الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 32

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الثانى و الثلاثون

ادامة القسم العاشر: من الفتح. . إلى الشهادة

تتمة الباب الحادى عشر: الغدير فى الحديث و التاريخ

الفصل السابع: سورة المائدة متى نزلت و كيف؟ !

اشارة

لماذا تأخرت آية البلاغ عن آية إكمال الدين؟ !

إن ثمة سؤالا يفرض نفسه هنا مفاده: أن الروايات قد صرحت بأن قوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1). . قد نزل بعد نصب النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» إماما فى يوم الغدير. .

و إن آية: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ (2). . قد نزلت قبل يوم الغدير. .

مع أن آية الإكمال قد وردت في أول سورة المائدة، و آية الأمر بإبلاغ إمامة الإمام «عليه السلام» قد جاءت في وسط السورة. و المفروض هو أن يكون العكس، لا سيما و أن القرآن كان ينزل نجوما، و بالتدريج. . فكيف تفسرون ذلك؟ ! . .

و نجيب عن ذلك بما يلي:

مرتكزات الإيمان:

إن الإيمان بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يرتكز إلى أمرين:


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) الآية 67 من سورة المائدة.

أحدهما: الإيمان المستند إلى إدراك العقل، و قضاء الفطرة بصحة الحقائق التي جاء بها. .

و هذا هو ما كان إيمان أبي طالب، و حمزة و جعفر، و خديجة. . و. . و. . مرتكزا إليه و عليه، فإنهم قد أدركوا صحة ما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعقولهم، و قضت به فطرتهم، و لم يحتاجوا إلى إظهار معجزة، و لا طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، خصوصا مع ما صاحب ذلك من معرفة قريبة، و اطلاع مباشر على حياة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و مزاياه، و صدقه، ثم رؤية كرامات اللّه له، و ألطافه به، ثم ما حباه به من رعاية و تسديد، و من نصر و تأييد. .

و هذا هو إيمان أهل البصائر، الذين يزنون الأمور بموازين العدل، و يعطون النصفة من أنفسهم، و هو ما يفترض بالناس كلهم أن يكونوا عليه، أو أن يسعوا للوصول إليه، و أن يلتزموا به و لا يتجاوزوه. .

و لو أن الناس سلكوا هذا النهج لاستغنوا عن طلب الآيات و المعجزات، خصوصا في ما يرتبط بأمر التوحيد و الانقياد للّه، و الطاعة، و العبادة له، و ما يتبع ذلك من تفاصيل تفيد في التعريف بصفات ذاته، و صفات فعله تبارك و تعالى. . فضلا عن كل ما حدثهم به اللّه و رسوله مما يرتبط بالعلاقة و الرابطة بين الخالق، و مخلوقاته. . و تدبير شؤون الحياة وفق الحكمة. . و هداية الكائنات كلها، و رعايتها و تربيتها. . فإن ذلك كله مما تفرض الفطرة السليمة و العقول المستقيمة الخضوع له، و الإيمان به، و عقد القلب عليه.

فإذا قال لهم اللّه سبحانه و تعالى: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا

لاٰ تُرْجَعُونَ (1). . فهو إنما يخاطب عقولهم، و يتحدث عن أمر يمكنهم أن يدركوه، و أن يؤمنوا به. . و كذلك حين يقول لهم: قٰالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (2). و غير ذلك مما تحكم به العقول، و تؤيده الفطرة البشرية الصافية و المستقيمة. .

و الأمر الثاني: الإيمان المستند إلى ظهور المعجزة القاهرة، و القاطعة للعذر، و التي تضطر العقل إلى الإقرار بالعجز، و البخوع و الخضوع و الاستسلام. و هذا ما يحتاج إليه أو يطلبه نوعان من الناس:

النوع الأول:

الذين يرغبون في إبقاء الأمور على ما كانت عليه. . ممن يثقل عليهم الانقياد إلى دعوات الأنبياء، و يأنفون من الالتزام بأحكام اللّه.

و هؤلاء هم الذين كانوا يقترحون على الأنبياء أن يأتوهم بالآيات، و أن يظهروا المعجزات، ثم يكونون هم أول الجاحدين بها، و المكذبين لها. .

النوع الثاني:

أولئك الذين يرغبون في معرفة الحق، و لا يأبون عن الالتزام به لو ظهر لهم. . و لكنهم ليسوا مثل جعفر، و حمزة، و خديجة و. . في وعيهم، و في نظرتهم إلى الأمور، و إدراكهم للحقائق. فيحتاجون إلى عوامل تساعدهم على تحصيل اليقين بحقانية الدعوة، و واقع ارتباطها باللّه سبحانه. من خلال


1) الآية 115 من سورة المؤمنون.

2) الآيتان 78 و 79 من سورة يس.

المعجزة التي تقهر عقولهم، و تسوقهم إلى التسليم، لأن بها يتم إخضاع وجدانهم للغيب الإلهي. .

و بما أن هذا القرآن هو معجزة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكن بإمكان كل هؤلاء أن ينالوا معانيه، و لا أن يدركوا حقائقه و دقائقه و مراميه. . لأن فيهم الكبير و الصغير، و فيهم الذكي و الغبي، و كانوا في أسوأ حالات الأمية و الجهل، و البداوة. . فكان لا بد من الرفق بهم، و تيسير الإيمان لهم، و فتح أبواب الهداية أمامهم. .

فاحتاج الأمر إلى وسيلة إقناع، يفهمها هذا النوع من الناس-الذين لا يمكنهم إدراك حقائق القرآن، و الوقوف على مستوى إعجازه التشريعي، أو العلمي، أو البلاغي، أو غير ذلك. .

و لم يكن يمكن تأجيل إيمانهم و إسلامهم إلى حين تحقق بعض الإخبارات الغيبية المستقبلية، الأمر الذي قد يمتد إلى سنوات كثيرة، كالإخبار عن غلبة الروم في قوله تعالى: غُلِبَتِ اَلرُّومُ فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (1). . و لا. . و لا. . الخ. .

و لا بد أن تكون وسيلة الإقناع هذه بحيث يدركها، و يفهمها جميع الناس، بمختلف فئاتهم، و طبقاتهم، و أن تكون في متناول يد أعلم الناس، و أعقلهم، كما هي في متناول يد أكثر الناس سطحية و سذاجة، و لو كان بعمر تسع سنوات للفتاة، و بعمر خمس عشرة سنة للفتى. .

و قد اختار اللّه سبحانه أن تكون هذه الوسيلة هي أن تنزل السورة في


1) الآيتان 2 و 3 من سورة الروم.

بادئ الأمر بتمامها، فيقرؤها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الناس، ثم تبدأ الأحداث بالتحقق في متن الواقع، فكلما حدث أمر، ينزل جبرئيل «عليه السلام» ، بالآيات التي ترتبط بذلك الحدث، فيرى الناس: أن هذه الآيات هي نفسها التي كانت قد نزلت في ضمن تلك السورة قبل ساعة، أو يوم، أو شهر مثلا. . فيدرك الذكي و الغبي، و كل من يملك أدنى مستوى من العقل، بأن هذا القرآن لا بد أن يكون من عند اللّه، لأن اللّه وحده هو الذي يعلم بما يكون في المستقبل. و ها هو قد أنزل الآيات المرتبطة بأحداث بعينها قبل أن تحدث. .

و هم يعرفون النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن قرب، و يعيشون معه، و يرون أنه مثلهم، و يملك الوسائل التي يملكونها، و يعيش نفس الحياة التي يعيشونها.

و بعد ما تقدم نقول:

إننا من أجل توضيح هذه الإجابة، نشير إلى العديد من القضايا ضمن الفقرات التالية:

سورة المائدة نزلت دفعة واحدة:

إن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة، كما يظهر مما رواه:

1-عبد اللّه بن عمرو، قال: أنزلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سورة المائدة، و هو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها (1). .


1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و مجمع الزوائد ج 7 ص 13 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 3 و فتح القدير ج 2 ص 3 و البداية و النهاية ج 3 ص 31 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 424 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 49 و السيرة الحلبية ج 1 ص 415 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 258.

2-عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ نزلت المائدة كلها، فكادت من ثقلها تدق عضد الناقة (1). .

3-عن أم عمرو بنت عبس، عن عمها: أنه كان في مسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق كتف راحلته العضباء، من ثقل السورة (2). .

4-عن محمد بن كعب القرظي، قال: نزلت سورة المائدة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع، فيما بين مكة و المدينة، و هو على ناقته، فانصدعت كتفها، فنزل عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3). .

5-عن الربيع بن أنس قال: نزلت سورة المائدة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسير من حجة الوداع، و هو راكب راحلته، فبركت به


1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و محمد بن نصر في الصلاة، و الطبراني، و أبي نعيم في الدلائل، و البيهقي في شعب الإيمان، و مجمع الزوائد ج 7 ص 13 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 3 و البداية و النهاية ج 3 ص 31 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 424 و السيرة الحلبية ج 1 ص 424.

2) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن أبي شيبة في مسنده، و البغوي في معجمه، و ابن مردويه، و البيهقي في دلائل النبوة، و السيرة الحلبية ج 1 ص 415.

3) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أبي عبيد، و تفسير الآلوسي ج 6 ص 47.

راحلته من ثقلها (1).

تاريخ نزول سورة المائدة:

و قد اختلفوا في تاريخ نزول سورة المائدة، و قد تقدم و سيأتي أيضا ما يدل على أنها قد نزلت في حجة الوداع إما في الطريق، أو في يوم عرفة. و هذا هو المعتمد، و قد صرح عدد من النصوص بأنها آخر السور نزولا.

و هناك قولان آخران:

الأول: ما روي من أن سورة المائدة قد نزلت منصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، من الحديبية (2).

و لكن الروايات المصرحة بأن سورة المائدة كانت آخر ما نزل تدفع هذا القول، كما أشرنا إليه في موضعه من هذا الكتاب.

الثاني: قال القرطبي: «من هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، و منها ما نزل عام الفتح» (3).

فالجمع بين هذا القول، و بين روايات نزولها دفعة واحدة، هو أن يقال: إنها نزلت مرتين:

إحداهما: دفعة واحدة.


1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن جرير، و جامع البيان ج 6 ص 112.

2) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 30 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للأندلسي ج 2 ص 143 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 427.

3) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 30، و الغدير ج 1 ص 227 و راجع: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 143 و تفسير البحر المحيط ج 3 ص 427.

و الأخرى: أن آياتها نزلت نجوما (1).

ضعوا هذه الآية في سورة كذا:

و من جهة أخرى، فإنهم قالوا: «الإجماع و النصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك» (2). .

و قد رووا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كان يقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا. .

و قد روي ذلك عن ابن عباس (3). .

و عن عثمان بن عفان أيضا (4). .


1) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 61.

2) الإتقان ج 1 ص 24 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 167 و الغدير ج 1 ص 227 و راجع: تحفة الأحوذي ج 8 ص 380 و إعجاز القرآن الباقلاني (مقدمة المحقق) ص 60 و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 61.

3) راجع: الدر المنثور ج 1 ص 7 عن الحاكم و صححه، و عن أبي داود، و البزار، و الطبراني، و البيهقي في المعرفة و في شعب الإيمان و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 272 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 43 و الإتقان ج 1 ص 62 و البرهان للزركشي (ط دار إحياء الكتب العربية) ج 1 ص 234 و 241 عن الترمذي و الحاكم، و التمهيد ج 1 ص 213 و تاريخ القرآن للصغير ص 81 عن: مدخل إلى القرآن الكريم لدراز ص 34، لكن في غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش جامع البيان للطبري ج 1 ص 24 و مناهل العرفان ج 1 ص 240 هكذا: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا» .

4) مستدرك الحاكم ج 2 ص 330 و 221 و تلخيصه للذهبي بهامشه و غريب الحديث ج 4 ص 104، و البرهان للزركشي ج 1 ص 234 و 235 و سنن الترمذي ج 4 ص 336 و راجع ص 61 و غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 1 ص 24 و فتح الباري ج 9 ص 19 و 20 و 39 و 38، و كنز العمال ج 2 ص 367 عن أبي عبيد في فضائله، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و أبي داود، و الترمذي، و ابن المنذر، و ابن أبي داود، و ابن الأنباري معا في المصاحف، و النحاس في ناسخه، و ابن حبان، و أبي نعيم في المعرفة، و الحاكم و سعيد بن منصور، و النسائي، و البيهقي، و فواتح الرحموت بهامش المستصفى ج 2 ص 12 عن بعض من ذكر، و الدر المنثور ج 3 ص 207 و 208 عن بعض من ذكر، و عن أبي الشيخ، و ابن مردويه و مشكل الآثار ج 2 ص 152 و البيان ص 268 عن بعض من تقدم، و إمتاع الأسماع ج 4 ص 241 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 1015 و فتح القدير ج 2 ص 331 و عن الضياء في المختارة، و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 48 و راجع: بحوث في تاريخ القرآن و علومه ص 103 و مناهل العرفان ج 1 ص 347 و مباحث في علوم القرآن ص 142 عن بعض من تقدم، و تاريخ القرآن للصغير ص 92 عن أبي شامة في المرشد الوجيز. . و جواهر الأخبار و الآثار بهامش البحر الزخار ج 2 ص 245 عن أبي داود، و الترمذي، و سنن أبي داود ج 1 ص 209 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 344 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 37 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 42 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 167 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 10 و مسند أحمد ج 1 ص 57 و 69 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 10 و أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 112 و جامع البيان ج 1 ص 69 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 62 و إمتاع الأسماع ج 4 ص 241 و تهذيب الكمال ج 32 ص 288 و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 63.

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» شخص ببصره ثم صوبه ثم

قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة (1).

و في رواية عن ابن عباس: كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ ، فإذا نزلت عرفوا أن السورة قد انقضت (2). .

و روي ذلك عن سعيد بن جبير (3)، و عن ابن مسعود (4). .

قال أبو شامة: يحتمل أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يزال يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية فيعلم أن السورة قد انقضت (5).

و لكننا لا نجد إلا موارد يسيرة تحدثت عن أن النبي «صلى اللّه عليه


1) مسند أحمد ج 4 ص 218 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 605 و كنز العمال ج 2 ص 16 و مجمع الزوائد ج 7 ص 48 و تفسير الآلوسي ج 14 ص 220 و فتح القدير ج 3 ص 189 و الدر المنثور ج 4 ص 128 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 168 و تاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص 62 و 68.

2) الدر المنثور ج 1 ص 7 عن الحاكم و صححه، و البيهقي في السنن، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 34.

3) راجع الدر المنثور ج 1 ص 7 عن أبي عبيد، و التمهيد لابن عبد البر ج 20 ص 210 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 232 و فتح الباري ج 9 ص 39 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 43 و مسائل فقهية للسيد شرف الدين ص 23 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 211 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 442.

4) الدر المنثور ج 1 ص 7 عن الواحدي و البيهقي في شعب الإيمان، و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 211.

5) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 21.

و آله» فعل ذلك في آيات بعينها (1). .

الدوافع و الأهداف:

و هذا معناه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي لا ينطق عن الهوى، و لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه قد قدم آية الإكمال على آية التبليغ بأمر من اللّه تبارك و تعالى، أو أن جبرئيل «عليه السلام» قد كان يأمر بذلك تنفيذا لأمر اللّه تعالى، انطلاقا من مصلحة اقتضت وضع الآية في خصوص ذلك الموضع، و تكون النتيجة هي أن وضع آية الإكمال قبل آية الأمر بالتبليغ قد روعيت فيه المصلحة أيضا. .

لماذا قدم آية الإكمال:

و إذ قد عرفنا: أن هذا التفريق بين آية اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . و آية: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . . قد جاء وفق سياسة إلهية، و رعاية لمصالح بعينها.

فهل يمكن معرفة شيء عن هذه المصلحة التي اقتضت تقديم إحدى الآيتين في الذكر على الأخرى على عكس ما جرى عليه الحال في الواقع العملي؟ !

فقد يقال: لعل المصلحة في هذا التقديم هي حفظ الإمامة، و حفظ إيمان الناس. . و تيسير سبل الهداية لهم. .

يضاف إلى ذلك: إرادة حفظ القرآن عن امتداد يد التحريف إليه، فإن


1) راجع: حقائق هامة حول القرآن الكريم ص 78.

الإسلام يحتاج إلى صيانة حقائقه و مقدساته، كما كان يحتاج أيضا إلى جهاد الإمام علي «عليه السلام» و تضحياته. .

هذا الجهاد الذي حمل معه الخزي و العار و الذل، لأهل الطغيان و الجحود، فأورثهم الحقد و الضغينة، حتى ظهرت فيهم حسيكة النفاق هذه بأبشع صورها بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا حاجة إلى البيان أكثر من هذا. .

استطراد و توضيح:

غير أننا نقول:

إن الخيارات التي يمكن أن نتصورها كانت هي التالية:

1-أن يباشر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، بنفسه قتل المعتدين، و يرد بسيفه كيد الطغاة و الجبارين، فيقتلهم و يستأصل شأفتهم، و يبيد خضراءهم. .

و هذا يعني أن لا تصفو نفوس ذويهم له، و أن لا يتمكن حبه «صلى اللّه عليه و آله» من قلوبهم، فضلا عن أن يكون أحب إليهم من كل شيء حتى من أنفسهم! ! . . كما يفرضه الإلتزام بالإسلام، و الدخول في دائرة الإيمان. .

و سوف تتهيأ الفرصة أمام شياطين الإنس و الجن لدعوة هؤلاء الموتورين إلى خيانته و الكيد له، و التآمر عليه، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. .

كما أنهم إذا ما اتخذوا ذلك ذريعة للعزوف عن إعلان إسلامهم و استسلامهم. . فإنهم سوف يمنعون الكثيرين ممن له اتصال بهم، من أبناء و أرحام، و أقوام و حلفاء و أصدقاء، من التعاطي بحرية و بعفوية مع أهل الإيمان، ثم حرمانهم و حرمان من يلوذ بهم من الدخول الجدي في المجتمع

الإسلامي، و التفاعل معه، و الذوبان فيه.

2-أن يتولى هذا الأمر الآخرون من رجال القبائل المختلفة، فيقاتلون وحدهم الناس لأجل الإسلام، و دفاعا عن المسلمين، و هذا خيار غير مرضي أيضا، فإن احتفاظه «صلى اللّه عليه و آله» ، بأهل بيته و ذوي قرابته سيكون مثارا لتساؤلات كثيرة، من شأنها أن تضعف عامل الثقة، و تؤثر سلبا على حقيقة الإعتقاد بالنبوة، و درجة الإنقياد لها، و مستوى صفاء النية و الإستبسال في المواقف الحرجة، حين تفرض الحاجة خوض اللجج، و بذل المهج. .

ثم هو يهيء لزيادة حدة التمزق داخل الكيان الإسلامي، الذي لم يزل كثير من الناس فيه يعيش روح الجاهلية، و مفاهيمها. و تتحكم به العصبيات العشائرية و القبلية، و لم يقطع مراحل كبيرة في مسيرة السمو الروحي، و تزكية النفوس، و إخلاصها للّه في ما تحجم عنه، أو تقدم عليه. .

و قد يؤسس ذلك لحروب، و تعديات، و مآس لا تنتهي، و لأحقاد لا تزول، بل تتضاعف باطراد، حيث ستدفعهم عصبياتهم للانتقام المتبادل. .

و ستكون النتيجة هي قتل الأبرياء، و التمزق و التشرذم، و ضعف أهل الدين، و السقوط في مستنقع الجريمة. . ثم الرذيلة بأبشع الصور، و أكثرها إثارة للإشمئزاز و التقزز. .

و قد لا حظنا: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» يصر في حرب صفين- مثلا-على أن يقابل كل قبيلة بمثلها، فيقابل تميم الشام بتميم العراق،

و ربيعة الشام، بربيعة العراق (1). و هكذا بالنسبة لسائر القبائل، لا لأجل أنه يتعامل «عليه السلام» بالمنطق القبلي-حاشاه-بل لأنه يريد:

أولا: أن لا يمعن الناس في قتل بعضهم البعض، لأن المهم عنده هو و أد الفتنة بأقل قدر من الخسائر. .

ثانيا: أن لا يكون هناك حرص من القبائل على إدراك ما تعتبره ثارات لها عند القبائل الأخرى، الأمر الذي سيهيء للمزيد من التمزق و الصراع داخل المجتمع الإسلامي. .

3-و قد كان الخيار الأقل ضررا، هو أن يدفع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأهل بيته الأبرار، ليكونوا هم حماة هذا الدين، و المدافعين عنه، و أن لا يحرم الآخرين من فرصة للجهاد في سبيل اللّه تعالى. . ضمن الحدود المقبولة و المعقولة. فكان يقدم أهل بيته، و على رأسهم الإمام علي «عليه السلام» ، ليكونوا هم أنصار دين اللّه. . و قتلة أعداء اللّه، ثم ليكونوا هم الشهداء على هذه الأمة، و الحافظين لوحدتها، و المحافظين على عزتها و كرامتها.

و إذا ما سعى الناس للانتقام من علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، و ذريته، و تآمروا عليهم، فإنهم «عليهم السلام» ، لن يعاملوهم بغير الرفق، لأن همهم ليس هو الإنتقام لأنفسهم، بل حفظ الدين، و نشر أعلامه. .

و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» ، قد حفظ الناس من الجحود


1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 229، و راجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 305، و الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 141، و راجع: ج 2 ص 229، و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 9 و فيه: أن عليا «عليه السلام» سأل أولا عن قبائل الشام، فلما أخبروه اتخذ قراره ذاك.

و العناد، و جنبهم مخاطر إبطان الحقد عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو السعي لتحريف كتاب اللّه، أو الإعلان بالخروج على الدين و أهله، لأن ذلك-لو حصل-سوف يزيد من صعوبة نشر هذا الدين، إن لم يكن سببا في أن يسقط الكيان كله، و لتبطل من ثم جهود الأنبياء، و تطلّ دماء الشهداء. .

فالأخذ بهذا الخيار إذن يجسد رحمة اللّه للناس، و رفقه بهم، و تيسير الإيمان لهم، و لذرياتهم، و لمن يلوذ بهم.

و لعله لأجل ذلك لم يذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن. .

حفظا للقرآن من أن يحرفه من هو أشر و أضر ممن رمى القرآن بالنبل و هو يقول:

تهددني بجبار عنيدفها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشرفقل: يا رب مزقني الوليد

نعم، إنه من أجل ذلك و سواه لم يذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن بصراحة، مع كثرة ذكره للأمور التي صنعها الإمام علي «عليه السلام» ، كآية النجوى، و كتصدّقه بالخاتم حين صلاته و غير ذلك. . و أنزل آيات كثيرة فيه، و منها آية: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . و آية الأمر ببلاغ الرسالة. . و تحدث عن إمامته «عليه السلام» كأساس للدين، و ركز مفهومها، و أوضح معالمها. .

و مما يؤيد حقيقة: أن عدم ذكر اسم الإمام علي «عليه السلام» في القرآن قد جاء وفق سياسة بيانية إلهية. . ما روي بسند صحيح عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، حيث أوضح صلوات اللّه و سلامه عليه هذا المعنى.

و أشار إلى أن ذلك يدخل في السياسة القاضية بحفظ القرآن: وَ إِنّٰا لَهُ

لَحٰافِظُونَ (1). . و الرفق بالأمة، و اللطف بالناس، و تألفهم، و فسح المجال أمام من يلوذ بهم للتأمل، و التدبر، بعيدا عن الموانع، و العقد، و غير ذلك، و الحديث الصحيح الذي نتحدث عنه، يقول:

قيل للإمام الصادق «عليه السلام» ، إن الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليا و أهل بيته «عليهم السلام» في كتاب اللّه عز و جل. .

قال: فقال: قولوا لهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزلت عليه الصلاة، و لم يسم اللّه لهم ثلاثا، و لا أربعا، حتى كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي فسر ذلك لهم، و نزلت عليه الزكاة و لم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم، حتى كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي فسر ذلك لهم. .

و نزلت: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (2). . و نزلت في علي و الحسن و الحسين «عليهم السلام» -فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في علي «عليه السلام» : من كنت مولاه فعلي مولاه. .

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : أوصيكم بكتاب اللّه، و أهل بيتي، فإني سألت اللّه عز و جل أن لا يفرق بينهما، حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك. .

و قال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم.

و قال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم في باب ضلالة. .


1) الآية 12 من سورة يوسف.

2) الآية 59 من سورة النساء.

فلو سكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلم يبين من أهل بيته «عليهم السلام» ، لادّعاها آل فلان، و آل فلان. لكن اللّه عز و جل، أنزله في كتابه تصديقا لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» : إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1). . فكان علي و الحسن و الحسين، و فاطمة «عليهم السلام» فأدخلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحت الكساء في بيت أم سلمة الخ (2). .

خلاصة توضيحية:

و خلاصة ما نريد أن نؤكد عليه هنا هو: أن آية الإكمال قد نزلت قبل آية بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، سواء في النزول الدفعي لسورة المائدة، حيث تقدم: أن الروايات دلت على أن سورة المائدة، قد نزلت دفعة واحدة في عرفات، و فيها آية أمر اللّه تعالى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بنصب علي «عليه السلام» إماما، و آية إكمال الدين مبينة له أن الدين يكمل بهذه الولاية.

و قد حاول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يبين للناس ذلك، فمنع، فكان ينتظر توفر الشرائط و الظروف لذلك، و منها: العصمة الإلهية


1) الآية 33 سورة الأحزاب.

2) هذا الحديث في الكافي ج 1 ص 287 و 288 و تفسير الصافي ج 1 ص 462 و ج 4 ص 188 و ج 6 ص 43 عنه، و عن العياشي، و راجع: نور الثقلين ج 1 ص 502 و ج 4 ص 274 و تفسير فرات ص 111 و كنز الدقائق ج 3 ص 441 و 442 و (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 2 ص 497 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 109 و البحار ج 35 ص 211 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 187.

من كيد الخائنين.

ثم أمره اللّه في منى في مسجد الخيف، فلم يتمكن منه أيضا.

حتى نزلت آية بلغ ما أنزل إليك، و في النزول التدريجي، لتشير له إلى أن الشرائط قد تحققت، و العصمة قد حصلت، فبادر إلى نصب علي «عليه السلام» في يوم الغدير، و تمت الحجة بذلك على الناس جميعا.

النزول على النبي صلّى اللّه عليه و آله قبل الإبلاغ:

و لبيان أن نزول آية الإكمال قبل آية البلاغ إنما هو في النزول الدفعي، لا في التدريجي، نقول:

هناك آيات دلت أو أشارت إلى نزول القرآن دفعة واحدة، فقد قال تعالى: شَهْرُ رَمَضٰانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ (1). .

و قال سبحانه: إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ (2). .

هناك الآيات التي تقول: إن القرآن فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (3). .

وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتٰابِ لَدَيْنٰا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4). .

و قد روى أهل السنة و غير هم: أن القرآن قد نزل أولا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم صار ينزل نجوما (5). .


1) الآية 185 من سورة البقرة.

2) الآية 1 من سورة القدر.

3) الآية 22 من سورة البروج.

4) الآية 4 سورة الزخرف.

5) الإتقان ج 1 ص 39 و 40 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 118 عن الحاكم و البيهقي، و النسائي، و سعيد بن منصور، و ابن أبي حاتم، و ابن أبي شيبة، و الطبراني، و البزار، و المجموع للنووي ج 6 ص 456 و الدر المنثور ج 6 ص 161 و راجع: المغني لابن قدامة ج 3 ص 113 و مجمع الزوائد ج 7 ص 120 و 140 و فتح الباري ج 13 ص 414 و ج 27 ص 153 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 188 و فتح القدير ج 5 ص 163 و مسند ابن الجعد ص 344 و المعجم الأوسط ج 2 ص 131 و المعجم الكبير ج 11 ص 247 و ج 12 ص 35 و التبيان للطوسي ج 2 ص 121 و 224 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 3 ص 818 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 14 و ج 10 ص 405 و تفسير ابن زمنين ج 4 ص 198 و ج 5 ص 149 و تفسير البغوي ج 4 ص 148 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 5 ص 251 و زاد المسير ج 7 ص 112 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 179 و مجمع البحرين للطريحي ج 3 ص 465.

و حكي الإجماع على ذلك (1). .

و هناك روايات تقول: إن القرآن قد نزل أولا جملة واحدة إلى البيت المعمور (2)،


1) راجع: الإتقان ج 1 ص 40 و 44.

2) راجع: الكافي ج 2 ص 629 و الصافي ج 1 ص 64 و 65 و ج 4 ص 403 و ج 6 ص 415 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 166 و 311 و ج 4 ص 620 و ج 5 ص 558 و 624 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 430 و ج 2 ص 11 و الأمالي للصدوق ص 119 و فضائل الأشهر الثلاثة للصدوق ص 87 و البحار ج 9 ص 237 و ج 94 ص 11 و 12 و 25 و الحدائق الناضرة ج 13 ص 449 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 229 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 51 و 52 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 454 و 485 و تفسير العياشي ج 1 ص 80 و تفسير القمي ج 1 ص 66 و ج 2 ص 290 و التفسير الأصفى ج 1 ص 88 و ينابيع المودة ج 3 ص 250 و جامع البيان ج 2 ص 197 و الدر المنثور ج 1 ص 189 و فتح القدير ج 1 ص 184.

الذي هو في السماء الرابعة (1).

و لم ير الشيخ المفيد أنه يمكن الإطمينان إلى صحة هذه الروايات (2). .

و بعض الروايات تحدثت عن نزول القرآن إلى السماء الدنيا (3).


1) علل الشرائع ج 2 ص 407 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 332 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 414 و البحار ج 5 ص 330 و ج 11 ص 111 و ج 17 ص 89 و ج 55 ص 55 و 56 و 57 عن محاسبة النفس لابن طاووس، و تفسير القمي ج 2 ص 331 و سفينة البحار ج 2 ص 277 و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 299 و المحتضر ص 43.

2) راجع كلامه في تصحيح الاعتقاد ص 58.

3) راجع: المجموع ج 6 ص 456 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 113 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 350 و أمالي السيد المرتضى ج 4 ص 161 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 1 ص 230 و 231 و البحار ج 95 ص 4 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 222 و 223 و 368 و 477 و 530 و مجمع الزوائد ج 7 ص 120 و 140 و فتح الباري ج 1 ص 30 و ج 9 ص 3 و ج 13 ص 414 و عمدة القاري ج 1 ص 55 و ج 11 ص 129 و ج 19 ص 308 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 191 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 6 و ج 6 ص 421 و 480 و المعجم الأوسط ج 2 ص 131 و المعجم الكبير ج 11 ص 247 و ج 12 ص 26 و 35 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 191 و ج 17 ص 51 و التبيان ج 2 ص 121 و ج 9 ص 224 و الحاشية على الكشاف للجرجاني ص 3 و تفسير جوامع الجامع ج 1 ص 184 و ج 3 ص 320 و 818 و مجمع البيان ج 2 ص 14 و ج 10 ص 268 و 405 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 179 و تفسير الميزان ج 2 ص 29 و ج 12 ص 127 و ج 19 ص 141.

و قالوا أيضا: إن القرآن قد نزل أولا دفعة واحدة على قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكنه لم يؤمر بتبليغه، و ربما يستأنس لهذا القول ببعض الشواهد (1).

و هذه الروايات و الأقوال. . قد يكون جلها، أو كلها صحيحا، إذا اعتبرنا: أن جلال و عظمة القرآن اقتضت مراتب من النزول له، فنزل إلى اللوح المحفوظ، ثم إلى البيت المعمور، ثم إلى السماء الدنيا. .

ثم يأتي النزول التبليغي للناس، فينزله اللّه في شهر رمضان، على قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم ينزل سورة سورة، ليقرأها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الناس، ثم تنزل الآيات متفرقة، كلما حدث أمر يكون لتلك الآيات نوع ارتباط به. .

متى كانت النبوة:

و إذا كانت نبوة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لم تبدأ حين كان «صلى اللّه عليه و آله» في سن الأربعين، بل هو نبي منذ صغره كما أيده المجلسي بوجوه كثيرة (2).

أو أنه كان نبيا و آدم بين الروح و الجسد (3). .


1) راجع: تفسير الميزان ج 2 ص 18 و تفسير الصافي المقدمة التاسعة، و تاريخ القرآن للزنجاني ص 10.

2) البحار ج 18 من ص 277 إلى ص 281.

3) راجع: الإحتجاج ج 2 ص 248 و الفضائل لابن شاذان ص 34 و البحار ج 15 ص 353 و ج 50 ص 82 و الغدير ج 7 ص 38 و ج 9 ص 287 و مسند أحمد ج 4 ص 66 و ج 5 ص 59 و 379 و سنن الترمذي ج 5 ص 245 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 609 و مجمع الزوائد ج 8 ص 223 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 111 و ج 10 ص 56 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 438 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 347 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 179 و المعجم الأوسط ج 4 ص 272 و المعجم الكبير ج 12 ص 73 و ج 20 ص 353 و الجامع الصغير ج 2 ص 296 و كنز العمال ج 11 ص 409 و 450 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 86 و كشف الخفاء ج 2 ص 129 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 264 عن ابن سعد، و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 392 و 522 عن كتاب النكاح، و عن فيض القدير ج 5 ص 69 و عن الدر المنثور ج 5 ص 184 و فتح القدير ج 4 ص 267 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 148 و ج 7 ص 59 و التاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 274 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 300 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 169 و ج 7 ص 37 و عن أسد الغابة ج 3 ص 132 و ج 4 ص 426 و ج 5 ص 377 و تهذيب الكمال ج 14 ص 360 و سير أعلام النبلاء ج 7 ص 384 و ج 11 ص 110 و ج 13 ص 451 و من له رواية في مسند أحمد ص 428 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 148 و عن الإصابة ج 6 ص 181 و المنتخب من ذيل المذيل ص 66 و تاريخ جرجان ص 392 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 226 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 275 و 276 و 392 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 166 و عن عيون الأثر ج 1 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 288 و 289 و 317 و 318 و دفع الشبه عن الرسول ص 120 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 79 و 81 و 83 و ج 2 ص 239 و عن ينابيع المودة ج 1 ص 45 و ج 2 ص 99 و 261.

و أنه كان من المرسلين قبل خلق الخلق بألفي عام (1).


1) الدر المنثور ج 5 ص 258 عن ابن مردويه.

و كان اللّه سبحانه قد خلقه قبل الخلق بألف دهر، و أشهده خلق كل شيء، كما في بعض الروايات (1). .

ثم جعله نورا محدقا بالعرش-عرش القدرة-ليطلع على المزيد من جلال و عظمة و قدرة و ملك اللّه سبحانه، و ذلك تكريما منه تعالى له، و تجلة و شرفا استحقه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان له أهلا (2).

و من خلال هذا الإشراف، و ذلك المقام، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» يكون قد نال من المعارف الإلهية ما يليق بمقام النبوة الخاتمة، التي هي أعظم مقام. .


1) راجع الكافي ج 1 ص 441 و البحار ج 15 ص 19 و ج 25 ص 340 و ج 54 ص 12 و 66 و 195 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 103 و ج 8 ص 327 و التفسير الصافي ج 3 ص 247 و المحتضر ص 285 و حلية الأبرار ج 1 ص 18. و شرح أصول الكافي ج 7 ص 147 و راجع كتاب: براءة آدم ص 41-45 و كتاب مختصر مفيد ج 8 ص 23-26 ففيهما أحاديث أخرى. .

2) راجع: البحار ج 15 ص 11 و 14 و 23 و 24 و ج 22 ص 148 و ج 25 ص 4 و 15 ص 24 و ج 38 ص 80 و ج 51 ص 144 عن إكمال الدين ص 162 و 163 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 335 و عن رياض الجنان (مخطوط) و راجع: الصراط المستقيم ج 2 ص 134 و إعلام الورى ج 2 ص 197 و راجع: معاني الأخبار ص 351 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 169 ج 3 ص 164 و ج 6 ص 482 و ينابيع المودة ج 1 ص 422 و منتخب الأنوار المضيئة للسيد بهاء الدين النجفي ص 345 و مشارق أنوار اليقين للبرسي ص 59 و علل الشرائع ج 1 ص 161 و 174 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 377 و مختصر بصائر الدرجات ص 176 و كتاب الغيبة للنعماني ص 91 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين ص 112 و المحتضر ص 128 و التفسير الصافي ج 1 ص 27.

و من خلال نبوته الخاتمة هذه، فإن اللّه سبحانه يطلعه على غيبه، و يكشف اللوح المحفوظ له «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكون بذلك قد علم بالقرآن قبل إنزاله إليه للتبليغ على يد جبرئيل «عليه السلام» . .

و لعل هذا يفسر لنا حقيقة أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين كان ينزل عليه القرآن في المرة التالية، كان يسبق جبرئيل «عليه السلام» بالقراءة، ليشير لنا إلى معرفته به، فقد قال اللّه تعالى له: وَ لاٰ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ (1). .

و قال: لاٰ تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنٰا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (2). .

أي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف القرآن قبل هذا النزول، إما باطلاعه على اللوح المحفوظ، أو بإيداع القرآن في قلبه سابقا بواسطة جبرئيل «عليه السلام» ، أو بواسطة الوحي الإلهامي. .

فأراد اللّه سبحانه أن يعرف الناس بأن هذا النزول ليس هو النزول الأول، بل هو نزول اقتضته مصالح العباد في هدايتهم و إرشادهم، و في تربيتهم بالصورة المناسبة لحالهم. .

النزول لأجل هداية الناس:

و حين يريد اللّه سبحانه أن يوصل القرآن إلى الناس، فإنه يستفاد من الروايات: أن ذلك كان يتم عبر إنزاله مرتين، فيكون له نزولان بالنسبة إليهم. .


1) الآية 114 من سورة طه.

2) الآيات 16-18 من سورة القيامة.

و هما نزول السورة بتمامها مرة واحدة أو أكثر. . و النزول التدريجي لها مرة ثانية. و سنورد بعض الشواهد لكلا هذين القسمين فيما يلي من صفحات، فنقول:

نزول السورة بتمامها:

فقد ورد في الروايات: أن سورة المائدة، و الأنعام، و يونس، و التوبة، و الكهف، و بضعا و ثمانين آية من أول سورة آل عمران، و جميع سور المفصل. . بل أكثر سور القرآن، ربما باستثناء سورتين أو ثلاث-كالبقرة و آل عمران-إن جميع ذلك قد نزل سورة سورة. .

و قد قال تعالى في أول سورة النور: سُورَةٌ أَنْزَلْنٰاهٰا وَ فَرَضْنٰاهٰا . . مع أن الأحداث التي ذكرت سببا لنزول آياتها مختلفة و متفرقة. .

و قال تعالى أيضا: وَ إِذٰا مٰا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زٰادَتْهُ هٰذِهِ إِيمٰاناً (1). . فإنهم كانوا يقولون ذلك بمجرد فراغه «صلى اللّه عليه و آله» ، من تلاوة القرآن عليهم، و لم يكن القائلون ينتظرون الأيام و الليالي، حتى إذا اكتمل نزول السورة التدريجي قالوا ذلك. .

بل إنه حتى حين كانت تنزل آيات السورتين أو الثلاث تدريجا، فإن المقصود هو أن تنزل بتمامها ضمن مدة شهر مثلا. . ثم تبدأ سورة أخرى بالنزول. .

و ليس المقصود أن ينزل بعض السورة، ثم ينزل بعض من غيرها، ثم


1) الآية 124 من سورة التوبة.

ينزل ما يكمل السورة الأولى مثلا. . فإن هذا مما دلت النصوص على خلافه، خصوصا تلك التي تقول: إنهم كانوا يعرفون انتهاء السورة و ابتداء غيرها بنزول: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ . .

لو كان لا بد من الانتظار:

نضيف إلى ما تقدم: أن السورة القرآنية كانت تؤخذ من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكتبها الناس في مصاحفهم، و يحفظونها، و يقرؤونها في صلواتهم. . و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرشدهم إلى مواضع استحباب قراءتها. . و إلى كيفية القراءة، و أوقاتها، و حالاتها و مواردها. .

و كانت السور تعرف بأسمائها في عهده «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسافر بها أهل القبائل إلى منتجعاتهم، و أهل البلاد و القرى إلى بلادهم و قراهم. .

و لم يكونوا ينتظرون زيادة شيء فيها، و لا كانوا يسألون عن هذه الزيادة، كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرسل إليهم طالبا منهم إضافة شيء إلى أية سورة كانوا قد حملوها عنه، و أخذوها منه. .

و لو أن الباب كان قد بقي مفتوحا على التبديل و التعديل، لكان علينا أن نشهد و أن نقرأ في التاريخ الكثير من موارد السؤال عن الزيادة أو الإخبار عنها، و بها لهذا الصحابي، و لذاك إلى حين وفاته «صلى اللّه عليه و آله» . .

نزول السورة مرتين:

و كانت بعض السور التي تنزل دفعة واحدة كما قلنا، تنزل نفسها مرة أخرى دفعة واحدة أيضا. . كما هو الحال في سورة الإخلاص، التي نزلت في

مكة مرة، و في المدينة أخرى، و كذلك سورة الفاتحة. . فقد نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة، و مرة بالمدينة لما حولت القبلة (1). .

نزول الآية أيضا مرتين:

و كما كانت السورة تنزل أكثر من مرة، كانت الآية تنزل أكثر من مرة أيضا. . و قد رووا ذلك في العديد من الموارد، مثل خواتيم سورة النحل، و أول سورة الروم، و آية الروح، و قوله تعالى: وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ (2). . فإن سورتي الإسراء و هود مكيتان، و سبب نزولهما يدل على أنهما نزلتا في المدينة. .

قال الزركشي: و لهذا أشكل ذلك على بعضهم، و لا إشكال، لأنها نزلت مرة بعد مرة (3). .

و قد صرحوا: بأن مما يدخل في هذا السياق: أنه قد تنزل الآية لأجل سبب بعينه، ثم يتجدد سبب آخر، فيقتضي نزولها مرة أخرى. .


1) راجع: الإتقان ج 1 ص 35، و الدر المنثور ج 1 في تفسير سورة الفاتحة و ج 6 في تفسير سورة الإخلاص، فإنه قد روى ذلك عن مصادر كثيرة. و راجع أيضا: شرح أصول الكافي لملا صالح المازندراني ج 1 ص 463 و فتح الباري ج 8 ص 121 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 228 و مجمع البيان ج 1 ص 47 و البيان للسيد الخوئي ص 418.

2) الآية 114 من سورة هود.

3) البرهان للزركشي ج 1 ص 29 و الإتقان ج 1 ص 35 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 104 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 394.

و قد مثلوا لذلك: 1-بقوله تعالى: فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ (1). . فقد زعموا-كذبا و زورا-: أنها نزلت في النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما غضب لتمثيل المشركين بعمه حمزة، فتوعدهم بالتمثيل بسبعين (أو بثلاثين) منهم (2).

و لعل الصحيح هو ما روي عن الإمام الحسن «عليه السلام» من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لأقتلن سبعين رجلا، قال «عليه السلام» : إنما أحب اللّه جل اسمه أن يجعل ذلك سنة في المسلمين، فإنه لو قتل بكل شعرة من عمه حمزة سبعين رجلا من المشركين، ما كان في قتله حرج (3).

و إذا أردنا أن نحسن الظن ههنا، فإننا نقول: لعل من قرأها قد قرأها على سبيل التصحيف «لأمثلنّ» لتقارب الرسم بين الكلمتين، و هذا كلام


1) الآية 126 من سورة النحل.

2) الإتقان ج 1 ص 33 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 98 و المعجم الكبير ج 11 ص 52 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 250 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 135 و (ط دار الكتب العلمية) ص 121 و الدر المنثور ج 4 ص 135 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 192 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 168 و الوافي بالوفيات ج 13 ص 104 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 208 و زاد المسير ج 4 ص 370 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 180 و أسد الغابة ج 2 ص 48 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 14 و راجع: تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 244 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 296 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 161 و راجع: تفسير العياشي ج 2 ص 275 و تفسير القمي ج 1 ص 123.

3) البحار ج 78 ص 395 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 257 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 309 و راجع: تفسير نور الثقلين ج 3 ص 96 و الهداية الكبرى للخصيبي ص 346.

صحيح في نفسه، و ليس فيه إشكال. و إن كان ذلك بعيدا، فإن الظاهر: أنهم في أكثر الموارد قد تناقلوها على سبيل الرواية، لا قراءة من كتاب.

و نزلت أيضا في الأنصار في حرب أحد، لنفس السبب (1).

2-مثلوا له أيضا بقوله تعالى: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ (2).

فزعموا-كذبا وزورا-: أنها نزلت في استغفار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي طالب «عليه السلام» (3).


1) الإتقان ج 1 ص 33 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 376 و مسند أحمد ج 5 ص 135 و سنن الترمذي ج 4 ص 362 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 359 و ج 2 ص 446 و فتح الباري ج 7 ص 286 و المعجم الكبير ج 3 ص 144 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 239 و موارد الظمآن ج 5 ص 314 و كنز العمال ج 2 ص 451 و الدر المنثور ج 4 ص 135 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 223 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 210 و فتح القدير ج 3 ص 205.

2) الآية 113 من سورة التوبة.

3) مسند أحمد ج 5 ص 433 و صحيح البخاري ج 2 ص 98 و ج 5 ص 208 و ج 6 ص 18 و صحيح مسلم ج 1 ص 40 و سنن النسائي ج 4 ص 91 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 336 و فتح الباري ج 8 ص 256 و عمدة القاري ج 8 ص 180 و ج 18 ص 276 و ج 19 ص 105 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 394 و 401 و السنن الكبرى ج 1 ص 655 و ج 6 ص 359 و 425 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 39 و صحيح ابن حبان ج 3 ص 262 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 210 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 289 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 105 و جامع البيان ج 11 ص 57 و ج 20 ص 113 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 228 و تفسير البغوي ج 2 ص 331 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 591 و زاد المسير ج 3 ص 345 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 272 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 407 و ج 3 ص 406 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 126 و (ط دار الكتب العلمية) ص 113 و فتح القدير ج 2 ص 411 و تفسير الآلوسي ج 11 ص 33 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 422 و ج 41 ص 231 و ج 58 ص 181 و 182 و 183 و ج 66 ص 332 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 7 ص 199 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 230 و البداية و النهاية ج 3 ص 153 و عيون الأثر ج 1 ص 172 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 126.

و زعموا-كذبا و زورا أيضا-: أنها نزلت في والدة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و زعموا كذلك: أنها نزلت في رجل استغفر لأبويه، كما رواه الترمذي (2). .


1) فتح الباري ج 8 ص 390 و جامع البيان ج 11 ص 58 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 100 و معاني القرآن للنحاس ج 3 ص 260 و تفسير البغوي ج 2 ص 331 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 127 و (ط دار الكتب العلمية) ص 114 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 107.

2) مسند أحمد ج 1 ص 99 و 130 و سنن الترمذي ج 4 ص 344 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 106 و عمدة القاري ج 8 ص 182 و كنز العمال ج 2 ص 421 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1893 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 90 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 407 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 98 و الدر المنثور ج 3 ص 282 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 126 و (ط دار الكتب العلمية) ص 113 و فتح القدير ج 2 ص 411.

غير أن ما يهمنا هنا هو تصريحهم بأن الآية و السورة قد تنزل أكثر من مرة لأسباب مختلفة. .

3-قالوا: إن آية بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ قد نزلت مرتين أيضا: مرة في مكة، و مرة في المدينة (1). .

4-قالوا: إن سورة الفاتحة نزلت مرتين أيضا: مرة في مكة، و مرة في المدينة (2). .

5-احتمل سبط ابن الجوزي، و غيره: أن آية: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . قد نزلت مرتين: في عرفة، و في غدير خم (3). .

6-قالوا: إن آية: تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ قد نزلت مرتين، كما نقله الحافظ ابن حجر (4).


1) راجع: تذكرة الخواص ص 30.

2) راجع: عمدة القاري ج 19 ص 11 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 1 ص 47 و ج 6 ص 129 و شرح أصول الكافي ج 10 ص 463 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 228 و تفسير البغوي ج 1 ص 37 و تفسير السمعاني ج 1 ص 31 و تفسير البغوي ج 3 ص 57 و زاد المسير ج 4 ص 303 و التفسير الكبير ج 19 ص 207 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 9 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 41 و 150 و البرهان للزركشي ج 1 ص 29 و فتح القدير ج 1 ص 15 و تفسير الآلوسي ج 1 ص 38 و ج 14 ص 79.

3) تذكرة الخواص ص 30 و شرح أصول الكافي لملا صالح المازندراني ج 11 ص 278 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 301.

4) تفسير الميزان ج 3 ص 267 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 379.

7-قالوا: إن آية: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً قد نزلت مرتين (1).

8-قالوا: إن آية: الم غُلِبَتِ اَلرُّومُ قد نزلت مرتين (2).

9-قالوا: إن آية: . . تَكُونُ لَنٰا عِيداً لِأَوَّلِنٰا وَ آخِرِنٰا وَ آيَةً مِنْكَ وَ اُرْزُقْنٰا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ قد نزلت مرتين (3).

10-قالوا أيضا: إن آية اللعان قد تكون نزلت مرتين (4). .

11-و قالوا أيضا عن آية الجزية: إنها يحتمل أن تكون قد نزلت مرتين (5).

12-و قالوا ذلك أيضا عن خواتيم سورة النحل (6).

13-و قالوا: إن سورة الحجر نزلت مرتين (7).

14-و قالوا: إن سورة الأنعام نزلت مرتين أيضا (8).

15-و قالوا: إن سورة الكوثر نزلت مرتين (9).


1) تفسير الآلوسي ج 15 ص 153 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 379.

2) تفسير الآلوسي ج 21 ص 19.

3) جامع البيان للطبري ج 7 ص 177.

4) لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 15 و (ط دار الكتب العلمية) ص 5.

5) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 379.

6) تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 379.

7) راجع: فتح الباري ج 8 ص 121.

8) راجع: تفسير الآلوسي ج 7 ص 76.

9) راجع: تفسير الآلوسي ج 30 ص 244.

16-و قالوا: إن سورة المرسلات نزلت مرتين أيضا (1).

النزول التدريجي للآيات:

و قد ذكر اللّه سبحانه نزول آيات القرآن بصورة تدريجية في قوله تعالى: وَ قٰالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاٰ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وٰاحِدَةً كَذٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤٰادَكَ وَ رَتَّلْنٰاهُ تَرْتِيلاً (2).

و قال تعالى: وَ قُرْآناً فَرَقْنٰاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنّٰاسِ عَلىٰ مُكْثٍ وَ نَزَّلْنٰاهُ تَنْزِيلاً (3).

فإنه و إن كان نزول القرآن سورة سورة يكفي في صحة القول بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقرؤه على مكث، و بأن اللّه تعالى قد فرقه، و بأنه لم ينزل جملة واحدة. .

و لكن الظاهر من الروايات المتواترة أن آياته كانت تنزل أيضا متفرقة، وفق ما يستجد من أحداث. .

و ذلك بعد أن تنزل السورة بكاملها أولا.

و نذكر من الشواهد على ذلك، ما يلي:

شواهد و أدلة:

ألف: إن سورة الأنعام قد نزلت جملة واحدة بمكة، و قد شيعها سبعون


1) راجع: الفتوحات المكية لابن العربي ج 2 ص 507.

2) الآية 32 من سورة الفرقان.

3) الآية 106 من سورة الإسراء.

ألف ملك (1). .

و الروايات تقول أيضا: إن آيات هذه السورة قد نزلت في مناسبات مختلفة، و نذكر من ذلك على سبيل المثال ما يلي:

1-عن ابن إسحاق، قال: مر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، و أمية بن خلف، و أبي جهل بن هشام، فهمزوه و استهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل اللّه: وَ لَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ


1) راجع: الكافي ج 2 ص 622 و ثواب الأعمال الصدوق ص 105 و شرح أصول الكافي ج 11 ص 63 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 6 ص 230 و (ط دار الإسلامية) ج 4 ص 873 و المصباح للكفعمي ص 441 و البحار ج 89 ص 274 و 275 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 471 و التفسير الأصفى ج 1 ص 357 و تفسير العياشي ج 1 ص 354 و 383 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 4 ص 6 و 306 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 696 و 778 و ج 3 ص 241 و التفسير الصافي ج 2 ص 178 و جامع أحاديث الشيعة ج 15 ص 94 و البرهان للزركشي ج 1 ص 199 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 419 و الدر المنثور ج 3 ص 2 و 3 و 4 و التفسير الكبير للرازي ج 12 ص 141 و الإتقان ج 1 ص 37 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 111 عن ابن الضريس، و أبي عبيدة و ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و الحاكم، و أبي الشيخ، و البيهقي في شعب الإيمان، و السلفي في الطيوريات، و الإسماعيلي في معجمه، و الخطيب في تاريخه، و عبد الرزاق، و الفريابي، و عبد بن حميد، و غيرهم، عن ابن عباس، و ابن مسعود، و أسماء بنت يزيد الأنصارية، و ابن عمر، و أنس، و جابر، و عن الإمام علي «عليه السلام» ، و عن أبي بن كعب، و مجاهد، و محمد بن المكندر، و عطاء، و غيرهم.

فَحٰاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مٰا كٰانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (1)» (2). .

2-عن ابن إسحاق، قال: لما دعا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قومه للإسلام، قال له زمعة بن الأسود، و النضر بن الحارث، و عبدة بن عبد يغوث، و أبي بن خلف، و العاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس، و يرى معك. فأنزل اللّه في ذلك من قولهم: وَ قٰالُوا لَوْ لاٰ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ (3)» (4). .

3-عن الإمام علي «عليه السلام» قال: قال أبو جهل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إنا لا نكذبك، و لكن نكذب بما جئت به، فأنزل اللّه: فَإِنَّهُمْ لاٰ يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ اَلظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ يَجْحَدُونَ (5)» (6). .


1) الآية 41 من سورة الأنبياء.

2) الدر المنثور ج 3 ص 5 عن ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و فتح القدير ج 2 ص 102 و البداية و النهاية ج 3 ص 130 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 266 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 85.

3) الآية 8 من سورة الأنعام.

4) الدر المنثور ج 3 ص 5 عن ابن المنذر و ابن أبي حاتم، و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1265 و فتح القدير ج 2 ص 102 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 96 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 266.

5) الآية 33 من سورة الأنعام.

6) الدر المنثور ج 3 ص 9 و 10 عن الترمذي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و الحاكم و صححه، و الضياء في المختارة و ابن مردويه. و عن أبي ميسرة كما رواه عبد بن حميد، و ابن المنذر و ابن مردويه، و سنن الترمذي ج 4 ص 326 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 315 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 417 و 418 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 145 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 134 و تفسير البيضاوي ج 2 ص 404 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 100 و (ط دار الكتب العلمية) ص 88 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 416 و زاد المسير ج 3 ص 21 و تفسير النسفي ج 1 ص 320 و تفسير البغوي ج 2 ص 94 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 145 و كنز العمال ج 2 ص 409 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1282 و علل الدار قطني ج 4 ص 143 و 144 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 1 ص 30 و 134 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 136 و فتح القدير ج 2 ص 113 و تفسير أبي السعود ج 3 ص 127 و جامع البيان ج 7 ص 240 و راجع: تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 4 ص 43.

و عن أبي صالح قال: كان المشركون إذا رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال بعضهم لبعض، فيما بينهم: إنه لنبي، فنزلت هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاٰ يُكَذِّبُونَكَ (1)» (2). .

4-عن ابن مسعود، قال: مر الملأ من قريش على النبي «صلى اللّه عليه


1) الآية 33 من سورة الأنعام.

2) الدر المنثور ج 3 ص 10 عن أبي الشيخ، و راجع: البحار ج 9 ص 202 و ج 18 ص 157 و 183 و ج 68 ص 60 و 87 و بشارة المصطفى للطبري ص 304 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 465 و الكافي ج 2 ص 88 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 262 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 207 و جامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 249 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 62 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 149 و نهج السعادة للمحمودي ج 7 ص 289 و تفسير القمي ج 1 ص 197 و التفسير الصافي ج 2 ص 117 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 711 و ج 4 ص 232 و ج 5 ص 117.

و آله» و عنده صهيب و عمار، و بلال، و خباب، و نحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء. .

إلى أن قال: فأنزل اللّه فيهم القرآن: وَ أَنْذِرْ بِهِ اَلَّذِينَ يَخٰافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلىٰ رَبِّهِمْ . . إلى قوله: وَ اَللّٰهُ أَعْلَمُ بِالظّٰالِمِينَ (1)» (2). .

و لنا تساؤل حول ذكر صهيب، فقد وردت في ذمه روايات، قدمنا بعضها في بعض فصول هذا الكتاب (3).

و في نص آخر عن عكرمة قال-ما ملخصه-: مشى عتبة و شيبة، و قرضة بن عبد عمرو و غيرهم إلى أبي طالب، و طلبوا منه أن يطرد أولئك الضعفاء من حوله. . و قال له عمر: لو فعلت يا رسول اللّه، حتى ننظر ما يريدون بقولهم، و ما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل اللّه: وَ أَنْذِرْ بِهِ اَلَّذِينَ يَخٰافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا . .

إلى أن قال: و نزلت في أئمة الكفر من قريش و الموالي و الحلفاء، وَ كَذٰلِكَ


1) الآيات 51-58 سورة الأنعام.

2) مسند أحمد ج 1 ص 420 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 101 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 88 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 196 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 2 ص 22 و تاريخ مدينة دمشق ج 24 ص 222 و فتح القدير ج 2 ص 121 و مجمع الزوائد ج 7 ص 21 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 139 و الدر المنثور ج 3 ص 12 عن أحمد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم و الطبراني، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و أبي نعيم في الحلية.

3) راجع: قاموس الرجال للمحقق التستري، و تنقيح المقال للمحقق المماقاني، ترجمة صهيب.

فَتَنّٰا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا الآية. فلما نزلت، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل اللّه: وَ إِذٰا جٰاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِنٰا فَقُلْ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ. . (1)» (2). .

و نحن و إن كنا نسجل العديد من الإشكالات على هذه الرواية أيضا، فإننا نقول:

إن ذلك لا يضر في ما نريد أن نثبته، لأنها دلت على أنهم يرون أن الآيات كانت تنزل مرة ثانية بعد نزولها في ضمن سورتها التي نزلت دفعة واحدة.

5-عن خباب قال ما ملخصه: جاء الأقرع بن حابس، و عيينة بن حصن، فوجدا النبي «صلى اللّه عليه و آله» قاعدا مع بلال و صهيب، و عمار و خباب، و غيرهم من ضعفاء المؤمنين. فخلوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل لهم مجلسا منه لا يكون فيه أولئك، فأجابهم إلى ذلك، فقالوا: «فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة، و دعا عليا «عليه السلام» ليكتب، و نحن قعود في ناحية، إذ نزل جبرئيل بهذه الآية: وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ


1) الآية 54 من سورة الأنعام.

2) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 101 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 89 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 159 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 140 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 471 و جامع البيان ج 7 ص 265 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 376 و ج 60 ص 156 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 2 ص 460 و تفسير الميزان ج 7 ص 109.

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ . . إلى قوله: فَقُلْ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ . .

فألقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصحيفة من يده، ثم دعانا، و هو يقول: سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ . . فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام و تركنا. فأنزل اللّه: وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (1). .

قال: فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا و تركناه حتى يقوم. .

و هذا معناه: أن الآية قد نزلت مرة أخرى في المدينة (2). . بعد أن كانت قد نزلت في ضمن السورة التي نزلت دفعة واحدة، غير أننا نشك في صحة هذه الرواية أيضا لأسباب كثيرة، منها: أنها تذكر أن النبي «صلى اللّه عليه


1) الآية 28 من سورة الكهف.

2) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن ابن أبي شيبة، و أبي يعلى، و ابن ماجة، و أبي نعيم في الحلية، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، و المعجم الكبير ج 4 ص 76 و 438 و جامع البيان ج 7 ص 263 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 438 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 432 زاد المسير ج 3 ص 32 و تفسير البغوي ج 2 ص 99 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 149 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 447 و ج 24 ص 223 و ج 34 ص 230 و البداية و النهاية ج 6 ص 64 و راجع: البحار ج 22 ص 33 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1382 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 564 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1297.

و آله» أراد أن يكتب كتابا بأمر يرفضه دينه و عقله، و وجد أنه يظلم به بعض الناس لا لشيء إلا لكونهم ضعفاء، و فقراء، و مؤمنين. لصالح أناس ظالمين، و منحرفين، و مشركين.

و منها: ذكره لبعض من لا تنطبق عليه الآية، إذ لم يكونوا ممن يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه.

و ثمة إشكالات أخرى على هذه الرواية أيضا. .

و في نص آخر: عن عمر بن عبد اللّه بن المهاجر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان أكثر ما يصلي نافلته عند اسطوان التوبة. و كان إذا صلى الصبح انصرف إليها و قد سبق إليها الضعفاء و المساكين و الضيفان، و المؤلفة قلوبهم و غيرهم؛ فيتحلقون حول النبي «صلى اللّه عليه و آله» حلقا بعضها دون بعض. فينصرف إليهم و يتلو عليهم ما أنزل اللّه عليه في ليلته، و يحدثهم، حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول و الشرف و الغنى، فلا يجدون إليه مخلصا. فتاقت أنفسهم إليه، و تاقت نفسه إليهم، فأنزل اللّه: وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ . . إلى منتهى الآيتين. .

فلما نزل ذلك فيهم قالوا له: لو طردتهم عنا و نكون من جلساءك و إخوانك و لا نفارقك، فأنزل اللّه: وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ » (1). .

و هذا معناه: أن الآية قد نزلت في المدينة، و سورة الأنعام قد نزلت


1) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن الزبير بن بكار في أخبار المدينة، و خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ج 1 ص 116.

دفعة واحدة في مكة. .

و عن سعد بن أبي وقاص، قال: نزلت هذه الآية في ستة: أنا و عبد اللّه بن مسعود، و بلال، و رجل من هذيل، و اثنين، قالوا: يا رسول اللّه، اطردهم، فإننا نستحي أن نكون تبعا لهؤلاء، فوقع في نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما شاء اللّه أن يقع، فأنزل اللّه: وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ إلى قوله: أَ لَيْسَ اَللّٰهُ بِأَعْلَمَ بِالشّٰاكِرِينَ » (1). .

علما بأننا لا نصدق دعوى سعد بن أبي و قاص: أنه كان في جملة من نزلت الآية فيهم، لأن ممارسات و مواقف هؤلاء لا تتلاءم مع مضمون الآية الكريمة، يضاف إلى ذلك: أن تصريح الرواية بأنه قد وقع طلب المشركين في نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا شك في أنه مكذوب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و هناك روايات عديدة أخرى كلها تصب في هذا الإتجاه (2). .

6-عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالوا: إنا


1) الدر المنثور ج 3 ص 13 عن الفريابي، و أحمد، و عبد بن حميد، و مسلم، و النسائي، و ابن ماجة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و الحاكم، و أبي نعيم في الحلية، و البيهقي في الدلائل، و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1296 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 429 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 146.

2) راجع ما رواه في الدر المنثور ج 3 ص 13 و 14 عن مجاهد، و الربيع بن أنس. و رواها عن ابن عساكر، و عبد بن حميد، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن أبي شيبة، و ابن المنذر، و ابن جرير، فراجع. .

أصبنا ذنوبا عظاما، فما رد عليهم شيئا، فانصرفوا، فأنزل اللّه: وَ إِذٰا جٰاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِنٰا . . فدعاهم، فقرأها عليهم (1).

7-عن زيد بن أسلم، قال: لما نزلت: قُلْ هُوَ اَلْقٰادِرُ عَلىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذٰاباً (2). . قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف. .

فقالوا: و نحن نشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك رسول اللّه؟ ! . .

قال: نعم.

فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبدا.

فأنزل اللّه: اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ (3)» (4). .

8-عن ابن جريج قال ما ملخصه: كان المشركون يجلسون إلى النبي


1) الدر المنثور ج 3 ص 14 عن الفريابي، و عبد بن حميد، و مسدد في مسنده، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و تفسير الثوري ص 107 و جامع البيان ج 7 ص 271 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1300 و أسباب نزول الآيات ص 147 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 472 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 102 و (ط دار الكتب العلمية) ص 89 و فتح القدير ج 2 ص 121.

2) الآية 65 سورة الأنعام.

3) الآيتان 65 و 66 من سورة الأنعام.

4) الدر المنثور ج 3 ص 20 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و جامع البيان ج 7 ص 294 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1312 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 148 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 102 و (ط دار الكتب العلمية) ص 90.

«صلى اللّه عليه و آله» ، فإذا سمعوا منه استهزؤوا، فنزلت: وَ إِذٰا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ (1). . فجعلوا إذا استهزؤوا قام، فحذروا، و قالوا: لا تستهزؤوا فيقوم، فذلك قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أن يخوضوا فيقوم. . و نزل: فَلاٰ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرىٰ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظّٰالِمِينَ وَ مٰا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (2)» (3).

9-عن ابن عباس في حديث. . : «قالت اليهود: يا محمد، أنزل اللّه عليك كتابا؟ !

قال: نعم.

قالوا: و اللّه، ما أنزل اللّه من السماء كتابا.

فأنزل اللّه: قُلْ يا محمد، مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ اَلَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ (4). .» (5).


1) الآية 68 سورة الأنعام.

2) الآيتان 68 و 69 سورة الأنعام.

3) الدر المنثور ج 3 ص 20 و 21 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و راجع ما رواه في الدر المنثور ج 3 ص 21 عن أبي الشيخ عن مقاتل، و جامع البيان ج 7 ص 298 و 299 و تفسير الميزان ج 7 ص 153.

4) الآية 91 من سورة الأنعام.

5) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البحار ج 9 ص 89 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1341 و 1342 و تفسير البغوي ج 2 ص 114 و فتح القدير ج 2 ص 141 و زاد المسير ج 3 ص 57 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 147 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 168 و جامع البيان ج 7 ص 348 و تفسير الميزان ج 7 ص 304 و تفسير مجمع البيان ج 4 ص 108.

و واضح: أن التعاطي مع اليهود و الاحتجاج عليهم، إنما كان في المدينة بعد الهجرة، مع ملاحظة أن للآية مناسبة خاصة نزلت فيها، مما يدل على أن هذا قد كان نزولا آخر لها غير نزولها في ضمن السورة. .

10-و في نص آخر، عن سعيد بن جبير: أنها نزلت في مالك بن الصيف حينما ناشده النبي «صلى اللّه عليه و آله» هل يجد في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين؟ ! ، فغضب. (و كان حبرا سمينا) فأنكر، و قال: و اللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقال له أصحابه: و يحك، و لا على موسى؟ .

قال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فأنزل اللّه: وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ (1)» (2). .

11-و عن محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو محتب. فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء، كما جاء به موسى ألواحا؟ ! . .

فأنزل اللّه: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتٰابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتٰاباً مِنَ اَلسَّمٰاءِ (3). .

فجثا رجل من اليهود، فقال: ما أنزل اللّه عليك، و لا على موسى، و لا على عيسى، و لا على أحد شيئا.


1) الآية 91 من سورة الأنعام.

2) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 443 و راجع: تفسير الثعالبي ج 2 ص 492 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 147.

3) الآية 153 من سورة النساء.

فأنزل اللّه: وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ » (1). .

و هناك رواية أخرى عن محمد بن كعب في شأن نزول هذه الآية، فراجع. .

و الكلام فيها كالكلام السابق، و هي أن مناقشاته «صلى اللّه عليه و آله» ، مع اليهود قد كانت في المدينة لا في مكة. و أنه حتى لو كان ذلك قد حصل في مكة، فهو أيضا يدل على أن للآية نزولا آخر غير نزولها في ضمن السورة (2).

12-قد نزلت آية: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً أَوْ قٰالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قٰالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ (3). . في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح. . الذي كان يكتب القرآن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم فر إلى مكة فسألوه عن ذلك، فادّعى أنه كان يكتب كيف شاء (4). .


1) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن ابن جرير، و جامع البيان ج 7 ص 348 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 168 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 401.

2) الدر المنثور ج 3 ص 29 عن أبي الشيخ، و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 147.

3) الآية 93 من سورة الأنعام.

4) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 30 عن الحاكم في المستدرك، و عن ابن أبي حاتم، عن شر حبيل بن سعد، و عن السدي، و البحار ج 22 ص 34 و البحار ج 89 ص 35 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 444 و الفتح السماوي للمناوي ج 2 ص 613 و تفسير القمي ج 1 ص 210 و التبيان ج 4 ص 202 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 745 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 335 و جامع البيان ج 7 ص 354 و 355 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1346 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 458 و تفسير السمعاني ج 2 ص 126 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 148 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 103 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 90 و فتح القدير ج 2 ص 141 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 222 و الإصابة (ط دار الكتاب العلمية) ج 1 ص 562.

و في نصوص أخرى أنها نزلت في مسيلمة الكذاب (1). .

و ربما يحمل ذلك على تعدد نزولها.

و في جميع الأحوال نقول: إن ذلك إنما كان في المدينة بعد الهجرة، فهو نزول آخر للآية، حسبما ألمحنا إليه. .

13-و تذكر بعض الروايات: أن آية: وَ لاٰ تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ


1) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 30 عن عبد بن حميد و ابن المنذر، و ابن جرير، و أبي الشيخ عن ابن جريج، و قتادة، و عكرمة، و جامع البيان للطبري ج 7 ص 354 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1346 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 487 و ج 2 ص 108 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 169 و تفسير ابن زمنين ج 2 ص 84 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 458 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 335 و البحار ج 22 ص 34 و التبيان للطوسي ج 4 ص 202 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 1 ص 593 و تفسير النسفي ج 1 ص 335 و تفسير العز بن عبد السلام ج 1 ص 450 و زاد المسير ج 3 ص 59 و تفسير البغوي ج 2 ص 115 و تفسير الواحدي ج 1 ص 365 و أسباب نزول الآيات ص 148 و تفسير القرطبي ج 7 ص 39 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 162 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 47 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 103 و (ط دار الكتاب العلمية) ص 90 و فتح القدير ج 2 ص 141 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 222 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 574.

دُونِ اَللّٰهِ فَيَسُبُّوا اَللّٰهَ (1). . قد نزلت حين مشت قريش إلى أبي طالب «عليه السلام» ، و كلمته في أمر ابن أخيه، ثم طلبوا منه أن يكف عن شتم آلهتم، و إلا فسوف يشتمونه، و يشتمون من أمره (2). .

و هذا معناه: أن للآية مناسباتها الخاصة التي أوجبت نزولها فيها أيضا.

يضاف إلى نزولها في ضمن السورة.

14-قالوا: إن آية: وَ أَقْسَمُوا بِاللّٰهِ جَهْدَ أَيْمٰانِهِمْ. . إلى قوله: يَجْهَلُونَ (3). .

قد نزلت حين طلب المشركون من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل لهم الصفا ذهبا. .

و الكلام في هذا المورد كالكلام في سابقه (4). .

15-عن ابن عباس، قال: جاءت اليهود إلى النبي «صلى اللّه عليه


1) الآية 108 من سورة الأنعام.

2) الدر المنثور ج 3 ص 38 عن ابن أبي حاتم، و جامع البيان ج 7 ص 404 و تفسير ابن أبي حاتم ج 4 ص 1367 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 332 و تفسير القرطبي ج 7 ص 61 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 505 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 169 و تفسير البحر المحيط ج 4 ص 201 و السيرة الحلبية ج 2 ص 45.

3) الآيات 109-111 من سورة الأنعام.

4) الدر المنثور ج 3 ص 39 عن ابن جرير، و راجع ما رواه أيضا عن أبي الشيخ. و ما أخرجه أيضا في نفس الموضع عن ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و ابن أبي حاتم، و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 50 و البحار ج 9 ص 91 و ج 18 ص 202 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 150 و تفسير البغوي ج 2 ص 122 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 170 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 103 و (ط دار الكتب العلمية) ص 91.

و آله» ، فقالوا: نأكل مما قتلنا و لا نأكل مما يقتل اللّه، فأنزل اللّه: فَكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اِسْمُ اَللّٰهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيٰاتِهِ مُؤْمِنِينَ. . إلى قوله: وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (1)» (2).

و ثمة روايات عديدة أخرى بهذه المضامين (3). .

16-و قال ابن جريج: إن آية: إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ (4). . نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. .

و ذلك يعني: أنها قد نزلت في المدينة. . و أن لها نزولا آخر غير نزولها في ضمن السورة (5).


1) الآيات 118-121 من سورة الأنعام.

2) الدر المنثور ج 3 ص 41 و 42 عن أبي داود و الترمذي و حسنه، و البزار و ابن جرير، و ابن المنذر، و رواه ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ، و ابن مردويه، و الفريابي، و ابن أبي شيبة، و عبد بن حميد، و أبو داود، و ابن ماجة، و الحاكم و صححه، و النحاس و الطبراني، و البيهقي في سننه. . و في نص آخر ج 3 ص 42 عن الضحاك، أن المشركين قالوا ذلك. روى ذلك أبو الشيخ، و عبد بن حميد، و ابن جرير و الطبراني، و ابن مردويه، و أبو داود، و تفسير الآلوسي ج 8 ص 13 و سنن أبي داود ج 1 ص 644 و فتح الباري ج 9 ص 538 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 353 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 301 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 74 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 177 و فتح القدير ج 2 ص 157 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 308.

3) راجع الدر المنثور ج 3 ص 42 عن مصادر كثيرة.

4) الآية 141 سورة الأنعام.

5) الدر المنثور ج 3 ص 49 عن ابن جرير و ابن أبي حاتم، و جامع البيان ج 8 ص 81 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 198 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 189 و تفسير البغوي ج 2 ص 136 و فتح القدير ج 2 ص 170 و تفسير الثوري ص 110 و تفسير السمعاني ج 2 ص 150 و زاد المسير ج 3 ص 93.

سورة الكهف نزلت في مكة:

ب-و قد ذكروا: أن سورة الكهف قد نزلت بمكة (1). .

و عن أنس عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : قال: نزلت سورة الكهف جملة، معها سبعون ألفا من الملائكة (2). .

و ذكروا: أن قريشا بعثت النضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط إلى يهود المدينة في أمره «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالوا لهم: اسألوه عن ثلاث


1) الدر المنثور ج 4 ص 205 عن ابن مردويه، و النحاس في ناسخه، و الإتقان ج 1 ص 37 و 38. و راجع: البرهان للزركشي ج 1 ص 30 و سعد السعود ص 288 و نيل الأوطار ج 8 ص 193 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 278 و معاني القرآن للنحاس ج 4 ص 209 و 211 و تفسير الثعلبي ج 6 ص 144 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 334 و جامع البيان ج 15 ص 237 و الغدير ج 1 ص 256 و فتح الباري ج 5 ص 245 و ج 9 ص 37 و عمدة القاري ج 14 ص 7 و ج 19 ص 36 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 467 و تفسير القمي ج 2 ص 30 و التبيان للطوسي ج 7 ص 3 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 401 و تفسير مجمع البيان ج 6 ص 306 و التفسير الصافي ج 3 ص 230.

2) الدر المنثور ج 4 ص 210 عن الديلمي في مسند الفردوس و الإتقان ج 1، و كنز العمال ج 1 ص 578 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 199 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 327 و راجع: المصباح للكفعمي ص 441 و تفسير مجمع البيان ج 6 ص 306 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 241 و تفسير الثعلبي ج 6 ص 144 و التفسير الكبير للرازي ج 21 ص 73.

مسائل، فإن أخبركم فهو نبي، و الأسئلة هي عن أهل الكهف، و عن ذي القرنين، و عن الروح، فرجعوا إلى مكة و سألوه عن هذه المسائل، فجاء جبرئيل «عليه السلام» بسورة الكهف بعد خمسة عشر (أو أربعين) يوما (1).

و بعد أن اتضح: أن سورة الكهف قد نزلت جملة واحدة، نقول:

إن الروايات تذكر: أن عددا من آياتها قد نزل في مناسبات مختلفة أيضا، فمنها على سبيل المثال ما يلي:

1-أخرج ابن مردويه، و أبو نعيم في الحلية، و البيهقي في شعب الإيمان عن سلمان: أن قوله تعالى: وَ اُتْلُ مٰا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتٰابِ رَبِّكَ. . إلى قوله: . . إِنّٰا أَعْتَدْنٰا لِلظّٰالِمِينَ نٰاراً (2). . قد نزل حينما جاء المؤلفة قلوبهم، و هم: عينية بن بدر، و الأقرع بن حابس، إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و اشترطوا عليه لكي يجالسوه هم و يحادثوه، و يأخذوا عنه، أن يجلس في صدر المجلس، و أن يبعد الفقراء عنه؛ لأنهم كانوا يلبسون جباب الصوف-


1) الدر المنثور ج 4 ص 210 عن أبي نعيم و البيهقي كلاهما في الدلائل، و ابن إسحاق، و ابن جرير، و ابن المنذر. و راجع: و البحار ج 18 ص 245 و ج 56 ص 313 و تفسير السمرقندي ج 3 ص 567 و زاد المسير ج 5 ص 89 و 174 و تفسير الكبير للرازي ج 21 ص 238 و الجامع لأحكام القرآن ج 11 ص 128 و تفسير البيضاوي ج 4 ص 25 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 2 ص 186 و تفسير البحر المحيط ج 6 ص 111 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 83 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 506 و تفسير أبي السعود ج 5 ص 273 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 247.

2) الآيتان 27-29 سورة الكهف.

يعنون سلمان و أباذر (1). .

و في نص آخر: عن سلمان: نزلت هذه الآية فيّ و في رجل دخل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و معي شيء من خوص، فوضع مرفقه في صدري و قال: تنح حتى ألقاني على البساط، ثم قال: يا محمد إنا ليمنعنا من كثير من أمرك هذا و ضرباؤه، أن ترى لي قدما و سوادا، فلو نحيتهم إذا دخلنا عليك، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت، فلما خرج أنزل اللّه: وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ. . -إلى قوله- وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (2). .

و من الواضح: أن سلمان قد أسلم في المدينة، فالآيات قد نزلت هناك أيضا، بالإضافة إلى نزولها السابق في ضمن السورة. .

و إن كنا لا نؤيد صحة هذه الروايات لأسباب عديدة، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يرضى بشروط العتاة من المشركين، لأنها شروط يأباها العقل و الشرع و الوجدان الإنساني، أو تنفر منها الفطرة السليمة، و تخدش في عصمته «صلى اللّه عليه و آله» .

يضاف إلى ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليسكت عن


1) الدر المنثور ج 4 ص 219، و جامع البيان ج 15 ص 294 و 314 و البحار ج 69 ص 2 و التفسير الصافي ج 3 ص 240 و تفسير الميزان ج 13 ص 305 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 201 و زاد المسير ج 5 ص 93 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 390 و فتح القدير ج 3 ص 283 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 262 و الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 2 ص 339 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 405.

2) الدر المنثور ج 4 ص 219 عن عبد بن حميد.

ذلك الرجل الذي اعتدى على سلمان، فالقاه على البساط.

كما أنه لم يكن ليسكت عن إجابة ذلك الرجل حتى خرج.

2-رووا: أن قوله تعالى: وَ لاٰ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا (1). .

نزلت في أمية بن خلف، و ذلك أنه دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أمر كرهه، من طرد الفقراء و تقريب صناديد أهل مكة (2). .

و رووا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تصدّى لأمية بن خلف و هو ساه غافل عما يقال له: فأنزل اللّه: وَ لاٰ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ » (3). .

3-رووا: أن قوله تعالى: وَ لاٰ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا . . قد نزل في عيينة بن حصن. قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي الخ. . (4).

و الكلام في هذا المورد ظاهر، فإننا سواء أقلنا بتكرار نزول الآية، أو


1) الآية 28 من سورة الكهف.

2) الدر المنثور ج 4 ص 220 عن ابن مردويه، و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 202 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 392 و زاد المسير ج 5 ص 93 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 144 و (ط دار الكتب العلمية) ص 130 و فتح القدير ج 3 ص 283 و تفسير البغوي ج 3 ص 159 و تفسير الثعلبي ج 6 ص 166 و تفسير الميزان ج 13 ص 305.

3) الدر المنثور ج 4 ص 220 عن ابن أبي حاتم، و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 144 و (ط دار الكتب العلمية) ص 130.

4) الدر المنثور ج 4 ص 220 عن ابن المنذر عن ابن جريج، و جامع البيان ج 15 ص 293 و تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 246.

قلنا بعدمه، فإن الآية قد نزلت في مناسبة خاصة، بالإضافة إلى نزولها في ضمن السورة. .

و قصة عيينة بن حصن إنما كانت في المدينة، و السورة قد نزلت دفعة واحدة في مكة (1). .

4-عن السدي، قال: قالت اليهود للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا محمد، إنما تذكر إبراهيم و موسى، و عيسى، و النبيين، أنك سمعت ذكرهم منا، فأخبرنا عن نبي لم يذكره اللّه في التوراة إلا في مكان واحد.

قال: و من هو؟ !

قالوا: ذو القرنين.

قال: ما بلغني عنه شيء، فخرجوا فرحين، و قد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا إلى باب البيت، حتى نزل جبرئيل بهؤلاء الآيات: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (2). .

و ذلك معناه: أن هذه الآيات قد نزلت في مناسبة خاصة، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يذكر لهم نزول هذه الآيات في سورة الكهف قبل ذلك، ربما لأجل أنه لم ينزل بها جبرئيل بعد ليحدد مناسباتها الخاصة بها (3). .

على أن لنا إشكالا على هذه الرواية، و هو: أنها إذا كانت قد نزلت في مكة في ضمن سورة الكهف، فمعنى ذلك أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان


1) الدر المنثور ج 4 ص 220 و راجع المصادر في بعض الهوامش المتقدمة.

2) الآية 83 من سورة الكهف.

3) الدر المنثور ج 4 ص 240 عن ابن أبي حاتم، و روى نحوا من هذا ابن عمر أيضا فراجع نفس المصدر عنه.

يعرف عن ذي القرنين نفس ما أوردته الآية التي نزلت عليه مرة ثانية عند سؤال اليهود إياه، فما معنى أن يقول لهم: ما بلغني عنه شيء. .

إلا إذ فرض نزول الآية في هذه المناسبة قبل نزول السورة، و هذا بعيد، فإن مناقشات اليهود معه، و أسئلتهم إنما كانت في المدينة. . على ما يظهر.

5-و قالوا: إن جندب بن زهير كان إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس، فلامه اللّه، فنزل في ذلك: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ (1)» (2). .

و في نص آخر، عن مجاهد، كان رجل من المسلمين، يقاتل و هو يحب أن يرى مكانه، فأنزل اللّه: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ » (3). .

فالآية نزلت في مناسبة خاصة. . و هي واقعة في ضمن سورة نزلت دفعة واحدة أيضا، في مكة.


1) الآية 110 سورة الكهف.

2) الدر المنثور ج 4 ص 255 عن ابن مندة، و أبي نعيم في الصحابة، و ابن عساكر، و أسد الغابة ج 1 ص 303 و الفتح السماوي للمناوي ج 2 ص 803 و تفسير الميزان ج 13 ص 406 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 145 و (ط دار الكتب العلمية) ص 131 و فتح القدير ج 3 ص 318 و أضواء البيان للشنقيطي ج 3 ص 358 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 304 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 612.

3) الدر المنثور ج 4 ص 255 عن ابن أبي حاتم، و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 145 و (ط دار الكتب العلمية) ص 131 و أضواء البيان للشنقيطي ج 3 ص 358.

خلاصة أخيرة:

و تكون النتيجة هي: أن اللّه سبحانه كان ينزل السورة أولا، فيقرؤها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بتمامها على الناس، ثم تبدأ الأحداث بالتحقق، فيأتي جبرئيل «عليه السلام» إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، بالآيات التي ترتبط بتلك الأحداث مرة أخرى، فيقرأها على الناس، فيظهر لهم أنهم كانوا قد سمعوها منه قبل ذلك. فيعرف الناس بذلك: أن هذا القرآن منزل من عند عالم الغيب و الشهادة. .

بل الظاهر: أن حتى السور التي نزلت نجوما أيضا، كسورة البقرة و سورة آل عمران، كان نزولها يتم بصورة تتلاءم مع هذه السياسة، و لذلك قالوا: إن بضعا و ثمانين آية من سورة آل عمران قد نزلت دفعة واحدة. . ثم بدأت الأحداث تتوالى، و يأتي جبرئيل «عليه السلام» بالآيات المرتبطة بها، مع أن هذه الآيات كانت قد نزلت قبل حصول تلك الأحداث، و في ضمن البضع و الثمانين آية المشار إليها. .

و هذا بالذات هو حال سورة المائدة أيضا، فإنها نزلت دفعة واحدة ثم صارت آياتها تنزل تدريجا كلما حدث أمر يقتضي نزول آيات بعينها من تلك السورة. .

و تقدم: أن آية إكمال الدين جاءت قبل آية تبليغ الرسالة، في نطاق سياسة إلهية، تهدف إلى حفظ القرآن، و إلى الرفق بالناس، و تيسير أمر الهداية لهم، حسبما أو ضحناه. . و قلنا: إن نزولها كان مرتين على الحقيقة، فراجع.

الفصل الثامن: شبهات. . و أجوبتها

اشارة

الغدير كان يوم الخميس:

و قد تقدم قولهم: إن يوم الغدير كان يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة. .

و لكن هذا يناقض إجماع أهل السنة على أن يوم عرفة في حجة الوداع كان يوم الجمعة، لأن هذا يحتم أن يكون يوم الأحد، لأنه يكون هو الثامن عشر من ذي الحجة. .

و يؤكد هذا الإشكال: أنهم يقولون: إن أول ذي الحجة كان يوم الخميس (1).

و الذي نراه: أن هذا الإجماع السنّي الذي أشار إليه العلامة الأميني، إنما يستند إلى رواية البخاري و مسلم، التي صرح فيها عمر و بعض آخر: بأن يوم عرفة في حجة الوداع كان يوم الجمعة، فإن ظهر خطأ الرواية في


1) راجع: البحار ج 22 ص 534 عن كتاب التنوير ذو النسبين بين دحية و الحسين، و فتح الباري ج 3 ص 323 و عمدة القاري ج 16 ص 99 و ج 18 ص 60 و البداية و النهاية ج 5 ص 184 و ج 5 ص 276 و كشف الغمة ج 1 ص 20 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 333 و ج 4 ص 509 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 306 و راجع: الغدير ج 1 هامش ص 42.

ذلك، فإن على المجمعين أن يغيروا رأيهم تبعا لما ظهر.

و قد ظهر: أن ما صرحوا به في تحديد يوم الغدير بيوم الخميس يقتضي أن يكون يوم عرفة يوم الثلاثاء. .

و قد صرحت رواية رواها ابن جرير و غيره: بأن يوم عرفة الذي هو يوم نزول سورة المائدة اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)هو يوم الإثنين (2).

و لعل الأمر اشتبه على الراوي بين الإثنين و الثلاثاء.

و هذه الرواية و إن حكم عليها بعضهم بضعف السند. لكن ضعف السند لا يعني كذب المضمون. فإذا أيدت الشواهد أنه أقرب إلى الصحة، أخذ به، و أهمل ما عداه، لقوة احتمال السهو أو الغلط، أو تعمد الكذب فيه، و ذلك ظاهر لا يخفى.

لماذا لم يحتج علي و الزهراء عليهما السّلام بالغدير؟ ! :

و قد يروق للبعض أن يسجل اعتراضا على قول الشيعة من دلالة


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) جامع البيان ج 6 ص 54 و الدر المنثور ج 2 ص 258 و 259 عنه. و راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 196 و المعجم الكبير ج 12 ص 183 و كنز العمال ج 12 ص 445 و التبيان للطوسي ج 3 ص 436 و جامع البيان ج 6 ص 112 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 15 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 67 و 69 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 26 و البداية و النهاية ج 2 ص 319 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 542 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 198 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 333 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 28.

حديث الغدير على الإمامة؛ فيقول: إن الحديث و إن كان ثابتا و متواترا من حيث السند، و لكنه لو كان دالا على الإمامة و الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لاحتج به علي «عليه السلام» على مناوئيه، و غاصبي حقه بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، و لو فعل ذلك لحسم الأمر، و لأعيدت الأمور إلى نصابها.

و لا يصح التسويف في هذا الأمر، إذ لا عطر بدون عروس.

و نقول في الجواب:

أولا: إنكم قد ذكرتم بأن جمهور علماء السنة-إلا من شذ-لا ينكرون صدور هذا الحديث.

فإذا كان الحديث ثابتا و معلوما لدى كل أحد، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أورده أمام عشرات الألوف من الناس، كما ذكرت الروايات، فلا تبقى حاجة إلى الإحتجاج به؟ ! فإن من يعرف حرمة الكذب، و يقرأ الآيات في ذلك، و يسمع تأكيدات الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، على حرمته.

و من يعرف حرمة السرقة، و يقرأ آيات تحريمها صباح مساء.

و من يعرف وجوب الصلاة، و يقرأ و يسمع آيات القرآن، و كلمات الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في الحث عليها، و الدعوة إليها. . فإنه حين يمارس الكذب، و يقدم على السرقة، و على ترك الصلاة جهارا نهارا، فسيكون الاحتجاج عليه بالآيات و الروايات عبثا، و بلا فائدة أو عائدة.

و هكذا الحال بالنسبة لحديث الغدير، فإن من يأتي بالآلاف من حملة السلاح من بني أسلم، و يستقوي بهم، و يهاجم بيت فاطمة «عليها السلام» ،

و يضربها و يسقط جنينها، و يأخذ عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» بالقوة للبيعة.

و من يقول: إن النبي ليهجر-و هو على فراش المرض-ليمنعه من كتابة كتاب لا تضل الأمة بعده. . و هو يفعل ذلك كله-قبل أن ينبس علي «عليه السلام» و لا غيره ببنت شفة حول الخلافة.

مع أنه قد حضر قبل سبعين يوما فقط يوم الغدير، و سمع أقوال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بايع عليا «عليه السلام» ، في ذلك اليوم و هنأه بالولاية. .

إن من يفعل ذلك، فإن الاحتجاج لا ينفع معه لأنه يكون ظاهر الجحود، في نفسه. . و لن يزيد ذلك الناس معرفة بالحق. . لأن الناس كلهم لم ينسوا يوم الغدير و سواه من المواقف الحاسمة، كما لا ينسون صلاتهم و صيامهم. .

ثانيا: لو سلمنا جدلا أن التاريخ لم ينقل لنا شيئا من احتجاجات علي و الزهراء «عليهما السلام» ، فهو لا يدل على عدم حصوله منه و منها «عليهما السلام» ، لا سيما مع الحرص الظاهر على محاربة علي، و طمس كل شيء يؤيد حقه «عليه السلام» بالأمر، و التخلص من كل ما يدين خصومه فيما أقدموا عليه. .

و عدم نقل أهل السنة ذلك، يعد أمرا طبيعيا، لأن نقلهم له إنما يعني تسجيل إدانة لأناس يريدون تبرئتهم من كل شيء، بل يريدون ادّعاء العصمة لهم، و إظهار أهليتهم للإمامة، و الخلافة و الزعامة. كما أنه سوف يحدث خللا اعتقاديا لو أراد الناس الالتزام بلوازمه. . و لا أحب أن أقول

أكثر من هذا. .

ثالثا: إنه ليس ثمة ما يدل على انحصار الحجية بما نقله محدثو و مؤرخو، و علماء أهل السنة، بحيث يبطل ذلك أقوال، و نقولات غيرهم. . و من يدّعي هذا الانحصار يحتاج إلى دليل. .

بل ربما يكون دليل مخالفيهم هو الأقوى. . لأن هذا التوثيق، و ذاك الرفض يتوقف على حسم الأمر في مسألة الإمامة وفقا للأدلة الشرعية المتوفرة، فلا معنى لفرض اتجاه معين في الأخذ بمصادر و مراجع بعينها، قبل حسم الأمر في تلك المسألة، لأن هناك من يقول: إن الأدلة القاطعة تدل على أن قضايا الدين لا بد أن تؤخذ من القرآن، و من خصوص عترة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» المعصومين، و المنصوص عليهم، فمن خالفهم في شيء، فإنه يردّ عليه. .

رابعا: إننا نجد في مصادر أهل السنة و الشيعة العديد من الموارد التي أشير فيها إلى أن عليا كان يحتج بحديث الغدير، و يسعى لحمل الذين حضروا واقعة الغدير على أن يعلنوا للناس بما رأوا و بما سمعوا في ذلك اليوم الأغرّ، و قد أثمرت هذه المناشدات و الإحتجاجات شهادات بصحة هذا الحديث، و تأكيدات على وقوعه، و اعترافات من المناوئين الذين كانوا يسعون لقلب الأمور رأسا على عقب.

و نحن نذكر من ذلك الشواهد التالية:

ألف-إحتجاجات علي عليه السّلام:

إن النصوص قد ذكرت:

1-إحتجاج علي «عليه السلام» بحديث الغدير يوم البيعة لأبي بكر، فإنه «عليه السلام» قد احتج على أبي بكر و مؤيديه، حينما جيء به إلى البيعة، فقال: «يا أبا بكر، ما أسرع ما توثبتم على رسول اللّه! بأي حق، و بأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك؟ ألم تبايعني بالأمس بأمر اللّه و أمر رسوله» ؟ (1).

ثم لما هددوه بالقتل إن لم يبايع، أقبل عليهم علي «عليه السلام» ، فقال: «يا معشر المسلمين و المهاجرين و الأنصار، أنشدكم اللّه، أسمعتم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول يوم غدير خم كذا و كذا؟ و في غزوة تبوك كذا و كذا» ؟ فلم يدع «عليه السلام» شيئا قاله فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علانية للعامة إلا ذكّرهم إياه.

قالوا: اللهم نعم.

فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس، و أن يمنعوه بادرهم فقال له: كل ما قلت حق، قد سمعناه بآذاننا و عرفناه، و وعته قلوبنا، و لكن قد سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول بعد هذا: «إنا أهل بيت اصطفانا اللّه و أكرمنا، و اختار لنا الآخرة على الدنيا. و إن اللّه لم يكن ليجمع لنا أهل


1) كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 588 و 589 و (بتحقيق الأنصاري) ص 152 و 388 و راجع: ج 3 ص 965 و 966 و البحار ج 28 ص 270 و و مجمع النورين ص 99 و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 372.

البيت النبوة و الخلافة» .

فقال علي «عليه السلام» : هل أحد من أصحاب رسول اللّه شهد هذا معك؟ الخ. . (1).

و هو استدلال عجيب و غريب من أبي بكر، فإنه يفضي إلى القول بأن اللّه و رسوله كانا يعبثان بالناس طيلة ثلاث و عشرين سنة، حيث كان «صلى اللّه عليه و آله» بأمر من اللّه يؤكد الولاية لعلي «عليه السلام» ، و يجمع الناس في منى و عرفات، و في غدير خم، و يذكر لهم خلافة علي «عليه السلام» و إمامته، و ولايته عليهم من بعده. و يأخذ البيعة له في يوم الغدير. . و. . و. . الخ. . ثم يتبين أن اللّه-و العياذ باللّه-كان مخطئا حين كان يوجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى القيام بهذه الأعمال، و إطلاق هذه الأقوال كلها.

هذا. . و قد قال «عليه السلام» لرسول أبي بكر، الذي قال له: أجب خليفة رسول اللّه: «سبحان اللّه، ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه، إنه ليعلم و يعلم الذين حوله أن اللّه و رسوله لم يستخلف غيري» .

و حين أرسل إليه: أجب أمير المؤمنين قال: «فو اللّه إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، و لقد أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو سابع سبعة، فسلموا علي بإمرة المؤمنين» .

فاستفهم هو و صاحبه عمر من بين السبعة، فقالا: أحق من اللّه و رسوله؟


1) كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 588 و 589 و (بتحقيق الأنصاري) ص 154 و راجع: ج 3 ص 965 و 966 فهناك مصادر أخرى للحديث، و البحار ج 28 ص 270-274 و 300 و مجمع النورين ص 99 و المحتضر للحلي ص 110.

فقال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : نعم، حقا، حقا الخ. . (1).

2-احتجاجه «عليه السلام» ، بحديث الغدير في يوم الشورى، حيث قال «عليه السلام» : و لأحتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم و لا عجميكم تغيير ذلك، ثم قال: أنشدكم اللّه، أيها النفر جميعا: أفيكم أحد وحّد اللّه قبلي؟

قالوا: لا. .

إلى أن قال: فأنشدكم اللّه، هل فيكم أحد قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم و ال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره. ليبلغ الشاهد الغايب، غيري؟

قالوا: اللهم لا. . الخ. . (2).


1) كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 583 و و (بتحقيق الأنصاري) ص 148 و 268 و راجع مصاد أخرى لهذا الحديث في ج 3 ص 965 و 966 و اليقين لابن طاووس ص 28 و العقد النضيد و الدر الفريد لمحمد بن الحسن القمي ص 111 و 113.

2) راجع: الغدير ج 1 ص 159 فما بعدها عن المناقب للخوارزمي الحنفي ص 217 و أخرجه الحمويني الشافعي في فرائد السمطين الباب 58 ج 1 ص 319 و في الدر النضيد لابن حاتم الشامي، قال: أنشدكم باللّه، أمنكم من نصّبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يوم غدير خم للولاية غيري؟ قالوا: اللهم لا. . و راجع أيضا: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 167 و راجع: الغدير ج 1 ص 161 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج 3 ص 216 و شرح الأخبار ج 2 ص 191 و كنز الفوائد ص 227 و الأمالي للطوسي ص 333 و 555 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 196 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين لشاذان بن جبرئيل القمي ص 118 و البحار ج 31 ص 332 و 351 و 361 و 368 و تفسير أبي حمزة الثمالي ص 152 و تمهيد الأوائل و تلخيص الدلائل للباقلاني ص 514 و بشارة المصطفى للطبري ص 374 و كشف اليقين ص 423.

و على كل حال: فقد ذكروا حديث المناشدة عن الدارقطني و ابن مردويه، و أبي يعلى و غيرهم.

و لنفترض: أن بعض رجال أسناد هذا الحديث ضعاف، فإن ذلك لا يعني كذب الرواية من الأساس كما هو معلوم. لا سيما مع أن مصلحة الرواة هي في خلاف مضمون ما يروونه. .

3-و احتج علي «عليه السلام» ، بهذا الحديث في خلافة عثمان أيضا. . و ذلك في المسجد، في حلقة كان فيها أكثر من ماءتي رجل (1)، فقال: «أفتقرون أن رسول اللّه دعاني يوم غدير خم، فنادى لي بالولاية، ثم قال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب» ؟ .

قالوا: اللهم نعم (2).

4-لما بلغه و هو في الكوفة أن الناس يتهمونه فيما يرويه من تقديم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إياه على غيره، حضر في مجتمع من الناس،


1) راجع: إكمال الدين للصدوق ص 274 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 211 الغدير ج 1 ص 163-165 و فرائد السمطين ج 1 ص 312 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 71 و التحصين لابن طاووس ص 631 و البحار ج 31 ص 408 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 439.

2) راجع: كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 641 و 644 و 645 و 646 و (بتحقيق الأنصاري) ص 193-195 و راجع: المصادر في الهامش السابق.

و ناشد من سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الغدير أن يشهد، فشهد له قوم، و أمسك زيد بن أرقم، فدعا عليه علي «عليه السلام» بذهاب البصر فعمي.

و قيل: إن الذين لم يشهدوا ثلاثة. و قيل: إنهم قوم.

و قيل: فقام أناس كثير فشهدوا.

و في نص آخر: شهد له بضعة عشر رجلا، أو اثنا عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا (أو بدريا) . أو ستة عشر رجلا، أو خمسة، أو ستة، أو ثلاثون، أو سبعة عشر رجلا، أو ثمانية عشر (1).


1) راجع فيما تقدم: مناقب أهل البيت «عليه السلام» للشيرواني ص 128 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 289 و ج 4 ص 74 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 39 و 62 و 63 و 86 و 98 و 109 و 129 و 135 و 138 و 186 و 209 و 243 و 251 و 262 و 270 و 272 و 286 و 312 و 324 و 341 و 361 و ج 9 ص 15 و 17 و 18 و 20 و 24 و 26 و قاموس الرجال ج 10 ص 333 و ج 11 ص 145 و 449 و المعجم الصغير ج 1 ص 64 و أسد الغابة ج 2 ص 233 و ج 3 ص 93 و 307 و ج 4 ص 28 و ج 5 ص 6 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 226 و 229 و 235 و 237 و مسند أحمد ج 1 ص 88 و 119 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 136 و 155 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 228 و كنز العمال ج 13 ص 155 و 170 و تاريخ بغداد ج 14 ص 240 و المعجم الأوسط ج 7 ص 70 و المعجم الكبير ج 5 ص 175 و جزء الحميري ص 33 و ذخائر العقبى للطبري ص 68 و مجمع الزوائد ج 9 ص 105 و 106 و 108 و أمالي المحاملي ص 162 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 429 و خصائص أمير المؤمنين «عليه السلام» للنسائي ص 96 و 103 و البداية و النهاية ج 7 ص 383 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 206 و 207 و 209 و 212 و 214 و تهذيب الكمال للمزي ج 22 ص 397 و السيرة الحلبية (الملحقات) ج 3 ص 337 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 305 و 307 و 316 و 323 و 328 و 338 و 378 و ج 21 ص 114 و 119 و ج 22 ص 125 و ج 23 ص 12 و 413 و 416 و ج 30 ص 389 و 404 و ينابيع المودة ج 2 ص 159 و كشف الغمة ج 1 ص 287 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 208 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 352 و الطرائف ص 148 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 146 و العمدة لابن البطريق ص 109 و البحار ج 34 ص 341 و ج 37 ص 186 و 196 و 197 و 199 و 200 و ج 41 ص 205 و ج 42 ص 148 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 469 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 268 و 270 و 388. و راجع: الغدير ج 1 ص 166-184 عن مصادر كثيرة.

و نشير هنا إلى أمرين:

الأول: لماذا لم يشهد أكثر من هذا العدد؟ ! :

ذكر العلامة الأميني أسماء أربعة و عشرين رجلا، شهدوا لأمير المؤمنين «عليه السلام» بحديث الغدير في رحبة الكوفة (1)، فراجع.

و قد أشار العلامة الأميني: إلى أن رواية أبي الطفيل قد ذكرت: أن عليا «عليع السلام» لما قدم الكوفة نشد الناس بحديث الغدير.

و إنما قدم «عليه السلام» الكوفة سنة 35 للهجرة، و بعد خمسة و عشرين عاما من استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و كان كثير من الذين حضروا يوم الغدير قد ماتوا، و كثير منهم كانوا مبثوثين في مختلف البلاد، و قد فتح العراق بعد استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) راجع: الغدير ج 1 ص 184-185.

بسنوات، و إنما دخل العراق شراذم من الصحابة بعد ذلك. .

كما أن هذا الإستشهاد قد جاء على سبيل الإتفاق، و لم يهيّا له الناس، و لا طلب من الصحابة الحضور للشهادة، لكي تكثر الشهود، و تحضر الرواة، و كان في الحاضرين من يخفي شهادته حنقا أو سفها.

الثاني: شهادتان. . لا شهادة واحدة:

قد ظهر مما تقدم أن ثمة اختلافا في عدد من شهد. فهل سبب ذلك هو أنهم أرادوا عدّ خصوص من كان بدريا. أو أنصاريا، أو على جانبي المنبر. .

أو ان بعضهم أراد تقليل العدد لحاجة في نفسه قضاها؟ ! كل ذلك محتمل.

و ثمة احتمال آخر، أشير إليه في هامش كتاب الغدير (1)و قد لهجت بصحته النصوص نفسها، و هو: أن هناك مناشدتين:

إحداهما: جرت داخل المسجد، و من على منبره بالذات، فقام ستة شهود من كل جانب من جانبي المنبر. . أو قامت جماعة كان منهم اثنا عشر بدريا (2).


1) راجع الغدير (ط مركز الغدير للدراسات) ج 1 ص 378.

2) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 370 و فضائل الصحابة ص 1167 و البداية و النهاية ج 5 ص 211 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 7 ص 384. و عن الضياء في المختارة، و ينابيع المودة ج 2 ص 159 و البحار ج 3 ص 18 و ج 37 ص 196 و ج 41 ص 205 و ج 42 ص 148 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 208 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 352 و العمدة لابن البطريق ص 106 و 110 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 114 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 261 و ج 9 ص 25 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 318 و ج 16 ص 579 إضافة إلى مصادر أخرى تقدمت.

و أخرى: في خارج المسجد في الرحبة التي أمامه. . فقام ناس كثير، أو ثلاثون رجلا (1).

و هناك احتمال ثالث، و هو: أن تكون هذه المناشدات في مسجد الكوفة و في رحبته قد جرت عدة مرات. . و يدل على ذلك حديث الركبان التالي:

5-مناشدة علي «عليه السلام» حين خروجه من القصر، حيث استقبله ركبان متقلدون السيوف، فقالوا له: السلام عليكم يا مولانا و رحمة اللّه و بركاته.

فقال «عليه السلام» : من ها هنا من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ فقام ثلاثة عشر (أو اثنا عشر) رجلا، فشهدوا أنهم سمعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه (2).


1) مسند أحمد ج 1 ص 88 و 119 و أمالي المحاملي ص 162 و البداية و النهاية ج 7 ص 348 و أسد الغابة ج 4 ص 28 و مجمع الزوائد ج 9 ص 105 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 429 و كنز العمال ج 13 ص 170 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 206 و 207 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 228 و تاريخ بغداد ج 14 ص 240 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 268 و 270 و 388 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 83 و 62 و 86 و 129 و 186 و 207 و 341 و 361 و ج 9 ص 17 و 20 و ج 37 ص 125 و 148 و 188 و 200 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 146 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 367 و 408 و 437 و 444و 445 و الأمالي ص 255 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 118 و الطرائف لابن طاووس ص 151 و العمدة لابن البطريق ص 93 بالإضافة على مصادر أخرى تقدمت.

2) راجع: الغدير ج 1 ص 189 و 190 و شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 1 ص 109 و أسد الغابة ج 1 ص 368 و البحار ج 41 ص 213 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 261 و ج 7 ص 199 و ج 9 ص 25 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 241 و اختيار معرفة الرجال ج 1 ص 246 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 216 و 326 و 331 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 241 و نقد الرجال ج 1 ص 265 و معجم رجال الحديث ج 4 ص 185 و أعيان الشيعة ج 3 ص 551 و ج 4 ص 539 و المناشدة و الإحتجاج بحديث الغدير ص 59 و 60 و 61 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 334.

و ذكرت نصوص أخرى: أن ركبانا أتوه فشهدوا له بحديث الغدير، و هو في رحبة الكوفة، فيهم أبو أيوب الأنصاري (1)، فيحتمل تعدد الواقعة.


1) راجع: الغدير ج 1 ص 187 و 188 و 380 و مسند أحمد ج 5 ص 419 و المعجم الكبير ج 4 ص 173 و البداية و النهاية ج 5 ص 231 و ج 7 ص 384 و أعيان الشيعة ج 6 ص 287 و نهج الإيمان لابن جبر ص 116 و العدد القوية ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 422 و جواهر المطالب ج 1 ص 83 و ينابيع المودة ج 1 ص 107 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 215 و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 208 و غاية المرام ج 1 ص 269 و 282 و 300 و كشف المهم في طريق خبر غدير خم ص 101 و 148 و المناشدة و الإحتجاج بحديث الغدير ص 57 و 58 و شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 1 ص 108 و معجم الرجال و الحديث لمحمد حياة الأنصاري ج 1 ص 37 و 50 و 62 و 268 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 211 و الدرجات الرفيعة ص 315 و 453 و العمدة ص 94 و 109 و الإكمال في أسماء الرجال ص 15 و البحار ج 37 ص 148 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 128 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 49 و ج 3 ص 261 و ج 7 ص 40 و 70 و 94 و 136 و 166 و 169 و 235 و ج 9 ص 135 و 136 و 137 و المراجعات ص 273 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 7 ص 342 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 251 و 326 و ج 16 ص 565 و ج 21 ص 59 و 60 و ج 23 ص 7 ص 636 و ج 30 ص 422 و 425.

و تذكر النصوص هنا أيضا: أن بعض من لم يشهد أصيب ببلاء أيضا، و هم ستة أشخاص (1).

6-إحتج «عليه السلام» على طلحة بحديث الغدير في حرب الجمل (2).

7-ناشدهم «عليه السلام» بحديث الغدير أيضا في صفين، فشهد له اثنا عشر بدريا (3).

8-و احتجت فاطمة الزهراء «عليها السلام» على غاصبي حقوقها بحديث الغدير أيضا (4).


1) راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 352 و كشف الغمة ج 1 ص 287 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 74 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 246 و أسد الغابة ج 3 ص 321 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 208 و مجمع الزوائد ج 9 ص 106 و قاموس الرجال ج 11 ص 116 و المعجم الكبير ج 5 ص 171 و 175 و الإكمال في أسماء الرجال ص 72 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 262 و ج 7 ص 116 و ج 9 ص 23 و 24 و 25 و 26 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 308 و 318 و 320 و ج 8 ص 743 و 745 و ج 16 ص 567 و ج 30 ص 397 و البحار ج 37 ص 200 و الغدير ج 1 ص 192.

2) راجع: تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 235 و كنز العمال ج 11 ص 332 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 108 و الغدير ج 10 ص 127 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 249 و 336 و ج 16 ص 568 و ج 23 ص 15 و ج 23 ص 631 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 371 و الإكمال في أسماء الرجال ص 115.

3) راجع: كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 295 و البحار ج 33 ص 146 و الغدير ج 1 ص 195.

4) راجع: خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 188 و ج 9 ص 103 و 105 و 106 و قاموس الرجال ج 12 ص 334 و الغدير ج 1 ص 197 و شرح إحقاق الحق ج 21 ص 27.

9-احتج به الإمام الحسن «عليه السلام» المجتبى في خطبته حين فرضت عليه الهدنة مع معاوية (1).

10-خطب الإمام الحسين «عليه السلام» بمنى في أكثر من سبع مائة رجل عامتهم من التابعين، و نحو مائتي رجل من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكان مما قال: «أنشدكم اللّه، أتعلمون أن رسول اللّه نصبه يوم غدير خم، فنادى له بالولاية، و قال: ليبلغ الشاهد الغائب» ؟

قالوا: اللهم نعم (2).

و نضيف إلى ما تقدم:

11-إحتجاج عبد اللّه بن جعفر على معاوية بحديث الغدير (3).

12-و احتج رجل همداني اسمه برد على عمرو بن العاص بحديث


1) راجع: الأمالي للطوسي ص 561 و البحار ج 10 ص 138 و ج 69 ص 151 و الغدير ج 1 ص 197 و ينابيع المودة ج 3 ص 366 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 182 و شرح إحقاق الحق ج 5 ص 58 و عن حلية الأبرار ج 1 ص 253 و تفسير البرهان ج 3 ص 315 ح 26.

2) راجع: كتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص 320 و البحار ج 33 ص 183 و الغدير ج 1 ص 198 و راجع: الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 19 و صلح الحسن «عليه السلام» للسيد شرف الدين ص 324.

3) راجع: كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 362 و البحار ج 33 ص 265 و الغدير ج 1 ص 199.

الغدير (1).

13-و احتج به عمرو بن العاص على معاوية (2).

14-و احتج به عمار بن ياسر على عمرو بن العاص (3).

15-و احتج به أصبغ بن نباتة في مجلس معاوية أيضا (4).

16-و ناشد شاب أبا هريرة بحديث الغدير في مسجد الكوفة (5).


1) راجع: الامامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 97 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 129 و الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب للسيد فخار بن معد ص 232 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 82 و الغدير ج 1 ص 201 و ج 9 ص 137 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 285 و ج 31 ص 382 و ج 32 ص 382.

2) راجع: المناقب للخوارزمي ص 199 و كشف الغمة ج 1 ص 258 و البحار ج 33 ص 52 و العقد النضيد و الدر الفريد لمحمد بن الحسن القمي ص و 88 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 148 و الغدير ج 1 ص 201 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 51.

3) راجع: كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي ج 3 ص 77 و شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 21 و وقعة صفين للمنقري ص 338 و البحار ج 33 ص 30 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 630 و الغدير ج 1 ص 202 و ج 2 ص 145.

4) راجع: المناقب للخوارزمي ص 205 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 257 و الغدير ج 1 ص 202.

5) راجع: الإيضاح لابن شاذان ص 535 و الغارات للثقفي ج 2 ص 658 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 394 و السيرة النبوية ج 4 ص 425 و البداية و النهاية ج 5 ص 232 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 232 و مسند أبي يعلى ج 11 ص 306 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 499 و مجمع الزوائد ج 9 ص 105 و البحار ج 34 ص 325 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 185 و 237 و 315 و الغدير ج 1 ص 203 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 258 و ج 21 ص 62 و 63.

17-ناشد رجل زيد بن أرقم بحديث الغدير (1).

18-ناشد عراقي جابر الأنصاري بحديث الغدير (2).

قال الذهبي: هذا حديث حسن عال جدا، و متنه متواتر (3).

19-و احتج به قيس بن سعد على معاوية (4).


1) راجع: المعجم الكبير ج 5 ص 194 و ينابيع المودة ج 2 ص 283 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 216 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 111 و 178 و الغدير ج 1 ص 204 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 232 و ج 21 ص 43.

2) راجع: سير أعلام النبلاء ج 8 ص 334 و قال في هامشه: حديث صحيح، أخرجه ابن ماجة (121) من حديث سعد بن أبي وقاص، و أخرجه أحمد ج 4 ص 368 و الترمذي (713) من حديث زيد بن أرقم، و أخرجه أحمد ج 1 ص 84 و 118 و 119 و 152 من حديث علي، و 331 من حديث ابن عباس، و ج 4 ص 281 من حديث البراء، و ج 4 ص 368 و 370 و 372 من حديث زيد بن أرقم، و ج 5 ص 347 من حديث بريدة، و 419 من حديث أبي أيوب الأنصاري. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 225 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 260 و الغدير ج 1 ص 205 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 254 و ج 21 ص 67 و ج 30 ص 410 و 411 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله للبري التلمساني ص 67.

3) راجع: سير أعلام النبلاء ج 8 ص 334.

4) راجع: البحار ج 33 ص 173-175 و الغدير ج 1 ص 106-108 و كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 777 ح 26 و (بتحقيق الأنصاري) ص 311.

20-و احتجت به دارمية الحجونية على معاوية (1).

21-احتج به عمرو الأودي على قوم كانوا ينالون من أمير المؤمنين «عليه السلام» (2).

22-استشهد عمر بن عبد العزيز بحديث الغدير أيضا (3).

23-استشهد زريق مولى علي بن أبي طالب على عمر بن عبد العزيز بحديث الغدير (4).

24-احتج المأمون بحديث الغدير على الفقهاء، و فيهم إسحاق بن


1) راجع: بلاغات النساء لابن طيفور ص 72 و الطرائف ص 27 عن العقد الفريد (ط مصر 1316 ه‌) ج 1 ص 115 و البحار ج 33 ص 260 و الغدير ج 1 ص 208 و 344 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 273 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للرحماني ص 767 و مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 573 و قاموس الرجال ج 12 ص 254.

2) راجع: الأمالي للطوسي ص 558 و البحار ج 40 ص 69 و الغدير ج 1 ص 209.

3) راجع: بشارة المصطفى ص 378 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 177 و الإمام علي «عليه السلام» في آراء الخلفاء للشيخ مهدي فقيه إيماني ص 173 و في هامشه عن: حلية الأولياء ج 5 ص 364 و أسد الغابة ج 5 ص 383 ترجمة عمر بن عبد العزيز، و تاريخ مدينة دمشق ج 5 ص 320(و (ط دار الفكر) ج 65 ص 324) رواية زريق القرشي المدني، و فرائد السمطين ج 1 ص 66 باب (10) ح 32 و نظم درر السمطين ص 112. و راجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 285 و ج 21 ص 92 و ج 22 ص 118.

4) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 138 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 21 ص 51.

إبراهيم، و يحيى بن أكثم (1).

تحريف كتاب المعارف:

قال المعتزلي: «و روى سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية، كان يجلس بالعشيات بباب كندة، و يجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة، فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة، أنشدك اللّه، أسمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول لعلي بن أبي طالب: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه» !

فقال: اللهم نعم.

قال: فأشهد باللّه، لقد واليت عدوه، و عاديت وليه! ثم قام عنه» (2).


1) راجع: قاموس الرجال ج 12 ص 155 و الغدير ج 1 ص 210 و الإمام علي «عليه السلام» في آراء الخلفاء للشيخ مهدي فقيه إيماني ص 182-197 و في هامشه عن: العقد الفريد ج 5 ص 92-101 و عيون أخبار الرضا للصدوق ج 2 ص 185-200 باختلاف يسير.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 68 الخطبة رقم 56 و كشف الأستار عن مسند البزار الحديث رقم 2531 و المصنف لابن أبي شيبة حديث رقم 12141 و المطالب العالية حديث 3958 و راجع: أضواء على السنة المحمدية ص 217 و شيخ المضيرة أبا هريرة لأبي رية ص 237 و النص و الإجتهاد ص 515 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 230 و الغدير ج 1 ص 204 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 403 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لأحمد الرحماني ص 562 و البحار ج 37 ص 199 و مواقف الشيعة ج 2 ص 311 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 11 ص 351 و غاية المرام ج 1 ص 300 و كشف المهم في طريق خبر غدير خم ص 150 و المناشدة و الإحتجاج بحديث الغدير ص 83 و راجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 403.

ثم يواصل كلامه عن أبي هريرة، و أنه كان يؤاكل الصبيان في الطريق، و يلعب معهم. و يخطب الناس بالمدينة. . ثم يقول:

«قلت: قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب، المعارف، في ترجمة أبي هريرة، و قوله فيه حجة، لأنه غير متهم عليه» .

قال الأميني «رحمه اللّه» : «هذا كله قد أسقطته عن كتاب المعارف (ط مصر سنة 1353 ه‌) يد التحريف اللاعبة به، و كم فعلت هذه اليد الأمينة لدة هذه في عدة موارد منه، كما أنها أدخلت فيه ما ليس منه، و قد مر الإيعاز إليه ص 192» (1).

و يبدو أن هناك طبعات أخرى قد أهملت ذلك أيضا، فراجع طبعة سنة 1390 ه‌.

و قد ذكرنا: أن هذا الكتاب قد حرف في موارد أخرى، منها ما يرتبط بإسقاط الزهراء «عليها السلام» لجنينها المحسن بضرب عمر بن الخطاب لها. .

تحريف كتاب تاريخ اليعقوبي:

قال اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 37(ط النجف الأشرف سنة 1358) : «و قد قيل: إن آخر ما نزل عليه: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ


1) الغدير ج 1 ص 204.

نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً (1).

و هي الرواية الصحيحة، الثابتة الصريحة. و كان نزولها يوم النص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، بغدير خم» .

لكن تاريخ اليعقوبي المطبوع في بيروت سنة (مطبوع في دار صادر- بيروت سنة 1379 ه‌-و 1960 م) ج 2 ص 43 قد جاء محرفا كما يلي: «و كان نزولها يوم النفر على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه بعد ترحم» .

و قد ذكرنا طائفة أخرى من الكتب المحرفة في كتابنا: «دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام» فراجع.

و على كل حال، فليس هذا بالغريب على هؤلاء، و إنما هي «شنشنة أعرفها من أخزم» .

ب-إحتجاج الزهراء عليها السّلام:

روى شمس الدين أبو الخير الجزري الدمشقي المقري الشافعي في كتابه أسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب ص 49-51 قال عن حديث الغدير:

فألطف طريق وقع بهذا الحديث و أغربه ما حدثنا به شيخنا خاتمة الحفاظ، أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن المحب المقدسي مشافهة: أخبرتنا الشيخة أم محمد زينب ابنة أحمد عبد الرحيم المقدسية، عن أبي المظفر محمد


1) الآية 3 من سورة المائدة.

بن فتيان بن المثنى، أخبرنا أبو موسى محمد بن أبي بكر الحافظ، أخبرنا ابن عمة والدي القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد المدني بقراءتي عليه، أخبرنا ظفر بن داعي العلوي باستراباد، أخبرنا والدي و أبو أحمد ابن مطرف المطرفي قالا: حدثنا أبو سعيد الإدريسي إجازة فيما أخرجه في تاريخ استراباد، حدثني محمد بن محمد بن الحسن أبو العباس الرشيدي من ولد هارون الرشيد بسمرقند و ما كتبناه إلا عنه، حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الحلواني، حدثنا علي بن محمد بن جعفر الأهوازي مولى الرشيد، حدثنا بكر بن أحمد القسري.

حدثتنا فاطمة و زينب و أم كلثوم بنات موسى بن جعفر «عليه السلام» ، قلن حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق، حدثتني فاطمة بنت محمد بن علي، حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين، حدثتني فاطمة و سكينة ابنتا الحسين بن علي عن أم كلثوم بنت فاطمة عن فاطمة بنت النبي، رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رضي عنها، قالت:

أنسيتم قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم غدير خم، من كنت مولاه فعلي مولاه؟

و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : أنت مني بمنزلة هارون من موسى «عليهما السلام» ؟

و هكذا أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء، و قال:

هذا الحديث مسلسل من وجه، و هو أن كل واحدة من الفواطم تروي

عن عمة لها، فهو رواية خمس بنات أخ كل واحدة منهن عن عمتها (1).

حديث الولاية إخبار أم إنشاء؟ ! :

و من الأسئلة التي تطرح هنا السؤال التالي:

هل جملة: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» خبرية محضة، أو أنها خبرية يراد بها الإنشاء؟ ! .

و يجاب بما يلي:

إنه سواء أكانت جملة «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» خبرية محضة، أم خبرية يراد بها الإنشاء، فإن النتيجة واحدة، و لا يلحق ذلك أي ضرر في الاستدلال بها على ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام» . .

غير أننا نقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أخبرهم و بيّن لهم طيلة أكثر من عشرين سنة أن عليا «عليه السلام» هو الإمام من بعده، و كان ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» بأمر من اللّه سبحانه. .

و قد يعترض على ذلك: بأنه إذا كانت ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام» ثابتة من أول بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فما معنى إعادة إنشائها في يوم الغدير؟ فإن إنشاء الولاية فيه معناه: أنها لم تكن ثابتة قبل ذلك، و أنها إنما توجد بهذا الإنشاء. .

و هذه شبهة في دلالة حديث الغدير، من شأنها أن تجعل الناس كلهم معذورين في عدم الإلتزام بولايته «عليه السلام» . .


1) راجع الغدير ج 1 ص 197.

و الجواب: إنه لا مانع من إنشاء الولاية مرة بعد أخرى، فيأتي اللاحق ليؤكد السابق، خصوصا إذا كان هناك من يفكر في الإنقلاب على الأعقاب، و يسعى للتشكيك في جدية الأوامر الصادرة، أو في الإلتفاف عليها بطريقة أو بأخرى، أو تجاهلها. و هذا نظير تأكيدات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الناس مرة بعد أخرى بأن جهزوا جيش أسامة.

و تتأكد صحة هذا المعنى إذا كان في الحشد المجتمع يوم الغدير من لم تبلغه الإنشاءات السابقة، أو أنه قد طرحت عليه بعض الشبهات، و التشكيكات، من قبل الطامعين، و الطامحين. .

لا دليل على إمامة علي عليه السّلام بلا فصل:

و قد يقول بعضهم: لو سلم دلالة الحديث على إمامة علي «عليه السلام» ، فلا نسلم دلالته على كونها بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بلا فصل، لكي تنتفي إمامة الثلاثة: أبي بكر، و عمر، و عثمان.

و يرد عليه:

أولا: كيف يترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حال تصديه لنصب إمام المسلمين من بعده، حذرا من حضور أجله-كيف يترك-ذكر ثلاثة من خلفائه، و ينص على الرابع منهم، و الذي سيكون إماما بعد خمس و عشرين سنة من وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

و لو جاز ذلك، لكان جميع ولاة العهد محل كلام، إذ لا يقول السلطان عادة: هذا ولي عهدي بلا فصل.

ثانيا: لو أخذنا هؤلاء، فإنه حتى لو قال «صلى اللّه عليه و آله» : من

كنت مولاه فعلي مولاه بعدي، لقالوا: لا منافاة بين البعدية و بين الفصل بغيره، كما صنع القوشجي في قوله: أنت وصيي و خليفتي من بعدي.

بل لو قال: فعلي مولاه بعدي بلا فصل، لقالوا: يحتمل أن يكون المعنى بلا فصل من غير الثلاثة! ! (1).

ثالثا: إن حديث الغدير يدل على جعل الولاية لعلي «عليه السلام» فعلا. و من حين صدور الكلام. . لا أنه يجعلها له بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» .

رابعا: إن الخلفاء الثلاثة لم يجعل لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ولاية، بل هم الذين استأثروا بالأمر لأنفسهم، فتبقى الولاية المجعولة له بحديث الغدير بلا مزاحم.

هل الإمامة لتكميل الخطة العملية للدين؟ ! :

و يحاول بعض الناس أن يزعم: أن الإمامة تدخل في نطاق إكمال البرنامج العملي، الذي لم يكمله النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فاحتاج إلى من يكمله بعده.

و على أساس ذلك تم التفتيش بين المسلمين عن هذه الشخصية التي تستطيع ملء الفراغ بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم يكن غير الإمام علي «عليه السلام» .

و نقول في الجواب:

إنه لا ريب في أن ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام» التي أمر اللّه سبحانه نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بأن يبلغها في يوم الغدير و غيره، جزء من دين


1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 62 و 63.

الإسلام الحنيف، و قد دلت نفس الآيات القرآنية التي نزلت في مناسبة الغدير على ذلك. . فلا حظ:

1-قوله تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» : يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (1).

حيث يستفاد من هذه الآية:

أولا: إن عدم تبليغ ولاية أمير المؤمنين علي «عليه السلام» يوازي عدم تبليغ الدين كله. فلو كانت الحاجة إلى الإمام علي «عليه السلام» هي مجرد حاجة إلى مساعد في إكمال البرنامج العملي، فإن ذلك يتم عبر الاستعانة به، و تمهيد الأمور له ليمسك بزمامها، و لا يحتاج ذلك إلى نص عليه من اللّه، و تسجيل ذلك في آيات قرآنية تتلى إلى يوم القيامة، و لا إلى تبليغ ما أنزل إليه من اللّه تعالى، و لا يكون ترك ذلك التبليغ بمثابة ترك تبليغ الرسالة كلها. .

إذ إن الحديث في الآية إنما هو عن قيمة مجرد الإبلاغ، و ليس الحديث عن نفس الاستعانة بالإمام علي «عليه السلام» في إكمال البرنامج العملي، في حركة الرسالة في الواقع! !

ثانيا: إنه تعالى قد جعل الآخرين الذين لا يرضون بولاية الإمام علي «عليه السلام» من القوم الكافرين، و هم إنما يكفرون بإنكار حقائق الدين، لا بمجرد الاعتراض على أن يكون الإمام علي «عليه السلام» هو المكمل للبرنامج العملي، إذا كان ذلك ناشئا عن حسد، أو هوى، لا عن تكذيب


1) الآية 67 سورة المائدة.

للرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنكار لصدقه فيما يبلغهم إياه. .

ثالثا: إن الظاهر هو أن السبب في اعتبار عدم إبلاغ ولايته «عليه السلام» مساويا لعدم إبلاغ الرسالة كلها، هو أن أعمال العباد لا تقبل بدون ولاية الإمام علي «عليه السلام» ، فلو أن أحدا قام ليله، و صام نهاره، و حج دهره، و لم يأت بولاية الإمام علي «عليه السلام» لم بنفعه ذلك كله شيئا. .

كما أن ولايته صلوات اللّه و سلامه عليه شرط لاكتمال التوحيد، وفقا لما روي عن الإمام الرضا «عليه السلام» ، عن آبائه «عليهم السلام» ، عن جبرئيل «عليه السلام» ، عن اللّه سبحانه و تعالى: «كلمة لا إله إلا اللّه حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي» .

ثم قال الإمام الرضا «عليه السلام» : «بشروطها، و أنا من شروطها» (1).


1) راجع: نقله في مجلة مدينة العلم، (السنة الأولى) ص 415 عن صاحب تاريخ نيسابور، و عن المناوي في شرح الجامع الصغير، و هي أيضا في الصواعق المحرقة ص 122، و حلية الأولياء 3 ص 192، و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 135 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 145 و أمالي الصدوق ص 208، و ينابيع المودة ص 364 و 385 و قد ذكر قوله «عليه السلام» : و أنا من شروطها، في الموضع الثاني فقط. و البحار ج 49 ص 123 و 126 و 127 ج 3 ص 7 عن ثواب الأعمال، و معاني الأخبار، و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ، و التوحيد، و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 240 و نور الأبصار ص 141 و نقلها في مسند الإمام الرضا ج 1 ص 43 و 44 عن التوحيد، و معاني الأخبار، و كشف الغمة ج 3 ص 98. و هي موجودة في مراجع كثيرة أخرى. لكن يلاحظ: أن بعض هؤلاء قد حذف قوله «عليه السلام» : «بشروطها، و أنا من شروطها» ، و لا يخفى السبب في ذلك. و راجع: التوحيد ص 25 و ثواب الأعمال للصدوق ص 7 و معاني الأخبار للصدوق ص 371 و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 42 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 296 و عوالي اللآلي ج 4 ص 94 و نور البراهين للجزائري ج 1 ص 76 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 235 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 44 و راجع: ينابيع المودة ج 3 ص 123.

و في نص آخر: «ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» .

و معنى ذلك أنه لا فرق بينهما لجهة: أن كلا منهما-أي التوحيد، و ولاية الإمام علي «عليه السلام» -حصن اللّه سبحانه.

فقوله تعالى: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ (1)يعطينا: أن حقائق الإسلام و شرائعه و أحكامه بمثابة الجسد، المكتمل في تكوينه، و الجامع لكل الميزات، و الحائز على جميع الإمكانات و الطاقات. . و لكنه يبقى خامدا هامدا، لا فائدة فيه إلا إذا نفخت فيه الروح، فتبدأ اليد بالحركة، و تدب فيها القوة، و تصبح العين قادرة على الرؤية، و الأذن متمكنة من السمع، و تعطيه اليقظة في العقل و في المشاعر و الأحاسيس و. . و. . الخ. .

فولاية الإمام علي «عليه السلام» إذن بمثابة هذه الروح التي تجعل كل أحكام الدين و شرائعه، و حقائقه و قضاياه مؤثرة في الغايات المتوخاة منها، موصلة إلى اللّه تعالى، هادية إليه. .

فإذا لم يبلّغ الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هذه الولاية، فإنه لم يبلغ أي شيء من رسالة اللّه سبحانه. . لأن جميع ما بلغه يكون ناقصا، و بلا فائدة و لا عائدة، إذ ليس فيه روح و حركة و حياة، و لا يثمر ثمرة، و لا يؤدي إلى نتيجة. .


1) الآية 67 من سورة المائدة.

2-الآية الثانية: و هي قوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً (1). . أفادت بملاحظة نزولها بمناسبة تبليغ ولاية الإمام علي «عليه السلام» يوم الغدير:

أولا: إن ولاية الإمام علي «عليه السلام» جزء من الدين، و لا يكمل الدين إلا بها. .

ثانيا: إن الإسلام كله لا يكون دينا مرضيا للّه سبحانه بدون هذه الولاية. . فلو كانت الحاجة إلى الإمام علي «عليه السلام» هي لمجرد المساعدة في إكمال البرنامج العملي في حركة الرسالة في الواقع، فلا معنى لربط رضا اللّه لدينه بها، فإن الدين إذا اكتمل، فإنه يصبح مرضيا، سواء طبّقه الناس، أم عصوا اللّه فيه. .

أضف إلى ذلك أن الكل يعلم: أن الإمام عليا «عليه السلام» قد أقصي عن مركزه الذي جعله اللّه تعالى له. . فهل بقي هذا الرضا الإلهي لدين الإسلام، أم أنه قد ذهب و زال بسبب ذلك الإقصاء أيضا. . فإذا كنا لا نشك في أن رضاه تعلى للإسلام قد بقي، فذلك يعني أن نفس إبلاغ الولاية هو الذي يكمل به الدين، و ليس لطاعة الناس و معصيتهم أثر في ذلك. .

ثالثا: إن رضاه تعالى للإسلام دينا قد حصل بمجرد حصول ذلك الإبلاغ. و قد نزلت الآية الدالة على ذلك بمجرد حصول ذلك الإبلاغ، و لم يكن البرنامج العملي قد أكمل بعد. و ذلك يعني أن الذي حصل بالإبلاغ هو إكمال الدين به فقط. . و ذلك ظاهر لا يخفى.


1) الآية 3 من سورة المائدة.

و بذلك يتضح: أن ما ذكره ذلك البعض من أن آية اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قد نزلت قبل نصب علي «عليه السلام» يوم الغدير و أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد بلغ الرسالة للناس (1)، ينافي الآيتين المتقدمتين منافاة ظاهرة، و لا أقل من أنه ينافي صريح الآية الثانية. .

على أن مقتضى كلامه هو أن الإمام عليا «عليه السلام» لم يكن هو الإنسان الذي اصطفاه اللّه قبل خلق الخلق، إذ مقتضاه: أن الأمر لا ينحصر بالإمام علي «عليه السلام» ، فأي إنسان سواه كان يمكنه أن يساعد في إكمال البرنامج العملي، يمكن الاستعانة به، و قد يكون هناك اثنان أو أكثر كان بإمكانهم-لو اجتمعوا-أن يقوموا مقام الإمام علي «عليه السلام» في ذلك. .

و يشير إلى ذلك قول ذلك البعض نفسه: «فلا بد أن يتم التفتيش بين المسلمين عن الشخصية التي تستطيع ملء الفراغ بعد رسول اللّه الخ. .» (2).

و هذا يخالف ما عليه مذهب شيعة أهل البيت «عليهم السلام» ، و ما هو الثابت لهم بالأدلة القاطعة، و البراهين الساطعة من القرآن و من السنة الشريفة. .

و يبقى أن نشير إلى أن ما ورد في السؤال من طلب معرفة الفرق بين الدين، و بين البرنامج العملي. . فنقول:

إن ذلك من أوضح الواضحات، و أبده البديهيات، فإن الدين هو مجموعة الأحكام و الشرائع، و الحقائق الإيمانية، الثابتة، التي يطلب من


1) نظرة إسلامية حول الغدير ص 16 من 18.

2) المصدر السابق ص 19.

الناس الإيمان و العمل بها، إلى يوم القيامة. .

و أما البرنامج العملي، فهو ما يطلب من خلاله تهيئة الظروف و المناخات لحمل الناس على قبول تلك الحقائق و الإيمان بها، و على الالتزام العملي بتلك الشرائع و الأحكام. .

و هذا الأمر لا يحتاج إلى جعل، و لا إلى تشريع، بل هو نتيجة جهد بشري، سواء في مجال التخطيط، أو في مجال التنفيذ. و التدخل الإلهي في هذه الصورة إن كان، فهو إنما يأتي على سبيل المعونة و التسديد، و ليس على سبيل الجعل و التشريع. .

و أين هذا من الدين الذي لا بد من الرجوع فيه إلى اللّه سبحانه، و الانتهاء إليه فيه. .

و على كل حال نقول:

لو كانت القضية قضية إكمال برنامج عملي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يرتبط بتعميق الإسلام لدى أناس كانوا حديثي عهد بالجاهلية. . لم يكن الناس في الأجيال اللاحقة بحاجة إلى ولاية الإمام علي «عليه السلام» ، لا من حيث الاعتقاد، و لا في دائرة العمل و الممارسة. . و لكانت قضية ولايته محصورة بذلك الجيل من الناس دون سواهم. .

كان الغدير ردا على زيد بن حارثة! ! :

و جاء في حديث احتجاج المأمون على الفقهاء، و فيهم إسحاق بن إبراهيم قول المأمون لإسحاق: يا إسحاق، هل تروي حديث الولاية؟

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: إروه.

ففعلت.

قال: يا إسحاق، أرأيت هذا الحديث، هل أوجب على أبي بكر و عمر ما لم يوجب لهما عليه؟

قلت: إن الناس ذكروا: أن الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة، لشيء جرى بينه و بين علي، و أنكر ولاء علي، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه.

قال: في أي موضع قال هذا؟ أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟

قلت: أجل.

قال: فإن قتل زيد بن حارثة قبل الغدير!

كيف رضيت لنفسك بهذا؟

أخبرني لو رأيت ابنا لك قد أتت عليه خمسة عشر سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي أيها الناس؟ فاعلموا ذلك. أكنت منكرا ذلك عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون و لا يجهلون؟

فقلت: اللهم نعم.

قال: يا إسحاق أفتنزه ابنك عما لا تنزه عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

و يحكم لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم إن اللّه جل ذكره قال في كتابه: اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ (1). و لم يصلّوا لهم، و لا


1) الآية 31 من سورة التوبة.

صاموا، و لا زعموا أنهم أرباب، و لكن أمروهم فأطاعوا أمرهم (1).

و الظاهر: أن إشكال المأمون هذا قد آتى ثماره، حيث جاء المصلحون بعد ذلك ليقولوا: إن هذه الحادثة قد جرت بين أسامة بن زيد بن حارثة و بين علي. . و قد كان أسامة حيا آنئذ، و الذي قتل في مؤتة هو أبوه. . فذكروا: أن أسامة قال لعلي «عليه السلام» : لست مولاي، إنما مولاي رسول اللّه.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «من كنت مولاه فعلي مولاه» (2).

و من الواضح: أن إشكال المأمون باستشهاد زيد في مؤتة يدل على أن إقحام اسم أسامة قد جاء متأخرا بهدف حل هذا الإشكال.

لكن لو سلمنا باستبدال زيد بأسامة، فإن إشكال المأمون بعدم معقولية أن يقول الرجل: مولاي مولى ابن عمي. . يبقى على حاله. .

يضاف إلى ذلك: أنه لو صحت رواياتهم، فلا معنى لأن يوقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عشرات الآلاف في حر الرمضاء، و لا معنى لأخذ


1) قاموس الرجال ج 12 ص 155 و الغدير ج 1 ص 211-212 و الإمام علي «عليه السلام» في آراء الخلفاء للشيخ مهدي فقيه إيماني ص 182-197 و في هامشه عن: العقد الفريد ج 5 ص 92-101 و (ط أخرى) ج 5 ص 56-61 و عيون أخبار الرضا للصدوق ج 2 ص 185-200 باختلاف يسير.

2) تحفة الأحوذي ج 10 ص 148 و النهاية لابن الأثير ج 5 ص 228 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 277 و فيض القدير شرح الجامع الصغير ج 6 ص 282 و معاني القرآن للنحاس ج 6 ص 411 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 164 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 42 و الغدير ج 1 ص 383 و لسان العرب ج 15 ص 410 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 244 و 291.

البيعة له. . و لا معنى لقول عمر: أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة. . و لا معنى لأن يحتاج إلى العصمة من الناس. . و لا معنى لإكمال الدين و إتمام النعمة، و لا معنى. . و لا معنى. . إذا كان ينحصر بهذا الخلاف البسيط بين أسامة و بين علي «عليه السلام» .

علي عليه السّلام كان باليمن:

و ذكر ياقوت الحموي: أن محمد بن جرير الطبري «له كتاب فضائل علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، تكلم في أوله بصحة الأخبار الواردة في غدير خم، ثم تلاه بالفضائل، و لم يتم» (1).

و قال: «و كان إذا عرف من إنسان بدعة أبعده و اطّرحه. و كان قد قال بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب غدير خم، و قال: إن علي بن أبي طالب كان باليمن في الوقت الذي كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بغدير خم.

و قال هذا الانسان في قصيدة مزدوجة، يصف فيها بلدا بلدا و منزلا منزلا، أبياتا يلوّح فيها إلى معنى حديث غدير خم، فقال:

ثم مررنا بغدير خمكم قائل فيه بزور جم

على علي و النبي الأمي

و بلغ أبا جعفر ذلك، فابتدأ بالكلام في فضائل علي بن أبي طالب، و ذكر طرق حديث غدير خم، فكثر الناس لاستماع ذلك الخ. .» (2).


1) معجم الأدباء ج 18 ص 80 و قاموس الرجال ج 9 ص 152.

2) معجم الأدباء ج 18 ص 84 و الغدير ج 1 ص 152.

و قال الطحاوي: «فدفع دافع هذا الحديث، و زعم أنه مستحيل، و ذكر أن عليا لم يكن مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في خروجه إلى الحج من المدينة، الذي مرّ في طريقه بغدير خم بالجحفة. .» (1).

و نقول:

إن عليا «عليه السلام» لم يكن باليمن آنئذ، لأنه عاد منها في أيام الحج، و شارك في حجة الوداع، و أشركه النبي «صلى اللّه عليه و آله» معه في الهدي، و بعد انتهاء حجة الوداع توجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و معه علي «عليه السلام» إلى المدينة، و جرت قصة الغدير في طريق العودة (2).

و يفهم من كلام الذهبي: أن الذي تكلّم في حديث الغدير و دفعه وردّه بهذا الزعم الباطل، هو ابن أبي داود، فبلغ ذلك محمد بن جرير، فعمل كتاب الفضائل، ثم قال: قلت: رأيت مجلدا من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له، و لكثرة تلك الطرق (3).

و ذكر ابن طاووس: أن ابن جرير سمى كتابه المشار إليه: «كتاب الرد


1) تذكرة الحفاظ ج 2 ص 713 رقم 728 و الغدير ج 1 ص 314 و 294.

2) إقبال الأعمال ص 453 و أشار إلى كتاب ابن جرير في البداية و النهاية ج 11 ص 146 و تهذيب التهذيب ج 7 ص 339 و الفهرست للطوسي ص 150.

3) تذكرة الحفاظ ج 2 ص 713 و مشكل الآثار ج 2 ص 308 و الصواعق المحرقة ص 42 و 43 و المعتصر من المختصر ج 2 ص 301 و المرقاة في شرح المشكاة ج 10 ص 476 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 43 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 219 و الغدير ج 1 ص 152 و 307 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لأحمد للرحماني ص 808 و فتح الملك العلي لابن الصديق المغربي ص 15.

على الحر قوصية» (1). نسبة إلى حر قوص، أحد زعماء الخوارج، كأنه يشير إلى أن الذي شكك في حديث الغدير كان من هذه الفرقة الخبيثة.

من هما العبدان الصالحان؟ ! :

ورد في رواية جرير بن عبد اللّه البجلي لواقعة الغدير: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ بذراع علي «عليه السلام» و قال:

«من يكن اللّه و رسوله مولاه، فإن هذا مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه. اللهم من أحبّه من الناس فكن له حبيبا، و من أبغضه فكن له مبغضا. اللهم إنّي لا أجد أحدا استودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين (2)


1) راجع: مشكل الآثار ج 2 ص 308 و الصواعق المحرقة ص 42 و 43 و المعتصر من المختصر ج 2 ص 301 و المرقاة في شرح المشكاة ج 10 ص 476 و شرح الأخبار ج 1 ص 81 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 35 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 239 و البحار ج 37 ص 126 و الغدير ج 1 ص 153 و رجال النجاشي ص 322 و قاموس الرجال ج 9 ص 151 و 154 و 193.

2) الغدير (تحقيق مركز الغدير للدراسات) ج 1 ص 621 عن مجمع الزوائد ج 9 ص 106 و المعجم الكبير ج 2 ص 357 و هداية العقول ص 31 و قال في الغدير: في تعليق هداية العقول (ص 31) : لعله أراد بالعبدين الصالحين أبا بكر و عمر، و قيل: الخضر و إلياس، و قيل: حمزة و جعفر رضي اللّه عنهما، لأن عليا «عليه السلام» كان يقول عند اشتداد الحرب: وا حمزتاه و لا حمزة لي؟ وا جعفراه و لا جعفر لي؟ أقول: هذا رجم بالغيب، إذ لا مجال للنظر في تفسير العبدين الصالحين بمن ذكر إلا أن يعثر على نص، و الظاهر: عدم ذلك لما ذكره سيدي العلامة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن المفضل «رحمه اللّه» لما سأله بعضهم عن تفسير الحديث، فأجاب بما لفظه: لم أعثر عليه في شيء من كتب الحديث إلا أن في رواية مجمع الزوائد ما يدل على عدم معرفة الراوي أيضا بالمراد بالرجلين لأن فيه قال بشر أي الراوي عن جرير: قلت: من هذان العبدان الصالحان؟ قال: لا أدري. قال «رحمه اللّه» : و مثل هذا إن لم يرد به نقل فلا طريق إلى تفسيره بالنظر أ ه‌. و قال في كتاب على ضفاف الغدير: و أخرجه عنه أحمد بن عيسى المقدسي في الجزء الثاني من فضائل جرير بن عبد اللّه البجلي الموجود في المجموع 93 في المكتبة الظاهرية. أخرجه في الورقة 240. و أخرجه ابن عساكر في تاريخه: رقم 587، و ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق ص 17 ص 358، و القرافي في نفحات العبير الساري: ق 76/ب، و السيوطي في جمع الجوامع ص 1 ص 831، و في قطف الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص 277 ح 102، و الزبيدي في لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص 206، و الشوكاني في در السحابة ص 210، و الكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص 194 و إسحاق بن يوسف الصنعاني في تفريج الكروب في حرف الميم.

غيرك (1)، فاقض له بالحسنى.

قال بشر (الراوي عن جرير) قلت: من هذان العبدان الصالحان؟

قال: لا أدري (2).


1) راجع: الغدير ج 1 هامش ص 62.

2) أسد الغابة ج 1 ص 308 و قال: أخرجه الثلاثة. يريد: ابن عبد البر، و ابن منة، و أبا نعيم.

و لم يرضوا بتفسير العبدين الصالحين بأنهما الخضر و إلياس، و قالوا: لا بدّ من أن يحدّدهما نصّ المعصوم، و هو غير موجود (1).

الزهري لا يحدث بفضائل علي عليه السّلام:

و قد حدث الزهري بحديث الغدير، فقيل له: لا تحدث بهذا بالشّام و أنت تسمع ملء أذنيك سب علي.

فقال: و اللّه، إن عندي من فضائل علي «عليه السلام» ما لو تحدّثت بها لقتلت (2).

و هذا يعطي: أنّ هذا الرجل كان يكتم من فضائل علي «عليه السلام» ما هو أهم من حديث الغدير. . و ذلك خوفا من القتل، فما بالك بما كان يكتمه الآخرون من فضائله صلوات اللّه و سلامه عليه! !

نص الطبري مؤيد بالنصوص:

و إذا تأملنا في نص خطبة الغدير، و ما جرى في التهنئة به، الذي رواه محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ المعروف، و التفسير الموصوف، و رواه الطبرسي في الإحتجاج و آخرون، ثم راجعنا النصوص المختلفة الأخرى، فسنخرج بنتيجة حاسمة هي: أنه نص جدير بالتأمل، لأن النصوص الأخرى


1) راجع الهامش الذي في الصفحة قبل السابقة.

2) أسد الغابة ج 1 ص 308 و قاموس الرجال ج 12 ص 38 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 228 و الغدير ج 1 ص 24 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 274 و 376.

تؤيده، و الأحداث و الوقائع تسدده، و تشيده و تؤكده. .

و إذا كانت البيعة في يوم الغدير قد استمرت مدة طويلة، قيل: ثلاثة أيام، و قيل: غير ذلك، فلماذا لا يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب الناس مرة بعد أخرى في تلك الأيام، لكي يقيم الحجة على أبلغ وجه و أتمه، و ليسمعهم المزيد مما ربما يكون أكثر المجتمعين لم يسمعوه منه. إذ لعل معظمهم لم يكن قد رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك، و لن يراه أكثرهم بعد ذلك.

أما شرح مضامين هذه الخطبة، و الإلمام بدلالات سائر ما جرى فلا بد لنا من الإعتذار عنه، لأنه يحتاج إلى توفر تام، و جهد مستقل.

جبريل. . و عمر بن الخطاب:

لا بد من ذكر الواقعة التي نوقشت هاهنا، و هي في كتاب الغدير الجزء الأول.

و نقول:

لعل عمر بن الخطاب قد بهره جمال ذلك الشاب الذي كان إلى جانبه، حيث لم يعهد في أقرانه، و نظرائه الذين يعرفهم شيئا يذكر من الجمال، باسثناء بني هاشم، فأثار ذلك عجبه، و لم يتهيأ له أن يسأل ذلك الشاب عن نفسه، فروى ما رأى للنبي «صلى اللّه عليه و آله» عله يعرف منه شيئا عنه.

أو لعله أراد من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأتي بذلك الشاب و يؤنبه، على ما فرط منه، حين اتهم من يسعى في حل هذا العقد بأنه منافق.

أو أنه أراد أن يسمع من النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلمة مفادها: أن

الأمر لا يبلغ إلى هذا الحد. و أن الشاب قد أخطأ في تقديره. .

و حينئذ فقط يمكنه أن يروي هذه الواقعة للآخرين.

و لكن عمر قد فوجئ بما لم يكن يخطر له على بال، فقد أخبره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن ذلك الشاب هو جبرئيل، و كم كانت جميلة تلك اللحظات التي حلم عمر فيها أن يتمكن من رواية ما يسمعه للآخرين على سبيل التفاخر و المباهاة، باعتبار أن رؤية جبرئيل حدث متميز، ربما يشير إلى خصوصية غير عادية في من يوفق لرؤية هذا الملاك العظيم.

و لكن الذي يصده عن ذلك، كان أعظم و أخطر، فإن ذلك الشاب الجميل الصورة، قد حكم على من يسعى في حل هذا العقد بالنفاق. .

و قد صدّق النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله، مبينا أن قائل هذا القول هو جبرئيل «عليه السلام» .

و إذا عرف الناس ذلك، فسيكون سببا في زيادة تعقيد الأمور أمام الساعين في حل هذا العقد، و عمر بن الخطاب منهم، بل هو العنصر الأبرز و الأقوى، و الأشد صلابة فيه.

إن ذلك يمثل تأكيدا على أن اللّه هو الذي أبرم هذا العقد، و أن أي سعي في الإتجاه الآخر سيكون تمردا على اللّه مباشرة. و ليس بالإمكان لمن يعترف بأن جبريل هو الذي حكم بنفاق من يحل العقد أن يدّعي للناس: أن من الممكن أن يكون هذا التدبير من ابتكارات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حبا بصهره و ابن عمه. .

الفصل التاسع: الغدير في ظل التهديدات الإلهية

اشارة

قريش و خلافة بني هاشم:

قد عرفنا في الفصل السابق: أن قريشا، و من هم على رأيها هم الذين كانوا يخططون لصرف الأمر عن بني هاشم، و بالذات عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه الصلاة و السلام» ، و كانوا يتصدون لملاحقة هذا الأمر و متابعته في جميع تفاصيله و جزئياته، دون كلل أو ملل، و لو عن طريق إثارة الشكوك و الشبهات، و اختلاق الشائعات، و حياكة المؤامرات، و توجيه الإتهامات إلى حد اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنزاهته، و في عدله، و حتى في عقله. حتى قالوا عنه: إنه يهجر. . و كانت قريش تتحدى، و تمانع بالقول، و بالفعل، حتى منعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من إعلان هذا الأمر في عرفات، ثم في منى. فراجع.

و قد رأوا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان في مختلف المواقع و المواضع لا يزال يهتف باسمه، و يؤكد على إمامته، لكن الأصعب و الأمر عليهم أن يعلن إمامته «عليه السلام» أمام تلك الجموع الغفيرة، التي جاءت للحج من جميع الأقطار و الأمصار، و لأجل ذلك بادروا إلى التشويش و الإخلال بالنظام. و حين غلبوا على أمرهم، و أعلن «صلى اللّه عليه و آله» أن الأئمة اثنا عشر كانت قريش بالذات هي التي قصدت النبي

«صلى اللّه عليه و آله» في منزله بعد هذا الموقف مباشرة، لتستوضح منه ماذا يكون بعد هؤلاء الأئمة، لترى إن كان لها نصيب في هذا الأمر و لو بعد حين.

فكان الجواب: ثم يكون الهرج.

و في نص آخر: (الفرج) ، كما رواه الخزاز (1).

و الظاهر: أن هذا هو الصحيح. .

و قد رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن مجرد التلميح لهذا الأمر، قد دفعهم إلى هذا المستوى من الإسفاف و الإسراف في التحدي لإرادة اللّه سبحانه. و لشخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، دون أن يمنعهم من ذلك شرف المكان، و لا خصوصية الزمان، و لا قداسة المتكلم، و شأنه و كرامته. حسبما أشار إليه «صلى اللّه عليه و آله» في تقريره لهم حين سألهم عن أي شهر أعظم حرمة، و أي بلد أعظم حرمة، و أي يوم أعظم حرمة (2).


1) راجع: كفاية الأثر ص 52 و يقارن ذلك مع ما في إحقاق الحق (الملحقات) و غيبة النعماني و غيرهما. فإنهم صرحوا بان قريشا هي التي أتته.

2) راجع هذه الفقرات: في خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع في المصادر التالية: مسند أحمد ج 3 ص 313 و 371 و كنز العمال ج 5 ص 286 و 287 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 600 و الكافي ج 7 ص 273 و 275 و دعائم الإسلام ج 2 ص 484 و المجموع للنووي ج 8 ص 466 و ج 14 ص 231 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 288 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 29 ص 10 و (ط دار الإسلامية) ج 19 ص 3 و التفسير الصافي ج 2 ص 67 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 655 و تفسير القمي ج 1 ص 171 و مستدرك الوسائل ج 17 ص 87 و البحار ج 37 ص 113 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 343 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 391 و البداية و النهاية ج 5 ص 215 و جامع أحاديث الشيعة ج 26 ص 100 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 170 إضافة إلى مصادر أخرى تقدمت.

فكيف لو صرح «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، و جهر باسمه «عليه الصلاة و السلام» في ذلك الموقف، فقد يصدر منهم ما هو أمر و أدهى، و أشر و أقبح، و أشد خطرا على الإسلام و أهله.

و قد فضح اللّه بذلك أمر هؤلاء المتظاهرين بغير حقيقتهم، أمام فئات من الناس، جاءت للحج من كل حدب و صوب، و سيرجع الناس بذكريات مرة عنهم، ليحدثوا بها أهلهم، و أصدقاءهم، و زوارهم. . في زمان كان الرجوع من سفر كهذا، و النجاة من أخطاره و مشقاته، بمثابة ولادة جديدة. .

التدخل الإلهي:

ثم جاء التهديد الإلهي لهم، فحسم الموقف، و أبرم الأمر، و ظهر لهم أنهم عاجزون عن الوقوف في وجه إرادة اللّه، القاضية بلزوم إقامة الحجة على الناس كافة، وفق ما يريده اللّه و يرتضيه. و أدركوا: أن استمرارهم في المواجهة السافرة قد يؤدي بهم إلى حرب حقيقية، مع اللّه و رسوله، و بصورة علنية و مكشوفة.

فلم يكن لهم بد من الرضوخ، و الانصياع، لا سيما بعد أن أفهمهم اللّه سبحانه: أنه يعتبر عدم إبلاغ هذا الأمر بمثابة عدم إبلاغ أصل الدين،

و أساس الرسالة، و أن معارضتهم لهذا الإبلاغ، تجعلهم في جملة أهل الكفر، المحاربين، الذين يحتاج الرسول إلى العصمة الإلهية منهم.

و هذه الأمور الثلاثة قد تضمنتها الآية الكريمة التي حددت السياسة الإلهية تجاههم، فهي تقول:

وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (1).

و التركيز على هذه الأمور الثلاثة معناه: أن القرار الإلهي هو أنه تعالى سوف يعتبر عدم تبليغ هذا الأمر للناس بصورة علنية بمثابة العودة إلى نقطة الصفر، و خوض حروب في مستوى بدر، و أحد و الخندق، و حنين و سواها من الحروب التي خاضها المسلمون ضد المشركين، من أجل تثبيت أساس الدين و إبلاغه.

و من الواضح لهم: أن ذلك سوف ينتهي بهزيمتهم و فضيحتهم، و ضياع كل الفرص، و تلاشي جميع الآمال في حصولهم على امتياز يذكر، أو بدونه، حيث تكون الكارثة بانتظارهم، حيث البلاء المبرم، و الهلاك و الفناء المحتّم.

فآثروا الرضوخ-مؤقتا-إلى الأمر الواقع، و الانحناء أمام العاصفة، في سياسة غادرة و ماكرة. . و لزمتهم الحجة، بالبيعة التي أخذت منهم له «عليه السلام» في يوم الغدير. و قامت الحجة بذلك على الأمة بأسرها أيضا. و لم يكن المطلوب أكثر من ذلك. و كان ذلك قبل استشهاده «صلى اللّه عليه


1) الآية 67 من سورة المائدة.

و آله» بسبعين يوما. .

سياسة الفضائح:

و لكن ذلك لم يكن ليمنعهم من ادعاء التوبة عما صدر عنهم، و الندم على ما بدر منهم، و ادعاء أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رضي عليهم و سامحهم، و أنه قد استجدت أمور دعت النبي إلى العدول عن ذلك كله، فصرف النظر عن تولي الإمام علي «عليه السلام» للأمور بعده. . ربما لأنه رأى أن العرب لن ترضى بهذا الأمر، لأن عليا «عليه السلام» و ترها، و قتل رجالها. . أو لغير ذلك من أسباب. .

1-فكانت قضية تجهيز جيش أسامة، و ظهور عدم انصياعهم لأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و انسحابهم من منظومة ذلك الجيش، و سعيهم في تعطيل مسيره، رغم إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم في ذلك، حتى لقد لعن «صلى اللّه عليه و آله» من تخلف عن جيش أسامة. .

كانت هذه القضية هي الدليل الآخر على أنهم لا يزالون على سياساتهم تجاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنهم كانوا دائما بصدد عصيان أوامره، رغم شدة غضبه «صلى اللّه عليه و آله» ، منهم، و من موقفهم. .

و قد يعتذرون عن ذلك بأن حبهم للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و خوفهم من أن يحدث له أمر في غيبتهم، هو الذي دعاهم إلى هذا العصيان، فليس هو عصيان تمرد و لا هو عن سوء نية، بل هو يدل على أنهم في غاية درجات الحسن و الصلاح. .

ثم إنهم قد يقولون للناس-و قد قالوا ذلك بالفعل-: إن لعن النبي لهم

هو من أسباب زيادة درجات الصلاح فيهم، حيث روى الرواة عنه «صلى اللّه عليه و آله» زورا و بهتانا، أنه قال:

«و اللّه إني بشر، أرضى و أغضب، كما يغضب البشر، اللهم من سببته، أو لعنته، فاجعل ذلك زكاة له و رحمة» . أو نحو ذلك من الألفاظ (1).

2-فجاءت قضية صلاة أبي بكر بالناس، في مرض موته «صلى اللّه عليه و آله» ، و عزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» له عنها، لتفسد عليهم أي ادعاء لأن يكونوا أهلا لما هو أدنى من مقام إمامة الأمة، و خلافة النبوة، فإن


1) راجع: مسند أحمد ج 2 ص 243 و 493 و ج 6 ص 52 و صحيح مسلم ج 8 ص 26 و 27 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 151 و مجمع الزوائد ج 8 ص 267 و فتح الباري ج 11 ص 147 و أبو هريرة لشرف الدين ص 43 ص 91 و قاموس الرجال ج 10 ص 125 و التاريخ الكبير للبخاري ج 4 ص 109 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 326 و أسد الغابة ج 4 ص 386 و البداية و النهاية ج 8 ص 113 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 267 و ج 2 ص 251 و 252 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 434 و عمدة القاري ج 22 ص 310 و عون المعبود ج 12 ص 270 و 271 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 275 و ج 2 ص 543 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 200 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 444 و الإستذكار ج 2 ص 75 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 261 و اللمع في أسباب ورود الحديث ص 82 و كنز العمال ج 3 ص 609 و 611 و 613 و الفتح السماوي ج 2 ص 768 و تفسير السمعاني ج 2 ص 369 و ج 3 ص 223 و أحكام القرآن ج 3 ص 431 و تفسير الرازي ج 22 ص 231 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 227 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 24 و 25 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 587 و 589 و 617 و الغدير ج 8 ص 251 و 252.

عدم الأهلية حتى للإمامة في الصلاة، التي لا تحتاج إلا إلى صحة القراءة «و العدالة» (1)، يكشف عن عدم الصلاحية لمقام الإمامة الذي يحتاج إلى العلم الغزير، و إلى العدالة، و إلى الشجاعة، و إلى غير ذلك من صفات. .

و لكنهم قد يعتذرون عن ذلك أيضا بالتشكيك في اشتراط العدالة، و يروون عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» زورا و بهتانا أيضا أنه قال: «صلوا خلف كل بر و فاجر» . . ثم يفتي فقهاؤهم بذلك، أو يدّعون أن النبي هو الذي صلى خلف أبي بكر، كما صلى-بزعمهم الفاسد و رأيهم الكاسد- خلف عبد الرحمن بن عوف. . و يدّعون. . و يدّعون. .

3-فجاءت قضية كتابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» الكتاب الذي لن يضلوا بعده أبدا، لتظهر كيف أنهم لا يتورعون حتى عن اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عقله، حتى ليقول قائلهم: «إن النبي ليهجر» ! ! أو قال كلمة معناها: «غلبه الوجع» .

رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يصرح لهم بأنه يريد أن يعين الخليفة من بعده، بل قال: «أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا» . . فواجهوه بهذا الأمر العظيم، فكيف لو زاد على ذلك ما هو أوضح و أصرح؟ !

ألا يحتمل أن يبادروا حتى إلى قتله؟ !

و قد يعتذرون عن ذلك أيضا بأن الذي تجرأ على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و واجهه بهذا القول، هو عمر بن الخطاب قد ندم و تاب، و قد يدعون أنه اعتذر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عذره


1) وفق مذهب أهل البيت «عليهم السلام» فقط.

و صفح عنه و سامحه.

بل لقد قالوا: إن ما صنعه عمر، من منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من كتب الكتاب كان هو الأصح و الأصلح، و أنه لو كتب ذلك الكتاب لاختلف المسلمون، و لكانت المصيبة أعظم. و سيأتي بيان ذلك

4-فجاء ما جرى على السيدة الزهراء «عليها السلام» ليؤكد إصرارهم على مناوأة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أهدافه، و على أنهم لا يتورعون حتى عن الاعتداء على البنت الوحيدة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . إلى حد إسقاط الجنين، و كسر الضلع، و ضربها إلى حد التسبب باستشهادها. . و ذلك بعد أن جمعوا الألوف من المقاتلين، خصوصا من قبيلة بني أسلم. التي كانت تعيش أعرابيتها بالقرب من المدينة، و قد قال تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ (1).

و قد يعتذرون عن ذلك و يقولون للناس أيضا: لعن اللّه الشيطان لقد كانت ساعة غضب و عجلة، و لم نكن نحب أن نسيء إلى بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و قد ندمنا أعظم الندم على ما صدر و بدر منا-رغم أن لنا، أسوة برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه إذا كان النبي قد يبدر منه حين الغضب ما لا يناسب مقامه، وفقا لحديث: إني بشر أرضى و أغضب كما يغضب البشر، اللهم من سببته أو لعنته الخ. . فكيف يمكن تنزيه غيره «صلى اللّه عليه و آله» عن مثل ذلك؟ !

و هذا معناه: أن ما صدر منهم لا يعني بالضرورة أنهم لا يصلحون


1) الآية 101 من سورة التوبة.

لمقام الإمامة و الخلافة، خصوصا و أن ما صدر منهم تجاه السيدة الزهراء «عليها السلام» كان في ساعات حرجة، مشوبة بالكثير من الإنفعال و التوتر، و هم يزعمون: أنهم يسعون فيها إلى حفظ الإسلام، قبل انتشار الأمر، و فساد التدبير. .

5-فجاءت قضية فدك لتبين أن هؤلاء غير صادقين فيما يدّعونه، و أنهم يفقدون أدنى المواصفات لمقام خلافة النبوة، فهم:

غير مأمونين على دماء الناس، كما أظهره فعلهم بالسيدة الزهراء «عليها السلام» .

و غير مأمونين على أعراضهم، كما أوضحه هتكهم لحرمة بيتها، و هي التي تقول: خير للمرأة أن لا ترى رجلا و لا يراها رجل.

و غير مأمونين على أموال الناس كما أوضحه ما صنعوه في فدك. .

فإذا كانوا لا يحفظون أموال و دماء و عرض رسول اللّه، فهل يحفظون دماء و أعراض و أموال الضعفاء من الناس العاديين؟ !

و إذا كانوا يجهلون حكم الإرث، فقد علمتهم إياه السيدة الزهراء «عليها السلام» .

و بعد التعليم، و التذكير، فإن الإصرار يدل على فقدانهم لأدنى درجات الأمانة و العدالة.

فهل يمكنهم بعد ذلك كله ادعاء أنهم يريدون إقامة العدل، و حفظ الدماء، و الأعراض، و الأموال، و تعليم الناس دينهم، و تربيتهم، و بث فضائل الأخلاق فيهم، و غير ذلك. .

و النتيجة من ذلك هي: أن هؤلاء القوم قد أصروا على صرف هذا

الأمر عن الإمام علي «عليه السلام» ، و نكثوا بيعته، و أجبروا الناس على البيعة لهم. .

و قد توسلوا للوصول إلى أهدافهم بقوة السلاح، فجهزوا ألوفا من المقاتلين من قبيلة بني أسلم، و فرضوا على الناس البيعة، و أهانوهم من أجلها، و سحبوهم إلى البيعة من بيوتهم سحبا، و حملوهم عليها قهرا، و جبرا، كما صرحت به النصوص التاريخية.

و كان هناك من يدلهم على البيوت التي اختبأ فيها أفراد لا يريدون البيعة لأبي بكر، فكانوا يستخرجون الرجلين و الثلاثة، و يأتون بهم ملببين، مهانين إلى المسجد ليبايعوا أبا بكر. .

و بعد أن تضايقت سكك المدينة بالرجال المسلحين من بني أسلم و غيرهم، فإنه إن كان هناك أفراد يحبون نصرة الإمام علي «عليه السلام» ، فكيف يمكنهم الوصول إليه؟ ! و قد أخذ الرجال عليهم أقطار الأرض، و آفاق السماء؟ ! !

لقد كان ما جرى إنقلابا مسلحا بكل معنى الكلمة، قام به أناس بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعد إحساسهم بالأمن، و بالقوة.

فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ (1).

وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقٰالَهُمْ وَ أَثْقٰالاً مَعَ أَثْقٰالِهِمْ وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ عَمّٰا كٰانُوا يَفْتَرُونَ (2).


1) الآية 10 من سورة الفتح.

2) الآية 13 من سورة العنكبوت.

تذكير ضروري: الورع و التقوى:

و قد يدور بخلد بعض الناس السؤال التالي: إنه كيف يمكن أن نصدق أن يقدم عشرات الألوف من الصحابة على مخالفة ما رسمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم في أمر الخلافة و الإمامة. و هم أصحابه الذين رباهم على الورع و التقوى، و قد مدحهم اللّه عز و جل في كتابه العزيز، و ذكر فضلهم، و هم الذين ضحوا في سبيل هذا الدين، و جاهدوا فيه بأموالهم و أنفسهم؟ !

و نقول في الجواب:

إن ما يذكرونه حول الصحابة أمر مبالغ فيه. و ذلك لأن الصحابة الذين حجوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبيل وفاته، و إن كانوا يعدون بعشرات الألوف. . و لكن لم يكن هؤلاء جميعا من سكان المدينة، و لا عاشوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» فترات طويلة، تسمح له بتربيتهم و تزكيتهم، و تعليمهم و تعريفهم بأحكام الإسلام، و مفاهيمه.

بل كان أكثرهم من بلاد أخرى، بعيدة عن المدينة أو قريبة منها، و قد فازوا برؤية النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه المرة، و لعل بعضهم كان قد رآه قبلها أو بعدها بصورة عابرة أيضا، و لعله لم يكن قد رآه.

و لعل معظمهم-بل ذلك هو المؤكد-قد أسلم بعد فتح مكة، و في عام الوفود، سنة تسع من الهجرة: فلم يعرف من الإسلام إلا اسمه، و من الدين إلا رسمه، مما هو في حدود بعض الطقوس الظاهرية و القليلة.

و قد تفرق هؤلاء بعد واقعة الغدير مباشرة، و ذهب كل منهم إلى أهله و بلاده.

و لم يبق مع رسول اللّه بعد حادثة الغدير، الا أقل القليل، ربما بضعة

مئات من الناس، ممن كان يسكن المدينة.

و ربما كان فيهم العديد من الخدم و العبيد، و الأتباع، بالإضافة إلى المنافقين الذين هم ممن حولهم من الأعراب و من أهل المدينة، مردوا على النفاق، و لم يكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعلمهم بصورة تفصيلية، و كان اللّه سبحانه هو الذي يعلمهم (1).

قال تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ لاٰ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (2).

هذا إلى جانب فئات من الناس، من أهل المدينة نفسها، كانوا لا يملكون درجة كافية من الوعي للدين، و أحكامه و مفاهيمه، و سياساته، بل كانوا مشغولين بزراعاتهم، و بأنفسهم، و تجاراتهم، و ملذاتهم، فإذا رأوا تجارة أو لهوا، انفضوا إليها، و تركوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» قائما.

و قد تعرض كثير من الناس منهم لتهديدات النبي «صلى اللّه عليه و آله» بحرق بيوتهم، لأنهم كانوا يقاطعون صلاة الجماعة التي كان يقيمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالذات، كما أنه قد كان ثمة جماعة اتخذت لنفسها مسجدا تجتمع فيه، و تركت الحضور في جماعة المسلمين، و هو ما عرف بمسجد الضرار، و قد هدمه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما هو معروف.

و تكون النتيجة هي أن من كان في ساحة الصراع و العمل السياسي في


1) الظاهر: أنه لا يعلمهم في مقام الظاهر، وفقا لوسائل العلم العادية، أما بعلم الشاهدية، فإنه كان «صلى اللّه عليه و آله» يرى أعمال الخلائق. .

2) الآية 101 من سورة التوبة.

المدينة، هم أهل الطموحات، و أصحاب النفوذ من قريش، صاحبة الطول و الحول في المنطقة العربية بأسرها. بالإضافة إلى أفراد معدودين من غير قريش أيضا.

فكان هؤلاء هم الذين يدبرون الأمور، و يوجهونها بالإتجاه الذي يصب في مصلحتهم، و يؤكد هيمنتهم، و يحركون الجماهير بأساليب متنوعة، اتقنوا الاستفادة منها بما لديهم من خبرات سياسية طويلة.

فكانوا يستفيدون من نقاط الضعف الكثيرة لدى السذّج و البسطاء، أو لدى غيرهم ممن لم يستحكم الإيمان في قلوبهم بعد، ممن كانت تسيّرهم الروح القبلية، و تهيمن على عقلياتهم و روحياتهم المفاهيم و الرواسب الجاهلية.

و كان أولئك الذين و ترهم الإسلام-أو قضى على الإمتيازات التي لا يستحقونها، و قد استأثروا بها لأنفسهم ظلما و علوا-كانوا-يسارعون إلى الاستجابة إلى أي عمل يتوافق مع أحقادهم، و ينسجم مع مشاعرهم و أحاسيسهم الثائرة ضد كل ما هو حق و خير، و دين و إسلام.

و هذا هو ما عبر عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حينما ذكر: أن تأخيره إبلاغ أمر الإمامة بسبب أنه كان يخشى قومه، لأنهم قريبو عهد بجاهلية، بغيضة و مقيتة، لا يزال كثيرون منهم يعيشون بعض مفاهيمها، و تهيمن عليهم بعض أعرافها.

و هكذا يتضح: أن الأخيار الواعين من الصحابة، كانوا قلة قليلة. و حتى لو كثر عددهم، فإن الآخرين هم الذين كانوا يقودون التيار، بما تهيأ لهم من عوامل و ظروف، في المدينة التي كانت بمثابة قرية صغيرة، لا يصل عدد سكانها إلى بضعة ألوف من الناس، لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة، قد

عرفنا بعض حالاتهم، فكان أن تمكنوا من صرف أمر الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن أصحابها الشرعيين، إلى غيرهم، حسبما هو مذكور و مسطور في كتب الحديث و التاريخ.

محاولة قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

هذا. . و قد تقدم: أن بعض النصوص يقول: إن التنفير برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلة العقبة، ليسقط في ذلك الوادي السحيق قد كان بعد حجة الوداع، و بعد البيعة لعلي «عليه السلام» في يوم الغدير (1).

و لعله يمكن ترجيح هذا القول لكثير من الإعتبارات التي اتضح جانب كبير منها.

خلاصة و بيان:

و بعد ما تقدم، فإنه يصبح واضحا أن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» كان يواجه عاصفة من التحدي، و الإصرار على إفشال الخطط الإلهية، بأي ثمن كان، و بأي وسيلة كانت!

و أن التدخل الإلهي، و التهديد القرآني إنما هو موجه إلى العناصر التي أثارت تلك العاصفة، لإفهامهم: أن إصرارهم على التحدي، يوازي في خطورته و في زيف نتائجه، وقوفهم في وجه الدعوة الإلهية من الأساس.


1) البحار ج 28 ص 99 و إرشاد القلوب للديلمي ص 331 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 272 و العقد النضيد و الدر الفريد لمحمد بن الحسن القمي ص 114 و المحتضر ص 109 و البحار ج 28 ص 128.

و قد حسم هذا التدخل الموقف، و لجم التيار، لا سيما بعد أن صرح القرآن بكفر من يتصدى، و يتحدى، و تعهد بالحماية و العصمة له «صلى اللّه عليه و آله» : وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (1).

و إذا كان اللّه سبحانه هو الذي سيتصدى لكل معاند و جاحد، فمن الواضح: أنه ليس بمقدور أحد أن يقف في وجه الإرادة الإلهية، فما عليهم إلا أن ينسحبوا من ساحة التحدي، من أجل أن يقيم اللّه حجته، و يبلغ الرسول «صلى اللّه عليه و آله» دينه و رسالته.

و ليبوؤوا بإثم المكر و البغي، و ليحملوا و زر النكث و الخيانة. .


1) الآية 67 من سورة المائدة.

الباب الثاني عشر: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و إستشهاده. . أحداث و سياسات

اشارة

الفصل الأول: مرض النبي و وصاياه

الفصل الثاني: سرية أسامه بن زيد

الفصل الثالث: الكتاب الذي لم يكتب

الفصل الرابع: تمحلات بالية و أعذار واهية

الفصل الخامس: عزل أبي بكر عن الصلاة

الفصل السادس: أحداث الوفاة في النصوص و الآثار

الفصل السابع: تغسيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

الفصل الثامن: تكفين النبي صلّى اللّه عليه و آله و الصلاة عليه

الفصل الأول: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و وصاياه

اشارة

مدة مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال الحافظ: اختلف في مدة مرضه «صلى اللّه عليه و آله» ، فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يوما.

و قيل: بزيادة يوم.

و قيل: بنقصه.

و قيل: تسعة أيام. رواه البلاذري عن علي «عليه السلام» .

و قيل: عشرة، و فيه جزم سليمان التيمي.

و كان يخرج إلى الصلاة إلا أنه انقطع ثلاثة أيام.

قال في العيون: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يصلي بالناس، فصلى بهم فيما روينا سبع عشرة صلاة، و رواه البلاذري عن أبي بكر بن أبي سبرة (1).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 244 و فتح الباري ج 8 ص 98 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 130 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 507 و البداية و النهاية ج 5 ص 276 و عمدة القاري ج 18 ص 60 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 26 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 298 و سير أعلام النبلاء ج 8 ص 506.

حديث لد النبي صلّى اللّه عليه و آله خرافة:

و قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد لدّ في مرض موته (1)، (أي أنهم داووه باللدود، و هو من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم) (2)، في اليوم الذي ثقل فيه، و اشتد ما يجده حتى أغمي عليه، و ذلك في يوم الأحد (3)، قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله» بيوم واحد.

فمن النصوص و الآثار التي حكت لنا ذلك:

1-ما رواه البخاري و غيره عن عائشة قالت: لددناه في مرضه، فجعل يشير إلينا: أن لا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟

قلنا: كراهية المريض للدواء.

فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد و أنا أنظر، إلا العباس فإنه لم


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 31 و ج 10 ص 266 و 267 و ذخائر العقبى ص 192 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 438 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 434 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1065 و عمدة القاري ج 18 ص 73 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 228 و البداية و النهاية ج 5 ص 245 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 328 و ج 14 ص 433 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 446.

2) و في لسان العرب ج 3 ص 390 عن الفراء، قال: اللد أن يؤخذ بلسان الصبي فيمد إلى أحد شفتيه، و يوجر في الآخر الدواء في الصدف بين اللسان و بين الشدق.

3) كنز العمال ج 10 ص 573.

يشهدكم (1).

2-و لفظ محمد بن سعيد: كانت تأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخاصرة، فاشتدت به فأغمي عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: هذا من فعل نساء جئن من هنا، و أشار إلى الحبشة، و إن كنتم ترون أن اللّه يسلط علي ذات الجنب، ما كان اللّه ليجعل لها علي سلطانا، و اللّه لا يبقى أحد في البيت إلا لد، فما بقي أحد في البيت إلى لد، و لددنا ميمونة و هي صائمة (2).

3-و من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن: أن أم سلمة و أسماء بنت عميس أشارتا بأن يلدوه (3).

و في رواية رواها عبد الرزاق بسند صحيح: أن قضية اللد قد جرت في


1) صحيح البخاري ج 3 ص 54 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 143 و ج 7 ص 17 و ج 8 ص 40 و 42 و صحيح مسلم ج 7 ص 24 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 199 و عمدة القاري ج 18 ص 73 و ج 21 ص 248 و 249 و ج 24 ص 48 و 57 و تغليق التعليق ج 4 ص 164 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 554 و كتاب الوفاة للنسائي ص 29 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 170 و البداية و النهاية ج 5 ص 246 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 437 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 42 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 255 و 375 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 32، و مسند أحمد ج 1 ص 53 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 449.

2) فتح الباري ج 8 ص 112 و 113 و عمدة القاري ج 18 ص 73 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 228.

3) راجع: فتح الباري ج 8 ص 113 و في الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 236: أنهما لدتاه. .

بيت ميمونة، و أن نساءه تشاورن في ذلك، فلما أفاق قال: هذا من فعل نساء جئن من ها هنا و أشار إلى الحبشة (1).

4-قال المعتزلي: «و إن أهل داره ظنوا: أن به ذات الجنب فلدوه و هو مغمى عليه، و كانت العرب تداوي باللدود من ذات الجنب، فلما أفاق علم أنهم قد لدّوه، فقال: «لم يكن اللّه ليسلطها عليّ، لدوا كل من في الدار» ،

فجعل بعضهم يلد بعضا» (2).

5-و في رواية عن العباس: أنه دخل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عنده نساؤه فاستترن مني إلا ميمونة، فقال: لا يبقى في البيت أحد شهد اللد إلا لد الخ. . (3).

6-و في رواية مطولة عن عائشة، قالت: و فزع الناس إليه، فظننا أن به


1) راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 429 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 42 و موارد الظمآن ج 7 ص 57 و كنز العمال ج 7 ص 268 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 333 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 131 و المعجم الكبير ج 24 ص 140 و فتح الباري ج 8 ص 112، و المستدرك للحاكم ج 4 ص 202 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 553 و مجمع الزوائد ج 9 ص 33 و مسند أحمد ج 1 ص 438، لكن فيه: أن الذي اتهم نساء الحبشة هو غير النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

2) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 266 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 62 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 236.

3) مسند أحمد ج 1 ص 209 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 333 و راجع: مجمع الزوائد ج 5 ص 181 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 62 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 252.

ذات الجنب، فلددناه ثم سرّي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أفاق فعرف أنه قد لد، و وجد أثر اللدود، فقال: ظننتم أن اللّه عز و جل سلطها علي؟ ما كان اللّه يسلطها علي، و الذي نفسي بيده، لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي، فرأيتهم يلدونهم رجلا رجلا.

و قالت عائشة، و من في البيت يومئذ فتذكر فضلهم، فلد الرجال أجمعون، و بلغ اللدود أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلددن امرأة امرأة، حتى بلغ اللدود امرأة منا-قال ابن أبي الزناد: لا أعلمها إلا ميمونة قال: و قال بعض الناس: أم سلمة-قالت: إني و اللّه صائمة.

فقلنا: بئسما ظننت أن نتركك و قد أقسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلددناها، و اللّه يابن أختي، و إنها لصائمة (1).

7-عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن خير ما تداويهم به السعوط، و اللدود، و الحجامة، و المشي.

فلما اشتكى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لده أصحابه، فلما فرغوا قال: لدوهم، قال: فلدوا كلهم غير العباس. . (2).

و عنه أيضا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لدّه العباس و أصحابه،


1) مسند أحمد ج 6 ص 118 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 203 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 332 و تغليق التعليق ج 4 ص 166 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 354 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 227.

2) سنن الترمذي ج 3 ص 262 و 264 و الطب النبوي لابن القيم الجوزي ص 41 و العهود المحمدية للشعراني ص 586 و الفائق ج 3 ص 313 و النهاية ج 4 ص 245، و زاد: أنه فعل ذلك عقوبة لهم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من لدّني؟ فكلهم أمسكوا.

فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد غير عمه العباس.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عباد بن منصور (1).

8-و أخيرا. . فقد روت عائشة قالت: أغمي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الدار مملوءة من النساء: أم سلمة، و ميمونة، و أسماء بنت عميس، و عندنا عمه العباس بن عبد المطلب، فأجمعوا على أن يلدّوه، فقال العباس: لا ألده، فلدوه.

فلما أفاق قال: من صنع بي هذا؟

قالوا: عمك.

قال لنا: هذا دواء جاء من نحو هذه الأرض-و أشار إلى أرض الحبشة- قال: فلم فعلتم ذلك؟

فقال العباس: خشينا يا رسول اللّه أن يكون بك ذات الجنب.

فقال: إن ذلك لداء ما كان اللّه ليقذفني به، لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا عمي.

قال: فلقد لدت ميمونة و إنها لصائمة لقسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، عقوبة لهم بما صنعوا. . (2).


1) سنن الترمذي ج 3 ص 265.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 31 و 32 و ذخائر العقبى ص 192 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 438 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1065 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 471 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 333 و المعجم الكبير ج 24 ص 140.

و نحن بدورنا لا نصدق هذه الروايات، و ذلك لما يلي:

أولا: عدا عن المناقشة في أسانيدها. فإن في هذه الروايات تناقضا و اختلافا، و نحن نكتفي بذكر موارد خمسة لهذه التناقضات، و نترك الباقي لنظر القارئ و ملاحظته، فنقول:

1-رواية تذكر: أن العباس قد لدّه.

و أخرى تقول: إنه رفض أن يلدّه، و اكتفى بالإشارة بذلك. .

و ثالثة تقول: لم يشارك لا في لدّه و لا في المشورة به (1).

2-واحدة تقول: إن صحابته قد لدّوا رجلا رجلا حتى بلغ اللدود نساءه «صلى اللّه عليه و آله» .

و أخرى تذكر: أن اللد كان للنساء فقط. .

و ثالثة تذكر: أن اللد كان لصحابته، و لا تشير إلى النساء أصلا. .

3-ثم هناك الخلاف في من التدت و هي صائمة، هل هي: أسماء بنت عميس، أو هي ميمونة. .

4-واحدة تذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعرف باللد إلا عندما أفاق، حيث وجد أثره في فمه، و أخرى تذكر أنه نهاهم عن ذلك صراحة أو بالإشارة، و لكنهم لم يمتثلوا لأنهم اعتبروا أن ذلك منه كراهة المريض للدواء. .

5-رواية تذكر: أن اللدود دواء جاءهم من قبل الحبشة. . و أخرى تقول: «كانت العرب تداوي باللدود من به ذات الجنب» .


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 32 و 33 و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابفة.

إلا أن يقال: لا منافاة بينهما، فلعله كان يأتي من الحبشة، فتأخذه العرب، فتداوي به مرضاها.

ثانيا: لقد صرحت رواية المعتزلي، و الزمخشري، و ابن الأثير (1): بأن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يلدهم جميعا عقوبة لهم. . و هذا «فيه نظر، لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك» (2)فلماذا يعاقب غير الجناة؟ ! . .

و لو سلم أنهم جميعا استحقوا العقوبة لتركهم الإنكار على الفاعلين، و لا سيما مع نهيه «صلى اللّه عليه و آله» لهم عن ذلك. .

فيرد عليه: أنهم إذا كانوا قد ظنوا أنه «صلى اللّه عليه و آله» نهاهم عن ذلك كراهية المريض للدواء كما يدّعون، فهم معذورون في ذلك لأنهم قد انساقوا مع تأويلهم و فهمهم. .

هذا كله، عدا عن أن بعض الروايات تنكر أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد نهاهم عن ذلك، بل تصرح: بأنه لم يعرف بالأمر إلا بعد إفاقته من إغمائه. .

و لو سلم. . فإنهم في فعلهم ذلك كانوا يحسبون أنهم يحسنون له «صلى اللّه عليه و آله» ، و يبّرونه، و يحافظون عليه، فهل هم مع هذا يستحقون عقابا أو تأديبا كما يزعمه العسقلاني؟ ! (3).

و هل ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» لهم إلا كجزاء سنمار؟ ! . .

ثم أليس يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ينتقم لنفسه من


1) الفائق ج 3 ص 313، و النهاية ج 4 ص 245، و فيهما: فعل ذلك عقوبة لهم، لأنهم لدوه بغير إذنه. و راجع المصادر في الهوامش السابقة.

2) فتح الباري ج 8 ص 112.

3) نفس المصدر السابق.

أحد؟ ! (1)، فلماذا غيّر عادته في هذا الوقت بالذات؟ ! . .

و لو سلم أنهم يستحقون العقاب، فهل عقابهم يكون على هذه الصورة؟ ! .

و هل كل من لدّ شخصا مع عدم رضاه تكون عقوبته اللّد في المقابل؟ ! .

و كيف صار عقاب المرتكب للجريمة هو نفس عقاب الراضي بالفعل، و هل كل من رضي بفعل قوم لا بد و أن يتعرض لنفس العقاب الذي يتعرّضون له؟ ! فلو قتل رجل رجلا و رضي به آخر، فهل يقتلان معا: الراضي و القاتل على حد سواء؟ ! . .

إلى غير ذلك من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة مقنعة و مفيدة. .

ثالثا: الرواية تصرح: بأن اللّه لم يكن ليبتليه «صلى اللّه عليه و آله» بذات الجنب. . و لكن أبا يعلى روى لنا بسند فيه ابن لهيعة، عن عائشة نفسها: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مات من ذات الجنب (2).

قال المعتزلي: «و احتج الذاهبون إلى أن مرضه كان ذات الجنب بما روي من انتصابه و تعذر الإضطجاع و النوم عليه.

قال سلمان الفارسي: دخلت عليه صبيحة يوم قبل اليوم الذي مات فيه، فقال لي: يا سلمان، ألا تسأل عما كابدته الليلة من الألم و السهر أنا و علي؟

فقلت: يا رسول اللّه، ألا أسهر الليلة معك بدله؟


1) نفس المصدر السابق.

2) تهذيب التهذيب ج 5 ص 331 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 227 و المعجم الأوسط ج 9 ص 6 و فتح الباري ج 8 ص 113، و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 267 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 258 و عمدة القاري ج 21 ص 253 و مجمع الزوائد ج 9 ص 34 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 405.

فقال: لا، هو أحق بذلك منك» (1).

و قال من شرح قول علي «عليه السلام» في نهج البلاغة: (و فاضت بين نحري و صدري نفسك) «يروى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قذف دما يسيرا وقت موته، و من قال بهذا القول زعم أن مرضه كان ذات الجنب، و أن القرحة التي كانت في الغشاء المستبطن للإضلاع انفرجت في تلك الحال، و كانت فيها نفسه «صلى اللّه عليه و آله» . .» (2).

رابعا: لو سلمنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يمت من ذات الجنب، و إنما مات بالحمى و السرسام الحار. . فإننا لا يمكن أن نقبل أنهم ظنوا: أن به ذات الجنب، و ذلك لأن الحاكم قد روى في المستدرك أن: «ذات الجنب من الشيطان. .» (3).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 267 و 266 على الترتيب، و راجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص 129 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 381 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 533.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 267 و 266 على الترتيب.

3) المستدرك ج 4 ص 405 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 577 و مسند أحمد ج 6 ص 274 و فتح الباري ج 8 ص 113 و عمدة القاري ج 21 ص 253 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 459 و ج 12 ص 228 و كنز العمال ج 11 ص 469 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 438 و البداية و النهاية ج 5 ص 245 و إمتاع الأسماع ج 10 ص 328 و ج 11 ص 228 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 433 و 435 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 2 ص 120 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 446.

فإذا كانت من الشيطان فلا يصح أن يتوهموا أن به ذات الجنب، لأن الشيطان ليس له سلطان على عباد اللّه الصالحين من المؤمنين، فكيف بسيد الأنبياء و المرسلين: إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ (1)و قال تعالى حكاية لكلام الشيطان: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ (2).

و قول ابن حجر العسقلاني: إن ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين: الورم الحار الذي يعرض للغشاء المستبطن، و الآخر ريح محتقن بين الأضلاع، و الأول هو المنفي له «صلى اللّه عليه و آله» عن نفسه (3).

لا يحل الإشكال، لأنه لو كان كذلك. . فقد كان عليه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يبين أيهما هو المعني بكلامه نفيا و إثباتا. . و كان على الباحثين ذكر ذلك عنه، و إذا كان كذلك و لم يبين فلا بد أن يحمل كلامه على ما هو المتعارف، و التفكيك في كلامه يحتاج إلى دليل.

ثم كيف يكون هذا هو المنفي في كلامه مع أنه هو الذي يقولون: إنه مات به كما تقدّم نقله عن المعتزلي؟ ! . .

خامسا: إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» مغمى عليه حينما لدّوه كما تقول رواية البخاري، فما معنى تصريح نفس تلك الرواية بأنه «صلى اللّه عليه و آله» يشير إلينا أن لا تلدّوني؟ ! .

فقلنا: كراهة المريض للدواء.


1) الآية 42 من سورة الحجر.

2) الآية 83 من سورة ص، و الآية 40 من سورة الحجر.

3) فتح الباري ج 8 ص 112 و ج 10 ص 145 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 228.

و روايات أخرى تصرح: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بأنهم لدّوه بعد إفاقته من الإغماء. و هذا يتنافى مع رواية البخاري: إنه أشار إليهم أن لا يلدّوه، فقالوا: كراهة المريض للدواء.

سادسا: قول بعض الروايات: إن جميع أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد احتجبن من العباس سوى ميمونة غريب، فإن العباس و إن كان زوج أخت ميمونة، و لكن ذلك لا يخرجه عن كونه رجلا أجنبيا عنها كسائر الرجال الأجانب، فلماذا لا تحتجب منه ميمونة زوج النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! ! .

و أخيرا. . فقد قال المعتزلي: «و سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد البصري عن حديث اللدود، فقلت: ألدّ علي بن أبي طالب ذلك اليوم؟ فقال: معاذ اللّه، لو كان لدّ لذكرت عائشة ذلك فيما تذكره و تنعاه عليه.

قال: و قد كانت فاطمة حاضرة في الدار، و ابناها معها، أفتراها لدّت أيضا؟ و لدّ الحسن و الحسين؟ ! كلاّ، و هذا أمر لم يكن، و إنما هو حديث ولّده من ولّده تقريبا إلى بعض الناس الخ. .» .

ثم يذكر: أن من لدّ هو فقط أسماء بنت عميس و ميمونة، و أن الدواء جاء به جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة (1).

و لكن كيف ذلك و نحن نرى ابن أبي الحديد نفسه يصّرح: بأن اللدود كانت تستعمله العرب لذات الجنب؟ ! (2)كما تقدم.


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 32.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 266.

و هكذا يتضح: أن هذه الرواية لا يمكن أن تصح، و أن ذكرها في صحيح البخاري و غيره لا يبرر الالتزام بها، و تصديقها. .

و لعل سر اختلاقها هو إظهار صحة نسبة الهجر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مرضه. و لعل النقيب المعتزلي يشير إلى هذا في عبارته الآنفة.

و ما أكثر الأكاذيب و المفتريات على نبي الأمة الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، رد اللّه كيد الكاذبين و المنحرفين إلى نحورهم، و عصمنا من الزلل في الفكر و في القول و العمل.

الدنانير و عائشة:

عن سهل بن سعد قال: كان عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبعة دنانير وضعها عند عائشة، فلما كان في مرضه قال: يا عائشة، ابعثي الذهب إلى علي، ثم أغمي عليه، و شغل عائشة ما به، حتى قال ذلك مرارا، كل ذلك يغمى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يشغل عائشة ما به، فبعث به إلى علي فتصدق به (1).

و عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 250 عن ابن سعد و الطبراني برجال الصحيح، و راجع: مجمع الزوائد ج 3 ص 124 و العهود المحمدية للشعراني ص 158 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 239 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 515 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 627 و المعجم الكبير ج 6 ص 198 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 472.

و آله» قال لعائشة-و هي مسندته إلى صدرها-: «يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟

قالت: هي عندي.

قال: فأنفقيها، ثم غشي عليه و هو على صدرها، فلما أفاق قال: هل أنفقت تلك الذهب يا عائشة؟ !

قالت: لا و اللّه يا رسول اللّه.

قالت: فدعا بها فوضعها في كفه، فعدها، فإذا هي ستة دنانير، فقال: ما ظن محمد بربه أن لو لقي اللّه و هذه عنده؟ فأنفقها كلها، و مات من ذلك اليوم (1).

و عن عائشة قالت: قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في وجعه الذي مات فيه: ما فعلت بالذهب؟

قلت: هو عندي يا رسول اللّه.

قال: ائت بها.

فأتيت بها، فجعلها في كفه، و هي بين الخمس و السبع، فرفع بها كفه و قال: أنفقيها، و قال: ما ظن محمد إن لقي اللّه و هذه عنده، أنفقيها (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 250 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 237 و راجع: إمتاع الأسماع ج 14 ص 516.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 250 عن مسدد، و أبي عمر، و ابن أبي شيبة، و أحمد برجال الصحيح، و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 110 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 292 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 238 و صحيح ابن حبان ج 8 ص 8.

و عن سهل بن يوسف عن أبيه عن جده قال: أعتق النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مرضه أربعين نفسا (1).

و نقول: 1-لا ندري لماذا تتوانى عائشة في تنفيذ أمر النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لها بإرسال الذهب إلى علي «عليه السلام» ، حتى تلجئه إلى معاودة هذا الأمر مرارا و تكرارا، من دون فائدة أو عائدة؟ ! حتى اضطر أن يبادر هو بنفسه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن يبعث به لعلي «عليه السلام» ليتصدق به؟ !

و ما الذي كان يشغل عائشة عن امتثال ما يأمرها به النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! ألم تكن عائشة تستطيع أن تقول لأي إنسان دخل عليها: خذ تلك الدنانير التي في ذلك المكان إلى علي ليتصدق بها؟ !

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يعاني من الأوجاع، فمم كانت عائشة تعاني؟ !

و ما الذي كانت تفعله للنبي «صلى اللّه عليه و آله» حين كان يتوجع، أو يغمى عليه؟ ! أليس غاية ما تدّعي أنها فعلته له أنها أسندته و هو في وجعه إلى صدرها؟ !

و مع افتراض صحة ذلك، فهل كان هذا يمنعها من امتثال أمره «صلى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 250 عن أبي طاهر المخلص، و إمتاع الأسماع ج 6 ص 302 و ج 14 ص 516 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 422 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 27.

اللّه عليه و آله» الذي كرره عليها مرارا و تكرارا؟ !

ألم يكن بإمكانها أن تستفيد من نفس الوسيلة التي استفاد منها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين اضطر هو إلى مباشرة إرسال تلك الدنانير إلى عليه «عليه السلام» ؟ !

و هل كانت ستتلكأ إلى هذا الحد لو كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرها بإرسال تلك الدنانير إلى أبيها، أو إلى أي كان من الناس غير علي «عليه السلام» ؟ !

و ألا يعتبر تلكؤها هذا من موجبات الأذى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و أين كانت سائر نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه في يوم موته؟ ! فلا نسمع إلا اسم عائشة يتردد في كل اتجاه؟ !

و لماذا تركه الناس كلهم حتى علي «عليه السلام» ، و تركته نساؤه كلهم إلا عائشة، فتكون هي الوحيدة التي تسنده إلى صدرها، و تهتم بأوجاعه، و تعصي أوامره؟ ! كما ترويه لنا عائشة نفسها! !

و أين كانت عنه ابنته الوحيدة فاطمة «عليها السلام» في ساعاته الأخيرة و الحرجة؟ !

2-أما رواية ابن حنطب، فقد استبعدت عليا «عليه السلام» بالكلية، و قررت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وضع الدنانير في كفه، و لم تذكر أنه أنفقها بنفسه، أو أرسلها إلى أحد من الناس! ! و إلى من أرسلها! !

لقد سكتت و لم تذكر شيئا من ذلك، ثم جاءت رواية عائشة لتستأثر هي بإنفاق هذه الدنانير، و تستبعد عليا «عليه السلام» حتى من دائرة

الإحتمال بالكلية. .

فتبارك اللّه أحسن الخالقين. .

3-أما ما رواه أبو طاهر فنلاحظ عليه: أنه لم يذكر لنا عن هؤلاء الأربعين الذين أعتقهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مرض موته شيئا يعرفنا بهم، أو بأسمائهم، و انتماءاتهم، و خصوصياتهم. كما أننا لم نجد أحدا ممن تقدم على أبي طاهر قد روى شيئا من ذلك، و إن كنا لا نمنع من وقوعه. .

فاطمة عليها السّلام أول أهل بيته لحوقا به:

عن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يغادر منهم امرأة في وجعه الذي مات فيه، و ما رأيت أحدا أشبه سمتا و هديا و دلاّ برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في قيامها و قعودها من فاطمة، و كانت إذا دخلت عليه قام إليها، و قبلها، و أجلسها في مجلسه، و كان إذا دخل عليها فعلت ذلك.

فلما مرض جاءت تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: مرحبا يا بنتي. فأجلسها عن يمينه، أو عن شماله، فأكبت عليه تقبله، فسارها بشيء، فبكت، ثم سارها فضحكت.

فقلت: ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك، قلت لها: ما خصك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسرار و تبكين.

فلما أن قامت قلت لها: أخبريني بما سارك؟

قالت: ما كنت لأفشي سر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فلما أن توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني.

قالت: أما الآن فنعم، سارني فقال: إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، و إنه عارضني العام مرتين، و إنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش بعده نصف عمر الذي كان قبله، و لا أرى ذلك إلا اقترب أجلي.

و في لفظ: فقالت: إنه أخبرني أنه يقبض في وجعه، فاتقي اللّه و اصبري، إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزنة منك، فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرا، فنعم السلف أنا لك، فبكيت.

ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة.

و في لفظ: «أخبرني أني أول أهله لحوقا به، فضحكت ضحكي الذي رأيت» (1).

قال الصالحي الشامي:

قال الحافظ-أي العسقلاني-: اتفقت الروايات على أن الذي سارها به أولا فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت في مرضه ذلك، و اختلف فيما سارها به فضحكت.

ففي رواية عروة: أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقا به.

و في رواية مسروق: بأنه إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنة، و جعل كونها أول أهله لحوقا به، مضموما إلى الأول و هو الراجح، و يحتمل تعدد


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 251 عن الخمسة، و الطبراني، و ابن حبان، و الحاكم.

القضية (1).

و نقول:

1-إن من القريب جدا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» ، قد أخبر ابنته


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 251 و راجع: ينابيع المودة ج 2 ص 55 و راجع: صحيح البخاري (ط مطبعة الأميرية) ج 4 ص 203 و صحيح مسلم ج 7 ص 142 و مسند الطيالسي ص 196 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 26 و حلية الأولياء ج 2 ص 39 و الخصائص للنسائي (ط دار التقدم بمصر) ص 34 و مصابيح السنة (ط دار الخيرية بمصر) ج 2 ص 204 و مسند أحمد ج 6 ص 282 و أنساب الأشراف ج 1 ص 552 و صفة الصفوة (ط حيدر آباد) ج 2 ص 5 و طرح التثريب ج 1 ص 149 و المختار من مناقب الأخيار (ط دمشق) ص 56 و نظم درر السمطين ص 179 و تذكرة الخواص ص 319 و منتخب تاريخ ابن عساكر ج 1(ط الترقي بدمشق) ص 298 و البداية و النهاية ج 5 ص 226 و جمع الفوائد ج 2 ص 233 و تكملة المنهل العذب المورود ج 3 ص 222 و الثغور الباسمة (ط بمبي) ص 13 و أشعة اللمعات في شرح المشكاة ج 4 ص 693 و وسيلة النجاة للمولوي ص 228 و مرآة المؤمنين ص 190 و أضواء على الصحيحين ص 345 و فضائل الصحابة ص 77 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 518 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 112 و المعجم الكبير ج 22 ص 419 و عن أسد الغابة ج 5 ص 522 و الأوائل للطبراني ص 84 و عن المصادر التالية: كتاب الأربعين للماحوزي ص 314 و فتح الباري ج 8 ص 103 و مسند أبي يحيى الكوفي ص 79 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 7 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 96 و 146 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 448 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 120 و كشف الغمة ج 2 ص 80.

السيدة الزهراء «عليها السلام» بالأمرين معا، أي أنه قال لها أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» ميت في مرضه ذلك، فبكت. ثم أخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، و بأنها أول أهل بيته لحوقا به، فضحكت.

2-إنه لا بد من الوقوف عند دلالات هذا الإجلال و التعظيم من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لابنته فاطمة «عليها السلام» ، حتى إنه يقوم إعظاما لها، و يجلسها في مجلسه، مع أن من عادة الآباء إسقاط الكلفة مع أبنائهم، و لا سيما إذا كانوا يعيشون معهم، و يرونهم في كل يوم، فإذا كانوا يقومون للغير فإنهم لا يقومون لأبنائهم، فضلا أن يجلسوهم في مجلسهم.

و من الواضح: أن تعظيم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأي إنسان ليس لمجرد قرباه النسبيه به، و إنما هو لقربه من اللّه، و لعظيم فضله و موقعه من هذا الدين. .

3-قد يستفاد من سياق الحديث أن هذا الذي جرى قد كان في أول مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد قالت عائشة عن فاطمة «عليها السلام» : «فلما مرض جاءت تمشي الخ. .» .

4-إن رفض الزهراء «عليها السلام» إفشاء سر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى لزوجته في حال حياته يدل على أنها أهل لهذا السر، و أن من تسعى إلى الاطلاع على ما يريد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أن يستره عنها و عن غيرها ليست أهلا له، إذ لا معنى لأن تطلب هذه المرأة من الزهراء «عليها السلام» أن تفعل ما لا يرضاه الرسول، و من يدعو غيره إلى ذلك، فإنه لا يؤمن من أن يخالف أمره، و يرتكب ما لا يرضيه في حياته و بعد مماته. .

5-و اللافت هنا: أن اللّه سبحانه كان قبل ذلك قد أنزل آيات قرآنية فضحت عائشة و رفيقتها حفصة في أمر مشابه لهذه الحادثة، أي لإفشائهما سر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تظاهر هما عليه.

قال تعالى: وَ إِذْ أَسَرَّ اَلنَّبِيُّ إِلىٰ بَعْضِ أَزْوٰاجِهِ حَدِيثاً فَلَمّٰا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اَللّٰهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّٰا نَبَّأَهٰا بِهِ قٰالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هٰذٰا قٰالَ نَبَّأَنِيَ اَلْعَلِيمُ اَلْخَبِيرُ إِنْ تَتُوبٰا إِلَى اَللّٰهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صٰالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ (1).

فمطالبتها فاطمة الزهراء «عليها السلام» بأن تفشي سر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يدل على عدم توبتها من هذا الذنب.

6-إن ما أخبر به النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة «عليها السلام» هو من الغيوب التي اختصها به، و هو من الأمور التي لا يمكن إدراكها بالعقول، و لا بالتحليلات، لأنه أخبرها بوقت موته، و بوقت موتها أيضا، ليظهر لعائشة، و لكل من هو على رأيها: أن اللّه و رسوله و أهل البيت كانوا يعرفون حتى مثل هذا الأمر، فكيف بغيره مما دلت عليه قرائن الأحوال، و أظهرت بواطنه فلتات الألسن، و سيئات الأقوال و الأعمال، فلا يظن هؤلاء أنهم يتذاكون على اللّه و رسوله و أهل بيته، و أن ما يضمرونه و يريدونه يخفى عليهم، و أنهم تمكنوا من خداعهم، و التلبيس عليهم. .


1) الآيتان 3 و 4 من سورة التحريم.

وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:

عن علي «عليه السلام» قال: «أوصاني النبي «صلى اللّه عليه و آله» إذا أنا مت، فغسلني بست قرب من بئر غرس، فإذا فرغت من غسلي، فادرجني في أكفاني، ثم ضع فاك على فمي.

قال: ففعلت، فأنبأنى بما هو كائن إلى يوم القيمة» .

و روي نحو ذلك عن الإمام الصادق «عليه السلام» (1).

و عن عمرو بن أبي شعبة قال: «لما حضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الموت دخل عليه علي «عليه السلام» فأدخل رأسه معه ثم قال: يا علي، إذا أنا مت فاغسلني، و كفني، ثم أقعدني، و سائلني، و اكتب» (2).

و نقول:

يدلنا هذا النص على عدة أمور نذكرها فيما يلي:

1-حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد موته:

إن هذا النص يدل على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حي حتى بعد أن يموت، و لأجل ذلك نقرأ في زياراتنا للمعصومين و النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعظم شأنا منهم: «أشهد أنك ترى مقامي، و تسمع كلامي، و ترد


1) بصائر الدرجات ص 304 و البحار ج 40 ص 213 و 214 و 215 و ج 22 ص 517 و 514 عنه، و مستدرك الوسائل ج 2 ص 189 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 190 و مستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 649.

2) البحار ج 40 ص 213 و 214 و ج 22 ص 518 عن بصائر الدرجات، و عن الخرائج و الجرائح، و الكافي.

سلامي» (1).

بل قالوا: إن الأخبار قد تواترت بحياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في قبره، و كذلك سائر الأنبياء «عليه السلام» (2).

و قالوا أيضا: إن صلاتنا معروضة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن سلامنا يبلغه، و هم أحياء عند ربهم كالشهداء (3).

و يؤكد ذلك النص القرآني على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» شاهد على أمته، قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (4).

و شهادته على الأمة لا تقتصر على خصوص من عاشوا معه في حال حياته. .

2-علي عليه السّلام هو الوصي:

و غني عن البيان: أن وصية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» بأن يضع فمه على فمه، و سماعه منه ما هو كائن إلى يوم القيامة


1) راجع: عدة الداعي لابن فهد الحلي ص 56 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 364 و 516 و 523 و مستدرك الوسائل ج 10 ص 345 و البحار ج 97 ص 295.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 466 و 486 و ج 12 ص 355 و 356 و 360 عن إنباه الأزكياء بحياة الأنبياء، و عن التذكرة للقرطبي و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 82 و 84 و 432 و ج 35 ص 385.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 355 عن الأنوار في أعمال الأبرار للأردبيلي الشافعي، و عن التذكرة للقرطبي. و راجع: فتاوى عبد القاهر بن طاهر البغدادي، و تنوير الحلك للسيوطي ص 5.

4) الآية 45 من سورة الأحزاب.

تؤكد أن لعلي «عليه السلام» خصوصية ليست لأحد سواه، و هي ترتبط بعلم الإمامة، من خلال اتصاله بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد موته.

3-العلم بما هو كائن:

و قد قلنا أكثر من مرة: إن معرفة الإمام تقوم على ركنين:

أحدهما: النص الدال على الإختيار الإلهي لشخص بعينه لمنصب الإمامة.

و الآخر: العلم الخاص، الذي يؤثر اللّه به من يشاء من عباده.

و ربما يحتاج أيضا إلى إظهار الكرامة و المعجزة.

و قد ألمح الحديث الآنف الذكر إلى ذلك بصورة أو بأخرى، فأشار إلى الإختيار بما ظهر من وضع فمه «عليه السلام» على فم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إظهار المعجزة بكلامه بعد موته. .

و العلم الخاص هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد علّمه ما هو كائن، إلى يوم القيامة، و ذلك ظاهر لا يخفى.

وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله حول تجهيزه و دفنه:

و كان فيما أوصى النبي «صلى اللّه عليه و آله» به عليا «عليه السلام» قوله: «ضع يا علي رأسي في حجرك، فقد جاء أمر اللّه تعالى، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك، و أمسح بها وجهك.

ثم وجهني إلى القبلة.

و تول أمري.

و صل علي أول الناس.

و لا تفارقني حتى تواريني في رمسي.

فأخذ علي «عليه السلام» رأسه، فوضعه في حجره. .

إلى أن تقول الرواية:

ثم قبض «صلى اللّه عليه و آله» ، و يد أمير المؤمنين تحت حنكه، ففاضت نفسه «صلى اللّه عليه و آله» فيها، فرفعها إلى وجهه، فمسحه بها.

ثم وجّهه، و غمضه، و مد عليه إزاره، و اشتغل بالنظر في أمره (1).

و كان مما أوصى به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يدفن في بيته الذي قبض فيه. و يكفن بثلاث أثواب. أحدهما: يمان. و لا يدخل قبره غير علي «عليه السلام» (2).

و في نص آخر عن ابن عباس: لما مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عنده أصحابه قام إليه عمار بن ياسر، فقال له: فداك أبي و أمي يا رسول اللّه، من يغسلك منا، إذا كان ذلك منك؟ !


1) الإرشاد للمفيد ص 94-98 و (ط دار المفيد) ج 1 ص 187 و البحار ج 22 ص 470 و 521 عنه، و عن إعلام الورى ص 82-84 و (ط أخرى)143- 144 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 267 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 203 و مصباح الفقيه (ط. ق) ج 1 ق 2 ص 346 و جواهر الكلام ج 4 ص 11 و راجع: قصص الأنبياء للراوندي ص 357 و الدر النظيم ص 194 و الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب للسيد فخار بن معد ص 304.

2) البحار ج 22 ص 493 و 494 و ج 87 ص 379 عن الطرائف ص 42 و 43 و 45 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 231 و 234 و 350 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 83 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 779 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 206.

قال: ذاك علي بن أبي طالب، لأنه لا يهم بعضو من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك.

فقال له: فداك أبي و أمي يا رسول اللّه، فمن يصلي عليك منا إذا كان ذلك منك؟ !

قال: مه رحمك اللّه! ثم قال لعلي: يا ابن أبي طالب، إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني.

إلى أن قال: و احملوني حتى تضعوني شفير قبري (ثم أخرجوا عني ساعة، فإن اللّه تعالى أول من يصلي علي)فأول من يصلي علي الجبار جل جلاله من فوق عرشه، ثم جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل (ثم ملك الموت). في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا اللّه عز و جل، ثم الحافون بالعرش، ثم سكان أهل سماء فسماء، (ثم أدخلوا علي زمرة زمرة، فصلوا علي و سلموا تسليما). ثم جلّ أهل بيتي و نسائي، الأقربون فالأقربون.

يومون إيماء، و يسلمون تسليما، لا يؤذوني بصوت نادبة، و لا مرّنة.

(قال أبو بكر: فمن يدخل قبرك؟ !

قال: الأدنى فالأدنى من أهل بيتي مع ملائكة لا ترونهم.

قوموا نادوا عني إلى من وراءكم.

فقلت للحارث بن مرة: من حدثك هذا الحديث؟

قال: عبد اللّه بن مسعود).

و ذكر الثعلبي ما يقرب من هذه القضية، لكنه ذكر اسم أبي بكر بدل

عمار، و علي ثم ما وضعناه بين قوسين إنما هو من رواية الثعلبي (1).

و في نص آخر: أوصى أن يخرجوا عنه، حتى تصلي عليه الملائكة (2).

و يذكر نص آخر: أن مما أوصى به النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» قوله: «يا علي، كن أنت و ابنتي فاطمة، و الحسن و الحسين، و كبروا خمسا و سبعين تكبيرة، و كبر خمسا و انصرف. و ذلك بعد أن يؤذن لك في الصلاة.

قال علي «عليه السلام» : بأبي و أمي، من يؤذن غدا؟ !

قال: جبرئيل «عليه السلام» يؤذنك. قال: ثم من جاء من أهل بيتي يصلون علي فوجا فوجا، ثم نساؤهم، ثم الناس بعد ذلك (3).

أداء أمانات الرسول صلّى اللّه عليه و آله بعد وفاته:

و يبقى سؤال، و هو: أنه هل كانت هناك أمانات مالية لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أداها عنه علي «عليه السلام» بعد استشهاده «صلى اللّه


1) الأمالي للصدوق ص 732 و 733 و البحار ج 22 ص 507 و 531 عنه، و عن كشف الغمة ص 6-8 عن الثعلبي، و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 72 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 231.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 329 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 527 و البداية و النهاية ج 5 ص 285.

3) البحار ج 22 ص 493 و 494 و ج 78 عن الطرائف ص 42 و 43 و 45 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 350 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 83 و (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 779.

عليه و آله» .

و نجيب:

إننا نلاحظ ما يلي:

1-قال ابن شهر آشوب: «و قد ولاه في رد الودائع لما هاجر إلى المدينة، و استخلف عليا في أهله و ماله، فأمره أن يؤدي عنه كل دين، و كل و ديعة، و أوصى إليه بقضاء ديونه» (1).

و لكن هذه العبارة ليس لها ظهور في وجود ودائع عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين وفاته، و أنه أمر عليا «عليه السلام» بردها إلى أصحابها. لأنها إنما تتحدث عن أمر الهجرة من مكة إلى المدينة، و هي قد كانت قبل استشهاده «صلى اللّه عليه و آله» بأكثر من عشر سنوات.

2-هناك روايات كثيرة حول أن الإمام عليا «عليه السلام» هو الذي يقضي دين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ينجز عداته، و يبرئ ذمته. . (2)،


1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 329-333 و (ط المكتبة الحيدرية-النجف) ج 1 ص 396 و البحار ج 38 ص 73 عنه.

2) كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 136 و البحار ج 21 ص 380 و 381 و ج 28 ص 55 و ج 36 ص 109 و 311 و 355 و ج 38 ص 1 و 73 و 103 و 111 و 334 و ج 39 ص 33 و 216 و ج 72 ص 445 و ج 99 ص 106 و الخصال ج 2 ص 84 و الأمالي للصدوق ص 450 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 9 و كفاية الأثر ص 76 و 135 و 217 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 432 و شرح الأخبار ج 1 ص 113 و 117 و 211 و مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 140 و الأمالي للطوسي ص 600 و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 396 و ج 2 ص 247 و ج 3 ص 16 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 192 و العمدة لابن البطريق ص 181 و المزار لابن المشهدي ص 577 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 1 ص 507 و الطرائف ص 133 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 53 عن المناقب لابن المغازلي الشافعي ص 261 ح 309 و بشارة المصطفى للطبري ص 101 و 258 و كشف الغمة ج 1 ص 341 و نهج الإيمان ص 196 و 440 و فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن عقدة الكوفي ص 204 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 624 و تفسير القمي ج 2 ص 109 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 123 و 127 و جامع أحاديث الشيعة ج 23 ص 252.

فقد يستفاد من كلمة يبرئ ذمته: أنه يرد الودائع إلى أهلها.

غير أنني أشك في صحة هذا الإستنتاج، و أرجح أن تكون هذه العبارة تفسيرية لما قبلها، و ذلك لأنه «صلى اللّه عليه و آله» ، لما نزلت عليه سورة: إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ وَ اَلْفَتْحُ. . في أواسط أيام التشريق في حجة الوداع، عرف أنه الوداع، فركب راحلته العضباء، و خطب الناس خطبته المعروفة، و فيها:

«أيها الناس، من كانت عنده وديعة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها» (1).


1) الكافي ج 7 ص 273 و 275 و الخصال ص 487 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 93 و تحرير الأحكام العلامة ج 4 ص 520 و ج 5 ص 416 و جواهر الكلام ج 41 ص 670 و مصباح الفقيه (ط. ق) ج 2 ق 1 ص 169 و تحف العقول ص 31 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 120 و ج 29 ص 10 و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 424 و ج 19 ص 3 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 12 و الفصول المهمة ج 2 ص 80 و البحار ج 21 ص 381 و ج 73 ص 349 و ج 74 ص 118 و ج 80 ص 279 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 479 و ج 18 ص 545 و ج 26 ص 100 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 270 و مسند أحمد ج 5 ص 73 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 97 و مجمع الزوائد ج 3 ص 266 و 267 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 126 و كنز العمال ج 5 ص 131 و جامع البيان للطبري ج 3 ص 434 و إعجاز القرآن للباقلاني ص 132 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 347 و تفسير البغوي ج 2 ص 243 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 503 و الدر المنثور ج 3 ص 235 و التعديل و التجريح للباجي ج 1 ص 18 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 402 و البداية و النهاية ج 5 ص 221 و 222 و ج 2 ق 2 ص 58 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 118 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1022 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 402 و 403 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 482.

فإذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يأمر الناس برد الودائع، فالمتوقع أن يبادر هو «صلى اللّه عليه و آله» إلى ذلك حين علم بقرب أجله.

إلا أن يقال: إنه إذا كان مطمئنا إلى وجود من يوصل الودائع بعده إلى أهلها، فلا غضاضة في أن يوكل الأمر إليه.

3-و ثمة شاهد آخر لعله يشير إلى ما نرمي إليه، و هو: أن الروايات قد صرحت بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما دنا أجله، كانت لديه سبعة أو ستة دنانير، فخاف أن يقبضه اللّه، و هي عنده، فأمر أهله بالتصدق بها. . ثم تصدق بها (1).

و هذا يشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا بد أن يهتم بأمانات الناس،


1) راجع: مسند أحمد ج 6 ص 104 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 356 و صحيح ابن حبان ج 8 ص 9 و موارد الظمآن ج 7 ص 42 و البداية و النهاية ج 6 ص 61.

و بإيصالها إلى أهلها قبل أن يقبضه اللّه تعالى، و أن لا يكل ذلك إلى وصيه من بعده. .

و لعلك تقول: إن هذه الإستفادة لا تلائم ما هو معروف عنه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه خرج من مكة حين هاجر، دون أن يرجع الأمانات إلى أصحابها، بل هو قد و كّل الإمام عليا «عليه السلام» بالقيام بهذه المهمة، ثم هاجر.

و قد روى الواقدي، و إسحاق الطبري: «أن عمير بن وائل الثقفي أمره حنظلة بن أبي سفيان: أن يدّعي على علي «عليه السلام» ثمانين مثقالا من الذهب وديعة عند محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه هرب من مكة و أنت وكيله، فإن طلب بينة الشهود، فنحن معشر قريش نشهد عليه. و أعطوه على ذلك مائة مثقال من الذهب، منها قلادة-عشرة مثاقيل-لهند. .

فجاء، و ادّعى على علي «عليه السلام» ، فاعتبر الودائع كلها، و رأى عليها أسامي أصحابها، و لم يكن لما ذكره عمير خبر، فنصح له نصحا كثيرا، الخ. .» (1).

و هذا معناه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يرجع الودائع إلى أصحابها حين الهجرة، و اكتفى بتوكيل علي «عليه السلام» لكي يقوم بذلك بعده. . و فيها: أنه يريد أن يظهر للناس موقع علي «عليه السلام» منه «صلى اللّه عليه


1) المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 486 و 487 و (ط المكتبة الحيدرية-النجف) ج 2 ص 175 و البحار ج 40 ص 219 و 220 عنه و جامع أحاديث الشيعة ج 25 ص 106 و مستدرك الوسائل ج 17 ص 384.

و آله» . . و أنه هو الذي يقوم مقامه في غيبته، و غير ذلك. .

فيجاب بأن: ثمة فرقا بين الهجرة و بين الوفاة، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لو باشر بنفسه بإرجاع الودائع لأصحابها حين الهجرة، لأثار ذلك الكثير من التساؤلات، لربما يفتضح أمر هجرته، و يزيد الأمر تعقيدا، و لربما يغيّر ذلك من مسار الأحداث إلى ما هو أضرّ و أمرّ. . فكان أن أو كل ذلك إلى علي «عليه السلام» ، مشيرا للناس إلى أن عليا «عليه السلام» هو الذي يقوم مقامه في غيبته، و عليهم أن يعرفوا له هذا الموقع منه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لم يكن هذا المحذور قائما حين وفاته «صلى اللّه عليه و آله» . . فالمتوقع أن يأتي تصرفه حين الوفاة موافقا لما هو المطلوب منه في الحالات الطبيعية. . و لم يكن هناك مانع آخر يمنع من ذلك. .

4-و قد ورد في حديث الغدير قوله: ثم أخذ بيد علي «عليه السلام» فرفعها، فقال: هذا وليي، و يؤدي عني ديني، و أنا موالي من والاه، و معادي من عاداه (1).

غير أننا نقول:

لعل المراد هو الإعلان بأن لعلي «عليه السلام» هذا الموقع من رسول


1) خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص 28 و (ط مكتبة نينوى الحديثة) ص 48 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 107 ح 8397 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 313 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 263 و الغدير ج 1 ص 38 و شرح إحقاق الحق ج 22 ص 190 و ج 30 ص 428 و ج 31 ص 31.

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو موقع المسؤول بعد موت الرسول «صلى اللّه عليه و آله» عن كل ما كان الرسول مسؤولا عنه في حياته.

و لعل مما يدل على ذلك دلالة واضحة الحديث المتقدم عن أنه حين دنا أجل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانت لديه سبعة دنانير، فخاف أن يقبضه اللّه و هي عنده، فأمر أهله بالتصدق بإرسالها إلى علي «عليه السلام» ليتصدق بها، فلم يفعلوا، فأرسلها إليه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه و تصدق بها.

فلو كان عليه دين، فالأولى أن يقضي بها دينه، لا أن يتصدق بها.

الفصل الثاني: سرية أسامة بن زيد

اشارة

حديث سرية أسامة:

قال الصالحي الشامي:

إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أقام بعد حجته بالمدينة بقية ذي الحجة، و المحرم، و ما زال يذكر مقتل زيد بن حارثة، و جعفر بن أبي طالب و أصحابه، و وجد عليهم وجدا شديدا.

فلما كان يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر. سنة إحدى عشرة أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالتهيؤ لغزو الروم، و أمرهم بالجد، ثم دعا من الغد يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر أسامة بن زيد فقال: «يا أسامة، سر على اسم اللّه و بركته، حتى تنتهي إلى (موضع) مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى (1)و حرّق عليهم. و أسرع السير تسبق الأخبار، فإن أظفرك اللّه، فأقلل اللبث فيهم، و خذ معك الأدلاء، و قدم العيون و الطلائع أمامك» (2).


1) أبنى: ناحية بالبلقاء بين عسقلان و الرملة، و هي قرب مؤتة.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 248 و راجع: المغازي للواقدي ج 3 ص 1117 و السيرة الحلبية (ط مصطفى محمد) ج 3 ص 234 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 339 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 190 و راجع: سنن ابن ماجة ج 2 ص 412 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 و سنن أبي داود ج 3 ص 38 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 و مسند أحمد ج 5 ص 205 و 209 و نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 263 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 54 و ج 22 ص 4 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 123 و ج 14 ص 519.

فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجعه، فحمّ و صدع. فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده.

ثم قال: «اغز بسم اللّه في سبيل اللّه، فقاتل من كفر باللّه، اغزوا و لا تغدروا، و لا تقتلوا وليدا و لا امرأة، و لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، و لكن قولوا: اللهم اكفناهم بما شئت، و اكفف بأسهم عنا.

فإن لقوكم قد جلبوا وضجوا، فعليكم بالسكينة و الصمت، و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم، و قولوا: اللهم إنا نحن عبيدك و هم عبادك، نواصينا و نواصيهم بيدك، و إنما تغنيهم أنت، و اعلموا أن الجنة تحت البارقة» .

فخرج أسامة بلوائه (معقودا)، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، و عسكر بالجرف، فلم يبق أحد من (وجوه)المهاجرين الأولين و الأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و أبو عبيدة بن الجراح، و سعد بن أبي وقاص، و أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، في رجال آخرين من الأنصار عدة، مثل قتادة بن النعمان،

و سلمة بن أسلم بن حريش (1).

فاشتكى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو على ذلك، ثم وجد من نفسه راحة فخرج عاصبا رأسه فقال: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة» .

ثم دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال رجل من المهاجرين-كان أشدهم في ذلك قولا-عياش بن أبي ربيعة (المخزومي): «يستعمل هذا الغلام على المهاجرين» ؟ .

فكثرت المقالة، و سمع عمر بن الخطاب بعض ذلك فرده على من تكلم به، و أخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فغضب غضبا شديدا.

و خرج يوم السبت عاشر المحرم سنة إحدى عشرة.

و قد عصب رأسه بعصابة و عليه قطيفة، ثم صعد المنبر، فحمد اللّه، و أثنى عليه، ثم قال:

«أما بعد، أيها الناس، فما مقالة قد بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، و لئن طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، و أيم اللّه، كان للإمارة لخليقا، و إن ابنه من بعده لخليق للإمارة، و إن كان لمن أحب الناس إلي، و إنهما لمخيلان لكل خير، فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 248 و البحار ج 21 ص 410 و ج 30 ص 428 و عمدة القاري ج 18 ص 76 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 352.

2) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 190 و (ط دار صادر) ج 2 ص 249 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 248 و 249 و منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 4 ص 182 و كنز العمال ج 10 ص 572 و 573 و المغازي للواقدي ج 3 ص 119 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 159 و السيرة الحلبية (ط مصطفى محمد) ج 3 ص 234 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 339 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 55 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 352 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 520.

ثم نزل فدخل بيته، و جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيهم عمر بن الخطاب، و يمضون إلى العسكر بالجرف.

و دخلت أم أيمن فقالت: «يا رسول اللّه، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فإن أسامة خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه» .

فقال: «أنفذوا بعث أسامة» .

فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد.

و في نص آخر: ثم ثقل «صلى اللّه عليه و آله» في مرضه، فجعل يقول: «جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة، أرسلوا بعث أسامة» يكرر ذلك (1).

و نزل أسامة يوم الأحد و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثقيل مغمور، و هو اليوم الذي لدوه فيه، فدخل عليه و عيناه تهملان، و عنده الناس و النساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبله، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، كأنه يدعو له.

و رجع أسامة إلى معسكره.


1) راجع: كنز العمال ج 10 ص 573 و منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 4 ص 182.

ثم دخل يوم الإثنين، و أصبح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مفيقا، و جاءه أسامة فقال له: «اغد على بركة اللّه» (1).

فودعه أسامة، و خرج إلى معسكره لما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مفيقا.

و دخل أبو بكر فقال: «يا رسول اللّه، أصبحت مفيقا بحمد اللّه و اليوم يوم ابنة خارجة فأذن لي» . فأذن له، فذهب إلى السنح.

و ركب أسامة إلى العسكر، و صاح في أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره، و أمر الناس بالرحيل و قد متع النهار.

فبينا هو يريد أن يركب أتاه رسول أمه أم أيمن يخبره أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يموت.

فأقبل إلى المدينة، و أقبل معه عمر بن الخطاب، و أبو عبيدة بن الجراح، فانتهوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يجود بنفسه، فتوفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك اليوم.

و دخل المسلمون الذي عسكروا بالجرف إلى المدينة، و دخل بريدة بن الحصيب باللواء معقودا، فغرزه عند باب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 249 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1120 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 191 و كنز العمال ج 10 ص 574 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 10 ص 573 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 56 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 125 و ج 14 ص 520 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 160 و السيرة الحلبية ج 3 ص 235 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 340 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 112.

و حسب نص الجوهري: «فتثاقل أسامة، و تثاقل الجيش بتثاقله، و جعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مرضه يثقل و يخف، و يؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتى قال له أسامة: بأبي أنت و أمي، تأذن أن أمكث أياما حتى يشفيك اللّه؟

قال: اخرج، و سر على بركة اللّه.

قال: يا رسول اللّه، إن أنا خرجت و أنت على هذه الحال خرجت و في قلبي قرحة.

فقال: سر على النصر و العافية.

قال: يا رسول اللّه، إني أكره أن أسأل عنك الركبان.

قال: انفذ لما أمرتك به.

ثم أغمي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم تذكر الرواية: أنه خرج حتى نزل بالجرف، و معه أبو بكر، و عمر، و أكثر المهاجرين الخ. .

ثم أتاه رسول أم أيمن تخبره بأن النبي يموت (1).

فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة، ليمضي لوجهه، و ألا يحله حتى يغزوهم.


1) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 52 عن كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري و راجع: المراجعات ص 374 و كنز العمال ج 10 ص 571 و 574 و البحار ج 30 ص 430 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 42 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 527 و نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 259 و السقيفة و فدك للجوهري ص 77 و قاموس الرجال ج 12 ص 21.

و قال لأسامة: أنفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و أمر الناس بالخروج، فعسكروا في موضعهم الأول، و خرج بريدة باللواء.

فلما ارتدت العرب، كلّم أبو بكر في حبس أسامة، فأبى (1).

و مشى أبو بكر إلى أسامة في بيته فكلمه في أن يترك عمر، و أن يأذن له في التخلف، ففعل.

و خرج و نادى مناديه عزمت لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإني لن أوتى بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشيا. فلم يتخلف عن البعث أحد.

و خرج أبو بكر يشيع أسامة.

فركب من الجرف لهلال ربيع الآخر في ثلاثة آلاف، فيهم ألف فارس، و سار أبو بكر إلى جنبه ساعة و قال:

«أستودع اللّه دينك، و أمانتك، و خواتيم عملك. إني سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوصيك، فانفذ لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإني لست آمرك و لا أنهاك عنه، إنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 249 و كنز العمال ج 10 ص 575 و منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 4 ص 183 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 334 و 335 و السيرة الحلبية ج 3 ص 236 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 191 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 353 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 126 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 57.

فخرج سريعا، فوطئ بلادا هادية، لم يرجعوا عن الإسلام، جهينة و غيرها من قضاعة. حتى نزل وادي القرى، فسار إلى أبنى في عشرين ليلة.

فقدم له عين له من بني عذرة يدعى حريثا، فانتهى إلى أبنى، ثم عاد فلقي أسامة على ليلتين من أبنى، فأخبره أن الناس غارون و لا جموع لهم، و حثهم على السير قبل اجتماعهم.

فسار إلى أبنى و عبأ أصحابه، ثم شن عليهم الغارة، فقتل من أشرف له، و سبى من قدر عليهم، و حرق بالنار منازلهم، و حرثهم، و نخلهم، فصارت أعاصير من الدواخين، و أجال الخيل في عرصاتهم، و أقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. و كان أسامة على فرس أبيه سبحة، و قتل قاتل أبيه في الغارة، و أسهم للفرس سهمين، و للفارس سهما، و أخذ لنفسه مثل ذلك.

فلما أمسى أمر الناس بالرحيل ثم أغذ السير، فورد وادي القرى في تسع ليال، ثم بعث بشيرا إلى المدينة بسلامتهم. ثم قصد بعد في السير، فسار إلى المدينة، ستا حتى رجع إلى المدينة و لم يصب أحد من المسلمين.

و خرج أبو بكر في المهاجرين و أهل المدينة يتلقونهم سرورا بسلامتهم، و دخل على فرس أبيه سبحة، و اللواء أمامه، يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى إلى باب المسجد، فدخل فصلى ركعتين. ثم انصرف إلى بيته.

و بلغ هرقل و هو بحمص ما صنع أسامة، فبعث رابطة يكونون بالبلقاء، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر و عمر (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 250 و راجع: عمدة القاري ج 18 ص 77 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 189-192 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 352-354.

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم الوقفات التالية:

تناقض ظاهر في كلام الشامي:

لقد ذكر الصالحي الشامي:

أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر بالتهيؤ لغزو الروم يوم الإثنين، لأربع ليال بقين من شهر صفر، سنة إحدى عشرة، و في يوم الثلاثاء أمر أسامة بتولي هذه المهمة، و في يوم الأربعاء بدئ برسول اللّه وجعه، فحمّ و صدع، و في يوم الخميس عقد لأسامة لواءا بيده.

و لكنه يعود فيقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لما سمع طعن الطاعنين في تأمير أسامة على المهاجرين، «خرج يوم السبت عاشر المحرم سنة إحدى عشرة، و قد عصب رأسه بعصابة، ثم صعد المنبر، فخطبهم، و فند مقالتهم وردها» (1). و هذا تناقض واضح. .

إلا أن يدعى: أن ثمة غلطا في هذا النص الأخير، و أن الصحيح هو: أنه خطبهم في العاشر من شهر ربيع الأول، لا شهر محرم.

و لكنها دعوى موهونة أيضا، فإن الصحيح هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد توفي في الثامن و العشرين من شهر صفر. .


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 248 و 249.

يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟ ! :

و لا ندري كيف يمكن أن نحكم على عياش بن أبي ربيعة و على القوم الذين تكلموا بمثل كلامه، بصحة الإيمان و نحن نرى أنه يعترض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تأميره أسامة، و يخطئه، و يطعن في عصمته؟ ! (1).

و يزيد الأمر إشكالا: تبرير اعتراضه هذا بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمّر أسامة على المهاجرين، مع أنه أمّره على المهاجرين و الأنصار معا.

و كأنه يرمي إلى الإيحاء بأن المهاجرين طبقة مميزة عن غيرهم من سائر المسلمين بما في ذلك الأنصار.

فهو ينطلق من شعور عنصري، أو مفهوم طبقي، أدانه الإسلام و رفضه، و لا يعترف به، بل يعتبره من الدعوات المنتنة و البغيضة.

و يلاحظ: أن ابن أبي الحديد المعتزلي و تبعه الحلبي قد زادا كلمة و الأنصار على النص من عند أنفسهما، مع عدم وجود هذه الكلمة في المصادر الأولية كما يعلم بالمراجعة، فلماذا هذا التصرف يا ترى؟ ! !


1) راجع: البحار ج 21 ص 410 و ج 30 ص 429 و عمدة القاري ج 18 ص 76 و كنز العمال ج 10 ص 572 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 714 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 55 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 190 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 159 و ج 10 ص 184 و ج 17 ص 182 و 194 و فتح الباري (المقدمة) ص 298 و ج 7 ص 69 و ج 8 ص 115 و العثمانية للجاحظ ص 146 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 124 و ج 14 ص 520 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 352 السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 227 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 248 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 144.

لعن اللّه من تخلف عن جيش أسامة:

و لا نستطيع أن نتجاهل ما ورد في النصوص التي رواها السنة و الشيعة، من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين أمّر أسامة بن زيد على ذلك الجيش الذي جمع فيه المهاجرين و الأنصار، و من بينهم الطامعون بالخلافة، و قال: جهزوا جيش أسامة، لعن اللّه من تخلف عن جيش أسامة (1). أو نحو ذلك.

فلم يطيعوا أمره «صلى اللّه عليه و آله» ، و سوّفوا و تعللوا بالعلل، و بالمعاذير الواهية.

فكيف و لماذا عرضوا أنفسهم للعن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

هل كانوا يرونه مخطئا في تجهيزه لذلك الجيش؟

أم اتكلوا على حديث رواه الكذابون عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يدّعون فيه أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: اللهم من سببته أو لعنته،


1) راجع: الملل و النحل (ط دار المعرفة) ج 1 ص 23 و (بهامش الفصل لابن حزم) ج 1 ص 20 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 52 عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري و راجع: المسترشد للطبري ص 112 و البحار ج 30 ص 431 و 432 و نفحات اللاهوت ص 113 و تشييد المطاعن ج 1 ص 47 و معالم المدرستين ج 2 ص 77 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 68 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 141 و 527 و قاموس الرجال ج 12 ص 21 و السقيفة و فدك للجوهري ص 77 و نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 259 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 209 و النص و الإجتهاد ص 42 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 374 و إحقاق الحق (الأصل) ص 218.

فاجعل ذلك زكاة و رحمة له؟ ! (1).

و قد ذكرنا هذا الحديث أكثر من مرة في هذا الكتاب، و بينا خطله و فساده. .

استعمله النبي صلّى اللّه عليه و آله و تأمرني أن أنزعه؟ ! :

و ذكروا: أن عمر بن الخطاب جاء إلى أبي بكر يلتمس منه بلسان الأنصار عزل أسامة، و تولية غيره، فوثب أبو بكر إلى عمر، فأخذ بلحيته، فقال: ثكلتك أمك و عدمتك يا بن الخطاب، استعمله رسول اللّه و تأمرني أن أنزعه؟ ! (2).


1) راجع: صحيح مسلم ج 8 ص 24 و 25 و 26 و 27 و سنن الدارمي ج 2 ص 315 و مسند أحمد ج 2 ص 317 و 390 و 449 و 488 و 493 و 496 و ج 3 ص 33 و 391 و 400 و ج 5 ص 437 و 439 و ج 6 ص 45 و البداية و النهاية ج 8 ص 119 عن صحيح البخاري (كتاب الدعوات) ج 4 ص 7 إضافة إلى مصادر أخرى تقدمت.

2) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 226 و (ط دار صادر) ج 2 ص 462 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 335 و السيرة الحلبية (ط مصطفى محمد) ج 3 ص 236 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 230 و عن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 340 و راجع: التمهيد للباقلاني ص 193 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 50 و مختصر تاريخ دمشق ج 1 ص 171 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 156 و عن الروض الأنف ج 2 ص 375 و جواهر الكلام ج 30 ص 142 و البحار ج 30 ص 502 و ج 34 ص 383 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 35 و الغدير ج 7 ص 224 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 183 و كنز العمال ج 10 ص 579 و الفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد شرف الدين ص 103.

و نقول:

أولا: إنه إذا مات النبي أو الوصي، يستطيع وصيه أو الولي من بعده أن يعزل قواد الجند، و الأمراء و العمال على البلاد، لأن الظروف قد تتغير، و تمسّ الحاجة إلى صرف النظر عن بعض الإجراءات، أو استبدال بعض القادة على الجند أو العمال و الولاة. .

لكن الذي لا يعزل هو فقط الإمام و ولي الأمر المنصوص عليه من اللّه و رسوله. .

فما معنى أن يحتج الخليفة على عدم عزل أسامة بأن النبي قد نصبه؟ ! (1).

ثانيا: إن أبا بكر نفسه قد عزل عددا ممن نصبهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حياته، و استمروا على عملهم إلى ما بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد ذكر العلامة الأميني: أن أبا بكر جعل خالد بن سعيد بن العاص على مشارق الشام في الردة، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استعمله على ما بين زمع زبيد إلى حد نجران. أو على صدقات مذحج، و مات و هو على عمله (2).


1) راجع: الغدير ج 7 ص 224 و 225.

2) راجع: الغدير ج 7 ص 224 و 225 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 14 و في هامشه عن: الإصابة ج 2 ص 222(4234) في ترجمة طاهر بن أبي هالة و ص 539 (5846) في ترجمة عمرو و ج 1 ص 407(2167) في ترجمة خالد، و الإستيعاب ج 3 ص 357 في ترجمة معاذ و ج 1 ص 400 في ترجمة خالد، و اليعقوبي ج 2 ص 65 و 112 و فتوح البلاذري ص 142 و البداية و النهاية ج 6 ص 307 و ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 59 و ابن أبي الحديد ج 6 ص 31 و 41 و ج 2 ص 58 و البحار ج 21 ص 407 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 245 و 397 و صحبة النبي «عليه السلام» ص 120 و الطبري ج 3 ص 136 و 185 و 228 و 318. و الإرشاد للمفيد ص 80 و 81(و في أسد الغابة ج 2 ص 83 أرسل عليا «عليه السلام» و خالد بن سعيد إلى اليمن، و قال: إذا اجتمعتما فعلي الأمير.

و استعمل أبو بكر يعلى بن أمية على حلوان. مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد استعمله على الجند. و توفي «صلى اللّه عليه و آله» و هو على عمله (1).

و كان عمرو بن العاص على عمان، و توفي «صلى اللّه عليه و آله» و هو أميرها (2).

و كان عكرمة على صدقات هوازن عام وفاته. فاستعمل أبو بكر


1) راجع: الغدير ج 7 ص 224 و 225. و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 47 و في هامشه عن: البحار ج 21 ص 407 و الطبري ج 3 ص 228 و 318 و ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 59 و البداية و النهاية ج 6 ص 307 و اليعقوبي ج 2 ص 113. و راجع: أسد الغابة ج 5 ص 128 و قاموس الرجال ج 11 ص 143.

2) راجع: سبل السلام للكحلاني ج 1 ص 127 و البحار ج 22 ص 249 و الغدير ج 7 ص 225 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 116 و في هامشه عن: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 87 و أسد الغابة، و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 75 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 262 و الإصابة، و ابن أبي الحديد ج 2 ص 112. و راجع: الإستيعاب لابن عبد البر ج 3 ص 1187.

عكرمة على عمان ثم عزله، و استعمل عليها حذيفة بن محصن (1).

ثم ذكر أن عمر نفسه قد عزل بعض من كانوا في عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك عثمان، فاستعمل عثمان بن أبي العاص على عمان و البحرين سنة 15، و كان على الطائف من زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و غير ذلك (2).

ثالثا: إن المعترضين على تأمير أسامة إنما أخذوا مبررات الإعتراض مما جرى في السقيفة، حيث استدلوا على أحقية أبي بكر للخلافة بكبر سنه، فلا غضاضة على الأنصار إذا طالبوه بعزل صغير السن عنهم، و تولية من هو أسن منه.

بل إن هذا الإعتراض قد صدر من بعض المهاجرين و الأنصار في عهد النبي على النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه بالنسبة لزيد بن حارثة، أبي أسامة، فاضطر «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن يخطب الناس، و يؤكد أهليته للإمارة كأبيه، و يشير إلى أن اعتراضهم لم يكن لأجل سنه، و إنما لأمور أخرى يخفونها، و لو كان السبب هو مجرد السن، فلماذا يطعنون بإمارة أبيه من قبل.

رابعا: لماذا يتكلم عمر بلسان الأنصار، و نحن نعرف أنه لم يكن يكنّ لهم الكثير من الود و الصفاء، و لا سيما بعد قصة السقيفة؟ !


1) راجع: الغدير ج 7 ص 225 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 404 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 31 و في هامشه عن: الإصابة ج 2 ص 496(5638) و التراتيب الإدارية ج 1 ص 397 و أسد الغابة ج 4 ص 5 و الإستيعاب ج 3 ص 149.

2) راجع: الغدير ج 7 ص 225.

خامسا: قد برّروا الإعتراض على تأمير أسامة بأنه لا يجوز أن يتأمر على المهاجرين، كما تقدم عن عياش بن أبي ربيعة، و لم نسمع للأنصار اعتراضا على تأمير أسامة. .

سادسا: إذا كان أبو بكر متقيدا إلى هذا الحد بتوجيهات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلماذا طلب من أسامة أن يتخلى له عن عمر بن الخطاب، و يبقيه عنده؟ !

سابعا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قرر ذلك، فهل يحق لأسامة أن يبطل قرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيه؟ !

هذا كله عدا عن تخلف أبي بكر نفسه عن ذلك الجيش، بعد أن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ندبه ليكون فيه كسائر الناس؟ ! . .

أبو بكر في جيش أسامة:

قال الصالحي الشامي:

ذكر محمد بن عمر، و ابن سعد: أن أبا بكر كان ممن أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالخروج مع أسامة إلى أبنى، و جرى عليه في المورد، و جزم به في العيون، و الإشارة، و الفتح في مناقب زيد بن حارثة.

و أنكر ذلك الحافظ أبو العباس بن تيمية، فقال في كتابه الذي رد فيه على ابن المطهر الرافضي:

«لم ينقل أحد من أهل العلم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل أبا بكر و عثمان في جيش أسامة، فقد استخلفه يصلي بالمسلمين مدة مرضه إلى أن مات. و كيف يتصور أن يأمره بالخروج في الغزاة و هو يأمره بالصلاة

بالناس» ؟ و بسط الكلام على ذلك.

فقلت: و فيما ذكره نظر من وجهين:

أولهما: قوله: لم ينقل أحد من أهل العلم الخ. . فقد ذكره محمد بن عمر، و ابن سعد، و هما من أئمة المغازي.

ثانيهما: قوله: و كيف يرسل أبا بكر في جيش أسامة؟ الخ. . ليس بلازم، فان إرادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث جيش أسامة كان قبل ابتداء مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما اشتد به المرض استثنى أبا بكر، و أمره بالصلاة بالناس.

و قال ابن سعد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: حدثنا المعمري عن نافع عن ابن عمر:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث سرية فيها أبو بكر و عمر، و استعمل عليهم أسامة بن زيد، و كان الناس طعنوا فيه أي في صغره، فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخ. . فذكر الحديث (1).

و نقول:

إن علينا أن نضيف إلى ما تقدم ما يلي:

1-إن النص المتقدم يقول: «لم يبق أحد من وجوه المهاجرين و الأنصار، إلا انتدب (بالبناء للمفعول) في تلك الغزوة، منهم أبو بكر الخ. .» .

و من الواضح: أن انتداب وجوه المهاجرين و الأنصار، إنما كان من قبل


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 250 و 251.

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

2-إن الذين ذكروا أبا بكر في جيش أسامة لا ينحصرون بالواقدي و ابن سعد، بل فيهم اليعقوبي، و البلاذري، و كثيرون آخرون (1).

3-بالنسبة لاستخلاف النبي «صلى اللّه عليه و آله» له ليصلي بالمسلمين. . نقول:

قد تعرضنا لهذا الموضوع بالتفصيل في فصل مستقل، و بيّنّا و هن ما استندوا إليه في ذلك، مع أن الروايات الصحيحة قد دلت على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عزله عن الصلاة، حين رآه يؤم الناس. . الأمر الذي يعزز الروايات التي تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يعلم بتصديه للصلاة، بل كان ذلك بتدبير من عائشة، كما نقله المعتزلي عن علي «عليه السلام» ، أو عن أبي بكر نفسه.

على أن نفس التناقض الشديد فيما بين الروايات يسقطها عن درجة الإعتماد، فراجع ما ذكرناه حين الحديث عن هذا الأمر. .

4-يضاف الى ما تقدم: أنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد جعله في


1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 74 و أنساب الأشراف ج 1 ص 474 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 2 ص 391 و ج 3 ص 215 و أسد الغابة ج 1 ص 68 و تاريخ الخميس ج 2 ص 172 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 156 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 190 و ج 4 ص 66 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 248 و سمط النجوم العوالي للعاصمي ج 2 ص 224 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 159 و ج 6 ص 52 و الكامل ج 2 ص 317 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 234 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 339 و كنز العمال ج 10 ص 570 و منتخب كنز العمال ج 4 ص 180 و حياة محمد ص 467.

جيش أسامة، فلماذا تراجع عن قراره و غيّر رأيه بهذه السرعة؟ ! فإن حاجة الناس إلى من يؤمهم في صلاتهم لا توجب استدعاء أبي بكر، إلا إذا فرض: أنه لم يكن بين الذين تخلفوا عن جيش أسامة من هو مؤهل لإمامتهم في الصلاة! !

و هذا لا يمكن قبوله. إذ ما هو النقص الذي كان يحول بينهم و بين ذلك؟ ! هل هو بأنهم كانوا بأجمعهم لا يحسنون القراءة مثلا؟ !

أم هو عدم وجود من يملك صفة العدالة بينهم؟ إن ذلك بعيد، و لا مجال للمصير إليه، لما يلي:

أولا: لمنافاته لقولهم بعدالة جميع الصحابة.

ثانيا: إنهم يروون عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: صلوا خلف كل بر و فاجر.

ثالثا: إننا إذا قلنا باشتراط العدالة في الإمام، فمن الصعب الحكم بفسق أولئك الناس كلهم. فالحديث عن أن استثناء أبي بكر قد كان بعد اشتداد مرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا معنى له. .

أقلل اللبث فيهم:

و لا بد لنا من التأمل في السبب الذي دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأمر أسامة بأن يقلّ اللبث في أهل أبنى، بعد أن يظفر بهم، فهل هو لا يريد أن يفسح المجال أمام أولئك الأعداء لانتهاز الفرصة لتسديد ضربتهم للمسلمين على حين غفلة منهم؟ ! فإن هذا ما يوجبه النصح للمسلمين و المحافظة عليهم، و حفظهم من أن يتعرضوا لصدمة روحية، قد تبلغ حد

الإحباط لدى بعض ضعفاء النفوس. .

أو لأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يبقي على حالة الإبهام و الغموض، و التهيب للمسلمين، في نفوس أولئك الأعداء؟ !

أو لأنه يريد منه أن يسرع بالرجوع إلى المدينة، لأن طول غيابه قد يفسح المجال أمام بعض الفئات لجمع قواهم، و الإنقضاض على المدينة عاصمة الإسلام.

أو لأنه يريد أن يحميه من أن يتمكن هر قل من إرسال جيوشه الهائلة لنجدة أهل أبنى، و يتمكن من إلحاق الأذى بأسامة و بجيشه.

أو أن كل ذلك كان مقصودا؟ ! !

ربما يكون هذا الأخير هو الأولى و الأظهر. .

إشارة إلى حديث اللدود:

و قد أشارت بعض النصوص المتقدمة إلى الحديث الذي يقول: إنهم لدّوا رسول اللّه في مرضه، و قد تكلمنا عن هذا الحديث في هذا الجزء من الكتاب و قلنا: إنه حديث خرافة، فراجع. .

حرّق عليهم:

و قد نسبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه أمر أسامة بأن يحرق على أهل أبنى، و نحن نشك في صحة هذه الرواية، و ذلك لما يلي:

1-إن كان المراد تحريق الشجر مثل النخل و غيره، فنقول:

قد ورد عن ثوبان أنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: من قتل صغيرا أو كبيرا، أو أحرق نخلا، أو قطع شجرة مثمرة، أو ذبح شاة

لإهابها، لم يرجع كفافا (1).

فإنه يدل على أن هذا العمل مرجوح عند الشارع، و لا يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما هو مرجوح. .

بل قد ورد ما يدل على حرمته أيضا، و بذلك أفتى عدد من الفقهاء إلا في حال الضرورة (2).

و حكم كثير منهم بالكراهة (3).


1) راجع: مسند أحمد ج 5 ص 276 و مجمع الزوائد ج 5 ص 317 و ج 14 ص 261 و كنز العمال ج 15 ص 35 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 118 و عمدة القاري ج 14 ص 261 و كنز العمال ج 15 ص 35.

2) راجع: المهذب لابن البراج (مطبوع ضمن الينابيع الفقهية) كتاب الجهاد ص 88 مقيدا للأشجار ب‌ «المثمرة» و في منتهى المطلب ج 2 ص 909 عن أحمد، و قد حكي القول بعدم الجواز عن الليث بن سعد، و أبي ثور، و الأوزاعي فراجع: فتح الباري ج 5 ص 7 و الجامع الصحيح ج 4 ص 122 و فقه السيرة ص 280 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 7 و ج 12 ص 50 و عمدة القاري ج 4 ص 179 و رياض المسائل للطباطبائي ج 7 ص 502 و البحار ج 73 ص 319.

3) تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و 413 و راجع: السرائر ص 157 و تحرير الأحكام ج 1 ص 135 و شرائع الإسلام ج 1 ص 312 و القواعد (المطبوع مع الإيضاح) ج 1 ص 357 و الجامع لأحكام الشرائع ص 236 و منتهى المطلب ج 2 ص 909 و الوسيلة (المطبوع ضمن الجوامع الفقهية) ص 696 و الخراج لأبي يوسف ص 210 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 عن الأوزاعي، و المبسوط للشيخ الطوسي «رحمه اللّه» ج 2 ص 11 و عون المعبود ج 7 ص 275 و مجمع الأنهر ج 1 ص 590 و إيضاح الفوائد لابن العلامة ج 1 ص 357 و مسالك الأفهام ج 3 ص 25 و جامع المقاصد للمحقق الكركي ج 3 ص 385 و كشف الغطاء (ط. ق) ج 2 ص 406 و جواهر الكلام ج 21 ص 66.

و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يأمر بالمكروه فضلا عن الحرام إلا مع الضرورة. فيرتفع معها عنوان الحرمة أو الكراهة.

إلا أن يقال: إن المرجوح هو فعل ذلك بالمسلمين، أو في نخلهم، و شجرهم، و لا يشمل نخل المحاربين و شجرهم، و أملاكهم.

و يجاب: بأن الكلام قد جاء مطلقا، كما أن النهي عن ذلك قد يكون لأجل أنه من مصاديق الإفساد في الأرض، و هذا صادق على صورة كون النخل للمحاربين أيضا، إلا مع الحاجة إليه لكسر شوكة العدو، و تحقيق النصر عليه.

2-و إن كان المراد تحريق الناس بالنار، فقد روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: لا يعذب بالنار إلا رب النار. أو نحو ذلك (1).


1) راجع: صحيح البخاري كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب اللّه ج 3 ص 1098 ح (2853) و مسند أحمد ج 3 ص 494 و ج 2 ص 307 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 219 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 603 و ج 2 ص 532 و الجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 117 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 71 و 72 و مصابيح السنة ج 2 ص 528 و 530 و فتح الباري ج 6 ص 105 و ج 12 ص 239 و شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 6 و ج 14 ص 194 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1536 و المعجم الكبير ج 3 ص 161 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 106 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 340 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 215 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 173 و عمدة القاري ج 14 ص 220 و تيسير الوصول ج 1 ص 279 و مجمع الزوائد ج 6 ص 251 و حاشية رد المحتار لابن عابدين ج 4 ص 317 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 9 ص 405 و ج 10 ص 396 و المحلى لابن حزم ج 10 ص 376 و ج 11 ص 383 و نيل الأوطار ج 8 ص 4 و ج 9 ص 95 و البحار ج 19 ص 352 و الغدير ج 7 ص 155 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 309 و كشاف القناع للبهوتي ج 3 ص 55 و المغني لابن قدامه ج 9 ص 391 و 502.

إلا أن يقال: إن التعذيب بالنار المنهي عنه هو: أن يكون من يراد تعذيبه في قبضة الإنسان المؤمن، و يريد أن يورد عليه عقوبة أو أذى مشروعا من حدّ أو تعزير.

و أما الإستفادة من النار في قتال العدو فلا مانع منه.

3-ما نسب إلى علي «عليه السلام» من أنه أحرق عبد اللّه بن سبأ. . لعله غير دقيق، فقد روي:

أنه «عليه السلام» حفر له و لأصحابه حفائر، و خرق بعضها إلى بعض، ثم دخن عليهم حتى ماتوا (1).

4-من الممكن أن يكون هذا الحديث قد نسب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهدف تبرير فعل صدر عن أبي بكر، الذي أحرق الفجاءة


1) راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 71 و الغدير ج 7 ص 156 و فتح الباري ج 6 ص 106 و شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 5 و ج 8 ص 119 و أحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 515 و عمدة القاري ج 14 ص 264 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 645.

السلمي (1)، و صدر أيضا من خالد بن الوليد (2)، ثم صدر من أسامة تجاه أهل أبنى، و معه جماعات من الصحابة ممن لا يحب هؤلاء الناس أن تنسب إليهم مخالفات صريحة، لأنهم كانوا-عموما-من أنصار الحاكم الجديد.

أغز عليهم:

تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأسامة: «أغز عليهم» و هو تصحيف، إذ لا معنى لتعدية كلمة «أغز» بعلى، فقوله: «أغز عليهم» كلام ركيك، إلى حد الغلط، و هو لا يصدر عن أفصح و أبلغ الناس، فالصحيح هو: «أغر عليهم» . . و لعل عدم وجود النقط للحروف هو الذي أوقع في الإشتباه. .

الغارة على الآمنين:

و لا مجال للإعتراض بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يأمر بالإغارة على الآمنين. و ذلك لأن أهل أبنى كانوا معلنين للحرب على الإسلام


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 264 و البداية و النهاية ج 6 ص 319 و الإصابة ج 5 ص 223 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 137 و كتاب الفتوح لابن أعثم ج 1 ص 10 و الخصال ص 171 و البحار ج 30 ص 123 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 322 و 324 و الغدير ج 7 ص 170 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 418 و 420 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 619.

2) راجع: الرياض النضرة ج 1 ص 129 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 380 و تذكرة الفقهاء (ط. ق) ج 9 ص 69 و (ط. ق) ج 1 ص 412 و.

و أهله، و قد كان لهم دور بارز في مؤتة.

و لا مانع من صحة ما روي، من أن قاتل زيد بن حارثة كان فيهم أو منهم، و ليس للمحارب أن يتوقع من عدوه أن يعلمه بموقعه، و بخططه، أو بما يحمله من سلاح، أو بساعة إغارته عليه. . بل عليه هو أن يكون حذرا، و أن يستعد للمفاجآت، و يحسب لها حسابها.

و لعدوه الحق بأن يموه عليه، و أن يطلب غرته و يغير عليه. . فلا محذور في أن يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسامة بن زيد بأن يغير على أهل أبنى في أي وقت شاء.

سبب التثاقل و التخلف عن أسامة:

قال العلامة البحاثة السيد عبد الحسين شرف الدين «رحمه اللّه» ، في بيانه لأسباب تثاقلهم ثم تخلفهم عن جيش أسامة:

«لا يفوت البعث بتثاقلهم عن السير، و لا بتخلف من تخلف منهم عن الجيش» . أما الخلافة فإنها تنصرف عنهم لا محالة، إذا انصرفوا إلى الغزوة قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله. .

و كان بأبي هو و أمي-أراد أن تخلو منهم العاصمة، فيصفو الأمر من بعده لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» على سكون و طمأنينة.

فإذا رجعوا و قد أبرم أمر الخلافة، و أحكم لعلي «عليه السلام» عقدها، كانوا عن المنازعة و الخلاف أبعد. .

و إنما أمّر عليهم أسامة و هو ابن سبع عشرة سنة (1)ليا لأعنة البعض، و ردّا لجماح أهل الجماح منهم، و احتياطا من الأمن في المستقبل من نزاع أهل التنافس لو أمّر أحدهم كما لا يخفى.

لكنهم فطنوا إلى ما دبر «صلى اللّه عليه و آله» ، فطعنوا في تأمير أسامة، و تثاقلوا عن السير معه، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي «صلى اللّه عليه و آله» بربه، فهمّوا حينئذ بإلغاء البعث، و حلّ اللواء تارة، و بعزل أسامة أخرى، ثم تخلف من تخلف منهم عن الجيش، و في أولهم أبو بكر و عمر (2).

تثاقل أسامة و الجيش إلى أي مدى؟ ! :

و يفهم من قول الجوهري «فتثاقل أسامة، و تثاقل الجيش بتثاقله» : أن السبب في تثاقل الجيش هو أسامة بالذات. .


1) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 34 و الإصابة ج 1 ص 46 و الوافي بالوفيات ج 9 ص 263 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 113 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 369 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 37 و النص و الإجتهاد ص 36 و أسد الغابة ج 1 ص 64 و الفصول المهمة في تأليف الأمة ص 104 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 234 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 227 و قيل: كان عمره 18 سنة، و قيل:20 سنة.

2) النص و الإجتهاد ص 36 و 37. و راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 681 و في هامشه عن: أسد الغابة ج 1 ص 64 و الإصابة ج 1 ص 31 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 57 و قاموس الرجال ج 1 ص 468 و تنقيح المقال ج 1 ص 108 و الكشي ص 39/80 و 81 و الطبقات الكبرى ج 4 ق 1 ص 42.

غير أن من الواضح: أن أكثر الجيش، ربما لم يكن مدركا لما يجري، و كان يتعامل مع الأمور بعفوية، و سلامة طوية و انقياد و طاعة، غير أن المفروض بأعيان القوم، و زعمائهم أن لا يستسلموا للأمور ببساطة، بل لا بد أن يتساءلوا عن مبررات هذا التثاقل، و سير فضونه إن وجدوا أنه لا يملك مبررات تقنعهم، و سترتفع عقيرتهم بالإعتراض و الإدانة. .

و لكننا حين نراجع موقفهم هنا نجد: أنهم لم يرتفع لهم صوت، رغم شدة و تواصل حثّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم على المسير، إلى حد لعن المتخلفين، بل كان هؤلاء الأعيان و الزعماء يشاركون في هذا التثاقل، و يمعنون فيه. . مما يعني أنه تثاقل قد تفاهموا عليه مع أسامة، إن لم يكونوا هم الذين جروه إليه، أو فرضوه عليه. .

و يؤكد هذا الذي نقوله: أن هذا التثاقل، أو فقل: هذا التمرد على أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استمر حوالي نصف شهر. .

و حتى حينما لم يجد أسامة بدا من المسير، تحت وطأة إصرار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه سار قليلا، و بمقدار ساعة فقط، ثم حط رحاله في الجرف على بعد فرسخ واحد من المدينة، ربما ليبقى جيشه في أجواء ما يجري في المدينة، و على علم بالشائعات عن حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، التي ربما كانت فئات في المدينة تغذيها، بالتعاون مع مجموعات في الجيش نفسه.

و كان أسامة يترك الجيش و يدخل المدينة، و يصر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالتريث، و يصر عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالإستعجال، حتى لقد رجع في اليوم الأخير مرتين كانت الأخيرة منهما برفقة عمر و أبي

عبيدة، فوجده يجود بنفسه.

إعتذارات البشري عن تثاقلهم:

ثم ذكر السيد شرف الدين: أن الشيخ سليم البشري قد اعتذر عنهم بما حاصله:

1-بالنسبة لتثاقلهم، نقول:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كان قد حثهم على الإسراع، و لكنه تمرض بعد ذلك مباشرة، فثقل حتى خيف عليه، فلم تسمح نفوسهم بفراقه و هو في تلك الحال، فتربصوا ينتظرون في «الجرف» ما تنتهي إليه حاله.

و هذا من وفور إشفاقهم عليه، و ولوع قلوبهم به. و مقصدهم في تثاقلهم: إما قرة عيونهم بصحته، و إما التشرف بتجهيزه، و توطيد الأمر لمن يتولى عليهم من بعده. فهم معذورون في تربصهم.

2-و اعتذر عن طعنهم في إمارة أسامة: بأن سببها هو حداثة سنه، و هم شيوخ و كهول، و نفوس الشيوخ و الكهول تأبى النزول على حكم الشبان (1).

و نقول:

إننا نضيف إلى ما تقدم ما يلي:

أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف في أمره لهم بالمسير مع أسامة على ما قبل اشتداد مرضه، بل هو قد استمر يأمرهم بذلك مرة بعد أخرى


1) المراجعات للسيد شرف الدين ص 370 و النص و الإجتهاد ص 37-39 و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

حتى بعد اشتداد المرض أيضا، و قد أكد هذا الإلتزام بلعنه لمن يتخلف. فليس لأحد أن يعتذر عن معصية الأمر الوجوبي من أجل أمر مستحب فهو كمن يترك الحج الواجب، و الصلاة الواجبة، لأنه أراد أن يزور أحد المؤمنين، أو لا نشغاله بالتسبيح و التهليل.

ثانيا: لقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعرف بالمصالح و المفاسد منهم. فمواصلة حثه لهم على الإسراع بالمسير حتى بعد اشتداد مرضه، مع علمه بأن صحابته قلقون عليه يدل على أن ما يتوخاه من هذا الإسراع أعظم من مصلحة طمأنتهم على مصيره، أو مشاركتهم في مراسم دفنه، أو في توطيد الأمر لمن يتولى الأمر بعده. . فإن هذه الأمور لا تخفى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فكان يجب أن يمتثلوا أمره، على قاعدة: وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (1). و لا يحق لهم أن يعتبروا رأيهم مقدما على أوامره، فإن رأيهم ينتهي إلى الحدس و الظن، أما هو فلا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. .

ثالثا: إن حديث الإشفاق، لا يمكن القبول به، لأن المعيار هو ما يحكم به العقل، و تقتضيه الحكمة، لا ما تدعو إليه العاطفة، و يسوق إليه الهوى. ألا ترى أن لو كان لإحدى النساء طفل مريض، و قد وصف له الطبيب دواء مرا، أن عقلها يحتم عليها أن تسقيه الدواء، و إن كانت عاطفتها تصدها عن ذلك، لأنها لا تريد أن تؤذي طفلها بمرارة الدواء. .

رابعا: بالنسبة لنفرة نفوس الشيوخ من الإنقياد إلى الشباب، نقول:


1) الآية 65 من سورة النساء.

إن هذا لو كان عذرا لوجب أن يكون جميع الذين كانوا أكبر سنا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معذروين في اختيارهم الكفر و الشرك على الإسلام، لأن نفوسهم تأبى الإنقياد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأنه كان شابا بالنسبة إليهم. .

و لكان يجب أن لا ينقاد كثير من أهل الممالك لرؤسائهم و ملوكهم، حين يكونون أكبر منهم سنا، أو حين يكونون شيوخا، و ملوكهم و رؤساؤهم شبانا.

خامسا: حتى لو سلمنا أن الأمر كذلك، فإن ثمة فرقا ظاهرا بين أوامر الأنبياء و أوصيائهم، و أوامر الرؤساء و الملوك، و سائر الناس لبعضهم بعضا، فإن أوامر الأنبياء و الأوصياء تنتهي إلى اللّه سبحانه، و هي تعبر عن إرادته، و تنتهي بمرضاته، و ليست أوامر الرؤساء و الملوك و الناس مع بعضهم البعض كذلك.

و قد قال تعالى: فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (1).

و قال: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً (2).

إرتداد العرب متى كان؟ ! و لماذا؟ ! :

و قد ذكر النص المتقدم: أن العرب ارتدت قبل أن يتحرك أسامة من


1) الآية 65 من سورة النساء.

2) الآية 36 من سورة الأحزاب.

المدينة، و هو كلام غير دقيق، و لا صحيح، فإنهم يصرحون: أنه بمجرد أن تمت البيعة لأبي بكر سيّر أبو بكر جيش أسامة.

و يبدو لنا أن العرب لم يرتدوا، و إنما هم قد امتنعوا من البيعة لأبي بكر، لأنهم كانوا قد حضروا يوم الغدير، و بايعوا عليا «عليه السلام» ، فلا معنى لقبولهم بنكث بيعتهم التي أمرهم بها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و أشرف عليها بنفسه، ليبايعوا أبا بكر الذي أخذ هذا المقام بالقهر و الغلبة و بالتهديد، بالإستناد إلى ألوف المقاتلين من بني أسلم و غيرهم كما سيأتي.

و الذين ارتدوا حقيقة إنما ارتدوا في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مثل: مسيلمة، و طليحة، و سجاح، و الأسود العنسي. .

و أما مالك بن نويرة، و أضرابه، فهؤلاء إنما امتنعوا عن بيعة أبي بكر، و لم يؤدوا الزكاة إليه، و قالوا: إنهم لا يؤدونها إلا إلى أهل بيت نبيهم، أو يقسمونها على فقرائهم، فاستحل أبو بكر دماءهم و قتلهم. .

و لهذا البحث مجال آخر. .

إشكال مشترك الورود:

و قد يقال: إن إشكال التخلف عن جيش أسامة مشترك الورود، و بيان ذلك كما يلي:

أولا: إن أبا بكر و عمر، و غير هما، و إن كانوا قد تخلفوا عن جيش أسامة (1)، و قد شملهم قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :


1) الإستغاثة (ط دار الجيل) ج 1 ص 21 و منهاج الكرامة للعلامة الحلي ص 100 و نهج الحق للعلامة الحلي ص 263 عن: الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 23، و السيرة الحلبية ج 3 ص 207، و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 53 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 215 إضافة على مصادر أخرى تقدمت.

«لعن اللّه من تخلف عن جيش أسامة» . و لكن عليا «عليه السلام» قد تخلف أيضا؛ فلماذا لا يشمله؟ ! .

ثانيا: لم يرد لعن المتخلف عن جيش أسامة في حديث أصلا (1).

ثالثا: إن أبا بكر قد تخلف لما أمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالصلاة بالناس، فليس في تخلفه غضاضة. .

و نجيب بما يلي:

إنه لا ريب في أن عليا «عليه السلام» لم يتخلف عن جيش أسامة، فلا يشمله لعن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمن تخلف، و ما ذكروه لا اعتبار به، و ذلك للأمور التالية:

أولا: قولهم لم يرد لعن المتخلف عن جيش أسامة في حديث أصلا، غير صحيح، فقد أرسل ذلك الشهرستاني في الملل و النحل إرسال المسلمات (2)، و ذكر ذلك غيره أيضا (3).


1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 228.

2) راجع: الملل و النحل (ط دار المعرفة) ج 1 ص 23 و (بهامش الفصل لابن حزم) ج 1 ص 20.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 52 عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري و راجع: المسترشد للطبري ص 112 و البحار ج 30 ص 431 و 432 و نفحات اللاهوت ص 113 و تشييد المطاعن ج 1 ص 47 و معالم المدرستين ج 2 ص 77 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 68 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 141 و 527 و قاموس الرجال ج 12 ص 21 و السقيفة و فدك للجوهري ص 77 و نهج السعادة للمحمودي ج 5 ص 259 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 209 و النص و الإجتهاد ص 42 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 374 و إحقاق الحق (الأصل) ص 218.

ثانيا: إنه حتى لو لم يرد لعن صريح لمن تخلف، فإن نفس مخالفة أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر قبيح، يستحق فاعله العقوبة، فكيف إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أصر على الناس في تنفيذ هذا البعث، و أصروا هم على عصيان أمره، و هو يرى ذلك منهم، و يحاول معالجته مرة بعد أخرى، فلا يستجيبون له، فإن ذلك سيكون من موجبات تأذّيه منهم، و غضبه عليهم، و هذا من موجبات طردهم من ساحة رحمة اللّه تبارك و تعالى. .

ثالثا: إن الحديث عن تخلف أبي بكر بأمر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، حين أمره بالصلاة بالناس، لا يصح، فقد ذكرنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بادر إلى عزله عن نفس تلك الصلاة. .

كما أن عليا «عليه السلام» كان يقول: إن عائشة هي التي أمرت أباها بأن يصلي بالناس و ليس النبي «عليه السلام» (1).


1) شرح نهج للمعتزلي ج 9 ص 197 و البحار ج 28 ص 159 و الهداية الكبرى للخصيبي ص 411 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 620 و الإستغاثة للكوفي ج 2 ص 19 و مناقب أهل البيت «عليه السلام» للشيرواني ص 399 و تثبيت الإمامة للهادي يحيى بن الحسين ص 23 و نهج السعادة ج 5 ص 268 و راجع: الإرشاد ج 1 ص 182 و الإفصاح للمفيد ص 206 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 132 و الإيضاح لابن شاذان ص 346 و شرح الأخبار ج 2 ص 241 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 124 و الجمل لضامن بن شدقم المدني ص 40 و كتاب الأربعين ص 278 و الصراط المستقيم ج 3 ص 135 و 133 عن الغزالي في الإحياء، و راجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص 279 و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 73 و فيه: أنها أمرت عمر.

و قد ناقشنا هذه القضية في موضع آخر من هذا الجزء فلا نعيد. .

و يدل على ذلك: أن أسامة حين وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد ترك المدينة و سكن وادي القرى (1)، فكتب أبو بكر إليه يستقدمه إلى المدينة، فأجابه أسامة بكتاب جاء فيه:

«انظر مركزك، و لا تخالف فتعصي اللّه و رسوله، و تعصي من استخلفه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليك و على صاحبك، و لم يعزلني حتى قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنك و صاحبك رجعتما، و عصيتما، و أقمتما في المدينة بغير إذن» (2).

و في نص آخر: «فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استخلفني عليكم، و لم يعزلني.

و قد علمت كراهة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لرجوعكم عني إلى المدينة.


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 72 و تاريخ مدينة دمشق ج 8 ص 48 و ج 10 ص 140 و ج 13 ص 26 و ج 70 ص 8 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 202 و راجع: الأعلام للزركلي ج 1 ص 291 و المنتخب من ذيل المذيل للطبري ص 33 و 50.

2) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 114 و البحار ج 29 ص 92.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يتخلفن أحد عن جيش أسامة إلا كان عاصيا للّه و لرسول اللّه» (1).

رابعا: لا ريب عند أحد من المسلمين في أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجعل عليا «عليه السلام» في ذلك الجيش، فضلا عن أن يتوهم أنه قد تخلف عنه، و يكفي أن نشير هنا إلى ما يلي:

ألف: قال ابن حمزة: «و هل نقل عن أحد من أهل العلم أن عليا «عليه السلام» كان في جيش إلا و هو أميره» (2).

و روى الواقدي، قال: سئل الحسن (البصري) عن علي «عليه السلام» -و كان يظن به الإنحراف عنه، و لم يكن كما يظن-فقال: ما أقول فيمن جمع الخصال الأربع: ائتمانه على براءة، و ما قال له الرسول في غزاة تبوك، فلو كان غير النبوة شيء يفوته لاستثناه، و قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «الثقلان كتاب اللّه و عترتي» ، و إنه لم يؤمّر عليه أمير قط، و قد أمّرت الأمراء على غيره (3).

و العبارة الشائعة عن هذا الأمر هي قولهم: لم يؤمّر عليه أحدا قط، و لم يكن في سرية قط إلا كان أميرها (4).


1) كتاب الأربعين للماحوزي ص 256 و تثبيت الإمامة للهادي يحيى بن الحسين ص 20.

2) الشافي لابن حمزة ج 4 ص 164.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 95-96 عن الواقدي، و الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 144 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 123 و 135.

4) راجع: الثقات ج 1 ص 242 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 و الوفاء ص 689 و تاريخ الخميس ج 1 ص 461 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 418 و دلائل الامامة للطبري (الشيعي) ص 261 و شرح الأخبار ج 1 ص 320 و نوادر المعجزات للطبري (الشيعي) ص 144 و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 351 و الطرائف ص 277 و البحار ج 20 ص 165 عن الكازروني و غيره و ج 37 ص 335 و ج 47 ص 127 و ج 49 ص 209 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 121 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 237 و 338 و الغدير ج 1 ص 212 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 123 و 135 و قاموس الرجال ج 12 ص 151 و نهج الإيمان لابن جبر ص 467 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 74 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 555 و زاد المعاد ج 1 ص 71 و حبيب السير ج 1 ص 355 و السيرة الحلبية ج 2 ص 264-265 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261.

و هذا يدل على أنه «عليه السلام» لم يكن في جيش أسامة، لأنه لو كان فيه لكانت الإمارة له لا لسواه.

ب: إن جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» وصيا بأمر من اللّه تعالى، و البيعة له في يوم الغدير يمنع من جعله إياه في جيش أسامة، لا سيما و هو «صلى اللّه عليه و آله» يتوقع أن ينزل به القضاء لحظة بعد أخرى، فقد أخبرهم «صلى اللّه عليه و آله» بدنو أجله، و أنه يوشك أن يدعى فيجيب.

فلم يكن «صلى اللّه عليه و آله» ليجعله مولى للناس، و أولى بهم من أنفسهم، ثم يجعل أسامة أميرا عليه، و المتصرف فيه، و الآمر و الناهي له.

ج: ورد في رسالة كتبها أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى شيعته قوله:

«و قد كان نبي اللّه أمّر أسامة بن زيد على جيش، و جعلهما (يعني أبا

بكر و عمر) في جيشه.

و ما زال النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن فاضت نفسه يقول: «انفذوا جيش أسامة» .

فمضى جيشه إلى الشام، حتى انتهوا إلى أذرعات الخ. .» (1).

فلو كانت حاله «عليه السلام» في التخلف عن جيش أسامة حال غيره لم تصح منه الإشارة إلى تخلفهما، و عصيانهما أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

هذا. . و لم يزل الشيعة يستدلون على غيرهم بتخلف أبي بكر و عمر عن جيش أسامة، و قد اقتصرت إجابات أتباع أبي بكر و عمر على إنكار تخلف أبي بكر، و لو بالاستناد إلى ما زعموه من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمره بالصلاة. . و لم نجد أحدا منهم نقض على الشيعة بتخلف علي «عليه السلام» . .

و ذلك يدل على أن من المتسالم عليه أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد جعل عليا «عليه السلام» في ذلك الجيش.

و حسبنا ما ذكرناه آنفا عن علي «عليه السلام» ، و عن الحسن البصري، و غير ذلك، مما يدل على هذا الأمر دلالة قاطعة، فليلا حظ ذلك. .


1) الخطبة في البحار ج 30 ص 7-12 و كشف المحجة ص 176، و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 4 ص 74، و نهج السعادة ج 5 ص 205، و الإمامة و أهل البيت لمحمد بيومي مهران ج 1 ص 79.

مغزى تأمير أسامة:

و غني عن البيان: أن تأمير أسامة و هو شاب في مقتبل العمر لم يخض حربا، و لم يتسلم قبل ذلك قيادة على جيش يضم كبار الصحابة، و الزعماء، و القادة، و الطامحين لأعظم مقام و أسماه، و هو مقام خلافة النبوة. . سيكون صعبا و ثقيلا على قلوب هؤلاء الناس، و لا سيما قادة طالما تباهوا بأنفسهم، و افتخروا على غيرهم من أمثال خالد، و ابن العاص، و غيرهما. . و قد كان هذا الجيش يريد غزو بلاد بعيدة، ترتبط بأعظم أمبراطورية في ذلك الزمان، و هي أمبراطورية الروم.

فإن ذلك يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يرمي إلى تحقيق أهداف عظيمة، لا بد أن يعيها المسلمون، و أن يتأمل بها المتأملون، و أن يوصلها إلى بر الأمان، و يحقق لها النصر، المؤمنون المخلصون.

و يمكن أن نشير إلى جملة من هذه الأهداف فيما يلي:

أولا: قال الشيخ محمد رضا المظفر «رحمه اللّه» :

إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يهيئ المسلمين لقبول قاعدة «الكفاية» في ولاية أمورهم، من ناحية عملية، فليست الشهرة و لا تقدم العمر هما الأساس لاستحقاق الإمارة و الولاية، فلذا قال عن أسامة، مؤكدا جدارته بالقسم و لام التأكيد: «و أيم اللّه، إن كان لخليقا للأمارة-يعني زيدا-و إن ابنه لخليق للأمارة» (1).

و يأتي هذا بمثابة الرد لمقولة عمر، التي أشرنا إليها حين الكلام حول


1) السقيفة للشيخ المظفر «رحمه اللّه» (ط مكتبة الزهراء، قم، إيران) ص 77.

حديث الغدير: أن السبب في إبعاد علي «عليه السلام» عن الخلافة هو: أن قومه استصغروه. .

ثانيا: إن تأمير أسامة كما يقوله العلامة المظفر «يقيم الحجة لهم و للناس بأن من يكون مأمورا طائعا لشاب يافع، و لا يصلح لأمارة غزوة مؤقتة، كيف يصلح لذلك الأمر العظيم، و هو ولاية أمور جميع المسلمين العامة، و هي في مقام النبوة؟ ! و صاحبها أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (1)» (2).

و قال «رحمه اللّه» : «فهذا البعث الذي كان تدبيرا لإخلاء المدينة لعلي «عليه السلام» و حزبه، كان حجة على المستصغرين لسنه، و دليلا على عدم صلاح غيره لهذا المنصب العظيم. .

فإذا كان الإخلاء، لم يتم لتمانع القوم و عرقلتهم للبعث، فإن الحجة ثابتة مع الدهر. .

و لا يصح للباحث أن يدّعي: أن السبب الحقيقي لتخلف القوم هو ما تظاهروا به من عدم الرضى بإمارة قائدهم الصغير، و إن تذرعوا به عذرا لاحقا، تلك الشنشنة التي عرفها النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أخزم.

لأنّا نرى: أن لو كان هذا السبب الحقيقي لما تنفذ البعث، بعد أن تم أمر الخلافة الذي به زال المانع الحقيقي. و المسلمون إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أطوع منهم إلى أبي بكر، لو كان يمنعهم صغر القائد. و لم يتأبّ عمر


1) الآية 6 من سورة الأحزاب.

2) السقيفة للشيخ المظفر «رحمه اللّه» (ط مكتبة الزهراء، قم، إيران) ص 78.

نفسه بعد ذلك أن يخاطب أسامة بالأمير طيلة حياته، اعترافا بأمارته» (1)بل عرفانا منه بالجميل له.

و قال «رحمه اللّه» : «أما الشفقة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» إن لم تكن عذرا آخر تذرعوا به-فلا يصح أن تكون سببا حقيقيا، إذ ينبغي أن يكونوا عليه أشفق بالتحاقهم بالبعث، و قد غضب أشد الغضب من تأخرهم، على ما فيه من حال و مرض.

و لئن ذهبوا يسألون عنه الركبان، كان أكثر برا بنبيهم «صلى اللّه عليه و آله» من أن يعصوا أمره، و يغضبوه ذلك الغضب المؤلم له» (2).

ثالثا: إنه لا ريب في أنه لو تم غزو تلك البلاد في هذا الظرف بالذات، و انتظام أمر الخلافة وفق ما رسمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه سيكون تأكيدا لهيبة الإسلام، و تحصينا للدولة الإسلامية من مطامع أهل الزيغ و النفاق في الداخل، و الأعداء المتربصين بها شرا في الخارج. .

و سيعطي الإنطباع بأن مفاهيم و قيما جديدة قد وجدت لها مكانا في ذهنية المجتمع الإسلامي، و فرضت نفسها في مجال العمل و الممارسة، و أن نفوس الناس قد روضت لتقبل ما كان يكاد يدخل في عداد المستحيلات في السابق، و هو أن ينقاد شيوخ و زعماء القبائل لشاب هو بمثابة ولد و حفيد، و ليس هو من القبائل التي تمسك بأسباب القوة و النفوذ، و التي يعترف لها بالزعامة و الرياسة على نطاق واسع في ذلك المحيط الذي كانت مفاهيم


1) نفس المصدر ص 78 و 80.

2) المصدر السابق.

الزعامة بهذا المعنى هي المهيمنة عليه بجميع فئاته و طبقاته. .

و هذا سوف يجعل الكثيرين يفكرون مليا بما أحدثه هذا الدين من انقلاب عميق، في كل الواقع الإنساني القائم آنذاك. .

بعث أسامة مدهش:

و لا شك في أن بعث أسامة يبقى أهم إجراء مثير للدهشة لدى أي باحث منصف، و لا سيما بملاحظة ما يلي:

1-أن هذا النبي الذي جاء بدين و لقي كل هذه التحديات، و تعرض لمختلف أنواع التآمر و الكيد، يواجه حالة نفاق مستشرية في داخل مجتمعه الناشئ. و هي حالة تحدث عنها القرآن بإسهاب، و بأسلوب حازم و قوي، ينبئ عن عظيم خطرها، و بالغ أثرها. . حتى لقد قال سبحانه لنبيه: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ لاٰ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (1). و أكد له على أنهم يتربصون الدوائر بالإسلام و بالمسلمين.

2-إن هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم أن هذا أوان فراقه لهذه الدنيا. و قد أخبر الناس بذلك في حجة الوداع. .

3-إنه يعلم أيضا: أن الفتن قد أقبلت على قومه كقطع الليل المظلم. .

4-إنه يعلم أن هناك من لا يهتم بالإسلام، بل هو يريد أن يتخذ منه وسيلة لأغراضه، و ذريعة لتحقيق مآربه في الحكم و الحاكمية، و الحصول على المناصب، و الأموال، و النفوذ، و الجاه العريض.


1) الآية 101 من سورة التوبة.

5-إنه يعلم كذلك: أن الرؤساء و الزعماء هم الذين يهيمنون على الواقع العام، لو حدث بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» حدث، و هم من يفترض فيهم أن يتدبروا الأمور بحكمة و روية، و أناة، فالإحتفاظ بهم في مواقع الخطر، و حين يحدث الفراغ الكبير، باستشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يصبح ضرورة لا بد منها، و لا غنى عنها.

6-إنه يعلم: أن وجود قوة الردع من شأنه أن يحمي الواقع الداخلي من أطماع الأعداء، و يجعلهم غير ميالين إلى المغامرة، و لا راغبين بالمخاطرة، التي تكلفهم أثمانا ليسوا على استعداد لبذلها.

7-إننا مع ذلك كله نرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرسل جيشا للإغارة على موقع تحميه أعظم و أقوى أمبرطورية في الدنيا. و قد استثنى عليا «عليه السلام» من هذا الجيش، ليكون معه، كما أننا لم نسمع أنه ذكر اسم أي من مناصري علي «عليه السلام» في جملة جيش أسامة. .

علما بأن هؤلاء لم يكونوا نكرات، و لا مجاهيل في محيطهم و مجتمعهم، بل كانوا من البارزين و المرموقين، فهم لم يذكروا سلمان الفارسي، و لا المقداد، و لا أباذر، و لا أحدا من بني هاشم، و لا أبا الهيثم بن التيهان، و لا. . و لا. . في جملة من فرض عليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخروج في ذلك الجيش، فهل اكتفى «صلى اللّه عليه و آله» بأوامره العامة الشاملة لهم و لغيرهم؟ !

أم أنه استثناهم كما استثنى عليا «عليه السلام» ؟ !

إن ذلك لم نتمكن من استيضاحه من النصوص المتوفرة لدينا. .

8-و نحن نعلم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعقل الخلق، و أحكمهم

حكمة، و أفضلهم رأيا، و أحسنهم تدبيرا، و هو مسدد بالوحي، مرعي بالألطاف الإلهية. و هذا يجعلنا ندرك أن هناك أهدافا كبيرة و خطيرة كان يريد «صلى اللّه عليه و آله» تحقيقها. .

و أنها كانت أهدافا تستحق اقتحام الأخطار، و مواجهة الصعوبات. .

و لا نتعقل هذه الأهمية لأي شيء، إلا إذا كان أمرا يتوقف عليه حفظ هذا الدين، و بقاؤه، و صيانته في حقائقه و شرائعه. .

9-إننا نتوقع أن يكون الباحث الأريب، و المراقب اللبيب قد حدد من خلال كل هذا الذي أشرنا إليه آفاق المرامي و الأهداف، و أصبحت معالم الصورة لديه أكثر وضوحا، و أوفر استجماعا لملامح الواقع، حيث سيصبح على قناعة تامة: بأن عليا «عليه السلام» و مناصريه، و محبيه، و الميّالين إليه كانوا في توجهاتهم و ممارساتهم، و مواقفهم، و طبيعة تفكيرهم و غير ذلك في جانب. . و أن الذين يسعون لاستلاب ما جعله اللّه تعالى لعلي «عليه السلام» في يوم الغدير و في غيره من المواقف، و محبيهم و مناصريهم، و الميالين إليهم في الجانب الآخر المقابل. .

و أن سياسة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانت تقضي بإظهار هذا التمايز، فقد آن الآوان لوضع النقاط على الحروف، ليتحمل كل إنسان مسؤولية أعماله، فلا مجال بعد لغض النظر، و لا يجوز إفساح المجال لهم للتستر تحت أي شعار، و لا التخفي وراء أي دثار. .

10-و قد اضطرتهم سياسة النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه لفضح أنفسهم، و إسقاط أقنتعهم بأيديهم، و من خلال ما ظهر من أفعالهم و تصرفاتهم. .

فكان من مظاهر هذا التعري، تباطؤهم عن الخروج في ذلك البعث،

و كان إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على شخوص أسامة بجيشه، و تتابع أمره له بالمسير، و اضطرارهم إلى رفض ذلك، و التثاقل فيه، و النزول بالجيش في الجرف، و التعلل بالمعاذير الباطلة، مثل صغر سن قائدهم. و مثل إظهار الحرص على الإطمئنان على صحة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و غير ذلك كان يزيد في وضوح أمرهم، و كشف ما كانوا يبيتونه من نوايا و أهداف. .

11-و لا شك في أن فضيحة هؤلاء الناس، قد فتحت نافذة كبيرة أمام الأجيال الآتية لتعرف الحقيقة، و لا تأخذ بالمظاهر الخادعة، و الشعارات اللامعة. . و شكل ذلك امتدادا لما جرى في حجة الوداع، و تأكيدا على أنهم لا يزالون يسيرون في نفس الإتجاه، و أن لديهم نفس النوايا.

12-لقد أوضح ما جرى في حجة الوداع، في منى و عرفات، و ما جرى في تجهيز جيش أسامة، حيث لم ينفع مع هؤلاء القوم كل هذا التدبير الحازم و القوي و الصارم، و كل هذا الإصرار النبوي، الذي بلغ حد المبادرة إلى لعن من يتخلف-قد أوضح-: أن هؤلاء يصرون على نيل مراداتهم، و أن سكوتهم في يوم الغدير ما كان إلا انحناء أمام العاصفة. .

و أن أقوال الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و حتى أفعاله التي بلغت حد أخذ البيعة منهم و من غيرهم لعلي «عليه السلام» بالخلافة من بعده، ثم تجهيزة جيشا يرغمهم على الكون فيه، هم و أشياعهم، مع استثنائه عليا «عليه السلام» و ربما بعض محبيه و مناصريه منه. . قد أوضح: أن ذلك كله لم يفد في إقناعهم بالتراجع عما عقدوا العزم عليه، بل هو قد دفعهم للتمرد و العصيان، و انتهى الأمر بهم إلى اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عقله،

ثم مواجهة علي و الزهراء «عليهما السلام» بالعدوان، بما يصل إلى حد ارتكاب جريمة القتل، بإحراق بيت الزهراء «عليها السلام» بالنيران. .

13-إن ذلك كله يشير إلى أن مبادرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى فضح نواياهم، و نزع كل قناع عن وجوههم كان ضروريا إلى أقصى حد، لأن ذلك أمانة في عنقه، لا بد أن يؤديها للأمة على أتم وجه، مع يقيننا بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بأصحابه، مقتنعا بأنهم لن يطيعوا أمره، و لن يخرجوا في جيش أسامة و لن. . و لن. .

و قد أخبر عليا «عليه السلام» بحقيقة ما يضمره هؤلاء لعلي «عليه السلام» بعد وفاته كما ألمحت إليه النصوص التي ذكرنا شطرا وافرا منها حين الكلام عما جرى في حجة الوداع، ثم ما جرى يوم الغدير. .

و أخبر أيضا عن أن أصحابه لا يزالون مرتدين على أعقابهم القهقرى منذ فارقهم (1).


1) صحيح البخاري ج 8 ص 150 و 151(ط دار المعرفة) ج 5 ص 192 و 240 و ج 7 ص 195 و 206 و 207 و 208 و ج 8 ص 87 و صحيح مسلم (ط دار المعرفة) ج 1 ص 150 و ج 7 ص 67 و 68 و 71 و ج 8 ص 157 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1016 و سنن الترمذي ج 4 ص 38 و ج 5 ص 4 و سنن النسائي ج 4 ص 117 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 501 و مجمع الزوائد ج 3 ص 85 و ج 9 ص 367 و ج 10 ص 365 و المصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 406 و عن الجمع بين الصحيحين الحديث (267) و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 409 و مسند أحمد ج 1 ص 235 و ج 3 ص 281 و ج 5 ص 48 و 50 و 339 و 338 و 393 و 400 و 412 و راجع: الإيضاح لابن شاذان ص 233 و الأمالي للمفيد ص 38 و البحار ج 28 ص 22 و 27 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 360 و تفسير العياشي ج 2 ص 298 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 525 و الأحاديث المصرحة بذلك صحيحة و متواترة. و مصادر كثيرة أخرى، فراجع شطرا منها من كتابنا: «دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام» البحث الذي بعنوان «عدالة الصحابة في الكتاب و السنة» ج 2 ص 253 و 273.

الفصل الثالث: الكتاب الذي لم يكتب

اشارة

عمر يمنع النبي صلّى اللّه عليه و آله من كتابة الكتاب:

كان ابن عباس يذكر رزية يوم الخميس، و يبكي حتى يخضب دمعه الحصباء، و يقول: «يوم الخميس، و ما يوم الخميس! ! الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بين كتابه» .

أو «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم و لغطهم» .

أو «الرزية كل الرزية ما حال بيننا و بين كتاب نبينا» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 247 و راجع: نفحات اللاهوت ص 117 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 608 و ج 3 ص 693 و 695 و 699 و مسند أحمد ج 1 ص 325 و 336 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 5 ص 138 و ج 7 ص 9 و ج 8 ص 161 و (ط دار ابن كثير) ج 1 ص 54 و ج 4 ص 1612 و ج 5 ص 2146 و ج 6 ص 2680 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 5 ص 76 و (ط دار إحياء التراث) ج 3 ص 2259 و شرح مسلم للنووي ج 11 ص 89 و عمدة القاري ج 2 ص 170 و ج 18 ص 62 و 63 و ج 21 ص 225 و ج 25 ص 76 و فتح الباري ج 8 ص 132 و الملل و النحل للشهرستاني (ط دار المعرفة) ج 1 ص 22 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 439 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 433 و ج 4 ص 360 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 562 و الجمع بين الصحيحين ج 2 ص 9 و مسند أبي عوانة ج 3 ص 476 و الدرر لابن عبد البر ص 270 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 55 و ج 6 ص 51 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 244 و البداية و النهاية ج 5 ص 248 و 271 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 3 ص 171 و المنتقى من منهاج الإعتدال للذهبي ج 1 ص 347 و 349 و منهاج السنة النبوية لابن تيمية ج 6 ص 19 و 25 و 316 و 572 و دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 184 و سلوة الكئيب بوفاة الحبيب لابن ناصر الدين الدمشقي ج 1 ص 107 و البدء و التاريخ للمطهر بن طاهر المقدسي ج 5 ص 59 و سمط النجوم العوالي لعبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي العاصمي المكي ج 3 ص 356 و الأنس الجليل لمجير الدين الحنبلي العليمي ج 1 ص 216 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 446 و 447 و 449 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 451 و 498 و مجمع النورين ص 203 و موسوعة الإمام علي «عليها السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 387 و 388 و 407 و منهاج الكرامة ص 103 و نهج الحق ص 333 و أعيان الشيعة ج 1 ص 294 و 424 و 426 و الدرجات الرفيعة ص 103 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 14 ص 37 و معجم الرجال و الحديث لمحمد حياة الأنصاري ج 1 ص 127 و ج 2 ص 3 و 97 و 111 و 229 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 681 و تشييد المطاعن ج 1 ص 355-431 و مناقب آل أبي طالب ج 21 ص 203 و أمالي المفيد ص 37 و الطرائف ص 433 و اليقين ص 521 و سعد السعود ص 297 و كشف المحجة لثمرة المهجة ص 65 و الصراط المستقيم ج 3 ص 6 و 100 و وصول الأخيار إلى كتاب الأخبار ص 73 و الصوارم المهرقة ص 192 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 534 و البحار ج 22 ص 473 و 474 و ج 30 ص 531 و 532 و 534 و 536 و 552 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 384 و 388 و المراجعات ص 353 و النص و الإجتهاد ص 149 و الغدير ج 3 ص 215 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 425 و إحقاق الحق (الأصل) ص 280 و غاية المرام ج 6 ص 95 و الفصول المهمة في تأليف الأمة ص 105.

و ذلك أنه لما اشتد برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجعه قال: «إيتوني بكتاب (أو بكتف و دواة) أكتب لكم كتابا لا (أو لن) تضلوا بعده» أو «لا يظلمون و لا يظلمون» ، و كان في البيت لغط، فنكل عمر، فرفضها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال عمر: إن النبي غلبه الوجع.) أو مدّ عليه الوجع) ، (أو إن النبي يهجر (1)) و عندنا كتاب اللّه، (أو و عندكم القرآن، حسبنا) كتاب اللّه.

فاختلف أهل البيت و اختصموا، و اختلفوا، أو كثر اللغط، بين من يقول: قربوا يكتب لكم، و بين من يقول: القول ما قال عمر. .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قوموا عني، و لا ينبغي عندي. (أو عند نبي تنازع) (2).


1) صرح بأن عمر قال: «إن النبي يهجر» في شرح الشفاء للخفاجي ج 4 ص 278 و البحار ج 22 ص 468 و لا بأس بمراجع جميع الهوامش في مكاتيب الرسول ج 3 ص 693-702.

2) راجع فيما تقدم: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 248 عن أبي يعلى بسند صحيح عن جابر و عن ابن عباس كذلك، و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ق 2 ص 37 و مسند أحمد ص 324 و 326 و راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 693 و 694 و 696 في هامشه عن: البخاري ج 1 ص 39 و ج 6 ص 11 و ج 7 ص 156 و ج 9 ص 137 و فتح الباري ج 1 ص 185 و ج 8 ص 100 و 101 و ج 13 ص 289 و عمدة القاري ج 2 ص 170 و ج 25 ص 76 و الطبقات الكبرى ج 2 ق 2 ص 37 و ابن سبأ ص 79 و مسلم ج 3 ص 1259 و المناقب لابن شهر آشوب (ط قم) ج 1 ص 235 عن ابن بطة، و الطبري، و مسلم، و البخاري، قال: و اللفظ للبخاري و لم يسم الراوي عن ابن عباس. و البحار ج 22 ص 468 عن إعلام الورى، و الإرشاد للمفيد، و ص 472 عن المناقب لابن شهر آشوب، و ج 36 ص 277 عن الغيبة للنعماني ص 38 و 39 عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم، عن علي «عليه السلام» و البحار (ط حجري) ج 8 ص 261 و ما بعدها و (ط جديد) ج 30 ص 531 و 533 و 535 و عبد الرزاق ج 5 ص 438 و تأريخ ابن خلدون ج 2 ص 849 و السيرة الحلبية ج 3 ص 382 و الإرشاد للمفيد ص 87 و مسند أحمد ج 1 ص 324 و 336 و الشفاء للقاضي عياض ج 2 ص 431 و الدرر لابن عبد البر ص 125 و 204 و كشف المحجة ص 64 و البداية و النهاية ج 5 ص 227 و 251 و الفائق للزمخشري ج 4 ص 93 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 241 و 243 و الأدب المفرد ص 47 و شرح الخفاجي للشفاء ج 4 ص 277 و شرح القاري بهامشه ص 277 و الطرائف ص 432 عن الجمع بين الصحيحين و غيره، و غاية المرام ص 596 و شرح النهج لابن أبي الحديد ج 2 ص 54 عن الشيخين، و كذا ص 55 و ج 6 ص 51 عن الجوهري. «لن تضلوا» كما في البخاري ج 9 ص 137 و الطبقات ج 2 ق 2 ص 37 و مسند أحمد ج 1 ص 324 و 336 و الطرائف. في البخاري ج 7 ص 156 فقال عمر: «إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» و كذا ج 9 ص 137. و الطبقات، و مسلم، و ابن شهر آشوب، و عبد الرزاق ج 5 ص 438 و مسند أحمد ج 1 ص 324 و الشفاء ج 2 ص 431: «إن النبي قد اشتد به الوجع» . و الطرائف ص 431 و 432 و في شرح الخفاجي ج 4 ص 278: «و في بعض طرقه،

زاد في نص آخر: منهم من يقول: القول ما قاله عمر، فتنازعوا، و لا ينبغي عند النبي التنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ ! استفهموه.

فذهبوا يعيدون عليه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قوموا-لما أكثروا اللغو و الإختلاف عنده-دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه الخ. . (1).

(2) -فقال عمر: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يهجر» . و في البحار ج 22 ص 468: فقام بعض من حضر يلتمس دواة و كتفا، فقال عمر: «ارجع، فإنه يهجر» و ص 498 عن سليم: «فقال رجل منهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يهجر» كما في الإرشاد أيضا. و في شرح ابن أبي الحديد ج 6 ص 51: «فقال عمر كلمة معناها: إن الوجع قد غلب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» و في تأريخ ابن خلدون: «و قال بعضهم: إنه يهجر، و قال بعضهم: «أهجر» ؟ مستفهما. و قال الحلبي: فقال بعضهم أي: و هو سيدنا عمر: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد غلبه الوجع» . و في البحار ج 36 ص 277 عن علي «عليه السلام» : أنه قال لطلحة: «أليس قد شهدت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين دعا بالكنف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة بعده و لا تختلف، فقال صاحبك ما قال: «إن رسول اللّه يهجر» ، فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تركها؟ و في الطرائف: و في رواية ابن عمر من غير كتاب الحميدي قال عمر: «إن الرجل ليهجر» . و في كتاب الحميدي قالوا: «ما شأنه هجر» ؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 247 عن البخاري و مسلم، و البداية و النهاية ج 5 ص 271 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 499 الإيضاح لابن شاذان الأزدي ص 359 و اليقين لابن طاووس ص 521 و البحار ج 30 ص 531 و 534 و فتح الباري ج 8 ص 102 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 31 و الإكمال في أسماء الرجال ص 202 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 436 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 320 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 62 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 447 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 247 و مجمع النورين للمرندي ص 202 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 205.

و عن ابن عباس قال: دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكتف، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تختلفون بعدي.

فأخذ من عنده من الناس في لغط، فقالت امرأة ممن حضر: و يحكم، عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليكم.

فقال بعض القوم: اسكتي، فإنه لا عقل لك.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنتم لا أحلام لكم (1).

فخرج ابن عباس و هو يقول: «الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه و بين كتابه» (2)لاختلافهم و لغطهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 248 عن الطبراني، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 698 عن غاية المرام ص 598 و مجمع الزوائد ج 4 ص 215 و المعجم الكبير ج 11 ص 30.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 247 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 695 و في هامشه عن: تشييد المطاعن (ط الهند) ج 1 ص 366 عن البخاري في باب العلم و ص 367 عن عبيد اللّه عنه في كتاب الجهاد، و كتاب الخمس عن سعيد، و باب مرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتاب المرضى باب قول المريض: قوموا عني عن عبيد اللّه و ص 368 عن كتاب الإعتصام، و عن مسلم بطرق كثيرة عن سعيد و ص 369 عن سعيد أيضا، و عن المشكاة عن عبيد اللّه عن ابن عباس و ص 380 عن الملل و النحل، و البحار ج 30 ص 532 بالإضافة إلى نصوص أخرى تقدمت.

غلبه الوجع، أم هجر؟ ! :

و قد وردت كلمة غلبه الوجع، أو نحوها في العديد من النصوص، و ورد أنه قال: «إن النبي يهجر» ، أو نحوها، كما في نصوص أخرى.

و قد فسروا كلمة: أهجر؟ !

فقالوا: قولهم: «أهجر» ؟ بإثبات همز الإستفهام و فتح الهاء و الجيم، قالوا: و لبعضهم هجرا بضم الهاء و سكون الجيم و التنوين. أي قال هجرا، و الهجر بضم الهاء و سكون الجيم، و هو الهذيان الذي يقع من كلام المريض، الذي لا ينتظم و لا يعتد به لعدم فائدته، و وقوع ذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حقه مستحيل.

و إنما هذا على طريق الإستفهام، الذي معناه: الإنكار و الإبطال، أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يهجر. أي: لم يختلفوا في الأخذ عنه، و لم ينكروا عليه الكتاب، و هو لا يهجر أصلا (1).

و لكن في نص آخر يحاول أيضا التخفيف من وقع الكلمة فيقول: «فقال عمر كلمة معناها: أن الوجع قد غلب على رسول اللّه. .» .

و ثمة نص ثالث حاول التنصل من هذا الموضوع من أصله، فكانت


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 249.

محاولة فاشلة، يقول ذلك النص: «ما له؟ أهجر؟ استفهموه» . أو نحو ذلك.

و إنما قلنا: إنها محاولات فاشلة، لأن معنى: غلبه الوجع لا يختلف عن معنى: إنه يهجر، إلا أن العبارة الأولى أخف وقعا على السمع. .

و السبب الذي ألجأهم إلى تبديل هذه بتلك، هو التخفيف من حدة النقد الموجه لقائل هذه الكلمة. . باعتبار أن الهجر ينافي العصمة (1).

و يلا حظ هنا: أنهم حين يصرحون بأن عمر هو قائل هذه الكلمة يبدلون الصيغة، من صيغة خبرية إلى صيغة إنشاء و استفهام، أو يقولون: غلبه الوجع. أو نحو ذلك.

و إذا صرحوا بكلمة الهجر، فإنهم يبهمون اسم القائل.

لكن عددا من أهل السنة و منهم الخفاجي (2)قد صرحوا: بأن عمر هو الذي قال: إن الرجل ليهجر.

ثم إن تحريف هذه الكلمة لتصبح بمثابة سؤال عن الحال، إن كان الأمر قد بلغ بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى حد الهجر. . لا ينفعهم شيئا، فإن السؤال عن ذلك يساوق احتمال حصوله له. و لا يصح احتمال ذلك في حق الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم، لأنه من موجبات الطعن في عصمتهم، و في نبوتهم، و هو من مظاهر تكذيب النص القرآني الذي يقول عن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» :


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 723 عن فتح الباري ج 8 ص 101 و عمدة القاري ج 18 ص 62 و فلك النجاة في الإمامة و الصلاة لعلي محمد فتح الدين الحنفي ص 147.

2) شرح الشفاء ج 4 ص 278.

وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).

و يقول: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّٰ مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ (2).

و قد حاول المعتزلي أن يلطف الأجواء بنحو آخر، اعتمد فيه أسلوب إظهار حسن الظن بقائل تلك الكلمة الخطيرة.

فقال: «و كان في أخلاق عمر و ألفاظه جفاء و عنجهية ظاهرة، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد، و يتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و معاذ اللّه أن يقصد بها ظاهرها! و لكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، و لم يتحفظ منها. و كان الأحسن أن يقول: «مغمور» أو «مغلوب بالمرض» ، و حاشاه أن يعني بها غير ذلك» ! (3).

و نقول:

إن هذا كلام خطابي، لا قيمة له، لأن الأحسن عند ابن أبي الحديد لا يختلف عن ذلك الأسوأ الذي أراد أن يهرب منه، و يبرئ عمر من تبعاته. .

و هو أيضا ينافي عصمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و يمثل أذى و جرأة عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اتهاما له بما صرح القرآن بنفيه عنه.


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

2) الآية 50 من سورة الأنعام.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 183 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 550 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 723.

و أما حسن ظن ابن أبي الحديد بعمر، و الحكم بعدم قصد مضمونه، و اعتباره ذلك من الخشونة الغريزية، فتبقى عهدته على مدّعيه، و هو رجم بالغيب، و لا يصح الإحتجاج به على أحد، و لا ترتيب الأثر عليه.

و الخشونة الغريزية، لا تبرر عصيان النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا إغضابه، و لا الجرأة عليه، و لا سيما بعد أن تبناها قسم من الصحابة، و قالوا: القول ما قاله عمر. و تنازعوا، و رفعوا أصواتهم، و لغطوا إلى آخر ما تقدم. .

فهل كان الجميع يعانون من الخشونة الغريزية؟ ! أم أن الأمر يتعدى ذلك إلى ما هو أسوأ و أخطر؟ !

إساءات لمقام النبوة:

و مع غض النظر عن نسبة الهجر و الهذيان إلى النبي المعصوم، فإننا نلاحظ: أن الأمر لم يقتصر على ذلك، لأنهم قد ارتكبوا العديد من الإساءات الأخرى أيضا، مثل:

1-مخالفتهم لأمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و امتناعهم عن تلبية طلبه، و منعهم سائر من حضر من ذلك أيضا. .

2-إنهم قد رفعوا أصواتهم، و ضجوا، و لغطوا في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و قد امرهم اللّه بأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن يغضوا أصواتهم عنده.

3-إنهم قد تنازعوا في محضره «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يردوا الأمر إلى النبي، حتى طردهم «صلى اللّه عليه و آله» من محضره. و قد نهاهم اللّه تعالى عن التنازع، و أمرهم برد ما يتنازعون فيه إلى اللّه و إلى الرسول.

4-إنهم أغضبوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فعلوا في حضرته ما لا ينبغي كما صرحت به بعض النصوص أيضا، و من ذلك قولهم لتلك المرأة: إنها لا عقل لها، و غير ذلك.

5-إنهم قالوا: حسبنا كتاب اللّه، و هذا قرار منهم باستبعاد السنة النبوية الشريفة عن التداول. مع أن اللّه تعالى يقول لهم: وَ مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1). و ثبت عندهم: حديث الثقلين بصيغة «كتاب اللّه و سنتي» (2).

حسبنا كتاب اللّه في الميزان:

و اللافت هنا:

أولا: أنهم قد تخلوا حتى عن العمل بالقرآن الكريم في نفس هذا المورد فضلا عن غيره، فإن القرآن هو الذي يأمرهم بطاعة الرسول «صلى اللّه عليه


1) الآية 7 من سورة الحشر.

2) راجع: المستدرك للحاكم ج 1 ص 93 و العلل لأحمد بن حنبل ج 1 ص 9 و جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر ج 2 ص 180 و الجامع الصغير ج 1 ص 505 و 605 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 114 و سنن الدار قطني ج 4 ص 160 و كنز العمال ج 1 ص 173 و 187 و مسند زيد بن علي ص 404 و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 265 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 331 و تفسير الرازي ج 2 ص 4 و أضواء البيان للشنقيطي ج 7 ص 259 و ج 8 ص 247 و الاحكام لابن حزم ج 6 ص 810 و الأحكام للآمدي ج 1 ص 248 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 251 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 69 و ميزان الاعتدال للذهبي ج 2 ص 302 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 543.

و آله» ، فيقول: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ (1)و يأمرهم بأخذ ما آتاهم إياه فيقول أيضا: مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2). .

و نهاهم عن أذى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن إغضابه، و عن رفع الصوت في محضره، و عدم التنازع. و ألزمهم بالرجوع إليه فيما يتنازعون فيه. .

و قد صرحت الآيات بذلك كله، و لم تبق عذرا لمعتذر، أو حيلة لمتتطلب حيلة، و هم لم يعملوا بالقرآن حتى في هذا المورد! ! .

ثانيا: إن القرآن فيه بيان كل شيء بلا ريب، لكن إنما يعرف القرآن من خوطب به، و كل شيء اصله في الكتاب، و لكن لا تدركه عقول الرجال من سائر الناس، بل لا بد من أن يرجعوا إلى من يفسره لهم، و هم خصوص النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ثم الأئمة الطاهرون «عليهم السلام» من بعده، العارفون بتنزيله و بتأويله، و محكمه و متشابهه، و ناسخه و منسوخه، فلا أحد يستطيع استخراج حقائقه سواهم «عليهم السلام» .

و كيف يمكن لعمر، أو لغير عمر أن يعرف عدد ركعات الصلاة اليومية، و شرائط الإعتكاف في المساجد، و سائر الأحكام الفرعية من القرآن الكريم إلا بدلالة من عنده علم الكتاب «عليه الصلاة السلام» و على آله الطاهرين؟ ! . .

على أن الوقائع قد بينت عدم معرفتهم لمعنى الأبّ، و عدم معرفتهم


1) الآية 59 من سورة النساء.

2) الآية 7 من سورة الحشر.

بالكلالة، و بأمور كثرة أخرى نطق بها القرآن. .

ثم إنهم قد منعوا الناس من السؤال عن معاني آيات القرآن، و ضربوهم، و اضطهدوهم كما تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب. .

فهل معنى قولهم: حسبنا كتاب اللّه، هو أن يكون القرآن للقراءة على القبور، و في المحافل الرسمية، و أن يكون من جملة التمائم التي تعلق على المرضى.

لماذا يريد النبي صلّى اللّه عليه و آله الكتابة؟ ! :

و قد يسأل سائل عن السبب في لجوء النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى كتابة الكتاب؟ ! ألم يكن يكفيه ما جرى في يوم الغدير من البيعة و التهنئة لعلي «عليه السلام» بمقام الولاية؟ !

و نجيب:

أولا: إن نفس ما جرى في مرض موته «صلى اللّه عليه و آله» من جرأة و إباء و إصرار على عدم تمكينه من كتابة الكتاب يدل على ضرورة كتابة هذا الكتاب. .

ثانيا: لعل هؤلاء الناس كانوا يخططون إلى إنكار دلالة ما جرى، و الإعتماد على إرهاق الحدث بالتأويلات و التمحلات الباطلة لتعمية الأمور على العوام.

أو لعلهم يزعمون للناس أن أمورا قد استجدت، و تقلبات حدثت، دعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى العدول عن ذلك الأمر، حيث رأى أن صرف النظر عنه أصلح.

لماذا لا يصر النبي صلّى اللّه عليه و آله على الكتابة؟ ! :

و نجيب عن سؤال: إذا كانت كتابة الكتاب ضرورية، و إذا كان هو الذي يحفظ الأمة من الضلال، فلماذا صرف النظر عن كتابته؟ !

و لماذا يستسلم «صلى اللّه عليه و آله» لما أراده عمر و غيره، ألم يكن الإصرار على كتابته هو المتعين؟ !

ما دام أن نفع الكتاب الذي سوف يكتبه لا يقتصر على أهل ذلك الزمان، بل سيكون شاملا للأمة بأسرها إلى يوم القيامة؟ ! . .

و نجيب: بما قاله العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين «قدس سره» :

«و إنما عدل عن ذلك، لأن كلمتهم تلك التي فاجؤوه بها إضطرته إلى العدول، إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب سوى الفتنة، و الإختلاف من بعده في أنه هل هجر فيما كتبه-و العياذ باللّه-، أو لم يهجر؟

كما اختلفوا في ذلك، و أكثروا اللغو و اللغط نصب عينيه، فلم يتسنّ له يومئذ أكثر من قوله لهم: «قوموا عني» كما سمعت.

و لو أصر فكتب الكتاب للجوا في قولهم: هجر، و لأوغل أشياعهم في إثبات هجره-و العياذ باللّه-فسطروا به أساطيرهم، و ملأوا طواميرهم، ردا على ذلك الكتاب، و على من يحتج به.

لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب «صلى اللّه عليه و آله» ، عن ذلك الكتاب صفحا، لئلا يفتح هؤلاء المعارضون و أولياؤهم بابا إلى الطعن في النبوة-نعوذ باللّه، و به نستجير.

و قد رأى «صلى اللّه عليه و آله» ، أن عليا و أولياءه خاضعون لمضمون

ذلك الكتاب، سواء عليهم أكتب أم لم يكتب، و غيرهم لا يعمل به و لا يعتبره لو كتب.

فالحكمة-و الحال هذه-توجب تركه، إذ لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى الفتنة كما لا يخفى» (1).

فائدة ما جرى:

و كان هذا الإجراء النبوي في غاية الدقة، و كان جليل الأثر عظيم الفائدة في أكثر من اتجاه، فهو قد فضح مرة أخرى أولئك الذين يتظاهرون بالخضوع و الطاعة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عرّف الناس أن باطنهم لا يلائم ظاهرهم. .

كما أنهم لم يعد بإمكانهم أن يدّعوا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بدل رأيه، أو أنه أسرّ لهم بشيء كتمه عن الناس، يضاف إلى ذلك: أنه اضطرهم إلى الإعلان بأن في نيتهم تجاهل سنة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إبطالها، و أفقدهم القدرة على ادّعاء أن هذا اجتهاد منهم يعذرون فيه. .

فقد ظهر أنه اجتهاد جاء على خلاف النص الصريح، و قد كان ثمنه إغضاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الجرأة عليه، و انتهاك حرمته، و الطعن في عصمته، و مخالفة النصوص القرآنية الواضحة، و الصريحة. .

و أظهر أيضا: أنهم لا يصدقون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يخبرهم به من أن الكتاب الذي يريد أن يكتبه سوف يحصن الأمة من


1) المراجعات ص 284 و 285 و النص و الإجتهاد ص 170 و 171 و الفصول المهمة ص 91 فما بعدها.

الضلال إلى يوم القيامة.

كما أنه قد دل على أنهم لا يهتمون بمصلحة الأمة، و لا يفكرون في هدايتها و صيانتها من الضلال و الغواية. .

و سيأتي: أنهم قد أتوا ما أتوه في الوقت الذي قدم لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المعجزة الظاهرة من خلال انطباق إخباره الغيبي على ما جرى و صدر منهم، و ذلك حين أخبرهم بالذي سيقول: خسبنا كتاب اللّه. . إلى غير ذلك من أمور يمكن استخلاصها مما حدث. .

لو لبس المسلمون السواد، و أقاموا المآتم:

و تأتي كلمة السيد ابن طاووس «رحمه اللّه» لتصدق ابن عباس في تعبيره عما جرى برزية يوم الخميس، و لتكون أصدق و أوفى تعبير عن حجم الكارثة التي حلت بالمسلمين نتيجة لما فعله هؤلاء القوم، فهو يقول:

«و اللّه، لو لبس المسلمون السواد، و أقاموا المآتم، و بلغوا غاية الأحزان، كان ذلك يسيرا لما أدخل عمر عليهم من المصيبات، و أوقعهم فيه من الهلاك و الضلال و الشبهات» (1).

و ذلك لما ترتب على هذا الأمر من اختلاف في الأمة، و سفك للدماء، و اختلال في أمور الدين، و هلاك اثنتين و سبعين فرقة بسبب الشبهات و الضلالات التي ظهرت، و التي هي السبب في خلود من يخلد في النار منهم (2).


1) الطرائف ص 433.

2) راجع: الطرائف ص 431.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يخبر عما يجري:

و قد ورد عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «يوشك رجل منكم متكئا على أريكة يحدث بحديث عني، فيقول: بيننا و بينكم كتاب اللّه، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، و ما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا و إن ما حرم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مثل الذي حرم اللّه» (1).

و في نص آخر قال: «لا ألفين أحدكم على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب اللّه


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 509 و في هامشه عن: جامع بيان العلم ج 2 ص 232 و اللفظ له، و راجع: أدب الإملاء و الإستملاء ص 3 و 4 و ابن ماجة ج 1 ص 6 و 7 و مسند أحمد ج 4 ص 131 و 132 و سنن أبي داود ج 4 ص 200 و سنن الدارمي ج 1 ص 144 و الترمذي ج 5 ص 38 و راجع: الكفاية ص 8- 10 و كنز العمال ج 1 ص 155(عن أحمد، و أبي داود) و ص 156(عن أحمد، و ابن ماجة) و أضواء على السنة المحمدية ص 52 و المعجم الكبير ج 4 ص 130 (عن المقدام، عن خالد بن الوليد) و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 109 و موارد الظمآن ص 55 و دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 24 و التمهيد لابن عبد البر ج 1 ص 150 بسندين، و تدوين السنة ص 352 عن جمع ممن تقدم، و عن دلائل النبوة ج 6 ص 549 و الفقيه و المتفقه ج 1 ص 88 و الإعتبار للحازمي ص 7 و الصحيح لابن حبان ج 1 ص 147 و راجع: الحديث و المحدثون لأبي زهرة ص 11 و 24 و راجع: تفسير القرطبي ج 1 ص 37 و السنة قبل التدوين ص 78 و 79 و سؤالات حمزة للدار قطني ص 5 و جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر ج 2 ص 190 و تاريخ ابن معين ج 1 ص 6 عن أبي داود.

اتبعناه» (1).

أو ما هو قريب من هذا، مصرحا بأن هذا القائل يأكل من بيت المال أيضا (2).


1) راجع: مكاتيب ج 1 ص 509 و في هامشه عن: أدب الإملاء و الإستملاء ص 3 و جامع بيان العلم ج 2 ص 232 و (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 189 و الكفاية للخطيب ص 11 و 12 و مسند أحمد ج 6 ص 8 و سنن أبي داود ج 4 ص 200 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 392 و الترمذي ج 5 ص 37 و ابن ماجة ج 1 ص 6 و المعجم الكبير ج 1 ص 295 بسندين و ص 307 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 316 و الشفاء للقاضي عياض ج 2 ص 38 و موارد الظمآن لزوائد ابن حبان ص 55 و التمهيد لابن عبد البر ج 1 ص 151 و راجع: لسان العرب و النهاية في «أرك» و «لفى» و كنز العمال ج 1 ص 155 عن أحمد، و أبى داود، و الترمذي، و ابن ماجة، و المستدرك، و راجع: المستدرك ج 1 ص 108 و 109 بأسانيد متعددة. و لا يخفى أن ألفاظ الحديث حيث نقل بالمعنى مختلفة و المعنى واحد، و رواه في الكفاية هكذا: «لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: ما أدري ما هذا، عندنا كتاب اللّه، ليس هذا فيه» -و اللفظ لأبي الفضل-و رواه في معاني الأخبار ص 390 عن أبي إبراهيم «عليه السلام» ، و راجع: الرسالة للشافعي ص 89 و 266 و 403 و الكفاية في علم الرواية ص 25 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 76 و كتاب الأم الشافعي ج 7 ص 16 و ج 7 ص 303 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 209 و مسند الحميدي ج 1 ص 252 و كتاب المسند للشافعي ص 151 و 234.

2) راجع: كنز العمال ج 1 ص 155 و 174 عن أحمد، و عن الإبانة لأبي نصر و أبي داود، و البيهقي، و سنن أبي داود ج 4 ص 200 و ج 3 ص 170 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 9 و 10 و كشف الأستار ج 1 ص 80 و مسند احمد ج 4 ص 131 و ج 2 ص 367 و الكفاية للخطيب ص 12 و 10 و 11 و 13 و جامع بيان العلم ج 2 ص 231 و 232 و التمهيد لابن عبد البر ج 1 ص 152 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 204 و السنة قبل التدوين، عن ابن ماجة، و البيهقي، و الدارمي، و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 37.

ربما ليشير إلى أن الأحرى و الأجدر بمن يأكل من بيت المال، أن يحفظ شريعة سيد المرسلين، و أن يصون دين المسلمين من أي خطر يمكن أن يتعرض له.

وقوع ما أخبر به النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و على كل حال، فإن هذا من الإخبارات الغيبية لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، التي ظهر مصداقها قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك حين طلب كتفا و دواة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي ليهجر، حسبنا كتاب اللّه، أو نحو ذلك. .

و على كل حال. . فإن مصداق كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حال حياته، في قول عمر: حسبنا كتاب اللّه (1). ظهر أيضا في وفاته في قول أبي


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 509 و 513 عن منهج النقد ص 24 و عن البخاري ج 2 ص 77 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 138 و ج 7 ص 9 و تدوين السنة ص 361 و راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 76 و السقيفة و فدك للجوهري ص 76 و سنن الدارمي ج 1 ص 144 و الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 24 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 6 و مسند أحمد ج 4 ص 132 و (ط دار صادر) ج 1 ص 325 و 326 و جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر ج 2 ص 190 و أدب الإملاء و الإستملاء للسمعاني ص 10 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 55 و ج 6 ص 51 و ج 11 ص 49 و ج 12 ص 87 و المواقف للإيجي ج 3 ص 650 و شرح مسلم للنووي ج 11 ص 90 و 93 و فتح الباري ج 1 ص 186 و ج 8 ص 102 و عمدة القاري ج 2 ص 172 و ج 18 ص 63 و ج 21 ص 224 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 433 و ج 4 ص 360 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 562 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 438 و الديباج على مسلم ج 4 ص 232 و كنز العمال ج 1 ص 175 و التعديل و التجريح للباجي ج 1 ص 20 إضافة إلى مصادر كصيرة أخرى.

بكر: فلا تحدثوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شيئا، فمن سألكم فقولوا: «بيننا و بينكم كتاب اللّه، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، و ما وجدنا فيه من حرام حرمناه» . أو نحو ذلك (1).

و قالت عائشة بنت أبي بكر أيضا: حسبكم القرآن (2).


1) راجع: تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 2 و 3 و راجع: تدوين السنة ص 265 و 357 و 423 عن التذكرة، و الأنوار الكاشفة ص 53 و السنة قبل التدوين ص 113 إضافة إلى مصادر أخرى تقدمت في الهوامش السابقة.

2) راجع: و كتاب المسند ص 182 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 201 و القول الصراح في البخاري و صحيحه الجامع ص 173 و وضوء النبي ج 1 ص 8 و عمدة القاري ج 8 ص 77 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 74 و أضواء على السنة المحمدية ص 74 و راجع: صحيح البخاري (ط سنة 1039 ه‌) ج 1 ص 146 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 81 و صحيح مسلم ج 3 ص 43 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 381 و إختلاف الحديث للشافعي (بهامش الأم) ج 7 ص 266 و (ط أخرى) ص 537 و جامع بيان العلم ج 2 ص 105 و منحة المعبود ج 1 ص 158 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 190 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 2 ص 431 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 346 و مختصر المزني (بهامش الأم) ج 1 ص 187 و (ط دار المعرفة) ص 39 و الغدير ج 6 ص 163 و مسند أحمد عمن تقدم، و عن صحيح مسلم ج 1 ص 342 و 344 و 343 و مسند أحمد ج 1 ص 41 و سنن النسائي ج 4 ص 17 و 18 و السنن الكبرى البيهقي ج 4 ص 73 و 72 و سنن أبي داود ج 2 ص 59 و كتاب المسند للشافعي ص 182 و موطأ مالك ج 1 ص 96 و المغني لابن قدامه ج 2 ص 412 و المجموع للنووي ج 5 ص 308.

ثم إنهم تابعوا سياساتهم هذه، فمنعوا من رواية الحديث و من كتابته بعده «صلى اللّه عليه و آله» ، و جمعوا ما كتبه الصحابة من ذلك و أحرقوه. .

و جرت سيرتهم على ذلك برهة من الزمن، تطبيقا لمقولة عمر الآنفة الذكر.

شكليات و ظواهر:

و حتى هذا المقدار من الرجوع إلى القرآن، فإنهم لم يلتزموا به أيضا إلا على مستوى الشكل، و الظاهر، و لكنهم خالفوه و نبذوه وراء ظهورهم، فيما عدا ذلك. و لا سيما فيما يرتبط بالآيات التي تتحدث عن الموقف من الظالمين، و الآيات التي ذكرت مقامات و فضائل و كرامات أهل البيت «عليهم السلام» و أكدت على إمامتهم، و مسائل كثيرة فيما يرتبط بصفات اللّه، و بغيرها من الأمور الإعتقادية و السلوكية، و حتى آية الوضوء فإنهم لم يعملوا بها، فضلا عن غيرها. . و لهذا البحث مجال آخر.

حتى سيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله يحرم تعلمها:

و الحقيقة هي: أن سياسة المنع من الحديث إنما كانت تستهدف بالدرجة الأولى سيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنها كانت تتضمن السياسات، و الإعتقادات و الأحكام، و الأخلاق، و تتضمن أيضا فضائل و كرامات، و مثالب و مخزيات لأناس من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و يلاحظ: أنه قد كان هناك اتجاهان يرتبطان بالسيرة النبوية و روايتها، أحدهما يوجب تعلمها، و الآخر يحرم ذلك، فالإتجاه الذي يمنع و يحرم هو ما عبر عنه أبو هريرة حين قال:

لما ولي عمر قال: أقلوا الرواية عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا فيما يعمل به (1).

قال ابن عبد البر: إن عمر نهى عن الحديث عما لا يكون حكما، و لا يكون سنّة.

و قد فسر الدارمي قوله هذا، فقال: «معناه عندي: الحديث عن أيام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليس السنن و الفرائض» (2).


1) المصنف للصنعاني ج 11 ص 262 و البداية و النهاية ج 8 ص 107 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 115 و جامع بيان العلم ج 2 ص 148 و الغدير ج 6 ص 295 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 344 و شيخ المضيرة أبو هريرة لأبي رية ص 105.

2) سنن الدارمي ج 1 ص 85 و تدوين السنة ص 414 و 477 و الجامع لأخلاق الراوي للخطيب ج 2 ص 288/1649 و البداية و النهاية ج 3 ص 242 عن الدارمي، و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 20.

أي أن الخليفة كان ينهى عن الحديث عن سيرة الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بما فيها من كرامات باهرة، و معجزات ظاهرة لأناس بأعيانهم، كما أنهم لا يريدون أن يظهر ما جرى في الغزوات و السرايا، و لا ذكر من فرّ في المواطن الكثيرة، و من ظهر نفاقه أو تجلت بعد قتل عمرو بن عبد ود فضائله و كراماته، مثل قلع باب خيبر، و هزيمة جيش الأحزاب، ورد جيوش الشرك، بالخيبة و الخسران، في بدر، و أحد، و حنين، و قريظة، و النضير، و ذات السلاسل. و سائر ما تضمن فضائل لأشخاص، و مثالب لآخرين.

و كذلك المواقف التي أكدت على ولاية أهل البيت «عليهم السلام» ، و نصب علي «عليه السلام» إماما و خليفة من بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما جرى في يوم الدار، و في عرفات، و الغدير، و المباهلة، و نزول سورة هل أتى، و ما إلى ذلك.

و قد أوضح هذا الأمر أحد علماء السنة المعاصرين، حيث علق على ما رواه ابن أبي مليكة، من أن أبا بكر منع الناس من الحديث بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما يلي:

«إن كان لمرسل ابن أبي مليكة أصل، فكونه عقب الوفاة النبوية يشعر بأنه يتعلق بأمر الخلافة، كأن الناس عقب البيعة بقوا يختلفون، يقول أحدهم: أبو بكر أهلها، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال كيت و كيت، فيقول آخر: و فلان قد قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» كيت و كيت،

فأحب أبو بكر صرفهم عن الخوض في ذلك و توجيههم إلى القرآن» (1).

و أما الإتجاه الذي يحتم تعلم السيرة و روايتها، فهو اتجاه أهل البيت «عليهم السلام» ، فقد روي عن الإمام السجاد «عليه السلام» أنه قال: «كنا نعلّم مغازي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سراياه كما نعلّم السورة من القرآن» (2).

قال الأحمدي: «لما في ذلك من معرفة اللّه و رسوله، و آياته، و معرفة أوليائه و أعدائه، و أعداء أهل البيت «عليهم السلام» ، الذين حاربوا رسول اللّه و قاتلوه، و الذين لا يريدون ذلك، و لما يرون فيه من فضيحة قريش، و سوء حالهم، و معرفة من جاهد و قاتل، ممن تجنب القتال و فر» (3).

هل أراد صلّى اللّه عليه و آله كتابة ولاية علي عليه السّلام:

لعل هناك من يريد أن يدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يصرح بما يريد أن يكتبه في مرض موته. فمن يستطيع أن يجزم بأنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يكتب ولاية علي «عليه السلام» ؟ ! (4)فلعله أراد أن يكتب شيئا


1) الأنوار الكاشفة ص 54 و عنه في تدوين السنة ص 418.

2) راجع: البداية و النهاية ج 3 ص 297 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 355 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 10.

3) مكاتيب الرسول ج 1 هامش ص 644.

4) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 609 عن عن الدهلوي، و الخفاجي، و الكرماني، و قال في هامشه: و راجع تشييد المطاعن (ط هند) ج 1 ص 426 و شرح الشفاء للخفاجي ج 4 ص 325 و فتح الباري ج 1 ص 186 و ج 8 ص 101 و 102 و عمدة القاري ج 2 ص 171 و هامش صحيح مسلم ج 3 ص 1257.

من الأحكام أو الوصايا الأخرى، مثل: أخرجوا اليهود و النصارى من جزيرة العرب، أو نحو ذلك! !

و الجواب: أن علينا أن نطرح سؤالين:

أحدهما: إنه لا شك في أن ما اراد أن يكتبه «صلى اللّه عليه و آله» يرتبط بالضلال و الهدى للأمة كما صرح به هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و مما لا شك فيه أيضا: أن عمر بن الخطاب كان مصرا على منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من كتابة الكتاب. و أن إصراره على هذا المنع كان بالغا إلى حد أنه بادر إلى اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه يتكلم بالهجر. .

فلماذا يغضب عمر إلى هذا الحد، من أمر يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه: إنه يؤدي إلى حفظ الأمة من الضلال إلى يوم القيامة؟ !

السؤال الثاني: ما هي طبيعة ذلك الشيء الذي يستطيع أن يحقق هذا الإنجاز العظيم الهائل، و هو صيانة الأمة من الضلال إلى الأبد؟ !

لا شك في أن هذا الشيء ليس من الأحكام الفرعية، «بل هو قطب رحى الإسلام، و مفتاح كل خير، و مغلاق كل شر» على حد تعبير العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» (1).

و لكي نجيب على هذين السؤالين بدقة و أمانة، علينا أن نرجع إلى النصوص، و إلى ما يقوله حتى محبو عمر بن الخطاب، الراغبون في الدفاع عنه، أو في التخفيف من حدة النقد الموجه إليه، لجرأته البالغة على مقام النبوة الأقدس، فلا حظ الأمور التالية:


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 703.

1-قال الخفاجي و الكرماني و الدهلوي: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يكتب ولاية علي «عليه السلام» (1).

2-و قال عمر لابن عباس عن علي «عليه السلام» : «أراد أن يذكره للأمر في مرضه، فصددته عنه، خوفا من الفتنة، و انتشار أمر الإسلام. فعلم رسول اللّه ما في نفسي، و أمسك، و أبى اللّه إلا إمضاء ما حتم» (2).

3-عن ابن عباس: أن عمر سأله عن علي «عليه السلام» : «هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟

قلت: نعم.

قال: أيزعم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نص عليه؟

قلت: نعم.

و أزيدك: سألت أبي عما يدّعيه، فقال: صدق.

فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أمره ذرو من قول لا يثبت حجة، و لا يقطع عذرا. و لقد كان يربع في أمره وقتا ما. و لقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك، إشفاقا و حيطة على


1) راجع: شرح الشفاء للخفاجي ج 4 ص 325 و تشييد المطاعن ج 1 ص 426 عن شرح المشكاة للدهلوي، و عن الخفاجي، و الكرماني في شرح البخاري، و عن فتح الباري ج 1 ص 186 و ج 8 ص 101 و 102 و عمدة القاري ج 2 ص 171.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 79 و راجع: غاية المرام (المقصد الثاني) فصل الفضائل، باب 73 ص 596 و البحار ج 30 ص 555 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 706.

الإسلام. لا و رب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا» (1).

4-و حين قال له ابن عباس: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أراد الأمر لعلي «عليه السلام» . أجابه عمر: يا ابن عباس، و أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر له، فكان ماذا إذا لم يرد اللّه تعالى ذلك؟ !

إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أمرا، و أراد اللّه غيره، فنفذ مراد اللّه تعالى، و لم ينفذ مراد رسوله، أو كلما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان؟ ! (2).

5-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أشار في بياناته الأخرى إلى ذلك الشيء


1) شرح النهج ج 12 ص 20 و 21 عن كتاب تاريخ بغداد لأحمد بن أبي طاهر، و راجع ج 12 ص 79 و 85 و 86 و 84 و 80 و 82 و قاموس الرجال ج 6 ص 398 و ج 7 ص 188 و بهج الصباغة ج 6 ص 244 و ج 4 ص 381 و عن ناسخ التواريخ (الجزء المتعلق بالخلفاء) ص 72 و 80. و راجع: البحار ج 30 ص 244 و 556 و ج 31 ص 75 و ج 38 ص 157 و نفحات اللاهوت ص 81 و 118 و 121 و الصراط المستقيم ج 3 ص 5 و غاية المرام (ط حجرية) ص 595 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 450 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 707 و الدرجات الرفيعة ص 106 و كشف الغمة ج 2 ص 47 و كشف اليقين ص 472 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 91 و 391 و التحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم ص 144 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 226

2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 78 و 79 و غاية المرام (المقصد الثاني) ص 596 و البحار ج 30 ص 554. و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 610 و ج 3 ص 707 و التحفة العسجدية لحيى بن الحسين بن القاسم ص 147.

الذي تحفظ به الأمة من الضلال، فقد قال: «يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم لن تضلوا: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي» (1).

لعله أراد إستخلاف أبي بكر:

و قد ادّعت عائشة: أن غرض النبي «صلى اللّه عليه و آله» من كتب الكتاب هو: الوصية لأبي بكر، لا لعلي «عليه السلام» ، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعائشة: ادعي لي أباك و أخاك، حتى أكتب لأبي بكر كتابا، فإني أخاف أن يقول قائل، و يتمنى متمن، و يأبى اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر (2).


1) راجع: حديث الثقلين للوشنوي تجد شطرا وافيا من مصادر حديث الثقلين، و راجع: المراجعات ص 49 و 50.

2) راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 380 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 433 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 253 و كتاب الوفاة للنسائي ص 26 و المعجم الأوسط ج 6 ص 340. و مكاتيب الرسول ج 3 ص 710 و في هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ق 2 ص 24 و ج 3 ق 1 ص 127 و 128 و (ط دار صادر) ج 3 ص 180 و البخاري ج 9 ص 100 باب الإستخلاف، و فتح الباري ج 1 ص 186 و ج 13 ص 177 و عمدة القاري ج 2 ص 171 و ج 24 ص 278 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 541 و الدرر لابن عبد البر ص 125 و 204 و المنتظم لابن الجوزي ج 4 ص 32 و مسلم ج 4 ص 1857 و السيرة الحلبية ج 3 ص 381 و كنز العمال ج 11 ص 162 و ج 12 ص 162 و ج 14 ص 152 و مسند أحمد ج 6 ص 47 و 106 و 144 و 146 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 2140 و ج 2 ص 705 و منحة المعبود ج 2 ص 169 و البداية و النهاية ج 5 ص 228 و ج 6 ص 198 و مجمع الزوائد ج 3 ص 63 و ج 5 ص 181 و بلوغ الأماني ج 1 ص 235 و الصراط المستقيم ج 3 ص 4. و راجع البحار ج 28 ص 351 و تشييد المطاعن (ط هند) ج 1 ص 411 و 431 و الوثائق السياسية المقدمة الثالثة ص 18 و ابن أبي الحديد ج 6 ص 13 عن البخاري، و مسلم، و أنكره و ج 11 ص 49 و قال: فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه «ائتوني بدواة و بياض اكتب لكم ما لا تضلوا بعده أبدا فاختلفوا عنده و قال قوم منهم قد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه» و في تشييد المطاعن ج 1 ص 431 نقل الإنكار عنه و عن جامع الأصول.

و رواه البخاري بلفظ: لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر و ابنه، فأعهد، أن يقول قائلون، أو يتمني المتمنون، ثم قلت: يأبى اللّه و يدفع المؤمنون، أو يدفع اللّه و يأبى المؤمنون.

و رواه مسلم بلفظ: قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مرضه: ادع لي أبا بكر أباك و أخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، أو يقول قائل: أنا أولى، و يأبى اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر.

و قد ورد: أنه أراد أن يكتب كتابا، و لم يذكر أبا بكر (1).

و عن عائشة: لما ثقل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: ائتني بكتف حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه.

فذهب عبد الرحمن ليقوم. فقال: اجلس، أبى اللّه و المؤمنون أن يختلف على أبي بكر (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 247.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 247 و الأربعين البلدانية ص 124 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 269 و 270 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 711 و في هامشه عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ق 2 ص 24 و ج 3 ق 1 ص 127 و 128 و (ط دار صادر) ج 3 ص 180 و البخاري ج 9 ص 100 باب الإستخلاف، و فتح الباري ج 1 ص 186 و ج 13 ص 177 و عمدة القاري ج 2 ص 171 و ج 24 ص 278 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 541 و الدرر لابن عبد البر ص 125 و 204 و المنتظم لابن الجوزي ج 4 ص 32 و مسلم ج 4 ص 857 و السيرة الحلبية ج 3 ص 381 و كنز العمال ج 11 ص 162 و ج 12 ص 162 و ج 14 ص 152 و مسند أحمد ج 6 ص 47 و 106 و 144 و 146 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 2140 و ج 2 ص 705 و منحة المعبود ج 2 ص 169 و البداية و النهاية ج 5 ص 228 و ج 6 ص 198 و مجمع الزوائد ج 3 ص 63 و ج 5 ص 181 و بلوغ الأماني ج 1 ص 235 و الصراط المستقيم ج 3 ص 4. و راجع البحار ج 28 ص 351 و تشييد المطاعن (ط هند) ج 1 ص 411 و 431 و الوثائق السياسية المقدمة الثالثة ص 18 و ابن أبي الحديد ج 6 ص 13 عن البخاري، و مسلم و أنكره و ج 11 ص 49 و قال: فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه «ائتوني بدواة و بياض أكتب لكم ما لا تضلوا بعده أبدا، فاختلفوا عنده، و قال قوم منهم قد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه» و في تشييد المطاعن ج 1 ص 431 نقل الأنكار عنه و عن جامع الأصول.

و نقول:

أولا: إنه لا معنى للحديث عن الكتابة لأبي بكر، بعد أن صرح عمر بأنه عرف أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يصرح باسم علي «عليه السلام» فمنعه. .

ثانيا: إن عمر كان من أشد المتحمسين لولاية أبي بكر، و الواضعين لأركانها، و المشيدين لبنيانها، و لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد

ذلك لجهد عمر بن الخطاب في تلبية طلبه، و إنفاذ أمره، و لم يرمه بما رماه به من أنه قد غلب عليه الوجع، يدلنا على ذلك قول علي «عليه السلام» له: إحلب حلبا لك شطره (1).

قال شارح المقاصد تعليقا على كون بيعة أبي بكر فلتة: «كيف يتصور من عمر القدح في إمامة أبي بكر، مع ما علم من مبالغته في تعظيمه، و انعقاد البيعة له؟ و من صيرورته خليفة باستخلافه؟ ! (2).

و روي: أنه لما كتب أبو بكر وصيته في عمر، و أرسلها بيد رجلين ليقرآها على الناس، قالا للناس: هذا ما كتبه أبو بكر، فإن قبلتموه نقرؤه، و إلا نرده، فقال طلحة: اقرأه و إن كان فيه عمر.


1) الإحتجاج ج 1 ص 96 و الصراط المستقيم ج 2 ص 225 و 302 و ج 3 ص 11 و 111 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 153 و 173 و البحار ج 28 ص 185 و 348 و 388 و ج 29 ص 522 و 626 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 400 و السقيفة للمظفر ص 89 و الغدير ج 5 ص 371 و ج 7 ص 80 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 708 و نهج السعادة ج 1 ص 45 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 11 و الوضاعون و أحاديثهم ص 493 و الإمامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 18 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 29 و الشافي للمرتضى ج 3 ص 240 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 347 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 2 ص 351.

2) البحار ج 30 ص 558 و شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني ج 5 ص 281 و (ط دار المعارف النعمانية) ج 2 ص 293 و إحقاق الحق (الأصل) ص 238 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 711.

فقال له عمر: من أين عرفت ذكري فيه؟

فقال طلحة: و ليته بالأمس و ولاك اليوم (1).

قال المعتزلي: «و عمر هو الذي شيّد بيعة أبي بكر، و رغّم المخالفين فيها، فكسر سيف الزبير لما جرده، و دفع في صدر المقداد، و وطأ في السقيفة سعد بن عبادة، و قال: اقتلوا سعدا قتل اللّه سعدا، و حطم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة: انا جديلها المحلك، و توعد من لجأ إلى دار فاطمة من الهاشميين، و أخرجهم منها. و لولاه لم يثبت لأبي بكر أمر، و لا قامت له قائمة» (2).

ثالثا: لو كان المقصود هو كتابة اسم أبي بكر، فلماذا يبكي ابن عباس حتى يبل الحصى لرزية يوم الخميس؟ ! فإن المفروض أن تكون الأمور قد جرت وفق ما يريده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بتولّي أبي بكر! !

رابعا: إن ألفاظ هذا الحديث مختلفة، فهل قال «صلى اللّه عليه و آله» لعائشة: ادعي لي أباك؟ !

أو قال: لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبيك، أو أنه دعا عبد الرحمن بن أبي بكر.

فقال: ائتني بكتف و دواة؟ !

و هل قال: أبى اللّه إلا أبا بكر، أم قال: أبى اللّه و المؤمنون أن يختلف على


1) البحار ج 30 ص 558 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 712 و إحقاق الحق (الأصل) ص 237.

2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 174 و ج 2 ص 27.

أبي بكر.

أو قال: يأبى اللّه و يدفع المؤمنون. . أو العكس.

خامسا: لماذا أرسل أولا إلى عبد الرحمن و أمره أن يأتيه بكتف و دواة. . ثم عدل عن ذلك، و أمره بالجلوس، و قال: أبى اللّه و المؤمنون أن يختلف على أبي بكر، فما هذا التقلب بالرأي، و التردد في التصرفات؟ ! .

و هل يصح ذلك من نبي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؟ ! .

سادسا: ما معنى قوله «صلى اللّه عليه و آله» : إجلس، أبى اللّه و المؤمنون أن يختلف على أبي بكر، فهل كان يريد أن يكتب في كتابه ما يخالف هذا الأمر، فأبى اللّه ذلك، و منعه منه؟ ! .

سابعا: لا معنى لأن يقال: يأبى اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر، فإن عليا و الزهراء «عليهما السلام» كانا من المؤمنين، و كذلك بنو هاشم، و كثير من صحابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و قد أبوا خلافة أبي بكر، و امتنعوا من البيعة له حتى استشهد بعضهم، كالزهراء «عليها السلام» ، و بايع آخرون قهرا. . و جميعهم كانوا من المؤمنين.

كما أنهم يعتبرون سعد بن عبادة من أهل الإيمان أيضا، و قد قتل و لم يبايع أبا بكر. .

ثامنا: بالنسبة للنص الذي يقول: أبى اللّه و المؤمنون أن يختلف على أبي بكر. . لم يطابق الواقع، فإن الإختلاف على أبي بكر ما زال قائما منذ اللحظة الأولى، و إلى يومنا هذا. .

تاسعا: قال المعتزلي عن هذا الحديث: إنه مصنوع مع ما فيه من

المخالفة و المباينة (1).

عاشرا: قال العلامة المجلسي «قدس اللّه نفسه الزكية» : إنه حتى لو كان يريد أن يكتب اسم أبي بكر، فإن «ظن الصواب في خلاف ما قضى به في معنى الشرك باللّه، و لو كان في استخلاف أبي بكر أو عمر» (2).

و الإيراد الحادي عشر و الأخير: أنه لم يترتب على ولاية أبي بكر صيانة للأمة من الضلال إلى يوم القيامة، بل تمزقت بذلك أوصالها، و ظهرت الفتن فيها، و سفكت الدماء، و فشت الضلالات، و الشبهات، و تحكم فيها فجارها، و قهر بل قتل خيارها، و أبرارها، و على رأسهم علي و الحسنان، و أبناؤهم الطاهرون «عليهم السلام» . .

مفارقة. . لا مجال لتبريرها:

و الشيء الذي لا يمكن تبريره، و لا الإعتذار عنه هو: أن عمر بن الخطاب، قد واجه النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بذلك الموقف الجريء و القوي و الحاسم، في أمر لم يصرح النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأحد بكنهه، و لكن عمر بن الخطاب قد علم به و تيقنه، فبادر إلى منعه منه.

و قد صرح بذلك لابن عباس، فقال: «و لقد أراد أن يصرح باسمه (يعني باسم علي «عليه السلام») فمنعت من ذلك. .» (3).


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 13 و ج 11 ص 49.

2) البحار ج 30 ص 558.

3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 21 و 79 و مواقف الشيعة ج 1 ص 150 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 609 و ج 3 ص 706 و 707 و المراجعات ص 395 و البحار ج 30 ص 244 و 555 و 556 و ج 31 ص 75 و ج 38 ص 157 و ج 109 ص 23 و حلية الأبرار ج 2 ص 321. و راجع: غاية المرام (المقصد الثاني) فصل الفضائل، باب 73 ص 596.

و لكنه منعه بصورة مؤذية، و مهينة، و غير متوقعة. حيث وصفه بأنه غلبه الوجع، أو إنه ليهجر. . رغم أن هذا الكتاب كان سيحفظ الأمة من الضلال إلى يوم القيامة، كما صرح به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالذات.

يقابل ذلك: أن أبا بكر حين مرض مرض الوفاة استدعى عثمان بن عفان، و كتب كتابا يعين فيه الخليفة من بعده، فلما بلغ إلى ذكر اسم الخليفة أغمي عليه، فكتب عثمان اسم عمر في حال إغماء أبي بكر، فلما أفاق سأل عثمان، فأخبره أنه كتب اسم عمر، فأمضاه، و قال له أيضا: لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلا (1).

فلماذا لم يحكم عمر على أبي بكر بأنه قد كتب ذلك الكتاب و هو يهجر، أو غلبه الوجع؟ ! و الحال أنه لا شك في أن الوجع قد غلب أبا بكر حتى أغمي عليه فعلا! ! و مع أن أبا بكر لم يكن مسددا بالوحي و لا بغيره، و لم يخبرهم بأن كتابه سوف يعصم الأمة من الضلال إلى يوم القيامة.

و حتى لو أخبرهم بذلك، فإن أبا بكر يخطئ و يصيب، و لم يكن معصوما، و لا حجية لقوله، و لا كان من الأنبياء و لا الأوصياء! ! . .


1) راجع: تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 667 و تمهيد الأوائل و تلخيص الدلائل للباقلاني ص 498 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 185 و 186 و 187 و ج 44 ص 248 و 252 و كنز العمال ج 5 ص 678 و 680 و إفحام الأعداء و الخصوم ص 101.

حسبنا كتاب اللّه دليل آخر:

و مما يشير إلى أن عمر قد فهم أن المراد هو كتابة أمر الإمامة و العترة، و الإلزام بها قولا و عملا: أن عمر قال: حسبنا كتاب اللّه، أي أنه يريد أن يدفع الثقل الآخر المعادل لكتاب اللّه، حسبما قرره حديث الثقلين، اللذين لن يضل من تمسك بهما، و قد صرح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هنا أيضا بما يشير إلى ذلك بقوله: لن تضلوا بعده. .

و لنفترض أن عمر قد فهم أن أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم بالإتيان بالدواة، و الكتف كان استحبابيا، فلماذا يبادر إلى اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عقله، و يوجه إليه الكلمات القارصة ككونه يهجر، أو غلب عليه الوجع، أو نحو ذلك. .

لا دليل على إرادة الوصية لعلي عليه السّلام؟ ! :

و قد يقال: يدّعي الشيعة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أراد في مرض موته أن يصرح بالوصية للإمام علي «عليه السلام» ، و أن يكتب ذلك في كتاب، لكن عمر منعه من ذلك، و قال: إن النبي ليهجر، أو غلبه الوجع، أو ما يقرب من ذلك. .

مع أنه ليس في الحديث أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد أراد أن يكتب خلافة أحد، و لا يعدو كونه مجرد تخرص و رجم بالغيب منهم، رغبة في التنويه بأمر الإمامة، من غير دليل. .

أضف إلى ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد ترك سنة غير مكتوبة، فلا حاجة إلى كتابة هذا الكتاب؟ ! . .

و الجواب:

أولا: إن هناك تصريحات من قبل الخليفة الثاني، بأنه كان يعلم بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أراد في مرض موته أن يصرح باسم الإمام علي «عليه السلام» فمنعه. .

و قد روى ذلك أهل السنة أنفسهم (1). . و قد تقدمت طائفة من هذه النصوص، فلا حاجة للإعادة. .

ثانيا: لنفترض أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يرد أن يكتب في الكتاب إمامة الإمام علي «عليه السلام» ، و لكن لا شك في أن قول عمر: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليهجر، أو غلبه الوجع. . أو أنه قال كلمة معناها غلبه الوجع، يعتبر جرأة عظيمة و خطرة جدا على مقام النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» . . و هو يظهر بصورة لا تقبل الترديد و الشك، عدم صلاحية عمر بن الخطاب لمقام الخلافة، و هذا كاف فيما يرمي إليه الشيعة من إثبات بطلان خلافة عمر بن الخطاب. .

و ليس ثمة ما يثبت أنه قد أصبح أهلا لهذا المقام، لا سيما و أنه لم ينقل عنه توبة عما صدر منه في حق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

بل الثابت أنه قد واصل جرأته على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، حين هاجم بيت السيدة الزهراء «عليها السلام» ، التي قال فيها الرسول الكريم، «صلى اللّه عليه و آله» : من أغضبها أغضبني، أو نحو ذلك. .


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 21 و قاموس الرجال ج 6 ترجمة عبد اللّه بن عباس. .

ثالثا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد ترك سنة مكتوبة، و أمر عبد اللّه بن عمرو بن العاص، بأن يكتب كل ما يخرج من بين شفتيه، قائلا:

أكتب فو اللّه، لا يخرج من بين هاتين إلا حق. أو نحو ذلك. .

و قال: أكتبوا لأبي شاه.

و قال للناس: قيدوا العلم بالكتاب. .

و كتب عنه أمير المؤمنين «عليه السلام» ، الجفر و الجامعة، و كتب أيضا الكتاب الذي كان في ذؤابة سيفه، و فيه أمور من السنة. . و غير ذلك كثير. . ذكرنا شطرا وافيا منه، في الجزء الأول هذا الكتاب.

فما معنى قولهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يترك سنة مكتوبة؟ ! . .

رابعا: لنفترض أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد أمضى حياته دون أن يكتب أي شيء، و أراد في آخر لحظة أن يكتب أمرا بعينه، فما هو المانع من ذلك؟

و هل يصح قياس هذه الفترة على الفترات السابقة، بحيث لا بد أن تأخذ حكمها؟ ! . .

خامسا: لنفترض جدلا أنه كان يحق لعمر بن الخطاب، أن يمنع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، من كتابة الكتاب، فهل يحق له أن يعلل ذلك بأنه «صلى اللّه عليه و آله» يهجر، أو غلبه الوجع. . أو أن يقول كلمة هذا معناها؟ ! . .

سادسا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، يقول للناس: إنه إذا كتب الكتاب، فلن يضلوا بعده. .

فكيف يقول له عمر: حسبنا كتاب اللّه؟ ! . .

فهل هو أعرف من النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيما يكون به الهداية و الضلال؟ ! . .

ألا يدل قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لن تضلوا بعدي. . على أن القرآن لا يغني عن كتابة الكتاب، باعتبار أن الكتاب هو تدبير نبوي، تنفيذي و إجرائي، من شأنه أن يمنع من ادعاء الناس أمورا تخالف الواقع. . أما القرآن فإنما يتحدث عن الأصول، و المباني، و القواعد و الضوابط! !

سابعا: و أخيرا، نقول لأجل التذكير فقط: إن من يتجرأ على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ألا يتجرأ على السيدة الزهراء «عليها السلام» ، و على الإمام علي «عليه السلام» ، فضلا عمن سواهما؟ !

و هل يمكن جعل دماء الناس و أعراضهم، و أموالهم تحت سلطته؟ !

إستدلال عمر بالجبر الإلهي:

و عن قول عمر المتقدم لابن عباس: إن اللّه تعالى أراد أمرا، و أراد اللّه غيره، فنفذ مراد اللّه، و لم ينفذ مراد رسوله الخ. .

و عن قوله عن هذا الموضوع أيضا: «و أبى اللّه إلا إمضاء ما حتم» نقول:

1-إن الذي أراده اللّه و رسوله هو الخير و الهدى، و صيانة الأمة من الضلال، إلى يوم القيامة، و أراد أن يكون ذلك بواسطة الولاية لعلي «عليه السلام» و أن يكف المناوؤون لعلي «عليه السلام» و الأئمة الاثني عشر الهداة المهديين الطاهرين عن مناوءته من بعده. . و لكن الذين أرادوا الأمر لأنفسهم، لم يمتثلوا أمر اللّه و رسوله فيه وعدوا عليه و على زوجته، و أوردوا

عليهما من الظلم و الحيف ما هو معروف. .

2-يضاف إلى ذلك: أن في النص المشار إليه عن عمر بن الخطاب نوعا من الإستهتار و الإستخفاف برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، خصوصا قوله: «فكان ماذا» ؟ !

و قوله: «أو كلما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان» ؟ !

3-لو صح ما قاله عمر، لكان معناه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خالف إرادة اللّه تعالى، و أن عمر هو الذي وافقها، و معه قريش أيضا.

و قد ادّعى أيضا: أنه إنما منع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الكتابة، إشفاقا منه على الأمة من الفتنة، و حياطة على الإسلام، فهل كان عمر أشفق على الأمة، و أكثر حياطة على الإسلام من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

أم أنه كان أعرف من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بموجبات الفتنة، و بما يحفظ الدين، مع أن اللّه تعالى يقول في حق نبيه العظيم: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).

أبو جعفر النقيب يقول:

قال أبو جعفر النقيب عن اختلاف المسلمين في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«فرجّح قوم هذا، و قوم هذا، أفليس ذلك دالا على أن القوم سووا بينه و بين عمر؟ ! و جعلوا القولين مسألة خلاف، ذهب كل فريق إلى نصرة


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

واحد منهما، كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام، فينصر قوم هذا و ينصر ذاك آخرون؟ ! فمن بلغت قوته و همته إلى هذا كيف ينكر منه أنه يبايع أبا بكر لمصلحة رآها، و يعدل عن النص» ؟ ! (1). انتهى.

و أبو جعفر النقيب هو: يحيى بن محمد بن أبي زيد. قال عنه ابن أبي الحديد: «و لم يكن إمامي المذهب، و لا كان يبرأ من السلف، و لا يرتضي قول المسرفين من الشيعة. و لكنه كلام أجراه على لسانه البحث و الجدل بيني و بينه» (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 87 و غاية المرام ج 6 ص 94 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 253 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 611 و ج 3 ص 725.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 90.

الفصل الرابع: تمحلات بالية و أعذار واهية

اشارة

تصويب عمر و تخطئة النبي صلّى اللّه عليه و آله! ! :

قال البيهقي و الذهبي: و إنما أراد عمر التخفيف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رآه شديد الوجع، لعلمه أن اللّه تبارك و تعالى قد أكمل ديننا، و لو كان ذلك الكتاب وحيا لكتبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لما أخل به لاختلافهم و لغطهم، لقول اللّه تعالى: بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (1).

كما لم يترك تبليغ غيره لمخالفة من خالفه، و معاداة من عاداه، و إنما أراد ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك كتابته اعتمادا على ما علم من تقدير اللّه تعالى، كما همّ به في ابتداء مرضه حين قال: «وا رأساه» .

ثم بدا له أن لا يكتب، ثم قال: «يأبي اللّه و المؤمنون إلا أبا بكر» .

ثم نبه أمته على خلافته باستخلافه إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها.

و يتابع البيهقي، فيقول:

«و إن كان المراد به رفع الخلاف في الدين، فإن عمر بن الخطاب علم أن


1) الآية 67 سورة المائدة.

اللّه تعالى قد أكمل دينه بقوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)، و علم أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة، إلا في كتاب اللّه تعالى و سنة رسوله «صلى اللّه عليه و آله» بيانها، نصا أو دلالة.

و في نص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على جميع ذلك في مرض موته، مع شدة و عكه، ما يشق عليه، فرأى عمر بن الخطاب الإقتصار على ما سبق بيانه نصا، أو دلالة، تخفيفا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكي لا تزول فضيلة أهل العلم بالإجتهاد في الإستنباط، و إلحاق الفروع بالأصول، بما دل الكتاب و السنة عليه.

و فيما سبق من قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران. و إذا اجتهد فأخطأ، فله أجر واحد» دليل على أنه و كل بيان بعض الأحكام إلى اجتهاد العلماء، و أنه أحرز من أصاب منهم الأجرين الموعودين، أحدهما: بالإجتهاد، و الآخر: بإصابة العين المطلوبة بما عليها من الدلالة في الكتاب أو السنة.

و أنه أحرز من اجتهد فأخطأ أجرا واحدا باجتهاده، و رفع إثم الخطأ عنه، و ذلك في أحكام الشريعة التي لم يأت بيانها نصا، و إنما ورد خفيا.

فأما مسائل الأصول، فقد ورد بيانها جليا، فلا عذر لمن خالف بيانه لما فيه من فضيلة العلماء بالإجتهاد، و إلحاق الفروع بالأصول، بالدلالة، مع طلب التخفيف على صاحب الشريعة، و في ترك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الإنكار عليه فيما قال واضح على استصوابه رأيه، و باللّه التوفيق» .


1) الآية 38 من سورة المائدة.

و قال المازري: إنما جاز للصحابة الإختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم بل على الإختيار، فاختلف اجتهادهم، و صمم عمر على الإمتناع لما قام عنده من القرائن بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قال ذلك عن غير قصد جازم.

(و عزمه «صلى اللّه عليه و آله» كان إما بالوحي و إما بالاجتهاد، و كذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي، و إلا فبالاجتهاد أيضا).

و قال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر «حسبنا كتاب اللّه» من قوة فقهه، و دقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها، فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة.

و أراد أن لا يسد باب الإجتهاد من العلماء.

و في تركه «صلى اللّه عليه و آله» الإنكار على عمر الإشارة إلى تصويبه.

و أشار بقوله: «حسبنا كتاب اللّه» إلى قوله تعالى: مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (1).

و لا يعارض ذلك قول ابن عباس: إن الرزية الخ. . لأن عمر كان أفقه منه قطعا.

و لا يقال: إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن، و أعلم الناس بتفسيره، و لكنه أسف على ما فاته من البيان، و بالتنصيص عليه


1) الآية 38 من سورة الأنعام.

لكونه أولى من الإستنباط (1).

و نقول:

إن ما ذكر آنفا لا يحتاج إلى بذل أي جهد لإظهار بطلانه و فساده، حيث إن سقوطه و خطله ظاهر للعيان، و لا يحتاج إلى بيان، و لا إلى إقامة برهان. .

و لكننا نكرر على مسامع القارئ الكريم بعض اللمحات و الإشارات إلى بعض الشبهات و المغالطات و الأباطيل من دون تطويل لثقتنا بحسن تقديره، و بسلامة و صحة تفكيره، فنقول:

ألف: عمر أراد التخفيف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

إن ما زعموه: من أن عمر أراد التخفيف عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رآه شديد الوجع. . يضحك الثكلى، فهل التخفيف على النبي «صلى اللّه عليه و آله» يستدعي اتهامه بالهذيان؟ !

و هل التخفيف يكون بإيذائه بقوارع القول، و قواذع الكلم؟ !

و هل التخفيف عنه بعصيان أوامره، أم بطاعته «صلى اللّه عليه و آله» ، و المبادرة إلى فعل ما يرضيه، و يطمئنه؟ !

ألا يدل قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «أكتب كتابا لكم لن تضلوا بعده» ، أو نحو ذلك على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخشى عليهم من الضلال عن الصراط المستقيم، و الوقوع في الفتن و المهالك، و الإبتلاء بالضلالات؟ !

و هل مجرد كمال الدين يمنع من الضلال؟ ! و يحصن من الإختلاف؟ !


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 248 و 249 و فتح الباري ج 8 ص 102.

و من الذي قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يأتي بتشريع جديد يضيفه إلى الدين، فلعله أراد إلزامهم بالعمل ببعض ما بلغهم إياه، و هو الوفاء ببيعتهم يوم الغدير، و توثيق ذلك بالكتاب حتى لا يدّعي مدع: أن ولاية علي لم تكن بوحي من اللّه، بل هي اجتهاد من الرسول، و قد غيّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» رأيه و اجتهاده؟ !

ب: آية بلغ. . و آية إكمال الدين:

و مما يضحك الثكلى أيضا الإستدلال بآية: بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ و آية إكمال الدين، على صحة فعل عمر. . فقد تقدم حين البحث في قضية الغدير، أنهم يقولون: إن هناك أحكاما قد بلغها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد نزول هذه الآية، مثل آية الكلالة، و آيات الربا، و أمره بإخراج المشركين من جزيرة العرب. . بالإضافة إلى أمور أخرى ذكروها. .

ج: لو كان و حيا لأصر على تبليغه:

و بالنسبة لقولهم: لو كان الكتاب وحيا من اللّه لكتبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يحفل بلغطهم. . نقول:

إن عدم كتابته للكتاب بعد اتهامه بالجنون و الهذيان لا يدل على أن اللّه لم يأمره بكتابته. .

أولا: لأن اللّه تعالى يقول: وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ ، و هو أمر مطلق، و لم يقل: أطيعوه في بعض أوامره، و اعصوه في بعضها الآخر. .

ثانيا: إن كل ما يأمرهم به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو بيوحى

من اللّه، لقوله تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).

ثالثا: إنه قد يكون الأمر بالكتابة مشروطا بعدم صدور اتهام من أحد للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالهذيان، أو ما بمعناه، لأن ذلك يبطل مفعول الكتاب، و يقلب الأمور رأسا على عقب. . إذ لو كتب الكتاب مع وجود هذه التهمة، لأوجبت كتابته الخلاف و الفتنة، بدل أن يكون سببا للمصونية من الضلال. .

و قد ظهرت هذه الأحوال في نفس ذلك المجلس، حيث اختلف الحاضرون و تنازعوا، فمنهم يقول: قدموا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما طلب ليكتب لكم. . و منهم من يقول: القول ما قال عمر. .

فهل إذا ارتحل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الرفيق الأعلى، سوف يتفق المسلمون، أم سوف يبقى هناك من يقول: القول ما قال عمر؟ !

بل من الذي يضمن لنا تسليم عمر نفسه بمضمون ذلك الكتاب؟ !

و إذا كانوا يعصون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخالفون أمر اللّه له بأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوته «صلى اللّه عليه و آله» ، و بأن لا يتنازعوا عنده، بل يردون الأمر الذي يتنازعون فيه إليه «صلى اللّه عليه و آله» لكي يبينه لهم إذا كانوا يفعلون ذلك كله تحت سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بصره، فهل سيكون موته سببا لاتفاقهم، و حل نزاعاتهم؟ ! في حين أن اللّه تعالى يقول: أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ (2).


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

2) الآية 144 من سورة آل عمران.

إن وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينهم كان رحمة لهم، فهل أصبح وجوده نقمة، و موته رحمة لهم، و من موجبات دفع تنازعهم و انتظام أمورهم؟ ! إن من يذهب إلى هذه المقالة، لا يمكن أن يكون من أهل الإيمان، و لا من الموصوفين بالإسلام. .

رابعا: لنفترض جدلا: أن كتابة الكتاب كانت اجتهادا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلماذا يصر هؤلاء على تخطئة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في اجتهاده، و تصويب اجتهاد عمر بن الخطاب؟ ! مع أنهم يصرحون في سائر الموارد: بأن اجتهاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» صواب، و كل اجتهاد يخالفه فهو خطأ. .

و لو كان الأمر كما يحلو لهم، فلماذا لم يرسل اللّه عمر نبيا لهذه الأمة؟ !

و هل يمكن أن يكون اللّه قد آثر الأخذ بمقالة المعتزلة، فقدم المفضول و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على عمر الذي كان هو الأفضل؟ !

ألا يعد ذلك من سفه القول، و من سوء التفكير، و من الوسوسات الشيطانية الخبيثة؟ !

د: أراد أن يكتب خلافة أبي بكر:

و لا يكاد ينقضي تعجب من يملك أدنى ذرة من العقل و الإنصاف، من القول المنسوب إلى أهل العلم (! !) عند هؤلاء: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر. اعتمادا على ما علم من تقدير اللّه الخ. .

فقد تقدم: أنه كلام باطل من أساسه. . إذ لم يكن ما فعله «صلى اللّه عليه و آله» في يوم الغدير-و العياذ باللّه-سفها، و لا كانت أقواله التي تؤكد على

إمامة علي «عليه السلام» بلا معنى، و لم يكن قول عمر: إن النبي ليهجر صحيحا، و لا كان «صلى اللّه عليه و آله» يهذي منذ بعثه اللّه رسولا، و من يوم إنذاره لعشيرته الأقربين، حيث جعل عليا «عليه السلام» أخاه، و وصيه، و خليفته من بعده منذئذ. .

كما أن اللّه سبحانه لم يكن قد غلبه الوجع حين أنزل: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (1).

و لا كان كذلك حين أنزل آية: بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (2). و آية: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (3).

و أي نبي هذا الذي يتردد في أعماله؟ ! و يتراجع عن أقواله. . فيريد أن يكتب كتابا يوقع به التنازع بين أصحابه، ثم يظهر له أن الأصوب هو أن يترك ذلك، لأن اللّه و المؤمنين يأبون إلا أبا بكر؟ ! ألم يكن يعرف ذلك من أول الأمر؟ !

إن نسبة ذلك إلى اللّه و إلى رسوله خروج عن الدين، بلا ريب. . و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

ه‌: لا سنة عند عمر:

و أما ما زعمه البيهقي: من أن اللّه تعالى قد أكمل دينه، و أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة، إلا و في كتاب اللّه تعالى و سنة رسوله بيانها نصا أو


1) الآية 55 من سورة المائدة.

2) الآية 67 سورة المائدة.

3) الآية 3 من سورة المائدة.

دلالة. . فيكذبه قول عمر نفسه: «حسبنا كتاب اللّه» ، حيث إنه استبعد بنفس هذه الكلمة سنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أسقطها عن أي اعتبار.

و: لا يريد صلّى اللّه عليه و آله كتابة الفقه:

إن قول عمر: «حسبنا كتاب اللّه» يدل على أنه قد عرف: أن ما يريد أن يقوله النبي «صلى اللّه عليه و آله» يهدف إلى الحفظ من الضلال في تعاليم شريعة أكملها اللّه تعالى. . و لا يريد أن يضيف حكما جديدا إليها لكي يقال: إن الأحكام موجودة في الكتاب و السنة، أو في الكتاب فقط و يمكن استفادتها نصا أو دلالة. . فإن الحافظ للشيء لا يجب أن يكون جزءا منه، بل قد يكون خارجا عنه حافظا له. .

و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصدد كتابة السنة نفسها و لا شيئا يوجب الإرهاق و المشقة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي يقول هؤلاء: «و في نص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على جميع ذلك في مرض موته، مع شدة و عكه، مما يشق عليه، فرأى عمر بن الخطاب الإقتصار على ما سبق بيانه، نصا، أو دلالة تخفيفا على رسول اللّه» .

فإن قولهم هذا يدل على أنهم يريدون الإيحاء لنا: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يكتب الفقه كله أو جله في ذلك الكتاب. و هو على تلك الحال من المرض الشديد. .

مع أن الأمر ليس كذلك، بل هو يريد أن ينص على الحافظ للكتاب و السنة، و المانع من الضلال، و لعل ذلك لا يتجاوز الثلاث كلمات، فيكتب مثلا: «علي إمامكم (أو وليكم) بعدي» . .

و بذلك يظهر عدم صحة قولهم: إن عمر أراد حفظ فضيلة العلم، و الإجتهاد في الإستنباط، و إلحاق الفروع بالأصول.

يضاف إلى ذلك: أن اجتهاد المجتهدين، الذين قد يخطئون، و قد يصيبون، ليس من غايات الشريعة المقدسة، و لا هو مما يهتم له النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، غاية النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كل همه هو إيصال الأحكام الشرعية، و حقائق الدين بعيدا عن الإجمال و الإبهام. و أن تكون في منتهى الوضوح، بلا حاجة إلى اجتهاد، و لا إلى مجتهدين.

و إنما احتاج الناس إلى هذا الأمر، حين تمردوا على اللّه و رسوله، و منعوا الإمام الحافظ للدين، و المبين لأحكامه من أداء المهمات التي أو كلها اللّه إليه، بعد أن نكثوا بيعتهم له، و منعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» من معاودة التأكيد عليهم في شأنه. . ثم إنهم أقصوه، و نابذوه و حاربوه، و اضطهدوه، هو و كل من يتشيع له، أو يدين بإمامته التي جعلها اللّه و رسوله له. .

ز: قرينة الترخيص عند المازري:

أما ما ادّعاه المازري: من أن أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» للصحابة بإحضار الكتف قد قارنه ما نقله عن الوجوب إلى غيره.

فنقول فيه:

أولا: لنفترض صحة ما ذكره المازري، لكن القرينة على عدم الوجوب، لا تنفي ثبوت رجحان تنفيذ مراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثانيا: إن القرينة على عدم الوجوب لا تعني أن يغضبوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا أن يتهموه بالهذيان، و لو على مستوى التعريض و الإشارة.

ثالثا: لو كانت هناك قرينة على الترخيص، لكان المفروض أن لا يحصل تنازع بين الحاضرين، فيقول فريق: قربوا للنبي ما طلب، و يقول فريق آخر: القول ما قال عمر، و لكان ينبغي أن يفهم الجميع هذه القرينة، أو أن يحتج بها عمر و مناصروه لإسكات الآخرين. .

رابعا: لو كانت هناك قرينة، فلا معنى لغضب النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم، حتى قال لهم: «أنتم لا أحلام لكم» . و لا معنى لأن يقول لهم: «قوموا عني» ، و لا أن يغضب منهم كما صرح به عدد من النصوص. .

خامسا: إنه لا مجال للترديد في عزم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه إما أن يكون بالوحي أو بالإجتهاد، و كذلك تركه. . فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1). .

و لو سلم فإن اللّه قد أمر بطاعته أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ (2)و لم يستثن من وجوب الطاعة ما إذا كان أمره عن اجتهاد.

ح: قد يكتب صلّى اللّه عليه و آله ما يعجزون عنه:

و أما ما ادّعاء النووي: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد يكتب ما يعجزون عنه، فيستحقون العقوبة فمنع عمر له من ذلك كان من قوة فقهه، و دقيق نظره. . فهو أوضح فسادا، و أقبح استنادا، و ذلك لما يلي:

أولا: إن هذا الكلام يدل على أن عمر بن الخطاب كان أصوب رأيا، و أصح نظرا للأمور من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و أن عمر قد


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

2) الآية 59 من سورة النساء.

أدرك بثاقب فكره، و دقيق نظره ما لم يدركه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فكيف جاز صرف النبوة عن صائب الرأي، قوي الفقه، دقيق النظر، إلى من يفقد هذه الصفات، أو يضعف عنه فيها؟ !

ثانيا: هل يظن برسول اللّه الذي وصفه اللّه بأنه عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1)بأنه يمكن أن يكتب أمورا يعجز المسلمون و المؤمنون عنها؟ !

بل هل يظن بعاقل أن يكلف أحدا بما يعجز عنه؟ !

و هل تقبل العقول بالتكليف بغير المقدور؟ !

ثالثا: لو سلمنا بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كلفهم بما يعجزون عنه، فهل يجوز على اللّه أن يعاقبهم على أمر منعهم العجز عن القيام به؟ ! و هل العاجز يستحق العقاب؟ !

ط: النبي صلّى اللّه عليه و آله يصوب عمر فيما قال:

و الأكثر مرارة هنا قولهم: إن ترك النبي «صلى اللّه عليه و آله» الإنكار على عمر يتضمن الإشارة إلى تصويبه. . فهل يريد هؤلاء من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقابل الشتيمة بالشتيمة؟ !

و ماذا يمكن أن يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمن يقول له: إنك مجنون؟ !

و قد قالت قريش عنه: إنه كاهن، و ساحر، و مجنون، و. . و. . و لم يجبهم


1) الآية 128 من سورة التوبة.

«صلى اللّه عليه و آله» ، فهل كان سكوته عنهم تصويبا لهم؟ ! أو إشارة إلى ذلك؟ !

ألم يقل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم: أنتم لا أحلام لكم؟ !

ألم يطردهم من محضره؟ !

ألم يغضب من قولهم؟ !

أ ليس هذا كله من تخطئة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم؟ !

محاولات البشري باءت بالفشل:

و بعد أن كتبت ما تقدم وجدت العلامة آية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين «رحمه اللّه» قد أورد نصا عن الشيخ سليم البشري، شيخ الأزهر في زمانه، يحاول فيه أن يجد مخرجا لما صدر من عمر بن الخطاب في حق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . مستفيدا من تلك التمحلات نفسها، التي ذكرناها عنهم، و ناقشناها فيما سبق، فلما وجد نفسه في مأزق لا يستطيع الخروج منه بادر إلى الإعتراف بالعجز تبرئة ساحة المتجرئين.

ثم إن السيد شرف الدين قد علق على هذه التمحلات بما لاح له من وجوه الضعف فيها.

فرأيت من المناسب نقل كلام هذين العلمين بعينه، وفقا لما جاء في كتاب النص و الإجتهاد، فأقول:

قال الشيخ البشري حسبما أورده عنه السيد شرف الدين في النص و الإجتهاد ما يلي:

لعل النبي «عليه السلام» حين أمرهم بإحضار الدواة و البياض لم يكن

قاصدا لكتابة شيء من الأشياء، و إنما أراد بكلامه مجرد اختبارهم لا غير، فهدى اللّه عمر الفاروق لذلك دون غيره من الصحابة، فمنعهم من إحضارهما، فيجب-على هذا-عد تلك الممانعة في جملة موافقاته لربه تعالى، و تكون من كراماته رضي اللّه عنه.

قال «رحمه اللّه» : هكذا أجاب بعض الأعلام (ثم قال) : لكن الإنصاف أن قوله «عليه السلام» : لا تضلوا بعده يأبى ذلك، لأنه جواب ثان للأمر، فمعناه: أنكم إن أتيتم بالدواة و البياض، و كتبت لكم ذلك الكتاب لا تضلوا بعده، و لا يخفى أن الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرد الإختبار إنما هو من نوع الكذب الواضح، الذي يجب تنزيه كلام الأنبياء عنه، و لا سيما في موضع يكون ترك إحضار الدواة و البياض أولى من إحضارهما.

(قال) : على أن في هذا الجواب نظرا من جهات أخر، فلا بد هنا من اعتذار آخر.

قال: و حاصل ما يمكن أن يقال: أن الأمر لم يكن أمر عزيمة و إيجاب، حتى لا تجوز مراجعته، و يصير المراجع عاصيا، بل كان أمر مشورة، و كانوا يراجعونه «عليه السلام» في بعض تلك الأوامر، و لا سيما عمر، فإنه كان يعلم من نفسه أنه موفق للصواب في إدراك المصالح، و كان صاحب إلهام من اللّه تعالى.

و قد أراد التخفيف عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض و الوجع، و قد رأى رضي اللّه عنه أن ترك إحضار الدواة و البياض أولى.

و ربما خشي أن يكتب النبي «عليه السلام» أمورا يعجز عنها الناس،

فيستحقون العقوبة بسبب ذلك، لأنها تكون منصوصة لا سبيل إلى الإجتهاد فيها. و لعله خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب. لكونه في حال المرض، فيصير سببا للفتنة، فقال: حسبنا كتاب اللّه لقوله تعالى: مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ (1). و قوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (2)، و كأنه رضي اللّه عنه أمن من ضلال الأمة، حيث أكمل اللّه لها الدين، و أتم عليها النعمة.

قال «رحمه اللّه» : هذا جوابهم و هو كما ترى، لأن قوله «عليه السلام» : لا تضلوا، يفيد: أن الأمر أمر عزيمة و إيجاب، لأن السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة بلا ارتياب، و استياؤه «صلى اللّه عليه و آله» منهم.

و قوله لهم: قوموا حين لم يمتثلوا أمره، دليل آخر على أن الأمر إنما كان للإيجاب لا للمشورة.

قال: (فإن قلت:)لو كان واجبا ما تركه النبي «عليه السلام» بمجرد مخالفتهم، كما أنه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين.

فالجواب: أن هذا الكلام لو تم فإنما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبي بعد معارضتهم له «عليه السلام» ، و هذا لا ينافي وجوب الإتيان بالدواة و البياض عليهم حين أمرهم النبي به، و بين لهم أن فائدته الأمن من الضلال، إذ الأصل في الأمر إنما هو الوجوب على المأمور


1) الآية 38 من سورة الأنعام.

2) الآية 3 من سورة المائدة.

لا على الأمر، و لا سيما إذا كانت فائدته عائدة إلى المأمور خاصة، و الوجوب عليهم هو محل الكلام، لا الوجوب عليه.

قال: على أنه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا، ثم سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم، و بقولهم: «هجر» ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة كما قلت حرسك اللّه.

قال «رحمه اللّه» : و ربما اعتذر بعضهم: بأن عمر رضي اللّه عنه و من قالوا يومئذ بقوله لم يفهموا من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من أفراد الأمة من الضلال على سبيل الإستقصاء، بحيث لا يضل بعده منهم أحد أصلا، و إنما فهموا من قوله: لا تضلوا، أنكم لا تجتمعون على الضلال بقضكم و قضيضكم، و لا تتسرى الضلالة بعد كتابة الكتاب إلى كل فرد من أفرادكم.

و كانوا رضي اللّه عنهم يعلمون أن اجتماعهم بأسرهم على الضلال مما لا يكون أبدا و بسبب ذلك لم يجدوا أثرا لكتابته، و ظنوا أن مراد النبي ليس إلا زيادة الإحتياط في الأمر لما جبل عليه من وفور الرحمة، فعارضوه تلك المعارضة، بناء منهم أن الأمر ليس للإيجاب، و أنه إنما هو أمر عطف و مرحمة ليس إلا، فأرادوا التخفيف عن النبي بتركه. إشفاقا منهم عليه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: هذا كل ما قيل في الإعتذار عن هذه البادرة، لكن من أمعن النظر فيه جزم ببعده عن الصواب، لأن قوله «عليه السلام» : لا تضلوا، يفيد: أن الأمر للإيجاب كما ذكرنا، و استياؤه منهم دليل على أنهم تركوا أمرا من الواجبات عليهم، و أمره إياهم بالقيام مع سعة ذرعه و عظيم تحمله، دليل

على أنهم إنما تركوا من الواجبات ما هو أوجبها و أشدها نفعا، كما هو معلوم من خلقه العظيم.

قال: فالأولى أن يقال في الجواب: هذه قضية في واقعة كانت منهم على خلاف سيرتهم كفرطة سبقت، و فلتة ندرت، لا نعرف وجه الصحة فيها على سبيل التفصيل، و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

ثم عقب آية اللّه السيد شرف الدين «رحمه اللّه» عليه بما يلي:

«قالوا في الجواب الأول: لعله «صلى اللّه عليه و آله» حين أمرهم بإحضار الدواة لم يكن قاصدا لكتابة شيء من الأشياء، و إنما أراد مجرد اختبارهم لا غير.

فنقول-مضافا إلى ما أفدتم-: إن هذه الواقعة إنما كانت حال احتضاره -بأبي و أمي-كما هو صريح الحديث، فالوقت لم يكن وقت اختبار، و إنما كان وقت إعذار و إنذار، و نصح تام للأمة، و المحتضر بعيد عن الهزل و المفاكهة، مشغول بنفسه و مهماته و مهمات ذويه، و لا سيما إذا كان نبيا.

و إذا كانت صحته مدة حياته كلها لم تسع اختبارهم، فكيف يسعها وقت احتضاره؟

على أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» -حين أكثروا اللغو و اللغط و الاختلاف عنده-: «قوموا» ظاهر في استيائه منهم، و لو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم، و أظهر الإرتياح إليها.

و من ألمّ بأطراف هذا الحديث، و لا سيما قولهم: «هجر رسول اللّه» يقطع بأنهم كانوا عالمين أنه إنما يريد أمرا يكرهونه، و لذا فاجؤوه بتلك الكلمة، و أكثروا عنده اللغو و اللغط، و الإختلاف، كما لا يخفى.

و بكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة و عدّها رزية، دليل على بطلان هذا الجواب.

قال المعتذرون: إن عمر كان موفقا للصواب في إدراك المصالح، و كان صاحب إلهام من اللّه تعالى. و هذا مما لا يصغى إليه في مقامنا هذا، لأنه يرمي إلى أن الصواب في هذه الواقعة إنما كان في جانبه، لا في جانب النبي، و أن إلهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين «صلى اللّه عليه و آله» .

و قالوا: بأنه أراد التخفيف عنه «صلى اللّه عليه و آله» إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض، و أنت تعلم: أن في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي، و برد فؤاده، و قرة عينه، و أمنه على أمته «صلى اللّه عليه و آله» من الضلال.

على أن الأمر المطاع، و الإرادة المقدسة مع وجوده الشريف إنما هما له، و قد أراد-بأبي و أمي-إحضار الدواة و البياض، و أمر به، فليس لأحد أن يرد أمره، أو يخالف إرادته وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً (1).

على أن مخالفتهم لأمره في تلك المهمة العظيمة، و لغوهم و لغطهم و اختلافهم عنده كان أثقل عليه و أشق من إملاء ذلك الكتاب الذي يحفظ أمته من الضلال، و إذا كان خائفا من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك


1) الآية 3 من سورة المائدة.

الكتاب، فلماذا بذر لهم بذرة القدح، حيث عارض و مانع و قال: «هجر» ؟ !

و أما قولهم في تفسير قوله: «حسبنا كتاب اللّه» : إنه تعالى قال: مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ (1)، و قال عز من قائل: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (2)فغير صحيح، لأن الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال، و لا تضمنان الهداية للناس، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتمادا عليهما؟ و لو كان وجود القرآن العزيز موجبا للأمن من الضلال، لما وقع في هذه الأمة من الضلال و التفرق ما لا يرجى زواله (3).

و قالوا في الجواب الأخير:

إن عمر لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل


1) الآية 38 من سورة الأنعام.

2) الآية 3 من سورة المائدة.

3) و أنت تعلم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل: أن مرادي أن أكتب الأحكام، حتى يقال في جوابه: حسبنا في فهمها كتاب اللّه تعالى. و لو فرض أن مراده كان كتابة الأحكام، فلعل النص عليها منه كان سببا للأمن من الضلال، فلا وجه لترك السعي في ذلك النص اكتفاء بالقرآن. بل لو لم يكن لذلك الكتاب إلا الأمن من الضلال بمجرده، لما صح تركه و الإعراض عنه، اعتمادا على أن كتاب اللّه جامع لكل شيء. و أنت تعلم اضطرار الأمة إلى السنة المقدسة و عدم استغنائها عنها بكتاب اللّه، و إن كان جامعا مانعا، لأن الإستنباط منه غير مقدور لكل أحد، و لو كان الكتاب مغنيا عن بيان الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لما أمر اللّه تعالى ببيانه للناس، إذ قال عز من قائل: وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (منه قدس) .

فرد من أمته من الضلال، و إنما فهم أنه سيكون سببا لعدم اجتماعهم-بعد كتابته-على الضلال.

(قالوا) : و قد علم رضي اللّه عنه أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون أبدا، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب، و لهذا عارض يومئذ تلك المعارضة.

و فيه مضافا إلى ما أشرتم إليه: أن عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم، و ما كان ليخفى عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس، لأن القروي و البدوي إنما فهما منه أن ذلك الكتاب لو كتب، لكان علة تامة في حفظ كل فرد من الضلال، و هذا المعنى هو المتبادر من الحديث إلى أفهام الناس.

و عمر كان يعلم أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن خائفا على أمته أن تجتمع على الضلال، إذ كان يسمع قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لا تجتمع أمتي على الضلال، و لا تجتمع على الخطأ، و قوله: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق.

و قوله تعالى: وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (1)إلى كثير من نصوص الكتاب و السنة الصريحة بأن الأمة لا تجتمع بأسرها على الضلال، فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خاطر عمر أو غيره أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين طلب الدواة و البياض كان خائفا من


1) الآية 55 من سورة النور.

اجتماع أمته على الضلال.

و الذي يليق بعمر: أن يفهم من الحديث ما يتبادر منه الأذهان، لا ما تنفيه صحاح السنة، و محكمات القرآن.

على أن استياء النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم المستفاد من قوله: «قوموا» دليل على أن الذي تركوه كان من الواجب عليهم.

و لو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث كما زعموا، لأزال النبي «صلى اللّه عليه و آله» شبهته. و أبان لهم مراده منه.

بل لو كان في وسع النبي أن يقنعهم بما أمرهم به لما آثر إخراجهم عنه.

و بكاء ابن عباس و جزعه من أكبر الأدلة على ما نقول.

و الإنصاف: أن هذه الرزية لمما يضيق عنها نطاق العذر، و لو كانت-كما ذكرتم-قضية في واقعة، كفلتة سبقت، و فرطة ندرت، لهان الأمر، و إن كانت بمجردها بائقة الدهر، و فاقرة الظهر.

و الحق أن المعارضين إنما كانوا ممن يرون جواز الإجتهاد في مقابل النص، فهم في هذه المعارضة و أمثالها إذا مجتهدون، فلهم رأيهم، و للّه تعالى رأيه؟ (1).


1) النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 156-163.

الفصل الخامس: عزل أبي بكر عن الصلاة

اشارة

صلاة أبي بكر في الروايات:

هناك روايات عديدة، متناقضة جدا تتحدث عن صلاة أبي بكر بالناس، و نحن نورد هنا عمدتها مما روي في كتب الصحاح و غيرها. . و نذكر منها ما يلي:

عن أنس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يخرج ثلاثا و أبو بكر يصلي بالناس، و أن الناس بينما هم في صلاة الفجر من يوم الإثنين و أبو بكر يصلي لهم، لم يفجأهم إلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم و هو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، فما رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أحسن هيئة منه في تلك الساعة، و كانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هم صفوف في الصلاة، ثم تبسم يضحك.

فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، فظن أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يخرج إلى الصلاة.

قال أنس: و همّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، فقال:

«أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها

المسلم أو ترى له، ألا و إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، و أما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» .

ثم دخل الحجرة، و أرخى الستر، فتوفي من يومه ذلك (1).

و في نص آخر عنه: و توفي من آخر ذلك اليوم (2).

و نقول:

قد ذكرنا هذه الرواية في فاتحة الكلام عن صلاة أبي بكر، لأنها تضمنت صورة مخففة عن موضوع الصلاة، و أشارت إلى أمور عديدة كلها موضع


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305 عن البخاري، و مسلم، و البيهقي، و البلاذري، و ابن حجر، و ابن سعد. و راجع: المحلى لابن حزم ج 4 ص 239 و البحار ج 28 ص 144 و صحيح البخاري ج 2 ص 60 و صحيح البخاري ج 5 ص 141 و فتح الباري ج 8 ص 109 و عمدة القاري ج 7 ص 280 و ج 18 ص 69 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 75 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 587 و 588 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 394 و شرح مسند أبي حنيفة ص 58 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 130.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 246 و 305 عن البخاري، و مسلم، و البيهقي، و البلاذري، و ابن حجر، و ابن سعد. و راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 1 ص 183 و سنن النسائي ج 4 ص 7 و البحار ج 28 ص 144 و فتح الباري ج 8 ص 110 و عمدة القاري ج 6 ص 3 و السنن الكبرى ج 1 ص 602 و ج 4 ص 261 و كتاب الوفاة للنسائي ص 56 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 285 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 216 و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 620 و البداية و النهاية ج 5 ص 275 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 506.

شك و ريب، مثل: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان صباح يوم الإثنين في حجرة عائشة.

كما أنها لم تشر إلى عزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأبي بكر عن هذه الصلاة بالذات، كما سيأتي في الروايات الصحيحة إن شاء اللّه تعالى.

و تضمنت أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نظر إلى المصلين و هو قائم، مع أنه سيأتي أن رجلين قد حملاه إلى المصلى، و رجلاه تخطان في الأرض.

كما أن هذه الرواية لم تذكر إن كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمر أبا بكر بالصلاة، أم أن الذي أمره بها شخص آخر، و لكنها تدل على رضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصلاة أبي بكر. . و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يشارك في الصلاة، و أن هذا الذي جرى قد كان يوم الإثنين، و هو يوم وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و زعمت: أن أبا بكر قد صلى بالناس ثلاثة أيام.

و قد يستشعر من هذه الرواية أيضا أن ابا بكر قد صلى ثلاثة أيام من دون علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لكن سيأتي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عزل أبا بكر عن هذه الصلاة بالذات، فإن كان أبو بكر قد صلى بالناس ثلاثة أيام، فلعله لعدم علم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر.

و سيأتي المزيد من المناقشات لمضامين هذه الرواية و أمثالها، فانتظر. .

نصوص نذكرها ثم نناقشها:

1-عن عائشة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قائما، و الناس خلفه (1).

2-و عن ابن عباس قال: ابعثوا إلى علي، فادعوه.

فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبى بكر.

و قالت حفصة: لو بعثت إلى عمر.

فاجتمعوا عنده جميعا، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : انصرفوا فإن تك لي حاجة أبعث إليكم، فانصرفوا.

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : آن الصلاة؟ !

قيل: نعم.

قال: فأمروا أبا بكر ليصلي بالناس.

فقالت عائشة: إنه رجل رقيق فمر عمر.

فقال: مروا عمر.

فقال عمر: ما كنت لأتقدم و أبو بكر شاهد.

فتقدم أبو بكر، و وجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خفة، فخرج


1) مسند أحمد ج 6 ص 249 و آفة أصحاب الحديث ص 85. و الرسالة الشافعي ص 253 و فتح العزيز للرافعي ج 4 ص 320 و الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني ج 1 ص 153 و كشاف القناع للبهوتي ج 1 ص 580 و كنز العمال ج 15 ص 747 و شرح مسلم للنووي ج 4 ص 133 و عون المعبود ج 2 ص 219 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 173 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 140 و نصب الراية للزيلعي ج 2 ص 58 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 218.

فلما سمع أبو بكر حركته تأخر الخ. . (1).

3-عن إبراهيم بن الأسود عن عائشة قالت: لما ثقل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.

قالت: فقلت: يا رسول اللّه، إن أبا بكر رجل أسيف، و إنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس (من البكاء) ، فلو أمرت عمر.

فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس.

قالت: فقلت لحفصة: قولي له.

فقالت له حفصة: يا رسول اللّه، إن أبا بكر رجل أسيف، و إنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس (من البكاء) فلو أمرت عمر.

فقال: إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.

قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من نفسه خفة، فقام يهادي بين رجلين، و رجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد.

فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن قم كما أنت.

فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى جلس عن يسار أبى بكر، و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي بالناس قاعدا، و أبو بكر قائما،


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 439 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 33 و 35 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 397 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 149.

يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الناس يقتدون بصلاة أبى بكر. . و قريب منه عن عائشة (1).

زاد في نص آخر مروي عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن عائشة قوله: فدخلت على ابن عباس، فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئا، غير أنه قال: أسمّت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ !

قال: لا.

قال: هو علي بن أبي طالب (2).


1) مسند أحمد ج 6 ص 224 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 182 و 183 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 162 و 175 و صحيح مسلم ج 2 ص 23 كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، و آفة أصحاب الحديث ص 57 و 58 و 59 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 244 و 245 و المجموع للنووي ج 4 ص 241 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 214 و بدائع الصنائع ج 1 ص 142 و البحار ج 28 ص 137 عن جامع الأصول، و ص 138 عن البخاري، و مسند أحمد ج 6 ص 210 و 224 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 389 و سنن النسائي ج 2 ص 100 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 304 و ج 3 ص 81 و 94 و عمدة القاري ج 5 ص 186 و 248 و 250 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 831 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 293 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 53 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 406 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 485 و 489 و 495 و ج 15 ص 292 و كنز العمال ج 5 ص 634.

2) آفة أصحاب الحديث ص 58 و 59 و 85 و البخاري ج 1 ص 175 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 169 و صحيح مسلم ج 2 ص 21 و سنن النسائي ج 2 ص 102 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 81 و ج 8 ص 151 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 359 و نصب الراية للزيلعي ج 2 ص 52 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 455 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 505 و البحار ج 28 ص 142 عن جامع الأصول ج 11 ص 382-383 و سنن الدارمي ج 1 ص 288 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 148 و 149.

4-و في لفظ عن عائشة: علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن أبي بكر إلى غيره، فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس.

و كان أبو بكر رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه من البكاء.

فقال: يا عمر صلّ بالناس.

قال: أنت أحق بذلك.

فصلى بهم تلك الأيام.

ثم إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجد خفة، فخرج يهادي بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظهر، كأني أنظر إلى رجليه يخطان الأرض من الوجع.

فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا يتأخر، و أمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره، فأخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» من حيث الآية التي انتهى أبو بكر إليها فقرأ، فجعل أبو بكر يصلي قائما و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي قاعدا (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 245 و البداية و النهاية ج 5 ص 254 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 462 و نيل الأوطار ج 1 ص 306 و الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف للسيد ابن طاووس ص 228 و البحار ج 28 ص 141 و مسند أحمد ج 2 ص 52 و ج 6 ص 251 و سنن الدارمي ج 1 ص 287 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 1 ص 168 و صحيح مسلم ج 2 ص 21 و سنن النسائي ج 2 ص 101 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 80 و ج 8 ص 151 و عمدة القاري ج 5 ص 215 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 229 و ج 8 ص 569 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 504 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 293 و ج 4 ص 255 و كتاب الوفاة للنسائي ص 29 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 481 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 358 و نصب الراية ج 2 ص 52 و كنز العمال ج 7 ص 267 و شرح مسند أبي حنيفة ص 101 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 218 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 132 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 254 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 454 و 463 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 462.

و في رواية: فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول اللّه، و الناس يصلون بصلاة أبي بكر (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 245 و المجموع للنووي ج 4 ص 266 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 46 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 142 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 48 و نيل الأوطار ج 1 ص 306 و ج 3 ص 184 و الإفصاح للشيخ المفيد ص 205 و الطرائف لابن طاووس ص 228 و البحار ج 28 ص 136 و 137 و 141 و 165 و 362 و مسند أحمد ج 6 ص 251 و سنن الدارمي ج 1 ص 288 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 1 ص 162 و 167 و صحيح مسلم ج 2 ص 21 و 24 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 390 و سنن النسائي ج 2 ص 102 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 80 و 82 و فتح الباري ج 2 ص 130 و 171 و عمدة القاري ج 5 ص 187 و 207 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 296 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 229 و ج 8 ص 569 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 110 و 504 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 293 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 438 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 481 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 145 و ج 22 ص 317 و 321 و المواقف للإيجي ج 3 ص 610 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 486 و ج 14 ص 567 و 568 و نصب الراية ج 2 ص 52 و 53 و 56 و موارد الظمآن ج 2 ص 61 و كنز العمال ج 7 ص 268 و شرح مسند أبي حنيفة ص 101 و العلل ج 3 ص 311 و الثقات ج 2 ص 132 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 218 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 359 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 173 و تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 3 ص 443 و ج 9 ص 187 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 166 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 322 و البداية و النهاية ج 5 ص 253 و 254 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 463 و الإستغاثة لأبي القاسم الكوفي ج 2 ص 15 و ج 4 ص 460 و 463 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 465.

5-و عن عبيد بن عمير: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما فرغ من الصلاة يوم صلى قاعدا عن يمين أبي بكر قال: و أقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد: يا أيها الناس سعرت النار الخ. .

إلى أن قال: قال أبو بكر: يا رسول اللّه، إني أراك قد أصبحت بنعمة من اللّه و فضل كما تحب، و اليوم يوم بنت خارجة فآتها؟ !

قال: نعم.

ثم دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و خرج أبو بكر إلى أهله بالسنح (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 245 عن ابن إسحاق، و ابن سعد، و البلاذري، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 440 و السيرة الحلبية ج 3 ص 467 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 62 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1068 و راجع: إمتاع الأسماع ج 14 ص 475.

6-و عن عائشة قالت: صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه (1).

7-و نص آخر عن ابن عباس:

لما مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعوا لي عليا.

قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر.

قال: ادعوه.

قالت حفصة: يا رسول اللّه، ندعو لك عمر.

قال: ادعوه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 194 و ج 12 ص 245 عن أحمد، و النسائي، و البيهقي، و الترمذي و صححه، و المغني لابن قدامة ج 2 ص 49 و تنوير الحوالك ص 59 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 2 ص 49 و نيل الأوطار ج 3 ص 207 و البحار ج 28 ص 142 و حاشية السندي على النسائي ج 2 ص 100 و عمدة القاري ج 5 ص 187 و مسند أحمد ج 3 ص 243 و ج 6 ص 159 و سنن الترمذي ج 1 ص 226 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 296 و نصب الراية ج 2 ص 56 و الإحكام لابن حزم ج 4 ص 484 و تاريخ بغداد ج 2 ص 36 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 464 و البداية و النهاية ج 5 ص 254 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 465.

قالت أم الفضل: يا رسول اللّه، ندعو لك العباس.

قال: ادعوه.

فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليا، فسكت.

فقال عمر: قوموا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس.

فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل حصر، و متى ما لا يراك الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلى بالناس.

فخرج أبو بكر فصلى بالناس. و وجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» من نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين و رجلاه تخطان في الأرض، فلما رآه الناس سبحوا أبا بكر، فذهب يتأخر، فأومأ إليه. أي مكانك.

فجاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى جلس.

قال: و قام أبو بكر عن يمينه. و كان أبو بكر يأتم بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان الناس يأتمون بأبي بكر (2).

قال ابن عباس: و أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» من القراءة من حيث بلغ أبو بكر (3).


1) المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 203 و البحار ج 22 ص 521 عنه.

2) مسند أحمد ج 1 ص 356 و آفة أصحاب الحديث ص 60 و لكنه اختصره، و سنن ابن ماجة ج 1 ص 391 و تاريخ مدينة دمشق ج 8 ص 18 و راجع: شرح معاني الآثار ج 1 ص 405.

3) مسند أحمد ج 1 ص 355 و 356 و فتح الباري ج 2 ص 145 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 99 و نيل الأوطار ج 2 ص 232 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 391 و عمدة القاري ج 4 ص 107 و نصب الراية ج 2 ص 59 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 183.

و نقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة، وقفات عديدة، سنكتفي منها بالأمور التالية:

في بيت عائشة:

ذكرت الرواية، المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرض في بيت عائشة. و نحن لا نمانع في أن يكون مرضه قد ابتدأ في حجرة عائشة، و لكن لا ريب في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد انتقل منها إلى بيت فاطمة «عليها السلام» ، و وافته المنية هناك و فيه دفن، لا في بيت عائشة، و ستأتي الأدلة على أن هذا هو الصحيح، و أنه لا صحة لما يزعمونه: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مات و دفن في بيت عائشة. .

أبو بكر أسيف لا يسمع الناس:

ثم إننا لا ندري متى كان من شرط الجماعة أن يسمع الإمام الناس. . و لذلك لم نستطع أن نفهم مراد عائشة من اعتراضها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بأن أبا بكر رجل أسيف، لا يسمع الناس. .

إمامان لجماعة واحدة:

لقد اختلفت كلمة فقهاء العامة حول إمامة القائم بالقاعد و الصحيح بالمريض اختلافا كبيرا، و تفاوتت النقول عن كل فريق منهم بين مؤيد

و مفند، و لا نريد الدخول في تفاصيل ذلك، بل نكتفي ببعض منه، فقد قال ابن الجوزي كما أحمد بن حنبل، و كذلك الأحناف و المالكية: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان إماما لأبي بكر، و أبو بكر كان الإمام للمسلمين، و لعله لأجل ذلك جلس النبي «صلى اللّه عليه و آله» على يسار أبي بكر. فحصلت الصلاة بإمامين كما جاء في رواية ابن عباس.

أما الشافعي و الشافعية، فقالوا: كان الإمام واحدا، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون سواه، أما أبو بكر فكان مأموما، و لم يكن إماما لأحد (1).

قال ابن عبد البر: «و هذه المسألة فيها للعلماء أقوال.

أحدها: قول أحمد بن حنبل و من تابعه، تجوز صلاة الصحيح جالسا خلف الإمام المريض جالسا، لقوله «عليه السلام» : و إذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا.

و الثاني: قول الشافعي، و أبي حنيفة، و أبي يوسف، و زفر، و الأوزاعي، و أبي ثور و داود: جائز أن يقتدي القائم بالقاعد في الفريضة و غيرها، لأن على كل واحد أن يصلي كما يقدر عليه، و لا يسقط فرض القيام عن المأموم الصحيح لعجز إمامه عنه.

و قد روى الوليد بن مسلم عن مالك مثل ذلك.

و الثالث: قول مالك في المشهور عنه و عن أصحابه: أنه ليس لأحد أن يؤم جالسا و هو مريض بقوم أصحاء قيام و لا قعود، و هو مذهب محمد بن


1) آفة اصحاب الحديث ص 62-64.

الحسن، صاحب أبي حنيفة، فإن صلوا قياما خلف إمام مريض جالس فعليهم عند مالك الإعادة.

قيل عنه: في الوقت.

و قيل: أبدا.

قال سحنون: اختلف قول مالك في ذلك، و من أصحاب مالك من قال: يعيد الإمام المريض معهم، و أكثرهم على أنهم يعيدون دونه.

و قال مالك و الحسن بن حي، و الثوري، و محمد بن الحسن في قائم اقتدى بجالس، أو جماعة صلوا قياما خلف إمام جالس مريض إنها تجزيه و لا تجزيهم» (1).

و لو صح ما يذكرونه عن صلاة أبي بكر و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما اختلفت أقوالهم في هذه المسألة.

فإن قيل: للنبي «صلى اللّه عليه و آله» خصوصية في هذا الأمر.

فالجواب: أنه قد كان يجب بيان هذه الخصوصية من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه حتى لا يقع الناس في الوهم و الإختلاف في مسألة فقهية يبتلى بها الناس بعده.

أيهما الإمام؟ ! :

و قد ذكرت بعض روايات صلاة أبي بكر بالناس: أن أبا بكر قد صلى بصلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و صلى الناس بصلاة أبي بكر. .


1) الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 176.

و حيث إنه لم يظهر لنا وجه مقنع لهذا التصوير. فإننا نذكر القارئ الكريم بما يلي:

ألف: إن هذا مجرد اجتهاد من الراوي لم يرد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما يؤيده، و لا بيّن وجهه لنا أحد من علماء الصحابة. و لا أقره أحد من أهل بيت النبوة «صلوات اللّه و سلامه عليهم» الذين هم أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما، و لا حجية للإجتهاد في مثل هذه الأمور، التي هي من موارد التعبد بالنص، و الإنتهاء إليه.

ب: إن كان أبو بكر هو الإمام، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» مأموما، فمعنى ذلك أن أبا بكر لم يصلّ بصلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كان الأمر على عكس ذلك. . و هذا يتناقض مع الروايات التي صرحت بذلك. .

و إن كان الإمام هو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فمعنى ذلك أن الناس لم يكونوا قد صلوا بصلاة أبي بكر، بل صلوا بصلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

و حاول بعضهم أن يدّعي أن الناس قد اقتدوا بأبي بكر، بمعنى أنهم تحركوا بحركته، لأنهم كانوا لا يرون حركة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ركوعه و سجوده، و سائر أفعاله، لأنه كان يصلي جالسا بسبب مرضه.

و هي دعوى غير مقبولة، فإن المفروض هو أن المشاركين في الجماعة كانوا قلة قليلة جدا، لأن معظم الناس القادرين على حمل السلاح كانوا في جيش أسامة، و من الواضح: أن الصف الأمامي، و بعض من في الصف الذي بعده كان يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يتحرك بحركته،

فلماذا خص الرواة أبا بكر بكونه وحده كان يرى حركة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و جعلوه هو المحور لحركة غيره دون سواه! ! مع أن الأمر لا يحتاج إلى ذلك من الأساس. . فقد كان باستطاعة كل المشاركين بالصلاة أن يتحركوا بحركة الصف الأول كله.

تناقض روايات صلاة أبي بكر:

و قد ادّعى نعيم بن أبي هند: أن الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، و ليس فيها تعارض (1).

و نقول:

بل الأمر على عكس ذلك تماما، فإن روايات صلاة أبي بكر قد جاءت كثيرة التناقض، و قد ذكر العلامة المظفر طائفة من تناقضاتها، و نحن نقتصر على ما ذكره «رحمه اللّه» و إن كان لنا تحفظ على موارد يسيرة جدا منه، و الموارد التي ذكرها هي التالية:

1-(في علاقة عمر بالصلاة) ، يذكر بعضها أن النبي قال: «مروا عمر» بعد مراجعة عائشة عن أبيها، فأبى عمر و تقدم أبو بكر (2).

و بعضها ذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ابتداء أمر عمر، فقال عمر لبلال: قل له إن أبا بكر على الباب. و حينئذ أمر أبا بكر (3).

و بعضها ذكر: أن أول من صلى عمر بغير إذن النبي، فلما سمع «صلى


1) راجع: عمدة القاري ج 5 ص 191.

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 439 و راجع المصادر المتقدمة.

3) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 462.

اللّه عليه و آله» صوته قال: «يأبى اللّه ذلك و المؤمنون» (1).

و في بعضها: أنه أمر أبا بكر أن يصلي نفس الصلاة التي صلاها عمر بالناس (2).

و في بعضها: صلى عمر، و كان أبو بكر غائبا (3).

و في بعضها: أن النبي أمر أبا بكر، و أبو بكر قال لعمر: صلّ بالناس، فامتنع (4).

2-(في من أمره النبي ليأمر أبا بكر) ، فبعضها تذكر عائشة (5).

و بعضها: بلالا (6).

و بعضها: عبد اللّه بن زمعة (7).

3-(فيمن راجعه في أمر أبي بكر) ، فبعضها تذكر أن عائشة وحدها راجعته ثلاث مرات أو أكثر (8).

و بعضها تذكر: أن عائشة راجعته، ثم قالت لحفصة فراجعته مرة أو


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 175.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1066.

3) مسند أحمد ج 4 ص 322.

4) فتح الباري ج 11 ص 51.

5) كنز العمال ج 7 ص 266.

6) سنن أبي داود ج 1 ص 214.

7) المواقف للإيجي ج 3 ص 631.

8) بدائع الصنائع ج 1 ص 142 و مسند أحمد ج 6 ص 34.

مرتين، فلما زجرها النبي قالت لعائشة: «ما كنت لأصيب منك خيرا» (1).

4-(في الصلاة المأمور بها) ، فبعضها يخصها بصلاة العصر (2).

و بعضها: بصلاة العشاء (3).

و الثالث: بصلاة الصبح (4).

5-(في خروج النبي) ، فبعضها تذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» خرج و صلى (5).

و أخرى تقول: أخرج رأسه من الستار و الناس خلف أبي بكر، ثم ألقى الستار و لم يصلّ معهم (6).

6-(في كيفية صلاة النبي بعد الخروج) ، فيذكر بعضها: أنه ائتم بأبي بكر، بعد أن دفع في ظهره، و منعه من التأخر (7).

و بعضها: أن أبا بكر تأخر و ائتم بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» (8).

و بعضها: أن أبا بكر صلى بصلاة النبي، و الناس بصلاة أبي بكر (9).


1) صحيح البخاري ج 1 ص 165.

2) سنن أبي داود ج 1 ص 214.

3) صحيح البخاري ج 1 ص 168.

4) مجمع الزوائد ج 1 ص 330.

5) مسند أحمد ج 1 ص 356.

6) مسند أبي يعلى ج 6 ص 250.

7) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1068.

8) مسند أحمد ج 5 ص 336.

9) عمدة القاري ج 5 ص 215.

و بعضها: أن النبي ابتدأ بالقراءة من حيث انتهى أبو بكر (1).

7-(في جلوس النبي إلى جنب أبي بكر) فبعضها تذكر جلوسه إلى يساره (2).

و بعضها: إلى يمينه (3).

8-(في مدة صلاة أبي بكر) ، فبعضها: تجعلها طيلة مرض النبي (4).

و أخرى: تخصها بسبع عشرة صلاة (5).

و ثالثة: بثلاثة أيام (6).

و رابعة: بستة (بسبعة) (7).

و يظهر من بعضها أنه صلى صلاة واحدة (8).

9-(في وقت خروج النبي إلى الصلاة) ، فبعضها صريحة في: أنه خرج


1) مسند أحمد ج 1 ص 355 و 356 و فتح الباري ج 2 ص 145 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 99 و نيل الأوطار ج 2 ص 232 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 391 و عمدة القاري ج 4 ص 107 و نصب الراية ج 2 ص 59 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 183.

2) مسند أحمد ج 1 ص 231.

3) مسند أحمد ج 1 ص 356.

4) كتاب الأم الشافعي ج 7 ص 210.

5) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 440.

6) الكامل في التاريخ ج 2 ص 322.

7) أسد الغابة ج 4 ص 68.

8) عمدة القاري ج 5 ص 216.

لنفس الصلاة التي كان قد أمر بها أبا بكر حسب زعمهم (1).

و في بعضها: أنه خرج لصلاة الظهر بعد صلاة أبي بكر أياما (2).

و بعضها: صريح بخروجه لصلاة الصبح (3).

و هذه الإختلافات كما رأيت في جوهر الحادثة. و لم يظهر من الأخبار تعدد أمر النبي له بالصلاة، و لا تعدد خروجه» .

إلى أن قال:

«و لعل أبا بكر كان مخدوعا في تبليغه أمر النبي، كما جاء في الحديث: أن عبد اللّه بن زمعة خدع عمر بن الخطاب، فبلّغه أمر النبي له بالصلاة.

و أحسب أن أصل الواقعة أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر الناس بالصلاة لما تعذر عليه الخروج، من دون أن يخص أحدا بالتقديم، فتصرف متصرف، و تأول متأول.

و لما بلغ ذلك أسماع النبي التجأ أن يخرج يتهادى بين رجلين و رجلاه تخطان الأرض من الوجع، فصلى بالناس جالسا صلاة المضطرين، ليكشف للناس هذا التصرف الذي استبد به عليه» (4).

أو ليكشف للناس أن من تصدى للصلاة لم يكن جامعا لشرائطها المقررة في الشرع الشريف.

و ربما يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يأمر بالصلاة أصلا، فضلا


1) صحيح البخاري ج 1 ص 162.

2) صحيح البخاري ج 1 ص 168.

3) كتاب الأم للشافعي ج 1 ص 99.

4) السقيفة ص 52-54 و (نشر مؤسسة أنصاريان) ص 56-58 بتصرف يسير.

عن أن يكون قد سمى أحدا لها، فاغتنم البعض الفرصة ليوهم الناس: أن فلانا بعينه هو المرضي بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه لينقض هذا التصرف منهم. .

صلاة أبي بكر و الخلافة:

و روى البلاذري عن علي بن أبي طالب «عليه السلام» قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يمت فجأة، كان بلال يأتيه في مرضه فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، و هو يرى مكاني، فلما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأوا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد ولاه أمر دينهم، فولوه أمر دنياهم (1).

و روى البلاذري عنه قال: لما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نظرنا في أمرنا، فوجدنا النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لديننا، فقدمنا أبا بكر، و من ذا كان يؤخره عن مقام أقامه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه؟ ! (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 316 عن البلاذري، و كنز العمال ج 11 ص 328 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 441 و 443 و راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 490.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 316 عن البلاذري، و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 129 و الغدير ج 8 ص 36 عن الرياض النضرة ج 1 ص 150 و الوافي بالوفيات ج 17 ص 166 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 183 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 265.

و روى الحسن البصري عن قيس بن عباد قال: قال علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرض ليالي و أياما ينادى بالصلاة، فيقول: مروا أبا بكر يصلي بالناس.

فلما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نظرت، فإذا الصلاة علم الإسلام، و قوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لديننا، فبايعنا أبا بكر (1).

و روى البلاذري عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر، و بايعه الناس، قام ينادي ثلاثا: أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم.

فقال علي: و اللّه لا نقيلك و لا نستقيلك، قدمك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الصلاة، فمن ذا يؤخرك؟ ! (2).

و روى البلاذري-بسند جيد-: أن عمر بن عبد العزيز بعث ابن الزبير الحنظلي إلى الحسن، فقال له: هل كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استخلف أبا بكر؟

فقال الحسن: أو في شك؟ ! صاحبك و اللّه الذي لا إله إلا هو، استخلفه


1) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 971 و البحار ج 28 ص 146 عنه، و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 129 و الغدير ج 8 ص 36.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 317 عن البلاذري، و الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 272 و كنز العمال ج 5 ص 657 و أضواء البيان للشنقيطي ج 1 ص 31 و العثمانية ص 235 و راجع: عيون أخبار الرضا «عليه السلام» للصدوق ج 1 ص 201 و البحار ج 31 ص 621 و ج 49 ص 192.

حين أمره بالصلاة دون الناس، و لهو كان أتقى للّه من أن يتوثب عليها (1).

و روى البلاذري عن إبراهيم التيمي، و ابن سيرين قال: «لما مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أتوا أبا عبيدة بن الجراح، فقالوا: ابسط يدك نبايعك، فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال: أتأتوني و فيكم الصديق ثاني اثنين؟

و في لفظ: ثالث ثلاثة، قيل: لابن سيرين: و ما ثالث ثلاثة؟

قال: ألم تقرأ هذه الآية ثٰانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي اَلْغٰارِ إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لاٰ تَحْزَنْ إِنَّ اَللّٰهَ مَعَنٰا (2)» (3).

و نقول:

أولا: إن الإستدلال المنقول عن علي «عليه السلام» لا يمكن أن يصدر عنه، لأنه باطل من أصله، فإن من يصلح لإمامة الجماعة في الصلاة قد لا يصلح لقيادة الجيوش، و لا للقضاء بين الناس، و لا للإفتاء، و لا ليعلّم الناس الكتاب و الحكمة، فضلا عن أن يكون أهلا للقيام بجميع مهمات الحاكم و الإمام.

ثانيا: إذا كان الوجع قد غلب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 317 عن البلاذري، و شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 537 و الامامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 10 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 18 راجع: التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 127.

2) الآية 40 من سورة التوبة.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 317 عن البلاذري، و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 573.

كان يهجر-كما زعمه عمر، و وافقه عليه طائفة ممن معه، حتى صاروا يقولون: القول ما قاله عمر-فلا قيمة لما يصدر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مثل هذا الحال. . وفق منطق من يلتزمون بقول عمر، و يصرون على تصويبه و متابعته فيما يقول و يفعل! !

ثالثا: إن الروايات قد صرحت بأن أبا بكر قد عزل عن هذه الصلاة أو أن ذلك محتمل بصورة قوية، كما دلت عليه الروايات الصحيحة، فلا يصح الإستدلال بصلاة هذه حالها على الخلافة، بل هي على خلاف ما يحبون أدل.

رابعا: إن موقف علي «عليه السلام» من البيعة لأبي بكر معلوم لكل أحد، و هم يقولون: إنه «عليه السلام» لم يبايع إلا بعد استشهاد زوجته فاطمة «عليها السلام» ، و كلماته «عليه السلام» في نهج البلاغة و في غيره، و في كتب الحديث و الرواية و التاريخ مشحونة بما يدل على اعتراضه على أبي بكر في توليه أمرا ليس له. .

خامسا: إن نصب إنسان للصلاة، لا يعني توليته لأمور الدين كلها. . ليس فقط لأجل أن ذلك الرجل قد لا يحسن كثيرا من أمور الدين. . لا سيما و أن هؤلاء يجيزون الصلاة خلف العالم و الجاهل، و الأمي و المتعلم، بل و العادل و الفاسق. . بل لأنه قد يكون هناك مانع من توليته لجميع ما يحسنه، بل إن الإكتفاء بالتنصيص على توليته في جانب مما يحسنه، و ترك التصريح بتوليته لسائر المهام يكون أقوى في الدلالة على صرف النظر عن التولية العامة. .

سادسا: إن عليا «عليه السلام» قد جعل أبا الأسود على الصلاة في البصرة، و ولى ابن عباس ما عدا ذلك، فلو كان نصبه للصلاة دليلا على

ولايته، أو أحقيته بالولاية لأمور الدنيا لم يصح نصب ابن عباس على البصرة إلى جانب أبي الأسود. أو هو على الأقل سيكون مثار تساؤل لدى الناس! !

سابعا: إن إمامة الصلاة ليست من الولايات، بل هي حكم شرعي خاص في مورده، فما معنى قياس ولاية أمور الدنيا التي تحتاج إلى إنشاء و جعل. . على جعل إنسان إماما في الصلاة؟ !

ثامنا: قوله: من ذا يؤخره عن مقام أقامه اللّه فيه غير سديد، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقمه إماما للأمة، و إنما هم يدّعون أنه أقامه إماما للصلاة، و لم يؤخره أحد عنها، و إنما هو تقدم ليتولى أو ليستولي على ما عداها.

تاسعا: بالنسبة لمناداة أبي بكر ثلاثة أيام ليقيله الناس البيعة نقول:

إنها مغالطة فاشلة، فإن المطلوب أن يقيلهم هو بيعتهم، و ليس العكس، فإذا أحلهم منها إنتهى الأمر، و لا تبقى حاجة لأي تصرف منهم، لأنهم هم الذين أعطوه عهدا ببيعتهم، و صاروا يرون أنفسهم ملزمين بالوفاء به.

عاشرا: بالنسبة لكلام الحسن عن تقوى أبي بكر التي تمنعه من التوثب على ما ليس له، نقول:

إنه كلام لا يجدي، لأن الوقائع هي التي تحدد لنا إن كان قد توثب على هذا الأمر، أو لم يتوثب عليه.

على أن التوثب على هذا الأمر قد يكون لأجل ما يزعمونه من الغيرة على الدين، و الخوف على المسلمين. . فلا يتنافى مع التقوى، إلا إذا كان قد سمع النص من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على علي «عليه السلام» بالخلافة و الإمامة، أو بايعه في يوم الغدير، ثم نقض بيعته، كما هو المفروض. .

و لربما يدّعى: أن ثمة شبهة تسوغ هذا التوثب، و تمنع من الحكم بتعمد مخالفة أحكام الشريعة، و العهدة في ذلك على من يدّعيه.

حادي عشر: حديث ابن سيرين، و إبراهيم التيمي لا يصح، إذ إن أبا بكر فقط هو الذي طرح اسم أبي عبيدة يوم السقيفة، و لا يستطيع الحسن أو التيمي أن يذكرا لنا اسم أحد غيره فعل ذلك. و ظواهر الأمور تشير إلى أنه قد طرح اسمه ليردها عليه أبو عبيدة، الذي لم يكن أحد سوى أبي بكر و عمر يراه أهلا لهذا الأمر.

بل إن سعد بن عبادة، و من معه كانوا كلهم لا يرون أبا بكر أهلا لهذا الأمر، فهل يرون أبا عبيدة حفار القبور أهلا له؟ !

على أن حديث الحسن و إبراهيم، لم ينقل لنا بسند متصل. .

يوم الوفاة هو يوم العزل:

قد دلت الروايات المتقدمة أيضا: على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد مات في نفس اليوم الذي صلى فيه أبو بكر بالناس، فقد روى ابن أبي مليكة قال:

«لما كان يوم الإثنين خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عاصبا رأسه إلى الصبح، و أبو بكر يصلي بالناس، فلما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تفرج الناس، فعرف أن الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنكص عن مصلاه، فدفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ظهره الخ. .» (1).


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 196 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 440 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1068 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 467.

فقد دلت هذه الرواية: على أن خروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى المسجد كان في صلاة الصبح و أن مشاركته في الصلاة كانت يوم الإثنين. .

و هناك روايات عديدة دلت على أن ذلك كان نفس يوم وفاته «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا حظ ما يلي:

1-عن ابن جرير، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: قال «صلى (أي النبي) في اليوم الذي مات فيه في المسجد» (1).

2-و يدل على ذلك أيضا: حديث أنس، قال: «لما مرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرضه الذي مات فيه أتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقال: يا بلال، قد بلّغت. فمن شاء فليصلّ، و من شاء فليدع.

قال: يا رسول اللّه، فمن يصلي بالناس.

قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.

فلما تقدم أبو بكر رفعت الستور عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنظر إليه كأنه ورقة بيضاء عليه خميصه سوداء، فظن أبو بكر أنه يريد الخروج، فتأخر، فأشار إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فصلى أبو بكر. فما رأينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى مات من يومه (2).

3-و عن عائشة: أن بلالا جاء صباح يوم وفاة رسول اللّه «صلى اللّه


1) كنز العمال ج 7 ص 272 و راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 36 و عمدة القاري ج 5 ص 191 و نصب الراية ج 2 ص 56.

2) كنز العمال ج 7 ص 261 و راجع: مسند أبي يعلى ج 6 ص 264 و مختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 381 و 382 و مسند أحمد ج 3 ص 202 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 227 و حديث خيثمة ص 140 و شرح الأخبار ج 2 ص 238.

عليه و آله» فآذنه بالصلاة، فقال لها «صلى اللّه عليه و آله» : مري أباك أن يصلي بالناس (1).

و بذلك يتضح: أن ما زعمته بعض الروايات: من أن أبا بكر قد صلى بالناس أياما، غير مسلّم (2). .

إلا إذا كان المقصود: أنه صلى بهم من دون علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر.

التشاؤم هو السبب:

و قد تقدم: أن عائشة تزعم: أن الداعي لها لمراجعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمر صلاة أبي بكر بالناس هو الفرار من تشاؤم الناس بأبيها إذا صلى في مرض الرسول، لو حدث به «صلى اللّه عليه و آله» حدث (3). .

و لكنها في رواية أخرى تبرر مراجعتها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأن أبا بكر رجل أسيف، لا يسمع الناس بسبب بكائه.

فأي ذلك هو الصحيح؟ !


1) كنز العمال ج 7 ص 266 عن أبي الشيخ.

2) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج 3 ص 276 و 277 و مسند أبي عوانة ج 1 ص 440 و سنن النسائي ج 2 ص 101 و صحيح البخاري ج 1 ص 278 و 179 ح 78 و صحيح مسلم ج 2 ص 20 و 21.

3) صحيح البخاري ج 6 ص 33 ح 432 و صحيح مسلم ج 2 ص 22 و السنن الكبرى ج 8 ص 152.

مروا من يصلي بالناس:

و في رواية عبد اللّه بن زمعة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: مروا من يصلي بالناس. . و لم يعين أحدا بعينه. . فلما أمر ابن زمعة عمر بأن يصلي بالناس أنكر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك حسب ما زعمته الرواية، و قال: «يأبى اللّه ذلك و المسلمون» (1).

و قد قلنا: إن هذه الزيادة باطلة، لما يلي:

1-إن المسلمين قد رضوا بعمر حسب الفرض، و قد شرع بالصلاة بالفعل. .

2-كيف يأبى اللّه ذلك و الحال أن عمرو بن العاص كان يؤم أبا بكر و عمر معا في غزوة ذات السلاسل، و أمهما أيضا عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك؟ . .

3-قد جاء في رواية أنس قوله «صلى اللّه عليه و آله» : حين آذنه بلال بالصلاة: «يا بلال قد بلغت. فمن شاء فليصلّ، و من شاء فليدع» . .


1) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 970 و المحلى لابن حزم ج 4 ص 210 و شرح الأخبار ج 2 ص 239 و البحار ج 28 ص 145 و 156 و 157 و مسند أحمد ج 4 ص 322 و ج 6 ص 106 و سنن أبي داود ج 2 ص 405 و عمدة القاري ج 5 ص 188 و عون المعبود ج 12 ص 273 و المعجم الأوسط ج 2 ص 12 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 128 و كنز العمال ج 11 ص 550 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 262 و 263 و 267 و البداية و النهاية ج 5 ص 252 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 457 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1067 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 459 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 244.

فما معنى زيادة فقرة: مروا أبا بكر فليصل بالناس (1).

4-أن صلاة أبي بكر بالناس لا تنسجم مع كونه قد جعله في جيش أسامة، و لم يرد إحداث أي خلل في عزيمة ذلك الجيش، فكيف يخرج أبا بكر منه للصلاة بالناس بسبب شدة مرضه؟ !

عزله في الصلاة الأولى:

إن الروايات المتقدمة، و منها روايات عائشة نفسها، المروية في صحيحي البخاري و مسلم قد دلت على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عزل أبا بكر في أول صلاة صلاها، لأنها صرحت بأنه قال لهم: مروا أبا بكر فليصل بالناس. .

ثم ذكرت: أنه وجد من نفسه خفة، فعزله عنها بنفسه، فكان أبو بكر مأموما و النبي «صلى اللّه عليه و آله» إماما.

صويحبات يوسف:

و قوله «صلى اللّه عليه و آله» لنسائه: «إنكن لصويحبات يوسف» يدل على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن هو الذي أمر أبا بكر بالصلاة، لأن صويحبات يوسف لم يخالفن يوسف في شيء، و لا راجعنه في أمر صدر عنه، و إنما فتنهن حسنه، و أرادت كل واحدة منهن أن تنال الحظوة عنده. .

و هذا ما أرادته عائشة و حفصة، فإنهن أردن الحصول على الشرف و المقام،


1) تقدمت مصادر حديث أنس.

بالتقرب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1). . فقدمتا أبويهما من أجل الإفتخار و التجمل بمقام القرب من الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، أي أنهن لم ينازعنه لصرف إمامة الجماعة عن أبويهما. .

أستاذ المعتزلي يشرح ما جرى:

و قد ذكر المعتزلي كلاما عن شيخه أبي يعقوب، يوسف بن إسماعيل اللمعاني، جاء فيه ما يلي:

«فلما ثقل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مرضه أنفذ جيش أسامة، و جعل فيه أبا بكر و غيره من أعلام المهاجرين و الأنصار. فكان علي «عليه السلام» حينئذ بوصوله إلى الأمر-إن حدث برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حدث-أوثق. و تغلب على ظنه: أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية، فيأخذه صفوا عفوا، و تتم له البيعة، فلا يتهيأ فسخها لو رام ضدّ منازعته عليها. .

فكان من عود أبي بكر من جيش أسامة-بإرسالها إليه، و إعلامه بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يموت-ما كان، و من حديث الصلاة بالناس ما عرف.

فنسب علي «عليه السلام» إلى عائشة أنها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس، لأن رسول اللّه-كما روي-قال: ليصل بهم أحدهم، و لم يعين. و كانت صلاة الصبح؛ فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) تلخيص الشافي ج 3 ص 30.

و هو في آخر رمق يتهادى بين علي و الفضل بن العباس، حتى قام في المحراب-كما ورد في الخبر-ثم دخل فمات ارتفاع الضحى.

فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه، و قال: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول اللّه في الصلاة.

و لم يحملوا خروج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لصرفه عنها، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن. . فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي «عليه السلام» على أنها ابتدأت منها.

و كان علي «عليه السلام» يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا، و يقول: إنه لم يقل «صلى اللّه عليه و آله» : إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال، و غضبا منها، لأنها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، و أنه استدركها بخروجه، و صرفه عن المحراب، فلم يجد ذلك و لا أثّر. مع قوة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر، و يمهد له قاعدة الأمر، و تقرر حاله في نفوس الناس، و من اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين و الأنصار. .

فقلت له «رحمه اللّه» : أفتقول أنت: إن عائشة عينت أباها للصلاة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يعينه؟ !

فقال: أما أنا فلا أقول ذلك، و لكن عليا كان يقوله، و تكليفي غير تكليفه. كان حاضرا، و لم أكن حاضرا. . الخ» (1).

و نقول:

قد أظهرت الفقرة الأخيرة: أن المعتزلي فاجأ اللمعاني بسؤاله، و ربما يكون


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 9 ص 196-198.

قد أخافه، فاضطر إلى أن يميز نفسه عن علي «عليه السلام» في هذا الأمر، مع إلماحه إلى أن عليا «عليه السلام» هو الذي يعيش الحدث، و يعرف تفاصيله- فقد كان علي حاضرا، و لم يكن اللمعاني حاضرا-. .

و نحن تكفينا شهادة علي «عليه السلام» حول هذا الأمر، فقد قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «علي مع الحق و الحق مع علي، يدور معه كيفما دار» أو نحو ذلك (1).

يوم بنت خارجة:

و تقول رواية تقدمت: أن أبا بكر استأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليذهب إلى السنح (2)، لأن زوجته أسماء بنت خارجة كانت تنتظره. .

و الذي يثير عجبنا: أن أبا بكر يرى النبي «صلى اللّه عليه و آله» غير قادر على المشي من شدة المرض. و لم يستطيع الوصول إلى موضع الصلاة إلا


1) المستدرك للحاكم ج 3 ص 124 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 166 و كنوز الحقائق للمناوي ص 70 و مجمع الزوائد ج 7 ص 233 و جامع الأصول ج 9 ص 420 و راجع: كشف الغمة ج 2 ص 35 و ج 1 ص 141-146 و الجمل ص 36 و تاريخ بغداد ج 14 ص 322 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 119 و 124 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و راجع نزل الأبرار ص 56 و في هامشه عن مجمع الزوائد ج 7 ص 234 و عن كنوز الحقائق ص 65 و كنز العمال ج 6 ص 157 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 297 و ج 18 ص 72 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 449.

2) السنح: موضع بالمدينة بينه و بين منزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» قدر ميل. كان لأبي بكر منزل هناك.

بمساعدة رجلين، و كانت رجلاه تخطان في الأرض. ثم هو يستأذنه-كما يزعمون-ليذهب إلى زوجته بنت خارجة في منزله بالسنح (1).

و هذا الغياب هو الذي جعل عمر يحتاج إلى إنكار موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لإشغال الناس عن أي تدبير في الأمر إلى حين حضور أبي بكر.

ألا يدل ذهاب أبي بكر إلى السنح، حيث لم يصلّ بالناس صلاة الظهر يوم الإثنين. على الأقل، و هو يوم استشهاد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأنه استشهد بعد الزوال، كما يقوله كثيرون، كما سيأتي-ألا يدل ذلك-على أنه قد ذهب معزولا عن الصلاة، (و ربما غاضبا) بعد أن تصدى لها من غير إذن، و لا رضى من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

دعوى صلاة النبي صلّى اللّه عليه و آله خلف أبي بكر:

و إذا كانت الروايات الصحيحة تتجه لتأكيد عزل أبي بكر عن الصلاة، فهل يمكن أن نصدق ما تضيفه بعض المرويات، من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى خلف أبي بكر، أو أن أبا بكر قد صلى بصلاة النبي، و الناس صلوا بصلاة أبي بكر، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان جالسا، و كان أبو بكر قائما، فكان الناس يرونه، فيقتدون به. .

علما بأن الصف الأول و الذي يليه أيضا قادر على رؤية شخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يشاهد حركته، و ركوعه و سجوده، بلا حاجة إلى


1) راجع: تاريخ دمشق ج 2 ص 56 و البداية و كنز العمال ج 10 ص 745 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 125 و ج 14 ص 521 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 249 و النهاية ج 5 ص 184-186 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 36.

أبي بكر و سواه. .

و عن دعوى ائتمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأبي بكر يقول ابن الجوزي: «ليس هذا في الصحيح، و إنما قد روي من طرق لا تثبت» (1).

و سيأتي المزيد مما يبطل هذا الزعم إن شاء اللّه تعالى. .

روايات عائشة:

و عن حديث أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى خلف أبي بكر نقول:

أولا: إن العمدة في هذه الرواية هو ما روته عائشة (2). و هي إنما تجر النار


1) آفة أصحاب الحديث ص 49.

2) راجع: مسند أحمد ج 6 ص 224 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 182 و 183 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 162 و 175 و صحيح مسلم ج 2 ص 23 كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، و آفة أصحاب الحديث ص 57 و 58 و 59 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 244 و 245 و المجموع للنووي ج 4 ص 241 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 214 و بدائع الصنائع ج 1 ص 142 و البحار ج 28 ص 137 عن جامع الأصول، و ص 138 عن البخاري، و مسند أحمد ج 6 ص 210 و 224 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 389 و سنن النسائي ج 2 ص 100 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 304 و ج 3 ص 81 و 94 و عمدة القاري ج 5 ص 186 و 248 و 250 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 831 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 293 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 53 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 406 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 485 و 489 و 495 و ج 15 ص 292 و كنز العمال ج 5 ص 634 و مصادر أخرى تقدمت.

إلى قرصها، بل الوقائع تثبت أنها كانت تميل مع هواها في رواياتها و في تصرفاتها، و لأجل ذلك لم تذكر الشخص الذي توكأ عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما خرج-في مرضه ليعزل أبا بكر عن الصلاة، و هو علي «عليه السلام» ، لأنها كما يقول ابن عباس: «لا تقدر على أن تذكره بخير» (1).

أو كما يقول معمر: «لا تطيب نفسا له بخير» (2).

و قد دللت على أنها كانت تتصرف برأيها في هذا المجال أيضا حين ذكرت أنها كانت تسعى لإبعاد حالة التشاؤم بأبيها، مع أنها كانت تدعي للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن أبا بكر رجل رقيق لا يسمع الناس من بكائه.

ثانيا: إن ابن الجوزي يقول: إن حديث عائشة، عند أحمد، و الترمذي، و أبي داود يدور على شبابة بن سوار.

و قد أنكر أحمد بن حنبل عليه.

و أما سائر الطرق-و هي سبعة-عن عائشة فليس فيها ما يثبت (3).


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 433 و عمدة القاري ج 5 ص 192 و فتح الباري ج 2 ص 131 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 287 و الغدير ج 9 ص 324 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 41

2) عمدة القاري ج 5 ص 192 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 287 و فتح الباري ج 2 ص 131 و راجع: صحيح البخاري ج 1 ص 175 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 126 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 433 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 311 و مناقب أهل البيت «عليه السلام» للشيرواني ص 472 و قاموس الرجال ج 12 ص 299 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 415.

3) آفة أصحاب الحديث ص 50 و 51 و 75-95.

ثالثا: سيأتي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عزل أبا بكر عن هذه الصلاة بالذات.

رابعا: حتى لو فرضنا جدلا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى خلف أبي بكر، فإن ذلك لا يثبت إمامة أبي بكر و خلافته على الأمة، و ذلك لما يلي:

1-إن إمامة الجماعة لا تحتاج عند أهل السنة إلا إلى أن يكون الإمام مسلما، محسنا للقراءة. . و لا تحتاج إلى فقه، و لا إلى علم، و لا إلى شجاعة، و لا إلى عدالة و تقوى و لا إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الإمامة و الخلافة.

2-لو صح أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى خلف أبي بكر، فإن ذلك لا يدل على أنه يرضاه لإمامة الأمة، إذ لو دلت الصلاة خلف أبي بكر على إمامته لدلت على إمامة عبد الرحمن بن عوف أيضا، فإنهم يدّعون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى خلفه في غزوة تبوك. . حسبما تقدم. .

3-لنفترض عدم صحة النقض بصلاته «صلى اللّه عليه و آله» خلف ابن عوف، لأنها لم تكن في مرض موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . أو لعدم صحتها في نفسها، فإننا نقول:

إن عمر بن الخطاب قد أبطل تأثير فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الدلالة على إمامة أو خلافة أبي بكر و غيره، لأنه قال: إن النبي ليهجر، أو غلبه الوجع. . أو نحو ذلك. . و لا يعتد بنصب أو بعزل من يكون في حالة هذيان أو يحتمل أنه كان كذلك-و العياذ باللّه.

4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر كثيرين من الصحابة بقيادة الجيوش و السرايا، و جعل عددا من أصحابه ولاة على مكة و على غيرها.

و كان الأمير منهم يتولى الصلاة أيضا. . و قد جرى بين عمرو بن العاص و بين أبي عبيدة في غزوة ذات السلال ما تقدم بيانه، فإنه أصر على أن يكون هو الإمام لهم بمن فيهم أبو بكر و عمر، و رضخوا له، و صلى بهم. . فلماذا لا يجعل ذلك من أدلة تقدم عمرو بن العاص على أبي بكر في الخلافة، كما تقدمه في الصلاة؟ ! التي كان يرى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي رتبه فيها.

صلاة عمر بالناس:

و رووا: عن عبد اللّه بن زمعة بن الأسود قال: لما استعزّ برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا عنده في نفر من المسلمين، دعا بلال للصلاة، فقال: مروا من يصلي بالناس.

قال: فخرجت، فإذا عمر في الناس. و كان أبو بكر غائبا، فقال: قم يا عمر فصل بالناس.

قال: فقام، فلما كبر عمر سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صوته، و كان عمر رجلا مجهرا.

قال: فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: لا، لا، لا يصلي بالناس إلا ابن أبي قحافة-يقول ذلك مغضبا-فأين أبو بكر؟ يأبى اللّه ذلك و المسلمون.

قال: فبعث إلى أبي بكر بعد ما صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس.

قال: و قال عبد اللّه بن زمعة: قال عمر لي: و يحك، ماذا صنعت بي يا بن زمعة، و اللّه ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»

أمرك بذلك، و لو لا ذلك ما صليت بالناس.

قال: قلت: و اللّه ما أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة (1).

و نقول:

أولا: إذا كان المسلمون يأبون ذلك، فلماذا يأمره ابن زمعة، و يأتم به المسلمون، و لا يعترض أحد منهم؟ !

ثانيا: إذا كان أبو بكر و عمر قد جعلهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في جيش أسامة، فلماذا حضر هؤلاء النفر من المسلمين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 244 عن أحمد، و أبي داود، و ابن سعد، و سنن أبي داود ج 4 ص 215 و مسند أحمد ج 4 ص 322 و ج 6 ص 106 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 262 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 457 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1066 و عون المعبود ج 12 ص 272 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 641. و راجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 970 و المحلى لابن حزم ج 4 ص 210 و شرح الأخبار ج 2 ص 239 و البحار ج 28 ص 145 و 156 و 157 و سنن أبي داود ج 2 ص 405 و عمدة القاري ج 5 ص 188 و عون المعبود ج 12 ص 273 و المعجم الأوسط ج 2 ص 12 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 128 و كنز العمال ج 11 ص 550 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 262 و 263 و 267 و البداية و النهاية ج 5 ص 252 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 457 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1067 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 459 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 244.

و لماذا كانت تلك الجماعة من الناس، و فيهم عمر في المكان الذي خرج إليه ابن زمعة؟

و هل كان أبو بكر غائبا في جيش أسامة أم كان في مكان آخر؟

فإذا كان في جيش أسامة، فهل انتظر الناس حتى جاء من هناك إلى المسجد؟

و إذا كان في غير الجيش، فهو كان عاصيا لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي أمره و أمر غيره بأن يكونوا في ذلك الجيش. . فكيف استحق من يعصي أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يكرم هذا الإكرام من اللّه و رسوله؟ !

ثالثا: لماذا يأبى اللّه و المسلمون غير أبي بكر هنا، و لم يكن هذا الإباء منهم حين صلى عبد الرحمن بن عوف بجيش قوامه ثلاثون ألفا، و فيهم أبو بكر و عمر و سائر الرؤساء و الزعماء، ثم التحق بهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ائتم بعبد الرحمن بن عوف، حسب زعمهم؟ !

و لماذا كان أبو عبيدة و عمرو بن العاص يصليان بأبي بكر و عمر و غيرهما من المسلمين في غزوة ذات السلاسل. . و لم يعترض عليهما أحد من المسلمين، و لا اهتم اللّه و سوله لهذا الأمر على الإطلاق؟ !

رابعا: إذا صح أن اللّه و المسلمين يأبون إلا أبا بكر، فلماذا عاد «صلى اللّه عليه و آله» و خرج يتوكأ على علي «عليه السلام» و العباس، لكي يعزل أبا بكر عن تلك الصلاة بالذات؟ !

خامسا: لقد روي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «مروا بلالا فليصل

بالناس» (1). فكيف يتلاءم ذلك مع القول: يأبى اللّه و المسلمون إلا أبا بكر؟ !

سادسا و أخيرا: إن التعبير بكلمة استعزّ برسول اللّه غير لائق أبدا، فإنما يقال: استعز بفلان إذا غلب على كل شيء، من مرض أو غيره.

و كأنهم يريدون بذلك تأكيد مقولة عمر «إن النبي ليهجر» أو «غلبه الوجع» . . فإنا للّه و إنا إليه راجعون. .

و قال أبو عمر: استعز بالعليل إذا غلب على عقله (2).

صلاتان. . أم صلاة واحدة؟ ! :

و نقل ابن الجوزي عن أبي حاتم: أنها كانت صلاتين، كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في إحداها مأموما، و في الأخرى كان إماما.

قال: و الدليل على أنها كانت صلاتين لا صلاة واحدة، أن في خبر عبيد اللّه بن عبد اللّه عن عائشة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» خرج بين رجلين، يريد بأحدهما العباس، و الآخر عليا.

و في خبر مسروق عن عائشة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» خرج بين رجلين، أو (بريرة و ميمونة) ، أو (بريرة و نوبة) قال: فهذا يدلك على أنها كانت صلاتين، لا صلاة واحدة» (3).


1) بغية الطالب في تاريخ حلب لابن النديم (مخطوط في مكتبة قبو سراي) الورقة 194 رقم 2925.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 246.

3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 195 و 196 و آفة أصحاب الحديث ص 79 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 488 و عمدة القاري ج 5 ص 188 و تنوير الحوالك ص 60.

و لكن ابن الجوزي رد حديث صلاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» مأموما بعدة أوجه:

أحدها: أن فيه شبابة، و قد نسب إلى الغلط.

و الحديث الذي يجعله (أي النبي «صلى اللّه عليه و آله») إماما لأبي بكر و لغيره مؤيد بما رواه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن عائشة، و هو مروي في الصحاح. .

الثاني: إن خروجه «صلى اللّه عليه و آله» بين علي «عليه السلام» و العباس مذكور في الصحيحين.

و يمكن الجمع بينه و بين الحديث الآخر: باحتمال أن تكون ميمونة و بريرة أخرجتاه إلى باب الدار، ثم تولاه علي و العباس. . خصوصا و أنه لم يجر في العادة أن تمشي الجواري بين الصفوف، و كان القوم في الصلاة.

الثالث: تقول رواية بريرة و ميمونة: «فكان رسول اللّه يصلي جالسا، و أبو بكر قائما يصلي بصلاة رسول اللّه، و الناس يصلون بصلاة أبي بكر» .

فالعجب لأبي حاتم كيف يقول: كان رسول اللّه مأموما، و هو يروي في حديث بريرة و ميمونة: و أبو بكر يصلي بصلاة رسول اللّه؟ !

و كيف يصلي أبو بكر بصلاة رسول اللّه، و يكون هو الإمام لرسول اللّه؟ ! (1). انتهى كلام ابن الجوزي.

و نقول:

إننا و إن كتا نؤكد صحة قولهم: إنها كانت صلاة واحدة. . و لكننا لا نوافق


1) راجع: آفة أصحاب الحديث ص 80.

على قولهم: إن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر، إذ لا حاجة إلى ذلك، فإن المسلمين الحاضرين كانوا قليلين، لأن الناس كانوا في جيش أسامة، و كان الصف الأول و بعض الصف الذي خلفه يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو جالس. . و يرى حركته بصورة مباشرة. . فما الحاجة إلى أبي بكر إذن؟ !

رواية الواقدي:

روى الواقدي، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد اللّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة: جاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فاستأخر أبو بكر، فأخذ بيده، فقدمه في مصلاه، فصفا جميعا، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس، و أبو بكر قائم، فلما سلم، صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الركعة الأخيرة، ثم انصرف (1).

و نقول:

أولا: قد طعن في الواقدي يحيى بن معين، و أحمد بن حنبل، و البخاري، و أبو حاتم الرازي، و أبو عبد الرحمن النسائي، و ابن عدي. و قد اتهمه بعض هؤلاء بوضع الحديث (2).

و طعن أبو حاتم الرازي بعبد الرحمن بن عبد العزيز، بأنه مضطرب


1) آفة أصحاب الحديث ص 86 و تنوير الحوالك ص 60 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 360 و نصب الراية ج 2 ص 55 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 220 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 196 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 471.

2) تهذيب التهذيب ج 9 ص 363 و 368.

الحديث (1).

و طعن أبو زرعة و موسى بن هارون بعبد اللّه بن أبي بكر (2).

ثانيا: إن الأحاديث تشير إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أشار إلى أبي بكر بما أراد، و هذا الحديث يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ بيده فقدمه في مصلاه. .

ثالثا: لا تدل هذه الرواية على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ائتم بأبي بكر، و لا على العكس، بل هي تدل على أصل وجود الإئتمام فيما بينهما. . فما معنى قوله: «فصفا جميعا» ؟ ! فإن كان المقصود أنهما كانا إمامين للناس معا و في عرض واحد، و لم يكن أحدهما إماما للآخر. . فإننا لم نعهد في الشريعة جعل إمامين لجماعة واحدة. .

و هذا يخالف قولهم: إن أبا بكر قد صلى بصلاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخالف الرواية التي تدعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ائتم بأبي بكر. و إضافة الركعة الأخيرة لا يدل على اقتدائه «صلى اللّه عليه و آله» بأبي بكر. .

كل نبي يؤمه رجل من أمته:

عن أبي عبد العزيز الترمذي، يرفعه إلى عائشة: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رفع سترا، فرأى الناس من وراء أبي بكر يصلون، فحمد اللّه و قال: «الحمد للّه، ما من نبي يتوفاه اللّه عز و جل حتى يؤمه رجل من أمته. .» و لم يذكر


1) تهذيب التهذيب ج 6 ص 220.

2) لسان الميزان ج 3 ص 264.

أنه خرج، و لا صلى خلفه (1).

و نقول:

أولا: قد تقدم في غزوة تبوك أنهم يزعمون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، فلماذا لا تكون كلمته المزعومة هذه إشارة إلى تلك المزعمة؟ ! .

ثانيا: إن أبا عبد العزيز الترمذي هو موسى بن عبيدة بن نشيط، و قد طعن فيه أحمد بن حنبل، و يحيى بن معين، و علي بن الجنيد الحافظ، كما ذكره ابن الجوزي، فلا عبرة بحديثه (2).

يضاف إلى ما تقدم: أن الحديث غير متصل بل هو من المرفوعات. .

ثالثا: إنه لا تناسب بين هذه الكلمة المنسوبة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بين صلاة أبي بكر. . كما أن هذه الكلمة لا تدل على رضاه بأن يؤم أبو بكر الناس في صلاتهم تلك أو غيرها. . بل قد تكون على خلاف ذلك أدل. إذا لوحظ قول الرواية: «و لم يذكر أنه خرج و لا صلى خلفه» . .


1) آفة أصحاب الحديث ص 87 و المعجم الأوسط ج 4 ص 365 و مجمع الزوائد ج 3 ص 11 و ج 9 ص 37 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 473. و راجع: تنوير الحوالك ص 59 و المغني لابن قدامة ج 2 ص 49 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 173 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 124 و بغية الباحث ص 297 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 222 و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 144.

2) تهذيب التهذيب ج 10 ص 356-360 و راجع: التاريخ الصغير للبخاري ج 2 ص 87 و ج 7 ص 291 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 333.

فلعله يريد أن يشير إلى أنه كان قد أمه رجل آخر غير أبي بكر، ربما يكون ذلك الشخص هو علي «عليه السلام» ، حيث ذكرنا في ما سبق عدم صحة قولهم: إن ابن عوف قد أمّ النبي «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة تبوك، و عدم صحة قولهم هنا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى خلف أبي بكر. .

النصب بعد العزل:

و آخر كلمة نقولها هنا هي:

أننا لو فرضنا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أمر أبا بكر بالصلاة بالناس، فإن الروايات التي تصرح بأنه «صلى اللّه عليه و آله» خرج على تلك الحال من معاناة شدة المرض، حتى كانت رجلاه تخطان في الأرض (1)، فعزله و صلى هو بالناس ثابتة بلا ريب.

و لا مجال لدعوى: أن حركته هذه هي نتيجة شدة اهتمامه «صلى اللّه


1) مسند أحمد ج 1 ص 356 و ج 6 ص 210 و 224 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 214 و المحلى لابن حزم ج 3 ص 64 و صحيح مسلم ج 2 ص 23 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 389 و 391 و سنن النسائي ج 2 ص 99 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 304 و ج 3 ص 81 و عمدة القاري ج 5 ص 186 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 227 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 831 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 293 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 53 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 406 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 489 و معرفة السنن و الآثار ج 2 ص 356 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 317 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 179 و أسد الغابة ج 3 ص 221 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 439 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 453.

عليه و آله» بأمر الصلاة، فإن الشدائد المرضية التي كان يعاني منها كانت توجب عليه أن لا يتحمل هذا الجهد، فهو قد احتاج إلى رجلين ليساعداه على الوصول إلى موضع الصلاة، على تلك الحال الصعبة من الضعف، و الجهد البالغ، حتى لقد كانت رجلاه تخطان بالأرض.

كما لا مجال لحمل ذلك على إرادة تكريم أبي بكر، فإن تكريمه لا يكون بعزله عن الصلاة، كما أنه كان يمكن تكليمه بما لا يوجب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا الجهد، فلا بد من حمله على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مأمورا بهذا العزل، و لعله كان مأمورا بذلك النصب أولا أيضا، لأن اللّه تعالى أراد أن يعلم الأمة بأن هذا الرجل ليس أهلا لما يطمح له من نيل الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لعلك تقول: إن هذا لو صح لكان عقوبة لأبي بكر قبل ارتكابه أية جناية. و هو غير معقول، و لا مقبول، و لا سيما من الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي لا ينطق عن الهوى! !

و نجيب: بأن القول: إن أبا بكر لم يرتكب ما يوجب هذه العقوبة غير صحيح، فإن مساعيه لنقض التدبير الإلهي في علي «عليه السلام» ، كانت واضحة للعيان، و لم ينس الناس بعد ما فعله هو و قريش في منى و في عرفات في حجة الوداع.

بل إن نفس تخلفه عن جيش أسامة، و معصيته المتواصلة للّه و لرسوله في ذلك، يكفي لمواجهته بحرمانه من نفس ذلك الذي دعاه إلى هذه المخالفة. و هو العزل عن إمامة الصلاة، و إعلام الناس بعدم أهليته لها، و استحقاقه للعزل عنها. فمن كان بهذه المثابة، فهل يرضاه اللّه للمقام الأعظم، و الأجل و الأفخم؟ !

الفصل السادس: أحداث الوفاة في النصوص و الآثار

اشارة

توفي في بيتي بين سحري و نحري:

عن عائشة قالت: «إن من أنعم اللّه عليّ أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» توفي في بيتي و بين سحري و نحري» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 28 ج 12 ص 261 عن الشيخين، و عن ابن سعد. و راجع: المجموع للنووي ج 16 ص 429 و مسند أحمد ج 6 ص 48 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 45 و ج 5 ص 141 و 142 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 6 و 7 و فتح الباري ج 8 ص 106 و ج 10 ص 492 و فتح الباري (المقدمة) ص 370 و عمدة القاري ج 15 ص 29 و ج 18 ص 70 و 71 و ج 22 ص 221 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 529 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 661 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 77 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 584 و ج 16 ص 53 و المعجم الكبير ج 23 ص 32 و 34 و كنز العمال ج 13 ص 697 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 234 و 261 و العلل لأحمد بن حنبل ج 2 ص 407 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 249 و الثقات ج 2 ص 133 و تاريخ بغداد ج 12 ص 362 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 306 و 307 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 231 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 189 و ج 7 ص 434 و البداية و النهاية ج 5 ص 260 و 289 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 499 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 475 و 533 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 470.

و في رواية: «بين حاقنتي و ذاقنتي (1)» (2).

و في رواية: «و جمع اللّه بين ريقي و ريقه عند موته» (3).


1) بين حاقنتي و ذاقنتي: و هو ما بين اللحيين، و يقال: الحاقنة ما سفل من البطن (الصحاح للجوهري ج 5 ص 2103) . الحاقنة: أسفل من الذقن، و الذاقنة طرف الحلقوم و السحر الصدر، و النحر محل الذبح، و المراد: أنه عليه الصلاة و السلام توفي و رأسه بين حنكها و صدرها (شرح مسند أبي حنيفة ص 255) .

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 261 و مسند أحمد ج 6 ص 64 و 77 و صحيح البخاري ج 5 ص 139 و 140 و سنن النسائي ج 4 ص 7 و فتح الباري ج 8 ص 106 و ج 11 ص 312 و عمدة القاري ج 18 ص 65 و 68 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 602 و ج 4 ص 260 و شرح مسند أبي حنيفة ص 255 و نصب الراية ج 1 ص 59 و المعجم الأوسط ج 8 ص 333 و كتاب الوفاة للنسائي ص 50 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 257 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 497 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 471 و راجع: المراجعات للسيد شرف الدين ص 305 و شرح مسند أبي حنيفة ص 255.

3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 261 و المجموع للنووي ج 16 ص 429 و مسند أحمد ج 6 ص 48 و صحيح البخاري ج 4 ص 45 و ج 5 ص 141 و 142 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 7 و عمدة القاري ج 15 ص 29 و ج 18 ص 70 و 71 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 661 و 989 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 77 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 584 و 585 و ج 16 ص 53 و المعجم الكبير ج 23 ص 32 و 34 و كنز العمال ج 13 ص 697 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 234 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 133 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 306 و 307 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 189.

و في رواية: «دخل علي عبد الرحمن و بيده السواك و أنا مسندة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى صدري، فرأيته ينظر إليه، فعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه، أي نعم، فقصمته ثم مضغته و نقضته فأخذه، فاستن به أحسن ما كان مستتنّا (1).

و نقول:

إن هذا الكلام غير صحيح، فإن نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فاضت و هو على صدر علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و يدل على ذلك ما يلي: 1-إن عليا «عليه السلام» يقول: «فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، و فاضت بين سحري و صدري نفسك، إنا للّه و إنا إليه راجعون (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 261 عن الشيخين، و عن ابن سعد، و راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 141 و فتح الباري ج 8 ص 106 و عمدة القاري ج 18 ص 70 و المعجم الكبير ج 23 ص 32 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 250 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 307 و البداية و النهاية ج 5 ص 260 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 498 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 475.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 182 و البحار ج 22 ص 542 و ج 43 ص 193 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 330 و الكافي ج 1 ص 459 و روضة الواعظين ص 152 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج 2 ص 215 و الغدير ج 9 ص 374 و دلائل الإمامة للطبري (الشيعي) ص 138 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 265 و 266 و قاموس الرجال ج 12 ص 324 و كشف الغمة ج 2 ص 127 و شرح إحقاق الحق ج 10 ص 481 و ج 25 ص 551 و ج 33 ص 385.

2-و قال «عليه السلام» : «إن آخر ما قال النبي: الصلاة، الصلاة، إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان واضعا رأسه في حجري، فلم يزل يقول: الصلاة، الصلاة، حتى قبض» (1).

3-و قال «عليه السلام» أيضا: «و لقد قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إن رأسه لعلى صدري» (2).

4-و في خطبة له «عليه السلام» قال: «. . و لقد قبض النبي «صلى اللّه عليه و آله» و إن رأسه لفي حجري، و لقد وليت غسله بيدي، تقلبه الملائكة المقربون معي. .» (3).

5-ما رواه ابن سعد بسنده إلى الشعبي، قال: «توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأسه في حجر علي» و مثله عن أبي رافع (4).


1) خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 51.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 172 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 495 و البحار ج 22 ص 540 و ج 34 ص 109 و ج 38 ص 320 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 222 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 330.

3) الأمالي للمفيد ص 23 و البحار ج 32 ص 595 و ج 34 ص 147 و ج 74 ص 397 و جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 146 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 117 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 179 و 182 و ينابيع المودة ج 3 ص 436.

4) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 263 و فتح الباري ج 8 ص 107 و عمدة القاري ج 18 ص 66 و 71 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 329 و راجع: علل الشرائع للصدوق ج 1 ص 168 و البحار ج 22 ص 459 و مجمع الزوائد ج 1 ص 293.

ملك الموت يستأذن على النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و روي أن جبرئيل «عليه السلام» قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن ملك الموت يستأذن عليك، و ما استأذن أحدا قبلك و لا بعدك.

فأذن له، فدخل و سلم عليه، و قال: يا أحمد، إن اللّه تعالى بعثني إليك لأطيعك، أقبض أو أرجع؟ !

فأمره فقبض (1).

و في نص آخر عن الإمام السجاد «عليه السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: أتفعل ذلك يا ملك الموت.

قال: نعم، بذلك أمرت أن أطيعك فيما تأمرني.

فقال له جبرئيل: يا أحمد، إن اللّه تبارك و تعالى قد اشتاق إلى لقائك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا ملك الموت امض لما أمرت له.

فقال جبرئيل: هذا آخر وطئي الأرض، إنما كنت حاجتي من الدنيا (2).

قال المجلسي: لعل المراد: آخر نزولي لتبليغ الرسالة، فلا ينافي الأخبار الدالة على نزوله بعد ذلك (3).

و في نص آخر: أنه استأذن على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصفة


1) البحار ج 22 ص 322 و راجع 532 و 533 و 334 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 303-306 و عن كشف الغمة ص 6-8.

2) البحار ج 22 ص 305 و راجع ص 532 و 533 و 334 عن أمالي الصدوق ص 165 و 166 و عن كشف الغمة ص 6-8.

3) البحار ج 22 ص 505 و الأمالي للصدوق ص 349 و روضة الواعظين ص 72.

رجل غريب جاء يسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالت له فاطمة «عليها السلام» : إن رسول اللّه مشغول عنك. فرجع، ثم عاد فاستأذن، فسمعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبر فاطمة «عليها السلام» بأنه ملك الموت، فأذنت له، فدخل، و قبض روح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع (1).

يوم وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله:

تضاربت الأقوال في وقت وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» :

فقيل: توفي يوم الإثنين من غير تحديد (2).

و قيل: توفي يوم الإثنين حين زاغت الشمس، أي: ظهرا (3).


1) البحار ج 22 ص 528 عن مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 116 و الأنوار البهية ص 38 و مجمع النورين الشيخ أبو الحسن المرندي ص 69.

2) البداية و النهاية ج 5 ص 292 و سبل السلام ج 1 ص 12 و التنبيه و الإشراف ص 244 و البحار ج 22 ص 514 و سبل السلام ج 2 ص 111 و تاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص 7 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 441.

3) تنوير الحوالك ص 238 و عمدة القاري ج 8 ص 218 و ج 18 ص 60 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 384 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 273 و 274 و 305 و 441 و البداية و النهاية ج 5 ص 275 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 14 ص 473 و 588 و أعيان الشيعة ج 1 ص 295 و عيون الأثر ج 2 ص 434 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 506 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305 و 333 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 473 و كنز العمال ج 10 ص 575 و البحار ج 22 ص 511 و 535 و ج 55 ص 364.

و قيل: توفي يوم الإثنين قبل أن ينتصف النهار (1).

و قيل: توفي يوم الإثنين في الضحى، و جزم به ابن إسحاق.

و قيل: الأكثر على أنه اشتد الضحى (2).

و قيل: توفي آخر يوم الإثنين (3).

متى دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :

و تضاربت الأقوال أيضا في وقت دفن النبي «صلى اللّه عليه و آله» :

فقيل: دفن يوم الأربعاء، أي بقي ثلاثة أيام لم يدفن، و كان يدخل عليه


1) البداية و النهاية ج 5 ص 271 و 275 و 292 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 484 و 498 و 506 و 539 و أسد الغابة ج 1 ص 34 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 494 و عمدة القاري ج 8 ص 219.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305 عن المنهل، و راجع: فتح الباري ج 8 ص 110 و الغدير ج 5 ص 343 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 98 و تهذيب الكمال ج 1 ص 190 و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 620 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 105 و 437 و النزاع و التخاصم ص 78 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 480.

3) البداية و النهاية ج 5 ص 275 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 506 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 246 و كنز العمال ج 7 ص 261 و البحار ج 28 ص 144 و الشمائل المحمدية ص 327 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 261 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 216 و سير أعلام النبلاء ج 10 ص 620 و خاتمة المستدرك للنوري ج 2 ص 426.

الناس أرسالا أرسالا، يصلون، لا يصفون، و لا يؤمهم عليه أحد (1).

و يصف ابن كثير هذا القول: بأنه من الأقوال الغريبة (2).

و لا شك في غرابته، و قد ندب الإسلام إلى الإسراع في دفن الميت، فلماذا يخالف المسلمون هذا المستحب في حق نبيهم بالذات؟ !

و روي عن عائشة أنها قالت: «ما علمنا بدفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء» (3).

و قد تعجب ابن أبي الحديد من هذه الرواية أيضا، فهو يقول: «قلت:


1) البداية و النهاية ج 5 ص 292 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 330 و 333 و راجع: تنوير الحوالك ص 238 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 273 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 540.

2) البداية و النهاية ج 5 ص 292 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 540 و راجع: تنوير الحوالك ص 238 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 494.

3) البداية و النهاية ج 5 ص 270 و 291 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 505 و 538 و نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 137 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 242 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 542 و 455 و الكامل في التاريخ ج 5 ص 270 و أسد الغابة ج 1 ص 34 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 409 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 430 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 396 و أسد الغابة ج 1 ص 34 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 39 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 285 و تنوير الحوالك ص 240 و نيل الأوطار ج 4 ص 137 و مسند أحمد ج 6 ص 62 و 242 و 274 و عمدة القاري ج 8 ص 121 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 227 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 514 و الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 56 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 47.

و هذا أيضا من العجائب، لأنه إذا مات يوم الإثنين وقت ارتفاع الضحى- كما ذكر في الرواية-و دفن ليلة الأربعاء وسط الليل، فلم يمض عليه ثلاثة أيام كما ورد في تلك الرواية» (1).

و نقول:

و الصحيح هو: أن تعجبه هذا في غير محله، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن بعد وفاته بساعات يسيرة، و قبل أن يفرغ أهل السقيفة من سقيفتهم كما سنرى.

ثم هو يتابع فيقول:

و أيضا فمن العجب كون عائشة، و هو في بيتها لا تعلم بدفنه حتى سمعت صوت المساحي، أتراها أين كانت؟ ! و قد سألت عن هذا جماعة، فقالوا: لعلها كانت في بيت يجاور بيتها عندها نساء، كما جرت عادة أهل الميت: و تكون قد اعتزلت بيتها، و سكنت ذلك البيت، لأن بيتها مملوء بالرجال من أهل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و غيرهم من الصحابة، و هذا قريب (2).

و لكننا نقول للمعتزلي:

بل السبب هو: أن الموضع الذي دفن فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لعائشة، و إنما هو بيت فاطمة «عليها السلام» ، حسبما سيأتي بيانه و إثباته بالأدلة الظاهرة، و البراهين القاهرة، و الحقائق الباهرة. و لم تكن


1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 40.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 40.

عائشة تحب أن يطول مكثها في بيت الزهراء «عليها السلام» ، لأسباب معروفة. .

و قيل: توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الإثنين، و دفن يوم الثلاثاء (1)، حين زالت الشمس (2).

القول الأصوب و الأصح:

و الصحيح هو: ما روي عن أهل البيت «عليهم السلام» بلا شك، كما سيأتي من أن بيعتهم قد تمت بعد دفنه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لعل فراغهم من السقيفة قد حصل ليلة الثلاثاء، لا سيما و أنهم قد انتظروا أبا بكر حتى رجع من السنح، ثم ذهبوا إلى السقيفة بعد رجوعه. و لعل هذا يفسر ما ورد في الروايات التالية:

روى الواقدي، عن أبي بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه قال:


1) كنز العمال ج 7 ص 270 و 271 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 569 و راجع: مسند أبي يعلى ج 1 ص 31 و البداية و النهاية ج 5 ص 292 عن ابن أبي الدنيا، و كتاب الموطأ لمالك ج 1 ص 23 و تنوير الحوالك ص 238 و حاشية رد المحتار ج 1 ص 590 و عمدة القاري ج 8 ص 244 و الشمائل المحمدية ص 204 و الإستذكار لابن عبد البر ج 3 ص 53 و 54 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 394 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 273 و 274 و 305.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 305 و ج 3 ص 8 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 1 ص 47 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 384 و أسد الغابة ج 1 ص 34 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 442.

توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الإثنين، و دفن ليلة الثلاثاء (1).

و روى ابن سعد و البيهقي، عن عائشة، قالت: ما علمنا بدفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى سمعنا صوت المساحي ليلة الثلاثاء في السحر (2).

و عن الزهري قال: دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليلا. قال شيوخ من الأنصار في بني غنم: سمعنا صوت المساحي آخر الليل، ليلة الثلاثاء (3).

و روى ابن كثير، عن هشام، عن أبيه، عن عروة بن الزبير قال: توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الإثنين، و غسل يوم الإثنين، و دفن ليلة الثلاثاء (4).


1) البداية و النهاية ج 5 ص 292 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 68 و كنز العمال ج 12 ص 445 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 584 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 540 و 541.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 305 و تاريخ الخميس ج 1 ص 191 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 327 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 336 عنه، و عمدة القاري ج 8 ص 121 و نصب الراية ج 2 ص 359 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 587.

3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 305 عن الواقدي، و راجع: الشمائل المحمدية للترمذي ص 204.

4) البداية و النهاية ج 5 ص 292 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 584 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 540.

و قال المجلسي «رحمه اللّه» :

و وضع خده على الأرض، موجها إلى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللبن، و أهال عليه التراب، و كان ذلك في يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو ابن ثلاث و ستين سنة (1).

و روى ابن سعد عن ابن شهاب قال:

توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين زاغت الشمس يوم الإثنين، فشغل الناس عن دفنه بشبان الأنصار، فلم يدفن حتى كانت العتمة، و لم يله إلا أقاربه، و لقد سمعت بنو غنم صريف المساحي حين حفر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنهم لفي بيوتهم (2).

يضاف إلى ما تقدم: سؤال علي «عليه السلام» حين فرغ من دفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن خبر أهل السقيفة (3).

و يمكن أن نستخلص مما قدمناه:

أننا إذا أخذنا بالرواية التي تقول: بأن وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان آخر يوم الإثنين. و أخذنا بالرواية التي تقول: بأن دفنه «صلى اللّه عليه و آله» كان نفس اليوم عند العتمة، و أنهم لم يعرفوا بدفنه إلا حين سمعوا صوت المساحي، نخرج بنتيجة مفادها: أن تجهيزه، و تغسيله، و تكفينه، و دفنه «صلى اللّه عليه و آله» منذ أن قبضه اللّه لم يستغرق إلا نحو ساعتين، أو


1) البحار ج 22 ص 519.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 304 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 396.

3) راجع: الأمالي للسيد المرتضى ج 1 ص 198.

فقل ساعات قليلة.

و إن كل ما قالوه من بقائه مسجى نحو يوم أو يومين، أو ثلاثة أيام غير صحيح، بل يتبين من مجموع ما ذكر أن ادّعائهم أن أهل السقيفة قد شاركوا في تجهيزه من تغسيل و تكفين غير صحيح أيضا.

يوم و شهر وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله:

عن ابن شهاب قال: توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول (1).

قال السهيلي و ابن كثير و الحافظ: لا خلاف أنه «صلى اللّه عليه و آله» توفي يوم الإثنين في ربيع الأول (2).

و قال الأكثر: في الثاني عشر منه (3).

و عند ابن عقبة، و الليث و الخوارزمي: من هلال ربيع الأول (4).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305 و تنوير الحوالك ص 238 و الأمالي للطوسي ص 266 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 152 و البحار ج 22 ص 506 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 134 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 455 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 273.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 441. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 275 و فتح الباري ج 8 ص 98 و السيرة النبوية ابن كثير ج 4 ص 505 و تنوير الحوالك ص 238 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 395.

3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305 و فتح الباري ج 8 ص 98.

4) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 305 و فتح الباري ج 8 ص 98 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 126.

و عند أبي مخنف و الكلبي: في ثانيه، و جزم به سليمان بن طرخان في «مغازيه» ، و رواه ابن سعد عن محمد بن قيس، و رواه ابن عساكر، عن سعيد بن إبراهيم عن الزهري، و عن أبي نعيم الفضل بن دكين، و رجحه السهيلي (1).

أضاف الصالحي الشامي قوله:

و على القولين يتنزل ما نقله الرافعي: أنه عاش بعد حجته ثمانين يوما.

و قيل: إحدى و ثمانين، و أما على ما جزم به النووي فيكون عاش بعد حجته تسعين يوما، أو إحدى و تسعين يوما.

و استشكل السهيلي و تابعه غير واحد ما عليه الأكثر من كونه «صلى اللّه عليه و آله» مات يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول، و ذلك أنهم اتفقوا على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، و هو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذي الحجة يوم الخميس، فكان المحرم إما الجمعة و إما السبت، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت و إما الأحد، و إن كان السبت فقد كان ربيع الأول الأحد أو الإثنين.

و كيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول بوجه.

و قول أبي مخنف و الكلبي، و إن كان خلاف (أهل)الجمهور، فإنه لا يبعد أن كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كلّها تسعة و عشرين فتدبره، فإنه صحيح.


1) راجع كتاب: النص و الإجتهاد ص 156-163 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 126 و فتح الباري ج 8 ص 98.

و قول ابن عقبة و الخوارزمي أقرب في القياس من قول أبي مخنف و من تابعه.

قال ابن كثير: و قد حاول جماعة الجواب عنه، و لا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد، و هو اختلاف المطالع، بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس، و أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة.

و يؤيد هذا قول عائشة و غيرها: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لخمس بقين من ذي القعدة، يعني: من المدينة إلى حجة الوداع.

(و يتعين بما ذكرناه: أنه خرج يوم السبت، و ليس كما زعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس، لأنه قد بقي أكثر من خمس بلا شك، و لا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة لأن أنسا قال: صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الظهر بالمدينة أربعا و العصر بذي الحليفة ركعتين، فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين).

فعلى هذا إنما رأى أهل المدينة هلال ذي الحجة ليلة الجمعة، و إذا كان هلال ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة، و حسبت الشهور بعده كوامل يكون أول ربيع الأول يوم الخميس، فيكون ثاني عشر يوم الإثنين (1).

و نقول:

إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 306.

ما يقوله الشيعة هو الأصح:

لقد ذكر أكثر الإمامية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبض يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة، و هو قول الشيخ الطوسي و غيره (1).

لكن الكليني يقول: قبض لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول (2).

و ما ذكروه آنفا: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد توفي بعد حجه بثمانين، أو بإحدى و ثمانين يوما يتوافق مع ما عليه أكثر الإمامية، من أنه توفي في الثامن و العشرين من صفر، إذا كان مبدأ حساب الثمانين من يوم عرفة «فإن الحج عرفة» كما رووا (3).


1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 189 و تاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص 7 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص 41 و الأنوار البهية ص 41 و البحار ج 22 ص 514 و 531 و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 2 ص 214 و الدروس للشهيد الأول ج 2 ص 6 و جواهر الكلام ج 20 ص 79 و راجع: تهذيب الأحكام ج 6 ص 2 و تحرير الأحكام ج 2 ص 118 و المقنعة للمفيد ص 456 و روضة الواعظين ص 71 و الصراط المستقيم ج 3 ص 147 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 277.

2) الكافي ج 1 ص 439 و البحار ج 22 ص 514 و 521.

3) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 309 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1003 و سنن الترمذي ج 2 ص 188 و ج 5 ص 416 و سنن النسائي ج 5 ص 256 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 464 و ج 2 ص 278 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 173 و المجموع للنووي ج 7 ص 414 و ج 8 ص 95 و 224 و فتح الوهاب ج 1 ص 251 و 258 و مغني المحتاج ج 1 ص 493 و 498 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 543 و إعانة الطالبين ج 2 ص 325 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 18 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 406 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 428 و 441 و ج 3 ص 549 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 435 و 441 و 507 و كشاف القناع ج 2 ص 604 و 607 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 121 و تلخيص الحبير ج 7 ص 361 و ج 8 ص 48 و سبل السلام ج 2 ص 209 و نيل الأوطار ج 5 ص 136 و فتح الباري ج 7 ص 99 و ج 8 ص 83 و عمدة القاري ج 16 ص 282 و ج 18 ص 41 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 5 ص 533 و تفسير العز بن عبد السلام ج 3 ص 501 و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 233 و تفسير القرآن العظيم ج 20 ص 233 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 4 ص 221 و تفسير البحر المحيط ج 8 ص 524 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 635.

فإذا فرضنا: أن الأشهر كانت تامة، أو كان اثنان منهما تامين فالباقي من شهر ذي الحجة هو واحد و عشرون يوما تضاف إلى تسعة و خمسين يوما، فيصير المجموع ثمانين يوما، و إذا حسبت الشهور كوامل كان المجموع إحدى و ثمانين يوما. .

و أما بالنسبة لتطابق الأيام على يوم الإثنين، فليس بالأمر المهم، لأن ما ذكروه في تحديد يوم عرفة غير دقيق، كما ذكرناه حين الحديث عن يوم الغدير فراجع.

ملاحظة:

ما ورد في بعض النصوص من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استشهد في سنة عشر، و في البعض الآخر في سنة إحدى عشر، لعله يرجع

إلى أن أحد الفريقين قد لا حظ السنة الهجرية بمعناها الواقعي. أي التي مبدؤها ربيع الأول و الآخرون جروا على ما ستجد من التغيير الذي قام به عمر ابن الخطاب حيث أبطل ما كان رسول اللّه صنعه، و اعتبر أول السنة هو شهر المحرم حسبما ذكرناه في الأجزاء الأولى من هذا الكتاب.

كم عاش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

إن المشهور و المعتمد لدى العلماء أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استشهد و عمره ثلاث و ستون سنة. و صرحوا: بأن هذا هو الصحيح، أو هو الأصح و الأشهر (1).

بل قال بعضهم: اتفق العلماء على أن أصح الروايات ثلاث و ستون سنة (2).

و حكى بعضهم عن ابن عباس قوله: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» عاش


1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 275 و ج 12 ص 307 عن ابن عساكر و النووي، و تحفة الأحوذي ج 10 ص 93 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 453 و الهداية الكبرى للخصيبي ص 38 و الوفيات لابن الخطيب ص 23 و المجدي في أنساب الطالبيين ص 5 و البحار ج 55 ص 362 و 364 و الغدير ج 7 ص 271 عن المعارف لابن قتيبة ص 75 و (ط دار المعارف) ص 172 و مقدمة ابن الصلاح ص 216 و شرح مسلم ج 15 ص 99 و عمدة القاري ج 18 ص 76 و شرح مسند أبي حنيفة ص 223.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 308 عن الحاكم في الإكليل، و النووي، و الغدير ج 7 ص 271 عن المعارف لابن قتيبة ص 75 و شرح مسلم ج 15 ص 99 و عمدة القاري ج 18 ص 76.

خمسا و ستين سنة (1).

لكن أكثر الروايات عن ابن عباس تذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» عاش ثلاثا و ستين سنة.

و عن أنس: أنه عاش ستين سنة فقط (2).

و روي عنه أيضا: أنه عاش ثلاثا و ستين سنة.

عاش أبو بكر و عمر ثلاثا و ستين:

و قد حاول البعض أن يزعم: أن أبا بكر و عمر، قد عاشا أيضا ثلاثا و ستين سنة، للإيهام بأن ثمة توافقا فيما بينهما و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى في العمر، فضلا عما سوى ذلك، فعن أنس أنه قال: «قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و قبض أبو بكر و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و قبض عمر و هو ابن ثلاث و ستين سنة» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 307 و 308 عن أحمد و مسلم و الحاكم في الإكليل، و في هامشه عن مسلم ج 4 ص 1827(121/2353) و شرح مسند أبي حنيفة ص 223 و عمدة القاري ج 18 ص 76 و راجع: الغدير ج 7 ص 271 عن: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 125 و ج 4 ص 47 و الإستيعاب ج 1 ص 335 و شرح مسلم ج 15 ص 99 و المجدي في أنساب الطالبيين ص 10.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 307 عن ابن سعد، و الحاكم في الإكليل، و ابن شبة، و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 99 و عمدة القاري ج 18 ص 76 و شرح مسند أبي حنيفة ص 223.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 275 و ج 12 ص 307 عن مسلم، و قال في هامشه: أخرجه مسلم ج 4 ص 1825 في الفضائل (114/2348) و راجع حول سن أبي بكر: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 335 و المعارف لابن قتيبة ص 75 و قد ادعيا الإتفاق على ذلك. و راجع: مقدمة ابن الصلاح ص 216 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 456 و الوفيات لابن الخطيب ص 26 و أسد الغابة ص 223 و مرآة الجنان ج 1 ص 65 و 69 و مجمع الزوائد ج 9 ص 60 و الإصابة ج 2 ص 341-344 و الغدير ج 7 ص 176 عمن تقدم، و عن المصادر التالية: الكامل لابن الأثير ج 1 ص 185 و ج 2 ص 176 و عيون الأثر ج 1 ص 43 و السيرة الحلبية ج 3 ص 396 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 125 و ج 4 ص 47 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 205 و راجع: شرح مسند أبي حنيفة ص 197 و المعارف لابن قتيبة ص 171.

عن ابن عباس: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنزل عليه و هو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، و توفي و هو ابن ثلاث و ستين سنة» (1).

و عن معاوية بن أبي سفيان قال: قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 307 عن أحمد، و البخاري، و مسلم. و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 7 ص 162(3851) (3902 و 3903) و (ط دار الفكر) ج 4 ص 253 و مسلم ج 4 ص 1826 في الفضائل (117-118 /2351) . و (ط دار الفكر) ج 7 ص 88 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 371 و عمدة القاري ج 17 ص 38 و الدر المنثور ج 3 ص 302 و فتح القدير ج 2 ص 432 و التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 54 و التاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 10 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 120 و البداية و النهاية ج 5 ص 279 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 513 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 86.

و هو ابن ثلاث و ستين، و أبو بكر، و عمر، و أنا ابن ثلاث و ستين» (1).

و نقول:

أولا: إن ما ذكروه عن معاوية لا ينفعه شيئا، فإنه قد مات و هو ابن سبع و سبعين سنة، و يقال: ثمان و سبعون، و قيل: ثمانون سنة (2).

و أما بالنسبة لعمر، فإنه و إن قيل: إنه عاش ثلاثا و ستين سنة، و لكننا نجد في المقابل من يقول: إنه عاش أربعا و خمسين سنة (3).

و قال ابن إسحاق و ابن عمر و غيرهما: خمسا و خمسين (4).

و عن الحاكم: توفي عمر بن الخطاب و هو ابن ستين سنة في أكثر الأقاويل (5).

و ذكر الواقدي عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عامر بن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 307 عن مسلم، و الطيالسي، و قال في هامشه: أخرجه مسلم ج 4 ص 1826(119 و 120/2352) و (ط دار الفكر) ج 7 ص 88 و قوله (و أنا) أي و أنا متوقع موافقتهم، و أني أموت في سنتي هذه. و راجع: سنن الترمذي ج 5 ص 266 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 103 و المعجم الكبير ج 19 ص 305 و أسد الغابة ج 4 ص 78.

2) تاريخ اليعقوبي (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 150 و الإختصاص للمفيد ص 131 و توضيح المقاصد (المجموعة) للبهائي العاملي ص 10 و البحار ج 33 ص 172 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 373.

3) تاريخ اليعقوبي (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 52 و معرفة علوم الحديث للحاكم ص 202.

4) المعارف لابن قتيبة ص 184 و أسد الغابة ج 4 ص 77 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 944.

5) معرفة علوم الحديث للحاكم ص 202.

سعد قال: توفي عمر بن الخطاب و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و لا أرى هذا إلا غلطا، و القول الصحيح هو الأول.

و قال المعتزلي: إنه عاش ثلاثا و ستين على أظهر الأقوال (1)، و هذا يشير أيضا إلى وجود أقوال متكثرة في مقدار عمره.

و أما بالنسبة لأبي بكر، فما ذكروه يتنافى أولا: مع ما رووه من أنه حين الهجرة ورد إلى المدينة و كان أبو بكر رديف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبو بكر شيخ يعرف، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك؟ !

فيقول: يهديني السبيل (2).

ثانيا: إنه ينافي ما رروه عن يزيد بن الأصم المتوفى بعد المائة عن ثلاث


1) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 184.

2) راجع المصادر التالية: و صحيح البخاري (ط مشكول) باب الهجرة ج 6 ص 53 و (ط دار الفكر) ج 4 ص 259 و السيرة الحلبية ج 2 ص 41 و مسند أحمد ج 3 ص 287 و نيل الأوطار ج 9 ص 111 و عمدة القاري ج 17 ص 51 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 460 و كنز العمال ج 7 ص 260 و المعارف لابن قتيبة ص 172 و البداية و النهاية ج 3 ص 245 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 275 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 251 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 122 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 234 و الدر المنثور ج 3 ص 245 و إرشاد الساري ج 6 ص 214 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 137 و المواهب اللدنية ج 1 ص 86 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 202 و المعارف له ص 75 و الندير ج 7 ص 258 و عن الرياض النضرة ج 1 ص 78 و 79 و 80.

و سبعين سنة، من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت؟ !

قال: لا بل أنت أكبر مني و أكرم، و خير مني، و أنا أسن منك (1).

ثالثا: زهير عن إسحاق قال: تمارى عبد اللّه بن عتبة و رجل من همدان، فقال الهمداني: أبو بكر أكبر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال عبد اللّه: لا بل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكبر من أبي بكر، توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو ابن ثلاث و ستين، و توفى أبو بكر و هو ابن ستين، و قتل عمر و هو ابن ثلاث و ستين، و أنا ابن سبع و خمسين (2).

و لكن ابن أبي عاصم طوّر هذه الرواية و قلب معناها رأسا على عقب فيما يبدو. فراجع (3).

رابعا: لقد زعموا في قصة سفر النبي إلى الشام: أن أبا طالب أرجع النبي إلى مكة، و أرسل معه أبو بكر غلامه بلالا (4).


1) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 226 و الغدير ج 7 ص 270 عنه و عن الرياض النضرة ج 1 ص 16 و عن تاريخ الخلفاء ص 99 عن خليفة بن خياط، و أحمد بن حنبل، و ابن عساكر، و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 25 و قد روي نحو هذا الحديث عن العباس بن عبد المطلب أيضا. و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 25 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 87 و تاريخ خليفة بن خياط ص 81 و كنز العمال ج 12 ص 514 و أسد الغابة ج 5 ص 150.

2) راجع: المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 8 ص 44.

3) راجع: الآحاد و المثاني ج 1 ص 86.

4) راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 44 و البداية و النهاية ج 2 ص 285 و تاريخ الأمم و الملوك (ط الإستقامة) ج 2 ص 34 و تاريخ الخميس ج 2 ص 258 و السيرة الحلبية ج 2 ص 120 و مستدرك الحاكم، و البيهقي، و ابن عساكر، و الترمذي، و قال: حسن غريب. و في السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 49 أنه رجع إلى مكة، و معه أبو بكر و بلال.

و نحن و إن كنا أثبتنا عدم صحة هذا الكلام سابقا، و لكننا نلزم به هنا من يلزم به نفسه.

و أما ما يقال من أن بعضهم سأل العباس: أنت أكبر أم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقال: هو أكبر مني، و أنا أسنّ منه، مولده أبعد عقلي، أتي إلى أمي، فقيل لها: ولدت آمنة غلاما، فخرجت بي حين أصبحت، آخذة بيدي حتى دخلنا عليهما، و كأني أنظر إليه يمصع (أي يتحرك) برجليه في عرصته، و جعل النساء يجبذنني عليه و يقلن: قبّل أخاك (1).

فهو موضع شك، فإن الجواب لا يتطابق مع السؤال، لأنه سأله عن عدد السنين الذي يزيد بها عمره عن عمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع علمه بأن العباس هو الأكبر سنا، فما معنى أن يجيبه بأنه أسنّ من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و يلاحظ: أن هذه الرواية تظهر: أن عمره يزيد عن عمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقدارا معتدا به من السنين.

و أماما رواه ابن أبي شيبة عن نبيط قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) راجع: تهذيب الكمال للمزي ج 14 ص 227 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 97 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 282.

و آله» للعباس: يا عماه! أنت أكبر مني؟ !

قال العباس: أنا أسن و رسول اللّه أكبر (1). فهو أيضا مشكوك فيه لأن من البعيد جدا أن لا يعرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن عمه أكبر منه.

لماذا لا يذكرون عليا عليه السّلام:

هذا. . و لا ندري لماذا لا يذكرون أن الذي طابق عمره عمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على الحقيقة هو أخوه و وصيه علي بن أبي طالب «عليه السلام» .

و هو الذي يتوقع أن يكون لتوافق عمره مع عمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دلالات و إيحاءات لها ارتباط بوصايته و بأخوته له، بل و بكونه نفس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما نطقت به آية المباهلة كما لا يخفى. .

و إن هذا الإهمال المتعمد لذكر علي «عليه السلام» ، و تعمد ذكر من لم تثبت له هذه الخصوصية من الأساس، يثير لدينا أكثر من سؤال و احتمال حول صحة و واقعية ما زعموه لأبي بكر و عمر. . و الحر تكفيه الإشارة.


1) راجع: كنز العمال ج 13 ص 519 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 282.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل السابع: سورة المائدة متى نزلت و كيف؟ !5-62

الفصل الثامن: شبهات. . و أجوبتها 63-106

الفصل التاسع: الغدير في ظل التهديدات الإلهية 107-124

الباب الثاني عشر: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و إستشهاده. . أحداث و سياسات الفصل الأول: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و وصاياه 127-162

الفصل الثاني: سرية أسامة بن زيد 163-210

الفصل الثالث: الكتاب الذي لم يكتب 211-254

الفصل الرابع: تمحلات بالية و اعذار واهية 255-278

الفصل الخامس: عزل أبي بكر عن الصلاة 279-328

الفصل السادس: أحداث الوفاة في النصوص و الآثار 329-356

الفهارس:357-368

2-الفهرس التفصيلي

الفصل السابع: سورة المائدة متى نزلت و كيف؟ ! لماذا تأخرت آية البلاغ عن آية إكمال الدين؟ !7

مرتكزات الإيمان:7

النوع الأول:9

النوع الثاني:9

سورة المائدة نزلت دفعة واحدة:11

تاريخ نزول سورة المائدة:13

ضعوا هذه الآية في سورة كذا:14

الدوافع و الأهداف:17

لماذا قدم آية الإكمال:17

استطراد و توضيح:18

خلاصة توضيحية:23

النزول على النبي صلّى اللّه عليه و آله قبل الإبلاغ:24

متى كانت النبوة:27

النزول لأجل هداية الناس:30

نزول السورة بتمامها:31

لو كان لا بد من الانتظار:32

نزول السورة مرتين:32

نزول الآية أيضا مرتين:33

النزول التدريجي للآيات:39

شواهد و أدلة:39

سورة الكهف نزلت في مكة:55

خلاصة أخيرة:61

الفصل الثامن: شبهات. . و أجوبتها الغدير كان يوم الخميس:65

لماذا لم يحتج علي و الزهراء عليهما السّلام بالغدير؟ ! :66

ألف-إحتجاجات علي عليه السّلام:70

الأول: لماذا لم يشهد أكثر من هذا العدد؟ ! :75

الثاني: شهادتان. . لا شهادة واحدة:76

تحريف كتاب المعارف:84

تحريف كتاب تاريخ اليعقوبي:85

ب-إحتجاج الزهراء عليها السّلام:86

حديث الولاية إخبار أم إنشاء؟ ! :88

لا دليل على إمامة علي عليه السّلام بلا فصل:89

هل الإمامة لتكميل الخطة العملية للدين؟ ! :90

كان الغدير ردا على زيد بن حارثة! ! :96

علي عليه السّلام كان باليمن:99

من هما العبدان الصالحان؟ ! :101

الزهري لا يحدث بفضائل علي عليه السّلام:103

نص الطبري مؤيد بالنصوص:103

جبريل. . و عمر بن الخطاب:104

الفصل التاسع: الغدير في ظل التهديدات الإلهية قريش و خلافة بني هاشم:109

التدخل الإلهي:111

سياسة الفضائح:113

تذكير ضروري: الورع و التقوى:119

محاولة قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:122

خلاصة و بيان:122

الباب الثاني عشر: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و إستشهاده. . أحداث و سياسات الفصل الأول: مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و وصاياه. . مدة مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:129

حديث لد النبي صلّى اللّه عليه و آله خرافة:130

الدنانير و عائشة:141

فاطمة عليها السّلام أول أهل بيته لحوقا به:145

وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:150

1-حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد موته:150

2-علي عليه السّلام هو الوصي:151

3-العلم بما هو كائن:152

وصايا النبي صلّى اللّه عليه و آله حول تجهيزه و دفنه:152

أداء أمانات الرسول صلّى اللّه عليه و آله بعد وفاته:155

الفصل الثاني: سرية أسامة بن زيد حديث سرية أسامة:165

تناقض ظاهر في كلام الشامي:173

يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟ ! :174

لعن اللّه من تخلف عن جيش أسامة:175

استعمله النبي صلّى اللّه عليه و آله و تأمرني أن أنزعه؟ ! :176

أبو بكر في جيش أسامة:180

أقلل اللبث فيهم:183

إشارة إلى حديث اللدود:184

حرّق عليهم:184

أغز عليهم:188

الغارة على الآمنين:188

سبب التثاقل و التخلف عن أسامة:189

تثاقل أسامة و الجيش إلى أي مدى؟ ! :190

إعتذارات البشري عن تثاقلهم:192

إرتداد العرب متى كان؟ ! و لماذا؟ ! :194

إشكال مشترك الورود:195

مغزى تأمير أسامة:202

بعث أسامة مدهش:205

الفصل الثالث: الكتاب الذي لم يكتب عمر يمنع النبي صلّى اللّه عليه و آله من كتابة الكتاب:213

غلبه الوجع، أم هجر؟ ! :219

إساءات لمقام النبوة:222

حسبنا كتاب اللّه في الميزان:223

لماذا يريد النبي صلّى اللّه عليه و آله الكتابة؟ ! :225

لماذا لا يصر النبي صلّى اللّه عليه و آله على الكتابة؟ ! :226

فائدة ما جرى:227

لو لبس المسلمون السواد، و أقاموا المآتم:228

النبي صلّى اللّه عليه و آله يخبر عما يجري:229

وقوع ما أخبر به النبي صلّى اللّه عليه و آله:231

شكليات و ظواهر:233

حتى سيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله يحرم تعلمها:234

هل أراد صلّى اللّه عليه و آله كتابة ولاية علي عليه السّلام:236

لعله أراد إستخلاف أبي بكر:240

مفارقة. . لا مجال لتبريرها:246

حسبنا كتاب اللّه دليل آخر:248

لا دليل على إرادة الوصية لعلي عليه السّلام؟ ! :248

إستدلال عمر بالجبر الإلهي:251

أبو جعفر النقيب يقول:252

الفصل الرابع: تمحلات بالية. . و أعذار واهية تصويب عمر و تخطئة النبي صلّى اللّه عليه و آله! ! :257

ألف: عمر أراد التخفيف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:260

ب: آية بلغ. . و آية إكمال الدين:261

ج: لو كان وحيا لأصر على تبليغه:261

د: أراد أن يكتب خلافة أبي بكر:263

ه‌: لا سنة عند عمر:264

و: لا يريد صلّى اللّه عليه و آله كتابة الفقه:265

ز: قرينة الترخيص عند المازري:266

ح: قد يكتب صلّى اللّه عليه و آله ما يعجزون عنه:267

ط: النبي صلّى اللّه عليه و آله يصوب عمر فيما قال:268

محاولات البشري باءت بالفشل:269

الفصل الخامس: عزل أبي بكر عن الصلاة صلاة أبي بكر في الروايات:281

نصوص نذكرها ثم نناقشها:284

في بيت عائشة:292

أبو بكر أسيف لا يسمع الناس:292

إمامان لجماعة واحدة:292

أيهما الإمام؟ ! :294

تناقض روايات صلاة أبي بكر:296

صلاة أبي بكر و الخلافة:301

يوم الوفاة هو يوم العزل:306

التشاؤم هو السبب:308

مروا من يصلي بالناس:309

عزله في الصلاة الأولى:310

صويحبات يوسف:310

أستاذ المعتزلي يشرح ما جرى:311

يوم بنت خارجة:313

دعوى صلاة النبي صلّى اللّه عليه و آله خلف أبي بكر:314

روايات عائشة:315

صلاة عمر بالناس:318

صلاتان. . أم صلاة واحدة؟ ! :321

رواية الواقدي:323

كل نبي يؤمه رجل من أمته:324

النصب بعد العزل:326

الفصل السادس: أحداث الوفاة في النصوص و الآثار توفي في بيتي بين سحري و نحري:331

ملك الموت يستأذن على النبي صلّى اللّه عليه و آله:335

يوم وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله:336

متى دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :337

القول الأصوب و الأصح:340

يوم و شهر وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله:343

ما يقوله الشيعة هو الأصح

346

ملاحظة

347

كم عاش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

348

عاش أبو بكر و عمر ثلاثا و ستين

349

لماذا لا يذكرون عليا عليه السّلام

355

الفهارس

357

1-الفهرس الإجمالي

359

2-الفهرس التفصيلي

361