القول المشهور ، إلا أنك قد عرفت عدم صلوحها لتأسيس الأحكام الشرعية ، وانما العمل على النصوص حيث لا نص هنا فالمسئلة لا تخلو من الاشكال ، وقد تقدم نظير هذه المسئلة في المسئلة السابعة والعشرين فيما آجر الأب أو الوصي الصبي من مسائل المطلب
الثالث في الأحكام من كتاب الإجارة ، وينبغي أن يستثني من محل الاشكال ما لو كان الموجر للوقف ناظرا سواء كان أجنبيا أو من الموقوف عليه ، فإنه في حكم النائب عن الجميع ، فلا تبطل الإجارة بموته.
الثاني ما ذكره من قوله ويرجع المستأجر على تركة الأولين ، وهو محمول على ما لو دفع الأجرة للبطن الأول ، والا فلا رجوع ، والمراد بمقابل المتخلف الذي يرجع به على ما ذكره في المسالك ، هو أن ينسب أجرة مثله إلى أجرة مثل مجموع المدة ، ويرجع من المسمى بمثل تلك النسبة ، فلو كان قد آجره سنة بمائة ومات بعد انقضاء نصفها وفرض أن أجرة مثل النصف المختلف تساوى الستين ، وأجرة مثل النصف الماضي تساوى ثلاثين ، رجع بثلثي المائة ، وعلى هذا القياس ، واللّه العالم.
التاسعة - في جملة من أحكام الأمة الموقوفة ، منها - أنهم قد صرحوا بأنه لا يجوز للموقوفة عليه وطئ الأمة الموقوفة لأنه لا يختص بملكها ، فان كان له شريك في ذلك البطن ، فان عليه ما عدا نصيبه من العقر للشركاء ، وكذا من قيمة الولد لو أولدها وعليه الحد بنسبة ما عدا حصته وان انحصر أهل تلك الطبقة فيه كان الولد حرا ، ولا قيمة عليه ولا حد.
أقول : أما الأول فيعلم وجهه مما تقدم في كتاب البيع في مسئلة وطئ الأمة المشتركة بغير اذن الشركاء (1)ولكن قل من تنبه لذلك ، ونبه عليه في هذا المقام.
وأما الثاني فإن الوجه في تحريم ذلك عليه ، مع أن منافع الوقف له خاصة وان شاركته في الملك البطون المتأخرة ، والوطي من جملة المنافع ، هو الفرق بين الانتفاع بالوطء وغيره من المنافع ، من حيث ان الوطي معرض للحمل الموجب لصيرورتها أم ولد المانع من دوام الوقف على باقي البطون ، لانعتاقها بموته.
وأما الوجه في حرمة الولد إذا أولدها ، فلأن وطأه غير معدود من الزنا ،
1) ج 19 ص 474.
لأنه مالك في الجملة ، ولا تجب عليه القيمة ، لمن بعده من البطون ، لأنه مخصوص بالاستحقاق الآن ، إذ المفروض انحصار تلك الطبقة فيه ، فلا شريك له الآن ، لا من البطن الذي هو فيه ، ولا من البطون المتأخرة ، والولد بمنزلة كسبها ، وثمرة البستان ، فيملكه زمان ملكه ، لأمه ، إلا أن هذا مبني على أحد القولين الآتيين في المسئلة ، والقول الآخر أنه يكون وقفا كأمه ، وأما عدم وجوب الحد عليه ، فلما عرفت من أنه غير زان وان فعل حراما كنظائره من وطئ الحليلة محرما ، ويحتمل وجوب الحد إذا لم تكن له شبهة يدرأ بها ، بناء على القول بعدم انتقال الملك اليه ، إلا أنه قال في التذكرة : انه لأحد أيضا هنا ، لأن شبهة الملك فيه ثابتة ، والمراد أن شبهة كونه مالكا فتحققه ، وان رجحنا عدم ملكه لأنها مسئلة اجتهادية ، لا يرفع ترجيح أحد جانبيها أصل الشبهة عن الجانب الآخر وهو كاف في درأ الحد ، وهو كما ذكره (قدسسره).
بقي الكلام هنا في موضعين أحدهما أنه هل تصير بالاستيلاد أم ولد ، أم لا؟ قولان : وعلل الأول بتحقق العلوق منه في ملكه على القول بانتقال الملك إليه ، لأن مبنى الكلام على ذلك ، وهذا هو السبب في صيرورتها أم ولد بالنص والإجماع وعلل الثاني بأن السبب إنما هو العلوق في الملك التام المختص بالمالك المعين ، والملك هنا غير مختص به ، لأن باقي البطون حقهم متعلق بها الآن ، وهو يرجع الى منع ما ادعى من سببيته السبب الأول ، لأنها يقوم عليه كلها بالاستيلاد ، ولا شيء من أم الولد كذلك بالاستقراء ، ولمنافاة الوقف الاستيلاد.
وأنت خبير بأن مرجع ما ذكر من التعليلين المذكورين الى تعارض عموم النهي من إبطال الوقف وتغييره ، والحكم بدوامه ولزومه ، وعموم ما دل على ثبوت الاستيلاد ، وترتب أحكامه ، والقائل الأول اعتمد على العموم الثاني وخصص به الأول ، والقائل الآخر عكس ، والحق هو تعارض العمومين ، وتخصيص أحدهما بالآخر يحتاج الى مرجح ، وليس فليس ، فتبقى المسئلة في قالب الاشكال ، مضافا الى عدم النص في أصل المسئلة ، فيتعاظم الاشكال.
وثانيهما أنه على تقدير صيرورتها أم ولد كما هو أحد القولين المتقدمين فهل تؤخذ القيمة من تركته للبطون المتأخرة بعد موته ، وانعتاقها بموته؟ قيل فيه وجهان : أطال الكلام فيهما في المسالك ، وحيث أن أصل المسئلة كما عرفت عارية عن النص ، والركون في إثبات أحكامها وما يتفرع عليها الى مجرد هذه التعليلات المتداولة في كلامهم مشكل ، أغمضنا النظر عن الكلام فيها.
ومنها - أنه يجوز تزويجها ، والمتولي لذلك هو الموقوف عليه ان قلنا بانتقال الملك اليه ، وان قلنا بالانتقال الى اللّه فالحاكم الشرعي ، لأنه المتولي لنحو ذلك ونقل عن الشيخ أنها تزوج نفسها ، ورده من تأخر عنه بأنه ضعيف.
وان قلنا ببقاء الوقف على ملك ذلك الواقف ، كان التزويج اليه ، ومهرها للموجودين من الموقوف عليهم ، أو الجهة الموقوف عليها ، لأنه فائدة من فوائدها وعوض من منفعتها المختصة بهم ، فيكون عوضها كذلك.
ومنها - أنه لو أتت بولد ، وكان من مملوك أو زنا ، فقيل : انه يختص به البطن الذي يولد معهم ، لأنهم من جملة النماء ، فأشبه الكسب ، وثمرة البستان ، وولد الدابة ، والظاهر أن هذا هو المشهور ، وذهب الشيخ وابن الجنيد وجماعة إلى أنه يكون وقفا كأمه ، لأن كل ولد ذات رحم حكمه حكم أمه كالمدبرة والمرهونة على قول ، ورد بأن الكلية ممنوعة وان كان الولد من حر بعقد صحيح فلا اشكال فيه ، إلا مع اشتراط الرقية في العقد ، على خلاف فيه يأتي تحقيقه ان شاء اللّه تعالى - في محله اللائق به ، وان كان من حر بوطىء شبهة قالوا : فهو حر ، وعليه القيمة للموقوف عليه ، فلأنه فوت عليهم ولد أمة بغير استحقاق ، وأرادوا بكون القيمة للموقوف عليه أنها تكون لهم على جهة الملك ، لا على جهة الوقف على أصح القولين.
ومنها - أنه لا يجوز للواقف وطؤها على القول بالانتقال الى الموقوف عليه ، أو الانتقال الى اللّه سبحانه ، لخروج الملك عنه ، فيكون كالأجنبي يترتب على وطئه ما يترتب على الأجنبي ، وأما على القول ببقاء ملكه قالوا : فإنه لأحد عليه لشبهة الملك
وفي نفوذ الاستيلاد الخلاف في استيلاد الراهن ، لتعلق حق الموقوف عليه وأولى بالمنع هنا ، واللّه العالم.
قد عرفت مما قدمنا في سابق هذا المطلب أن الصدقة في الصدر الأول إنما تطلق بمعنى الوقف ، ولهذا ان الأصحاب (رضياللّهعنهم) قد استندوا في كثير من أحكام الوقف الى الأخبار الواردة بلفظ الصدقة كما تقدم ذكره ، وحينئذ فالصدقة في الأخبار أعم من هذا المعنى المبحوث عنه من الوقف ، وقد يوجد فيها من القرائن ما يتعين به أحدهما ، وقد لا يوجد فيبقى محتملا لكل من الأمرين كما سيظهر لك - ان شاء اللّه تعالى - في البين.
وقد ذكر الأصحاب بأنه لا بد في الصدقة من العقد المشتمل على الإيجاب والقبول ، كما يعتبر في غيرها من العقود اللازمة.
أقول : إذا أريد بالقبول هو القبول القولي ففي فهمه من الأخبار إشكال ، لعدم ما يدل عليه فيها ، وان أريد الفعلي فهو المفهوم منها خاصة كما لا يخفى على المتدبر ، وستمر بك شطر منها ان شاء اللّه تعالى.
ومن شروطها القبض ، لكن باذن المالك عند الأصحاب ، فلو قبضها بغير اذنه لم ينتقل اليه ، قالوا : لان القبض المترتب عليه أثره ، هو المأذون فيه شرعا والمنهي عنه غير منظور اليه ، ونحوها غيرها من العقود المفتقرة إلى القبض ، كالوقف والهبة.
ومن شروطها أيضا القربة ، والظاهر أنه إجماعي ، وعليه تدل جملة من الأخبار الآتية ان شاء اللّه تعالى ، حتى إذا حصل القبض بعد العقد المشتمل على التقرب بها امتنع الرجوع فيها على الأشهر الأظهر ، ونقل عن الشيخ أنه قال : ان صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام ، ومن شروطها الإيجاب والقبول
ولا يلزم إلا بالقبض ، وكل من له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة عليه.
ورد بأن المقصود بالصدقة الأجر والثواب كما يدل عليه اشتراط القربة فيها ، وقد حصل فلا يجمع بين العوض والمعوض عنه ، ولو سلم مساواتها للهبة ، فإنها يمتنع أيضا الرجوع في الهبة مع التعويض فيها مطلقا بقربة أو غيرها.
وبالجملة فإن قول الشيخ ضعيف ، لدلالة الأخبار الآتية - ان شاء اللّه تعالى - على امتناع الرجوع مع القربة ، والواجب نقل ما وصل إلينا من الأخبار المتعلقة بالمقام ، والكلام فيها بما رزق اللّه تعالى فهمه منها ببركة أهل الذكر (عليهم الصلاة والسلام).
فمنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن أو الصحيح في الأول ، والموثق في الثاني ، عن حماد وهشام وابن أذينة وابن بكير وغيرهم (1)كلهم قالوا «قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : لا صدقه ولا عتق إلا ما أريد به وجه اللّه تعالى».
وعن زرارة (2)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ان الصدقة محدثة ، إنما كان الناس على عهد رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ينحلون ويهبون ولا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه ، قال : وما لم يعط لله وفي اللّه فإنه يرجع فيه ، نحلة كانت أو هبة ، حيزت أو لم تحز ، ولا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته» الحديث ،. ويأتي تمامه - ان شاء اللّه تعالى في مقصد الهبة.
قال المحدث الكاشاني في الوافي في ذيل هذا الخبر : الصدقة ما يعطى لله سبحانه ، والهبة والنحلة ما يعطى لأغراض أخر ، وأكثر ما يطلق النحلة فيما لا عوض له ، بخلاف الهبة ، فإنها عامة ، وقد تكون لله تعالى ، وكثيرا ما تطلق الصدقة على الوقف كما سيتبين فيما بعد ذلك ، لأن الوقوف انما تكون لله سبحانه وأكثر ما نسب الى نحو الدار والمضيفة على غير محصور ، فالمراد بها الوقف
لله سبحانه ، ولعل المراد بالحديث أن الناس كانوا على عهد رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لا يتصدق بعضهم على بعض إذا أرادوا معروفا فيما بينهم سوى الزكاة وما يعطى لأهل المسكنة ، بل كانوا يهبون وينحلون ، إما لإرادة تحصيل ملكة الجود أو إرادة سرور الموهوب له أو الإثابة منه أو غير ذلك ، وانما صدقة بعضهم على بعض في غير الزكاة والرحم المسكين أمر محدث ، يعني إطلاق هذه اللفظة في موضع الهبة والنحلة محدث ، لا يدرى ما يعنى به من يتفوه بها ، أيجعلها لله أم لا؟ ثم ان الصدقة حيث لا تكون إلا لله عزوجل فلا يجوز الرجوع فيها ، لأن ما يعطى لله وفي اللّه فلا رجعة فيه ، وذلك لأنه بمجرد إلا بأنه استحق الأجر وكتب له وما لم يعط لله وفي اللّه جاز الرجعة فيه إلا في مواضع مشتثناة كما يأتي ، انتهى.
أقول : الظاهر ان المراد بقوله عليهالسلام إنما الصدقة محدثة إنما هو بمعنى أن إطلاق الصدقة على هذا المعنى المشهور الآن ، المشروط بالشروط المتقدمة أمر محدث لم يكن في زمنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وانما الذي في زمنه النحل والهبات والصدقة يومئذ إنما تستعمل بمعنى الوقف ، كما في صدقات علي عليهالسلام وفاطمة والكاظم (صلوات اللّه عليهما) المتقدم جميع ذلك ، الا أن المراد ما ذكره من أن إطلاق هذه اللفظة في موضع الهبة والنحلة محدث ، ويشير الى ما قلناه ما رواه في الكافي والتهذيب عن عبيدين زرارة (1)في الموثق قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يتصدق بصدقة؟ إله أن يرجع في صدقته؟ فقال : ان الصدقة محدثة انما كان النحل والهبة ، ولمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز ، ولا ينبغي لمن اعطى شيئا لله أن يرجع فيه».
فان الخبر كما ترى ظاهر في أن السؤال انما هو عن الصدقة المعهودة ، وقد أجاب عليهالسلام بأن الصدقة بهذا المعنى أمر محدث ، وانما المستعمل يومئذ النحل والهبة ، ثم أجاب بأن من من أعطى لله يعنى قرن عطيته بالقربة صدقة كانت أو هبة
1) الكافي ج 7 ص 30 ح 4 ، التهذيب ج 9 ص 153 ح 2 ، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
أو نحلة فإنه لا ينبغي الرجوع فيه ، أي لا يجوز ، فان لفظ لا ينبغي ، في هذه الأخبار بمعنى التحريم كما سيظهر لك - ان شاء اللّه تعالى - وأما قوله عليهالسلام «أنه يجوز الرجوع لمن وهب أو نحل حيز أو لم يحز» فالمراد به مع عدم القربة كما ينبه عليه قوله في الخبر الذي قبله «وما لم يعط لله وفي اللّه فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز» ونحو هذا الخبر ، فيما ذكرنا ما تقدم في سابقه من قوله عليهالسلام : «ولا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه.»
وكيف كان فالخبر الأول صريح في اشتراط الصدقة بالقربة ، الا أنه أعم من الصدقة بالمعني المذكور ، أو الوقف ، والأخيران ظاهران في عدم جواز الرجوع مع القربة.
ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب عن محمد بن مسلم (1)في الصحيح «عن أحدهما عليهماالسلام ورواه الشيخ بسند آخر عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام أنه سئل عن رجل كانت له جارية فآذته امرأته فيها فقال : هي عليك صدقة ، فقال : ان كان قال ذلك لله فليمضها ، وان لم يقل : فله أن يرجع ان شاء فيها». وهذا الخبر ظاهر فيما ذكره الأصحاب مع أنه مع القربة فلا يجوز له الرجوع.
وفيه رد لما تقدم نقله عن الشيخ (رحمهاللّه) ولكن يجب تقييده بحصول القبض الذي هو شرط لزوم الصدقة كما ستعرف ان شاء اللّه تعالى ، والصدقة في هذا الخبر ظاهرة في المعنى المعهود ، ولا مجال لحملها على الوقف ، وعن جميل في الحسن (2)
و هما في الوسائل ج 13 ص 319 ح 1 و ص 298 ح 2.
أو الصحيح قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام رجل يتصدق على ولده بصدقة وهم صغار إله أن يرجع فيها؟ قال : لا الصدقة لله عزوجل».والتقريب فيه ما تقدم في سابقه إلا أن لفظ الصدقة هنا محتمل للحمل على المعنى المعهود والحمل على الوقف ، لكن الأصحاب يخصونه بالأول حيث أن القربة عندهم غير مشترطة في الوقف على المشهور.
ومنها ما رواه الشيخان المتقدمان عن السكوني (1)عن أبي جعفر عليهالسلام ورواه الصدوق والشيخ أيضا عن عبيد بن زرارة (2)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا فقال : إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث ، فان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز ، لأن والده هو الذي يلي أمرهم ، وقال عليهالسلام : لا يرجع في الصدقة إذا تصدق بها ابتغاء وجه اللّه عزوجل».
أقول : وهذا الخبر أيضا محتمل للحمل على المعنيين المتقدمين ، ولهذا ان الأصحاب قد إ به على اشتراط القبض في الوقف ، وأنه مع عدم القبض يبطل ويرجع ميراثا ، واللازم من ذلك اشتراط القربة في الوقف كما صرح به في آخر الخبر ، مع أن المشهور بينهم عدمه ، ومن ثم ناقشهم في الاستدلال به صاحب المسالك ، كما تقدم في مقصد الوقف ، والظاهر هو الاشتراط في الموضعين ، والمراد من الجواز في قوله «فهو جائز» يعنى واقع صحيح.
ومنها ما روياه عن الحكم بن أبي عقيلة (3)قال : «تصدق علي أبي بدار وقبضتها ثم ولد له بعد ذلك أولاد فأراد أن يأخذها مني ويتصدق بها عليهم ، فسألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن ذلك فأخبرته بالقصة فقال : لا تعطها إياه ، قلت : فإنه إذا يخاصمني قال : فخاصمه ولا ترفع صوتك على صوته».
وما رواه في الفقيه عن موسى بن بكر عن الحكم (4)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : ان والدي تصدق علي بدار ثم بدا له أن يرجع فيها ، وان قضاتنا يقضون لي بها فقال : نعم ما قضت به قضاتكم ولبئس ما صنع والدك إنما الصدقة لله عزوجل ، فما جعل لله فلا رجعة فيه له ، وان أنت خاصمته فلا ترفع عليه
صوتك ، وان رفع صوته فاخفض أنت صوتك قلت له : فإنه قد توفي قال : فأطب بها».
أقول : وهذان الخبران بضم أحدهما إلى الآخر صريحان في أنها بالقبض والقربة لا يصح الرجوع فيها حسب ما صرح به الأصحاب ، والخبر الأول وان كان مجملا بالنسبة إلى القربة ، إلا أن الثاني صريح في أن العلة في عدم صحة الرجوع بعد القبض هو التقرب الى اللّه سبحانه ، وأن الصدقة لا تكون الا مع القربة ، وهي ظاهرة في اشتراط القبض والقربة كما قدمنا ذكره ، والظاهر أن الصدقة فيهما بالمعنى المبحوث عنه.
بقي الكلام فيما اشترطه الأصحاب (رحمهماللّه) في اذن المالك في صحة القبض ، فان الروايات خالية منه ، وما ذكروه من التعليل المتقدم ذكره مع كونه لا يصلح لتأسيس حكم شرعي لا يخلو من مناقشة أيضا ، قوله «ان القبض المترتب عليه أثره يعني لزوم العقد هو المأذون فيه شرعا» مدخول بأنه بعد العقد وقصد التقرب فيه لله سبحانه ، فإنه يحصل به الانتقال الى من تصدق به عليه ، فإذا قبضه فقد قبض حقا شرعيا انتقل اليه بالعقد الشرعي ، والأذن الشرعي حاصل على هذا التقدير كما لا يخفى ، لأنه لم يتعد في قبضه ، ويؤيده قوله في الرواية الأولى تصدق علي بدار وقبضتها ، فإنه أعم من أن يكون المالك أقبضه أو قبض بنفسه ، وبالجملة فالأصل العدم حتى يقوم دليل على هذا الشرط.
ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم): إنما مثل الذي يرجع في صدقته كالذي يرجع في قيئه». وعن جراح المدائني (2)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 316 ح 4 و 2 وص 317 ح 5.
«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : في الرجل يرتد في الصدقة قال : كالذي يرتد في قيئه». وعن عبد اللّه بن سنان (3)وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 316 ح 4 و 2 وص 317 ح 5.
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يتصدق بالصدقة ثم يعود في صدقته فقال :قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : إنما مثل الذي يتصدق بالصدقة ثم يعود فيها مثل الذي يقي ثم يعود في قيئه».
أقول : وهذه الأخبار كما ترى صريحة في عدم جواز الرجوع في الصدقة بعد حصول الشروط المتقدمة ، وفيها مع ما تقدم من أخبار الدار رد على ما تقدم نقله عن الشيخ من جواز الرجوع ، وقد تقدمت جملة من الأخبار بلفظ الصدقة في أحكام الوقف ، واستدل به على تلك الأحكام ، ومنها ما هو صريح في الوقف ، ومنها ما هو محتمل لذلك ، ولكن الأصحاب فهموا منها الحمل على الوقف ، والذي يتلخص من النظر في الأخبار والجمع بينها وان لم يذهب إليه أحد من علمائنا الأبرار هو أن الصدقة أعم من المعنى المبحوث عنه هنا ، ومن الوقف ، وكل من الأمرين مشترط بالقبض والقربة ، وعدم جواز الرجوع بعد استكمال الشروط ، لكن متى قرنت بالدوام تمحضت المحمل على الوقف ، أو كانت الصدقة على جهة من الجهات أو مصلحة من المصالح المتقدمة ، فإنها يختص بالوقف أيضا ، وما عدا هما فهو قد تشتمل على ما تختص بالصدقة بالمعنى المبحوث عنه ، وقد يكون محتملا للأمرين كما عرفت ، واللّه العالم.
الأول - قال الشيخ في النهاية : ما تصدق به الإنسان لوجه اللّه تعالى لا يجوز أن يعود إليه بالبيع والهبة والشراء ، فان رجع إليه بالميراث كان جائزا ، وبنحو ذلك صرح الشيخ المفيد (عطر اللّه تعالى مرقده) ومنع ابن إدريس من تحريم العود لعدم الدلالة عليه ، فان المتصدق عليه قد ملك العين فله بيعها على من شاء من المتصدق وغيره ، قال : وقد رجع في الخلاف فقال في كتاب الزكاة : يكره للإنسان أن يشتري ما أخرجه في الصدقة ، ثم تعجب من كلام الشيخ في الموضعين ، وظاهر المشهور بين الأصحاب الجواز على كراهة ، وعليه حمل في المختلف كلام الشيخ ، قال : لأنه يطلق لفظ لا يجوز على المكروه كثيرا.
أقول : والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بما ذكر ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن منصور بن حازم (1)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : ان تصدقت بصدقة لم ترجع إليك ولم تشترها الا أن تورث».
وما رواه الشيخ عن منصور بن حازم (2)(قال : قال أبو عبد اللّه عليهالسلام) إذا تصدق الرجل بصدقة لم يحل له أن يشتريها ولا يستوهبها ولا يستردها إلا في الميراث». وما رواه الشيخ عن علي بن إسماعيل عمن ذكره (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 319 ح 5 وص 318 ح 1 وص 317 ح 6.
«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في الرجل يخرج الصدقة يريد أن يعطيها السائل فلا يجده قال : فليعطها غيره ولا يردها في ماله».وعن محمد بن مسلم (4)في الصحيح عن أبي جعفر عليهالسلام قال : إذا تصدق الرجل على ولده بصدقة فإنه يرثها ، وإذا تصدق بها على وجه يجعله لله فإنه لا ينبغي له.
وعن طلحة (5)«عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال : من تصدق بصدقة ثم ردت عليه فلا يأكلها ، فإنه لا شريك لله عزوجل في شيء فيما جعل له ، انما هو بمنزلة العتاقة لا يصلح ردها بعد ما يعتق».
وما رواه في الفقيه والتهذيب عن إسماعيل الجعفي (6)قال : «قال أبو جعفر عليهالسلام من تصدق بصدقة فردها عليه الميراث فهي له».
وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح في الثاني عن محمد بن مسلم (7)«عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يتصدق بصدقة أيحل له أن يرثها؟ قال : نعم».
وعن أبى الجارود (8)قال : «أبو جعفر عليهالسلام لا يشترى الرجل ما تصدق به» الحديث.
1) الكافي ج 7 ص 31 ح 8، التهذيب ج 9 ص 150 ح 61.
2) الكافي ج 7 ص 31 ح 8، التهذيب ج 9 ص 150 ح 61.
3) التهذيب ج 9 ص 157 ح 24.
4) التهذيب ج 9 ص 151 ح 63 وص 152 ح 69.
5) التهذيب ج 9 ص 151 ح 63 وص 152 ح 69.
6) التهذيب ج 9 ص 150 ح 60 ، الفقيه ج 4 ص 184 ح 26.
7) الكافي ج 7 ص 32 ح 15 ، التهذيب ج 9 ص 151 ح 62.
8) التهذيب ج 9 ص 134 ح 14 ، وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 319 ح 5 وص 318 ح 1 و 4 و 2 وص 316 ح 3.
وأنت خبير بأن ما هو المشهور من الجواز في غير الميراث وان كان على كراهية هو الأوفق بمقتضى الأدلة العقلية ، لأنه بانتقاله الى ملك المتصدق عليه تصير كسائر أمواله في بيعه أو هبته أو نحو ذلك على المتصدق أو غيره ، لكن هذه الأخبار كما عرفت قد اتفقت من غير معارض على المنع من ذلك.
ومنها ما هو صريح في التحريم مثل قوله لا يحل في الرواية الثانية معللا ذلك في رواية طلحة بأنه لا شريك لله فيما جعل له ، بمعنى أنه بعد ان أخرجها عن نفسه لله سبحانه فتصرفه فيها بعد الانتقال اليه ببيع أو هبة أو نحوهما مستلزم لذلك ، وأن الصدقة بمنزلة العتق لله سبحانه ، لا تصلح رده لمن أعتقه بوجه من الوجوه ، وينبغي تخصيصه بغير الرد بالميراث كما دلت عليه الأخبار الباقية ، وبالجملة فالمسئلة غير خالية من شوب الأشكال.
وظاهر كلام الشيخين انما هو التحريم ، والروايات كما ترى ظاهرة فيه ، ولا معارض لها الا ما عرفت من الدليل العقلي ، والخروج عنها بمجرد ذلك مشكل وكم مثل ذلك في الأخبار ، ثم لا يخفى على من جاس خلال الديار.
بقي هنا اشكال آخر أيضا وهو أن أكثر هذه الأخبار قد صرحت باستثناء الميراث من الكراهة والتحريم على القول به ، وظاهر صحيحة محمد بن مسلم تخصيص الإرث بما إذا لم يكن تلك الصدقة على وجه يجعله لله ، فلو كانت الصدقة لله سبحانه فإنه لا ينبغي له أن يتصرف فيها بالإرث أيضا ، وتقييد تلك الروايات الكثيرة بهذه الرواية بأن تحمل تلك الروايات على أن الصدقة خالية من التقرب كما احتمله في الوافي وجعله وجها للجمع بين الأخبار في غاية البعد.
وكيف لا والصدقة بدون شرط القربة غير لازمة فله الرجوع فيها شرعا فضلا أن يشتريها ويتهبها ، ورواية طلحة قد عللت عدم الجواز بالتقرب في الصدقة بمعنى أن العلة في عدم جواز اتباعها واتهابها من حيث انه أخرجها لله سبحانه.
وبالجملة فبعده أظهر من أن يخفى على الناظر المتأمل في هذه الأخبار فهي مرجوعة إلى قائليها (صلوات اللّه عليهم) ، واللّه العالم.
الثاني : لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في تحريم الصدقة أعني الزكاة المفروضة على بنى هاشم إلا في حال الاضطرار ، وانما الخلاف هنا في مقامين أحدهما - في الصدقة الواجبة غير الزكاة كالمنذورة والكفارة ونحوهما ، فظاهر إطلاق جملة من الأصحاب التحريم.
وقال في المسالك : لا خلاف في تحريم الصدقة الواجبة على بنى هاشم في الجملة عدا ما استثنى ، ولكن اختلفوا في عمومها وتخصيصها بالزكاة ، والأكثر أطلقوا كالمصنف ، وكذلك ورد تحريم الصدقة من غير تفصيل ، فيعم ، ولكن ظاهر جملة من الأخبار أن الحكم مختص بالزكاة ، فيكون ذلك تقييدا لما أطلق منها ، انتهى وهو جيد.
ومن الروايات التي أشار إليها بأنها دالة على الاختصاص بالزكاة صحيحة زرارة وأبى بصير ومحمد بن مسلم (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام وأبى عبد اللّه عليهالسلام قالا : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : ان الصدقة أو ساخ أيدي الناس ، وأن اللّه حرم علي منها ومن غيرها ما قد حرمه ، فإن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب» الحديث. فان التعليل بالأوساخ ظاهر في الزكاة لأنها مطهرة للمال.
وأصرح منها في ذلك صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الصدقة التي حرمت على بنى هاشم ما هي؟ فقال : هي الزكاة قلت : فتحل صدقة بعضهم على بعض ، قال : نعم».
ورواية زيد الشحام (3)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم ما هي؟ فقال : الزكاة المفروضة».
وأما ما أشار إليه من الروايات التي وردت بتحريم الصدقة من غير تفصيل
فمنها صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي (1)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : قلت له : أتحل الصدقة لبني هاشم؟ فقال : انما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا ، فأما غير ذلك فليس به بأس ، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكة هذه المياه عامتها صدقة».
ونحوها غيرها وطريق الجمع حمل إطلاق هذه الأخبار على ما دلت عليه تلك الأخبار من التقييد بالزكاة صراحتها في ذلك ، وبه يظهر ضعف قول من ذهب الى العموم ، وان نسب إلى الأكثر.
وثانيها في الصدقة المستحبة والمشهور بين الأصحاب (رحمهماللّه الجواز) ونسبه في المنتهى الى علمائنا ، وأكثر العامة ، وخالف في التذكرة فذهب الى التحريم ، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في كتاب الزكاة (2).
الثالث : قد صرح جملة من الأصحاب بأنه تجوز الصدقة على الذمي وان كان أجنبيا ، لقوله (3)(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) «على كل كبد حرى أجر». ولقوله تعالى (4)«لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ».
وهذا هو المشهور ونقل في الدروس عن الحسن بن أبى عقيل المنع من الصدقة على غير المؤمن مطلقا ، وظاهر بعض الأصحاب أن الخلاف في الصدقة على الذمي كالخلاف في الوقف عليه ، وقد تقدم الكلام في الوقف عليه ، والخلاف في ذلك.
والذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بهذا المقام ما رواه في الكافي عن سدير الصيرفي (5)في الموثق قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام أطعم سائلا لا أعرفه
1) الكافي ج 4 ص 59 ح 3 ، الوسائل ص 189 الباب 31 ح 3.
2) ج 12 ص 217.
3) هامش الجامع الصغير ج 2 ص 66 ، المستدرك ج 2 ص 546 ، الكافي ج 4 ص 58 وفيه ان اللّه يحب إبراد الكبد الحريّ ومن سقى كبدا حرى من بهيمة أو غيرها أظله اللّه يوم لا ظل الا ظله ، الوسائل ج 6 ص 284 ح 1.
4) سورة الممتحنة - الاية 8.
5) الكافي ج 4 ص 13 ح 1 ، الوسائل ج 6 ص 288 ح 3.
مسلما؟ فقال : نعم أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق ان اللّه تعالى يقول : «وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً» ولا تطعم من نصب لشيء من الحق ، أو دعا إلى شيء من الباطل ،. وهذه الرواية ظاهرة في جواز إعطاء المستضعفين الذين هم أحد أفراد المسلمين ، وهم أكثر الناس في الصدر الأول ، وقوله في الخبر لا أعرفه مسلما أي مؤمنا ، وقد حققنا في جملة من زبرنا وكتبنا سيما كتاب الشهاب الثاقب ، ان الناس في زمنهم عليهمالسلام كانوا على أصناف ثلاثة مؤمن وكافر ومسلم ، والأول من عرف الإمامة ودان بها ، والثاني من جحدها وأنكرها ، والثالث من جهلها ويعبر عنه في الاخبار بمن لا يعرف ولا ينصب ، كما يشير اليه هذا الخبر ، ويؤيد ما قلناه ما رواه في الكافي عن المعلى بن خنيس (1)«قال خرج أبو عبد اللّه عليهالسلام في ليلة قد رشت ، وهو يريد ظلة بنى ساعدة ما تبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال : بسم اللّه ، اللّهم رد علينا قال فأتيته وسلمت عليه ، فقال : معلى قلت : نعم جعلت فداك فقال : التمس بيدك ، فما وجدت من شيء فادفعه إلي فإذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت ادفع اليه ما وجدت ، الى ان قال فأتينا بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدس الرغيف والرغيفين حتى اتى على آخرهم ، ثم انصرف ، فقلت : جعلت فداك ، يعرف هؤلاء الحق؟ فقال : لو عرفوا لواسيناهم بالدقة والدقة هي الملح» الحديث ،. فان هؤلاء المذكورين ممن أشرنا إليهم بأنهم من المسلمين الذين لا يعرفون ولا ينصبون ، وفي هذين الخبرين رد لما تقدم نقله ، عن ابن أبى عقيل من منع الصدقة على غير المؤمن.
ومنها ما رواه في الكافي (2)عن عمرو بن ابى نصر ، قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام ان أهل السواد يقتحمون علينا وفيهم اليهود والنصارى والمجوس ، فنتصدق عليهم قال : نعم. وهذا الخبر دال على ما هو المشهور بين الأصحاب عليهالسلام مما قدمنا ذكره ، وفيه رد على ابن أبى عقيل أيضا.
وما رواه في الكافي عن عبد اللّه بن الفضل النوفلي (1)عن أبيه عن ابى عبد اللّه عليهالسلام ورواه الصدوق مرسلا عن ابى عبد اللّه عليهالسلام «انه سئل عن السائل يسأل ولا يدرى ما هو ، فقال : أعط من وقعت له الرحمة في قلبك ، وقال : أعط دون الدرهم ، قلت أكثر ما يعطى؟ قال أربعة دوانيق ، وفيه رد لما ذهب اليه ابن ابى عقيل ايضا.
وما رواه في الكافي ، عن منهال القصاب (2)قال : «قال أبو عبد اللّه عليهالسلام أعط الكبير والكبيرة والصغير والصغيرة ومن وقعت له في قلبك رحمة وإياك وكل وقال بيده وهزها».
والمستفاد من هذه الأخبار هو جواز الصدقة على غير المؤمن من ذمي وغيره ، ولكن يعطى كما يعطى المؤمن وانما يعطى بقدر دفع الضرورة ، وقوله في هذا الخبر : وإياك وكل يعنى وكل ما تعطيه غيره من المؤمنين ، فهو في معنى الخبر الذي قبله ، واللّه العالم.
الرابع : قد استفاضت الأخبار بالحث على التصدق وما فيه من عظيم الأجر ودفع البلاء وجلب الرزق فروى في الكافي في الصحيح (3)«عن زرارة عن سالم بن أبي حفصة عن ابي عبد اللّه عليهالسلام قال : ان اللّه تعالى يقول ما من شيء إلا وقد وكلت به من يقبضه غيري إلا الصدقة فإني أتلقفها بيدي تلقفا حتى ان الرجل يتصدق بالتمرة أو بشق التمرة ، قال : فأربيها له كما يربى الرجل فلوه وفصيله فيأتي يوم القيامة وهو مثل أحد أو أعظم من أحد».
وروى في الكافي والفقيه مسندا في الأول عن إسحاق بن غالب (4)عمن حدثه عن ابي جعفر عليهالسلام ومرسلا في الثاني عن ابي جعفر عليهالسلام قال البر والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة السوء. قال في الكافي وفي
خبر آخر ويدفعان عن شيعتي ميتة السوء. الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المذكورة في الكتب الأربعة وغيرها.
الخامس : الأفضل في الصدقة ان تكون سرا وهل هو مخصوص بالمندوبة أو يشمل الواجبة؟ المشهور الأول ، واستثنى بعضهم من أفضلية الأسرار بها ان لا يكون منهما بترك المواساة فان إظهارها أفضل دفعا للتهمة ، والذي يدل على أفضلية السر قوله سبحانه «وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (1).
وما رواه في الكافي عن القداح (2)، عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه عليهماالسلام قالا : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم): صدقة السر تطفئ غضب الرب ، وعن عمار الساباطي (3)قال : قال لي أبو عبد اللّه عليهالسلام : يا عمار الصدقة واللّه في السر أفضل من الصدقة في العلانية ، وكذلك واللّه العبادة في السر أفضل منها في العلانية.
وظاهر الآية مع هذه الاخبار هو أفضلية السر مطلقا وإليها استند من قال بالعموم ، إلا انه روى في الكافي أيضا عن ابن بكير في الموثق (4)عن رجل عن ابى جعفر عليهالسلام في قوله تعالى «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ» قال يعني الزكاة المفروضة قال : قلت «وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» قال : يعني النافلة انهم كانوا يستحبون إظهار الفرائض وكتمان النوافل ، وعن إسحاق بن عمار (5)في الموثق عن ابى عبد اللّه عليهالسلام في قول اللّه عزوجل «وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» فقال هي سوى الزكاة فإن الزكاة علانية غير سر. وعن ابي بصير (6)في الموثق عن ابى عبد اللّه عليهالسلام قال : وكل ما فرض اللّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره ،
1) سورة البقرة - الاية 271.
2) الكافي ج 4 ص 7 ح 1. الوسائل ج 6 ص 275 ح 2.
3) الكافي ج 4 ص 8 ح 2 من باب فضل صدقة السر. الوسائل ج 6 ص 275 ح 3.
4) الكافي ج 4 ص 60 ح 1 وص 502 ح 17 وص 499 ح 9. وهذه الروايات في الوسائل ج 6 ص 215 ح 3 و 2 وص 215 ح 1.
5) الكافي ج 4 ص 60 ح 1 وص 502 ح 17 وص 499 ح 9. وهذه الروايات في الوسائل ج 6 ص 215 ح 3 و 2 وص 215 ح 1.
6) الكافي ج 4 ص 60 ح 1 وص 502 ح 17 وص 499 ح 9. وهذه الروايات في الوسائل ج 6 ص 215 ح 3 و 2 وص 215 ح 1.
وما كان تطوعا فإسراره أفضل من إعلانه ، ولو ان رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه فقسمها علانية كان ذلك حسنا جميلا.
وما رواه العياشي في تفسيره (1)«عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : سئلته عن قول اللّه : ( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) ، قال ليس تلك الزكاة ولكنه الرجل يتصدق لنفسه الزكاة علانية ليس بسر».
ومن هذه الأخبار يظهر تخصيص الآية وما في معناها من الأخبار بالصدقة المندوبة ، ويظهر ضعف القول بالعموم ، واما ما ذكروه من استحباب الإظهار في المندوبة لدفع التهمة عن نفسه بترك المواساة ، وكذا ما ذكره في المسالك من استحباب الإظهار أيضا لمتابعة الناس له في ذلك واقتدائهم به لما فيه من التحريص على نفع الفقراء فلم أقف فيه على دليل ، وإطلاق هذه الأخبار يدفعه ، وتخصيصها بهذه التعليلات العقلية غير مقول ، وعلل الإخفاء والاستتار في المندوبة بأنه أبعد من تطرق الرياء ، ولا بأس به بان يجعل وجها لما دلت عليه النصوص ، نعم ما ذكروه من استحباب الإعلان في الصورتين المذكورتين جيد في الواجبة التي يستحب الإعلان بها ، ويكون ذلك وجها للنصوص الدالة على الإعلان فيها ، واللّه العالم.
اعلم أن انتقال المنفعة إلى الغير إما على وجه اللزوم أم لا ، والثاني في العارية والأول اما مع خروج العين عن الملك أم لا ، والأول الوقف ، والثاني إما بعوض أم لا ، والأول الإجارة ، والثاني العمرى التي هي محل البحث هنا ، ومنه يظهر أن ثمرتها هو التسليط على المنفعة مجانا مع بقاء الملك لمالكه.
ثم أنه ينبغي أن يعلم أن الاختلاف في هذه الألفاظ اعتباري بحسب اختلاف ما تضاف ، والمرجع إلى أمر واحد ، فإذا قرنت بالإسكان قيل سكنى ، وإذا قرنت
1) تفسير العياشي ج 1 ص 151 ح 499 ، الوسائل ج 6 ص 216 ح 9.
بالعمر من المالك أو الساكن قيل عمري ، وإذا قرنت بمدة معينة قيل رقبى ، من ارتقاب المدة وخروجها أو رقبة الملك ، وقد يقترن باثنين منها كأن يقول أسكنتك هذه الدار مدة عمرك ، فيقال سكنى لاقترانها بالإسكان ، وعمري لاقترانها بالعمر ولو قال : أسكنتكها مدة كذا وكذا ، قيل : سكنى ورقبى ، ولو قال : أرقبتكها تحققت الرقبى خاصة ، وتنفرد السكنى فيما لو أسكنه إياها مطلقا وتنفرد العمرى فيما لو كان للعمر في غير مسكن.
قالوا : وهي يعنى السكنى عقد يشتمل على الإيجاب والقبول والقبض ، وفائدتها التسليط على استيفاء المنفعة مع بقاء الملك على مالكه.
أقول : وقد تقدم الكلام في العقد وما اشترطوه فيه في غير مقام ، ويؤيده ما سيظهر لك ان شاء اللّه تعالى من الأخبار الواردة في المقام.
قالوا : والعبارة عن العقد أن يقول : أسكنتك أو أعمرتك أو أرقبتك أو ما جرى مجرى ذلك هذه الدار وهذه الأرض أو هذا المسكن عمرك أو عمري أو مدة معينة ، والواجب أولا نقل الأخبار الواردة فيما يتعلق بهذا الباب ثم الرجوع الى كلام الأصحاب وعرضه عليها ليتميز القشر من اللباب بتوفيق الملك الوهاب ، وبركة أهل الذكر الأطياب.
الأول - ما رواه المشايخ الثلاثة عن حمران (1)قال : «سألته عن السكنى والعمرى فقال : ان الناس فيه عند شروطهم ، ان كان شرطه حياته سكن حياته وان كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط حتى يفنوا ثم يرد الى صاحب الدار».
الثاني - ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبى الصباح الكناني (2)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : «سئل عن السكنى والعمرى فقال : ان كان جعل السكنى في
حياته فهو كما شرط ، وان كان جعلها له ولعقبه من بعده حتى يفنى عقبه فليس لهم إن يبيعوا ولا يورثوا ثم ترجع الدار الى صاحبها الأول».
الثالث - ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) عن أحمد بن عمر الحلبي (1)عن أبيه في الموثق عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : «سألته عن رجل أسكن رجلا داره حياته قال : يجوز له وليس له أن يخرجه ، قلت : فله ولعقبه؟ قال : يجوز ، وسألته عن رجل أسكن رجلا ولم يوقت له شيئا قال يخرجه صاحب الدار إذا شاء».
الرابع - ما رواه في الكافي والتهذيب عن الحلبي (2)في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد اللّه عليهالسلام «في الرجل يسكن الرجل داره ولعقبه من بعده ، قال : يجوز لهم وليس لهم أن يبيعوا ولا يورثوا ، قلت : فرجل اسكن رجلا داره حياته؟ قال يجوز ذلك ، قلت : فرجل أسكن رجلا داره ولم يوقت؟ قال : جائز ويخرجه إذا شاء».
الخامس - ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن الحسين بن نعيم (3)
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 327 ح 2 و ص 326 ح 2 و ص 325 ح 2.
«عن أبى الحسن موسى عليهالسلام قال : سألته عن رجل جعل داره سكنى لرجل «ابان» حياته أو جعلها له ولعقبه من بعده قال : هي له ولعقبه من بعده كما شرط ، قلت : فان احتاج الى بيعها يبيعها قال : نعم ، قلت : فينقض بيعه الدار السكنى؟ قال : لا ينقض البيع السكنى ، كذلك سمعت أبي عليهالسلام يقول : قال أبو جعفر عليهالسلام لا ينقض البيع الإجارة ولا السكنى ، ولكن يبيعه على أن الذييشتريه لا يملك ما اشترى حتى ينقضي السكنى على ما شرط والإجارة ، قلت : فان رد على المستأجر ماله وجميع ما لزمه من النفقة والعمارة فيما استأجره؟ قال : على طيبة النفس ويرضى المستأجر بذلك لا بأس».
السادس - ما رووه أيضا عن خالد بن نافع البجليّ (1)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : «سألته عن رجل جعل لرجل سكنى دار له مدة حياته يعنى صاحب الدار ، فلما مات صاحب الدار أراد ورثته أن يخرجوه ألهم ذلك؟ قال : فقال : أرى أن تقوم الدار بقيمة عادلة وينظر الى ثلث الميت ، فان كان في ثلثه ما يحيط بثمن الدار فليس للورثة أن يخرجوه ، وان كان الثلث لا يحيط بثمن الدار فلهم أن يخرجوه قيل له : أرأيت ان مات الرجل الذي جعل له السكنى بعد موت صاحب الدار يكون السكنى لعقب الذي جعل له السكنى؟ قال : لا».
السابع - ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن قيس (2)«عن أبى جعفر عليهالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنه قضى في العمرى انها جائزة لمن أعمرها ، فمن أعمر شيئا ما دام حيا فإنه لورثته إذا توفي».
الثامن - ما رواه في الكافي والتهذيب عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (3)
و هما في الوسائل ج 13 ص 332 ح 2 و ص 330 ح 2.
«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن الرجل يكون له الخادم تخدمه فيقول : هي لفلان تخدمه ما عاش ، فإذا مات فهي حرة فتأبق الأمة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ستة ثم يجدها ورثته ، ألهم ان يستخدموها قدر ما أبقت؟ قال : إذا مات الرجل فقد عتقت».التاسع - ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن مسلم (1)قال : «سألت أبا جعفر عليهالسلام عن رجل جعل لذات محرم جاريته حياتها قال : هي لها على النحو الذي قد قال».
العاشر - ما رواه في التهذيب والفقيه عن على بن معبد (2)قال : «كتب اليه محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين يسأله عن مات وخلف امرأة وبنين وبنات وخلف لهم غلاما أوقفه عليهم عشر سنين ثم هو حر بعد العشر سنين فهل يجوز لهؤلاء الورثة بيع هذا الغلام وهم مضطرون إذا كان على ما وصفته لك جعلني اللّه فداك؟ فكتب عليهالسلام لا يبيعوه الى ميقات شرطه الا ان يكونوا مضطرين الى ذلك فهو جائز لهم».
الحادي عشر - ما رواه المشايخ الثلاثة (قدس اللّه تعالى أرواحهم) في الصحيح في بعض أسانيدهم عن ابن أذينة (3)
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 330 ح 1 و ص 327 ح 3 و ص 328 ح 1.
قال : «كنت شاهد ابن أبى ليلى فقضى في رجل جعل لبعض قرابته غلة داره ولم يوقف وقتا فمات الرجل فحضر ورثته ابن أبى ليلى وحضر قرابة الذي جعل له غلة الدار فقال ابن أبى ليلى : أرى أن أدعها على ما تركها صاحبها فقال له محمد بن مسلم الثقفي : أما ان علي بن أبي طالب عليهالسلام قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت ، فقال : وما علمك؟ فقال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهماالسلام يقول : قضى علي بن أبي طالب عليهالسلام برد الحبيس وإنفاذ المواريث ، فقال : ابن أبى ليلى هذا عندك في كتاب؟ قال : نعم قال فأرسل اليه وائتني به ، فقال له محمد بن مسلم : على أن لا تنظر في الكتاب الا في ذلك الحديث قال : لك ذلك ، فأراه الحديث عن أبى جعفر عليهالسلام في الكتاب فرد قضيته».الثاني عشر - ما رواه في الكافي والفقيه عن عبد الرحمن الجعفي (1)قال كنت اختلف الى ابن أبى ليلى في مواريث لنا ليقسمها وكان فيه حبيس فكان يدافعني فلما طال شكوته الى أبى عبد اللّه عليهالسلام فقال : أو ما علم أن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أمر برد الحبيس وإنفاذ المواريث ، قال : فأتيته ففعل كما كان يفعل فقلت له : انى شكوتك الى جعفر بن محمد عليهالسلام فقال لي : كيت وكيت قال : فحلفني ابن أبى ليلى أنه قد قال ذلك ، فحلفت له فقضى لي بذلك».
الثالث عشر - ما رواه عبد اللّه بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري (2)«عن جعفر عن أبيه عن علي عليهمالسلام أن السكنى بمنزلة العارية ، ان أحب صاحبها أن يأخذها أخذها ، وان أحب ان يدعها فعل أي ذلك شاء».
هذا ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام إذا عرفت ذلك ، فالكلام هنا يقع في مواضع :
الأول : قد عرفت مما أشرنا إليه آنفا أن ظاهر الأصحاب أنه لا بد في هذه المعاملة من عقد مشتمل على الإيجاب والقبول كغيره من العقود ، قالوا : والعبارة عن العقد أن يقول : أسكنتك وأعمرتك وأرقبتك أو ما جرى مجرى ذلك هذه الدار وهذه الأرض أو هذا المسكن عمري أو عمرك ، أو مدة معينة.
أقول المفهوم من ظاهر الأخبار المذكورة الاكتفاء بمجرد التراضي على ذلك ، والإتيان بمجرد ما يفهم منه المقصود ، مثل قوله في الحديث الثامن «هي لفلان تخدمه ما عاش» ، وفي الحديث التاسع جعل لذات محرم جاريته فإنه ليس هنا عقد زيادة على ذلك ، ونحوهما ظاهر الحديث الثالث والرابع والخامس ، فإن
ظاهرها مجرد الاذن في السكنى وليس هنا عقد غير ذلك ، ولا قبول بالكلية بالمعنى الذي أرادوه غير مجرد الرضى بذلك ، وهذا هو المفهوم من الأخبار بالنسبة إلى سائر العقود أيضا كما تقدم التنبيه عليه في غير موضع.
وبالجملة فإن دائرة الأمر في العقود أوسع مما ضيقوه وسهولة الأمر في ذلك أظهر مما شرطوه وان كان الوقوف على ما ذكروه هو الأولى.
الثاني : لا خلاف في أنه لا يلزم شيء منها قبل القبض ، واختلفوا في أنه هل تلزم بالقبض المشهور ذلك ، وقيل : بالعدم ، لأصالة بقاء الملك لمالكه ، فهي كالعارية ، وحينئذ تلزم ان قرنت بالقربة ، والا فلا ، لأنه في معنى الهبة المعوضة ، وهذان القولان الأخيران نقلهما الأصحاب في كتب الاستدلال بلفظ قيل : ولم يصرحوا بالقائل ، ولا ريب في ضعفهما لدلالة الأخبار المذكورة على اللزوم بعد حصول القبض كالحديث الأول وقوله فيه «الناس عند شروطهم» إلى أن قال : «فهو لعقبه كما شرط حتى يفنوا ثم يرد الى صاحب الدار» فإنه ظاهر ، بل صريح في وجوب الوفاء بما اشترط ، وأنه ليس لصاحب الدار التصرف الا بعد فنائهم ، الحديث الثاني والثالث ، وفيه تصريح بأنه ليس لصاحب الدار أن يخرجه ، ومعنى الجواز في هذه الأخبار الصحيحة يعنى أنه يصح له التصرف والخبر المذكور صريح في اللزوم ، ومثل ذلك الحديث الخامس حكم فيه بأن البيع لا ينقض السكنى بمعنى أنها لازمة لا يوجب البيع نقضها ، ويؤكده جعلها في قرن الإجارة التي لا إشكال في لزومها ، وبالجملة فإن القولين المذكورين ضعيفان لا يلتفت إليهما ، ومما ذكرنا يعلم أن القبض شرط في لزومها وبذلك صرح الأصحاب أيضا.
الثالث : لو قال : لك سكنى هذه الدار ما بقيت وحييت ، يعنى الساكن فإنه لا اشكال ولا خلاف ظاهرا في أنه بعد موت الساكن ترجع الدار إلى من أسكنه أو إلى ورثته ان مات ، وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار المتقدمة كالخبر
الأول والثاني ، فإنهما ظاهران في وجوب العمل بالشرط ، وأنه بعد انقضاء الشرط ان كان بالنسبة إلى الساكن أو مع ورثته ترجع الدار إلى صاحبها الأول.
وقال المحقق في الشرائع : ولو قال لك سكنى هذه الدار ما بقيت أو حييت جاز ، ويرجع الى المسكن بعد الساكن على الأشبه ، أما لو قال : فإذا متّ رجعت إلى ، فإنها ترجع قطعا ، انتهى.
ونسبة القول المذكور إلى الأشبه مؤذن بالخلاف في ذلك ، والظاهر أن منشأ ذلك ما ذكره الشيخ في المبسوط حيث نقل في أصل المسئلة قولين بالصحة والبطلان ، ثم نقل عن القائلين بالصحة أنهم اختلفوا فذهب قوم منهم إلى أنها للمعمر مدة بقائه ، ولورثته من بعده ، وقال آخرون منهم : أنه إذا مات رجعت إلى المعمر أو إلى ورثته ان كان مات ، قال : وهذا هو الصحيح على مذهبنا.
وأنت خبير بأن الظاهر أن الخلاف الأول والثاني إنما هو للعامة لما علم من عادة الشيخ في الكتاب المذكور ويشير إلى ذلك قوله أخيرا وهذا هو الصحيح على مذهبنا ، فإنه ينقل أقوال العامة ويختار منها ما يوافق مذهبه ، وأخبارنا المتقدمة ظاهرة بل صريحة في بطلان هذه الأقوال المذكورة عدا ما ذكرنا من الانتقال إلى المالك بعد انقضاء مدة الإسكان ان قرن بمدة ، أو موت الساكن ان قرن بحياته ، ثم ان المفهوم من كلام الأصحاب وعليه تدل الأخبار المتقدمة أنه متى قرن السكنى بعمر الساكن خاصة أو مع عقبه فإنه بعد موت الساكن أو الجميع يرجع ذلك المسكن إلى المالك ، ونقل عن الشيخ في المبسوط عدم الانتقال لو شرط العقب بعده.
قال في الدروس : ولو قال : هي لك عمرك ولعقبك لم يملكها المعمر ، بل ترجع بعد موت العقب الى المالك ، وظاهر الشيخ عدم رجوعها لخبر جابر عن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ، انتهى.
أقول والخبر المذكور هو ما رواه جابر أن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم)
قال : أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه فإنما هي للذي يعطاها ، لا ترجع إلى الذي أعطاها ، فإنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» (1). وأنت خبير بأن هذا الخبر غير موجود في كتب أخبارنا ، والظاهر أنه عامي.
وكيف كان فالقول المذكور ضعيف مردود بالأخبار المتقدمة ، كالخبر الأول والثاني فإنهما صريحان في الرجوع إلى صاحب الدار بعد فناء العقب ، وقوله انه ليس للعقب أن يبيعوا ولا يورثوا أظهر في عدم الملك.
وبالجملة فإن المفهوم من الأخبار المتقدمة تصريحا في بعض وتلويحا في آخر أنه لا فرق في رجوع المعطي بأحد الوجوه المذكورة إلى المالك بين أن يعلق على عمر أحدهما أو على عقب المعمر بعده ، بأن يجعل المنفعة لهم بعده مدة عمرهم ، أو لبعض معين منهم ، أو جعله له مدة ، ثم لعقبه مدة معينة مخصوصة ، فيكون حينئذ مركبا من العمرى والرقبى ، ثم بعد انقضاء المدة المعينة يرجع إلى المالك ، وإلى جميع ذلك يشير قوله في الخبر الأول «الناس فيه عند شروطهم» ، واللّه العالم.
الرابع : لا خلاف بين الأصحاب في أنه لو قرن السكنى بعمر المالك ثم مات الساكن قبل المالك فإنه ينتقل الحق إلى ورثته مدة حياة المالك ، كغيره من الحقوق والأملاك التي يرثها الوارث ، إنما الخلاف فيما لو قرنت بعمر المعمر وهو الساكن ثم مات المالك قبله ، فالمشهور أنه لا يجوز لورثة المالك إزعاج المعمر وإخراجه ما دام حيا ، لأن الأصل في العقد اللزوم ، وهو قد استحق بالعقد المنفعة مدة حياته ، حيث أنها قرنت بعمرة ، وقد دل الخبر الأول كما عرفت «الناس عند شروطهم» ومقتضى الشرط هنا ما ذكرناه.
ويدل عليه أيضا قوله في الخبر الثاني ان كان جعل السكنى في حياته فهو كما شرط ، فان الضمير راجع إلى الساكن بقرينة قوله بعده «وان كان جعلها له
1) المستدرك ج 2 ص 515 ح 4.
ولعقبه» وهو أعم من أن يموت المالك أو يبقى.
وذهب ابن الجنيد إلى تفصيل في ذلك ، فقال : إذا أراد ورثة المالك إخراج الساكن بعد موت المالك نظر إلى قيمة الدار ، فان كانت تحيط بثلث الميت لم يكن لهم إخراجه ، وان كان ينقص عنها كان ذلك لهم.
ويدل على ما ذهب إليه الخبر السادس حيث فصل فيه كما ذكره ، قال الشيخ في كتابي الأخبار بعد إيراد الخبر المذكور ما تضمن هذا الخبر من قوله «يعنى صاحب الدار ، فإنه غلط من الراوي وهم منه في التأويل ، لأن الأحكام التي ذكرها بعد ذلك إنما تصح إذا كان قد جعل السكنى حياة من جعل له السكنى فحينئذ يقوم وينظر باعتبار الثلث وزيادته ونقصانه.
وأما إذا جعل السكنى حياة صاحب الدار فإنه يبطل السكنى بموته ولم يحتج إلى تقويمه واعتبار الثلث وربما أوهم هذا الكلام منه موافقته لابن الجنيد مما ذهب إليه ، الا أن الظاهر أنه إنما أراد به بيان بطلان هذا التأويل ، بناء على ما اشتملت عليه الرواية من هذا الحكم ، وأنه لا يتمشى هذا الحكم المذكور فيهما الا على تقدير كون التعمير بمدة عمر الساكن ، لا صاحب الدار ، لأنه لا خلاف ولا إشكال في البطلان بموت صاحب الدار إذا قرنت بعمرة ، وربما حمل صاحب الدار في الخبر على الساكن فإنه صاحب في الجملة لملكه المنافع مدة حياته - وان بعد ، الا أنه لا بأس به في مقام التأويل جمعا بين الأدلة ، ثم ان الأصحاب قد ردوا هذه الرواية بضعف السند ، واضطراب المتن.
قال في الدروس : وقال ابن الجنيد (رحمة اللّه عليه) : يعتبر خروجها من الثلث لرواية خالد بن نافع عن الصادق عليهالسلام وفي متنها اضطراب ، وقال في المسالك : ان في سندها جهالا وضعفاء ، ومتنها خللا يمنع من الاستناد إليها ، فالمذهب هو المشهور.
أقول : ولعل الخلل المشار إليه منشؤه أن التفصيل بالخروج من الثلث
وعدمه إنما هو فيما إذا كان ذلك في مرض الموت لا في حال الصحة ، والمفروض في الخبر لا دلالة فيه ، ولا إشارة إلى أن ذلك كان في المرض ، فيصير الخبر بذلك مضطربا ومختلا لخروجه عن مقتضى القواعد الشرعية ، والأصول المرعية.
ومن ذلك يظهر أن العمل على القول المشهور لتأييده بما قدمناه من الأخبار وموافقته القواعد المقررة ، وضعف هذا الخبر سندا ومتنا كما عرفت ، واللّه العالم.
الخامس : الموجود في كلام الأصحاب وكذا في الأخبار في الاقتران بالعمر هو عمر المالك ، أو عمر الساكن وحده أو مع عقبه ، وهل يتعدى الحكم إلى غيرهم ، فيقرن بعمر أجنبي اشكال ، قال في المسالك : يحتمل العدم ، وهو الذي أفتى به الشهيد في قواعده ، للأصل وعموم الأمر بالوفاء بالعقود (1)، و «أن المؤمنين عند شروطهم» (2)، وهذا من جملته ، ولصدق اسم العمرى في الجملة ، المدلول على مشروعيتها في بعض الأخبار من غير تقييد بعمر أحدهما ، وهذا لا بأس به ، ويحتمل عدم التعدي إلى غير ما نص عليه ، لاشتمال هذا العقد على جهالة من حيث عدم العلم بغاية وقت المنفعة المستحقة ، والأصل يقتضي المنع في غير محل الوفاق.
ويتفرع على الأول حكم ما لو مات أحدهما في حياة من علقت بعمرة ، فإن كان الميت المالك فالحكم كما لو مات في حياة المعمر ، وان كان المعمر رجعت إلى المالك ولو مات من علقت على عمره عادت إلى المالك أيضا مطلقا ، عملا بالشرط ، انتهى.
أقول : الظاهر أن الأقرب هو الثاني ، لأن الحكم بانتقال الملك عن مالكه عينا كان أو منفعة يتوقف على ناقل شرعي ، ولم يرد من الشارع ما يدل على هذه الصورة ، ليصح ترتب النقل عليها ، والاحتجاج بالأصل مدفوع بأن الأصل العدم حتى يقوم دليل على جواز ذلك ، وعموم الأمر بالوفاء بالعقود متوقف على مشروعية العقد وثبوته عن الشارع ، فالاستدلال به لا يخرج عن المصادرة «والمؤمنون عند شروطهم». غاية ما يفيده الإباحة ، والكلام في لزوم ذلك بحيث لا يجوز له الرجوع
تلك المدة كما هو مقتضى هذه المعاملة.
نعم إذا وقع الشرط في عقد لازم لزم ما وقع فيه ، ويؤيد ذلك أيضا أنه هو الأحوط في الدين ، والأخذ به واجب في موضع عدم النص عند المحدثين ، «حلال بين ، وحرام بين ، وشبهات بين ذلك فمن اجتنب الشبهات نجى من الهلكات». واللّه العالم.
السادس : الظاهر أنه لا خلاف في أنه لو أطلق السكنى ولم يعين مدة أو عين مدة غير مضبوطة فله السكنى مدة تكون جائزة ، لا لازمة بمعنى أنه له إخراجه متى شاء ، ويدل على ذلك الخبر الثالث والرابع ، وعلى ذلك يحمل الخبر الثالث عشر والا فإنه على إطلاقه مخالف للأخبار وفتوى الأصحاب ، مضافا الى ضعف الرواية ، فلا بد من حمله على ما ذكرناه ، والا فطرحه من البين ، وهذه الصورة مستثناة من صورة هذه المعاملة ، حيث ان الحكم فيها اللزوم كما عرفت نصا وفتوى ، إلا في هذه الصورة.
بقي الكلام هنا في موضعين : أحدهما - في أنه قد صرح في التذكرة بأنه مع الإطلاق يلزم الإسكان في مسمى العقد ولو يوما ، والضابط ما يسمى إسكانا وبعده للمالك الرجوع متى شاء ، وتبعه المحقق الشيخ على (رحمة اللّه عليه) واحتج بالرواية الرابعة ولعل ذلك بالنظر الى قوله «وله أن يخرجه بعد قوله أسكن رجلا دارا» فإن الإخراج ظاهر في كونه قد سكن ، وأن الإخراج بعد السكون فيها ، قيل : ويمكن الاحتجاج له بما يدل على لزوم غيره من العقود ، كعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)فلا بد من الحكم هنا بلزومه وقتا ما ، عملا بالدليل ، ثم يرجع الى الجواز.
أقول : أنت خبير بأن قضية الجواز التخيير بين الوفاء بالعقد وعدمه ، لأنه لا معنى لكونه جائزا غير لازم ، الا أنه ان شاء اسكن وان شاء لم يسكن ، ومتى
1) سورة المائدة - الاية 1.
اسكن فان شاء اخرج وان شاء لم يخرج ، وأما الرواية فإن ما اشتملت عليه أحد الفردين المذكورين ولا يلزم من ذكره الاختصاص به ، وأما الآية فهي مخصوصة بالعقود اللازمة ، ولزوم الوفاء آنا ما ، وان جاز الرجوع بعد ذلك كما ذكروه خلاف ظاهر الآية ، إذ ظاهرها وجوب الوفاء ما لم يعرض للعقد ما يوجب فسخه أو بطلانه ، وكان مبنى ما ذهبوا اليه على أنه لا بد من الإسكان في الجملة ، ليصدق السكنى وتندرج هذه الصورة تحت هذه القاعدة ، وفيه أنها قد خرجت بعدم لزوم الإسكان فيها ، فهي ليست من أفرادها وانما هذا حكم سأل عنه السائل في تلك الأخبار ، فأجابوا عليهمالسلام عنه بأنه بإذنه في ذلك لا بأس بالجلوس ولكنه لا يلزم كما في غيره من صور هذه القاعدة ، وبالجملة فإني لا أعرف لما ذكروه هنا وجها وجيها يعتمد عليه.
وثانيهما أنه لا يخفى أن مورد الخبرين المتقدمين السكنى خاصة لو أطلقها ، وأما العمرى والرقبى فلم يتعرضوا في الأخبار لحكمها لو أطلقنا أيضا ، وقطع في الدروس يبطلان العمرى مع الإطلاق ، ولم يتعرض للرقبى ، وفي التحرير قطع بأنه مع إطلاق العمرى والرقبى يصح ، ويكون للمالك إخراجه متى شاء كالسكنى.
قال في المسالك بعد نقل ذلك : وهو في الرقبى حسن ، وفتوى الدروس في العمرى أحسن ، وهو مؤذن باختيار الصحة في الرقبى خاصة ، مثل السكنى والبطلان في العمرى ، وظاهر كلامه قبيل هذا الكلام هو التوقف في العمرى ، والحكم بالصحة في الرقبى ، حيث قال : ويمكن القول بفساد العمرى مع الإطلاق لاقتضائها الاقتران بعمر ، إما لأحدهما كما هو المشهور ، أو مطلقا كما قررناه ، فإذا لم يعينه بطلت للجهالة ، كما لو عين مدة غير مضبوطة ، حيث يعتبر تعينها ، والصحة إقامة لها مقام السكنى ، لاشتراكهما في كثير من المعاني والأحكام ، ومناسبتهما على الوجه الذي قررناه سابقا ، فيكون كاستعمال لفظ السلم في مطلق البيع وكذا القول في الرقبى ، وأولى بالصحة هنا لأن إطلاقها باعتبار رقبة الملك أو ارتقاب المدة
التي يرتضيها المالك ممكن هنا بطريق الحقيقة ، فاستعمالها في السكنى يكون كاستعمال أحد المترادفين مكان الآخر ، وان اختلفا من جهة أخرى ، وهذا قوي ، انتهى.
أقول : لا يخفى انه وان تكرر في كلام الأصحاب ذكر الرقبى في أفراد هذه المعاملة ، وتكلفوا الوجه في التسمية بذلك ، كما تقدمت الإشارة اليه ، الا أنه لا وجود لذلك في أخبار المسئلة المتقدمة وليس غيرها في الباب ، وحينئذ فيسقط الكلام فيها بالكلية في هذا الموضع وغيره وانما الموجود فيها السكنى والعمرى والحبس خاصة.
وقد أشرنا فيما تقدم في غير موضع أن الأصحاب في جملة أكثر التفريعات والأحكام الخارجة عن موارد الأخبار انما جروا فيها على كلام العامة ، ولا يبعد ان هذا من ذاك.
واما العمرى فالظاهر أنها مثل السكنى في هذا الحكم فإنه لا فرق بين الأمرين إلا بالتعبير بلفظ الإسكان في الأول ، والعمرى في الثاني ، والا فالمرجع إلى أمر واحد ، فإذا قال أسكنتك فهي سكنى ، وإذا قال : أعمرتك فهي عمري كما تقدمت الإشارة إليه في صدر المبحث ، والأخبار دلت على أنه مع اقتران الأول من هذين اللفظين بالمدة المعينة ، فإنه يلزم الوفاء تلك المدة ، ولا يجوز الرجوع ومع اقتران الثاني بعمر الساكن أو المالك كذلك ، والإطلاق الذي أوجب الجواز - دون اللزوم في الأول - انما هو من حيث عدم ذكر المدة المشترطة ، والإطلاق في الثاني يرجع الى ذلك ، فإنه من حيث عدم ذكر عمر أحد من المالك أو الساكن أو غيرهما على القول به ، فالقول بالصحة في الأول ، والبطلان في الثاني ، لا اعرف له وجها وجيها.
قوله في المسالك - في بيان احتمال الفساد : «انه إذا لم يعين عمر أحدهما أو مطلقا بطلت للجهالة» فيه ان ذلك وارد أيضا في السكنى إذا أطلقها ولم يقيد بمدة ، مع أنه حكم بالصحة هو وغيره ، وان كان للمالك الرجوع ، فان كانت الجهالة
من هذه الجهة موجبة للبطلان ففي الموضعين ، وإلا فلا فيهما ، اللّهم إلا أن يكون مبني كلامه على الفرق بين ما إذا لم يعين للسكنى مدة بالكلية ، فإنه يصح ، وبين ما إذا عين مدة غير مضبوطة كقدوم الحاج ، وإدراك الغلة ، فإنه يبطل ، والعمرى انما هي من قبيل الثاني ، لأنه ذكر العمر ولم يعينه بعمر أحد ، فهو كما لو ذكر المدة ولم يشخصها بمدة معينة ، ويشير اليه قوله كما لو عين مدة غير مضبوطة إلا أن فيه أن الظاهر من قوله عليهالسلام في الخبرين المشار إليهما ولم يوقت ما هو أعم من الأمرين المذكورين لأن المراد لم يوقت لذلك وقتا معينا وهو أعم من أن لا يوقت بالكلية ، أو وقت ولكنه غير معين ، والمراد بالسكنى المطلقة التي تكون صحيحة غير لازمة هو هذا المعنى ، فان الوقت الغير المعين يرجع الى عدم التوقيت بالكلية ، إذ لا ثمرة ترتب عليه ، واللّه العالم.
السابع : المشهور بين الأصحاب أنه لا تبطل السكنى والعمرى والرقبى بالبيع ، وعليه يدل الخبر الخامس ، الا أن مورده السكنى والعمرى ، وقد عرفت أن الرقبى لا وجود لها في الأخبار ، ونقل في الدروس قولا ببطلان البيع ، واضطرب كلام العلامة هنا ، ففي الإرشاد قطع بجواز البيع ، وفي التحرير استقرب عدمه ، لجهالة وقت انتفاع المشترى ، وفي القواعد والمختلف استشكل الحكم ، وفي التذكرة أفتى بالجواز للرواية ، ثم استشكل بعد ذلك.
قال في المسالك : ومنشأ المنع أو الأشكال أن الغرض المقصود من البيع هو المنفعة ، ولهذا لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه ، وزمان استحقاق المنفعة في العمرى مجهول.
أقول : لا يخفى ما في هذا التعليل العليل من الوهن والقصور ، فان ما ذكره لو تم لاقتضى عدم جواز بيع ما آجره المالك لأن منفعته ملك للمستأجر ضمن مدة الإجارة ، والبيع انما وقع على مال مسلوب المنفعة تلك المدة ، مع أن النصوص المتقدمة في كتاب الإجارة دالة على جواز البيع ، وعدم إبطال الإجارة
والكلام في الموضعين واحد ، كما صرحت به الرواية المذكورة هنا ، وقوله فيها «لا ينقض البيع الإجارة والسكنى» وقياسه ذلك على بيع ما لا منفعة فيه قياس مع الفارق ، فان البيع فيما نحن فيه وكذا في الإجارة غير خال من المنفعة في الجملة وانما تخلف بعض منها ، والجهالة المدعاة في العمرى مع تسليم الإبطال بها مستثناة بالنص.
وبالجملة فإن النص المذكور صحيح صريح فيما قلنا ، ورده بهذه التعليلات العليلة اجتهاد في مقابلة النصوص.
بقي الكلام هنا في مواضع : الأول - قال في الدروس : لو باع المالك العين كان فسخا للسكنى ، لا الرقبى والعمرى ، ويتخير المشتري في فسخ البيع وإجارته مع جهله ، وقيل : يبطل بيع المعلقة بالعمر للجهالة ، والأول مروي عن الحسين بن نعيم عن الكاظم عليهالسلام ، انتهى.
أقول : المفهوم من كلام غيره من الأصحاب انه لا فرق في الصحة بين السكنى وأخويها المذكورين في صورة البيع ، فحكمه هنا بانفساخ السكنى بالبيع وتخصيص الصحة بأخويها غريب لا أعرف له موافقا فيه ، نعم لو كانت السكنى جائزة وهي السكنى المطلقة فإنهم ذكروا أنها تبطل ، لأن من شأن العقد الجائز إذا طرأ عليه عقد لازم ينافيه فإنه يبطله ، والرواية التي هي مستند هذا الحكم ليست مخصوصة بالعمرى ، كما يشعر به ظاهر كلامه ، لأنه وان كان صدر الرواية قد تضمن السؤال عن رجل أسكن رجلا داره مدة حياته ، وهذه الصورة عندهم كما قدمنا ذكره صدر البحث مما يطلق عليها السكنى والعمرى ، الا أن الخبر المنقول في آخر الرواية عن أبى جعفر عليهالسلام وكذلك ما قبله ، إنما صرح فيه بالسكنى ، وانها مع الإجارة لا تنقض بالبيع.
وبالجملة فالخبر صريح في السكنى والعمرى معا ، لا أنه مختص بالعمرى ، كما هو ظاهر كلامه ، ومثله الشهيد الثاني في المسالك أيضا ، وكأنهم بنوا على
ما تضمنه صدر الخبر وغفلوا عما تكرر فيه بعد ذلك من ذكر السكنى ، سيما الرواية عن أبى جعفر عليهالسلام.
الثاني - حيث قد عرفت أنه يجوز البيع في هذه الصورة ، فإن كان المبيع مسلوب المنفعة ، فإن كان المشتري عالما فلا خيار له ، لأنه قدم على شراء عين مسلوبة المنفعة ، فيجب عليه أن يصبر حتى ينقضي المدة أو العمر المقرون بها فتنتقل المنفعة بعد ذلك ، وله في تلك المدة وبقاء العمر الانتفاع بالمبيع ، بالبيع والهبة والعتق ، وغير ذلك مما لا يتعلق بتلك المنفعة المستحقة ، وان كان جاهلا تخير بين الصبر مجانا إلى انقضاء المدة أو العمر ، وبين الفسخ ، لحصول العيب بفوات المنفعة.
الثالث - لو كان المشترى هو المعمر في صورة العمرى أو الساكن في صورة السكنى ، فإنك قد عرفت أن المنفعة قد انتقلت إليه في تلك المدة وزمان العمر ، وبعد الاشتراء قد انتقلت له العين أيضا ، فصارت العين ومنافعها له ، فيجوز له أن يبيعها مع منافعها ، لأن الجميع ملك له ، وأما قبل الاشتراء فإنه لا يجوز له بيع المنفعة التي انتقلت إليه ، لأن البيع لا يقع على المنافع ، وإنما مورده الأعيان كما تقدم في كتاب البيع (1).
نعم الأقرب أنه يجوز له الصلح عليها ، وعلى هذا لو اشترى العين غيره جاز له أن يصالح المشتري على ما يستحقه من المنفعة بمال معلوم ، فيصير المشتري مالكا للعين والمنفعة ، كما لو كان المشتري هو المعمر أو الساكن ، واللّه العالم.
الثامن : المشهور بين الأصحاب أنه إذا أطلق السكنى بمعنى أنه لم يعين الساكن ، بل قال : أسكنتك هذا الدار مدة كذا ، أو عمرك أو نحو ذلك ، فإنه يسكن فيها بنفسه وأهله وأولاده ، ولا يجوز له إسكان غيرهم إلا بإذن جديد زائد على مجرد هذا العقد.
1) ج 18 ص 429.
قال الشيخ في النهاية إذا أسكن انسان غيره لم يجز للساكن ان يسكن معه غيره إلا ولده وأهله ، ولا يجوز له سواهم ، ولا يجوز للساكن أيضا أن يؤاجره ولا أن ينتقل عنه فيسكن غيره إلا بإذن صاحب المسكن ، وعلى هذه المقالة جرى من تأخر عنه إلا ابن إدريس ، فإنه قال في السرائر بعد نقل كلام الشيخ المذكور : والذي يقتضيه أصول المذهب أن له جميع ذلك ، اخلافه وإجارته وانتقاله عنه وإسكان غيره معه سوى ولده وامرأته سواء أذن له في ذلك أم لم يأذن ، إذا كان أول ما أسكنه قد أطلق السكنى لأن منفعة هذه الدار استحقها ، وصارت مالا من أمواله ، وحقا من حقوقه ، فله استيفائها كيف شاء بنفسه وبغيره ، وما أورده شيخنا أبو جعفر (رحمة اللّه عليه) في نهايته فلا شك أنه خبر واحد قليلا ما يورده أصحابنا في كتبهم ، فشيخنا المفيد (رحمة اللّه عليه) لم يورده في مقنعته ، ولا السيد المرتضى (رضياللّهعنه) ولا المحصلون من أصحابنا ، انتهى.
احتج الأصحاب على ما ذكروه بأن الأصل عصمة مال الغير ، وحفظه عن تسلط غير المالك ، خرج عنه المسكن بالاذن وأهله وأولاده قضية للعرف ، فصار كالمأذون فيه مطلقا ، بقي الباقي على أصل المنع ، وأجابوا عما ذكره بالمنع عن الاستحقاق المطلق ، بل إنما يستحق على ما جعل له ، وهو السكنى فلا يتناول الإجارة وغيرها ، لعدم الاذن فيه مطلقا ، وعرفا.
وتنظر فيه في المسالك ، ولم يذكر وجه النظر ، ثم قال : وكيف كان فالعمل على القول المشهور ، وان كان كلام ابن إدريس لا يخلو من قوة.
أقول : لا يخفى أنه ليس في شيء من أخبار المسئلة ما يدل على هذا الحكم المذكور بوجه ، فقول ابن إدريس أن ما أورده الشيخ في النهاية خبر واحد ، إنما هو من قبيل ما قدمنا ذكره في غير موضع من أنه لما كان أكثر ما يذكره الشيخ في هذا الكتاب قد جرى فيه على ما أورد في الأخبار ، ظن ابن إدريس أن جميع ما في الكتاب من فتاوى الشيخ من ذلك القبيل ، والا فهذه أخبار المسئلة
كملا كما قدمناه ، وهي كما ترى خالية من التعرض لذلك ، ولهذا ان الأصحاب إنما استندوا في إدخال من ذكروه إلى العرف ، حيث ان ظاهر اللفظ إنما يدل على إسكان ذلك الرجل وحده ، ولكن حيث دل العرف على دخول من ذكروه حكموا بوجوب دخولهم ، ولهذا أيضا ان العلامة في التذكرة ألحق من جرت العادة أيضا بإسكانه ، مثل عبده وجاريته ومرضعة ولده ، لدلالة العرف على ذلك وكذا الدابة والضيف إذا كان في الدار موضع يصلح لها ، وكذا إحراز الغلة فيها ونحو ذلك مما جرت العادة به ، ولا بأس به.
وما ذكره شيخنا المتقدم ذكره من النظر في جواب الأصحاب عن حجة ابن إدريس لا أعرف له وجها ، فإن غاية ما يدل عليه لفظ السكنى هو السكون في تلك الدار لا مطلق الانتفاع ، كما يدعيه ابن إدريس ، ومطلق الانتفاع إنما يترتب على الإجارة لا على السكنى الصريح في خصوص هذه المنفعة ، ان أراد جميع منافعها فمنعه ظاهر ، وان أراد هذه المنفعة الخاصة فهو مسلم ، ولكن بالنسبة إليه خاصة ، لأن قوله أسكنتك في معنى أذنت لك في السكون ، والاذن إنما حصل له خاصة ، ولكن لما كان مقتضى العرف والعادة هو تبعية من جرت العادة بملازمته له كالزوجة والأولاد ونحوهم أدخلناهم في الاذن من هذه الجهة ، واما غيرهم فلا يدل العرف عليه ، ولا يدخل تحت مفهوم اللفظ كما عرفت ، فكيف يتم ما ذكره ابن إدريس والحال كذلك.
وبالجملة فأصالة العدم حتى يقوم الدليل على خلافه أقوى مستمسك ، فالأظهر هو القول المشهور.
التاسع : قال الشيخ في النهاية : إذا جعل الإنسان خدمة عبده أو أمته لغيره مدة من الزمان ثم هو حر بعد ذلك ، كان له ذلك أيضا جائزا ، وكان على المملوك الخدمة في تلك المدة ، فإذا مضت المدة صار حرا ، فإن أبق العبد هذه المدة ثم ظفر به من جعل له خدمته لم يكن له بعد انقضاء تلك المدة سبيل.
أقول : وما ذكره الشيخ هو مدلول الخبر الثامن ، وقال ابن إدريس بعد نقل كلام الشيخ : أورد شيخنا هذه الرواية وهي من أضعف أخبار الآحاد ، لأنها مخالفة لأصول المذهب ، لان التدبير عند أصحابنا بأجمعهم لا يكون الا بعد موت المولى الذي هو المعتق المباشر للعتق.
أقول : وقد غفل ابن إدريس هنا عن شيء آخر ، وهو أن الإباق عند الأصحاب وعليه دلت الأخبار مبطل للتدبير ، والرواية المشار إليها قد اشملت على الإباق بعد التدبير ، حيثما ذكره الشيخ هنا في عبارته ، والتحقيق في المقام أن يقال لا ريب أن ما ذكره ابن إدريس هو المتفق عليه بين الأصحاب ، من أن التدبير إنما يعلق بموت المولى ، ولكن الشيخ وجماعة من اتباعه وجملة من المتأخرين كالمحقق والعلامة وغيرهما صرحوا بالتدبير في هذه الصورة أيضا ، استنادا إلى الخبر المشار إليه ، وهو صحيح صريح في ذلك ، ولا مانع من العمل به ، وان رده ابن إدريس بأنه من أخبار الآحاد بناء على قاعدته الخارجة عن جادة السداد.
وأما ما ذكرناه نصرة لابن إدريس من أن الإباق مبطل للتدبير فقد أجاب عنه الشيخ بأن هذا الحكم مخصوص بالتدبير معلق على موت المولى ، كما هو مورد تلك الأخبار ، لا مطلق وهو جيد ، وألحق العلامة أيضا التدبير بموت زوج المملوكة.
ويدل عليه ما رواه الشيخ في الموثق عن محمد بن حكيم (1)قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل زوج أمته من رجل حر ثم قال لها : إذا مات زوجك فأنت حرة ، فمات الزوج قال : فقال إذا مات الزوج فهي حرة ، تعتد منه عدة الحرة المتوفى عنها زوجها ، ولا ميراث لها منه ، لأنها صارت حرة بعد موت الزوج».
وشيخنا الشهيد الثاني في المسالك رد هذا القول ، وضعفه بعدم وجود الدليل وهو غفلة عن الاطلاع على الخبر المذكور ، وسيأتي ان شاء اللّه تعالى مزيد تحقيق
1) التهذيب ج 7 ص 344 ح 38 ، الوسائل ج 16 ص 97 ح 2.
للمقام في كتاب التدبير ، وفي هذا الخبر تأييد وتأكيد لسابقه في عدم اشتراط التدبير بموت المولى خاصة ، وربما قيل : بجواز التدبير بموت كل من علق عليه ، ولا أعرف له دليلا ، فالواجب الوقوف على موارد النصوص.
بقي الكلام في أن مخرج ذلك من الأصل أو الثلث ، والظاهر أن الحكم في ذلك ما صرح به في المختلف ، قال : وهل ينعتق العبد من الأصل أو من الثلث؟ الأقوى أنه ينعتق من الأصل ، ان كان المالك حيا حال وفاة من علقت الخدمة بموته. ومن الثلث ان كان قد مات قبله ، وقد نبهنا على ذلك في كتاب القواعد ، انتهى ووجهه ظاهر.
العاشر : المعروف من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه إذا حبس فرسه أو بغيره في سبيل اللّه أو غلامه في خدمة المسجد أو بيت اللّه الحرام أو بيت العبادة ، لزم ذلك ولم يجز تغييره ما دامت العين موجودة ، وفي التذكرة أنه يعتبر فيه القبض ، وفي التحرير صرح بأنه يعتبر فيه القربة ، وظاهر من حكم بلزومه وعدم جواز تغييره ما دامت العين موجودة ، هو عدم الخروج عن ملك المالك ، وفي الدروس صرح بخروجه عن ملكه بالعقد ، بخلاف الحبس على الإنسان ، كما سيأتي.
وصرح بعضهم بأنه يصح الحبس على جميع القرب ، وأما إذا حبس على آدمي فإن أطلق ولم يعين مدة بطل بموت الحابس ، وعاد إلى ورثته ، والأصحاب حملوا ما تقدم من قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام برد الحبيس وإنفاذ المواريث على هذا الفرد ، وهو صريح الخبر الحادي عشر ، وعليه يحمل إطلاق الخبر الثاني عشر ، وان عين مدة لزم في تلك المدة ، وبعد انقضائها يرجع إلى الحابس أو ورثته ، وعلى هذا فلا دليل لهم على الحبس المقيد بمدة ، ولا على الحبس في سبيل اللّه الا ظاهر الاتفاق على ذلك ، والا فإنه لا تعرض له في شيء من الأخبار المتقدمة ، وليس في الباب غيرها.
ثم انه مع الإطلاق هل يصح له الرجوع فيه ، أكثر العبارات خال من
التعرض لذلك ، وفي القواعد صرح بأن له الرجوع متى شاء ، واستحسنه في المسالك ، وهو غير بعيد لو حبس عليه مدة عمر أحدهما ، فإنه مثل الحبس مدة في الرجوع إلى الحابس أو ورثته بعد انقضاء المدة والعمر ، وبه جزم في التحرير ، والنصوص خالية عنه ، الا أنه الأوفق بالقواعد الشرعية.
قال في المسالك : واتفق الجميع على التعبير بالفرس والمملوكة في الوجوه المذكورة ، وزاد في الدروس البعير في سبيل اللّه ، فكان عليهم أن يذكروا حكم باقي ما يصح وقفه وإعماره ، والظاهر أن حكم الحبس كذلك مورده مورد الوقف ، فيصح ، وحبس كل عين ينتفع بها مع بقاء عينها بالشرائط السابقة على الإنسان مطلقا ، وعلى القرب حيث يمكن الانتفاع فيها كمطلق الدابة ، لنقل الماء إلى المسجد والسقاية ، ومعونة الحاج والزائرين وطلاب العلم والمتعبدين ، والكتب على المتفقهين ، والبيت على المساكين وغير ذلك ، فالاقتصار على ما ذكروه ليس بجيد ، وعموم الأدلة متناول للجميع ، وخصوصها خال من جميع ما ذكروه ، انتهى.
والكلام في هذا المقصد يقع في مقامين الأول : في معنى الهبة وعقدها ، والأخبار الواردة فيها وما نصته تلك الأخبار من الأحكام فنقول : ان الهبة يعبر عنها بالنحلة والعطية ، قيل : والعطية تطلق على مطلق الإعطاء المتبرع به ، فيشمل الوقف والصدقة والهبة والهدية والسكنى ، ومن ثم أطلق بعض الفقهاء عليها اسم العطايا ، وعنونها بكتاب ، فيكون أعم من الهبة والنحلة في معناها ، والهبة أعم من الصدقة - لاشتراط الصدقة بالقربة ، كما تقدم ذكره - ومن الهدية لاشتراط الهدية بالنقل إلى المهدي إليه من المهدي إعظاما وتوقيرا له ، ولهذا أنه لا يطلق لفظ الهدية على العقارات ، فيقال : اهدى له دارا ، ولا أرضا ويقال : وهب له ذلك.
ومما يتفرع على ذلك أنه لو نذر الهبة برأي بالصدقة والهدية ، ولو نذر بإحدى
الآخرين لم يبرأ بمطلق الهبة ، ولو حلف ان لا يهب ، فتصدق أو أهدى حنث دون العكس ونقل عن الشيخ في المبسوط أن الهبة والهدية والصدقة بمعنى واحد ، والظاهر بعده.
وظاهر المشهور أنه يشترط في الهبة بالمعنى الأعم بعد أهلية التصرف من جانب الواهب ما يشترط في سائر العقود من الإيجاب والقبول ، ونحو ذلك مما تقدم ذكره مرارا إلا اعتبار كونه بلفظ الماضي قولا واحدا ، فلا بد عندهم في الهدية التي هي أحد أفراد الهبة كما عرفت من جميع ذلك.
قال الشيخ في المبسوط : ومن أراد الهدية ولزومها وانتقال الملك منه إلى المهدى إليه الغائب فيوكل رسوله في عقد الهبة ، فإذا مضى وأوجب له وقبل الهدية المهدى إليه وأقبضه إياها لزم العقد ، وملك المهدي إليه الهدية ، ونحوه قال في الدروس ، وجعل عدم اشتراطها بالإيجاب والقبول احتمالا ، واختلف كلام العلامة في ذلك ، ففي القواعد قطع بأن الهدية كالهبة في اشتراطها بالإيجاب والقبول ، وفي التحرير نقل قريبا من كلام الشيخ ، ثم قال : فلو قيل : بعدم اشتراط القبول كان وجها قضاء للعادة بقبول الهدايا من غير نطق ، ويلوح من آخر كلامه في التذكرة الفتوى بذلك.
قال في التذكرة - ونعم ما قال ، وان أسنده إلى العامة ، فإنه الحق الذي لا يعتريه إشكال - انه لا حاجة في الهبة إلى الإيجاب والقبول اللفظيين ، بل البعث من جهة المهدي كالإيجاب ، والقبض من جهة المهدى إليه كالقبول ، لأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) من قيصر وكسرى وسائر الملوك فيقبلها ولا لفظ هناك ، واستمر الحال من عهده (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) إلى هذا الوقت في سائر الأصقاع ، ولهذا كانوا يبعثون على يد الصبيان الذين لا يعتد بعبارتهم قال (رحمهاللّه) : ومنهم من اعتبرهما كما في الهبة ، واعتذروا عما تقدم بأن ذلك كان اباحة لا تمليكا ، وأجيب بأنه لو كان كذلك ما تصرفوا فيه تصرف الملاك ، ومعلوم أن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) كان يتصرف فيه ويملكه
غيره ، ويمكن الاكتفاء في هدايا الأطعمة بالإرسال والأخذ جريا على العادة بين الناس ، والتحقيق مساواة غير الأطعمة لها ، فإن الهدية قد تكون غير طعام فإنه قد اشتهر هدايا الثياب والدواب من الملوك إلى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فإن مارية القبطية أم ولده كانت من الهدايا ، انتهى ، ومرجع هذا التحقيق إلى ما قدمنا نقله وهو جيد ، واستحسنه في المسالك.
أقول : ومثل مارية القبطية التي أهديت إليه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) الجارية التي أهداها المختار إلى زين العابدين عليهالسلام فأولدها زيدا ، ومعها مبلغ من الدنانير فقبله عليهالسلام والحديث في حكاية اهدائها موجود ليس فيه شيء من هذه الأمور التي اعتبروها ، والشروط التي اشترطوها ، ومن تتبع الأخبار والسير علم صحة هذا الكلام ، وأن خلافه نفخ في غير ضرام.
على أنك قد عرفت ما في اشتراط الإيجاب والقبول في سائر العقود هذا.
والمشهور في كلامهم أن الإهداء إنما يفيد مجرد الإباحة دون الملك ، وللدافع الرجوع ما دامت العين موجودة ، وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل إلى حصول الملك بذلك ، وان جاز الرجوع ، قال : - بعد ان استحسن كلام التذكرة كما ذكرناه - ما لفظه : ومع ذلك يمكن ان يجعل ذلك كالمعاطاة تفيد الملك المتزلزل ، ويبيح التصرف والوطي ، ولكن يجوز الوجوع فيها قبله عملا بالقواعد المختلفة ، وهي أصالة عدم اللزوم مع عدم تحقق عقد يجب الوفاء به ، وثبوت جواز التصرف فيها بل وقوعه ، ووقوع ما ينافي الإباحة ، وهو الوطي وإعطاء الغير فقد وقع ذلك للنبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) في مارية أم ولده ، وقد كان يهدى إليه الشيء فيهديه لزوجاته وغيرهن ، وأهدى إليه حلة فأهداها لعلي عليهالسلام
من غير أن ينقل عنه قبول لفظي ولا من الرسول (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) إيجاب كذلك مقارن له ، وهذا كله يدل على استفادة الملك في الجملة ، لا الإباحة ، ولا ينافي جواز رجوع المهدي في العين ما دامت باقية ، انتهى.
أقول - وباللّه التوفيق ، لنيل كل مأمول - : لا ريب أن ظواهر الأخبار الواردة في هذا المقام إنما هو الملك الحقيقي لما ذكره من التصرف بجميع وجوه التصرفات من وطئ وبيع وتصدق وهبة ونحوها ، ولا شك أن التصرف كيف شاء المتصرف من أقوى أمارات الملك ، ودعوى أصالة عدم اللزوم في التحقيق لا يخرج عن القول بالإباحة ، بل يرجع إليه ، لأنه متى لم يكن الإهداء لازما يوجب الملك كسائر المتملكات ، بل يجوز الرجوع فيه فهذا هو عين ما منعه من الإباحة ونفاه في المقام ، وان حصل الفرق بنوع من الاعتبار القشري الذي لا يصلح لترتب حكم شرعي ، وما المانع من كون الإهداء من الأسباب الناقلة للملك إذا اقتضته الأخبار كما عرفت ، ولا بد لنفيه من دليل.
وأما عدم تحقق عقد يجب الوفاء به ، ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن هذه العقود التي اشترطوها واشترطوا فيها ما اشترطوه مما لم يقم عليه دليل ، بل الدليل على خلافه واضح السبيل ، فان المفهوم من الأخبار أن المدار على التراضي من الطرفين ، وأنه العمدة في البين ، وقد عرفت أن بيع المعاطاة أيضا لا يشترط فيه أزيد من رضا الطرفين بما يتفقان عليه ، فجعله من باب المعاطاة كما احتمله - يقتضي بناء على ما حققنا في بيع المعاطاة ، من أنه شرعي لازم - أنه هنا كذلك ، ودعوى أن مفاده الملك المتزلزل ممنوعة ، حتى أن بعد المحدثين جوز في المعاطاة أن يزن لنفسه ، ويضع الثمن في الدكان إذا كان ذلك معلوما بأن قيمة ذلك الجنس كذلك ، من غير لفظ ولا كلام بين المتبايعين ، وما نحن فيه لا يقصر عن ذلك ، فإنه متى أرسل المهدي الهدية بقصده واختياره ، وقبضها المهدى إليه فأي مانع من لزوم ذلك ، كما لزم بيع المعاطاة على الوجه المذكور.
وكيف كان فكلامه جيد بناء على أصولهم وقواعدهم في العقود ، وأما على ما هو المفهوم من الأخبار كما تقدم في غير مقام فان ما ذكرنا أجود.
وبالجملة فإن من الظاهر البين الظهور أن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم)
والأئمة عليهمالسلام لو لم يفهموا من الإهداء الملك الحقيقي لما تصرفوا هذه التصرفات من وطئ واستيلاد ونحوهما وعلو شأنهم ورفعة مكانهم أجل من أن يتصرفوا في ملك الغير مع عدم انتقاله لهم بناقل شرعي إلا بمجرد الإباحة ، أو الملك المتزلزل الراجع إليها ، فإن الإباحة لا يجوز في الفروج كما ذكره.
على أنه متى ثبت الملك كما اختاره وان ادعى أنه في الجملة فتجويز الرجوع يحتاج إلى دليل ، وما استند إليه من أصالة عدم اللزوم مع عدم تحقق عقد وهو معظم الشبهة عندهم ، فقد عرفت ما فيه ، ودعوى أنه متزلزل كبيع المعاطاة وهو المشار إليه بقوله في الجملة ، قد عرفت تزلزله ، واللّه العالم.
والواجب أولا نقل الأخبار التي وصلت إلينا في هذا الباب ثم الكلام فيها بتوفيق الملك الوهاب ، ونقل ما عثرنا عليه من كلام الأصحاب كما جرينا عليه في سابق هذا المقصد واللّه الهادي إلى حقيقة الحق والصواب.
الأول - ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي وجميل (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها وإلا فليس له».
الثاني - ما روياه في الصحيح أو الحسن عن عبد اللّه بن سنان (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : إذا عوض صاحب الهبة فليس له أن يرجع».
الثالث - ما رواه في الكافي عن معاوية بن عمار (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 341 الباب 8 و 9 ح 1 وص 332 ح 1 وص 334 الباب 3 ح1.
في الصحيح قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له إله أن يرجع فيها؟ قال : لا».الرابع - ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن زرارة (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 341 الباب 8 و 9 ح 1 وص 332 ح 1 وص 334 الباب 3 ح1.
«عنأبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ان الصدقة محدثة ، انما كان الناس على عهد رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ينحلون ويهبون ولا ينبغي لمن أعطى لله عزوجل شيئا أن يرجع فيه ، قال : وما لم يعط لله وفي اللّه ، فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز ولا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته ، ولا المرأة فيما تهب لزوجها ، حيز أو لم يحز أليس اللّه تعالى يقول «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» وقال «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» وهذا يدخل في الصداق والهبة».
ورواه العياشي في تفسيره عن زرارة (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام قال : لا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه» الحديث الى قوله : هنيئا مريئا. ولم يذكر قوله ، وهذا يدخل فيه الصداق والهبة.
الخامس - ما روياه عن محمد بن مسلم (2)في الصحيح «عن أبى جعفر عليهالسلام قال : الهبة والنحلة يرجع فيها صاحبها ان شاء حيزت أو لم تحز إلا الذي رحم فإنه لا يرجع فيه».
السادس - ما رواه الشيخ في التهذيب عن القاسم بن سليمان (3)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يهب الجارية على أن يثاب فلا يثاب إله أن يرجع فيها؟ قال : نعم ان كان شرط له عليه ، قلت : أرأيت ان وهبها له ولم يثبه أيطأها أم لا؟ قال : نعم إذا كان لم يشترط عليه حين وهبها».
السابع - ما رواه أيضا عن عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه وعبد اللّه بن سليمان (4)في الصحيح «قالا : سألنا أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها ان شاء أم لا؟ فقال : تجوز الهبة لذوي القرابة ، والذي يثاب من هبته ويرجع في غير ذلك ان شاء».
ورواه بسند آخر عن عبد اللّه بن سنان (5)مثله ، الا انه قال والذي يثاب في هبته.
1) المستدرك ج 2 ص 515 الباب 5 ح 2 ، العياشي ج 1 ص 117 ح 366.
2) الكافي ج 7 ص 31 ح 7 ، التهذيب ج 9 ص 156 ح 643. الوسائل ج 13 ص 338 ح 2.
3) التهذيب ج 9 ص 154 ح 633.
4) التهذيب ج 9 ص 155 ح 636 وص 158 ح 650 ولا فرق بين الروايتين وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 338 ح 2 وص 341 ح 2 وص 338 ح 1 وص 342 ح 3.
5) التهذيب ج 9 ص 155 ح 636 وص 158 ح 650 ولا فرق بين الروايتين وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 338 ح 2 وص 341 ح 2 وص 338 ح 1 وص 342 ح 3.
الثامن - ما رواه في الصحيح عن أبان عمن أخبره (1)
وهما في الوسائل ج 13 ص 334 الباب 4 ح 1 وص 337 ح 2.
«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : النحل والهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها؟ قال : هي بمنزلة الميراث وان كان الصبي في حجره فهو جائز ،. قال : وسألته هل لأحد أن يرجع في صدقته وهبته؟ قال : إذا تصدق لله فلا ، وأما النحل والهبة فيرجع فيها حازها أو لم يحزها وان كانت لذي قرابة». ورواه بطريق آخر في الموثق عن داود بن الحصين (2)وهما في الوسائل ج 13 ص 334 الباب 4 ح 1 وص 337 ح 2.
عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : «الهبة والنحلة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها؟ قال : هي ميراث فان كانت لصبي في حجره فأشهد عليه فهو جائز».التاسع - ما رواه عن المعلى بن خنيس (3)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام هل لأحد أن يرجع في صدقته أو هبته قال : أما ما تصدق به لله فلا» ، الحديث.
العاشر - ما رواه عن معاوية بن عمار (4)في الصحيح قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام رجل كانت عليه دراهم لإنسان فوهبها له ثم رجع فيها ثم وهبها له ثم رجع فيها ثم وهبها له ، ثم هلك قال : هي للذي وهب له».
الحادي عشر - ما رواه عن جميل بن دراج (5)في الموثق «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام عن رجل وهب لابنه شيئا هل يصلح أن يرجع فيه؟ قال : نعم الا أن يكون صغيرا».
الثاني عشر - ما رواه عن صفوان (6)في الصحيح «قال سألت الرضا عليهالسلام عن رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده فذكر له الرجل المال الذي له عليه فقال له : ليس عليك فيه شيء في الدنيا والآخرة يطيب ذلك له ، وقد كان وهبه لولد له؟ قال : نعم يكون وهبه له ، ثم نزعه فجعله هبة لهذا».
1) التهذيب ج 9 ص 155 ح 637 وص 157 ح 648.
2) التهذيب ج 9 ص 155 ح 637 وص 157 ح 648.
3) التهذيب ج 9 ص 158 ح 651 وص 155 ح 638.
4) التهذيب ج 9 ص 158 ح 651 وص 155 ح 638.
5) التهذيب ج 9 ص 157 ح 646 و 649، وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 339 ح 4 وص 333 ح 2 وص 337 ح 1 وص 333 الباب 2.
6) التهذيب ج 9 ص 157 ح 646 و 649، وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 339 ح 4 وص 333 ح 2 وص 337 ح 1 وص 333 الباب 2.
الثالث عشر - ما رواه في الكافي عن محمد بن عيسى العبيدي (1)قال : «كتبت الى علي بن محمد عليهماالسلام رجلا جعل لك جعلني اللّه فداك شيئا من ماله ثم احتاج اليه أيأخذه لنفسه أو يبعث به إليك؟ قال : هو بالخيار في ذلك ما لم يخرجه عن يده ، ولو وصل إلينا لرأينا أن نواسيه به وقد احتاج اليه».
الرابع عشر - ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبى بصير (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قال الهبة لا تكون أبدا هبة حتى يقبضها ، والصدقة جائزة عليه».
الخامس عشر - ما رواه عن إبراهيم بن عبد الحميد (3)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : أنت بالخيار في الهبة ما دامت في يدك ، فإذا خرجت الى صاحبها فليس لك أن ترجع فيها ، وقال : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئه».
السادس عشر - ما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة (4)في الموثق قال : «سألته عن رجل أعطى أمه عطية فماتت وكانت قد قبضت الذي أعطاها وثابت به ، قال : هو والورثة فيها سواء».
السابع عشر - ما رواه في التهذيب في الصحيح عن أبى بصير (5)قال : «قال أبو عبد اللّه عليهالسلام الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض قسمت أو لم تقسم ، والنحل لا يجوز حتى يقبض ، وانما أراد الناس ذلك فأخطئوا».
ورواه الصدوق في كتاب معاني الأخبار (6)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 336 ح 8 و 7 وص 343 ح 4 وص 317 ح 3 وص 335 ح 4.
في الصحيح الى أبى بصير وهو1) الفقيه ج 4 ص 173 ح 606. الوسائل ج 13 ص 336 ح 8.
2) التهذيب ج 9 ص 159 ح 654 وص 158 ح 653.
3) التهذيب ج 9 ص 159 ح 654 وص 158 ح 653.
4) التهذيب ج 9 ص 154 ح 631 ، الكافي ج 7 ص 32 ح 16. الوسائل ج 13 ص 317 ح 3.
5) التهذيب ج 9 ص 156 ح 641. الوسائل ج 13 ص 335 ح 4.
6) معاني الأخبار ص 392 ح 38 ط تهران سنة 1379.
مشترك وان كان الأظهر عده في الصحيح قال : بعد قوله أو لم تقسم وانما أراد الناس النحل فأخطئوا ، والنحل لا تجوز حتى تقبض».
الثامن عشر - ما رواه في الفقيه مرسلا (1)قال : «وفي رواية السكوني أن عليا عليهالسلام كان يرد النحلة في الوصية وما أقر عند موته بلا ثبت ولا بينة رده».
التاسع عشر - ما رواه في التهذيب عن أبى بصير (2)قال : «سألته عن الرجل يشترى المبيع فيوهب له الشيء وكان الذي اشترى لؤلؤا فوهبت له لؤلؤة فرأى المشتري في لؤلؤة أن يرد أيرد ما وهب له؟ قال : الهبة ليس فيها رجعة وقد قبضها؟ انما سبيله على البيع ، فان رد المبتاع المبيع لم يرد معه الهبة».
العشرون - ما رواه عن سماعة (3)في الموثق قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن عطية الوالد لولده فقال : اما إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء ، واما في مرضه فلا يصلح».
الحادي والعشرون - ما رواه عن أبى بصير (4)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يخص بعض ولده بالعطية؟ قال : ان كان مؤسرا فنعم ، وان كان معسرا فلا».
الثاني والعشرون - ما رواه عن سماعة (5)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها قال : «لا ، ولكن ان وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها».
الثالث والعشرون - ما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة (6)في الموثق
1) الفقيه ج 4 ص 184 ح 646.
2) التهذيب ج 7 ص 231 ح 1008. الوسائل ج 13 ص 335 ح 4.
3) التهذيب ج 9 ص 156 ح 642 و 644.
4) التهذيب ج 9 ص 156 ح 642 و 644.
5) التهذيب ج 9 ص 158 ح 652. الوسائل ج 13 ص 384 ح 12.
6) الكافي ج 7 ص 346 ح 14 ، التهذيب ج 10 ص 288 ح 1117 ، الفقيه ج 4 ص 110 ح 371 ، وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 335 ح 4 وص 380 ح 12 وص 384 ح 11 و 12 و 16.
قال : سألته عن رجل ضرب ابنته وهي حبلى فأسقطت سقطا ميتا فاستعدى زوج المرأة عليه ، فقالت المرأة لزوجها : ان كان لهذا السقط دية ولي فيه ميراث ، فإن ميراثي منه لأبي ، قال : يجوز لأبيها ما وهبت له». ورواه في الفقيه عن سماعة مثله ورواه في التهذيب بسند آخر صحيح عن سليمان بن خالد (1)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام مثله وقال يؤدى أبوها إلى زوجها ثلثي دية السقط».
الرابع والعشرون - في التهذيب عن عبد اللّه بن سنان (2)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا بإذن زوجها أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها».
الخامس والعشرون ما رواه عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (3)قال : سألت الرضا عليهالسلام يأخذ من أم ولده شيئا وهبه لها من غير طيب نفسها من خدم أو متاع أيجوز ذلك له؟ قال : نعم إذا كانت أم ولده.
السادس والعشرون - ما رواه في التهذيب عن إسحاق بن عمار (4)
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 323 ح 1 و ج 16 ص 123 ح 2 و ج 13 ص 35 ح 3.
في الموثق «قال قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر فيقول : حللني من ضربي إياك ومن كل ما كان مني إليك وما أخفتك وأرهبتك فيحلله ويجعله في حل رغبة فيما أعطاه ، ثم ان المولى بعد ، أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد ، فأخذها المولى إحلال هي له؟ قال : فقال : لا تحل له ، لأنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة ، قال : فقلت له : فعلى العبد أن يزكيها ، إذا حال عليها الحول؟ قال : لا ، إلا أن يعمل له بها ولا يعطى العبد من الزكاة شيئا».أقول : وقد تقدم في المقصد الثاني موثق عبيد بن زرارة (1)وفيه «ولمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز ، ولا ينبغي لمن اعطى لله عزوجل أن يرجع فيه».
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مواضع الأول - لو أراد هبة ما في الذمة فلا يخلو اما أن يكون لغير من عليه الحق ، أو لمن عليه الحق ، فهنا مقامان أحدهما في هبة غير من عليه الحق ، وقد اختلف الأصحاب (رحمهماللّه) في صحة ذلك وبطلانه ، والمشهور البطلان لما سيأتي - ان شاء اللّه تعالى - تحقيقه من أن القبض شرط في صحة الهبة وما في الذمة يمتنع قبضه ، قالوا : لأنه ماهية كلية لا وجود لها في الخارج ، والجزئيات التي في ضمنها ليس هي الماهية ، بل بعض أفرادها غيرها.
أقول : ويؤيده ما صرح به الشيخ في المبسوط حيث منع من وقف الدين ، قال : لأن من شروطه القبض ، والدين لا يمكن تسليمه ، ولا يمكن فيه القبض ، وذهب الشيخ وابن إدريس والعلامة في المختلف إلى الصحة ، واحتج عليه في المختلف بأنه يصح بيعه ، والمعاوضة عليه ، فتصح هبته لغير من هو عليه ، واشتراط الهبة بالقبض لا ينافيه ، لتحققه بأن يقبضه المالك ، ثم يقبضه الموهوب ، أو يوكله المالك في القبض عنه ، ثم يقبض من نفسه.
أقول : ويدل على القول بالصحة ظاهر الخبر الثاني عشر ، والتقريب فيه التقرير على صحة الهبة لولده وان جاز له نزعه منه ، كما صرح به عليهالسلام والنزع منه مستلزم لحصول الانتقال إليه بالهبة.
بقي الكلام فيه من حيث جواز الرجوع فيما يهبه لولده ، وهي مسئلة أخرى يأتي الكلام فيها ان شاء اللّه تعالى ، وظاهر الخبر هو صحة الهبة وان لم يحصل قبض ، ويمكن حمله على أن القبض شرط في اللزوم لا الصحة ، والهبة
1) الكافي ج 7 ص 30 ح 4 ، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
صحيحة وان لم تكن لازمة ، وسيجيء تحقيق الكلام في ذلك أيضا ان شاء اللّه تعالى.
وأما ما قيل : من أن الدين ماهية كلية لا وجود لها في الخارج الى آخر ما تقدم ، فجوابه أنه لو تم ذلك لما صح بيعه والمعاوضة عليه ، لأن البيع مشروط بالقدرة على التسليم إجماعا في غير الآبق ، بل يشترط وجوده مطلقا ، والماهية لا وجود لها على ما ذكروه ، وبه يظهر أن الماهية وان كانت من حيث هي لا وجود لها إلا أنها موجودة بوجود بعض أفرادها ، والا لما صح البيع ونحوه كما عرفت ، مع أنه لا خلاف في الصحة.
وبالجملة فإن ما في الذمة ان كان موجودا متحققا يمكن قبضه وتسليمه ، فبيعه وهبته صحيحان ، لحصول الشرط والقدرة على القبض ، ونحن لا نحكم بصحة الهبة إلا بعد القبض ، كما لا نحكم بصحتها لو تعلقت بعين إلا بعد قبضها ، والقبض لما كان ممكنا بقبض بعض أفراد الماهية كما قدمنا ذكره صحت الهبة ، وتوقفت على حصول القبض على ذلك الوجه ، ولا ريب في أن الدين مملوك للواهب قبل قبضه ، وقبضه ممكن على الوجه المذكور ، فصحت هبته ، وتوقفت على قبضه كما توقفت لو كانت عينا ، وبه يظهر أنه لا يمتنع نقله الى ملك المتهب حال كونه دينا كما ذكروه ، لأنه مملوك له ، وإلا لما صح بيعه أيضا.
وثانيهما - في هبة من عليه الحق ، والظاهر أنه لا خلاف في صحة ذلك في الجملة ، إنما الخلاف في اشتراط ذلك بالقربة ، كما سيأتي بيانه ان شاء اللّه تعالى لكن الهبة هنا عند الأصحاب بمعنى الإبراء من الدين ، فلا يشترط فيها القبض ولا يجرى فيها الاشكال المتقدم ذكره ، ويدل على ذلك الخبر الثالث والعاشر ، وما اشتمل عليه الخبر العاشر من الرجوع بعد الهبة ، فإنما وقع في حكاية كلام السائل ، فلا ينافي ما دل عليه الخبر الآخر من أنه بعد الهبة ليس له الرجوع ، وبذلك استدل الأصحاب على كون الهبة هنا بمعنى الإبراء ، حيث ان الهبة بمجردها لا يلزم إلا في مواضع مخصوصة يأتي ذكرها ، وليس هذا منها ، فامتناع الرجوع
إنما كان من حيث انه إبراء ، والإبراء لازم لا رجوع فيه اتفاقا ، وظاهر الأصحاب أنه لا ينحصر في لفظ ، بل كلما أدى هذا المعنى من لفظ الإبراء أو العفو أو الهبة أو الإسقاط أو نحو ذلك ، فإنه تحصل به البراءة وفراغ الذمة وقد أطلق عليه لفظ العفو في قوله عزوجل (1)«إِلّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» وحيث ان الأصحاب قد اختلفوا في أن الإبراء هل يتوقف صحته على القبول أم لا؟ والهبة هنا في معنى الإبراء كما عرفت ، اختلفوا في اشتراط القبول فيها ، فكل من أوجبه ثمة أوجبه هنا ومن لا فلا ، والمشهور بين الأصحاب العدم ، ونقل في المختلف القول بالاشتراط عن الشيخ في المبسوط وابن زهرة وابن إدريس ، قال : قال الشيخ في المبسوط : قال قوم من شرط صحته قبوله ، وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله ، وهو الذي يقوي في نفسي ، إلا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ذكر أن كلام الشيخ في المبسوط هنا مختلف ، ففي أول المسئلة قواه ، وفي آخره قوى القول الآخر قال : فإطلاق جماعة نسبة القول باشتراطه اليه ليس بجيد.
احتج القائلون بعدم الاشتراط بالأصل ، وبأنه إسقاط لا نقل شيء إلى الملك فهو بمنزلة تحرير العبد.
أقول : ويدل عليه ظاهر قوله عزوجل «إِلّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» حيث اكتفى في سقوط الحق بمجرد العفو ، والقبول غير داخل في مسماه قطعا ، واستدل أيضا على ذلك بقوله عزوجل (2)«فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ» حيث اعتبر مجرد الصدقة ولم يعتبر القول وقوله تعالى (3): «وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» فأسقط الدية بمجرد الصدقة ولم يعتبر القبول ، والمراد بالصدقة في الآيتين الإبراء.
واعترض في المسالك على الاستدلال في الآيتين المذكورتين بأن الصدقة كما تقدم من العقود المفتقرة إلى القبول إجماعا ، فدلالتهما على اعتباره أولى من عدمه.
أقول : الظاهر من كلام المفسرين وهو ظاهر الآيتين المذكورتين إنما هو الإبراء ، والعفو عما يستحقونه ، احتج القائلون بالاشتراط باشتمال الإبراء على الهبة ، فلا يجبر على تحملها ، وقبولها كهبة العين ، ولو لم يعتبر القبول فتحملها جبرا.
وأجيب عنه بالفرق بين هبة العين وهبة الدين ، فإن الأول تمليك ، والثاني إسقاط ، فاعتبر القبول في الأول دون الثاني ، وتوضيحه أن الهبة لما كانت هنا بمعنى الإبراء كما عرفت ، ومن الظاهر أن الإبراء لا يتعلق بالأعيان ، فإنه لو أبرأ مالك الوديعة الودعي منها لم يملكها ولو قبل ، وكذا لو أسقط حقه من عين مملوكة لم تخرج بذلك عن ملكه ، بخلاف الدين ، فإنه قابل لذلك ، فإنه ليس شيئا موجودا ، فكان أشبه بالعتق.
وأما ما ذكروه من اشتمال الإبراء على الهبة ، ففيه أنه لا يخفى أن إسقاط الإنسان حق نفسه باختيار ، من غير طلب من عليه الحق واستدعائه ذلك لا يظهر فيه منة ، بثقل تحملها على من عليه الحق ، بخلاف هبة الأعيان المتوقفة على القبول والقبض ونحو ذلك مما يشترط في صحة العقود ، مما هو ظاهر في الحرص على التملك الموجب للمنة غالبا ، واللّه العالم.
الثاني : لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط القبض في الهبة في الجملة ، وإنما الخلاف في كونه شرطا في الصحة أو اللزوم؟ فالمشهور بين المتأخرين الأول ، ونقله في المختلف عن أبى الصلاح ونقله ابن إدريس عن أكثر علمائنا ، وذهب الشيخان وابن البراج وابن حمزة وابن إدريس والعلامة في المختلف إلى الثاني.
ويظهر الخلاف في مواضع ، منها النماء المتخلل بين العقد والقبض ، فإنه يكون للواهب على الأول ، وللمتهب على الثاني.
ومنها ما لو مات الواهب قبل الإقباض ، فإنها تبطل على الأول ، ويتخير الوارث بين الإقباض وعدمه على الثاني.
ومنها فطرة المملوك الموهوب قبل الهلال ولم يقبضه الا بعده ، فإنها على الواهب على الأول ، وعلى الموهوب له على الثاني.
ومنها نفقة الحيوان في المدة المتخللة ، وأنت خبير بأن الأخبار في هذا المقام لا تخلو من اختلاف ، فمما يدل على القول الأول الخبر الثامن ، حيث صرح فيه بأنها بعد الموت وقبل القبض ترجع ميراثا ، وهو ظاهر في بطلانها قبل القبض ، ولو كانت صحيحة كما هو القول الآخر لكان الحكم تخير الوارث بين الإقباض فتلزم وعدمه ، والخبر الرابع عشر لدلالته على أن الهبة لا تكون هبة أبدا الا بالقبض ، ومفهومه أنها بدونه لا تكون هبة وهو أظهر ظاهر في البطلان بدون القبض.
واستدل القائلون بهذا القول زيادة على الخبرين المذكورين بأن الأصل بقاء الملك على مالكه ، وعدم تأثير العقد في مقتضاه ، خرج منه ما بعد القبض بالإجماع ، فيبقى الباقي.
وأجاب عنه الآخرون بارتفاع الأصل بطرو السبب الناقل ، وعموم الأمر (1)«بالوفاء بالعقد» يمنع تأثيره بقبضه مطلقا ، وأجابوا عن الرواية الأولى بضعف السند ، وعن الثانية بأنه لا يجوز حملها على ظاهرها ، والا لزم التناقض ، بل المراد أن الهبة لا تكون هبة لازمة أبدا حتى يقبض ، وهو أولى من إضمار الصحة ، فإن ما ليس بصحيح كالمعدوم ، ومما يدل على القول الثاني الخبر السابع عشر ، وهو مع صحته ظاهر بل صريح في صحة الهبة قبل القبض ، لأن المراد بالجواز في هذا الباب وما تقدمه اللزوم في أكثر الأخبار ، ولكن وجه الجمع بين هذا الخبر وغيره يقتضي الحمل على الصحة ، واحتجوا على ذلك زيادة على الرواية بأنه عقد يقتضي التمليك ، فلا يشترط في صحته القبض ، كغيره من العقود ، ولعموم
1) سورة المائدة - الاية 1.
الأمر بالوفاء بها المقتضى له ، ولأنه تبرع كالوصية ، فلا يعتبر فيها أيضا.
واعترضه في المسالك فقال : ويمكن أن يقال : ان العقود منها ما يقتضي الملك ، ومنها ما لا يقتضيه بدون القبض ، وقد تقدم منه الوقف ، فيكون أعم ، والمراد بالوفاء بها العمل بمقتضاها من لزوم وجواز وغيرهما ، فلا يدل على المطلوب ، وكذلك مطلق التبرع أعم مما لا يعتبر فيه القبض ، والحاقه بالوصية قياس ، وأجاب عن الرواية بأن إطلاق الهبة على غير المقبوضة أعم من الحقيقة ، وجاز أن يكون مجازا تسمية للشيء باسم ما يؤل إليه على تقدير لحوقه ، أو إطلاقا لاسم المجموع على بعض الأجزاء ، فان الإيجاب والقبول أعظم أجزاء السبب التام في تحققها ، ومطلق جوازها لا نزاع فيه ، انتهى وهو مؤذن باختياره القول الأول.
أقول : ما أجاب به عن تلك الوجوه غير بعيد ، وان أمكن المناقشة في بعضه ، وأما ما أجاب به عن الرواية فهو في غاية البعد ، ولو قامت أمثال هذه الاحتمالات لانسدت أبواب الاستدلالات ، على أنه أولا لا معنى للحكم بالجواز عليها الذي هو بمعنى الصحة أو اللزوم كما عرفت ، والحال أنها ليست بهبة حقيقة ، وإنما أطلق عليها مجازا ، والا للزم الحكم بالصحة في كل ما أعطى وان لم يكن هبة بمجرد ارتكاب التجوز فيه ، وهو لا يقول به.
وثانيا ان اللازم من كلامه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وهم لا يقولون به ، لأن قوله عليهالسلام الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض ، قد أطلق فيه الهبة على كل من المقبوضة ، وغير المقبوضة ، وهي عنده ليست بهبة حقيقة ، فقد استعمل عليهالسلام لفظ الهبة في كل من حقيقته ومجازه.
وثالثا أن مقابلتها بالنحل وأنها لا يجوز حتى يقبض ، بمعنى أنه يشترط في صحتها أو لزومها القبض ، أظهر ظاهر في أن المراد بالهبة في صدر الخبر هو ما يسمى هبة حقيقة لا مجازا ، والا فإن هذا الفرد المجازي الذي ادعاه حكمه حكم النحل
من أنه لا يجوز ولا يصح أو يلزم حتى يقبض ، فأي معنى لهذه المقابلة بينهما.
وبالجملة فإني لا أعرف لما ذكره وجها وجيها ، ولعله لسوء فهمي القاصر ، وكيف كان فالمسئلة لا تخلو من الاشكال ، لظهور التعارض بين هذه الأخبار وتصادم التأويلات من الجانبين ، وان كان القول الثاني لا يخلو من قوة ، وقد تقدمت الإشارة إلى دلالة الخبر الثاني عشر في ذلك.
قال في الدروس بعد نقل القولين المتقدمين : والروايات متعارضة ، ثم قال ولعل الأصحاب أرادوا باللزوم الصحة ، فان في كلامهم اشعارا ما به ، فان الشيخ قال لا يحصل الملك الا بالقبض ، وليس كاشفا من حصوله بالعقد ، مع أنه قائل بأن الواهب لو مات لم تبطل الهبة ، فيرتفع الخلاف ، انتهى.
واعترضه في المسالك قال : وفيه نظر ، لمنع تعارض الروايات على ما قد سمعت ، فان الجمع بينهما ممكن ، وارادة جميع الأصحاب من اللزوم الصحة غير واضع فإن العلامة في المختلف نقل القولين واحتج لهما ، ثم اختار الثاني فكيف يحمل على الآخر ، نعم كلام الشيخ الذي نقله متناقض ، وليس حجة على النافين فان الخلاف متحقق.
أقول : ما ذكره من منع تعارض الروايات ان كان بالنظر الى تأويله الخبر الذي هو مستند القائلين بالقول الثاني فقد عرفت ما فيه ، فان تأويله في غاية البعد كما أوضحناه ، وان كان غير ذلك فليس في كلامه ما يدل عليه.
والتحقيق أن التعارض ثابت ، وأوضحناه في معاني الأخبار المذكورة ، واما باقي ما ذكره فهو جيد ، والعجب هنا من العلامة في التذكرة حيث قال : الهبة والهدية والصدقة لا يملكها المتهب والمهدى اليه والمتصدق عليه بنفس الإيجاب والقبول إذا كان عينا إلا بالقبض ، وبدونه لا يحصل الملك عند علمائنا اجمع ، انتهى.
وهو صريح في دعوى الإجماع على أن القبض شرط في الصحة ، وهو وان مؤذنا بصحة ما ادعاه في الدروس ، الا أن الخلاف مشهور كما عرفت ، والشيخان
ومن تبعهما ممن تقدم ذكر بعض منهم على القول بأنه شرط في اللزوم ، وقد فرع الشيخ على الخلاف المذكور فطرة العبد المشترى قبل الهلال مع عدم القبض إلا بعده ، فقال في المبسوط : من وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبل الموهوب له ولم يقبضه حتى هل شوال ثم عبضه ، فالفطرة على الموهوب له ، لأن الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول ، وليس من شرط انعقادها القبض ، وفي أصحابنا من يقول القبض شرط في صحة الهبة ، فعلى هذا لا فطرة عليه ، وتلزم الفطرة الواهب ، انتهى ملخصا ، فانظر الى صراحته في الخلاف وصراحته في اختيار القول بحصول الملك بمجرد العقد من غير توقف على القبض ، وهو (قدسسره) في المختلف قد وافق الشيخ في هذه المقالة ، واحتج بما ذكره الشيخ ، وبذلك يظهر لك عدم الوثوق بهذه الإجماعات المتناقلة في كلامهم ، والمتكاثرة الدوران على رؤوس أقلامهم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن في المقام اشكالا لم أقف على من تنبه له ، وهو أن مقتضى القول بكون القبض شرطا في اللزوم لا في الصحة ، هو أن الهبة بدون القبض تكون صحيحة غير لازمة ، وبالقبض تكون لازمة ، بمعنى أنه لا يجوز الرجوع فيها ، إذ المتبادر من اللزوم هو ذلك ، مع أنه كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى ذكره ان الأمر ليس كذلك حيث انهم عدوا المواضع التي لا يجوز الرجوع فيها ، وحصروها في مواضع مخصوصة ، وان كان على خلاف في بعضها ، وليس هذا منها ، وصرحوا بأنه لا خلاف في جواز الرجوع فيما عداها ، وممن صرح بذلك المحدث الكاشاني في المفاتيح ، لما فهمه من كلامهم ، فقال بعد عده المواضع المشار إليها ما لفظه : وفي غير ما ذكر يجوز له الرجوع مطلقا بلا خلاف ، كما في الصحاح المستفيضة ، ثم نقل ما يخالفها ، وحمله على الكراهة ، والاشكال كما ترى ظاهر ، ولا مخرج من هذا الإشكال إلا بما ذكره في التذكرة ، وأشار إليه في الدروس مما يرجع إلى حمل اللزوم على الصحة ، إلا أنك قد عرفت ما فيه ، وبالجملة فإن كلامهم في هذا المقام لا يخلو من تشويش واضطراب كما لا يخفى على ذوي الأفهام والألباب ، واللّه العالم
الأول : لو مات المتهب بعد العقد وقبل القبض ، فالظاهر أنه كموت الواهب في التفريع على القولين المتقدمين ، فان قلنا ان القبض شرط في الصحة بطلت الهبة في الموضعين ، وصار الموهوب ميراثا لورثة الواهب ، وان قلنا بالقول الأخير تخير الواهب في الإقباض وعدمه في موت المتهب ، وتخير وارثه في ذلك في موت الواهب ، صرح بذلك في التذكرة وأكثر الأصحاب لم يذكروا إلا موت الواهب.
واستدل في المسالك على البطلان بموت الواهب - حيث انه المفروض في عبارة المصنف بمرسلة أبان ، ورواية داود بن الحصين المتقدمين - ثم طعن فيهما بضعف السند ، ومورد الخبرين كما ترى انما هو موت الواهب ، ثم نقل عن الشيخ في المبسوط الخلاف في ذلك ، حيث انه قال لا تبطل الهبة ، وتقوم الورثة مقامه كالبيع في مدة الخيار ، من حيث ان الهبة عقد يؤل الى اللزوم ، فلا ينفسخ بالموت ، وتبعه ابن البراج على ذلك ، مع أن الشيخ قال في هبة ذي الرحم : إذا مات قبل قبضها كان ميراثا ، وقال : ان الملك لا يحصل الا بالقبض ، وليس كاشفا عن حصوله بالعقد ، ثم أورد عليه التناقض بين كلاميه.
أقول : كلام الشيخ الأول مبني على مذهبه الذي قدمنا نقله عنه من أن القبض شرط في اللزوم لا في الصحة ، إلا أنه ناقضة بكلامه الأخير ، وهذا هو ما قدمت الإشارة إليه في تمسك صاحب الدروس به في رفع الخلاف من البين.
ثم انه قال في المسالك : ولا فرق مع موته قبل القبض بين اذنه فيه قبله وعدمه ، لبطلان الاذن بالموت ، وفي معناه ما لو أرسل هدية الى انسان فمات المهدى أو المهدي اليه قبل وصولها ، فليس للرسول دفعها حينئذ الى المهدي اليه ، ولا الى ورثته لبطلان الهدية بالموت قبل القبض كالهبة ، انتهى.
الثاني : قالوا : لو أقر الواهب بالهبة والإقباض حكم عليه بإقراره ، وان كانت الهبة في يد الواهب ، ولو أنكر بعد ذلك لم يقبل ، لعموم (1)«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز». وكونها في يده لا يستلزم عدم الإقباض بعد اعترافه ، لإمكان رجوعها اليه بعد ذلك ، الا أن يعلم كذبه في اخباره الأول ، كقطر الوقت الذي يسع القبض والرد ونحو ذلك.
الثالث : قد صرحوا بأنه لا بد من اذن الواهب في صحة القبض ، فلو قبض الموهوب الهبة بغير اذنه لم ينتقل اليه ، وفي المسالك أنه لا خلاف فيه عندنا.
أقول : والوجه فيه واضح ، وهو أن الإقباض غير واجب على الواهب ، لعدم الاستحقاق الشرعي حيث ان مجرد العقد غير موجب للنقل البتي فإنه من العقود ، ولزومه مراعى بالأسباب المخصوصة الآتي تفصيلها ان شاء اللّه تعالى وحينئذ فلو قبضه بغير اذن فهو محرم بلا ريب ، والظاهر كما هو المشهور أنه لا يعتبر في القبض كون الإذن بنية الهبة ، فلو أذن فيه مطلقا صح ، خلافا لبعضهم حيث اعتبر وقوعه للهبة أو الاذن فيه فان ذلك هو المقصود ، وحيث كان مطلق القبض صالحا لها ولغيرها فلا بد من مائز وهو القصد ، قال في المسالك بعد نقل ذلك : «وهو حسن» ، حيث يصرح بكون القبض لا لها ، لعدم تحقق القبض المعتبر فيها ، أما لو أطلق فالاكتفاء به أجود ، لصدق اسم القبض وصلاحيته للهبة ودلالة القرائن عليه بخلاف ما لو صرح بالمصارف ، انتهى وهو جيد.
الرابع : الأشهر الأظهر أنه لو وهبه في يد الموهوب ، فإنه لا يحتاج إلى اذن في القبض ، ولا مضى زمان يمكن القبض ، ولا فرق في ذلك بين كون ذلك بيده بوجه شرعي كالعارية والوديعة أو لا كالغصب.
أما الأول فلصدق القبض وحصوله في كل من الجانبين ، فإنه مستصحب ، وإيجاب العقد المقتضي لإقرار يده على العين رضا منه ، واذن بالقبض.
1) المستدرك ج 3 ص 48 ، الوسائل ج 16 ص 133 ح 2.
وأما الثاني فإنه حيث لا يفتقر الى قبض ولا اذن جديد في القبض لا يفتقر الى مضي زمان يمكن فيه القبض ، لأن الافتقار الى الزمان تابع للقبض ، حيث انه من ضرورياته ولوازمه ، فيعتبر حيث يعتبر ، وقد عرفت أنه لا يفتقر الى قبض جديد وإذا لم يعتبر المتبوع سقط اعتبار التابع ، وبه يظهر ان ما صار اليه بعضهم من أنه يفتقر الى مضي زمان يمكن فيه القبض - كما نقل عن الشيخ في المبسوط أو الى إذن جديد ومضي زمان - فإنه لا وجه له ، وأصالة العدم أقوى دليل في المقام.
الخامس : لو وهب الأب أو الجد لولده الصغير ما هو بيدهما لم يفتقر الى قبض جديد لان قبض الولي قبض عنه ، ولا يفتقر أيضا الى مضي زمان يمكن فيه القبض لعين ما تقدم في سابق هذا الموضع ، وقد تقدم في أخبار الصدقة على الولد أن قبض الأب والجد عن الصغير كاف في صحة الصدقة ، ففي رواية السكوني (1)«وان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز ، لأن والده هو الذي يلي أمره».
وبالجملة فإن الحكم لا اشكال فيه ولا خلاف نصا وفتوى فيما أعلم ، فإن القبض السابق على الهبة كاف عن القبض الطاري بعدها ، وأيدوه بأن اليد المستدامة أقوى من اليد المبتدأة
بقي الكلام هنا في مواضع : أحدها - انا قد أشرنا سابقا الى أن محل البحث فيما لو وهب الأب أو الجد ما هو في يدهما ، واما لو لم يكن كذلك بأن يكون ملكهما ، ولكنه في يدهما ، فقد صرح الأصحاب بأنه يفتقر الى قبض جديد كغيره ، وفرضوا ذلك فيمن اشترى شيئا ولم يقبضه فان الملك يتم بالعقد وان لم يقبضه ، ويجوز نقله بالهبة ونحوها ، وان امتنع بيعه على بعض الوجوه كما تقدم في كتاب البيع في مسئلة بيع ما لم يقبض ، ويمكن أيضا فرض ذلك في مال ورثه الأب أو الجد ، وهو تحت يد الغير ، ولم يتمكن من قبضه ، وفيما غصب منه
1) الكافي ج 7 ص 31 ح 7 ، التهذيب ج 9 ص 135 ح 569 وفيهما عن محمد بن مسلم ، الفقيه ج 4 ص 182 ح 639 عن عبيد بن زرارة ، الوسائل ج 13 ص 297 ح 1 وص 299 ح 5.
وفيما آجره لغيره قبل الهبة.
أما الوديعة فإنهم صرحوا بأنه لا يخرج بها عن يد المالك ، لان يد المستودع كيده ، قالوا : وفي العارية وجهان : أجودهما ما خروجه بها عن يده ، فيفتقر الى قبض جديد من الولي أو من يوكله فيه ، ولو وكل المستعير كفى.
وثانيها أنه هل يعتبر قصد القبض عن الطفل بعد الهبة ليتمحض القبض لها ، الظاهر تفريع ذلك على ما تقدم في التنبيه الثالث ، فعلى ما ذكره العلامة (رحمهاللّه عليه) من أن مطلق القبض صالح للهبة وغيرها فلا بد من مائز ، وهو القصد للهبة يأتي أن هنا كذلك ، لأن المال المقبوض بيد الولي ، فلا ينصرف الى الطفل إلا بصارف وهو القصد ، وعلى ما ذكره في المسالك وهو الأظهر كما تقدمت الإشارة إليه من الاكتفاء بعدم قصد القبض لغيره يكفي هنا ، وينصرف الإطلاق إلى قبض الهبة وتلزم الهبة بذلك.
وثالثها ان المشهور في كلام الأصحاب اختصاص هذا الحكم بالولد الصغير ، وأما لو كان بالغا رشيدا ذكرا وأنثى فإنه لا بد من قبضه ، وعليه تدل الأخبار.
وقال ابن الجنيد في كتابه الأحمدي : وهبة الأب لولده الصغار وبناته الذين لم يخرجوا عن حجابه ، وان كن بالغات تامة ، وان لم يخرجها عن يده ، لأن قبضه قبض لهم ، انتهى.
والحاقه البنات في الحجاب بالأولاد الصغار ، قياس محض ، وقياسه على النكاح ممنوع مع وجود الفارق ، وبالجملة فهو قول نادر لا يعبأ به.
ورابعها - أنه لو كان الواهب للصغير غير الأب والجد له ، فإنه لا خلاف في أنه لا بد من القبض عنه ، ويتولى ذلك الأب أو الجد أو الوصي أو الحاكم أو من يعينه ، وانما الخلاف في أنه للصغير ولي شرعي غير الأب والجد كالوصي فهل يتولى القبض له؟ أم يرجع الأمر إلى الحاكم؟ الذي صرح به الشيخ في المبسوط وتبعه عليه جمع منهم المحقق في الشرائع الثاني ، فإنهم ألحقوا الوصي هنا بغير
الولي من الأجانب ، واحتج في المبسوط بأنه لا يصح أن يبيع من الصبي شيئا أو يشترى عنه ، قال : وينصب الحاكم أمينا يقبل منه هبته للصبي ، فإذا قبلها صحت الهبة ، قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه والوجه التسوية بينه وبين الأب لأن له أن يقبل هبة غيره ، فكذلك يقبل هبة نفسه ، لعموم ولايته ، فلا وجه لاختصاصها بغيره ، والجواب عما احتج به ، المنع من حكم الأصل ، فإن له أن يبيع ويقبل الشراء وأيضا الفرق فإن المعاوضة قد يحصل بها التغابن ، أما الهبة فإنها عطية محضة ، فكانت المصلحة فيها ظاهرة ، انتهى وهو جيد.
السادس : لا خلاف ولا إشكال في جواز هبة المشاع كغيره ، ويدل على ذلك ما رواه
في الكافي عن أحمد بن عمر الحلبي عن أبيه (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ قال : يجوز قلت : أرأيت ان كانت هبة؟ قال : يجوز». وقبضه كالقبض في البيع ، فان اكتفينا بمجرد التخلية مطلقا كما هو أحد القولين فلا اشكال ، وان اعتبرنا الفرق بين المنقول وغير المنقول فتختص التخلية بغير المنقول ، فلا بد في المنقول من النقل ، ليتحقق قبض الحصة الموهوبة ، فإن كان الشريك هو الواهب ، فاقباضه بتسليم الجميع للمتهب ، ليتحقق القبض ، وان كان الشريك غيره ، توقف تسليم الكل على اذن الشريك ، فإما أن يرضى بذلك أو يوكل المتهب الشريك على القبض عنه ، فان تعاسرا رفع إلى الحاكم ، فينصب أمينا يقبض الجميع نصيب الهبة ، والباقي أمانة حتى يتم العقد ، هذا هو المشهور ، وبه قال في المبسوط ، وتبعه الأكثر ، وقال العلامة في المختلف في صورة التعاسر : والوجه عندي جعل القبض هنا التخلية ، لأنه مما يمكن نقله وتحويله ، فإنه لا فرق بين عدم الإمكان المستند إلى عدم القدرة الحسية ، أو عدم القدرة الشرعية ، وهو أولى من التحكم في مال الشريك ، بغير اختياره.
1) الكافي ج 7 ص 34 ح 24 ، الوسائل ج 13 ص 345 الباب 12.
واعترضه في المسالك بأن فيه منع عدم القدرة الشرعية ، حيث يوجد الحاكم المجبر أما مع عدمه فلا بأس به دفعا للضرورة والعسر ، انتهى ،
وقد سبقه إلى ذلك شيخنا الشهيد في الدروس كما سيأتي ذكره ان شاء اللّه تعالى ، ونقل في المسالك عن شيخنا الشهيد في الدروس قولا آخر ، قال : وبالغ شيخنا في الدروس فاشترط اذن الشريك في القبض مطلقا ، حتى لو اكتفينا بالتخلية ، نظرا إلى أن المراد منها رفع يد المالك وتسليط القابض على العين ، وذلك لا يتحقق الا بالتصرف في مال الشريك ، فيعتبر اذنه ورفع المانع عن حصة المالك خاصة مع الإشاعة لا يحصل به التسلط على الغير الذي هو المقصود من القبض ، وقبض جميع العين واحد لا يقبل التفرقة بالحكم ، ومن ثم لو كانت العين مقبوضة بيد متسلط لم تكف التخلية من المالك وتسليطه عليها ، مع وجود المانع من التسليم ، وله وجه حسن ، وان كان الأشهر الأول.
أقول : لم أقف على هذا الكلام في الكتاب المذكور في باب الهبة واحتمال كونه في غيره بعيد ، والذي ذكره في باب الهبة موافق لما عليه الجماعة ، قال : وقبض المشاع يعتبر فيه اذن الشريك وان كان غير منقول ، فلو وكل المتهب الشريك في القبض صح ، وان تعاسر نصب الحاكم أمينا يقبض الجميع نصفه أمانة للمتهب ، وفي المبسوط غير المنقول تكفى فيه التخلية عن اذن الشريك ، وفي المختلف تكفى فيه التخلية في المنقول أيضا وهو مفارقة لقاعدته في القبض ، واعتذاره بأن عدم القدرة شرعا ملحقة بغير المنقول ممنوع ، لأنا نتكلم على تقدير التمكن من الحاكم ، أما مع عدم التمكن منه فإنه حسن ، انتهى.
وهو موافق لما في المبسوط إلا في غير المنقول فان الشيخ في المبسوط اكتفى فيه بالتخلية عن اذن الشريك ، وهو اعتبر الاذن ، ولم يكتف بالتخلية ، وأما مع التعاسر فهو موافق لما ذكره الشيخ.
وأما ما ذكره في المسالك من هذا الكلام بطوله فلا وجود له اللّهمّ إلا أن
يكون هذا التعليل الطويل أعنى قوله «نظرا الى أن المراد منها» الى آخر الكلام من كلام صاحب المسالك ، تعليلا له لما نقله عن الدروس ، وأن الحكم مع عدم الاذن هو ما ذكره مما نقلناه عنه فيزول الاشكال لكنه لا يخلو من بعد.
وكيف كان فالظاهر هو ما ذكره الشيخ وأكثر الجماعة ، قال في المسالك : وحيث يعتبر اذن الشريك فقبض المتهب بدونه وما في حكمه يقع لاغيا ، لا للنهي ، فإنه لا يقتضي الفساد في غير العبادة ، بل لأن القبض لما كان من أركان العقد اعتبر فيه كونه مرادا للشارع ، فإذا وقع منهيا عنه لم يعتد به شرعا فيختل ركن العقد وقد عرفت أنه قبض واحد لا يقبل التفرقة في الحكم ، بجعل القبض للموهوب معتبرا والنهي عن حق الغير الخارج عن حقيقة الموهوب ، انتهى.
أقول : قد سلف هنا ومن هذا القائل تحقيق في أن قولهم النهي لا يقتضي الفساد في غير العبادة ليس على إطلاقه ، بل قد يقتضي الفساد في غير العبادة لما قدمناه من التفصيل بأن النهي ان توجه إلى ذات الشيء وعدم صلاحه لترتب الحكم الشرعي عليه كالنهي عن بيع العذرة لعدم صلاحيتها للنقل ، والنهي عن نكاح المحارم ونحو ذلك ، فإنه يقتضي الفساد بلا اشكال ، وان توجه إلى أمر خارج كالبيع وقت النداء يوم الجمعة لم يقتض الفساد ، وانما يقتضي الإثم خاصة ، والظاهر أن ما نحن فيه من القسم الأول ، فإن النهي للمتهب عن قبض المشترك بغير اذن المالك للمتهب إنما هو من حيث عدم صلاحيته وقابليته للانتقال ، لا من حيث أمر خارج فلا حاجة إلى ما تكلفه (قدسسره) مع أنه لا يخلو من المناقشة ، فإنه لو تم لأمكن إجراؤه في سائر المعاملات ، وعدم ارادة الشارع غاية ما يقتضيه الإثم بالمخالفة ، كما لا يخفى واللّه العالم.
السابع : لو وهب اثنين شيئا فقبلا وقبضا فلا إشكال في الصحة ، لاستجماع شرائطها ولو قبل أحدهما وقبض ، وامتنع الآخر صحت الهبة بالنسبة إلى القابل ، وبطلت بالنسبة إلى الآخر ، لحصول شرائط الصحة في الأول دون الثاني ، وربما
يقال : انه عقد واحد لا يتعبض ، فان قبلا وقبضا صح ، والا فلا ، لأنا نقول : وان كان بصورة عقد واحد الا أنه بتعدد الموهوب في قوة عقدين ، ونظيره ما لو اشتريا دفعة واحدة ، فإن لكل واحد منهما حكم نفسه في الخيار ونحوه ، كما تقدم في في كتاب البيع ، واللّه العالم.
الموضع الثالث : لا خلاف ولا إشكال في جواز تفضيل بعض الولد وان كان على كراهة عند الأصحاب ، إلا ما نقل عن ظاهر ابن الجنيد من التحريم إلا مع المزية.
قال في المسالك : أما جواز التفضل في الجملة فهو المشهور بين الأصحاب وغيرهم ، ويشهد له (1)«ان الناس مسلطون على أموالهم». ويظهر من ابن الجنيد التحريم إلا مع المزية ، والتعدية إلى باقي الأقارب مع التساوي في القرب ، والوجه الكراهة المؤكدة لقوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (2)سووا بين أولادكم في العطية ، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت البنات ، وان التفضيل يورث العداوة والشحناء بين الأولاد كما هو الواقع شاهدا وغابرا. ولدلالة ذلك على رغبة الأب في المفضل المثير للحسد المفضل إلى قطيعة الرحم ، وقد روى أن النعمان بن بشير (3)أتى أبوه إلى النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فقال : انى نحلت ابني هذا غلاما فقال النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : أكل ولدك نحلت مثل هذا فقال لا : فقال : أردده ،. وفي رواية أخرى (4)«ان النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) قال له : أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ فقال : نعم فارجعه ، قال وفي حديث آخر (5)عنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) انه قال لمن أعطى بعض أولاده شيئا أكل ولدك أعطيته مثله قال : لا ، قال : فاتقوا اللّه واعدلوا بين أولادكم فرجع في تلك العطية» وفي رواية أخرى «لا تشهدنى على جور».
وهذه الروايات تصلح حجة لابن الجنيد والأصحاب حملوها على تقدير سلامة السند على الكراهة جمعا وقد روى أبو بصير في الصحيح (1)ثم نقل الخبر الحادي والعشرين ثم قال : ولا قائل بمضمونه تفصيلا غير أن تجويزه العطية مع اليسار مطلقا حجة المشهور ، ومنعه عنه مع الإعسار مناسب للكراهة ، والحق الفصل حيث يكون عليه دين ونحوه ، وإطلاق النصوص السابقة يقتضي عدم الفرق بين الصحة والمرض ، وحالتي اليسر والعسر ، إلا الحديث الأخير ، فخص النهى بحالة العسر ، وفي رواية سماعة ثم ذكر الخبر العشرين ، ثم قال : وعمل بمضمونها العلامة في المختلف ، وخص الكراهة بالمرض أو الإعسار وفي بعض نسخة بهما معا ، والظاهر أن دلالة الخبرين على الأول أوضح ، والأقوى عموم الكراهة بجميع الأحوال ، وتأكدها مع المرض والإعسار أعمالا بجميع الأدلة ، لعدم المنافاة انتهى.
وعلى هذا النهج كلام غيره من الأصحاب وأنت خبير بأن ما قدمه من الأخبار عنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) الظاهر أنه من أخبار العامة ورواياتهم ، كما يشهد به سياقها ، لعدم وجود شيء منها في كتب أخبارنا ، وإنما الموجود فيها ما يخالف هذه الأخبار ، ويناقضها من جواز التفصيل ، وهي متكاثرة بذلك.
فمنها ما رواه في الكافي والفقيه عن محمد بن قيس (2)في الحسن قال : «سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض؟ قال : نعم ونسائه».
وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حريز عن محمد بن مسلم (3)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن الرجل يكون له الولد من غير أم أيفضل بعضهم على بعض؟ فقال : لا بأس ، قال : حريز وحدثني معاوية وأبو كهمس انهما سمعا
أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : صنع ذلك علي عليهالسلام بابنه الحسن وفعل ذلك الحسين بابنه علي وفعل ذلك أبي بي ، وفعلته أنا».
وعن إسماعيل بن عبد الخالق (1)في الصحيح قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : في الرجل يخص ولده ببعض ماله فقال : لا بأس بذلك».
وما رواه في الكافي في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري (2)قال : «سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن الرجل يكون بعض ولده أحب إليه من بعض ويقدم بعض ولده على بعض؟ فقال : نعم قد فعل ذلك أبو عبد اللّه عليهالسلام نحل محمدا وفعل ذلك أبو الحسن عليهالسلام نحل أحمد شيئا فقمت أنا به حتى حزته له ، فقلت : جعلت فداك الرجل يكون بناته أحب إليه من بنيه؟ فقال : البنات والبنون في ذلك سواء ، انما هو بقدر ما ينزلهم اللّه عزوجل منه».
قوله عليهالسلام «فقمت أنا به» أي توليته له ، وكان أحمد كان صغيرا ، وقوله «انما هو بقدر ما ينزلهم اللّه» أي المحبة التي يقع في قلبه انما هي من اللّه تعالى فبقدر ما يجعل اللّه لهم في قلبه يجعل المحبة ذكورا أم اناثا.
وما رواه في الفقيه عن رفاعة (3)عن أبى الحسن عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يكون لهم بنون وأمهم لست بواحدة أيفضل أحدهم على الآخر؟ قال : لا بأس به ، وقد كان يفضلني على عبد اللّه».
أقول : وهذه الروايات مع كثرتها وصحتها قد اتفقت على جواز التفضل من غير إشارة في شيء منها على الكراهة ، فضلا عن التصريح ، وقد فعلوه عليهمالسلام بمن كان ممن يستحق التفضيل ومن لا يستحقه ، وبذلك يظهر لك أن جميع ما أطال به (قدسسره) من تلك الأخبار العامية والتعليلات العقلية كله تطويل بغير طائل.
وليت شعري كيف غفلوا جميعا عن هذه الأخبار وهي في الكتب الأربعة التي يتداولونها حتى التجئوا الى هذه الأخبار العامية ، والعجب هنا من صاحب المفاتيح حيث تبع صاحب المسالك فيما نقلناه عنه ، وغفل أيضا عن هذه الأخبار كما لا يخفى على من راجعه.
نعم روى في الفقيه عن السكوني (1)قال : «وفي رواية السكوني قال : نظر رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) الى رجل له ابنان فقبل أحدهما وترك الآخر فقال النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : فهلا واسيت بينهما». وربما يتوهم متوهم تخصيص الأخبار المتقدمة بهذا ، وهو باطل بل الأظهر حمله على التقية ، فإن رواية عامي مع أنه لم يسنده الى الامام عليهالسلام وقد عرفت دلالة روايات العامة على ما دل عليه.
وأما ما رواه العياشي في تفسيره عن مسعدة بن صدقة (2)قال : «قال جعفر بن محمد عليهالسلام قال والدي : واللّه اني لا صانع بعض ولدي وأجلسه على فخذي وأكثر له المحبة ، وأكثر له الشكر ، وان الحق لغيره من ولدي ، ولكن محافظة عليه منه ومن غيره ، لئلا يصنعوا به ما فعل بيوسف واخوته وما أنزل اللّه سورة يوسف إلا أمثالا لكيلا يحسد بعضنا بعضا كما حسد بيوسف اخوته ، وبغوا عليه فجعلها رحمة على من تولانا ، ودان بحبنا ، وجحد أعدائنا ، على من نصب لنا الحرب والعداوة». فغاية ما يدل عليه أنه عليهالسلام كان يظهر التفضيل لبعض ولده ، فضايقه لدفع شره عن الإمام القائم بعده ، وهذا بما يدعيه أنسب ، والى ما اخترناه أقرب ، ومرجعه الى أن التفضيل قد يكون على جهة الاستحقاق ، أو المضايقة ، فلا منافاة فيه لما ذكرناه.
بقي الكلام في الخبرين المتقدمين الدال أحدهما على التفصيل بين الصحة والمرض ، وأنه يعطى في حال الصحة دون المرض ، والخبر الدال على التفضيل بين اليسر
والعسر : فيخص بعض ولده مع اليسر دون العسر ، مع أن إطلاق الأخبار المتقدمة يقتضي عدم الفرق ، وأنت خبير بأنهما لا يبلغان قوة المعارضة لما قدمناه من الأخبار الصحيحة الصريحة في الجواز مطلقا.
وأما وصفه في المسالك لرواية أبي بصير (1)بالصحة فهو خلاف المعهود منه ومن غيره من أرباب هذا الاصطلاح حيث ان أبا بصير مشترك ، ولا قرينة تدل على الثقة منهما ، والآخر الضرير انما يعدون خبره في الضعيف ، على أن الظاهر أن رواية سماعة لا منافاة فيها ، وذلك فان ظاهرهما انما هو السؤال من عطية الوالد لولده ، وان كان واحدا وليس فيها تعرض للتفضيل الذي هو البحث بوجه ، فأجاب عليهالسلام بأنه في حال الصحة جائز ، لأنه ماله يصنع فيه ما أراد ، وأما في حال المرض فلا ، والمنع من ذلك في حال المرض مطلقا لا قائل به ، ولا يوافق مقتضى القواعد الشرعية ، فلا بد على أن يكون المنع باعتبار كونه من الأصل ، فالنهي إنما يتوجه الى كونه من الأصل.
وحاصل معنى الخبر أنه في حال الصحة مخرج العطية من الأصل ، وفي حال المرض من الثلث ، لا من الأصل ، كما في حال الصحة وهذه مسئلة أخرى لا تعلق لها بما نحن فيه.
نعم خبر أبي بصير ظاهر في التفضيل لقوله «يخص بعض ولده» ، والظاهر حمله على ما ذكروه من كراهية التخصيص مع الإعسار ، لأنه متى خصه وهو معسر فقد حرم الباقين من الميراث ، إذ لا شيء يرثونه.
أما مع يسره وحصول قسط لكل من الباقين من الميراث ، فإنه لا يحصل عليهم بتلك الهبة نقص زائد كما في صورة العسر الذي لا شيء بالكلية ، وعلى هذا فيخص الأخبار المتقدمة بهذا الخبر : بمعنى أن التفضيل جائز مطلقا من غير كراهية ، إلا في صورة إعسار الواهب الموجب لحرمان باقي الأولاد من الميراث ، وهو جمع حسن بين الأخبار واللّه العالم.
1) التهذيب ج 9 ص 156 ح 644 ، الوسائل ج 13 ص 384 ح 12.
الموضع الرابع : المفهوم من كلام جملة من الأصحاب بل ربما ادعى الإجماع عليه كما تقدم الإشارة إليه بأنه يجوز الرجوع بعد القبض إلا في مواضع مخصوصة ، قد وقع الاتفاق على بعضها والخلاف في بعض ، كما سيأتي تفصيله ، ان شاء اللّه تعالى.
والأخبار في أصل المسئلة لا تخلو من اختلاف فمما يدل على جواز الرجوع الخبر الأول ، وهو صحيح صريح في ذلك ، ومفهوم الخبر الثاني ، وهو صحيح أيضا ، والمفهوم مفهوم شرط لا إشكال في حجيته عند محققي الأصوليين وعندنا ، للأخبار الكثيرة الدالة على حجيته ، كما تقدمت في مقدمات الكتاب في الجلد الأول من كتاب الطهارة (1)ويدل على ذلك أيضا الخبر الخامس (2)وهو صحيح ، صريح في ذلك ، والخبر السابع (3)وهو صحيح صريح في غير المواضع المستثناة فيه ، والخبر الثامن ، ومفهوم الخبر التاسع ، ويدل على ذلك أيضا قوله عليهالسلام في موثقة عبيد بن زرارة (4)«ولمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز». وقوله عليهالسلام في صحيحة زرارة (5)المتقدمة في مقصد الصدقة ، «ولا ينبغي لمن أعطى لله شيئا أن يرجع فيه ، وما لم يعط لله وفي اللّه فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة ، حيزت أو لم تحز ، ولا يرجع الرجل فيما وهب لامرأته» الحديث. ويدل على العدم الخبر الثالث عشر ، والخبر الخامس عشر ، والخبر التاسع عشر.
ورواية جراح المدائني (6)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام «قال : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئه».
وأنت خبير بأن هذه الروايات الأخيرة تقصر عن معارضة الأخبار الأولة
1) ج 1 ص 58.
2) ص 301.
3) ص 301.
4) التهذيب ج 9 ص 153 ح 625 وص 152 ح 624، الاستبصار ج 4 ص 109 ح 417 ، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1 وص 339 ح 1 وص 343 ح 3.
5) التهذيب ج 9 ص 153 ح 625 وص 152 ح 624، الاستبصار ج 4 ص 109 ح 417 ، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1 وص 339 ح 1 وص 343 ح 3.
6) التهذيب ج 9 ص 153 ح 625 وص 152 ح 624، الاستبصار ج 4 ص 109 ح 417 ، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1 وص 339 ح 1 وص 343 ح 3.
سندا وعددا ودلالة ، وحملها على الكراهة المؤكدة ، كما ذكره جمع من الأصحاب طريق الجمع بين الجميع ، وأما الصور المستثناة من جواز الرجوع فنحن نذكرها مفصلة واحدة واحدة ، وما يتعلق بكل منهما من الأخبار ، وكلام الأصحاب على وجه يزول به غشاوة الشك - ان شاء اللّه تعالى فيها - والارتياب ، فنقول الأولى - فيما لو كانت الهبة لذي الرحم ، وقد ادعى المحقق الإجماع على أنه متى كانت الهبة من الابن للأبوين فلا يجوز الرجوع ، وهو مؤذن بالخلاف فيما عداه ، حتى في هبة الأبوين للابن ، مع أن العلامة في المختلف عكس ذلك ، فادعى الإجماع على لزوم هبة الأب لولده ، ولم يذكر الأم ، قال : إذا وهب الأب ولده الصغير أو الكبير وأقبضه لم يكن للأب الرجوع في الهبة إجماعا ، ولو كانت لغير الولد من ذوي الأرحام للشيخ قولان إلى آخره ، وهو مؤذن بالخلاف فيما ادعى عليه المحقق الإجماع ، الا أن شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال : والظاهر أن الاتفاق حاصل على الأمرين الا من المرتضى في الانتصار ، فإنه جعلها جائزة مطلقا ما لم يعوض عنها ، قال : وكأنهم لم يعتدوا بخلافه لشذوذه.
والعجب أنه ادعى إجماع الإمامية عليه مع ظهور الإجماع على خلافه ، وعلى ما ذكره شيخنا المذكور ينحصر الخلاف فيما عدا الصورتين المذكورتين ، والأشهر الأظهر اللزوم وعدم جواز الرجوع ، وهو مذهب الشيخ في النهاية ، والشيخ المفيد وسلار وابن البراج ، وقيل : بأن له الرجوع وهو قول الشيخ في المبسوط والتهذيب والسيد المرتضى وابن الجنيد وابن إدريس.
والذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام مما يدل على القول الأول الخبر الخامس ، وهو صحيح صريح في عدم جواز الرجوع في هبة ذي الرحم ، وهو دال على عدم جواز الرجوع في الصورتين الأوليين من حيث العموم ، وعلى الثالثة بالخصوص ، والخبر السابع وهو أيضا صحيح السند دال على عدم جواز الرجوع في هبة ذي القربى ، لأن المراد بالجواز هنا اللزوم كما تقدمت الإشارة اليه ، وينادى
بذلك قوله ويرجع في غير ذلك ان شاء ، وحاصل الخبر أنه لا يرجع في الهبة إذا كانت لذي قرابة أو معوضا عنها ، ويرجع فيما عدا ذلك ، والخبر السادس عشر وهو موثق سماعة ، إلا أنه مختص بهبة الولد لأمه ، وقد حكم عليهالسلام بأنه ميراث بعد موتها ، وليس للولد الرجوع فيه للزوم الهبة.
ومما يدل على قول الآخر الخبر الثامن حيث صرح فيه «بأن النحل والهبة يرجع فيها حازها أو لم يحزها وان كانت لذي قرابة» والخبر الحادي عشر الا أنه غير صريح ، بل ولا ظاهر في ذلك ، لأن ظاهر تجويزه الرجوع فيما يهب لابنه ، - الا أن يكون صغيرا - أن الرجوع إنما هو من حيث عدم القبض بأن يكون الموهوب بالغا ولم يقبض ، ولهذا حكم بلزوم الهبة للصغير من حيث ان الأب قابض له ، والخبر الثاني عشر إلا أنه لا يخلو من الإجمال وتعدد الاحتمال ، وأنه يحتمل أن يكون الرجوع إنما هو من حيث كون الهبة غير لازمة ، لأن من شرطها القبض ولم يحصل ، فهي وان انتقلت إليه بالعقد ، الا أنه انتقال متزلزل مراعى في لزومه بالقبض ، وحينئذ فلم يبق مما يمكن أن يستدل به لهذا القول إلا الخبر الثامن ، وهو يضعف عن معارضة الأخبار الأولة سندا وعددا ودلالة ، ومن المحتمل قريبا أن يكون قوله وان كانت لذي قرابة قيدا في قوله «أو لم يحزها» بمعنى أنه إذا لم يحزها فله الرجوع وان كانت لذي قرابة ، وهو معنى صحيح ، وبه يسقط الاستدلال بالخبر المذكور على ما ذكروه ، وبما أوضحناه لك في المقام يظهر ضعف ما ذهب إليه في الكفاية من موافقة المرتضى (رضياللّهعنه) في عدم لزوم الهبة على ذي الرحم ، والآباء والأبناء.
الثانية - فيما لو تلف بعد القبض سواء كان التلف من جهة اللّه سبحانه ، أو المتهب ، أو غيرهما ، فإنه لا يرجع ، ونقل عن التذكرة دعوى الإجماع على ذلك ، وكأنه لا يعتد بخلاف المرتضى ودعواه على جواز الرجوع إلا مع التعويض.
ومما يدل على اللزوم وعدم جواز الرجوع في الصورة المذكورة الخبر
الأول وهو صحيح صريح في المدعى ، قال : في المسالك وفي حكم تلفها تلف بعضها وان قل ، لدلالة الرواية عليه ، فان العين مع تلف جزء منها لا تعد قائمة ، انتهى.
وفيه إشكال فإن الظاهر أن المراد بقيامها بعينها كما تضمنه الخبر انما هو بمعنى وجودها وعدم تلفها ، فلا يؤثر تلف بعضها خصوصا مع قلته كاصبع العبد لو قطعت ، فإنه لا ينافي قيام العين ووجودها عرفا ، وبالجملة فإن ما ذكره لا يخلو عندي من شوب الإشكال.
الثالثة - فيما لو عوض عنها وان كان العوض قليلا إذا حصل التراضي ، واللزوم في هذه الصورة إجماعي حتى من المرتضى ، ويدل على ذلك الخبر الثاني وهو صحيح صريح في عدم جواز الرجوع إذا عوض ، والخبر السابع حيث حكم عليهالسلام بجواز الهبة الذي هو كما عرفت آنفا عبارة عن لزومها في صورة ذي القرابة ، والذي يثاب أي يعوض.
قال في المسالك : ولا فرق في العوض بين كونه من بعض الموهوب وغيره ، عملا بالإطلاق ، ولأنه بالقبض بعد العقد مملوك للمتهب ، فيصح بذله عوضا عن الجملة ، انتهى.
أقول : يمكن أن يقال : ان المتبادر من المعاوضة هو كون أحد العوضين غير الآخر ، ولو تم ما ذكره للزم أنه لو دفعه المتهب بجميعه الى الواهب بعد القبض لصدق المعاوضة ، مع أنه لا يسمى ذلك معاوضة ، فإنما يسمى ردا ، ولا فرق بين دفع البعض ودفع الكل ، قوله «لأنه بالقبض بعد العقد مملوك للمتهب» مسلم ، لكنه ملك متزلزل لا يلزم إلا بإعطاء العوض ونحوه ، من الأمور الموجبة للزوم
وبالجملة فإنه بإعطاء بعض الموهوب أو جميعه انما يقال : رده أورد بعضه ولا يقال. أعطى عوضه بهذا هو الظاهر من العرف والاستعمال ، وبه يظهر أن ما ذكره لا يخلو من شوب الاشكال.
ثم ان الظاهر من إطلاق الخبرين المذكورين أنه لا فرق في لزوم الهبة
بالتعويض بين أن يكون قد شرط التعويض في العقد ، أو وقع بعده بأن وقع العقد مطلقا ، الا أنه بذل له العوض بعد ذلك وأعطاه إياه ، لكنهم صرحوا بأنه لا يحصل التعويض بمجرد البذل ، بل لا بد من قبول الواهب له ، وكون البذل عوضا عن الموهوب قالوا : لأنه بمنزلة هبة جديدة ، ولا يجب عليه قبولها.
بقي الكلام هنا في أنه لو وهب وأطلق هل يقتضي التعويض أم لا؟ المشهور الثاني ، وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط : الهبة على ثلاثة أقسام ، هبة لمن فوقه ، وهبة لمن دونه ، وهبة لمن هو مثله ، وكلها يقتضي الثواب عندنا ، ومقتضاه أنه بالهبة يجب على المتهب بذل العوض ، ويلزم وان لم يطلبه الواهب ، ولا قائل به سواه ، الا أن أبا الصلاح وافقه في هبة الأدنى للأعلى ، فقال : انها يقتضي الثواب فيعوض عنها بمثلها ، ولا يجوز التصرف في الهبة ما لم يعوض عنها ، لاقتضاء العرف ذلك.
ورد كل من القولين المذكورين بأن الأصل والعمومات يقتضي خلافه ، وربما حمل كلام الشيخ على جواز الرجوع في الهبة ما لم يثب ، كما لو شرط فيها فيكون المراد أن لزومها انما يتحقق به ، والى هذا يميل كلام العلامة في المختلف في مقام الرد على ابن إدريس انتصارا للشيخ والحق بعده.
وبالجملة فإن الحكم مع الإطلاق كما هو المشهور هو أن الهبة جائزة من جهة الواهب إلا أن يحصل التعويض بما يتفقان عليه ، ومع الاختلاف يرجع الى مثل الموهوب أو قيمته ، ولا خلاف في أنه لو شرط الثواب صح ، أطلق أو عين ، وله الرجوع ما لم يدفع اليه ما شرط ، ويدل عليه الخبر السادس (1)فإنه دال على حكم المشروطة بالثواب مطلقا ، أو معينا ، وأن للواهب الرجوع إذا لم يف المتهب بالشرط ، وأنه ليس للمتهب مع الشرط التصرف في الجارية حتى يفي بشرطه ، وفيه دلالة على تخير المتهب بين الوفاء بالشرط ، لتلزم الهبة ، ويجوز له التصرف ، وبين رد الهبة كما هو أحد القولين ، وهو منقول عن الشهيد في الدروس
1) ص 301.
وجماعة ، وقيل : بلزوم العقد من طرف المتهب ، وانه يجبر على الوفاء بالشرط مطلقا كان أو معينا ، هذا القول جار على ما قدمنا نقله عن الشيخ في الخلاف والمبسوط ، فلعل ما هنا تفريع عليه.
وكيف كان فالظاهر ضعفه ، فان المفهوم من الخبر المشار اليه خلافه ، فإنه لو كان العقد لازما من جهته لجاز له وطئ الجارية مع الشرط قبل الوفاء به ، حيث انه قد ملكها بالهبة ملكا لازما ، ويجب عليه الوفاء بالشرط كما هو المفروض ، ومفهوم الخبر بخلافه.
ثم انه على تقدير الشرط ان كان ما شرطه معينا فالحكم واضح ، وان كان مطلقا فان اتفقا على شيء قليلا أو كثيرا فلا إشكال أيضا ، والأوجب إثابة مقدار الهبة مثلا أو قيمة ، ولا يجب الأزيد وان طلبه الواهب ، كما لا يجبر الواهب على قبول الأقل الا أنه يجب أن يعلم أن ذلك ليس على جهة اللزوم والحتم ، بل يتخير الواهب في كلتا الصورتين بين الرجوع وقبول العوض ، لأن العقد من جهته غير لازم قبل التعويض ، ويتخير المتهب بين الرد والإثابة ، إلا على قول الشيخ المتقدم وأبى الصلاح في خصوص ما ذكره ، حيث حكما باللزوم من جهة المتهب ، وأوجبا عليه الإثابة ، وان اختلفا في العموم والخصوص ، وقد عرفت ضعفه.
ثم انه على تقدير الاشتراط لو تلفت العين في يد المتهب قبل التعويض أو عابت سواء كان ذلك بفعله كلبس الثوب أم لا ، فهل يضمن المتهب الأرش أو الأصل أم لا ضمان؟ قولان : صرح في المختلف بالأول ، ونقل عن ابن الجنيد من المتقدمين.
قال في المختلف : وان شرط الثواب فإن أطلق كان إطلاقه منصرفا إلى العادة ، وان شرط معينا فإن أثابه إياه لزمت الهبة ، وإلا كان للمالك العود في هبته ، فان كانت ناقصة فعليه الأرش ، وان كانت تالفة فعليه المثل أو القيمة ، لأنه ملكه بشرط العوض ، ولم يسلم له فكان له الرجوع في عينه ، انتهى.
وجزم في التذكرة - ومثله ولده في الشرح - بالثاني ، واختاره المحقق
على تردد ، واحتجوا عليه بأن ذلك النقص حدث في ملك المتهب ، فلا يلزمه ضمانه ، ولأن المتهب لا يجب عليه دفع العوض كما مر ، بل للواهب الرجوع في العين والتفريط منه من حيث تركها في يد من سلطه على التصرف فيها مجانا.
احتج القائلون بالأول بما عرفت من كلامه في المختلف وهو انما ملكه بشرط العوض لا مجانا ، فإنه إنما قبضها ليؤدي عوضها فلم يفعل ، ومن ذلك يظهر أن الواجب عليه أحد الأمرين ردها ، أو دفع العوض ، فان تعذر الأول وجب الثاني.
ومنه يعلم الجواب عن دليل المخالف ، وقوله «انه سلطه على التصرف فيه مجانا» فإنه إنما سلطه بشرط العوض ، وهذا هو معنى الضمان ، وقولهم انه لا يجب عليه دفع العوض ، ان أريد به عدم وجوبه عينا لم يلزم منه نفي الوجوب عن المبدل الذي هو المدعى ، وحينئذ فإذا تعذر أحد الأمرين المخير بينهما تعين الآخر ، وان أريد به عدم الوجوب بالكلية فهو ممنوع ، والى هذا القول مال في المسالك ، وقوته بما ذكرنا ظاهرة.
ثم انه على تقدير القول بالضمان مع التلف فهل الواجب مثل الموهوب أو قيمته؟ أو أن الواجب انما هو أقل الأمرين من ذلك ومن العوض ، وجهان : اختار ثانيهما في المسالك ، قال : لما عرفت من أن المتهب مخير بين الأمرين ، والمحقق لزومه هو الأقل ، لأنه ان كان العوض الأقل فقد رضي به الواهب في مقابلة العين ، وان كان الموهوب هو الأقل فالمتهب لا يتعين عليه العوض ، بل هو مخير بينه وبين بذل العين ، فلا يجب مع تلفها أكثر من قيمتها ، انتهى وهو جيد.
الرابعة - فيما لو كانت لأحد الزوجين ، والمشهور بين الأصحاب كراهة الرجوع فيما يهبه أحدهما للآخر من غير أن تكون الهبة لازمة يحرم الرجوع فيما ، وذهب جمع منهم الى عدم جواز الرجوع كالصور المتقدمة ، والأول قول الشيخ في كتبه واتباعه ، والثاني نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب ، وبه
أفتى العلامة في التذكرة ، ونقله في التحرير عن الشيخ ، وهو مختار جملة من متأخري المتأخرين ، منهم المحدث الكاشاني في المفاتيح ، والفاضل الخراساني في الكفاية وهو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ، ونقله عن جماعة من الأصحاب (رحمهماللّه) وظاهر شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد الميل اليه من غير جزم ، حيث نفى عنه البعد ، وهذا هو الأظهر عملا بالخبر الرابع (1)وهو صحيح صريح في ذلك ، وبه يخص عموم الأخبار الدالة على جواز الرجوع بعد القبض مطلقا ، كما خص بغيره من الأخبار المتقدمة في الصور السابقة ، وعلى هذا فتكون الزوجية من أسباب اللزوم المستثناة من تلك الأخبار ، كغيرها مما قدمنا ذكره.
والظاهر أن من قال بالأول نظر الى عموم الأخبار الدالة على جواز الرجوع بعد القبض ، فجوز الرجوع وجعل ذلك مكروها ، نظرا الى قوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) في صحيحة الحلبي (2)الذي يرجع في هبته كالذي يرجع في قيئه ونحوها غيرها ، بحمله على الكراهة المؤكدة جمعا بينه وبين تلك الأخبار الدالة على جواز الرجوع كما تقدم ذكره ، إلا أن فيه ما عرفت من ورود الخبر الصحيح الصريح باللزوم ، وربما طعن في الصحيحة المذكورة بقوله عليهالسلام فيها «حيز أو لم يحز» حيث ان ظاهره لزوم الهبة ، وان لم يقبض وهم لا يقولون به ، فما يدل عليه الخبر لا يقولون به ، وما يقولون به لا يدل عليه ، وأجاب عن ذلك في المسالك بأنه لما قامت الأدلة على عدم لزومها قبل القبض ، وجب أن تحمل هذه الأخبار على قبض آخر جديد غير القبض الأول ، جمعا بين الأدلة.
أقول : ويمكن أن يقال بالخبر المذكور على ظاهره ، ويخص هذا الحكم بالزوجين ، ولا مانع منه ، إذا دل عليه الخبر ، فكما أنه دل على استثناء الزوجين
من عموم تلك الأخبار الدالة على جواز الرجوع بعد القبض ، كذلك على استثنائهما من عموم الأخبار الدالة على جواز الرجوع قبل القبض ، فيقال : تلزم هبة أحد الزوجين للآخر بمجرد العقد ، قبض أو لم يقبض ، وان كان الحكم في غيرهما جواز الرجوع قبل القبض مطلقا ، وبعده إلا في الصورة المتقدمة التي دلت النصوص على استثنائها ، وأي مانع من ذلك ، إذا اقتضاه الدليل ، سيما مع استدلاله عليهالسلام بالآيات المذكورة ، وهي مطلقة شاملة لما قبض أو لم يقبض.
وكيف كان فالظاهر أنه لا فرق في الزوجين بين الدائم والمنقطع ولا بين المدخول بها وغيرها ، ولا بين المطلقة رجعيا وغيرها ، بإطلاق النص ، أما البائنة فإنها ليست زوجة ، واللّه العالم.
الخامسة - فيما لو ضم إليها قصد القربة «ولا ينبغي لمن أعطى اللّه شيئا ان يرجع فيه ، وما لم يعط لله فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة حيزت أو لم تحز» وفي موثق عبيد بن زرارة (1)«ولمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز ولا ينبغي لمن أعطى لله عزوجل أن يرجع فيه». وفي الخبر التاسع «هل لأحد أن يرجع في صدقته أو هبته قال : أما ما تصدق به لله فلا». ويؤيدها جملة من الأخبار المتقدمة في الصدقة ، وأنه لا يجوز الرجوع فيما قصد به القربة ، وعلل بعض المحدثين بأنه بالقربة قد استحق الثواب ، وصار عوضا ، فيكون من قبيل الهبة المعوضة التي قد تقدم أنه لا يجوز الرجوع فيها وهو جيد ، واللّه العالم.
السادسة - التصرف ، وقد اختلف الأصحاب (رحمهماللّه) في أن تصرف المتهب إذا لم يكن داخلا في أحد الصور المتقدم ذكرها هل يوجب لزوم الهبة ويمنع رجوع المالك فيها أم لا؟ على أقوال : أحدها - عدم تأثير التصرف مطلقا في لزومها ، سواء كان تصرفا ناقلا للملك مانعا من الرد كالاستيلاد ، أو مغيرا للعين
1) التهذيب ج 9 ص 153 ح 2 ، الوسائل ج 13 ص 342 ح 1.
كطحن الحنطة ونحوها ، بل للواهب فسخها كما لو كانت قبل التصرف ، وهو مذهب المحقق في كتابيه ، واليه ذهب سلار وأبو الصلاح وهو ظاهر ابن الجنيد.
وثانيها - أنها تلزم بالتصرف مطلقا ، واليه ذهب الشيخان ، وابن البراج ، وابن إدريس ، وأكثر المتأخرين كالعلامة والشهيد في اللمعة وغيرهما.
وثالثها - التفصيل في ذلك ، بأنه ان كان التصرف موجبا لخروجها عن ملكه أو مغيرا لصورتها كقصارة الثوب ونجارة الخشب أو كان التصرف بالوطء ، فإنها تكون لازمة ، وان كان التصرف بدون ذلك كركوب الدابة وسكنى الدار وحلب اللبن ونحوها ، فإنها غير لازمة ، وهذا القول مذهب ابن حمزة والشهيد في الدروس وجماعة من المتأخرين ، وزاد ابن حمزة فقال : لا يقدح الرهن والكتابة ، وهو يشمل بإطلاقه ما لو عاد الى ملك الواهب أو لم يعد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مما يدل على القول الأول ظاهر الخبر الأول (1)وهو صحيح ، والتقريب فيه أنه عليهالسلام جوز الرجوع إذا كانت الهبة قائمة بعينها ، والا فليس له ، وقيام العين الذي هو عبارة عن بقائها شامل لحالتي التصرف وعدمه ، وكذا ظاهر الخبر السابع (2)لقوله عليهالسلام بعد ذكر ما يدل على عدم الرجوع بالنسبة إلى ذي القرابة والذي يثاب ، «ويرجع في غير ذلك ان شاء» ،
وأجاب في المختلف عن هذين الخبرين حيث احتج بهما لأصحاب القول الأول مقتصرا عليهما بالحمل على ما إذا لم يوجد التصرف ، وفيه أن الحمل على خلاف الظاهر - كتخصيص العام وتقييد المطلق - يتوقف على وجود المعارض ليجمع بينهما بذلك ، وهو لم يذكر هنا ما يوجب المعارضة على هذا الوجه الا بعض الوجود الضعيفة ، كما سيظهر لك ان شاء اللّه تعالى ، ثم ان مما يستدل به لهذا القول الأخبار المتقدمة ذكرها في صدر هذا الموضع ، فإنها متفقة على جواز
الرجوع بعد القبض مطلقا في بعض ، ومع استثناء بعض الصور المتقدمة في بعض ، ففي بعضها استثناء ما يعطى لله من نحلة أو هبة أو صدقة ، وبعضها استثناء ذي الرحم ، والتحقيق في هذا المقام انك إذا نظرت الى الروايات الدالة على جواز الرجوع بعد القبض مطلقا ، أو ضممت إليها ما دل من الأخبار على عدم جواز الرجوع في الصور التي قدمناها ، ظهر لك أن الواجب تقييد إطلاق تلك الأخبار بهذه الأخبار الواردة في هذه الصور ، وبقاء ما عدا هذه الصور على الدخول تحت الإطلاق ، فإن العام المخصص والمطلق المقيد حجة فيما بقي بعد التخصيص والتقييد ، ولا دليل في هذه الصورة المدعاة هنا حتى يمكن أن يخصص تلك الأخبار به ، كما خصصت بغيره من اخبار الصور المتقدمة ، وبه تظهر قوة القول المذكور.
حجة القول الثاني - وجوه ملتقطة من تضاعيف عبارات أصحاب هذا القول عموم قوله تعالى (1)«لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» وليس الرجوع تجارة ، ولا عن تراض ، وهذا مما استدل به في المختلف على ما اختاره من هذا القول.
الثاني - عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2)خرج منه ما دل الدليل على جوازه ، فيبقى الباقي على أصله.
الثالث - رواية إبراهيم بن عبد الحميد (3)عن الصادق عليهالسلام قال : «أنت بالخيار في الهبة ما دامت في يدك ، فإذا خرجت الى صاحبها فليس لك أن ترجع فيها» وقال : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : «من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئه». خرج من ذلك ما أخرجه الدليل ، وبقي الباقي على أصله ، وهذا الوجه مما استدل به في المختلف أيضا.
الرابع - جواز الرجوع يقتضي تسلط الواهب على ملك المتهب ، وهو خلاف الأصل لقوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)«الناس مسلطون على أموالهم». فيقتصر فيه على موضع الدليل.
الخامس - قال الشيخ وروى الأصحاب أن المتهب متى تصرف في الهبة فلا رجوع فيها ، وهو يدل على وجود روايات بذلك.
السادس - أن المتهب قد ملك بالعقد والإقباض ، فظهر أثر المتهب بالتصرف ، فقوى وجود السبب فكان تاما ، وإلا لم يتحقق أثره ، فلا يتحقق النقل إلا بسبب طار ، والرجوع ليس سببا هنا ، وإلا لكان سببا في غيره ، وهذا الوجه مما ذكره في المختلف ، وهو أول أدلته.
السابع - أن جواز الرجوع يقتضي الضرر والإضرار بالمتهب على تقدير بنائه وغرسه وطول مدته ، وهما منفيان شرعا.
الثامن - ان الموهوب قد صار ملكا للمتهب بعقد الهبة فلا يعود الى ملك الواهب إلا بعقد جديد أو ما هو في حكمه.
التاسع - أنه إجماع ، لأن المخالف معروف بالاسم والنسب فلا يقدح.
العاشر - اخبار القيء ، وهي متعددة ، هذه جملة أدلتهم على القول الثاني ، وسنبين ان شاء اللّه تعالى ما فيها من القصور ، لكن قبل الشروع في ذلك لا بد من تمهيد كلام في المقام يكون كالوجه الجهلى لرد ما ذكروه هؤلاء الأعلام ، ثم نعطف الكلام على بيان ما في هذه الوجوه السقام ، فنقول قد عرفت مما ذكرناه في صدر هذا الموضع ان المشهور في كلامهم من غير خلاف يعرف ، بل ادعى عليه الإجماع ، أنه يجوز الرجوع بعد القبض إلا في مواضع مخصوصة ، وقد دلت جملة من الأخبار الصحاح الصراح على ذلك ، وأما ما عارضها من الأخبار الدالة على العدم فمع قصورها عن المعارضة لتلك الأخبار ، فإنه لا قائل بها من الأصحاب ،
1) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث ح 7.
وحملوها على الكراهة المغلظة جمعا بين الأخبار وحينئذ فالواجب هو الوقوف على هذه الأخبار المذكورة الصحيحة الصريحة المعتضدة بعمل الأصحاب واتفاقهم على القول بها حتى يقوم دليل على ما يوجب الخروج عن إطلاقها وعمومها.
نعم قام الدليل بالنسبة إلى الصور التي قدمناها ، فذيلناه بالأخبار الدالة على ذلك فوجب استثنائها ، واما فيما نحن فيه فليس إلا هذه الوجوه التي لفقوها ، وهي أوهن من بيت العنكبوت ، وانها لأوهن البيوت.
أما الأول ففيه أن الرجوع ليس أكل مال بالباطل ، لأنا إنما جوزنا الرجوع بتلك الأخبار الصحيحة الصريحة في جواز الرجوع بعد القبض ، فإنها صحيحة صريحة في الرجوع.
نعم قام الدليل من خارج على عدم جواز الرجوع في بعض الموارد ، فخصصنا به تلك الأخبار ، فبقيت فيما عداه على إطلاقها ، بل أكل المال بالباطل إنما يلزم القائل باللزوم ، وعدم جواز الرجوع ، فإنه متى دلت الأخبار على جواز الرجوع ويرجع الواهب ، ولم يدفع إليه بناء على دعوى لزوم الهبة بالتصرف ، فان اللازم من ذلك أكل المتهب لها بالباطل ، لمخالفته مقتضى النصوص المذكورة الدالة على استحقاق الواهب لها بعد رجوعه منها.
وأما الثاني ففيه أن العقود منها الصحيح ، ومنها الفاسد ، ومنها الجائز ومنها اللازم ، وقد حققنا سابقا أنه لا يجوز العمل بالآية على ظاهرها لما عرفت ، بل الواجب حملها على العقود اللازمة ، وما نحن فيه ليس بلازم ، لدلالة النصوص الصحيحة واتفاقهم على جواز الرجوع بعد القبض أعم من أن يكون قد تصرف أو لم يتصرف ودعوى كون العقد لازما هنا بالتصرف مصادرة ، لانه عين المتنازع.
وأما الثالث فمع قطع النظر عن ضعف السند الذي يوجب طرحه باصطلاحهم فضلا عن أن يصلح للمعارضة ، فإنك قد عرفت أن هذا الخبر وما في معناه من الأخبار الدالة على عدم الرجوع بعد القبض قد حملها الأصحاب على الكراهة ،
تفاديا من طرحها ، حيث انه لا قائل بها ، فكيف يستدلون بها هنا ، وهم انما يدعون اللزوم هنا من حيث التصرف ، والرواية وما في معناها إنما دلت على اللزوم وعدم جواز الرجوع بمجرد القبض ، وليس فيها تعرض للتصرف بوجه ، فما تدل عليه الرواية لا يقولون به ، وما يقولون لا تدل عليه فكيف يتم الاستدلال بها والحال كما ترى.
وأما الرابع ففيه أن جواز الرجوع مما اقتضته الصحاح المتقدم ذكرها والمتهب انما ملكه ملكا متزلزلا مراعى بعدم الفسخ من الواهب ، فان مجرد القبض لا يقتضي لزوم الهبة ، كما عرفت ، بل هي جائزة لا تلزم إلا بأحد الأسباب الموجبة للزومها ، وليس هذا منها ، ودعوى ان التصرف من جملتها مصادرة ، ومتى فسخ الواهب ورجع فإنما رجع في ماله ، وتسلط على ماله ، لا مال المتهب ، وحينئذ فالاستدلال بالخبر عليهم ، لا لهم.
واما الخامس ففيه أن الاستدلال بمجرد هذا الكلام مجازفة محضة سيما على مذاقهم واصطلاحهم ، ومناقشتهم في الأخبار المروية في الأصول ، فكيف يعتمدون هنا على مجرد هذا الكلام ، مع أن كتب الأخبار خالية من ذلك وأصحاب هذا القول بعد الفحص والمناقشة في تحصيل دليل لهم من الأخبار لم يعثروا ، إلا على رواية إبراهيم بن عبد الحميد المذكورة ، وأوردوا واستدلوا بها ، وقد عرفت ما فيها سندا ودلالة.
وأما السادس وهو أقوى أدلته في المختلف ، ولهذا قدمه وبالغ في الذب عنه ، ففيه ما ذكره في المسالك من أنه ان أراد بالملك بعد العقد والإقباض هو الملك على جهة اللزوم ، فهو عين النزاع ومحل البحث ، وهل هو إلا مصادرة ، وان أراد تحقق الملك المطلق أعم من اللازم والجائز وترتب أثر هذا المطلق فهو غير نافع لأن العقد الجائز لا يرفع جوازه التصرف فيه على هذا الوجه ، كما يظهر ذلك في تصرف أحد المتبايعين مع وجود الخيار للآخر ، وكما في التصرف غير المغير للعين
ولا الناقل للملك في الهبة عند بعض الأصحاب ، وحينئذ فالظاهر من أثر الملك إنما هو أثر الملك اللازم الحاصل وهو الحائز رفعه على ما يدعيه الخصم ، ودلت عليه الأخبار الصحيحة ، وذلك لا يوجب قوة السبب ولا تماميته ، ولا ينافي كونه سببا ، ودعوى كون الرجوع ليس سببا هنا عين المتنازع ، فان الخصم يجعله سببا تاما في رفع ملك المتهب ، وإثبات ملك الواهب بواسطة جواز العقد الذي قد استفيد من النصوص ، انتهى ، وهو جيد رشيق.
وأما السابع فضعفه أظهر من أن يخفى ، إذ لا خلاف كما عرفت ولا إشكال في كون العقد بعد القبض جائزا متزلزلا ، للواهب فسخه والرجوع فيما وهبه متى أراد ، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المعتضدة بفتوى الأصحاب واتفاقهم ، وحينئذ فتصرف المتهب على هذا الوجه اقدام منه على الضرر ، ورضا به ، لتصرفه في ملك غير مستقر ولا لازم ، فادخاله الضرر على نفسه لا يكون حجة على غيره ، ولا يدخل تحت خبر الضرار ، كما هو ظاهر لذوي الأبصار والأفكار.
وأما الثامن فهو كسابقه في الضعف ، لما تقدم في جواب الوجه السادس ، وهو أنه ان أراد بالملك هو الملك اللازم فهو أول المسئلة ومحل البحث ، وان أراد الأعم لم ينفعه ، ولم يضر الخصم ، وأما قوله فلا يعود الى ملك الواهب إلا بعقد جديد وما في حكمه ، ففيه بعد الإغماض عن المناقشة فيه بأن ذلك إنما هو في الملك اللازم الذي ليس لصاحبه الرجوع فيه ، على أنا نقول ان الفسخ هنا في حكم العقد ، حيث انه ناقل للملك من المتهب الى الواهب ، كما هو ظاهر.
وأما التاسع فهو أشد ضعفا من هذه الوجوه المذكورة ، وكيف يدعى الإجماع في موضع هذا الخلاف المنتشر بين عظماء الطائفة ، والمعركة العظمى والمناقشات الزائدة كما عرفت ، وستعرف ، ونحن في شك واشكال من حجية الإجماع في موضع لم يظهر فيه الخلاف ، فكيف بهذا الموضع الذي قد عرفت اتساع دائرة الخلاف فيه ، وما هذه الدعوى عند ذوي الإنصاف إلا من قبيل الهذيانات
والتخيلات الموجبة لارتكاب جادة الاعتساب.
وأما العاشر فان فيه أن ما دل عليه ظاهر هذه الأخبار من تحريم الرجوع في الهبة وأنه كالرجوع في القيء الذي لا خلاف في تحريمه لا قائل به على إطلاقه مع دلالة الأخبار الصحاح الصراح المتقدم ذكرها على جواز الرجوع في الهبة بعد القبض ، ما لم يعرض لها ما يوجب لزومها في تلك الصور المتقدمة.
وحينئذ فالواجب إما حمل هذه الأخبار على الكراهة المؤكدة كما ذكره الأصحاب ، أو العمل بظاهرها وتخصيصها بالصورة التي تلزم فيها الهبة ، ويحرم الرجوع بها ، وأما العمل بظاهرها فهو غير مستقيم كما هو ظاهر لذوي الفهم القويم.
حجة القول بالتفصيل : - بأنه ان كان التصرف موجبا لخروجها عن ملكه ، أو مغيرا للصورة كقصارة الثوب وطحن الحنطة ونجر الخشب وكذا الوطي فهي لازمة ، وان لم يكن كذلك كركوب الدابة ولبس الثوب وسكنى الدار فهي جائزة يجوز الرجوع فيها - الخبر الأول (1)الدال على أنه إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها ، وإلا فليس له الرجوع ، والتقريب فيه أنه مع تغير العين بطحن الحنطة وتقطيع الثوب ونجر الخشب ونحو ذلك ، لا يصدق بقاء العين لأن المتبادر منه بقاؤها على حالها وأوصافها التي قبضها المتهب عليها ، لا أصل الذات ومع خروجها عن ملكه لا يصدق بقاؤها عرفا ، لأن ذلك منزل منزلة التلف ، فضلا عن أصل الخروج عن الوصف ، وعلى هذا فتكون هذه الرواية مخصصة أو مقيدة لتلك الأخبار الصحاح المقدم ذكرها ، كما قيدوها بتلك الصور المتقدمة واعترض على ذلك في المسالك بأن الخبر المذكور لا يخلو من الإشكال في السند والدلالة ، أما السند فلعدم كونها من الصحيح ممن يعتبر عدالة الراوي بالمعنى المشهور ، يشكل عليه العمل بها.
وأما الدلالة فتظهر في صورة نقلها عن الملك مع قيام عينها بحالها ، فان اقامة
1) ص 300.
النقل مقام تغير العين أو زوالها لا يخلو من تحكم أو تكلف ، بل قد يدعى قيام العين ببقاء الذات مع تغير كثير من الأوصاف ، فضلا عن تغيير يسير ، قال : وأيضا فأصحاب هذا القول ألحقوا الوطي مطلقا بالتغيير ، مع صدق بقاء العين بحالها ، اللّهم الا أن يدعى في الوطي عدم بقاء عينه عرفا وليس بواضح ، أو يخص بما لو صارت أم ولد ، فإنها ينزل منزلة التالفة من حيث امتناع نقلها عن ملك الواطئ وعلى كل حال فتقييد تلك الأخبار الكثيرة الصحيحة الواضحة الدلالة بمثل هذا الخبر الواحد البعيد الدلالة في كثير من مدعيات تفصيله لا يخلو من اشكال ، الا أنه أقرب من القول المشهور باللزوم مطلقا ، انتهى.
أقول - وباللّه التوفيق الى سواء الطريق - : انه لا يخفى أن الطعن في الخبر المذكور بالسند غير مرضي ولا معتمد ، ولو على تقدير هذا الاصطلاح المحدث ، فإن جملة منهم قد عدوه في الصحيح ، حيث ان حسنه انما هو بإبراهيم بن هاشم الذي قد تلقوا أحاديثه بالقبول ، وان عدوه في الحسن ، فالمناقشة في السند ضعيفة واهية.
وأما في المتن فالتحقيق أن يقال : ان الخبر المذكور وان لم ينهض بالدلالة على ما ذكره القائل بالتفصيل في جميع ما أورده ، وادعى اللزوم بسببه ، الا انه ظاهر في البعض ، لانه من جملة ما عده من التصرف الموجب للزوم تقطيع الثوب ، ونجر الخشب ، وطحن الحنطة ، ومن الظاهر أن التصرف بهذه الأنحاء ونحوها لا يصدق معها قيام الهبة بعينها ، لما عرفت آنفا ، ففي هذه الحال لا يبعد القول باللزوم ، وإلحاق ذلك بالتلف ، وأما بالنسبة إلى نقلها عن الملك ، فالظاهر صدق قيامها بعينها ، كما اختاره شيخنا المتقدم ذكره ، فله حينئذ الرجوع فيها ، وظاهره في الدروس الحاقه بالتلف في اللزوم ، ومثل ذلك الوطي أيضا ان أرادوا به مطلق الوطي ، وان خصوه بالاستيلاد فإشكال ، لصدق بقاء العين الموجب للرجوع ، وحصول الاستيلاد المانع من النقل من ملك الواطئ.
وبالجملة فالذي يظهر لي من الخبر المذكور هو إلحاق التصرف الموجب لزوال الصورة على النحو المتقدم بالتلف ، وأما ما عداه فلا ، إلا في الاستيلاد ، فإنه محل توقف ، وعلى تقدير القول باللزوم بالتصرف الناقل للملك ، ففي تنزيل موت المتهب وانتقال الهبة إلى الورثة منزلة التصرف الناقل قولان : أحدهما - العدم ، فيجوز الرجوع ، لأن هذا الانتقال لم يحصل بتصرفه ونقله ، والتصرف الذي هو الموجب للزوم عندهم غير حاصل ، فيبقى كغيره على الجواز الموجب لجواز الرجوع ، لدخوله تحت الأدلة المجوزة للرجوع.
وقيل : إنه منزل منزلته ، لأن انتقاله عنه بالموت بفعل اللّه تعالى أقوى من نقله بفعل المتهب ، وهو خيرة الشهيد في الدروس ، وشرح الإرشاد ، وقواه في الروضة.
وأنت خبير بأن مستند هذا القول أعنى بالتفصيل انما هو الخبر المتقدم كما عرفت ، وهو قد تضمن جواز الرجوع إذا كانت الهبة قائمة بعينها ، وإلا فلا ، وهو أعم من أن يكون عدم قيامها بعينها الموجب لعدم الرجوع مستندا الى فعل اللّه سبحانه ، أو فعل المتهب.
لكن يبقى الإشكال في أنه هل يصدق عدم قيامها بعينها على صورة الانتقال ، أم لا؟ وقد عرفت مما قدمنا نقله عن المسالك منع ذلك ، حيث نسبه الى التحكم وهو القول بغير دليل ، أو التكلف ، فيجوز الرجوع لصدق قيامها بعينها ، وكلامه في الروضة ظاهر في موافقته للشهيد ، فما اختاره مؤذن بصدق ذلك ، وأنه مع الانتقال يصدق عدم قيامها بعينها ، وهو خلاف ما ذكره في المسالك ، كما لا يخفى اللّهم إلا ان يكون كلامه في الروضة مبنيا على المماشاة والتنزيل ، بناء على القول بذلك ، بمعنى أنا لو قلنا : بأن نقل المتهب الهبة إلى غيره موجب للزوم ، فهل يكون موت المتهب الموجب لنقل (اللّه سبحانه) لها كذلك أم لا؟ وحينئذ فيندفع عنه الإيراد ، واللّه العالم.
وفيه مسائل الأولى : إذا وهب وأقبض ثم باع الهبة من آخر فان كانت لازمة كما في الصورة المتقدمة ، فإن المبيع غير منعقد ولا صحيح ، لكونه تصرفا في ملك الغير بغير إذنه ، إلا أن يكون من باب البيع الفضولي على القول به ، فيتوقف على اجازة المتهب ان قلنا بصحته ، وإلا فلا ، وان كانت الهبة جائزة يجوز الرجوع فيها ، فهل يصح ويقوم مقام الرجوع فيها ، فيكون بيعا ورجوعا أم لا؟ بل لا بد من الرجوع أولا ثم البيع ، قولان. نقل ثانيهما عن الشيخ (رحمة اللّه عليه) في المبسوط ، وهو اختيار المحقق في الشرائع ، وبالأول صرح العلامة في الإرشاد والقواعد.
احتج القائل بالعدم بأن الهبة قد انتقلت الى ملك المتهب بالعقد ، وان كان انتقالا متزلزلا قابلا للزوال بالفسخ ، فبيعه قبل الفسخ وقع في ملك الغير ، لأنه باع ما لا يملكه.
احتج القائل بالصحة بأن الأصل صحة البيع ، وهو متضمن للرجوع ، والمسئلة خالية من النص ، إلا أن الأقرب بالنسبة إلى تعليلاتهم هو القول بالصحة وقول ذلك القائل أنه لا بد من الفسخ أولا وإلا لكان بيعا لما لا يملكه مردود ، بأنه لا ريب أن ارادة البيع وقصده قبل وقوع العقد ظاهر في إرادة الفسخ ويكون وقوع العقد كاشفا عن ذلك القصد ، فهو بيع بالنظر الى كشفه عن القصد والإرادة المتقدمين على العقد ، فيكون بيعا متضمنا للفسخ ، وأي مانع من ذلك ، والى هذا القول مال في المسالك ، وهو من حيث الاعتبار قوي ، وان كان من حيث عدم وجود النص في المسئلة لا يخلو من توقف ، ولو كانت الهبة فاسدة صح البيع إجماعا ، كما ادعاه في القواعد ، وهو مما لا اشكال فيه مع علمه بالفساد.
أما مع جهله وكون العقد عنده على الظاهر الصحة وان كان في نفس
الأمر فاسدا فإشكال ، ووجه الصحة في الجميع على ما قالوا هو كونه عقدا من مالك جائز التصرف ، فيكون صحيحا.
ووجه العدم على تقدير جهله بالفساد أنه لم يقصد نقله عن ملكه لبنائه من حيث جهله بالفساد على أنه ملك لغيره فيكون إنما باع ملك غيره ، والعقود تابعة للقصود ، فلا يكون العقد معلوم الصحة ، وأجيب عنه بأن إيقاع العقد باللفظ الصريح كاف في الدلالة على القصد اليه شرعا ، كما في نظائره من العقود ، إذ لا يشترط في صحته العلم بكونه قاصدا الى ذلك اللفظ ، حيث يكون شرعيا بل يحمل إطلاق لفظه - حيث يتجرد عن قرائن عدم القصد - على كونه قاصدا.
أقول : والظاهر عندي أنه لا ضرورة الى هذه التكلفات المذكورة ، والتعليلات المسطورة ، بل الأقرب أن يجعل الكلام هنا على تقدير الجهل بفساد الهبة ، وانها بحسب الظاهر صحيحة كالكلام في سائر هذه المسئلة وهو صحة الهبة ، ولا فرق بينهما إلا بأن الهبة في الأولى صحيحة ظاهرا وواقعا ، وفي الثانية صحيحة ظاهرا لا واقعا ، وحينئذ فإذا كان الكلام هنا كالكلام ثمة ، وقد عرفت ثمة أن الأقرب هو الحكم بصحة البيع ، وكونه بيعا صحيحا ، فأولى بالصحة هنا ، حيث انه لا إشكال في صحة البيع مع العلم بالفساد ومع الجهل بالفساد ، حتى حكمنا بصحة البيع بناء على صحة الهبة ظاهرا ، وان كانت فاسدة واقعا تتأكد الصحة بظهور الفساد ، لما عرفت من أنه لا إشكال في الصحة مع العلم به فالبيع صحيح على التقديرين.
حيث انهم قد صرحوا بصحة البيع فيما لو كانت الهبة فاسدة في الواقع ، ونفس الأمر ، وان كانت صحيحة في الظاهر على ما تقدم من الإشكال في بعض الصور ، لما ذكروه من التعليلات التي أشرنا إلى بعضها ، صرحوا بأن من قبيل ذلك ما لو باع مال مورثه ، وهو يعتقد بقاءه بمعنى أنه يحكم بصحة البيع على تقدير ظهور
موت المورث حالة البيع ، فإن البائع باع ما هو ملكه لحصول الشرط المعتبر في اللزوم ، وصدور البيع من مالك أمره ، ووجه البطلان في الموضعين اتحاد المسئلتين ، في أنه باع مال غيره بحسب الظاهر ، فيصير باطلا ، والقائل بالصحة هنا نظر الى وقوع البيع على ملكه واقعا ، حيث انه وقت البيع قد انتقل إليه بالإرث ، وان كان بحسب الظاهر أنه مال غيره ، لعدم علمه بالوفاة والانتقال اليه ،
واعترض ذلك في المسالك بناء على ما اعترض به في تلك المسئلة مما قدمنا الإشارة إليه ، فقال هنا أيضا : ويشكل بما مر من عدم قصده الى البيع اللازم ، بل انما قصد بيع غيره ، وأقدم على عقد الفضولي ، فينبغي أن يعتبر رضاه به مع ظهور الحال خصوصا مع ادعاء عدم القصد الى البيع على تقدير كونه ملكه ، ولعل هذا أقوى لدلالة القرائن عليه ، فلا أقل من جعله احتمالا مساويا للقصد الى البيع مطلقا ، فلا يبقى وثوق بالقصد المعتبر في لزوم البيع ، إلا أن يقال : ان المعتبر هو القصد الى بيع لازم وتوقفه على اجازة المالك أمر آخر ، والى مثل هذا نظر المصنف وجزم بصحة البيع ، ومثله ما لو باع مال غيره فظهر شراء وكيله له ، انتهى.
أقول : لا يخفى أن من باع مال غيره بغير اذنه ومنه بيع هذا الوارث مال مورثه بناء على حياته فإنه لا يخلو من أن يكون غاصبا أو فضوليا ، وعلى تقدير القول بصحة بيع الفضولي ، فإنه عندهم موقوف في لزومه على اجازة المالك ، وان عدمها يبطل ، والإجازة هنا غير ممكنة لظهور موته وقت البيع كما هو المفروض ، فيؤل الأمر إلى البطلان على كل من التقديرين ، هذا مع تسليم صحة البيع الفضولي وإلا فقد عرفت أن الحق فيه أنه باطل كما مضى تحقيقه في كتاب البيع بما لا مزيد عليه (1)وحينئذ فيبني الأمر في ذلك على أن التصرف الذي يكون بحسب الواقع شرعيا وان لم يكن بحسب الظاهر كذلك ، هل يترتب عليه ما يترتب على الشرعي ظاهرا وواقعا أم لا؟ وبعبارة أخرى موافقة الواقع وان لم يتعلق به
1) ج 18 ص 376.
قصد ولا ارادة ، بل ربما تعلق القصد والإرادة بغيره ، هل يكون كافيا في الصحة أم لا؟ الظاهر من تتبع النصوص ذلك ، سواء كان في العبادات أو المعاملات ، ومنه ما ذكره من مثال من باع مال غيره فظهر شراء وكيله له ، بمعنى أنه ظهر أن بيعه قد صادف الصحة بحسب الواقع ، وان كان بحسب الظاهر غير صحيح ، فإنه لا إشكال في صحته ، ولهذا الباب في العبادات - التي لا ريب في أن الأمر فيها من المعاملات أشكل وأصعب - أمثلة كثيرة ، وناقش بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الاكتفاء بموافقة الواقع اتفاقا إذا لم يكن مقصودا ، وقد تقدم الكلام معه في كتاب الصلاة في مسئلة من صلى في غير الوقت جاهلا (1)ولو تم ما توهمه من أن الاتفاق الخارج لا مدخل له في الأحكام الشرعية على الإطلاق كما زعمه ، لما أجزى الصوم آخر يوم من شعبان عن شهر رمضان متى ظهر كونه منه بعد ذلك ، ويسقط القضاء عمق أفطر يوما من شهر رمضان لعدم الرؤية في البلاد المتقاربة أو مطلقا على الخلاف في ذلك ، ويوجب الحد على من زنى بامرأة ثم ظهر كونها زوجته ، ويصح شراء من اشترى شيئا من يد أحد المسلمين ثم ظهر كونه غصبا ، ويوجب القضاء والكفارة على من أفطر يوما من شهر رمضان في الظاهر ثم ظهر كونه من شوال ، ويوجب القود أو الدية على من قتل شخصا عدوانا بحسب الظاهر ، ثم ظهر كونه ممن له قتله قودا ، ويوجب العوض علي من غصب مالا وتصرف فيه ثم ظهر كونه له ، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع ، واللازم أن يكون كلها باطلة اتفاقا ، وليس ذلك إلا من حيث الاكتفاء بمطابقة الواقع وان لم يكن مقصودا ، وما نحن فيه من قبيل ذلك ، وبذلك يظهر لك أن ما أطال به الكلام شيخنا المتقدم ذكره في المسالك بالنسبة إلى القصد في البيع وعدمه ، كله تطويل بغير طائل ، والحق في المقام هو ما حققناه.
ثم ما ادعاه في القواعد من الإجماع على صحة البيع لو كانت الهبة فاسدة كما
1) ج 6 ص 287.
قدمنا نقله عنه قد اعترضه في المسالك ، فقال : واعلم أن العلامة في القواعد ادعى الإجماع على صحة البيع بتقدير ظهور فساد الهبة ، وعطف عليه حكم ما لو باع مال مورثه ، والإجماع ممنوع ، مع أنه في كتاب البيع من الكتاب المذكور نقل الخلاف فيمن باع مال مورثه فبان موته ، وان استوجه الصحة ، انتهى.
أقول : من الجائز الممكن حصول الإجماع في مسئلة بيع ما ظهر فساد هبته مع الخلاف في المسئلة المعطوفة عليها ، بأن يكون عطفه عليها بناء على ما يختاره فيها ، لا بمعنى أنها مجمع عليها مثل الأولى ، والمسئلة الأولى لم يظهر فيها منازع سواه (قدسسره) فيما أعلم ، وهو لا ينافي دعوى الإجماع قبله ، فإنه مع مناقشته بما قدمنا ذكره عنه لم يذكر مخالفا سواه ، ولم يشر الى خلاف في المسئلة بالكلية كما هي عادته غالبا.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم قد ألحقوا بالمسئلة المتقدمة فرعا آخر أيضا ، وهو أنه لو أوصى برقبة معتقة وظهر فساد العتق ، فإن الوصية تكون صحيحة ، لمصادفتها للملك بحسب الواقع من حيث فساد العتق ، وان كانت باطلة بالنظر الى الظاهر من حيث العتق الموجب للخروج عن الملك ، فالوصية لم تصادف الملك بحسب الظاهر ، فتبطل ، إلا أنه لما كان المدار انما هو على مصادفة الواقع ، والحال أنه لا عتق في الواقع كانت صحيحة.
قال في المسالك بعد ذكر نحو ما ذكرناه من الحكم بالصحة وبيان الوجه في ذلك : ويشكل بما مر ، ويزيد هنا أنه على تقدير كونه معتقا ظاهرا ولم يتبين له حال الوصية فساد العتق أنه لا يكون قاصدا إلى الوصية الشرعية ، بل بمنزلة الهاذل والعابث بالنظر الى ظاهر حاله ، فلا ينفعه ظهور ملكه بعد ذلك في نفس الأمر ، بخلاف من باع غيره فإنه قاصد إلى بيع صحيح شرعي ، غايته أنه جائز من قبل المالك ، لكنه لازم من قبل المشتري فهو عقد شرعي مقصود اليه ، وان لم يقصد الى لزومه مطلقا ، بخلاف الوصية بالعتق ظاهرا ، فإنها بحسب الظاهر باطلة
ولا يتوجه قصده الى وصية شرعية أصلا ، لعدم علمه بها ، فالقول هنا بتوقفها على تجديد لفظ يدل على إمضائها متعين ، وهو في الحقيقة في قوة وصية جديدة ، إذ لا تنحصر في لفظ مخصوص ، بل كل لفظ يدل عليها كما سيأتي كاف وهذا منه ، انتهى.
أقول : لا ريب انه بالنظر الى الظاهر فالأمر كما ذكره من أنه بحسب الظاهر حيث لم يتبين له فساد العتق ، ثم لو وصى والحال هذه ، فإنه في معنى الهاذل أو العابث ، ولكن بالنظر الى الواقع حيث ان العتق فاسد في نفس الأمر وانه مالك فإنه لا مانع من الصحة ، لما قدمنا ذكره من أن مطابقة الواقع وان لم يتعلق به قصد بل ربما تعلق القصد بغيره كما عرفت من الأمثلة المتقدمة كاف في الصحة.
وما ذكره في الفرق بين بيع المذكور في الصورة الأولى والوصية من أنه في البيع قاصد الى بيع صحيح الى آخره ، ففيه أن جميع ما وصفه به ونوه به ، كله مراعى بإجازة المالك ، وأنه مع عدمها يكون العقد باطلا بلا خلاف ، والعقد المزبور قد وقع بعد موت المالك واقعا كما تقدم ، فالإجازة فيه متعذرة ، فتحتم أن يكون باطلا ، نعم لما اتفق واقعا كونه ملكا للبائع صح العقد بالنظر الى ذلك.
وبالجملة فإن هذا العقد بالنظر الى ظاهر الأمر وتصرف الوارث في مال مورثة بالبيع بناء على حياته قد ظهر كونه باطلا بعدم لحوق الإجازة له ، لكن لما اتفق انتقال ذلك الى الوارث واقعا وصار ملكا له وان لم يعلم به فقد صادف العقد ما يوجب صحته ، وان كان غير مقصود بل المقصود غيره كما عرفت في الصور المتقدمة ، وبعين هذا يقال في الوصية : فإنه لما أوصى بشيء لا يملكه ظاهرا ، فإنها بحسب الظاهر باطلة لكن لما صادف في الواقع ما يوجب الصحة ، وهو ملكه للعبد لبطلان العتق حكم بصحتها بالتقريب المتقدم في أمثالها.
وبالجملة فالظاهر هو القول المشهور ، ومناقشاته (قدسسره) في جميع هذه المواضع لا تخلو من القصور ، واللّه العالم.
المسئلة الثانية : قد صرحوا بأنه إذا تراخى القبض عن العقد ثم أقبض حكم بانتقال الملك من حين القبض لا من حين العقد ، وليس كذلك الوصية ، فإنه يحكم بانتقالها بالموت مع القبول ، وان تأخر القبض.
أقول : قد تقدم ذكر الخلاف سابقا في أن القبض هل هو شرط في اللزوم أو الصحة ، وأن المشهور بين المتأخرين هو الثاني ، والظاهر أن هذا الكلام مبني على هذا القول ، فان مقتضاه أن الملك لا يحصل إلا بعد القبض ، لكون العقد قبل القبض غير صحيح ، فلا يوجب الملك وأما على مذهب من قال : انه شرط في اللزوم فان العقد قبل القبض عنده صحيح ناقل للملك ، إلا أنه لا يلزم إلا بالقبض ، إلا أن هذا القول كما تقدم ذكره ، لا يخلو من الاشكال لما عرفت ثمة.
وبالجملة على تقدير القول بشرطيته في الصحة ، إنما يحصل الانتقال الى ملك المتهب بالقبض ، فيكون القبض ناقلا الملك لا كاشفا عن انتقاله بالعقد ، كما هو مقتضى القول باللزوم ، وتظهر الفائدة في مواضع ، منها النماء المتخلل بين العقد والقبض ، وأما الوصية فإنها تنتقل الى الموصى إليه بالقبول ، وموت الموصي ولا يشترط فيها القبض كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء اللّه تعالى ، وهذا هو الموافق لقواعد العقود ، الا أن الهبة خرجت عندهم بدليل خاص كما تقدم.
هذا والمفهوم من كلام بعضهم هو جواز تراخى القبض عن العقد ، والوجه فيه أصالة عدم الفورية لعدم الدليل عليها ، وفي القواعد استشكل في صورة تراخيه.
قال في المسالك : والاشكال مبني على القول بأن القبض شرط لصحة الهبة ، لا للزومها ، فيكون جزء من السبب المصحح لها كالقبول ، واعتبرت فوريته كما اعتبرت فورية القبول ، وفيه أن الجزئية لا تقتضي الفورية أيضا ، إذ لا امتناع في تراخي بعض أجزاء السبب عن بعض ، واعتبار الفورية في القبول جاء من دليل من خارج عند من اعتبرها ، نظرا منه الى أن جواب الإيجاب يعتبر فيه ما يعد معه
جوابا ، ومع ذلك ففيه ما فيه كما لا يخفى ، انتهى.
المسئلة الثالثة : لو أقر بالهبة وأنكر الإقباض كان القول قوله ، لأنه منكر والأصل عدم الإقباض ، فإن ادعى عليه من أقر له بالهبة الإقباض ، لزمته اليمين في إنكاره الإقباض ، وانما كانت اليمين لازمة له في هذه الصورة دون الأولى ، بل يقبل قوله هناك بغير يمين ، لأن اليمين انما تكون لإنكار ما يدعيه المدعي ، فإذا لم يدع عليه الإقباض لا وجه للزوم اليمين عليه ، وان صدق أنه منكر قبل الدعوى المذكورة ، إذ ليس كل منكر يلزمه اليمين على الإطلاق ، بل لا بد من انضمام دعوى ما أنكره المنكر ، وهو مما لا خلاف فيه ، ولا شبهة يعتريه ، ولو أقر بالهبة والتمليك فقال : وهبته وملكته ولكن أنكر القبض فالإشكال ، ينشأ من بناء الكلام هنا على ما تقدم من الخلاف في أن القبض هل شرط لصحة الهبة ، فلا يحصل الملك بدونه ، أم شرط للزومها فيحصل بدونه ، وان كان ملكا متزلزلا يجوز رفعه بالفسخ ، وبيان ذلك أن الهبة تحصل بمجرد الإيجاب والقبول. والقبض أمر خارج عن ماهيتها ، وانما اعتبر في صحتها أو لزومها ، فإقراره بالهبة وقوله وهبته لا يدل على أزيد من وقوع وقوع الهبة بالإيجاب والقبول ، وأما القبض فلا دلالة له عليه وقوله ثانيا وملكته فان قلنا بأن القبض شرط في الصحة فمقتضى هذا الإقرار أنه أقبضه ، لأن الملك على هذا القول لا يحصل إلا بالإقباض ، فيحكم عليه بالإقباض حيث يقول وملكته ، فلا معنى لإنكاره الإقباض حينئذ ، هذا ان كان المقر ممن يرى هذا القول اجتهادا أو تقليدا ، أو ان كان ممن يرى أن القبض شرط في اللزوم ، وأن الملك يحصل بغير القبض ، فيجوز أن يكون إقراره إخبارا عن رأيه ومعتقده ، فلا يدل على الإقباض ، وذيل الكلام في المقام واسع ، من أراد الوقوف عليه فليرجع الى مطولات الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) إلا أنه لما كانت المسئلة خالية عن النصوص ، فتطويل الكلام فيها بنحو هذه التعليلات تطويل بغير طائل واللّه العالم.
المسئلة الرابعة قالوا : إذا رجع الواهب في الهبة حيث يجوز له الرجوع فان وجدها بحالها لم تتغير ، فلا اشكال ، وان وجدها متغيرة معيبة لم يرجع بالأرش لأنه حدث في عين مملوكة للمتهب وقد سلطه مالكها على إتلافها مجانا فلا يكون مضمونة عليه ، سواء كان العيب بفعله أم لا ، وان وجدها زائدة زيادة متصلة كالسمن والتعلم فهي للواهب ، لأنها تابعة للعين ، بل داخلة في مسماها أو جزء لها لغة وعرفا ، فالرجوع في العين يستتبعها ،
وان وجدها زائدة زيادة منفصلة حسا وشرعا كالولد الناتج واللبن المحلوب والثمرة المقطوعة والكسب فهي للمتهب ، لأنها نماء حدث في ملكه ، فيختص به وان كانت الزيادة منفصلة حسا كالحمل المتجدد بعد القبض ، واللبن كذلك قبل أن يحلب والثمرة قبل قطافها ، فكذلك على المشهور ، لعين ما تقدم.
قال ابن حمزة : له الرجوع في الأم والحمل المتجدد ، بناء على انه كالجزء من الأم ، ومثله الصوف والشعر المنجز ، ولو لم يبلغ أو ان جزه ، فان الأشهر تبعيته للعين ، هذا كله إذا كانت الزيادة قد حدثت بعد ملك المتهب للعين ، وذلك بعد العقد والقبض ، وأما لو حدثت قبله فهي كالموجودة قبل الهبة ، فيرجع فيها كما يرجع في العين.
أقول ، قد تقدم الكلام في هذه المسئلة.
السبق بسكون الباء مصدر سبق ، وفي الصحاح مصدر سابق ، قال في المسالك : وكلاهما صحيح ، إلا أن الثاني أوفق بالمطلوب هنا ، لأن الواقع في معاملته بين كون العمل بين اثنين فصاعدا فباب المفاعلة به أولى ، والسبق بالتحريك ما يبذل للسابق عوض سبقه ، ويقال له الخطر بالخاء المعجمة والطاء المهملة المفتوحتين.
قال في كتاب المصباح المنير : «والسبق بفتحتين الخطر» ، وهو ما يتراهن عليه المتسابقان ، وسبقته بالتشديد ، أخذت منه السبق ، وسبقته أعطيته إياه ، قال الأزهري : وهذا من الأضداد ، انتهى.
قالوا : وفائدته بعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال ، لكونه من أهم الفوائد الدينية في الجهاد للأعداء الذي هو معظم أركان الإسلام ، وبهذه الفائدة خرج عن اللّهو واللعب المنهي عنهما ، وعن المعاملة عليهما ، وأنا أذكر أولا ما وقفت عليه من الأخبار الواردة عنهم عليهمالسلام في هذا المقام ثم اشفعه بما ذكره علمائنا الأعلام (رفع اللّه تعالى درجاتهم في دار المقام).
الأول - ما رواه في الكافي عن طلحة بن زيد (1)» عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أجرى الخيل التي أضمرت من الحفياء الى مسجد بنى زريق وسبقها من ثلاث نخلات فأعطى السابق عذقا وأعطى المصلي عذقا وأعطى الثالث عذقا». قوله عليهالسلام «التي أضمرت» إضمار الخيل بعلفها القوت بعد السمن يقال : ضمر البعير ضمورا - من باب قعد - : دق وقل لحمه ، قيل - والضمار بالكسر - : الموضع الذي تضمر فيه الخيل ، ويكون وقيا للأيام التي تضمر فيها ، وتضمر الخيل أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ، ثم لا تعلف إلا القوت لتخف ، وذلك في مدة أربعين يوما وهذه المدة تسمى الضمار ، والموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضا يسمى مضمار وقيل : هي أن تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها ، فيذهب زهلها ويشتد لحمها ، والحفيا بالحاء المهملة ثم الفاء يمد ويقصر ، موضع بالمدينة على أميال ، وبعضهم يقدم الياء على الفاء كذا في النهاية ، وبنوا زريق بتقديم الزاء حي من الأنصار ، قوله «وسبقها من ثلاث نخلات» هو ما تقدم بفتحتين ، وهو الخطر الذي يقع الراهن عليه ، والعذق بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة النخلة بحملها.
الثاني - ما رواه في الكافي أيضا عن غياث بن إبراهيم (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه عن علي بن الحسين عليهالسلام أن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أجرى الخيل وجعل سبقها أواقي من فضة». والأواقى بتشديد الياء وتخفيفها جمع أوقية ، وهي أربعون درهما ، ويقال : أيضا لسبعة مثاقيل.
الثالث - ما رواه في الفقيه مرسلا (3)قال : «قد سابق رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أسامة بن زيد وأجرى الخيل» فروي أن ناقة النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) سبقت ، فقال عليهالسلام : انها بغت وقالت : فوقي رسول اللّه (صلى اللّه عليه
وآله وسلم) وحق على اللّه أن لا يبغى شيء على شيء إلا أذله اللّه ، ولو أن جبلا بغى على جبل لهد اللّه الباغي منهما».
الرابع - ما رواه في الكافي عن أبى بصير (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ليس شيء تحضره الملائكة إلا الرهان وملاعبة الرجل بأهله».
قيل المراد بالشيء الأمر المباح الذي فيه تفريح ولذة ، والرهان المسابقة على الخيل ، ونحوها كما يدل عليه الخبر الآتي.
الخامس - ما رواه في الفقيه مرسلا (2)
و هما في الوسائل ج 13 ص 347 ح 6 و 1.
قال : قال الصادق عليهالسلام ان الملائكة لتنفر عن الرهان وتلعن صاحبه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل فإنه يحضره الملائكة وقد سابق رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أسامة بن زيد وأجرى الخيل.السادس - ما رواه في التهذيب عن العلاء بن سيابة (3)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن شهادة من لعب بالحمام؟ قال : لا بأس إذا لم يعرف بفسق ،. ثم قال : وبهذا الاسناد قال : سمعته يقول : لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام ، ولا بأس بشهادة صاحب السباق المراهن عليه ، فان رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) قد أجرى الخيل وسابق ، وكان يقول : ان الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما عدا ذلك قمار حرام».
السابع - ما رواه في الفقيه عن العلاء بن سيابة (4)
و هما في الوسائل ج 18 ص 305 ح 2 و 3.
قال : «سألت أبى عبد اللّه عليهالسلام عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال : لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق ، قلت : فان من قبلنا يقولون قال عمر : هو شيطان ، فقال : سبحان اللّه أما علمت أن رسول اللّه(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) قال : ان الملائكة لتنفر عند الرهان ، وتلعن صاحبه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل فإنها تحضره ، وقد سابق رسول اللّه أسامة بن زيد وأجرى الخيل».
الثامن - ما رواه في التهذيب عن عبد اللّه بن عبد الرحمن (1)عن ابى الحسن عليهالسلام قال : «قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : اركبوا وارموا وان ترموا أحب الي من أن تركبوا ثم قال : كل لهو المؤمن باطل ، إلا ثلاثة : في تأديبه الفرس ، ورميه عن قوسه ، وملاعبته امرأته ، فإنهن حق ، إلا ان اللّه تعالى ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة : عامل الخشبة ، والمقوي به في سبيل اللّه ، والرامي به في سبيل اللّه».
التاسع - ما رواه في الكافي عن طلحة بن زيد (2)«عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهمالسلام قال : الرمي سهم من سهام الإسلام».
العاشر - ما رواه فيه أيضا عن حفص بن البختري (3)في الحسن «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه كان يحضر الرمي والرهانة».
الحادي عشر - ما رواه فيه أيضا بهذا الاسناد (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 14 ص 83 ح 2 وج 13 ص 348 الباب 2 ح 2 و 4 وص 348 ح 1 وص 346 ح 2.
«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : لا سبق إلا في الخف أو حافر أو نصل يعنى النضال». والمراد بالنضال بالضاد المعجمة المرماة ، والسبق يحتمل أن يكون بالتسكين مصدرا فيفيد الخبر المنع من الرهان في غير الثلاثة المذكورة ، ويحتمل أن يكون بالتحريك بمعنى الخطر فيفيد الخبر المنع من الأخذ والإعطاء في غيرها ، دون أصل المسابقة.الثاني عشر - ما رواه في الكافي عن طلحة بن زيد (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 14 ص 83 ح 2 وج 13 ص 348 الباب 2 ح 2 و 4 وص 348 ح 1 وص 346 ح 2.
عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : «أغار المشركون على سرح المدينة فنادى فيها مناديا يا سوء صباحاه ،فسمعها رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) في الخيل فركب فرسه في طلب العدو وكان أول أصحابه لحقه أبو قتادة على فرس له ، وكان تحت رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) سرج دفتاه ليف ، ليس فيه أشر ولا بطر ، فطلب العدو فلم يلق أحدا وتتابعت الخيل ، فقال : أبو قتادة يا رسول اللّه ان العدو قد انصرف ، فإن رأيت أن نستبق؟ فقال : نعم فاستبقوا فخرج رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) سابقا ، ثم أقبل عليهم فقال : أنا ابن العواتك من قريش ، انه لهو الجواد البحر ، يعنى فرسه». والمراد بالسرح هو المال السائم ، قوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) «أنا ابن العواتك» هو جمع عاتكة وهي المرأة المجمرة بالطيب ، وكان هذا الاسم لثلاث نسوة من أمهاته (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) إحداهن عاتكة بنت هلال أم عبد مناف بن قصي ، والثانية عاتكة بنت مرة بن هلال أم هاشم بن عبد مناف ، والثالثة عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم وهب أبى آمنة أم النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فالأولى من العواتك عمة الثانية ، والثانية عمة الثالثة ، قيل : وبنوا سليم كانوا يفتحزون بهذه الولادة ، وقيل العواتك في جدات النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) تسع ثلاث من بنى سليم ، وهن المذكورات ، والبواقي من غيرهم.
الثالث عشر - ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن الحسين بن علوان (1)«عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) سابق بين الخيل وأعطى السوابق من عنده».
الرابع عشر - ما رواه في الكتاب المذكور عن أبي البختري (2)«عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عليهمالسلام أن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أجرى الخيل وجعل لها سبع أواقي من فضة ، وأن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أجرى الإبل مقبلة من تبوك فسبقت الغضباء وعليها أسامة ، فجعل الناس يقولون :
سبق رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ، ورسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) يقول : سبق أسامة». هذا ما حضرني من الأخبار.
والكلام فيما ذكره الأصحاب (رحمة اللّه عليهم) فهو يقع في موارد :
الأول : لا خلاف بين أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) وغيرهم في ثبوت المسابقة والمراماة وشرعية الجعل عليها.
قال في التذكرة : جواز هذا العقد بالنص والإجماع ، ولا خلاف بين الأمة في جوازه ، وان اختلفوا في تفصيله ، وفي المسالك : لا خلاف بين جميع المسلمين في شرعية هذا العقد ، وفائدته من أهم الفوائد الدينية ، لما يحصل بها من غلبة العدو في جهاد أعداء اللّه تعالى الذي هو أعظم أركان الإسلام.
وانما الخلاف عندهم وعند غيرهم أيضا في لزوم هذا العقد وجوازه ، فذهب جماعة منهم ابن إدريس بل الظاهر أنه أولهم والمحقق إلى الأول ، وذهب الشيخ والعلامة في المختلف وغيرهما الى الثاني ، وأنه من العقود الجائزة كالجعالة ، لا اللازمة كالإجارة احتج الأولون بقوله (1)«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «المؤمنون عند شروطهم» (2).
أجاب في المختلف عن الآية حيث اقتصر على الاستدلال لهم بها ، بأنا نقول بالموجب فان الوفاء بالعقد هو العمل بمقتضاه ، فان كان لازما كان الوفاء به العمل بمقتضاه على سبيل اللزوم ، وان كان جائزا كان الوفاء به العمل بمقتضاه على سبيل الجواز ، قال : أيضا ليس المراد مطلق العقود ، وإلا لوجب الوفاء بالوديعة والعارية وغيرهما من العقود الجائزة ، وهو باطل بالإجماع ، فلم يبق إلا العقود اللازمة ، والبحث وقع فيه ، انتهى.
وأما حديث المشروط فيمكن الجواب عنه بما تقدم في الجواب عن الآية ، من أنه أعم من اللزوم وعدمه ، بمعنى أنه مأمور بالوفاء بالشرط ، أعم من أن
يكون أمرا إيجابيا أو استحبابيا.
نعم يكون لازما إذا وقع في عقد لازم ، وأورد على ما أجاب به في المختلف بأن الأمر بالعقود عام في جانب المأمور والمأمور به ، فيشمل بعمومه سائر العقود ثم تخصيصه ببعضها ، وإخراج العقود الجائزة ، يبقى العموم حجة في الباقي ، كما هو محقق في الأصول.
وأما قوله ان الوفاء بالعقد العمل بمقتضاه من لزوم وجواز ، فهو خلاف الظاهر منه ، فان مقتضى الوفاء بالشيء التزامه والعمل بمقتضاه مطلقا ، انتهى وهو جيد.
وهكذا يقال : بالنسبة إلى حديث الشرط فإن الأمر بالوفاء بالشرط يقتضي وجوب الوفاء ، لأن الأصل في الأمر الوجوب ، واشتراكه من الوجوب والاستحباب لا يثمر نفعا ، فان العمل على ما يقتضيه الأصل حتى يقوم دليل على خلافه قال في المسالك ومنشأ هذا الخلاف انها عقد يتضمن عوضا على عمل ، وهو مشترك بين الإجارة والجعالة ثم انها مشتملة على اشتراط العمل في العوض ، وكونه معلوما وهو من خواص الإجارة وعلى جواز إبهام العامل في السبق ، وعلى ما لا يعلم حصوله من العامل ، وعلى جواز بذل الأجنبي ، وهو من خواص الجعالة فوقع الاختلاف بسبب ذلك ، فعلى القول بأنها جعالة يلحقها أحكامها من الاكتفاء بالإيجاب تكون جائزة ، وعلى القول بالإجارة يفتقر معه الى القبول وتكون لازمة ، ويمكن أن يجعل عقدا برأسه ، نظرا الى تخلف بعض خواصها عن كل من الأمرين على حديه ، كما عرفت ، ويقال حينئذ بلزومها لعموم الآية ، وهذا أجود ، اللّهم إلا أن يناقش في أن الجعالة ليست عقدا فلا يتناول الآية لها ولنظائرها ، ويرجع الى أصالة عدم اللزوم حيث يقع الشك في كون المسابقة عقدا أم لا؟ انتهى.
أقول : لا يخفى على من راجع الأخبار التي قدمناها وهي أخبار المسئلة التي وردت فيها وليس غيرها في الباب ، أنه لا دلالة في شيء منها على وقوع عقد
ولا إيجاب ولا قبول بالكلية ، وغاية ما دلت جملة منها على أن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أجرى الخيل وسابق وأعطى السابق كذا وكذا ، والمفهوم منه هو حل ما يؤخذ من المال على هذه المعاملة وأما كونه على جهة اللزوم والوجوب فلا ، إلا إن يقال : بوجوب الوفاء بالشرط ، وأن إعطاء المال لا يلزم أن يكون من المسبوق ، فان الظاهر أن إعطاءه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ذلك ليس من حيث كونه مسبوقا ، وانما هو متبرع منه ، لمن حصل له مزية السبق.
وظاهر الأخبار المذكورة بل صريحها أن هذه معاملة برأسها ، وهي من قبيل الرهان ، الا أنه غير محظور كسائر أفراد الرهان ، كما ينادى به الخبر الرابع والخامس والسادس والسابع والعاشر (1)حيث سمي هذه المعاملة فيها رهانا وأنه رهان حق جائز شرعا ، يحل ما أخذ عليه قال في القاموس : والمراهنة والرهان : المخاطرة والمسابقة على الخيل ، انتهى وهو ظاهر في المراد.
وحينئذ فقد اتفقت الأخبار وكلام أهل اللغة على هذه التسمية ، وتجعل معاملة برأسها كما في أفراد الرهان إلا أنها حق ، وما يؤخذ عليها حلال ، وما عداها باطل ، وما يؤخذ عليه حرام.
وأما الكلام في لزوم ما يجعل خطرا فالظاهر ذلك ، لما عرفت من وجوب الوفاء بالوعد والوفاء بالشروط ، هذا ما يفهم من الأخبار المذكورة ، وما أطالوا به في هذا المقام من الاختلاف في كونها اجارة فيتفرع عليها ما يتفرع على الإجارة أو جعالة فكذلك ، كله تطويل بغير طائل ، وتحصيل لغير حاصل ، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار المذكورة ، وانما كلامهم هنا جرى على مجرى بحث العامة في المسئلة ، وهذه التفريعات والاختلافات كلها تبعا لهم ، كما عرفته في غير مقام مما سبق ، ومن رجع الى الأخبار الواردة في المسئلة عرف صحة ما قلناه ، ووضوح ما فصلناه ، واللّه العالم.
1) ص 355 و 356.
المورد الثاني : قد صرح الأصحاب (رضياللّهعنهم) بأنه يقتصر في جواز المسابقة على النصل والخف والحافر وقوفا على مورد الشرع ، وأنه يدخل تحت النصل السهم والنشاب والحراب والسيف ، وأن الخف يتناول الإبل والفيلة اعتبارا باللفظ وأنه لا تجوز المسابقة بالطيور ولا على القدم ، ولا بالسفن ولا المصارعة.
أقول : وتحقيق الكلام فيما ذكروه يقع في مقامات أحدها - أن ظاهر قولهم أنه يقتصر على هذه الثلاثة وقوفا على مورد الشرع هو أن هذه المعاملة على خلاف الأصل ، بمعنى القواعد الشرعية ، لاشتمالها على اللّهو واللعب والقمار في بعض الوجوه ، وهذه الأشياء مما نهت منها الشريعة المحمدية ، فالأصل أن لا يصح منها إلا ما ورد الشرع بالاذن فيه ، وهو كلام حق ، إلا أنك قد عرفت أن ما قدمناه من الأخبار قد اشتمل على زيادة الريش والمراد به الحمام ، فيجوز المسابقة بها أيضا ، وعليه يدل الخبر الخامس والسادس والسابع (1)، فهذه الأخبار الثلاثة كلها دالة على جواز المسابقة بالحمام ، والثلاثة التي خصوا الجواز بها لم ترد إلا في الخبر الحادي عشر (2)خاصة ، والعجب هنا من قول شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد قول المصنف أنه لا يجوز المسابقة بالطيور الى آخر ما قدمنا ذكره ، وجه المنع من هذه الأمور الحصر المستفاد من الخبر السابق المقتضي لنفي مشروعية ما عدا الثلاثة ، والنهي عنه الشامل لهذه الأمور وغيرها ، انتهى.
وعلى هذا النهج كلام غيره وظاهرهم الاتفاق على الحصر في الثلاثة المذكورة ، وأن غيرها غير منصوص في الأخبار ، وحملهم على عدم الوقوف على شيء من هذه الأخبار - من الصدر السابق منهم كالشيخ الذي هو أول من صرح بهذا الحكم الى أن وصلت النوبة إلى هؤلاء المتأخرين - لا يخلو من بعد ، وأبعد منه أنهم يقفون عليها ولا يقولون بها ، ولا يتعرضون للجواب عنها بوجه من الوجوه.
وأما ما استدل به من الحصر في الخبر المذكور فيمكن الجمع بينه وبين هذه الأخبار الدالة على جواز المسابقة بها على الحمل على الفرد الضروري منه الذي يعتد به من حيث يحتاج اليه الجهاد ، ونحوه ، أو يراد باعتبار الغالب ، فان الغالب من أفراد المسابقة هو هذه الثلاثة ، للعلة المذكورة ، وان جاز السبق في غيرها والأخبار المذكورة لا يمكن حملها على التقية ، ليتم ما ذكروه ، فان ظاهر قوله في الحديث السابع قال عمر : هو الشيطان بعد قوله عليهالسلام لا بأس باللعب بالحمام الظاهر في إرادة المسابقة بها ، يشعر بأن العامة تنكر جواز اللعب والمسابقة بها ولهذا استدل عليهالسلام على رد كلامهم بالخبر الذي نقله عن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) الصريح في جواز المسابقة بها ، ولم أقف لأحد من أصحابنا حتى من متأخري متأخريهم على الجواب عن هذه الأخبار التي ذكرناها ، ولا على قول أحد منهم بها.
وبالجملة فالظاهر هو القول بما دلت عليه الأخبار المذكورة ويؤيده ما اشتملت عليه من عدم منافاة ذلك للعدالة وعدم كونه مستوجبا للفسق ، فان المراد باللعب بالحمام فيها إما المسابقة ، كما هو ظاهر الخبر السابع ، أو الأعم ، وإذا ثبت أن ذلك لا ينافي العدالة وجب الحكم بجوازه ، وأنه لا يكون من قبيل اللعب واللّهو المنهي عنه المخل بالعدالة ، والموجب للفسق اتفاقا ، وهذا بحمد اللّه سبحانه ظاهر لا سترة عليه ، ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه ، ومما يدل على ما قلنا ما رواه زيد النرسي (1)في كتابه «عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : سمعته يقول إياكم والرهان ، إلا رهان الخف والحافر والريش فإنه يحضره الملائكة».
وثانيها - أن ما ذكر من أنه يدخل تحت النصل الأربعة المعدودة ، ففيه أن ظاهر الصحاح هو اتحاد السهام والنشاب ، حيث قال : النشاب السهام ، وحينئذ فالعطف هنا يصير من قبيل عطف المرادف.
1) المستدرك ج 2 ص 516 الباب 3 ح 1.
وظاهر كلام الشيخ أن هذه التسمية بهذين الاسمين مع كون المسمى واحدا إنما هو باعتبار اللغات ، فيقال : للنصل نشابة عند العجم ، وسهم عند العرب ، وحينئذ فيكون العقد دائما هو بهذا الاعتبار ، وزاد الشيخ المرازيق قال وهي الرد بنيات والرماح والسيوف.
قال في المسالك : اعلم أن حصر النصل فيما ذكر هو المعروف لغة وعرفا ، فلا يدخل فيه مطلق المحدد كالدبوس وعصى المدافق ، إذا جعل في رأسها حديدة ونحو ذلك عملا بالأصل السابق ، قال في الصحاح : النصل نصل السهم والسيف والسكين والرمح ، ويحتمل الجواز بالمحدد المذكور ، اما بادعاء دخولها في النصل أو لإفادتها فائدة النصل في الحرب ، وقد كان بعض مشايخنا المعتمدين يجعل وضع الحديدة في عصى المدافق حيلة على جواز الفعل ، نظرا الى دخوله بذلك في النصل ، انتهى.
وثالثها - أنه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) فيما ذكر من دخول الإبل والفيلة تحت الخف ، والفرس والبغل والحمار تحت الحافر ، وانما نقل الخلاف عن بعض العامة في الفيل؟ قال : لأنه لم يحصل به الكر والفر فلا معنى للمسابقة عليها ، ورد بعموم الخبر ، وكذا نقل الخلاف عن بعضهم في جواز المسابقة على البغل والحمار ، قال : لأنهما لا تقاتل عليهما غالبا ، ولا يصلحان للكر والفر ، ورد أيضا بما رد به سابقة.
أقول : لا يخفى أنه بالنظر الى ما قدمنا نقله عنهم ، من أن فائدة هذا العقد وتعلم السبق والرماية هو الممارسة لذلك ، لأجل جهاد أعداء الدين ، فان قول هذين القائلين من العامة هنا لا يخلو من قرب ، فان الجهاد لا يقع على هذه المذكورات لا سابقا ولا لا حقا ، ويؤيده أن الإطلاق في الأخبار انما يحمل على الأفراد الشائعة المتكثرة الوقوع ، دون الشاذة النادرة الوقوع ، فضلا عن غير الواقعة بالكلية ، ولهذا ان أمير المؤمنين عليهالسلام كان يركب في الحرب بغلة رسول اللّه
(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فعوتب على ذلك ، فقال : اني لا أوفر عن من أقبل ، ولا أتبع من أدبر ، والبغلة يكفني ، وهو ظاهر فيما قلناه من أنها لا تصلح للجهاد عليها ، ويؤكده أن الأخبار المتقدمة وهي أخبار المسئلة كملا لا يشمل على غير الخيل ، والنوق من ذوات الحافر والخف ، وليس فيها تعرض ولا اشارة لمثل الفيل والبغال والحمير بالكلية.
وبالجملة فإنه لولا الاتفاق على الحكم المذكور لكان القول بما ذكره هؤلاء قويا ، فإن الأخبار إذا ضم مطلقها الى مقيدها علم منه حمل الحافر على الخيل خاصة ، والخف على البعير خاصة ، وهكذا القول في البغل أيضا ، فإن ما ذكروه من تعدية الحكم الى ما يصدق عليه النصل من تلك المعاني ، مع كون الوارد في الأخبار المتقدمة انما هو السهام والنشاب التي ترمى عن القوس بعيد غاية البعد ، ويؤيد ما قلناه تفسيره في الخبر الحادي عشر الذي هو مستندهم في الحصر في الثلاثة النصل بالنضال وهي المراماة بالسهام كما تقدم ذكره ، وحينئذ فلو قيل بالتخصيص بذلك لكان في غاية الجودة.
ورابعها - ما ذكر من أنه لا يجوز المسابقة بغير ما تقدم من الطيور الى آخره.
أقول : أما الكلام في الطيور موضع وفاق عندنا ، وفيه تأييد لما قدمنا ذكره من عدم المسابقة على الفيلة والبغال والحمير ، لأنها ليست مما يقع الحرب عليها ، كما قدمنا ذكره.
وأما السبق على القدم فقد روى العامة عن عائشة أنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) سابقها بالقدم مرتين ، سبق في إحديهما وسبق في الأخرى ، ورواه ابن الجنيد في كتابه الأحمدي واستدل به على جوازها بغير عوض ، حيث لم يذكر العوض ، ورووا عنه (1)(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أنه صارع ثلاث مرات في كل مرة على
1) المستدرك ج 2 ص 517 الباب 4 ح 2 بتفاوت.
شاة ، فصرع خصمه في الثلاث وأخذ ثلاث شياه ، ولم يثبت شيء من ذلك في أخبارنا ولم يقل به إلا ابن الجنيد من أصحابنا قالوا والخبر السابق المتفق عليه يدفعه ، وأشاروا به الى الخبر الحادي عشر (1)وهو خبر الحصر في الثلاثة ، ثم انهم اختلفوا في جواز هذه الأمور لو خلت من العوض ، فقيل بجوازها لأصالة الجواز ، وأنها قد يراد بها غرض صحيح ، وقيل : بالعدم لعموم النفي السابق الشامل للعوض وعدمه.
والذي وقفت عليه في هذا المقام من الأخبار ما رواه الصدوق في الأمالي عن ابن المتوكل عن السعدآبادي عن البرقي عن أبيه عن فضالة عن زيد الشحام (2)«عن الصادق عن آبائه عليهمالسلام قال : دخل النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ذات ليلة بيت فاطمة عليهاالسلام ومعه الحسن والحسين عليهماالسلام فقال له النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) قوما فاصطرعا فقاما ليصطرعا وقد خرجت فاطمة عليهاالسلام في بعض حاجاتها فدخلت فسمعت النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وهو يقول : أبه يا حسن شد على الحسين ، فأصرعه ، فقالت يا أبه وا عجباه أتشجع الكبير على الصغير؟ فقال : يا بنية أما ترضين أن أقول أنا يا حسن شد على الحسين ، فأصرعه وهذا حبيبي جبرئيل عليهالسلام يقول : يا حسين شد على الحسن فأصرعه».
وما رواه علي بن جعفر (3)في كتاب المسائل عن أخيه موسى عليهالسلام قال : سألته عن المحرم هل يصلح أن يصارع؟ قال : لا يصلح مخافة أن يصيبه جرح أو يقع بعض شعره.
وما رواه في كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى للشيخ الفقيه محمد بن أبى القاسم علي الطبري بسنده فيه عن أبي رافع (4)قال : كنت ألاعب الحسن
بن علي (صلوات اللّه عليهما) وهو صبي بالمداحي (1)فإذا أصابت مدحاتي مدحاته قلت : احملني فيقول : ويحك أتركب ظهرا حمله رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فأتركه فإذا أصاب مدحاته مدحاتي ، قلت له : لا أحملك كما لم تحملني فقال : أما ترضى أن تحمل بدنا حمله رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فأحمله».
وهذه الأخبار كما ترى ظاهرة في الجواز فيما اختلفوا فيه ، ولم أقف فيما حضرني من كتب اللغة على المعنى المراد من المدحاة هنا ، وبعض الأصحاب قد فرع الكلام على لفظ السبق في الخبر الحادي عشر ، فان قرئ بفتح الباء وهو المشهور في الرواية على ما نقله في المسالك فإنه يفيد عدم مشروعية العوض إلا في الثلاثة المذكورة ، ولا تعرض في الخبر حينئذ لما عدا صورة الخطر والعوض ، فيبقى على أصالة الجواز ، وان قرئ بالسكون على أن يكون مصدرا فإنه يفيد نفي المصدر مطلقا ، فيدل على المنع عدا المستثنى مطلقا.
وأنت خبير ، بأنه باعتبار تعارض الاحتمالين المذكورين لا يمكن الاستدلال بالخبر على المنع ، فتبقى أصالة الجواز خالية من المعارض ، وتخرج الأخبار المذكورة شاهدا على ذلك ، مضافا الى ما ذكر من الفوائد المترتبة عليها.
المورد الثالث : في أسماء خيل الحلبة وأسماء السهام وما يتبع ذلك ويلحق به ، والكلام هنا يقع في مواضع أيضا :
الأول - ينبغي أن يعلم ان الحلبة وزان سجدة هي الخيل تجمع للسباق وقد جرت عادتهم بتسمية غيره من خيل الحلبة ، وليس لما بعد العاشر منها اسم ، إلا أن الذي يجيء في آخر الخيل كلها يسمى الفسكل.
فأول العشرة ، المجلى بالجيم وهو السابق أولا قيل سمى بذلك لأنه جلي عن
1) النهاية الأثيرية ج 2 ص 106 ومنه حديث أبى رافع «كنت الاعب الحسن والحسين (عليهماالسلام) بالمداحي وهي أحجار أمثال القرصة ، كانوا يحفرون حفيرة ويدحون فيها بتلك الأحجار ، فإن وقع الحجر فيها قد غلب صاحبها ، وان لم يقع غلب ، والدحو : رمى اللاعب بالحجر والجوز وغيره.
نفسه أي أظهره أو جلي همه حيث سبق ، والمشهور أن السبق يحصل بالتقدم بعنق دابته ، وكتدها يفتح التاء المثناة من فوق وكسرها ، وهي العالي بين أصل العنق والظهر ، ويعبر عنه بالكاهل ، وقال في الروضة : والكتد بفتح الفوقانية أشهر من كسرها مجمع الكتفين بين أصل العنق والظهر ، نقل عن ابن الجنيد أنه يكتفى في التقدم بالاذن
لقوله (1)(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) «بعثت والساعة كفرسي رهان».
كاد أحدهما أن يسبق الآخر بأذنه ، وأجيب مع تسليم ثبوت الخبر بالحمل على المبالغة ، وأن ذلك خرج مخرج ضرب المثل على حد
قوله من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى اللّه له بيتا في الجنة ، (2).
مع امتناع مسجد كذلك.
ثم المصلي ، وسمى بذلك لأنه يحاذي برأسه صلوي المسابق ، والصلوان عبارة عن العظمين النابتين عن يمين الذنب وشماله.
ثم الثالث ، ووجه التسمية فيه ظاهر ، ثم البارع لأنه برع المتأخر عنه ، أي فاقة ، ثم المرتاح ، وهو الخامس قيل : سمي به لأن الاتاح النشاط ، فكأنه نشط فلحق بالسوابق ، ثم الخطى وهو السادس لانه خطى عند صاحبه حتى لحق السوابق أي صار ذا خطوة عنده الى نصيب أو في مال الرهان ، ثم العاطف وهو السابع ، لأنه عطف الى السوابق أي مال إليها ، وكر عليها ليلحقها ، ثم المؤمل وهو الثامن لأنه يؤمل اللحوق بالسوابق ، ثم اللطيم وهو التاسع ، وزان فعيل بمعنى مفعول ، لأنه يلطم إذا أراد الدخول إلى الحجرة الجامعة للسوابق ، ثم السكيت مصغرا مخففا ، ويجوز تشديده ، وهو العاشر سمى به لسكوت صاحبه إذا قيل لمن هذا أو لانقطاع العدد ، وقيل : ان السكيت هو الفسكل وهو آخر فرس يجيء في الرهان.
قالوا : والمحلل وهو الذي يدخل بين المتراهنين ، ولا يبذل معهما عوضا بل
يجرى فرسه بينهما أو على أحد الجانبين على وجه يتناوله العقد ، وحكمه أنه ان سبق أخذ العوض المبذول للسابق ، وان سبق لم يغرم شيئا ، وسمى محللا لأن العقد لا يحل بدونه عند ابن الجنيد والشافعي ، أو يحل به إجماعا بخلاف ما إذا خلى عنه ، فان فيه خلافا ، وسيأتي الكلام فيه ، ان شاء اللّه تعالى.
قالوا : والغاية مدى السباق ، ولا ريب أن غاية الشيء منتهاه ، ومد السباق وان كان المتبادر منه مسافة السباق التي تجري فيها الخيل إلا أن المراد به لغة وعرفا انما هو بمعنى الغاية كما ذكروه ، فالمراد من مد السباق منتهاه وغايته ، لا مسافته ، فان في القاموس المدى كالفتى الغاية ، وقال في كتاب المصباح المنير : والمدى بفتحتين الغاية ، وبلغ مدى البصر : أي منتهاه وغايته.
ثم اعلم أنه قد عنون أكثرهم هذا الكتاب بكتاب السبق والرماية ، ومنهم المحقق في الشرائع ، وهو ظاهر في اختصاص السبق بالخيل والإبل ، والرماية بالسهام ، مع أنه قال بعد ذلك والمناضلة المسابقة ، والمراماة والمناضلة لغة انما هي الرمي ، قال الجوهري : ناضله أي راماه ، ويقال : ناضلت فلانا فنضلته ، إذا غلبته ، وانتضل القوم وتناضلوا أي رموا للسبق.
وقال في كتاب المصباح المنير : «ناضلته مناضلة ونضالا راميته ، فنضلته نضلا من باب قتل غلبته في الرمي» ، وهو ظاهر في تخصيص المناضلة بالرمي ، ولهذا قال في المسالك : وأما إطلاق المناضلة على ما يشمل المسابقة فليس بمعروف لغة ولا عرفا ، ولعل المصنف ومن تبعه في ذلك تجوزوا في الإطلاق ، وبعض الفقهاء عنون الكتاب بالمسابقة والمناضلة ، وهو الموافق لما نقلناه عن أهل اللغة ، ويشير الى ذلك كلامه في التذكرة حيث قال : والسباق اسم يشمل المسابقة بالخيل حقيقة وعلى المسابقة بالرمي مجازا ، ولكل واحد منهما اسم خاص ، فيختص الخيل بالرهان ويختص الرمي بالنضال ، وهو ظاهر في أن المناضلة حقيقة انما هي بمعنى الرمي.
الثاني - اعلم أن الفقهاء من الخاصة والعامة ذكروا في هذا الكتاب جملة
من الاصطلاحات في أسماء السهام ، وما يتعلق بالرمي وهو مؤيد لما قدمناه من أن المراد بالنصل في الخبر المتقدم إنما هو هذا الفرد ، لا ما يطلق عليه لغة كما ذكروه.
قالوا : والرشق بفتح الراء الرمي ، وهو مصدر رشقه يرشقه رشقا ، إذا رماه بالسهام ، وبالكسر عدد ما يرمى به من السهام ، يقال : رمى رشقا بكسر الراء أي رمى بسهامه التي يريد رميها كلها.
قال في المصباح المنير : رشقته بالسهم رشقا من باب قتل ، وأرشقته بالألف لغة رميته به ، والرشق بالكسر الوجه من الرمي إذا رمى القوم بأجمعهم جميع السهام وحينئذ يقال : رمى القوم رشقا ، قال ابن دريد : الرشق السهام نفسها التي ترمي والجمع ارشاق مثل حمل وأحمال ، انتهى.
ولو حصل الاتفاق على رمي خمسة خمسة فكل خمسة يقال لها رشق ، ونقل عن بعض أهل اللغة أنه خصه ما بين العشرين والثلاثين ، ويقال رشق وجه ويد بكسر الراء ، ويراد به الرمي ولاء حتى يفرغ الرشق ، قال في المسالك : بمعنى أنه مشترك بين العدد الذي يتفقان عليه ، وبين الوجه من الرمي لذلك العدد ، فكما يقال : رموا رشقا أو عددا اتفقوا عليه ، كذلك يقال : رموا رشقا إذا رموا بأجمعهم في جهة واحدة.
قال الجوهري : الرشق الاسم ، وهو الوجه من الرمي ، فإذا رمى القوم بأجمعهم في جهة واحدة قالوا : رمينا رشقا ، والمراد برشق اليد هذا المعنى أيضا ، وإضافته إلى اليد ، كاضافته الى الوجه ، فيقال : رشق يد ورشق وجه إذا كانت جهة الرمي واحدة ، ويمكن مع ذلك إضافته إليهما كما يظهر من كلامهم.
الثالث - قد ذكر الفقهاء للسهم عند الإصابة للغرض أو صافا فنقل عن التذكرة أنه ذكر فيها أحد عشر اسما : وفي التحرير ستة عشر اسما ، ونقل في المسالك عن كتاب فقه اللغة تسعة عشر اسما ، وذكر المحقق في الشرائع منها ستة ، لكن ذكر الخمسة الأول جازما بالتسمية ، وأما السادس فنسبه إلى القول بذلك
فقال : ويقال المزدلف ، وفي المسالك أنه ذكر ستة أوصاف وأردفها بسابع ، والمذكور انما هو خمسة ، كما سنذكره ان شاء اللّه تعالى واحدا واحدا وأردفها بسادس.
قال في المسالك : والغرض من ذلك اعتبار صفة في عقد الرماية ، فلا يستحق العوض المشروط أن يصيبه بما هو أبلغ منه.
أقول : ومما ذكره المحقق المشار اليه من الأسماء أحدها – الحابي بالياء أخيرا ، قال في كتاب المصباح : حبا الصبي يحبو حبوا إذا أدرج على بطنه وحبا الشيء دنا ، ومنه حبا السهم الى الغرض وهو الذي يزحف الأرض ثم يصيب الهدف فهو حاب وسهام حواب ، انتهى.
والمراد أنه يقع دون الهدف ثم يحبو الى الغرض فيصيبه ، وقوله زلج على على الأرض أي زلق قال في القاموس الزلج محركة الزلق ويسكن ، وفي الصحاح مكان زلج بسكون اللام وتحريكها أى زلق والزلج الزلق وسهم زالج أي يزلج عن القوس.
وثانيها – الخاصر بالخاء المعجمة ثم الصاد المهملة ، وهو الذي يصيب أحد جانبي الغرض ، مأخوذ من الخاصرة ، لأنها في أحد جانبي الإنسان ، فهو بإصابته أحد جانبي الغرض كأنه أصابه في الخاصرة ، ولم أقف فيما حضرني من كتب اللغة على هذه التسمية ، سيما القاموس المحيط بجميع المعاني ، وان كانت موجودة في كتب الفقهاء ، قيل ويسمى أيضا جابرا ، وقيل : الجابر ما سقط من وراء الهدف ، وقيل : ما وقع في الهدف من أحد جانبي الغرض ، فعلى هذا ان كانت الإصابة مشروطة في الغرض فالجابر مخطئ ، وان كانت مشروطة في الهدف فهو مصيب.
أقول : ولم أقف أيضا على هذا الاسم أي نحو كان من هذه المعاني في القاموس ولا غيره مما حضرني من كتب اللغة.
وثالثها – الخازق بالخاء والزاي المعجمتين ، قالوا : وهو ما يخدش الغرض ، وظاهره أنه يثقب فيه ، وبذلك صرح في القواعد فقال : الخازق ما خدشه ، ثم
وقع بين يديه ، وفي التحرير أنه ما خدشه ولم يثقبه ، الا أن كلام أهل اللغة على خلاف ذلك فإنهم صرحوا بأنه الذي ينفذ في الغرض ، قال في كتاب المصباح المنير وخزق السهم القرطاس : نفذ منه فهو خازق ، وجمعه خوازق ، والمراد بالقرطاس هنا الغرض ، أعم من أن يكون قرطاسا أو غيره ، مما ستقف عليه ان شاء اللّه تعالى.
وفي النهاية الأثيرية خزق السهم ، وخسق : إذا أصاب الرمية ونفذ فيها ، وسهم خازق وخاسق.
وظاهر الصحاح والقاموس هو مجرد الإصابة ، وهو أعم الأقوال الثلاثة ، قال في الصحاح في باب السين يسمى الغرض قرطاسا ، يقال : رمى مقرطس إذا أصابه ، وفي القاموس خزقه يخزقه طعنه ، والخازق السنان ، ومن السهام المقرطس ، وقال في الصحاح أيضا الخازق من السهام المقرطس ، والخاسق لغة في الخازق ، وهو موافق لما تقدم نقله من النهاية من ترادف هذين اللفظين ، ونقل في المسالك عن الثعالبي في كتاب سر العربية إذا أصاب الهدف فهو مقرطس ، وخازق ، وخاسق وصائب وهذا أيضا أعم من أن يخدشه أم لا ، ويثبت فيه أم لا ، وهو موافق لما تقدم نقله عن الصحاح والقاموس.
ورابعها – الخارق بالخاء المعجمة والراء المهملة ، وهو الذي يخرج من الغرض نافذا وهذا المعنى موافق لما هو المفهوم من حاق هذا اللفظ عرفا ولغة ، لأن الخرق الثقوب والشق ، سواء نفذ فيه أو سقط منه ، الا أن هذا الاسم غير موجود في جملة الأسماء المعدودة للسهام في غير هذا الكلام ، كما اعترف به في المسالك حيث قال بعد ذكر المصنف له وكلام في البين : لكنه ليس من أسمائه لغة ولم يذكره أحد من أصحاب الكتب الأربعة اللغوية السابقة ، ولا غيرهم ممن وقفت على كلامه ، وفي بعض نسخ الكتاب المارق بالميم بدل الخارق ، وهو الصواب الموافق لكلام أهل اللغة لقبا وتعريفا وفي التحرير جعل الخارق بمعنى الخاسق ، وقد تقدم وجعل الخازق بالزاي المعجمة مغايرا له كما مر خلاف ما
ذكره أهل اللغة ، ولو حمل في كلامه الخارق بالراء المهملة على الخازق بالزاء المعجمة ليكون مرادفا للخاسق كان موافقا لكلام أهل اللغة ، لكن ذكره بعد ، ذلك الخازق وتعريفه بأنه ما خدشه ولم يثقبه ، يوجب تعيين كونه بالزاء المعجمة لا الراء إذ لم يحصل فيما ذكره خرق ، والذي يظهر أنه وقع في التحرير ضرب من التصحيف والسهو عن تحرير كلام أهل اللغة ، لأن جعله الخازق مرادفا للخاسق موافق لكلام أهل اللغة ، لكن بشرط كونه بالزاء المعجمة ، ثم لما ذكر الخازق بعد ذلك كان حقه أن يكون بالمهملة فعرفه بما ينافي ذلك ، ويوافق تعريف المصنف في الخازق بالمعجمة ، فوقع الاضطراب ، وفي التذكرة جعل الخارق ما أثر فيه ولم يثبت ، والخاسق ما ثقبه وثبت فيه ، كما ذكره المصنف هنا في الخازق بالمعجمة ، فجعلهما متغايرين ، ولم يتحقق منه ضبط الراء ، ولا ذكر الأمرين ، فالالتباس فيه أشد لأنه ان جعل بالراء وافق كلام التحرير وخالف مفهومه لغة ، وان جعل بالزاء وافق كلامه في القواعد ، وكلام المصنف هنا ، وخالف كلامه أهل اللغة ، انتهى كلامه (زيد مقامه).
وخامسها – الخارم بالخاء المعجمة وهو الذي يخرم حاشية الغرض بأن يصيب طرفه فلا يثقبه ولكن يخرمه.
قال في المسالك أيضا : وهذا الاسم لم يذكره أيضا أهل اللغة ، وان كان مناسبا له ، وقد ذكروا للسهم أسماء أخر غير ما ذكر ، فتركنا ذكرها تبعا لاختصاره ، هذا ما ذكره المحقق في الشرائع.
ثم قال : ويقال المزدلف الذي يضرب الأرض ، ثم يثيب الى الغرض ، ونسبته الى القول المجهول - وعدم نظمه في سلك الخمسة المتقدمة - يؤذن بنوع توقف فيه ، وهذا هو السادس الذي أشرنا إليه آنفا ، وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا في المسالك الذي قدمنا ذكره ، من أن المصنف ذكر هنا ستة ، وأردفها بسابع ، بل المذكور فيه انما هو خمسة ، مردفة بالسادس كما ذكرناه ، وأصل الازدلاف
التقدم ، وخصه هنا بما يقع على الأرض ثم يتقدم الى الغرض ، وعلى هذا يكون مرادفا للحابى ، وبذلك صرح في القواعد أيضا ، فقال بعد تعريف الحابى : وهو المزدلف ، إلا أن المفهوم من كلام المحقق حيث ذكر الحابى أولا جازما به ، وذكر المزدلف أخيرا ناسبا له الى قيل : هو المغايرة ، ولعل ذلك بقوة الوقوع على الأرض في المزدلف أخيرا ناسبا له الى قيل : هو المغايرة ، ولعل ذلك بقوة الوقوع على الأرض في المزدلف للتعبير عنه بالضرب المقتضى لقوة اعتماده ، وضعفه في الحابي حيث اقتصر على مجرد زلفه على الأرض ، وبذلك يحصل التباين ، وهو الظاهر من التذكرة على ما نقل فيها حيث قال : فيها ان المزدلف أشد ، والحابى أضعف.
الرابع - قال : الغرض ما يقصد اصابته وهو الرقعة والهدف ما يجعل فيه الغرض من تراب وغيره ، وذلك فإنهم يرتبون ترابا أو حائطا ينصب فيه الغرض فيسمون ذلك التراب أو الحائط هدفا وما يصنعونه فيه من جلد أو قرطاس أو نحو ذلك لأجل الرمي يسمونه غرضا ، وبعضهم كما عرفت آنفا يسمى المنصوب في الهدف قرطاسا ، سواء كان كاغذا أو غيره ، وهو ظاهر في مرادفة الغرض والقرطاس ، وقد تقدم نقل ذلك عن المصباح المنير والصحاح.
وقد يجعل في الغرض نقش كالهلال يقال له الدائرة ، وفي وسطها شيء آخر يقال له الخاتم ، والغرض من بيان الغرض والهدف والدائرة هو أن كلا من هذه الأشياء المذكورة محل للإصابة ، وربما كان شرط الإصابة وغرضها يتعلق بكل واحد من هذه المذكورات ، فان الإصابة في الهدف أو في الدائرة أضيق ، وفي الخاتم أدق ، وهذه المذكورات اصطلاح الرماة ، وعليها جرى الفقهاء في هذا الكتاب وأما المذكور في اللغة فإنه ظاهر في المرادفة بين الغرض والهدف ، قال في كتاب المصباح المنير : الغرض : الهدف الذي يرمي اليه ، والجمع أغراض وقال في القاموس : الغرض محركة الهدف يرمى فيه ، وفي الصحاح : الغرض : الهدف الذي يرمي فيه ، ثم انهم قالوا : المراماة قسمان مبادرة ومحاطة ، والمراد من المبادرة أن يتفقا على رمي عدد معين كعشرين سهما مثلا ، فمن بدر إلى إصابة عدد معين منها كخمسة ،
فهو ناضل ، لمن لم يصيب أو أصاب ما دونه ، والمراد من المحاطة بتشديد الطاء أن يقابل أصابتهما من العدد المشترطة ويطرح المشترك من الإصابات : فمن زاد فيها بعدد معين كخمسة مثلا فناضل للآخر فيستحق المال المشروط في العقد.
أقول : والظاهر أن هذا أيضا من اصطلاح الرماة ، وعليه جرى الفقهاء ، فإنه لا وجود له في كلام أهل اللغة ، ولا في الأخبار التي قدمناها ، ولو بالإشارة ، وحيث أن جميع ما ذكر في هذا الكتاب زيادة على ما قدمناه كله من هذا القبيل ، فليس في ذكره إلا مجرد التطويل ، رأينا الاعراض عن التعرض له ، أوفق بالوقوف على الدليل ، والاشتغال بما هو أهم أولى وأتم ، سيما مع ندور وقوع المسابقة والمراماة في هذه الأوقات ، بل عدمها لعدم ما يترتب عليها من الفائدة في جملة الأزمان والإناث ونحن قد ذكرنا منها ما يتعلق بالأخبار التي قدمناها في المقام ، وما عداه مما لا نص عليه فهو عندنا في قالب الاعدام ، واللّه الهادي لمن يشاء.
وهو جمع وصية واشتقاقها اما من وصى يصي أو أوصى يوصي أو وصى بالتشديد يوصى.
قال في كتاب المصباح المنير : وصيت الشيء بالشيء أصيه من باب وعد وصلته ، ووصيت الى فلان توصية وأوصيت إليه إيصاء وفي السبعة «فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ» بالتخفيف والتثقيل والاسم الوصاية بالكسر والفتح لغة ، انتهى.
واختار ابن إدريس المعنى الأول فقال الوصية مشتقة من وصى يصي ، وهو الوصل قال الشاعر : «ذو الرمة تصى الليل بالأيام حتى صلاتنا مقاسمة لسبق اتصافها السفر» ثم قال : ويقال منه أوصى يوصي ، ووصى يوصي توصية ، ونقل عن المحقق الشيخ علي (رحمة اللّه عليه) اختيار الثاني ، وعلى هذا فتسمية هذا التصرف وصية لما فيه من وصله التصرف في حال الحياة به بعد الوفاة ، هذا على المعنى الأول ، وعلى الأخيرين فالوصية بمعنى العهد ، يعنى أنه عهد اليه بتلك الأمور الموصى بها ، فإن الوصية لغة بمعنى العهد ، والأصل فيها الكتاب كما دلت عليه جملة من آياته والسنة ، والإجماع من الأمة.
ولنقدم في صدر الكتاب كما هي عادتنا فيما تقدم من الكتب والأبواب جملة
من الأخبار الواردة في الوصية ، وما اشتملت عليه من الحث عليها ، المؤذن بالوجوب أو الاستحباب المؤكد.
فروى المشايخ الثلاثة عن الكناني (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : الوصية حق على كل مسلم».
وروى في التهذيب عن الشحام (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الوصية ، فقال : هي حق على كل مسلم».
وروى في الفقيه والتهذيب عن محمد بن مسلم (3)في الصحيح قال : «قال أبو جعفر عليهالسلام الوصية حق ، وقد أوصى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فينبغي للمسلم أن يوصى».
وروى في الكافي والتهذيب عن حماد بن عثمان (4)في الصحيح أو الحسن «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قال له رجل : اني خرجت إلى مكة فصحبني رجل وكان زميلي ، فلما أن كان في بعض الطريق مرض وثقل ثقلا شديدا فكنت أقوم عليه ثم أفاق حتى لم يكن عندي به بأس ، فلما أن كان اليوم الذي مات فيه أفاق فمات في ذلك اليوم ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : ما من ميت تحضره الوفاة إلا رد اللّه تعالى عليه من سمعه وبصره وعقله للوصية ، أخذ الوصية أو ترك ، وهي الراحة التي يقال لها راحة الموت ، فهي حق على مسلم».
وروى في الكافي عن وليد بن صبيح (5)
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 351 ح 2 و ص 352 ح 4 و ص 351 ح 1 و ص 355 ح 2.
قال : «صحبني مولى لأبي عبد اللّه عليهالسلام يقال له «أعين» ، فاشتكى أياما ثم برء ثم مات فأخذت متاعه ، وما كان له فأتيت به أبا عبد اللّه عليهالسلام وأخبرته أنه اشتكى أياما ثم برء ثم مات ، قال : تلك راحةالموت أما أنه ليس من أحد يموت حتى يرد اللّه تعالى من سمعه وبصره وعقله للوصية أخذ أو ترك».
وروى المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) عن سليمان بن جعفر (1)قال في الفقيه : «وليس الجعفري» «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته وعقله ، قيل : يا رسول اللّه وكيف يوصى الميت؟ قال : إذا حضرته الوفاة واجتمع الناس اليه ، قال : اللّهم فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم ، اللّهم إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن البعث حق ، والحساب حق ، والصراط حق ، والقبر حق ، والميزان حق ، وأن الدين كما وصفت ، وأن الإسلام كما شرعت ، وأن القول كما حدثت ، وأن القرآن كما أنزلت ، وأنك أنت اللّه الحق المبين ، جزى اللّه محمدا عنا خير الجزاء ، وحيا اللّه محمدا وآل محمد بالسلام ، اللّهمّ يا عدتي عند كربتي ويا صاحبي عند شدتي ويا وليي في نعمتي ، الهي وإله آبائي لا تكلني الى نفسي طرفة عين أبدا فإنك إن تكلني الى نفسي طرفة عين أقرب من الشر وأبعد من الخير ، فآنس في القبر وحشتي ، واجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا ، ثم يوصي بحاجته وتصديق هذه الوصية في القرآن في السورة التي تذكر فيها مريم في قوله عزوجل (2)«لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» فهذا عهد الميت ، والوصية حق على كل مسلم ، وحق عليه أن يحفظ هذه الوصية ويعلمها ، وقال أمير المؤمنين عليهالسلام علمنيها رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وقال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) : علمنيها جبرئيل عليهالسلام».
ورواه السيد الزاهد العابد رضى الدين ابن طاوس في كتاب فلاح السائل
كما نقله عنه في البحار ، وفيه بعد قوله «يوم ألقاك منشورا» فهذا عهد الميت يوم يوصي بحاجته ، والوصية حق على كل مسلم قال أبو عبد اللّه عليهالسلام وتصديق هذه في سورة مريم عليهالسلام قول اللّه تبارك وتعالى «لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» وهذا هو العهد ، وقال النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لعلي عليهالسلام تعلمها أنت وعلمها أهل بيتك وشيعتك قال : وقال (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وعلمنيها جبرئيل.
وروى في الفقيه عن العباس بن عامر عن أبان عن أبى بصير (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : من لم يحسن عند الموت وصيته كان نقصا في مروته وعقله ، وقال : ان رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أوصى الى علي ، وأوصى علي عليهالسلام الى الحسن ، وأوصى الحسن عليهالسلام الى الحسين ، وأوصى الحسين عليهالسلام الى علي بن الحسين ، وأوصى علي بن الحسين عليهالسلام الى محمد بن علي الباقر عليهالسلام».
وروى في الفقيه والتهذيب عن أبي حمزة (2)«عن أحدهما عليهماالسلام قال : ان اللّه تعالى يقول : يا ابن آدم تطولت عليك بثلاثة : سترت عليك ما لو علم به أهلك ما واروك ، وأوسعت عليك ثم استقرضت منك فلم تقدم خيرا ، وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خيرا».
وروى في الفقيه والتهذيب عن عبد اللّه بن المغيرة عن السكوني (3)«عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهمالسلام قال : قال علي عليهالسلام : ما أبالي أضررت «بولدي» أو سرقتهم ذلك المال» كذا في الفقيه وفي التهذيب قال «أضررت بورثتي» عوض ولدي.
وروى في التهذيب والفقيه عن السكوني (4)«عن جعفر بن محمد عن
1) الفقيه ج 4 ص 134 ح 467. الوسائل ج 13 ص 357 ح 1.
2) الفقيه ج 4 ص 133 ح 461 وفيه «بثلاث» ، التهذيب ج 9 ص 175 ح 712. الوسائل ج 13 ص 356 ح 4.
3) الفقيه ج 4 ص 135 ح 469 وص 134 ح 466، التهذيب ج 9 ص 174 ح 710 و 708. وهذه الرواايات في الوسائل ج 13 ص 356 ح 1 وص 356 ح 4 و 1 وص 355 ح 3.
4) الفقيه ج 4 ص 135 ح 469 وص 134 ح 466، التهذيب ج 9 ص 174 ح 710 و 708. وهذه الرواايات في الوسائل ج 13 ص 356 ح 1 وص 356 ح 4 و 1 وص 355 ح 3.
أبى جعفر عليهماالسلام قال : من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصيته».
وروى في المقنعة (1)مرسلا قال : «قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم): الوصية حق على كل مسلم. قال : وقال عليهالسلام ما ينبغي لامرء مسلم أن يبيت ليلة إلا ووصيته تحت رأسه» ، و «قال عليهالسلام : من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية».
وروى الشيخ في كتاب المصباح (2)قال : «وروى أنه لا ينبغي أن يبيت إلا ووصيته تحت رأسه».
وروى في الفقيه والتهذيب عن مسعدة بن صدقة (3)«عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهماالسلام قال : قال علي عليهالسلام الوصية تمام ما نقص من الزكاة».
وروى في الكافي عن محمد بن يحيى (4)
وهما في الوسائل ج 13 ص 353 الباب 2 ح 1 و 3
رفعه عنهم عليهماالسلام قال : «من أوصى بالثلث احتسب له من زكاته».وقال في كتاب الفقه الرضوي (5)، واعلم أن الوصية حق واجب على كل مسلم ، ويستحب أن يوصى الرجل لقرابته ممن لا يرث شيئا من ماله قل أو كثر وان لم يفعل فقد ختم عمله بمعصيته.
أقول : وفي هذه الأخبار الشريفة فوائد يحسن التنبيه عليها ، والتوجه إليها.
الأول - لا ريب في وجوب الوصية على من كان مشغول الذمة بواجب من دين أو حج أو زكاة أو خمس أو نحو ذلك من الحقوق الواجبة ، ويمكن أن تحمل الأخبار الدالة على أن الوصية حق على كل مسلم ، لا شعارها بالوجوب على ذلك ، فيجب تخصيصها بما ذكرناه من الأفراد ، ويمكن حملها على تأكد الاستحباب
فتخص بغير ما ذكرناه من الأمور المستحبة.
الثاني - المستفاد من الخبرين الأخيرين من أنه ان كان في ذمته زكاة واجبة وأوصى بالثلث أو بعضه للفقراء أو في سائر أبواب البر فإنه يحسب له عما في ذمته من الزكاة الواجبة من حيث لا يشعر ، وهو من التفضل الإلهي ، وله نظائر كثيرة مر التنبيه عليها من أن الفعل إذا صادف الواقع في حد ذاته وان لم ينوه صاحبه فإنه يجزى عنه.
الثالث - ظاهر حديث السكوني المروي في الفقيه استحباب الوصية لذوي القرابة ممن ليس له حظ في ميراثه استحبابا مؤكدا ، وانما حملناه على الاستحباب وان كان ظاهره الوجوب ، لما رواه العياشي عن أبى بصير (1)في الصحيح عن أحدهما عليهماالسلام في قوله تعالى (2)«كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» قال : منسوخة ، نسختها آية الفرائض التي هي المواريث ، وبالاستحباب صرح في كتاب الفقه الرضوي ، مع تصريحه في آخر كلامه بأن ترك ذلك معصية ، وهو محمول على المبالغة ، وسيأتي ان شاء اللّه تعالى مزيد تحقيق في المقام.
الرابع - ما تضمنه حديث السكوني (3)من قوله عليهالسلام «ما أبالي أضررت بولدي أو سرقتهم». ومثله ما رواه الراوندي في نوادره (4)بإسناده «عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهمالسلام قال : قال علي عليهالسلام : ما أبالي أضررت بوارثي أو سرقت ذلك المال فتصدقت به». وما رواه أيضا في الكتاب المذكور (5)قال : «قال النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) من مات على وصية حسنة مات شهيدا وقال : من لم يحسن الوصية عند موته كان ذلك نقصانا في عقله ومروته ، والوصية حق على كل
مسلم ، قال : ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة ، فيحيف في وصيته فيختم له بعمل أهل الجنة ، ثم قرأ ومن يتعد حدود اللّه وقال : تلك حدود اللّه». ان حمل على ظاهره من التحريم فالواجب تخصيصه بما زاد على الثلث ، فإنه لا يجوز له شرعا ، وهذا هو أوفق بظاهر الآيتين المذكورتين ، وان حمل على الكراهة المؤكدة فإنهم (صلوات اللّه عليهم) كثيرا ما يبالغون في النهي عن المكروهات بما يدخلها في حيز المحرمات ، وفي المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات ، فيجب حمله على من بر وارثا على آخر ، وأن الأفضل المساواة بينهم ، وسيأتي تمام الكلام في هذا المقام ان شاء اللّه تعالى.
الخامس - ما تضمنته جملة من الأخبار المذكورة من أن من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته وعقله.
الظاهر حمله على ما هو أعم من الوصية بالإقرار بالشهادتين ، وجميع ما جاء به النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) كما دل عليه خبر سليمان بن جعفر المتقدم والإيصاء بماله وعليه ، مما كان يتعلق به حال حياته ، ويذبه بنفسه من أطفال صغار أو أمور يريد إنفاذها بعد موته ، فإن الوصية لغة العهد ، يقال : أوصاه ووصاه عهد اليه ، فيعد الى من يعمد عليه من أخوانه المؤمنين أن يتصرف في أمواله بعد موته بما يقضى عنه ما وجب في ذمته مما قدمنا ذكره ، وان كان له أولاد صغار قائما مقامه في الولاية عليهم ، ويستحب له كما عرفت أن يوصى لبعض أرحامه وأقرباؤه وأن يشهد على ذلك جماعة من إخوانه كما تقدم في خبر سليمان المشار اليه على ايمانه وعقائده ، ويعهد إليهم أن يشهدوا له به يوم القيامة ، ويشهدهم على ما أوصى به من تلك الأمور الدنيوية مضافة إلى الأمور الأخروية.
والى بعض ما ذكرنا يشير ما رواه في الكافي عن مسعدة بن صدقة (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ان أجلت في عمرك يومين فاجعل أحدهما لأدبك لتستعين به
1) الوسائل ج 13 ص 357 ح 3 ، روضة الكافي ص 131 ح 132.
على يوم موتك ، قيل ، وما تلك الاستعانة قال تحسن تدبير ما تخلف ، وتحكمه».
ولا ريب أن ترك هذه الأمور المشار إليها وعدم الوصية بها موجب لما ذكروه عليهمالسلام من نقصان المروة والعقل.
السادس - قال ابن إدريس في كتاب السرائر بعد نقل الخبر المشتمل على قوله «ما أبالي أضررت بورثتي أو سرفتهم ذلك المال» ما ملخصه : سرفهم بالسين غير المعجمة والراء غير المعجمة المكسورة والفاء ، ومعناه أخطأتهم وأغفلتهم ، لأن السرف الإغفال والخطأ ، وقد سرفت الشيء بالكسر إذا غفلته وجهلته ، وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب أنه وأعده أصحاب له في المسجد مكانا فأخلفهم فقيل له في ذلك فقال : مررت بكم فسرفتكم أي أخطأتكم وأغفلتكم الى أن قال : هكذا نص عليه جماعة أهل اللغة ذكره الجوهري في كتاب الصحاح ، وأبو عبيدة الهروي ، وأما من قال في الحديث سرقتهم ذلك المال بالقاف فقد صحف ، لأن سرق لا يتعدى الى مفعولين إلا بحرف الجر ، يقال سرقت منهم مالا ، وسرفت بالفاء يتعدى الى مفعولين بغير حرف الجر ، فملخصه ذلك ، انتهى.
أقول : فيه أن مرجع استدلاله لهم الى أن سرف يتعدى الى مفعولين بنفسه ، وسرق لا يتعدى الى مفعولين إلا بحرف الجر ، وهو في الحديث قد عدي الى مفعولين ، فيجب حمله على سرف بالفاء ، والا فمجرد ورود سرف بمعنى أخطائه وجهله لا يدل على ما ادعاه فإنه مسلم ، ولكن لا يلزم حمل الحديث عليه.
وأنت خبير بأن ما استند اليه مما ذكره مردود ، بأن الظاهر من كلام أهل اللغة أن سرف بالفاء انما يتعدى الى مفعول واحد أيضا ، وهو ظاهر صدر كلامه ، وان ادعى في آخره خلافه ، فإن الحكاية التي نقلها عن الأصمعي إنما تضمنت تعديه الى مفعول واحد كما هو في اللفظ الذي جعل بمعناه من قولهم أخطأتكم وأغفلتكم فان الجميع انما عدي فيه الى مفعول واحد ، وكذلك قوله وقد سرفت الشيء بالكسر إذا أغفلته وجهلته ، فإنه انما حكاه متعديا الى مفعول واحد ، كاللفظين اللذين جعل بمعناهما.
قال في القاموس : سرفه كفرح أغفله وجهله ، وهو ظاهر أيضا فيما قلناه ، على أن ما ادعاه من أن سرق بالقاف لا يتعدى الى مفعولين بنفسه مردود بما ذكره في كتاب المصباح المنير ، حيث قال : وسرق منه ما لا يتعدى الى الأول بنفسه ، وبالحرف الجر على الزيادة ، وظاهره كما ترى أنه يقال سرقته مالا ، وسرقت منه مالا ، فيتعدى الى المفعول الأول تارة بنفسه ، وتارة بالحرف على الزيادة.
وبذلك يظهر لك ضعف ما تكلفه (قدسسره) على أنه لا يخفى ما في الحمل على الفعل الذي ذهب اليه من الركاكة ، وذلك فان الغرض من هذا الكلام وسياقه في المقام هو المبالغة في المنع والزجر عن الحيف في الوصية ، والإضرار بالولد أو الوارث ، والمناسب لذلك انما هو لفظ سرق بالقاف ، فان محصل الكلام أن الإضرار بهم في الوصية بمنزلة سرقة ذلك من أموالهم المترتب عليه الإثم شرعا ، واشتغال الذمة بالمسروق حتى يرده الى صاحبه ، وحينئذ فلا يجوز ، وأما أخطأتهم وجهلتهم ، فان مناسبته فيه للمبالغة في الإضرار.
وبالجملة فإن كلامه (قدسسره) في نظري بمحل من القصور ، كما لا يخفى على من لاحظ ما ذكرناه في هذه السطور ، واللّه العالم.
وفيه مسائل الاولى : قالوا : الوصية تمليك عين أو منفعة ، أو تسليط على التصرف بعد الوفاة ، والمراد بالتسليط المذكور هو أن يوصى اليه بإنفاذ وصاياه ، والقيام بأطفاله ومجانينه وهي الوصايا ، وربما اقتصر بعضهم على تمليك العين أو المنفعة ولم يذكر التسليط على التصرف ، ومنشأ ذلك أن بعضهم أدرج الوصاية التي هي عبارة عن التسليط المذكور في الوصية ، فذكرها في تعريف الوصية ، وبعضهم جعلها قسما آخر برأسها ، وقسيما للوصية ، كالشهيد في الدروس ، فإنه جعل لكل
من الوصية والوصاية كتابا على حدة ، وفي اللمعة قال بالأول ، فعرفهما بما ذكرناه والمفهوم من كلام أكثر الأصحاب أن الوصية عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول من الموصى اليه ، ان كان معينا ، وأما غيره كالفقراء مثلا فيقبل الحاكم الشرعي أو من ينصبه ، والظاهر في الثاني كما استظهره جمع من المتأخرين منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك عدم التوقف على القبول ، وقد تقدم مثله في الوقف ، ثم انه على تقدير وجوب القبول في الأول فهل يكفى القبول الفعلي؟ الظاهر كما اختاره جمع من الأصحاب من الاكتفاء بذلك ، كالأخذ والتصرف فيه لنفسه ، وقد تقدم مثله في جملة من العقود المتقدمة.
وبذلك يظهر أن عده عقدا كما ذكروه لا يخلو من النظر ، إذ مقتضى ذلك وجوب الإيجاب والقبول اللفظين ، كما صرحوا به في العقود ، إلا أن يكون عقدا جائزا كما هو الظاهر ، ويؤيده ما سيأتي - ان شاء اللّه تعالى - من جواز رجوع الموصي ما دام حيا ، والموصى له كذلك ما لم يقبل بعد الوفاة ، وما ذكرنا من اشتراط الإيجاب والقبول اللفظين إنما هو في العقود اللازمة.
وكيف كان فظاهرهم ايضا أنه لا تشترط مقارنة القبول للإيجاب. قال في المسالك : وهو موضع وفاق ، وهو مما يؤيد كونه جائزا لا لازما ، والإيجاب لا ينحصر في لفظ ، بل كل لفظ يدل على مقصوده ، كقوله أوصيت لفلان بكذا ، أو أعطوا فلانا بعد وفاتي كذا ، أو لفلان بعد وفاتي كذا ، وانما جعل قيدا بعد وفاتي في المثالين الأخيرين دون الأول ، لأن قوله في الأول أوصيت صريح في أن العطية انما هي بعد الوفاة ، فلهذا لم يحتج الى قيد ، بخلاف أعطوا فلانا أو لفلان فإنه يكون في الأول مشتركا بين الوصية وبين الأمر بالإعطاء في حياته ، وفي الثاني مشترك بينهما وبين الإقرار له بذلك ، فلا بد من قيد يصرف الكلام إلى الوصية ، فزيد فيه قوله بعد وفاتي.
إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنى لم أقف في الأخبار على ما يدل على وجوب
القبول ، وان كانت الوصية لمعين ، بل ربما ظهر من إطلاقها العدم ، وأنه لا يتوقف على أزيد من الإيجاب بالألفاظ المذكورة ، إلا أنه خلاف ما يفهم من عامة كلامهم.
ومن الأخبار في ذلك صحيحة زرارة (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام في رجل أوصى بثلث ماله في أعماله وأخواله ، فقال : لأعمامه الثلثان ولأخواله الثلث».
وروى في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 454 الباب 62 وص 375 ح 11.
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن امرأة قالت لأمها : إن كنت بعدي فجاريتي لك ، فقضى أن ذلك جائز وان كانت الابنة بعدها فهي جاريتها».الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الآتي - ان شاء اللّه تعالى - جملة منها ، فإنها غير مشتملة إلا على الإيجاب خاصة ، كما سيظهر ان شاء اللّه تعالى.
المسئلة الثانية : قال الشيخ في الخلاف : إذا أوصى له بشيء فإنه ينتقل الى ملك الموصى له ، بوفاة الموصى ، وقال في المبسوط : إذا أوصى لرجل بشيء فإن ملكه لا يزول عن ذلك الشيء قبل وفاته بلا خلاف ، وإذا مات الموصى متى ينتقل الملك الى الموصى له؟ قيل : فيه قولان : أحدهما - ينتقل بشرطين ، وفاة الموصي وقبول الموصى له ، وإذا وجد الشرطان انتقل الملك عقيب القبول.
والقول الثاني - أنه يراعى ان قبل الوصية تبين انه انتقل اليه الملك بوفاته ، وان لم يقبل تبين أن الملك انتقل إلى الورثة بوفاته.
وقيل : فيه قول ثالث - وهو أن الملك ينتقل الى الموصى له بوفاة الموصي مثل الميراث ، ويدخل في ملك الورثة بوفاته ، فان قبل ذلك استقر ملكه عليه ، وان رد انتقل عنه الى ورثته ، قال : وهذا قول ضعيف ، لا يفرع عليه ، بل على الأول ثم قال بعد ذلك : الأقوى أن يقال. ان الشيء الموصى به ينتقل الى ملك
الموصى له بوفاة الموصى ، وقد قيل : انه بشرطين بالموت وقبول الموصى له ، وقيل أيضا انه يراعى ، فان قبل علم أنه انتقل بالموت اليه ، وان رد على أنه بالموت انتقل إلى الورثة ، قال : وعلى ما قلناه لو أهل شوال ثم ذكر بعض الفروع الآتية ان شاء اللّه تعالى في المسئلة ، ونقل عن ابن الجنيد ما يدل على علل موافقته للشيخ في الخلاف.
وقال ابن إدريس : الأقوى في نفسي أنه لا ينتقل بالموت ، بل بانضمام القبول من الموصى له لا بمجرد الموت ، وقال في المختلف بعد نقل الأقوال المذكورة : والمعتمد أن نقول الوصية ان كانت لغير معين ، كالفقراء والمساكين ، ومن لا يمكن حصرهم كبني هاشم ، أو على مصلحة كمسجد أو قنطرة أو حج أو مدرسة أو غير ذلك لم يفتقر الى قبول ، ولزمت بمجرد الموت لتعذر اعتبار القبول من جميعهم ، فسقط اعتباره كالوقف عليهم ، وان كانت لمعين افتقرت الى القبول ، ولا يحصل الملك قبله ، لأن القبول معتبر فتحصيل الملك له قبل قبول لا وجه له مع اعتباره ، ولأنه تمليك عين لمعين ، فلم يسبق الملك القبول كسائر العقود ، ولأن الموصى له لو رد الوصية بطلت ، ولو كان قد ملك بمجرد الإيصاء لم يزل الملك بالرد كما بعد القبول ، ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل ، لامتناع تقدم المشروط على شرطه ، انتهى.
وقال في المسالك : لا خلاف في توقف ملك الوصية على الإيجاب من الموصى لأنه أحد أركان العقد الناقل للملك ، أو تمام الركن ، حيث لا يعتبر القبول على بعض الوجوه ، وفي توقفه على موته ، لأن متعلقها هو الملك ، وما في معناه بعد الموت فقبله لا ملك ، وانما الخلاف في أن قبول الموصى له هل هو معتبر في انتقال الملك اليه بالموت؟ بمعنى كونه شرطا في الملك أو تمام السبب المعتبر بدونه أصلا ، ويعتبر في الجملة أعم مما ذكر أو لا يعتبر أصلا ، بل ينتقل اليه الملك على وجه القهر ، كالإرث لا بمعنى استقراره له كذلك ، بل بمعنى حصوله متزلزلا ، فيستقر
بالقبول ، ويبطل استمراره بالرد ، وينتقل عنه إلى ورثة الموصي ، فهذه أقوال ثلاثة ، انتهى.
أقول : لا يخفى على من راجع كلامهم في المقام ، وما وقع لهم من النقض والإبرام أن هذا البحث والاختلاف انما هو بالنسبة إلى الوصية لمعين ، من حيث اشتراط القبول فيها عندهم ، وأما فيما لم يشترط فيه القبول ، فإنه لا خلاف في الانتقال بمجرد الموت.
قال في المسالك : واعلم أن موضع الخلاف الوصية المفتقرة إلى القبول ، فلو كانت لجهة عامة كالفقراء والمساجد ، انتقلت إلى الجهة المعينة بالوفاة بغير خلاف حيث تكون الوصية نافذة ، انتهى.
وأنت خبير بأن المسئلة غير منصوصة ، ولهذا صارت محل الاشكال ومطرحا للقيل والقال ومنشأ هذا الاشكال والبحث في هذا المجال من حيث اشتراط القبول في الوصية لمعين ، وأنه لا يصح الوصية بدونه ، مع أنهم لم يوردوا له دليلا شرعيا ، ولا نصا مرعيا ، وانما عللوه بعلل اعتبارية ، وقد تتبعت ما حضرني من النصوص فلم أقف فيها على ما يدل على هذا الشرط ، وأنه لا تصح الوصية إلا به ، وربما ظهر من إطلاق كثير منها عدمه ومن ذلك صحيحة زرارة ورواية عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه المتقدمتين.
وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن محمد بن قيس (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام قال : قلت له : رجل أوصى لرجل بوصية من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ يعنى الموصي ، فقال : تجاز لهذه الوصية من (ماله) ومن ديته».
وبهذا المضمون أخبار أخر ، دالة على إخراج الوصية من الدية ، كما يخرج من الميراث.
وفي الصحيح عن محمد بن قيس (2)
و هما في الوسائل ج 13 ص 372 ح 1 و ص 467 الباب 80.
«عن أبى جعفر عليهالسلام قال ، قضىأمير المؤمنين عليهالسلام في مكاتب كان تحته امرأة حرة فأوصت له عند موتها بوصية ، فقال : أهل الميراث لا نجيز وصيتها له ، انه مكاتب لم يعتق ولا يرث ، فقضى بأنه يرث بحساب ما أعتق منه ، ويجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه ، وقضى في مكاتب أوصى له بوصية ، وقد قضى نصف ما عليه فأجاز له نصف الوصية ، وقضى في مكاتب قضى ربع ما عليه فأوصى له بوصية فأجاز ربع الوصية».
وبهذا المضمون أيضا أخبار عديدة وظاهر هذه الأخبار كما ترى أنه ينتقل الموصى به الى الموصى له ، وان لم يحصل القبول ، إذ لا إشارة في شيء منها الى اشتراط القبول من الموصى له كما ادعوه ، وإطلاقها كما ترى شامل لما لو كان ثمة قبول أو لم يكن ، وعدم الاستفصال دليل العموم في المقال ، كما صرح به جملة علمائنا الأبدال ، ويؤيد ما ذكرنا ظاهر الآية ، أعني قوله سبحانه (1)«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ» وجواب العلامة - بحمل الآية على معنى وصية مقبولة والوصية بدون القبول ليست كذلك ، - لا يخرج عن المصادرة ، مضافا الى أن ما ذكره خلاف الظاهر ، وارتكاب التقدير والتأويل ، فرع وجود الدليل على القبول وبهذا يظهر أن ما ادعوه أيضا من كون الوصية من جملة العقود محل توقف واشكال لعدم الدليل عليه ، مع ظهور هذه النصوص ونحوها في عدم وجود القبول فيها ، ولو كان عقدا لوجب القبول ، ودل عليه دليل منها ، والأمر كما ترى بخلافه.
فإن قيل : انه لا تصريح في أكثرها بالموت أيضا ، بل ظاهرها حصول الانتقال بمجرد الوصية ، مع أنكم لا تقولون به ، قلنا : قد قام الدليل على أن للموصى الرجوع في الوصية ما دام حيا ، وهو مؤذن بعدم الانتقال عنه في حياته ، فوجب تخصيص إطلاق هذه الأخبار بذلك ، وأما القبول فلم يقم عليه دليل ، ليمكن تخصيصها به أيضا ، فيبقى الإطلاق بالنسبة إليه سالما من المعارض ، وحينئذ فإذا لم يقم دليل على اعتباره فإنه يرجع الحكم فيه الى حكم الوصية لغير معين.
1) سورة النساء - الاية 11.
نعم حيث ان ظاهرهم الاتفاق على أن للموصى له الرد ، وعدم القبول فينبغي أن تفرق بين الأمرين ، بأن الانتقال في غير المعين انتقال تام لازم ، وفي المعين انتقال متزلزل ، فبالقبول يستقر ويستمر ، وبعدم القبول تبطل ، ويعود إلى ورثة الموصي ، على أن للمناقشة أيضا طريق فيما ذكر ، وهو ان لموصى له الرد ، فانا لم نقف له على دليل ، وما المانع من كون ذلك كالميراث ، ليس له رده شرعا ، فان ظاهر الأخبار التي قدمناها ذلك ، إلا أن الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل ، وكيف كان فالمسئلة غير خالية من الاشكال ، والاحتياط فيها مطلوب على كل حال.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنهم قد فرعوا على هذا الخلاف المتقدم فروعا عديدة :
أحدها - كسب العبد وثمر الشجرة ، وسائر زوائد الموصى به المتجدد بين الموت والقبول ، فان قلنا أنه يحصل الانتقال بالموت خاصة ، كما هو مذهب الشيخ في الخلاف ومن تبعه ، فهي للموصى له قبل الوصية أوردها ، لأن العين قد انتقلت اليه ، ونماءها تابع لها ، ولو ردها احتمل رد نماءها أيضا على الورثة تبعا لها ، واحتمل العدم ، لأن النماء ليس من الموصى به الذي يتخير بين رده وقبوله ، وهو قد ملكه بملك العين بعد الموت ، فلا يزول ملكه عنه ، ورد العين من حيث كونها موصى بها ، وهو لم يقبل الوصية لا يستلزم رد النماء ، لأنه ليس من الموصى به ، كما ذكرنا ، بل ملكه من جهة أخرى ، وسبب آخر.
وان قلنا انه لا يحصل الانتقال إلا بالقبول ، كما هو مذهب العلامة في المختلف ، فإن الزوائد والنماء في تلك المدة لا تكون للموصى له قبل الوصية بعد ذلك أو ردها ، لأنها تجددت قبل أن تدخل العين في ملكه ، وقبوله بعد ذلك لو قبل انما يوجب انتقال العين خاصة ، وهي الموصى بها.
بقي الكلام فيما إذا لم ينتقل للموصى له ، ففي مستحقها من الموصي - من
حيث انها من جملة التركة فيقضى منها ديونه ، وينفذ منها وصاياه كالأصل - أو الورثة لحدوثها بعد زوال ملكه بالموت : وجهان أقربهما للاعتبار الثاني ، وان قلنا بالمراعاة والوقف ، صارت هذه الزوائد أيضا موقوفة ، فإن قبل فهي له وإلا فلا.
وثانيها - فطرة العبد الموصى به إذا حل وقت وجوبها بين الموت والقبول ، فعلى القول الأول تكون على الموصى اليه ، وملكها بالموت ، وعلى الثاني فليس على الموصى له شيء ، لعدم الانتقال اليه ، وقبوله بعد ذلك لو قبل لا يستلزم الوجوب ، وقد فات وقته ، وعلى الثالث أيضا لا يلزم ، وعلي هذين القولين ، تسقط الفطرة هنا ، قالوا : وفي معنى الفطرة هنا المؤن المحتاج إليها بين القبول والموت.
وثالثها - أنه إذا زوج أمته حرا وأوصى له بها ، فعلى تقدير القول الأول وهو الانتقال بعد الموت فإنه ينفسخ النكاح من يوم الموت ، لدخولها في ملكه في ذلك الوقت ، فيبطل العقد السابق ، وعلى القولين الآخرين فان رد الوصية استمر النكاح ، لعدم ما يوجب بطلانه ، وان قبلها انفسخ النكاح على كل من القولين ، لكن يكون الانفساخ من يوم القبول على القول الثاني ، لأن دخولها في ملكه بعد القبول ومن يوم الموت على الثالث ، وهو المراعاة والتوقف ، لانكشاف ذلك بالقبول وتبينه به ، الى غير ذلك من الفروع المذكورة في كلامهم ، من أحب الوقوف عليها فليرجع الى مطولات الأصحاب.
المسئلة الثالثة : المشهور في كلام الأصحاب بناء على وجوب القبول في الوصية كما هو المتفق عليه ظاهرا في كلامهم ، أنه لا فرق بين وقوع القبول قبل وفاة الموصي أو بعدها ، أما قبل وفاة الموصي فلأنه قبل ما نقل اليه من الملك على الوجه الذي نقل اليه ، وان لم يكن في وقته ، والإيجاب هنا انما أفاد التمليك قبل وقت الانتقال ، إذ الانتقال إنما يحصل بالموت ، والقبول هنا وقع طبق هذا الإيجاب ، وأما بعد وفاة الموصى فلا اشكال ولا خلاف في اعتبار القبول لمطابقته
للإيجاب الصادر من الموصي ، لأنه أوقع تمليكا مقرونا بالوفاة وقد حصلت الوفاة ، فقبل الموصى له ذلك.
ونقل عن جمع من الأصحاب منهم العلامة (قدسسره) اختصاص اعتبار القبول بهذه دون الأولى ، محتجين على عدم اعتباره في الصورة الأولى ، بأنه أوجب له بعد موته ، فقبل الموت ليس محلا للقبول ، فأشبه القبول قبل الوصية ، وكذا لو باعه ما يملكه بعد ، وبعدم المطابقة بين الإيجاب والقبول.
ورد ذلك بما أشير إليه في بيان الوجه في الصورة المذكورة ، وتوضيحه أن القبول لا يلزم أن يحصل به الملك ، وانما يحصل به تمام سببه ، وهو لا يوجب وجود مسببه ، لجواز تخلفه لفقد شرطه ، وهو هنا كذلك ، لأن الموت شرط في انتقال الملك والإيجاب كما وقع قبل زمان الملك ناقلا له في وقت متأخر ، فكذلك القبول ، والمطابقة حاصلة ، والفرق بينه وبين بيع ما يملكه واضح ، فان ذلك ممتنع شرعا إيجابا وقبولا وهنا لا مانع منه إلا بواسطة التخيل المذكور ، وهو غير مانع.
أقول : لا يخفى انه لو كان اعتبار القبول مستندا الى النصوص ، لكان الواجب النظر في ذلك النص ، وما يستفاد منه ، من عموم وخصوص ، إلا أنه ليس في المقام نص كما عرفت ، ولا دليل ، وليس إلا ظاهر كلامهم واتفاقهم على الحكم المذكور ، وحينئذ فليس هنا مسرح للنظر في تصحيح شيء من القولين المذكورين إلا بهذه التعليلات الاعتبارية ، وقد عرفت ما في الاعتماد عليها من الاشكال ، فتبقى المسئلة في طامورة التردد والاحتمال ، وان كان ما علل به المشهور أقرب الى الاعتبار.
المسئلة الرابعة : قالوا : لو رد الوصية في حال حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته ، إذ لا حكم لذلك الرد ، وان رد بعد الموت وقبل القبول بطلت ، وكذا لو رد بعد القبض وقبل القبول ، ولو رد بعد الموت والقبول وقبل القبض قيل : تبطل ، وقيل : لا تبطل.
أقول : ينبغي أن يعلم أولا أنه لا خلاف كما عرفت آنفا في أن الملك في الوصية متوقف على الإيجاب والقبول وموت الموصي ، فبدون الثلاثة المذكورة لا يحصل الملك قطعا ، وانما اختلفوا في أن القبض مع ذلك هل هو شرط في تحقق الملك أم ليس بشرط.
فقيل : بالأول كالهبة والوقف ، لاشتراكهما في العلة المقتضية له ، وهو العطية المتبرع بها مع أولوية الحكم في الوصية ، من حيث ان العطية في الهبة وما في معناها منجزة ، وفي الوصية مؤخرة ، والملك في المنجز أقوى منه في المؤخر ، بقرينة نفوذ المنجز الواقع من الأصل على خلاف ، بخلاف المؤخر.
وقيل : بالثاني لأصالة العدم ، وعموم «الأمر بالوفاء بالعقود» الشامل لموضع النزاع ، وبطلان القياس ، من حيث خروج الهبة ونظائرها بدليل خاص وقد تقدم ، وهو لا يتناول الوصية ، والأولوية المذكورة لا تفيد الحكم المتنازع وأصل الخلاف واقع في المؤخر أيضا ، كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.
أقول : ويدل على ذلك ما رواه العباس بن عامر في الصحيح (1)قال : «سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها ، ولم يترك عقبا؟ قال : أطلب له وارثا أو مولى فادفعها اليه ، قلت : فان لم أعلم له وليا ، قال : اجهد على أن تقدر له على ولي فان لم تجده وعلم اللّه منك الجد فتصدق بها» ، وهو صريح في المدعى كما ترى ، وهو أيضا طاهر فيما قدمنا ذكره من صحة الوصية أعم من أن يكون قبل أو لم يقبل ، وبذلك تظهر لك قوة القول الثاني ، وهو كون القبض ليس بشرط في ملك الوصية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن من فروع الملك وعدمه عندهم رد الموصى له الوصية ، فإن وقع الرد بعد تحقق الملك لم يؤثر رده في إبطال الملك ، لأن الملك لا يزول باعراض صاحبه عنه.
1) الكافي ج 7 ص 13 ح 3 ، الوسائل ج 13 ص 409 ح 2.
نعم ربما أفاد الإباحة في بعض الموارد إلا أن اباحة التصرف لا تقتضي زوال الملك ، وعلى هذا فإذا وقع الرد بعد الموت ، والقبول والقبض لا يؤثر شيئا ، لأن الملك هنا قد استقر ، وثبت إجماعا فلا حكم للرد اتفاقا ، وان وقع الرد بعد الموت والقبول وقبل القبض بنى الكلام على الخلاف المتقدم ، فان قلنا ان القبض شرط في الملك صح الرد قبله ، وبطلت الوصية ، وإلا فلا ، كما لو وقع بعده ، فإنه لا أثر له في البطلان ، وان وقع الرد بعد الموت وقبل القبول ، قبض أو لم يقبض ، بطلت الوصية ، لأن الملك لم يتحقق حينئذ ، فكانت الوصية من قبيل العقد الجائز إذا أبطله أحد المتعاقدين ، أو اللازم إذا رده أحدهما بعد الإيجاب وقبل القبول.
أقول : صحة الحكم هنا مبنية على تسليم شرطية القبول كما هو مسلم بينهم ، وأما على ما يظهر من الأخبار كما عرفت وستعرف ان شاء اللّه تعالى ، من أنه لا دليل عليه ، بل الدليل ظاهر في خلافه ، فإنه يحكم بالصحة وان وقع الرد قبل الوفاة ، سواء كان قبل القبول أم لا ، فالرد هنا عندهم لا حكم له ، فله أن يجدد القبول بعد ذلك ، لأن الرد في حكم العدم ، حيث لم يصادف محلا إذ التمليك لا يحصل إلا بعد الوفاة ، فرده هنا انما هو في معنى رد ملك غيره ، وهو غير معقول ، فيقع لاغيا ، لأنه وان قبله فالشرط لملكه موت الموصي إجماعا ، والفرق - بين الرد في هذه الصورة وبين الرد بعد الموت وقبل القبول ، في أن الأول لا حكم له ، بل له أن يجدد القبول ، وفي الثاني تبطل الوصية كما تقدم ، مع اشتراكهما في عدم حصول الملك فيهما - أن الملك بعد الموت وقبل القبول وان لم يحصل على وجه اللزوم الذي لا يؤثر الرجوع في زواله ، إلا أنه حاصل في الجملة ، باعتبار أن القبول كما تقدم كاشف عن الملك السابق ، أو جزء السبب ، فالملك حاصل في الجملة ، إلا أنه بقي موقوفا على القبول لا غير ، فالرد حينئذ واقع في محله ، وملخصه أن التمليك من الموصي قد حصل ، وبقي موقوفا على رضاه بذلك وقبوله ، فإذا رده تبين عدم الرضا والقبول ، فتبطل الوصية كما لو أوجب البائع البيع فرده المشترى ولم يقبل ، وهذا بخلاف
الرد الواقع حال الحياة فإن الملك لم يحصل بالكلية وان قبل في تلك الحال.
هذا كله فيما لو تعلق الرد بالجميع ، أما لو رد بعضا وقبل بعضا فإنه يصح فيما قبله ، ويبقى الكلام في البعض الذي رده ، فبنى على الفروض المتقدمة من الرد في حال الحياة أو بعد الوفاة ، قبل القبول أو بعده ، مع القبض أو عدمه.
وبالجملة فإن الوصية لما كانت تبرعا محضا لم ترتبط أجزائها بعضها ببعض ، فكما يصح قبولها جميعا يصح قبول بعضها ، ويلزمه حكمه خاصة ، ويلزم الآخر أيضا حكمة المتقدم ، وهذا بخلاف البيع ونحوه من عقود المعاوضات ، فإن البائع لو باعه جملة فقبل المشتري بعضها ، وقع قبوله لاغيا ، لأن الغرض فيه مقابلة أجزاء العوض بأجزاء المعوض ، والبعض الذي اختص بالقبول غير مقصود للبائع إلا مقيدا بالجملة ، بخلاف التبرع المحض ، فان القصد إلى الجملة يتضمن القصد الى كل واحد من أجزائها منضمة ومنفردة ، ومن ثم لو أوصى بما زاد على الثلث ولم يجز الوارث بطل في الزائد ، وصح في قدر الثلث وان قبل الموصى له لعدم الارتباط الذي بيناه ، هكذا قيل.
وفيه نظر ، فان ما ادعى من أنه لو قبل المشترى بعض الجملة المباعة دون بعض وقع لاغيا ، لا دليل عليه شرعا ، وما علل به من هذا الوجه الاعتباري لا يصلح لتأسيس حكم شرعي ، ولو تم ما ادعوه من الارتباط بين أجزاء المبيع فلا يصح في بعض دون بعض ، للزم البطلان فيما لو باع ماله ومال غيره صفقة ، فيبطل البيع في الجميع ، مع أنه ليس كذلك ، بل يصح البيع في ماله ، ويختص البطلان بمال الغير ، ويوزع الثمن بالنسبة كما تقدم ذكره في محله.
وبه يظهر ما في قوله ومن ثم لو أوصى بما زاد على الثلث الى آخره حيث جعل مناط الصحة في الثلث خاصة ، والبطلان فيما زاد هو عدم الارتباط ، مع أن مثله كما عرفت وارد في المبيع ، وحينئذ فلا يتم ما ادعوه كليا.
وبالجملة فإن المدار في الأحكام الشرعية كيف كانت ، انما هو على النصوص الشرعية ، دون هذه التعليلات العقلية ، واللّه العالم.
المسئلة الخامسة : الأشهر أنه لو مات الموصى له قبل القبول سواء مات في حياة الموصي أم بعد وفاته ، فان وارثه يقوم مقامه في قبول الوصية ، وتكون الوصية له كما كانت لمورثه ، إلا أن يرجع الموصي في الوصية.
ويدل على هذا القول ما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن قيس (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام قال : قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب ، فتوفي الذي أوصى له قبل الموصي ، قال : الوصية لوارث الذي أوصى له ، قال ومن أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا ، فتوفي الموصى له قبل الموصي ، فالوصية لوارث الذي أوصى له إلا أن يرجع في وصيته قبل موته». ومورد هذه الرواية انما هو موت الموصى له في حياة الموصي ، فلا يمكن الاستدلال بها على ما قدمنا من المدعى ، وحينئذ فينبغي أن يجعل المدعى انه لو مات الموصى له في حياة الموصي قبل القبول ، فهل تصح الوصية أم لا؟ فتكون الرواية المذكورة مستندا للقول بالصحة ، إلا أن ظاهرهم أن محل الخلاف هو الأعم كما حررناه ، وربما كان المستند في تعميم الحكم ما لو مات بعد موت الموصى ، هو الأولوية ، وفيه ما فيه.
وطعن في هذه الرواية في المسالك وقبله العلامة في المختلف ، بأن محمد بن قيس مشترك بين جماعة فيهم الضعيف والثقة ، قال في المسالك بعد نقل الرواية وهذه الرواية نص في الباب لو تم سندها ، إذ لا يخفى أن محمد بن قيس الذي يروي عن الباقر عليهالسلام مشترك بين الثقة والضعيف وغيرهما ، فكيف تجعل روايته مستند الحكم ، إلا أن يدعوا جبرها بالشهرة على ما هو المشهور بينهم في ذلك ، وفيه ما فيه.
أقول : الذي صرح به جملة من محققي متأخري المتأخرين منهم سبطه
1) الكافي ج 7 ص 13 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 230 ح 903 ، الفقيه ج 4 ص 156 ح 541 ، الوسائل ج 13 ص 409 ح 1.
السيد السند في شرح النافع وغيره أن محمد بن قيس هنا هو الثقة البجليّ ، بقرينة عاصم بن حميد الراوي عنه ، كما صرح به الشيخ في الفهرست ، وحيثما يوجد هذا السند فإنهم ينظمونه في سلك الصحيح ، وهذه المناقشة قد تكررت من شيخنا المذكور في المسالك في غير موضع ، وهو غفلة محضة.
وبالجملة فالخبر صحيح صريح في المدعى ، ثم ان أصحاب هذا القول عللوه أيضا زيادة على الخبر المذكور بناء على قواعدهم من التعليل بالعلل العقلية بأن القبول كان حقا للمورث فيثبت لوارثه بعد موته ، كباقي الحقوق الموروثة من الخيار والشفعة وغيرهما ، واعترضه في المسالك قال : وأما الاستدلال بكون القبول حقا للمورث ، ففيه منع كلية الكبرى المدعية ، أن كل حق يورث ان سلم أن القبول حق ، فان حق القبول لا يورث في سائر العقود إجماعا ، كما لو باع أو وهب فمات المشتري أو الموهوب قبل القبول ، فقبل الوارث ، وان كان على الفور ، فإنه لا يعتد به قطعا ، فكذا هنا ، انتهى.
أقول قد عرفت مما قدمناه آنفا أنه لا دليل على اعتبار هذا القبول الذي يدعونه ، ولا على كون الوصية عقدا يتوقف على الإيجاب والقبول ، كما هو المشهور بينهم ، بل ربما دل ظاهر الصحيحة المذكورة هنا مضافا الى ما سلف من الأخبار على أنه بمجرد الوصية قد حصل الانتقال الى الموصى له ، وثبت له الحق ، وان كان متزلزلا مراعى بوفاة الموصي ، إذ لا وجه للانتقال الى الوارث قبل موت الموصي ، إلا بالتقريب الذي ذكرناه ، وحينئذ فالموروث انما هو الوصية ، لا القبول الذي ادعوه كما في عنوان المسئلة ، فجعلوا محل الخلاف في أنه هل يورث القبول لو مات الموصى له قبل القبول أم لا؟ وصحيحة محمد بن قيس المذكورة ظاهرة فيما قلناه ، حيث قال عليهالسلام في الجواب «الوصية لوارث الذي اوصى له» أي أنه لما أوصى الى ذلك الرجل فمات الموصى له فهي لوارثه ، ان لم يرجع الموصي فيها ، فالموروث هو الوصية ، لا القبول إذ لا دليل ، بل لا إشعار في شيء من الأخبار به بالكلية ، والحمل على تقدير مضاف
في الكلام يعنى قبول الوصية لوارث الذي أوصى له خلاف الظاهر ، والأصل عدمه.
ونقل عن جماعة من الأصحاب منهم ابن الجنيد والعلامة في المختلف القول ببطلان الوصية في الصورة المذكورة ، مستندين الى أن الوصية عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول من الموجب له ، فيبطل بموته.
واستندوا مع ذلك الى صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم (1)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصى؟ قال : ليس بشيء».
وفي الموثق عن منصور بن حازم (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن رجل أوصى لرجل بوصية أن حدث به حدث فمات الموصى له قبل الموصي؟ قال : ليس بشيء».
أقول : أنت خبير بما في هذين الخبرين من الإجمال ، وتعدد الاحتمال المانع من الاعتماد عليهما في الاستدلال ، قال في المسالك : والحق أن هاتين الروايتين لا صراحة فيهما في المطلوب ، لأنهما كما يحتملان أن الوصية لا شيء يعتد به ، بمعنى بطلانها ، يحتمل إرادة أن الموت ليس بشيء ينقض الوصية ، بل ربما كان الثاني أنسب بأسلوب الكلام ، وتذكير الضمير المستتر في الفعل ، وبه يندفع التنافي بين الروايات ، فيكون أولى ، انتهى.
والشيخ في التهذيبين حملهما على ما إذا رجع الموصي بعد موت الموصى له عن وصيته ، فاما مع إقراره على الوصية ، فإنها تكون لورثته ، قال : وقد فصل ذلك في خبر محمد بن قيس السابق ، ولا يخفى ما فيه من البعد عن الانطباق على سياق الكلام ، واحتمل في الوافي حملهما على ما إذا كان هناك قرينة تدل على ارادة الموصى له بخصوصه ، دون ورثته.
أقول : ويحتمل ولعله الأقرب حملهما على التقية كما ذكر في الوسائل ،
قال : لانه مذهب أكثر العامة ، وكيف كان فان الخبرين المذكورين لما عرفت لا يبلغان قوة المعارضة للصحيحة السابقة ، ولعله لأجل ذلك جعلهما في المختلف مؤيدين ، بعد أن علل البطلان بأن الوصية عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول ، قال : وقد بينا أن القبول المعتد به هو الذي يقع بعد الوفاة فصار الموت حينئذ فلا عبرة به ، انتهى.
وفيه ما عرفت ، وقيل هنا : قول ثالث بالتفصيل كما نقله في المسالك عن بعض الأصحاب ، من أنه خص البطلان بما إذا مات الموصى له قبل الموصي عملا بمدلول هاتين الروايتين ، قال : فلو مات بعده لم تبطل ، للأصل وعدم المعارض.
أقول : لا يخفى أن هذه الروايات المذكورة انما تعارضت وتصادمت في موت الموصى له في حياة الموصي ، فالصحيحة المتقدمة صريحة في الصحة والانتقال الى الوارث ، والروايتان الأخريان على ما عرفت ، من الإجمال والاحتمال ، وان ادعى منهما الدلالة على البطلان.
وكيف كان فان حكم موت الموصى له بعد موت الموصي غير معلوم من هذه الأخبار ، وحينئذ فيمكن أن يقال : ان مع موت الموصى له في حياة الموصي فالحكم الصحة ، عملا بالصحيحة المذكورة ، وأما بعد وفاته فالوجه في الحكم بالصحة أيضا هو ما ذكره هذا القائل بالتفصيل من أن الأصل الصحة ، ولا معارض هنا لها ، ويؤيده أيضا ما قدمناه في صدر المسئلة الرابعة (1)من صحيحة العباس بن عامر الدالة على موت الموصى له قبل قبض الوصية فأمر عليهالسلام الوصي أن يطلب له وارثا ليدفع إليه الوصية ، وظاهر سياقها أن موته بعد موت الموصي كما هو محل البحث.
ورواية محمد بن عمر الساباطي (2)قال : «سألت أبا جعفر عليهالسلام يعني الثاني عن رجل أوصى الي وأمرني أن أعطي عما له في كل سنة شيئا ، فمات العم؟ فكتب عليهالسلام أعط ورثته».
وهذه الرواية أيضا ظاهرة في أن موت العم بعد موت الموصي ، لأنه مع حياة الموصي لم يتحقق الملك للموصي له ليأمر بالدفع الى ورثته ، ويؤكده أيضا أن المعطى والسائل انما هو الوصي الموصى إليه بتنفيذ الوصايا ، وهو لا يكون إلا بعد موت الموصي كما هو ظاهر ، وأما احتمال إرجاع الضمير في ورثته الى الرجل الموصي المسؤل عنه في صدر الخبر ، فمن الاحتمالات السخيفة التي لا ينبغي النظر إليها.
وبالجملة فإن هذين الخبرين ظاهران في أن مع موت الموصى له بعد وفات الموصي : فإنه لا ريب في صحة الوصية ، وأنها تدفع للموصى له ، ولوارثه ، لأنه استحقها وملكها بالوصية وتحرر الملك ، ولزم بموت الموصي ، ومدلولهما غير ما دلت عليه الأخبار المتقدمة ، فلا تنافي بين الجميع ولا تعارض ، لان مدلول تلك كما عرفت موت الموصى له في حياة الموصي ، ومدلول هذه بعد موت الموصي ، وبما ذكرناه لك يظهر ضعف القول بالتفصيل المذكور ، لأنه مبني على دلالة الروايتين المتقدمتين على بطلان الوصية ، وقد عرفت ما فيه ، وأن الأصح هو الصحة للصحيحة المتقدمة وعدم صراحة هاتين الروايتين المذكورتين في المنافاة ، بل الظاهر من جميع هذه الروايات التي أوردناها في المقام هو الصحة ، سواء مات الموصى له في حال حياة الموصي أو بعد موته بالتقريب الذي شرحناه.
وبه يظهر أيضا ضعف القول بالبطلان كما ذهب إليه في المختلف ، لدلالة هذين الخبرين على الصحة في صورة موت الموصى له بعد موت الموصي ، ودلالة صحيحة محمد بن قيس على الصحة قبل موته ، وهو قد حكم بالبطلان في الموضعين ، واللّه العالم.
المسئلة السادسة : قال المحقق في الشرائع : فرع لو أوصى بجارية وحملها لزوجها وهي حامل منه ، فمات قبل القبول ، كان القبول للوارث ، وإذا قبل ملك الوارث الولد ، ان كان ممن يصح له تملكه ، ولا ينعتق على الموصى له ، لأنه لا يملك بعد الوفاة ، ولا يرث أباه ، لأنه رق ، إلا أن يكون ممن ينعتق على الوارث الى آخره.
قال في المسالك بعد ذلك : هذا فرع على المسئلة السابقة المتضمنة لكون القبول موروثا ، فإذا فرض كون الموصى به جارية وحملها ، والحال أن الحمل ولد الموصى له بتزويج أو غيره ، ففرض المصنف كون الموصى له زوجا غير لازم ، ويفرض كون الحمل رقا لمولى الجارية بالاشتراط على القول بصحته ، وحينئذ فإذا مات الموصى له قبل القبول وقلنا بانتقال حقه الى وارثه ، فقبل الوصية بهما ، ملك الجارية والولد ، ولا ينعتق الولد لأن أباه لم يملكه ، وانما انتقل ملكه الى الوارث ابتداء كما أشرنا إليه سابقا ، نعم لو كان ممن ينعتق على الوارث كما لو كان الوارث ابنا والحمل أنثى ، انعتق عليه ، انتهى المقصود من كلامه.
أقول : قد عرفت مما قدمناه أن ما يدعونه من القبول في هذا المقام مما لم يقم عليه دليل ، ربما دلت ظواهر الأخبار على عدمه ، وحينئذ فجميع ما يفرع على ذلك لا يخلو من الاشكال ، ومنه ما ذكروه هنا من أنه كما أن للموصى إليه التخيير في القبول وعدمه ، كذلك يثبت للوارث التخيير في قبول الوصية وعدمه فلو مات الموصى إليه قبل القبول تخير الوارث بين القبول ، فيملك ما أوصى به وعدمه فلا يملكه ، والمفهوم من الروايات التي قدمناها في سابق هذه المسئلة هو أنه متى مات الموصى إليه في حياة الموصي أو بعد موت الموصي ، فإن الوصية تنتقل الى الوارث انتقالا موجبا للملك ، غير متوقف على شيء إلا موت الموصي ان مات الموصى إليه في حال حياته ، فان ما اشتملت عليه صحيحة العباس بن عامر من أمره عليهالسلام بطلب الوارث والدفع اليه ، ثم أمره بالصدقة عنه بعد تعذر الوقوف عليه أظهر ظاهر ، وأصرح صريح في الانتقال اليه من غير توقف على شيء ، وإلا لكان الأنسب أنه حيث تعذر الوارث فإنه ترجع الوصية إلى ورثة الموصي ، لتعذر القبول الذي هو شرط عندهم بتعذر وجود الوارث ، مع أنه عليهالسلام مع تعذر الوارث أمر بالصدقة عنه ، أو عن الموصى له ، أو عن وهو صريح في ملك الموصى له ووارثه من بعده ، بمجرد الوصية وموت الموصي ، وكذلك حكمه عليهالسلام في رواية محمد بن عمر
الساباطي بكونه لورثة العم ، كان ينبغي تقييده ان قبلوا ذلك وإلا فلا ، وكذلك حكمه عليهالسلام في صحيحة محمد بن قيس بأن الوصية لوارث الذي أوصى له من غير استفصال بين قبوله وعدمه ، ولو كان الأمر كما يدعونه لكان الواجب أن يقول ان الوصية له ان قبل ، وإلا فلا.
وبالجملة فإنه لا يخفى على المتأمل في سياق الأخبار المذكورة سيما صحيحة العباس بن عامر أنه بموت الموصى إليه تنتقل الوصية إلى وارثه انتقالا صحيحا شرعيا موجبا للملك ، غاية الأمر أنه ان كان الموت في حياة الموصي فإن الملك يكون مراعى بعدم رجوع الموصي في الوصية ، كما دلت عليه صحيحة محمد بن قيس ، وان كان بعد موت الموصي فقد استقر الملك بحصول شروطه المتقدمة ، وأما أنه للموصى له التخيير بين القبول والرد كما زعموه ، فقد عرفت أيضا ما فيه ، من أنه لا دليل عليه إلا ما ذكروه من الوجوه الاعتبارية التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية ، وما المانع من أن يكون بعد استكمال شروطه من قبيل الميراث ، إذا اقتضته الأدلة ، كما صرحوا به في الوصية لغير معين ، من أنه ينتقل بمجرد الوصية وموت الموصى.
وبالجملة فإنك بالتأمل في الأخبار التي ذكرناها لا أظنك يعتريك الشك في صحة ما ذكرناه ، لكن مخالفة المشهور مما يثقل في قلوب الجمهور ، إذا عرفت ذلك فاعلم أنه يأتي على ما حررناه ، من أن الوصية قد انتقلت الى الموصى له ووارثه انما تلقاها منه ، وورثها عنه ، أن الجارية وولدها هذا قد انتقلا الى الزوج ، وبموجبه ينعتق الولد عليه ، لأنه لا يملك ولده.
قوله في المسالك فيما قدمنا من عبارته : «وحينئذ فإذا مات الموصى له قبل القبول وقلنا بانتقال حقه الى وارثه. الى آخره».
فيه أنك قد عرفت من الأخبار التي كررناها ، أن مقتضاها أن من أوصى بوصية إلى شخص فمات الموصى له قبل قبض الموصى به ، فإنه تنتقل الوصية عنه الى وارثه ، ويملك الوارث جميع ما ورثة الموصي له من غير تقييد بقبول ، لا في
جانب الموصى له ، ولا في جانب وارثه ، والوارث انما تلقى الملك عن مورثه ، لا من حيث قبوله خاصة ، ومقتضى ما ذكروه من أن الموصى له مات قبل القبول أنه لم يحصل له الملك ، والملك انما حصل لوارثه من حيث قبوله ، فيكون الوارث قد ملك شيئا لم يملكه مورثه ، وهذا خلف ظاهر ، فان الوارث بالاتفاق إنما تلقى الملك من مورثه ، فكيف يملك هنا شيئا لم يملكه مورثه ، حتى أنهم يفرعون عليه عدم انعتاقه الولد ، لعدم دخوله في ملك الأب.
ثم انه أي حق للموصى له لو مات قبل القبول ليرثه وارثه ، فإنه إذا كان القبول عندهم شرطا في صحة الملك أو جزء السبب ولم يحصل ، فإنه لا يحصل الملك ، وبموجبه تبطل الوصية ، فليس هنا شيء يرثه الوارث بالكلية.
فإن قيل : انه بالوصية يملكه ملكا متزلزلا لا يستقر إلا بالقبول ، فلما مات الموصى له قبل القبول ورث الوارث ذلك الملك المتزلزل عنه ، وورث حق القبول الذي كان للموصى له ، فإذا قبل ذلك استقر الملك له.
قلنا : أما إرثه الملك المتزلزل فممكن ، وأما إرثه حق القبول ، فغير مسلم وقد تقدم ذلك في كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ، كما قلناه في سابق هذه المسئلة في الجواب عن ذلك الدليل العقلي المذكور ثمة.
وبالجملة فإن مقتضى الأخبار التي ذكرناها انما هو انتقال الوصية الى الموصى له أولا ، وأنه يملكها ، وان اقترن الملك بين موت الموصى له في حياة الموصي أو بعد موته كما تقدم ، ثم بعد موته ينتقل الى وارثه ، وحينئذ فيجب الحكم بانعتاق الولد في الصورة المفروضة ، وهذا من جملة ما يتفرع على الخلاف بين كلامهم ، وبين ما يظهر من الأخبار الجارية في هذا المضمار.
المسئلة السابعة : قد صرحوا بأن الوصية عقد جائز من طرف الموصي ما دام حيا ، سواء كانت الوصية بمال أو ولاية ، ويتحقق الرجوع بالتصريح ، وبفعل ما ينافي الوصية ، فلو باع ما أوصى به أو أوصى ببيعه أو وهبه وأقبضه ، أو رهنه كان ذلك رجوعا ، وكذا لو تصرف فيه تصرفا أخرجه عن مسماه.
أما لو أوصى بخبز فدقه فتيتا لم يكن ذلك رجوعا.
أقول : ما ذكروه من أن الوصية عقد جائز من طرف الموصي ما دام حيا مما لا خلاف فيه نصا وفتوى ، أما الثاني فلأنه لا خلاف كما نقله في المسالك وغيره في جواز رجوع الموصي في وصيته ما دام حيا ، ولو كانت لازمة لامتنع ذلك.
وأما الأول : فلأخبار كثيرة ، منها ما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) عن عبيد بن زرارة (1)قال : «قد سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول. للموصي أن يرجع في وصيته ان كان في صحة أو مرض».
وعن بريد بن معاوية (2)في الموثق «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : لصاحب الوصية أن يرجع فيها ويحرث في وصيته ما دام حيا».
وعن عبد اللّه بن مسكان (3)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قضى أمير المؤمنين عليهالسلام أن المدبر من الثلث وأن للرجل أن ينقض وصيته ، فيزيد فيها وينقص منها ما لم يمت».
وعن محمد مسلم (4)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : المدبر من الثلث وقال : للرجل أن يرجع في ثلثه ان كان أوصى في صحة أو مرض».
وعن يونس (5)عن بعض أصحابه قال : «قال علي بن الحسين عليهالسلام للرجل أن يغير وصيته فيعتق من كان أمر بملكه ، ويملك من كان أمر بعتقه ، ويعطي من كان حرمه ، ويحرم من كان أعطاه ما لم يمت ويرجع فيه».
وما رواه في الفقيه عن محمد بن عيسى بن عبيد (6)
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 385 ح 1 و ص 389 ح 1 و ص 385 ح 2 و ص 387 ح 6.
«قال كتبت الى1) الكافي ج 7 ص 12 ح 1 و 2، الفقيه ج 4 ص 147 ح 509 و 508 التهذيب ج 9 ص 189 ح 760 وص 190 ح 761 ، الوسائل ج 13 ص 386 ح 3 و 4.
2) الكافي ج 7 ص 12 ح 1 و 2، الفقيه ج 4 ص 147 ح 509 و 508 التهذيب ج 9 ص 189 ح 760 وص 190 ح 761 ، الوسائل ج 13 ص 386 ح 3 و 4.
3) الكافي ج 7 ص 12 ح 3 ، التهذيب ج 9 ص 190 ح 732.
4) الكافي ج 7 ص 22 ح 3.
5) الكافي ج 7 ص 13 ح 4.
6) الفقيه ج 4 ص 173 ح 607.
علي بن محمد عليهماالسلام رجل أوصى لك جعلني اللّه فداك بشيء معلوم من ماله أوصى لأقربائه من قبل أبيه وأمه ، ثم انه غير الوصية فحرم من أعطاه وأعطى من حرمه أيجوز له ذلك؟ فكتب (صلوات اللّه عليه) هو بالخيار في جميع ذلك الى أن يأتيه الموت».
وما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق عن إسحاق بن عمار (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن رجل كانت له عندي دنانير ، وكان مريضا فقال لي : ان حدث بي حدث فأعط فلانا عشرين دينارا ، وأعط أخي بقية الدنانير ، فمات ولم أشهد موته ، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي : أنه أمرني أن أقول لك : انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها الى أخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين ، ولم يعلم أخوه أن له عندي شيئا ، فقال : أرى أن تصدق منها بعشرة دنانير كما قال».
الى غير ذلك من الأخبار ، وكتب بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين في حواشيه على هذا الخبر الأخير ما صورته : العمل بخبر العدل الواحد في مثل ذلك لا يخلو من اشكال إلا أن يحمل على حصول العلم بالقرائن المنضمة إلى اخباره ، ويمكن أن يقال : انما حكم عليهالسلام بذلك في الواقعة المخصوصة لعلمه بها ، انتهى.
أقول : لا يخفى على من تتبع الأخبار حق التتبع ، أن المستفاد منها انما هو قبول قول العدل الواحد في غير موضع من الأحكام ، ومن ذلك هذا الخبر.
ومن ذلك أيضا ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (2)قال : «سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال : إنها امرأتي ، وليست لي بينة ، فقال : ان كان ثقة فلا يقربها ، وان كان غير ثقة لم يقبل منه» ،
وظاهره كما ترى ، النهي عن نكاحها الذي هو حقيقة في التحريم ، وليس ذلك إلا من حيث افادة قول الثقة العلم ، كالشاهدين ، والتأويل بالحمل على الكراهة يحتاج الى المعارض ، وهو منتف ، والمعاضد له موجود ، ومن ذلك ما تقدم في كتاب الوكالة من
صحيح هشام بن سالم (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال فيه «ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا ، والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة» ، والأصحاب قد صرحوا بأنه لا ينعزل الوكيل إلا مع العلم بالعزل ، والخبر ظاهر أن اخبار الثقة كالمشافهة للعزل في إفادة العلم بالعزل ، ومن ذلك حملة من الأخبار الدالة على جواز وطء الأمة المشتراة بغير استبراء إذا كان البائع عدلا قد أخبر بالاستبراء (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 286 ح 1 وص 38 ح 2
، ويؤيده الأخبار الدالة على الاعتماد على أذان الثقة في دخول الوقت (3)الى غير ذلك من المواضع التي تقف عليها المتتبع البصير ، ولا ينبئك مثل خبير.ثم انهم ذكروا ان الرجوع في الوصية ونحوها من العقود الجائزة قد يكون بالفعل وبالقول ، اما صريحا أو استلزاما أو باعتبار إشعاره بإرادة الرجوع ، فهذه أقسام أربعة :
أحدها - القول الصريح ، كقوله رجعت في الوصية الفلانية ، أو نقضتها أو فسختها ، أو لا تعطوها ما أوصيت به ، أو يقول هو «يعنى الموصى به» لفلان ، أو لوارثي ، أو من جملة ميراثي.
وثانيها - بيع العين التي أوصى بها ، واللازم من البيع نقل العين إلى المشتري ، ويمتنع مع ذلك بقاء الوصية ، وكذا عتق المملوك ، وكتابته ، فان مقتضاهما قطع السلطنة عن المملوك التي من جملته الوصية به ، وكذا الهبة
المقرونة بالإقباض ، أما لا معه فهي من القسم الآتي.
وثالثها - فعل ما يدل على ارادة الرجوع وان لم يكن صريحا ، ويتحقق بفعل مقدمات الأمور التي لو تحققت لناقضت الوصية ، ومنه الهبة قبل القبض كما عرفت ، والعرض على البيع مريدا له ، فإنه قرينة دالة على ارادة الرجوع عن الوصية ، ولو دلت القرائن في شيء من هذه المواضع على عدم ارادة الرجوع بذلك ، بل كان الغرض أمرا آخر ، عول على تلك القرائن ، لضعف هذا القسم ، حيث ان مناطه القرينة ، ويشكل الحال لو اشتبه الفرض من الطرفين.
ورابعها - الفعل المبطل للاسم الذي هو متعلق الوصية ، كما لو أوصى له بحنطة معينة فطحنها ، أو بدقيق فعجنه ، أو بعجين فخبزه أو بقطن فغزله ، أو بغزل فنسجه ، أو بدار فهدمها بحيث خرجت به عن اسمها ، أو بزيت فخلطه بغير جنسه ، بحيث لم يتميز ، ووجه البطلان في جميع ذلك ان متعلق الوصية في جميع ذلك هو المسمى الخاص ، وقد زال ، مضافا الى إشعار هذه الأفعال بالرجوع ، إلا أن تدل هناك قرينة على خلاف ذلك ، كأن يفعل لمصلحة العين ، وقصد بقاءها وحفظها ، كدفع الدود عن الحنطة ، وخبز العجين خوفا من فساده وضياعه ، وخلطه كذلك ، ونحو ذلك ، فان مرجع هذه الأمور إلى القرائن المقرنة بها نفيا وإثباتا ، ولو وقع الفعل من غير الموصى بغير اذنه ، لم يقدح في صحة الوصية ، لانتفاء المقتضي.
قالوا : ولو خلط الزيت بمماثله جنسا فان كان الغير أجود فظاهرهم القطع بكونه رجوعا ، لاشتمال حصته على زيادة ، ولم يحصل منه الرضا ببدلهما مع عدم إمكان فصلها ، وان خلطه بمساوئ أو أردى فالمفهوم من كلام بعضهم أنه لا يكون رجوعا ، لبقاء المال وعدم اشتماله على وصف مانع.
قال في المسالك : وهو ظاهر مع المساواة ، ومع الأردى يكون القدر الناقص من الوصف بمنزلة إتلاف الموصي له ، فيبقى الباقي على الأصل انتهى ، وأطلق جماعة من الأصحاب كون الخلط موجبا للرجوع ، قال في المسالك : وهو حسن مع
انضمام قرينة تدل عليه.
هذا كله فيما لو كان الموصى به معينا كهذه الحنطة وهذا الزيت ، ونحو ذلك ، أما لو كان مطلقا كأن يوصى له بأصواع من حنطة أو زيت أو نحو ذلك ، ثم يطحن ما عنده في بيته أو يمزج أو نحو ذلك فان ذلك لا يكون رجوعا ، لعدم اختصاص الموصى به بذلك ، بل لو لم يوجد ذلك عنده لوجب شراؤه ، فلا يضر التغير فيما عنده ، وأما أنه لو أوصى بخبز فدقه فنيتا لم يكن ذلك رجوعا ، فعلل بأن هذا الفعل لا يدل على الرجوع ، إلا بالقرينة ، مضافا الى أصالة بقائها على حالها ، وعلل أيضا ببقاء اسم الخبز.
قال في المسالك : وفيه نظر ، ولم يبين وجهه ، نعم لو استفيد من القرائن إرادة الرجوع به عمل بها ، ونقل عن القواعد أنه استشكل الحكم في ذلك وألحق بذلك جعل القطن محشوا في فراش وتجفيف الرطب تمرا وتقديد اللحم.
قيل ووجه الاشكال ما تقدم ، ومن دعوى أن ظاهر هذه الأفعال يؤذن بالاستيثار بها ، فالظاهر أن الأقرب في ذلك ما تقدم نقله عن المسالك من أن هذه الأمور غير مفيدة للرجوع إلا مع القرينة ، كل ذلك مع التعيين كما تقدم ، وأما مع الإطلاق فلا ، بل يجب تحصيل غيره ، ولو من غير التركة ، هذا ملخص كلامهم في المقام ، واللّه العالم.
والكلام يقع فيه في مقامات ثلاثة الأول : اشترط جملة من الأصحاب في الموصى الكمال بالبلوغ والعقل ورفع الحجر ، ومقتضاه عدم صحة وصية غير البالغ ، وان كان مميزا مع أن كثيرا من الأخبار دل على صحة المميز وان لم يبلغ ، وهو أحد الأقوال في المسئلة أيضا ، وأما العقل فيخرج به المجنون والسكران ، والغير الرشيد كالسفيه ، مع أن لهم في السفيه اختلافا ، فنقل في
الدروس عن المفيد وسلار والحلبي عدم نفوذ وصيته إلا في البر والمعروف ، وعن ظاهر ابن حمزة عدم نفوذها مطلقا ، وعن الفاضل أنه أنفذها مطلقا تارة ، ومنعها مطلقا أخرى ، قال : وفي حكمه من جرح نفسه للموت ، وأما رفع الحجر فيخرج به العبد ، لأنه وان قيل بملكه فهو محجور عليه ، كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع (1)قال في الدروس : ولو أعتق ففي نفوذها قولان للفاضل ، قال : وأولى بالنفوذ إذا علق الوصية على حريته ، هذا وأما ما وقع الخلاف فيه مما تقدمت الإشارة إليه فتفصيل الكلام في ذلك أنه قد سوغ الشيخ في النهاية ، وصية الصبي في المعروف إذا كان له عشر سنين إذا كان وضع الشيء مواضعه ، ومردودة في غير البر ، ومتى كان سنه أقل من ذلك لم تجز وصيته ، قال : وقد روي أنه إذا كان ابن ثمان سنين جازت وصيته في الشيء اليسير في أبواب البر ، والأول أحوط وأظهر ، وكذا يجوز صدقة الغلام إذا بلغ عشر سنين ، وهبته وعتقه إذا كان بالمعروف في وجه البر ، واما ما يكون خارجا عن ذلك فليس بممضى على حال ، وبذلك قال ابن البراج.
وقال الشيخ المفيد : إذا بلغ الصبي عشر سنين جازت وصيته في المعروف في وجوه البر ، وكذلك المحجور عليه لسفه إذا أوصى في بر أو معروف جاز وصيته ، ولم يكن لوليه الحجر عليه في ذلك ، ولا تجوز وصية الصبي والمحجور عليه فيما يخرج من وجوه البر والمعروف ، وهبتهما باطلة ، ووقفهما وصدقتهما كوصيتهما جائزة إذا وقعا موقع المعروف.
وقال سلار : السفيه لا تمضى وصيته إلا في وجوه البر والمعروف خاصة ، والصبي ان بلغ عشر سنين جازت وصيته أيضا في البر والمعروف خاصة ، ولا تمضي هبته ولا وقفه ، وكذلك السفيه.
وقال أبو الصلاح : لا تمضي وصية من لم يبلغ عشر سنين ، والمحجور عليه
1) ج 19 ص 397.
إلا ما تعلق بأبواب البر.
وقال ابن الجنيد : إذا أوصى الصبي وله ثمان سنين والجارية ولها سبع. سنين بما يوصى به البالغ الرشيد جاز.
وقال ابن حمزة : انما تصح وصية الحر البالغ كامل العقل أو في حكمه ، ونفاذ تصرفه في ماله ، وحكم كمال العقل يكون للمراهق الذي لم يضع الأشياء في غير مواضعها ، فان وصيته وصدقته وعتقه وهبته بالمعروف ماضية دون غيرها.
وقال محمد بن إدريس : الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن وصية غير المكلف البالغ غير صحيحة ، سواء كانت في وجوه البر أو غير وجوه البر ، وكذلك صدقته وعتقه وهبته ، لان وجود كلام الصبي غير البالغ كعدمه ، ولأنه بلا خلاف محجور عليه ، غير ماض فعله في التصرف في أمواله بغير خلاف بين الأمة ، ولقوله تعالى (1)«وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» فأمرنا بالدفع للأموال إليهم بعد البلوغ ، وهو في الرجال الاحتلام أو الإنبات ، أو خمس عشر سنة ، وفي النساء الاحتلام أيضا أو الإنبات أو بلوغ تسع سنين ، أو الحمل أو الحيض مع إيناس الرشد وحده ، أن يكون مصلحا لماله ، مصلحا لدينه ومن أجاز شيخنا وصيته وعتقه وهبته ليس كذلك ، لقوله عليهالسلام (2)«رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم» ، ورفع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لكلامه ، وانما هذه أخبار آحاد أوردها في النهاية إيرادا.
أقول : والواجب أولا كما هي قاعدتنا في الكتاب نقل جملة الروايات الواردة في هذا الباب والكلام في ذلك بتوفيق الملك الوهاب ، فمن الأخبار ما رواه الصدوق في الصحيح عن أبى عمير عن أبان عن عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه (3)قال : «قال أبو عبد اللّه عليهالسلام إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته». ورواه الكليني أيضا بسند غير نقي.
وما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن زرارة (1)عن أبي جعفر عليهالسلام قال : «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حد معروف وحق فهو جائز».
وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن منصور بن حازم (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال سألته عن وصية الغلام هل تجوز؟ قال : إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته».
وعن عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه في الموثق (3)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : إذا بلغ الصبي خمسة أشبار أكلت ذبيحته ، وإذا بلغ عشر سنين جازت وصيته».
وعن أبي بصير وأبى أيوب (4)في الموثق «عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في الغلام ابن عشر سنين يوصي؟ قال : إذا أصاب موضع الوصية جازت».
وما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه تعالى مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن مسلم (5)قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : ان الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك جازت وصيته ، لأولي الأرحام ، ولم تجز للغرماء».
وعن أبى بصير (6)
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 429 ح 5 و 6 و ص 428 ح 1 و 2.
في الصحيح والظاهر أنه المرادي «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : إذا بلغ الغلام عشر سنين فأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته ، فإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته».وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن محمد بن مسلم (7)عن
1) الكافي ج 7 ص 28 ج 1 ، التهذيب ج 9 ص 181 ح 729 ، الفقيه ج 4 ص 145 ح 502.
2) التهذيب ج 9 ص 182 ح 730 ، الوسائل ج 13 ص 429 ح 3 و 4 وص 430 ج 7.
3) التهذيب ج 9 ص 181 ح 726.
4) التهذيب ج 9 ص 181 ح 727 و 728. الكافي ج 7 ص 28 ج 2.
5) التهذيب ج 9 ص 181 ح 727 و 728. الكافي ج 7 ص 28 ج 2.
6) التهذيب ج 9 ص 182 ح 732 ، الفقيه ج 4 ص 145 ح 503.
7) التهذيب ج 9 ص 182 ح 733 ، الوسائل ج 15 ص 325 ح 5.
أحدهما عليهماالسلام قال : يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل ، ووصيته وصدقته وان لم يحتلم».
هذا ما حضرني من أخبار المسئلة وهي ظاهرة الدلالة فيما ذكره المشايخ المتقدم ذكرهم ، وهو ظاهر الصدوق (قدسسره) أيضا حيث نقله جملة منها في كتابه من غير تعرض لردها ، ولا الطعن فيها بوجه ، وبه يظهر ضعف ما ذكره ابن إدريس وما تعلق به من الأدلة الدالة على الحجر على الصبي حتى يبلغ ، يمكن تخصيصها بهذه الأخبار ، فإنها مع تعددها وصحة أكثرها ورواية المشايخ الثلاثة لها وقول الطائفة بها لا يمكن التجاسر على ردها وإطراحها بالكلية ، كما هو مقتضى كلامه ، ولكنه صحيح على أصله الغير الأصيل ، وقاعدته المخالفة لما عليه كافة العلماء جيلا بعد جيل.
وظاهر العلامة في المختلف الميل الى مذهب ابن إدريس هنا ، وان لم يصرح باختياره ، حيث قال بعد نقل ما قدمنا من الأقوال ، ونقل جملة من روايات المسئلة ما لفظه : وهذه الروايات وان كانت متظافرة ، والأقوال مشهورة ، لكن الأحوط عدم إنفاذ وصيته مطلقا حتى يبلغ ، لعدم مناط التصرف في المال عنه ، انتهى.
والى ذلك يميل أيضا كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ، بل ربما ظهر منه اختياره حيث قال : وابن إدريس سد الباب واشترط في جواز الوصية البلوغ كغيرها ونسبه الشهيد في الدروس الى التفرد بذلك ، ولا ريب أن قوله هو الأشبه لأن هذه الروايات التي دلت على الحكم وان كان بعضها صحيحا إلا انها مختلفة ، بحيث لا يمكن الجمع بينها ، وإثبات الحكم المخالف للأصل بها مشكل ، انتهى.
أقول : لا يخفى على المتأمل في هذه الأخبار وهي أخبار المسئلة كملا أنه متى ضم بعضها الى بعض مطلقها الى مقيدها ، ومجملها الى مفصلها ، وعامها الى خاصها ، فإنه ينتج منها جواز وصية ابن عشر سنين ، إذا كان ذا تمييز : وكانت وصيته موافقة لوصية العقلاء من وضع الأشياء مواضعها ، وهو المشار إليه بالوصية بالمعروف
يعنى بين العقلاء ، وهذا أمر متفق عليه منها ، باعتبار ما قلناه من ضم بعضها الى بعض ، واختلافها في ما عدا ذلك لا يوجب ردها فيما اتفقت فيه.
وبذلك يظهر ما في قوله أنها مختلفة لا يمكن الجمع بينها ، فإنه على إطلاقه ممنوع ، وممن قال بالقول المشهور وجزم به المحقق وشيخنا الشهيد.
وأما ما ذكره في المختلف من أن الأحوط عدم إنفاذ وصيته مطلقا ، فإنه قد اعترضه شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد بأن الاحتياط للوارث مع عدم الحجر عليه إنفاذها ، اللّهم إلا إن يريد بذلك أن الأحوط للموصى له أن لا يقبل وصية الصبي وفيه بعد ، مع إمكان كون الوصية في جهة عامة أو لطفل مولى عليه ، فلا يتصور الاحتياط هنا ، وان أراد به معنى آخر فلا بد من افادته ، واقامة الدليل عليه.
وبالجملة فالإقدام على رد ما تظاهرت به الفتوى واشتهرت به الرواية من طريق أهل البيت عليهمالسلام مشكل ، انتهى وهو جيد نفيس.
وأما ما تقدم نقله عن الدروس من الخلاف في السفيه بما ذكره ، فلم أقف له في الأخبار على أثر.
وأما ما تقدم نقله عن ابن الجنيد ، فالظاهر أن مستنده فيه رواية الحسن بن راشد (1)عن العسكري عليهالسلام قال : إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله وقد وجب عليه الفرائض والحدود ، وإذا تم للجارية سبع سنين فكذلك ، وظاهرها هو حصول البلوغ لكل من الصبي والصبية ببلوغ الثمان والسبع ، وهو مخالف لإجماع المسلمين وأخبارهم ، وابن الجنيد هنا اقتصر على الوصية. ولا وجه لتخصيصها بالذكر ، فإنه ان عمل بالرواية وجب عليه القول بجميع ما اشتملت عليه ، وان خالف إجماع المسلمين واخبارهم ، وإلا فالواجب طرحها وإرجاعها إلى قائلها ، واللّه العالم.
1) التهذيب ج 9 ص 183 ح 736 ، الوسائل ج 13 ص 321 ح 4.
المقام الثاني : قد صرحوا بأنه لو جرح الوصي نفسه بما فيه هلاكها ثم أوصى ، فإنه لا تقبل وصيته ، ولو أوصى قبل ذلك قبلت ، وتدل على ذلك صحيحة أبي ولاد (1)المروية بطرق المشايخ الثلاثة (قدس اللّه أرواحهم) قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها ، قيل له : أرأيت ان كان أوصى بوصية ثم قتل نفسه متعمدا من ساعته تنفذ وصيته؟ قال : فقال : ان كان أوصى ان يحدث حدثا في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت ، أجيزت وصيته في الثلث وان كان أوصى بوصية بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو فعل لعله يموت لم تجز وصيته». وهي مع صحة سندها صريحة في المراد ، وما ذكرناه من بطلان الوصية إذا وقعت بعد الفعل المذكور ، هو المشهور بين الأصحاب (رضياللّهعنهم) وبه صرح الشيخان وأبو الصلاح وابن البراج ، ونقله ابن الجنيد رواية عن الصادق عليهالسلام وقال ابن إدريس : الذي يقتضيه أصولنا وتشهد بصحته أدلتنا أن وصيته ماضية صحيحة إذا كان عقله ثابتا عليه.
واحتج في المختلف على القول المشهور زيادة على الصحيحة المذكورة ، قال لنا : أنه سفيه فلا ينفذ تصرفه ، ولأنه في حكم الأموات ، فلا يتصرف في مال غيره ، ولأنه قاتل نفسه ، فلا يتصرف في ماله ، كالوارث لو قتله منع منه.
واعترضه في المسالك : فقال : والكل ضعيف ، أما السفه فلأن الفرض انتفائه وثبوت رشده ، وان اشترطنا انتفائه في غيره ، ومن الجائز أن يفعل بنفسه ذلك لعارض ثم يرجع اليه رشده لو فرض زوال حالته ، وأما عدم استقرار حياته فيكون في حكم الميت فليس بشرط ، والأصل يقتضي نفوذ تصرف الحي العاقل الجامع لباقي الشرائط مطلقا ، والنصوص الدالة على نفوذ المريض مطلقا متناولة له ،
1) التهذيب ج 9 ص 207 ح 820 وفيه «قلت له» ، الفقيه ج 4 ص 150 ح 522 وليس فيهما «لعله يموت» ، الكافي ج 7 ص 45 ح 1 ، الوسائل ج 13 ص 441 الباب 52.
والقياس على عدم حل المذبوح حينئذ لأنه بمنزلة الميت فاسد ، ان سلم الأصل وسيأتي ان شاء اللّه تعالى ما فيه في بابه ، ومن ثم وجبت الدية على قاتله في هذه الحالة ، وحكم اللحم حكم آخر ، وأما حديث منع القاتل عن الميراث وجعل الوصية كالميراث فواضح الفساد ، فلم يبق إلا العمل بالنص الصحيح ان اقتضاه أصل المعنى ، أو رده بأحد الوجوه المقتضية له ، ككونه آحادا أو مخالفا للأصول كما اختاره ابن إدريس (رحمهاللّه عليه) محتجا على الصحة بأنه حي عاقل مكلف ، وبالنهي عن تبديل الوصية بعد سماعها بالقرآن الذي هو حجة المتناول بعمومه لمحل النزاع ، أو بمنع تخصيص القرآن بخبر الواحد. ولكلام ابن إدريس وجه وجيه ، وان كان الوقوف مع المشهور والعمل بالنص الصحيح أقوى ، انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول : ما ذكره في رد الوجوه العقلية التي استدل بها العلامة جيد ، وانما الكلام في قوله نقل حجة ابن إدريس : ولكلام ابن إدريس وجه وجيه ، وبنحو ذلك أيضا صرح في المختلف بعد نقل حجة ابن إدريس المذكورة ، فقال : وقول ابن إدريس (رحمهاللّه عليه) لا بأس به.
وأنت خبير بأن مرجع ترجيحها لمذهب ابن إدريس في هذه المسئلة وفي سابقتها الى أن مذهب ابن إدريس هو الأوفق بالأصول والآيات القرآنية ، ولهذا ان شيخنا المذكور في الروضة في المسئلة السابقة قال : ان قول المشهور مستند الى روايات متضافرة ، بعضها صحيح ، إلا أنها مخالفة لأصول المذهب والاحتياط ، وفيه أنه لا يخفى على المتتبع للأحكام أن ما ذكروه هنا لا خصوصية له بهذا المقام ، ونظائره في الأحكام أكثر من أن يأتي عليه قلم الإحصاء ، أو يدخله العد والاستقصاء ، وها أنا أذكر لك ما خطر بالبال العليل مما هو من هذا القبيل ، فمن ذلك مسئلة الحبوة فقد دلت الآيات والروايات على أن ما خلفه الميت يكون ميراثا لجميع الورثة ، مع أنهم قد عملوا بأخبار الحبوة ، وخصصوا بها تلك الأدلة من الآيات والروايات ، ومن ذلك ميراث الزوجة فإنهم قد اتفقوا على حرمانها من
بعض التركة ، وان اختلفوا في ذلك زيادة ونقصانا ، مع دلالة الآيات والروايات على ميراثها من جميع ما يخلفه الميت ، مع أنهم قد خصصوا تلك الأدلة بهذه الروايات ، ومن ذلك من عقد على امرأة ، ومات في مرضه قبل الدخول بها ، فان مقتضى الأصول من الآيات والروايات أنها ترثه ، لأنها زوجة بلا خلاف ، مع أن صحيح زرارة (1)قد دل على المنع من ذلك ، فقالوا بمضمونه وخصصوا به تلك الأدلة ، وهي رواية واحدة ، وان كانت صحيحة كما هو في الموضع الثاني من هذين الموضعين.
ومن ذلك ما إذا طلق الرجل امرأة في مرضه الذي مات فيه ، فإنها ترثه إلى سنة ، وان خرجت من العدة أو كان الطلاق بائنا ما لم يبرأ من مرضه ، أو تتزوج فإن مقتضى الأصول كتابا وسنة ، أنها بعد الخروج من العدة أو كون الطلاق بائنا تكون أجنبية لا سبب ولا نسب بينها وبينه ، فكيف ترثه مع ان الرواية (2)
و هما في الوسائل ج 17 ص 537 ح 3 و ص 533 ح 2.
قد دلت على الإرث كما عرفت ، وقالوا بمضمونها مع أنها أشد شيء في الخروج عن قواعد المذهب.ومن ذلك أخبار التخيير في المواضع الأربعة ، فإن مقتضى الأصول من الآيات والروايات وجوب التقصير على المسافر كائنا ما كان ، مع أنهم قد خصصوا بهذه الأخبار ، ولهذا صارت أخبار هذه المسئلة مثل أخبار الحبوة من خواص مذهب الشيعة الى غير ذلك من المواضع ، وهؤلاء الأفاضل من جملة من قال بما ذكرناه في هذه المسائل ، ولم ينكر ذلك كما أنكره هنا ، والجميع كما عرفت من باب واحد.
وبذلك يظهر لك ضعف ما ذهب اليه ابن إدريس ومن تبعه ، وموضع الخلاف فيما إذا تعمد ذلك كما هو صريح الصحيحة المتقدمة ، وكذا كلام الأصحاب ،
فلو وقع ذلك عن خطأ أو سهو لم تمتنع وصيته إجماعا ، كما نقله في الروضة.
المقام الثالث : المشهور بين الأصحاب (رضياللّهعنهم) أنه لا تصح الوصية بالولاية على الأطفال إلا من الأب أو الجد للأب خاصة ، وقال ابن الجنيد : الأب الرشيد أولى بأمر ولده الأطفال من كل أحد ، وكذا الأم الرشيدة بعده ، وهو ظاهر في أن لها الولاية كالأب إذا كانت رشيدة ، ورده الأصحاب بالضعف والشذوذ.
قال في المسالك : لما كانت الولاية على الغير من الأحكام المخالفة للأصل ، إذ الأصل عدم جواز تصرف الإنسان في مال غيره بغير اذنه أو ما في معناه ، وجب الاقتصار في نصب الولي على الأطفال على محل النص أو الوفاق ، وهو نصب الأب أو الجد له ، فلا يجوز للحاكم وان كان وليا عليهم ، ان ينصب بعده عليهم وليا ، لأن ولايته مقصورة عليه حيا ، فإذا مات ارتفع حكمه ، وان جاز له أن يوكل حيا عليهم ، لأن له الولاية حينئذ ، ويشمل إطلاق المنع من تولية غيرهما الوصي من أحدهما ، فليس له أن يوصى عليهم بالولاية مع عدم نصهما على ذلك على أصح القولين ، وسيأتي ان شاء اللّه تعالى ، أما مع النص فتولية الوصي في معنى تولية أحدهما ، لصدوره عن اذنه كما جازت ولاية الوصي ابتداء عنهما.
ثم أنه بعد ذلك أشار الى خلاف ابن الجنيد الذي قدمنا ذكره ، حيث ان المصنف أفرده بالذكر ، فقال : ولا ولاية للأم ، ولا يصح منها الوصية عليهم ، فقال الشارح : وانما خص الأم بالذكر بعد دخولها في السابق لإثبات ابن الجنيد (رحمة اللّه عليه) الولاية لها مع رشدها بعد الأب ، وهو شاذ.
أقول : ومما فرعوا على الكلام المتقدم وهو أن الولاية على الصغار مخصوصة بالأب والجد له وان علا ، دون غيرهما ما لو أوصت الأم أو أحد الأقارب لطفل بمال ونصب قيما يصرف المال على الطفل المذكور في مصالحه وما يحتاج إليه ، فإن للأب أو الجد انتزاعه عن ذلك القيم ، بمعنى أن الوصية بالمال صحيحة ، ولكن نصب القيم باطل ، لأن ولاية الأب والجد شرعية ، فلا يعارضها وصية ذلك الوصي.
قال في الدروس : ولا ولاية للأم على الأطفال ، فلو نصبت عليهم وليا لغى ، ولو أوصت لهم بمال ، ونصبت عليه قيما لهم صح في المال خاصة ، ثم نقل قول ابن الجنيد ، وسيأتي ان شاء اللّه تعالى ما يزيد المقام تحقيقا.
وفيه مسائل الأولى : الموصى به قد يكون جنسا ، وقد يكون منفعة موجودا بالفعل ، كالولد والثمرة الموجودة في الحال ، أو مظنون الوجود كالحمل ، أو مشكوك فيه كالآبق ، والطير في الهواء والسمك في الماء ، أو موجودا بالقوة كما تحمله الأمة أو الدابة أو الشجرة ، أو موجودا على التدريج كسكنى الدار ، فإن الوصية بجميع ذلك نافذة عند الأصحاب ، كما صرح به في الدروس.
وكيف كان فإنه يعتبر فيهما الملك بالنظر الى الموصي والموصي له ، فلا تصح الوصية بالخمر أو الخنزير ، ولا كلب الهراش ولا الحر ، ولا الحشرات ولا الفضلات ، لعدم المملوكية في الجميع بالنسبة إلى المسلم ، وان جاز إقرار الكافر على وصيته بالخمر والخنزير لمثله ، وكذا لا تصح الوصية بما لا ينتفع به كحبة من حنطة ونحوها.
قيل : واحترز بكلب الهراش عن الكلاب الأربعة والجرو القابل للتعليم ، فتصح الوصية بها ، لكونها مملوكة ، لها قيمة ومنفعة كما ذكره جملة من الأصحاب كالشهيدين وغيرهما.
أقول : قد تقدم في كتاب التجارة تحقيق الكلام في هذا المقام (1)، وقد أوضحنا أنه لا يجوز البيع ولا التملك بشيء من أفراد الكلاب إلا كلب الصيد خاصة ، كما هو أحد الأقوال في المسئلة ، وأما ما عداه فلا دليل عليه من الأخبار ، إلا أنهم ألحقوا به هذه الكلاب الباقية لعلة المشاركة في الانتفاع ، وفيه ما لا يخفى.
1) ج 18 ص 79.
واما السباع فالظاهر جواز الوصية بها ، لحصول الانتفاع بجلودها وريشها ، والمراد بما لا ينتفع به يعنى نفعا معتدا به في نظر العقلاء بحيث يكون متمولا فلا تصح الوصية بحبة من حنطة ونحوها ، كما لا يصح بيعه ولا المعاوضة به ، وفي ذكر قيد الانتفاع بعد الملك الراجع الى تقييد الملك بذلك إشارة الى ما هو الظاهر من كون نحو الحبة من الحنطة مملوكا حتى لا يجوز غصبها من المالك ، وان لم تجز المعاوضة عليها ، لعدم التمول.
الثانية : المشهور أنه يتقدر الموصى به بقدر ثلث التركة فما دون ، فلو أوصى بما زاد بطل في الزائد إلا مع اجازة الوارث.
ونقل العلامة في المختلف ومن تأخر عنه عن الشيخ علي بن بابويه نفوذ الوصية من الأصل مطلقا ، قال في المختلف : وقال علي بن بابويه (رحمة اللّه عليه) : فان أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية ، فإن أوصى بماله كله فهو أعلم وما فعله ، ويلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى ، انتهى.
أقول : أما ما ذكروه (رضياللّهعنهم) من التقدير بالثلث ، فهو مدلول جملة من الأخبار.
ومنها ما رواه في التهذيب عن علي بن عقبة (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام «قال : سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره ، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك ، كيف القضاء فيه؟ قال : ما يعتق منه إلا ثلثه ، وسائر ذلك ، الورثة أحق بذلك ، ولهم ما بقي».
وعن محمد بن مسلم (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 365 ح 4 وص 459 ح 4.
«عن أبى جعفر عليهالسلام في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مملوكه في مرضه فقال : ان كان أكثر من الثلث رد الى الثلث وجاز العتق».وعن السكوني (1)«عن جعفر عن أبيه عن علي عليهالسلام قال : ان رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره ، قال : سمعت رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) يقول : يستسعى في ثلثي قيمته للورثة».
وعن الحسين بن محمد الرازي (2)قال : «كتبت الى أبى الحسن عليهالسلام الرجل يموت فيوصي بماله كله في أبواب البر ، وبأكثر من الثلث هل يجوز ذلك له؟ وكيف يصنع الوصي؟ فكتب عليهالسلام تجاز وصيته ما لم يتعد الثلث».
وما رواه في الكافي والتهذيب عن أبى بصير (3)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ان أعتق رجل عند موته خادما له ثم أوصى بوصية أخرى ألغيت الوصية ، وأعتق الخادم من ثلثه ، إلا أن يفضل من الثلث ما يبلغ الوصية».
وما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) عن حمران (4)«عن أبى جعفر عليهالسلام في رجل أوصى عند موته وقال أعتق فلانا وفلانا وفلانا حتى ذكر خمسة ، فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة التي أمر بعتقهم ، قال : ينظر الى الذين سماهم ويبدأ بعتقهم فيقومون وينظر الى ثلثه فيعتق منه أول شيء ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس وان عجز الثلث كان ذلك في الذي سمي أخيرا لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك». وفي هذا الخبر كما ترى تصريح بأنه لا يملك في الوصية زيادة عن الثلث فمن أجل ذلك تبطل الوصية في الزائد.
وما رواه في التهذيب في الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى عن العباس بن معروف (5)
و هذه الروايات في الوسائل ج 16 ص 76 ح 5 و ج 13 ص 365 ح 5 و ص 458 ح 3 و ص 457 ح 1 و ص 366 ح 7.
قال : «كان لمحمد بن الحسن بن أبى خالد غلام لم يكن به بأسعارف يقال له ميمون ، فحضره الموت فأوصى الى أبى الفضل العباس بن معروف بجميع ميراثه وتركته أن أجعله دراهم وأبعث بها الى أبى جعفر الثاني عليهالسلام وترك أهلا حاملا واخوة قد دخلوا في الإسلام ، وأما مجوسية ، قال : ففعلت ما أوصى به وجمعت الدراهم ، ودفعتها الى محمد بن الحسن ، وعزم رأيي أن أكتب اليه بتفسير ما أوصى به الى ، وما ترك الميت من الورثة ، فأشار الى محمد بن بشير وغيره من أصحابنا أن لا أكتب بالتفسير ولا أحتاج اليه ، فإنه يعرف ذلك من غير تفسيري ، فأبيت إلا أن أكتب اليه بذلك على حقه وصدقه ، فكتبت وحصلت الدراهم وأوصلتها إليه عليهالسلام فأمره أن يعزل منها الثلث ، يدفعها اليه ، ويرد الباقي على وصية يردها على ورثته».
وما رواه في التهذيب عن العباس بن معروف (1)قال : «مات غلام محمد بن الحسن وترك أختا وأوصى بجميع ماله له عليهالسلام قال : فبعنا متاعه فبلغ ألف درهم وحمل الى أبى جعفر عليهالسلام» قال : وكتبت اليه وأعلمته أنه أوصى بجميع ماله له ، قال : فأخذ ثلث ما بعثت به اليه ، ورد الباقي وأمرني أن أدفعه الى وارثه».
وعن العباس عن بعض أصحابنا (2)قال : «كتبت اليه : جعلت فداك أن امرأة أوصت الى امرأة ودفعت إليها خمسمائة درهم ، ولها زوج وولد فأوصتها أن تدفع سهما منها الى بعض بناتها ، وتصرف الباقي الى الامام فكتب عليهالسلام : تصرف الثلث من ذلك الي ، والباقي يقسم على سهام اللّه عزوجل بين الورثة» ، الى غير ذلك من الأخبار.
وأما أنه مع اجازة الورثة تجوز الوصية بالزيادة على الثلث ، فتدل عليه أيضا جملة من الأخبار منها ما رواه الشيخ عن ابن رباط عن منصور بن حازم (3)
وهما الروايات في الوسائل ج 13 ص 366 ح 8 و 9 وص 372 ح 2
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث وورثتهشهود ، فأجازوا ذلك له ، قال : جائز قال ابن رباط وهذا عندي على أنهم رضوا بذلك في حياته وأقروا به».
وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم (1)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في رجل أوصى بوصية وورثته شهود ، فأجازوا ذلك ، فلما مات الرجل نقضوا الوصية ، هل لهم أن يردوا ما أقروا به؟ قال : ليس لهم ذلك ، الوصية جائزة عليهم إذا أقروا بها في حياته».
وما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه تعالى مضاجعهم) في الصحيح عن منصور بن حازم (2)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام مثله.
وما رواه المشايخ المذكورون عن أحمد بن عيسى (3)قال : «كتب أحمد بن إسحاق الى ابى الحسن عليهالسلام ان درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة أشقاصا في موضع وأوصت لسيدها في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث ، ونحن أوصيائها وأحببنا أن ننهى ذلك إلى سيدنا ، فإن أمر بإمضاء الوصية على وجهها أمضيناها وان أمر بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما يأمر به ان شاء اللّه تعالى ، فكتب عليهالسلام بخطه : ليس يجب لها من تركتها إلا الثلث فان تفضلتم وكنتم الورثة كان جائزا لكم ان شاء اللّه تعالى».
وما نقل عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه ، فإن العلامة في المختلف قد نقل عنه أنه احتج على ذلك برواية عمار الساباطي (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 371 ح 1 وص 364 ح 1 وص 370 ح 19.
«عن الصادق عليهالسلام قال : الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ، ان أوصى به كله فهو جائز له».1) التهذيب ج 9 ص 193 ح 775 و 776، الفقيه ج 4 ص 147 ح 512 وص 148 ح 513، الكافي ج 7 ص 12 ح 1.
2) التهذيب ج 9 ص 193 ح 775 و 776، الفقيه ج 4 ص 147 ح 512 وص 148 ح 513، الكافي ج 7 ص 12 ح 1.
3) التهذيب ج 9 ص 192 ح 772 ، الفقيه ج 4 ص 137 ح 480 ، الكافي ج 7 ص 10 ح 2. الوسائل ج 13 ص 364 ح 1.
4) التهذيب ج 9 ص 186 ح 1. الوسائل ج 13 ص 370 ح 19.
ثم قال في المختلف : والرواية ضعيفة ، والمطلوب مستبعد ، والأحاديث الصحيحة معارضة لهذه الرواية ، مع أن الشيخ تأولها على من لا وارث له ، أو على ما إذا أجاز الورثة ، ومع ذلك فهي قاصرة عن افادة المطلوب ، فانا نقول بموجبها فان المريض أحق بماله ما دام فيه الروح يفعل به ما يشاء في حياته ، وإذا أوصى به كله جاز ، فإن أجاز الورثة بعد ما أوصى به ، وإلا فسخت الوصية في الثلثين ، وقد روى ابنه في المقنع (1)«أن الصادق عليهالسلام سئل عن رجل أوصى بماله في سبيل اللّه عزوجل ، فقال : أطلقه الى من أوصى له به ، وان كان يهوديا أو نصرانيا فان اللّه عزوجل (2)يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ، إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». ثم قال عقيب هذه الرواية ، ماله هو الثلث ، لأنه لا مال للميت أكثر من الثلث» ، انتهى.
أقول : لا يخفى على من وقف على ما قدمناه في كتب العبادات في مواضع عديدة من أن الشيخ علي بن بابويه (قدسسره) أكثر ما نذكره سيما من الفتوى الغريبة انما هو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي ، وان كان على خلاف ما تكاثرت به الأخبار ، وهذا الموضع من جملة ذلك ، فان عبارته المذكورة عين عبارة الكتاب حيث قال عليهالسلام في الكتاب المذكور (3)«فإن أوصى رجل بربع ماله فهو أحب الي من ان اوصى بالثلث ،
فإن أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية ، فإن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله ويلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما اوصى به» ، انتهى.
وأنت خبير - بأن اعتماد هذا الشيخ الجليل على الفتوى بعبائر الكتاب مع مخالفتها للأخبار الكثيرة كما هنا ، وقد تقدم أمثاله أيضا في غير موضع - أدل دليل على اعتماده على الكتاب المذكور ، وجزمه بأنه كلامه عليهالسلام ، ولكن متأخري
أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) حيث لم يصل الكتاب إليهم تكلفوا للاستدلال له ببعض الأخبار ، واعترضوا عليها كما هنا بعدم الدلالة أو بنحو ذلك ، وهو غفلة عما ذكرناه مما وفقنا اللّه اليه ، ويسر لنا الوقوف عليه.
الأول : قالوا لو كانت الورثة جماعة فأجاز بعضهم نفذت الإجازة في نصيبه من الزائد ، قيل : والوجه فيه أن الوصية لما كانت وما تقبل التبعض ، لكونها تبرعا محضا وكان الزائد عن الثلث منها موقوفا على اجازة الوارث جاز له اجازة البعض كما تجوز له اجازة الجميع ، لأن ذلك حقه ، فله التبرع بجملته وبعضه ، وكما يجوز ذلك لبعض الورثة دون بعض ويلزم كل واحد جملة ، كذلك يجوز اجازة البعض منهم جميعا ، كالنصف والثلث ، ويتقدر بالقدر المجاز ، دون ما عداه.
قالوا : فلو فرض كون الوارث ابنا وبنتا ، وأوصى بنصف ماله فإن أجازا معا فالمسئلة من ستة ، لأن لهما نصف التركة أثلاثا بينهما ، وللموصى له نصفها ، وان رد الوصية معا فالمسئلة من تسعة ، لأن لهما ثلثي التركة أثلاثا بينهما ، وهي ستة من تسعة ، ثلاثة للموصى له ، لأنها ثلث التركة ، وان أجاز أحدهما فالمسئلة من ثمانية عشر ، فللموصى له من حيث الوصية وعدم الإجازة ، الثلث ستة ، ولهما ميراثا من ذلك اثنى عشر أثلاثا بينهما ، فمن أجاز منهما دفع من نصيبه ما وصل اليه من السدس الزائد ، فلو أجازه الابن خاصة ، كان له ستة من الثمانية عشر لأنه قد سقط منه اثنان بالإجازة ، وقد كانت حصته ثمانية ، فيدفع منها الى الموصى إليه سهمان ، وتبقى له ستة ، ولو أجازت البنت خاصة كان لها ثلاث من ثمانية عشر ، لأن الذي لها قبل الإجازة أربعة ، فتدفع منها الواحد بالإجازة منهما للموصى اليه ، ومنه يعلم انه لو أجازا معا فللموصى إليه زيادة على الستة التي تثبت بالوصية ثلاثة ، سهمان من الولد وسهم من البنت فيكون للموصى له تسعة ، وهي نصف الفريضة ، وللولد ستة ، وللبنت ثلاثة ، وعلى هذا فقس.
الثاني : المشهور بين الأصحاب (رحمهماللّه) أن اجازة الوارث لازمة له سواء كانت في حال حياة الموصي أم بعد موته ، ونقل عن الشيخ المفيد وسلار وابن إدريس اختصاص اللزوم بما بعد الوفاة ، فلو أجاز في حال الحياة جاز له الرجوع عنها بعد الوفاة ، ويدل على القول المشهور ما تقدم من صحيحة محمد بن مسلم (1)، وبطريق آخر منصور بن حازم ، وهي صحيحة صريحة في أنهم لو أجازوا في حال الحياة لزمهم ذلك ، وليس لهم أن ينقضوا ذلك بعد الوفاة.
واستدل عليه في المختلف أيضا بجملة من الأدلة الاعتبارية ، وبعضها يصلح وجها للنص المذكور ، وبيان العلة فيه ، وبعضها يصلح للتأكيد.
ونقل المختلف عن ابن إدريس بأنه احتج بأنه أجازه فيما لا يستحقونه بعد فلا يلزمهم ذلك بحال ، ورد بأن المال الموصى به لا يخرج عن ملك الموصى أو الورثة ، لأنه إن برأ من مرضه فالمال له ، وان مات كان للورثة ، فإن كان للموصي فإنه قد أوصى ، وان كان للورثة فإنهم قد أجازوا ، ولأن المنع من نفوذ الزائد عن الثلث انما هو لحق الورثة ، فهو متحقق في حال الحياة ، فإذا أجازوا فقد أسقطوا حقهم.
وبالجملة فإنه مع قطع النظر عما ذكرناه من الجواب ، لا وجه لهذا الاحتجاج في مقابلة النص الصحيح الصريح ، وهل هو إلا الاجتهاد المحض في مقابلة النصوص وجرأة على أهل الخصوص.
قال في المسالك : ولا فرق على ذلك بين كون الوصية والإجازة حال صحة الموصي ومرضه المتصل بالموت وغيره ، لاشتراك الجميع في المقتضي ، والفرق بين اجازة الوارث حال الحياة ورده حيث لم يؤثر الثاني دون الأول ، أن الوصية مستمرة ببقاء الموصى عليها ، فيكون استدامتها كابتدائها بعد الرد ، فلا يؤثر ، بخلاف الرد بعد الموت ، لانقطاعه حينئذ ، وبخلاف الإجازة حال الحياة ، لأنها حق للوارث
1) ص 421.
وقد أسقطه فلا جهة لاستمراره ، ودوام الوصية يؤكدها ، انتهى.
أقول : قوله «والفرق بين اجازه الوارث الى آخره» كأنه جواب سؤال مقدر من جانب ابن إدريس ، وما استدل به ، وتقريره أنه في تلك الحال التي أوصى الموصى وهي حال حياته كما أنه لا يصح فيها رد الورثة للوصية ، فكذا لا تصح فيها إجازتهم ، فأجاب بالفرق المذكور بين الرد في تلك الحال والإجازة ، فإن الوصية مستمرة ببقاء الموصى عليها ، والاستمرار يجرى مجرى تعددها حالا فحالا فلو فرض الرد في أثناء هذه ، فان ما بعده في حكم تجدد عقد آخر من حيث اقتضاء الاستمرار ذلك ، فلا تأثير للرد حينئذ في تلك الحال ، بخلاف الرد بعد الموت ، لانقطاع الاستمرار بالموت فيؤثر ، وبخلاف الإجازة حال الحياة ، لأن الإجازة حق له ، وقد أسقطه فلا وجه لاستمراره ، وأنت خبير بأن الأصل في ذلك النص ، وهذه تصلح وجوها له كما تقدم ، واللّه العالم.
الثالث : المفهوم من كلام الأصحاب (رضياللّهعنهم) من غير خلاف يعرف أن اجازة الوارث للوصية بما زاد عن الثلث بعد الموت تنفيذ ، لما أوصى به الموصي ، لا بابتداء عطية من الوارث ، باعتبار انتقال الحق إليه بالموت ، أما قبل الموت فلا إشكال في ذلك ، لأن الوارث لا يملك ، فلا يمكن احتمال العطية منه ، وانما محل الكلام بعد الموت ، لما عرفت من انتقال الحق إلى الوارث بالموت ، والأصحاب كما ذكرنا ، على أنه تنفيذ لا عطية ، قال في المسالك وهو مذهب الأصحاب ، لا يتحقق فيه خلاف بينهم ، وانما يذكر الآخر وجها أو احتمالا ، وانما هو قول العامة والمرجح عندهم ما اخترناه أيضا ، انتهى.
وعلل القول المشهور بأن الملك باق على المريض لم يخرج عنه بمرضه ، فيصح تصرفه فيه لمصادفته الملك ، وحق الوارث إنما يثبت في ثاني الحال فأشبه بيع شقص الشفيع وارث الخيار ، حيث تترتب عليه اجازة المبيع ، فإنه لا يكون ابتداء بيع ، بل تنفيذ لما فعل سابقا ، وأيضا فإن الوارث ليس بمالك ، وثبوت حق
الإجازة له لا يقتضي الملك ، لأن الحق أعم منه ، فتصرف الموصي في حكمه ، واجازة الوارث في معنى إسقاط حقه ، ولأنه لو برأ من مرضه نفذت تصرفاته المنجزة مع كونها كانت متوقفة على اجازة الوارث كالوصية ، ولم يفتقر الى الاستيناف فدل على اعتبار ما وقع من الموصي لا على فساده ، وبهذا ترجح كونها تنفيذا ، ومما علل به الاحتمال الآخر ، انتقال الحق إلى الوارث بالموت ، وزوال ملك الموصي ، وأن تصرف الموصي في الزائد عن الثلث منهي عنه ، والنهي يقتضي الفساد ، لأن الزيادة حق الورثة فيلغو تصرف الموصي فيها ، وتكون العطية من الوارث.
وأجاب عن ذلك في المسالك بالمنع من كون التلفظ بالوصية منهيا عنه ، وكون النهي في ذلك يقتضي الفساد ، ولو سلم فإنما يقتضيه لو لم يخسر الوارث ونمنع من كون الزيادة حقا للورثة ، بل هي ملك الموصي ، غايته أن حقهم قد تعلق بها ، ومع الإجازة تسقط كإجازة المرتهن تصرف الراهن ، انتهى.
أقول : لا يخفى عليك ما في هذه التعليلات العليلة من الطرفين ، من عدم الصلوح لتأسيس الأحكام الشرعية في البين ، إلا أن ما علل به الاحتمال المذكور وان كان خلاف ما عليه الجمهور هو الأقرب الى الأخبار ، والأنسب بالاعتبار.
ومما يدل على ما ادعاه من زوال ملك الموصي عن الزائد ، وأن تصرفه منهي عنه ، قوله عليهالسلام في رواية حمران المتقدمة» لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك ، فلا يجوز له ذلك» ومما يؤيد ذلك أيضا قوله عليهالسلام في مكاتبة أحمد بن إسحاق المتضمنة للإجازة بعد الموت «فان تفضلتم وكنتم الورثة كان جائزا لكم» والمراد الإجازة لما زاد على الثلث ، فان فيه نوع إشارة الى أن ذلك عطية منهم للموصى له ، وتفضل منهم عليه ، ويحتمل أن يكون ذلك بالنسبة الى الموصي بإجازة وصيته ، فيكون التفضل عليه.
وبالجملة فإن الأقرب الى الاعتبار والأنسب بالأخبار ، هو ما علل به الاحتمال المذكور ، وجميع ما أجيب به عنه وما علل به القول المشهور لا يخلو من القصور ،
إلا أنه لا ثمرة مهمة في التشاغل برده وبيان ما فيه ، وقد ذكروا أيضا جملة من الفروع المترتبة على القولين ، أكثرها لا يخلو من مناقشة في المبنى ، طويناها على عزها ، وأعرضنا عن ذكرها ، ونشرها ، من أرادها فليرجع الى مطولاتهم (رضوان اللّه عليهم).
الرابع : قد صرحوا بأن المعتبر من الثلث وقت الوفاة ، لا وقت الوصية ، فلو كان موسرا حال الوصية ثم افتقر وقت الموت ، أو بالعكس ، كان الاعتبار بحال الموت في كل من الصورتين ، قالوا : ولا إشكال في ذلك فيما لو كان الموصى به قدرا معينا كعين معينة ، أو مائة درهم مثلا أو جزءا من التركة مع كونه حال الموت ، أقل منه حال الوصية ، وانما الإشكال فيما لو أوصى بجزء من التركة كالربع أو الخمس أو الثلث ، وكان في وقت الوصية فقيرا ثم أيسر وقت الموت ، فصار ذلك الجزء الموصى به مالا كثيرا ، ربما دلت القرائن على عدم إرادته ، حيث لا تكون الزيادة متوقعة غالبا.
أقول : والظاهر عندي ضعف هذا الاشكال ، وأنه بمحل من الاضمحلال ، فان مقتضى إطلاق الوصية دخول هذا الفرد ، وهذه الكثرة التي ربما يتوهم عدم انصراف الإطلاق إليها معلومة للموصي وقت الوفاة والاعتبار كما عرفت ، إنما هو بوقت الوفاة ، فعدم العدول عن الوصية السابقة على ذلك مع علمه ومعرفته بهذه الكثرة ، يقتضي العمل بإطلاق الوصية ، ودخول هذا الفرد فيها ، واللّه العالم.
الخامس : الظاهر أنه لا خلاف في دخول الدية وأرش الجناية في الوصية لو أوصى ثم قتله قاتل أو جرحه ، فان وصيته ماضية من ثلث التركة ، وثلث الدية ، وأرش الجناية ، وتدل على ذلك جملة من الأخبار.
منها ما رواه في الكافي والفقيه عن محمد بن قيس (1)في الصحيح «عن
1) الكافي ج 7 ص 63 ح 21 ، التهذيب ج 9 ص 207 ح 822 ، الفقيه ج 4 ص 168 ح 588 ، الوسائل ج 13 ص 372 ح 1.
أبى جعفر عليهالسلام قال : قلت له : رجل أوصى لرجل بوصية من ماله ثلث أو ربع ، فقتل الرجل خطأ يعنى الموصي فقال : تجاز لهذا الوصية من ميراثه ومن ديته». وفي الفقيه وفي خبر آخر «سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى بثلث ماله ، ثم قتل خطأ فقال : ثلث ديته داخل في وصيته».
وما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن قيس (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام قال : قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في رجل أوصى لرجل بوصية مقطوعة غير مسماة من ماله ثلثا أو ربعا أو أقل من ذلك أو أكثر ، ثم قتل الموصى بعد ذلك فودى فقضى في وصيته : أنها تنفذ من ماله ومن ديته كما أوصى».
وما رواه في الكافي والتهذيب عن السكوني (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قال أمير المؤمنين عليهالسلام من أوصى بثلثه ثم قتل خطأ ، فثلث ديته داخل في وصيته».
وربما أشكل الحكم المتقدم بأن المعتبر من الثلث ما كان وقت الوفاة بما ذكر هنا من دخول ثلث الدية في الوصية ، مع أن استحقاق الدية إنما يثبت بالموت ، فهي متأخرة عن الموت ، ويمكن الجواب عن ذلك بأن الحكم المذكور أولا انما هو من كلام الأصحاب ، ومرادهم انما هو المنع من الاعتبار بحال الوصية ، بل العبرة بالموت ، يعنى حصول الثلث حال الموت ، والدية وان كانت لا تستقر إلا بعد الوفاة فهي في الحقيقة متأخرة عنها ، إلا أنها مقارنة للموت ، فلا ينافي ما اعتبروه من وقت الوفاة ، لصدق الإطلاق عرفا على هذا الوقت أنه وقت الموت ، وكيف كان فالعمل على ما دلت عليه النصوص المذكورة.
بقي الكلام في أن مورد هذه الروايات الدية في قتل الخطأ ، فإنه هو موجب للدية خاصة ، مع تصريح الأخبار به ، فدية الخطأ هي التي تدخل في
الوصية ، ويؤخذ منها الثلث ، وأما الدية المأخوذة في العمد فهل تدخل في ذلك أم لا؟ اشكال ، سواء قلنا بأن العمد موجب لأحد الأمرين ، القصاص أو الدية ، أو أن الدية انما تثبت صلحا ، والصلح لا يتقيد بالدية ، بل يصلح بزيادة منها ونقصان ، فيكون القول بذلك أبعد ، وظاهر الأصحاب القول بدخولها ، قال في القواعد : ولو قتل خطأ أو استحق أرشا خرجت الوصية من ثلث تركته وثلث ديته وأرشه ، وكذا العمد إذا تراضوا بالدية.
وقال في المسالك - بعد قول المصنف «ان وصيته ماضية من ثلث تركته وديته وأرش جراحته» ما صورته : ويظهر من قوله عليهالسلام «وديته» أن الحكم مخصوص بقتل الخطإ ، لأنه هو الموجب للدية على الإطلاق ، وأما العمد فان قيل :
انه يوجب أحد الأمرين القصاص أو الدية دخل في العبارة ، لأن الدية أحد الأمرين المترتبين على الوفاة المستندة إلى القتل ، فكانت الدية مقارنة للوفاة كالخطإ وان كان لها بدل ، وأما على قول المشهور ، من أن موجب العمد هو القصاص ، وانما تثبت الدية صلحا ، والصلح لا يتقيد بالدية ، بل يصلح بزيادة عنها ونقصان ففي دخوله في العبارة تكلف ، وقد يندفع بأنه حينئذ عوض القصاص الذي هو موروث عن المجني عليه ، وعوض الموروث موروث ، وربما أشكل من وجه آخر وهو أن الموروث انما هو القصاص وليس بمال ، فلا يتعلق به الحق المالي المترتب على مال الميت ، ويندفع بأنه بقبوله المعاوضة بالصلح على مال في قوة الحق المالي وزيادة ، انتهى.
أقول : الواجب هو تحقيق الحكم الشرعي في ذلك ، وأنه هل تدخل دية العمد في هذا الحكم أم لا؟ سواء دخلت في عبارة المصنف أم لا ، وتطويل هذا الكلام في تكلف دخولها تحت عبارة المصنف لا يجدى نفعا ، إلا مع قيام دليل على هذه القاعدة التي بنوا عليها ، وهو أن المعتبر من الثلث ما كان مالا للميت حال الوفاة ، دون ما تقدم عليها وما تأخر عنها ، مع انهم لم يستندوا فيه الى دليل ،
والروايات الواردة في المسئلة كما عرفت موردها انما هو دية الخطأ لتصريحها بذلك ، ودية العمد سيما على القول المشهور من أنه لا ينتقل إلى الدية إلا بطريق الصلح الذي هو عبارة عن التراضي بمال زاد ، عن الدية أو نقص عنها مما هو خارج عن مقتضى قاعدتهم المذكورة ، إذ الظاهر أن هذا الصلح وما يترتب عليه متأخر عن وقت الوفاة البتة ، فلا يصدق عليه أنه مال الميت ، وقت الوفاة ، وقد صرح في الدروس بعدم اعتبار ما يتجدد بعد الوفاة ، وهذا الصلح وما يترتب عليه انما تجدد بعد الوفاة ، وإدخالها بهذه التكلفات التي ارتكبها وذكرها (قدسسره) ظاهر الضعف ، بل البطلان ، سيما مع ما عرفت من أن إثبات الأحكام الشرعية بهذه التخريجات الوهمية مما لا ينبغي النظر اليه ، ولا العروج عليه ، هذا بناء على قاعدتهم ، وأما بالنظر الى الأخبار فقد عرفت اختصاص موردها بدية الخطأ ، ونحوها الأرش ، إلا أنه قد ورد في جملة من الأخبار ما يدل على أنه يجب وفاء الدين من الدية ، وان أخذت صلحا ، كما
في رواية عبد الحميدين سعيد (1)قال : «سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا وأخذ أهله الدية من ماله ، أعليهم أن يقضوا الدين؟ قال : نعم ، قلت : وهو لم يترك شيئا ، قال : إنما إذا أخذوا الدية ، فعليهم أن يقضوا الدين».
ورواية يحيى الأزرق (2)«عن أبى الحسن عليهالسلام في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا فيأخذ أهله الدية من قاتله ، عليهم أن يقضوا دينه؟ قال : نعم ، قلت : وهو لم يترك شيئا؟ قال : إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».
وفي رواية أبي بصير (3)«عن أبى الحسن موسى بن جعفر عليهالسلام قلت : فان
هو قتل عمدا وصالح أولياؤه قاتله على الدية ، فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على امام المسلمين؟ فقال : بل يؤدوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه ، فإنه أحق بديته من غيره».
والأولان دلالتهما على المدعى من حيث الإطلاق ، والثالث صريح في ذلك ، ووجوب قضاء الدين منها انما هو من حيث كونها من جملة أمواله وان تأخر استحقاقها عن موته ، فكما يقضى منها ديونه ، تنفذ منها وصاياه ، ومن هنا صرح الأصحاب بأن الدية في حكم مال الميت ، سواء وجبت أصالة أو صلحا.
قال في المسالك : إذا قتل الشخص عمدا وعليه دين ، فإن أخذ الورثة الدية صرفت في ديون المقتول ووصاياه كغيرها من أمواله ، لما تقدم غير مرة من أن الدية في حكم مال الميت ، سواء وجبت أصالة أو صلحا الى آخر كلامه (زيد في إكرامه) ذكر ذلك في كتاب الديات ، وحينئذ يزول الإشكال بالنسبة إلى دخول دية العمد في الحكم المذكور.
وانما يبقى الاشكال فيما اعتبروه من اعتبار الثلث بوقت الوفاة ، مع أنه في صورة الصلح على القصاص بأخذ المال انما يكون متأخرا عن الوقت المذكور ، إلا أن ما ذكروه من الحكم المذكور انما هو من مجرد اصطلاحهم واتفاقهم ، وكيف كان فالعمل على ما دلت عليه الأخبار ، وافق كلامهم أم لا ، واللّه العالم.
المسئلة الثالثة : قد صرح الأصحاب (رضياللّهعنهم) بأنه لو أوصى بالمضاربة بتركته أجمع أو بعضها على أن نصف الربح للوارث ، ونصفا للعامل صح ، وظاهر هذا الكلام إنما صحة الوصية بالمضاربة على الوجه المذكور ، أعم من أن يكون الورثة كلهم من البالغين المكلفين ، أو الأطفال أو المجانين ، أو من القسمين معا.
والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك ما رواه في الكافي عن محمد
بن مسلم (1)في الموثق «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه سئل عن رجل أوصى الى رجل بولده وبمال لهم ، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون بينه وبينهم ، فقال : لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي».
ورواه الشيخان الآخران أيضا عن خالد بن بكير الطويل (2)قال : «دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال يا بني : اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به ، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف ، وليس عليك ضمان ، فقدمتنى أم ولد أبي الى ابن أبي ليلى ، أن هذا يأكل أموال ولدي قال : فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي فقال : ابن أبى ليلى ان كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه ، ثم أشهد علي ابن أبى ليلى إن أنا حركته فانا له ضامن ، فدخلت على أبى عبد اللّه عليهالسلام فقصصت عليه قصتي ، ثم قلت له : ما ترى؟ فقال : اما قول ابن أبى ليلى فلا أستطيع رده ، وأما فيما بينك وبين اللّه عزوجل ، فليس عليك ضمان».
رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن الى خالد بن بكير المذكور وهو مجهول ، وصريح الرواية الثانية ، وظاهر الرواية الأولى كون المال المذكور للأطفال ، لأن ظاهر قوله في الأولى «أوصى الى رجل بولده وبمالهم» أي جعله قيما عليهم ووليا يقوم بتدبيرهم ، وهو ظاهر في كونهم صغارا كما لا يخفى ، ولأن الوصية بالبالغ غير صحيحة ، وإطلاق الوصية يحمل على الصحيحة ، وبذلك يظهر أن ما أطلقه الأصحاب لا يخلو من الإشكال ، الا أن يقال : ان يكون من قبيل العقد الفضولي ، فإن شاء الوارث البالغ أجازه ، وكان عليه الوفاء بمقتضاه من دفع الحصة إلى العامل ، ومع ذلك فهو عقد جائز له فسخه متى شاء ، لما تقدم من أن المضاربة من العقود الجائزة ، دون اللازمة ، وأما ان كان لمولى عليه ، فإنه
لا إشكال في صحة المضاربة ، كما ينادى به قوله في موثقة محمد بن مسلم «لا بأس به ، من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي» ومرجعه الى أن الأب ولي جبرى فتمضى تصرفاته إذا لم تخرج عن الوجه الشرعي ، ويستمر الحكم بالصحة إلى بلوغ المولى عليه ، فإذا كمل كان له فسخ المضاربة ، لأنها عقد مبني على الجواز وتحديد الموصى لها بمدة لا ترفع حكمها الثابت لها بأصل الشرع وانما تظهر الفائدة في التحديد بمدة ، هو المنع من التصرف بعد تمام المدة ، لا التزام بها في تلك المدة مع كونها جائزة شرعا ، ولا يكون الفسخ بعد البلوغ تبديلا للوصية وتغييرا لها ، وهو منهي عنه ، لأن التبديل انما هو في العمل بخلاف مقتضاها ، وهنا ليس كذلك ، لأنه لما أوصى بعقد جائز فقد عرض العامل للفسخ في كل وقت ممكن ، عملا بمقتضاه ، فالفسخ لا يكون تبديلا للوصية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن ما ذكرناه من الوصية بالمال كلا أو بعضا هو المشهور.
وقال ابن إدريس في كتابه : وقد روي أنه إذا أمر الموصي الوصي أن يتصرف في تركته لورثته ويتجر لهم بها ، ويأخذ نصف الربح ، كان ذلك جائزا وحلالا له نصف الربح ، أورد ذلك شيخنا في نهايته ، إلا أن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث ما كان يملكه الميت قبل موته ، والربح تجدد بعد موته ، فكيف تنفذ وصيته ، وقوله فيه وفي الرواية نظر ، انتهى.
وظاهره تخصيص الوصية بالتصرف بالثلث فما دونه ، دون ما زاد على ذلك وأنت خبير بأنه على ما قلناه من اختصاص الروايتين بما إذا كان المال لمولى عليه كالأولاد الصغار ، فإنه ليس في العمل بالخبرين كثير مخالفة لمقتضى الأصول الذي طعن به ابن إدريس ومن تبعه ، فإن ولاية الأب على أطفاله والوصية بهم وبما ينبغي في أموالهم مما لهم فيه المصلحة غير منكور ولا ممنوع شرعا ، وغاية ما ربما يقال : حصول التعريض في مالهم للتلف وهو غير قادح ، لأن الواجب على العامل مراعاة الحفظ ، وما فيه مصلحة العمل بالمال حسب الإمكان.
ويؤيده ما ورد من جواز الاتجار به لليتيم من الولي رواية أبي الربيع (1)قال : «سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون في يده مال لأخ له يتيم وهو وصيه أيصلح له أن يعمل به؟ قال : نعم كما يعمل بمال غيره ، والربح بينهما ، قال : قلت : فهل عليه ضمان؟ قال : لا إذا كان ناظرا له».
وبالجملة فإن المدار في العمل على الأخبار ، ولا يلتفت الى هذه الاستبعادات في مقابلتها ، ومع تسليم ما يدعونه من خروجها عن القواعد والأصول المقررة في باب الوصية ، فإنه يجب تخصيص تلك القواعد بها ، كما تقدم نظيره في غير مقام ، على أنه لا يخفى أن مورد الأخبار الدالة على أنه ليس للموصى أن يوصي بأزيد من الثلث وأنه يستحب أن يوصى بالأقل منه ، انما هو فيما إذا أوصى لنفسه أو غيره بشيء من التركة ، واختص به عن الورثة بحيث أنه قد فات على الورثة ونقص من التركة ، كما علل به من أنه ليس له من ماله بعد الموت ، إلا الثلث.
وما نحن فيه هنا ليس من هذا القبيل ، فإنه لم يختص بشيء من التركة ، ولم يأخذ منها شيئا ، وانما هذه الوصية بمصلحة ترجع إلى الورثة ليس له منها قليل ولا كثير ، وهذا المال الذي أوصى به سواء كان جميع التركة أو بعضها انما هو مال الورثة ، لم يخرج عن ملكهم بالوصية كما في غيره من الوصايا التي قاسوا عليها وقيدوها بالثلث ، بل هو باق على ملكهم ، وانما تعلقت الوصية بالتصرف فيه لأجل تحصيل مصلحة لهم ، وهو الانتفاع بالربح.
وقد عرفت أنه متى كانوا أطفالا ، فهو الولي عليهم ، والناظر في مصالحهم حيا وميتا ، وله بعد الموت الوصية بذلك ، وان كانوا بالغين فهذه الوصية لا تمضى عليهم ، فان شاؤا رضوا وان شاؤا أبوا وامتنعوا ، وأي منافاة في ذلك للقواعد المقررة عندهم.
1) الوسائل ج 6 ص 58 ح 6.
المسئلة الرابعة الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في أن الواجب المالي أعم من أن يكون مشوبا بالبدن كالحج أم لا ، كالزكاة والكفارات والخمس ونذر المال ، يجب خروجه من الأصل ، أوصى به أو لم يوص ، لتعلقه بالمال حال الحياة.
أما الواجب البدني المحض كالصلاة والصوم فإنه إنما يخرج من الثلث إذا أوصى به ، فيكون حكمه عندهم حكم التبرعات الموقوف إخراجها على الوصية بها من الثلث ، وقيل بخروجه من الأصل كالواجب المالي من غير فرق ، والأخبار بوجوب إخراج الواجب المالي وان كان مشوبا بالبدن من الأصل متكاثرة ، قد تقدمت في كتاب الحج وكتاب الزكاة والخمس وكتاب الديون.
أما الواجب البدني فلم أقف فيه على نص بنفي ولا إثبات ، لكن الظاهر أن مبنى كلام الأصحاب في الفرق بين الأمرين ، هو أن الواجب المالي - وان كان مشوبا بالبدن في بعض الأفراد - ، لما كان متعلقا بالمال حال الحياة وجب إخراجه بعد الموت من المال ، وتخرج الأخبار المشار إليها شاهدا على ذلك.
وأما الواجب البدني فإنه لما كان متعلقة في حال الحياة إنما هو البدن ، وبعد الموت مع عدم الوصية به يتعلق الخطاب به بالولي ، فمع عدم الولي وعدم الوصية لا دليل على وجوب الإخراج ، كما ادعاه ذلك القائل المتقدم ، ولنا في هذا المقام تحقيقات حسنة ، قد تقدمت في كتاب الصلاة في المطلب الثاني في القضاء عن الأموات في الباب الرابع في اللواحق من الكتاب المذكور (1)وكذا في كتاب الحج في المسئلة الثانية من المقصد الثاني في حج النذر (2)وقد تضمنت دفع شبهات الأقوال المخالفة لما عليه الأصحاب مع تحقيق حسن في الباب.
واختلف الأصحاب في وجوب الوصية بالواجب البدني لو لم يكن وصي
يقضيه عنه ، قال في المسالك : والأقوى وجوب الوصية به على المريض ، كغيره من الواجبات ان لم يكن له ولي يقضيه عنه ، وربما قيل : بعدم وجوب الوصية به لأن الواجب فعله بنفسه أو بوليه لانتفاء الدليل على ما سوى ذلك ، وفيه أن علمه بوجوبه واستحقاق العقاب على ترك الواجب اختيارا مع قدرته على براءة الذمة منه يوجب وجوب الوصية ، ليخرج من العقاب بتركه ، فان دفع الضرر عن النفس واجب.
نعم لو كان فوات الواجب لا بتفريط كالغفلة عن الصلاة مع عدم القدرة على القضاء حال الوصية ، احتمل عدم وجوب الوصية ، إذ لا عقاب على ذلك التفويت ، ولا دليل على وجوب الوصية بالقضاء انتهى ، وفي الكفاية قال : الأقرب العدم.
أقول : الظاهر قوة ما اختاره في المسالك ، لظاهر الأخبار المتقدمة الدالة على أن الوصية حق على كل مسلم ، فان ظاهر لفظ «على» الوجوب ، كما ذكرناه في الفائدة الأولى من الفوائد التي ذيلنا بها تلك الأخبار ، ويزيد ذلك تأييدا ما ذكره شيخنا المشار اليه من التعليل ، فإنه جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه ، وما قربه في الكفاية من العدم ضعيف.
إذا عرفت ذلك فاعلم إذا اجتمعت في الوصية حقوق واجبة مالية وبدنية ، وتبرعات ، فان الواجب المالي كما عرفت يخرج من الأصل ، وما عداه يخرج من الثلث مقدما للواجب البدني على المتبرع به ، مرتبا في الواجب البدني لو تعدد ، الأول فالأول ، تم المتبرع به كذلك ان قام به الثلث ، أو أجاز الوارث ، وإلا سقط ، ومع اجازة الوارث الجميع ، فالحكم كما ذكر ، ومع أجازته البعض يكون مخرجه عن الأصل ، فيبدأ به كالواجب المالي ، لكن لو ضاق المال عنها أعنى عن الواجب وعن المجاز ، قدم الواجب ، لاشتغال الذمة به ، ولو لم يكن فيها واجب بل الجميع من الوصايا المتبرع بها قدم الأول فالأول حتى يتم الثلث ، سواء رتب بينهما بلفظ «ثم» أو «الفاء» ، أو اقتصر على مجرد الترتيب الذكرى ، وان عطف
بالواو فإنه في حكم ذلك ، والوجه فيه أن الوصية الصادرة أولا نافذة ، لوقوعها من أهلها ، وهكذا ما بعدها الى أن يستوفي الثلث ، فتبطل في الزائد.
أما لو جمع بأن ذكر أشياء متعددة ، ثم أوصى بالمجموع من غير أن يرتب في الوصية ، أو قال : أعطوا فلانا وفلانا وفلانا مائة ، أو قال : بعد الترتيب لا تقدموا أحدا على أحد ، ثم نقص الثلث في هذه الصورة ، فإنه يوزع النقص على الجميع بالنسبة ، كما في مسئلة العول.
والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام رواية حمران (1)المتقدمة في المسئلة الأولى «عن أبى جعفر عليهالسلام في رجل أوصى عند موته ، وقال : أعتق فلانا وفلانا حتى ذكر خمسة ، فنظرت في ثلثه فلم يبلغ أثمان قيمة المماليك الخمسة التي أمر بعتقهم ، قال : ينظر الى الذين سماهم ويبدأ بعتقهم فيقومون ، وينظر الى ثلثه فيعتق منه أول من سمي ، ثم الثاني ثم الثالث ، ثم الرابع ثم الخامس فان عجز الثلث كان ذلك في الذي سمي أخيرا ، لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك ، فلا يجوز له ذلك». ومورد الرواية وان كان انما هو الوصية بالعتق دون الوصية بغيره ، إلا أن ظاهر الأصحاب حيث استدلوا بها هنا عدم الفرق بين الأمرين.
قال في المسالك : واعلم أنه لا فرق في هذا الحكم بين العتق وغيره من التبرعات ، خلافا للشيخ وابن الجنيد حيث قدما العتق وان تأخر ، ولا بين أن يقع الترتب متصلا في وقت واحد عرفي ، أو في زمانين متباعدين كغدودة وعشية ، خلافا لابن حمزة حيث فرق بينهما ، فحكم في الأول كما ذكره الجماعة ، وجعل الثاني رجوعا عن الأول ، إلا أن يسعهما الثلث ، فينفذان معا وهو شاذ ضعيف المأخذ ، انتهى.
أقول : يمكن أن يستدل لما ذكره الشيخ وابن الجنيد بتقديم العتق على
1) الكافي ج 7 ص 19 ح 15 ، التهذيب ج 9 ص 197 ح 778 ، الوسائل ج 13 ص 457 ح 1.
غيره من التبرعات ، وان وقع متأخرا بما رواه المشايخ الثلاثة (قدس اللّه أرواحهم) عن محمد بن مسلم (1)في الموثق «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه ، وأوصى بوصية وكان أكثر من الثلث ، قال : يمضى عتق الغلام ، ويكون النقصان فيما بقي». وأجيب عن ذلك بأنه محمول على تقديم العتق هنا من المنجزات ، لأنه وقع حال الحياة ، والمنجزات مقدمة على الوصايا.
نعم الخلاف فيها مشهور بأن مخرجها من الأصل أو الثلث ، وظاهر هذا الخبر لا يخلو من اشتباه في ذلك ايضا ، والتحقيق هنا أن الأخبار في هذه المسئلة أعنى مسئلة المنجزات بالنسبة إلى العتق وأن مخرجه من الأصل أو الثلث لا يخلو من اشتباه وتعارض ، كما أشار إليه أيضا المحدث الكاشاني في الوافي ، وأما غير العتق من المنجزات فالحكم فيه كما اخترناه من الخروج من الأصل من غير اشكال.
المسئلة الخامسة : لو أوصى لزيد بثلث من التركة ، ولعمرو بربع منها ، ولثالث بخمس منها صحت الوصية في الأول خاصة ، لاستيعابها الثلث ، النافذ بدون الإجازة ، ورعاية لما تقدم من الأول مع تجاوز الثلث ، وبطلت فيما عداه ، وقيل : ان الوصية المتأخرة تقتضي الرجوع عما قبلها ، قال : الشيخ في الخلاف إذا أوصى لإنسان بثلث ماله ، ثم أوصى بثلث ماله لغيره ولم تجز الورثة ، فإن الوصية الثانية رافعة للأولى وناسخة لها ، واستدل بإجماع الفرقة والأخبار.
وقال ابن إدريس : إذا أوصى بثلث ماله لشخص ، ثم أوصى بثلث ماله لغير ذلك الشخص ، كان الثلث للأخير ، وتكون الوصية الثانية ناسخة للأولى ، لأن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا ثلث ماله ، فإذا أوصى به لإنسان ، ثم أوصى به بعد ذلك لآخر ، فقد نقل الثلث الذي يستحقه من الأموال الى الثاني ، لأنه يعلم أنه لا يستحق سوى الثلث ، فإذا أوصى به ثم وصى به ، فقد رجع عن الأول ،
1) الكافي ج 7 ص 17 ح 5 ، التهذيب ج 9 ص 194 ح 780 ، الوسائل ج 13 ص 458 ح 1.
فهذا يعنى قول أصحابنا : أنه إذا أوصى بوصية ، ثم أوصى بأخرى فإن أمكن العمل بهما جميعا وجب العمل بهما ، وان لم يمكن كان العمل على الأخير.
فأما إذا أوصى بشيء آخر ولم يذكر الثلث ، فان مذهب أصحابنا أن يبدأ بالأول فالأول ويكون النقصان ان لم يف الثلث داخلا على الأخير ، لأنه لما أوصى للأول ما قال أوصيت له بثلثي ، وكذا الثاني والثالث ، فظن أن ثلثه يبلغ مقداره جميع ما ذكره ، ويفي بما ذكره ، لأنه يعلم أنه ليس بعد موته سوى الثلث فإذا استوفاه دخل النقص على الأخير ، فهذا فرق بين المسئلتين ، فلا يظن ظان اتحادهما ، ولا أن مذهب أصحابنا أن الثانية ناسخة للأولى في جميع المواضع ، ولا أن الواجب البدأة بالأول فالأول في الجميع ، انتهى.
أقول : ما ذكره من الفردين المذكورين الذي يكون الحكم في أحدهما الرجوع بالوصية الثانية عن الأولى ، وحكم الآخر صحة الأول فالأول لا شك فيه كما هو المفهوم من كلام غيره ، وانما الكلام فيما فرضه أولا من قوله إذا أوصى بثلث ماله لشخص ، ثم أوصى بثلث ماله لآخر ، فان ذلك رجوع عن الوصية الأولى حسب ما ذكره الشيخ في الخلاف ، فإنه خلاف ما صرحوا به ، وما هو الظاهر من كلام المتأخرين ، فإن ظاهر كلامهم أن هذا لا يقتضي الرجوع ، بل يكون من قبيل ما يحكم فيه بصحة الوصية أولا فأولا ، وانما الذي يقتضي الرجوع اضافة الثلث الى نفسه مثلا ، كأن يقول ثلثي أو الثلث الذي أستحقه ، وأما مجرد ذكر ثلث المال من غير أن يضيفه الى نفسه ، فلا.
قال المحقق في الشرائع : لو أوصى لشخص بثلث ، ولآخر بربع ، ولآخر بسدس ولم يجز الورثة أعطى الأول وبطلت الوصية لمن عداه ، قال الشارح : انما صحت الوصية للأول خاصة لاستيعابها الثلث النافذ بدون الإجازة ، مع رعاية ما تقدم من وجوب تقديم الأول فالأول مع تجاوز الثلث ، ولا يتوهم هنا أن الوصية المتأخرة تقتضي الرجوع عما قبلها ، لأن الرجوع لا يثبت بمجرد الاحتمال ، بل
لا بد له من لفظ يدل عليه ، ومجرد الوصية بما زاد على الثلث ثانيا وثالثا أعم من الرجوع عن الأولى وعدمه ، فلا يدل عليه.
أقول : قوله «ولا يتوهم هنا. الى آخره» خرج مخرج الرد على ما ذكره ابن إدريس ، والشيخ في الخلاف فيما قدمنا نقله عنهما ، ثم انه قال المحقق أيضا : ولو أوصى بثلثه لواحد ، وبثلثه لآخر ، كان ذلك رجوعا عن الأول الى الثاني ، قال الشارح : الفرق بين هذه المسئلة والتي قبلها الموجب لاختلاف الحكم أن الثلث المضاف الى الموصى هو القدر النافذ ، والنافذ فيه وصيته شرعا ، فإذا أوصى به ثانيا فقد رجع عن الوصية الأولى ، لأن ليس له ثلثان مضافان اليه على هذا الوجه ، فيكون بمنزلة ما لو أوصى بعين لواحد ثم أوصى به لآخر ، بخلاف قوله لفلان ثلث من غير اضافة الى نفسه ، فإنه متعلق بجملة المال من غير أن ينسب الى ثلث النافذ فيه الوصية ، فإذا أوصى بعده بربع لا يتبادر الى الفهم منه أنه نقض ذلك الثلث السابق ، بل الربع الذي هو خارج عن الثلث المتعلق بأصل المال ، وكذلك السدس ، فيكون وصايا متعددة لا تضاد بينها ، فيبدأ بالأول منها فالأول حتى يستوفي الثلث عند عدم الإجازة ، انتهى.
وهو كما ترى صريح فيما قلناه ، واضح فيما ادعيناه ، وبالجملة فإن مقتضى أنه ان كان الموصى به أشياء بعينه ، متغايرة أو مطلقة ومعينة ، فإنه يبدأ فيها بالأول فالأول ، ولا يكون الثاني رجوعا عن الأول ، سواء زاد الأول عن الثلث أو نقص عنه ، وتكون الفائدة أنه لو أجاز الوارث الجميع نفذت الوصايا كلها ، ومنه ما لو أوصى بثلث المال لشخص ، ثم أوصى بالثلث أو الربع لآخر ، بتقريب ما تقدم نقلة عن المسالك من قوله ، بخلاف قوله لفلان ثلث ، من غير اضافة الى نفسه الى آخره. وان اتحد العين كان الثاني رجوعا عن الأول ، لامتناع اتحاد الملكين في عين واحدة ، ومن هذا ما أضاف الثلث الى نفسه ، فيكون الثانية ناسخة للأولى قطعا ، بتقريب ما تقدم نقله عن المسالك من قوله أن الثلث المضاف الى
الموصي هو القدر النافذ فيه وصيته شرعا الى قوله فيكون بمنزلة ما لو أوصى بعين لواحد ، ثم أوصى به لآخر ، وما ذكره ابن إدريس في تعليل ما ادعاه من نسخ الأولى - من أن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا الثلث - لا ينافي تجويز الوصية بأزيد من الثلث ، لإمكان الإجازة ونفوذها بذلك والإجازة على الأقوى عندهم ليست عطية ابتدائية وانما هي تنفيذ الوصية ، فيجوز أن يوصى معتمدا على اجازة الورثة فيكون الوصية صحيحة ، ولا يزول هذا الحكم عنها إلا بلفظ يدل على الرجوع عما سبق وحكم بصحته ، وهو في هذا المثال ونحوه منتف ، فيحكم بصحة الجميع ، ويعمل في الزائد عن الثلث بمقتضى القاعدة المقررة من البدأة بالأول فالأول ، وهذا بخلاف قوله ثلثي بإضافته إلى نفسه ونحوه ، فان الرجوع هنا معلوم بالقرينة القوية ، لما تقدم في كلامه بقوله لأن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا ثلث ماله ، وإذا أوصى به لإنسان إلى آخره.
وكيف كان فالمسئلة لخلوها عن النص لا يخلو بعض شقوقها من الاشكال ، سيما في هذا الفرع ، ولهذا قد اختلف كلامهم واضطربت إفهامهم في هذه المسئلة.
قال في المسالك بعد البحث في المسئلة بنحو ما ذكرناه ، واختيار ما حررناه من الفرق بين المسئلتين المتقدمتين في كلام المحقق ما صورته : واعلم أن كلام الأصحاب قد اختلف فيها اختلافا كثيرا ، وكذلك الفتوى ، حتى من الرجل الواحد في الكتب المتعددة ، بل في الكتاب الواحد ، والعلامة في القواعد وافق المصنف على ما ذكره - في المسئلتين ، لكنه استشكل بعد ذلك في المسئلة الثانية ، وفي التحرير نسب الحكم في الثانية كذلك إلى علمائنا ، وجعل فيه نظرا ، ووجه الاشكال والنظر مما ذكرناه ، ومن أن كل واحدة منها وصية يجب تنفيذها بحسب الإمكان ، ولا يجوز تبديلها مع عدم الزيادة ، ومجرد اضافة الثلث اليه ، لا يقتضي الرجوع ، لان جميع ماله ما دام حيا له ، فتصح إضافته اليه ، وانما يخرج عن ملكه بالموت ، ونحن نقول بموجبه ، إلا أنا ندعي وجود القرينة في هذه الإضافة
على الرجوع ، ومن ثم لما أبدلها بالإضافة إلى ماله فضلا عن جعل الثلث مطلقا شككنا في إرادة الرجوع ، فلم نحكم به ، وقدمنا الأول.
والمختلف اعتمد على اعتبار القرينة وعدمها ، كما حققناه ، وجزم بعدم وجودها في ثلث مالي ، ولم يتعرض للثلث المضاف الى الموصي ، بل اعتمد على القرينة ، ومع الشك فيها على عدم الحكم بالرجوع ، وهذا هو الحق في المسئلة
والمحقق الشيخ علي (رحمة اللّه عليه) في شرحه اعتمد في المسئلة على أصل آخر غير ما ذكرناه ، ورتب عليه الحكم ، وهو أن الأصل في الوصية ، أن تكون نافذة ، فيجب حملها على ما يقتضي النفوذ بحسب الإمكان ، وانما تكون الثانية نافذة ، فإذا كان متعلقها هو الثلث الذي يجوز للمريض الوصية به ، فيجب حملها عليه ، كما يجب حمل إطلاق بيع الشريك النصف على استحقاقه ، حملا للبيع على معناه الحقيقي ، وحينئذ فيتحقق التضاد في مثل ما لو قال : أوصيت بثلث لزيد ، وبثلث لعمرو ، فيكون الثاني ناسخا للأول ، فيقدم ، وأولى منه ما لو قال بثلث مالي ، ثم فرع عليه أنه لو أوصى لزيد بثلث ، ولعمرو بربع ، ولخالد بسدس ، وانتفت القرائن أن تكون الوصية الأخيرة رافعة للأولى ، مع اعترافه بأنه مخالف لما صرح به جميع الأصحاب ، والحامل له على ذلك ما فهمه من أن إطلاق الوصية محمول على النافذة ، وأنت قد عرفت مما حققناه سابقا أن الإطلاق في الوصية وغيرها من العقود انما يحمل على الصحيح ، أما النافذ بحيث لا يترتب عليه فسخ بوجه ، فلا اعتبار به قطعا ، ألا ترى أن الوصية بجميع المال توصف بالصحة ، ووقوف ما زاد على الثلث على الإجازة ، ولا يقول أحد أنها ليست بصحيحة ، ولذلك لو باع بخيار حكم بصحة البيع ، وان لم يكن نافذا ، بمعنى أنه لا يستحق أحد فسخه ، وما مثل به من بيع الشريك النصف ، فإنه محمول على استحقاقه ، لا يؤثر هنا للفرق بينه وبين المتنازع فيه ، لأن جميع التركة مستحقة للموصي حال حياته إجماعا ، فقد أوصى بما يستحقه ، ومن ثم حكموا بصحة وصيته بما زاد على الثلث ،
وصحة هبته له ، وان توقف على اجازة الورثة ، لأن ذلك لهم كالخيار للبائع بالنسبة إلى ملك المشترى ، بل أضعف ، للخلاف في أن الملك هل ينتقل إليه في زمن الخيار أم لا؟ والاتفاق على أن التركة مملوكة للموصي ما دام حيا ، ومن ثم لزمت الهبة لو برء من مرضه ، وكانت الإجازة تنفيذ الوصية ، لا عطية متجددة ، على مختار أصحابنا ، وقد ادعى الشيخ في المبسوط عليه الإجماع ، وانما الخلاف في التنفيذ ، والعطية للعامة ، وأصحابنا يجعلون العطية احتمالا مرجوحا ، لا قولا.
وإذا تقرر أن الإطلاق محمول على الوصية الصحيحة - فكل وصية من المذكورات صحيحة ، سواء كانت نافذة أم لا - لم تدل الوصية المتأخرة عن الوصية بالثلث على أنها ناسخة للسابقة ، ورجوع عنها ، بل على ارادة الموصى إعطاء كل واحد ما أوصى له به ، وان توقف ذلك على اجازة الورثة ، فإن ذلك أمر آخر غير الوصية المعتبرة شرعا ، وقد ظهر بذلك أنه لا تضاد بين قوله أوصيت لزيد بثلث ، ولعمرو بربع ، بطريق أولى ، وانما يقع التضاد صريحا إذا قال بعد الوصية لزيد بثلث ، أوصيت لعمرو بالثلث الذي أوصيت به لزيد ، أو بثلثي أو بالثلث الذي جعله اللّه تعالى غير متوقف على اجازة ، ونحو ذلك ، وفي مثل قوله بثلثي لزيد ، ثم بثلثي لعمرو بالقرينة ، لا بالتصريح كما حققنا ، ثم نقل عن الشيخ (رحمة اللّه) عليه أنه اتفق له في هذه المسئلة غرائب ، وشرح ذلك بما لا مزيد فائدة في ذكره ، وانما نقلنا كلامه (قدسسره) بطوله لجودة محصوله في تحقيق المسئلة ، زيادة على ما قدمناه ، والاطلاع على ما وقع لهم من الاختلاف في المسئلة ، زيادة على ما ذكرناه ، إلا أن الخلاف الذي ذكرناه أولا بالنسبة إلى المسئلة الأولى من المسئلتين المفروضتين في كلام المحقق ، والذي ذكره (قدسسره) بالنسبة إلى الثانية منهما ، واللّه العالم.
الأول - لو اشتبه السابق في صورة الوصية بالثلث لاثنين ، أحدهما بعد الآخر فإنه يستخرج بالقرعة ، كما حكم به الأصحاب ، لأنها لكل أمر مشتبه ، فان قلنا بأن الوصية للأول ، وأنه يلاحظ في الصحة الأول فالأول ، فإنه يحكم بها للسابق وان قلنا بأن ذلك عدول وفسخ ، فإنه يحكم بها للثاني ، وحينئذ فلا فرق في كتابة الرقاع بين أن يجعل باسم السابق أو المتأخر ، وصفتها أن تكتب في رقعة اسم أحدهما وأنه السابق ، وتكتب في رقعة اسم الآخر وأنه السابق ، ويجمعان في موضع ويخفيان ، ثم يخرج إحداهما فمن خرج اسمه كان هو السابق ، وترتب عليه الحكم من استحقاق أو حرمان ، ولك أن تكتب عوض السابق المتأخر في كل من الرقعتين ، والمرجع إلى أمر واحد.
الثاني : لو أوصى بشيء واحد لاثنين كان يقول أعطوا زيدا وعمرا مائة درهم ، أو الدار الفلانية ، وكان ذلك أزيد من الثلث ، فان الشقص يدخل عليهما بالنسبة ، ولو جعل لكل واحد منهما شيئا بأن يقول : أعطوا زيدا خمسين درهما ، وأعطوا عمرا خمسين درهما ، أو أعطوا زيدا نصف الدار ، وعمرا نصفها ، وأنفق الزيادة على الثلث ، فإنه يبدأ بالعطية الأولى ، ويدخل النقص على الثانية.
المسئلة السادسة : قال الشيخ في النهاية : إذا أوصى بعتق جميع مماليكه ، وله مماليك بخصوصه ، ومماليك بينه وبين غيره ، أعتق من كان في ملكه ، وقوم من كان في الشركة ، وأعطى حقه ان كان ثلثه يحتمل ، فان لم يحتمل أعتق منه بقدر ما يحتمله ، وبه قال ابن البراج والعلامة في المختلف.
ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه تعالى مراقدهم) بأسانيدهم وفيها الصحيح عن أحمد بن زياد (1)وهو واقفي «عن ابى الحسن عليهالسلام «قال :
1) الكافي ج 7 ص 20 ح 17 ، التهذيب ج 9 ص 222 ح 872 ، الوسائل ج 13 ص 463 ح 2.
سألته عن الرجل تحضره الوفاة وله مماليك لخاصة نفسه ، وله مماليك في شركة رجل آخر ، فيوصي في وصيته مماليكي أحرار ، ما حال مماليكه الذين في الشركة فقال : يقومون عليه ان كان ماله يحتمل ثم هم أحرار».
وقال ابن إدريس : الذي يقوى عندي أنه لا يقوم من في الشركة ، بل يعتق منهم بقدر ما يملكه ، ولا يعطى شريكه ثمن حصته ، وان احتمل ثلثه ذلك ، لأنه بعد موته لا يملك الثلث ، إذا لم يوص به ، لأن الموت يزول به ملكه إلا ما استثنى من ثلثه ، وهذا ما استثنى شيئا ، والى هذا القول مال المتأخرين وهو قول الشيخ في المبسوط أيضا ، حيث قال : إذا أوصى بعتق شقص له من عبد ، ثم مات أعتق عنه ذلك الشقص ، ولم يقوم عليه نصيب شريكه ، وان كان غنيا ، لأن ملكه زال عن ماله بالموت إلا القدر الذي استثناه.
والعلامة في المختلف حيث اختار مذهب الشيخ في النهاية استدل عليه بأن الموصي أوجد سبب السراية في العتق ، فيوجد مسببه ، أما المقدمة الأولى فلأن العتق في الحقيقة مستند اليه ، ولهذا كان ولائه له ، وأما الثانية فظاهرة ، ثم أورد الرواية المذكورة.
واعترضه في المسالك فيما أورده من التعليل العقلي بأنه ان أراد مطلق السبب أعم من التام لم يفده المطلوب ، وان أراد به التام منعناه هنا ، لأن السبب التام للسراية العتق مع اليسار ، واليسار هنا منتف ، لأنه لا يملك بعد الموت ، أو تقول ان سبب السراية انما هو العتق لا الوصية به ، والعتق انما وقع بعد الوفاة ، فمسببه يجب أن يقع بعده كذلك مع اجتماع شرائطه الذي من جملته اليسار ، وهو منتف هنا بعد الوفاة ، لما ذكرناه ، ثم قال : فان قيل : كما أن العتق سبب قريب في السراية ، كذلك الوصية سبب فيها ، لأنها سبب العتق ، وقد حصلت حالة اليسار. لأنه المفروض والعتق سبب في السراية ، قلنا : مجرد وجود السبب لا يقتضي وجود المسبب ، إلا إذا اجتمعت شرائطه ، وإلا فيمكن تخلف المسبب عن
سببه ، لفقد شرط ، وهو هنا كذلك ، لأن شرط العتق وفاة الموصي ، لأنه جعله وصية ، والوصية انما تقع بعد الوفاة ، فإذا تخلف المسبب وهو العتق عن سببه الى ما بعد الوفاة ، لزم معه تخلف مسببه ، وهو السراية كذلك وتم المطلوب ، حيث لم يصادف المال ، ثم رد الرواية بأنها لا تصلح لتأسيس الحكم بذاتها لضعف سندها بأحمد بن زياد المذكور ، فإنه واقفي غير ثقة ، انتهى.
أقول : يمكن أن يقال ان محل البحث وموضوع المسئلة من أوصى بعتق مماليكه بمعنى أنهم يعتقون بعد موته ، أو ينعتقون ، وفهم هذا المعنى من لفظ الرواية غير ظاهر ، فان ظاهرها أنه كتب في وصيته أو قال : بلسانه في ذلك مماليكي أحرار ، وظاهر هذه العبارة محتمل للإنشاء ، فيكون ذلك عتقا لهم في ذلك الوقت ، ومحتمل للأخبار عن عتق سابق ، وعلى كل من الأمرين ، فالعتق قد وقع حال الحياة ، فيترتب عليه ما ذكره في الرواية من السراية ان كان في ثلثه ما بقي بذلك ، وأما أن المراد بها الوصية بأن يعتق مماليكه بعد موته ، فهو في غاية البعد عن حاق لفظها ، فان قيل : ان ذلك مفهوم من قوله فيوصي في وصيته ، والوصية بالعتق يقتضي الانعتاق بعد الموت لا قبله ، قلنا يمكن ارتكاب التجوز في هذا اللفظ ، بمعنى أنه يقول : ويذكر هذا القول في تلك الحال ، وباب التجوز في الكلام واسع ، وارتكاب ما قلناه أولى وأقرب مما ذهب إليه القائلون بالقول الأول من التقديم على الموصي ، مع أنه لا مال له بعد الموت ، كما أورده عليه ، وأولى منه ما ذهب اليه من رد الخبر وإطراحه بالكلية ، مع عدم وجود ما يضاده من الأخبار ، والعمل بالخبر مهما أمكن أولى من طرحه ، وعلى ما ذكرناه فالخبر لا يكون من محل الاستدلال في شيء ، فيبقى القول الأول خاليا من الدليل ، ويكون العمل على القول الثاني ، بناء على القاعدة المذكورة ، وهي أنه لا يقوم عليه إلا مع وجود المال له ، ولا مال في تلك الحال.
وبالجملة فإن الظاهر بهذا الفهم القاصر ، والذهن الخاسر ، ان حمل الخبر
على ما ذكرناه ممكن بما عرفت من التقريب ، فلا يلزم مخالفته للقواعد بناء على القول الأول ، ولا رده بناء على القول الثاني ، واللّه العالم.
الأول : قالوا : لو أوصى بنصف ماله مثلا ، وأجاز الورثة ، ثم قالوا : ظننا أنه قليل ، كما لو قالوا بعد إجازتهم الوصية بالنصف ، ظننا أنه ألف درهم ، فظهر ألف ألف دينار ، فإنه يقبل قولهم في دعوى ظن قلة المال مع يمينهم ، ويقضى عليهم بما ادعوا ظنه ، فإذا حلفوا قضى عليهم بصحة الإجازة في خمسمائة درهم ، وعلل قبول قولهم باستناده إلى أصالة عدم العلم بالزائد ، مضافا الى أن المال مما يخفى غالبا ، وأن دعواهم يمكن أن تكون صادقة ، ولا يمكن الاطلاع على صدق ظنهم إلا من قبلهم ، لأن الظن من الأمور النفسانية ، فلو لم يكتف فيه باليمين لزم الضرر ، لتعذر إقامة البينة على دعواهم.
وترد المحقق في ذلك ، ومنشأه مما ذكرنا ، ومن تناول لفظ الموصى للقليل والكثير ، وقدومه على ذلك مع كون المال مما يخفى كما ذكر ، فالرجوع الى قولهم رجوع عن اللفظ المتيقن الدلالة على معنى يعم الجميع الى دعوى ظن يجوز كذبه.
قال في المسالك بعد ذكر ذلك : والأقوى القبول ، وحينئذ فيدفع الى الموصى له نصف ما ظنوه ، وثلث باقي التركة ، انتهى.
أقول : لا ريب في قوة ما قواه بالنظر الى هذه التعليلات المذكورة من الطرفين ، إلا أن الاعتماد عليها في تأسيس الأحكام الشرعية كما عرفت في غير مقام مما تقدم ، لا يخلو عن الاشكال ، والمسئلة عارية من النصوص على الخصوص والصلح طريق الاحتياط ، واللّه العالم.
الثاني : قالوا : لو أوصى بعبد أو بدار ، فأجاز الورثة الوصية ، ثم ادعوا أنهم
ظنوا أن ذلك الثلث أو أزيد بيسير ، مع ظهور كون ذلك أزيد بكثير ، لقلة المال لم يسمع دعواهم في هذه الصورة ، لأن الإجازة هنا قد تضمنت معلوما ، بخلاف ما تقدم في سابق هذا الموضع ، وحاصل الفرق بين المسئلتين أن الإجازة في هذه الصورة وقعت على معلوم للورثة ، وهي العين المخصوصة كيف كانت من التركة ، فكانت الإجازة ماضية عليهم ، بخلاف الصورة الأولى حيث أن الوصية فيها بجزء مشاع ، وهو النصف من التركة مثلا ، والعلم بمقداره قلة وكثرة موقوف على العلم بالتركة كملا ، والأصل عدمه ، فتسمع فيه دعوى الجهالة ، وأنت خبير بما في هذا الفرق من تطرق احتمال المناقشة ، ولهذا مال في الدروس إلى التسوية بين المسئلتين ، والقبول في الحالين ، وجعله العلامة في التحرير وجها ، وفي القواعد احتمالا.
ووجه المناقشة التي أشرنا إليها ، وما ذكره في المسالك من أن الإجازة وان وقعت على معلوم للورثة كما يدعونه ، إلا أن كونه مقدار الثلث أو ما قاربه مما سامحوا فيه انما يعلم بعد العلم بمقدار التركة ، والأصل عدم علمهم بمقدارها ، وبنائهم على الظن ، فكما احتمل ظنهم قلة النصف في نفسه ، يحتمل ظنهم قلة العين بالإضافة إلى مجموع التركة ، وان لم يكن قليلا في نفسه ، قال : ومخالفة الأصل هنا بظنهم كثرة المال مع أن الأصل عدمه ، لا يؤثر في رفع الظن عنه واعتقاد كثرته ، بل يمكن عدم ظهور خلاف ما اعتقدوه من الكثرة ، ولكن ظهر عليه دين قدم على الوصية ، فقل المال الفاضل عنهما ، وهذا موافق للأصل كالأول ، ثم قال : وأيضا فمن جملة المقتضى للقبول في الأول ، إمكان صدقهم في الدعوى ، وتعذر إقامة البينة بما يعتقدونه ، وهو متحقق هنا ، لأن الأصل عدم العلم بمقدار التركة ، وذلك يقتضي جهالة قدر المعين من التركة كالمشاع ، ولعل القبول أوجه ، انتهى.
والغرض من التطويل بنقل كلامهم مع ما عرفت من عدم الاعتماد عليه ،
مع خلوه من الدليل الواضح ، هو وقوف الناظر في الكتاب على ما في هذه المسائل من كلام الأصحاب (رحمهماللّه) فلعله يتشوق نفسه الى الوقوف على كلامهم ، ونقضهم فيها وإبرامهم ، وقد أشرنا في غير موضع مما تقدم أن الغرض من الكتاب هو أن لا يحتاج الناظر فيه الى مراجعة شيء من كتب الأخبار ، لاحاطتهم فيه بجميع أخبار كل مسئلة مسئلة ، وكذلك لا يحتاج إلى مراجعة كتب الأصحاب للاطلاع على ما ذكروه في كل مسئلة مسئلة حسب الإمكان ، وإلا فاستقصاء كلامهم في كل مسئلة مسئلة مما يتعذر غالبا ، فيكون كتابنا هذا مغنيا عن مراجعة غيره من كتب الأخبار ، وكتب الفروع في الجملة ان شاء اللّه تعالى.
الثالث : الظاهر أنه لا إشكال في أنه لو أوصى له بثلث ماله مشاعا فان الموصى له من كل شيء من التركة ثلثه حاضرا كان أو غائبا عينا كان أو دينا فهو شريك للورثة في كل جزء جزء من التركة.
أما لو أوصى له بثلث التركة معينا في عين مخصوصة ، كدار مخصوصة ، أو عبد مخصوص ، فان الموصى له يملكه بالقبول ، وموت الموصي ، ولا اعتراض ، للورثة من حيث اختصاصه بالعين عنهم ، ولهم منها الثلثان ، لأنه لا خلاف في أن للموصى ثلث ماله ، يتصرف فيه كيف شاء ، وأنه لا يتوقف على اذن الورثة ، غاية الأمر أنه بعد أن خصه بهذه العين من حيث كونها ثلث التركة ، وهو لا يملك من هذه العين إلا ثلثها ، جعل ما بأيديهم من ضعف الوصية من جملة التركة كالقيمة الشرعية عما يستحقونه من ثلثي هذه العين ، هذا إذا كان ضعف الموصى به بأيديهم ، كما هو المفروض.
أما لو لم يكن بأيديهم بأن كان له مال غائب ، أو بيد متغلب ، فان لم يكن بأيديهم من التركة شيء أصلا ، فللموصى له ثلث تلك العين خاصة ، وكان انتقال ثلثيها موقوفا على تمكين الوارث من ضعفها من التركة ، وان كان بيدهم شيء لا يقوم بالنصف فله من العين ما يحتمله الثلث منها ومما بأيديهم من التركة ،
والباقي يصير موقوفا لا نحكم به لأحد منهما حتى يتضح الحال ، فيجعل أمانة بيد الحاكم أو أمينه أو من يتفقان عليه الى أن يتبين الأمر ، لحصول الغائب وعدمه.
ثم ان هذا القدر المتخرج من الثلث المنحصر في بعض هذه العين منجز هل يتسلط الموصى له عليه أم لا؟ بل يمنع من التصرف فيه وان كان ملكا له ، وجهان : اختار أولها في المسالك ، قال : لوجود المقتضى وهو ملكه له بالوصية المحكوم بصحتها بالنسبة إلى الثلث على كل حال ، لأن غاية ما هناك تلف الغائب بأجمعه فيكون الحاضر هو مجموع التركة فيملك ثلثه بغير مانع ، ثم ذكر وجه المنع ورده بما هو مذكور ثمة.
الرابع : قالوا : لو أوصى بثلث عبده فتبين أنه ليس له من العبد إلا ثلثه ، وأن ثلثيه ، مستحق للغير ، فإن الوصية تصح في ذلك الثلث ، ثم ان كان الموصي لا يملك غير ذلك العبد لم تنفذ وصيته المذكورة ، إلا في ثلث الثلث الذي يستحقه ، ووقف في ثلثيه على الإجازة ، وان ملك غيره اعتبر خروج ثلث العبد من ثلث التركة.
ونقل عن بعض العامة ، أنه حكم بنفوذ الوصية في المسئلة المذكورة في ثلث الثلث خاصة ، والذي عليه الأصحاب كما عرفت أن الوصية إنما تنصرف الى مستحقه خاصة ، وهو الثلث على التفصيل المتقدم ، وما ذهب اليه ذلك القائل كأنه منزل على الإشاعة ، وجواز الوصية بمال الغير ، بمعنى أنه لو أوصى بثلث شائع في العبد وهو ملك الجميع من الموصي وباقي الشركاء ، فلا تنفذ وصيته فيه ، بل انما تنفذ في ثلثه ، ويرجع الى كون موصى به ثلث الثلث ، ورده الأصحاب بأن الوصية لا تصح إلا بما يملكه الموصي ، فلو أوصى بمال الغير لغت ، فلا تنزل على الإشاعة المستلزمة للوصية بمال الغير.
الخامس : المشهور في كلام المتأخرين أنه لو أوصى بما يقع اسمه على المحلل والمحرم انصرف اللفظ الى المحلل ، صونا للمسلم عن المحرم كما إذا
أوصى بعود من عيدانه وله عود لهو ، وعيدان قسي ، وعيدان عصي ، وعيدان المسقف والبنيان ، وأيده بعضهم بوجوب تنفيذ الوصية بحسب الإمكان لعموم «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ» وهو لا يتم إلا بذلك.
وقال الشيخ في المبسوط : إطلاق قوله عود من عيداني ينصرف الى العود الذي يضرب به للهو ، لأن ذلك يسمى بالإطلاق عودا في العادة ، ثم ينظر فان كان له منفعة غير الضرب صحت الوصية ، وان لم تكن له منفعة مباحة ولا يصلح إلا للعب بطلت الوصية.
أقول : لا ريب أن لفظ العود هنا من الألفاظ المشتركة ، ومن شأن اللفظ المشترك ان لا يحمل على أحد معانيه إلا بالقرينة ، وفي كون ما ذكروه من صون المسلم عن المحرم قرينة على المحلل على إطلاقه محل اشكال ، سيما مع شيوع استعمال المسلمين للهو واللعب بالعود وغيره ، فلو ثبت ذلك بحال الموصى وما هو عليه من التورع عن المحرمات ، أو عدم ذلك ، ولو في سائر الحالات لكان حسنا.
نعم لو لم يكن له عود لهو بالكلية ، انصرف الى المحلل بغير اشكال ، وان كان اللفظ أعم من المحرم ، ولو لم يكن له إلا العود المحرم قيل تبطل الوصية ، لانصرافه الى غير المشروع ، حيث لم يكن له غيره ، والحال أنه قد خصها بما هو له ، فلا ينتقل الى تحصيل غيره.
وظاهر كلام الشيخ المتقدم أنه ان كان له منفعة مباحة غير الضرب صحت الوصية ، وإلا فلا ، وقيل : تصح الوصية به ، ولكن تزال عنه الصفة المحرمة ، بأن يحول منها الى غيرها من الصفات المحللة إن أمكن ، وإلا بطلت الوصية ، وإطلاق العبارة يقتضي أن زوال الصفة المحرمة مع بقاء المنفعة لو تحقق بكسره والانتفاع بخشبه في بعض المنافع المحللة ، يكفي في الصحة على هذا القول.
واستشكل في المسالك في ذلك بأنه يخرج بالكسر عن كونه عودا لأن وصيته معتمدة على وصف العود فكسره خروج عن الاسم ، ثم قال : لا يقال : إذا
انتقل الى الموصى له فله أن يفعل به ما شاء ، ومن جملته كسره ، بل هو واجب حيث يتوقف زوال الصفة المحرمة عليه ، فلا يقدح ذلك في جواز الوصية ، لأنا نقول ان جواز تصرفه فيه بالكسر وغيره موقوف على صحة الوصية ، وصحتها موقوف على كسره فيدور ، ولو قيل : أنه يمكن كسره من غير الموصى له قبل دفعه اليه ليندفع الدور ، جاء فيه ما تقدم من زوال اسم العود الذي هو متعلق الوصية ، فلا يكون بعد كسره موصى به ، فلا يحصل بدفعه الى الموصى له الامتثال ، انتهى.
أقول : لا يخفى أن مبنى كلامه (قدسسره) على أنه بالكسر يخرج عن كونه عودا ، فلو دفع بعد الكسر الى الموصى له لم يصدق الإتيان بالوصية والامتثال لها ، وفيه أن أحد أفراد العود عود الخشب ، وهذا بعد الكسر وان خرج عن عود اللّهو ، إلا أنه لا يخرج عن عود الخشب ، قال في كتاب المصباح المنير : وعود اللّهو وعود الخشب ، جمعه أعواد وعيدان ، ونحوه في القاموس ، وحينئذ فيرجع الكلام إلى ما ذكره ذلك القائل من صحة الوصية متى أزيلت عنه صفة المحرمة ، وحول الى غيرها من الصفات المحللة ، وأن هذا العود بكسره قد خرج عن عود اللّهو ، وصار من قبيل عود الخشب ، الذي منافعه المترتبة عليه محللة.
ثم انه قال في المسالك على أثر الكلام المتقدم : والأقوى أنه إن أمكن إزالة الصفة المحرمة مع بقاء اسمه ، صحت الوصية ، وإلا بطلت لحصره فيما عنده ، وهو ينافي تحصيل عود من خارج ، ولم يوجد عنده ما يتناوله الاسم شرعا ، فيكون ذلك بمنزلة ما لو أوصى بالمحرم ، انتهى.
أقول : قد عرفت بما أوضحناه بقاء اسم العود على الباقي بعد الكسر ، فتصح الوصية ، ولا يحتاج الى تحصيل عود من خارج بأي معنى كان ، فان الموجود عنده بعد الكسر مما يتناوله اسم العود ، فلا موجب لبطلان الوصية ، واللّه العالم.
السادس : قال المحقق في الشرائع : وتصح الوصية بالكلاب المملوكة ،
ككلب الصيد ، والماشية ، والحائط ، والزرع ، قال الشارح في قوله المملوكة : تنبيه ، على أنا لو لم نقل بملكها لم تصح الوصية بها لعدم كونها مالا منتفعا به ومن ثم لم يصح بيعها عند القائل بعدم المالية ، والأقوى جواز الوصية بها وان لم نقل بملكها ولم نجوز بيعها ، لثبوت الاختصاص بها وانتقالها يدا الى يد بالإرث وغيره ، وهو أعم من الملك.
أقول : قد حققنا في كتاب البيع (1)أن المستفاد من الأخبار اختصاص الملك وجواز البيع ونحوه بكلب الصيد خاصة ، كما هو أحد الأقوال في المسئلة ، وأن ما عداه لا دليل على جواز تملكه ولا بيعه ، ولا غيرهما من الأحكام ، ومنها الوصية هنا ، وأما ما ذكره الشارح هنا من جواز الوصية بالكلاب وان لم نقل بملكها ولم نجوز بيعها ، فهو مشكل.
أما أولا فلما صرحوا به من أن من شروط صحة الوصية صحة الملك لكل من الموصى والموصى له ، كما تقدم في المسئلة الأولى من مسائل هذا المقصد ، وقد اعترف بذلك الشارح المذكور ، حيث قال بعد قول المصنف ويعتبر فيهما الملك؟ فلا يصح بالخمر والخنزير والكلب الهراش ما صورته : المراد هنا صلاحية الملك للموصى والموصى له ، كما ترشد إليه الأمثلة ، فإن المذكورات لا تقبل الملك بالنسبة إلى المسلم ، أو مطلقا بناء على اعتبار الواقع في نفس الأمر الى أن قال : واحترز بكلب الهراش عن الكلاب الأربعة والجر والقابل للتعليم ، فتصح الوصية بها ، لكونها مملوكة لها قيمة ومنفعة ، وهو كما ترى صريح فيما ذكرناه ، وعلى هذا المنوال كلمة غيره من الأصحاب في هذا المجال.
وأما ثانيا فلان الوصية حكم شرعي يترتب عليها جملة من الأحكام كما في جملة الوصايا المبحوث عنها في هذا المقام ، فلا بد في إثباته من الدليل الشرعي كما هو واضع لذوي الأفهام ، وغاية ما يدل عليه الدليل صحة الوصية بالمملوك ، فغيره
1) ج 18 ص 80.
يتوقف على الدليل ، ومجرد هذه التعليلات العليلة لا يجوز أن ترتب عليها الأحكام الشرعية.
واما ثالثا فان ما ادعاه من انتقالها من يد الى يد بالإرث وغيره مجرد دعوى ، لا يخرج عن المصادرة ، فإن المانع للملك يمنع من حصول الإرث فيها ، لكونه فرع الملك بلا خلاف نصا وفتوى وبالجملة فإن كلامه (قدسسره) هنا لا يخلو من تساهل ثم أنه قال في المسالك : إذا تقرر ذلك فإذا أوصى بكلب تجوز الوصية به ، فان وجد في التركة فذاك ، وإلا فإن جوزنا شراءه اشترى من التركة ودفع الموصى له ، وان لم نجوز شراءه احتمل بطلان الوصية حينئذ ، لعدم إمكان إنفاذها على الوجه المشروع ، ومراعاة تحصيله بغير البيع ، إذ لا يلزم من عدم جواز بيعه عدم إمكان تحصيله بغيره ، فيجب تحصيله على الوارث تفصيا من تبديل الوصية مع إمكان إنفاذها ، فإن أمكن تحصيله والا بطلت ويشكل بأنه لا يلزم ، من إمكان تحصيله للوارث وجوبه عليه إذ لا يجب عليه إنفاذ وصية مورثه إلا من مال المورث وهو منتف هنا ، والأقوى البطلان مطلقا ، لكن لو تبرع به متبرع من وارث وغيره صح ، وان لم يكن ذلك واجبا ، انتهى.
في ذكر جملة من الوصايا المبهمة فمنها الوصية بالجزء من ماله ، وقد اختلف الأصحاب في ذلك باختلاف الأخبار فيما هنالك ، فذهب جمع منهم الشيخ في كتابي الأخبار والشيخ علي بن بابويه وابنه إلى أنه العشر ، واختاره العلامة في المختلف ، وهو ظاهر المحقق في الشرائع حيث نسبه الى أشهر الروايتين ، وذهب جمع منهم الشيخ المفيد والشيخ في النهاية وابن الجنيد وسلار وابن البراج إلى أنه السبع ، ونقله في المسالك عن أكثر المتأخرين.
والذي يدل من الأخبار على الأول ما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن
أو الصحيح في الأول ، والصحيح في الثاني عن عبد الرحمن بن سيابة (1)وهو مجهول قال : «ان امرأة أوصت الي وقالت ثلثي يقتضي به ديني ، وجزء منه لفلانة ، فسألت عن ذلك ابن أبى ليلى فقال ما أرى لها شيئا ، ما أدرى ما الجزء فسألت عنه أبا عبد اللّه عليهالسلام بعد ذلك وخبرته كيف قالت المرأة وما قال ابن أبى ليلى فقال : كذب ابن أبى ليلى ، لها عشر الثلث ، ان اللّه تعالى أمر إبراهيم عليهالسلام فقال (2): «اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» وكانت الجبال يومئذ عشرة ، والجزء هو العشر من الشيء».
والعلامة في المختلف روى هذه الرواية عن عبد اللّه بن سنان ، وأنه هو الوصي والسائل عن هذه المسئلة ، وعد الخبر في الصحيح ، والذي في الكافي والتهذيب عن عبد اللّه بن سنان إنما هو راو عن عبد الرحمن بن سيابة ، وبه تكون الرواية على اصطلاحهم ضعيفة ، وكان لفظ عبد الرحمن بن سيابة سقط ، من نسخة الكتاب الذي عنده ، أو أنه غفل عنه ، إلا أن الشيخ في الاستبصار رواه كذلك فالظاهر أنه نقل الخبر عن الاستبصار ، ولم يراجع الكافي والتهذيب ، ومما يؤيد العمل على ما في التهذيب كما ذكره شيخنا في المسالك ، من أن من المستبعد جدا أن عبد اللّه بن سنان الفقيه الجليل الإمامي يسأل ابن أبى ليلى في ذلك ، بل الموجود في الأخبار أن ابن أبى ليلى كان يسأله ، ويسأل أصحابه مثل محمد بن مسلم وغيره عن كثير من المسائل ، والشهيد في الدروس قد تبع العلامة في هذا المقام وثوقا بكلامه في المختلف ، واعتمادا على ما في الاستبصار ، ولم يراجع الكتابين الآخرين.
ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق أو الحسن الذي لا يقصر عن الصحيح
عن معاوية بن عمار (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى بجزء من ماله ، قال : جزء من عشرة ، قال اللّه تعالى (2)«اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» وكانت الجبال عشرة».
وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن ابان بن تغلب (3)قال : «قال أبو جعفر عليهالسلام الجزء واحد من عشرة ، لأن الجبال كانت عشرة ، والطير أربعة».
وما رواه في التهذيب عن أبى بصير (4)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في رجل أوصى بجزء من ماله : قال : جزء من عشرة ، وقال : كانت الجبال عشرة».
ورواه العياشي في تفسيره مثله (5)، وزاد : وكانت الطير الطاوس ، والحمامة ، والديك والهدهد ، فأمره أن يقطعهن. الى آخره.
وما رواه الصدوق (قدسسره) في كتاب معاني الأخبار عن ابان بن تغلب (6)«عن أبى جعفر عليهالسلام في الرجل يوصى بجزء من ماله؟ قال : الجزء واحد من عشرة ، لأن اللّه تعالى يقول «ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» وكانت الجبال عشرة ، والطير أربعة فجعل على كل جبل منهن جزءا». قال : وروى أن الجزء واحد من سبعة ، لقول اللّه عزوجل «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ».
ومنها ما رواه في الكتاب المذكور في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان (7)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 442 ح 1 وص 446 ح 11 وص 444 ح 6.
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن امرأة أوصت بثلثها يقضى به دين ابن أخيها وجزء1) الكافي ج 7 ص 40 ح 2 ، التهذيب ج 9 ص 208 ح 825 ، الفقيه ج 4 ص 152 ح 528 ، الوسائل ج 13 ص 443 ح 3.
2) سورة البقرة - الاية 260.
3) الكافي ج 7 ص 40 ح 3، التهذيب ج 9 ص 209 ح 826 و 827.
4) الكافي ج 7 ص 40 ح 3، التهذيب ج 9 ص 209 ح 826 و 827.
5) تفسير العياشي ج 1 ص 144 ح 475.
6) معاني الأخبار ص 217 ح 1.
7) معاني الأخبار ص 217 ح 2 ط إيران سنة 1379. الوسائل ج 13 ص 444 ح 6.
لفلان وفلانة فلم أعرف ذلك ، فقدمنا الى ابن أبى ليلى ، قال : فما قال لك؟ قلت : قال : ليس لهما شيء فقال : كذب واللّه ، لهما العشر من الثلث».
وما رواه العياشي (1)في تفسيره عن عبد الصمد بن بشير في خبر يتضمن «أن أبا جعفر المنصور جمع القضاة فقال لهم : رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء؟ فلم يعلموا واشتكوا اليه ، فأبرد بريدا الى صاحب المدينة أن يسأل جعفر بن محمد فسأله فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : هذا في كتاب اللّه بين ، ان اللّه يقول لما قال إبراهيم ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) . ، (2)«ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» ، فكانت الطير أربعة والجبال عشرة ، يخرج الرجل من كل عشرة أجزاء جزءا واحدا» ، الحديث.
وما رواه العياشي في تفسيره عن محمد بن إسماعيل عن عبد اللّه بن عبد اللّه (3)قال : «جائني أبو جعفر بن سليمان الخراساني ، وقال : نزل بي رجل من أهل خراسان من الحجاج ، فتذاكرنا الحديث ، فقال : مات لنا أخ بمرو وأوصى الى بمائة ألف درهم وأمرني ان أعطي أبا حنيفة منها جزءا ، ولم أعرف الجزء كم هو مما ترك ، فلما قدمت الكوفة أتيت أبا حنيفة فسألته عن الجزء ، فقال لي الربع ، فأبى قلبي ذلك فقلت : لا أفعل حتى أحج وأستقصي المسئلة ، فلما رأيت أهل الكوفة قد اجتمعوا على الربع ، قلت لأبي حنيفة الى أن قال : وأنا أريد الحج فلما أتينا مكة وكنا في الطواف فإذا نحن برجل شيخ قاعد قد فرغ من طوافه ، وهو يدعو ويسبح إذ التفت أبو حنيفة فلما رآه قال : ان أردت أن تسأل غاية الناس فاسئل هذا ، فلا أحد بعده ، قلت : ومن هذا؟ قال : جعفر بن محمد ، فلما قعدت واستمكنت إذ استدار أبو حنيفة خلف ظهر جعفر بن محمد ، فقعد قريبا منى فسلم عليه وعظمه وجاء غير واحد مزدلفين مسلمين عليه ، وقعدوا فلما رأيت ذلك من تعظيمهم له اشتد ظهري ، فغمزني أبو حنيفة أن تكلم ، فقلت : جعلت فداك اني
رجل من خراسان وان رجلا مات وأوصى الى بمائة ألف درهم وأمرني أن اعطى منها جزءا ، وسمى لي الرجل ، فكم الجزء جعلت فداك؟ فقال جعفر بن محمد يا أبا حنيفة : قل فيها ، فقال : الربع ، فقال لابن أبى ليلى : قل فيها ، فقال : الربع ، فقال جعفر عليهالسلام : ومن أين قلتم الربع؟ قالوا : لقول اللّه تعالى (1)«فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً» ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام وأنا أسمع هذا قد علمت الطير أربعة ، فكم كانت الجبال ، إنما الأجزاء للجبال ، ليس للطير ، فقالوا : ظننا أنها أربعة فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام ولكن الجبال عشرة» ، وروى جزء من سبعة (2)لقول اللّه عزوجل (3)«لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ». انتهى.
هذا جملة ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على القول الأول.
وأما ما يدل على القول الثاني من الأخبار فمنه ما رواه الشيخ في الصحيح عن البزنطي (4)قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل أوصى بجزء من ماله فقال : واحد من سبعة ، ان اللّه تعالى يقول «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» قلت : رجل أوصى بسهم من ماله؟ فقال : السهم واحد من ثمانية ، ثم قرأ «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ» الى آخر الآية.
وعن إسماعيل بن همام الكندي (5)«عن الرضا عليهالسلام في الرجل يوصى بجزء من ماله ولم يعينه ، فاختلف الوارث بعده في ذلك فقضى عليهم بإخراج السبع من ماله وتلا قوله تعالى «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ» ، وقد تقدم في عبارة كتاب الفقه الرضوي وكذا في عبارة المقنع الإشارة الى هذه الرواية.
وروى العياشي في تفسيره عن البزنطي (1)«عن الرضا عليهالسلام قال : سأله رجل عن الجزء وجزء الشيء ، فقال : من سبعة ، ان اللّه يقول ( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) ، ورووا أيضا عن إسماعيل بن همام الكوفي (2)«عن الرضا عليهالسلام في رجل أوصى بجزء من ماله؟ فقال : جزء من سبعة ، ان اللّه يقول في كتابه : ( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) ».
وفي الفقيه (3)
وهما في الوسائل ج 13 ص 447 ح 13 و 14.
روى البزنطي عن الحسين بن خالد «عن ابى الحسن عليهالسلام قال : سألته عن رجل أوصى بجزء من ماله قال : سبع ثلثه».هذا ما وقفت عليه من الروايات الدالة على القول الثاني والشيخ قد جمع بين الأخبار بحمل الجزء على العشر ، فيجب أن ينفذ في واحد من عشرة ، وحمل أخبار السبع على أنه يستحب للورثة إنفاذه في واحد من سبعة ، لتتلائم الأخبار ، وهو ان كان لا يخلو من بعد لأن ظاهر أخبار السبعة هو أن الحكم الشرعي ذلك ، حيث فسروا عليهمالسلام الجزء بأنه من سبعة ، بقول مطلق ، إلا أنه في مقام الجمع لا مندوحة عنه ، ولا صرح للحمل على التقية في أحد الطرفين ، لما عرفت من حديث الخراساني المتقدم ، إلا أن يقال : بأن التقية هنا انما هو بإيقاعهم عليهمالسلام الاختلاف وان لم يكن ذلك قولا للعامة ، كما قدمناه في مقدمات الكتاب من جلد كتاب الطهارة (4)ويمكن أن يؤيد القول الأول بفتوى الرضا عليهالسلام في كتاب الفقه بذلك ، ونسبة الجزء من سبعة إلى الرواية.
وقال في المسالك بعد ذكر حمل الشيخ (رحمة اللّه عليه) : ولا بأس بهذا الحمل ، حذرا من اطراح الروايات المعتبرة ، وقال في المسالك أيضا بعد ذكر بعض ما ذكرناه من روايات الطرفين : وهذا القول - وأشار به الى القول الثاني - أصح
رواية والأول أكثر ، فلذلك قال المصنف : أشهرهما العشر ، وتلك أشهر ، وهذه أصح ، وينبغي ترجيح الصحيح.
نعم من حكم بصحة رواية عبد اللّه بن سنان ، وانضم إليها حسنة أبان ، والباقي من الموثق ، توجه ترجيحه لمضمونها ، وهو خيرة العلامة في المختلف محتجا بكثرتها ، وزيادتها على هذه ، وموافقتها للأصل وبعدها عن الإضراب ، إذ في رواية السبع أنه سبع ثلث وهي الرواية الثالثة التي أشار إليهما المصنف أخيرا ، ورواها الحسين بن خالد عن أبى الحسن (1)عليهالسلام ثم ساق الرواية كما قدمناه ، ثم قال وهذه الرواية مع جهالة سندها بالحسين بن خالد ، شاذة لا عامل بمضمونها ، والفرق بينها وبين رواية عبد اللّه بن سنان المتضمنة لعشر الثلث ، أن الموصى صرح فيها بكون الجزء من الثلث ، وهنا جعله من ماله ، ولا إشكال في حمل الجزء على معناه من العشر أو السبع لأي شيء نسب الى المال ، فهو عشره أو سبعة أو الى الثلث أو النصف أو غيرهما ، فهو العشر أو السبع من ذلك الجزء المنسوب إليه فالرواية الأولى لا تخالف سوى رواية السبع ، بخلاف هذه ، فإنها مخالفة للجميع انتهى.
أقول : أما ما رجح به القول الثاني من صحة روايته مشيرا بذلك إلى صحيحة البزنطي المتقدمة ، ففيه أن في روايات العشر أيضا ما هو صحيح ، وهي صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة المروية في كتاب معاني الأخبار ، ولكن العذر له ظاهر ، حيث أن نظرهم مقصور على روايات الكتب الأربعة.
وأما ما طعن به في روايات السبع من الاضطراب بدلالة رواية الحسين بن خالد على أن الجزء سبع ثلثه ، وأنه لا قائل بذلك ، ففيه أولا أن رد هذه الرواية لهذه العلة التي ذكرها ، لا يستلزم رد غيرها من تلك الأخبار الخالية من هذه العلة ، وثانيا أنه يمكن الجواب عما ذكره بحمل ماله في الخبر على ما يجوز له
1) الفقيه ج 4 ص 152 ح 529 ، الوسائل ج 13 ص 447 ح 14.
التصرف فيه بعد موته ، وليس إلا الثلث ، فإذا أضيف الجزء اليه وكان الجزء بمعنى السبع كما هو المفروض في هذه الأخبار كان الحاصل سبع من ثلثه ، ولا ينافي ذلك الأخبار المتقدمة بأن المراد بالجزء من ماله يعنى عشر ماله أو سبع ماله ، لأن المال في تلك محمول على ظاهره وهو ماله في حال الحياة وفي هذا الخبر محمول على ماله بعد الموت فلا يكون مخالفا لشيء من الأخبار ، كما ذكره (قدسسره) والتأويل في مثله بما ذكرنا للجمع بين الأخبار غير عزيز.
وبالجملة فالمسئلة غير خالية عن شوب الاشكال ، وطريق الاحتياط فيها بالصلح مطلوب على كل حال ، واللّه العالم.
ومنها الوصية بالسهم ، والمشهور أنه الثمن ، وتدل عليه جملة من الأخبار منها ما تقدم في صحيحة البزنطي ، وما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) عن السكوني (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه سئل عن رجل يوصى بسهم من ماله فقال : السهم واحد من ثمانية ، يقول اللّه تبارك وتعالى «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ».
وما رواه في الكافي (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 449 ح 3 وص 448 ح 2.
في الصحيح أو الحسن عن صفوان والبزنطي ورواه في التهذيب (3)وهما في الوسائل ج 13 ص 449 ح 3 وص 448 ح 2.
أيضا عنهما «قالا : سألنا الرضا عليهالسلام عن رجل أوصى «لك» بسهم من ماله لا يدرى السهم أي شيء هو؟ فقال : أليس عندكم فيما بلغكم عن جعفر ولا عن أبى جعفر عليهماالسلام فيها شيء ، قلنا له : جعلنا فداك ما سمعنا أصحابنا يذكرون شيئا من هذا عن آبائك ، فقال : السهم واحد من ثمانية ، فقلنا له : جعلنا اللّه فداك كيف صار واحدا من ثمانية؟ فقال : أما تقرأ كتاب اللّه عزوجل؟ قلت :جعلت فداك أنى لأقرؤه ، ولكن لا أدري أي موضع هو؟ فقال : قول اللّه تعالى (1)«إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ» ثم عقد بيده ثمانية قال : وكذلك قسمها رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ثمانية أسهم ، فالسهم واحد من ثمانية» ،.
ورواه الصدوق في معاني الأخبار في الصحيح عن صفوان (2). وروى الشيخ المفيد في الإرشاد (3)قال : «قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في رجل أوصى بسهم من ماله ، ولم يبينه فاختلف الورثة في معناه ، فقضى بينهم بإخراج الثمن من ماله ، وتلا عليهم «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ» الآية ، وهم ثمانية أصناف ، لكل صنف منهم سهم من الصدقات».
والقول بالثمن مذهب الشيخ في النهاية ، قال : وقد روى أنه سهم من عشرة ، والأول أكثر في الرواية ، وهذا القول أيضا قول الشيخ المفيد ، وابن الجنيد ، والصدوق ، وابن البراج ، وسلار ، وابن إدريس ، وهو المشهور بين المتأخرين.
وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط : أنه السدس ، وبه قال الشيخ علي بن بابويه (رحمة اللّه عليه).
أقول : والرواية التي أشار إليها الشيخ في النهاية بأن السهم من عشرة هي ما رواه
في التهذيب عن طلحة بن زيد (4)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه عليهالسلام قال : من أوصى بسهم من ماله ، فهو سهم من عشرة». والشيخ حملها في التهذيب على وهم الراوي بالاشتباه عليه بين الجزء والسهم.
قال الصدوق في الفقيه (5)
و هذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 448 ح 2 و ص 450 ح 7 و ص 449 ح 4 و 5.
وقد روي أن السهم واحد من ستة ، ثم جمعبينها وبين الرواية الثانية بحمل الستة على ما إذا اوصى بسهم من سهام المواريث ، والثمانية على ما إذا أوصى بسهم من سهام الزكاة قال : فتمضي الوصية على ما يظهر من مراد الموصى.
أقول : والرواية بأن السهم واحد من ستة لم ينقلها أحد منهم بغير هذا العنوان المحمل ، والظاهر أن المراد بها ما ذكره الرضا عليهالسلام في كتاب الفقه الرضوي (1)حيث قال : «فإن أوصى بسهم من ماله فهو سهم من ستة أسهم ، وكذلك إذا أوصى بشيء من ماله غير معلوم فهو واحد من ستة» ، ومنه يعلم أن قول الشيخ علي بن بابويه بما نقل عنه من أنه السدس انما أستند فيه الى الكتاب المذكور ، والأصحاب هنا مع نقلهم هذا القول عنه لم يستدلوا له بشيء لعدم وجود ذلك في كتب الأخبار المتداولة بينهم ، ومنه يعلم كما قدمنا ذكره أن اعتماده على هذا الكتاب ، وفتواه بما فيه مع كونه على خلاف الروايات المتكاثرة ، كما سمعت ، وخلاف قول غيره من الأصحاب (رحمهماللّه) أدل دليل على ثبوت كون الكتاب له عليهالسلام وأن ذلك مقطوع به عنده ، وفي الوسائل احتمل حمل هذه الرواية على التقية ، وهو غير بعيد.
وقال في المسالك : وذهب الشيخ في أحد قوليه إلى أنه السدس ، لما روى عن ابن مسعود (2)أن رجلا أوصى لرجل بسهم من المال فأعطاه النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) السدس وقيل : أن السهم في كلام العرب السدس ، انتهى.
أقول : والاستدلال بهذه الرواية العامية يحتمل أن يكون من الشيخ كما هو الأقرب ، ويحتمل أن يكون من صاحب المسالك ، وأيا ما كان ففي ذلك نوع تأييد بحمل كلامه عليهالسلام في كتاب الفقه على التقية في هذا الحكم ، وكيف كان فالعمل على المشهور ، لتكاثر الأخبار ، واللّه العالم.
ومنها ما لو أوصى بشيء وظاهر كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه السدس ، ويدل عليه ما تقدم في عبارة كتاب الفقه الرضوي (1)وما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن أبان بن تغلب (2)«عن علي بن الحسين عليهماالسلام أنه سئل عن رجل أوصى بشيء من ماله؟ فقال : الشيء في كتاب علي عليهالسلام واحد من ستة».
ورواه الصدوق في كتاب معاني الأخبار (3)عن ابان بن تغلب عن «علي بن الحسين عليهالسلام قال : قلت له : رجل أوصى بشيء من ماله؟ فقال لي : في كتاب علي عليهالسلام الشيء من ماله واحد من ستة».
ومنها ما لو أوصى بكثير قال الخلاف : إذا قال أعطوا كثيرا من مالي فإنه يستحق ثمانين ، على ما رواه أصحابنا في حد الكثير ، وتبعه ابن حمزة ولم يفسر الكثير ، قال في المختلف : والظاهر أن مرادهما ثمانون درهما كالنذر.
وقال الصدوق : إذا أوصى رجل بمال كثير ، ونذر أن يتصدق بمال كثير ، فالكثير ثمانون فما زاد ، لقوله تعالى «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ» ، وكانت ثمانين موطنا.
وقال الشيخ (رحمة اللّه عليه) في كتاب الإقرار من الخلاف لو قال له : عندي مال كثير ، فإنه يكون إقرارا بثمانين ، على الرواية التي تضمنت أن الوصية بالمال الكثير وصية بثمانين.
وقال ابن إدريس في قول الشيخ (رحمة اللّه عليه) تسامح وتجاوز ، إنما الرواية وردت فيمن نذر أن يتصدق بمال كثير ، وما وردت في الوصية ، ولا أوردها أحد من أصحابنا في الوصايا ، والذي يقتضيه أصول المذهب ، وتحكم به الأدلة
والاعتبار أن لا يتجاوز بالرواية ، وما وردت فيه فحسب ، ولا تعداها الى غير النذر في تفسير الكثير الى المقر ، وكذا في الوصية في تفسير الكثير ، انتهى.
أقول : والى هذا القول مال كثير من المتأخرين ، والرواية المشار إليها بأنها وردت في النذر هي ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم (1)عن بعض أصحابه ذكره قال : «لما سم المتوكل نذر ان عوفي أن يتصدق بمال كثير ، فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير ، فاختلفوا عليه ، فقال : بعضهم مائة ألف ، وقال بعضهم : عشرة آلاف ، وقالوا فيه أقاويل مختلفة ، فاشتبه عليه الأمر ، فقال رجل من ندمائه يقال صفعان : ألا تبعث الى هذا الأسود فتسأله عنه ، فقال له المتوكل : من تعني ويحك؟ فقال له : ابن الرضا ، فقال له : وهو يحسن من هذا شيئا؟ فقال : يا أمير المؤمنين : ان أخرجك عن هذا فلي عليك كذا وإلا فاضربني مائة مقرعة ، فقال المتوكل : قد رضيت ، يا جعفر بن محمود صر اليه وسله عن حد المال الكثير ، فصار جعفر بن محمود الى أبى الحسن علي بن محمد عليهماالسلام فسأله عن حد المال الكثير ، فقال له : الكثير ثمانون ، فقال له جعفر : يا سيدي إنه يسألني عن العلة فيه ، فقال له أبو الحسن عليهالسلام : ان اللّه عزوجل يقول (2)«لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ» فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين موطنا».
وشيخنا الشهيد الثاني في المسالك ذكر أن الذي سأله المتوكل هو الجواد عليهالسلام وهو غفلة عن مراجعة الرواية ، والشيخ والصدوق وجمع ممن تبعهما عدوا الحكم إلى الوصية ، وأضاف الشيخ : الإقرار ، كما عرفت نظرا الى ان ذلك حد شرعي للكثير ، حيثما أطلق كالجزء والسهم ، فلا يقتصر على موضع السؤال إذ لو حمل في غير النذر على غيره لزم الاشتراك المخالف للأصل ، والمتأخرين كشيخنا الشهيد الثاني في المسالك طعنوا في الرواية بالضعف والإرسال ، مضافا
الى مخالفتها للأصل واللغة والعرف ، قال واستشهاده بالمواطن الكثيرة المنصور فيها لا يقتضي انحصار الكثير فيه ، فقد ورد في القرآن فيها ، فاكهة كثيرة ، وذكرا كثيرا ، ولم يحمل على ذلك ، والحق الرجوع فيه الى الوارث ، وبذلك صرح في المختلف أيضا فقال : والوجه عندي اختصاص هذا التقدير بالنذر ، وللورثة أن يعطوا مهما شاؤا.
ومنها ما لو أوصى بوجوه من الوصايا فنسي الوصي بعضها فالمشهور بين الأصحاب أنه يصرف الأبواب المنسية في وجوه البر.
ويدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) عن محمد بن ريان (1)قال : «كتبت الى أبى الحسن عليهالسلام وفي الفقيه الى علي بن محمد عليهماالسلام أسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها ، كيف يصنع في الباقي؟ فوقع عليهالسلام : والأبواب الباقية اجعلها في البر».
وذهب ابن إدريس والشيخ في أجوبة الحائريات إلى بطلان الوصية ، فإنه يرجع الى الورثة.
ونقل عن ابن إدريس الاحتجاج على ما ذهب إليه بأنها وصية بطلت ، لامتناع القيام بها ، فترجع الى الوارث ، واحتج القائلون بالقول المشهور بان المال خرج عن الوارث بالوصية النافذة أولا؟ لأنه المفروض ، فعوده الى ملك الوارث يحتاج الى دليل ، وجهالة مصرفه تصيره بمنزلة المال المجهول المستحق ، فيصرف في وجوه البر ، ولأنه لو رجع الى الوارث لزم تبديل الوصية للنهي عنه ، بخلاف البر ، لأنه عمل بمقتضاها ، غايته جهالة المصرف ، فيصرف فيما يصرف فيه المال المجهول ، ولأن الموصي ربما أراد بوصيته القربة المخصوصة ، فإذا فات الخصوص بالنسيان ، بقي العموم ، فيكون أقرب إلى مراد الموصى كذا قرره شيخنا في المسالك ، ثم
1) الكافي ج 7 ص 58 ح 7 ، التهذيب ج 9 ص 214 ح 844 ، الفقيه ج 4 ص 162 ح 565 ، الوسائل ج 13 ص 453 الباب 61.
قال : وتشهد له رواية محمد بن ريان ، ثم ساق الخبر كما قدمناه ، وانما جعله شاهدا دون أن يجعله دليلا لضعف سنده عنده ، بهذا الاصطلاح المحدث ، فالدليل عنده انما هو ما قرره من هذه الوجوه التي ذكروها ، ولا يخفى ما فيه على الفطن النبيه ، والأظهر هو الاعتماد على الخبر.
اما بناء على الاصطلاح القديم أو الجبرة بالشهرة بين الأصحاب ، إذ لا مخالف في الحقيقة إلا ابن إدريس ، والشيخ وان قال بذلك في الحائريات ، إلا أنه في كتبه موافق للأصحاب ، وتجعل هذه التعليلات التي ذكروها وجوها للنص ، وبيان الحكمة فيه.
ويعضد هذا النص جملة من النصوص أيضا في جزئيات الوصايا ، ويستفاد من ضم بعضها الى بعض قاعدة كلية ، وهي أنه متى تعذر صرف الوصية على الوجه الموصى به لأي عذر كان ، فإنها تصرف في وجوه البر ، ولا ترجع إلى الورثة ، لتعذر المصرف.
فمن ذلك ما ورد في جملة من الأخبار (1)«من أن من أوصى للكعبة بمال أو غلام أو جارية أو أهدى لها نحو ذلك ، فإنه يصرف المال ، ويباع الغلام والجارية ، ويصرف ثمنها في المنقطعين من الحاج ، معللا بأن الكعبة لا تأكل ، ولا تشرب ، وما أهدي لها فهو لزوارها».
ومن ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى ضرائحهم) عن علي بن مزيد صاحب السابري (2)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في حديث طويل يتضمن أنه أوصى رجل بتركته الي على المذكور وأمره أن يحج بها عنه ، وكانت التركة لا تبلغ ذلك ، فسأل الفقهاء فأفتوه بالصدقة بها ، فتصدق بها ثم لقي أبا عبد اللّه عليهالسلام فسأله وأخبره
بما فعل فقال : ان كان لا يبلغ ان يحج به من مكة فليس عليك ضمان ، وإلا فأنت ضامن ، وقد قرره عليهالسلام على الصدقة مع عدم بلوغ الحج به من مكة ، ولم يحكم ببطلان الوصية ، والرجوع ميراثا ، وربما قيل : بالرجوع هنا ميراثا كما نقله بعض مشايخنا ، والنص المذكور يرده.
ومن ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (رضياللّهعنهم) عن مثنى (1)قال : «سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقبا ، قال : اطلب لها وارثا أو مولى فادفعها اليه ، قلت : فان لم أعلم له وارثا؟ قال : اجهد على أن تقدر له على ولي ، فان لم تجده وعلم اللّه منك الجهد ، فتصدق بها».
والتقريب فيه ما تقدم من أنه مع تعذر التنفيذ فيما أوصى به يرجع الى الصدقة ، والخبر المذكور محمول إما على موت الموصي بتلك الوصية ، ثم موت الموصى له قبل الدفع له ، أو على بقاء الموصي مع عدم الرجوع في الوصية الى أن مات ، وقد تقدم الكلام في هذه المسئلة ، ومما يلائم ذلك أيضا ما ورد (2)فيمن أوصى أن يعتق عنه نسمة بخمسمائة درهم ، فاشتريت بأقل فإنها تعطى الباقي وتعتق ، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع.
ومنها ما لو أوصى بسيف معين وهو في جفن ، فإنه يدخل الجفن والحلية في الوصية ، وكذا لو أوصى بصندوق فيه ثياب أو سفينة وفيها متاع ، أو جراب وفيه متاع ، فإن الوصية تكون شاملة للجميع ، وهذا هو المشهور بين الأصحاب متقدميهم ومتأخريهم ، وقال الشيخ في النهاية بذلك أيضا إلا أنه قيده بكون الموصى عدلا مأمونا ، فان لم يكن عدلا وكان متهما لم تنفذ وصيته في أكثر من ثلثه من الصندوق ، والسفينة والجراب وما فيها.
1) الكافي ج 7 ص 13 ح 3 وص 19 ح 13، التهذيب ج 9 ص 231 ح 905 وص 221 ح 18، الفقيه ج 4 ص 156 ح 542 وص 159 ح 15، الوسائل ج 13 ص 409 ح 2 وص 495 الباب 77 ، وليس في هذه النسخ «عن مثنى».
2) الكافي ج 7 ص 13 ح 3 وص 19 ح 13، التهذيب ج 9 ص 231 ح 905 وص 221 ح 18، الفقيه ج 4 ص 156 ح 542 وص 159 ح 15، الوسائل ج 13 ص 409 ح 2 وص 495 الباب 77 ، وليس في هذه النسخ «عن مثنى».
والذي يدل على المشهور ما رواه في الكافي والتهذيب عن أبي جميلة (1)قال : «كتبت الى أبى الحسن عليهالسلام أسأله عن رجل أوصى لرجل بسيف ، فقال الورثة : إنما لك الحديد وليس لك الحلية ليس لك غير الحديد فكتب الى : السيف له وحليته».
وما رواه المشايخ الثلاثة عن أبي جميلة (2)عن الرضا عليهالسلام قال : سألته عن رجل أوصى لرجل بسيف وكان في جفن ، وعليه حلية؟ فقال له الورثة إنما لك النصل ، وليس لك المال ، قال : فقال : لا بل السيف بما فيه له ، قال : فقلت : رجل أوصى لرجل بصندوق وكان فيه مال ، فقال الورثة إنما لك الصندوق ، وليس لك المال ، قال : فقال أبو الحسن عليهالسلام : الصندوق بما فيه له».
وما رواه في التهذيب عن علي بن عقبة (3)عن أبيه قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى لرجل بصندوق وكان في الصندوق مال ، فقال الورثة : إنما لك الصندوق وليس لك ما فيه ، فقال : الصندوق بما فيه له».
وعن عقبة بن خالد (4)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن رجل قال : هذه السفينة لفلان ، ولم يسم ما فيها ، وفيها طعام أيعطيها الرجل وما فيها؟ قال : هي للذي أوصى له بها ، إلا أن يكون صاحبها متهما ، وليس للورثة شيء».
ورواه الصدوق إلا أنه قال «إلا أن يكون صاحبها استثنى مما فيها وليس للورثة شيء».
قال في كتاب الفقه الرضوي (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 451 ح 2 و 1 وص 452 ح 1 و 2 وص 452 ح الباب 59.
وإذا أوصى رجل لرجل بصندوق أو سفينة1) الكافي ج 7 ص 44 ح 3 و 1، التهذيب ج 9 ص 211 ح 839 و 837 ، الفقيه ج 4 ص 161 ح 561. الوسائل ج 13 ص 451 ح 2.
2) الكافي ج 7 ص 44 ح 3 و 1، التهذيب ج 9 ص 211 ح 839 و 837 ، الفقيه ج 4 ص 161 ح 561. الوسائل ج 13 ص 451 ح 2.
3) التهذيب ج 9 ص 212 ح 840 و 838، الفقيه ج 4 ص 161 ح 562.
4) التهذيب ج 9 ص 212 ح 840 و 838، الفقيه ج 4 ص 161 ح 562.
5) المستدرك ج 2 ص 527 الباب 50 ح 1. الوسائل ج 13 ص 452 ح 1 الباب 59.
وكان في الصندوق أو السفينة متاع أو غيره ، فهو مع ما فيه لمن أوصى له ، إلا أن يكون قد استثنى ما فيه».
وهذه الروايات كما ترى ظاهرة الدلالة على القول المذكور إلا رواية عقبة بن خالد الأخيرة بناء على غير رواية الصدوق وسيأتي الكلام فيها ان شاء اللّه تعالى.
وقال في المسالك - بعد الاستدلال للقول المشهور برواية أبي جميلة الثانية ورواية عقبة بن خالد الأخيرة - ما صورته : وهذه الروايات ضعيفة السند ، إلا أن العرف شاهد لدخول جفن السيف وحليته فيه ، وهو محكم في أمثال ذلك ، فإنه لو قال : خذ سيفك أو سافر فلان بسيفه ، لا يفهم منه إلا مجموع هذه الأشياء حتى لو جرده عن غمده لعده العقلاء سفيها ، والعرف كاف في إثبات ذلك وتبقى الرواية شاهدة فالحكم بدخولها فيه قوى ، وأما الباقي فلا يدل العرف على تناول الظرف للمظروف غالبا ، والرواية قاصرة عن إثبات المطلوب فالقول بعدم الدخول أجود ، نعم لو دل العرف أو القرينة على شيء في بعض الأفراد اتبع ، كما أنه لو دل على عدم دخول الجفن أو الحلية في بعض الموارد لم يدخل ، وجملة الأمر ترجع الى عدم الدخول إلا مع العرف والقرينة ، وبنحو ذلك صرح في المختلف.
أقول : لا يخفى ما فيه ، فان رد الأخبار بمجرد الاعتبار ، جرأة على الأئمة الأطهار ، والأحكام الشرعية مبنية على التوقف لا مسرح للقول فيها كما تقدم في غير موضع والأخبار المذكورة وان ضعف سندها بهذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح ، كما أوضحناه في مقدمات كتاب الطهارة ، إلا أنه لا راد لها من الأصحاب ، وضعفه منجبر بالشهرة بينهم ، وقد جروا على ذلك في مواضع لا تحصى من الأحكام كما لا يخفى على المتتبع.
نعم يمكن التوقف على نفيه في مقام التهمة ، بناء على رواية الشيخين في الكافي والتهذيب ، وأما على رواية الصدوق فلا اشكال ، وهكذا هو مختاره في الدروس.
وأما ما ذكره الشيخ مما قدمنا نقله فإنه استشكل فيه جملة ممن تأخر عنه ، منهم العلامة في المختلف وشيخنا في المسالك بأن فيه أولا ان ما شرطه من عدالة الموصى غير معتبر في الوصية مطلقا ، وانما يعتبرها بعض الأصحاب في الإقرار على بعض الوجوه على ما فيه.
وثانيا أن نفوذها من الأصل علي تقدير العدالة ، ومن الثلث على تقدير عدمها ، فإنه أيضا ليس من جملة أحكام الوصية بل من أحكام إقرار المريض على بعض الوجوه ، وسيأتي ان شاء اللّه تعالى ذكره عند ذكر المسئلتين.
وثالثا تعميمه الحكم في هذه الأشياء من الصندوق والسفينة والجراب مع أن الرواية التي هي منشأ حكمه إنما موردها السفينة ، وهي رواية خالد بن عقبة كما عرفت ، بروايته في الكافي ، والتعدية إلى غيرها مع المخالفة للأصل بعيد.
وقال المحدث الكاشاني في الوافي ذيل هذه الرواية ، «يعني بالتهمة» أن يظن به إرادته الإضرار بالورثة ، وأن لا يبقى لهم شيء ، وقوله وليس للورثة شيء عطف على «هي للذي» ويحتمل أن يكون معناه ولم يبق لهم شيء من تتمة الاستثناء وفي نسخ الفقيه «إلا أن يكون صاحبها استثنى مما فيها» ، وعلى هذا فلا يحتمل قوله «وليس للورثة شيء» إلا معناه الظاهر ، وعلى معناه الظاهر تحمل الوصية على الإقرار ، لعدم صحتها مشدودا كان أم لا.
ونقل عن الشيخ المفيد أنه قيد الصندوق بكونه مقفلا ، والجراب بكونه مشدودا ، والنصوص كما عرفت مطلقة هذا ، وظاهر الأخبار المتقدمة وبه صرح بعض الأصحاب كون ذلك الموصى به معينا ، فلو كان مطلقا كما لو قال أعطوه سيفا أو سفينة أو صندوقا ، فإنه لا يتناول إلا ما دل عليه اللفظ ، وهذا في السفينة والصندوق ظاهر حيث ان ما فيها لا يدخل في مدلول اللفظ ، وأما في السيف فإشكال لما تقدم نقله عن المسالك ، من حيث دلالة العرف على تبعية الجفن والحلية ودخولهما في إطلاق السيف ، فيدخل حينئذ سواء كان معينا أو مطلقا ولا يخلو من قوة.
وفي المسالك هنا أن دخول الجفن قوي لأنه كالجزء عرفا ، أما الحلية فلا تدخل إلا مع التعيين ، وهو خلاف ما صرح به أولا مما قدمنا نقله عنه ، بل الظاهر أن العكس أقوى لأن الحلية أقرب الى الجزئية من الجنس الذي هو متفرد على حده ، واللّه العالم.
ومنها ما لو أوصى في سبيل اللّه وقد اختلف الأصحاب في ذلك فقال الشيخ في النهاية والشيخ المفيد في المقنعة : إذا أوصى بثلث ماله في سبيل اللّه ولم يسم أخرج في معونة المجاهدين لأهل الضلال والكافرين ، وإن لم يحضره مجاهد في سبيل اللّه وضع في أبواب البر من معونة الفقراء والمساكين ، وأبناء السبيل ، وصلة آل الرسول ، بل يصرف أكثره في فقراء آل محمد عليهمالسلام ومساكينهم وأبناء سبيلهم ، ويصرف ما بقي بعد ذلك في أبواب البر ، وتبعهما في ذلك ابن البراج في الكامل ، وقال في المبسوط : إذا أوصى بصرف ثلث ماله في سبيل اللّه ، فسبيل اللّه هم الغزاة ، وهم على ضربين أحدهما المرابطون المترصدون للقتال ، فهؤلاء لا تدفع إليهم من الزكاة ، لأنه يصرف إليهم أربعة أخماس الغنيمة ، والضرب الثاني هم أصحاب الصنائع الذين إذا نشطوا غزوا ، ثم عادوا الى حرفتهم ، فهؤلاء تدفع إليهم من الزكاة مع الغنى والفقر ، وهكذا الوصية ، وفي أصحابنا من قال : ان سبيل اللّه يدخل فيه جميع مصالح المسلمين ، من بناء القناطير وعمارة المساجد ، والمشاهد ، والعمرة ، ونفقة الحاج ، والزوار ، وغير ذلك.
دليلنا على هذا أخبار الطائفة ، وأيضا فإن جميع ذلك طريق الى اللّه ، وسبيل إليه ، فالأولى حمل اللفظ على عمومه ، وكذا الخلاف في آية الزكاة.
أقول : وظاهره اختيار القول الثاني ، وقال ابن الجنيد إذا قال في السبيل ، أو سبيل اللّه جاز ذلك لأهل الثغور ، وأقربهم إليه أولى ، وجاز أن يجعل في الحج لقول رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)لأم معقل وقد سألته عن ابنها
1) سنن البيهقي ج 6 ص 274.
وقد جعل بغيره في السبيل «اركبي بعيرك ، فان الحج من سبيل اللّه» ، وجاز أيضا فيمن كان مرابطا لأعداء اللّه وحابسا نفسه على جهادهم ، والذب عن دين اللّه والمسلمين.
وقال علي بن بابويه : ان شاء جعله لإمام المسلمين ، وان شاء جعله في حج أو فرقه على قوم مؤمنين ، وبذلك قال ابنه في المقنع.
وقال ابن إدريس : يصرف ذلك في جميع مصالح المسلمين ، مثل بناء القناطر والمساجد ، وتكفين الموتى ، ومعونة الحاج ، والزوار ، وما أشبه ذلك لإجماع أصحابنا ، ولأن ما ذكرناه طريق الى اللّه تعالى ، وإذا كان كذلك فالأولى حمل لفظة «سبيل اللّه» على عمومها ، والظاهر أنه الى هذا القول مال جملة من تأخر عنه والمستند فيه ما أشار اليه ، وتوضيحه أن السبيل لغة الطريق ، والمراد بسبيل اللّه الطريق إليه ، أي إلى رضوانه وثوابه ، لاستحالة التحيز عليه جل شانه ، وهذا المعنى شامل لجميع ما يتقرب به الى اللّه تعالى ، فيجب حمل اللفظ عليه ، حيث لا مخصص من شرع أو عرف.
ونقل عن الشيخ ومن تبعه من الحمل على الغزاة ، انهم احتجوا بأن الشرع يقتضي صرف السبيل إلى الغزاة ، وحكم كلام الآدميين مع إطلاقه حكم ما اقتضاه الشرع ، قال في المختلف ومثله المسالك : والمقدمتان ممنوعتان.
أقول : والذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام ما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه مراقدهم) عن الحسن بن راشد (1)قال : سألت العسكري عليهالسلام وفي الفقيه أبا الحسن العسكري عليهالسلام بالمدينة عن رجل أوصى بمال في سبيل اللّه فقال : سبيل اللّه شيعتنا».
وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن حجاج الخشاب (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 412 ح 1 وص 413 ح 3.
«عنابى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن امرأة أوصت الى بمال أن يجعل في سبيل اللّه فقيل لها تحج به؟ فقالت : اجعله في سبيل اللّه ، فقالوا لها : فنعطيه آل محمد (صلىاللّهعليهوآلهوسلم)؟ فقالت : اجعله في سبيل اللّه ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : اجعله في سبيل اللّه كما أمرت ، قلت : مرني كيف اجعله؟ قال : اجعله كما أمرتك ان اللّه تبارك وتعالى يقول (1)«فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» أرأيتك لو أمرتك ان تعطيه يهوديا كنت تعطيه نصرانيا؟ قال : فمكثت بعد ذلك ثلاث سنين ثم دخلت عليه فقلت له : مثل الذي قلت له أول مرة فسكت هنيئة ثم قال : هاتها قلت : من أعطيها؟ قال : عيسى شلقان».
وما رواه المشايخ الثلاثة عن الحسين بن عمر (2)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام أن رجلا أوصى الى بشيء في السبيل فقال لي : اصرفه في الحج ، قال : قلت له أوصى لي في السبيل؟ فقال : اصرفه في الحج» ، وفي التهذيب دون الآخرين «قلت له : أوصى في السبيل؟ فقال : اصرفه في الحج فاني لا أعلم شيئا من سبيل أفضل من الحج». وجمع في الفقيه بين هذا الخبر والخبر الأول يصرفه إلى الشيعة لتحج به ، واستحسنه الشيخ في التهذيبين.
وأنت خبير بأن سبيل اللّه اما أن يخص بالجهاد كما هو أحد القولين في المسئلة ، أو يفسر بما هو أعم فيدخل جميع القربات ، والمعنى الأول لا مجال لاعتباره هنا ، وعلى الثاني فلا تنافي بين الحديثين ، ليحتاج الى الجمع بين الخبرين.
وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن مسلم (3)«قال سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى بماله في سبيل اللّه فقال : أعطه لمن أوصى به وان
1) سورة البقرة - الاية 181.
2) الكافي ج 7 ص 15 ح 5 وص 14 ح 1، التهذيب ج 9 ص 203 ح 809 و 808 ، الفقيه ج 4 ص 153 ح 530 وص 148 ح 514، الوسائل ج 13 ص 412 ح 2 وص 411 ح 1.
3) الكافي ج 7 ص 15 ح 5 وص 14 ح 1، التهذيب ج 9 ص 203 ح 809 و 808 ، الفقيه ج 4 ص 153 ح 530 وص 148 ح 514، الوسائل ج 13 ص 412 ح 2 وص 411 ح 1.
كان يهوديا أو نصرانيا ، ان اللّه تبارك وتعالى يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» قال في الفقيه «ماله هو الثلث».
وعن يونس بن يعقوب (1)«أن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات وكان لا يعرف هذا الأمر أوصى بوصية عند الموت ، وأوصى بان يعطى شيء في سبيل اللّه فسئل عنه أبو عبد اللّه عليهالسلام كيف يفعل به ، فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر ، فقال : لو أن رجلا أوصى الى أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما ، ان اللّه عزوجل يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» فانظروا الى من يخرج الى هذا الوجه ، يعنى بعض الثغور فابعثوا به اليه».
وقال الرضا عليهالسلام في كتاب الفقه الرضوي (2): وان أوصى بماله في سبيل اللّه ولم يسم السبيل فان شاء جعله لإمام المسلمين ، وان شاء جعله في حج أو فرقه على قوم مؤمنين». وهذه العبارة عين عبارة الشيخ علي بن بابويه في المقنع كما تقدم ، ومنه يعلم أن مستنده في ذلك انما هو الكتاب المذكور كما تلوناه عليك في غير موضع ، ولا سيما في كتب العبادات.
أقول : مرجع الخلاف المذكور في هذه المسئلة الى أن سبيل اللّه متى أطلق هل هو الجهاد أو جميع أبواب البر؟ فالشيخ ومن تبعه على الأول ، وان جوز مع تعذر الصرف في أنواع البر ، والمشهور بين المتأخرين الثاني ، ولا يخفى أن الأول مذهب أكثر العامة.
قال في المنتهى في كتاب الزكاة. وانما الخلاف في تفسيره ، والشيخ في النهاية والجمل أنه الجهاد ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ، وقال أحمد ومحمد بن الحسن : يجوز أن يصرف في معونة الحاج.
ومن ذلك يظهر أن ما دلت عليه رواية يونس بن يعقوب من أمره عليهالسلام
بدفع ذلك الى من يخرج الى بعض الثغور انما هو من حيث ان الموصي كان من العامة ، القائلين باختصاص هذا اللفظ بالمجاهدين ، فلا منافاة فيها لما تقدم.
وأما صحيحة محمد بن مسلم فظاهرها أن المراد بسبيل اللّه الذي أمر عليهالسلام بالإعطاء له هو الجهاد ، وهو إما محمول على كون الموصي مخالفا ، أو أن الحكم خرج مخرج التقية ، والاستدلال بالآية مضافا الى قوله «أعطه لمن أوصى» يؤيد الأول.
وأما رواية حجاج الخشاب فظاهرها أيضا أن المرأة الموصية كانت مخالفة وأنها أرادت بسبيل اللّه الجهاد ، ولهذا كلما كرر عليها بعض وجوه القربات ، يأمر بالجعل في سبيل اللّه ، وقد أمر عليهالسلام بصرفه في ذلك محتجا بالآية ، وفيه إشارة إلى أنها انما قصدت الجهاد ، فالمخالفة له تبديل منهي عنه ، ثم قال له «أرأيتك لو أمرتك أن تعطيه يهوديا كنت تعطيه نصرانيا» ، وفيه أيضا إشارة إلى معلومية الموصى إليه من هذا اللفظ ، وليس إلا الجهاد.
بقي الكلام في عدوله عليهالسلام بعد هذه المدة الى ما ذكره في آخر الخبر من الدفع الى ذلك الرجل ، ويحتمل أن يكون من حيث عدم وجود المصرف في ذلك الوقت أو إرادة أن جهادهم لم يكن مشروعا ، عدل عنه الى صرفه في الشيعة ، كما هو مذهبهم عليهمالسلام في المسئلة.
وأما باقي الأخبار فهي متلائمة متقاربة للدلالة على القول المشهور ، ويؤيدها ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره ، في تفسير قوله سبحانه في آية الزكاة «فِي سَبِيلِ اللّهِ» (1)«عن العالم عليهالسلام قال وَ «فِي سَبِيلِ اللّهِ» قوم يخرجون الى الجهاد وليس عندهم ما يتقوون به ، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به ، أو في جميع سبيل الخير» الحديث ، وبذلك يظهر أن الأقوى هو القول المشهور ، واللّه العالم.
1) الوسائل ج 6 ص 145 ح 7 ، تفسير القمي ج 1 ص 299.
ومنها ما لو أوصى بإخراج بعض ولده من ميراثه ، فان المشهور أنه لا تنفذ وصيته ، وقيل ، انها تصح ، لكن في الثلث خاصة ، وهو ظاهر اختيار العلامة في المختلف ، قال في الكفاية : ولعله أقرب.
وقيل : بالصحة من الأصل فيمن أوصى أبوه بإخراجه لوقوعه على أم ولد له ، فإنه يحرم من جميع التركة ، وهو ظاهر الصدوق ، والشيخ في كتابي الأخبار.
قال المحقق في الشرائع : ولو أوصى بإخراج بعض ولده من تركته لم يصح ، وهل يلغو اللفظ فيه؟ تردد ، بين البطلان وإجرائه مجرى من أوصى بجميع ماله لمن عدا الولد ، فتمضى من الثلث ، ويكون للمخرج نصيبه من الباقي بموجب الفريضة ، والوجه الأول ، وفيه رواية بوجه آخر مهجورة ، انتهى.
وعلل وجه الصحة واعتبار الثلث - كما ذهب إليه في المختلف - بأن إخراجه من التركة يستلزم تخصيص باقي الورثة بها ، فكان كما لو أوصى بها ، لمن عداهم فتمضى من الثلث بمعنى حرمان ذلك بإخراجه من الثلث ، ومشاركته في الثلثين ان كان معه مساو ، والاختصاص ان لم يكن.
ولشيخنا الشهيد الثاني في المسالك هنا مؤاخذة على هذا القول ، الظاهر أنها لا تخلو من تكلف ، وهذا يدل على القول المشهور ، وظاهر الكتاب والسنة كقوله عزوجل (1)«يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ».
وما رواه في الكافي والتهذيب عن سعد بن سعد (2)قال : «سألته يعني أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن رجل كان له ابن يدعيه فنفاه وأخرجه من الميراث وأنا وصيه ، فكيف أصنع؟ فقال عليهالسلام : لزمه الولد بإقراره بالمشهد لا يدفعه الوصي عن شيء قد علمه» ، والمسئلة بمحل من الاشكال لعدم النص المفصح عن تحقيق الحال.
بقي الكلام فيما ذهب اليه الصدوق والشيخ (طيب اللّه تعالى مرقديهما) من القول المتقدم نقله عنهما ، فإنه يدل عليه ما رواه في الكافي والفقيه عن وصي علي بن السري (1)قال : «قلت لأبي الحسن عليهالسلام : ان علي بن السري توفي فأوصى الي قال : (رحمهاللّه) قلت : وان ابن جعفر أوقع على أم ولد له فأمرني أن أخرجه من الميراث ، قال : فقال لي أخرجه من الميراث وان كنت صادقا فيصيبه خبل ، قال : فرجعت فقدمني الى أبى يوسف القاضي ، فقال له ، أصلحك اللّه أنا جعفر بن علي بن السري وهذا وصي أبي فمره ، فليدفع إلي ميراثي من أبى ، فقال أبو يوسف القاضي لي : فما تقول؟ فقلت له : نعم هذا جعفر بن علي بن السري وأنا وصي علي بن السري ، قال : فادفع اليه ماله ، فقلت : أريد أن أكلمك ، قال فادن الي ، فدنوت حيث لا يسمع أحد كلامي فقلت له : هذا وقع على أم ولد لأبيه فأمرني أبوه ، وأوصى الي أن أخرجه من الميراث ، ولا أورثه شيئا ، فأتيت موسى بن جعفر عليهماالسلام بالمدينة ، فأخبرته وسألته فأمرني أن أخرجه من الميراث ولا أورثه شيئا ، فقال : اللّه ان أبا الحسن عليهالسلام أمرك؟ قال : قلت : نعم ، فاستحلفني ثلاثا ثم قال لي : أنفذ ما أمرك أبو الحسن عليهالسلام فالقول قوله ، قال الوصي : فأصابه الخبل بعد ذلك ، قال أبو محمد الحسن بن علي الوشاء : فرأيته بعد ذلك ، وقد أصابه الخبل» ، وهذه الرواية التي أشار إليها المحقق بأنها مهجورة.
قال الصدوق في الفقيه : ومتى أوصى الرجل بإخراج ابنه من الميراث ، ولم يحدث هذا الحديث لم يجز للوصي إنفاذ وصيته في ذلك ، وتصديق ذلك ما رواه ابن عيسى عن عبد العزيز المهتدي عن سعد بن سعد ثم ساق الرواية المتقدمة.
وظاهره تقييد إطلاق خبر سعد بخبر وصي علي بن السري ويأتي على هذا تقييد الآيات المتقدمة بالخبر المذكور أيضا.
1) الكافي ج 7 ص 61 ح 15 ، التهذيب ج 9 ص 235 ح 917 ، الفقيه ج 4 ص 162 ح 567 ، الوسائل ج 13 ص 476 ح 2.
وقال الشيخ في كتابي الأخبار بعد نقل خبر وصي علي بن السري : هذا الحكم مقصور على هذه القضية ، لا يتعدى به الى غيرها ، وظاهرهما أنهما عاملان بالخبر في كل من فعل ذلك.
قال الشيخ : فهو ظاهر عبارته المذكورة ، وأما ابن بابويه فلما صرح به في أول كتابه من أنه لا يذكر فيه إلا ما يفتي به ، ويعتمد عليه.
وأما الوجه في اطراح المتأخرين هذا الخبر وهجره ، فمن حيث جهل الراوي وهو وصي علي بن السري فإنه مجهول الاسم والعدالة ، وفي طريقه أيضا المعلى ، وهو مشترك بين الثقة والضعيف ، والمتقدمون كالشيخ والصدوق وأمثالهما لما لم يكن لهذا الاصطلاح عندهم أثر عملوا بالرواية ، لصحتها بوجودها في الأصول المعتمدة ، وهو الحق الحقيق بالاتباع.
قال في المسالك : واعلم أنه لا فرق في الحكم بين الولد وغيره من الوارثان حكمنا بالبطلان أو بنفوذها من الثلث ، وان علمنا بالرواية ، وجب قصرها على موردها ، وهو الولد المحدث للحديث المذكور ، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده ، انتهى.
الأول : قالوا : إذا أوصى بلفظ مجمل لم يرد تفسيره في الشرع رجع في تفسيره الى الوارث ، كقوله أعطوه حظا من مالي أو قسطا أو نصيبا أو قليلا أو يسيرا أو جليلا أو جزيلا ومرجعه الى أن كلما يتمول صالح لأن يكون متعلق الوصية ، وهو في نحو القسط والنصيب والحظ والقليل واليسير واضح.
قال في كتاب المصباح المنير : القسط : النصيب ، وقال : النصيب : الحصة ، وقال : الحصة : القسم ، وهو ظاهر في أن مرجع هذه الألفاظ إلى معنى واحد ، وهو جزء معين من المال ، قل أو أكثر ، وأما في الجزيل والجليل وما في معناهما كالعظيم والنفيس ، فهو وان كان يقتضي عرفا زيادة على التمول ، إلا أنه مع
ذلك يحتمل إرادة الأقل ، نظرا الى أن الجميع متصف بذلك في نظر الشارع ، ولا ينافيه مع ذلك وصفه بالقلة ونحوها ، لاختلاف الحيثية بقلته من حيث المقدار وجلالته من حيث الاعتبار.
وبالجملة فإن ظاهره الرجوع في ذلك الى الوارث على التفصيل المذكور ، قالوا : ولو تعذر الرجوع اليه لسفه أو صغر أو امتناع ، أعطي أقل ما يصدق عليه الاسم ، لأنه متيقن.
الثاني : إذا ادعى الموصى له أن الموصي أراد من بعض هذه الألفاظ المجملة قدرا مخصوصا كأن ادعى أنه أراد بقوله أعطوه مالا جليلا يعنى ألف درهم ، فأنكر الوارث ، فالقول قوله ، إلا أن يدعى الموصى له عليه العلم بذلك ، فعلى الوارث اليمين على نفي العلم ، لا نفي ارادة الموصى ، ذلك لأن إرادته لا تلزم الوارث ، إلا إذا علم بها ، وان كانت واقعة في نفس الأمر ، فإذا ادعاها الموصى له لا تلتفت الى دعواه ، إلا أن يدعي علم الوارث بها ، فيحلف له على نفي العلم ، لا على البت ، لأنه حلف على نفي فعل الغير ، وهذه قاعدة مستمرة.
الثالث : المشهور بين الأصحاب أن الوصية ، بالخمس أفضل من الوصية بالربع ، وبالربع أفضل منها بالثلث ، وقال ابن حمزة ان كانت الورثة أغنياء كانت الوصية بالثلث أولى ، وان كانوا فقراء فبالخمس ، وان كانوا متوسطين فبالربع ، قال العلامة في المختلف بعد نقله عنه : ولا بأس بهذا القول.
أقول : والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام ما رواه في الكافي عن شعيب العقرقوفي في الصحيح (1)«قال سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يموت ، ماله من ماله؟ فقال : له ثلث ماله وللمرأة أيضا». ورواه الصدوق عن حماد بن عيسى عن شعيب عن أبى بصير (2)
الوسائل ج 13 ص 362 ح 2.
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يموت» الحديث.وما رواه في التهذيب عن ابن سنان (1)والظاهر أنه عبد اللّه في الصحيح قال : «للرجل عند موته ثلث ماله ، وان لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه».
وعن علي بن يقطين في الصحيح (2)«قال سألت أبا الحسن عليهالسلام ما للرجل من ماله عند موته؟ قال : الثلث ، والثلث كثير».
وما رواه الصدوق عن محمد بن عمير عن معاوية بن عمار (3)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : كان البراء بن معرور الأنصاري بالمدينة ، وكان رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) بمكة ، وأنه حضره الموت ، وكان رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) والمسلمون يصلون الى بيت المقدس ، فأوصى البراء بن معرور إذا دفن أن يجعل وجهه تلقاء النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) إلى القبلة ، وأوصى بثلث ماله ، فجرت به السنة».
وما رواه في الكافي عن أبى بصير (4)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ فقال : هو ماله يصنع به ما شاء الى أن يأتيه الموت ، الى أن قال : فإن أوصى به ليس له إلا الثلث».
وما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه تعالى مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن قيس (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 363 ح 7 و 8 وص 361 ح 1 وص 363 ح 6 وص 360 ح 1 وص 358 ح 1.
«عن أبي جعفر عليهالسلام قال : كان أمير المؤمنين عليهالسلام يقول : لئن أوصى بخمس مالي أحب الي من أن أوصى بالربع ، ولئن أوصى بالربع أحب الى من أن أوصى بالثلث ، ومن أوصى بالثلث فلم يترك فقد بالغ». وزاد في الكافي والتهذيب«قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في رجل توفي وأوصى بماله كله أو أكثره فقال : ان الوصية ترد الى المعروف غير المنكر فمن ظلم نفسه وأتى في وصيته المنكر والحيف ، فإنها ترد الى المعروف ، ويترك لأهل المعروف ميراثهم ، وقال : من أوصى بثلث ماله فلم يترك وقد بلغ المدى ، ثم قال لئن أوصى بخمس مالي أحب الى من أن أوصى بالربع».
وما رواه في الكافي والفقيه عن حماد بن عثمان (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : من أوصى بالثلث فقد أضر بالورثة ، والوصية بالخمس والربع أفضل من الوصية بالثلث ، ومن أوصى بالثلث فلم يترك».
وعن السكوني (2)عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام قال : قال أمير المؤمنين عليهالسلام : الوصية بالخمس ، لأن اللّه تعالى رضى لنفسه بالخمس ، وقال الخمس اقتصاد ، والربع جهد ، والثلث حيف».
وما رواه في التهذيب عن يونس بن يعقوب (3)قال : «ان أبا عبد اللّه عليهالسلام لما أوصى قال له بعض أهله : انك قد أوصيت بأكثر من الثلث ، قال : ما فعلت ولكن قد بقي من ثلثي كذا وكذا وهو لمحمد بن إسماعيل».
وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 360 ح 2 وص 361 ح 3 وص 363 ح 10 وص 362 ح 3.
قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عما يقول الناس في الوصية بالثلث والربع عند موته أشيء صحيح معروف؟ أم كيف صنع أبوك؟ فقال : الثلث ذلك الأمر الذي صنع أبي (رحمهاللّه).أقول : لا ريب في دلالة جملة من هذه الأخبار على الرخصة في الثلث من
غير كراهة ، ولا سيما أخبار فعل الأئمة عليهمالسلام وذلك لا يبعد حمل ما دل على الكراهة وأن الأفضل الخمس أو الربع على مراتب حال الورثة في الغنى والفقر ، كما تقدم نقله عن أبي حمزة ، ولعل فعل الأئمة عليهمالسلام ذلك ، محمول على ذلك.
ونقل عن التذكرة التفصيل أيضا في ذلك ، فقال : لا يبعد عندي التقدير بأنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة لا تستحب الوصية ، لأن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) علل المنع من الوصية بقوله (1)«إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ» لأن ترك ذريتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ، ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي ، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم ، كان تركه لهم كعطيتهم فيكون ذلك أفضل من الوصية لغيرهم ، وحينئذ يختلف الحال باختلاف الورثة ، وكثرتهم وقلتهم وغناهم وحاجتهم ولا يتقدر بقدر من المال ، انتهى وهو جيد.
وفيه مسائل الاولى : من المقرر في كلامهم أنه لا يشترط في الموصى به كونه موجودا بالفعل وقت الوصية ، بل لو أوصى بما تحمله الدابة أو الشجرة في هذه السنة أو السنة المستقبلة ، فإنه يصح ، إلا أنه لو أشار الى معين وأوصى بجملة الموجود - أو أوصى بالجمل الموجود لأمته أو بحملها مطلقا في مقام تدل القرينة على ارادة الموجود - وبالجملة فإن الوصية تعلقت بما هو موجود ، فإنه يشترط أن يكون موجودا حال الوصية ، ولو بمقتضى الظاهر شرعا فلو كان الحمل لأمة ولدته لأقل من ستة أشهر وهي أقل الحمل من حين الوصية ، علم كونه موجودا البتة ، ولو ولدته لأكثر من أقصى الحمل من حين الوصية تبين بطلانها ، لتبين عدم كونه موجودا حين الوصية ، لأنه إذا كان المدة من حين الوصية قد انقضت ، ومضت من حين الوطي المتولد منه الحمل قبل الوصية.
1) سورة البقرة - الاية 180.
ولو ولدته فيما بين أقصى مدة الحمل وأقله ، احتمل وجوده حال الوصية وعدمه ، قالوا : وينبغي أن ينظر حينئذ ، فإن كانت الأمة فراشا بحيث يمكن تجددة بعد الوصية لم يحكم بصحتها ، لأن الأصل عدم تقدم حال الوصية ، وان لم يكن فراشا بأن فارقها الواطئ المباح وطؤه لها من حين الوصية حكم بوجوده ، عملا بالظاهر ، وأصالة عدم وطئ غيره فيحكم به للموصى له.
هذا مقتضى كلامهم كما صرح به في المسالك وغيره ، وربما قيل : بأن الظاهر الغالب انما هو الولادة لتسعة أشهر تقريبا ، فما تولد قبلها يظهر كونه موجودا ، وان كان لها فراش ، وان الخلية يمكن وطئها محللا بالشبهة ، ومحرما لو كانت كافرة ، إذ ليس فيها محذور بعد الصيانة ، بخلاف المسلمة ، ودفعه في المسالك بأن الحكم السابق مرتب على الأصل المقدم على الظاهر عند التعارض ، إلا فيما شذ.
وبالجملة فالمسئلة حينئذ من باب تعارض الأصل والظاهر ، فلو رجح مرجح الظاهر عليه في بعض مواردها كما يتفق في بعض نظائره لم يكن بعيدا ، ان لم ينعقد الإجماع على خلافه ، وكيف كان فلا خروج عما عليه الجماعة ، انتهى.
أقول : أنت خبير بأن المسئلة خالية من النصوص ، والدليل الشرعي بالعموم والخصوص ، فالحكم في هذه الصورة الثالثة محل الاشكال ، ثم انه ينبغي أن يعلم أن فرض المسئلة المذكورة في ولد الأمة مبنى على كون الحمل مملوكا ، وهو إما بكون الزوج مملوكا قد شرط مولى الجارية على مولاه رق الولد ، أو يكون الزوج مملوكا للموضي ، وقد شرط على مولى الجارية رق الولد ، أو كون الزوج حرا على القول بجواز شرط رقية الولد.
ولو كان الحمل لغير الأمة من البهائم قال في المسالك : صح أيضا واشترط وجوده حال الوصية كحمل الأمة ، إلا أن العلم به لا يتقيد بولادته قبل ستة أشهر ، ولا انتفاء وجوده حالتها يعلم بتجاوز العشرة ، لاختلاف الحيوان في ذلك اختلافا
كثيرا ، والمرجع فيها إلى العادة الغالبة لعدم ضبط الشارع حملها ، كالآدمي ويختلف العادة باختلاف أجناسه ، فان للغنم مقدارا معلوما عادة ، وللبقر مقدارا زائدا عنه ، وكذا الخيل وغيرها من الحيوان ، فيرجع فيه الى العادة ، لأنها المحكمة عند انتفاء الشرع ، وحيث يقع الشك في الموجود حالة الوصية لا يحكم بصحتها ، ويشكل مع هذا حمل الآدمي على المتيقن ، والحيوان على الغالب ، لاشتراكهما في المقتضي على التقديرين ، انتهى.
قد عرفت أنه لا يشترط في الموصى به كونه موجودا حال الوصية ، فتجوز الوصية بالجدد مما تحمله المملوكة أو الشجرة ، أعم من أن يكون مضبوطا بمدة كالمتجدد في هذه السنة ، أو خمس سنين أو مضبوطا بعدد كأربعة ، أو يكون مطلقا ، وعاما يتناول لجميع ما يتجدد من الأمة أو الشجرة مدة وجودهما ، كقوله كل حمل متجدد وكل ثمرة يتجدد دائما ونحو ذلك ، وكذا لا فرق في المضبوط بين أن يتصل بالموت أو يتأخر عنه ، كالسنة الفلانية مما يتجدد من السنين بعد الموت.
المسئلة الثانية : إذا أوصى له بالمنافع كخدمة عبده ، أو غلة بستانه ، أو سكنى داره ، أو ثمرة شجرته ، على التأبيد أو مدة معينة قيل : قومت المنفعة ، فإن خرجت من الثلث ، وإلا كان للموصى له ما يحتمله الثلث.
أقول : أما ما يدل على جواز الوصية بالمنافع مضافا الى الاتفاق على ذلك فمنه رواية جعفر بن حيان (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوقف غلة له على قرابة من أبيه وقرابة من أمه وأوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلة ليس بينه وبينه قرابة ، بثلاثمائة درهم كل سنة ، ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أمه ، قال : جائز للذي أوصى له بذلك ، قلت : أرأيت ان لم
1) الكافي ج 7 ص 35 ح 29 ، الوسائل ج 13 ص 306 ح 8.
يخرج من غلة الأرض التي وقفها إلا خمسمائة درهم ، فقال : أليس في وصيته أن يعطى الذي أوصى له من الغلة ثلاثمائة درهم ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أمه ، قلت : نعم ، قال : ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفي الموصى له ثلاثمائة درهم ، ثم لهم ما بقي بعد ذلك» الحديث.
وقال في كتاب الفقه الرضوي (1): «وإذا أوصى لرجل بسكنى دار فلازم للورثة أن تمضى وصيته ، وإذا مات الموصى له رجعت الدار ميراثا لورثة الميت».
وروى في الكافي والتهذيب في الصحيح عن سعد بن الأحوص (2)«قال سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل أوصى الى رجل أن يعطى قرابته من ضيعته كذا وكذا جريبا من طعام ، فمرت عليه سنون لم يكن في ضيعته فضل بل احتاج الى السلف والعينة أيجري على من أوصى له من السلف والعينة أم لا؟ فإن أصابهم بعد ذلك يجرى عليهم لما فاتهم من السنين الماضية أم لا؟ فقال : كأني لا أبالي أن أعطاهم أو أخر ، ثم يقضي» الحديث.
ولفظ «كأني» ليست في رواية الكافي ، وأما ما ذكره من تقديم المنفعة إلى آخر ما تقدم ذكره فالغرض منه بيان كيفية احتساب المنفعة ، وإخراجها من الثلث ، وهذا في المنفعة الموصى بها إذا لم تكن مؤبدا ظاهر ، لا خلاف فيه ، لأن العين تبقى لها قيمة معتبرة بعد إخراج تلك المنفعة ، فتقوم المنفعة على الموصى له ، والأصل بما بقي فيه من المنافع على الورثة ، فإذا أوصى بمنفعة العبد مثلا خمس سنين ، قوم العبد بجميع منافعه ، وإذا قيل : قيمته مائة دينار ، قوم مرة أخرى مسلوب المنفعة تلك المدة ، وإذا قيل : قيمته خمسون ، فالتفاوت خمسون حينئذ ، وهي التي تخرج من الثلث ، وتجعل ثلثا بالنسبة الى ما في يدي الورثة ، فلا بد أن يكون بيد الورثة حينئذ مائة منها ، رقبة العبد التي
قيمتها خمسون في المثال المذكور ، وانما الخلاف في المنفعة المؤبدة ، وقد اختلفوا فيها على أقوال ثلاثة ، والسبب في هذا الاختلاف - مع عدم النص - خلو العين من المنافع عند بعض ، فالوصية بمنافعها في قوة الوصية بها ، وثبوتها عند بعض كما سيظهر لك ان شاء اللّه تعالى بيانه ، وقد نقل هذه الأقوال الثلاثة الشيخ في المبسوط ومن تأخر عنه ، والظاهر أنها كلها للعامة.
أحدها - أن تقوم العين بمنافعها ويخرج مجموع القيمة من الثلث ، فان خرجت من الثلث لزمت الوصية في منفعتها ، وان لم تخرج من الثلث وضاق الثلث عنها لزمت الوصية في القدر الذي يخرج منه ، فيكون للموصى له من العبد بقدر ما يخرج من الثلث ، والباقي للورثة.
احتج من قال بهذا القول : بأن استحقاق المنفعة على التأبيد بمنزلة إتلاف الرقبة ، لأن الغرض من الأعيان انما هو المنافع ، فيجب أن تقوم الرقبة ، ولأن تقويم المنفعة متعذر لأنها غير معلومة ، ولا محدودة لأن مدة العمر غير معلومة فلا يمكن تقويمها إلا بتقويم العين ، وبالجملة فإنها لسلب جميع منافعها قد خرجت عن التقويم ، فقد فات على الورثة جميع القيمة ، فكانت العين هي الغاية.
وثانيها - تقويم المنفعة من الثلث على الموصى له ، والرقبة على الورثة ، وان كانت مسلوبة المنافع ، ومرجعه الى أن المعتبر ما بين قيمتها بمنافعها أو قيمتها مسلوبة المنافع ، وعلى هذا تحسب قيمة الرقبة عن التركة.
احتج القائل بهذا القول بأن الرقبة تنتقل إلى الورثة كما تنتقل المنفعة الى الموصى له ، فوجب أن يقوم على من انتقلت اليه ، وبأن الوارث يقدر على الانتفاع بها بالعتق لو كان مملوكا ، وبيعها عن الموصى له أو مطلقا ، وهبتها ، والوصية بها ، فلا وجه لاحتسابها على الموصى له كما ادعاه القائل الأول ، ويمكن الانتفاع من البستان بما ينكسر من جزوعه وييبس ، ومن الدار بآلاتها إذا خربت وخرجت عن صلاحية السكنى ، ولم يعمرها الموصى له بمنفعتها ، فحينئذ
تقوم العين بما لها من المنافع مع صلاحيتها لما ذكرناه من المنافع المعدودة في كل بنسبته ، فإذا قيمتها على الأول مائة درهم ، وعلى الثاني عشرة دراهم ، علم أن قيمة المنفعة الموصى بها تسعون ، فيجب أن يكون مع الورثة ضعفها ، ومن جملته الرقبة بعشرة ، قال في المسالك ، وهذا هو الأصح.
وثالثها - تقويم المنفعة على الموصى له فتحتسب من الثلث ، وأما الرقبة فلا تقوم على الموصى له ، ولا على الورثة ، أما الموصى له فظاهر ، لأنها ليست له وأما الوارث فللحيلولة بينه وبينها ، وسلب قيمتها بسلب منافعها فكأنها تالفة.
ومنه يعلم وجه الاحتياج على القول المذكور ، ومرجعه الى أن الرقبة لا قيمة لها من حيث سلب منافعها ، فتكون من قبيل الحشرات ونحوها مما لا قيمة فيه ، وما لا قيمة له لا معنى لاحتسابه على أحد ، وفيه ما عرفت في توجيه القول الثاني.
يشتمل على مسئلتين : الاولى : قالوا : إذ أوصى بخدمة عبد بعد مدة معينة ، فنفقته على الورثة ، لأنها تابعة للملك. ولا إشكال في الحكم المذكور لو كانت المنفعة الموصى بها معينة بوقت ، ولا ريب ولا خلاف في بقاء العين على ملك الورثة ، والنفقة تابعة للملك.
وانما الكلام فيما إذا كانت المنفعة الموصى بها مؤبدة ، فمن الذي تلزمه نفقة العبد ، قيل : فيه وجوه.
أحدها - وهو اختياره في المسالك أنه الوارث ، لما ذكر من أنها تابعة للملك ، والوارث هو المالك للرقبة ، وهذا القول يتفرع على القول الثاني من الأقوال الثلاثة المتقدمة ، ولهذا انه في المسالك اختار هنا كونها على الوارث الذي هو المالك ، لاختياره في ذلك القول بتقويم العين على الورثة ، وأنها تكون ملكا لهم.
الثاني - أنه الموصى له ، لكونه مالكا للمنفعة مؤبدا ، وهذا الوجه مما يتفرع على القول الأول من الأقوال المتقدمة ، فينبغي أن يعلل وجوب النفقة على الموصى له بما علل به تقويم العين عليه ، وعلل هنا زيادة على ذلك بأنه لما كان مالكا للمنفعة مؤبدا كان كالزوج ، ولأن نفعه له ، فكان ضرره عليه ، كالمالك لهما جميعا ، ولأن إثبات المنفعة للموصى له ، والنفقة على الوارث إضرار به منفي ، ورد هذا التعليل المذكور هنا بأن ملك المنفعة لا يستتبع النفقة شرعا كالمستأجر ، والقياس على الزوج باطل مع وجود الفارق ، فإن الزوجة غير مملوكة ، والنفقة في مقابلة التمكين من الاستمتاع ، لا في مقابلة المنافع ، وثنوت الضرر بإيجابها على الوارث ممنوع ، لانتفائه مع اليسار ، وانتفائها مع عدمه.
الثالث - انه من بيت المال.
أقول : وهذا مما يتفرع على القول الثالث ، حيث انه تضمن أن الرقبة لا تقوم على الموصى له ، ولا على الورثة بالتقريب المتقدم ، ولهذا قالوا هنا ان الوجه في هذا الاحتمال هو أن الوارث لا نفع له ، والموصى له غير مالك ، وبيت المال معد للمصالح ، وهذا منها.
وأورد عليه بأن النفقة من بيت المال مشروطة بعدم المالك المتمكن ، وهو هنا موجود ، ومجرد كونه لا نفع له لا يدفع الملك ، ولا يرفعه والنفقة تابعة للملك كما عرفت.
ومنه تظهر قوة الوجه الأول وان كان أصل المسئلة لخلوها من النص لا يخلو من الاشكال.
قال في المسالك : واعلم أنه لا فرق بين العبد وغيره من الحيوانات المملوكة.
وأما عمارة الدار الموصى بمنافعها وسقي البستان وعمارته من حرث وغيره إذا أوصى بثماره ، فان تراضيا عليه أو تطوع أحدهما به فذلك ، وليس للآخر منعه ، وان تنازعا لم يجبر أحد منهما ، بخلاف نفقة الحيوان ، لحرمة الروح ،
ويحتمل طرو الخلاف في العمارة ، وسائر المؤن ، بناء على وجوب ذلك على المالك حفظا للمال ، والفرق واضح.
نعم لو كانت المنفعة موقتة اتجه وجوبها على المالك ، وإجباره عليها حفظا لماله عن الضياع ، لأن منفعته به مترقبة ان أوجبنا إصلاح المال.
الثانية : قالوا : وللموصى له التصرف في المنفعة ، وللورثة التصرف في الرقبة ، ببيع وعتق وغيره ، ولا يبطل حق الموصى له بذلك.
أقول : فيه إشارة الى ما تقدم في القول الثاني من أن الوصية بجميع المنافع لا تستلزم عدم نفع بالكلية ، بل هنا منافع تابعة للملك - مثل العتق والهبة والبيع ونحوها - باقية ، والوصية بمنافع العبد من خدمته وغلة البستان وسكنى الدار ، ونحو ذلك لا ينافي بقاء هذه المنافع للمالك ، وأنه يتصرف في العين بذلك.
وبالجملة فإنه لما كانت الرقبة ملكه ، فإنه يجوز له عتقها لو كان عبدا إذ لا مانع منه بوجه ، ولا يستلزم بطلان حق الموصى له من تلك المنافع ، لأن حق المالك هو الرقبة ، ولا يملك إسقاط حق الموصى له من تلك المنافع ، وليس للعتيق الرجوع على الورثة بشيء في مقابلة تفويت منافعه عليه ، لأن تفويت المنافع ليس من قبل الورثة ، وانما هو من قبل الموصي ، وهو متقدم على العتق ، وأما بيعه فان كانت المنفعة الموصى بها محدودة بوقت ، فجوازه واضح ، لعدم المانع كما يجوز بيع العبد الموجر ، وان كان المشتري إنما له التصرف بعد انقضاء مدة الإجارة.
وان كانت الإجارة مؤبدة ، ففي جوازه عندهم مطلقا أو على الموصى له خاصة أو المنع مطلقا أوجه قال في المسالك : أجودها الجواز ، حيث تبقى له منفعة كالمملوك لا مكان عتقه وتحصيل الثواب به أعظم المنافع ، ولأنه يتوقع استحقاق الأرش بالجناية عليه ، أو الحصة منه وقد تقدم في بيع المعمر ما يحقق موضع النزاع ويرجح الجواز له ولو لم تبق له منفعة كبعض البهائم ، فالمنع أجود ، لانتفاء المالية عنه بسلب
المنافع كالحشرات ، نعم لو أوصى بنتاج الماشية مؤيدا صح بيعها ، لبقاء بعض المنافع والفوائد كالصوف واللبن والظهر ، وانما الكلام فيما استغرقت الوصية قيمته ، انتهى.
أقول : قد قدمنا في مسئلة بيع المعمر عنه (قدسسره) ما يؤذن بالتوقف ، حيث ان جملة من الأصحاب صرحوا بالمنع ، ومنهم من استشكل ، وقد أوضحنا قوة القول بالجواز بالنص الصريح في ذلك ، ومنه تظهر قوة القول بالجواز هنا أيضا ، واللّه العالم.
المسئلة الثالثة : قال الشيخ في المبسوط : إذا قال أعطوه قوسا من قسي ، وله قوس نشاب ، وهو قوس العجم ، وقوس نبل ، وهو قوس العرب ، ويكون له قوس حسبان ، وهو الذي يدفع النشاب في مجرى ، وهو الوتر مع المجرى ، ويكون له قوس جلاهق ، وهو قوس البندق ، ويكون له قوس الندف ، فان هذا الإطلاق يحمل على قوس النشاب والنبل والحسبان ، فان كان له شيء منها ، فالورثة بالخيار يعطون أي قوس من هذه الثلاثة شاؤا ، وان لم يكن له إلا الجلاهق وقوس الندف فالورثة بالخيار ، يعطون أي القوسين شاؤا ، وتبعه ابن حمزة.
وقال ابن إدريس : الذي أرى أن الورثة بالخيار في إعطائهم أي قوس شاؤا من الخمسة ، وتخصيص كلام الموصي العام يحتاج الى دليل.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عن الشيخ وابن إدريس : أقول : ولعل الشيخ (رحمة اللّه عليه) نقل عرفا لغويا أو عاميا في أن القوس انما يطلق حقيقة على الثلاثة السابقة ، انتهى.
أقول : ما ذكره الشيخ هو الذي عليه المتأخرون ، قال المحقق في الشرائع : ولو أوصى له بقوس انصرف الى قوس النشاب والنبل والحسبان إلا مع القرينة تدل على غيرها.
وقال شيخنا في المسالك بعد نقل قولي الشيخ وابن إدريس ، ونعم ما قال :
وفي كل واحد من القولين نظر ، لأن الذاهب الى التخيير بين الثلاثة يعترف بإطلاق اسم القوس على الخمسة ، ولكن يدعى غلبته في الثلاثة عرفا ، وبذلك يقتضي اتباع العرف في ذلك ، وهو يختلف باختلاف الأوقات والأصقاع ، ولا ريب أن المتبادر في زماننا هو القوس العربية خاصة ، وقوس الحسبان لا يكاد يعرفه أكثر الناس ، ولا ينصرف اليه فهم أحد من أهل العرف ، فمساواته للأولين بعيد ، ونظر ابن إدريس إلى الإطلاق اللغوي جيد ، ولكن العرف مقدم عليه.
والأقوى أنه ان وجدت قرينة تخصص أحدها حمل عليه ، مثل أن يقول : أعطوه قوسا يندف به ، أو يعيش به وشبهه ، فينصرف الى قوس الندف ، أو قوس يغزا به ، فيخرج قوس الندف والبندق ان لم يكن معتادا في الغزو ، وان انتفت القرائن اتبع عرف بلد الموصي ، فإن تعدد تخير الوارث ، ولو قال : أعطوه ما يسمى قوسا ففي تخيره بين الخمسة ، أو بقاء الاشكال كالأول وجهان : أجودهما الأول ، انتهى.
أقول : ومما يؤيد الاشتراك بين المعاني الخمسة لغة ما ذكره في كتاب المصباح المنير حيث قال : وتضاف القوس الى ما يخصصها ، فيقال : قول ندف ، وقوس جلاهق ، وقوس نبل وهي العربية ، وقوس النشاب وهي الفارسية ، وقوس الحسبان.
بقي الكلام في أنه هل يدخل الوتر في إطلاقه ، فلو قال أعطوه قوسا فهل يصدق مع عدم الوتر أم لا؟ اشكال ، قيل : بالدخول. فإنه لا يصدق إلا به ، لأن المقصود منه لا يتم إلا به ، فهو كالفص بالنسبة إلى الخاتم ، والغلاف بالنسبة الى السيف ، بل أولى ، لأنه بدونه بمنزلة العصا ، وقيل : بالعدم نظرا الى أن الظاهر الصدق بدونه عرفا ، وعلى هذا فالأجود الرجوع الى العرف أو القرينة ، وإلا فلا يدخل.
الأول : كل لفظ وقع على أشياء وقوعا متساويا سواء كان بطريق الاشتراك ، أو التواطؤ ، فإن للورثة الخيار في تعيين ما شاؤا من الأفراد ، وهي قاعدة كلية في هذا المقام وغيره مما تقدم ، لان الموصى به لفظ يقع على أشياء وقوعا متساويا ، إما لكونه متواطئا ، بأن تكون الوصية بلفظ له معنى ، وذلك المعنى يقع على أشياء متعددة كالعبد مثلا ، أو لكون ذلك اللفظ مشتركا بين معان متعددة كالقوس ، فإن للورثة الخيار في تعيين ما شاؤا ، أما في التواطؤ فلأن الوصية به وصية بالماهية الكلية ، وخصوصيات الأفراد غير مقصودة أولا ، بل تبعا ، فيتخير الوارث في تعيين أي فرد شاء ، لوجود متعلق الوصية في جميع الأفراد ، وأما المشترك فلأن متعلق الوصية هو الاسم ، وهو صادق على المعاني المتعددة حقيقة ، فيتخير الوارث أيضا ، وربما قيل في المشترك بالقرعة ، وهو بعيد.
الثاني : لو قال : أعطوه قوسي بالإضافة إلى نفسه ، وليس له إلا قوس واحدة ، انصرفت الوصية إليها ، لأن ما تقدم من التخيير بين الأفراد الثلاثة أو الخمسة انما هو مع إطلاقه إعطاء القوس من غير أن يضيفه الى نفسه ، فإنه مشترك متعدد ، بخلاف ما لو قال : أعطوه قوسي بالإضافة ، وليس له إلا أحدها ، فإنه تنصرف الوصية إليه من أي نوع كان لتقييده بالإضافة.
بقي الكلام فيما لو قال : أعطوه قوسي وله قسي متعددة ، فإن علم اختصاصه بواحد منها من أي نوع كان انصرفت الوصية إله ، كالمصحف والخاتم في الحبوة ، وإلا فإشكال ، ويحتمل الرجوع الى ما تقدم من التخيير.
الثالث : لو أوصى برأس من مماليكه ، كان الخيار في التعيين إلى الورثة ، بأن يعطوا صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى صحيحا أو مريضا مسلما أو كافرا ، لأن اللفظ من الألفاظ المتواطئة بالنظر الى ما تحت معناه من الأفراد المعدودة ، فيتخير
الوارث في إعطاء أيها شاء ، لوقوع الاسم على كل واحد منها ، وانما يتخير مع وجود المتعدد في التركة ، وإلا تعين الموجود ، ولو لم يوجد له مملوك بطلت الوصية.
وهل الاعتبار بالوجود عند الوصية أو الموت؟ وجهان : استجود ثانيهما في المسالك ، قال : لأنه وقت الحكم بالانتقال وعدمه ، كما اعتبر المال حينئذ ، ووجه الأول اضافة المماليك اليه المقتضية لوجود المضاف ، انتهى.
ولو ماتت مماليكه بعد وفاته إلا واحدا تعين للدفع في الوصية ، فإن ماتوا كملا بطلت الوصية أما لو قتلوا لم تبطل ، وكان للورثة أن يعينوا من شاؤا ، ووجه البطلان مع موت الجميع فوات متعلق الوصية ، بخلاف القتل ، لبقاء المالية بثبوت القيمة على القاتل ، وهي بدل عن العين ، فيكون للموصى له ، فكل فرد عينه الورثة يثبت له قيمته.
المسئلة الرابعة : لا خلاف ولا إشكال في ثبوت الوصية بشهادة العدلين من المسلمين ، لان ذلك مما يثبت به جميع الحقوق عدا ما استثنى مما يتوقف على أربعة ، بل دائرة حكم الوصية أوسع ، ومن ثم تثبت بشهادة المرأة الواحدة على بعض الوجوه ، وشهادة عدول أهل الذمة كما دلت عليه الآية ، واستفاضت به الرواية ، إلا أن ظاهر الآية اشتراط قبولها بالسفر ، وتحليفها مع الريبة في شهادتهما بعد الصلاة ، قائلين ما دلت عليه الآية (1)«لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللّهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» وأنه متى عثر على بطلان شهادتهما فليس له نقضها حتى يأتي بشاهدين يقومان مقام الشاهدين الأولين (2)«فَيُقْسِمانِ بِاللّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ».
والأصل فيما ذكرناه من هذه القيود ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن إبراهيم (3)عن رجاله رفعه قال : «خرج تميم الداري وابن بيدي وابن
أبي مارية في سفر وكان تميم الداري مسلما ، وابن أبي مارية وابن بيدي نصرانيين وكان مع تميم الداري خرج له فيه متاع ، وآنية منقوشة بالذهب ، وقلادة أخرجها الى بعض أسواق العرب للبيع ، فاعتل تميم الداري علة شديدة ، فلما حضره الموت دفع ما كان معه الى ابن بيدي وابن أبي مارية وأمرهما أن يوصلاه الى ورثته ، فقدما المدينة وقد أخذا من المتاع الآنية والقلادة ، وأوصلا سائر ذلك الى ورثته ، فافتقد القوم الآنية والقلادة ، فقال أهل تميم لهما : هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة؟ فقالا : لا ، ما مرض إلا أياما قلائل ، قالوا : فهل سرق منه شيء في سفره هذا؟ قالا : لا ، قالوا : فهل اتجر تجارة خسر فيها؟ قالا : لا ، قالوا : افتقدنا أفضل شيء ، كان معه آنية منقوشة مكللة بالجواهر ، وقلادة ، فقالا : ما دفع إلينا فقد أدينا إليكم ، فقدموهما الى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فأوجب رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) عليهما اليمين ، فحلفا فخلى عنهما ثم ظهرت تلك الآنية والقلادة عليهما فجاء أولياء تميم الى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فقالوا : يا رسول اللّه قد ظهر على ابن بيدي وابن أبي مارية ما ادعيناه عليهما ، فانتظر رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) من اللّه تعالى الحكم في ذلك. فأنزل اللّه تبارك وتعالى (1)«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» - فأطلق اللّه تعالى شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط ، إذا كان في سفر ، ولم يجد المسلمين - «فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ، وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللّهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» فهذه الشهادة الأولى التي جعلها رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ( فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً ) أي أنهما حلفا على كذب ( فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما ) ، يعنى من أولياء المدعي ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ
1) سورة المائدة - الاية 105.
عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ، فَيُقْسِمانِ بِاللّهِ ) ، يحلفان باللّه أنهما أحق بهذه الدعوى منهما ، وأنهما قد كذبا فيما حلفا باللّه ( لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ ) فأمر رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أولياء تميم الداري أن يحلفوا باللّه على ما أمرهم به ، فحلفوا فأخذ رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) القلادة والآنية من ابن بيدي وابن أبي مارية وردهما إلى أولياء تميم الداري : ( ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) ».
ورواه المرتضى (رضياللّهعنه) في رسالة المحكم والمتشابه ، نقلا من تفسير النعماني (1)بإسناده عن علي عليهالسلام نحوه إلا قال ( تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ ) يعني صلاة العصر ، ورواه علي بن إبراهيم (2)في كتاب التفسير ، ونقل في المسالك عن أكثر الأصحاب ومنهم المصنف أنهم لم يعتبروا في قبول شهادة الذميين السفر ، بل جعلوه في الآية والأخبار انما خرج مخرج الغالب ، وكذا لم يعتبروا الحلف ، وتقل عن العلامة أنه أوجب الحلف بعد العصر بصورة الآية ، واستحسنه في المسالك.
أقول : لا يخفى الخبر المذكور على اشتراط السفر لقوله عليهالسلام «فأطلق اللّه شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر ، ولم يجد المسلمين». وهو دال بمفهوم الشرط الذي هو حجة شرعية عندنا بالأخبار ، وعند محققي الأصوليين بالاعتبار على أنه لو لم يكن في سفر أو وجد أحدا من المسلمين لم تقبل شهادتهما.
ومن الأخبار الظاهرة بل الصريحة في ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن حمزة بن حمران (3)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن قول اللّه تعالى (4)«ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ»؟ قال : فقال : اللذان منكم مسلمان ،
واللذان من غيركم من أهل الكتاب ، فقال : إذا مات الرجل المسلم بأرض غربة ، فطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته ، فلم يجد مسلمين فليشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما».
وعن هشام بن الحكم في الصحيح (1)وبسند آخر في الموثق عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في قول اللّه عزوجل «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» قال : إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم ، جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية».
وما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) عن يحيى بن محمد (2)«قال سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن قول اللّه تعالى (3)«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» قال : اللذان منكم مسلمان ، واللذان من غيركم من أهل الكتاب ، فان لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس ، لأن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) سن في المجوس سنة أهل الكتاب في الجزية ، وذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين أشهد رجلين من أهل الكتاب ، يجلسان بعد العصر «فيقسمان باللّه تعالى ( لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ، وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللّهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) «قال : وذلك إذا ارتاب ولي الميت في شهادتهما ، فان عثر على أنهما شهدا بالباطل فليس له أن يبقض شهادتهما حتى يجيء بشاهدين فيقومان مقام الشاهدين الأولين ، «فَيُقْسِمانِ بِاللّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ» فإذا فعل ذلك نقض شهادة الآخرين يقول اللّه تعالى (4) ( ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ».
وما رواه في كتاب بصائر الدرجات لسعد بن عبد اللّه بسنده فيه عن المفضل بن عمر (1)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في كتابه إليه ، قال : وأما ما ذكرت أنهم يستحلون الشهادات بعضهم لبعض على غيرهم ، فان ذلك لا يجوز ولا يحل ، وليس هو على ما تأولوا إلا لقوله عزوجل «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» وذلك إذا كان مسافرا فحضره الموت أشهد باللّه اثنين ذوي عدل من أهل دينه ، فان لم يجد فآخران ممن يقرأ القرآن من غير أهل ولايته ، ( تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ ، «فَيُقْسِمانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللّهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) من أهل ولايته ( فَيُقْسِمانِ بِاللّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ، وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ، وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُوا ) ».
وهذه الأخبار كلها كما ترى ظاهرة بل صريحه في اعتبار السفر ، وأنه لا تقبل في السفر إلا مع فقد المسلمين ، وما ربما يوجد من الأخبار المطلقة يجب حمله على هذه الأخبار الصريحة في الاشتراط.
وقال في المسالك بعد نقل القول الذي نقله عن الأكثر من عدم اشتراط السفر : ويمكن استنادهم في عدم اشتراط السفر إلى موثقة هشام بن الحكم (2)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في قوله تعالى «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» قال : إذا كان الرجل في بلد ليس فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية ، قال : فإنها متناولة بإطلاقها للسفر والحضر ، وأنه حيث قد دلت الأخبار التي ذكرناها على
الاشتراط كما عرفت ، فوجه الجمع بين هذه الرواية وبين تلك الأخبار بحمل هذه الرواية على ما إذا سافر المسلم إلا بلد ليس فيها مسلم ، لأنه من سكانها وأهلها ، والقرينة فيما ذكرناه واضحة ، لأن سكنى المسلم وحده في بلد الكفر اختيارا نادر ، بل غير جائز شرعا إلا من ضرورة.
وتستفاد من هذه الأخبار عدة فوائد الأولى - ما ذكرناه وان كان خلاف ما صرح به الأكثرون اشتراط القبول بالسفر ، فلا تقبل في الحضر ، والوجه فيه ما عرفت من وجود المسلمين في الحضر ، حيث ان المسلم لا يسكن إلا في بلاد الإسلام.
الثانية - اشتراط الحلف وأن يكون بالكيفية التي دلت عليها الآية ، كما يدل عليه خبر يحيى بن محمد المذكور ، ومثله مرفوع علي بن إبراهيم ، وخبر المفضل ، وما تقدم نقله عن العلامة من أنه يحلف بعد العصر ، قد دل عليه مرفوع علي بن إبراهيم برواية النعماني عن علي عليهالسلام كما تقدم ، ورواية يحيى بن محمد كما في بعض نسخ المشايخ المذكورين ، وفي بعض آخر بلفظ الصلاة بقول مطلق ، وينبغي حمل الإطلاق على العصر لما عرفت.
الثالثة - ان ظاهر أكثر الأخبار المذكورة هو قبول الشهادة على الوصية ، أعم من أن يكون بمال أو ولاية ، إلا أن مورد الآية والقضية التي نزلت فيها كما دل عليه مرفوع علي بن إبراهيم ، إنما هو المال ، وهو الظاهر أيضا من كلامه في المسالك ، حيث قال بعد أن صرح بثبوت الوصية بشهادة عدلين مسلمين : ولا فرق في قبولها بها بين كونها بمال أو ولاية ، ومع عدم وجود عدول المسلمين تقبل شهادة عدول أهل الذمة بالمال ، للآية والرواية ، ودعوى نسخها لم يثبت ، وهو ظاهر في أن الوصية تقبل بشهادة عدول المسلمين في المال والولاية ، وأما عدول أهل الذمة ففي المال خاصة ، وعلى هذا فينبغي حمل إطلاق تلك الأخبار على مورد القصة.
الرابعة - لا خلاف بين الأصحاب (رحمهماللّه) في اشتراط العدالة في الذميين بالمعنى المعروف عندهم ، واليه يشير قوله عليهالسلام في رواية حمزة بن حمران مرضيين عند أصحابهما.
الخامسة - ما دل عليه خبر يحيى بن محمد من أنه مع عدم وجود أهل الكتاب فمن المجوس ، لم أقف عليه في غيره من الأخبار ، ولم يصرح به أحد من أصحابنا فيما حضرني من كلامهم ، والخبر متى دل على حكم ولا معارض له وجب القول به ، وان لم يقل به قائل كما هو مقتضى التحقيق في المسئلة.
السادسة - قال : في المسالك ولو وجد مسلمان فاسقان ، والذميان العدلان ، فالذميان العدلان أولى للآية ، أما المسلمان المجهولان فيبني على اعتبار ظهور العدالة ، كما هو المشهور أو الحكم بها ما لم يظهر خلافها ، كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب ، فعلى الثاني لا ريب في تقديم المستور من المسلمين لأنه عدل ، وعلى الأول ففي تقديمه على عدل أهل الذمة وجهان : واختار العلامة تقديم المسلمين بل قدم الفاسقين إذا كان فسقهما بغير الكذب والخيانة ، وفيه نظر ، انتهى.
أقول : أما ما ذكره من الفرد الأول فلا إشكال في أن الحكم فيه كما ذكروا ، أما المسلمان المجهولان فالكلام فيهما مبني على أن العدالة هل هي أمر زائد على مجرد الإسلام ، كما هو المشهور ، والمؤيد المنصور ، أو أنها عبارة عن مجرد الإسلام كما هو اختياره في المسئلة؟ فعلى الثاني لا إشكال أيضا لحصول العدالة المشروطة في الآية ، وعلى الأول فالأشهر الأظهر عدم الثبوت إلا بعد الفحص وظهور العدالة ، وما نقل عن العلامة ضعيف لا يلتفت إليه ، لأن الآية والرواية مصرحان باشتراط العدالة ، ووجود المسلم بدونها في حكم العدم ، واللّه العالم.
الأول : لا ريب أنه كما تثبت الوصية بالشاهدين تثبت أيضا فيما إذا كانت مالا بشاهد ويمين ، أو شاهد وامرأتين ، وهو موضع وفاق في المال ، وصية كان
أو غيرها ، وقد دل قوله تعالى (1)«فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» على الاكتفاء بالرجل والامرأتين والأخبار بذلك مستفيضة ، يأتي ان شاء اللّه تعالى في موضعها اللائق بها ، وكذا تثبت فيما إذا كانت مالا بشهادة الواحدة ربع ما شهدت به ، وبشهادة اثنتين ، النصف ، وبثلاث ثلاثة أرباع ، وبالأربع الجميع ، روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ربعي (2)عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصى ليس معها رجل؟ فقال : يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها».
وما رواه في الفقيه (3)في الصحيح عن حماد بن عيسى عن ربعي مثله بأدنى تفاوت.
وعن محمد بن قيس (4)في الصحيح عن أبى جعفر عليهالسلام : قال : قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في وصية لم تشهدها إلا امرأة فقضى أن تجاز شهادة المرأة في ربع الوصية».
ورواه بسند آخر عن محمد بن قيس (5)ايضا مثله إلا انه «زاد إذا كانت مسلمة غير مريبة في دينها».
وعن أبان (6)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه «قال في وصية لم تشهدها إلا امرأة فأجاز شهادة المرأة في الربع من الوصية حساب شهادتها».
وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن إبراهيم بن محمد الهمداني (7)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 395 ح 1 وص 396 ح 4 و 3 و 2 وص 397 ح 8 وج 18 ص 266 ح 40.
قال : «كتب أحمد بن هلال الى أبى الحسن عليهالسلام امرأة شهدت على وصية رجل لم يشهدها غيرها ، وو في الورثة من يصدقها ، وفيهم من يتهمها فكتب عليهالسلام : لا ، إلا أن يكون رجل وامرأتان ، وليس بواجب أن تنفذ شهادتها».وما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع (8)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 395 ح 1 وص 396 ح 4 و 3 و 2 وص 397 ح 8 وج 18 ص 266 ح 40.
في الصحيح قال : «سألت الرضا عليهالسلام1) سورة البقرة - الاية 282.
2) الكافي ج 7 ص 4 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 180 ح 719 و 723 ، الفقيه ج 4 ص 132 ح 486.
3) الكافي ج 7 ص 4 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 180 ح 719 و 723 ، الفقيه ج 4 ص 132 ح 486.
4) الكافي ج 7 ص 4 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 180 ح 719 و 723 ، الفقيه ج 4 ص 132 ح 486.
5) الكافي ج 7 ص 4 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 180 ح 719 و 723 ، الفقيه ج 4 ص 132 ح 486.
6) الكافي ج 7 ص 4 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 180 ح 719 و 723 ، الفقيه ج 4 ص 132 ح 486.
7) التهذيب ج 6 ص 268 ح 719 وص 280 ح 771.
8) التهذيب ج 6 ص 268 ح 719 وص 280 ح 771.
عن امرأة ادعى بعض أهلها أنها أوصت عند موتها من ثلثها بعتق رقبة لها أيعتق ذلك وليس على ذلك شاهد إلا النساء؟ قال : لا تجوز شهادة النساء في هذا». فحملهما الشيخ في التهذيبين على عدم نفاذها في الجميع ، وان نفذت في الربع ، وجوز في الاستبصار الحمل على التقية أيضا.
أقول : وهو الظاهر ، فإن الأول بعيد عن سياق لفظ الخبرين المذكورين ، وهل يتوقف بثبوت ما ذكر بشهادتهن على اليمين ، المشهور العدم ، لإطلاق النصوص المذكور فإنها ظاهرة في ثبوت ذلك بمجرد الشهادة ، ولا بعد فيه ، وان كان مخالفا لحكم غيره من الحقوق ، فإنها مختلفة بحسب الشهادة اختلافا كثيرا ، ونقل عن العلامة في التذكرة توقف الحكم في جميع الأقسام على اليمين ، كما في شهادة الرجل الواحد ، ورد بأن اليمين مع شهادة الواحد توجب ثبوت الجميع ، فلا يلزم مثله في البعض ، ولو فرض انضمام اليمين الى الاثنتين والثلاث ثبت الجميع ، لقيامهما مقام الرجل ، أما الواحدة فلا يثبت بها سوى
الربع مطلقا ، انضمت اليمين لها أم لا ، على أن في ثبوت الجميع بانضمام اليمين الى الاثنتين أو الثلاث إشكالا أيضا ، لأن مقتضى النصوص انما هو النصف في الأول ، وثلاثة أرباع في الثاني ، بمجرد الشهادة ، ووجود اليمين حيث لم يعتبرها الشارع هنا في حكم العدم ، وقيام الاثنتين مقام الرجل في بعض الموارد لا يستلزم قياس ما نحن فيه عليه ، حتى أنه يخرج عن مقتضى ظواهر النصوص بذلك.
وبالجملة فالظاهر هو الوقوف على ظاهر النصوص المذكورة ولو شهد رجل واحد ففي ثبوت النصف بشهادته من غير يمين نظرا الى قيام شهادته مقام اثنتين ، أو الربع خاصة ، لأنه متيقن ، من حيث انه لا يقصر عن المرأة ، أو سقوط شهادته أصلا وقوفا فيما خالف الأصل على مورده أوجه ، قال في المسالك : أوسعها الأوسط.
أقول : بل أظهرها الأخير لما ذكر ، واختياره الأوسط باعتبار أنه لا يقصر
عن المرأة لمجرد خيال ، والأحكام الشرعية لا تبنى على تقريبات العقول ، فكم من حكم يقربه العقل تحكم النصوص بخلافه ، وكم من حكم يبعده العقل تحكم به النصوص.
وهل يشترط في قبول شهادة المرأة في الوصية تعذر الرجال؟ المشهور العدم ، عملا بعموم النصوص المتقدمة ، ونقل عن إدريس وقبله ابن الجنيد الاشتراط ، وهو ضعيف.
الثاني : المشهور في كلام الأصحاب بل الظاهر أنه لا خلاف فيه كما نقله في المسالك عدم قبول شهادة النساء منفردات في الولاية ، وعلل بأنها ليست وصية بمال ، بل هي تسلط على تصرف فيه ، وليست أيضا مما يخفى على الرجال غالبا ، وذلك هو ضابط محل قبول شهادتهن منفردات.
والمشهور أيضا - بل الظاهر أنه لا خلاف فيه إلا ما يظهر من المحقق في الشرائع حيث تردد في ذلك - هو أنه لا تثبت الوصية بالولاية بالشاهد واليمين ، وذلك لأن ضابط الثبوت بالشاهد واليمين ما كان من حقوق الآدميين مالا أو المقصود منه المال ، وولاية الوصاية لا تدخل في ذلك.
ونقل عن الشيخ في المبسوط أنه قوى قبول الوصية بالولاية بالمرأتين مع الشاهد ، ونقل عن ابن الجنيد أيضا ، وأورد عليه أن اللازم من ذلك قبولها بالشاهد واليمين أيضا ، لأن كل ما ثبت بشاهد وامرأتين ، ثبت بشاهد ويمين ، وقيل - في وجه تردد المحقق هنا - : أن منشأه مما ذكر ، ومن أن الوصية بالولاية قد يتضمن المال ، كما إذا أراد أخذ الأجرة أو الأكل بالمعروف بشرطه ، ولما فيه من الإرفاق ، والتيسير ، فيكون مرادا للآية والرواية.
قال في المسالك : ولا يخفى ما فيه ، وقد قطع الأصحاب بالمنع من غير نقل خلاف في المسئلة ولا تردد ، ووافقهم المصنف في المختصر ، على القطع ، وأبدل هذا التردد بالتردد في ثبوت الوصية بالمال بشاهد ويمين ، وكلاهما كالمستغني
عنه ، للاتفاق على الحكم ، والقاعدة المفيدة للحكم فيهما ، انتهى وهو جيد.
الثالث : قالوا : لو أشهد إنسان عبدين له على حمل أمته وأنه منه ، ثم مات وأعتق المملوكان ثم شهدا بذلك ، فإنه تقبل شهادتهما ، وهل يسترقهما المولود حينئذ؟ قيل : بالمنع ، وقيل : بالجواز على كراهة.
أقول الأصل في هذه المسئلة ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في رجل مات وترك جارية ومملوكين ، فورثه أخ له فأعتق العبدين ، وولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما أنه كان يقع على الجارية وأن الحمل منه ، قال : تجوز شهادتهما ، ويردان عبدين كما كانا».
وما رواه المشايخ الثلاثة عن داود بن فرقد في الموثق (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 460 ح 1 وص 461 ح 2.
«قال سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن رجل كان في سفر ومعه جارية له وغلامان مملوكان فقال لهما : أنتما حران لوجه اللّه ، وأشهد أن ما في بطن جاريتي هذه مني فولدت غلاما ، فلما قدموا على الورثة أنكروا ذلك واسترقوهما ، ثم ان الغلامين عتقا بعد ذلك ، فشهدا بعد ما أعتقا أن مولاهما أشهدهما أن ما في بطن جاريته منه ، قال تجوز شهادتهما للغلام ، ولا يسترقهما الغلام الذي شهدا له ، لأنهما أثبتا نسبه».قيل : والاستدلال بالخبرين مبني إما على قبول شهادة المملوك مطلقا أو على مولاه ، لأنهما بشهادتهما للولد والحكم بها صارا رقا له ، لتبين أن معتقهما لم يكن وارثا ، أو على أن المعتبر حريتهما حال الشهادة ، وان ظهر خلافها بعد ذلك ، أو على أن الشهادة للمولى لا عليه ، فتقبل.
وأورد على الأخير بأن الحكم بكون الولد مولى موقوف على شهادتهما
على كونه مولى ، ليكون الشهادة له دارا.
أقول : الوجه عندي هو الأول ، فإن الروايات وان اختلفت في قبول شهادة المملوك إلا أن ما دل على المنع محمول على التقية ، والأظهر هو الجواز ، فلا ضرورة إلا ارتكاب ما ذكر من التعليلات في الوجوه الباقية.
ونقل عن الشيخ أنه خص الحكم بالوصية ، فإن أمرها أخف من غيرها من الحقوق ، كما قبلت فيها شهادة أهل الكتاب ، وفيه أنه لا ضرورة إلى التخصيص ، فإن إطلاق الخبرين المذكورين مع صحة الأول بالاصطلاح المحدث» وعد الثاني في الموثق إنما هو بواسطة الحسن بن فضال الذي لا يقصر حديثه عندهم عن الصحيح ، مضافا الى اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور - مع عدم معارض ولا مخالف - أقوى دليل على العموم.
بقي الكلام في استرقاقهما للولد الذي شهدا له ، وبذلك صرحت صحيحة الحلبي ، وبالعدم صرحت موثقة ، حيث نهى عن استرقاقهما ، وطريق الجمع حمل النهي على الكراهة ، كما يؤذن به التعليل المذكور ، وملخصه أنه يكره له استرقاقهما ، لأنهما كانا سببا في حريته بعد الرقية ، فلا يكون سببا في رقيتهما بعد الحرية.
والمحقق في الشرائع قد فرض المسئلة كما دلت عليه صحيحة الحلبي ، والعلامة في القواعد قد فرضها بما دلت عليه موثقة داود ، وكيف كان فشهادتهما بعتق المولى لهما في رواية داود شهادة لأنفسهما ، فلا تسمع كما هو مقتضى القاعدة.
وأنت خبير بأن هذه المسئلة لا مناسبة لذكرها في هذا المقام إلا من حيث أن الشيخ قد خصها بالوصية ، كما قدمنا نقله عنه ، والظاهر ان الأصحاب انما ذكروها هنا تبعا له في ذلك ، وان خالفوه في العمل بإطلاق الخبر من المذكورين كما ذكرنا ، واللّه العالم.
الرابع : قالوا : لا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه ، ولا ما يجر فيه
نفعا أو يستفيد به ولاية ، قالوا : والضابط أنه متى كان لنفسه حظ في الشهادة لم تقبل.
وعدوا من ذلك أمورا : منها - أن يشهد بما هو وصي فيه بأن يجعله الموصي وصيا على مال معين ، فينازعه فيه منازع فيشهد به للموصي.
ومنها أن يجر به نفعا بأن جعله وصيا في تفرقة ثلثه ، فشهد بمال للمورث ، فإنه يجر به نفعا باعتبار زيادة الثلث.
ومنها أن يجعله وصيا على ولده الصغير ، فيشهد للولد بمال ، فإنه يستفيد بها ولاية على المال.
وأنت خبير بما في ذلك من تطرق المناقشة ، لعدم ورود نص بشيء مما ذكروه ، والى ما ذكرناه يميل كلام ابن الجنيد حيث نقل عنه أنه قال : «شهادة الوصي جائزة لليتيم في حجره وان كان هو المخاصم للطفل ، ولم يكن بينه وبين الشهود عليه ما يرد شهادته عليه» ومال اليه المقداد في شرحه.
قال في المسالك بعد نقله ذلك : ولا بأس بهذا القول ، لبعد هذه التهمة من العدل ، حيث انه ليس بمالك ، وربما لم تكن له أجرة على عمله في كثير من الموارد ، إلا أن العمل بالمشهور متعين ، انتهى.
أقول : ان كان تعين العمل بالمشهور من حيث الشهرة فهي ليست بدليل شرعي ، بل الإجماع لو ادعي كما اعترف به في غير موضع من شرحه هذا ، وتقدم نقله عنه ، وسيأتي ان شاء اللّه في بعض مسائل هذا الكتاب ، وان كان لدليل آخر ، فليس في الباب ما يدل على ذلك ، وإلا لذكره واستند اليه ، هذا مع أن الأحكام منوطة بالنصوص ، ومقيدة بها على العموم أو الخصوص ، ولا نص في المقام سوى هذه التعليلات العليلة ، وقد عرفت ما فيها ، وبالجملة فكلامه (قدسسره) لا يخلو من المجازفة.
ثم ان مما فرعوا على ذلك أيضا أنه لو كان وصيا في إخراج مال معين ،
فشهد للميت بما يخرج به ذلك المال من الثلث لم تقبل ، كما لو أوصى بإخراج ألف درهم والتركة ظاهرا ألفان ، فشهد الوصي أن للميت على أحد ألفا مثلا ، فان قبول هذه الشهادة يستلزم إخراج الألف المجعول وصيا فيها من الثلث ، ونفوذ الوصية ، فلا تقبل ، وأنت خبير بما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه.
نعم ربما يقال : انه قد وردت هنا أخبار فيمن ترد شهادتهم ، وعد منها المتهم ، فمن ذلك رواية عبد اللّه بن سنان (1)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام ما يرد من الشهود؟ قال : فقال : الظنين والمتهم».
وفي رواية أبي بصير (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الذي يرد من الشهود؟ قال : الظنين والمتهم والخصم».
ومثلها غيرهما ، والوصي في هذه الصور المفروضة يدخل في المتهم بالتقريب الذي ذكروه.
وفيه أنه لا يخفى أن التهمة عرفا إنما تتحقق بما يوجب جر النفع الى نفسه ، لا الى غيره ، كما هو المفروض في هذه الفروض ، ومجرد صرفه الوصايا عن الميت والقيام بأطفاله ونحو ذلك لا يتحقق له به نفع دنيوي ، بل ربما أوجب الضرر الدنيوي له بما يوجبه من اشتغاله بذلك ، عن قضاء حوائجه ، والسعى في مطالبه وأموره ، وكلما كثرت الوصايا واتسعت الدائرة فيها - وفي أموال الأطفال - كان الضرر أعظم ، والمنع له عن السعي في أموره أتم ، ولهذا ان الشارع جوز له الأكل بالمعروف من أموالهم في مقابلة القيام بأحوالهم.
قال في كتاب المصباح المنير : والتهمة - بسكون الهاء وفتحها - : الشك والريبة ، واتهمته : ظننت به سوء ، ولا يخفى أن هذا كله انما يترتب على ما يحصل به جر النفع الى نفسه ، وايثارها ، وإلا فأي سوء وأي ريبة في قيامه بوصايا
الغير ، وصرفة لها في مصارفها ما لم يتعد فيها الحدود الشرعية ، وهذا بحمد اللّه سبحانه ظاهر لكل ناظر ، ومن وراء جميع ذلك اتصافه بالعدالة المانعة من تطرق ما ينافيها.
وبالجملة فإن الأقرب عندي هو ما نقل عن ابن الجنيد ومن تبعه ، ولا اشكال عندهم في القبول لو كان المشهود عليه خارجا عما هو وصي فيه ، كما لو جعله وصيا على غلة أطفاله ، فيشهد لهم بدين أو جعله وصيا على تفريق مال معين ، فيشهد للورثة بحق آخر لمورثهم ، ونحو ذلك ، واللّه العالم.
المسئلة الخامسة : في الوصية بالعتق ، ولذلك صور عديدة. منها - من أوصى بعتق عبيده وليس له سواهم ، فان رتبهم في الوصية أعتق الأول فالأول حتى يتم الثلث ، ولو بجزء عبد فيعمل فيه ما يأتي ذكره ، وتبطل الوصية فيمن بقي وإلا أعتق ثلثهم بالقرعة ، بأن يجعلهم أثلاثا ولو بتعديلهم بالقيمة ، ثم يقرع بين تلك السهام الثلاثة ، ويعتق الثلث الذي أخرجته القرعة.
وروي (1)«أن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فعل ذلك في ستة عبيد أعتقهم مولاهم عند موته ، ولم يكن له غيرهم ، فجزاهم أثلاثا ثم أقرع بينهم» ، نقل ذلك الأصحاب في كتب الفروع ، والظاهر أن الرواية عامية ، فإنها غير موجودة في كتب أخبارنا ، إلا أن الظاهر أن الحكم لا اشكال فيه ، لأن القرعة لكل أمر مشكل ، وهذا من جملتها ، ولو توقف التعديل على إدخال جزء من أحدهم ، فإن خرجت القرعة على الثلث الذي فيه ذلك الجزء أعتق من العبد بحسابه ، وسرى العتق في الباقي ، وسعى في باقي قيمته ، كما في كل مبعض.
قالوا : وانما لم يحكم بعتق ثلث كل واحد مع ان كل واحد منهم بمنزلة الموصى له ، وقد قرروا أن الوصايا إذا وقعت دفعة قسط عليها الثلث بالنسبة للحديث النبوي المتقدم ذكره ، فإنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) انما جزى العبيد أثلاثا ، وأعتق
1) سنن البيهقي ج 6 ص 272.
الثلث الذي خرجت فيه القرعة ، ولم يحكم في ثلث كل واحد واحد ، وأيضا فإن العتق على هذا الوجه موجب للإضرار بالورثة ، لانعتاق الجميع حينئذ ، فإنه متى انعتق ثلث كل واحد ووجب السعي في قيمته صار حرا فيصير الجميع أحرارا.
أقول : ومن هنا يعلم أن المسئلة غير خالية من شوب الإشكال ، لأن الخبر غير ثابت كما عرفت ، والإضرار بالورثة غير مسموع إذا اقتضته القواعد الشرعية ان ثبت ما ذكروه من تلك القاعدة المذكورة ، والظاهر ثبوتها كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى في محله ، هذا كله إذا لم يجز الورثة ، وإلا فلا اشكال.
ومنها - ما لو أوصى بعتق عدد مخصوص من عبيده ، وفيه قولان : فقيل : انه يستخرج ذلك العدد بالقرعة ، وقيل : انه يتخير الوارث في ذلك المقدار ، فيعينه فيمن أراد ، وجه الأول أن العتق للمعتق ، ولا ترجيح فيه لبعضهم على بعض ، فوجب التوصل إليه بالقرعة.
ووجه الثاني أن متعلق الوصية متواطئ ، فيتخير الوارث في تعيينه كغيره ولأن المتبادر من اللفظ الاكتفاء بأي عدد كان من الجميع وهو اختيار المحقق في الشرائع : والشارح في المسالك قال : وهذا أقوى ، وان كانت القرعة أعدل.
ومنها - ما لو أعتق مملوكه عند الوفاة منجزا وليس له غيره ، قيل : عتق كله ، وقيل ينعتق ثلثه ، ويسعى للورثة في باقي قيمته ، ولو أعتق ثلثه سعى في باقيه ان لم يكن للمعتق مال غيره ، فاضل من مستثنيات الدين ، وإلا سرى العتق عليه في ثلث المال الفاضل.
أقول : أما المسئلة الأولى فهي أحد جزئيات مسئلة منجزات المريض ، والخلاف فيها بين كون ذلك من الأصل أو الثلث مشهور ، وسيأتي تحقيق الحال فيها ان شاء اللّه تعالى في المسائل الآتية.
وأما المسئلة الثانية فالوجه في سعي العبد في باقي قيمته بالشرط المذكور ،
ان ذلك قاعدة كلية في كل موضع يصير بعضه حرا ، فإنه يجب عليه السعي في فك رقبته من جميع ما يكتسبه فاضلا عن مؤنته ، لا أنه يختص بنصيب الحر خاصة ، كما صرحوا به.
وأما الوجه في فك العتق له كان له مال فاضلا عما ذكرناه ، فلان سبب السراية هو العتق الذي وقع المال ، وقد وقع في حال المرض كما هو المفروض ، واعتبر من الثلث ، فيكون مسببه وهو السراية كذلك ، يكون من الثلث ، هذا خلاصة ما ذكروه في المقام.
ومنها - ما لو أوصى بعتق رقبة مؤمنة وجب ، فان لم يجد أعتق من لا يعرف بنصب ، والمراد بالمؤمنة هو الايمان الخاص ، وهو القول بإمامة الأئمة الاثني عشر عليهمالسلام وأنه مع تعذر ذلك يعتق من لا ينصب ، والمراد بهم المستضعفون ، والجاهلون بأمر الإمامة ، وهم أكثر الناس في زمان الأئمة عليهمالسلام كما استفاضت به الأخبار من تقسيم الناس يومئذ إلى الأصناف الثلاثة ، مؤمن ، وضال ، وهو من لا يعرف ولا ينكر ، وكافر ، وهو من أنكر الولاية ، وقد تقدم تحقيق ذلك في مواضع ، ولا سيما في كتاب الطهارة ، وهذا القسم أعنى أهل الضلال مما صرحت الأخبار بأنهم من المسلمين ، وليسوا بالمؤمنين ، ولا الكافرين ، وأنهم في الدنيا يعاملون بمعاملة المسلمين ، وتجري عليهم أحكام الإسلام ، وفي الآخرة من المرجئين لأمر اللّه ، إما يعذبهم ، وإما يتوب عليهم ، بل ربما دلت بعض الأخبار على دخولهم الجنة بسعة الرحمة الإلهية ، وأما المنكرون للإمامة وهم المشار إليهم في الأخبار بالنصاب ، فهم من الكفار الحقيقيين ، خلافا للمشهور بين علمائنا المتأخرين ، ولتحقيق المقام محل آخر.
وكيف كان فمما يدل على الحكم المذكور ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن أبي حمزة (1)قال : «سألت عبدا صالحا عن رجل هلك فأوصى بعتق
1) الكافي ج 7 ص 18 ح 10 بزيادة كلمة مسلمة ، الوسائل ج 13 ص 462 ح 2.
نسمة بثلاثين دينارا فلم يوجد له بالذي سمى؟ قال : ما أرى لهم أن يزيدوا على الذي سمى ، قلت : فان لم يجدوا؟ قال : يشترون من عرض الناس ما لم يكن ناصبا».
وما رواه الصدوق في الفقيه عن على بن أبي حمزة (1)عنه عليهالسلام أنه قال «فليشتروا من عرض الناس ما لم يكن ناصبيا».
وما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن الى على بن أبي حمزة (2)«قال سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل أوصى بثلاثين دينارا يعتق بها رجل من أصحابنا فلم يوجد بذلك قال : يشترى من الناس فيعتق».
وشيخنا في المسالك لم يورد دليلا على القول المذكور إلا الرواية الأخيرة ، ثم اعترضها بضعف السند بعلي بن أبي حمزة ، قال فالحكم بها مع مخالفة مقتضى الوصية ضعيف ، ثم قال : ومع ذلك فليس في الرواية تقييد بعدم النصب ، لكن اعتبره الجماعة نظرا الى أن الناصبي كافر ، وعتق الكافر غير صحيح ، فالقيد من خارج ، الى أن قال : والأقوى أنه لا يجزى غير المؤمنة مطلقا ، فيتوقع المكنة ، انتهى.
أقول : أما الرد بضعف السند فليس بمسموع عندنا ، ولا عند المتقدمين ، ولا معتمد مع أن أصحاب هذا الاصطلاح متى اتفق الأصحاب على العمل بالخبر تلقوه بالقبول ، والأمر كذلك إذ لا مخالف في الحكم فيما أعلم ، على أنه قد تقدم منه قريبا في مسئلة عدم قبول شهادة الوصي مع التهمة ، ما يدل على تمسكه بالشهرة وان كانت خالية من الدليل بالكلية ، فإنه بعد أن استحسن مذهب ابن الجنيد عدل عنه الى المشهور من حيث الشهرة لا غير ، كما تقدم إيضاحه.
وأما طعنه في الرواية بأنها خالية من التقييد بعدم النصب ، ففيه أن الروايتين
الأخيرتين قد صرحتا بما ذكره الأصحاب من الشرط المذكور.
فان قيل : ان الروايتين لا دلالة لهما على كون الرقبة الموصى بها مؤمنة كما هو المدعى ، ولعله لهذه الجهة لم يورد شيخنا المذكور هذين الخبرين.
قلنا : هذا غلط محض ، فإن المسئول عنه وان كان مجملا ، لكن الحمل على المؤمنة معلوم من جوابه عليهالسلام ، وهو قرينة على أن المسئول عنه يومئذ إنما هو الرقبة المؤمنة ، وذلك فإن الأمر بالشراء بعد تعذر المأمور به بتلك القيمة لمن كان من عرض الناس ، إلا أن يكون ناصبيا ، ظاهر في كون المأمور به رقبة مؤمنة ، والتفصيل فيه جار على ما قدمناه من تقسيم الناس الى تلك الأقسام الثلاثة في وقتهم عليهمالسلام ، وان المراد بهذا الذي هو من عرض الناس هم الضلال الذين لا يعرفون ولا ينكرون ، فانا قد أشرنا سابقا الى أن المفهوم من الأخبار أن جل الناس في وقتهم كانوا من هذا الصنف.
وبالجملة فإن الحكم بما هو مشهور صحيح ، ولا يعتريه فتور ولا قصور ومما يدل على جواز عتق المستضعفين المشار إليهم في هذه الأخبار بعرض الناس اختيارا لأنهم من المسلمين ، فتجري عليهم أحكام الإسلام التي من جملتها العتق.
صحيحة الحلبي (1)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : الرقبة تعتق من المستضعفين؟ قال : نعم». إلا أن الظاهر تقييده بما إذا لم تكن الرقبة مشروطا فيها أن تكون مؤمنة.
ومنها أنه لو أوصى بعتق رقبة بثمن معين فلم يجدها بذلك الثمن ، بل وجدها بأكثر منها لم يجب شراؤها ، ولم تجب عليه الزيادة ، ويدل عليه ما تقدم في رواية علي بن أبي حمزة ، حيث قال السائل «فلم توجد بالذي سمى ، فقال عليهالسلام : ما أرى لهم أن يزيدوا على الذي سمي». وحينئذ فيجب عليه الصبر ، وتوقع
1) الكافي ج 6 ص 182 ح 3 ، الوسائل ج 16 ص 23 ح 1.
وجودها بما عين له ، فإن يئس من ذلك ففي بطلان الوصية أو صرفه في البر أو شراء شقص به ، فان تعذر فأحد الأمرين أوجه ، استجود في المسالك شراء الشقص قال : لأنه أقرب الى مراد الموصي من عدمه ، ولعموم «فأتوا منه ما استطعتم».
أقول : لا يخفى أن الأظهر بناء على ما تقدم في نظائر هذه المسئلة هو الصرف في وجوه البر ، إلا أن يجعل ما ذكره من شراء الشقص داخلا في وجوه البر ، وتكون هذه الوجوه التي ذكرها مؤيدة.
وكيف كان فالظاهر هو الصرف في وجوه البر كيف كان ، ونقل عن التذكرة الميل الى القول بالبطلان ، حيث نفى عنه البأس ، وفيه ما عرفت في أصل المسئلة المتقدمة من صون هذا القول ، لأن هذه الصورة أحد جزئيات تلك المسئلة ، ولو وجدت بأقل اشتراها وأعتقها ، ورفع إليها ما بقي من الموصى به.
ويدل على الحكم المذكور ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) في الصحيح إلى سماعة ، فيكون الموثق (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى أن يعتق عنه نسمة بخمسمائة درهم من ثلثه ، فاشترى الوصي نسمة بأقل من خمسمائة درهم ، وفضلت فضلة ، فما ترى؟ قال : تدفع الفضلة إلى النسمة من قبل أن تعتق ، ثم تعتق عن الميت».
قال في المسالك : والرواية مع ضعف سندها بسماعة دلت على اجزاء الناقصة وان أمكنت المطابقة ، لأنه لم يستفصل فيها ، هل كانت المطابقة ممكنة أم لا؟ وترك الاستفصال من وجوه العموم ، إلا أن الأصحاب نزلوها على تعذر الشراء بالقدر ، ولا بأس بذلك مع اليأس من العمل بمقتضى الوصية ، لوجوب تنفيذها بحسب الإمكان ، وإعطاء النسمة الزائد صرف له في وجوه البر ، وهو في محله حينئذ ، وتبقى الرواية شاهدا ان لم تكن حجة ، لأن سماعة وان كان واقفيا
1) الكافي ج 7 ص 19 ح 13 ، التهذيب ج 9 ص 221 ح 868 ، الفقيه ج 4 ص 159 ح 557 ، الوسائل ج 13 ص 465 الباب 77.
لكنه ثقة ، فتبني حجيتها على قبول الموثق ، أو على جبر الضعف بالشهرة ، وعلى ما بيناه لا ضرورة الى ذلك ، لموافقة مضمونها للقواعد إذا قيدت باليأس من تحصيل النسمة بالشرط ، انتهى.
أقول : الظاهر - واللّه سبحانه وأولياؤه أعلم - أن الموصي أوصى بشراء نسمة تكون مما يساوى هذا الثمن عرفا ، واتفق حصول بعض أفراد هذا النوع بأقل من هذا الثمن ، فان الحكم فيه ما ذكر من صحة الشراء وإعطاء الزائد النسمة.
أما صحة الشراء فلأن المفروض أنه من النوع الذي أمر به ، وان اتفق حصوله بأقل من الثمن المعين ، لأن الموصي إنما قصد بتعيين الثمن بيان النوع الذي يريده ، بمعنى أنه يكون من الأنواع التي تكون قيمتها بحسب العرف والعادة خمسمائة درهم ، فالغرض إنما هو بيان النوع ، والذي اشتراه الوصي من هذا النوع ، إلا أنه اتفق له بأقل من الثمن المحدود ، وحينئذ فزيادة الثمن ونقصانه غير ملحوظ في الأمر بالشراء ، وانما الملحوظ تعيين النوع ، وقد حصل ، فلا مخالفة في الرواية بوجه من الوجوه ، ولا يحتاج الى تنزيلها على تعذر الشراء بالقدر ، كما نقله عن الأصحاب ، ولا الى الحمل على اليأس من العمل بمقتضى الوصية كما ذكره ، لأن العمل بمقتضى الوصية قد حصل بشراء تلك النسمة ، حيث انها من النوع الذي أراده الموصي ، والثمن لا مدخل له في ذلك حيث انه انما ذكر لبيان ذلك النوع ومعرفته ، لا أنه ملحوظ له أولا وبالذات كما توهمه حتى أنه بالنقصان عنه قد خالف مقتض الوصية ، وما ذكرناه بحمد اللّه سبحانه صحيح ، لا قصور فيه ولا ريب يعتريه.
وأما صرف الزائد فهو يرجع الى صرفه في وجوه البر ، كما هو المقرر في مثله.
بقي الكلام في أن الرواية دلت على أن المعتق بعد إعطاء الزائد النسمة والمفهوم من كلام الأصحاب عدم التقييد بذلك ، وأنه لا فرق في دفع الزائد إلى النسمة بين كونه قبل العتق أو بعده ، واللّه العالم.
ومنها أنه لو أعتق رقبة بظن أنها مؤمنة ، ثم بانت بخلاف ذلك ، قالوا : أجزأت عن الموصى له ، وعلله في المسالك بأنه متعبد في ذلك بالظاهر ، لا بما في نفس الأمر ، إذ لا يطلع على السرائر إلا اللّه ، فقد امتثل الأمر ، وهو يقتضي الإجزاء ، انتهى وهو جيد.
أقول : ويدل عليه أيضا ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه تعالى مراقدهم) عن عمار بن مروان (1)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال فيه «قلت : وأوصى بنسمة مؤمنة عارفة فلما أعتقناه بان لنا أنه لغير رشدة ، فقال : فقد أجزأت عنه».
وزاد في الكافي الفقيه «إنما ذلك مثل رجل اشترى أضحية على انها سمينة فوجدها مهزولة ، فقد أجزأت» ، والمراد بقوله «لغير رشدة» يعنى ولد الزنا وفي الخبر إشارة واضحة الى عدم ايمان ولد الزنا كما هو حق عندي في المسئلة ، وقد تقدم تحقيق القول فيه في كتاب الطهارة.
وفيه مسائل الاولى : الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في أنه يشترط في الموصى إليه الوجود حال الوصية ، فلو أوصى لميت بطلت ، وكذا لو أوصى لمن يظن وجوده ، ثم تبين أنه قد مات حال الوصية ، قالوا ، والوجه في ذلك أن الوصية لما كانت عبارة عن تمليك عين أو منفعة كما تقدم من تعريفها بذلك ، فلا بد من أن يكون الموصى له قابلا للتمليك ، ليتحقق مقتضاها ، فلا تصح الوصية للميت ولا لما تحمله المرأة ، ولا لمن علم موته حين الوصية ، للعلة المذكورة.
1) الكافي ج 7 ص 62 ح 17 ، التهذيب ج 9 ص 236 ح 920 ، الفقيه ج 4 ص 172 ح 604 ، الوسائل ج 13 ص 481 ح 2.
قال في المسالك : وأما الوصية لمن سيوجد ، فقد أطلق الأصحاب وغيرهم المنع منه ، ولو بالتبعية للموجود ، مع أنه قد تقدم جواز الوقف على المعدوم تبعا للموجود ، ودائرة الوقف أضيق من دائرة الوصية ، كما يعلم من أحكامها ، ويمكن الفرق بينهما لافتراقهما في هذا الحكم بأن الغرض من الملك في الوقف ملك العين على وجه الحبس ، وإطلاق الثمرة ، والموقوف حقيقة هو العين ، وملكها حاصل للموقوف عليه الموجود ، ثم ينتقل منه الى المعدوم ، وان كان يتلقى الملك من الواقف ، ففائدة الملك المقصودة منه متحققة فيهما ، بخلاف الوصية فإنه لو أوصى الى موجود ، ثم الى معدوم بذلك الموصى به أولا ، فإن مقتضى الوصية تمليك الموصى له ، فيكون الموصى به ملكا لذلك الموجود يتصرف فيه كيف يشاء ، ولو ببيعه وإخراجه عن ملكه ، وهذا مما ينافي الوصية للمعدوم بها ، لأن الوصية له يقتضي تمليكه أيضا ، والحال أن العين الموصى بها قد صارت ملكا للأول ، ويلزم أيضا أنه بالوصية إلى المعدوم من أول الأمر ينتقل العين الموصى بها اليه ، كما هو مقتضى الوصية ، مع أنه معدوم في ذلك الوقت ولا يصلح للتملك.
نعم لو كانت الوصية بثمرة بستان لزيد ، ولأولاده المتجددين من بعده وهذا موضع شبهة في المقام ، فإنه وان لم يأت فيه ما تقدم من المحذور الأول ، إلا أن الثاني آت فيه ، لأنه بالوصية الى زيد ولأولاده ينتقل الموصى به الى كل منهما ، وكل منهما يوصى له بطريق الاستقلال لأن الثمرة التي تملكها الأول بالوصية غير الثمرة التي تملكها الأخر في زمانه ، ومقتضى الوصية التمليك ، فيلزم بمجرد الوصية تملك المعدوم ، مع أنه غير قابل للتملك ، ولو بالتبعية ، بخلاف الوقف ، لأن الملك متحقق للموجود في الأصل ابتداء ، ومنه ينتقل الى المعدوم بعد وجوده ، ويزيد ذلك تأييدا أو تعليلا وتشييدا أن الوصية كما عرفت من المملكات موجبة لنقل الملك من الموصى الى الموصى له ، فلا بد من الدليل الشرعي على صحة تملك الوصية ، ليترتب عليها الأثر المذكور ، والذي علم من الأدلة والأخبار الواردة في
باب الوصية هو تخصيص ذلك بالوصية إلى الموجود ، والحكم بالصحة في المعدوم يتوقف على الدليل ، وليس فليس.
الثانية : الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضياللّهعنهم) في صحة الوصية للوارث والأجنبي وغير الوارث من الأقارب ، والخلاف هنا إنما هو من الجمهور ، فإن أكثرهم على عدم جوازها للوارث ، ورووا في ذلك عنه (1)(صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أنه قال : «لا وصية لوارث». ويدل على ما ذكره الأصحاب الآية ، وهي قوله عزوجل (2)«كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» ومن الظاهر أن الوالدين يكونان وارثين البتة ، فهي صريحة في جواز الوصية للوارث ، والأقارب قد يكونوا وارثين أيضا فتدل الآية أيضا على ذلك بإطلاقها ، فالمراد بقوله في الآية «كُتِبَ» ليس للوجوب ، بل المراد التأكيد والحث على ذلك.
وقد اضطرب كلام العامة في المقتضى عن الآية والجواب عنها ، فقيل : بأنها منسوخة بآية المواريث وقد رواه العياشي في تفسيره عن ابن مسكان (3)عن أبى جعفر عليهالسلام في قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» قال : هي منسوخة نسختها آية الفرائض التي هي المواريث. وجملة من أصحابنا حملوا هذه الرواية على التقية ، لما عرفت من أن المنع مذهب العامة.
ويحتمل قريبا حمل النسخ فيها على نسخ الوجوب ، فان ظاهر الآية الوجوب وأنه قد نسخ بآية المواريث ، فلا ينافي الجواز بل الاستحباب.
ومنهم من حمل الوالدين على الكافرين ، وباقي الأقارب على غير الوارث
منهم جمعا ، ومنهم من جعلها منسوخة فيما يتعلق بالوالدين خاصة.
قال في المسالك : ويبطل الأول بأن الشيء إنما ينسخ غيره إذا لم يمكن الجمع بينهما ، وهو هنا ممكن بحمل الإرث على ما زاد عن الثلث ، كغيرها من الوصايا ، وبه يبطل الباقي ، قال : والخبر على تقدير تسليمه يمكن حمله على نفي وجوب الوصية الذي كان قبل نزول الفرائض ، أو على نفي الوصية مطلقا ، بمعنى إمضائها ، وان زادت عن الثلث ، كما يقتضيه إطلاق الآية ، والمراد نفي الوصية عما زاد عن الثلث.
ثم ان مما يدل على الوصية للوارث الأخبار المتكاثرة ، ومنها ما رواه في الكافي عن أبى بصير (1)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 374 ح 3 وص 373 ح 1 وص 374 ح 4 و 5 وص 373 ح 2
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الوصية للوارث ، فقال : تجوز.وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن أبي ولاد الحناط (2)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 374 ح 3 وص 373 ح 1 وص 374 ح 4 و 5 وص 373 ح 2
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الميت يوصى للوارث بشيء؟ قال : نعم ، أو قال جائز له».وما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 374 ح 3 وص 373 ح 1 وص 374 ح 4 و 5 وص 373 ح 2
في الصحيح «عن أبى جعفر عليهالسلام قال : الوصية للوارث لا بأس بها».وعن محمد بن مسلم (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 374 ح 3 وص 373 ح 1 وص 374 ح 4 و 5 وص 373 ح 2
في الموثق قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الوصية للوارث؟ قال : تجوز».وما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 374 ح 3 وص 373 ح 1 وص 374 ح 4 و 5 وص 373 ح 2
في الموثق عن أبى جعفر عليهالسلام قال : «سألته عن الوصية للوارث؟ فقال : تجوز ، قال : ثم تلا هذه الآية «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ».وفي هذا الخبر ما يؤذن بحمل خبر العياشي على المعنى الثاني ، وهو أن
1) الكافي ج 7 ص 9 ح 1 و 2 و 3 وص 10 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 199 ح 791 و 798 ، الفقيه ج 4 ص 144 ح 493. الوسائل ج.
2) الكافي ج 7 ص 9 ح 1 و 2 و 3 وص 10 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 199 ح 791 و 798 ، الفقيه ج 4 ص 144 ح 493. الوسائل ج.
3) الكافي ج 7 ص 9 ح 1 و 2 و 3 وص 10 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 199 ح 791 و 798 ، الفقيه ج 4 ص 144 ح 493. الوسائل ج.
4) الكافي ج 7 ص 9 ح 1 و 2 و 3 وص 10 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 199 ح 791 و 798 ، الفقيه ج 4 ص 144 ح 493. الوسائل ج.
5) الكافي ج 7 ص 9 ح 1 و 2 و 3 وص 10 ح 4 و 5، التهذيب ج 9 ص 199 ح 791 و 798 ، الفقيه ج 4 ص 144 ح 493. الوسائل ج.
المراد نسخ الوجوب ، فإن الإمام عليهالسلام قد استدل بها على جواز الوصية للوارث ، وما دان إلا باعتبار حمل قوله «كُتِبَ» على تأكيد الاستحباب.
وأما ما رواه الشيخ عن القاسم بن سليمان (1)«قال سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل اعترف لوارث بدين في مرضه ، فقال : لا تجوز وصية لوارث ولا اعتراف». فقد أجاب عنه الشيخ في التهذيبين بالحمل على التقية ، قال لموافقته مذاهب العامة ومخالفته للقرآن ، وحمله في الفقيه على أكثر من الثلث.
الثالثة : اختلف الأصحاب في جواز الوصية للذمي على أقوال : فقيل : بالصحة مطلقا رحما كان أو غيره ، وهو قول ابن إدريس ومن تبعه ، ومنهم المحقق والعلامة.
وقيل : بالعدم مطلقا وهو القاضي ابن البراج ، وقيل : تصح إذا كان رحما ، ولا تصح ان كان أجنبيا ، نقله الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا.
ويدل على الأول قوله عزوجل (2)«لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ. الى قوله أَنْ تَبَرُّوهُمْ» والوصية بر.
ومن الأخبار ما رواه المشايخ الثلاثة (قدس اللّه أرواحهم) عن محمد بن مسلم (3)في الصحيح قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى بماله في سبيل اللّه فقال : أعطه لمن أوصى به له ، وان كان يهوديا أو نصرانيا ، أن اللّه تبارك وتعالى يقول (4)( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) ».
وما رواه في الكافي والتهذيب بسند صحيح غير الأول عن محمد بن مسلم (5)
1) التهذيب ج 9 ص 200 ح 799 ، الوسائل ج 13 ص 375 ح 12.
2) سورة الممتحنة - الاية 8.
3) التهذيب ج 9 ص 203 ح 808 ، الكافي ج 7 ص 14 ح 1 ، الفقيه ج 4 ص 48 ح 514 ، الوسائل ج 13 ص 411 الباب 32.
4) سورة البقرة - الاية 181.
5) الكافي ج 7 ص 14 ح 2 ، التهذيب ج 9 ص 201 ح 804 ، الوسائل ج 13 ص 411 الباب 32 ذيل الرواية الأولى.
عن أحدهما عليهماالسلام مثله بأدنى تفاوت.
وما رواه المشايخ الثلاثة أيضا عن يونس بن يعقوب (1)«أن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات ، وكان لا يعرف هذا الأمر ، فأوصى بوصية عند الموت وأوصى أن يعطى شيء في سبيل اللّه فسئل عنه أبو عبد اللّه عليهالسلام كيف يفعل به؟ فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر ، فقال : لو أن رجلا أوصى الي أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما ، أن اللّه عزوجل يقول «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» فانظروا الى من يخرج الى هذا الوجه يعنى «بعض الثغور» فابعثوا به اليه».
واستدل للثاني - بأن الوصية تستلزم المودة ، وهي محرمة بالنسبة إلى الكافر ، بقوله تعالى (2)«لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ» وهي متناولة للأرحام وغيرهم.
ورده في المسالك فقال : ويضعف بمعارضته بقوله تعالى (3)«لا يَنْهاكُمُ اللّهُ» الآية والذمي مطلقا داخل فيها ، وبما تقدم من الأخبار ، وبقوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (4)«على كل كبد حرى أجرا» ، وينتقض بجواز هبته وإطعامه ويمنع كون مطلق الوصية له موادة ، لأن الظاهر أن المراد منها موادة المحاد لله من حيث هو محاد لله بقرينة ما ذكر من جواز صلته ، وهو عين المتنازع ، لأنا لا نسلم أنه لو أوصى للكافر من حيث انه كافر لا من حيث أنه عبد لله وذو روح من أولاد آدم المكرمين لكانت الوصية باطلة ثم انه اختار القول بالصحة مطلقا
للآية المتقدمة ، والأخبار المذكورة معها.
أقول : لقائل أن يقول : ان الأخبار المذكورة لا دلالة فيها على أزيد من وجوب تنفيذ الوصية كما أوصى به الموصي ، وهو لا يستلزم جواز ذلك ، بل من الممكن أن يكون ما فعله محرما يأثم عليه وان وجب تنفيذه على الوصي ، واليه تشير الأخبار المذكورة ، فإن الظاهر من الأخبار أن معنى سبيل اللّه هو جميع وجوه البر كما تقدم بيانه ، وان تفسيره بالجهاد إنما هو مذهب العامة ، ولهذا انه عليهالسلام في خبر يونس بن يعقوب أمر بصرفه في ذلك لكون الموصي مخالفا.
وبالجملة فإن النهي عن موادة الذمي وصلته التي من جملتها الوصية له لا ينافي وجوب تنفيذها بالآية المذكورة ، ألا ترى أن البيع بعد النداء يوم الجمعة محرم يأثم فاعله مع أنه صحيح لو وقع ، ومرجع ذلك الى أن الآية قد دلت على أنه يجب تنفيذ ما أوصى به حسبما أوصى به ، سواء كان ما فعل من الوصية جائزا أو محرما ، واثم تحريمه انما يتعلق به ، لا بالموصي ، نعم تبقى المعارضة بين الآيتين المذكورتين ، والجمع بينهما مشكل ، وقد مر في كتاب الوقف مزيد كلامه في ذلك : وأما استناده فيما ذكره الى الخبر النبوي المذكور ، والى أنه تجوز هبته وإطعامه فهو ناش من الغفلة عن مراجعة النصوص الواردة في هذا الباب ، وذلك فإنه قد روى ثقة الإسلام في الكافي النهي عن إطعام الكافر ، عن أبي يحيى (1)عن بعض أصحابنا «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة ، ومن أشبع كافرا كان حقا على اللّه أن يملأ جوفه من الزقوم ، مؤمنا كان أو كافرا».
وروى الصدوق قدسسره في كتاب معاني الأخبار بسنده فيه عن النهيكي (2)رفعه الى أبي عبد اللّه عليهالسلام «أنه قال من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج من الإسلام فقلت له : هلك إذا كثير من الناس ، فقال : انما عينت بقولي «من مثل
مثالا» من نصب دينا غير دين اللّه ودعى الناس اليه ، وبقولي «من اقتنى كلبا مبغضا لأهل البيت اقتناه فأطعمه وسقاه من فعل ذلك فقد خرج عن الإسلام».
وعن معلى بن الحسين (1)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : «من أشبع عدوا لنا فقد قتل وليا لنا».
وفي وصيته (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لأبي ذر المنقولة في كتاب مجالس الشيخ (2): «يا أبا ذر لا يأكل طعامك إلا تقي. الى أن قال : أطعم طعامك من يحب في اللّه ، وكل طعام من يحبك في اللّه».
وروى في التهذيب عن عمر بن يزيد (3)«قال سألته عن الصدقة على النصاب وعلى الزيدية ، فقال : لا تصدق عليهم بشيء ولا تسقهم من الماء ان استطعت ، وقال : الزيدية هم النصاب».
وعن ابن أبى يعفور (4)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : جعلت فداك ما تقول في الزكاة؟ الى أن قلت : فيعطى السؤال منها شيئا؟ قال : فقال : لا واللّه إلا أن ترحمه فان رحمته فأعطه كسرة ثم أو مى بيده فوضع إبهامه على أصول أصابعه».
وفي رواية أبي بصير (5)
و هذه الروايات في الوسائل ج 16 ص 524 ح 3 و 4 و ج 6 ص 288 ح 2 و ص 153 ح 6 و ص 170 ح 1.
«عن الصادق عليهالسلام قال : أبو عبد اللّه عليهالسلام أترون أنما في المال الزكاة وحدها ، ما فرض اللّه في المال من غير الزكاة أكثر ، تعطى منه القرابة والمتعرض لك ممن يسألك فتعطيه ما لم تعرفه بالنصب ، فإذا عرفته بالنصب فلا تعطه إلا أن تخاف لسانه فتشترى دينك وعرضك منه».الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدلالة على ذلك ، وهي مؤيدة لما دلت
عليه الآية المذكورة أعني قوله تعالى (1)«لا تَجِدُ قَوْماً» الآية ويعضده هذه الآية أيضا قوله عزوجل (2)«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ» الى أن قال «وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ».
وأنت خبير بما فيها من التسجيل على النهي عن الموادة لهم على أبلغ وجه وأكده ، ولا ريب أن الوصية لهم نوع محبة كما لا يخفى ، وبما ذكرناه من الاعتضاد بهذه الآية والأخبار المذكورة يظهر ترجيح العمل بآية «لا تَجِدُ قَوْماً» على الآية الأخرى وهي (3)«لا يَنْهاكُمُ اللّهُ» الآية.
ومن المحتمل قريبا تخصيص هذه الآية بمعنى لا ينافي ما دلت عليه تلك الآيات والأخبار ، كما ذكره الطبرسي في كتاب مجمع البيان ، قال : أي ليس ينهاكم اللّه عن مخالطة أهل العهد الذين عاهدوكم على ترك القتال ، وبرهم ومعاملتهم بالعدل ، وهو قوله (4)«أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ» أي وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد ، نقل ذلك عن الزجاج ، وإذا قام هذا الاحتمال فلا دلالة في الآية على المخالفة ، ثم نقل قولا بأنها منسوخة بآية (5)«فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» عن ابن عباس والحسن وقتادة وعلى هذا فلا إشكال أيضا إلا أن ظاهر كلامه الأخير يؤذن بالمخالفة ، وقد تقدم نقله في كتاب الوقف.
والمراد بالناصب في هذه الأخبار هو المخالف الغير المستضعف ، ولا الجاهل بالإمامة لا ما يتوهمه متأخر وأصحابنا من المعلن بعداوة أهل البيت عليهمالسلام كما
تقدم تحقيقه في غير مقام ، ولا سيما في كتب العبادات.
وبذلك يظهر لك ما في قوله «انا لا نسلم أنه لو أوصى للكافر من حيث انه كافر لكانت الوصية باطلة» ، فإن فيه ما عرفت من أنه لا منافاة بين إنفاذ الوصية بعد وقوعها ، وعدم جواز الوصية له ، ومحل البحث إنما هو جواز الوصية ، وقد دلت الأخبار التي سردناها على عدم جواز صلة الكافر ، والوصية من جملة ذلك ، فلا يجوز حينئذ ، ولكن بعد وقوعها وإن أثم الموصي بذلك لا تجوز مخالفته لمقتضى الأخبار المذكورة المعتضدة بالآية الدالة على النهي عن التبديل والمخالفة لما أوصى به.
واستدل للقول الثالث بما ورد من الحث على صلة الرحم مطلقا ، فيتناول الذمي ، ورد بأن ذلك غير مناف لما دل على صلة غيره.
أقول : هذا الجواب انما يتم لو دل الدليل على صلة غيره ممن هو محل البحث ، وأما على ما ذكرناه من عدم جواز ذلك كما عرفته ، فالقول المذكور وما علل به جيد لا بأس به ، إلا أنه يمكن أن يقال : انه قد تعارض هنا عمومان : أحدهما - ما دل على صلة الرحم متدينا كان أو غيره ، وثانيهما - ما دل على المنع من صلة الكافر مطلقا رحما كان أو غيره ، كما عرفت من الأخبار التي ذكرناها ، وتخصيص أحد العمومين بالآخر يحتاج الى دليل ، ومن ذلك يظهر أن الأظهر هو القول بالمنع مطلقا ، ويؤيده أنه الأحوط من هذه الأقوال ، والاحتياط أحد المرجحات الشرعية في مقام التعارض بين الأدلة ، هذا بالنسبة إلى الذمي.
وأما الحربي والمراد به ما هو أعم من الوثني أو الذمي الذي لا يقوم بشرائط الذمة ، والظاهر أن المشهور بينهم هو عدم صحة الوصية له ، واستدل عليه بقوله تعالى (1)«إِنَّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ» الآية ، والحربي ناصب نفسه لذلك.
1) سورة الممتحنة - الاية 9.
قال في المسالك : وفيه نظر ، لأن الحربي قد لا يكون مقاتلا بالفعل بل ممتنعا من التزام شرائط الذمة ، فلا يدخل في الآية ، وقوله عليهالسلام في الخبر السابق «أعطه لمن أوصى له ، وان كان يهوديا أو نصرانيا» ، واستشهاده بالآية يتناول بعمومه الحربي ، لأن «من» عامة في المتنازع وكذلك اليهودي والنصراني شامل للذمي وغيره ، حيث لا يلتزم بشرائط الذمة ، انتهى.
أقول : من المحتمل قريبا - بل الظاهر أنه هو المراد - أن المراد بالقتال في الدين انما هو بعد طلبهم الى الدخول في الدين ، أو القيام بالجزية ان كانوا من أهل الكتاب ، بمعنى انكم إذا طلبتموهم الى ذلك قاتلوكم ، ولم يجيبوا دعوتكم ، ونصبوا لكم القتال ، لا أن المراد أنهم يبتدءونكم بالقتال ، وينصبون لكم الحرب ، وان لم تدعوهم إلى الإسلام ، إذ من الظاهر أن أهل مكة الذين هم مورد الآية وغيرهم انما قاتلوا رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) بعد الدعوة الى الإسلام ، وطلبهم الى الدخول فيه ، وإلا فلو كف عنهم لكفوا عنه ولم يقاتلوه بالكلية.
وأما الاستناد إلى ما ذكره من قوله عليهالسلام في الخبر السابق «أعطه لمن أوصى له وان كان يهوديا» ، فان فيه ما قدمنا تحقيقه من أنه لا يلزم من وجوب التنفيذ صحة الوصية ، بل يجب على الوصي إنفاذ ما أوصى به وان كان أصل الوصية منهيا عنه ، جمعا بين الآيات والأخبار الدالة على النهي عن صلة الكافر وموادته ، والوصية من قبيل ذلك ، وبين الأخبار المشار إليها الدالة صريحا على وجوب تنفيذ ما أوصى به ، وليس فيما ذكرناه من هذا القول ما يطعن به عليه ، إلا كونه خلاف المشهور بينهم ، وإلا فالقواعد الشرعية لا تنافيه بل تعضده ، كما تقدمت الإشارة إليه.
ثم ان ما استدل به على عدم صحة الوصية للحربي وكذا الوقف عليه أن مال الحربي فيء للمسلمين ، فلا يجب دفعه إليه لأنه غير مالك ، فلو جازت
الوصية له لكان إما أن يجب على الوصي دفعه اليه وهو باطل لما تقدم ، أو لا يجب وهو المطلوب ، إذ لا معنى لبطلان الوصية إلا عدم وجوب تسليمها الى الموصى له.
واعترضه في المسالك بأن فيه منع استلزام عدم وجوب دفع الوصية إليه بطلانها ، لأن معنى صحتها ثبوت الملك له إذا قبله فيصير حينئذ ملكا من أملاكه يلزمه حكمه ، ومن حكمه جواز أخذ المسلم له ، فإذا حكمنا بصحة وصيته ، وقبضه الوصي ثم استولى عليه من جهة أنه مال الحربي ، لم يكن منافيا لصحة الوصية ، وكذا لو منعه الوارث لذلك ، وان اعترفوا بصحة الوصية.
وتظهر الفائدة في جواز استيلاء الوصي على العين الموصى بها الحربي ، فيختص بها دون الورثة ، وكذا لو استولى عليها بعض الورثة دون بعض ، حيث لم يكن في أيديهم ابتداء ، ولو حكمنا بالبطلان لم يأت هذا ، بل يكون الموصى به من جملة التركة ، لا يختص بأحد من الورثة.
أقول : يمكن أن يقال : أن مراد المستدل المذكور هو أنه لما أباح الشارع ماله وجعله فيئا للمسلمين ، دل ذلك على كونه غير أهل للملك ، بمعنى أنه لا يدخل شيء في ملكه ، بأي نحو كان ، وأن هذا المال الذي كان عنده انما هو بمنزلة الأشياء المباحة للناس ، كل من سبق اليه وحازه ملكه دون غيره ، وكونه في يده قبل الاستيلاء عليه بالقهر والغلبة من المسلمين ، لا يدل على الملك ، وعلى هذا فلا يجوز إدخال شيء في ملكه بوصية أو غيرها ، حتى أنه بعد الدخول في ملكه ، يصير فيئا للمسلمين ، كما ذكره (قدسسره) بل تصبر الوصية إليه باطلة ، ويكون الموصى به من جملة التركة كما ذكره أخيرا ، وهو احتمال قريب وجيه لا بد لنفيه من دليل.
الرابعة : قالوا : لا تصح الوصية لمملوك الأجنبي ولا لمدبره ، ولا لأم ولده ، ولا لمكاتبة المشروطة ، أو الذي لم يؤد من مكاتبته شيئا ، وان أجاز مولاه.
أقول : أما عدم جواز الوصية لمملوك الغير قنا كان أو مدبرا أو أم ولد ،
فاستدلوا عليه بانتفاء أهلية الملك بالنسبة إلى هؤلاء ، وهو شرط في صحة الوصية.
وفيه أن هذا إنما يتم على القول بأن المملوك لا يملك شيئا مطلقا ، كما هو أحد الأقوال في المسئلة ، وأما على القول بأنه يملك وان كان في التصرف محجورا إلا بإذن المولى ، فإنه لا مانع من صحة الوصية له ، فيعتبر قبوله كغيره ، وربما استدل على عدم الصحة برواية عبد الرحمن بن الحجاج (1)عن أحدهما عليهماالسلام قال : «لا وصية لمملوك».
وفيه أن الخبر كما يحتمل نفي الوصية من الغير له ، كذلك يحتمل نفى أن يوصى المملوك لغيره ، لاحتمال أن يكون الإضافة هنا الى الفاعل ، أو المفعول.
وأما بالنسبة إلى مكاتب الغير إذا كان مشروطا أو مطلقا ولم يؤد شيئا بالكلية ، فالمشهور أن الحكم فيه كما في سابقه ، لبقاء المملوكية.
وقيل : بصحة الوصية للمكاتب مطلقا ، لانقطاع سلطنة المولى عنه ، ولهذا يصح بيعه واكتسابه ، وقبول الوصية نوع من الاكتساب.
أقول : والذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بالمكاتب ما رواه المشايخ الثلاثة (قدس اللّه أرواحهم) في الصحيح عن محمد بن قيس (2)
وهما في الوسائل ج 13 466 ح 2 وص 468 الباب 80.
عن أبى جعفر عليهالسلام في مكاتب كذا في كتابي الكافي والتهذيب وفي الفقيه «عن أبى جعفر عليهالسلام قال : قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في مكاتب كانت تحته امرأة حرة ، فأوصت له عند موتها بوصية فقال : أهل الميراث لا نجيز وصيتها له ، انه مكاتب لم يعتق ولا يرث ، فقضى أنه يرث بحساب ما أعتق منه ، ويجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه ، وقضى في مكاتب أوصى له بوصية وقد قضى نصف ما عليه فأجاز له نصف الوصية وقضى في مكاتب قضى ربع ما عليه فأوصى له بوصية فأجاز ربع الوصية ، وقال في رجل حر أوصى لمكاتبة ، وقد قضت سدس ما كان عليها وأجاز بحساب ما أعتق منها».وشيخنا في المسالك بناء على ما حصل له من الوهم في محمد بن قيس في أمثال هذا السند من كونه مشتركا ، والحديث به ضعيف. رد هذه الرواية بذلك ، بعد أن أوردها دليلا للقول الأول ، واختار القول الثاني وجعله الأقوى ، وهو ضعيف ، فان محمد بن قيس في هذا السند وأمثاله هو الثقة ، كما قطع به جملة من تأخر عنه ، ومنهم سبطه السيد السند في شرح النافع ، فتكون الرواية صحيحة بحسب العمل بمقتضى هذا الاصطلاح ، هذا مع تأيدها بجملة من الأخبار الدالة على أن المكاتب إذا أوصى صحت وصيته بقدر ما أعتق منه خاصة ، ومقتضى كلامه المتقدم صحة وصيته مطلقا ، لانقطاع سلطنة المولى عنه الى آخر ما ذكره ، مع أن الأخبار قد قصرت الصحة على قدر ما انعتق منه.
ومنها صحيحة محمد بن قيس (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام قال قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في مكاتب قضى بعض ما كوتب عليه أن يجاز من وصيته بحساب ما أعتق عنه ، وقضى في مكاتب قضى نصف ما عليه فأوصى بوصية فأجاز نصف الوصية ، وقضى في مكاتب قضى ثلث ما عليه ، وأوصى بوصية فأجاز ثلث الوصية».
وصحيحة أبان (2)عمن حدثه «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : في مكاتب أوصى بوصية ، قد قضى الذي كوتب عليه الأشياء يسيرا فقال : تجوز بحساب ما أعتق منه».
ورواية محمد بن قيس (3)«عن أبى جعفر عليهالسلام في حديث قال : قضى أمير المؤمنين عليهالسلام في وصية مكاتب قد قضى بعض ما كوتب عليه أن تجاز من وصيته بحساب ما أعتق منه». وبذلك يظهر لك مزيد ضعف القول المذكور.
الأول : قال في المختلف : المشهور أنه لا تصح الوصية لعبد الغير ولا لمكاتبة المشروط وغير المؤدي ، وقال الشيخ في المبسوط وتبعه ابن البراج : إذا أوصى
لعبد نفسه أو لعبد ورثته كان ذلك صحيحا ، لأن الوصية للوارث عندنا تصح ، وكذا ان أوصى لمكاتبة أو لمكاتب ورثته كانت الوصية صحيحة ، ولو أوصى لعبد الأجنبي لم تصح الوصية ، لما ورد في الخبر في ذلك ، وفي كلامه نظر ، فإن الوصية للعبد ان كانت وصية لمولاه صحت ، وان كان العبد لأجنبي ، لأنه تصح الوصية له وان لم يكن لم يبق فرق بين الوارث والأجنبي ، وبالجملة فهذا التفصيل مشكل ، انتهى.
الثاني : قال في المختلف : قال الشيخ المفيد (رحمة اللّه عليه) إذا أوصى لعبد له كاتبه جاز مما أوصى له بحساب ما أعتق عنه ، ويرجع الباقي الى مال الورثة ، وكذا قال سلار ، وقال ابن البراج : يصح أن يوصى لمكاتبة ، وهو المشهور ، فان قصد المفيد برجوع الباقي الى الورثة من غير أن يسقط من مال الكتابة بقدره بل يكون لهم مجانا ، لزم إبطال الوصية للمكاتب ، سواء كان الموصى المالك أو غيره ، وهو مخالف لظاهر فتوى الأصحاب ، وان قصد رجوعه إليهم وإسقاط ما يقابله من مال الكتابة ، فهو حسن ، على أن إبطال الوصية للمكاتب الغير المشروط لا يخلو عندي من نظر ، انتهى.
أقول : ما نقله عن الشيخ المفيد (قدس اللّه روحه) هو القول الأول الذي دلت عليه صحيحة محمد بن قيس المتقدمة ، وهي الاولى من رواياته ، وما نقله عن ابن البراج هو القول الثاني ، وظاهره أنه المشهور بينهم ، وقد عرفت اختيار صاحب المسالك له ، وعرفت ما فيه.
وأما ما أورده على الشيخ المفيد من أن حكمه برجوع الباقي من الوصية على الورثة مجانا يعنى من غير احتساب ذلك من مال الكتابة الذي يستحقونه يلزم منه إبطال الوصية.
ففيه أنه يجب أولا تحقيق البحث في المسئلة كما قدمنا ذكره من أنه هل الوصية للمكاتب مطلقا صحيحة ، أم لا؟ بل تكون مراعاة بأنه في المطلق ان لم
ينعتق منه شيء فهي غير صحيحة ، وان انعتق منه شيء فيصح بنسبة ما انعتق منه ، وأنت قد عرفت أنه لا دليل للقول بالصحة مطلقا ، إلا ما ذكره في المسالك من ذلك التعليل الاعتباري العليل ، وأن القول الثاني هو مدلول الصحيحة المتقدمة كما عرفت المعتضدة بما ذكرناه من الأخبار الأخر ، وما ذكره من لزوم إبطال الوصية لا ضير فيه إذا اقتضته الأدلة الشرعية ، على أن الإبطال بالكلية انما يتجه لو لم ينعتق منه شيء بالكلية ، وإلا فإنه يكون العتق بالنسبة.
وبالجملة فقول الشيخ المفيد هو الموافق للاخبار كما عرفت ، وما ذكره من أن كلام الشيخ المذكور مخالف لفتوى الأصحاب فلا ضير فيه إذا اعتضدته الأدلة الشرعية ، خلا ما ذكره الأصحاب كما عرفت في الباب.
الخامسة : اختلف الأصحاب (رحمهماللّه) في صحة وصية الإنسان لمملوكه فقال الشيخ المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية : إذا أوصى الإنسان لعبده بثلث ماله ينظر في قيمة العبد قيمة عادلة ، وان كانت قيمته أقل من الثلث أعتق وأعطى الباقي ، وان كانت مثله أعتق وليس له شيء ، ولا عليه شيء ، وان كانت القيمة أكثر من الثلث بقدر السدس أو الربع أو الثلث أعتق بمقدار ذلك ، واستسعى في الباقي لورثته ، وان كانت قيمته على الضعف من ثلثه ، كانت الوصية باطلة ، وتبعهما ابن البراج في كتابي الكامل والمهذب.
وقال الشيخ في الخلاف إذا أوصى لعبد نفسه صحت الوصية ، وقوم العبد وأعتق إذا كان ثمنه أقل من الثلث ، وان كان ثمنه أكثر من الثلث استسعى العبد فيما يفضل للورثة ، وأطلق ، وكذا قال أبو الصلاح.
وقال سلار : ان كانت أقل من الثلث عتق وأعطى ما فضل ، وان كانت أكثر بمقدار الربع والثلث من الثلث عتق بمقدار الثلث ، واستسعى في الباقي.
وقال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه : إذا أوصى لمملوكه بثلث ماله ، قوم المملوك قيمة عادلة ، فإن كانت أكثر من الثلث استسعى في الفضل ثم أعتق وان كانت قيمته أقل من الثلث أعطى ما فضلت قيمته عليه ، ثم أعتق.
وقال ابن الجنيد : لو أوصى للمملوك بثلث ماله ، فقد روي (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : فان كانت الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة ، وان كان الثلث أكثر من قيمة العبد أعتق العبد ، ودفع اليه ما فضل من الثلث بعد القيمة».
ويخرج الثلث من جميع التركة ، ولو كانت الوصية للمملوك بمال مسمى لم يكن لعتاقه يجوز إخراج ذلك من غير رقبته ، ولو كانت جزء من التركة كعشر أو نحوه كان العبد بما يملكه من ذلك الجزء من رقبته متحررا ، أو باقية كما قلنا ، واختار ابن إدريس مذهب الشيخ في الخلاف.
قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال : والمعتمد أن نقول ان كانت الوصية بجزء مشاع كثلث أو نصف أو ربع قوم العبد وأعتق عن الوصية ، فإن فضل من قيمته شيء استسعى في الفاضل للورثة ، سواء كان الفاضل ضعف قيمته أو أقل أو أزيد ، وان قضى عتق وأخذ الفاضل ، فان ساواه عتق ، ولا شيء له ولا عليه ، وان كانت الوصية بعين بطلت ولا شيء له ، ولا يعتق منه شيء.
وقال المحقق في الشرائع : ويعتبر ما أوصى به المملوك بعد خروجه من الثلث ، فان كان بقدر قيمته أعتق ، وان كان قيمته أقل أعطى الفاضل ، وان كانت أكثر سعى للورثة فيما بقي ما لم يبلغ قيمته ضعف ما أوصى له به ، فان بلغت ذلك بطلت الوصية ، وقيل : تصح ويسعى في الباقي كيف كان وهو حسن ، انتهى.
أقول : والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسئلة ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن صالح الثوري (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في رجل أوصى لمملوك له بثلث ماله ، قال : فقال : يقوم المملوك بقيمة عادلة ، ثم ينظر ما يبلغ ثلث الميت ، فان كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة ، وان كان الثلث أكثر من قيمة العبد أعتق العبد ودفع اليه
ما فضل من الثلث بعد القيمة».
وما ذكره الرضا عليهالسلام في كتاب الفقه الرضوي (1)حيث قال : «وان أوصى لمملوكه بثلث ماله قوم المملوك قيمة عادلة ، فإن كانت قيمته أكثر من الثلث استسعى في الفضلة ثم أعتق». وهذه عين عبارة الشيخ علي بن بابويه المتقدمة ، إلا أنه عليهالسلام لم يذكر ما إذا كانت قيمته أقل ، ولعل هذه الزيادة كانت في نسخة الكتاب الذي عند الشيخ المزبور ، ويحتمل أنها من كلامه (رحمهاللّه) تتميما لمعنى الكلام.
وكيف كان فينبغي أن يعلم أن الكلام هنا في مقامين الأول - أن مقتضى الروايتين - وهو صريح العلامة في المختلف وابن الجنيد ، وظاهر الشيخين فيما تقدم نقله عنهما ، وكذا الشيخ علي بن بابويه - هو الفرق بين ما إذا كانت الوصية بجزء مشاع كثلث أو نصف أو ربع ، فان الحكم فيه ما ذكر من التفصيل ، وبينما إذا كانت الوصية بعين ، فإنه تبطل الوصية من رأس ، لأن المملوك لا يملك ، وعلى تقدير ملكه فإنه لا يجوز التخطي الى غير ما أوصى به ، لأنه يكون تبديلا للوصية فالتخطى الى رقبته تبديل للوصية حينئذ ، فلا يجرى فيه الحكم المذكور في الخبرين.
وحكم الوصية بالمعين وان كان غير مذكور في كلام المشايخ الثلاثة المذكورين ، إلا أن تخصيصهم هذا التفصيل بالوصية بالمشاع ، ظاهر في أنه لا يجري في المعين ، وليس بعده إلا البطلان ، وظاهر كلام الأكثر كالشيخ في الخلاف وابن إدريس والمحقق فيما نقلناه عنه وغيرهم هو العموم ، ولهم في تعليل ذلك كلمات عليلة ، والظاهر هو القول الأول عملا بالخبرين المذكورين.
وانما يبقى الكلام في صحة الوصية له بالمعين وعدمها ، وهو مبني على صحة تملك العبد وعدمه ، وإلا فالتخطى إلى الرقبة على تقدير الصحة مشكل
1) فقه الرضا (عليهالسلام) ص 40.
لما عرفت ، ونحن انما صرنا إلى التخطي إلى الرقبة فيما إذا كانت الوصية بجزء مشترك ، للخبرين المتقدمين ، وبيان الوجه فيما دلا عليه ، ما ذكره في المختلف وهو أن الجزء المشاع يتناول نفسه. أو بعضها ، لأنه من جملة الثلث الشائع ، والوصية له بنفسه صحيحة ، والفاضل قد استحقه بالوصية ، لأنه يصير جزء ، فيملك بالوصية ، فيصير كأنه قال أعتقوا عبدي من ثلثي ، وأعطوه ما فضل منه ، انتهى ، وهذا كله مفقود في صورة التعيين.
الثاني - أن المفهوم من كلام الشيخين المتقدم أنه في صورة ما إذا كانت قيمته أكثر من الثلث الموصى له بقدر ضعف ما أوصى به ، كما لو كانت قيمته مائتين الموصى له به يبلغ مائة. فإنه تبطل الوصية في هذه الصورة ، وانما تصح فيما إذا كانت أقل من الضعف ولو يسيرا فيعتق منه بقدر الوصية ان خرجت من الثلث ، وإلا فبقدر الثلث ، ويستسعى للورثة في الباقي كما لو أوصى له بمائة وخمسين ، وقيمته مائتان ، فإنه ينعتق منه بالوصية ثلاثة أرباعه ، ويسعى للورثة في ربع قيمته ، وهو خمسون.
وظاهر كلام المحقق وهو اختياره في المسالك أيضا ، أنه لا فرق بين الأمرين بأن يكون قيمته بقدر ضعف ما أوصى له به أو أقل ، فإنه ينعتق بحساب ما أوصى له به مطلقا ، ما لم يزد عن الثلث ، فان زاد فبحساب الثلث ، وهذا هو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف ، وأبى الصلاح والشيخ علي بن بابويه وابن إدريس ، ونقله الشهيد في نكت الإرشاد عن المحقق في النكت ، قال : واستدل عليه الشيخ بإجماع الفرقة.
قال في المسالك - بعد إيراد رواية حسن بن صالح المتقدمة دليلا للشيخين فيما ذهب اليه - : ووجه دلالة الرواية من جهة مفهوم الشرط في قوله فيها «فان كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة» فإن مفهومه أنه لو لم يكن أقل بقدر الربع لا يستسعى ، وانما يتحقق عدم
الاستسعاء مع البطلان ، ولا يخفى عليك ضعف هذا التنزيل ، فان مفهومهما أن الثلث ان لم يكن أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة لا يستسعى في ربع القيمة ، لا أنه لا يستسعى مطلقا ، وهذا مفهوم صحيح لا يفيد مطلوبهم ، فلا ينافي القول بأنه يستسعى بحسابه ، فان كان أقل بقدر الثلث يستسعى في الثلث أو بقدر النصف ، فيستسعى في النصف ، وهكذا وأيضا فلو كان المفهوم الذي زعموه صحيحا لزم منه أنه متى لم يكن الثلث أقل من قيمته بقدر الربع لا يستسعى بل تبطل الوصية ، وهذا شامل لما لو كانت القيمة قدر الضعف وأقل من ذلك الى أن يبلغ النقصان قدر الربع فمن أين خصصوا البطلان بما لو كانت قيمته قدر الضعف؟ ما هذا إلا عجيب عجاب من مثل هذين الشيخين الجليلين ، انتهى وهو جيد وجيه.
السادسة : إذا كان على الإنسان دين وأوصى بعتق مملوكه ، وليس له سواه أو أعتقه منجزا فقد اختلف كلام الأصحاب (رضياللّهعنهم) في ذلك فقال الشيخ المفيد (قدسسره) في كتاب المقنعة إذا كان على الإنسان دين ، ولم يخلف إلا عبدا أو عبيدا فأعتقهم عند الموت ، نظر في قيمة العبد أو العبيد وما عليه من الدين فان كان أكثر من قيمة العبد بطل العتق ، وبيع العبيد وتحاص الغرماء بثمنهم ، وكذا ان استوت القيمة والدين ، فان كانت قيمة العبد أكثر من الدين السدس أو الثلث ونحو ذلك بيع العبد ، وبطل العتق ، وان كان قيمة العبد ضعف الدين ، كان للغرماء النصف منهم ، وللورثة الثلث ، وعتق منهم السدس ، لأن لصاحبهم الثلث من تركته يضع به ما يشاء ، فوصيته نافذة في ثلث مماليكه ، وهو السدس ، بهذا جاء الأثر من آل محمد عليهمالسلام.
وقال الشيخ في النهاية : إذا أوصى لإنسان بعتق مملوك له ، وكان عليه دين فان كان قيمة العبد ضعف الدين استسعى العبد في خمسة أسداس قيمته ، ثلاثة أسهم للديان ، وسهمان للورثة ، وسهم له ، وان كانت قيمته أقل من ذلك بطلت الوصية وبذلك قال ابن البراج.
وقال ابن إدريس : الذي يقتضيه المذهب أنه لا وصية قبل قضاء الدين ، بل الدين مقدم على الوصية ، والتدبير عندنا وصية ، فلا تمضى الوصية إلا بعد قضاء الدين ، فان عمل عامل بهذه الرواية يلزمه أن يستسعى العبد ، سواء كانت قيمته ضعفي الدين أو أقل من ذلك ، لأنه متى كانت قيمته أكثر من الدين بأي شيء كان فان الميت الموصى قد استحق في الذي فضل عن الدين ثلثه ، فتمضى وصيته في ذلك الثلث ، ويعتق العبد ، ويستسعى في دين الغرماء وما فضل عن ثلثه الباقي للورثة ، ولي في ذلك نظر ، فإن أعتقه في الحال ، وبت عتقه قبل موته ، مضى العتق وليس لأحد من الديان ، ولا الورثة عليه سبيل ، لأنه ليس بتدبير ، وانما هو عطية منجزة في الحال ، وعطاياه المنجزة صحيحة ، على الصحيح من المذهب ، لا تحسب من الثلث بل من الأصل.
وقال العلامة في المختلف : والمعتمد أن تقول ان أحاط الدين بقيمة العبد بطل العتق ، سواء كان قد نجزه من مرض موته أو أوصى به ، وان قصر الدين عن قيمته عتق ثلث الفاضل ، واستسعى في الباقي.
وقال المحقق في الشرائع : ولو أوصى بعتق مملوكه وعليه دين ، فان كانت قيمة العبد بقدر الدين مرتين أعتق المملوك ، وسعى في خمسة أسداس قيمته ، وان كانت قيمته أقل بطلت الوصية بعتقه ، والوجه أن الدين يقدم على الوصية فيبدأ به ، ويعتق منه الثلث فيما فضل عن الدين ، أما لو نجز عتقه عند موته كان الأمر كما ذكر أولا ، عملا برواية عبد الرحمن عن أبى عبد اللّه عليهالسلام.
أقول : والواجب أولا نقل ما وصل الي من الأخبار في المسئلة المذكورة ، ثم الكلام فيها بما وفق اللّه سبحانه لفهمه منها ، فمن ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج (1)في الصحيح قال : «سألني أبو عبد اللّه عليهالسلام
1) الكافي ج 7 ص 26 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 217 ح 854 ، الوسائل ج 13 ص 423 ح 5.
هل يختلف ابن أبى ليلى وابن شبرمة؟ فقلت : بلغني أنه مات مولى لعيسى بن موسى وترك عليه دينا كثيرا وترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك ، فقال ابن شبرمة : أرى أن يستسعيهم في قيمتهم ، فتدفعها الى الغرماء ، فإنه قد أعتقهم عند موته ، وقال ابن أبى ليلى : أرى أن أبيعهم وادفع أثمانهم إلى الغرماء ، فإنه ليس له أن يعتقهم عند موته ، وعليه دين يحيط بهم ، وهذا أهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده وعليه دين كثير ، فلا يجيزون عتقه إذا كان عليه دين كثير ، فرفع ابن شبرمة يده الى السماء فقال : سبحان اللّه يا ابن أبى ليلى متى قلت هذا القول؟ واللّه ما قلته إلا طلب خلافي ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : فعن رأي أيهما صدر الرجل؟ قال : قلت : بلغني أنه أخذ برأي ابن أبى ليلى ، وكان له هوى في ذلك ، فباعهم وقضى دينه ، قال : فمع أيهما من قبلكم ، قلت له : مع ابن شبرمة ، وقد رجع ابن أبى ليلى إلى رأي ابن شبرمة بعد ذلك ، أما واللّه ان الحق لفي الذي قال ابن أبى ليلى ، وان كان قد رجع عنه ، قلت : هذا ينكسر عندهم في القياس فقال : هات قايسني فقلت : أنا أقايسك؟ فقال : لتقولن بأشد ما يدخل فيه من القياس ، فقلت له : رجل ترك عبدا لم يترك مالا غيره ، وقيمة العبد ستمائة درهم ، ودينه خمسمائة درهم فأعتقه عند الموت ، كيف يصنع؟ قال : يباع العبد ويأخذ الغرماء خمسمائة درهم ، ويأخذ الورثة مائة درهم ، فقلت : أليس قد بقي من قيمة العبد مائة درهم عن دينه؟ فقال : بلى ، فقلت : أليس للرجل ثلثه يصنع به ما شاء ، قال : بلى ، قلت : أليس قد أوصى للعبد بالثلث من المائة حين أعتقه ، فقال : ان العبد لا وصية له ، انما ماله لمواليه ، فقلت له : فإذا كان قيمة العبد ستمائة درهم ، ودينه أربعمائة ، قال : كذلك يباع العبد ، فيأخذ الغرماء أربعمائة درهم ، ويأخذ الورثة مائتين ، فلا يكون للعبد شيء ، قلت له : فإن قيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم فضحك وقال : من هيهنا أتى أصحابك فجعلوا الأشياء شيئا واحدا ،
ولم يعملوا السنة ، إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على الوصية ، وأجيزت وصيته على وجهها ، فالآن يوقف هذا ، فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلاثة للورثة ، ويكون له السدس».
وما رواه في الكافي عن زرارة (1)في الحسن أو الصحيح عن أحدهما عليهماالسلام في رجل أعتق مملوكه عند موته ، وعليه دين ، قال : ان كان قيمته مثل الدين الذي عليه ومثله ، جاز عتقه ، وإلا لم يجز».
ورواه الشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن عن زرارة الحديث مقطوعا ، ورواه في الفقيه عن ابن أبى عمير عن جميل عن أبى عبد اللّه عليهالسلام مثله.
وما رواه في التهذيب عن حفص بن البختري (2)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : إذا ملك المملوك سدسه استسعى وأجيز».
قال في الوافي : لعل الحكم مختص بما إذا كان العتق عند الموت أو بعده وكان على مولاه دين كما يظهر من سائر أخبار الباب وإلا يلزم تقييد أخبار السراية الماضية كلها بذلك ، وهو مشكل ، انتهى.
وما رواه في التهذيب عن زرارة (3)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : إذا ترك الدين عليه ومثله أعتق المملوك واستسعى».
وما رواه في الكافي عن الحسن بن الجهم (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 425 ح 6 وص 422 ح 1 وح 2 وص 423 ح 4.
في الموثق قال : «سمعت أبا الحسن عليهالسلام يقول : في رجل أعتق مملوكا له وقد حضره الموت ، وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم ، وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئا غيره ، قال :يعتق منه سدسه ، لأنه إنما له منه ثلاثمائة درهم ، ويقضى منه ثلاثمائة درهم فله من الثلاثمائة درهم ثلثها وله السدس من الجميع». ورواه الشيخ في التهذيب مثله ، «الا أن الذي فيه «لأنه إنما له منه ثلاثمائة وله السدس من الجميع» وما بينهما لم يذكره.
وما رواه في الفقيه والتهذيب عن الحلبي (1)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : في الرجل يقول : ان متّ فعبدي حر وعلى الرجل دين قال : ان توفي وعليه دين قد أحاط بثمن العبد بيع العبد ، وان لم يكن أحاط بثمن العبد استسعى العبد في قضاء دين مولاه ، وهو حر إذا وفاه».
والشيخ في التهذيبين قيده بما إذا كان الدين أنقص من ثمن العبد بمقدار النصف جمعا بينه وبين الأخبار المذكورة قبله.
أقول : وتحقيق الكلام في المقام هنا يقع في موضعين الأول : لا يخفى أنه من القواعد المقررة بينهم كما تقدم ذكره أن الوصية المتبرع بها إنما تنفذ من ثلث المال ، وأن الدين يقدم أولا ، ثم تعتبر الوصية من ثلث ما بقي بعد الدين ، وأن المنجزات المتبرع بها في مرض الموت بحكم الوصية في خروجها من الثلث عند الأكثر ، ولا ريب أن العتق من جملة التبرعات.
وعلى هذا فإذا أوصى بعتق مملوكه تبرعا أو أعتقه منجزا بناء على أن المنجزات من الثلث ، وكان عليه دين ، فان كان الدين يحيط بالتركة بطل العتق والوصية به ، وهو مما لا خلاف فيه ، ولا اشكال نصا وفتوى ، وان فضل من التركة فضل بعد الدين وان قل ، فمقتضى القواعد المذكورة صرف ثلث الفاضل في الوصايا فيعتق من العبد بحساب ما يبقى من الثلث ، ويسعى في باقي قيمته سواء كانت قيمته بقدر الدين مرتين أو أقل ، لأن العتق تبرع محض ، فيخرج من الثلث والمعتبر منه ثلث ما يبقى من المال بعد الدين على تقديره ، كغيره من التبرعات.
1) التهذيب ج 9 ص 218 ح 857 ، الفقيه ج 3 ص 70 ح 22 ، الوسائل ج 13 ص 423 ح 3.
وبهذا قال جماعة من الأصحاب ، بل أكثر المتأخرين كما ذكره في المسالك ، ومنهم العلامة في المختلف وابن إدريس على ما ذكره من التردد ، والمحقق بالنسبة إلى الوصية والقول الثاني - وهو أنه انما يصح العتق إذا كانت قيمته ضعفي الدين ، وسعى في خمسة أسداس قيمته ، ثلاثة للديان وسهمان للورثة - للشيخ المفيد والشيخ في النهاية والقاضي استنادا الى ما قدمناه من الروايات الصحيحة الصريحة في ذلك ، والأصحاب لم يوردوا منها إلا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، فمنهم من وقف عليها ، وخص الحكم بتنجيز العتق ، كما هو مورد الرواية دون الوصية ، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده.
ومنهم من رده ، واطرحها لمخالفتها للرواية الدالة على تلك القواعد ، قال : في المسالك بعد ذكر صحيحة عبد الرحمن : وروي عن زرارة في الحسن مثله ، إلا أن الرواية به مقطوعة ، فلذا لم يذكرها المصنف هنا ، واقتصر على رواية عبد الرحمن لصحتها.
أقول : عذره في ذلك واضح ، وهو أنه اقتصر على مراجعة التهذيب وهي في بعض مواضعه كما ذكره حسبما قدمنا ذكره ، وإلا فهي في الكافي بسنده الى الامام عليهالسلام ونحوها الروايات الأخر ، وهي صريحة صحيحة ، ولكنهم لم يقفوا عليها ، وبذلك يظهر لك أن الأظهر هو الوقوف عليها ، والعمل بمقتضاها ، وبها تخصص أخبار تلك القواعد ان ثبتت.
نعم احتج القائلون بالقول الأول بصحيحة الحلبي المتقدمة ، ولهذا ان الشيخ تأولها بما قدمنا نقله عنه ، جمعا بين الأخبار وهو جيد.
أقول : ويمكن أن يقال : ولعله الأقرب العاري عن وصمة القيل والقال أن ما ذكروه من الاشكال والمخالفة في هذه الروايات لمقتضى القواعد المقررة مبني على أن المنجزات في حكم الوصية مخرجها الثلث ، وإلا فلو قلنا بأن مخرجها الأصل كما هو ظاهر كلام ابن إدريس المتقدم ، وهو الحق الظاهر من الأخبار
كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّه تعالى في المسئلة عند ذكرها ، فلا اشكال بحمد الملك المتعال ، وعلى تقديره فالظاهر أنه لا يقيد بكون القيمة ضعف الدين أو غيره وبالجملة فإنه يندفع بذلك ما ذكروه من الإشكال الذي أوردوه على هذه الروايات ، وان بقي فيها اشكال من وجه آخر على هذا القول.
وكيف كان فالعمل على ما دلت عليه والوقوف على مواردها حسب ، هذا بالنسبة إلى المنجزات.
وأما الوصية فلم يتعرضوا عليهمالسلام لها في شيء من النصوص المذكورة ، كما سيظهر لك ان شاء اللّه تعالى ومما حققناه يظهر لك صحة ما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم أن الأظهر هو الوقوف في الأحكام على موارد الأخبار ، ولا يلتفت الى ما يدعونه من القواعد في مقابلتها ، فان هذه القواعد غير معلومة ، وان دلت الأخبار على بعض أفرادها ومع ثبوت كونها قواعد فالتخصيص فيها ممكن ، لا منافاة فيه
الثاني : أن مورد الروايات المتقدمة هو العتق المنجز ، وهو الذي صرح به الشيخ المفيد ومن تبعه ، والشيخ في النهاية ومن تبعه عدوا الحكم إلى الوصية بالعتق.
قال في المسالك : ولعله نظر الى تساويهما في الحكم وأولويته في غير المنصوص ، لان بطلان العتق المنجز على تقدير قصور القيمة عن ضعف الدين مع قوة المنجز لكونه تصرفا من المالك في ماله ، والخلاف في نفوذه من الأصل يقتضي بطلانه في الأضعف ، وهو الوصية بطريق أولى انتهى ، ولا يخفى ما فيه.
وأورد أيضا على الشيخ القائل بتعديها : بصحيحة عبد الرحمن إلى الوصية ، معارضتها فيها بصحيحة الحلبي المتقدمة ، فإنها تدل بإطلاقها على انعتاقه متى زادت قيمته عن الدين ، وهو الموافق لما تقرر من القواعد ، فلا وجه لعمل الشيخ بتلك الرواية مع عدم ورودها في مدعاه ، واطراح هذه الرواية ومن الجائز اختلاف حكم المنجز والموصى به في مثل ذلك كما اختلفا في كثير من الأحكام
على تقدير تسليم حكمها في المنجز ، انتهى.
أقول : لا يخفى ان تلك الرواية وان كانت غير ظاهرة في مدعى الشيخ كما ذكره إلا أن صحيحة الحلبي المذكورة أيضا لا تخلو من الطعن في متنها بما لا يقولون به ، فإنها دلت على أنه يستسعى العبد في دين مولاه ، وأنه يكون حرا إذا وفاه ، ولم يتعرض في الرواية لحق الورثة ، مع أن لهم في قيمته مع زيادتها عن الدين حقا ، والروايات المتقدمة متفقة على أنه يستسعى في الدين ، وفي حق الورثة.
وبذلك يظهر أن أن ما تدل عليه الرواية لا يقولون به ، وما يقولون به لا تدل عليه ، ولو قيل : بأن الرواية وان لم تدل عليه لكنه يضم إليها بدليل من خارج ، وتخصيص الأمر بوفاء الدين لا تنافيه.
قلنا ، هذا انما يتم لو كانت الرواية مطلقة ، وأما مع النص فيها بأنه بأداء الدين يكون حرا ، فهذا التقييد مناف لما دلت عليه ، ومنه يعلم أن هذه الرواية على ما هي عليه لا تصلح المعارضة الخبر المذكور ، فكيف مع انضمام تلك الأخبار الصحاح الصراح اليه ، كما عرفت ، فالأظهر حملها على ما قدمنا ذكره عن الشيخ (رحمة اللّه عليه).
وقد تلخص مما ذكرناه أن الأقوال في العتق المنجز ثلاثة : الأول - مذهب الشيخ المفيد ومن تبعه ، وهو توقف العتق على بلوغ قيمة العبد ضعف الدين وإلا فهو باطل ، وهذا مدلول الأخبار المتقدمة.
الثاني - قول العلامة والمحقق ومن تبعهما ، وهو أنه ينعتق من ثلث الباقي كائنا ما كان ، ولا يتقيد بضعف الدين ، وفي هذا القول تقديم حق الديان من ثلث الباقي ، ويستسعى فيما يخص الديان ، والوارث بالنسبة ، مثلا لو كانت قيمته ثلاثمائة درهم ، وعلى المولى من الدين مائتا درهم ، فإنه يكون للديان منه مائتان ، تبقى مائة له ثلثها ، وهي ثلاثة وثلاثون وثلث ، وثلثاها للورثة ، وهذه الثلاثة
والثلاثون وثلث تسع الثلاثمائة ، فعلى هذا ينعتق منه التسع ، ويسعى في ستة أتساع للديان ، وفي تسعين للورثة ، وحجة هذا القول كما عرفت صحيحة الحلبي ، وقد عرفت ضعفها عن المعارضة متنا وعددا.
الثالث - قول ابن إدريس وهو تنفيذ العتق من الأصل وسقوط الدين ، وهذا القول وان كان جيدا بالنظر الى الأخبار الدالة على أن منجزات المريض من الأصل كما سنتلوها عليك ان شاء اللّه تعالى بعد ذكر المسئلة ، أعني مسألة العتق منجزا مع الدين ، يجب الوقوف فيها على هذه الروايات ، لأنها أخص من تلك ، والقاعدة تقتضي تقديم الخاص والعمل به ، واللّه العالم.
السابعة : لا خلاف بين الأصحاب (رضياللّهعنهم) في صحة الوصية لأم الولد ، ولا خلاف أيضا في انعتاقها على ولدها من حصته بعد موت سيدها ، ولم يوص لها بشيء ، وانما الخلاف فيما إذا أوصى لها بشيء فهل ينعتق مما أوصى لها به أو من نصيب الولد أو من غيرهما؟ أقوال أربعة.
أحدها - ما ذهب اليه الشيخ في النهاية من أنها تعتق من نصيب ولدها على تقدير وفاء نصيب ولدها بقيمتها ، ويعطى ما أوصى لها به ، وهو مذهب المحقق في نكت النهاية ونقل عن العلامة في المختلف ، وعلل ذلك أن التركة تنتقل من حين الموت الى الوارث ، لعدم صلاحية الميت للتملك ، وعدم انتقالها للديان ، والموصى لهم إجماعا ، وعدم بقائها بغير مالك ، فتعين الوارث ، وحينئذ فيستقر ملك ولدها على جزء من أمه ، لأنها من التركة ، فتعتق عليه ، وتستحق الوصية.
وثانيها - أنها تعتق من الوصية ، فإن فضل منها شيء عتق من نصيب ولدها ، وهو مذهب ابن إدريس ، والمحقق في باب الاستيلاد من الشرائع ، وفي هذا الباب تردد بين القولين المذكورين ، ووجه القول بكونها تعتق من الوصية ، لا من نصيب ابنها استنادا الى أن الإرث مؤخر عن الدين ، والوصية بمقتضى الآية (1)
1) سورة النساء - الاية 11.
«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ» فلا يحكم لابنها بشيء حتى أنه يحكم لها بالوصية ، فإن وقت الوصية بقيمتها أعتقت كملا ، وان قصرت أكملت من نصيب ولدها ، وأورد عليه بأن المراد بالآيات استقرار الملك بعد المذكورات ، بمعنى أنه لا يملك الوارث ملكا مستقرا إلا بعد الوصية بالدين ، وإلا فاللازم من ذلك بقاء التركة من غير مالك ، لما عرفت من أن الميت غير صالح للملك ، والديان والموصى إليه لا يملك ، فلم يبق إلا الوارث ، أو صيرورة التركة بغير مالك ، والثاني ممتنع ، فتعين الأول.
وثالثها - أنها تنعتق من ثلث الميت ، وتأخذ الوصية ، وهو مذهب الشيخ أبى جعفر محمد بن علي بن بابويه نقله شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد ، واستدل له بصحيحة أبى عبيدة الآتية عن أبى عبد اللّه عليهالسلام.
ورابعها - أنها تعتق من الوصية أو نصيب الولد ، وتعطى بقية الوصية ، وهو مذهب ابن الجنيد.
والذي وقفت عليه من الأخبار في المقام ما رواه المشايخ الثلاثة (رحمهماللّه) في الصحيح عن أبى عبيدة (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل كانت له أم ولد وله منها غلام فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو بأكثر للورثة أن يسترقوها ، قال : فقال : لا ، بل تعتق من ثلث الميت ، وتعطى ما أوصى لها به» وزاد في الكافي والتهذيب وفي كتاب العباس «يعتق من نصيب ابنها ، وتعطى من ثلثه ما أوصى لها به».
وشيخنا الشهيد في شرح الإرشاد روى عن الشيخ (رحمة اللّه عليه) في التهذيب عن أحمد بن محمد عن علي بن محبوب عن جميل بن صالح عن أبى عبيدة (2)«عن أبى الحسن عليهالسلام في رجل أوصى لأم ولده بألفي درهم فقال : يعتق
من ثلث الميت ويعطى ما أوصى لها به» ، وفي كتاب العباس الى آخر ما تقدم ، ولم أقف على هذه الرواية في الوافي ، ولا في الوسائل فيحتاج إلى مراجعة التهذيب وظاهره أن هذا خبر آخر غير خبر أبى عبيدة المروي عن أبى عبد اللّه عليهالسلام ، فإنه جعل هذا الخبر المروي عن أبى الحسن عليهالسلام دليلا للقول الأول ، والخبر المروي عن أبى عبد اللّه عليهالسلام دليلا للقول الثالث ، والظاهر تغاير الخبرين ، فإن المروي عنه في أحدهما غير الأولى والمتن مختلف أيضا. فيكونان خبرين ، فينبغي الملاحظة ، لأني لم أقف على من نقله غيره ، ومدلولهما أنها تعتق من الثلث ، وتعطى ما أوصى لها به.
ونحوهما أيضا ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن احمد بن محمد بن أبى نصر (1)قال : «نسخت من كتاب بخط أبى الحسن عليهالسلام فلان مولاك توفي ابن أخ له ، وترك أم ولد له ، ليس لها ولد ، فأوصى لها بألف هل تجوز الوصية؟ وهل يقع عليها عتق وما حالها؟ رأيك فدتك نفسي في ذلك ، فكتب عليهالسلام يعتق من الثلث ، ولها الوصية». واستدل في المختلف لابن بابويه أيضا زيادة على صحيحة أبى عبيدة الأولى ووجه الاشكال فيها هو أن العتق من الثلث هنا ، لا يظهر له وجه ، ولهذا ان العلامة حمل الخبرين على ما إذا أوصى بعتقها ، وحملها آخر على ما لو كان نصيب ولدها بقدر الثلث ، ولا يخفى ما فيه.
وبالجملة فهذان الخبران ظاهران فيما ذهب اليه الصدوق ، وأن الاشكال فيها بما عرفت ظاهر.
نعم ما نقل من كتاب العباس من رواية الخبر بهذه الكيفية ظاهر في الدلالة على القول الأول ، وظاهر شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد الميل الى مذهب الشيخ في النهاية ، قال : والأقرب اختيار الشيخ ، لبناء العتق على التغليب والسراية ، ولهذا لو لم يكن ثمة وصية ولا مال للميت سواها عتق منها بنصيب ولدها ، وسعت
1) الكافي ج 7 ص 29 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 224 ح 877 ، الفقيه ج 4 ص 160 ح 560 ، الوسائل ج 13 ص 469 ح 1.
في الباقي لبقية الورثة.
وشيخنا في المسالك طعن في رواية كتاب العباس بأنها بمجرد وجودها في الكتاب المذكور لا يتم الاستدلال ، ولو صح السند ، ثم قال : ورواية أبي عبيدة مشكلة ، على ظاهرها ، لأنها إذا أعطيت الوصية لا وجه لعتقها من ثلثه ، لأنها حينئذ تعتق من نصيب ولدها كما ذكر في الحملين المتقدمين ، وقال : كلاهما بعيد ، إلا ان الحكم فيها بإعطائها الوصية كاف في المطلوب إذ عتقها من نصيب ولدها يستفاد من دليل خارج صحيح ، ويبقى ما نقل عن كتاب أبى العباس شاهدا على المدعى ، ولعل هذا أجود ، انتهى.
والمسئلة لا تخلو من شوب الاشكال لما عرفت ، وان كان ما استجوده شيخنا المذكور لا تخلو من قرب ، وملخصه أن أقصى ما يمكن العمل به من هذه الأخبار هو أعطاها ما أوصى لها به ، فتعطى في ذلك ، وأما عتقها فيرجع فيه الى الأخبار الأخر الدالة على انعتاق أم الولد على ولدها من نصيبه بعد موت المولى ، وكل من الأمرين المذكورين حق مطابق للقواعد الشرعية.
واما اعتبار الثلث فلا يظهر له هنا وجه وجيه يترتب عليه العتق وهو ظاهر ، واللّه العالم.
الثامنة : قد صرح الأصحاب بأن إطلاق الوصية يقتضي التسوية ، فإذا أوصى لأولاده أو لإخوانه وأخواته وأخواله وخالاته وأعمامه وعماته ، فان الجميع أسوة في الوصية ، ولا خلاف في ذلك إلا في صورة الوصية لأعمامه وأخواله.
وعلل الأول بأن نسبة الوصية إليهم على السواء ، وليس في كلام الموصي ما يدل على التفضل ، وحينئذ فلا فرق بين الذكر منهم والأنثى ، ولا الصغير ولا الكبير ، ولا الأعمام ولا الأخوال ، لما ذكرنا واختلافهم في استحقاق الإرث أمر خارج ، بدليل من خارج ، فلا يقاس عليه ، ما يقتضي التسوية بمجرده ، إلا أن الخلاف هنا وقع فيما لو أوصى لأعمامه وأخواله ، فإن الشيخ وجماعة ذهبوا الى
أن للأعمام الثلثين ، وللأخوال الثلث ، استنادا الى ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم وفيها الصحيح والحسن والموثق عن زرارة (1)«عن أبى جعفر عليهالسلام في رجل أوصى بثلث ماله في أعمامه وأخواله ، فقال : لأعمامه الثلثان ، ولأخواله الثلث».
والى هذه الرواية أشار في الشرائع بأنها مهجورة ، قال : ولو أوصى الى أعمامه وأخواله كانوا سواء على الأصح ، وفيه رواية مهجورة ، وحملت على ما لو أوصى على كتاب اللّه ، وعلى ذلك حملها غيره ايضا ، ولا يخفى ما فيه من البعد.
ويؤيد الخبر المذكور أيضا ما رواه المشايخ الثلاثة (قدس اللّه أرواحهم) عن سهل (2)عن أبى محمد عليهالسلام في حديث قال : «وكتبت اليه : رجل له ولد ذكور وإناث فأقر لهم بضيعة أنها لولده ، ولم يذكر أنها بينهم على سهام اللّه عزوجل وفرائضه ، الذكر والأنثى فيه سواء؟ فوقع عليه ينفذون فيها وصية أبيهم على ما سمي ، فان لم يكن سمى شيئا ردوها الى كتاب اللّه عزوجل ان شاء اللّه تعالى». والظاهر أنه إلى هذه الرواية أشار في المسالك بقوله ، وفي رواية أخرى ضعيفة ، يقتضي قسمة الوصية بين الأولاد الذكور والإناث على كتاب اللّه ، وهي مع ضعفها لم يعمل بها أحد.
أقول : أشار بالضعف فيها الى كون الراوي لها سهل بن زياد ، وهو ضعيف.
وفيه أولا أن ضعفها بهذا الاصطلاح المحدث لا يقتضي ضعفها عند المتقدمين الذين لا أثر عندهم لهذا الاصطلاح ، فلا ضير فيه ، وان أراد عدم العمل به من المتقدمين ، فان مقتضى ما حرر الصدوق في صدر كتابه كونه عاملا بها ، حيث نقلها ولم يتعرض للطعن فيها ولا ردها ، وقد اشتهر بينهم نسبة المذاهب إليه في الفقيه بذلك ، وثالثا أنه لا يخفى على المنصف أن الأحكام الشرعية توقيفية ، لا مسرح للعقول فيها على السماع والورود من صاحب الشرع ، ورد الأخبار بعد ورودها
من غير معارض لها من الأخبار بل بمجرد هذه الاعتبارات العقلية والتعليلات التخريجية لا يخلو من الجرأة على صاحب الشريعة.
نعم لو كان هنا نص يدل الى ما ادعوه من أن الإطلاق يقتضي التسوية لتم ما ذكروه ، ووجب التأويل فيما عارضه ، ولكن ليس الأمر كذلك.
وبالجملة ، فإنه يجب العمل بما دلت عليه النصوص المذكورة ، وفيما خرج عن موضع النصوص اشكال ، والأقرب أنه كذلك أيضا ، لأن الظاهر أن ذكر الأعمام والأخوال في الصحيحة المتقدمة إنما خرج مخرج التمثيل ، ويؤيده أن ظاهر الثانية كون ذلك قاعدة كلية ، وهو أنه ان سمي وعين التسوية أو التفصيل اتبع ، وان أطلق رد الى كتاب اللّه عزوجل ، ولكن الألف بالمشهورات ولا سيما إذا زخرفت بالإجماعات ربما أوجب طرح الروايات كما في هذا الموضع وغيره ، واللّه العالم.
التاسعة : لو أوصى لذوي قرابته أو لأهل بيته أو عشيرته أو قومه أو جيرانه ، فإنه يجب الرجوع فيه الى معاني هذه الألفاظ ، وما ينصرف إليه إطلاقها.
فنقول أما لفظة القرابة فقد اختلف كلام أصحابنا ، بل الواحد منهم في تحقيق معناه المراد منه لعدم النص الوارد منه في ذلك ، والأكثر منهم على الرجوع فيه الى العرف.
قالوا : لأنه المحكم في مثل ذلك حيث لا نص ، ومرجعه الى المعروفين بنسبته عادة ، سواء في ذلك الوارث وغيره ، وقيل : لمن يتقرب إليه إلى آخر أب أو أم له في الإسلام.
فقال الشيخ في النهاية إذا أوصى لقرابته كان ذلك في جميع ذوي نسبته الراجعين الى آخر أب أو أم في الإسلام بالتسوية ، وكذا قال الشيخ المفيد ، إلا أنه قال : ولا يرجع على من يتعلق بمن نأى عنهم في الجاهلية.
وقال في الخلاف إذا أوصى بثلثه لقرابته فمن أصحابنا من قال : يدخل فيه
كل من تقرب إليه إلى آخر أب وأم في الإسلام ، واختلف الناس في القرابة. فقال الشافعي : إذا أوصى بثلثه لقرابته ولأقربائه ولذي رحمه ، فالحكم واحد ، فإنه ينصرف الى المعروفين من أقاربه في العرف ، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة أنه من قرابته ، سواء كان وارثا أو غير وارث ، قال : وهذا قريب يقوى في نفسي ، وليس لأصحابنا فيها نص عن الأئمة عليهمالسلام.
وقال في المبسوط : قال قوم : ان هذه الوصية للمعروفين من أقاربه في العرف فيدخل فيه كل من يعرف في العادة أنه من قرابته ، سواء كان وارثا أو غير وارث وهو الذي يقوى في نفسي ، وقال قوم : انه يدخل فيه كل ذي رحم محرم ، وأما من ليس بمحرم له فإنه لا يدخل فيه ، وان كان له رحم مثل بني الأعمام أو غيرهم ، وقال قوم : انها للوارث من الأقارب ، وأما من ليس بوارث فإنه لا يدخل فيه ، والأول أقوى ، لأن العرف يشهد به ، وينبغي أن يصرف في جميعهم ، وفي أصحابنا من قال : انه يصرف ذلك الى آخر أب وأم له في الإسلام ، ولم أجد به نصا ولا عليه دليلا مستخرجا ولا به شاهدا.
وقال ابن الجنيد : ومن جعل وصية لقرابته وذوي رحمه غير مسمين كان لمن تقرب اليه من جهة ولده أو والديه ، ولا اختار أن يتجاوز بالتفرقة ولد الأب الرابع ، لأن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) لم يتجاوز ذلك في تفرقة سهم ذوي القربى من الخمس.
وابن إدريس في هذه المسئلة اختار ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف والمبسوط وكذا ابن البراج ، وهو المشهور في كلام المتأخرين.
قال في المختلف : والمعتمد قول الشيخ في المبسوط والخلاف ، حملا للفظ على المعنى العرفي عند تجرده عن الوضع الشرعي ، كما هو عادة الشرع في ذلك والقول الذي اختاره في النهاية قد اعترف في المبسوط بأنه لم يجد عليه نصا ولا عليه دليلا ولا به شاهدا ، وكفى به حجة على نفسه.
والمراد من هذا القول الارتقاء بالقرابة بالأدنى الى ما قبله ، وهكذا الى أبعد جد وجدة له في الإسلام ، وفروعهما ، ويحكم للجميع بالقرابة ، ولا يرتقي إلى آباء الشرك وان عرفوا بقرابته ، وربما استدل على التخصيص بالإسلام والانقطاع بالكفر بقوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)«قطع الإسلام أرحام الجاهلية» ، وقوله عزوجل لنوح في حق ابنه (2)«إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» ولا دلالة في ذلك على مطلوب الشيخ ، لأن قطع الرحم للجاهلية لا يدل على قطع القرابة مطلقا ، مع أصناف الكفار ، وكذا قطع الأهلية في ابن نوح ، والعرف واللغة يشهد ان بأن من بعد جدا كالأجداد البعيدة لا يدخل في القرابة ، وان كان مسلما ، ومن قرب جدا دخل وان كان كافرا إلا أن تدل القرينة على ارادة المسلم.
ولم أقف في هذا المقام على شيء من الأخبار إلا على ما رواه الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبى نصر (3)قال : «نسخت من كتاب بخط أبى الحسن عليهالسلام رجل أوصى لقرابته بألف درهم وله قرابة من قبل أبيه وأمه ما حد القرابة يعطى من كان بينه وبينه قرابة؟ أو لها حد ينتهى اليه رأيك فدتك نفسي؟ فكتب عليهالسلام : ان لم يسم أعطاها قرابته» ، وهذا الجواب وان كان لا يخلو من نوع إجمال ، إلا أن الظاهر أن المعنى فيه أنه لم يسم شخصا بعينه ولا صنفا بعينه ، فإنه يعطى من شملته القرابة عرفا ، وفيه تأييد للمعنى المشهور حينئذ.
وأما ما ذهب اليه ابن الجنيد فقيل عليه ان ما ذكره من عدم تجاوز الرابع غير لازم ، وفعل النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) بالخمس ذلك ، لا يدل على نفي القرابة مطلقا عما عداه ذلك : فان ذلك معنى آخر للقربى ، فلا يلزم ذلك في حق غيره ، حيث يطلق.
وكيف كان فإنه يدخل فيه الذكر والأنثى ، والفقير والغني ، والوارث
وغيره ، والقريب والبعيد ، ولا فرق بين قوله أوصيت لأقاربى أو قرابتي ، أو لذوي قرابتي أو لذوي رحمي ، لأن مرجع الجميع الى معنى واحد.
وأما أهل بيته فقد قال المحقق في الشرائع : لو قال لأهل بيته دخل فيه الآباء والأولاد والأجداد.
قال شيخنا في المسالك بعد ذكر ذلك : لا إشكال في دخول من ذكر ، لاتفاق أهل التفاسير على ذلك ، انما الكلام في دخول غيرهم ، فان الاقتصار على ما ذكر يقتضي كون علي عليهالسلام ليس من أهل البيت لخروجه عن الأصناف الثلاثة مع أنه داخل إجماعا.
وقال العلامة : يدخل فيهم الآباء والأجداد والأعمام والأخوال وأولادهم وأولاد الأولاد الذكر والأنثى ، ثم قال : وبالجملة كل من يعرف بقرابته ، وهذا يقتضي كون أهل بيته بمنزلة قرابته ، وحكي عن تغلب أنه قال : أهل البيت عند العرب آباء الرجل وأولادهم ، كالأجداد والأعمام وأولادهم ، ويستوى فيه الذكور والإناث ، وما اختاره العلامة من مساواة أهل البيت للقرابة ، هو الظاهر في الاستعمال ، يقال : الفلانيون أهل بيت في النسب ، معروفون ، وعليه جرى قوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)«إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة» ، والأقوى الرجوع الى عرف بلد الموصي ، ومع انتفائه يدخل كل قريب : وأما أهل بيت النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فإنهم أخص من ذلك بالرواية الواردة عنه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) في حصرهم في أهل الكساء ، انتهى كلامه ، زيد مقامه وعلت في الخلد أقدامه.
أقول : قال الفقيه محمد بن طلحة الشافعي في كتاب مطالب السؤال في مناقب آل الرسول في بيان معاني الآل وأهل البيت والعترة ما صورته : وأما اللفظة الثانية وهي أهل البيت فقد قيل : هم من ناسبه الى جده الأدنى ، وقيل :
1) الوسائل ج 6 ص 187 الباب 29 ح 6.
من اجتمع معه في رحم ، وقيل : من اتصل به بسبب أو نسب ، وهذه كلها موجودة فيهم عليهمالسلام ، فإنهم يرجعون الى جده عبد المطلب بنسبهم ، ويجتمعون معه في رحم ويتصلون به بسببهم ونسبهم ، فهم أهل بيته حقيقة ، ثم روى حديثا من صحيح مسلم (1)عن زيد بن أرقم ، وفيه : فقال له حصين : من أهل بيته يا زيد؟ نسائه أهل بيته؟ قال : أهل بيته من حرمت عليه الصدقة بعده.
أقول : والمعنى الثاني والثالث مما ذكره ابن طلحة قريب من معنى القرابة المشهور ، ويؤيده ما ذكره في كتاب المصباح المنير قال : وأهل الرجل يأهل ويأهل أهولا إذا تزوج ، وتأهل كذلك ، ويطلق الأهل على الزوجة ، والأهل أهل البيت والأصل فيه القرابة ، وقد أطلق على الاتباع ، انتهى ، وهو ظاهر في أن الأصل إطلاق أهل البيت على قرابة الرجل ، وقد أطلق على أتباعه ، وان لم يكن من قرابته ، وبالجملة فما نقل عن العلامة لا يخلو من قرب.
وكيف كان فالظاهر أن معاني هذه الألفاظ أعنى أهل البيت والآل والعترة ونحوها بالنسبة إلى إطلاقها على أهل بيته (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) وعترته أخص مما هو المشهور من معانيها عرفا أو لغة ، ولتحقيق ذلك مقام آخر ، وأما معاني باقي الألفاظ المتقدمة فقد تقدم تحقيق الكلام فيها في كتاب الوقف ، وهذان اللفظان حيث لم يتقدم لهما ذكر تعرضنا للكلام فيهما ، واللّه العالم.
العاشرة : الظاهر أنه لا خلاف في أنه تصح الوصية للحمل الموجود حين الوصية ، وان لم تحله الحياة ، لكن يكون ذلك مراعى بوضعه حيا ، فتصح بمجرد وجوده وان كان استقرارها مشروطا بوضعه حيا ، فلو وضعته ميتا بطلت الوصية ، وان كان حال الوصية حيا في بطن أمه ، كما أنها تصح بوضعه حيا وان لم يكن حال الوصية حيا ولم تلجه الروح ، ومعنى استقرارها تحقق صحتها من حين موت الموصي ، ومع وضعه ميتا يتبين البطلان من ذلك الوقت ، وحينئذ
1) مسند أحمد ج 4 ص 367.
فالنماء المتخلل بين الولادة وموت الموصي يتبع العين ، ولم أقف في هذا المقام على نص ، غير أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على ما ذكرناه ، فإنه لم ينقل هنا خلاف في شيء من هذه الأحكام.
وإذا استقرت الوصية بولادته حيا لا يقدح فيها موته بعد ذلك ، بل ينتقل الى ورثته ، وهو ظاهر ، إلا أن ظاهر كلامهم اشتراط القبول من الوارث ، بل صرح في المسالك أيضا باشتراط القبول في الحمل ، فأوجب القبول على وليه ، قال في الكتاب المذكور بعد أن ذكر أن الوصية تنتقل الى الوارث لو مات بعد ولادته حيا ما صورته : لكن يعتبر هنا قبول الوارث لإمكانه في حقه ، وانما أسقطنا اعتباره عن الحمل لتعذره كما سقط اعتباره في الوصية للجهات العامة ، ووجه سقوطه عن الوارث تلقيه الملك عن المولود المالك لها بدون القبول ، ثم قال : والمتجه اعتبار القبول في الوصية للحمل مطلقا ، فيقبل وليه ابتداء ، ووارثه هنا وتظهر الفائدة فيما لو ردها قبل قبوله ، فان اعتبرناه بطلت ، وإلا فلا أثر للرد انتهى
أقول : قد تقدم القول في تحقيق اشتراط القبول في الوصية لمعين وعدمه ، وبينا أنه لا دليل على ما ذكروه من الاشتراط ، بل ظواهر جملة من النصوص العدم ، تقدم ذلك في المسئلة الثانية من المقصد الأول في الوصية (1)وكذا في المسئلة الخامسة والسادسة من المقصد المذكور ، وأشرنا أيضا الى أن ما ادعوه - وان اشتهر بينهم - من أن الوصية عقد تفتقر إلى الإيجاب والقبول مما لم يقم عليه دليل ، كما تقدم ذكره في المسئلة الاولى من مسائل المقصد المشار اليه.
وبالجملة فإنه ليس في هذه المواضع ما يمكن الاعتماد عليه من الأدلة الشرعية ، سوى مجرد كلامهم وتعليلاتهم ، ومن أراد تحقيق الحال يرجع الى المسائل المذكورة ، ثم ان في حكمه أولا بأن الحمل من قبيل الجهات العامة ، فلا تتوقف الوصية له على القبول ، ثم رجوعه عن ذلك في الحمل فحكمه بأنه
1) ص 387.
يقبل وليه ، لقائل أن يقول : أنه كما أن للحمل ولي ، فكذا الجهات العامة لها ولي وهو الحاكم ، فلم جوزت الوصية لها من غير اشتراط القبول؟ ولم لا توجب أن يقبل لها الحاكم ، لأنه وليها ، والفرق بين مسئلتي الحمل والجهات العامة مع وجود الولي لكل منهما غير ظاهر ، كما لا يخفى ، وبالجملة فإن البناء إذا كان على غير أساس حصل فيه الانعكاس ، وذكر فيه الالتباس.
بقي هنا شيء وهو أن القبول المشترط هنا هل يشترط فيه القبول اللفظي أو يكفي فيه القبول الفعلي ، والرضاء بذلك؟ صرح العلامة في المختلف في هذه المسئلة بالثاني ، وهو جيد ، وقد تقدمت الإشارة إليه في المسائل المتقدم ذكرها أيضا ، واللّه العالم.
الحادية عشر : المشهور أن الموصى له إذا مات قبل الموصي ولم يرجع الموصي عن وصيته فإن الوصية تنتقل إلى ورثة الموصي له ، قال شيخنا المفيد (عطر اللّه مرقده) إذا أوصى الإنسان لغيره بشيء من ماله فمات الموصى له قبل الموصي بذلك كان ما أوصى به راجعا الى ورثته ، فان لم يكن له ورثة رجع الى مال الموصي ، الى أن قال : ولصاحب الوصية إذا مات الموصى له قبله أن يرجع فيما أوصى له به ، فان لم يرجع فهو لخلف الموصى له ، ورواه ابن بابويه في كتابه وهو مذهب مشهور للأصحاب ، انتهى.
وقال ابن الجنيد : ولو كانت الوصية لأقوام بعينهم مذكورين مشار إليهم كالذي يقول لولد فلان ، وهؤلاء ، فإن ولد فلان غيرهم لم يدخل في الوصية ، ولو مات أحدهم قبل موت الموصي بطل سهمه.
قال العلامة في المختلف بعد نقل كلام ابن الجنيد : ولا بأس بهذا القول عندي ، لأن الوصية عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول ، وقد بينا أن القبول المعتد به هو الذي يقع بعد الوفاة ، فصار الموت حينئذ لا عبرة به ، انتهى.
وتدل على المشهور وهو المؤيد المنصور صحيحة محمد بن قيس (1)وقد تقدمت في المسئلة الخامسة من مسائل المقصد الأول ، وتقدم أيضا ذكر ما استند اليه العلامة في القول بالبطلان هنا وهو صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم (2)وموثقة منصور بن حازم (3)، وقد حققنا الكلام في المقام ثمة بما لا مزيد عليه.
والفرق بين ما ذكرنا في المسئلة السابعة وما ذكر هنا أن مطرح البحث في المسئلة السابعة هو أن الوارث هل يرث القبول لو مات الموصى له قبل الموصي ولم يقبل أم لا؟ وليس فيها تعرض لملك الموصى به وعدمه ، إلا أنا قد أوضحنا بالأدلة الشرعية في أثناء البحث ، أنه يملكه الموصى له ، ويملكه وارثه بعده والغرض من هذه المسئلة هنا بيان أن الموصى به ينتقل بموت الموصي له الى وارثه ان لم يرجع الموصي عن الوصية أم لا ، سواء كان مورثه قد قبل الوصية قبل موت الموصي أم لا ، فلو فرض أنه قبل الوصية في حياة الموصي ثم مات في حياته واكتفينا بالقبول الواقع في حياة الموصي لم يفتقر وارثه الى القبول ، ولكن يبقى الخلاف في بطلان الوصية وعدمه ، وهو المقصود بالبحث هنا ، وان لم يكن قد قبل ، انتقل الى الوارث حق القبول ، ومعه يملك الموصى به على الخلاف ، وهو المقصود بالذكر هنا ، وقد حققنا في المسائل المتقدمة المشار إليها ضعف جميع ما بنوا عليه ، وفرعوا عليه من القول بأن الوصية عقد يتوقف على الإيجاب والقبول وأنه لا دليل على القبول بوجه ، بل الروايات ظاهرة في خلافه ، وان الحكم في هذه المسئلة المذكورة هنا ، هو أنه بموت الموصى له تنتقل الوصية إلى الوارث ما لم يرجع الموصي ، سواء كان الموت في حياة الموصي أم بعد موته ، وأن ما استند اليه العلامة ، وقبله ابن الجنيد (رحمة اللّه عليه) من القول بالبطلان ، ليس في الأدلة ما يدل عليه صريحا ، والروايتان المذكورتان فيهما من الإجمال
ما يمنع من الاستناد إليهما في الاستدلال ، فلا تنهضان قوة في معارضة صحيحة محمد بن قيس ، ونحوها مما دل على ما دلت عليه من الأخبار الصريحة في المطلوب.
وبالجملة فإن قوة القول المشهور في الظهور كالنور على الطور لا يعتريها قصور ولا فتور ، كما لا يخفى على من نظر بعين التأمل والتدقيق فيما قدمناه في المسائل المشار إليها من التحقيق الرشيق.
بقي الكلام فيما لو لم يخلف الموصى له أحدا فإن الظاهر من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف أنه يرجع الى ورثة الموصي ، وبذلك صرح شيخنا المفيد (رحمهاللّه) فيما تقدم من نقل عبارته ، وقال المحقق في الشرائع : ولو لم يخلف الموصى له أحدا رجعت الى ورثة الموصي.
قال في المسالك : هذا تتمة الحكم السابق : وحاصله ان الموصى له إذا مات في حياة الموصي ولم يخلف وارثا رجعت الوصية إلى ورثة الموصي ، بمعنى بطلانها حينئذ ، وهذا الحكم شامل بإطلاقه لما لو كان موت الموصى له قبل قبوله وبعده والحكم في الأول واضح ، لأنه بموته قبل القبول وعدم قيام أحد مقامه في القبول تبطل الوصية ، ويرجع الى ورثة الموصي ، ويحتمل على هذا أن ينتقل حق القبول الى وارثه العام ، وهو الإمام ، لأنه وارث في الجملة ، فيرث حق القبول كما يرثه وارثه الخاص ، لقيامه مقامه في إرث جميع ما يورث عنه ، ويتولاه نائبه العام ، وهو الحاكم الشرعي مع غيبته ، إلا أن هذا الاحتمال لم يذكروه مع توجهه ، وأما الحكم الثاني وهو ما إذا كان موته بعد القبول حيث اعتبرنا القبول المتقدم على الوفاة ، فيشكل القول ببطلان الوصية حينئذ ، لتمام سبب الملك بالإيجاب والقبول ، وتوقفه على الشرط وهو الموت لا يوجب بطلانه ، ومن ثم انتقل الى الوارث لو كان ، فكما أنه لحصول الشرط يتم الملك للوارث فينبغي أن يتم هنا أيضا.
ويمكن الجواب بأن الملك لما كان مشروطا بالموت لا يحصل بدونه كما هو ظاهر ، وحينئذ فلا بد من مستحق صالح للتملك لينتقل اليه الملك ، فان مجرد السبب وان كان تاما لم يوجب نقل الملك قبل حصول الشرط ، وحينئذ فإن كان للموصى له وارث انتقل حق الوصية اليه ، وحكم بملكه ، لأن له أهلية الملك وان لم يقبل بناء على القبول السابق ، وان لم يكن له وارث لم يجد الملك محلا قابلا له لينتقل إليه ، إذ ليس هناك إلا الموصى له ، وقد فاتت أهليته للملك بموته أو وارثه والغرض عدمه.
نعم يتمشى على الاحتمال السابق هنا بطريق الأولى ، أن ينتقل الى الامام لتمام سبب الملك وحصول الشرط للملك ، والامام وارث للموصى له كالخاص ، فينتقل الملك اليه ، وان لم نقل بانتقال حق القبول إليه ، لأن الحق هنا أقوى ، انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول قد عرفت مما حققناه في المسائل المشار إليها آنفا أنه لا دليل على هذا القول الذي يكررون ذكره ، ويفرعون عليه ما يذكرونه من الفروع ، وان غاية ما يستفاد من الأخبار المتكثرة في باب الوصية هو أنه متى أوصى أحد لأحد بشيء فإنه يصح ، ويكون لزومه مراعى بموت الموصي قبل الرجوع فيه ، فمتى مات الموصي كذلك وجب على الوصي أو الورثة إنفاذ الوصية ، هذا غاية ما يفهم من الأخبار ، وهم انما رتبوا ذلك واستندوا فيما ذكروه الى كون الوصية عقدا يشترط فيه الإيجاب والقبول ، مع أنهم لم يوردوا على ذلك دليلا إلا مجرد ظاهر اتفاقهم إن تم ، وحينئذ فيأتي على ما ذكرناه أنه متى أوصى الى أحد بشيء ومات الموصى له في حياة الموصي ، فإن كان له وارث فالأشهر الأظهر كما عرفت أنه تنتقل الوصية إلى الوارث ، ويكون لزومها مراعى بموت الموصي ، فان مات ولم يرجع وجب إنفاذها.
وأما إذا مات الموصى له وليس له وارث ومات الموصي والحال هذه من غير أن يرجع في الوصية فظاهرهم كما عرفت أنه تبطل الوصية ، لما ذكره هنا في
المسالك من التعليلات المذكورة ، وزاد احتمال رجوع الوصية الى الامام عليهالسلام ومرجع ما ذكرناه الى ما ذكروه من الحكم الثاني.
وأما الإشكال الذي أورده عليه فقد عرفت الجواب عنه بما ذكره ، وهو الحق في المقام ، والأصحاب قد ذكروا هنا في صورة البطلان أنه تنتقل الوصية إلى ورثة الوصي ، وحق الكلام أن يقال الى الموصي ، لأن المفروض أن الموصى له مات في حياة الموصي ، والحال أنه لا وارث له وقت موته ، ومقتضى الحكم ببطلان الوصية في تلك الحال ، هو الانتقال الى الموصي ، لأن ذلك مفروض في حياته وهو ظاهر هذا.
ولو كان موت الموصى له إنما وقع بعد موت الموصي ، والحال أنه ليس له وارث ، فيحتمل ما ذكره ابن إدريس من البطلان في صورة ما لو تعذر صرف الوصية في الوجه الموصى به ، وقد عرفت ضعفه ، ويحتمل أن تكون الوصية للإمام عليهالسلام لأنه الوارث لمن لا وارث له ، والموصى له قد ملكها واستقر ملكه عليها بالوصية وموت الموصي ، ويحتمل وهو الأقرب الصدقة به عنه ، لما تقدم في المسائل السابقة من صحيحة العباس بن عامر (1)قال : «سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها ، ولم يترك عقبا ، قال اطلب له وارثا أو مولى فادفعها اليه ، قلت : فان لم أعلم له وليا ، قال : اجهد على أن تقدر له على ولي فان لم تجده وعلم اللّه منك الجهد فتصدق بها».
ومن هذه الرواية يعلم بعد ما احتمله في صورة البطلان من الصحة بحمل الوارث على الامام بقوله نعم يتمشى على الاحتمال السابق الى آخره ، فان المتبادر من إطلاق الوارث انما هو الوارث الخاص ، فما ذكره من احتمال الإمام في كلا الموضعين بعيد جدا ، ولهذا لم يذكره غيره من الأصحاب كما اعترف به ، والوجه فيه ما ذكرناه ، واللّه العالم.
1) التهذيب ج 9 ص 231 ح 905 ، الوسائل ج 13 ص 409 ح 2.
الثانية عشر : قالوا : لو أوصى للأقرب نزل على مراتب الإرث من حيث المرتبة لا من حيث الاستحقاق ، فإن الوصية يتساوى فيها الذكر والأنثى ، والمتقرب بالأبوين ، والمتقرب بالأم ، وان كانوا اخوة ، والمراد من تنزيله على المراتب مراعاة المرتبة الأولى من مراتب الإرث ، وتقديمها على الثانية ، وكذا الثانية على الثالثة ، وحينئذ فلا يعطى الأبعد في المرتبة مع وجود الأقرب ومقتضى ذلك تقديم العم من الأب على ابن العم من الأبوين ، وان كان ابن العم مقدما في الإرث لدليل خارج ، مع احتمال تقديمه هنا أيضا ، نظرا إلى الأقربية بحسب الإرث ، لكنه يخرج بقيد المنع من إعطاء الأبعد مع وجود الأقرب ، هذا ملخص ما ذكروه في ذلك ، واللّه العالم.
بكسر الواو وفتحها وهي الولاية على إخراج حق أو استيفائه أو على طفل ومجنون يملك الموصي الولاية عليه أصالة كالأب والجد له ، أو بالعرض كالوصي عن أحدهما المأذون له في الإيصاء ، ولو نهي لم يوص ومع الإطلاق خلاف يأتي ذكره أن شاء اللّه تعالى.
والبحث في هذا المقصد يقع في مسائل الأولى : يشترط في الوصي الكمال بالبلوغ ، والعقل فلا تصح إلى صبي بحيث يتصرف حال صباه مطلقا ، ولو ضم الى كامل نفذ تصرف الكامل حتى يبلغ الصبي فيشتركان ، وسيأتي ما فيه مزيد تحقيق للمسئلة ان شاء اللّه تعالى ، ولا الى مجنون ، ولو طرأ الجنون على الوصي فقد صرحوا بأنه تبطل وصيته ، وهل تعود بعود العقل؟ جزم العلامة بالعدم ، وتردد في الدروس ، ولو كان المجنون يعتوره أدوارا ، قال في الدروس : الأقرب الصحة ، وتحمل على أوقات الإفاقة ، قال : والفرق بينه وبين ما إذا طرأ الجنون انصراف الوصية في ابتدائها إلى أوقات الإفاقة ، وانصرافها هناك الى دوام عقله ، الذي لم
يدم ، وهل يشترط فيه العدالة؟ المشهور ذلك ، وهو مذهب الشيخ في المبسوط ، والشيخ المفيد في المقنعة ، وابن حمزة وابن البراج وسلار ، وتبطل الوصية إلى الفاسق ، وقيل : بالعدم ، وهو اختيار ابن إدريس بعد الاضطراب في كلامه ، واليه ذهب المحقق في النافع ، والعلامة في المختلف.
احتج الأولون بوجوه منها - أن الوصية استيمان على مال الأطفال ، ومن يجرى مجريهم من الفقراء والجهات التي لا يراعيها المالك ، والفاسق ليس أهلا للاستئمان على هذا الوجه ، وان كان أهلا للوكالة ، لوجوب التثبت عند خبره ، ومنها أن الوصية تتضمن الركون باعتبار فعل ما أوصى اليه به ، من تفرقة المال وإنفاقه وصرفه في الوجوه الشرعية ، والفاسق ظالم لا يجوز الركون اليه ، لقوله تعالى (1)«وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ».
ومنها - أن الوصية استنابة على مال الغير لا على مال الموصي ، لانتقاله عنه بعد موته ، وولاية الوصي إنما تثبت بعد الموت فيشترط في النائب العدالة ، كوكيل الوكيل ، بل أولى لأن تقصير وكيل الوكيل مجبور بنظر الوكيل والموكل ، وذلك من أكبر البواعث على تحرز وكيل الوكيل من تجاوز الحد ، بخلاف الوصي فإن ولايته بعد موت الموصى على الجهات التي أشرنا إليها ، وهي مما لا يشارفه فيها أحد غالبا.
احتج العلامة في المختلف على ما تقدم نقله عنه من عدم اشتراط العدالة ، قال : لأنها نيابة فتتبع اختيار المنوب كالوكالة.
واستند ابن إدريس إلى الإجماع على جواز إيداع الفاسق ، قال : وهي أمانة فكذا الوصية ، وأورد عليه بظهور الفرق بين الوكالة والوصية بما تقدم من مراعاة الموكل حال الوكيل في كل وقت مختار ، وبأنه في الوكالة تسلط على مال نفسه ، وفي الوصية على مال غيره ، ولهذا اشترطت العدالة في وكيل الوكيل.
1) سورة هود - الاية 113.
أقول : والتحقيق أن يقال ان الناس بالنسبة إلى العدالة وعدمها على أقسام ثلاثة : أحدها - العادل ، وهو من عرف بالقيام بالواجب واجتناب المحرمات ، وثانيها - الفاسق ، وهو من أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب المحرمات ، وثالثها - مجهول ، وهو من لا يعرف بشيء من الأمرين ، والدليلان الأولان - من أدلة القول الأول - غاية ما يدلان عليه نفي الفاسق ، دون المجهول الحال ، وحينئذ فيجوز وصاية المجهول الحال ولا تلزم العدالة.
وأما الدليل الثالث فإن أريد بالعدالة المشترطة في وكيل الوكيل ظهور العدالة فيه بالمعنى المتقدم ، فالاستدلال به مصادرة ، لأنه عين المتنازع ، وان أريد عدم ظهور الفسق سلمناه ، ولكنه لا يفيد الاشتراط المدعي.
وبالجملة فإن المسئلة عارية من النص والاحتياط فيه مطلوب ، وظواهر جملة من النصوص بالنسبة الى من مات وله أموال ، وورثة صغار ، ولا وصي له ، اشتراط عدالة المتولي لذلك ، وهو وان كان خارجا عما نحن فيه ، إلا أن فيه إشعارا بأن المتولي لأمر الوصاية ينبغي أن يكون عدلا مؤتمنا ، ولا فرق بين الأمرين ، إلا كون الأول منصوبا من قبل الشرع ، وهذا منصوب من قبل الموصي ، وإلا فهو بالنسبة الى ما يتصرف فيه واحد ، وحينئذ فكما تراعى العدالة فيه من حيث ان الناصب له الشرع ، كذا تراعى من حيث ان الناصب الموصي ، فلا ينصب لذلك إلا عدلا ، والفرق بينهما بأن الموصي له التسلط على ماله بدفعه الى من يشاء ، ويسلط عليه من يختاره ، لأن «الناس مسلطون على أموالهم» (1). بخلاف الحاكم الشرعي المنوط تصرفه بالمصلحة دون ما فيه مفسدة ضعيف ، فإن الموصي بعد الموت وانتقال التركة وفيهم الصغير ، وفيها الوصايا الى الجهات العامة ونحو ذلك من التصرفات التي تحتاج الى الوثوق والايتمان ، لا تعلق له بذلك ، فتصرفه فيما ذكر إنما هو تصرف في مال الغير ، لا مال نفسه كما ذكره ، ومما ذكرناه يعلم أنه لا ريب في
1) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
اشتراط عدم ظهور فسقه.
وأما اشتراط ظهور عدالته فقد عرفت أن الاحتياط - حيث ان المسئلة غير منصوصة - يقتضيه.
بقي هنا شيء وهو أنه على تقدير اشتراطها ابتداء هل يشترط استدامتها بمعنى أنه لو نصب عدلا ثم ظهر فسقه بطلت وصايته أم لا؟ المشهور الأول ، وكذا على القول بعدم اشتراطها لو أوصى الى العدل ، ثم ظهر فسقه بعد موت الموصي ، فإن المشهور بطلان وصايته ، ووجوب عزله ، والوجه في ذلك ، أما على اشتراطها ابتداء فظاهر ، لفوات الشرط ، وأما على عدم الاشتراط فلان الظاهر أن الباعث له على اختيار العدل - مع جواز الوصية إلى غيره ، كما هو مقتضى القول المذكور - إنما هو عدالته ، والوثوق بأمانته ، فإذا خرج عن حد العدالة فات الباعث ، وخرج عن الاستيمان ، إذ الظاهر أنه لو كان حيا لاستبدل به ، كذا احتج به في المختلف ، وذهب ابن إدريس إلى صحة الوصية ، وعدم بطلانها بذلك ، قال - بعد أن نقل عن الشيخ في المبسوط أنه لو تغيرت حالة الوصي لفسق أخرجت الوصية من يده ، لأن الفاسق لا يكون أمينا - ما لفظه : هذا الكتاب معظمه فروع المخالفين ، في كلام الشافعي وتخريجاته ، ولم يورد أصحابنا في ذلك شيئا ، لا رواية ولا تصنيفا ، والأصل صحة الوصية اليه ، والاعتماد عليه مع قوله تعالى (1)«فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» وعزله عن الوصية وإخراجه منها تبديل وتغيير بلا خلاف.
أقول : لا ريب أن الشيخ هنا انما حكم بالبطلان ، بناء على مذهبه في المسئلة من اشتراط العدالة ابتداء كما هو المشهور ، وهو من القائلين بذلك ، كما تقدم نقله عنه في المبسوط ، وحينئذ فرد ابن إدريس وحكمه بالصحة يعطى مخالفته في هذه الصورة أيضا ، وأما في صورة ما اختاره ابن إدريس من عدم اشتراط العدالة ابتداء فهو بطريق أولى.
1) سورة البقرة - الاية 181.
والتحقيق أن يقال : إنا شرطنا العدالة كما هو المشهور ، فان الظاهر هو البطلان لو ظهر الفسق ، لأن اشتراطها ابتداء يقتضي الاستدامة ، لما عرفت من أن الغرض من شرط العدالة هو الوثوق والاطمئنان بعدم المخالفة في شيء من الأمور الموصى بها ، والإتيان بها على الوجه المأمور به ، وذلك يقتضي الاستدامة في جميع تصرفاته.
وخلاف ابن إدريس على هذا التقدير ضعيف ، مع أنه قد صرح في كتاب الوصايا على ما نقله عنه في المختلف بأنه لو مات الوصي أو فسق ، أقام الحاكم مقامه من يراه ، وما استند اليه من النهى عن التبديل ليس على عمومه ، بل يجب تقييده بما إذا لم يخالف المشروع فلو خالف جاز تبديله ، ومتى لم يشترط العدالة ابتداء كما هو القول الآخر فان القول بعدم البطلان كما ذهب اليه ابن إدريس غير بعيد ، وما ذكره العلامة (رحمهاللّه عليه) في تعليل البطلان من أن الظاهر أن الباعث له على اختيار العدل انما هو عدالته جيد ، لو علم أن الباعث له على جعله وصيا هو عدالته ، وإلا فمجرد احتمال ذلك لا يكفي في الحكم بالبطلان ، إذ من الجائز والقريب كون الباعث على نصبه أمرا آخر ، من صحبته أو قرابته ، أو نحو ذلك ، وجاز أن يكون العدالة مزيدة في الباعث ، لا سببا تاما ، فلا يقدح فواتها ، ومن ثم ان المحقق في الشرائع لم يجزم هنا بالبطلان ، بل قال : أمكن القول بالبطلان.
وبالجملة فإن ما ذهب اليه ابن إدريس من الصحة على القول المذكور جيد ، إلا مع تحقق العلم بأن الباعث على نصب العدل هو العدالة ، واللّه العالم.
الثانية : قد صرحوا بأن من جملة الشروط أيضا في الوصية الحرية ، فلا تصح وصاية المملوك ، لاستلزامها التصرف في مال الغير ، لأن الوصاية يستدعي نظرا في الموصى به وسعيا في تنفيذه ، وهو موجب للتصرف في ملك الغير ، فلا يصح إلا بإذن المولى ، فتصح لزوال المانع ، ولا يخفى أن هذا انما يتم فيما إذا
أوصى الى مملوك غيره.
وأما مملوك نفسه من قن أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد فنقل في الدروس عن الشيخ عدم الصحة ، وعن الشيخ المفيد وسلار أنهما جوزا الوصية إلى المدبر والمكاتب مطلقا ، وظاهر المختلف أن محل الخلاف أعم من مملوك نفسه ، ولم يحضرني الآن ما يمكن تحقيق الحال منه ، إذا عرفت ذلك فاعلم أنه متى أذن له المولى في قبول الوصاية لم يكن له الرجوع من الأذن المذكور بعد موت الموصي ، وان كان في حياته فله الرجوع بشرط إعلام الموصي ، والحكم هنا في المولى كما في الموصي الحر ، باعتبار التفصيل في الرجوع بين الموت والحياة بشرط الاعلام وعدمه ، فيصح الرجوع بشرط كون ذلك في الحياة ، وبشرط الاعلام ، ويبطل في ما عدا ذلك كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّه تعالى بعد ذكر المسئلة ، والمولى هنا في حكم الوصي المذكور في ذلك ، وان كان فعل ما تعلقت به الوصية منوطا بالمملوك.
ومن جملة الشروط عندهم أيضا الإسلام إذا كان الموصي مسلما ، أو كافرا والوصية على أطفال المسلمين ، فلا تصح الوصية إلى كافر وان كان رحما ، لأنه ليس من أهل الولاية على المسلمين ، ولا من أهل الأمانة ، إلا أن يوصى الكافر الى مثله ان لم يشترط العدالة في الوصي ، وأما مع اشتراطها فهل يكفى عدالته في دينه أم تبطل مطلقا؟ وجهان : من أن الكفر أعظم من فسق المسلم ، ومن أن الغرض صيانة مال الطفل وأداء الأمانة ، وهو يحصل بالعدل منهم ، واضطرب كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدسسره) هنا ، فرجح في المسالك الحكم بالصحة ، وفي الروضة المنع ، قال في المسالك : ويحتمل قويا الحكم بصحتها مطلقا مع عدالته في دينه ، لأن الغرض منها صيانة مال الطفل ، وحفظ حاله وأداء الأمانة ، وإذا كان الكافر في دينه مجانبا للمحرمات ، قائما بالأمانات حصل الغرض المطلوب بخلاف فاسق المسلمين ، وقال في الروضة : والأقوى المنع بالنظر الى مذهبنا ، ولو أريد صحتها عندهم وعدمه فلا غرض لنا في ذلك ، ولو ترافعوا إلينا فإن
رددناهم الى مذهبهم ، وإلا فاللازم الحكم ببطلانها ، بناء على اشتراط العدالة ، إذ لا وثوق بعدالته في دينه ، ولا ركون إلى أفعاله لمخالفتها لكثير من أحكام الإسلام ، انتهى.
وأطلق الأكثر كالمحقق في الشرائع والشهيد في اللمعة والدروس والعلامة في جملة من كتبه وغيرهم جواز وصية الكافر الى مثله ، مع أن المشهور عندهم اشتراط العدالة في الوصي ، وهو مؤذن بالقول بالاكتفاء بعدالة الكافر في دينه ، وبه يظهر رجحان ما قواه في المسالك.
ومن جملتها البلوغ ، وقد تقدم الكلام في أنه لا تجوز الوصية إلى الصبي إلا أن يكون منضما الى بالغ ، وأنه لا يتصرف الصغير قبل البلوغ ، فإذا بلغ صار شريكا ، وللبالغ الاستقلال بالتصرف ما دام صغيرا ، قيل : وفائدة صحة الوصية إلى الصغير منضما مع عدم صحة تصرفه تأثير نصيبه في تلك الحال في جواز تصرفه بعد البلوغ.
أقول : ويدل على هذه الأحكام أعني صحة وصاية الصغير منضما الى البالغ وصحة تصرف البالغ وحده قبل بلوغ الصبي ، وعدم جواز تصرف الصبي قبل البلوغ ما رواه المشايخ الثلاثة (قدس اللّه أرواحهم) عن علي بن يقطين (1)قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل أوصى الى امرأة وأشرك في الوصية معها صبيا؟ فقال : يجوز ذلك وتمضى المرأة الوصية ولا تنتظر بلوغ الصبي وإذا بلغ الصبي فليس له أن لا يرضى إلا ما كان من تبديل وتغيير فان له أن يرده الى ما أوصى به الميت».
وما رواه المشايخ المذكورون في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (2)قال : «كتبت الى أبى محمد عليهالسلام : رجل أوصى الى ولده وفيهم كبار قد أدركوا ، وفيهم صغار أيجوز للكبار أن ينفذوا وصيته ويقضوا دينه لمن صح على الميت
بشهود عدول قبل أن يدركوا الأوصياء الصغار؟ فوقع عليهالسلام نعم على الأكابر من الولدان أن يقضوا دين أبيهم ولا يحبسوه بذلك».
وما ذكره الرضا عليهالسلام في كتاب الفقه (1)حيث «قال عليهالسلام : وإذا أوصى رجل الى امرأة وغلام غير مدرك ، فجائز للمرأة أن تنفذ الوصية ، ولا تنتظر بلوغ الغلام ، وليس للغلام إذا أرادت هي وأدرك الغلام أن يرجع في شيء مما أنفذته المرأة إلا ما كان من تغيير أو تبديل».
وروى الصدوق في الفقيه عن علي بن الحكم عن زياد بن أبى الحلال (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) هل أوصى الى الحسن والحسين مع أمير المؤمنين عليهالسلام قال : نعم ، قلت : وهما في ذلك السن قال : نعم ، ولا يكون لغيرهما في أقل من خمس سنين». وظاهر هذا الخبر المنع من الوصية إلى الصبي قبل بلوغ خمس سنين ، ولم أطلع على قائل به ، والأخبار الدالة على الجواز غير مطلقة ، وظاهر الأصحاب الفتوى بإطلاقها ، ومقتضى الجمع بين تقييد الجميع إطلاقها بهذا الخبر ، ويحتمل أن يكون المراد بالوصية الى الحسن والحسين بالنسبة الى ما يجرى عليهما بعده من امتثال ما أمرهما به من الصبر ، والعمل بما وقع عليهما امتثالا لوصيته ، (صلىاللّهعليهوآلهوسلم).
بقي الكلام في أنه لو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل فالمشهور أن للبالغ الانفراد بالوصية ، ولا يداخله الحاكم ، وعلل بأن شركة الصبي مشروطة ببلوغه كاملا ، ولم يحصل ، فيبقى الاستقلال الثابت له أولا بالنص على حاله عملا بالاستصحاب ، ومداخلة الحاكم مشروطة بعدم وجود الوصي المستقل ، وهو هنا موجود.
وقيل : باحتمال بطلان استقلاله بذلك ، لأن الموصي إنما فوض اليه الاستقلال
الى حين بلوغ الصبي ، فكأنه جعله مستقلا إلى مدة مخصوصة لا مطلقا.
أقول : والظاهر أنه من هنا نقل عن العلامة في التذكرة والشهيد في الدروس التردد في هذا الحكم ، وفي المسالك رجح الأول ، ثم قال : نعم لو بلغ رشيدا ثم مات بعده ولو بلحظة زال الاستقلال ، لفقد شرطه.
ما ذكرنا من الصفات المشترطة في الوصي وهي الكمال والإسلام والحرية وزاد بعضهم اهتداء الوصي إلى فعل ما أوصى فيه ، وقد وقع الخلاف في وقت اعتبارها على أقوال ثلاثة ، نقلها الشيخ في المبسوط : الأول - أنها تعتبر حال الوصية ، لأنها حالة القبول والاستيمان والركون اليه ، ومخاطبته بالعقد ، وحالة الوفاة ، لأنها حالة ثبوت التصرف له ، وهذا القول اختيار الشيخ وابن إدريس وظاهر اختيار المحقق.
الثاني - اعتبار حالة الوفاة لأنها حالة ثبوت الولاية ، ولا عبرة بالتقدم لعدم نفوذ تصرفه حينئذ.
الثالث - اعتبارها في جميع الحالات من حين الوصية إلى حين الوفاة ، عملا بالاحتياط ، وهذه الأقوال كلها مشتركة في اعتبار حال الوفاة ، وقد نقلها الشهيد في شرح الإرشاد ، وسيأتي ان شاء اللّه تعالى مزيد تحقيق في ذلك.
الثالثة : لو أوصى الى اثنين فلا يخلو إما أن يشترط اجتماعهما ، وحينئذ فلا يجوز لأحدهما أن يتفرد عن صاحبه بشيء من التصرف ، لأن الظاهر من شرط الاجتماع أنه لم يرض برأي أحدهما منفردا ، وبالجملة فإن ولايتهما لم تثبت إلا على هذا الوجه.
وإما أن يجوز لهما الانفراد ، ولا ريب أن تصرف كل منهما منفردا جائز بمقتضى الوصية ، لأن كل واحد منهما وصي مستقل ، ويجوز لهما حينئذ اقتسام
المال ، وتصرف كل منهما فيما يخصه ، ولكن ليست هذه القسمة حقيقة بل لكل منهما التصرف في نصيب الآخر ، لأن كلا منهما وصي في المجموع ولهذا انه لا فرق في القسمة بين كونها متساوية أو متفاوتة ، حيث لا تحصل بها ضرر.
وإما أن يطلق ، وهذا هو محل الاشكال والبحث ، فقيل - وهو مذهب الشيخ في الاستبصار والمبسوط وقبله الصدوق في الفقيه وغيرهما وعليه أكثر المتأخرين كالمحقق والعلامة والشهيد وغيرهم - : بأن الواجب الاجتماع ، لأن المفهوم من الإطلاق ارادة الاجتماع ، لو حصل الاشتباه ، فللقائل أن يقول ثبوت الولاية لهما مجتمعين معلوم ومتفق عليه ، وثبوتها لكل واحد منفردا مشكوك فيه ومختلف فيه ، فالواجب الأخذ باليقين المؤيد بالاتفاق عليه ، ويرجع الى أصالة انتفائها عن كل واحد منفردا.
وقيل - وهو مذهب الشيخ في النهاية - : بجواز الانفراد ، وهذا الاختلاف نشأ من اختلاف إفهامهم في روايات المسئلة.
ومنها ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن يحيى (1)قال : «كتب محمد بن الحسن الصفار الى أبى محمد عليهالسلام : رجل مات وأوصى الى رجلين أيجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة ، والآخر بالنصف ، فوقع عليهالسلام : لا ينبغي لهما أن يخالفا الميت ، وأن يعملا على حسب ما أمرهما ان شاء اللّه تعالى».
وما رواه في الكافي والتهذيب عن بريد بن معاوية (2)قال : «ان رجلا مات وأوصى إلي وإلى آخر أو الى رجلين فقال أحدهما لصاحبه : خذ نصف ما ترك ، وأعطني النصف مما ترك فأبى عليه الآخر ، فسألوا أبا عبد اللّه عليهالسلام عن ذلك فقال : ذلك له». وهاتان الروايتان هما الدائرتان في كلام الأصحاب وهما محل البحث والاختلاف.
وقال عليهالسلام في كتاب الفقه الرضوي (1)وإذا أوصى رجل الى رجلين فليس لهما أن ينفرد كل منهما بنصف التركة ، وعليهما إنفاذ الوصية على ما أوصى الميت ، وبهذه العبارة عبر الشيخ علي بن الحسين بن بابويه على ما نقله عنه في المختلف.
قال في الفقيه بعد نقل حديث الصفار ، وهذا التوقيع عندي بخطه عليهالسلام وعليه العمل ، ثم قال بعد إيراد الخبر الثاني : لست أفتى بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي عليهالسلام ولو صح الخبران جميعا لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق عليهالسلام.
قال الشيخ في التهذيب ونعم ما قال : رادا على الصدوق ظن أنهما متنافيان ، وليس الأمر على ما ظن ، لأن قوله عليهالسلام : ذلك له ، يعني «في الحديث الأخير» أن له أن يأبى عليه ولا يجيبه الى ملتمسه. فلا تنافي.
أقول : والصدوق (رحمة اللّه عليه) ظن رجوع الإشارة إلى صدر الخبر المتضمن لطلب أحدهما القسمة وأن الامام عليهالسلام جوز ذلك له ، وهو بعيد جدا ، بل الحق هو رجوع الإشارة إلى الامتناع من القسمة ، فيكون موافقا للخبر الأول ، فإنه ظاهر في عدم جواز القسمة ، وأن مقتضى الإطلاق بجعلهما وصفين هو الاجتماع.
والظاهر أن الشيخ في النهاية إنما قال : بجواز الانفراد ، تعويلا على رواية بريد المذكورة ، بحمل الإشارة فيها على الرجوع ، الى صدر الخبر ، كما توهمه الصدوق (رحمة اللّه عليه) ، ولكنه في التهذيبين رده بما عرفت.
وبالجملة فالظاهر من الخبرين المذكورين هو ما ذكره الشيخ في كتابي الأخبار وهو وجوب الاجتماع ، وعدم جواز الانفراد ، وأصرح منهما في ذلك كلامه عليهالسلام في كتاب الفقه الرضوي.
وأما ما ذكره في المسالك من عدم دلالة رواية الصفار على وجوب الاجتماع ، قال : لأن لفظ لا ينبغي ظاهر في الكراهة لا الحظر ، ففيها دلالة على جواز الانفراد
1) المستدرك ج 2 ص 526 الباب 43 ح 1.
على كراهة ، وتبقى تلك مؤيدة لها كما فهمه الشيخ في فتوى النهاية ، فإنه أجود مما فهمه في التهذيب ، مع أن المتأخرين كالعلامة في المختلف ومن بعده فهموا من الرواية المنع من الانفراد ، واستحسنوا حمل الرواية الأخرى على ما ذكره الشيخ (رحمة اللّه عليه) ، وربما رجح الحمل بأن الإباء أقرب من القسمة ، فعود اسم الإشارة إليه أولى ، وفيه أن الإشارة بذلك الى بعيد فحمله على القسمة أنسب باللفظ ، انتهى.
ففيه : أولا - أن ما ذكره من أن لفظ لا ينبغي ظاهر في الكراهة ان أراد باعتبار العرف الجاري بين الناس الآن فهو كذلك ، ولكن لا حجة فيه ، وان أراد باعتبار عرفهم عليهمالسلام فهو ممنوع ، فإن ورود لا ينبغي في التحريم وينبغي في الوجوب أكثر كثير في الأخبار ، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار ، وقد حققنا في غير موضع مما تقدم ، سيما في كتاب العبادات ، ان هذا اللفظ من الألفاظ المتشابهة بحسب العرف الشرعي والحمل على أحد معنييه يحتاج إلى القرينة ، والقرينة هنا واضحة في التحريم ، وأن لا ينبغي بمعنى لا يجوز ، لأن مرجع الكلام ومحصله إلى النهي عن مخالفة الميت ، ولا ريب أن المخالفة محرمة ، لأنها متضمنة للتبديل المنهي عنه في الآية ، وإذا ثبت أن المخالفة محرمة علم أن لفظ «لا ينبغي في المقام» بمعنى لا يجوز ، كما هو واضح ، ويؤكده قوله ثانيا «ويعملا على حسب ما أمرهما» وفي الجميع إشارة الى أن القسمة والانفراد المسئول عنه في الخبر مخالفة للميت فيما أمر به ، وأنهما متى فعلا ذلك لم يعملا على حسب ما أمرهما ، ومنه يعلم أن مقتضى الإطلاق هو الاجتماع كما ذكرنا سابقا.
وثانيا - أن ما ذكروه في ترجيح عود الإشارة إلى القسمة - من أن الإشارة في الخبر وقعت بلفظ ذلك ، وهي أنسب بالحمل على البعيد ، فتكون الإشارة راجعة إلى القسمة - مردود ، بأن الذي في الرواية انما هو الإشارة بذاك التي هي للقريب ، لا بذلك كما توهمه (قدسسره) فتكون الإشارة راجعة إلى الامتناع ،
لأنه هو الأقرب ، هذا مع الجري على مقتضى هذه المضايقات البعيدة ، وإلا فباب المجاز في الكلام أوسع من أن يتطرق اليه هذا الإلزام ، سيما مع ظهور الحكم من الأخبار بما عرفت من التحقيق ، والى بعض ما أوردناه عليه أولا تنبه أخيرا فعدل الى القول بالتحريم.
وأما ما ذكره في الوافي اعتراضا على الشيخ في الاستبصار أنه لو لا تفسير الحديث بما فسره لكانا متنافيين ، وليس الأمر على ما ظن ، لان حديث الصفار ليس نصا على المنع من الانفراد ، لجواز أن يكون معناه أنه ليس عليهما إلا إنفاذ وصاياه على ما أمرهما ، وان لا يخالفا فيها أمره تفردا أو اجتمعا ، أو يكون معناه أنه ان نص على الاجتماع وجب الاجتماع ، وان جوز الانفراد جاز الانفراد ، وبالجملة انما الواجب عليهما أن لا يخالفا ، انتهى.
فلا يخفى ما فيه ، ولولا أنه اعترف بعد هذا الكلام بما أشرنا إليه ، فقال في تتمة الكلام المذكور : إلا أن ما ذكره صاحب الاستبصار هو الأحسن والأوفق والأصوب ، انتهى ، لأوضحنا ما فيه ، وقد تلخص مما ذكرناه وجوب الاجتماع في صورة الإطلاق ، كما هو الأشهر الأظهر ، فشرط الاجتماع لو وقع حينئذ محمول على التأكيد ، والمراد بوجوب اجتماعهما في الصورتين اتفاقهما ، وأن لا يصدر شيء من الأمور الموصى بها إلا عن اتفاق منهما على كونه مصلحة ، وإذا توقف على عقد وقع من أحدهما بإذن الآخر ، أو إذنا لثالث.
وتمام تحقيق البحث في المقام يتوقف على بيان أمور الأول : إذا تشاح الوصيان في صورة وجوب الاجتماع عليهما من الإطلاق ، بناء على الأشهر الأظهر أو في صورة اشتراط الموصى بمعنى أنهما تمانعا ، وأبى كل واحد على صاحبه ما يريده ، فقد أطلق جمع منهم الشيخ في المبسوط عدم جواز تصرف أحدهما ، والوجه فيه ظاهر ، لأن الموصى لم يرض برأي أحدهما منفردا فيكون تصرفه حينئذ تصرفا بغير اذن ، كتصرف الأجنبي.
واستثنى جماعة منهم المحقق ما تدعو الحاجة اليه ، ولا يمكن تأخيره إلى وقت الاتفاق ، من نفقة اليتيم والرقيق والدواب ، ومثله شراء كفن الميت ، وزاد بعضهم قضاء ديونه ، وإنفاذ وصية معينة ، وقبول الهبة عن الصغير مع خوف فوات النفع.
وفصل العلامة في القواعد ، ففرق بين صورة الإطلاق في الوصية ، وبين صورة النهي عن الانفراد ، فاحتمل ضمان المنفرد في الصورة الثانية ، وجوز ما لا بد منه في الصورة الأولى ، وحمل كلام الأصحاب على ذلك.
وأورد عليه بأن من الأصحاب من صرح بعدم الفرق بين الحالين ، فلا يمكن حمل كلامه على ما ذكره من التفصيل ، وبأن حالة الإطلاق ان حملت على ارادة الاجتماع كما فهمه الأكثر فلا فرق بينهما وبين حالة النهي عن الانفراد إلا باعتبار التأكيد في هذه دون تلك كما تقدمت الإشارة إليه ، فلا وجه للفرق بالكلية حينئذ ، وقيل : ويضمن المنفرد مطلقا ، وهو الأوفق بالعلة المتقدمة ، ونقل عن أبى الصلاح أنه مع التشاح يرد الناظر في المصالح الأمر الى من كان أعلم بالأمر وأقوى عليه ، ويجعل الباقي تبعا له ، وفيه ما عرفت من أن الموصي لم يوص برأي أحدهما منفردا ، حيث أمر بالاجتماع إما بالتصريح به ، أو لكونه مقتضى الإطلاق كما عرفت ، فكيف يخص به أحدهما ، وان كان أعلم أو أقوى وقد منعه الموصي من ذلك.
ثم انه قد صرح جملة من الأصحاب بأنه مع التشاح والتعاسر منهما يجبرهما الحاكم على الاجتماع ، فان اتفق وإلا استبدل بهما ، وهو على إطلاقه مع القول باشتراط العدالة في الوصي كما عليه الأكثر لا يخلو من الإشكال ، لأنه بالتشاح والتعاسر منهما مع إمكان الاجتماع وانما قصدا بذلك محض العناد من كل منهما للآخر يثبت فسقهما الموجب لعزلهما عن الوصية ، فيجب أن يستبدل الحاكم بهما ، لا أنه يجبرهما على الاجتماع ، والحال كما عرفت.
ولقد أحسن ابن إدريس هنا حيث قال في مسئلة التشاح : وان ناقض نفسه بما ذكره في المسئلة الأولى قال : ان تشاحا في الوصية والاجتماع لم تنفذ بشيء مما تصرفا فيه ، الى أن قال : وللناظر في أمور المسلمين الاستبدال بهما ، لأنهما حينئذ قد فسقا ، لأنهما أخلا بما وجب عليهما القيام به ، وقد بينا أن الفسق يخرج الوصية من يده ، انتهى مع أنه في مسئلة اشتراط العدالة وعدمه ، صرح أولا بالاشتراط ، ثم عدل عنه في آخر كلامه ، فقال : والذي يقتضيه أصول مذهبنا ويشهد به أصولنا وروايتنا أن العدالة في الوصي ليست شرطا في صحة الوصية ، للإجماع على صحة إيداع الفاسق وهي أمانة فكذا الوصية ، انتهى ، ثم عقب ذلك بمسئلة الوصيين ، وقال فيها ما عرفت ، والجميع في موضع واحد ، وربما أمكن فرض التشاح من غير استلزام الفسق فيما إذا اختلف رأيهما في وجه المصلحة مثلا ، فلا يمكنهما الاجتماع على رأي واحد ، لأن كل واحد مكلف بما يقتضيه رأيه من الحكم ، وينبغي أن يستثني هذا من محل البحث المذكور ، فإنه لا يمكن إجبار الحاكم هنا لهما على الاجتماع ، وعلى هذا يخص محل البحث بما يمكن فيه الاجتماع ويكون التشاح ناشيا عن التشهي والميل الطبيعي كأن يريد أحد الوصيين تفرقة صدقة المال الموصى به لذلك على أناس مخصوصيين ، ويريد الآخر غيرهم مع تساوى الجميع في الاستحقاق ، أو أراد أحدهما شراء نوع من المأكول والملبوس للطفل ، وأراد الآخر غيره مع التساوي في المصلحة ، ونحو ذلك فان هذا هو محل البحث.
ونقل عن العلامة في التذكرة أنه بالغ في المسئلة ، وصرح بأنهما لا ينعزلان بالاختلاف ، وأن اللذين أقامهما الحاكم نائبان عنهما وهو عجيب ، واللّه العالم.
الثاني : قالوا : لو مرض أحدهما أو عجز ضم اليه الحاكم من يقويه ، وهذه العبارة لا تخلو من الإجمال ، وتعدد الاحتمال ، فيحتمل أن يكون المراد
منها أن المضموم اليه هو المريض والعاجز بأن يكون الضمير في «اليه» و «يقويه» راجعا الى المريض ، والعاجز ، بمعنى أن الحاكم يضم إليهما شخصا يقويهما ويعينهما على التصرف ، ويساعدهما على ذلك ، فان المرض والعجز لا يخرجهما عن الوصاية ، لجواز الوصية ابتداء الى المريض والعاجز ، فكما لا يقدح في الابتداء ، كذا لا يقدح في الاستدامة ، وأيضا على هذا فيعتبر اجتماع الثلاثة في التصرف.
ويحتمل أن يكون المراد أن المضموم اليه هو الوصي الآخر المدلول عليه بأحدهما ضمنا ، وحينئذ يكون الضمير في «اليه» وفي «يقويه» راجعا إلى الوصي الآخر المشار اليه ، وعلى هذا يراد بالعجز والمرض البالغين حد المنع وعدم إمكان التصرف ، وبهذا صرح في الدروس فإنه جعل الضميمة مع عجز أحدهما كما لو جن أو فسق ، ومن الظاهر أن جعل العاجز والمريض كالمجنون والفاسق اللذين لا وصاية لهما يعطى بلوغ العجز والمرض الى حد يمنع من القيام بشيء من الوصايا ، فيكون المضموم اليه هو الوصي الآخر البتة.
وبالجملة فإنه ينبغي أن يكون المدار في ذلك على مرتبتي العجز والمرض ، فان بلغتا إلى حد العجز الكلي وهو الحد الذي يمنع من القيام بشيء من الوصايا ، فإنه يكون للضم إلى الوصي الآخر ، وإلا فإن الضم الى المريض والعاجز ، لأن العجز والمرض إنما منع عن القيام بالجميع مع ثبوت أصل القدرة ، فيكون المضموم إليهما مساعدا لهما في الأشياء التي تضعف عنها قوتهما ، وعلى هذا فتكون الأوصياء ثلاثة ، كما تقدم.
الثالث : قالوا : لو مات أحد الوصيين أو فسق لم يضم الحاكم الى الآخر. وجاز له الانفراد ، لأنه لا ولاية للحاكم مع وجود وصي ، وتردد فيه بعضهم.
أقول : ينبغي أن يعلم أن ذكر الموت والفسق انما خرج مخرج التمثيل ، والمعنى أنه لو تعذرت مشاركة أحد الوصيين للآخر على الاجتماع ، لأحد الموانع
كموت أو فسق أو عجز كلي أو جنون أو غيبة بعيدة ، فالمشهور هو أن الحكم في ذلك ما ذكر من استقلال الآخر بالوصية ، من غير أن يضم اليه الحاكم بدلا من الوصي الآخر ، لأنه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي ، وهو هنا موجود ونصب الآخر معه لا يخرجه من كونه وصيا ، ولهذا يقال : نصب وصيين ، هكذا قيل.
وفيه أن الظاهر من نصب الوصيين الذي قد عرفت آنفا أن مقتضاه الاجتماع ، وهو أن الموصي لم يرض برأي أحدهما منفردا كما تقدم ذكره ، فتصرفه وحده مناف لمقتضى الاجتماع المفهوم من الإطلاق ، ومنه يعلم أنه مناف لغرض الموصي.
وقولهم أنه لا ولاية للحاكم مع وجود الوصي مسلم لو كان الوصي منفردا ، وأما في صورة الاشتراك فهو ممنوع ، وصدق وجود الوصي حقيقة هنا ممنوع ، بل الموجود جزء وصي ، وإطلاق الوصي عليه مجاز ، وبه يثبت المنع من انتفاء ولاية الحاكم هنا ، بل الولاية له ثابتة ، لأن ولايته تتعلق بما لا يشرع إنفاذه لغيره من أحكام الميت ، وهو هنا كذلك.
قال في المسالك : والأقوى وجوب الضم ، وليس للحاكم أن يفوض اليه وحده ، وان كان عنده صالحا للاستقلال ، لأن الموصي لم يرض برأيه وحده ، وعند وجود ارادة الموصي لا تعتبر ارادة الحاكم ، لأن ذلك كمنعه من كونه وصيا بالانفراد ، فلا يتخطاه الحاكم ، انتهى وهو جيد.
الرابعة : لا خلاف بين الأصحاب (رضياللّهعنهم) في أن للوصي أن يرد الوصاية ما دام الموصى حيا بشرط أن يبلغه ذلك ، فلو مات الموصى قبل الرد أو بعده ولم يبلغه لزمه القيام بها ، وبذلك تكاثر الأخبار.
ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة (طيب اللّه تعالى مراقدهم) عن محمد بن مسلم (1)في الصحيح «عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : ان أوصى رجل الى رجل وهو غائب فليس له أن يرد وصيته ، فإن أوصى اليه ، وهو بالبلد ، فهو بالخيار ان شاء قبل ، وإن شاء لم يقبل».
1) الكافي ج 7 ص 6 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 205 ح 814 ، الفقيه ج 4 ص 144 ح 496 ، الوسائل ج 13 ص 398 ح 1.
والمراد أنه مات الموصى في تلك الغيبة ، قبل أن يعلمه الوصي بالقبول أو عدمه ، فإنه يجب عليه القيام بالوصاية ، وان لم يقبل».
وما رواه في الكافي والفقيه عن فضيل بن يسار (1)في الصحيح «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في رجل يوصى اليه فقال : إذا بعث بها اليه من بلد فليس له ردها ، وان كان في مصر يوجد فيه غيره فذلك اليه».
والتقريب فيه ما تقدم في سابقه ، بمعنى أنه لو مات الموصي بعد البعث وقبل وصول الجواب اليه بالقبول وعدمه ، وحاصله أنه إذا أوصى اليه والوصي غائب عن البلد ، ثم مات لزمه القيام بالوصية قبل أو لم يقبل ، وان أوصى اليه وهو حاضر فإنه مخير بين القبول وعدمه ، لأن المصر يوجد فيه غيره.
وعن منصور بن حازم (2)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 398 ح 2 و 3 وص 399 ح 5.
«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : أوصى الرجل إلى أخيه ، وهو غائب فليس له أن يرد عليه وصيته ، لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره».وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 398 ح 2 و 3 وص 399 ح 5.
. وكذلك الشيخ في التهذيب «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في الرجل يوصي اليه؟ قال : إذا بعث بها من بلد اليه ، فليس له ردها».وقال في كتاب الفقه الرضوي (4)«وإذا أوصى رجل الى رجل وهو شاهد فله أن يمتنع من قبول الوصية ، وكان الموصى إليه غائبا ، ومات الموصي من قبل أن يلتقي مع الموصى إليه ، فإن الوصية لازمة للموصى إليه».
1) الكافي ج 7 ص 6 ح 2 ، التهذيب ج 9 ص 205 ح 815 ، الفقيه ج 4 ص 144 ح 497.
2) الكافي ج 7 ص 6 ح 3 و 4، التهذيب ج 9 ص 206 ح 816 و 817 ، الفقيه ج 4 ص 145 ح 500. الوسائل ج 13 ص 398 ح 3.
3) الكافي ج 7 ص 6 ح 3 و 4، التهذيب ج 9 ص 206 ح 816 و 817 ، الفقيه ج 4 ص 145 ح 500. الوسائل ج 13 ص 398 ح 3.
4) المستدرك ج 2 ص 522 الباب 21 ح 2.
أقول : وهذا الخبر مبين لما اجعل في الأخبار المتقدمة كما ذيلناها به ، وتحقيق الكلام في المقام أنك قد عرفت فيما تقدم أن الوصية من العقود الجائزة في حياة الموصي فلكل من الموصي والموصى له بمال ونحوه ، والموصى إليه بالولاية ، فسخها في حياة الموصي إجماعا.
وأما بعد موته فان قبل كل من الموصى له والموصى إليه فليس له الرد اتفاقا ، وان لم يقبل في حال الحياة جاز له الرد بعد وفاته ، إلا أنه في الموصى إليه مشروط بأن يبلغ الموصي ويعلمه الرد في حال حياته ، فلو لم يعلمه ذلك في حال الحياة لزمه القيام بذلك ، ولم يكن لرده أثر يترتب عليه ، هذا هو المشهور.
وعليه تدل الأخبار المذكورة ، لأنها كما عرفت متفقة في أنه لو كان الموصى إليه غائبا ومات الموصي بعد الوصية فليس له الرد ، سواء بلغه الخبر وردها ، ولكن لم يبلغ الرد الموصي أو لم يبلغه الخبر إلا بعد موت الموصي ، فإنه ليس له الرد ، بل يجب عليه القبول ، وحينئذ فالحكم في هذه الصورة كما في الصورة الأولى أعني موت الموصى بعد قبول الوصي ، فإنه ليس للوصي الرد بعد موته اتفاقا.
وذهب العلامة في التحرير والمختلف إلى أنه يجوز له الرجوع ما لم يقبل ، قال في المختلف : أطلق الأصحاب عدم جواز رد الوصية إذا لم يعلم الوصي بها حتى يموت الموصي ، أو يعلم ويرد ، ولما يعلم الموصي بالرد ، لروايات كثيرة ثم نقل رواية منصور بن حازم ، وصحيحة محمد بن مسلم قال : والوجه عندي المصير الى ذلك ان كان قد قبل الوصية أولا ، وان لم يكن قبل ولا علم جاز له الرجوع ، للأصل ، ولازالة الضرر الواصل بالتحمل غير المستحق ، وقد قال اللّه تعالى (1)«ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» وقال عليهالسلام (2)«لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». وتحمل الأحاديث على حصول القبول ، لأنه عقد ولا بد فيه من القبول ،
وقد نبه الشيخ في المبسوط وفي مسائل الخلاف ، عليه ، فقال : إذا قبل الوصية له أن يردها ما دام الموصي حيا ، فان مات فليس له ردها ، واستدل بإجماع الفرقة ، وبأن الوصية قد لزمته بالقبول ، انتهى.
وقال في الدروس بعد ذكر القول المشهور في المختلف : يجوز الرد إذا لم يعلم بالوصية حتى مات ، للحرج والضرر ، ولم نعلم له موافقا عليه ، انتهى.
أقول : يظهر من شيخنا في المسالك الميل الى ما ذكره العلامة هنا حيث قال بعد ذكر القول المشهور : وأن الأصحاب استندوا فيه الى الأخبار التي قدمنا هنا ، ثم نقل قول العلامة ودليله ما هذه صورته : ، والحق أن هذه الأخبار ليست صريحة في المدعى ، لتضمنها أن الحاضر لا يلزمه القبول مطلقا ، والغائب يلزمه مطلقا ، وهو غير محل النزاع ، نعم في تعليل الرواية المتقدمة إيماء إلى الحكم ، إلا أن إثبات مثل هذا الحكم المخالف للأصول الشرعية بإثبات حق الوصاية على الموصى اليه على وجه القهر ، وتسليط الموصي على إثبات وصيته على من شاء ، بحيث يوصي ويطلب من الشهود كتمان الوصية إلى حين موته ، ويدخل على الوصي الحرج والضرر غالبا بمجرد هذه العلة المستندة إلى سند غير واضح بعيد ، ولو حملت هذه الأخبار على سبق القبول ، أو على شدة الاستحباب كأن أولى ، ولو حصل للوصي ضرر ديني ، أو دنيوي أو مشقة لا يتحمل مثلها عادة أو لزم من تحملها عليه ما لا يليق بحاله من شتم ونحوه قوي جواز الرجوع ، انتهى.
أقول : قد عرفت مما ذيلنا به بعض الأخبار المتقدمة وبه صرح عليهالسلام في كتاب الفقه الرضوي أن حكمه عليهالسلام في تلك الأخبار على الغائب بأنه يلزمه القيام بالوصية متى أوصى اليه في حال الغيبة ومات الموصي أعم من أن يكون الوصي قد قبل الوصية لما بلغه الخبر أو لم يقبل ، فإنه لا أثر لعدم قبوله بعد موت الموصى ، أما على الأول فظاهر ، وهو مما لا خلاف فيه ، وأما على الثاني وهو محل الخلاف ، فلظاهر هذه الأخبار ، فإنها دلت كما عرفت على أنه بالوصية إليه حال
غيبته وموت الموصي يجب على الوصي القيام بالوصية ، رضي بالوصية أو امتنع ، فان امتناعه لا أثر له بعد موت الموصى وهذا هو محل الخلاف.
وأما إذا كان حاضرا للوصية مشافها لها ، فإنه لا يلزمه القبول ، وله أن يردها ولا ضير فيه ، لأن الموصى حي.
وحينئذ فكيف يتم قوله «أن ما تضمنته الأخبار غير محل النزاع وأنها غير صريحة في المدعى» وقد عرفت من كلام العلامة ومن كلامه هو أيضا أن محل النزاع هو أن يثبت للموصى إلزام بالقيام بوصيته مع عدم قبوله ، ولا علمه بذلك ، بل يكون قهرا عليه ، وهذا هو الذي دلت عليه الأخبار بالتقريب الذي ذكرناه ، ولهذا أن غيره من الأصحاب كالعلامة في المختلف وغيره ممن قال بالقول المشهور متفقون على دلالة الأخبار على القول المذكور ، وهو الذي فهموه منها ، وغاية ما يتمسك به العلامة معارضتها بالأدلة الدالة على نفي الضرر والحرج ، فتأمل الأخبار المذكورة جمعا بين الأدلة بالحمل على القبول ، وهو الظاهر من كلامه أيضا ، وهو زاد احتمال الحمل على شدة الاستحباب.
وأنت خبير بما في التأويلين المذكورين من البعد ، وأما المعارضة بالأدلة على نفى الضرر والحرج ، فإنا نمنع حصول الضرر والحرج بمجرد الوصية اليه ، وإلا للزم عدم جواز قبول الوصاية مطلقا ، فإنه لا يجوز للإنسان أن يلقى نفسه في الضرر ، لو كان مجرد الوصية إليه يستلزم ذلك ، نعم لو فرض اتفاق ذلك في بعض الموارد كما فرضه (قدسسره) في آخر كلامه ، فإنه يجوز له الرجوع دفعا للضرر عن نفسه ، وبه يحصل الجمع بين أخبار الضرر وأخبار المسئلة ، ولا يحتاج الى ما ذكروه من التأويلين البعيدين.
وأما ما ذكره من أن إثبات هذا الحكم مخالف للأصول الشرعية بإثبات حق الوصاية على الموصى اليه على وجه القهر الى آخر كلامه في ذلك.
ففيه أنه إذا ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة كما عرفته من هذه الروايات مع
صحتها باصطلاحهم من غير معارض لها في البين ، فإنه يجب تخصيص الأصول التي ذكرها بهذه الأخبار ، إذ ما من عام إلا وقد خص ، ولم يبق حينئذ إلا مجرد الاستبعاد العقلي الذي فرضه ، وهو غير مسموع في مقابلة الأخبار ، سيما مع صحتها وتكاثرها ، ووضوح دلالتها كما فصلناه ، واللّه العالم.
قال الصدوق : إذا دعي الرجل ابنه الى قبول وصيته فليس له أن يأبى وإذا أوصى رجل الى رجل فليس له أن يأبى ان كان حيث لا يجد غيره ، وإذا أوصى رجل الى رجل وهو غائب عنه ، فليس له أن يمتنع من قبول وصيته.
أقول : أما الحكم الأول فيدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) عن على بن الريان (1)قال : «كتبت الى أبى الحسن عليهالسلام رجل دعاه والده الى قبول وصيته هل له أن يمتنع من قبول وصيته؟ فوقع عليهالسلام : ليس له أن يمتنع».
وأما الثاني فالظاهر أن الدليل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة أيضا في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في الرجل يوصي الى الرجل بوصية فأبى أن يقبلها؟ فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام لا يخذله على هذه الحال».
وظاهره (قدسسره) حمل الخبر على وجوب القبول ، ولذا قيده بأن لا يجد غيره ، وفيه تأييد لما ذكرناه ردا على شيخنا المتقدم ذكره ، وينبغي تقييد كلامه بما قيدت به الأخبار المتقدمة من موت الموصي بعد الوصية والعلامة في المختلف حمل القبول في الأولين أولا على شدة الاستحباب ، ثم قال : على أن امتناع الولد نوع عقوق ، ومن لا يوجد غيره يتعين عليه ، لأنه فرض كفاية ، وبالجملة فأصحابنا
لم ينصوا على ذلك ، ولا بأس بقوله ، انتهى.
وفيه عدول الى القول بوجوب القبول ، وفي حكمه - بكون القبول فرض كفاية يتعين مع عدم وجود فرد آخر - ما يوجب الإيراد عليه فيما تقدم نقله عنه من عدم وجوب قيام الموصى إليه بالوصاية بعد موت الوصي ، إذا أوصى اليه وهو غائب وان لم يعلم ، ولم يقبل ، لأن وجوب قبول الوصية كفاية انما هو حال حياة الموصي أما بعد موته فإنها يتعين فيمن أوصى اليه كما لو لم يكن غيره حال الحياة ، فإنه يصير القبول واجبا عينيا.
قد عرفت أنه يشترط في جواز الرد في الحياة بلوغ الخبر الموصى ، لكن يبقى الكلام في أنه لو بلغه الخبر ، ولم يمكنه إقامة وصي غيره ، فهل يكفي في جواز الرد مجرد بلوغ الخبر وان لم يوجد وصى غيره ، أو لا بد من تقييده بإمكان وجود وصى آخر عوض الأول؟ وظاهر إطلاق الفتاوى الأول ، وظاهر النصوص الثاني.
ومنها صحيحة هشام بن سالم أو حسنته المتقدمة ، وقوله عليهالسلام فيها «لا يخذله على هذه الحال» ، وقد عرفت حملها على عدم وجود غيره ، كما صرح به الصدوق وغيره.
ومنهم العلامة في المختلف كما تقدم ، والشهيد في الدروس ، ومقتضاها كما عرفت أنه مع عدم وجود الغير لا يجوز له الرد ، ويشير الى ذلك قوله عليهالسلام في صحيحة الفضيل بن يسار المتقدم «وان كان في مصر يوجد غيره فذاك اليه» وقوله في صحيحة منصور بن حازم «لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها يطلب غيره» فإنهما ظاهران في تعليق جواز الرد على وجود الغير ، فلو لم يوجد الغير لقبول الوصية لم يجز له الرد ، واللّه العالم.
الخامسة : لا خلاف بين الأصحاب (رضياللّهعنهم) في أن الوصي أمين ، لا يضمن ما بيده من الأموال التي تعلقت بها الولاية إلا بتعد أو تفريط ، وينبغي أن يكون المدار في التعدي وعدمه على مخالفة شرط الوصية وعدمها ، فلو ربك الدابة أو لبس الثوب لا لغرض يعود الى الطفل أو نفع يترتب عليه ، كان ذلك تعديا لأن مقتضى الوصية حفظهما أو بيعهما وصرفهما في الجهة المأمور بها ، فتصرفه فيها كذلك لأغراض نفسه تعد البتة.
أما لو تعلق بذلك غرض يعود الى الطفل ، كأن يركب الدابة للمضي في حوائج الطفل من استيفاء دينه ، أو جمع حواصله أو نحو ذلك ، ولبس الثوب لدفع الضرر عنه باللبس ، كما في ثياب الصوف ونحوها في أوقات الحر ونحو ذلك ، فإنه لا يكون تعديا ، بل ربما صار في بعض الأفراد واجبا عليه إذا علم حصول الضرر بدون ذلك.
وظاهر كلامهم أن غاية ما يوجبه التعدي والتفريط وجوب الضمان عليه مع بقائه على الوصاية ، ولا يوجب ذلك عزله ، مع أنهم قد صرحوا بأنه ان ظهر منه خيانة وجب على الحاكم عزله ، والظاهر أن التعدي والتفريط نوع خيانة أيضا إلا أنهم لم يصرحوا بذلك ، بل ربما ظهر من كلامهم في الحكم الأول عدم كون ذلك خيانة ، فينبغي التأمل في ذلك ، ثم ان ما ذكروه من أنه متى ظهرت منه خيانة وجب على الحاكم عزله ، ونصب غيره ظاهر فيما لو لم يشترط عدالة الوصي فإن للحاكم أن يعزل الخائن مراعاة لحق الأطفال ، ومصارف الصدقات ، ونحوها من تنفيذ الأمور الموصى بها.
وأما على تقدير اشتراط العدالة كما هو المشهور ، فإنه ينعزل بنفس الفسق وان لم يعزله الحاكم ، ولعل المراد بعزل الحاكم في كلامهم ما هو أعم من قوله عزلتك كما هو الحكم بالنسبة إلى القول الأول أو منعه من التصرف ، لأنه قد انعزل بنفس الفسق كما هو القول الثاني ، فالمراد بعزله يعنى منعه من التصرف ،
ولو عجز الوصي عن القيام بما أوصى به اليه ، قالوا : ضم اليه الحاكم من يساعده.
وظاهر كلامهم أنه لا فرق في العجز بين أن يكون عن الاستقلال بالوصية حال الوصية اليه ، أو تجدده بعد الوصية قبل موت الموصي أو بعده ، وبه صرح في التذكرة على ما نقل عنه حيث قال : الظاهر من مذهب علمائنا جواز الوصية الى من يعجز عن التصرف ، ولا يهتدى إليه لمشقة أو هرم أو غيرهما ، ويجبر نقصه بنظر الحاكم ، انتهى.
وعلى هذا فكما لا تبطل الوصية بالعجز الطاري كذا لا تبطل لو كان متصفا به ابتداء ، ولا يخلو من اشكال ، لأن الوصية اليه مع العلم لعدم إمكان قيامه بذلك لا فائدة فيها ، ولا يترتب عليها أثر ، فكيف يحكم بصحتها ، وضم الحاكم بعد ذلك شخصا آخر للقيام بها يكون من قبيل نصبه وصيا لمن لم يوص بالكلية ، فلا أثر له في صحة الوصية الاولى.
والى ما ذكرنا يميل كلام شيخنا الشهيد في الدروس حيث انه توقف في صحة الوصية إلى العاجز ابتداء ، فقال : ففي بطلانها من رأس ، وصحتها ويضم الحاكم اليه مقويا نظر ، ينشأ من وجوب العمل بقوله ما أمكن ، ومن عدم الفائدة المقصودة بالوصية ، انتهى.
أقول : لا ريب أن وجوب العمل بقوله انما يتم مع ترتب الأثر المقصود من الوصية عليه ، وإلا فمتى لم يترتب عليه أثر كما هو المفروض ، فإنه لا معنى لهذا الوجوب بالكلية.
وأما ما ذكره في المسالك في الاستدلال على ما ذكره الشهيد من أنه يمكن منع عدم الفائدة على هذا التقدير ، لجواز أن يكون العاجز ذا رأي وتدبير ولكنه عاجز عن الاستقلال ، فيفوض اليه الموصي أمره لذلك ، ويعتمد في إتمام الفعل على نصب الحاكم له معينا ، فتحصل الفائدة المطلوبة من الوصية ، ويسلم من تبديلها المنهي عنه.
ففيه أولا أن المفروض في كلامهم كما سمعت من عبارة التذكرة «يعجز عن التصرف ولا يهتدى إليه» هو العجز عن ذلك بجميع أنواعه في رأي كان أو فعل ، والعاجز عن الاستقلال مع كونه ذا رأي وتدبير في قوة العاجز عن البعض مع القدرة على البعض ، وهو خلاف محل البحث.
وثانيا أن الاعتماد على نصب الحاكم أمر خارج عن الوصية ، لأنه كما عرفت في قوة نصب وصي لمن لا وصي له بالكلية ، ومحل البحث انما هو وصية الوصي على هذا الوجه الذي لا يترتب على وصيته أثر بالكلية ، لأن الوصية إلى العاجز الذي يعلم عدم قيامه بشيء مما يوصى به إليه في قوة العدم ، ومن المقطوع به عقلا ان مثل هذا لا يصدر عن عاقل ، وانما هو فرض ذكروه.
وبالجملة فما ذكروه من الصحة لا أعرف له وجها وجيها ، والمسئلة باقية في قالب الاشكال وللتوقف فيها مجال ، واللّه العالم.
السادسة : قال الشيخ في النهاية : إذا كان للوصي على الميت مال لم يجز له أن يأخذه من تحت يده ، إلا ما تقوم له به البينة ، وتبعه ابن البراج ونازعه ابن إدريس في ذلك ، فقال : هذا خبر واحد أورده (رحمهاللّه) إيرادا لا اعتقادا والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه يأخذ من ماله في يده ، لأن من له على انسان مال ولا بينة له عليه ، ولا يقدر على استخلاصه ظاهرا ، فله أخذ حقه باطنا ، لأنه يكون بأخذ ماله من غير زيادة عليه محسنا لا مسيئا ، وقد قال اللّه تعالى (1)«ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» ، انتهى.
وبما ذكره ابن إدريس صرح الشهيد في الدروس واللمعة ، وظاهر المحقق في الشرائع الميل الى ما ذكره الشيخ في النهاية حيث أفتى أولا بتقييد الجواز بغير اذن الحاكم بما إذا لم يكن له حجة ، ثم قال : وقيل يجوز مطلقا ، وأنت خبير بأن ظاهر كلام الشيخ هو أنه لا يجوز له الأخذ إلا مع الإثبات بالبينة عند
1) سورة التوبة - الاية 91.
الحاكم ، فلو تعذر الإثبات امتنع الأخذ.
وظاهر كلام المحقق ومثله ظاهر كلام العلامة في المختلف هو التوقف على الإثبات لو كان ثمة بينة ، إلا أنه في المختلف جعله الأولى ولو لم تكن له بينة كان له الأخذ من غير توقف على الإثبات ، وهو قول متوسط بين قولي الشيخ حيث أطلق توقف الجواز على البينة ، وقول ابن إدريس حيث جوز الأخذ مطلقا.
والأصل في هذا الاختلاف ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) عن بريد بن معاوية (1)في الموثق «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قلت له : ان رجلا أوصى الي فسألته أن يشرك معى ذا قرابة له ففعل ، وذكر الذي أوصى الي أن له قبل الذي أشركه في الوصية خمسين ومائة درهم ، وعنده رهن بها جام من فضة ، فلما هلك الرجل أنشأ الوصي يدعي أن له قبله أكرار حنطة ، قال : ان أقام البينة ، وإلا فلا شيء له ، قلت له أيحل له أن يأخذ مما في يده شيئا؟ قال : لا يحل له ، قلت أرأيت لو أن رجلا عدا عليه فأخذ ماله ، فقدر على أن يأخذ من ماله ما أخذ ، أكان ذلك له؟ قال : ان هذا ليس مثل هذا».
وهذه الرواية هي مستند الشيخ فيما ذهب إليه في النهاية ، وهي ظاهرة بل صريحة فيما ذهب اليه من العموم ، وابن دريس قد اعتمد على الروايات الكثيرة الدالة على جواز الأخذ مقاصة ممن له عليه الدين ، ولم يتمكن من إثباته وأخذه ، كما صرح به ، والامام عليهالسلام في هذه الرواية قد أشار الى الفرق بين المسئلتين ، لما عارضه الراوي بتلك المسئلة ، وحينئذ فالاستناد الى تلك الأخبار في الحكم ، كما ذكره ابن إدريس مع إشارته عليهالسلام الى أن هذه المسئلة ليست مثل ذلك مشكل.
ولعل المراد بخروج هذه المسئلة عن تلك القاعدة التي تكاثرت بها الأخبار ،
1) الكافي ج 7 ص 57 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 232 ح 910 ، الفقيه ج 4 ص 174 ح 613 ، الوسائل ج 13 ص 479 ح 1.
أن هذا الوصي المدعي له شريك في التصرف والتنفيذ ، وهو الوصي الآخر ، فلا يجوز له التصرف بدونه ، وجواز التصرف للوصي الآخر بحيث يدفع اليه ما ادعاه موقوف على الإثبات شرعا ، لأنه ليس له أن يمكنه بمجرد دعواه ، كغيره ممن يدعي على الميت مالا ، بل يجب عليه طلب البينة منه واليمين ، كما هو المقرر في الدعوى على الميت ، ولا يكفى هنا مجرد الثبوت في الواقع ، كما في تلك المسئلة ، لأن ذلك مخصوص بما إذا لم يطلع عليه أحد سواه ، فإنه يجوز له الأخذ مقاصة ، وعلى هذا فالحكم المذكور مختص بمورد الرواية ، وهو وجود وصيين ، ودعوى أحدهما ليمكن توجيه الفرق بين المسئلتين.
وأما على ما ادعاه الشيخ من فرض المسئلة في الوصي ، وان كان واحدا وادعى دينا على الموصي ، فإن الظاهر هنا ما ذهب اليه ابن إدريس ، لأن هذا الفرد أحد أفراد تلك القاعدة التي تكاثرت بها الأخبار ، وقد تقدم تحقيق الكلام فيها في صدر الفصل الأول في البيع من كتاب التجارة (1)وبذلك يظهر أيضا ما في فتوى المحقق ، بتوقف جواز أخذ الوصي واستيفاء حقه على الإثبات ان وجدت البينة ، فإنه ان كان هذا مذهبه في تلك المسئلة كما هو أحد القولين فيها فلا اشكال ، وان كان مذهبه ثمة ، كما هو المشهور من جواز الأخذ مقاصة وان أمكن الإثبات ، فإنه لا معنى لهذا الاشتراط هنا ، مع كون هذه المسئلة أحد أفراد تلك القاعدة.
وبالجملة فالواجب الوقوف على مورد الرواية من وجود وصيين ، أحدهما يدعي المال كما ذكرناه ، فإنه أخص من تلك المسئلة ، وأما لو كان الوصي متحدا فإنه من جملة أفراد تلك المسئلة ، يحكم فيها ما يحكم في تلك المسئلة من جواز الأخذ مقاصة ، كما هو الأشهر الأظهر ، وعلله في المسالك بأن الغرض كونه وصيا في إثبات الديون ، فيقوم مقام الموصي في ذلك ، والغرض من البينة والإثبات
1) ج 18 ص 349.
عند الحاكم جواز كذب المدعي في دعواه ، فنيطت بالبينة شرعا ، وعلمه بدينه أقوى من البينة التي يجوز عليها الخطأ ، ولأنه بقضاء الدين محسن (1)«وما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» قال : وبهذا يظهر الفرق بين دين الموصي وغيره ، حيث لا يعلم به الوصي ، وعلى تقدير علمه يمكن تجدد البراءة منه ، فلا بد من إثباته ، حتى باليمين مع البينة بذلك ، انتهى.
والأولى جعل ذلك وجها للنصوص الدالة على جواز الأخذ والمقاصة للوصي الذي هو أحد أفراد تلك القاعدة ، فإنها هي الأصل في إثبات الحكم المذكور.
قد ظهر مما قررناه أنه متى كان الوصي متحدا فان الظاهر كما هو المشهور أنه يجوز له استيفاء دينه عملا بروايات تلك القاعدة المشهورة.
بقي الكلام فيما لو كان الدين لغيره ، وهو عالم به ، بمعنى أنه سمع إقرار الموصي به قبل الموت بزمان لا يمكن فيه القضاء ، ويكون المستحق ممن لا يمكن في حقه الإبراء ، كالطفل مثلا والمسجد ونحوهما ، فان ظاهر الأصحاب أن للوصي أداء الدين المذكور ، أما لو كان أصحاب الدين كبارا يمكن الإبراء في حقهم ، فلا بد من إحلافهم على بقائه ، وان علم به سابقا ، إلا أنهم (رضياللّهعنهم) صرحوا بأنه لا يكفي إحلاف الوصي إياهم ، إلا إذا كان مستجمعا لشرائط الحكم ، بمعنى كونه فقيها جامع الشرائط ، وصرحوا بأنه ليس للحاكم أن يأذن له في التحليف ، بناء على علمه بالدين ، بل لا بد من ثبوته عند الحاكم ، لأن الحكم لا يجوز لغير أهله ، نعم له بعد ثبوته - عنده بالبينة - توكيله في إحلافهم.
أقول : وعلى هذا تخرج المسئلة عن الاكتفاء بعلم الموصي في جواز أداء الدين العالم به ، وتبقى ثمرة ذلك في تولية تحليفهم.
1) سورة التوبة - الاية 91.
السابعة : لا خلاف في أن الموصى لو أذن لوصيه بالإيصاء ، فإنه يجوز له إجماعا ، وكذا لا خلاف فيما لو منعه ، فإنه لا يجوز له ، وانما محل الخلاف السكوت عن كل من الأمرين وإطلاق الوصية ، فالمشهور المنع ، وأن النظر بعده للحاكم الشرعي ، وهو مذهب الشيخ المفيد وأبى الصلاح وابن إدريس والمحقق والعلامة وغيرهم ، وذهب جمع منهم الشيخ في النهاية وابن الجنيد والقاضي ابن البراج الى الجواز ، والشيخ في النهاية بعد أن قال : بجواز الإيصاء.
قال : وقال بعض أصحابنا : أن ليس له أن يوصى الى غيره بما كان يتصرف فيه ، فإذا مات كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم من ينظر في ذلك ، فان لم يكن هناك امام كان لفقهاء آل محمد عليهمالسلام ، وذوي الآراء منهم أن يتصرفوا في ذلك إذا تمكنوا منه ، وان لم يتمكنوا فليس عليهم شيء ، ولست أعرف بهذا حديثا مرويا.
وقال في الخلاف : إذا أوصى الى غيره وأطلق الوصية ، ولم يقل إذا متّ فوصيي فلان ، ولا قال : فمن أوصيت إليه فهو وصيي ، لأصحابنا فيه قولان : المروي أن له أن يوصي الى غيره ، وقال بعض أصحابنا : ليس له أن يوصى فإذا مات أقام الناظر في أمر المسلمين من ينظر في تلك الوصية. دليلنا على القولين ، روايات أصحابنا (رضياللّهعنهم) بجواز الإيصاء.
أقول : أنظر الى ما دل عليه الكلام الأول من أنه ليس يعرف بهذا حديثا والى ما دل عليه الكلام الأخر ، من أن دليل القولين روايات أصحابنا.
وقال ابن الجنيد والقاضي ابن البراج : وقد روى ابن بابويه في كتابه في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (1)«أنه كتب الى أبى محمد الحسن بن علي عليهالسلام رجل كان وصي رجل فمات فأوصى إلى رجل آخر هل يلزم الوصي وصية الرجل الذي كان هذا وصيه؟ فكتب عليهالسلام : يلزمه بحقه ، ان كان له قبله حق ان شاء اللّه
1) الفقيه ج 4 ص 168 ح 587 ، الوسائل ج 13 ص 460 الباب 70 ح 1.
تعالى». الظاهر أن المراد بالحق هنا حق الإيمان.
أقول : أنت خبير بما في الرواية المذكورة من الإجمال ، وتعدد الاحتمال ، والمستدل بها قد استدل بها بناء على ما ذكره من تفسير الحق بحق الإيمان ، فكأنه عليهالسلام قال : يلزمه القيام بوصيته ان كان مؤمنا وفاء لحقه ، بسبب الايمان ، فإنه يقتضي معونة المؤمن وقضاء حوائجه.
ولا يخفى ما فيه ، والأقرب في معنى الخبر ما ذكره شيخنا في المسالك ، واليه أشار العلامة في المختلف من حمل الحق في الخبر على حق الوصية إلى الوصي الأول ، بمعنى أن الوصية تلزم الوصي الثاني بحق الأول ان كان له ، أي للأول قبله ، يعنى قبل الوصي الأول حق ، بأن يكون قد أوصى اليه ، وأذن له أن يوصي ، فقد صار له قبله حق الوصية ، فإذا أوصى بها لزمت الثاني ، وهذا الاحتمال ان لم يكن أرجح لا أقل أن يكون مساويا ، وبه يسقط الاستدلال بالخبر في هذا المجال ، على أن حق الايمان لا يختص بهذا الوصي الثاني ، بل يجب على كل مؤمن كفاية ، والكلام في اختصاص هذا الوصي من حيث الوصاية ، لا من حيث جهة المعونة العامة.
وبالجملة فالأصل يقتضي المنع من التعدي الى غير الوصي الأول ، لأن المتبادر من استنابته في التصرف مباشرته بنفسه ، وبموته يسقط ذلك ، وتفويض التصرف الى غيره يحتاج الى دليل ظاهر ، والرواية على ما عرفت من الإجمال ، وتعدد الاحتمال لا تصلح للاستدلال.
فان قيل : ان ما ادعيتموه من أن المتبادر من استنابة الوصي في التصرف مباشرته بنفسه ، ينتقض عليكم بالتوكيل فيما هو وصى فيه ، فان للوصي أن يوكل فيما جرت العادة بالتوكيل فيه ، بل وغيره على ما اختاره في المسالك أيضا ، فلو اقتضى إطلاق الإيصاء المباشرة ، لما جاز التوكيل ، وبعضهم اعتمد على هذا دليلا للقائلين بهذا القول ، فقال : ويدل عليه جواز الوكالة ، فكما جازت الوكالة جاز الإيصاء.
والجواب عن ذلك أولا بأنه يرجع الى قياس الوصاية على الوكالة ، ومع قطع النظر عن كونه قياسا مع الفارق ، غير صحيح على أصولنا معشر الإمامية
وثانيا ما ذكره شيخنا في المسالك واليه أشار الشهيد قبله في شرح الإرشاد من الفرق بين الوكالة والوصاية ، لأن الوكالة على جزئيات مخصوصة ملحوظة بنظره حيا يمضى منها ما وافق غرضه ، ويرد ما خالف ، بخلاف الإيصاء الذي لا يحصل أثره إلا بعد الموت ، وفوات نظره ، وأيضا فإن الوصي في حال حياته مالك للتصرف على الوجه المأذون فيه ، ووكيله بمنزلته ، بخلاف تصرف الوصي بعد وفاته ، لزوال ولايته المقصورة بنفسه ، وما في حكمه بموته.
وكيف كان فالظاهر بناء على المشهور أنه يرجع الأمر في تنفيذ وصاية الموصي الأول إلى الحاكم ، أو عدول المؤمنين مع عدمه ، كما صرحوا به في غير موضع ، إلا أن الظاهر من عبارة الشيخ المتقدم نقلها عن كتاب النهاية الاختصاص هنا بالإمام أو نائبه الفقيه الجامع الشرائط ، ومثلها عبارة الشيخ المفيد أيضا ، ويمكن تقييدهما بما أشرنا إليه مما صرح به الأصحاب في أمثال هذا الموضع ، كما سيأتي في المسئلة ان شاء اللّه تعالى ، واللّه العالم.
الثامنة : لا خلاف بين الأصحاب في أنه لو مات ولم يوص الى أحد وكان له تركة وأموال وأطفال ، فإن النظر في تركته للحاكم الشرعي ، وانما الخلاف في أنه لو لم يكن ثمة حاكم فهل لعدول المؤمنين تولي ذلك أم لا؟ الذي قد صرح الشيخ وتبعه الأكثر الأول ، وقال ابن إدريس بالثاني.
قال الشيخ في النهاية : إذا مات انسان من غير وصية كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم له ناظرا ينظر في مصلحة الورثة ، ويبيع لهم ويشترى ، ويكون ذلك جائزا فان لم يكن السلطان الذي يتولى ذلك أو يأمر به ، جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك من قبل نفسه ، ويستعمل فيه الأمانة ويؤديها من غير إضرار بالورثة ، ويكون ما يفعله صحيحا ماضيا.
وقال ابن إدريس : والذي يقتضيه المذهب أنه إذا لم يكن سلطان يتولى ذلك فالأمر فيه الى فقهاء شيعه آل محمد عليهمالسلام من ذوي الرأي والصلاح ، فإنهم عليهمالسلام قد ولوهم هذه الأمور ، ولا يجوز لمن ليس بفقيه ان يتولى ذلك بحال ، فان تولاه فإنه لا يمضى شيء مما يفعله ، لأنه ليس له ذلك بحال ، فأما إن تولاه الفقيه مما يفعله ، صحيح جائز ماض ، انتهى.
وتردد المحقق في الشرائع ، والواجب أولا ذكر ما وصل إلينا من الأخبار المتعلقة بالمقام ، ثم الكلام فيها بما رزق اللّه فهمه منها بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر عليهمالسلام.
ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (1)قال : «مات رجل من أصحابنا ، ولم يوص فرفع أمره الى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله ، وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري ، فباع عبد الحميد المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه الوصية وكان قيامه فيها بأمر القاضي لأنهن فروج قال : فذكرت ذلك لأبي جعفر عليهالسلام فقلت له : يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصى الى أحد ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا لبيعهن أو قال : يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه ، لأنهن فروج ، فما ترى في ذلك؟ قال : فقال : إذا كان القيم مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس».
وما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) عن علي بن رئاب (2)
وهما في الوسائل ج 12 ص 270 ح 2 وج 13 ص 274 ح 1.
في الصحيح في بعض طرقه قال : «سألت أبا الحسن موسى عليهالسلام عن رجل بيني وبينه قرابة ، مات وترك أولادا صغارا وترك مماليك وغلمان وجواري ولم يوص فما ترىفيمن يشتري منهم الجارية يتخذها أم ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ قال : فقال : ان كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجورا فيهم ، قلت : فما ترى فيمن يشترى منهم الجارية يتخذها أم ولد؟ قال : لا بأس بذلك ، إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم وليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم والناظر لهم فيما يصلحهم».
وما رواه في الكافي والتهذيب عن إسماعيل بن سعد الأشعري (1)في الصحيح قال : «سألت الرضا عليهالسلام عن رجل مات بغير وصية وترك أولادا ذكرانا وغلمانا صغارا ، وترك جواري ومماليك هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال : نعم ، وعن الرجل يصحب الرجل في سفره فيحدث به حدث الموت ، ولا يدرك الوصية كيف يصنع بمتاعه وله أولاد صغار وكبار؟ أيجوز أن يدفع متاعه ودوابه الى ولده الأكابر أو إلى القاضي؟ وان كان في بلده ليس فيها قاض كيف يصنع؟ وان كان دفع المال إلى ولده الأكبر ولم يعلم به فذهب ولم يقدر على رده كيف يصنع؟ قال : إذا أدرك الصغار وطلبوا فلم يجد بدا من إخراجه ، إلا أن يكون بأمر السلطان ، وعن الرجل يموت بغير وصية وله ورثة صغار وكبار أيحل شراء خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك ، فان تولاه قاض قد تراضوا به ، ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال : إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس به إذا رضى الورثة بالبيع ، وقام عدل في ذلك».
وما رواه المشايخ الثلاثة عن سماعة (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 475 ح 3 وص 474 ح 2.
في الموثق قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث ، قال ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلككله فلا بأس.
أقول : لا يخفى ان الظاهر من هذه الأخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض ، وحمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مفصلها هو ما صرح به الأكثر ، فإنه هو الأقرب منها والأظهر.
أما صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع فإنه عليهالسلام قد أجاب فيها (1)«إذا اتفق أن القيم الذي نصبه القاضي مثلك ومثل عبد الحميد يعني في الوثاقة والعدالة فلا بأس» ومن المعلوم أن نصب القاضي عندنا في حكم العدم ، فمرجع الكلام إلى أنه ان تولى ذلك ثقة فلا بأس ، وهو أظهر ظاهر في المراد.
أما صحيحة علي بن رئاب فالولي فيها مجمل ، يجب حمله على ما يدل عليه غيرها من الحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين كما عرفت وستعرف ان شاء اللّه تعالى.
وأما صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري فقد دل صدرها على جواز بيع الجواري مع عدم وجود وصي كما هو المفروض في السؤال وهو وان كان مطلقا ، لكن يجب تقييد إطلاقه بتولي العدول لذلك ، كما نبه عليه في آخر السؤال الأخير ، بقوله فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع يعنى الكبار منهم ، وقام عدل في ذلك يعني بالنسبة إلى الصغار ، وأظهر من ذلك موثقة سماعة حيث شرط عليهالسلام في صحة الميراث المذكور قيام ثقة عن الأطفال يقاسم البالغ منهم.
وبالجملة فإن الروايات المذكورة ظاهرة في جواز قيام العدل الثقة بذلك ، وأنه بهذه الأخبار مأذون في الدخول ، سواء وجد الإمام أم لا ، ولا يبعد القول بجواز تولية ذلك أيضا مع وجود الفقيه الجامع للشرائط ، وان كان ظاهر الأصحاب خلاف ذلك ، لأن القائلين بهذا القول قيدوا ذلك بتعذر الفقيه ، لأنه النائب العام كما تضمنته مقبولة عمر بن حنظلة (2)ونحوها إلا أنه يمكن أن يقال : انه بهذه الأخبار قد حصل الإذن للثقة العدل منهم عليهالسلام بتولي ذلك مطلقا ،
كما هو ظاهرها.
وأخبار النيابة موردها كما هو الظاهر من سياقها انما هو الفتوى في الأحكام ، والقضاء بين الخصوم ، وأما مثل الولاية على طفل أو مال غائب أو نحو ذلك ، فليس في الأخبار ما يدل على اختصاصه بالإمام أو الفقيه الجامع للشرائط.
نعم ذلك وقع في كلام الأصحاب ، وبذلك يظهر لك ما في كلام ابن إدريس من الضعف والقصور لبنائه على أن الثقة غير مأذون له في الدخول في هذه الأمور.
قال في المسالك : ويستثني من موضع الخلاف ما يضطر إليه الأطفال والدواب من المؤنة ، وصيانة المشرف على التلف ، فان ذلك ونحوه واجب على الكفاية على جميع المسلمين ، فضلا عن العدول منهم ، حتى لو فرض عدم ترك مورثهم مالا فمؤنة الأطفال ونحوهم من العاجز عن التكسب واجب على المسلمين من أموالهم كفاية ، كإعانة كل محتاج ، وإطعام كل جائع يضطر اليه ، فمن مال المحتاج إليه أولى ، انتهى.
ومرجع كلامه (قدسسره) الى أن هذه الأشياء التي يضطر إليها يجب إخراجها عن محل الخلاف ، بمعنى أنها لا يتوقف على وجود الإمام أو النائب أو الثقة ، فلو لم يوجد أحد منهم امتنع النظر فيه ، بل يجب ذلك على الكافة وجوبا كفائيا ان لم يوجد أحد من هؤلاء ، وهو جيد.
وقال في المسالك أيضا : اعلم أن الأمور المفتقرة إلى الولاية إما أن يكون أطفالا أو وصايا أو حقوقا أو ديونا فان كان الأول فالولاية فيهم لأبيه ، ثم لجده لأبيه ، ثم لمن يليه من الأجداد على ترتيب الولاية ، الأقرب منهم الى الميت فالأقرب ، فإن عدم الجميع فوصي الأب ، ثم وصي الجد ، وهكذا فان عدم الجميع فللحاكم ، والولاية في الباقي غير الأطفال للوصي ، ثم للحاكم ، والمراد به السلطان العادل أو نائبه الخاص أو العام مع تعذر الأولين ، الى ان قال : فان فقد الجميع
فهل يجوز أن يتولى النظر حينئذ في تركة الميت من يوثق به من المؤمنين؟ قولان : ثم نقل القولين المتقدمين في المسئلة ، ونفى البأس عن القول المشهور ، واللّه العالم.
التاسعة : لو أوصى بالنظر في مال ولده إلى أجنبي وله أب فللأصحاب في ذلك أقوال ثلاثة : أحدها - البطلان مطلقا ، لما تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني من أن ولاية الجد وان علا على الولد مقدمة على ولاية وصي الأب ، وحينئذ فإذا نصب الأب وصيا على ولده المولى عليه مع وجود أبيه أي جد الطفل لم يصح مطلقا ، لأن ولاية الجد ثابتة بأصل الشرع ، فليس للأب نقلها عنه ، ولا جعل شريك له في ذلك.
وثانيها - بطلان الولاية زمان ولاية الجد خاصة ، بمعنى أنه لو أوصى الأب إلى أجنبي فإن ولايته تبطل ما دام الجد موجودا ، وبعد موت الجد تعود الولاية إلى الوصي ، لأن ولاية الأب شاملة للأزمان كلها إلا زمان ولاية الجد ، فيختص البطلان بزمان وجوده.
ورد بأن الأب لا ولاية له بعد موته مع وجود الجد ، فإذا انقطعت ولاية الأب بموته لم يقع ولاية وصيه ، فإذا مات الجد افتقر عود ولايته - لتؤثر في منصب الوصي - إلى دليل ، إذ الأصل عدم عودها ، فلا تصح في حال حياة الجد ، ولا بعد موته.
ودعوى - أن ولاية الأب ثابتة في جميع الأزمان المستقبلة التي من جملتها ما بعد موت الجد - غير معلوم ، بل هو محل البحث والنزاع ، كما لا يخفى ، وانما المعلوم انقطاع ولايته بعد موته ، مع وجود الجد بعده ، لا ثبوتها بعد موت الجد.
وثالثها - صحة الولاية في الثلث خاصة ، لأن له إخراجه عن الوارث أصلا ، فيكون له إثبات ولاية غيره عليه بطريق أولى ، ورد بمنع الولاية بل الملازمة ،
فان ازالة الملك يقتضي إبطال حق الوارث منه أصلا ، وهو الأمر الثابت له شرعا وأما بقائه في ملك الوارث فإنه يقتضي شرعا كون الولاية عليه لمالكه ، أو وليه الثابت ولايته عليه بالأصالة ، فلا يكون للأب عليه ولاية بالنسبة إليه أصلا ، ومن ذلك ظهر أن أجود الأقوال الأول ، ونقل الأول والأخير عن الشيخ في المبسوط نقله في المسالك.
العاشرة : اختلف الأصحاب وغيرهم في وقت اعتبار الشروط المعتبرة في صحة الوصاية من الكمال والإسلام والحرية والعدالة ونحوها مما تقدم ، هل هو عند الوصية؟ أو عند الموت؟ أو من حين الوصية مستمرا الى أن ينفذها بعد الموت ، فقيل : بالأول ، وهو مختار الأكثر ، كما نقله في المسالك ، والمراد باعتبار وجودها حال الوصية بمعنى وجودها قبلها ، ولو بآن ما قضية للشرطية ، فإن الشرط يعتبر تقدمه على المشروط.
قالوا : والوجه في هذا القول أن هذه المذكورات شرائط صحة الوصية ، فإذا لم تكن حال إنشائها موجودة لم يكن العقد صحيحا ، لأن عدم الشرط يوجب عدم المشروط كما في شرائط سائر العقود ، ولأنه في وقت الوصية ممنوع من التقويض الى من ليس بالصفات ، والنهي في المعاملات إذا توجه الى ركن العقد دل على الفساد ، ولأنه يجب في الوصي أن يكون بحيث لو مات الموصي كان نافذ التصرف ، مشتملا على صفات الوصاية ، وهو هنا منتف ، لأن الموصي لو مات في هذه الحال لم يكن الوصي أهلا لها.
وقيل : بالثاني وأن المعتبر اجتماعها عند الوفاة ، حتى لو أوصى الى من ليس بأهل ، فاتفق كماله عند الوفاة واستكماله الشرائط صحت الوصية ، لأن المقصود منها التصرف بعد الموت ، فيعتبر اجتماع الشروط حينئذ ، لأنه محل الولاية ، ولا حاجة الى وجودها قبل ذلك ، لانتفاء الفائدة.
وقيل : بالثالث ، وهو الاعتبار من حين الوصية إلى حين الوفاة ، والى هذا
القول مال شيخنا الشهيد في الدروس ، حيث قال (عطر اللّه مرقده) بعد ذكر الشرائط : ثم هذه الشرائط معتبرة منذ الوصية إلى حين الموت ، فلو اختل أحدها في حالة من ذلك بطلت. وقيل : يكفى حين الوصية ، وقيل : حين الوفاة.
قالوا : والوجه في هذا القول ، أما حين الوصية ، فلما تقدم في توجيه القول الأول ، وأما الاستمرار الى حين الوفاة ، فلأن الوصاية من العقود الجائزة ، فمتى عرض اختلال أحد شرائطها بطلت كنظائرها ، ولأن المعتبر في كل شرط حصوله في جميع أوقات المشروط ، فمتى أخل في أثناء الفعل وجب فوات المشروط إلا ما استثنى في قليل من الموارد بدليل من خارج.
قال في المسالك : وربما يقال : أنه لا يستثني منه شيء لأن ما خرج عن ذلك يدعى أن الفعل المحكوم بصحته عند فوات الشرط ليس مشروطا به مطلقا ، بل في بعض الأحوال دون بعض ، وهذا أولى ، انتهى.
وقيل : وهو الرابع أن المعتبر وجود الشرائط من حال الوصية الى أن ينتهي متعلقها بأن يبلغ الطفل ويخرج الوصايا ويقضي الديون وغير ذلك ، لأن اشتراط هذه الأمور يقتضي فوات مشروطها متى فات بعضها في كل وقت ، فلو فرض فوات بعضها بعد الوصية الى قبل انتهاء الولاية بطلت ، قال في المسالك بعد ذكر ذلك : وهذا هو الأقوى.
أقول : مبنى هذه الأقوال كلها على أن الوصية عقد ، فيجب أن يراعى فيه ما يراعى في سائر العقود ومن القواعد المقررة عندهم أن العقد إذا كان مشروطا بشرط ، فهو عدم عند عدم شرطه ، فهذا العقد إذا كان مشروطا بكون الموصى إليه معتبرا بهذه الصفات ، فلا بد من وجود هذه الصفات ، وإلا لبطل.
بقي الكلام والخلاف في وقت اعتبارها ، هل هو حال الوصية خاصة ، أو عند الوفاة؟ أو من حين الوصية إلى حين الوفاة؟ أو إلى ان ينتهي متعلق الوصاية؟ وأنت خبير بأن كون الوصية عقد مثل سائر العقود ، فيشترط فيها ما يشترط فيها ، وان كان
هو المشهور في كلامهم ، بل ظاهرهم الاتفاق عليه ، إلا أنه لم يقم عليه دليل تركن النفس اليه ، بل ربما ظهر من الأخبار خلافه ، فإنهم قد جعلوا أيضا من جملة الواجبات فيه بناء على كونها عقدا القبول ، مع أنا لم نقف فيه على دليل ، بل ربما دل الدليل على خلافه ، وقد تقدم الكلام في ذلك في جملة من مسائل المقصد الأول ، وغاية ما يستفاد من الأخبار أن الوصية بالنسبة الى الموصى له لا يخرج عن العطية ، وبالنسبة إلى الوصاية لا يخرج عن الاذن والاستنابة ، ولا عقد هنا بالكلية.
فمما يدل على ما قلناه في الوصاية ما تقدم في المسئلة الثانية من خبر علي بن يقطين (1)في «رجل أوصى الى امرأة وأشرك في الوصية معها صبيا فقال عليهالسلام : يجوز ذلك ، وتمضى المرأة الوصية ، ولا تنتظر بلوغ الصبي». الخبر فإنه لا يدل على أزيد من أن الرجل أمر المرأة بأن تنفذ ما عينه لها فيه ، واستنابها ، وضم إليها الصبي المذكور ، وأي عقد هنا يفهم من هذا الكلام أو قبول لفظي كما اعتبروه في المقام ، ونحو ذلك صحيحة الصفار المذكورة (2)ثمة في «رجل أوصى الى ولده وفيهم كبار وصغار أيجوز للكبار ان ينفذوا وصيته ، ويقضوا دينه ، قبل أن يدرك الأوصياء الصغار؟ فوقع عليهالسلام : نعم» الخبر : فان المتبادر من هذا الكلام أن الموصى استناب أولاده ، وأمرهم واذن لهم في تنفيذ هذه الوصايا بأن قال : افعلوا كذا وكذا ، فوجب عليهم بعد موته القيام بذلك ، وأي دلالة لهذا الكلام على عقد في المقام ، وعلى هذا النهج جملة الأخبار ، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار ، فان سموا مثل هذا الأمر والاذن والاستنابة عقدا فلا مشاحة في التسمية ، ولكن ما ذكروه من ترتب أحكام العقود عليه ممنوع ، وإلا لجرى ذلك في كل من أمر شخصا بأمر ، وأذن له في فعل.
وبالجملة فإنك عرفت في المباحث السابقة أن ما يدعونه من العقد في كثير من تلك المواضع لا يخلو من الإشكال أيضا.
إذا عرفت ذلك وثبت أن غاية ما تدل عليه الأخبار هو الاذن والاستنابة في تنفيذ هذه الأمور الموصى بها.
فنقول : ينبغي أن تكون تلك الشروط محلها وقت التنفيذ ، واعتبارها في ذلك الوقت ، وهذا يرجع الى القول الثاني من الأقوال المتقدمة ، وما طعن به في المسالك - على هذا القول ورده به - من قوله ويضعف بأن الوصاية لما كانت عقدا ولم يحصل شروطها حالة الإيجاب وقع العقد فاسدا ، فيه ما عرفت من أنه لا دليل على هذا العقد الذي بنوا الكلام عليه في المقام وغيره ، وكلامنا انما هو مبني على عدمه ، فلا يرد علينا ما أورده ، ولعل القائل بهذا القول من أصحابنا أيضا يمنع كون الوصية عقدا فلا يرد عليه ما أورده ، وهذه الأقوال مع التعليلات التي ذيلت بها كلها للعامة ، كما لا يخفى على من راجع كتاب التذكرة ، وغيره من الكتب التي تصدوا فيها لنقل أقوالهم.
وفيها من البعد عن ساحة الأخبار ما لا يخفى على ذوي البصائر والأبصار ، ولأصحابنا في عدد الأقوال في المسئلة اضطراب ، فمنهم من أنها إلى أربعة حسبما ذكرناه كشيخنا الشهيد الثاني في المسالك ، ومنهم من جعلها ثلاثة كشيخنا الشهيد في الدروس وشرح الإرشاد ، ومنهم من رجعها الى اثنين خاصة ، كالمحقق والشيخ ، ولكل وجه اعتباري يدفعه ما ذكره غيره ، واللّه العالم.
وفيه أيضا مسائل الاولى : اختلف الأصحاب (رضياللّهعنهم) في منجزات المريض ، والمراد بها المعجلة حال الحياة إذا كانت تبرعا كالمحابات في المعاوضات من البيع بأقل من ثمن المثل ، والشراء بأزيد منه ، والهبة ، والصدقة ، والوقف ، والعتق ، وبالجملة فما اشتمل على تفويت المال بغير عوض ، كالهبة وما بعدها ، والمحاباة كالأولين ، ونحوهما ، هل يخرج من الأصل أو الثلث؟ مع الاتفاق على
أنه لو برء ، من مرضه لزم ذلك ، وكان مخرجه من الأصل ، وانما الخلاف فيما لو مات في مرضه ذلك ، فذهب الشيخان في النهاية والمقنعة وابن البراج وابن إدريس إلى أنه من الأصل ، وهذا القول هو الظاهر عندي من الأخبار بعد النظر فيها بعين التأمل والاعتبار ، واليه مال جملة أفاضل متأخري المتأخرين ، كالمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ، والفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الكفاية ، والمحدث الصالح الشيخ عبد اللّه بن صالح البحراني (قدس اللّه أرواحهم).
وذهب الشيخ في المبسوط ، والصدوق ، وابن الجنيد الى أن ذلك من الثلث وهو المشهور بين المتأخرين ومنشأ الخلاف المذكور اختلاف الأخبار في ذلك واختلاف الأنظار والأفهام في تلك المدارك ، وها أنا أذكر أدلة كل من القولين مذيلا لها بما تنكشف به ان شاء اللّه تعالى غشاوة الاشكال ، ويجتمع به على وجه لا يعتريه الاختلال مستمدا منه سبحانه إفاضة الصواب ، والعصمة من الوقوع في شباك الاضطراب والارتياب.
فأقول : مما يدل على القول الأول وهو الذي عليه القول ، ظاهر قوله عزوجل (1)«فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً».
وقد روى الشيخ في الصحيح عن زرارة (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : فقال «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً» وهذا يدخل فيه الصداق والهبة».
والتقريب أنه دل بإطلاقه على ما يشمل الصحة والمرض ، فتكون الآية دالة بمعونة تفسيرها بالخبر المذكور على صحة الهبة في مرض الموت مطلقا من غير تقييد بالثلث.
ومنها ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) في الموثق عن عمار
الساباطي (1)«أنه سمع أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شيء من الروح ، يضعه حيث يشاء».
وما رواه في الكافي والتهذيب عن سماعة (2)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام الرجل يكون له الولد أيسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال : هو ماله يصنع به ما يشاء ، الى أن يأتيه الموت».
ورواه المشايخ الثلاثة عن أبى بصير (3)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام مثله.
وما قيل : من احتمال أن يكون المراد بإتيان الموت ما يشمل حضور مقدماته ، فيشمل مرض الموت ، فهو من الاحتمالات الباردة ، والتخريجات الكاسدة كما يكشف عنه تتمته في بعض طرق صاحب الكافي فإنه رواه بطريق آخر الى أبى بصير (4)عنه عليهالسلام وزاد فيه «ان لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيا ان شاء وهبه ، وان شاء تصدق به ، وان شاء تركه ، الى أن يأتيه الموت ، فان أوصى به فليس إلا الثلث ، إلا أن الفضل في أن لا يضع من يعوله ، ولا يضر بورثته».
وما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن بإبراهيم بن هاشم (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 381 ح 4 و 1 و 2 وص 383 ح 8.
أو الصحيح على القول بصحة حديثه ، وهو المختار ، وفاقا لجمع من علمائنا الأبرار عن أبى شعيب المحاملي عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه».1) الكافي ج 7 ص 7 ح 1 وص 8 ح 5، التهذيب ج 9 ص 186 ح 748 وص 178 ح 749 ، الفقيه ج 4 ص 149 ح 517.
2) الكافي ج 7 ص 7 ح 1 وص 8 ح 5، التهذيب ج 9 ص 186 ح 748 وص 178 ح 749 ، الفقيه ج 4 ص 149 ح 517.
3) الكافي ج 7 ص 8 ح 8 ، التهذيب ج 9 ص 187 ح 750 ، الفقيه ج 4 ص 149 ح 518.
4) الكافي ج 7 ص 8 ح 10.
5) الكافي ج 7 ص 8 ح 9 ، التهذيب ج 9 ص 187 ح 751.
وعن إبراهيم بن أبى بكر السمال الأزدي (1)عمن أخبره «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : الميت أولى بماله ما دام فيه الروح».
وما رواه في الكافي والفقيه عن مرازم (2)عن بعض أصحابنا «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام في الرجل يعطى الشيء من ماله في مرضه؟ فقال إذا أبان فيه فهو جائز ، وان أوصى به فهو من الثلث».
أقول : المراد بقوله «أبان فيه» أبي ينزه وعزله وسلمه الى من أعطاه إياه ولم يعلق إعطائه على موته.
وما رواه المشايخ الثلاثة (نور اللّه تعالى مراقدهم) عن عمار الساباطي (3)في الموثق «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به فان تعدى فليس له إلا الثلث» ،.
هكذا في الفقيه وبعض نسخ الكافي ، وفي التهذيب عوض «فان تعدى» «فان قال بعدي ، وهو الأنسب ، بقوله يبين به ، وفي بعض نسخ الكافي هكذا «قال : قلت له : الميت أحق بماله فيه الزوج ويبين به؟ قال : نعم ، فإن أوصى به فليس له إلا الثلث» وهذا هو المناسب.
وما رواه المشايخ المذكورون أيضا عن عمار بن موسى (4)الموثق من بعض طرقه «عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ، ان أوصى به كله فهو جائز له».
وهذا الخبر حمله الشيخ بالنظر الى ما تضمنه عجزه تارة على وهم الراوي ، وأخرى على فقد الوارث ، وثالثة على ما إذا أجاز الورثة.
وما رواه في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطي (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 381 ح 3 وص 382 ح 6 و 7 و 5 وص 383 ح 10.
«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام1) الكافي ج 7 ص 7 ح 3 ، التهذيب ج 9 ص 187 ح 752.
2) الكافي ج 7 ص 8 ح 6 ، الفقيه ج 4 ص 149 ح 519.
3) الكافي ج 7 ص 8 ح 7 وص 7 ح 2، التهذيب ج 9 ص 188 ح 756 وص 187 ح 753 ، الفقيه ج 4 ص 137 ح 477 وص 150 ح 520.
4) الكافي ج 7 ص 8 ح 7 وص 7 ح 2، التهذيب ج 9 ص 188 ح 756 وص 187 ح 753 ، الفقيه ج 4 ص 137 ح 477 وص 150 ح 520.
5) التهذيب ج 9 ص 190 ح 864.
في رجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ قال : إذا أبانه جاز».
هذا ما حضرني من أدلة القول المذكور ، وهي كما ترى على ما قلناه ظاهرة الدلالة تمام الظهور ، لا يعتريها فتور ولا قصور.
وأما ما يدل على القول الآخر ، فمنه رواية علي بن عقبة (1)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 4 وص 384 ح 11 و 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 363 ح 8.
«عن الصادق عليهالسلام في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره ، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه؟ قال : ما يعتق منه إلا ثلثه ، وسائر ذلك ، الورثة أحق بذلك ، ولهم ما بقي».وموثقة سماعة (2)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 4 وص 384 ح 11 و 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 363 ح 8.
قال : «سألته عن عطية الوالد لولده؟ فقال أما إذا كان صحيحا فهو له يصنع به ما شاء فأما في مرض فلا يصلح».وصحيحة الحلبي (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 4 وص 384 ح 11 و 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 363 ح 8.
قال : «سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة تبرأ زوجها من صداقها في مرضها؟ قال : لا».وموثقة سماعة (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 4 وص 384 ح 11 و 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 363 ح 8.
قال : «سألته عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرءه منه في مرضها؟ قال : لا ولكنها ان وهبت له جازما وهبت له من ثلثها».ورواية أبي ولاد (5)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 4 وص 384 ح 11 و 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 363 ح 8.
قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرءه منه في مرضها؟ قال : بل تهبه له فتجوز هبتها له ، ويحسب ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئا».وصحيحة علي بن يقطين (6)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 4 وص 384 ح 11 و 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 363 ح 8.
قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام ما للرجل من ماله عند موته؟ قال : الثلث والثلث كثير».1) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781 وص 200 ح 800 وص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 242 ح 940. الوسائل.
2) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781 وص 200 ح 800 وص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 242 ح 940. الوسائل.
3) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781 وص 200 ح 800 وص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 242 ح 940. الوسائل.
4) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781 وص 200 ح 800 وص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 242 ح 940. الوسائل.
5) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781 وص 200 ح 800 وص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 242 ح 940. الوسائل.
6) التهذيب ج 9 ص 194 ح 781 وص 200 ح 800 وص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 242 ح 940. الوسائل.
وصحيحة يعقوب بن شعيب (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يموت ماله من ماله؟ قال : له ثلث ماله ، وللمرأة أيضا».
ورواية عبد اللّه بن سنان (2)عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : «للرجل عند موته ثلث ماله ، وان لم يوص فليس على الورثة إمضاءه».
هذا ما حضرني من الأخبار التي استدلوا بها لهذا القول ، وأنت خبير بأن ترجيح أخبار القول الأول ظاهر من وجوه : أحدها - اعتضادها بظاهر القرآن بالتقريب الذي قدمنا ذكره ، وهو أحد المرجحات الشرعية التي دلت عليها مقبولة عمر بن حنظلة (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 362 ح 2 وص 363 ح 7 وج 18 ص 3 و 4.
وغيرها من عرض الأخبار عند الاختلاف على القرآن ، والأخذ بما وافقه وطرح ما خالفه.وثانيها - أن أخبارنا مخالفة للعامة ، وأخبار الخصم موافقة لهم ، كما نبه عليه كثير من أصحابنا من أن أكثر العامة على القول بمضمون الأخبار الأخيرة ، ومن أخبارهم في هذه المسئلة ما نقله شيخنا في المسالك عن صحاحهم (4)«من أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد في مرضه لا مال له غيرهم ، فاستدعاهم النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ، وجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ، قال (قدسسره) : وعلى هذه الرواية اقتصر ابن الجنيد في كتابه الأحمدي ، وهذه القاعدة أيضا أحد القواعد المنصوصة عنهم (صلوات اللّه عليهم) في مقام الترجيح بين الأخبار في مقام الاختلاف.
ولكن أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) كما قدمنا ذكره في غير موضع ولا سيما في كتب العبادات قد ألغوا العمل بهذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (صلوات اللّه
عليهم) واتخذوا لهم قواعد لا دليل عليها ، ولا مستند لها من الجمع بين الأخبار بحمل الأمر على الاستحباب ، والنهي على الكراهة ، وجعلوا ذلك قاعدة كلية في جميع أبواب الفقه ، وان عارضتها تلك القواعد المنصوصة كما لا يخفى على المتتبع لكلامهم في الخائض في بحور نقضهم وإبرامهم.
وثالثها - أن ما استدللنا به من الأخبار صريح الدلالة على المطلوب والمراد ، عار عن وصمة الطعن والإيراد ، ولهذا ان متأخري أصحابنا القائلين بالمشهور بينهم انما يتيسر لهم الطعن في أسانيدها ، بناء على هذا الاصطلاح المحدث - وعلى هذا فمن لا يرى العمل به - كما هو الحق الحقيق بالاتباع حسبما جرى عليه متقدمو علمائنا للصدور عنهم ، والاتباع - فلا مجال للطعن بذلك عنده ، على أنك قد عرفت أن فيها الصحيح والموثق ، وهم قد عملوا بالموثقات في مواضع لا تحصى ، وغمضوا العين عن مخالفة اصطلاحهم.
وبالجملة فإنك قد عرفت أنه لا مسرح للطعن في دلالتها ، بخلاف أخبارهم ، فإنها غير خالية عن الإجمال ، المانع من الاستناد إليها في الاستدلال ، كما سيأتيك بيانه ان شاء اللّه تعالى في المقام.
ورابعها - اعتضاد أخبارنا بالإجماع على صحة التصرف المدلول عليه بقوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) (1)«الناس مسلطون على أموالهم».
خرج منه ما خرج من التصرف المعلق على الموت بدليل ، وبقي الباقي لعدم الدليل الناص على الخروج كما سيظهر لك ان شاء اللّه تعالى.
وخامسها - اتفاق القائلين من الطرفين على لزوم التصرف لو برء عن مرضه ، وأنه ينفذ من الأصل ، وهذا لا وجه له على القول الآخر ، إلا باعتبار أن يكون صحيحا غير لازم ، موقوفا على الإجازة من الوارث ان مات ، فيكون البرء كاشفا عن الصحة واللزوم واجازة الوارث ، وعدمها كاشفا عن اللزوم وعدمه ، حسبما
1) البحار ج 2 ص 272 ح 7.
قالوه في بيع الفضولي.
وأنت خبير بأنه وان اشتهر ذلك في كلامهم ، وبنوا عليه في نقضهم وإبرامهم ، إلا أنا لم نظفر له بدليل في أمثال هذه المقامات ، إلا على وجوه اعتبارية لا تصلح أن تكون مستندا في الأحكام الشرعية ، كما حققنا ذلك بما لا مزيد عليه فيما تقدم في مسئلة البيع الفضولي من كتاب البيع (1)حيث إن المشهور بينهم صحته لوجوه اعتبارية ، لفقوها وتخريجات وهمية صوروها ، مع أن الأخبار تردها وتمنعها كما أوضحنا ذلك في الموضع المشار إليه بأوضح بيان ، لم يسبق إليه أحد من علمائنا الأعيان ، ويزيده تأكيدا أنه لا يخفى أن مقتضى الأدلة كتابا وسنة هو وجوب الوفاء بالعقود ، وترتب أثرها عليها من جواز التصرف بجميع أنواع التصرفات ، وإبطال ذلك يحتاج الى دليل قاطع ، ليمكن الخروج به عن الدليل الأول ، فما خرج بدليل وجب الوقوف فيه على ما اقتضاه الدليل ، وما لم يقم عليه دليل من كتاب وسنة فهو باق على مقتضى الدليل الأول وحينئذ فلزوم التصرف بعد البرء في موضع النزاع كما وقع عليه الاتفاق ، انما نشأ من لزوم الوصية أولا في حال المرض ، كما ندعيه ، الا انه انما وقعت الوصية صحيحة غير لازمة كما يدعونه ، حتى فرعوا عليه هذا القول.
وسادسها - ما تقدمت الإشارة إليه من عدم صلوح هذه الروايات لمعارضة ما ذكرناه من الأخبار ، لما فيها من الإجمال ، بل الاختلال في جملة منها ، والاعتلال الموجب لسقوطها عن درجة الاستدلال ، وها نحن نشير الى تلك الأخبار على التفصيل.
فمنها رواية علي بن عقبة ، وهي أوضح أدلة القائلين بذلك القول المشهور ، وأظهر الوجوه فيها عندي هو الحمل على التقية ، لمطابقتها كما عرفت للرواية العامية ، وتعارضها على الخصوص ، بما رواه في الفقيه عن هارون بن مسلم عن
1) ج 18 ص 376.
مسعدة بن صدقه (1)«عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهماالسلام أن رجلا من الأنصار توفي وله صبية صغار ، وله ستة من الرقيق ، فأعتقهم عند موته ، وليس له مال غيرهم ، فأتى النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) فأخبر فقال : ما صنعتم بصاحبكم؟
قالوا : دفناه قال : لو علمت ، ما دفناه مع أهل الإسلام ، ترك ولده يتكففون الناس». وظاهر الخبر نفوذ الوصية حيث لم يحكم (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) بتخصيص الصحة بالثلث ، كما تضمنه خبر علي بن عقبة ، وكذا الخبر العامي ، بل حكم بصحتها ، حيث ذمه «بأنه ترك ولده يتكففون الناس» أي يسألونهم بأكفهم ، فلو لا الحكم بصحتها لما كان لهذا الكلام معنى ، والخبر إما محمول على الكراهة المؤكدة كما ظاهر من كلام الأصحاب ، واليه يشير قوله عليهالسلام في رواية سماعة المتقدمة برواية صاحب الكافي «إلا أن الفضل في أن لا يضيع من يعوله ، ولا يضر بورثته» ، أو التحريم ، ولا ينافيه نفوذ الوصية ، كما صرح به المحدث الكاشاني في الوافي.
وكيف كان فالخبر المذكور من الأخبار الدالة على ما ذكرنا ، وان لم نذكره فيما سبق.
واحتمل في المسالك أيضا حمل رواية علي بن عقبة على الوصية ، قال : لأن حضور الموت قرينة منعه من مباشرة العتق ، ويجوز نسبة العتق اليه لكونه سببه القوي بواسطة الوصية ، قال : وهذا وان كان بعيدا ، إلا أنه مناسب ، حيث لم يبق للرواية عاضد ، انتهى.
ولا يخفى ما فيه ، وما ذكرناه من الحمل على التقية هو الأظهر ، لكنهم (رضياللّهعنهم) حيث لم يلتفتوا الى هذه القواعد في الجمع بين الأخبار ، كما قدمنا ذكره ، اضطروا الى مثل هذه التحزيجات البعيدة.
ثم إنه على تقدير تسليمها فموردها خاص ، والمدعى أعم من ذلك ، ودعوى
1) الفقيه ج 4 ص 137 ح 478 ، الوسائل ج 13 ص 383 ح 9.
الأولوية ممنوعة ، بل هو قياس محض ، وعدم القائل باختصاص الحكم به لا يسوغ قياس غيره عليه.
ومنها موثقة سماعة الأولى وفي معناها رواية جراح المدائني ، وأول ما فيهما أنه لا قائل بهما على ظاهرهما ، لأن ظاهرهما المنع من عطية الوالد لولده في المرض مطلقا ، زاد على الثلث أم لا ، بل بلغ الثلث أو لم يبلغ ، والحمل على معناه أنه لا يصلح من الأصل ، بل يصلح من الثلث ، وان كان صحيحا في حد ذاته ، إلا أنه بعيد من سياق الخبرين ، إذ لا يعتبر في شيء من الخبرين للأصل والثلث ، وانما السؤال عن العطية بقول مطلق ، فأجاب عليهالسلام «أنه في حال الصحة يفعل ما يشاء ، وفي حال المرض فليس له ذلك».
والثاني - انهما أخص من المدعى ، فلا ينهضان حجة على العموم.
الثالث - احتمال حمل العطية في المرض على الوصية ، ولعله الأقرب للاعتبار ، ليحصل به الجمع بين الأخبار ، بمعنى أنه حينئذ أنه لا يوصى له بما زاد على الثلث ، وأما في الصحة فإن له أن يعطيه ماله جميعا ، ويبينه به ، والشيخ في التهذيبين حمل حديث سماعة المذكورة تارة على الكراهة ، لأنه إضرار بسائر الورثة وإيحاش لهم ، وأخرى على ما إذا لم يكن على جهة الوصية ، بل يكون هبة من غير ابانه وتسليم ، واعترضه المحدث الكاشاني في الوافي ، فقال : التأويل الأول ينافيه ما مر من تحريم الإضرار ، والثاني ينافيه قوله مع اشتراط الجواز بالصحة ، بينه في حديث جراح ، بل سائر ما بعده من أخبار هذا الباب ، فإن الإبراء وهبة ما في الذمة لا يفتقران إلى الإبانة ، فالصواب أن تحمل هذه الأخبار على ظواهرها ، ويخص المنع من العطية في المرض بمورده أعنى الوارث ، وسره ما ذكره في التهذيبين من الايحاش ، فان فعل حسبت من الثلث ، كما تدل عليه الأخبار الأخيرة ، انتهى.
أقول : فيه أولا أن ما ذكره الشيخ من تأويل رواية سماعة بحمل المنع
من عطية الولد في المرض على الكراهة جيد ، لا بأس به.
قوله «أنه ينافيه ما مر من تحريم الإضرار» إشارة إلى ما قدمنا نقله عنه من جملة حديث مسعدة بن صدقة الدال على قوله (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) ما دفناه مع أهل الإسلام على تحريم العتق ، كذلك مردود ، بأن الظاهر انما هو حمله على تأكيد الكراهة ، كما يشير اليه خبر سماعة الذي أشرنا إليه ثمة وقوله عليهالسلام فيه «إلا أن الفضل أن لا يضيع من يعوله ، ولا يضر بورثته» فان الخبر صريح في كراهية الإضرار ، دون التحريم الذي توهمه ، وكم لهم عليهمالسلام من المبالغة في النهي عن المكروهات ما يلحقها بالمحرمات ، والأمر بالمستحبات مما يدخلها في حيز الواجبات كما لا يخفى على الفطن البصير ، ولا ينبئك مثل خبير.
وثانيا - أن تخصيصه هذه الأخبار بمعنى المنع من العطية في المرض بالوارث ، مردود بما قدمناه من تكاثر الاخبار واتفاق الأصحاب على جواز الوصية للوارث ، وعطيته في المرض ، وأن المنع من ذلك انما هو مذهب العامة ، كما تقدم في المسئلة الثانية من المقصد الخامس ، وتقدم أن ما دل على خلاف ذلك فهو محمول على التقية.
وثالثا - أنه مع تسليم ما ذكره من تخصيص المنع من العطية في المرض بالوارث ، ففيه أن إثبات حكم كلي بورود ذلك في جزئي خاص سيما مع عدم الصراحة كما عرفت لا يخلو من الاشكال.
ورابعا - أنه إذا كان متى فعل ، صح وحسب من الثلث ، فأي اختصاص بالمنع بالوارث ، إذ الاحتساب من الثلث مما لا نزاع فيه ، لوارث كان أو أجنبي ، فلا يظهر لمنع الوارث هنا وجه.
وبالجملة فإن كلامه هنا لا يخلو عندي من النظر الظاهر ، للخبير الماهر
ومنها صحيحة الحلبي (1)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 384 ح 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 339 ح 1.
وما في معناها من موثقة سماعة الثانية (2)وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 384 ح 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 339 ح 1.
، ورواية أبي ولاد (3)وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 384 ح 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 339 ح 1.
وأول ما فيها ما ذكره شيخنا في المسالك من أن مضمونها لا يقول به أحد ، لأن الإبراء مما في الذمة صحيح بالإجماع ، دون هبته ، فالحكم فيها بالعكس ، فكيف يستند الى مثل ذلك.الثاني - أنها أخص من المدعى فلا تنهض حجة على العموم.
الثالث - معارضتها بظاهر الآية المفسرة في صحيحة زرارة (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 384 ح 15 و 16 وص 367 ح 11 وص 339 ح 1.
بالصداق ، وأنه متى طابت نفسها عنه بإبراء أو هبة حل له في مرض كان أو صحة زاد على الثلث أو نقص ، كل ذلك لإطلاق الآية ، والخبر المذكور ، فان قيل : ان إطلاق الآية والخبر المفسر لها يجب تخصيصه بهذه الأخبار ، قلنا : هذه الأخبار حيث كانت معلومة بما عرفت من المنع من جواز الإبراء الذي لا خلاف ولا إشكال في جوازه ، يشكل الاعتماد عليها في التخصيص ، سيما ان الآية والخبر المذكورين قد اعتضدا بالأخبار الكثيرة المتقدمة في أدلة القول الأول ، فالتخصيص لهما تخصيص للجميع ، وهذه الأخبار للعلة المذكورة مع خصوص موردها كما عرفت يضعف عن تخصيص الجميع.وأما ما تكلفه جمع من متأخري مشايخنا (رفع اللّه أقدارهم) في الجواب عن الطعن الأول في هذه الروايات ، بالحمل على أنه عليهالسلام كان يعلم أن حق المرأة لم ينتقل إلى ذمة الرجل ، وانما كان عينا موجودة ، فلأجل ذلك منع من الإبراء الذي لا يقع إلا على ما في الذمة ، وأمر بالهبة ، فلا يخفى ما فيه ، على الفطن النبيه ، من التكلف والتعسف الذي يدركه كل ناظر ويعيه ، على أن هذا الاحتمال إنما ذكروه في رواية سماعة ، وغاية إمكانه ، قصره على قضية واحدة ، مع أن رواية
1) التهذيب ج 9 ص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 152 ح 624. الوسائل ج 13 ص.
2) التهذيب ج 9 ص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 152 ح 624. الوسائل ج 13 ص.
3) التهذيب ج 9 ص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 152 ح 624. الوسائل ج 13 ص.
4) التهذيب ج 9 ص 201 ح 802 و 803 وص 195 ح 783 وص 152 ح 624. الوسائل ج 13 ص.
أبى ولاد قد تضمنت الدين ، ووقع الجواب فيها بهذا التفصيل ، فكيف يكون المراد بذلك العين الخارجة في الذمة خاصة.
ومنها صحيحة علي بن يقطين ونحوها صحيحة يعقوب بن شعيب ، ورواية عبد اللّه بن سنان ، والظاهر من الجميع هو الحمل على ما بعد الموت ، أما صحيحة يعقوب بن شعيب فهي كالصريحة في ذلك ، حيث قال : الرجل يموت فما له من ماله؟ أي بعد موته ، فلا وجه حينئذ للاستدلال بها على المنجزات ، كما هو محل البحث ، وقريب منها الروايتان الأخريان لقوله «عند موته».
وبالجملة ان لم يكن ما ذكرنا هو الأظهر ، فلا أقل لأن يكون مساويا في الاحتمال ، وبه يسقط الاستناد إليها في الاستدلال ، ويؤيد ما ذكرناه من الحمل على الوصية ، تكرر هذا المعنى في الأخبار ، ودلالتها على أن غاية ما للميت الوصية به من ماله هو الثلث. وقد تقدمت ، ولعل وجه الحكمة في منع الشارع له من الزيادة على الثلث في الوصية التي يكون تنفيذها بعد الموت ، وتجويز التصرف له في حال مرضه في ماله مطلقا ، وان يفعل ما يشاء ، ويعطيه ويبينه لمن يشاء ، كما صرحت به أخبار القول الأول ، هو أن المال بعد الموت لما ينتقل إلى الورثة ، ويخرج عن ملكه وتصرفه ، فإنه يسهل على النفس السخاء به ، والجود به لمن يشاء ، فمن أجل ذلك اقتضت الحكمة الربانية منعه من الزيادة في الوصية على الثلث ، خوف الإضرار بالورثة ، والتعدي عليهم ، بل صرحت بكراهة الوصية بالثلث ، رعاية لهم هذا مع حفظه له ، وشحه به وحرصه عليه ، وهذه الحكمة ليست حاصلة في الحي ، وان كان مريضا ، فان البرء ممكن ، والشح بالمال في الجملة حاصل ، فيكون كتصرف الصحيح في ماله ، لا في مال غيره ، وتوهم كون حال المرض في معرض أن يكون للورثة بخلاف الصحيح مطلقا ممنوع ، فرب مريض عاش ، وصحيح عجل به الموت ، كما هو المشاهد بالوجدان في غير زمان ولا مكان.
وبالجملة فإن التصرف في الصورة الأولى لما كان بعد زمان الموت الذي ينتقل فيه المال الى الوارث صار كأنه تصرف في مال الوارث ، فمنع منه ، والتصرف في الصورة الأخرى لما كان في الحياة ولا تعلق له على الموت ، كان كتصرف الصحيح في ماله ، يفعل به ما يشاء.
وبما شرحناه يظهر لك أن أكثر هذه الأخبار غير ظاهرة الدلالة ، وما ربما يظهر منه ذلك فسبيله الحمل على التقية التي هي الأصل في اختلاف الأخبار ، وأما روايات القول الأول الذي عليه المعول ، فهي جميعا صريحة الدلالة ، واضحة المقالة ، لا مجال للطعن في دلالتها بوجه من الوجوه ، نعم بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي قد عرفت أنه لا أصل له ، ولا دليل عليه ، بل الأدلة على بطلانه لمن نظر بعين الإنصاف ورجع اليه ، اتجه لأصحاب هذا الاصطلاح الطعن فيها بضعف السند ، مع أنك قد عرفت أن فيها الصحيح ، ومن أجل ما قلنا توقف شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد البحث في المسئلة في ترجيح أحد القولين ، وتبعه المحدث الكاشاني في المفاتيح ، كما هي عادته فيه غالبا ، فقال في المسئلة المذكورة : وفي منع المريض من التبرعات المنجزة التي لا تستلزم تفويت المال على الورثة من غير عوض زيادة على الثلث من دون إذنهم أو إجازتهم قولان : وفي الأدلة من الجانبين نظر ، إذ ما صح سنده غير دال ، وما هو دال غير صحيح السند ولا معتبر ، إلا موثق في طرف الجواز ، مؤيد بالأصل ، وهو أن صاحب المال أحق بماله ما دام حيا ، ولكنه معارض بالأكثرية والأشهرية ، انتهى.
وبالجملة فإن من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث ، وانما عمله على الاصطلاح القديم في الحكم بصحة جميع الأخبار ، فإنه لا يرتاب ولا يشك في صحة ما اخترناه.
ممن اختار القول المشهور بين المتأخرين العلامة في المختلف ، واحتج عليه برواية علي بن عقبة ، ورواية أبي ولاد وصحيحة علي بن يقطين المتقدم جميعه في المقام.
ورواية علي بن أبي حمزة عن أبى بصير (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ان أعتق رجل عند موته خادما له ، ثم أوصى بوصية أخرى ألغيت الوصية ، وأعتقت الجارية من ثلثه ، إلا أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية».
واستدل أيضا بصحيحة زرارة (2)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 6 وص ص 422 ح 2 و 1 وص ص 423 ح 4.
«عن الصادق عليهالسلام قال : إذا ترك الدين عليه ومثله أعتق المملوك ، واستسعى».ورواية حفص بن البختري (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 6 وص ص 422 ح 2 و 1 وص ص 423 ح 4.
ورواية الحسن بن الجهم (4)وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 365 ح 6 وص ص 422 ح 2 و 1 وص ص 423 ح 4.
الدالتين على ما دلت عليه صحيحة زرارة المذكورة.وهذه الروايات وأمثالها قد تقدمت في المسئلة السادسة فيما إذا كان على الإنسان دين ، فأعتق مملوكه الذي ليس له سواه منجزا ، من القصد الخامس في الموصى له ، ثم احتج ببعض الأدلة الاعتبارية كما هي قاعدتهم الى أن قال : احتج المخالف بأنه مالك تصرف في ملكه ، فكان سائغا ماضيا كالصحيح ، والجواب المنع من الملازمة ، والقياس باطل في نفسه ، والفرق ظاهر ، انتهى.
أقول : انظر الى هذه المجازفة الظاهرة في عدم استدلاله للقول المذكور بشيء من تلك الروايات المتعددة الصريحة مع كثرتها ، كما عرفت ، وانما أورد هذا التعليل الاعتباري ورده بما ذكره ، وهو عجب من مثله (قدسسره) فان كان ذلك عن عدم اطلاع على شيء من تلك الأخبار فهو عجيب من مثله ، وان كان
مع الاطلاع عليها فهو أعجب ، ومن نظر في كلامه هذا ورأى الأخبار الدالة على القول الذي اختاره ، ولم ير في مقابلتها إلا هذا التعليل العليل ، فإنه لا يعتريه الشك في تقليده ، والحزم بما ذكره ، وأما الروايات التي استدل بها فقد عرفت الجواب عن جملة منها.
بقي الكلام فيما استدل به من صحيحة زرارة وروايتي الحفص والحسن بن الجهم وأمثالها مما قدمنا ذكره في المسئلة ، فإنه لا ريب في دلالتها على ما ذكروه ، إلا أنا قد قدمنا في تلك المسئلة أن وجه الجمع بين هذه الأخبار وبين الأخبار التي استندنا إليها هنا في الدلالة على ما اخترناه من خروج المنجزات من الأصل ، هو العمل بتلك الأخبار ، لأنها أخص فيخصص بها عموم هذه الأخبار وإطلاقها ، لأن مورد تلك الأخبار العتق مع الدين المزاحم له ، فيجب العمل فيها بما دلت عليه تلك ، ويجب الوقوف فيه على ما دلت عليه اخبار هذه المسئلة.
وأما رواية أبي بصير التي استدل بها ، فالجواب عنها ما عرفت في الجواب عن رواية علي بن عقبة ، ولنا بناء على اصطلاحهم رد هذه الرواية وأمثالها من رواية علي بن عقبة وغيرهما مما ليس بصحيح باصطلاحهم بضعف الاستناد ، إلزاما لهم باصطلاحهم ، فلا تقوم لهم بها حجة علينا كما لا يخفى ، واللّه العالم.
المسئلة الثانية : اختلف الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في إقرار المريض إذا مات في مرضه على أقوال : أحدها - أنه ينفذ من الأصل مطلقا ، من غير فرق بين إقراره في حال مرضه ، أو صحته ، وهو مذهب سلار حيث قال : من كان عاقلا يملك أمره فيما يأتي ويذر ، فإقراره في مرضه كإقراره في صحته ولم يفرق بين الدين ولا العين ، ولا بين الوارث ولا الأجنبي ، ولا بين أن يكون المقر متهما في إقراره أو غير متهم ، وهو اختيار ابن إدريس.
وثانيها - أنه من الأصل أيضا لكن بشرط عدالة المقر ، وانتفاء التهمة ، لوارث كان الإقرار أو لأجنبي ، ومن الثلث مع انتفاء أحد القيدين ، وهو مذهب
الشيخين وابن البراج ، والمحقق في الشرائع ، والشهيد الثاني في المسالك ، وسبطه السيد السند في شرح النافع ، والمحدث الشيخ بن الحسن الحر العاملي في الوسائل وغيرهم ، بل صرح في المسالك أنه مذهب المحقق في النافع.
حجة القول الأول كما ذكروه عموم (1)«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز». ولأنه بإقراره يريد إبراء ذمته من حق عليه في حال الصحة ، ولا يمكن التوصل اليه إلا بالإقرار ، فلو لم يقبل إقراره بقيت ذمته مشغولة ، وبقي المقر له ممنوعا من حقه ، وكلاهما مفسدة ، واقتضت الحكمة قبول قوله.
وأنت خبير بما فيه من إمكان المناقشة وتطرق البحث اليه ، أما الحديث المذكور فإنه يخص عمومه بالأخبار الآتية الدالة على أنه مع التهمة وعدم العدالة لا ينفذ إقراره.
وأما التعليل الآخر ففيه ، الإقرار كما يحتمل أن يكون لما ذكره من ارادة إبراء ذمته ، وأن ذمته مشغولة واقعا ، كذلك يحتمل أن يكون قصده من الإقرار مجرد حرمان الوارث ومنعه ، وان ذمته غير مشغولة ، كما تشير الى ذلك الأخبار الآتية المصرحة باشتراط نفي التهمة ، وكونه مرضيا ، والاستدلال المذكور مبني على الاحتمال الأول ، وهو غير متعين ، سيما مع دلالة الأخبار المذكورة على ما ذكرناه.
وبالجملة فترجيح أحد الاحتمالين على الآخر ليمكن التفريع عليه والبناء على ما يقتضيه يحتاج الى دليل ، وليس فليس.
وأما القول الثاني فيدل عليه أما بالنسبة إلى الوارث فصحيحة منصور بن حازم (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا ، فقال : ان كان الميت مرضيا فأعطه له ، وموثقة أبي أيوب (3)
وهما في الوسائل ج 13 ص 376 ح 1 وص 378 ح 8.
«عن أبيعبد اللّه عليهالسلام في رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه دينا فقال : ان كان الميت مرضيا فأعطه الذي أوصى له ، وأما بالنسبة إلى الأجنبي ، فصحيحة ابن مسكان عن العلاء بياع السابري (1)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن امرأة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له : ان المال الذي دفعته إليك لفلانة ، وماتت المرأة ، فأتى أولياءها الرجل ، فقالوا له : أنه كان لصاحبتنا مال ، لا نراه إلا عندك ، فأحلف لنا ما قبلك شيء ، أفيحلف لهم؟ فقال : ان كانت مأمونة عنده فيحلف لهم ، وان كانت متهمة فلا يحلف ، ويضع الأمر على ما كان ، فإنما لها من مالها ثلثه».
وأما القول الثالث فيدل عليه بالنسبة إلى الإقرار للأجنبي ، وأنه من الثلث ، صحيحة ابن مسكان (2)عن العلاء المتقدمة ، وأما بالنسبة إلى الوارث ، وأنه من الثلث مطلقا ، فاستدل عليه بصحيحة إسماعيل بن جابر (3)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أقر لوارث له وهو مريض بدين قال : قال. يجوز عليه إذا أقر به دون الثلث». وقوى جماعة منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ، وسبطه السيد السند في شرح النافع ، حمل الرواية المذكورة وما اشتملت عليه من اعتبار الثلث على حالة التهمة جمعا بينها ، وبين صحيحة منصور المتقدمة.
وزاد في المسالك احتمال أن نفوذه كذلك بغير قيد ، وهو لا ينافي توقف غيره عليه ، قال : مع أن ظاهرها غير مراد ، لأنه اعتبر نقصان المقر به عن الثلث ، وليس ذلك شرطا إجماعا ، انتهى.
أقول : بل الوجه هو الأول الذي يحصل به الجمع بينها وبين الصحيحة المشار إليها ، والرواية التي معها.
واحتمل بعض مشايخنا (عطر اللّه تعالى مراقدهم) أن يكون «دون» في
1) الكافي ج 7 ص 42 ح 3 و 4، التهذيب ج 9 ص 160 ح 661 و 659 ، الفقيه ج 4 ص 170 ح 595 و 592 ، الوسائل ج 13 ص 377 ح 2 و 3.
2) الكافي ج 7 ص 42 ح 3 و 4، التهذيب ج 9 ص 160 ح 661 و 659 ، الفقيه ج 4 ص 170 ح 595 و 592 ، الوسائل ج 13 ص 377 ح 2 و 3.
3) الكافي ج 7 ص 42 ح 3 و 4، التهذيب ج 9 ص 160 ح 661 و 659 ، الفقيه ج 4 ص 170 ح 595 و 592 ، الوسائل ج 13 ص 377 ح 2 و 3.
الرواية بمعنى «عند» وأن يكون المراد الثلث وما دون ، ويكون الاكتفاء مبنيا على الغالب ، لأن الغالب أما زيادته عن الثلث ، أو نقصانه ، وكونه بقدر الثلث بغير زيادة ولا نقص نادر ، انتهى.
أقول : والحمل الثاني غير بعيد فقد وقع التعبير بمثل هذه العبارة في إرادة المعنى المذكور في جملة من موارد الأحكام ، وعليه حمل قوله (1)عزوجل «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ» أي اثنين فما فوق.
ثم أقول : قد روى ثقة الإسلام في الكافي والشيخ في التهذيب في الصحيح عن أبى ولاد (2)قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل مريض أقر عند الموت لوارث بدين له عليه؟ قال : يجوز ذلك ، قلت : فإن أوصى لوارث بشيء؟ قال : جائز».
وظاهر هذه الرواية إنما ينطبق على القول الأول ، لكنها معارضة بصحيحة منصور بن حازم (3)وموثقة أبي أيوب (4)المتقدمتين ، وقضية الجمع بين الجميع تقييد إطلاق هذه الرواية بتلك الروايتين.
وكيف كان فهي كما ترى ظاهرة في رد القول الثالث بالنسبة إلى الوارث ، سواء قيدت أم لم تقيد ، لأنه قد حكم بكون الإقرار للوارث من الثلث مطلقا ، وهذه الرواية بحسب ظاهرها قد دلت على كونه من الأصل مطلقا ، فهي ظاهرة في رده من أصله ، وبالنظر الى تقييدها بتلك الروايتين يكون ردا عليه في بعض ما أطلقه ، مضافا الى ذلك ما عرفت في الرواية التي استدل له بها ، وبما حررناه يظهر لك أن أظهر الأقوال الثلاثة المذكورة هو القول الثاني.
وفي المسئلة أيضا أقوال آخر ، منها الفرق بين المضي من الأصل والثلث بمجرد التهمة ، وانتفائها.
1) سورة النساء - الاية 11.
2) الكافي ج 7 ص 42 ح 5 وص 41 ح 2، التهذيب ج 9 ص 160 ح 660 وص 159 ح 656 وص 160 ح 657، الوسائل ج 13 ص 377 ح 4 وص 376 ح 1 وص 378 ح 8.
3) الكافي ج 7 ص 42 ح 5 وص 41 ح 2، التهذيب ج 9 ص 160 ح 660 وص 159 ح 656 وص 160 ح 657، الوسائل ج 13 ص 377 ح 4 وص 376 ح 1 وص 378 ح 8.
4) الكافي ج 7 ص 42 ح 5 وص 41 ح 2، التهذيب ج 9 ص 160 ح 660 وص 159 ح 656 وص 160 ح 657، الوسائل ج 13 ص 377 ح 4 وص 376 ح 1 وص 378 ح 8.
ومنها جعل مناط الفرق المذكور العدالة.
ومنها تعميم الحكم للأجنبي بكونه من الأصل ، وتقييد ذلك في الوارث بعدم التهمة.
وقد ذكر جمع من الأصحاب (رضياللّهعنهم) أن المراد بالتهمة هنا الظن المستند إلى القرائن الحالية والمقالية الدالة على أن المقر لم يقصد بإقراره الاخبار عن حق متقدم ، وإنما المراد تخصيص المقر له بما أقر به ، وحرمان الوارث من حقه أو بعضه ، والتبرع به للغير ، فلذلك جرى مجرى الوصية في الخروج من الثلث خاصة.
والظاهر أن المراد من العدالة في كلامهم هو ما أشار إليه في صحيحة منصور ، وموثقة أبي أيوب بقوله مرضيا ، أى يعتمد على قوله ، ولا يظن به التهمة وقصد حرمان الورثة بإقراره ، وهو المراد أيضا من قوله عليهالسلام في رواية العلاء بياع السابري «ان كانت مأمونة».
وبالجملة فإنه لما كان الميت ليس له من ماله بعد الموت إلا الثلث خاصة ، وما زاد فهو للوارث ، منع من تصرفه فيه بالوصية ونحوها ، وحينئذ فإذا اعترف بالدين - الذي مخرجه من حيث هو من الأصل لتعلقه بالذمة - من حيث احتمال اعترافه للصحة والبطلان ، وجب التفصيل فيه بما دلت عليه هذه الأخبار ، من أنه إذا كان مرضيا مأمونا ، له ديانة وورع يحجزه عن مخالفة الحدود الشرعية والأوامر الإلهية ، وجب العمل بظاهر اعترافه ، وأخرج من الأصل ، وإلا فإنما يخرج من الثلث.
وبهذا فيظهر ما في كلام جملة من الأصحاب من أن الإقرار انما يكون من الثلث مع ظهور التهمة ، ومع الشك والجهل بالحال يرجع فيه الى أصالة عدمها ، فيجب الخروج من الأصل ، فإنه خلاف ظاهر الأخبار المذكورة حيث إنها صريحة في كون الإخراج من الأصل مشروطا بكون المقر مرضيا مأمونا ، ومقتضاه
أنه مع الجهل وعدم العلم بوجود الشرط ، أو العلم بعدم وجوده يكون الإخراج من الثلث ، لعدم وجود الشرط الموجب لانتفاء المشروط.
وهذا التحقيق يرجع في الحقيقة إلى القول المتقدم بأن مناط الفرق المذكور العدالة ، كما هو منقول عن العلامة في التذكرة ، وأنها هي الدافعة للتهمة ، وهذا هو ظاهر الأخبار المتقدمة.
ويظهر الفرق بين هذا القول والقول الثاني ما لو كان المقر على ظاهر العدالة ، وقامت القرائن الحالية أو المقالية على التهمة ، فعلى الاكتفاء بظاهر العدالة ، يكون الإخراج من الأصل ، ولا يلتفت الى ما دلت عليه القرائن المذكورة ، وعلى تقدير المشهور من ضم عدم التهمة إلى العدالة وجعلهما شرطين ، يكون الإخراج من الثلث ، لانتفاء أحد الشرطين.
وأنت خبير بأن اعتبار انتفاء التهمة منفردا أو منضما الى شرط العدالة لا يعرف له مستند من الاخبار ، إلا ما يفهم من شرط الامانة وكونه مرضيا الذي هو عبارة عن العدالة عندهم بالتقريب الذي قدمناه.
اللّهم إلا أن يقال : ان قيام القرائن بالتهمة الموجب لظنها ينافي العدالة المذكورة ، ولا يجامعها وهو غير بعيد ، وان صرح في المسالك بخلافه ، وجوز اجتماعهما ، بناء على أن العدالة المبنية على الظاهر لا تزول بالظن ، وفيه منع ظاهر فإن العدالة انما تبنى على الظن ، واللازم من ذلك تقابل الظنين وترجيح أحدهما على الآخر يحتاج الى مرجح ، والظاهر أنه لما ذكرناه ذهب صاحب الكفاية إلى قول آخر في المسئلة ، فقال - بعد أن فسر التهمة بما قدمنا نقله عن جمع من الأصحاب - ما هذا لفظه : والأقوى أن التهمة بالمعنى المذكور توجب المضي من الثلث مطلقا ، وكون المقر ممن يوجب قوله الظن بصدقه ، لكونه أمينا مصدقا يوجب المضي من الأصل ، وفي غير ذلك تأمل ، انتهى.
ومحل التأمل في كلامه ما لو انتفى الوصفان كما في غير العدل ، أو المجهول
العدالة الذي لم تظهر قرائن التهمة عليه ، وقد عرفت آنفا أن مقتضى ظواهر الأخبار الدالة على اشتراط كونه مرضيا في الخروج من الأصل ، أنه متى فقد الشرط وجب انتفاء المشروط ، فالحكم بأنه من الثلث في هذه الصورة بناء على ذلك الظاهر أنه لا اشكال فيه ، إلا أن ما ذكره من التأمل في أمثال هذه المواضع لا يخلو من وجه.
هذا : وقد صرح جملة من الأصحاب منهم العلامة في التذكرة والشهيدان بأنه لو برء المريض فالظاهر نفوذ إقراره من الأصل ، تمسكا (1)«بأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز». السالم عما يصلح للمعارضة ، فإن رواية العلاء مفروضة في الإقرار الواقع في مرض الموت ، وغيرها لا عموم فيه بحيث يتناول من برء بعد المرض ، واليه مال السيد السند في شرح النافع ، وهو جيد.
بقي في المقام روايات تتعلق بالمسئلة لا بأس بنقلها ، وبيان ما اشتملت عليه ، ومنها صحيحة الحلبي (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قلت له : الرجل يقر لوارث بدين؟ فقال : يجوز إذا كان مليا».
وصحيحته (3)
وهما في الوسائل ج 13 ص 378 ح 5 و 7.
الأخرى قال : «سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أقر لوارث بدين في مرضه أيجوز ذلك؟ قال : نعم إذا كان مليا» ، وضمير اسم كان يحتمل رجوعه الى الوارث الذي أقر له ، والغرض من ذكر ملاءته كون ذلك قرينة على صدق المقر في إقراره له ، ويحتمل عوده الى المقر ، ويجعل ذلك كناية عن صدقه وأمانته ، وعلى هذين الاحتمالين يكون مخرجه من الأصل ، ويحتمل رجوعه الى المقر أيضا لا باعتبار الأول بل باعتبار التخصيص بالثلث ، بأن تبقى ملاءتهبالثلثين ، وحاصل الجواب أنه يجوز إقراره في الثلث خاصة ، فيكون مخرجه منه دون الأصل.
ويمكن تأييد هذا المعنى بموثقة سماعة (1)قال : «سألته عمن أقر للورثة بدين عليه وهو مريض؟ قال يجوز عليه ما أقر به إذا كان قليلا».
بحمل القليل فما دونه ، بمعنى أن مخرج هذا الذي أقر به من الثلث ، وعلى هذا تكون هذه الروايات مطابقة لمذهب المحقق في النافع إلا أن تحمل على التهمة كما تقدم ذكره في صحيحة إسماعيل بن جابر (2)إلا أن الاستناد إليها مع ما هي عليه من الإجمال الموجب لاتساع دائرة الاحتمال لا يخلو من الاشكال ، والحق أن هذه الأخبار لا يظهر لها معنى يعتمد عليه ، ولا يفهم منها حكم يرجع اليه.
ومنها صحيحة سعد بن سعد (3)
وهما الروايات في الوسائل ج 13 ص 379 ح 9 وص 377 ح 3 وص 378 ح 6.
«عن الرضا عليهالسلام قال : سألته عن رجل مسافر حضره الموت ، فدفع مالا الى رجل من التجار ، فقال : ان هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل ولا كثير ، فادفعه اليه يصرفه حيث شاء ، فمات ولم يأمر فيه صاحبه الذي جعل له بأمر ، ولا يدرى صاحبه ما الذي حمله على ذلك كيف يصنع؟ قال : يضعه حيث شاء».قال بعض مشايخنا (رضوان اللّه عليهم) : قوله «يضعه حيث شاء» أي هو ماله يضعه حيث يشاء ، إذ ظاهر إقراره أنه أقر له بالملك ، ويكفي ذلك في جواز تصرفه ، فلا يلزمه بيان سبب الملك ، ويحتمل أن يكون المراد أنه أوصى اليه بصرف هذا المال في أي مصرف شاء ، فهو مخير في الصرف فيه مطلقا أو في وجوه البر ، انتهى.
أقول : لا يخفى أن سياق الرواية المذكورة ظاهر في أن اعتراف الرجل بذلك المال لذلك الشخص الذي سماه ، ليس له أصل بالكلية ، ولهذا ان الرجل المسمى لم يقبض المال ، ولم يأمر فيه بأمر ، بل تعجب من ذلك ، ولم يدر ما الذي حمل ذلك الرجل على الاعتراف له ، مع أنه لا يستحق في ذمته مالا بالكلية ، وحينئذ فقرينة التهمة في هذا الاعتراف ظاهرة ، فيجب بمقتضى ما تقدم أن يكون مخرجه من الثلث خاصة ، وظاهره أن المال باق في يد الأمين ، وحينئذ فيجب أن يحمل جوابه عليهالسلام «بأن ذلك له يضعه حيث يشاء» اما على عدم وجود وارث لذلك الرجل المقر ، فان من لا وارث له ، له أن يوصى به كملا إلى من نشاء ، أو يعترف به كما هو أصح القولين في المسئلة ، أو على أن ذلك المال يخرج من الثلث ، أو أن الغرض من الجواب بيان صحة الانتقال والتملك بمجرد هذا الاعتراف مع قطع النظر عن هذه المسئلة بالكلية.
وكيف كان فالخبر غير خال من شوب الاشكال ، لما فيه من الإجمال.
ومنها رواية أبي بصير (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين ، وأوصى أن هذا الذي ترك لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال : نعم إذا كان مصدقا».
أقول : هذا الخبر مما ينتظم في سلك أخبار القول الثاني ، والتعبير بقوله «مصدقا» مثل قوله في تلك الاخبار «مرضيا ومأمونا».
ومنها رواية السكوني (2)«عن جعفر عن أبيه عن علي عليهمالسلام أنه كان يرد النحلة في الوصية ، وما أقر عند موته بلا ثبت ولا بينة رده».
أقول : الظاهر أن المراد من قوله «يرد النحلة في الوصية» بمعنى يجعلها داخلة في الوصية ومن قبيلها ، فيكون الجار والمجرور متعلقا بيرد ، وأما احتمال
تعلقه بالنحلة فإنه يقتضي رد النحلة مطلقا ، وهو مخالف لظاهر الأخبار المتقدمة ، وغيرها ، والمراد بقوله «وما أقر به عند موته» الى آخر ما ذكره الشيخ في كتابي الأخبار من الحمل على ما إذا كان غير مرضي بل متهما على الورثة فيكون معنى رده يعنى من الأصل وأن اخرج من الثلث ، وظاهر الخبر رده مطلقا ، إلا أنه لما كان مخالفا لما تقدم من الأخبار ، فالواجب حمله على ما ذكره الشيخ (رحمة اللّه عليه).
ومنها رواية محمد بن عبد الجبار (1)قال : «كتبت الى العسكري عليهالسلام : امرأة أوصت الى رجل وأقرت له بدين ثمانية آلاف درهم ، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبه وصفر ونحاس ، وكل مالها أقرت به للموصى اليه ، وأشهدت على وصيتها وأوصت أنه يحج عنها من هذه التركة حجتان ، ويعطى مولاه لها أربعمائة درهم وماتت المرأة ، وتركت زوجا ولم ندر كيف الخروج من هذا ، واشتبه علينا الأمر ، وذكر الكاتب أن المرأة استشارته فسألته أن يكتب لها ما يصح لهذا الوصي فقال : لا تصح تركتك لهذا الوصي إلا بإقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود ، وتأمريه بعد أن ينفذ ما توصيه به ، فكتب له بالوصية على هذا ، وأقرت للوصي بهذا الدين ، فرأيك أدام اللّه عزك في مسئلة الفقهاء قبلك عن هذا ، وتعرفنا ذلك لنعمل به ان شاء اللّه؟ فكتب عليهالسلام بخطه : ان كان الدين صحيحا معروفا مفهوما فيخرج الدين من رأس المال ان شاء اللّه وان لم يكن الدين حقا أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها كفى أو لم يكف».
أقول : لما كان ظاهر سياق هذه الحكاية أن المرأة المشار إليها قاصدة بهذا الإقرار حرمان الوارث لم يرتب الحكم فيها على عدالة المقر ، وكونه مرضيا ، لأن المعلوم من السياق خلافه بل رتبه على ثبوت الدين ومعلومية صحته ، وهو
1) التهذيب ج 9 ص 161 ح 664 ، الوسائل ج 13 ص 379 ح 10.
نظير ما تقدم في رواية السكوني من قوله عليهالسلام «بلا ثبت ولا بينة رده» بناء على ما ذيلنا به من التأويل بأنه إذا كان متهما احتيج إلى إخراجه من الأصل إلى البينة الموجبة لثبوته ، وإلا فمن الثلث.
وأما قوله في الخبر المذكور «فرأيك أدام اللّه عزك في مسئلة الفقهاء قبلك» فإنه لا يخلو من غموض ، قال المحدث الكاشاني في الوافي : ما رأيك أو أعلمنا رأيك في سؤالنا الفقهاء الذين يكونون عندك من شيعتك عن هذا ، وفي تعرفنا ذلك منهم ، إذ ليس لنا إليك وصول ، وكان غرضه الاستئذان في مطلق سؤالهم من المسائل ، انتهى.
أقول : الظاهر أنه لا يخلو من بعد ، وقال : شيخنا المجلسي في حواشيه على كتب الأخبار لعل المراد بالفقهاء الأئمة عليهمالسلام أي نطلب رأيك أو نتبعه ، أو ان رأيت المصلحة في أن تعرفنا ما أجاب به الأئمة المتقدمة عليك عند سؤالهم عن هذه المسئلة ، فعلى الأخير يكون وتعرفنا معطوفا على مسئلة ، تفسيرا لها ، ويحتمل أن يكون المراد السؤال عن فقهاء أهل البلد ، وتعريف الجواب بأن يقرأ قبلك بكسر القاف وفتح الباء ، وعلى التقديرين يكون هذا النوع من الكلام الغير المعهود من أصحابهم للتقية ، وعلى الثاني لنهاية التقية ويمكن أن يكون المراد ما رأيك في مسئلة سألنا الفقهاء قبل أن نسئلك فيها يعنى فقهاء بلد السائل ، انتهى.
أقول : والذي يظهر لي من العبارة المذكورة أن المراد انما هو عرفنا رأيك في هذه المسئلة التي سئل الفقهاء قبلك لنعمل بما تعرفنا دون ما قالوا أولئك الفقهاء فيها ، وحينئذ يكون المراد بالفقهاء فقهاء العامة.
ومنها رواية مسعدة بن صدقة (1)«عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهمالسلام قال : قال علي عليهالسلام لا وصية لوارث ولا إقرار بدين». يعني إذا أقر المريض لأحد من
1) التهذيب ج 9 ص 162 ح 665 ، الوسائل ج 13 ص 380 ح 13.
الورثة بدين فليس له ذلك ، وحمله الشيخ في التهذيبين تارة على التقية وأخرى على المتهم ، وما زاد على الثلث.
أقول : ما تضمنه من النهي عن الوصية للوارث فلا ريب في حمله على التقية ، لأن ذلك مذهب الجمهور ، وأخبارنا المعتضدة باتفاق أصحابنا دالة على الجواز كما تقدم تحقيقه في المسئلة المذكورة من المقصد الأول ، وأما المنع من الإقرار بالدين فهو يتعين الحمل على أحد الحملين ، واللّه العالم.
المسئلة الثالثة : اختلف الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في أن من مات ولا وارث له ، هل له أن يوصي بجميع ماله الى من شاء أم لا؟ فذهب الشيخ في الخلاف وابن إدريس والعلامة في المختلف الى الثاني ، وذهب ابن الجنيد والصدوق في المقنع وهو ظاهر الشيخ في كتابي الأخبار الى الأول ، وهو ظاهر المحدثين المحسن الكاشاني في الوافي والحر العاملي في الوسائل ، وهو المختار.
وقال في المختلف : قال الشيخ في الخلاف : من ليس له وارث قريب أو بعيد ، ولا مولى نعمة لا يصح أن يوصي بأكثر من الثلث ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وشريك ، الى أن له أن يوصي بجميع ماله ، وروي ذلك في أحاديثنا ، ثم استدل بصحة الوصية بالثلث إجماعا ولا دليل على الزائد ، وروى معاذ بن جبل (1)«عن النبي (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) أنه قال : ان اللّه تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم». ولم يفرق بين أن يكون له وارث أم لا ، وقال ابن إدريس أيضا : لا يصح الا في الثلث ، وقال ابن الجنيد : روى عن أمير المؤمنين عليهالسلام (2)أنه قال : «ومن أوصى بالثلث فقد بلغ المدى». يعنى بذلك إذا كان له ورثة ومن تجاوز ذلك الى الثلث لم يجز إلا أن تشاء الورثة ، فأما من لا وارث له فجائز أن يوصى بجميعه لمن شاء ، وفيما شاء مما أبيح الوصية فيه ،
وقال الصدوق في المقنع : إذا مات الرجل ولا وارث له ولا عصبة قال : يوصي بماله حيث شاء في المسلمين والمساكين ، والمعتمد الأول ، لما تقدم ، واحتج الآخرون بما روى السكوني (1)«عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنه سئل عن الرجل يموت ولا وارث له ولا عصبة ، قال : يوصى بماله حيث شاء في المسلمين والمساكين وابن السبيل.
وقد روى الشيخ والصدوق معا عن عمار بن موسى (2)«عن الصادق عليهالسلام قال : الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ان أوصى به كله فهو جائز له». وتأولاه بأنه إذا لم يكن وارث قريب أن بعيد ، فيوصي به كله ، واستدلا بما سبق من حديث السكوني ، والوجه ترك هذه الرواية لضعفها ، انتهى كلامه في المختلف.
أقول : العجب من الشيخ (قدسسره) أنه استدل على ما ذهب إليه في الخلاف من عدم صحة الوصية في الصورة المذكورة بأن الوصية بالثلث مجمع عليه ، وما زاد لا دليل عليه مع أنه بعد أن نقل عن أبي حنيفة أن له أن يوصي بجميع ماله قال : وروى ذلك في أحاديثنا ، وحينئذ فإذا اعترف برواية ذلك في أحاديثنا كيف يتم له قوله «والوصية بما زاد على الثلث لا دليل عليه» والدليل موجود باعترافه ، إلا أن يبين وجه قدح فيه يوجب عدم العمل به ، ومع ذلك يستند الى هذه الرواية العامية ، ويطرد هذه الرواية التي اعترف بها.
وأعجب من ذلك قول العلامة بعد ذلك ، والمعتمد الأول ، بما تقدم ، وأشار بالأول إلى مذهب الشيخ في الخلاف ، وأشار بما تقدم الى الاستدلال الشيخ مع ما عرفت فيه من القصور الظاهر لكل ناظر.
نعم يمكن أن يستدل لما ذهب اليه الشيخ في الخلاف ومن تبعه بإطلاق بعض الروايات الدالة (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 370 ح 1 وص 382 ح 5 وص 358 الباب 8 ح 1.
على أنه متى أوصى بما زاد على الثلث وجب رده الىالثلث وبطلت الوصية بالزائد ، بإطلاقها دالة على وجوب الرد الى الثلث ، وجد وارث ثمة أم لم يوجد ، إلا أن فيه أن أكثر الأخبار قد تضمنت وجود الوارث في البين ، ففي جملة منها أنه تمضى الوصية في الثلث ، وترد الباقي على الورثة ، وفي جملة إلا أن تجيز الورثة ، وحينئذ فيحمل إطلاق تلك الأخبار على هذه.
ومما يعضد رواية السكوني موثقة عمار المتقدمة في كلام العلامة الدالة على أنه ان أوصى بماله كله فهو جائز ، بحملها على عدم الوارث ، إذ لا جائز أن يعمل بها على ظاهرها فيلزم طرحها ، والعمل بالخبر مهما أمكن أولى من طرحه ، كما صرحوا به في غير موضع ، والعلامة في المختلف انما تمسك في ردها بضعف السند ، بناء على هذا الاصطلاح الغير الصحيح ولا المعتمد ، ومن لا يعمل به لا يصح عنده رد الخبر بغير معارض.
فان قيل : أخبار كون (1)«الامام وارث من لا وارث له». تعارض هذه الرواية ، قلنا : ما ذكرت من الأخبار مطلق أو عام ، وهذه الرواية خاصة أو مقيدة فالقاعدة تقتضي تقديم العمل بهذه الرواية وتخصيص تلك الأخبار أو تقييدها بها.
على أنه مما يعضد هذه الرواية ما رواه الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن عيسى (2)قال : «كتب اليه محمد بن إسحاق المتطيب : وبعد أطال اللّه بقاك نعلمك يا سيدنا انا في شبهة من هذه الوصية التي أوصى بها محمد بن يحيى درياب ، وذلك أن موالي سيدنا وعبيده الصالحين ذكروا أنه ليس للميت أن يوصي إذا كان له ولد بأكثر من ثلث ماله ، وقد أوصى محمد بن يحيى بأكثر من النصف مما خلف من تركته ، فان رأى سيدنا ومولانا أطال اللّه بقاءه أن يفتح غياب هذه الظلمة التي شكونا ويفسر ذلك لنا نعمل عليه ان شاء اللّه تعالى فأجاب عليهالسلام : ان كان أوصى بها من قبل أن يكون له ولد فجائز وصيته وذلك أن ولده ولد من بعده».
وظاهر الخبر المذكور أنه لو أوصى بأكثر من الثلث ولو بالمال كله قبل وجود الوارث ، ثم تجدد له وارث ، ولم يعدل الموصي عن الوصية الى أن مات ، فإنه يجب العمل بتلك الوصية ، ويحرم الوارث من المال الموصى به ، وهو حكم غريب وفرع عجيب لم أقف على من نبه عليه ، ولا تنبه اليه.
وربما يقال : ان أدلة الإرث كتابا وسنة يقتضي وجوب رد ما زاد على الثلث الى الوارث ، إلا أنه يمكن القدح فيه ، بأن تلك الأدلة مطلقة ، وهذا الخبر خاص بصورة الوصية بالمال وتقدمها على وجود الوارث ، والقاعدة تقتضي تقديم العمل به ، سيما مع صحة الخبر باصطلاحهم ، وكيف كان فالخبر المذكور ظاهر فيما دلت عليه رواية السكوني من صحة الوصية بالمال كله مع عدم وجود الوارث ، فالقول بذلك متعين. وفاقا لما قدمنا ذكره عن أصحابنا.
وقال في الدروس بعد ذكر استحباب إقلال الوصية : وأن الخمس أفضل من الربع ، والربع أفضل من الثلث : وقال علي بن بابويه : إذا أوصى بماله كله فهو أعلم ، ويلزم الوصي إنفاذه لرواية عمار (1)«ان أوصى به كله فهو جائز له ، وحملها الشيخ على من لا وارث له ، فجوز الوصية بجميع المال لمن لا وارث له ، وهو فتوى الصدوق وابن الجنيد لرواية السكوني ، ومنع الشيخ في الخلاف من الزيادة على الثلث مطلقا ، وهو مختار ابن إدريس والفاضل ، انتهى.
أقول : ظاهر كلام شيخنا المذكور هو التوقف في المسئلة حيث اقتصر على نقل الخلاف الذي فيها ، ولم يرجح شيئا من القولين ، ولا طعن في أحد الجانبين وأما ما نقله عن الشيخ علي بن بابويه فقد تقدم الكلام فيه ، وبينا أن مستنده في ما ذكره من الحكم المذكور انما هو كتاب الفقه الرضوي ، فإن عبارته هنا عين عبارة الكتاب كما أوضحناه في جملة من الأبواب ، ولكنهم خفي عليهم ذلك استدلوا له بهذه الرواية ، واللّه العالم.
1) التهذيب ج 9 ص 187 ح 753 ، الوسائل ج 13 ص 382 ح 5.
المسئلة الرابعة : قال الشيخ في النهاية : إذا قال الموصي لوصيه اقض عني ديني ، وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث فان تمكن من قضائه ولم يقض وهلك المال كان ضامنا له ، وليس على الورثة لصاحب الدين سبيل ، وان كان قد عزل من أصل المال ولم يتمكن من إعطائه أصحاب الديون وهلك من غير تفريط من جهته كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين من الذي أخذوه ، وتبعه ابن البراج ، وبهذه العبارة قال ابن إدريس ، إلا أنه زاد في عبارة الشيخ ، فقال في كتابه : وإذا قال الموصي لوصيه اقض عني ديني ، وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث ، فان تمكن من قضائه ولم يقضه وهلك المال كان ضامنا له ، وليس على الورثة لصاحب الدين سبيل ان كان قد صار إليهم من التركة حقهم ، فان كان قد عزله الوصي من أصل المال ، وقسم الباقي بينهم ، ولم يتمكن من إعطائه أصحاب الديون وهلك من غير تفريط من جهته ، كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين من الذي صار إليهم وأخذوه واقتسموه ، انتهى.
والعلامة في المختلف قد استدرك عليه الزيادة الأولى ، واعترضه فيها ، فقال بعد نقل ذلك : والمعتمد أن نقول في الفرض الأول إذا كان قد بقي من المال شيء وأخذه الورثة سواء كان حقهم ، أو أزيد ، أو أنقص ، كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بأقل الأمرين من حقه ومما صار إليهم ، ثم يرجع الورثة على الوصي بتفريطه لعدم انحصار حق صاحب المال فيما تلف ، وان حمل المال في قول الشيخ وهلك المال بأن هلك جميعه قبل أن يصل الى الوارث منه شيء استقام الحكم وانتظم ، والظاهر أن مراد الشيخ وابن البراج ذلك ، ولكن ابن إدريس لقلة تفطنه زاد ما أفسد به الكلام من حيث لا يشعر ، انتهى.
أقول : وهذه المناقشات بعد ظهور المعنى بقرائن الحال والمقال من ابن إدريس للشيخ ، ومن العلامة لابن إدريس مما يستغنى عنه ، فان من الظاهر أن الورثة ما لم يصل إليهم شيء من التركة ، لا يتعلق بهم حق من الديون بالكلية ،
ومع وصول شيء لهم لا يتعلق بهم ولا يجب عليهم وفاء ما زاد عنه ، ومع هلاك التركة في يد الوصي بتفريطه يلزمه الضمان ، ولا رجوع على الورثة بشيء ، لأنه لم يصل إليهم منها شيء ، وهذه أحكام معلومة متفق عليها بينهم.
ثم أن الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسئلة ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1)«عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : في رجل توفي فأوصى الى رجل وعلى الرجل المتوفى دين فعمد الذي أوصى اليه فعزل الذي للغرماء فرفعه في بيته وقسم الذي بقي بين الورثة ، فسرق الذي للغرماء من الليل ممن يؤخذ؟ قال : هو ضامن حين عزله في بيته يؤدى من ماله».
وعن أبان (2)عن رجل قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى الى رجل أن عليه دينا؟ فقال : يقضى الرجل بما عليه من دينه ، ويقسم ما بقي بين الورثة ، قلت : فسرق ما أوصى به من الدين ، ممن يؤخذ الدين أمن الورثة أم من الوصي؟ فقال : لا يؤخذ من الورثة ، ولكن الوصي ضامن لها».
قال في التهذيبين : انما يكون الوصي ضامنا للمال إذا تمكن من إيصاله إلى المستحق فلم يفعل ، انتهى وهو جيد ، فان الضمان انما يلزم مع التفريط ، والتفريط ليس إلا مع إمكان الدفع الى صاحبه ، والإخلال بذلك كما تكاثرت به الأخبار في جملة من الأحكام.
والذي يكشف عن ذلك ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 417 ح 2 وص 418 ح 4 وج 6 ص 198 ح 1.
قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : رجل بعث زكاة ماله ليقسم فضاعت ، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال : إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن ، الى أن قال : وكذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفعإليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه ، فان لم يجد فليس عليه ضمان».
ثم انه مع التفريط ولزوم الضمان للوصي لا يتعين رجوع الديان على الوصي ، بل يتخيرون بين الرجوع على الوصي أو على الورثة فيما قبضوه من حصصهم ، وترجع الورثة على الوصي ، لأن ما عزله الوصي لا يتعين للدين بمجرد عزله ما لم يصل الى الديان ، بل الدين يتعلق بالتركة كائنا ما كانت ، وكيف كان فالضمان انما هو على الوصي ، والنقصان انما هو عليه من ماله ، لأن الورثة متى أخذ منهم الديان الدين رجعوا به عليه ، فلا يلحقهم ضمان ولا نقص ، واللّه العالم.
المسئلة الخامسة : إذا انتقل الى المريض من ينعتق عليه كأبيه وابنه مثلا فلا يخلو إلا أن يكون بغير عوض أو بعوض ، وعلى التقديرين فإما أن يكون الملك اختياريا أو قهريا ، وعلى تقدير الملك بعوض ، فإما أن يكون العوض موروثا أولا ، فهذه صور ست :
الأولى - أن يملكه بغير عوض ويكون الملك اختياريا ، كما لو أوصى له أحد بأبيه أو أمه فقبل الوصية أو وهبه له بغير عوض ، فقبل الهبة ، فإن قلنا أن منجزات المريض من الأصل كما هو أحد القولين في المسئلة ، كان انعتاقه من الأصل ، ولا اشكال فيه ، وان قلنا أن المنجزات من الثلث كما هو المشهور بين المتأخرين فوجهان : بل قولان : أحدهما - للمحقق في الشرائع مدعيا عليه الإجماع وهو أن عتقه من الأصل أيضا ، قال : ولو أوصى له بأبيه فقبل الوصية ، وهو مريض ، عتق عليه من أصل المال إجماعا ، لأنه انما يعتبر من الثلث ما يخرجه عن ملكه ، وهنا لم يخرجه بل بالقبول ملكه ، وانعتق عليه تبعا لملكه ، ومرجع استدلاله إلى أمرين : أحدهما الإجماع ، وثانيهما ما ذكره من أن المعتبر من الثلث على القول به في المنجزات ، انما هو بالنسبة الى ما يخرجه المريض عن ملكه بنفسه اختيارا ، كما لو أعتق العبد أو وهب أو تصدق أو نحو ذلك ، وهنا لم يخرج المريض شيئا على هذا الوجه ، وانما المخرج له هو اللّه سبحانه حين ملكه بالقبول ، وانعتق
عليه قهرا تبعا للملك. فلم يكن مفوتا شيئا باختياره ، وانما جاء الفوات من قبل اللّه عزوجل».
وثانيهما - للعلامة في التحرير وهو أن عتقه من الثلث ، كالعتق اختيارا ، استنادا الى أن اختيار السبب وهو قبوله الوصية وقبوله الهبة في المثالين المتقدمين اختيار للمسبب ، وهو العتق المترتب على القبول ، فمتى كان الأول معذورا كان الثاني كذلك ، وهو يرجع الى منع كون العتق قهريا كما ادعاه ذلك القائل ، بل هو اختياري له ، فإنه لو لم يقبل لما دخل في ملكه ، ولما انعتق عليه ، ولما قبل باختياره ترتب عليه ذلك ، فيكون من قبيل عتق العبد باختياره ، وبالجملة فإنه لا يلزم من كون الخروج قهريا كونه من الأصل ، وانما يلزم ذلك لو لم يكن مستندا الى اختيار المريض المتملك بالقبول ، كما ذكرناه لكنه مستند اليه ، وبذلك يظهر الجواب عن أحد الدليلين المتقدمين.
وأما الثاني وهو الإجماع ففيه ما ذكره شيخنا في المسالك ولنذكره بطوله لقوة وجودة محصوله ، وان كان قد قدمنا نبذة منه في غير موضع فيما تقدم ، وهو أيضا قد خالفه في غير موضع من كتابه هذا ، لكنه الحق الحقيق بالاتباع ، وان كان قليل الاتباع ، قال قدسسره : ولا يقدح دعواه الإجماع في فتوى العلامة بخلافه ، لأن الحق أن إجماع أصحابنا انما يكون حجة مع تحقق دخول المعصوم في جملة قولهم ، فان حجيته انما هو باعتبار قوله عندهم ، ودخول قوله في قولهم في مثل هذه المسئلة النظرية غير معلوم ، وقد نبه المصنف في أوائل المعتبر على ذلك ، فقال : ان حجية الإجماع لا يتحقق إلا مع العلم القطعي بدخول قول المعصوم في قول المجمعين ، ونهى عن الاغترار بمن يتحكم ، ويدعى خلاف ذلك ، وهذا عند الإنصاف عين الحق ، فإن إدخال قول شخص غائب لا يعرف قوله في قوله جماعة معروفين بمجرد اتفاقهم على ذلك القول بدون العلم بموافقته لهم تحكم بارد ، وبها يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا
فيها الإجماع ، إذا قام عنده الدليل على ما يقتضي خلافهم ، وقد اتفق لهم ذلك كثيرا ، لكن زلة القدم متسامحة عند الناس دون المتأخر ، انتهى وهو جيد متين كما لا يخفى على الحاذق المكين.
الثانية - الصورة بحالها ولكن ملكه بغير اختيار كحصوله له بالإرث ، وينبغي القطع بكونه من الأصل هنا ، وان قلنا في سابق هذه الصورة بكونه من الثلث ، لعدم الاختيار في السبب ولا في المسبب ، ونقل عن التذكرة أنه جعل العتق أقرب ، وربما قيل : بأنه متى قلنا في الصورة الأولى بكونه من الثلث ، فيحتمل كونه هنا كذلك ، فيتحقق الملك للمريض فيكون معدودا من جملة أمواله ، فانعتاقه يفوت عليهم المالية ، وفيه أنه لم يتلف على الوارث شيء مما هو محسوب مالا ، لأنه بمجرد الإرث ينعتق عليه ، وأيضا فإن العتق قهري والملك قهري ، وقد عرفت في الصورة السابقة : أن وجه القول بكونه من الثلث انما هو لكون السبب اختياريا وهنا ليس كذلك كما عرفت.
الثالثة - أن يملكه بعوض موروث اختيارا ، بمعنى أن يملكه باختياره بعوض لو بقي في مدة ، لأنه ينتقل بعد الموت لوارثه كالشركاء بثمن المثل ، فمن قال : ان المنجزات مخرجها من الأصل ، فإنه يكون هنا من الأصل ، وهو ظاهر ، ومن قال انها من الثلث ففي انعتاقه قولان : أحدهما - أنه من الثلث كما اختاره العلامة في الإرشاد ، وفي الأحكام المعنوية من القواعد ، وعلل بأن تملكه له باختياره سبب في عتقه فجرى مجرى المباشرة خصوصا عند من يجعل فاعل السبب فاعل المسبب كالجبائين ، قال في المسالك : وهذا هو الأصح.
وثانيهما - نفوذه من الأصل ، لأنه إنما يحجر عليه في التبرعات ، والشراء بثمن المثل ليس بتبرع ، فلا يكون محجورا عليه ، والعتق حصل بغير اختياره ، فلا يعتبر فيه الثلث ، وهذا القول اختيار العلامة في كيفية التنفيذ من كتاب القواعد.
ورد بأن بذل الثمن في مقابلة ما قطع بفواته وزوال ماليته بالانعتاق تضييع على الوارث كما لو اشترى ما يقطع بموته عاجلا.
وشيخنا الشهيد في شرح الإرشاد اقتصر على نقل القولين المذكورين ، ونقل دليل كل منهما ولم يرجح شيئا منهما ولا طعن في شيء من الدليلين المذكورين وهو مؤذن بالتوقف في ذلك.
الرابعة - أن يملكه بعوض موروث ملكا قهريا بغير اختياره ، بأن يكون مستندا الى حكم الشارع وأمره له به كما لو كان نذر في حال الصحة ، أو في حال المرض ان قلنا بكونه من الأصل ، بأنه ان وجد قريبة يباع بعوض ، وهو قادر عليه اشتراه ، فان هذا من الأصل على القولين ، ويحتمل ضعيفا كونه من الثلث بحصول السبب المقتضى للتصرف في المرض ، ووجه ضعفه بإسناد ذلك الى إيجاب الشارع فكان عليه بمنزلة الدين.
الخامسة - أن يملكه بعوض غير موروث كما لو آجر نفسه للخدمة به ، فإنه عندهم يعتق من الأصل لعدم تفويته شيئا على الوارث.
السادسة - أن يملكه كذلك بغير اختياره ، بل بإلزام الشارع كما لو نذر تملكه بالإجارة كذلك ، والحكم في هذه الصور كسابقتها بطريق أولى ، واللّه العالم.
المسئلة السادسة : الظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في صحة الوصية بالإشارة على المراد مع تعذر اللفظ ، وكذا الكتابة مع التلفظ أيضا ، والقرينة الدالة على الدالة قصد الوصية بها.
ويدل على الأول ما رواه في الفقيه عن محمد بن أحمد عن السندي بن محمد عن يونس بن يعقوب عن أبى مريم (1)ذكره عن أبيه «أن أمامة بنت أبى العاص
1) التهذيب ج 9 ص 241 ح 935 ، الفقيه ج 4 ص 146 ح 506 ، الوسائل ج 13 ص 437 ح 1 وج 16 ص 59 ح 1.
وأمها زينب بنت رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآلهوسلم) كانت تحت علي بن ابى طالب عليهالسلام بعد فاطمة عليهاالسلام فخلف عليها بعد علي عليهالسلام المغيرة بن النوفل فذكر أنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها ، فجاءها الحسن والحسين عليهماالسلام ابنا علي عليهالسلام وهي لا تستطيع الكلام : فجعلا يقولان لها والمغيرة كاره لذلك : أعتقت فلانا وأهله؟ فجعلت تشير برأسها نعم ، وكذا وكذا فجعلت تشير برأسها أي نعم لا تفصح بالكلام ، فأجازا ذلك لها».
ورواه الشيخ بهذا السند مثله ، ورواه بسند آخر في الصحيح عن الحلبي (1)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أن أباه حدثه أن أمامة.» الحديث.
وما رواه عبد اللّه بن جعفر الحميري (2)في كتاب قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن علي جعفر عن أخيه قال : «سألته عن رجل اعتقل لسانه عند الموت أو امرأة فجعل أهليهما يسأله أعتقت فلانا وفلانا فيومئ برأسه أو تومئ برأسها ، في بعض نعم ، وفي بعض لا ، وفي الصدقة مثل ذلك ، أيجوز ذلك؟ قال : نعم هو جائز».
وما رواه في الكافي بسنده عن محمد بن جمهور (3)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 437 الباب 49 ح 2 و 3.
عن بعض أصحابنا «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : ان فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليهالسلام كانت أول امرأة هاجرت الى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآله) من مكة إلى المدينة على قدميها الى أن قال : وقالت لرسول اللّه (صلىاللّهعليهوآله) : انى أريد أن أعتق جاريتي هذه فقال لها : ان فعلت أعتق اللّه بكل عضو منها عضوا منك من النار ، فلما مرضت أوصت الى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآله) وأمرت أن يعتق خادمها واعتقللسانها ، فجعلت تومئ إلى رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآله) إيماء ، فقبل رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآله) وصيتها» الحديث.
ويدل على الثاني ما رواه الصدوق عن عبد الصمد بن محمد عن حنان بن سدير (1)عن أبيه «عن أبى جعفر عليهالسلام قال : دخلت على محمد بن الحنفية ، وقد اعتقل لسانه فأمرته بالوصية فلم يجب ، قال : فأمرت بالطست فجعل فيه الرمل فوضع فقلت له : فخط بيدك قال : فخط وصيته بيده في الرمل ونسخت أنا في صحيفة». وما رواه الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى عن عبد الصمد بن محمد مثله ، انما الخلاف والاشكال في الاكتفاء بالكتابة في الاختيار ، فظاهر أكثر الأصحاب عدم الاكتفاء بذلك.
قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة بعد قول المصنف انه يكفى الإشارة والكتابة مع تعذر اللفظ - ما صورته : ولا تكفيان مع الاختيار وان شوهد كاتبا أو علم خطه أو عمل الورثة ببعضها ، خلافا للشيخ في الأخير أو قال : انه بخطي ، وأنا عالم به ، وهذه وصيتي فاشهدوا علي بها ، ونحو ذلك بل لا بد من تلفظه أو قرائته عليه واعترافه بعد ذلك ، لأن الشهادة مشروطة بالعلم ، وهو منفي هنا خلافا لابن الجنيد حيث اكتفى به مع حفظ الشاهد له عنده ، ثم قال : والأقوى بقراءة الشاهد له مع نفسه مع اعتراف الوصي بمعرفة ما فيه وأنه موصى به ، وكذا القول في المقر ، انتهى.
أقول : أما ما نقله عن الشيخ فإنه إشارة الى ما ذكره في النهاية حيث قال : إذا وجدت وصية بخط الميت ، ولم يكن اشهد عليها ولا أقر بها كان الورثة بالخيار بين العمل بها وبين ردها وإبطالها ، فإن عملوا بشيء منها لزمهم العمل بجميعها ، واعترضه ابن إدريس في ذلك ، فقال : وقد روي أنه إذا وجدت وصية بخط الميت
1) الفقيه ج 4 ص 146 ح 505 ، التهذيب ج 9 ص 241 ح 934 ، الوسائل ج 13 ص 436 ح 1.
ولم يكن أشهد عليها ولا أمر بها ، فإن الورثة بالخيار بين العمل بها وبين ردها وإبطالها ، فإن عملوا بشيء منها لزمهم العمل بها جميعا ، على ما روى في بعض الأخبار وأورده شيخنا أبو جعفر في نهايته ، والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنهم إذا أقروا بشيء منها وقالوا به ، وقالوا : ان هذا حسب صحيح أوصى به دون ما عداه مما في هذا المكتوب ، فإنه لا يلزم العمل بجميع ما في المكتوب إلا بما أقروا به دون ما عداه ، وانما هذه رواية وخبر واحد أورده الشيخ إيرادا ، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في الشرعيات ، انتهى.
أقول والذي وقفت عليه في الاخبار مما يتعلق بهذه المسئلة هو ما رواه الصدوق (قدس اللّه روحه) عن إبراهيم بن محمد الهمداني (1)قال : «كتبت الى أبى الحسن عليهالسلام : رجل كتب كتابا بخطه ولم يقل لورثته هذه وصيتي ولم يقل انى قد أوصيت ، إلا أنه كتب كتابا فيه ما أراد أن يوصى به ، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطه ولم يأمرهم بذلك؟ فكتب عليهالسلام : ان كان له ولد ، ينفذون كل شيء يجدون في كتاب أبيهم في وجه البر أو غيره». ورواها الشيخ في التهذيب أيضا الا أنه قد سقط من قلمه ما بين كتاب الأول الى كتاب الثاني ، والأقرب من سقط قلمه كما وقع له أمثال ذلك مما لا يحصى في متون الأخبار وأسانيدها ، وقد قدمنا التنبيه عليه في جملة من مواضع كتب العبادات.
وأنت خبير بأن الرواية المذكورة ظاهرة في وجوب تنفيذ ما يجدونه في وصيته بخطه بخلاف ما ذكره الأصحاب من منع ذلك ، وتخصيص الجواز بحال الضرورة وعدم إمكان التلفظ.
وأما ما ذكره الشيخ في النهاية من أن الورثة بالخيار بين العمل بها إذا كانت كذلك ، وبين ردها وابطالها ، وأنه مع اختيار العمل بشيء منها يلزمهم
1) التهذيب ج 9 ص 242 ح 936 مع اختلاف يسير ، الفقيه ج 4 ص 146 ح 507 ، الوسائل ج 13 ص 437 ح 2.
العمل بجميعها ، فلم يصل إلينا فيه خبر ، ولا ورد به أثر ، فقول ابن إدريس «وقد روى أنه إذا وجدت وصية» الى آخر كلامه الظاهر أنه من قبيل ما قدمنا ذكره في غير موضع ، من أن الشيخ لما كانت عادته غالبا الإفتاء في كتاب النهاية بمتون الأخبار ، توهم ابن إدريس أن هذه الفتوى من الشيخ مستندة الى خبر وصل اليه بذلك ، فنازعه فيه بناء على ذلك ، واحتمال وصول خبر الى الشيخ بذلك مع عدم وصوله لنا وان أمكن ، إلا أنه بعيد ، سيما بعد ما عرفت من النظائر التي قدمنا ذكرها من إفتاء الشيخ في الكتاب المذكور ، واعتراض ابن إدريس عليه بأنه خبر واحد ، مع أنه لم يرد في تلك الفتوى خبر بالكلية ، وكيف كان فحيث قد عرفت أن هذه الفتوى من الشيخ لما لم يرد لها مستند من الأخبار فلا تعويل عليها.
وانما يبقى الكلام في خبر الهمداني المذكور ، وما دل عليه من وجوب العمل بالوصية المكتوبة بخطه ، وان لم تخبر ورثته بها بالكلية ، فإن ظاهر الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) كما عرفت عدم العمل بهذه الوصية ، والظاهر أنهم لم يقفوا على الخبر المذكور ، وإلا لأجابوا عنه ، ورد الخبر من غير معارض شرعي ولا دليل مرعي غير مسموع ، وظاهر صاحب الفقيه العمل به ، والقول بما دل عليه ، وسند الخبر المذكور في الفقيه صحيح أو حسن ، لأن طريقه الى إبراهيم المذكور حسن ، أو صحيح بإبراهيم بن هاشم ، وأما إبراهيم بن محمد الهمداني المذكور فهو وان لم يكن حديثه في الصحيح فلا أقل ان يكون في الحسن ، لما ذكره علماء الرجال فيه ، من أنه كان وكيل الناحية ، وكان حج أربعين سنة ، وعن الكشي توثيقه في ترجمة أحمد بن إسحاق ، وروى توكيله وجلالة قدره في بعض التوقيعات.
وبالجملة فإن الخبر المذكور حسن السند ، واضع المتن ، لا تطرق للطعن فيه بوجه من الوجوه ولا معارض له كما عرفت إلا مجرد كلامهم ، فالعمل به متعين ، واللّه العالم.
يشمل على جملة من أخبار نوادر الأحكام.
روى المشايخ الثلاثة (عطر اللّه مراقدهم) عن علي بن يقطين (1)قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل أوصى الى امرأة ، وأشرك في الوصية معها صبيا؟ فقال : يجوز ذلك ، وتمضى المرأة الوصية ولا تنتظر بلوغ الصبي فإذا بلغ الصبي فليس له أن لا يرضى إلا ما كان من تبديل أو تغيير ، فان له أن يرده الى ما أوصى به الميت». وهو صريح في جواز الوصية إلى المرأة.
وروى في التهذيب والفقيه عن السكوني (2)«عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام قال : قال أمير المؤمنين عليهالسلام : المرأة لا يوصى إليها ، لأن اللّه تعالى قال ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) ». وهذا الخبر حمله في التهذيبين على الكراهة أو التقية ، قال : لأنه مذهب كثير من العامة قال : وانما قلنا بذلك لإجماع علماء الطائفة على الفتوى بالخبر الأول ، وأشار به الى خبر علي بن يقطين المذكور ، وقال في الفقيه بعد أن عنون الباب بكراهة الوصية إلى المرأة تم أورد خبر السكوني قال : وفي خبر آخر (3)«سئل أبو جعفر عليهالسلام عن قول اللّه عزوجل (4)( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) » قال : لا تؤتوها شارب الخمر ولا النساء ، ثم قال : وأي سفيه أسفه من شارب الخمر». ثم قال : في الفقيه وانما يعني كراهة اختيار المرأة للوصية ، فمن أوصى إليها لزمها القيام بالوصية على ما تؤمر به ويوصى إليها ان شاء اللّه تعالى ، انتهى.
أقول : والأقرب الحمل على التقية التي هي أحد القواعد المنصوصة في الجمع بين الأخبار ، دون الكراهة ، وان كانت هي المعمول عليها بينهم وبلغ في الاشتهار غايته.
وروى ثقة الإسلام عن أبى بصير (1)في الموثق عن ابى عبد اللّه عليهالسلام قال : أعتق أبو جعفر عليهالسلام من غلمانه عند موته شرارهم ، وأمسك خيارهم ، فقلت له : أبه تعتق هؤلاء ، وتمسك هؤلاء فقال : انهم قد أصابوا مني ضربا فيكون هذا بهذا». ورواه الشيخ والصدوق مثله.
أقول : فيه دلالة على استحباب عتق من ضربه السيد ، وان كان هو استحقاق.
وروى المشايخ الثلاثة عن عمر بن يزيد (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : مرض علي بن الحسين عليهالسلام ثلاث مرضات ، في كل مرض يوصي بوصية ، فإذا أفاق أمضى وصيته».
أقول : يفهم من هذا الخبر استحباب إمضاء الوصية بعد البرء من ذلك المرض الذي أوصى فيه.
وعن أحمد بن حمزة (3)قال : «قلت له : ان في بلدنا ربما أوصى بالمال لآل محمد عليهمالسلام ، فيأتوني به فأكره أن أحمله إليك حتى أستأمرك ، فقال : لا تأتني به ولا تعرض له».
أقول : الظاهر أنه محمول على التقية ، لأن الظاهر أن المسئول هو الكاظم عليهالسلام وكانت التقية في وقته شديدة ، وأحمد بن حمزة في زمانه عليهالسلام كان من الوكلاء.
1) الكافي ج 7 ص 55 ح 13 وص 56 ح 14 وص 58 ح 3 التهذيب ج 9 ص 246 ح 956 و 955 وص 246 ح 955 وص 233 ح 911، الفقيه ج 4 ص 171 ح 600 وص 172 ح 601 وص 174 ح 611 ، الوسائل ج 13 ص 472 الباب 84 ولباب 85 وص 480 ح 1.
2) الكافي ج 7 ص 55 ح 13 وص 56 ح 14 وص 58 ح 3 التهذيب ج 9 ص 246 ح 956 و 955 وص 246 ح 955 وص 233 ح 911، الفقيه ج 4 ص 171 ح 600 وص 172 ح 601 وص 174 ح 611 ، الوسائل ج 13 ص 472 الباب 84 ولباب 85 وص 480 ح 1.
3) الكافي ج 7 ص 55 ح 13 وص 56 ح 14 وص 58 ح 3 التهذيب ج 9 ص 246 ح 956 و 955 وص 246 ح 955 وص 233 ح 911، الفقيه ج 4 ص 171 ح 600 وص 172 ح 601 وص 174 ح 611 ، الوسائل ج 13 ص 472 الباب 84 ولباب 85 وص 480 ح 1.
وعن حماد بن عثمان (1)في الصحيح أو الحسن «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : أوصى رجل بثلاثين دينارا لولد فاطمة عليهاالسلام قال : فأتى بها الرجل أبا عبد اللّه عليهالسلام فقال له أبو عبد اللّه عليهالسلام ادفعها الى فلان ، شيخ من ولد فاطمة عليهاالسلام ، وكان معيلا مقلا ، فقال له الرجل : إنما أوصى بها الرجل لولد فاطمة عليهاالسلام فقال له أبو عبد اللّه عليهالسلام : انها لا تقع من ولد فاطمة عليهاالسلام وهي تقع من هذا الرجل وله عيال».
أقول : الظاهر أنه لما علم عليهالسلام أن هذا الموصى به لا يسع ولد فاطمة عليهاالسلام جميعا لكثرتهم ، أو لا يمكن إيصاله إليهم لتفرقهم ، وانما يمكن إعطاؤه لبعض منهم خص هذا الشيخ المعيل به ، حيث انها يقع منه وينتفع بها.
وروى في الكافي قال : وكتب إبراهيم بن محمد الهمداني (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 480 ح 2 وص 330 الباب 7.
إليه عليهالسلام ميت. وروى في التهذيب عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال : كتبت اليه ميت ، ورواه الشيخ بسند آخر عن أحمد بن هلال قال : «كتبت الى أبى الحسن عليهالسلام ميت أوصى بأن يجرى على رجل ما بقي من ثلثه ، ولم يأمر بإنفاذ ثلثه هل للوصي أن يوقف ثلث الميت بسبب الاجراء فكتب عليهالسلام : ينفذ ثلثه ولا يوقف».أقول : الظاهر أن معنى الخبر المذكور أنه أوصى أن ينفق على رجل من ثلثه ما بقي ذلك الرجل ، فلو مات الرجل قبل نفاد الثلث يرجع الباقي الى ورثة الموصي ولم يأمر بإنفاذ الثلث ، أي لم يوص اليه بالثلث كملا على وجه ينحصر استحقاقه فيه وفي ورثته من بعده ، فهل للوصي أن يقطع الاجراء عليه ويجعله موقوفا؟ حيث انه لم يوص له بالثلث كملا ولم يستحقه كملا بالوصية ، فكتب عليهالسلام : ليس له أن يوقفه ، بل يجب أن يجرى عليه النفقة من الثلث ما دام الرجل موجودا والثلث باقيا كما هو مقتضى الوصية.
وأما ما توهمه بعض متأخري المتأخرين (1)من مشايخنا (رضوان اللّه عليهم) من احتمال حمل يوقف على أنه يجعل الثلث وقفا ويجرى عليه من حاصل الوقف ، فهو بعيد سحيق بل غريب من مثله (قدسسره).
وروى الشيخ في التهذيب عن صفوان بن يحيى (2)«عن أبى الحسن عليهالسلام قال : سالته عن الرجل يوقف ثلث الميت بسبب الاجراء؟ فكتب : ينفذ ثلثه ولا يوقف».
أقول : إجمال هذا محمول على التفصيل الذي تقدم في سابقه ، وحاصل السؤال أنه هل للوصي إذا أوصى الميت بإجراء ثلثه وصرفه في مصرف مخصوص أن يجعله موقوفا ولا يجريه في ذلك المجرى ، فمنع عليهالسلام من ذلك وأوجب إنفاذه فيما أوصى به الموصي.
وروى في الكافي والتهذيب عن الحسين بن إبراهيم بن محمد الهمداني (3)
وهما في الوسائل الوسائل ج 13 ص 331 ح 2 وص 475 الباب 89.
قال : كتب محمد بن يحيى وروى في الفقيه عن الحسين بن إبراهيم قال : «كتبت مع محمد بن يحيى هل للوصي أن يشتري شيئا من مال الميت إذا بيع فيمن زاد ويزيد؟ ويأخذ لنفسه؟ فقال : يجوز إذا اشترى صحيحا.أقول : المشهور بين الأصحاب هو الجواز في هذه الصورة ، ونقل عن الشيخ القول بالمنع استنادا الى أن الواحد لا يكون موجبا وقابلا في عقد واحد ، لأن الأصل في العقد أن يكون بين اثنين إلا ما أخرجه دليل وهو الأب والجد ، ورد بأن مرجعه الى منع تولية طرفي العقد وهو ممنوع ، إذ لم يقم عليه دليل مع أصالة الجواز ، ووجود النظير في الأب والجد كما اعترف به ، ولا دليل على
اختصاصهما بذلك ، وهذه الرواية كما ترى ظاهرة في الجواز ، وجملة من الأصحاب قد ذكروها ، لكن لم يجعلوها دليلا لضعف رجالها وجهالة المكتوب اليه ، وانما جعلوها شاهدا ومؤيدا ، وقد تقدم الكلام في المسئلة في غير موضع وبينا أنه لم يقم دليل على المنع من تولية الواحد طرفي العقد إلا في النكاح كما دلت عليه موثقة عمار (1).
وروى المشايخ الثلاثة (تغمدهم اللّه تعالى برحمته) عن سعد بن إسماعيل عن أبيه (2)قال : «سألت الرضا عليهالسلام عن وصيي أيتام تدرك أيتامه فيعرض عليهم أن يأخذوا الذي لهم فيأبون عليه ، كيف يصنع؟ قال : يرده عليهم ويكرههم». وهو دال على وجوب القبض عليهم ، وكذا كل من له مال حال دفعه من غريمه فإنه يجب عليه قبضه.
وروى في الكافي عن محمد بن عيسى (3)في الصحيح عمن رواه «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : في رجل مات وأوصى الى رجل وله ابن صغير فأدرك الغلام وذهب الى الوصي فقال : رد علي مالي لأتزوج فأبى عليه فذهب حتى زنى قال : يلزم ثلثي إثم زنا هذا الرجل ذلك الوصي الذي منعه المال ولم يعطه ، فكان يتزوج».
أقول : لعل التمثيل بالثلثين كناية عن بيان القسط الذي يلزم بسبب المنع ، وأنه المعظم من الإثم والأكثر منه.
وروى في الكافي والتهذيب عن جعفر بن عيسى (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 14 ص 217 ح 4 وج 13 ص 436 الباب 47 وص 435 ح 1 وص 480 ح 1.
قال : «كتبت الى أبىالحسن عليهالسلام أسأله في رجل أوصى ببعض ثلثه من بعد موته من غلة ضيعة له الى وصيه ، يضعه في مواضع سماها له معلومة في كل سنة ، والباقي من الثلث يعمل فيه ما شاء ورأي الوصي ، فأنفذ الوصي ما أوصى به اليه من المسمى المعلوم ، وقال في الباقي : قد صيرت لفلان كذا ، ولفلان كذا في كل سنة ، وفي الحج كذا ، وفي الصدقة كذا في كل سنة ، ثم بدا له في ذلك فقال : قد شئت الأول ورأيت خلاف مشيتي الأولى ورأيي ، إله أن يرجع فيها ويصير ما صيرهم لغيرهم وينقصهم ، أو يدخل معهم غيرهم ، ان أراد ذلك ، فكتب : ذلك له أن يفعل ما شاء إلا أن يكون كتب على نفسه كتابا».
أقول : لعل المراد من الاستثناء هو أن يكون قد كتب كتابا على نفسه لمن عين له شيئا من تلك الوصايا ، بحيث انه يلزم عند القضاء لو رفع الأمر إليهم ، وان كان يجوز له الرجوع بالنظر الى الواقع وفيما بينه وبين اللّه تعالى.
ويحتمل على بعد أن يكون قد ملكهم ذلك بوجه شرعي على وجه لا يجوز له الرجوع ، وكتب لهم كتابا بذلك ، أو يكون كتابة الكتاب كناية عن التمليك.
وروى في التهذيب عن علي بن سالم (1)قال : «سألت أبا الحسن موسى عليهالسلام فقلت : ان أبى أوصى بثلاث وصايا فأيهن آخذ؟ فقال : خذ بآخرهن ، قال : قلت : فإنها أقل ، قال : فقال : وان قل».
أقول الظاهر ان هذه الوصايا الثلاث على البدل ، والرجوع عن المتقدم منها إلى المتأخر ، فلذا أمره بالأخذ بالوصية الأخيرة ، لأنها ناسخة لما تقدمها ، وقد استفاضت الأخبار ، بأن له العدول ما دام حيا بالتقديم والتأخير ، والزيادة والنقصان ، ونحو ذلك.
ومنها ما رواه في الفقيه عن محمد بن عيسى بن عبيد (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 387 ح 7 و 6.
قال : «كتبت الىعلي بن محمد عليهماالسلام رجل أوصى لك بشيء معلوم من ماله وأوصى لأقربائه من قبيل أبيه وأمه ، ثم أنه غير الوصية ، فحرم من أعطى ، وأعطى من حرم ، أيجوز ذلك؟ فكتب عليهالسلام : هو بالخيار في جميع ذلك الى أن يأتيه الموت».
وروى في الكافي عن سعيد بن يسار (1)«عن ابى عبد اللّه عليهالسلام في رجل دفع الى رجل مالا وقال : إنما أدفعه إليك ليكون ذخرا لابنتي فلانة وفلانة ، ثم بدا للشيخ بعد ما دفع المال أن يأخد منه خمسة وعشرين ومائة دينار فاشترى بها جارية لابن ابنه ، ثم ان الشيخ هلك فوقع بين الجاريتين وبين الغلام أو إحداهما فقالتا له : ويحك واللّه انك لتنكح جاريتك حراما ، انما اشتراها أبونا لك من مالنا الذي دفعه الى فلان فاشترى لك منه هذه الجارية ، فأنت تنكحها حراما لا تحل لك ، فأمسك الفتى عن الجارية فما ترى في ذلك؟ قال : أليس الرجل الذي دفع المال أبا الجاريتين ، وهو جد الغلام وهو اشترى له الجارية؟ قلت بلى فقال : قل له فليأت جاريته إذا كان الجد هو الذي أعطاه وهو الذي أخذه». أقول : الوجه في هذا الخبر ما تقدم في سابقه.
وروى في الكافي عن عمار بن مروان (2)
وهما في الوسائل ج 13 ص 386 ح 5 وص 481 ح 2.
قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : ان أبي حضره الموت فقيل له : أوص فقال : هذا ابني يعني عمر فما صنع فهو جائز ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : فقد أوصى أبوك وأوجز قلت : فإنه أمر لك بكذا وكذا فقال أجره ، قلت؟ وأوصى بنسمة مؤمنة عارفة فلما أعتقناه بان لنا أنه لغير رشدة ، فقال : قد أجزأت عنه ، انما مثل ذلك مثل رجل اشترى أضحية على أنها سمينة فوجدها مهزولة فقد أجزأت عنه».أقول : فيه إشارة إلى كفر ابن الزنا كما هو أحد القولين ، وقد تقدم تحقيق القول فيه في كتاب الطهارة ، وفيه دلالة على حصول الوصية بالحوالة إلى اختيار الوصي
وروى الشيخ في التهذيب عن عنبسة العابد (1)قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أوصني فقال : أعد جهازك وقدم زادك وكن وصي نفسك ولا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك».
وروى المشايخ الثلاثة عن السكوني (2)«عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : قال : أول شيء يبدأ به من المال الكفن ، ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث».
ورواه في التهذيب بسند آخر عن إسماعيل بن ابى زياد (3)«عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال : قال رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآله) : أول ما يبدأ به من المال الكفن» الحديث.
وروى المشايخ الثلاثة عن محمد بن قيس (4)
وهذه الروايات في الوسائل ج 13 ص 483 الباب 98 وص 406 ح 1 وص 406 ح 2.
في الصحيح «عن أبى جعفر عليهالسلام قال : قال أمير المؤمنين : ان الدين قبل الوصية ثم الوصية على أثر الدين ثم الميراث بعد الوصية ، فإن أول القضاء كتاب اللّه».أقول : لا خلاف بين الأصحاب في تقديم الكفن على ما بعده كما دلت عليه جملة من الأخبار ، وانما الإشكال في شموله للواجب والمستحب ، أو التخصيص بالأول ، ولم أقف لأحد من الأصحاب على كلام في ذلك ، والظاهر التخصيص بالواجب أخذا بالمتيقن فيما خالف الأصل ، وأما تقديم الدين على الوصية فهو ظاهر لتعلق الدين بذمة الميت ، ولهذا وجب خروجه من الأصل بخلاف الوصية وأما تقديم الجميع على الميراث فلما تكاثر في الآيات من قوله عزوجل (5)
«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ».
وروى في الكافي والتهذيب عن سعد بن إسماعيل (1)عن أبيه قال : «سألت الرضا عليهالسلام عن رجل حضره الموت فأوصى الى ابنه وأخوين شهد الابن وصيته ، وغاب الأخوان ، فلما كان بعد أيام أبيا أن يقبلا الوصية مخافة أن يتوثب عليهما ابنه ولم يقدرا أن يعملا بما ينبغي ، فضمن لهما ابن عم لهما وهو مطاع فيهم أن يكفيهما ابنه ، وقد خلا بهذا الشرط فلم يكفهما ابنه وقد اشترطا عليه ابنه ، وقالا : نحن نبرأ من الوصية ونحن في حل من ترك جميع الأشياء والخروج منه ، أيستقيم أن يخليا عما في أيديهما ويخرجا منه؟ قال : هو لازم لك ، فارفق على أي الوجوه كان ، فإنك مأجور لعل ذلك يحل بابنه».
قال المحدث الكاشاني في الوافي : لما استفرس عليهالسلام أن السائل هو أحد الأخوين خاطبه باللزوم والرفق ، ولعل المراد بالمشار اليه بذلك الموت لما ثبت ان مثل هذه المناقشات المالية مما تعجل الأجل ، أو المراد به ان رفق يعنى لعله بسبب رفقك به يصير رفيقا منقادا ، انتهى وهو جيد ، وفيه إشارة الى ما تقدم مما اخترناه في المسئلة الرابعة من المقصد السادس في الوصاية من وجوب القيام بالوصية على من جعل وصيه في حال غيبته ، ومات الموصي وان لم يقبل بعد بلوغ الخبر له ، وعلى ذلك دلت جملة من الأخبار المتقدمة ثمة ، ولهذا أنه عليهالسلام ألزم السائل لما عرف أنه أحد الوصيين بالقيام بالوصية حسب الإمكان ، وأمر بالرفق مع الابن ولم يرخص له في الخروج والترك بالكلية ، وفيه رد على من خالف في المسئلة ممن قدمنا ذكره ثمة.
وروى في التهذيب عن صفوان (2)
و هما في الوسائل ج 13 ص 399 ح 6 و ص 440 ح 2.
قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل كان لرجل عليه مال فهلك ، وله وصيان ، فهل يجوز أن يدفع الى أحد الوصييندون صاحبه؟ قال : لا يستقيم إلا أن يكون السلطان قد قسم المال فوضع على يد هذا النصف ، وعلى يد هذا النصف ، أو يجتمعان بأمر السلطان.
أقول : لا يخفى ما في هذا الخبر من الغموض ، قال في الوافي لعل المراد «إلا أن يكون السلطان أمر بوضع هذا المال عند أحد الوصيين بمقاسمته بينهما أو يجتمع أحد الوصيين مع المدين بأمره» ، انتهى.
ولا يخفى ما فيه من الضعف ، وظاهر كلامه أن المراد بالمال الذي قسمه السلطان هو مال المدين ، والمتبادر من الخبر انما هو مال التركة ، وعلى كل منهما فإنه لا يحصل الدفع الى أحد الوصيين كما يقتضيه الاستثناء ، وبالجملة فإنه لا يظهر لي منه معنى ، يمكن الاعتماد عليه.
والشيخ في الاستبصار حمله على السلطان العادل دون الجائر ، إلا للتقية ، وهو أمر خارج عن محل الإشكال ، فإنه نظر أن مقتضى حكم المسئلة كما تقدم هو عدم جواز انفراد الوصيين متى شرط الاجتماع أو أطلق ، فتجويز المقاسمة والانفراد هنا انما رخصة ، ان حمل السلطان على السلطان العادل ، وان حمل على الجائر وجب الحمل على التقية ، لما عرفت من أن الحكم عدم جواز الانفراد والمقاسمة ، وهذا أمر آخر غير ما ذكرنا أولا.
وروى المشايخ الثلاثة (قدس اللّه أرواحهم عن البزنطي (1)بإسناد له «أنه سئل عن رجل يموت ويترك عيالا وعليه دين ، أينفق عليهم من ماله؟ قال : ان استيقن ان الذي عليه ، يحيط بجميع التركة فلا ينفق عليهم ، وان لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال».
ورواه في الكافي والتهذيب بسند آخر عن عبد الرحمن بن الحجاج (2)عن أبى الحسن عليهالسلام مثله ، إلا أنه قال «ان كان يستيقن أن الذي ترك يحيط
بجميع دينه فلا ينفق عليهم ، وان لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال». قال في الكافي : وكأنه سهو من بعض الرواة.
وروي في الكافي والتهذيب عن علي بن أبي حمزة (1)«عن أبى الحسن عليهالسلام قال : قلت له : ان رجلا من مواليك مات وترك ولدا صغارا وترك شيئا وعليه دين وليس يعلم به الغرماء ، فان قضاه بقي ولده ليس لهم شيء ، فقال أنفقه على ولده».
والشيخ في التهذيبين طعن فيه بقطع الاسناد حيث ان المروي عن علي بن أبي حمزة بعض أصحابنا ، وطعن فيه بمخالفة القرآن ، واحتمل بعض مشايخنا المحدثين حمله على أنه عليهالسلام كان عالما بأنه لا حق لأرباب الديون في تلك الواقعة أو أنهم كانوا نواصب ، فأذن في التصرف في أموالهم ، أو على أنهم كانوا بمعرض الضياع والتلف ، فيلزم الإنفاق عليهم من أي مال تيسر.
أقول : وكيف كان فان الخبر على ظاهره غير معمول عليه ، لما تقدم من أن الدين متقدم على الإرث ، فلا بد في تصحيح ما دل عليه من التأويل بأحد الوجوه المذكورة ونحوها ، كأن يكون الأخذ قرضا من حيث الضرورة أو ضمان الوصي ذلك ، أو نحو ذلك.
وروى المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (2)قال : «أوصت الي امرأة من أهلي بثلث مالها ، وأمرت أن يعتق ويحج ويتصدق فلم يبلغ ذلك ، فسألت أبا حنيفة عنها فقال : يجعل أثلاثا ، ثلثا في العتق ، وثلثا في الحج ، وثلثا في الصدقة ، فدخلت على أبى عبد اللّه عليهالسلام فقلت له ان امرأة من أهلي ماتت وأوصت الي بثلث مالها ، وأمرت أن يعتق عنها ويتصدق ويحج عنها. فنظرت فيه فلم يبلغ ، فقال : ابدأ بالحج فإنه فريضة من فرائض اللّه
تعالى ، وتجعل ما بقي طائفة في العتق وطائفة في الصدقة ، فأخبرت أبا حنيفة بقول أبى عبد اللّه عليهالسلام ، فرجع عن قوله وقال : بقول أبى عبد اللّه عليهالسلام. وبهذا المضمون أخبار أخر.
أقول : حكمه عليه بتقديم الحج لكونه فريضة ، إما لعلمه عليه بكونها لم تحج حجة الإسلام ، أو لفهم ذلك بقرينة المقام ، وإلا فالسؤال بحسب الظاهر مجمل ، وظاهره أنه لو كان الحج مستحبا كان الحكم في ذلك ما ذكره أبو حنيفة من القسمة أثلاثا.
بقي في الحديث اشكال من وجه آخر ، وهو أن السائل أخبر بأن الثلث الموصى به لا يقوم بالحج والصدقة والعتق ، بل متى صرف في واحد أو اثنين لزم الإخلال بالباقي فكيف عليهالسلام يأمره بالبدأة بالحج ، ثم بعد ذلك يجعل ما بقي طائفة في العتق وطائفة في الصدقة ، فإنه ظاهر في أن الثلث يقوم بالجميع ، اللّهم إلا أن يراد انه ان بقي شيء يقوم بهذين الآخرين صرف فيهما ، أو بواحد منهما صرف فيه ، وإلا فلا.
وبالجملة فإن النقص انما يدخل فيما عدا الحج خاصة ، ويحتمل أن يكون المراد أن ما بقي يصرف فيهما فيشترى نسمة للعتق بما يناسب الباقي من القلة والصدقة يكفي فيها المسمى.
وروى الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن (1)أنه «قال لأبي جعفر عليهالسلام : جعلت فداك قد اضطر الى مسئلتك فقال : هات فقلت : ان سعد بن سعد أوصى حجوا عنى مبهما ولم يسم شيئا ولا ندري كيف ذلك؟ فقال يحج عنه ما دام له مال».
أقول : المراد بالمال الثلث ، فإنه هو الذي له بعد موته.
ويفسره ما رواه في التهذيب عن محمد بن الحسن بن أبى خالد (2)قال : «
سألت أبا جعفر عليهالسلام عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهما فقال : يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء».
وروى المشايخ الثلاثة في الصحيح عن إبراهيم بن مهزيار (1)قال : «كتبت اليه عليهالسلام أن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة صير ربعها الى حجة في كل سنة الى عشرين دينارا ، وأنه قد انقطع طريق البصرة فتتضاعف المؤنة على الناس وليس يكتفون بالعشرين دينارا ، وكذا أوصى عدة من مواليك في حجهم فكتب : يجعل ثلاث حجج حجتين ان شاء اللّه ، قال إبراهيم : وكتب اليه علي بن محمد الحضيني : أن ابن عمى أوصى ان يحج عنه حجة بخمسة عشر دينارا في كل سنة فليس يكفى فما تأمرني في ذلك؟ فكتب عليهالسلام : يجعل حجتين حجة فان اللّه عالم بذلك.
أقول : يعنى ان اللّه عالم بالعذر المذكور ، فإن الإخلال بما أوصى ليس على سبيل الاختيار ، وهو مؤيد لما اشتهر من حديث «إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وينبغي أن يحمل هذا الخبر وما تضمنه من السؤالين المذكورين على كون الوصية بالحج من البلد كما ينبئ ظاهر السؤال الأول ، وإلا فلو كانت مطلقة فإن الظاهر ان حج عنه من أي مكان اتفق ، ولو من الميقات.
كما يدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن ابن بكير (2)
وهذه الروايات الوسائل ج 8 ص 117 ح 2 وص 118 ح 5.
«عن ابى عبد اللّه عليهالسلام أنه سئل عن رجل أوصى بمال في الحج فكان لا يبلغ ما يحج به من بلاده قال : فيعطى في الموضع الذي يبلغ أن يحج به منه».وعن ابن مسكان عن ابى سعيد (3)
وهذه الروايات الوسائل ج 8 ص 117 ح 2 وص 118 ح 5.
«عمن سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أوصى بعشرين درهما في حجة قال : يحج بها عنه رجل من حيث يبلغه». ونحوهما غيرهما من الأخبار.وروى في الكافي عن علي بن فرقد (1)صاحب السابري قال : «أوصى الى رجل بتركته وأمرني أن أحج بها عنه فنظرت في ذلك فإذا شيء يسير لا يكفى للحج ، فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة فقالوا : تصدق بها عنه ، فلما حججت لقيت عبد اللّه بن الحسن في الطواف ، فسألته وقلت له : ان رجلا من مواليكم من أهل الكوفة مات وأوصى بتركته الي ، وأمرني أن أحج بها عنه ، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج فسألت من قبلنا من الفقهاء فقالوا : تصدق بها ، فتصدقت بها ، فما تقول؟ فقال لي : هذا جعفر بن محمد في الحجر فأته واسأله ، قال : فدخلت في الحجر فإذا أبو عبد اللّه عليهالسلام تحت الميزاب ، مقبل بوجهه على البيت يدعو ، ثم التفت الي فرآني فقال : ما حاجتك؟ قلت : جعلت فداك انى رجل من أهل الكوفة من مواليكم قال : فدع ذا عنك ، حاجتك؟ قلت : رجل مات وأوصى بتركته ان أحج بها عنه ، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج ، فسألت من عندنا من الفقهاء قالوا : تصدق بها ، فقال : ما صنعت؟ قلت : تصدقت بها فقال : ضمنت إلا أن يكون لا يبلغ أن يحج به من مكة ، فإن كان لا يبلغ ان يحج به من مكة فليس عليك ضمان ، وان كان يبلغ به من مكة فأنت ضامن.
أقول : يستفاد من هذا الخبر فوائد : منها ضمان الوصي مع التبديل والعمل بخلاف الوصية إذا كانت الوصية على وجه المشروع ، وهو مما لا اشكال فيه ، ومنها أنه مع تعذر العمل بالوصية وصرفها فيما أوصى به الموصي ، يصرف الموصى به في وجوه البر كما هو المشهور ، ولا تبطل الوصية كما هو القول الآخر.
وقد تقدم الكلام في ذلك في التتميم الذي ذكر في الوصايا المبهمة من المقصد الثالث في الموصى به في تقدم نقل مضمون هذه الرواية دليلا على ذلك ، ومنها ما تقدمت الإشارة إليه قريبا ، من أنه متى أوصى بوجه للحج ، ولم يقيد
1) الكافي ج 7 ص 21 ح 1 ، التهذيب ج 9 ص 228 ح 896 وفيه على بن مزيد الفقيه ج 4 ص 154 ح 534 ، الوسائل ج 13 ص 473 الباب 87.
بالبلد ولا غيرها ، فإنه يجب الحج بما أوصى به من أقرب الأماكن التي يمكن الحج ولو من مكة ، كما تضمنه الخبر فإنها أحد المواقيت في الجملة.
بقي الكلام هنا في شيء آخر ، وهو أن السائل قال : انه أمرني أن أحج بها ، والظاهر أن لفظ أحج من الرباعي من أحج غيره ، إذا أعطاه ما يحج به ، لا من الثلاثي المجرد بأن يكون الموصي هو الذي يحج بنفسه ، وأن الميت أوصى اليه بذلك ، وصدر الخبر وان كان محتملا لكل من الأمرين ، إلا أن حكمه في الجواب لما سأله السائل عن ذلك ، بأنه ان بلغ المال لأن يحج به من مكة فأنت ضامن ، انما يتجه على تقدير كونه مأمورا بأن يستأجر من يحج عنه ، بناء على كون أحج من الرباعي ، وإلا فلو كان الوصي هو المأمور بالحج بنفسه بناء على كون اللفظ من الثلاثي المجرد ، والرجل من أهل الكوفة ، فكيف يوجب عليه الامام عليهالسلام أن يتحمل مؤنة النفقة إلى مكة من ماله حتى إذا وصل مكة حج عنه بذلك الوجه الموصى به ، وهذا بحمد اللّه سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
وروى الشيخ في التهذيب عن أبي حمزة الثمالي (1)قال : «قال : ان رجلا حضرته الوفاة فأوصى الى ولده : غلامي يسار هو ابني فورثوه مثل ميراث أحدكم ، وغلامي يسار فأعتقوه ، فهو حر ، فذهبوا يسألونه أيما يعتق وأيما يرث ، فاعتقل لسانه ، قال : فسألوا الناس فلم يكن عند أحد جواب ، حتى أتوا أبا عبد اللّه عليهالسلام فعرضوا المسئلة عليه قال : فقال : معكم أحد من نسائكم؟ قال : فقالوا : نعم معنا أربع أخوات لنا ، ونحن أربع إخوة ، قال : فاسألوهن أي الغلامين كان يدخل عليهن فيقول أبوهن لا تسترن منه ، فإنما هو أخوكن ، قالوا : نعم كان الصغير يدخل فيقول أبونا : لا تسترن منه انما هو أخو كن ، فكنا نظن أنه يقول ذلك لأنه ولد في حجورنا ، وانما ربيناه ، قال : فيكم أهل البيت علامة؟ قالوا : نعم ، قال : انظروا أترونها بالصغير؟ قالوا : فرأوها به ، قال : تريدون أعلمكم أمر الصغير؟
1) التهذيب ج 9 ص 171 ح 700 ، الوسائل ج 13 ص 427 الباب 43.
قال : فجعل عشرة أسهم للولد ، وعشرة أسهم للعبد ، قال : ثم أسهم عشر مرات ، قال : فوقعت على الصغير سهام الولد ، قال : فقال : أعتقوا هذا ، وورثوا هذا».
أقول : الظاهر أن الحكم الشرعي في المسئلة المذكورة هو القرعة ، كما تضمنه آخر الخبر ، وما ذكره أولا من الأمرين المذكورين مؤيدين لمزيد الإيضاح ، ولو حصلت العدالة في النساء الأربع المذكورين لكان الظاهر العمل بما أخبرن به من اعتراف الأب به ، ولم يحتج إلى القرعة ، إلا أن يكون لمزيد الإيضاح.
وروى في الفقيه عن يونس بن عبد الرحمن عن داود بن نعمان عن الفضيل (1)مولى أبى عبد اللّه عليهالسلام «عن أبى عبد اللّه عليهالسلام قال : أشهد رسول اللّه (صلىاللّهعليهوآله) على وصيته الى علي عليهالسلام أربعة من عظماء الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وآخر لم أحفظ اسمه».
أقول : الظاهر أن المراد بالوصية هنا أو عنه أمير المؤمنين عليهالسلام في بيت أم سلمة حين خلا به من الصبح الى قرب الظهر من الأمور التي يحدث عليه ، ويتجدد بعد موته ، وأمره باحتمالها والصبر عليها ، ونحو ذلك كما يدل عليه خبر أم سلمه وهو طويل ليس هذا موضع ذكره.
وروى الشيخ في التهذيب عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن عبدوس (2)
و هما في الوسائل ج 13 ص 427 الباب 43 و ص 369 ح 16 و 17 و 18.
قال : «أوصى رجل بتركته متاع وغير ذلك لأبي محمد عليهالسلام فكتبت اليه : جعلت فداك رجل أوصى الي بجميع ما خلف لك ، وخلف ابنتي أخت له ، فرأيك في ذلك؟ فكتب الي : بع ما خلف ، وابعث به الي ، فبعث به اليه ، فكتب الي : قد وصل» ، «قال علي بن الحسن : ومات محمد بن عبد اللّه بن زرارة فأوصى الى أخي أحمد وخلف دارا وكان أوصى في جميع تركته أن تباع ويحمل ثمنها الى أبى الحسن عليهالسلامفباعها فاعترض فيها ابن أخت له ، وابن عم له ، فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير ، وكتب إليه أحمد بن الحسن ودفع الشيء بحضرتي إلى أيوب بن نوح ، وأخبره أنه جميع ما خلف ، وابن عم له وابن أخته عرض. فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير فكتب : قد وصل ذلك وترحم على الميت وقرأت الجواب» ، «قال علي : ومات الحسنين بن أحمد الحلبي وخلف دراهم مائتين فأوصى لامرأته بشيء من صداقها وغير ذلك وأوصى بالبقية لأبي الحسن عليهالسلام فدفعها احمد بن الحسن إلى أيوب بحضرتي ، وكتب اليه كتابا ، فورد الجواب بقبضها ودعا للميت».
أقول : لا يخفى ما في ظاهر الخبر من الاشكال ، والشيخ لذلك قد حمله تارة على تخصيصه بهم عليهمالسلام ، وآخر على كون حمل المال إليهم لا على جهة الوصية بل على جعلها صلة لهم في حال حياة الموصي ، وثالثة على أن يكون ذلك قبل أن تكون لهم وارث ثم يوجد الوارث كما تقدم في حديث المتطيب ، ورابعة على كون الوارث مخالفا ، ثم جوز في الوجه الأخير فقد الوارث ، ولا يخفى ما في الجميع عن البعد سوى الأخير فإنه أقرب قريب ، وأما بالنسبة الى وصية محمد بن عبد اللّه بن زرارة المشتملة على اعتراض ابن الأخت وابن العم ، فالاحتمالان فيهما متساويان ، ولعل الأقرب الأول منهما ، وهو كونهما مخالفين.
وأما بالنسبة الى وصية الحسين بن أحمد الحلبي فظاهره أنه ليس له وارث إلا الزوجة ، ومن المحتمل أنه أوصى لها بصداقها وميراثها المعبر عنه بغير ذلك ، فلا اشكال بحمد الملك المتعال.
ولنقطع الكلام حامدين للملك العلام على نعمه الجسام التي لا تحصيها الأقلام التي من جملتها التوفيق للفوز بسعادة الاختتام لهذا الجلد الشريف والمؤلف المنيف وهو الجلد الثامن (1)من كتاب
1) بحسب تجزأة المؤلف ، والجلد الثاني والعشرون بحسب تجزئتنا ، ويتلوه ان شاء اللّه تعالى الجلد الثالث والعشرون في كتاب النكاح ، وما يلحق به.
«الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة»
ويتلوه ان شاء اللّه تعالى الجلد التاسع في كتاب النكاح وما يلحق به
من الكتب المتعلقة به ، مصلين بعد الحمد له سبحانه
على نبينا أشرف الأنبياء والمرسلين
وآله الطيبين الطاهرين
من كتاب الحدائق الناضرة
عنوان / صفحة
كتاب الوكالة 3
كفاية كل ما يدل على الرضا بالاستنابة 5
الروايات الواردة في الوكالة 7
بيان عدم الدليل على اشتراط التنجيز غير الاجماع المدعى 10
افتقار التوكيل في شراء عبد إلى وصفه وعدمه 13
عزل الوكيل نفسه 15
عدم بطلان الوكالة بعزل الوكيل نفسه 16
دلالة الروايات على اعتبار الاعلام في العزل ولو باخبار ثقة 18
عدم وصول رواية تدل على الانعزال بمجرد العزل 21
بطلان الوكالة بموت أحد من الوكيل أو الموكل أو جنونه ونحوه 23
فعل الموكل ما تعلق به الوكالة 25
فعل الموكل ما تعلق به الوكالة ما يقتضيه اطلاق الوكالة 27
اقتضاء اطلاق الوكالة بالبيع بيع الوكيل على ولده الكبير أو زوجته 29
اقتضاء اطلاق الوكالة تسليم المبيع 31
عدم جواز رد الوكيل المبيع بالعيب 33
اشتراط كون الموكل مالكا لما تعلق به الوكالة 35
اشتراط كون الفعل الموكل فيه قابلاً للنيابة 37
بيان المواضع التي وقع الخلاف في جواز التوكيل فيها 39
جواز توكيل أهل الزكاة والخمس في قبضهما وعدمه 40
اعتبار العلم بما فيه التوكيل وحد تصرف الانسان في ماله 43
عدم جواز الاسراف في المال 45
اشتراط التكليف في الموكل وعدم الحجر عليه 47
جواز توكيل المحجور عليه فيما لا يتعلق به الحجر 49
بيان ما يجوز للوكيل التوكيل فيه وما لا يجوز 51
بيان أقسام اذن الموكل للوكيل في التوكيل 53
عدم اعتبار الأمانة في وكيل الوكيل 55
عنوان / صفحة
القول بكراهة تولي ذوي المروات المنازعة 57
اشتراط ما يشترط في الموكل في الوكيل أيضاً 59
بطلان وكالة الذمي على المسلم 61
عدم اشتراط العدالة في الوكيل 63
عدم جواز مخالفة الوكيل لما عينه الموكل 64
حكم صور بطلان الشراء للموكل من جهة مخالفة الوكيل لما عينه 67
وكالة اثنين على جهة الاجتماع 69
عدم بطلان وكالة الزوجة أو العبد على الطلاق أو الاعتاق 70
صور التوكيل في قبض حق من شخص مات قبل القبض 73
ما تثبت به الوكالة 74
عدم ثبوت الوكالة بالاستفاضة 77
اشتراط قبول الشهادة باتفاق الشاهدين على الفعل الواحد 78
صور ادعاء الوكالة عن غائب في قبض ماله 80
كون الوكيل أميناً 83
كون الوكيل أميناً يقبل قوله في التلف ونحوه 85
وجوب تسليم الوكيل ما في يده إلى الموكل مع المطالبة وعدم العذر 87
الجواب عن العمل بالقاعدة الأصولية المشهورة 89
الجواب عما أفاده المحقق الأردبيلي 91
سماع دعوى تلف المال قبل الامتناع وعدمه 93
حكم دفع الموكل عينا إلى وكيله وأمره بالايداع عند زيد 95
بيان مواضع لزوم الضمان وعدمه 97
جواز بيع الوكيل من نفسه في صورة الاذن 99
عدم جواز بيع الوكيل من نفسه في صورة الاطلاق والتهمة 100
اختلاف الوكيل والموكل في التلف أو الرد 103
دعوى الوكيل التصرف فيما وكل فيه 105
قبول قول الوصي في الانفاق 107
انكار الموكل التوكيل في تزويج امرأة له 109
لزوم نصف المهر على الوكيل في صورة انكار الموكل 111
عنوان / صفحة
حكم صور انكار الملك الاذن في البيع بثمن معين 113
القول بثبوت الخيار للبايع إذا اشترى الوكيل لموكله 114
قبول شهادة الوكيل لموكله 117
اختلافهما في قبض الثمن قبل تسليم المبيع أو بعده 119
الفرق بين ظهور العيب وبين كونه مستحقا 121
كتاب الوقوف والصدقات 123
اعتبار اللفظ الصريح في الوقف 125
تعريف الوقف 127
تسمية الوقف بالصدقة في الصدر الأول 129
عدم اشتراط القبول في الوقف 131
عدم الدليل على اشتراط القبول 133
اشتراط الدوام في الوقف 135
نقل الأقوال الثلاثة في الوقف على من ينقرض غالباً 137
عدم تحقق الوقف إذا لم يذكر المصرف 139
صحة الوقف المنقطع الآخر 141
اعتبار القبض في سحة الوقت 143
ما دلّ على اعتبار القبض في صحة الوقت 145
اقتضاء الاحتياط كون القبض بإذن الواقف 147
أن المراد بالقبض قبض البطن الأول 149
عدم جواز الرجوع في الوقف بعد القبض 151
اعتبار قصد التقرب في الوقف 153
بطلان الوقف المنقطع الأول 155
ما دلّ على بطلان الوقف المنقطع الأول من الروايات 157
ما يترتب عليه على تقدير القول بالصحة 159
بطلان الوقف باشتراط قضاء ديونه أو أداء مؤنته 161
حكم أخذ الواقف من الوقف 163
شرط الواقف عند الوقف عوده إليه عند الحاجة 165
بطلان الوقف باشتراط الرجوع فيه 167
اشتراط ادخال من يريد الواقف مع الموقوف عليهم 169
اشتراط نقله عن الموقوف عليهم إلى من سيوجد 170
ادخال من سيوجد من الولد مع أولاده الموقوف عليهم 173
عنوان / صفحة
أن مقتضى القاعدة عدم جواز ادخال غير الموقوف عليهم معهم 175
بيان شرايط الموقوف 176
بيان شرائط الواقف 181
جواز جعل الواقف النظر في الوقف لنفسه ولغيره 182
عدم جواز التصرف في الأوقاف العامة إلا بإذن الحاكم 187
عدم وجوب قبول الغير النظر في الوقف 185
بيان شرايط الموقوف عليه 189
اختلاف الأصحاب في الوقف على الكافر 191
سكوت النصوص عن حكم الوقف على الكافر 193
حكم الوقف على البيع والكنايس 195
شمول وصف الموقوف عليه أو نسبته لكل من تناوله الاطلاق 197
شمول الوقف على المسلمين لكل من أقر بالشهادتين 199
الوقف على المؤمنين 201
تحقيق معنى الايمان 203
إيراد النصوص الواردة في بيان معنى الايمان 205
تبادر الامامية من لفظ الشيعة 207
الوقف على الزيدية والجيران 209
بيان معنى الجيران 211
عدم الفرق في صدق الجار بين كون داره ملكاً أو غيره 213
الوقف على قومه وعشيرته 215
شمول الوقف على ولده لأولاد البنات 217
الوقف على مصلحة فاتفق بطلان رسمها 219
اقتضاء عدم التفضيل بين الأولاد التساوي 223
اقتضاء الأدلة خروج الوقف عن ملك الواقف 225
عدم اعتبار القبض إذا لم يكن الموقوف عليه معيناً 227
وقف أحد الشريكين حصته من العبد واعتاق الآخر 229
بيان من يجب عليه نفقة العبد الموقوف 231
جناية العبد الموقوف على غيره عمداً 233
الجناية على العبد الموقوف 235
بيان فوائد يحسن التنبيه عليها في العبد الموقوف 237
انصراف الوقف على سبيل اللّه إلى ما يكون وصلة إلى الثواب 239
الوقف على مواليه 241
عنوان / صفحة
الوقف على من انتسب إليه 243
انتساب أولاد بنات الانسان إليه وعدمه 247
شمول الوقف على أولاده لأولاده مع الواسطة وعدمها 249
الوقف على الفقراء على تقدير انقراض الأولاد 251
وجوب اتباع الشروط المذكورة في الوقف 253
بطلان الوقف المنقطع الأول 255
جواز بيع الوقف على تقدير وقوع الخلف بين الموقوف عليهم 255
بطلان اجارة الوقف بموت البطن الأول 257
بيان جملة من أحكام الأمة الموقوفة 259
الصدقة 261
أن اطلاق الصدقة على المعنى المشهور لم يكن في زمن النبي صلی اللّه عليه وآله 261
دلالة الأخبار على اشتراط القربة والقبض في الصدقة 265
عدم جواز الرجوع فيما تصدق به الانسان لوجه اللّه 267
دلالة الأخبار الواردة في المقام 269
جواز الصدقة على الذمي 271
استفاضة الأخبار بالحث على التصدق 273
أفضلية الصدقة سراً 275
الحبس والسكنى والرقبي والعمري 275
نقل الروايات الواردة في المقام 277
اللزوم بالقبض وعدمه 281
انتقال الحق إلى الورثة مدة حياة المالك لو قرن السكنى بعمره 283
حكم الاقتران بعمر الأجنبي 285
حكم اطلاق السكنى والعمري والرقبي 287
حكم اطلاق السكنى والعمري والرقبي بالبيع 289
الفروع المترتبة على عدم البطلان 291
اعتبار القربة في الصدقة ان مقتضى اطلاق السكنى اسكانه بنفسه وأهله وولده 293
حبس الفرس أو البعير في سبيل اللّه 295
الهبة 296
شرايط الهبة 297
ظهور الأخبار في إفادة الاهداء الملك الحقيقي 299
نقل الأخبار الواردة في الباب 301
هبة غير من عليه الحق وهبة من عليه الحق 307
عنوان / صفحة
اشتراط القبض في الهبة في الجملة 309
ما يترتب على كون القبض شرطاً في الصحة أو اللزوم 311
جواز الرجوع في الهبة بعد القبض إلا في مواضع 313
اشتراط اذن الواهب في صحة القبض 315
من يتولى القبض في الهبة للصغير 317
كيفية القبض في هبة المشاع 319
جواز تفضيل بعض الأولاد 321
دلالة النصوص على جواز التفضيل من دون كراهة 323
كراهة تفضيل بعض الأولاد مع اعسار الواهب 325
عدم جواز الرجوع في هبة ذي الرحم 327
لزوم الهبة المعوضة 329
جواز رجوع الواهب على تقدير عدم وفاء المتهب بالشرط 331
هبة الزوجين للآخر 332
لزوم الهبة بالتصرف وعدمه 335
أدلة القائلين بلزوم الهبة التصرف مطلقا 337
لجواب عن أدلة القول باللزوم بالتصرف مطلقاً 339
نقل حجة القول بالتفصيل 341
اعتبار قيام الموهوب بعينه في جواز الرجوع 343
صحة البيع مع الجهل بفساد الهبة 345
ان موافقة الواقع وإن لم يكن مقصوداً كاف في الصحة 347
قبول قول منكر الاقباض وإن أقر بالهبة 351
كتاب السبق والرماية 353
فائدة السبق والرماية نقل روايات السبق والرماية 353
نقل روايات السبق والرماية 355
لزوم عقد السبق والرماية وجوازه 359
وجوب الاقتصار على مورد النص في السبق والرماية 361
مصاديق ما دل عليه النص 363
حكم المسابقة بغير المنصوص من دون عوض 364
بيان أسماء خيل الحلبة ووجه التسمية 367
بيان الاصطلاحات في أسماء السهام 369
بيان أوصاف السهم عند الإصابة للغرض 371
تفسير الغرض والهدف 373
عنوان / صفحة
كتاب الوصايا 375
معنى الوصية لغة الأخبار الواردة في الحث على الوصية 375
تفسير ما تضمنته أخبار الوصية 381
تعريف الوصية 383
وقت انتقال الموصى به إلى ملك الموصى له 385
بيان ثمرة تعيين وقت الانتقال 389
عدم الفرق بين وقوع القبول قبل موت الموصي أو بعده 391
حكم وقوع الرد بعد الموت والقبول وقبل القبض 393
انتقال حق قبول الوصية إلى ورثة الموصى له لو مات 395
عدم الدليل على كون الوصية عقداً يحتاج إلى الايجاب والقبول 397
انتقال الوصية إلى وارث الموصى له إذا مات بعد الموصي 399
كيفية انتقال الوصية إلى الورثة 401
عدم لزوم الوصية ما دام الموصي حياً 403
كيفية الرجوع في الوصية 405
بيان شرايط الموصي 407
وصية من بلغ عشر سنين 409
عدم نفوذ وصية من جرح نفسه بما فيه هلاكه 413
شرايط الموصى به 417
اشتراط أن لا يكون الموصى به زايداً عن الثلث 419
جواز الوصية بالزايد عن الثلث مع اجازة الورثة 420
حكم اجازة بعض الورثة في الوصية بالزايد 423
كون اجازة الوارث بعد موت الموصي تنفيذاً للوصية 425
تعيين وقت تقدير الثلث 427
دخول دية الخطأ وأرش الجناية في الوصية 429
دلالة الروايات على كون الدية من جملة أموال الميت 431
صحة الوصية بالمضاربة بتركته 433
خروج الواجب المالي من أصل التركة وان لم يوص 435
الوصية بعدة أمور لا تفي بها التركة 437
دخول النقصان على الأخير في صورة تعدد الوصية 439
نقل كلمات الفقهاء في الوصية المتعددة الزايدة على الثلث 441
عنوان / صفحة
حمل الاطلاق على الوصية الصحيحة 443
حكم الوصية بعتق مماليكه ومن جملتهم من هو مشترك 445
اجازة الوارث الوصية بالنصف ثم دعواه قلة المال 447
الوصية بثلث ماله مشاعا 449
انصراف الوصية بما يقع اسمه عليه المحلل والمحرم إلى المحلل 451
صحة الوصية بالكلاب المملوكة 453
الوصية بالجزء 455
دلالة بعض الروايات على تفسير الجزء بالعشر 457
ما يدل على كون المراد من الجزء سبعاً 459
كون الوصية بالسهم وصية بالثمن 461
رد ما يدل على كون السهم غير الثمن 463
الرجوع إلى الوارث في الوصية بكثير 465
صرف الوصية في وجوه البر على تقدير تعذره في الوجه الموصى به 467
دخول الجفن والحلية في الوصية بالسيف 469
المناقشة فيما ذكره الشيخ 471
الوصية في سبيل اللّه 473
تفسير سبيل اللّه 475
الوصية باخراج بعض ولده عن ميراثه 477
الرجوع في تفسير الوصية بلفظ مجمل إلى الوارث 479
ثبوت الرخصة في الوصية بالثلث من دون كراهة 481
عدم اشتراط كون الموصى به موجوداً بالفعل حين الوصية 483
تقويم المنافع الموصى بها 485
نقل الأقوال في الوصية بالمنفعة المؤبدة 487
من يجب عليه نفقة العبد الموصى بمنافعها مؤبدة 489
الوصية بقوس وله قسى مختلفة 491
اختيار الوارث في تعيين شئ من الأشياء المتساوية 493
قبول شهادة عدول أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم 495
صراحة الروايات في اعتبار السفر في قبول شهادة الذمي 497
شرايط قبول شهادة الذمي 499
ثبوت الوصية بالمال بشاهد ويمين 501
عدم قبول شهادة النساء منفردات في الوصية بالولاية 503
قبول شهادة عبديه على حمل أمته منه وكراهة استرقاق الحمل لهما 505
عنوان / صفحة
شهادة الوصي فيما هو وصي فيه 507
صور الوصية بالعتق 509
حكم الوصية بعتق الرقبة المؤمنة 511
صرف الوصية في وجوه البر إذا لم تف بالمعين وكذا الزايد عنه 513
اشتراط وجود الموصى إليه حال الوصية 515
صحة الوصية للوارث والأجنبي 517
بيان الأقوال في الوصية للذمي 519
عدم منافاة النهي عن موادة الذمي للوصية له 521
الوصية للحربي 525
الوصية لمملوك الأجنبي ومدبره 526
وصية الانسان لمكاتبه 529
وصية الانسان لمملوكه 531
رد تفصيل الشيخين في وصية الانسان لمملوكه 533
وصية الانسان بعتق مملوكه وعليه دين 535
نقل النصوص الواردة في المقام 537
نقل الأقوال في الوصية بالعتق وعليه دين 539
نقل الأقوال في العتق المنجز وعليه دين 541
الوصية لأم ولده 543
اقتضاء اطلاق الوصية التسوية 545
وصية الانسان لذوي قرابته وأهل بيته 547
تفسير معنى القرابة 549
صحة الوصية للحمل الموجود وان لم تحله الحياة 551
انتقال الوصية إلى ورثة الموصى له ان مات قبل الموصي 553
بطلان الوصية بموت الموصى له قبل الموصي مع عدم وارث له 555
حكم موت الموصى له بعد الموصي مع عدم وارث له 557
أدلة القول باعتبار العدالة في الوصي 559
اقتضاء اشتراط العدالة ابتداء الاستدامة 561
بيان مواضع اشتراط الحرية والاسلام في الوصي 563
صحة تصرف الوصي البالغ قبل بلوغ الصغير المنضم إليه 565
حكم الوصاية إلى اثنين 567
اقتضاء اطلاق الوصية إلى اثنين الاجتماع 569
عنوان / صفحة
تشاح الوصيين في صورة وجوب الاجتماع 571
وجوب ضم الحاكم إلى أحد الوصيين لو تعذر الآخر 573
جواز رد الوصية ما دام الموصي حياً 574
عدم جواز رد الوصية بعد موت الموصي 577
وجوب قبول الابن وصية الأب إذا دعاه إلى قبوله وكذا غيره مع الانحصار 579
كون الوصي أمينا 581
عدم جواز أخذ الوصي ماله على الميت من تحت يده إلا بالبينة 583
جواز مقاصة الوصي ماله على الميت من تحت يده 585
جواز ايصاء الوصي لو أذن له الموصي 587
ثبوت النظر للحاكم في أموال الميت وأطفاله إن لم يكن له وصي 589
نقل النصوص الواردة في المقام 591
جواز تولي الثقة لأمور الميت إذا لم يكن له وصي 593
نقل الأقوال في وقت اعتبار الشروط في صحة الوصاية 595
الاشكال يكون الوصية عقداً 597
حكم منجزات المريض 599
دلالة الروايات على خروج المنجزات من الأصل 601
ترجيح ما دل على خروج المنجزات من الأصل 603
المناقشة فيما دل على خروج المنجزات من الثلث 607
صراحة ما دل على خروج المنجزات من الأصل 611
نقل الأقوال في حكم إقرار الانسان في مرض موته 613
نقل أدلة الأقوال 615
الإشارة إلى الروايات الواردة في المقام 617
صحة الوصية بجميع المال إذا لم يكن له وارث 625
عدم ضمان الوصي مقدار الدين مع العزل وعدم التفريط 629
حكم انتقال من ينعتق على المريض إليه 630
صحة الوصية بالإشارة 633
كفاية الكتابة في صحة الوصية مع التمكن من اللفظ 635
وجوب تنفيذ ما يجده الورثة من وصيته بخطه 637
عنوان / صفحة
استحباب عتق من ضربه السيد من المملوك 639
جواز شراء الوصي ما بيع من مال الميت 641
جواز عدول الموصي عن أصل الوصية أو كيفيته 643
تقديم الكفن على ما يعده والدين على الوصية 645
جواز مقاسمة الوصيين وعدمه 647
حكم عدل كفاية الثلث في الوصية بالعتق والحج والتصدق 649
بيان ما تضمنته رواية صاحب السابري 651
اشهاد النبي صلی اللّه عليه وآله في وصيته إلى علي عليه السلام أربعة من عظماء الملائكة 653