مستمسک العروة الوثقی جلد 13

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: السيد محسن الطباطبائي الحكيم

الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

الصفحات: 433

الكتب بساتین العلماء

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

قرآن كريم

مستمسك العروة الوثقی

تأليف: فقيه عصره آية اللّه العظمی السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره

الجزء الثالث عشر

دار إحياء التراث العربي

بيروت - لبنان

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

فصل في أحكام الشركة

وهي عبارة عن كون شي‌ء واحد لاثنين أو أزيد ملكاً أو حقاً [1]. وهي ( إما واقعية قهرية ) كما في المال أو الحق الموروث ( وإما واقعية اختيارية ) من غير استناد الى عقد كما إذا أحيا شخصان أرضاً مواتاً بالاشتراك. أو حفرا بئراً.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الغر الميامين الطيبين الطاهرين المعصومين.


فصل في أحكام الشركة

[1] قال في الشرائع : « الشركة اجتماع حقوق الملاك في الشي‌ء الواحد على سبيل الشياع » ونحوه في القواعد وغيرها ، بل هو المشهور. وفي جامع المقاصد : « في التعريف نظر ، لانتقاضه بالشركة في القصاص ، وحد القذف ، والخيار ، والرهن ، والشفعة ، ونحو ذلك ، فإنه ليس هناك ملك حقيقي ، فلا مالك حقيقة. وقد صرحوا بأن هذا أحد أقسام الشركة الثلاثة ». وفيه : أن المراد من الملاك ما يشمل ذوي الحقوق التي منها ما ذكره ، إذ الحقوق نوع من الأملاك ، والحق نوع من الملك والاختلاف بينهما بحسب المورد لا غير ، كما أوضحناه في بعض مباحث هذا الكتاب.

أو اغترفا ماءً ، أو اقتلعا شجراً ( وإما ظاهرية قهرية ) [1] كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما - ولو بفعل أجنبي - بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر ، سواء كانا من جنس واحد ،


ولأجل ذلك صح التعبير بقوله : « اجتماع حقوق الملاك » إذ الحقوق لو كانت غير الاملاك لكانت الإضافة مجازية ، إذ الملاك على هذا لا حقوق لهم ، ولا تكون الحقوق إلا لأهل الحقوق ، لا للملاك ، كما هو ظاهر. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف عدولا عن تعريف المشهور ، إذ زاد قوله (رحمه اللّه) : « ملكاً أو حقاً » فراراً عن الاشكال المذكور. لما عرفت من عدم ورود الإشكال في نفسه. ونقص تقييد على سبيل الإشاعة مع الحاجة إليه ، إذ لولاه لصدقت الشركة فيما إذا كان خشب البيت لشخص وسائر آلاته لآخر وأرضه لثالث ، لصدق كون الشي‌ء الواحد لأكثر من واحد ، مع أنه لا شركة هنا » كما صرحوا بذلك. وحمل الواحد على البسيط الذي لا يتجزأ كما ترى. وكأن عذره أن الشركة التي يقصد تعريفها غير الشركة بالمعنى الشرعي ، كما سيأتي في كلامه قريباً.

[1] قال في الشرائع : « وكل مالين مزج أحدهما بالآخر بحيث لا يتميزان تحققت فيهما الشركة ، اختياراً كان المزج أو اتفاقاً » وألحقه في الجواهر بقوله : « مقصوداً به الشركة أولا ، بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه » وفي القواعد : « وتحصل الشركة بالمزج ، سواء كان اختياراً أو اتفاقاً » ونحوهما عبارات غيرهما. والظاهر منها كون الشركة واقعية تتبدل ملكية كل منهما للجزء المعين في نفس الأمر بالجزء المشاع.

لكن في الجواهر خص ذلك بما إذا كان المزج بقصد الشركة ، أما إذا كان قهراً ، - كما في مفروض كلام المصنف - أو اختياراً لا بقصدها فالمراد من الشركة الحكمية ، يعني تجري أحكام الشركة حينئذ ويعامل


معاملتها في الاحكام ، مع بقاء الملكية بمالها من تعلقها بالجزء المعين الخارجي في نفس الأمر ، بحيث لو فرض العلم ببعضه لأحدهما لم يكن للآخر شركة فيه ، بل لو فرض بقاء ما ليس هو إلا لأحدهما أمكن حينئذ الرجوع إلى القرعة عند القائل بها في مثله .. إلى آخر ما ذكر مما يرجع إلى نفي ملكية الجزء المشاع. وكأن هذا هو المراد من الظاهرية في عبارة المتن ، بل في بعض عبارات الجواهر أيضاً ، فالمراد الشركة الحكمية الواقعية ، لا الشركة على وجه الإشاعة لكنها ظاهرية ، لأن جعل هذه الملكية إما مع بقاء الملكية للجزء المعين أو مع انتفائها ، فعلى الأول يلزم اجتماع ملكيتين في موضوع واحد لمالكين ، وعلى الثاني لا ملكية واقعية سوى ملكية المشاع ، فكيف تكون ملكية المشاع ظاهرية؟! اللّهم إلا أن يكون مجرد اصطلاح.

وكيف كان فما في الجواهر هو الذي تقتضيه القواعد العامة ، ولا دليل على تبدل الملكية حقيقة ، والأصل عدمه. والإجماع على التبدل غير ثابت. ولا سيما بملاحظة أن سببية المزج للشركة لم يذكره الشيخ ولا غيره من القدماء ، وإنما ذكره المتأخرون ، على ما قيل. وعلى هذا لا يعتبر في حصول الشركة بالمعنى المذكور - أعني الحكمية - اتحاد الجنس ، ولا اتحاد الوصف ، بل تكون حتى مع تعدد الجنس وفقد التمييز - كما في مزج الدبس بالخل ، ودقيق الحنطة بدقيق الشعير ، ودهن الحيوان بدهن النبات ودهن اللوز بدهن الجوز - ومع وحدة الجنس واختلاف الوصف - كمزج الحنطة الحمراء بالصفراء - ومع اختلاف الجنس واختلاف الوصف - مثل خلط الماش بالرز ، والحنطة بالشعير إذا فرض تعذر عزله بعضها عن بعض - فان الحكم في الجميع هو الشركة الحكمية ، ولا وجه لذكر القيود المذكورة في كلامهم. وبالجملة : الشركة الحكمية - بمعنى ترتيب آثار الشركة وأحكامها - لا تتوقف على أكثر من الامتزاج ، فيكفي ذلك فيه وإن


كان تميز بين الاجزاء مثل الأمثلة التي ذكرناها. ومن ذلك يظهر إشكال ما في الجواهر ، فإنه اعترف بأن الشركة في مزج المالين حكمية واعتبر فيها عدم التميز بين الاجزاء. فلاحظ كلامه.

هذا ولكن التحقيق : أن الامتزاج بين المالين الموجب لارتفاع التميز بينهما موجب للشركة الحقيقية - كما هو ظاهر الأصحاب وإن كانت أجزاء المالين متميزة في نفس الأمر - فإن ذلك من الأحكام العرفية الممضاة لدى الشارع المقدس. بل إن ذلك - في الجملة - من الضروريات الفقهية والعرفية ، وقد حكي عن التذكرة الإجماع عليه ، وفي المسالك : أنه لا خلاف فيه.

نعم قد يقع الإشكال في عموم الحكم وخصوصه ، والمحكي عن المقداد أنه قال : « الفائدة الثانية : الشركة أمر حادث. وكل حادث لا بد له من سبب ، والسبب هنا قد يكون إرثاً وقد يكون حيازة - كما لو اقتلعا شجرة ، أو اغترفا ماء بآنية - وقد يكون مزجاً ، كما إذا مزجت الاجزاء المتساوية المصغرة بحيث لا يتميز جزؤ عن جزؤ كالادقة والادهان ، لا كالحنطة والذرة والدخن والسمسم والدراهم الجدد والعتق ». والظاهر عدم الشركة في امتزاج الحنطة بمثلها والذرة بمثلها وكذا الدخن والسمسم. وحمله في الجواهر على إرادة عدم الشركة في امتزاج الأمور المذكورة بغيرها ، لا بمثلها. لكنه خلاف الظاهر جداً. وفي الشرائع : « أما ما لا مثل له - كالثوب والخشب والعبد - فلا يتحقق فيه المزج ». وحمل على أن المراد عدم الشركة في مزج القيميات مثل الثوب والعبد والخشب ، فيكون ذلك تفصيلا فيه بين المثلي والقيمي. لكن الظاهر من عبارته اعتبار المزج في حصول الشركة ، ولا يتحقق ذلك في مثل الأمثلة المذكورة ، بل يكون من اشتباه أحد المالين بالآخر ، والمرجع فيه القرعة.

والمتحصل مما ذكرنا أمور ( الأول ) : أن التعبير عن الشركة في


المقام بالظاهرية لم يكن مذكوراً في كلام الأصحاب ، وإنما هو مذكور في كلام المصنف ، وفي الجواهر في بعض مباحث الشركة غير هذا المقام. ( الثاني ) : أن الشركة مع اتحاد الجنس والوصف شركة حقيقية واقعية. ( الثالث ) : أن الشركة مع الامتزاج بين الجنسين - سواء انتفى التميز مثل خلط الادهان ومثل خلط الدبس بالخل ، أم كان تمييز ، مثل خلط الحنطة بالشعير - أو بين أفراد جنس واحد مع اختلاف الوصف - مثل الحنطة الحمراء بالصفراء - شركة حكمية ، بمعنى : أنه لا يجوز لأحد المالكين التصرف بدون إذن الأخر ، ويجوز المطالبة بالقسمة ، وأن العوض يكون مشتركاً بين المالكين ( الرابع ) : أن وجه الحكم في المقامين بناء الفقهاء الموافق لبناء العرف ( الخامس ) : أن ما ذكره في الجواهر من حمل الشركة على الشركة الحكمية إن كان ذلك خلافاً منه للفقهاء كان المناسب له التعرض للوجه المسوغ له مع ظهور الإجماع عليه أو دعواه صريحاً ونفي الخلاف فيه. وإن كان ذلك شرحاً لمراد الفقهاء كان المناسب له أيضاً التعرض لوجهه ، فإنه خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظة الشروط المذكورة في كلامهم من اتحاد الجنس وعدم التميز ، فان هذه الشروط لا تكون شرطاً في الحكمية كما عرفت.

هذا وفي الرياض : « واعلم أن المستفاد من كلمة الأصحاب في المقام سيما كلام الفاضل في التذكرة - في دعوى الإجماع على حصول الشركة بمزج العروض والأثمان مزجاً لا يتميز معه المالان - عدم اشتراط عدم التمييز في نفس الأمر ، بل يكتفى بعدمه في الظاهر وإن حصل في نفس الأمر. وهو مناف لما ذكروه في التعريف من أنها اجتماع الحقوق على الإشاعة ، فإن الظاهر حينئذ منها حيث تطلق أن لا يفرض جزؤ إلا وفيه حق لهما. وبه صرح الفاضل المقداد في شرح الكتاب - يعني النافع .. ( الى أن

كمزج حنطة بحنطة ، أو جنسين كمزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير [1] ، أو دهن اللوز بدهن الجوز ، أو الخل بالدبس ( وإما ظاهرية اختيارية ) كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة فإن مال كل منهما في الواقع ممتاز عن الأخر ، ولذا لو فرض تمييزهما اختص كل منهما بماله [2]. وأما الاختلاط


قال ) : بقي الكلام في التوفيق بين التعريف وما هنا ، والخطب سهل بعد الإجماع على ما هنا ، لعدم الدليل على ما في التعريف من اعتبار الإشاعة بالمعنى المتقدم .. » والظاهر منه أن الشركة في المالين الممتزجين على نحو لا يتميز أجزاؤها في الظاهر ليست على الإشاعة ، بل على شكل آخر وان لم يتعرض له.

وهو كما ترى ، فإن الإجماع الذي ادعاه كما كان على الشركة كان على كون الشركة على نحو الإشاعة. وهذا هو مراد الجواهر من قوله في الاشكال على الرياض : « إن التعريف للشركة الشرعية الموجبة للملك على الإشاعة التي قد ذكروا أسبابها بعد تعريفها ». وكأنه يخالف ما ذكره سابقاً من كون الشركة حكمية لا حقيقية. على أن الشركة لا بمعنى الملك على الإشاعة ليست من الأحكام الشرعية ، بل الأحكام الواقعية التابعة لأسبابها الواقعية ، نظير الشركة في النسب والبلد والمهنة ، وليس من وظيفة الفقهاء التعرض لها.

[1] قال في الشرائع بعد العبارة المحكية سابقا : « ويثبت ذلك في المالين المتماثلين في الجنس والصفة ». وظاهره اختصاص الشركة بذلك فيكون امتزاج الجنسين أو الفردين من جنس واحد مع اختلاف الصفة خارجاً عن مورد الشركة الحقيقية وإن كان داخلا في مورد الشركة الحكمية.

[2] هذا لا يدل على انتفاء الشركة قبل التميز الحادث من باب

مع التميز فلا يوجب الشركة ولو ظاهراً [1] ، إذ مع الاشتباه [2]


الاتفاق ، لإمكان انفساخ الشركة بهذا التميز. نظير ما إذا وقع مقدار من البول في كرّ من ماء ، فإنه لما صار مستهلكاً بالامتزاج صار طاهراً ، فإذا أخذ كف منه فذلك المقدار طاهر يجوز شربه والوضوء به ، فاذا اتفق عروض بعض الطوارئ الموجب لتميز البول صار البول نجساً بعد أن خرج عن حال الاستهلاك الى حال الوجود العرفي.

[1] إذا كان الاختلاط بالمزج مثل اختلاط الحنطة البيضاء بالصفراء فقد عرفت أنه مع تعذر التخليص والعزل فهو أيضاً يوجب الشركة الحكمية ولو فرض إمكان العزل والتخليص بقي كل مال لمالكه من دون تبدل الاحكام. وإذا كان الاختلاط بدون مزج - كما إذا وضع ثوباً في ثياب زيد ، أو قوساً في أقواس عمرو ونحو ذلك ما لا مزج فيه - فان كان تميز فلا إشكال في أن كلاً من العينين لمالكه كما قبل الاختلاط ، وإذا لم يكن تميز فهذا من اشتباه المال بالمال ، فكل من المالين مردد بين المالكين ، فيرجع الى القرعة في تعيين مالكه.

نعم لو فرض تعذر العمل بالقرعة لكثرة الثياب - كما إذا خلط مائة ألف ثوب لزيد في مائة ألف ثوب لعمرو ولم يكن تميز بين الثياب - يرجع الى الشركة الحكمية ، ومن ذلك تعرف أن باب اشتباه أحد المالين بالآخر أجنبي عن باب المزج بلا تميز.

[2] كأنه يريد أنه مع عدم الاشتباه يبقى كل مال لمالكه من دون تبدل في الاحكام ، ولوضوح ذلك لم يتعرض لحكمه ، وقد عرفت أنه مع عدم الاشتباه تكون الشركة حكمية إذا كان من قبيل مزج الحنطة الصفراء بالبيضاء.

مرجعه الصلح القهري [1] أو القرعة ( وإما واقعية ) مستندة إلى عقد غير عقد الشركة ، كما إذا ملكا شيئاً واحداً بالشراء أو الصلح أو الهبة أو نحوها [2] ( واما واقعية ) منشأة بتشريك أحدهما الأخر في ماله كما إذا اشترى شيئاً فطلب منه شخص أن يشركه فيه. ويسمى عندهم بالتشريك. وهو صحيح لجملة من الأخبار [3] ( وإما واقعية ) منشأة بتشريك كل منهما الآخر في ماله. ويسمى هذا بالشركة العقدية ومعدود


[1] الظاهر أن المراد من الصلح القهري الشركة الحكمية ، فالصلح يكون في مقام تمييز الحقوق والقسمة ، لا قبل ذلك ، وإلا كان هو الشركة الحقيقية.

[2] هذا من الواضحات ومصرح به في كلامهم.

[3] منها صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يشارك في السلعة. قال : إن ربح فله ، وإن وضع فعليه » (1)، وصحيح الحلبي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يشتري الدابة وليس عنده نقدها ، فاتى رجل من أصحابه فقال يا فلان انقد عني ثمن هذه الدابة والربح بيني وبينك ، فنقد عنه ، فنفقت الدابة قال : ثمنها عليهما ، لأنه لو كان ربح فيها لكان بينهما » (2)، ونحوهما غيرهما. وأما مثل صحيح إسحاق بن عمار قال : « قلت للعبد الصالح (عليه السلام) : الرجل يدل الرجل على السلعة فيقول : اشترها ولي نصفها ، فيشتريها الرجل وينقد من ماله. قال : له نصف الربح. قلت : فان وضع يلحقه


1) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الشركة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الشركة حديث : 2.

من العقود [1]. ثمَّ إن الشركة قد تكون في عين وقد تكون في منفعة وقد تكون في حق ، وبحسب الكيفية إما بنحو الإشاعة وإما


من الوضيعة شي‌ء؟ قال : عليه من الوضيعة كما أخذ الربح » (1)، ونحوه غيره. فالظاهر منها التشريك في نفس الشراء ، بأن يشتري لهما معاً ، كما سبق في كلام المصنف.

[1] قال في المسالك : « وهي يعني : الشركة تطلق على معنيين أحدهما : ما ذكره المصنف في تعريفه من اجتماع الحقوق على الوجه المذكور وهذا هو المتبادر من معنى الشركة لغة وعرفاً .. ( إلى أن قال ) : وثانيهما : عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشي‌ء الواحد على سبيل الشياع. وهذا هو المعنى الذي به تندرج الشركة في جملة العقود ، ويلحقها الحكم بالصحة والبطلان. واليه يشير المصنف (رحمه اللّه) فيما بعد بقوله : قيل : تبطل الشركة أعني : الشرط والتصرف. وقيل : تصح. ولقد كان على المصنف أن يقدم تعريفها على ما ذكره ، لأنها المقصود بالذات هنا ، أو ينبه عليهما معاً على وجه يزيل الالتباس عن حقيقتها وأحكامها ولكنه اقتصر على تعريفها بالمعنى الأول ».

لكن في القواعد ذكر تعريفها بما سبق ، ثمَّ قال : « وأقسامها أربعة شركة العنان .. ( إلى أن قال ) : وأركانها ( يعني شركة العنان ) ثلاثة المتعاقدان .. » وظاهر ذلك ان التعريف إنما هو للشركة العقدية. ولذلك أشكل عليه في جامع المقاصد : بأنه إن كان غرضه البحث عن الشركة التي يجوز معها التصرف فحقه أن يعرف هذا القسم ، وإن كان غرضه البحث عن أحكام مطلق الشركة فعليه أن يقيد قوله : « وأركانها ». ثمَّ ذكر أن الشركة لها معنيان ( الأول ) : مطلق اجتماع حقوق الملاك في واحد


1) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الشركة حديث : 4.


على سبيل الشياع و ( الثاني ) هو الذي ينتظم في قسم العقود ويجري عليه أحكام الفساد والصحة. والأحسن ما يقال في تعريفها : أنها عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشي‌ء الواحد على سبيل الشياع. انتهى.

وفي الحدائق بعد ما ذكر ما حكيناه عن المسالك قال : « لا يخفى على من تأمل الأخبار الجارية في هذا المضمار أنه لا يفهم منها معنى للشركة غير ما ذكره الفاضلان ونحوهما كالشهيد في اللمعة وغيره. وهو المتبادر لغة وعرفاً من لفظ الشركة. وهذا المعنى الذي ذكره لا يكاد يشم له رائحة منها بالمرة » ثمَّ حكى كلام الروضة الذي هو مثل ما في المسالك ، ثمَّ أشكل عليه بما أشكل به على المسالك.

هذا ولا يخفى أن المراد من الشركة العقدية في كلام الجماعة إن كان إنشاء مفهوم الشركة بالعقد فلا ينبغي التأمل في صحة ذلك عرفاً ، فكما يصح إنشاء الشركة من قبل الشارع في الميراث مع تعدد الوارث ، وفي الحيازة مع تعدد الحائز ، يجوز إنشاؤها بعقد المتعاقدين ، سواء كان المال من أحد الشخصين فيشرك الآخر فيه - كما سبق - أم من كل من الشخصين فيشرك كل منهما صاحبه ، فيقول أحدهما مثلا : اشتركنا ، ويقول الآخر : قبلت. وقد دلت الاخبار على ذلك كله ، كصحيحي هشام بن سالم والحلبي المتقدمين. ومثل صحيح علي بن رئاب : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمي ولا يبضعه ولا يودعه وديعة » (1)ونحوه غيره.

وإن كان المراد من الشركة العقدية إنشاء الاذن في التصرف - كما قد يظهر من عبارتي جامع المقاصد والمسالك المتقدمتين ، ونحوهما عبارات غيرهما ، قال في القواعد : « وأركانها ثلاثة : المتعاقدان .. ( الى أن قال ) والصيغة ، وهو ما يدل على الاذن في التصرف. ويكفي قولهما :


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الشركة حديث. 1.

بنحو الكلي في المعين [1] ، وقد تكون على وجه يكون كل من


اشتركنا » ونحوها غيرها - فإنشاء الإذن ليس من العقود ، بل من الإيقاع ، ولا يرتبط بمفهوم الشركة ، وليس هو من لوازمه ، ولا مما تشير اليه النصوص كما ذكر في الحدائق.

وإن أريد من الشركة العقدية الاشتراك المنشأ بالعقد بشرط الاذن في التصرف بهما ، فهو أيضاً مقتضى عمومات الصحة في العقد وفي الشرط. ولا يظن من صاحب الحدائق أو غيره إنكاره إذ هو شركة بشرط كما لو اشتركا بشرط أن يكون التصرف لثالث أو لأحدهما بعينه وغير ذلك من الشرائط ، فإنه لا بد من القول بصحته ، عملا بعموم الأدلة.

ثمَّ إنه قد يستشكل في صحة إنشاء الشركة بين مالكين في ماليهما : بأنه لا بد من مزج المالين في صحة الشركة العقدية مع أنّ المزج نفسه يقتضي الشركة. ويندفع : بأن المزج إنما يقتضي الشركة إذا لم تكن منشأة ، أما إذا فرض إنشاؤها فلا يقتضي شيئاً. مع أن المزج قد لا يقتضي الشركة الحقيقية ، كما عرفت. مضافاً الى الإشكال في اعتبار المزج الذي هو من أسباب الشركة في صحة الشركة العقدية ، كما سيأتي الكلام في ذلك.

[1] في الجواهر : « لا إشكال في صدق الشركة معه ولا إشاعة. اللّهم الا أن يراد منها عدم التعيين ، لا خصوص الثلث والربع ونحوهما » وما ذكره غير ظاهر ، فان معنى الشركة في المملوك كون الملك على نحو الجزء المشاع ، كما ذكره الأصحاب ، وحمل الإشاعة على معنى عدم التعيين خلاف المقطوع به من كلامهم ، فحملها على ذلك لا مقتضي له. وعليه فلا شركة في المقام ، ولا وجه لنفي الإشكال في صدقها. الا أن يراد بها الاشتراك في عنوان من العناوين والمماثلة فيه ، كما في البيت الواحد الذي يملك حجارته شخص وخشبه آخر وطينه ثالث ، فإن هؤلاء اشتركوا في

الشريكين أو الشركاء مستقلا في التصرف ، كما في شركة الفقراء في الزكاة [1] والسادة في الخمس [2] والموقوف عليهم


وصف من الأوصاف ، وهو تملك شي‌ء من هذا البيت ، والشركة في ملك الصاع من الصبرة من هذا القبيل ، لاشتراك المالكين في صفة المالكية في الصبرة وإن اختلف المملوك ، وهذا خلاف معنى الشركة في المملوك التي هي محل الكلام.

[1] عن الشهيد في بعض حواشيه : أن ملك الفقراء للزكاة على البدل لا الجميع في عرض واحد ، فلا اشتراك. وفي الجواهر : أن المالك للزكاة الجنس لا الفرد ، وذكر أنه لا ريب في ملك الفقراء للزكاة في الجملة. وفيه : أن الملكية إن كانت مستفادة من اللام في قوله تعالى : ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ... ) (1)فاللام فيه ليست للملك ، وإنما هي للمصرف بقرينة بقية الأصناف ، مثل في الرقاب وفي سبيل اللّه تعالى الذي لا يظن من أحد الالتزام بالملك فيه ، والتفكيك بين الأصناف بعيد جداً. وان كانت مستفادة من غيره فغير ظاهر. وأما ما ذكره المصنف من كون كل من الفقراء مستقلا بالتصرف بالزكاة فغريب ، فإنه لا يجوز للفقير التصرف في الزكاة بدون إذن الولي ، وهو المالك أو الحاكم الشرعي فضلا عن أن يكون مستقلا بالتصرف.

[2] ظاهر الآية الشريفة ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ... ) (2)هو الملكية ، ولا مانع من ثبوت هذه الملكية بالنسبة إليه تعالى ، كثبوتها في النذر مثل : لله علي أن أتصدق ، فإن الصدقة تكون مملوكة له تعالى ، على نحو ملكية زيد للدينار في قول المقر لزيد


1) التوبة : 60.

2) الأنفال : 41.

في الأوقاف العامة [1] ونحوها.

( مسألة 1 ) : لا تصح الشركة العقدية إلا في الأموال [2] بل الأعيان ، فلا تصح في الديون [3] ، فلو كان لكل منهما دين على شخص فأوقعا العقد على كون كل منهما بينهما لم يصح. وكذا لا تصح في المنافع ، بأن كان لكل منهما دار مثلا وأوقعا العقد على أن يكون منفعة كل منهما بينهما بالنصف


علي دينار. نعم لا يمكن حملها على ملكية الافراد ، والا لزم البسط ، ولا يقول المشهور به ، وللزم انتقال المال إلى وارثه ولو لم يكن هاشميا. فالمتعين أن يكون المالك الجنس العاري عن الخصوصيات الفردية ، وبتعيين المالك يصير الفرد مالكاً ، وحينئذ لا معنى للاشتراك بين الافراد على نحو الاستقلال في التصرف.

[1] الأوقاف العامة إنما كان الوقف فيها على نحو البذل من دون ملك للموقوف عليهم ولا رائحة الملك ، فان كتب العلم موقوفة على أن تبذل للطلبة ، والمدارس موقوفة على أن تبذل للطلبة ، ومنازل المسافرين موقوفة على أن تبذل للمسافرين من دون ملك ولا مالك. ولذلك إذا غصبت فسرق الكتاب غير الطلبة لا يضمن منافعه بالاستيفاء ، وكذلك المدرسة إذا اغتصبها غير الطلبة فسكنوها لا يكون ضماناً لمنافعها عليهم ، بل ليس الا الغصب وفعل الحرام. ولو فرض ان كان للساكن من غير الطلبة عذر شرعي من غفلة أو ضرورة أو نحو ذلك فلا أثم ولا ضمان عليه.

[2] في مقابل الشركة في الأبدان وأختيها.

[3] لما يأتي من شرطية الامتزاج بين المالين في الشركة العقدية ، وهذا متعذر في الديون ، وكذا في المنافع. ولأجل ذلك كان المناسب تأخير هذه المسألة عن المسألة الرابعة المتضمنة لشرطية الامتزاج.

مثلا. ولو أراد ذلك [1] صالح أحدهما الآخر نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر ، أو صالح نصف منفعة داره بدينار مثلا وصالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك الدينار. وكذا لا تصح شركة الأعمال [2] وتسمى شركة الأبدان أيضاً وهي أن يوقعا العقد على أن يكون أجرة عمل كل منهما مشتركاً بينهما ، سواء اتفق عملهما كالخياطة مثلاً ، أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة ، وسواء كان ذلك في عمل معين أو في كل ما يعمل كل منهما. ولو أراد الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعينة أو منافعه إلى مدة كذا


[1] يعني : لو أرادا نفس المشاركة في المنافع صالح أحدهما الآخر ... على نحو المعاوضة بين الحصتين ، أو على نحو تكون المعاوضة بين التمليكين فيقول : صالحتك على أن تملك حصة من مالي في مقابل أن أملك حصة من مالك ، أو على نحو آخر من دون معاوضة بين العينين ولا بين التمليكين فيقول. صالحتك على أن تكون حصة من مالي لك وحصة من مالك لي ففي جميع ذلك تحصل الشراكة بينهما في ماليهما ، وكذلك إذا كان بطريق الهبة المشروطة ، فيهب أحدهما حصته من ماله لصاحبه بشرط أن يهبه الآخر حصته من ماله. أو بطريق بيع الحصة على صاحبه بثمن ثمَّ شراء حصة صاحبه بذلك الثمن. كل ذلك لعدم اعتبار المزج في هذه العقود بخلاف الشركة ، فإن إنشاءها لا يصح الا بالمزج ، على ما سيأتي بيانه ، ولا يمكن ذلك في المنفعة.

[2] بلا خلاف معتد به أجده فيه بيننا ، بل الإجماع بقسميه عليه. بل المحكي منه مستفيض أو متواتر. كذا في الجواهر ، وفي مفتاح الكرامة :


« أجمعوا على نقل الإجماع ، إذ هو محكي في تسعة عشر كتاباً أو أكثر ، كما سمعت ، وهو معلوم محصل قطعاً ». وعن المختلف (1): أنه استدل على البطلان بإجماع الفرقة. وبأن الأصل عدم الشركة ، ولأنه غرر عظيم ، ولأن الشركة عقد شرعي فيقف على الاذن فيه وفي الجواهر : استدل عليه بالأصل السالم عن معارضة ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) بعد ما عرفت. والتراضي بما لم تثبت شرعيته غير مجد ، والمراد بالتجارة عنه ما ثبت التكسب به شرعاً. انتهى. والاشكال عليه ظاهر فان عموم ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) لا مخصص له إلا دعوى الإجماع على البطلان. وعليه لا مجال للرجوع إلى الأصل معه. ولا وجه لدعوى كون المراد من التجارة عن تراض ما ثبت التكسب به ، أو ما ثبت شرعيته. فان ذلك خلاف الإطلاق المقامي ، الموجب للتنزيل على المعنى العرفي. ولا يظهر الفرق بين عموم. ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ، وعموم ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) حيث جعل الإجماع مقيداً للأول ، ولم يتعرض لذلك في الثاني. والذي نحصل من كلماتهم في المقام أن العمدة دعوى الإجماع. وفي كلام الأردبيلي قدس سره : « لا يظهر دليل على عدم الجواز إلا الإجماع ، فإن كان فهو ، وإلاّ فلا مانع ».

ويمكن أن يقال : إن العامل إذا آجر نفسه لعمل كانت الأجرة عوض العمل فتكون في ملك العامل ، فجعلها لغيره بعقد الشركة خلاف مقتضى دليل صحة الإجارة ، فإذا كانت الإجارة صحيحة كانت الشركة باطلة ، وإذا كانت الإجارة باطلة فالشركة أيضاً باطلة ، لأنها مبنية عليها


1) حكى في المختلف عن ابن الجنيد جواز شركة الوجوه. ورده بما ذكره في المتن ، فهو لم يستدل بما في المتن على بطلان شركة الاعمال بل على بطلان شركة الوجوه. وأما شركة الأعمال فقد حكى في المختلف عن ابن الجنيد كلاما ظاهراً في بطلانها وفاقاً المشهور ، ومن ثمَّ لم يستدل على بطلانها. راجع المختلف الجزء : 2 الصفحة : 21.

بنصف منفعة أو منافع الأخر ، أو صالحه نصف منفعته بعوض معين [1] وصالحه الأخر أيضاً [2] نصف منفعته بذلك العوض ولا تصح أيضاً شركة الوجوه [3] ، وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما [4] بعقد الشركة على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل [5] ويكون ما يبتاعه بينهما فيبيعانه ويؤديان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما. وإذا أرادا ذلك على


فيعلم ببطلان الشركة على كل من تقديري صحة الإجارة وبطلانها.

نعم لو كان مفاد شركة الأعمال الاشتراك في الأجر بعد ما يدخل في ملك العامل منهما ، بحيث يخرج من ملك العامل الى ملك الشريك لم يجر الاشكال المذكور ، وكانت صحتها على طبق القواعد العامة. وكذا لو كان مفادها تشريك كل منهما الآخر في منفعته التي تقابل بالأجر والعوض لم يتوجه الاشكال المذكور ، كما سيأتي نظيره في كلام المصنف.

[1] فيكون التشريك في المنفعة بعنوان المصالحة لا بعنوان التشريك. كما سبق منا في الحاشية السابقة.

[2] فتكون هناك معاملتان لا معاملة واحدة كما في الوجوه السابقة.

[3] وجه البطلان فيها عندهم هو الوجه فيه في شركة الأعمال وفي مفتاح الكرامة : « والحجة على بطلانها - بعد الإجماع - الأصل ، والغرر والضرر ، وأنه عقد يتوقف على الاذن ». والعمدة دعوى الإجماع.

[4] هذا المعنى أحد الوجوه المذكورة في تفسيرها ، وفي المسالك : أنه الأشهر ، وفي التذكرة : أنه أشهرها. انتهى.

[5] ظاهر العبارة أن الثمن جميعه في ذمة المتاع وان كان قد ابتاع المثمن لهما معاً ، وفي الجواهر لم يتعرض لكون الثمن في ذمة المبتاع أو ذمتهما ، واقتصر على كون الابتياع لهما معاً ، وفي التذكرة قال في تفسيرها :

الوجه الصحيح وكل كل منهما الآخر في الشراء [1] فاشترى


« ليبتاعا في الذمة إلى أجل على أن ما يبتاعه كل واحد منهما يكون بينهما. » ونحوه عبارة المسالك. وظاهره أن الابتياع لهما والثمن في ذمتهما معاً.

وكيف كان فان كان المراد ما ذكره المصنف رحمه اللّه من كون الابتياع لهما والثمن في ذمة المبتاع المباشر فالمعاملة في نفسها باطلة ، بناء على المشهور من وجوب دخول كل من العوضين في ملك من خرج منه الآخر ، فان الابتياع إذا كان لهما فقد دخل في ملك كل منهما نصف المبيع ، فيجب أن يخرج من كل منهما نصف الثمن ، ولازمه كون نصف الثمن في ذمة أحدهما والنصف الآخر في ذمة الآخر ، لا أن يكون تمام الثمن في ذمة أحدهما المباشر. نعم بناء على أن اللازم في المعاملات المعاوضية أن يدخل العوض في ملك مالك المعوض ، ولا يلزم العكس كما هو الظاهر ، تصح المعاملة المذكورة. وحينئذ لا موجب لبطلان الشركة إلا الإجماع ، وسيأتي.

[1] الفرق بين هذا وما قبله بناء على ما ذكره المصنف أمران : ( الأول ) : أن الشراء فيما قبله لهما كان بالاذن وهنا بالوكالة. ( الثاني ) : أن الشراء فيما قبله كان بذمة أحدهما وهنا بذمتهما معاً وعلى ما هو ظاهر التذكرة وغيرها بكون الفرق بين هذا وما قبله بالاذن فيما قبله وبالوكالة فيه. لكن هذا الفرق لا يصح أن يكون فارقاً قطعاً والمظنون - كما هو ظاهر المبسوط - أن المراد من شركة الوجوه أن يبتاع كل من الشريكين لنفسه بثمن في ذمته على أن يكون الربح بينهما. وحينئذ يتوجه الاشكال المتقدم في شركة الأبدان من أن الربح يتبع الأصل بمقتضى المعاملة ، فلا يمكن أن يجعل بعضه لغير مالك الأصل ، إلا بدليل خاص ، وهو مفقود ، ولا بد حينئذ من القول بالبطلان.

ولو لا ذلك أشكل القول بالبطلان ، كما أشكل الاعتماد على الإجماع


في البطلان ، لعدم تحصل معقد الإجماع ، إذ قد عرفت أن شركة الوجوه قد فسرت بمعان أربعة أظهرها أو أشهرها ما ذكره المصنف رحمه اللّه . وفي القواعد فسرها بأن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون له بعضه وخصه بالبطلان ، وهذا المعنى ذكره في التذكرة آخر المعاني الأربعة. وذكر قبله أن يشترك وجيه لا مال له وخامل ذو مال ، ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل ، والمال في يده لا يسلمه الى الوجيه ، والربح بينهما. وذكر قبلهما أن يبتاع وجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل ، ويكون الربح بينهما ، عكس المعنى المذكور في القواعد. ويظهر منهم أن معقد الإجماع مردد بين هذه المعاني ، فهو واحد منها مردد بينها. كما يظهر أيضاً من الاقتصار على واحد منها في كلام بعضهم أن الإجماع لم يكن على البطلان في الجميع.

وحينئذ كيف يعتمد على مثل هذا الإجماع المردد معقده؟! ولا سيما بملاحظة أن المعنى الثالث نوع من المضاربة الصحيحة لا يختلف عنها إلا في خصوصية الوجاهة والخمول ، ومن المعلوم أن هذين القيدين لا يوجبان اختصاصه بالبطلان ، ولم يذكر الأصحاب في شروط صحة المضاربة انتفاء القيدين المذكورين. نعم المعنى الذي ذكره في القواعد وعكسه من قبيل الجعالة. لكنها لا تصح فيهما ، لما تقدم من الإشكال في شركة الأبدان من أن عقد الشركة لا يصلح لتشريع غير المشروع.

والذي يتحصل مما ذكرناه أمور ( الأول ) : أن الإجماع في مسألة شركة الوجوه لا مجال للاعتماد عليه بعد جهالة معقده ( الثاني ) : أن المعنى المشهور من شركة الوجوه لا مجال للبناء على البطلان فيه ، والعموم يقتضي الصحة. نعم على ما نظن يتعين البناء على البطلان ، للوجه المتقدم في شركة الأبدان. ( الثالث ) : أن المعنى الثالث من شركة الوجوه لا مجال للقول

لهما وفي ذمتهما. وشركة المفاوضة أيضاً باطلة [1] ، وهي أن يشترك اثنان أو أزيد على أن يكون كل ما يحصل لأحدهما


بالبطلان فيه ، لأنه نوع من المضاربة. ( الرابع ) أن المعنيين الآخرين لتعين البناء على البطلان فيهما للوجه المتقدم في شركة الأبدان كونهما نوعاً من الجعالة لا يكفي في البناء على الصحة ، إذ لا عموم يقتضي صحة الجعالة وإن كانت موجبة لمخالفة الأدلة.

نعم يصح إذا كان المراد أن تكون الحصة من الربح للعامل بعد أن تدخل في ملك مالك الأصل ، كما لعله المفهوم من عنوان الجعالة ، إذ لا مانع من ذلك ، بل هو صحيح حتى في شركة الأبدان ، لعدم وجود المانع المتقدم حينئذ. وهذا هو المصحح للمضاربة في مواردها وفي المعنى الثالث الذي صححناه ، لأنه من المضاربة.

[1] وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه على فسادها » ، وفي مفتاح الكرامة : « إجماعاً كما في السرائر ، والإيضاح ، وشرح الإرشاد لولد المصنف ، والمهذب البارع ، والتنقيح وجامع المقاصد .. » إلى آخر ما حكاه عن الكتب المتضمنة لنقل الإجماع ظاهراً. والذي يظهر منهم أن الإجماع هو مستند البطلان لا غير. وفيه نظر ظاهر. لورود الاشكال المتقدم في شركة الأبدان هنا بعينه. إذ الربح يكون لصاحبه بدليله فانتقال بعضه الى غير صاحبه خلاف ذلك الدليل. وكذلك الغرامة تكون على صاحبها بدليل ثبوتها لغيره خلاف ذلك الدليل. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في بعض الحواشي من أنه يمكن تصحيح ذلك بالاشتراط في ضمن عقد لازم آخر. إذ بناء على ما ذكرنا يكون مخالفاً لمقتضى الكتاب ، فلا يصح.

إلا أن يقال إذا كان الشرط في ضمن عقد المعاوضة أو نحوها فالظاهر من اشتراط شي‌ء من الربح فيه أن يدخل الربح في ملك المشروط له بعد

من ربح تجارة أو زراعة أو كسب آخر أو إرث أو وصية أو نحو ذلك مشتركاً بينهما ، وكذا كل غرامة ترد على أحدهما تكون عليهما. فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الأعيان المملوكة فعلا ، وتسمى بشركة العنان [1].

( مسألة 2 ) : لو استأجر اثنين لعمل واحد بأجرة معلومة صح وكانت الأجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما. ولا يضر الجهل بمقدار حصة كل منهما حين العقد ، لكفاية معلومية المجموع [2] ولا يكون من شركة الأعمال [3] التي تكون باطلة ، بل من شركة الأموال [4] ، فهو كما لو استأجر كل منهما لعمل [5] وأعطاهما شيئاً واحداً بإزاء أجرتهما. ولو اشتبه مقدار عمل كل منهما فان احتمل التساوي حمل عليه ، لأصالة عدم زيادة عمل أحدهما على الآخر [6] ، وإن علم


أن يدخل في ملك المشروط عليه ، لا قبل أن يدخل. نظير اشتراط شي‌ء من الربح للعامل في المضاربة ، فإن المراد به اشتراط أن يدخل الربح في ملك العامل بعد أن يدخل في ملك المالك ، لا قبله ليكون خلاف الأدلة الأولية.

[1] سيأتي في المسألة الرابعة أن هناك قسم خامس للشركة فانتظر.

[2] كما في بيع الصفقة إذ لا دليل على اعتبار العلم بأكثر من ذلك

[3] لاختصاص تلك بعقد الشركة بين العاملين وهو مفقود هنا.

[4] هذا يكون بعد قبض المال المشترك ، أما لو دفع المستأجر حصة كل واحد بمقدار عمله فلا شركة.

[5] يعني : بأجرة معينة ، مثل نصف دينار ، وبعد عملهما أعطاهما ديناراً واحداً ورضيا بذلك.

[6] قال في القواعد : « وإذا تميز عمل الصانع من صاحبه اختص

زيادة أحدهما على الآخر [1] فيحتمل القرعة في المقدار الزائد [2] ويحتمل الصلح القهري.

( مسألة 3 ) : لو اقتلعا شجرة أو اغترفا ماءً بآنية واحدة أو نصبا معاً شبكة للصيد أو أحييا أرضاً معاً ، فان ملك كل منهما نصف منفعته بنصف منفعة الآخر اشتركا فيه بالتساوي ، وإلا فلكل منهما بنسبة عمله ولو بحسب القوة والضعف [3]. ولو اشتبه الحال فكالمسألة السابقة [4].


بأجرته ، ومع الاشتباه يحتمل التساوي والصلح » ، ونحوه عن التذكرة ، وفي المسالك : « ولو اشتبه مقدار كل واحد فطريق التخلص بالصلح ». وكأن وجه التساوي الأصل المذكور ، كما صرح بذلك في الجواهر في المسألة الآتية ، لكن يعارضه أصالة عدم التساوي. أو يقال : لا مجال للأصول المذكورة ، لعدم كون مجراها موضوعاً لحكم شرعي ، إذ ليس المدار في الاستحقاق على مقدار نسبة أحد العملين إلى الآخر ، بل على مقدار نسبة العمل الى ما يقابله من الأجرة ، والنسبة مجهولة ، والأصول لا تصلح لإثباتها لتعارضها في العملين ، وحينئذ فالمقدار المردد يرجع فيه الى القرعة ، فإذا تعذرت لكثرة المحتملات لزم البناء على الصلح بينهما ، ومع تعاسرهما يفصل بينهما الحاكم الشرعي بما يراه من كيفية الصلح.

[1] يعني : ولم يعلم مقدار الزيادة.

[2] بناء على ما تقدم منه من جريان أصالة عدم الزيادة فمع الشك في مقدار الزيادة يبنى على القدر المتيقن ، لأصالة عدم الزيادة المحتملة. لكن عرفت إشكاله.

[3] إذا كانا دخيلين في زيادة العمل ونقصه ، وإلا فلا أثر لهما.

[4] لكن عرفت التحقيق فيها.

وربما يحتمل التساوي مطلقاً [1] ، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قوله : من حاز ملك. وهو كما ترى [2].

( مسألة 4 ) : يشترط على ما هو ظاهر كلماتهم [3] في الشركة العقدية - مضافاً إلى الإيجاب ، والقبول ، والبلوغ والعقل ، والاختيار ، وعدم الحجر لفلس أو سفه - امتزاج المالين [4]


[1] هذا الاحتمال ذكره في الجواهر ، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قول : من حاز ملك ، ولعدم الدليل على اقتضاء ذلك التفاوت في المحاز ، وإن كان هو منافياً للاعتبار العقلي ، الذي لا يرجع الى دليل معتبر شرعاً.

[2] فان انطباقه على كل واحد ينافي انطباقه على الآخر ، فيجب أن يكون له انطباق واحد عليهما معاً ، وحينئذ لا إطلاق له يقتضي المساواة في الحصة ، بل الارتكاز العقلائي يقتضي صرفه إلى كون الملكية بمقدار العمل.

[3] بل هو صريح كلماتهم. نعم ظاهرهم الإجماع عليه ، ولعله مراد المصنف.

[4] قال في التذكرة : « لا تصح الشركة إلا بمزج المالين وعدم الامتياز بينهما عند علمائنا ». لكن في الخلاف : « لا تنعقد الشركة إلا في مالين مثلين في جميع صفاتهما ، ويخلطان ، ويأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف فيه. وبه قال الشافعي ». ثمَّ حكى عن أبي حنيفة عدم اعتبار الخلط ، ثمَّ قال : « دليلنا أن ما اعتبرناه مجمع على انعقاد الشركة به ، وليس على انعقادها بما قاله دليل ، فوجب بطلانه » ، وظاهره الإجماع على الصحة في المختلطين ، لا على اشتراط الاختلاط في الصحة والبطلان في غير المختلطين ، وان كان ظاهر كلمات الجماعة في هذا الباب التسالم على اعتبار المزج في صحة الشركة. قال في النافع : « ولا تصح الا مع امتزاج


المالين على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر » ونحوه كلام غيره.

وقد عرفت الإشكال في ذلك في الحاشية على قول المصنف (رحمه اللّه) : « وهو معدود من العقود » ، فان النصوص صريحة في حصول الشركة يقول مالك العين للآخر : شاركتك ، فاذا قال أحد المالكين للعينين : شاركتك » وقال الآخر : قبلت ، حصلت الشركة في عينه ، فاذا قال الآخر للأول : شاركتك ، وقال الأول : قبلت ، حصلت الشركة في عينه أيضا ، فتكون شركة في العينين ومثله أن يقول أحدهما : تشاركنا في مالينا ، فيقول الآخر : قبلت. ودعوى : أنه لا يحصل في هذا الشركة إلا بشرط الامتزاج بعيدة جداً ، وإن عرفت أنها ظاهرة من كلام الأصحاب.

إلا أن يكون مرادهم من الشركة معنى غير المعنى العرفي ، وهو الاشتراك على وجه الاذن في التصرف من كل من الشريكين ، كما عرفت أنه أيضاً ظاهر كلمات جماعة منهم ، ومنهم الشيخ في عبارته في الخلاف المتقدمة. ومن ذلك ظهر أن لا إجماع على اعتبار الامتزاج في حصول مجرد الاشتراك في المالين وإن كان ظاهر بعض العبارات ذلك ، والقدر المتيقن من الإجماع الشركة في التجارة المتضمنة للإذن في التصرف ، المسماة بشركة العنان. وكأن وجه تسميتها بذلك أن كلا من الشريكين كأنه فارس وبيده عنان الفرس يذهب حيث يشاء ، بخلاف من لا يكون بيده العنان ، فإنه يذهب حيث تشاء الفرس لا حيث يشاء هو. وان كان هذا الوجه لم يذكر في وجه التسمية بشركة العنان مع أنهم ذكروا الوجوه الكثيرة. وعلى هذا لم يظهر إجماع على اعتبار الامتزاج في أصل الاشتراك ، والمتيقن منه في خصوص شركة التجارة التي يقصد فيها الاسترباح ، المسماة بشركة العنان ، المتضمنة للاذن لهما في التصرف.

والمتحصل مما ذكرنا : أن الشركة العقدية على قسمين. ( الأول ).

سابقاً على العقد [1] أو لاحقاً ، بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر ، من النقود كانا أو من العروض. بل اشترط جماعة [2] اتحادهما في الجنس والوصف. والأظهر عدم اعتباره [3] ، بل يكفي الامتزاج على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر ، كما لو امتزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير ونحوه ، أو امتزج نوع


مجرد عقد شركة بين المالكين في المالين فقط. وهذه لم يقم دليل على اعتبار المزج فيها. ( والثاني ) : عقد شركة بين المالكين في ماليهما مع الاذن في التصرف منهما لهما. وهي التي يعتبر فيها المزج بين المالين على نحو لا يتميز أحدهما عن الآخر ، بناء على الإجماع المتقدم في كلامهم. بل هناك قسم ثالث يكون في المال الذي يشرك مالكه فيه ، كما تضمنته النصوص فإن الشركة فيه عقدية في مال واحد.

[1] إذا كان الامتزاج سابقاً على العقد فقد حصلت الشركة وحينئذ لا يكون العقد لإنشائها ، بل يكون لمحض الاذن في التصرف ، فيكون معنى اشتركنا : أنه اشتركنا في التصرف لا اشتركنا في الملك.

[2] حكى في مفتاح الكرامة : اشتراط الاتحاد في الجنس والصفة عن المبسوط والوسيلة والسرائر وجامع الشرائع والشرائع والتذكرة وجامع المقاصد والمسالك والكفاية ، وعن السرائر : الإجماع على ذلك. لكن الذي يظهر من عبارة المبسوط الآتية خلاف ذلك. فانتظر.

[3] قد يظهر ذلك من عبارة القواعد ، إذ قال في مقام بيان أركانها الثلاثة : المتعاقدان والصيغة والمال : « وهو كلما يرتفع الامتياز مع مزجه ، سواء كان أثماناً أو عروضا أو فلوساً » ، وفي المبسوط : « ومن شرط الشركة أن يكون مال الشركة مختلطاً لا يتميز مال أحدهما عن الآخر .. ( الى أن قال ) : ومتى أخرجا مالين متفقين في الصفة - مثل أن يخرج

من الحنطة بنوع آخر [1]. بل لا يبعد كفاية امتزاج الحنطة بالشعير [2]. وذلك للعمومات العامة ، كقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)و‌قوله (عليه السلام) : « المؤمنون عند شروطهم » (2)وغيرهما. بل لو لا ظهور الإجماع على اعتبار الامتزاج أمكن منعه مطلقاً ، عملا بالعمومات. ودعوى عدم كفايتها لإثبات ذلك [3].


كل واحد منهما دراهم مثل دراهم صاحبه أو دنانير مثل دنانير صاحبه أو دهناً مثل دهن صاحبه أو حباً مثل حب صاحبه - وخلطاهما ، وأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في المال انعقد الشركة ». وكأنه لهذا ونحوه لم يتحقق الإجماع على اعتبار الجنس والوصف ، ولذا قال في مجمع البرهان : « إن في اشتراط التساوي في الجنس تأملا ، لأنه يجري في غير المتجانسين حيث يرتفع المائز ». وحينئذ لا بأس بالبناء على حصول الشركة العقدية بمجرد الخلط الرافع للامتياز وإن كان المالان مختلفي الجنس.

[1] يعني : مع عدم الامتياز.

[2] لا يخفى أن الإجماع على اعتبار الخلط الذي عول عليه المصنف في اعتبار المزج كان معقده المزج الذي يرتفع معه الامتياز بين المالين ، ولم يكن على محض اعتبار المزج مطلقاً ، كي يمكن التفكيك بين اعتبار المزج واعتبار عدم التميز ، كما لا يخفى ، وحينئذ لا مجال للرجوع إلى العمومات الدالة على الصحة.

[3] تظهر هذه الدعوى من كلام الشيخ في الخلاف المتقدم نقله في الحاشية السابقة ، فإنه ظاهر في أنه مع عدم الامتزاج لا دليل على


1) المائدة : 1.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث : 4.

كما ترى [1]. لكن الأحوط مع ذلك أن يبيع كل منهما حصة مما هو له بحصة مما للآخر ، أو يهبها كل منهما للآخر أو نحو ذلك ، في غير صورة الامتزاج الذي هو المتيقن. هذا ويكفي في الإيجاب والقبول كل ما دل على الشركة [2] من قول أو فعل.

( مسألة 5 ) : يتساوى الشريكان في الربح والخسران مع تساوي المالين [3] ، ومع زيادة فبنسبة الزيادة ربحاً وخسراناً سواء كان العمل من أحدهما أو منهما ، مع التساوي فيه أو الاختلاف أو من متبرع أو أجير. هذا مع الإطلاق ، ولو شرطا في العقد زيادة لأحدهما ، فإن كان للعامل منهما ، أو لمن عمله أزيد ، فلا اشكال ولا خلاف على الظاهر [4] عندهم في


الصحة ، بل يمكن أن ينسب ذلك لي القواعد وجامع المقاصد والمسالك ، بناء على ما يظهر منها من أن العقد إنما ينشأ به الاذن في التصرف ، دون الاشتراك في الملكية ، وان ذلك إنما يستند إلى المزج ، فاذا شك في السببية للاشتراك في الملك يرجع الى أصالة عدم ترتب الأثر ، إذ لا عموم يقتضي ذلك.

[1] لأن الظاهر من الشركة العقدية إنشاء نفس الاشتراك بالعقد ، غاية الأمر أن ينضم إلى الاشتراك الاذن في التصرف ، وحملها على إنشاء نفس الاذن مقطوع بخلافه ، فلاحظ.

[2] بناء على ما سبق يتعين أن يكون المراد من الشركة الشركة في الملك والشركة في العمل والتجارة ، ليتضمن الاذن في التصرف.

[3] هذا مقتضى أصالة تبعية الربح لأصل المال ، وكذا في المسألة الثانية.

[4] قال في الجواهر : « بل لا خلاف فيه بينهم ، على ما اعترف

صحته. أما لو شرطا لغير العامل منهما أو لغير من عمله أزيد ففي صحة الشرط والعقد [1] وبطلانهما [2] وصحة العقد وبطلان الشرط [3] - فيكون كصورة الإطلاق - أقوال [4] أقواها الأول [5] وكذا لو شرطا كون الخسارة على أحدهما أزيد. وذلك لعموم : « المؤمنون عند شروطهم ». ودعوى : أنه به


جماعة ، بل ولا في جوازه مع العمل منهما أيضاً وشرطت الزيادة لمن زاد عمله على الآخر ». وفي الشرائع : « أما لو كان أحدهما وشرطت الزيادة للعامل صح ، وكان بالقراض أشبه » واستشكل عليه في الجواهر بعدم قصد القراض أولا ، وبعدم اعتبار ما يعتبر في صحة القراض من كونه نقداً ثانياً ، وبأنه لا يتم في الفرض الثاني ثالثاً ، فيتعين أن يكون الملك بالشرط ، وحينئذ يطالب بوجه الفرق بين صورة العمل وغيرها بالصحة في الاولى والبطلان في غيرها ، لتحقق الشرط في المقامين ، فان صح صح فيهما معاً ، وإن بطل ففيهما معاً أيضاً. وفيه ما سيأتي فانتظر.

[1] حكي ذلك عن المرتضى في الانتصار ، وعن العلامة في جملة من كتبه كالتذكرة والتحرير والتبصرة والمختلف ، وعن مجمع البرهان والكفاية وغيرها ، وعن العلامة حكايته عن والده ، واختاره في الجواهر.

[2] حكاه في الشرائع قولا واختاره ، ونسب إلى الخلاف والمبسوط والسرائر وشرح الإرشاد للفخر واللمعة والمفاتيح وغيرها ، وفي جامع المقاصد : أنه الأصح.

[3] حكي عن ظاهر الكافي والغنية والنافع وجامع الشرائع ، حيث قالوا : لم يلزم الشرط ، بل في المسالك حكايته عن أبي الصلاح.

[4] سيأتي القول الرابع الذي اختاره في القواعد.

[5] لما سيأتي.

مخالف لمقتضى العقد [1] ، كما ترى [2]. نعم هو مخالف لمقتضى إطلاقه. والقول بأن جعل الزيادة لأحدهما من غير أن يكون له عمل يكون في مقابلتها ليس تجارة ، بل هو أكل بالباطل [3]


[1] لا يحضرني من ادعى ذلك.

[2] من الواضح أن مقتضى الشركة الاشتراك في الربح على حسب الشركة في الأصل ، لكن هذا الاقتضاء ليس على نحو العلية بل على نحو الاقتضاء ، وهذا المقدار كاف في بطلان الشرط على خلافه لكونه حينئذ مخالفاً للكتاب ، المراد أنه مخالف للحكم الاقتضائي. هذا بالنسبة إلى النماء الخارجي ، وأما بالنسبة إلى النماء الاعتباري أعني الربح فالإشكال فيه أظهر ، كما أشرنا إليه في شركة الأبدان » وسيأتي أيضاً. ومن ذلك تعرف الإشكال في قوله رحمه اللّه : « هو مخالف لمقتضى .. ».

[3] هذا القول لجامع المقاصد وقد أطال في الاستدلال على البطلان فإنه بعد أن استدل للقول بالصحة بعموم قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)وقوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) (2)، وقوله (عليه السلام) : « المؤمنون عند شروطهم » (3)قال : « ويضعف بأنه أكل مال بالباطل لأن الزيادة ليس في مقابلها عوض ، لأن الفرض أنها ليست في مقابله عمل » ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة ، لتضم إلى أحد العوضين ، ولا اقتضى تملكها عقد هبة ، والأسباب المثمرة للملك معدودة ، وليس هذا أحدها ، ولا هو إباحة للزيادة ، إذ المشروط تملكها بحيث يستحقها المشروط


1) المائدة : 1.

2) النساء : 29.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث : 4.

كما ترى باطل [1]. ودعوى : أن العمل بالشرط غير لازم ،


له ، فيكون اشتراطها اشتراطاً لتملك شخص مال غيره بغير سبب ناقل للملك ، كما لو دفع إليه دابة ليحمل عليها والحاصل لهما ، فيكون باطلا ، فيبطل العقد المتضمن له إذ لم يقع التراضي بالشركة والاذن في التصرف الا على ذلك التقدير ، ولا يندرج في قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) . ولا في قوله (عليه السلام) : « المؤمنون عند شروطهم ». أما عدم اندراجه في قوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) فظاهر ، إذ الشركة ليست من التجارة في شي‌ء ، إذ هي مقابلة مال بمال. نعم لو شرط ذلك للعامل تحققت التجارة حينئذ. لأن العمل مال » فهو في معنى القراض ».

[1] فان قوله تعالى ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) (1)وإن كان مقدماً على قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (2)وقوله تعالى : ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (3)ونحوهما ، إما لأنه مخصص لها ، أو وارد عليها ، إلا أن كون الزيادة ليس في مقابلها عوض لا يستوجب أكل المال بالباطل ، فإن أكل مال الغير بإذنه أو بتمليكه ليس من الأكل بالباطل ضرورة. كما أنه لا تنحصر صحة التملك بالمعاوضة والهبة كما ذكر إذ لا دليل على ذلك ، بل هو خلاف عموم صحة الشروط المقتضية للملك المجاني. هذا مضافاً إلى أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد ، وعدم التراضي بالعقد الا على تقدير الشرط ممنوع ، فان الرضا بالعقد والشرط كان على نحو تعدد المطلوب ، كما حقق في محله. ولذا بنى جماعة من المحققين على أن بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد.


1) البقرة : 188 ، النساء : 29.

2) المائدة : 1.

3) النساء : 29.

لأنه في عقد جائز [1]. مدفوعة أولا : بأنه مشترك الورود.


[1] هذا محكي عن الرياض ، وقد سبق أن عقد الشركة تارة : يراد به عقد التشريك في الملك ، وأخرى : عقد التشريك في العمل والاذن في التصرف لهما ، كما عرفت ظهور عبارات جماعة في أنه معنى عقد الشركة ، وأنه بهذا المعنى كان من العقود الجائزة. وحينئذ فالشرط المذكور إن كان شرطاً في الشركة بالمعنى الأول فهو شرط في عقد لازم ، ولا ينافي لزومه بطلان الشركة بالقسمة ، كما لا ينافي لزوم البيع بطلانه بالإقالة ، كما ذكر ذلك في الجواهر. وإن كان شرطاً في الشركة بالمعنى الثاني كان شرطاً في عقد جائز لا لازم. لكن عرفت سابقاً الإشكال في كون الشركة بهذا المعنى من العقود ، لأن الاذن في التصرف منهما كالاذن من أحدهما من قبيل الإيقاع ، الذي لا يصح فيه الشرط.

نعم يصح الشرط في الاذن على معنى كونه عوض الاذن ، فيكون الشرط مقوماً للعقد ، لا شرطاً في العقد ، بأن يقول الشريك لشريكه : أنت مأذون في العمل وحدك في المال المشترك على أن يكون لي ثلاثة أرباع الربح ، فيقبل الشريك ذلك ، لما يترتب على ذلك من الأغراض العقلائية ، لكن الشرط بهذا المعنى ليس بالمعنى المصطلح في معنى الشرط في العقد ، بأن يكون إنشاء في ضمن إنشاء ، بل يكون قيداً مقوماً للعقد. ولا مجال للتمسك فيه بقوله (عليه السلام) : « المسلمون عند شروطهم » (1)بل يتمسك فيه بمثل ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) . ومن ذلك يظهر أن شرط التفاوت مع العمل - الذي تقدم الاتفاق على صحته - من هذا القبيل ، فإنه معاملة بين الشريكين موضوعها العمل والتفاوت ، لا أن ذلك شرط في العقد.


1) راجع الوسائل باب : 6 من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

إذ لازمه عدم وجوب الوفاء به في صورة العمل أو زيادته [1] وثانياً : بأن غاية الأمر جواز فسخ العقد فيسقط وجوب الوفاء بالشرط والمفروض في صورة عدم الفسخ [2] ، فما لم يفسخ يجب الوفاء به. وليس معنى الفسخ حل العقد من الأول [3]


[1] وقد عرفت أنه لا خلاف في صحة الشرط حينئذ ونفوذه.

[2] يعني : المفروض ومحل الكلام في صورة عدم الفسخ ، فيكون الشرط نافذاً.

[3] يعني : لو فرض أنه وقع الفسخ بعد ذلك لا يكون ذلك الفسخ موجباً لبطلان الشرط من أصله ، لأن الفسخ حل العقد من حينه يعني : من حين وقوع الفسخ لا من أول الأمر ، وحينئذ يترتب أثر الشرط وإن وقع الفسخ بعده. هذا ولكن عرفت في مسألة بطلان الشركة في الأبدان أن المعاوضة على مال الغير تقتضي دخول العوض في ملك مالك المعوض عنه ، فالربح يجب أن يدخل في ملك مالك المال ، فلا يصح اشتراط خلاف ذلك ، لأنه إن صح الشرط بطلت المعاوضة ، وإن صحت المعاوضة بطل الشرط. نعم إذا كان المراد أن تمليك مقدار التفاوت للشريك بعد أن يدخل في ملك شريكه صح. لكنه خلاف الظاهر من جعل التفاوت له في غير مقام المعاوضة. نعم إذا كان الجعل في مقام المعاوضة - كما إذا كان له عمل - فان ذلك قرينة على كون المقدار خارجاً عن ملك الشريك إلى ملكه ، لأنه عوض العمل الذي ترجع فائدته إلى من يخرج من ملكه ، كما في الصورتين الأوليين اللتين لا خلاف فيهما في صحة الشرط. ولأجل ذلك كانت المضاربة لا مخالفة فيها للقاعدة من أجل أن جزء الربح المجعول للعامل في مقابل عمله ، فيكون المراد صيرورته للعامل بعد أن يدخل في ملك المالك ، لا قبل أن يدخل في ملكه ، ليلزم مخالفة


القاعدة. وكذلك الحكم في المثال الذي ذكره في جامع المقاصد ، وهو ما إذا دفع دابة إلى غيره ليحمل عليها ويكون الحاصل لهما ، فان جزء الحاصل الذي يكون للعامل يراد منه ذلك بعد أن يدخل في ملك مالك الدابة في مقابل عمله ، لا قبله ليلزم الاشكال ، والقرينة على ذلك ظهور قصد المعاوضة الموجبة لدخول كل من العوضين في ملك مالك من خرج عنه الأخر.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : ( الأول ) : أن المراد من الشرط في المقام ليس ما يكون إنشاء في ضمن إنشاء ، بل القيد المأخوذ في المعاملة سواء كان في مقابل عمل - كما في الصورتين الأوليين - أم لا ، كما في مورد الكلام. ( الثاني ) : أن الوجه في البطلان في الصورة الأخيرة ليس من جهة أكل المال بالباطل ، ولا من جهة أنه شرط في عقد جائز ، بل من جهة أنها معاملة على خلاف مقتضى المعاملة الواقعة على أصل المال ، فلا يمكن تصحيحهما معاً ، فان صحت المعاملة على المال بطلت هذه المعاملة وإن صحت هذه المعاملة بطلت المعاملة على المال. ( الثالث ) : أن الوجه في الفرق بين الشرط مع العمل والشرط بدونه أنه مع العمل يكون المراد دخول جزء الربح في ملك العامل بعد خروجه من ملك الشريك ، عملا بظاهر المعاوضة ، ولا اشكال فيه ، وبدون العمل يكون المراد دخوله في ملك الشريك قبل أن يدخل في ملك شريكه ، فيلزم الاشكال. فلو فرض التصريح بأن الدخول في ملك من له التفاوت بعد دخوله في ملك الشريك تعين القول بالصحة. فالفارق بين المسألتين اختلافهما في المراد ، لا اختلافهما في الدخول في الأدلة ، ليطالب بالوجه الفارق في ذلك. ( الرابع ) : أن المعيار في الصحة والفساد كون اشتراط الزيادة لأحدهما بعد دخولها في ملك الشريك وقبله ، فعلى الأول تصح ، وعلى الثاني تبطل.

( تنبيه ) : قال العلامة في القواعد : « ولو اشترطا التفاوت مع تساوي

بل من حينه ، فيجب الوفاء بمقتضاه مع الشرط الى ذلك الحين. هذا ولو شرطا تمام الربح لأحدهما بطل العقد ، لأنه خلاف مقتضاه [1]. نعم لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما فالظاهر صحته [2] لعدم كونه منافياً.

( مسألة 6 ) : إذا اشترطا في ضمن العقد [3] كون


المالين أو التساوي مع تفاوته فالأقرب جوازه إن عملا أو أحدهما سواء اشترطت الزيادة له أو للآخر ». ووجهه غير ظاهر ، فإنه إذا جاز اشتراط الزيادة لغير العامل فلا وجه لاعتبار عمل غيره في ذلك ، فاشتراط ذلك فيه لا يخلو وجهه من غموض وخفاء.

[1] لم يتضح وجه الفرق بين تمام الربح وبعضه في كون شرط الأول مخالفاً لمقتضى العقد دون الثاني ، وقد عرفت أنه ليس هناك عقد وشرط ، بل ليس إلا عقد فقط ، غايته أنه مقيد بقيد ينافي صحة المعاملة الموجبة للربح.

[2] الكلام في الخسارة بعينه الكلام في الربح ، فان مقتضى المعاملات الواقعة على المال رجوع النقص على المالك ، عملا بالعوضية كرجوع الزيادة إليه عملا بالعوضية ، فرجوع الخسران إلى غير المالك خلاف مقتضى المعاوضة الذي لا يمكن أن يتخلف ، فكيف لا يكون منافياً؟!. نعم لو أريد من رجوع الخسارة إلى أحدهما لزوم تداركهما فلا بأس به ، ولا يكون منافياً لمقتضى المعاوضات ، نظير ما عرفته في الربح.

[3] الظاهر إرادة عقد التشريك في الملك لا عقد التشريك في العمل والتجارة ، ولذا قال في الشرائع : « وإذا اشترك المال لم يجز لأحد الشركاء التصرف فيه إلا مع إذن الباقين ، فان حصل الإذن لأحدهم تصرف هو دون الباقين ، ويقتصر من التصرف على ما أذن له ، فان

العمل من أحدهما أو منهما مع استقلال كل منهما أو مع انضمامهما فهو المتبع ولا يجوز التعدي ، وإن أطلقا لم يجز لواحد منهما التصرف إلا بإذن الآخر. ومع الاذن بعد العقد أو الاشتراط فيه فان كان مقيداً بنوع خاص من التجارة لم يجز التعدي عنه. وكذا مع تعيين كيفية خاصة. وإن كان مطلقاً فاللازم الاقتصار على المتعارف [1] من حيث النوع والكيفية. ويكون حال المأذون حال العامل في المضاربة ، فلا يجوز البيع بالنسيئة ، بل ولا الشراء بها ، ولا يجوز السفر بالمال ، وإن تعدى عما عين له أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف ، ولكن يبقى الاذن بعد التعدي أيضاً [2] إذ لا ينافي الضمان بقاءه. والأحوط مع إطلاق الإذن ملاحظة المصلحة ، وإن كان لا يبعد كفاية عدم المفسدة [3].

( مسألة 7 ) : العامل أمين [4] ، فلا يضمن التلف


أطلق له الاذن تصرف كيف شاء » ، ونحوه ما في القواعد وغيرها ، فالحكم المذكور من أحكام الشركة وان لم تكن بعقد.

[1] إذا كان التعارف قرينة على التقييد به أو صالحاً لذلك ، أما إذا لم يكن كذلك فلا مانع من الأخذ بخلافه ، خصوصاً إذا كان ذلك أقرب الى المصلحة وأبعد عن الضرر.

[2] لإطلاقه الشامل لذلك.

[3] وفي الجواهر : « إن ذلك لا يخلو من قوة ». لكن وجهه غير ظاهر ، إذ الإذن بالتجارة يقتضي الاختصاص بما فيه الفائدة ، فلا إطلاق له يشمل رفع المفسدة.

[4] عبر في الشرائع بقوله : « ولا يضمن الشريك ما تلف في يده »

ما لم يفرط أو يتعدى.

( مسألة 8 ) : عقد الشركة من العقود الجائزة [1] ،


وفي القواعد : « والشريك أمين لا يضمن ما يتلف في يده » ، والعبارات الثلاث واحدة المفاد ، وهو عدم ضمان من هو مأذون في وضع يده على المال ، لأنه أمين. والحكم عندهم من المسلمات الواضحات ، وهو كذلك ، لما دل من النصوص على عدم ضمان الأمين ، وهي كثيرة.

[1] قد اشتهر التعبير بذلك في كلام الجماعة ، كالمحقق والعلامة والمحقق الثاني والشهيد الثاني وغيرهم ، وعن الغنية والتذكرة : الإجماع عليه ، قال في الشرائع : « ولكل واحد من الشركاء الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة لأنها غير لازمة » ، وقال في القواعد : « ويجوز الرجوع في الاذن والمطالبة بالقسمة ، إذ الشركة من العقود الجائزة من الطرفين » ونحوهما عبارات غيرهما ، وفي المسالك في شرح عبارة الشرائع المتقدمة قال : « الشركة بمعنييها غير لازمة ، وأشار إلى الأول بقوله : والمطالبة بالقسمة ، وإلى الثاني بقوله : الرجوع في الاذن ». ويشكل : بأن المطالبة بالقسمة لا تنافي اللزوم ، إذ القسمة ليست فسخاً ، وإنما هي تعيين الحصة المشاعة ، وذلك وإن كان يقتضي زوال الإشاعة والاشتراك لكنه ليس فسخاً لعقد التشريك في الملك ، إذ الفسخ يقتضي رجوع كل مال إلى ملك مالكه قبل الاشتراك ، وليست القسمة كذلك. ومجرد زوال الاشتراك به لا يوجب كونه فسخاً ، كما أن الطلاق لا يكون فسخاً للنكاح وإن زال النكاح به. هذا إذا كان التشريك قد أنشئ بالعقد ، أما إذا كان قد حصل بالامتزاج فهو من الاحكام لا من العقود ، فلا يقبل الجواز واللزوم حتى يكون طلب القسمة مقتضياً للجواز

وأما الرجوع بالاذن فليس فسخاً لعقد ، وإنما هو رفع للاذن ، والاذن ليس من العقود بل من الإيقاع ، كما أشرنا إلى ذلك في أول المبحث ،

فيجوز لكل من الشريكين فسخه [1] ، لا بمعنى أن يكون الفسخ موجباً للانفساخ [2] من الأول أو من حينه بحيث تبطل الشركة [3] ، إذ هي باقية ما لم تحصل القسمة ، بل بمعنى جواز رجوع كل منهما عن الاذن في التصرف الذي بمنزلة عزل الوكيل


وذكره شيخنا في الجواهر. ثمَّ إنه في المسالك قرب أن يكون مراد الشرائع من قوله (رحمه اللّه) : « غير لازمة » هو المعنى الثاني ، لأنه الذي يكون من العقود. لكن على هذا لا يحسن جعله تعليلا لطلب القسمة الذي ذكر أنه يتعلق بالمعنى الأول. فلاحظ.

هذا والظاهر أن مراد الشرائع والقواعد وغيرهما من طلب القسمة طلب قسمة المال المشترك بعقد الشركة التجارية ، يعني : أن الشريكين في التجارة يجوز لكل منهما نقضها بالرجوع عن الاذن وبطلب القسمة ، في مقابل احتمال لزوم الاستمرار عليها ، فيكون طلب القسمة أيضاً منافياً للزوم الشركة التجارية ، ولا يرتبط بالشركة الملكية ، وحينئذ يتوجه الإشكال الأخير فقط ، وهو : أن الشركة التجارية إيقاع لا عقد ، فلا تقبل الجواز واللزوم. وإن شئت قلت : لا يمكن أن يكون المراد كل واحد من المعنيين للشركة ، لأنه من استعمال المشترك في أكثر من معنى ، وحينئذ إما أن يراد المعنى الأول أو الثاني ، والأول ممتنع لأنه لا يرتبط بالاذن ، فيتعين الثاني.

[1] ذكر المصنف ذلك ، لأنه من أحكام جواز العقد ومن فروعه.

[2] إذا لم يكن بهذا المعنى لم يكن من أحكام جواز العقد ، بل يكون حكماً خاصاً ، وحينئذ لا يكون جواز عقد الشركة بمعناه المصطلح بل يكون بمعنى آخر ، وحينئذ لا داعي إلى هذا التعبير وهذا الإيهام.

[3] إذا كان المراد من الشركة العقدية التمليكية فهي لازمة لا جائزة

عن الوكالة [1] أو بمعنى مطالبة القسمة [2]. وإذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر - فيما لو كان كل منهما مأذوناً - لم يجز التصرف للآخر ، ويبقى الجواز بالنسبة إلى الأول [3] وإذا رجع كل منهما عن إذنه لم يجز لواحد منهما. وبمطالبة القسمة يجب القبول على الآخر ، وإذا أوقعا الشركة على وجه يكون لأحدهما زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة يمكن


ولا يجوز فسخها ، وإذا كان المراد الشركة التجارية فان كانت من العقود فلا مانع من أن تكون جائزة ويجوز فسخها وان بقيت الشركة في المال بحالها. نعم عرفت سابقاً الإشكال في كونها من العقود ، كي تقبل الجواز واللزوم ، وتقبل الفسخ.

[1] عزل الوكيل ليس فسخاً للوكالة » وإنما هو اعتبار آخر وإن كان رافعاً لها ، كما أن طلاق الزوجة ليس فسخاً لنكاحها ، وعتق العبد ليس فسخاً لشرائه أو استرقاقه ، فان هذه العناوين الاعتبارية مباينة لاعتبار الفسخ.

[2] الظاهر أنه لا إشكال في أنه يجوز للشريك مطالبة القسمة ، ويقتضيه عموم السلطنة. لكنه ليس فسخاً للسبب الموجب للتشريك ، ولذا تصح القسمة في الموارد الذي لا يكون التشريك إنشائياً كالإرث ونحوه.

[3] هذا مما يوضح أن الرجوع عن الاذن ليس فسخاً ، إذ لو كان فسخاً كان رفعاً للاذن من الطرفين. نعم إذا كان الاذن من الطرفين مضمون عقد الشركة ، فإن كان عقد الشركة يقتضي الإذن فرفع الاذن من أحد الطرفين يقتضي ارتفاع الاذن من الآخر ، لما بينهما من نوع المعاوضة ، فيكون انفساخاً قهرياً. ومن ذلك يشكل ما عن التذكرة من الفرق بين قوله : « فسخت العقد » وبين قوله : « عزلتك » ، حيث أن

الفسخ ، بمعنى إبطال هذا القرار ، بحيث لو حصل بعده ربح أو خسران كان بنسبة المالين [1] على ما هو مقتضى إطلاق الشركة.

( مسألة 9 ) : لو ذكرا في عقد الشركة أجلاً لا يلزم فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه [2]. إلا أن يكون مشروطاً في ضمن عقد لازم ، فيكون لازماً.


الأول يقتضي ارتفاع الاذن من الطرفين ، بخلاف الثاني. لكن عرفت أن التحقيق أنه لا عقد ولا جواز ولا لزوم ، وإنما هو إيقاع من الطرفين ، فاذا ارتفع أحدهما لم يرتفع الآخر.

[1] هذا إذا كان التفاوت قد أخذ شرطاً زائداً على إنشاء الشركة التجارية ، إذ حينئذ يجوز بطلان الشرط ، ويبقى الإنشاء المشروط فيه بحاله ، ولذا يجوز للمشروط إسقاط شرطه من دون ورود خلل في أصل العقد ، أما إذا كان قد أخذ مقوماً للإيقاع - كما عرفت - فاذا بطل احتيج إلى إيقاع جديد.

[2] قال في الشرائع : « ولو شرط التأجيل في الشركة لم يصح ، ولكل منهما أن يرجع متى شاء » ، وفي القواعد « ولا يصح التأجيل فيها » ونحوهما كلام غيرهما. وفي بعضها : أن المؤجلة باطلة. والظاهر أن المراد بطلان التأجيل ، لا بطلان أصل الشركة التجارية ، بحيث لا يصح التصرف في المال والاتجار به ، فضلا عن بطلان الشركة العقدية التمليكية. ثمَّ إن الظاهر أنه لا إشكال في الحكم المذكور عندهم ، وعللوه : بأن الشركة من العقود الجائزة ، فلا تلزم بالشرط. والاشكال فيه ظاهر إذ لم يثبت أن الشركة التجارية من العقود ، فضلا عن أن تكون جائزة. ولو سلم فلا مانع من صحة شرط اللزوم وعدم الفسخ إلى أجل في العقود الجائزة ، كما تقدم من المصنف (رحمه اللّه) في أوائل المضاربة. اللّهم إلا أن يكون جوازها

( مسألة 10 ) : لو ادعى أحدهما على الآخر الخيانة أو التفريط في الحفظ فأنكر عليه الحلف مع عدم البينة [1].

( مسألة 11 ) : إذا ادعى العامل التلف قبل قوله مع اليمين لأنه أمين [2].

( مسألة 12 ) : تبطل الشركة بالموت [3] ، والجنون والاغماء ، والحجر بالفلس أو السفه ، بمعنى : أنه لا يجوز للآخر


اقتضائياً ، فيكون الشرط مخالفاً للكتاب. لكن بناء على هذا لا يصح وان كان في عقد لازم. نعم لو كان المستند الإجماع على بطلان الشرط أمكن اختصاص الإجماع بصورة الشرط في ضمن العقد ، فلا يشمل غيره. لكن ثبوت الإجماع غير ظاهر. فالتحقيق أن الوجه فيه أن الشركة التجارية ليست إلا إيقاع الاذن من الشركاء ، والاذن لا يقبل اللزوم ضرورة ، فيجوز للآذن العدول عن إذنه ما لم يكن سبب ملزم.

[1] لأنه أمين ، وليس على الأمين إلا اليمين ، كما سبق أنه مفاد النصوص

[2] يعني : وليس على الأمين إلا اليمين. ولا فرق بين أن يكون التلف المدعى بسبب ظاهر أو خفي - كما نص على ذلك في الشرائع وغيرها - لإطلاق الأدلة ، خلافاً لبعض العامة.

[3] كما نص على ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب القدماء والمتأخرين. ويظهر منهم الإجماع عليه ، بل عن الغنية : الإجماع صريحاً ، وعن التذكرة : انفساخها بالإغماء والحجر والسفه ، وعن التحرير وجامع المقاصد والمسالك : انفساخها بالفلس. والوجه في الحكم في الموت ظاهر ، لانتقال المال إلى الوارث فلا يجوز التصرف بغير إذنه. وكذا في الفلس ، لكون الأموال تحت سلطان الحاكم الشرعي ، فلا يجوز التصرف بغير إذنه. أما في غيرهما فغير ظاهر ، لو لا ظهور الإجماع ، وكما أن الاذن

التصرف ، وأما أصل الشركة فهي باقية [1]. نعم يبطل أيضاً ما قرراه من زيادة أحدهما في النماء بالنسبة إلى ماله أو نقصان الخسارة كذلك [2]. إذا تبين بطلان الشركة فالمعاملات الواقعة قبله [3] محكومة بالصحة ، ويكون الربح على نسبة المالين ، لكفاية الإذن المفروض حصوله [4]. نعم لو كان مقيداً بالصحة تكون كلها فضوليا بالنسبة إلى من يكون إذنه


لا تبطل بالنوم لا تبطل عرفاً بالإغماء والجنون والسفه ، وإذا شك فالاستصحاب كاف في ترتيب الأحكام.

[1] كما صرحوا بذلك على نحو يظهر منهم أنه من المسلمات ، بل ينبغي أن يكون من الضروريات ، وأن حدوث هذه الطوارئ لا يوجب إفراز الحقوق ، ولا تعيين الحصة المشاعة ، فالشركة التي حكم ببطلانها بالأمور المذكورة هي الشركة في الاتجار بالمال والعمل به ، بمعنى عدم جواز التصرف فيه.

[2] لأن بطلان العقد يستوجب بطلان الشرط في ضمنه ، لأنه حينئذ يكون من الشرط الابتدائي ، وهو لا يجب العمل به.

[3] يعني : قبل تبين البطلان.

[4] يعني : أن الشركة إذا بطلت فبطل الشرط في ضمنها تبقى الاذن فيصح بها التصرف ، وقد ذكر جماعة أنه إذا بطلت الوكالة يصح التصرف بالإذن التي في ضمنها ، مثلا إذا علق الوكالة على شرط استقبالي بطلت للتعليق ، لكن تبقى الاذن ، فيصح لأجلها التصرف الصادر من الوكيل ، لا لأنه وكيل ، بل لأنه مأذون. فيكون هناك أمور ثلاثة : شركة عقدية ، وشرط التفاوت ، وإذن في التصرف ، فاذا بطلت الشركة فبطل الشرط لم تنتف الاذن بالتصرف ، فتصح المعاملات الجارية على المال. لكن عرفت

مقيداً. ولكل منهما أجرة مثل عمله [1] بالنسبة إلى حصة الآخر إذا كان العمل منهما ، وان كان من أحدهما فله أجرة مثل عمله.

( مسألة 13 ) : إذا اشترى أحدهما متاعاً وادعى أنه


أن الشركة العقدية نفس الاذن بالتصرف ، والشرط إن فرض فهو قيد للاذن ومقوم لها لأن الإذن بالتصرف أخذت مقيدة بالتفاوت ، نظير الإباحة ، فمع انتفاء القيد تنتفي الإذن. هذا مضافاً إلى أن المبطلات المذكورة إنما تبطل الشركة لأنها تبطل الاذن فلا تصح الاذن معها ، كما هو ظاهر ، وقد سبق منه أنه لا يجوز التصرف. نعم لو فرض بطلان الشركة بمبطل غير الأمور المذكورة أمكن القول ببقاء الاذن ، كما تقدم ذلك في المضاربة. لكن ظاهر كلام المصنف (رحمه اللّه) الحكم في المبطلات المذكورة. ويحتمل بعيداً أن يكون المراد أن المعاملات الواقعة قبل البطلان صحيحة. لكن صحتها حينئذ من جهة صحة الشركة ، لا لكفاية الاذن مع بطلان الشركة كما ذكر. وأيضاً بناء على ذلك لا تختص الصحة بالمعاملات الواقعة قبل البطلان ، بل يشمل حتى المعاملات الواقعة بعد البطلان ، لأن البطلان لا يوجب ارتفاع الإذن.

[1] الذي يظهر من العبارة أن ذلك من أحكام البطلان ، يعني إذا بطلت الشركة استحق العامل أجرة عمله بالنسبة إلى حصة شريكه ، لاستيفائه العمل فيضمن بالاستيفاء. لكن يختص ذلك بما إذا فرض للعامل أجرة ، أما إذا لم يفرض له أجرة فقاعدة : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ، تقتضي عدم الضمان.

هذا والمصنف لم يتعرض في الشركة الصحيحة لاستحقاق الأجرة وعدمه ، وكان المناسب ذلك ، بل الظاهر من قوله في المسألة الخامسة :

اشتراه لنفسه وادعى الآخر أنه اشتراه بالشركة ، فمع عدم البينة القول قوله مع اليمين ، لأنه أعرف بنيته [1]. كما أنه كذلك لو ادعى أنه اشتراه بالشركة وقال الآخر أنه اشتراه لنفسه ، فإنه يقدم قوله أيضاً ، لأنه أعرف ، ولأنه أمين [2].

تمَّ كتاب الشركة


« يتساوى الشريكان .. » أن ذلك مبني على أن العمل مجاني ، وكذلك ظاهر كلمات الفقهاء. وعليه فلا وجه لاستحقاق الأجرة مع البطلان. هذا ويحتمل بعيداً أن يكون كلامه هذا لبيان حكم العمل في الشركة الصحيحة ، لكن كان المناسب أن يفصله عن هذه المسألة بمسألة أخرى.

[1] يشير هذا التعليل إلى القاعدة المشهورة في كلام الأصحاب من قبول قول من لا يعرف المقول إلا من قبله ، ويظهر أنها من القواعد المعول عليها عند العقلاء ، ولولاها يلزم تعطيل أحكام المقول ، إذ لا طريق إلى إثبات موضوعها ، ويقتضيها قاعدة : من ملك شيئاً ملك الإقرار به ، المدعى عليها الإجماع في كلام الأصحاب ، وقد مر ذلك في المسألة الثانية والخمسين من كتاب المضاربة. فراجع.

[2] لا يظهر دليل على كلية سماع قول الأمين إلا في حال الاخبار عن وقوع الفعل المؤتمن عليه ، كما إذا أخبرت الجارية بغسل الثوب الذي كلفت بغسله ، أو يكون الخبر مع التداعي مع من ائتمنه في جملة من الموارد لا على كليته ، فلو ادعى الرد لم يقبل قوله إلا في الودعي. فكان الأولى للمصنف (رحمه اللّه) أن يقول : لأنه أمين على أداء الفعل الذي أخبر عن وقوعه.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المزارعة

وهي المعاملة على الأرض بالزراعة بحصة من حاصلها [1] وتسمى مخابرة أيضاً ، ولعلها من الخبرة بمعنى النصيب.


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المزارعة

المزارعة من باب المفاعلة ، مصدر ( فاعل ) وهو للسعي نحو الفعل ، بخلاف فعل ، فإنه لوقوع الفعل ، فاذا قلت : قتل زيد عمرواً فقد أخبرت عن وقوع القتل على عمرو من زيد ، فاذا قلت : قاتل زيد عمرواً ، فقد أخبرت عن سعي زيد لقتل عمرو ، فاذا قلت : زارع زيد عمرواً ، كان المراد أنه سعى زيد لتحقيق الزرع ووقوعه من عمرو ، ففي المثالين يراد من فاعل السعي ويختلفان في كيفية وقوع الفعل ، ولا يقال : زارعت الحب بمعنى سعيت الى زرعه ، كما يقال : قاتلت زيداً ، فهذا الاختلاف ناشئ من اختلاف الموارد.

[1] تفترق المزارعة عن إجارة الأرض : بأن إجارة الأرض لا يملك مؤجرها على المستأجر لها شيئاً غير الأجرة ، وهنا يملك المؤجر لها مضافاً

كما يظهر من مجمع البحرين [1] ولا إشكال في مشروعيتها ، بل يمكن دعوى استحبابها. لما دل على استحباب الزراعة ، بدعوى كونها أعم من المباشرة والتسبيب [2]. ففي خبر الواسطي قال : « سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الفلاحين قال : هم الزراعون كنوز اللّه في أرضه ، وما في الأعمال شي‌ء أحب الى اللّه من الزراعة ، وما بعث اللّه نبياً إلا زارعا


إلى الحصة ، أن يعمل العامل ، وليس له الامتناع عن العمل. كما أنها تفترق عن إجارة الأجير بأن في إجارة الأجير لا يملك الأجير على المستأجر شيئاً غير الأجرة ، وهنا يملك على مالك الأرض بذل الأرض مضافاً إلى الحصة ، فالمزارعة كأنها إجارة للأرض وإجارة للعامل ، فهي كأنها إجارتان لأن كلا من العامل والمالك يملك على الآخر شيئاً غير الحصة. ولأجل ذلك احتمل أن تكون المزارعة معاوضة بين عمل العامل ومنفعة الأرض ، أو بذلها ، وتكون الحصة من قبيل الشرط فيها ، لا أن الحصة هي العوض. لكن الارتكاز العرفي لا يساعد عليه ، بل يساعد على ما ذكره الأصحاب لا غير. وسيأتي في المسألة التاسعة عشرة من مبحث المساقاة بعض الكلام في ذلك.

[1] وفي القاموس : « الخُبرة : النصيب تأخذه من لحم أو سمك » ، وفي المسالك : « وقد يعبر عن المزارعة بالمخابرة ، إما من الخبير وهو الأكار أو من الخبارة وهي الأرض الرخوة ، أو مأخوذة من معاملة النبي (صلی اللّه عليه وآله) لأهل خيبر ». وقد أشار في القاموس إلى المعنيين الأولين مضافاً الى المعنى السابق.

[2] أو كون الاستحباب من باب : تعاونوا على البر والتقوى.


إلا إدريس (عليه السلام) فإنه كان خياطاً » (1). و‌في آخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيباً أخرجه اللّه وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة يدعون المباركين » (2). وفي خبر عنه (عليه السلام) قال : « سئل النبي (صلی اللّه عليه وآله) أي الأعمال خير؟ قال : زرع يزرعه صاحبه وأصلحه وأدى حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ. قال : فأي الأعمال بعد الزرع؟ قال : رجل في غنم له قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. قال : فأي المال بعد الغنم خير؟ قال : البقر يغدو بخير ويروح بخير. قال : فأي المال بعد البقر خير؟ قال : الراسيات في الوحل المطعمات في المحل : نعم المال النخل. من باعها فإنما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف ، إلا أن يخلف مكانها. قيل يا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : فأي المال بعد النخل خير فسكت. فقام اليه رجل فقال له : فأين الإبل؟ قال : فيها الشقاء والجفاء والعناء وبعد الدار ، تغدو مدبرة وتروح مدبرة لا يأتي خيرها الا من جانبها الأشأم أما إنها لا تعدم الأشقياء الفجرة » (3). وعنه (عليه السلام) « الكيمياء الأكبر الزراعة » (4). وعنه (عليه السلام) : « إن اللّه جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع كيلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء » (5)


1) الوسائل باب : 10 من أبواب مقدمات التجارة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 3 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 7.

3) الوسائل باب : 48 من أبواب أحكام الدواب حديث : 1.

4) الكافي الجزء : 5 الصفحة : 261 الطبعة الحديثة. الوافي الجزء : 3 الصفحة : 23 أواخر باب فضل المزارعة ، مجمع البحرين مادة : « كوم ».

5) الوسائل باب : 3 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

وعنه (عليه السلام) : « أنه سأله رجل فقال له : جعلت فداك أسمع قوماً يقولون : إن المزارعة مكروهة. فقال : ازرعوا فلا واللّه ما عمل الناس عملا أحل ولا أطيب منه » (1). يستفاد من هذا الخبر ما ذكرنا من أن الزراعة أعم من المباشرة والتسبيب. أما ما رواه الصدوق مرفوعا عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) : « أنه نهى عن المخابرة ، قال : وهي المزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع » (2). لا بد من حمله على بعض المحامل ، لعدم مقاومته لما ذكر. وفي مجمع البحرين : « وما روي من أنه (صلی اللّه عليه وآله) نهى عن المخابرة ، كان ذلك حين تنازعوا ، فنهاهم عنها ». ويشترط فيها أمور.

أحدها : الإيجاب والقبول [1]. ويكفي فيهما كل لفظ دال [2] ، سواء كان حقيقة أو مجازاً مع القرينة ، ك « زارعتك أو سلمت إليك الأرض على أن تزرع على كذا » ولا يعتبر فيهما العربية [3] ، ولا الماضوية ، فيكفي الفارسي


[1] لأنها من العقود ، بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر.

[2] كما يقتضيه عمومات الصحة وإطلاقاتها من دون مخصص ولا مقيد ، كما حرر في أوائل مباحث البيع.

[3] لما عرفت من العمومات والإطلاقات ، لعدم اعتبار ذلك في مفهومها عرفاً.


1) الوسائل باب : 3 من أبواب المزارعة حديث : 1.

2) معاني الأخبار الجزء : 2 باب : 133 الصفحة : 80. بحار الأنوار المجلد : 23 كتاب المزارعة الحديث : 2.

وغيره ، والأمر [1] كقوله : « ازرع هذه الأرض على كذا » أو المستقبل أو الجملة الاسمية مع قصد الإنشاء بها.


[1] قال في الشرائع : « وعبارتها أن يقول : زارعتك ، أو ازرع هذه الأرض » قال في المسالك : « وأما قوله : ازرع هذه الأرض - بصيغة الأمر - فإن ذلك لا يجيزونه في نظائره من العقود ، ولكن المصنف وجماعة أجازوه ، استناداً إلى رواية أبي الربيع الشامي والنضر بن سويد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). وهما قاصرتان عن الدلالة على ذلك ، فالاقتصار على لفظ الماضي أقوى ».

ومراده من رواية أبي الربيع ما رواه الشيخ والصدوق عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل آخر ، فيشترط عليه ثلثا للبذر وثلثا للبقر. فقال : لا ينبغي أن يسمي بذراً ولا بقراً ، ولكن يقول لصاحب الأرض : ازرع في أرضك ولك منها كذا وكذا نصفاً وثلثاً وما كان من شرط ، ولا يسمي بذراً ولا بقراً ، فإنما يحرم الكلام » (1). ومراده من رواية النضر ما رواه الكليني والشيخ عن النضر بن سويد عن عبد اللّه بن سنان : « أنه قال : في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره ، فيقول : ثلث للبقر وثلث للبذر وثلث للأرض ، قال : لا يسمي شيئاً من الحب والبقر ، ولكن يقول : ازرع فيها كذا وكذا إن شئت نصفاً وإن شئت ثلثا » (2). هذا والمذكور في الروايتين لفظ المضارع لا لفظ الأمر. كما أن رواية النضر عن عبد اللّه بن سنان لا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما ذكر ، وقد سبقه الى ذلك في جامع المقاصد. وأيضاً فإن الأمر لو فرض أنه كان في الروايتين فهو من العامل ، لا من صاحب الأرض.


1) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 10.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 5.


ولعل مراد المستدل بالروايتين الاستدلال بهما بتوسط الأولوية ، فإنه إذا جاز الإيجاب بالمضارع جاز بالأمر بالأولوية ، كما حكي ذلك عن الإيضاح. لكن الاشكال فيه ظاهر.

وكان الاولى الاستدلال بصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « سألته عن رجل يعطي الرجل أرضه فيها ماء ( رمان خ ل ) أو نخل أو فاكهة ، ويقول : إسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرجه اللّه ( عز وجل. خ ل ) قال : لا بأس » (1)بضميمة عدم القول بالفصل ، أو فهم عدم الخصوصية وإن أمكن الإشكال فيه : بأنه لم يثبت كون الأمر إنشاء للمساقاة ، بل من المحتمل - بل الظاهر - أنه من قبيل مالة.

والاولى أن يقال : إن المائز بين العقد والإيقاع أن المفهوم المنشإ إن كان متعلقاً بطرفين على وجه يكون تعلقه بكل منهما خلاف السلطنة عليه يكون عقدياً ، أو لا يكون كذلك ، فيكون إيقاعاً. مثلا تمليك مال إنسان لآخر لما كان على خلاف سلطنة المالك والتملك - فان خروج مال إنسان عن ملكه إلى ملك غيره خلاف سلطنة المالك على ماله ، وخلاف سلطنة المتملك على نفسه - ، كان التمليك مفهوماً عقدياً. وإسقاط ما في الذمة لما لم يكن خلاف سلطنة من له الذمة كان إيقاعاً ، فيجوز وقوع الثاني بلا حاجة إلى إعمال سلطنة صاحب الذمة ، ولا يجوز وقوع الأول بلا سلطنة المتملك. ومن ذلك تعرف أن إنشاء المفهوم العقدي لا يكون إلا باعمال سلطنة كل من الطرفين ، فيكون إيجاباً من طرف وقبولا من طرف آخر.

وربما يحصل بإعمال السلطنة من دون صدق القبول ، كما إذا قال زيد لعمرو : بعني فرسك ، فإنه إذا قال عمرو : بعتك الفرس ، حصل البيع


1) الوسائل باب : 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.


بلا حاجة إلى قبول ، لحصول الاعمال للسلطنة من جهة زيد بمجرد الأمر. وكذا إذا قال : أذنت لك في أن تبيعني فرسك ، فإنه إذا قال عمرو : بعتك فرسي ، صح من دون حاجة إلى القبول ، وكذلك الوكيل للمتعاقدين معاً ، فإنه إذا قال : بعت فرس أحدهما للآخر ، صح من دون حاجة إلى القبول ، ومالك العبد والأمة إذا أنشأ تزويج أمته من عبده صح من دون حاجة إلى قبوله ، كما أفتى بذلك جماعة.

وعلى هذا فالأمر بالزرع ليس إيجاباً ولا قبولا ، لعدم صدوره في مقام الإنشاء للمفهوم الإنشائي ، فإنه أمر بالزرع وطلب له من دون إنشاء للمزارعة ، فصحة المعاملة مع ذلك ليس لأنه إيجاب أو قبول ، بل لأنه إعمال للسلطنة. ومثله أن يقول : أذنت لك في أن تزرع الأرض بحصة كذا ، أو أذنت لك في أن تزارعني على الثلث ، فذلك بمنزلة الإيجاب ، لأنه إعمال لسلطنة صاحب الأرض الذي وظيفته الإيجاب ، إذ الاحتياج إلى الإيجاب في حصول المفهوم العقدي لأجل كونه إعمالا للسلطنة ، وهو حاصل بالأمر ، فإذا قال زيد لعمرو : تملك مالي ، فقال عمرو : تملكت مال زيد ، حصل الملك من دون حاجة الى قول زيد : قبلت.

ومن ذلك يظهر أن الاكتفاء بالأمر في الإيجاب ليس من باب استعمال الأمر في المعنى الإنشائي ، بأن يكون قوله : ازرع هذه الأرض ، مستعملا في إنشاء المزارعة مجازاً ، كي يكون من المجازات المستنكرة ، ولا من باب الكناية عن الإنشاء النفساني ، فيكون الأمر حاكياً عنه بالدلالة العقلية ، نظير حكاية تصرف من له الخيار في العين المبيعة الحاكي عن إنشاء الفسخ ، بل هو من باب إعمال السلطنة الكافي عن القبول.

وربما يكون الأمر بنفسه إنشاء على الحقيقة. بأن يكون أمراً تكوينياً لا تشريعياً ، كما إذا قال البائع للمشتري : اشتر هذا الفرس بدرهم منشئاً

وكذا لا يعتبر تقديم الإيجاب على القبول [1]. ويصح الإيجاب


نفس الشراء ، كما في قوله تعالى ( كُنْ فَيَكُونُ ) (1)فيقول المشتري : قبلت ، ويتم العقد ، فيكون قوله : اشتر ، إيجاباً على الحقيقة ، وفي المقام يقول صاحب الأرض للفلاح : كن مزارعاً ، فيقول الفلاح : قبلت ، وفي باب النكاح يقول الرجل للمرأة : كوني زوجة ، فتقول المرأة : قبلت ، أو تقول هي : كن لي زوجاً ، فيقول : قبلت ، وهكذا ينشأ المفهوم الإنشائي بصيغة الأمر ، فيكون جعلا تكوينياً للمعنى الإنشائي ، ويكون إيجاباً ، فإذا لحقه القبول كان عقداً.

ويتحصل مما ذكرنا : أن الاكتفاء بالأمر في العقود يكون على أربعة أنحاء : ( الأول ) : أن يكون من باب إعمال السلطنة ، فيكون كافياً عن الإيجاب أو القبول. لا أنه إيجاب أو قبول. ( الثاني ) : أن يكون إيجاباً أو قبولا ، كما إذا كان أمراً تكوينياً. ( الثالث ) : أن يكون حاكياً عن الالتزام النفسي ودالا عليه بالدلالة العقلية ، نظير تصرف من له الخيار ، ويكون جزء العقد في الحقيقة هو ذلك الالتزام النفسي ويكون الأمر تشريعياً دالاً عليه دلالة المعلول على علته. ( الرابع ) : أن يكون مستعملاً مجازاً في معنى فعل الماضي أو المضارع ، على نحو الإنشاء لا الاخبار فيكون من المجازات المستنكرة التي لا يجوز إنشاء العقد بها.

[1] لا يخفى أن مفهوم القبول لغة وعرفاً مثل مفهوم الرضا يمكن أن يتعلق بالمستقبل كما يتعلق بالماضي ، بل قد يتعلق بالمفهوم اللحاضي من دون أن يكون له خارجية ومطابق عيني. أما القبول العقدي فلا يتعلق إلا بما هو واقع ، فاذا تعلق بما يقع في المستقبل لم يكن قبولا عقدياً ،


1) يس : 82.

من كل من المالك والزارع [1]. بل يكفي القبول الفعلي [2] بعد الإيجاب القولي على الأقوى [3].


بل هو قبول عرفي ، وحينئذ يمتنع تقدم القبول على الإيجاب. نعم إذا تقدم كان إعمالا للسلطنة ، ويكفي ذلك عن القبول وإن كان خبراً لا إنشاء لا أنه قبول متقدم. وكذا يمكن أن يكون إنشاء ممن وظيفته القبول فيكون إيجاباً ، ويكون الإنشاء من الآخر قبولا ، كما إذا قال المشتري للبائع : اشتريت منك الفرس بدرهم ، فيقول البائع : بعتكها بدرهم ، فان ما صدر من المشتري إيجاب ، وما صدر من البائع قبول ، لا أن ما صدر من المشتري قبول متقدم ، وكذلك في المقام.

[1] لا يختص ذلك بالمقام ، بل يجري في عامة العقود ، كما أشرنا إليه. ويدل عليه في المقام روايتا أبي الربيع الشامي والنضر بن سويد المتقدمتان.

[2] بأن يكون الفعل دالا على الالتزام النفسي دلالة عقلية دلالة المعلول على علته ، لا دلالة لفظية كدلالة اللفظ على معناه ، كما تقدم نظيره.

[3] كما صرح به في القواعد ، قال : « ومن قبول ، وهو كل لفظ أو فعل دل على الرضا » ، وفي المسالك : استظهر من عدم تعرض الشرائع للقبول مع تعرضه للإيجاب أنه لا يعتبر اللفظ فيه ، كما ذكره في الإيجاب وفي مفتاح الكرامة : أن القبول الفعلي ليس بقبول ، وأن العقود عبارة عن الصيغة من الطرفين ، وأن تسمية ما اشتمل على القبول الفعلي عقدا مسامحة. انتهى. لكنه - كما ترى - خلاف مرتكزات العرف ، فإنه لا فرق عندهم بين القول والفعل في الدلالة على الالتزام النفسي الذي هو قوام العقد ، غاية الأمر أن دلالة اللفظ لفظية ودلالة الفعل عقلية ، وليس بفارق في انطباق عنوان العقد أو عنوان المزارعة أو غيرهما من العناوين. وحينئذ يتعين العمل بإطلاقات الصحة وعموماتها.

وتجري فيها المعاطاة [1] ، وإن كانت لا تلزم [2] إلا بالشروع في العمل [3].

الثاني : البلوغ ، والعقل ، والاختيار ، وعدم الحجر [4]


[1] كما نص على ذلك في الجواهر ، لاطراد الوجه المصحح لها في البيع هنا ، كما عرفت. نعم لا يمكن هنا حصول التعاطي من الطرفين ، وإنما يكون من طرف صاحب الأرض لا غير. نعم يكون القبول بأخذ الأرض من الفلاح ، فيكون العقد بالإعطاء والأخذ. لا بالتعاطي من الطرفين.

[2] للإجماع على عدم لزوم المعاطاة إلا بالتصرف المانع من الرد.

[3] لأن استيفاء الفعل إتلاف له ، فيكون ملزماً لها. ثمَّ إنه قد تشكل صحة المعاطاة في المقام بأنه يعتبر في المزارعة اشتراط أمور : من تعيين الحصة ، والأجل » ومن عليه البذر ، والزرع ، والفعل لا يقبل الاشتراط لأنه لا يقبل الإطلاق ، فلا يقبل التقييد. وفيه : أن التقييد للالتزام النفساني كما هو كذلك في العقد اللفظي فإن اللفظ أيضاً لا يقبل التقييد ، وكما أن اللفظ في العقد اللفظي حاك عن الالتزام المشروط ، كذلك بالفعل أيضا يكون حاكياً عن الالتزام المشروط. نعم الفعل لا يصلح للحكاية عن الاشتراط ، لكن يمكن استفادة الشرط من القرائن الحافة بالعقد الفعلي بأن يكون الالتزام المحكي بالفعل مبنياً على الشروط المذكورة ، وربما تكون الاستفادة من اللفظ.

[4] الشروط المذكورة شروط عامة لمطلق التصرف ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في بعض الكتب السالفة ، وتحرير الاستدلال على الوجه الأكمل يكون في كتاب البيع ، لأنه الكتاب الأول من كتب العقود والإيقاعات ، وقد تعرضنا لذلك في كتاب : ( نهج الفقاهة ) تعليقا على كتاب المكاسب لشيخنا الأعظم قدس سره .

لسفه أو فلس ، ومالكية التصرف [1] في كل من المالك والزارع. نعم لا يقدح فلس الزارع إذا لم يكن منه مال. لأنه ليس تصرفاً مالياً.

الثالث : أن يكون النماء مشتركا بينهما ، فلو جعل الكل لأحدهما لم يصح مزارعة [2].

الرابع : أن يكون مشاعاً بينهما. فلو شرطا اختصاص أحدهما بنوع - كالذي حصل أولا - والآخر بنوع آخر ، أو شرطا أن يكون ما حصل من هذه القطعة الأرض لأحدهما وما حصل من القطعة الأخرى للآخر ، لم يصح [3].

الخامس : تعيين الحصة بمثل النصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك ، فلو قال : « ازرع هذه الأرض على أن


[1] الظاهر من العبارة أنها شرط آخر زائد على ما ذكر. وكأن وجهه أن ما سبق يختص بقصور في المتصرف ، وهذا الشرط لقصور في موضوع التصرف ، كالمرهون ونحوه. ويحتمل أن يكون المراد بيان الجامع بين الشروط المذكورة ، لأن مرجع الجميع إلى مالكية التصرف.

[2] إجماعاً. ويشهد له ما سيأتي من الصحيح.

[3] بلا خلاف ظاهر ، وعن مجمع البرهان : « كأنه إجماع ». ويشهد له مصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تقبل الأرض بحنطة مسماة ، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا بأس به. وقال : لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس » (1).


1) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 3.

يكون لك أو لي شي‌ء من حاصلها » بطل [1].

السادس : تعيين المدة [2] بالأشهر والسنين ، فلو أطلق بطل. نعم لو عين المزروع ، أو مبدأ الشروع في الزرع لا يبعد صحته إذا لم يستلزم غرراً. بل مع عدم تعيين ابتداء الشروع أيضاً إذا كانت الأرض مما لا يزرع في السنة إلا مرة ،


[1] إجماعاً ، كما عن التذكرة. ويشهد له النصوص التي منها المصحح المتقدم.

[2] كما صرح به في كلماتهم ، بل عن التذكرة : الإجماع على أنه لا يجوز مع جهالة المدة. وفي الجواهر : « بلا خلاف معتد به ، بل لعل الإجماع عليه ». ولم يظهر عليه دليل ، فإن ما دل على النهي عن بيع الغرر لا يشمل المقام. وما دل على نهي النبي (صلی اللّه عليه وآله) عن الغرر (1)غير ثابت. وما في الشرائع من الاستدلال عليه بأنه عقد لازم فهو كالإجارة ، فيشترط فيه تعيين المدة ، دفعاً للغرر - وإليه يرجع ما في المسالك من الاستدلال عليه : بأن مقتضى العقد اللازم ضبط أجله ، وكذا ما في الجواهر من الاستدلال : بأن المزارعة أشبه بالإجارة - كما ترى لا يرجع إلى دليل ، ومثلها الاستدلال بخبر أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبلها ، فأي وجوه القبالة أحل؟ قال : يتقبل الأرض من أربابها بشي‌ء معلوم إلى سنين مسماة فيعمر ويؤدي الخراج » (2). ونحوه غيره. فان الظاهر من القبالة غير المزارعة.

نعم يستفاد من مجموع كلماتهم أنه لا بد من تعيين المدة في الجملة بحيث لا يؤدي إلى الغرر ، فان تمَّ إجماعاً - كما هو الظاهر - فهو المعتمد


1) تقدم التعرض لمصادر الحديث المذكور في الجزء الثاني عشر صفحة : 246 من هذه الطبعة.

2) الوسائل باب : 18 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 5.

لكن مع تعيين السنة ، لعدم الغرر فيه [1]. ولا دليل على اعتبار التعيين تعبداً ، والقدر المسلم من الإجماع على تعيينها غير هذه الصورة. وفي صورة تعيين المدة لا بد وأن تكون بمقدار يبلغ فيه الزرع [2] ، فلا تكفي المدة القليلة التي تقصر عن إدراك النماء.


لا غير. لكنه لا يقتضي لزوم تعيين المدة بحيث لا تقبل الزيادة والنقيصة ، بل يكفي التعيين في الجملة ولو بتعيين الزرع والبدء به وإن جهل زمان بلوغه. بل ربما يكون تعيين المدة موجباً للغرر إذا كان من المحتمل عدم بلوغ الزرع فيها ، لأن في ذلك تعريضاً لضياع الزرع بناء على استحقاق المالك قلعه عند انتهاء المدة أو الخسارة المالية بناء على غير ذلك.

[1] لأن الغرر إنما يكون للجهل بالخصوصيات التي تختلف باختلافها الرغبات وتتفاوت بها المالية ، فإذا كانت الأرض لا تزرع إلا مرة واحدة في السنة لا تتفاوت المالية باختلاف الابتداء والانتهاء.

[2] في الجواهر : « صرح جماعة بوجوب كون المدة فيها مما يعلم فيها إدراك الزرع ولو من جهة العادة ، لأن إدراك الزرع هو الملحوظ في المزارعة ، بل ركنها الأعظم ، حتى أنه ظن من جعل ذلك هو المدار في بعض النصوص عدم اعتبار المدة في المزارعة وأن إدراك الزرع هو الغاية فيها. قال إبراهيم الكرخي لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أشارك العلج فيكون من عندي الأرض والبذر والبقر ، ويكون على العلج القيام والسقي والعمل في الزرع حتى يكون حنطة أو شعيراً ، ويكون القسم ، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1). بل بناء على ما ذكره من أن قوام المزارعة هو الزرع


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1. ويأتي التعرض للحديث بتمامه في أواخر المسألة : 5 من هذا الفصل.


فذكر المدة الزائدة على بلوغ الزرع والمساوية له بلا فائدة ، وذكر المدة الناقصة مفوت للمقصود منها ، بناء على ما سيأتي الكلام فيه في المسألة السادسة. وعلى هذا فالأولى المنع من اشتراط المدة زائداً على اشتراط زمان الشروع في الزرع.

إلا أن يكون المقصود من اشتراط المدة اشتراط عدم التواني في الأعمال المتعلقة بالزرع بحيث يتأخر الإنتاج ، أو يكون المراد من اشتراط المدة تعيين السنين والأعوام التي تستمر فيها المزارعة ، فلا يصح أن يقول : زارعتك على هذه الأرض مرات من دون تعيين. فيكون الواجب التعيين بذكر عدد المرات أو بالسنين والأعوام. في مقابل بقاء المزارعة واستمرارها إلى أجل مبهم. وإن كان يكفي أيضاً التعيين في عدد الزرع ، فيقول : زارعتك على أن تزرع الشعير فيها مرتين أو خمساً أو عشراً ، فيكون التعيين في عدد الزرع وإن لم يعلم مقدار الزمان.

وبالجملة : تعيين الزرع ووقت الشروع فيه والاستمرار على الاعمال على النحو المتعارف بلا مماهلة كاف في رفع الغرر ، وكذلك ذكر عدد الزرع والخصوصيات المتعلقة به كاف في رفع الغرر ، ( ومن ذلك ) يظهر أن ما ذكر في الشرائع بقوله : « ولو اقتصر على تعيين المزروع من غير ذكر المدة فوجهان أحدهما يصح ، لأن لكل زرع أمد فيبنى على العادة - كالقراض - والأخر يبطل ، لأنه عقد لازم فهو كالإجارة ، فيشترط فيه تعيين المدة رفعاً للغرر ، لأن أمد الزرع غير مضبوط. وهو أشبه » ، ( ضعيف ) وأول الوجهين أصح وأشبه بالقواعد حتى لو بنى على منع الغرر من الصحة إذ لا غرر ولا خطر ، كما عرفت.

والمتحصل مما ذكرنا أمور : ( الأول ) : أنه لا دليل لفظي على مانعية الغرر في المقام. ( الثاني ) : أن مانعية الغرر في المقام مستفادة

السابع : أن تكون الأرض قابلة للزرع ولو بالعلاج فلو كانت سبخة لا يمكن الانتفاع بها ، أو كان يستولي عليها الماء قبل أوان ادراك الحاصل أو نحو ذلك ، أو لم يكن هناك ماء للزراعة ولم يمكن تحصيله ولو بمثل حفر البئر أو نحو ذلك ولم يمكن الاكتفاء بالغيث ، بطل [1].

الثامن : تعيين المزروع من الحنطة والشعير وغيرهما مع اختلاف الأغراض فيه ، فمع عدمه يبطل [2] إلا أن يكون هناك انصراف يوجب التعيين ، أو كان مرادهما التعميم [3] وحينئذ فيتخير الزارع بين أنواعه.

التاسع : تعيين الأرض ومقدارها ، فلو لم يعينها بأنها هذه القطعة أو تلك القطعة ، أو من هذه المزرعة أو تلك ،


من ظهور الإجماع. ( الثالث ) : اندفاع الغرر بتعيين المزروع وأوان الزرع أو نحو ذلك ، بلا حاجة الى تعيين المدة. ( الرابع ) : أن تعيين المدة غير جائز ، إما لأنه مفوت للمقصود ، أو أنه عبث ولغو ، فلا يكون له أثر.

[1] لأن امتناع الموضوع يوجب امتناع المضمون. مع أن الحكم إجماعي ظاهراً ، وإن كان البطلان أوضح من أن يستدل عليه بالإجماع.

[2] الظاهر من العبارة البطلان حتى مع إرادة التعميم. لكن ينافيه ما سيأتي من الصحة حينئذ فيختص البطلان - على هذا - بما إذا كان المراد من الزرع المردد. وحينئذ فالبطلان ظاهر الوجه ، لأن المردد لا خارجية له ، كي يكون موضوعاً للاحكام. على أنه فرض نادر. ولأجل ذلك لم يتعرض الجماعة لذكر هذا الشرط بهذا المعنى.

[3] يعني : المفهوم الجامع بين الافراد. لكن لا يخفى أن إرادة

أو لم يعين مقدارها ، بطل مع اختلافها ، بحيث يلزم الغرر [1]. نعم مع عدم لزومه لا يبعد الصحة ، كأن يقول : « مقدار جريب من هذه القطعة من الأرض التي لا اختلاف بين أجزائها » أو « أي مقدار شئت منها ». ولا يعتبر كونها شخصية فلو عين كلياً موصوفاً على وجه يرتفع الغرر فالظاهر صحته وحينئذ يتخير المالك في تعيينه [2].

العاشر : تعيين كون البذر على أي منهما [3] ، وكذا سائر المصارف واللوازم إذا لم يكن هناك انصراف مغن عنه ولو بسبب التعارف.


التعميم لا توجب ارتفاع الغرر ، وإنما توجب الاقدام على الغرر ، فاذا كان دليل على مانعية الغرر فهو حاصل في الفرض مع اختلاف الافراد في الضرر وعدمه أو شدة الضرر وخفته ، والرضا بالتعميم لا يرفع مانعية الغرر. نعم لا دليل على مانعية الغرر من هذه الجهة ، والإطلاق يقتضي الصحة.

[1] الكلام في هذا الشرط هو الكلام فيما قبله ، فاذا كان الغرر مانعاً فهو في المقامين سواء ، وإلا فلا موجب للبطلان فيهما أيضاً.

[2] كما في بيع الكلي.

[3] قال في القواعد : « والإطلاق يقتضي كون البذر على العامل. ويحتمل البطلان » وحكى الأول عن جماعة. وكأن وجهه : أن المزارعة تقتضي لزوم العمل على الفلاح بنحو الواجب المطلق المقتضي وجوب مقدماته ومنها البذر ، كالعوامل وآلات الحرث ونحو ذلك ، كما أن إطلاق الإجارة على الخياطة يقتضي كون الخيوط على الأجير لا على المستأجر. فيكون وجه البطلان الذي احتمله في القواعد المنع من ذلك ، وأن مقتضى المزارعة

( مسألة 1 ) : لا يشترط في المزارعة كون الأرض ملكاً للمزارع ، بل يكفي كونه مسلطاً عليها بوجه من الوجوه كأن يكون مالكاً لمنفعتها بالإجارة أو الوصية أو الوقف عليه أو مسلطاً عليها بالتولية كمتولي الوقف العام أو الخاص والوصي


مجرد العمل بنحو الوجوب المشروط بوجود البذر ، فاذا لم يتعين من عليه البذر كان المفهوم المنشأ بلا موضوع ، فيبطل. وعن الإيضاح وجامع المقاصد : أنه الأصح. لكن في صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « وسألته عن المزارعة قال (عليه السلام) : النفقة منك والأرض لصاحبها ، فما أخرج اللّه تعالى من شي‌ء قسم على الشطر. وكذلك أعطى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) خيبر حين أتوه ، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت » (1).

لكن في جامع المقاصد الإطباق على صحة المزارعة مع كون البذر على المالك ، فان تمَّ - كما هو الظاهر ، كما يشهد به تقسيم المزارعة في كلامهم الى صور متعددة ، ومنها كون البذر على العامل تارة ، وعلى صاحب الأرض أخرى ، وعليهما معاً ثالثة - فلا مجال للعمل بظاهر الرواية ، ويتعين تأويلها والرجوع إلى القواعد المقتضية لوجوب التعيين إذا لم يكن تعين ، وربما يختلف ذلك باختلاف الأصقاع والازمان ، فقد يكون البذر على صاحب الأرض فيكون الفلاح كالبناء ، وقد يكون على الفلاح فيكون الفلاح كالخياط والصحاف في زماننا ، وقد لا يكون تعارف ، وحينئذ لا بد من التعيين ، ومع عدمه تبطل لعدم الموضوع. إلا أن يكون إطلاق فيقتضي كونه على العامل ، كما ذكر في القواعد : وسيأتي في المسألة التاسعة عشرة ماله نفع في المقام.


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

أو كان له حق اختصاص بها بمثل التحجير والسبق ونحو ذلك [1] ، أو كان مالكاً للانتفاع بها ، كما إذا أخذها بعنوان المزارعة فزارع غيره [2] أو شارك غيره. بل يجوز أن يستعير الأرض للمزارعة. نعم لو لم يكن له فيها حق أصلا لم يصح مزارعتها ، فلا يجوز المزارعة في الأرض الموات مع عدم تحجير أو سبق أو نحو ذلك ، فان المزارع والعامل فيها سواء. نعم يصح الشركة في زراعتها مع اشتراك البذر ، أو بإجارة أحدهما نفسه للآخر في مقابل البذر أو نحو ذلك. لكنه ليس حينئذ من المزارعة المصطلحة [3]. ولعل هذا مراد الشهيد في المسالك من عدم جواز المزارعة في الأراضي الخراجية التي هي للمسلمين قاطبة [4] إلا مع الاشتراك في البذر أو بعنوان آخر. فمراده هو فيما إذا لم يكن للمزارع جهة اختصاص بها ، وإلا فلا إشكال في جوازها بعد الإجارة من السلطان ، كما يدل عليه جملة من الاخبار.

( مسألة 2 ) : إذا أذن لشخص في زرع أرضه على أن يكون الحاصل بينهما بالنصف أو الثلث أو نحوهما ، فالظاهر


[1] كما إذا وضع فيه شيئاً.

[2] كما سيأتي التعرض لذلك في المسألة الثالثة عشرة.

[3] من المعلوم أن الشركة في الزرع ليست مزارعة - كما عرفت - مفهوماً عرفاً ولغة وشرعاً.

[4] قال في المسالك : « واعلم أنه قد استفيد من حقيقة المزارعة ومن صيغتها أن المعقود عليه هو الأرض المملوكة المنتفع بها - كما سيتحرر


من شرائطها - ويبقى من لوازمها البذر والعمل والعوامل ، وهي بحسب ما يتفقان عليه في مقابلة الأرض أو بعضها مضافاً إليها من صاحب الأرض وبعضها على العامل ، وصورها المتشعبة بينها كلها جائزة. وأنه لا تشرع المزارعة إذا لم تكن الأرض ملكاً لأحدهما كما في الأرض الخراجية .. ». وأشكل عليه : بأن صيغة المزارعة - التي هي : زارعتك ونحوها - لا تقتضي اعتبار ملكية الأرض لا عيناً ولا منفعة ، بل يكفي فيها الأولوية الحاصلة في أرض الخراج بالإحياء أو بالتفويض ممن هي بيده.

وعن الكفاية : الجزم بعدم اعتبار ذلك في المزارعة ، وذكر جملة من النصوص الدالة على جواز مزارعة أرض الخراج ، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث : « أنه سئل عن مزارعة أهل الخراج بالربع والنصف والثلث. قال : نعم لا بأس به ، قد قبل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) خيبر أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر ، والخبر هو النصف » (1)وخبر الفيض بن المختار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك ما تقول في أرض أتقبلها من السلطان ثمَّ أؤاجرها أكرتي على أن ما أخرج اللّه منها من شي‌ء كان لي من ذلك النصف والثلث بعد حق السلطان. قال : لا بأس به ، كذلك أعامل أكرتي » (2)، وصحيح يعقوب المتقدم في الشرط العاشر.

لكن في الجواهر حمل كلام المسالك على إرادة ما في المتن. إلى أن قال : « ودعوى ظهور كلامه في اعتبار ملكية العين في المزارعة ، مقطوع بفسادها ، فان القواعد والنصوص والفتاوى صريحة في خلافها ، ويبعد خفاء مثل ذلك على مثله » أقول : صريح كلامه اعتبار الملكية وعدم


1) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 8.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 3.

صحته وإن لم يكن من المزارعة المصطلحة. بل لا يبعد كونه منها أيضاً [1]. وكذا لو أذن لكل من يتصدى للزرع وإن لم يعين شخصاً [2]. وكذا لو قال : « كل من زرع أرضي هذه أو مقداراً من المزرعة الفلانية فلي نصف حاصله أو ثلثه » - مثلا - فأقدم واحد على ذلك ، فيكون نظير الجعالة [3]


صحة المزارعة على الأرض الخراجية لعدم كونها ملكا للمزارع ، فدعوى ظهور كلامه في ذلك مقطوع بصحتها لا بفسادها. والقواعد والفتاوى والنصوص إنما تدل على فساد دعوى اعتبار الملكية ، لا على فساد دعوى ظهور كلامه في ذلك.

[1] قد تقدم وسيأتي أن المزارعة المصطلحة من العقود اللازمة ومن المعلوم أن الاذن في الفعل الخارجي ليس عقداً ، فضلا عن أن يكون لازماً. نعم إذا كان المراد من الاذن في زرع الأرض الاذن في إيقاعه للمزارعة الإنشائية ، وكان المزارع في مقام إنشائها ، كان إنشاؤها بذلك إيجاباً لها. ويكون الاذن السابق قائماً مقام القبول ، لكونه اعمالا للسلطنة. وكذا إذا كان من قبيل الدال على إيجاب المزارعة بالدلالة العقلية ، نظير دلالة التصرف على إمضاء العقد أو فسخه ، كما سبق ذلك في مبحث الإيجاب والقبول. لكن الظاهر خروج ذلك عن الفرض المقصود من العبارة. وبالجملة : الاذن في زرع الأرض لشخص إيقاع بحت ، لا عقد ولا جزء عقد.

[2] الفرق أن الأول إذن لشخص بعينه ، والثاني إذن عام ، والثالث ليس إذناً ، وإنما هو جعل على نفسه ، ويستفاد منه الإذن بالقرينة ، وهو جعل العوض للمأذون الدال على الترغيب إليه.

[3] لأن الجعالة جعل شي‌ء على نفسه فتشترك مع الفرض الأخير في ذلك لكن يشكل ما ذكره : بأن الجعالة إيقاع على المشهور ، فكيف يكون

فهو كما لو قال : « كل من بات في خاني أو داري فعليه في كل ليلة درهم » « أو كل من دخل حمامي فعليه في كل مرة ورقه » فإن الظاهر صحته للعمومات. إذ هو نوع من المعاملات العقلائية ، ولا نسلم انحصارها في المعهودات ، ولا حاجة إلى الدليل الخاص لمشروعيتها ، بل كل معاملة عقلائية صحيحة إلا ما خرج بالدليل الخاص ، كما هو مقتضى العمومات.

( مسألة 3 ) : المزارعة من العقود اللازمة [1] لا تبطل


الفرض الأخير إيقاعاً وقد جعله من المزارعة المصطلحة؟! اللّهم إلا أن يكون بناؤه على أن الجعالة من العقد. كما هو قول لبعضهم.

والتحقيق : أن الفروض المذكورة وكذلك الجعالة ليست من العقود إذ لم يجعل فيها للعامل عنوان من العناوين الموقوف على إعمال سلطنته وقبوله. مع أنها لو كانت عقداً احتاجت الى القبول ، وهو مفقود ، فان العمل من العامل لم يكن بقصد القبول للإيجاب ، بل كان بقصد الجري على مقتضى الإيجاب بناء منه على تمامية اقتضائه ، فلا يكون قبولا فعلياً مع أنه في الصورتين الأخيرتين وفي الجعالة قد لا يكون موالياً للإيجاب أو لا يكون مطابقاً له ، كما إذا كان العمل بقصد عوض آخر غير ما ذكر في الإيجاب ، أو كان صادراً من غير البالغ ، أو من غير الرشيد أو من غير المميز أو من المجنون الذي لا يصح قصده. ولعله لذلك قال في الشرائع في مبحث الجعالة : أنها لا تحتاج الى قبول. وإن كان ينافيه قوله بعد ذلك : « ويجوز أن يكون العمل مجهولا ، لأنه عقد جائز كالمضاربة » إلا أن يكون مراده من العقد معنى آخر ، لا ما اشتمل على الإيجاب والقبول ، وإن كان بعيداً. وكيف كان فالتحقيق ما ذكرنا.

[1] إجماعاً - كما عن جامع المقاصد - وفي المسالك : أنه اتفاق ، وفي

إلا بالتقايل [1] أو الفسخ بخيار الشرط [2] أو بخيار الاشتراط [3] أي : تخلف بعض الشروط المشترطة على أحدهما. وتبطل أيضاً بخروج الأرض عن قابلية الانتفاع [4] لفقد الماء أو استيلائه أو نحو ذلك. ولا تبطل بموت أحدهما [5] ، فيقوم وارث الميت منهما مقامه [6].


الجواهر : « بلا خلاف ، بل لعل الإجماع بقسميه عليه » وعن الكفاية : « كأنه إجماع ». ويقتضيه ما دل على اللزوم في عامة العقود.

[1] لما دل على مشروعية الإقالة في عامة العقود اللازمة. وعن الرياض : الظاهر أنه لا خلاف في البطلان بالتقايل ، ونحوه عن غيره.

[2] لما دل على صحة اشتراط الخيار في عامة العقود اللازمة ، لعموم صحة الشروط.

[3] فان فوات الشرط يوجب الخيار ، إما لأنه من الأحكام العرفية الممضاة لدى الشارع المقدس ، أو لأن لازم اشتراط الشرط اشتراط الخيار عند فقده. هذا وقد اقتصر المصنف في الخيار على السببين المذكورين مع أن الخيار قد يكون بالغبن ، بناء على عموم دليله لجميع المعاوضات المالية وقد أثبته المصنف وغيره في الإجارة ، ولا فرق بينها وبين المقام. نعم لو كان دليله الإجماع اختص بالبيع ، لاختصاص الإجماع به ، وحينئذ لا يشمل الإجارة ولا المقام ، فالتفكيك بين الإجارة والمقام غير ظاهر ، إذ المقام إما من قبيل إجارة الأرض ، أو إجارة الأجير العامل ، أو إجارتهما.

[4] كما صرح به غير واحد ، لما تقدم في الشرط السابع.

[5] كما في الشرائع والقواعد وغيرهما ، وفي جامع المقاصد : « لا نعرف خلافاً في أن المزارعة لا تبطل بموت أحد المتعاقدين ». ويقتضيه الأصل.

[6] كما نص على ذلك في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما.

نعم تبطل بموت العامل مع اشتراط مباشرته للعمل [1] ، سواء كان قبل خروج الزرع أو بعده [2]. وأما المزارعة المعاطاتية فلا تلزم إلا بعد التصرف [3]. وأما الإذنية فيجوز فيها الرجوع دائماً [4] ، لكن إذا كان بعد الزرع وكان البذر من


[1] كما ذكره في المسالك. لكنه يختص بما إذا كان الشرط راجعاً الى تقييد العمل بعمل العامل مباشرة ، بأن كان موضوع المزارعة الأرض ومنفعة العامل نفسه ، والبطلان فيه ظاهر. لفوات الموضوع الموجب لفوات الحكم. أما إذا كان الشرط راجعاً الى اشتراط شي‌ء زائد على العامل. فالموضوع نفس العمل في الذمة ، الشامل لعمل غيره ، فيكون الشرط تطبيقه على عمل نفسه ، فاذا مات العامل فقد تعذر العمل بالشرط ويكون الحكم صحة العقد والخيار في الفسخ ، لفوات الشرط.

[2] في المسالك : « هو مشكل لو كان موته بعد خروج الثمرة لأنه قد ملك الحصة وإن وجب عليه بقية العمل ، فخروجه عن ملكه بعد ذلك بعيد ». ورده في الجواهر : بأن الملك وإن حصل ، لكنه متزلزل إلى حصول تمام العمل نحو ملك العامل في المضاربة في بعض الأحوال ». وهو في محله عملا بمقتضى العقد الخاص.

[3] لما حرر في مبحث البيع المعاطاتي من عدم لزومها الا بالتصرف.

[4] قد تقدم منه أن المزارعة الإذنية من المزارعة المصطلحة ، وقد عرفت أن المزارعة المصطلحة من العقود ، فتكون لازمة ، عملا بأصالة اللزوم في العقود. نعم إذا كانت من الإيقاع جاز الرجوع فيها ، لكن بالنسبة إلى المستقبل الذي هو محل الابتلاء ، لا بالنسبة الى الماضي الخارج عن محل الابتلاء ، فاذا قال زيد : أذنت لك أن تسكن داري شهراً ، فسكنت فيه أياماً ، ثمَّ رجع عن الاذن صح ذلك بالنسبة إلى اللاحقة ، لا

العامل يمكن دعوى لزوم إبقائه إلى حصول الحاصل ، لأن الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه [1] ، وفائدة الرجوع أخذ أجرة الأرض منه حينئذ ويكون الحاصل كله للعامل.

( مسألة 4 ) : إذا استعار أرضاً للمزارعة [2] ثمَّ أجرى


الماضية ، فإنه لا يجوز الرجوع فيها ، لخروجها عن محل الابتلاء.

[1] الاذن في بقاء الزرع ليس مستنداً إلى الاذن في الزرع ، ليكون من باب : الاذن في الملزوم إذن في اللازم ، بل هو مقتضى صريح العبارة الدالة على استحقاق حصة الناتج. مضافاً إلى أن ثبوت الاذن في بقاء الزرع لا يجدي بعد فرض رجوع المالك عن الاذن ، كما هو المفروض. اللّهم إلا أن يكون مراده أنه إذا أذن المالك في إبقاء الزرع فرجع عن إذنه ليس له قلع الزرع الذي كان مأذوناً في إبقائه. لكن - على هذا - يكون المناسب التعرض لإثبات هذه الدعوى ووجهها ، لا التعليل بما ذكر. وأيضاً فإن جواز رجوع المالك بعد عمل العامل غير ظاهر ، إذ لا دليل على عموم الرجوع عن الاذن ، ومقتضى الأصل عدم تأثير الرجوع شيئاً وبقاء الاستحقاق للحصة المعينة ، وعدم الرجوع إلى أجرة المثل بحاله.

فالذي يتحصل في الاشكال على ما في المتن أمور : ( الأول ) : أن الاذن في بقاء الزرع ليس مستنداً إلى الملازمة والاذن في الملزوم ، بل مستند إلى صريح القول. ( الثاني ) : أن الكلام ليس في الاذن من المالك ، بل في تأثير الرجوع عن الاذن في جواز القلع وعدمه. ( الثالث ) : أنه لا دليل على جواز رجوع المالك عن إذنه بعد عمل العامل ، لا سيما إذا كان النتاج لا يحتاج إلى عمل.

[2] الظاهر أنه لا مانع من صحة استعارة الأرض للمزارعة ، فان الاستعارة استباحة العين للاستفادة بمنافعها ، أعم من أن تكون الاستفادة

عقدها لزمت ، لكن للمعير الرجوع في إعارته [1] ، فيستحق أجرة المثل لأرضه على المستعير ، كما إذا استعارها للإجارة [2] فآجرها ، بناء على ما هو الأقوى من جواز كون العوض لغير مالك المعوض.


بالمباشرة أو بالتسبيب ، فالحصة التي تكون للمستعير بالمزارعة نتيجة استعارة الأرض للمزارعة.

[1] لا يخلو من نظر ، فإن المزارعة قد اقتضت على وجه اللزوم استحقاق المستعير والعامل لمنفعة الأرض ، فلا يمكن رجوع المنفعة إلى مالكها كي يترتب على الرجوع فائدة. ودعوى : أن فائدة الرجوع عن الاذن ضمان أجرة المثل. مدفوعة : بأنه لا موجب لهذا الضمان. وثبوت الضمان فيما لو باع المشتري العين ثمَّ ظهر غبن البائع ، فإنه إذا فسخ يرجع على المشتري ببدل العين ، لأنها مضمونة بالمعاوضة ، لا يقتضي ثبوت الضمان هنا ، إذ لا معاوضة في العارية.

[2] في صحة هذه الاستعارة نظر ، فإن الاستعارة استباحة الانتفاع بالعين واستيفاء منفعتها ، والإجارة ليست استيفاء للمنفعة ، بل استيفاء لعوضها ، فلا تصح الاستعارة لها.

لكن المصنف (رحمه اللّه) لم يهتم لهذا الاشكال واهتم لإشكال آخر ، وهو أن الإجارة من المعاوضات ، وهي تقتضي دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض ، فيجب أن تدخل الأجرة في ملك مالك المنفعة وهو المعير ، ولا يمكن أن تدخل في ملك غيره وهو المستعير. وأجاب عنه : بأن العوض في المعاوضات لوحظ فيه العوضية في الجملة ، ولا يجب أن يدخل في ملك مالك المعوض. لكن قد تقدم الإشكال في ذلك ، وأنه خلاف المرتكز في باب المعاوضة. نعم لا يبعد عدم اعتبار دخول المعوض في ملك من

( مسألة 5 ) : إذا شرط أحدهما على الآخر شيئاً في ذمته أو في الخارج - من ذهب أو فضة أو غيرهما - مضافاً إلى حصته من الحاصل صح [1].


يخرج منه العوض.

ثمَّ إنه قد يقال بصحة الاستعارة للإجارة ، بملاحظة أن الأجرة تدخل في ملك المعير ، ثمَّ تدخل في ملك المستعير ، فمرجع الاستعارة للإجارة الاذن في تملك الأجرة. ولكن لا يخفى أن ذلك بعيد عن مفهوم الاستعارة جداً ، إذ العين المستعارة على هذا لم يقصد الاستفادة بمنفعتها. ولا بعوض المنفعة وانما قصد الاذن في الإجارة للمعير ثمَّ تملك الأجرة ، لا الإجارة للمستعير فلم تكن الاستعارة للإجارة.

[1] كما هو المشهور ، بل عليه عامة من تأخر ، كما في الجواهر. وفي الشرائع : حكاية القول بالبطلان ، لكن عن جماعة أنه لم يعرف قائله ، بل ولا دليله ، لمخالفته لعموم نفوذ الشروط من غير مخصص أو مقيد. مضافاً الى ما رواه المشايخ الثلاثة : (رضي اللّه عنه) عن محمد بن سهل بن اليسع عن أبيه قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) موسى (عليه السلام) عن الرجل يزرع له الحراث بالزعفران ، ويضمن له أن يعطيه في كل جريب أرض يمسح عليه وزن كذا وكذا درهما ، فربما نقص وغرم ، وربما استفضل وزاد. قال (عليه السلام) : لا بأس به إذا تراضيا » (1). وقد استدل به على الحكم كما عن جماعة ، مستظهرين دلالته ، منهم الخراساني والكاشاني والسيد في الرياض ، وفي الجواهر : « في المفاتيح : في بعض الأخبار عليه دلالة ( يعني : على جواز الشرط المذكور ) قيل : ولعله ما أشار إليه في الكفاية من بعض المعتبرة : عن الرجل .. » ثمَّ ذكر الحديث ولم يتعرض لوجه


1) الوسائل باب : 14 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

وليس قراره مشروطاً بسلامة الحاصل [1] ،


الدلالة. لكن الدلالة على ما نحن فيه غير ظاهرة ، لوروده في اشتراط حصة معينة من الحاصل لا من غيره ، والتعدي إلى غيره غير ظاهر.

[1] قال في المسالك : « القول بالمنع لا نعلم القائل به. وعلى القول بالجواز يكون قراره مشروطاً بالسلامة ، كاستثناء أرطال معلومة من الثمرة في البيع ، فلو تلف البعض سقط منه بحسابه ، لأنه كالشريك وإن كانت حصته معينة. مع احتمال أن لا يسقط منه شي‌ء بتلف البعض متى بقي قدر نصيبه ، عملا بإطلاق الشرط ». والذي يظهر من العبارة أن في المسألة احتمالين : ( الأول ) : أنه يسقط من الشرط بنسبة التالف إلى الحاصل ، فيكون من قبيل الجزء المشاع فاذا تلف من الحاصل الربع - مثلا - سقط من الشرط الربع. ( الثاني ) : أنه لا يسقط منه ما دام الباقي من الحاصل بمقداره ، فاذا تلف الحاصل كله سقط الشرط حينئذ ، فيكون من قبيل الكلي في المعين ، والأول أقوى في نظره الشريف من الثاني ، ولكن الاحتمالين خلاف عموم صحة الشرط وإطلاقها الشامل لصورتي تلف الحاصل أو بعضه وعدمه ، فلا يسقط من الشرط شي‌ء وان تلف جميع الحاصل ، نظير الدين في الذمة.

ولا مجال لقياس المقام على صورة استثناء البائع للثمرة بعض الحاصل الذي ذكر الأصحاب أنه يسقط من المستثنى بالنسبة ، لأن الاستثناء يقتضي وحدة السنخية بين المستثنى والمستثنى منه ، ولما كان المستثنى منه خارجياً كان المستثنى أيضاً خارجياً ، فيكون جزءاً مشاعاً لا كلياً في المعين ولا في الذمة ، وفي المقام لا وحدة جنسية بين الحاصل وبين الشرط ، كي يبني على وحدة السنخية ليترتب ما ذكر. فلاحظ ما ذكرناه في تلك المسألة في باب ( بيع صاع من صبرة ) من كتابنا نهج الفقاهة.

بل الأقوى صحة استثناء مقدار معين من الحاصل لأحدهما [1] مع العلم ببقاء مقدار آخر ليكون مشاعاً بينهما ، فلا يعتبر إشاعة جميع الحاصل بينهما لي الأقوى. كما يجوز استثناء


[1] قال في المختلف : « منع بعض أصحابنا أن يشترط أحدهما شيئاً من الحاصل والباقي يكون بينهما. والوجه عندي الجواز. وقد نص الشيخ وجماعة - كابن البراج وابن إدريس وغيرهما - على جواز اشتراط إخراج البذر أولا » ، وفي التحرير : « لو شرط أحدهما قفيزاً معلوماً من الحاصل وما زاد بينهما ففي البطلان نظر » ، وظاهره أن الصحة أقرب ، وعن الكفاية : أنه غير بعيد.

لكن في القواعد الحكم بالبطلان على إشكال ، وهو المحكي عن كثير من كتب الأصحاب ، وهو المشهور ، كما في المسالك. وفي الشرائع : « لو شرط أحدهما قدراً من الحاصل وما زاد عليه بينهما لم يصح ، لجواز أن لا تحصل الزيادة » ، ولا يخفى ضعف التعليل ، فان الاحتمال المذكور لا يبطل المزارعة في صورة عدم الشرط ، فكيف صار يبطلها مع فرضه. مضافاً إلى أنه قد يحصل العلم بالزيادة ، فلا وجه للمنع مطلقاً. نعم لا بد من حصول الزيادة في الواقع ، لا أن العلم به شرط في الصحة. وفي جامع المقاصد : الاستدلال بأصالة عدم المشروعية فيما لم يثبت مشروعيته ، لأن العقود بالتلقي ، وفي المسالك : الاستدلال بأن ذلك مناف لوضع المزارعة ، وكون العقد على خلاف الأصل ، حيث أن العوض فيه مجهول ، فيقتصر فيه على موضع النقل. انتهى. وفيه : أنه لا دليل على قدح الجهالة كلية. كما أنه لم يثبت منافاته لوضع المزارعة. وأما أصالة عدم المشروعية فهي خلاف إطلاق دليل صحة المزارعة ، فضلا عن صحة العقود. نعم لا بد من إثبات كونها مزارعة عرفاً ، أما مع الشك في ذلك فالأصل عدم ترتب

مقدار البذر لمن كان منه [1] ، أو استثناء مقدار خراج السلطان ، أو ما يصرف في تعمير الأرض ، ثمَّ القسمة. وهل


أحكام المزارعة ، وإن قيل بصحتها من حيث كونها عقداً.

ثمَّ إن ظاهر النصوص المتقدمة أن قوام المزارعة المعاملة على الأرض بالحصة المشاعة ، وهو في المقام حاصل ، غاية الأمر أنه اشترط فيه شرط ودليل صحة الشروط يقتضي صحته ، كما في المسألة السابقة ، ولا فرق بين أن يكون الشرط متعلقاً بالحاصل كما هنا ، أو متعلقاً بخارج الحاصل كما في المسألة السابقة ، فالتفصيل بينهما - كما عن الأكثر - بلا فاصل. ودعوى : كون الشرط المتعلق بالحاصل منافيا لوضع المزارعة ، فيكون منافيا لمقتضى العقد ، فيكون باطلا. ممنوعة. لما عرفت. ويمكن الاستدلال على الصحة برواية سهل بن اليسع المتقدمة ، إذ تقدم أن موردها ما نحن فيه دون ما تقدم.

[1] الظاهر أنه لا إشكال في صحة اشتراط ذلك واستثنائه ، والنصوص تدل عليه ، ففي خبر إبراهيم الكرخي قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أشارك العلج ( المشرك. خ ل ) فيكون من عندي الأرض والبقر والبذر ويكون على العلج القيام والسقي ( السعي. خ ل ) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيراً ، وتكون القسمة فيأخذ السلطان حقه ( مثله. خ ل ) ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي. قال : لا بأس بذلك. قلت : فلي عليه أن يرد علي مما أخرجت الأرض البذر ويقسم ما بقي؟ قال : إنما شاركته على أن البذر من عندك وعليه السقي والقيام ( القيام والسعي. خ ل ) » (1). وظاهر التعليل في الأخير جواز اشتراط أخذ البذر قبل القسمة. وصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج فيدفعها إلى الرجل


1) الوسائل باب : 10 من كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

يكون قراره في هذه الصورة مشروطاً بالسلامة كاستثناء الأرطال في بيع الثمار [1] أو لا؟ وجهان [2].


على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها ، وما كان من فضل فهو بينهما. قال : لا بأس » (1). وظاهره اشتراط الأمور الثلاثة جميعها.

[1] قد أشرنا في أوائل المسألة إلى أنه قد ذكر الفقهاء - قدس اللّه أسرارهم - أنه إذا باع الثمرة واستثنى مقداراً معيناً فخاست الثمرة ينقص من المستثنى على حسب النسبة. قال في الشرائع : « يجوز أن يستثني ثمرة شجرات أو نخلات بعينها ، وأن يستثني حصة مشاعة أو أرطالا معلومة. ولو خاست الثمرة سقط من الثنيا بحسابه ». وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه ». كما أنهم ذكروا في بيع الصاع من صبرة أنه إذا تلف بعض الصبرة لم ينقص من المبيع شي‌ء. ولأجل ذلك استشكل في وجه الفرق بين المسألتين جماعة ، والأقرب في وجه الفرق : أن المبيع في بيع صاع من صبرة الكلي الذي لا ينقص بنقصان الصبرة ، والمستثنى في بيع الثمرة المقدار المشاع لا الكلي ، لأن حمله على الكلي يوجب عدم السنخية بين المستثنى والمستثنى منه ، وإذا حمل على المقدار المشاع لا بد أن يرد عليه النقص الوارد على الكل ، بخلاف بيع الصاع ، فان الظاهر من المبيع الكلي ، ولا مقتضى لحمله على المشاع ، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.

[2] الظاهر اختلاف الحكم باختلاف التعبير ، فان كان بنحو الاستثناء - كما عبر به في المتن - حمل على الإشاعة - كما ذكرنا - وإن كان على نحو آخر حمل على الكلي في المعين أو في الذمة على اختلاف العبارات » والمصنف (رحمه اللّه) عبر بالاستثناء ، وغيره بالشرط ، والشرط قد يكون بنحو الإشاعة ، وقد يكون بنحو الكلي في المعين ، وقد يكون بنحو الكلي في الذمة ، وقد


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

( مسألة 6 ) : إذا شرط مدة معينة يبلغ الحاصل فيها غالباً فمضت والزرع باق لم يبلغ فالظاهر أن للمالك الأمر بإزالته [1] بلا أرش [2] أو إبقائه ومطالبة الأجرة إن رضي العامل بإعطائها ولا يجب عليه الإبقاء بلا أجرة ، كما لا يجب عليه الأرش مع إرادة الإزالة ، لعدم حق للزارع بعد المدة والناس مسلطون على أموالهم [3]. ولا فرق بين أن يكون


عرفت حكم كل منها. فان كان التعبير من المصنف بالاستثناء يريد به معناه فاللازم الفتوى بسراية النقص ، ولا وجه للتردد ، وإن كان يريد به الشرط - كما ذكر الفقهاء - فالحكم يختلف باختلاف التعبير.

[1] قال في الشرائع : « ولو مضت المدة والزرع باق كان للمالك إزالته على الأشبه ، سواء كان بسبب الزارع - كالتفريط - أو من قبل اللّه سبحانه ، كتأخر المياه ، أو تغير الأهوية ، ونحوه ما في المسالك ، وما عن التحرير والإرشاد والروض ومجمع البرهان والكفاية وغيرها مما هو كثير.

[2] للأصل.

[3] هذا الاستدلال ذكره في المسالك. وفيه : أن قاعدة السلطنة معارضة بقاعدة الضرر ، لأن إزالة الزرع ضرر على الزارع ، وقاعدة الضرر مقدمة على قاعدة السلطنة. نعم إذا اتفق أن منع المالك عن التصرف في أرضه ضرر عليه - لما فيه من تفويت المنفعة الخاصة - تعارضت قاعدة الضرر في الطرفين ، فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة. وعليه يتعين التفصيل بين صورة ما إذا كان حبس المالك عن التصرف في أرضه ضرراً وبين غيرها ، فتجوز الإزالة في الأولى ، ولا تجوز في الثانية. فإذا جازت الإزالة في الأولى فإزالة الزارع فلا موجب لاستحقاق الأرش على مالك

ذلك بتفريط الزارع [1] أو من قبل اللّه ، كتأخير المياه أو تغير الهواء. وقيل بتخييره بين القلع مع الأرش والبقاء مع الأجرة [2]. وفيه : ما عرفت [3] ، خصوصاً إذا كان


الأرض ، للأصل - كما سبق - ولا مجال لاحتمال أن قاعدة الضرر تقتضي ذلك ، أولا لما عرفت من سقوطها ، وثانياً لأنها نافية فلا تصلح للإثبات وكذا إذا امتنع الزارع من الإزالة فإزالة المالك. واحتمال الضمان - لأن النقص جاء بفعله - ضعيف ، لأن الزرع لما لم يكن مستحق البقاء لم تكن في إزالة المالك له نوع من التعدي ، كي يوجب الضمان. وإذا لم تجز الإزالة في الثانية فبقي الزرع استحق المالك أجرة الأرض ، وقاعدة الضرر الموجبة لجواز الإبقاء لا تقتضي الإبقاء مجاناً ، فاستيفاء منفعة الأرض تقتضي ضمانها.

[1] يمكن أن يقال بعدم جريان قاعدة الضرر في هذه الصورة ، لأن تفريطه يوجب نسبة الضرر إليه. لا إلى الحكم الشرعي. كي يرتفع بقاعدة الضرر. ولكنه كما ترى ، إذ الضرر يحصل بالإزالة التي سوغها الشارع. نعم قد يقال : إن تفريطه إقدام على الضرر ، فلا تشمله القاعدة لاختصاصها بغير المقدم. وهو أيضاً مشكل إذ قد يكون تفريطه برجاء بلوغ الزرع مع التفريط ، أو رضا المالك بإبقائه ، أو نحو ذلك من الوجوه التي لا يكون فيها الاقدام على الضرر.

[2] القائل العلامة في القواعد قال : « ولو ذكر مدة يظن الإدراك فيها فلم يحصل فالأقرب أن للمالك الإزالة مع الأرش أو التبقية بالأجرة ، سواء كان بسبب الزارع ، كالتفريط بالتأخير أو من قبل اللّه تعالى كتغيير الأهوية وتأخير المياه ».

[3] من أنه لا دليل على الأرش.

بتفريط الزارع [1]. مع أنه لا وجه لإلزامه العامل بالأجرة بلا رضاه [2]. نعم لو شرط الزارع على المالك إبقاءه إلى


[1] ولذلك فصل جماعة بين صورة التفريط من الزارع فتجوز الإزالة بلا أرش ، وبين غيرها فلا تجوز الإزالة.

[2] كما ذكره في جامع المقاصد. وتبعه عليه غيره ، فان ذلك خلاف قاعدة السلطنة على النفس المانعة من إلزام الزارع بالأجرة.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : ( الأول ) : أن قلع الزرع عند انتهاء المدة إذا لم يكن موجباً للضرر فيه جاز للمالك الأمر بإزالته ، عملا بقاعدة السلطنة من دون معارض. ( الثاني ) : أنه إذا كان قلع الزرع موجباً للضرر فيه كان مقتضى قاعدة نفي الضرر - المقدمة على قاعدة السلطنة - عدم جواز قلعه ، ويتعين دفع الأجرة للمالك في مقابل المنفعة المستوفاة من بقاء الزرع ، فان استيفاء المنفعة موجب للضمان. ( الثالث ) : إذا كان قلع الزرع ضرراً عليه وإبقاؤه في الأرض ضرراً عليها ، كان مقتضى تعارض الضررين سقوط القاعدة فيهما والرجوع إلى قاعدة السلطنة ولا يقدم أقوى الضررين ، لأن المقام من تعارض التطبيقين ونسبة الدليل إليهما نسبة واحدة من دون ترجيح ، وليس المقام من التزاحم ، كي يقدم الأقوى على الأضعف. ثمَّ إذا رجع إلى قاعدة السلطنة جاز للمالك الأمر بالإزالة من دون أرش عليه ، إذ لا موجب له ، وقاعدة الضرر غير جارية مع مع أنها لا تصلح للإثبات لأنها نافية لا مثبتة ، مع أنه لو ثبت الأرش لم يكن ذلك لعدم الضرر ، وإنما كان لتدارك الضرر ، وليس من شأن القاعدة إثبات التدارك. ( الرابع ) : أن التفريط بالتأخير لا يوجب نسبة الضرر إلى المفرط ، ولا يقتضي الاقدام عليه ، فقاعدة الضرر بحالها ، كما في غير المفرط.

البلوغ - بلا أجرة ، أو معها - إن مضت المدة قبله لا يبعد صحته [1] ووجوب الإبقاء عليه.

( مسألة 7 ) : لو ترك الزارع الزرع بعد العقد وتسليم الأرض إليه حتى انقضت المدة ، ففي ضمانه أجرة المثل للأرض - كما أنه يستقر عليه المسمى في الإجارة - أو عدم ضمانه أصلا غاية الأمر كونه آثماً بترك تحصيل الحاصل ، أو التفصيل بين ما إذا تركه اختياراً فيضمن أو معذوراً فلا ، أو ضمانه ما يعادل الحصة المسماة من الثلث أو النصف أو غيرهما بحسب التخمين في تلك السنة ، أو ضمانه بمقدار تلك الحصة من منفعة الأرض - من نصف أو ثلث - ومن قيمة عمل الزارع ، أو الفرق بين ما إذا اطلع المالك على تركه للزرع فلم يفسخ المعاملة لتدارك


[1] قال في الشرائع : « لو شرط في العقد تأخيره إن بقي بعد المدة المشروطة بطل العقد على القول باشتراط تقرير المدة ». وفي المسالك : « وجه البطلان على القول المذكور أن المدة تصير في الحقيقة هي المجموع من المذكور وما بعده إلى أن يدرك الزرع ، وهي مجهولة ، فيبطل العقد للإخلال بالشرط. وعلى تقدير عدم جهالة الجملة فالمدة المشروطة مجهولة وشرطها في ضمن العقد من جملة العوض. فاذا تضمن جهالة بطل العقد .. ( إلى أن قال ) : ويحتمل على هذا القول صحة الشرط المذكور ، لأن المدة مضبوطة ، وما تضمنه الشرط بمنزلة التابع ، ذكر احتياطاً لأجل الحاجة وجهالة التابع غير مضرة ». لكن في الجواهر : « فيه ما لا يخفى » وكأنه لعدم الفرق في قدح الجهالة بين التابع والمتبوع. وفيه : أن عموم دليل المنع للأمرين غير ظاهر ، إذ بناء على اعتبار تعيين المدة فالدليل عليه

استيفاء منفعة أرضه فلا يضمن ، وبين صورة عدم اطلاعه إلى أن فات وقت الزرع فيضمن ، وجوه ، وبعضها أقوال ، فظاهر بل صريح جماعة الأول [1] ،


الإجماع ، وهو غير شامل للتابع.

ثمَّ إنه قال في الجواهر « قد يقال بالبطلان حتى مع تعيين المدة المشروطة ، للتعليق ، وللجهالة ولو لاعتبار الترديد بين المدتين ». وهو كما ترى ، إذ لا دليل على البطلان في التعليق في التابع أيضاً ، إذ العمدة في دليله الإجماع ، وهو غير شامل للتابع. ومن ذلك ظهر أن ما في القواعد من قوله : « ولو شرط في العقد تأخيره عن المدة إن بقي بعدها فالأقرب البطلان » أولى بالضعف.

[1] قال في الشرائع : ولو ترك المزارعة حتى انقضت المدة لزمه أجرة المثل. ولو كان استأجرها لزمته الأجرة » ، ونحوه ما في القواعد وعن التذكرة والتحرير والإرشاد والروض والمفاتيح ومجمع البرهان ، وعن الأخير : أنه ظاهر وهو المنسوب إلى ظاهر الأصحاب في كلام غير واحد. وعلله في المسالك : بأن منفعة الأرض صارت مستحقة له بحيث لا يتمكن المالك من استيفائها ، وقد فوتها ، فيلزم الأجرة ». وفيه : أنه لا يظهر وجه الملازمة بين تفويته ما يستحق وبين ضمان الأجرة للمالك. وكان الأولى تعليله : بأن منفعة الأرض صارت مستحقة له بعوض لم يسلم لتعذره ، فينتقل إلى أجرة المثل. وإن كان يشكل أيضاً : بأن تعذر العوض موجب للبطلان فاستحقاق أجرة المثل يحتاج إلى دليل. إلا أن يقال : يكفي في الضمان عموم قاعدة : ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، ولما كانت منفعة الأرض مضمونة في المزارعة الصحيحة بالحصة فهي مضمونة في المزارعة الفاسدة بالأجرة. كذا استدل. وفيه تأمل

بل قال بعضهم [1] : يضمن النقص الحاصل بسبب ترك الزرع إذا حصل نقص ، واستظهر بعضهم الثاني [2] ، وربما يستقرب الثالث [3] ،


[1] القائل الشهيد الثاني في المسالك ، قال : « وحيث يلزم ضمان الأجرة يلزم أرشها لو نقصت بترك الزرع ، كما يتفق في بعض الأرضين ، لاستناد النقص إلى تفريطه ». وهو في محله ، لأنه بحكم الأمين ، وهو يضمن النقص بالتفريط. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في الجواهر من أن ضمان النقص من أحكام يد الضمان التي ليست هذه اليد منها.

[2] يريد به صاحب الجواهر (قدس سره) حيث ذكر ، في الاشكال على الضمان أن الرجوع إلى أجرة المثل مما لا يرجع إلى قاعدة ، ضرورة عدم العدوان في يده حتى يندرج في عموم : « على اليد .. » وعدم صدق إتلاف مال الغير ، لأن عقد المزارعة جعله بحكم ماله. نعم يجب عليه الاستنماء وتسليم الحصة ، وذلك إنما يترتب عليه الإثم لا الضمان. وقاعدة « لا ضرر ولا ضرار .. » لا يستفاد منها الضمان ، ولكن ترفع اللزوم ، وحينئذ يتسلط على الخيار. ولم ينسب ذلك لأحد قولا أو احتمالا.

[3] هو ظاهر الشهيد الثاني في المسالك ، قال : « وهل يفرق فيهما ( يعني : في ضمان أجرة المثل وضمان النقص ) بين ما إذ ترك العامل الانتفاع اختياراً وغيره؟ ظاهرهم عدمه. ولا يبعد الفرق ، لعدم التقصير في الثاني ، خصوصاً في الأرش ومقتضى العقد لزوم الحصة خاصة ، ولم يحصل منه تقصير يوجب الانتقال إلى ما لا يقتضيه العقد » وقد يظهر منه أن القول المذكور يختص به. وفيه : أن التقصير والقصور إنما يختلفان في الإثم وعدمه واستحقاق العقاب وعدمه ، لا في الضمان وعدمه ، فان الضمان بعموم : « على اليد ... » أو عموم : من أتلف ، لا يفرق فيه بين القصور

ويمكن القول بالرابع [1] ، والأوجه الخامس [2] ،


والتقصير. وكذا في ضمان المعاوضات ، فان ضمان كل من العوضين عند الفسخ لا يفرق فيه بين القصور والتقصير. وكذا الضمان بالتفريط في الأمانات لا يفرق فيه بين الأمرين ، فالتفصيل بين القصور والتقصير في الضمان وعدمه ضعيف جداً.

[1] لأن الحصة المسماة في العقد مستحقة للمالك بمقتضى العقد ، وقد فوتها عليه العامل ، فيضمنها له ، ولما لم يمكن ضبطها على وجه التحقيق انتقل إلى وجه التقريب والتخمين. وفيه : أن الحصة المستحقة إنما هي من الحاصل ، والمفروض عدمه ، فيبطل العقد ، لانتفاء موضوعه ، فيبطل أثره وهو الاستحقاق ، وليست هي في الذمة حتى تكون مضمونة.

[2] لأن الحاصل لما كان نتيجة منفعة الأرض وعمل الزارع ، فنصفه نتيجة نصفهما ، وربعه نتيجة ربعهما ، فاذا كان للمالك حصة من الحاصل فهو نتيجة ما يملكه من حصة منفعة الأرض وعمل الزارع ، فلما فوتهما الزارع على المالك كان ضامناً لهما ، لا لأجرة المثل ، ولا للحصة من الزرع. وفيه : أن الذي تضمنه عقد المزارعة هو ملك مالك الأرض نفس الحصة من الزرع فقط في مقابل تمام منفعة الأرض ، أو في مقابل بذل الأرض ، وأما عمل الزارع فليس موضوعاً لعقد المزارعة ، إذ لا يستفاد من قولهم في شرح مفهوم المزارعة أنها المعاملة على الأرض بحصة من حاصلها إلا ذلك ، فلا يملك مالك الأرض إلا الحصة الخاصة من الحاصل ، ولما تعذرت بطلت المزارعة وصارت كأن لم تكن ، وقد فاتت منفعة الأرض بيد العامل ، فيكون ضامناً لها - على ما ذكره المشهور - أولا - كما ذكر في الجواهر - على ما سبق ويأتي.

وكان الأقرب من هذا الوجه أن يقال : إن المزارعة مأخوذة من

وأضعفها السادس [1]. ثمَّ هذا كله إذا لم يكن الترك بسبب


الزرع ، فهي معاملة على الأرض على أن تزرع ، فيكون عوض بذل الأرض عمل الزارع ، وأما الحصة من الحاصل فهي من قبيل الشرط في المزارعة ، فيكون صاحب الأرض مالكاً على العامل العمل ، وهو الزرع فاذا لم يزرع يكون ضامناً لقيمة العمل المملوك عليه. وهذا الوجه أقرب عرفاً من الوجه الخامس ، ويكون وجهاً سابعاً.

لكن يشكل : بأن الأعمال المملوكة لا تكون مضمونة إذا فاتت ، ولذا ذكر المشهور أن الأجير إذا لم يعمل ما استؤجر عليه لم يستحق الأجرة ، ولم يذكروا أنه يستحق الأجرة ويستحق عليه المستأجر قيمة العمل. وكذا إذا شرط العمل في عقد لازم ففات الشرط ، ولم يكن للمشروط له - عند المشهور - مطالبة المشروط عليه بقيمة العمل ، وإنما يكون للمشروط له الفسخ لا غير ، فالأعمال إذا كانت في الذمة لا تكون مضمونة بقيمتها عند التعذر والفوات ، وإنما يستلزم ذلك الفوات إما بطلان العقد أو الخيار. وهذا الاشكال كما يجري على هذا الوجه يجري على الوجه الخامس ، فإنه لا يصح تضمين حصة من العمل بالقيمة. وسيأتي في المسألة الحادية عشرة من كتاب المساقاة ما له نفع في المقام.

[1] لأن مجرد ترك الفسخ عند اطلاع المالك على تمرد العامل عن العمل لا يوجب نسبة تفويت المنفعة إليه ، بل هل منسوب الى العامل لا غير. مع أنه قد لا يتمكن المالك من تدارك المنفعة بالفسخ ، لعدم وجود عامل آخر ، أو لوجود مانع من استعماله ومزارعته ، أو لغير ذلك.

فهذه الوجوه الأربعة الأخيرة كلها ضعيفة ، ويبقى الوجهان الأولان أولهما - المنسوب الى ظاهر الأصحاب - أقواهما ، إذ المزارعة إما أن تكون عبارة عن بذل الأرض في مقابل العمل أو بذل الأرض في مقابل الحصة


من الزرع ، كما قد يظهر من الأصحاب ، وكيف كانت فهي معاوضة ، فإذا بطلت لعدم العمل أو لعدم الحصة كان موضوعها مضموناً بضمان المعاوضة ، وهو نوع آخر من الضمان ، لا يكون باليد ولا بالإتلاف. فإن المبيع مضمون على المشتري إذا قبضه فتلف ففسخ البيع ، وكذلك الثمن مضمون على البائع إذا قبضه فتلف ففسخ البيع ، وكذلك الحكم في سائر المعاوضات إذا وقع القبض ، فان القبض موجب للضمان عند بطلان المعاوضة وإن كان قبضاً لماله لا لمال غيره ، ومنها المقام ، فإن الأرض إذا قبضها العامل من المالك ليزرعها فلم يفعل ، مضمونة على العامل بعد انفساخ المزارعة بتعذر العمل أو بتعذر الحصة.

ونظير المقام : أن يدفع مالك الشبكة شبكته إلى الصياد ليصطاد بها ويكون الحاصل بينهما ، فيأخذها الصياد ولا يستعملها في الصيد ، فإنه أيضاً يكون ضامناً لمنفعة الشبكة.

ومن ذلك يظهر الاشكال فيما سبق نقله عن الجواهر من أن الرجوع إلى أجرة المثل مما لا يرجع إلى قاعدة ، لعدم العدوان في يده حتى يندرج في عموم : « على اليد .. » ، وعدم صدق إتلاف مال الغير ، لأنه بحكم ماله. إذ لا ينحصر الضمان بالسببين المذكورين ، بل يكون بسبب غيرهما كما في الضمان في المعاوضات التي تكون اليد فيها على مال نفسه والإتلاف لمال نفسه ، ومع ذلك يكون مضموناً عند الفسخ.

كما قد يرد الاشكال على التمسك على الضمان بقاعدة : ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، لكون الظاهر اختصاصها بالفاسد من أول الأمر فلا تشمل ما طرأ عليه الفساد كما نحن فيه.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : ( الأول ) : أن المزارعة معاوضة قائمة ببذل الأرض في مقابل العمل أو في مقابل الحصة. ( الثاني ) :

عذر عام ، وإلا فيكشف عن بطلان المعاملة [1]. ولو انعكس المطلب ، بأن امتنع المالك من تسليم الأرض بعد العقد فللعامل الفسخ [2] ، ومع عدمه ففي ضمان المالك ما يعادل حصته من منفعة الأرض [3] ، أو ما يعادل حصته من الحاصل بحسب


أن تعذر العمل يوجب بطلان المزارعة ، لفوات العوض. كما أن تعذر العمل في الإجارة يوجب بطلان الإجارة. ( الثالث ) : أن الضمان لا ينحصر باليد والإتلاف ، بل يكون بغيرهما ، كالمعاوضة. ( الرابع ) : أن العمل لا يكون مضموناً بمثله أو قيمته ، والضمان يختص بالمنافع والأعيان.

( الخامس ) : أنه لا فرق في أسباب الضمان بين الاختيار واللااختيار.

( السادس ) : اختصاص قاعدة : ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، بالفاسد من أول الأمر.

[1] لفوات شرط إمكان الانتفاع بالأرض الذي تقدم أنه من شرائط الصحة. ثمَّ إن المصنف لم يتعرض للضمان في هذه الصورة ، ولعله لوضوح عدم الضمان ، لعدم منفعة الأرض لتكون مضمونة. لكن يختص ذلك بما إذا لم يمكن الانتفاع بالأرض من وجه آخر غير الزراعة ، أما إذا كان يمكن الانتفاع بها في غير الزراعة فاللازم البناء على الضمان ، كما في المقبوض بالإجارة الفاسدة. اللّهم إلا أن يكون إقدام مالك الأرض على إهمال تلك المنافع مانعاً عن ضمانها.

[2] لأن التسليم وإن لم يكن قوام المزارعة ، إذ هي قائمة بين بذل الأرض ، وعمل الزارع والحصة ، والتسليم أمر آخر ، لكن مبنى المزارعة عليه ، فهو شرط ارتكازي زائد على مفهومها ، فمع تخلفه يكون الخيار في الفسخ.

[3] فيه : أن الزارع لم يملك شيئاً من منفعة الأرض ، لعدم اقتضاء

التخمين [1] ، أو التفصيل بين صورة العذر وعدمه [2]. أو عدم الضمان حتى لو قلنا به في الفرض الأول ، بدعوى الفرق بينهما [3] ، وجوه.


عقد المزارعة ذلك ، وإنما يملك بذل الأرض للزراعة.

[1] وفيه : أن ضمان الحصة من الحاصل موقوف على ملكها ، وملكها موقوف على وجود الحاصل ، والمفروض انتفاؤه ، كما سبق نظيره.

[2] قد عرفت أن العذر وعدمه لا فرق بينهما في الضمان وعدمه ، وإنما الفرق بينهما في الإثم وعدمه. ولم يتعرض المصنف رحمه اللّه لكيفية الضمان بناء على التفصيل المذكور ، وأن الضمان على النحو الأول أو الثاني أو نحو آخر ، والمظنون أن الضمان حينئذ لأجرة مثل العمل.

[3] قال في الجواهر هنا في ذيل المسألة السابقة : « بل عده الضمان فيه ( يعني : في مقامنا ) أولى ، لعدم صيرورة منفعة الأرض ملكاً له بعقد المزارعة ، حتى تكون يد المالك عليها عادية يترتب عليها الضمان ». يعني : أنه يمكن في المسألة السابقة أن تقول : بأن عمل الزارع مملوك لمالك الأرض فتفويته على المالك يوجب ضمانه ، وفي هذه المسألة لا يمكن القول بأن منفعة الأرض مملوكة للزارع ، حتى تكون مضمونة على المالك باليد العادية. هذا وقد عرفت أن الضمان في المسألة السابقة لم يكن من جهة أن عمل الزارع مملوك للمالك وقد فوته ، لما عرفت من أن الأعمال لا تكون مضمونة ، وإنما كان الضمان ضمان المعاوضة وفي المسألتين على نهج واحد ، فان بذل الزارع نفسه للعمل جرياً على مقتضى العقد بمنزلة استيفاء عمله ، فيكون مضموناً على المبذول له ، نظير ما لو استأجره على عمل بأجرة ، فبذل العامل نفسه للعمل ، فلم يستوفه المالك ، ثمَّ طرأ الفسخ ، فان عمل الأجير مضمون على المستأجر ، كالإجارة الصحيحة. فالأقوى في المقام أن يكون

( مسألة 8 ) : إذا غصب الأرض بعد عقد المزارعة غاصب ولم يمكن الاسترداد منه ، فان كان ذلك قبل تسليم الأرض إلى العامل تخير بين الفسخ وعدمه [1] ، وإن كان بعده لم يكن له الفسخ ، وهل يضمن الغاصب تمام منفعة الأرض


المالك ضامناً لعمل الزارع بأجرة المثل ، كما سبق. نعم بناء على ما اختاره المصنف (رحمه اللّه) من كون الضمان في المسألة السابقة من جهة أن المالك يملك حصة من منفعة الأرض وحصة من عمل العامل ، وقد فوتها العامل على المالك ، فالوجه المذكور غير آت هنا ، لأن العامل لا يملك حصة من منفعة نفسه ، فلا يضمنها له المالك. ولذا ذكروا أن منافع الحر لا تضمن. نعم يملك حصة من منفعة الأرض ، وقد فوتها عليه المالك ، فيضمنها ، فيختص الضمان بحصة من منفعة الأرض ، ولا يكون بحصة من منفعة العامل. فالفرق بين المسألتين يكون في عموم الضمان وخصوصه. ولا وجه للتوقف من المصنف في أصل الضمان. والذي يتحصل أنه بناء على الضمان بنحو الوجه السابع - الذي ذكرناه سابقاً - فالفرق بين المسألتين بالضمان وعدمه في محله ، وبناء على الضمان على الوجه الخامس فالفرق يكون بعموم الضمان وخصوصه ، وبناء على الضمان بالمعاوضة فلا فرق بين المسألتين في ثبوت الضمان.

[1] لما سبق من أن مبنى المزارعة على تسليم الأرض ، فهو شرط زائد على قوامها ، فاذا فات كان للمشروط له الخيار ، فان فسخ كان أجنبياً عن المعاملة ، ولم تجر له الأحكام الآتية ، وأن لم يفسخ كان محكوماً بالأحكام الآتية. لكن بناء على ما هو التحقيق من أنه لا ضمان بالنسبة إلى العامل - كما يأتي - لا فرق بين الفسخ وعدمه ، وحينئذ يبطل أثر العقد قهراً ، فيكون انفساخاً للعقد.

في تلك المدة للمالك فقط [1] ، أو يضمن له بمقدار حصته - من النصف أو الثلث - من منفعة الأرض ويضمن له أيضاً مقدار قيمة حصته من عمل العامل ، حيث فوته عليه [2] ، ويضمن للعامل أيضاً مقدار حصته من منفعة الأرض [3]؟ وجهان [4]. ويحتمل ضمانه لكل منهما ما يعادل حصته من الحاصل بحسب التخمين [5].

( مسألة 9 ) : إذا عين المالك نوعاً من الزرع من حنطة أو شعير أو غيرهما - تعين ولم يجز للزارع التعدي


[1] لأن منفعة الأرض باقية على ملك المالك ، وقد فاتت في يد الغاصب العادية ، فتكون مضمونة للمالك. ( ودعوى ). أن منفعة الأرض صارت مملوكة للعامل ، كما أن منفعة العامل صارت مملوكة لصاحب الأرض ( ممنوعة ) والقدر الثابت لزوم بذل الأرض للعامل ، لا تمليكه منفعة الأرض - كما سبق وسيأتي في المسألة الخامسة عشرة - فالعامل له أن ينتفع بالأرض ، لا أنه يملك منفعة الأرض ، لا تماماً ولا بمقدار الحصة المعينة له.

[2] لا دليل على الضمان بهذا التفويت ، فان من حبس إنساناً فقد فوت عليه الانتفاع بداره وبدابته وبالآلات التي يستعملها. والحابس لا يضمن شيئاً من هذه المنافع التي فوتها عليه ، لا شرعاً ولا عرفاً.

[3] لم يضف إليها حصته من منفعة نفسه ، لأن منافع الحر لا تضمن لأنها غير مملوكة له.

[4] أقواهما الأول ، كما عرفت. وكان المناسب لاختيار المصنف (رحمه اللّه) القول الخامس في المسألة السابقة اختياره الوجه الثاني هنا ، ولا وجه للتوقف

[5] قد عرفت إشكاله في المسألة السابقة.

عنه [1] ، ولو تعدى إلى غيره ذهب بعضهم [2] إلى أنه إن كان ما زرع أضر مما عينه المالك كان المالك مخيراً بين الفسخ وأخذ أجرة المثل للأرض ، والإمضاء وأخذ الحصة من المزروع مع أرش النقص الحاصل من الأضر ، وإن كان أقل ضرراً لزم وأخذ الحصة منه. وقال بعضهم [3] : يتعين أخذ أجرة المثل للأرض مطلقاً ، لأن ما زرع غير ما وقع عليه العقد ، فلا يجوز أخذ الحصة منه مطلقاً [4]. والأقوى أنه إن علم


[1] قطعاً ، كما في الجواهر ، وفي الرياض : أنه لا خلاف فيه ، وعن الغنية : أنه إجماع. ويقتضيه عموم الوفاء بالعقد والشرط.

[2] قال في الشرائع : « ولو زرع ما هو أضر والحال هذه كان للمالك أجرة المثل إن شاء أو المسمى مع الأرش ، وان كان أقل ضرراً جاز » ونحوه عن التذكرة والتحرير واللمعة. وفي القواعد : « فان زرع الأضر فللمالك الخيار بين المسمى والأرش وبين أجرة المثل ، ولو زرع الأخف تخير المالك بين الحصة مجاناً وأجرة المثل » فلم يفرق بين الأضر والأخف في الخيار بين المسمى وأجرة المثل ، وفي مفتاح الكرامة : أنه من منفردات القواعد. وكأنه لذلك لم يتعرض له المصنف ، كما أنه في الشرائع والقواعد وغيرهما لم يتعرض لحكم المساوي ضرراً ، وكان اللازم التعرض له كغيره. اللّهم إلا أن يكون ذكر الأرش في الأضر بالخصوص يقتضي إلحاق المساوي بالأخف.

[3] يشير إلى ما في جامع المقاصد والمسالك ، وعن الروضة ومجمع البرهان ، حيث حكموا بأجرة المثل في جميع صور التعدي.

[4] هذا مذكور في المسالك. وأما المذكور في جامع المقاصد فهو

أن المقصود مطلق الزرع وان الغرض من التعيين ملاحظة مصلحة الأرض [1] وترك ما يوجب ضرراً فيها يمكن أن يقال إن الأمر كما ذكر من التخيير بين الأمرين في صورة كون المزروع أضر وتعين الشركة في صورة كونه أقل ضرراً. لكن التحقيق مع ذلك خلافه. وإن كان التعيين لغرض متعلق بالنوع الخاص لا لأجل قلة الضرر وكثرته ، فاما أن يكون التعيين على وجه التقييد والعنوانية [2] ، أو يكون على وجه تعدد المطلوب


التعليل بأن المزروع غير معقود عليه ، والحصة المسماة إنما هي من غيره ، فكيف تجب الحصة منه؟ .. إلى أن قال : « فالأصح حينئذ وجوب أجرة المثل ». وظاهره أن المانع ليس مجرد المخالفة ، وإنما المانع أن الحصة المجعولة للمالك إنما هي مما عينه ، وهي متعذرة فيتعين الرجوع إلى أجرة المثل.

[1] هذا ذكره في جامع المقاصد ، وأشكل عليه. والأولى في الاشكال عليه أن يقال : إن تعيين زرع بعينه إن كان دخيلا في المزارعة كان قيداً ، وتركه يوجب البطلان ، لفوات المقيد بفوات قيده ، وإن كان أجنبياً عن المعاملة فلا يوجب الخيار. فالجمع بين المسمى والخيار غير ممكن. إلا أن يكون التقييد بنحو تعدد المطلوب ، وسيأتي. ولعله إلى ذلك أشار المصنف (رحمه اللّه) بقوله : « لكن التحقيق .. ». لكن لا يتناسب قوله هذا مع قوله سابقاً : « والأقوى أنه إن علم .. » ، فإنه كيف يكون أقوى مع أنه خلاف التحقيق؟!.

[2] المقابلة بين الأمرين غير ظاهرة ، وقد سبقه إلى ذلك في الجواهر فجعل القيود على قسمين : منوع وشرط ، والأول فواته يوجب البطلان ، والثاني فواته يوجب الخيار ، والمقام من الثاني ، لأن حقيقة المزارعة ليست إلا زرع الأرض بحصة من حاصلها كائناً ما كان الحاصل ، وإنما يذكر


التعيين من الشرط ، لا أنه منوع للمزارعة .. وهو كما ترى ، فان الخصوصيات المقومة للمزارعة التي هي داخلة في قوامها - من زارع ومزروع ومكان الزرع وزمانه - لا بد أن تكون قيوداً لموضوع المزارعة ، ويمتنع أن تكون شروطاً لها مجعولة بجعل مستقل ، لأنها عينية غير قابلة للجعل المختص بالأمور الاعتبارية

اللّهم إلا أن يكون المراد من الشرط ما يرادف القيد لا ما يقابله ، كما يستعمل بهذا المعنى في مقابل الجزء ، فيقال أجزاء الصلاة وشرائطها ، وحينئذ يكون وجه المقابلة بين القسمين أن المنوع هو القيد على نحو وحدة المطلوب والثاني هو القيد على نحو تعدد المطلوب. لكن القسم الثاني مجرد فرض لا خارجية له. ولذا كان بناء الفقهاء (رضي اللّه عنه) على وحدة المطلوب في باب الوكالة والعارية والوديعة والإجارة وغيرها من المفاهيم المقيدة ، فلو وكل شخصاً على شراء عبد فاشترى جارية لم يحتمل أحد الصحة من باب تعدد المطلوب ، وكذا إذا استأجره على أن يصلي عن زيد فصلى عن عمرو فإنه لا مجال لاحتمال الصحة لتعدد المطلوب .. وهكذا ، فكذا في المقام.

وهذه كقاعدة مطردة في جميع العقود الواردة على المفاهيم الذهنية ، فإنه لا مجال للقول بكونها بنحو تعدد المطلوب ، سواء كان التعبير بقوله : وكلتك على شراء العبد ، أم : وكلتك على شراء مملوك ولا بد أن يكون عبداً ، أو عليك أن تشتريه عبداً ، وكذا مثل : استأجرتك أن تخيط هذا الثوب بخيط إبريسم ، أو : وعليك أن تخيطه بخيط إبريسم ، فإن الجميع من باب التقييد بنحو وحدة المطلوب ، فيختص تعدد المطلوب بالقيود للموضوعات الخارجية ، مثل موارد خيار الاشتراط وخيار العيب وخيار الرؤية في البيع أو في الإجارة ، ونحو ذلك.

بل تقدم في بعض المباحث السابقة أن تعدد المطلوب في موارد الخيارات ليس على نحو الحقيقة ، بأن يكون هناك غرضان أحدهما قائم بالمقيد والآخر قائم بالمطلق ، بل المراد منه تعدد المطلوب حكماً فتجري

والشرطية ، فعلى الأول إذا خالف ما عين فبالنسبة إليه يكون كما لو ترك الزرع أصلا [1] حتى انقضت المدة ، فيجري فيه الوجوه الستة المتقدمة في تلك المسألة [2] ، وأما بالنسبة إلى الزرع الموجود فان كان البذر من المالك فهو له ، ويستحق العامل أجرة عمله ، على إشكال في صورة عمله بالتعيين وتعمده الخلاف ، لإقدامه حينئذ على هتك حرمة عمله [3]. وإن


عند العرف أحكام تعدد المطلوب وإن لم يكن إلا مطلوب واحد ، كما يظهر من ملاحظة كثير من الموارد التي يكون فيها خيار الرؤية والاشتراط والعيب ، وكذلك خيار تبعض الصفقة ، فإنه وإن لم يكن لأجل تخلف القيد ، بل لأجل تخلف ما يشبه القيد ، لكنهم ذكروا في تصحيحه أنه من باب تعدد المطلوب ، ولم يريدوا أنه من ذلك الباب على الحقيقة ، ضرورة أنه قد لا يكون للمشتري أقل مطلوب في بعض الصفقة ، وإنما المطلوب في مجموع الصفقة ، فإن من اشترى باباً وتبين أن أحد مصراعيه لغير البائع صح البيع في المصراع الآخر ، وليس للمشتري أقل مطلوب فيه ، وإنما مطلوبه في تمام المصراعين ، فالمراد من تعدد المطلوب فيه الحكمي لا الحقيقي ، فتجري أحكام التعدد حتى مع وحدة المطلوب على الحقيقة.

[1] لأنه ترك ما عينه له وزرع غير ما عينه المالك.

[2] قد عرفت أن الصحيح هو الوجه الأول منها في تلك المسألة ، وكذا هنا ، وهو الذي اختاره الجماعة هناك وهنا.

[3] كأنه يريد بهذا التعليل ما ذكره مكرراً في الإجارة والمضاربة وغيرها من أن العامل إذا كان يعلم بعدم استحقاق الأجرة شرعاً لا يستحق شيئاً ، لأنه إقدام منه على هتك حرمة عمله ، وقد تكرر دفع الاشكال المذكور بأن العلم بعدم الاستحقاق شرعاً لا يقتضي الإقدام على المجانية وهتك

كان البذر للعامل كان الزرع له ويستحق المالك عليه أجرة الأرض [1] مضافاً الى ما استحقه من بعض الوجوه المتقدمة [2] ولا يضر استلزامه الضمان للمالك من قبل أرضه مرتين على


حرمة عمله. وكان الأولى له الإشكال بأن استحقاق الأجرة يتوقف على كون العمل بأمر المالك ، أما إذا لم يكن بأمره فلا وجه للاستحقاق وإن كان جاهلا بالتعيين فخالف فضلا عما إذا كان عالماً بالتعيين ، لأن العمل باعتقاد أمر إنسان لا يقتضي ضمان ذلك الإنسان ، فكذا في المقام ، فان زرع حب صاحب الأرض بغير إذن منه ولا دعوة منه لا يقتضي استحقاق الزارع أجرة عمله. نعم إذا كان بأمر من المالك - ولو بتوسط عقد باطل - كان موجباً للاستحقاق وإن كان عالماً بالبطلان ، على إشكال من المصنف في ذلك الذي قد تكرر ذكره غير مرة وذكر الجواب عنه كما عرفت. والمقام نظير ما إذا استأجره بدينار ليصلي عن زيد فصلى عن عمرو ، فإنه لا يستحق الأجرة المسماة ولا أجرة المثل.

ثمَّ إن مقتضى ما ذكرنا كونه ضامناً للبذر إذ تصرف فيه بغير إذن المالك ، إلا إذا كان المالك قد أعده للزرع ، فان زارعه يعد محسناً ، فلا يكون ضامناً ، إذ ما على المحسنين من سبيل. وحينئذ لا يكون ضامناً لأجرة الأرض ، لأنه استوفى المنفعة لمصلحة المالك ، فضمان البذر يلازم ضمان الأرض.

[1] لاستيفائه منافعها.

[2] قد عرفت ضعف الوجوه المتقدمة عدا الأول منها ، وهو وارد في المقام ، لأنه في المقام قد ترك زرع ما عينه المالك الذي هو موضوع المسألة السابقة.

ما بيناه في محله ، لأنه من جهتين [1] وقد ذكرنا نظير ذلك في الإجارة أيضاً [2].


[1] يعني من جهة بطلان المعاوضة بترك ما عينه المالك ، فتكون العين مضمونة بضمان القبض بالمعاوضة المقتضي لضمان منافعها بأجرة المثل ، ومن جهة أنه قد زرعها بما لم يأذن به المالك ، فيكون قد استوفى منفعتها فتكون أيضاً مضمونة. ومقتضى ذلك أن يكون الغاصب للأرض إذا زرعها ضمن أيضاً من وجهين : ضمان اليد العادية للعين بمنافعها ، واستيفائه منفعتها. ولا يلتزم به أحد » بل هو خلاف ظاهر صحيح أبي ولاد (1)الوارد فيمن اكترى بغلا من الكوفة إلى قصر بني هبيرة ، فتجاوز فسافر إلى النيل ثمَّ إلى بغداد ثمَّ إلى الكوفة .. ، حيث حكم الامام (عليه السلام) بضمانه أجرة البغل من القصر إلى النيل ومن النيل إلى بغداد ومن بغداد إلى الكوفة ، ولم يحكم بأجرة أخرى للبغل. وهو الذي تقتضيه الارتكازيات العرفية العقلائية.

ولا مجال لمقايسة المقام بباب الإجارة. فإن المستأجر إذا تعدى عما أذن له به المالك لا يكون ذلك مبطلا للإجارة ، فاستحقاقه الأجرة بالعقد بحاله ، فيمكن أن يقال بوجود سبب آخر للضمان وهو التصرف العدواني أما في المقام فعقد المزارعة باطل بترك العمل ، فيكون الضمان باليد ، ومع الضمان بها لا ضمان آخر باستيفاء المنفعة ، كما ذكرنا ذلك في الغاصب الذي قيل إنه يؤخذ بأشق الأحوال ، فحمل المقام على الإجارة في غير محله. نعم بناء على صحة المزارعة وضمان العامل قيمة الحصة بمقتضى العقد يمكن دعوى الضمان ثانياً بسبب العدوان ، نظير الإجارة.

[2] قد تقدم في الإجارة التعرض لتحقيق ذلك. ويمكن أن نقول


1) الوسائل باب : 17 من أبواب كتاب الإجارة حديث : 1.


هنا : بأن الأجرة في مثل إجارة الدابة للركوب وإجارة الدار للسكنى ليست في مقابل المنفعة الخارجية - أعني الركوب والسكنى - ضرورة استحقاق المالك للأجرة وإن لم يتحقق الركوب والسكنى ، بل هي في مقابل معنى قائم في الدابة والدار حصل الركوب والسكنى أم لم يحصلا. وحينئذ فاشتراط الركوب في الدابة أو اشتراط عدم تحميلها حديداً ، واشتراط السكنى في الدار أو اشتراط عدم إخلائها ، يكون شرطاً خارجاً عن قوام الإجارة كسائر الشروط في العقود يكون ترك العمل به موجباً للخيار ، لا أنه شرط مقوم للعقد أو شرط لما هو في قوام العقد فيكون قيداً من قيود العقد ، وإلا لزم من فواته بطلان العقد ، وهو خلاف المبنى ، لما عرفت من أن ترك ركوب الدابة لا يوجب بطلان العقد ، بل الأجرة مستحقة على المستأجر وإن لم يركب الدابة أو يسكن الدار. فلما كان الشرط المذكور - وجودياً كان ، كما إذا اشترط سكنى الدار ، أو عدمياً ، كما إذا اشترط أن لا يحمل الدابة حديداً - شرطاً زائداً على مفاد العقد كان موجباً للخيار ، فان فسخ المالك استحق أجرة المثل ، وإن أمضى العقد استحق الأجرة المسماة ، فلا وجه حينئذ لاستحقاق أجرة المثل والمسماة معاً ، كما اختاره المصنف (رحمه اللّه) وتفرد به. وكذلك الكلام فيما إذا استأجر أجيراً وشرط عليه أن يكتب فاشتغل بالخياطة ، فإنه أيضاً يكون للمستأجر الخيار ، فإن أمضى العقد استحق الأجير الأجرة المسماة وكان للمستأجر أجرة الخياطة ، وإن فسخ العقد لم يستحق الأجير شيئاً ، بخلاف ما إذا استأجره للكتابة ، فإنه إذا ترك الكتابة بطل العقد ، لأن الكتابة الخارجية أخذت عوضاً عن الأجرة ، فإذا انتفت انتفت الأجرة وبطل العقد.

والمتحصل مما ذكرنا : أن قول المالك : آجرتك الدابة بشرط أن لا تحملها حديداً ، لم تجعل فيه الأجرة في مقابل المنفعة الخارجية المضادة

وعلى الثاني [1] يكون المالك مخيراً بين أن يفسخ المعاملة لتخلف شرطه - فيأخذ أجرة المثل للأرض ، وحال الزرع الموجود حينئذ ما ذكرنا من كونه لمن له البذر [2] - وبين أن لا يفسخ ويأخذ حصته من الزرع الموجود بإسقاط حق شرطه ، وبين أن لا يفسخ ولكن لا يسقط حق شرطه أيضاً [3] بل يغرم العامل على بعض الوجوه الستة المتقدمة. ويكون


لتحميلها الحديد ، بل جعلت الأجرة في مقابل المعنى القائم بالدابة ، سواء حصل الركوب أو تحميل الحديد أم لم يحصلا فيكون شرط الركوب ، أو عدم تحميل الحديد من قبيل الشرط الزائد على ما هو قوام العقد ، فيكون ترك العمل به موجباً للخيار.

[1] يعني : لوحظ التعيين على وجه الشرطية.

[2] يعني : فإذا كان البذر للمالك كان الحاصل له. ولكن يستحق عليه العامل أجرة العمل هنا وإن لم نقل بالاستحقاق في المسألة السابقة ، لأن التصرف في هذه المسألة بإذن المالك ، وعلى هذا لا وجه لاستحقاق المالك عليه أجرة المثل للأرض ، لأنه لم يستوف منفعة الأرض لنفسه ، وإنما استوفاها للمالك ، فلا موجب للضمان كما ذكرنا ذلك في الفرض السابق. نعم إذا كان البذر للعامل كان للمالك عليه أجرة المثل.

[3] يعني يطالب بشرطه ، بأن يطالب العامل بضمان التصرف غير المأذون فيه. ويشكل : بأنه لم يظهر خصوصية للشرط في المقام يمتاز بها عن سائر الشروط ، فان أحكامها مجرد الخيار عند فوات الشرط ، فلم صار حكم الشرط في المقام أنه يجوز للمشروط له عدم إسقاطه والمطالبة بالضمان؟! وكيف يصح الضمان والتغريم مع اعتراف المالك بأن التصرف كان عن إذن منه وصحة العقد؟! نعم ذكروا جواز مطالبة المالك بالأرش في خيار العيب ،

حال الزرع الموجود كما مر من كونه لمالك البذر [1].

( مسألة 10 ) : لو زارع على أرض لا ماء لها فعلا لكن أمكن تحصيله بعلاج - من حفر ساقية أو بئر أو نحو ذلك - فان كان الزارع عالماً بالحال صح ولزم [2] ، وإن كان جاهلا كان له خيار الفسخ [3]. وكذا لو كان الماء مستولياً عليها وأمكن قطعه عنها [4]. وأما لو لم يمكن التحصيل في الصورة الأولى أو القطع في الثانية كان باطلا [5] سواء كان


وقال بعض تجوز المطالبة بالأرش في شرط البكارة وشرط الختان ، وهو إن ثبت فغير ما نحن فيه. ثمَّ على تقدير المطالبة بحق الشرط كيف تحقق أن غرامته تكون بالضمان على أحد الوجوه السابقة.

وكان الاولى للمصنف أن يدعي بأنه يجوز للمشروط له المطالبة بشرطه وضمانه على المشروط عليه بقيمته ، لأنه فوته على مالكه ، فإنه أبعد عن الاشكال. وإن كان هو أيضاً محل إشكال ، فإن الشروط الإيجابية من قبيل الأعمال ، وهي غير مضمونة ، كما عرفت في المسألة السابعة.

[1] يشكل ما ذكره : بأنه مخالف لمقتضى العقد الذي لم يفسخ ، فان مقتضاه كون الحاصل بينهما ، فما الذي دعا إلى مخالفة مقتضى العقد؟ والمتحصل مما ذكرناه : أنه إن فسخ وإن كان البذر للمالك كان الزرع له وعليه أجرة العمل للزارع وإن كان البذر للزارع كان الزرع له وعليه أجرة المثل للمالك.

[2] كما يقتضيه إطلاق الأدلة.

[3] لما في ذلك من الضرر عليه.

[4] إذ لا فرق بين الابتداء والاستدامة.

[5] لما عرفت في الشرط السابع من شرائط المزارعة.

الزارع عالماً أو جاهلا. وكذا لو انقطع في الأثناء ولم يمكن تحصيله أو استولى عليها ولم يمكن قطعه. وربما يقال بالصحة مع علمه بالحال [1]. ولا وجه له [2] وإن أمكن الانتفاع


[1] القائل الفاضلان في ظاهر الشرائع حيث قال : « ولو زارع عليها أو آجرها للزراعة ولا ماء لها مع علم المزارع لم يتخير ، ومع الجهالة له الفسخ » ، وفي ظاهر القواعد حيث قال : « ولو زارعها أو آجرها ولا ماء لها تخير مع الجهالة لا مع العلم » ونحوه عن التذكرة ، وعن الإرشاد : « ولو زارع على ما لا ماء لها بطل إلا مع علمه » ، وظاهره التفصيل بين العلم فيصح والجهل فيبطل.

[2] لما عرفت من أنه خلاف ما ذكر في الشرط السابع. ولعل مراد الشرائع والقواعد والتذكرة صورة ما إذا لم يكن للأرض ماء فعلي وأمكن تحصيله بحفر ونحوه مما يوجب صعوبة غير معتادة ، كما ذكره المصنف في أول المسألة.

لكن قال في المسالك : « وربما تكلف للجمع بين الحكمين بحمل هذا التخيير على ما لو كان للأرض ماء يمكن الزرع والسقي به ، لكنه غير معتاد من جهة المالك ، بل يحتاج معه إلى تكلف من إجراء ساقية ونحوه ، والمنع على ما لو لم يكن لها ماء. وهو جيد لو ثبت أن مثل هذا القدر يوجب التخيير وأن الإطلاق يقتضي كون الماء معتاداً بلا كلفة. إلا أن إطلاق كلامهم يأباه. فإنهم اقتصروا في الحكم بالجواز على إمكان السقي بالماء من غير تفصيل وفي التخيير على عدم الإمكان .. » وفيه : أنه يكفي في التخيير قاعدة الضرر ونحوها مما يرفع اللزوم ، وهو محمل كلامهم في التخيير واقتصارهم في الحكم بالجواز على إمكان السقي بالماء من غير تفصيل لا ينافي وقوع التفصيل في اللزوم والخيار وإن صح العقد في المقامين ، ويحمل

بها بغير الزرع لاختصاص المزارعة بالانتفاع بالزرع [1]. نعم لو استأجر أرضاً للزراعة مع علمه بعدم الماء وعدم إمكان تحصيله أمكن الصحة لعدم اختصاص الإجارة بالانتفاع بالزرع إلا أن يكون على وجه التقييد فيكون باطلا أيضاً.

( مسألة 11 ) : لا فرق في صحة المزارعة [2] بين أن يكون البذر من المالك أو العامل [3] أو منهما.


حكمهم بالتخيير على عدم الإمكان الفعلي مما يوجب الضرر والمشقة حصول الماء الكافي.

[1] فيكون المراد من قوله سابقاً : « استأجر أرضاً للزراعة » أن يكون الداعي الزراعة.

[2] قال في الشرائع : « إذا كان من أحدهما الأرض حسب ومن الآخر البذر والعمل والعوامل صح بلفظ المزارعة ، وكذا لو كان من أحدهما الأرض والبذر ومن الآخر العمل ، أو كان من أحدهما الأرض والعمل ومن الآخر البذر ، نظراً إلى الإطلاق ». قال في الجواهر : « جميع الصور المتصورة في هذه الأربعة كلاً أو بعضاً بين الزارع والمزارع جائزة ، نظراً إلى العموم والإطلاقات بلا خلاف أجده في شي‌ء منها عندنا. بل ربما ظهر من بعضهم الإجماع عليه ». وذكر نحو ذلك في الحدائق وبعد ما ذكر ذلك قال : « وهو مما لا خلاف فيه ولا إشكال فيما إذا كان عقد المزارعة بين اثنين خاصة ، فإنه لا خلاف في الصحة ».

[3] هذه الصورة متيقنة من النصوص التي هي الأصل في المزارعة وهي ما ورد في مزارعة النبي (صلی اللّه عليه وآله) لأهل خيبر. والظاهر أن البذر منهم - كما صرح به جماعة - بل هو صريح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « وسألته عن المزارعة فقال : النفقة منك والأرض

ولا بد من تعيين ذلك [1] ، إلا أن يكون هناك معتاد ينصرف إليه الإطلاق. وكذا لا فرق بين أن تكون الأرض مختصة بالمزارع أو مشتركة بينه وبين العامل. وكذا لا يلزم أن يكون


لصاحبها فما أخرج اللّه من شي‌ء قسم على الشطر وكذلك أعطى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خبيراً حين أتوه فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت » (1). والصورة الأولى تستفاد من خبر إبراهيم الكرخي : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أشارك العلج ( المشرك خ ل ) فيكون من عندي الأرض والبقر والبذر ، ويكون على العلج القيام والسقي ( والسعي خ ل ) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيراً وتكون القسمة فيأخذ السلطان حقه ( مثله خ ل ) ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي ، قال : لا بأس بذلك » (2)لكن ليس في الرواية أنها مزارعة ، ومجرد الصحة أعم من ذلك. وفي جامع المقاصد : جعل الصورة الأخيرة صحيحة عندنا. لكن الكلام في كونها مزارعة. وقد تقدم ما في الشرائع من الاستدلال بالإطلاق ، وكذا ما في الجواهر. والمراد من الإطلاق إن كان إطلاق المزارعة فغير ثابت ، وإن كان إطلاق صحة العقود فهو وإن كان يقتضي الصحة ، لكنه لا يقتضي كونها مزارعة ، بل ظاهر صحيح يعقوب أن المزارعة خصوص الصورة الثانية لا غير ، فهي تقيد الإطلاق إن ثبت.

[1] إذ لو لا التعيين امتنع كل منهما عن أدائه فتقف المعاملة ويفوت الغرض منها. وفي الجواهر احتمل لزوم التعيين وإلا بطل العقد للغرر ، واحتمل كونه على العامل لصحيحة يعقوب ، فإنها كالأصل الشرعي في


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

تمام العمل على العامل فيجوز كونه عليهما. وكذا الحال في سائر المصارف. وبالجملة هنا أمور أربعة [1] : الأرض والبذر والعمل والعوامل ، فيصح أن يكون من أحدهما أحد هذه ومن الأخر البقية ، ويجوز أن يكون من كل منهما اثنان منها ، بل يجوز أن يكون من أحدهما بعض أحدها ومن الآخر البقية ، كما يجوز الاشتراك في الكل فهي على حسب ما يشترطان. ولا يلزم على من عليه البذر دفع عينه ، فيجوز له دفع قيمته ، وكذا بالنسبة


ذلك. ويشكل الوجه الأول : بأنه لا دليل على بطلان ما فيه الغرر كلية ، والثاني : بأن الصحيحة واردة في مقام التحديد الواقعي فإن عمل بها لزم كونه على العامل دائماً ، وإلا أجمل المراد منها ، وحملها على أنها كالأصل الشرعي - كما ترى - غير ظاهر.

[1] قال في الحدائق : « وبالجملة فإن هنا أموراً أربعة : الأرض والبذر والعمل والعوامل. والضابط أن الصور الممكنة في اشتراك هذه الأربعة بينهما كلا أو بعضاً جائزة ، لإطلاق الاذن في المزارعة من غير تقييد بكون بعض ذلك بخصوصه من أحدهما ». لكن الإطلاق المذكور يتوقف على صدق المزارعة على الجميع ، وهو غير ظاهر ، بل عرفت أن ظاهر صحيح يعقوب خلافه. نعم في موثق سماعة : « سألته عن مزارعة المسلم المشرك فيكون من عند المسلم البذر والبقر ، ويكون الأرض والماء والخراج والعمل على العلج. قال : لا بأس به » (1). لكنه ليس وارداً في مقام بيان مفهوم المزارعة ، فلا يعارض غيره. ولذلك يشكل ما في الحدائق فإنه بعد ما ذكر روايات يعقوب وإبراهيم وسماعة المذكورة قال : « والظاهر من هذه الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض هو ما قدمنا من


1) الوسائل باب : 12 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

الى العوامل كما لا يلزم مباشرة العامل بنفسه ، فيجوز له أخذ الأجير على العمل [1] إلا مع الشرط.

( مسألة 12 ) : الأقوى جواز عقد المزارعة بين أزيد من اثنين [2]


الضابط ». إذ لا تدل الأخبار الثلاثة على الضابط المذكور. فلاحظ.

[1] عملا بإطلاق العمل المجعول عليه ، فإنه أعم من المباشرة ولا مجال للتمسك بأصالة عدم جواز التصرف في مال الغير للشك في إذن المالك إذ فيه : أنه إذا ثبت إطلاق العمل الشامل لعمل الأجير فهذا الإطلاق يثبت الإذن ، لأن الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه.

ثمَّ إن قول القائل : زارعتك على الأرض الفلانية ، أعم من المباشرة » لكن إذا قال : عاملتك على أن تزرع هذه الأرض ، أو : ازرع هذه الأرض ولك نصف حاصلها مثلا ، فظاهر النسبة المباشرة ، وكذا إذا قال : استأجرتك على أن تخيط ثوبي بكذا » فان ظاهر النسبة المباشرة. ولذلك ذكروا أن قول القائل : بنى الأمير المدينة مجاز ، لأن النسبة ليست بنحو المباشرة. ولأجل ذلك قد يقال : إن الأصل المباشرة لا أن ثبوت المباشرة يحتاج إلى شرط وذكر. لكن لما كان بناء العرف فيما يقبل النيابة هو العموم كان الأصل ذلك العموم وأن المباشرة محتاجة إلى شرط وذكر. وعليه أيضاً بناء الفقهاء في مختلف الأبواب. ولذا ذكروا أن من استأجر أجيراً على عمل فمات قام وارثه مقامه إلا أن يشترط المباشرة ، ومن استأجر داراً فمات انتقلت المنفعة إلى وارثه.

[2] كما اختاره في الحدائق ، وحكاه عن المحقق الأردبيلي ، عملاً بإطلاق الأدلة ، وفي القواعد : « في صحة كون البذر من ثالث نظر وكذا لو كان البذر من ثالث والعوامل من رابع » ، وفي جامع المقاصد : « منشأ الاشكال من عموم ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ومن أن المعاملة بتوقيف

بأن تكون الأرض من واحد والبذر من آخر والعمل من ثالث والعوامل من رابع. بل يجوز أن يكون بين أزيد من ذلك ، كأن يكون بعض البذر من واحد وبعضه الآخر من آخر ، وهكذا بالنسبة إلى العمل والعوامل. لصدق المزارعة [1] ، وشمول الإطلاقات بل يكفي العمومات العامة [2]. فلا وجه لما في المسالك من تقوية عدم الصحة [3] بدعوى أنها على خلاف الأصل ، فتتوقف على التوقيف من الشارع ولم يثبت عنه ذلك. ودعوى : أن العقد لا بد أن يكون بين طرفين موجب وقابل ، فلا يجوز


الشارع ، ولم يرد النص بمثل هذا. والأصح عدم الجواز ».

[1] الصدق عرفاً غير ثابت. فلا مجال للتمسك بإطلاق مشروعية المزارعة.

[2] العمومات تكفي في الصحة ولا تكفي في كونها مزارعة.

[3] قال في المسالك : « فلو جعلا معهما ثالثاً وشرطا عليه بعض الأربعة ، أو رابعاً كذلك ، ففي الصحة وجهان من عموم الأمر بالوفاء بالعهد ، والكون مع الشرط. ومن توقف المعاملة - سيما التي هي على خلاف الأصل - على التوقيف من الشارع ولم يثبت منه ذلك ، والأصل في المزارعة قصة خيبر ومزارعة النبي اليهود عليها على أن يزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها وله شطره الآخر. وليس فيها أن المعاملة مع أكثر من واحد. وكذلك باقي النصوص التي وردت من طرقنا. ولان العقد يتم باثنين موجب - وهو صاحب الأرض - وقابل ، فدخول ما زاد بخرج العقد عن وضعه ، أو يحتاج إثباته إلى دليل. والأجود عدم الصحة ».

وفيه : أنه إن كان المراد عدم صحته مزارعة - بمعنى أنه لا تجري عليها أحكام المزارعة - فهو في محله ، لعدم الدليل على مشروعية المزارعة

تركبه من ثلاثة أو أزيد على وجه تكون أركاناً له. مدفوعة : بالمنع ، فإنه أول الدعوى [1].


مع ثالث. وإن كان المراد عدم صحته عقداً من العقود ففيه : أن ذلك خلاف الإطلاق - كما عرفت - فالإطلاق محكم.

ومن الغريب ما في الحدائق من الاشكال ثانياً على ما ذكره في المسالك بقوله : « فان ما ادعاه من أن معاملة النبي (صلی اللّه عليه وآله) مع أهل خيبر لا تدل على أن المعاملة مع أكثر من واحد من أعجب العجاب عند ذوي الألباب ، لاستفاضة الأخبار بأنه (صلی اللّه عليه وآله) بعد فتح خيبر أقر الأرض في أيدي الذين فيها وقاطعهم بالنصف ، يعني جميع من كان فيها من اليهود ، لا شخصاً بعينه أو اثنين أو ثلاثة » ثمَّ ذكر جملة من الاخبار ثمَّ قال : « فهل ترى هنا بعد ذكرهم بطريق الجمع في هذه الموارد مجالا للحمل على واحد منهم بل الظاهر لكل ناظر إنما هو دفع الأرض إليهم كملا .. » إلى آخر ما ذكره. وقد سبقه إلى الإشكال بذلك المحقق الأردبيلي (قدس سره).

وفيه : أن الكثرة التي تضمنتها أخبار خيبر إنما هي في العامل وليس ذلك محل الكلام ، ضرورة جواز كون كل من صاحب الأرض والعامل أكثر من واحد ، وإنما الكلام في دخول غير صاحب الأرض والعامل في قوام المزارعة ، بحيث تقوم بهما وبثالث ، أو بهما وباثنين آخرين أو أكثر وأين ذلك من أخبار خيبر؟! مضافاً إلى أنه لم يثبت أن كل أرض بعينها كان لها أكثر من زارع ، ومن الجائز أن تكون كل أرض لها زارع واحد فتكون مزارعات كثيرة.

[1] لا إشكال في أن العقد متقوم بالإيجاب والقبول ، فلا يحتاج إلى أكثر من موجب وقابل ، ولكن لا يعتبر فيه وحدة الموجب والقابل ، فمن الجائز تعدد الموجب والقابل ، وإذا كانت المزارعة قائمة بأربعة كان أحدهم

( مسألة 13 ) : يجوز للعامل أن يشارك غيره في مزارعته أو يزارعه في حصته [1] من غير فرق بين أن يكون البذر منه أو من المالك [2] ، ولا يشترط فيه إذنه.


موجباً والباقون قابلا ، فلم يكن إلا إيجاب واحد وقبول واحد. هذا وفي الجواهر الميل الى المنع ، لخبر أبي الربيع الشامي وغيره مما تضمن المنع عن التسمية للبذر ثلثاً ، وللبقر ثلثاً ، قال (عليه السلام) : « ولكن يقول لصاحب الأرض : ازرع في أرضك ولك منها كذا وكذا ، نصفاً أو ثلثاً وما كان من شرط ، ولا يسمي بذراً ولا بقراً ، فإنما يحرم الكلام » (1). لكن الرواية المذكورة مهجورة بظاهرها عند الأصحاب ، فلا مجال للاعتماد عليها. مع أن موردها الاثنان لا الأكثر ، فحملها على ذلك بلا قرينة غير جائز.

[1] قال في الشرائع : « للمزارع أن يشارك غيره في حصته وأن يزارع عليها غيره ، ولا يتوقف على إذن المالك. لكن لو شرط المالك الزرع بنفسه لزم ولم تجز المشاركة إلا بإذنه » وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك ، بل عن ظاهر الغنية : الإجماع عليه ».

[2] أشار بذلك إلى ما حكاه في المسالك عن بعضهم قال فيها : « اشترط بعضهم في جواز مزارعة غيره كون البذر منه ليكون تمليك الحصة منوطاً به ، وبه يفرق بينه وبين عامل المساقاة حيث لا يصح له أن يساقي غيره. ولأن البذر إذا كان من صاحب الأرض فالأصل أن لا يتسلط عليه إلا مالكه أو من أذن له وهو الزارع. وهو حسن في مزارعة غيره ، وأما المشاركة فلا ، لان المراد بها أن يبيع بعض حصته في الزرع مشاعاً بعوض معلوم ، وهذا لا مانع منه لمالكه لها فيتسلط على بيعها كيف شاء ،


1) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 10 وفي الباب أحاديث أخر تتضمن ذلك.


بخلاف ابتداء المزارعة ، إذ لا حق له حينئذ إلا العمل ، وبه يستحق الحصة مع احتمال الجواز مطلقاً ، لان لزوم عقدها اقتضى تسليطه على العمل بنفسه وغيره ، وتملكه للمنفعة والتصرف في البذر بالزرع وإن لم يكن بنفسه حيث لا يشترط عليه الاختصاص فيجوز (1)نقله الى الغير. كما تجوز الاستنابة. ويضعف : بأن البذر حينئذ ليس ملكاً له ، وإنما هو مأذون في التصرف فيه بالزرع ، وبه يملك الحصة. وقد يقال : إن هذا كاف في جواز مزارعة الغير ، لأنها عبارة عن نقل حقه في ذلك وتسليطه على العمل ، فيجوز كما يجوز له التوكيل فيه والاستنابة بغيرها من الوجوه ». ولم يعرف هذا البعض ولا وجود القائل. بل في مفتاح الكرامة : « تتبعنا كتب الأصحاب من المقنع الى المسالك فلم نجد أحداً حكاه ولا نقل حكايته من الخاصة والعامة ».

وكيف كان فالمتحصل : أن الوجه في الشرط المذكور عند قائله أمران : ( الأول ) : أنه إذا كان البذر من المالك فليس للعامل شي‌ء يصح نقله إلى غيره على نحو الشركة أو المزارعة عليه. ( الثاني ) : أن البذر لمالكه فلا يجوز لأحد التصرف فيه بغير إذنه ، وإذن العامل ليست إذناً من المالك ، فلا يجوز لغير الزارع التصرف فيه.

وفيه : أن مفاد عقد المزارعة ثبوت حق لكل من المالك والزارع على الآخر فحق المالك على الزارع العمل ، وحق الزارع على المالك بذل الأرض ومنفعتها أو نحو ذلك ، ولذا لو مات المالك انتقل إلى وارثه ، فذلك الأمر القابل للانتقال الى الوارث هو القابل للنقل إلى الغير على نحو التشريك أو على نحو آخر ، فاندفع الوجه الأول.

وأما الوجه الثاني فيدفعه ما عرفت من أنه يجوز لمن عليه العمل أن


1) ضمير فاعله يرجع الى التملك السابق. منه قدس سره .

نعم لا يجوز تسليم الأرض إلى ذلك الغير إلا بإذنه [1]. وإلا كان ضامناً ، كما هو كذلك في الإجارة أيضاً. وللظاهر جواز نقل مزارعته إلى الغير - بحيث يكون كأنه هو الطرف للمالك - بصلح ونحوه بعوض - ولو من خارج - أو بلا عوض. كما يجوز نقل حصته إلى الغير ، سواء كان ذلك قبل ظهور الحاصل أو بعده ، كل ذلك لأن عقد المزارعة من العقود اللازمة الموجبة لنقل منفعة الأرض [2] نصفاً أو ثلثاً أو نحوهما إلى العامل ، فله نقلها إلى الغير بمقتضى قاعدة السلطنة. ولا فرق فيما ذكرنا


يأخذ أجيراً للعمل فاذا جاز أخذ الأجير جاز للأجير التصرف ، لأن الاذن في الشي‌ء إذن في لوازمه. وأيضاً إذا مات العامل قام وارثه مقامه في العمل وإذا مات مستأجر الدار كانت المنفعة للوارث ولم تبطل الإجارة ، وهكذا الحكم في جميع الأمور التي تقبل النيابة عرفاً ، فإن الأصل فيها جواز النيابة إلا مع شرط المباشرة ، كما تقدم في المسألة الحادية عشرة ، مضافاً إلى أن الوجه الثاني لو تمَّ منع من نقل الحق إلى الغير حتى في صورة كون البذر منه ، لان كون البذر منه إنما يجوز التصرف في البذر لغيره ، لأنه في ماله بإذنه ولا يجوز التصرف في الأرض التي هي للمالك.

[1] قد عرفت الاشكال فيه وأن مقتضى جواز أخذ الأجير جواز تسليم الأرض إليه ، ولا فرق بين جواز التصرف في الأرض وجواز تسليمها وقد تقدم في كتاب الإجارة جواز ذلك أيضاً.

[2] هذا دفع للوجه الأول من وجهي الاشكال. وفيه : أنه لم يثبت أن عقد المزارعة اقتضى تملك العامل منفعة الأرض ، بل هو ممنوع فالوجه في دفعه ما عرفت.

بين أن يكون المالك شرط عليه مباشرة العمل بنفسه أو لا [1] إذ لا منافاة بين صحة المذكورات وبين مباشرته للعمل [2] ، إذ لا يلزم في صحة المزارعة مباشرة العمل ، فيصح أن يشارك أو يزارع غيره ويكون هو المباشر دون ذلك الغير.

( مسألة 14 ) : إذا تبين بطلان العقد فاما أن يكون قبل الشروع في العمل أو بعده وقبل الزرع - بمعنى نثر الحب في الأرض - أو بعده وقبل حصول الحاصل ، أو بعده. فان كان قبل الشروع فلا بحث ولا اشكال [3] وإن كان بعده وقبل الزرع - بمعنى الإتيان بالمقدمات من حفر النهر وكري


[1] إشارة إلى التفصيل الذي أشار إليه في الشرائع والقواعد والمسالك بين صورة اشتراط المباشرة على العامل فلا يجوز له نقل حصته أو مزارعة غيره ، وبين صورة عدم اشتراط المباشرة عليه فيجوز ذلك.

[2] إشارة إلى الإشكال في التفصيل المذكور بأن نقل الحصة إلى الغير أو مزارعته لا يقتضي مباشرته للعمل ، لجواز المباشرة من الزارع الأول بالنيابة عن الزارع الثاني أو من نقل اليه بعض حصته. وسبقه إلى هذا الإشكال في الجواهر وغيرها. لكن الظاهر عدم توجه الاشكال المذكور على المفصلين ، لأن مورد كلامهم في جواز التشريك للغير أو مزارعته صورة التشريك في العمل أيضاً ، لا مجرد نقل الحق فقط ، وحينئذ لا بد في جواز ذلك من عدم اشتراط المالك على العامل المباشرة ، وإلا كان التشريك للغير أو مزارعته مخالفة للشرط.

[3] إذ لا يحتمل وجوب شي‌ء للعامل لعدم العمل ، ولا للمالك لعدم التصرف في أرضه بما له قيمة.

الأرض وشراء الآلات ونحو ذلك - فكذلك [1]. نعم لو حصل وصف في الأرض يقابل بالعوض - من جهة كريها أو حفر النهر لها أو إزالة الموانع عنها - كان للعامل قيمة ذلك الوصف [2] ، وإن لم يكن كذلك وكان العمل لغواً فلا شي‌ء له. كما أن الآلات لمن أعطى ثمنها. وإن كان بعد الزرع كان الزرع [3] لصاحب البذر [4] ، فان كان للمالك كان الزرع له وعليه للعامل أجرة عمله وعوامله [5] ، وإن كان للعامل كان له وعليه أجرة الأرض للمالك [6] وإن كان منهما كان لهما على النسبة نصفاً أو ثلثاً ، ولكل منهما على الأخر أجرة مثل ما يخصه من تلك النسبة [7] ، وإن كان من ثالث فالزرع له وعليه للمالك أجرة الأرض [8]


[1] لأن المعاملة كانت على الزرع لا غير ، فما لم يكن العمل زرعاً لا أمر به من المالك ولا استيفاء منه له. اللّهم إلا أن يقال : المراد من الزرع كل عمل يتعلق بالزرع ومنه حفر النهر وحرث الأرض.

[2] لأنه أثر عمله ، فيملكه تبعاً له.

[3] هذه الاحكام ذكرها في الجواهر نافياً لوجدان الخلاف فيها حاكياً ذلك عن الرياض أيضاً.

[4] لأنه نماء ملكه ، فيتبعه في إضافة المالك ، كما تقدم مراراً.

[5] لما تقدم مراراً في الإجارة والمضاربة من الضمان بالاستيفاء.

[6] لاستيفاء منفعتها بالزرع فيضمنها ضرورة.

[7] لما سبق.

[8] لاستيفائه منفعة أرضه. من دون فرق بين كونها تحت يده أو

وللعامل أجرة عمله وعوامله [1] ولا يجب على المالك إبقاء الزرع إلى بلوغ الحاصل [2] إن كان التبين قبله ، بل له أن يأمر بقلعه ، وله أن يبقى بالأجرة إذا رضي صاحبه ، وإلا فليس له إلزامه بدفع الأجرة [3] ، هذا كله مع الجهل بالبطلان وأما مع العلم فليس للعامل منهما الرجوع على الأخر بعوض أرضه أو عمله ، لأنه هو الهاتك لحرمة ماله أو عمله [4] فكأنه متبرع به وإن كان الأخر أيضاً عالماً بالبطلان. ولو كان العامل بعد ما تسلم الأرض تركها في يده بلا زرع فكذلك يضمن أجرتها للمالك مع بطلان المعاملة ، لفوات منفعتها تحت يده (رحمه اللّه) ، إلا في صورة علم المالك بالبطلان ، لما مر [6].


يد الزارع لصدق الاستيفاء بالنسبة إليه في المقامين بعد ما كان تسليم الأرض للزرع فيها بداعي الوفاء بالعقد الواقع بينهم.

[1] لما سبق بعينه.

[2] لان الزرع بعد أن لم يكن بإذن المالك وإنما كان جريا على العقد الفاسد يكون بحكم غرس الغاصب الذي ليس لعرقه حق ، لان المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب.

[3] كما تقدم في المسألة السادسة.

[4] تقدم أنه لما كان العمل بقصد الجري على مقتضى المعاملة والمعاوضة لا يكون تبرعاً ، ولا هو هاتك لحرمة عمله أو ماله.

[5] وذلك كاف في الضمان ، إما لعموم : « على اليد ما أخذت .. »

بناء على شموله للمنافع ، وإما لملاك ضمان الأعيان باليد.

[6] قد مر الاشكال فيه مراراً.

( مسألة 15 ) : الظاهر من مقتضى وضع المزارعة ملكية العامل لمنفعة الأرض بمقدار الحصة المقررة له [1] ، وملكية المالك للعمل على العامل بمقدار حصته ، واشتراك البذر بينهما على النسبة [2] ، سواء كان منهما أو من أحدهما أو من ثالث ،


[1] قد عرفت فيما سبق أن مفاد عقد المزارعة أن يزرع الأرض بحصة من الحاصل ، وهذا المعنى يقتضي أن يكون عمل الزرع مملوكاً لصاحب الأرض ، ولا يقتضي كون منفعة الأرض مملوكة للعامل إذ كون الأرض موضوعاً للزرع لا يقتضي إلا تعلق الزرع بالأرض ولو على نحو البذل من المالك لأرضه ، إذ لا دليل على ملك العامل لمنفعة الأرض. وأما التحصيص الذي ذكره المصنف (رحمه اللّه) فغريب لا مأخذ له كما عرفت في المسألة السابقة ، ومجرد الاشتراك في الحاصل لا يقتضي الاشتراك في مقدماته.

[2] هذا غير ظاهر ، بل هو خلاف ظاهر قولهم في تعريف المزارعة بأنها المعاملة على الأرض بحصة من حاصلها ، فإنه ظاهر في أن الاشتراك في الحاصل ، لا في غيره من المراتب السابقة عليه. مع أن ذلك لا يناسب ما ذكره في المسالك من الإشكال في جواز مشاركة العامل لغيره أو مزارعته إذا كان البذر من المالك ، لأنه لا يملك شيئاً ليجوز له نقله ، فاذا كان مقتضى المزارعة المشاركة في البذر لا مجال لتوهم الاشكال المذكور. كما أن من تأخر عن المسالك لم يدفع الاشكال بما ذكر ، وإنما دفعه من وجه آخر. مضافاً الى أن المزارعة إذا اقتضت المشاركة في البذر كان اللازم التعرض لحكم ما إذا لم يزرع العامل وأنه يرجع البذر الى مالكه أو أنه يقسم بين المالك والعامل ، أو غير ذلك. وبالجملة : دعوى الاشتراك في البذر غريبة.

فاذا خرج الزرع صار مشتركا بينهما على النسبة [1] ، لا أن يكون لصاحب البذر إلى حين ظهور الحاصل ، فيصير الحاصل مشتركا من ذلك الحين ، كما ربما يستفاد من بعض الكلمات [2] أو كونه لصاحب البذر إلى حين بلوغ الحاصل وإدراكه ، فيصير مشتركاً في ذلك الوقت ، كما يستفاد من بعض آخر. نعم الظاهر جواز إيقاع العقد على أحد هذين الوجهين مع التصريح والاشتراط به من حين العقد [3]. ويترتب على هذه الوجوه ثمرات ( منها ) : كون التبن أيضاً مشتركاً بينهما


وكأن الذي دعا إليها هو التحصيص الذي دعا المصنف الى القول بالاشتراك في منفعة الأرض وفي عمل العامل ، الذي عرفت غرابته أيضاً ، وغرابة استفادته من تحصيص الحاصل.

[1] الذي يظهر من عبارة المسالك المتقدمة في المسألة الثالثة عشرة أن خروج الزرع هو وقت حدوث الاشتراك بين المالك والزارع لا قبله ولا بعده.

[2] هذا مقتضى ما ذكره الأصحاب في تعريف المزارعة بأنها المعاملة على الأرض بحصة من حاصلها ، إذ جعل فيه موضع التحصيص هو الحاصل الشامل لهذا المعنى ولما بعده ، فلا تحصيص قبله. اللّهم إلا أن يكون المراد من الحاصل الأعم من الزرع ، والتعبير بالحاصل لمزيد الاهتمام به وكونه الغرض الاولي. وهذا وإن كان خلاف الظاهر ، لكن يجب الحمل عليه عملا بالارتكاز العرفي ، فإن بناء العرف على عدم الاشتراك في البذر والاشتراك في جميع مراتب النماء والتحولات للبذر.

[3] لكن الشرط المذكور إذا كان منافياً للمزارعة لا يكون العقد مزارعة وإن كان صحيحاً.

على النسبة على الأول ، دون الأخيرين [1] فإنه لصاحب البذر. ( ومنها ) : في مسألة الزكاة [2]. ( ومنها ) : في مسألة الانفساخ أو الفسخ في الأثناء قبل ظهور الحاصل [3] ( ومنها ) : في مسألة مشاركة الزارع مع غيره ومزارعته معه [4] ( ومنها ) : في مسألة ترك الزرع إلى ان انقضت المدة [5]. إلى غير ذلك.

( مسألة 16 ) : إذا حصل ما يوجب الانفساخ في الأثناء قبل ظهور الثمر أو بلوغه كما إذا انقطع الماء عنه ولم يمكن تحصيله ، أو استولى عليه ولم يمكن قطعه ، أو حصل مانع آخر عام - فالظاهر لحوق حكم تبين البطلان من الأول - على


[1] فان التبن جزء من الزرع ، فيكون مشتركاً على الأول ولا يكون جزءاً من الحاصل ، فلا يكون مشتركاً بناء على الأخيرين.

[2] كما يأتي في المسألة الحادية والعشرين.

[3] كما يأتي في المسألة السابعة عشرة.

[4] يظهر مما ذكرنا في المسألة الثالثة عشرة الإشكال في هذه الثمرة وأنه يصح مشاركة الغير ومزارعته وإن لم نقل بالاشتراك بالبذر نعم يترتب على ذلك عدم توجه الإشكال أصلا ، بخلاف القول بعدم الاشتراك فإنه يتوجه الاشكال ، وإن كان يمكن اندفاعه بما عرفت ، فالثمرة وضوح الحكم وعدم وضوحه ، لا ثبوت الحكم وعدمه.

[5] فإنه بناء على الاشتراك في البذر يكون البذر مشتركاً بناء على الاشتراك في البذر ، وبناء على الوجهين الأخيرين يختص المالك به.

ما مر - لأنه يكشف عن عدم قابليتها للزرع [1] ، فالصحة كانت ظاهرية ، فيكون الزرع الموجود لصاحب البذر. ويحتمل بعيداً كون الانفساخ من حينه [2] ، فيلحقه حكم الفسخ في الأثناء - على ما يأتي - فيكون مشتركا بينهما على النسبة.

( مسألة 17 ) : إذا كان العقد واجداً لجميع الشرائط وحصل الفسخ في الأثناء إما بالتقايل ، أو بخيار الشرط لأحدهما ، أو بخيار الاشتراط بسبب تخلف ما شرط على أحدهما - فعلى ما ذكرنا من مقتضى وضع المزارعة - وهو الوجه الأول من الوجوه المتقدمة - فالزرع الموجود مشترك بينهما على النسبة وليس لصاحب الأرض على العامل أجرة أرضه ، ولا للعامل أجرة عمله بالنسبة إلى ما مضى ، لان المفروض صحة المعاملة وبقاؤها إلى حين الفسخ [3]. وأما بالنسبة إلى الاتي فلهما التراضي على البقاء إلى البلوغ بلا أجرة أو معها ، ولهما التراضي


[1] التي هي شرط للصحة من الأول - كما تقدم في أول الكتاب - فاذا تبين فقد الشرط فقد تبين فقد المشروط.

[2] مبنى هذا الاحتمال أن يكون اعتقاد القابلية لزرع شرطاً لصحة المزارعة ، لا وجود القابلية واقعاً.

[3] هذا لا يجدي بعد وقوع الفسخ ، لأنه يرد على أصل المعاملة ، فتكون بعد الفسخ كأنها لم تكن ، فيرجع الزرع الى مالكه ، فان كان هو المالك ضمن عمل العامل بالاستيفاء ، وإن كان هو العامل ضمن منفعة الأرض بالاستيفاء ، وإن كان غيرهما ضمن كلا من الأمرين لمالكه ولأجل ذلك احتمل المصنف (رحمه اللّه) في كتاب الإجارة - في المسألة الخامسة من

على القطع قصيلا. وليس للزارع الإبقاء إلى البلوغ بدون رضي المالك [1] ولو بدفع أجرة الأرض ، ولا مطالبة الأرش إذا أمره المالك بالقلع. وللمالك مطالبة القسمة [2] وإبقاء حصته في أرضه إلى حين البلوغ وأمر الزارع بقطع حصته قصيلا. هذا وأما على الوجهين الآخرين فالزرع الموجود لصاحب البذر. والظاهر عدم ثبوت شي‌ء عليه من أجرة الأرض أو العمل ، لأن المفروض صحة المعاملة إلى هذا الحين وإن لم يحصل للمالك أو العامل شي‌ء من الحاصل ، فهو كما لو بقي الزرع إلى الآخر ولم يحصل حاصل [3] من جهة آفة سماوية أو أرضية.


فصل : يملك المستأجر المنفعة في إجارة الأعيان - الرجوع الى أجرة المثل فيما مضى من المدة وجعل الاحتمال المذكور قريباً ، فراجع. وحينئذ فالعمدة فيما ذكره المصنف (رحمه اللّه) هنا : أن بناء العرف في المقام ونحوه على التبعيض ، نظير باب تبعض الصفقة ، فيكون من قبيل تعدد المطلوب ، فيكون فسخ المزارعة من حينه ، لا من الأول.

[1] لأنه خلاف سلطنة المالك على أرضه. نعم إذا كان في قلع الزرع ضرر على الزارع ولم يكن ضرر على مالك الأرض في إبقاء الزرع كانت قاعدة السلطنة المذكورة محكومة بقاعدة نفي الضرر ، وكان له الإبقاء بدفع الأجرة ، كما تقدم نظير ذلك في المسألة السادسة.

[2] لعموم ما دل على جواز طلب الشريك القسمة.

[3] والوجه فيه في المقامين : أن البذر إذا كان للعامل فمالك الأرض لم يبذل أرضه على وجه الضمان مطلقاً ، وإنما كان بذله لها على وجه الضمان

ويحتمل ثبوت الأجرة عليه إذا كان هو الفاسخ [1].


في صورة وجود الحاصل لا مع عدمه ، وكذا الكلام إذا كان البذر لصاحب الأرض ، فإن العامل لم يعمل بقصد العوض مطلقاً ، وإنما كان بقصد العوض على تقدير وجود الحاصل لا مع عدمه ، وحينئذ لا موجب لضمان منفعة الأرض ، ولا لضمان عمل العامل.

وفيه : أن البذل في المقامين لم يكن بقصد التبرع والمجانية ، وإنما كان برجاء الحاصل وبانتظاره ، غاية الأمر أنه إذا فات الحاصل لأمر سماوي ونحوه لم يكن له شي‌ء ولم يكن مقدماً على البذل مجاناً مع فوات الحاصل من جهة الفسخ ، فاستيفاء عمله حينئذ يوجب ضمانه. وبذلك افترقت هذه المسألة عن المسألة السابقة ، فإن البذل في المسألة السابقة مضمون بالمسمى فيها ، وهنا لا ضمان له بالمسمى ، فإذا بنى على الفسخ من حينه يكون البذل بلا عوض وهو خلاف قاعدة الضمان بالاستيفاء ، فإنه يوجب الضمان إما بالمسمى أو بأجرة المثل ، ولما لم يسلم المسمى هنا تعين الضمان بأجرة المثل.

وقد اعترف بذلك المصنف في المسألة التاسعة إذا كان التعيين على وجه التقييد ، وكذلك في المسألة الرابعة عشرة في صورة البطلان ، ولا فرق في موجب الضمان بين الفسخ والبطلان. وسيأتي في المسألة الثامنة والعشرين من كتاب المساقاة الحكم بالضمان بأجرة المثل. وفي المسألة السابقة بناء على الفسخ من حينه يكون الضمان بالمسمى ، فلا موجب للرجوع إلى أجرة المثل.

[1] لأنه ضيع الحاصل على شريكه ، بخلاف ما إذا كان الفاسخ غير من له البذر ، فإنه هو الذي ضيع الحاصل على نفسه. لكن عرفت أن الاستيفاء هو الموجب للضمان ، فاذا كان الفسخ مفوتاً للضمان بالمسمى وجب أن يكون بأجرة المثل ، وهذا المعنى لا يختص بفسخ من له البذر ،

( فذلكة ) : قد تبين مما ذكرنا في طي المسائل المذكورة أن هاهنا صوراً ( الاولى ) : وقوع العقد صحيحاً [1] جامعاً للشرائط والعمل على طبقه إلى الآخر ، حصل الحاصل أو لم يحصل لآفة سماوية أو أرضية ( الثانية ) : وقوعه صحيحاً مع ترك الزارع للعمل إلى أن انقضت المدة [2] ، سواء زرع غير ما وقع عليه العقد أو لم يزرع أصلا ( الثالثة ) : تركه العمل في الأثناء بعد أن زرع [3] اختياراً أو لعذر خاص به ( الرابعة ) : تبين البطلان من الأول [4] ( الخامسة ) : حصول الانفساخ في الأثناء [5] ، لقطع الماء أو نحوه من الأعذار العامة ( السادسة ) : حصول الفسخ بالتقايل أو بالخيار في الأثناء [6]. وقد ظهر حكم الجميع في طي المسائل المذكورة ، كما لا يخفى.

( مسألة 18 ) : إذا تبين بعد عقد المزارعة أن الأرض كانت مغصوبة فمالكها مخير بين الإجارة ، فتكون الحصة له -


بل يكون بفسخ غيره أيضاً.

[1] هذا تبين من بيان صحة المزارعة.

[2] هذا تبين من المسألة السابعة.

[3] هذا تبين مما قبله ، ولم يتعرض له المصنف.

[4] تبين ذلك من المسألة الرابعة عشرة.

[5] تبين ذلك من المسألة السادسة عشرة.

[6] تبين ذلك من المسألة السابعة عشرة. وقد تبين أمور كثيرة غير ما ذكر لم يتعرض لها المصنف (رحمه اللّه) لأنه في مقام ما يتعلق بالصحة والبطلان من الأول أو في الأثناء.

سواء كان بعد المدة أو قبلها في الأثناء أو قبل الشروع بالزرع - بشرط أن لا يكون هناك قيد أو شرط لم يكن معه محل للإجازة [1] ، وبين الرد ، وحينئذ فإن كان قبل الشروع في الزرع فلا إشكال ، وإن كان بعد التمام فله أجرة المثل لذلك الزرع [2] ، وهو لصاحب البذر. وكذا إذا كان في الأثناء [3] ويكون بالنسبة إلى بقية المدة الأمر بيده [4] ، فاما يأمر بالإزالة وإما يرضى بأخذ الأجرة ، بشرط رضا صاحب البذر. ثمَّ المغرور من المزارع والزارع يرجع فيما خسر على غاره [5] ،


[1] لم يتضح الوجه في هذا الشرط ، فان القيود والشروط المذكورة في ضمن العقد لا تمنع من إجازته ، لأن الإجازة تتعلق به على ما هو عليه من قيد أو شرط.

[2] وهي على المباشر ، لا على المالك للبذر وان كان قد أمره به ، لأن المباشر أقوى من الآمر فتصح نسبة الاستيفاء اليه لا الى المالك وان كان آمراً ، والضمان على المستوفي لا على الآمر بالاستيفاء. نعم المباشر يرجع على صاحب البذر بأجرة العمل مع ملاحظة كون العمل في أرض مضمونة منفعتها على العامل ، وبذلك تزيد الأجرة.

[3] لعين ما سبق.

[4] لما سبق.

[5] لقاعدة الغرور المستفادة من النبوي المشهور (1). ولبعض


1) هذا الحديث وان وجد في بعض الكتب الفقهية الا أنه لم نعثر عليه بعد الفحص في كتب الحديث العامة والخاصة وبعد الاستعانة ببعض الفهارس المعدة لضبط السنة النبوية. وقد تعرضنا لذلك في الجزء العاشر الصفحة : 144 من هذه الطبعة.

ومع عدم الغرور فلا رجوع. وإذا تبين كون البذر مغصوباً فالزرع لصاحبه ، وليس عليه أجرة الأرض ، ولا أجرة العمل [1]. نعم إذا كان التبين في الأثناء كان لمالك الأرض الأمر بالإزالة [2]. هذا إذا لم يكن محل للإجازة - كما إذا وقعت المعاملة على البذر الكلي لا المشخص في الخارج [3] أو نحو ذلك - أو كان ولم يجز [4] ، وإن كان له محل وأجاز يكون هو الطرف للمزارعة [5] ويأخذ الحصة التي كانت


الصحاح الواردة في باب تدليس الزوجة المتضمنة رجوع الزوج على المدلس معللا بقوله (عليه السلام) : « كما غر الرجل وخدعه » (1). وقد تعرضنا لذلك في بعض المباحث المتقدمة من هذا الشرح.

[1] لأنه لم يكن الزرع بأمره حتى يصدق الاستيفاء الموجب للضمان فان جاء بالبذر العامل كان عليه أجرة الأرض لصاحبها ، وان جاء به صاحب الأرض كان عليه أجرة المثل للعامل ، وقد بطلت المزارعة.

[2] كما سبق وجهه.

[3] إذ حينئذ لا يكون البذر الشخصي دخيلا في المزارعة حتى يكون لصاحبه سلطان عليها بالإجازة والرد ، فلو فرض أن مالك الشخصي أجاز لم تكن إجازته مصححة للمزارعة ، بل تكون إجازته رخصة منه في تملكهما لزرعه كل على حصته ، مع بطلان المزارعة ، لفقد البذر منهما.

[4] أما إذا أجاز حينئذ صحت المزارعة ، لأنه يكفي في صحتها كون البذر مباحاً لهما ولو بإجازة متأخرة.

[5] بناء على ما تقدم منه من جواز كون صاحب البذر طرفاً للمزارعة ولو بني على بطلان ذلك لم تنفع الإجازة في إثبات الحصة للمجيز ، كما


1) الوسائل باب : 7 من أبواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح حديث : 1.

للغاصب. وإذا تبين كون العامل عبداً غير مأذون فالأمر إلى مولاه [1]. وإذا تبين كون العوامل أو سائر المصارف مغصوبة فالمزارعة صحيحة [2] ، ولصاحبها أجرة المثل أو قيمة الأعيان التالفة. وفي بعض الصور يحتمل [3] جريان الفضولية [4] وإمكان الإجازة ، كما لا يخفى.

( مسألة 19 ) : خراج الأرض على صاحبها [5] ،


إذا كان البذر من صاحب الأرض أو الزارع ، فذكر شرطاً عليه دون رضا مالكه ، فإن الإجازة تقتضي ثبوت الحصة لأحدهما كما هو مضمون العقد ، ولا توجب انقلاب مضمونه وثبوت الحصة للمجيز.

[1] يعني : إن أجاز صحت المزارعة وكانت له حصة ، وإلا بطلت ، وحينئذ فإن كان البذر من صاحب الأرض كان عليه أجرة عمل العبد ، وإن كان من غيره كان على العبد أجرة مثل الأرض.

[2] لأن العوامل ليست مقومة للمزارعة ، بخلاف البذر ، فان الحاصل الذي هو مورد التحصيص قائم بالبذر.

[3] كان المناسب الجزم لا الاحتمال.

[4] كما سبق في البذر ، بأن يكون المتولي لها طرفاً ثالثاً أو رابعاً ، فيجيز المالك ، وتكون له الحصة.

[5] بلا خلاف ظاهر ، وفي المسالك : أنه محل وفاق ، وفي مفتاح الكرامة : أن الإجماع معلوم ، وحكى عن مجمع البرهان : أن الحكم معلوم ، وفي الحدائق : « الظاهر أنه لا خلاف فيه بينهم ». ويقتضيه : أن خراج الأرض موضوع على صاحب الأرض ، ولا يرتبط بالعامل ، والأصل براءة ذمته ، فاذا طالب السلطان العامل بالخراج كان عادياً عليه وظالماً له.

وكذا مال الإجارة إذا كانت مستأجرة [1] ، وكذا ما يصرف في إثبات اليد عند أخذها من السلطان ، وما يؤخذ لتركها في يده ولو شرط كونها على العامل - بعضا أو كلا - صح [2] وإن كانت ربما تزاد وربما تنقص على الأقوى [3] ، فلا يضر مثل هذه الجهالة ، للأخبار [4].


[1] الحكم فيه أوضح مما قبله. وكذا ما بعده.

[2] عملا بعموم الصحة في الشروط.

[3] قال في الشرائع : « خراج الأرض ومئونتها على صاحبها. إلا أن يشترط على الزارع ». وظاهره صحة الشرط مطلقاً. لكن في المسالك : « فان شرط عليه ( يعني : على الزارع ) لزم إذا كان القدر معلوماً. وكذا لو شرط بعضه معيناً أو مشاعاً مع ضبطه. ولو شرط عليه الخراج فزاد السلطان فيه زيادة فهي على صاحب الأرض ، لأن الشرط لم يتناولها ولم تكن معلومة فلا يمكن اشتراطها ». وفيه : أنه لا دليل على قدح الجهالة في المقام ، وعموم الصحة ينفي ذلك.

[4] يشير بذلك إلى جملة من النصوص ، كصحيح داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل تكون له الأرض يكون عليها خراج معلوم ، وربما زاد وربما نقص ، فدفعها الى رجل يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1). ومثله ما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه علیه السلام (2). وصحيح يعقوب بن شعيب المروي في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض


1) الوسائل باب : 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة ملحق حديث : 1.

وأما سائر المؤن [1] - كشق الأنهار ، وحفر الآبار ، وآلات السقي ، وإصلاح النهر وتنقيته ، ونصب الأبواب مع الحاجة إليها والدولاب ، ونحو ذلك مما يتكرر كل سنة أو لا يتكرر - فلا بد من تعيين كونها على المالك أو العامل ، إلا إذا كان هناك


الخراج ، فيدفعها الى رجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها وما كان من فضل فهو بينهما. قال : لا بأس » (1).

قال في الحدائق بعد ما ذكر هذه الروايات الثلاث : وهذه الاخبار - كما ترى - ظاهرة في عدم جهالة الشرط المذكور هنا سيما الخبرين الأولين » وسبقه الى ذلك في الكفاية. ويشكل ما ذكره : بأن الخبرين الأولين ليسا في المزارعة ، وإنما هما في موضوع آخر ، والخبر الثالث لا ظهور فيه في جهالة الخراج وتردده بين الأقل والأكثر ، فالعمدة في عدم الجهالة هي القواعد العامة. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره المصنف (رحمه اللّه) من الاستدلال بالأخبار لا غير.

[1] قد تقدم عن الشرائع إلحاق المؤن مطلقاً بالخراج في كونها على صاحب الأرض ، ونحوه ما في القواعد وعن التذكرة والسرائر وجامع المقاصد وغيرها. وفي جملة من الكتب اقتصر على الخراج ولم يتعرض للمؤنة ، وظاهر ذلك كونها على العامل. وفي المسالك فصل بين أنواع المؤنة ، فقال : « والظاهر أن المراد من المؤنة ما يتوقف عليه الزرع ولا يتعلق بنفس عمله وتنميته ، كإصلاح النهر والحائط ونصب الأبواب - إن احتيج إليها - وإقامة الدولاب ، وما لا يتكرر كل سنة ، كما فصلوه في المساقاة. والمراد بالعمل الذي على المزارع ما فيه صلاح الزرع وبقاؤه مما يتكرر كل سنة ، كالحرث والسقي وآلاتهما وتنقية النهر من الحمأة وحفظ الزرع وحصاده ونحو


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

عادة ينصرف الإطلاق إليها. وأما ما يأخذه المأمورون من الزارع ظلماً من غير الخراج فليس على المالك [1] ، وإن كان أخذهم ذلك من جهة الأرض.


ذلك. وبالجملة فكلامهم في هذا المحل قاصر جداً ». وفيه : أنه لا قرينة على ما ذكره من التفصيل في مرادهم. وما ذكروه في السقي - لو تمَّ - لا يكون قرينة على ما نحن فيه ، لاختلاف المقامين. مضافاً إلى أنه لا دليل على التفصيل المذكور. ولذا ذكر في الجواهر : أنه لا إشكال في كون المرجع مع الإطلاق التعارف فيما هو على المالك والعامل وإلا أشكل الحال. انتهى. وكأن المصنف (رحمه اللّه) تبعه في ذلك.

وإن كان يشكل ما ذكره : بأن مقتضى الإطلاق كونه على العامل ما لم تقم قرينة على خلافه ، كما تقدم في كتاب الإجارة أن مئونة عمل الأجير عليه لا على المستأجر ، إلا أن تقوم قرينة على خلاف ذلك. والوجه فيه : أن العمل المملوك على الأجير والزرع المملوك على الزارع إذا كان مطلقاً كان مقتضى ملكيته وجوب الإتيان به على كل حال ، فتجب جميع مقدماته من دون فرق بين مقدمة وأخرى ، والتخصيص ببعضها دون بعض يتوقف على القرينة ، ومع الإطلاق وفقد القرينة يجب الجميع. لكن المصنف في الإجارة جعل الأقوى وجوب التعيين مع عدم القرينة ، وذكر أن كونها على المستأجر لا يخلو من وجه.

[1] لأصالة البراءة. لكن في خبر سعيد الكندي : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني آجرت قوماً أرضاً فزاد السلطان عليهم. قال : أعطهم فضل ما بينهما. قلت : أنا لم أظلمهم ولم أزد عليهم. قال : إنهم إنما زادوا على أرضك » (1). والظاهر أنه غير ما نحن فيه وإنما


1) الوسائل باب : 16 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 10.

( مسألة 20 ) : يجوز لكل من المالك والزارع أن يخرص على الآخر [1] بعد إدراك الحاصل [2] بمقدار منه بشرط القبول والرضا من الأخر [3] لجملة من الاخبار [4]


فيما زاده السلطان من الخراج ، مع أن الخبر ضعيف.

[1] الظاهر أنه لا خلاف فيه إلا من ابن إدريس ، وفي الحدائق : « الظاهر اتفاق الأصحاب عليه » ، وفي الجواهر : « لا أجد خلافاً فيه ». وقد ذكره في الشرائع والقواعد وغيرهما.

[2] كما يظهر اشتراط ذلك من مرسل محمد بن عيسى الآتي والروايات الواردة في أهل خيبر. لكن خبر سهل الآتي خال من ذلك.

[3] كما صرح به جماعة. ويدل عليه خبر سهل الآتي.

[4] كخبر سهل قال : « سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يزرع له الحراث بالزعفران ويضمن له على أن يعطيه في كل جريب يمسح عليه وزن كذا وكذا درهماً ، فربما نقص وغرم وربما استفضل وزاد. قال (عليه السلام) : لا بأس به إذا تراضيا » (1)، ومرسل محمد بن عيسى عن بعض أصحابه قال : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إن لنا أكرة فنزارعهم فيقولون : قد حزرنا هذا الزرع بكذا وكذا فأعطوناه ونحن نضمن لكم أن نعطيكم حصة على هذا الحزر. قال (عليه السلام) : وقد بلغ؟ قلت : نعم. قال : لا بأس بهذا. قلت : فإنه يجي‌ء بعد ذلك فيقول لنا : إن الحزر لم يجي‌ء كما حزرت قد نقص. قال : فاذا زاد يرد عليكم؟ قلت : لا. قال : فلكم أن تأخذوه بتمام الحزر ، كما أنه إذا زاد كان له كذلك إذا نقص » (2)ونحوه غيره.


1) الوسائل باب : 14 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 4.

هنا وفي الثمار [1]. فلا يختص ذلك بالمزارعة والمساقاة [2]. بل مقتضى الاخبار جوازه في كل زرع مشترك أو ثمر مشترك [3] والأقوى لزومه بعد القبول [4] وإن تبين بعد ذلك زيادته أو


[1] كصحيح يعقوب بن شعيب في حديث ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه : اختر إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيل ( كيلا خ ل ) مسمى وتعطيني نصف هذا الكيل إما زاد أو نقص وإما أن آخذه أنا بذلك. قال : نعم لا بأس به » (1)والنصوص الواردة في إرسال النبي (صلی اللّه عليه وآله) عبد اللّه بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم حصته (صلی اللّه عليه وآله) ، كصحيح الحلبي : « أخبرني أبو عبد اللّه (عليه السلام) أن أباه حدثه أن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أعطى خيبر بالنصف أرضها ونخلها ، فلما أدركت الثمرة بعث عبد اللّه بن رواحة فيقوم عليه قيمة ، وقال لهم إما أن تأخذوه وتعطوني نصف الثمر ( الثمن خ ل ) وإما أعطيكم نصف الثمر ، فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض » (2)ونحوه صحيح يعقوب بن شعيب (3)وصحيح أبي الصباح الكناني (4).

[2] فإن روايات أهل خيبر واردة فيها. الظاهر أن أصل العبارة : بل يجري في المساقاة.

[3] كأنه لفهم عدم الخصوصية فيما ورد في التمر المشترك ، مثل صحيح يعقوب المتقدم.

[4] كما عن صريح جماعة - كالمهذب والوسيلة وجامع المقاصد


1) الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار حديث : 1.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار حديث : 2.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار حديث : 5.

4) الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار حديث : 3.

نقيصته ، لبعض تلك الاخبار [1]. مضافا إلى العمومات العامة [2]. خلافا لجماعة [3]. والظاهر أنه معاملة مستقلة [4]


والمهذب البارع ومجمع البرهان - وظاهر آخرين. وتقتضيه أصالة اللزوم وظاهر النصوص.

[1] وهو مرسل محمد بن عيسى المتقدم

[2] يعنى عمومات صحة العقود.

[3] منهم فخر المحققين في الإيضاح وشرح الإرشاد ، فذكر فيهما أن الأصح أنه إباحة ، وأن الخرص لا يملك ولا يضمن ، وفي القواعد : « ولو زاد فاباحة على اشكال » وفي الجواهر : « عن التنقيح وإيضاح النافع والميسية : الجزم بالعدم ». وكيف كان يظهر ضعف ذلك مما سبق.

[4] قال في المسالك : « وعلى تقدير قبوله - يعني الزارع - يتوقف نقله إليه على عقد كغيره من الأموال بلفظ الصلح أو التقبيل ، على ما ذكره الأصحاب ». وفي النسبة إلى الأصحاب تأمل ظاهر ، فإن عبارة الشيخ في النهاية - التي هي الأصل لهذه المعاملة - خالية عن ذلك. وكذا عبارة الشرائع ، قال فيها : « يجوز لصاحب الأرض أن يخرص على الزارع ، والزارع بالخيار في القبول والرد » ، ونحوها عبارة القواعد وغيرها.

نعم عن المختلف أنه نوع تقبيل وصلح ، وعن الدروس والمهذب البارع أنه نوع من الصلح. لكن ذلك لا يدل على لزوم إيقاع عقد الصلح أو التقبيل زائداً على الخرص وقبوله. نعم عن جامع المقاصد : أنه لا بد من صيغة عقد ، وفي المقام قال : « لا بد من إيجاب وقبول بلفظ التقبيل أو الصلح أو ما أدى هذا المعنى ». ولكنه غير ظاهر. وحينئذ لا دليل على لزوم إنشاء المعاملة بعقد زائد على الخرص وقبوله ، والأخبار تأباه وتمنعه.

وليست بيعاً [1] ، ولا صلحاً معاوضياً [2] ،


[1] في مفتاح الكرامة : « اتفقوا على أنه ليس بيعاً ، غير أنه في التذكرة تردد في جواز عقدها بلفظ البيع » ، وفي الجواهر : « عن التذكرة أنه احتمل كونها بيعاً » ، ثمَّ قال : « إنه بعيد ، لشدة مخالفته لقواعد البيع ، وذكر الأصحاب له في بيع الثمار أعم من ذلك ». لكن المخالفة لقواعد البيع لا تهم ، لجواز اختلاف أنواع البيع في الأحكام ، ولذا اختلف بيع الثمار عن بيع غيرها ، فجاز فيها بيع المعدوم والمحتمل الوجود والمجهول المقدار والصفات وغير ذلك.

والعمدة أن في حاق البيع اعتبار مبادلة بين مالين ، والمقام لم يقصد فيه ذلك ، وإنما قصد فيه تحديد الجزء المشاع لا غير. نعم قد أخذ فيه شرطاً الاذن في التصرف لكنه زائدا على مفهومه ، فالخرص من قبيل تبديل وصف الشي‌ء بوصف آخر ، لا تبديل ذات الشي‌ء بذات أخرى الذي هو داخل في قوام البيع.

[2] قد تقدم ما عن الدروس والميسية من أنه نوع من الصلح ، وكذلك ما عن المختلف من أنه نوع تقبيل وصلح ، وعن بيع جامع المقاصد أن الذي يقتضيه النظر أنه نوع من الصلح ، ومال إليه في الجواهر ، ولكنه كما ترى ، إذا الصلح يجب أن يكون منشأ بعنوان كونه صلحاً ، فيقول الموجب : صالحت ، ويقول القابل : قبلت ، فلو كان المنشأ متعلق الصلح كان عقداً آخر ، لا صلحاً ضرورة. وبذلك افترق الصلح عن غيره من العقود ، فاذا قال الرجل للمرأة : صالحتك على أن أكون زوجاً لك وتكوني زوجة لي ، فقبلت ، كان صلحاً ، وإذا قال لها : تزوجتك ، فقالت : قبلت ، كان تزويجاً ، فالفرق بين الصلح وغيره من العقود : أن الصلح يكون منشأ بعنوان كونه صلحاً وفي غيره يكون المنشأ أمراً آخر

فلا يجري فيها إشكال اتحاد العوض والمعوض [1] ، ولا إشكال النهي عن المحاقلة والمزابنة [2] ، ولا اشكال الربا [3] ولو بناء على ما هو الأقوى من عدم اختصاص حرمته بالبيع [4]


وحيث أن المنشأ في المقام الخرص والتحديد كان مفهوماً مقابلا للصلح ولا يكون صلحاً.

[1] يكفي في تحقق المعاوضة الاختلاف ولو في الجملة ، فقد ذكر في الجواهر أن المعوض عنه الحصة المشاعة ، والعوض المقدار المخصوص من مجموع الحصتين.

[2] أشار بذلك الى ما ذكره الحلي في السرائر ، قال : « الذي ينبغي تحصيله أنه لا يخلو أن يكون قد باعه حصته من الغلة والثمرة بمقدار في ذمة من الغلة والثمرة ، أو باعه الحصة بغلة من هذه الأرض فعلى الوجهين معاً البيع باطل ، لأنه داخل في المزابنة والمحاقلة ، وكلاهما باطلان. وإن كان ذلك صلحاً لا بيعاً فان كان ذلك بغلّة وثمرة في ذمة الأكار - الذي هو الزارع - فإنه لازم له سواء هلكت الغلة بالآفة السماوية أو الأرضية ، وإن كان ذلك الصلح بغلّة من تلك الأرض فهو صلح باطل ، لدخوله في باب الغرر ، لأنه غير مضمون ، فان كان ذلك فالغلة بينهما سواء زاد الخرص أو نقص تلفت منهما أو سلمت لهما ، فليلحظ ذلك ، فهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا وتشهد به الأدلة ، فلا يرجع عنهما بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ». ولا يخفى ما فيه بناء على ما ذكر في المتن. من أنه معاملة مستقلة وليست بيعاً ولا صلحاً ، إذ لا يشملها النهي عن بيع المزابنة والمحاقلة.

[3] لاختصاصه بالمعاوضات ، والمقام ليس منها ، وإنما هو تحديد وتقدير.

[4] تقدم الكلام فيه في المسألة الثالثة والعشرين من فصل : « لا يجوز

وجريانه في مطلق المعاوضات. مع أن حاصل الزرع والشجر قبل الحصاد والجذاذ ليس من المكيل والموزون [1]. ومع الإغماض عن ذلك كله يكفي في صحتها الأخبار الخاصة. فهو نوع من المعاملة عقلائية ثبت بالنصوص. ولتسم بالتقبل [2] وحصر المعاملات في المعهودات ممنوع [3]. نعم يمكن أن يقال : إنها في المعنى راجعة إلى الصلح الغير المعاوضي [4]. فكأنهما يتسالمان على أن يكون حصة أحدهما من المال المشترك كذا مقداراً والبقية للآخر ، شبه القسمة أو نوع منها. وعلى ذلك يصح إيقاعها بعنوان الصلح [5] على الوجه المذكور


إجازة الأرض ... » من كتاب الإجارة.

[1] كما صرح به في الجواهر في كتاب البيع ، والربا في البيع يختص بالمكيل والموزون.

[2] قال في المسالك في باب بيع الثمار : « ظاهر الأصحاب أن الصيغة تكون بلفظ القبالة وأن لها أحكاماً خاصة زائدة على البيع والصلح ... ( الى أن قال ) : لا دليل على إيقاعه بلفظ التقبيل أو اختصاصه به ». وهو كما ذكر ، لكن نسبة الحكم إلى ظاهر الأصحاب غير ظاهرة - كما عرفت - وأن عبارات الشيخ والمحقق والعلامة - في القواعد - وغيرهم تأباه فإنهم عبروا بالخرص ، وهو مجرد التقدير والتحديد.

[3] ولو سلمت فالخرص من المعهود شرعاً وعرفاً ، فلا إشكال في شمول عمومات صحة العقود له.

[4] قد عرفت أن الصلح يجب أن يكون إنشاؤه بعنوان الصلح ، فاذا كان الإنشاء بعنوان آخر لم يكن صلحاً.

[5] صحة الإيقاع بعنوان الصلح لا تتوقف على ما ذكره ، بل تكون

مع قطع النظر عن الاخبار [1] أيضاً - على الأقوى من اغتفار هذا المقدار من الجهالة فيه إذا ارتفع الغرر بالخرص المفروض [2] وعلى هذا لا يكون من التقبيل والتقبل [3]. ثمَّ إن المعاملة المذكورة لا تحتاج إلى صيغة مخصوصة [4] ، بل يكفي كل لفظ دال على التقبل. بل الأقوى عدم الحاجة الى الصيغة أصلا [5] ، فيكفي فيها مجرد التراضي ، كما هو ظاهر الاخبار

حتى إذا قلنا بأنها غير الصلح ، فان جميع عناوين العقود يصح إيقاعها في ضمن إيقاع الصلح ، ولا يقتضي أنها نوع من الصلح ، كما عرفت ذلك في صدر المسألة.

[1] اعتماداً على ما دل على صحة الصلح وأنه جائز بين المسلمين (1).

[2] وكذا إذا لم يرتفع ، إذ لا دليل على قدح الغرر في الصلح ، وكذا في غيره غير البيع ونحوه.

[3] الظاهر أن التقبيل والتقبل يختص اصطلاحاً بالأرض ، ومفهومه قريب من معنى الإجارة ، ولا يكون في غير الأرض إلا مجازاً.

[4] كما تقدم عن المسالك ، وإن كان قد نسب الاحتياج الى ظاهر الأصحاب.

[5] هذا غير ظاهر ، بل ظاهر النصوص والفتوى أن الخرص من العقود المحتاجة إلى إنشاء بإيجاب وقبول ، وفي الجواهر : « لا ريب في اعتبار الصيغة ، وخلو نصوصها عنه كخلو أكثر نصوص العقود عن ذلك » وفيه : أن النصوص مشتملة على الأقوال على اختلاف في مضامين تلك الأقوال ، وكلها ظاهرة فيما ذكرنا من الإنشاء بالعقد اللفظي.


1) الوسائل باب : 3 من أبواب كتاب الصلح حديث : 1 ، 2 وفي بقية أخبار الأبواب دلالة على المطلوب.

والظاهر اشتراط كون الخرص بعد بلوغ الحاصل وإدراكه [1] فلا يجوز قبل ذلك. والقدر المتيقن من الاخبار كون المقدار المخروص عليه من حاصل ذلك الزرع [2] ، فلا يصح الخرص وجعل المقدار في الذمة من جنس ذلك الحاصل [3] نعم لو أوقع المعاملة بعنوان الصلح [4] - على الوجه الذي


[1] كما يشهد به مرسل محمد بن عيسى (1)وصحاح الحلبي والكناني ويعقوب بن شعيب الواردة في إرسال النبي (صلی اللّه عليه وآله) عبد اللّه بن رواحة إلى أهل خيبر بعد ما أدركت الثمرة أو بلغت (2)، فان ذكر القيد المذكور في مقام البيان يدل على اعتباره في الحكم ، ويظهر من المسالك المفروغية من اعتباره.

[2] في الجواهر أنه المنساق من النصوص ، وصرح به جماعة ، بل هو المشهور ، بل ظاهر جامع المقاصد نسبته إلى تصريح الأصحاب. انتهى. وقد عرفت أن المفهوم من الخرص في النص والفتوى ليس إلا تقدير الحصة المشاعة المبهمة بقدر معين من دون تبديل شي‌ء بشي‌ء ولا معاوضة بين شيئين.

[3] لأنه لما كان معاوضة والعوض في الذمة فلا يكون من الخرص المذكور في النصوص والفتوى ، وإنما يكون بمعنى آخر ، ويكون حينئذ من قبيل البيع ، إذ هو معاوضة بين الحصة المشاعة وبين ما في الذمة ولا يلزم محذور الربا ، لكون المبيع ليس من المكيل والموزون ، كما لا يلزم الغرر ، للاعتماد على قول أهل الخبرة إذا كان الخرص منهم.

[4] قد عرفت أن الصلح يجري في جميع المعاملات على أن يكون المنشأ نفس الصلح ، وتكون المعاملة مورداً للصلح وموضوعاً له.


1) الوسائل باب : 14 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 4.

2) راجع الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار.

ذكرنا - لا مانع من ذلك فيه. لكنه - كما عرفت - خارج عن هذه المعاملة [1]. ثمَّ إن المشهور بينهم أن قرار هذه المعاملة مشروط بسلامة الحاصل [2] ، فلو تلف بآفة سماوية أو أرضية كان عليهما. ولعله لأن تعيين الحصة في المقدار المعين [3] ليس من باب الكلي في المعين [4] ، بل هي باقية على إشاعتها. غاية الأمر تعيينها في مقدار معين. مع احتمال أن يكون ذلك من الشرط الضمني بينهما ، والظاهر أن المراد


[1] لكنه داخل في عنوان الصلح.

[2] في جامع المقاصد : أنه ذكره الأصحاب ، وفي المسالك : أنه المشهور بين الأصحاب. ومستنده غير واضح ، وحكمه لا يخلو من إشكال إن لم يكن انعقد عليه الإجماع وأنى لهم به؟! وإنما هو شي‌ء ذكره الشيخ في بعض كتبه وتبعه عليه الباقون معترفين بعدم النص ظاهراً على هذه اللوازم.

[3] قد عرفت أن هذا هو الذي يقتضيه ظاهر النصوص والفتاوى.

[4] وفي الجواهر : « لا يحتاج ذلك ( يعني ما ذكره المشهور ) إلى تنزيل العوض على الإشاعة ، إذ يمكن أن لا يكون كذلك وإن كان كلياً مضموناً في العين بشرط السلامة ، للدليل نحو ما سمعته في خبر الأطنان » (1). ولعله إلى ذلك يشير ما في بعض الحواشي من أن مجرد كون التلف عليهما لا يوجب البقاء على الإشاعة. انتهى. لكن الدليل الذي ذكره غير ظاهر والقواعد تقتضي كون التلف على غير مالك الكلي ، ولا يشاركه مالك الكلي فيه.


1) الوسائل باب : 19 من أبواب عقد الربيع حديث : 1.

من الآفة الأرضية [1] ما كان من غير الإنسان ، ولا يبعد لحوق إتلاف متلف من الإنسان أيضاً به [2]. وهل يجوز خرص ثالث حصة أحدهما أو كليهما في مقدار؟ وجهان أقواهما العدم [3].

( مسألة 21 ) : بناء على ما ذكرنا من الاشتراك من من أول الأمر في الزرع يجب على كل منهما الزكاة [4] إذا كان نصيب كل منهما بحد النصاب ، وعلى من بلغ نصيبه إن بلغ نصيب أحدهما. وكذا إن اشترطا الاشتراك حين ظهور الثمرة ، لأن تعلق الزكاة بعد صدق الاسم [5] وبمجرد الظهور لا يصدق [6]. وإن اشترطا الاشتراك بعد صدق


[1] يعني المذكور في كلام الجماعة.

[2] لوجود المناط فيه ، وهو الإشاعة المقتضية للاشتراك. وكان المناسب للمصنف الجزم بذلك.

[3] لقصور نصوص المقام عن شمول ذلك. نعم إذا كان المراد من الخرص معنى آخر - غير المعنى الاصطلاحي المذكور في النصوص والفتاوى - وهو المعاوضة على الحصة المشاعة بعوض في الذمة صح - كما تقدم - عملا بالعمومات ، حتى إذا كان المقصود البيع ، لارتفاع الغرر بخرص أهل الخبرة والعدم كون المبيع من المكيل والموزون فلا يلزم الربا.

[4] لأن الشرط في وجوب الزكاة الملك ، والمفروض حصوله بالنسبة إليهما.

[5] تقدم في كتاب الزكاة الاستدلال عليه.

[6] فاذا حصل الملك حينئذ فقد تحقق الملك ، بالنسبة إليهما ، وإذا

الاسم أو حين الحصاد والتصفية فهي على صاحب البذر منهما لأن المفروض أن الزرع والحاصل له إلى ذلك الوقت ، فتتعلق الزكاة في ملكه [1].

( مسألة 22 ) : إذا بقي في الأرض أصل الزرع بعد انقضاء المدة والقسمة ، فنبت بعد ذلك في العام الاتي ، فان كان البذر لهما فهو لهما ، وإن كان لأحدهما فله ، إلا مع الاعراض [2] ، وحينئذ فهو لمن سبق. ويحتمل أن يكون لهما مع عدم الاعراض [3] مطلقاً [4] ، لأن المفروض شركتهما في الزرع وأصله وإن كان البذر لأحدهما أو لثالث ، وهو الأقوى [5].


كان الشرط الملك حال صدق الاسم فالظاهر وجوب الزكاة عليهما ، عملا بإطلاق الأدلة. وكان المناسب للمصنف التعرض له ، فتكون الصور أربع ولا وجه للاقتصار على الصور الثلاث.

[1] دون صاحبه ، لتأخره عن ذلك ، فيجب عليه دون صاحبه.

[2] لكن الاعراض لا يوجب الخروج عن الملك ، لعدم الدليل عليه ، كما تقدم في كتاب الإجارة. نعم مع الاعراض يجوز تملكه لمن سبق إليه إذا بقي الاعراض بحاله ، أما إذا زال الاعراض حين صيرورته زرعاً فلا يملكه من سبق إليه ، بل هو لمالكه.

[3] وكذا مع الإعراض ، لأن الاعراض لا يرفع الملكية.

[4] يعني : وإن كان البذر من أحدهما.

[5] قد عرفت في المسألة الخامسة عشرة أن الاشتراك يكون في جميع التطورات الواردة على البذر ، ولا يختص بالحاصل ، ومنها أصول الزرع

وكذا إذا بقي في الأرض بعض الحب [1] فنبت ، فإنه مشترك بينهما مع عدم الاعراض [2]. نعم لو كان الباقي حب مختص بأحدهما [3] اختص به. ثمَّ لا يستحق صاحب الأرض أجرة لذلك الزرع النابت على الزارع في صورة الاشتراك أو الاختصاص به وإن انتفع بها ، إذ لم يكن ذلك من فعله [4] ، ولا من معاملة واقعة بينهما [5].


فتكون مشتركة بينهما. ثمَّ إن المصنف حرر المسألة بما إذا نبت أصل الزرع ولا ينبغي التأمل في اشتراك النابت بينهما. لاشتراك أصل الزرع. وفي التذكرة حرر المسألة بما إذا نبت الحب ، ومثله في الجواهر. ولا ينبغي التأمل في اختصاص النابت بصاحب البذر للتبعية ، ولذا نسب في التذكرة ذلك إلى علمائنا والشافعي ، معللا له : بأنه عين ماله ، وحكى عن أحمد القول بأنه لصاحب الأرض ، ولم يحك عن أحد القول بالاشتراك. ومن ذلك تعرف اختلاف حكم المسألتين.

[1] يعني : من الحاصل المشترك.

[2] وكذا مع الاعراض ، كما عرفت.

[3] من جهة قسمة الحاصل.

[4] كما لو أطارت الريح الحب إلى أرض زيد فصار زرعاً. اللّهم إلا أن يقال : الاستيفاء الموجب للضمان أعم من ذلك. لكنه غير ظاهر والأصل البراءة ، ولأجل ذلك يظهر ما جزم في الجواهر من أن عليه أجرة الأرض لمالكها.

[5] يعني حتى يكون الأمر الحاصل من المعاملة موجباً لصدق الاستيفاء فان الاستيفاء كما يحصل بمباشرة استيفاء المنفعة يحصل أيضاً بالأمر بالفعل ، كما إذا أمره بحلق رأسه فامتثل الأمر وحلق ، فان الآمر يكون هو المستوفي للمنفعة.

( مسألة 23 ) : لو اختلفا في المدة وأنها سنة أو سنتان مثلا فالقول قول منكر الزيادة [1]. وكذا لو قال أحدهما : إنها ستة أشهر والأخر قال : إنها ثمانية أشهر [2]. نعم لو ادعى المالك مدة قليلة لا تكفي لبلوغ الحاصل ولو نادرا ففي تقديم قوله إشكال [3]. ولو اختلفا في الحصة قلة وكثرة فالقول قول صاحب البذر المدعي للقلة. هذا إذا كان نزاعهما في زيادة المدة أو الحصة وعدمها. وأما لو اختلفا في تشخيص ما وقع عليه العقد وأنه وقع على كذا أو كذا ، فالظاهر التحالف [4]


[1] بلا خلاف أجده فيه ، كما في الجواهر ، بل في جامع المقاصد : الإجماع عليه. ويقتضيه الأصل. فإن قلت : إذا كان الشك في المدة أنها سنة أو سنتان فقد شك في بقاء المزارعة بعد السنة ، والأصل بقاؤها. قلت : الشك في البقاء ناشئ من الشك في جعل المتعاقدين والأصل عدم جعل الزيادة ، فيكون حاكماً على أصالة بقاء المزارعة.

[2] لعين ما سبق.

[3] لمخالفته لأصالة الصحة المقدمة على أصالة عدم الزيادة ، لما عرفت من اعتبار كون المدة كافية في بلوغ الزرع في صحة المزارعة.

[4] قال في جامع المقاصد : « لو لا الإجماع لأمكن أن يقال : إن اتفاقهما على عقد تضمن تعيين مدة وحصة نقل عن الأصل المذكور وكل منهما مدع لشي‌ء ومنكر لما يدعيه الآخر ، وليس إذا ترك دعوى الزيادة مطلقاً يترك ، فإنه إذا ترك العمل طالبه به. نعم يجي‌ء هذا إذا وقع الاختلاف عند انتهاء الأمر. فيجب التحالف ، وهو قول الشافعي في نظيره في المساقاة ». وأشكل عليه في المسالك : بأن العقد المتضمن لهما


( يعني المدة والحصة ) أنما أخرج عن حكم الأصل - أصل المدة والحصة - أما في قدر معين فلا ، فيبقى إنكار الزيادة فيهما بحاله لم يخرج عن حكم الأصل بشي‌ء. والمراد بمن يترك إذا ترك في نفس ذلك المدعى ، وهو هنا المدة الزائدة ، والحصة الزائدة ، أما العمل فهو أمر خارج عن الدعوى فلا أثر للمطالبة في هذه المنازعة ».

أقول : إذا كان مدعي الزيادة الزارع فهو إذا ترك الدعوى ترك ولا يطالب حتى بالعمل ، لأن المالك المنكر للزيادة ليس له المطالبة بالعمل لأنها مطالبة بغير حق بعد اعترافه بعدم الزيادة ولأجله يشكل ما يظهر من المسالك من جواز مطالبة المنكر بالعمل. لكنه خارج عن محل الدعوى.

وأما ما في جامع المقاصد من دعوى التحالف في المقام فقد تكرر منه نظيره في موارد كثيرة - كما يظهر من مراجعة ما ذكرناه في كتاب الإجارة في جملة من مباحث التنازع - ووافقه عليه في الجواهر في بعضها وربما وافقه هنا أيضاً في الجملة. قال (رحمه اللّه) : « لا ريب في عدم التحالف في مسألة المدة لو كانت في نفس استحقاق الزائد منها من دون تعرض في الدعوى لسببه ، ضرورة كون إنكارها على مقتضى الأصل ، أما لو كانت الدعوى في سبب استحقاقها بعد اتفاقهما على كونه عقداً مشخصاً ووقع النزاع في كيفية تشخيصه - فقال المالك مثلا : إنه بمدة قليلة ، وقال العامل : أنه بمدة كثيرة - فلا ريب في أن المتجه التحالف لكون كل منهما مدعياً ومنكراً ، ودعوى كل منهما مخالفة الأصل. والقلة والكثرة بالنسبة إلى تشخيصهما العقد على حد سواء في مخالفة الأصل. إلا أن ظاهر الأصحاب هنا تقديم قول مدعي القلة حتى لو كانت الدعوى على الفرض المزبور ». وما نسبه الى ظاهر الأصحاب هو المتعين.

وما ذكره في توجيه التحالف إنما يتم بناء على أن المعيار في تشخيص


المدعي والمنكر مصب الدعوى ، لكن الظاهر خلافه ، وأن المعيار في تشخيص ذلك الغرض المقصود من الدعوى ، كما أشرنا إلى ذلك في شرح المسألة الأولى من فصل التنازع من كتاب الإجارة ، وأشار إليه المصنف (رحمه اللّه) في كتاب القضاء.

وقد قال في الجواهر في مسألة ما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن أو في قدر الأجل أو نحو ذلك ، قال - بعد أن ذكر اختلاف الحكم باختلاف إبراز الدعوى - : « قد يقال : بأن القول قول مدعي الأقل على أي حال أبرزت الدعوى إذا كان المراد إشغال الذمة بالأكثر ، ضرورة أن أقصى الاختلاف في السببين - أي السبب الموجب للأقل والسبب الموجب للأكثر - ولا ريب في موافقة الأصل للأول. ومن هنا أفتى الأصحاب من غير خلاف يعتد به في سائر المقامات حتى في الجنايات الموجبة للمال لو وقع النزاع في السبب الموجب للأقل منها أو الأكثر. فلاحظ وتأمل ، فإن ذلك هو التحقيق في المسألة ، بل هو الذي يوافق صدق المدعي عرفاً ».

والمتحصل مما ذكرناه أمور : ( الأول ) أن جامع المقاصد أرجع النزاع في جميع هذه الموارد الى النزاع في تشخيص العقد وجعله من التداعي. ( الثاني ) : أن صاحب الجواهر فصل بين أن يكون مصب الدعوى تشخيص العقد وأن يكون الزائدة والنقصان ، فعلى الأول يكون من التداعي وعلى الثاني يكون من المدعي والمنكر. وتبعه عليه المصنف (رحمه اللّه) هنا وفي بعض الموارد الأخرى. ( الثالث ) : أن ظاهر الأصحاب - هنا وفي جميع الموارد - أن المدار في تشخيص المدعي والمنكر الغرض المقصود ، كما اعترف به جامع المقاصد والجواهر والمصنف. ( الرابع ) : أن صاحب الجواهر قد حقق في بعض كلام له في كتاب البيع أن التحقيق ما هو ظاهر الأصحاب.

وإن كان خلاف إطلاق كلماتهم [1] - فان حلفا أو نكلا فالمرجع أصالة عدم الزيادة.

( مسألة 24 ) : لو اختلفا في اشتراط كون البذر أو العمل أو للعوامل على أيهما فالمرجع التحالف [2] ، ومع حلفهما أو نكولهما تنفسخ المعاملة [3].

( مسألة 25 ) : لو اختلفا في الإعارة والمزارعة ، فادعى الزارع أن المالك أعطاه الأرض عارية للزراعة ، والمالك ادعى المزارعة ، فالمرجع التحالف أيضاً [4] ، ومع حلفهما أو نكولهما


[1] قد عرفت أنه هو الذي يقتضيه التحقيق ، وقد تقدم في كتاب الإجارة ما له نفع في المقام.

[2] قد تقدم القول بأن إطلاق المزارعة يقتضي كون البذر على العامل وعليه فالخلاف يكون بينهما في اشتراط كونه على المالك وعدمه ، ومقتضى ذلك كون القائل بكونه على المالك مدعياً لمخالفة قوله الأصل والإطلاق ، وخصمه منكراً لموافقة قوله الإطلاق ، فيكون على الأول البينة وعلى الثاني اليمين.

[3] لعدم الباذل للبذر الذي لا بد منه في قوامها. وكذا في بقية الأمور. ثمَّ إن هذا الانفساخ ليس واقعياً ، بل هو بحسب حكم القاضي فمن يعلم أن عليه البذر يجب عليه بذله والعمل بمقتضى الشرط والعقد.

[4] لأن كلا منهما يدعي خلاف الأصل ، إذ الأصل عدم المزارعة وعدم العارية : قال في الشرائع : « لو اختلفا فقال الزارع : أعرتنيها » وأنكر المالك وادعى الحصة أو الأجرة ، ولا بينة ، فالقول قول صاحب الأرض ، ويثبت له أجرة المثل مع يمين الزارع. وقيل : يستعمل القرعة.

تثبت أجرة المثل للأرض [1]. فإن كان بعد البلوغ فلا اشكال


والأول أشبه ». وكأن مراده أن القول قول صاحب الأرض في عدم العارية ، لا في دعواه الحصة أو الأجرة ، كما عبر بذلك في القواعد ، قال : « ولو ادعى العامل العارية والمالك الحصة أو الأجرة قدم قول المالك في عدم العارية ، وله أجرة المثل مع يمين العامل ما لم تزد عن المدعى » ، ونحوها عبارة التذكرة.

ولا يخفى ما فيها من سقم التعبير ، فإنها توهم أن المالك منكر والعامل مدع ، مع أن كلا منهما مدع من جهة ومنكر من جهة ، فإن المالك مدع للحصة ومنكر للعارية والعامل مدع للعارية ومنكر للحصة ، فيقدم قول كل منهما في نفي دعوى الآخر بيمينه ، وهذا هو التداعي الذي حكمه التحالف ، كما عبر به العلامة في التحرير ، قال : « لو ادعى العارية وادعى المالك الحصة أو الأجرة ولا بينة تحالفا ، ويثبت لصاحب الأرض أجرة المثل » ، وتبعه في ذلك المصنف. وهو واضح معنى ودليلا.

[1] قد عرفت أن البناء على التحالف واضح. ولكن الإشكال في استحقاق المالك أجرة المثل ، فإنه لا يدعيه وإنما يدعي الحصة المسماة ، ولم تثبت بالبينة ، بل بنى على انتفائها بيمين المنكر ، فما الذي اقتضى إثبات أجرة المثل؟! ولذلك حكي عن عارية الخلاف والمبسوط والغنية واللمعة والكفاية : العدم. وذكر الأردبيلي (رحمه اللّه) في شرحه للإرشاد في مسألة ما لو ادعى مالك العين الإجارة والمتصرف بها العارية أنه إذا حلف المتصرف على نفي الإجارة لم يلزمه شي‌ء عوض التصرف ، لأصالة البراءة ، ولا نسلم أن الأصل حصول أجرة وعوض لصاحب المال. انتهى. وظاهر كلامه - يعني كلام الأردبيلي (رحمه اللّه) - إنكار أصالة ضمان المال.

ولذلك أشكل عليه في الجواهر : بأن أصل البراءة مقطوع بقاعدة


الضمان المستفادة من قوله : « على اليد .. » و« من أتلف ... » ونحوهما ، وإلا لزم عدم ضمان كل متلف لكل مال شخص بدعوى الهبة ، بل لا يحتاج إلى الدعوى بأصالة البراءة ، والتزامه واضح الفساد. والفرق بين المنفعة والعين أوضح فساداً ، وذهاب اليمين بما فيها إنما هو بالنسبة إلى ما نفته من الأجرة والحصة المسماة لا غيرهما ، كما هو واضح. انتهى.

وكان الأولى الاستدلال بما دل على ضمان المنفعة بالاستيفاء من إجماع العرف والمتشرعة عليه. وكيف كان فاذا كان الوجه في عدم ضمان أجرة المثل في المقام عدم الدليل على ضمان المنفعة بالاستيفاء فإشكاله ظاهر ، وضعفه واضح. وإن كان الوجه فيه أن دعوى المالك الأجرة المعينة أو الحصة تستلزم الاعتراف بعدم استحقاق غيرها من أجرة المثل أو غيرها ، فيؤخذ باعترافه وإقراره. ففي محله ، عملا بعموم : إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

اللّهم إلا أن يقال : إن دعوى الضمان بالأجرة المعينة أو الحصة راجعة إلى دعوى الضمان المقيد ، فان كان التقييد على نحو وحدة المطلوب تمَّ ما ذكر ، أما إذا كان على نحو تعدد المطلوب ، بأن كان المالك يدعي الضمان ويدعي كونه على نحو خاص ، فاذا بطلت دعوى الخصوصية بيمين العامل بقي أصل الضمان بحاله ، ولا اعتراف منه حينئذ بعدم الاستحقاق. ولا يبعد أن المرتكزات العرفية توافق على ذلك ، فلا مجال إذاً للمناقشة فيه. وقد تقدم في المسألة الستين من كتاب المضاربة بعض الكلام في ذلك. فراجع.

هذا وقد أطلق المصنف وجوب أجرة المثل بعد التحالف ، كما في الشرائع وغيرها. لكن عرفت التقييد في كلام القواعد بعدم زيادة أجرة المثل على الأجرة أو الحصة. ووجهه : أن دعواه الأجرة أو الحصة يقتضي

وإن كان في الأثناء فالظاهر جواز الرجوع للمالك [1]. وفي


الاعتراف بعدم استحقاق الزائد عليها ، فيؤخذ باعترافه ولا يدفع له الزائد ولأجل ذلك وافق القواعد جماعة ممن تأخر عنه.

وأشكل عليه في الحدائق : بأن اعترافه بعدم استحقاق الزائد مبني على صحة دعواه وثبوتها ، فإذا بني على بطلانها فقد بني على بطلان ما يترتب عليها وفرضهما معدومين. وفيه : أن الاعتراف بعدم استحقاق الزائد لا مجال لفرضه كالعدم ، فإنه خلاف إطلاق الأدلة ، ولا ملازمة بين بطلان الدعويين وبطلان ما يترتب عليهما من اللوازم الخارجية ، وإنما الملازمة بين بطلانهما وبطلان ما يترتب عليهما شرعاً ، لا عقلا.

هذا ولم يتعرض المصنف (رحمه اللّه) لوجه إهمال القيد المذكور كما أنه لم يصرح بالإطلاق ، وهل ذلك كان من جهة موافقته للحدائق في الاشكال المذكور ، أو من جهة أن موضوع المسألة المزارعة ، وعوض منفعة الأرض فيها الحصة ، وليست هي من جنس أجرة المثل حتى يصح فرض الزيادة والنقيصة بينهما ، لاختصاص ذلك بما كانا متحدي الجنس. لكن التقييد بعدم الزيادة في عبارة القواعد كان في مورد المزارعة صريحاً ، وحمل كلامه على صورة ما إذا كانت الحصة مساوية لأجرة المثل بعيد ، ولو كان المراد ذلك كان اللازم في التعبير أن يقال : إنه بعد التحالف يحكم بالأجرة المسماة ، فلا بد أن يحمل كلامه على صورة كون الزيادة بحسب القيمة لا العين. والوجه المقتضي للتقييد بعدم زيادة أجرة المثل أيضاً وارد في ذلك ، إذ المالك أيضاً يعترف بعدم استحقاق الزيادة في القيمة على المسمى من أجرة أو حصة ، فيؤخذ باعترافه. ومن أجل ذلك يتوجه الاشكال على المصنف على كل حال.

[1] يعني : الرجوع عن العقد الواقع بينه وبين العامل ، لأن العامل

وجوب إبقاء الزرع الى البلوغ عليه مع الأجرة إن أراد


يدعي كونه عارية يجوز للمعير الرجوع فيها ، وليس له الاعتراض على المالك بأنه يعترف بكونها مزارعة ، وهي لا يجوز الرجوع فيها ، وذلك لأن عدم جواز الرجوع في المزارعة من جهة حق العامل ، والمفروض اعتراف العامل بأنه لا حق له. اللّهم إلا أن يقال : انما يجوز العمل بالإقرار مع احتمال الموافقة للواقع ، لا مع العلم بالخلاف ، فاذا كان المالك يعلم بأن العقد مزارعة لا يجوز له الرجوع فيه إلا مع التقابل ، ولا يكفي اعتراف العامل بأنه عارية.

هذا بالنظر الى الحكم الواقعي الأولي ، أما بالنظر الى حكم الحاكم بنفي كل من العارية والمزارعة بعد التحالف فيجوز الرجوع عن العقد ، لا بمعنى فسخ العقد ، بل بمعنى عدم ترتيب آثار العقد ، وهذا الجواز جاء من حكم الحاكم الذي يحرم رده. والمراد من جواز ذلك أنه إذا فعله المالك فليس للعامل الاعتراض عليه ، لأن الاعتراض عليه رد الحكم الحاكم لا أنه يجوز ذلك واقعاً شرعاً. بمعنى أنه لا يؤاخذ عليه ، فان حكم الحاكم لا موضوعية له في تبديل الحكم الواقعي ، بل الحكم الواقعي على ما هو عليه ففي صحيح هشام بن الحكم : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان ، وبعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأيما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار » (1)فاذا حكم الحاكم للمدعي بالبينة أو اليمين المردودة لم يجز له أن يأخذ المال من المدعي عليه إذا كان يعلم ببطلان دعواه. وحكم الحاكم لا يسوغ له أكل مال الغير بغير رضاً منه.

وإن شئت قلت : حكم الحاكم تارة : يكون اقتضائياً ، وأخرى :


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى حديث : 1‌


لا يكون اقتضائياً ، وكذلك الحكم الواقعي يكون اقتضائياً تارة وأخرى لا يكون اقتضائياً. فإن كان الحكم الواقعي اقتضائياً وحكم الحاكم لا اقتضائياً وجب العمل على الحكم الواقعي ، لأن العمل عليه لا يكون رداً لحكم الحاكم كما في المثال المذكور ، فان ترك أخذ المال من المدعي عليه ظلما لا يكون رداً لحكم الحاكم لجواز الأخذ. وإذا كان الأمر بالعكس - بأن كان الحكم الواقعي لا اقتضائياً وحكم الحاكم اقتضائياً - وجب الحكم بحكم الحاكم من دون مزاحم ، كما في المثال المذكور بالنسبة إلى الحكومة عليه ، فإنه يجب عليه بمقتضى حكم الحاكم دفع المال إلى المدعي ، ولا يحرم عليه ذلك بمقتضى الحكم الواقعي فيجب العمل بمقتضى حكم الحاكم ، لأن ترك العمل به رد لحكم الحاكم وهو حرام.

وإذا كانا - معاً - اقتضائيين وجب العمل بمقتضى حكم الحاكم بمقدار المزاحمة ، لئلا يلزم رده ، ويجب العمل بالحكم الواقعي فيما زاد على مقدار المزاحمة ، كما إذا ادعى رجل زوجية امرأة ظلما ، فحكم الحاكم له فوجب عليها مطاوعته بمقدار المزاحمة ، ولا يجوز لها ما زاد على ذلك ، فاذا طلب منها المدعي الاستمتاع بها ، فإن أمكنها صرفه وجب عليها ذلك ، وإن أصر على الاستمتاع بها وجب عليها المطاوعة ، وتسقط حرمة المطاوعة للأجنبي بدليل حرمة رد الحكم الذي تكون نسبته الى الحكم الواقعي نسبة الحكم الواقعي الثانوي إلى الواقعي الأولي مقيداً له ، وفي غير حال وجوب المطاوعة يحرم عليها التعرض له والتكشف ، ولا يجوز لها ذلك ، عملا بالحكم الواقعي ما دام لا يصدق رد حكم الحاكم.

وفي المقام نقول : إن حكم الحاكم بنفي المزارعة ليس حكماً اقتضائياً فلا يزاحم الحكم الواقعي بوجوب العمل على عقد المزارعة إذا كان المالك عالماً بذلك حسب دعواه ، كما أنه يجب على العامل العمل بمقتضى العقد إذا

الزارع ، وعدمه وجواز أمره بالإزالة ، وجهان [1]. وإن كان النزاع قبل نثر الحب فالظاهر الانفساخ بعد حلفهما أو نكولهما [2].

( مسألة 26 ) : لو ادعى المالك الغصب والزارع ادعى المزارعة ، فالقول قول المالك [3] مع يمينه على نفي المزارعة


كان عالماً بذلك.

[1] أقواهما الأول ، لأن الزرع كان بإذن المالك وقلعه ضرر على العامل ، فلا يجوز ، لقاعدة نفي الضرر ، ولا يعارض بالضرر الوارد على المالك من إبقاء الزرع ، لأن المالك مقدم على هذا الضرر ، سواء كان العقد مزارعة أم عارية.

[2] قد عرفت أن حكم الحاكم بعد التحالف كان ينفي كلا من العارية والمزارعة ، فبالنظر إليه يبنى على نفيهما معاً. أما بالنظر إلى الواقع فان كان عارية فانكارها رجوع بها ، أما إذا كان مزارعة فانكارها لا أثر له وحكم الحاكم لا يبدل الواقع ، فلا موجب للانفساخ ، بل يبقى وجوب العمل بها على تقدير ثبوتها بحاله حتى ينتهي الوقت ، كما عرفت في الحاشية السابقة.

[3] إذا كان المعيار في تشخيص المدعي والمنكر مصب الدعوى فهما متداعيان ، لأن كلا منهما يدعي خلاف الأصل. فكما يقدم قول المالك في نفي المزارعة يقدم قول العامل في نفي الغصب. وإذا كان المعيار الغرض المقصود من الدعوى فدعوى المالك الغصب راجعة إلى دعوى ضمان العامل بأجرة المثل وهو منكر للمزارعة ، وكلاهما على وفق الأصل. وقد عرفت أن التحقيق الثاني ، فيكون القول قول المالك. ومنه يظهر ضعف ما عن التذكرة من أنه يحلف العامل على نفي الغصب ، كما عرفت في

( مسألة 27 ) : في الموارد التي للمالك قلع زرع الزارع هل يجوز له ذلك بعد تعلق الزكاة وقبل البلوغ؟ قد يقال بعدم الجواز [1] إلا أن يضمن حصتها للفقراء ، لأنه ضرر عليهم والأقوى الجواز [2] ، وحق الفقراء يتعلق بذلك الموجود وإن لم يكن بالغاً.

( مسألة 28 ) : يستفاد من جملة من الأخبار [3] أنه يجوز لمن بيده الأرض الخراجية أن يسلمها الى غيره ليزرع لنفسه ويؤدي خراجها عنه. ولا بأس به


المسألة السابقة.

[1] نسبه في الجواهر إلى ظاهر المحكي عن ابن الجنيد ، وعبارته المحكية في المختلف هكذا : « لو استحقت الأرض كان للمالك أن يطالب المزارع بقلع الزرع ، إلا أن يكون في ذلك ضرر على أهل الزكاة وغيرهم بتلف حقوقهم منه ، فان ضمنه رب الأرض لهم وقلع الأرض كان مخيراً بين أن يأخذ الجزء منه على تلك الحال وبين أن يضمن الذي غر المزارع قيمة نصف الزرع ثابتاً وسلم الزرع كله اليه ». لكن ظاهر ذيل كلامه أن مورده صورة صحة المزارعة وانتهاء المدة إذ لو كانت المزارعة منتفية لم يكن وجه لأخذه الجزء من الزرع.

[2] جعله في المختلف هو الوجه ، لأن حق الفقراء لا يزيد على حق صاحب الزرع ، فاذا جاز قلعه بلا ضمان للمزارع جاز أيضاً بالنسبة إلى مستحق الزكاة.

[3] يشير بذلك إلى خبر إبراهيم بن ميمون ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قرية لأناس من أهل الذمة ، لا أدري أصلها لهم أم

مسائل متفرقة : الأولى : إذا قصر العامل في تربية الزرع فقل الحاصل ، فالظاهر ضمانه التفاوت [1] بحسب تخمين أهل الخبرة ، كما صرح به المحقق القمي (قدس سره) في أجوبة مسائله.

الثانية : إذا ادعى المالك على العامل عدم العمل بما اشترط في ضمن عقد المزارعة من بعض الشروط ، أو ادعى


لا ، غير أنها في أيديهم ، وعليها خراج ، فاعتدى عليهم السلطان فطلبوا إلي فأعطوني أرضهم وقريتهم على أن أكفيهم ( يكفيهم. خ ل ) السلطان بما قل أو كثر ، ففضل لي بعد ذلك فضل بعد ما قبض السلطان ما قبض قال (عليه السلام) : لا بأس بذلك ، لك ما كان من فضل » (1). ونحوه خبر أبي الربيع (2)، وخبر أبي بردة بن رجا (3).

[1] ظاهره ضمان نقص الحاصل الذي ملكه بالمزارعة. لكن لا دليل على ضمان النقص إلا قاعدة الإتلاف ، وهي تختص بالنقص الطارئ على الموجود كاملا ، ولا تشمل ما لو وجد ناقصاً. ويحتمل أن يكون المراد نقص العمل المؤدي إلى نقص الحاصل ، فان المالك يملك على الزارع العمل الكامل ، ولم يأت به كاملا وإنما جاء به ناقصاً ، فيضمن تفاوت العمل. لكن عرفت - فيما سبق - أن الأعمال الذمية لا تكون مضمونة والأجير على عمل إذا لم يأت به تبطل الإجارة ، ولا يستحق الأجرة ، لا أنه يستحق الأجرة ويكون ضامناً للعمل للمستأجر.

نعم في المقام لما لم يأت بالعمل كاملا يكون للمالك الخيار في فسخ المزارعة ، فإن كان البذر له كان للعامل أجرة مثل العمل ، وإن كان البذر


1) الوسائل باب : 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 4.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 3.

عليه تقصيره في العمل على وجه يضر بالزرع ، وأنكر الزارع عدم العمل بالشرط أو التقصير فيه ، فالقول قوله ، لأنه مؤتمن في عمله [1]. وكذا لو ادعى عليه التقصير في


للزارع عليه أجرة المثل للأرض للمالك ، فنقص العمل يستوجب الخيار لا الضمان.

[1] لو لا ذلك لكان القول قول المالك ، لمطابقة قوله للأصل ، إذ الأصل عدم فعل الشرط وعدم فعل تمام ما يلزم العامل الذي هو معنى التقصير. لكن القاعدة المذكورة مقدمة على الأصل ، فيكون العامل منكراً لموافقة قوله للحجة. والوجه في هذه القاعدة السيرة المستمرة على قبول قول الأمين فيما اؤتمن عليه ، والموظف لأداء عمل في أداء وظيفته ، وفي الجواهر عدّ من الضروريات قبول اخبار الوكيل في التطهير ، وهو في محله. ويظهر ذلك واضحاً من مراجعة سيرة المتشرعة في جميع الموارد من هذا القبيل ، سواء كان أجيراً على عمل فيخبر عن فعله ، أم مأموراً متبرعاً في عمل فيخبر عن وقوعه.

ولعل من هذا الباب قاعدة : ( من ملك شيئاً ملك الإقرار به ) التي ادعى على صحتها الإجماع كثير من الأعاظم ، فإن الوكيل إذا أخبر عن الفعل الموكل فيه يقبل خبره ، والزوج إذا أخبر عن طلاق زوجته يقبل خبره ، والحاكم إذا أخبر عن حكمه بالهلال - مثلا - يقبل خبره ، والولي إذا أخبر عن العقد للمولى عليه يقبل خبره .. وهكذا.

والجامع بين ما نحن فيه وبين القاعدة المذكورة هو أنه إذا كان الفعل وظيفة الإنسان فأخبر بوقوعه يقبل ، سواء كان الجاعل للوظيفة الشارع المقدس أم غيره من الناس ، والأول هو مورد قاعدة : ( من ملك .. ) والثاني مورد قاعدة : قبول خبر المؤتمن على فعل إذا أخبر بفعله.

حفظ الحاصل بعد ظهوره [1] وأنكر.

الثالثة : لو ادعى أحدهما على الآخر شرطاً متعلقاً بالزرع وأنكر أصل الاشتراط ، فالقول قول المنكر [2].

الرابعة : لو ادعى أحدهما على الآخر الغبن في المعاملة فعليه إثباته [3] ، وبعده له الفسخ.

الخامسة : إذا زارع المتولي للوقف الأرض الموقوفة بملاحظة مصلحة البطون إلى مدة لزم ولا تبطل بالموت ، وإما إذا زارع البطن المتقدم من الموقوف عليهم الأرض الموقوفة ثمَّ مات في الأثناء قبل انقضاء المدة فالظاهر بطلانها من ذلك الحين ، لانتقال الأرض إلى البطن اللاحق [4]. كما أن الأمر كذلك في إجارته لها. لكن استشكل فيه المحقق القمي (قدس سره) بأن عقد المزارعة لازمة ولا تنفسخ إلا بالتقايل أو ببعض الوجوه التي ذكروها ، ولم يذكروا في تعدادها هذه الصورة مع أنهم ذكروا في الإجارة بطلانها إذا أجر البطن المتقدم ثمَّ


وعلى هذه القاعدة إذا نازعه منازع كان مدعياً ، لمخالفة قوله للحجة على ما عرفت من أن المدعي من يكون قوله مخالفاً للحجة ، في مقابل المدعى عليه أو المنكر ، وهو من يكون قوله موافقاً للحجة.

[1] لما عرفت.

[2] لموافقة قوله لأصالة عدم الاشتراط.

[3] لأن الغبن مفهوم وجودي مسبوق بالعدم ، فدعواه على خلاف أصالة عدمه.

[4] كما هو مقتضى الوقف الترتيبي.

مات في أثناء المدة ، ثمَّ استشعر عدم الفرق بينهما بحسب القاعدة ، فالتجأ الى أن الإجارة أيضاً لا تبطل بموت البطن السابق في أثناء المدة وإن كان البطن اللاحق يتلقى الملك من المواقف لا من السابق ، وأن ملكية السابق كانت إلى حين موته ، بدعوى : أنه إذا أجر مدة لا تزيد على عمره الطبيعي ومقتضى الاستصحاب بقاؤه بمقداره ، فكما أنها في الظاهر محكومة بالصحة كذلك عند الشارع وفي الواقع ، فبموت السابق ينتقل ما قرره من الأجرة إلى اللاحق [1] ، لا الأرض بمنفعتها [2] .. إلى آخر ما ذكره من النقض والإبرام. وفيه ما لا يخفى [3]. ولا ينبغي الإشكال في البطلان بموته في المقامين.


[1] قال في كتاب المزارعة من كتابه جامع الشتات : « فالأولى أن يقال : بعدم بطلان الإجارة في الوقف أيضاً إذا مات كل منهما إذا جعل مقدار المدة ما لا يزيد على العمر العادي ، اعتماداً على استصحاب البقاء ، فيصح عقد الإجارة الذي مقتضاه اللزوم ، ويتلقى البطن الثاني وجه الإجارة عن الوقف بواسطة جعل البطن الأول وتصرفه ، ويتم الكلام في إطلاقهم في المزارعة وعدم استثنائهم .. ».

[2] لأن المنفعة انتقلت إلى المستأجر بالإجارة الصحيحة التي لا تبطل بالموت.

[3] إذ لا دليل على ولاية التصرف للبطن الأول على المنفعة الراجعة إلى البطن الثاني. ( ودعوى ) : أن البناء على جواز إجارة البطن الأول في مدة لا تزيد على العمر الطبيعي يقتضي صحتها ، فكأن الواقف جعل ولاية التصرف لهم ( ممنوعة ) إذ لم يثبت الجواز الواقعي ، وإنما الثابت

السادسة : يجوز مزارعة الكافر ، مزارعاً كان أو زارعاً [1].


الجواز الظاهري الذي ينتفي بانكشاف الخلاف ، ويتعين حينئذ العمل بالواقع ، فيحكم بصحة الإجارة في مدة حياة البطن الأول دون ما بعد موته.

وأشكل من ذلك ما ذكره في إجارة المالك ، فإنه بعد كلامه السابق قال : « وظهر من جميع ذلك أن المصحح لاجارة المالك في مدة لا يبقى عمره بها في علم اللّه تعالى وانتقال العين قبل انتهائها إلى الوارث في نفس الأمر إنما هو الاستصحاب ، مثل اجارة الوقف بعينها ، لا لأنه ملكه بعد فوته أيضاً كما هو واضح ». إذ فيه : أن المالك يصح تصرفه في ماله بالإجارة مدة يعلم بموته في أثنائها ، عملا بقاعدة السلطنة ، ولا دخل له بالاستصحاب ، إذ لا مجال للاستصحاب مع العلم.

وقد حكى هو عن جماعة التصريح : بأنه لا تتقدر مدة إجارة الأرض بقدر ، وفي التذكرة قال : « يجوز إلى مائة ألف سنة » ، وجعله قول علمائنا أجمع ، فما الذي دعى إلى إهمال هذا الإجماع وقاعدة السلطنة والعمل بغيرهما مما لا محصل له؟! ومجرد كون المنفعة للوارث بعد موت المالك لا يقتضي قصور سلطنة المالك ، فان الوارث يملك ما تركه الميت ، لا ما عارض عليه وأخرجه عن ملكه بالإجارة.

[1] لعموم أدلة الصحة. مضافاً في الثاني إلى نصوص خيبر (1)، وموثق سماعة (2).


1) راجع الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار ، وباب : 8 ، 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة ، وغيرها.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

السابعة : في جملة من الأخبار [1] النهي عن جعل ثلث البذر وثلث للبقر وثلث لصاحب الأرض ، وأنه لا ينبغي أن يسمي بذراً ولا بقراً ، فإنما يحرم الكلام. والظاهر كراهته [2] وعن ابن الجنيد وابن البراج حرمته ، فالأحوط الترك.

الثامنة : بعد تحقق المزارعة على الوجه الشرعي يجوز لأحدهما [3] بعد ظهور الحاصل أن يصالح الآخر عن حصته بمقدار معين من جنسه [4] أو غيره بعد التخمين [5] بحسب المتعارف ، بل لا بأس به قبل ظهوره أيضاً [6]. كما أن الظاهر جواز مصالحة أحدهما مع الآخر عن حصته [7] في هذه القطعة


[1] تقدمت الإشارة إلى هذه الأخبار في المسألة الثانية عشرة.

[2] لأن الأخبار المذكورة مهجورة عند الأصحاب ، كما تقدم في المسألة الثانية عشرة ، وتقدم أنه في الجواهر مال إلى القول بظاهرها وتقدم الاشكال عليه. فراجع.

[3] لعمومات صحة الصلح.

[4] تقدم في المسألة العشرين أنه لا ربا ولو مع التفاوت ، لعدم كونه من المكيل والموزون.

[5] أو بدونه. لعموم صحة الصلح. ولا دليل على اعتبار التخمين وما دل على النهي عن الغرر مختص بالبيع.

[6] مع العلم بوجوده في المستقبل ، أما مع عدمه فلا دليل على صحة الصلح ، لعدم ثبوت موضوعه.

[7] لعمومات الصحة. وقد تقدم في المسألة العشرين ما له نفع في المقام.

من الأرض بحصة الآخر في الأخرى ، بل الظاهر جواز تقسيمهما بجعل إحدى القطعتين لأحدهما والأخرى للآخر. إذ القدر المسلم لزوم جعل الحصة مشاعة من أول الأمر وفي أصل العقد [1].

التاسعة : لا يجب في المزارعة على أرض إمكان زرعها من أول الأمر [2] وفي السنة الاولى. بل يجوز المزارعة على أرض بائرة لا يمكن زرعها إلا بعد إصلاحها وتعميرها سنة أو أزيد. وعلى هذا إذا كانت أرض موقوفة - وقفاً عاماً أو خاصاً - وصارت بائرة يجوز للمتولي أن يسلمهما الى شخص بعنوان المزارعة إلى عشر سنين أو أقل أو أزيد - حسب ما تقتضيه المصلحة - على أن يعمرها ويزرعها إلى سنتين مثلا لنفسه [3] ثمَّ يكون الحاصل مشتركاً بالإشاعة بحصة معينة.

العاشرة : يستحب للزارع - كما في الاخبار الدعاء عند نثر الحب ، بأن يقول : « اللّهم قد بذرنا وأنت الزارع واجعله


[1] فلا ينافي التقسيم بعد ذلك ، كما لا ينافيه تقسيم الحاصل بعد بلوغه.

[2] عملا بعمومات الصحة بعد عدم وجود مقيد.

[3] هذا لا دخل له في تفريع جواز المزارعة على أرض الوقف البائرة على ما ذكره من جواز انفصال الزرع عن سنة عقد المزارعة. بل كان الأولى له تركه ، لأن اختصاص الزرع بالعامل في السنتين الأوليين - مثلا - ينافي وضع المزارعة من لزوم كون الحاصل مشتركاً. ( ودعوى ) : أن ما ذكروه في شرط المزارعة من لزوم الاشتراك في الحاصل يراد به اشتراطه في الجملة ، بحيث لا ينافي اختصاص أحدهما به في بعض السنين

حباً متراكما » (1)وفي بعض الاخبار : « إذا أردت أن تزرع زرعاً فخذ قبضة من البذر واستقبل القبلة ، وقل ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ) (2)ثلاث مرات ثمَّ تقول : بل اللّه الزارع ، ثلاث مرات ، ثمَّ قال : اللّهم اجعله حباً مباركاً ، وارزقنا فيه السلامة. ثمَّ انثر القبضة التي في يدل في القراح » (3)وفي خبر آخر : « لما هبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب ، فشكى ذلك إلى جبرئيل فقال له جبرئيل : يا آدم كن حراثاً ، فقال (عليه السلام) : فعلمني دعاء قال : قل : اللّهم اكفني مئونة الدنيا وكل هول دون الجنة وألبسني العافية حتى تهنئني المعيشة » (4).


( إن صحت ) كان اللازم التنبيه عليه في مسألة مستقلة ، فيقال فيها : إنه لا يشترط في المزارعة أن يكون الزرع مشتركاً دائماً ، بل يكفي أن يكون مشتركاً في بعض السنين وإن كان مختصاً في بعضها الآخر ، فيقول المالك : زراعتك على هذه الأرض على أن يكون الزرع مشتركاً في السنة الأولى ومختصاً بك في الثانية ومختصاً بي في الثالثة ، لا أن يجعل ذلك من فروع ما حررت له المسألة.

مع أن الظاهر عدم تمامية ذلك ، فإنه خلاف إطلاق الفتاوى والنصوص ، مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تقبل الأرض بحنطة مسماة ، ولكن بالنصف والثلث والرابع والخمس لا بأس به. وقال :


1) الوسائل باب : 5 من أبواب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

2) الواقعة : 64.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب المزارعة والمساقاة حديث : 3.

4) الوسائل باب : 5 من أبواب المزارعة والمساقاة حديث : 1.


لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس » (1).

نعم يمكن البناء على صحته لا بعنوان المزارعة ، بل بعنوان عقد آخر غيرها ، على ما عرفت من الأخذ بعموم صحة العقود وان لم تكن متعارفة بل الظاهر أنه متعارف عند أهل الزراعة ، لكنه ليس من الكتب المحررة في كتب الفقهاء.


1) الوسائل باب : 8 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 3.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المساقاة

وهي معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها [1].


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

كتاب المساقاة

[1] قد تقدم بعض الكلام في تحقيق مفهوم المزارعة ، وهو جار في المقام أيضاً. فراجع. ثمَّ إنه اشتهر تحديد المساقاة بما ذكر في كلام الأصحاب وربما أسقط بعضهم لفظ « الثابتة » ، وأبدل بعضهم حاصلها بثمرتها ، وقرأ بعضهم « النابتة » بالنون. وسيأتي التعرض لذلك إن شاء اللّه تعالى. ثمَّ إن لفظ المساقاة لم يذكر في الكتاب والسنة ، ولا في أخبار الأئمة (عليهم السلام) وإنما ذكر مفهومها والمراد منها في النصوص ، كما سيأتي ، ولا يهم عدم ذكر لفظها. وفي القواعد وغيرها : « هي مفاعلة من السقي ، سميت به لأن أكثر حاجة أهل الحجاز إليه ، لأنهم يسقون من الآبار ». ولا بأس به.

ولا إشكال في مشروعيتها [1] في الجملة. ويدل عليها - مضافاً إلى العمومات – خبر يعقوب بن شعيب [2] عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن الرجل يعطي الرجل أرضه ، وفيها رمان أو نخل أو فاكهة ، ويقول : إسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج. قال (عليه السلام) : لا بأس » ، وجملة من أخبار خيبر ، منها : صحيح الحلبي [3] قال : « أخبرني أبو عبد اللّه (عليه السلام) أن أباه حدثه أن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أعطى خيبراً بالنصف أرضها ونخلها ، فلما أدركت الثمرة بعث عبد اللّه بن رواحة .. » هذا مع أنها من المعاملات العقلائية ولم يرد نهي عنها ولا غرر فيها [4] حتى يشملها النهي عن الغرر. ويشترط


[1] قد ادعى الإجماع عليه جماعة ، وفي الجواهر : « جائزة بالإجماع من علمائنا وأكثر العامة » ، وفي الحدائق : « دليل صحة هذه المعاملة الإجماع والنصوص » وفي مفتاح الكرامة : « طفحت كتب أصحابنا بحكاية الإجماع على مشروعيتها ».

[2] بل هو صحيح ، فقد رواه الصدوق عنه بطريقه الصحيح إليه ، ورواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن صفوان عنه. والسند صحيح. ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يحيى عمن بعده عنه (1).

[3] رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عنه. والسند مصحح لأجل إبراهيم بن هاشم (2).

[4] فيه منع ظاهر ، ولذا منع عنها أبو حنيفة وزفر ، على ما في


1) الوسائل باب : 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار حديث : 2.

فيها أمور ( الأول ) : الإيجاب والقبول [1]. ويكفي فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور [2] ، ماضياً كان أو مضارعاً أو أمراً [3] ، بل الجملة الاسمية مع قصد الإنشاء بأي لغة كانت.


الجواهر. نعم لا دليل على المنع عن الغرر كلية. ومنه يظهر الإشكال في قول المصنف (رحمه اللّه) : « حتى يشملها .. ».

[1] لأنها من العقود ، لما عرفت سابقاً من أن المفهوم العقدي هو الذي يتعلق بشخصين على نحو يحدد سلطنتهما ، وهذه المعاملة كذلك لأنها تلزم العامل بالعمل وتلزم المالك ببذل ملكه ، فلا بد فيها من الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما ، بأن كان الإنشاء متضمناً لإعمال السلطنتين معاً ، كما في إنشاء ولي الطرفين أو الوكيل عنهما.

[2] عملا بعمومات الصحة وإطلاقاتها.

[3] قد عرفت - في بعض المباحث السابقة - أن الأمر ليس إنشاء للمفهوم الإيقاعي ، فلا يكون إيجاباً ولا قبولا ، وإنما هو قائم مقام الإيجاب باعتبار أنه إعمال لسلطنة المالك وبذل الملكة لأن يعمل العامل فيه ، نظير قول المالك لغيره : أذنت لك في أن تتملك ملكي ، فان المخاطب إذا قال : تملكت ، تمَّ الملك بلا إيجاب ، لقيام الاذن مقامه.

ومن ذلك يظهر الاشكال فيما قد يظهر من الشرائع وصريح غيرها من اعتبار الماضي ، فلا يصح بغيره. كما يظهر الاشكال فيما في المسالك حيث قال : « وزاد في التذكرة : تعهد نخلي بكذا ، أو اعمل فيه بكذا. ويشكل بما مر في نظائره من عدم صراحة الأمر في الإنشاء » كما لا وجه لإخراج هذا العقد اللازم من نظائره ، وقد نوقش في الاكتفاء في المزارعة بلفظ الأمر مع الاستناد فيها إلى النص ، وهو منتف ، مضافاً إلى أن النص موجود هنا وغير منتف ، وهو صحيح يعقوب المتقدم.

ويكفي القبول الفعلي [1] بعد الإيجاب القولي. كما أنه يكفي المعاطاة [2]. ( الثاني ) : البلوغ والعقل والاختيار [3]. ( الثالث ) : عدم الحجر لسفه أو فلس. ( الرابع ) : كون الأصول مملوكة [4] عيناً ومنفعة ، أو منفعة فقط ، أو كونه


[1] لدلالته على الالتزام النفسي المقوم للقبول كاللفظ ، فيشمله عموم صحة العقود.

[2] قال في المسالك : « وجريان المعاطاة هنا بعيد ، لاشتمال هذا العقد على الغرر وجهالة العوض ، بخلاف البيع والإجارة ، فينبغي الاقتصار فيه على موضع اليقين » وقد سبقه إلى ذلك في جامع المقاصد. ولكنه ظاهر الإشكال ، لأن عموم أدلة الصحة لا يفرق فيه بين اللفظ والمعاطاة ، فإذا جاز الغرر في الأول جاز في الثاني. نعم يتم لو لم يكن عموم يقتضي الصحة. وكان دليل الصحة يختص باللفظ فيتعين الرجوع في غيره إلى أصالة عدم ترتب الأثر. وفي المقام وإن كان صحيح يعقوب المتقدم يختص باللفظ. لكن روايات خيبر عامة له وللفعل ، ومثلها العمومات الأولية.

[3] لما دل على اشتراطها في صحة التصرف ، كما أشرنا الى ذلك في كتاب الإجارة. هذا ولا يظهر وجه لجعل الثلاثة المذكورة شرطاً واحداً مع تباينها. وكان الأولى أن يجعل أحد الشرطين الاختيار ، والثاني عدم الحجر لعدم البلوغ أو لعدم العقل أو للسفه أو للفلس.

[4] كان المناسب جعل هذا الشرط أولا ، وتكون الشروط السابقة مبنية عليه ، إذ لو لم تكن العين مملوكة وكان المتصرف مأذوناً صح التصرف وإن لم يكن بالغاً ولا مختاراً أو كان مفلساً أو كان سفيهاً ، فليست الشروط السابقة شروطاً في مقابل الشرط المذكور ، بل إنما تكون شروطاً على تقدير الملكية لا غير.

نافذ التصرف فيها ، لولاية أو وكالة أو تولية. ( الخامس ) : كونها معينة عندهما [1] معلومة لديهما. ( السادس ) : كونها ثابتة مغروسة [2] ،


[1] يحتمل أن يكون المراد به ما يقابل المرددة. ولا إشكال في اعتبار ذلك ، لأن المردد لا وجود له في الخارج ، فلا يكون موضوعاً للاحكام. ويحتمل أن يكون المراد به المعلومة ، فيكون قوله : « معلومة » تفسيراً له ، فالشرط واحد ، وهو أن تكون معلومة ، كما صرح به جماعة ، قال في القواعد : « يجب أن تكون الأشجار معلومة » ، قال في جامع المقاصد في شرح ذلك : « إما بأن تكون مرئية مشاهدة وقت العقد أو قبله أو موصوفة بوصف يرفع الجهالة ، فلا يصح بدون ذلك ، لأن المساقاة عقد اشتمل على الغرر من حيث أن العوض فيه معدوم في الحال مجهول القدر والوصف ، فلا يحتمل فيه غرر آخر. ولأنها معاملة لازمة فلا بد فيها من العلم الا ما استثناه الشارع ، ولا بد منه فيها ». ولا يخفى ما في الاستدلال عليه بما ذكر.

وفي الإرشاد : « إذا كانت مرئية » فاشترط الرؤية بالخصوص ولم يكتف بمطلق العلم. وفي مجمع البرهان : « كأنه يلزم ذلك من تعريفها حيث قيل فيه : إنه لا بد أن يكون شجراً له أصل ثابت ، ولا يكون كذلك إلا إذا كانت مرئية ، ولأنه مع عدم الرؤية مجهول. فتأمل ». ولا يخفى أيضاً ما في الاستدلال بما ذكر. فكأن المستند الإجماع ، ولا يخلو من تأمل ، لعدم تعرض الأكثر له.

[2] بلا خلاف الا من بعض العامة ، كما في المسالك ، وفي جامع المقاصد : « لا شك في عدم صحة المساقاة على ما ليس بمغروس ، ولم ينقل في ذلك خلاف إلا لأحمد ، وعلله في التذكرة : بأنه قد لا يعلق ،

فلا تصح في الوادي [1] ، أي الفسيل قبل الغرس ( السابع ) : تعيين المدة [2] بالأشهر والسنين وكونها بمقدار يبلغ فيه الثمر غالباً [3].


وهذا غرر فلا يجوز ». وهذا التعليل كما ترى.

فالأولى أن يقال : بأن دليل المساقاة من النصوص والفتاوى مختص بالثابت ولا يشمل المقلوع ، قال في الشرائع : « ولو ساقى على ودي أو شجر غير ثابت لم يصح ، اقتصاراً على موضع الوفاق » ، وفي الجواهر : أنه مقتضى الاقتصار في المعاملة المخالفة للأصول على موضع الوفاق. انتهى. اللّهم إلا أن يقال : هذا بالنظر إلى أدلة مشروعية المساقاة ، أما بالنظر إلى الأدلة العامة فمقتضاها الصحة وإن لم يكن بعنوان المساقاة.

[1] بالتشديد على وزن « غني ».

[2] يظهر من كلامه اعتبار أمرين ( الأول ) : أنه يجب أن تذكر المدة فيها ، فلا تجوز المساقاة دائماً ، فإنه يبطل العقد قولا واحداً ، لأن عقد المساقاة لازم ، ولا معنى لوجوب الوفاء به دائماً. كذا في المسالك. ويشكل : بأنه لا مانع من وجوب الوفاء به دائماً ما دام الموضوع ، فيدخل تحت إطلاق صحيح يعقوب بن شعيب المتقدم من جهة ترك الاستفصال.

( الثاني ) : أنه يجب تعيين المدة بالشهور والسنين ، فلا يجوز تقديرها بما يحتمل الزيادة والنقصان ، مثل قدوم الحاج. وفي المسالك : نسبه إلى المشهور ، واستدل له بقوله : « وقوفاً فيما خالف الأصل واحتمل الغرر والجهالة على موضع اليقين » ، وقد سبقه في جميع ذلك في جامع المقاصد. لكنه يشكل : بأنه يدخل في إطلاق صحيح يعقوب بن شعيب ، كما عرفت فيما قبله.

[3] هذا غير ظاهر ، لجواز عدم احتياج الشجر إلى السقي في جميع

نعم لا يبعد جوازها في العام الواحد الى بلوغ الثمر [1] من غير ذكر الأشهر ، لأنه معلوم بحسب التخمين ، ويكفي ذلك في رفع الغرر [2]. مع أنه الظاهر من رواية يعقوب بن شعيب المتقدمة [3]


المدة إلى زمان البلوغ ، وتكون المعاملة على سقيه بمقدار الحاجة لا غير ، وتنتهي قبل البلوغ.

[1] حكى في المسالك ذلك عن ابن الجنيد ، لكن عبارته المحكية خالية عن ذكر العام الواحد. قال في المختلف. « وقال ابن الجنيد : ولا بأس بمساقاة النخل وما شاكله سنة وأكثر من ذلك إذا حصرت المدة أو لم تحصر » فان ظاهر عدم الحصر الدوام. نعم هذا القول احتمله في القواعد ، قال : « ولو قدر المدة بالثمرة فإشكال » ، وفي المسالك : أن له وجهاً ، وجعل الأجود هو المشهور.

[2] قد أشرنا في كتاب المزارعة إلى أن الغرر إنما يكون للجهل بالخصوصيات التي تختلف بها المالية ، ولما كانت المالية قائمة بالثمرة والمدة طريق إلى الثمرة فتعين المدة دون الثمرة ربما يؤدي إلى الغرر ، لعدم بلوغ الزرع ، فيكون قلعه موجباً للضرر وإبقاؤه موجباً للخسارة المالية ، بخلاف بلوغ الثمرة ، فإنه لا غرر فيه على العامل ولا على المالك ، إذ لا يترتب الأثر على التصرف بالأرض بعد بلوغ الثمرة.

[3] في الجواهر احتمل فيها الظهور في الدوام ، لعدم ذكر المدة. ولكنه غير ظاهر ، لأن عدم ذكر المدة يقتضي إطلاق الرواية من حيث الدوام والانقطاع ، فهي كما تدل على صحة المساقاة في المدة المحدودة تقتضي صحتها في صورة قصد الدوام ، كما عرفت.

( الثامن ) : أن يكون قبل ظهور الثمر [1] ، أو بعده وقبل البلوغ [2] ، بحيث كان يحتاج بعد إلى سقي أو عمل آخر. وأما إذا لم يكن كذلك ففي صحتها إشكال [3] وان كان محتاجاً إلى حفظ أو قطوف أو نحو ذلك. ( التاسع ) : أن يكون الحصة معينة مشاعة [4] ، فلا تصح مع عدم تعيينها


[1] قال في الشرائع : « وتصح قبل ظهور الثمرة ، وهل تصح بعد ظهورها؟ فيه تردد ، والأظهر الجواز بشرط أن يبقى للعامل العمل وإن قل مما تستزاد به الثمرة » ، ونحوه في القواعد وغيرها. أما الصحة في حال عدم ظهور الثمرة فقد حكى عليها الإجماع جماعة ، وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه عليه » : وهو المتيقن من نصوص الباب.

[2] كما تقدم في الشرائع وغيرها ، ونسب إلى المشهور ، بل لم يتضح وجود مخالف صريح فيه ، ونصوص الباب شاملة له بإطلاقها ، إذ لا قرينة على اختصاصها بما قبل الظهور ، ودعوى ذلك في الجواهر غير ظاهرة. مضافاً إلى عموم الوفاء بالعقود. وحمله على المتعارف - كما احتمله في الجواهر - غير ظاهر. مع أن المقام ليس بعيداً عن المتعارف. نعم العموم لا يثبت المساقاة.

[3] وفي جامع المقاصد والمسالك : أنه لم يصح إجماعاً ، وكذا في غيرهما ، ولأجله يشكل الأخذ بإطلاق وجوب الوفاء بالعقود ونحوه. اللّهم الا أن يكون المراد أنه لا تصح مساقاة ، لا أنها لا تصح مطلقاً ، ولذا حكي عن بعض جواز ذلك. وحينئذ فالبناء على الأخذ بالعموم متعين ، لعدم وضوح المقيد له وإن لم تثبت به المساقاة.

[4] أما اعتبار التعيين في مقابل الترديد فوجهه واضح إذ المردد لا يقبل أن يكون موضوعاً لحكم من الأحكام إذ لا وجود له في الخارج ،

إذا لم يكن هناك انصراف ، كما لا تصح إذا لم تكن مشاعة ، بأن يجعل لأحدهما مقداراً معيناً والبقية للآخر. نعم لا يبعد جواز أن يجعل لأحدهما أشجاراً معلومة وللآخر أخرى [1].


وأما اعتبار التعيين في مقابل ما يقبل الزيادة والنقيصة - مثل جزء من الثمرة أو شي‌ء منها أو بعضها أو نحو ذلك مما لا تحديد فيه ولا تقدير - فقد صرح به في كلام جماعة بل قيل : « طفحت عباراتهم بذلك » وعن التذكرة وجامع المقاصد : الإجماع عليه ، ويقتضيه الاقتصار على ظاهر النصوص لاختصاصها بالحصة المعينة.

وأما اعتبار الإشاعة فقد ادعى غير واحد نفي الخلاف فيه ، وعن مجمع البرهان نفي الشك فيه ، وقد ذكره الجماعة (رضي اللّه عنه) مرسلين له إرسال المسلمات ويقتضيه الاقتصار على ظاهر نصوص الباب.

[1] قال في الشرائع : « ولا بد أن يكون للعامل جزء منها مشاعا ، فلو أضرب عن ذكر الحصة بطلت المساقاة ، وكذا لو شرط أحدهما الانفراد بالثمرة لم تصح المساقاة ، وكذا لو شرط لنفسه شيئاً معيناً وما زاد بينهما ، وكذا لو قدر لنفسه أرطالا وللعامل ما فضل أو عكس ذلك ، وكذا لو جعل حصة نخلات بعينها وللآخر ما عداها » ، ونحوه كلام القواعد وغيرها. والجميع صريح في اعتبار الإشاعة في صحة المساقاة أولاً ، واعتبار عموم الإشاعة في جميع الثمرة ثانياً ، وتقديرها بالكسر المشاع ثالثاً.

وما ذكره المصنف هنا ينافي اعتبار أصل الإشاعة في الجملة ، الذي صرح باعتبارها. ( وحملها ) على ما يقابل اختصاص أحدهما بمقدار معين والبقية للآخر لا مطلق الإشاعة ( غير ظاهر ) فالتفصيل بلا فاصل ، إذ لو بني على الاقتصار على مورد النصوص لزم اعتبار الإشاعة في تمام الثمرة على السوية. وإذا بني على الرجوع الى الأدلة العامة اقتضت

بل وكذا لو اشترط اختصاص أحدهما بأشجار معلومة [1] والاشتراك في البقية ، أو اشتراط لأحدهما مقدار معين مع الاشتراك في البقية إذا علم كون الثمر أزيد من ذلك المقدار وأنه تبقى بقية. ( العاشر ) : تعيين ما على المالك من الأمور وما على العامل من الأعمال [2] إذا لم يكن هناك انصراف.


إلغاء اعتبار الإشاعة بالمرة ، فالتفصيل في اعتبار الإشاعة بين أن تكون بالمعنى المذكور في كلام المصنف دونها بالمعنى الأخر بلا فاصل. بل هذه الصورة أولى بالبطلان من الصورة الأولى ، إذ لا إشاعة فيها أصلا ، بخلاف الأولى فإن فيها إشاعة في تمام الثمرة ، غاية الأمر أن حصة أحدهما مقدرة بالوزن.

وبالجملة فكلام المصنف يتوجه عليه الاشكال من وجوه : ( الأول ) : أنه متناف في نفسه لأن اعتبار الإشاعة ينافي القول بالجواز في هذه الصورة ( الثاني ) : أنه مخالف لكلام الفقهاء. ( الثالث ) : أنه مخالف للأدلة الخاصة ، لاقتضائها المنع من هذه الصورة ، والعامة لاقتضائها الجواز في الصورة الأولى.

[1] هذا وما بعده لا ينافيان اعتبار الإشاعة في الجملة ، لحصول الإشاعة بين حصتيهما في بعض الحاصل ، لكن الدليل على اعتبار الإشاعة قد عرفت أنه ظاهر في اعتبارها في جميع الثمرة ، فإذا بني على العمل به لم يجز هاتان الصورتان أيضاً ، كما عرفت في الصورة السابقة.

[2] قد تقدم في كتاب المزارعة أن مقتضى إطلاق المساقاة وجوب جميع الأعمال المتعلقة بالثمرة على العامل وإن كانت مما لا يتكرر كل سنة أو كان مما يفتقر الى بذل المال ، مثل حفر الأنهار والآبار وتعمير الدولاب وغير ذلك ، لأن جميع ذلك يتوقف عليه عمل العامل الواجب ، وما يتوقف

( مسألة 1 ) : لا إشكال في صحة المساقاة قبل ظهور الثمر [1] ، كما لا خلاف في عدم صحتها بعد البلوغ والإدراك بحيث لا يحتاج الى عمل غير الحفظ والاقتطاف [2]. واختلفوا في صحتها إذا كان بعد الظهور قبل البلوغ [3] ، والأقوى - كما أشرنا إليه [4] - صحتها ، سواء كان العمل مما يوجب الاستزادة أولا [5] ، خصوصاً إذا كان في جملتها بعض


عليه الواجب فهو واجب. نعم لما كان موضوع المساقاة الأصول تكون المساقاة مقتضية لكل عمل زائد على الأصول وما يتعلق بها من أعمال ، وإن كانت هي أيضاً يتوقف عليها وجود الثمرة ، لكنها خارجة عما تقتضيه المساقاة. وإن شئت قلت : المنصرف إليه الأعمال التي لا ترتبط بالأصول. وانما ترتبط بالثمرة لا غير. وسيأتي في المسألة التاسعة تمام الكلام فيه :

[1] قد تقدمت حكاية الإجماع على الصحة حينئذ.

[2] تقدمت دعوى الإجماع من جامع المقاصد والمسالك وغيرهما على عدم صحة المساقاة حينئذ ، لكن حكي عن المهذب البارع أنه ذكر فيه : « أنه يكفي في الجواز بقاء عمل تنتفع به الثمرة ولو في إبقائها وحفظها ، فلو صارت رطبا تاماً وهي مفتقرة إلى الجذاذ والتشميس والكبس في الظروف جازت المساقاة عليها ». وقد عرفت أن مقتضى القواعد العامة الصحة وإن لم يكن بعنوان المساقاة ، وان نصوص الباب قاصرة عن إثباته.

[3] قد عرفت أنه لم يعرف مخالف صريح في الجواز إذا كان العمل تستزاد به الثمرة. نعم تردد في الشرائع فيه واختار الصحة.

[4] الذي تقدم منه الصحة في الصورة الأولى فقط وتوقف في الثانية.

[5] قد عرفت أن أدلة الباب تقصر عن إثبات الصحة حينئذ ،

الأشجار التي بعد لم يظهر ثمرها.

( مسألة 2 ) : الأقوى جواز المساقاة على الأشجار التي لا ثمر لها وإنما ينتفع بورقها [1] ، كالتوت والحناء ونحوهما.


لكن الأدلة العامة تقتضيها من غير مقيد ظاهر ، وإن كانت لا تثبت عنوان المساقاة. والمناقشة في عموم قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)وقوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (2)باختصاصهما بالعقود المتعارفة - كما احتمله في الجواهر - غير ظاهرة ، كما عرفت. مع أنه يمكن أن تكون المعاملة على ذلك إيقاعاً على نحو الجعالة لا عقداً.

[1] كما في القواعد : أنه أقرب ، وفي غيرها : أنه غير بعيد وحكي عن كثير من كتب المتأخرين ومتأخريهم ، بل الظاهر أنه المشهور. نعم تردد في الشرائع وحكي ذلك عن غيرها ، وكأنه لعدم وضوح إطلاق يقتضي الجواز والأصل عدم ترتب الأثر. لكن في صحيح يعقوب المتقدم : « إسق هذا من الماء ، واعمره ولك نصف ما أخرج » والخارج كما يشمل الثمر يشمل الورق إذا كان هو المقصود من الشجر. لكن مورده غير ما نحن فيه ، فلا عموم فيه.

نعم في صحيح يعقوب الآخر قال (عليه السلام) : « وكذلك أعطى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) خيبر حين أتوه ، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت » (3)وكأنه الى ذلك أشار في المسالك بقوله : « وفي بعض الاخبار ما يقتضي دخوله ، والقول بالجواز لا يخلو من قوة ». لكن الاستدلال به يتوقف على العلم بوجود ما هو محل الكلام في خيبر.


1) المائدة : 1.

2) النساء : 29.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

( مسألة 3 ) : لا يجوز عندهم المساقاة على أصول غير ثابتة [1] ، كالبطيخ والباذنجان والقطن وقصب السكر ونحوها وإن تعددت اللقطات فيها كالأولين. ولكن لا يبعد الجواز ، للعمومات [2] وإن لم يكن من المساقاة المصطلحة. بل لا يبعد


اللّهم إلا أن يكون بيان الإمام يقتضي العموم. ولعل مراد الحدائق من عدم وجود نص في المساقاة على ما كان كذلك. انتهى. عدم وجود النص بالخصوص فلاحظ.

ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في الجواهر من التفصيل بين أن تكون المساقاة على هذه الأشجار تبعاً فيجوز ومستقلا فلا يجوز ، للزوم الاقتصار على المتيقن فيما كان على خلاف الأصل ، وفيه من الغرر ما ليس في غيره. إذ العموم مقدم على الأصل ، والغرر غير قادح كلية. نعم الدليل الخاص يختص بصورة الانضمام فيكون من المساقاة المصطلحة ، وفي غيرها يكفي العموم وإن لم تكن منها. مع إمكان التعدي عن مورد الدليل الخاص الى غيره ، كما يقتضيه الارتكاز العرفي. ولذا لم يعرف التفصيل المذكور لغيره. اللّهم إلا أن يقال إن الدليل على الصحة عام ، لكن الاصطلاح خاص.

[1] قد تقدم تعريف المساقاة في كلام المصنف - تبعاً للمشهور - بأنها معاملة على أصول ثابتة ، والأصول الثابتة لا تشمل ما هو محل الكلام وبعضهم أسقط هذا القيد ، وعن بعض أنه قرأ : « النابتة » بالنون بدل الثاء.

[2] يعني عموم ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)و ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (2)ونحوهما. لكن استشكل في الجواهر في ذلك بأن ( أَوْفُوا


1) المائدة : 1.

2) النساء : 29.

الجواز في مطلق الزرع كذلك ، فان مقتضى العمومات الصحة [1] بعد كونه من المعاملات العقلائية ، ولا يكون من المعاملات الغررية [2] عندهم ، غاية الأمر أنها ليست من المساقاة المصطلحة [3].

( مسألة 4 ) : لا بأس بالمعاملة على أشجار لا تحتاج إلى


بِالْعُقُودِ ) و ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) لا يثبت بهما شرعية الافراد المشكوكة من المعاملة المعهودة التي لها أفراد متعارفة ، وإنما المراد من الأول بيان اللزوم ، ومن الثاني عدم أكل المال بالباطل إذا كان بالتجارة المتعارفة ، لا أن المراد شرعية كل عقد وكل تجارة يقع الاتفاق عليهما من المتعاقدين ، كما هو واضح بأدنى تأمل. انتهى. ولا يخفى ما فيه - وان تكرر منه ذلك في كثير من الموارد - فإنه خلاف العموم والإطلاق من دون قرينة ، ومن الخفي جداً الوجه في قوله : « وهو واضح بأدنى تأمل ».

ثمَّ إن كون المراد من الأول اللزوم ومن الثاني خلاف الباطل مسلم ، لكنه لا يجدي فيما ذكره من الحمل على المتعارف. مع أن يكون محل الكلام خلاف المتعارف غير ظاهر. مضافاً إلى إمكان دخول المقام في صحيح يعقوب المتقدم ، وإن كان الاصطلاح خاصا بغيره.

[1] بل مقتضى صحيح يعقوب المتقدم أيضاً.

[2] لا إشكال في أنها غررية للجهل بمقدار الحاصل ، لكن لا دليل على المنع من الغرر كلية ، كما عرفت.

[3] لكن عن الشيخ (رحمه اللّه) أنه جوز المساقاة على البقل الذي يجز مرة بعد أخرى ، وعن جامع الشرائع : جواز المساقاة على الباذنجان. والاشكال عليها ظاهر إلا أن يكون استعمال المساقاة من باب المجاز.

السقي [1] لاستغنائها بماء السماء أو لمص أصولها من رطوبات الأرض وإن احتاجت إلى إعمال أخر ، ولا يضر عدم صدق المساقاة حينئذ ، فإن هذه اللفظة لم يرد في خبر من الاخبار ، وإنما هي من اصطلاح العلماء ، وهذا التعبير منهم مبني على الغالب ، ولذا قلنا بالصحة إذا كانت المعاملة بعد ظهور الثمر واستغنائها من السقي. وإن ضويق نقول بصحتها وإن لم تكن من المساقاة المصطلحة [2].


[1] قال في القواعد : « وتصح المساقاة على البعل من الشجر ، كما تصح على ما يفتقر إلى السقي ». والبعل : كل شجر ونخل وزرع لا يسقى ، أو ما سقته السماء ، كما عن القاموس ، والحكم كاد أن يكون من المسلمات ، وعن التذكرة : « لا نعرف فيه خلافاً ممن جوز المساقاة ، لأن الحاجة تدعو إلى المعاملة في ذلك كدعائها فيما يحتاج إلى السقي ». ويقتضيه إطلاق تعريف المساقاة بأنها معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها أو بحصة من حاصلها ، على اختلاف التعبيرات ، وليس فيه اعتبار السقي بالخصوص. نعم مفهوم المساقاة لغة مأخوذ من السقي لكن وجه التسمية يمكن أن يكون ملاحظة الغالب ، والاعتبار بالمفهوم الاصطلاحي لا بالمفهوم اللغوي. وكيف كان يكفي في الحكم بصحة ذلك مثل صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتقدم : « وكذلك اعطى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) خيبراً حين أتوه فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت » (1)فإنه شامل للمقام ، وحكاية الإمام (عليه السلام) ، ذلك يدل على العموم ، كما سبق.

[2] عملا بالعمومات الدالة على صحة العقود ونحوها.


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

( مسألة 5 ) : يجوز المساقاة على فسلان مغروسة [1] وإن لم تكن مثمرة إلا بعد سنين ، بشرط تعيين مدة تصير مثمرة فيها ولو بعد خمس سنين أو أزيد.

( مسألة 6 ) : قد مر أنه لا تصح المساقاة على ودي غير مغروس ، لكن الظاهر جواز إدخاله في المعاملة على الأشجار المغروسة ، بأن يشترط على العامل غرسه في البستان المشتمل على النخيل والأشجار [2] ودخوله في المعاملة بعد أن يصير مثمراً [3]. بل مقتضى العمومات صحة المعاملة على الفسلان الغير المغروسة إلى مدة تصير مثمرة وإن لم تكن من المساقاة المصطلحة [4].

( مسألة 7 ) : المساقاة لازمة [5].


[1] قال في القواعد : « ولو ساقاه عشر سنين وكانت الثمرة لا تتوقع إلا في العاشر جاز ، ويكون في مقابلة كل العمل » ، ونحوه ما في غيرها. ويقتضيه إطلاق النصوص الواردة في المساقاة ، لشمولها له كغيره. والظاهر أنه لا خلاف فيه.

[2] ضرورة أن نفي الخلاف في البطلان يختص بغير صورة الشرط تبعاً إذ هو حينئذ مشمول لأدلة صحة الشروط.

[3] ظاهرة أنه يدخل في المساقاة. ويشكل : بأنه تعليق لا يصح. ولعل المراد أنه يدخل في تخصيص ثمره ، ولا بأس به.

[4] لاختصاصها بالأصول الثابتة. ثمَّ إن ظاهر صحيح يعقوب بن شعيب الثاني (1)أيضاً يدل على الصحة وإن لم يدل على عنوان المساقاة.

[5] بلا خلاف ، كما في المسالك ، أو إجماعاً ، كما في جامع المقاصد


1) الوسائل باب : 11 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

لا تبطل إلا بالتقابل [1] أو الفسخ بخيار الشرط أو تخلف بعض الشروط أو بعروض مانع عام موجب للبطلان أو نحو ذلك.

( مسألة 8 ) : لا تبطل بموت أحد الطرفين [2] ، فمع موت المالك ينتقل الأمر إلى وارثه [3] ، ومع موت العامل يقوم مقامه وارثه ، لكن لا يجبر على العمل ، فان اختار العمل


مستدلا له بالأصل ، ونحوه كلام غيرهما.

[1] لما دل على مشروعية الفسخ بالأمور المذكورة المذكور في محله.

[2] كما هو في الشرائع والقواعد والمسالك وجامع المقاصد وغيرها ، وعن الكفاية : أنه المشهور ، بل في جامع المقاصد : « لا نعرف في ذلك خلافاً » ولكن عن المبسوط : « إذا مات أحدهما أو ماتا انفسخت المساقاة كالإجارة عندنا » ، وظاهره الإجماع عليه ، وعن المهذب البارع والمقتصر أن من قال ببطلان العقد في الإجارة قال ببطلانه هنا ، ومن لا فلا ». ويقتضي الأول أصالة اللزوم من دون معارض ، وليس ما يقتضي الثاني. اللّهم إلا القياس على الإجارة. لكن القياس ليس بحجة. مع عدم ذلك في الإجارة في موت المستأجر. نعم ورد في النصوص ما يحتمل فيه الدلالة على البطلان بموت المالك ، وقد تقدم في الإجارة بعض الكلام فيه.

[3] من المعلوم أن العقد اقتضى أن يكون لكل من المتعاقدين حق على الأخر ، فالمالك له على العامل حق العمل ، وعلى للعامل حق بذل الشجر للعمل ، ومن المعلوم أن الوارث يقوم مقام المورث فيما له ، ولا يقوم مقامه فيما عليه ، بل يتعلق بالتركة على تقدير وجودها. وعليه فحق العمل الذي كان للمالك على العامل الميت لا يكون على الوارث ، بل يكون على التركة فيجب على الوارث تخليصها من الحق ، فإذا امتنع من ذلك كان للحاكم الشرعي ذلك ، لئلا يلزم تعطيل الحقوق.

بنفسه أو بالاستيجار فله ، وإلا فيستأجر الحاكم من تركته من يباشره إلى بلوغ الثمر ، ثمَّ يقسم بينه وبين المالك. نعم لو كانت المساقاة مقيدة بمباشرة العامل [1] تبطل بموته. ولو اشترط عليه المباشرة لا بنحو التقييد [2] فالمالك مخير بين الفسخ - لتخلف الشرط - وإسقاط حق الشرط والرضا باستئجار من يباشر.

( مسألة 9 ) : ذكروا أن مع إطلاق عقد المساقاة جملة من الاعمال على العامل وجملة منها على المالك ، وضابط الاولى ما يتكرر كل سنة [3] ، وضابط الثانية ما لا يتكرر نوعاً وإن


هذا إذا كان للميت تركة ، أما إذا لم يكن له تركة فان أقدم الوارث على إيجاز الحق الذي على الميت - بأن يعمل بنفسه أو يستأجر من يعمل - فهو ، وإن لم يقدم الوارث بطلت المساقاة ، لعدم ترتب الأثر عليها حينئذ.

[1] بأن جعل عمل العامل القائم به موضوعاً للمساقاة ، كما إذا جعل عمل الأجير الخاص موضوعاً للإجارة ، وحينئذ يتعذر بموته ، فلا بد من بطلانها لعدم ترتب الأثر عليها.

[2] إذا كان موضوع المساقاة العمل في الذمة واشترط تطبيقه على عمل نفسه رجع هذا الشرط الى التقييد ضرورة ، كما تقدم في المسألة التاسعة من أول كتاب المزارعة ، وذكرنا هناك أن القيود على اختلاف أنواعها إذا كانت للمفهوم يجب أن تكون على نحو التقييد ، وإذا كانت للموضوع الخارجي يجب أن تكون لا على نحو التقييد. فراجع.

[3] كما هو المذكور في كثير من كتب المتأخرين. وفي جملة منها جعل الضابط ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها.

عرض له التكرر في بعض الأحوال. فمن الأول إصلاح الأرض بالحفر فيما يحتاج اليه ، وما يتوقف عليه من الآلات ، وتنقية الأنهار ، والسقي ومقدماته - كالدلو والرشا ، وإصلاح طريق الماء ، واستقائه إذا كان السقي من بئر أو نحوه - وإزالة الحشيش المضرة ، وتهذيب جرائد النخل والكرم ، والتلقيح ، واللقاط ، والتشميس ، وإصلاح موضعه ، وحفظ الثمرة إلى وقت القسمة. ومن الثاني حفر الابار والأنهار ، وبناء الحائط والدولاب والدالية ونحو ذلك مما لا يتكرر نوعاً. واختلفوا في بعض الأمور أنه على المالك أو العامل ، مثل البقر الذي يدير الدولاب [1] ، والكش للتلقيح [2] ، وبناء الثلم ، ووضع الشوك على الجدران وغير ذلك. ولا دليل على شي‌ء من الضابطين. فالأقوى أنه إن كان هناك انصراف في كون شي‌ء على العامل أو المالك فهو المتبع ، وإلا فلا بد من ذكر ما يكون على كل منهما رفعاً للغرر ، ومع الإطلاق وعدم الغرر يكون


[1] قال في القواعد : « وفي البقر الذي تدير الدولاب تردد ، ينشأ من أنها ليست من العمل فأشبهت الكش ، ومن أنها تراد للعمل فأشبهت بقر الحرث ». وعن المبسوط وغيره : أن البقر على رب المال ، وعن السرائر وغيره : أنها على العامل.

[2] قال في القواعد في ذكر ما على المالك : « والكش للتلقيح على رأي » حكي ذلك عن الشيخ والمتأخرين وعن الأكثر. وقيل أنه على العامل كما عن السرائر وجامع الشرائع ، وفي الشرائع : أنه حسن ، لأنه به يتم التلقيح.

عليهما معا [1] ، لان المال مشترك بينهما ، فيكون ما يتوقف عليه تحصيله عليهما.

( مسألة 10 ) : لو اشترطا كون جميع الاعمال على المالك


[1] كما في الجواهر ، معللا له بما ذكر. ثمَّ قال : « أو أن الأصل فيه وجوبه على العامل ، لنحو ما سمعته في المزارعة من صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الذي فيه : « سألته عن المزارعة ، فقال : النفقة منك والأرض لصاحبها ، فما أخرج اللّه تعالى من شي‌ء قسم على الشطر ، وكذلك أعطى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) خيبر حين أتوه ، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت » (1)فإن ظاهر تشبيهه (عليه السلام) يقتضي كون وضع المساقاة على الوجه المزبور ، فليس على المالك حينئذ إلا دفع الأصول ، كما أنه ليس على المالك إلا دفع الأرض. اللّهم إلا أن يكون تعارف أو شرط. وهو في محله. ولو فرض قصور النصوص عن إثبات ذلك كان هو مقتضى الإطلاق.

وما ذكره من التعليل للوجه الأول ضعيف ، إذ لا مأخذ لذلك. إذ لا يجب على الشركاء في أمر فعل ما يقتضي حصوله أو بقاءه ، فان الشركاء في دار لا يجب عليهم تعميرها ، والشركاء في شجر أو حيوان لا يجب عليهم تنميته ، فإنما وجب العمل في المقام باعتبار أن العقد اقتضى لأحدهما على الآخر حق العمل ، لا أنه اقتضى الاشتراك ، والاشتراك اقتضى العمل. نعم تفترق المزارعة عن المساقاة : بأن المزارعة معاملة على زرع الأرض وإطلاق زرع الأرض يقتضي وجوب جميع مقدماته كإطلاق الخياطة في الإجارة على خياطة الثوب المقتضي لوجوب مقدمات الخياطة ، أما المساقاة فلم يذكر في مفهومها عمل بعينه كي يؤخذ بإطلاقه.


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

المالك فلا خلاف بينهم في البطلان ، لأنه خلاف وضع المساقاة [1]. نعم لو أبقى العامل شيئاً من العمل عليه واشترط كون الباقي على المالك فان كان [2] مما يوجب زيادة الثمرة فلا إشكال في صحته ، وإن قيل بالمنع [3] من جواز جعل العمل على المالك ولو بعضاً منه ، والا - كما [4] في الحفظ ونحوه - ففي صحته قولان [5] أقواهما الأول. وكذا الكلام إذا كان


[1] هذا يقتضي بطلانها مساقاة ، لا بطلانها مطلقا. فالأولى التعليل بأن العامل إذا لم يكن له عمل فاستحقاقه يكون بلا عوض ، فيكون وعداً لا يلزم الوفاء به ، كما إذا قال : لك علي أن أعطيك درهماً.

[2] يعني : ما أبقاه العامل لنفسه.

[3] وهو ظاهر محكي المبسوط ، قال : « إذا ساقاه بالنصف على أن يعمل رب المال معه فالمساقاة باطلة ، لأن موضوع المساقاة على أن من رب المال المال ومن العامل العمل » ، ونحوه ما عن الوسيلة وجامع الشرائع وما ذكر في المبسوط من التعليل متين ، وقد عرفت أن ذلك ظاهر صحيح يعقوب المتقدم في المتن وصحيحه الآخر. نعم يمكن تصحيحه بعنوان غير المساقاة عملا بالأدلة العامة ، كما تقدم في نظيره ويأتي. فإن كان مراد المبسوط ومن وافقه البطلان مطلقاً فضعيف ، وإن كان المراد بطلانها مساقاة ففي محله.

[4] يعني وان لم يكن العمل الذي أبقاه العامل لنفسه مما يوجب زيادة الثمرة.

[5] قد تقدم في المسألة الأولى ما عن المهذب البارع من القول بالصحة وان حكى الإجماع على البطلان من جماعة ، وتقدم من المصنف في الشرط الثامن وفي المسألة الأولى ما ظاهره نفي الخلاف في البطلان. لكن كلام

إيقاع عقد المساقاة بعد بلوغ الثمر وعدم بقاء عمل إلا مثل الحفظ ونحوه ، وإن كان الظاهر في هذه الصورة عدم الخلاف في بطلانه. كما مر.

( مسألة 11 ) : إذا خالف العامل فترك ما اشترط عليه من بعض الأعمال [1] ، فان لم يفت وقته فللمالك إجباره على العمل ، وإن لم يمكن فله الفسخ. وإن فات وقته فله الفسخ بخيار تخلف الشرط. وهل له أن لا يفسخ ويطالبه بأجرة العمل بالنسبة إلى حصته بمعنى أن يكون مخيرا بين الفسخ وبين المطالبة بالأجرة؟ وجهان ، بل قولان ، أقواهما ذلك [2] ( ودعوى ) : أن الشرط لا يفيد تمليك العمل المشروط لمن له


المهذب في الصورة الآتية لا في هذه الصورة ، وحينئذ لم يتضح قول بالصحة في هذه الصورة إلا بالأولوية.

[1] الاعمال اللازمة للعامل تكون تارة : من قوام المعاملة - أعني المساقاة - بأن تكون دخيلة في حصول الثمرة وزيادتها ، وأخرى : خارجة عن ذلك ، مثل أن يشترط المالك على العامل أن يصلي ركعتين. والذي يظهر من عبارة المتن أن كلامه في القسم الثاني. وسيأتي في المسألة السادسة والعشرين تحرير حكم القسم الأول.

[2] كما هو ظاهر عبارة التحرير ، قال في البحث الثاني من كتاب المساقاة : « إذا شرط المالك على العامل عملا معيناً وجب على العامل القيام به ، فإن أخل بشي‌ء منه تخير المالك بين فسخ العقد وإلزامه بأجرة العمل » ، ونحوه ما في جامع المقاصد والمسالك. وأشكل عليه في الجواهر : بأن ذلك مبني على تمليك الشرط العمل المشروط لمن له على وجه يكون


من أمواله ، وهو ممنوع فإن أقصاه إلزام من عليه الشرط بالعمل وإجباره عليه والتسلط على الخيار لعدم الوفاء به ، لا لكونه الا له. انتهى. ويشكل : بأن الشرط المذكور في كلامهم يراد به تعيين العمل اللازم على المالك صريحاً ، فالعمل المشروط داخل في قوام المعاملة. فيكون مملوكاً للمالك بعقد المساقاة ، لا أنه خارج عن المعاملة فيكون واجباً بالشرط ، حتى يقع الكلام في كون الشرط موجباً لملك العمل حتى يترتب عليه ضمان العمل بالقيمة ، أو غير موجب له حتى لا يكون العمل مضموناً بقيمته.

نعم يشكل ما ذكروه بما عرفت - في المسألة السابعة من مبحث المزارعة وغيرها - من أن الأعمال الذمية لا تكون مضمونة على العامل إذا فاتت عمداً أو لعذر ، ولذا ذكروا في كتاب الإجارة أنه إذا لم يأت الأجير بالعمل المستأجر عليه لم يستحق الأجرة ، ولم يدع أحد أنه يستحق الأجرة ولكن المستأجر يستحق عليه قيمة العمل المستأجر عليه. فمن استؤجر على صوم يوم الجمعة فلم يصم لم يستحق الأجرة ، لا أنه يستحقها وعليه قيمة صوم يوم الجمعة ، وكذلك كلامهم في خيار الاشتراط خال عن التعرض لذلك وظاهر أنه مع فوات الشرط يتخير من له الشرط بين فسخ العقد وإمضائه من دون استحقاق شي‌ء.

ولذلك لم يتعرض شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في مبحث أحكام الشرط إلى استحقاق للمشروط له لقيمة العمل المشروط عند تخلف الشرط. نعم ذكر في المسألة السابعة من مسائل مبحث الشرط : أنه لو كان الشرط عملا من المشروط عليه بعد مالاً ويقابل بالمال كخياطة الثوب فتعذر ، ففي استحقاق المشروط له لاجرته أو مجرد الخيار وجهان. والظاهر أن مراده من الأجرة حصة من الثمن. بحيث يكون الشرط كجزء من أحد العوضين ، كما يظهر ذلك من حكايته لكلام التذكرة وإشكاله عليه : بأن الشروط

على وجه يكون من أمواله [1] ، بل أقصاه التزام من عليه


خارجة عن موضوع المعاوضة ، وليست ملحوظة كالجزء من أحد العوضين. فلاحظ كلامه.

وبالجملة : المرتكزات العرفية تأبى القول بهذا الضمان وإن كان العمل مملوكاً بالشرط ، فلا مجال للبناء عليه.

[1] تقدمت هذه الدعوى من الجواهر ، ووافقه عليها المصنف (رحمه اللّه) في حاشيته على خيار المجلس من مكاسب شيخنا الأعظم (قدس سره) في مسألة ما إذا اشترط أحد المتعاقدين عدم الفسخ ، فقد ذكر أن التحقيق أن الشرط لا يثبت أزيد من الحكم التكليفي ، بل التزم في النذر ذلك أيضاً ، رد في ذلك على ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) فيما لو اشترط عدم الفسخ من أنه يحتمل قوياً عدم نفوذ الفسخ ، لأن وجوب الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب إجباره عليه وعدم سلطنته على تركه ، كما لو باع منذور التصدق به ، على ما ذهب اليه غير واحد ، فمخالفة الشرط - وهو الفسخ - غير نافذة في حقه ، ثمَّ قال : « ويحتمل النفوذ لعموم دليل الخيار .. ». وعبارة شيخنا ليست صريحة في حصول الملك ، بل ولا ظاهرة ، لكنها صريحة في أن الشرط مانع من سلطنة المشروط عليه على تركه من أجل أن وجوب الوفاء بالشرط موجب ذلك.

هذا ولكن المفهوم عرفاً من شرط الفعل هو الملكية ، فإن عبارة الشرط وإن كانت مختلفة ( فتارة ) يكون المشروط له هو المنشئ للشرط فيقول : وأشترط عليك أن لا تفسخ ، أو : عليك أن لا تفسخ. أو : ولي عليك أن لا تفسخ ، أو نحو ذلك. ( وأخرى ) يكون المشروط عليه هو المنشئ للشرط فيقول : واشترط أن لا أفسخ ، أو علي أن لا أفسخ ، أو لك علي أن لا أفسخ ، أو نحو ذلك. ومرجع الجميع الى معنى واحد

الشرط بالعمل وإجباره عليه ، والتسلط على الخيار بعدم الوفاء به ( مدفوعة ) بالمنع من عدم إفادته التمليك. وكونه قيدات في المعاملة ، لا جزءا من العوض يقابل بالمال ، لا ينافي إفادته


مهما اختلفت العبارات ، فاذا كان ظاهر قول المشروط له : ولي عليك أن لا تفسخ ، هو التمليك ، لأن الظاهر من اللام أنها لام الملك ، كما إذا قال لي على زيد درهم ، فإنه دعوى الملكية ، أو قال : لزيد علي درهم ، فإنه اعتراف بالملكية ، فاللام في قول المشروط له : لي عليك أن لا تفسخ ، كذلك ، وكلما اللام في قول المشروط عليه : لك علي أن لا أفسخ.

( ودعوى ) : أن اللام في قول المشروط عليه : لك علي أن لا أفسخ متعلقة بقوله : التزمت - يعني التزمت لك أن لا أفسخ - فتكون اللام لام الصلة لا لام الملك ، ويكون الظرف لغواً لا مستقراً ( مدفوعة ) : بأن هذا الاحتمال لا يجي‌ء في قول المشروط له : ولي عليك أن لا تفسخ ، إذ لا معنى لقوله : التزمت لي عليك أن لا تفسخ ، فاذا لم يصح تقدير الالتزام فيه وجعل الظرف لغواً لم يصح ذلك في قول المشروط عليه : ولك علي أن لا أفسخ ، لما عرفت أن مفهوم جميع الجمل واحد مهما اختلفت العبارات.

وعلى هذا فاذا كان عدم الفسخ مملوكاً للمشروط له كان تحت سلطان مالكه وخرج عن سلطان المشروط عليه ، فيكون الفسخ كذلك لأن نسبة القدرة إلى الوجود والعدم نسبة واحدة ، فإذا لم يكن المشروط عليه قادراً على الفسخ لم يصح فسخه وإلا كان خلفاً.

ولو فرض عدم ظهور اللام في لام الملك أمكن إثبات الملكية بإثبات لوازمها ، مثل جواز المطالبة به ، وجواز الإجبار عليه ، وجواز السكوت عنه ، وجواز إسقاطه ، فإن الأمور المذكورة لا تتناسب مع التكليف البحث.

لملكية من له الشرط إذا كان عملا من الاعمال على من عليه والمسألة سيالة في سائر العقود ، فلو شرط في عقد البيع على المشتري - مثلا - خياطة ثوب في وقت معين وفات الوقت فللبائع الفسخ أو المطالبة بأجرة الخياطة [1] وهكذا.

( مسألة 12 ) : لو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه معه صح [2] ، أما لو شرط أن يكون تمام العمل على


ومن ذلك يظهر الاشكال فيما حكاه في المتن من الجمع بين دعوى نفي الملكية وجواز الإجبار.

هذا كله في الشرط ، أما النذر فالحكم فيه أظهر ، لوجود اللام صريحاً في صيغة النذر : لله علي أن أفعل كذا ، أو لا أفعل كذا » وهي ظاهرة في الملكية ، فيكون مفاد النذر تمليك اللّه سبحانه الفعل على الناذر. واحتمال أن يكون الظرف لغواً واللام متعلقة بقوله : التزمت لله تعالى ، خلاف الأصل في الظرف ، فاذا قال القائل : زيد في الدار ، ودار الأمر بين أن يكون الظرف لغواً والتقدير زيد نائم في الدار أو آكل في الدار أو نحو ذلك ، وبين أن يكون الظرف مستقراً والتقدير : زيد كائن في الدار فالأصل يقتضي الثاني ولا مجال للبناء على الأول إلا بقرينة خاصة. وعلى هذا إذا نذر الإنسان أن لا يبيع أو لا يتزوج ، فباع أو تزوج كان البيع والتزويج باطلين ، لعدم قدرته على ذلك ، على نحو ما ذكر في الشرط. فلاحظ.

[1] قد عرفت إشكاله.

[2] بلا خلاف ظاهر ، وعن التذكرة وغيرها ما ظاهره الإجماع عليه ولم يحك عن أحد خلاف فيه. نعم نسب إلى الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ، معللين بأنه بمنزلة اشتراط عمل المالك ، وهو مناف لمقتضى

غلام المالك فهو كما لو شرط أن يكون تمام العمل على المالك.


مفهوم المساقاة. لكن في المسالك - تبعاً للتذكرة - قال : والفرق بين الغلام وسيده ظاهر ، فان عمل العبد يجوز أن يكون تابعاً لعمل العامل ، ولا يجوز أن يكون عمل المالك تابعاً لعمله ، لأنه هو الأصل ، ويجوز في التابع ما لا يجوز في المنفرد. مع أنا نمنع حكم الأصل ، فإنا قد جوزنا أن يشترط على المالك أكثر العمل ».

وقد يشكل ما ذكره : أولا : من جهة عدم ظهور الفرق بين عمل العبد وعمل المولى في قبول التبعية والأصالة ، والفرق بينهما غير ظاهر ( ثانياً ) : بأنه لو سلم الفرق المذكور فهو لا يقتضي الفرق في الحكم ، إذ كل منهما - وإن كان على وجه التبعية - خلاف وضع المساقاة المستفادة من الأدلة المتقدمة ، فإنها متفقة على أن قوامها كون العمل على العامل ، فمشروعية مشاركة العامل وغلام المالك محتاجة إلى دليل آخر ، وهو عموم الصحة. لكنه حينئذ لا يقتضي كون المعاملة من المساقاة. ومن ذلك يظهر الاشكال. ( ثالثاً ) : فيما ذكره من أنه يجوز أن يشترط على المالك أكثر العمل ، فإنه وإن ذكره في الشرائع وغيرها بل هو المشهور ، لكنه غير ظاهر الأدلة فلا يصح مساقاة ، ولذا حكي عن المبسوط المنع ، مستدلا له بما ذكرناه ، كما عرفت في المسألة العاشرة ، وعرفت أن الاستدلال على الصحة بالعموم لا يثبت المساقاة ، والاستدلال بعموم صحة الشروط يختص بما إذا لم يكن الشرط منافياً لمقتضى العقد.

ومن ذلك يظهر أنه لا مانع من القول بصحة العقد والشرط إذا اشترط العامل أن يعمل معه المالك أو غلامه ، لكنه ليس من المساقاة ولا تترتب عليه أحكامها ، كما عرفت.

وقد مر عدم الخلاف في بطلانه [1] ، لمنافاته لمقتضى وضع المساقاة. ولو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه في البستان الخاص بالعامل فلا ينبغي الإشكال في صحته ، وإن كان ربما يقال بالبطلان [2] ، بدعوى أن عمل الغلام في قبال عمل العامل فكأنه صار مساقياً بلا عمل منه. ولا يخفى ما فيها [3]. ولو شرطا أن يعمل غلام المالك للعامل تمام عمل المساقاة - بأن يكون عمله له بحيث يكون كأنه هو العامل - ففي صحته وجهان لا يبعد الأول [4] ، لأن الغلام حينئذ كأنه نائب عنه في العمل بإذن المالك ، وإن كان لا يخلو عن إشكال [5].


[1] مر ذلك في المسألة العاشرة.

[2] قال في الشرائع : أما لو اشترط أن يعمل الغلام الخاص العامل لم يجز ، وفيه تردد ، والجواز أشبه ». قال في المسالك : « وجه التردد أنه اشترط عملا في مقابل عمله ، فصار في قوة اشتراط جميع العمل على المالك » ثمَّ قال : « وفساده ظاهر. والمعروف أن المانع من ذلك الشافعي ، لكن المصنف والعلامة ذكرا المسألة على وجه يشعر بالخلاف عندنا ». لكن يظهر المنع أيضاً من عبارة المبسوط. فلاحظها.

[3] سبق ذلك في المسالك. ووجهه : أن الموجب للبطلان فيما لو شرط جميع العمل على المالك أنه مخالف لوضع المساقاة ، وهذا لا يجي‌ء هنا فلا وجه للمقايسة بينهما.

[4] لأنه لا يعتبر في عمل العامل في المساقاة أن يكون على نحو المباشرة بل يكفي أن يكون على وجه يكون العمل له ، كما سيأتي فإذا كان غلام المالك يعمل للعامل ونائباً عنه في العمل كان بمنزلة الأجير له.

[5] لأن استحقاقه للحصة لم يكن معوض ، فلا تكون معاوضة ، بل

مع ذلك. ولازم القول بالصحة الصحة في صورة اشتراط تمام العمل على المالك بعنوان النيابة عن العامل [1].

( مسألة 13 ) : لا يشترط أن يكون العامل في المساقاة مباشرا للعمل بنفسه ، فيجوز له أن يستأجر في بعض أعمالها أو في تمامها ويكون عليه الأجرة ، ويجوز أن يشترط كون أجرة بعض الاعمال على المالك ، والقول بالمنع [2] لا وجه له [3]. وكذا يجوز أن يشترط كون الأجرة عليهما معاً [4] في ذمتهما ، أو الأداء من الثمر. وأما لو شرط على المالك أن يكون أجرة تمام الاعمال عليه أو في الثمر [5] ففي صحته


تكوه وعداً بأداء الحصة مجاناً. ويندفع : بأن الحصة كانت في مقابل العمل ، نعم لم يكن العمل مباشرة ، وهو غير قادح.

[1] لا محذور فيه ، لما سبق.

[2] حكي هذا القول عن الشيخ (رحمه اللّه) ، لمنافاته موضوع المساقاة الذي هو ليس الا دفع الأصول من المالك.

[3] وفي الجواهر : « فيه منع واضح ، وضرورة عدم ما يدل على اعتبار ذلك حتى بالشرط ونحوه ». لكن الضرورة التي ادعاها خفية جداً إذ الأدلة الواردة في المساقاة لا إطلاق لها يشمل المقام ، فكيف يتمسك بها على صحته؟ بل ظاهر تلك الأدلة في غير ما نحن فيه. نعم لا بأس بالتمسك على الصحة في المقام بعموم صحة العقود ، ولكنه لا يثبت المساقاة. هذا إذا كانت الأجرة على المالك في مقابل العمل له ، وأما إذا كانت نحواً آخر - يأتي بيانه في الفرض الآتي - فلا مانع من صحة المساقاة ، كما سيأتي.

[4] لما سبق من الأدلة العامة.

[5] يتصور هذا على وجوه : ( الأول ) : أن تكون الأجرة في

وجهان : ( أحدهما ) : الجواز ، لأن التصدي لاستعمال الأجراء نوع من العمل [1] ، وقد تدعو الحاجة إلى من يباشر ذلك لمعرفته بالآحاد من الناس وأمانتهم وعدمها ، والمالك ليس له معرفة بذلك ( والثاني ) : المنع [2] ، لأنه خلاف وضع المساقاة. والأقوى الأول. هذا ولو شرطا كون الأجرة حصة


ذمة العامل ، ويشترط على المالك وفائها من ماله ، والظاهر صحة ذلك مساقاة ، لأن العمل من العامل والأجرة في ذمته ، وهو كاف في صدق مفهوم المساقاة. ( الثاني ) : أن تكون الأجرة على المالك وفي ذمته ، لكن المستأجر عليه العمل للعامل. والظاهر أيضاً صحة ذلك مساقاة ، نظير ما سبق في آخر المسألة السابقة. ( الثالث ) : أن تكون الأجرة على المالك والمستأجر عليه العمل له. ولا ينبغي التأمل في عدم صحة ذلك من باب المساقاة ، لأنه خارج عن مفهومها. نعم يمكن أن يصح بعنوان آخر ، فيكون عقداً من العقود الصحيحة ، عملا بعموم صحة العقود. وما في الجواهر من اختصاصه بالمتعارف فلا يشمل غيرها غير ظاهر - كما عرفت - وان تكرر منه (قدس سره) ذلك. مع أنه متعارف في زماننا. ويسمى هذا العامل في عرف أهل العراق ( سركال ) - مصحف ( سركار ) فارسي - وهو الذي يتولى ادارة الفلاحين لا غير.

[1] هذا لا يثبت كون العقد حينئذ مساقاة ، وإنما يثبت كونه عقلائياً لا سفهياً.

[2] كما استوضحه في الجواهر ، لما ذكر من التعليل. لكن هذا التعليل يقتضي عدم صحته مساقاة ، ولا يمنع من صحته عقداً آخر ، كما عرفت.

مشاعة من الثمر بطل. للجهل بمقدار مال الإجارة ، فهي باطلة [1].

( مسألة 14 ) : إذا شرطا انفراد أحدهما بالثمر بطل العقد [2] وكان جميعه للمالك ، وحينئذ فإن شرطا انفراد العامل به استحق أجرة المثل لعمله [3] وإن شرطا انفراد المالك به لم يستحق العامل شيئا [4] ، لأنه حينئذ متبرع بعمله.


[1] يعني : فيبطل الشرط ، لأنه شرط مخالف للكتاب لكن الاشكال ان لم يقم دليل على مانعية الجهل بالأجرة مطلقاً ، كما يظهر من ملاحظة مبحث الإجارة ، فإذا جاز بيع الثمار جاز جعلها أجرة. ولا سيما بملاحظة ما ورد من تقبيل الأرض بحصة من حاصلها وأجرة الأرض بذلك.

[2] أما بطلان العقد بعنوان المساقاة فظاهر ، إذ لا دليل على صحته حينئذ بالخصوص ، والنصوص الواردة في مشروعية المساقاة لا تشمله. وأما بطلان العقد حتى بعنوان آخر غير المساقاة فغير ظاهر إذا كان المشروط انفراد العامل ، لإمكان أن يكون غرض المالك يحصل بسقاية الأصول لئلا تتيبس فتتلف ، فيجعل في مقابل ذلك تمام الثمر ، فيشمله عموم الصحة ، ويكون نظير الجعالة ، ولا موجب للبطلان كلية. وأما إذا كان المشروط انفراد المالك فالبطلان حينئذ ظاهر إذ يكون عمل العامل بلا عوض ، فلا يكون عقداً بل يكون إيقاعاً ووعداً.

[3] للاستيفاء الموجب لضمان المستوفي ، فإنه من أسباب الضمان عرفاً فيكون موجباً له شرعاً لعدم الردع. نعم إذا كان العامل متبرعاً بعمله لا يكون عمله مضموناً ضرورة.

[4] كذا في المسالك ، وتبعه عليه الكاشاني والسيد في الرياض - على ما حكي - معللين له بما في المتن. وتنظر فيه في الجواهر : بأن الرضا


بالعقد المتضمن لعدم الأجرة ليس رضا بالعمل بلا أجرة ، فإن الحيثية ملاحظة ، بمعنى كون المتشخص منه في الخارج الرضا بالعقد الذي لا يترتب عليه ذلك. والعمل الصادر منه إنما هو من حيث أنه مقتضى العقد الفاسد ، لا أنه رضا منه بالعمل في حد ذاته وفي نفسه بلا عوض .. ». وهو كما ترى فإنه خلاف قاعدة : ( ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ). اللّهم إلا أن يقال : بأن دليلها الإجماع ، ولا إجماع في المقام.

فالعمدة في الاشكال أن ما ذكره (قدس سره) يختص بما إذا كان مفاد العقد عنوانا إنشائياً يكون التبرع مبنياً عليه ، فاذا فات فات التبرع ، أما إذا كان مفاد العقد هو التبرع بالعمل وقد أقدم عليه العامل فلا موجب للاستحقاق مع التبرع.

ومثله ما لو قال : آجرتك بلا أجرة ، إذا كان معناه أدعوك إلى العمل بلا أجرة ، فإذا عمل لم يستحق الأجرة لكونه متبرعاً ، بخلاف ما لو كان معناه : آجرتك حقيقة بلا أجرة ، فإن التبرع فيه مبني على تحقق الإجارة ، وهي منتفية. وكذا يتم في مثل قوله : تزوجتك بلا مهر ، فإنه إذا تبين بطلان العقد استحقت المهر بالوطء ، لان التبرع كان مبنياً على وقوع التزويج ، فاذا تبين عدمه فلا إقدام على التبرع. وما نحن فيه قد عرفت أنه طلب من المالك ووعد من العامل ، والواعد لا يجب الوفاء به ، ولا يكون فاعله مستحقاً للأجرة بعد أن كان قد وعد بالتبرع.

نعم إذا كانا قد قصدا تمليك المالك العمل على العامل مجاناً تمَّ ما ذكره في الجواهر ، لفوات التمليك الإنشائي ، لكن المفهوم من العقد المذكور الأول ، أعني الواعد بدون تمليك. وسيأتي في المسألة الثالثة والعشرين ما له نفع في المقام.

ومن ذلك يظهر أن ما ذكر في الشرائع والقواعد وغيرهما من أنه إذا

( مسألة 15 ) : إذا اشتمل البستان على أنواع كالنخل والكرم والرمان ونحوها من أنواع الفواكه - فالظاهر عدم اعتبار العلم بمقدار كل واحد [1] فيجوز المساقاة عليها بالنصف أو الثلث أو نحوهما وان لم يعلم عدد كل نوع ، إلا إذا كان الجهل بها موجباً للغرر.

( مسألة 16 ) : يجوز أن يفرد كل نوع بحصة مخالفة للحصة من النوع الأخر [2] كأن يجعل النخل بالنصف والكرم بالثلث والرمان بالربع مثلا وهكذا. واشترط


تبين بطلان المساقاة كانت الثمرة للمالك وللعامل أجرة المثل ليس على إطلاقه - وإن نسبه في المسالك إلى الأكثر - بل يختص بغير الصورة المذكورة.

[1] كما هو ظاهر الأصحاب ، وفي التذكرة : « إذا اشتمل البستان على أشجار مختلفة - كالزيتون والرمان والتين والكرم - فساقاة المالك على أن للعامل سهماً واحداً في الجميع - كنصف الثمرة أو ثلثها أو غير ذلك - صح إجماعاً ، سواء علما قدر كل واحد أو جهلاه أو علم أحدهما دون الآخر ، وسواء تساوت أو تفاوتت ». ووجه إطلاق الأدلة مع عدم الدليل على قدح مثل هذه الجهالة ، لاختصاص المنع من الغرر في البيع ، كما عرفت ومن ذلك تعرف الإشكال في قول المصنف (رحمه اللّه) : « إلا إذا كان الجهل .. ».

[2] كما في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب الأصحاب ، بل في الجواهر : « بلا خلاف ولا اشكال ». ودليله غير ظاهر ، إذ النصوص الواردة في الباب لا تشمله ، والرجوع الى عمومات صحة العقود لا يثبت المساقاة ، كما عرفت غير مرة. اللّهم إلا أن يستفاد من الأدلة الخاصة بإلغاء الخصوصية.

بعضهم [1] في هذه الصورة العلم بمقدار كل نوع ، ولكن الفرق بين هذه وصورة اتحاد الحصة في الجميع غير واضح [2] والأقوى الصحة مع عدم الغرر [3] في الموضعين ، والبطلان معه فيهما.

( مسألة 17 ) : لو ساقاه بالنصف مثلا - إن سقى


[1] ظاهر المحكي من كلماتهم أن الشرط بينهم اتفاقي وان كل من ذكر المسألة ذكر فيها الشرط ، وفي مفتاح الكرامة : « في الخلاف لم يشترط علمه بكل منهما ، لكنه مراد له ».

[2] لا إشكال في وجود الفرق بين الصورتين ، لأنه إذا لم يفرد كل صنف بحصة فحصته معلومة النسبة الى جميع الثمرة ، أما إذا أفرد كل صنف بحصة فإنه لا يعلم نسبة حصته الى جميع الثمرة ، فيحتمل زيادة النسبة لزيادة الصنف ، وقلة النسبة لقلة الصنف. ولذا قال في المسالك : « فان المشروط فيه أقل الجزئين قد يكون أكثر الجنسين ، فيحصل الغرر » نعم الفرق المذكور لا يصح فارقاً ، إذ الغرر موجود في المسألتين ، غاية الأمر أن الغرر في صورة الافراد من جهتين ، وفي صورة عدمه من جهة واحدة ، فإن نصف الثمرة الذي لا يعلم أن ربعه تمر وثلاثة أرباعه رمان ، أو ربعه رمان وثلاثة أرباعه تمر أيضاً مجهول وغرري ، فإذا كان دليل الغرر مرجعاً في المقام لزم العمل بقدر كل صنف حتى مع عدم الافراد ، وإذا لم يكن مرجعاً لم يقدح الجهل بالنسبة حتى في صورة الإفراد.

[3] قد عرفت أن الغرر حاصل في الصورتين ، لكن لا دليل على قدحه ، بل الدليل - في الجملة - على عدم قدحه ، وحينئذ لا وجه للبطلان مع الغرر.

بالناصح وبالثلث إن سقى بالسيح ، ففي صحته قولان [1] أقواهما الصحة ، لعدم إضرار مثل هذه الجهالة ، لعدم إيجابها الغرر [2] مع أن بناءها على تحمله. خصوصاً على القول


[1] قال في الشرائع : « ولو ساقاه بالنصف إن سقى بالناضح وبالثلث إن سقى بالسائح بطلت المساقاة ، لأن الحصة لم تتعين. وفيه تردد ». وفي القواعد والمسالك : جزم بالبطلان ، وحكي عن التذكرة والتحرير واختاره في الجواهر ، وحكي عن المبسوط والكفاية والرياض : أنه الأشهر ، وظاهر ذلك وصريح المصنف وجود قول بالصحة ، وفي مفتاح الكرامة عدم القائل بالصحة هنا ، والمحقق إنما تردد ، يعني لم يقل بالصحة.

[2] يعني : الخطر المالي ، إذ لا خطر في المال في المقام باعتبار أن الأجرة معينة بالإضافة الى كل تقدير. لكن هذا المعنى من الغرر أيضاً لا دليل على مانعيته ، فكان الاولى التعليل بذلك. هكذا ولكن التفصيل في مانعية الجهالة بين ما توجب الخطر المالي وما لا توجبه لا مأخذ له ، فان بناء الأصحاب على مانعية الجهالة مطلقاً في المعاوضات من البيع ونحوه ، ولذلك بنى المصنف على بطلان الإجارة في المثال الآتي ، مع أنه لا خطر مالي فيه. وعلى هذا فان كان دليل مانعية الجهالة شاملا لما نحن فيه كان اللازم القول بالبطلان - كما هو المشهور - ، وإن لم يكن الدليل شاملا لما نحن فيه ، فاللازم القول بالصحة وان كان الجهل موجباً للخطر. وهذا هو المتعين.

ثمَّ إن الظاهر أن مقتضى المعاملة على النحو المذكور كون المالك للأصول يملك على العامل الجامع بين الأمرين في مقابل الحصة الجامعة بين الحصتين ، وتكون الزيادة في الحصة عوضاً عن الخصوصية الكذائية في العمل لا أن المملوك كل واحد من العملين على الترديد ، إذ المردد لا يقبل الملكية ،

بصحة مثله في الإجارة [1] ، كما إذا قال : إن خطت روميا فبدرهمين وإن خطت فارسيا فبدرهم.

( مسألة 18 ) : يجوز أن يشترط أحدهما على الأخر شيئا من ذهب أو فضة أو غيرهما مضافا إلى الحصة من الفائدة [2] والمشهور كراهة اشتراط المالك على العامل شيئاً من ذهب أو فضة [3]. ومستندهم في الكراهة غير واضح [4]. كما أنه لم يتضح اختصاص الكراهة بهذه الصورة أو جريانها بالعكس أيضاً [5] ، وكذا اختصاصها بالذهب والفضة أو جريانها في مطلق الضميمة. والأمر سهل.

( مسألة 19 ) : في صورة اشتراط شي‌ء من الذهب


وليس له مطابق في الخارج ، إذ كل ما في الخارج متعين.

[1] فإن المساقاة لا تزيد على الإجارة في مانعية الغرر.

[2] بلا خلاف في ذلك ولا إشكال ظاهر. لعموم أدلة صحة الشرط ، فيجب العمل به ، كما صرحوا بذلك. وفي المسالك : إن العامة أطبقوا على منعه وأبطلوا به المساقاة. انتهى. وهو خلاف إطلاق أدلة الصحة الخاصة والعامة منها.

[3] كما هو المصرح به في الشرائع والقواعد وغيرهما ، وفي المسالك : « وأما كراهيته فهو المشهور بين الأصحاب ، ولا نعلم بينهم خلافاً في ذلك ».

[4] كما اعترف به غير واحد ، وفي مفتاح الكرامة : « لا دليل لهم على الكراهة إلا الإجماع ».

[5] مقتضى اقتصارهم على اشتراط المالك على العامل وعلى الذهب والفضة هو الاختصاص بذلك ، إذ لا دليل على الكراهة في غيرهما.

والفضة أو غيرهما على أحدهما إذا تلف بعض الثمرة هل ينقص منهما شي‌ء أو لا؟ وجهان [1] ، أقواهما العدم [2] ، فليس قرارهما مشروط بالسلامة. نعم لو تلفت الثمرة بجميعها أو لم تخرج أصلا ففي سقوط الضميمة [3] وعدمه أقوال ، ثالثها


[1] مبنيان - كما في جامع المقاصد والمسالك - على أن المساقاة على الثمرة مبنية على التبعيض ، لان مقابلة العمل بالثمرة ينحل الى مقابلات متعددة بتعدد الأجزاء ، فإذا تلف بعض الثمر فقد بطلت المساقاة بالنسبة إليه ، فيبطل بعض الشرط ، لأنه بمنزلة أحد العوضين.

[2] كما في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما ( أولا ) : بأن بالتلف لا يوجب بطلان المعاوضة ، لأنه من كيس العامل أيضا ، ولا يختص بالمالك ( وثانياً ) : بأن المقابل به العمل جنس الثمرة لا أجزاؤها. ( وثالثاً ) : بأنه لا دليل على تبعية الشرط لأحد العوضين في التقسيط ، إذ الشرط ليس من أحد العوضين ، وإنما هو خارج عن المعاوضة ، فإذا بطلت في بعضها لم يكن وجه لسقوط الشرط أو تبعضه ، لأنه خلاف عموم صحة الشروط. هذا مضافاً إلى ما يأتي من المصنف (رحمه اللّه) هنا من منع كون الثمرة عوضا وإنما العوض شي‌ء آخر ، وان كان ذلك مشكل ، كما سيأتي. هذا وفي القواعد : « وفي تلف البعض أو قصور الخروج اشكال ». ولكنه ضعيف

[3] قال في الشرائع : « ويكره أن يشترط رب المال على العامل شيئاً من ذهب أو فضة ، لكن يجب الوفاء بالشرط ، ولو تلفت الثمرة لم يلزم » ونحوه كلام غيره. وعلله في المسالك : بأنه لولاه لكان أكلا للمال بالباطل ، فان العامل قد عمل ولم يحصل له عوض ، فلا أقل من خروجه رأساً برأس. انتهى. ونحوه ما في غيرها. وقد عرفت في الفرض الأول أن مبنى المساقاة على المعاوضة فإذا تلفت الثمرة بطلت المساقاة من

الفرق بين ما إذا كانت للمالك على العامل فتسقط [1] ، وبين العكس فلا تسقط [2] ، رابعها الفرق بين صورة عدم الخروج أصلا فتسقط وصورة التلف فلا [3]. والأقوى عدم السقوط مطلق [4] ، لكونه شرطا في عقد لازم ، فيجب الوفاء به. ( ودعوى ) : أن عدم الخروج أو التلف كاشف عن عدم صحة المعاملة من الأول [5]. لعدم ما يكون مقابلا للعمل. أما في صورة كون الضميمة للمالك فواضح ، وأما مع كونها للعامل فلأن الفائدة ركن في المساقاة ، فمع عدمها لا يكون


رأس فيبطل الشرط فيها. هذا ولم أقف على قائل بعدم السقوط ، وفي مفتاح الكرامة : دعوى ظهور الإجماع على السقوط.

[1] لما سبق.

[2] قال في المسالك : « نعم لو كان الشرط للعامل على رب الأرض اتجه عدم سقوطه ، لأن الغرض من قبل العامل قد حصل ، والشرط قد وجب بالعقد ، فلا وجه لسقوطه. وربما قيل بمساواته للأول. وهو ضعيف » ويشكل : بأن التلف إذا كان يبطل المساقاة فقد بطل الشرط فيها ، سواء كان للعامل أم للمالك ، فلا مجال للتفصيل.

[3] لما عرفت من الإشكال في بطلان المساقاة بتلف الثمرة ، لأنها بوجودها قد حصل العوض ، فاذا تلفت فقد تلفت من كيسه وكيس المالك معاً ، فلا موجب للبطلان لوجود العوضين ، بخلاف صورة عدم الخروج ، إذ معه تكون المعاوضة من أصلها بلا عوض ، فتبطل ، كما يأتي في كلام المصنف.

[4] قد عرفت أنه لم يعرف قائل به.

[5] هذه الدعوى ادعاها في جامع المقاصد وغيره.

شي‌ء في مقابل العمل ، والضميمة المشروطة لا تكفي في العوضية [1] فتكون المعاملة باطلة من الأول ، ومعه لا يبقى وجوب الوفاء بالشرط ( مدفوعة ) - مضافا إلى عدم تماميته بالنسبة إلى صورة التلف ، لحصول العوض بظهور الثمرة [2] وملكيتها وإن تلف بعد ذلك - : بأنا نمنع كون المساقاة معاوضة بين حصة من الفائدة والعمل ، بل حقيقتها تسليط من المالك للعامل على الأصول [3]


[1] لخروجها عن قوام المعاوضة ولذلك لا تبطل المعاوضة بترك الشرط.

[2] احتمل في الجواهر أن يكون موضوع المعاوضة الظهور مع الإدراك ، لعدم النفع بالثمرة بدون ادراك. لكن عدم النفع لا يلازم كون الإدراك مقوماً للمعاوضة ، فإنه خلاف المرتكزات العرفية.

[3] هذا خلاف ظاهر ما في صحيح شعيب : « إسق هذا من الماء وأعمره ولك نصف ما أخرج .. » (1). فإنه كالصريح في أن المقابلة كانت بين السقي والاعمار وبين الحصة ، وكذلك ظاهر روايات خيبر. وعلى ذلك جرى الفقهاء (رضي اللّه عنه) - ومنهم المصنف (رحمه اللّه) - في تعريف المساقاة : بأنها معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها ، وهو الموافق للمرتكزات العرفية. وأما التسليط فهو لازم المفهوم المذكور ، لان العمل لا يمكن وقوعه بدون تسليط المالك وتمكينه العامل ، فطلب العمل من العامل يدل بالالتزام على بذلك الأصل للعمل والتمكين منها ، لا أنه عين مفهوم المساقاة التي هي كالمزارعة مفهوماً وان اختلفا موضوعاً ، وقد عرفت سابقاً أنها تفترق عن إجارة الأعيان في أن إجارة الأعيان لا يملك المؤجر على المستأجر استيفاء المنفعة ، وفيها يملك المالك على العامل العمل ، وتفترق


1) الوسائل باب : 9 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 2.

للاستنماء له [1] وللمالك ، ويكفيه احتمال الثمر وكونها في معرض ذلك. ولذا لا يستحق العامل أجرة عمله إذا لم يخرج أو خرج وتلف بآفة سماوية أو أرضية في غير صورة ضم الضميمة ، بدعوى الكشف عن بطلانها من الأول [2] ، واحترام عمل المسلم. فهي نظير المضاربة ، حيث أنها أيضاً تسليط على الدرهم أو الدينار للاسترباح له وللعامل ، وكونها جايزة دون المساقاة لا يكفي في الفرق. كما أن ما ذكره في الجواهر [3] من الفرق بينهما : بأن في المساقاة يقصد المعاوضة


عن إجارة الأجير : بأن إجارة الأجير لا يملك الأجير على المستأجر بذل العين للعمل ، وفيها يملك العامل على المالك بذل العين ، فكأنها إجارة للعين وإجارة للأجير معاً. كما تفترق عنهما : بأن الأجرة في الإجارة ثابتة على كل حال ، والأجرة هنا - وهي الحصة - غير ثابتة على كل حال ، لجواز عدم خروج الثمرة فالأجرة رجائية لا جزمية كالمثمن في بيع الثمرة بدون ضميمة ، فإن المعاوضة فيه رجائية لا جزمية.

ثمَّ إن المصنف (رحمه اللّه) لم يصرح بأن المساقاة معاوضة ، بل ظاهر عبارته أنها إيقاع وتسليط. ولكنه غير مراد ، وإلا كان الاشكال عليه ظاهر ، لأن الشرط في الإيقاع لا يصح.

[1] فيكون النماء غاية للمعاوضة وتخلف الغاية لا يقدح في بقاء المعاوضة.

[2] متعلق بقوله : « يستحق » يعنى أن استحقاق العامل أجرة عمله بدعوى الكشف عن البطلان الموجب للاستحقاق بقاعدة الاحترام منفي وغير ثابت.

[3] قال في الجواهر : « ضرورة قصد المعاوضة في المساقاة بخلافه

بخلاف المضاربة التي يراد منها الحصة من الربح الذي قد يحصل وقد لا يحصل ، وأما المساقاة فيعتبر فيها الطمأنينة بحصول الثمرة ، ولا يكفي احتمال مجرد دعوى لا بينة لها [1]. ( ودعوى ) : أن من المعلوم أنه لو علم من أول الأمر عدم خروج الثمر لا يصح المساقاة ، ولازمه البطلان إذا لم يعلم ذلك ثمَّ انكشف بعد ذلك. ( مدفوعة ) : بأن الوجه في عدم الصحة كون المعاملة سفهية مع العلم بعدم الخروج من الأول [2]


في المضاربة ، التي يراد منها الحصة من الربح ، الذي قد يحصل وقد لا يحصل ، بخلاف المقام المعتبر فيه الطمأنينة بحصول الثمرة ، وقد لا يكفي الاحتمال عندهم ».

[1] بل عدم تعرضهم في شرائط المساقاة لاعتبار الطمأنينة بحصول الثمرة في صحتها دليل على خلاف ذلك. نعم لما كانت المساقاة تقتضي أعمالا كثيرة شاقة في مدة طويلة لم يقدم عليها العقلاء - غالباً - الا مع الاطمئنان بخلاف المضاربة ، فإن اعمالها خفيفة في مدة قليلة غالباً يكثر منهم الاقدام عليها مع ضعف الاحتمال. لكن ذلك ليس للفرق الشرعي بينهما. بل يصح شرعاً الاقدام على كل منهما مع الاحتمال في الجملة. كما أنهما يشتركان أيضاً في كون العمل في كل منهما في مقابل النماء ، فهما أيضاً من باب واحد من هذه الجهة.

[2] أما عدم صحة المساقاة حينئذ فلا ريب فيه ، لقصور أدلتها عن شمول ذلك واختصاص الأدلة بغيره. ومثله كلامهم في شرح مفهومها ، فإنه يختص بغير ذلك. وأما عدم الصحة بعنوان كونها عقداً من العقود فغير ظاهر ، لشمول الأدلة العامة إذا كان قد نوى المعاوضة بين العمل وبين التمكين من الأصول إذا كان له غرض في التمكين. ولا وجه للفساد

بخلاف المفروض. فالأقوى ما ذكرنا من الصحة [1] ، ولزوم الوفاء بالشرط - وهو تسليم الضميمة - وإن لم يخرج شي‌ء أو تلف بالآفة. نعم لو تبين عدم قابلية الأصول للثمر - إما ليبسها أو لطول عمرها أو نحو ذلك - كشف عن بطلان المعاملة من الأول [2] ، ومعه يمكن استحقاق العامل للأجرة إذا كان جاهلا بالحال [3].

( مسألة 20 ) : لو جعل المالك للعامل مع الحصة من الفائدة ملك حصة من الأصول مشاعاً أو مفروزاً ، ففي صحته مطلقا ، أو عدمها كذلك [4] ، أو التفصيل بين أن يكون ذلك


من جهة كونها سفهية ، إذ الثابت بطلان معاملة السفيه وإن كانت عقلائية لا بطلان معاملة الرشيد وإن كانت غير عقلائية. وأما إذا لم ينو المعاوضة بين العمل والتمكين وانما نوى التعهد بالعمل فهو حينئذ إيقاع ، لا عقد مساقاة ولا غيره.

[1] الذي يظهر مما ذكرنا هو التفصيل الأخير.

[2] لفقد شرط المعاملة ، وهو قابلية الشجر للاثمار التي أخذت في قوام العقد.

[3] لاستيفاء المالك عمل العامل الموجب لضمانه. إلا أن يقال : بأن المالك كان طالباً للعمل في الشجر القابل للاثمار ، وما وقع من العمل غير ما هو طالبه ، فلم يكن منه استيفاء لعمل العامل كي يكون ضامناً له.

[4] قال في الشرائع : « ولو شرط مع الحصة من النماء حصة من الأصل الثابت لم يصح ، لان مقتضى المساقاة جعل الحصة من الفائدة. وفيه تردد » ، وعن القواعد : فيه اشكال ، والمحكي عن الأكثر في الجواهر :

بنحو الشرط فيصح أو على وجه الجزئية [1] فلا ، أقوال والأقوى الأول ، للعمومات [2]. ودعوى : أن ذلك على خلاف وضع المساقاة ، كما ترى [3] ، كدعوى : أن مقتضاها أن يكون العمل في ملك المالك ، إذ هو أول الدعوى. والقول


العدم ، وعن الرياض : أنه لم يقف على مخالف ، وفي مفتاح الكرامة : « لم نجد قائلا بالصحة ولو بنحو الأقرب ».

[1] هذا التفصيل جعله في الجواهر هو التحقيق ، وكذا فيما لو جعل للعامل مع الحصة شيئاً من الذهب أو الفضة.

[2] لكن العمومات لا تثبت عنوان المساقاة.

[3] فيه نظر ظاهر ، فان مورد نصوص المساقاة يختص بغير هذه الصورة ، فالدعوى المذكورة في محلها. ومثلها الدعوى الأخرى ضرورة أن مورد تلك النصوص أيضاً هو صورة كون الأصول للمالك لا للعامل ، وكذلك كلام الفقهاء 5. ومن ذلك يظهر الإشكال في قوله : « إذ هو أول الدعوى ». مضافاً إلى أنه بناء على ما ذكره من أنه ليس على خلاف وضع المساقاة كان اللازم الاستدلال على الصحة بالأدلة الخاصة لا بالعمومات.

ثمَّ إن هذه الدعوى ذكرها في المسالك وغيرها تقريباً للمنع ، وكان الأولى في منعها أن يقال : إن الدعوى المذكورة صحيحة ، لكن يراد منها كون العمل في ملك المالك قبل العقد وإن صار بعضه ملكاً للعامل بعد العقد ، ولذا لا تبطل المساقاة بخروج الأصول عن ملك المالك ببيع ونحوه بل لا تبطل لو باعها على العامل دون غيره من الناس ، فالمراد من وجوب أن تكون الأصول في ملك المالك وجوب ذلك بالإضافة إلى ما قبل العقد لا بعده.

بأنه لا يعقل أن يشترط عليه العمل في ملك نفسه [1]. فيه : أنه لا مانع منه إذا كان للشارط فيه غرض أو فائدة ، كما في المقام حيث أن تلك الأصول وإن لم يكن للمالك الشارط ، إلا أن عمل العامل فيها ينفعه في حصول حصة من نمائها. ( ودعوى ) أنه إذا كانت تلك الأصول للعامل بمقتضى الشرط فاللازم تبعية نمائها لها [2] ( مدفوعة ) : بمنعها بعد أن كان المشروط له الأصل فقط في عرض تملك حصة من نماء الجميع. نعم لو اشترط كونها له على وجه يكون نماؤها له بتمامه كان كذلك [3] لكن عليه تكون تلك الأصول بمنزلة المستثنى من العمل ، فيكون العمل فيما عداها [4] مما هو للمالك بإزاء الحصة من نمائه مع نفس تلك الأصول.


[1] هذا أيضاً ذكره في المسالك وغيرها توجيهاً للقول بالمنع الذي جعله الأوجه.

[2] يعني : وحينئذ لا وجه لأن يكون للمالك فيها حصة ، كما ذكر في رد القول والاشكال عليه.

[3] يعني : فيصح القول بأنه لا يعقل أن يشترط عليه العمل في ملكه.

[4] يعني : فيصح اشتراط العمل فيه. ثمَّ إن مقتضى الدعوى الأولى والثانية : المنع من صحة كون العقد مساقاة ، ومقتضى القول الذي ذكر ثالثاً : المنع من صحته عقداً مطلقاً لأن عدم المعقولية إذا تمَّ لم يختص بالمساقاة بل يعمها وكل عقد.

والتحقيق أن يقال : أنه إذا كان الخلاف في الصحة وعدمها بعنوان المساقاة فالوجه ما ذكره في الجواهر : من أنه إذا كان المشروط من الأصل

( مسألة 21 ) : إذا تبين في أثناء المدة عدم خروج الثمر أصلا هل يجب على العامل إتمام السقي؟ قولان أقواهما العدم [1].

( مسألة 22 ) : يجوز أن يستأجر المالك أجيراً للعمل [2] مع تعيينه نوعا ومقدارا بحصة من الثمرة أو بتمامها بعد الظهور


لوحظ قواماً للمعارضة فالوجه البطلان لقصور أدلة المساقاة عن شموله ، وإن لوحظ شرطاً خارجاً عنها فالوجه الصحة ، عمل بعموم أدلة صحة الشروط ، وأدلة المساقاة لا تنافيها. لإهمالها من هذه الجهة. وإذا كان الخلاف في الصحة وعدمها في العقد مطلقاً لا بعنوان المساقاة فالوجه الصحة مطلقاً ، عملا بالعمومات من غير مخصص. ودعوى المانع العقلي المذكور في كلام المصنف (رحمه اللّه) بقوله : « القول بأنه .. ». قد أجاب عنها المصنف بما ذكر.

[1] قال في جامع المقاصد : « فرع آخر : إذا لم تخرج الثمرة أو تلفت كلها لم يجب على العامل إكمال العمل إلى آخر المدة » ، وفي الجواهر عن ظاهر المسالك : الوجوب ، مشبهاً له بعامل القراض الذي لم يربح مع وجوب الإنضاض عليه. هذا واللازم ابتناء الوجوب وعدمه على انفساخ المساقاة وعدمها ، فاذا قلنا بالانفساخ - كما هو المشهور - فاللازم البناء على عدم وجوب إتمام العمل ، للأصل. وإن قلنا بعدم الانفساخ - كما يراه المصنف - فاللازم البناء على وجوب العمل عملا بالعقد. اللّهم إلا أن يدعى أن العمل اللازم في المساقاة ما يكون موجباً للنماء لا مطلقاً ، كما هو غير بعيد عند العرف.

[2] كما هو المصرح به في كلام الجماعة ، قال في الشرائع : « إذا استأجر أجيراً للعمل بحصة منها ، فان كان بعد بدو صلاحها جاز » ،

وبدو الصلاح ، بل وكذا قبل البدو [1] ، بل قيل الظهور أيضاً إذا كان مع الضميمة الموجودة أو عامين [2]. وأما قبل الظهور عاماً واحدا بلا ضميمة فالظاهر عدم جوازه [3]. لا لعدم معقولية تمليك ما ليس بموجود [4]. لأنا نمنع عدم


وفي الجواهر : « بلا خلاف ولا إشكال لعموم الأدلة وإطلاقها السالمين عن معارضة ما يقتضي المنع ».

[1] يعني : قبل بدو الصلاح وبعد الظهور. عملا بعموم الأدلة ، وفي الشرائع : « إن كان بشرط القطع صح ». لكن الظاهر - كما قيل - أنه مبني على اعتبار الشرط المذكور في صحة البيع حينئذ ، فيتعدى منه إلى الإجارة. والتحقيق عدمه في البيع ، إذ لا دليل عليه. ودليل نفي الغرر في البيع لا يقتضي ذلك ، إذ لا غرر عرفاً في بقائه إلى زمان الإدراك ، بل تعيين المدة موجب للغرر ، لاحتمال عدم الإدراك حينئذ. مع أنه لا وجه لحمل الإجارة على البيع في ذلك ، والعمومات تقتضي الصحة مطلقاً كما عرفت.

[2] الوجه في الجواز العمومات أيضاً. مضافاً إلى الإلحاق بالبيع الذي هو أولى من الإجارة في مانعية الغرر ، فاذا جاز البيع في الفرض فأولى أن تجوز الإجارة فيه.

[3] قولا واحداً. لأن عوض الإجارة يشترط فيه الوجود والمعاومية كعوض البيع ، وهما منتفيان هنا ، بخلاف عوض المساقاة ، فإنها جوزت كذلك وخرجت عن الأصل بالنص والإجماع. كذا في المسالك ، ونحوه في التذكرة.

[4] كأنه يشير إلى ما ذكره في الجواهر ، حيث قال : « لم يجز قولا واحداً ، لكونها معدومة ». لكن الظاهر أن مراده اشتراط كون

المعقولية بعد اعتبار العقلاء وجوده لوجوده المستقبلي ، ولذا يصح مع الضميمة أو عامين ، حيث أنهم اتفقوا عليه في بيع الثمار ، وصرح به جماعة هاهنا. بل لظهور اتفاقهم على عدم الجواز [1] ، كما هو كذلك في بيع الثمار. ووجه المنع هناك خصوص الاخبار الدالة عليه ، وظاهرها أن وجه المنع الغرر لا عدم معقولية تعلق الملكية بالمعدوم ، ولو لا ظهور الإجماع في المقام لقلنا بالجواز مع الاطمئنان بالخروج بعد ذلك ، كما يجوز بيع ما في الذمة مع عدم كون العين موجودا فعلا عند ذيها ، بل وان لم يكن في الخارج أصلا. والحاصل : أن الوجود الاعتباري يكفي في صحة تعلق الملكية [2] ، فكأن العين موجودة في عهدة الشجر كما أنها موجودة في عهدة الشخص.


عوض الإجارة موجوداً ، لما دل على إلحاقها بالبيع ، لا لعدم المعقولية.

[1] قيل : أول من ذكر الفرع الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط ، وحكم فيه بعدم الجواز ، وتبعه عليه من تأخر عنه ، وقد عرفت دعوى الاتفاق عليه من المسالك والجواهر ، وعن الكفاية : نسبته إلى الأصحاب ، وإن كان التعليل في كلماتهم بما ذكر في التذكرة والمسالك يقتضي أن الوجه فيه الإلحاق بالبيع.

[2] الملكية عند العقلاء لا تتعلق إلا بالوجود الذمي أو الخارجي ، أما ما لا وجود له في الذمة ولا في الخارج فلا يكون مملوكاً لمالك ، ولا تترتب عليه احكام المملوك. ويكفي في الوجود الخارجي الوجود الاستقبالي وان لم يكن خالياً. فجعل الثمرة قبل ظهورها أجرة يصح عرفاً إذا كان له وجود في المستقبل ولا يصح عرفاً إذا لم يكن له وجود في المستقبل ،

( مسألة 23 ) : كل موضع بطل فيه عقد المساقاة يكون الثمر للمالك ، وللعامل أجرة المثل لعمله [1]. إلا إذا كان عالما بالبطلان [2] ومع ذلك أقدم على العمل ، أو كان الفساد لأجل اشتراط كون جميع الفائدة للمالك ، حيث أنه بمنزلة المتبرع في هاتين الصورتين ، فلا يستحق أجرة المثل على الأقوى وإن كان عمله بعنوان المساقاة.


فالوجود الاعتباري غير كاف في تعلق الملكية ما لم يكن له مطابق في الخارج.

[1] قال في الشرائع : « كل موضع تفسد فيه المساقاة فللعامل أجرة المثل ، والثمرة لصاحب الأصل » ، وفي القواعد : « ولو فسد العقد كانت الثمرة للمالك ، وعليه أجرة العامل » ، نحوهما ما في غيرهما ، بل هو المشهور شهرة عظيمة بينهم ، ذكروا ذلك هنا وفي المزارعة والإجارة وغيرهما من عقود المعاوضات ، وظاهر محكي التذكرة : الإجماع عليه. ووجهه - كما في المسالك وغيرها - : أن النماء يتبع الأصل ، فالثمرة تكون ملكاً لمالك الأصل بعد أن لم يكن موجب للخروج عنه. وأن العامل لم يتبرع بعمله ولم يحصل له العوض المشروط ، فيرجع الى الأجرة. وهذا المقدار لا يقتضي الرجوع على المالك بالأجرة ، إلا بضميمة ما عرفت سابقاً من الضمان بالاستيفاء ، فيكون مضموناً بالاستيفاء على المستوفي ، وهو المالك.

[2] قال في المسالك : « ويجب تقييده ( يعني تقييد الحكم باستحقاق العامل أجرة المثل ) بما إذا كان جاهلا بالفساد ولم يكن الفساد باشتراط جميع الثمرة للمالك. إذ لو كان عالماً به كان متبرعاً بالعمل ، لأنه بذل عمله في مقابلة ما يعلم أنه لا يحصل. وأما مع شرط جميع الثمرة للمالك فلدخوله على ان لا شي‌ء له وان كان جاهلا ». وقد سبقه في القيد الثاني الشهيد فيما حكي من حواشيه على إجارة القواعد ، كما تبعه في القيد الأول


جماعة ، والمصنف (رحمه اللّه) تبعه في القيدين معاً ، وقد تكرر منه في المزارعة والمضاربة وغيرهما ذكر القيد الأول ، كما تقدم منا الاشكال عليه ، وأن العلم بالفساد لا يقتضي التبرع بالعمل ، كما يظهر من ملاحظة بيع الغاصب.

كما تقدم التعرض للقيد الثاني في المسألة الرابعة عشرة ، وأن مرجع الاقدام على العمل بلا أجرة الإقدام على التبرع ، وتقدم من الجواهر التنظر فيه ، وكذلك في المقام فقد قال : « إن الرضا بالعقد الفاسد وبالعقد المتضمن لعدم الأجرة ليس رضا بالعمل بلا أجرة ، فإن الحيثية ملاحظة بمعنى كون المتشخص منه في الخارج الرضا بالعقد الذي لا يترتب عليه ذلك ، والعمل الصادر منه إنما هو من حيث أنه مقتضى العقد الفاسد ، لا أنه رضا منه بالعمل في حد ذاته وفي نفسه بلا عوض ، فمع فساد العقد الذي قد وقع العمل على مقتضاه معاملا معاملة الصحيح يبقى احترام العمل بنفسه » ، وحاصله : أن الرضا بالعمل مجاناً وبلا أجرة كان مبنياً على العقد فاذا فرض بطلان العقد فقد انتفى الرضا المنوط به.

ويشكل : بأن الأجرة إذا كانت من أركان العقد امتنع القصد إلى العقد مع القصد إلى عدم الأجرة ، فإذا فرض القصد الى عدم الأجرة فقد فرض عدم القصد إلى المساقاة ، لا صحيحة ولا فاسدة ، وانما قصد إلى أمر آخر وهو الوعد بالعمل مجاناً ، وهو عين التبرع بالعمل. وكذا الكلام في قوله : بعتك بلا ثمن ، وآجرتك بلا أجرة ، فإن ذلك ليس بيعا وإجارة فاسدين كي يدخلان في قاعدة : ( ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده ) وإنما هما خارجان عن المعاوضة.

فإن قلت : المنشأ في عقد المساقاة أشغال ذمة العامل بالعمل للمالك وأشغال ذمة المالك بتمكين العامل من العين مضافاً إلى ملك الحصة ، فإذا فرض القصد إلى عدم الأجرة فقط فقد بقي القصد إلى إشغال ذمة المالك

( مسألة 24 ) : يجوز اشتراط مساقاة في عقد مساقاة كأن يقول : ساقيتك على هذا البستان بالنصف على أن أساقيك على هذا الأخر بالثلث. والقول بعدم الصحة [1] ، لأنه كالبيعين في بيع المنهي عنه [2] ، ضعيف ، لمنع كونه من هذا


بتمكين العامل من العين ، وهذا المعنى أجنبي عن الوعد ، فان الوعد بالعمل لا يستوجب أشغال ذمة المالك ببذل العين.

قلت : اشتغال ذمة المالك بالتمكين ليس داخلا في حقيقة المساقاة إلا بالتبعية ، لاستحقاق الحصة التي هي العوض للعمل ، فاذا فرض القصد الى عدم الأجرة فلا قصد إلى إشغال ذمة المالك بالتمكين ، فلم يكن إلا التزام العامل بالعمل مجاناً وهو عين الوعد بالعمل تبرعاً.

مضافاً الى أنه لو فرض إنشاء التزام المالك بتمكين العامل من العين والتزام العامل بالعمل في مقابل ذلك كان ذلك عقداً آخر غير المساقاة ، ولا بأس بالالتزام بصحته ، ويكون ذلك معاملة بين المالك والعامل ، هذا يلتزم بالتمكين ، وهذا يلتزم بالعمل في مقابل التمكين ، وتكون معاوضة بين عملين ، وهي أيضاً لا تقتضي رجوع العامل بالأجرة.

[1] حكي هذا القول عن الشيخ في المبسوط ، ولم يعرف لغيره.

[2] روى الصدوق (رحمه اللّه) عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في مناهي النبي (صلی اللّه عليه وآله) : « قال : ونهى عن بيعين في بيع » (1). وفي رواية الشيخ (رحمه اللّه) : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن سلف وبيع ، وعن بيعين في بيع » (2).


1) من لا يحضره الفقيه الجزء : 4 الصحفة : 4 طبعة النجف الأشرف ، الوسائل باب : 12 من أبواب عقد البيع حديث : 12.

2) التهذيب الجزء : 7 الصفحة 230 طبعة النجف الأشرف ، الوافي الجزء : 4 الصفحة : 95‌

القبيل ، فإن المنهي عنه [1] البيع حالا بكذا ومؤجلا بكذا ، أو البيع على تقدير كذا بكذا وعلى تقدير آخر بكذا ، والمقام نظير أن يقول : بعتك داري بكذا على أن أبيعك بستاني بكذا ولا مانع منه ، لأنه شرط مشروع في ضمن العقد.

( مسألة 25 ) : يجوز تعدد العامل [2] ، كأن يساقي مع اثنين بالنصف له والنصف لهما ، مع تعيين عمل كل منهما بينهم أو فيما بينهما [3] ، وتعيين حصة كل منهما [4]. وكذا يجوز تعدد المالك [5] واتحاد العامل. كما إذا كان البستان مشتركاً بين اثنين فقالا لواحد : ساقيناك على هذا البستان بكذا وحينئذ فإن كان الحصة المعينة للعامل منهما سواء - كالنصف


[1] ويحتمل البيع إلى أجلين بثمنين. ويحتمل أيضاً غير ذلك. مع أنه لو سلم أن المراد منه البيع بشرط البيع فالتعدي منه الى ما نحن فيه يحتاج الى دليل ، فكم من فرق بين البيع والمساقاة في الأحكام.

[2] كما في القواعد وغيرها. وكأنه لا خلاف فيه ولا اشكال. ويقتضيه إطلاق نصوص خيبر.

[3] إذ لا غرر على المالك لو كان جاهلا بمقدار حصة كل منهما بعد أن كانت الحصة المعينة - كالنصف - بينهما تساويا فيها أو اختلفا ، إذ اختلافهما لا يوجب اختلافاً في حصته.

[4] يعني : فيما بينهما وإن لم يعلم بذلك المالك ، لما عرفت من أن اختلافهما لا يوجب اختلافاً في حصته.

[5] كما في الشرائع والقواعد وغيرهما بلا خلاف ظاهر ، والأدلة الخاصة قاصرة عن شمول ذلك إلا بملاحظة إلغاء الخصوصية عرفاً.

أو الثلث مثلا - صح وإن لم يعلم العامل كيفية شركتهما [1] وأنها بالنصف أو غيره ، وإن لم يكن سواء - كأن يكون في حصة أحدهما بالنصف وفي حصة الآخر بالثلث مثلاً - فلا بد من علمه بمقدار حصة كل منهما ، لرفع الغرر والجهالة في مقدار حصته من الثمر [2].

( مسألة 26 ) : إذا ترك العامل العمل بعد إجراء العقد ابتداء أو في الأثناء فالظاهر أن المالك مخير بين الفسخ أو الرجوع إلى الحاكم الشرعي [3].


[1] لما عرفته في صورة اتحاد المالك وتعدد العامل من أن جهل العامل بذلك لا يوجب الجهل بمقدار حصته.

[2] قال في الشرائع : « لو كانت الأصول لاثنين فقالا لواحد : ساقيناك على أن لك من حصة فلا النصف ومن حصة الآخر الثلث ، صح بشرط أن يكون عالماً بقدر نصيب كل واحد منهما ، ولو كان جاهلا بطلت المساقاة لتجهل الحصة » ، ونحوه كلام غيره ، فان تمَّ إجماع على البطلان مع الجهل فهو. وإلا أشكل القول به ، إذ لا دليل لفظي على قدح الغرر في المقام.

[3] قال في التحرير : « إذا هرب العامل فللمالك الفسخ والبقاء ، فيقتضي الحاكم من ماله إن لم يتبرع بالعمل أحد ، فان لم يجد فمن بيت المال قرضاً ، فان لم يجد اقترض من أحد ، فان لم يجد استأجر من يعمل بأجرة مؤجرة إلى الإدراك ، فإن تعذر استأذن الحاكم وأنفق ، فإن الاستيذان أشهد في الإنفاق والرجوع ... ».

وتبعه في هذا التخيير بين الفسخ والرجوع الى الحاكم المحقق


الأردبيلي (قدس سره) لوجوه أشار إلى بعضها في الجواهر ، فقال : « قد يقال : إنه ( يعني البناء على تعيين الرجوع الى الحاكم من دون خيار ) مناف لما يستفاد منهم في غير المقام - كالخيار بعدم الوفاء بالشرط ، وكالخيار بتأخير الثمن ، وبالامتناع من العمل وتسليم العين المستأجرة ونحو ذلك - من ثبوت الخيار بمجرد حصول شي‌ء من ذلك من غير مراجعة إلى الحاكم ، بل ظاهرهم أنه متى حصل من أحد المتعاقدين بعقد لازم ما ينافي استحقاق الآخر عليه شرع له الشارع الفسخ. وكان العقد في حقه جائزاً ، دفعاً لضرورة بذلك .. » وظاهره الميل إليه.

لكن يشكل الوجه الأول : بأن الخيار عند تخلف الشرط مدلول التزامي لجعل الشرط وهو غير المقام. كما يشكل الثاني : بأن النص الوارد في خيار التأخير هو الفارق بين المقامين ، ولا سيما بملاحظة دلالته على عدم الخيار بمجرد التأخير والامتناع من تسليم الثمن ، فان قياس المقام عليه يقتضي عدم الخيار بمجرد امتناع العامل من العمل.

ولأجل ذلك يشكل مقايسة المقام بامتناع المؤجر عن تسليم العين المستأجرة وامتناع الأجير عن العمل ، فان ثبوت الخيار في الموردين المذكورين خلاف مقتضى النص المذكور المعتضد بفتوى الأصحاب ، فإنهم لم يذكروا من الخيارات الخيار بامتناع البائع من تسليم المبيع أو المشتري من تسليم الثمن ، وإنما ذكروا أن مقتضى ذلك جواز امتناع الطرف الثاني من تسليم ما بيده ، لا أن له الخيار في الفسخ.

اللّهم إلا أن يفرق بين الإجارة والبيع : بأن الإجارة لما كانت معاملة على المنفعة والمنفعة تستهلك بغير الاستيفاء فكان مبني المعاملة عليها على تسليم المنفعة لتستوفي بخلاف البيع الذي هو المعاملة على العين التي تبقى لنفسها وإن لم تستوف.

فيجبره على العمل [1] ، وإن لم العمل [1] ، وإن لم يمكن استاجر [2] من ماله من يعمل عنه ، أو بأجرة مؤجلة إلى وقت الثمر فيؤديها منه ، أو يستقرض عليه [3] ويستأجر من يعمل عنه ، وإن تعذر الرجوع إلى الحاكم أو تعسر فيقوم بالأمور المذكورة عدول المؤمنين [4] ،


ولأجل ذلك يتعين القول بثبوت خيار الفسخ في المقام - كما في الإجارة - لأن مبنى العقد على ذلك ، فيكون شرطاً ضمنياً ارتكازياً يستدعي تخلفه الخيار ، وليس كذلك في البيع. ولأجله لا تنافي نصوص خيار التأخير مع دلالتها على نفي الخيار قبل الثلاثة ثبوت الخيار فيما نحن فيه كالإجارة. لما عرفت من الفرق بين المقامين.

وأما الكلية التي ذكرها فغير ثابتة ما لم ترجع إلى خيار تخلف الشرط ، وأما الاستدلال بقاعدة الضرر فلا مجال له ، لتدارك الضرر بالرجوع إلى الحاكم الشرعي.

[1] لأنه ولي الممتنع. وقد استدل في الجواهر على ولايته بقوله تعالى : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا .. ) (1)لكن الآية الشريفة متعرضة لولاية الرسول والامام لا غير ، فالاستدلال بها على ولاية الحاكم موقوف على دليل يدل على عموم نيابة الحاكم ، ولكنه مفقود ، إذ لا دليل على ولاية الحاكم إلا مقبولة ابن حنظلة المتضمنة لجعل الحاكم قاضياً ، فيكون له وظيفة القضاة ، فكل وظيفة ثبت أنها للقاضي كانت للحاكم الشرعي ، وما لم تثبت أنها وظيفة للقاضي لا تثبت للحاكم.

[2] الظاهر أنها من وظائف القاضي.

[3] لم يثبت أن ذلك من وظائف القاضي. وكذا الاستقراض من بيت المال المذكور في كلام الجماعة.

[4] القدر الثابت من ولاية عدول المؤمنين الموارد التي يعلم من مذاق


1) المائدة : 55.

بل لا يبعد جواز إجباره بنفسه [1] أو المقاصة من ماله [2] أو استيجار المالك عنه ثمَّ الرجوع عليه أو نحو ذلك. وقد يقال [3] بعدم جواز الفسخ إلا بعد تعذر. الإجبار [4] وأن اللازم كون الإجبار من الحاكم [5] مع إمكانه ، وهو أحوط وإن كان الأقوى التخيير بين الأمور المذكورة [6] هذا إذا


الشارع رجحان التصدي من كل أحد فيها عند تعذر الوصول إلى الحاكم ، وهذا المعنى غير ثابت في المقام ، ولا سيما بملاحظة تدارك الضرر بالخيار.

[1] يمكن استفادة ذلك مما دل على جواز دفاع الإنسان عن نفسه وماله.

[2] لا يخلو من إشكال ، إذ لم يثبت جواز المقاصة عن العمل المستحق قبل زمان فواته ، كما لا يثبت جواز المقاصة في ضمان العمل - مقابل العين - حتى بعد الفوات. بل عرفت الإشكال في ضمان الأعمال بحيث يطالب بعوضها. وأشكل من ذلك جواز استيجار المالك عنه. وسيأتي في المسألة التاسعة والعشرين بقية الكلام في ذلك.

[3] هذا هو الذي طفحت به الكلمات ، وفي الجواهر : نسبته إلى ظاهر الأصحاب ، وفي مفتاح الكرامة : « اتفقت كلمتهم أيضاً على أنه ليس للمالك فسخها بمجرد هرب العامل » ثمَّ ذكر بعد ذلك خلاف التحرير ومجمع البرهان ، وفي المسالك : « لما كانت المساقاة من العقود اللازمة لم تنفسخ بمجرد هرب العامل ، ولا يتسلط المالك على فسخها به ، كما لا يملك فسخها بامتناعه من العمل بغير هرب » ، وظاهره أنه من المسلمات.

[4] كأن المستند في الخيار حينئذ عندهم قاعدة نفي الضرر ، وهي لا تجري مع إمكان الرجوع إلى الحاكم ، لتدارك الضرر حينئذ به.

[5] يعني : لا من نفسه.

[6] وهي الفسخ ، والإجبار بنفسه ، والرجوع الى الحاكم ، والمقاصة

لم يكن مقيدا بالمباشرة وإلا فيكون مخيراً بين الفسخ والإجبار [1] ولا يجوز الاستيجار عنه للعمل. نعم لو كان اعتبار المباشرة بنحو الشرط [2] لا للقيد يمكن إسقاط حق الشرط والاستيجار عنه أيضاً.

( مسألة 27 ) : إذا تبرع عن العامل متبرع بالعمل جاز إذا لم يشترط المباشرة ، بل لو أتى به من غير قصد التبرع عنه أيضاً كفى ، بل ولو قصد التبرع عن المالك كان كذلك أيضاً ، وإن كان لا يخلوا عن إشكال [3] ، فلا يسقط حقه من


والاستيجار للعمل عنه.

[1] وكذا المقاصة ، بناء على جواز المقاصة في الفرض.

[2] قد تكرر الإشكال في صحة شرط مقومات موضوع العقد في ضمن العقد في مقابل جعلها قيوداً له ، فاذا جعلت شرائط فلا بد أن تلحظ قيداً لموضوع العقد ، فيلزم حينئذ جعل موضوع العقد ثانياً ، وهو خلاف المرتكز العرفي. مثلا إذا استأجر زيداً ليخيط له ثوباً ، وأوقع عقد الإجارة على ذلك ، فقد ملك على زيد خياطة الثوب ، فإذا أراد اشتراط المباشرة لم يصح شرطها إلا بمعنى اشتراط العمل مباشرة ، فيقول : آجرتك على أن تخيط ثوبي واشترطت عليك أن تخيطه مباشرة ، وحينئذ تكون الخياطة مملوكة على الأجير من جهتين ، من جهة نفس العقد ومن جهة الشرط في ضمنه وهو لا يوافق عليه العرف ، بل لا يرى الا جعلا واحداً للموضوع مقيداً بالمباشرة ، فإذا جاء العامل بالعمل بلا مباشرة لم يستحق العوض ، لا أنه يستحق العوض وللمشروط له الفسخ. هذا هو المرتكز العرفي ، ولولاه لم يكن مانع عقلي من جعل ملكيتين للمطلق والمقيد.

[3] لأن الفعل لا ينسب إلى العامل ، كي يستحق به الحصة المعينة

الحاصل. وكذا لو ارتفعت الحاجة إلى بعض الاعمال ، كما إذا حصل السقي بالأمطار ولم يحتج إلى النزح من الآبار ، خصوصاً إذا كانت العادة كذلك. وربما يستشكل [1] بأنه نظير الاستيجار لقلع الضرس إذا انقلع بنفسه ، فإن الأجير لا يستحق الأجرة لعدم صدور العمل المستأجر عليه منه. فاللازم في المقام أيضاً عدم استحقاق ما يقابل ذلك العمل. ويجاب بأن وضع المساقاة وكذا المزارعة على ذلك ، فان المراد حصول الزرع والثمرة ، فمع احتياج ذلك إلى العمل فعله العامل ، وإن استغنى عنه بفعل اللّه أو بفعل الغير سقط واستحق حصته. بخلاف الإجارة ، فإن المراد منها مقابلة العوض بالعمل منه أو عنه. ولا بأس بهذا الفرق فيما هو المتعارف سقوطه أحياناً - كالاستقاء بالمطر - مع بقاء سائر الأعمال ، وأما لو كان على خلافه - كما إذا لم يكن عليه الا السقي واستغنى عنه بالمطر أو نحوه كلية - فاستحقاقه للحصة مع عدم صدور عمل منه أصلا مشكل [2].

( مسألة 28 ) : إذا فسخ المالك العقد بعد امتناع العامل


له. وهذا الاشكال يطرد في الصورة التي قبلها ، فان العمل لم يكن منسوباً إلى العامل أيضاً ، فلا يستحق عليه شيئاً.

[1] هذا الاشكال ذكره في الجواهر ، وأجاب عنه بما يأتي.

[2] فإن الاختلاف بين المزارعة والمساقاة وبين الإجارة إنما هو في أن العمل فيهما يختلف زيادة ونقيصة وفي الإجارة لا يختلف ، لا أنه يختلف فيهما زيادة ونقيصة ووجوداً وعدماً أيضاً ، فإن ذلك غير ثابت.

عن إتمام العمل يكون الثمر له ، وعليه أجرة المثل للعامل بمقدار ما عمل [1]. هذا إذا كان قبل ظهور الثمر ، وإن كان بعده يكون للعامل حصته وعليه الأجرة [2] للمالك إلى زمان البلوغ إن رضي بالبقاء ، وإلا فله الإجبار على القطع بقدر حصته [3] ، إلا إذا لم يكن له قيمة أصلا ، فيحتمل ان يكون للمالك [4] كما قبل الظهور.

( مسألة 29 ) : قد عرفت أنه يجوز للمالك مع ترك العامل العمل أن لا يفسخ ويستأجر عنه [5] ويرجع عليه ، إما


[1] على ما صرح به جماعة. وهو في محله لو كان الفسخ للعقد من أصله ، إذ يكون عمل العامل من حين وقوعه مضموناً على المالك بالاستيفاء. أما إذا كان الفسخ من حينه فقد يشكل الضمان بأجرة المثل ، من جهة أن العمل حين وقوعه كان مضموناً بالحصة ، والمفروض انتفاؤها ، فلا وجه للضمان بأجرة المثل حينئذ. ويقتضيه ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) في المسألة السابعة عشرة من كتاب المزارعة. لكن عرفت هناك أن الاستيفاء يوجب الضمان ، إما بالمسمى أو بأجرة المثل ، فاذا لم يسلم الأول ثبتت الأجرة.

[2] يعني : أجرة الأرض ، لأن العامل لا يستحق بقاء حصته فيها.

[3] عملا بقاعدة السلطنة. نعم إذا لزم من القطع ضرر على العامل كان دليل نفي الضرر مانعاً من إجباره على القطع.

[4] لكنه ضعيف ، إذ الملكية لا تتوقف على المالية ، فلا موجب للخروج عما دل على الاشتراك في الظهور.

[5] قد عرفت أنه لا دليل على ذلك ، ولذلك تردد فيه في الشرائع قال فيها : « ولو لم يفسخ وتعذر الوصول إلى الحاكم كان له أن يشهد أنه

مطلقاً - كما لا يبعد - أو بعد تعذر الرجوع إلى الحاكم. لكن يظهر من بعضهم اشتراط جواز الرجوع عليه بالإشهاد على الاستيجار عنه [1] ، فلو لم يشهد ليس له الرجوع عليه حتى بينه وبين اللّه ، وفيه ما لا يخفى. فالأقوى أن الإشهاد للإثبات ظاهراً ، وإلا فلا يكون شرطاً للاستحقاق ، فمع العلم به أو ثبوته شرعاً يستحق الرجوع وإن لم يكن أشهد على الاستيجار. نعم لو اختلفا في مقدار الأجرة فالقول قول العامل في نفي الزيادة. وقد يقال بتقديم قول المالك ، لأنه أمين [2]. وفيه ما لا يخفى [3]. وأما لو اختلفا في أنه تبرع عنه أو قصد


يستأجر عنه ويرجع إليه على تردد ». لكن جزم في القواعد بالرجوع مع الاشهاد ، قال : « ولو تعذر الحاكم كان له أن يشهد أنه يستأجر عليه ويرجع حينئذ ولو لم يشهد لم يرجع ، على إشكال ».

[1] يظهر ذلك من عبارة الشرائع والقواعد المتقدمتين ، وفي المسالك : أنه أحد الأقوال. والقول الثاني : أنه يرجع مع تعذر الاشهاد لا مع إمكانه. والثالث : أنه يرجع مع نيته مطلقاً. وهو الأقوى ، إذ لا مدخلية لشهادة الشاهدين في التسلط على مال الغير .. » الى آخر كلامه ، وسبقه إلى ذلك في جامع المقاصد ، ووافقهما على ذلك غير واحد. هذا وفي جامع المقاصد : أن الرجوع مع الاشهاد موضوع وفاق. لكن تقدم التردد فيه من الشرائع وعرفت أنه في محله ، إذ لا دليل عليه ، وأنه خلاف عموم قاعدة السلطنة.

[2] بناء على ثبوت ولايته في ذلك ، كما مال إليه في الجواهر.

[3] لعله لأجل أن ما دل على قبول قول الأمين مختص بالمؤتمن من قبل الخصم. لكن ثبوت ذلك بالنسبة إلى الولي الإجباري والحاكم الشرعي

الرجوع عليه فالظاهر تقديم قول المالك ، لاحترام ماله وعمله [1] إلا إذا ثبت التبرع ، وإن كان لا يخلو عن إشكال [2] ، بل يظهر من بعضهم تقديم قول العامل [3].

( مسألة 30 ) : لو تبين بالبينة أو غيرها أن الأصول كانت مغصوبة ، فإن أجاز المغصوب منه المعاملة صحت المساقاة [4] ،


يقتضي عموم الحكم للولي الشرعي - كما في المقام - لقاعدة : من ملك شيئاً ملك الإقرار به ، التي يدل عليها الإجماع القولي والعملي ، وهي غير قاعدة سماع قول الأمين المستأمن.

[1] يعني : أصالة احترام مال المسلم وعمله. لكن هذا الأصل غير أصيل إلا في صورة الاستيفاء ، وهو مفقود في المقام. فالعمدة : قاعدة من ملك ، الدالة على قبول خبره ما لم يثبت الخلاف.

[2] لما في الجواهر من أن أصالة عدم تبرع الإنسان بعمل يحصل فيه غرامة من الغير ليست أصلا أصيلا. وفيه : أنه لو ثبت عموم ضمان مال المسلم وعمله إلا إذا كان متبرعاً فأصالة عدم التبرع تقتضي ثبوت الضمان ، لأن الخاص الخارج عن حكم العام إذا كان ثبوتياً فأصالة عدمه كافية في إثبات حكم العام ، وقد تقدم العمل بذلك في جملة من صور التداعي في الإجارة والمضاربة والمزارعة وغيرها. هذا وقد عرفت أن مقتضى قاعدة من ملك ، قبول قول المالك ، وحينئذ لا مجال للرجوع إلى الأصول إذ الرجوع الى الأصل إنما يكون حيث لا أمارة ، وقول المالك امارة على موادة.

[3] عملا بأصالة البراءة ، كما تقدم ذلك في بعض مباحث التداعي وضعفه ظاهر ، إذ يختص ذلك بما إذا لم يكن المورد من موارد قاعدة : من ملك - كما في المقام - ولا من موارد عموم الضمان إلا مع التبرع.

[4] لصحة عقد الفضولي بإجازة المالك.

وإلا بطلت [1] ، وكان تمام الثمرة للمالك [2] المغصوب منه. ويستحق العامل أجرة المثل على الغاصب [3] إذا كان جاهلا بالحال [4] ، إلا إذا كان مدعياً عدم الغصبية وأنها كانت


[1] لقاعدة السلطنة. وكأن الحكم من الواضحات ، قال في الشرائع : « إذا ساقاه على أصول فبانت أنها مستحقة بطلت المساقاة. والثمرة للمستحق ، وللعامل الأجرة على المساقي » ، ونحوه ما في غيره.

[2] كما عرفت التصريح به في كلامهم لتبعية النماء للأصل في الملك.

[3] كما هو مصرح به في كلماتهم ، لأن الغاصب هو الذي استدعاه إلى العمل ، فيكون العمل مضموناً عليه بالاستيفاء بعد أن لم تسلم له الحصة التي اقتضاها العقد الباطل ، كما ذكر ذلك في المسالك وغيرها. وفي الجواهر علل الرجوع على الغاصب : بأن العامل مغرور من الغاصب ، فيرجع على من غره.

ويشكل : بأنه قد يكونان معاً مغرورين من سبب خارجي ، ولازمه ضياع عمل العامل حينئذ ، وهو كما ترى ، فالدليل أخص من الدعوى.

[4] كما هو ظاهر من اقتصر في تحرير المسألة على صورة الجهل. كما في الشرائع والقواعد وغيرهما ، بل هو المصرح به في كلام جماعة ، وأنه لا يرجع إذا كان عالماً ، معللين له : بأنه متبرع بعمله. لكن عرفت الاشكال فيه في المسألة الثالثة والعشرين. نعم بناء على تعليل الرجوع بالغرور يصح ذلك ، لانتفاء الغرور حينئذ. ولأجل أنك عرفت أن استيفاء العمل موجب لضمانه من غير فرق بين العامل بصحة العقد والعالم بفساده فاللازم البناء في المقام على الضمان مطلقاً. نعم إذا كان العلم بالفساد موجباً لحرمة العمل ، لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه أمكن البناء على عدم الرجوع إذ لا أجرة للعمل المحرم ، فلو فرض حليته جاز الرجوع على المساقي حتى

للمساقي ، إذ حينئذ ليس له الرجوع عليه ، لاعترافه بصحة المعاملة [1] وأن المدعي أخذ الثمرة منه ظلماً. هذا إذا كانت الثمرة باقية. وأما لو اقتسماها وتلفت عندهما ، فالأقوى أن للمالك الرجوع بعوضها على كل من الغاصب والعامل [2] بتمامه وله الرجوع على كل منهما بمقدار حصته. فعلى الأخير لا إشكال [3]. وإن رجع على أحدهما بتمامه رجع على الآخر بمقدار حصته [4] ، إلا إذا اعترف بصحة العقد وبطلان دعوى المدعي للغصبية ، لأنه حينئذ معترف بأنه غرمه ظلما [5]. وقيل :


مع العلم بالفساد.

[1] وحينئذ تكون الحصة عوض عمله ، فتكون قد سلمت له. وقد تعرض لهذه الصورة في المسالك.

[2] لاستقلال يد كل منهما على العين ، الموجب لضمانه لها ، لعموم : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي ». وهذا القول حكاه في الشرائع قولا ولم يعرف قائله. نعم اختاره العلامة في جملة من كتبه ، وتبعه عليه من تأخر عنه.

[3] يعني : لا يرجع أحدهما على الآخر بشي‌ء ، لأن قرار الضمان في الأيدي المتعاقبة على حين واحدة على من تلفت العين في يده والمفروض أن كل واحد منهما قد تلف في يده نصف العين ، وقد رجع المالك عليه فيه ، فلا وجه لأن يرجع أحدهما على الآخر.

[4] لوقوع تلف النصف عنده ، الموجب لاستقرار الضمان عليه ، كما ذكر ذلك في مسألة تعاقب الأيدي.

[5] كان الأولى أن يقول : لأنه معترف بأن التالف في يد كل منهما

إن المالك مخير [1] بين الرجوع على كل منهما بمقدار حصته


ملكه وماله ، فلا معنى لأن يكون مضموناً عليه.

[1] كما هو المعروف زمان العلامة ، واختاره في الشرائع ، لأن يد العامل كانت بعنوان النيابة عن المساقي ، فلا تستوجب الضمان. وفيه : أنه خلاف إطلاق قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » (1)من دون مقيد ظاهر. وعن ظاهر الإرشاد أنه ليس للمالك الرجوع على المساقي أو العامل بتمام الثمرة » وإنما له الرجوع على كل منهما بحصته لا غير. وكأنه لبنائه على عدم استقلال يد أحدهما على جميع الثمرة. ولكنه خلاف المفروض. ومن ذلك يظهر أنه يمكن فرض المسألة ( تارة ) : باستقلال يد كل منهما. ( وأخرى ) : بعدم استقلال يد أحدهما ، بأن يكون الثمرة في يد هما معا. ( وثالثة ) : باستقلال يد المساقي دون العامل ، بل تكون يد العامل على وجه الاشتراك ( ورابعة ) : بالعكس. والحكم في الأول هو ما ذكره العلامة ومن تبعه ، - ومنهم المصنف - وفي الثاني هو ما ذكر في ظاهر الإرشاد ، وفي الثالث يرجع المالك على المساقي بتمام الثمرة ، وليس له الرجوع على العامل إلا بحصته لا غير ، وفي الرابع بالعكس.

ثمَّ إن ما ذكر يتم فيما إذا كانت الحصة النصف ، أما إذا كانت أقل من النصف جاز للمالك الرجوع على العامل بنصف الثمرة في الفرض الثالث مع كونه أكثر من حصته ، لأن يده حينئذ تكون على النصف وإن كان هو أكثر من صحته. ثمَّ إنه يمكن فرض اليد على الثمرة لأحدهما على الاستقلال دون الآخر ، فإنه لا يد له على الثمرة أصلا ، ولكن وصلت إليه حصته بتسليم صاحبه. وحكم ذلك أنه لا يجوز رجوع المالك على الآخر إلا بالحصة.


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الوديعة حديث : 12. وباب : 1 من كتاب الغصب حديث : 4.

وبين الرجوع على الغاصب بالجميع ، فيرجع هو على العامل بمقدار حصته ، وليس له الرجوع على العامل بتمامه ، إلا إذا كان عالماً بالحال [1]. ولا وجه له بعد ثبوت يده على الثمر بل العين أيضاً. فالأقوى ما ذكرنا ، لأن يد كل منهما يد ضمان وقرار الضمان على من تلف في يده العين. ولو كان تلف الثمرة بتمامها في يد أحدهما كان قرار الضمان عليه [2]. هذا ويحتمل في أصل المسألة [3] كون قرار الضمان على الغاصب [4] مع جهل العامل ، لأنه مغرور من قبله [5]. ولا ينافيه ضمانه


[1] كما قيده بذلك في الشرائع. وهو غير ظاهر ، لأن عموم : « على اليد »

إذا كان لا يشمل يد العامل لكونها بعنوان النيابة - فلا فرق بين العلم والجهل بالحال.

[2] كما هو حكم تعاقب الأيدي على عين واحدة ، فإن قرار الضمان على من تلفت في يده العين ، كما هو محقق في محله.

[3] يعني : مسألة تعاقب الأيدي على الثمرة التي ظهر أنها لغير المتعاملين.

[4] يعني : لا على من تلفت الثمرة في يده - كما ذكرنا - بل يرجع هو على الغاصب ، فيكون قرار الضمان عليه.

[5] يشير بذلك إلى قاعدة الغرور ، التي ادعي الإجماع على العمل بها. وقد استدل عليها بأمور أشرنا إليها في كتابنا نهج الفقاهة ( منها ) : قاعدة الضرر ، كما نسب إلى السيد في الرياض ، وعبارته لا تساعد على ذلك ( ومنها ) : قاعدة الإتلاف بالنسبة إلى العين المضمونة ، كما هو ظاهر الجواهر في كتاب الغصب ، أو قاعدة الإتلاف بالنسبة إلى الغرامة ، كما يظهر من شيخنا الأعظم في مبحث الفضولي ، حيث جعل من الوجوه المصححة للقاعدة كون الغار سبباً في تغريم المغرور ( ومنها ) : النصوص

لاجرة عمله [1] ، فإنه محترم ، وبعد فساد المعاملة لا يكون الحصة عوضاً عنه ، فيستحقها ، وإتلافه الحصة إذا كان بغرور من الغاصب لا يوجب ضمانه له [2].


الواردة في تدليس الزوجة (1)المتضمنة لجواز الرجوع إلى المدلس بالمهر وغيره ، معللا في بعضها : بأنه دلس ، وفي بعضها : بأنه غرّ وخدع. ( ومنها ) : النصوص الواردة في ضمان شاهد الزور (2)على اختلاف مواردها ( ومنها ) : النبوي - على ما قيل - : « المغرور يرجع على من غره » (3). والجميع لا يخلو من إشكال ، عدا نصوص تدليس الزوجة ، كما أشرنا إلى ذلك في نهج الفقاهة.

والارتكازيات العرفية تقتضي أن يكون سبب مجرد التغرير والإيقاع في خلاف الواقع ، سواء كان عن علم أم جهل. فلا بأس بالبناء عليها ، ولا سيما بملاحظة بناء الأصحاب على الرجوع إليها في مختلف الموارد. ( ومنها ) : رجوع المشتري من الفضولي إليه في تدارك خساراته حتى فيما كان له في مقابله نفع. فراجع مباحث الفضولي.

[1] وجه المنافاة : أن الغاصب كان ضامناً لأجرة عمله بعد تبين بطلان العقد الذي كان موجباً لضمانه بالحصة ، فإذا كان ضامناً ما أتلفا من الحصة فقد صار ضامناً لعوضين ، والعمل ليس له إلا عوض واحد.

[2] يعني : يكون الغاصب هو الضامن للحصة ، فتكون الحصة مضمونة للمالك لا للعامل ، فالغاصب يضمن الأجرة للعامل ، ويضمن الحصة للمالك.


1) راجع الوسائل كتاب النكاح أبواب العيوب والتدليس باب : 2 حديث : 2 وباب 6 حديث : 2 وباب : 7 حديث : 1.

2) راجع الوسائل باب : 10 ، 11 ، 12 ، 13 ، 14 من كتاب الشهادات.

3) تقدم التعرض الحديث في الصفحة : 117 من هذا الجزء.

( مسألة 31 ) : لا يجوز للعامل في المساقاة أن يساقي غيره مع اشتراط المباشرة [1] ، أو مع النهي عنه [2]. وأما


فلا يكون ضامناً للعوضين. وفيه : أن الحصة بعد أن لم تكن أجرة للعمل فهي مضمونة على العامل للمالك ، فاذا دفع العامل بدل الحصة للمالك فقد وصل إلى المالك حقه ، فاذا بنينا على الرجوع إلى قاعدة الغرور لإثبات لزوم تدارك خسارة العامل للحصة فقد تمسكنا بالقاعدة لزيادة ربح العامل ، فإنه بعمله حصل على أجرة المثل وعلى الحصة معاً ، والقاعدة ما شرعت لارباح العامل ، وإنما شرعت لتدارك خسارته.

وان شئت قلت : إن القاعدة تختص بالخسارة المحضة ، ولا تجري في الخسارة المضمونة بالعوض التي أقدم عليها المغرور. ولذلك لو اشترى من الفضولي عينا جهلا ثمَّ أتلفها ولم يدفع الثمن إلى البائع ، فرجع عليه المالك في بدل المبيع ، لم يجز له الرجوع على البائع في تدارك خسارة ثمن المبيع الذي دفعه الى المالك ، لأن خسارة الثمن كانت في مقابل المبيع الذي أخذه وكان مقدماً على ضمانه به ، فلو رجع على البائع فيه كان ربح المبيع بلا عوض وذلك ما لا تقتضيه قاعدة الغرور.

[1] قد تقدم في المزارعة الإشكال من المصنف : بأن اشتراط المباشرة لا يمنع من مزارعة الغير ، لجواز كون المزارع الثاني نائباً عن العامل الثاني في العمل ، فيكون هو المباشر. وتقدم منا الاشكال عليه بأن مورد كلام الأصحاب كون العامل الثاني هو المباشر. فراجع المسألة الثالثة عشرة من كتاب المزارعة.

[2] إذا كان النهي قد أخذ شرطاً في ضمن العقد وجب العمل به ، عملا بدليل صحة الشرط ، أما إذا لم يؤخذ شرطا فمجرد النهي لا تجب موافقته إذا كان مقتضى عقد المساقاة جواز فعل المنهي عنه.

مع عدم الأمرين ففي جوازه مطلقاً - كما في الإجارة والمزارعة [1] - وإن كان لا يجوز تسليم الأصول إلى العامل الثاني إلا بإذن المالك [2] ، أو لا يجوز مطلقاً وإن أذن المالك [3] أو لا يجوز إلا مع إذنه [4] ، أو لا يجوز قبل ظهور الثمر ويجوز بعده [5]


[1] حكي في الجواهر هذا القول عن بعض أفاضل متأخري المتأخرين ، ثمَّ قال : « ولعله ظاهر المحكي عن الإسكافي ».

[2] تقدم الإشكال في ذلك في كتاب الإجارة ، وأنه إذا كان مقتضى إطلاق عقد المساقاة الأولى جواز المساقاة الثانية وأنها من حقوق العامل الأول كان مقتضاه أيضاً جواز التسليم إلى العامل الثاني ، وكذلك الحكم في الإجارة ، فإنه إذا جاز للأجير أن يتخذ أجيراً فيعمل في العين جاز تسليم العين إليه ، لأن الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه.

[3] كما هو المشهور المعروف ، وفي الشرائع : « ليس للعامل أن يساقي غيره ، لان المساقاة إنما تصح على أصل مملوك للمساقي » ، ونحوه كلام غيره.

[4] كما هو ظاهر المسالك ، وينسب إلى ظاهر المختلف. قال : « والتحقيق أن المالك إن إذن للأول في مساقاة الثاني صحت وكان الأول كالوكيل لا حصة له في النماء ، وإن لم يأذن فالثمرة للمالك ، وعليه أجرة المثل للثاني ، ولا شي‌ء للأول ». لكن الظاهر منه الاذن في المساقاة عن المالك كالوكيل ، لا الاذن في المساقاة عن نفسه ، كما هو المراد منه هنا وعرفت أنه ظاهر المسالك.

[5] يظهر هذا القول من المسالك ، قال بعد تقريب المنع مطلقاً : « وربما أشكل الحكم فيما لو ظهرت الثمرة ، وبقي فيها عمل يحصل به زيادة فيها ، فإن المساقاة حينئذ جائزة ، والعامل يصير شريكاً فيها ... ».

أقوال أقواها الأول. ولا دليل على القول بالمنع مطلقا أو في الجملة بعد شمول العمومات [1] من قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) و ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) . وكونها على خلاف الأصل فاللازم الاقتصار على القدر المعلوم [2] ، ممنوع بعد شمولها. ودعوى : أنه يعتبر فيها كون الأصل مملوكاً للمساقي [3] أو كان وكيلا عن المالك ، أو ولياً عليه ، كما ترى ، إذ هو أول الدعوى [4].


[1] لكن العمومات لا تثبت المساقاة ، وإنما تثبت صحة العقد وترتب مضمونه ، كما عرفت غير مرة.

[2] إشارة إلى ما ذكره في الجواهر في موارد سبقت من أن العمومات المذكورة تختص بالعقود المعهودة. فلا تشمل غيرها. وقد تقدم الاشكال عليه بأن ذلك خلاف الإطلاق والعموم. وفي المقام ذكر أن ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) و ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) لا يصلح لإثبات مشروعية مثل ذلك. انتهى. فيحتمل أن يكون مراده ذلك ، ويحتمل أن يكون مراده ما ذكرنا من أنها لا تثبت عنوان المساقاة.

[3] هذه الدعوى تقدمت في عبارة الشرائع.

[4] لا إشكال في أن النصوص الواردة في تشريع المساقاة - مثل صحيحة يعقوب وصحيحة الحلبي المتقدمتين في أول الكتاب ونحوهما من روايات خيبر (1)- تختص بذلك ، ولا تشمل ما نحن فيه. وظاهر المصنف الاعتراف بذلك ، حيث استدل على الصحة بالعمومات ، ولم يستدل بالنصوص الخاصة بالمساقاة. لكن البناء على الاقتصار على مورد


1) راجع الوسائل باب : 10 من أبواب بيع الثمار ، وباب : 8 ، 9 ، 10 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة.

( مسألة 32 ) : خراج السلطان في الأراضي الخراجية على المالك [1] ، لأنه إنما يؤخذ على الأرض التي هي للمسلمين [2] ، لا الغرس الذي هو للمالك ، وأن أخذ على الغرس فبملاحظة الأرض ، ومع قطع النظر عن ذلك أيضاً


النصوص يقتضي عدم صحة المساقاة فيما لو باع مالك الأصول الثمرة سنين واشترط أن يكون إصلاح الأصول بيد المشتري فساقى العامل بحصة من الثمرة ، وكذا أمثال ذلك مما كانت المعاملة فيه على إصلاح الأصول من وظائف غير المالك ، ولما لم يمكن الالتزام بذلك يتعين أن يكون المراد من كون الأصول مملوكة كون المعاملة عليها من وظائف المساقي ، سواء كان للملك أم الوكالة أم الولاية ولكونه عاملا في المساقاة مع المالك. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكر في الجواهر من أن الأدلة الخاصة لا تشمل المقام ، والأدلة العامة لا تصلح لتشريع مثل ذلك.

فان قلت : المالك إنما أذن له خاصة في العمل ، ولم يأذن لغيره في العمل. قلت : إطلاق المساقاة اقتضى جواز أخذ الأجير للعمل ، لأن الاذن في الشي‌ء إذن في لوازمه ، كما تقدم ذلك في المسألة الثالثة عشرة من كتاب المزارعة. ولأجل ذلك يضعف القول بالتفصيل بين إذن المالك وعدمه الذي هو أحد الأقوال في المسألة.

[1] كما هو المصرح به في كلامهم ، على نحو يظهر أنه مما لا إشكال فيه ولا خلاف.

[2] كان الأولى أن يقول : إنما يؤخذ على الغرس ، لأنه تصرف في الأرض التي هي للمسلمين ، والغرس إنما غرسه المالك ، ولا يؤخذ على تعمير الغرس الذي يقوم به العامل.

كذلك. فهو على المالك مطلقاً [1]. إلا إذا اشترط كونه على العامل ، أو عليهما بشرط العلم بمقداره [2].

( مسألة 33 ) : مقتضى عقد المساقاة ملكية العامل للحصة من الثمر من حين ظهوره. والظاهر عدم الخلاف فيه [3] ، إلا من بعض العامة ، حيث قال بعدم ملكيته له إلا بالقسمة قياساً على عامل القراض ، حيث أنه لا يملك الربح إلا بعد الإنضاض. وهو ممنوع عليه حتى في المقيس عليه [4]. نعم


[1] لا يظهر له وجه إلا أن السلطان قد جعله على المالك لا على غيره ولو فرض أن السلطان قد جعله على العامل كان عليه أيضاً. كما أنه لو فرض أن الخراج كان بنحو المقاسمة - بأن كان حصة من الثمرة - كان عليهما معاً.

[2] كما صرح به في المسالك ، معللا له : بأن لا يتجهل العوض. وفيه : أنه لا دليل على قدح الجهالة في مثل ذلك ، وعموم نفي الغرر غير ثابت. ثمَّ إنه إذا كان خراج الأرض بنحو المقاسمة - بأن كان حصة من الثمرة ، كالخمس أو العشر - فقد يكون الخراج على الطرفين ، وقد يكون على أحدهما بعينه ، حسب التراضي منهما.

[3] في المسالك : « هو مما لا نعلم فيه خلافاً ، وفي التذكرة : أسند الحكم إلى علمائنا ونحوه ما في غيرها وفي جملة من كتب الأصحاب دعوى الإجماع صريحاً. ويقتضيه ظاهر نصوص الباب.

[4] مع وضوح الفرق بين المقامين ، فيكون قياساً مع الفارق. ووجه الفرق. أنه يمكن أن يقال في القراض : أن الربح وقاية لرأس المال فلا ربح إلا بعد وصول رأس المال إلى المالك ، ولا مجال لذلك ، في المقام.

لو اشترطا ذلك في ضمن العقد لا يبعد صحته [1]. ويتفرع على ما ذكرنا فروع ( منها ) : ما إذا مات العامل بعد الظهور قبل القسمة مع اشتراط مباشرته للعمل ، فإن المعاملة تبطل من حينه [2] ، والحصة تنتقل إلى وارثه على ما ذكرنا [3]. ( ومنها ) : ما إذا فسخ أحدهما بخيار الشرط أو الاشتراط بعد الظهور وقبل القسمة أو تقايلا. ( ومنها ) : ما إذا حصل مانع عن إتمام العمل بعد الظهور ( ومنها ) : ما إذا أخرجت الأصول عن القابلية لإدراك الثمر ، ليبس أو فقد الماء أو نحو ذلك بعد الظهور ، فان الثمر في هذه الصور مشترك بين المالك والعامل وإن لم يكن بالغاً ( ومنها ) : في مسألة الزكاة فإنها تجب على العامل أيضاً إذا بلغت حصته النصاب ، كما هو


[1] لعموم صحة الشروط. ويشكل : بأن ذلك ليس من الشرط في ضمن العقد ، بل هو تحديد لموضوع العقد ، وحينئذ فتصحيحه يكون بعموم صحة العقد. لكنه لا يثبت عنوان المساقاة ، إذ الأدلة الخاصة بها لا تشمله.

[2] إذا كان هناك عمل لازم إلى وقت القسمة ، وإلا فلا موجب للبطلان

[3] لأنها مملوكة للعامل فتنتقل إلى وارثه كغيرها من مملوكاته. بخلاف القول الأخر ، إذ لا ملك للعامل حينئذ. وكذا الحكم في الفروع الثلاثة الآتية. وهذه الفروع الأربعة تشترك في حصول الفسخ بعد الظهور قبل القسمة ، إما لسبب اختياري أو غير اختياري ، والحكم في الجميع واضح. وبناء على القول الآخر يكون للعامل أجرة المثل ، على ما تقدم في المسألة الثانية والعشرين. فراجع.

المشهور ، لتحقق سبب الوجوب ، وهو الملكية له حين الانعقاد أو بدو الصلاح على ما ذكرنا ، بخلافه إذا قلنا بالتوقف على القسمة [1]. نعم خالف في وجوب الزكاة عليه ابن زهرة هنا وفي المزارعة [2] ، بدعوى : أن ما يأخذه كالأجرة. ولا


[1] فإنه حينئذ لا يجب على العامل الزكاة ، لعدم ملكيته للثمر حين تعلق وجوب الزكاة ، فتكون زكاته جميعاً على المالك ، لأنه هو المالك له.

[2] قال في الغنية في كتاب المزارعة : « فأما الزكاة فإنها تجب على مالك البذر والنخل ، فان كان ذلك لمالك الأرض فالزكاة عليه ، لان المستفاد من ملكه نماء أصله ، وما يأخذه المزارع والمساقي كالأجرة عن عمله ولا خلاف أن الأجرة لا تجب فيها الزكاة. وكذا إن كان البذر للمزارع لأن ما يأخذه مالك الأرض كالأجرة عن أرضه ، فإن كان البذر منهما فالزكاة على كل واحد منهما إذا بلغ مقدار سهمه النصاب ». وفي السرائر : « كاتبته وعرفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ ، فاعتذر (رحمه اللّه) بأعذار غير واضحة ، وأبان فيها أنه ثقل عليه الرد .. » إلى آخر ما ذكره ، مما لا يناسب مقامه ولا مقام السيد قدس سرهما ، وإن كان هو أعرف بنيته.

وفي المختلف : « وقول ابن إدريس وإن كان جيداً مستفاداً من الشيخ أبي جعفر ، إلا أن قول ابن زهرة ليس بذلك البعيد عن الصواب » ، وفي الحدائق : « الظاهر أن الحامل له على ذلك كثرة تشنيع ابن إدريس عليه ، وإلا فهو في غاية البعد عن الصواب » ، وفي جامع المقاصد بعد أن حكى ما في المختلف قال : « وهو أعلم بما قال. والظاهر عندنا أنه لا وجه له أصلا الا على القول بأن استحقاقه تملكه إنما يكون بعد بدو الصلاح وتعلق الزكاة. وهذا خلاف ما نقله المصنف رحمه اللّه عن علمائنا ، فكيف يكون خلافه قريباً من الصواب؟! ولعله يريد أن ذلك محتمل

يخفى ما فيه من الضعف ، لأن الحصة قد ملكت بعقد المعاوضة أو ما يشبه المعاوضة ، لا بطريق الأجرة. مع أن مطلق الأجرة لا تمنع من وجوب الزكاة. بل إذا تعلق الملك بها بعد الوجوب وأما إذا كانت مملوكة قبله فتجب زكاتها ، كما في المقام ، وكما لو جعل مال الإجارة لعمل زرعاً قبل ظهور ثمرة ، فإنه يجب على المؤجر زكاته إذا بلغ النصاب ، فهو نظير ما إذا اشترى زرعاً قبل ظهور الثمر. هذا وربما يقال بعدم وجوب الزكاة على العامل في المقام [1] ، ويعلل بوجهين آخرين : ( أحدهما ) : أنها إنما تجب بعد إخراج المؤن ، والفرض كون العمل في مقابل الحصة ، فهي من المؤن [2]. وهو كما ترى ،


وغير مقطوع ببطلانه ، فلا يأتي على قائله كل ما ذكره ابن إدريس من التشنيع ».

[1] قال في الجواهر : « لعل ابن زهرة لحظ عدم الوجوب في الأجرة عن العمل باعتبار عدم استحقاق تسلمها إلا بعد تمام العمل ، والزكاة يعتبر فيها التمكن من التصرف في المال المملوك. وأنه لحظ وجوبها بعد المؤنة ، والفرض كون العمل في مقابلها ، فهو حينئذ مئونته ». ومن كلامه هذا يتحصل الوجهان اللذان ذكرهما في المتن.

[2] الذي يظهر من الجواهر أن العمل مئونة ، فلا تجب الزكاة في الحصة إلا بعد استثنائه ، فاذا استثنينا قيمة العمل لم يبق شي‌ء. ويشكل : بأن قيمة العمل ربما تكون أقل من الحصة ، فتجب الزكاة في الزائد. والمصنف جعل المؤنة نفس الحصة ، فلا يتوجه عليه الاشكال المذكور. لكنه غير مراد الجواهر.

وإلا لزم احتساب أجرة عمل المالك [1] والزارع لنفسه أيضاً فلا نسلم أنها حيث كانت في قبال العمل تعد من المؤن ( الثاني ) : أنه يشترط في وجوب الزكاة التمكن من التصرف ، وفي المقام وإن حصلت الملكية للعامل بمجرد الظهور ، إلا أنه لا يستحق التسلم إلا بعد تمام العمل. وفيه - مع فرض تسليم عدم التمكن من التصرف - : أن اشتراطه مختص بما يعتبر في زكاته الحول - كالنقدين والانعام - لا في الغلات [2] ، ففيها وإن لم يتمكن من التصرف حال التعلق يجب إخراج زكاتها بعد التمكن. على الأقوى ، كما بين في محله. ولا يخفى أن لازم كلام هذا


[1] قد فرق في الجواهر بين المقامين : بأن عمل العامل في المقام معاوض عليه بخلاف عمل المالك. وفيه : أنه غير فارق ، فان عمل العامل مضمون على المالك بالحصة ، ولا يكون مضموناً على نفس العامل ، ولما لم يكن مضموناً على العامل لا يكون من المؤنة على العامل.

[2] قد تقدم هذا من المصنف في كتاب الزكاة في المسألة السابعة عشرة وفي المسألة الحادية والأربعين من مسائل الختام ، وتقدم في الشرح الاشكال عليه ، وأنه لا فرق بين الغلات وغيرها في اعتبار التمكن من التصرف في وجوب الزكاة فيها.

فالعمدة أن التمكن المعتبر في المشتركات هو تمكن مجموع الشركاء ، لا تمكن كل واحد منهم ، وهو حاصل في المقام. ولو بني على اعتباره بالنسبة إلى كل واحد من العامل والمالك كان اللازم عدم وجوب الزكاة على المالك أيضاً ، لأنه لا يتمكن من التصرف في الثمر بلا إذن العامل ، ولا يجوز له طلب القسمة قبل تمام العمل ، فحاله حال العامل ، فاذا لم

القائل عدم وجوب زكاة هذه الحصة على المالك أيضاً [1] ، - كما اعترف به - فلا يجب على العامل ، لما ذكر ، ولا يجب على المالك ، لخروجها عن ملكه.

( مسألة 34 ) : إذا اختلفا في صدور العقد وعدمه فالقول قول منكره [2] ، وكذا لو اختلفا في اشتراط شي‌ء على أحدهما وعدمه. ولو اختلفا في صحة العقد وعدمها قدم قول مدعي الصحة [3]. ولو اختلفا في قدر حصة العامل قدم قول المالك المنكر للزيادة [4] ، وكذا لو اختلفا في المدة ولو اختلفا في قدر الحاصل قدم قول العامل [5] ، وكذا لو ادعى المالك عليه سرقة أو إتلافاً أو خيانة [6]. وكذا لو ادعى عليه أن التلف كان بتفريطه إذا كان أمينا له [7] ، كما هو


تجب على العامل زكاة حصته ، لعدم التمكن من التصرف فيها ، لم يجب على المالك الزكاة في حصته أيضاً ، لذلك.

[1] بل عرفت أن لازم كلامه عدم وجوب الزكاة على المالك في حصته ، فضلا عن حصة العامل.

[2] لأصالة عدمه. وكذا فيما بعده.

[3] لأصالة الصحة ، المبرهن على صحتها إجماعاً ، قولياً وعملياً.

[4] لأصالة تبعية النماء للأصل. وكذا فيما بعده.

[5] إذا كان الحاصل في يده. لحجية إخبار ذي اليد عما في يده ولو كان الحاصل بيد المالك كان القول قول المالك ، لما ذكر.

[6] لأن دعواه خلاف الأصل في الجميع.

[7] إذ لو لم يكن أميناً فلا أثر لتفريطه ، فإنه لا يوجب الضمان حينئذ.

الظاهر [1]. ولا يشترط في سماع دعوى المالك تعيين مقدار ما يدعيه عليه ، بناء على ما هو الأقوى [2] من سماع الدعوى المجهولة ، خلافاً للعلامة في التذكرة في المقام [3].

( مسألة 35 ) : إذا ثبتت الخيانة من العامل بالبينة أو غيرها هل له رفع يد العامل على الثمرة أو لا؟ قولان [4]


[1] لأنه مؤتمن من المالك ، وهذا معنى كونه أميناً.

[2] وحكي عن أكثر المتأخرين ، بل نسب إلى الأكثر. لعموم ما دل على سماع الدعوى من دون مخصص.

[3] قال في التذكرة في المقام : « فان ادعى المالك عليه خيانة ، أو سرقة في الثمار أو السعف أو الأغصان ، أو أتلف ، أو فرط بتلف ، لم تسمع دعواه حتى يحررها ، فاذا حررها وبين قدر ما خان فيه ، وأنكر العامل ، وجب على مالك النخيل البينة .. » وحكي ذلك عن جماعة. وليس له وجه ظاهر. نعم إذا كان المجهول مردداً بين ما لا قيمة له وما له قيمة كان عدم السماع في محله ، لعدم إحراز عنوان العام.

[4] قال في الشرائع : « وبتقدير الخيانة هل يرفع يده ، أو يستأجر من يكون معه من أصل الثمرة؟. الوجه أن يده لا ترفع عن حصته .. » وفي القواعد : « الأقرب أن يده لا ترفع عن حصته » ، ونحوهما عبارات غيرهما. وفي الجواهر : أن احتمال رفع يده لم أجده قولا لأحد من أصحابنا ، بل ولا لغيرهم. انتهى.

لكن في محكي المبسوط : « قيل يكتري من يكون معه لحفظ الثمرة. وقيل : ينتزع من يده ، ويكتري من يقوم مقامه ». لكن هذا القول لم يعرف قائله. ومن الغريب أنه استدل عليه في الإيضاح بعموم النص. وظاهر ذلك القول به. وهو كما ترى ، لجهالة النص ، وكونه خلاف

أقواهما العدم ، لأنه مسلط على ماله ، وحيث أن المالك أيضاً مسلط على حصته فله أن يستأجر أميناً يضمه مع العامل ، والأجرة عليه ، لان ذلك لمصلحته. ومع عدم كفايته في حفظ حصته جاز رفع يد العامل [1] واستيجار من يحفظ الكل ، والأجرة على المالك أيضاً [2].

( مسألة 36 ) : قالوا : المغارسة باطلة [3]. وهي أن يدفع أرضاً إلى غيره ليغرس فيها على أن يكون المغروس بينهما سواء اشترط كون حصته من الأرض أيضاً للعامل أو لا. ووجه


قاعدة السلطنة ، كما يشير إليه المصنف (رحمه اللّه).

[1] كما جعله في القواعد هو الأقرب ، واختاره في المسالك. وكأنه لقاعدة نفي الضرر ، المقدمة على قاعدة السلطنة.

[2] لأن الحفظ لمصلحته. هذا إذا كانت الأجرة على الحفظ فقط. أما إذا كانت الأجرة على العمل فكونها على المالك غير ظاهر ، لان العمل من وظائف العامل في مقابل الحصة ، فيجب أن يكون من ماله ، كما هو ظاهر القواعد. قال : « ولو لم يمكن حفظه مع الحافظ فالأقرب رفع يده عن الثمرة ، وإلزامه بأجرة عامل » ، ونحوه في المسالك ، وإن كانت عبارته الأولى ظاهرة في أن الأجرة عليهما معاً. لكن التعليل بأن العمل واجب عليه ، وتشبيه المقام بما إذا هرب ، يدلان على أن مراده أن الأجرة على العامل لا غير.

[3] كما هو المصرح به في كلام جماعة كثيرة ، من دون نقل خلاف بينهم ، بل لم يعرف قائل بالخلاف ، وإن حكي عن المفاتيح أنه نقل قولا بالصحة.

البطلان الأصل بعد كون ذلك على خلاف القاعدة [1]. بل ادعى جماعة الإجماع عليه [2]. نعم حكي عن الأردبيلي وصاحب الكفاية الإشكال فيه ، لإمكان استفادة الصحة من العمومات. وهو في محله [3] إن لم يتحقق الإجماع. ثمَّ على


[1] وفي المسالك : « لأن عقود المعاوضات موقوفة على إذن الشارع وهي منتفية هنا » ، ونحوه كلام غيره ، وفي مفتاح الكرامة : أنه حجة المعظم. وقد تقدم في كلام الجواهر مكرراً : أن العمومات لا تصلح لإثبات مشروعية ما لم يثبت مشروعيته من العقود.

[2] حكي الإجماع صريحاً عن جامع المقاصد ومجمع البرهان ، وفي الجواهر : الإجماع بقسميه على البطلان » ، وفي المسالك : « المغارسة باطلة عندنا وعند أكثر العامة » ، ونحوه ما في غيرها.

[3] كما عرفت مراراً. ودعوى : انصراف العمومات إلى المتعارف - مع أنها ممنوعة - لا تجدي في البطلان ، لأن المغارسة أيضاً من المتعارف ولعل مراد جماعة من القائلين بالبطلان أنها مساقاة باطلة لا تجري عليها أحكام المساقاة ، لا أنها باطلة بكل عنوان. نظير ما تقدم في بعض شروط المساقاة من أن فقده يوجب بطلان المساقاة ، لا بطلان العقد. ومثل ذلك تقدم في المزارعة والمضاربة.

والذي يتحصل مما ذكرنا : أن الوجه في بطلان المغارسة إن كان هو الأصل - كما تقدم عن المعظم - فالأصل لا يجري مع عموم صحة العقود والاشكال على العموم بأنه لا يصلح لتشريع ما لم يثبت تشريعه - كما في الجواهر وغيرها - مندفع بما عرفت من أنه خلاف العموم من دون قرينة عليه. ومثله الإشكال بأنه مختص بالمتعارف. مضافاً إلى أنها من المتعارف وكذا الإشكال بأنه يختص بالعقود المذكورة في كتب الفقهاء.

البطلان يكون الغرس لصاحبه [1] ، فان كان من مالك الأرض


فهذه الإشكالات نظير ما ذكره في التذكرة ، قال فيها : « مسألة إذا دفع بهيمة إلى غيره ليعمل عليها ومهما رزق اللّه تعالى فهو بينهما فالعقد فاسد ، لأن البهيمة يمكن إجارتها ، فلا حاجة إلى عقد آخر عليها يتضمن الغرر. ولو قال : تعهد هذه الأغنام على أن يكون درها ونسلها بيننا فكذلك ، لأن النماء لا يحصل بعمله. ولو قال : اعلف هذه من عندك ولك النصف من درها ، ففعل ، وجب بدل العلف على مالك الشياه ، وجميع الدر لصاحب الشياه ، والقدر المشروط لصاحب العلف مضمون في يده ، لحصوله بحكم بيع فاسد ، والشياه غير مضمونة ، لأنها غير مقابلة بالعوض ».

فكأن الموجب للبطلان عندهم هو الموجب له في الأمثلة المذكورة ، وهو الأصل وقصور العموم عن إثبات الصحة ، ولكنه - كما ترى - غير ظاهر ، ومقتضى العموم الصحة في الأمثلة المذكورة. وقد تقدم مثل ذلك في المباحث السابقة. فلاحظ الشرط التاسع من شروط المضاربة.

هذا إذا كان المستند في البطلان الأصل. وأما إذا كان المستند الإجماع فيشكل بأنه لم يتضح أن مراد القائلين بالبطلان هو البطلان مطلقاً بل من الجائز أن يكون مراد بعضهم - بل أكثرهم - البطلان بعنوان المساقاة ، فلا تجري عليها أحكامها ، لا البطلان تعبداً مطلقاً.

[1] لعدم ما يوجب خروجه عن ملكه بعد البناء على بطلان العقد. قال في الشرائع : « إذا دفع أرضاً إلى غيره ليغرسها على أن الغرس بينهما كانت المغارسة باطلة ، والغرس لصاحبه ، ولصاحب الأرض إزالته ، وله الأجرة لفوات ما حصل الاذن بسببه ، وعليه أرش النقصان بالقلع » ، ونحوه عبارة القواعد وغيرها. لكن المفروض في الجميع كون الغرس للعامل

فعليه أجرة عمل الغارس [1] إن كان جاهلا بالبطلان [2] ،


كما هو الغالب ، وفي المتن تعرض للصورتين.

[1] لأن العمل مضمون بالاستيفاء ، على ما عرفت في المباحث السابقة من أنه من أسباب الضمان. ثمَّ إن هذا التقسيم ذكره في المسالك ، وتبعه عليه في المتن. لكن الذي يظهر من عبارة الشرائع المتقدمة وغيرها : أن المغارسة أن يكون الغرس من العامل لا غير ، فتكون الأرض من أحدهما والغرس من الآخر. فالتعدي إلى غير هذه الصورة - كما في المسالك والمتن - غير ظاهر.

[2] قد تقدم من المصنف (رحمه اللّه) هذا القيد في موارد من المباحث السابقة ، وتقدم الاشكال عليه بأن العلم بالبطلان لا يقتضي التبرع. نعم في المقام يكون العلم بالبطلان موجباً للعمل بحرمة التصرف في الغرس ، وحينئذ لا يستوجب الأجرة ، إذ لا أجرة على الحرام. وقد تقدم ذلك في بعض المباحث السابقة. لكن هذا الاشكال - إن تمَّ - منع من استحقاق الأجرة في صورة جهلها ، لأن الأجرة إنما كانت مضمونة على المالك بالاستيفاء ، والاستيفاء لا يعقل مع انتفاء إذنه. والالتزام بثبوت الاذن مع الجهل دون العلم كما ترى ، إذ الاذن إن كانت مقيدة بالمساقاة الصحيحة فهي مفقودة ، في المقامين ، كما هو المفروض ، فلا إذن في المقامين ، فلا يتحقق الاستيفاء في المقامين. وإن كانت غير مقيدة بها فالإذن موجودة في المقامين ، فلا موجب للحرمة لا في صورة الجهل ، ولا في صورة العلم.

واحتمال أن المعاملة الصحيحة من قبيل الداعي إلى الاذن ، فانتفاؤها لا يوجب انتفاء الإذن ، لأن الداعي في الحقيقة هو الوجود العملي الاعتقادي وهو حاصل ، وانتفاء الوجود الواقعي لا يقتضي انتفاءه ، وحينئذ يصدق الاستيفاء حقيقة في حال الجهل. مدفوع : بأن مقتضى ذلك عدم جواز

وإن كان للعامل فعليه أجرة الأرض للمالك مع جهله به [1] ،


إجبار العامل على قلع الغرس إذا كان الغرس له ، لأن غرسه بإذن من المالك ، مع أنه لا إشكال عندهم في جواز ذلك. ومن ذلك يشكل الجمع مع جهل المالك بين صدق الاستيفاء الموجب لضمانه وبين البناء على حرمة عمل العامل إذا كان عالما ، لعدم كونه مأذوناً ، وبين وجوب قلع الغرس إذا كان له ، لعدم كونه مأذوناً في غير غرسه.

والتحقيق : أنه إذا كان المتعاملان في مقام إيقاع المعاملة الشرعية فمع البطلان لا استيفاء ، ولا إذن في العمل ، فيكون فعل العامل غير مأذون فيه ، فلا يستحق عليه أجراً إذا كان الغرس للمالك ، ويجب عليه قلعه إذا كان الغرس له ، لأن الإذن منوطة بوجود المفهوم شرعاً. وهو مفقود فلا يجوز للعامل أن يطالب المالك بالأجرة لاستيفاء عمله ، لانتفاء الاذن الموجب لصدق الاستيفاء ويجوز للمالك أن يقول للعامل : فعلت بغير إذني ، فلا يستحق أجراً ، كما يجوز أن يقول : غرست غرسك في ملكي بغير إذني فاقلعه.

وإذا لم يكن المتعاملان في مقام المعاملة الشرعية ، بل في مقام إيقاع معاملة بينهما والجري عليها ، فالإذن في التصرف جريان على تلك المعاملة حاصل. وحينئذ يصدق الاستيفاء ، ويكون الفعل حلالا وإن كانا عالمين. وحينئذ لا يجوز للمالك المطالبة بقلع الغرس إذا كان الغرس للعامل وكان يحصل الضرر بقلعه ، لأنه كان بإذن من المالك ، فلا يدخل تحت قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « ليس لعرق ظالم حق » (1).

[1] وكذا مع علمه ، لأنه لم يأذن للعامل في غرس شجره مجاناً ، وإنما أذن له في غرسه بعوض ، فاذا فات العوض استحق الأجرة شرعاً.


1) الوسائل باب : 33 من أبواب كتاب الإجارة حديث : 3. وباب : 3 من كتاب الغصب حديث : 1. لكن الحديث في الموضعين مروي عن الامام الصادق (عليه السلام).

وله الإبقاء بالأجرة [1] ، أو الأمر بقلع الغرس [2] ، أو قلعه بنفسه [3] ، وعليه أرش نقصانه إن نقص من جهة القلع.


[1] لأن الاذن في نصب الغرس لا يوجب خروج الأرض عن سلطنة المالك. فيكون له المطالبة بالأجرة لها.

[2] لأنه مقتضى سلطنة المالك على أرضه ، فيكون له إخلاؤها من غرس العامل.

[3] هذا لا يكون عدلا لما قبله ، وإنما يجوز مع تعذر ما قبله ، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم. نعم إذا امتنع من قلع غرسه جاز لمالك الأرض قلعه ، لقاعدة السلطنة على أرضه ، الموجبة لقدرته على إخلائها من غرس غيره.

وربما يعارض بأن مباشرة القلع بنفسه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو خلاف سلطنة مالكه عليه ، وحينئذ يقع التعارض بين قاعدة السلطنة على الأرض بالنسبة لمالكها وقاعدة السلطنة على الغرس بالنسبة لمالكه. وفيه : أن قاعدة السلطنة لا تجري إذا كانت موجبة للعدوان فان منع تصرف مالك الأرض في الغرس موجب للعدوان على أرضه. وكذلك إذا كان صاحب الغرس يريد قلع غرسه وكان صاحب الأرض بمنعه عن ذلك ، فإنه يجوز له قلع غرسه وإن أدى إلى التصرف في الأرض.

بل الظاهر فيما لو أخذ السارق فرسا وربطها في بيته أنه يجوز لمالك الفرس دخول البيت وأخذ الفرس ، فتكون قاعدة السلطنة لمالك الفرس مسوغة لدخول بيت السارق ، لعدوانه المانع من سلطنته على ماله إذا كانت موجبة للعدوان. وهناك وجوه في ترجيح سلطنة مالك الأرض في الفرض تعرضنا لها في نهج الفقاهة في بعض مباحث خيار الغبن.

ويظهر من جماعة [1] أن عليه تفاوت ما بين قيمته قائماً ومقلوعاً. ولا دليل عليه [2] بعد كون المالك مستحقاً للقلع. ويمكن حمل كلام بعضهم على ما ذكرنا [3] من أرش النقص الحاصل بسبب القلع إذا حصل ، بأن انكسر مثلا ، بحيث لا يمكن غرسه في مكان آخر. ولكن كلمات الآخرين لا تقبل هذا الحمل ، بل هي صريحة في ضمان التفاوت بين القائم والمقلوع ، حيث قالوا : مع ملاحظة أوصافه الحالية من كونه في معرض الإبقاء مع الأجرة أو القلع. ومن الغريب ما عن المسالك [4] من ملاحظة كون قلعه مشروطا بالأرش لا مطلقا


[1] هو ظاهر عبارة الشرائع المتقدمة ونحوها. إذ لو كان المراد من النقصان الكسر ونحوه كان اللازم أن يقال : عليه أرش النقصان بالقلع إن حدث ، فعدم التقييد بذلك يدل على أن المراد النقصان اللازم للقلع.

[2] قد عرفت الاشكال فيه ، فان لازم ذلك عدم ضمان أجرة العامل لو كان الغرس للمالك ، فبناؤهم على الضمان يلازم الاذن في غرس العامل ، والاذن تستلزم ضمان الصفة الحاصلة من نصب الغرس في الأرض الفائتة بقلعه.

[3] هذا الحمل بعيد عن كلامهم وعن مبناهم.

[4] قال فيها : « والمراد بالأرش تفاوت ما بين قيمته في حالتيه على الوضع الذي هو عليه وهو كونه باقياً بأجرة ومستحقاً للقلع بالأرش وكونه مقلوعاً ، لأن ذلك هو المعقول من أرش النقصان. لا تفاوت ما بين قيمته قائماً مطلقاً ومقلوعاً ، إذ لا حق له في القيام كذلك ، ليقوم بتلك الحالة. ولا تفاوت ما بين كونه قائماً بأجرة ومقلوعاً ، لما ذكرنا ، فان استحقاقه


للأرش بالقلع من جملة أوصافه. ولا تفاوت ما بين كونه قائماً مستحقاً للقلع ومقلوعاً ، لتخلف بعض أوصافه أيضاً ، كما بيناه. ولا بين كونه قائماً مستحقاً للقلع بالأرش ومقلوعاً ، لتخلف وصف القيام بأجرة.

وهذه الوجوه المنفية ذهب إلى كل منها بعض. اختار الثاني منها الشيخ علي (رحمه اللّه) والأخير فخر الدين في بعض ما ينسب إليه ، والآخران ذكرهما من لا يعتد بقوله. والأول مع سلامته من ذلك لا يخلو من دور لأن معرفة الأرش فيه متوقفة على معرفته ، حيث أخذ في تحديده. والظاهر أن القيمة لا تختلف باعتباره. وأن تقديره كذلك كتقديره مقلوعاً وقائماً بأجرة ، فلا يضر مثل هذا الدور.

ولا يخفى ما فيه من التهافت ، فان ما ذكره في رفع إشكال الدور راجع إلى عدم اعتبار ملاحظة الأرش ، وهو عين الوجه الثاني ، الذي نفاه ونسبه إلى الشيخ علي ، فما الذي دعا إلى نفيه أولا والبناء عليه أخيراً؟! ثمَّ إن الدور لا يختص بما ذكره هو من الوجه الأول ، بل يجري في الوجه الأخير الذي نسبه إلى الفخر ، لذكر الأرش فيه أيضاً ، فإن كان ذكره موجباً للدور فالوجه الأخير كذلك. وإن كان الظاهر ارتفاع الدور بالاختلاف بالتفصيل والاجمال.

ثمَّ إنه لا يظهر وجه لاستغراب ما في المسالك بخصوصه ، لاشتراك الوجوه الخمسة - المذكورة فيها المنسوبة إلى قائليها - في ضمان الصفة الخاصة الحاصلة بالنصب الزائلة بالقلع ، على اختلافها في كيفية التقويم ، وقد عرفت أنه هو التحقيق بعد أن كان النصب بإذن مالك الأرض ، وليس داخلا في قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « ليس لعرق ظالم حق ». ولأجل ذلك قد يشكل جواز قلع المالك له ، لأنه ضرر على صاحب الغرس. ودفع قيمة ما به التفاوت تداركاً للضرر لا يوجب عدم جريان قاعدة نفي الضرر المانعة


من جواز القلع.

والذي يتحصل مما ذكرنا : أنه بعد أن تبين فساد المعاملة تجري قاعدة السلطنة في حق مالك الأرض ، فتقتضي جواز إفراغ أرضه بقلع الغرس ، إذا لم يكن قلعه موجباً للضرر على صاحب الغرس ، كما إذا لم تمض مدة على نصب الغرس. أما إذا مضت مدة عليه واستقر نصبه ، وكان في قلعه فوات صفة فيه ، فقد صار قلعه موجباً للضرر على صاحبه ، فتجري قاعدة نفي الضرر ، وتمنع من قلعه ، ومن جريان قاعدة السلطنة في حق مالك الأرض ، لأنها مقدمة وحاكمة عليها. ودفع ما به تدارك الضرر لا يوجب سقوط قاعدة نفي الضرر.

نعم إذا كان بقاء الغرس في الأرض موجباً للضرر على مالك الأرض جرت قاعدة نفي الضرر في حق مالك الأرض ، فتسقط القاعدة في الطرفين للتعارض بين التطبيقين ، ويرجع إلى قاعدة السلطنة في حق مالك الأرض المقتضية الجواز القلع.

لكن لم يتضح ما يوجب ضمان مالك الأرض للصفة الحاصلة من النصب إذا كان المباشر للقلع مالك الغرس ، فإن إتلاف الصفة مستند إليه لا إلى الآمر بالقلع ، خصوصاً إذا كان فعل المباشر القلع بداعي امتثال أمر اللّه تعالى ، لا امتثال أمر مالك الأرض ، فإن الأمر بالإتلاف لا يوجب ضمان الآمر به. أما إذا كان المباشر للقلع هو مالك الأرض كان ضمانه للصفة التالفة في محله ، لأن تلفها بفعله. وحينئذ إذا أريد تقويم الصفة يقوم الشجر غير مستحق للبقاء ، لا مجاناً ولا بأجرة ، لأنه الحال الذي عليه الشجر حين القلع. ولا وجه لما ذكر في المسالك من تقويمه باقياً بأجرة فإن ذلك ليس من حال الشجر حين القلع. نعم يقوم مضموناً بالأرش لا مستحقاً للقلع مجاناً. فإنه غير الحال الذي عليه الشجر حين القلع فلاحظ وتأمل.

فان استحقاقه للأرش من أوصافه وحالاته ، فينبغي أن يلاحظ أيضاً في مقام التقويم. مع أنه مستلزم للدور ، كما اعترف به. ثمَّ إنه إن قلنا بالبطلان [1] يمكن تصحيح المعاملة بإدخالها تحت عنوان الإجارة [2] أو المصالحة أو نحوهما [3] مع مراعاة شرائطهما ، كأن تكون الأصول مشتركة بينهما [4] ، إما بشرائها بالشركة أو بتمليك أحدهما للآخر نصفا منها - مثلا - [5] إذا كانت من أحدهما فيصالح صاحب الأرض مع العامل بنصف منفعة أرضه مثلا أو بنصف عينها على أن يشتغل بغرسها وسقيه إلى زمان كذا [6] أو يستأجره للغرس والسقي إلى


[1] يعني : بعنوان المساقاة ، لا مطلقاً.

[2] بأن يكون الغرس من مالك الأرض ، فيستأجر العامل على أن بغرسه بأجرة نصف الغرس ، أو مع نصف الأرض. أو يكون الغرس من العامل ، فيستأجر الأرض على أن يغرس فيها غرسه ، وتكون الأجرة نصف ذلك الغرس. وحينئذ لا يكون للعامل حصة من الأرض. ويشكل مثل هذه الإجارة إذا لم تذكر المدة. ولو فرض ذكر المدة فسيأتي في كلام المصنف.

[3] كان المناسب أن يقول : أو غيرهما. إذ لم يعهد عقد هو نحو الإجارة والمصالحة.

[4] هذا لا حاجة إليه في إيقاع المصالحة ، فيمكن أن يكون الغرس لصاحب الأرض فقط ، فيقول للعامل : صالحتك على أن تغرس غرسي في أرضي ويكون لك نصفه ونصف أرضي.

[5] يعني : أو ربعاً منها أو ثلثاً ، على اختلاف الأغراض والفروض.

[6] لا حاجة إلى تعيين الزمان في الصلح ، فيصالحه على أن يغرس

زمان كذا [1] بنصف منفعة الأرض مثلا.

( مسألة 37 ) إذا صدر من شخصين مغارسة ولم يعلم كيفيتها وانها على الوجه الصحيح أو الباطل - بناء على البطلان - يحمل فعلهما على الصحة [2] إذا ماتا أو اختلفا في الصحة والفساد.


نصف غرسه في أرضه ، ويكون له نصف منفعة أرضه دائماً ما دام الغرس بلا تحديث مدة.

[1] لازم هذا التحديد أنه إذا انتهت المدة يستحق صاحب الأرض على العامل أجرة بقاء حصته من الغرس في الأرض.

ويمكن الاشكال على ما ذكره بأن الإجماع على البطلان - الذي سبق نقله - إن كان على عنوان المساقاة لا غير ، أمكن التصحيح للمغارسة لا بعنوان المساقاة ، ولا حاجة إلى تكلف دخولها في الإجارة أو المصالحة أو غيرهما. وإن كان على نفس المضمون بأي عنوان كان ، كان مقتضاه بطلان المغارسة حتى إذا كانت داخلة في الإجارة أو المصالحة أو غيرهما. وتكلف الإدخال لا يجدي في تصحيحها ، فلاحظ وتأمل.

[2] عملا بأصالة الصحة ، المعمول عليها عند المتشرعة والعقلاء. واللّه سبحانه ولي التوفيق ، وهو حسبنا ( وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) .

إلى هنا تمَّ ما أريد شرحه من كتاب المساقاة ، على يد مؤلفه الفقير إلى رحمة ربه الرحمن الرحيم وكرم مولاه أكرم الأكرمين. وهو في جوار الحضرة العلوية المقدسة ، على مشرفها أفضل الصلاة والسلام. عند منتصف الليلة المباركة ليوم المبعث الشريف ، السابع والعشرين من شهر رجب المكرم ، في السنة السابعة والثمانين بعد الألف والثلاثمائة هجرية ، على صاحبها وآله البررة الكرام أفضل التحية وأزكى السلام. وأنا الحقير « محسن » ابن السيد « مهدي ، وابن السيد « صالح » ابن السيد « أحمد » ابن السيد

تذنيب

في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من أراد أن يلقح النخل إذا كان لا يجود عملها ولا يتبعل بالنخل فيأخذ حيتاناً صغاراً يابسة فيدقها بين الدقين ثمَّ يذر في كل طلعة منها قليلا ويصر الباقي في صرة نظيفة ثمَّ يجعله في قلب النخل ينفع بإذن اللّه تعالى » (1). وعن الصدوق في كتاب العلل بسنده عن عيسى بن جعفر العلوي عن آبائه (عليهم السلام) : « ان النبي (صلی اللّه عليه وآله) قال : مر أخي عيسى بمدينة فإذا في ثمارها الدود فسألوا إليه ما بهم فقال (عليه السلام) : دواء هذا معكم وليس تعلمون. أنتم قوم إذا غرستم الأشجار صببتم التراب ، وليس هكذا يجب ، بل ينبغي أن تصبوا الماء في أصول الشجر ثمَّ تصبوا التراب ، كي


« محمود » ابن السيد « إبراهيم » الطبيب ابن السيد « علي » الحكيم ابن السيد « مراد » ابن السيد « أسد اللّه » ابن السيد مير « جلال الدين » الأمير ابن مير سيد « حسن » ابن المير « مجد الدين » ابن مير « قوام الدين » ابن مير « إسماعيل » ابن أبي المكارم مير « عباد » ابن مير أبي المجد « علي » ابن مير « عباد » أبي الفضل ابن مير « علي » أبي هاشم « أميركا » ابن مير « حمزة » وهو عباد بن أبي المجد ابن مير « إسحاق » أبي المجد ابن مير « طاهر » أبي هاشم ابن مير « علي » أبي الحسين الشاعر ابن مير « محمد » أبي الحسن الشاعر ابن مير « أحمد » فتوح الدين ابن مير « محمد » أبي جعفر الأصغر بن « أحمد » الرئيس أبي العباد ابن « إبراهيم » طباطبا ابن « إسماعيل » الديباج أبي إبراهيم الشريف الخلاص ابن « إبراهيم » الغمر


1) الوسائل باب : 6 من أبواب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

لا يقع فيه الدود ، فاستأنفوا كما وصف فأذهب عنهم ذلك » (1)و‌في خبر عن أحدهما (عليهما السلام) : « قال : تقول إذا غرست أو زرعت : ومثل ( كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) » (2). وفي خبر آخر : « إذا غرست غرسا أو نبتا فاقرأ على كل عود أو حبة سبحان الباعث الوارث فإنه لا يكاد يخطئ إن شاء اللّه » (3)


ابن « الحسن » المثنى ابن الامام المجتبى « الحسن » الزكي ابن « علي » بن « أبي طالب » أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى أولاده الأئمة المعصومين ، الغر الميامين.

وبتمامه تمَّ وشرح كتاب العروة الوثقى لمؤلفه الفقيه الأعظم السيد « محمد كاظم » الطباطبائي اليزدي قدس سره . ( وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) .


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 5.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب كتاب المزارعة والمساقاة حديث : 4.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الضمان

وهو من الضمن [1] ، لأنه موجب لتضمن ذمة الضامن للمال الذي على المضمون عنه للمضمون له ، فالنون فيه أصلية


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

والصلاة والسلام على رسوله وآله الطاهرين.

كتاب الضمان

[1] قال في المسالك : « الضمان عندنا مشتق من الضمن ، لأنه يجعل ما كان في ذمته من المال في ضمن ذمة أخرى ، أو لأن ذمة الضامن تتضمن الحق. فالنون فيه أصلية ، بناء على أنه ينقل المال من الذمة إلى الذمة. وعند أكثر العامة : أنه غير ناقل ، وإنما يفيد اشتراك الذمتين ، فاشتقاقه من الضم والنون فيه زائدة ، لأنه ضم ذمة إلى ذمة ، فيتخير المضمون له في المطالبة ». لكن في كونه عندنا مشتقاً من الضمن خفاء فمن الجائز أن يكون الضمن مشتقاً منه ، فيكون معنى كون الشي‌ء في ضمن شي‌ء آخر : أنه في عهدته. وكذا معنى قولنا : إن كذا تضمن كذا ، أو مضمون العبارة كذا. وضمنت قصيدتي آية أو بيتاً من شعر فلان ، ونحو ذلك ، فان معنى ذلك وإن كان الظرفية ، لكن يمكن أن تكون الظرفية

كما يشهد له سائر تصرفاته من الماضي والمستقبل وغيرهما. وما قيل من احتمال كونه من الضم [1] فيكون النون زائدة [2] ، واضح الفساد ، إذ - مع منافاته لسائر مشتقاته - [3] لازمه كون الميم مشددة [4]. وله إطلاقان : [5]. إطلاق بالمعنى الأعم الشامل للحوالة والكفالة أيضاً ، فيكون بمعنى التعهد بالمال أو النفس. وإطلاق بالمعنى الأخص ، وهو التعهد بالمال عينا أو منفعة أو عملا ، وهو المقصود من هذا الفصل. ويشترط فيه أمور :


موجبة للتعهد. وبالجملة : الضمن معناه الظرفية ، ولازمها نوع من التعهد : والضمان هو التعهد ولازمه نوع من الظرفية ، فيحتمل أن يكون كل واحد منها أصلا للآخر. ومقتضى كثرة استعمال الضمان ومشتقاته كونه أصلا للآخر ، لا فرعاً عليه.

[1] تقدمت حكايته عن أكثر العامة.

[2] نظير : الجولان ، والنزوان ، والجريان ، والحيوان ، والضربان وغيرها مما هو كثير. ويختص غالباً بما كان فيه حركة وتقلب ، كما ذكره ابن مالك في منظومته.

[3] لأن زيادة النون في المصدر تقتضي خلو سائر المشتقات منها ، مع أنها موجودة فيها. اللّهم إلا أن يكون المراد الاشتقاق الكبير.

[4] ليكون الفعل ثلاثياً لا ثنائياً.

[5] كما نص على ذلك جماعة ، منهم المحقق والشهيد الثانيان في جامع المقاصد والمسالك. وفي الشرائع : « كتاب الضمان. وهو عقد شرع للتعهد بمال أو نفس. والتعهد بالمال قد يكون ممن عليه للمضمون


عنه مال ، وقد لا يكون ، فهنا ثلاثة أقسام » ، فجعل الضمان مقسماً للأقسام الثلاثة. لكن قال بعد ذلك : « القسم الأول في ضمان المال ممن ليس للمضمون عنه عليه مال. وهو المسمى بالضمان بقول مطلق ». ونحوه في القواعد. وفي الجواهر : أنه - يعني : الأخير - المعنى الحقيقي المتبادر عند الإطلاق ، وما تقدم من تقسيم الضمان إلى الثلاثة بحسب المعنى المجازي بالعارض ، وإن كان هو في الأصل المعنى الحقيقي ، لكنه هجر. أو أنه على جهة الاشتراك اللفظي بين المعنى الخاص والعام والاشتهار قرينة على إرادة الخاص. أو أنه باق على الاشتراك المعنوي والاشتهار قرينة على إرادة الخاص عند الإطلاق. لكن ما ذكر من الاحتمالات الثلاثة كلها بعيدة عن المراد. وأبعد منها ما ذكره في المسالك : من أن الفرق بين مطلق الضمان والضمان المطلق هو الفرق بين مطلق الماء والماء المطلق ، وكما أن مطلق الماء ينقسم الى المطلق والمضاف ، كذلك مطلق الضمان ينقسم الى الضمان المطلق والضمان المقيد. فان مطلق الماء ليس جامعاً بين الماء المطلق والمضاف ، بل هو جامع بين أفراد الماء المطلق ، مطلقها ومقيدها ، وكذلك مطلق الضمان إنما يكون جامعاً بين أفراد الضمان بالمعنى المقابل للحوالة والكفالة ، لا جامعاً بينه وبين الحوالة والكفالة. ولا جامع بين الماء المطلق والمضاف حقيقي ، وانما هو اعتباري ، وهو ما يسمى ماء ، مثل الجامع بين معاني المشترك اللفظي.

والتحقيق : أن للضمان معنيين : عرفي. وهو التعهد بالمال أو النفس واصطلاحي : وهو الضمان الخاص. فإذا أطلق الضمان في العرف كان المراد منه المعنى العام الشامل للضمان. وإذا أطلق عند الفقهاء كان المراد منه المعنى الخاص لا غير. فان كان مراد الشهيد ذلك كان في محله ، وإن كان غيره كان محلا للنظر ، كما يظهر بالتأمل.

أحدها : الإيجاب. ويكفي فيه كل لفظ دال [1]. بل يكفي الفعل الدال - ولو بضميمة القرائن - على التعهد والالتزام بما على غيره من المال.

الثاني : القبول من المضمون له. ويكفي فيه أيضاً كل ما دل على ذلك من قول أو فعل [2]. وعلى هذا فيكون من العقود المفتقرة إلى الإيجاب والقبول. وكذا ذكروه [3]. ولكن لا يبعد دعوى عدم اشتراط القبول على حسد سائر العقود اللازمة ، بل يكفي رضي المضمون له سابقاً أو لاحقاً ، [4] كما عن الإيضاح والأردبيلي ، حيث قالا : يكفي فيه الرضا


[1] هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه ، لتحقق الإنشاء بذلك ، الموجب لصدق العنوان. ولأجل ذلك نقول بكفاية الفعل لتحقق الإنشاء به تحققه بالقول ، فان الفعل وان كان في نفسه خالياً عن الدلالة على شي‌ء ، لكن بتوسط القرائن يكون دالا على إنشاء العنوان ، كالقول ، فان لم يكن دالا لم يكف في صدق العنوان عرفاً ، وان قصد به الإنشاء.

[2] لما سبق في الإيجاب.

[3] قد عرفت عبارة الشرائع والقواعد. ونحوهما غيرها مما تضمن أن الضمان عقد. وفي جامع المقاصد : أن الضمان عقد إجماعاً.

[4] قال في الخلاف : « ليس من شرط صحة الضمان رضاهما أيضاً. وان قيل : إن من شرطه رضى المضمون له كان أولى ». وهو صريح في عدم لزوم الرضا فضلا عن القبول. واحتج على ذلك بضمان أمير المؤمنين علیه السلام وأبي قتادة الدين عن الميت (1)الوسائل باب : 2 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.(2)، ولم يسأل النبي (صلی اللّه عليه وآله) عن


1) المحكي في الخلاف : ان أمير المؤمنين ضمن درهمين عن الميت ، فقال النبي (صلی اللّه عليه وآله) له : وجزاك اللّه من الإسلام خيراً ، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك ». والمحكي أيضاً : أن أبا قتادة ضمن دينارين عن ميت ، فقال (عليه السلام) له : هما عليك ، والميت منهما برئ.

2) منه قد سره

ولا يعتبر القبول العقدي. بل عن القواعد : [1] وفي اشتراط قبوله احتمال ، ويمكن استظهاره من قضية الميت المديون الذي امتنع النبي (صلی اللّه عليه وآله) أن يصلي عليه حتى ضمنه علي (عليه السلام).


رضا المضمون له. وفيه : أن عدم السؤال أعم من عدم اعتبار الرضا ، كما هو ظاهر ، إذ من الجائز اطلاعه (صلی اللّه عليه وآله) على حصول الرضا فلم يسأل عنه. ولذلك قيل : إنه قضية في واقعة لا عموم فيها. وفي الجواهر : أن اشتمال الخبر على وقوع الضمان يدل على وقوع الرضا ، لأن الضمان عقد مؤلف من الإيجاب والقبول ، فالاخبار عنه إخبار عنهما. لكن في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء. فقال (عليه السلام) : إذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت » (1)وظاهر اشتراط الرضا في الجواب : أنه أمر زائد على الضمان ، وأنه يتحقق وإن لم يرض المضمون له. وعلى هذا فوقوع الضمان لا يدل على الرضا ولا على القبول. فاللازم في الجواب عن احتجاج الشيخ (رحمه اللّه) ما ذكرنا. هذا بناء على ثبوت الخبر. لكنه محل تأمل. وحينئذ فالاحتجاج به غير ظاهر وان سلمت الدلالة. مضافاً إلى أنه إذا تمت دلالة الخبر على عدم اعتبار الرضا كان معارضاً لصحيح ابن سنان المذكور ، فيتعين حمله على الصحيح ، لا حمل الصحيح عليه ، لأن الصحيح أظهر دلالة.

[1] قال في القواعد : « وفي اشتراط قبول احتمال ». وفي جامع


1) الوسائل باب : 3 من أبواب كتاب الضمان حديث : 2 ، 3.

وعلى هذا فلا يعتبر فيه ما يعتبر في العقود من الترتيب والموالاة


المقاصد - في شرحه - قال : « ينشأ من واقعة علي (عليه السلام) ، والتمسك بالأصل. والأصح الاشتراط ، لأن الضمان عقد إجماعاً فلا بد فيه من القبول. ولأن المال للمضمون له ، فكيف يملك شخص نقله الى ذمته بغير رضاه؟. وقضية علي (عليه السلام) واقعة في عين لا عموم لها. ولا أصل في هذا ، بل الأصل عدم شرعيته إلى أن يثبت ».

أقول : دعوى الإجماع على كون الضمان عقداً وإن كان يقتضيها ما عرفت من عبارة الشرائع ونحوها ، لكن خلاف الخلاف في اعتبار الرضا يوهنها جداً. بل عبارة القواعد مثل عبارة الشرائع صريحة في كونه عقداً ومع ذلك جعل اعتبار قبول المضمون له احتمالا ، فربما يدل ذلك على كون المراد من كونه عقداً : أنه عند العرف لا عند الشارع. وحينئذ يسهل المنع عن ذلك ، فان الضمان تعهد بالمال وهو - بمنزلة الوعد - قائم بنفس المتعهد. ويشير الى ذلك صحيح ابن سنان المتقدم ، حيث جعل الرضا شرطاً زائدا على الضمان ، وأنه يتحقق وإن لم يرض المضمون له. إلا أن يقال : إن الضمان ليس بمنزلة الوعد تعهداً محضاً ، وإنما هو نقل مال المضمون له من ذمة المدين إلى ذمة الضامن ، ولما كان نقله تصرفاً بمال الغير ، كان قائماً بالغير فهو عقد قائم بين الضامن والمضمون له ، كما أشار الى ذلك في جامع المقاصد. وأما صحيح ابن سنان فيمكن حمله إذاً على مجرد إيجاب الضامن وإنشائه ، كما يطلق ألفاظ سائر العقود على إنشاء إيجابها فيقال : باع زيد على عمرو فلم يقبل عمرو ، ويكون المراد من رضا المضمون له قبوله ، لا مجرد الرضا النفساني.

اللّهم إلا أن يقال : الضمان عندنا نقل ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن. وحكي عن أبي ثور وابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود أيضاً.


وعن الشافعي وباقي الفقهاء : أنه لا نقل فيه من ذمة إلى ذمة ، بل هو ضم ذمة إلى ذمة ، والمضمون له مخير في أن يطالب أيهما شاء. وهذا الاختلاف لا يجوز أن يكون في المفهوم ، ضرورة أن المفهوم المنشأ عندهم هو المفهوم المنشأ عندنا ، فلا بد أن يكون مفهومه ما به الاشتراك بيننا وبينهم ، وأما ما به الاختلاف فهو خارج عن المفهوم. وعلى. هذا فليس الضمان الا التعهد بالدين وشغل الذمة به ، من دون تعرض فيه الى نقل الدين ، بل هو من الأحكام المستفادة من الأدلة الخاصة الآتية. ولأجل ذلك يظهر أنه من المفاهيم الإيقاعية دون العقدية ، لعدم تعرض الضامن لشؤون غيره نفساً أو مالا ، ولا تصرف منه في ذلك. ولأجل ذلك يجب الأخذ بظاهر صحيح ابن سنان المتقدم ، ولا موجب للتصرف فيه بحمله على الإيجاب الناقص ، كما ذكرنا سابقاً ، بل يحمل على ما هو الظاهر من الضمان الكامل ، وأن حكمه اعتبار الرضا من المضمون له شرطاً به على نحو لا يصح بدونه. ويشهد بما ذكرنا تفسير الفقهاء للضمان : بأنه تعهد بمال ، في قبال الحوالة التي هي تعهد بنفس. فكما أن التعهد بالنفس ليس إلا محض التعهد بالنفس ، كذلك التعهد بالمال ، ليس الا التعهد به ، من دون تعرض لنقل التعهد من غيره اليه. وقد عرفت في الشراء وغيرها الضمان بالمعنى الأعم - حسبما ذكروه - بأنه تعهد بالمال أو النفس. فهما على وتيرة واحدة.

ومن ذلك كله يظهر أنه لا مقتضي لاعتبار قبول المضمون له. نعم لا بأس باعتبار رضاه ، كما تضمنه صحيح ابن سنان. ولا سيما أن من أحكامه انتقال الضمان ، وربما كان ذلك ضرراً على المضمون له مالياً أو أدبياً ، لا يجوز ارتكابه بلا رضاه. وإن كان هذا الوجه لا يقتضي اعتبار رضاه إلا مع لزوم الضرر ، بخلاف الصحيح فإنه يقتضيه مطلقاً.

وسائر ما يعتبر في قبولها. وأما رضي المضمون عنه فليس معتبراً فيه [1] ، إذ يصح الضمان التبرعي ، فيكون بمنزلة وفاء دين الغير تبرعاً حيث لا يعتبر رضاه. وهذا واضح فيما لم يستلزم الوفاء أو الضمان عنه ضرراً عليه أو حرجاً [2] ، من حيث كون تبرع هذا الشخص لوفاء دينه منافيا لشأنه ، كما إذا تبرع وضيع دينا عن شريف غني قادر على وفاء دينه فعلا.

الثالث : كون الضامن بالغاً عاقلا ، فلا يصح ضمان الصبي وان كان مراهقاً ، [3] بل وإن أذن له الولي على إشكال [4]


[1] هذا موضع وفاق ، كما في المسالك. وفي الجواهر : « بلا خلاف أجد فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ». لما ذكره في المتن.

[2] أما إذا استلزم ذلك فقاعدة نفي الضرر والحرج مانعتان من الصحة.

[3] إجماعاً حكاه جماعة. لقصور سلطنة الصبي عن التصرف في ماله.

[4] ظاهرهم الاتفاق عليه ، فقد فصلوا في ضمان العبد بين إذن المولى وعدمه ، ولم يفصلوا هنا ولا في المجنون ، بناء منهم على قصور عبارتهما. لكنه في الصبي غير ظاهر إذا كان مميزاً ، لانصراف أدلة المنع من نفوذ تصرفه عن صورة إذن الولي ، بل لعل قوله تعالى ( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ .. ) (1)ظاهر في صحة تصرفه بإذن الولي. وكذا رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن كسب الإماء فإنها إن لم تجد زنت ، إلا أمة قد عرفت بصنعة يد. ونهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة


1) النساء : 6.

ولا ضمان المجنون ، [1] إلا إذا كان أدواريا في دور إفاقته [2] وكذا يعتبر كون المضمون له بالغاً عاقلا [3]. وأما المضمون عنه فلا يعتبر فيه ذلك [4] ، فيصح كونه صغيراً أو مجنوناً. نعم لا ينفع إذنهما في جواز الرجوع بالعوض [5].

الرابع : كونه مختاراً ، فلا يصح ضمان المكره [6].


بيده ، فإنه إن لم يجد سرق » (1). وقد تعرضنا لذلك في مباحث الإجارة من هذا الشرح. فلاحظ.

[1] قصور عبارته عند العقلاء ظاهر ، فلا يدخل عقده في أدلة الصحة وإن أذن له الولي.

[2] هذا الاستثناء منقطع.

[3] لما تقدم من اعتبار رضاه ، الذي لا يصح من غير البالغ إلا بإذن وليه ، ولا من المجنون مطلقاً.

[4] إذ لا دخل له في صحة الضمان على ما عرفت.

[5] لأن ذلك من أحكام أذن المضمون له كما سيأتي وإذنهما تصرف منفي بأدلة قصور سلطنتهما.

[6] إجماعاً ، لحديث نفي الإكراه (2)، بناء على كون المراد منه رفع السببية ، ولو بقرينة استدلال الامام (عليه السلام) به في صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) : « في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ، أيلزمه ذلك؟ فقال (عليه السلام) : لا. قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه. وما لم يطيقوا ، وما اخطأوا » (3).


1) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.

2) راجع الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب كتاب الايمان حديث : 12.

الخامس : عدم كونه محجورا لسفه [1] إلا بإذن الولي وكذا المضمون له [2] ، ولا بأس بكون الضامن مفلساً [3]. فان ضمانه نظير اقتراضه [4] ، فلا يشارك المضمون له مع الغرماء [5]. وأما المضمون له فيشترط عدم كونه مفلساً [6] ولا بأس بكون المضمون عنه سفيهاً أو مفلساً ، لكن لا ينفع إذنه في جواز الرجوع عليه.

السادس : أن لا يكون الضامن مملوكاً غير مأذون من قبل مولاه على المشهور [7] ، لقوله تعالى ( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) [8]. ولكن لا يبعد صحة ضمانه وكونه في ذمته يتبع


[1] لدليل الحجر المانع من صحة التصرف.

[2] لما سبق من اعتبار رضاه ودليل الحجر مانع من صحة رضاه وترتب الأثر عليه.

[3] لأن الفلس إنما يمنع من التصرف في ماله لا في نفسه. والضمان تصرف في النفس ، لأنه اشتغال الذمة بالمضمون ، نظير الإجارة على العمل ، فإنها تصرف في النفس ، مقابل إجارة العين ، فإنها تصرف في المال.

[4] فإنه يوجب اشتغال ذمته ، فهو تصرف في نفسه لا في ماله.

[5] لتعلق حق الغرماء بالمال قبل صيرورته غريماً ، فلا يصح أن يشاركهم.

[6] لما سبق. وكذا الكلام فيما يأتي ، فإنه قد سبق أيضاً.

[7] وحكي عن المبسوط ، والإرشاد ، والتحرير ، واللمعة ، وجامع المقاصد ، والروضة ، والمسالك ، واختاره في الشرائع.

[8] فإن إطلاقه يقتضي نفي سلطنته على كل شي‌ء ومنه الضمان.

به بعد العتق ، كما عن التذكرة والمختلف. ونفي القدرة منصرف عما لا ينافي حق المولى [1]. ودعوى : أن الملوك


وتخصيصه بالمال - كما عن المختلف - غير ظاهر ، بل خلاف صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قالا المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا بإذن سيده. قلت : فان كان السيد زوجه ، بيد من الطلاق؟ قال (عليه السلام) : بيد السيد ، ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (1)، أفشي‌ء الطلاق؟ » (2). نعم المشهور تخصيص ذلك بما إذا كان قد تزوج أمة سيده ، أما إذا كان قد تزوج حرة أو أمة لغير سيده وكان بإذن مولاه ، فالطلاق بيده لا بيد سيده. لكنه حينئذ يكون تخصيصاً لآية الشريفة ، ولا مانع من العمل بعمومها في غيره.

[1] هذا الانصراف غير ظاهر ، بل ظاهر قوله تعالى ( مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ ) أن انتفاء القدرة لكونه مملوكاً ، وفعله مملوك تبع عينه. وإذا كان فعله مملوكاً لم يكن تحت سلطانه ، سواء كان منافياً لحق المولى أم لم يكن مضافاً إلى أن الاستدلال به في الصحيح على عدم قدرته على الطلاق صريح في عدم اختصاصه بما ينافي حق المولى. ومنه يظهر الاشكال فيما في المختلف من تخصيص الآية بالمال ، بقرينة ما بعدها من قوله تعالى ( وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ .. ) . كما يظهر إشكال آخر عليه وعلى المصنف (رحمه اللّه) ، وهو أن الآية في نفسها غير ظاهرة في جعل الحكم الشرعي ، نظير قوله تعالى : ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ .. ) (3)، فإنه لا يدل على أن كل حبة تزرع نتاجها سبعمائة حبة ، فالاستدلال بها


1) النحل : 75.

2) الوسائل باب : 45 من أبواب مقدمات الطلاق حديث : 1.

3) البقرة : 261.

لا ذمة له ، كما ترى [1] ، ولذا لا إشكال في ضمانه لمتلفاته. هذا وأما إذا أذن له مولاه فلا إشكال في صحة ضمانه [2] وحينئذ فإن عين كونه في ذمة نفسه. أو في ذمة المملوك يتبع به بعد عتقه أو في كسبه ، فهو المتبع [3] ، وإن أطلق الإذن ففي كونه في ذمة المولى [4].


لا بد أن يكون بملاحظة الاستدلال بها في الصحيح. وهو صريح في غير المال ، وصريح فيما لا ينافي حق المولى. فتأمل جيداً.

[1] هذه الدعوى لم أقف عليها لأحد فيما يحضرني. نعم ذكر في جامع المقاصد وغيره : كون ذمته مملوكة لمولاه ، فلا سلطان له عليها بغير إذنه. وفيه : أنه ممنوع ، إذا لم يرجع الى ما ذكرنا من ملكية فعله.

[2] عن المبسوط : نسبته إلينا ، وعن التذكرة : أنه قولا واحداً. وفي المختلف : « يصح ضمان العبد بإذن مولاه إجماعاً ».

[3] قال في المختلف : « وإن عينه في ذمته ، أو في كسبه ، أو في مال غيرهما من أمواله تعين ». وفي الشرائع : « ويثبت ما ضمنه في ذمته لا في كسبه إلا أن يشترط في الضمان بإذن مولاه. وكذا إذا شرط أن يكون الضمان من مال معين ». وفي القواعد : « ولو أذن له احتمل تعلقه بكسبه وبذمته ويتبع به بعد العتق ، أما لو شرطه في الضمان بإذن السيد صح. كما لو شرط الأداء من مال بعينه ». ونحوها عبارات غيرهم. وكلها تشترك في أنه إذا اشترط المولى كون الضمان في ذمة معينة - ذمته أو ذمة عبده - أو من مال معين - سواء كان كسب العبد أو غيره - تعين. ويظهر منهم المفروغية عن ذلك. وكأنه لعموم نفوذ الشروط وصحتها.

[4] في جامع المقاصد : انه لا يخلو من قرب. وفي المسالك : « لعله الأقوى ».

أو في كسب المملوك [1] ، أو في ذمته يتبع به بعد عتقه [2] ، أو كونه متعلقاً برقبته [3] ، وجوه وأقوال. أوجهها : الأول لانفهامه عرفاً [4].


[1] حكي عن بعض الشافعية. وحكاه في المسالك قولا ، وفي القواعد وغيرها احتمالا.

[2] اختاره المحقق في الشرائع. وحكى عن جملة من كتب العلامة وعن اللمعة.

[3] حكي عن نسختين من التحرير ، كما حكي عن بعض الشافعية أيضاً.

[4] يعني : يفهم من الاذن في الضمان أن المال في ذمة المولى لا في ذمة العبد ، فيكون الاذن في الضمان راجعاً إلى التوكيل فيه. ولذلك أشكل عليه في الجواهر : بأنه خلف ، لأن المفروض أن المولى أذن له في الضمان والضمان اشتغال الذمة بالدين ، فالمأذون فيه إشغال ذمته بالدين لا إشغال ذمة مولاه ، فكيف يمكن دعوى انفهامه؟!. نعم لما كان الضمان يستتبع الأداء وكان العبد عاجزاً عنه ، أمكنت دعوى كون المفهوم كون الأداء على السيد لا أنه في ذمته. وهذا هو مراد القائلين بهذا القول. ففي جامع المقاصد - بعد أن ذكر وجه القول بتعلقه بكسبه ، وهو أن إطلاق الإذن يستعقب الأداء ، والأداء من غير مال السيد ممتنع - قال : « وهذا التوجيه إن تمَّ يقتضي عدم القصر على الكسب ، بل يقتضي وجوب الأداء على السيد ، وهو قريب من قول ابن الجنيد ، ولا يخلو من قرب ». فالمراد : ان الواجب على السيد الأداء لما في ذمة العبد ، من دون اشتغال ذمته بالمال.

والمتحصل : أنه يتوجه إشكال الجواهر على المصنف (رحمه اللّه) في دعواه انفهام التوكيل من الاذن في الضمان. كما يتوجه عليه وعلى الجواهر

كما في إذنه في الاستدانة لنفقته أو لأمر آخر [1] ، وكما في إذنه في التزويج حيث أن المهر والنفقة على مولاه [2]. ودعوى الفرق بين الضمان والاستدانة : بأن الاستدانة موجبة لملكيته ، وحيث أنه لا قابلية له لذلك يستفاد منه كونه على مولاه ، بخلاف الضمان حيث أنه لا ملكية فيه [3].


إشكال حمل القول المذكور على هذا المعنى - أعني : اشتغال ذمة السيد - مع أن ظاهر عبارته كون الأداء على السيد ، لا كون الدين عليه. ومثله القولان الآخران ، فان مرجعهما الى كون الأداء على السيد من رقبة العبد أو من كسبه ، في مقابل القول المذكور ، وهو كونه على السيد مطلقاً من غير تقييد بمال معين. فالأقوال الأربعة كلها مشتركة في كون الدين بذمة العبد ، واختلفت في أنه ليس على السيد أداؤه بل يتبع به العبد بعد العتق ، أو على السيد اداؤه من ماله الخاص وهو كسب العبد ، أو من ماله الخاص وهو رقبة العبد ، أو من ماله مطلقاً ، وهذا الذي اختاره في جامع المقاصد. ومن ذلك يظهر أن الاحتمالات خمسة ، خامسها : أنه في ذمة السيد لا غير كسائر ديونه ، وهو الذي اختاره المصنف.

[1] يعني : أنه إذا أذن له في الاستدانة يكون العوض في ذمة المولى فكذلك إذا أذن له في الضمان.

[2] تقدم في هذا الشرح من مباحث النكاح : أنه إذا أذن السيد لعبده في التزويج كانت ذمة العبد مشغولة بالمهر والنفقة وذمة السيد فارغة منهما ، لكن يجب عليه الأداء.

[3] قال في الجواهر : « وفرق واضح بين إطلاق الاذن في المقام ، وبينه في الاستدانة المقتضية ملك العين المستدانة على أن يملك صاحبها مثلها أو قيمتها في ذمة المستدين ، والعبد لا قابلية له لذلك ، لما حررناه من

مدفوعة : بمنع عدم قابليته للملكية [1].


عدم ملكه لشي‌ء ، فلا وجه لإطلاق الاستدانة إلا على السيد ، بخلاف المقام الذي لا ملك فيه ».

[1] لكن على تقديره نقول في الاستدانة أيضاً : بأن الضمان على العبد ، لأن الذي دعوى الى القول بأنه على السيد امتناع الملكية ، لا ظهور الاذن في الاستدانة وكان المناسب للمصنف أن يتعرض لإشكال الجواهر الأول ، كما تعرض لإشكاله هذا ، فإن الأول أهم وألزم ، فإن الالتزام باشتغال ذمة السيد مخالفة للظاهر من دون سبب ظاهر. فهذا القول ضعيف جداً. ومثله القول بأن الدين في ذمة العبد لكن الأداء يكون من كسب العبد أو من رقبته ، فإنه بلا قرينة.

فحينئذ يدور الأمر بين القولين الآخرين : القول بأنه في ذمة العبد ولا دخل للسيد فيه ولا في وفائه ، والقول بأنه في ذمة العبد وعلى السيد وفاؤه. والظاهر اختلاف الحكم باختلاف المقامات ، فان كان العبد قد أهمله مولاه وسيّبه وأذن له في الذهاب حيث يشاء فهذا ضمانه على نفسه ولا يرتبط بالسيد : نعم يفي من كسبه وكده ، سواء بقي على رقبته أو أعتق ، فإن عجز عن الوفاء كان كغيره من المعسرين. وإن كان العبد في خدمة مولاه ويسير في ركابه ، وتحت سلطانه ورعايته ، فهذا إذا ضمن فضمانه في ذمته ، لكن وفاؤه على مولاه حسبما تقتضيه قرينة الحال. وإذا كان العبد ذا مال فضمن ، وكان ناوياً الوفاء من ماله وأذن له مولاه وقد علم بذلك ، فتلف المال بعد الضمان قبل الوفاء ، فالمال يبقى بذمته يتبع به بعد العتق ، كما ذكر المحقق. وإن شئت قلت : إذا كانت القرينة على كون ضمانه مبنياً على كون وفائه من كسبه ، أو في عهدة المولى عمل بها ، وإن لم تكن القرينة على شي‌ء كان وفاؤه بعد عتقه.

وعلى فرضه ايضاً لا يكون فارقاً بعد الانفهام العرفي [1].

السابع : التنجيز ، فلو علق الضمان على شرط - كأن يقول : أنا ضامن لما على فلان إن أذن لي أبي ، وأنا ضامن إن لم يف المديون الى زمان كذا ، أو إن لم يف أصلا - بطل على المشهور [2]. لكن لا دليل عليه - بعد صدق الضمان وشمول العمومات العامة - إلا دعوى الإجماع في كل العقود على أن اللازم ترتب الأثر عند إنشاء العقد من غير تأخير.


[1] قد عرفت أن الانفهام العرفي الذي ادعاه جامع المقاصد بالنسبة إلى الأداء ، لا بالنسبة إلى اشتغال الذمة.

[2] قال في التذكرة : « يشترط في الضمان التنجيز ، فلو علقه بمجي‌ء الشهر أو قدوم زيد لم يصح .. ( الى أن قال ) : ولو قال : إن لم يؤد إليك غداً فانا ضامن ، لم يصح عندنا. وبه قال الشافعي ، لأنه عقد من العقود فلا يقبل التعليق ، كالبيع ونحوه ». وفي القواعد جعل التنجيز شرطاً. ولم يتعرض لشرحه في جامع المقاصد. ولم يتعرض في مفتاح الكرامة لنقل ذلك عن أحد. نعم حكى عن تمهيد القواعد : الإجماع على عدم صحة التعليق في العقود على الشرط ، وان ذلك يلوح من التذكرة وكشف اللثام. وقد عرفت ما في التذكرة. وفي الرياض - في مسألة ضمان الدين الحال مؤجلا - قال : « وربما يتوهم كونه ضماناً معلقاً وهو غير جائز عندنا ، وليس كما يتوهم ، بل هو تأجيل للدين الحال » والى ذلك أشير في تلك المسألة في المسالك والجواهر ، وأهمل ذكره في الشرائع هنا ، وجملة كتب أخرى. لكن الظاهر أنه من المسلمات التي لا تقبل المناقشة والتأمل.

أو دعوى منافاة التعليق للإنشاء [1]. وفي الثاني ما لا يخفى [2] وفي الأول منع تحققه في المقام [3]. وربما يقال : لا يجوز تعليق الضمان ، ولكن يجوز تعليق الوفاء على شرط مع كون الضمان مطلقاً [4]. وفيه : ان تعليق الوفاء عين تعليق الضمان ولا يعقل التفكيك [5]. نعم في المثال الثاني يمكن أن يقال :


[1] لأن الإنشاء الإيجاد ، وكما ان الإيجاد والوجود واحد والاختلاف اعتباري ، كذلك الإنشاء والنشوء واحد والاختلاف اعتباري ، فلا يمكن أن يكون الإنشاء فعلياً والنشوء معلقاً.

[2] ضرورة صحة الإنشاء المعلق في جملة من الموارد - كالوصية التمليكية ، والتدبير ، والنذر المعلق على شرط - فضلا عن إمكان ذلك. والسر فيه : أن المعلق عليه الوجود اللحاظي لا الخارجي ، فالإنشاء يكون حالياً والمنشأ كذلك ، لكنه معلق على أمر ذهني لحاظي ، لا على الأمر الخارجي الاستقبالي ، حتى يكون منوطاً بوجوده اللاحق.

[3] لا يظهر الفرق بين المقام وغيره من موارد العقود والإيقاعات التي صرح الفقهاء بعدم صحة التعليق فيها عدا موارد مخصوصة. وقد عرفت أنه يظهر منهم عدم المناقشة فيه ، وأنه من المسلمات.

[4] قد تقدم هذا المضمون صريحاً في كلام الرياض ، وإشارة في المسالك والجواهر.

[5] إشكاله ظاهر من ملاحظة الديون المؤجلة ، فإن الدين فيها مضمون في الذمة حالاً والوفاء مؤجل. وسيأتي بيان جواز الضمان للدين الحال حالا ومؤجلا ، وهو إجماعي. والمراد منه تأجيل الوفاء مع حلول الضمان ، كما تقدم التصريح بذلك في الرياض وغيره.

بإمكان تحقق الضمان منجزاً مع كون الوفاء معلقاً على عدم وفاء المضمون له [1] ، لأنه يصدق أنه ضمن الدين على نحو الضمان في الأعيان المضمونة ، إذ حقيقته قضية تعليقية [2].


[1] هذا - مع أنه خلاف ظاهر العبارة ، فإنها مشتملة على تعليق الضمان لا تعليق الوفاء ، فكيف يكون الضمان منجزاً؟! - يلزم منه كون الضمان ضم ذمة إلى ذمة لا نقل ما في الذمة إلى ذمة أخرى ، لأن وفاء المديون المعلق على عدمه الضمان يراد منه وفاء ما في ذمته ، فلا بد أن يكون الدين في ذمته ، لا في ذمة الضامن.

[2] قال في الجواهر - في شرح قول ماتنه. « وكذا لو أبرأه من الضمان » يعني : لو فرط الودعي في الوديعة فأبرأه المالك من ضمانها برأ - : « المراد من الضمان اشتغال ذمته لو تلف بالمثل أو القيمة ، فهو كما لو قال للغاصب أبرأتك من ضمان المال المغصوب في يدك ، ونحوه مما هو إبراء مما لم يجب بعد » ، ونحوه كلام غيره. وفيه : أن ضمان العين معناه كونها في العهدة ، ووجوب المثل أو القيمة على تقدير التلف من قبيل الحكم لذلك الضمان ، لا أنه معناه ، إذ لا مانع من اعتبار وجود العين في العهدة ، في قبال وجودها في الخارج على نحو البدل عنه ، بل هو الظاهر من العرف في المضمونات. ثمَّ إنه إذا سلم كون الضمان في ضمان الأعيان من قبيل القضية التعليقية ، فحمل الضمان في المقام عليه يلزم منه كون الضمان في المقام معلق ، وقد سبق منه : أن الضمان منجز وان التعليق للوفاء لا للضمان. وأيضاً يلزم منه تكرار التعليق على أمر واحد ، لأن التعليق مأخوذ في حاق مفهومه ، وهو غير التعليق الذي تضمنته أداة الشرط. نظير قول الشارع إذا فرط الودعي ضمن ، فان فيه تعليقين أحدهما في حاق مفهوم الضمان ، لأن الضمان حسب الفرض معناه اشتغال الذمة بالمثل

إلا أن يقال : بالفرق بين الضمان العقدي والضمان اليدي [1].

الثامن : كون الدين الذي يضمنه ثابتاً في ذمة المضمون


أو القيمة على تقدير التلف ، فهو معنى داخل فيه التعليق ، وقد علق هذا المعنى التعليقي على التفريط. لكنه في لسان الشارع على أمرين ، وهنا يكون التعليقان في لسان الموجب على أمر واحد.

وبالجملة : إذا حملنا معنى الضمان في المقام على معنى الضمان في الأعيان بناء على ما ذكر في الجواهر من أنه تعليقي ، ويكون معنى : « ضمنت الدين » : أنه يلزمني الدين على تقدير عدم أداء المديون ، فحينئذ يصح إنشاؤه بلا تعليق ، بأن يقول : « ضمنت الدين » ويريد المعنى المذكور. أما إذا أنشأه معلقاً على عدم الوفاء يكون المعنى حينئذ إني يلزمني الدين على تقدير عدم وفاء الدين على تقدير عدم وفاء الدين ، فيكون عدم وفاء المديون دينه شرطاً للموضوع والحكم وهو ممتنع. اللّهم إلا أن يريد من القضية التعليقية : أن التعليق مقدر خارج عن معنى الضمان ، فيكون الضامن هنا قد خرج به ، غاية الأمر أن المعلق عليه الضمان هناك التلف. وهنا عدم أداء المديون دينه.

فالإشكال على المصنف تارة : من جهة منع كون ضمان الأعيان تعليقاً. وأخرى : أنه لو سلم فلا وجه لحمل المقام عليه ، فان الضمان هناك حكم شرعي وهنا إنشائي جعلي ، وجواز التعليق في الأول لا يقتضي جوازه في الثاني. ولو سلم لزم وجود تعليقين ولا يمكن الجمع بينهما. فتأمل.

[1] الفرق بينهما ظاهر ، فإن الأول إنشائي جعلي ، والأخر حكم شرعي غير إنشائي. والأول يختص بالذمي ، والأخر يختص بالخارجي. والأول تنجيزي ، والثاني معنى تعليقي على ما اختاره المصنف.

عنه [1] ، سواء كان مستقراً ، كالقرض والعوضين في البيع الذي لا خيار فيه ، أو متزلزلا كأحد العوضين في البيع الخياري كما إذا ضمن الثمن الكلي للبائع ، أو المبيع الكلي للمشتري ، أو المبيع الشخصي قبل القبض [2] ، وكالمهر قبل الدخول ونحو ذلك. فلو قال : [3] أقرض فلانا كذا وأنا ضامن ،


[1] قال في الشرائع : « الثاني : في الحق المضمون ، وهو كل مال ثابت في الذمة ، سواء كان مستقراً كالبيع بعد القبض وانقضاء الخيار ، أو معرضاً للبطلان كالثمن في مدة الخيار بعد قبض الثمن. ولو كان قبله لم يصح ضمانه عن البائع ». وفي القواعد : « الخامس : الحق المضمون وشرطه المالية والثبوت في الذمة ، وإن كان متزلزلا ، كالثمن في مدة الخيار والمهر قبل الدخول ». وفي مفتاح الكرامة : « كما طفحت به عباراتهم كالخلاف والغنية وغيرهما. وفي المبسوط نفي الخلاف - وظاهره بين المسلمين - عن صحة ضمان الثمن في البيع بعد تسليم المبيع ، والمهر بعد الدخول ، والأجرة بعد دخول المدة ، وعن صحة ضمان الثمن قبل التسليم ، والأجرة قبل انقضاء الإجارة ، والمهر قبل الدخول. قال : فهذه الحقوق لازمة غير مستقرة ، فيصح ضمانها أيضاً بلا خلاف ».

[2] المبيع الشخصي قبل القبض مضمون بضمان المعاوضة ، يعني : بالتلف يكون من مال البائع ، لانفساخ العقد قبله آنا ما ، وليس مضموماً بضمان اليد ، فلا يكون مضموناً في ذمة البائع. والضمان بهذا المعنى حكم شرعي لا يقبل الاسقاط ، ولا يمكن نقله الى غيره بضمانه ، وذلك يختص بالضمان باليد. نعم إذا أتلفه البائع كان ضامناً له ، لكنه بالإتلاف لا باليد.

[3] تفريع على الشرط المذكور.

أو بعه نسيئة وأنا ضامن ، لم يصح على المشهور. بل عن التذكرة الإجماع. قال : « لو قال لغيره مهما أعطيت فلانا فهو عليّ ، لم يصح إجماعاً » [1]. ولكن ما ذكروه من الشرط ينافي جملة من الفروع الآتية [2]. ويمكن أن يقال بالصحة إذا حصل المقتضي للثبوت وإن لم يثبت فعلا ، بل مطلقاً ، لصدق الضمان وشمول العمومات العامة [3] ، وإن لم يكن من الضمان المصطلح عندهم. بل يمكن منع عدم كونه منه أيضاً.


[1] في التذكرة : « ولو قال لغيره : ما أعطيت فلانا فهو عليّ ، لم يصح أيضاً عند علمائنا أجمع. وبه قال أحمد ».

[2] قال في مفتاح الكرامة - بعد ما حكى عن التذكرة العبارة المذكورة - : « وقد جوزوا ضمان أشياء كثيرة ليست ثابتة في الذمة ، كضمان الأعيان المضمونة ، وضمان العهدة ، ونقصان الصنجة ، وغير ذلك ، فهي إما مستثناة أو الشرط أغلبي ». وسيأتي في المسألة الثامنة والثلاثين وغيرها التعرض للموارد التي يكون الضمان فيها منافياً لما ذكر.

[3] قد عرفت في أول الكتاب أن الضمان إشغال الضامن ذمته بما اشتغلت به ذمة المضمون عنه ، وهو يتوقف على اشتغال ذمة المضمون عنه ليصح القصد اليه ، فاذا لم يكن في ذمة المضمون عنه شي‌ء لم يمكن للضامن قصد أشغال ذمته به ولا إنشاء ذلك ، فلا ضمان ولا عقد ، كي يتمسك بالعمومات الدالة على صحة الضمان أو صحة العقود. ولذلك لم يصح ضمان ما لم يجب. أما ما سيجب وما سيثبت فيمكن ضمانه على نحو الواجب المعلق ، أو على نحو الواجب المشروط. والثاني تعليق في الإنشاء مانع عن صحته. والأول وإن كان جائزاً لكنه غير ثابت بالنسبة إلى

التاسع : أن لا تكون ذمة الضامن مشغولة للمضمون


المضمون عنه ، فكيف يكون ثابتاً بالنسبة إلى الضامن وهو تابع له؟!.

نعم على ما عرفت من معنى الضمان فهو من ضمان ما لم يجب ، الذي لا يكون من الضمان الذي هو محل الكلام ، بل إن صح كان ضماناً بمعنى آخر. ولا يتوقف على وجود المقتضي. لكنه يكون المضمون في الذمة بدون مضمون له لفرض عدم حصول السبب الملك له ، وربما يأتي التعرض له في المسألة الثامنة والثلاثين.

كما يمكن أيضاً التعهد على غير وجه الضمان ، بأن يتعهد إنسان للزوجة بأن ترفع اليد عن النفقة التي لها على الزوج في المستقبل ، ويعطيها هو النفقة. ولا بأس به ، لدخوله في عمومات الصحة. ونظيره أن يتعهد لمن له دين على زيد أن يصلي عنه ركعتين ، ويرفع اليد عن دينه على زيد ، فإنه نوع من أنواع العقد ، إن صح لم يكن من جنس الضمان ، بل هو عقد لنفسه يدخل في عموم صحة العقود. لكن لا يسقط الدين في الفرض بمجرد العقد ، بل لا بد من إسقاط الدين من الدائن. وإذا كان العوض مفروضاً بدلا عن الدين ، كان الدين لذي العوض ولا يسقط إلا بالوفاء أو الإبراء منه. ويمكن أن تكون المعاملة بنحو آخر.

وكيف كان : فهذا ليس من الضمان في شي‌ء ، والضمان ليس مطلق التعهد ، وإلا فالعقود كلها تعهدات على أنحاء مختلفة باختلاف مضامينها ومن ذلك تعرف صحة ما ذكره الأصحاب ، كما تعرف الاشكال فيما ذكره من قوله (رحمه اللّه) : « يمكن منع عدم كونه منه ».

والذي يتحصل : أن ضمان ما لم يجب ليس من الضمان المصطلح فان صح كان ضماناً بالمعنى اللغوي ، ولا يتوقف على وجود المقتضي وسيأتي إن شاء اللّه ، فلاحظ.

عنه بمثل الدين الذي عليه ، على ما يظهر من كلماتهم في بيان الضمان بالمعنى الأعم ، حيث قالوا : إنه بمعنى التعهد بمال أو نفس [1] ، فالثاني الكفالة ، والأول ان كان ممن عليه للمضمون عنه مال فهو الحوالة ، وإن لم يكن فضمان بالمعنى الأخص. ولكن لا دليل على هذا الشرط [2] ، فاذا ضمن للمضمون عنه بمثل ما له عليه يكون ضمانا ، فان كان بإذنه يتهاتران بعد أداء مال الضمان ، والا فيبقى الذي للمضمون عنه عليه ، وتفرغ ذمته مما عليه بضمان الضامن تبرعاً ، وليس من الحوالة ، لأن المضمون عنه على التقديرين لم يحل مديونه [3] على الضامن حتى تكون حوالة ومع الإغماض عن ذلك [4] غاية ما يكون أنه يكون داخلا في كلا العنوانين [5] ، فيترتب عليه ما يختص بكل منهما مضافاً الى ما يكون مشتركا.


[1] ذكر ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما.

[2] كما أنه أيضاً لا يتم التقسيم المذكور ، بناء على صحة الحوالة على البري‌ء ، كما أشار الى ذلك في المسالك وغيرها.

[3] أصل العبارة لم يحل دائنه.

[4] يعني : يصدق عليه حوالة وإن لم يكن المضمون عنه قد أحال دائنه

[5] كما ذكر ذلك في المسالك. والذي يتحصل : الاشكال على الأصحاب من الوجوه : الأول : أن الحوالة لا تختص بالمديون للمحيل ، بل تصح على البري‌ء على قول يأتي. الثاني : أن الضمان لا يختص بالبري‌ء. فإنه لا دليل على ذلك ، والعمومات تنفيه ، فيصح من المديون. الثالث : أن الفرق بين الحوالة والضمان في نفس المفهوم ، فإن الحوالة متقومة بالمحيل

العاشر : امتياز الدين والمضمون له والمضمون عنه عند الضامن [1] ، على وجه يصح معه القصد الى الضمان. ويكفي التميز الواقعي وإن لم يعلمه الضامن [2]. فالمضر هو الإبهام والترديد [3] ، فلا يصح ضمان أحد الدينين ولو لشخص واحد على شخص واحد على وجه الترديد مع فرض تحقق الدينين ، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو لواحد ، ولا ضمان دين لأحد الشخصين ولو على واحد. ولو قال : ضمنت الدين الذي على فلان ، ولم يعلم أنه لزيد أو لعمرو ، أو الدين الذي لفلان ، ولم يعلم أنه على زيد أو على عمرو ، صح لأنه متعين واقعاً. وكذا لو قال : ضمنت لك كلما كان لك على الناس ، أو قال : ضمنت عنك كلما كان عليك لكل من كان من الناس. ومن الغريب ما عن بعضهم من اعتبار العلم بالمضمون عنه والمضمون له وبالوصف والنسب ، أو العلم باسمهما ونسبهما [4]


والمحال بل والمحال عليه ، والضمان متقوم بالضامن والمضمون له ، ولا يتوقف على رضا المضمون عنه. فالمتصدي في الضمان الضامن ، والمضمون له تابع له ، والمضمون عنه أجنبي عنه. والمتصدي في الحوالة المحيل والمحال والمحال عليه تابعان له. فالفرق بين الحوالة والضمان في المفهوم ، كالفرق بين البيع والرهن ، وليس الفرق بينهما في حدود المفهوم ، كالفرق بين النقد والنسيئة مثلا.

[1] بلا خلاف ولا إشكال.

[2] إذ لا دليل على اعتبار أكثر من ذلك ، والعمومات تقتضي الصحة.

[3] لأن المبهم لا خارجية له ، فلا ينطبق على فرد بعينه ، فلا يترتب عليه الأثر ، لأن الأثر للموجود المتعين الخارجي دون غيره.

[4] حكي عن المبسوط أنه قال : « يشترط معرفة المضمون له ،

مع أنه لا دليل عليه أصلا ، ولم يعتبر ذلك في البيع الذي


ليعرف هل هو سهل المعاملة أم لا؟ ومع انتفاء ذلك يتطرق الغرر. ومعرفة المضمون عنه لينظر هل يستحق ذلك أم لا؟ ». وحكي ذلك عن المفاتيح ، للغرر والضرر ، ولأنه ربما تمس الحاجة الى المعرفة ، ولأنه إحسان فلا بد من معرفة محله حتى لا يوضع في غير موضعه. ولا يخفى ما في الجميع من التأمل. وفي المختلف : « والوجه عندي : أن معرفة المضمون عنه شرط دون معرفة المضمون له. لنا : أن المضمون عنه لا بد أن يتميز عند الضامن ويتخصص عن غيره ، ليقع الضمان عنه ، وذلك يستدعي العلم به » وهو كما ترى. وفي الخلاف : « ليس من شرط الضمان أن يعرف المضمون له أو المضمون عنه ». واستدل على ذلك بما تضمن ضمان علي (عليه السلام) وأبي قتادة لدين الميت ، ولم يسألهما النبي (صلی اللّه عليه وآله) عن معرفة صاحب الدين ولا الميت (1)، فدل على أنه ليس من شرطه معرفتهما. وفيه : أن ذلك قضية في واقعة مجملة من هذه الجهة. فلا مجال للاستدلال بها ، كما تقدم. وفي الشرائع : « لكن لا بد أن يمتاز المضمون عنه عند الضامن بما يصح معه القصد الى الضمان ». والظاهر منه الامتياز المصحح للقصد الى الضمان ، في مقابل الإبهام المانع من القصد الى الضمان ، كما فسره به في الجواهر. لكن في المسالك حمل التمييز على التمييز التفصيلي ، فأشكل عليه : بأن القصد الى الضمان غير متوقف على معرفة من عليه الدين ، فلو قال شخص : إني أستحق في ذمة شخص مائة درهم ، فقال له آخر : ضمنتها لك ، كان قاصداً الى عقد الضمان عن أي من كان عليه الدين ، ولا دليل على اعتبار ما زاد عن ذلك.


1) تقدم التعرض للحديث في الصفحة : 248.

هو أضيق دائرة من سائر العقود.

( مسألة 1 ) : لا يشترط في صحة الضمان العلم بمقدار الدين ولا بجنسه [1]. ويمكن أن يستدل عليه - مضافاً الى العمومات العامة ، وقوله (صلی اللّه عليه وآله) : « الزعيم غارم » - بضمان علي بن الحسين (عليهما السلام) لدين عبد اللّه بن الحسن [2] ، وضمانه لدين


[1] كما عن جماعة كثيرة. وفي المسالك : أنه الأشهر. وفي جامع المقاصد : « هذا قول الشيخ وأكثر الأصحاب ، للأصل ، ولقوله (صلی اللّه عليه وآله) : الزعيم غارم ، ولأن الضمان عقد لا ينافيه الغرر » (1). وكأن المراد من الأصل العموم الدال على صحة العقود. وأما ما بعده فغير ثابت من طرقنا ، بل المروي في خبر الحسين بن خالد (2)تكذيبه. وفي المسالك : استدل بظاهر قوله تعالى ( وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) (3)، مع اختلاف كمية الحمل. لكن الظاهر أن حمل البعير مقدار معين من الوزن. وفي زماننا حمل البعير وزنتان : مائة وستون حقة اسلامبول ، أو مائتا كيلو تقريباً.

[2] روى ذلك في الفقيه ، قال : « روي أنه احتضر عبد اللّه بن الحسن فاجتمع إليه غرماؤه فطالبوه بدين لهم ، فقال لهم : ما عندي ما أعطيكم ، ولكن أرضوا بمن شئتم من أخي وبني عمي ، علي بن الحسين وعبد اللّه بن جعفر. فقال الغرماء : أما عبد اللّه بن جعفر فملي مطول ، وأما علي بن الحسين فرجل لا مال له صدوق ، وهو أحبهما إلينا. فأرسل إليه فأخبره الخبر ، فقال (عليه السلام) : أضمن لكم المال إلى غلة ، ولم يكن له


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الضمان حديث : 2.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.

3) يوسف : 72.

محمد بن أسامة [1]. لكن الصحة مخصوصة بما إذا كان له واقع معين ، وأما إذا لم يكن كذلك. كقولك : « ضمنت شيئاً من دينك » - فلا يصح [2]. ولعله مراد من قال إن الصحة إنما هي فيما إذا كان يمكن العلم به بعد ذلك [3]. فلا


غلة ، فقال القوم : قد رضينا ، فضمنه ، فلما أتت الغلة أتاح اللّه تعالى له المال فأداه » (1).

[1] مروي في الكافي عن فضيل وعبيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لما حضر محمد بن أسامة الموت دخل عليه بنو هاشم ، فقال لهم : قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم ، وعلي دين فأحب أن تقضوه. فقال علي ابن الحسين (عليهما السلام) : ثلث دينك علي. ثمَّ سكت وسكتوا ، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) : عليّ دينك كله. ثمَّ قال علي بن الحسين : أما انه لم يمنعني أن أضمنه أولاً إلا كراهة أن يقولوا سبقنا » (2). لكنهما من حكاية واقعة ، وهي مجملة لا دلالة فيها على المقصود نفياً أو إثباتاً. فاذاً العمدة في دليل الحكم العمومات.

[2] قولاً واحداً ، كما في التذكرة وجامع المقاصد والمسالك.

[3] ذكر ذلك في التذكرة وجامع المقاصد والمسالك ، قال في التذكرة : « إن قلنا بصحة ضمان المجهول فإنما يصح في صورة يمكن العلم فيها بعد ذلك ، كما لو قال : أنا ضامن للدين الذي عليك ، وأنا ضامن لثمن ما بعت من فلان ، وهو جاهل بالدين والثمن ، لأن معرفته ممكنة ، والخروج عن


1) من لا يحضره الفقيه الجزء : 3 الصفحة : 55 طبع النجف الأشرف ، الوسائل باب : 5 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.

2) روضة الكافي الصفحة : 332 الطبعة الجديدة ، الوسائل باب : 3 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.

يرد عليه ما يقال : من عدم الإشكال في الصحة مع فرض تعينه واقعاً [1]. وان لم يمكن العلم به فيأخذ بالقدر المعلوم [2]. هذا وخالف بعضهم فاشترط العلم به [3] ، لنفي الغرر والضرر ورد بعدم العموم في الأول. لاختصاصه بالبيع [4] ، أو مطلق المعاوضات [5].


العهدة مقدور عليه. أما لو لم يمكن الاستعلام فان الضمان لا يصح فيه قولا واحداً ، كما لو قال : ضمنت لك شيئا مما لك على فلان ، ونحوه ما في جامع المقاصد والمسالك.

[1] قال في الجواهر - بعد نقل ما ذكره عن التذكرة والمسالك وغيرها - : « وهو جيد إن كان المراد عدم إمكان العلم في الواقع للإبهام ونحوه - كما عساه يومئ اليه قوله « فيدفع .. » انتهى - وإلا كان محلا للنظر .. ».

[2] هذا إذا دار بين الأقل والأكثر. أما إذا دار بين المتباينين فلا بد من طريق آخر ، إما قرعة أو غيرها.

[3] حكي عن الخلاف والمبسوط والقاضي وابن إدريس. وعن كشف الرموز : أنه أشبه.

[4] فإن الحديث المشهور : « نهى النبي (صلی اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر » (1)مختص بالبيع. وفي بعض كتب العلامة روايته : « نهى النبي (صلی اللّه عليه وآله) عن الغرر » (2). لكنه غير ثابت ، بل المظنون أن مراد العلامة من ذلك هو الحديث المشهور.

[5] إما للإجماع - كما قد يدعى - وإما للتعدي عن البيع المذكور في


1) الوسائل باب : 40 من أبواب آداب التجارة حديث : 3 ، الموطأ الجزء : 2 الصفحة 111 طبعة مصر.

2) راجع التذكرة : المسألة : 2 من الركن الثالث من الفصل الثاني من الإجارة.

وبالأقدام في الثاني [1]. ويمكن الفرق بين الضمان التبرعي والاذني ، فيعتبر في الثاني دون الأول ، إذ ضمان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان تبرعياً [2]. واختصاص نفي الغرر بالمعاوضات ممنوع. بل يجري في مثل المقام الشبيه بالمعاوضة [3]. إذا كان بالاذن مع قصد الرجوع على الآذن. وهذا التفصيل لا يخلو عن قرب [4]

( مسألة 2 ) : إذا تحقق الضمان الجامع لشرائط الصحة انتقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن ، وتبرأ ذمة المضمون عنه ، بالإجماع والنصوص [5] ، خلافاً للجمهور


الحديث إلى غيره من المعاوضات.

[1] فإنه مع الاقدام لا نفي للضرر ، إما لأنه امتناني ولا امتنان في نفيه مع الاقدام. وإما لأن الظاهر من نفي الضرر في الحكم الذي يؤدي الى الضرر ، ومع الاقدام على الضرر يكون الضرر من جهة الاقدام لا من جهة الحكم.

[2] الذي يظهر من الروايتين السابقتين أنه كان بالاذن والطلب ، لكن من الخارج يعلم أنه (عليه السلام) لم يضمن بقصد الرجوع على المضمون عنه.

[3] لكن دليله غير ظاهر ، كما عرفت.

[4] لكن الجواز مطلقاً أقرب ، لما عرفت من إطلاق أدلة الصحة من دون مقيد ظاهر.

[5] في التذكرة : أنه عند علمائنا أجمع ، وبه قال ابن أبي ليلي وابن شبرمة وداود وأبو ثور ، وعن الغنية : أن عليه إجماع الطائفة. وفي المسالك : أنه موضع وفاق. وفي الحدائق : « الظاهر أنه لا خلاف فيه ». وفي الجواهر : « بلا خلاف في ذلك ولا اشكال ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل لعله من ضروريات الفقه ». وتقدم في مبحث اعتبار

حيث أن الضمان عندهم ضم ذمة إلى ذمة [1]. وظاهر كلمات الأصحاب عدم صحة ما ذكروه حتى مع التصريح به على هذا النحو. ويمكن الحكم بصحته حينئذ [2].


رضا المضمون عنه (1)صحيح ابن سنان المتضمن : أنه إذا رضي المضمون عنه فقد برئت ذمة الميت. كما تقدمت الروايات الدالة على براءة ذمة الميت بالضمان عنه. التي هي من طرقنا ومن طرق الجماعة ، كرواية أبي سعيد الخدري في ضمان علي (عليه السلام) دين الميت » ورواية جابر في ضمان أبي قتادة دين الميت.

[1] نسب في التذكرة ذلك الى عامة الفقهاء كالثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيدة وأصحاب الرأي » على خلاف بينهم في أن للمضمون عنه مطالبة كل منهما ، كما عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم ، أو أنه لا يطالب الضامن إلا إذا عجز من تحصيله من المضمون عنه لغيبته أو إعساره ، كما عن مالك.

[2] إذ لا مانع من اشتغال ذمم متعددة بمال واحد على أن يكون بعضها بدلا عن الآخر ، كما في المقام ، أو لم يلحظ فيها ذلك ، كما في تعاقب الأيدي ، فإن العين المغصوبة إذا تعاقبت عليها الأيدي كان كل واحد من ذوي الأيدي ضامناً لها على السواء فيما بينهم لم يكن قد لوحظت البدلية معه. وامتناع كون الشي‌ء الواحد في مكانين يختص بالأمور الحقيقة ، ولا يجري في الأمور الاعتبارية التي هي وجودات ادعائية اعتبرت عند العقلاء لأسباب اقتضت ذلك الاعتبار. ونظير ذلك الوجوب الكفائي. فإنه يتعدد الواجب عليهم مع وحدة الواجب ، فكما يصح اعتبار وجوب متعدد لواجب واحد يصح اعتبار ضمان متعدد لمضمون واحد،


1) راجع الصفحة : 248.

للعمومات [1].


ولا فرق إلا من حيث التكليف والوضع ، فالواجب الكفائي مع أنه واحد ثابت على كل واحد من المكلفين أو في ذمته ، والمضمون في تعاقب الأيدي أيضاً ثابت في ذمة كل واحد من ذوي الأيدي. وسيأتي في المسألة السادسة والعشرين بعض الكلام في ذلك.

[1] الظاهر أنه يريد عمومات صحة الشروط (1). لكن يشكل : بأن تلك العمومات مخصصة بما لا يخالف الكتاب والسنة ، والمراد به الشرط الذي لا يكون على خلاف الحكم الشرعي الاقتضائي ، فإذا كان مخالفاً للحكم الشرعي الاقتضائي كان باطلا. والظاهر من الدليل الدال على كون الضمان موجباً لبراءة ذمة المضمون عنه كونه مقتضياً لذلك حسب الارتكاز العقلائي ، لا أن البراءة لعدم المقتضي للاشتغال ، فاذا كانت براءة ذمة المضمون عنه لوجود المقتضي لها لا لعدم المقتضي للاشتغال فاشتراط الاشتغال يكون على خلاف الحكم الاقتضائي ، فلا يصح.

وكذا بناء على ما ذكره شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في تفسير الشرط المخالف للكتاب والسنة بأنه ما كان على خلاف إطلاق دليل الحكم ، فإن إطلاق قوله (عليه السلام) : « إذا رضي المضمون له فقد برئت ذمة الميت » (2)يقتضي البراءة حتى مع الشرط المذكور ، فيكون الشرط المذكور مخالفاً لدليل الحكم ، فيبطل. وإن كان ما ذكره - قدس سره - ضعيفاً ، فإن أكثر أدلة الأحكام مطلقة من حيث العنوان الثانوي حتى الاحكام غير الإلزامية ، وحينئذ يشكل الأمر في أكثر الشروط ، إذ ما من شرط إلا ويبدل حكم مشروطة إلى اللزوم ، وهو مناف لإطلاق دليل حكم المشروط ، ولازم


1) راجع الوسائل باب : 6 من أبواب الخيار كتاب التجارة.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.


ذلك بطلان الشروط عامة إلا النادر منها ، وهو كما ترى.

ودعوى : أن أغلب المباحات والمستحبات والمكروهات بل جميعها انما دل دليلها على حكمها بالنظر إلى الذات ومن حيث نفسها ومجرداً عن ملاحظة عنوان آخر طارئ عليه ، بخلاف أغلب المحرمات والواجبات ، فان دليل الحكم بالمنع عن الفعل أو الترك مطلق لا مقيد بحيثية تجرد الموضوع. ممنوعة ، لورود أدلة الطرفين على نهج واحد ، إما مطلقة من حيث العناوين الثانوية أو مهملة. بل ربما وردت في سياق واحد ، مثل قوله تعالى : ( يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) (1)وقوله تعالى ( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) (2)فالتفكيك بينهما بحمل : ( أَحَلَّ ) على النظر إلى الذات دون العناوين الثانوية ، و ( حَرَّمَ ) بالنظر الى العناوين الثانوية ، بلا فارق.

وكيف كان فالتحقيق : أن الشرط المخالف للكتاب هو المخالف للحكم الاقتضائي ، ومنه الشرط في المقام حسب الارتكاز العرفي ، فإن كون الحكم اقتضائياً أو غير اقتضائي لما لم يكن طريق اليه شرعاً تعين الرجوع الى المرتكزات العقلائية ، إذ لو لا ذلك كان البيان المذكور خالياً عن الفائدة ، إذ لا طريق الى تشخيص الموضوع سواه. وبالجملة : مقتضى الإطلاق المقامي الرجوع الى المرتكزات ، كما أن مقتضاه الرجوع إليها في تشخيص مفاهيم موضوعات الأحكام الشرعية. نعم إذا توقف العرف في تشخيص الحكم الاقتضائي واللااقتضائي تعين الرجوع الى الأصل ، وهو أصل عدم كون الشرط مخالفاً ، بناء على جريان الأصل في العدم الأزلي بنحو مفاد ليس الناقصة ، كما هو الظاهر. وتحقيق ذلك في مبحث الشروط


1) الأعراف : 157.

2) البقرة : 275.

( مسألة 3 ) : إذا أبرء المضمون له ذمة الضامن برئت ذمته وذمة المضمون عنه [1]. وإن أبرأ ذمة المضمون عنه لم يؤثر شيئاً [2] ، فلا تبرء ذمة الضامن ، لعدم المحل للإبراء بعد براءته بالضمان ، إلا إذا استفيد منه الإبراء من الدين الذي كان عليه ، بحيث يفهم منه عرفاً إبراء ذمة الضامن [3]. وأما في الضمان بمعنى ضم ذمة إلى ذمة فان أبرء ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن أيضاً ، وان أبرء ذمة الضامن فلا تبرء ذمة المضمون عنه. كذا قالوا. ويمكن أن يقال : ببراءة ذمتهما على


من كتاب المكاسب. فلاحظ.

[1] أما براءة ذمته : فللابراء ، وأما براءة ذمة المضمون عنه : فلأنها كانت بريئة بالضمان قبل الإبراء المذكور ، ففائدته بالنسبة إلى المضمون عنه تكون من جهة استحقاق الضامن من الرجوع عليه بالأداء ، ولا أداء ، فتكون ذمة المضمون عنه بريئة عن مال المضمون له وعن مال الضامن.

[2] قال في الشرائع : « ولو أبرأ المضمون له المضمون عنه لم يبرأ الضامن على قول مشهور لنا » وفي المسالك : « فقول المصنف : ( على قول مشهور لنا ) يشعر بثبوت مخالف منا. لكن لم نقف عليه. وفي التذكرة : ادعى إجماع علمائنا على ذلك. ولعله أراد بذلك أنه لم يتحقق الإجماع وان لم نجد مخالفاً ، فان عدم الاطلاع على المخالف لا يوجب الإجماع » وكيف كان لا ينبغي الإشكال فيما ذكره المصنف ، لما ذكره من التعليل.

[3] كما أشار الى ذلك في الجواهر. لكنه قال : « إلا أن ذلك لو سلم فهو خروج عما نحن فيه ، ضرورة كون المراد من الحيثية المزبورة ، لا من حيث دعوى دلالة العرف على إرادة براءة ذمة الضامن أيضاً. مع أنها واضحة المنع على مدعيها مع عدم القرائن ».

التقديرين [1].

( مسألة 4 ) : الضمان لازم من طرف الضامن والمضمون له [2] ، فلا يجوز للضامن فسخه حتى لو كان بإذن المضمون عنه وتبين إعساره [3]. وكذا لا يجوز للمضمون له فسخه والرجوع على المضمون عنه [4] ، لكن بشرط ملاءة الضامن حين الضمان أو علم المضمون له بإعساره ، بخلاف ما لو كان معسرا حين الضمان وكان جاهلا بإعساره ، ففي هذه الصورة يجوز له الفسخ على المشهور [5] ، بل الظاهر عدم الخلاف


[1] بأن يفهم منه ارادة رفع اليد عن الدين المضمون ، كما سبق في إبراء ذمة المضمون عنه على قول الأصحاب ، بل هنا أولى. لكنه خروج عن موضوع البحث ، كما تقدم من الجواهر في المسألة السابقة. أو يقال : بأن الإبراء بمنزلة الاستيفاء ، فكما ان استيفاء الدين من أحدهما يوجب براءة الآخر ، كذلك إبراء أحدهما منه. وسيأتي التعرض لذلك في المسألة السادسة والعشرين.

[2] بلا خلاف ظاهر ، بل الظاهر الاتفاق عليه ، كما يظهر من كلامهم في المسألة الآتية. وتقتضيه أصالة اللزوم.

[3] كما يقتضيه إطلاق الفتاوى. وتقتضيه أصالة اللزوم.

[4] بلا إشكال ولا خلاف ، كما في الجواهر ، لأصالة اللزوم.

[5] بل لا خلاف فيه عندنا ، كما في الجواهر ، وعن ظاهر الغنية : الإجماع عليه. وعن السرائر : نسبته إلى أصحابنا. وفي جامع المقاصد : « ظاهرهم أن هذا الحكم موضع وفاق ». وعن الرياض : أنه لم نجد خلافاً فيه.

فيه. ويستفاد من بعض الاخبار أيضاً [1]. والمدار - كما أشرنا إليه - في الإعسار واليسار على حال الضمان ، فلو كان


[1] يريد موثق الحسن بن الجهم : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وله علي دين وخلف ولداً رجالا ونساء وصبيانا ، فجاء رجل منهم فقال : أنت في حال مما لأبي عليك من حصتي ، وأنت حل مما لإخوتي وأخواتي ، وأنا ضامن لرضاهم عنك. قال : تكون في سعة من ذلك وحل. قلت : وإن لم يعطهم. قال : ذلك في عنقه. قلت : فان رجع الورثة علي فقالوا : أعطنا حقنا. فقال (عليه السلام) : لهم ذلك في الحكم الظاهر ، وأما بينك وبين اللّه تعالى فأنت في حل منها إذا كان الرجل الذي أحلك يضمن رضاهم. قلت : فما تقول في الصبي ، لأمه ان تحلل؟ قال (عليه السلام) نعم إذا كان لها ما ترضيه وتعطيه. قلت : فان لم يكن لها مال؟ قال (عليه السلام)؟ فلا » (1). لكن مورده التحليل لا الضمان. ومفاده أن الملاءة شرط الصحة فيه لا شرط اللزوم كما هو المدعى. وأن ذلك مختص بالصبي وأمه ، دون البالغ وأخيه ، فإن إطلاق الصحة في الثاني يقتضي عدم الشرطية فيه ، فيكون صدر الحديث دليلا على عدم الخيار. ولذلك قال في مفتاح الكرامة : « والشهرة تجبر السند والدلالة ». وفي الجواهر قال : « وما عساه يشعر به ذيل خبر ابن الجهم .. » فلم يجعل الخبر دالا عليه. هذا مضافاً الى ما فيه من الاشكال من صحة التحليل بلا إذن الدائن ، أو الضمان بلا إذن المضمون له. ولم يعرف خبر يدل على المشهور غير ما ذكر. نعم قيل : إن فتوى ابن إدريس به وذكره الشيخ له في النهاية يدل على أن به خبراً أو إخبارا. انتهى. ولعله اجتهاد منهما في دلالة خبر ابن الجهم. وفي الجواهر : استدل عليه بما دل على اشتراط


1) الوسائل باب : 4 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.

موسراً ثمَّ أعسر لا يجوز له الفسخ [1]. كما أنه لو كان معسراً ثمَّ أيسر يبقى الخيار [2]. والظاهر عدم الفرق في ثبوت


الملاءة في المحال عليه ، لأن الحوالة أخت الضمان. لكن لم تثبت هذه الأخوة في المقام.

[1] كما صرح به في التذكرة والقواعد والتحرير وغيرها ، وفي مفتاح الكرامة : « طفحت به عباراتهم منطوقاً ومفهوماً ». وظاهر جامع المقاصد : أن ظاهرهم الاتفاق عليه. ويقتضيه أصالة اللزوم بعد اختصاص دليل الخيار في الصورة السابقة. ومثله ما إذا ضمن باستدعاء المضمون عنه بانياً على الرجوع اليه فتبين إعساره ، فإنه لا خيار للضامن ، لاختصاص الدليل بالمضمون له.

[2] وفي الجواهر : « قد يقوى عدم الخيار أيضاً لو كان معسراً حال الضمان ولم يعلم به حتى تجدد يساره للأصل ». لكن الأصل يقتضي بقاء الخيار لا عدمه. إلا أن يقال : أصالة اللزوم تقتضي عدم الخيار ، ولم يثبت لها مخصص ، لما عرفت من إجمال دليل التخصيص ، والمتيقن منه غير هذه الصورة. نعم إطلاق كلمات الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين زوال الإعسار وبقائه. اللّهم الا أن يكون تعليلهم الحكم بالإرفاق يقتضي الاختصاص بغير من تجدد يساره. ولكنه يعم من علم بإعساره حال الضمان أيضاً. اللّهم إلا أن يكون عدم الفسخ مع العلم بالإعسار موجباً لسقوط الخيار وإن لم يتجدد اليسار لأنه فوري ، وحينئذ يتعين تخصيص الاستثناء بصورة عدم العلم بالإعسار ، كما ذكر في الجواهر. لكن الظاهر أن التعليل بالإرفاق من باب بيان الحكمة لا العلة ، والا لم يكن وجه للاقتصار في الخيار على الصورة المذكورة. وحينئذ يكون إطلاق كلماتهم بلا مقيد.

الخيار مع الجهل بالإعسار بين كون المضمون عنه ايضاً معسراً أولا [1]. وهل يلحق بالإعسار تبين كونه مماطلا مع يساره في ثبوت الخيار أو لا؟ وجهان [2].

( مسألة 5 ) : يجوز اشتراط الخيار في الضمان للضمان والمضمون له [3].


[1] كما في الجواهر. لإطلاق الفتاوى.

[2] من ظهور اتفاقهم على اختصاص الخيار بصورة الإعسار مع الجهل به ، ومن قاعدة نفي الضرر. ولذا ذكر في الجواهر : أن إطلاق الفتاوي يقتضي عدم الخيار مع الملاءة وان لم يكن وفيا. بل ظاهرهم عدم ثبوته بغير ذلك من وجوه الضرر أو تعسر الاستيفاء. ولكنه لا يخلو من نظر. لكن العمل بقاعدة نفي الضرر لإثبات الخيار ليس بناء الأصحاب عليه في البيع ، وليس من أنواع الخيار خيار المماطلة للبائع أو المشتري. وكأنه لعدم الضرر فيها ، وانما فيها تحديد سلطنة المالك عن ملكه وحبسه عنه. ولذلك قال في المسالك : « وكما لا يقدح تجدد إعساره المانع من الاستيفاء كذا لا يقدح تعذر الاستيفاء منه بوجه آخر ، فلا يرجع على المضمون عنه متى لزم الضمان ». هذا مع عدم إمكان الإجبار ، والا فلا مجال للقول بالخيار.

[3] وهو الأصح كما في جامع المقاصد ، وحكاه عن صريح بيع التذكرة وظاهر بيع القواعد والمعتبر وغيرها. لكن في القواعد في كتاب الضمان ذكر أن شرط الخيار في الضمان مفسد ، وفي التذكرة : « لو شرط الضامن الخيار لنفسه كان باطلا ، لأنه ينافي مقتضي الضمان ، فان الضامن على يقين من الغرر » ، - وهو كما ترى - غير ظاهر.

والذي ينبغي ابتناء الجواز وعدمه على كون اللزوم في المقام من

لعموم أدلة الشروط. والظاهر جواز اشتراط شي‌ء لكل منهما [1] ، كما إذا قال الضامن : « إنا ضامن بشرط أن تخيط


الحقوق أو من الأحكام ، فعلى الأول يجوز الشرط ، وعلى الثاني لا يجوز ، لأنه مخالف للكتاب. والمرتكزات العرفية تقتضي الأول ، وهو ظاهر المانعين ، فإن العلامة في التذكرة علل المنع بما عرفت ، لا بكون اللزوم حكمياً ، وصرح بجواز شرط الخيار للمضمون له ، لأن له الخيار في الإبراء والمطالبة ، ولو كان اللزوم عنده حكمياً لم يجز شرط الخيار حتى للمضمون له.

وعلى ذلك يبتني جواز التقابل لاختصاص الإقالة بما يكون الفسخ فيه من حقوق الطرفين ، ولا تكون فيما لا يكون الفسخ كذلك. لأن أدلة الإقالة العامة ليست واردة في مقام إثبات قابلية المحل ، وإنما هي واردة في مقام تشريعها على تقدير القابلية. فالقابلية تحرز من الخارج ، والإطلاقي المقامي يقتضي الرجوع الى العرف في إحراز القابلية ، والارتكاز العرفي يقتضي ثبوت القابلية فيما كان الفسخ من الحقوق الراجعة إلى طرفي المعاقدة.

والظاهر اطراد ذلك في عامة العقود المتعلقة بالنفس أو المال ، فإن إيقاعها من حقوق الطرفين وفسخها كذلك ، ما لم يقم دليل على الخلاف. كالنكاح والوقف ، لما دل على لزومهما وعدم تمكن المتعاقدين من فسخهما. فما لم يقم ذلك الدليل فالارتكاز العرفي يقتضي جواز الإقالة ، لتعلق العقد بحقوق الطرفين وشؤونهما ، وكما أن لهما إيقاعه لهما فسخه ، ولأجل ذلك يصح شرط الخيار فيه. والضمان من قبيل ذلك ، لما عرفت من أن لزومه مأخوذ من أصالة اللزوم الذي هو من حقوق المتعاقدين ، ولا دليل على لزومه حكماً كالنكاح.

[1] كما يقتضيه عموم أدلة الشروط الذي كان بناؤهم على العمل به

لي ثوباً » ، أو قال المضمون له : « أقبل الضمان بشرط أن تعمل لي كذا ». ومع التخلف يثبت للشارط خيار تخلف الشرط [1].

( مسألة 6 ) : إذا تبين كون الضامن مملوكاً وضمن من غير إذن مولاه ، أو بإذنه وقلنا إنه يتبع بما ضمن بعد العتق ، لا يبعد ثبوت الخيار للمضمون له [2].

( مسألة 7 ) : يجوز ضمان الدين الحال حالا ، ومؤجلا [3]


في الضمان بشرط التأجيل أو الحلول ، وبشرط أن يكون الضمان من مال معين وغير ذلك. لكن في التذكرة : « لو ضمن رجل عن غيره ألفاً وشرط المضمون له أن يدفع اليه الضامن أو المضمون عنه كل شهر درهماً لا يحسبه من مال الضمان بطل الشرط إجماعاً » ، والظاهر أن دعوى الإجماع المذكورة مبنية على كونه من الربا المحرم بالإجماع ، وإلا فلم أقف عن من تعرض لهذا الشرط ولحكمه ، فضلا عن كونه معقد إجماع. وليس هو من الربا في البيع ، ولا في القرض. ثمَّ إنه إذا تمَّ ذلك في الشرط للمضمون له لا يتم في الشرط للضامن ، لان الشرط الموجب للربا ما يرجع الى الدائن ، دون ما يرجع الى المديون.

[1] لأنه مقتضى الشرط عرفات ، فكأن المشترط اشترط الشرط ، واشتراط الخيار على تقدير تخلف الشرط ، وقد عرفت أن عقد الضمان يقبل الخيار بالشرط.

[2] لأن ذلك نوع من الإعسار الموجب للخيار.

[3] أما مؤجلا : فقد حكى الإجماع عليه في الشرائع ، قال : « والضمان المؤجل جائز إجماعا ». وفي المسالك : أنه موضع وفاق.

وكذا ضمان المؤجل حالا ، ومؤجلاً [1] بمثل ذلك الأجل ، أو أزيد ، أو أنقص. والقول بعدم صحة الضمان إلا مؤجلا [2] وانه يعتبر فيه الأجل كالسلم ، ضعيف [3] ، كالقول بعدم صحة ضمان الدين المؤجل حالاً [4] ،


ونحوهما ما عن التنقيح وإيضاح النافع وجامع المقاصد والمفاتيح. وعن الكفاية : « لا أعرف فيه خلافا ». ويقتضيه عموم الأدلة. قال في المسالك : « وليس هذا تعليقاً للضمان على الأجل ، بل تأجيل للدين الحال في عقد لازم فيلزم ». وأما حالاً : فسيأتي نقل الخلاف فيه من الشيخ.

[1] أما ضمان المؤجل حالاً ، فهو مقتضى عموم الصحة في الضمان وفي شرط الحلول ، وفي الشرائع - بعد أن ذكر ما سبق - قال : « وفي الحال تردد أظهره الجواز » وسيأتي فيه نقل خلاف الشيخ والفخر أيضاً. وأما ضمان المؤجل مؤجلاً : فلا اشكال فيه إذا كان أجل الضمان أبعد. وأما إذا كان مساوياً فيأتي فيه الخلاف المحكي عن الشيخ. وإذا كان أجل الضمان أقل فيأتي فيه خلاف الشيخ والفخر أيضاً. لكن عموم الصحة يقتضي صحته من دون مخصص كما يأتي.

[2] حكى في المختلف عن الشيخ في النهاية أنه قال : « ولا يصح ضمان مال ولا نفس إلا بأجل معلوم » ونسب في المختلف ذلك إلى المقنعة والى ابن البراج في الكامل وابن حمزة. قال في مفتاح الكرامة : « لم أجد ذلك في المقنعة ». وفي السرائر : حمل كلام النهاية على انه إذا اتفقا على كون الضمان بأجل فلا بد من تعيينه ، وجعله حق اليقين. لكنه خلاف ظاهر العبارة ، كما فهمه الأصحاب.

[3] لمخالفته للعمومات المقتضية للصحة.

[4] في جامع المقاصد في شرح قول مصنفه : « والأقرب جواز


العكس » - يعني : جواز ضمان المؤجل حالا - قال : « وجه الأقرب : أن الأداء معجلاً جائز ، فكذا الضمان ، لأنه كالأداء. وقال الشيخ : إنه لا يصح ، لأن الفرع لا يكون أقوى من الأصل. وفي هذا التوجيه ضعف. ولأن الضمان نقل المال على ما هو به ، ولا يرد تأجيل الحال ، لأن ذلك شرط زائد يستقل صاحب الحق بإثباته في العقد اللازم ، بخلاف الأجل الذي هو مشترك بين المضمون له والمضمون عنه. ولأن الحلول زيادة في الحق ، ولهذا يختلف الأثمان به ، وهذه الزيادة غير واجبة على المديون ولا ثابتة في ذمته ، فيكون ضمان ما لم يجب ، فلا يصح عندنا. وهذا التوجيه الأخير ذكره الشيخ فخر الدين ولد المصنف ، وحسنه في المختلف. وهو المختار ». وقد أشار بذلك إلى ما ذكره العلامة في المختلف قال : « إذا ضمن المؤجل حالاً قال في المبسوط : الأقوى أنه لا يصح ، لأنه لا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل. والوجه عندي الصحة ، ولا نسلم تحقق القوة هنا ، فإنه كما يجوز للمضمون عنه دفع المال معجلا كذا يجوز الضمان معجلاً ، فان الضمان كالقضاء .. ( الى أن قال ) : وقد استخرج ولدي العزيز محمد - جعلت فداه - وجهاً حسناً يقوي قول الشيخ ، وهو أن الحلول زيادة في الحق ولهذا تختلف الأثمان به ، وهذه الزيادة غير واجبة على المديون ، ولا ثابتة في ذمته ، فيكون ضمان ما لم يجب ، فلا يصح عندنا ».

وقد تضمن كلامهما هذا وجوهاً من الاشكال. منها : أن الفرع لا يكون أقوى من الأصل. ومنها : أن الضمان نقل المال على ما هو به. ومنها : أن الحلول زيادة غير ثابتة في ذمة المديون فيكون ضمانها ضمان ما لم يجب لكن الجميع كما ترى ، بل ما كان يؤمل من مقامه الرفيع في التحقيق والإتقان الاعتماد على مثل هذه الوجوه الضعيفة. إذ لا دليل على


القاعدة الأولى على نحو تمنع من الصحة في المقام. والضمان في المقام لنفس الدين على ما هو عليه ، والأجل ليس مضموناً ، وإنما هو ظرف أداء المضمون. ومن ذلك يظهر ضعف الوجه الأخير. والذي يظهر من عبارة المختلف اختيار الصحة ، كما هو المشهور. والاستحسان منه إنما كان للوجه لا للفتوى بالمنع. ولعل فخر المحققين كذلك.

والذي يتحصل مما ذكر : أن الدين المضمون تارة : يكون حالاً ، وأخرى : مؤجلا ، وكل منهما إما يضمن حالا ، أو مؤجلا ، فهذه أربعة صور ، والصورة الرابعة - وهي ضمان المؤجل مؤجلا - تارة : يكون الأجل فيها مساوياً لأجل الدين ، وأخرى : يكون أقل ، وثالثة : يكون أكثر. فهذه ست صور. وفي كل منها إما أن يكون الضمان بسؤال المضمون عنه ، أو تبرعاً من الضمان. فهذه اثنتا عشرة صورة. والاشكال والخلاف يكون في صورة ضمان المؤجل حالا كما عن الشيخ في المبسوط ، واختاره في جامع المقاصد ، وتردد فيه في الشرائع في آخر كتاب الضمان ، وإن جزم بالصحة في أوائل الكتاب ، وصورة ضمان الحال حالا ، كما تقدم عن الشيخ في النهاية ، ونسب إلى المقنعة وغيرها ، كما عرفت ، خلافاً للشيخ في المبسوط فاختار الجواز. وصورة ضمان المؤجل بأجل أقل. وفي المختلف نسب الى الشيخ الإجماع ، للمنع من الضمان الحال - الذي تقدمت حكايته عن النهاية - بأن الضمان شرع للإرفاق بالمضمون عنه ، فاذا كان الضمان حالا ورجع الضامن على المضمون عنه لم يكن إرفاق به. وفيه : أنه لو تمَّ أنه إرفاق فهو بملاحظة إفراغ ذمته بالضمان ، وهو حاصل في الحال. مع أنه عليه يختص المنع بصورة ما إذا كان الضمان موجباً للرجوع على المضمون عنه لكونه بسؤاله ، أما إذا لم يكن كذلك - بأن كان تبرعاً - فلا إشكال في الجواز.

أو بأنقص. ودعوى : أنه من ضمان ما لم يجب ، كما ترى [1] ،

( مسألة 8 ) : إذا ضمن الدين الحال مؤجلا بإذن المضمون عنه فالأجل للضمان لا للدين [2] ، فلو أسقط الضامن أجله وأدى الدين قبل الأجل يجوز له الرجوع على المضمون عنه [3] ، لأن الذي عليه كان حالا [4] ولم يصر مؤجلا بتأجيل الضمان. وكذا إذا مات قبل انقضاء أجله وحل


[1] إذ الضمان الدين ، وهو ثابت في الذمة لا للأجل ، فإن الأجل للوفاء بما في الذمة ، لا أنه مضمون بنفسه.

[2] وفي الجواهر : أنه لا يخلو من قوة. والمراد به أنه أجل لجواز مطالبة الضامن ، فلا تجوز مطالبته قبله ، فان ذلك مقتضى الشرط النافذ الصحيح ، وهو لا يرتبط بالدين الذي كان في ذمة المضمون عنه ، فان لم يكن مؤجلا قبل الضمان ، والضمان لا يقتضي تأجيله ، لأن الشرط لم يكن متعلقاً به ، وانما كان متعلقاً بالضمان.

[3] كما صرح به في جامع المقاصد والمسالك والحدائق والجواهر. وعن المبسوط والتحرير والتذكرة : التنبيه عليه.

[4] لا يخفى أن الدين الذي عليه كان للمضمون عنه ، وقد فرغت ذمته منه حالا كان أو مؤجلا ، وليس للضامن عليه شي‌ء سابقاً ، وانما حدث لدفع الضامن إلى المضمون له ، فليس هناك دين حال كي يعلل به الحكم. وكان اللازم تعليله بإطلاق ما دل على جواز رجوع الضامن على المضمون عنه بما دفعه المقتضي للحلول. لكن ذلك إذا أذن في الضمان عنه مطلقاً. أما إذا أذن بشرط الأجل ففي جواز الرجوع قبل الأجل إشكال ، إذ قد يرجع ذلك الى اشتراط الأجل في الرجوع إليه ، فلا يجوز الرجوع اليه قبله.

ما عليه وأخذ من تركته يجوز لوارثه الرجوع على المضمون عنه [1]. واحتمال صيرورة أصل الدين مؤجلا حتى بالنسبة إلى المضمون عنه ضعيف.

( مسألة 9 ) : إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن كذلك ، فمات وحل ما عليه وأخذ من تركته ليس لوارثه الرجوع على المضمون عنه إلا بعد حلول أجل أصل الدين [2] لأن الحلول على الضامن بموته لا يستلزم الحلول على المضمون عنه. وكذا لو أسقط أجله وأدى الدين قبل الأجل لا يجوز له الرجوع على المضمون عنه إلا بعد انقضاء الأجل.


[1] كما صرح بذلك في جامع المقاصد والمسالك والحدائق والجواهر وعن المبسوط والتحرير والتذكرة : التنبيه عليه. لما ذكر فيما قبله. ويشكل أيضاً إطلاقه بما سبق فيما قبله.

[2] قال في القواعد : « ولو ضمن الحال مؤجلا تأجل ، وليس للضامن مطالبة المديون قبل الأداء. وإذا مات حل ، ولورثته مطالبة المضمون عنه قبل الأجل. ولو كان الأصل مؤجلا لم يكن لهم ». وذكره في الجواهر من دون نقل خلاف. وكذا في مفتاح الكرامة حاكيا له عن صريح المبسوط والتذكرة والتحرير ، معللا له بما في المتن. وتبعه في الجواهر. لكن قد عرفت أن الدين الأصلي قد فرغت منه ذمة المضمون عنه فلا يتصف بالحلول أو التأجيل. وإطلاق ما دل على رجوع الضامن على المضمون عنه بما أداه يقتضي جواز الرجوع في المقام بعد الأداء من دون مقيد يقتضي تأجيل الرجوع. ومجرد كون الدين الذي كان على المضمون عنه مؤجلا لا يقتضي التأجيل للدين الجديد. نعم إذا كان إذن

( مسألة 10 ) : إذا ضمن الدين المؤجل حالاً بإذن المضمون عنه [1] ،


المضمون عنه مقيداً بالمؤجل ، بحيث يفهم منه اشتراط عدم الرجوع إليه قبل الأجل ، كان الشرط المذكور مانعاً من الرجوع على المضمون عنه ، وهو أمر آخر غير كون الدين مؤجلا في نفسه. وبالجملة : تعليل جواز الرجوع على المضمون عنه حالا ومؤجلا يكون الدين الذي كان عليه حالا أو مؤجلا ، غير ظاهر ، لعدم دخل ذلك به ، وانما الدخيل فيه الاذن مطلقاً أو مشروطاً بعدم الرجوع حالا.

[1] إذا ضمن المؤجل حالاً صار الدين حالاً بالنسبة إلى الضامن ، فيجب عليه الأداء حالاً. وهل يكون حالاً بالنسبة إلى المضمون عنه ، بحيث يكون للضامن الرجوع عليه بمجرد الأداء قبل الأجل؟ فيه أقوال : الأول : عدمه مطلقاً. قال في التذكرة : « على قولنا إنه يصح ضمان المؤجل حالا ، إذا أدى الضامن المال الى صاحبه لم يكن له مطالبة المضمون عنه إلا عند الأجل إن أذن له في مطلق الضمان. ولو أذن له في الضمان عنه معجلا ، ففي حلوله عليه إشكال ، أقربه عدم الحلول أيضاً ». وفي مفتاح الكرامة : نسب ذلك الى المختلف والمسالك والروضة وظاهر التحرير ومجمع البرهان. الثاني : أنه يجوز الرجوع الى المضمون عنه بسؤاله مطلقاً. حكاه في مفتاح الكرامة عن صريح التنقيح. ولعله ظاهر القواعد ، حيث قال : « فيحل مع السؤال على إشكال ». الثالث : أنه يصير حالا مع التصريح بالاذن حالا ، لا مع الإطلاق. حكاه في مفتاح الكرامة عن ظاهر المفاتيح. الرابع : أنه مع التصريح بالسؤال حالا يرجع عليه حالا ، وأما مع الإطلاق فمحل إشكال. وحكاه في مفتاح الكرامة عن الإيضاح. قال في جامع المقاصد : « وأعلم أن الشارح ولد المصنف قال : إن موضع

فان فهم من إذنه رضاه بالرجوع عليه يجوز للضامن ذلك ، وإلا فلا يجوز إلا بعد انقضاء الأجل. والاذن في الضمان أعم من كونه حالا.

( مسألة 11 ) : إذا ضمن الدين المؤجل بأقل من أجله وأداه [1] ، ليس له الرجوع على المضمون عنه الا بعد انقضاء


الاشكال ما إذا أذن في الضمان وأطلق ، أما إذا أذن فيه حالا فلا إشكال في الحلول. وليس بشي‌ء. بل قد يقال : إنه مع الإطلاق لا إشكال في عدم الحلول ». ومن ذلك يظهر قول خامس ، وهو ما ذكره في جامع المقاصد.

والأقرب هو الثاني ، لإطلاق ما دل على رجوع الضامن على المضمون عنه عند أداء مال الضمان من دون مقيد ظاهر. والاذن في الضمان وإن كانت أعم من كونه حالا ، لكن الإطلاق المتقدم كاف في جواز الرجوع. ومن ذلك يظهر ضعف الثالث ، الذي جعله في الجواهر الأقوى ، لعدم اقتضاء الإطلاق الاذن في التعجيل ، فيكون كالمتبرع. إذ التعجيل في الرجوع لا يحتاج إلى الاذن ، بل يكفي فيه إطلاق الدليل الدال عليه. والذي اختاره المصنف هو المنع من الرجوع على المضمون عنه مطلقاً ، إلا أن يفهم من اذنه رضاه بالرجوع عليه. ولعله راجع الى القول الأول ، أو هو قول سادس والذي يقتضيه إطلاق أدلة الرجوع على المضمون عنه هو القول الثاني. إلا أن يفهم من الاذن بالضمان المؤجل اشتراط عدم الرجوع عليه قبل الأجل ، فيجب العمل بالشرط. ولعله يكون قولاً سابعاً. ومنه يظهر ضعف بقية الأقوال ، فإن المنع من الرجوع قبل الأجل مطلقاً - كما هو القول الأول - أو في بعض الصور - كما في الأقوال الأخر - خلاف إطلاق ما دل على الرجوع على المضمون عنه إذا كان بسؤاله ، كما يأتي.

[1] الذي يظهر من الجواهر أن هذه المسألة نظير المسألة السابقة ،

أجله. وإذا ضمنه بأزيد من أجله فأسقط الزائد وأداه جاز له الرجوع عليه ، على ما مر [1] من أن أجل الضمان لا يوجب صيرورة أصل الدين مؤجلاً. وكذا إذا مات بعد انقضاء أجل الدين قبل انقضاء الزائد فأخذ من تركته ، فإنه يرجع على المضمون عنه.

( مسألة 12 ) : إذا ضمن بغير إذن المضمون عنه برئت ذمته ، ولم يكن له الرجوع عليه [2] وإن كان أداؤه بإذنه أو أمره [3]. الا أن يأذن له [4]


يأتي فيها الأقوال كلها. لوجود مأخذ الأقوال المذكورة فيها بعينها.

[1] ومر الكلام فيه في المسألة الثامنة ، وأنه وان لم يوجب أجل الدين لكنه قد يوجب اشتراط عدم الرجوع قبل أجل الضمان.

[2] قال في الشرائع : « ويرجع الضامن على المضمون عنه بما أداء إن ضمن بإذنه ولو أدى بغير اذنه ، ولا يرجع إذا ضمن بغير إذنه ولو أدى بإذنه » وفي المسالك بعد أن ذكر أن العبارة تتضمن أحكاما أربعة : اثنين بالمنطوق واثنين بالمفهوم ، قال : « وحكم الأربعة كما ذكر عند علمائنا أجمع » وفي جامع المقاصد : « والحكم عدم الرجوع فيهما عند علمائنا ذكره في التذكرة ». وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه عليه » ونحو ذلك كلام غيرهم. ويكفي في إثباته أصالة البراءة لو لا ما يقتضيه إطلاق الاخبار الآتية في المسألة الآتية ، لشمولها لما نحن فيه. فالعمدة إذاً الإجماع.

[3] كما صرح به في معقد إجماع المسالك وجامع المقاصد وغيرهما ، إذ الاذن في أداء ما وجب أو الأمر به ليس من أسباب الضمان.

[4] كما مال إليه في الجواهر ، وجعله نظير ما إذا قال ، لأجنبي :

في الأداء عنه [1] تبرعاً منه في وفاء دينه ، كأن يقول : « أد ما ضمنت عني وارجع به عليّ » على إشكال في هذه الصورة أيضاً [2] ،


أدّ عن الضامن المتبرع وارجع به علي ، فإذا أدى بعنوان امتثال أمر المضمون عنه اتجه الرجوع عليه.

[1] يعني : عن الآذن.

[2] حكاه في الجواهر عن بعض الناس ، معللا له بما ذكر في المتن ، ثمَّ قال : « لا يخلو من نظر أو منع بعد ما عرفت ». والمراد مما عرفت قاعدة الاحترام ، فإنه وإن لم يكن دليل على قاعدة الاحترام كلية ، لكن المتيقن منها صورة استيفاء عمل الغير. وهو على قسمين : الأول : أن يكون الاستيفاء بالأمر على وجه الضمان ، كما في المثال الذي ذكره. والظاهر أنه لا إشكال في الضمان ، فإن الأمر به على وجه الضمان من المعاملات العرفية الممضاة من الشارع المقدس ، بشهادة استقرار سيرة المتشرعة عليها. فهي نظير القرض الذي هو تملك للعين على وجه الضمان بالمثل في المثليات وبالقيمة في القيمات ، فاذا قال له : « أقرضني درهماً » أو « أقرضني ثوباً » كان ضامنا لدرهم في الأول ولقيمة الثوب في الثاني ، لأن معنى : « أقرضني » : ملكني على وجه الضمان. كذلك الأمر في المقام ، فاذا قال : « ادفع عني لزيد درهما وعلي ضمانه » أو « خط ثوب زيد وعلي ضمانه » كان ضامناً في الأول لدرهم وفي الثاني قيمة الخياطة ، فهي معاملة جرت عليها سيرة العرف والمتشرعة ، أشبه ما يكون بالجعالة ، فتكون صحيحة ، وتستوجب الضمان. وتوهم : أنها وعد لا يجب الوفاء به. غريب ، لاختصاصه بالوعد بالإحسان المجاني ، ولا ينطبق على الإحسان المعاوضي.


الثاني : ما لا يكون الأمر على وجه الضمان ، كما إذا قال للحلاق : « احلق رأسي » فحلق رأسه ، وكان كل من الآمر والمأمور غافلا عن الضمان ، فإنه يكون الآمر ضامناً للأجرة ما لم يقصد المأمور المجانية. والضمان في المقام لا يكون مستنداً إلى معاملة ، لعدم قصد العوض منهما. والمعروف عندهم الضمان أيضاً ، اعتماداً على قاعدة احترام مال المسلم كدمه ، فان استيفاءه بلا عوض ظلم وعدوان.

فاذا كان المناط في الضمان في القسمين أمراً واحداً ، تعين أن يكون سبب الضمان في القسم الأول هو الاستيفاء أيضا ، ولا المعاملة ، ويكون الضمان في المقامين لقاعدة الاحترام. وإذا كان سبب الضمان فيهما مختلفاً كان الضمان في القسم الأول مقتضى المعاملة ، وفي الثاني لقاعدة الاحترام. والذي يظهر من الجواهر وغيرها : أن المناط في الضمان في القسمين واحد ، ولذلك جعل الضمان في المثال المذكور في الجواهر هو قاعدة الاحترام. وهو محتمل ، بل في كتاب الإجارة جزمنا به. ولكن الأظهر خلافه.

هذا كله إذا كان الأمر بالفعل على أن يكون للآمر ، وأما إذا كان للفاعل كما إذا قال له : « أدّ دينك ، وأنفق على زوجتك ، وأحسن إلى من أساء إليك » ففعل المأمور لم يكن الآمر ضامناً ، لعدم الدليل عليه ، بل هو على خلافه. ضرورة أن الأمر بالمعروف واجباً كان أو مستحباً لا يوجب ضمان الآمر حسب ما تقتضيه السيرة القطعية. هذا إذا كان خالياً عن التعويض. أما إذا كان مشتملا عليه - كما إذا قال لأخيه : صل اليومية ولك علي أن أعطيك كل يوم درهما » - فالظاهر أنه كذلك ، فلا يجب عليه دفع العوض - أعني : الدرهم في المثال - لأنه وعد وإحسان مجاني ، فلا يجب الوفاء فيه.

والذي يتحصل : أن استيفاء عمل الغير على أربعة أقسام ، لأن الفعل

من حيث أن مرجعه حينئذ إلى الوعد الذي لا يلزم الوفاء به وإذا ضمن بإذنه فله الرجوع عليه بعد الأداء وان لم يكن بإذنه [1] ، لأنه بمجرد الاذن في الضمان اشتغلت ذمته من غير توقف على شي‌ء. نعم لو أذن له في الضمان تبرعاً فضمن ليس له الرجوع عليه ، لأن الاذن على هذا الوجه كلا إذن.

( مسألة 13 ) : ليس للضامن الرجوع على المضمون


المأمور به تارة : يكون للآمر ، وأخرى : يكون للمأمور. وإذا كان للآمر فهو مضمون ، سواء قصد الآمر والمأمور الضمان ليكون نوعا من المعاملة ، أم لم يقصدا. وإذا كان للمأمور فلا ضمان على الآمر ، سواء قصدا الضمان أم لم يقصدا. ومن ذلك يتوجه الاشكال على الجواهر ، حيث جعل الضمان في القسم المعاملي ، لقاعدة الاحترام. كما يتوجه على المصنف حيث ذكر الاشكال عليه من بعضهم بأنه وعد ، وسكت عنه ، مع أن الوعد يختص بالإحسان المجاني ، ولا مجانية في الفرض ، لأن الآمر أمر بالتبرع عن نفسه. نعم إذا أمره بالوفاء عن نفسه - يعني : المأمور - فقال : « أد دينك ولا تعص ربك وعلي عوضه » ، كان من الإحسان المجاني ، فيكون وعداً لا يجب الوفاء به.

[1] إجماعاً حكاه جماعة كثيرة ، كما سبق. وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه عليه ». ويشهد له ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحسين بن خالد. قال : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : جعلت فداك قول الناس : الضامن غارم. قال : فقال : ليس على الضامن غرم. الغرم على من أكل المال » (1)وإطلاقه يشمل صورة الضمان بغير إذن. لكنه مقيد بغير ذلك بالإجماع. ويعضده الأخبار الآتية في المسألة الآتية. ولعله الى ذلك أشار في السرائر بقوله : « وردت به الاخبار عن الأئمة الإطهار ».


1) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.

عنه في صورة الإذن الا بعد أداء مال الضمان ، على المشهور بل الظاهر عدم الخلاف فيه [1]. وانما يرجع عليه بمقدار ما أدى ، فليس له المطالبة قبله. إما لان ذمة الضامن وان اشتغلت حين الضمان بمجرده إلا أن ذمة المضمون عنه لا تشتغل الا بعد الأداء وبمقداره. وإما لأنها تشتغل حين الضمان ، لكن بشرط الأداء ، فالأداء على هذا كاشف عن الاشتغال من حينه [2] ، وإما لأنها وإن اشتغلت بمجرد الضمان إلا أن جواز المطالبة مشروط بالأداء. وظاهرهم هو الوجه الأول [3]. وعلى أي حال لا خلاف في أصل الحكم ، وإن


[1] قد أخذ الأداء موضوعاً للرجوع في معاقد الإجماعات. قال في الشرائع : « ويرجع الضامن على المضمون عنه بما أداء إن ضمن بإذنه » ونحوه عبارات غيره. وظاهر الجميع : أن الرجوع بعد الأداء. وفي جامع المقاصد : أن الضامن إنما يرجع بعد الأداء ، فلا يرجع بما لم يؤده ، ويظهر التسالم عليه.

[2] ويحتمل أن يكون اشتغال الذمة حاصلا بمجرد الضمان لكنه متزلزل فيستقر بالأداء ، وإذا لم يحصل الأداء بطل الاشتغال وانفسخ. احتمله في الجواهر أيضاً. وأما الاحتمال الثالث المذكور في المتن فالظاهر منه حصول الاشتغال بمجرد الضمان وبقاؤه وإن لم يحصل الأداء أبداً. فتكون الاحتمالات أربعة.

[3] قال في المسالك : « قد عرفت أن الضامن لا يستحق عند المضمون عنه شيئاً إلى أن يؤدي مال الضمان ». وفي الجواهر نسب الوجه المذكور الى المسالك وغيرها ، ثمَّ قال : « ولعله الأقوى ». لكن في

كان مقتضى القاعدة جواز المطالبة واشتغال ذمته من حين الضمان في قبال اشتغال ذمة الضامن [1] ،


الشرائع : « إذا ضمن عنه ديناراً بإذنه فدفعه الى الضامن فقد قضى ما عليه ». وظاهره اشتغال الذمة بمجرد الضمان بالاذن. ولكن حمله في المسالك على خلاف ظاهره ، ويظهر منه عدم احتمال ذلك.

[1] يعني : لما كان اشتغال ذمة الضامن بالضمان كان بأمر المضمون عنه ، وكان ذلك ضرراً على الضامن ، كان مضموناً على المضمون عنه. وعلله في الجواهر : بأن الضمان نوع أداء ، والفرض حصوله بإذنه ، فيقتضي شغل ذمة المضمون عنه ، فيصح حينئذ الدفع له وفاء ، كما يصح للضامن إبراء ذمة المضمون عنه قبل الأداء. انتهى. لكنه أشكل عليه : بأنه لم يثبت كون الضمان أداء بالنسبة الى ذلك ، وإن كان هو كالأداء بالنسبة الى إبراء ذمة المضمون عنه ، فلا سبب حينئذ لشغل ذمة المضمون عنه إلا الأداء المأذون فيه بالاذن بالضمان ، لقاعدة احترام مال المسلم. انتهى.

وكل من التعليل وإشكاله مبني على كون سبب ضمان المضمون عنه للضامن هو أداؤه ، فالتعليل مبني على أن الضمان أداء ، والاشكال راجع إلى نفي ذلك. وفيه : أنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك ، بل من الجائز أن يكون السبب هو الضمان الإيقاعي بإذن المضمون عنه ، لأنه المأذون فيه والمأمور به ، وبه يكون خلاص المضمون عنه من الدين الذي عليه للمضمون له ، والأداء لا يتعلق به بوجه ، وإنما يتعلق بالضامن وبه إفراغ ذمته.

وفي حاشية بعض الأعاظم : ان القاعدة تقتضي ذلك ، من جهة أن اشتغال ذمة المضمون عنه إنما يكون باستيفائه لمال الضامن ، وهو إنما يحصل بالأداء ، وقبله لا استيفاء. انتهى. والاشكال فيه ظاهر مما عرفت فإن أداء الضامن للمال لا يرتبط بالمضمون عنه بوجه ، وإنما يرتبط بالضمان وبه

سواء أدى أو لم يؤد. فالحكم المذكور على خلاف القاعدة ،


فراغ ذمته. وأما ما يرتبط بالمضمون عنه ويكون به فراغ ذمته من ثقل الدين فهو ضمان الضامن ، وهو الذي أذن له فيه وأمره به ، وبنفس الضمان تكون الخسارة المالية على الضامن ، وهي بأمر المضمون عنه ، فيكون ضامناً لها.

قال في التذكرة : « وإن لم يكن ( يعني : الضامن ) متبرعاً بالضمان وضمن بسؤال المضمون عنه ، فهل يثبت للضامن حق عليه ويوجب علقة بينهما؟ للشافعية وجهان : أحدهما : أنه يثبت ، لأنه اشتغلت ذمته بالحق كملا لما ضمن ، فليثبت له عوضه على الأصيل. والثاني : لا يثبت لأنه لا يفوت عليه قبل الغرم شي‌ء ، فلا يثبت له شي‌ء إلا بالغرم. إذا عرفت هذا فان كان المضمون له يطالب الضامن بأداء المال فهل للضامن مطالبة الأصيل بتخليصه؟ قال أكثر الشافعية : نعم ، كما أنه يغرم إذا غرم. وقال القفال : لا يملك مطالبته به. وهو الأقوى عندي إذ الضامن انما يرجع بما أدى فقبل الأداء لا يستحق الرجوع ، فلا يستحق المطالبة .. ». ومن أمعن النظر في الوجهين الذين ذكرهما الشافعية يتضح له أن الأوجه أولهما ، وأن العلامة إنما رجح ثانيهما لعدم وجوب شي‌ء على المضمون عنه إلا ما أداه الضامن حسب ما دل عليه الدليل بالخصوص ، فكأنه لأجله لزم رفع اليد عن القاعدة المقتضية لجواز الرجوع من أول الأمر. لكن الإجماع على عدم جواز رجوع الضامن إلا بما أداه ، وكذا النص لم يدلا على نفي استحقاق الضامن بمجرد ضمانه ، فإن الإجماع دل على عدم جواز المطالبة قبل الأداء ، وقد عرفت عبارة الشرائع الظاهرة في ثبوت الاستحقاق على المضمون عنه بمجرد ضمان الضامن. وأما الخبر فسيأتي بيانه.

ثبت بالإجماع ، وخصوص الخبر [1] : عن رجل ضمن ضمانا ثمَّ صالح عليه ، قال : ليس له إلا الذي صالح عليه. بدعوى الاستفادة منه أن ليس للضامن الا ما خسر. ويتفرع على ما ذكروه [2] : أن المضمون له لو أبرء ذمة الضامن عن تمام الدين ليس له الرجوع على المضمون عنه أصلا ، وإن أبرأه


[1] وهو موثق عمر بن يزيد ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ضمن عن رجل ضماناً ثمَّ صالح عليه قال (عليه السلام) : ليس له الا الذي صالح عليه » (1). ونحوه موثق عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2). وهذا الخبر لا يدل على عدم اشتغال الذمة حين الضمان ، وإنما يدل على عدم اشتغال الذمة بما لم يؤد أو ما لم يصالح عليه وكذلك خبر الحسين بن خالد المتقدم (3)يدل على أن الضامن بعد أن يغرم تكون غرامته على المضمون عنه ولو لأجل كونه مشغول الذمة بذلك من الأول ، أما لأنه لا تشتغل ذمته قبل الأداء فلا دلالة له عليه. فالنصوص قاصرة عن إثبات الوجه الثالث ، لا أنها دلالة على الوجه الأول ، وتكون موجبة لخلاف القواعد.

[2] يعني : ما ذكروه أولاً من أنه يرجع بما أدى لا بتمام المال المضمون. والوجه في تفرع الأمور المذكورة على ذلك واضح في الجميع عدا صورة ما إذا ضمن عنه ضامن فادّى تبرعاً ، أو وفي عنه تبرعاً ، أو وفي عنه من باب الزكاة ، فإن الجميع غير داخل في النص. وحينئذ يشكل إلحاقه بمورد النص ، ولا بد من الرجوع فيه الى القاعدة الآتي بيانها.


1) الوسائل باب : 6 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب كتاب الضمان حديث : 2.

3) راجع الصفحة : 293.

من البعض ليس له الرجوع بمقداره. وكذا لو صالح معه بالأقل ، كما هو مورد الخبر. وكذا لو ضمن عن الضامن ضامن تبرعاً فادى ، فإنه حيث لم يخسر بشي‌ء لم يرجع على المضمون عنه وإن كان بإذنه. وكذا لو وفاه عنه غيره تبرعاً.

( مسألة 14 ) : لو حسب المضمون له على الضامن ما عليه خمساً أو زكاة أو صدقة ، فالظاهر أن له الرجوع على المضمون عنه [1] ، ولا يكون ذلك في حكم الإبراء وكذا


[1] وفي الجواهر : « لعله كذلك. » ولا يخلو من إشكال ، إذ لا غرم من الضامن ليكون على المضمون عنه. نعم كان الغرم فيه على مستحق الزكاة مثلا ، لا على الشخص المذكور. اللّهم إلا أن نقول : إن القاعدة تقتضي اشتغال ذمة المضمون عنه بمجرد الضمان بأمره ، ولم يثبت في المقام ما يقتضي الخروج عنها. وإلحاقه بمورد النص غير ظاهر ولأجل ذلك يكون اللازم الحكم بالرجوع في جميع موارد الشك في الخروج بخلاف ما إذا كان السبب في ضمان المضمون عنه استيفاؤه لمال الضامن ، فإنه مع الشك يبني على عدم الرجوع ، لأصالة البراءة. فعلى المبنى الأول : يكون الشك في السقوط ، وعلى المبنى الثاني : يكون الشك في الثبوت. اللّهم إلا أن يقال : لما كان المدين له باحتسابه من الزكاة برئت ذمته فالبراءة كانت بماله ، فيكون ماله قد استوفاه المضمون عنه ،. فعليه ضمانه ومن ذلك يصح أن يقال : إنه قد غرم ماله ، فيكون الغرم على المضمون عنه. فالحكم في هذا الفرض لا يختلف باختلاف المباني. لكنه يتم بناء على ثبوت ملك ما في الذمة آنا ما ، أما إذا قلنا بامتناعه ، لعدم الفرق بين الآنات ، فلا استيفاء لماله ولا غرامة عليه. فيتعين الابتناء على المباني.

لو أخذه منه ثمَّ رده عليه هبة [1]. وأما لو وهبه ما في ذمته فهل هو كالإبراء أولا؟ وجهان [2]. ولو مات المضمون له فورثه الضامن لم يسقط جواز الرجوع به على المضمون عنه [3]

( مسألة 15 ) : لو باعه أو صالحه المضمون له بما يسوى أقل من الدين [4] ، أو وفاة الضامن بما يسوى أقل منه [5] ، فقد صرح بعضهم بأنه لا يرجع على المضمون عنه إلا بمقدار ما يسوى [6]. وهو مشكل بعد كون الحكم على خلاف القاعدة ، وكون القدر المسلم غير هذه الصور. وظاهر خبر الصلح الرضا من الدين بأقل منه ، لا ما إذا صالحه بما


[1] كما نص عليه في الجواهر ، وفي التذكرة : أنه أقرب. ووجهه واضح لحصول الغرم ، فيرجع به على المضمون عنه.

[2] بناء على ما سبق في الزكاة يكون الأقرب الثاني ، إذ لا فرق بين الهبة المجانية وبين الصدقة أو الزكاة في أن البراءة بماله في الجميع ، بخلاف الإبراء فإن البراءة فيه لم تكن بمال الضامن. وعليه يتعين الرجوع الى المباني

[3] يتعين فيه الرجوع الى المباني المتقدمة.

[4] الظاهر أن أصل العبارة : « لو باع أو صالح » وفاعله ضمير الضامن كما يظهر بالتأمل.

[5] الوفاء بالأقل قيمة يختص بما إذا كان من الجنس الردي مثلا ، أما إذا كان من غير الجنس فلا يمكن الوفاء الا بمقدار القيمة.

[6] ذكر ذلك في الشرائع والتذكرة والقواعد والمسالك وغيرها. قال في التذكرة : « لو صالح عن ألف على عبد يساوي ستمائة لم يرجع إلا بستمائة » ، ثمَّ استدل عليه بموثقي عمر بن يزيد وعبد اللّه بن بكير.

يسوى أقل منه [1]. وأما لو باعه أو صالحه أو وفاة الضامن بما يسوى أزيد فلا إشكال في عدم جواز الرجوع بالزيادة [2].

( مسألة 16 ) : إذا دفع المضمون عنه الى الضامن مقدار ما ضمن قبل أدائه ، فإن كان ذلك بعنوان الامانة ليحتسب بعد الأداء عما له عليه ، فلا إشكال ، ويكون في يده أمانة ، لا يضمن لو تلف إلا بالتعدي أو التفريط. وإن كان بعنوان وفاء ما عليه ، فان قلنا باشتغال ذمته حين الضمان وإن لم يجب عليه دفعه إلا بعد أداء الضامن ، أو قلنا باشتغاله حينه بشرط الأداء بعد ذلك على وجه الكشف ، فهو صحيح ويحتسب وفاء ، لكن بشرط حصول الأداء من الضامن على التقدير الثاني. وإن قلنا : انه لا تشتغل ذمته إلا بالأداء وحينه


[1] ظهور الخبر فيما يشمل هذا الفرض الذي ذكروه لا يقبل الإنكار لوضوحه. نعم الخبر بلفظه لا يشمل البيع. لكن الظاهر منه عرفاً الأعم من البيع. وقد نفي الخلاف عن أنه لا يجب على المضمون عنه أن يدفع الى الضامن أزيد مما دفعه الى المضمون له. نعم لو صالحه عن ذلك أو أو باعه عليه بما يساوي الدين وتقاصا عنه بالأقل ففي المسالك : اتجه رجوعه عليه بما يساوي الدين ، وفي التذكرة : احتمل ذلك ، واحتمل الرجوع بقيمة العين ، لان الضمان وضع للارتفاق ، ونسب إلى الشافعية الأول.

[2] صرح بذلك غير واحد مرسلين له إرسال المسلمات ، معللين له بأنه متبرع بالزيادة غير مأذون فيها ، فلا استيفاء لها من المضمون عنه ، بناء على كون الضمان بالاستيفاء. وكذا بناء على كون الضمان بالضمان ، لان الضمان لم يكن بالزائد ، وهو واضح.

كما هو ظاهر المشهور - فيشكل صحته وفاء ، لان المفروض عدم اشتغال ذمته بعد ، فيكون في يده كالمقبوض بالعقد الفاسد [1] ، وبعد الأداء ليس له الاحتساب إلا بإذن جديد [2] أو العلم ببقاء الرضا به.

( مسألة 17 ) : لو قال الضامن للمضمون عنه : « ادفع عني إلى المضمون له ما علي من مال الضمان » فدفع برئت ذمتهما معا [3] ، أما الضامن : فلانه قد أدى دينه ، وأما


[1] كما صرح به في التذكرة ، فيكون مضموناً عليه ، ويجب عليه رده الى مالكه. وفي المسالك : أنه كالمقبوض بالسوم. ولكنه غير ظاهر. لان المقبوض بالسوم مقبوض على أنه ملك الدافع ، والمفروض في المقام أنه مقبوض على أنه مالك القابض - كما هو معنى الوفاء - كالمقبوض بالعقد الفاسد ، فالإذن في قبضه مقيدة بعنوان مفقود ، فتكون مفقودة. ولذا قلنا لا يجوز التصرف فيه ولو بوضع اليد عليه ، ويجب رده الى مالكه ، كالمغصوب ، فيكون مضمونا.

[2] لا حاجة إلى الاذن الجديد ، بل يكفي بقاء الاذن السابق ، لأنها كانت مقيدة بعنوان الوفاء المفقود سابقاً ، فاذا وجد لاحقا بحصول الأداء وبقيت الاذن كفت في حصول الملك. ومن ذلك يظهر أن الاذن الجديد لا فائدة فيها إذا لم ترجع الى بقاء الاذن السابق ، ولعل هذا هو المراد مما في حاشية بعض الأعاظم في هذا المقام ، وإلا فلا محصل له. ويكفي الشك في بقاء الاذن لجريان الاستصحاب ، ولا حاجة الى العلم بالبقاء. فلاحظ.

[3] قال في الشرائع : « ولو قال : ادفعه الى المضمون له ،

المضمون عنه : فلان المفروض ان الضامن لم يخسر. كذا قد يقال. والأوجه أن يقال : إن الضامن حيث أمر المضمون عنه بأداء دينه فقد اشتغلت ذمته بالأداء ، والمفروض أن ذمة المضمون عنه أيضاً مشغولة له ، حيث أنه أذن له في الضمان فالأداء المفروض موجب لاشتغال ذمة الضامن من حيث كونه بأمره ، ولاشتغال ذمة المضمون عنه حيث أن الضمان بإذنه وقد وفي الضامن ، فيتهاتران ، أو يتقاصان [1]. وإشكال صاحب الجواهر في اشتغال ذمة الضامن بالقول المزبور [2]


فدفعه ، فقد برئا » وقال في المسالك في شرحه : « أي : قال الضامن للمضمون عنه : ادفعه أنت إلى المضمون له ، فدفعه فقد برئا ، أما الضامن فوفاء دينه ، وأما المضمون عنه فلأن الضامن لم يغرم. فلا يرجع عليه. ويمكن اعتبار التقاص القهري ، لثبوت ما دفعه المديون في ذمة الضامن ، لأنه المديون وقد أذن له في وفائه ، وثبوت مثله في ذمة المضمون عنه لأدائه ، فيتقاصا ».

[1] وقع التعبير بالتقاص القهري في المسالك ، وكأن المراد منه التهاتر بقرينة وصفه بالقهري ، والتقاص المشروع اختياري من أفعال المكلف القصدية بخلاف التهاتر ، فإنه من الأحكام الشرعية. وكأن عطفه في المتن على التهاتر ، بقصد التوضيح ، لا التقاص الاصطلاحي.

[2] قال في الجواهر - بعد نقل عبارة المسالك السابقة - : « وفيه : أن أداء دين الضامن المأذون بمال المضمون عنه بإذن الضامن لا يقتضي اشتغال ذمة الضامن بمثله ، إذ ليس هو قد صار بذلك قرضاً عليه مع عدم قصده ، وعدم توقف وفاء الدين على كونه مملوكاً للمديون. كما أنه لا يستحق

في غير محله [1].

( مسألة 18 ) : إذا دفع المضمون عنه الى المضمون له من غير إذن الضامن برئا معا [2] ، كما لو دفعه أجنبي عنه.

( مسألة 19 ) : إذا ضمن تبرعاً فضمن عنه ضامن


رجوعاً على المضمون عنه ، لعدم حصول الأداء منه. فلا تقاص حينئذ ، لعدم ثبوت المالين في ذمة كل منهما. فتأمل ».

[1] لأن الموجب لضمان الضامن لما أداء المضمون عنه أمر الضامن له بالأداء الموجب لصدق الاستيفاء ، الذي هو من أسباب الضمان - كما عرفت - ، لا لتحقق القرض حتى يتوقف على قصده ، ولا لتوقف الوفاء على كونه مملوكاً للمديون حتى يمنع ذلك. كما أنه يستحق الضامن الرجوع على المضمون عنه بأدائه ، لأن هذا الأداء من المضمون عنه لما كان بأمر الضامن وموجباً لاستحقاق الرجوع على الضامن. كان ذلك خسارة على الضامن ، فاستحق الرجوع على المضمون عنه في تدارك خسارته بعد أن كان ضمانه بإذنه. نعم يتوجه الاشكال على المسالك : بأن المضمون عنه لما دفع الى المضمون له بأمر الضامن إن كان يستحق الرجوع على الضامن - من جهة تحقق الاستيفاء - تعين الوجه الثاني ولم يصح الوجه الأول ، وإن كان لا يستحق الرجوع على الضامن - من جهة قصده التبرع بالدفع - تعين الوجه الأول ولم يصح الوجه الثاني.

[2] قال في الشرائع : « ولو دفع المضمون عنه مالاً إلى المضمون له بغير إذن الضامن فقد برئ الضامن والمضمون عنه ». ونحوها ما في القواعد وغيرها. وفي الجواهر نفى الاشكال والخلاف في ذلك. وهو واضح مما عرفت في صدر المسألة السابقة.

بإذنه وأدى ليس له الرجوع على المضمون عنه [1] ، بل على الضامن [2]. بل وكذا لو ضمن بالاذن فضمن عنه ضامن بإذنه ، فإنه بالأداء يرجع على الضامن ، ويرجع هو على المضمون عنه الأول.

( مسألة 20 ) : يجوز أن يضمن الدين بأقل منه برضا المضمون له [3]. وكذا يجوز أن يضمنه بأكثر منه. وفي الصورة الأولى لا يرجع على المضمون عنه مع إذنه في الضمان إلا بذلك الأقل [4]. كما أن في الثانية لا يرجع عليه إلا بمقدار الدين [5]


[1] يعني : ليس للضامن الثاني الرجوع على المضمون عنه الأول ، لأنه لم يضمن عنه ، فلا موجب لرجوعه عليه.

[2] لأنه ضمن عنه بإذنه.

[3] لم يحضرني عاجلا من تعرض له. ومقتضى ما تقدم من معنى الضمان من أنه نقل ما في الذمة إلى ذمة الضامن امتناع ذلك ، الا أن يرجع الى ضمان البعض وسقوط الباقي أو الإبراء منه. وكذلك الفرض الثاني ، فإنه ممتنع الا أن يرجع الى اشتراط الزيادة للمضمون له. اللّهم إلا أن يكون المراد من الضمان في المقام مفهوماً آخر ، وهو إثبات بدل ما في الذمة في ذمة أخرى أقل منه أو أكثر. ولا بأس بالبناء على صحته ، عملا بعمومات الصحة ، ولا يكون من الضمان الاصطلاحي ، ولا تجري عليه أحكامه إلا ما تقتضيه العمومات.

[4] لأن الزائد عليه لم يؤده ، فلا يرجع به على المضمون عنه وإن كان بإذنه.

[5] كما سبق.

إلا إذا أذن المضمون عنه في الضمان بالزيادة [1].

( مسألة 21 ) : يجوز الضمان بغير جنس الدين [2]. كما يجوز الوفاء بغير الجنس [3]. وليس له أن يرجع على المضمون عنه الا بالجنس الذي عليه [4] ، إلا برضاه.

( مسألة 22 ) : يجوز الضمان بشرط الرهانة [5] ، فيرهن بعد الضمان. بل الظاهر جواز اشتراط كون الملك الفلاني رهنا بنحو شرط النتيجة في ضمن عقد الضمان [6].


[1] لإطلاق ما دل على الرجوع بما أدى.

[2] لم أقف على من تعرض له. ويشكل بما سبق من امتناع ذلك ، لا نقله من ذمة إلى ذمة مع البناء على ثبوت غيره خلف. الا أن يكون المقصود اشتراط الأداء من غير الجنس ، فلا بأس ، لعموم الوفاء بالشروط ، نظير الاشتراط من مال معين ، كما سيأتي. أو يكون المراد غير الضمان الاصطلاحي ، بل معنى آخر وهو إثبات بدل لما في الذمة في ذمة أخرى. كما تقدم. وحينئذ لا تجري عليه أحكام الضمان ، أو تثبت له الأحكام العامة.

[3] بلا إشكال. والنصوص به شاهدة.

[4] لإطلاق الموثق : « ليس له الا الذي صالح عليه » (1).

[5] يعني : بنحو شرط الفعل ، يعني : شرط أن يرهن ، فيجب على الضامن أن يرهن عند المضمون له عيناً ، لتكون مورد حق الاستيفاء.

[6] قد ذكرنا في كتاب الإجارة من هذا الشرح الإشكال في صحة شرط النتيجة من وجهين : الأول : أن النتائج لا تقبل أن تكون مضافة الى مالك ، فلا يمكن أن تكون شرطا ، لان التحقيق أن الشرط مملوك للمشروط له ، ولذا كان له المطالبة به ، وإذا امتنع أن تكون مملوكة


1) الوسائل باب : 6 من أبواب كتاب الضمان حديث : 1.


امتنع أن تشترط ملكيتها. نعم إذا كانت في العهدة جاز أن تكون مملوكة. لكنها تكون من شرط الفعل لا من شرط النتيجة. الوجه الثاني : أن مفاد صيغة الشرط مجرد جعل التمليك بين المشروط له والمشروط ، لا جعل نفس المشروط ، فإن صيغة الشرط لا تتكفل ذلك ، فاذا لم يحصل الشرط لا يكون ثابتاً ، فلا تترتب اثاره ، وحينئذ لا نتيجة ولا يجوز ترتيب آثارها. وهذا معنى بطلان شرط النتيجة.

ثمَّ إن الإشكالين المذكورين إنما يتوجهان على شرط النتيجة بناء على أن مفاد الشرط تمليك المشروط له للمشروط ، كما يقتضيه مناسبته مع شرط الفعل. أما إذا كان مفاده مجرد الالتزام للمشروط له بالشرط ، فيكون مفاده إنشاء المشروط وهو النتيجة في ضمن العقد ، فلا بأس به ، عملا بعموم نفوذ الشروط. إلا إذا كانت النتيجة لا تنشأ إلا بسبب خاص ، فان عموم نفوذ الشرط لا يصلح لتشريع ما لم يشرع ، فيكون الشرط حينئذ مخالفاً للكتاب ، فيدخل في الشرط الباطل. وإذا لم يشترط في إنشائها سبب خاص صح شرطها وترتب عليه الأثر وإن لم يكن مملوكاً للمشروط له. ويكون له الخيار في تخلفه نظير خيار تبعض الصفقة ، كما إذا جمع بين بيع ونكاح فبطل أحدهما ، فإنه يكون الخيار في الآخر. لكن هنا يبطل الشرط ببطلان العقد ، لأن الشرط لوحظ تابعاً لمضمون العقد ومبنياً عليه ، فلا يستقل بدونه ، بخلاف ما لو جمع بين بيع ونكاح ، فإنه لم يلاحظ أحدهما تابعاً للآخر ومبنياً عليه ، بل إنشاء كل منهما في مقابل الآخر ، فيكون بطلان كل منهما موجباً للخيار في الآخر. كما أن بطلان الشرط موجب للخيار في العقد لعين الوجه الموجب للخيار هناك عند بطلان أحد الأمرين. وهو اشتراكهما في قصد واحد كما هو موضح في محله.

والذي تحصل مما ذكرناه : أن شرط الفعل يتضمن إنشاء تمليك


الفعل وشرط النتيجة لا يتضمن إنشاء التمليك ، وإنما يتضمن إنشاء نفس النتيجة ، فإذا لم يشترط في إنشاء النتيجة سبب خاص صح. وإذا اشترط في إنشائها سبب خاص لم يصح ، لأنه لا يصلح دليله لتشريع ما لم يشرع. وإذا تخلف الأول - إما لعدم صحة التمليك ، أو لعدم حصول المملوك - يكون الخيار للمشروط له ، وتخلف الثاني لا يكون إلا لعدم صحة الإنشاء. وهو موجب للخيار للمشروط له ، وهو من كان إنشاؤه موافقاً لرغبة أحدهما ، فإن كان إنشاؤه موافقاً لرغبة أحدهما بعينه كان تخلفه موجباً لخياره فقط ، كما إذا باعه الشجر بشرط أن يكون للمشتري الثمر الموجود ، فان الشرط يوافق رغبة المشتري فيكون الخيار له. أو يبيعه الشجر بشرط أن يكون ثمرة في السنة الآتية للبائع ، فإن الشرط يوافق رغبة البائع ، فيكون الخيار له. وإذا كان موافقا لرغبة كل منهما كان الخيار لكل منهما ، كما إذا باعه الجارية بشرط أن يكون حملها عوضاً عن دين المشتري على البائع. فإن المعاوضة لما كانت من الطرفين كانت موافقة لرغبة كل منهما ، فيكون خيار التخلف لكل منهما ، نظير تخلف البيع في بعض الصفقة ، فإنه يوجب الخيار لكل من البائع والمشتري.

ثمَّ إنه لا ينبغي التأمل في صحة شرط النتيجة بعد ما ورد النص به في شرط الضمان في الإجارة والعارية وشرط الأجل في النسيئة والسلف وغير ذلك. نعم لا مجال للبناء على جواز نذر النتيجة ، فإن اللام في قول الناذر : « لله علي » لام الملك ، فيتوجه على نذر النتيجة الإشكالات السابقان واحتمال أن تكون اللام لام التعليل ، ويكون معنى : « لله علي » : التزمت لله علي ، خلاف الظاهر جداً ، فالبناء على المنع من صحة نذر النتيجة في محله ، كالبناء على صحة شرط النتيجة.

وعليه يصح شرط الرهن في ضمن عقد الضمان ، ولا بد فيه من القبض - بناء على اشتراطه في الرهن - إذ لا فرق بين الموارد.

( مسألة 23 ) : إذا كان على الدين الذي على المضمون عنه رهن فهل ينفك بالضمان أو لا؟ يظهر من المسالك والجواهر انفكاك [1] ، لأنه بمنزلة الوفاء [2]. لكنه لا يخلو عن اشكال [3]. هذا مع الإطلاق ، وأما مع اشتراط البقاء أو عدمه فهو المتبع [4].

( مسألة 24 ) : يجوز اشتراط الضمان [5] في مال معين [6]


[1] قد صرحا بذلك في شرح المسألة الرابعة من الشرائع في كتاب الضمان.

[2] في الجواهر : « لأن الضمان أداء ». وفي المسالك : « لان الضمان بمنزلة الأداء ». ويظهر منهما المفروغية عن ذلك.

[3] إذ لا أداء ولا وفاء ، وإنما كانت فائدة الضمان اشتغال ذمة الضامن به وفراغ ذمة المضمون عنه ، فالدين انتقل من ذمة إلى أخرى من دون أداء ، فإن كان الرهن على وفائه بقي على حاله ، لعدم الوفاء ، وإن كان على إفراغ ذمة المديون بطل ، لفراغ ذمته بالضمان. ولكن الأظهر الثاني ، لأن الراهن إنما وضع الرهن لحسابه ، لا لحساب المرتهن.

[4] عملا بعموم صحة الشروط.

[5] كما في الشرائع والقواعد والتذكرة وغيرها ، ويظهر منهم التسالم على ذلك ، ولم ينقل فيه خلاف أو إشكال ، وفي الجواهر : « لا خلاف أجده في صحته ». وكفى دليلا عليه عموم : « المؤمنون عند شروطهم » (1).

[6] يعني : يكون الأداء منه ، كما في عبارة القواعد والتذكرة ، وعبارة الشرائع كعبارة المصنف. والظاهر أن المراد منها ذلك. وسيجي‌ء


1) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث 4.

على وجه التقييد [1] ، أو على نحو الشرائط في العقود من كونه من باب الالتزام في الالتزام. وحينئذ يجب على الضامن الوفاء من ذلك المال [2] ، بمعنى صرفه فيه. وعلى الأول : إذا تلف ذلك المال يبطل الضمان [3] ويرجع المضمون له على


احتمال آخر. فانتظر.

[1] يعني : يؤخذ الأداء من ذلك المال قيدا للضمان أو قيدا للمضمون فكأنه قال : أضمن الضمان الذي يكون وفاء ماله من المال المعين ، أو اضمن المال الذي يكون وفاؤه من المال المعين.

[2] عملا بالشرط.

[3] لفوات القيد الموجب لفوات المقيد. قال في التذكرة. ولو شرط في الضمان الأداء من مال بعينه صح الضمان والشرط معاً. لتفاوت الأغراض في أعيان الأموال. فلو تلف المال قبل الأداء بغير تفريط الضامن فالأقرب فساد الضمان لفوات شرطه ، فيرجع صاحب المال على الأصيل. وهل يتعلق الضمان : بالمال المشروط تعلقه به تعلق الدين بالرهن ، أو الأرض بالجاني؟ الأقرب : الأول ، فيرجع على الضمان لو تلف. وعلى الثاني : يرجع على المضمون عنه ». والعبارة لا تخلو من إشكال ، لتنافي الصدر والذيل فيها ، لأن الرجوع على الضامن الذي قربه في الذيل يقتضي صحة الضمان ، وهو ينافي ما في الصدر من بطلان الضمان والرجوع على الأصيل ، المناسب لكون التعلق نظير تعلق أرش الجناية.

والمصنف (رحمه اللّه) جعل البطلان من آثار أخذ الشرط على نحو القيد ، لأن فوات القيد يوجب فوت المقيد. وقد تبعه الى ذلك في المسالك في توجيه البطلان الذي حكاه عن التذكرة والشهيد في بعض فتاواه. ولكنه يشكل : بأن فوات القيد لا يوجب بطلان العقد ، وإنما يوجب الخيار

المضمون عنه. كما أنه إذا نقص يبقى الناقص في عهدته.


المسمى بخيار تخلف الوصف ، كما إذا قال : « بعتك هذا العبد الكاتب » فتبين أنه غير كاتب ، فلا فرق بين فوات القيد وفوات الشرط. فان قلت : فوات المقيد بفوات قيده من الضروريات ، فالقصد انما تعلق بالمقيد لا بغيره ، فكيف يصح مع فواته الموجب لانتفاء قصده؟! قلت : هذا الاشكال يتوجه نظيره في صورة فوات الشرط ، لأن القصد انما كان الى المشروط لا إلى الخالي عن الشرط ، فكيف يصح الخالي عن الشرط من دون قصد؟! بل يتوجه أيضاً في باب تبعض الصفقة ، فإن من اشترى داراً وتبين أن بعضها لغير البائع ولم يجز ، أو بعضها وقف لا يصح بيعه ، لم يكن يقصد شراء البعض أبداً ، وإنما كان يقصد شراء المجموع. ويندفع : بأن القصد الضمني التحليلي كاف في صحة العقد بالنسبة إلى الفاقد للقيد أو الشرط ، وبالنسبة إلى الجزء في باب تبعض الصفقة. ويشهد بذلك بناؤهم على صحة العقد في البعض لكن مع الخيار ، وكذا بناؤهم على صحة العقد مع تخلف الوصف لكن مع الخيار ، المعبر عنه خيار الوصف ، كما في : « بعتك العبد الكاتب ». ومثله الكلام في مورد خيار الرؤية. ودعوى : أن الصحة في هذه الموارد لأن الإنشاء فيها من باب تعدد المطلوب ، بحيث يكون قصدان : قصد قائم بالمجموع وبالمشروط وبالموصوف ، وقصد قائم بالبعض وبالخالي عن الشرط أو الوصف ، فاذا فات القصد الأول كفى القصد الثاني ، فيها - مع أن ذلك ممنوع ، بل ليس إلا قصد واحد في أكثر الموارد - : أنه لو صح ذلك جاء فيما نحن فيه أيضا واقتضى الصحة ، فلا وجه للبطلان.

ثمَّ إن العلامة في القواعد قال : « فان تلف بغير تفريط ففي بطلان الضمان اشكال ، ومع عدمه يتعلق به تعلق الدين بالرهن ، لا الأرش بالجاني ،


فيرجع على الضامن. وعلى الثاني يرجع على المضمون عنه ». وكأن منشأ الاشكال في البطلان الإشكال في أن فوات الشرط يوجب فوات المشروط وعدمه. والظاهر من قوله (رحمه اللّه) : « ومع عدمه » أنه مع عدم البطلان ، وقوله : « تعلق الدين بالرهن » يعني : يثبت الدين في ذمة الضامن كما يثبت في ذمة الراهن ، لا أنه لا يثبت في ذمته كما في حق الجناية ، فإنه لا يتعلق بذمة المالك للجاني ، وانما يثبت في رقبة الجاني فقط. لكن هذا التردد لا يتناسب مع عنوان المسألة التي هي الضمان واشتراط كون الأداء من المال المعين. إذ المراد منه أن الذمة مشغولة ويكون الأداء لما في الذمة من المال المعين. لا أن الذمة فارغة ، فليس من شقوقها كون الذمة فارغة كما في حق الجناية.

وقوله (رحمه اللّه) : « وعلى الثاني » الظاهر من الثاني تعلق الأرش بالجاني ، كما صرح بذلك في عبارة التذكرة. وحمله في مفتاح الكرامة على البطلان. ووجهه غير ظاهر لأن البطلان لم يذكر ثانياً لأول ، وانما ذكر أولا بدون ذكر ثان. ولذلك فهم منه في جامع المقاصد ما ذكرنا ، وأشكل عليه : بأنه إذا صح الضمان وبنينا على كون التعلق كتعلق أرش الجناية كيف يتصور الرجوع على المضمون عنه؟!.

وعلى هذا فالمتعين : أنه بناء على صحة الضمان مع الشرط المذكور يكون تعلق الدين بالمال المعين تعلق الدين بالرهن ، فتكون ذمة الضامن مشغولة ، وعليه الوفاء من المال المعين. ولا مجال لاحتمال كون التعلق به تعلق أرش الجناية ، وعلى تقديره يتعين البناء على سقوط الدين بالتلف بدون تفريط ، لا أنه يرجع المضمون له على المضمون عنه ، فإن أرش الجناية المتعلق بالعبد الجاني يسقط بموته ، لا أنه يرجع المجني عليه الى مالكه أو غيره ، فإنه بعد انتقال الدين من ذمة المضمون عنه الى المال المعين لا وجه

وعلى الثاني : لا يبطل ، بل يوجب الخيار لمن له الشرط من الضامن أو المضمون له أوهما. ومع النقصان يجب على الضامن الإتمام مع عدم الفسخ. وأما جعل الضمان في مال معين من غير اشتغال ذمة الضامن ، بأن يكون الدين في عهدة ذلك المال ، فلا يصح [1].


لرجوعه إلى ذمة المضمون عنه بتلف موضوعه. نظير حق الزكاة الذي يسقط بتلف العين بدون تفريط.

ثمَّ إن الاختلاف بين حق الرهانة وحق الجناية من وجهين : الأول : ما ذكرناه من أن حق الرهانة مقرون باشتغال ذمة الراهن ، بخلاف حق الجناية فإنه غير مقرون باشتغال ذمة المالك. الثاني : أن حق الرهانة مانع من التصرف في الرهن ، فكأنه قائم بالعين بما انها مضافة الى مالكها حال الرهن ، بخلاف حق الجناية ، فإنه غير مانع من التصرف ، فلو باع المالك العبد الجاني صح البيع وانتقل الحق معه ، فكان الحق قائم به غير مقيد بإضافته إلى مالك بعينه.

[1] قال في المسالك فيما لو اشترط أن يكون الضمان من مال معين : « وهل هو متعلق به كتعلق الدين بالرهن ، أو كتعلق الدين بالجاني؟ وجهان ، مأخذهما : أن الضمان ناقل للدين إلى ذمة الضامن ، لأن موضعه إنما هو الذمة ، وتخصيص هذا المال أفاد انحصار المطالبة فيه ، ولم تخرج الذمة عن العهدة ، لأن مقتضى الضمان ابتداء التعلق بها. وهذا هو وجه تعلق الرهن. ومن أن الضامن لم يدخل ذمته مطلقاً ، وانما حصر الاستحقاق في المال المعين وجعله متعلق حق المضمون له. فينحصر حقه فيه ابتداء من غير تعلق بالذمة. وأقواهما الأول ». ولا يخفي أن مفاد الوجه الثاني إلى

( مسألة 25 ) : إذا أذن المولى لمملوكة في الضمان في كسبه ، فان قلنا إن الضامن هو المولى - للانفهام العرفي ، أو


إرجاع اشتراط الضمان من مال معين الى تخصيص حق المضمون له بالمال المعين ، فالبناء على صحته حينئذ يقتضي البناء على صحة هذه الصورة ، بل ظاهر بعض عبارات المسالك الأخرى ذلك. وهو كذلك ، عملا بعمومات الصحة ، وان لم تكن من الضمان المصطلح الذي هو اشتغال الذمة ، فلا تجري عليها أحكامه.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : الأول : أن اشتراط الضمان في مال معين يكون على صور ثلاث ذكرها المصنف ، كلها صحيحة. الثاني : أن أحكام الضمان تجري على الأولتين منها دون الأخيرة. الثالث : أنه مع التلف بدون تفريط يكون الخيار للمشروط له في الصورتين الأولتين ، ولا يكون له الخيار في الأخيرة. الرابع : أنه مع التلف بدون تفريط يرجع المضمون عنه على الضامن في الصورتين الأولتين ، ولا يرجع على أحد في الصورة الثالثة ، لا على الضامن ، لأن المفروض فراغ ذمته ، ولا على المضمون عنه لان المفروض انتقال المال من ذمته الى المال المعين ، فلا موجب لبطلان هذا الانتقال ، كما احتمله في المسالك ، خلافاً لما سبق عن التذكرة والقواعد وغيرهما. الخامس : أن الوجه في صحة العقد في صورتي تخلف القيد والشرط هو الاجتزاء بالقصد الضمني الارتباطي في صدق العقد والإيقاع ، وكذلك في باب تبعض الصفقة ، وإن كان القصد المذكور غير حاصل في حال انتفاء القيد أو الشرط أو المقارن. السادس : أن الفرق بين حق الرهانة وحق الجناية من وجهين : الأول : أن الأول لا يسقط الدين فيه بتلف موضوع الحق ، بخلاف الثاني. الثاني : أن الأول يمنع من التصرف في موضوعه بنقل أو نحوه ، بخلاف الثاني.

لقرائن خارجية - يكون من اشتراط الضمان في مال معين ، وهو الكسب الذي للمولي ، وحينئذ فإذا مات العبد تبقى ذمة المولى مشغولة إن كان على نحو الشرط في ضمن العقود. ويبطل إن كان على وجه التقييد [1]. وإن انعتق يبقى وجوب الكسب عليه [2]. وان قلنا إن الضامن هو المملوك ، وأن مرجعه الى رفع الحجر عنه بالنسبة إلى الضمان ، فاذا مات لا يجب على المولى شي‌ء [3] ، وتبقى ذمة المملوك مشغولة يمكن تفريغه بالزكاة ونحوها. وإن انعتق يبقى الوجوب عليه [4].

( مسألة 26 ) : إذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد فاما أن يكون على التعاقب ، أو دفعة فعلى الأول : الضامن من رضي المضمون له بضمانه [5]. ولو أطلق الرضا بهما كان


[1] قد سبق في المسألة الماضية الإشكال فيه.

[2] عملا بمقتضى الشرط وإن لم نقل بأن المدين يجب عليه الكسب.

[3] إذ لا مقتضى لهذا الوجوب ، فان الضمان الواقع لا يقتضيه ، وليس له مقتض غيره.

[4] عملا بمقتضى إطلاق عقد الضمان لما لم يقيد بحال الرقية.

[5] تارة : يرضى المضمون له بضمان أحدهما دون الآخر ، وأخرى : يرضى بضمان أحدهما ثمَّ يرضى بالآخر. فان كان الأول صح ضمان من رضي المضمون له به ، لحصول شرطه ، سواء كان سابقاً أم لاحقاً ، وبطل الآخر لفقد شرطه كذلك. وإن كان الثاني صح ضمان الأول وبطل ضمان الثاني ، لانتفاء موضوعه بالأول ، لأنه أوجب فراغ ذمة المضمون عنه ، فلا معنى للضمان الثاني.

الضامن هو السابق [1]. ويحتمل قوياً كونه كما إذا ضمنا دفعة خصوصاً بناء على اعتبار القبول من المضمون له ، فإن الأثر حاصل بالقبول نقلا لا كشفا [2]. وعلى الثاني : إن رضي بأحدهما دون الآخر فهو الضامن ، وإن رضي بهما معا ففي بطلانه - كما عن المختلف وجامع المقاصد [3] ، واختاره


[1] كذا في الجواهر وغيرها. وعلله في مفتاح الكرامة. بأنه إذا رضي بضمان كل منهما فقد رضي بضمان الأول ، فينتقل المال اليه ، فلا يصادف ضمان الثاني ولا الرضا به حقاً على المضمون عنه ، فيبطل.

[2] فتكون نسبته إلى الإيجابين نسبة واحدة ، فترجيح أحدهما على الآخر من دون مرجح ، فيكون الحكم كما إذا اقترن الايجابان. هذا بناء على اعتبار القبول في الضمان لكونه من العقود. أما بناء على اشتراط الرضا في الضمان لكونه من الإيقاع فالرضا وان كان شرطا خارجا عن السبب المؤثر الا أنه دخيل في ترتب الأثر فيكون الأثر مقارنا له ، وحينئذ يرجع الكلام السابق من أن نسبة الرضا إلى الإيقاعين نسبة واحدة ، فلا يترجح أحدهما على الآخر وإن سبق زمانا. نعم بناء على الكشف يتعين الأثر للأول ، ويبطل الثاني لارتفاع موضوعه بالأول ، كما سبق في مفتاح الكرامة ، ولا يتوجه ما ذكره بناء على النقل.

[3] قال في المختلف فيما إذا وقع ضمان الجماعة دفعة : « وإن وقع الرضا دفعة احتمل بطلان الضمان ، لامتناع انتقال الحق دفعة واحدة إلى ذمم متعددة ، والصحة ، فيطالب كل واحد بقسطه لا بالجميع. والأقوى الأول ». وفي جامع المقاصد بعد ما نقل القول الثالث في المسألة وهو البطلان قال : « وهو الأصح ». وفي التذكرة : « لو اتفق ضمان الأول مع صاحب الحق وضمان الثاني مع وكيله في الزمان الواحد بطل الضمانان معا » لعدم أولوية أحدهما بالصحة والآخر بالبطلان ».

صاحب الجواهر [1] أو التقسيط بينهما بالنصف أو بينهم بالثلث إن كانوا ثلاثة وهكذا [2] ، أو ضمان كل منهما فللمضمون له مطالبة من شاء - كما في تعاقب الأيدي - وجوه. أقواها : الأخير [3].


[1] فإنه بعد أن نقل القول الثالث في المسألة وهو البطلان قال : « ولكن لا يخفى على من أحاط خبراً بنظائر المسألة قوة الأخير منها. وما ذكر الفاضل من وجود النظير - لو سلم أنه مثله - لا يصلح دليلاً للمسألة ».

[2] حكاه في المختلف وجامع المقاصد قولاً ، ونسبه في مفتاح الكرامة الى ابن الجنيد. لكن عبارته غير ظاهرة فيه ، قال : « ولو كفل جماعة بمال الرجل على رجل ، ولم يفصلوا قدر ما كفل به كل واحد من المال ، كان كل واحد منهم كفيلا بحقه على قدر عددهم ». وظاهره أنه في مقام الإثبات لا الثبوت ، فلا يكون مما نحن فيه. وكيف كان فاستدل لهذا القول في جامع المقاصد : بأن الأصل صحة الضمان ، ولما امتنع انتقال المضمون الى كل من الذمتين ، ولا أولوية ، انتقل الى كل واحدة منهما ما يقتضيه التحاص. ثمَّ قال : « وفيه نظر ، لأنه خلاف ما اقتضاه العقدان وأراده الضامنان. بل إن كان العقد صحيحاً ترتب عليه مقتضاه ، والا كان باطلا ». وقد يتوهم أن التقسيط مقتضى التزاحم. وفيه : أن التزاحم يتوقف على وجود المقتضي في الطرفين. وهو أول الكلام ، فإنه بناء على امتناع اشتغال الذمتين بتمام المالين يكون التنافي بين تطبيق الدليل بالإضافة الى كل من العقدين ، ولعدم المرجح يسقط الدليل فيهما معا.

[3] حكاه في جامع المقاصد عن ابن حمزة في الوسيلة ، وعبارته صريحة فيه ، وسماه ضمان الانفراد ، وهو ضمان جماعة عن واحد ، ويكون للمضمون له الخيار في مطالبة المال من أيهم شاء على الانفراد وعلى الاجتماع ، في


مقابل ضمان الاشتراك ، وهو بالعكس ، يعني : ضمان واحد عن جماعة. وكان المناسب التسمية على العكس. وفي جامع المقاصد عن الفخر عن والده في درسه الشريف توجيهه : بأن مثله واقع في العبادات ، كالواجب على الكفاية ، وفي الأموال كالغاصب من الغاصب ، وحكى ذلك عنه الشهيد أيضاً على ما حكاه في مفتاح الكرامة. ثمَّ ذكر أن ظاهر الفخر وصريح الشهيد الرضا به لكن أشكل على مقايسته بباب الغاصب من الغاصب : بأنه لم يثبت المال في ذمم متعددة وإنما وجب على من جرت يده على المغصوب رده على مالكه. عملا بعموم : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » (1). وفيه : أن تقدير المضاف خلاف الأصل. مع أنه لا ينسجم الصدر فيه مع الذيل ، لان مرجع التقدير الى قوله : « على اليد .. » أداء ما أخذت حتى تؤدي ، فتتحد الغاية والمغيى ، وهو كما ترى.

وفي الجواهر في شرح مفهوم الضمان ذكر أن المشغول به في تعاقب الأيدي على المغصوب ذمة واحد ، وهو من تلف في يده المال مثلا ، وان جاز للمالك الرجوع على كل واحد ، لعدم تصور اشتغال ذمتين فصاعدا بمال واحد. وكأنه الى ذلك أشار في عبارته السالفة بقوله : « لو سلم أنه مثله ». وفيه : أنه خلاف قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي ». وجواز الرجوع الى كل واحد لا دليل عليه سواه. وشيخنا الأعظم ذكر أن الشي‌ء الواحد لا يقبل الاستقرار إلا في ذمة واحدة ، ولأجل ذلك يتعين الالتزام بأن اشتغال ذمة كل واحد من الأيدي المتعاقبة على البدل. ثمَّ قال : « ويمكن أن يكون نظير ذلك ضمان المال على طريقة الجمهور ، وضمان الاثنين لواحد ، كما اختاره ابن حمزة ». وظاهره حمل هذه الأقوال


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب الغصب حديث : 4 ، كنز العمال الجزء : 5 حديث : 5197.


على ماذكر من كون الضمان بدلي لا عرضي. ويشكل : بأن الضمان على البدل غير معقول ، إذ كل ما يكون في الخارج متعين. إلا أن يريد - قدس سره - من كونه على البدل أنه كذلك من حيث الحكم ، فالذمتان وإن كانت كل واحدة منهما مشغولة بالبدل في عرض واحد ، لكن بالاستيفاء من أحدهما يسقط الآخر. وإلا لم يكن البدل بدلاً ، فان معنى كونه بدلا أنه يقوم مقام المبدل منه ويشغل الفراغ الذي كان بفقده. فاذا قام مقامه وتدارك الخسارة التي جائت من فقده فلا معنى لضمانه. وعلى هذا يجوز عنده اشتغال الذمم المتعددة بمال واحد ، لكنها في مقام الفراغ متلازمة ، فإذا فرغت إحدى الذمم من المال بدفع البدل فرغت الأخرى حينئذ. ولا يحسن التعبير منه بأن الشي‌ء الواحد لا يقبل الاستقرار إلا في ذمة واحدة.

وكيف كان فالتحقيق جواز اشتغال الذمم المتعددة بمال واحد لمالك واحد ، كجواز اشتغال ذمم متعددة بواجب واحد كما في الواجبات الكفائية ، فإن اشتغال الذمم المتعددة بالواجب فيها حاصل ، ولا فرق بينها وبين المقام إلا في أن المصحح للاشتغال فيها الوجوب والمصحح للاشتغال هنا الملك. ودعوى : أن الواحد لا يقبل الوجود إلا في مكان واحد. مدفوعة : بأن ذلك في الوجود الحقيقي والوجود هنا اعتباري لا حقيقي ، واعتباره تابع لوجود منشأ الاعتبار ، وهو سبب الضمان ، فلما كان : « على اليد » ينطبق بالنسبة الى كل واحد من ذوي الأيدي المتعاقبة كان موجباً لاشتغال الذمة بالنسبة إليهم جميعاً أيضاً ، وإن كان الحكم إذا أدى واحد منهم فقد برأت ذمة الباقين ، لأن المضمون في جميع الذمم مال واحد ، فاذا وصل الى أهله لزم حصول البراءة منه. نظير ما يقال في الواجبات الكفائية : من أنه يسقط الوجوب عن الجميع بفعل واحد منهم ،

وعليه إذا أبرء المضمون له واحدا منهما برئ دون الآخر [1] إلا إذا علم ارادته إبراء أصل الدين لا خصوص ذمة ذلك الواحد.

( مسألة 27 ) : إذا كان له على رجلين مال ، فضمن كل منهما ما على الآخر بإذنه ، فإن رضي المضمون له بهما صح [2]. وحينئذ فإن كان الدينان متماثلين جنسا وقدرا تحول ما على كل منهما إلى ذمة الآخر. ويظهر الثمر في الإعسار واليسار [3] ،


لان الواجب واحد يسقط الأمر به بمجرد حصوله. وهنا تبرأ الذمم منه بمجرد وصوله إلى مالكه.

[1] لاختصاصه بالإبراء فلا يتعدى الى الآخر. اللّهم الا أن يقال : إنه بمنزلة الاستيفاء ، لأنه إسقاط لما في الذمة وقطع العلاقة بينه وبينه ، فهو تصرف في المال نفسه ، لا تصرف في الذمة ، ليختص بأحدهما دون الآخر ، إذ لا سلطان له على الذمة ، وإنما سلطانه على ماله ، فاذا كان قد قطع العلقة بينه وبينه فقد قطع العلقة بينه وبين ما في غيرها من الذمم ، لان المفروض أنه عينه لا غيره ، وقد تقدم من المصنف (رحمه اللّه) احتمال ذلك في المسألة الثالثة. لكن التحقيق أن إبراء الذمة بحسب الارتكاز العرفي مجرد إخلائها من ماله ، فان كان له مستقر آخر فهو على حاله ، لا أنه قطع للعلقة بينه وبين المال ، كي يسقط من جميع الذمم.

[2] قال في الشرائع : « إذا كان له على رجلين مال فضمن كل منهما ما على صاحبه تحول ما كان على كل واحد منهما الى صاحبه ». ونحوه في القواعد وغيرها. وفي المسالك : « لا إشكال في صحة هذا الضمان ، لأن كل واحد جامع لشرائط الصحة ».

[3] فإذا كان أحدهما معسراً كان للمضمون له الخيار في فسخ الضمان ،

وفي كون أحدهما عليه رهن دون الآخر [1] ، بناء على افتكاك الرهن بالضمان. وإن كانا مختلفين قدراً أو جنساً أو تعجيلاً وتأجيلاً أو في مقدار الأجل فالثمر ظاهر. وإن رضي المضمون له بأحدهما دون الآخر كان الجميع عليه [2]. وحينئذ فإن أدى الجميع رجع على الآخر بما أدى ، حيث أن المفروض كونه مأذونا منه. وإن أدى البعض ، فان قصد كونه مما عليه أصلا أو مما عليه ضمانا فهو المتبع. ويقبل قوله إن ادعى ذلك [3].


فاذا فسخ استقر تمام المال على الموسر.

[1] كما نص عليه في المسالك ، معللا له بأن الضمان بمنزلة الأداء. وقد تقدم الكلام فيه في المسألة الثالثة والعشرين.

[2] أما دينه الأول : فلأنه لم ينتقل عنه بضمان صاحبه ، لبطلانه. وأما دين صاحبه : فلانتقاله الى ذمته بضمانه.

[3] كما نص عليه في الشرائع في آخر كتاب الرهن ، معللا له بأنه أبصر بنيته. وفي جامع المقاصد : « لأنه أعرف بنيته. وفي الجواهر : « بلا خلاف ولا اشكال ». وكأنه لبناء العقلاء والمتشرعة ، نظير إخبار ذي اليد عما في يده ، بل هو أولى منه ، لأنه إخبار عن النفس ، وبناء العقلاء والمتشرعة على الأخذ به. نعم إذا كان في مقام النزاع ثمَّ الرجوع الى الحاكم الشرعي يتعين اليمين عليه ، لأنه منكر ، فاليمين يحتاج اليه الحاكم الشرعي لفصل الخصومة ، ولا يحتاج اليه غيره لترتيب آثار الصدق. وهكذا جميع موارد الحجج ، فان الحجة تكون مع المنكر ولا يكتفي بها الحاكم ، بل يحتاج إلى يمين إذا لم يقم المدعي بينة على صدقه ، لقوله (صلی اللّه عليه وآله) :

وإن أطلق ولم يقصد أحدهما فالظاهر التقسيط [1].


« إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان » (1)وإن كان سير الحاكم يرتب آثار الواقع على الحجة التي تكون مع المنكر ، فان المنكر من يوافق قوله الحجة ، ولا يكتفي بها الحاكم في فصل الخصومة ، لانحصار فصل الخصومة بالبينة واليمين.

[1] كما نص عليه في القواعد. وفي جامع المقاصد : « لامتناع صرفه إلى أحدهما ، نظراً الى عدم الأولوية ، فيتعين الأول لانحصار الحال فيهما ويحتمل صرفه الآن الى ما شاء ، لعدم القصد وامتناع وقوعه بدونه. ويضعف : بأن المدفوع اليه ملكه من حين القبض ، فيمتنع أن لا يسقط شي‌ء من الدين في مقابله ، لأن قبضه إنما كان عن جهته ، فيتعين التوزيع لما قلنا من انتفاء الأولوية. وهو الأصح ، وأعلم أن المصنف تردد في الرهن في نظائر هذه المسألة ثمَّ رجع الى الفتوى هنا ، وفيه : أنه لا دليل على حصول الملك بالقبض كي يتعين التوزيع لعدم الأولوية ، كيف وان كل واحد من الدينين متعين في نفسه ، ولذا لو عينه في الوفاء تعين ، فاذا كان متعيناً في نفسه كان محتاجاً الى التعيين ، لان الوفاء قصدي ، وقصد الشي‌ء يتوقف على ملاحظته بخصوصياته. وإلا فالتقسيط محتاج الى مرجح كالتعيين لأحدهما ، فالبناء على التقسيط لعدم المرجح ليس أولى من البناء على عدم التقسيط لعدم المرجح. وقد ذكر الأصحاب أنه إذا كان الواجب متعدداً بلا تعين امتنع التعيين في مقام الوفاء ، فاذا جاء المكلف ببعض الواجب سقط البعض وبقي البعض بلا تعيين. فاذا كان عليه صوم أيام من شهر رمضان فصام يوماً سقط يوم من تلك الأيام بلا تعيين. وإذا كان الواجب متعدداً مع تعين بعضه في مقابل البعض الآخر ، كما إذا كان عليه صوم الكفارة وصوم


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كيفية القضاء حديث : 1.

ويحتمل القرعة [1]. ويحتمل كونه مخيراً في التعيين بعد ذلك [2] والأظهر الأول. وكذا الحال في نظائر المسألة ، كما إذا كان عليه دين وعليه رهن ودين آخر لا رهن عليه فادى مقدار أحدهما [3] ، أو كان أحدهما من باب القرض والآخر ثمن


القضاء ، فصام يوما ولم يعين بطل ولم يصح لأحدهما. وكذا في المقام ما دام كل واحد من الدينين متعيناً في نفسه في مقابل الآخر لم يحصل الوفاء القصدي إلا بقصد أحد المتعينين ، وإلا خرج عن كونه قصدياً. وأما قصد الجامع بين المتعينين ، فليس قصداً لما في الذمة ، لعدم كون الجامع المذكور في الذمة ، وإنما الذي في الذمة كل واحد من المتعينين. هذا ما تقتضيه المرتكزات العرفية. ونظير المقام ما إذا كان عليه قضاء رمضان من هذه السنة وقضاء رمضان من السنين السابقة ، فإن قضاء رمضان هذه السنة تجب المبادرة إليه قبل رمضان الثاني ، فإذا لم يبادر كان عليه الكفارة ، وليس كذلك قضاء رمضان السابق فاذا نوى صوماً قضاء ولم يعين لم يصح لأحدهما.

[1] كما احتملت فيما لو كان له زوجتان أو زوجات فقال : « زوجتي طالق » ولم ينو واحدة منهما. لكن هذا الاحتمال ضعيف في المقيس والمقيس عليه ، إذ لا دليل على القرعة بعد أن كان موضوعها المشكل أو المشتبه (1)لعدم الاشكال والاشتباه بعد قيام الأدلة على البطلان.

[2] قد عرفت أنه هو المتعين الذي تقتضيه الأدلة ، فيبقى المدفوع على ملك الدافع الى أن يعين المراد له.

[3] فان المدفوع إن كان وفاء للأول بطل حق الرهانة لوفاء الدين ، وإن كان عن الثاني فالحق بحاله لبقاء دينه.


1) راجع الوسائل باب : 13 من أبواب كيفية القضاء. ومستدرك الوسائل باب : 11 من أبواب كيفية القضاء.

مبيع [1]. وهكذا ، فان الظاهر في الجميع التقسيط. وكذا الحال إذا أبرأ المضمون له مقدار أحد الدينين مع عدم قصد كونه من مال الضمان أو من الدين الأصلي [2]. ويقبل قوله إذا ادعى التعيين في القصد [3] ، لأنه لا يعلم إلا من قبله.

( مسألة 28 ) : لا يشترط علم الضامن حين الضمان بثبوت الدين على المضمون عنه [4] ، كما لا يشترط العلم بمقداره [5] ، فلو ادعى رجل على آخر دينا فقال : « عليّ ما عليه » صح. وحينئذ فإن ثبت بالبينة يجب عليه أداؤه ، سواء كانت سابقة أو لاحقة [6] ، وكذا إن ثبت بالإقرار


[1] فإن كان الوفاء للأول بقي حق الخيار من جهة عدم دفع الثمن.

[2] فان كان من مال الضمان لم يرجع الضامن على المضمون عنه ، وإن كان من غيره رجع ، على ما تقدم.

[3] قد تقدم وجهه.

[4] قد يظهر من جامع المقاصد والمسالك وضوحه والتسالم عليه. وقد يظهر من عبارتي الشرائع والقواعد اشتراط ذلك ، وسيأتي نقل ذلك في المسألة الآتية. وعمومات الصحة تقتضي عدم اشتراط ذلك. ولازم استدلال القائلين باشتراط العلم بمقدار المضمون بقاعدة نفي الغرر القول باشتراط العلم بوجوده لحصول الغرر بدونه. وقد أصر على ذلك في مفتاح الكرامة ، ناسباً له إلى الأصحاب ، مستدلا عليه بقاعدة نفي الغرر ، مؤيداً له بالعقل.

[5] تقدم الكلام فيه في المسألة الأولى.

[6] لإطلاق عموم دليل حجية البينة الشامل للحالين. والعمدة في هذا

السابق على الضمان ، أو باليمين [1] المردودة [2] كذلك [3] وأما إذا أقر المضمون عنه بعد الضمان أو ثبت باليمين المردودة فلا يكون حجة على الضامن إذا أنكره [4] ، ويلزم عنه بأدائه في الظاهر [5]. ولو اختلف الضامن والمضمون له في ثبوت الدين أو مقداره ، فأقر الضامن أو رد اليمين على


العموم رواية مسعدة بن صدقة المتضمنة قوله (عليه السلام) : « والأشياء كلها على هذا حتى يتبين غير ذلك أو تقوم به البينة » (1).

[1] كما صرح بذلك غير واحد ، لحجيتهما.

[2] بأن كان المضمون عنه قد أنكر الدين الذي يدعيه المضمون له ولم يقم المضمون له البينة على دعواه ، فكان على المضمون عنه اليمين على النفي أو رد اليمين على المضمون له ، فردها فحلف المضمون له على ثبوت دعواه.

[3] يعني : قبل الضمان.

[4] أما الإقرار فلأنه إقرار في حق الغير. وأما اليمين المردودة فهي بمنزلة الإقرار من هذه الجهة ، لا تكون حجة إلا للحاكم في فصل الخصومة لقصور دليل حجيتها عن شمول ذلك. وقد أشرنا إلى الخلاف في حجية اليمين المردودة في المسألة الثالثة من ( فصل فيه مسائل متفرقة ) من كتاب النكاح. وعن أبي الصلاح وأبي المكارم حجية الإقرار ، بل عن الثاني دعوى الإجماع عليه. وفيه : ما عرفت. والإجماع ممنوع.

[5] هذا اللزوم غير ظاهر ، للعلم بفراغ ذمة المضمون عنه ، لأنه إن كان مشغول الذمة قبل الضمان فقد برئت بالضمان ، وإن كان برئ الذمة قبل الضمان فلا موجب لاشتغالها ، فأخذ المال منه مما يعلم بعدم استحقاقه.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكسب به حديث : 4.

المضمون له فحلف ، ليس له الرجوع على المضمون عنه إذا كان منكراً [1] وإن كان أصل الضمان بإذنه. ولا بد في البينة المثبتة للدين أن تشهد بثبوته حين الضمان ، فلو شهدت بالدين اللاحق أو أطلقت ولم يعلم سبقه على الضمان أو لحوقه لم يجب على الضامن أداؤه [2].

( مسألة 29 ) : لو قال الضامن : « علي ما تشهد به البينة » وجب عليه أداء ما شهدت بثبوته حين التكلم بهذا الكلام [3] ، لأنها طريق الى الواقع وكاشف عن كون الدين ثابتا حينه [4]. فما في الشرائع من الحكم بعدم الصحة لا وجه له [5]


[1] لعدم ثبوت الدين على المضمون عنه بإقرار الضامن ، لاختصاص حجيته به ، ولا بيمين المضمون له المردودة لما عرفت.

[2] لعدم ثبوت الدين حال الضمان لينتقل الى ذمته ، والأصل عدمه.

[3] يعني : حين الضمان.

[4] وإذا كان ثابتاً حينه كان مضموناً على الضامن ومنتقلا الى ذمته.

[5] قال في الشرائع : « لو ضمن ما تشهد به عليه لم يصح ، لأنه لا يعلم ثبوته في الذمة وقت الضمان ». وقوله : « وقت الضمان » يحتمل فيه أن يكون قيداً للثبوت في الذمة ، يعني : أن الثبوت في الذمة وقت الضمان غير معلوم ، إما لعدم شهادة البينة بالثبوت وقت الضمان ، وإنما كانت شهادتها بالثبوت حال الشهادة ، وإما لعدم كونها حجة على الثبوت وقت الضمان وإن كانت قد شهدت بذلك. ويحتمل أن يكون قيدا للعلم ، يعني : لا يعلم وقت الضمان بالثبوت في الذمة ، ومقتضى الأخير اعتبار العلم وقت الضمان بالثبوت في الذمة ، فإذا لم يعلم حين الضمان الثبوت في الذمة لم يصح الضمان ،


كما أصر على ذلك في مفتاح الكرامة ، حاملا عبارات الأصحاب عليه ، كما أشرنا إليه آنفا ، فيكون مخالفاً لما تقدم في المسألة السابقة ، كما أشرنا إليه هناك. وعلى الاحتمالين السابقين لا تعرض فيه لذلك. والمصنف حملها على الاحتمال الثاني منهما. وهو غير ظاهر ، إذ لا خلاف من أحد في حجية البينة ، فكيف يحتمل الخلاف من المحقق (رحمه اللّه)؟! والأول منهما أيضاً غير ظاهر ، إذ ربما تشهد بالثبوت وقت الضمان ، كما ربما تشهد بالثبوت في الجملة ، فإطلاق عدم شهادتها بالثبوت حال الضمان لا وجه له.

ومثلها في هذه الاحتمالات عبارة القواعد ، قال : « ولو ضمن ما تقوم به البينة لم يصح ، لعدم العلم بثبوته حينئذ ». نعم ظاهر عبارة المختلف أن المراد الاحتمال الأول ، قال في المختلف : « قال الشيخ في المبسوط : قال قوم من أصحابنا أنه يصح أن يضمن ما تقوم به البينة ، دون ما يخرج به دفتر الحساب. ولست أعرف به نصاً. وفي هذه العبارة إشكال ، وعبارة المفيد وأبي الصلاح هنا أحق ، وهو أنه يضمن حقه عليه ، إذ ما تقوم به البينة لا يعلم ثبوته وقت الضمان ، فلا يصح ، لأنه يكون ضمان ما لم يجب » فان الظاهر أن وجه الفرق بين عبارة قوم من أصحابنا وعبارة المفيد وأبي الصلاح : أن الثانية من قبيل ما علم ثبوته حال الضمان لان المفروض أن المضمون الحق الذي عليه ، والثانية من قبيل ما لم يعلم ثبوته حال الضمان ، لعدم شهادة البينة بذلك ، ولذلك كان من قبيل ضمان ما لم يجب ، يعني : ضمان ما لم يعلم أنه وجب ، لعدم ثبوت البينة بثبوته ، فيحتمل أن يكون من ضمان ما لم يجب.

وفي المسالك حمل عبارة الشرائع على إرادة ضمان الجامع بين الثابت وقت الضمان وغيره ، فإنه لا يصح ضمان الجامع المذكور ، ثمَّ قال : « فعلى هذا لو صرح بقوله : ما يشهد عليه ان كان ثابتاً وقت الضمان ، فلا مانع

ولا للتعليل الذي ذكره بقوله : « لأنه لا يعلم ثبوته في الذمة » إلا أن يكون مراده في صورة إطلاق البينة المحتمل للثبوت بعد الضمان. وأما ما في الجواهر [1] من أن مراده بيان عدم صحة ضمان ما يثبت بالبينة من حيث كونه كذلك ، لأنه من ضمان ما لم يجب ، حيث لم يجعل العنوان ضمان ما في ذمته لتكون البينة طريقا ، بل جعل العنوان ما يثبت بها ، والفرض وقوعه قبل ثبوته بها. فهو - كما ترى - لا وجه له [2].


من الصحة كما لو ضمن ما في ذمته ، ولزمه ما تقوم به البينة إن كان ثابتاً ». وكأنه أخذه من جامع المقاصد ، فإنه في شرح عبارة القواعد المتقدمة قال : « لو قال لعدم دلالة عقد الضمان على ضمان ما في الذمة حينئذ لكان أولى ، وتخرج العبارة على أن المراد لعدم العلم بثبوته من صيغة الضمان .. » يعني : أن صيغة الضمان بالمعنى المذكور لا تدل على ضمان ما ثبت ، لان ما ثبت أخذ بنحو الاجمال والإهمال لا بنحو الإطلاق. فلا يتوجه عليه ما في الجواهر ، من أنه إذا أخذ مطلقاً كان اللازم البناء على الصحة على تقدير شهادة البينة بالثبوت حال الضمان ، فلا وجه لإطلاق البطلان. فإنه يتم لو كان المراد مطلق ما تشهد به البينة ، وليس كذلك بل المراد ما تشهد به في الجملة.

[1] قال في الجواهر : « ولعل الأولى تفسير ذلك بإرادة بيان عدم صحة ضمان ما يثبت بالبينة من حيث كونه كذلك ، لأنه حينئذ من ضمان ما لم يجب ، ضرورة عدم جعل عنوان الضمان في ذمته والبينة طريق لمعرفته ، بل كان العنوان ما يثبت بها ، والفرض وقوعه قبل ثبوته. ومن هنا أردف التعليل المزبور في المختلف بقوله : فلا يصح لأنه ضمان ما لم يجب ».

[2] إن كان المراد أنه لا وجه للحكم المذكور على تقدير كون المراد

( مسألة 30 ) : يجوز الدور في الضمان [1] ، بأن يضمن عن الضامن ضامن آخر ، ويضمن عنه المضمون عنه


ذلك فوجهه ظاهر لأنه من ضمان ما لم يجب. وإن كان المراد أنه لا وجه لحمل العبارة عليه لأنه بعيد ، فهو ليس بأبعد مما ذكره من الحمل.

وبالجملة : عبارتا الشرائع والقواعد ونحوهما تحتمل معاني كثيرة قد حملها كل واحد من الأكابر على واحد منها ، فحملها في مفتاح الكرامة على عدم العلم حال الضمان بالثبوت حاله ، فيكون من ضمان مجهول الثبوت ، وهو غير صحيح ، لاشتراط العلم بالثبوت حال الضمان. وحملها في المسالك وجامع المقاصد على ضمان ما لم يكن مفروض الثبوت حال الضمان. وحملها في الجواهر على ضمان ما عنون بعنوان غير ثابت حال الضمان. وحملها المصنف على عدم العلم حتى بعد الضمان بالثبوت ، لعدم حجية البينة ، والمحامل الثلاثة الأخيرة بعيدة جداً عن العبارات المذكورة. والمحمل الأول وإن كان قريباً بالنظر الى نفس التعبير ، لكنه بعيد عن سيرة الأصحاب ، إذ لو كان العلم وقت الضمان بثبوت الدين شرطاً للضمان كان اللازم عده في جملة شرائطه التي فصلت في كتبهم ، لا إهماله والإشارة إليه بمثل هذه العبارة. مضافاً إلى عدم الدليل على شرطيته غير عموم نفي الغرر ، وهو غير ثابت. ولذا بني على عدم اشتراط العلم بمقدار الدين المضمون. وأما تأييد الشرطية بالعقل - على ما ذكر في مفتاح الكرامة - فغير ظاهر. هذا بالنظر الى كل من الاحتمالات في نفسه. لكن إذا دار الأمر بينها فالأقرب ما ذكره في المسالك وجامع المقاصد.

[1] كما صرح به جماعة ، وفي الجواهر : « لا إشكال في جواز الدور. خلافاً للمحكي عن الشيخ في المبسوط ، فمنعه ، لصيرورة الفرع أصلا وبالعكس ، ولعدم الفائدة فيه ».

الأصيل. وما عن المبسوط من عدم صحته لاستلزامه صيرورة الفرع أصلا وبالعكس ، ولعدم الفائدة لرجوع الدين كما كان مردود بأن الأول غير صالح للمانعية [1] ، بل الثاني أيضاً كذلك [2]. مع أن الفائدة تظهر في الإعسار واليسار [3] ، وفي الحلول والتأجيل ، والاذن وعدمه. وكذا يجوز التسلسل بلا إشكال [4].

( مسألة 31 ) : إذا كان المديون فقيراً يجوز أن يضمن عنه بالوفاء من طرف الخمس أو الزكاة أو المظالم أو نحوها من الوجوه التي تنطبق عليه [5] ، إذا كانت ذمته مشغولة بها فعلا ، بل وإن لم تشتغل فعلا ، على إشكال.


[1] إذ لا محذور في صيرورة الفرع أصلا ولا في عكسه.

[2] إذ لا محذور فيه ، لان مجرد عدم الفائدة لا يوجب الخروج عن إطلاق الأدلة المقتضية للصحة.

[3] كما تقدم نظير ذلك في المسألة السابعة والعشرين.

[4] كما في الجواهر ، أولا شبهه في جوازه كما في المسالك ، أو الظاهر عدم الخلاف فيه عند الأصحاب كما عن مجمع البرهان.

[5] تارة : يكون المراد نقل الدين من ذمة الفقير الى مصرف الخمس أو غيره ، بأن يكون المتعهد المصرف الخاص. وأخرى : يكون المراد النقل إلى ذمة الضامن ويكون الأداء من الحق الخاص ، وثالثة : بأن يكون المراد التعهد بالوفاء من الحق الخاص من دون اشتغال ذمته بالمال ، لان التعهد كان بالوفاء لا بالمال. أما الأول : فتتوقف صحته على ولاية الضامن على الحق بحيث يجعله مديناً للمضمون له ، نظير ما إذا

( مسألة 32 ) : إذا كان الدين الذي على المديون زكاة أو خمساً جاز أن يضمن عنه ضامن للحاكم الشرعي [1] ،


اشترى ولي الزكاة علفاً لانعام الصدقة ، فإن الثمن يكون على الزكاة لا على ، الولي ، فإذا لم يكن له ولاية على الحق لم يصح منه أن يجعله مدينا للمضمون له. وثبوت هذه الولاية غير واضح من الأدلة ، خصوصاً في الخمس ورد المظالم والكفارات ونحوها من الحقوق التي يجب تمليكها الى الفقير ، فإنه لا تبرأ ذمة من عليه الحق إلا بالتمليك ، والوفاء على النحو المذكور ليس تمليكا. أما ما لا يجب فيه التمليك كالزكاة فإنه قد تبرأ ذمة المالك بالصرف في مصارفها من دون تمليك. لكن الولاية للمالك على هذه الاستدانة عليها غير ثابتة. بل ثبوتها للحاكم الشرعي غير ظاهر ، لقصور أدلة ولاية الحاكم الشرعي عن شمول مثل ذلك ، وإن كانت له ولاية على الاستدانة عليها إذا قضت الضرورة بذلك ، لكن عموم الولاية لما نحن فيه بحيث يجعل الضمان على الزكاة غير ثابت. مضافاً إلى أنه قد تقدم في المسألة الرابعة والعشرين أن نقل الدين من ذمة المضمون عنه الى نفس المال المعين لا يصح عند المصنف ، فكيف صح هنا عنده؟!. وأما الثاني : فهو أوضح إشكالا ، لأن صرف الحقوق في الوفاء عن ذمة المالك لا يصح في الزكاة فضلا عن غيرها ، فلا يصح اشتراطه. وأما الثالث : فهو وعد بالوفاء لا يجب العمل به ، ولا يوجب انتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة أخرى.

[1] لأنه الولي عليه ، فيكون هو المضمون له ، لأن المراد من المضمون له من له ولاية المال ، سواء كان مالكاً له أم ولياً عليه وإن لم يكن الدين مملوكاً لمالك كالزكاة. وإن شئت قلت : المضمون له الجهة المختص بها المال ، والحاكم ولي عليها ، فبقبوله يتم الضمان. وكذلك الحكم في

بل ولآحاد الفقراء ، على إشكال [1].

( مسألة 33 ) : إذا ضمن في مرض موته ، فان كان بإذن المضمون عنه فلا إشكال في خروجه من الأصل ، لأنه ليس من التبرعات ، بل هو نظير القرض والبيع بثمن المثل نسيئة [2]. وإن لم يكن بإذنه فالأقوى خروجه من الأصل كسائر المنجزات. نعم على القول بالثلث يخرج منه [3].

( مسألة 34 ) : إذا كان ما على المديون يعتبر فيه مباشرته لا يصح ضمانه [4] ، كما إذا كان عليه خياطة ثوب


الصدقات المعينة للجهات إذا كانت دينا فضمنه للجهة المعينة اعتبر قبول الولي الخاص إن كان ، وإلا كان القبول من الحاكم الشرعي. كل ذلك لعموم الأدلة المقتضية للصحة.

[1] ظاهر ، لأن آحاد الفقراء لا يملكون المال ، بل ولا حق لهم فيه ، إذ لا دليل على شي‌ء من ذلك ، فلا ولاية لهم عليه.

[2] كما صرح بذلك في المسالك وغيرها.

[3] كما جعله الأصح في الشرائع - قال (رحمه اللّه) : « إذا ضمن المريض في مرضه ومات فيه خرج ما ضمنه من ثلث تركته على الأصح » - لبنائه على خروج المنجزات من الثلث ، وقوله (رحمه اللّه) : « خرج ما ضمنه من ثلث تركته » ظاهر في الضمان التبرعي الذي يحتاج الى المخرج ، إذ الضمان المأذون فيه لا نقص فيه مالي كي يحتاج الى مخرج.

[4] لامتناع انتقاله إلى ذمة غير المديون ، لان ما في ذمة غير المديون ليس مصداقاً لما في ذمة المديون. اللّهم إلا أن يقال : لا مانع من تعهد غير المديون بفعل المديون ، فمباشرة الخياطة مثلا إنما تقتضي اعتبار صدور

مباشرة ، كما إذا اشترط أداء الدين من مال معين للمديون [1] وكذا لا يجوز ضمان الكلي في المعين [2] ، كما إذا باع صاعاً من صبرة معينة ، فإنه لا يجوز الضمان عنه والأداء من غيرها مع بقاء تلك الصبرة موجودة.

( مسألة 35 ) : يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة [3]


الخياطة من المديون ولا تقتضي اعتبار اشتغال ذمته به ، فيجوز أن يتعهد غير الخياط بفعل الخياط ، بأن يستأجر زيد على خياطة ثوب ، ويشترط أن يكون المباشر للخياطة عبده أو أجيره.

[1] يمكن مجي‌ء الإشكال السابق فيه أيضاً ، بأن يتعهد زيد بالوفاء من مال عمرو ، فاعتبار الوفاء من مال معين لا يقتضي اختصاص التعهد به بمالك المال ، بحيث لا يمكن أن يتعهد به غيره وتشتغل ذمته به.

[2] لا يخفى أن الكلي في المعين ليس ثابتاً في ذمة فلا يكون ضمانه من ضمان ما في الذمة ، الذي هو موضوع كتاب الضمان ، على ما عرفت في الشرط الثامن. ومع غض النظر عن ذلك فلو ضمنه بقصد الأداء من تلك الصبرة لا مانع من صحته ، ولو ضمنه بقصد الأداء من صبرة أخرى مع بقاء تلك الصبرة لم يصح ، لأن الأداء من الصبرة الأخرى ليس أداء للمضمون ، بل أداء لغيره.

[3] قال في الشرائع : « ويصح ضمان النفقة الماضية والحاضرة للزوجة ، لاستقرارها في ذمة الزوج دون المستقبلة ». ونحوه في القواعد بإسقاط التعليل. وحكي عن كثير من كتب القدماء والمتأخرين. وفي مفتاح الكرامة عن مجمع البرهان : « لعله لا خلاف فيه » ثمَّ قال : « وهو كذلك ». وفي الجواهر في الماضية نفي الخلاف والاشكال. ويظهر من المسالك التسالم على الحكم في الماضية والحاضرة.

لأنها دين على الزوج. وكذا نفقة اليوم الحاضر لها إذا كانت ممكنة في صبيحته ، لوجوبها عليه حينئذ [1]. وإن لم تكن


[1] قال في الشرائع : « الزوجة تملك نفقة يومها مع التمكين » ، وظاهره أنها تملك نفقة اليوم في أول اليوم مع التمكين ، كما لعله صريح القواعد ، حيث قال : إنها تملك النفقة في صبيحة اليوم. وظاهر المسالك : أنه لا اشكال فيه. وكذا ظاهر غيرها. وعلله في المسالك : بأنها تحتاج الى الطحن والخبز والطبخ ، إذ الواجب عليه دفع الحب ونحوه ومئونة إصلاحه ، لا عين المأكول مهيئاً ، عملا بالعادة ، فلو لم يسلم إليها في أول النهار لم تنله عند الحاجة ». ويشكل بمنع الاكتفاء بدفع الحب ونحوه ، إذ هو خلاف إطلاق النفقة والرزق ، وإلا لأجزأ دفع الصوف والقطن في نفقة الكسوة. مع أنه لو سلم ذلك كان اللازم الدفع في الوقت الذي لا بد منه في تحصيل المأكول والملبوس ، فقد يقتضي تقديمه على اليوم ، كما هو الغالب ، فان دفع الحب لا يكفي في أكله الصبح ، وقد يقتضي تأخيره عن الصبح إذا كانت المقدمات تتهيأ في جزء يسير من الزمان. وبالجملة : تعيين أول اليوم لا دليل عليه ، ومقتضى الأدلة حصول الملك عند الحاجة. ولذلك اعترف في الجواهر : بأن أدلة الإنفاق لا تقتضي الملك ، فضلا عن ثبوته في صبيحة اليوم. لكن الظاهر من قوله تعالى : ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (1)هو الملك. اللّهم الا أن يحمل الرزق والكسوة على المصدر لا العين. لكن لازم ذلك السقوط بخروج الوقت ، فلا تقتضي إذا فاتت ، وهو خلاف المتسالم عليه. وكون العادة جارية على البذل لا ينافي ذلك إذا كان البذل مع التراضي ، فإنه يجوز وفاء الدين بغير جنسه إذا كان مع التراضي.


1) البقرة : 233.

مستقرة لاحتمال نشوزها في أثناء النهار ، بناء على سقوطها بذلك [1].


[1] الاحتمالات في نفقة الممكنة في أول اليوم إذا نشزت في أثناء النهار ثلاثة : الأول : أن تكون ثابتة في ذمة الزوج أول اليوم ، ولا يجوز استرجاعها إذا طرأ النشوز في أثناء النهار. الثاني : أن تكون ثابتة في الذمة أول اليوم ويكون النشوز مسقطا لها بعد الثبوت. الثالث : أن تكون ثابتة في الذمة أول اليوم ثبوتاً مراعى باستمرار التمكين ، فاذا نشزت في أثناء النهار انكشف عدم الثبوت من أول الأمر. والذي يقتضيه إطلاق الأدلة هو الأخير ، لأن النشوز مانع من استحقاق النفقة ، فإذا حصل في أثناء النهار انكشف عدم الاستحقاق من أول الأمر. ودعوى : حصول الاستحقاق بالتمكين أول اليوم ، فيكون النشوز مانعاً من بقائه وموجباً لسقوطه بعد الثبوت. لا دليل عليها ، ولا تساعدها أدلة المقام ، كما أن الزوجية موضوع النفقة فإذا زالت بالموت أو الطلاق انكشف عدم الحكم لعدم موضوعه. ودعوى : أن الموضوع هو الزوجية في صبيحة اليوم ، فاذا كانت زوجة حينئذ استحقت نفقة اليوم تامة ، غير ظاهر من الأدلة. ومن ذلك يشكل ما في القواعد من أنها إذا ماتت أو طلقها في أثناء النهار لم يسترد النفقة لأنها ملكتها. كما يشكل الفرق بين الطلاق والموت وبين النشوز حيث حكم في القواعد أيضاً بالاسترداد فيه دونهما إذا طرأ في أثناء النهار ، على إشكال ، من تقديم القبض الموجب للملك قبل النشوز ، ومن أن التمكين شرط في ملك النفقة. إذ لا يخفى أن دخل الزوجية في استحقاق النفقة آكد من دخل التمكين فيه ، فكيف لا يكون فوات الزوجية بالموت أو الطلاق موجباً لفوات الاستحقاق وفوات التمكين موجباً لذلك؟! وفي بعض عبارات القواعد أنه لا تسترد النفقة في الطلاق

وأما النفقة المستقبلة فلا يجوز ضمانها عندهم ، لأنه من ضمان ما لم يجب. ولكن لا يبعد صحته ، لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية [1]. وأما نفقة الأقارب فلا يجوز ضمانها بالنسبة الى ما مضى ، لعدم كونها دينا على من كانت عليه [2] ،


في أثناء النهار ، وتسترد في موتها أو موته أو نشوزها. وهو كما ترى.

فاذاً التحقيق أن الجميع من باب واحد ، وأن فوات كل منها موجب لفوات الاستحقاق. والملك في أول اليوم إن تمَّ فهو مراعى ببقاء الموضوع والشرط ، ومع انتفاء واحد منهما ينكشف فوات الاستحقاق من أول الأمر.

وعلى هذا فصحة ضمان النفقة الحاضرة مراعاة ببقاء التمكين. وأما ما ذكره المصنف من احتمال ثبوت الملك أول النهار ، ويستقر باستمرار التمكين فإذا طرأ النشوز بطل التمليك. فهو ظاهر التعبير بالاسترداد في كلام الجماعة. قال في المسالك : « وأما الحاضرة فلا إشكال في وجوبها وثبوتها في الذمة مع التمكين. أما استقرارها ففيه نظر ، مبني على أنه لو نشزت في أثناء النهار هل تسترد نفقة ذلك اليوم أم لا؟ فيه خلاف ، يأتي إن شاء اللّه الكلام فيه » وظاهر أن القائلين بالاسترداد يقولون بالسقوط بعد الثبوت ، لا أنه كاشف عن عدم الثبوت من أول الأمر » كما عرفت أنه ظاهر الأدلة. وكيف كان فالإشكال في كون الملك لتمام نفقة اليوم أول اليوم أو أن الملك يكون حين الحاجة إلى النفقة بالنسبة إلى أبعاضها في اليوم - كما هو ظاهر الأدلة - لا ينافي صحة ضمان النفقة الحاضرة بناء على الملك ، لحصول الملك واشتغال الذمة المصحح للضمان على كل حال.

[1] قد تقدم الاشكال فيه في الشرط الثامن من شروط الضمان فراجع.

[2] فلا تقتضي بلا خلاف أجده فيه ، بل ظاهر بعضهم الإجماع عليه.

الا إذا أذن للقريب أن يستقرض [1] وينفق على نفسه ، أو أذن له الحاكم في ذلك [2] ، إذ حينئذ يكون دينا عليه [3]. وأما بالنسبة الى ما سيأتي [4] فمن ضمان ما لم يجب. مضافا الى أن وجوب الإنفاق حكم تكليفي [5] ، ولا تكون النفقة


كذا في الجواهر. لكن قال بعد ذلك : « قد يشكل أصل عدم وجوب القضاء بأن الأصل القضاء في كل حق مالي لآدمي ودعوى : كون الحق منا خصوص السد الذي لا يمكن تداركه ، واضحة المنع بعد إطلاق الأدلة المزبورة ، وحرمة العلة المستنبطة عندنا ». وفيه : أن أدلة النفقة للأقارب قاصرة عن إثبات ملك المال. ففي خبر حريز : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : من الذي أجبر عليه وتلزمني نفقته؟ فقال : الوالدان والولد والزوجة » (1)ونحوه غيره. وهي - كما ترى - لا تعرض فيها لملك عين النفقة ، بل ظاهرها التكليف بالبذل للنفقة في زمان الحاجة إليها ، فلا موضوع له بالنسبة إلى الزمان الماضي ، فلا يتضح هذا الإطلاق المقتضي للقضاء.

[1] هذا واضح ، فإن الإذن كاف في صحة الاستقراض.

[2] كما ذكره في الشرائع وغيرها ، ويظهر منهم المفروغية عن صحته.

[3] لكن الدين يكون للمقرض ، لا للقريب المستقرض.

[4] ظاهره خصوص المستقبلة.

[5] إن كان مورد كلامه المستقبلة فكونها من قبيل الحكم التكليفي أيضاً غير ظاهر ، لعدم ثبوت هذا التكليف بالنسبة إلى الزمان المستقبل. نعم يتم بالنسبة إلى الزمان الحاضر لو بني على الاقتصار على ما تحت عبارة النصوص. أما بالنظر الى جواز مطالبة القريب بالنفقة ، وعرض الأمر على الحاكم الشرعي ، وإذنه في الاستدانة لها ، فيتعين البناء على عدم كونها تكليفا


1) الوسائل باب : 11 من أبواب النفقات حديث : 3.

في ذمته. ولكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال [1].


بحتا ، بل على كون القريب يملك الإنفاق عليه أو النفقة ، إذ لو لا الملك والحق الوضعي لم تجز المطالبة إلا من باب الأمر بالمعروف. لكنه يختص بشرائط لا مجال له مع فقدها. وكذلك لو لا الحق الوضعي لا وجه لرفع الأمر إلى الحاكم ، ولا لإذنه بالاستقراض ، كما هو واضح. نعم لما كان الحق مردداً بين الحقين لا مجال للاستصحاب في إثبات القضاء ، لأنه من قبيل الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد ، وهو غير حجة ، فيتعين الرجوع في وجوب قضائه إلى أصالة البراءة ، فهو حق وضعي لا تكليف محض.

[1] لما عرفت. مضافا الى بنائهم على صحة ضمانها ، فقد ذكر في القواعد : أنه يصح ضمان النفقة الحاضرة للقريب دون الماضية والمستقبلة. وفي التذكرة : « أما نفقة اليوم فالأقرب جواز ضمانها ، لوجوبها بطلوع الفجر ». ونحوه في المسالك وعن مجمع البرهان. ومن المعلوم أن الضمان لا يصح في التكليف ، فلا بد أن يكون الإنفاق حقاً مالياً مملوكاً للقريب ويكون المضمون هو ذلك الحق المالي. وإن كان ظاهر كلامهم أن المضمون عين النفقة ، كما يقتضيه أيضاً سوقها مساق نفقة الزوجة التي يكون المضمون منها عين النفقة بلا شبهة. لكن لا مجال للأخذ بهذا الظاهر ، إذ لا دليل عليه ، بل لا يتناسب مع فتواهم بعدم قضاء الماضية.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : ( الأول ) : أن وجوب الإنفاق ليس من باب التكليف ، بل من باب الحق المالي. ( الثاني ) : أن هذا الحق في الزوجة لما كان مشروطاً بالتمكين وعدم النشوز لا يكون ثابتاً الا عند الحاجة مع حصول الشرط ، ولا يثبت قبله. وما ذكره الأصحاب من أن نفقة اليوم تثبت للزوجة عند طلوع الفجر غير ظاهر ، بل تثبت نفقة الصبح عند حصوله مع الشرط ، ونفقة الظهر عند حصوله كذلك ،

( مسألة 36 ) : الأقوى جواز ضمان مال الكتابة [1] سواء كانت مشروطة أو مطلقة ، لأنه دين في ذمة العبد [2] وإن لم يكن مستقراً لإمكان تعجيز نفسه [3]. والقول بعدم الجواز مطلقاً [4] ، أو في خصوص المشروطة معللاً بأنه


ونفقة العشاء عند حصوله كذلك ، وكذلك نفقة القريب. وعلى تقدير البناء على ثبوت الملك عند الفجر فهو مراعى ببقاء الشروط ( الثالث ) : أن الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب : أن الأولى من قبيل ملك النفقة ، والثانية من قبيل ملك الإنفاق. ( الرابع ) : أن عبارة المصنف أهملت التعرض لنفقة القريب الحاضرة ، مع أنها أولى من غيرها بالتعرض ، لذكر الأصحاب لها بالخصوص من حيث جواز الضمان ، وإن كان التعليل الثاني كافياً في المنع عن ضمانها. لكن عرفت إشكاله. ( الخامس ) : أن التحقيق جواز ضمان نفقة القريب الحاضرة كنفقة الزوجة الحاضرة. كما ذكره الجماعة آنفاً. وكون الثابت في الثانية ملك العين وفي الأولى ملك الإنفاق لا يوجب الفرق بينهما في ذلك. فإن الإنفاق حق مالي في الذمة يقبل الانتقال منها إلى ذمة أخرى ، وليس من قبيل الحكم التكليفي الذي لا يقبل ذلك ، فكما أن الخياطة إذا كانت ديناً يجوز ضمانها كذلك الإنفاق.

[1] وفي الشرائع : أنه حسن. وفي التذكرة والقواعد : أنه أقرب. وحكى عن الإرشاد والتحرير والمختلف. وفي جامع المقاصد : أنه الأصح وفي المسالك : أنه يصح. وحكي نحو ذلك عن غيرها.

[2] هذا مما لا خلاف فيه حتى من الشيخ (رحمه اللّه) ، كما سيأتي كلامه ووجه خلافه.

[3] لأنه إذا عجز نفسه بطلت المكاتبة ، فتبرأ الذمة من مالها.

[4] ذكره الشيخ في المبسوط ، لأنه لا يلزم العبد في الحال ، لأن

ليس بلازم ولا يؤول إلى اللزوم. ضعيف كتعليله [1].


للمكاتب إسقاطه بفسخ الكتابة للعجز ، فلا يلزم العبد في الحال ، ولا يؤول إلى اللزوم ، لأنه إذا أداه أعتق وإذا أعتق خرج عن أن يكون مكاتباً ، فلا يتصور أن يلزم في ذمته مال الكتابة بحيث لا يكون له الامتناع من أدائه ، فهذا المال لا يصح ضمانه ، لأن الضمان إثبات مال في الذمة والتزام لأدائه ، وهو فرع لزومه للمضمون عنه ، فلا يجوز أن يكون ذلك المال في الأصل غير لازم ويكون في الفرع لازماً ، فلهذا منعنا من ضمانه. وهذا لا خلاف فيه. انتهى. هذا وفي المسالك : أن موضع الخلاف الكتابة المشروطة كما بينا ، إذ لا خلاف في المطلقة ، فإطلاقها من المصنف غير جيد. انتهى وما ذكر غير ظاهر ، لإطلاق عبارة المبسوط ، وقد صرح جماعة بأن الخلاف لا يختص بالمشروطة كما ذكر في الشرائع. نعم ما حكاه في الشرائع من أن بناء الشيخ (رحمه اللّه) على جواز تعجيز العبد نفسه يختص بالمشروطة ، وأنها الجائزة دون المطلقة يقتضي اختصاص خلافه بها دون المطلقة ، وإن كان هذا التخصيص من الشيخ غير ظاهر.

[1] قد يظهر من العبارة تعليلان للحكم. الأول : أن مال الكتابة في ذمة العبد غير لازم. وهو كما ترى أولاً : من أجل أن عدم اللزوم غير مانع من صحة الضمان ، فيكفي في الضمان الثبوت في الذمة ، كما سبق في شرائط الضمان ، فيكون كضمان الثمن في مدة الخيار. وثانياً : أن المشهور المنصور لزومه من جهة العبد ، قال في الشرائع : « الكتابة عقد لازم ، مطلقة كانت أو مشروطة. وقيل : إن كانت مشروطة فهي جائزة من جهة العبد ، لأن له أن يعجز نفسه. والأول أشبه ، ولا نسلم أن للعبد أن يعجز نفسه ، بل يجب عليه السعي ، ولو امتنع يجبر. وقال الشيخ : لا يجبر وفيه إشكال ، من حيث اقتضاء عقد الكتابة وجوب

وربما يعلل : بأن لازم ضمانه لزومه ، مع أنه بالنسبة إلى المضمون عنه غير لازم ، فيكون في الفرع لازما مع أنه في الأصل غير لازم [1]. وهو أيضاً كما ترى [2].

( مسألة 37 ) : اختلفوا في جواز ضمان مال الجعالة قبل الإتيان بالعمل ،


السعي ، فكان الأشبه الإجبار. لكن لو عجز كان للمولى الفسخ ». وما ذكره مقتضى القواعد ، كما أشار إليه في كلامه ، لأن الأصل اللزوم.

[1] هذا هو التعليل الثاني من التعليلين الذين ذكرهما في عبارة المبسوط المتقدمة. ويحتمل أن مفاد العبارة تعليل واحد ، وهو هذا الأخير. وحاصله : أنه لا يجوز ضمان غير اللازم ، لأنه يؤدي الى أن يكون الفرع غير لازم والأصل لازما. فيكون الأول من قبيل الصغرى له.

[2] لأنه لم يتضح وجه منعه من صحة الضمان ، إذ يكون من قبيل ضمان الثمن في مدة الخيار.

والذي يتحصل في الاشكال على الشيخ : أنه إن كان المانع من صحة ضمان مال الكتابة هو الجواز مطلقاً. ففيه أولاً : أنها ليست جائزة. ولو سلم فليس بمانع ، إذ لا دليل على منعه. وإن كان الجواز الذي لا يؤول إلى اللزوم ولذلك افترق عن ثمن البيع الخياري. ففيه : - أيضاً - أنه ليس بفارق ، ولا دليل على الفرق به. وإن كان قاعدة عدم جواز زيادة الفرع على أصله. ففيه : أنها ليست قاعدة عقلية على نحو يجب تخصيص الأدلة الشرعية لأجلها.

كما أن المتحصل في الاشكال على المصنف : أنه جزم أن الأول تعليل للمنع ، واحتمل أن يكون الثاني تعليلاً ثانياً ، مع أن الأولى العكس وأن الثاني هو تعليل الحكم ، ويحتمل أن يكون الأول تعليلا آخر ، كما يحتمل أن يكون تمهيداً للتعليل الثاني ، نظير الصغرى للكبرى.

الاتيان بالعمل ، وكذا مال السبق والرماية ، فقيل بعدم الجواز [1]. لعدم ثبوته في الذمة قبل العمل. والأقوى - وفاقاً لجماعة - الجواز [2] ، لا لدعوى ثبوته في الذمة من الأول وسقوطه إذا لم يعمل [3] ، ولا لثبوته من الأول بشرط مجي‌ء العمل في المستقبل [4] ، إذ الظاهر أن الثبوت انما هو بالعمل ، بل


[1] قال في جامع المقاصد : « والفرق بينه ( يعني : مال الجعالة ) وبين الثمن في مدة الخيار ظاهر ، لان الثمن حينئذ ثابت ، غاية ما في الباب أنه متزلزل ، بخلاف الجعل فإنه لا ثبوت له أصلا ، والمتجه عدم الجواز قبل الفعل ». ونحوه في المسالك.

[2] كما عن المبسوط والتحرير ومجمع البرهان وغيرها. وفي القواعد : « الخامس : الحق المضمون. وشرطه المالية ، والثبوت في الذمة وإن كان متزلزلا كالثمن في مدة الخيار ، والمهر قبل الدخول ، أو لم يكن لازماً لكن يؤول إليه كمال الجعالة قبل العمل ، وما السبق والرماية » ، ونحوه في الشرائع ، لكن قال بعد ذلك : « وفيه تردد ». وصريحهما الثبوت في الذمة ، كظاهر الاستدلال عليه بالعمومات ، مثل قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « الزعيم غارم » (1).

[3] فيكون عدم العمل بمنزلة الفسخ.

[4] فيكون العمل بمنزلة الشرط المتأخر ، فإن تحقق العمل تبين ثبوت الجعل من حين الجعالة. وهذان الاحتمالان جعلهما في الجواهر مبنى للقول بصحة الضمان ، ثمَّ قال : « ولعل ذلك لا يخلو من قوة ». ولكنه غير ظاهر ، فان مفاد الجعالة ثبوت مال على تقدير العمل ، لا الثبوت وملك العمل كالإجارة ولذا ذكروا من غير خلاف أن العامل


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الضمان حديث : 2.

لقوله تعالى ( وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) (1)[1]. ولكفاية المقتضي للثبوت في صحة الضمان [2] ومنع اعتبار الثبوت الفعلي ، كما أشرنا إليه سابقاً.

( مسألة 38 ) : اختلفوا في جواز ضمان الأعيان المضمونة - كالغصب والمقبوض بالعقد الفاسد ، ونحوهما - على قولين ،


يستحق الجعل بالعمل الذي جعل له الجعل ، فان جعل للتسليم لم يستحق الجعل الا بالتسليم ، وان جعل لغيره لم يستحق الجعل الا بفعل ذلك الغير. وبالجملة : ظاهر قول الجاعل : « إن فعلت كذا فلك كذا » أن الملك يكون على تقدير العمل وفي حينه ، فلا يكون قبله ، لا منوطاً به بنحو الشرط المتأخر ، ولا غير منوط به ، فان ذلك خلاف الظاهر ، وخلاف ظاهر كلماتهم في كتاب الجعالة ، فكيف يصح البناء على ثبوته قبله وإن كان غير لازم أو غير مستقر؟! فإنه لا مأخذ له. وعلى هذا فضمان المال المذكور من ضمان ما لم يجب. وعن المختلف الاستدلال على صحة الضمان بمسيس الحاجة إليه ، فجاز ضمانه ، كقوله : « الق متاعك في البحر وعلي ضمانه ». وهو كما ترى ، فان ذلك لا يصلح لتشريع ما لم يشرع.

[1] وفيه : أن الآية إنما دلت على مشروعية التعهد على النحو المذكور ولا دلالة فيها على أنه من الضمان الذي هو محل البحث ، أو هو من قبيل الوعد الذي لا يجب الوفاء به ، فلا دلالة لها على شي‌ء من ذلك.

[2] هذا خلاف ما تقدم من اعتبار كون الحق المضمون ثابتاً في الذمة ، وكون الضمان نقل ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن ، فاذا لم يكن ثبوت في ذمة المضمون عنه لم يكن ثبوت في ذمة الضامن أيضاً. فلو صح مثل هذا الضمان لم يكن من الضمان المصطلح ، بل كان بمعنى آخر.


1) يوسف : 72.

ذهب الى كل منهما جماعة. والأقوى الجواز [1] ، سواء كان المراد ضمانها بمعنى التزام ردها [2] عينا ومثلها أو قيمتها على فرض التلف. أو كان المراد ضمانها بمعنى التزام مثلها أو قيمتها إذا تلفت. وذلك لعموم قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « الزعيم غارم » (1)والعمومات العامة ، مثل قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (2). ودعوى [3] : أنه على التقدير الأول يكون من ضمان العين


[1] قال في الشرائع : « وفي ضمان الأعيان المضمونة والمقبوض بالبيع الفاسد تردد ، والأشبه الجواز ». وفي القواعد : « ويصح ضمان أرش الجناية .. ( إلى أن قال ) : والأعيان المضمونة - كالغصب والعارية والأمانة مع التعدي - على إشكال ». وحكي الجواز عن المبسوط والتحرير والإرشاد وغيرها.

[2] قال في التذكرة : « الأعيان المضمونة - كالمغصوب ، والمستعار مع التضمين ، أو كونه أحد النقدين ، والمستام ، والأمانات إذا خان فيها أو تعدى - فله صورتان : الأولى : أن يضمن رد أعيانها. وهو جائز لأنه ضمان مال مضمون على المضمون عنه. وبه قال أبو حنيفة ... ( إلى أن قال ) : الثانية : أن يضمن قيمتها لو تلفت. والأقوى عندي الصحة ، لأن ذلك ثابت في ذمة الغاصب فيصح الضمان ... ».

[3] هذه الدعوى ذكرها في جامع المقاصد. فإنه أشكل على ما ذكره في التذكرة - من أن لضمانها صورتين : الأولى : أن يضمن رد أعيانها ، وجوزه لأنه ضمان مال مضمون على المضمون عنه - بأن الثابت في الذمة هو وجوب ردها ، وليس بمال. وبأن القيمة إنما تثبت بعد التلف فضمانها


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الضمان حديث : 2.

2) المائدة : 1.

بمعنى الالتزام بردها [1] مع أن الضمان نقل الحق من ذمة إلى أخرى. وأيضاً لا إشكال [2] في أن الغاصب أيضاً مكلف بالرد [3] ، فيكون من ضمن ذمة إلى أخرى ، وليس من مذهبنا. وعلى الثاني يكون من ضمان ما لم يجب ، كما أنه على الأول أيضاً كذلك بالنسبة إلى رد المثل أو القيمة عند التلف [4].


قبله ضمان ما لم يجب. مع أن الضمان على تقدير التلف حكم شرعي تابع لوصف الغصب والاستعارة والتعدي في الأمانة ، وهذا لا يمكن نقله بالضمان ، لأن الذي ينقل بالضمان هو الحق لا الحكم الشرعي ، فعدم صحة الضمان قوي. انتهى. وتبعه عليه جمع ممن تأخر عنه ، ومنهم في الجواهر.

[1] يعني : أن الضامن إنما يلتزم برد العين ، وليس هو بمال كان في ذمة المضمون عنه.

[2] هذا إشكال ثاني ذكره في المسالك مضافاً الى الإشكال الذي ذكره تبعاً لجامع المقاصد.

[3] إجماعاً ، كما في المسالك.

[4] يعني : إذا كان المراد من الضمان الالتزام بالرد فبالإضافة الى رد العين نفسها حكم فعلي : لكن بالنسبة إلى المثل أو القيمة حكم تعليقي على تقدير التلف ، فيكون من ضمان ما لم يجب ، فلا يصح وإن قلنا بصحة ضمان الحكم الشرعي. إلا أن يقال : إن الضمان بلحاظ الحكم الفعلي لا غير.

والذي يتحصل من عبارة جامع المقاصد الاشكال على الضمان في المقام من وجهين : الأول : أن الثابت في المقام حكم شرعي لا حق مالي ، وهو لا يقبل الانتقال. وهذا الاشكال ذكره في كل من المعنيين. الثاني : أنه ضمان ما لم يجب. وهذا يختص بالمعنى الثاني. والذي يظهر من عبارة المتن اختصاص الإشكال الأول بالمعنى الأول والاشكال الثاني بالمعنى الثاني ،


وهو في محله ، إذ لا فرق على المعنى الثاني بين الضمان حال التلف والضمان على تقدير التلف ، فكما أنه على الأول يكون حقا مالياً كذلك على الثاني ، والاختلاف إنما هو في التعليق والتنجيز.

وكيف كان فالإشكال الأول - إن تمَّ - لا يمكن دفعه بالعمومات ، لأنها لا تصلح لذلك. أما قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « الزعيم غارم » فقد عرفت أنه غير ثابت من طرقنا ، وفي بعض الأخبار تكذيبه. مع أنه لا غرامة مع وجود العين ، والرد ليس غرامة ليدل عليه الحديث. وأما قوله تعالى : ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ونحوه فإنما يدل على صحة العقد وتحقق مضمونه ، فاذا كان مضمون قول الضامن : « ضمنت » : التزمت لك برد العين ، فقد ملك مالك العين عليه الرد ، ولا يرتبط برد الغاصب ، فكيف يقتضي عدم وجوب الرد على الغاصب؟! وقد تقدم أن فراغ ذمة المضمون عنه إنما قلنا بها للنص أو لامتناع اشتغال ذمتين بمال واحد ، وكلاهما لا مجال لهما في المقام ، إذ النص لا يشمل المقام ، وذمة الغاصب ليست مشغولة بمال ولا برد ، وإنما يجب الرد تكليفاً لا غير. بل الظاهر أن الضامن في المقام إنما يلتزم بالرد من دون أن يشغل ذمته بملك الرد للمالك ، ولأجل ذلك يكون من باب الوعد لا من باب الوضع والعقد ، فلا مجال للتمسك بعموم الوفاء بالعقد ، إذ لا عقد وإنما هو محض الوعد.

وبالجملة : تارة يقول الضامن : « سأرد مالك » ، وأخرى يقول : « لك علي أن أرد مالك ». فالأول من قبيل الوعد ، والثاني من قبيل العقد. والواقع في الخارج هو الأول. وعلى تقدير الثاني فلا موجب لسقوط وجوب الرد على الغاصب. نعم لو كان مضمون قول الضامن تعهدت برد الغاصب ، كان مقتضاه السقوط. لكنه يحتاج الى قبول من الشارع وبدونه لا يصح ، وعمومات العقود لا تقتضي مشروعية هذا الفعل ، نظير ما إذا ضمن الفرائض اليومية عن شخص ،

مدفوعة : بأنه لا مانع منه بعد شمول العمومات ، غاية الأمر أنه ليس من الضمان المصطلح. وكونه من ضمان ما لم يجب لا يضر بعد ثبوت المقتضي [1].


فإن عموم الوفاء بالعقود لا يقتضي سقوط الفريضة عن المضمون عنه ، لأنه لا يدل على قابلية المحل لذلك ، وعموم دليل الوجوب على المضمون عنه محكم.

[1] قد تقدم في الشرط الثامن من شروط الضمان الكلام في ذلك ، وأن ضمان ما سيجب إن كان المراد اشتغال الذمة به فعلا فهو غير مقصود ولا مدعى. وإن كان المراد اشتغال الذمة به معلقاً فهو من الإنشاء المعلق ، الذي لا يصح إجماعاً ، فإن التعليق مانع من صحة العقود والإيقاعات إلا في موارد خاصة ، فراجع. وإن كان المراد الضمان بنحو الواجب المعلق ، فيكون الضمان حالياً والمضمون استقبالياً ، فقد عرفت أن الضامن تابع للمضمون عنه فلما لم يثبت في ذمة المضمون عنه ولو بنحو الواجب المعلق لم يثبت كذلك في ذمة الضامن ، فلو أريد إثباته كذلك لم يكن من باب الضمان المصطلح ، بل كان من باب الضمان العرفي ، وليس هو محل كلامهم ، فان المراد من ضمان ما لم يجب ضمان ما لم يثبت في الذمة ولو بنحو الواجب المعلق. إذ ما يثبت بنحو الوجوب المعلق ثابت وواجب ، لا ما لم يجب ، وذلك يختص بالضمان المصطلح الذي يمكن فرض شي‌ء ثابت في الذمة غير ذمة الضامن ، أما الضمان العرفي فليس موضوعه ما ثبت إذ ثبوته بالضمان فلا يكون موضوعاً للضمان ، فلو ثبت بالضمان كان بلا مضمون له ، لان المفروض أن المضمون له لم يتحقق السبب المملك له.

هذا ولا يخفى أن حمل الضمان للأعيان المضمونة على أحد المعنيين قد عرفت أنه ذكره العلامة في التذكرة ، وتبعه عليه الجماعة ، وجعلوا ذلك

ولا دليل على عدم صحة ضمان ما لم يجب من نص أو إجماع


مورد النقض والإبرام في المقام. مع أن الظاهر من الضمان في الأعيان المضمونة كونها بنفسها في الذمة ، كما يقتضيه ظاهر دليل الضمان ، مثل : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » (1)فإن ظاهر العبارة المذكورة أن نفس المأخوذ ثابت في الذمة ، ولما لم يكن مانع من ذلك عقلي ولا غيره ، وجب الأخذ به. ودعوى : أن الأعيان الخارجية موجودة في الخارج ، فكيف تكون موجودة في الذمة ، لأن الواحد لا يكون في مكانين. مندفعة : بأن الخارج ظرف للوجود الحقيقي ، والذمة ظرف للوجود الاعتباري ، ولا مانع من أن يكون للشي‌ء الواحد وجودان اعتباري وخارجي ، فالوجود الذمي نظير الوجود الذهني ، فكما أن الموجود الخارجي يجوز أن يكون له وجود ذهني يجوز أن يكون له وجود ذمي. وعلى هذا يكون الغاصب ونحوه مشغول الذمة بالعين ، فيصح الضمان عنه ، وبه تبرأ ذمته من العين ، وتشتغل بها ذمة الضامن فقط. وأما وجوب الرد فهو من أحكام عدم الاذن في الاستيلاء على العين ، فاذا حصل الاذن لم يجب الرد ولو مع الضمان. كالمقبوض بالسوم ، فإنه مضمون ولا يجب رده ما دام مشغولا بالسوم ، وإذا لم يحصل الاذن يجب الرد حتى مع عدم الضمان ، كالأمانة عند انتهاء مدة الايتمان ، فإنه يجب الرد ولا ضمان. وعلى هذا فوجوب الرد ليس معنى للضمان ، ولا من أحكامه. وأما المعنى الثاني للضمان فأشكل لأن اشتغال الذمة بالبدل على تقدير التلف حكم تعليقي ، وضمان الغاصب حكم تنجيزي ، فكيف يكون أحدهما معنى للآخر؟! ولا يبعد أن تكون العين نفسها في الذمة على تقدير التلف ، ووجوب أداء البدل من أحكام ذلك ، لا من معانيه.


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من كتاب الغصب حديث : 4.

وإن اشتهر في الألسن ، بل في جملة من الموارد حكموا بصحته ، وفي جملة منها اختلفوا فيه ، فلا إجماع.

وأما ضمان الأعيان غير المضمونة - كما المضاربة والرهن والوديعة قبل تحقق سبب ضمانها من تعد أو تفريط - فلا خلاف بينهم في عدم صحته [1]. والأقوى بمقتضى العمومات صحته أيضاً [2].


[1] قال في الشرائع : « ولو ضمن ما هو أمانة كالمضاربة والوديعة لم يصح لأنها ليست مضمونة في الأصل » ، ونحوه في المنع ما في القواعد وجامع المقاصد والمسالك وعن غيرها ، وفي التذكرة : نسبته إلى علمائنا أجمع ، لأنها غير مضمونة العين ولا مضمونة الرد ، وانما الذي يجب على الأمين مجرد التخلية ، وإذا لم تكن مضمونة على ذي اليد فكذا على ضامنه ، وفي الجواهر : أنه لا اشكال ولا خلاف فيه.

[2] قد عرفت إشكاله في المسألة السابقة. نعم إذا كان المراد من ضمانها اشتغال الذمة بها ، لا بالمعنى المصطلح من الضمان الذي نحن في مباحثه ومسائله بل بمعنى محض اشتغال الذمة ، فمعنى : « ضمنت الأمانة التي عند زيد » : اشغلت ذمتي بها ، أمكن التمسك بعموم وجوب الوفاء بالشرط والعهد ونحوهما في صحة الضمان المذكور ، فاذا تلفت العين لم يكن الأمين ضامناً ، وكان الضامن له ضامناً بمقتضى إنشائه.

ولعل من ذلك ضمان شركة التأمين المتعارف في هذا العصر وإن كان ضمانها في مقابل المال لا تبرعاً ، فصاحب المال يعطي الشركة مالا في قبال أن تضمن أو في قبال أن تنشئ الضمان ، فتنشئ الضمان ويلزمها ذلك ، لعموم الوفاء بالعهد ، وإن كان الجاري بينهم الأول. وكيف كان فهذا ليس من الضمان الذي نحن فيه بل هو معنى آخر ، إذ ليس فيه

( مسألة 39 ) : يجوز عندهم بلا خلاف بينهم [1] ضمان درك الثمن للمشتري [2] إذا ظهر كون المبيع مستحقاً


مضمون عنه أصلا.

والذي يتحصل : أن الضمان المصطلح لا يصح إذا لم يكن المال المضمون مضموناً لمضمون عنه حال الضمان. وأما الضمان العرفي فمنه شرعي بحت ، مثل من أتلف مال غيره فهو له ضامن. ومنه إنشائي إما تبرعاً. ويحتمل أنه إيقاعي لا عقدي ، لأنه ليس فيه تصرف في المال ، ليتوقف على قبول المالك. اللّهم الا أن يكون عقداً لاقتضائه التمليك. وإما بعوض ، فيكون عقداً ، كضمان شركة التأمين المجعول في مقابل مال معين. وقد يكون العوض في مقابل إنشاء الضمان ، فيكون نظير عقد الإجارة ، ولا بد فيه من إنشاء الضمان بعد العقد. ويمكن أن يكون المال مبذولا مجاناً بشرط إنشاء الضمان ، أو بشرط تدارك الخسارة لو اتفقت ، فلا يكون ضمان في البين ، وإنما يكون تدارك خسارة لا غير. وأما بذل المال في مقابل تدارك الخسارة فلا يصح ، لعدم وجود الخسارة في بعض الأوقات ، فيكون المال بلا عوض.

[1] وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه ، بل في محكي التذكرة - وكذا مجمع البرهان - نسبته إلى إطباق الناس عليه في جميع الأعصار ، وفي المسالك : أن ظاهرهم الإطباق عليه » ، وفي جامع المقاصد : « إطباق الناس على ضمان العهدة ».

[2] قال في الصحاح : « الدرك التبعة. وقيل : سمي ضمان الدرك لالتزامه الغرامة عند ادراك المستحق عين ماله ». ويسمى ضمان العهدة. وفي التذكرة : « سمي ضمان العهدة ، لالتزام الضامن ما في عهدة البائع رده ... ».

للغير ، أو يظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحته إذا كان ذلك بعد قبض الثمن [1]. كما قيد به الأكثر - أو مطلقا - كما أطلق آخر - وهو الأقوى [2]. قيل : وهذا مستثنى من


[1] يعني : إذا وقع البيع وقبض البائع الثمن يخاف المشتري من ضياع ثمنه إذا تبين بعد ذلك أن المبيع لغير البائع ، فيأخذه المالك من المشتري ويتمرد البائع عن دفع الثمن إليه ، فحينئذ يضمن ضامن للمشتري ثمنه الذي دفعه إلى البائع ، ليكون المشتري واثقاً بعدم ضياع ماله ، فالضمان يكون احتمالياً لا يقينياً ، لأنه إذا كان البيع صحيحاً كان الثمن ملكاً للبائع ، فلا معنى لضمانه للمشتري ، وانما يصح هذا الضمان إذا كان البيع باطلا والثمن الذي قبضه البائع غير مملوك له ولا يستحقه ، لأنه مقبوض بالعقد الفاسد ، فيكون مضموناً عليه ، فيضمنه آخر للمشتري. قال في المسالك : « وفي الحقيقة هذا فرد من أفراد ضمان الأعيان المضمونة على تقدير كونه موجوداً حالة الضمان » ، وفي مفتاح الكرامة : « وقد قيد بكونه بعد القبض في أكثر الكتب المتقدمة ، ما عدا المبسوط والشرائع والإرشاد واللمعة ، بل في الوسيلة والتذكرة والتحرير : التصريح بأنه إن كان قبض الثمن صح الضمان وإن لم يكن قد قبض لم يصح. وهو أيضاً مراد في كلام من لم يقيد به ، لأنهم لا يختلفون في أن الضمان لا بد فيه من ثبوت حق في ذمة المضمون عنه في نفس الأمر وقت الضمان ، بحيث يمكن تكليف غيره به ، والبائع ما لم يقبض لم يتعلق بذمته حق ». وقال في الجواهر : « ومن ذلك يعلم إرادة المصنف وغيره ممن ترك التقييد بالقبض ما صرح به الأكثر من التقييد به ، ضرورة عدم دخوله في عهدة البائع الذي هو المضمون عنه الا بقبضه ». ومن ذلك تعرف الإشكال في قول المصنف.

[2] وكأنه مبني على ما ذكره في آخر المسألة السابقة من جواز

عدم ضمان الأعيان [1]. هذا وأما لو كان البيع صحيحا وحصل الفسخ بالخيار أو التقايل أو تلف المبيع قبل القبض ، فعلى المشهور لم يلزم الضامن ويرجع على البائع ، لعدم ثبوت الحق وقت الضمان ، فيكون من ضمان ما لم يجب. بل لو صرح بالضمان إذا حصل الفسخ لم يصح بمقتضى التعليل المذكور [2]. نعم في الفسخ بالعيب السابق أو اللاحق اختلفوا في أنه هل يدخل


ضمان الأعيان غير المضمونة ، فكأن المشتري يخاف أن يدفع الثمن إلى البائع ويتبين عدم استحقاق البائع له ، ولا يتمكن المشتري من استرجاعه ، فيضمنه للمشتري ضامن قبل أن يدفعه إلى البائع ، فيأمن من ضياعه ، فيدفعه اليه.

[1] قال في جامع المقاصد : « ولا شبهة في صحة ضمان الثمن عن المشتري للبائع إذا كان ديناً. أما إذا كان عيناً فهو من جملة الأعيان المضمونة. ولعل تجويز ضمانه لعموم البلوى ودعاء الحاجة اليه ، واطباق الناس على ضمان العهدة ». ونحوه في المسالك والجواهر. بل الظاهر أنه لا ينبغي الإشكال فيه ، فالضمان فيما نحن فيه من قبيل ضمان العين على تقدير كونها مضمونة على المضمون عنه. لكن في المسالك جعل الفرق بين ضمان المال وضمان العهدة الاختلاف في نفس المضمون ، قال (رحمه اللّه) : « والفرق يظهر في اللفظ والمعنى. أما اللفظ فالعبارة عن ضمان الثمن : ضمنت لك الثمن الذي في ذمة زيد مثلا ، ونحوه ، وضمان العهدة : ضمنت لك عهدته أو دركه ، ونحو ذلك. وأما المعنى فظاهر ، إذ ضمانه نفسه يفيد انتقاله إلى ذمة الضامن وبراءة المضمون عنه ، وضمان العهدة ليس كذلك ، إنما يفيد ضمان دركه على بعض التقديرات ». وهو كما ترى.

[2] كما صرح به في الجواهر ، معللا له بما ذكر.

في العهدة ويصح الضمان أو لا؟ فالمشهور على العدم [1] ، وعن بعضهم : دخوله [2] ، ولازمه الصحة مع التصريح بالأولى. والأقوى في الجميع الدخول مع الإطلاق ، والصحة مع التصريح ودعوى : أنه من ضمان ما لم يجب. مدفوعة : بكفاية وجود السبب [3]. هذا بالنسبة إلى ضمان عهدة الثمن إذا حصل


[1] قال في الشرائع : « أما لو تجدد الفسخ بالتقايل أو تلف المبيع قبل القبض لم يلزم الضامن ، ويرجع المشتري على البائع. وكذا لو فسخ المشتري بعيب سابق ». وفي الجواهر : نسبته إلى المشهور ، لأن الفسخ إنما أبطل العقد من حينه لا من أصله ، فلم يكن حالة الضمان مضموناً ، بل لو صرح بضمانه كان فاسداً ، لأنه ضمان ما لم يجب. فما في القواعد ومحكي التذكرة من الاشكال فيه مما عرفت ، ومن وجود سبب الفسخ حال البيع - بل عن فخر المحققين الجزم بالدخول فيه للحاجة - واضح الضعف ، ولذا استقرب ( يعني : العلامة في القواعد ) عدم اندراجه بعد أسطر من الاشكال ، بل جزم به بعد ذلك. انتهى. ويشير بقوله : « ولذا استقرب .. » الى قوله في القواعد بعد أسطر من الاشكال : « والأقرب أنه لا يصح ضمان عهدة الثمن لو خرج المبيع معيبا ورده » ، وقوله بعد ذلك : « ويرجع على ضامن عهدة الثمن في كل موضع يبطل فيه البيع من رأس ، لا ما يتجدد له الفسخ بالتقايل أو العيب السابق ... ».

[2] حكي ذلك عن فخر المحققين ، كما تقدم في الجواهر. وذكر في مفتاح الكرامة : أنه قوي متين. انتهى.

[3] قد عرفت أن ضمان ما لم يجب لا يدخل في الضمان المصطلح ، ولا تشمله أدلته الخاصة. نعم تشمله أدلة الصحة العامة. لكن شمولها لا يتوقف على وجود السبب.

الفسخ ، وأما بالنسبة إلى مطالبة الأرش ، فقال بعض من منع من ذلك بجوازها [1] ، لان الاستحقاق له ثابت عند العقد ، فلا يكون من ضمان ما لم يجب. وقد عرفت أن الأقوى صحة الأول أيضاً ، وأن تحقق السبب حال العقد كاف. مع إمكان دعوى : أن الأرش أيضاً لا يثبت إلا بعد اختياره ومطالبته [2]


[1] قال في القواعد : « ويرجع على ضامن عهدة الثمن في كل موضع يبطل فيه البيع من رأس ، لا ما يتجدد له الفسخ بالتقابل أو العيب السابق أو تلفه قبل قبضه ، بل يرجع على البائع. ولو طالب بالأرش فالأقرب مطالبة الضامن ». ونحوه في الشرائع بزيادة تعليل الحكم الأخير بأن استحقاقه ثابت حين العقد ، ثمَّ قال : « وفيه تردد ».

[2] هذا ذكره في المسالك وجهاً لتردد الشرائع ، قال (رحمه اللّه) : « والموجود حالة العقد من العيب ما كان يلزمه تعيين الأرش ، بل التخيير بينه وبين الرد ، فلم يتعين الأرش إلا باختياره. ولو قيل (1): إنه أحد الفردين الثابتين على وجه التخيير ، فيكون كأفراد الواجب المخير حيث يوصف بالوجوب قبل اختياره ، فيوصف هذا بالثبوت قبل اختياره ، لزمه مثله في الثمن ، لأنه قسيمه في ذلك. والحق ثبوت الفرق بينهما ، فان الثمن ما وجب الا بالفسخ ، وأما الأرش فإنه كان واجباً بالأصل ، لأنه عوض جزء فائت من مال المعاوضة .. » ، وتبعه على ذلك في الجواهر. ولكنه كما ترى ، فإن صفة الصحة لا تقابل بجزء من الثمن ، وإنما هي دخيلة في زيادة الثمن في مقابل الذات الموصوفة. وكذا الكلام في الصفات المشروطة في المبيع. ولذا كان خيار تخلف الوصف وخيار العيب


1) هذا القول اختاره في الروضة. وحينئذ يشكل بما ذكره في المسالك. مضافا الى ما ذكرناه. منه قدس سره

فالصحة فيه أيضاً من جهة كفاية تحقق السبب. ومما ذكرنا ظهر حال ضمان درك المبيع للبائع [1].

( مسألة 40 ) : إذا ضمن عهدة الثمن فظهر بعض المبيع مستحقاً ، فالأقوى اختصاص ضمان الضامن بذلك البعض


غير خيار تبعض الصفقة. والمقايسة على الواجب التخييري غير ظاهرة. فان وجوب الاختيار في الواجب التخييري دليل على ثبوت الوجوب ، وفي المقام لا يجب الاختيار ، وإنما هو جائز. فإن اختار أحد الأمرين ثبت له وإلا لم يثبت ، فلا تشتغل ذمة البائع بالأرش إلا بعد اختياره. نعم المطالبة فرع الاستحقاق ، فلا يتوقف عليها الاستحقاق. نعم لو اختص الكلام بصورة تعذر الرد وتعين الأخذ بالأرش أمكن دعوى ثبوت الأرش من أول الأمر حين العقد ، كما قد يقتضيه ظاهر النصوص. لكن مورد كلامهم أعم. ومن ذلك يظهر عدم صحة الضمان الاصطلاحي في المقام ، الذي يتوقف على وجود مضمون عنه ، ويكون قصد الضامن الضمان عنه ، لا مجرد الضمان العرفي ، ولذا جزم في التحرير بعدمه.

والذي يتحصل : أنه إذا كان غرض الضامن الضمان عن مضمون عنه هو ضامن ، فلا يصح في جميع الموارد المذكورة حتى الأرش ، لعدم وجود مضمون عنه ضامن. وإذا كان غرضه الضمان بنفسه مع التغافل عن مضمون عنه ، فان كان المقصود الضمان مطلقاً صح في جميع ذلك ، وإذا كان غرضه مقيداً بصورة دون أخرى اقتصر في الرجوع اليه على خصوص تلك الصورة ، ولا يتعداها إلى غيرها.

[1] إذا ضمن ضامن درك المبيع للبائع عن المشتري جرى فيه جميع ما ذكر من الصور والأحكام. ولا يصح الضمان الاصطلاحي إلا إذا تبين عدم استحقاق المشتري للمبيع حال القبض ، لما سبق.

وفي البعض الآخر يتخير المشتري بين الإمضاء والفسخ لتبعض الصفقة ، فيرجع على البائع بما قابله. وعن الشيخ : جواز الرجوع على الضامن بالجميع [1]. ولا وجه له [2].

( مسألة 41 ) : الأقوى - وفاقاً للشهيدين [3] - صحة ضمان ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس في الأرض المشتراة إذا ظهر كونها مستحقة للغير وقلع البناء والغرس ، فيضمن الأرش ، وهو تفاوت ما بين المقلوع والثابت عن البائع. خلافا للمشهور ، لأنه من ضمان ما لم يجب.


[1] حكي ذلك عن الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط.

[2] هذا يتوجه على المشهور الذين لا يقولون بجواز الرجوع على الضامن لو حدث ما يقتضي انفساخ العقد بخيار أو إقالة أو نحو ذلك. أما بناء على ما ذكره المصنف في المسألة السابقة من أن الأقوى جواز الضمان فيرجع المشتري على الضامن ، فوجهه ظاهر ، وهو عموم الصحة الذي تمسك به فيما سبق لرد دعوى المشهور من عدم صحة الضمان وعدم جواز الرجوع على الضامن. وبالجملة : الجمع بين كلامي المصنف في المسألتين غامض.

[3] قال في الشرائع : « إذا ضمن ضامن للمشتري درك ما يحدث من بناء أو غرس لم يصح ، لأنه من ضمان ما لم يجب ». ونحوه في القواعد وغيرها. وفي اللمعة قال : « والأقوى جوازه ». وظاهر الروضة : الميل اليه ، وعن التذكرة : الإشكال فيه ، وعن التحرير : احتماله على ضعف. والوجه في الجواز وجود السبب حال العقد. وقد عرفت الاشكال فيه ،

وقد عرفت كفاية السبب. هذا ولو ضمنه البائع قيل : لا يصح أيضاً كالأجنبي [1] ، وثبوته بحكم الشرع لا يقتضي صحة عقد الضمان المشروط بتحقق الحق حال الضمان [2]. وقيل بالصحة ، لأنه لازم بنفس العقد [3] ، فلا مانع من ضمانه ، لما مرّ من كفاية تحقق السبب [4] ، فيكون حينئذ للضمان سببان : نفس العقد [5] ، والضمان


وأنه إن أريد الضمان المصطلح فلا بد فيه من وجود ضامن قبل هذا الضمان ليكون مضموناً عنه ، وهو مفقود. وإن أريد الضمان العرفي لم يتوقف على وجود السبب حال الضمان.

[1] حكاه في الشرائع قولا ، وهو المحكي عن المبسوط ، واختاره جماعة ممن تأخر.

[2] يعني : وهو مفقود ، إذ ليس هناك حق مضمون حال الضمان.

[3] كذا ذكر في الشرائع ، ونحوه في القواعد والتذكرة. وفيه : أن العقد بنفسه لا يقتضي الضمان. وإنما يقتضي الغرور وضمان الغار إنما يكون بعد ورود الخسارة على المغرور ، وذلك إنما يكون بعد قلع البناء والشجر ، كما حرر ذلك في مباحث الفضولي.

[4] لكن إذا كان وجود السبب كافياً لزم البناء على صحة ضمان الأجنبي أيضاً لوجود المصحح. ولو حمل كلام المحقق على حصول الضمان نفسه بالعقد أيضاً جاء الاشكال المذكور من عدم الوجه في المنع من ضمان الأجنبي معللا بأنه من ضمان ما لم يجب ، فالإشكال على المحقق ومن وافقه في التفصيل بين الأجنبي والبائع متوجه على كل حال. مضافاً إلى أن وجود السبب لا يكفي في تحقق الضمان المصطلح ، كما هو ظاهر كلامهم.

[5] قد عرفت أن نفس العقد لا يقتضي الضمان.

بعقده. وتظهر الثمرة [1] فيما لو أسقط المشتري عنه حق الضمان الثابت بالعقد ، فإنه يبقى الضمان العقدي [2]. كما


[1] هذه الثمرة ذكرها في المسالك والروضة.

[2] المراد أن الضمان يقتضي اشتغال الذمة بالمال المضمون ، فان تكرر الضمان فقد تكرر اشتغال الذمة ، فيكون للمال المضمون وجودان في الذمة كل واحد بعنوان البدلية عن المضمون ، فيجوز إسقاط أحدهما دون الآخر ، ولا تلازم بينهما في السقوط كما لا تلازم في الثبوت. وعبارة المسالك هكذا. « وتظهر الفائدة فيما لو أسقط المشتري عنه حق الرجوع بسبب البيع ، فإنه يبقى له الرجوع عليه بسبب الضمان ». لكن من المعلوم أن الرجوع ليس من الحقوق التي تسقط بالإسقاط ، بل من الأحكام ، ولو أسقطه لم يسقط. ولعل مراده ما ذكر في المتن. وإن كان هو أيضاً لا يخلو من خفاء. وجواز التعدد مع تعدد الذمم لتعدد الضامن لا يقتضي جواز التعدد في ذمة واحدة. ولذا عبر بعضهم بالتأكيد ، وإن كان التأكد يختص بالماهية التشكيكية ، وكون العين المضمونة من ذلك غير ظاهر. نعم وجوب الأداء مما يقبل التأكد. لكنه لا يمكن إسقاطه. ولأجل ذلك يشكل البناء على الفائدة المذكورة.

ثمَّ إن الذي يظهر من الشرائع وغيرها أن الضمان الذي يكون من البائع من الضمان المصطلح ، فان ذكره في سياق ضمان الأجنبي الممنوع من صحته لأجل أنه من ضمان ما لم يجب ، والضمان المصطلح إذا صح فرغت ذمة المضمون عنه ، فضمان البائع إذا صح فرغت ذمة البائع من جهة كونه غاراً. وعلى هذا لا يجتمع ضمانان في وقت واحد حتى تجري الفائدة المذكورة من سقوط أحدهما وبقاء الآخر. فالجمع بين كلامهم في تصحيح الضمان من البائع وفي بيان فائدة الضمان المذكور لا يخلو من غموض ، فإن الأول يقتضي

إذا كان لشخص خياران بسببين فأسقط أحدهما. وقد يورد عليه بأنه لا معنى لضمان شخص عن نفسه ، والمقام من هذا القبيل [1]. ويمكن أن يقال : لا مانع منه مع تعدد الجهة [2] هذا كله إذا كان بعنوان عقد الضمان. وأما إذا اشترط ضمانه فلا بأس به [3] ، ويكون مؤكداً لما هو لازم العقد [4].


الضمان المصطلح ، والثاني يقتضي غيره. ومن هنا يتعين أن يكون المراد من الضمان غير المصطلح ، وهو العرفي ، كما هو الظاهر من أمثال المقام. فلاحظ.

[1] المورد صاحب الجواهر (رحمه اللّه) ، وبعد تقرير الإيراد المذكور قال : « ومن الغريب اشتباه هؤلاء الأفاضل في ذلك. وحمل كلام الشرائع على صورة اشتراط الضمان على البائع كما في بعض نسخ الشرائع. لكن على هذا لا حاجة إلى تعليل الجواز بأنه لازم بنفس العقد ، فإنه يجوز اشتراط الضمان ولو لم يكن لازماً بنفس العقد ».

[2] فإن أحد الضمانين قائم بالغرور والضمان الثاني قائم بالعقد. إلا أن يقال : إن هذه الجهات تعليلية ، فلا توجب تعدد الموضوع.

[3] يعني : اشترط في عقد البيع أو غيره ضمان البائع. وقد حكى في الجواهر عن نسختين من نسخ الشرائع أن العبارة هكذا : « إذا ضمن ضامن للمشتري درك ما يحدث من بناء أو غرس لم يصح ، لأنه من ضمان ما لم يجب. وقيل : وكذا لو ضمنه البائع ولو شرط في نفس العقد. والوجه الجواز ، لأنه لازم بنفس العقد » ، فتكون متعرضة لشرط الضمان لكن عرفت أن شرط الضمان يصح ولو لم يكن لازماً بنفس العقد ، فالتعليل به غير ظاهر.

[4] الضمان ليس من الماهيات التشكيكية ليقبل التأكد والتأكيد ، فالمراد التأكيد في الأثر ، وهو وجوب الأداء.

( مسألة 42 ) : لو قال عند خوف غرق السفينة : « الق متاعك في البحر وعلى ضمانه » صح بلا خلاف بينهم بل الظاهر الإجماع عليه [1]. وهو الدليل عندهم. وأما إذا لم يكن لخوف الغرق ، بل لمصلحة أرى من خفة السفينة


[1] هذه المسألة حررت في الشرائع والقواعد وغيرهما في كتاب الديات لبعض المناسبات ، كما حررت أيضاً في بعض الكتب في كتاب الضمان لبعض المناسبات ، فان الضمان فيها ليس من الضمان المصطلح. قال في الشرائع في أوائل مباحث الديات : « ولو قال : الق متاعك في البحر لتسلم السفينة ، فألقاه فلا ضمان. ولو قال : وعليّ ضمانه ، ضمن دفعاً لضرورة الخوف. ولو لم يكن خوف فقال : القه وعلي ضمانه ، ففي الضمان تردد ، أقربه أنه لا يضمن ». وفي القواعد : « ولو أشرفت سفينة على الغرق فقال الخائف على نفسه أو غيره : الق متاعك في البحر وعليّ ضمانه ، ضمن ». وفي كشف اللثام : « بلا خلاف إلا من أبي ثور ، كما في المبسوط والخلاف ». وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه بيننا ، بل وبين غيرنا ، إلا من أبي ثور ، وهو شاذ لا يعتد به ، كما في محكي الخلاف ، بل فيه ان عليه إجماع الأمة عداه ، كما عن المبسوط نفي الخلاف فيه من غيره ». ويقتضيه - مضافاً الى ذلك - عموم الصحة ، فإنه نوع من العهد. ويحتمل ان يكون عقداً ويكون قبوله فعلياً وهو الإلقاء ، وأن يكون قولياً كما إذا قال : قبلت ، فيلزمه الإلقاء ، عملا بالعقد ، ولا يلزم في الصورة الأولى لعدم تحقق القبول. ويحتمل أن يكون إيقاعاً ، نظير : « خط ثوبي ولك درهم » أو « رد عبدي ولك نصفه ». وهذا هو الأقرب وقد عرفت أن الضمان هنا ليس من الضمان المصطلح ، بل هو من الضمان العرفي.

أو نحوها ، فلا يصح عندهم [1]. ومقتضى العمومات صحته ايضاً.


[1] قال في الشرائع : « ولو لم يكن خوف فقال : القه وعليّ ضمانه ففي الضمان تردد ، أقربه أنه لا يضمن ». ونحوه في القواعد ، إلا أنه لم يذكر التردد ، وفي المسالك : أنه ادعى عليه الشيخ في المبسوط الإجماع. انتهى. وفي كشف اللثام عن المبسوط : أنه قال : قيل : إنه لا خلاف في عدم الضمان. انتهى. وفي المسالك بعد أن جعل الأظهر عدم الضمان قال : « لكن المصنف تردد في الحكم عند عدم الخوف. ووجه التردد من عدم الفائدة ، والإجماع المدعى ، وكون الضمان على خلاف الأصل وإنما ترك العمل به مع الخوف للمصلحة فيبقى الباقي. ومن عموم الأمر بالوفاء بالعقود ، وهو عام إلا ما خصصه الدليل ولا مخصص هنا. وهو ضعيف لوجود المخصص » ولا يخفى أن فرض عدم الفائدة لا يتناسب مع إطلاق عنوان المسألة وهو عدم الخوف ، فإنه أعم من أن يكون فائدة وأن لا تكون. كما أنه لا وجه لتنظيره بقوله : أهدم دارك ومزق ثوبك واجرح نفسك.

ومن ذلك يظهر أن إلقاء المتاع إذا كان يترتب عليه فائدة عقلائية من خفة السفينة وحسن سيرها فتقطع المسافة البعيدة في مدة قليلة ، وكان المتاع بحيث يحسن بذله في سبيل الفائدة عند العقلاء جاز لصاحبه إلقاؤه بلا عوض ، وجاز التعويض عليه من ركبان السفينة أو من بعضهم. وإذا كان لا يترتب عليه فائدة عقلائية لم يجز الإلقاء مع الضمان وبدونه. وكذلك في مثل : اهدم دارك ومزق ثوبك واجرح نفسك ، فإنه إذا كان يترتب فائدة عقلائية على كل واحد من الأمور المذكورة جاز فعله بلا عوض ومع العوض ، ويكون ذلك من قبيل أعابه السفينة لصاحب موسى (عليه السلام) ، وإذا لم يترتب عليه فائدة لم يجز مع الضمان وبدونه. وإذا أمره آمر على


شرط الضمان فالضمان باطل ، لأنه تعويض على الحرام وتضييع المال. ولا يبعد أن تكون هذه الصورة مورد القول بالمنع ومورد الإجماع عليه. ولذا قال في محكي الإيضاح : « لو خلى عن الفائدة بالكلية لم يصح قطعاً ». ومن ذلك تعرف أن إطلاق الصحة عملا بالعمومات غير ظاهر ، واللازم التفصيل بين صورة وجود الفائدة العقلائية وعدمه. فلاحظ.

هذا ولم يتعرض المصنف (رحمه اللّه) للمسألة الأولى التي ذكرها في الشرائع في صدر كلامه ، من أنه إذا كان خوف على السفينة فقال لصاحب المتاع : الق متاعك ، واقتصر على ذلك ، فالقى المتاع صاحبه لم يرجع على القائل وليس عليه ضمانه. وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له كالشيخين والفاضلين وثاني الشهيدين وغيرهم. للأصل ، كما لو قال : ( أعتق عبدك ) فأعتقه. أو : ( طلق زوجتك ، فطلقها » ، وسبقه في الاستدلال المذكور كاشف اللثام وفي المسالك : والفرق بينه وبين قوله : ( أد ديني ) ، فأداه حيث يرجع عليه. أن أداء دينه منفعة لا محالة ، وإلقاء المتاع قد يفضي الى النجاة وقد لا يفضي ، فلا يضمن إلا مع التصريح ». وفي الجواهر : « وهو كما ترى. نعم قد يقال : الفارق الإجماع. أو لأن المفهوم من الأمر بالأداء التوكيل في ذلك ، فيكون حينئذ بالأداء كالقرض عليه ، كما أن المفهوم من الأمر بالضمان عنه الرجوع به عليه ، بخلاف المفروض ». وهو أيضاً كما ترى ، فان التمسك بالإجماع على الفرق خلاف ظاهر الاستدلال منهم على ذلك بالأصل ونحوه كما أنه إذا كان المفهوم من الأمر بأداء الدين التوكيل فلم لا يكون المفهوم من الأمر بإلقاء المتاع ذلك؟!

فالتحقيق : أن استيفاء مال الغير وعمل الغير موجب لضمانه ، وكما توجد قاعدة : ( من أتلف مال غيره فهو له ضامن ) توجد قاعدة أخرى :

( تتمة )

قد علم من تضاعيف المسائل المتقدمة الاتفاقية أو الخلافية : أن ما ذكروه في أول الفصل من تعريف الضمان ، وأنه نقل الحق الثابت من ذمة إلى أخرى ، وأنه لا يصح في غير الدين ، ولا في غير الثابت حين الضمان ، لا وجه له ، وأنه أعم من ذلك حسب ما فصل [1].


( من استوفى مال غيره فهو له ضامن ). وكما أنه إذا قال للحلاق : ( احلق رأسي ) يكون ضامناً للأجرة يكون ضامناً للمال الذي أداه إذا قال له : ( أد ديني ). وكذلك في المقام إذا كان الأمر بالإلقاء لمصلحة الآمر كان ضامناً للمتاع. وإذا كان لمصلحة المأمور لا غير - كما إذا كان الآمر خارجاً عن السفينة ، وكان الباعث له على الأمر مصلحة المأمور - لم يكن ضامناً ، لعدم تحقق استيفاء مال الغير. ولأجل ذلك لا يضمن إذا قال له : ( أد دينك ) ويضمن إذا قال له : ( أدّ ديني ).

( تتمة )

قد فصل المسائل الآتية عما قبلها فجعلها تتمة لما قبلها من جهة أن ما قبلها كان في أحكام الضمان الكلية والتتمة في بيان حكم الشبهة الموضوعية.

[1] لكن عرفت إشكاله ، وأن الضمان في الموارد التي أشار إليها ليس من الضمان المصطلح ، بل بالمعنى العرفي ، الذي يدل على صحته العمومات ، ولا سيما وأنه متداول عند العرف. فراجع.

( مسألة 1 ) : لو اختلف المضمون له والمضمون عنه في أصل الضمان ، فادعى أنه ضمنه ضامن وأنكره المضمون له ، فالقول قوله [1]. وكذا لو ادعى أنه ضمن تمام ديونه وأنكره المضمون له [2] ، لأصالة بقاء ما كان عليه [3].


[1] يعني : قول المضمون له. والمراد أن قوله لا يحتاج إلى الإثبات لأنه يطابق الحجة ، بخلاف قول خصمه ، فإنه المحتاج إلى الإثبات ، لمخالفته للحجة. والمراد من الحجة ما يجب العمل به من غير دافع ولا معارض ، وهي هنا أصالة عدم الضمان الجارية بلا معارض ولا دافع ،

[2] لعين ما ذكر ، فإن الأصل عدم ضمان تمام الديون.

[3] الظاهر من هذا الأصل استصحاب بقاء الدين على حاله في ذمة المضمون عنه ، وهو وإن كان جارياً في نفسه ، لكنه محكوم بأصالة عدم الضمان للسببية والمسببية بين مجراهما ، فان بقاء الدين وعدمه من آثار عدم الضمان وحدوثه شرعاً ، فاذا حصل الضمان زال الدين وسقط ، وإذا لم يحدث بقي الدين بحاله. فإن قلت : الوجود لا يكون من آثار العدم ، كما أن العدم لا يكون من آثار الوجود. فان العدم لا شي‌ء فلا يكون أثر الشي‌ء. قلت : هذا في العلل العقلية لا الشرعية ، وإلا فهي تابعة لدليل الجعل وكيفية مؤداه ، والأصول إنما تجري بلحاظ مؤدى الدليل الشرعي.

لكن قد يشكل ما ذكرنا : بأن صحيح زرارة (1)الذي هو دليل الاستصحاب تضمن جريان استصحاب الطهارة مع الشك في النوم ، مع أنها من آثار عدم النوم ، نظير ما نحن فيه بعينه ، وكان اللازم على ما ذكرنا جريان أصالة عدم النوم الذي هي الأصل السببي. اللّهم إلا أن يقال : إنه لا بد من توجيهه وحمله على خلاف الظاهر ، عملا بما دل


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الوضوء حديث : 1.

ولو اختلفا في إعسار الضامن حين العقد ويساره فادعى المضمون له إعساره فالقول قول المضمون عنه [1]. وكذا لو اختلفا في اشتراط الخيار للمضمون له وعدمه ، فان القول قول المضمون عنه [2]. وكذا لو اختلفا في صحة الضمان وعدمها [3]


على لزوم تقدم الأصل في السبب على الأصل في المسبب. هذا ولعل مقصود الامام (عليه السلام) التمثيل للاستصحاب بالمثال الواضح ، فان بقاء الطهارة أوضح من بقاء عدم النوم وأقرب الى الفهم منه ، وليس مقصوده (عليه السلام) بيان الحجة الفعلية. ويحتمل غير ذلك.

[1] كأنه لأصالة اللزوم. لكن الظاهر أنه مع سبق إعسار الضامن يجري استصحابه ، فيثبت إعساره حال الضمان ، فيكون عدمية منكراً لا مدعيا. بل مع سبق العلم باليسار يجري استصحاب اليسار المقدم على أصالة اللزوم. نعم تجري مع عدم العلم بسبق أحد الأمرين ، ومرجعها الى عموم اللزوم. لكن الشك في المقام من قبيل الشبهة المصداقية ، ولا مجال للعموم في الشبهة المصداقية. اللّهم إلا أن يقال : إن المخصص في المقام لبي لا لفظي ، فلا مانع من التمسك حينئذ بالعام في الشبهة المصداقية. ثمَّ إن الرجوع الى أصالة اللزوم لإثبات كون مدعي الإعسار مدعياً وخصمه مدعى عليه مبني على أن المعيار في كون الخصم مدعياً أو مدعى عليه الغرض المقصود من الدعوى. أما إذا كان المعيار مصب الدعوى فالأصل الحكمي لا أثر له في ذلك ، ولا بد أن يلاحظ الأصل الموضوعي الجاري في الإعسار وعدمه ، فمع تعاقب الحالتين يكون كل من المضمون له والمضمون عنه مدعياً ، لعدم قيام الحجة على أحد الأمرين.

[2] لأصالة عدم اشتراط الخيار.

[3] لأصالة صحة الضمان.

( مسألة 2 ) : لو اختلف الضامن والمضمون له في أصل الضمان ، أو في ثبوت الدين وعدمه ، أو في مقداره أو في مقدار : ما ضمن أو في اشتراط تعجيله ، أو تنقيص أجله إذا كان مؤجلاً. أو في اشتراط شي‌ء عليه زائداً على أصل الدين ، فالقول قول الضامن [1]. ولو اختلفا في اشتراط تأجيله [2] مع كونه حالاً ، أو زيادة أجله مع كونه مؤجلاً ، أو وفاء أو إبراء المضمون له عن جميعه أو بعضه ، أو تقييده بكونه من مال معين والمفروض تلفه ، أو اشتراط خيار الفسخ للضامن ، أو اشتراط شي‌ء على المضمون له. أو اشتراط كون الضمان بما يسوى أقل من الدين قدم قول المضمون له.


[1] لأصالة عدم الضمان الذي يدعيه المضمون له ، ولأصالة عدم الدين الذي يدعيه ، أو لأصالة عدم الزيادة التي يدعيها ، أو لأصالة عدم الضمان في الزائد الذي يدعيه ، أو لأصالة عدم اشتراط التعجيل الذي يدعيه ، أو لأصالة عدم اشتراط تنقيص الأجل الذي يدعيه ، أو لأصالة عدم اشتراط شي‌ء عليه زائداً على أصل الدين.

[2] بأن ادعى الضامن أنه اشتراط تأجيله مع كونه حالاً ، أو ادعى أنه اشتراط زيادة أجله مع كونه مؤجلا ، أو ادعى الوفاء أو ادعى إبراء المضمون له عن جميعه أو عن بعضه ، أو ادعى أنه اشترط أداؤه من مال معين وقد تلف فبطل الضمان وبرئت ذمته من المال ، وكذا إذا كان المال المعين موجودا ولكن الوفاء منه موقوف على مقدمات تستوجب تأخره زماناً والمضمون له مطالب بالأداء فوراً. فإن الأصل في جميع ذلك يوافق قول المضمون له. وكذا في الفروض الآتية في بقية المسألة.

( مسألة 3 ) : لو اختلف الضامن والمضمون عنه في الاذن وعدمه [1] ، أو في وفاء الضامن [2] حتى يجوز له الرجوع وعدمه ، أو في مقدار الدين الذي ضمن وأنكر المضمون عنه الزيادة ، أو في اشتراط شي‌ء على المضمون عنه [3]


[1] يعني : فادعى الضامن الاذن من المضمون عنه ليرجع عليه بما أداه للمضمون له وأنكر المضمون عنه ذلك.

[2] يعني : ادعى الضامن الوفاء فطالب المضمون عنه ، فأنكر المضمون عنه الوفاء حتى لا يرجع عليه الضامن بما ضمن. ومقتضى إطلاق المتن عدم الفرق بين صورتي إقرار المضمون له بالوفاء وعدمه. لكن في القواعد في الصورة الأولى احتمل عدم سماع إنكار المضمون عنه ، لسقوط المطالبة بالإقرار الذي هو أقوى من البينة كما احتمل السماع أيضاً لأن قول المضمون له ليس حجة. وأشكل عليه في جامع المقاصد : بأن عدم السماع ليس لأن قول المضمون له حجة ، بل لسقوط المطالبة كما سبق. كما أنه أشكل على وجه الاحتمال الأول : بأن الإقرار إنما يقتضي سقوط المطالبة ظاهراً لا واقعاً ، إذ من الجائز كذبه في الإقرار فيكون دينه باقياً وتجوز مطالبته.

أقول : لو سلم عدم جواز المطالبة واقعا فالموجب لجواز رجوع الضامن على المضمون عنه وفاؤه لدينه واقعا وهو غير ثابت ، ومجرد عدم جواز المطالبة واقعا وظاهراً غير كان في جواز الرجوع إذا لم يحصل الوفاء فاذاً ما في المتن أقوى.

[3] المضمون عنه ليس طرفا لعقد الضمان ، فلا يصح اشتراط شي‌ء على المضمون عنه فيه. نعم يمكن اشتراط ذلك في عقد آخر غير عقد الضمان ، لكنه خارج عن محل الكلام.

أو اشتراط الخيار للضامن ، قدم قول المضمون عنه [1]. ولو اختلفا في أصل الضمان ، أو في مقدار الدين الذي ضمنه [2] وأنكر الضامن الزيادة ، فالقول قول الضامن.

( مسألة 4 ) : إذا أنكر الضامن الضمان فاستوفي الحق منه بالبينة ليس له الرجوع على المضمون عنه المنكر للاذن أو الدين ، لاعترافه بكونه أخذ منه ظلماً. نعم لو كان مدعياً مع ذلك للإذن في الأداء بلا ضمان ، ولم يكن منكراً لأصل الدين ، وفرض كون المضمون عنه أيضاً معترفاً بالدين والاذن في الضمان جاز له الرجوع عليه ، إذ لا منافاة بين إنكار الضامن وادعاء الاذن في الأداء ، فاستحقاقه الرجوع معلوم غاية الأمر أنه يقول إن ذلك للإذن في الأداء [3] ، والمضمون عنه يقول إنه


[1] لأنه يدعي عدم الاذن في الفرض الأول ، وعدم الوفاء في الفرض الثاني ، وعدم الزيادة في الدين في الفرض الثالث ، وعدم اشتراط شي‌ء عليه في الفرض الرابع ، وعدم اشتراط الخيار للضامن في الفرض الخامس والأصل يوافق مدعاه في جميع هذه الفروض ، فإن الأصل عدم الاذن ، وعدم الوفاء وعدم زيادة الدين ، وعدم اشتراط شي‌ء عليه ، وعدم اشتراط الخيار للضامن فيكون لذلك منكراً ، ويكون القول قوله إلا إذا أقام خصمه البينة على مدعاه.

[2] بأن ادعى المضمون عنه الضمان وأنكر الضامن ، أو ادعى المضمون عنه أن الدين عشرون وادعى الضامن أنه عشرة. ومن الواضح أن قول الضامن هو الذي يوافقه الأصل ، فإن الأصل عدم الضمان وعدم الزيادة.

[3] من المعلوم أن الاذن في الأداء إنما يقتضي جواز الأداء لا وجوبه ،

للإذن في الضمان ، فهو كما لو ادعى على شخص أنه يطلب منه عشر قرانات قرضاً ، والمدعى ينكر القرض ويقول : إنه يطلبه من باب ثمن المبيع ، فأصل الطلب معلوم. ولو لم يعترف


كما لا تقتضي ولاية الدائن على الأخذ من المأذون ، ولا جواز إجباره على الأداء ، فإذا أجبر على الأداء لم يكن الأداء صحيحاً بل المال باق على ملك المالك ، ولا يدخل في ملك الدائن ، فكيف يجوز الرجوع على المضمون عنه بعد الأداء الإجباري؟! والاذن إنما يقتضي جواز الرجوع على الآذن إذا كان الأداء صحيحاً موجباً لا فراغ ذمة الآذن لا مطلقاً ، فاذا لم يمكن موجباً لافراغ ذمة الآذن لا يكون مسوغا للرجوع عليه ، فلا مجال لرجوعه على المضمون عنه وان اعتقد أنه أذن في الأداء ، لكون المفروض أن هذا الأداء كلا أداء ، لعدم كونه مفرغاً لذمته ، فالضامن يعلم بعدم استحقاقه الرجوع على المضمون عنه بما أداه ، لعدم حصول الأداء الصحيح. نعم إذا رضي به بعد ذلك ، بناء على صحة احتساب دينه على الغاصب وفاء عن دين الغاصب على شخص آخر ، فاذا صح هذا الوفاء فقد تحقق المأذون فيه وجاز رجوعه على الآذن ، كما أن الآذن يعلم بجواز رجوعه عليه ، لأنه ضامن عن إذن المضمون عنه ، فجواز الرجوع مما يعتقده كل واحد منهما ، فلا مانع منه ، بخلاف ما إذا لم يرض فإنه يعلم بعدم جواز رجوعه على المضمون عنه لعدم حصول الأداء. ومن ذلك يظهر أنه لا مجال لتمثيل المقام بالفرض المذكور في المتن. نعم يصح التمثيل إذا رضي بالأداء ، لما عرفت من أن جواز الرجوع مما يعتقده كل واحد منهما وإن اختلفا في سببه ، فالضامن يعتقد أن سببه الأداء المأذون فيه ، والمضمون عنه يعتقد أن سببه الضمان المأذون فيه ، فقد تصادقا معاً على اشتغال ذمة المضمون عنه وجواز الرجوع عليه ، فيكون كالمثال بعينه.

المضمون عنه بالضمان أو الاذن فيه [1] وثبت عليه ذلك بالبينة


[1] هذا هو الشق الثاني لما ذكره سابقاً بقوله : « وفرض كون المضمون عنه أيضاً معترفاً .. » يعني : إذا لم يعترف المضمون عنه بالاذن بالضمان لكن قامت على ذلك البينة ، فالحكم كما سبق يجوز رجوع الضامن عليه بما أخذ منه قهراً ، لكن بالمقاصة ، لأن المضمون له لما كان ظالماً في أخذه للمال جاز للضامن المظلوم أن يستوفي حقه من مال المضمون له الموجود في ذمة المضمون عنه ، فيأخذه من المضمون عنه بدلا عن ماله المأخوذ منه ظلماً ، فيكون الرجوع على المضمون عنه ليس لأجل اشتغال ذمته - كما في الفرض السابق - بل لاشتغال ذمة المضمون له بما أخذ بغير استحقاق ، المسوغ لجواز أخذ ماله الذي في ذمة المضمون عنه. فالمضمون عنه على هذا ليس مشغول الذمة بشي‌ء ولا ضامناً لشي‌ء ، وإنما يرجع عليه لأن عنده مال المضمون له ، فالخسارة تكون على المضمون له لا المضمون عنه. هذا ويشكل أولا : بأنه لم يظهر الفرق بين هذه الصورة وما قبلها ، ولأي جهة لم تصح المقاصة فيما قبلها كما صحت هنا؟ ولأي جهة لم يصح الرجوع على المضمون عنه في هذه الصورة للعلم باشتغال ذمته لأحد السببين كما صح الرجوع عليه لذلك فيما قبلها؟. وثانياً : بأنه لم تثبت المقاصة في الذمة وإنما ثبتت بما في الخارج ، فالعين الخارجية المملوكة للظالم يجوز للمظلوم أخذها ، أما دين الظالم الذي له على الناس فلم يثبت جواز أخذه مقاصة ، بحيث يكون للمظلوم ولاية على تعيينه وتشخيصه في الخارج ، لقصر أدلتها عن العموم لذلك. فراجعها في المكاسب المحرمة في أوائل كتاب التجارة من الوسائل (1). وإن كان الذي يظهر من التذكرة والقواعد وشروحها المفروغية عن جواز المقاصة في الذميات ، فقد


1) الوسائل باب : 83 من أبواب ما يكتسب به.


تعرضوا للمسألة وأفتوا بجواز المقاصة بالرجوع الى المضمون عنه. وإن كان المذكور في كلام بعضهم أن المراد من المقاصة معنى آخر ، وهو مطالبة الظالم بالحق من غير الطريق الواقعي ، بأن يطالبه بثمن المبيع في الفرض السابق مع أن الدين قرض لا ثمن ، وفي المقام يطالبه بمؤدى البينة مع ان السبب الاذن في الأداء. وحينئذ يكون الرجوع في الصورة السابقة من باب المقاصة أيضاً ، وإن كان التعبير بها كان في هذه الصورة لا غير ، فالاختلاف بين الصورتين في مجرد التعبير. فلاحظ كلماتهم.

والذي ينبغي في بيان صور المسألة أن يقال : إذا ادعى المضمون له الضمان على شخص وأنكر ذلك الشخص ، فقامت البينة على الضمان ، فأخذ منه قهراً بحكم الحاكم ، فاما أن يكون المضمون عنه قد أذن له في أداء ما عليه أولا ، وعلى الأول لا يجوز رجوعه عليه من جهة إذنه ، لعدم حصول الأداء ، والمال المأخوذ من الضامن باق على ملكه. كما لا يجوز الرجوع عليه بأخذ الدين الذي عليه للمضمون له بعنوان المقاصة للمضمون له في قبال ما أخذه من الضامن ، لما عرفت من عدم الدليل على المقاصة في الذميات. ومنه يظهر أنه لا يجوز الرجوع على المضمون عنه على الثاني لا من باب المقاصة ، ولا من باب الاذن ، لفرض عدم الاذن مضافاً الى عدم الأداء. ولا فرق فيما ذكرنا بين إذن المضمون عنه بالضمان وعدمه ، لأن المفروض عدم الضمان ، فلا يقتضي الإذن فيه جواز الرجوع على الآذن. ثمَّ إنه لو فرض تحقق الأداء المأذون فيه إذا أخذ المال من الضامن بحكم الحاكم قهراً فحينئذ يجوز للضامن الرجوع على المضمون عنه ، لتحقق المأذون فيه ، ولا دخل لإذنه في الضمان وعدمه في جواز الرجوع المذكور ، ففرض الاذن في الضمان والاعتراف بها وإنكارها لا ينبغي ذكره في فروض المسألة.

فكذلك يجوز له الرجوع عليه مقاصة عما أخذ منه. وهل يجوز للشاهدين على الآذن في الضمان حينئذ أن يشهدا بالاذن من غير بيان كونه الآذن في الضمان أو كونه الآذن في الأداء الظاهر ذلك [1] ، وإن كان لا يخلو عن إشكال. وكذا في نظائره. كما إذا ادعى شخص على آخر أنه يطلب قرضاً وبينته تشهد بأنه يطلبه من باب ثمن المبيع لا القرض ، فيجوز لهما أن يشهدا بأصل الطلب من غير بيان أنه للقرض أو لثمن البيع على إشكال.

( مسألة 5 ) : إذا ادعى الضامن الوفاء وأنكر المضمون له وحلف ليس له الرجوع على المضمون عنه إذا لم يصدقه في ذلك [2]. وإن صدقه جاز له الرجوع إذا كان بإذنه [3] وتقبل شهادته له بالأداء [4]


[1] لا يخفى أنه لما كان الاذن بالشي‌ء في نفسه ليس موضوعاً لأثر شرعي وإنما موضوع الأثر الشرعي الاذن المتعلقة بشي‌ء بعينه من ضمان أو أداء أو نحوهما ، فاذا شهد الشاهد بالاذن نفسه من دون ذكر المتعلق لم تسمع هذه الشهادة لعدم الأثر. وهذا بخلاف الدين ، فإنه بنفسه موضوع للأثر الشرعي وان لم يذكر السبب المقتضي له من بيع أو قرض أو غيرهما ، فالفرق بين الأمرين ظاهر. ولا يجوز مقايسة أحدهما على الآخر.

[2] لعدم ثبوت الأداء ، بل ثبوت عدمه ، فلا موجب للرجوع.

[3] أخذاً له بإقراره واعترافه.

[4] يعني : شهادة المضمون عنه. كما صرح بذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما من كتب الأصحاب.

إذا لم يكن هناك مانع من تهمة [1] أو غيرها مما يمنع من من قبول الشهادة [2].

( مسألة 6 ) : لو اذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان فوفى جاز له الرجوع عليه [3].


[1] في المسالك : « ذكروا للتهمة صوراً .. ومنها : أن يكون الضامن معسراً ولم يعلم المضمون له بإعساره ، فإن له الفسخ حيث لا يثبت الأداء ، ويرجع على المضمون عنه فيدفع بشهادته عود الحق إلى ذمته .. ». وهذه الصورة ذكرها في جامع المقاصد.

[2] مثل فقد شرط قبول الشهادة على ما ذكره في كتاب الشهادة.

[3] قال في القواعد : « ومن أدى دين غيره بغير ضمان ولا إذن لم يرجع ، وإن أداه بإذنه بشرط الرجوع رجع. ولو لم يشترط الرجوع احتمل عدمه إذ ليس من ضرورة الأداء الرجوع. وثبوته للعادة » ، ونحوه في التذكرة ، وفي جامع المقاصد : « والحق أن العادة إن كانت مضبوطة في أن من أذن في الأداء يريد به الرجوع ويكتفي بالإذن مطلقاً استحق الرجوع ، وإلا فلا ». وهو كما ذكر. كما أنه لم يثبت أن العادة تقتضي ذلك. نعم إذا كان الاذن مستفاداً من الاستدعاء ، بأن قال : « أد ديني » كان مقتضيا للرجوع ، لما عرفت سابقاً من أن استيفاء مال الغير موجب لضمانه. ولعله المراد من العادة في كلامهم وإلا لم يكن مقتضياً له ، كما إذا قال : « أنت مأذون في وفاء ديني » بعد أن استأذنه المخاطب في الوفاء لاحتمال كراهته لذلك لغرض من الأغراض. ولو قال ابتداء : « أنت مأذون في وفاء ديني » فقد يكون دالاً على اشتراط الرجوع ، من أجل أن وفاء غيره لدينه ليس تحت سلطانه حتى يكون محتاجاً الى الاذن ، فليس الغرض من الاذن إلا اشتراط الرجوع. فان لم يفهم ذلك لم يكن له

ولو ادعى الوفاء وأنكر الآذن [1] قبل قول المأذون ، لأنه أمين من قبله [2]. ولو قيد الأداء بالإشهاد وادعى الاشهاد وغيبة الشاهدين قبل قوله أيضا [3]. ولو علم عدم إشهاده ليس له الرجوع [4]. نعم لو علم أنه وفاء ، ولكن لم يشهد يحتمل جواز الرجوع عليه ، لان الغرض من الاشهاد العلم بحصول الوفاء [5] والمفروض تحققه.

( تمَّ كتاب الضمان )


الرجوع. وعلى هذا فالرجوع ليس للاذن ، بل لاشتراط الرجوع المفهوم من القرائن.

[1] اسم فاعل.

[2] كما في الجواهر ، والأمين يقبل خبره ، كما إذا أمر الجارية بتطهير الثبوت فأخبرت بذلك ، فإنه يقبل خبرها ، وكذلك الأجير على عمل إذا أخبر بوقوعه ، كالأجير على العبادة عن ميت يقبل خبره بفعلها وهكذا. والعمدة في ذلك سيرة العقلاء والمتشرعة.

[3] لما سبق.

[4] كما في الجواهر ، لانتفاء الاذن بالأداء الواقع في الخارج ، لانتفاء المقيد بانتفاء قيده.

[5] هذا غير ظاهر ، فقد يكون الغرض من الاشهاد التخلص من دعوى الدائن عدم الأداء ، أو التخلص من تهمة الناس له أنه مماطل في وفاء دينه ، وقد يكون الغرض أمراً آخر. وبالجملة : المدار في جواز الرجوع وقوع الأداء على الوجه المأذون فيه ، فاذا لم يحصل لم يجز الرجوع وان حصل الغرض. واللّه سبحانه العالم العاصم. وهو حسبنا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( كتاب الحوالة )

وهي عندهم تحويل المال من ذمة إلى ذمة [1]. والأولى أن يقال : إنها إحالة المديون دائنه إلى غيره ، أو إحالة المديون دينه من ذمته إلى ذمة غيره. وعلى هذا فلا ينتقض طرده بالضمان ، فإنه وإن كان تحويلا من الضامن مدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمته. إلا أنه ليس فيه الإحالة المذكورة ،


انتهى الكلام الى هنا في الرابع والعشرين من ربيع الثاني في سنة اثنتين وثمانين بعد الالف والثلاثمائة للهجرة. وقد انتهى الكلام في الشرح القديم في الحادي عشر من جمادى الأولى في السنة التاسعة والخمسين بعد الألف والثلاثمائة للهجرة.

( كتاب الحوالة )

قال في التذكرة : « الحوالة عقد جائز بالنص والإجماع ». وعن المبسوط والسرائر : أنها مشروعة بالنص وإجماع الأمة. انتهى.

[1] قال في الشرائع : « فالحوالة عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله ». ولأجل أن هذا التعريف مانع من صحة الحوالة على البري‌ء والعلامة يرى صحتها عدل في القواعد عن هذا التعريف الى

خصوصا إذا لم يكن بسؤال من المضمون عنه [1].

ويشترط فيها - مضافا إلى البلوغ ، والعقل ، والاختيار [2] وعدم السفه [3] في الثلاثة من المحيل والمحتال والمحال عليه ، وعدم الحجر بالسفه في المحتال [4] والمحال عليه [5] ، بل والمحيل ، إلا إذا كانت الحوالة على البري‌ء فإنه لا بأس به [6]


تعريفها بقوله : « وهي عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى أخرى ». ونحوه في التذكرة والتحرير ، وكذلك غيره. ومن ذلك يظهر أن نسبة التعريف المذكور إليهم غير ظاهر.

[1] أما إذا كان بسؤاله فقد يوهم أن المضمون عنه هو الذي نقل المال من ذمته إلى ذمة الضامن. لكن التأمل يقتضي خلاف ذلك ، لأن الذي يسأل الفعل من غيره غير فاعل ، بل الفاعل هو المسؤول منه الفعل.

[2] هذه الثلاثة شرائط عامة المطلق التصرف ، فلا يصح التصرف بدونها ، كما أشرنا إلى ذلك في كتاب الضمان. وتحرير ذلك مفصلا من الفقهاء ( رضي اللّه عنهم ) يكون في كتاب البيع الذي هو أول الكتب الباحثة عن العقود والإيقاعات.

[3] هذا شرط للتصرف المالي ، لا مطلق التصرف. ولأجل أن كلا من المحيل والمحتال والمحال عليه متصرف في مال لم يصح منه ذلك.

[4] أصل العبارة بالفلس ، كما يشهد بذلك ما قبله وما بعده.

[5] يشكل ذلك بأن قبوله ليس تصرفاً في ماله الذي هو موضوع حق الغرماء ، وإنما هو تصرف في نفسه وفي ذمته ، فلا مانع منه. نعم هو تصرف مالي ، فلا يجوز من السفيه ويجوز من المفلس ، نظير الاقتراض الذي سيذكره.

[6] فان مرجع الحوالة على غير البري‌ء نقل الدين إلى ذمة المحال

فإنه نظير الاقتراض منه أمور :

أحدهما : الإيجاب والقبول ، على ما هو المشهور بينهم [1] حيث عدوها من العقود اللازمة. فالإيجاب من المحيل [2] ، والقبول من المحتال. وأما المحال عليه فليس من أركان العقد وان اعتبرنا رضاه مطلقاً أو إذا كان بريئاً ، فإن مجرد اشتراط الرضا منه لا يدل على كونه طرفاً وركناً للمعاملة. ويحتمل أن يقال : يعتبر قبوله أيضاً [3] ، فيكون العقد مركباً من الإيجاب


عليه ليكون وفاؤه مما في ذمته ، فتكون الحوالة تصرفاً في ماله الذي في ذمة المحال عليه ، وهو متعلق حق الغرماء. لكن إذا قلنا بصحة الحوالة على البري‌ء أمكن القول بصحتها من المفلس على غير البري‌ء ، إذ ليس من لوازم التحويل التصرف في ماله ، بل من الجائز صحة الحوالة وكون ماله الذي في ذمة المحال عليه تحت سلطان الغرماء ، إذ هو بمنزلة الاقتراض - كما ذكر - فكما يجوز اقتراض المفلس من البري‌ء يجوز اقتراضه من المديون وكما يجوز للمفلس التحويل على البري‌ء يجوز له التحويل على غير البري‌ء ، ويكون المال في ذمة المحيل للمحال عليه بعد دفعه الحوالة.

[1] بل الظاهر أنه من المسلمات من دون خلاف ولا إشكال.

[2] قال في المسالك : « ثمَّ على تقدير اعتبار رضا المحيل عليه ليس هو على حد رضا الآخرين ، لأن الحوالة عقد لازم من جملة العقود اللازمة ، فلا يتم إلا بإيجاب وقبول ، فالإيجاب من المحيل ، والقبول من المحتال. ويعتبر فيهما ما يعتبر في غيرهما من اللفظ والمقارنة وغيرهما. وأما رضا المحال عليه فيكفي كيف اتفق مقارناً أم متراخياً ».

[3] قال في الجواهر : « لم أجد القول باحتمال اعتباره على وجه

والقبولين. وعلى ما ذكروه يشترط فيها ما يشترط في العقود اللازمة ، من الموالاة بين الإيجاب والقبول ونحوها ، فلا تصح مع غيبة المحتال أو المحال عليه أو كليهما بأن أوقع الحوالة بالكتابة. ولكن الذي يقوى عندي كونها من الإيقاع [1] غاية الأمر اعتبار


القبول بأن يكون هذا العقد مركباً من إيجاب وقبولين ، وإن كان هو مقتضى ما تسمعه من دليلهم ». ويريد به دعوى الإجماع على أنها تقتضي نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه ، ضرورة توقف انتقال الدين إلى ذمة الغير على رضاه.

[1] لا يخفى أن الفرق بين الإيقاع والعقد أن الأول يكفي في حصوله إعمال سلطنة سلطان واحد ، والثاني يتوقف حصوله على إعمال سلطنة سلطانين ، ولا يكفي في حصوله إعمال سلطنة واحدة. فإذا قال الإنسان لزوجته : « طلقتك » ثمَّ قال لها : « تزوجتك » فالطلاق إيقاع لأنه يكفي في حصوله إعمال سلطنة الزوج ، والتزويج عقد لأنه يتوقف حصوله على إعماله سلطنة الزوج والزوجة معاً ، فالطلاق وإن كان تصرفاً في الزوجة كالتزويج ، إلا أن الأول لما جعله الشارع الأقدس تحت سلطان الزوج فقط كان إيقاعاً ، والتزويج لما جعله الشارع تحت سلطان الزوجين معاً كان عقداً. وربما يكون إيقاعا إذا كان تحت سلطنة شخص واحد ، كما في تزويج المولى أمته من عبده ، فإنه لما لم يكن تحت سلطان كل من الزوجين وإنما هو تحت سلطان مولاهما كان إيقاعا. وهكذا فكل تصرف لا يتحقق إلا باعمال سلطنة شخصين فهو عقد ، وكل تصرف يتحقق باعمال سلطنة شخص واحد فهو إيقاع. فالاختلاف بين العقد والإيقاع ليس لاختلاف مفاهيمها المنشأة ، بل لاختلاف أحكامها من حيث السلطنة. وعلى هذا يمتنع أن تكون الحوالة إيقاعاً ، لأنها تصرف في مال المحتال الذي هو تحت

الرضا من المحتال أو منه ومن المحال عليه ، ومجرد هذا لا يصيره عقداً ، وذلك لأنها نوع من وفاء الدين [1] ، وإن كانت توجب انتقال الدين من ذمته إلى ذمة المحال عليه ، فهذا النقل والانتقال نوع من الوفاء. وهو لا يكون عقداً [2] وإن احتاج إلى الرضا من الآخر ، كما في الوفاء بغير الجنس ، فإنه يعتبر فيه رضا الدائن ومع ذلك إيقاع [3] ، ومن ذلك يظهر أن الضمان أيضا من الإيقاع ، فإنه نوع من الوفاء [4]. وعلى هذا فلا يعتبر فيهما شي‌ء مما يعتبر في العقود اللازمة [5] ،


سلطانه ، وفي ذمة المحال عليه التي هي تحت سلطانه ، فيجب أن تكون بقبولهما معاً ، ولا تكون بإيقاع المحيل فقط لتكون إيقاعاً.

[1] الفرق بين الوفاء والحوالة أظهر من أن يحتاج الى بيان ، لان المحتال إنما انتقل بالحوالة دينه من ذمة إلى أخرى ، وهذا الانتقال بعيد عن معنى الوفاء الذي هو وصول الدين إلى الدائن ، فكيف يكون هذا الانتقال نوعاً من الوفاء؟! وكذلك الكلام في الضمان ، فإنه لم يحصل به وفاء الدين وإنما يكون به انتقال الدين من ذمة المديون الى غيره. نعم يشترك الوفاء والحوالة والضمان في فراغ ذمة المديون ، لكنه ليس للوفاء بل للانتقال.

[2] لأنه يكون تحت سلطنة المديون على إفراغ ذمته ، وليس تحت سلطنة الدائن فلو أراد المديون الوفاء ليس للدائن الامتناع ، إذ لا سلطان له على ذمة المديون ليجعلها محلا لماله.

[3] فيه منع ظاهر ، بل هو نوع من المعاوضة بين الدين والجنس الآخر.

[4] سبق الاشكال فيه كالإشكال في الحوالة.

[5] بناء على ما ذكر لا يعتبر فيها ما يعتبر في العقود لازمة كانت أو

ويتحققان بالكتابة ونحوها [1]. بل يمكن دعوى أن الوكالة أيضا كذلك [2] ، - كما أن الجعالة كذلك - وإن كان يعتبر فيها الرضا من الطرف الآخر [3]. ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول : « أنت مأذون في بيع داري » أو قال : « أنت وكيل » [4] ، مع أن الأول من الإيقاع قطعاً.


غير لازمة ، ولا يختص باللازمة.

[1] يمكن القول به في العقود كلية كالمعاطاة. ولو بني على المنع في العقود بني عليه في الإيقاع ، لاشتراكهما في دليله نفيا وإثباتاً.

[2] يعني : من الإيقاع.

[3] قد عرفت ان اعتبار الرضا يقتضي كونها من العقود ، والعقود لا بد أن تكون بإيجاب وقبول ، ولا يكفي الرضا النفساني المقابل للكراهة والإرادة الذي ليس من الإنشاء ، فإنه غير القبول اللازم اعتباره في صدق العقد. وبالجملة : اعتبار الرضا مساوق لكون الوكالة من العقود المعتبر فيها القبول.

[4] الفرق بين الأمرين ظاهر ، فان الوكيل كالاصيل ، فالوكيل في وفاء الدين يجب عليه الوفاء مع المطالبة ، والمأذون في الأداء ليس كذلك. وأيضاً فإن الوكيل تجوز مطالبته في الوفاء ومخاصمته ، والمأذون ليس كذلك. وأيضاً الوكيل يتمكن من عزل نفسه عن الوكالة ، فلا يكون وكيلا ، والمأذون لا يتمكن من عزل نفسه عن الاذن. والوكيل يستطيع أن لا يقبل الوكالة ويرد الإيجاب فلا يكون وكيلا ، والمأذون ليس كذلك. والوكالة المعلقة باطلة ، بخلاف الاذن. والوكيل المعزول ينفذ تصرفه قبل بلوغ العزل ، وليس كذلك المأذون. ومن ذلك يتبين أن الوكالة قائمة باختيار الوكيل وتتوقف على قبوله ، وليس كذلك الاذن.

الثاني : التنجيز [1] ، فلا تصح مع التعليق على شرط أو وصف ، كما هو ظاهر المشهور. ولكن الأقوى عدم اعتباره كما مال اليه بعض متأخري المتأخرين.

الثالث : الرضا من المحيل والمحتال بلا إشكال [2]. وما عن بعضهم من عدم اعتبار رضا المحيل [3] فيما لو تبرع


والمتحصل : أن المفهوم الإنشائي إذا كان تحت سلطنتين فهو قائم بهما ، فلا يتحقق إلا باعمالهما ، فيكون عقداً. وإذا كان تحت سلطنة واحدة يتحقق بأعمالها فقط ، فيكون إيقاعاً. ودعوى أنه إيقاع ومع ذلك يتوقف على رضا الآخر تناقض ، فان اعتبار الرضا من الطرفين مساوق لكون المفهوم عقداً. فلاحظ.

[1] العمد في اعتبار الإجماع المدعى على اعتباره في كلية العقود الذي لا مجال لرفع اليد عنه بعد دعواه من الأساطين. وتلقي الباقين له بالقبول. وإلا فلم يذكر هذا الشرط هنا في جملة من الكتب ، كالشرائع والقواعد وغيرهما ، ولم يتعرض له فيما وقفت عليه من شروحهما ، وفي التذكرة : ذكر التنجيز من شروط الضمان - كما سبق - ولم يذكر ذلك في الحوالة. ولعله اكتفى بذكره في غيرها مع دعوى الإجماع عليه في عامة العقود.

[2] عن التذكرة والمسالك والروضة والمفاتيح والكفاية : الإجماع عليه وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه عليه ، بل المحكي منه مستفيض أو متواتر ».

[3] قال في التذكرة : « يشترط في الحوالة رضا المحيل - وهو الذي عليه الحق - إجماعا .. ( إلى أن قال ) : في صورة واحدة لا يعتبر فيها رضا المحيل وهي ما إذا جوزنا الحوالة على من لا دين عليه ، لو قال للمستحق : « أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي » فقبل ، صحت

المحال عليه بالوفاء ، بأن قال للمحتال : « أحلت بالدين الذي لك على فلان على نفسي » ، وحينئذ فيشترط رضا المحتال والمحال عليه دون المحيل. لا وجه له ، إذ المفروض لا يكون من الحوالة بل هو من الضمان [1].


الحوالة. فإذاً لا يشترط رضا المحيل ، بل رضا المحال والمحال عليه خاصة » ، ونحوه في المسالك والحدائق وعن الروضة. ولكن في الجواهر منع عن صحة هذه الحوالة ، لعدم إطلاق في نصوص المقام يتناولها. و ( أوفوا العقود ) (1)يراد به العقود المتعارفة ، فلا شمول فيه للمشكوك. وفيه : أن التعارف لا يقيد الإطلاق ، ولو بني على ذلك لزم تأسيس فيه جديد ، كما أشرنا إلى وجه ذلك في مواضع من هذا الشرح.

[1] يتم إذا كان مفهوم الضمان نقل ما في ذمة إلى ذمة ، كما ذكره الأصحاب. أما إذا كان التعهد بالدين فهو غير التحويل المذكور ، وإن كان التعهد من لوازمه. وحينئذ لا بد من الرجوع في تصحيحه إلى عموم الوفاء بالعقود ونحوه. وعليه فلا يختص بصورة ما إذا كان المحال عليه بريئاً ، بل يجري في غيره. غاية الأمر أنه لا يكون الوفاء من مال المحيل ، بل من مال المحال عليه ، ويبقى دين المحيل على المحال عليه بحاله. كما لا يختص أيضاً بتحويل المحال عليه على نفسه ، بل يكون أيضاً بتحويل المحال على المحال عليه ، فيقول المحال للمحال عليه : « أحلت ديني عليك » فيقول المحال عليه : « قبلت » ، فيكون المحيل هو المحال لا المحال عليه. وجميع هذه الصور ليست من الحوالة المصطلحة عند الفقهاء ، بل هي حوالة بالمعنى اللغوي قام الدليل على صحتها إن تمَّ. ومثل ذلك ما إذا كان التحويل من شخص آخر ، كما إذا كان دين لزيد على عمرو ، فيحيل الدين المذكور خالد على


1) المائدة : 1.

وكذا من المحال عليه إذا كان بريئاً ، أو كانت الحوالة بغير جنس ما عليه [1]. وأما إذا كانت بمثل ما عليه ففيه خلاف [2]


بكر ، فيقبل الدائن - وهو زيد - والمحول عليه - وهو بكر - فتصح مثل هذه الحوالة بالعمومات مع عدم رضا المدين وهو المحيل ، وليست من الحوالة الاصطلاحية ذات الاحكام المخصوصة المستفادة من النصوص والإجماع

ثمَّ إنه لا يخفي أن من يعتبر رضاه يجب أن يكون المفهوم الإنشائي تحت سلطانه ، والمحيل ليس كذلك ، فان التحويل إفراغ لذمته ، ولا سلطان له على المنع من إفراغ ذمته. نعم سلطانه على المنع من إشغال ذمته ، والتحويل ليس فيه شي‌ء من ذلك. نعم لما كان التحويل موجباً إما لاشتغال ذمته بمثل الدين للمحال عليه لو كانت الحوالة على البري‌ء أو بغير الجنس ، وإما لسقوط دينه الذي على المحال عليه لو كانت الحوالة بالجنس على غير البري‌ء ، وكان كل ذلك تحت سلطانه ، كانت الحوالة تحت سلطانه.

[1] يعني : يشترط رضاه ، ويقتضيه قاعدة السلطنة على نفسه ، لأن إشغال ذمته بدين للمحتال تصرف في نفسه. وهو واضح لو كان بريئاً. وكذلك لو كان مشغول الذمة بغير جنس الدين ، فان اشتغال ذمته بجنس الدين أيضاً تصرف في نفسه يحتاج إلى إعمال سلطنته. وعن التنقيح : أنه في هذه الصورة يعتبر رضاه قطعاً. لكن في الجواهر قد يمنع القطع فيما ذكره.

[2] والمنسوب إلى المشهور اعتبار رضاه ، وعن الأردبيلي : أنه لم يظهر فيه مخالف ، وعن التذكرة : نسبته إلى أصحابنا ، وعن المختلف : نسبته إلى علمائنا. ولكن عن أبي الصلاح عدم اعتبار رضاه ، وعن المختلف : الميل اليه ، وفي مفتاح الكرامة : أنه خيرة المقتصر والتنقيح وإيضاح النافع والمسالك والروضة ، وعن التنقيح : أنه قال : « إن اعتبرنا شغل الذمة والحوالة بمثل ما عليه فلا يشترط رضا قطعاً ».

ولا يبعد التفصيل بين أن يحول عليه بماله عليه ، بأن يقول : « أعطيه من الحق الذي لي عليك » ، فلا يعتبر رضاه ، فإنه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه [1]


[1] قد استدل في المسالك على ذلك بأن المحيل قد أقام المحتال مقام نفسه في القبض بالحوالة ، فلا وجه للافتقار إلى رضا من عليه الحق. كما لو وكله في القبض منه ثمَّ ذكر انا نمنع أن مقتضى الحوالة النقل ، بل هي إيفاء بما في ذمة الغير. فلا تقصر عن بيع ما في ذمة الغير ، ولا يشترط فيه الرضا إجماعاً. انتهى. وتبعه على ذلك في الجواهر ، غير أنه لم يتعرض لما ذكره أولا من إقامة المحتال مقام نفسه في القبض بالحوالة. وفي المتن جعل المحول عليه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه.

والمتحصل من كلمات الجماعة في الاستدلال على عدم اعتبار رضا المحول عليه أمور : الأول : منع كون الحوالة نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. الثاني : أن المحيل قد أقام المحتال مقامه في قبض دينه. الثالث : أن الحوالة إيفاء بماله الذي في ذمة المحال عليه. الرابع : أن الحوالة بمنزلة توكيل المحال عليه في وفاء دينه. وفي الجميع إشكال ظاهر. إذ الأول خلاف ما عليه الإجماع من أن الحوالة نقل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال. فراجع كلماتهم في تعريف الحوالة ، وقد ادعى في المسالك الاتفاق على ذلك في مسألة اعتبار إبراء المحتال للمحيل في عدم جواز رجوعه اليه. ومن ذلك يظهر الإشكال في الثاني ، إذ لو كان مفادها ذلك لم تكن نقلا ، بل كان الدين باقياً بحاله في ذمة المحيل حتى يحصل الوفاء بقبض المحتال من المحال عليه. ومنه يظهر الإشكال في الثالث. وأما الرابع فيتوجه عليه أن مقتضى ذلك اعتبار الرضا من المحال عليه كالوكيل الذي لا تصح وكالته إلا برضاه ، كما تقدم. مضافاً إلى أن

وإن كان بنحو اشتغال ذمته للمحتال وبراءة ذمة المحيل بمجرد الحوالة ، بخلاف ما إذا وكله فإن ذمة المحيل مشغولة إلى حين الأداء. وبين أن يحوله عليه من غير نظر إلى الحق الذي له عليه على نحو الحوالة على التبري ، فيعتبر رضاه ، لان شغل ذمته بغير رضاه على خلاف القاعدة. وقد يعلل باختلاف الناس في الاقتضاء [1] فلا بد من رضاه. ولا يخفى ضعفه ، كيف وإلا لزم عدم جواز بيع دينه على غيره ، مع أنه لا اشكال فيه.

الرابع : أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمة المحيل [2] سواء كان مستقراً أو متزلزلا ، فلا تصح في غير الثابت ، سواء وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل ومال السبق والرماية


جعله بمنزلة الوكيل في الاستيفاء ينافي كون الحوالة نقلا ، كما سبق. فالمصنف جمع بين دعويين متنافيتين. مضافاً إلى أن أولاهما أولى بالدليل على اعتبار الرضا من الدليلية على عدم الاعتبار ، والثانية كذلك لان اشتغال ذمة المحول عليه بغير سلطانه خلاف قاعدة سلطنة الناس على أنفسهم ، المستفادة من قاعدة سلطنة الناس على أموالهم. فحكم هذه الصورة كالصورة الآتية ، والفرق الذي ذكره غير فارق.

[1] علله بذلك في المسالك في جملة أدلة المشهور ، وأجاب عنه بأن اختلاف الناس في الاقتضاء لا يمنع من مطالبة المستحق ومن ينصب.

[2] إجماعا ، كما عن الحدائق. وعن مجمع البرهان حكايته عن بعضهم. وعن التحرير : أن شرطها ثبوته في ذمة المحيل ، فلو أحاله بما يقرضه لم يصح إجماعا. انتهى. ويقتضيه مفهومها عرفاً ، فان التحويل

قبل حصول السبق ، أو لم يوجد سببه أيضا كالحوالة بما يستقرضه. هذا ما هو المشهور [1]. ولكن لا يبعد كفاية حصول السبب ، كما ذكرنا في الضمان [2] ، بل لا يبعد الصحة فيما إذا قال : « أقرضني كذا وخذ عوضه من زيد » [3] فرضي ورضي زيد أيضا ، لصدق الحوالة ، وشمول العمومات ، فتفرغ ذمة المحيل وتشتغل ذمة المحال بعد العمل وبعد الاقتراض.


عرفاً يقتضي نقل ما في ذمة إلى ذمة ، فهو يتوقف على وجود شي‌ء في الذمة ، كما يقتضي ثبوت شي‌ء في ذمة المحال عليه ، فلا يتحقق مع عدم ذلك. وبالجملة : التحويل والتحول يتوقف على ثبوت شي‌ء في محل فينتقل إلى محل آخر.

[1] قد عرفت دعوى الإجماع عليه.

[2] قد عرفت الاشكال عليه في الضمان وان امتناع ضمان ما لم يجب من القضايا التي قياساتها معها ، فإنه إذا لم يجب الشي‌ء فضمانه بلا مضمون عنه ولا مضمون له ، لان المضمون عنه من يكون عليه شي‌ء لغيره والمضمون له من يكون له شي‌ء على غيره ، ومع عدم ثبوت شي‌ء لا يكون شي‌ء لأحد ولا في ذمة أحد. نعم يجوز أن يتعهد شخص لآخر بأمر استقبالي ، فيكون وجوبه بالضمان ، فيملكه المضمون له. لكنه ليس من الضمان الاصطلاحي ، بل هو ضمان لغوي ليس موضوعاً لكلام الأصحاب ، كما تقدم تفصيل ذلك مراراً. وكذا نقول في المقام : إذا لم يكن دين فلم ينقل المحيل ما في ذمته إلى ذمة المحال عليه.

[3] مفهوم الجملة المذكورة أن العوض يؤخذ من زيد ، لا أن الدين ينتقل إلى ذمة زيد ، وحينئذ لا تحويل ولا تحول. فكيف تصدق الحوالة؟! « كذا إذا قال : « أقرضني درهماً ، وينتقل بدله الذي في ذمتي إلى ذمة

الخامس : أن يكون المال المحال به معلوماً جنساً وقدراً للمحيل والمحتال ، فلا يصح الحوالة بالمجهول على المشهور [1] للغرر [2]. ويمكن أن يقال بصحته إذا كان آئلا إلى العلم ، كما إذا كان ثابتاً في دفتره ، على حد ما مر في الضمان من صحته مع الجهل بالدين. بل لا يبعد الجواز مع عدم أوله إلى العلم


زيد » فقبل المخاطب وزيد ، فإنه أيضاً لا شي‌ء في ذمة القائل ولا انتقال من ذمته إلى ذمة زيد إذ لا قرض. نعم إذا وقع القرض وقع الانتقال فإذا أخذ بنحو الواجب المعلق امتنع الثبوت فعلا ، لعدم القرض ، وإذا كان مشروطاً بالفرض كان العقد معلقا وهو باطل. فاذا قال الزوج لزوجته : « أحلتك في نفقة الغد على زيد » فقبل ، امتنع أن تملك المرأة شيئاً على زيد بعنوان نفقة الغد ، لأنها لا تملك قبل الغد ، وإذا كان الملك على نحو التعليق على الغد فهو باطل ، لقدح التعليق في العقود والإيقاعات ، إلا في موارد مخصوصة ليس هذا منها. وكذلك الكلام في مال الجعالة قبل العمل ، فان التحويل يقتضي أن يملك المحتال في ذمة المحال عليه ، وقبل العمل لا يملك العامل شيئاً لا في ذمة المحيل ولا في ذمة غيره. وكذا الكلام في مال السبق ونحوه.

[1] وعن النهاية : الإجماع عليه ، وفي مفتاح الكرامة : « لم نجد المخالف ، وإنما ذكرت الصحة احتمالا مع الجهل في التذكرة والمسالك ومجمع البرهان. نعم لم يذكر هذا الشرط في عدد الشرائط في الوسيلة والغنية وغيرهما. ولعل تركهم له لظهوره ، كالبلوغ والرشد وغيرهما ».

[2] قد عرفت في الضمان أن عموم نفي الغرر لم يثبت ، وإنما الثابت نفيه في البيع ، فلا يشمل المقام ، وعموم الصحة يقتضي الجواز. فراجع ما سبق في الضمان.

بعد إمكان الأخذ بالقدر المتيقن. بل وكذا لو قال : « كلما شهدت به البينة وثبت خذه من فلان ». نعم لو كان مبهما كما إذا قال : « أحد الدينين الذين لك علي خذه من فلان » بطل [1] ، وكذا لو قال : « خذ شيئاً من دينك من فلان » [2] هذا ولو أحال الدينين على نحو الواجب التخييري أمكن الحكم بصحته [3]


[1] لان المبهم المردد لا مطابق له في الخارج ، إذ كل ما في الخارج متعين غير مردد ، وإذا لم يكن له مطابق في الخارج امتنع أن يثبت له حكم شرعي يترتب عليه عمل.

[2] لإبهام الشي‌ء.

[3] يفترق الواجب التخييري عن المردد أن المردد لا يكون موضوعاً لحكم شرعي ، لعدم المطابق الخارجي له ، والواجب التخييري يكون موضوعاً للوجوب التخييري ، وله مطابق خارجي ، فإن الوجوب التخييري ليس قائماً بالمردد بين الخصال ، وإنما قائم بكل واحدة من الخصال ، لكن قيامه على نحو خاص بحيث يسقط عن الجميع بفعل واحدة من الخصال. وكذلك الوجوب الكفائي ، فإنه موجه الى كل واحد من المكلفين على نحو خاص ، بحيث يسقط بامتثال واحد منهم ، وليس متعلقاً بالمردد بين أفراد المكلفين. فالواجب التخييري كل واحد من الخصال الثلاث في الكفارة ، لا أمر مردد بينها ، وهذه الخصال الثلاث مع أن كل واحدة منها واجبة لا يجب فعلها أجمع ، لأن الوجوب تعلق بها على نحو لا يقتضي فعلها أجمع ، بل يسقط عن الجميع بفعل واحدة منها. فاذا تعلقت الحوالة بالدينين على وجه التخيير اقتضت وفاء المحال عليه لأحدهما على التخيير لا جمعاً ، فاذا وفي أحد الدينين بطلت الحوالة بالنسبة إلى الآخر ولم تقتض وفاءه.

لعدم الإبهام فيه حينئذ [1].

السادس : تساوي المالين أي المحال به والمحال عليه - جنساً ونوعاً ووصفا ، على ما ذكره جماعة [2] ، خلافاً لآخرين [3]. وهذا العنوان وإن كان عاماً إلا أن مرادهم - بقرينة التعليل بقولهم : تفصيا من التسلط على المحال عليه بما لم تشتغل ذمته به ، إذ لا يجب عليه أن يدفع إلا مثل ما عليه - فيما كانت الحوالة [4] على مشغول الذمة بغير ما هو مشغول الذمة به ، كأن يحيل من له عليه دراهم على من له عليه دنانير


[1] كأن الوجه فيه عمومات صحة العقود ، والإبهام المانع عقلا من الصحة مفقود.

[2] قال في الشرائع. « ويشترط تساوي المالين جنساً ووصفاً ، تفصياً عن التسلط على المحال عليه ، إذ لا يجب أن يدفع إلا مثل ما عليه. وفيه تردد ». ونسبه في المسالك الى الشيخ وجماعة ، وفي جامع المقاصد الى الشيخ في المبسوط وابن البراج وابن حمزة ، وفي مفتاح الكرامة : نسبه الى المبسوط في آخر الباب وحكى عن الإيضاح نسبته إلى القاضي وابن حمزة ، ثمَّ قال : « ولم نجد ذلك في الوسيلة ، ولم يحكه في المختلف عن أحد غير الشيخ في المبسوط.

[3] حكي ذلك عن التذكرة والتحرير والحواشي واللمعة والتنقيح وإيضاح النافع وجامع المقاصد والمسالك والروضة وغيرها ، وحكي ذلك أيضاً عن موضع من المبسوط.

[4] متعلق بقوله : « ان مرادهم ». ويحقق أن مرادهم ذلك قول العلامة في القواعد في تحرير المسألة : « وتصح على من ليس عليه حق ،

بأن يدفع بدل الدنانير دراهم. فلا يشمل ما إذا أحال من له عليه الدراهم على البري‌ء [1] بأن يدفع الدنانير ، أو على مشغول الذمة بالدنانير بأن يدفع الدراهم. ولعله لأنه وفاء بغير الجنس برضا الدائن [2]. فمحل الخلاف ما إذا أحال على من عليه جنس بغير ذلك الجنس. والوجه في عدم الصحة : ما أشير إليه [3] من أنه لا يجب عليه أن يدفع الا مثل ما عليه. وأيضا الحكم


أو عليه مخالف ، على رأي ». فموضع الخلاف أن يكون المال المحول به مخالفاً لما على المحول عليه من حق.

[1] لكن يشكل ذلك من وجه آخر ، وهو أنك عرفت في الشرط الرابع وجوب كون المال المحال به ثابتاً في ذمة المحيل ، فإذا أحال في الفرضين المذكورين بغير الجنس فقد أحال بما ليس ثابتاً في ذمة المحيل ، لأن ما هو الثابت في ذمة المحيل في الفرضين المذكورين الدراهم لا الدنانير ، فالإحالة بالدنانير إحالة بما ليس ثابتاً في الذمة. ولعل عدم تعرضهم لهذه المسألة لوضوح حكمها ، وهو بطلان الحوالة لفقد الشرط المذكور. نعم إذا تراضى المحيل والمحتال على تحول الدراهم التي للمحتال في ذمة المحيل الى الدنانير وصار الدين دنانير ، جاز التحويل حينئذ ، وكان تحويلا لما هو ثابت في الذمة. ولعل إنشاء الحوالة كاف في حصول هذا التحول.

[2] قد عرفت الإشكال في أن الحوالة وفاء ، إذ هي نقل وتحويل لما في الذمة إلى ذمة أخرى. كما قد عرفت الإشكال أيضاً في الحوالة هنا من جهة عدم ثبوت شي‌ء في الذمة. والذي يرفع الاشكال من الوجهين في المقام هو تحويل ما في الذمة من جنس إلى آخر ثمَّ تحويله من ذمة إلى أخرى ، وحينئذ يكون من الوفاء بالجنس لا بغير الجنس.

[3] يعني : في تعليل الحكم المتقدم.

على خلاف القاعدة [1]. ولا إطلاق في خصوص الباب ، ولا سيرة كاشفة ، والعمومات منصرفة إلى العقود المتعارفة. ووجه الصحة : أن غاية ما يكون أنه مثل الوفاء بغير الجنس [2] ولا بأس به. وهذا هو الأقوى [3]. ثمَّ لا يخفى أن الاشكال


[1] ذكر ذلك في الجواهر.

[2] فيه ما عرفت من المباينة بين الحوالة والوفاء بالجنس أو بغيره ، وحينئذ تحتاج في مشروعيتها إلى دليل ، فاذا تمَّ ما ذكروه في الجواهر تعين الرجوع إلى أصالة البطلان.

[3] إذ الإشكال المشار إليه في الشرائع لا مجال له مع التراضي ، لأن التسليط يكون بسلطنته. وأما إشكال الجواهر : ففيه أن التعارف لا يوجب قصور الإطلاق ولا تخصيص العمومات ، كما أشرنا الى ذلك مراراً. فالعمل بالإطلاق المقتضي للصحة متعين.

ثمَّ لا يخفى أن مقتضى التحويل نفسه انتقال الدين إلى ذمة المحال عليه ، وأما كون المدفوع بدلاً عما للمحيل في ذمة المحال عليه فأمر خارج عن التحويل قد أنشي‌ء في ضمنه ، فالمحيل قصد إنشاء نقل الدين في ذمته إلى ذمة المحال عليه ، كما قصد إنشاء كون المدفوع من المال عوضاً عما له في ذمته ، فالقبول من المحال عليه قبول للأمرين معاً. وهذه البدلية الإنشائية ظاهرة في محل الكلام من اختلاف الجنسين ، أما مع اتحادهما فيمكن أن يقصد إنشاء البدلية ويمكن أن لا يقصد ذلك ، بل تكون البدلية قهرية بنحو التهاتر ، وصحة الجميع موافقة لمقتضى القواعد العامة من دون معارض ولا مقيد.

والذي يتحصل مما ذكرنا : أن الاشكال في صورة اختلاف ما في ذمة المحيل مع المال المحال به يلزم من وجهين : من جهة صحة الحوالة ، ومن

إنما هو فيما إذا قال : « أعط مما لي عليك من الدنانير دراهم » بأن أحال عليه بالدراهم من الدنانير التي عليه. وأما إذا أحال عليه بالدراهم من غير نظر الى ما عليه من الدنانير فلا ينبغي الإشكال فيه ، إذ هو نظير إحالة من له الدراهم على البري‌ء ، بأن يدفع الدنانير ، وحينئذ فتفرغ ذمة المحيل من الدراهم ، وتشتغل ذمة المحال عليه بها ، وتبقى ذمة المحال عليه مشغولة بالدنانير ، وتشتغل ذمة المحيل له بالدراهم ، فيتحاسبان بعد ذلك. ولعل الخلاف أيضا مختص بالصورة الأولى ، لا ما يشمل هذه الصورة أيضا [1]. وعلى هذا فيختص الخلاف بصورة واحدة وهي ما إذا كانت الحوالة على مشغول الذمة بأن يدفع من طرف ما عليه من الحق بغير جنسه ، كأن يدفع من الدنانير التي عليه دراهم.

( مسألة 1 ) : لا فرق في المال المحال به بين أن يكون


جهة الوفاء ، فاذا صحت الحوالة - بأن حول ما في الذمة إلى جنس المال المحول به - ارتفع الإشكال الثاني وكان الوفاء بالجنس ، وإن لم تصح الحوالة - بعدم قصد هذا التحول - لم يحصل الوفاء لا بالجنس ولا بغير الجنس. وأما صورة اختلاف المال المحال به مع ما في ذمة المحال عليه فان قصد الوفاء به صحت الحوالة وكان الوفاء بغير الجنس ، وإن لم يقصد الوفاء صحت الحوالة ولم يكن وفاء. فالحوالة لا مانع من صحتها ولا وجه للإشكال فيها ، وإن كان إشكال فهو في الوفاء ، وعلى تقدير قصد الوفاء لا مجال للإشكال ، لأنه يكون من قبل الوفاء بغير الجنس.

[1] التي يختص الإنشاء فيها بنقل الدين لا غير.

عيناً في الذمة ، أو منفعة ، أو عملاً لا يعتبر فيه المباشرة [1] ، ولو مثل الصلاة والصوم والحج والزيارة والقراءة [2] ، سواء كانت على البري‌ء أو على مشغول الذمة بمثلها [3]. وأيضا لا فرق بين أن يكون مثليا كالطعام ، أو قيمياً كالعبد والثوب [4] والقول بعدم الصحة في القيمي [5] للجهالة ، ضعيف ،


[1] في الجواهر : « لا يبعد - إن لم يكن إجماعاً - جواز الحوالة بالأعمال على البري‌ء ، أو على مشغول الذمة للمحيل بمثلها ، بناء على أنها بحكم المال ، بدليل صحة وقوعها ثمنا للمبيع وعوضاً للخلع ومهراً في النكاح .. ( الى أن قال ) : لكن لم أجد مصرحاً به ، كما أنه لم أجد في نصوص الحوالة على ما هو صريح فيه أو ظاهر ، بل هو غير متعارف ». أما احتمال الإجماع على الخلاف فضعيف ، إذ لا مأخذ له ، وعدم التعرض له أعم من البناء على العدم. وعدم دلالة نصوص الحوالة عليه لا يمنع من الرجوع فيه الى القواعد العامة المقتضية للصحة ، وكذلك عدم التعارف على ما عرفت. ثمَّ إن الفرق بين المنفعة والعمل : أن المنفعة أثر العمل ، فالمملوك تارة : يكون العمل ، وأخرى : المنفعة والأثر المترتب على العمل.

[2] مما كان الغرض منه الثواب أو غيره من الأمور المتعلقة بالآخرة ، كما أشار الى ذلك في الجواهر.

[3] لعدم الفرق في الدخول في عموم الأدلة.

[4] قال في الشرائع : « وأن يكون ( يعنى : المال والمحال به ) ثابتاً في الذمة ، سواء كان له مثل كالطعام ، أو لا مثل له كالعبد » ، ونحوه ما في غيرها. ويقتضيه عموم أدلة الصحة.

[5] حكي عن الشيخ (رحمه اللّه) في أحد قوليه وابن حمزة ، وفي الحدائق : نسبته إلى الشيخ وجماعة ، وفي مفتاح الكرامة : أن نسبته الى الشيخ وجماعة

والجهالة مرتفعة بالوصف الرافع لها [1].

( مسألة 2 ) : إذا تحققت الحوالة برئت ذمة المحيل وإن لم يبرءه المحتال. والقول بالتوقف على إبرائه [2] ضعيف. والخبر الدال على تقييد عدم الرجوع على المحيل بالإبراء من المحتال [3] ،


في غير محله ، إذ ليس غير الشيخ الا ابن حمزة. قال في المبسوط : « وإنما تصح في الأموال ذوات الأمثال ».

[1] قد عرفت أن الجهالة لا تقدح في الحوالة ، وليس من شرائطها العلم. ولأجل ذلك كان المناسب الجواب بذلك. ولو سلم منع الجهالة فلا يقتضي ذلك عموم المنع عن القيمي ، إذ قد لا يكون القيمي مجهولا.

هذا وأما الجواب المذكور فالإشكال فيه ظاهر ، إذ بعد ما عرفت من أنه لا تجوز الحوالة بغير ما في الذمة فالقيمي المحول به هو عين ما في ذمة المحيل للمحتال ، فان كان كلياً قابلا للانطباق على الواجد للصفات والفاقد لها فالمحال به هو ذلك الكلي ، وإن كان ما في الذمة مقيداً ببعض الصفات الوجودية أو العدمية فالمحال به هو ذلك المقيد. وفي الصورة الأولى لا يجوز أن يكون المحال به مقيداً بصفات خاصة ، وفي الصورة الثانية لا يجوز أن يكون مطلقاً ولا مقيداً بغير الصفات المقيد بها ما في الذمة ، وإلا كان التحويل بغير ما في الذمة. وعليه فيجوز أن يكون المحال به مجهولا إذا كان ما في الذمة كذلك. ولو قيد بالصفات الموجبة لمعلوميته لم تصح الحوالة. وعلى هذا فالجواب المذكور ظاهر الاشكال.

[2] حكي ذلك عن أبي علي والشيخ في النهاية والقاضي والحلبي والمقداد.

[3] هو خبر زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) : « في الرجل يحيل الرجل بما كان له على رجل آخر ، فيقول له الذي احتال : برئت مما لي عليك.

المراد منه القبول [1] ، لا اعتبارها بعده أيضا. وتشتغل ذمة


فقال (عليه السلام) : إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه ، وإن لم يبرأه فله أن يرجع الى الذي أحاله ». (1)والسند ليس فيه مناقشة أو إشكال إلا من جهة إبراهيم بن هاشم ، والصحيح أنه صحيح الحديث. وظاهره اشتغال الذمة بالدين إلى أن يحصل الإبراء ، فيكون المراد من الرجوع عدم صحة الحوالة ، لا فسخ الحوالة ، إذ معنى الإبراء يتوقف على ذلك.

[1] هذا أحد المحامل. وحمل أيضاً على ما إذا شرط المحيل البراءة ، فإنه يستفيد بذلك عدم الرجوع لو ظهر إفلاس المحال عليه. وحمل أيضاً على ما إذا ظهر بعد التحويل إعسار المحال عليه فأبرأ المحتال المحيل. وهذه المحامل كلها بعيدة. لكن لا بد من ارتكاب واحد منها أو من غيرها لما في رواية أبي أيوب : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه. قال (عليه السلام) : لا يرجع عليه أبداً ، إلا أن يكون قد أفلس قبل ذلك » (2)ونحوها رواية منصور بن حازم (3)، وفي رواية عقبة بن جعفر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يحيل الرجل بالمال على الصيرفي ثمَّ يتغير حال الصيرفي أيرجع على صاحبه إذا احتال ورضي؟ قال (عليه السلام) لا » (4)فان حمل هذه النصوص على صورة الإبراء - فيكون الجمع من حمل المطلق على المقيد - بعيد ، فان الاستثناء دليل على كون المتكلم في مقام الحصر. ولا سيما وان اعتبار الإبراء بعيد عن المرتكزات العرفية جداً ، فيكون أولى بالتنبيه عليه من صورة الإفلاس.


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الضمان حديث : 2.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب الضمان حديث : 1.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب الضمان حديث : 3.

4) الوسائل باب : 11 من أبواب الضمان حديث : 4.

المحال عليه للمحتال فينتقل الدين الى ذمته. وتبرأ ذمة المحال عليه للمحيل إن كانت الحوالة بالمثل بقدر المال المحال به ، وتشتغل ذمة المحيل للمحال عليه [1] إن كانت على برئ أو كانت بغير المثل. ويتحاسبان بعد ذلك.

( مسألة 3 ) : لا يجب على المحتال قبول الحوالة [2] وإن كانت على مليّ [3].

( مسألة 4 ) : الحوالة لازمة ، فلا يجوز فسخها بالنسبة الى كل من الثلاثة [4]. نعم لو كانت على معسر مع جهل


ولعل الأقرب من وجوه الجمع المتقدمة ما ذكره في المتن وسبقه إليه جماعة ، ويكون المراد من قوله في الرواية : « في الرجل يحيل » خصوص الإيجاب لا العقد ، يعني : في الرجل ينشئ التحويل ، إذ بعد تحقق القبول تبرأ ذمة المحيل ، ولا معنى للإبراء بعد ذلك ، بناء على اتفاقهم على أن الحوالة ناقلة للدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. ومن ذلك تعرف الوجه في قوله : « وتشتغل ذمة المحال عليه ».

[1] بلا إشكال ظاهر. لأنه استوفى مال المحال عليه ، فيكون له ضامناً.

[2] إجماعاً بقسميه ، كما في الجواهر. وعن الخلاف والغنية والمبسوط والتذكرة وغيرها إجماع المسلمين إلا من زفر. ويقتضيه ما تقدم مما دل على اعتبار رضا المحال عليه.

[3] وعن داود الظاهري وجوب القبول حينئذ ، للنبوي : « إذا أحيل أحدكم على الملي فليحتل » (1). لكنه غير ظاهر الحجية.

[4] اتفاقاً. كما يقتضيه أصالة اللزوم. ولبعض النصوص المتقدمة


1) سنن البيهقي الجزء : 6 الصفحة : 70.

المحتال بإعساره يجوز له الفسخ والرجوع على المحيل [1]. والمراد من الإعسار أن لا يكون له ما يوفي دينه زائدا على مستثنيات الدين [2]. وهو المراد من الفقر في كلام بعضهم [3] ولا يعتبر فيه كونه محجورا [4].


في رجوع المحتال في لزومها بالنسبة اليه. وعن سلار : جواز رجوع المحتال الى المحيل إذا لم يأخذ شيئاً من المال. ودليله غير ظاهر. مع أنه مخالف لما تقدم.

[1] بلا خلاف أجده فيه ، كما في الجواهر ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه صريحاً أو ظاهرا. ويقتضيه روايتا أبي أيوب ومنصور المتقدمتان في المسألة الثانية.

[2] التعبير بالإعسار وقع في كلام العلامة في القواعد ، ولم يكن في النص ، وإنما الذي كان في النص التعبير بالفلس ، والظاهر منه عدم التمكن من وفاء الدين ، فان المفلس عرفاً هو العاجز عن وفاء دينه ، وكذلك المعسر ظاهر في الواقع في العسر ، وإذا كان الإنسان لا يتمكن من وفاء دينه فهو في عسر. ويشير الى ذلك قوله تعالى ( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) (1).

[3] كالمحقق في الشرائع. ولو لا ذلك لم يكن دليل عليه ، بل الدليل على خلافه ، فان ظاهر قوله (عليه السلام) : « لا يرجع عليه إلا أن يكون قد أفلس » (2)المنع عن الرجوع في غير المفلس وإن كان فقيراً. ومن ذلك تعرف أن التعبير بالإعسار أصح من التعبير بالفقر.

[4] لإطلاق النصوص (3)التي أخذ موضوعها المفلس واقعا في


1) البقرة : 280.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب الضمان حديث : 1.

3) تقدم التعرض لها في المسألة : 2 من هذا الفصل.

والمناط الإعسار واليسار حال الحوالة [1] وتماميتها. ولا يعتبر الفور في جواز الفسخ [2]. ومع إمكان الاقتراض والبناء عليه يسقط الخيار ، للانصراف على إشكال [3].


مقام الثبوت ، فلا يعتبر أن يكون في مقام الإثبات.

[1] كما يقتضيه ظاهر قوله (عليه السلام) في رواية أبي أيوب : « قد أفلس قبل ذلك » ، وما في رواية عقبة (1)من المنع من الرجوع على المحيل إذا تغير حال الصيرفي بعد التحويل. نعم ظاهر رواية أبي أيوب اعتبار الإفلاس قبل الحوالة. لكن من المعلوم أن المراد به حال الحوالة ، والتعبير بذلك مبني على الغالب ، لندرة المقارنة بينهما حدوثاً.

[2] كما يقتضيه إطلاق النص والفتوى. وفي الجواهر : « وهل هو على الفور أو التراخي؟ وجهان ، أقواهما الثاني ، للإطلاق وغيره ». وكأنه يريد من غير الإطلاق الاستصحاب. لكن يشكل بناء على أن المرجع في المقام عموم اللزوم ، لا استصحاب الجواز. فلاحظ. وعن الحواشي : إذا قلنا بالخيار في نظير المسألة الآتية فهو على الفور. ولم يتضح وجهه في قبال ما عرفت. اللّهم إلا أن يتأمل في الإطلاق. وهو كما ترى.

[3] المفروض في كلامهم صورة ما إذا تجدد اليسار والعلم بسبق الفقر. وعن جامع المقاصد والمسالك والروضة والكفاية والرياض : ثبوت الخيار ، للإطلاق. وفي القواعد : انه فيه اشكال ، وكذا عن التذكرة والحواشي.

وعن الإيضاح : أن التحقيق أنه يبنى على أن علل الشرع معرفات أو علل حقيقة ، وعلى الثاني فالباقي مستغن عن المؤثر أو محتاج. يعني : فعلى الأولين يثبت الخيار ، وعلى الأخير ينتفي. وفي الجواهر : أنه لا بأس به بعد كون علل الشرع معرفات وعدم احتياج الباقي في بقائه إلى غير الأول. وفيه : أنه لو سلمت


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الضمان حديث : 4.

وكذا مع وجود المتبرع [1].

( مسألة 5 ) : الأقوى جواز الحوالة على البري‌ء [2] ،


هذه المباني فليس بحيث يجوز رفع اليد عن الأدلة الشرعية من امارة أو أصل ، فلو قلنا بأن علل الشرع معرفات أو أنها علل حقيقة أصلية وكان عموم اللزوم بلا معارض كان هو المحكم ، ولو قلنا بأنها علل أصلية وكان الباقي محتاجاً إلى مؤثر وكان إطلاق دليل الخيار بلا معارض كان هو المحكم أو كان استصحاب الخيار بلا معارض كان أيضاً هو المحكم. فالمباني المذكورة إذا لم توجب العلم لا تسقط الأدلة الشرعية عن مقام المرجعية ، وأنى لها بالعلم مع أن العلية غير منصوصة ، وانما استفيدت من قرائن الأحوال الظنية. وبالجملة : فالتعويل على الأمور المذكورة في إثبات الأحكام الشرعية في غاية من الوهن.

هذا فيما فرضه الأصحاب من تجدد اليسار. والمصنف لم يتعرض له وانما تعرض لمثله. والكلام في الجميع من باب واحد ، والعمل بإطلاق دليل الخيار المقتضي للتراخي - كما ذكره في الجواهر وغيره - متعين. وأما دعوى الانصراف فممنوعة. ولو كان الانصراف موجباً لسقوط الخيار بتجدد اليسار كان موجباً لثبوته بتجدد الإعسار ، وهو خلاف النص ، فمنشأ الانصراف مخالف للنص.

[1] الكلام فيه كالكلام فيما قبله.

[2] على المشهور شهرة عظيمة ، بل عن السرائر : نفي الخلاف فيه بين أصحابنا ، بل حكى بعضهم عنها الإجماع عليه. ويقتضيه إطلاق الأدلة عمومها وخصوصها. وفي الجواهر استدل على ذلك بالسيرة على فعلها بحيث يعلم شرعيتها. لكنه كما ترى. وعن الشيخ في المبسوط في آخر الباب : المنع. وحكى بعضهم ذلك عن القاضي وابن حمزة ، لأصالة

ولا يكون داخلا في الضمان [1].


عدم ترتب الأثر ، التي لا مجال لها مع الإطلاق المقتضي للصحة.

وفي جامع المقاصد : أن مبنى القولين المذكورين على الخلاف في أن الحوالة استيفاء أو اعتياض ، فعلى الأول يجوز ، وعلى الثاني لا يجوز. وتبعه على ذلك في المسالك ، وسبقه اليه الشهيد في الحواشي على ما حكي. وفيه - كما في مفتاح الكرامة. : أن ذلك من تخريجات الشافعية ، وإنما هي أصل برأسه وعقد مفرد ، كما صرح بذلك جماعة ، ومنهم الخلاف ، قال : « إن الذي يقتضيه مذهبنا أن نقول إنها عقد قائم بنفسه ». ثمَّ حكى اطباق أصحابنا على أنها ليست بيعاً الا ما يلوح من المبسوط ، وهو مؤول ... إلى آخر ما ذكره. وفي الجواهر : أن الأصح كونها أصلا برأسه ، وإن لحقها حكم الوفاء في بعض الأحوال ، والاعتياض في بعض آخر .. هذا والتأمل في مفهوم الحوالة والبيع والوفاء يقتضي وضوح تباين المفاهيم المذكورة وعدم انطباق بعضها على بعض ، فلا وجه لإجراء أحكام بعضها على بعض إلا بدليل خاص. وقد سبق في الشرط السادس التعرض لما يظهر من جماعة من الأصحاب - ومنهم المصنف - من كونها وفاء. فراجع.

[1] أشار بذلك الى ما ذكره في الشرائع ، قال : « ويصح أن يحيل على من ليس له عليه دين ، لكن يكون ذلك بالضمان أشبه » ، وفي القواعد : « لكنه أشبه بالضمان ». ووجه المشابهة اشتراكها مع الضمان في انتقال الدين إلى ذمة المحال عليه كانتقاله إلى ذمة الضامن البري‌ء. وعن الكاشاني : « الأظهر أنها ضمان ». لكنه كما ترى ، فان الضمان التعهد بالدين الذي في ذمة المضمون عنه ومن أحكامه انتقاله إلى ذمة الضامن ، لا عين الانتقال ، ولذا خالف فيه المخالفون ، وفي المقام معنى الحوالة هو النقل والانتقال ، فاختلفا مفهوماً وإن اشتركا في بعض الاثار.

( مسألة 6 ) : يجوز اشتراط خيار الفسخ لكل من الثلاثة [1].

( مسألة 7 ) : يجوز الدور في الحوالة [2]. وكذا يجوز الترامي [3] بتعدد المحال عليه واتحاد المحتال [4] ، أو بتعدد المحتال واتحاد المحال عليه [5].

( مسألة 8 ) : لو تبرع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمته [6].


[1] بلا إشكال ظاهر ، عملا بعموم نفوذ الشروط وصحتها. قال في الجواهر : « وقد تقدم في الضمان ما لا يخفى عليك جريانه في المقام كغيره ، من أحكام الأجل واشتراط الخيار وغير ذلك ».

[2] كما ذكره في التذكرة وغيرها. وفي الجواهر : « بل لم نجد خلافاً هنا وإن سمعته في الضمان ». ويقتضيه عموم الأدلة في البابين. والمراد به : أن يحيل المحال عليه في بعض والمراتب على المحيل الأول ، فيرجع المحتال منه أولا عليه بعد ذلك.

[3] كما نص عليه في الشرائع والقواعد وغيرهما. والظاهر أنه لا اشكال فيه كما يظهر ذلك من ذكرهم له مرسلين له إرسال المسلمات. ويقتضيه عموم الأدلة.

[4] كما إذا أحال زيد بكراً على عمرو ، فأحاله عمرو على خالد ، فأحاله خالد على الوليد ، فأحاله الوليد على عبد الملك ، فان المحتال واحد وهو بكر ، والمحال عليه عمرو ثمَّ خالد ثمَّ الوليد ..

[5] كما إذا أحال بكر في المثال السابق خالداً على عمرو ، فأحال خالد الوليد على عمرو ، فأحال الوليد عبد الملك على عمرو.

[6] هذا مما لا إشكال فيه ، ضرورة جواز التبرع عن الغير في وفاء دينه وعدم اعتبار المباشرة فيه عرفاً. ويقتضيه ما دل على جواز وفاء

وكذا لو ضمن عنه ضامن برضا المحتال [1]. وكذا لو تبرع المحيل عنه [2].

( مسألة 9 ) : لو أحال عليه فقبل وأدى ثمَّ طالب المحيل بما أداه ، فادعى أنه كان له عليه مال وأنكر المحال عليه ، فالقول قوله مع عدم البينة [3] ، فيحلف على براءته ويطالب عوض ما أداه ، لأصالة البراءة من شغل ذمته للمحيل [4] ودعوى : أن الأصل أيضا عدم اشتغال ذمة المحيل بهذا الأداء مدفوعة : بأن الشك في حصول اشتغال ذمته وعدمه مسبب عن الشك في اشتغال ذمة المحال عليه [5]. وعدمه وبعد جريان


الوارث دين المورث ، وما دل على وفاء دين الفقير من الزكاة ، وما ورد في وفاء الولد دين والده وأنه يكتب بذلك باراً.

[1] على ما تقدم في كتاب الضمان.

[2] هذا من أفراد المسألة الأولى.

[3] كما في الشرائع والقواعد وغيرهما.

[4] فيكون قول المحيل موافقاً للأصل ، فيكون منكراً وعليه اليمين إذا لم تكن بينة لخصمه.

[5] يعني : أن أداء المال المحول به يوجب اشتغال ذمة المحيل لو لم يكن ذمة المحال عليه مشغولة بمثله ، أما إذا كانت مشغولة بمثله فحينئذ يقع التهاتر قهراً ، فلا تشتغل ذمة المحيل بشي‌ء ، فيكون الحكم الشرعي أنه تشتغل ذمة المحيل بأداء المال إذا لم تكن ذمة المحال عليه مشغولة به للمحيل ، فاذا كان هذا العدم مجرى الأصل ثبت الحكم الوجودي ، وهو اشتغال ذمة المحيل.

أصالة براءة ذمته يرتفع الشك. هذا على المختار من صحة الحوالة على البري‌ء ، وأما على القول بعدم صحتها فيقدم قول المحيل ، لان مرجع الخلاف إلى صحة الحوالة وعدمها ، ومع اعتراف المحال عليه بالحوالة يقدم قول مدعي الصحة وهو المحيل [1].


[1] فاذا ثبتت الصحة ثبت اشتغال ذمة المحال عليه ، لتوقف الصحة عليه ، وإذا ثبت ذلك ثبتت براءة ذمة المحيل من مثل المال الذي دفعه المحال عليه للمحتال.

وفي جامع المقاصد والمسالك ، وعن غيرهما : تعارض أصل الصحة مع أصالة براءة ذمة المحال عليه ، فيبقى مع المحال عليه أداء دين المحيل بإذنه ، فيرجع عليه. وفي مفتاح الكرامة والجواهر : الاشكال على ذلك بأن أصل الصحة مقدم على أصل البراءة في المقام ، وكذلك على جميع الأصول المقتضية للفساد ، لأخصية دليل حجية أصل الصحة من أدلة حجية الأصول المذكورة ، ولو بني على العمل بها لم يبق لأصل الصحة مورد. نعم يشكل ما ذكر بأن أصل الصحة وإن اقتضى اشتغال ذمة المحال عليه لكن بلحاظ أثر الصحة ، لا بلحاظ أثر آخر ، فاذا وقع عقد أو إيقاع من مشكوك البلوغ وكان أصل الصحة يقتضي تحقق البلوغ لم يجز ترتيب آثار البلوغ كلية ، بل يختص بصحة العقد المذكور ، وكذلك إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة ، فإنه لا يترتب على أصالة صحة الصلاة إلا الطهارة من حيث الصلاة الواقعة ، فلا يجوز له أن يصلي صلاة أخرى بلا طهارة اعتماداً على أصالة صحة الصلاة المثبتة للطهارة ، فلا تثبت الطهارة بلحاظ سائر آثارها ، كما بنى على ذلك المصنف في مباحث الشك من مباحث الخلل وكذلك غيره ممن سبقه أو لحقه.

ودعوى : أن تقديم قول مدعي الصحة [1] إنما هو إذا كان النزاع بين المتعاقدين [2] ، وهما في الحوالة المحيل والمحتال ، وأما المحال عليه فليس طرفاً وإن اعتبر رضاه في صحتها. مدفوعة أولاً : بمنع عدم كونه طرفاً ، فإن الحوالة مركبة من إيجاب وقبولين.

وثانياً : يكفي اعتبار رضاه في الصحة في جعل اعترافه بتحقق المعاملة حجة عليه [3] بالحمل على الصحة. نعم لو لم يعترف بالحوالة ، بل ادعى أنه أذن له في أداء دينه يقدم قوله لأصالة البراءة من شغل ذمته ، فبإذنه في أداء دينه له مطالبة عوضه ، ولم يتحقق هنا حوالة بالنسبة إليه حتى تحمل على الصحة وإن تحقق بالنسبة إلى المحيل والمحتال لاعترافهما بها.

( مسألة 10 ) : قد يستفاد من عنوان المسألة السابقة [4] حيث قالوا : « لو أحال عليه فقبل وأدى » فجعلوا محل


[1] هذه الدعوى ذكرها في الجواهر معترضاً بها على ما تقدم منه ومن مفتاح الكرامة.

[2] لا يخفى أن أصل الصحة لا يختص بطرف العقد ، بل يجري بالإضافة إلى كل من هو محل ابتلاء العمل الصحيح ، سواء كان أحد طرفي العقد أو غيره.

[3] لا يتوقف العمل بأصل الصحة على اعترافه ، بل إذا ثبت وجود الحوالة وشك في صحتها لزم ترتيب الأثر عليها وإن لم يعترف بها أحد المتنازعين ، فإن القاضي الشرعي يجري الأصل المذكور ويعمل عليه في تشخيص المدعي والمنكر وترتيب الأحكام.

[4] قال في جامع المقاصد : « فرع : لا يرجع المحال عليه مع براءة

الخلاف ما إذا كان النزاع بعد الأداء - أن حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز مطالبة العوض الا بعد الأداء ، فقبله وان حصل الوفاء بالنسبة إلى المحيل والمحتال ، لكن ذمة المحيل لا تشتغل للمحال عليه البري‌ء إلا بعد الأداء. والأقوى حصول الشغل بالنسبة إلى المحيل بمجرد قبول المحال عليه ، إذ كما يحصل به الوفاء [1] بالنسبة إلى دين المحيل بمجرده ، فكذا


ذمته إلا بعد الأداء ، لأن الحوالة حينئذ في معنى الضمان. وفي المسالك : « وفي قوله - يعني : المحقق في الشرائع - : ( أدى ثمَّ طالب ) إشارة إلى أن المحال عليه مع براءة ذمته لا يرجع على المحيل إلا مع الأداء ، كالضامن ، لما تقدم من أن هذا القسم بالضمان أشبه ». وفي مفتاح الكرامة : « وليعلم أن المحال عليه إذا كان برئ الذمة لا يرجع على المحيل إلا بعد الأداء ، لأن الحوالة حينئذ في معنى الضمان. ولذا عبر في الشرائع وغيرها بالأداء ». وفي الجواهر نحو ذلك. وصريح الجميع : أن الوجه في ذلك المشابهة بالضمان من أنها نقل للمال من ذمة المحيل إلى ذمة البري‌ء. وهو كما ترى ، فان هذا النوع من المشابهة لا يقتضي ثبوت حكم الضمان من دون دليل عليه وما أكثر المشابهات بين العقود مع أن الكل واحد منها حكمه لا يتعدى منه الى غيره مما يشابه ، فإن الهبة المعوضة تشبه البيع ، ولا يجري عليها حكم البيع ، وكذا الصلح المعاوضي ، بل عموم المعاوضات ، مع أن لكل حكمه لا يتعدى منه الى غيره. فالتعليل بذلك أشبه بتخريجات الشافعية ونحوهم ، لا يعول عليه في إثبات الحكم الشرعي.

[1] يعني : كما يحصل بالقبول وفاء ذمة المحيل يحصل اشتغال ذمة المحيل به فيحصل التهاتر إذا كان له دين على المحال عليه ، أو يستقر في ذمته إذا كان المحال عليه بريئاً. لما قد عرفت من أن من أسباب الضمان

في حصوله بالنسبة إلى دين المحال عليه للمحيل إذا كان مديونا له ، وحصول شغل ذمة المحيل له إذا كان بريئاً. ومقتضى القاعدة في الضمان أيضا تحقق شغل المضمون عنه للضامن بمجرد ضمانه ، إلا أن الإجماع وخبر الصلح دلا على التوقف على الأداء فيه ، وفي المقام لا إجماع ولا خبر ، بل لم يتعرضوا لهذه المسألة. وعلى هذا فله الرجوع على المحيل ولو قبل الأداء ، بل وكذا لو أبرأه المحتال أو وفاة بالأقل أو صالحه بالأقل ، فله عوض ما أحاله عليه بتمامه مطلقاً إذا كان بريئاً.


عرفاً استيفاء مال الغير ، والمحيل هنا قد استوفى مال المحال عليه باشتغال ذمته لافراغ ذمة نفسه.

لكن في حاشية بعض الأعاظم : أن ما ذكر هو الصحيح : وكذا في كتاب الضمان ، بدعوى أن استيفاء مال الغير الموجب لضمانه إنما يحصل بالأداء ، لا بمجرد الاشتغال. وقد ذكرنا هناك الاشكال فيه وأن الأداء إنما يكون لمصلحة المحال عليه ، لا لمصلحة المحيل ، فان مصلحة المحيل حصلت بمجرد الحوالة ، وبها كان فراغ ذمته وصلاح حاله ، والأداء له دخل في فراغ ذمة المحال عليه ، ولا يرتبط بالمحيل حتى يكون استيفاء له من المحيل. مع أنه لو سلم ذلك هنا لم يكن فرق بين الحوالة على البري‌ء والحوالة على غيره ، وكل من قال باعتبار الأداء خصه بالحوالة على البري‌ء ، لأنها في معنى الضمان ، ولم يقل به في الحوالة على غيره لأنها ليست كذلك. وما ذكره (قدس سره) في حاشيته الأخرى من الفرق بين الحوالة على البري‌ء والحوالة على المديون ، بأنه في الحوالة على المديون لو توقف اشتغال ذمة

( مسألة 11 ) : إذا أحال السيد بدينه على مكاتبه [1] بمال الكتابة المشروطة أو المطلقة صح ، سواء كان قبل حلول النجم أو بعده ، لثبوته في ذمته [2]. والقول بعدم صحته قبل الحلول [3] ، لجواز تعجيز نفسه ، ضعيف ، إذ غاية ما يكون كونه متزلزلاً ، فيكون كالحوالة على المشتري بالثمن في زمان الخيار. واحتمال عدم اشتغال ذمة العبد [4] ، لعدم ثبوت ذمة اختيارية له فيكون وجوب الأداء تكليفياً. كما ترى.


المحيل للمحال عليه على الأداء لزم اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل قبل الأداء وللمحتال معا. غير ظاهر ، إذ لم يتضح كون ذلك محذوراً حتى يتعين الفرار عنه بالالتزام بفراغ ذمة المحال عليه عن دين المحيل ويبقى في ذمته دين المحتال لا غير. ولو سلم فمثله في الاشكال الالتزام باشتغال ذمة المحال عليه بمال الحوالة بلا عوض في الحوالة على البري‌ء ، إذ لم يكن ذلك قد أقدم عليه. فلاحظ.

[1] يعني : إذا كان السيد مدينا ، فأحال دائنه على عبده المكاتب بلحاظ ما عليه من مال الكتابة ، صح التحويل.

[2] هذا ما لا إشكال فيه ، كما في المسالك. ويقتضيه عمومات الصحة.

[3] هذا القول حكي عن الشيخ في المبسوط ، وعن القاضي متابعته مستدلا بما ذكر.

[4] حكي ذلك عن الشيخ أيضاً ، كما تقدم في كتاب الضمان. ومقتضاه عدم صحة الحوالة حتى بعد حلول النجم ، كما حكي عن الشيخ القول به. لكن ظاهر الشرائع وصريح المسالك اختصاص خلاف الشيخ بما قبل حلول النجم.

ثمَّ إن العبد بقبول الحوالة يتحرر لحصول وفاء مال الكتابة بالحوالة ولو لم يحصل الأداء منه ، فإذا أعتقه المولى قبل الأداء بطل عتقه. وما عن المسالك من عدم حصول الانعتاق قبل الأداء ، لأن الحوالة ليست في حكم الأداء ، بل في حكم التوكيل ، وعلى هذا إذا أعتقه المولى صح وبطلت الكتابة ، ولم يسقط عن المكاتب مال الحوالة ، لأنه صار لازما للمحتال ، ولا يضمن السيد ما يغرمه من مال الحوالة. فيه نظر من وجوه [1]. وكأن دعواه أن الحوالة ليست في حكم الأداء إنما هي بالنظر الى ما مر من دعوى توقف شغل ذمة المحيل للمحال عليه على الأداء ، كما في الضمان ، فهي وإن كان كالأداء بالنسبة إلى المحيل والمحتال فبمجردها يحصل الوفاء وتبرأ ذمة المحيل ، لكن بالنسبة إلى المحال عليه والمحيل ليس كذلك. وفيه منع التوقف المذكور كما عرفت ، فلا فرق بين المقامين في كون الحوالة كالأداء ، فيتحقق بها الوفاء [2].

( مسألة 12 ) : لو باع السيد مكاتبه سلعة فأحاله


[1] أحدها : أنه لو كانت الحوالة توكيلا لم يكن وجه لانتقال المال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. ثانيها : أنه مناف لما ذكره من لزوم المال للمحتال ، إذ لو كانت توكيلا فبالعتق ينتفي موضوع التوكيل ، فتبطل الوكالة فكيف يبقى المال في ذمة المحال عليه للمحتال؟! ثالثها : أن لزوم المال للمحتال في ذمة المحال عليه يقتضي اشتغال ذمة السيد بمثله للاستيفاء.

[2] وحينئذ يتحقق الانعتاق ، ولا يصح عتق المولى بعد ذلك ، حسب ما ذكر في المتن ، ولا يصح ما ذكره في المسالك.

بثمنها صح ، لان حاله حال الأحرار ، من غير فرق بين سيده وغيره. وما عن الشيخ من المنع ضعيف [1].

( مسألة 13 ) : لو كان للمكاتب دين على أجنبي فأحال سيده عليه من مال الكتابة صح ، فيجب عليه تسليمه للسيد [2] ويكون موجباً لانعتاقه [3] ، سواء أدى المحال عليه المال للسيد أم لا.

( مسألة 14 ) : لو اختلفا في أن الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة [4] ،


[1] استدل له بأن المكاتبة جائزة ، فلو اشترى شيئاً من سيده لزمه ثمنه ، ومن الجائز فسخ الكتابة ، لأنها من العقود الجائزة ، فيلزم حينئذ ثبوت شي‌ء في ذمة العبد لسيده. وفيه : أولاً : منع كونها جائزة ولو سلم وفرض تحقق الفسخ فان امتنع ملك المولى شيئاً في ذمة العبد كان ذلك موجباً لانفساخ البيع ، لا بطلان البيع مطلقاً من أول الأمر. ولأجل ذلك لم ينسب المنع إلى أحد سوى الشيخ فلم يوافقه عليه أحد. كما أنه بناء على ذلك فالمسألة من مسائل الكتابة لا الحوالة.

[2] أما الصحة : فمقتضى العمومات. وأما وجوب التسليم : فلكونه من لوازمها.

[3] كما ذكره في الجواهر ، وقبله في المسالك وغيرها. لأنه بمنزلة الأداء. ولم ينقل خلاف فيه ، بل لا ينبغي ذلك ، فكأن المراد من أداء مال الكتابة عدم بقائه في ذمة العبد وإفراغ ذمة العبد منه ، كما إذا أبرأه منه.

[4] قال في الشرائع : « إذا قال : ( أحلتك عليه ) فقبض ، وقال المحيل قصدت الوكالة ، وقال المحتال : إنما أحلتني بما عليك ، فالقول قول

فمع عدم البينة يقدم قول منكر الحوالة [1] ، سواء كان هو المحيل أو المحتال ، وسواء كان ذلك قبل القبض من المحال عليه أو بعده ، وذلك لأصالة بقاء اشتغال ذمة المحيل للمحتال [2] وبقاء اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل ، وأصالة عدم ملكية


المحيل ، لأنه أعرف بلفظه. وفيه تردد. أما لو لم يقبض واختلفا فقال : ( وكلتك ) ، فقال : ( بل أحلتني ) ، فالقول قول المحيل قطعاً. ولو انعكس الفرض فالقول قول المحتال ». فاقتصر في تحرير الخلاف على صورة الاتفاق على صدور لفظ التحويل والمصنف فرض المسألة أولا في صورة عدم الاتفاق منهما على لفظ بعينه ، ثمَّ فرضها ثانيا في صورة الاتفاق على صدور لفظ : ( أحلتك ) من المحيل ، وقد تبع في ذلك القواعد ، غير أنه فيها قدم الفرض الثاني على الأول. وهو أوسع وأنفع.

[1] كما عن التذكرة والتحرير والمبسوط ، بل عن الأخير : أنه لا خلاف فيه.

[2] إذا كان المعيار في كون الشخص مدعياً ومنكراً مصب الدعوى ففي المقام يقتضي ذلك أن يكون الخصمان متداعيين ، لان كلا من الحوالة والوكالة مخالف لأصالة عدمه. لكن التحقيق أن المدار في تشخيص المدعي والمنكر هو الغرض المقصود من التداعي لا مصب الدعوى. والغرض المقصود هنا هو اشتغال ذمة المحيل للمحتال ، واشتغال ذمة المحال عليه للمحيل أو للمحتال والأصل يقتضي بقاء الأول والثاني وعدم الثالث. وكل هذه الأصول توافق الغرض من دعوى الوكالة وتخالف الغرض من دعوى الحوالة ، فيكون مدعي الحوالة مدعياً لمخالفة دعواه للحجة ، ومدعي الوكالة منكراً لموافقة دعواه للحجة.

المال المحال به للمحتال. ودعوى : أنه إذا كان بعد القبض [1] يكون مقتضى اليد ملكية المحتال ، فيكون المحيل المنكر للحوالة مدعياً ، فيكون القول قول المحتال في هذه الصورة. مدفوعة : بأن مثل هذه اليد لا يكون امارة على ملكية ذيها [2] فهو نظير ما إذا دفع شخص ماله إلى شخص وادعى انه دفعه أمانة وقال الآخر : دفعتني هبة أو قرضاً ، فإنه لا يقدم قول ذي اليد. هذا كله إذا لم يعلم اللفظ الصادر منهما ، وأما إذا علم وكان ظاهراً في الحوالة أو في الوكالة فهو المتبع. ولو علم أنه قال : « أحلتك على فلان » وقال : « قبلت » ثمَّ اختلفا في أنه حوالة أو وكالة ، فربما يقال : إنه يقدم قول مدعي الحوالة [3] ، لأن الظاهر من لفظ :


[1] هذه الدعوى ذكرها في الجواهر وجها للتردد في تقديم قول المحيل إذا كان يدعي التوكيل ، كما ذكر في الشرائع.

[2] لما اشتهر من أن ذا اليد إذا ادعى الملكية عن سبب معين كان مدعياً ، لان اليد إنما تدل على الملكية في الجملة ولا تدل على السبب المدعى ، فالمدعي له تخالف دعواه الأصل. لكن عرفت أن المدار في كون الخصم مدعيا هو الغرض لا مصب الدعوى ، والغرض هو الملكية لا السبب المعين. فالعمدة في عدم حجية اليد في المقام عدم الدليل على حجية اليد ، لأن أدلة الحجية منزلة على الارتكاز العقلائي ، وهو يختص بغير هذه الصورة.

[3] كذا في المسالك ، لكن قوى خلافه : وفي جامع المقاصد جعله الأصح ، وتبعه في الجواهر. خلافاً للمبسوط فذكر أن القول قول مدعي

« أحلت » هو الحوالة المصطلحة [1] ، واستعماله في الوكالة مجاز فيحمل على الحوالة. وفيه : منع الظهور المذكور [2]. نعم لفظ الحوالة ظاهر في الحوالة المصطلحة ، وأما ما يشتق


الوكالة عملا بالأصول المتقدمة في صدر المسألة. وفي القواعد : أنه الأقرب ومال إليه في الشرائع ، بل قطع به إذا كان الاختلاف بعد القبض ، كما تقدم في عبارته المحكية. وفي المسالك : نسبه الى الشيخ وجماعة. لكن في مفتاح الكرامة : « لم نعرفهم ، ولا وجدنا ناقلا عنهم ». ولعل غرض المسالك من ذلك المحقق والعلامة. وقد أطال في المسالك في تقريبه والدفاع عنه.

[1] ذكر ذلك في جامع المقاصد ، وسبقه الى ذلك في التذكرة ، وتبعه على ذلك في الجواهر وغيرها.

[2] لكن ظاهر الجماعة الذين ذهبوا إلى تقديم قول مدعي الوكالة الاعتراف بذلك ، فقد ذكر في القواعد : أن الأقرب تقديم قول المحيل إذا كان قد ادعى التوكيل ، لأنه أعرف بلفظه وقصده ، واعتضاده بالأصل. ثمَّ قال : « ويحتمل تصديق المستحق ، عملا بشهادة اللفظ » ، فهو يعترف بشهادة اللفظ بالحوالة ومع ذلك جعل الأقرب تقدم قول مدعي الوكالة. ونحوه كلام الشيخ في المبسوط ، فإن المحكي عنه في الاستدلال على تقديم دعوى المحيل قصد الوكالة : أنه أعرف بلفظه باعتبار استعماله في المعنى الحقيقي وغيره ، وكذا هو أعرف بما قصده إذ لا يعلم قصده الا من قبله ، وان قوله معتضد بأصالة بقاء المحيل .. فهو يعترف بأن الحوالة حقيقة في معناها لكن يقبل قول القائل أردت الوكالة. وبالجملة : فالذي يظهر من كلماتهم الاعتراف بظهور « أحلتك » ونحوه في الحوالة لكن يقبل قوله مدعي الوكالة من جهة الأصل. وحينئذ فالإشكال عليه واضح ، فإن الأصل لا يجري مع ظهور الكلام على خلافه ، فلا يكون من يوافق

قوله الأصل منكراً بعد أن كان الأصل غير حجة لمخالفته لظاهر الكلام.

وأما منع الظهور الذي ادعاه المصنف (رحمه اللّه) : فغير ظاهر ، إذ التحويل له معنيان : شرعي في الأصل وحقيقة في عرف المتشرعة ، وهو نقل المحيل دينه من ذمته إلى ذمة المحال عليه ، وعرفي وفي الأصل لغوي ، وهو نقل الشي‌ء من شي‌ء إلى آخر ، سواء كان من ذمة إلى أخرى أم من مكان الى آخر أم من حال الى حال أخر ، فإذا قال المدين للدائن : « أحلت دينك على فلان » كان حوالة شرعية وعرفية ، وإذا قال : « أحلتك على فلان » فالمعنى الذي تحت اللفظ هو الحوالة العرفية. لكنه كناية عن الحوالة الشرعية ، لأن الدين لما نقل من ذمة المدين الى غيره كأنه نقل الدائن من مكان المطالبة إلى مكان آخر ، فهو نظير قولنا : « زيد كثير الرماد » المراد منه كثير الطبخ والكرم. وأما استعماله في الوكالة فهو من المجاز ، إذ لا رائحة فيه للنقل للدين ولا لأثر من آثاره ، إذ في التوكيل تسليط على مطالبة غير المدين ، فيكون الوكيل قادراً على مطالبة المدين الموكل ومطالبة مدينة ، فالوكالة حينئذ توسع في سلطان الدائن ، لا نقل لمدينه ولا لسلطانه على المطالبة ، لأن توكل المدين له على استيفاء دينه لا يمنعه من مطالبته ، وإنما يسوغ له مطالبة المدين لمدينه مضافاً الى مطالبة مدينة ، فكيف يصح حمله على الوكالة؟! إلا أن تكون من المجازات البعيدة.

ومن ذلك تعرف الاشكال على ما ذكره في المسالك ، حيث أشكل على ما ذكره في جامع المقاصد - من أن ظهور « أحلتك » في الحوالة مقدم على الأصول التي توافق الوكالة ، لأن الأصل الحقيقة - بأن الوكالة لما كانت تتحقق بكل لفظ يدل على الاذن بطريق الحقيقة وكانت الحوالة مؤدية لذلك لأن معنى « أحلتك » كما يحتمل تحويل المال من ذمة إلى

منها - كلفظ : « أحلت » - فظهوره فيها ممنوع [1]. كما أن لفظ الوصية ظاهر في الوصية المصطلحة. وأما لفظ : « أوصيت » أو « أوصيك بكذا » فليس كذلك [2]. فتقديم قول مدعي الحوالة في الصورة المفروضة محل منع [3].

( مسألة 15 ) : إذا أحال البائع من له عليه دين على المشتري بالثمن ، أو أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي برئ أو مديون للمشتري ، ثمَّ بان بطلان البيع ، بطلت


ذمة يحتمل ارادة تحويل المطالبة من المحيل الى المحتال ، ففائدتها تسليطه على المحال عليه .. الى آخر ما ذكر في النقض والإبرام في تقريب ما ذكره الشيخ والجماعة. وجه الاشكال : أن الوكالة ليس فيها تحويل المطالبة من المحيل الى المحتال ، فإن الوكالة لا تمنع من مطالبة الموكل لمدينه ، فإن الوكالة لا توجب انعزال الموكل عن السلطان ، فلا تحويل ولا تحول ، فلا بد أن يكون من المجاز.

[1] فيه نظر ، لأن المشتق تابع للمشتق منه ومشارك له في مادة الاشتقاق. نعم كان الأولى له أن يمنع أن يكون : « أحلتك » مشتقاً من الحوالة فلعله مشتق من التحويل ، وحينئذ يتخلص من الاشكال المذكور. لكن يتوجه عليه أن اشتقاقه من التحويل لا يصحح استعماله في الوكالة على وجه الحقيقة ، لما عرفت من أنه لا تحويل فيه ولا تحول ، فيتعين حمله على الحوالة الاصطلاحية بقرينة المورد.

[2] قد عرفت الاشكال فيه ، وأن اللازم حينئذ دعوى كون « أوصيت » ونحوه من المشتقات مشتقة من الإيصاء لا من الوصية.

[3] بل هو المتعين ، كما عرفت.

الحوالة في الصورتين [1] ، لظهور عدم اشتغال ذمة المشتري للبائع واللازم اشتغال ذمة المحيل للمحتال. هذا في الصورة الثانية ، وفي الصورة الأولى وإن كان المشتري محالا عليه ويجوز الحوالة على البري‌ء ، إلا أن المفروض ارادة الحوالة عليه من حيث ثبوت الثمن في ذمته ، فهي في الحقيقة حوالة على ما في ذمته [2] لا عليه. ولا فرق بين أن يكون انكشاف البطلان قبل القبض أو بعده فاذا كان بعد القبض يكون المقبوض باقيا على ملك المشتري ، فله الرجوع به ومع تالفه يرجع على المحتال [3] في الصورة الأولى وعلى البائع في الثانية.


[1] كما في الشرائع والقواعد وجامع المقاصد والمسالك وغيرها ، وعن الفخر في شرحه : الإجماع عليه. وعلل بما في المتن ، ومقتضاه بطلان الحوالة من أصلها ، وإن كان ظاهر العبارة - كعبارة الشرائع والقواعد وغيرهما - يقتضي طروء البطلان على الحوالة بظهور بطلان البيع ، لا بطلانها من أصلها. فكأنه تسامح في التعبير. ولذا قال في جامع المقاصد : « وقد كان الأحسن أن يقول : ولو فسد البيع فالحوالة باطلة إذ لم يطرأ بطلانها ». ونحوه في المسالك.

[2] بذلك دفع الإشكال في مفتاح الكرامة والجواهر. وفيه : أن الحوالة نقل الدين إلى ذمة المحال عليه ، لا إلى ما في ذمته. نعم قد يلحظ ما في ذمته قيداً للتحويل ، وقد يلحظ داعياً ، وقد لا يلحظ أصلا ، وفي الأول تبطل الحوالة بفقده لانتفاء المقيد بانتفاء قيده ، ولا تبطل في الأخيرين لانتفاء المقتضي.

[3] لأنه القابض لغير ماله ، وكذا البائع في الثانية.

( مسألة 16 ) : إذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين ثمَّ انفسخ البيع بالإقالة أو بأحد الخيارات فالحوالة صحيحة. لوقوعها في حال اشتغال ذمة المشتري بالثمن [1] ، فيكون كما لو تصرف أحد المتبايعين في ما انتقل اليه ثمَّ حصل الفسخ فان التصرف لا يبطل بفسخ البيع. ولا فرق بين أن يكون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده [2] ، فهي تبقى بحالها ويرجع البائع على المشتري [3] بالثمن. وما عن الشيخ وبعض آخر [4] من الفرق بين الصورتين والحكم بالبطلان في الصورة الثانية - وهي ما إذا أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي -


[1] هذا يصلح تعليلا لصحتها حال وقوعها ، لا لصحتها حال انفساخ البيع الذي هو محل الكلام. واللازم تعليل الصحة حينئذ بعدم المقتضي للبطلان كما إذا تصرف أحد المتبايعين ثمَّ وقع الفسخ.

[2] لاطراد المقتضي للصحة في المقامين.

[3] هذا من السهو ، والصحيح ويرجع المشتري على البائع.

[4] المحكي عن الشيخ في المبسوط : بطلان الحوالة إذا كان المشتري قد أحال البائع ثمَّ فسخ البيع ، لأنها تابعة للبيع ، فاذا بطل المتبوع بطل التابع ، وعن مجمع البرهان : أن البطلان أقوى ، وفي الشرائع : « إذا أحال المشتري البائع بالثمن ثمَّ رد المبيع بالعيب السابق بطلت الحوالة ، لأنها تتبع البيع. وفيه تردد ». فيحتمل أن يكون وجه التردد ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) - تبعاً لجماعة - من أن الحوالة من العقود اللازمة ، وتبعيتها للبيع في الانفساخ لا مقتضي لها ، ويحتمل أن يكون وجه التردد ما سيأتي نقله عن العلامة.

لأنها تتبع البيع في هذه الصورة ، حيث أنها بين المتبايعين بخلاف الصورة الأولى. ضعيف ، والتبعية في الفسخ وعدمه ممنوعة. نعم هي تبع للبيع حيث أنها واقعة على الثمن ، وبهذا المعنى لا فرق بين الصورتين [1].


[1] إذ في الصورة الأولى الحوالة واقعة من البائع على الثمن ، وفي الصورة الثانية واقعة من المشتري بالثمن ، فالثمن موضوع لها في الصورتين معا.

هذا ولا يخفى أنه في الصورة الثانية لما كان المشتري قد حول البائع بالثمن فالبائع يقبض الثمن من المحول عليه ، فاذا بطل البيع رجع الثمن الى ملك المشتري. أما في الصورة الأولى فالبائع حول غريمه على الثمن ، فالمقبوض للغريم هو الثمن ، فاذا بطل البيع بالفسخ امتنع أن يرجع الثمن المقبوض لغريم البائع إلى المشتري ، لأنه ليس ملكاً للبائع ، بل هو مضمون على البائع ضمان المعاوضة فيرجع المشتري به على البائع الضامن له لا على غيره. فيكون الحكم كما إذا اشترى البائع بالثمن ثوباً ، فإنه لا يرجع الثوب إلى المشتري بالفسخ. وبالجملة : في الصورة الثانية ينتقل الثمن الذي للبائع على المشتري من ذمة المشتري إلى ذمة المحال عليه ، فلا تبدل في نفس المال ، وإنما التبدل في الذمة ، فانتقل من ذمة إلى ذمة ، فإذا قبضه البائع من المحال عليه ففسخ البيع رجع نفس المقبوض إلى المشتري ، لأنه عين الثمن. وفي الصورة الأولى يكون الثمن الذي في ذمة المشتري قد انتقل الى غريم البائع ، ولم يبق في ملك البائع كي يرجع بالفسخ إلى المشتري ، فالتبعية للبيع وإن كانت موجودة في الصورتين ولكن الكيفية مختلفة. بل عرفت سابقاً أن الحوالة على غير البري‌ء ليست حوالة على المال ، وإنما هي حوالة على الذمة ، والمال مأخوذ قيداً تارة ، وداعياً أخرى ، وغير ملحوظ ثالثة كما عرفت ، والتبعية تختص بالصورة الاولى

وربما يقال ببطلانها [1] إن قلنا إنها استيفاء ، وتبقى إن قلنا إنها اعتياض. والأقوى البقاء وإن قلنا إنها استيفاء ، لأنها معاملة مستقلة [2] ، لازمة لا تنفسخ بانفساخ البيع ، وليس


لا غير ، وفيها أيضاً لا تبعية في الفسخ ، ولذلك قال في الشرائع : « أما لو أحال البائع أجنبياً بثمن على المشتري ، ثمَّ فسخ المشتري بالعيب أو بأمر حادث ، لم تبطل الحوالة ، لأنها تعلقت بغير المتعاقدين ». ونحوه ما في القواعد. وعن الفخر في شرح الإرشاد : الإجماع عليه ، بل عن الشيخ : نفي الخلاف فيه ، وإن تأمل في الحكاية بعض.

[1] ذكر ذلك في القواعد ، قال : « ولو احتال البائع ثمَّ ردت السلعة بعيب سابق ، فان قلنا : إن الحوالة استيفاء بطلت ، لأنها نوع إرفاق ، فإذا بطل الأصل بطلت هيئة الإرفاق ، كما لو اشترى بدراهم مكسرة فأعطاه صحيحاً ثمَّ فسخ ، فإنه يرجع بالصحاح. وإن قلنا : إنها اعتياض ، لم تبطل ، كما لو استبدل عن الثمن ثوباً ثمَّ رد بالعيب ، فإنه يرجع بالثمن لا الثوب ، فللمشتري الرجوع على البائع خاصة إن قبض ، ولا يتعين المقبوض ، وإن لم يقبضه فله قبضه ».

[2] هذا خلف ، فإنه إذا سلم إنها استيفاء لا تكون معاملة مستقلة في قبال الاستيفاء والاعتياض. اللّهم الا أن يكون مراده من الاستيفاء الأعم من ذلك ، كما يظهر من عبارته. إلا أنه غير مرادهم من الاستيفاء ، كما يظهر من المثال المذكور في القواعد. فإنه من الاستيفاء بالمعنى الخاص. وقد تقدم في كلام جماعة : انها استيفاء ، والمصنف وافقهم على ذلك ، وتقدمت المناقشة معهم بأنها لا تكون استيفاء ، إذ لم يصل إلى الدائن شي‌ء فلم يكن وفاء ، وإنما كان مجرد فراغ ذمة المديون المحيل لا غير. وإن شئت قلت : ليست الحوالة وفاء حال وقوعها ، إذ لم يصل الى الدائن


شي‌ء من ماله ، ولا حال القبض من المحال عليه ، لفراغ ذمته قبل ذلك ، وإنما القبض وفاء عما في ذمة المحال عليه لا غير. كما أنها ليست اعتياضاً ، إذ لم تكن معاوضة بين المحيل والمحتال بأن يكون المال الذي في ذمة المحال عليه عوضاً عما له في ذمة المحيل ، فان ذلك غير مقصود ، ولا هو مفهوم الحوالة عرفاً. بل ليس مفهومها الا نقل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه ، فالثمن الذي في ذمة المشتري للبائع قد انتقل إلى ذمة المحال عليه ، فالحوالة تبديل في الذمم لا تبديل في المال ، فان المال باق بحاله وخصوصياته من دون تغيير فيه ولا تبديل ، كالعين بالخارجية التي تنقل من صندوق الى صندوق ومن ظرف الى ظرف. ولو كانت اعتياضاً جرى عليها حكم بيع الصرف ، من لزوم التقابض في المجلس ، وجرى عليها حكم بيع الدين بالدين.

فالبائع المحتال يملك الثمن في ذمة المحال عليه ، فاذا وقع الفسخ قبل القبض بطلت الحوالة ، لرجوع الثمن الى ملك المشتري ، وليس للبائع أخذه من المحال عليه ، وإذا وقع الفسخ بعد القبض رجع المقبوض الى ملك المشتري ، لأنه الثمن فيرجع اليه بالفسخ. ولذلك قال في الشرائع تفريعاً على بطلان الحوالة : « فان لم يكن البائع قبض المال فهو باق في ذمة المحال عليه للمشتري. وإن كان البائع قبضه فقد برئ المحال عليه ويستعيده المشتري من البائع ». وأوضحه العلامة في التذكرة والشهيد الثاني في المسالك بنحو ما ذكرنا ، بل في الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه بين من تعرض له ».

وعلى هذا فاللازم القول ببطلان الحوالة إذا وقع الفسخ قبل القبض ، وصحتها إذا وقع بعد القبض ، لأن بطلانها حينئذ يقتضي رجوع المقبوض الى ملك المحال عليه ، لا إلى المشتري ، ولا يقولون به ، ولا مقتضي له.

حالها حال الوفاء بغير معاملة لازمة ، كما إذا اشترى شيئاً بدراهم مكسرة فدفع إلى البائع الصحاح أو دفع بدلها شيئاً آخر وفاء [1] ، حيث انه إذا انفسخ البيع ويرجع اليه ما دفع من الصحاح أو الشي‌ء الآخر ، لا الدراهم المكسرة ، فإن الوفاء بهذا النحو ليس معاملة لازمة ، بل يتبع البيع في الانفساخ ، بخلاف ما نحن فيه ، حيث أن الحوالة عقد لازم [2] وان كان


فاللازم التفصيل بين ما قبل القبض فالبطلان ، وما بعده فالصحة ، لا إطلاق القول ببطلان الحوالة. بل تمكن المناقشة فيما في الشرائع إذا بطلت الحوالة للفسخ قبل القبض يكون المال باقياً في ذمة المحال عليه للمشتري ، بأن بطلان الحوالة يقتضي فراغ ذمة المحال عليه لا اشتغالها بالمحال به للمشتري ، فإن ذلك مقتضى الصحة لا البطلان.

[1] في كون ذلك من الوفاء إشكال ، لأن الوفاء أداء ما في الذمة ، والجنس الآخر أجنبي عما في الذمة فلا يكون أداء له. نعم إذا كان الاختلاف بالصفات مثل الصحاح والمكسرة والعبد الكاتب وغير الكاتب ، يمكن تنازل المشتري عن الوصف فيقبل غير الموصوف ، أو تنازل البائع عنه فيدفع غير الموصوف كالصحيح بدل المكسور ، فيكون الوفاء بالنسبة إلى الذات. وهذا المعنى لا يأتي مع اختلاف الذات. والاكتفاء بالمالية ، فيكون الوفاء بالإضافة إليها لا غير ، خلاف ما بنوا عليه من بطلان البيع مع اختلاف الجنس ، كما إذا باع عبداً فتبين أنه حيوان ، أو باع ذهباً فتبين أنه نحاس ، ونحو ذلك ، فان البناء على البطلان يقتضي عدم البناء على تعدد المطلوب في ذلك ، بخلاف باب الاختلاف بالصفة. وعلى هذا فلو بطل البيع رجع المشتري بالمسمى ، لا ببدله.

[2] اللزوم في نفسه لا ينافي الانفساخ بذهاب الموضوع وانتفائه.

نوعاً من الاستيفاء.

( مسألة 17 ) : إذا كان له عند وكيله أو أمينه مال معين خارجي فأحال دائنه عليه ليدفع اليه بما عنده فقبل المحتال والمحال عليه ، وجب عليه الدفع اليه [1] ، وإن لم يكن من الحوالة المصطلحة [2]. وإذا لم يدفع له الرجوع على المحيل لبقاء شغل ذمته. ولو لم يتمكن من الاستيفاء منه ضمن الوكيل المحال عليه إذا كانت الخسارة الواردة عليه مستند اليه ، للغرور [3].

( تم كتاب الحوالة )


[1] جواز الدفع من جهة الإذن معلوم. أما وجوبه فغير معلوم إذا أمكن الدفع الى المالك في ذلك الزمان أو فيما قبله ، إذ الوكيل ممنوع من التصرف في المال بغير إذن مالكه ، وكما يمكن الفرار عن ذلك بالدفع الى المحتال يمكن بإرجاعه إلى المالك. نعم إذا تعذر الدفع الى المالك حينئذ وجب الدفع الى المحتال ، لئلا يلزم التصرف في مال المالك بغير إذنه ، وحينئذ لا يتوقف وجوب الدفع على قبوله الحوالة.

[2] لعدم انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.

[3] فان قاعدة الغرور شاملة للمقام ، ومجرد عدم وجوب الوفاء بالوعد والقبول لا يمنع من صدق الغرور ، فان الغرور لم يكن مستنداً الى وجوب الوفاء ، بل مستنداً إلى الثقة بالوفاء بالوعد ، كما لعله ظاهر.

وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ كما هو أهله. والصلاة والسلام على رسوله الكريم وأهل بيته الطاهرين. انتهى الكلام في ثامن شعبان المكرم ، في السنة الثانية والثمانين بعد الألف والثلاثمائة من الهجرة النبوية ، على صاحبها أفضل السلام وأكمل التحية.

فهرست الجزء الثالث عشر من كتاب مستمسك العروة الوثقى

فصل في احكام الشركة

3 تعريف الشركة وأقسامها

4 الكلام في أن المزج القهري هل يوجب الشركة الواقعية الحقيقية أولا؟

10 تحقيق الكلام في الشركة العقدية وفي مفادها

11 الكلام في أنحاء الشركة من حيث كونها بنحو الإشاعة أو بنحو الكلي في العين أو غيرهما

15 الكلام في اشتراط الشركة العقدية بان تكون في الأعيان دون الديون والمنافع ، مع بيان بعض الطرق التي يمكن بها حصول الاشتراك في المنافع

16 الكلام في شركة الأعمال أو الأبدان

18 الكلام في حكم شركة الوجوه وفي معناها

21 الكلام في شركة المفاوضة

22 إذا استؤجر اثنان لعمل واحد بأجرة معلومة صح ، ولا يكون ذلك من

شركة الأعمال. مع الكلام في كيفية قسمة الأجرة بينهما مع اشتباه عمل كل منهما

23 إذا اشتركا في قلع شجرة أو حيازة أرض أو نحو ذلك اشتركا فيما يحصل لهما. مع الكلام في كيفية استحقاق كل منهما مع اختلاف عملهما

24 يشترط في الشركة العقدية الشروط العامة في العقود. مع الكلام في اعتبار مزج المالين فيها

28 يتساوى الشريكان في الربح والخسران مع الكلام فيما لو اشترطاً ما يخالف ذلك

35 لا يجوز لكل من الشريكين التصرف إلا بإذن الآخر أو باشتراطه ذلك في العقد

36 العامل من الشريكين أمين لا يضمن

37 تحقيق الكلام فيما اشتهر من أن الشركة من العقود الجائزة

40 الكلام فيما لو اشترط في الشركة التأجيل

41 إذا ادعى أحدهما على الآخر الخيانة لم يقبل منه إلا بالبينة

41 إذا ادعى العامل من الشريكين التلف قبل قوله

41 مبطلات الشركة العقدية

42 إذا تبين بطلان الشركة

43 إذا اشترى أحد الشريكين متاعاً وادعى أنه اشتراه لنفسه وادعى الآخر أنه اشتراه بالشركة

كتاب المزارعة

45 تعريف المزارعة

46 المزارعة مشروعة بل مستحبة

48 يشترط في المزارعة أمور ( الأول ) : الايجاب والقبول ، ويكفي فيهما كل ما بدل عليهما

49 الكلام في إنشاء المزارعة بالامر مع بيان أن الامر قد يقوم مقام القبول وإن لم يكن قبولا

52 الكلام في تقديم القبول على الايجاب

52 يصح الايجاب من المالك والزارع

53 تجري المعاطاة في المزارعة. ولا تلزم إلا بالشروع في العمل

54 ( الثاني ) : الشروط العامة في العقود من البلوغ والعقل وغيرهما

55 ( الثالث ) : أن يكون النماء مشتركاً بينهما

55 ( الرابع ) : أن يكون النماء مشاعاً بينهما ، فلو اشترطا اختصاص أحدهما بمعين لم يصح

55 ( الخامس ) : تعيين الحصة بالنصف أو الربع أو غيرهما

56 ( السادس ) : تعيين المدة مع كونها بمقدار يبلغ فيه الزرع. مع تفصيل الكلام في الحاجة إلى تعيين المدة

59 ( السابع ) : قابلية الأرض للزرع ولو بعلاج

59 ( الثامن ) : تعيين المزروع إلا أن يراد التعميم

59 ( التاسع ) : تعيين الأرض ولو بنحو الكلي في المعين

60 ( العاشر ) : تعيين كون البذر وغيره من المصارف على أي منهما

61 لا يعتبر في المزارعة ملكية المزارع للأرض ، بل يكفي سلطنته عليها بإجارة أو نحوها ، مع الكلام في

المزارعة على الأراضي الخراجية

62 إيقاع المزارعة بالاذن في الزرع أو بنحو الجعالة

65 المزارعة من العقود اللازمة. مع بيان جملة مما يقتضي بطلانها

66 لا تبطل المزارعة بموت المالك ، أو العامل إذا لم يشترط مباشرته بالعمل

67 حكم المزارعة المعاطاتية والاذنية

68 استعارة الأرض للمزارعة

70 إذا شرط أحد هما على الآخر مع الحصة شيئاً من ذهب أو فضة لزم ، وليس قراره مشروطاً بسلامة الحاصل

72 حكم اشتراط مقدار معين من الحاصل لأحدهما ، مع الكلام في أن قراره مشروط بسلامة الحاصل أولا ، وكذا الكلام في استثناء مقدار البذر أو النفقة أو ما يأخذه السلطان

75 إذا انتهت مدة المزارعة والزرع باق لم يبلغ

78 الكلام فيما لو ترك العامل الزرع بعد تسليم الأرض إليه حتى انتهت المدة ، مع الكلام في مفاد عقد المزارعة وأنه تمليك المنفعة أو مجرد البذل أو غيرهما ، وفي أن الأعمال لا تكون مضمونة بالتفويت

84 إذا امتنع المالك من تسليم الأرض

86 إذا غصبت الأرض بعد عقد المزارعة

88 إذا زرع العامل غير ما عينه المالك

96 لو زارع على أرض لا ماء لها فعلا مع إمكان تحصيله بعلاج أولا وكان العامل عالماً بالحال أو جاهلا به. أو استأجر للزراعة أرضاً كذلك

98 لا بد من تعيين من عليه البذر. مع تحقيق مقتضى الاطلاق لو لم يعين صريحاً. وكذا الكلام في غير البذر من النفقات

101 الكلام في عقد المزارعة بين أزيد من اثنين

104 الكلام في مزارعة العامل غيره على تمام حصته ، أو باشراكه فيها ، وفي تسليم الأرض إليه لو زارعه

107 إذا تبين بطلان عقد المزارعة قبل الشروع في العمل أو بعده. قبل حصول الحاصل أو بعده

110 هل مفاد عقد المزارعة اشتراكهما في الحاصل بعد ظهوره ، أو ظهوره

ينحو يكون مشتركاً بينهما؟

112 إذا حصل ما يوجب بطلان العقد في الأثناء قبل ظهور الثمر أو قبل بلوغه

113 إذا حصل الفسخ بتقايل ونحوه في الأثناء قبل ظهور الثمر

116 ( فذلكة ) في بيان حاصل المسائل السابقة

116 إذا تبين بعد عقد المزارعة أن الأرض كانت مغصوبة

118 إذا تبين بعد العقد أن البذر مغصوب

119 إذا تبين بعد العقد أن العامل عبد غير مأذون

119 خراج الأرض على صاحبها ، وكذا جميع ما يصرف على إثبات اليد عليها ويجوز اشتراط قيام العامل بها. مع الكلام في حكم الشرط المذكور لو كانت مما يقبل الزيادة والنقصان

121 لابد من تعيين من يقوم بالمؤن التي يتوقف عليها الزرع كشق الأنهار ، مع الكلام في مقتضى الاطلاق

122 حكم ما يأخذه المأمورون من الزراع ظلماً.

123 يجوز لكل من المالك والزارع الخرص على الآخر هنا وفي بيع الثمار. مع الكلام في حقيقة الخرص ومفهومه

129 هل يحتاج الخرص إلى الصيغة؟

130 شروط الخرص

131 هل يكون قرار معاملة الخرص مشروطاً بسلامة الحاصل؟

132 هل يجوز للأجنبي خرص حصة أحد المزارعين أو كليهما

132 يجب على كل من المزار عين الزكاة إذا بلغت حصته النصاب

133 إذا بقيت أصول الزرع في الأرض بعد القسمة فنبتت في العام الثاني

135 إذا اختلفا في قدر المدة أو الحصة

138 إذا اختلفا في تعيين كون البذر أو العوامل على أي منهما

138 إذا ادعى المالك المزارعة وادعى الزارع العارية

142 تحقيق حال حكم الحاكم لرفع الخصومة إذا كان مخالفاً لكلا الدعوة بين

144 هل للمالك الامر بقلع الزرع إذا لم تثبت المزارعة؟

144 إذا ادعى المالك الغصب وادعى الزارع المزارعة

145 في الموارد التي يجوز للمالك قلع

الغرس هل يشترط عدم تضرر حق الزكاة؟

145 يجوز لمن بيده الأرض الخراجية تسليمها لغيره على أن يزرعها ويؤدى عنه خراجها

146 مسائل متفرقة ( الأولى ) : هل يضمن العامل لو قصر في تربية الزرع فقل الحاصل؟

146 ( الثانية ) : فيما إذا ادعى المالك على العامل المخالفة لما شرط عليه أو تقصيره في العمل

148 ( الثالثة ) : فيما إذا ادعى أحدهما اشتراط شئ في العقد وأنكر الآخر

148 ( الرابعة ) : فيما إذا ادعى أحد هما الغبن

148 ( الخامسة ) : في حكم مزارعة متولي الوقف ، أو البطن السابق مدة طويلة تزيد على عمره. مع الإشارة إلى حكم الإجارة

150 ( السادسة ) : يجوز مزارعة الكافر مزارعاً كان أو زارعاً

151 ( السابعة ) : فيما تعرضت له الاخبار من النهي عن جعل ثلث للبذر وثلث للبقر وثلث لصاحب الأرض

151 ( الثامنة ) : بعد تحقق المزارعة يجوز أن يصالح أحد هما صاحبه عن حصته بمقدار معين من جنس الحاصل أو غيره

152 ( التاسعة ) : لا يعتبر في الأرض إمكان زرعها في السنة الأولى ، بل يكفي إمكان زرعها في مدة المزارعة وإن كانت طويلة وحكم ما لو اشترط اختصاص العامل بالحاصل في السنين الأولى واشتراكهما فيه في السنين المتأخرة

152 ( العاشرة ) : في بعض ما ورد من الأدعية المأثورة وغيرها عند الزرع

كتاب المساقاة

155 تعريف المساقاة

156 مشروعية المساقاة

156 يشترط في المساقاة أمور ( الأول ) العقد. ويكفي فيه كل دال على المقصود حتى المعاطاة

158 ( الثاني ) : البلوغ والعقل والاختيار

158 ( الثالث ) : عدم الحجر لسفه أو فلس

158 ( الرابع ) : كون المساقي مالكاً للأصول - عيناً أو منفعة - أو ولياً عليها

159 ( الخامس ) : كون الأصل معينة

معلومة للمتعاقدين

159 ( السادس ) : كون الأصول ثابتة مغروسة ، فلا تصح في الودي غير المغروس على كلام

160 ( السابع ) : تعيين المدة ، مع الكلام في كيفية التعيين

162 ( الثامن ) : أن تكون قبل بلوغ الثمر ، فلا تصح بعده وإن احتاج إلى عمل كالقطف على كلام

162 ( التاسع ) : تعيين الحصة وإشاعتها على تفصيل وكلام

164 ( العاشر ) : تعيين ما على العامل والمالك من الأعمال ، مع الإشارة إلى مقتضى الاطلاق

165 الكلام في صحة المساقاة بعد ظهور الثمر قبل بلوغه

166 الكلام في صحة المساقاة على ما لا ثمر له وانما ينتفع بورثه

167 الكلام في صحة المساقاة على أصول غير ثابتة كالبطيخ

168 تصح المساقاة على شجر لا يحتاج إلى سقي إذا كان محتاجا إلى عمل آخر

170 تصح المساقاة على فسلان مغروسة غير مثمرة إذا كانت المدة طويلة تكون فيها مثمرة

170 طريق تصحيح المعاملة على فسلان غير مغروسة

170 المساقاة لازمة لا تبطل إلا بالتقابل أو الفسخ بخيار مستحق

171 لا تبطل المساقاة بموت أحد الطرفين بل ينتفل الحق إلى التركة

172 الكلام في الضابط الذي يقتضيه إطلاق العقد للأعمال التي يقوم بها العامل والمالك

174 لو اشترطا كون تمام الأعمال على المالك لم يصح مع بيان ما يصح اشتراطه على المالك

176 حكم مخالفة العامل بترك ما يجب عليه من الأعمال. مع تحقيق حال الشرط في إفادته تمليك العمل المشروط وعدمها ، وكذا النذر ، وفي أنه على تقدير كونه مملوكاً هل يضمن بالقيمة على تقدير المخالفة؟

180 حكم اشتراط العامل على المالك أن يعمل غلامه معه

183 لا يجب على العامل مباشرة العمل بنفسه

بل له أن يستأجر ، وحكم ما لو اشترط على المالك المشاركة في الأجرة ، أو اختصاصه بها

185 إذا شرطا انفراد أحدهما بالثمر بطل العقد وكان جميعه للمالك ، مع الكلام في ضمانه أجرة المثل للعامل

187 إذا اشتمل البستان على أنواع من الثمر لم يجب معرفة مقدار كل منها على كلام

187 يجوز أن يفرد كل نوع بحصة مخالفة للحصة من النوع الآخر ، مع الكلام في لزوم العلم بمقدار كل نوع حينئذ

188 لو ساقاه بالنصف إن سقي بالناضح وبالثلث إن سقي بالسيح فهل يصح العقد؟

190 يجوز أن يشترط أحد هما على الآخر شيئاً من ذهب أو فضة مضافا إلى الحصة والمشهور كراهة ذلك للمالك من دون أن يتضح المستند. مع الكلام في أن قرار ذلك مشروط بسلامة الحاصل أولا

196 لو جعل المالك للعامل مع الحصة من الثمر حصة من الأصول هل يصح العقد أولا؟

199 إذا تبين في أثناء المدة عدم خروج الثمر فهل يجب على العامل إتمام الأعمال المجعولة عليه؟

199 يجوز أن يستأجر المالك أجيراً للعمل بحصة من الثمرة أو بتمامها مطلقا ، إلا إذا كان قبل ظهور الثمرة عاماً واحداً بلا ضميمة ففيه كلام

202 في أحكام بطلان عقد المساقاة

204 يجوز في عقد المساقاة على اشتراط مساقاة أخرى على شجر آخر. مع الكلام في معنى البيع في بيعين

205 يجوز تعدد المالك أو العامل أو كليهما

206 أحكام امتناع العامل عن العمل بعد وقع عقد المساقاة. مع الكلام في استحقاق المالك الفسخ بامتناعه. وفي الفرق بينه وبين البيع الذي لا يشرع فيه الفسخ بامتناع أحد المتبايعين من تسليم ما عنده

208 بعض الكلام في مقدار ولاية الحاكم وغيره على الاجبار في المقام

210 إذا قام غير العامل باعمال المساقاة متبرعاً عنه أو عن المالك

211 أحكام فسخ المالك عند امتناع العامل عن العمل

212 إذا استأجر المالك عن العامل الممتنع من يقوم عنه بالعمل فهل يعتبر في جواز رجوعه عليه بالأجرة الاشهاد أولا؟ مع الكلام فيمن يقبل قوله منهما مع عدم الاشهاد لو اختلفا في التبرع أو في مقدار الأجرة

214 إذا تبين أن الأصول مغصوبة

218 الكلام في أدلة قاعدة : المغرور يرجع على من غره

220 الكلام في حكم مساقاة العامل غيره

223 خراج السلطان على المالك

224 مقتضى عقد المساقاة ملكية العامل لحصته من حين ظهور الثمر ، لا حين القسمة ، ويمكن جعل العقد بنحو يقتضي ملكيته حينها مع بيان ثمرات ذلك

225 الكلام في وجوب الزكاة على العامل هنا وفي المزارعة. وفي وجه خلاف ابن زهرة للمشهور في المقام

229 المرجع عند النزاع في وقوع عقد المساقاة ، أو صحته ، أو في اشتراط شئ على أحدهما ، أو في قدر المدة ، أو الحاصل ، أو في مقدار حصة العامل أو سرقته أو خيانته أو تفريطه

230 إذا ثبتت خيانة العامل فهل للمالك رفع يده عن الثمرة؟

231 الكلام في المغارسة التي ادعي الاجماع على بطلانها ، وفي أحكامها على تقدير البطلان. مع بيان الضابط في ضمان أجرة عمل العامل في العقود الفاسدة

237 المعيار في الأرش الذي يضمنه المالك للعامل لو أراد قلع غرسه على تقدير بطلان المعاملة

240 بيان بعض العقود الصحيحة التي تثمر ثمرة المغارسة

241 إذا أوقع شخصان عقد المغارسة ولم يعلم أنه على الوجه الصحيح أو الباطل حمل على الصحيح

242 بعض ما ورد من الأدعية المأثورة وغيرها عند تلقيح النخل أو الغرس أو الزرع

كتاب الضمان

244 معنى الضمان لغة واصطلاحاً

245 يشترط في الضمان أمور ( الأول ) : الايجاب

247 ( الثاني ) : القبول من المضمون له على كلام في اعتباره وأن المعتبر إنما هو رضاه من دون أن يكون قبولا عقديا

249 تحقيق مفاد عقد الضمان ، وأنه ايقاعي أو عقدي

251 لا يعتبر رضا المضمون عنه. ولو استلزم الضرر أو الحرج عليه لم يصح

251 ( الثالث ) : كما الضامن والمضمون له بالبلوغ والعقل ، دون المضمون عنه. نعم لو أذن غير الكامل في الضمان عنه لم يرجع الضامن عليه

252 ( الرابع ) : كون الضامن مختاراً فلا يصح ضمان المكره

253 ( الخامس ) : عدم التحجير على المضمون له لسفه أو فلس ، أو على الضامن لسفه ، ولا بأس بكونه مفلسا ولكن لا يشارك المضمون له حينئذ الغرماء ، ولا بأس بكون المضمون عنه سفيها أو مفلساً لكن لا يجوز الرجوع عليه لو أذن في الضمان

253 ( السادس ) : أن لا يكون الضامن

مملوكا غير ماذن من قبل مولاه على المشهور

255 إذا أذن المولى للعبد في الضمان صح ، وهل يكون الضمان في ذمته أو في ذمة المولى؟

259 ( السابع ) : التنجيز في الضمان على المشهور ، مع الكلام في تنجيز الضمان مع تعليق الوفاء

262 ( الثامن ) : ثبوت الذين المضمون في ذمة المضمون عنه على المشهور ، سواه كان مستقراً أم متزلزلا ، مع الإشارة إلى حال بعض الضمانات العرفية

265 ( التاسع ) : أن لا تكون ذمة الضامن مشغولة للمضمون عنه بمثل الدين الذي عليه ، على ما قد يظهر منهم

267 ( العاشر ) : امتياز الدين والمضمون له والمضمون عنه واقعاً ، ولا يضر الجهالة بالشخص

269 لا يعتبر العلم بمقدار الدين ولا بجنسه

272 الضمان يقتضي انتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن لا ضم ذمة أحدهما إلى ذمة الآخر ، مع الكلام فيما لو صرحا بالضمان على

نحو ضم ذمة إلى أخرى. وفي ضابط مخالفة الشرط للكتاب

276 إذا أبرأ المضمون له ذمة الضامن أو المضمون عنه

277 الضمان لازم من طرف الضامن والمضمون له. ولو جهل المضمون عنه باعسار الضامن حين الضمان كان له الفسخ

280 يجوز اشتراط الخيار في الضمان. مع بيان الضابط في صحة الشرط المذكور وفي صحة الإقالة في جميع العقود

282 إذا تبين كون الضامن مملوكا وكان الضمان في ذمته بتع به بعد العتق بثبت الخيار للمضمون له

282 يصح ضمان الدين الحال مؤجلا والمؤجل حالا ، مع الكلام في أن الرجوع على المضمون عنه بعد الأداء تابع لأجل الدين أو لأجل الضمان أو للأداء على تفصيل في فروع ذلك وصوره

290 إذا ضمن بغير اذن المضمون عنه برئت ذمته وليس له الرجوع عليه بعد الأداء

291 لو قال المضمون عنه للضامن بغير اذنه : « أد ما ضمنت عني وارجع به علي » فهل له الرجوع عليه بما أدى مع الكلام في صور استيفاء عمل الغير والضابط في ضمانه

293 إذا ضمن بإذن المضمون عنه فله الرجوع عليه بمقدار ما أدى فقط بعد الأداء. مع الكلام في حكم مطالبته قبل الأداء من حيث القواعد العامة والأدلة الخاصة

298 لو حسب المضمون له الدين على الضامن من الحقوق الشرعية أو الصدقات فهل للضامن من الرجوع به على المضمون عنه أولا؟

299 حكم ما لو باعه أو صالحه عن الدين بما يساوي أقل منه

300 إذا دفع المضمون عنه إلى الضامن مقدار ما ضمن قبل الأداء فهل يقع وفاء أولا؟

301 إذا أمر الضامن المضمون عنه بالوفاء عنه فوفى برئت ذمتهما معاً. وكذا لو وفي عنه بغير إذنه

303 إذا ضمن عن الضامن شخص فدفع ليس له الرجوع على المضمون عنه الأول

304 ضمان الدين بأقل منه أو بأكثر منه

305 يجوز الضمان بغير جنس الدين ، كما يجوز الوفاء به ، وحكم الرجوع على المضمون عنه حينئذ

305 في الضمان بشرط الرهانة بنحو شرط الفعل وبنحو شرط النتيجة. مع تحقيق حال شرط النتيجة

308 إذا كان على الدين المضمون رهن فهل ينفك بالضمان؟

308 صور اشتراط الضمان في مال معين وأحكامها ، مع التعرض إلى حكم تخلف القيد في العقد

313 إذا أذن المولى للعبد في الضمان في كسبه فهو من اشتراط الضمان في مال معين إن قلنا برجوعه إلى ضمان المولى وإلا فلا

314 إذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد دفعة أو على التعاقب ، مع الكلام في انشغال ذمم متعددة بمال واحد ، وفي كيفية انشغال الذمم في تعاقب الأيدي

319 إذا كان لرجل على شخصين مال فضمن كل منهما ما على الآخر باذنه صح مع رضا الدائن ، ولو رضي

بأحدهما صح خاصة وانشغلت ذمته بكلا المالين مع التعرض لحكم ما إذا دفع مالا ولم بعينه لوفاء أحد هما

323 لا يشترط علم الضامن بالدين حين الضمان فلو ضمن ما يشك في ثبوته صح واحتاج إلى إثبات ، ومنه ما إذا قال : « علي ما تشهد به البينة » على كلام

328 يجوز الدور في الضمان بأن يضمن المضمون عنه على الضامن

329 إذا كان المديون فقيراً فهل يجوز الضمان عنه من الحقوق الشرعية؟

330 إذا كان الدين من الحقوق فهل يصح ضمانه للحاكم الشرعي أو للفقير؟

331 حكم ضمان الشخص في مرض موته تبرعا أو بإذن المديون

331 حكم ضمان ما يعتبر مباشرة المديون له ، وضمان الكلي في المعين

332 ضمان النفقة الماضية والحاضرة والمستقبلة للزوجة والرحم مع الكلام في كيفية استحقاق النفقة ووقته

338 يجوز ضمان مال الكتابة

340 هل يصح ضمان مال الجعالة ومال السبق والرماية قبل العمل؟

242 الكلام في ضمان الأعيان المضمونة ، وفي حقيقة ضمانها شرعا ، وفي ضمان الأعيان غير المضمونة

349 ضمان درك الثمن للمشتري لو ظهر بطلان البيع فسخ بعيب أو غيره

355 ضمان ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس لو ظهر المبيع مستحقاً للغير فقلع

359 إذا قال عند خوف الغرق أو بدونه « إلق متاعك في البحر وعلي ضمانه »

( تتمة في مسائل النزاع )

363 صور اختلاف المضمون له والمضمون عنه

365 صور اختلاف الضامن والمضمون له

366 صور اختلاف الضامن والمضمون عنه

367 إذا أنكر الضامن الضمان فاستوفي الحق منه بالبينة ليس له الرجوع على المضمون عنه المنكر ، وحكم ما لو أنكر الضامن الضمان وادعى اذن الميت في الأداء عنه مع الكلام في المقاصة في الذميات

371 إذا ادعى الضامن الوفاء وانكر المضمون له وحلف ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه إلا أن يصدقه ، وتقبل شهادة المضمون عنه في حقه إلا مع التهمة

373 إذا أذن المديون لشخص في وفاء دينه فوفاه جاز رجوعه عليه

كتاب الحوالة

374 تعريف الحوالة

375 يشترط في الحوالة - مضافاً إلى الشرائط العامة - أمور ( الأول ) : الايجاب من المحبل والقبول من المحتال على ما ذكروه ، مع الكلام في المحال عليه واحتمال تركب العقد من إيجاب وقبولين ، واحتمال كون الحوالة من الايقاع

380 ( الثاني ) : التنجيز على المشهور

380 ( الثالث ) : رضا المحيل والمحتال ، مع الكلام في اعتبار رضا المحيل لو تبرع المحال عليه بالحوالة على نفسه. وفي اعتبار رضا المحال عليه

384 ( الرابع ) : أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمة المحيل على المشهور

386 ( الخامس ) : أن يكون المال المحال به معلوماً جنساً وقدراً على المشهور ومعيناً واقعاً ، مع الكلام فميا لو أحال الدينين بنحو الواجب التخييري

388 ( السادس ) : تساوي المالين المحال به والمحال عليه على تفصيل

391 لا فرق في المال المحال به بين أن يكون عيناً أو منفعة أو عملاً ، مثلياً أو قيمياً

393 إذا تحققت الحوالة برئت ذمة المحيل وان لم يبرئه المحتال

395 لا يجب على المحتال قبول الحوالة وإن كانت على ملي.

395 الحوالة لازمة ، إلا مع اعسار المحال عليه وجهل المحال به فله الفسخ

398 تصح الحوالة على البرئ وليست ضماناً

400 يجوز اشتراط خيار الفسخ للمحيل والمحتال والمحال عليه

400 يجوز الدور والترامي في الحوالة

400 لو تبرع شخص عن المحال عليه أو ضمن عنه برئت ذمته

401 لو طالب المحال عليه المحيل بما أداه فادعى المحيل أنه كان له عليه مال

403 يجوز مطالبة المحال عليه للمحيل بمال الحوالة قبل أدائه للمحتال

406 يجوز للسيد أن يحيل على مكاتبه بدينه قبل حلول النجم وبعده

407 لو باع السيد مكاتبه سلعة فأحاله بثمنها صح

408 لو كان للمكاتب دين على شخص فأحال سيده عليه من مال المكاتبة صح

408 إذا اختلفا في أن الواقع حوالة أو وكالة

413 إذا أحال البائع من له عليه دين على المشتري بالثمن ، أو أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي ، ثم بان بطلان البيع أو كان صحيحاً ثم فسخ بخيار أو إقالة

420 إذا أحال دائنه على وكيله أو أمينه وجب عليهما الدفع ولا يكون من الحوالة المصطلحة