مستمسک العروة الوثقی جلد 11

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: السيد محسن الطباطبائي الحكيم

الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

الصفحات: 446

الكتب بساتین العلماء

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

قرآن كريم

مستمسك العروة الوثقی

تأليف: فقيه عصره آية اللّه العظمی السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره

الجزء الحادي عشر

دار إحياء التراث العربي

بيروت - لبنان

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

فصل في النيابة

لا إشكال في صحة النيابة عن الميت في الحج الواجب والمندوب [1] ، وعن الحي في المندوب مطلقاً ، وفي الواجب في بعض الصور.

( مسألة 1 ) : يشترط في النائب أمور :

أحدها : البلوغ على المشهور ، فلا يصح نيابة الصبي


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد والمجد

فصل في النيابة

[1] هذا من القطعيات التي اتفقت عليها الفتاوى والنصوص ، وهي في الواجب كثيرة ، تأتي الإشارة إلى بعضها في المسائل الآتية. وفي المندوب أيضاً كثيرة ، ففي صحيح محمد بن عيسى اليقطيني ، قال : « بعث إليّ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) رزم ثياب ، وغلماناً ، وحجة لي وحجة لأخي موسى ابن عبيد ، وحجة ليونس بن عبد الرحمن ، وأمرنا أن نحج عنه ، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا » (1).


1) الوسائل باب : 34 من أبواب نيابة الحج حديث : 1‌

عندهم وإن كان مميزاً [1]. وهو الأحوط ، لا لما قيل : من عدم صحة عباداته لكونها تمرينية [2] ،


[1] كما في كشف اللثام وغيره. وفي المدارك : « المعروف من مذهب الأصحاب : القول بالمنع .. ».

[2] المراد من كونها تمرينية تارة : بمعنى أنها ليست موضوعاً لأمر شرعي ، بناء على أن الأمر بالأمر ليس أمراً. وهو الذي يظهر من المحقق وغيره. وأخرى : بمعنى أنها مأمور بها بالأمر الشرعي لأن الأمر بالأمر أمر ، لكن الغرض من الأمر التمرين لا المصلحة الموجبة للأمر المتوجه الى البالغين. وهو الذي يظهر من الأكثر ، واختاره في الجواهر. قال (رحمه اللّه) : « والمختار صحة عمله لكن على وجه التمرين ، لا على كيفية أمر المكلف بالنافلة مثلاً ، لاختصاص ذلك بالمكلفين. لأن الحكم الشرعي خطاب اللّه المتعلق بأفعالهم ، من غير فرق بين خطاب الوجوب والحرمة والندب والكراهة بل لا يبعد إلحاق خطاب الإباحة بها ، وأن عدم مؤاخذة الصبي لارتفاع القلم عنه كالمجنون ، لا لأنه مخاطب بالخطاب الإباحي. نعم لما أمر الولي بأمره بالعبادة ، وكان الظاهر من هذا الأمر إرادة التمرين ، كان هو أيضاً مأموراً بما أمر به الولي من التمرين ، وإن استحق عليه الثواب من هذه الجهة ».

أقول : الأمر الشرعي المستفاد من الأمر بالأمر - كما استظهره (رحمه اللّه) - لا بد أن يكون منشأ لحكم شرعي ، ولا يخرج عن أحد الأحكام الخمسة فيكون فعله موضوعاً له ، فكيف يصح نفي كون فعله موضوعاً لأحد الأحكام الخمسة؟! وكأنه تبع في ذلك كاشف اللثام حيث

لأن الأقوى كونها شرعية [1]. ولا لعدم الوثوق به [2] لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه [3] ، لأنه أخص من


قال : « لأن التمرينية - وإن استحق عليها الثواب - ليست بواجبة ولا مندوبة ، لاختصاصهما بالمكلف .. ». فاذاً ما ذكراه لا يخلو من غموض. ثمَّ إنه لو بني على كون عباداته تمرينية - بأي معنى من المعنيين فرض - لا مانع من صحة نيابته عن غيره - في الحج وغيره من العبادات المشروعة في حق المنوب عنه - لأن النائب يتعبد بأمر المنوب عنه لا بأمره. ولذا تصح نيابة غير المستطيع عن المستطيع في حج الإسلام ، ونيابة من أدى فريضة الظهر عن غيره في فريضته ، وإن لم يكن حج الإسلام أو فريضة الظهر مشروعة في حقه. وسيأتي صحة نيابة العبد الذي لا يشرع له حج الإسلام ، فابتناء صحة النيابة وعدمها على المشروعية والتمرينية في غير محله.

[1] قد تقدمت الإشارة إلى وجهه في المباحث السابقة ، وأن العمدة فيه : إطلاق أدلة الأحكام الشاملة للصبي وغيره. وحديث الرفع لا يصلح لتقييدها (1)، لاختصاصه برفع السيآت. فراجع مبحث إسلام الصبي من مباحث نجاسة الكافر ، وغيره من المباحث.

[2] ذكر ذلك في المدارك ، وتبعه عليه غيره. ولا يخفى أن الكلام في الحكم الواقعي - وهو إجزاء نيابته واقعاً - لا في الحكم الظاهري ، وهو الاجتزاء بها ظاهراً. وبالجملة : الكلام في مقام الثبوت لا في مقام الإثبات :

[3] من الواضح أنه لا يختص السب الموجب للوثوق بالتكليف ، فقد تكون بعض الأمور النفسانية أقوى داعوية إلى الصدق من التكليف ، فان الكمالات النفسانية التي تدعو إلى العمل الصحيح كثيرة.


1) تقدم التعرض له في صفحة : 13 من الجزء : 10 من هذه الطبعة.

المدعى. بل لأصالة عدم فراغ ذمة المنوب عنه ، بعد دعوى انصراف الأدلة [1]. خصوصاً مع اشتمال جملة من الأخبار على لفظ الرجل [2]. ولا فرق بين أن يكون حجة بالإجارة أو بالتبرع بإذن الولي أو عدمه ، وإن كان لا يبعد دعوى صحة نيابته في الحج المندوب بإذن الولي [3] الثاني : العقل ، فلا تصح نيابة المجنون الذي لا يتحقق منه القصد [4] ، مطبقاً كان جنونه ، أو أدوارياً في دور جنونه. ولا بأس بنيابة السفيه [5].


[1] هذه الدعوى قد استوضح في الجواهر منعها. وهو في محله.

[2] الاشتمال على ذلك لا يقتضي تقييد المطلق. ولا سيما بملاحظة ما ورد من جواز نيابة المرأة (1).

[3] وفي المدارك : « ينبغي القطع بذلك ». وكأن الوجه في الفرق بينه وبين الواجب : صحة الحج المندوب عن نفسه - بناء على شرعية عباداته - وعدم صحة الحج الواجب. وهذا الفرق - كما ترى - غير فارق ، كما عرفت.

[4] ينبغي عدّ ذلك من الضروريات ، لأن الحج عبادة ، فلا تصح بدون القصد. والظاهر أن مرادهم بالقصد القصد الخاص بالعاقل ، لا مطلق القصد ، فان المجنون ربما يأتي منه القصد ، لكنه غير معتد به عند العقلاء ، فكما لا يوجب عقاباً لا يوجب ثواباً.

[5] لاطلاق الأدلة. والحجر عليه في تصرفاته المالية لا يمنع من الأخذ بالإطلاق.


1) لاحظ الوسائل باب : 8 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1 ، 2 ، 5. وتأتي الإشارة إليها في المسألة : 5 من هذا الفصل.

الثالث : الايمان [1] ، لعدم صحة عمل غير المؤمن وإن كان معتقداً بوجوبه وحصل منه نية القربة. ودعوى : أن ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى [2].

الرابع : العدالة ، أو الوثوق بصحة عمله [3]. وهذا


[1] على ما ذهب إليه جماعة. وقيل : بعدم اعتباره وصحة نيابة المخالف. ولعله ظاهر الأكثر ، حيث لم يتعرضوا لذكر الشرط المذكور ، واقتصروا على اعتبار الإسلام.

[2] دعوى بطلان الدعوى المذكورة ذكرها جماعة كثيرة ، وبنوا عليها اعتبار إيمان النائب. والاشكال عليها ظاهر ، لأن بطلان عبادة المخالف إنما استفيدت من الأخبار ، والظاهر منها العبادات الراجعة إلى نفسه فلا تشمل ما نحن فيه. نعم قد يستدل عليه بما في رواية عمار ، التي رواها ابن طاوس بإسناده عن عمار بن موسى من كتاب أصله المروي عن الصادق (عليه السلام) : « في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم ، هل يجوز أن يقضيه غير عارف؟ قال (عليه السلام) : لا يقضيه إلا مسلم عارف » (1). بناء على جواز التعدي عن موردها إلى ما نحن فيه ، كما هو غير بعيد.

[3] هذا الشرط غير ظاهر ، فإن أصالة الصحة جارية ولو مع عدم الوثوق. نعم لا بد من العلم بحصول العمل ، إما بالوجدان ، أو لقيام حجة عليه ومنها إخباره بالعمل. ثمَّ إن المذكور في كلام جماعة : اعتبار العدالة ، منهم صاحب المدارك لأنه لا يقبل خبر غير العادل. وفيه : أن الظاهر من سيرة المتشرعة قبول خبر المستناب على عمل في أداء عمله ، نظير إخبار ذي اليد عما في يده ،


1) الوسائل باب : 22 من أبواب قضاء الصلوات حديث : 5.

الشرط إنما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحة عمله [1].

الخامس : معرفته بأفعال الحج وأحكامه [2] وإن كان بإرشاد معلم حال كل عمل.

السادس : عدم اشتغال ذمته بحج واجب عليه في ذلك العام [3] ، فلا تصح نيابة من وجب عليه حجة الإسلام ، أو النذر المضيق مع تمكنه من إتيانه. وأما مع عدم تمكنه - لعدم المال - فلا بأس. فلو حج عن غيره مع تمكنه من الحج لنفسه بطل على المشهور. لكن الأقوى أن هذا الشرط إنما هو لصحة الاستنابة والإجارة ، وإلا فالحج صحيح وإن لم يستحق الأجرة [4]


ونظير قاعدة : « من ملك شيئاً ملك الإقرار به ». ولا يعتبر في جميع ذلك العدالة ، بل لا يبعد عدم اعتبار الوثوق بالصدق. نعم يعتبر أن لا تكون قرينة على اتهامه ، كما تقدم في مبحث أحكام النجاسة والطهارة. فراجع ، فان الجميع من باب واحد.

[1] كما تقدم في الاشكال على بعض أدلة اعتبار البلوغ.

[2] هذا الشرط مستدرك ، لأنه راجع إلى فعل المستأجر عليه ، الذي هو موضوع الإجارة.

[3] تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة بعد المائة (1)من الفصل الأول. فراجع.

[4] قد تقدمت الإشارة إلى الإشكال فيه ، لأن الأجير إنما يأتي بالحج بعنوان الوفاء بالإجارة الصحيحة ، فإذا فرض بطلان الإجارة وانتفاء الوفاء


1) راجع صفحة : 280 من الجزء : 10 من هذه الطبعة.

وتبرأ ذمة المنوب عنه على ما هو الأقوى : من عدم كون الأمر بالشي‌ء نهياً عن ضده. مع أن ذلك - على القول به ، وإيجابه للبطلان - إنما يتم مع العلم والعمد ، وأما مع الجهل والغفلة فلا بل الظاهر صحة الإجارة أيضاً على هذا التقدير ، لأن البطلان إنما هو من جهة عدم القدرة الشرعية على العمل المستأجر عليه حيث أن المانع الشرعي كالمانع العقلي ، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع ، لأنه قادر شرعاً [1].


بها فلا قصد للنيابة فيه ، فلا يصح لانتفاء القصد اليه. وحينئذ لا يستحق الأجرة المسماة ، لبطلان الإجارة ، ولا أجرة المثل بقاعدة : « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » ، لبطلان الحج ولا أجرة للباطل. وقد تقدم في المسألة الواحدة والثلاثين (1)من الفصل السابق : أن الوفاء ملحوظ قيداً على نحو وحدة المطلوب. اللّهم إلا أن يكون في المقام بحكم تعدد المطلوب. فراجع.

[1] القدرة الشرعية منتزعة من ترخيص الشارع ، فاذا كان الفعل مرخصاً فيه شرعاً فهو مقدور شرعاً. كما أن القدرة العقلية منتزعة من ترخيص العقل ، فاذا كان الفعل مرخصاً فيه عقلاً فهو مقدور عقلاً. وحينئذ يجتمعان - بأن يكون الفعل مرخصاً فيه شرعاً وعقلاً - كما لو علم المكلف بجواز الفعل ، فإنه مرخص فيه شرعاً وعقلاً. وقد يكون الشي‌ء مرخصاً فيه شرعاً غير مرخص فيه عقلا ، كما لو اعتقد بحرمة شي‌ء خطأ وكان جائزاً شرعاً ، فان الترخيص الشرعي الواقعي يستتبع القدرة الشرعية. لكن القطع بالحرمة مانع من ترخيص العقل ، فلا يكون مقدوراً


1) راجع صفحة : 361 من الجزء : 10 من هذه الطبعة.

( مسألة 2 ) : لا يشترط في النائب الحرية ، فتصح نيابة المملوك بإذن مولاه [1] ، ولا تصح استنابته بدونه [2] ، ولو حج بدون إذنه بطل [3].


عقلا. وقد ينعكس الأمر ، كما لو اعتقد جواز شي‌ء هو حرام شرعاً واقعاً. وقد ينتفيان معاً ، كما لو اعتقد حرمة فعل هو حرام واقعاً. وعلى هذا إذا كان المكلف جاهلا بوجوب الحج الإسلامي عليه ، أو كان غافلا عن ذلك ، فهو يعتقد جواز الحج النيابي شرعاً خطأ ، فيكون قادراً عقلا لا شرعاً. مضافاً إلى أن القدرة المعتبرة في صحة الإجارة القدرة على العمل المستأجر عليه عقلا لا شرعاً. ولذا بني على بطلان الإجارة في الفرض إذا كان المكلف ملتفتاً وإن لم نقل بأن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده ، إذ القدرة - المنتفية في الفرض - القدرة العقلية لا الشرعية. وكأن المراد من قوله (رحمه اللّه) في المتن : « لأنه قادراً شرعاً » القدرة العقلية المستندة إلى الشارع ، في مقابل القدرة العقلية التكوينية. نظير قولهم : « المانع الشرعي كالمانع العقلي ». ومن هنا يحسن تقسيم القدرة إلى تكوينية وتشريعية ، والتشريعية إلى عقلية وشرعية

[1] بلا خلاف ولا إشكال. لعموم الأدلة وإطلاقها. وما عن بعض الجمهور من المنع - لعدم إسقاطه فرض الحج عن نفسه ، فضلا عن غيره - واضح الفساد. كذا في الجواهر.

[2] للحجر عليه ، المستفاد من قوله تعالى : ( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ... ) (1)ولو بضميمة بعض النصوص.

[3] لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه ، فيحرم ، فيبطل.


1) النحل : 16.

( مسألة 3 ) : يشترط في المنوب عنه الإسلام ، فلا تصح النيابة عن الكافر [1]. لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه ، لمنعه وإمكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه [2] ،


[1] إجماعاً محققاً ، وفي المدارك : « لا ريب فيه ». واستدل له : بأن الكافر يستحق في الآخرة الخزي والعقاب ، لا الأجر والثواب ، وهما من لوازم صحة الفعل. وأيده بقوله تعالى : ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى .. ) (1)، وقوله تعالى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى ) ، (2)خرج منه القضاء عن المؤمن بالنص والإجماع ، فيبقى الباقي.

أقول : الاستحقاق في الآخرة للخزي والعقاب - من جهة الكفر - لا ينافي استحقاق الثواب من جهة فعل العبادة عنه ، كما في المسلم الفاسق. وأيضاً : فإن النيابة عنه ليست استغفاراً. وعموم قوله تعالى ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى ) مقيد بما دل على صحة النيابة.

[2] يكفي في صحة النيابة عنه إمكان انتفاعه بها من جهة عدم العقاب على ترك الحج ، فان كان المقصود من عدم انتفاعه ذلك فهو أول الكلام ، وإن كان عدم فعلية الثواب ، أو تخفيف العقاب الثابت من جهة الكفر ، فتسليمه لا يثبت المطلوب. وبالجملة : يكفي في صحة النيابة عدم استحقاق العقاب على ترك المنوب فيه ، وليس في الأدلة المذكورة في كلماتهم انتفاء ذلك.

واستدل عليه في كشف اللثام : بأن فعل النائب تابع لفعل المنوب في الصحة ، لقيامه مقامه ، فكما لا يصح منه لا يصح من نائبه.


1) التوبة : 113.

2) النجم : 39.

بل لانصراف الأدلة [1] ، فلو مات مستطيعاً وكان الوارث مسلماً لا يجب عليه استئجاره عنه. ويشترط فيه أيضاً كونه ميتاً ، أو حيا عاجزاً في الحج الواجب ، فلا تصح النيابة عن الحي في الحج الواجب [2] إلا إذا كان عاجزاً [3]. وأما في الحج الندبي فيجوز عن الحي والميت ، تبرعاً أو بالإجارة [4].

( مسألة 4 ) : تجوز النيابة عن الصبي المميز والمجنون [5] ،


ويشكل : بأن الملازمة ممنوعة ، لإمكان فقد المنوب عنه لشرط الصحة ووجدان النائب له ، كما في النيابة عن الحائض في الطواف ، والصلاة في بعض الموارد. ومثله : الاستدلال في الجواهر بما تضمن حرمة الموادة لمَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ. إذ فيه : أن المراد من الموادة إن كان القلبية - كما هو الظاهر - فهي لا تنطبق على النيابة ، وإن كان العملية فلو انطبقت عليها في بعض الصور فهي جائزة ، فإنه يجوز الإحسان إلى الكافر قطعاً. فالعمدة فيه : الإجماع الدال على أن شرط صحة العبادة أهلية من له الفعل للتقرب ، والكافر لما لم يكن أهلا لذلك لم يصح فعله ولا فعل نائبه. ولعله مراد كاشف اللثام.

[1] لم يتضح الوجه في الانصراف المذكور ، ومانعه مستظهر ، وكما لا تنصرف الأدلة عن وفاء ديونه لا تنصرف عن المقام ، لأنه منها كما عرفت.

[2] إجماعاً. مضافاً إلى أصالة عدم صحة النيابة التي يقتضيها ظاهر أدلة التكليف المقتضي لوجوب المباشرة.

[3] على ما تقدم في مباحث الاستطاعة.

[4] كما تقدم في أول الفصل.

[5] أما الأول فيبتني على القول بشرعية عباداته ، فان لم نقل بذلك

بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقر عليه حال إفاقته ثمَّ مات مجنوناً.

( مسألة 5 ) : لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأنوثة ، فتصح نيابة المرأة عن الرجل [1] ،


فلا وجه لصحة النيابة عنه ، لأن النائب - كما سيأتي - يمتثل أمر المنوب عنه ، فاذا فرض انتفاؤه تعذرت النيابة. وأما المجنون فلم أجد عاجلاً من تعرض له في المقام. وإطلاق أدلة التكليف تشمله كما تشمله الصبي. وحديث : رفع القلم ، لا يقتضي أكثر من رفع الإلزام (1)- كما سبق في الصبي - وحينئذ تصح النيابة عنه كالصبي.

وقد تقدم في كتاب الصوم : أن الجنون نقص يمنع من نية التقرب فاعلية وفعلية ، وليس هو كالنوم والاغماء يمنع عن نية التقرب الفعلية لا الفاعلية. ولأجل ذلك اختلف مع النوم ، فإنه لا يجوز على المعصوم وإن جاز عليه النوم والاغماء. لكن مع ذلك لا يمنع من قابلية المحل للتقرب الذي هو كمال نفساني ، لأن الجنون نقص جسماني لا نفساني. ومن ذلك يتضح ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) : من وجوب الاستنابة عنه. وكذا ما ذكروه في كتاب الوصية : من وجوب تنفيذ وصية العاقل إذا طرأ عليه الجنون حتى مات. بل يمكن التأمل في قدحه في نية التقرب الفاعلية. فلاحظ.

[1] إجماعاً في غير الصرورة - كما قيل - لإطلاق الأدلة ، وخصوص بعضها ، كمصحح أبي أيوب : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجة ، وقد حجت المرأة فقالت : إن كان يصلح حججت أنا عن أخي ، وكنت أنا أحق بها من غيري. فقال : أبو


1) تقدم التعرض له في صفحة : 13 من الجزء : 10 من هذه الطبعة.

كالعكس. نعم الأولى المماثلة [1].

( مسألة 6 ) : لا بأس باستنابة الصرورة ، رجلاً كان أو امرأة ، عن رجل أو امرأة. والقول بعدم جواز استنابة


عبد اللّه (عليه السلام) : لا بأس بأن تحج عن أخيها » (1)، ومصحح معاوية : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يحج عن المرأة والمرأة تحج عن الرجل قال (عليه السلام) : لا بأس » (2)وصحيح رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال : تحج المرأة عن أختها وعن أخيها. وقال : تحج المرأة عن أبيها » (3)ونحوها غيرها. ومن ذلك يستفاد حكم العكس. مع أنه إجماعي مطلقاً.

[1] كما في الجواهر. لموثق زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الرجل الصرورة يوصي أن يحج عنه ، هل يجزي عنه امرأة؟ قال (عليه السلام) : لا. كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان؟ إنما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل » (4). لكن في خبر بشير النبال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن والدتي توفيت ولم تحج. قال يحج عنها رجل أو امرأة قلت : أيهما أحب إليك؟ قال : رجل أحب إلي » (5). وحمله في الجواهر على ما إذا كان الرجل خيراً من المرأة تأدية. ولكنه غير ظاهر. اللّهم إلا أن يكون ذلك بعد طرحه وترجيح الأول للأوثقية. لكن التعليل في الأول ينافي إطلاق المماثلة.


1) الوسائل باب : 8 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب النيابة في الحج حديث : 5.

4) الوسائل باب : 9 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

5) الوسائل باب : 8 من أبواب النيابة في الحج حديث : 8.

المرأة الصرورة مطلقا ، أو مع كون المنوب عنه رجلاً [1] ضعيف. نعم يكره ذلك. خصوصاً مع كون المنوب عنه رجلاً [2]


[1] القول الأول محكي عن النهاية والتهذيب والمهذب ، وفي المبسوط التصريح : بأنه لا يجوز حجها عن الرجال ولا عن النساء. والثاني محكي عن الاستبصار ، وأنه لا يجوز حجها عن الرجل. لخبر مصادف عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في المرأة تحج عن الرجل الصرورة. فقال إن كانت قد حجت ، وكانت مسلمة فقيهة ، فرب امرأة أفقه من رجل » (1). ونحوه خبره الآخر ، وفيه : « رب امرأة خير من رجل » (2)، وخبر زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سمعته يقول : يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة ، ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة » (3). وكأن القول الأول لخبر سليمان بن جعفر قال : « سألت الرضا (عليه السلام) عن المرأة الصرورة حجت عن امرأة صرورة. فقال (عليه السلام) : لا ينبغي » (4)بناء على إرادة الحرمة منه.

لكن الجميع قاصر الدلالة على صورة ما إذا كان المنوب عنه غير صرورة ، وقاصر السند ، ومهجور عند الأصحاب. وخبر سليمان قاصر الدلالة على الحرمة أيضاً ، كما هو ظاهر. فلا معدل عما عليه الأصحاب.

[2] لفوات المماثلة.


1) الوسائل باب : 8 من أبواب النيابة في الحج حديث : 4.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب النيابة في الحج حديث : 7.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

4) الوسائل باب : 9 من أبواب النيابة في الحج حديث : 3.

بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل [1].

( مسألة 7 ) : يشترط في صحة النيابة قصد النيابة ، وتعيين المنوب عنه في النية [2] ولو بالإجمال.


[1] استظهر في الجواهر ذلك من النصوص ، وأن الصرورة موجبة للمرجوحية في نفسها ولو كان رجلاً. لكنه غير ظاهر. وقد تقدم في نصوص المعذور : الأمر باستئجار الصرورة الذي لا مال له (1)، المحمول عندهم على الاستحباب. فراجع ذلك الباب ، وتأمل. وفي مصحح معاوية بن عمار : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن الرجل يموت ولم يحج حجة الإسلام ويترك مالاً. قال (عليه السلام) : عليه أن يحج من ماله رجلاً صرورة لا مال له » (2).

[2] كما في الشرائع وغيرها ، وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه ». إذ لا ريب في أن اعتبار النيابة لا يصح إلا بملاحظة النائب والمنوب عنه والمنوب فيه ، لأنها إضافة قائمة بين الأركان الثلاثة ، فإذا لم يلحظ واحدة منها لم يصح اعتبارها. ومرجعها إلى قيام النائب مقام المنوب عنه في امتثال أمره ، وأداء الوظيفة الثابتة عليه على وجه الوجوب أو الاستحباب أو غيرهما من الأحكام الوضعية. فالنائب في الحج يحج قاصداً امتثال أمر المنوب عنه ، فاذا لم يقصد ذلك لم تحقق النيابة ، ولم يسقط أمر المنوب عنه ، لأن أمر المنوب عنه لما كان عبادياً ، لا يصح امتثاله إلا بقصده وقصد موضوعه.

وكأنه إلى ذلك أشار في الجواهر - في تعليل الحكم المذكور - بقوله :


1) راجع المسألة : 72 صفحة : 192 من الجزء : 10 من هذه الطبعة.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب وجوب الحج حديث : 1.

ولا يشترط ذكر اسمه [1] ، وإن كان يستحب ذلك في جميع المواطن والمواقف [2].

( مسألة 8 ) : كما تصح النيابة بالتبرع وبالإجارة كذا تصح بالجعالة [3]. ولا تفرغ ذمة المنوب عنه إلا بإتيان النائب صحيحاً ، ولا تفرغ بمجرد الإجارة. وما دل من


« لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لأحدها إلا بالنية. كما أنه لا يتشخص لأحدهم - مع تعددهم - إلا بتعيينه. أما مع اتحاده فيكفي قصد النيابة عنه .. ». ومن ذلك يظهر : أن قصد المنوب عنه راجع الى قصد الأمر وموضوعه. كما يظهر أن ذلك مغن عن قصد النيابة. فلاحظ.

[1] اتفاقاً ، كما في الجواهر. لما في صحيح البزنطي : « إن رجلاً سأل أبا الحسن الأول عن الرجل يحج عن الرجل ، يسميه باسمه؟ فقال (عليه السلام) : إن اللّه لا تخفى عليه خافية » (1)، ونحوه.

[2] كما نص عليه جماعة. ففي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قلت له : ما يجب على الذي يحج عن الرجل؟ قال (عليه السلام) : يسميه في المواطن والمواقف » (2)وقريب منه غيره.

[3] لا مجال للتأمل في ذلك ، لعموم أدلة صحة الجعالة ونفوذها. والظاهر أنه لا خلاف فيه بيننا ، وقد تعرض له جماعة ، منهم : العلامة في القواعد. وعن بعض الشافعية : قول بالفساد ، وآخر : بثبوت أجرة المسمى لا الجعل.


1) الوسائل باب : 16 من أبواب النيابة في الحج حديث : 5.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

الأخبار على كون الأجير ضامناً وكفاية الإجارة في فراغها [1] منزلة على أن اللّه تعالى يعطيه ثواب الحج إذا قصر النائب في الإتيان ، أو مطروحة ، لعدم عمل العلماء بها بظاهرها [2].


[1] في مصحح إسحاق بن عمار : « سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة ، فيعطي رجل دراهم يحج بها عنه ، فيموت قبل أن يحج ثمَّ أعطى الدراهم غيره. فقال : إن مات في الطريق ، أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزي عن الأول .. ( إلى أن قال ). قلت : لأن الأجير ضامن؟ قال (عليه السلام) : نعم » (1). ولكن يحتمل أن يكون المراد : أن الأجير ضامن للحج من قابل ، يعني : يكون في عهدته لا في عهدة المنوب عنه ، لأنه هو السبب في وجوبه. وفي مرسل ابن أبي عمير ، عن بعض رجاله ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أخذ من رجل مالاً ولم يحج عنه ، ومات ولم يخلف شيئاً. قال (عليه السلام) : إن كان حج الأجير أخذت ودفعت إلى صاحب المال ، وإن لم يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج » (2). ورواية عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أخذ دراهم رجل ليحج عنه فأنفقها ، فلما حضر أو ان الحج لم يقدر الرجل على شي‌ء. قال : يحتال ويحج عن صاحبه كما ضمن. سئل : إن لم يقدر؟ قال : إن كانت له عند اللّه حجة أخذها منه فجعلها للذي أخذ منه الحجة » (3). ونحوهما غيرهما.

[2] فقد ادعى في الجواهر : الضرورة على عدم فراغ ذمة المنوب


1) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب النيابة في الحج حديث : 3.

( مسألة 9 ) : لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال [1] ، بل لو تبرع المعذور يشكل الاكتفاء به.

( مسألة 10 ) : إذا مات النائب قبل الإتيان بالمناسك


عنه بمجرد الاستئجار. وقال في الحدائق - بعد ذكر الأخبار المذكورة - : « ولم أقف على من تعرض للكلام في هذه الأخبار من أصحابنا ، بل ظاهرهم ردها ، لمخالفتها لمقتضى قواعدهم. وهو مشكل ، مع كثرتها وصراحتها فالظاهر أن الوجه فيها ما ذكرنا .. ». والمراد به : ما ذكره سابقاً ، من انتقال التكليف عن الموصي إلى الوصي بالوصية ، وانتقاله من ذمة الوصي إلى الأجير بالإجارة ، فإذا عجز الأجير سقط التكليف. وحينئذ إن كان قد فرط ، فان كان قد حج كانت حجته لصاحب الدراهم ، وإلا كان له ثواب الحج.

أقول : كثرتها لا تصحح العمل بها بعد إعراض الأصحاب عنها ، فان الاعراض كاشف عن خلل في صدورها ، أو في ظاهرها.

[1] لما أشرنا إليه آنفاً في المسألة الثالثة والثلاثين (1)، من أن العذر لا يرفع الملاك المقتضي للواجب الاختياري ، بل إنما يقتضي الاكتفاء بالبدل الاضطراري عند العجز عن الاختياري ، فما دام يمكن الواجب الاختياري ولا عجز عنه فلا يكتفى بالبدل الاضطراري عنه. وقد تقدم مثل ذلك في مباحث قضاء الصلوات (2)من كتاب الصلاة. والكلام بعينه جار في تبرع المعذور ، فإنه لا دليل على الاكتفاء به إذا كان بحيث يمكن نيابة غير المعذور.


1) من الفصل السابق صفحة : 371 من الجزء العاشر من هذه الطبعة.

2) مسألة : 34 من فصل صلاة القضاء ، الجزء : 7 صفحة : 100 من هذه الطبعة.

فإن كان قبل الإحرام لم يجز عن المنوب عنه [1] ، لما مر من كون الأصل عدم فراغ ذمته إلا بالإتيان ، بعد حمل الأخبار الدالة على ضمان الأجير على ما أشرنا اليه [2]. وإن مات بعد الإحرام ودخول الحرام أجزأ عنه [3] ، لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه ، لاختصاص ما دل عليه به [4] ، وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الإلحاق.


[1] إجماعاً بقسميه ، كما في الجواهر.

[2] سيأتي دلالة رواية إسحاق وغيرها على الاجتزاء بموت النائب في الطريق وإن كان قبل الإحرام.

[3] إجماعاً محققاً - كما في المستند - وإجماعاً بقسميه ، كما في الجواهر.

[4] لكن أجاب في المدارك : بأنه إذا ثبت ذلك في حق الحاج يثبت في نائبه ، لأن فعله كفعل المنوب عنه .. ». وفي الجواهر أجاب - مضافاً الى ذلك - : بمنع الاختصاص ، لأن الظاهر - ولو بمعونة فهم الأصحاب - كون ذلك كيفية خاصة في الحج نفسه. سواء كان عن نفسه أو عن الغير ، وسواء كان واجباً بالنذر وغيره ..

أقول : أما أن فعل النائب هو فعل المنوب عنه. فمن القلعيات التي لا تحتاج إلى الإثبات بدليل ، لأن النيابة إنما هي في فعل المنوب عنه ، فالنائب يأتي بفعل المنوب عنه لا بغيره. وكذلك القضاء بالنسبة إلى الأداء فإنهما واحد ، إذ القضاء فعل الأداء في غير وقته ، فالاختلاف في الوقت لا غير. كما أن الاختلاف في باب النيابة إنما هو بالمباشر لا غير.

ثمَّ إن الوحدة إنما هي في الأجزاء والشرائط ونحوها مما هو داخل في

بل لموثقة إسحاق بن عمار [1] ، المؤيدة بمرسلتي حسين بن عثمان ، وحسين بن يحيى [2] ، الدالة على أن النائب إذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه المقيدة بمرسلة المقنعة :


المنوب فيه ، لا في الأحكام. وهذا مما لا إشكال فيه ، انما الإشكال في أن الوحدة المذكورة تقتضي الاجتزاء في المقام. وذلك لأن الموت الطارئ على الحاج عن نفسه من قبيل العذر المستمر المانع من القدرة على الأداء أبداً ، والموت الطارئ على النائب ليس كذلك ، لإمكان النيابة من غيره مقارنة أو لا حقة ، فهذا الفرق هو الفارق بينهما في الاجزاء وعدمه ،

وأما ما ذكره في الجواهر : من ظهور نصوص الاجزاء في عموم الحكم فممنوع. وفهم الأصحاب لا يصلح قرينة عليه لو ثبت. مع إمكان منعه ، فان حكمهم بالاجزاء أعم من ذلك.

[1] عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : « سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة ، فيعطى رجل دراهم ليحج بها عنه ، فيموت قبل أن يحج ثمَّ أعطى الدراهم غيره. قال (عليه السلام) : إن مات في الطريق ، أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزي عن الأول .. » (1). وقد تقدمت.

[2] أما الأولى فهي عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أعطى رجلاً ما يحجه ، فحدث بالرجل حدث ، فقال : إن كان خرج فأصابه في بعض الطريق فقد أجزأت عن الأول ، وإلا فلا » (2)والثانية عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أعطى رجلاً مالاً يحج عنه فمات. قال : فان مات في منزله قبل أن يخرج فلا يجزي عنه ، وإن مات


1) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة في الحج حديث : 3.

« من خرج حاجاً فمات في الطريق ، فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة » [1] ، الشاملة للحاج عن غيره أيضاً [2]. ولا يعارضها موثقة عمار الدالة على أن النائب إذا مات في الطريق عليه أن يوصي [3] ،


في الطريق فقد أجزأ عنه » (1).

[1] تتمة المرسلة : قوله (عليه السلام) : « فان مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج ، وليقض عنه وليه » (2).

[2] المرسلة - لو سلم شمولها للنائب - تكون عامة بالنسبة إلى الروايات السابقة ، إذ هي خاصة بالنائب ، والخاص مقدم على العام ، فيتعين البناء على الاجتزاء بموت النائب في الطريق وإن لم يكن قد أحرم ودخل الحرم فالجمع يكون بالتصرف في المرسلة بالتقييد ، لا بالتصرف في غيرها بتقييده بها. وإن كان الظاهر أنها خاصة بالحاج عن نفسه ، بقرينة ذيلها ، إذ القضاء فيه إنما يكون عن الأصيل لا النائب ، لأنه مع اشتراط المباشرة تبطل الإجارة. ولا يصح القضاء عنه ولا الأداء ، ومع عدم اشتراطها يكون أداء لا قضاء. وبالجملة : الظاهر من الذيل الاختصاص بالأصيل.

ثمَّ إن ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) من كيفية الجمع ، إنما ينفع في إثبات عدم الاجزاء لو مات قبل الإحرام ودخول الحرم - وهي المسألة الأولى - لا في المسألة الثانية ، إذ النصوص كلها متفقة على الاجتزاء بها. فلاحظ.

[3] عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل حج عن آخر ومات في الطريق. قال : وقد وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ ، ولكن يوصي. فإن قدر على


1) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة في الحج حديث : 4.

2) الوسائل باب : 26 من أبواب وجوب الحج حديث : 4.

لأنها محمولة على ما إذا مات قبل الإحرام [1] ، أو على الاستحباب [2]. مضافاً الى الإجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق [3]. وضعفها سنداً - بل ودلالة - منجبر بالشهرة ، والإجماعات المنقولة ، فلا ينبغي الإشكال في الاجزاء في الصورة المزبورة. وأما إذا مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ففي الإجزاء قولان [4]. ولا يبعد الاجزاء وإن لم نقل به في الحاج عن نفسه لإطلاق الأخبار في المقام ، والقدر


رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل » (1).

[1] هذا لا قرينة عليه. نعم يمكن أن يكون مقتضى الجمع العرفي ، بناء على ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) من تقييد الموثقة ونحوها بالمرسلة ، فإنها تكون حينئذ أخص من رواية عمار ، فتقيد بها ، فتحمل على ما ذكر. أو أنه إذا كانت المرسلة صالحة لتقييد الموثقة بمفهوم الشرطية فيها تكون أيضاً صالحة لتقييد رواية عمار بمنطوق الشرط. نعم - بناء على ما ذكرناه من اختصاص المرسلة بالحاج عن نفسه - لا مجال لذلك كله.

[2] هذا هو الذي يقتضيه الجمع العرفي ، فإن ما دل على الاجزاء ظاهر في عدم وجوب ذلك ، فيحمل ذلك على الاستحباب.

[3] هذا هو العمدة.

[4] أحدهما الاجزاء ، وهو قول الشيخ في المبسوط والخلاف. بل في الثاني : ادعى إجماع الفرقة عليه ، وأن هذه المسألة منصوصة فهم لا يختلفون فيها. انتهى. وتبعه الحلي في السرائر.


1) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة في الحج حديث : 5.

المتيقن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الإحرام. لكن الأقوى عدمه [1] ، فحاله حال الحاج عن نفسه في اعتبار الأمرين في الاجزاء. والظاهر عدم الفرق بين حجة الإسلام وغيرها من أقسام الحج [2] ، وكون النيابة بالأجرة أو بالتبرع [3].

( مسألة 11 ) : إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم يستحق تمام الأجرة [4]


[1] كأنه اعتماداً على المرسلة التي قد عرفت عدم ظهورها في العموم للأجير. أو اعتماداً على دعوى الإجماع على عدم الفصل بين الأصيل والأجير. ولكنه غير ظاهر. أو اعتماداً على الأصل ، بعد عدم صلاحية الأخبار المتقدمة للمرجعية - لظهورها في الموت في الطريق في مقابل الموت في المنزل - وبعد قيام الإجماع على عدم العمل بها تسقط عن الحجية ، لأن تقييدها بما بعد الإحرام بعيد عن مفادها. وهذا محتاج إلى التأمل.

[2] لإطلاق الفتاوى والنصوص. ولم أقف على من تعرض لاحتمال الاختصاص بحج الإسلام.

[3] لإطلاق النصوص ، بناء على التعويل عليها. وأما الفتاوى فهي وإن كانت مختصة بالإجارة - لذكرهم الأجير ، وتعرضهم لأحكام الإجارة من الرجوع بالأجرة كلا أو بعضاً ، كما سيأتي - لكن الظاهر منهم عدم الفرق في الاجزاء ، ولذا لم يتعرضوا لعدم الاجزاء على تقدير التبرع.

[4] المذكور في كلام الأصحاب : أنه إذا مات النائب بعد الإحرام ودخول الحرم استحق تمام الأجرة ، وإذا مات قبل ذلك وجب أن يستعاد من الأجرة ما قابل المتخلف ذاهباً وعائداً. ونسب الأول - في المسالك -

إذا كان أجيراً على تفريغ الذمة [1] ، وبالنسبة الى ما أتى به من الأعمال إذا كان أجيراً على الإتيان بالحج ، بمعنى الاعمال المخصوصة [2]. وإن مات قبل ذلك لا يستحق شيئاً ، سواء مات قبل الشروع في المشي ، أو بعده وقبل الإحرام ، أو


إلى اتفاق الأصحاب. كما نسب الثاني في الحدائق إلى تصريح الأصحاب.

واستشكل في المدارك في الأول : بأنه إنما يتم إذا تعلق الاستئجار بالحج المبرئ للذمة ، أما لو تعلق بالأفعال المخصوصة لم يتوجه استحقاقه لجميع الأجرة. واستشكل في الثاني : بأنه إنما يستقيم إذا تعلق الاستئجار بمجموع الحج مع الذهاب والإياب ، وهو غير متعين ، لأن الحج اسم للمناسك المخصوصة ، والذهاب والعود خارجان عن حقيقته. انتهى. وفي الحدائق دفع الإشكال الأول : بأن ما ذكره مبني على الرجوع إلى القواعد. لكنه غير ظاهر ، لأن المستند فيه الإجماع. ودفع الثاني : بأن المفروض في كلامهم الصورة الغالبة المتكثرة ، وهي ملاحظة الطريق في الأجرة وإن لم يكن داخلا في الإجارة. وسيأتي الكلام في ذلك.

[1] هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه ، فان الأفعال التوليدية لما كانت أفعالا اختيارية جاز وقوع الإجارة عليها ، كما جاز وقوع الإجارة على أسبابها. فيجوز الاستئجار على غسل الثياب وعلى تطهير الثياب ، ويجوز الإجارة على صبغ الثوب كما يجوز على وضعه في الصبغ. ثمَّ إن الوجه في استحقاق تمام الأجرة في الفرض حصول الأمر المستأجر عليه بلا نقص ولا خلل.

[2] هذا أيضاً ظاهر ، لعدم حصول تمام المستأجر عليه بل الحاصل بعضه والبعض الآخر غير حاصل ، فتوزع الأجرة على الجميع ، ويستحق من

بعده وقبل الدخول في الحرم ، لأنه لم يأت بالعمل المستأجر عليه - لا كلاً ولا بعضاً - بعد فرض عدم إجزائه [1]. من غير فرق بين أن يكون المستأجر عليه نفس الأعمال ، أو مع


الأجرة على النسبة. وقد عرفت من الحدائق : دعوى الإجماع على استحقاق الجميع. وفي المسالك : « مقتضى الأصل أن لا يستحق إلا بالنسبة ، لكن وردت النصوص باجزاء الحج عن المنوب وبراءة ذمة الأجير ، واتفق الأصحاب على استحقاقه جميع الأجرة ، فهذا الحكم ثبت على خلاف الأصل .. ». وفي كشف اللثام : « لا يستعاد من تركته - يعني : النائب - شي‌ء. بلا خلاف عندنا على ما في الغنية ، وفي الخلاف : إجماع الأصحاب على أنه منصوص لا يختلفون فيه ، وفي المعتبر : أنه المشهور بينهم. فان ثبت عليه إجماع أو نص ، وإلا اتجهت استعادة ما بإزاء الباقي .. ». أقول : لا إشكال في دعوى الاتفاق والإجماع على الحكم في الجملة ، أما في خصوص ما إذا كانت الا جارة على نفس العمل فغير ظاهرة ، ولا مجال للاعتماد عليها. فلاحظ.

[1] بل لو فرض إجزاؤه أيضاً لا وجه للاستحقاق ، لأنه غير العمل المستأجر عليه. نعم لو كان الاستئجار على إفراغ الذمة كان البناء على الاستحقاق في محله ، لحصول المستأجر عليه ، وهو فراغ الذمة. ثمَّ إنه قد يستشكل في صحة الإجارة على العمل نفسه في قبال إفراغ الذمة ، لعدم الغرض العقلائي. وفيه : أنه قد يكون الغرض تحمل الزحمة ليترتب عليه زيادة الأجر. وأيضاً فإن كون الغرض هو إفراغ الذمة لا يقتضي المنع من وقوع الإجارة على سببه ولو بملاحظة الغرض المذكور.

المقدمات من المشي ونحوه [1]. نعم لو كان المشي داخلاً في الإجارة على وجه الجزئية - بأن يكون مطلوباً في الإجارة نفساً - استحق مقدار ما يقابله من الأجرة. بخلاف ما إذا لم يكن داخلاً أصلاً ، أو كان داخلاً فيها لا نفساً بل بوصف المقدمية. فما ذهب اليه بعضهم من توزيع الأجرة عليه أيضاً مطلقاً [2]


[1] يعني : على نحو تكون قيداً للعمل المستأجر عليه ، فالإجارة تكون على العمل المقيد بالذهاب أو مع الإياب ، في مقابل ما لو حظ جزءاً للمستأجر عليه ، فتكون الإجارة واقعة على الذهاب والعمل معاً ، فيكون الذهاب بعض المستأجر عليه كالعمل.

ثمَّ قد يستشكل في أخذ الذهاب قيداً ، لأن العمل إذا كان موقوفاً على الذهاب كان الذهاب ضرورياً له ، فلا إطلاق له كي يحسن تقييده. وفيه : أنه يتم لو أخذ الذهاب المطلق قيداً ، أما إذا أخذ الذهاب الخاص - وهو ما كان بنية النيابة - فلا مانع عنه ، لإمكان التخلي عنه. ويحتمل أن يكون المراد من دخوله بوصف المقدمية ، دخوله جزءاً لكن بوصف كونه مقدمة للجزء اللاحق. وحينئذ فالوجه - في عدم الاستحقاق حينئذ - انتفاء وصف المقدمية عنه. وسيأتي الكلام فيه.

[2] قد عرفت من الحدائق نسبته إلى تصريح الأصحاب ، وهو المذكور في الشرائع والقواعد. قال في الأول : « ولو مات قبل ذلك لم يجز ، وعليه أن يعيد من الأجرة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهباً وعائداً .. ». وقال في الثاني : « وقبله يعيد مقابل الباقي والعود .. ». وحكي عن جماعة : أنهم عبروا بذلك ، غير أنهم لم يذكروا العود.

لا وجه له [1].


[1] ذكر بعضهم أن الوجه فيه : أن إطلاق الإجارة على الحج يقتضي دخول الذهاب والإياب على نحو الجزئية ، ونسبه في الجواهر إلى جماعة ، وفي كشف اللثام : « قوى في الخلاف تضمن الاستيجار للحج الاستيجار لقطع المسافة ، وقطع به القاضي في الجواهر .. ».

أقول : لا ريب في أن الاستيجار للحج تارة : يكون للحج الميقاتي ، وأخرى : للحج البلدي. فإن كان الأول فلا ريب في عدم ملاحظة الطريق في عقد الإجارة ، لا جزءاً ولا شرطاً ، وإن كان الأجير من أهل البلد ويتوقف حجه على السير من البلد. وإن كان الثاني فلا ريب في ملاحظته ، ويكون السير في الطريق حقاً من حقوق المستأجر. لكن توزيع الأجرة ليس تابعاً للملاحظة مطلقاً ، بل إنما هو تابع للملاحظة على وجه الجزئية ، لأن منشأ التوزيع تبعيض العقد فيصح في بعض ويبطل في بعض ، نظير تبعض الصفقة في البيع ، فاذا لم يكن ملحوظاً على وجه الجزئية بحيث يكون موضوعاً لبعض العقد - الراجع إلى العقد على البعض ، بعد تحليل العقد إلى عقود متعددة بتعدد الأبعاض - لا مجال للتوزيع. ومجرد أن ملاحظة الطريق موجبة لزيادة القيمة لا يكفي في التوزيع ، فان صفات المبيع ربما تكون موجبة لزيادة الثمن لا لكونها موضوعاً للبيع. وكذلك بعض صفات العين المستأجرة ربما تكون موجبة لزيادة الأجرة لكن لا لكونها موضوعاً لعقد الإجارة ، والمدار في التوزيع هو ذلك ، كما لا يخفى.

هذا في الذهاب ، أما بالنسبة إلى الإياب فليس هو مقدمة للحج عقلية ، فضلا عن أن يكون ملحوظاً عوضاً وطرفاً للمعاوضة. نعم له دخل في زيادة الأجرة ، فإن الشخص الذي لا بد له من العود لا يؤجر نفسه للحج


بالقيمة التي لا تفي بالعود ، فإذا بني على التوزيع بالإضافة إلى كل ما له دخل في زيادة القيمة لم يكن الفرق بين الذهاب والإياب ، فتوزع الأجرة عليهما بنحو واحد. وعلى هذا المبنى لا فرق في التوزيع بين الأجرة على الحج البلدي والحج الميقاتي إذا كان الأجير من أهل البلد الذي لا بد له من الرجوع إلى بلده ، فإنه لا يؤجر نفسه للحج الميقاتي إلا إذا كانت القيمة وافية للذهاب والإياب على نحو الحج البلدي ، فيكونان معاً ملحوظين لزيادة القيمة.

وعلى هذا المبنى جرى في كشف اللثام ، حيث قال : « وعندي أنه وإن لم يتضمنه ( يعني : يتضمن عقد الإجارة للذهاب والإياب ) لكنه في حكم المتضمن ، لأن أجرة الحج تتفاوت بتفاوت مسافة الذهاب ، وبالاختلاف في الإياب وعدمه .. ( إلى أن قال ) : فهو وإن لم يفعل شيئاً مما استؤجر له ، لكنه فعل فعلا له أجرة بإذن المستأجر ولمصلحته ، فيستحق أجرة مثله. كمن استأجر رجلا لبناء ، فنقل الآلة ثمَّ مات قبل الشروع فيه ، فإنه يستحق أجرة مثل النقل قطعاً. فيصح ما في الكتاب على إطلاقه ». وتبعه عليه في الجواهر ، مستدلا له : بأصالة احترام عمل المسلم الذي لم يقصد التبرع به ، بل وقع مقدمة للوفاء بالعمل المستأجر عليه ، فلم يتيسر له ذلك بمانع قهري. وعدم فائدة المستأجر - مع إمكان منع .. ( إلى أن قال ) : « غير قادح في استحقاق الأجرة عليه نحو بعض العمل المستأجر عليه الذي لا استقلال له في نفسه ، كبعض الصلاة ونحوه .. ».

أقول : أصالة احترام عمل المسلم لا تقتضي الضمان ، وإنما هي في مقام محض التكليف ، من باب لزوم احترام ماله ونفسه ، المستفاد من موثقة سماعة : « لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيب نفسه » (1). فهي


1) الوسائل باب : 3 من أبواب مكان المصلي حديث : 1.


في مقام التكليف وتحريم نفسه وماله وأنه لا يجوز اغتصابه ، ولا تدل على أكثر من ذلك. نعم من جملة الأسباب استيفاء العمل ، فمن عمل بأمر غيره فقد استوفي غيره عمله ، فيكون مضموناً عليه. لكنه يختص بالأمر النفسي ، فلا يشمل الأمر الغيري وإن كان أيضاً سبباً للاستيفاء ، لكن لا دليل على سببيته مطلقاً ، والقدر المتيقن - من مرتكزات المتشرعة ، وكلمات الأصحاب - هو الاستيفاء بالأمر النفسي لا بغيره.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : الأول : أنه إذا استأجره على الحج البلدي ، فموضوع الإجارة هو الحج ، وهو المناسك المخصوصة. وكونه بلدياً لوحظ شرطاً وقيداً له ، فلا يكون جزء العمل المستأجر عليه ، ولا توزع عليه الأجرة كغيره من القيود ، بل كغيره من قيود المبيع. هذا على المشهور من أن السير من الميقات ليس واجباً نفسياً ، أما بناء على أنه جزء الواجب - كما استظهرناه سابقاً ، لأن الحج هو القصد - فالحج من البلد يراد منه السير من البلد ، مقابل السير من الميقات ، فاذاً يكون جزء العمل المستأجر عليه ، وتوزع عليه الأجرة. ولازم ما ذكرنا : أنه يجب وقوع السير على وجه يكون طاعة ، ولا يجوز أن يكون السير معصية فلو سار ليسرق مالاً في بعض الطريق كان باطلاً غير مجزي.

الثاني : إذا استأجره للحج الميقاتي فمات قبل الإحرام لم يستحق أجرة إلا بناء على أن استيفاء عمل الغير موجب للضمان ولو كان من جهة الأمر الغيري. وقد عرفت أن هذا المبنى لا دليل عليه. واحترام عمل المسلم لا يقتضيه : وما دل على أن استيفاء عمل الغير موجب لضمانه ، لما كان هو ارتكاز المتشرعة والعقلاء ، وكان القدر المتيقن منه هو الاستيفاء بطريق الأمر النفسي ، وجب الاقتصار عليه. بل ظاهر كلماتهم - في كتاب

كما أنه لا وجه لما ذكره بعضهم : من التوزيع على ما أتى به من الاعمال بعد الإحرام [1]. إذ هو نظير ما إذا استؤجر


الجعالة - : التسالم عليه ، فقد ذكروا : أن العامل إنما يستحق الجعل بالتسليم ، فلو جعل لمن سلمه عبده جعلاً ، فجاء العامل بالعبد إلى البلد ، ففر العبد قبل التسليم ، لم يستحق العامل شيئاً ، وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده. نعم لو صرح بما لا يقتضي التسليم - كالايصال الى البلد - استحق الجعل .. ». والمقامان من باب واحد. ومن ذلك تعرف ضعف ما تقدم عن كشف اللثام والجواهر. ولعل السر فيما ذكرنا : أن الأمر الغيري إنما يتعلق بالمقدمة الموصلة ، فغير الموصلة لا أمر بها لا نفسياً ولا غيرياً ، فلا استيفاء ليترتب عليه الضمان.

الثالث : أنه لو بني على التوزيع في البلدي وعدمه في الميقاتي ، فهل يكون مقتضى الإطلاق هو الحج البلدي ، فيجب التوزيع لو مات قبل الميقات - كما تقدم - أو لا؟ الظاهر أن المقامات مختلفة ، فقد يكون مقتضى الإطلاق الحج البلدي ، وقد يكون مقتضاه الحج من بلد الإجارة ، وقد لا يكون ، وكل ذلك تابع للمناسبات المقامية المقتضية للانصراف وعدمها.

[1] ذكر ذلك في المدارك وغيرها. قال في الأولى : « ولو مات بعد الإحرام استحق بنسبة ما فعله إلى الجملة .. ». ونحوه كلام غيره وفي النافع : « لو صد الأجير قبل الإكمال استعاد من الأجرة ما قابل المتخلف .. ». ونحوه في القواعد. ونسب ذلك ، في بعض الكلمات ، الى تصريح الأصحاب. وحاصل الاشكال عليه : أن أبعاض العمل المستأجر عليه إنما توزع عليها الأجرة إذا كانت ذات قيمة - بأن كانت ينتفع بها - فاذا لم يكن ينتفع بها وليس لها قيمة لا مجال للتبعيض. وكذا الحكم في

للصلاة ، فأتى بركعة أو أزيد ثمَّ أبطلت صلاته ، فإنه لا إشكال في أنه


باب تبعض الصفقة في البيع ، فاذا كان بعض المبيع له قيمة في حال الانفراد كان تبعيض الثمن في محله ، أما إذا لم يكن له قيمة في حال الانفراد فلا مجال لتبعيض الثمن عليه ، لأن تبعيض الثمن إنما يكون لتبعيض العقد وانحلاله الى عقود متعددة بتعدد الاجزاء ، ولا مجال لذلك فيما إذا كان البعض منفرداً لا قيمة له ، لأن أخذ الثمن في حال الانفراد أكل للمال بالباطل.

ومن ذلك يظهر : أنه لو أحرم فمات قبل دخول الحرم لم يستحق شيئاً من الأجرة - بناء على عدم الاجزاء - لأنه لا قيمة للعمل المذكور. نظير ما لو استؤجر على الصلاة فمات قبل التسليم ، أو أحدث قهراً ، فإنه لا يستحق على ما أتى به من أجزاء الصلاة ، لعدم المنفعة له ، الموجبة لصحة المعاوضة عليه بالمال. وكذلك الكلام في جميع الأعمال الارتباطية التي لا يترتب الأثر على بعضها إلا في حال الانضمام فان البعض في حال الانفراد لا يكون مالاً ، ولا يصح أن يقابل بالمال ، فأخذ المال بإزائه أكل للمال بالباطل.

فان قلت : المشتري للصفقة إنما اشترى الأبعاض في حال الاجتماع لا في حال الانفراد ، فكيف جاز إلزامه بالبيع في البعض مع تبعض الصفقة؟ قلت : الاشكال المذكور - وهو لزوم أكل المال بالباطل - غير آت هنا. نعم هذا إشكال آخر ، وهو عدم قصد شراء البعض. فاذا صح العقد فيه فقد صح ووقع ما لم يقصد. لكن أشرنا - في بعض مباحث الإجارة - إلى الجواب عن الاشكال المذكور ، وحاصله : الاكتفاء بالقصد الضمني عند العقلاء والمتشرعة ، وإن كان ذلك القصد يختص بحال اجتماع الأبعاض ولا يعم حال انفرادها. فراجع.

لا يستحق الأجرة على ما أتى به. ودعوى : أنه وإن كان لا يستحق من المسمى بالنسبة ، لكن يستحق أجرة المثل لما أتى به [1] ، حيث أن عمله محترم [2]. مدفوعة : بأنه لا وجه له بعد عدم نفع للمستأجر فيه ، والمفروض أنه لم يكن مغروراً من قبله [3]. وحينئذ فتنفسخ الإجارة إذا كانت للحج في سنة معينة ، ويجب عليه الإتيان به إذا كانت مطلقة ، من غير استحقاق لشي‌ء على التقديرين.


[1] تقدمت هذه الدعوى عن كشف اللثام والجواهر.

[2] كذا استدل في الجواهر. وعرفت أن هذه القاعدة تكليفية لا وضعية. ولو سلم ذلك فهي تختص بما له قيمة من الأجزاء ولا تشمل الفرض مما كان الجزء المأتي به لا قيمة له. وأما كاشف اللثام فلم بذكر دليلاً غير أن الضمان مقطوع به. لكن القطع غير ثابت.

[3] ولو كان مغروراً رجع إلى الغار ، لقاعدة : « المغرور يرجع على من غره » التي هي مضمون المرسل النبوي (1)، ويستفاد من جملة من النصوص - الواردة في باب تدليس الزوجة - حيث ذكر فيها : أن الزوج يرجع على المدلس كما غر الرجل وخدعه (2). وقد تعرضنا لهذه القاعدة في كتاب : ( نهج الفقاهة ) تعليقتنا على مكاسب شيخنا الأعظم فراجع مبحث الفضولي منه.

ثمَّ إنه لا فرق - في الضمان بهذه القاعدة - بين المستأجر الغار وغير ، إذا كان غاراً. والضمان بالغرور لا ينافي ما سبق : من عدم الضمان بالعقد


1) تقدم التعرض للحديث المذكور في صفحة : 144 من الجزء : 10 من هذه الطبعة.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب العيوب والتدليس في النكاح حديث : 1.

( مسألة 12 ) : يجب في الإجارة تعيين نوع الحج ، من تمتع ، أو قران ، أو إفراد [1]. ولا يجوز للمؤجر العدول عما عين له [2] وإن كان الأفضل - كالعدول من أحد


من جهة عدم المنفعة ، لإطلاق دليله المقتضي لثبوته ولو مع عدم المنفعة الموجبة لكونه مالاً إذا كان يصدق معه النقص والخسارة ، وإن كان لا يصح العقد معه. فلو استأجر أجيراً على عمل لا يترتب عليه فائدة كانت الإجارة باطلة ، فلا يستحق الأجرة المسماة ، لكن يستحق أجرة المثل على المستأجر إذا كان قد غره. كما يستحق على غيره إذا كان قد غره أيضاً. وإن كان أيضاً محل تأمل ونظر. فتأمل.

[1] قال في المدارك : « سيأتي - إن شاء اللّه - أن أنواع الحج ثلاثة : تمتع ، وقران ، وإفراد. ومقتضى قواعد الإجارة : أنه يعتبر في صحة الإجارة على الحج تعيين النوع الذي يريده المستأجر ، لاختلافها في الكيفية والاحكام .. ». ونحوه ذكر غيره أيضاً. وفي الجواهر : « ظاهرهم الاتفاق عليه .. » ، وعلله : بلزوم الغرر. لكن المذكور في محله : أن صفات المبيع - التي يجب العلم بها لئلا يلزم الغرر - هي الصفات التي تختلف بها المالية ، إما مالا تختلف به المالية فلا تجب معرفته ، لعدم لزوم الغرر مع الجهل بها. وحينئذ فاختلاف أنواع الحج في الكيفية والأحكام إذا لم توجب اختلاف المالية لم تجب معرفتها ، فيجوز أن يستأجره على أن يحج أي نوع شاء. نعم إذا كان المنوب عنه مما يتعين نوع منها عليه لزم التعيين من الوصي أو غيره. لكنه لا يرتبط بصحة الإجارة.

[2] هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه بالنظر الى القواعد الأولية ، فإنه خلاف أدلة النفوذ والصحة. ولا فرق بين أن يكون العدول إلى الأفضل

الأخيرين إلى الأول - إلا إذا رضي المستأجر بذلك [1] ، فيما إذا كان مخيراً بين النوعين أو الأنواع - كما في الحج المستحبي والمنذور المطلق - أو كان ذا منزلين متساويين في مكة وخارجها. وأما إذا كان ما عليه من نوع خاص فلا ينفع رضاه أيضاً بالعدول الى غيره [2]. وفي صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب إسقاط حق الشرط إن كان التعيين بعنوان الشرطية [3] ، ومن باب الرضا بالوفاء بغير الجنس إن كان بعنوان القيدية.


أو المفضول أو المساوي ، إذ المعدول اليه غير المستأجر عليه ، فكيف يجزي عنه؟!.

[1] هذا إذا كان الرضا قبل عمل الأجير. أما إذا كان بعده فقد عرفت أنه إذا كان التعيين بنحو الشرط يكون العدول مخالفاً لحق المشروط له ، فيبطل لكونه حراماً ، كما تقدم.

[2] لا في براءة ذمة المنوب عنه ، لأن الرضا لا يشرع انقلاب موضوع الوجوب ، ولا في صحة الفعل إذا كان النائب قد قصد أمر المنوب عنه الوجوبي ، لأنه لم يتعلق بالمعدول عنه ، فالإتيان به بنيته إتيان به عن غير أمره. نعم إذا أتى به عن أمره الندبي فلا بأس بالبناء على صحته لتعلق الأمر الندبي به ، وإن كان الأمر الوجوبي متعلقاً بغيره ، إذ لا مانع من تحقق الأمرين واجتماعهما. كما أن رضا المستأجر ينفع في براءة ذمة النائب إذا كان قد رضي به على كل حال ، أو رضي به على بعض الأحوال وكان العمل واجداً لتلك الحال. ولا فرق بين الرضا السابق واللاحق فيما ذكرنا.

[3] والمراد من الشرط ليس ما يكون تحت إنشاء مستقل في ضمن

وعلى أي تقدير يستحق الأجرة المسماة وإن لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني ، لأن المستأجر إذا رضي بغير النوع الذي عينه فقد وصل اليه ماله على المؤجر ، كما في الوفاء


العقد - الذي يكون شرط فعل تارة ، وشرط نتيجة أخرى - بل المراد به الوصف المتعلق بموضوع العقد ، الموجب تخلفه خيار الشرط. بخلاف الشرط - بالمعنى الأول - الموجب تخلفه خيار الاشتراط ، لاختصاص ذلك بالمفهوم المنشأ في مقابل المفهوم المنشأ بالعقد. وكون الحج تمتعاً أو قراناً أو إفراداً ليس من هذا القبيل ، بل من قبيل القيود والأوصاف المتعلقة بموضوع العقد ، مثل كون العبد كاتباً وكونه حبشياً.

وقد قسمه المصنف (رحمه اللّه) إلى قسمين : أحدهما : أن يؤخذ شرطاً ، مثل أن يستأجره على الحج ويشترط عليه أن يأتي به بعنوان حج التمتع ، وثانيهما : أن يؤخذ على نحو القيدية ، بأن يستأجره على حج التمتع. لكن الانقسام إلى القسمين ليس لاختلاف صورة الإنشاء ، بل لاختلاف خصوصية المفهوم ، فان كان ذاتياً كان قيداً ، وإن كان خارجاً عن الذات كان شرطاً ، فمثل كتابة العبد من قبيل الشرط ، سواء باعه العبد الكاتب أم باعه العبد بشرط كونه كاتباً ، ومثل كونه حبشياً قيد ، سواء باعه العبد الحبشي أم باعه العبد بشرط كونه حبشياً. فكون الحج تمتعاً أو قراناً إن كان من قبيل الذاتي في نظر العرف ، فهو قيد ولو كانت صورة الإنشاء بعنوان الشرط ، وإن كان من قبيل الخارج عن الذات فهو شرط ووصف ، سواء كانت صورة الإنشاء بعنوان الشرط أم بعنوان القيد. فالانقسام إلى القسمين في المقام غير ظاهر. كما أن الظاهر أن ما به الامتياز بين أنواع الحج داخل في الذات ، فتكون من قبيل القيود ، فالعدول عن بعضها إلى الآخر عدول

بغير الجنس في سائر الديون ، فكأنه قد أتى بالعمل المستأجر عليه. ولا فرق فيما ذكرنا بين العدول إلى الأفضل أو الى المفضول. هذا ويظهر من جماعة جواز العدول إلى الأفضل [1]


إلى غير المستأجر عليه ، لا عدول من واجد الصفة إلى فاقدها. نعم ربما يكون اختلاف صورة الإنشاء موجباً لاختلاف كون القيد ملحوظاً على نحو وحدة المطلوب وتعدده. ولكنه محتاج إلى تأمل. وكيف كان فما ذكره المصنف (رحمه اللّه) : من أنه مع الرضا بالعدول يستحق الأجير تمام الأجرة ، في محله لما ذكر.

ثمَّ إنه بناء على صحة اشتراط التعيين بنحو الالتزام في ضمن العقد وكان الرضا بعد العمل ، فالفعل قبل الرضا لما كان على خلاف الشرط كان حراماً ، لما فيه من تضييع حق الشرط. وحينئذ لا يصح عبادة - نظير من نذر أن يحج حجة الإسلام طاهراً ، وأن يصلي صلاته جماعة - لأنه راجع إلى شرط أن لا يحج إلا متمتعاً مثلاً وحينئذ لا يستحق الأجرة ، ولا يصح الرضا به من الوصي والوارث ، كما أشرنا إلى وجهه فيما سبق. فتأمل جيداً.

[1] المحكي عن أبي علي والشيخ والقاضي : أنه يجوز العدول إلى الأفضل مطلقاً ، وفي الشرائع : « يجوز إذا كان الحج مندوباً ، أو قصد المستأجر الإتيان بالأفضل ، لا مع تعلق الغرض بالقران أو الافراد .. » ، وفي القواعد : « لو عدل الى التمتع عن قسيميه ، وتعلق الغرض بالأفضل أجزأ ، والا فلا .. ». ونحو ذلك كلمات غيرهم الظاهرة في جواز العدول في الجملة.

• كالعدول الى التمتع - تعبداً من الشارع. لخبر أبي بصير [1] عن أحدهما : « في رجل أعطى رجلاً دراهم يحج بها مفردة [2] أيجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال (عليه السلام) : نعم ، إنما خالف إلى الأفضل ». والأقوى ما ذكرناه. والخبر منزل على صورة العلم برضا المستأجر بذلك مع كونه مخيراً بين النوعين [3]

[1] رواه المشايخ الثلاثة عن أبي بصير. وفي الوسائل : « يعني : المرادي ». ورواه في الكافي عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي بصير (1). وعلى ما ذكره في الوسائل يكون الخبر في أعلى مراتب الصحة.

[2] في الوسائل : « يحج بها عنه حجة مفردة ، فيجوز له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال : نعم ، إنما خالف إلى الفضل ». وفي رواية الصدوق : « إنما خالفه إلى الفضل والخير ».

[3] هذا التنزيل خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظة أنه مع العلم بالرضا يكون الحكم بالجواز واضحاً لا يحتاج إلى سؤال. فإن قلت : قوله (عليه السلام) : « إنما خالف .. » ظاهر في تعليل الحكم بالجواز ، ومقتضى حمل التعليل على مقتضى الارتكازيات العرفية : أن يكون المراد أن التمتع أفضل ، فيكون أرضى للمستأجر ، إذ لو لم يكن للمستأجر رضاً به لم يكن التعليل ارتكازياً بل تعبدياً.

قلت : بعد ما عرفت من أنه مع العلم بالرضا لا مجال للسؤال ، أن الوجه الارتكازي الذي لوحظ في التعليل : أن التمتع لما كان أفضل من غيره كان العدول اليه إحساناً للمستأجر وإن لم يرض به. والأولى الجمع


1) الوسائل باب : 12 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

جمعاً بينه وبين خبر آخر [1] : « في رجل أعطى رجلاً دراهم يحج بها حجة مفردة. قال (عليه السلام) : ليس له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج ، لا يخالف صاحب الدراهم ». وعلى ما ذكرنا - من عدم جواز العدول إلا مع العلم بالرضا - إذا عدل بدون ذلك لا يستحق الأجرة في صورة التعيين على وجه القيدية ، وإن كان حجه صحيحاً عن المنوب عنه ومفرغاً لذمته إذا لم يكن ما في ذمته متعيناً فيما عين [2]. وأما إذا كان على وجه الشرطية فيستحق [3]. إلا إذا فسخ المستأجر الإجارة من جهة تخلف الشرط ، إذ حينئذ لا يستحق المسمى [4] ، بل أجرة المثل.

( مسألة 13 ) : لا يشترط في الإجارة تعيين الطريق


بين الخبرين بتقييد الثاني بالأول ، لأن الأول ظاهر في صورة التخيير الذي يكون التمتع فيها أفضل. والثاني مطلق ، فيحمل على غير هذه الصورة ، ومنه صورة الجهل بالحال. ثمَّ إن مقتضى التعليل : عموم الحكم لكل مورد كان المعدول إليه أفضل. لكن لا مجال له ضرورة.

[1] وهو خبر علي ، الذي استظهر في المدارك : أنه ابن رئاب (1).

[2] قد عرفت الإشكال في ذلك ، وأنه لا يناسب ما ذكروه في باب نية الوضوء ، والغسل ، والصلاة. فراجع.

[3] لحصول المستأجر عليه بلا نقص فيه.

[4] لبطلانه ببطلان الإجارة.


1) الوسائل باب : 12 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

وإن كان في الحج البلدي ، لعدم تعلق الغرض بالطريق نوعاً ، ولكن لو عين تعين ، ولا يجوز العدول عنه الى غيره [1]. إلا إذا علم أنه لا غرض للمستأجر في خصوصيته وإنما ذكره على المتعارف [2] ، فهو راض بأي طريق كان ، فحينئذ لو عدل صح ، واستحق تمام الأجرة. وكذا إذا أسقط بعد العقد حق تعيينه ، فالقول بجواز العدول مطلقاً [3] ، أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصية [4] ضعيف. كالاستدلال له بصحيحة حريز : « عن رجل أعطى رجلاً حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة. فقال : لا بأس ، إذا قضى جميع المناسك فقد تمَّ حجة » (1). إذ هي محمولة على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب [5]. مع أنها إنما دلت على صحة الحج من حيث


[1] أخذاً بدليل النفوذ والصحة.

[2] فلا تعيين حينئذ ، وإنما الصادر مجرد التعبير. لكنه خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظة أن الحج من الكوفة أكثر ثواباً وأعظم أجراً ، لما فيه من بعد المسافة.

[3] حكي عن الشيخ في المبسوط. وفي المستند : حكاه عن الشيخين والقاضي ، والحلبي والجامع ، والإرشاد ، وغيرهم.

[4] حكي عن الشرائع. لكن المذكور فيها : عدم جواز العدول إن تعلق بذلك غرض. انتهى ، ونسبه في الجواهر إلى المشهور.

[5] هذا المقدار لا يوجب موافقتها للقاعدة ، لأن التعيين في عقد


1) الوسائل باب : 11 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

هو ، لا من حيث كونه عملاً مستأجراً عليه كما هو المدعى [1]. وربما تحمل على محامل أخر [2]. وكيف كان لا إشكال في صحة حجه وبراءة ذمة المنوب عنه إذا لم يكن ما عليه مقيداً


الإجارة يوجب التعين ، عملاً بنفوذ العقد. وإنما الذي يوجب موافقتها للقواعد أن يكون ذكره من باب المثال لا لخصوصية فيه ، فيكون موضوع الإجارة حقيقة الطريق الكلي الجامع بينه وبين غيره وإن كان اللفظ قاصراً عنه. ولعل المراد ذلك وإن بعد عن ظاهر التعبير.

[1] العمدة في الاشكال على الرواية هذه الجهة ، فإنه لم يظهر من الرواية أن السؤال كان عن جواز العدول تكليفاً وعدم الإثم فيه ، أو كان عن جوازه وضعاً واستحقاق الأجرة ، أو عن صحة الحج وبراءة ذمة المنوب عنه به ، كل ذلك غير ظاهر. لكن الاقتصار في الجواب على الصحة يقتضي كون السؤال عنها دون الآخرين ، فتسقط الرواية عن صحة الاستدلال بها على المقام.

[2] فعن الذخيرة : أن قوله : « من الكوفة » متعلق بقوله : « أعطى » وعن المدارك : أنه صفة لقوله : « رجلاً ». وعن السيد الجزائري : حملها على ان الشرط خارج عن العقد ، وهو لا يجب الوفاء به عند الفقهاء وعن المنتقى : أنه ليس من باب الإجارة بل على وجه الرزق.

وكل هذه المحامل بعيدة ، فإن قرينة المقابلة بين : « من الكوفة » و : « من البصرة » تقتضي أنه متعلق بالحج ، فلا مجال للاحتمالين الأولين واما احتمال الجزائري فهو خلاف ظاهر السؤال. واما احتمال المنتفى فهو لا يوجب الموافقة للقواعد ، لأن البذل إذا كان مشروطاً بالحج من الكوفة فمع عدم الشرط يكون المبذول مضموناً على المبذول له.

بخصوصية الطريق المعين [1] ، إنما الكلام في استحقاقه الأجرة المسماة على تقدير العدول وعدمه. والأقوى أنه يستحق من المسمى بالنسبة ، ويسقط منه بمقدار المخالفة إذا كان الطريق معتبراً في الإجارة على وجه الجزئية ، ولا يستحق شيئاً على تقدير اعتباره على وجه القيدية. لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ وإن برئت ذمة المنوب عنه بما أتى به ، لأنه حينئذ متبرع بعمله. ودعوى : أنه يعد في العرف أنه أتى ببعض ما استؤجر عليه ، فيستحق بالنسبة ، وقصد التقييد بالخصوصية لا يخرجه عرفاً عن العمل ذي الاجزاء - كما ذهب إليه في الجواهر [2] لا وجه


[1] قد عرفت أن الصحة في المقام تنافي كلمات الأصحاب في مقام آخر. فكأن الرواية هي الفاصلة بين المقامين. وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في المسألة الواحدة والثلاثين (1)من الفصل السابق.

[2] قال فيها : « وإن كان المراد الجزئية من العمل المستأجر عليه على وجه التشخيص به ، فقد يتخيل - في بادي النظر - عدم استحقاق شي‌ء - كما سمعته من سيد المدارك - لعدم الإتيان بالعمل المستأجر عليه ، فهو متبرع به حينئذ. لكن الأصح خلافه ، ضرورة كونه بعض العمل المستأجر عليه ، وليس هو صنفاً آخر ، وليس الاستئجار على خياطة تمام الثوب فخاط بعضه - مثلاً - بأولى منه بذلك .. ». ثمَّ استدل على ذلك بأصالة احترام عمل المسلم.

أقول : قد عرفت أن أصالة احترام عمل المسلم لا أصل لها بنحو تقتضي الضمان. وأما ما ذكره من مثال : خياطة بعض الثوب ، وعدم


1) راجع صفحة : 361 من الجزء : 10 من هذه الطبعة.

لها. ويستحق تمام الأجرة ان كان اعتباره على وجه الشرطية الفقهية [1] ، بمعنى : الالتزام في الالتزام. نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلف الشرط ، فيرجع إلى أجرة المثل.

( مسألة 14 ) : إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة ، ثمَّ آجر عن شخص آخر في تلك السنة


أولوية الضمان فيه مما نحن فيه ، فإشكاله أظهر ، ضرورة كونه بعض العمل ، بخلاف المقام ، لأنه غيره ، لانتفاء المقيد بانتفاء قيده. ومثله : لو استأجره على أن يصلي في المسجد - أو في يوم الجمعة ، أو نحوهما من الخصوصيات المشخصة - فخالف ، فإنه لا وجه للضمان ، لأنه أكل للمال بالباطل ، إذ الأجرة ملحوظة في مقابل العمل الخاص ، وهو منتف. نعم إذا كان القيد بمحض صورة العبارة ، وفي الحقيقة كان الإيجاز واقعاً على القيد والمقيد على نحو جزئية كل منهما كان التبعيض في محله ، فيكون المراد من قوله : « آجرتك على أن تحج من الطريق الفلاني » : أنه آجره على أن يخرج من أهله في الطريق المذكور ناوياً للحج ، فيكون سلوك الطريق جزء المستأجر عليه ،

لكن الفرض خارج عن محل الكلام الذي اختار فيه المصنف - تبعاً لجماعة ، منهم صاحب المدارك - عدم الاستحقاق. بل الظاهر : أنه ليس محل تأمل وإشكال ، كما يظهر من كلماتهم في القيود المشخصة إذا تخلفت. فلاحظ. فان كان خلاف الجواهر في مقام الإثبات فهو غير بعيد. وإن كان في مقام الثبوت فالظاهر ما ذكره المصنف.

[1] كما نص عليه في الجواهر. وهو واضح.

مباشرة أيضاً ، بطلت الإجارة الثانية [1] ، لعدم القدرة على العمل بها بعد وجوب العمل بالأولى. ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في إحداهما صحتا معاً. ودعوى : بطلان الثانية وان لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الأولى - لأنه يعتبر في صحة الإجارة تمكن الأجير من العمل بنفسه ، فلا يجوز إجارة الأعمى على قراءة القرآن ، وكذا لا يجوز إجارة الحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرة - ممنوعة [2] ، فالأقوى الصحة. هذا إذا آجر نفسه ثانيا للحج بلا اشتراط المباشرة ، وأما إذا آجر نفسه لتحصيله فلا إشكال فيه [3]. وكذا تصح للثانية مع اختلاف السنتين ، أو مع توسعة الاجارتين ، أو توسعة إحداهما. بل وكذا مع إطلاقهما [4] ،


[1] كما ذكر ذلك في الجواهر ، معللاً بما ذكر. وظاهره : المفروغية عن ذلك لوضوح وجهه.

[2] الوجه في المنع ظاهر ، وكذا في المثالين المذكورين. نعم إذا كان ظاهر الكلام المباشرة ، فالأخذ بالظاهر يقتضي البطلان لعدم القدرة. لكن - مع أنه غير ثابت كلية ، وأنه خارج عن محل الكلام - يمكن أن يكون العجز قرينة على خلاف الظاهر. اللّهم إلا أن يكون المستأجر جاهلاً بالحال. ولأجل ذلك قال في الجواهر - بعد ذكر الدعوى المذكورة - : « لكن قد ذكرنا في كتاب الإجارة : احتمال الصحة .. ». وقد عرفت أن المتعين الجزم بالصحة.

[3] لعدم المنافاة بينهما ، لإمكان اشتغال الذمة بتحصيل حجين في سنة واحدة ، ولو بتوسط الاستنابة فيهما أو في أحدهما.

[4] عن المنتهى : أنه جزم بالجواز فيه ، ومثله غيره. لكن عن الشيخ

أو إطلاق إحداهما [1] إذا لم يكن انصراف الى التعجيل [2]. ولو اقترنت الإجارتان - كما إذا آجر نفسه من شخص ،


وغيره : بطلان الثانية ، واختاره المحقق في الشرائع ، بل يظهر منه التوقف في صحة الثانية إذا كانت معينة في غير السنة الأولى. لكن عن المعتبر : الجزم بالصحة حينئذ. وهو كذلك إذ لا مجال لاحتمال المزاحمة. وكأن مبنى القول ببطلان الثانية - المحكي عن الشيخ وغيره - : أن مقتضى الإطلاق التعجيل ، فتكون الثانية مزاحمة للإجارة الأولى فتبطل. لكن عرفت : أن التعجيل وإن كان مقتضى قاعدة السلطنة ، إلا أنه لا يبطل الثانية ، وإنما يبطلها إذا كان قيداً في العمل المستأجر عليه ، فتتزاحم الإجارتان. لكنه غير ثابت ، والتعجيل - المستفاد من قاعدة السلطنة - لا يرفع القدرة المعتبرة في صحة الإجارة ، ولا يوجب الفسخ عند التخلف. ولذلك ذكر في القواعد وغيرها : أن إطلاق الإجارة يقتضي التعجيل فإن أهمل لم ينفسخ بل ولا يجب الخيار عند التخلف ، لأن اقتضاءه للفسخ مبني على أخذه قيداً ، واقتضاؤه الخيار مبني على أخذه شرطاً ، وكلاهما غير ثابت.

[1] قد عرفت إشكاله فيما لو كانت الأولى مطلقة والثانية مقيدة بالتعجيل. نعم يتم لو كان الأمر بالعكس ، لما تقدم في المطلقتين.

[2] عن الشهيد - في بعض تحقيقاته - أن إطلاق الإجارة يقتضي التعجيل. وفي الجواهر : « صرح باقتضاء الإطلاق فيه - يعني : في الحج - التعجيل جماعة .. ». وفي المدارك : ان مستنده غير واضح. وفي الجواهر - بعد نقله ذلك - قال : « وهو كذلك ، بناء على الأصح من عدم اقتضاء الأمر الفور ، والفرض عدم ظهور في الإجارة بكون قصد المستأجر ذلك .. ». وفيه : أنه لا مجال للمقايسة على الأمر ، لأن

وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة ، وكان وقوع الاجارتين في وقت واحد - بطلتا معاً مع اشتراط المباشرة فيهما [1]. ولو آجره فضوليان من شخصين - مع اقتران الاجارتين - يجوز له إجازة إحداهما ، كما في صورة عدم الاقتران [2]. ولو آجر نفسه من شخص ، ثمَّ علم أنه آجره فضولي من


إطلاق مادة الأمر يقتضي نفي اعتبار الفورية والتراخي ، فالفورية تحتاج الى دليل. وفي باب الإجارة وإن كان الإطلاق يقتضي نفي الفور والتراخي والتعجيل والتأجيل ، لكن قاعدة السلطنة على الأموال والحقوق تقتضي وجوب المبادرة إلى الأداء ، لأن التأخير خلاف القاعدة المذكورة ، وكذلك الكلام في الثمن والمثمن.

ومن ذلك يظهر أنه - مع إطلاق الإجارة الأولى - لا مجال للإجارة الثانية إذا كانت مقيدة بالتعجيل ، لانتفاء القدرة على الأداء ، ويصح إذا كانت على التأجيل. وكذلك لو كانت الأولى على التأجيل ، فإنه تصح الثانية وإن كانت مطلقة. أما لو كانتا مطلقتين فلا مانع من صحتهما ، أما الأولى فلعدم المزاحم ، وأما الثانية فلأن المستأجر عليه لما كان هو الطبيعة المطلقة فالقدرة - المعتبرة في صحة الإجارة - القدرة عليه ولو بالقدرة على بعض أفراده في الزمان اللاحق.

[1] كما نص على ذلك في الجواهر. لتنافيهما فلا يمكن صحتهما ، وصحة إحداهما المعينة دون الأخرى ترجيح بغير مرجح ، وصحة إحداهما بلا تعيين لا يترتب عليها أثر فتلغى.

[2] فتصح المجازة لعموم الأدلة ، وتبطل الأخرى وإن أجازها ، لما سبق في الإجارة الثانية الصادرة منه.

شخص آخر سابقاً على عقد نفسه ، ليس له إجازة ذلك العقد وإن قلنا بكون الإجازة كاشفة ، بدعوى : أنها حينئذ تكشف عن بطلان إجارة نفسه. لكون إجارته نفسه مانعاً عن صحة الإجازة حتى تكون كاشفة [1]. وانصراف أدلة صحة الفضولي عن مثل ذلك.

( مسألة 15 ) : إذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لا يجوز له التأخير [2] ، بل ولا التقديم [3] ، الا مع رضى


[1] لأن الإجازة إنما تستوجب النفوذ إذا كانت صادرة من السلطان ، وبعد وقوع الإجارة الأولى منه تخرج المنافع عن سلطانه وتكون للمستأجر ، فإذا أجاز إجارة الفضولي فقد أجاز وهو غير سلطان. وكذا الحكم إذا باع الفضولي ملك غيره ثمَّ باع المالك ملكه ، فإنه لا مجال لإجازة المالك بعد خروج الملك عن ملكه ، إذ لا سلطان له عليه. فراجع كلماتهم في مبحث الفضولي.

[2] لأن تعيين الزمان اقتضى استحقاق المستأجر الزمان المعين ، فالتأخير تفويت لحق المستأجر ، فيكون حراماً.

[3] فلو قدم لم يجزئ ولم يستحق الأجرة ، لأنه غير المستحق. وعن التذكرة : « الأقرب الجواز ، لأنه زاد خيراً .. » وفي المدارك : « في الصحة وجهان ، أقربهما ذلك ، مع العلم بانتفاء الغرض بالتعيين .. ». وفيه - كما في الجواهر - : أنه يرجع إلى عدم إرادة التعيين من الذكر في العقد ، وحينئذ لا إشكال في الاجزاء. إنما الكلام فيما اعتبر فيه التعيين ، ولا ريب في عدم الاجزاء به عن الإجارة ، إلا إذا كان بنحو الشرطية لا التشخيص للعمل ..

أقول : التعيين للزمان تارة : يكون في مقابل التأخير ، بمعنى : عدم

المستأجر. ولو أخر لا لعذر أثم ، وتنفسخ الإجارة إن كان التعيين على وجه التقييد ، ويكون للمستأجر خيار الفسخ لو كان على وجه الشرطية. وإن أتى به مؤخراً لا يستحق الأجرة على الأول ، وإن برئت ذمة المنوب عنه به. ويستحق المسماة على الثاني ، إلا إذا فسخ المستأجر فيرجع إلى أجرة المثل. وإذا أطلق الإجارة ، وقلنا بوجوب التعجيل لا تبطل مع الإهمال [1]. وفي ثبوت الخيار للمستأجر حينئذ وعدمه وجهان من أن الفورية ليست توقيتاً ، ومن كونها بمنزلة الاشتراط [2].


جواز التأخير عنه ، وأخرى : في مقابل التقديم ، بمعنى : عدم جواز التقديم عليه ، وثالثة : في مقابلهما معاً. وفي الأولى لا يجوز التأخير ، ويجوز التقديم. وفي الثانية بالعكس. وفي الثالثة لا يجوز كل منهما. والظاهر من نفس التعيين الصورة الثالثة. إلا أن تكون قرينة على إحدى الأولتين فيعمل عليها.

[1] لعدم كونه قيداً. وعن الدروس : « ولو أطلق اقتضى التعجيل فلو خالف الأجير فلا أجرة له .. ». وظاهره اعتباره قيداً.

[2] يعني : فيكون تخلفه موجباً للخيار. وهو - أيضاً - ظاهر عبارة أخرى للدروس ، قال : « ولو أهمل لعذر فلكل منهما الفسخ في المطلقة في وجه قوي. ولو كان لا لعذر تخيير المستأجر خاصة .. ». ولا يخلو ما ذكره هنا من منافاة ما سبق عنه. فلاحظ.

ثمَّ إن المناسب للمصنف التعبير هكذا : « لو قلنا بوجوب التعجيل ، فاما أن نقول بأنه قيد فتبطل مع إهماله ، أو أنه شرط فيكون للمستأجر

( مسألة 16 ) : قد عرفت عدم صحة الإجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معينة ثمَّ آجر من آخر في تلك السنة ، فهل يمكن تصحيح الثانية بإجازة المستأجر الأول أو لا؟ فيه تفصيل [1] ، وهو : أنه إن كانت الأولى


الخيار بإهماله » فان دليل التعجيل - لو قلنا به - ليس بأيدينا كي نجزم بأنه لا يدل على كونه بنحو التقييد. كما أن المدار في الخيار تخلف الشرط لا فوات الوقت. والأمر سهل.

[1] الكلام في المقام إنما هو في صورة تنافي الاجارتين لاشتراط المباشرة فيهما معاً ، فلو لم تعتبر المباشرة فيهما - أو في إحداهما - فلا إشكال في صحتهما معاً ، كما سبق في المسألة الرابعة عشرة. وحينئذ نقول : إذا اشترط المباشرة فيهما فالاجارتان تارة : تكونان واقعتين على ما في الذمة ، وأخرى : على ما في الخارج ، أعني : المنفعة الخاصة الخارجية ، وثالثة : تكونان مختلفتين ، فتكون الأولى على ما في الذمة والثانية على ما في الخارج ، أو بالعكس. وفي جميع الصور الأربعة تارة : يكون موضوعاً الاجارتين متماثلين ، وأخرى : متضادين. مثال الصورة الأولى : أن يستأجر زيداً على أن يحج - في سنة معينة - عن عمرو ، ثمَّ يستأجره خالد على أن يحج في تلك السنة عن الوليد ، على أن يكون مقصود المستأجرين إشغال ذمته بالحج عن عمرو وعن الوليد. ومثال الصورة الثانية : المثال المذكور بعينه على أن يكون مقصود المستأجرين بملك منفعته الخاصة من دون إشغال لذمته بشي‌ء. ومثال الأخيرتين يعلم مما ذكر من المثالين ، فإنه إذا كانت الأولى على النحو الأولى والثانية على النحو الثاني كان مثالاً للصورة الثالثة ، وإذا كان بالعكس كان مثالاً للصورة الرابعة. وموضوعا


الاجارتين متماثلان ، وإذا بدلنا الحج عن خالد بزيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة كانا متضادين.

وفي جميع هذه الصور لا تصح الإجارة الثانية بدون إجازة المستأجر الأول ، لما سبق من أنها منافية لحقه. كما أن الظاهر أنها تصح بإجازته ، إذ لا يعتبر في صحة العقد بالإجازة أن يكون المجيز مالكاً لموضوع العقد ، بل يكفي في صحة العقد بالإجازة أن يكون العقد - لو لا الإجازة - منافيا لحق غير العاقد ، فإذا أجاز ذو الحق لم يكن مانع من نفوذ العقد. ولذا صح بيع العين المرهونة بإجازة المرتهن وإن لم يكن مالكاً لموضوع الحق ، ويصح بيع أموال المفلس بإجازة الغرماء. إلى غير ذلك من موارد الإجازة ممن له الحق ، المانع - لو لا الإجازة - من نفوذ العقد على موضوع الحق.

ومرجع الإجازة : إما إلى الإقالة وانفساخ العقد الأول ، فلا يرجع الأجير على المستأجر الأول بالأجرة. أو الى إسقاط ماله على الأجير من حق ملكه بالإجارة - وهو العمل الخاص على نحو المباشرة - فيكون إبراء لما في ذمته ، أو إسقاطاً لما ملكه عليه من المنفعة الخاصة. لكن مقتضى نفس الإجازة هو الثاني ، لأن الإقالة محتاجة إلى تراضي الطرفين ، لأنها من العقود ، فتكون أجرة الإجارة الثانية راجعة للأجير من دون حق للمستأجر فيها. نعم إذا كانت الإجارة الثانية واردة على نفس موضوع الإجارة الأولى كان مقتضى الإجازة رجوع أجرة الإجارة الثانية إلى المستأجر الأول ، لأنها عوض ملكه. مثل : أن يستأجره الأول ليحج عن زيد في سنة معينة ، فيستأجره الثاني على أن يحج عن زيد أيضاً في تلك السنة بأجرة معينة ، فإن الإجارة الثانية واقعة على نفس ما ملكه المستأجر الأول ، فإذا أجازها ملك الأجرة المسماة فيها ، وكان للأجير أجرته المسماة في الإجارة الأولى.

واقعة على العمل في الذمة لا تصح الثانية بالإجارة ، لأنه


وهذا واضح إذا كانت الأولى واقعة على المنفعة الخاصة الخارجية والثانية عليها أيضاً ، أما إذا كانت الأولى على ما في الذمة والثانية على المنفعة الخاصة - أو بالعكس - فموضوع الاجارتين مختلف ، ولا تكون الإجازة موجبة لرجوع أجرة الثانية إلى المستأجر الأول. بل يجري حكم المتضادين والمتماثلين ، من رجوع الإجازة إلى الفسخ والإقالة ، فلا يكون للمستأجر إلا الأجرة الثانية. أو إلى إسقاط المستأجر الأول حقه على الأجير ، فيستحق الأجرة عليه وعلى المستأجر الثاني. وإذا استأجره الأول على الحج عن زيد مباشرة في الذمة ، ثمَّ استأجره الثاني على الحج عن زيد مباشرة أيضاً في الذمة ، ففي كون موضوع الاجارتين واحداً ، وبالإجازة تكون أجرة الثانية للمستأجر الأول وأجرة الأولى للأجير. أو متعدداً ، فيجري حكم المتضادين الذي عرفت إشكاله وجهان. وإن كان الأقوى الثاني ، لأن ما في الذمة لا يتعين كونه للمستأجر الأول إلا بالتعيين ، بخلاف ما في الخارج. ولذا لو فرض إمكان الجمع بينهما - كما لو استأجره زيد ليزور عن عمرو يوم عرفة ، واستأجره خالد ليزور عن عمرو في ذلك اليوم - صحت الإجارتان ، ووجبت زيارتان عن عمرو إحداهما لزيد والأخرى لخالد. وامتناع الاجتماع - في مثل الحج في سنة واحدة - لا يجعل موضوع الثانية عين موضوع الأولى ، كي تكون الثانية واقعة على مال المستأجر الأول. نعم إذا استأجره الثاني على أن يحج عن زيد ملاحظاً الحج الذي ملكه الأول عليه ، كانت الثانية واقعة على مال المستأجر الأول ، فإذا أجازها الأول استحق الأجرة الثانية وكان للأجير أجرة الإجارة الأولى. فلاحظ.

لا دخل للمستأجر بها ، إذا لم تقع على ماله حتى تصح له إجازتها [1]. وإن كانت واقعة على منفعة الأجير في تلك السنة - بأن تكون منفعته من حيث الحج ، أو جميع منافعه له - جاز له إجازة الثانية ، لوقوعها على ماله. وكذا الحال في نظائر المقام ، فلو آجر نفسه ليخيط لزيد في يوم معين ، ثمَّ آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم ، ليس لزيد إجازة العقد الثاني. وأما إذا ملكه منفعته الخياطي [2] ، فأجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو [3] ، جاز له اجازة هذا العقد ، لأنه تصرف في متعلق حقه ، وإذا أجاز يكون مال الإجارة له لا للمؤجر. نعم لو ملك منفعة خاصة - كخياطة


[1] قد عرفت إشكاله مما سبق ، وكذا قوله بعد ذلك : « ليس لزيد إجازة .. ».

[2] يعني : مطلق المنفعة الخارجية الخياطية المطلقة. أما لو كان الخياطية الخاصة الراجعة لزيد - يعني : خياطة ثوبه مثلا - فان آجره الثاني على الخياطة لعمرو ، فالخياطة الثانية غير الخياطة الاولى ، فلا تكون مورداً للإجارة الأولى ، كما سيأتي.

[3] ينبغي أن يكون مثالا لما إذا آجره الأول لمطلق الكتابة الخارجية نظير ما سبق في الخياطة ، وإلا لم تكن الثانية واقعة على مال المستأجر الأول ، كما سيأتي. ثمَّ إن المتحصل مما ذكرنا أمور : الأول : أن الإجارة الثانية إذا كانت بحيث لا يمكن العمل بها مع الإجارة الأولى لا تصح بدون الإجازة من المستأجر الأول ، لانتفاء القدرة


على موضوعها ، وتصح بإجازته. سواء أكانت الثانية واقعة على عين ما وقعت عليه الإجارة الأولى ، أم على مثله ، أم على ضده. وكأن عذر المصنف (رحمه اللّه) في عدم صحة الإجازة : أن معنى الإجازة الرضا بالعقد ، ولما لم يكن العقد واقعاً على ما تعلق به لم يكن معنى لإجازته. لكن اختصاص الإجازة بذلك غير ظاهر ، إذ يكفي في صحة الإجازة كون العقد منافياً لحقه ، فإذا رضي فقد رفع اليد عن حقه ، فان هذا هو المعني من صحة الإجازة. وإن كان هو في الحقيقة إسقاطاً للحق ، الموجب لانتفاء المانع عن صحة العقد. فكأن النزاع لفظي لا غير.

الثاني : أن الإجارة الثانية إذا كانت واقعة على عين ما وقعت عليه الإجارة الأولى كان مقتضى الإجازة استحقاق المستأجر الأول الأجرة المسماة في الإجارة الثانية ، ويكون للأجير الأجرة المسماة في الإجارة الاولى لا غير. وإذا كانت واقعة على غير ما وقعت عليه الإجارة الأولى كان مقتضى الإجازة سقوط حق المستأجر الأول ، وحينئذ يستحق الأجير الأجرة الاولى والأجرة الثانية معاً.

الثالث : أن الإجازة نفسها راجعة إلى إسقاط الحق لا غير. والحمل على التفاسخ محتاج إلى قرينة تدل على وقوع الإقالة عن تراضي الطرفين ، فاذا لم تكن القرينة يحكم بالأول لا غير.

الرابع : أن الإجارة تارة : تكون بلحاظ تمليك منفعة في الذمة ، وأخرى : بلحاظ منفعة خارجية. نظير إجارة الحيوان ، واجارة المساكن - بل واجارة المولى عبده - فان مقتضاها تمليك نفس المنفعة الخارجية التي تكون للعين المستأجرة من دون إشغال ذمة ، فان المولى إذا آجر عده فقد ملك منفعته للمستأجر ، من دون إشغال ذمته بشي‌ء ولا ذمة عبده. وكذلك

ثوب معين ، أو الحج عن ميت معين على وجه التقييد - يكون كالأول في عدم إمكان إجازته [1].

( مسألة 17 ) : إذا صد الأجير أو أحصر كان حكمه


في الحر إذا أجر نفسه. والمصحح للإجارة على النحو المذكور هو قاعدة السلطنة على النفس ، والمستفادة من قاعدة : « سلطنة الناس على أموالهم » بالأولوية ، بل الإجارة على النحو الأول - الموجب لاشتغال ذمة الأجير بالعمل أيضاً - هي مقتضى تلك القاعدة المتصيدة ، لا قاعدة السلطنة على المال. لان التصرف راجع إلى إشغال الذمة بالعمل ، ولا تصرف في المال. إذ لا مال ولا موضوع.

الخامس : أن المباشرة إذا كانت شرطاً لا قيداً فالإجازة للعقد الثاني لا تقتضي سقوط أصل العمل ، إذ يمكن تنفيذها بإسقاط شرط المباشرة فقط ، وحينئذ يبقى العمل في الذمة لا بقيد المباشرة ، فيجب على الأجير تحصيله بنحو التسبيب. فاذا لم تكن قرينة على أحد الأمرين يبنى على سقوط الشرط فقط ، ويجب على المستأجر تحصيل العمل بالتسبيب. وما ذكرناه أولا - من أن مقتضى الإجازة إسقاط نفس العمل - يختص بصورة ما إذا كانت الإجارة لوحظ فيها المباشرة بنحو التقييد.

[1] يعني : إذا كانت الإجارة الثانية واقعة على منفعة خاصة أخرى ، مثل خياطة ثوب آخر ، أو الحج عن ميت آخر. أما إذا كانت واقعة عليه نفسه - كما إذا استأجره أحد أولاد زيد على أن يحج عن أبيه بدينار ، فاستأجره ولد زيد الآخر أيضاً على أن يحج عن أبيه بدينارين - يمكن حينئذ للأول أن يجيز الإجارة الثانية ، ويملك الأجرة المسماة فيها.

كالحاج عن نفسه فيما عليه من الأعمال [1]. وتنفسخ الإجارة مع كونها مقيدة بتلك السنة [2] ، ويبقى الحج في ذمته مع الإطلاق. وللمستأجر خيار التخلف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في ضمن العقد. ولا يجزي عن المنوب عنه وإن كان بعد الإحرام ودخول الحرم [3] ، لأن ذلك كان في خصوص الموت من جهة الأخبار ، والقياس عليه لا وجه له ولو ضمن المؤجر الحج في المستقبل - في صورة التقييد - لم تجب إجابته. والقول بوجوبه [4] ضعيف. وظاهرهم


[1] الظاهر أنه لا إشكال فيه عندهم. ويقتضيه عموم الأدلة المثبتة لتلك الاحكام ، فان إطلاقها شامل للحاج عن نفسه والحاج عن غيره.

[2] لتعذر العمل المستأجر عليه ، الكاشف عن عدم صحة تمليكه وتملكه.

[3] عن الشيخ في الخلاف : أن الإحصار بعد الإحرام كالموت بعده في خروج الأجير من العهدة. واستدل عليه بإجماع الفرقة. مع أن الحكم منصوص لهم لا يختلفون فيه .. انتهى. وضعفه ظاهر مما ذكره المصنف. وكأن استدلاله بالإجماع قرينة على وقوع السهو - من قلمه الشريف ، أو قلم غيره - في ذكر الإحصار ، كما ظنه في كشف اللثام. وإن كان ظاهر قول المحقق في الشرائع : - « ولو صد قبل الإحرام ودخول الحرم استعيد من الأجرة بنسبة المتخلف .. » - موافقته. فلاحظ.

[4] حكى في الشرائع قولا بالوجوب ، ونسبه غير واحد إلى ظاهر المقنعة والنهاية والمهذب. وفي الجواهر : « ربما قيل : إنه ظاهر المبسوط والسرائر وغيرهما .. ». وضعفه - أيضاً - ظاهر ، لعدم ، الدليل عليه.

استحقاق الأجرة بالنسبة ما أتى به من الأعمال [1]. وهو مشكل ، لأن المفروض عدم إتيانه للعمل المستأجر عليه ، وعدم فائدة فيما أتى به. فهو نظير الانفساخ في الأثناء لعذر غير الصد والحصر ، وكالانفساخ في أثناء سائر الأعمال المرتبطة لعذر في إتمامها. وقاعدة احترام عمل المسلم لا تجري ، لعدم الاستناد إلى المستأجر ، فلا يستحق أجرة المثل أيضاً.

( مسألة 18 ) : إذا أتى النائب بما يوجب الكفارة فهو من ماله [2].

( مسألة 19 ) : إطلاق الإجارة يقتضي التعجيل بمعنى : الحلول في مقابل الأجل - [3] لا بمعنى الفورية ، إذ لا دليل عليها. والقول بوجوب التعجيل إذا لم يشترط الأجل ضعيف فحالها حال البيع ، في أن إطلاقه يقتضي الحلول ، بمعنى :


[1] قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الحادية عشرة. فراجع.

[2] بلا خلاف أجده بيننا - كما اعترف به بعضهم - بل عن الغنية : الإجماع عليه. كذا في الجواهر ، ونحوه في كشف اللثام. فان ذلك مقتضى الخطاب. ولا سيما بملاحظة كونه عقوبة له على ما صدر منه ، فلزوم ذلك في مال غيره يحتاج الى دليل مفقود.

[3] قد تقدم في المسألة الرابعة عشرة. الكلام في ذلك ، وأن التعجيل مقتضى قاعدة السلطنة على المال. سواء أكان في الذمة أم في الخارج. وكما أن إبقاء المال في اليد بلا إذن المالك حرام كذلك إبقاؤه في الذمة. وليس ذلك مبنياً على ظهور الكلام في التعجيل ، كي يدعي :

جواز المطالبة ، ووجوب المبادرة معها [1].

( مسألة 20 ) : إذا قصرت الأجرة لا يجب على المستأجر إتمامها. كما أنها لو زادت ليس له استرداد الزائد [2]. نعم


أنه خلاف الإطلاق. أو على أن الأمر يقتضي الفور ، كي يدعى أنه خلاف التحقيق.

[1] ظاهره : أنه مع عدم المطالبة لا يجب الدفع وان لم يأذن المالك بالتأخير ، وإشكاله ظاهر ، لما عرفت من أنه خلاف قاعدة السلطنة ، وما دل على حرمة حبس الحقوق. ولذا لو علم أن المالك لم يطالب بالدفع - لجهله بالموضوع ، أو بالحكم - لا يجوز التأخير في الدفع. نعم إذا كان عالماً وترك المطالبة كان ذلك ظاهراً في الرضا بالتأخير والاذن فيه.

[2] الحكمان المذكوران ذكرهما الأصحاب ، من دون تعرض منهم لخلاف أو احتمال الخلاف. وفي الجواهر : « وكأن تعرض المصنف وغيره لذلك - مع وضوحه ، وعدم الخلاف فيه بيننا ، نصاً وفتوى - لتعرض النصوص له ، وللتنبيه على خلاف أبي حنيفة ، المبني على ما زعمه من بطلان الإجارة ، فلا يجب على المستأجر الدفع إلى الأجير ». وفي التذكرة : « حكي عن أبي حنيفة منع الإجارة على الحج ، فيكون الأجير نائباً محضاً وما يدفع اليه من المال يكون رزقاً لطريقة ، فلو مات. أو أحصر ، أو ضل الطريق ، أو صد لم يلزمه الضمان لما أنفق عليه ، لأنه إنفاق بإذن صاحب المال ». والاشكال عليه - في أصل الحكم - ظاهر مما سبق. كالإشكال عليه فيما فرعه عليه لأن ذلك خلاف قصد المستأجر والأجير ، إذ هما إنما قصدا المعاوضة. مع أن الاذن في الصرف مبني على وقوع الحج لا مطلقاً. فتأمل.

يستحب الإتمام كما قيل [1]. بل قيل : يستحب على الأجير أيضاً رد الزائد [2]. ولا دليل بالخصوص على شي‌ء من القولين. نعم يستدل على الأول : بأنه معاونة على البر والتقوى [3] وعلى الثاني : بكونه موجباً للإخلاص في العبادة [4].

( مسألة 21 ) : لو أفسد الأجير حجة بالجماع قبل المشعر فكالحاج عن نفسه يجب عليه إتمامه ، والحج من قابل ، وكفارة بدنة [5]. وهل يستحق الأجرة على الأول أو لا؟ قولان ، مبنيان على أن الواجب هو الأول وأن الثاني عقوبة ، أو هو الثاني وأن الأول عقوبة [6]. قد يقال بالثاني ، للتعبير


[1] حكي عن النهاية ، والمبسوط ، والمنتهى.

[2] ذكر ذلك في التذكرة ، معللا له بقوله : « ليكون قصده بالحج القربة لا العوض .. ».

[3] إنما يتم لو كان في أثناء العمل ، وكان الإكمال يتوقف على الإتمام.

[4] يعني : أقرب إلى الإخلاص. لكنه يختص بما إذا كان قبل تمام العمل ، إذ لو كان بعده لم يكن موجباً لانقلابه عما هو عليه.

[5] الظاهر أنه لا إشكال فيه ولا خلاف. وفي الجواهر : نفي وجدان الخلاف في وجوب الحج من قابل ، وأنه يمكن تحصيل الإجماع عليه.

[6] قال في الشرائع : « وإذا أفسد حجه حج من قابل. وهل تعاد الأجرة عليه؟ يبنى على القولين .. ». ويريد من القولين : القولين اللذين ذكرهما المصنف. وظاهره انفساخ الإجارة ، بناء على أن الثاني فرضه وإن كانت مطلقة. وأما عبارة المتن فمختصة بالمعينة ، كما يأتي.

في الاخبار بالفساد ، الظاهر في البطلان [1]. وحمله على إرادة النقصان وعدم الكمال مجاز لا داعي اليه. وحينئذ فتنفسخ الإجارة إذا كانت معينة ، ولا يستحق الأجرة ، ويجب عليه الإتيان في القابل بلا أجرة. ومع إطلاق الإجارة تبقى ذمته مشغولة ، ويستحق الأجرة على ما يأتي به في القابل [2]. والأقوى صحة الأول ، وكون الثاني عقوبة [3]. لبعض


[1] قال في الجواهر : « التحقيق : أن الفرض الثاني ، لا الأول الذي أطلق عليه اسم الفاسد ، في النص والفتوى. واحتمال ان هذا الإطلاق مجاز لا داعي إليه ، بل هو مناف لجميع ما ورد - في بيان المبطلات - في النصوص ، من أنه قد فاته الحج ، ولا حج له ، ونحو ذلك مما يصعب ارتكاب المجاز فيه. بل مقتضاه ان الحج لا يبطله شي‌ء أصلا ، وإنما يوجب فعل هذه المبطلات الإثم والعقوبة. وهو كما ترى ».

[2] هذا الاستحقاق مبني على ان الحج في القابل عن المنوب عنه ، لا عن نفس النائب عقوبة ، كما عن الخلاف والمبسوط والسرائر. وسيأتي الكلام فيه.

[3] هذا أحد القولين المشهورين - كما في المدارك - ونسب الى الشيخ واختاره في الجواهر ، في مبحث كفارات الإحرام. في الحج عن نفسه. قال (رحمه اللّه) : « نعم قد يقال : إن المراد بالفساد كونها كالفاسدة ، باعتبار وجوب الإعادة ولو عقوبة لا تداركاً. والدليل على ذلك ما سمعته من التصريح في صحيح زرارة : بأن الأولى هي الحج والثانية عقوبة. والمناقشة بإضماره يدفعها : معلومية كونه الامام ، ولو بقرينة كون المضمر

الأخبار الصريحة في ذلك في الحاج عن نفسه [1] ، ولا فرق بينه وبين الأجير [2]. ولخصوص خبرين في خصوص الأجير [3]


مثل زرارة ، المعلوم عدم نقله عن غير الإمام .. » إلى آخر ما ذكره في تقريب صحة الأولى.

[1] يريد به حسن زرارة - بل صحيحه - المروي في الكافي قال : « سألته عن محرم غشي امرأته. قال (عليه السلام) : جاهلين أم عالمين؟ قلت : أجبني على الوجهين جميعاً. قال (عليه السلام) : إن كانا جاهلين استغفرا ربهما ، ومضيا على حجهما وليس عليهما شي‌ء. وإن كانا عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه ، وعليهما بدنة ، وعليهما الحج من قابل. فاذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا. قلت : فأي الحجتين لهما؟ قال (عليه السلام) : الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا ، والأخرى عليهما عقوبة » (1).

[2] لظهور الدليل في كون ذلك من أحكام الحج ، من دون دخل لكونه عن نفسه.

[3] قال في الجواهر : « وخبرا المقام - اللذان ستسمعهما - وإن كانا ظاهرين في أن الفرض الأول ، إلا أنه يجب حملهما على إرادة إعطاء اللّه تعالى للمنوب عنه حجة تامة تفضلا منه ، وإن قصر النائب في إفسادها وخوطب بالإعادة. فلا محيص عن القول بأن الفرض الثاني .. ».

أقول : لا يخفى أن التصرف في الخبرين بما ذكر ليس بأسهل من التصرف في الاخبار السابقة ، بحمل الفساد على النقص الموجب للعقوبة. وقد ذكر (قدس سره) في مبحث الكفارات : بعض الموارد التي ذكر فيها اسم


1) الوسائل باب : 3 من أبواب كفارات الاستمتاع في الإحرام حديث : 9.

عن إسحاق بن عمار عن أحدهما (عليهما السلام) قال : [1] « قلت : فان ابتلي بشي‌ء يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل ، أيجزئ عن الأول؟ قال : نعم. قلت : فإن الأجير ضامن للحج؟ قال : نعم » (1). وفي الثاني ، سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل حج عن رجل ، فاجترح في حجه شيئاً يلزم فيه الحج من قابل أو كفارة. قال (عليه السلام) : « هي للأول تامة ، وعلى هذا ما اجترح » (2). فالأقوى استحقاق الأجرة على الأول ، وإن ترك الإتيان من قابل ، عصياناً أو لعذر [2].


الفساد في مورد الصحة. ولعله واضح.

[1] صدر الحديث : « سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة ، فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه ، فيموت قبل ان يحج ثمَّ أعطى الدراهم غيره. قال (عليه السلام) : إن مات في الطريق ، أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزي عن الأول. قلت : فان ابتلي .. » إلى آخر ما في المتن. فالمراد من الأول - في الفقرة المذكورة في المتن - : الشخص الأول ، لا الحج الأول. وضمير : « يجزئ » راجع إلى الحج الذي وقع فيه المفسد.

[2] هذا ينبغي أن يبتني على ما يبتني عليه الحكم الآتي - وهو أن الحج الثاني لا يرتبط بالحج الأول ، ولا تدارك فيه لنقص ورد في الأول وإنما هو محض عقوبة - فإنه على هذا المبنى لا دخل للثاني في استحقاق


1) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

ولا فرق بين كون الإجارة مطلقة أو معينة. وهل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الذي أتى به الأول - فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان - أو هو واجب عليه تعبداً ، ويكون لنفسه؟ وجهان ، لا يبعد الظهور في الأول [1] ولا ينافي كونه عقوبة ، فإنه يكون الإعادة عقوبة. ولكن الأظهر الثاني [2]. والأحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمة. ثمَّ لا يخفى عدم تمامية ما ذكره ذلك القائل ، من عدم استحقاق


الأجرة. أما بناء على أنه تدارك للنقص الواقع فيه فاللازم عدم استحقاق الأجرة بدونه. والمصنف هنا جزم باستحقاق الأجرة وإن ترك الثاني عصياناً أو لعذر ، وفي الحكم الآتي كان له نوع تردد وتوقف. بل قد يشكل استحقاق الأجرة على الأول في صورة التعيين ، وإن قلنا بصحة الأول - بناء على أن الثاني مكمل للأول - لأن الإجارة كانت على الإتيان به في السنة الأولى كاملاً ، فالاستحقاق وعدمه أيضاً يبتنيان على ما ذكر.

[1] وجهه : أن ظاهر الدليل أن الحج في القابل هو الحج الذي أفسده ، فيكون نظير القضاء ، فاذا كان الأول نائبا فيه كان الثاني كذلك. ولذلك ذكر في الجواهر : أنه - بناء على ما اختاره ، من فساد الأول وكون الثاني فرضه ، وانفساخ الإجارة الموقتة - يجب على النائب الإتيان بالحج في القابل بنية النيابة عن المنوب عنه بلا عوض ، ويجزي عن المنوب عنه.

[2] لأن ظاهر كونه عقوبة : أنه تدارك لما ورد على النائب نفسه من نقص ، فيكون الفعل عن نفسه لا عن غيره.

الأجرة - في صورة كون الإجارة معينة - ولو على ما يأتي به في القابل ، لانفساخها ، وكون وجوب الثاني تعبداً ، لكونه خارجاً عن متعلق الإجارة وإن كان مبرئاً لذمة المنوب عنه [1]. وذلك : لان الإجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الأول ، ولكنها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبداً ، لكونه عوضاً شرعياً تعبدياً عما وقع عليه العقد [2] ، فلا وجه لعدم استحقاق الأجرة على الثاني. وقد يقال : بعدم كفاية الحج الثاني أيضاً في تفريغ ذمة المنوب عنه ، بل لا بد للمستأجر أن يستأجر مرة أخرى في صورة التعيين ، وللأجير أن يحج ثالثاً في صورة الإطلاق. لأن الحج الأول فاسد ، والثاني إنما وجب للإفساد عقوبة ، فيجب ثالث ، إذ التداخل خلاف الأصل [3]. وفيه : ان


[1] قد عرفت أن القائل هو صاحب الجواهر. وقد فرّع على ما ذكر سابقاً بقوله : « فلا محيص عن القول بأن الفرض حينئذ الثاني. كما لا محيص - بناءً على ذلك - عن القول بانفساخ الإجارة إذا فرض كونها معينة ، وعود الأجرة لصاحبها .. ».

[2] لم يتضح وجه ذلك. فان الدليل لم يرد في الإجارة ، كي يدعي ظهوره في استحقاق الأجرة ولو من جهة السكوت في مقام البيان ، وإنما ورد في الحاج عن نفسه ، فإذا بني على التعدي عنه إلى الأجير ، فقد دل على فراغ ذمة المنوب عنه بالثاني. أما استحقاق الأجرة ، وأن الثاني عوض شرعي عن المستأجر عليه الموقت في السنة الأولى ، فلم يظهر من الدليل.

[3] القائل : العلامة في القواعد. وحكاه - في كشف اللثام - عن

هذا إنما يتم إذا لم يكن الحج في القابل بالعنوان الأول ، والظاهر من الاخبار - على القول بعدم صحة الأول - وجوب إعادة الأول وبذلك العنوان ، فيكفي في التفريغ [1] ، ولا يكون من باب التداخل ، فليس الإفساد عنواناً مستقلا. نعم إنما يلزم ذلك إذا قلنا : إن الإفساد موجب لحج مستقل لا على نحو الأول ، وهو خلاف ظاهر الاخبار. وقد يقال في صورة التعيين : إن الحج الأول إذا كان فاسداً وانفسخت الإجارة يكون لنفسه فقضاؤه في العام القابل أيضاً يكون لنفسه ، ولا يكون مبرئاً لذمة المنوب عنه ، فيجب على المستأجر استيجار حج آخر [2].


المبسوط والخلاف والسرائر قطعاً ، وعن المعتبر احتمالا ، ثمَّ قال : « وهو واضح ».

[1] أقول : دلالة الأخبار على أن الثاني عقوبة ليس منوطاً بكون الأول صحيحاً ، بل دلالتها على ذلك على كل حال وإن كان الأول فاسداً ، لأن الثاني يكون عقوبة على ما جناه من ارتكاب المفسد. ولذا لا يختص الحكم بالحج الواجب ، فان الحج الأول إذا كان مندوباً وأفسده يجب عليه الحج ثانياً. فاذاً لا يكون الثاني مفرغاً للذمة ، ولا فيه خروج عن العهدة السابقة. ولأجل ذلك يشكل الاجتزاء به عن حج الإسلام لو كان الحاج مستطيعاً ، لأن الأول فاسد ، والثاني عقوبة. ولعل لزوم هذا الاشكال مما يقرب القول بصحة الأول ، وكون الثاني عقوبة ، مع قطع النظر عن النصوص الخاصة التي تقدمت.

[2] هذا القول ذكره في الجواهر بصورة دعوى ، فقال : « ودعوى :


أن الحج بإفساده له انقلب لنفسه ، لأنه غير المستأجر عليه .. ( إلى أن قال ) : فيكون القضاء عن نفسه. يدفعها : منع انقلابه إليه نفسه .. » والمصنف أجاب - بعد اعترافه بالانقلاب لنفسه - : بأن الثاني يؤتى به بالعنوان الذي كان عليه الأول قبل الانقلاب. ولكنه - أيضاً - كما ترى فإنه إذا كان ظاهر الدليل أن الثاني عقوبة يكون لنفسه على كل حال ، لأنه لتخليص نفسه.

ثمَّ إن الشيخ في جواهره ذكر أن المحصل من الأقوال ثمانية : الأول : انفساخ الإجارة مطلقاً إن كان الثاني فرضه. وهو ظاهر المتن. الثاني : انفساخها مع التعيين دون الإطلاق ، ووجوب حجة ثالثة نيابة ، كما هو خيرة الفاضل في القواعد والمحكي عن الشيخ وابن إدريس. الثالث : عدم الانفساخ مطلقاً ، ولا يجب عليه حجة ثالثة. وهو خيرة الشهيد (1)الرابع : أنه إن كان الثاني عقوبة لم ينفسخ مطلقاً ولا عليه حجة ثالثة ، وإن كان فرضه انفسخ في المعينة دون المطلقة ، وعليه حجة ثالثة. وهو - على ما قيل - خيرة التذكرة ، وأحد وجهي المعتبر والمنتهى والتحرير. الخامس : كذلك ، وليس عليه حجة ثالثة مطلقاً. وهو محتمل المعتبر والمنتهى. السادس : انفساخها مطلقاً ، مطلقة كانت أو معينة ، كان الثاني عقوبة أو لا. لانصراف الإطلاق إلى العام الأول ، وفساد الحج الأول وإن كان فرضه. السابع : عدم انفساخها مطلقاً. كذلك قيل ، ويحتمله الجامع والمعتبر والمنتهى والتحرير. الثامن : المختار. وهو محتمل محكي المختلف. وهو الأصح ، لما سمعت ، وليس في الخبرين منافاة له ، بعد ما عرفت.


1) وهذا هو الذي قربه المصنف رداً على صاحب الجواهر. منه قدس سره .

وفيه أيضاً : ما عرفت من أن الثاني واجب بعنوان إعادة الأول. وكون الأول - بعد انفساخ الإجارة بالنسبة إليه - لنفسه ، لا يقتضي كون الثاني له وإن كان بدلاً عنه ، لأنه بدل عنه بالعنوان المنوي لا بما صار اليه بعد الفسخ. هذا والظاهر عدم الفرق - في الأحكام المذكورة - بين كون الحج الأول المستأجر عليه واجباً أو مندوباً [1]. بل الظاهر جريان حكم وجوب الإتمام والإعادة في النيابة تبرعاً أيضاً ، وإن كان لا يستحق الأجرة أصلاً.

( مسألة 22 ) : يملك الأجير الأجرة بمجرد العقد [2] ، لكن لا يجب تسليمها إلا بعد العمل [3] ، إذا لم يشترط التعجيل ، ولم تكن قرينة على إرادته ، من انصراف أو غيره. ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو ديناً. لكن إذا كانت عيناً ونمت كان النماء للأجير [4]. وعلى ما ذكر - من عدم وجوب التسليم قبل العمل - إذا كان المستأجر


[1] لإطلاق النصوص السابقة.

[2] لأنه مقتضى النفوذ والصحة.

[3] لأن مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم ، فلكل من المتعاوضين الامتناع عن التسليم في ظرف امتناع الآخر. كما أن لكل منهما المطالبة في ظرف صدور التسليم منه ، ولا يجوز للآخر الامتناع عنه حينئذ. فلو تعذر جاز الفسخ ، لتخلف الشرط الضمني ، الذي عرفت أن مبنى المعاوضات عليه.

[4] كما في الجواهر. وهو واضح ، لأنه تبع الأصل ، المفروض كونه ملكاً للأجير بالعقد.

وصياً أو وكيلاً ، وسلمها قبله كان ضامناً لها ، على تقدير عدم العمل من المؤجر ، أو كان عمله باطلاً [1]. ولا يجوز لها اشتراط التعجيل من دون إذن الموكل [2] أو الوارث [3]. ولو لم يقدر الأجير على العمل مع عدم تسليم الأجرة [4] كان له الفسخ [5]. وكذا للمستأجر. لكن لما كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي ، يستحق الأجير المطالبة في


[1] لأنه تفريط ، كما في الجواهر. وفي كشف اللثام : « لا يجوز للوصي إلا مع إذن الميت ، أو شهادة الحال .. » وقد يشكل : بأن الأجرة بعد ما كانت ملكاً للأجير وخرجت عن ملك الميت ، لم يكن لاعتبار إذن الميت وجه. وفيه : أنه بعد ما كان للميت حق الامتناع عن الدفع فالدفع تصرف في حق الميت ، فلا بد من إذنه فيه. وكذا الحكم في الوكيل. ثمَّ لما كان يترتب على التصرف في الحق المذكور خروج المال - على تقدير الفسخ - من سلطان الوكيل إلى سلطان الأجير كان الوكيل ضامناً. وكذا الوصي. نعم ينبغي إسناد الضمان إلى التعدي لا التفريط.

[2] هذا واضح. لأن تصرف غير المالك لا يجوز بغير إذن المالك.

[3] فيما لو كان الوصي وصياً على التصرف في الثلث لا غير ، فإخراج الحج الواجب من الأصل يقتضي مراجعة الوارث. لأن الحق المذكور يتعلق بماله ، واستيفاؤه يكون من ماله ، فيرجع الى التصرف في مال الوارث.

[4] قيد للعمل ، يعني : إذا انكشف أن الأجير لا يقدر على العمل إذا لم تسلم إليه الأجرة ، لعدم قدرته على المال المحتاج إليه في السفر.

[5] عدم القدرة يقتضي الانفساخ ، لأنه يكشف عن عدم المنفعة التي

صورة الإطلاق ، ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان [1].

( مسألة 23 ) : إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة [2] ، فلا يجوز للأجير أن يستأجر غيره ، إلا مع الاذن صريحاً أو ظاهراً. والرواية الدالة على الجواز [3] محمولة على صورة


تكون الإجارة بلحاظ المعاوضة عليها. وكذا الكلام في المستأجر ، فإن له أن يدفع الأجرة ، فيمكن الأجير من العمل ، وله أن لا يدفع ، فيعجز عن العمل وينفسخ العقد.

[1] عملاً بالاذن المستفاد من التعارف ، كما نص على ذلك في الجواهر.

[2] كما نص على ذلك في القواعد وغيرها. لأن الظاهر من قوله : « آجرتك على أن تحج » : أن نسبة الفعل إلى فاعله بنحو القيام به لا بنحو السبب في حصوله. ولذلك ذكروا : أن قول القائل : « بنى الأمير المدينة » مجاز في الإسناد لأن البناء لا يقوم بالأمير ، وإنما يقوم بالبناء ، وظاهر النسبة القيام بالفاعل فيكون مجازاً. نعم إذا قال : « آجرتك على أن يحج » - بالبناء للمفعول - كان مقتضى الإطلاق جواز المباشرة والاستنابة ، لأن النسبة المذكورة إلى الأجير ليست نسبة قيام به ، بل نسبة تحصيل. ومن ذلك يظهر اختصاص الحكم المذكور بما إذا كان الكلام مشتملاً على نسبة الحج إلى الأجير نسبة الفعل إلى فاعله.

[3] وهي ما رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى قال : « قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : ما تقول في الرجل يعطى الحجة فيدفعها الى غيره؟ قال : لا بأس » (1).


1) الوسائل باب : 14 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

العلم بالرضا من المستأجر [1].

( مسألة 24 ) : لا يجوز استيجار من ضاق وقته عن إتمام الحج تمتعاً وكانت وظيفته العدول إلى حج الافراد - عمن عليه حج التمتع [2]. ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتع ، ثمَّ اتفق ضيق الوقت ، فهل يجوز له العدول ويجزي عن المنوب عنه أو لا؟ وجهان. من إطلاق أخبار العدول. ومن انصرافها الى الحاج عن نفسه [3]. والأقوى عدمه.


[1] مجرد العلم بالرضا لا يكفي ما لم يرجع ، إما الى الإجارة على الأعم - كما ذكر بعضهم - أو إلى الاذن الإنشائي في الاستيفاء بفرد آخر. هذا ولكن ظهور الرواية في الاستيجار ممنوع ، لخلو الرواية عن التعرض لذلك ، ودفع الحجة أعم من ذلك. فالأقرب حمل الرواية على معنى : أنه دفع إليه قيمة الحجة وأوكل الأمر إليه ، في القيام بنفسه أو بغيره. والوجه في السؤال عن جواز الدفع إلى الغير عدم اليقين بقيامه به - إما لعدم النية ، أو لترك بعض الأفعال - فيتوهم أن ذلك مانع عن الدفع إلى غيره.

[2] لأن الافراد - في الفرض المذكور - بدل اضطراري ، ولا دليل على الاجتزاء به عن التمتع - الذي هو الواجب الاختياري - والأصل عدم الاجتزاء به ، وان قلنا بجواز العدول إلى الافراد من أول الأمر إذا علم بالضيق ، لاختصاص ذلك بما إذا كان قد استقر عليه في سعة الوقت ، ولا يشمل ما نحن فيه ، فلا معدل عن أصالة عدم الاجتزاء به. واستقرار الوجوب على المنوب عنه في سعة الوقت لا يوجب دخول النائب في دليل البدلية. وسيأتي - في فصل صورة حج التمتع - التعرض للمسألة المذكورة.

[3] لكن الانصراف - بنحو يعتد به في رفع اليد عن الإطلاق - ممنوع.

وعلى تقديره فالأقوى عدم إجزائه عن الميت [1] ، وعدم استحقاق الأجرة عليه ، لأنه غير ما على الميت. ولأنه غير العمل المستأجر عليه [2].

( مسألة 25 ) : يجوز التبرع عن الميت في الحج الواجب أي واجب كان [3] ،


[1] يعني : على تقدير جواز العدول فالأقوى عدم إجزائه عن المنوب عنه. وكأن ذلك لما عرفت : من أن الإبدال الاضطرارية إنما تجزئ على تقدير الاضطرار ، والاضطرار بالنسبة إلى المنوب عنه يتوقف على انحصار النائب بالشخص المعين ، فمع إمكان غيره لا اضطرار. وفيه : أن ظاهر النصوص إذا كان العموم للنائب ، فالاجزاء لازم له ، لأن تشريع العدول لا معنى له إلا الاجزاء.

[2] الأول تعليل لعدم الاجزاء ، والثاني تعليل لعدم استحقاق الأجرة. وقد عرفت الإشكال في الأول. وأما الثاني فهو في محله ، لأن دليل البدلية إنما بتعرض للاجزاء فقط ، ولا تعرض فيه لاستحقاق الأجرة المجعولة من قبل المتعاقدين على حج التمتع لا غيره. ومن ذلك تعرف ضعف التفكيك بين الحكمين الأولين ، وقوة التفكيك بينهما وبين الحكم الثالث. نعم إذا كان ظاهر الإجارة الإجارة على إفراغ ذمة المنوب عنه كان استحقاق الأجرة في محله. وقد تقدم نظير ذلك في مسائل موت الأجير في الأثناء. فراجع.

[3] بلا إشكال ولا خلاف ظاهر. وعن التذكرة : أنه لا يعرف فيه خلافاً ، وفي الجواهر : الإجماع بقسميه عليه. وفي خبر عامر بن عميرة عن الصادق : « إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أتاه رجل ، فقال : يا رسول اللّه ، إن أبي مات ولم يحج حجة الإسلام. فقال (صلی اللّه عليه وآله) : حج عنه ، فان ذلك

والمندوب [1]. بل يجوز التبرع عنه بالمندوب وإن كانت ذمته مشغولة بالواجب ، ولو قبل الاستئجار عنه للواجب [2]. وكذا يجوز الاستيجار عنه في المندوب كذلك. وأما الحي فلا يجوز التبرع عنه في الواجب [3]. إلا إذا كان معذوراً في المباشرة - لمرض ، أو هرم - فإنه يجوز التبرع عنه ، ويسقط عنه وجوب الاستنابة على الأقوى [4] ، كما مر سابقاً. وأما


يجزئ عنه » (1). وعن المسالك وأبي حنيفة : سقوط الفرض إن مات ولم يوص.

[1] إجماعاً ونصوصاً. فقد عقد في الوسائل باباً لاستحباب التطوع بالحج والعمرة عن المؤمنين (2)، وذكر فيه جملة من النصوص وافرة ، وهي ظاهرة في التبرع بالمندوب.

[2] لإطلاق تلك النصوص.

[3] إجماعاً. ويقتضيه ظاهر أدلة التشريع في لزوم المباشرة ، كما عرفت.

[4] خلافاً لجماعة ، منهم : العلامة في القواعد وكاشف اللثام. واستدل الثاني : بأصالة عدم فراغ ذمته بذلك وبوجوب الاستنابة عليه ، وعدم الدليل على سقوطها عنه بذلك. وتبعه على ذلك في الجواهر. ثمَّ قال : « فالأحوط - إن لم يكن أقوى - الاقتصار في النيابة عنه حينئذ على الاذن ». وفي المستند : « وفي التبرع عن الحي بالواجب - فيما إذا كان له العذر المسوغ للاستنابة - وكفايته عنه وجهان ، أجودهما العدم ، إذ الأخبار المتضمنة للاستنابة صريحة في أمره بالتجهيز من ماله. فلعل


1) الوسائل باب : 31 من أبواب وجوب الحج حديث : 2.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب النيابة في الحج.

الحج المندوب فيجوز التبرع عنه [1]. كما يجوز له أن يستأجر له حتى إذا كان عليه حج واجب لا يتمكن من أدائه فعلاً. وأما إن تمكن منه فالاستئجار للمندوب قبل أدائه مشكل [2] ،


هذا العمل واجب عليه مقام الحج بنفسه ، وكفاية فعل الغير موقوف على الدليل ، وهو في المقام مفقود .. ». وظاهره عدم كفاية الاذن ، ولزوم البذل من ماله.

وهو كما ترى ، فان ظاهر الدليل المتضمن ذلك الوجوب الغيري لا النفسي. وأما اعتبار الاذن فلا يظهر وجهه ، إذ تعبد المنوب عنه إنما هو بفعل النائب لا بالاذن فيه ، فأي دخل للإذن في ذلك؟ فلم يبق إلا أصالة عدم الاجزاء. لكنه أيضاً يندفع : بأن ظاهر دليل الاجتزاء بفعل النائب في صورة الاستنابة : أن الدخيل في الاجزاء إنما هو فعل النائب والاستنابة طريق اليه ، فلا موضوعية لها في الاجزاء. وبالجملة : البناء على وجوب الاستنابة أو الاذن جمود لا يساعده التفاهم العرفي.

[1] حكي عن الشافعي وأحمد - في إحدى الروايتين - الخلاف في ذلك ، وعن المنتهى : التصريح بعدم جواز الحج ندباً عن الحي إلا بإذنه. وفي الجواهر : « لعله حمل النصوص على إهداء الثواب لا على وجه النيابة ، إلا أنه واضح الضعف .. ».

[2] لكن الاشكال ضعيف. لإطلاق النصوص ، ففي خبر أبي بصير قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في حديث : « من حج فجعل حجته عن ذي قرابته يصله بها كانت حجة كاملة ، وكان للذي حج عنه مثل أجره » (1). ونحوه غيره. ولذلك قال في الجواهر : « بل لا فرق عندنا بين من كان


1) الوسائل باب : 25 من أبواب النيابة في الحج حديث : 4.

بل التبرع عنه حينئذ أيضاً لا يخلو عن إشكال في الحج الواجب [1].

( مسألة 26 ) : لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد ، وإن كان الأقوى فيه الصحة [2]. إلا إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة ، كما إذا نذر كل منهما أن يشترك مع الآخر في تحصيل الحج [3]. وأما في الحج


عليه حج واجب - مستقراً كان أولا - وغيره ، تمكن من أدائه ففرط ، أو لم يفرط بل يحج بنفسه واجباً ويستنيب غيره في التطوع. خلافاً لأحمد فلم يجز الاستنابة فيه ما اشتغلت ذمته بالواجب ، إذ لا يجوز له فعله بنفسه فالاستنابة أولى. وفيه : أن عدم جواز فعله له لإخلاله بالواجب ، ولذا لو أخلت الاستنابة به - لقصور النفقة ونحوه - لم يجز عندنا أيضاً ، لا أن عدم جوازه لعدم المشروعية في حقه ، كي تمتنع النيابة فيه .. ». ومن ذلك يظهر جواز التبرع عنه حينئذ ، وضعف الاشكال فيه.

[1] لا تخلو العبارة من تشويش ، فإنها غير ملتئمة ، ومفادها مناف لما سبق.

[2] هذه العبارة أيضاً لا تلتئم مع ما بعدها. بل ولا مع ما قبلها. والمظنون قويا : أن موقعها في ذيل المسألة السابقة ، بدل قوله : « في الحج الواجب » ، وأن موقع القول المذكور هذا الموضع ، بدل : « وإن كان الأقوى الصحة » ، والناسخ قد بدل أحد الكلامين بالآخر. فإن عبارة الفقهاء في منع الحج عن اثنين مشتملة على التقييد بالحج الواجب ، بلا ريب منهم في الحكم. وقوله بعد ذلك : « وأما في الحج المندوب .. » صريح في ذلك.

[3] يعني : الحج عنه على نحو الاشتراك.

المندوب فيجوز حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة [1] - كما يجوز بعنوان إهداء الثواب [2] - لجملة من الاخبار [3] الظاهرة في جواز النيابة أيضاً ، فلا داعي لحملها على خصوص إهداء الثواب.

( مسألة 27 ) : يجوز أن ينوب جماعة عن الميت أو


[1] نص على ذلك في الجواهر وغيره. ويدل عليه صحيح محمد بن إسماعيل قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) كم أشرك في حجتي؟ قال (عليه السلام) : كم شئت » (1)، وصحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل يشرك أباه أو أخاه أو قرابته في حجه. فقال (عليه السلام) : إذن يكتب لك حجاً مثل حجهم ، ونزداد خيراً بما وصلت » (2). ونحوهما غيرهما. لكن ظاهر الجميع ، الاشتراك في الحج المأتي به لنفسه ، فيشاركهم معه فيه ، لا أن يحج عن جماعة نائباً عنهم ، وإن كان ذلك يستفاد من النصوص المذكورة.

[2] كما في الوسائل. واستدل له : برواية الحرث بن المغيرة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) - وأنا بالمدينة بعد ما رجعت من مكة : - إني أردت أن أحج عن ابنتي. قال (عليه السلام) : فاجعل ذلك لها الآن » (3). ونحوه مرسل الصدوق (4). لكن دلالته لا تخلو من خفاء ، لاحتمال أن يكون المراد جعل الحج نفسه لها ، لا ثوابه.

[3] راجع إلى قوله : « بعنوان النيابة ».


1) الوسائل باب : 28 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب النيابة في الحج حديث : 3.

3) الوسائل باب : 29 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

4) الوسائل باب : 29 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

الحي في عام واحد في الحج المندوب ، تبرعاً ، أو بالإجارة. بل يجوز ذلك في الواجب أيضاً ، كما إذا كان على الميت - أو الحي الذي لا يتمكن من المباشرة لعذر - حجان مختلفان نوعاً - كحجة الإسلام والنذر - أو متحدان من حيث النوع - كحجتين للنذر - فيجوز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد [1]. وكذا يجوز إذا كان أحدهما واجباً والآخر مستحباً بل يجوز أن يستأجر أجيرين لحج واجب واحد - كحجة الإسلام في عام واحد احتياطاً - لاحتمال بطلان حج أحدهما. بل وكذا مع العلم بصحة الحج بكل منهما وكلاهما آت بالحج الواجب ، وإن كان إحرام أحدهما قبل إحرام الآخر ، فهو مثل : ما إذا صلى جماعة على الميت في وقت واحد. ولا يضر سبق أحدهما بوجوب الآخر ، فان الذمة مشغولة ما لم يتم العمل ، فيصح قصد الوجوب من كل منهما ولو كان أحدهما أسبق شروعاً [2].


[1] لإطلاق الأدلة ، بعد عدم ما يدل على لزوم الترتيب بينهما.

[2] أما إذا كان أحدهما أسبق ختاماً صح فعل السابق وبطل فعل اللاحق ، لانطباق الواجب على الأول ، فيمتنع انطباقه على اللاحق إذا كان الواجب بنحو صرف الوجود ، فإنه لا يتكرر. نعم إذا كان الواجب الطبيعة السارية انطبق على اللاحق ، كما ينطيق على السابق. لكنه ممنوع.

لا يقال : الحج يجب إتمامه بالشروع فيه. لأنه يقال : يختص ذلك بما إذا كان الشروع فيه مشروعاً ، فلا يعم ما نحن فيه ، لأنه - بسبق انتهاء

فصل في الوصية بالحج

( مسألة 1 ) : إذا أوصى بالحج ، فان علم أنه واجب أخرج من أصل التركة وإن كان بعنوان الوصية ، فلا يقال : مقتضى كونه بعنوانها خروجه من الثلث [1]. نعم لو صرح


أحدهما - لا يكون اللاحق مشروعاً من حينه ، لارتباطية أجزائه ، فإذا كان الآخر غير مشروع كان الأول غير مشروع حين وقوعه.

فصل في الوصية بالحج

[1] لاختصاص الحكم المذكور - وهو إخراج الوصية من الثلث - بما إذا كان وجوب إخراجه من حيث كونه وصية. وليس منه الحج ، لوجوب إخراجه على كل حال. وإن شئت قلت : الثمرة العملية إنما تكون في صورة عدم اتساع الثلث للحج وغيره من الوصايا ، فإنه لو بني على إخراج الحج من الثلث كان مزاحماً لغيره من الوصايا. لكن المزاحمة المذكورة مبنية على أن المراد من الثلث ثلث التركة. أما إذا أريد منه ثلث ما زاد - بعد إخراج ما يجب إخراجه على كل حال - فلا مزاحمة ، لأن الوصايا الأخرى تخرج من الثلث بعد إخراج الحج ، لما عرفت من أن المراد من الثلث - الذي تخرج منه الوصايا - الثلث مما زاد على ما يجب إخراجه من الأصل ، وهو - في الفرض - ثلث ما زاد على الحج. فالوصية بالحج نظير الوصية بوفاء الدين لا تزاحم الوصايا الأخرى إذا كانت لا تزيد

بإخراجه من الثلث أخرج منه ، فان وفي به ، وإلا يكون الزائد من الأصل. ولا فرق - في الخروج من الأصل - بين حجة الإسلام ، والحج النذري ، والافسادي. لأنه - بأقسامه - واجب مالي [1] ، وإجماعهم قائم على خروج كل واجب مالي من الأصل. مع أن في بعض الأخبار : أن الحج بمنزلة الدين ، ومن المعلوم خروجه من الأصل. بل الأقوى خروج كل واجب من الأصل وإن كان بدنياً ، كما مر سابقاً [2]. وإن علم أنه ندبي فلا إشكال في خروجه من الثلث [3]. وإن لم يعلم أحد الأمرين ، ففي خروجه من الأصل أو الثلث


على الثلث المذكور. نعم لو كانت الوصية بالحج أو بالدين موجبة لعدم وجوب إخراجه إلا من جهة الوصية كان الاشكال محكماً ، وكانت المزاحمة بينه وبين الوصايا الأخرى محكمة.

[1] قد تقدم - في أول مباحث الحج النذري - الكلام في ذلك ، وأن التحقيق : أنه كحج الإسلام واجب مالي. لكن الحكم في الحج الافسادي غير ظاهر ، نظير الكفارات المخيرة بين الخصال الثلاث ، فان كونها من قبيل الدين والحج المالي غير ظاهر ، بل الظاهر العدم. ومثل الحج الافسادي : الحج الواجب باليمين أو العهد ، فإنهما واجبان غير ماليين كما لعله ظاهر.

[2] في المسألة الثامنة من فصل الحج النذري. ومر الكلام والاشكال فيه.

[3] على المشهور المعروف ، المدعى عليه الإجماع من جماعة ، والمصرح به في النصوص - المدعى تواترها معنى - المتضمنة أنه لا تجوز الوصية بأكثر

وجهان. يظهر من سيد الرياض (قدس سره) خروجه من الأصل [1] حيث أنه وجه كلام الصدوق (قدس سره) - الظاهر في كون جميع الوصايا من الأصل - : بأن مراده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجباً أولا ، فإن مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الأصل ، خرج عنها صورة العلم بكونها ندبياً


من الثلث إلا بإجازة الورثة. منها : صحيح أحمد بن محمد : « كتب أحمد ابن إسحاق إلى أبي الحسن (عليه السلام) : إن درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة أشقاصاً في مواضع ، وأوصت لسيدنا (عليه السلام) في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث .. ( الى أن قال ) : فكتب بخطه ليس يجب لها في تركتها إلا الثلث .. » (1). ونحوه غيره. وقد عقد لها في الوسائل باباً واسعاً. فراجعه في كتاب الوصية (2).

[1] ذكر ذلك في مبحث عدم جواز الوصية بما زاد على الثلث ، فإنه - بعد ما ذكر ما عن والد الصدوق : من جواز الوصية بالمال كله ، واستدلاله بالرضوي : « فإن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله ، ويلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى به » (3)، وببعض الأخبار الأخر ، كرواية عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ، إذا أوصى به كله فهو جائز » (4)، وغيرها - رده بالمناقشة في دلالة الأخبار ، وبمعارضتها بغيرها. ثمَّ قال : « ويحتمل عبارة المخالف


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الوصايا حديث : 1.

2) الوسائل باب : 10 ، 11 ، 12 من أبواب الوصايا.

3) فقه الرضا باب الوصية صفحة : 20.

4) الوسائل باب : 11 من أبواب الوصايا حديث : 19.


كالرضوي لما يلتئم مع فتاوى العلماء ، بأن يكون المراد به يجب على الوصي صرف المال الموصى به بجميعه على ما أوصى به ، من حيث وجوب العمل بالوصية وحرمة تبديلها بنص الكتاب والسنة. وإنما جاز تغييرها إذا علم أن فيها جوراً ولو بالوصية بزيادة عن الثلث ، وهو بمجرد الاحتمال غير كاف ، فلعل الزيادة منه وقعت الوصية بها من دون حيف ، كأن وجبت عليه في ماله بأحد الأسباب الموجبة له ، والموصي أعلم. وهذا غير جواز الوصية بالزيادة تبرعاً ، فلا يمضى منها إلا الثلث ، كما عليه العلماء. وهذا التوجيه إن لم يكن ظاهراً من عبارته فلا أقل من تساوي احتماله لما فهموه منها ، فنسبتهم المخالفة إليه ليس في محله. وعليه نبه في التذكرة. وعليه فلا خلاف من أحد يظهر منها ». وما ذكره العلامة في التذكرة قريب مما ذكره في الرياض. والظاهر : أن مرادهما أنه مع الشك بحمل تصرف الموصي على الصحة ، فيبنى على أن وصيته في الواجب لا في المندوب. فليس فيها مخالفة لما دل على عدم نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث ، ولا تمسك بالعموم في الشبهة المصداقية. فهو نظير : ما لو باع زيد مالاً على عمرو وشك في أنه ماله أو مال غيره ، أو علم أنه مال غيره وشك في أنه مأذون فيه أو لا ، فإنه يبنى على صحة البيع ، وليس فيه مخالفة لما دل على عدم صحة بيع مال الغير إلا بإذنه.

نعم الاشكال يقع في جريان أصالة الصحة في الفرض ، لاختصاصها بما يكون صحيحاً وفاسداً ، ووجوب العمل لا يكفي أثراً للصحة. نعم لو أوصى بعين لشخص ، وشك في أنها للموصي أو لغيره ، يبني على صحة الوصية حتى يثبت الخلاف ، لا في مثل المقام مما لا يكون للوصية أثر غير وجوب العمل. فان عموم وجوب العمل بالوصية لما كان مخصصاً بما دل

وحمل الخبر الدال بظاهره على ما عن الصدوق أيضاً على ذلك. لكنه مشكل ، فان العمومات مخصصة بما دل على أن الوصية بأزيد من الثلث ترد اليه ، إلا مع إجازة الورثة. هذا مع أن الشبهة مصداقية ، والتمسك بالعمومات فيها محل إشكال. وأما الخبر المشار اليه - وهو قوله (عليه السلام) : « الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ، إن أوصى به كله فهو جائز » - (1)فهو موهون باعراض العلماء عن العمل بظاهره [1]. ويمكن أن يكون المراد بماله هو الثلث الذي أمره بيده [2]. نعم يمكن


على عدم لزوم الوصية بما زاد على الثلث ، فمع الشك في الشبهة المصداقية يرجع الى أصالة البراءة ، لا إلى عموم وجوب العمل بالوصية.

[1] ومعارض بغيره من الروايات ، مما هو أصح سنداً ، وأكثر عدداً وأوضح دلالة. بل هو عمار نفسه روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : « الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به ، فان قال : بعدي فليس له إلا الثلث » (2). وفي رواية الصدوق : « فان تعدى فليس له إلا الثلث » (3)، يعني : فإن تعدى عن زمان حياته. ولعل الجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة - التي استدل بها للصدوق - هو حمل السابقة على ما إذا تصرف فيه منجزاً وأوصى بذلك ، بأن باعه محاباة أو وهبه وأوصى بذلك ، بأن اعترف أنه باع أو وهب.

[2] ذكره في الرياض ، وحكاه عن صريح المقنع. لكنه بعيد جداً.


1) المقصود هو خبر عمار المتقدم في صدر التعليقة.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب الوصايا حديث : 12.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب الوصايا ملحق حديث : 12.

أن يقال - في مثل هذه الأزمنة ، بالنسبة الى هذه الأمكنة البعيدة عن مكة - : الظاهر من قول الموصي : « حجوا عني » هو حجة الإسلام الواجبة ، لعدم تعارف الحج المستحبي في هذه الأزمنة والأمكنة ، فيحمل على أنه واجب من جهة هذا الظهور والانصراف [1]. كما أنه إذا قال : « أدوا كذا مقداراً خمساً أو زكاة » ينصرف الى الواجب عليه.

فتحصل : أن - في صورة الشك في كون الموصى به واجباً حتى يخرج من أصل التركة ، أو لا حتى يكون من الثلث - مقتضى الأصل الخروج من الثلث. لأن الخروج من الأصل موقوف على كونه واجباً ، وهو غير معلوم ، بل الأصل عدمه. إلا إذا كان هناك انصراف ، كما في مثل الوصية بالخمس أو الزكاة أو الحج ونحوها. نعم لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب - كما إذا علم وجوب الحج عليه سابقاً ولم يعلم أنه أتى به أولا - فالظاهر جريان الاستصحاب والإخراج من الأصل. ودعوى : أن ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه وهو فرع شكه ، لا شك الوصي أو الوارث ، ولا يعلم أنه كان شاكاً حين موته أو عالماً بأحد الأمرين. مدفوعة : بمنع


[1] يعني : يكون الظهور المذكور راجعاً إلى إخباره بالوجوب ، فيكون إخباره به حجة ، فيكون العمل باخباره لا بوصيته. وبذلك افترق هذا الفرض عن الفرض السابق ، فإنه من حيث كونه وصية لا فرق بينهما

اعتبار شكه ، بل يكفي شك الوصي أو الوارث أيضاً [1]. ولا فرق في ذلك بين ما إذا أوصى أو لم يوص ، فان مقتضى أصالة بقاء اشتغال ذمته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة إلى الوارث [2]. ولكنه يشكل على ذلك الأمر في كثير من الموارد ، لحصول العلم - غالباً - بأن الميت كان مشغول الذمة بدين ، أو خمس ، أو زكاة ، أو حج ، أو نحو ذلك. إلا أن يدفع بالحمل على الصحة ، فإن ظاهر حال المسلم الإتيان بما وجب عليه [3].


في عدم وجوب العمل بها من جهة الشبهة المصداقية ، وإنما افترقا من جهة اشتمال الثاني على الخبر الذي يكون حجة دون الأول ، وإلا فأصالة الصحة في الجميع غير جارية.

ويحتمل أن يكون الوجه - في عدم جريان أصالة الصحة في المقام - : أنها مختصة بما إذا كان الفعل صادراً من السلطان وشك في تماميته وعدمها أما إذا كان الشك في صدوره من السلطان ولو للشك في سلطنة المصدر فلا مجال لأصالة الصحة. لكن في اعتبار الشرط المذكور تأمل ، وإن كان هو مقتضى الاقتصار على القدر المتيقن. لكن الظاهر عموم القاعدة لذلك.

[1] تقدم الكلام في ذلك في المسألة الواحدة بعد المائة من الفصل الأول (1). وقد تقدم منه ما ربما يقتضي خلاف ما ذكره هنا. كما تقدم منه في المسألة الخامسة من ختام الزكاة خلاف ذلك. فراجع.

[2] هذا الأثر لا حاجة إليه ، إذ الكلام في وجوب الإخراج ، ويكفي فيه ثبوت الوجوب وإن انتقل ما يقابله إلى الورثة.

[3] تقدم - في بعض مسائل ختام الزكاة - الكلام في مثل هذه


1) راجع صفحة : 272 من الجزء العاشر من هذه الطبعة.

لكنه مشكل في الواجبات الموسعة [1] ، بل في غيرها أيضاً ، في غير الموقتة [2]. فالأحوط - في هذه الصورة - الإخراج من الأصل.

( مسألة 2 ) : يكفي الميقاتية [3] ، سواء كان الحج الموصى به واجباً أو مندوباً. ويخرج الأول من الأصل ، والثاني من الثلث. إلا إذا أوصى بالبلدية ، وحينئذ فالزائد عن أجرة الميقاتية - في الأول - من الثلث. كما أن تمام الأجرة - في الثاني - منه.

( مسألة 3 ) : إذا لم يعين الأجرة ، فاللازم الاقتصار


المسألة. كما تقدم الإشكال في جريان أصالة الصحة في حال المسلم ، وأنه لم يثبت.

[1] فإن التأخير فيها لما كان جائزاً لم يكن ظاهر المسلم عدمه.

[2] مما كانت تجب المبادرة إليها وإن لم يكن على نحو التوقيت ، لما عرفت من عدم ثبوت أصالة الصحة فيه بنحو تقتضي البناء على وجوب الأداء. أما الموقتة فيمكن التمسك فيها بقاعدة الشك بعد خروج الوقت فقد تضمنت بعض النصوص : أنه إذا شك بعد خروج الوقت فقد دخل حائل فلا يلتفت (1)، بناء على ما يستفاد منها من عموم الحكم لكل شك في الموقت بعد خروج وقته.

[3] تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة الثامنة والثمانين من الفصل الأول (2)، وبقية الأحكام المذكورة في هذه المسألة واضحة.


1) الوسائل باب : 60 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) راجع صفحة : 258 من الجزء العاشر من هذه الطبعة.

على أجرة المثل [1] ، للانصراف إليها. ولكن إذا كان هناك من يرضى بالأقل منها وجب استئجاره ، إذ الانصراف إلى أجرة المثل إنما هو نفي الأزيد فقط [2]. وهل يجب الفحص عنه


[1] كما في الشرائع وغيرها. لكن في القواعد : « وإن لم يعين القدر أخرج أقل ما يستأجر به .. ». واستدل بعضهم على الأول : بتوقف الحج عليه. لكن وجوب ما يتوقف عليه الواجب يقتضي إرادة الثاني. وعليه فاذا أمكن الاستيجار بالأقل لم يجز الاستيجار بأجرة المثل. كما أنه لو لم يمكن الاستيجار بأجرة المثل تعين الاستيجار بالأكثر ، مع الاقتصار على أقل ما يمكن منه.

[2] أراد به دفع الإشكال الذي ذكر في المستند على من جمع بين الاستدلال على لزوم أجرة المثل بالانصراف وبين الحكم بوجوب الاستيجار بالأقل مع وجود من يرضى به. وتوضيح الدفع : أن المراد من الانصراف إلى أجرة المثل الانصراف عن الأكثر ، لا ما يقابل الأكثر والأقل. والوجه في الانصراف المذكور أن الوصي بمنزلة الوكيل ، وإطلاق التوكيل يقتضي الانصراف الى ما تقتضيه مصلحة الموكل ، ومن المعلوم ، أن مصلحة الموكل تقتضي الاستيجار بالأقل مع تهيئة.

هذا إذا لم يكن التصرف مزاحماً لحق الورثة - كما إذا كان قد أوصى بإخراجه من الثلث - أما مع المزاحمة لحق الورثة - بأن كان اللازم إخراجه من الأصل - فالحكم أوضح ، فإنه لو صرح الموصي بأجرة المثل ليس للوصي العمل بالوصية مع مزاحمة حق الورثة ، لأن فيه حيفاً عليهم ، فيتعين الأخذ بالأقل. ومن ذلك يظهر أن ما ذكره في الشرائع إن لم يرد به الثاني فالإشكال عليه ظاهر.

لو احتمل وجوده؟ الأحوط ذلك [1] ، توفيراً على الورثة خصوصاً مع الظن بوجوده. وإن كان في وجوبه إشكال ، خصوصاً مع الظن بالعدم [2]. ولو وجد من يريد أن يتبرع فالظاهر جواز الاكتفاء به ، بمعنى : عدم وجوب المبادرة إلى الاستئجار - بل هو المتعين - توفيراً على الورثة ، فان أتى به صحيحاً كفى ، وإلا وجب الاستئجار. ولو لم يوجد من يرضى بأجرة المثل فالظاهر وجوب دفع الأزيد إذا كان الحج واجباً ، بل وان كان مندوباً ايضاً مع وفاء الثلث [3]. ولا يجب الصبر إلى العام القابل ولو مع العلم بوجود من يرضى بأجرة المثل أو أقل - بل لا يجوز - لوجوب المبادرة إلى تفريغ ذمة الميت في الواجب ، والعمل بمقتضى الوصية في المندوب [4]


[1] بل هو الأقوى ، لعدم العلم بالتوقف على أجرة المثل ، فلا يعلم الاذن فيه. نعم الفحص اللازم إنما هو بالمقدار الذي لا يلزم فيه تعطيل الواجب ، ولا يلزم من وجوبه الحرج ، فان لزم أحدهما لم يلزم ، كما هو ظاهر.

[2] لكن بعد أن كان الظن ليس بحجة فلا طريق إلى الاذن في التصرف. نعم لو لم يكن فيه ضرر على الورثة - كما لو أوصى بإخراجه من الثلث ، وفهم من الموصي الاذن بالتصرف من دون فحص - لم يجب الفحص حينئذ. لكن فهم ذلك يحتاج إلى قرينة خاصة ، لما عرفت من أن إطلاق الوصية يقتضي اختصاص الاذن بما فيه مصلحة الموصي.

[3] مع الاقتصار على أقل الممكن ، كما سبق.

[4] هذا إذا فهم من الموصي الوصية بالمبادرة ، والا فمقتضى الإطلاق

وإن عين الموصي مقداراً للأجرة تعين وخرج من الأصل في الواجب إن لم يزد على أجرة المثل ، وإلا فالزيادة من الثلث. كما أن في المندوب كله من الثلث.

( مسألة 4 ) : هل اللازم في تعيين أجرة المثل الاقتصار على أقل الناس أجرة ، أو يلاحظ من يناسب شأن الميت في شرفه وضعته؟ لا يبعد الثاني ، والأحوط الأظهر الأول [1]. ومثل هذا الكلام يجري أيضاً في الكفن الخارج من الأصل أيضاً.

( مسألة 5 ) : لو أوصى بالحج وعين المرة أو التكرار بعدد معين تعين [2] ، وإن لم يعين كفى حج واحد [3]. إلا أن يعلم أنه أراد التكرار. وعليه يحمل ما ورد في الاخبار :


جواز التأخير ، لأن الأمر لا يقتضي الفور ، وليس في المقام حق للغير تجب المبادرة إلى أدائه. اللّهم إلا أن تكون الوصية من حق الميت تجب المبادرة إلى أدائه. لكنه غير ظاهر ، ولا يناسب سيرة المتشرعة. فلاحظ.

[1] قد عرفت : أنه - مع اختلاف مراتب أجرة المثل - يتعين الاقتصار على الأقل ، إما لأنه أصلح للميت ، أو لأن في الأكثر منافاة لحق الورثة. لكن إذا كان الأقل منافياً لشرف الميت فلا تبعد دعوى انصراف الدليل عنه. ولأجل ذلك قال المصنف (رحمه اللّه) : « الأظهر الأول ».

[2] بلا إشكال ولا خلاف ، كما يظهر ذلك من ملاحظة كلماتهم.

[3] كما هو المشهور بين المتأخرين. أما في صورة يكون لكلام الموصي إطلاق ، فلأن الإطلاق يقتضي أن يكون المراد صرف الطبيعة ،

من أنه يحج عنه ما دام له مال - كما في خبرين - [1] أو ما بقي


وصرف الطبيعة يصدق على الواحد كما يصدق على الكثير ، ولذا ذكروا أن الأمر لا يقتضي التكرار كما لا يقتضي المرة. وحينئذ فإن أخرج من الأصل اقتصر على الواحد ، لمنافاة الأكثر لحق الوارث ، ولا يجوز إلا بإذنه. وإن أخرج من الثلث جاز الواحد ، كما جاز المتعدد في سنة واحدة أما في سنتين فالظاهر عدم مشروعية التعدد ، لأن صرف الوجود لا يتكرر انطباقه ، فاذا كان منطبقاً على الأول امتنع أن ينطبق على الثاني ، فالحج في السنة الثانية لا يكون مما أوصى به ، فلا يكون مأذوناً فيه. أما إذا لم يكن لكلام الموصي إطلاق وتردد الموصى به بين الواحد والمتعدد اقتصر على الواحد ، للشك في الوصية بما زاد على الواحد ، والأصل عدمها.

[1] أحدهما : خبر محمد بن الحسن الأشعري : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : جعلت فداك. إني سألت أصحابنا عما أريد أن أسألك عنه فلم أجد عندهم جواباً ، وقد اضطررت إلى مسألتك. وإن سعد بن سعد أوصى إلي ، فأوصى في وصيته حجوا عني مبهماً ولم يفسر ، فكيف أصنع؟ قال (عليه السلام) : يأتي جوابي في كتابك. فكتب لي : يحج عنه ما دام له مال يحمله » (1). وثانيهما : خبر محمد بن الحسين قال لأبي جعفر (عليه السلام) : « جعلت فداك ، قد اضطررت إلى مسألتك ، فقال : هات. فقلت : سعد بن سعد أوصى حجوا عني مبهماً ولم يسمّ شيئاً ، ولا ندري كيف ذلك. قال : يحج عنه ما دام له مال » (2).


1) الوسائل باب : 4 من أبواب النيابة في الحج ملحق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

من ثلثه شي‌ء - كما في ثالث - [1] بعد حمل الأولين على الأخير من إرادة الثلث من لفظ المال [2]. فما عن الشيخ وجماعة ، من وجوب التكرار ما دام الثلث باقياً ضعيف [3]. مع أنه يمكن [4] أن يكون المراد من الاخبار : أنه يجب الحج ما دام يمكن الإتيان به ببقاء شي‌ء من الثلث بعد العمل بوصايا أخر وعلى فرض ظهورها في إرادة التكرار - ولو مع عدم العلم


[1] وهو خبر محمد بن الحسين بن خالد : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهماً. فقال : حج عنه ما بقي من ثلثه شي‌ء » (1).

[2] المقتضي لهذا الحمل إما الجمع العرفي بين الأولين والأخير - لأن الأخير من قبيل المقيد والأولين من قبيل المطلق - أو الإجماع.

[3] لإجمال مورد السؤال في الأخبار المذكورة ، لإجمال الإبهام المذكور فيها. ولا سيما بملاحظة عجز أصحابنا (رضي اللّه عنه) عن الجواب - حسب ما ذكر في الخبر الأول - فإنه لو كان إطلاق في كلام الموصي أو لم يبين تعيين الاكتفاء بالمرة - كما عرفت - وليس ذلك مما يخفي الحكم فيه على أصحابنا وغيرهم. وحينئذ لا مجال للاستدلال بها على ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) - وتبعه عليه في الحدائق والمستند - من أنه إذا لم ينص على تعيين المقدار يتعين التكرار. واستدل له في الحدائق أيضاً : بأنه الموافق لأصالة الشغل. مع أن الأصل البراءة من وجوب الزائد على المرة.

[4] هذا الإمكان ذكره كاشف اللثام. وهو أيضاً بعيد عن الإبهام وعدم التفسير ، وعجز أصحابنا عن الجواب ، المذكورة في النصوص.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

بإرادته - لا بد من طرحها ، لإعراض المشهور عنها [1] ، فلا ينبغي الإشكال في كفاية حج واحد مع عدم العلم بإرادة التكرار. نعم لو أوصى بإخراج الثلث ولم يذكر إلا الحج ، يمكن أن يقال بوجوب صرف تمامه في الحج [2] ، وكذا لو لم يذكر إلا المظالم ، أو إلا الزكاة ، أو إلا الخمس. ولو أوصى أن يحج عنه مكرراً كفى مرتان ، لصدق التكرار معه [3].

( مسألة 6 ) : لو أوصى بصرف مقدار معين في الحج


[1] لكن في كون الاعراض المذكور موجباً للوهن والسقوط عن الحجية تأمل ظاهر. وفي المستند : أنه لا يظهر راد لهما من المتقدمين عدا شاذ .. انتهى. وإعراض المتأخرين لا يجدي بعد عمل القدماء.

[2] قال في الجواهر : « بل قد يدعى ظهور الاقتصار على الوصية بالحج عنه في إرادة الوصية بالثلث ، وأنه يصرف في ذلك وإن لم يوص بالثلث بغير اللفظ المزبور ، نحو ما لو قال : « أخرجوا رد مظالم ، أو تصدقوا عني » أو نحو ذلك. ولعل مراد الشيخ ومن تبعه ذلك ، لا الحمل على التكرار تعبداً. وان كان ظاهر اللفظ خلافه ، ضرورة استبعاد مثل ذلك من مثله ».

أقول : دعوى الظهور المذكور غير ظاهرة ، بل يختلف الظهور باختلاف المقامات. ومثله حمل كلام الشيخ (رحمه اللّه) عليه ، فإنه بعيد. واستبعاد مثل ذلك من مثله إنما هو لو كان المستند القواعد ، وقد عرفت أنه النصوص

[3] كما صرح به غير واحد. إلا أن يفهم إرادة التكرار مهما أمكن.

سنين معينة ، وعين لكل سنة مقداراً معيناً ، واتفق عدم كفاية ذلك المقدار لكل سنة ، صرف نصيب سنتين في سنة ، أو ثلاث سنين في سنتين مثلاً ، وهكذا .. [1]. لا لقاعدة الميسور [2] ، لعدم جريانها في غير مجعولات الشارع [3].


[1] بلا خلاف أجده فيه - كما في الجواهر - ومن غير خلاف يعرف - كما في الحدائق - وفي المدارك وعن غيرها : أنه مقطوع به في كلام الأصحاب. لما رواه إبراهيم بن مهزيار قال : « كتب إليه علي بن محمد الحضيني : إن ابن عمي أوصى أن يحج عنه بخمسة عشر ديناراً في كل سنة وليس يكفي ، ما تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام) : يجعل حجتين في حجة فان اللّه تعالى عالم بذلك » (1)، وروايته الأخرى : « كتبت اليه (عليه السلام) : إن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة - صيّر ربعها لك - في كل سنة حجة إلى عشرين ديناراً ، وأنه قد انقطع طريق البصرة فتضاعفت المؤمن على الناس فليس يكتفون بعشرين ديناراً. وكذلك أوصى عدة من مواليك في حجهم. فكتب (عليه السلام) : يجعل ثلاث حجج حجتين إن شاء اللّه » (2).

[2] كما استدل بها في الرياض ، وهو ظاهر كشف اللثام. وظاهر الحدائق : نسبة الاستدلال بها الى الأصحاب ، وفي المدارك : أنه لا بأس به. وإن أمكنت المناقشة فيه : بأن انتقال القدر المعين بالوصية إنما يتحقق مع إمكان صرفه فيها .. إلى آخر ما ذكره.

[3] لأن مفاد القاعدة كون الطلب بنحو تعدد المطلوب ، وذلك


1) الوسائل باب : 3 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

بل لان الظاهر من حال الموصي إرادة صرف ذلك المقدار في الحج ، وكون تعيين مقدار كل سنة بتخيل كفايته [1]. ويدل عليه أيضاً : خبر علي بن محمد الحضيني [2] ، وخبر إبراهيم ابن مهزيار ، ففي الأول : تجعل حجتين في حجة ، وفي الثاني : تجعل ثلاث حجج في حجتين ، وكلاهما من باب المثال كما لا يخفى [3]. هذا ولو فضل من السنين فضلة لا تفي


إنما يصح بالنسبة إلى الطلب الشرعي الذي يمكن فيه الكشف عن ذلك ، الذي هو خلاف التقييد. أما الطلب الصادر من غير الشارع فلا يمكن فيه الكشف المذكور. ووجوب العمل بالوصية وإن كان شرعياً ، لكنه يتوقف على صدق الوصية على البعض ، فاذا فرض انتفاؤه - لانتفاء القيد - انتفى صدق الميسور ، ضرورة أنه لا يصدق مع انتفاء الوصية. وإن شئت قلت : ضرورة عدم وجوب ما لم يوص به الميت.

[1] من المحتمل : أن يكون ذلك مراد من استدل بقاعدة الميسور.

[2] كذا في الجواهر. وقد عرفت أن الخبر خبر إبراهيم بن مهزيار فإنه روى أن علي بن محمد كتب إليه (عليه السلام).

[3] وحينئذ يتعدى عن موردهما إلى سائر الموارد ، فيتم الاستدلال بهما على القاعدة الكلية. هذا والخبران رواهما الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب ، عن إبراهيم بن مهزيار (1)، وطريقه اليه صحيح. ورواهما الصدوق أيضاً عنه (2)، وطريقه أيضاً صحيح. وأما إبراهيم فهو من الثقات. وفي الحدائق : « إنه في أعلى مراتب الصحة » ، وعن علي بن


1) لاحظ الوسائل باب : 3 من أبواب النيابة في الحج.

2) لا حظ الوسائل باب : 3 من أبواب النيابة في الحج.

بحجة [1] ، فهل ترجع ميراثاً ، أو في وجوه البر ، أو تزاد على أجرة بعض السنين؟ [2] وجوه [3]. ولو كان الموصى به


طاوس في كتاب ربيع الشيعة : « أنه من سفراء الصاحب (عليه السلام) والأبواب المعروفين الذين لا يختلف الاثنا عشرية فيهم ». وقد تعرض في مستدرك الوسائل لذكر القرائن الدالة على وثاقته. فراجع. نعم رواهما في الكافي عن محمد بن يحيى ، عمن حدثه ، عن إبراهيم بن مهزيار (1).

[1] هذا يتعلق بما قبله من ضم السنين بعضها الى بعض ، بأن كان الضم يستوجب زيادة فضلة.

[2] يعني : البعض الآخر.

[3] في الجواهر ذكر الوجهين الأولين ، تبعاً لكاشف اللثام ، ثمَّ قال : « قد يقال : بتعين الثاني مع فرض الوصية بها ، وأنه ذكر ذلك مصرفاً لها فاتفق تعذره. كما أنه يتعين الأول إذا فرض إخراجها عن الوارث بالوصية المزبورة ، التي قد فرض تعذرها. فتأمل ». وكأن وجه التأمل أن إخراجها بالوصية المزبورة عن ملك الوارث لا ينافي الوصية بها على وجه آخر.

فالعمدة ، ما سيشير إليه المصنف (رحمه اللّه) ، من أنه إن فهم تعدد المطلوب لم ترجع ميراثاً ، وإن لم يفهم ذلك - أو فهم وحدة المطلوب - رجعت ميراثاً ، ويختلف ذلك باختلاف المناسبات. والوجه الأخير مبني على أن المطلوب ينحل إلى أمور ثلاثة ، صرف المال في مصلحته ، وصرفه في الحج ، وصرفه في خصوص السنة المعينة ، فإذا تعذر الأخير تعين الأولان. لكن الأذواق العرفية - غالباً - لا تساعد عليه. ولذا لم


1) لاحظ الوسائل باب : 3 من أبواب النيابة في الحج.

الحج من البلد ، ودار الأمر بين جعل أجرة سنتين - مثلاً - لسنة ، وبين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكل سنة ، ففي تعيين الأول أو الثاني ، وجهان [1]. ولا يبعد التخيير ، بل أولوية الثاني [2]. إلا أن مقتضى إطلاق الخبرين الأول [3]. هذا كله إذا لم يعلم من الموصي إرادة الحج بذلك المقدار على


يتعرضوا له.

[1] في كشف اللثام اختار الثاني ، ثمَّ قال : « ولكن الخبر الأخير قد يوهم الخلاف. ويمكن تنزيله على عدم إمكانه من الميقات .. » وفي الجواهر : « قلت : لا داعي إلى هذا الاجتهاد في مقابلة النص المعمول به بين الأصحاب .. ».

[2] لأن الحج أفضل من الطريق.

[3] أما الخبر الثاني فظاهر في البلدية ، ومطلق من حيث التمكن من الاستنابة من الميقات وعدمه. وأما الخبر الأول فهو مطلق من حيث البلد ، ومن حيث التمكن من الاستنابة من الميقات. وحينئذ يكون مقتضى الإطلاق الحج من البلد ، والجمع بين أجور السنين. وربما ينافي ذلك ما يأتي من رواية علي بن مزيد المتضمنة : أنه إذا أوصى بمال لا يكفي للحج من البلد يحج به من الميقات (1)، وصحيحة البزنطي المتضمنة : أنه يحج من البلد فان لم يمكن فمن حيث يمكن (2)، المحمولة على صورة الوصية بمال للحج. لكن الخبرين المذكورين في غير المورد ، والأخذ بإطلاق الخبرين الواردين في المورد أولى وأظهر.


1) يأتي ذكرها في أواخر المسألة التاسعة من هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب النيابة في الحج حديث : 3.

وجه التقييد ، وإلا فتبطل الوصية ، إذا لم يرج إمكان ذلك بالتأخير ، أو كانت الوصية مقيدة بسنين معينة [1].

( مسألة 7 ) : إذا أوصى بالحج وعين الأجرة في مقدار فان كان الحج واجباً ، ولم يزد ذلك المقدار عن أجرة المثل ، أو زاد وخرجت الزيادة من الثلث [2] تعين. وإن زاد ولم تخرج الزيادة من الثلث بطلت الوصية ، ويرجع الى أجرة المثل [3]. وان كان الحج مندوباً فكذلك تعين - أيضاً - مع وفاء الثلث بذلك المقدار ، والا فبقدر وفاء الثلث ، مع عدم كون التعيين على وجه التقييد. وإن لم يف الثلث بالحج ، أو كان التعيين على وجه التقييد بطلت الوصية ، وسقط وجوب الحج [4].


[1] لفوات المقيد بفوات قيده. وأما الخبران فاطلاقهما اللفظي وإن كان يشمل الفرض ، لكن من المعلوم - بقرينة المناسبات العرفية - عدم ظهورهما في وجوب ما لم يوص به الميت. نعم مع الشك لا بأس بالأخذ بإطلاق الخبرين ، وتكون فائدتهما ذلك ، إذ مع الشك في ذلك يكون المرجع أصالة عدم الوصية. والظاهر أن الخبرين واردان هذا المورد ، فهما في مقام الحكم الظاهري اعتماداً على القرائن العامة. نعم لو اتفق حصول بعض ما يمنع من القرائن العامة ، ففي جواز الأخذ بهما إشكال ، والأوجه العدم.

[2] بأن وفي الثلث بها من دون مزاحم.

[3] لعدم صحة الوصية بما زاد على الثلث.

[4] أما في الأول فللتعذر ، وأما في الثاني فلتعذر القيد.

( مسألة 8 ) : إذا أوصى بالحج وعين أجيراً معيناً تعين استئجاره بأجرة المثل. وإن لم يقبل إلا بالأزيد ، فإن خرجت الزيادة من الثلث تعين أيضاً ، وإلا بطلت الوصية واستؤجر غيره بأجرة المثل في الواجب مطلقاً. وكذا في المندوب إذا وفي به الثلث ، ولم يكن على وجه التقييد. وكذا إذا لم يقبل أصلاً [1].

( مسألة 9 ) : إذا عين للحج أجرة لا يرغب فيها أحد وكان الحج مستحباً بطلت الوصية إذا لم يرج وجود راغب فيها. وحينئذ فهل ترجع ميراثاً ، أو تصرف في وجوه البر ، أو يفصل بين ما إذا كان كذلك من الأول فترجع ميراثاً أو كان الراغب موجوداً ثمَّ طرأ التعذر؟ وجوه [2]. والأقوى هو الصرف في وجوه البر. لا لقاعدة الميسور ، بدعوى : أن


[1] يعلم حكم هذه المسألة مما سبق.

[2] الأول : محكي عن ابن إدريس ، والشيخ في أجوبة المسائل الحائريات ، واختاره في المدارك. لتعذر العمل بالوصية ، فتبطل. والثاني : محكي عن المشهور ، واختاره في الشرائع وغيرها. بناء منهم على أنها بنحو تعدد المطلوب ، فاذا لم تصح الوصية بالحج بطل القيد ، وتبقى الوصية بالمال فيصرف في مصلحة الميت. والثالث : محكي عن الكركي ، واختاره في المسالك. إذ - مع طروء العذر - لما صحت الوصية ابتداء ، وخرج المال من ملك الوارث لا يعود اليه إلا بدليل ، ولم يثبت. غاية الأمر : أنه قد تعذر صرفه في الوجه المعين ، فيصرف في وجوه البر ، بخلاف ما لو كان العذر من الأول ، فإنها لم تصح الوصية من الأول. والاشكال فيه

الفصل إذا تعذر يبقى الجنس - لأنها قاعدة شرعية ، وإنما تجري في الأحكام الشرعية المجعولة للشارع ، ولا مسرح لها في مجعولات الناس ، كما أشرنا إليه سابقاً [1]. مع أن الجنس لا يعد ميسوراً للنوع [2] ، فمحلها المركبات الخارجية إذا تعذر


ظاهر ، لأنها إذا بطلت لم يكن لوجوب الصرف وجه إلا البناء على التبعيض وهو مبني على تعدد المطلوب ، ومعه يكون الحكم كذلك في العذر المقارن للوصية. فالعمدة : هو أن الوصية في أمثال ذلك مبنية على وحدة المطلوب أو على تعدده ، فعلى الأول يتعين التبعيض ويلزم الصرف في وجوه البر - كما ذكر المشهور - وعلى الثاني يتعين الرجوع ميراثاً - كما ذكر ابن إدريس - والتفصيل بلا فاصل.

[1] في المسألة السادسة. فراجع.

[2] من المعلوم أن مفهوم الميسور كسائر الموضوعات التي تذكر موضوعاً للأحكام في لسان الشارع ، فاذا لم يتعرض الشارع لبيان المراد بها تحمل على المفاهيم العرفية ، بمقتضى الإطلاقات المقامية ، فالمراد بالميسور هو الميسور العرفي. وحكم العرف بصدق الميسور تابع للمرتكزات العرفية في مناسبات الاحكام وموضوعاتها ، فقد يصدق الميسور على الجنس عند تعذر الفصل وقد لا يصدق ، وقد يصدق على المقيد عند زوال قيده وقد لا يصدق ، وقد يصدق على المباين وقد لا يصدق ، وقد يصدق على بعض الأجزاء عند تعذر البعض الآخر وقد لا يصدق ، كل ذلك لاختلاف المناسبات العرفية بين الأحكام وموضوعاتها ، فهذه المناسبات العرفية وإن لم تكن قطعية ولا حجية فيها ، لكن عرفت أن الإطلاق المقامي يقتضي جواز الاعتماد عليها.

بعض أجزائها ولو كانت ارتباطية - [1] بل لأن الظاهر من حال الموصي - في أمثال المقام - إرادة عمل ينفعه ، وإنما عين عملاً خاصاً لكونه أنفع في نظره من غيره ، فيكون تعيينه لمثل الحج على وجه تعدد المطلوب وإن لم يكن متذكراً لذلك حين الوصية. نعم لو علم في مقام كونه على وجه التقييد في عالم اللب أيضاً يكون الحكم فيه الرجوع الى الورثة. ولا فرق في الصورتين بين كون التعذر طارئاً أو من الأول. ويؤيد ما ذكرنا : ما ورد من الأخبار في نظائر المقام [2].


[1] قد عرفت عمومها لها ، وللمقيدات عند تعذر قيدها ، وللأجناس عند تعذر فصلها. لكن لا بنحو الكلية في الجميع ، بل يختلف باختلاف المناسبات الارتكازية العرفية.

[2] كصحيحي إبراهيم بن مهزيار المتقدمين في المسألة السادسة ، وخبر محمد بن الريان قال. « كتبت الى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن إنسان أوصى بوصية ، فلم يحفظ الوصي إلا باباً واحداً ، كيف يصنع بالباقي؟ فوقع (عليه السلام) : الأبواب الباقية اجعلها في وجوه البر » (1). وما ورد - فيمن أوصى أن تشترى رقبة بثمن معين وتعتق ، فوجدت بأقل من ذلك الثمن - : من أنه تشترى بالأقل ، وتعتق ، ويدفع إليها الباقي (2). وقد يستدل بما ورد - فيمن أوصى للكعبة ، أو نذر لها ، أو جعل لها هدياً - : من أنه يباع ويصرف على الحجاج المنقطعين (3). لكنه غير ما نحن فيه ، لأن


1) الوسائل باب : 61 من أبواب الوصايا حديث : 1.

2) الوسائل باب : 77 من أبواب الوصايا حديث : 1.

3) راجع الوسائل باب : 22 من أبواب مقدمات الطواف.

بل يدل عليه خبر علي بن سويد (1)عن الصادق (عليه السلام) [1]


الظاهر أن المراد به ذلك من أول الأمر ، لا بعد التعذر.

ثمَّ إن المصرح به في كلام جماعة : البناء على أن الصرف في وجوه البر تعبدي ، نظير البدل الاضطراري ، وحينئذ لا فرق بين وحدة المطلوب في الوصية وتعدده. لكن فهم ذلك من النصوص غير ظاهر الوجه ، لكون منصرفها أن ذلك كان عملاً بالوصية ، واعتماداً على القرائن العامة ، فلا مجال للأخذ بها مع العلم بأن الوصية على نحو وحدة المطلوب ، أو قيام بعض القرائن الخاصة المانعة من الأخذ بالقرائن العامة ، كما أشرنا إليه آنفاً. ثمَّ إن ما ذكر يختص بالأعمال الخيرية التي قصد فيها التقرب إلى اللّه سبحانه أما غيرها مما يقصد به وجه آخر فاللازم فيها البناء على الرجوع إلى الوارث كما هو مقتضى الأصل الأولي ، لعدم ما يوجب الخروج عنه.

[1] رواه المشايخ الثلاثة قال : « أوصى إلي رجل بتركته ، وأمرني أن أحج بها عنه ، فنظرت في ذلك فإذا شي‌ء يسير لا يكفي للحج. فسألت أبا حنيفة وفقهاء الكوفة ، فقالوا : تصدق بها عنه. فلما حججت لقيت عبد اللّه بن الحسن في الطواف ، فسألته وقلت له : إن رجلاً من مواليكم من أهل الكوفة مات فأوصى بتركته إلي ، وأمرني أن أحج بها عنه ، فنظرت في ذلك فلم تكف في الحج ، فسألت من قبلنا من الفقهاء ، فقالوا : تصدق بها ، فتصدقت بها ، فما تقول؟ فقال لي : هذا جعفر بن محمد فأته وأسأله. قال : فدخلت الحجر فإذا أبو عبد اللّه (عليه السلام) تحت الميزاب مقبل بوجهه على البيت يدعو ، ثمَّ التفت فرآني ، فقال : ما حاجتك؟


1) هكذا في نسخ المتن المطبوعة. ولكن الموجود في الفقيه والتهذيب : ( ابن مزيد ). وفي الكافي : ( ابن فرقد ). وهناك نسخ أخرى ليس فيها ابن سويد.


قال : « قلت مات رجل فأوصى بتركته أن أحج بها عنه ، فنظرت في ذلك فلم تكف للحج ، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا : تصدق بها. فقال (عليه السلام) : ما صنعت؟ قلت : تصدقت بها. فقال (عليه السلام) : ضمنت. إلا أن لا تكون تبلغ أن يحج بها من مكة ، فإن كانت تبلغ أن يحج بها من مكة فأنت ضامن » ويظهر مما ذكرنا حال سائر الموارد التي تبطل الوصية لجهة فقلت : جعلت فداك ، إني رجل من أهل الكوفة من مواليكم ، فقال (عليه السلام) : دع ذا عنك ، حاجتك ، قلت : رجل مات فأوصى بتركته أن أحج بها عنه ، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج ، فسألت من عندنا من الفقهاء ، فقالوا : تصدق بها. فقال : ما صنعت؟ قلت : تصدقت بها فقال (عليه السلام) : ضمنت. إلا أن لا يبلغ أن يحج به من مكة ، فإن كان لا يبلغ أن يحج به من مكة فليس عليك ضمان ، وإن كان يبلغ أن يحج به من مكة فأنت ضامن » (1).

ودلالة الرواية على التنازل من الحج البلدي إلى الميقاتي واضحة. وكذا دلالتها على التنازل من النائب إلى غيره ، وهو غير ما نحن فيه. كما أن الظاهر اختصاصها بصورة ما إذا لم يعلم أن التقييد على نحو وحدة المطلوب ، فإن إطلاقها اللفظي وإن كان شاملا لذلك ، لكن المنصرف إلى الذهن منها. أن وجوب الصرف من باب العمل بالوصية ، لا من باب آخر في مقابل ذلك. نعم الظاهر منها الشمول لصورة الشك ، أخذاً بالارتكاز الغالب.


1) الوسائل باب : 37 من أبواب الوصايا حديث : 2 ، الفقيه الجزء : 4 صفحة : 154 طبعة النجف الأشرف.

من الجهات ، هذا في غير ما إذا أوصى بالثلث وعين له مصارف وتعذر بعضها ، وأما فيه فالأمر أوضح ، لأنه بتعيينه الثلث لنفسه أخرجه عن ملك الوارث بذلك فلا يعود إليه [1].

( مسألة 10 ) : إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحج عنه بعد موته صح ولزم ، وخرج من أصل التركة وإن كان الحج ندبياً ، ولا يلحقه حكم الوصية. ويظهر من المحقق القمي قدس سره في نظير المقام إجراء حكم الوصية عليه ، بدعوى : أنه بهذا الشرط ملك عليه الحج ، وهو عمل له أجرة [2] ، فيحسب مقدار أجرة المثل لهذا العمل ، فان كانت زائدة عن الثلث توقف على إمضاء الورثة. وفيه : أنه لم يملك عليه الحج مطلقاً في ذمته ثمَّ أوصى أن يجعله عنه [3]


[1] تعليل الوضوح بما ذكر خفي ، إذ لا مانع من العود الى ملك الوارث بعد أن بطل السبب المخرج. فالعمدة في الوضوح : أنه لما اشتملت الوصية على أمرين كان البناء على تعدد المطلوب فيها أوضح من الوصية المشتملة على أمر واحد ، لأن ذلك في الثانية محتاج الى التحليل العقلي ، بخلاف الأولى ، لاشتمالها على التحليل الخارجي.

[2] يعني : فيكون مملوكاً للمصالح ، فيكون لورثته بعد موته كسائر تركته. وحينئذ يكون أمره للمصالح - بالفتح - بفعله عنه وصية منه بذلك فتخرج من ثلثه.

[3] توضيح الاشكال : أن الوصية تصرف في المملوك بعد المفروغية عن الملكية له ، مثل أن يوصي بداره لزيد ، وبفرسه لعمرو ، ونحو ذلك

بل إنما ملك بالشرط الحج عنه ، وهذا ليس مالاً تملكه الورثة [1] ،


وليس المقام كذلك ، فان المملوك هو الحج عن نفسه ، وهذا المملوك لم يؤخذ موضوعاً لتصرف آخر زائد عليه ، فلا يدخل في باب الوصية بالمال ولا تجري عليه أحكامها.

[1] كيف لا يكون مالاً وقد جعل عوضاً عن مال؟ كما لو استأجره للحج عنه بعد وفاته ، أو في حياته ، أو يحج عن ميت له ، كما تقدم في كلام المحقق القمي. مع أن الانتقال إلى الوارث لا يتوقف على المال ، مثل حبة الحنطة ، فإنها تنتقل الى الوارث إذا كانت مملوكة للمورث ، لعموم ما دل على انتقال ما ترك الميت الى وارثه. ومن ذلك يظهر لك الإشكال. في قوله (رحمه اللّه) : « لا ينتقل إلى الورثة ».

والمتحصل مما ذكرناه : أن الوصية - التي لا تنفذ فيما زاد على الثلث - تختص بالوصية الواردة على الملك ، بحيث يكون الملك موضوعاً لها ، فلا تشمل المقام مما كان التصرف موضوعاً للملكية ، فلا مجال لإجراء حكم الوصية عليه ، ومقتضى كونه مما ترك الميت أن يكون ملكاً لوارثه. ومثله : ما لو ملكه بالعقد لا بالشرط ، كما لو استأجره على أن يحج عنه في حياته أو بعد مماته فمات المستأجر ، فإن الحج لما كان مملوكاً للميت بعقد الإجارة في حياته كان لوارثه بعد مماته ، ومقتضى الانتقال إليهم أن للورثة المعاوضة وإبراء ذمة الأجير عنه ، ونحو ذلك من أحكام الملك. اللّهم إلا أن يدعى انصراف دليل عموم الانتقال إلى الوارث إلى ما لم يكن له تعين في التصرف ويكون التصرف فيه مردداً بين الوارث وغيره ، مثل الأعيان والحقوق التي لا تعين لها في الصرف واعمال السلطنة ، فدليل الانتقال يوجب انتقالها الى الوارث ، فلا يشمل المقام ، فان الحج المشروط أو المملوك بالإجارة يتعين

فليس تمليكاً ووصية ، وإنما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة. وكذا الحال إذا ملكه داره بمائة تومان - مثلاً - بشرط أن يصرفها في الحج عنه أو عن غيره [1] ، أو ملكه


صرفه للميت بمقتضى العقد والشرط ، فلا يدخل في عموم الانتقال. والسبب في هذا الانصراف قصور : « ما ترك الميت .. » عن شمول مثل ذلك ، لاختصاصه بالسائب الذي لا تعين له. ولعل هذا هو المراد مما في حاشية المقام لبعض الأعاظم ، من الاشكال على المحقق القمي. بأن الظاهر أن شرط الحج أو الصرف في مصرف آخر بعد موته استيفاء منه بهذا الوجه ، ويخرج عن الوصية وملك الورثة. انتهى. إذ لو لم يرد ما ذكرناه من الانصراف فلا يظهر للاستيفاء المذكور وجه. إذ ليس مفاد الشرط إلا ملك المشروط له معنى الشرط كسائر موارد جعل الملكية ، فمن أين جاء هذا الاستيفاء؟!. نعم لو كان مفاد الشرط مجرد التكليف بالفعل - كالحج ، أو الصرف - كان لما ذكره وجه ، لأن الوجوب الشرعي بمنزلة الوجوب العقلي ، فيكون استيفاء ، لكنه خلاف التحقيق. وقد اتفق لهذه المسألة في حياة المصنف (رحمه اللّه) من الاختلاف فيها بينه وبين معاصريه ومزيد النقضي والإبرام مما لم يتفق لأكثر المسائل العلمية. واللّه سبحانه ولى السداد والتوفيق.

[1] في إجراء الحكم السابق هنا إشكال ظاهر ، لأن الشرط هنا تصرف في ماله وملكه بعد الموت ، فيكون الملك موضوعاً للتصرف ، فيشمله ما دل على عدم نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث ، ويتوجه فيه ما ذكره المحقق القمي.

إياها بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحج أو نحوه [1]. فجميع ذلك صحيح لازم من الأصل [2] وان كان العمل المشروط عليه ندبياً. نعم له الخيار عند تخلف الشرط. وهذا ينتقل الى الوارث [3] ، بمعنى : أن حق الشرط ينتقل الى الوارث ، فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة.


[1] هذا المثال أشبه بالمثال الأول ، لعدم كون الشرط تصرفاً في ماله وملكه بل تصرف في مال غيره. بل لو بني على أن صرف المال - الذي هو الشرط - ليس بمال كان الحكم فيه أوضح. إذ حينئذ لا يكون الشرط مالاً وإن كان ملكاً له بالاشتراط ، فأولى أن لا يدخل تحت ما دل على عدم نفوذ الوصية بما زاد على الثلث ، لاحتمال اختصاص ذلك بالمال.

[2] قد عرفت أن ذلك في المثال الأول والأخير ، لا في الثاني ، فإنه من الوصية ، فيكون حينئذ من الثلث.

[3] إذا كان الشرط على الوارث امتنع أن ينتقل الشرط اليه ، وحينئذ يبقى على ملك الميت. ومن ذلك يظهر أنه لا يكون الخيار للوارث ، لأنه إنما يكون لمن يملك الشرط الفائت لتدارك ما فات منه ، ولا يكون لغيره مضافاً الى أنه لا معنى لثبوت الخيار له على عقد نفسه. وحينئذ لا بد من البناء على أنه يكون للحاكم الشرعي ، لولايته على الميت ، فاذا فسخ الحاكم رجع العوض الى ملك الميت ، فيكون لوارثه. ولا يجب عليه صرفه فيما شرط على المفسوخ عليه ، لعدم الدليل على ذلك ، لأن المفروض بطلان المعاملة المقتضية لذلك ، ولا تصرف سواها يقتضي ذلك.

( مسألة 11 ) : لو أوصى بأن يحج عنه ماشياً أو حافياً صح ، واعتبر خروجه من الثلث إن كان ندبياً ، وخروج الزائد عن أجرة الميقاتية منه [1] إن كان واجباً. ولو نذر في حال حياته أن يحج ماشياً أو حافياً ، ولم يأت به حتى مات ، وأوصى به أو لم يوص ، وجب الاستئجار عنه من أصل التركة كذلك [2]. نعم لو كان نذره مقيداً بالمشي ببدنه أمكن أن يقال : بعدم وجوب الاستئجار عنه ، لأن المنذور هو مشيه ببدنه ، فيسقط بموته [3] ، لأن مشي الأجير ليس ببدنه ففرق بين كون المباشرة قيداً في المأمور به أو مورداً [4].


نعم قد يقال : بأن الشرط لما كان راجعاً إلى الوصية جرى عليه حكمها ، من وجوب العمل بها إذا لم تزد على الثلث. ويشكل : بأن الوصية المذكورة كانت مبنية على المعاوضة ، فإذا بطلت بطلت. اللّهم إلا أن يفهم أن ذلك على نحو تعدد المطلوب - كما هو غير بعيد - فاذا بطلت المعاملة بالفسخ بقيت الوصية بحالها ، فيجب تنفيذها من الثلث.

[1] وكذلك الزيادة من جهة المشي أو الحفاء. وكذلك الحكم في الخصوصيات التي يوصي بها الميت حينما يوصي بالحج الواجب ، فان الجميع - لما كان زائداً على الحج الواجب إخراجه من الأصل - لم يجب إخراجه من الأصل ، ووجب إخراجه من الثلث ، عملاً بعموم أدلة أحكام الوصية.

[2] لما تقدم من وجوب قضاء الحج النذري.

[3] لتعذر القضاء.

[4] قد تقدم أن المستفاد من أدلة التشريع أن المباشرة قيد للمأمور به

( مسألة 12 ) : إذا أوصى بحجتين أو أزيد ، وقال :


وأن نسبة الفاعلية في الواجبات نسبة قيام الفعل بفاعله ، فلا تشمل النيابة وإن كانت بنحو التسبيب ، فالحج المنذور هو الحج المباشر القائم بالناذر وكذا نسبة المشي أو الحفاء القائمين بالحاج حينما يقول الناذر : « لله علي أن أحج ماشياً أو حافياً » فالمنذور هو الحج القائم بالناذر ، المقيد بالحفاء والمشي القائمين به أيضاً ، فالمباشرة ملحوظة في المشي أو الحفاء كما هي ملحوظة قيداً في الحج. نعم يختلفان من حيث أن المباشرة - الملحوظة قيداً في الحج - لوحظت بما هي كذلك. أما الملحوظة قيداً في المشي أو الحفاء فقد تكون ملحوظة كذلك. وقد تكون ملحوظة بما هي مباشرة في الحج.

وبعبارة أخرى : المشي أو الحفاء المأخوذان قيداً ، تارة : يؤخذان قيداً بما هما منسوبان الى الناذر من حيث هو ، وأخرى : من حيث كونه حاجاً. فان أخذا على النحو الأول وجب القضاء ، لأن المباشرة في الحج وإن كانت مفقودة في فعل النائب ، لكن دليل وجوب القضاء يقتضي ثبوتها تنزيلاً. والمباشرة في الحفاء والمشي غير مفقودة ، لأن المفروض أنهما أخذا قيداً من حيث كونهما قائمين بالحاج ، وهو حاصل. أما إذا أخذا على النحو الثاني فلا يمكن القضاء ، لانتفاء نسبتهما إلى الناذر من حيث هو ، إذ الناذر غير النائب.

والمتحصل : أن المشي والحفاء المأخوذين قيداً ، تارة : يؤخذان قيداً بما هما منسوبان الى الناذر من حيث هو هو ، وأخرى : يؤخذان قيداً بما هما منسوبان اليه من حيث كونه حاجاً. فعلى الأول يتعذر القضاء ، وعلى الثاني لا يتعذر فيجب.

إنها واجبة عليه ، صدق ، وتخرج من أصل التركة [1]. نعم لو كان إقراره بالوجوب عليه في مرض الموت ، وكان متهماً في إقراره ، فالظاهر أنه كالإقرار بالدين فيه [2] ، في خروجه من الثلث إذا كان متهماً ، على ما هو الأقوى [3].

( مسألة 13 ) : لو مات الوصي بعد ما قبض من التركة أجرة الاستئجار ، وشك في أنه استأجر الحج قبل موته أو لا فان مضت مدة يمكن الاستئجار فيها فالظاهر حمل أمره على الصحة مع كون الوجوب فورياً منه [4] ، ومع كونه موسعاً إشكال [5].


[1] الظاهر أنه لا إشكال فيه ، وكأنه لما دل على حجية إخبار المرء عن نفسه ، كاخبار ذي اليد عما في يده ، لاستقرار سيرة العقلاء والمتشرعة عليه. وأما ما دل على حجية الإقرار فيختص بنفوذه على نفسه ، فلا يشمل المقام ، بعد أن كان النفوذ موجباً لضياع حق الوارث.

[2] فان مفهوم الدين - المذكور في نصوص نفوذ إقراره من الأصل إذا لم يكن متهماً ومن الثلث إذا كان متهماً - شامل لما نحن فيه ، إذ لا فرق في الدين بين العين والعمل ، وما كان للناس وما كان لله تعالى ، كما عرفت ذلك في أول مبحث نذر الحج.

[3] تحقيق ذلك يطلب من محله من كتاب الوصية.

[4] في عموم قاعدة : « حمل فعل المسلم على الصحة .. » لما نحن فيه إشكال ظاهر. ومثله ما إذا مات المدين وشك في وفاء دينه ، إذا كان الدائن مطالباً.

[5] ضعف الاشكال ظاهر ، إذ ليس ما يقتضي وجوب البناء على

وإن لم تمض مدة يمكن الاستئجار فيها وجب الاستئجار من بقية التركة إذا كان الحج واجباً ، ومن بقية الثلث إذا كان مندوباً. وفي ضمانه لما قبض وعدمه - لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان - وجهان [1]. نعم لو كان المال المقبوض موجوداً أخذ حتى في الصورة الأولى [2] ، وإن احتمل أن يكون استأجر من مال نفسه إذا كان مما يحتاج الى بيعه وصرفه في الأجرة ، وتملك ذلك المال بدلاً عما جعله أجرة ، لأصالة بقاء ذلك المال على ملك الميت.


وقوع الفعل عدا قاعدة : « حمل المسلم على الصحة » ، التي عرفت الاشكال فيها.

[1] مقتضى أصالة البراءة الثاني. وليس ما يقتضي الأول عدا عموم : « على اليد .. » الذي يجب الخروج عنه في يد الأمين. وسيأتي منه في المسألة الآتية : استظهار عدم الضمان مع الشك في الضمان. ولا يظهر الفرق بين المقام وما يأتي ، إلا أنه في المقام لم يعلم التلف وفي المسألة الآتية يعلم بالتلف. ولكن عدم الضمان مع الشك في التلف أولى منه مع العلم به.

[2] لكن حينئذ يعلم إجمالاً بالمخالفة للتكليف - المعلوم في الصورة المذكورة - إذا علم بعدم التبرع ، لأنه إن عمل بالوصية فقد خرج المال عن ملك الميت ، وإن بقي على ملك الميت لم يعمل بالوصية ، فالبناء على العمل بالوصية وبقاء المال على ملك الميت يعلم بمخالفته للواقع ، فيتعين الرجوع إلى أصالة عدم الإتيان بالموصى به ، وأصالة حرمة التصرف في المال

( مسألة 14 ) : إذا قبض الوصي الأجرة وتلف في يده بلا تقصير لم يكن ضامناً [1] ، ووجب الاستئجار من بقية التركة أو بقية الثلث [2] ، وإن اقتسمت على الورثة استرجع منهم [3]. وإن شك في كون التلف عن تقصير أو لا فالظاهر عدم الضمان أيضاً [4]. وكذا الحال إن استأجر ومات الأجير ولم يكن له تركة ، أو لم يمكن الأخذ من ورثته.

( مسألة 15 ) : إذا أوصى بما عنده من المال للحج ندباً ، ولم يعلم أنه يخرج من الثلث أولا [5] ، لم يجز صرف جميعه [6]. نعم لو ادعى أن عند الورثة ضعف هذا ، أو أنه أوصى سابقاً بذلك والورثة أجازوا وصيته ، ففي سماع


نعم لو بني على أصالة حلية التصرف في المال إلا أن يعلم أنه مال الغير ، وجب العمل بالوصية ، وجاز أخذ المال. كما أنه لو بني على أن أصالة الصحة تثبت انتقال المال عن ملك الميت إلى ملك الوصي ، ثبت عدم جواز أخذ المال وانحل بذلك العلم الإجمالي.

[1] بلا إشكال ، لأنه أمين.

[2] لوجوب العمل بالوصية.

[3] لانكشاف بطلان القسمة.

[4] لأصالة البراءة.

[5] يعني : لم يعلم أنه تصرف في الثلث أو في الزائد عنه.

[6] لاحتمال أنه تصرف في الزائد عن الثلث فيتوقف على إذن الوارث لكن حمل التصرف على الصحة يقتضي أنه تصرف في الثلث.

دعواه وعدمه وجهان [1].

( مسألة 16 ) : من المعلوم أن الطواف مستحب مستقلا من غير أن يكون في ضمن الحج [2] ، ويجوز النيابة فيه عن الميت ، وكذا عن الحي [3]


[1] أقواهما السماع ، لأنه إخبار عما في يده.

[2] لا إشكال في ذلك. ويقتضيه النصوص الكثيرة ، وقد عقد في الوسائل أبواباً تتضمن ذلك. منها : باب استحباب التطوع بالطواف ، وتكراره واختياره على العتق المندوب (1)وذكر فيه أخباراً كثيرة ، ومنها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إن اللّه تعالى جعل حول الكعبة عشرين ومائة رحمة ، منها ستون للطائفين ». فراجع.

[3] في كشف اللثام : « كأنه لا خلاف فيه حياً كان أو ميتاً ، والأخبار به متظافرة .. ». ويستفاد ذلك. من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة. منها : ما ورد في الطواف عن المعصومين أحياء وأمواتاً وقد عقد لها في الوسائل بابا (2). ومنها : خبر يحيى الأزرق : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : الرجل يحج عن الرجل ، يصلح له أن يطوف عن أقاربه؟ فقال (عليه السلام) : إذا قضى مناسك الحج فليصنع ما شاء » (3). فتأمل. ومنها : رواية أبي بصير : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : من وصل أباً أو ذا قرابة له ، فطاف عنه ، كان له أجره كاملاً ، وللذي طاف عنه


1) لا حظ باب : 4 من أبواب الطواف.

2) لا حظ باب : 21 من أبواب النيابة في الحج.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

إذا كان غائباً عن مكة [1] ، أو حاضراً وكان معذوراً في الطواف بنفسه [2].


مثل أجره ، ويفضل هو - بصلته إياه - بطواف آخر » (1).

[1] كما وردت بذلك النصوص. وقد عقد في الوسائل باباً في أبواب النيابة ، تضمنت الطواف عن أهل بلد الطائف وأقاربه (2).

[2] بلا خلاف ولا إشكال. وبدل عليه جملة من النصوص ، كصحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « المريض المغلوب ، والمغمى عليه يرمى عنه ويطاف عنه » (3)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال : المبطون ، والكسير يطاف عنهما ، ويرمى عنهما » (4)، وصحيح حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أمر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أن يطاف عن المبطون ، والكسير » (5)، وصحيح معاوية : « والمبطون يرمى ، ويطاف عنه ، ويصلى عنه » (6). وقد اشتملت النصوص على ذكر المريض المغلوب ، والمغمى عليه ، والكسير ، والمبطون ، وقد تعرض الأصحاب لهم بالخصوص.

كما تعرض بعضهم للحائض - أيضاً - إذا ضاق وقتها ، أو لم يمكنها الانتظار. قال في المسالك : « ويدخل في عموم العبارة - يعني : قولهم :


1) الوسائل باب : 18 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

2) الوسائل باب : 18 من أبواب النيابة في الحج.

3) الوسائل باب : 49 من أبواب الطواف حديث : 1.

4) الوسائل باب : 49 من أبواب الطواف حديث : 3.

5) الوسائل باب : 49 من أبواب الطواف حديث : 5.

6) الوسائل باب : 49 من أبواب الطواف حديث : 6.


« ولا تجوز النيابة في الطواف للحاضر إلا مع العذر - الحائض ، لأن عذرها مانع شرعي من دخول المسجد ، وإنما يتصور لحوقها - مع ضيق الوقت بالحج - بالنسبة إلى طواف العمرة ، أو خروج القافلة بالنسبة إلى طواف الحج. وفي جواز استنابتها حينئذ نظر ، لانتفاء النص الدال على ذلك. بل قد حكم الأكثر بعدولها إلى حج الافراد عند ضيق الوقت عن الطواف وإتمام عمرة التمتع ، ورواه جميل بن دراج في الصحيح (1)، وهو يقتضي عدم جواز النيابة. ولو قيل بجواز الاستنابة مع الضرورة الشديدة اللازمة بانقطاعها عن أهلها في البلاد البعيدة كان قوياً .. ». وفي المدارك - بعد أن حكى ذلك عن المسالك - قال : « وهو غير بعيد ، ويقوى الجواز في طواف النساء. بل مقتضى صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز جواز تركه والحال هذه ، فإنه قال : « كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فدخل عليه رجل ، فقال : أصلحك اللّه ، إن امرأة معنا حائضاً ولم تطف طواف النساء ، ويأبى الجمال أن يقيم عليها. قال : فأطرق ، وهو يقول : لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها ، ولا يقيم عليها جمالها. ثمَّ رفع رأسه إليه فقال (عليه السلام) : تمضي ، فقد تمَّ حجها » (2). وفي كشف اللثام : « من أصحاب الأعذار أو الغيبة : الحائض إذا ضاق الوقت ، أو لم يمكنها


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

2) رواه في الوسائل - عن الكافي - باب : 59 من أبواب الطواف حديث : 1. وفيه أيضاً - عن الفقيه - باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 1. ولكنه يختلف عن نسخة الفقيه. كما أن متن الرواية المذكور هنا لا يوافق متن الرواية بالطريقين. وإن كان أقرب إلى نسخة الفقيه منه إلى الوسائل. لا حظ الكافي جزء 4 صفحة 451 طبع إيران الحديثة ، الفقيه جزء 2 صفحة 245 طبع النجف الأشرف.


المقام حتى تطهر .. ». لكن في الدروس : « في استنابة الحائض عندي تردد .. ». قال في الجواهر : « قلت : لعله من ذلك ومن عدم قابليتها لوقوع الطواف - الذي هو كالصلاة - منها ، فكذا نائبها ، ومن بطلان متعتها وعدولها الى حج الافراد لو قدمت إلى مكة حائضاً وقد تضيق وقت الوقوف ، إذ لو كانت النيابة مشروعة لصحت متعتها .. ».

والاشكال فيه ظاهر ، فان عدم صحة طوافها - لاعتبار الطهارة فيه - لا يلازمه عدم صحة النيابة عنها ، كما يظهر بملاحظة مورد النصوص المتقدمة وغيرها من موارد النيابة. نعم يعتبر في صحة النيابة كون المنوب فيه مشروعاً في حق المنوب عنه ، لا صحته من المنوب عنه. وبطلان متعتها - لو قدمت إلى مكة حائضاً وقد تضيق وقت الوقوفين - لا يدل على ما نحن فيه ، لإمكان خصوصية في الفرض المذكور دل عليها الدليل بالخصوص. مع أنه حكي القول بالاستنابة عن بعض ، كما سيأتي.

وبالجملة : إطلاق كلمات الأصحاب جواز النيابة في الطواف عن المعذور يقتضي العموم للحائض ، كما ذكر في كشف اللثام. والنصوص الواردة في الأعذار المتقدمة لا يبعد التعدي عن موردها إلى المقام. وفي الجواهر - بعد أن ذكر استدلال المدارك بصحيح الخزاز المتقدم على جواز تركها طواف النساء - قال : « قلت : وهو كذلك ، إلا أنه - بقرينة عدم القائل به - يجب حمله على الاستنابة. ولعله لا بأس به إذا فعلت ذلك بعد غيبتها وطهارتها ، لا أنه يطاف عنها مع حضورها حال حيضها. بل جعل المدار على ذلك في صحة الاستنابة عنها في الطواف متجه ». لكن الاعتماد على الرواية في تشريع النيابة غير ظاهر ، لأن حملها على ذلك لا يخرجه عن التأويل ، والمؤول ليس بحجة. وكان الأولى من ذلك الاعتماد على نصوص

وأما مع كونه حاضراً وغير معذور فلا تصح النيابة عنه [1].


المعذور بإلغاء خصوصية موردها.

وأما اعتبار الطهارة فلما ذكره سابقاً من عدم صحة النيابة فيما لا يصح من المنوب عنه ، مما عرفت الاشكال فيه. وأما اعتبار الغيبة ، فكأنه لما يأتي من عدم صحة النيابة عن الحاضر. وفيه : أنه يختص بغير المعذور ، لما عرفت من النصوص. مضافاً الى أنها إن تركت السعي وسافرت فقد تركت واجباً من غير عذر ، وإن سعت ثمَّ سافرت فقد فوت الترتيب بينه وبين الطواف من دون عذر ، فاللازم - بناء على ما عرفت من عموم أدلة النيابة عن المعذور للحائض - أن تستنيب في الطواف ، ثمَّ تسعى ، ثمَّ تسافر.

[1] وفي كشف اللثام : كأنه اتفاقي. واستدل له - فيه ، وفي الجواهر وغيرهما - : بمرسل عبد الرحمن بن أبى نجران ، عمن حدثه ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « قلت له : الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكة. قال (عليه السلام) : لا ، ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب عن مكة قال : قلت : وكم مقدار الغيبة؟ قال (عليه السلام) : عشرة أميال » (1)، وخبر إسماعيل بن عبد الخالق قال : « كنت الى جنب أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعنده ابنه عبد اللّه ، أو ابنه الذي يليه ، فقال له رجل : أصلحك اللّه تعالى يطوف الرجل عن الرجل وهو مقيم بمكة ليس به علة؟ فقال : لا ، لو كان ذلك يجوز لأمرت ابني فلاناً فطاف عني. سمى الأصغر وهما يسمعان » (2). ولأجل ذلك يخرج عن إطلاق ما دل على جواز النيابة في الطواف ، الشامل للحاضر والغائب.


1) الوسائل باب : 18 من أبواب النيابة في الحج حديث : 3.

2) الوسائل باب : 51 من أبواب الطواف حديث : 1.

وأما سائر أفعال الحج فاستحبابها مستقلا غير معلوم [1] ، حتى مثل السعي بين الصفا والمروة [2].

( مسألة 17 ) : لو كان عند شخص وديعة ، ومات صاحبها [3] وكان عليه حجة الإسلام ، وعلم أو ظن أن الورثة لا يؤدون عنه إن ردها إليهم [4] ، جاز - بل وجب


[1] إذ لا دليل على مشروعيته في نفسه في غير حال الانضمام إلى بقية الأفعال.

[2] الذي يظهر من جملة من النصوص استحبابه لنفسه. ففي خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لرجل من الأنصار : إذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك عند اللّه تعالى أجر من حج من بلاده ، ومثل أجر من أعتق سبعين رقبة مؤمنة » (1). وخبر أبي بصير قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ما من بقعة أحب الى اللّه تعالى من المسعى ، لأنه يذل فيه كل جبار » (2). ونحوهما غيرهما. ودلالتهما على استحبابه لنفسه ظاهر.

[3] هذا الحكم - في الجملة - ذكره الأصحاب ، كما في الحدائق. وفي المستند : « بلا خلاف فيه في الجملة .. ».

[4] اقتصر في الشرائع ، والقواعد ، واللمعة ، والإرشاد ، وغيرها على خصوص صورة العلم ، وعن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر : إلحاق الظن الغالب به.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب السعي حديث : 15.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب السعي حديث : 14.

عليه - أن يحج بها عنه [1] ، وإن زادت عن أجرة الحج رد الزيادة إليهم. لصحيحة بريد : « عن رجل استودعني مالاً فهلك ، وليس لوارثه شي‌ء ، ولم يحج حجة الإسلام. قال (عليه السلام) حج عنه ، وما فضل فأعطهم » [2]. وهي وإن كانت مطلقة إلا أن الأصحاب قيدوها بما إذا علم أو ظن بعدم تأديتهم لو دفعها إليهم [3].


[1] كما في المسالك وغيرها. لظاهر الأمر. وحمله على مجرد الرخصة - لأنه في مقام الحظر - بعيد.

[2] رواه الصدوق بإسناده عن سويد القلاء ، عن أيوب بن الحر ، عن بريد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل .. » (1)وإسناده إلى سويد صحيح ، وسويد وأيوب ثقتان ، وبريد من الأعيان. ورواه - في الكافي - عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن علي ابن النعمان ، عن سويد القلاء ، عن أيوب ، عن بريد. ورجال السند كلهم ثقات أو أعيان. نعم أيوب مشترك ، لكن - بقرينة رواية الصدوق - يظهر أنه ابن الحر الثقة. ورواها الشيخ - بهذا الاسناد - عن حريث ، عن بريد. ورجال السند كلهم أعيان ، وأيوب قد عرفت المراد منه.

[3] هذا مما لا إشكال فيه عندهم ، وقد حكى ذلك جماعة من دون حكاية شبهة أو إشكال. فيحتمل أن يكون الوجه فيه الاقتصار - في الأخذ بالرواية - على مورد لا يخالف القواعد ، كما يظهر من الشرائع ، حيث علل الحكم المذكور : بأن المال خارج عن ملك الورثة. وفيه : أنه


1) الوسائل باب : 13 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

ومقتضى إطلاقها عدم الحاجة الى الاستئذان من الحاكم الشرعي [1]


لا يجوز رفع اليد عن إطلاق الرواية للقاعدة ، فإن إطلاق الرواية مقيد للقاعدة ، كما هو ظاهر. ويحتمل أن يكون الإجماع. وهذا هو الأظهر. وعليه إذا شك في التقييد - سعة وضيقاً - تعين الاقتصار على الأول ، لأنه المتيقن من معقد الإجماع. ومن ذلك يظهر : أنه لا وجه لتقييد الرواية بصورة العلم بالامتناع - بعد ما عرفت من اكتفاء جماعة بالظن - لأن التقييد بالعلم تقييد زائد.

إلا أن يقال : الإجماع إنما هو على تقييد الرواية بصورة امتناع الوارث واقعاً ، والعلم أو الظن طريق اليه لا موضوع للحكم. ولما لم يكن دليل على اعتبار الظن بالامتناع يتعين الاقتصار على صورة العلم بالامتناع لا غير. وهذا هو الأقرب. وسيأتي - في كلام المصنف - تقريب كون التقييد بالامتناع مقتضى القاعدة - فانتظر.

[1] هذا مما لا ينبغي التأمل فيه. وعن التذكرة : أنه اعتبر - في صحة تصرف الودعي - عدم التمكن من الحاكم ، أو إثبات الحق عنده ، وإلا وجب الاستيذان منه .. وفي الروضة : « وهل يتوقف تصرفهم على إذن الحاكم؟ الأقوى ذلك ، مع القدرة على إثبات الحق عنده ، لأن ولاية إخراج ذلك قهراً على الوارث اليه. ولو لم يمكن فالعدم أقوى ، حذراً من تعطيل الحق الذي يعلم من بيده المال ثبوته. وإطلاق النص إذن له .. ». والاشكال فيه ظاهر ، لأنه خلاف الإطلاق ، كما اعترف به في الروضة في آخر كلامه. وحكى الشهيد - في اللمعة - قولاً بالافتقار إلى إذن الحاكم مطلقاً ، حتى مع عدم إمكانه ، وعليه لو لم يمكن يبقى الحق معطلاً. وفي اللمعة : إنه بعيد. وعلله في الروضة : بإطلاق النص.

ودعوى : أن ذلك للاذن من الامام (عليه السلام) [1] كما ترى ، لأن الظاهر من كلام الامام (عليه السلام) بيان الحكم الشرعي ، ففي مورد الصحيحة لا حاجة الى الاذن من الحاكم. والظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة شي‌ء [2]. وكذا عدم الاختصاص بحج الودعي بنفسه [3] ، لانفهام الأعم من ذلك منها. وهل يلحق بحجة الإسلام غيرها من أقسام الحج الواجب أو غير الحج من سائر ما يجب عليه مثل : الخمس ، والزكاة ، والمظالم ، والكفارات ، والدين ، أو لا؟ ، وكذا هل يلحق


وهو في محله.

[1] هذه الدعوى ذكرها في المدارك ، قال - في الاشكال على ما ذكره في الروضة في تعليل البعد الذي ذكره في اللمعة - : « وهو غير جيد ، فإن الرواية إنما تضمنت أمر الصادق (عليه السلام) لبريد في الحج عمن له الوديعة ، وهو إذن وزيادة .. ». وفي الجواهر : احتمال أن الأمر منه لبريد إذن له فيه ، فلا إطلاق فيه حينئذ يدل على خلافها. انتهى. والاشكال فيه بما ذكره المصنف (رحمه اللّه) في محله.

[2] يظهر من الأصحاب التسالم على ذلك ، حيث لم يذكروه في قيود المسألة. ومقتضى الاقتصار على مورد النص الاختصاص بذلك ، لذكره في السؤال. لكن الظاهر أن الوجه في ذكره في السؤال : احتماله أنه إذا لم يكن لهم شي‌ء لا يجب الحج عنه ، لأنه يؤدي إلى حرمانهم من الميراث ، لا احتمال أن له دخلاً في الوجوب ، كما لعله ظاهر بالتأمل.

[3] الظاهر أنه لا إشكال فيه عندهم ، ولم يتعرض أحد للخلاف

بالوديعة غيرها مثل : العارية ، والعين المستأجرة ، والمغصوبة والدين في ذمته ، أو لا؟ وجهان. قد يقال بالثاني ، لأن الحكم على خلاف القاعدة [1] إذا قلنا أن التركة مع الدين تنتقل الى الوراث ، وإن كانوا مكلفين بأداء الدين ومحجورين عن التصرف قبله [2]. بل وكذا على القول ببقائها معه على


فيه. ولذلك اقتصر بعضهم على الاستيجار ، كما في الشرائع وغيرها ، وفي القواعد : « يحج أو يستأجر .. ». نعم في المسالك : « والظاهر جواز استنابته فيه ، كما يجوز مباشرته .. ». وظاهره أنه محل نوع تأمل. وكأن ذلك منهم لفهمهم من الأمر بالحج ما هو أعم من التسبيب والمباشرة ، ولذا قال في المستند - بعد ما ذكر أن مقتضى النص حج الودعي بنفسه - : « لكن الأصحاب جوزوا له الاستيجار ، بل ربما جعلوه أولى. مع أن ارادة الحج بنفسه من اللفظ في هذا المقام محل تأمل ظاهر ». وأشار بقوله : « ربما جعلوه أولى » إلى ما ذكره في المدارك ، قال : « مقتضى الرواية أن المستودع يحج. لكن جواز الاستيجار ربما كان أولى. خصوصاً إذا كان الأجير أنسب بذلك .. ».

[1] هذا القول حكاه في المستند عن جماعة. كما حكى التعدي إلى سائر الحقوق المالية إلى آخرين ، وحكاه في كشف اللثام عن الدروس.

[2] قد تقدم في بعض المباحث السابقة : أن التركة - مع الدين المستغرق - هل تنتقل إلى الورثة ويتعلق بها حق الديان - كما في العين المرهونة - أو أنها باقية على ملك الميت؟ وكذا مع الدين غير المستغرق بالنسبة إلى ما يقابله من التركة. وقد اختار المصنف (رحمه اللّه) - تبعاً لجماعة - الأول. وذهب آخرون الى الثاني. وهو الأظهر. وقد تعرضنا لتحرير

حكم مال الميت ، لأن أمر الوفاء إليهم ، فلعلهم أرادوا الوفاء


المسألة - على الإجمال - في مكان المصلي من كتاب الصلاة.

فعلى الأول يكون تصرف غير الوارث تصرفاً في ملك الوارث ، فلا يجوز إلا بإذنه ، لعموم قاعدة : « الناس مسلطون على أموالهم ». وعلى الثاني المال وإن كان ملكاً للميت ، لكن ولاية التصرف فيه إما للوارث ، لعموم : « أولى الناس بالميت أولاهم بميراثه » ، فالتصرف من غير الوارث تصرف من غير السلطان ، فلا يجوز إلا بإذن من له السلطنة عليه أو للحاكم الشرعي ، لأن العموم المذكور لا دليل عليه إلا الإجماع والنصوص الواردة في تغسيل الميت والصلاة عليه ، والأخيرة لا عموم فيها لما نحن فيه ، والإجماع غير محقق على وجه يشمل ما نحن فيه ، والقدر المتقن منه شؤون تجهيز الميت - مثل تغسيله ، وتكفينه ، والصلاة عليه ، ودينه ، ونحوها - وحينئذ يكون تصرف الأجنبي بغير إذن الحاكم تصرفاً بغير إذن الولي. وكأنه لذلك قال في الجواهر : « بل قد يشكل الدفع - مع العلم بالأداء - من دون استيذان الحاكم ، لتعلق دين الحج به ، كما في تركة المديون المتوقف دفعها للوارث على الاذن ، والتخيير في جهات القضاء لا يسقط الحق المزبور. وان كان قد يدفع : بأن حق الدين وإن تعلق بالعين لكن المخاطب به الوارث ، فمع فرض العلم بتأديته لم يجز منعه عنه. بل لعله كذلك مع عدم العلم بحاله ، فضلاً عن حال العلم ». لكن كلامه الأخير ينبغي أن يبتني على انتقال التركة إلى الوارث حتى ما يقابل الدين. كما أن كلامه الأول ينبغي أن يبتني على بقاء ما يقابل الدين على ملك الميت ، ليكون التصرف فيه من وظائف الحاكم ، كما ذكرنا سابقاً.

اللّهم إلا أن يقال : إن السيرة القطعية على عدم مداخلة الحاكم

من غير هذا المال [1] ، أو أرادوا أن يباشروا العمل الذي على الميت بأنفسهم. والأقوى مع العلم بأن الورثة لا يؤدون - بل مع الظن القوي أيضاً - جواز الصرف فيما عليه. لا لما ذكره في المستند : من أن وفاء ما على الميت - من الدين أو


الشرعي في وفاء الديون عن الميت إذا لم يوص به الميت اليه ، فتكون الولاية فيه للوارث ولو على القول بالبقاء على ملك الميت. ويشهد بذلك النصوص أيضاً ، ففي صحيح عباد بن صهيب - أو موثقه - عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل فرط في إخراج زكاته في حياته ، فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما لزمه من الزكاة ، ثمَّ أوصى أن يحرج ذلك فيدفع إلى من يجب له. قال : فقال (عليه السلام) : جائز ، يخرج ذلك من جميع المال. إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه ، ليس لوارثه شي‌ء حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة .. » (1)، ورواية يحيى الأزرق : « عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالاً ، فأخذ أهله الدية من قاتله عليهم أن يقضوا دينه؟ قال (عليه السلام) : نعم. قلت : وهو لم يترك شيئاً. قال (عليه السلام) : إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه » (2).

[1] هذا ذكره في المدارك ، قال (رحمه اللّه) : « لأن مقدار أجرة الحج وان كان خارجاً عن ملك الورثة ، إلا أن الوارث مخير في جهات القضاء وله الحج بنفسه والاستقلال بالتركة ، والاستيجار بدون أجرة المثل ، فيقتصر في منعه من التركة على موضع الوفاق .. ». وظاهره المفروغية عن ولاية الوارث إذا كان مقدماً على إخراج الدين.


1) الوسائل باب : 40 من أبواب الوصايا حديث : 1.

2) الوسائل باب : 31 من أبواب الوصايا حديث : 1.

نحوه - واجب كفائي على كل من قدر على ذلك [1] ، وأولوية الورثة بالتركة إنما هي ما دامت موجودة [2] ، وأما إذا بادر أحد إلى صرف المال فيما عليه لا يبقى مال حتى تكون الورثة أولى به. إذ هذه الدعوى فاسدة جداً. بل لإمكان فهم المثال من الصحيحة [3].


[1] قال فيه : « مقتضى الأخبار المتواترة معنى ، المصرحة بوجوب قضاء الحج عن الميت من أصل ماله من غير خطاب الى شخص معين : وجوبه على كل مكلف ، وهو يجعل الوجوب الكفائي للمستودع أصلاً ثانياً ، فالتوقف على الاذن يحتاج إلى دليل .. ». وحاصل استدلاله : أن إطلاق الوجوب الكفائي يقتضي عدم الاحتياج إلى الاذن من الوارث أو الحاكم. وفيه : أن ذلك الدليل إنما ورد في مقام أصل التشريع ، فلا ينافي ولاية الوارث ، ولذا لا يتوهم منه جواز حج الأجنبي وأخذ العوض قهراً من الوارث أو سرقة منه.

[2] هذا لم يذكره في المستند ، بل اقتصر على ما حكيناه عنه. ولو فرض ذكره له فالإشكال عليه ظاهر ، إذ مبادرة أحد إلى صرف المال إن كان المقصود منه الاستيجار به ، فهو لا يصح مع فرض كونه تصرفاً بغير اذن الولي ، فكيف يترتب عليه انتفاء موضوع الولاية؟!. وإنما يترتب ذلك لو صح التصرف ، وهو ممنوع. أو كان الإتلاف خارجياً ، وهو خلاف المفروض.

[3] هذا بعيد جداً. ولا سيما وكون الوديعة مذكورة في السؤال ، الظاهر في كونه عن حكم القضية الخارجية.

أو دعوى تنقيح المناط [1]. أو أن المال إذا كان بحكم مال الميت فيجب صرفه عليه [2] ، ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه [3]. بل وكذا على القول بالانتقال إلى الورثة ، حيث أنه يجب صرفه في دينه ، فمن باب الحسبة [4] يجب على من عنده صرفه عليه ، ويضمن لو دفعه الى الوارث ، لتفويته على الميت. نعم يجب الاستئذان من الحاكم ، لأنه ولي من لا ولي له [5] ويكفي الإذن الإجمالي ، فلا يحتاج إلى إثبات وجوب ذلك


[1] استدل بذلك - في المسالك والمدارك - للقول بالتعدي.

[2] هذا لا ينبغي التأمل فيه. لكنه أعم من جواز الاستقلال به ومراجعة الحاكم الشرعي ، كما سيأتي.

[3] هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه. لأنه دفع الى غير المستحق.

[4] المراد به الأمور التي يعلم من الشارع إرادة إيقاعها ، فان إفراغ ذمة الميت من الدين من ذلك الباب ، فاذا امتنع الوارث منه لزم الأجنبي القيام به. وحينئذ لا فرق بين من بيده المال وغيره. إلا أن يحتمل أن يكون لمن بيده المال خصوصية تقتضي اختصاصه بالوجوب ، وحينئذ لا يعلم غيره بالوجوب إلا في ظرف امتناعه.

[5] قال شيخنا الأعظم في مكاسبه : « إنه اشتهر في الألسن ، وتداول في بعض الكتب : السلطان ولي من لا ولي له ، ونسبت روايته عن النبي إلى كتب العامة والخاصة. وفي دعائم الإسلام : السلطان وصي من لا وصي له (1). ودلالته على ولاية الحاكم مبنية على عموم النيابة ».


1) مستدرك الوسائل باب : 64 من أبواب الوصايا حديث : 1.

الواجب عليه ، كما قد يتخيل [1]. نعم لو لم يعلم ، ولم يظن [2] عدم تأدية الوارث يجب الدفع اليه [3]. بل لو كان الوارث منكراً أو ممتنعاً ، وأمكن إثبات ذلك عند الحاكم ، أو أمكن إجباره عليه ، لم يجز لمن عنده أن يصرفه بنفسه [4].

( مسألة 18 ) : يجوز للنائب - بعد الفراغ عن الأعمال


[1] قال في المسالك : « وصرح بعضهم بوجوب الاستيذان من الحاكم مع إمكانه. وهو حسن ، مع القدرة على إثبات الحق عنده ». وظاهره توقف لزوم الاستيذان على ذلك. ووجهه غير ظاهر ، لكفاية الاذن الإجمالي في المحافظة على حق الميت ، وولاية الحاكم.

[2] أقول : بعد ما عرفت من عموم الدليل على ولاية الوارث ، فالخارج عنه صورة امتناعه من الأداء ، فمع الشك فيه تكون الشبهة موضوعية ، وأصالة عدم الامتناع تقتضي ثبوت الولاية ظاهراً. نعم إذا كان دليل التخصيص يدل على تقييده بالمقدم ، فمع الشك في الاقدام يكون مقتضى الأصل عدم الولاية ، لأصالة عدم الاقدام. لكن القدر المتيقن في التخصيص الأول ، فمع الشك يبنى على ثبوت الولاية ولذلك استقرت السيرة على دفع العين للوارث في حال الشك. وعليه فالبناء على إلحاق الظن بالعلم محل تأمل ، لعدم الدليل على حجيته ، فاللازم إجراء حكم الشك عليه ، لا العلم.

[3] لما عرفت من ولايته على الوفاء ، حتى على القول ببقاء المال على ملك الميت.

[4] إذا كان الخارج عن العموم الممتنع ، فمع الامتناع يبنى على عدم ولايته وإن أمكن إجباره. وكذلك إذا كان إنكاره لا عن عذر ، فإنه

للمندوب عنه - أن يطوف عن نفسه وعن غيره [1]. وكذا يجوز له أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه وعن غيره.

( مسألة 19 ) : يجوز لمن أعطاه رجل مالاً لاستئجار الحج أن يحج بنفسه ، ما لم يعلم أنه أراد الاستئجار من الغير [2].


نوع من الامتناع ، الموجب لسقوط ولاية الوارث. إلا أن يقال : إن القدر المتيقن في الخروج صورة تعذر الأداء من قبله ، فإذا أمكن إجباره على الأداء لم يحصل التعذر المذكور ، فلم تبطل ولايته.

[1] بلا إشكال ظاهر ولا خلاف. وعقد له في الوسائل باباً (1)، وذكر فيه : صحيح صفوان بن يحيى ، عن يحيى الأزرق قال : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : الرجل يحج عن الرجل ، يصلح له أن يطوف عن أقاربه؟ قال (عليه السلام) : إذا قضى مناسك الحج فليصنع ما شاء » (2). وقريب منه روايته الأخرى (3). وهو الذي تقتضيه القواعد العامة.

[2] لا إشكال في أن الاستيجار من العناوين القائمة بين الاثنين : المؤجر والمستأجر ، وأن المؤجر - بمعنى : من يملك فعل الأجير - قائم بالأصيل. وبمعنى : من قام به إيقاع الإجارة ، قائم بالموقع ، سواء أكان الأصيل أم الوكيل. فالاستئجار القائم بين الأصيلين ، هو بمعنى الموقع - بالفتح - وهو المضمون المنشأ بالعقد ، والقائم بين الوكيلين بمعنى الإيقاع نفسه. وهو - بهذا المعنى - لا يتوقف على الاثنينية الخارجية ، بل يكفي فيه الاثنينية الاعتبارية ، بخلاف ما هو بالمعنى الأول ، فإنه لا بد فيه من


1) الوسائل باب : 21 من أبواب النيابة في الحج.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

والأحوط عدم مباشرته [1] ، إلا مع العلم بأن مراد المعطي حصول الحج في الخارج. وإذا عين شخصاً تعين ، إلا إذا علم عدم أهليته ، وأن المعطي مشتبه في تعيينه [2]. أو أن ذكره من باب أحد الأفراد [3].


الاثنينية الخارجية. فالوكيل عن طرفي العقد مؤجر ومستأجر باعتبارين ، وكذا الوكيل عن البائع والمشتري بائع ومشتر ، فاذا وكله في الاستيجار للحج - مثلاً - كان مقتضى الإطلاق جواز استيجار نفسه. نعم ينصرف إلى الاثنينية الخارجية. لكنه ابتدائي. ولذا بنى المشهور على جواز تولي طرفي العقد لشخص واحد ، وتترتب الأحكام عليه ، مع تحقق الانصراف إلى الاثنينية في عموم صحة العقد وثبوت الأحكام.

[1] منشأه الانصراف الابتدائي ، الذي عرفته.

[2] إذ حينئذ لا يكون استيجاره صحيحاً ، فلا يكون موضوعاً للوكالة ، وحينئذ تبطل الوكالة بالمرة.

[3] وحينئذ يبطل التعيين ، وتكون الوكالة عامة.

فصل في الحج المندوب

( مسألة 1 ) : يستحب لفاقد الشرائط - من البلوغ ، والاستطاعة ، وغيرهما - أن يحج مهما أمكن [1]. بل وكذا من أتى بوظيفته من الحج الواجب. ويستحب تكرار الحج [2].

بل يستحب تكراره في كل سنة [3] ، بل يكره تركه خمس


فصل في الحج المندوب

[1] بلا إشكال. ويقتضيه ما تقدم في حج الصبي والعبد. مضافاً إلى الإطلاقات المرغبة فيه.

[2] كما تقتضيه الإطلاقات المرغبة فيه ، والروايات الواردة في حج النبي والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام ، وأن النبي (صلی اللّه عليه وآله) حج عشرين حجة (1)، والحسن (عليه السلام) خمساً وعشرين حجة (2)، والسجاد (عليه السلام) أربعين حجة .. (3)الى غير ذلك.

[3] في رواية عيسى بن أبي منصور قال : « قال لي جعفر بن محمد (عليهما السلام) : يا عيسى ، إن استطعت أن تأكل الخبز والملح وتحج في كل سنة فافعل » (4). ونحوها غيرها.


1) الوسائل باب : 45 من أبواب وجوب الحج حديث : 6 ، 7 ، 12 ، 33.

2) مستدرك الوسائل باب : 29 من أبواب وجوب الحج حديث : 5. ولكن ذلك في شأن الحسين (عليه السلام) ، وأما الحسن (عليه السلام) فالوارد في حقه في جملة من النصوص : أنه حج عشرين حجة. راجع الوسائل باب : 45 من أبواب وجوب الحج حديث : 31 ونحوه غيره.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام الدواب حديث : 9.

4) الوسائل باب : 46 من أبواب وجوب الحج حديث : 6.

سنين متوالية [1]. وفي بعض الأخبار : « من حج ثلاث حجات لم يصبه فقر أبداً » [2].

( مسألة 2 ) : يستحب نية العود إلى الحج عند الخروج من مكة. وفي الخبر : إنها توجب الزيادة في العمر [3]. ويكره نية عدم العود. وفيه : أنها توجب النقص في العمر [4].


[1] في رواية ذريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من مضت له خمس سنين فلم يفد إلى ربه - وهو موسر - إنه لمحروم » (1). وفي رواية حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إن لله تعالى منادياً ينادي : أي عبد أحسن اللّه تعالى اليه ، وأوسع عليه في رزقه ، فلم يفد إليه في كل خمسة أعوام مرة ليطلب نوافله إن ذلك لمحروم » (2).

[2] في رواية صفوان بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من حج ثلاث حجج لم يصبه فقر أبداً » (3).

[3] في خبر عبد اللّه بن سنان قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : من رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره » (4).

[4] في رواية الحسن بن علي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إن يزيد بن معاوية حج ، فلما انصرف قال :

إذا جعلنا ثافلاً يمينا *** فلن نعود بعدها سنينا

للحج والعمرة ما بقينا


1) الوسائل باب : 49 من أبواب وجوب الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 49 من أبواب وجوب الحج حديث : 2.

3) الوسائل باب : 45 من أبواب وجوب الحج حديث : 22.

4) الوسائل باب : 57 من أبواب وجوب الحج حديث : 1.

( مسألة 3 ) : يستحب التبرع بالحج عن الأقارب وغيرهم أحياء وأمواتاً [1] ، وكذا عن المعصومين (عليهم السلام) أحياءً وأمواتاً [2].


فنقص اللّه تعالى عمره ، وأماته قبل أجله ، (1). ونحوه خبر أبي حذيفة (2). لكن في مرسل الفقيه : « ومن خرج من مكة وهو لا ينوي العود إليها ، فقد قرب أجله ، ودنا عذابه » (3). وظاهره ترتب ذلك بمجرد عدم نية العود.

[1] في مصحح إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) : « سألته عن الرجل يحج ، فيجعل حجته وعمرته ، أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلد آخر. قال : فقلت : فينقص ذلك من أجره؟ قال (عليه السلام) : لا ، هي له ولصاحبه ، وله أجر سوى ذلك .. » (4). وفي خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : من وصل قريباً بحجة أو عمرة كتب اللّه له حجتين وعمرتين » (5). وفي رواية موسى ابن القاسم البجلي : « قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : فربما حججت عن أبيك ، وربما حججت عن أبي ، وربما حججت عن الرجل من إخواني ، وربما حججت عن نفسي ، فكيف أصنع؟ فقال (عليه السلام) : تمتع .. » (6).

[2] كما تقدم في رواية البجلي.


1) الوسائل باب : 57 من أبواب وجوب الحج حديث : 5.

2) الوسائل باب : 57 من أبواب وجوب الحج حديث : 6.

3) الوسائل باب : 57 من أبواب وجوب الحج حديث : 3.

4) الوسائل باب : 25 من أبواب النيابة في الحج حديث : 5.

5) الوسائل باب : 25 من أبواب النيابة في الحج حديث : 6.

6) الوسائل باب : 25 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

وكذا يستحب الطواف عن الغير [1] ، وعن المعصومين (عليهم السلام) أمواتاً وأحياءً [2] ، مع عدم حضورهم في مكة ، أو كونهم معذورين.

( مسألة 4 ) : يستحب لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحج إذا كان واثقاً بالوفاء بعد ذلك [3].

( مسألة 5 ) : يستحب إحجاج من لا استطاعة له [4].

( مسألة 6 ) : يجوز إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحج


[1] في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت له : فأطوف عن الرجل والمرأة وهما بالكوفة؟ فقال (عليه السلام) : نعم » (1).

[2] في رواية موسى بن القاسم : « قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : قد أردت أن أطوف عنك وعن أبيك ، فقيل لي : إن الأوصياء لا يطاف عنهم. فقال (عليه السلام) : بل طف ما أمكنك ، فإن ذلك جائز .. » (2).

[3] في رواية موسى بن بكر الواسطي قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) : عن الرجل يستقرض ويحج ، فقال : إن كان خلف ظهره مال. فان حدث به حدث أدي عنه فلا بأس » (3). ونحوه غيره.

[4] في رواية الحسن بن علي الديلمي : « سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : من حج بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من اللّه عز وجل بالثمن » (4).


1) الوسائل باب : 18 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 39 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

3) الوسائل باب : 50 من أبواب وجوب الحج حديث : 7.

4) الوسائل باب : 39 من أبواب وجوب الحج حديث : 1.

ليحج بها [1].

( مسألة 7 ) : الحج أفضل من الصدقة بنفقته [2].

( مسألة 8 ) : يستحب كثرة الإنفاق في الحج ، وفي بعض الأخبار : إن اللّه يبغض الإسراف ، إلا بالحج والعمرة [3].

( مسألة 9 ) : يجوز الحج بالمال المشتبه [4] - كجوائز الظلمة - مع عدم العلم بحرمتها [5].


[1] لأنه سبيل اللّه.

[2] استفاضت بذلك الاخبار - وفيها الصحيح وغيره - منها : صحيح معاوية ، وفيه : « فالتفت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إلى أبي قبيس ، فقال : لو أن أبا قبيس لك زنة ذهبة حمراء أنفقته في سبيل اللّه ما بلغت به ما بلغ الحاج » (1).

[3] في رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : ما من نفقة أحب الى اللّه عز وجل من نفقة قصد. ويبغض الإسراف إلا في الحج والعمرة » (2).

[4] في صحيح أبي همام عن الرضا (عليه السلام) : « فيمن عليه دين. قال : يحج سنة ، ويقضي سنة. قلت : أعطى المال من ناحية السلطان؟ قال (عليه السلام) : لا بأس عليك » (3).

[5] في صحيح محمد بن مسلم ومنهال القصاب جميعاً : « من أصاب مالاً من غلول ، أو ربا ، أو خيانة ، أو سرقة لم يقبل منه في زكاة ،


1) الوسائل باب : 42 من أبواب وجوب الحج حديث : 7.

2) الوسائل باب : 55 من أبواب وجوب الحج حديث : 1.

3) الوسائل باب : 52 من أبواب وجوب الحج حديث : 10.

( مسألة 10 ) : لا يجوز الحج بالمال الحرام. لكن لا يبطل الحج إذا كان لباس إحرامه ، وطوافه ، وثمن هديه من حلال [1].

( مسألة 11 ) : يشترط في الحج الندبي : إذن الزوج والمولى ، بل والأبوين في بعض الصور [2]. ويشترط أيضاً : أن لا يكون عليه حج واجب مضيق. لكن لو عصى وحج صح [3].

( مسألة 12 ) : يجوز إهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ عنه. كما يجوز أن يكون ذلك من نيته قبل الشروع فيه.

( مسألة 13 ) : يستحب لمن لا مال‌له يحج به أن يأتي به ولو بإجارة نفسه عن غيره. وفي بعض الأخبار : أن للأجير من الثواب تسعاً وللمنوب عنه واحد [4].


ولا صدقة ، ولا حج ، ولا عمرة » (1). ومنه يظهر وجه حكم المسألة الآتية.

[1] كما تقدم ذلك في المسألة السبعين (2)من الفصل الأول.

[2] تقدم ذلك في مباحث الاستطاعة.

[3] تقدم ذلك في مباحث النيابة كما تقدم ما في المسألة الآتية.

[4] في رواية عبد اللّه بن سنان قال : « كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل ، فأعطاه ثلاثين ديناراً يحج بها عن إسماعيل ، ولم يترك من العمرة إلى الحج إلا اشترط عليه ، حتى اشترط عليه أن يسعى في وادي محسر. ثمَّ قال : يا هذا ، إذا أنت فعلت هذا كان لإسماعيل حجة بما أنفق من


1) الوسائل باب : 52 من أبواب وجوب الحج حديث : 5.

2) راجع صفحة : 190 من الجزء العاشر من هذه الطبعة.

فصل في أقسام العمرة

( مسألة 1 ) : تنقسم العمرة - كالحج - إلى واجب أصلي ، وعرضي ، ومندوب. فتجب بأصل الشرع على كل مكلف - بالشرائط المعتبرة في الحج - [1] في العمر مرة.


ماله ، وكان لك تسع بما أتعبت من بدنك » (1). وفي رواية ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « للذي يحج عن رجل أجر وثواب عشر حجج » (2). ولعلها في المتبرع دون الأجير ، كما عليه حمله في الوسائل.

فصل في أقسام العمرة

[1] هذا مما لا إشكال فيه ولا خلاف. وفي كشف اللثام : « للإجماع ، والنص من الكتاب والسنة ، كقوله تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ... ) (3). لشمول حجه للعمرة ، وتصريح الصادق (عليه السلام) عليه في صحيح ابن أذينة الذي في علل الصدوق. قال عمر ابن أذينة : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عز وجل : ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ... ) . يعني : به الحج دون العمرة؟ قال (عليه السلام) لا ، ولكنه يعني الحج والعمرة جميعاً ، لأنهما مفروضان » (4).


1) الوسائل باب : 1 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب النيابة في الحج حديث : 3.

3) آل عمران : 97.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب العمرة حديث : 7.

بالكتاب ، والسنة [1] ، والإجماع [2]. ففي صحيحة زرارة : « العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج ، فان اللّه تعالى يقول : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ .. » [3]. وفي صحيحة الفضيل :


[1] كذا في كلام جماعة ، منهم كاشف اللثام ، والنراقي ، وصاحب الجواهر. لكن دلالة الكتاب على الوجوب غير ظاهرة ، فإن العمرة لم تذكر في الكتاب إلا في قوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ .. ) (1). والظاهر منه وجوب الإتمام ، لا وجوب العمرة. وإلا في قوله تعالى : ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ .. ) (2). ودلالته أخفى.

[2] ادعى في الجواهر الإجماع بقسميه عليه. وفي المستند : « بالإجماع المحقق والمنقول مستفيضاً .. ». ونحوه كلام غيرهما. والمنسوب إلى العامة : القول بالاستحباب.

[3] قال : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ما الذي يلي الحج في الفضل؟ قال (عليه السلام) : العمرة المفردة ، ثمَّ يذهب حيث شاء. وقال (عليه السلام) : العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج ، لأن اللّه تعالى يقول : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ... ) . وإنما نزلت العمرة بالمدينة » (3).


1) البقرة : 196.

2) البقرة : 158.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب العمرة حديث : 2.

« في قول اللّه تعالى : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ .. ) . قال (عليه السلام) : هما مفروضان » [1]. ووجوبها - بعد تحقق الشرائط - فوري كالحج [2]. ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحج ، بل تكفي استطاعتها في وجوبها ، وإن لم تتحقق استطاعة الحج [3] كما أن العكس كذلك ، فلو استطاع للحج دونها وجب دونها. والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما ، وأنهما


[1] كذا فيما يحضرني من نسخة الكتاب. لكن الظاهر أنها صحيحة الفضل أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1). والنصوص الواردة في وجوبها كثيرة. فراجع الوسائل وغيرها.

[2] بلا خلاف أجده ، كما في الجواهر. وحكي عن السرائر : نفي الخلاف فيه ، وعن التذكرة : الإجماع عليه. ودليله كلية غير ظاهر ، لو لا الإجماع. وفي كشف اللثام - بعد ما حكى عن المبسوط والسرائر وجوب الفورية - قال : « لم أظفر بموافق لهم ولا دليل ، إلا على القول بظهور الأمر فيه .. ». نعم في عمرة التمتع - التي هي جزء من الحج - ظاهر ، لما دل على وجوبه فوراً ، فيدل على وجوبها كذلك. كما أنه بناء على أن مقتضى اللام وجوب الفورية - كما تقدم في مبحث نذر الحج - بدل قوله تعالى : ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ ... ) على فورية العمرة ، بضميمة ما ورد في تفسير الحج فيها بما يشمل العمرة (2).

[3] هذا هو المشهور شهرة عظيمة ، كما يقتضيه إطلاق أدلة الوجوب.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب العمرة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب العمرة حديث : 7. وقد تقدم ذكر الرواية في أول الفصل.

مرتبطان [1] ضعيف. كالقول باستقلال الحج في الوجوب دون العمرة [2].


[1] هذا القول حكاه جماعة. وفي الجواهر : « أرسله غير واحد. لكن لم أعرف قائله .. ». ووجه ضعفه ما عرفت ، من إطلاق أدلة الوجوب. وأن أدلة شرطية الاستطاعة منحصرة بما عرفت ، مما لا يصلح لإثبات شرطية الاستطاعة للحج في وجوب العمرة ، ولا للعكس.

[2] هذا القول حكي عن الشهيد في الدروس ، قال فيها : « ولو استطاع لها خاصة لم تجب. ولو استطاع للحج مفرداً دونها فالأقرب الوجوب » واستدل له في كشف اللثام : بالأصل ، وظهور حج البيت في الآية في غير العمرة. ثمَّ قال : « وهو ممنوع .. ». ووجهه : ما عرفت من صحيح ابن أذينة (1). على أن قصور دلالة الآية على وجوب العمرة لا يقتضي قصور غيرها من أدلة الوجوب التي تقدمت. مع أن الكلام في شرطية الاستطاعة للحج في وجوبها ، لا في أصل وجوبها ، ثمَّ قال : « ولعدم ظهور وجوب إتمامها في وجوب إنشائها ، ومنع استلزامه له ». والاشكال فيه كسابقه. ثمَّ قال : « ولأنها لو وجبت لكان من استكمل الاستطاعة لها فمات قبلها وقبل ذي الحجة يجب استيجارها عنه من التركة. ولم يذكر ذلك في خبر أو كتاب. وكان المستطيع لها وللحج إذا أتى الحرم قبل أشهر الحج نوى بعمرته عمرة الإسلام ، لاحتمال أن يموت ، أو لا تبقى استطاعته للحج إلى وقته .. ». ثمَّ أشكل عليه بقوله : « وفيه : أن المستطيع لها فرضه عمرة التمتع أو قسميه ، وليس له الإتيان بعمرة الإسلام إلا عند الحج ، فما قبله كالنافلة قبل فريضة الصبح مثلاً. واحتمال


1) الوسائل باب : 1 من أبواب العمرة حديث : 7. وقد تقدم ذكر الرواية في أول الفصل‌

( مسألة 2 ) : تجزئ العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة. بالإجماع [1] ، والاخبار [2]. وهل تجب على من وظيفته حج التمتع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعاً للحج؟


الموت أو فوت الاستطاعة غير ملتفت إليه .. ».

[1] في الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه .. ». بل الإجماع محقق ، والسيرة القطعية تشهد به.

[2] في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة » (1)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث ، قال : « قلت : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، أيجزئ ذلك؟ قال (عليه السلام) : نعم » (2)، وفي خبر البزنطي : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن العمرة واجبة هي؟ قال. نعم. قلت : فمن تمتع يجزي عنه؟ قال (عليه السلام) : نعم » (3)، وصحيح يعقوب بن شعيب قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال اللّه عز وجل : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ... ) ، يكفي الرجل - إذا تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ - مكان تلك العمرة المفردة؟ قال : كذلك أمر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أصحابه » (4)، ومصحح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « العمرة مفروضة مثل الحج ، فاذا ادعى المتعة فقد أدى العمرة المفروضة » (5). ونحوها غيرها.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب العمرة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب العمرة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب العمرة حديث : 3.

4) الوسائل باب : 5 من أبواب العمرة حديث : 4.

5) الوسائل باب : 5 من أبواب العمرة حديث : 6.

المشهور عدمه ، بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات [1]. وهو الأقوى. وعلى هذا فلا تجب على الأجير بعد فراغه عن عمل النيابة وإن كان مستطيعاً لها وهو في مكة. وكذا لا تجب على من تمكن منها ولم يتمكن من الحج لمانع. ولكن الأحوط الإتيان بها.


[1] كأنه يشير الى ما في المسالك - في شرح ما ذكره في الشرائع من تقسيم العمرة إلى متمتع بها ومفردة ، وأن الأولى تجب على من ليس في حاضري المسجد الحرام ، والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام - قال (رحمه اللّه) : « يفهم من لفظ السقوط : أن المفردة واجبة بأصل الشرع على كل مكلف ، كما أن الحج مطلقاً يجب عليه ، وإنما يسقط عن التمتع إذا اعتمر عمرته تخفيفاً. ومن قوله : « والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام » : عدم وجوبها على النائي من رأس. وبين المفهومين تدافع ظاهر. وكأن الموجب لذلك كون عمرة التمتع أخف من المفردة ، وكانت المفردة بسبب ذلك أكمل. وهي المشروعة بالأصالة ، والمفروضة قبل نزول آية التمتع ، فكانت عمرة التمتع قائمة مقام الأصلية مجزئة عنها ، وهي بمنزلة الرخصة من العزيمة. ويكون قوله (رحمه اللّه) : « والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام » إشارة إلى ما استقر عليه الحال ، وصار هو الحكم الثابت بأصل الشرع. ففي الأول إشارة إلى ابتدائه ، والثاني إلى استقراره .. » قال في الجواهر - بعد نقله - : « وهو كالصريح في المفروغية عن عدم وجوب عمرة مفردة على النائي. ويؤيده ما ذكرناه .. ».

ويشير به إلى ما ذكره سابقاً من السيرة على عدم استقرار عمرة على من استطاع من النائين فمات ، أو ذهبت استطاعته قبل أشهر الحج ، وعدم


الحكم بفسقه لو أخر الاعتمار إلى أشهر الحج ، وقول المحقق في الشرائع وغيره - على وجه لم يعرف فيه خلاف بينهم - : أن العمرة قسمان : متمتع بها ، ومفردة ، والأولى فرض النائي ، والثانية فرض حاضري مكة ، وظهور كلامهم في عدم وجوب غير حج التمتع على النائي ، لا أنه يجب عليه مع ذلك العمرة ..

واستدل له في المستند : بصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة ، لأن اللّه تعالى يقول : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... ) . فليس لأحد إلا أن يتمتع ، لأن اللّه أنزل ذلك في كتابه ، وجرت به السنة من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (1). خرج منه ما خرج فيبقى الباقي. ويشكل : بأن الإطلاق المذكور يقتضي عموم مشروعية العمرة المفردة ، وذلك خلاف الضرورة ، فلا بد من التصرف فيه بحمله على المستطيع للحج إذا كان نائياً - كما يقتضيه ذيله - ولا مجال للبناء على إطلاقه ثمَّ الرجوع اليه عند الشك كما في المقام. وكأنه لذلك : ما حكي - في الجواهر عن معاصريه من العلماء وغيرهم - من وجوب عمرة مفردة على النائين النائبين عن غيرهم ، مع فرض استطاعتهم المالية. معللين : بأن العمرة واجبة على كل أحد ، والفرض استطاعتهم لها فتجب ..

اللّهم إلا أن يقال بعد أن كانت العمرة قسمين تمتعاً وإفراداً ، فعمومات الوجوب على من استطاع العمرة لا تجدي في إثبات وجوب العمرة المفردة بالاستطاعة إليها. حتى يثبت إطلاق لدليل المشروعية ، يقتضي أن كل من استطاع إلى أي نوع من العمرة وجبت عليه ، والإطلاق


1) الوسائل باب : 3 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.


المذكور مفقود. ولأن أدلة التشريع - التي يكون موضوعها الماهيات المخترعة - إنما تدل على وجوب المشروع لا غير ، وحينئذ لا يرجع إليها إلا بعد ثبوت حدود المشروع وقيوده عند الشارع. وهذا بخلاف أدلة التشريع المتعلقة بالمفاهيم العرفية ، فإن مفادها وإن كان ثبوت الحكم على المفهوم ، إلا أن الإطلاق المقامي يقتضي الرجوع إلى العرف في ثبوت الانطباق ، ولا يحتاج فيه إلى الرجوع الى الشارع فيه. فالخطاب المتعلق بالمفهوم العرفي والخطاب المتعلق بالمفهوم الشرعي وإن كانا على حد واحد في ثبوت الحكم للطبيعة ، لكن يختلفان في أن تطبيق الطبيعة وتحقيق الصغرى في الأول راجع إلى العرف ، وفي الثاني راجع الى الشرع. فالخطاب المتضمن وجوب العمرة وأنها مفروضة لا يرجع اليه إلا بعد بيان الشرع انطباقه لتحقق الصغرى ، والعرف لا مجال له. فالدليل المتضمن : أن العمرة مفروضة على من استطاع إليها ، أو الحج مفروض على من استطاع اليه ، لا يرجع اليه إلا بعد بيان المراد من الحج ومن العمرة. وكذلك الخطاب بوجوب الصلاة والصوم.

وبالجملة : بعد أن كانت العمرة عمرتين : عمرة التمتع ، وعمرة الافراد ، فان كان النائي عن مكة عمرته عمرة الافراد فاذا استطاع إليها وجبت ، وان كانت عمرته عمرة التمتع فاستطاعته إلى عمرة الافراد لا تكفي في وجوبها ولا بد فيه من استطاعته إليها ، ولا تكون إلا باستطاعته الى الحج. فاذا تردد ما هو وظيفة النائي بين العمرتين ، ولم يكن مستطيعاً لعمرة التمتع فقد شك في وجوب العمرة عليه ، والمرجع حينئذ أصل البراءة.

نعم قد يوهم صحيح يعقوب بن شعيب - المتقدم في أدلة وجوب العمرة - : أن المتمتع عليه عمرة الإفراد ، لكن عمرة التمتع تجزئ عنها

( مسألة 3 ) : قد تجب العمرة بالنذر ، والحلف ، والعهد ، والشرط في ضمن العقد ، والإجارة ، والإفساد [1].


لا أنها فرضه (1). لكن يعارضه في ذلك صحيح الحلبي (2)، ومصحح أبي بصير (3)المتقدمان. بل صحيح معاوية (4)، وخبر البزنطي (5)أيضاً ، لظهور الاجزاء في ذلك. مع أن الظاهر أن قوله (عليه السلام) في صحيح يعقوب بن شعيب : « كذلك أمر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يدل على أن التعبير فيه بالاجزاء عن العمرة المفردة جاز على ما عند المخالفين من أن الواجب هو العمرة المفردة ، وعدم إجزاء التمتع عنها ، فيدل على أن الواجب هو عمرة التمتع - لا أن الواجب العمرة المفردة - لأن المتمتع بها غير واجبة نفسياً وإنما تجب غيرياً للحج. أو أنها تجب نفسياً ، فيكون المستطيع عليه عمرتان ، تجزئ المتمتع بها عن نفسها وعن المفردة. بل الظاهر أن السؤال في الروايات المتقدمة كلها جار على منوال واحد ، للشبهة التي جاءت من جهة مذهب المخالفين. وحينئذ تكون كلها دالة على أمر واحد وهو أن الواجب هو عمرة التمتع للمتمتع من دون تعارض بينها في ذلك وإن كانت لا تدل على ما نحن فيه ، لأنها واردة في الحاج لا فيما نحن فيه ، لكنها توجب الشك في التطبيق ، الموجب للرجوع إلى أصل البراءة بعد سقوط الإطلاقات.

[1] قال في الشرائع : « وقد تجب - يعني : العمرة - بالنذر ، وما في معناه ، والاستيجار ، والإفساد ، والفوات .. ». ويريد بالفوات : فوات الحج ، فان من فاته الحج وجب عليه التحلل بعمرة - كما قطع به بعضهم - وربما يأتي في محله. والوجه في جميع ذلك ظاهر


1) تقدم ذكر الروايات المشار إليها في صدر المسألة : فلاحظ‌

2) تقدم ذكر الروايات المشار إليها في صدر المسألة : فلاحظ‌

3) تقدم ذكر الروايات المشار إليها في صدر المسألة : فلاحظ‌

4) تقدم ذكر الروايات المشار إليها في صدر المسألة : فلاحظ‌

5) تقدم ذكر الروايات المشار إليها في صدر المسألة : فلاحظ‌

ويجب أيضاً لدخول مكة [1] ، بمعنى : حرمته بدونها [2] ،


لعموم صحة النذر ، واليمين ، والعهد ، والشرط ، والعقد. والمراد من الإفساد ، إما إفساد نفس العمرة ، فإن من أفسد عمرته وجب عليه الاعتمار ثانياً ، على ما قطع به الأصحاب - كما في المستند - أو إفساد الحج ، فيجب الاعتمار بفعله ثانياً ، أو يجب عليه التحلل من إحرامه بعمرة - كما في سابقة - وإن كان لا يخلو من إشكال ، أو منع.

[1] فإنه لا يجوز دخولها بعد إحرام. إجماعاً ونصوصاً. قال في المدارك : « أجمع الأصحاب على أنه لا يجوز لأحد دخول مكة بلا إحرام عدا ما استثني .. ». وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده .. ». ويشهد به بعض النصوص ، كصحيح محمد بن مسلم قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال (عليه السلام) : لا ، إلا أن يكون مريضاً ، أو به بطن » (1)، وصحيح البزنطي عن عاصم بن حميد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يدخل الحرم أحد إلا محرماً؟ قال (عليه السلام) : إلا مريض ، أو مبطون » (2). ونحوهما غيرهما.

[2] فيكون وجوب الاعتمار عقلياً للتخلص من الحرام ، لا شرعي كما ينسبق الى الذهن من عبارة جماعة ، حيث عبروا : بأنه تجب العمرة لدخول مكة. بل قال في المدارك : « ولا يخفى أن الإحرام إنما يوصف بالوجوب مع وجوب الدخول ، وإلا كان شرطاً غير واجب ، كوضوء النافلة. ومتى أخل الداخل بالإحرام أثم ، ولم يجب قضاؤه .. ». وتبعه عليه غيره. وصرح في المستند بالوجوب الشرعي مع وجوب الدخول


1) الوسائل باب : 50 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 50 من أبواب الإحرام حديث : 1.

فإنه لا يجوز دخولها إلا محرماً ، إلا بالنسبة الى من يتكرر دخوله وخروجه ، كالحطاب ، والحشاش [1]. وما عدا ما ذكر مندوب.


لوجوب مقدمة الواجب شرعاً.

لكن عرفت : أن الوجوب في المقام عقلي للتخلص من الحرام ، لا شرعي من باب وجوب مقدمة الواجب ، إذ لا مقدمية بين الإحرام ودخول مكة ، سواء أكان المراد به الدخول الخارجي أم الدخول بما هو موضوع للوجوب. ونظير المقام : وجوب الوضوء لمس المصحف ، ووجوب الغسل من الجنابة لدخول المسجد إذا وجب. وقد تقدم في بعض المسائل التعرض لذلك. فراجع.

[1] بلا خلاف - في الجملة - ولا إشكال. لصحيح رفاعة بن موسى - في حديث - قال : « وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إن الحطابة والمجتلبة أتوا النبي (صلی اللّه عليه وآله) فسألوه ، فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً » (1). بناء على أن المنصرف إلى الذهن منه : أن ذكر الحطابة والمجتلبة من باب المثال لكل من يتكرر منه ذلك ، كالحجارة ، والجصاصة ، وغيرهم. ولذلك جعل المستثنى - في كلام الأصحاب - من يتكرر منه الدخول. والظاهر من الحطابة والمجتلبة من كان مهنته ذلك ، فلو بني على كون ذكرهما من باب المثال يتعين التعدي إلى من كانت مهنته تقتضي التكرار ، لا مجرد بنائه على التكرار ، كما لو كان له مريض ، أو زرع يتكرر الخروج منه والدخول. كما أن الظاهر أن التكرار على النحو المتعارف من أهل تلك المهنة ، فلو كان التكرار بطيئاً أشكل التعدي اليه وإن كان في الشهر مرة.


1) الوسائل باب : 51 من أبواب الإحرام حديث : 2.


ولأجل ذلك يشكل ما في كشف اللثام ، فإنه قال : « إلا المتكرر دخوله كل شهر ، بحيث يدخل في الشهر الذي خرج ، كالحطاب ، والحشاش ، والراعي ، وناقل الميرة ، ومن كان له ضيعة يتكرر لها دخوله وخروجه للحرج. وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح رفاعة .. ». ثمَّ ذكر الروايات المتضمنة للتحديد بالشهر.

وحاصل الاشكال : أن الظاهر من التكرار لمثل المجتلبة والحطابة الوقوع في الشهر مرات ، ولا يكفي التكرار في الشهر مرة. وأشكل منه ما في الجواهر ، من أن ظاهر الأصحاب استثناء المجتلبة والحطابة في مقابل الاستثناء في الشهر ، فلا يعتبر في الأولين التكرار في الشهر مرة. فإن الظاهر من الأصحاب وإن كان استثناء قسمين ، لكن المقابلة بينهما من جهة أنه لا يعتبر في الأولين سبق الإحرام ، بخلاف الاستثناء في الثاني فإن مورد النصوص هو صورة سبق الإحرام ، كما أشار إليه في الجواهر في آخر كلامه. فراجع. وليس وجه المقابلة : أنه لا يعتبر في الأولين التكرار في الشهر مرة ، فإن ذلك خلاف المفهوم من المجتلبة والحطابة ، كما عرفت.

ثمَّ إن المصنف (رحمه اللّه) لم يستثن من دخلها بعد الإحرام قبل شهر ، مع أن الظاهر عدم الخلاف فيه. وفي الذخيرة : « لا أعلم خلافاً بين الأصحاب في أصل الحكم. ولكن اختلفوا في مبدأ اعتبار الشهر ، فذهب جماعة من الأصحاب إلى أن مبدأه من وقت الإحلال من الإحرام .. ». وكأن وجه إهماله اعتماده على ما سيذكره في المسألة الثانية من مسائل : ( فصل : صورة حج التمتع .. ). وقد اختار هناك ، عدم وجوب الإحرام وإن كان الدخول بعد الشهر من الإحلال - فضلاً عن الإحرام - وتوقف في وجوبه إذا كان بعد شهر من خروجه. فلاحظ كلماته هناك ، وتأمل.

ويستحب تكرارها كالحج. واختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين ، فقيل : يعتبر شهر [1]. وقيل : عشرة أيام [2]. والأقوى عدم اعتبار الفصل ، فيجوز إتيانها كل يوم [3]. وتفصيل المطلب موكول إلى محله.


[1] حكاه في كشف اللثام عن النافع ، والوسيلة ، والتهذيب ، والكافي ، والغنيمة ، والمختلف ، والدروس.

[2] حكاه عن الأحمدي ، والمهذب ، والجامع ، والشرائع ، وسائر كتب الشيخ. والإصباح. وقيل : سنة ، ونسب إلى العماني. وعبارته المحكية غير ظاهرة في ذلك.

[3] جعله في الشرائع أشبه ، وفي كشف اللثام أقرب ، وحكى عن الجمل ، والناصريات ، والسرائر ، والمراسم ، والتلخيص ، واللمعة. بل في الجواهر والمستند : « نسب إلى كثير من المتأخرين .. ». ووجه الاختلاف ، اختلاف النصوص ، فإنها طوائف :

الأولى : صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : في كتاب علي (عليه السلام) : في كل شهر عمرة » (1)، وموثق يونس بن يعقوب قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إن علياً (عليه السلام) كان يقول : في كل شهر عمرة » (2)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كان علي يقول : لكل شهر عمرة » (3)ومصحح إسحاق بن عمار قال : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : السنة اثنا عشر


1) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 4.


شهراً ، يعتمر لكل شهر عمرة » (1). ونحوها غيرها.

الثانية : خبر علي بن أبي حمزة قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل مكة في السنة ، المرة والمرتين والأربعة ، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام) : إذا دخل فليدخل ملبياً ، وإذا خرج فليخرج محلا. قال : ولكل شهر عمرة. فقلت : يكون أقل؟ فقال : في كل عشرة أيام عمرة » (2)، والموثق الذي رواه في الجواهر : « قال الصادق (عليه السلام) : السنة اثنا عشر شهراً ، يعتمر لكل شهر عمرة. قال : فقلت له : أيكون أقل من ذلك؟ قال : لكل عشرة أيام عمرة » (3). ولم أجده في غيرها ، فان المذكور في الفقيه وفي الوسائل عند رواية مصحح إسحاق .. إلى قوله (عليه السلام) : « لكل شهر عمرة » ، كما نقلنا آنفاً. واستدل في المدارك وكشف اللثام والحدائق والمستند : بخبر علي بن أبي حمزة على القول بالعشر ولم يذكروا الموثق الذي ذكره ، ومن ذكره ذكره في اخبار الشهر. بل لعل صريح المستند وغيره : انحصار رواية العشر بالخبر.

الثالثة : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : العمرة في كل سنة مرة » (4)، وصحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ولا يكون عمرتان في سنة » (5). ونحوه صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (6).


1) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 9.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 3.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 10.

4) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 6.

5) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 7.

6) الوسائل باب : 6 من أبواب العمرة حديث : 8.


وعلى الطائفة الأولى عول القائلون بالشهر ، ولم يعولوا على خبر علي بن أبي حمزة لضعفه ، لاشتمال سنده على جملة من الضعفاء ، ولا على الطائفة الثالثة وإن صحت أسانيدها ، لمعارضتها بالطائفة الأولى - التي لا يبعد أن تكون متواترة إجمالاً - الموجب لطرحها ، أو حملها على عمرة التمتع ، كما عن الشيخ. وأما القائلون بالعشر فعولوا على خبر علي بن أبي حمزة ، لرواية الصدوق له في الفقيه بسنده اليه ، وسنده صحيح. وهو إن كان الثمالي فهو ثقة ، وإن كان البطائني فالظاهر اعتبار حديثه ، لرواية جمع كثير من الأعاظم عنه ، وفيهم جمع من أصحاب الإجماع ، وجماعة ممن نصوا على أنهم لا يروون إلا عن ثقة ، ولغير ذلك من القرائن المذكورة في كتب الرجال. وأما القائل بالسنة - إن ثبت - فمستنده الطائفة الثالثة ، التي عرفت لزوم طرحها أو التصرف فيها. وأما القول الأخير فوجهه حمل الطائفتين الأولتين على الفضل - على اختلاف مراتبه - لعدم ظهورهما في المنع من التوالي.

بل ظاهر قولهم (عليهم السلام) : « لكل شهر عمرة » - كما في جملة منها - : أن ذلك من وظائف الشهر ، فهي تتأكد من حيث الزمان ، ففي الشهر آكد منها في العشرة. ويقتضيه الارتكاز العرفي في باب الطاعات والخيرات فإنها كلما طال العهد بها اشتد تأكدها. والجمع بين الشهر والعشر - في خبر ابن أبي حمزة - لا بد أن يحمل على ذلك. ولأجله يمكن الجمع بينها وبين صحيح الحلبي المتقدم في أخبار السنة بذلك ، فيحمل أيضاً على التأكد في السنة ، على نحو يكون أشد تأكداً فيها من الشهر.

وبالجملة : الجمع العرفي بين النصوص المذكورة يقتضي ذلك ، فلا يدل على المنع من التوالي ، فلا مانع من الأخذ بإطلاقات الحث عليها والترغيب إليها الظاهرة في استحبابها مطلقاً. ومقتضاها الاستحباب في كل يوم

فصل في أقسام الحج

وهي : ثلاثة - بالإجماع [1] ، والاخبار - ، تمتع ، وقران ، وإفراد [2].


وفي اليوم أكثر من مرة أيضاً. فلاحظ. وأما ما تضمن أن المتمتع إن خرج من مكة ورجع في شهره دخل محلا ، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً ، معللاً : بأن لكل شهر عمرة (1). وما ورد - في من أفسد عمرته - من أنه يقضيها في الشهر الآتي (2). فهما حكمان دل عليهما الدليل في خصوص المورد. مع أن ظاهر الفتاوى أن الحكم في المقامين رخصة لا عزيمة. وحينئذ يكون منافياً للشهر لا دليلاً عليه ، وبالنسبة إلى العشرة من قبيل اللامقتضي نفياً وإثباتاً. واللّه سبحانه الهادي.

فصل في أقسام الحج

[1] في الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه بين علماء الإسلام ، بل إجماعهم بقسميه عليه .. ».

[2] في مصحح معاوية بن عمار قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : الحج ثلاثة أصناف : حج مفرد ، وقران ، وتمتع بالعمرة إلى الحج. وبها أمر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، ولا نأمر الناس إلا بها » (3)،


1) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب كفارات الاستمتاع.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

والأول فرض من كان بعيداً عن مكة [1]. والآخران فرض


وخبر منصور الصيقل : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : الحج عندنا على ثلاثة أوجه : حاج متمتع ، وحاج مفرد سائق للهدي ، وحاج مفرد للحج » (1)ونحوهما غيرهما. والذي يظهر من النصوص : أن المشروع في صدر الإسلام القران والافراد ، وأن التمتع شرع في حجة الوداع. ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) حين حج حجة الإسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة فصلى بها ، ثمَّ قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها وأهلّ بالحج وساق مائة بدنة ، وأحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة ولا يدرون ما المتعة. حتى إذا قدم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) مكة .. ( إلى أن قال ) : فلما قضى طوافه عند المروة قام خطيباً فأمرهم : أن يحلو ويجعلوها عمرة ، وهو شي‌ء أمر اللّه عز وجل به .. ( إلى أن قال ) : وإن رجلاً قام فقال : يا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) نخرج حجاجاً ورءوسنا تقطر؟! فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : إنك لن تؤمن بهذا أبداً .. » (2).

[1] قال في كشف اللثام : « لا يجزيه غيره اختياراً. للأخبار ، وهي كثيرة. والإجماع ، كما في الانتصار والخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى وظاهر المعتبر. وحكى القاضي - في شرح الجمل - : خلافه عن نفر من الأصحاب .. ». وفي المستند : حكى الإجماع عن غيرها أيضاً. ويشهد به - مضافاً إلى ذلك - الكتاب والسنة.

أما الأول فقوله تعالى : ( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا


1) الوسائل باب : 1 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 14.

من كان حاضراً ، أي : غير بعيد [1]. وحدّ البعد - الموجب


اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ، ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (1). فان الظاهر رجوع اسم الإشارة إلى التمتع بالعمرة ، لأنه للبعيد لا رجوعه إلى ما بعده ، لأنه قريب. ويشكل الاستدلال المذكور : بأن ظاهر الآية الشريفة حصر التمتع بالنائي ، لا حصر النائي به ، كما هو المدعى.

وأما السنة فمستفيضة أو متواترة. منها : مصحح الحلبي السابق. ونحوه صحيح معاوية بن عمار (2)، وصحيح صفوان (3). وفي صحيح الحلبي الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، لأن اللّه تعالى يقول : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... ) . فليس لأحد إلا أن يتمتع ، لأن اللّه أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنة من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (4)إلى غير ذلك.

[1] على المشهور شهرة عظيمة ، بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن الشيخ - في أحد قوليه - ويحيى بن سعيد. ويشهد له الكتاب الشريف - على ما عرفت - والنصوص - ففي صحيح الفضلاء ، عبد اللّه الحلبي وسليمان بن خالد وأبي بصير ، كلهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ليس لأهل مكة ، ولا لأهل مرّ ، ولا لأهل سرف متعة. وذلك : لقول اللّه عز وجل :


1) البقرة : 196.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

3) لم نعثر على الرواية في مظانها.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

للأول - ثمانية وأربعون ميلاً من كل جانب [1] ، على المشهور [2] الأقوى. لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قلت له : قول اللّه عز وجل في كتابه : ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... ) فقال (عليه السلام) : يعني : أهل مكة ليس عليهم متعة. كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عرق وعسفان - كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في


( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ .. ) » (1)، وخبر سعيد الأعرج : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : ليس لأهل سرف ، ولا لأهل مرّ ، ولا لأهل مكة متعة. يقول اللّه تعالى : ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... ) » (2). ونحوهما غيرهما مما هو كثير ، وسيأتي بعضه في المتن.

ولم يعرف للشيخ وابن سعيد دليل ، إلا صحيح عبد الرحمن بن الحجاج وصحيحه الآخر مع عبد الرحمن بن أعين ، الآتيان في المسألة الثانية. وموردهما خاص ، فلا مجال للتعدي عنه إلى غيره بعد ما عرفت. مع أن ظهورهما في حج الإسلام غير ثابت.

[1] حكاه في الشرائع قولاً ، واختاره في النافع والمعتبر ، وحكي عن القمي في تفسيره ، والصدوقين ، والعلامة في جملة من كتبه ، وعن الشهيدين ، والمحقق الكركي. وعن المدارك : نسبته إلى أكثر الأصحاب.

[2] كما عن شرح المفاتيح. لكن في الجواهر : « وإن كنا لم نتحققه ».


1) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 6.

هذه الآية ، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة » [1]. وخبره [2] عنه (عليه السلام) : « سألته عن قول اللّه عز وجل : ( ذلِكَ ... ) . قال : لأهل مكة ليس لهم متعة ، ولا عليهم عمرة. قلت : فما حد ذلك؟ قال : ثمانية وأربعون ميلاً من جميع نواحي مكة ، دون عسفان وذات عرق » [3]. ويستفاد أيضاً من جملة من أخبار أخر [4].


[1] رواها الشيخ في التهذيب ، بإسناده عن موسى بن القاسم : عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قلت لأبي جعفر : قول اللّه عز وجل في كتابه .. » إلى آخر ما في المتن (1). واسناد الشيخ إلى موسى صحيح وموسى وعبد الرحمن وبقية السند كلهم ثقاة أعيان.

[2] رواه الشيخ أيضاً في أواخر كتاب الحج ، عن علي بن السندي عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن قول اللّه تعالى : ( ذلِكَ ... ) ... » إلى آخر ما في المتن (2). وسنده إلى علي بن السندي غير ثابت الصحة. وأما علي فالظاهر صحة حديثه ، وإن كان لا يخلو من إشكال.

[3] في النسخة الصحيحة من التهذيب : « ودون ذات عرق ».

[4] كصحيح الفضلاء المتقدم (3). ونحوه خبر سعيد الأعرج


1) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 3.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 7. ولكن متن الرواية هنا يختلف يسيراً عن الموجود منه في الوسائل ، وكذلك الأصل. راجع التهذيب جزء : 5 صفحة 2. 492 طبع النجف الأشرف.

3) تقدم ذكر الروايتين في أوائل الفصل تقريباً. فلاحظ.


المتقدم ، الذي رواه في التهذيب في آخر كتاب الحج (1)، بناء على ما في المعتبر من أنه معلوم أن هذه المواضع أكثر من اثني عشر ميلاً. وعن القاموس : أن بطن مر : موضع من مكة على مرحلة. وفي تاريخ البلدان لليعقوبي (2): أنه واقع في طريق مكة إلى المدينة ، فمن مكة إليه ثمَّ إلى عسفان ، ثمَّ إلى قديد ، ثمَّ إلى الجحفة ، ثمَّ إلى الأبواء ، ثمَّ إلى سقيا بني غفار ، ثمَّ إلى العرج ، ثمَّ إلى الرويثة ، ثمَّ إلى الروحاء ، ثمَّ إلى السيالة ، ثمَّ إلى ملل ، ثمَّ إلى الحفيرة ، ثمَّ إلى ذي الحليفة. وعن الواقدي : بين مكة ومر خمسة أميال. وسَرِف - ككتف - : موضع قريب للتنعيم. وعن النهاية - في حديث تزويج ميمونة بسرف - : هو - بكسر الراء - موضع من مكة على عشرة أميال. وقيل : أقل ، وأكثر. وعن المجلسي الأول (رحمه اللّه) أن سرف - ككتف - موضع قرب التنعيم ، على عشرة أميال - تقريباً - من مكة ..

وكصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « في حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال (عليه السلام) : ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وليس لهم متعة » (3). وصحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال (عليه السلام) : ما دون الأوقات إلى مكة » (4). بناء على أن المراد ما دون جميعها ، فإنها على هذا الحد أو أكثر. فإن يلملم جبل على مرحلتين من مكة ، واقعة في طريق أهل مكة إلى اليمن ، المرحلة الأولى - على ما ذكره اليعقوبي في تاريخ البلدان (5)- : الملكان


1) تقدم ذكر الروايتين في أوائل الفصل تقريباً. فلاحظ.

2) صفحة : 78 طبعة النجف الأشرف وصفحة : 313 طبعة ليدن.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 4.

4) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 5.

5) صفحة : 80 طبعة النجف الأشرف وصفحة : 317 طبعة ليدن‌


والمرحلة الثانية : يلملم ، ثمَّ الليث ، ثمَّ عليب ، ثمَّ قربا ، ثمَّ قنونا ، ثمَّ يبة ، ثمَّ المعقر ، ثمَّ ضنكان ، ثمَّ زنيف ، ثمَّ ريم ، ثمَّ يبش ، ثمَّ العرش ، ثمَّ الشرجة ، ثمَّ السلعاء ، ثمَّ بلحة ، ثمَّ المهجم ، ثمَّ العارة ، ثمَّ المروة ، ثمَّ سودان ، ثمَّ صنعاء.

وكذا ذات عرق ، فإنها أيضاً واقعة في طريق أهل العراق إلى مكة على مرحلتين من مكة ، المرحلة الأولى - على ما ذكره اليعقوبي في تاريخ البلدان (1)- : بستان ابن عامر ، ثمَّ ذات عرق ، ثمَّ غمرة ، ثمَّ المسلح ثمَّ أفيعية ، ثمَّ معدن بني سليم ، ثمَّ العمق ، ثمَّ السليلة ، ثمَّ الربذة ، ثمَّ مغيثة الماوان ، ثمَّ معدن النقرة - وتسمى النقرة أيضاً - ثمَّ سميراء - وتسمى الحاجر أيضاً - ثمَّ توز ، ثمَّ فيد ، ثمَّ زرود - وتسمى الأجفر أيضاً - ثمَّ الثعلبية ، ثمَّ بطان ، ثمَّ الشقوق ، ثمَّ زبالة ، ثمَّ القاع ، ثمَّ العقبة ، ثمَّ الواقصة ، ثمَّ الفرعاء ، ثمَّ مغيثة ، ثمَّ القادسية ، ثمَّ الكوفة. وكذا قرن المنازل فإنها على مرحلتين أيضاً ، كما سيأتي.

لكن يعارضها خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت : لأهل مكة متعة؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولا لأهل بستان ، ولا لأهل ذات عرق ، ولا لأهل عسفان ونحوها » (2). بل يعارض التحديد بالمقدار المذكور صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في قول اللّه عز وجل ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... ) . قال (عليه السلام) : من كان منزله على ثمانية عشر ميلاً من بين يديها ، وثمانية عشر ميلاً من خلفها ، وثمانية عشر ميلاً عن يمينها ، وثمانية عشر ميلاً عن يسارها فلا متعة له


1) صفحة : 76 طبعة النجف الأشرف وصفحة : 311 طبعة ليدن.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 12.


مثل مر وأشباهه » (1).

والذي يتحصل : أن الاشكال في المقام في جهات : الأولى : الأخبار الدالة على التحديد ، فإنها طوائف ثلاث ، الأولى : ما دل على أنه ثمانية وأربعون ميلاً ، وهي صحيح زرارة ، وخبره. الثانية : ما دل على أنه ثمانية عشر ميلاً ، وهي صحيحة حريز. الثالثة : ما دل على أنه دون الميقات ، وهي صحيحا الحلبي وحماد ، فان الظاهر منها أن الحدّ يختلف باختلاف الجهات المسكونة ، فكل موضع يكون بين الميقات ومكة يكون حكم أهله أن لا متعة لهم ، وكل موضع يكون وراء الميقات يكون حكم أهله التمتع. وحمله على أن يكون المراد من المواقيت أقرب المواقيت إلى مكة - يعني : ما تكون المساحة بين الشخص ومكة أقل من المساحة التي تكون بين أقرب المواقيت إلى مكة وبينها - بعيد جداً ، فإنه يتوقف على معرفة الأقرب منها إلى مكة ، ومعرفة المساحة بينهما ، والعبارة المذكورة في الصحيحين لا تساعد على ذلك.

الجهة الثانية : اختلاف الأخبار في ذات عرق وعسفان ، فان ظاهر خبر زرارة : خروجهما عن الحد ، ويجب على أهلهما التمتع. وظاهر صحيحة - وصريح خبر أبي بصير - : أنه ليس لأهلهما متعة.

الجهة الثالثة : التشويش الواقع في عبارة الصحيح ، لقوله (عليه السلام) فيه : « ذات عرق وعسفان » ، فإنه إن جعل تمثيلاً للثمانية والأربعين فهو تفسير بالأخفى ، ولا يناسب موضوع الشرطية. وإن جعل تمثيلاً لما دونها كان مخالفاً لما ذكروه ، من أن ذات عرق وعسفان على مرحلتين من مكة. مضافاً إلى أن قوله (عليه السلام) : « كما يدور حول الكعبة » لم يتضح ارتباطه


1) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 10.

والقول : بأن حده اثنا عشر ميلاً من كل جانب - كما عليه جماعة [1] - ضعيف لا دليل عليه إلا الأصل ، فإن مقتضى جملة من الاخبار : وجوب التمتع على كل أحد ، والقدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد المذكور [2].


بما قبله. وكذا التشويش الواقع في متن خبر زرارة ، فإن قوله (عليه السلام) فيه : « دون عسفان وذات عرق » ظاهر في أن الثمانية والأربعين دون عسفان وذات عرق ، مع أن المذكور في كلماتهم أنهما على مرحلتين ، فلا تكون الثمانية والأربعون دونهما بل تكون نفسهما.

هذا ، ولا يخفى أن الإشكالات المذكورة لا تصلح لرفع اليد عن مفاد الصحيح المعول عليه ، فان الطائفتين الأخريين لا عامل بهما ، فلا يصلحان لمعارضته. واختلاف الأخبار في ذات عرق وعسفان لا يهم ، لأنه - بعد ما تحقق خروجهما عن الحد - لا بد من تأويل الصحيح ، وطرح خبر أبي بصير لمخالفته للإجماع. ولو فرض عدم تحقق خروجهما عن الحد واحتمال دخولهما فيه فالاختلاف يكون اختلافاً في الموضع ، لا في الحد والحكم الذي هو محل الكلام. وأما التشويش فلا يقدح في دلالة الصحيح على التحديد على وجه ظاهر. واشتمال الرواية على بعض أمور مشكلة إذا لم يقدح في دلالتها على الحكم لا يقدح في حجيتها.

[1] اختاره في الشرائع والقواعد ، ونسبه في كشف اللثام : إلى المبسوط ، والاقتصاد ، والتبيان ، ومجمع البيان ، وفقه القرآن ، والروض والجمل ، والعقود ، والغنية ، والكافي ، والوسيلة ، والسرائر ، والجامع والإصباح ، والإشارة. وفي الجواهر : أنه أقوى.

[2] هذا الوجه ذكره في المستند دليلاً على القول المذكور. قال (رحمه اللّه) :

وهو مقطوع بما مر [1]. أو دعوى : أن الحاضر مقابل للمسافر ، والسفر أربعة فراسخ [2]. وهو كما ترى. أو دعوى : أن الحاضر - المعلق عليه وجوب غير التمتع - أمر عرفي ، والعرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلاً. وهذا - أيضاً - كما ترى [3]. كما أن دعوى : أن المراد من ثمانية وأربعين


« بل قد أشرنا إلى تواتر الأخبار بفرضية التمتع مطلقاً ، خرج ما دون اثني عشر ميلاً بالإجماع ، فيبقى الباقي .. ». وذكره في الجواهر وجهاً لما اختاره. وقد تقدم بعض هذه النصوص في أول المبحث. وعليه فالمراد من الأصل أصالة العموم ، لا الأصل العملي. وإلا فمقتضى الأصل الاحتياط بالجمع ، للعلم الإجمالي.

[1] فإن الدليل الخاص مخصص للعام. على أن ثبوت هذا العموم محل إشكال ، فإن الظاهر أن الخطابات إنما هي للنائي. ضرورة انقسام الحج إلى الأقسام الثلاثة ، ومشروعية القران والافراد في الجملة ، فكيف يصح مثل هذا العموم؟!.

[2] هذا الاستدلال مذكور في كشف اللثام وغيره ، وحكاه في المستند والجواهر عنهم. وتوجيهه في غاية الصعوبة ، لأن المراد من الحاضر في الآية إذا كان بمعنى مقابل المسافر ، كان مرجع الآية الشريفة إلى أن من كان أهله مسافرين عن المسجد الحرام فعليه التمتع ، وإذا لم يكن أهله مسافرين بل حاضرين فعليه القران أو الافراد ، وهذا المعنى أجنبي عن المراد بها بالمرة ، ضرورة أن المراد التوطن في الموضع القريب والبعيد ، لا المسافرة والحضور. وبالجملة : الاستدلال على النحو المذكور غريب.

[3] فان العرف كما لا يساعد على الأزيد من الاثني عشر ميلاً

التوزيع على الجهات الأربع ، فيكون من كل جهة اثنا عشر ميلاً [1]. منافية لظاهر تلك الأخبار [2]. وأما صحيحة حريز - الدالة على أن حد البعد ثمانية عشر ميلاً - فلا عامل بها. كما لا عامل بصحيحتي حماد بن عثمان والحلبي ، الدالتين على أن الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكة [3]. وهل يعتبر الحد المذكور من مكة أو من المسجد؟ وجهان [4] ،


لا يساعد على الأقل منها. بل الظاهر اختصاصه بأهل مكة لا غير ، فان مواضعهم هي التي حاضرة مع المسجد الحرام لاجتماعها معه ، وأما الخارج عن مكة من المواضع فهي غير حاضرة مع المسجد ، لعدم اجتماعها معه. مع أنه لو سلم ذلك فرواية التحديد بالثمانية والأربعين تكون مفسرة للمراد وشارحة له ، على وجه يجب الخروج عن ظاهر الكلام لأجلها.

[1] هذه دعوى ادعاها ابن إدريس (رحمه اللّه). وفي كشف اللثام والجواهر : حاول في ذلك رفع الخلاف بين الأصحاب.

[2] من دون ملجئ إلى ذلك.

[3] على ما عرفت الإشارة إليه. يظهر ذلك لمن لا حظ كتب الأصحاب.

[4] بل يظهر من كلماتهم أن فيه قولين ، فعن المبسوط ، أنه قال : « كل من كان بينه وبين المسجد اثنا عشر ميلاً من جوانب البيت .. ». ونحوه كلامه في الاقتصاد والجمل ، ومثله ما في التحرير : « من كان بين منزله وبين المسجد اثنا عشر ميلاً .. ». لكن في القواعد قال : « من نأى عن مكة باثني عشر ميلاً من كل جانب .. ». ونحوه غيره. وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون اختلافاً بمحض العبارة ، ومراد الجميع

أقربهما الأول. ومن كان على نفسه الحد فالظاهر أن وظيفته التمتع [1] لتعليق حكم الافراد والقران على ما دون الحد [2].


المسجد أو مكة ، كما يشهد به نسبة كون المبدإ مكة إلى الشيخ في المبسوط مع أن المذكور في عبارته المسجد. ويحتمل أن يكون اختلافاً في المراد ، وهو الأقرب. ففي المسالك : « والتقدير - على التقديرين - من منتهى عمارة مكة إلى منزله ». ونحوه ما في الروضة. وفي الكفاية - بعد ما اختار التقدير بالثمانية والأربعين من مكة ، وحكى القول باثني عشر ميلاً من مكة - قال : « ومن أصحاب هذا القول من اعتبر البعد بالنسبة إلى المسجد الحرام .. ». وكيف كان فالنصوص خالية عن التعرض لذلك.

نعم صحيح زرارة وخبره - لما كان السؤال فيهما عن الآية الكريمة ، وتفسير المراد من حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ - فالمنسبق من التقدير أن يكون المبدأ نفس المسجد (1). ولا ينافي ذلك ما في خبر زرارة ، من قوله (عليه السلام) : « من جميع نواحي مكة » ، فإن مكة أخذت موضوعاً للنواحي ، لا مبدأ للتقدير. فلاحظ.

[1] يظهر ذلك منهم. وفي المدارك : « لكن مقتضى كلام الشيخ أن البعد إنما يتحقق بالزيادة عن الثمانية والأربعين .. ».

[2] لقوله (عليه السلام) في الصحيح : « كل من كان أهله دون ثمانية » (2)وأما قوله (عليه السلام) بعد ذلك : « وكل من كان أهله وراء ذلك » ، فالمراد من اسم الإشارة فيه المقدار السابق ذكره موضوعاً للقران والافراد ، لا الثمانية


1) الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 3 ، 7 وقد تقدمت الإشارة إلى الروايتين في أوائل الفصل‌

2) المراد : هو صحيح زرارة آنف الذكر‌

ولو شك في كون منزله في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص [1] ومع عدم تمكنه يراعي الاحتياط. وإن كان لا يبعد القول بأنه يجري عليه حكم الخارج ، فيجب عليه التمتع ، لأن غيره معلق على عنوان الحاضر ، وهو مشكوك [2]. فيكون كما لو شك في أن المسافة ثمانية فراسخ أولا ، فإنه يصلي تماماً ، لأن القصر معلق على السفر ، وهو مشكوك.


والأربعين ، وإلا كان الصحيح قد أهمل فيه ذكر من كان على رأس الحد وهو بعيد. فإنه إذا تردد التصرف في الكلامين بين التصرف في الأول والتصرف في الثاني يتعين الثاني ، لأن الأول - بعد استقراره في الذهن - يكون الكلام اللاحق جارياً عليه. فلاحظ.

[1] وجوب الفحص في هذه الشبهة الموضوعية - على خلاف القاعدة المشهورة : من عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية - لأمور ادعيت في هذا المورد - وفي جملة من الموارد من الشبهات الموضوعية - كالشك في الاستطاعة ، والشك في مسافة التقصير ، والشك في بلوغ النصاب. وقد تقدم الكلام في ذلك في المباحث المذكورة. نعم يمتاز المقام عنها بعدم إمكان الاحتياط ، لأن الوجوب فوري ، ولا يمكن الجمع بين المحتملين في سنة واحدة.

[2] كأنه يريد الإشارة إلى قاعدة ، وهي : أنه إذا كان الخاص معلقاً على عنوان وقد شك في ذلك العنوان وجب الرجوع إلى العام. ومثله الشك في المسافر ، لأن الحكم العام هو التمام ، والقصر معلق على السفر فمع الشك فيه يرجع إلى عموم التمام. ولكنه راجع إلى التمسك بالعام في


الشبهة المصداقية والمحقق في محله عدم جوازه. على أن كون المقام من ذلك القبيل غير ظاهر ، فإنه لا عموم يقتضي وجوب التمتع وقد خرج عنه الحاضر ، بل الأمر بالعكس. فان دليل التشريع - وهو الآية الشريفة - إنما تضمن وجوب التمتع على من لم يكن حاضراً ، فمع الشك فيه يشك في وجوب التمتع. ولعل مراده أن حكم التمتع معلق على عنوان عدمي فمع الشك فيه يرجع إلى الأصل في إثباته ، فيثبت حينئذ حكمه. وبذلك يفترق المقام عن مقام الشك في المسافر ، فان حكم التمام لم يعلق فيه على عنوان عدمي ولا وجودي ، وإنما عنوانه مطلق المكلف.

هذا ولكن حكم القصر لما كان معلقاً على المسافر كان الجمع بين العام والخاص يقتضي أن يكون حكم العام - وهو التمام - معلقاً على من لم يسافر ، فمع الشك في المسافر يرجع إلى أصالة عدم المسافر ، فيكون كما نحن فيه بعينه. وليس الفرق بينهما إلا أن حكم التمتع من أول الأمر معلق على العنوان العدمي ، وحكم التمام لم يكن كذلك من أول الأمر ، ولكن صار كذلك من جهة الجمع العرفي بين الخاص والعام.

ثمَّ إنه يشكل ما ذكره المصنف ، من وجوب التمتع : بأن أصالة عدم كونه حاضر المسجد من الأصل الجاري في العدم الأزلي ، لأن الشخص حين وجوده إما حاضر أو ليس بحاضر ، وحجية أصل العدم الأزلي محل إشكال. وفيه : أن الحضور قد يكون طارئاً بالتوطن بعد الهجرة إلى مكة فمع الشك يستصحب العدم المقارن. وكذا لو كان متوطناً في مكة ثمَّ انتقل إلى الموضع المشكوك ، فإنه يجري فيه استصحاب الحضور. مع أنه موقوف على البناء على تحقق الحضور بمجرد التولد من الحاضر ، ولا يتوقف على قصد التوطن ، وهو محل تأمل. مضافاً إلى أن التحقيق :

ثمَّ ما ذكر إنما هو بالنسبة الى حجة الإسلام ، حيث لا يجزئ للبعيد إلا التمتع ، ولا للحاضر إلا الافراد أو القران [1]. وأما بالنسبة إلى الحج الندبي فيجوز لكل من البعيد والحاضر كل من الأقسام الثلاثة [2] بلا إشكال. وان كان الأفضل اختيار التمتع [3]. وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجة


جريان الأصل في العدم الأزلي ، كما أشرنا إليه في مباحث المياه من هذا الشرح.

وربما يتوهم الاشكال على المصنف : بأن المراد بمن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ ، من كان أهله بعيداً عن المسجد ، فيكون موضوع حكم التمام وجودياً لا يمكن إثباته بالأصل واندفاعه ظاهر ، فان الصحيح المفسر بذلك إنما أريد به تفسير التحديد ، لا بيان أن الموضوع وجودي.

[1] قال في الذخيرة : « إن موضع الخلاف حجة الإسلام ، دون التطوع والمنذور .. ».

[2] في المدارك ، وعن الشيخ في التهذيبين ، والمحقق في المعتبر ، والعلامة في جملة من كتبه ، والشهيد في الدروس : التصريح بذلك.

[3] قال في الجواهر : « لا خلاف أيضاً في أفضلية التمتع على قسيميه لمن كان الحج مندوباً بالنسبة إليه - لعدم استطاعته ، أو لحصول حج الإسلام - منه - والنصوص مستفيضة فيه أو متواترة ، بل هو من قطعيات مذهب الشيعة .. ». ويشهد به النصوص الكثيرة ، المتواترة مضموناً ، كصحيح البزنطي قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها - وذلك في سنة اثنتي عشرة ومائتين - فقلت : بأي شي‌ء دخلت مكة : مفرداً أو متمتعاً؟ فقال (عليه السلام) : متمتعاً. فقلت له : أيها أفضل المتمتع بالعمرة إلى الحج أو من أفرد وساق الهدي؟ فقال (عليه السلام) : كان

الإسلام ، كالحج النذري وغيره [1].


أبو جعفر (عليه السلام) يقول : المتمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من المفرد السائق للهدي. وكان يقول : ليس يدخل الحاج بشي‌ء أفضل من المتعة » (1)وصحيح معاوية بن عمار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) - ونحن بالمدينة - : إني اعتمرت في رجب وأنا أريد الحج ، فأسوق الهدي ، أو أفرد الحج ، أو أتمتع؟ قال (عليه السلام) : في كل فضل ، وكل حسن. قلت : فأي ذلك أفضل؟ فقال : إن علياً (عليه السلام) كان يقول : لكل شهر عمرة تمتع ، فهو واللّه أفضل » (2)، ومكاتبة علي بن حديد قال : « كتب اليه : علي ابن جعفر يسأله عن رجل اعتمر في شهر رمضان ، ثمَّ حضر الموسم ، أيحج مفرداً للحج أو يتمتع ، أيهما أفضل؟ فكتب اليه : يتمتع أفضل » (3)، وصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « قلت له : إني سقت الهدي وقرنت. قال : ولِمَ تفعل ذلك؟ التمتع أفضل » (4)، وصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : المتعة واللّه أفضل ، وبها نزل القرآن ، وجرت السنة » (5)إلى غير ذلك من النصوص. وفي المدارك : « أكثر من أن تحصى .. ». وقد عقد لها في الوسائل باباً طويلاً.

[1] الظاهر من كلماتهم عدم الفرق بين المندوب والواجب بالنذر


1) الوسائل باب : 4 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب أقسام الحج حديث : 18.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب أقسام الحج حديث : 4.

4) الوسائل باب : 4 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

5) الوسائل باب : 4 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

( مسألة 1 ) : من كان له وطنان ، أحدهما في الحد ، والآخر في خارجه لزمه فرض أغلبهما [1]. لصحيحة زرارة [2] عن أبي جعفر (عليه السلام) : « من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له. فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة. فقال (عليه السلام) : فلينظر أيهما الغالب » [3]. فان تساويا فان كان مستطيعاً من كل منهما تخير بين الوظيفتين [4] ،


ونحوه. وقد تقدم كلام الذخيرة. والظاهر من قولهم : التمتع فرض النائي ، أنه الفرض بالأصل ، لا الفرض بالنذر ونحوه. نعم يختص كلامهم بما إذا كان المنذور مطلقاً ، وأما إذا كان معيناً فلا ريب في اقتضاء النذر التعين فلا يجزئ غير المتعين. وأما الواجب بالإفساد فالظاهر من دليله لزوم مطابقته للواجب الذي أفسده ، للتعبير فيه بالقضاء ، الظاهر في مطابقته للمقتضي ،

[1] بلا خلاف أجده فيه. كذا في الجواهر.

[2] رواها الشيخ (رحمه اللّه) عن موسى بن القاسم ، عن عبد الرحمن ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام). ورواها بإسناده عن زرارة (1).

[3] تتمة الحديث : « فهو من أهله ».

[4] بلا خلاف أجده فيه ، كما في الجواهر. ووجهه إطلاق ما دل على وجوب الحج ، الشامل للأنواع الثلاثة ، والتخصيص بأحدها من دون مخصص ، وما دل على وجوب التمتع بعينه يختص بمن كان منزله نائباً.


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

وإن كان الأفضل اختيار التمتع [1]. وإن كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة [2].

( مسألة 2 ) : من كان من أهل مكة وخرج إلى بعض الأمصار ثمَّ رجع إليها ، فالمشهور جواز حج التمتع له وكونه مخيراً بين الوظيفتين [3]. واستدلوا بصحيحة عبد الرحمن


كما دل على وجوب القرآن أو الافراد ، فإنه يختص أيضاً بمن كان من أهل مكة. والمورد خارج عنهما فلا مانع من الأخذ بإطلاق دليل الوجوب المقتضي للتخيير بين الأفراد الثلاثة. ولو فرض صدق كل من العنوانين عليه فقد عرفت أن دليل الحكمين فيهما يختص بصحيح زرارة وخبره. وشمول الصدر والذيل فيهما للمقام يوجب التعارض بين الصدر والذيل ، الموجب للسقوط عن الحجية ، فيتعين أيضاً الرجوع إلى الإطلاق.

[1] لما تقدم ، من النصوص المتضمنة لذلك.

[2] كما في كشف اللثام والجواهر. لعموم الآية ، والأخبار. أقول : مقتضى الإطلاق التخيير - كما عرفت - لا التخصيص بفرض الوطن الذي استطاع منه من غير مخصص. ومثله - في الاشكال - : ما حكي عن بعض من التخيير إذا كان قد استطاع في غير الوطنين. أما إذا استطاع في أحدهما دون الآخر ففرضه فرض أهله. وحاصل الاشكال على القولين : أنه لا وجه لتعين أحد الفرضين في جميع ذلك ، لأنه بعد أن كان مستطيعاً يكون المرجع إطلاق وجوب الحج على المستطيع ، المقتضي للتخيير العقلي بين الأفراد الثلاثة بعد أن لم يكن ما يقتضي التعيين.

[3] نسبه في المدارك إلى الأكثر ، ومنهم الشيخ في جملة من كتبه ، والمحقق في المعتبر ، والعلامة في المنتهى ، ونسبه غيره إلى المشهور ، كما في

ابن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل من أهل مكة يخرج الى بعض الأمصار ، ثمَّ يرجع الى مكة فيمر ببعض المواقيت ، أله أن يتمتع؟ قال (عليه السلام) : ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل. وكان الإهلال أحب إلي » [1]. ونحوها صحيحة أخرى عنه وعن عبد الرحمن بن أعين عن أبي الحسن (عليه السلام) [2] وعن ابن أبي عقيل : عدم جواز ذلك ، وأنه يتعين عليه


الجواهر. وفي المستند : « المكي إذا بعد عن مكة ثمَّ حج على ميقات من المواقيت الخمسة الآفاقية أحرم متعة وجوباً. بغير خلاف يعرف ، كما صرح به غير واحد ». وكأنه أراد من نفي الخلاف : نفيه بالنسبة إلى الإحرام من الميقات - كما هو كذلك - لا بالنسبة إلى التمتع ، وإلا فالخلاف مشهور.

[1] رواها في الكافي عن أبي علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل .. » (1). ورجال السند كلهم أعيان.

[2] رواها الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم ، عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجاج وعبد الرحمن بن أعين ، قالا : « سألنا أبا الحسن (عليه السلام) [ موسى (عليه السلام) خ ] عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الأمصار ، ثمَّ رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، له أن يتمتع؟فقال : ما أزعم أن ذلك ليس له. والإهلال بالحج أحب إلي. ورأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام) - وذلك أول ليلة من شهر رمضان - فقال له :


1) الوسائل باب : 7 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

فرض المكي إذا كان الحج واجباً عليه ، وتبعه جماعة [1]. لما دل من الأخبار على أنه لا متعة لأهل مكة. وحملوا الخبرين على الحج الندبي ، بقرينة ذيل الخبر الثاني [2]. ولا يبعد قوة


جعلت فداك ، إني قد نويت أن أصوم بالمدينة. قال : تصوم إن شاء اللّه تعالى. قال له : وأرجو أن يكون خروجي في عشرين من شوال. فقال : تخرج إن شاء اللّه. فقال له : قد نويت أن أحج عنك أو عن أبيك ، فكيف أصنع؟ فقال له : تمتع. فقال له : إن اللّه ربما منّ عليّ بزيارة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) وزيارتك والسلام عليك ، وربما حججت عنك ، وربما حججت عن أبيك. وربما حججت عن بعض إخواني أو عن نفسي ، فكيف أصنع؟ فقال له : تمتع. فرد عليه القول ثلاث مرات يقول : إني مقيم بمكة وأهلي بها فيقول : تمتع. فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا فقال : إني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر - يعني شوال - فقال له : أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل : إن أهلي ومنزلي بالمدينة ، ولي بمكة أهل ومنزل ، وبينهما أهل ومنازل. فقال له : أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل : فإن لي ضياعاً حول مكة « وأريد أن أخرج حلالاً فاذا كان إبان الحج حججت » (1).

[1] منهم السيد في الرياض.

[2] فإن السؤال الذي رواه بقوله : « ورأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام) » مورده الندب. بل وعن المنتفى : صراحته في ذلك. وفي الجواهر أيد الحمل المذكور : باستبعاد عدم الحج للمكي قبل الخروج. لكن في كشف اللثام استشكل فيه : بأنه مخالف لما اتفق عليه النص والفتوى ، من استحباب


1) الوسائل باب : 7 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

هذا القول. مع أنه أحوط ، لأن الأمر دائر بين التخيير والتعيين ، ومقتضى الاشتغال هو الثاني. خصوصاً إذا كان


التمتع في المندوب. وأجاب عنه بالحمل على التقية. وفيه : أن الحمل على التقية إنما يكون بعد تعذر الجمع العرفي.

وتحقيق الحال : أنه لا ينبغي التأمل في أن ذيل الصحيح مختص بالندب ، لكنه لا يرتبط بصدره ولا يكون قرينة عليه ، لأنه سؤال آخر من سائل آخر. وأما ما ذكره في كشف اللثام من الإشكال ، فغاية ما يقتضي أنه مخالف لعموم ما دل على أفضلية التمتع ، ومن الجائز خروج المورد عنه. ومن هنا يظهر أن بين الصحيحتين وبين ما دل على أنه لا متعة لأهل مكة عموماً من وجه ، فإن أخذنا بإطلاق الثاني تعين حمل الصحيحتين على الندب ، وإن أدى إلى تخصيص عموم أفضلية التمتع. وإن أخذنا بإطلاق الصحيحتين تعين حمل الثاني على غير المورد ، فيختص بمن يحج وهو في مكانه. ولما لم يكن تقييد أحدهما بأسهل من الآخر تعين طرحهما والرجوع إلى دليل آخر ، وهو عموم وجوب الحج على المستطيع ، المقتضي للتخيير بين الأفراد الثلاثة ، فيتم ما هو المشهور ، كما أشار إلى ذلك في الجواهر.

ومنه يظهر الاشكال فيما ذكر في الرياض انتصاراً لابن أبي عقيل : بأنه يرجح التصرف في الصحيحين على التصرف في المعارض ، لموافقته للكتاب والسنة. فان الترجيح بذلك إنما يكون في غير العامين من وجه. ومثله ما ذكره : من أنه - مع تسليم التساوي - يرجع إلى الأصل ، المقتضي للاحتياط ، للدوران بين التعيين والتخيير. فان الرجوع إلى الأصل مع التعارض بالعموم من وجه إذا لم يكن دليل ، وهو في المقام إطلاق وجوب الحج المقتضي للتخيير ، فإنه مقدم على الأصل.

مستطيعاً حال كونه في مكة فخرج قبل الإتيان بالحج [1]. بل يمكن أن يقال : إن محل كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها. وأما إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعين عليه فرض أهلها [2].

( مسألة 3 ) : الآفاقي إذا صار مقيماً في مكة ، فإن كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتع عليه فلا إشكال في بقاء حكمه [3] ، سواء كانت إقامته بقصد التوطن أو المجاورة ولو بأزيد من سنتين. وأما إذا لم يكن مستطيعاً ثمَّ استطاع


[1] إذ حينئذ - على المشهور - يكون من تبدل الحكم الفعلي ، وهو أبعد من تبدل الحكم التقديري ، للإشكال في جريان الاستصحاب فيه. لكن في شمول الإطلاق لا فرق.

[2] هذا ضعيف ، فإنه خلاف إطلاق كلامهم ، وإطلاق النصوص التي اعتمدوا عليها.

[3] في الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه نصاً وفتوى ، بل لعله إجماعي ، بل قيل : إنه كذلك للأصل وغيره ». لكن في المدارك : « وفي استفادة ذلك من الأخبار نظر » ، وفي الحدائق : « وهو جيد ، فان المفهوم من الأخبار المتقدمة هو انتقال حكمه من التمتع إلى قسيميه مطلقاً ، تجددت الاستطاعة أو كانت سابقة » وعلى هذا فما في الجواهر من قوله (رحمه اللّه) : « فما في المدارك من التأمل فيه في غير محله ». كأن الوجه فيه : ظهور الإجماع الذي ادعاه ، لا النصوص ، وإلا فهي كما ذكر في الحدائق - تبعاً للمدارك - شاملة له ولغيره.

بعد إقامته في مكة فلا إشكال في انقلاب فرضه الى فرض المكي في الجملة. كما لا إشكال في عدم الانقلاب بمجرد الإقامة [1]. وإنما الكلام في الحد الذي به يتحقق الانقلاب ، فالأقوى ما هو المشهور ، من أنه بعد الدخول في السنة الثالثة [2]. لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له .. » [3] ، وصحيحة عمر ابن يزيد عن الصادق (عليه السلام) : « المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج الى سنتين ، فاذا جاور سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتع » [4]. وقيل : بأنه بعد الدخول في الثانية [5] ،


[1] في الجواهر : « لا خلاف - نصاً وفتوى - في عدم انتقاله عن فرض النائي بمجرد المجاورة ، وإن لم يكن قد وجب عليه سابقاً ، بل لعله إجماعي أيضاً » ، وفي المدارك : أنه لا ريب فيه. ويقتضيه إطلاق النصوص الآتية.

[2] في الجواهر : « نسبه غير واحد إلى المشهور ، وربما عزي إلى علمائنا عدا الشيخ .. ».

[3] المتقدمة فيمن له منزلان (1).

[4] رواها الشيخ عن موسى بن القاسم ، عن محمد بن عذافر ، عن عمر بن يزيد. قال : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : المجاور .. » (2)ورجال السند كلهم ثقاة.

[5] حكي هذا القول عن ظاهر الدروس ، فان الشهيد فيها قال :


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

لجملة من الاخبار وهو ضعيف ، لضعفها باعراض المشهور عنها [1]


« ولو أقام النائي بمكة سنتين انتقل فرضه إليها في الثالثة ، كما في المبسوط والنهاية. ويظهر من أكثر الروايات : أنه في الثانية ». وفي كشف اللثام - بعد حكاية ذلك - قال : « والأمر كذلك ، فقد سمعت خبري الحلبي وحماد عن الصادق (عليه السلام). وقال (عليه السلام) في خبر عبد اللّه بن سنان : « المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة. ( قال الراوي ) : يعني : يفرد الحج مع أهل مكة ، وما كان دون السنة له أن يتمتع » (1). وقال الباقر (عليه السلام) : في مرسل حريز : « من دخل مكة بحجة عن غيره ثمَّ أقام سنة فهو مكي » (2). وقد أفتى بهذا الخبر الصدوق في المقنع ».

وأشار بخبري الحلبي وحماد إلى صحيح الحلبي ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : لأهل مكة أن يتمتعوا؟ قال : لا. قال : قلت : فالقاطنين فيها؟ قال : إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة ، فإذا أقاموا شهراً فان لهم أن يتمتعوا » (3). والى خبر حماد قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن أهل مكة يتمتعون؟ قال (عليه السلام) : ليس لهم متعة. قلت فالقاطن بها؟ قال : إذا أقام سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة. قلت : فان مكث الشهر؟ قال (عليه السلام) : يتمتع » (4).

[1] بل لا يظهر من الدروس العمل بها ، فان قوله : « ويظهر من أكثر الروايات أنه في الثانية ». إنما هو نقل ما في أكثر الروايات ،


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 9.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 3.

4) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

مع أن القول الأول موافق للأصل [1]. وأما القول بأنه بعد تمام ثلاث سنين [2] ،


وكذلك كشف اللثام. نعم قوله : « ولا يعارضها غيرها ، لاحتمال صحيحتي زرارة وعمر بن يزيد الدخول في الثانية » ظاهر في العمل بها ، وحمل غيرها على ما ذكر جمعاً بينهما. وكيف كان فالنصوص المذكورة - بعد إعراض المشهور عنها - لا تصلح للاعتماد عليها. وأما ما ذكره في الكشف والجواهر : من الجمع بينها وبين النصوص السابقة - بأن يراد من الإقامة والمجاورة سنتين الدخول في الثانية - فبعيد.

ومثله ما ذكر في كشف اللثام ، من أنه يراد من سنتي الحج الزمان الذي يمكن فيه وقوع حجتين. كما يراد مثل ذلك في شهر الحيض. بل هو أبعد. ولو سلم أنه جمع عرفي فإنما يرتكب بعد ثبوت الحجية ، وقد عرفت أن الاعراض عن الثانية مسقط لها عن الحجية ، ويتعين الرجوع إلى ظاهر الأخبار الأول ، الموافق لفتوى المشهور. ومن ذلك يظهر ضعف ما في الجواهر من قوة القول المذكور وإن قلّ القائل به صريحاً ، بل لم يعثر عليه. انتهى.

[1] يعني : أصالة عدم الانقلاب. لكنه تعليقي ، بناء على أن محل الكلام صورة ما إذا حدثت الاستطاعة بعد المدة ، وكان الأولى أن يقول : « موافق للعموم الدال على وجوب التمتع على الآفاقي ».

[2] هذا القول منسوب الى الشيخ في المبسوط والنهاية ، قال في الأول : « والمكي إذا انتقل إلى غيرها من البلدان ثمَّ جاء متمتعاً لم يسقط عنه الدم. وان كان من غيرها وانتقل إلى مكة ، فإن أقام بها ثلاث سنين فصاعداً كان من الحاضرين ، وإن كان أقل من ذلك كان حكمه حكم أهل

فلا دليل عليه إلا الأصل ، المقطوع بما ذكر [1]. مع أن القول به غير محقق ، لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور ، بإرادة الدخول في السنة الثالثة [2]. وأما الاخبار الدالة على أنه بعد ستة أشهر ، أو بعد خمسة أشهر [3] ،


بلده ». وعبارته المحكية عن الثاني : « من جاور بمكة سنة أو سنتين جاز له أن يتمتع ، فيخرج إلى الميقات ويحرم بالحج متمتعاً. فان جاور بها ثلاث سنين لم يجز له التمتع وكان حكمه حكم أهل مكة ». ودلالتهما على هذا القول ظاهرة. وفي كشف اللثام : « حكي هذا القول عن السرائر أيضاً. قال فيها : من جاور بمكة سنة واحدة أو سنتين كان فرضه التمتع فيخرج الى ميقات بلده ويحرم بالحج متمتعاً. فان جاور بها ثلاث سنين لم يجز له التمتع وكان حكمه حكم أهل مكة وحاضريها ، على ما جاءت به الأخبار المتواترة ». وهي ظاهرة في هذا القول أيضاً.

[1] اعترف جماعة بعدم الوقوف على مستند هذا القول.

[2] الحمل على ارادة الدخول في الثالثة - فيرجع الى القول الأول - بعيد ، وان كان ظاهر الدروس ذلك. بل في الجواهر : « إنه الظاهر بلا ريب فيه ، لقوله أولاً : « سنة أو سنتين » ، وإلا لقال ثلاثاً .. ». إذ فيه : أن الإقامة سنة أو سنتين يراد بها الإقامة في السنة التامة ، والسنتين التامتين ، فلو قال : « ثلاثاً » كان المراد به الثلاث التامة ، وهو مخالف للواقع في نظره. وليس المراد من السنتين الدخول في الثانية ، ليتوجه ذلك.

[3] كصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثمَّ يرجع إلى مكة ، بأي شي‌ء يدخل؟ قال (عليه السلام) إن كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع ، وإن كان أقل من

فلا عامل بها [1]. مع احتمال صدورها تقية [2] ، وإمكان حملها على محامل أخر [3]. والظاهر من الصحيحين : اختصاص


ستة أشهر فله أن يتمتع » (1)، وصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « من أقام بمكة سنة فهو بمنزلة أهل مكة » (2)، وخبر الحسين بن عثمان وغيره ، عمن ذكره ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : من أقام بمكة خمسة أشهر فليس له أن يتمتع » (3).

[1] يظهر ذلك من ملاحظة كلماتهم ، ونقل الأقوال الصريحة والظاهرة. فإنهم لم يذكروا قائلاً بذلك ، لا صريحاً ولا ظاهراً. نعم في المدارك : ذكر إمكان الجمع بينها وبين غيرها ، بالتخيير بين السنة والسنة أشهر. ولكنه احتمال وإمكان. مع أنه جمع بلا شاهد.

[2] كما في كشف اللثام والجواهر وغيرهما. لكن لم يظهر أن ذلك مذهب المخالفين ليصح الحمل على التقية. اللّهم إلا أن يقال : يكفي في الصدور للتقية إيقاع الخلاف بين الإمامية ، كما ذكره في الحدائق في هذا المقام.

[3] مثل اعتبار مضي ذلك المقدار في إجراء حكم الوطن لمن قصد التوطن. وفي الجواهر عن كشف اللثام : الحمل على حكم ذي الوطنين بالنسبة إلى إقامة الستة أشهر أو الأقل أو الأكثر. وهذه المحامل لا موجب لارتكابها إلا من باب قاعدة : أن التأويل أولى من الطرح ، التي لا دليل عليها. فالأولى إيكال المراد منها إلى قائلها ، عليه أفضل الصلاة والسلام.


1) الوسائل باب : 8 من أبواب أقسام الحج حديث : 3.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب أقسام الحج حديث : 4.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب أقسام الحج حديث : 5.

الحكم بما إذا كانت الإقامة بقصد المجاورة ، فلو كانت بقصد التوطن فينقلب بعد قصده من الأول [1]. فما يظهر من بعضهم


[1] توضيح ذلك : أنه لا ريب في أنه - مع التوطن ، وقصد الإقامة - يصدق أنه من أهل مكة ، وحاضري المسجد. وحينئذ فالنصوص الواردة هنا ، إما أن تختص بالمتوطن ، ويكون الحكم فيها : بأنه له أن يتمتع إلى سنتين ، تصرفاً في قولهم (عليهم السلام) : « ليس لأهل مكة متعة » (1)والحكم بأنه - بعد السنتين - بحكم أهل مكة لا تصرف فيه. وإما أن تختص بغير المتوطن ، ويكون الحكم فيها : بأنه لا متعة له الى سنتين ، على القاعدة. والحكم فيها : بأنه بحكم أهل مكة بعد سنتين ، تصرف في قولهم (عليهم السلام) : « ليس للنائي إلا أن يتمتع » (2). عكس الأول. وإما أن يعمهما معاً ، بأن يكون تصرفاً في الحكمين معاً في كل مما قبل السنتين وما بعدها.

ولأجل أن الظاهر من قوله (عليه السلام) في الصحيح الأول : « فهو من أهل مكة » (3)، وقوله (عليه السلام) في الصحيح الثاني : « وكان قاطناً » (4)أنه في مقام تنزيله منزلة أهل مكة ، وأنه محط النظر والمحتاج إلى البيان ، تكون الروايتان ظاهرتين في الثاني غير المتوطن. فان المتوطن إنما يحتاج الى بيان حكمه فيما قبل السنتين ، وفيه الخروج عن القاعدة ، كما عرفت. هذا مضافاً الى الإشكال في عموم لفظ المجاور للمتوطن. ومن ذلك يظهر الاشكال


1) راجع الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 1 وغيره من أحاديث الباب. وقد تقدم ذكر بعض ذلك في أوائل الفصل. فراجع.

2) راجع الوسائل باب : 6 من أبواب أقسام الحج حديث : 6 وغيره من أحاديث الباب. وقد تقدم ذكر بعض ذلك في أوائل الفصل. فراجع.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 2. وقد تقدم ذكر الرواية في المسألة الثالثة من هذا الفصل.

4) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 8. وقد تقدم ذكر الرواية في المسألة الثالثة من هذا الفصل.

من كونها أعم [1] لا وجه له. ومن الغريب ما عن آخر ، من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطن [2]. ثمَّ الظاهر أن في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضاً ، فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكة ، ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده [3]. فلا وجه لما


فيما ذكر في المدارك - تبعاً لما في المسالك - بقوله : « وربما قيل : إن الحكم مخصوص بالمجاور بغير نية الإقامة ، أما لو كان بنيتها انتقل فرضه من أول سنة. وإطلاق النص يدفعه ». ومثله ما ذكره في الجواهر.

وبالجملة : الظاهر من النصوص المذكورة أنها في مقام إلحاق المجاور بعد السنتين بأهل مكة ، لا في مقام إلحاق المجاور قبل السنتين بالنائي ، ولا في مقام الالحاقين معاً. فلاحظ.

[1] قد عرفت أنه صريح المدارك والجواهر. ونسبه - في الأول - إلى إطلاق النص ، وكلام الأصحاب.

[2] حكاه في الجواهر عن بعض الحواشي. وفي المسالك : أنه باطل مخالف للنص والإجماع ..

[3] قال في المسالك : « وهل ينتقل ، فيلحقه حكم الاستطاعة من البلد كذلك؟ وجهان ، أقربهما ذلك. خصوصاً مع كون الإقامة بنية الدوام .. ( إلى أن قال ) : نعم لو قيل : إن الاستطاعة تنتقل - مع نية الدوام من ابتداء الإقامة - أمكن ، لفقد النص النافي هنا. لكن يبعد حينئذ فرض انتقال الفرض بعد مضي سنتين مع عدم الاستطاعة ، فإن استطاعة مكة سهلة سريعة غالباً لا تتوقف على زمان طويل .. ».

يظهر من صاحب الجواهر ، من اعتبار استطاعة للنائي في وجوبه. لعموم أدلتها. وأن الانقلاب إنما أوجب تغيير نوع الحج ، وأما الشرط فعلى ما عليه ، فيعتبر بالنسبة إلى التمتع [1].


[1] في الجواهر - بعد أن حكى عن بعضهم : أنه لا يشترط - في وجوب الحج عليه - الاستطاعة المشروطة له ولو إلى الرجوع إلى بلده ، بل يكفي فيه استطاعة أهل مكة. لإطلاق الآية ، وكثير من الأخبار. إلى آخر ما حكاه - قال : « إلا أن الجميع كما ترى مع عدم قصد التوطن ضرورة انسباق إرادة نوع الحج خاصة من الجميع ، فيبقى عموم أدلة استطاعة النائي بحاله .. ».

أقول : النزاع المذكور لا يتضح له وجه محصل ، لأن الفرق بين الاستطاعة من البلد والاستطاعة من مكة - أو الموضع القريب - من وجهين أحدهما : من حيث الابتداء. وقد تقدم أنه لا يعتبر في الاستطاعة أن تكون من البلد ، فلو سافر اختياراً أو قهراً إلى الميقات ، فاستطاع هناك استطاعة شرعية منه الى مكة ثمَّ الى الرجوع الى بلده وجب عليه الحج الإسلامي ، وإن لم تكن له استطاعة من البلد ، إما لفقد المال أو لغيره. وكذا لا تكفي في وجوب حج الإسلام إذا كان مستطيعاً من البلد غير مستطيع من مكانه ، وثانيهما : من حيث الانتهاء. وقد تقدم أيضاً أنه إذا كان منصرفاً عن الرجوع الى بلده لا يعتبر في وجوب حج الإسلام الاستطاعة إليه ، بل تكفي الاستطاعة إلى الموضع الذي يقصد الإقامة فيه بعد رجوعه من الحج ولو كان قريباً إلى مكة ، وأنه لا تكفي الاستطاعة إلى البلد إذا كان رجوعه الى بلده ضرراً عليه أو حرجاً ، بل لا بد من الاستطاعة الى ذلك المكان.

هذا ولو حصلت الاستطاعة بعد الإقامة في مكة لكن قبل مضي السنتين ، فالظاهر أنه كما لو حصلت في بلده ، فيجب عليه التمتع ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد. فالمدار على حصولها بعد الانقلاب [1].

وأما المكي إذا خرج الى سائر الأمصار مقيماً بها ، فلا يلحقه حكمها في تعيين التمتع عليه [2]. لعدم الدليل ، وبطلان القياس. إلا إذا كانت الإقامة فيها بقصد التوطن ، وحصلت الاستطاعة بعده ، فإنه يتعين عليه التمتع بمقتضى القاعدة ولو في السنة الأولى [3]. وأما إذا كانت بقصد المجاورة ، أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكة فلا [4]. نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة السابقة ، فعلى القول بالتخيير فيها - كما عن


وبالجملة : لا تعتبر الاستطاعة من البلد ، ولا الاستطاعة إلى البلد ، بل تكفي الاستطاعة إلى الحج وما يتعلق به مما لا بد منه ، سواء أكان مستطيعاً من البلد وإليه أم لم يكن.

[1] ينبغي أن يكون الكلام هو الكلام فيما كانت الاستطاعة قبل الإقامة لكن في ظهور الإجماع على عدم انتقال الفرض تأملاً.

[2] كما نص على ذلك في المدارك والجواهر وغيرهما ، معللاً بما ذكر في المتن.

[3] لصدق النائي ، فيشمله عموم الحكم. وفي الجواهر : « كما هو واضح ».

[4] أما في الصورة الأولى فلصدق كونه من حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.

المشهور - يتخير ، وعلى قول ابن أبي عقيل يتعين عليه وظيفة المكي [1].

( مسألة 4 ) : المقيم في مكة إذا وجب عليه التمتع - كما إذا كانت استطاعته في بلده ، أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه - فالواجب عليه الخروج الى الميقات لإحرام عمرة التمتع [2]. واختلفوا في تعيين ميقاته على أقوال : أحدها : أنه مهلّ أرضه [3]. ذهب إليه جماعة [4] ، بل ربما يسند الى المشهور - كما في الحدائق - لخبر سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) : « سألته عن المجاور ، أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال (عليه السلام) : نعم ، يخرج إلى مهل أرضه ، فليلب إن شاء » (1). المعتضد بجملة من الأخبار الواردة في الجاهل والناسي الدالة على ذلك (2)، بدعوى : عدم خصوصية للجهل


وأما في الثانية فلما سبق في نظيره في أول هذه المسألة. وقد عرفت دعوى ظهور الإجماع على كون العبرة بحال الاستطاعة.

[1] هذا ينبغي أن يختص بالصورة الأولى. أما في الثانية فدخوله في تلك المسألة محل نظر ، لاختصاصها بأهل مكة ، فلا تشمل المقام.

[2] بلا إشكال :

[3] بضم الميم : اسم مكان الإهلال ، على وزن اسم المفعول.

[4] حكي عن الشيخ ، وأبي الصلاح ، وابن سعيد ، والمحقق في النافع ،


1) الوسائل باب : 8 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت.

والنسيان ، وأن ذلك لكونه مقتضى حكم التمتع [1]. وبالأخبار الواردة في توقيت المواقيت وتخصيص كل قطر بواحد منها أو من مرّ عليها (1)، بعد دعوى : أن الرجوع الى الميقات غير المرور عليه [2].

ثانيها : أنه أحد المواقيت المخصوصة مخيراً بينها. واليه ذهب جماعة أخرى [3]. لجملة أخرى من الأخبار [4]


والعلامة في جملة من كتبه.

[1] هذا وما بعده ذكرهما في الحدائق ، وجعلهما مما يمكن الاستدلال به على هذا القول. والاشكال عليهما ظاهر.

[2] فلا يتوهم أنه إذا رجع إلى ميقات غير ميقاته فقد عبر عليه ، ويجوز له الإحرام منه ، كما استدل به في الحدائق للقول الثاني. وهو متين. وسيأتي من المصنف (رحمه اللّه) الموافقة له.

[3] منهم الشهيد في الدروس ، والشهيد الثاني في المسالك والروضة. ولعل منهم كل من أطلق الإحرام من الميقات ، كالمحقق في الشرائع وغيره.

[4] منها مرسل حريز ، عمن أخبره ، عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال : من دخل مكة بحجة عن غيره ثمَّ أقام سنة فهو مكي. وإن أراد أن يحج عن نفسه ، أو أراد أن يعتمر - بعد ما انصرف من عرفة - فليس له أن يحرم من مكة ، ولكن يخرج الى الوقت. وكلما حول رجع الى الوقت » (2)، وموثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الآتي : أنه قال : « من حج معتمراً في شوال وفي نيته أن يعتمر ويرجع الى بلاده فلا بأس بذلك. وإن هو أقام إلى الحج فهو


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 9.

مؤيدة بأخبار المواقيت ، بدعوى : عدم استفادة خصوصية كل بقطر معين [1].

ثالثها : أنه أدنى الحل. نقل عن الحلبي ، وتبعه بعض متأخري المتأخرين [2]. لجملة ثالثة من الأخبار [3].


يتمتع ، لأن أشهر الحج : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة ، ومن رجع الى بلاده ولم يقم الى الحج فهي عمرة. وإذا اعتمر في شهر رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بمتمتع وإنما هو مجاور أفرد العمرة. فإن هو أحب أن يتمتع - في أشهر الحج - بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يتجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان فيدخل متمتعاً بالعمرة إلى الحج. فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فليلب منها » (1)، وخبر إسحاق بن عبد اللّه : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المقيم بمكة ، يجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى؟ قال (عليه السلام) : يتمتع أحب إلي ، وليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين » (2).

[1] هذه الدعوة في محلها. لكن لا على نحو تشمل المقام ، بل تختص الأخبار المذكورة بالنائي العابر على الميقات إلى مكة.

[2] وفي المدارك : أنه يحتمل قوياً ، وعن الكفاية : أنه استحسنه ، وعن الأردبيلي : أنه استظهره.

[3] منها : صحيح الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : لأهل مكة أن يتمتعوا؟ قال (عليه السلام) : لا ، ليس لأهل مكة أن يتمتعوا. قلت : والقاطنون بها؟


1) الوسائل باب : 10 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب أقسام الحج حديث : 20.

والأحوط الأول [1] ، وإن كان الأقوى الثاني ، لعدم فهم الخصوصية من خبر سماعة[2] ،


قال : إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما بصنع أهل مكة. فإن أقاموا شهراً فان لهم أن يتمتعوا. قلت : من أين؟ قال (عليه السلام) : يخرجون من الحرم. قلت : من أين يهلون بالحج؟ قال (عليه السلام) : من مكة نحواً مما يقول الناس » (1)، ورواية حماد : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أهل مكة ، أيتمتعون؟ قال (عليه السلام) : ليس لهم متعة. قلت : فالقاطن بها؟ قال (عليه السلام) : إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة. قلت : فان مكث شهراً؟ قال (عليه السلام) : يتمتع. قلت : من أين؟ قال (عليه السلام) : يخرج من الحرم » (2)، وصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة ، أو الحديبية أو ما أشبههما » (3).

[1] لأن فيه جمعاً بين الأقوال.

[2] وفيه : أنها دعوى مجردة عن الدليل. ومثله دعوى : عدم ظهور الجملة الخبرية في الوجوب. فان المحقق في محله أنها إذا وردت في مقام الطلب فهي ظاهرة في الوجوب.

واستشكل في الرياض في الخبر بضعف السند بالمعلى بن محمد البصري : وضعف الدلالة من جهة أن قوله (عليه السلام) : « إن شاء » ظاهر في عدم الوجوب. لكن ضعف السند - لو تمَّ - منجبر بالعمل. وقوله (عليه السلام) : « إن شاء » ظاهر في أنه راجع إلى التمتع ، لا إلى الخروج. لأن الظاهر


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 3‌

2) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب المواقيت حديث : 1.


أن عدله : « وإن لم يشأ لم يخرج » ، وذلك إنما يصح فيما يجوز فعله وتركه - وهو التمتع - لا فيما لا بد من فعله أو فعل غيره ، كما في أحد أفراد الواجب ، وهو الخروج. ولعله ظاهر بأقل تأمل.

وعلى هذا يكون مقيداً لإطلاق المطلق من النصوص المستدل بها على القول الثاني ، كمرسل حريز. لو تمَّ حجة في نفسه ، ولم يقدح في دلالته وروده في العمرة المفردة ، التي لا إشكال في عدم لزوم الإحرام لها من الميقات. وأما موثق سماعة فالأمر بالخروج فيه إلى ذات عرق أو عسفان لا بد من التصرف فيه ، لعدم القائل به بالخصوص. فاما أن يحمل على أن ذكر عسفان وذات عرق من باب ذكر أحد أفراد الطبيعة المجزية. أو يحمل على أن المخاطب به كان من النائين الذين مهلهم ذات عرق أو عسفان. والثاني أقرب إلى الجمع العرفي. اللّهم إلا أن يقال : عسفان ليست من المواقيت ، لأنها - كما قيل - على مرحلتين من مكة لمن قصد المدينة ، بين مكة والجحفة. لكن على ذلك تكون الموثقة مخالفة للإجماع ، فلا مجال للاعتماد عليها.

وأما خبر إسحاق بن عبد اللّه : « من مسيرة ليلة أو ليلتين » فإن أريد به ظاهره فمخالف للإجماع ، وإن أريد به المواقيت المختلفة بالقرب والبعد فليس فيها ما هو مسيرة ليلة على ما ذكروه. فلاحظ كلماتهم في تعيين المواقيت. مع أنه كان اللازم أن يقال : أو ثلاث أو أكثر - على اختلاف المواقيت في المسافة - ولا وجه للاقتصار على الليلة والليلتين. على أن حملها على التقسيم حينئذ ممكن ، جمعاً بينها وبين خبر إسحاق - كما تقدم في الموثق - فتكون الليلة لمن كان ميقاته على مسيرة ليلة ، والليلتان لمن كان ميقاته على مسيرة ليلتين ، ومن كان ميقاته على أكثر من ذلك كان إحرامه منه.

وأخبار الجاهل والناسي [1] ، وأن ذكر المهل من باب أحد الافراد. ومنع خصوصية للمرور في الأخبار العامة الدالة على المواقيت. وأما أخبار القول الثالث - فمع ندرة العامل بها [2] - مقيدة بأخبار المواقيت [3]. أو محمولة على صورة التعذر [4]


[1] دعوى ذلك بلا قرينة ، كما تقدم في خبر سماعة. ومثله ما بعده.

[2] لما عرفت من أنه لم ينقل ذلك إلا عن الحلبي إلى زمان المحقق الأردبيلي فاستظهره : واستحسنه في الكفاية ، ولم ينسب ذلك لغيرهم.

[3] العمدة - في الأخبار المذكورة - هو الصحيح. وجعله من قبيل المطلق - الصالح للتقييد بأخبار المواقيت - غير ظاهر ، لاختلاف المورد - كما عرفت - فإنها مختصة بأهل الآفاق ، والصحيح مورده المقيم بمكة. نعم - بناء على ما عرفت من تمامية دلالة خبر سماعة الأول - يصلح لتقييد الصحيح ، لاتحاد المورد. ومع ذلك هو بعيد ، بل الجمع العرفي يقتضي الأخذ بظاهر الصحيح ، وحمل الخبر على الاستحباب.

[4] لا قرينة عليه ، ولا الجمع العرفي يقتضيه. هذا والمتحصل مما ذكرنا : أن العمدة في القول الأول : خبر سماعة. ودلالته لا قصور فيها ، وضعف سنده منجبر بالعمل ، وما ذكر له من المعاضد غير ظاهر. وأن العمدة في القول الثاني : هو الأخبار ، والمرسل منها - وإن كانت دلالته تامة - قاصر السند ، والموثق - وإن كان معتبر الاسناد - قاصر الدلالة. وخبر إسحاق قاصر السند والدلالة. وأما القول الثالث فالعمدة فيه الصحيح فان لم يكن موهوناً بالاعراض كان المتعين الأخذ به ، وحمل خبر سماعة الأول على الاستحباب - كما هو الغالب في المتعارضين في الأقل والأكثر - وإن كان موهوناً بالاعراض لم يصح الاعتماد عليه. لكن الاعراض غير

ثمَّ الظاهر أن ما ذكرنا حكم كل من كان في مكة وأراد الإتيان بالتمتع ولو مستحباً [1].

هذا كله مع إمكان الرجوع الى المواقيت ، وأما إذا تعذر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحل [2]. بل الأحوط الرجوع إلى ما يتمكن من خارج الحرم مما هو دون الميقات. وإن لم


ثابت ، فرفع اليد عن الصحيح لا وجه له.

[1] فان ظاهر أكثر النصوص ، إما العموم ، أو خصوص المستحب ، وأما أهل مكة إذا أرادوا التمتع - استحباباً ، أو وجوباً ، بنذر أو نحوه - فمقتضى إطلاق ما دل على أن من كان منزله دون الميقات أحرم من منزله - بناء على عمومه لأهل مكة ، كما سيأتي في الميقات السابع في مبحث المواقيت - أن يكون إحرامهم لعمرة التمتع من مكة. لكن الظاهر التسالم على خلافه. وقد يقتضي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر ، أحرم من الجعرانة ، أو الحديبية أو ما أشبههما قال : وإن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلها من ذي القعدة .. » (1): أن ميقاتهم أدنى الحل - بناء على عمومه لمطلق العمرة - كما هو الظاهر. ولا ينافيه قوله (عليه السلام) : « وإن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) .. ». لصحة الاستشهاد به وإن كان اعتماره (صلی اللّه عليه وآله) كان عمرة مفردة ، كما سيأتي التعرض لذلك في آخر فصل المواقيت.

[2] جعله في المدارك - وكذا ما بعده - مما قطع به الأصحاب. ويظهر من كلمات غيره أنه مفروغ عنه. وكأن الاحتياط - الذي ذكر في


1) الوسائل باب : 22 من أبواب المواقيت حديث : 1 ، 2.

يتمكن من الخروج إلى أدنى الحل أحرم من موضعه. والأحوط الخروج الى ما يتمكن.

فصل

صورة حج التمتع على الإجمال : أن يحرم - في أشهر الحج - من الميقات ، بالعمرة المتمتع بها الى الحج ، ثمَّ يدخل مكة ، فيطوف فيها بالبيت سبعاً ، ويصلي ركعتين في المقام ، ثمَّ يسعى لها بين الصفا والمروة سبعاً ، ثمَّ يطوف للنساء احتياطاً - وإن كان الأصح عدم وجوبه [1] - ، ويقصر. ثمَّ ينشئ إحراماً للحج من مكة في وقت يعلم أنه يدرك الوقوف بعرفة - والأفضل إيقاعه يوم التروية - ثمَّ يمضي الى عرفات فيقف


المتن - للارتياب في ذلك - ولكن كان اللازم ذكر الاحتياط ، بتجديد التلبية في أدنى الحل في الفرض الأول ، وفي مكة في الثاني.

فصل

[1] بل قيل : لا خلاف فيه ، أو إجماعاً عليه. ويشهد له كثير من النصوص الصحيحة وغيرها. منها : صحيح صفوان بن يحيى قال : « سأله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج ، فطاف وسعى وقصر ، هل عليه طواف النساء؟ قال (عليه السلام) : لا. إنما طواف النساء بعد الرجوع من

بها من الزوال الى الغروب ، ثمَّ يفيض ويمضي منها الى المشعر فيبيت فيه ، ويقف به بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس ، ثمَّ يمضي إلى منى فيرمي جمرة العقبة ، ثمَّ ينحر أو يذبح هديه ، ويأكل منه [1] ، ثمَّ يحلق أو يقصر ، فيحل من كل شي‌ء ، إلا النساء والطيب. والأحوط اجتناب الصيد أيضاً [2] وإن كان الأقوى عدم حرمته عليه من حيث الإحرام. ثمَّ هو مخير بين أن يأتي إلى مكة ليومه ، فيطوف طواف الحج ، ويصلي


منى » (1). وعن بعض وجوبه ، ولم يعرف ، كما قيل. لخبر سليمان ابن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) قال : « إذا حج الرجل ، فدخل مكة متمتعاً ، فطاف بالبيت ، وصلى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) ، وسعى بين الصفا والمروة ، وقصر ، فقد حل له كل شي‌ء ما خلا النساء. لأن عليه - لتحلة النساء - طوافاً وصلاة » (2).

[1] ويهدي بعضه ، ويتصدق ببعضه ، على الأحوط ، كما يأتي في محله.

[2] لما في صحيح معاوية (3)، فإن ظاهره حرمة الصيد بعد الحلق كالطيب والنساء. وهو محمول على الحرمة من حيث الحرم لا الإحرام ، لعموم ما دل على أنه يتحلل بالحلق من كل شي‌ء إلا الطيب والنساء.


1) الوسائل باب : 82 من أبواب الطواف حديث : 6.

2) الوسائل باب : 82 من أبواب الطواف حديث : 7.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب الحق حديث : 1 لكنه انما يدل على حرمة الصيد بعد طواف النساء بعد ان يستثني بعد الحلق خصوص الطيب والنساء ، فيمكن ان يدعى ان ذلك قرينة على إرادة الحرمة من حيث الحرم لا الإحرام بلا حاجة الى العمومات الأخرى. ولعل المقصود رواية أخرى له لم نعثر عليها.

ركعتيه ، فتحل له النساء. ثمَّ يعود إلى منى لرمي الجمار ، فيبيت بها ليالي التشريق - وهي الحادي عشر ، والثاني عشر ، والثالث عشر - ويرمي في أيامها الجمار الثلاث. وأن لا يأتي إلى مكة ليومه ، بل يقيم بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر - ومثله يوم الثاني عشر - ثمَّ ينفر بعد الزوال إذا كان قد اتقى النساء والصيد. وإن أقام إلى النفر الثاني - وهو الثالث عشر - ولو قبل الزوال - لكن بعد الرمي - جاز أيضاً. ثمَّ عاد إلى مكة للطوافين والسعي ، ولا إثم عليه في شي‌ء من ذلك ، على الأصح [1]. كما أن الأصح الاجتزاء


[1] يقتضيه ما تضمن نفي البأس عن التأخير ، كمصحح إسحاق بن عمار قال : « سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن زيارة البيت تؤخر إلى اليوم الثالث؟ قال (عليه السلام) : تعجيلها أحب إلي. وليس به بأس إن أخره » (1)، وصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس أن تؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر ، إنما يستحب تعجيل ذلك مخافة الأحداث والمعاريض » (2)ونحوهما غيرهما.

وعن جماعة : المنع من التأخير ، لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال (عليه السلام) : يوم النحر » (3)، وصحيح منصور بن حازم : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)


1) الوسائل باب : 1 من أبواب زيارة البيت حديث : 10.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب زيارة البيت حديث : 9.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب زيارة البيت حديث : 5.

بالطواف والسعي تمام ذي الحجة [1]. والأفضل الأحوط هو اختيار الأول ، بأن يمضي إلى مكة يوم النحر. بل لا ينبغي التأخير لغده - فضلاً عن أيام التشريق - إلا لعذر.

ويشترط في حج التمتع أمور :

أحدها : النية بمعنى : قصد الإتيان بهذا النوع من


يقول : لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتى يزور البيت » (1). ونحوهما غيرهما. والجمع العرفي يقتضي حمل هذه النصوص على كراهة التأخير ، أو استحباب التقديم ، كما هو ظاهر.

[1] أما الأول فتقتضيه جملة من النصوص ، مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح. قال (عليه السلام) : لا بأس. أنا ربما أخرته حتى تذهب أيام التشريق » (2)، وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس إن أخرت زيارة البيت إلى أن يذهب أيام التشريق ، إلا أنك لا تقرب النساء ، ولا الطيب » (3).

قال في الذخيرة : « واختلف الأصحاب في جواز التأخير عن الغد للمتمتع اختياراً ، فذهب المفيد والمرتضى وسلار والمحقق - في موضع من الشرائع - إلى عدم الجواز ، واختاره المصنف ، وأسنده في المنتهى إلى علمائنا. وقال ابن إدريس : يجوز التأخير طول ذي لحجة. وهو الظاهر من كلام الشيخ في الاستبصار ، واختاره المصنف في المختلف ، ونسب إلى سائر المتأخرين. وعن ابن أبي عقيل : يكره للمتمتع تأخيره يوم النحر.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب زيارة البيت حديث : 6.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب زيارة البيت حديث : 2.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب زيارة البيت حديث : 3.

الحج - حين الشروع في إحرام العمرة [1] ، فلو لم ينوه ، أو نوى غيره ، أو تردد في نيته بينه وبين غيره لم يصح.


وذهب المحقق - في موضع من الشرائع - إلى جواز تأخيره إلى النفر الثاني. والأقرب جواز تأخيره إلى النفر الثاني. والقول بجوازه طول ذي الحجة غير بعيد ».

وأما جواز التأخير إلى آخر ذي الحجة ، فالظاهر الإجماع عليه على تقدير القول بجواز التأخير الى ما بعد أيام التشريق. وقد استدل في الذخيرة عليه بقوله تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ... ) (1). وقد سبق : أن شهر ذي الحجة كله من أشهر الحج ، فيجوز إيقاع أفعال الحج فيه .. أقول : يمكن الاستدلال عليه بإطلاق ما دل على جواز التأخير إلى ما بعد أيام التشريق ، فإنه يقتضي جواز التأخير حتى بعد ذي الحجة. لكنه خارج بالإجماع. وتحقيق ذلك كله موكول إلى محله.

[1] قال في المسالك : « قد تكرر ذكر النية هنا في كلامهم. وظاهرهم أن المراد بها نية الحج بجملته. وفي وجوبها كذلك نظر ». ووجه النظر : ما أشار إليه في المدارك ، من أن مقتضاه أنه يجب الجمع بين هذه النية وبين نية كل فعل من أفعال الحج على حدة. وهو غير واضح ، والأخبار خالية عن ذلك كله .. وعن الدروس : أن المراد بها نية الإحرام. وفي المسالك : « وهو حسن ، إلا أنه كالمستغنى عنه ، فإنه من جملة الأفعال ، وكما تجب النية له تجب لغيره ، ولم يتعرضوا لها في غيره على الخصوص .. ».

أقول : أما ما ذكر في الدروس فبعيد عن ظاهر كلامهم ، فإن


1) البقرة : 197.

نعم في جملة من الاخبار : أنه لو أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز أن يتمتع بها [1]. بل يستحب ذلك إذا بقي في مكة إلى


الشروط المذكورة شروط لحج التمتع ، فالمتعين أن يكون المراد بها نية نفس الحج كما في المتن ، وهو ظاهر كلماتهم. وأما ما ذكر في المسالك من النظر ففيه أيضاً نظر ، إذ لا مانع من أن يكون كل واحد من أفعال الحج عبادة محتاجة إلى نية ، والمجموع عبادة محتاجة إلى نية.

وبالجملة : لا ينبغي التأمل في أن الجزء الأول من حج التمتع هو الإحرام للعمرة بها ، فوقوعه بعنوان حج التمتع يتوقف على نية حج التمتع ، فان كان إشكال لزوم الجمع بين النيتين وارداً كان إشكالاً على اعتبار النية في كل فعل من الأفعال ، لا اعتبار نية الحج. ويشهد بما ذكر النصوص ، ففي صحيح البزنطي : « قلت لأبي الحسن علي بن موسى (عليهما السلام) : كيف أصنع إذا أردت التمتع؟ فقال (عليه السلام) : لب بالحج ، وانو المتعة » (1)، وصحيحه الآخر عن أبي الحسن (عليه السلام) : « سألته عن رجل متمتع ، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام) : ينوي العمرة ، ويحرم بالحج » (2). ونحوهما غيرهما.

[1] في الجواهر : « بلا خلاف أجده ، بل الإجماع محكي - صريحاً وظاهراً - عليه في جملة من الكتب ، كالخلاف ، والمعتبر ، والمنتهى ، وغيرها ». واستفادة المشروعية من النصوص من جهة حملها على ذلك ، وإلا فظاهرها الانقلاب كما سيأتي. نعم في مرسل موسى بن القاسم - الآتي - الأمر به ، ودلالته على المشروعية ظاهرة.


1) الوسائل باب : 22 من أبواب الإحرام حديث : 4.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب الإحرام حديث : 1.

هلال ذي الحجة [1] ، ويتأكد إذا بقي إلى يوم التروية [2] ، بل عن القاضي وجوبه حينئذ. ولكن الظاهر تحقق الإجماع على خلافه [3]. ففي موثق سماعة عن الصادق (عليه السلام) : « من


[1] ظاهر جماعة ثبوت الاستحباب قبل ذلك. قال في القواعد : « ولو اعتمر في أشهر الحج استحب له الإقامة ليحج ويجعلها متعة .. ». ونحوه كلام غيره. وفي الشرائع عبر بالجواز ، كعبارة المصنف. ولعل المراد ذلك ، إذ لا معنى لجواز ذلك إلا الإتيان بالحج بعد العمرة ، ولا ريب في أنه عبادة راجحة. نعم يتأكد ذلك إذا بقي إلى هلال ذي الحجة لما يأتي في صحيح عمر بن يزيد.

[2] لما يأتي في صحيح عمر بن يزيد الأخير.

[3] وفي الجواهر : « إنه قول نادر ، فالمتجه حمله على الكراهة ». والعمدة : وجود النصوص على خلافه ، ففي الصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمراً ثمَّ خرج إلى بلاده؟ قال (عليه السلام) : لا بأس. وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم. وإن الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمراً » (1)وفي خبر معاوية بن عمار : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : من أين يفترق المتمتع والمعتمر؟ فقال (عليه السلام) : إن المتمتع مرتبط بالحج ، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء. وقد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ، ثمَّ راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى. ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج » (2). ودلالتهما


1) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 3.

حج معتمراً في شوال ومن نيته أن يعتمر ، ورجع إلى بلاده فلا بأس بذلك. وإن هو أقام إلى الحج فهو متمتع ، لأن أشهر الحج : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة. فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة ، ومن رجع الى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة. وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع ، وإنما هو مجاور أفرد العمرة ، فإن هو أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج ، فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يتجاوز عسفان ، فيدخل متمتعاً بعمرته إلى الحج. فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها » [1]. وفي صحيحة عمر بن يزيد


عن على عدم لزوم التمتع ظاهرة.

واحتمال الضرورة في فعل الحسين (عليه السلام) - كما في كشف اللثام ، وحكاه في الدروس عن بعض - خلاف ظاهر الخبرين من الاستدلال بفعله (عليه السلام) على الحكم حال الاختيار ، فلو فرض ثبوت الاضطرار - كما هو المظنون ، وتشهد به بعض الأخبار - فليس دخيلاً في الحكم. وأما ما في بعض كتب المقاتل : من أنه (عليه السلام) جعل عمرته عمرة مفردة ، مما يظهر منه أنها كانت عمرة تمتع وعدل بها إلى الافراد. فليس مما يصح التعويل عليه في مقابل الأخبار المذكورة التي رواها أهل الحديث.

[1] رواه الصدوق (رحمه اللّه) بإسناده عن سماعة (1). وإسناده صحيح ، أو مصحح.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 13.

أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله. الا أن يدركه خروج الناس يوم التروية » [1]. وفي قوية عنه (عليه السلام) : « من دخل مكة معتمراً مفرداً للحج فيقضي عمرته كان له ذلك. وإن أقام الى أن يدركه الحج كانت عمرته متعة. قال (عليه السلام) : وليس تكون متعة إلا في أشهر الحج » [2]. وفي صحيحة عنه (عليه السلام) : « من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة ، فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس » [3]. وفي مرسل موسى بن القاسم : « من اعتمر في أشهر الحج فليتمتع » (1)إلى غير ذلك من الأخبار [4].


[1] رواها الصدوق بإسناده عن عمر بن يزيد (2). وإسناده إليه له طرق ، بعضها في أعلى مراتب الصحة.

[2] رواها الشيخ (رحمه اللّه) عن موسى بن القاسم ، عن محمد بن عذافر عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3).

[3] رواها الشيخ عن محمد بن الحسن الصفار ، عن محمد بن الحسين ، عن موسى بن سعدان ، عن الحسين بن حماد ، عن إسحاق ، عن عمر بن يزيد (4). وقد وصف المصنف (رحمه اللّه) هذه الرواية بالصحة ، وكذا في الجواهر. ولكنه غير ظاهر.

[4] مثل صحيح يعقوب بن شعيب قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) :


1) لم نعثر عليه في الوسائل والمستدرك.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 9.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 5.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 6.

وقد عمل بها جماعة ، بل في الجواهر : لا أجد فيه خلافاً. أو مقتضاها صحة التمتع مع عدم قصده حين إتيان العمرة ، بل الظاهر من بعضها : أنه يصير تمتعاً قهراً من غير حاجة إلى نية التمتع بها بعدها [1] ، بل يمكن أن يستفاد منها :


عن المعتمر في أشهر الحج. قال (عليه السلام) : هي متعة » (1)، وخبر وهيب بن حفص قال : « سأله أبو بصير - وأنا حاضر - عمن أهل بالعمرة في أشهر الحج ، أله أن يرجع؟ قال (عليه السلام) : ليس في أشهر الحج عمرة يرجع منها إلى أهله ، ولكنه يحتبس بمكة متى يقضي حجه ، لأنه إنما أحرم لذلك » (2)، وصحيح عبد اللّه بن سنان : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن المملوك يكون في الظهر يرعى ، وهو يرضى أن يعتمر ثمَّ يخرج؟فقال : إن كان اعتمر في ذي القعدة فحسن ، وإن كان في ذي الحجة فلا يصلح إلا الحج » (3)، وغير ذلك.

[1] لا ريب في دلالة قوله (عليه السلام) : « هي متعة » ونحوه - في النصوص المتقدمة وغيرها - على الانقلاب القهري. واعترف بذلك في الجواهر ، إلا أنه لم يجد قائلاً به ، فلذلك تعين حمل النصوص على إرادة نية ذلك. مضافاً إلى أن الانقلاب لو كان قهرياً كان الإتمام واجباً ولم يجز الخروج إلى أهله ، وهو خلاف النص والفتوى. وأيضاً لا يصح له حج الافراد ، وهو خلاف صريح خبر اليماني (4).


1) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 4.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 7.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 11.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 2. وقد تقدم ذكر الرواية قريباً فلاحظ‌

أن التمتع هو الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج ، بأي نحو أتى بها. ولا بأس بالعمل بها [1]. لكن القدر المتيقن منها هو الحج الندبي [2] ، ففيما إذا وجب عليه التمتع فأتى بعمرة مفردة ثمَّ أراد أن يجعلها عمرة التمتع ، يشكل الاجتزاء بذلك عما وجب عليه ، سواء كان حجة الإسلام ، أو غيرها مما وجب بالنذر أو الاستيجار.

الثاني : أن يكون مجموع عمرته وحجه في أشهر الحج فلو أتى بعمرته - أو بعضها - في غيرها لم يجز له أن يتمتع بها [3]. وأشهر الحج : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة بتمامه


[1] لكن ينافيها ما تقدم في الخبر اليماني. مضافاً إلى ما عرفت من الإجماع على اعتبار النية في حج التمتع في مقابل غيره. ويقتضيه اختلاف الأحكام الدال على اختلاف الموضوعات.

[2] فان النصوص إنما تضمنت الأمر بجعل العمرة المفردة متعة وإلحاقها بحج التمتع ، وليس لها نظر إلى تنزيله منزلة حج التمتع الواجب وكونه مصداقاً له مطلقاً ، فتفرغ به الذمة. وحينئذ يتعين الاقتصار على الندب لا غير. وبالجملة : الفرد المذكور لما لم يكن فرداً حقيقياً وإنما كان تنزيلياً ، فشموله للواجب يتوقف على عموم نظر التنزيل ، وهو غير ثابت.

[3] بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه ، كذا في الجواهر. وفي المدارك : « هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب .. » ، وفي الحدائق : « لا خلاف فيه بينهم .. ». ويقتضيه النصوص الكثيرة ، كصحيح عمر بن يزيد المتقدم ، وموثق سماعة ، وغيرهما.

على الأصح [1]. لظاهر الآية [2] ، وجملة من الأخبار ، كصحيحة معاوية بن عمار [3] ، وموثقة سماعة [4] ، وخبر زرارة [5]. فالقول بأنها الشهران الأولان مع العشر الأول


[1] كما في الشرائع وغيرها ، وحكي عن الشيخين في الأركان والنهاية وابني الجنيد وإدريس ، والقاضي في شرح الجمل.

[2] وهي قوله تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ... ) (1). فان الشهر ظاهر في تمامه.

[3] رواها الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم ، عن صفوان ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : إن اللّه تعالى يقول : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ .. ) ، وهي : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة » (2).

[4] المتقدمة في المتن (3).

[5] الذي رواه الكليني عن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن مثنى الحناط ، عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ : شوال ، وذو القعدة وذو الحجة ، ليس لأحد أن يحرم بالحج في سواهن » (4)، وصحيح أبان الذي رواه الصدوق عنه عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في قول اللّه عز وجل : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ... ) . قال : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة


1) البقرة : 197.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب العمرة حديث : 13. وقد تقدم ذلك قريباً فلاحظ‌

4) الوسائل باب : 11 من أبواب أقسام الحج حديث : 5.

من ذي الحجة - كما عن بعض [1] - أو مع ثمانية أيام - كما عن آخر [2] - أو مع تسعة أيام وليلة يوم النحر إلى طلوع فجره - كما عن ثالث [3] - أو إلى طلوع شمسه - كما عن رابع [4] - ضعيف [5]. على أن الظاهر أن النزاع لفظي [6] ، فإنه لا إشكال في جواز إتيان بعض الأعمال إلى آخر ذي الحجة


وليس لأحد أن يحرم بالحج فيما سواهن » (1). ونحوها غيرها.

[1] حكى في الجواهر ذلك عن الحسن والتبيان والجواهر وروض الجنان.

[2] حكي عن ابن زهرة في الغنية ، لأنه جعلها الشهرين وتسع ليال فيخرج التاسع. وعن الكافي : وثمان ليال ، فيخرج الثامن.

[3] حكي عن المبسوط ، والخلاف ، والوسيلة ، والجامع. ونسب إلى ظاهر جمل العلم والعمل ، والمصباح ، ومختصره ، ومجمع البيان ، ومتشابه القرآن. لأنه عبر فيها بأنها الشهران ، وعشر من ذي الحجة بالتأنيث ، الظاهر في أن المراد الليالي ، فيخرج اليوم العاشر.

[4] قيل : إنه ابن إدريس في موضع.

[5] لما عرفت من النصوص. هذا بناء على أن النزاع معنوي.

[6] كما اعترف به جماعة. قال في محكي المنتهى : « وليس يتعلق بهذا الخلاف حكم .. » ، وعن المختلف : « التحقيق : أن هذا النزاع لفظي .. ». ومثلهما كلام غيرهما. وفي الجواهر : « الظاهر لفظية الاختلاف في ذلك - كما اعترف به غير واحد - للاتفاق على أن الإحرام بالحج لا يتأتى بعد عاشر ذي الحجة - وكذا عمرة التمتع - وعلى إجزاء الهدي وبدله طول ذي الحجة وأفعال أيام منى ولياليها .. ».


1) الوسائل باب : 11 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

فيمكن أن يكون مرادهم : أن هذه الأوقات هي آخر الأوقات التي يمكن بها إدراك الحج [1].

( مسألة 1 ) : إذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصداً بها التمتع فقد عرفت عدم صحتها تمتعاً. لكن هل تصح مفردة ، أو تبطل من الأصل؟ قولان. اختار الثاني في المدارك ، لأن ما نواه لم يقع ، والمفردة لم ينوها [2]. وبعض اختار الأول ، لخبر الأحول عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج. قال : يجعلها عمرة » (1).


[1] يعني : إنشاءه ، فلا يمكن الشروع فيه إذا انتهت. نعم يبقى الإشكال في جعل الثمان ليالي ، أو التسع والثمانية أيام ، أو التسعة أيام وليلة يوم النحر ، آخر الوقت ، لعدم صحة ذلك.

[2] قال في المدارك - في شرح قول ماتنه : « ولو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحج لم يجز التمتع بها .. » - : « وربما لاح من العبارة : أن من أحرم بالعمرة بها في غير أشهر الحج تقع عمرته صحيحة لكن لا يتمتع بها. وبه جزم العلامة في التذكرة والمنتهى ، من غير نقل خلاف. بل صرح في المنتهى بما هو أبلغ من ذلك ، فقال : « إن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه للحج ، وانعقد للعمرة ». واستدل له بما رواه ابن بابويه عن أبي جعفر الأحول .. ». ثمَّ احتمل حمل قوله (عليه السلام) : « يجعلها عمرة » ، على معنى : أنه ينشئ عمرة لا أن يكون عمرة.


1) الوسائل باب : 11 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

وقد يستشعر ذلك من خبر سعيد الأعرج [1] : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : من تمتع في أشهر الحج ثمَّ أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة. وإن تمتع في غير أشهر الحج ثمَّ جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم ، إنما هي حجة مفردة. إنما الأضحى على أهل الأمصار » (1). ومقتضى القاعدة وإن كان هو ما ذكره صاحب المدارك ، لكن لا بأس بما ذكره ذلك البعض ، للخبرين. الثالث : أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة ، كما هو مشهور ، المدعى عليه الإجماع [2]. لأنه المتبادر من


[1] قال في الجواهر - بعد نقل ما في المدارك ، وأنه تبعه عليه في كشف اللثام ، وتردد فيه في التحرير - : « وفيه : أنه لا ريب في البطلان بمقتضى القواعد العامة. لكن لا بأس بالقول به ، للخبر المزبور ، مؤيداً بخبر سعيد الأعرج .. ». أقول : أما خبر الأحول فالمفروض فيه الحج في غير أشهر الحج ، لا العمرة. ولا ينافيه تأنيث الضمير في قوله (عليه السلام) : « فليجعلها عمرة » ، لجواز رجوعه إلى الحجة ، فلا يكون مما نحن فيه. اللّهم إلا أن يتعدى عن مورده إلى ما نحن فيه. وأما خبر الأعرج فدلالته على انقلاب عمرة التمتع إلى العمرة المفردة ظاهرة ، لكن من جهة عدم وجوب حج التمتع على المجاور ، لا من جهة وقوعها في غير أشهر الحج ، فيكون منافياً للنصوص والإجماعات السابقة.

[2] في المدارك : « لا خلاف فيه بين العلماء .. ». ونحوه :


1) الوسائل باب : 10 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

الأخبار المبينة لكيفية حج التمتع [1] (1). ولقاعدة توقيفية العبادات [2]. وللأخبار الدالة على دخول العمرة في الحج وارتباطها به [3] ، (2)والدالة على عدم جواز الخروج من مكة بعد العمرة قبل الإتيان بالحج [4]. (3)بل وما دل من الاخبار على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية ، أو يوم عرفة (4)ونحوها [5]. ولا ينافيها خبر سعيد الأعرج المتقدم ،


ما عن المفاتيح. وعن غيره : « بلا خلاف يعلم .. » ، وفي كشف اللثام : حكاية الاتفاق عن ظاهر التذكرة عليه.

[1] لكنّ في كون التبادر المذكور على نحو يقتضي التقييد تأملاً.

[2] لكن القاعدة المذكورة لا تقتضي وجوب الاحتياط ، كما هو معلوم من بنائهم على الرجوع إلى أصل البراءة عند الشك في الجزء والشرط.

[3] لكن في كون المراد منه وقوعهما في سنة واحدة تأمل.

[4] لكنه أعم من المدعى.

[5] ستأتي هذه النصوص في المسألة الثالثة من هذا الفصل. وهي واردة في العدول عن عمرة التمتع إلى الافراد لضيق الوقت ، لا في أن من أتم عمرته وضاق وقته عن ادراك الحج بطلت متعته. ولذلك قال في كشف اللثام - بعد الاستدلال بالأدلة المذكورة عدا الأخير : « دلالة المجموع ظاهرة الضعف .. ». وفي المستند أيضاً استضعف دليلية ما عدا الأخير ، وجعل الدليل الأخير. وفيه : ما عرفت ، لكن الإنصاف أنها


1) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج.

4) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج.

بدعوى : أن المراد من القابل فيه : العام القابل [1] ، فيدل على جواز إيقاع العمرة في سنة والحج في أخرى ، لمنع ذلك بل المراد منه الشهر القابل [2]. على أنه لمعارضة الأدلة السابقة غير قابل. وعلى هذا فلو أتى بالعمرة في عام وأخر الحج الى العام الآخر لم يصح تمتعاً. سواء أقام في مكة إلى العام القابل ، أو رجع الى أهله ثمَّ عاد إليها. وسواء أحل من إحرام عمرته ، أو بقي عليه إلى السنة الأخرى. ولا وجه لما عن الدروس من احتمال الصحة في هذه الصورة [3]. ثمَّ المراد من كونهما في سنة واحدة : أن يكونا معاً في أشهر الحج من سنة واحدة ، لا أن لا يكون بينهما أزيد من اثني عشر


وإن وردت عليها المناقشات ، لكن يستفاد من المجموع - ومن ظهور الإجماع - الحكم المذكور.

[1] يعني يكون المراد من قوله (عليه السلام) : « فعليه شاة » أن حجه تمتع ، والمراد من الشاة الهدي.

[2] وحينئذ يكون المقصود أن حجة تمتع ، لأن إقامته بعد العمرة شهراً لا يخرجه عن كونه من أهل الأمصار ، بخلاف ما إذا أقام أكثر من ذلك - كما في الصورة الثانية - فإنه لا يكون من أهل الأمصار. وهذا أيضاً مخالف للنصوص والفتاوى - كما تقدم - فالإشكال على الخبر - من جهة المخالفة للنصوص والفتوى - وارد على كل حال. والحمل على الشهر لا قرينة عليه توجب الخروج عن الظاهر.

[3] قال في الدروس : « لو أتى بالحج في السنة القابلة فليس بمتمتع.

شهراً. وحينئذ فلا يصح - أيضاً - لو أتى بعمرة التمتع في أواخر ذي الحجة من العام القابل.

الرابع : أن يكون إحرام حجه من بطن مكة ، مع الاختيار [1]. للإجماع ، والاخبار [2].


نعم لو بقي على إحرامه بالعمرة من غير إتمام الأفعال إلى القابل احتمل الاجزاء ». هذا ولا يخفى أنه لا يظهر الفرق بين هذه الصورة وغيرها. إلا أن في هذه الصورة تكون العمرة والحج في سنة واحدة ، وإن لم يكن الشروع فيها في سنة الحج. لكن هذا المقدار لا يوجب الفرق بينها في مقتضى الأدلة المذكورة ، ولا في المخالفة للارتكازيات الشرعية.

[1] نسبه في المدارك إلى إجماع العلماء ، وكذا حكي عن المفاتيح وشرحها وغيرها. لكن يظهر من قول المحقق في الشرائع : « ولو أحرم بحج التمتع من غير مكة لم يجز - ولو دخل مكة - على الأشبه - وقوع الخلاف فيه. لكن لم يعرف المخالف ، ولم يعرف ذلك لغيره.

[2] استدل له بصحيحة عمرو بن حريث الصيرفي الآتية (1). ودلالتها على خصوص مكة لا تخلو من خفاء. وبصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إذا كان يوم التروية - إن شاء اللّه تعالى - فاغتسل ، ثمَّ البس ثوبيك ، وادخل المسجد حافياً وعليك السكينة والوقار ثمَّ صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر ، ثمَّ اقعد حتى تزول الشمس ، فصل المكتوبة ، ثمَّ قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة ، فأحرم بالحج » (2). ونحوها غيرها. لكن لاشتمالها على


1) سيأتي ذكر الرواية من المصنف (قدس سره) قريباً.

2) الوسائل باب : 52 من أبواب الإحرام حديث : 1.

وما في خبر إسحاق [1] عن أبي الحسن (عليه السلام) ، من قوله (عليه السلام) : « كان أبي مجاوراً هاهنا ، فخرج يتلقى بعض هؤلاء ، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ، ودخل وهو محرم بالحج » حيث أنه ربما يستفاد منه جواز الإحرام بالحج من غير مكة ، محمول على محامل [2] ، أحسنها : أن


المستحبات لا مجال لدلالتها على الوجوب. وصحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : لأهل مكة أن يتمتعوا؟ قال (عليه السلام) : لا. قلت : فالقاطنين بها؟ قال (عليه السلام) : إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما صنع أهل مكة. فإذا أقاموا شهراً فان لهم أن يتمتعوا. قلت : من أين؟ قال (عليه السلام) : يخرجون من الحرم. قلت : من أين يهلون بالحج؟ فقال (عليه السلام) : من مكة نحواً مما يقول الناس » (1). ونحوها خبر حماد (2). وقد تقدما في حكم المقيم بمكة سنتين. لكن ذيلها ربما يوجب الإشكال في دلالتها.

[1] رواه عنه صفوان بطريق صحيح قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجي‌ء فيقضي متعته ، ثمَّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق ، أو إلى بعض المعادن. قال (عليه السلام) : يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه ، لأن لكل شهر عمرة ، وهو مرتهن بالحج. قلت : فان دخل في الشهر الذي خرج فيه؟ قال (عليه السلام) : كان أبي مجاوراً هاهنا ، فخرج يتلقى بعض هؤلاء ، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ، ودخل وهو محرم بالحج » (3).

[2] منها : أنه (عليه السلام) أحرم مفرداً لا متمتعاً. ومنها : الحمل على


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 3.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

المراد بالحج عمرته ، حيث أنها أول أعماله [1]. نعم يكفي أي موضع منها كان ولو في سككها. للإجماع ، وخبر عمرو ابن حريث عن الصادق (عليه السلام) : « من أين أهل بالحج؟ فقال : إن شئت من رحلك ، وإن شئت من المسجد ، وإن شئت من الطريق » (1). وأفضل مواضعها المسجد [2] ، وأفضل مواضعه المقام ، أو الحجر [3].


التقية. ومنها : أنه يحرم - في مورد السؤال - وجوباً أو استحباباً ، ثمَّ يجدده بمكة. ولكن الحمل على التقية في فعل الصادق (عليه السلام) خلاف نقل الكاظم (عليه السلام). ولا سيما مع تعبيره عن المخالفين ب- : ( بعض هؤلاء ) الظاهر في التوهين. وأما الحمل على الافراد فلا يناسب الجواب عن السؤال عن المتمتع. وأما الحمل على التجديد فبعيد عن إطلاق الحكم في الجواب.

[1] فيه تأمل ، فإن الرواية كالصريحة في أن الإحرام كان بالحج مقابل العمرة. ولا سيما بقرينة التعليل : بأن لكل شهر عمرة. فتعيين الأسهل من هذه المحامل صعب جداً. ولو أمكن تخصيص الأدلة الأول بهذا وإخراج مورده منها كان هو المتعين.

[2] اتفاقاً ، كما في المدارك ، وعن الحدائق وغيرها.

[3] مخيراً بينهما. حكي عن الهداية ، والفقيه. والنافع ، والمدارك ، لصحيح معاوية بن عمار المتقدم (2). وعن النافع والغنية والجامع والتحرير والمنتهى والتذكرة والدروس وموضع من القواعد : التخيير بين المقام وتحت الميزاب. وفي الشرائع : الاقتصار على المقام ، ومثله جملة من الكتب.


1) الوسائل باب : 21 من أبواب المواقيت حديث : 2.

2) الوسائل باب : 52 من أبواب الإحرام حديث : 1. وقد تقدم ذكر الرواية قريباً.

وقد يقال : أو تحت الميزاب [1]. ولو تعذر الإحرام من مكة أحرم مما يتمكن [2]. ولو أحرم من غيرها اختياراً متعمداً بطل إحرامه ، ولو لم يتداركه بطل حجه. ولا يكفيه العود إليها بدون التجديد ، بل يجب أن يجدده ، لأن إحرامه من غيرها كالعدم. ولو أحرم من غيرها - جهلاً ، أو نسياناً - وجب العود إليها والتجديد مع الإمكان ، ومع عدمه جدده في مكانه [3].


وفي الإرشاد : الاقتصار على ما تحت الميزاب.

[1] لا يخفى أن ما تحت الميزاب بعض من الحجر ، فلا معنى للتخيير بينه وبينه. فالمراد التخيير بين المقام وما تحت الميزاب - كما تقدم عن الجماعة - فهو عدل للمقام بدلاً عن الحجر.

[2] لصحيحة علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال : « سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكره وهو بعرفات ، ما حاله؟ قال : يقول : اللّهم على كتابك وسنة نبيك ، فقد تمَّ إحرامه. فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده ، إن كان قضى مناسكه كلها فقد تمَّ حجه » (1). وموردها وإن كان خصوص الناسي ، لكن المفهوم منه مطلق العذر. مضافاً إلى الإجماع.

[3] اختاره في الشرائع وغيرها. وعن الشيخ في الخلاف : الاجتزاء بإحرامه الأول. قال في كشف اللثام : « للأصل. ومساواة ما فعله لما يستأنفه في الكون من غير مكة ، وفي العذر ، لأن النسيان عذر. وهو


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 8.

الخامس : ربما يقال : إنه يشترط فيه أن يكون مجموع عمرته وحجه من واحد ، وعن واحد [1]. فلو استؤجر اثنان


الأقوى ، وخيرة التذكرة ». وأشكل عليه في الجواهر : بأن الأصل يقتضي الفساد ، لا الصحة. وأما دعوى المساواة فلا ريب أنها قياس ، والمصحح للإحرام المستأنف إنما هو الإجماع على الصحة معه ، وليس النسيان مصححاً له حتى يتعدى به إلى غيره ، وإنما هو عذر في عدم وجوب العود وهو لا يوجب الاجتزاء بالإحرام معه حيث ما وقع ، بل إنما يوجب الرجوع إلى الدليل ، وليس هو سوى الاتفاق ، ولم ينعقد إلا على الإحرام المستأنف ..

أقول : إذا كان الواجب هو الإحرام بمعنى المسبب - أعني : الأثر الخاص - فالشك في الشرط شك في الفراغ ، والمرجع : أصالة الفساد. وإن كان الواجب هو السبب فالشك في الشرط شك في الوجوب ، والمرجع أصالة البراءة. هذا إذا لم يكن إطلاق يدل على الشرطية في حال النسيان وإلا كان هو المرجع ، ولا مجال للرجوع إلى الأصل. وقد عرفت الإشكال في دلالة النصوص على شرط الإحرام من مكة ، وأن العمدة هو الإجماع. وعلى تقدير تمامية الإطلاق فما دل على عذر الناسي إنما دل على مجرد العذر في الترك ، لا صحة الإحرام ، فالبناء على الصحة يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود كما ذكر في الجواهر.

[1] حكاه في الجواهر عن بعض الشافعية ، وذكر : أن ظاهر الأصحاب عدم اشتراط أمر آخر غير الشرائط الأربعة المتقدمة ، وهو كون الحج والعمرة عن شخص واحد ، فلو كان الحج عن شخص والعمرة عن آخر لم يصح. فيمكن أن يكون ذلك منهم اتكالاً على معلومية كون

لحج التمتع عن ميت أحدهما لعمرته والآخر لحجة لم يجزئ عنه. وكذا لو حج شخص ، وجعل عمرته عن شخص ، وحجه عن آخر لم يصح. ولكنه محل تأمل ، بل ربما يظهر من خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) صحة الثاني [1] ، حيث قال : « سألته عن رجل يحج عن أبيه ، أيتمتع؟ قال :


التمتع عملاً واحداً عندهم ، ولا وجه لتبعيض العمل الواحد. ويمكن أن لا يكون شرطاً عندهم ، لعدم الدليل على الوحدة المزبورة ..

أقول : لا ريب في ظهور النصوص في كون عمرة التمتع وحجه من قبيل العمل الواحد ، فلا بد من وقوعهما عن شخص واحد ، فالاحتمال الأخير ضعيف. وأما نيابة شخصين عن واحد ، أحدهما في العمرة والآخر في الحج ، فيتوقف على دليل على صحة مثل هذه النيابة ، وهو مفقود ، إذ الأصل عدم صحة النيابة. وأما الارتباطية فلا تمنع عن ذلك.

[1] لا يخفى أن قول السائل في الخبر : « أيتمتع » يحتمل أن يكون المراد منه : أن يحج حج التمتع عن أبيه. ويحتمل أن يكون المراد منه : أنه يتمتع لنفسه ، زائداً على حج التمتع مع عمرته عن أبيه. وأن يكون المراد : أنه يحج عن أبيه بلا عمرة ، ويتمتع لنفسه بلا حج. والأول أنسب بعبارة السؤال ، والأخيران أنسب بالجواب. بل قوله (عليه السلام) في الجواب : « المتعة له ، والحج عن أبيه » كالصريح في غيره ، وحمله على المعنى الأخير غير واضح. وكأنه لذلك لم يجزم المصنف (رحمه اللّه) بظهور الخبر. والانصاف : أنه على تقدير الظهور لا مجال للأخذ به في مقابل النصوص الدالة على الارتباط.

نعم المتعة له ، والحج عن أبيه » (1).

( مسألة 2 ) : المشهور أنه لا يجوز الخروج من مكة بعد الإحلال من عمرة التمتع قبل أن يأتي بالحج [1] ، وأنه إذا أراد ذلك ، عليه أن يحرم بالحج فيخرج محرماً به ، وإن خرج محلا ورجع بعد شهر فعليه أن يحرم بالعمرة. وذلك لجملة


[1] في المدارك : أن المشهور ذلك إذا كان الخروج محتاجاً الى تجديد العمرة ، بأن كان الرجوع بعد شهر. وعن الشيخ - في النهاية - وجماعة : أنهم أطلقوا المنع ، كما في المتن. ويدل عليه النصوص الكثيرة. منها : صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قلت له : كيف أتمتع؟ قال (عليه السلام) : تأتي الوقت فتلبي .. ( إلى أن قال ) : وليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج » (2)، ومصحح حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من دخل مكة متمتعاً في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج ، فان عرضت له حاجة إلى عسفان ، أو إلى الطائف ، أو إلى ذات عرق خرج محرماً ودخل ملبياً بالحج. فلا يزال على إحرامه فإن رجع إلى مكة رجع محرماً ، ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى. قلت : فان جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ، ثمَّ رجع في أبان الحج في أشهر الحج يريد الحج ، فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال (عليه السلام) : إن رجع في شهره دخل بغير إحرام ، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً. قلت : فأي الإحرامين والمتعتين متعته ، الأولى أو الأخيرة؟؟


1) الوسائل باب : 27 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

من الأخبار الناهية عن الخروج ، والدالة على أنه مرتهن ومحتبس بالحج [1] ، والدالة على أنه لو أراد الخروج خرج ملبياً بالحج ، والدالة على أنه لو خرج محلا ، فان رجع في شهره دخل محلا ، وان رجع في غير شهره دخل محرماً. والأقوى عدم حرمة الخروج وجوازه محلا. حملاً للأخبار


قال (عليه السلام) : الأخيرة هي عمرته ، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته » (1)وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - قال (عليه السلام) : « تمتع ، فهو واللّه أفضل. ثمَّ قال : إن أهل مكة يقولون : إن عمرته عراقية وحجته مكية. كذبوا ، أليس هو مرتبطاً بالحج لا يخرج حتى يقضيه؟! » (2)، ولصحيح الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج ، يريد الخروج إلى الطائف قال (عليه السلام) : يهل بالحج من مكة. وما أحب أن يخرج منها إلا محرماً ، ولا يتجاوز الطائف. إنها قريبة من مكة » (3)، وخبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال : « سألته عن رجل قدم متمتعاً ثمَّ أحل قبل يوم التروية ، أله الخروج؟ قال : لا يخرج حتى يحرم بالحج ، ولا يجاوز الطائف وشبهها » (4). ونحوها غيرها.

[1] في مرسل موسى بن القاسم عن بعض أصحابنا. « أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال ، فقال : إني أريد أن أفرد عمرة هذا


1) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 6.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

4) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 11.

على الكراهة - كما عن ابن إدريس رحمه اللّه وجماعة أخرى [1] - بقرينة التعبير ب- : ( لا أحب ) في بعض تلك الاخبار [2]. وقوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق (قدس سره) [3] : « إذا أراد المتمتع الخروج من مكة الى بعض المواضع فليس له ذلك ، لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه. الا أن يعلم أنه لا يفوته الحج ».


الشهر. فقال : أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل : إن المدينة منزلي ومكة منزلي ، ولي بينهما أهل وبينهما أموال. فقال أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل : فإن لي ضياعاً حول مكة ، واحتاج إلى الخروج إليها. فقال (عليه السلام) : تخرج حلالاً ، وترجع حلالاً الى الحج » (1). وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : كيف أتمتع فقال (عليه السلام) : تأتي الوقت فتلبي بالحج ، فاذا أتى مكة طاف وسعى وأحل من كل شي‌ء. وهو محتبس ، وليس له أن يخرج من مكة حتى يحج » (2).

[1] حكى في كشف اللثام ذلك عن السرائر ، والنافع ، والمنتهى ، والتذكرة ، وموضع من التحرير ، وظاهر التهذيب ، وموضع من النهاية والمبسوط.

[2] تقدم في صحيح الحلبي.

[3] قال (رحمه اللّه) في الفقيه : « قال الصادق (عليه السلام) : إذا أراد .. » إلى آخر ما ذكر في المتن. ثمَّ قال : « وإن علم وخرج وعاد في الشهر الذي خرج دخل مكة محلا ، وإن دخلها في غير ذلك الشهر دخلها محرماً .. » (3).


1) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 3.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 5.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 10.

ونحوه الرضوي (1)، بل وقوله (عليه السلام) في مرسل أبان [1] : « ولا يتجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة ». إذ هو وإن كان بعد قوله : « فيخرج محرماً ». إلا أنه يمكن أن يستفاد منه : أن المدار فوت الحج وعدمه [2]. بل يمكن أن يقال :


[1] يريد به أبان بن عثمان ، عمن أخبره ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج الى الحج. إلا أن يأبق غلامه ، أو تضل راحلته فيخرج محرماً ، ولا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة » (2).

[2] هذه الاستفادة بعيدة جداً ، كيف ولو كان المقصود ذلك لم تكن حاجة الى الجمل المتتابعة السابقة ، المتضمنة للمنع من الخروج إلا للضرورة ، وأنه على تقدير الضرورة إلى الخروج فلا يخرج محلا؟ وكان اللازم الاقتصار على قوله (عليه السلام) : « المتمتع محتبس لا يجوز له تفويت الحج » وأما مرسل الصدوق فلم تقم حجة على حجيته ، كي لأجله ترفع اليد عن ظاهر النصوص المتقدمة المتأكدة الدلالة. وهذا النوع من مرسلات الصدوق (رحمه اللّه) وإن كان أقوى من النوع الآخر. المعبر فيه بمثل : « عن الصادق (عليه السلام) » ، أو « عن الكاظم (عليه السلام) » لكنه ما دام الخبر مستنداً إلى مقدمات حدسية اجتهادية لا مجال للاعتماد عليه. لا سيما مع احتمال كونها نظرية خفية جداً ، كما لا يخفى. وأما الرضوي فأوضح إشكالاً من المرسل. وأما قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي : « لا أحب » فدلالته على الجواز خفية ، وصلاحيته لمعارضة ما دل على وجوب الخروج محرماً - كما


1) مستدرك الوسائل باب : 18 من أبواب أقسام الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 9.

أن المنساق من جميع الأخبار المانعة أن ذلك للتحفظ عن عدم إدراك الحج وفوته [1] ، لكون الخروج في معرض ذلك. وعلى هذا فيمكن دعوى عدم الكراهة أيضاً مع علمه بعدم فوات الحج منه [2]. نعم لا يجوز الخروج لا بنية العود ، أو مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج. ثمَّ الظاهر أن الأمر بالإحرام - إذا كان رجوعه بعد شهر - إنما هو من جهة أن لكل شهر عمرة [3] ، لا أن يكون ذلك تعبداً ، أو لفساد عمرته السابقة ، أو لأجل وجوب الإحرام على من دخل مكة. بل هو صريح خبر إسحاق بن عمار قال : « سألت أبا


ذكره المصنف (رحمه اللّه) - غير ظاهرة.

نعم مرسل موسى بن القاسم دلالته على جواز الخروج محلا واضحة. لكن الإشكال في سنده. ومن ذلك يشكل البناء على ذلك ، كما اختاره المصنف. ولذلك ذكر في كشف اللثام : أن الأحوط القصر على حال الضرورة - يعني : في الخروج - وأن لا يخرج معها إلا محرماً بالحج. إلا أن يتضرر بالبقاء على الإحرام ، لطول الزمان. خروجاً عن مخالفة الأخبار المطلقة ..

[1] الإشكال فيه كالإشكال فيما سبق في مرسل أبان. فلاحظ.

[2] إذ الكراهة - بناء على التقريب الأول - كانت من جهة الجمع بين نصوص المنع ونصوص الجواز ، فاذا كانت النصوص في نفسها قاصرة الدلالة لا منشأ للحكم بالكراهة.

[3] هذا شروع في مسألة أخرى ، وهي : أنه لو خرج المعتمر من

الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجي‌ء فيقضي متعته ، ثمَّ تبدو له حاجة فيخرج إلى المدينة ، أو الى ذات عرق ، أو الى بعض المنازل قال (عليه السلام) : يرجع الى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه ، لأن لكل شهر عمرة ، وهو مرتهن بالحج .. » (1)وحينئذ فيكون الحكم بالإحرام - إذا رجع بعد شهر - على وجه الاستحباب لا الوجوب ، لأن العمرة - التي هي وظيفة كل شهر - ليست واجبة. لكن في جملة من الأخبار كون المدار على الدخول في شهر الخروج أو بعده [1] ، كصحيحتي حماد وحفص بن البختري

[2] ، ومرسلة الصدوق والرضوي


مكة محلا - إما للبناء على جواز ذلك ، كما يراه المصنف. أو للضرورة. أو جهلاً ، بناء على المنع - فهل يجب عليه الإحرام للدخول إلى مكية بعمرة أخرى أو لا يجب؟ اختار المصنف (رحمه اللّه) الثاني. اعتماداً على ظاهر تعليل الأمر بالعمرة بأن لكل شهر عمرة ، فإن الحكم المذكور لما كان استحبابياً تعين صرف ظاهر الأمر إلى الاستحباب.

[1] ومقتضاه أن الأمر بالاعتمار ليس للتعليل المتقدم. لأن شهر الخروج قد لا يكون شهر الاعتمار ، بل يكون بعده بشهر.

[2] صحيح حماد تقدم (2). أما صحيح حفص فلا تعرض فيه لذلك ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل قضنى متعته وعرضت


1) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 2. وقد تقدم ذلك قريباً في أوائل المسألة فلاحظ.

وظاهرها الوجوب [1]. إلا أن تحمل على الغالب ، من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل [2]. لكنه بعيد [3] ، فلا يترك الاحتياط بالإحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج.


له حاجة أراد أن يمضي إليها. فقال (عليه السلام) : فليغتسل ، وليهل بالحج ، وليمض في حاجته. فان لم يقدر على الرجوع الى مكة مضى إلى عرفات » (1)نعم في مرسل حفص وأبان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم. قال (عليه السلام) : إن رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير إحرام ، وإن دخل في غيره دخل بإحرام » (2).

[1] ولا مجال لحكومة التعليل المتقدم على ظاهرها ، لاختلاف مورد التعليل مع موردها.

[2] وحينئذ تتحد مورداً مع مورد التعليل ، فتحمل - لأجله - على الاستحباب ، كمصحح إسحاق. لكن في كون ذلك هو الغالب منعاً واضحاً.

[3] لو سلم أنه قريب فلا مجال له ، إذ لا شاهد عليه. مع أن الخروج إذا كان بلا فصل عن الإحلال لم يجد ذلك في صدق شهر الخروج على شهر التمتع بل يتوقف ذلك على الاقتران ، كما لا يخفى. ومنه يظهر : أنه لا يصدق شهر التمتع إلا إذا كان التمتع فيه ولو بعضه ، فلا يصح أن يكون مبدؤه من حين الإحلال.

ثمَّ إن العمدة في النصوص الأخيرة هو مصحح حماد بن عيسى ، إذ الباقي مراسيل لا يعتد بها. ويمكن الجمع بينه وبين مصحح إسحاق باختلاف الجهة ، فإن التنافي إنما يكون في الرجوع بعد شهر التمتع ، وبعد شهر


1) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 4.

2) الوسائل باب : 51 من أبواب الإحرام حديث : 4.


الخروج. إذ مقتضى المصحح الأول الوجوب ، ومقتضى المصحح الثاني الاستحباب. لكن لا مانع من كونه مستحباً من جهة وواجباً من جهة. وهذا الجمع أولى من الجمع بتقييد إطلاق الثاني بالأول.

والمصنف (رحمه اللّه) لم يعتقد بذلك كله ، وتوقف عن الحكم بالوجوب والاستحباب في صورة ما لو كان الرجوع بعد أشهر الخروج. وكأنه لظهور كلام الأصحاب في أن الشهر - الذي أخذ شرطاً لوجوب الإحرام - واحد عندهم ، وإنما الخلاف في مبدئه. ولذا قال في الذخيرة - في شرح قول ماتنه : « يجب الإحرام على كل من دخل مكة ، إلا من دخلها بعد الإحرام قبل شهر » - : « لا أعلم خلافاً بين الأصحاب في أصل الحكم ، ولكن اختلفوا في مبدأ اعتبار الشهر ، فذهب جماعة من الأصحاب إلى أن مبدأه من وقت الإحلال من الإحرام المتقدم. واستشكل المصنف في القواعد اعتباره من حين الإحلال أو الإحرام. وقال المحقق في النافع. « ولو خرج بعد إحرامه ثمَّ عاد في شهر خروجه أجزأه ، وإن عاد في غيره أحرم ثانياً ». وقريب منه المفيد في المقنعة ، والشيخ في النهاية .. » ثمَّ ذكر اختلاف الأخبار المشار إليها في المتن.

وفي الجواهر أطال في بيان أن الشهر - الذي يجب الإحرام بعده - هو شهر الخروج ، لا شهر المتعة الأولى. واستدل بالنصوص المشار إليها ، وأيدها بما تقدم في الذخيرة عن النافع والمقنعة وغيرهما ، وطعن في مصحح إسحاق بالإجمال والاشكال ، لما في ذيله من الإحرام من الميقات في حج التمتع. فراجع كلامه في آخر مباحث الإحرام ، في حكم دخول مكة. والانصاف يقتضي ما عرفت ، من أن العمدة المصححان ، والجمع بينهما ممكن عرفاً بما عرفت. فلاحظ ، وتأمل.

بل القدر المتيقن من جواز الدخول محلا صورة كونه قبل مضي شهر من حين الإهلال ، أي الشروع في إحرام العمرة والإحلال منها ، ومن حين الخروج. إذ الاحتمالات في الشهر ثلاثة : ثلاثون يوماً من حين الإهلال ، وثلاثون من حين الإحلال - بمقتضى خبر إسحاق بن عمار - وثلاثون من حين الخروج ، بمقتضى هذه الأخبار. بل من حيث احتمال كون المراد من الشهر - في الأخبار هنا ، والاخبار الدالة على أن لكل شهر عمرة - الأشهر الاثني عشر المعروفة ، لا بمعنى ثلاثين يوماً [1]. ولازم ذلك : أنه إذا كانت عمرته في آخر شهر من هذه الشهور ، فخرج ودخل في شهر آخر ، أن يكون عليه عمرة. والأولى مراعاة الاحتياط من هذه الجهة أيضاً.

وظهر مما ذكرنا أن الاحتمالات ستة : كون المدار على الإهلال ، أو الإحلال ، أو الخروج. وعلى التقادير فالشهر إما بمعنى ثلاثين يوماً ، أو أحد الأشهر المعروفة. وعلى أي


[1] قد يشهد به الموثق - الذي رواه في الجواهر - المتقدم في مبحث العمرة (1). لكن عرفت أنه لم نقف على روايته لغيره. وقد يستفاد من إطلاق الشهر ، فان حمله على المقدار في كثير من المقامات - مثل شهر العدة ، وشهر صوم التتابع ، وغير ذلك - لا يقتضي حمله في المقام عليه ، لأنه خلاف الأصل. وفيه : أنه متين ، لو لا اشتمال رواية الشهر على العشرة أيام ، فإن الظاهر منها : أن ذكر الشهر من باب التقدير ، لا بالمعنى الأصلي له ،


1) راجع صفحة : 145 من هذا الجزء.

حال ، إذا ترك الإحرام مع الدخول في شهر آخر - ولو قلنا بحرمته - لا يكون موجباً لبطلان عمرته السابقة [1] ، فيصح حجه بعدها. ثمَّ إن عدم جواز الخروج - على القول به - إنما هو في غير حال الضرورة ، بل مطلق الحاجة. وأما مع الضرورة أو الحاجة ، مع كون الإحرام بالحج غير ممكن أو حرجاً عليه ، فلا اشكال فيه [2]. وأيضاً الظاهر اختصاص


وهو ما بين الهلالين. فلاحظ.

[1] قال في الجواهر : « ليس في كلامهم تعرض لما لو رجع حلالاً بعد شهر ولو آثماً ، فهل له الإحرام بالحج ثانياً على عمرته الأولى ، أو أنها بطلت للتمتع بالخروج شهراً؟ ولكن الذي يقوى في النظر : الأول ، لعدم الدليل على فسادها ». ويشكل : بأنه يتوقف على كون الأمر بالإحرام تكليفياً ، فلو حمل على الوضعي وأن شرط الحج أن يعتمر ، كان دالاً على بطلان العمرة الأولى والاحتياج إلى الثانية.

وهذا المعنى ليس بعيداً فهمه من النصوص المذكورة ، بملاحظة أن الأمر والنهي - في أمثال هذه الموارد - إرشادي الى الشرطية والمانعية. ولا ينافيه ما دل على أنه إذا رجع قبل شهر جاز له الدخول محلا - كمصحح حماد بن عيسى المتقدم - (1)، لإمكان اختصاص البطلان بخصوص صورة وجوب الإحرام للعمرة. ولا سيما بملاحظة ما دل على أن عمرته الثانية ، فيدل على أن الأولى ليس عمرة تمتعه. وبالجملة : مقتضى النصوص ينبغي أن يكون عدم الاجتزاء بعمرته الأولى. فلاحظ ، وتأمل.

[2] كما نص على ذلك في كشف اللثام وغيره. لعموم دليل نفسي


1) تقدم ذكره في أول المسألة.

المنع - على القول به - بالخروج إلى المواضع البعيدة ، فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين [1]. بل يمكن أن يقال : باختصاصه بالخروج إلى خارج الحرم. وان كان الأحوط خلافه. ثمَّ الظاهر أنه لا فرق - في المسألة - بين الحج الواجب


الحرج والضرر. ولكنه كأنما يقتضي الجواز ، ولا يقتضي الصحة. نعم في مصحح إسحاق المتقدم في المتن - الذي مورده مطلق الحاجة - أنه يخرج محلا ، وكفى به دليلاً على الجواز. ويؤيده مرسل موسى بن القاسم (1).

[1] لم أقف على من تعرض لذلك صريحاً ، بل مقتضى إطلاق الخروج - في النصوص والفتاوى - المنع عن الخروج عن مكة وحدودها. نعم مقتضى تقييد جماعة المنع من الخروج بما إذا احتاج إلى تجديد العمرة ، الاختصاص بصورة الخروج عن الحرم ، فإنه المحتاج إلى تجديد العمرة. ولذلك ذكر في كشف اللثام - في تفسير عبارة القواعد : « فلا يجوز له الخروج من مكة إلى حيث يفتقر الى تجديد عمرة قبله .. » - فقال : « بأن يخرج من الحرم محلا غير محرم بالحج ، ولا يعود إلا بعد شهر ». لكن ذلك لا يجري في كلام من أطلق المنع ، تبعاً لإطلاق النصوص. مع أن تخصيص حرمة دخول مكة بغير إحرام بمن كان خارج الحرم غير ظاهر ، وإن كان ظاهر المدارك والجواهر المفروغية منه. ولعله يأتي - إن شاء اللّه - التعرض له.

وأشكل من ذلك : ما في بعض الحواشي ، من التحديد بالمسافة ، فيجوز الخروج إلى ما دونها. إذ لا مأخذ له ، لا في النصوص ، ولا في الفتاوى. نعم في صحيحة أبي ولاد - الواردة في المقيم عشرة أيام إذا عدل


1) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 3.

والمستحب [1] ، فلو نوى التمتع مستحباً ثمَّ أتى بعمرته يكون مرتهناً بالحج ، ويكون حاله في الخروج محرماً أو محلا والدخول كذلك كالحج الواجب. ثمَّ إن سقوط وجوب الإحرام عمن خرج محلا ودخل قبل شهر مختص بما إذا أتى بعمرة بقصد التمتع [2] ، وأما من لم يكن سبق منه عمرة فيلحقه حكم من دخل مكة في حرمة دخوله بغير الإحرام ، إلا مثل الحطاب والحشاش ونحوهما. وأيضاً سقوطه إذا كان بعد العمرة قبل شهر إنما هو على وجه الرخصة - بناء على ما هو الأقوى من عدم اشتراط فصل شهر بين العمرتين [3] - فيجوز الدخول بإحرام قبل الشهر أيضاً. ثمَّ إذا دخل بإحرام ، فهل عمرة التمتع هي العمرة الأولى أو الأخيرة؟ مقتضى حسنة حماد : أنها الأخيرة ، المتصلة بالحج [4]. وعليه لا يجب فيها طواف


عن الإقامة بعد الصلاة تماماً - : أنه يتم إلى أن يخرج (1)، والمراد من الخروج فيه السفر. لكن مقايسة المقام به غير ظاهرة.

[1] كما يقتضيه إطلاق النصوص والفتاوى.

[2] إذا كانت وظيفته التمتع. وإلا يكفي مطلق العمرة ولو كانت مفردة ، يستفاد ذلك من مصحح إسحاق المتقدم (2).

[3] على ما تقدم في مبحث العمرة.

[4] قد صرح فيها بأن متعته الأخيرة. فراجع متنها ، المتقدم في


1) الوسائل باب : 18 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 8. وقد تقدم ذلك في أوائل المسألة.

النساء. وهل يجب حينئذ في الأولى أو لا؟ وجهان أقواهما نعم [1]. والأحوط الإتيان بطواف مردد بين كونه للأولى أو الثانية. ثمَّ الظاهر أنه لا إشكال في جواز الخروج في أثناء عمرة التمتع ، قبل الإحلال منها [2].

( مسألة 3 ) : لا يجوز لمن وظيفته التمتع أن يعدل الى غيره من القسمين الآخرين اختياراً. نعم إن ضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج جاز له نقل النية الى الافراد ، وأن يأتي بالعمرة بعد الحج. بلا خلاف ولا إشكال [3]. وإنما


أول المسألة. ولأجله صرح بذلك جماعة ، منهم : الفاضلان في الشرائع والقواعد. وفي كشف اللثام : « ولعله اتفاقي .. ».

[1] قال في كشف اللثام : « وهل عليه طواف النساء للأولى؟احتمال - كما في الدروس - من انقلابها مفردة. ومن إحلاله منها بالتقصير وربما أتى النساء قبل الخروج ، ومن البعيد جداً حرمتهن عليه بعده من غير موجب. وهو أقوى .. ». ووجه القوة : ليس إلا مجرد استبعاد الحرمة بعد التحليل. وهو كما ترى ، إذ لا مانع من هذا الانقلاب. ولا سيما وكونه انقلاباً في الحكم الظاهري ، فإن الأولى كانت محكومة بأنها عمرة تمتع في الظاهر ، وبعد انفصالها عن الحج انكشف أنها مفردة من أول الأمر.

[2] لاختصاص النصوص المانعة بمن أتم عمرة التمتع ، والمرجع في غيره الأصل المقتضي للجواز ، وربما يوجد في بعض النصوص أن موضوع المنع من دخل مكة. لكن القرائن فيه وفي غيره تقتضي الاختصاص بمن فرغ من العمرة.

[3] وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده ، بل الإجماع بقسميه عليه ».

الكلام في حد الضيق المسوغ لذلك ، واختلفوا فيه على أقوال : أحدها : خوف فوات الاختياري من وقوف عرفة [1]. الثاني : فوات الركن من الوقوف الاختياري ، وهو المسمى منه [2]. الثالث : فوات الاضطراري منه [3]. الرابع : زوال يوم التروية [4]. الخامس غروبه [5]. السادس : زوال يوم عرفة [6]. السابع : التخيير - بعد زوال يوم


[1] لم يتضح لي وجود القائل بذلك. نعم في الدروس : « وفي صحيح زرارة اشتراط اختياريها (1). وهو أقوى ». وظاهر العبارة اشتراط إدراك تمام الواجب الاختياري. فتأمل.

[2] أختاره في القواعد ، وحكاه - في كشف اللثام - عن الحلبيين وابني إدريس وسعيد. وفي الجواهر : « لعله يرجع إليه ما عن المبسوط والنهاية والوسيلة والمهذب ، من الفوات بزوال الشمس من يوم عرفة قبل إتمام العمرة ، بناء على تعذر الوصول غالباً إلى عرفة بعد هذا الوقت ، لمضي الناس عنه ».

[3] حكي عن ظاهر ابن إدريس ، ومحتمل أبي الصلاح.

[4] حكي عن والد الصدوق. ونقله في السرائر عن المفيد أيضاً.

[5] نقل عن الصدوق في المقنع ، وعن المفيد في المقنعة.

[6] حكي عن الشيخ في المبسوط والنهاية ، وعن الإسكافي وغيرهم ، كما تقدم نقله عن الجواهر. وفي المستند : « واختاره في المدارك ، والذخيرة وكشف اللثام .. ». لكن المذكور في الأخير : أن ذلك في غير من


1) يأتي ذكر الرواية في أواخر المسألة.

التروية - بين العدول والإتمام ، إذا لم يخف الفوت [1]. والمنشأ اختلاف الأخبار ، فإنها مختلفة أشد الاختلاف.

والأقوى أحد القولين الأولين. لجملة مستفيضة من تلك الأخبار ، فإنها يستفاد منها - على اختلاف ألسنتها - : أن المناط في الإتمام عدم خوف فوت الوقت بعرفة.

منها : قوله (عليه السلام) في رواية يعقوب بن شعيب الميثمي [2]


يتعين عليه التمتع ، وإلا لم يجز العدول ما لم يخف فوتها بفوات اضطراري عرفة - كما هو ظاهر ابن إدريس ، ويحتمله كلام أبي الصلاح - أو بفوات اختياريها - كما في الغنية ، والمختلف ، والدروس - لصحيح زرارة (1).

[1] حكاه في الجواهر ، قال : « وربما ظهر من بعض متأخري المتأخرين : الجمع بين النصوص ، بالتخيير بين التمتع والافراد ، إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه .. ».

[2] رواها في الكافي عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن إسماعيل ابن مرار ، عن يونس عن يعقوب بن شعيب المحاملي [ الميثمي خ ل ] قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : لا بأس للمتمتع - إن لم يحرم من ليلة التروية - متى ما تيسر له ، ما لم يخف فوت الموقفين » (2). فان الظاهر منها أن المدار خوف فوت عرفة. لكن في كون الرواية فيما نحن فيه تأمل ظاهر ، لاحتمال كون المراد أن المتمتع إذا فرغ من متعته لا يجب عليه المبادرة إلى الإحرام بالحج ليلة التروية ، لا أنه لا يجب عليه العدول. ومنها : ما رواه الشيخ عن سعد بن عبد اللّه ، عن عبد اللّه بن


1) يأتي ذكر الرواية في أواخر المسألة.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 5.


جعفر ، عن محمد بن مسرور (1)قال : « كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) ما تقول في رجل - متمتع بالعمرة إلى الحج - وافى غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات ، أعمرته قائمة ، أو قد ذهبت منه؟ إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية ، فكيف يصنع؟ فوقع (عليه السلام) : ساعة يدخل مكة - إن شاء اللّه - يطوف ، ويصلي ركعتين ، ويسعى ، ويقصر ، ويخرج [ ويحرم خ ل ] بحجته ، ويمضي إلى الموقف ، ويفيض مع الامام » (2)، وصحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالحج والعمرة جميعاً ، ثمَّ قدم مكة والناس بعرفات ، فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف. قال (عليه السلام) : يدع العمرة ، فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة ، ولا هدي عليه » (3)، ومرسل محمد بن أبي حمزة ، عن بعض أصحابه ، عن أبي بصير قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) المرأة تجي‌ء متعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها يوم عرفة (4)فقال (عليه السلام) : إن كانت تعلم أنها تطهر ، وتطوف بالبيت ، وتحل من إحرامها ، وتلحق بالناس فلتفعل » (5).


1) حكي عن المنتقى : أنه محمد بن سرور ، وهو ابن جزك ، والغلط وقع من الناسخين. ومحمد ابن جزك ثقة. ( منه قدس سره )

2) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 16.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 6.

4) كما في الكافي الجزء 4 صفحة 447 طبع إيران الحديثة وكذلك الوسائل. وفي التهذيب الجزء 5 صفحة 391 طبع النجف الأشرف ، والاستبصار الجزء 2 صفحة 311 طبع النجف الأشرف والفقيه الجزء 2 صفحة 242 طبع النجف الأشرف : ( ليلة عرفة ).

5) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 4.

« لا بأس للمتمتع - إن لم يحرم من ليلة التروية - متى ما تيسر له ، ما لم يخف فوات الموقفين ». وفي نسخة : « لا بأس للمتمتع أن يحرم ليلة عرفة .. ». وأما الاخبار المحددة بزوال يوم التروية [1] ،


[1] في صحيح ابن بزيع قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل أن تحل ، متى تذهب متعتها؟ قال (عليه السلام) : كان جعفر (عليه السلام) يقول : زوال الشمس من يوم التروية. وكان موسى (عليه السلام) يقول : صلاة الصبح من يوم التروية. فقلت : جعلت فداك ، عامة مواليك يدخلون يوم التروية ، ويطوفون ويسعون ، ثمَّ يحرمون بالحج. فقال (عليه السلام) : زوال الشمس. فذكرت له رواية عجلان أبي صالح (1)، فقال (عليه السلام) : إذا زالت الشمس ذهبت المتعة. فقلت : فهي على إحرامها ، أو تجدد إحرامها للحج؟ فقال (عليه السلام) : لا ، هي على إحرامها. قلت : فعليها هدي؟ قال (عليه السلام) : لا. إلا أن تحب أن تتطوع. ثمَّ قال : أما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة » (2).

وفي جملة جعل الحد أن يدرك الناس بمنى ، ففي صحيح أبي بصير : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : المرأة تجي‌ء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت ، فيكون طهرها ليلة عرفة. فقال (عليه السلام) : إن كانت تعلم أنها تطهر وتطوف بالبيت ، وتحل من إحرامها ، وتلحق الناس بمنى فلتفعل » (3). ونحوه غيره.


1) تأتي هذه الرواية في المسألة الآتية ( منه قدس سره ).

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 14.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 3.

أو بغروبه [1] ،


وفي جملة من النصوص جعل الحد يوم التروية ، كصحيح عبد الرحمن ابن الحجاج قال : « أرسلت الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن بعض من معنا من صرورة النساء قد اعتللن ، فكيف نصنع؟ قال : تنظر ما بينها وبين التروية فإن طهرت فلتهل ، وإلا فلا يدخل عليها التروية إلا وهي محرمة » (1)وفي رواية إسحاق بن عبد اللّه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « المتمتع إذا قدم ليلة عرفة فليس له متعة ، يجعلها حجة مفردة. إنما المتعة إلى يوم التروية » (2). ونحوها صحيحة علي بن يقطين ، وفيها : « وحدّ المتعة إلى يوم التروية » (3).

[1] في صحيح العيص بن القاسم ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المتمتع يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر ، تفوته المتعة؟ قال (عليه السلام) : لا ، ما بينه وبين غروب الشمس. قال : وقد صنع ذلك رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (4)وخبر إسحاق بن عبد اللّه قال : « سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المتمتع يدخل مكة يوم التروية. فقال : ليتمتع [ للمتمتع. خ ل ] ما بينه وبين الليل » (5)، ورواية عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا قدمت مكة يوم التروية - وقد غربت الشمس - فليس لك متعة ، امض كما أنت بحجك » (6)ونحوها غيرها.


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 15.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 9.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 11.

4) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 10.

5) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 11.

6) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 12.

أو بليلة عرفة [1] ، أو سحرها [2]. فمحمولة على صورة عدم إمكان الإدراك إلا قبل هذه الأوقات ، فإنه مختلف باختلاف الأوقات ، والأحوال ، والأشخاص [3]. ويمكن


[1] تدل على ذلك النصوص المتقدمة ، فإن غروب يوم التروية أول ليلة عرفة.

[2] في صحيح محمد بن مسلم قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إلى متى يكون للحاج عمرة؟ قال (عليه السلام) : الى السحر من ليلة عرفة » (1).

وفي بعضها التحديد بدخول يوم عرفة ، ففي خبر زكريا بن آدم قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة. قال (عليه السلام) : لا متعة له. يجعلها عمرة مفردة » (2).لكن في ظهوره في التحديد بذلك إشكال ظاهر.

وفي جملة التحديد بزوال يوم عرفة. ولا يبعد رجوعه إلى الأول ، كما يأتي في كلام المصنف.

[3] هذه المحامل مذكورة في كلام الجماعة. لكنها ناتجة من طرح النصوص ، وإلا فلا شاهد على الجمع بذلك. مع أن الأول بعيد جداً عن ظاهر بعض تلك النصوص ، بل ممتنع. والاختلاف باختلاف الأوقات والأشخاص مسلم ، لكن لا يناسب البيان المشتملة عليه النصوص. مع أن التعرض لخصوص الأشخاص - الذين لا يتمكنون من إدراك الحج إلا في المدة المذكورة - وإهمال غيرهم غير ظاهر. مع أن وجود هؤلاء الأشخاص إما نادر جداً ، أو مجرد فرض لا خارج له.


1) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 9.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

حملها على التقية إذا لم يخرجوا مع الناس يوم التروية [1]. ويمكن كون الاختلاف لأجل التقية ، كما في أخبار الأوقات للصلوات. وربما تحمل على تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل بعد التخصيص بالحج المندوب [2] ، فإن أفضل أنواع


[1] فتكون التقية في عمل المكلف ، بخلاف التقية في المحمل الآتي فإنها في بيان المعصوم. لكن التعرض للتقية في خصوص الموارد المذكورة دون غيرها غير ظاهر. كما سبق في الاشكال على ما قبله. وأما التقية في بيان المعصوم (عليه السلام) : فيتوقف إما على وجود الأقوال المختلفة المذكورة عند المخالفين ، أو الاجتزاء بإيقاع الخلاف في الحمل على التقية. وكلاهما بعيد جداً عن مفاد النصوص. وإن كان يشعر به ما في صحيح ابن بزيع ، من قول الرضا (عليه السلام) : « كان جعفر (عليه السلام) يقول .. » (1).

[2] حكي ذلك عن الشيخ في كشف اللثام والجواهر وغيرهما. فإنه جمع بين الأخبار ، بحملها على اختلاف مراتب الفضل. فالأفضل الإحرام بالحج بعد الفراغ من العمرة عند الزوال يوم التروية ، فان لم يفرغ عنده من العمرة كان الأفضل العدول إلى الحج ، ثمَّ ليلة عرفة ، ثمَّ يومها إلى الزوال ، السابق منها أفضل من اللاحق ، وإن كانت مشتركة في التخيير ، وعند الزوال يوم عرفة يتعين العدول ، لفوات الموقف غالباً. ثمَّ قال : « هذا إذا كان الحج مندوباً ، لا فيما إذا كان هو الفريضة .. ».

وهذا الجمع وإن كان أقرب مما سبق ، إلا أنه لا وجه للتخصيص بالمندوب ، لعموم الأخبار للجميع ، فان طوائف الأخبار المتقدمة كلها على نسق واحد ، ليس لبعضها اختصاص بالواجب وبعضها اختصاص


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 14. وقد سبق ذكر الرواية قريباً.

التمتع أن تكون عمرته قبل ذي الحجة [1] ، ثمَّ ما تكون عمرته قبل يوم التروية ، ثمَّ ما يكون قبل يوم عرفة. مع أنا لو أغمضنا عن الاخبار - من جهة شدة اختلافها وتعارضها - [2] نقول :


بالمندوب مضافاً إلى أن صحيح بن الحجاج - المتقدم في التحديد بيوم التروية - مورده صرورة النساء ، فيكون حجهن حج الإسلام. وأيضاً فإنه روى في الكافي - في الصحيح - عن محمد بن ميمون ، قال : « قدم أبو الحسن (عليه السلام) متمتعاً ليلة عرفة ، فطاف ، وأحل ، وأتى بعض جواريه ، ثمَّ أهل بالحج وخرج » (1). فان فعله (عليه السلام) يدل على أنه الأفضل ، وكيف يناسب ذلك ما دل على أن حد المتعة إلى يوم التروية أو غروبها؟! فلاحظ رواية إسحاق بن عبد اللّه ، وصحيحة ابن يقطين ، ورواية عمر بن يزيد ونحوها فان لسانها آب عن الحمل على الأفضل ، فضلاً عما يناسب فعمل الامام (عليه السلام).

اللّهم إلا أن يقال : فعله (عليه السلام) مجمل ، والناقل له غير معصوم ، فلا يحتج به. لكن إباء النصوص المذكورة عن الجمل على الأفضل لا مجال للمناقشة فيه.

[1] كما في صحيح إسماعيل ، من قوله (عليه السلام) : « أما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة فاتتنا المتعة .. » (2). لكن ظاهره التخصيص بهم (عليهم السلام) ، ووجهه غير ظاهر.

[2] لكن الإشكال في الإغماض عن الأخبار ، لأنها إذا كانت متعارضة ، ولم يمكن الجمع العرفي بينها ، فاللازم إما التخيير مع عدم


1) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 14. وقد سبق ذكره قريباً فلاحظ‌

مقتضى القاعدة هو ما ذكرنا ، لأن المفروض أن الواجب عليه هو التمتع ، فما دام ممكناً لا يجوز العدول عنه. والقدر المسلم من جواز العدول صورة عدم إمكان إدراك الحجّ ، واللازم إدراك الاختياري من الوقوف ، فإن كفاية الاضطراري منه


المرجح ، أو الأخذ بالراجح مع وجود المرجح. وحينئذ لا مجال للرجوع إلى القواعد. نعم يمكن أن تكون الموافقة للقواعد من المرجحات. لأنها راجعة إلى موافقة الكتاب والسنة ، فيؤخذ بما وافقها ويطرح غيره. وهذا الوجه لا بأس به.

ولعل الأولى أن يقال : إذا أرجعنا نصوص التحديد بزوال يوم عرفة إلى نصوص المشهور تكون هي أكثر عدداً من غيرها ، فتكون أولى بالأخذ بها. أو يقال : إن الطوائف المذكورة غير معمول بها غير طائفتين منها ، وهي طائفة التحديد بزوال التروية التي لم يعمل بها إلا ابن بابويه ، وطائفة التحديد بغروبه التي لم يعمل بها إلا المفيد في المقنعة والصدوق في المقنع. ولأجل أنهما مهجورتان عند بقية الأصحاب لا مجال للاعتماد عليهما. والطوائف الأخر غير معمول بها أصلاً ومجمع على خلافها ، فلا أهمية لها في قبال نصوص المشهور ، التي منها نصوص التحديد بزوال يوم عرفة ، فالعمل بها متعين والاعراض عما عداها.

ويشير اليه ما في صحيح إسماعيل بن بزيع ، من قول السائل : « عامة مواليك يدخلون يوم التروية .. » ، الظاهر في أن الشيعة - رفع اللّه تعالى شأنهم - كان عملهم على خلاف التحديد المذكور ، وأن التحديد كان مبنياً على وجه غامض.

خلاف الأصل [1].

يبقى الكلام في ترجيح أحد القولين الأولين. ولا يبعد رجحان أولهما [2] ، بناء على كون الواجب استيعاب تمام ما بين الزوال والغروب بالوقوف ، وإن كان الركن هو المسمى ولكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال ، فإن من جملة الأخبار مرفوع سهل ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في متمتع دخل يوم عرفة. قال : متعته تامة إلى أن يقطع الناس تلبيتهم » [3]. حيث أن قطع التلبية بزوال يوم عرفة. وصحيحة جميل : « المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة ، وله الحج الى زوال الشمس من يوم النحر » [4]. ومقتضاهما كفاية


[1] لكن جواز العدول أيضاً خلاف الأصل. وسيأتي بقية الكلام فيه.

[2] لأن ظاهر النصوص - المسوغة للعدول عند خوف فوت الموقفين - : أن المسوغ للعدول فوات الواجب من الوقوف ، ولا يختص بالركن. ويظهر ذلك - بمناسبة المقام - مما دل على مشروعية التيمم عند خوف فوت الصلاة ، فإن المراد منه الصلاة بجميع أجزائها ، ولا يختص بالركن منها.

[3] رواه في الكافي عن العدة ، عن سهل بن زياد ، رفعه ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

[4] رواها الشيخ عن سعد ، عن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « المتمتع .. » (2)


1) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 15.

إدراك مسمى الوقوف الاختياري ، فإن من البعيد إتمام العمرة قبل الزوال من عرفة ، وإدراك الناس في أول الزوال بعرفات. وأيضاً يصدق إدراك الموقف إذا أدركهم قبل الغروب. إلا أن يمنع الصدق ، فان المنساق منه إدراك تمام الواجب [1]. ويجاب عن المرفوعة والصحيحة بالشذوذ ، كما ادعي [2]. وقد يؤيد القول الثالث - وهو كفاية إدراك الاضطراري من عرفة - بالأخبار الدالة على أن من يأتي بعد إفاضة الناس من عرفات ، وأدركها ليلة النحر تمَّ حجه [3]. وفيه : أن موردها


ومحمد بن عيسى مشترك بين الأشعري وبين اليقطيني. والظاهر صحة حديثهما وإن كان الثاني محل مناقشة. ولذلك وصفها في المدارك وغيرها بالصحة. أو لبنائه على أن المراد منه الأشعري والد أحمد بن محمد بن عيسى. لكن استقرب في الذخيرة أنه اليقطيني.

[1] كما عرفت سابقاً.

[2] الجواب عن المرفوعة بالضعف أولى. وأما الشذوذ فغير ظاهر.

[3] هذا التأييد - لو تمَّ - لا يصلح لمعارضة ما تقدم في رواية محمد ابن سرور المتقدمة ، من قوله (عليه السلام) : « ويفيض مع الإمام » (1)، فإنه كالصريح في أن إتمام العمرة إنما هو مع إدراك الإمام في عرفات. ومثله صحيح الحلبي المتقدم (2)، فان الظاهر من قوله : « والناس بعرفات فخشي .. ( إلى قوله ) : أن يفوته الموقف » الوقوف مع


1) الوسائل باب : 20 من أبواب أقسام الحج حديث : 16.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 6.

غير ما نحن فيه - وهو عدم الإدراك من حيث هو - وفيما نحن فيه يمكن الإدراك ، والمانع كونه في أثناء العمرة ، فلا يقاس بها [1]. نعم لو أتم عمرته في سعة الوقت ثمَّ اتفق أنه لم يدرك الاختياري من الوقوف كفاه الاضطراري ودخل في مورد تلك الاخبار. بل لا يبعد دخول من اعتقد سعة الوقت فأتم عمرته ثمَّ بان كون الوقت مضيقاً في تلك الاخبار [2].


الناس في عرفات ، وهو الوقوف الاختياري. وأوضح منه صحيح زرارة : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) : عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال ، وهو متمتع بالعمرة إلى الحج. فقال : « يقطع التلبية ، تلبية المتعة ، ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر ، ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك ، ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ، ولا شي‌ء عليه » (1).فهذه النصوص يتعين الأخذ بها في المقام ، ورفع اليد عن النصوص المؤيدة لو كانت شاملة لما نحن فيه.

[1] وان شئت قلت : الكلام فيما نحن فيه في السبب المسوغ للعدول من العمرة ، وأنه فوات موقف عرفة الاختياري ، أو فواته مع الاضطراري ، فلا يرتبط بما دل على ادراك الوقوف بعرفة بالوقوف الاضطراري ، وأنه إذا أدركه فقد تمَّ حجه. وإلا لزم الاكتفاء بإدراك الوقوف الاختياري في المشعر ، لما دل على أن من أدرك المشعر الحرام فقد تمَّ حجه.

[2] هذا يتوقف على كون النصوص واردة في الملتفت. ولكن دعوى ذلك غير ظاهرة ، فإنه خلاف إطلاق النصوص. نعم يمكن البناء على صحة حجه حينئذ من باب حج الافراد ، ثمَّ يعتمر بعد ذلك ، ويكون


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.

ثمَّ إن الظاهر عموم حكم المقام بالنسبة إلى الحج المندوب وشمول الأخبار له [1] ، فلو نوى التمتع ندباً ، وضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج ، جاز له العدول الى الافراد. وفي وجوب العمرة بعده إشكال ، والأقوى عدم وجوبها [2]. ولو علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة وإدراك الحج قبل أن يدخل في العمرة ، هل يجوز له العدول من الأول إلى الافراد؟ فيه إشكال ، وان كان غير بعيد [3]. ولو دخل


إتمامه للعمرة غير مجزي عنها ، بل هو باق على إحرامه ، ولا يحل بالتقصير - ولا بغيره - حتى يدرك الحج ، ولو بإدراك المشعر الاختياري. لدخوله حينئذ في النصوص جميعها. ولا تتوقف صحة حجه على إدراك اختياري عرفة ولا اضطراريها.

[1] الظاهر أنه لا ريب فيه. وقد تقدم من الشيخ حمل نصوص التحديد بغير الضيق على خصوص المندوب ، فكأن الحكم في المندوب أوضح منه في الواجب. والنصوص المستدل بها على الحكم مطلقة شاملة له.

[2] لأن العمرة المفردة عمل مستقل عن الحج. ووجوب إتمام الحج بالشروع فيه لا يقتضي وجوب فعل العمرة ، لأنها ليست من تمام الحج ، والأصل البراءة. وأما ما رود في النصوص من الأمر بالإتيان بالعمرة المفردة ، فلا يدل على الوجوب ، لأن الظاهر منه الإرشاد إلى ما هو يدل عمرة التمتع ، فان كانت واجبة كان واجباً ، وإلا فلا ، وليس المقصود منه إيجابها تعبداً.

[3] فان كلمات الأصحاب موردها الدخول في العمرة - وكذلك

في العمرة بنية التمتع في سعة الوقت وأخر الطواف والسعي متعمداً الى ضيق الوقت ، ففي جواز العدول وكفايته إشكال [1] ، والأحوط العدول وعدم الاكتفاء إذا كان الحج واجباً عليه.


النصوص - لكن يمكن أن يستفاد الجواز بالأولوية. ولا سيما بملاحظة أن البناء على عدم جواز العدول فيه يوجب سقوط الحج عنه بالمرة ، لأنه لا يتمكن من حج التمتع ، ولا يجزيه غيره.

[1] لاختصاص النصوص بغيره. لكن لازم ذلك الرجوع إلى القواعد المقتضية لوجوب إتمام العمرة والاجتزاء في فعل الحج بإدراك المشعر ، لعموم : من أدراك الوقوف بالمشعر فقد تمَّ حجه. ودعوى : اختصاصه بغير المقام ممنوعة. كما يظهر ذلك من ملاحظة نظائره ، من موارد الأبدال الاضطرارية. فإن من أراق ماء الوضوء عمداً صح تيممه ، ومن أخر الصلاة حتى أدرك ركعة من الوقت صحت صلاته أداء ، ومن عجز نفسه عن القيام في الصلاة صحت صلاته من جلوس .. إلى غير ذلك من الموارد. ومن ذلك يظهر الإشكال في كون الأحوط العدول ، فان العدول وإن كان مردداً بين الوجوب والحرمة ، لكن الحرمة مقتضى الدليل ، والوجوب خلاف مقتضى الدليل ، فيكون العمل على الحرمة أحوط.

هذا بناء على اختصاص نصوص المقام بغير الفرض. لكنه غير ظاهر فلاحظ النصوص تجدها - كغيرها من موارد الأبدال الاضطرارية - شاملة للعامد وغيره ، وان كان العامد آثماً في التأخير. ثمَّ لو فرض التوقف عن العمل بالنصوص والعمل بالقواعد - كما يظهر من المتن - فالاحتياط كما يكون بالعدول لاحتمال وجوبه ، يكون بالإتمام لاحتمال وجوبه أيضاً. بل لعل الثاني أقرب ، لأنه موافق للاستصحاب. فتأمل جيداً.

( مسألة 4 ) : اختلفوا في الحائض والنفساء - إذا ضاق وقتهما عن الطهر وإتمام العمرة وإدراك الحج - على أقوال : أحدها : أن عليهما العدول إلى الافراد والإتمام ، ثمَّ الإتيان بعمرة بعد الحج [1]. لجملة من الأخبار [2].

الثاني : ما عن جماعة ، من أن عليهما ترك الطواف ، والإتيان بالسعي ، ثمَّ الإحلال ، وإدراك الحج ، وقضاء طواف


[1] وفي الجواهر : « على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة ، بل في المنتهى : الإجماع عليه .. ». ثمَّ حكى كلام المنتهى ، ثمَّ قال : « ونحوه عن التذكرة .. ».

[2] منها صحيح جميل : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية. قال (عليه السلام) : تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة ، ثمَّ تقيم حتى تطهر ، فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة » (1). قال ابن أبي عمير : « كما صنعت عائشة ». ومصحح إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن المرأة تجي‌ء متمتعة فتطمث - قبل أن تطوف بالبيت - حتى تخرج إلى عرفات. قال (عليه السلام) : تصير حجة مفردة ، وعليها دم أضحيتها » (2)، وصحيح ابن بزيع ، السابق في تحديد الضيق بزوال يوم التروية (3). وقد تعضد - أو تؤيد - ببعض الأخبار الآتية في المسألة الآتية.


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج ملحق حديث : 13.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 4 وقد صبق ذكر الرواية في المسألة السابقة.

العمرة بعده [1]. فيكون عليهما الطواف ثلاث مرات ، مرة لقضاء طواف العمرة ، ومرة للحج ، ومرة للنساء. ويدل على ما ذكروه أيضاً جملة من الأخبار [2].


[1] حكي ذلك عن علي بن بابويه وأبي الصلاح. وفي كشف اللثام : حكايته عن جماعة - ولعل منهم الحلبي - وفي مورد آخر : نسبه إلى الحلبيين وجماعة.

[2] منها صحيح العلاء بن صبيح ، وعبد الرحمن بن الحجاج ، وعلي ابن رئاب ، وعبيد اللّه بن صالح ، كلهم يروونه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثمَّ حاضت تقيم ما بينها وبين التروية فإن طهرت طافت بالبيت وسعت ، وإن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت ، ثمَّ سعت بين الصفا والمروة ، ثمَّ خرجت إلى منى. فاذا قضت المناسك وزارت البيت ، طافت بالبيت طوافاً لعمرتها ، ثمَّ طافت طوافاً للحج ، ثمَّ خرجت فسعت ، فاذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شي‌ء يحل منه المحرم ، إلا فراش زوجها ، فاذا طافت أسبوعاً حل لها فراش زوجها » (1)وخبر عجلان أبي صالح : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : « متمتعة قدمت مكة فرأت الدم ، كيف تصنع؟ قال (عليه السلام) : تسعى بين الصفا والمروة ، وتجلس في بيتها. فان طهرت طافت بالبيت ، وإن لم تطهر فاذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء وأهلت بالحج وخرجت إلى منى فقضت المناسك كلها ، فاذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين ، ثمَّ سعت بين الصفا والمروة فإذا فعلت ذلك فقد حل لها كل شي‌ء ما عدا فراش زوجها ، قال : وكنت أنا وعبد اللّه بن صالح سمعنا هذا الحديث في المسجد ، فدخل عبيد اللّه على


1) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 1.

الثالث : ما عن الإسكافي وبعض متأخري المتأخرين [1] من التخيير بين الأمرين. للجمع بين الطائفتين بذلك.

الرابع : التفصيل بين ما إذا كانت حائضاً قبل الإحرام فتعدل ، أو كانت طاهراً حال الشروع فيه ثمَّ طرأ الحيض في


أبي الحسن (عليه السلام) فخرج إلي ، فقال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رواية عجلان ، فحدثنا بنحو ما سمعنا عن عجلان » (1)، ورواية عجلان الأخرى : « أنه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إذا اعتمرت المرأة ثمَّ اعتلت قبل أن تطوف ، قدمت السعي وشهدت المناسك ، فاذا طهرت وانصرفت من الحج قضت طواف العمرة وطواف النساء ، ثمَّ أحلت من كل شي‌ء » (2)ونحوهما روايته الثالثة : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتعة دخلت مكة فحاضت. قال (عليه السلام) : تسعى بين الصفا والمروة ، ثمَّ تخرج مع الناس حتى تقضي طوافها بعد » (3). وقريب منها رواية يونس بن يعقوب ، عن رجل ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4).

[1] لعله يريد به صاحب المدارك ، فإنه - بعد ما نقل صحيحة العلاء بن صبيح والجماعة معه - قال : « والجواب : أنه - بعد تسليم السند والدلالة - يجب الجمع بينها وبين الروايات السابقة - المتضمنة للعدول إلى الافراد - بالتخيير بين الأمرين. ومتى ثبت ذلك كان العدول أولى ، لصحة مستنده ، وصراحة دلالته ، وإجماع الأصحاب عليه ».


1) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 6.

2) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 3.

3) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 10.

4) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 8.

الأثناء فتترك الطواف وتتم العمرة وتقتضي بعد الحج. اختاره بعض [1] ، بدعوى : أنه مقتضى الجمع بين الطائفتين ، بشهادة خبر أبي بصير : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول - في المرأة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهر ، ثمَّ حاضت قبل أن تقضي متعتها - سعت ولم تطف حتى تطهر ، ثمَّ تقضي طوافها وقد قضت عمرتها. وان أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر » [2]. وفي الرضوي : « إذا حاضت المرأة من قبل أن تحرم .. الى قوله (عليه السلام) - : وإن طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها ، فتجعلها حجة مفردة. وان حاضت بعد ما أحرمت سعت بين الصفا والمروة وفرغت من المناسك كلها. الا الطواف بالبيت ، فاذا طهرت قضت الطواف بالبيت ، وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج ، وعليها


[1] حكي عن الكاشاني في الوافي والمفاتيح ، واختاره في الحدائق.

[2] رواه في الكافي عن العدة ، عن سهل بن زياد ، عن ابن أبي عمير [ نجران. خ ل ] (1). عن مثنى الحناط (2)، قال : « سمعت [ سألت. خ ل ] أبا عبد اللّه (عليه السلام) .. » (3).


1) كما في الكافي الجزء : 4 صفحة 448 طبع إيران الحديثة.

2) الموجود في الكافي : رواية ذلك عن مثنى الحناط ، عن أبي بصير. لا حظ الكافي الجزء : 4 صفحة 448 طبع إيران الحديثة وفي التهذيب والاستبصار : رواها عن ابن أبي عمير عن أبي بصير ، بحذف. مثنى الحناط لا حظ التهذيب الجزء : 5 صفحة 395 طبع النجف الأشرف ، والاستبصار الجزء : 2 صفحة 315 طبع النجف الأشرف.

3) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 5.

طواف الحج ، وطواف العمرة ، وطواف النساء » [1]. وقيل في توجيه الفرق بين الصورتين : أن في الصورة الأولى لم تدرك شيئاً من أفعال العمرة طاهراً ، فعليها العدول الى الافراد ، بخلاف الصورة الثانية ، فإنها أدركت بعض أفعالها طاهراً ، فتبني عليها ، وتقضي الطواف بعد الحج [2]. وعن المجلسي (قدس سره) [3] في وجه الفرق ما محصله : أن في الصورة الأولى لا تقدر على نية العمرة ، لأنها تعلم أنها لا تطهر


[1] قال في كتاب الفقه الرضوي : « وإذا حاضت المرأة من قبل أن تحرم ، فعليها أن تحتشي إذا بلغت الميقات ، وتغتسل ، وتلبس ثياب إحرامها ، وتدخل مكة وهي محرمة ، ولا تدخل المسجد الحرام. فان طهرت ما بينها وبين يوم التروية قبل الزوال فقد أدركت متعتها ، فعليها أن تغتسل ، وتطوف بالبيت ، وتسعى بين الصفا والمروة ، وتقضي ما عليها من المناسك ، وإن طهرت بعد الزوال .. » (1). الى آخر ما في المتن.

[2] لا يحضرني هذا القائل. كما أن تعليله ظاهر الضعف ، فان مجرد عدم إدراكها لبعض أجزاء العمرة طاهرة لا يكفي في بطلان العمرة ، ولا في وجوب العدول عنها. ومجرد إدراك بعض الأجزاء طاهرة لا يكفي في وجوب إتمامها ، إذ لا دليل عليه.

[3] المراد به : المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه. قال


1) مستدرك الوسائل باب : 57 من أبواب الطواف حديث : 3 ، وباب : 17 من أبواب أقسام الحج حديث : 2. لكن في الموضعين اقتصر على صدر الحديث الى قوله : « فتجعلها حجة مفردة ». وأما الذيل فهو مذكور في الحدائق الجزء : 14 صفحة : 345 . كما ان الصدر مذكور في صفحة : 339 منه.

للطواف وادراك الحج بخلاف الصورة الثانية ، فإنها حيث كانت طاهرة وقعت منها النية والدخول فيها.

الخامس : ما نقل عن بعض ، من أنها تستنيب للطواف ثمَّ تتم العمرة وتأتي بالحج [1]. لكن لم يعرف قائله [2]. والأقوى من هذه الأقوال هو القول الأول. للفرقة الأولى من الاخبار ، التي هي أرجح من الفرقة الثانية ، لشهرة العمل بها دونها [3]. وأما القول الثالث - وهو التخيير - فان كان


في الحدائق : « هذه ترجمة كلامه : والحائض التي حاضت قبل الإحرام إنما لا تسعى بين الصفا والمروة لتأتي بجميع المناسك مع حج التمتع ، لأنها لا تقدر على نية عمرة التمتع ، لأنها تعلم أن لأفعال الحج أوقاتاً مخصوصة لو لم تفعلها في تلك الأوقات لم تصح حجتها. مثل الوقوف بعرفات ، فإنه لا يصح إلا يوم عرفة ، وبالمشعر ، فلا يصح إلا يوم النحر ، ورمي الجمار. وإذا كانت في حال إحرامها حائضاً فظنت عدم النقاء إلى اليوم العاشر لا تقدر أن تنوي عمرة التمتع ، فيتعين عليها نية حج الإفراد. فاما إن لم تكن عند الإحرام حائضاً تقدر أن تنوي عمرة التمتع .. ( إلى أن قال ) : وهذا وجه للجمع بين الأخبار الواردة في هذا الباب ».

[1] حكى ذلك في الجواهر عن بعض الناس.

[2] وفي الجواهر : « فلم نعرف قائله ، ولا دليله .. » ونحوه في المستند.

[3] أقول : شهرة العمل لا تصلح للترجيح ، كما حقق في الأصول. والشهرة - المذكورة في روايات الترجيح - هي شهرة الرواية وكثرة رواتها كما لا يخفى.

المراد منه الواقعي ، [1] بدعوى : كونه مقتضى الجمع بين الطائفتين. ففيه : أنهما يعدان من المتعارضين [2] ، والعرف لا يفهم التخيير منهما ، والجمع الدلالي فرع فهم العرف من ملاحظة الخبرين ذلك. وإن كان المراد التخيير الظاهري. العملي [3] ، فهو فرع مكافئة الفرقتين ، والمفروض أن الفرقة الأولى أرجح ، من حيث شهرة العمل بها [4]. وأما التفصيل


[1] بأن يراد منه كون الحكم الواقعي التخيير ، فهو تخيير في المسألة الفرعية.

[2] لاشتمال كل من الدليلين على الأمر بأحد الطرفين ، الظاهر في الوجوب. وحمله على الوجوب التخييري ، أو الرخصة في الفعل ، خلاف الظاهر.

[3] يعني : التخيير في المسألة الأصولية ، بأن يختار المكلف أحد المتعارضين فيتعين عليه العمل به.

[4] ودليل التخيير بين المتعارضين يختص بصورة عدم المرجح لأحدهما على الآخر ، أما مع وجود المرجح يتعين الأخذ بالراجح ولا تخيير. لكن عرفت الإشكال في الترجيح بموافقة الشهرة الفتوائية. مضافاً الى ما يتوجه على هذه الطائفة : بأنها تتضمن التحديد بزوال يوم التروية ، وقد سبق ، أن الأخبار المتضمنة لذلك مردودة لا مجال للعمل بها ، كغيرها من التحديدات التي لم يقل بها المشهور. اللّهم إلا أن يدفع : بأن مصحح إسحاق خال عن التحديد (1). وصحيح جميل ، وان اشتمل على التحديد بزوال يوم التروية ، لكن مورده صورة استمرار الحيض إلى ما بعد قضاء المناسك ،


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج. ملحق حديث : 13. وقد تقدم ذلك في المسألة الرابعة من الفصل.

المذكور فموهون بعدم العمل [1]. مع أن بعض أخبار القول الأول ظاهر في صورة كون الحيض بعد الدخول في الإحرام [2]


كما يظهر من قوله (عليه السلام) : « ثمَّ تقيم حتى تطهر » (1)، ولا مانع من خروج المرأة - في الصورة المذكورة - إلى عرفات يوم التروية بعد عدولها عن الحج. نعم صحيح ابن بزيع لا مرد للإشكال عليه (2). لكن يكفي - في إثبات القول المشهور - صحيح جميل ، ومصحح إسحاق. وأما أخبار القول الثاني فالعمدة فيها : صحيح العلاء بن صبيح والجماعة معه (3)وهو - بعد اشتماله على التحديد بيوم التروية - لا مجال للاعتماد عليه ، كنظائره. ومن ذلك يتوجه الاشكال على بعض روايات عجلان أبي صالح (4)مضافاً إلى إشكال الضعف في السند المشترك بين جميعها. ولأجله لا مجال - أيضاً - للأخذ بما هو خال عن التحديد منها. ومن ذلك يظهر : عدم جواز الاعتماد على أخبار القول الثاني. ولا سيما بملاحظة هجرها ، وإعراض الأصحاب عنها ، عدا النادر. لأجل ذلك لا تصلح لمعارضة الأخبار الأولة.

[1] فإنه لم ينقل عن أحد من القدماء ، ولا المتأخرين ، ولا متأخري المتأخرين ، وإنما نقل عمن سبق.

[2] مثل صحيح ابن بزيع ، ومصحح إسحاق بن عمار ، فان ظاهر


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 2. وقد تقدم ذلك في المسألة : 4 من الفصل‌

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 14. وقد سبق ذكر الرواية في المسألة : 3 من الفصل‌

3) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 1. وقد تقدم ذلك في المسألة : 4 من الفصل.

4) الوسائل باب : 84 من أبواب الطواف حديث : 3 ، 6 ، 10. وقد تقدم ذلك في المسألة : 4 من الفصل.

نعم لو فرض كونها حائضاً حال الإحرام ، وعلمت بأنها لا تطهر لإدراك الحج ، يمكن أن يقال : يتعين عليها العدول إلى الافراد من الأول [1] ، لعدم فائدة في الدخول في العمرة ثمَّ العدول الى الحج. وأما القول الخامس فلا وجه له [2] ، ولا له قائل معلوم.

( مسألة 5 ) : إذا حدث الحيض وهي في أثناء طواف عمرة التمتع ، فان كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها على الأقوى [3]. وحينئذ فإن كان الوقت موسعاً أتمت عمرتها


قوله فيه : « تجي‌ء متمتعة » أنها تجي‌ء إلى مكة ، ومن المعلوم أن دخول مكة للمتمتع إنما يكون بعد الإحرام. وأما ما ذكره المجلسي (قدس سره) : من أنها في الصورة الأولى لا تقدر على نية العمرة ، فإن كان المراد أنها لا تقدر على النية الجزمية ، ففي الصورة الثانية أيضاً لا تقدر ، لاحتمال طروء الحيض واستمراره الى وقت الوقوف. وإن كان المراد أنها لا تقدر على النية الرجائية فهو ممنوع.

[1] كما سبق في ذيل المسألة السابقة.

[2] إذ لا دليل على الاستنابة في الطواف في المقام ، ولا وجه لرفع اليد عن الأخبار الواردة في المسألة التي عرفتها.

[3] على المشهور شهرة عظيمة ، بل لا يعرف الخلاف فيه إلا من الصدوق ، فصحح الطواف والمتعة. لصحيح محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أطواف - أو أقل من ذلك - ثمَّ رأت دماً. قال (عليه السلام) : تحفظ مكانها ، فاذا طهرت طافت بقيته وأعتدت


بما مضى » (1). قال في الفقيه : « قال مصنف هذا الكتاب - رضی اللّه عنه - : وبهذا الحديث أفتي ، دون الحديث الذي رواه ابن مسكان ، عن إبراهيم بن إسحاق ، عمن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمَّ طمثت ، قال : « تتم طوافها ، وليس عليها غيره ومتعتها تامة ، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة. ولأنها زادت على النصف وقد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج. وإن هي لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج. فإن أقام بها جمّالها فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر » (2). لأن هذا الحديث إسناده منقطع ، والحديث الأول رخصة ورحمة ، وإسناده متصل .. ». وفيه : أن الصحيح مطلق والمرسل مختص بالمتمتعة ، فيتعين التقييد به. وأيضاً فإن المرسل المذكور رواه الشيخ مسنداً عن إبراهيم بن أبي إسحاق ، عن سعيد الأعرج (3). كما رواه مرسلاً عمن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام). وروي أيضاً - في الصحيح - عن ابن مسكان عن أبي إسحاق صاحب اللؤلؤ. قال : « حدثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في المرأة المتمتعة : إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثمَّ حاضت فمتعتها تامة ، وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ، وتخرج إلى منى قبل أن تطوف الطواف الآخر » (4)، ورواه الكليني (رحمه اللّه) - إلى قوله : « فمتعتها تامة » (5)، فإن مفهومه عدم تمامية المتعة إذا طافت أقل من ذلك. مع أن ضعف السند مجبور بالاعتماد عليه من الأصحاب.


1) الوسائل باب : 85 من أبواب الطواف حديث : 3.

2) الوسائل باب : 85 من أبواب الطواف حديث : 4.

3) الوسائل باب : 86 من أبواب الطواف حديث : 1.

4) الوسائل باب : 86 من أبواب الطواف حديث : 2.

5) الوسائل باب : 86 من أبواب الطواف ملحق حديث : 2.

بعد الطهر ، وإلا فلتعدل إلى حج الافراد ، وتأتي بعمرة مفردة بعده [1]. وإن كان بعد تمام أربعة أشواط فتقطع الطواف [2] ، وبعد الطهر تأتي بالثلاثة الأخرى ، وتسعى ، وتقصر مع سعة الوقت [3].


ولا سيما مع تأييده بما دل على صحة الطواف إذا طرأ الحيض بعد تجاوز النصف وبطلانه إذا كان قبل ذلك ، كخبر أبي بصير (1)، وأحمد بن عمر الحلال (2).

[1] لما سبق.

[2] بلا إشكال. للحدث المانع من صحته.

[3] يعني : قبل الإحرام للحج. والذي يظهر من عبارة القواعد : أنها تسعى ، وتقصر في حال الحيض ، ويكون المأتي به من الأشواط الأربعة بمنزلة الطواف التام. قال (رحمه اللّه) : « ولو طافت أربعاً فحاضت ، سعت وقصرت ، وصحت متعتها ، وقضت باقي المناسك وأتمت بعد الطهر. ولو كان أقل فحكمها حكم من لم تطف ، فتنتظر الطهر ، فان حضر وقت الوقوف ولم تطهر خرجت الى عرفة وصارت حجتها مفردة ، وان طهرت وتمكنت من طواف العمرة وأفعالها صحت متعتها ، وإلا صارت مفردة ، فإن تفصيله في الأخير كالصريح في عدم التفصيل في الأول. ولكنه غير ظاهر ، بل هو خلاف ما دل على الترتيب بين الطواف والسعي وبين العمرة والحج. والرواية الأولى واردة في الضيق. والثانية لا تخلو من تشويش ،


1) الوسائل باب : 85 من أبواب الطواف حديث : 1.

2) الوسائل باب : 85 من أبواب الطواف حديث : 2.

ومع ضيقه تأتي بالسعي وتقصر [1] ، ثمَّ تحرم للحج وتأتي بأفعاله ، ثمَّ تقضي بقية طوافها - قبل طواف الحج أو بعده - ثمَّ تأتي ببقية أعمال الحج ، وحجها صحيح تمتعاً. وكذا الحال إذا حدث الحيض بعد الطواف وقبل صلاته [2].


فالخروج عن القواعد غير ظاهر ، وان كان في الجواهر جعل ما في المتن أولى وأحوط.

[1] لما سبق من الخبرين ، وعليه جمهور الأصحاب. وخالف ابن إدريس فأبطل المتعة. قال (رحمه اللّه) : « والذي تقتضيه الأدلة : أنه إذا جاء الحيض قبل جميع الطواف فلا متعة لها. وإنما ورد بما قاله شيخنا أبو جعفر خبران مرسلان ، فعمل عليهما. وقد بينا أنه لا يعمل بأخبار الآحاد وإن كانت مسندة ، فكيف بالمراسيل؟! .. ». ومال إليه في المدارك ، عملا بالقواعد ، لاشتراط الترتيب بين السعي وتمام الطواف وبين أفعال الحج وتمام أفعال العمرة. وبصحيح ابن بزيع المتقدم (1). وإشكاله ظاهر ، لانجبار المرسلين بالعمل ، فيخرج بهما عن القواعد ، وعن إطلاق صحيح ابن بزيع.

[2] قال في المدارك : « ولو حاضت بعد الطواف وقبل صلاة الركعتين ، فقد صرح العلامة وغيره بأنها تترك الركعتين ، وتسعى ، وتقصر فاذا فرغت من المناسك قضتهما. واستدل عليه في المنتهى بما رواه الشيخ عن أبي الصباح الكناني ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ، ثمَّ حاضت قبل أن تصلي الركعتين. قال (عليه السلام) :


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 14. وقد سبق ذكر الرواية في المسألة : 3 من الفصل.

فصل في المواقيت

اشارة

وهي المواضع المعينة للإحرام ، أطلقت عليها مجازاً ، أو حقيقة متشرعة [1].


إذا طهرت فلتصل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ، وقد قضت طوافها » (1)وفي الدلالة نظر ، وفي الحكم اشكال ». ووجه النظر في الدلالة : عدم التعرض في الرواية لجواز فعل مناسك الحج قبل صلاة الركعتين. ووجه الإشكال في الحكم : عدم الدليل عليه الموجب للخروج عما دل على اعتبار الترتيب كما سبق. لكن عرفت الدليل على الحكم في الصورة السابقة ، ففي هذه الصورة أولى. وتشتركان في لزوم الانتظار في السعة ، ووجوب المبادرة إلى فعل مناسك الحج في الضيق. واللّه سبحانه ولي التوفيق.

فصل في المواقيت

[1] في المصباح المنير : « الوقت : مقدار من الزمان مفروض لأمر ما وكل شي‌ء قدرت له حيناً فقد وقته توقيتاً ، وكذلك ما قدرت له غاية ، والجمع أوقات والميقات الوقت ، والجمع مواقيت. وقد أستعير الوقت للمكان ، ومنه : مواقيت الحج موضع الإحرام ». ونحوه ما في النهاية الأثيرية. لكن في الصحاح : « الميقات : الوقت المضروب للفعل والموضع يقال : هذا ميقات أهل الشام ، للموضع الذي يحرمون منه ». ونحوه


1) الوسائل باب : 88 من أبواب الطواف حديث : 2.

والمذكور منها في جملة من الأخبار خمسة [1] ، وفي بعضها ستة [2].


كلام القاموس. وظاهرهما أن استعماله في المواضع المذكورة على وجه الحقيقة. اللّهم إلا أن يكون المراد أنه حقيقة متشرعية لا لغوية.

[1] قد اختلفت كلمات الأصحاب (رضي اللّه عنه) في تعدادها ، فمنهم من ذكر خمسة ، ومنهم من ذكر ستة ، ومنهم من ذكر سبعة ، ومنهم من ذكر عشرة. وليس ذلك اختلافاً في الحكم ، وإنما هو لاختلاف أنظارهم في الجهة الملحوظة في ذكر العدد. وكذلك النصوص الشريفة اختلفت في ذكر العدد ، فمنها ما ذكر فيه خمسة ، كصحيح الحلبي : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : الإحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها : وقت لأهل المدينة : ذا الحليفة ، وهو مسجد الشجرة ، يصلي فيه ، ويفرض الحج ، ووقت لأهل الشام : الجحفة ، ووقت لأهل نجد : العقيق ، ووقت لأهل الطائف : قرن المنازل ، ووقت لأهل اليمن : يلملم. ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) (1). ونحوه صحيح أبي أيوب الخزاز (2)وغيره.

[2] كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : من تمام الحج والعمرة : أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، لا تجاوزها إلا وأنت محرم ، فإنه وقت لأهل العراق - ولم يكن يومئذ عراق - : بطن العقيق من قبل أهل العراق ، ووقت لأهل اليمن : يلملم ، ووقت لأهل الطائف : قرن المنازل ، ووقت لأهل المغرب : الجحفة - وهي مهيعة -


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 3.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 1.

ولكن المستفاد من مجموع الاخبار : أن المواضع التي يجوز الإحرام منها عشرة [1] :

أحدها : ذو الحليفة ، وهي ميقات أهل المدينة ومن يمر على طريقهم [2]. وهل هو مكان فيه مسجد الشجرة ، أو نفس المسجد [3]؟ قولان وفي جملة من الأخبار : أنه هو الشجرة [4] ،


ووقت لأهل المدينة : ذا الحليفة. ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله » (1)

[1] وعليه فتوى الفقهاء ، كما عرفت ، ويأتي.

[2] بلا ريب ، نصاً وفتوى في الجملة.

[3] قد اختلفت عبارات الأصحاب في تعيين الميقات المذكور ، فالمحكي عن المقنعة ، والناصريات ، وجمل العلم والعمل ، والكافي ، والإشارة : أنه ذو الحليفة. وفي الشرائع والقواعد ، وعن النافع والجامع : أنه مسجد الشجرة لكن عن المعتبر والمهذب وكتب الشيخ والصدوق والقاضي وسلار وابني زهرة وإدريس والتذكرة والمنتهى والتحرير : أنه ذو الحليفة ، وأنه مسجد الشجرة.

[4] في صحيح علي بن رئاب قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأوقات التي وقتها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) للناس. فقال (عليه السلام) : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) وقت لأهل المدينة : ذا الحليفة ، وهي الشجرة .. (2)وفي خبر علي ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) قال : « سألته عن المتعة في الحج ، من أين إحرامها وإحرام الحج؟ قال : وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لأهل العراق من


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 2.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 7.

وفي بعضها : أنه مسجد الشجرة [1]. وعلى أي حال فالأحوط الاقتصار على المسجد ، إذ مع كونه هو المسجد فواضع ، ومع كونه مكاناً فيه المسجد فاللازم حمل المطلق على المقيد [2]


العقيق ، ولأهل المدينة ومن يليها من الشجرة » (1)ونحوهما صحيح ابن سنان الآتي في المحاذاة (2)وصحيح الحلبي الآتي أيضاً في المسألة الأولى (3)وغيرهما.

[1] كما تقدم في صحيح الحلبي. وفي صحيح رفاعة : « ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، وهو مسجد الشجرة » (4). وفي مرسل الحسين بن الوليد : « لأي علة أحرم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه » (5).

[2] فيه تأمل ، لأن نسبة المسجد إلى ذي الحليفة - بناء على أنه المكان الذي فيه المسجد - نسبة الجزء إلى الكل ، لا الفرد إلى الكلي التي هي نسبة المقيد الى المطلق ، فيكون المراد من ذي الحليفة جزأه مجازاً : وعليه يكون الدوران بين المجاز المذكور وبين حمل تعيين المسجد على الاستحباب وكون الأول أولى غير ظاهر.

هذا بالنظر الى ما اقتصر فيه على أحد الأمرين - أعني : ذا الحليفة ومسجد الشجرة - أما بالنظر الى ما جمع فيه بين الأمرين على وجه التفسير -


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 9.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت حديث : 1.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب المواقيت حديث : 3.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 11. وقد جاء ذلك في المصدر بلا سند إلا أن عطفه على ما سبق لرفاعة من رواية لعله يقتضي اسناد الرواية المذكورة إليه أيضاً.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 13.

لكن مع ذلك الأقوى جواز الإحرام من خارج المسجد - ولو اختياراً - وإن قلنا أن ذا الحليفة هو المسجد. وذلك لان مع الإحرام من جوانب المسجد يصدق الإحرام منه عرفاً ، إذ فرق بين الأمر بالإحرام من المسجد أو بالإحرام فيه [1]. هذا مع إمكان دعوى : أن المسجد حد للإحرام فيشمل جانبيه مع محاذاته [2]. وإن شئت فقل : المحاذاة كافية ولو مع القرب من الميقات.


كصحيح الحلبي وغيره - فلا مجال لشي‌ء من ذلك ، إذ قوله (عليه السلام) فيه : « وهو مسجد الشجرة » لا بد من الأخذ بالتفسير فيه على كل حال وإن لم نقل بوجوب حمل المطلق على المقيد ، كما هو ظاهر.

[1] هذا الفرق إنما يقتضي جواز الإحرام من جوانب المسجد المتصلة به ، ولا يسوغ الإحرام من جوانبه مع عدم الاتصال ، لأن الابتداء حينئذ لا يكون من المسجد ، كما لا يخفى.

[2] فيكون المراد ، من كون المسجد الميقات : أنه موضع للإحرام بلحاظ البعد عن مكة ، فجميع ما يحاذيه من المواضع المساوية له في البعد يجوز الإحرام منها. وهذا هو العمدة في إثبات جواز الإحرام خارج المسجد. وعن المحقق الثاني في حاشية القواعد : أن جواز الإحرام من الموضع المسمى بذي الحليفة وإن كان خارج المسجد لا يكاد يدفع. انتهى. وإلى ذلك مال في الجواهر في مبحث المحاذاة. واستشهد له بإطلاق الإحرام مع المحاذاة لمسجد الشجرة في صحيح ابن سنان الآتي (1)، ولو وجب الإحرام من نفس المسجد لوجب الأمر به في الصحيح.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت حديث : 1. ويأتي ذكر الرواية في الميقات التاسع، وهو المحاذاة.


( تنبيه )

قال في كشف اللثام : « وفي الصحاح : ذو الحليفة : موضع. وفي القاموس : موضع على ستة أميال من المدينة ، وهو ماء لبني جشم. وفي تحرير النووي : بضم الحاء المهملة ، وفتح اللام ، وبالفاء : على نحو ستة أميال من المدينة - وقيل : سبعة ، وقيل : أربعة - ومن مكة نحو عشرة مراحل. ونحو منه في تهذيبه. وفي المصباح المنير : ماء من مياه بني جشم ثمَّ سمي به الموضع ، وهو ميقات أهل المدينة ، نحو مرحلة منها. ويقال : على ستة أميال. قلت : ويقال : على ثلاثة ، ويقال : على خمسة ونصف. وفي المبسوط والتذكرة : أنه مسجد الشجرة ، وأنه على عشرة مراحل عن مكة ، وعن المدينة ميل. ووجه : بأنه ميل الى منتهى العمارات في وادي العقيق التي ألحقت بالمدينة. وقال فخر الإسلام في شرح الإرشاد : ويقال لمسجد الشجرة : ذو الحليفة. وكان قبل الإسلام اجتمع فيه ناس وتحالفوا. ونحوه في التنقيح. وقيل : الحليفة تصغير الحلفة - بفتحات - واحدة الحلفاء ، وهو النيات المعروف. وينص على ستة أميال : صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) .. إلى أن قال : وقال المسهوري في خلاصة الوفاء : قد اختبرت فكان من عتبة باب المسجد النبوي - المعروف بباب السلام - إلى عتبة مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع ، وسبعمائة ذراع ، واثنان وثلاثون ذراعاً ونصف ذراع .. ».

ولا ريب في عدم الفائدة في هذا الاختلاف ، لأن المسجد لم يزل

( مسألة 1 ) : الأقوى عدم جواز التأخير إلى الجحفة - وهي ميقات أهل الشام - اختياراً [1]. نعم يجوز مع الضرورة ، لمرض ، أو ضعف ، أو غيرهما من الموانع. لكن


معروفاً من صدر الإسلام إلى اليوم ، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. بل الغريب وقوع الاختلاف المذكور على النهج المزبور ، كما لا يخفى. وأما النص - في صحيح ابن سنان - على أنه ستة أميال عن المدينة فغير ظاهر ، لجواز اختلاف المتحاذيين مسافة بالنسبة إلى مكان ثالث كما نشير إليه في الميقات التاسع.

[1] كما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل لا يعرف الخلاف فيه إلا من نادر. لرواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال : « سألته عن قوم قدموا المدينة ، فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام - يعني : الإحرام من الشجرة - فأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها. قال (عليه السلام) : لا - وهو مغضب - من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلا من المدينة » (1)، وخبر أبي بصير : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : خصال عابها عليك أهل مكة. قال : وما هي؟ قلت : قالوا : أحرم من الجحفة ورسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أحرم من الشجرة. فقال : الجحفة أحد الوقتين ، فأخذت بأدناهما وكنت عليلاً » (2)، وخبر أبي بكر الحضرمي قال : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إني خرجت بأهلي ماشياً فلم أهلّ حتى أتيت الجحفة - وقد كنت شاكياً - فجعل أهل المدينة يسألون عني فيقولون : لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون ، وقد رخص رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله)


1) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب المواقيت حديث : 4.


لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة » (1). مضافاً إلى النصوص - المتقدمة وغيرها - المتضمنة : أن مسجد الشجرة ميقات أهل المدينة ، الظاهرة في التعيين.

وعن الجعفي وابن حمزة في الوسيلة : جواز الإحرام من الجحفة اختياراً. واستدل لهما بصحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) الوارد في مواقيت الإحرام : « وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة » (2)، وصحيح معاوية بن عمار : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة. فقال (عليه السلام) : لا بأس » (3)، وصحيح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال (عليه السلام) : من الجحفة. ولا يجاوز الجحفة إلا محرماً » (4)ولأجلها تحمل نصوص تعيين مسجد الشجرة على الأفضل. وأما خبر عبد الحميد المتقدم ، فمن المحتمل أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) : « من دخل المدينة .. » الحصر بالإضافة إلى ذات عرق ، وإلا فمفروض السؤال فيه خوف البرد ، وهو من الضرورة. وكذلك خبر أبي بصير ، إذ يحتمل أن يكون المراد منه الاعابة بلحاظ ترك الأفضل ، واعتذاره (عليه السلام) : بأنه عليل عن ذلك أيضاً. وعلو مقامه الشريف عند أهل المدينة يقتضي ذلك ، وهو الذي يناسب جداً مع قوله (عليه السلام) : « الجحفة أحد الوقتين ». نعم خبر الحضرمي ظاهر في حصر الرخصة في المريض والضعيف ،


1) الوسائل باب : 6 من أبواب المواقيت حديث : 5.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 5.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب المواقيت حديث : 1.

4) الوسائل باب : 6 من أبواب المواقيت حديث : 3.

خصها بعضهم بخصوص المرض والضعف [1] ، لوجودهما في الأخبار [2] ، فلا يلحق بهما غيرهما من الضرورات. والظاهر إرادة المثال [3] ، فالأقوى جوازه مع مطلق الضرورة.

( مسألة 2 ) : يجوز لأهل المدينة ومن أتاها العدول الى ميقات آخر كالجحفة أو العقيق ، فعدم جواز التأخير إلى الجحفة إنما هو إذا مشى من طريق ذي الحليفة [4]. بل


فيدل على نفي الرخصة لغيرهما. وعليه لا بد من التصرف في غيره. وحينئذ فلا يبعد أن يحمل صحيح ابن جعفر (عليه السلام) على كون الجحفة ميقاتاً اضطرارياً ، وصحيح معاوية على كون الرجل - الذي أحرم من الجحفة - من متوطني المدينة ، ويكون وجه السؤال : توهم أن سكان المدينة لا بد أن يحرموا من ذي الحليفة. وأما صحيح الحلبي فمورده من جاوز الشجرة وليس فيه تعرض للمنع من مجاوزتها بدون إحرام. والأقوى - إذا - ما هو المشهور.

[1] ذلك ظاهر الجواهر ، فإنه فسر الضرورة - المذكورة في الشرائع - بقوله : « التي هي المرض ، والضعف ».

[2] يشير به إلى خبر أبي بكر الحضرمي ، فقد اشتمل عليهما. وإلى خبر أبي بصير ، فقد ذكر فيه العلة ، وهي المرض.

[3] كما هو ظاهر الأصحاب ، حيث أطلقوا ولم يخصوا الحكم بهما.

[4] كما صرح به في المدارك ، وتبعه في المستند ، وحكاه عن الدروس أيضاً. وقال في الجواهر : « ثمَّ لا يخفى عليك أن الاختصاص بالضرورة مع المرور على الميقات الأول ، فلو عدل عن طريقه - ولو من المدينة

الظاهر أنه لو أتى إلى ذي الحليفة ثمَّ أراد الرجوع منه والمشي من طريق آخر جاز. بل يجوز أن يعدل عنه من غير رجوع [1] ، فإن الذي لا يجوز هو التجاوز عن الميقات محلا ، وإذا عدل الى طريق آخر لا يكون مجاوزاً وإن كان ذلك وهو في ذي الحليفة. وما في خبر إبراهيم بن عبد الحميد ، من المنع عن العدول إذا أتى المدينة - مع ضعفه [2] - منزل على الكراهة.

( مسألة 3 ) : الحائض تحرم خارج المسجد على المختار [3]. ويدل عليه - مضافاً الى ما مر - مرسلة يونس في كيفية إحرامها : « ولا تدخل المسجد ، وتهل بالحج


ابتداء - جاز وأحرم منها اختياراً ، لأنها أحد الوقتين ».

[1] لم أقف على من نص على ذلك فيما يحضرني ، لكن يستفاد من كلامهم جواز ذلك ، فإنهم ذكروا : أن المستفاد من الأدلة حرمة العبور عن الميقات بلا إحرام ، حتى أفتى في المدارك والجواهر : بأن من تجاوز مسجد الشجرة إلى الجحفة أحرم من الجحفة وإن أثم بذلك. فاذا وصل إلى مسجد الشجرة ولم يتجاوزه ، وتنكب الطريق إلى أن وصل إلى طريق ينتهى به إلى الجحفة ، فلم يحصل منه التجاوز عن الميقات بلا إحرام ، كان حكمه الإحرام من الجحفة من دون لزوم إثم عليه.

[2] طعن في المدارك في سنده : بأن إبراهيم بن عبد الحميد واقفي ، وأن في رجاله جعفر بن محمد بن حكيم ، وهو مجهول. لكن الأول غير قادح مع الوثاقة.

[3] ويجوز لها الإحرام منه في حال الاجتياز.

بغير صلاة » [1]. وأما على القول بالاختصاص بالمسجد ، فمع عدم إمكان صبرها الى أن تطهر [2] تدخل المسجد وتحرم في حال الاجتياز إن أمكن ، وإن لم يمكن - لزحم أو غيره - أحرمت خارج المسجد ، وجددت في الجحفة أو محاذاتها [3].


[1] رواها في الكافي عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد عن ابن فضال ، عن يونس بن يعقوب ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض تريد الإحرام. قال (عليه السلام) : تغتسل ، وتستثفر ، وتحتشي بالكرسف وتلبس ثوباً دون ثياب إحرامها ، وتستقبل القبلة ، ولا تدخل المسجد ، وتهل بالحج بغير صلاة » (1). والرواية - كما ترى - مسندة لا مرسلة ، ولا يظهر منها ورودها فيما نحن فيه ، بل لعل ظاهر قوله (عليه السلام) : « وتهل بالحج .. » أنها واردة في إحرام الحج لا إحرام العمرة.

[2] وكذا مع إمكان صبرها ، لجواز الاجتياز للحائض.

[3] قال في المستند : « فرع : وإذ عرفت تعين الإحرام من مسجد الشجرة ، فلو كان المحرم جنباً أو حائضاً أحرما منه مجتازين ، لحرمة اللبث. فان تعذر بدونه ، فهل يحرمان من خارجه - كما صرح به الشهيد الثاني والمدارك والذخيرة - لوجوب قطع المسافة من المسجد إلى مكة محرماً أم يؤخرانه إلى الجحفة لكون العذر ضرورة مبيحة للتأخير؟ الأحوط الإحرام منهما. وإن كان الأظهر الثاني ، لما ذكر. ولعدم الدليل على توقيت الخارج لمثلهما. ومنع وجوب قطع المسافة محرماً عليه. وتمثيل الضرورة في الأخبار بالمرض والضعف لا يوجب التخصيص بعد اتحاد العلة قطعاً. ولعدم القول بالفصل ظاهراً ».


1) الوسائل باب : 48 من أبواب الإحرام حديث : 2.

( مسألة 4 ) : إذا كان جنباً ولم يكن عنده ماء جاز له أن يحرم خارج المسجد [1]. والأحوط أن يتيمم للدخول والإحرام. ويتعين ذلك على القول بتعيين المسجد [2]. وكذا الحائض إذا لم يكن لها ماء بعد نقائها [3].

الثاني : العقيق [4] ،


أقول : إلحاق الحيض بالضرورة غير ظاهر - حتى بناء على عدم الاقتصار على المرض والضعف - لأن التعدي منهما إنما يكون إلى ما يمنع من استمرار الإحرام من الميقات السابق إلى اللاحق ، والحيض ليس كذلك بل هو مانع من مجرد الإنشاء ، فلا يتعدى اليه. نعم الإشكال في بدلية الخارج - لعدم الدليل عليها - في محله. ومثله وجوب قطع المسافة. وحينئذ لا مانع من ترك الإحرام ، ويكون إحرامه من الجحفة ، أو ما يحاذيها إذا كان بعيداً عنها.

[1] وجاز له الإحرام من المسجد مجتازاً.

[2] لعموم بدلية التراب عن الماء. فيقصد بالتيمم البدلية عن غسل الجنابة للكون في المسجد ، أو عن غسل الإحرام. وهذا التعيين يختص بصورة عدم إمكان الإحرام مجتازاً ، وإلا فلا موجب له.

[3] لا مكان التيمم بدلاً عن الغسل. أما قبل نقائها فلا يشرع التيمم لأنه لا يقتضي الإباحة ، فضلاً عن رفع الحدث ، وبذلك افترقت الحائض عن الجنب. ولذلك تعرض لهما المصنف في مسألتين ، بخلاف غيره فذكرا في كلامه في مسألة واحدة.

[4] إجماعاً محققاً ، حكاه جماعة كثيرة من الأصحاب. وفي كشف اللثام : « وهو - في اللغة - : كل واد عقه السيل - أي شقه - فأنهره

وهو ميقات أهل نجد ، والعراق [1] ،


ووسعه ، وسمي به أربعة أودية في بلاد العرب ، أحدها : الميقات. وهو واد يتدفق سيله في غوري تهامة ، كما في تهذيب اللغة ».

[1] قد ذكر الأول في صحيح الحلبي المتقدم (1)، وفي صحيح أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ووقت لأهل نجد : العقيق وما أنجدت » (2). وفي صحيح علي بن رئاب : « ولأهل نجد : العقيق » (3). وفي صحيح رفاعة : « وقت رسول اللّه (عليه السلام) العقيق لأهل نجد. وقال : هو وقت لما أنجدت الأرض ، وأنتم منهم » (4). وذكر الثاني في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : « من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لا تتجاوزها إلا وأنت محرم. فإنه وقت لأهل العراق - ولم يكن يومئذ عراق - بطن العقيق من قبل أهل العراق .. » (5). وفي صحيح علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « أما أهل الكوفة وخراسان وما يليهم فمن العقيق .. » (6)وفي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لأهل المشرق العقيق ، نحواً من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة .. » (7)وفي خبر علي بن جعفر : « وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لأهل العراق من


1) الوسائل باب : 6 من أبواب المواقيت حديث : 3.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 1.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 7.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 10.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 2.

6) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 5.

7) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 6.

ومن يمر عليه من غيرهم [1]. وأوله : المسلخ ، وأوسطه : غمرة ، وآخره : ذات عرق [2]. والمشهور جواز الإحرام


العقيق .. » (1). ونحوها غيرها.

[1] كما يستفاد من صحيح عمر بن يزيد ، وعلي بن جعفر ، وصحيح رفاعة ، وصحيح الخزاز ، وغيرها. وسيأتي التعرض لذلك في المسألة الخامسة.

[2] قد اشتهر ذلك في كلماتهم. وفي الحدائق : « صرح الأصحاب (رضي اللّه عنه) بأن العقيق - المتقدم في الأخبار - أوله : المسلخ ، ووسطه : غمرة ، وآخره ذاق عرق ، وأن الأفضل الإحرام من أوله ، ثمَّ وسطه ». ويشهد له خبر أبي بصير ، قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : حد العقيق : أوله المسلخ ، وآخره ذات عرق » (2). ومرسل الصدوق في الفقيه : « قال الصادق (عليه السلام) : وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لأهل العراق العقيق ، وأوله : المسلخ ، ووسطه : غمرة ، وآخره : ذات عرق. وأوله أفضله » (3)وخبر إسحاق بن عمار - المتقدم في مبحث جواز خروج المتمتع من مكة - قال (عليه السلام) فيه : « كان أبي مجاوراً هاهنا ، فخرج يتلقى بعض هؤلاء ، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج » (4).

نعم في خبر أبي بصير الأخر عن أحدهما (عليهما السلام) قال : « حد العقيق : ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة » (5)وظاهره خروج غمرة ، فضلا عن


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 9.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب المواقيت حديث : 7.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب المواقيت حديث : 9.

4) الوسائل باب : 22 من أبواب أقسام الحج حديث : 8.

5) الوسائل باب : 2 من أبواب المواقيت حديث : 5.


ذات عرق. وأظهر منه صحيح عمر بن يزيد السابق (1). وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « أول العقيق : بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال ، مما يلي العراق. وبينه وبين غمرة أربعة وعشرون ميلا ، بريدان » (2)وفي مصححه الآخر عنه (عليه السلام) قال : « آخر العقيق : بريد أوطاس. وقال : بريد البعث دون غمرة ببريدين » (3)وظاهر الأول : أن آخر العقيق إلى غمرة ، إذ لو كان زائداً على غمرة لذكر. وثانيهما قد يظهر منه أن ذات عرق ليست آخره. وإلا لكانت أولى بالذكر في مقام البيان ، لأنها أشهر وأعرف. كما أن مقتضى المصحح الأول : أن أوله قبل المسلخ. بستة أميال ، وهو يقتضي ظهور الثاني في ذلك أيضاً ، فيكونان مخالفين لما سبق في أول العقيق وآخره.

لكن مخالفتهما لما سبق في أوله خلاف الإجماع المحقق - على الظاهر - المصرح به في كلامهم ، فلا مجال للعمل بهما. وأما مخالفتهما لما سبق في آخره - وكذا مخالفة ما هو أظهر منهما في ذلك ، وهو خبر أبي بصير ، وصحيح عمر بن يزيد - فهي وإن لم تكن خلاف الإجماع ، فقد حكي القول بمضمونها عن علي بن بابويه وعن ولده في المقنع ، والشيخ في النهاية وعن الدروس متابعتهم ، وظاهر المدارك الميل إليها. إلا أنها مهجورة عند الأصحاب ، فإنها - مع ما هي عليه من صحة السند ، وقوة الدلالة في أكثرها ، ومخالفة العامة - لم يلتفتوا إليها ولم يعولوا عليها ، بل أعرضوا عنها وأهملوها ، وذلك موجب لسقوطها عن الحجية.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 6.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب المواقيت حديث : 2.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب المواقيت حديث : 1.


فان قلت : لعل وجه الاعراض عنها بناؤهم على الجمع بينها وبين الطائفة الأولى ، بالحمل على الأفضل. قلت : هو بعيد عن لسان تلك النصوص - ولا سيما مصحح عمر بن يزيد - فلا مجال لاحتمال ذلك منهم. ولأجل ذلك يشكل حمل نصوص المشهور على صورة التقية ، بشهادة ما رواه في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري ، في جملة من كتبه إلى صاحب الزمان ( عليه وعلى آبائه الكرام أفضل الصلاة والسلام ) : « أنه كتب إليه يسأله : عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ، ويكون متصلا بهم ، يحج ويأخذ عن الجادة ، ولا يحرم هؤلاء من المسلخ ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخر إحرامه إلى ذات عرق ، فيحرم معهم لما يخاف من الشهرة ، أم لا يجوز أن يحرم إلا من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب : يحرم من ميقاته ، ثمَّ يلبس الثياب ويلبي في نفسه ، فاذا بلغ الى ميقاتهم أظهره » (1). فان التوقيع الشريف المذكور إن دل على خلاف المشهور فهو أيضاً مطروح. على أن ظاهره تعين الإحرام من المسلخ ، فلا بد أن يحمل على الفضل ، ويكون المراد من قول السائل فيه « يجوز .. أم لا يجوز » من جهة ترك الأفضل.

بل من المحتمل أن ذلك مراد علي بن بابويه ، فإن الذي استظهر في الحدائق : أنه أفتى بمضمون الرضوي المحكي عنه : أنه (عليه السلام) قال فيه - بعد أن ذكر أن العقيق أوله المسلخ ، ووسطه غمرة ، وآخره ذات عرق ، وأن أوله أفضل ، ثمَّ ذكر المواقيت الأخرى - (2): « ولا يجوز تأخيره عن الميقات إلا لعلل أو تقية ، فإذا كان الرجل عليلا أو اتقى فلا بأس


1) الوسائل باب : 2 من أبواب المواقيت حديث : 10.

2) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 2.


أن يؤخر الإحرام إلى ذات عرق » (1). ومن المعلوم أن ما ذكره أخيراً ينافي ما ذكر أولا ، فمن المحتمل أن يحمل الأخير على إرادة ترك الأفضل.

وكذلك الصدوق في الفقيه ، مع أنه لم يذكر في المخالفين للمشهور. فإنه - بعد أن روى عن الصادق (عليه السلام) ما تقدم - ألحقه بقوله : « ولا يجوز الإحرام قبل بلوغ الميقات ، ولا يجوز تأخيره عن الميقات إلا لعلة أو تقية. وإذا كان الرجل عليلا أو اتقى فلا بأس أن يؤخر الإحرام إلى ذات عرق ». فان هذا المضمون عين مضمون الرضوي ، والكلام فيه قد سبق. وقال في المقنع : « ولأهل العراق العقيق. وأول العقيق : المسلخ ووسطه : غمرة ، وآخره : ذات عرق. ولا تؤخر الإحرام إلى ذات عرق إلا من علة. وأوله أفضله ». وقال الشيخ في النهاية : « وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لكل قوم ميقاتاً على حسب طرقهم ، فوقت لأهل العراق - ومن حج على طريقهم - العقيق. وله ثلاثة أوقات : أولها المسلخ - وهو أفضلها ، ولا ينبغي أن يؤخر الإنسان الإحرام منه إلا عند الضرورة - وأوسطه غمرة ، وآخره ذات عرق. ولا يجعل إحرامه من ذات عرق إلا عند الضرورة والتقية ، لا يتجاوز ذات عرق إلا محرماً على حال ». فهذه كلمات الجماعة الذين نسب إليهم الخلاف ، ولا يبعد حمل الجميع على الأفضل. وأما الشهيد في الدروس فقال : « ولأهل العراق العقيق. وأفضله المسلخ ، وأوسطه غمرة ، وآخره ذات عرق. وظاهر علي بن بابويه والشيخ في النهاية : أن التأخير إلى ذات عرق للتقية أو المرض ، وما بين هذه الثلاثة من العقيق ، فيسوغ الإحرام منه ». فان آخر كلامه صريح في تجاوز العقيق عن غمرة إلى ذات عرق. وبالجملة : ما تضمن من النصوص


1) مستدرك الوسائل باب : 10 من أبواب المواقيت حديث : 1.

من جميع مواضعه اختياراً ، وأن الأفضل الإحرام من المسلخ ثمَّ من غمرة. والأحوط عدم التأخير إلى ذات عرق إلا لمرض أو تقية ، فإنه ميقات العامة. لكن الأقوى ما هو المشهور. ويجوز - في حال التقية - الإحرام من أوله - قبل ذات عرق - سراً [1] ، من غير نزع ما عليه من الثياب الى ذات عرق ، ثمَّ إظهاره ولبس ثوبي الإحرام هناك [2]. بل هو الأحوط. وإن أمكن تجرده ولبس الثوبين سراً ، ثمَّ نزعهما ولبس ثيابه الى ذات عرق ، ثمَّ التجرد ولبس الثوبين فهو أولى [3].


خروج ذات عرق عن العقيق كاد أن يكون مخالفاً للاتفاق ظاهراً ، فلا مجال للأخذ به. فالأقوى ما عليه المشهور.

[1] كما تقدم ذلك في خبر الاحتجاج (1).

[2] بناء على عدم كون لبسهما شرطاً في انعقاد الإحرام ، كما سيأتي.

[3] بل لازم في تحصيل الاحتياط ، لوجوب لبسهما حال إنشاء الإحرام ، كما سيأتي. ثمَّ إنه إذا نزعهما ولبس ثيابه فمقتضى القاعدة وجوب الفداء للبس المخيط. لكن سكوت خبر الاحتجاج عن التعرض لذلك قد يظهر منه عدم وجوب الفداء لذلك. إلا أن يقال : إن الظاهر من الثياب فيه ثياب الإحرام ، بقرينة العطف ب- ( ثمَّ ) ، وعدم الأمر بالنزع حين الإظهار ، وليس المراد منها المخيط. فكان لبس ثياب الإحرام حين وقوعه منه بعنوان الاستعداد للإحرام لا بعنوان الإحرام ، وإظهاره بعد ذلك بالجهر بالتلبية لا تبديل اللباس. فلاحظ.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب المواقيت حديث : 10. وقد تقدم ذلك قريباً. فلاحظ‌

الثالث : الجحفة [1] ، وهي لأهل الشام ، ومصر ، والمغرب [2] ،


[1] قال في كشف اللثام : « بجيم مضمومة ، فحاء مهملة ، ففاء : على سبع مراحل من المدينة ، وثلاث من مكة. كذا في تحرير النوري وتهذيبه. وفي تهذيبه : بينها وبين البحر ستة أميال. وقيل : بينها وبين البحر ميلان. ولا تناقض ، لاختلاف البحر باختلاف الأزمنة. وفي القاموس : كانت قرية جامعة على اثنين وثلاثين ميلا من مكة. وفي المصباح المنير : منزل بين مكة والمدينة ، قريب من رابع ، بين بدر وخليص ».

[2] بلا خلاف ولا إشكال. ففي صحيح الخزاز : « ووقت لأهل المغرب الجحفة. وهي عندنا مكتوبة ، مهيعة » (1). وفي صحيح معاوية ابن عمار : « ووقت لأهل المغرب الجحفة ، وهي مهيعة » (2). وفي صحيح الحلبي : « ووقت لأهل الشام الجحفة » (3). وفي صحيح علي ابن جعفر (عليه السلام) : « وأهل الشام ومصر من الجحفة » (4). وفي صحيح ابن رئاب : « ووقت لأهل الشام الجحفة » (5). وفي صحيح رفاعة ابن موسى : « ووقت لأهل الشام المهيعة ، وهي الجحفة » (6). ونحوها غيرها.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 2.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 3.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 5.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 7.

6) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 10.

ومن يمر عليها من غيرهم ، إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها [1].

الرابع : يلملم [2] ،


[1] إجماعاً محققاً ، حكاه جماعة. ويشهد به صحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : « كتبت اليه إن بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق ، وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل ، وعليهم في ذلك مئونة شديدة ، ويعجلهم أصحابهم ، وجمالهم من وراء بطن عقيق بخمسة عشر ميلا منزل فيه ماء ، وهو منزلهم الذي ينزلون فيه ، فترى أن يحرموا من موضع الماء لرفقه بهم وخفته عليهم؟ فكتب : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) وقت المواقيت لأهلها ، ومن أتى عليها من غير أهلها ، وفيها رخصة لمن كانت به علة ، فلا تجاوز الميقات إلا من علة » (1).

وقد يستدل له : بأدلة نفي العسر والحرج (2). وبالنبوي : « هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن » (3). لكن في اقتضاء نفي العسر الصحة إشكال.

[2] هو جبل ، كما في القواعد والمسالك وعن غيرهما. وعن إصلاح المنطق : أنه واد ، وكذا عن شرح الإرشاد للفخر. ويقال له : الملم ، بل قيل : إنه الأصل ، فخففت الهمزة. وقد يقال له : يرمرم. قيل : وهو على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلا. وفي كتاب البلدان لليعقوبي


1) الوسائل باب : 15 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) دل على ذلك الايات والأخبار ، أما الآيات فهي على سبيل الإشارة كالآتي : البقرة : 185 ، المائدة : 6 ، الحج : 78 وأما الأخبار فهي : الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 11 ، باب : 31 من أبواب الوضوء حديث : 5.

3) مستدرك الوسائل باب : 9 من أبواب المواقيت حديث : 1.

وهو لأهل اليمن [1].

الخامس : قرن المنازل [2] ، وهو لأهل الطائف [3].


« من مكة إلى صنعاء إحدى وعشرون مرحلة ، فأولها الملكان ، ثمَّ يلملم - ومنها يحرم حاج اليمن - ثمَّ الليث ، ثمَّ عليب .. ».

[1] بلا خلاف. وقد صرح بذلك في النصوص المتقدمة.

[2] بفتح القاف ، وسكون الراء. قرية عند الطائف ، أو اسم الوادي كله ، كما في القاموس. قال : « وغلط الجوهري في تحريكه ، وفي نسبة أويس القرني إليه. لأنه منسوب إلى قرن ، بن دومان ، بن ناجية ، بن مراد .. ». وفي كشف اللثام : اتفق العلماء على تغليطه فيهما .. ». لكن في المستند : أنه لم يصرح بالتحريك ولا بالنسبة ، وإنما قال : والقرن : حي من اليمن ، ومنه أويس القرني. لكن في شرح القاموس : نص عبارة الصحاح : « والقرن موضع ، وهو ميقات أهل نجد. ومنه أويس القرني .. ». وفي مجمع البلدان : عن الصحاح أنه قال : « قرن - بالتحريك - ميقات .. ». ولعل نسخ الصحاح مختلفة. نعم في مجمع البحرين قال : « والقرن موضع ، وهو ميقات أهل نجد. ومنه أويس القرني ، ويسمى أيضاً : قرن المنازل ، وقرن الثعالب ». وهو عجيب بعد حكاية اتفاق العلماء على تغليط الجوهري.

هذا وفي كشف اللثام : إنه يقال له : قرن الثعالب ، وقرن بلا إضافة. وهو جبل مشرف على عرفات ، على مرحلتين من مكة. وقيل : قرن الثعالب غيره ، وأنه جبل مشرف على أسفل منى بينها وبين مسجده ألف وخمسمائة ذراع.

[3] بلا خلاف ولا إشكال. وقد صرحت بذلك النصوص ،

السادس : مكة ، وهي لحج التمتع [1].


كصحيح الخزاز ، (1)وصحيح معاوية بن عمار (2)، وصحيح الحلبي (3)وغيرها. وفي صحيح عمر بن يزيد : « ووقت لأهل المدينة : ذا الحليفة ولأهل نجد : قرن المنازل » (4). وفي صحيح علي بن رئاب : « ووقت لأهل اليمن : قرن » (5).

ولا بد من توجيه الأول ، بحمله على أن لنجد طريقين ، أحدهما يمر بالعقيق - كما يستفاد من النصوص - والآخر يمر بقرن المنازل. ولعل ذلك هو الوجه في الصحيح الثاني. ويحتمل حمل الأول على التقية ، لوجود ذلك في روايات المخالفين. وعلى كل لا معدل عن العمل بالنصوص السابقة.

[1] قال في المدارك : « قد أجمع العلماء كافة على أن ميقات حج التمتع مكة ». وفي المستند : « بلا خلاف كما قيل ، بل بإجماع العلماء ، كما في المدارك ، والمفاتيح ، وشرحه ، وغيرها ». وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده نصاً وفتوى ، بل في كشف اللثام : الإجماع عليه ».

واستدل له في المدارك وغيرها : بصحيحة عمرو بن حريث الصيرفي « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : من أين أهل بالحج؟ فقال (عليه السلام) : إن شئت من رحلك ، وإن شئت من الكعبة ، وإن شئت من الطريق » (6)


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 2.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 3.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 6.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 7.

6) الوسائل باب : 21 من أبواب المواقيت حديث : 2.

السابع : دويرة الأهل أي : المنزل - وهي لمن كان منزله دون الميقات إلى مكة [1].


وقد تقدم - في مبحث خروج المتمتع من مكة - بعض النصوص الدالة عليه. كما تقدم ما قد يشهد بخلافه. فراجع. لكن لا مجال للتأمل في الحكم بعد كونه من القطعيات الفقهية. وقد تقدم التعرض لذلك في فصل صورة حج التمتع.

[1] بلا خلاف فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل عن المنتهى : أنه قول أهل العلم كافة إلا مجاهداً. كذا في الجواهر. ويشهد له النصوص الكثيرة ، كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه : « من كان منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله » (1). قال في محكي التهذيب - بعد ما روى ذلك - : « وقال في حديث آخر : إذا كان منزله دون الميقات إلى مكة فليحرم من دويرة أهله » (2). وصحيح عبد اللّه بن مسكان قال : حدثني أبو سعيد ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن كان منزله دون الجحفة إلى مكة. قال (عليه السلام) : يحرم منه » (3)وصحيح مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من منزله » (4). ونحوها غيرها.

قال في المدارك : « ويستفاد من هذه الروايات ، أن المعتبر القرب إلى مكة. واعتبر المصنف في المعتبر القرب الى عرفات. والأخبار تدفعه ».


1) الوسائل باب : 17 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب المواقيت حديث : 2.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب المواقيت حديث : 4.

4) الوسائل باب : 17 من أبواب المواقيت حديث : 3.

بل لأهل مكة - أيضاً - على المشهور الأقوى [1] - وان استشكل فيه بعضهم - فإنهم يحرمون لحج القران والافراد


وهو كما ذكر. ولذلك قال في المسالك : « لو لا النصوص أمكن اختصاص القرب في العمرة بمكة ، وفي الحج بعرفة ، إذ لا يجب المرور على مكة في إحرام الحج من المواقيت ». لكن لعل في القرب إلى مكة خصوصية في صحة إنشاء الإحرام.

نعم العمدة في الاشكال : أن المراد من القرب إلى مكة : أنه دون الميقات إلى جهة مكة ، وهذا يلازم كونه أقرب الى عرفات من الميقات فلا تفاوت بين العبارتين عملا ولا خارجاً ، وإن كان بينهما تفاوت مفهوماً.

[1] كما عن الرياض. وفي المستند : « بل حكيا عن بعض نفي الخلاف فيه ». والنصوص المتقدمة لا تشمله ، لاختصاصها بمن كان منزله بين مكة والميقات. نعم استدل عليه بالمرسل في الفقيه : « عن رجل منزله خلف الجحفة ، من أين يحرم؟ قال (عليه السلام) : من منزله » (1)وبالنبوي : « ومن كان دونهن فمهله من أهله » (2). بل النصوص المذكورة وإن كان موردها غير أهل مكة ، لكن بمناسبة الحكم والموضوع يفهم منها : أن المراد من كان دون الميقات فمنزله ميقاته. ولعل من ذلك - ومن المرسل - يحصل الاطمئنان بالحكم. ولا سيما بملاحظة شهرته عند الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعاً.

لكن في صحيح أبي الفضل الحناط : « كنت مجاوراً بمكة ، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من أين أحرم بالحج؟ فقال (عليه السلام) : من حيث أحرم


1) الوسائل باب : 17 من أبواب المواقيت حديث : 6.

2) سنن البيهقي الجزء : 5 الصفحة : 29 باب : من كان أهله دون الميقات.

من مكة. بل وكذا المجاور الذي انتقل فرضه إلى فرض أهل مكة [1]. وإن كان الأحوط إحرامه من الجعرانة - وهي أحد مواضع أدنى الحل - للصحيحين الواردين فيه [2] ، والمقتضي إطلاقهما عدم الفرق بين من انتقل فرضه أو لم ينتقل. وإن كان القدر المتيقن الثاني ، فلا يشمل ما نحن فيه [3]. لكن الأحوط ما ذكرنا ، عملا بإطلاقهما. والظاهر أن الإحرام من المنزل


رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، من الجعرانة. أتاه في ذلك المكان فتوح : فتح الطائف ، وفتح خيبر ، والفتح .. » (1). وفي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني أريد الجوار ، فكيف أصنع؟ فقال (عليه السلام) : إذا رأيت الهلال - هلال ذي الحجة - فاخرج الى الجعرانة فأحرم منها. بالحج » (2). وخصها في الحدائق بموردها ، وهو المجاور ، فلا تشمل المتوطن

[1] فإنه يحرم للحج من مكة كأهلها. ودليله ما عرفت من التقريب بناء على عموم المنزل لمنزل المجاور وإن لم يكن متوطناً. وما دل على أن أهل مكة يحرمون من مكة ، قد عرفت عدم وضوحه ، فلا يشمل المقام.

[2] وهما صحيحا سالم الحناط ، وعبد الرحمن بن الحجاج ، المتقدمان.

[3] لكن لا يجوز الاقتصار على القدر المتيقن في الإطلاقات ، وإلا لم يبق إطلاق بحاله ، فالبناء على خروجهما معاً متعين. مضافاً إلى أن ذيل الصحيح الثاني ظاهر فيما بعد السنتين. فراجعه فإنه طويل جداً. ويظهر منه أن مورده القاطن الذي تبدل فرضه.


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 6.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 5.

للمذكورين من باب الرخصة [1] ، وإلا فيجوز لهم الإحرام من أحد المواقيت بل لعله أفضل ، لبعد المسافة ، وطول زمان الإحرام.

الثامن : فخّ [2] ، وهو ميقات للصبيان ، في غير حج. التمتع عند جماعة [3] ، بمعنى : جواز تأخير إحرامهم الى هذا المكان ، لأنه يتعين ذلك. ولكن الأحوط ما عن آخرين


[1] كما احتمله في الجواهر. قال في كشف اللثام : « وفي الكافي والغنية والإصباح : أن الأفضل لمن منزله أقرب : الإحرام من الميقات. ووجهه ظاهر ، لبعد المسافة ، وطول الزمن ». لكنه ظاهر الإشكال ، فإن ظاهر الأمر الإلزام والتعيين. نعم إذا ذهب إلى ميقات من المواقيت صدق أنه مر عليه ، فيجوز له الإحرام منه ، كما تقدم نظيره في أهل الآفاق إذا مروا على غير ميقاتهم. وحينئذ إذا كان المراد من الرخصة هذا المعنى ففي محله ، وإلا فغير ظاهر.

[2] في كشف اللثام : « بفتح الفاء ، وتشديد الخاء المعجمة : بئر معروف ، على نحو فرسخ من مكة. كذا قيل. وفي القاموس : موضع بمكة دفن فيه ابن عمر. وفي النهاية الأثيرية : موضع عند مكة. وقيل : واد دفن به عبد اللّه بن عمر. وفي السرائر : إنه موضع على رأس فرسخ من مكة ، قتل فيه الحسين بن علي ، بن الحسن بن الحسن ، بن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ..

[3] حكي ذلك عن المعتبر والمنتهى والتحرير والتذكرة. وفي الجواهر : « ربما نسب إلى الأكثر ، بل في الرياض : يظهر من آخر عدم الخلاف فيه ». والأصل في الحكم المذكور صحيح أيوب بن الحر قال : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)


من أين تجرد الصبيان؟ قال (عليه السلام) : كان أبي يجردهم من فخ » (1). ونحوه صحيح علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) (2).

وقد وقع الكلام بين الجماعة في أن المراد من التجريد : الإحرام - كما عن المشهور - أو نزع الثياب بعد الإحرام من الميقات - كما عن السرائر ، والمقداد ، والكركي - مقتضى الجمود على عبارة الصحيحين هو الثاني. وقد يستدل عليه بصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قدموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة ، أو الى بطن مر ، ثمَّ يصنع بهم ما يصنع بالمحرم » (3)، وخبر يونس بن يعقوب عن أبيه : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن معي صبية صغاراً ، وأنا أخاف عليهم البرد ، فمن أين يحرمون؟ قال (عليه السلام) ائت بهم العرج فليحرموا منها ، فإنك إذا أتيت بهم العرج وقعت في تهامة. ثمَّ قال : فان خفت عليهم فأت بهم الجحفة » (4)وفيه : أن الصحيح والخبر ظاهر ان في إحرامهم مع التجريد من الجحفة أو بطن مر أو العرج ، فيكونان متعارضين. وحينئذ يتعين الجمع بالتخيير : وأما الجمود على عبارة الصحيحين الأولين فهو خلاف المتفاهم العرفي منها. ولا سيما مع عدم الإشارة إلى التجريد نفسه في النصوص الأخيرة.

ولأجل ذلك يضعف ما توهم من الجمع بين النصوص ، بحمل الأولين على محض التجريد ، وحمل الأخيرين على الإحرام من الميقات. فان ظاهر الأخيرين التجريد من الميقات ، وحملها على محض الإحرام بلا تجريد خلاف الظاهر.


1) الوسائل باب : 18 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 18 من أبواب المواقيت حديث : 2.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب المواقيت حديث : 3.

4) الوسائل باب : 17 من أبواب المواقيت حديث : 7.

من وجوب كون إحرامهم من الميقات ، لكن لا يجرد وإلا في فخ. ثمَّ إن جواز التأخير - على القول الأول - إنما هو إذا مروا على طريق المدينة ، وأما إذا سلكوا طريقاً لا يصل إلى فخ فاللازم إحرامهم من ميقات البالغين [1].

التاسع : محاذاة أجد المواقيت الخمسة [2] ، وهي ميقات من لم يمر على أحدهما. والدليل عليه صحيحتا ابن سنان[3].


[1] كما نص على ذلك في القواعد ، وحكاه في كشف اللثام عن السرائر. ثمَّ قال : « ووجهه ظاهر. وذلك ، لاختصاص الدليل به ، فيرجع في غيره إلى الأدلة العامة المقتضية للإحرام من الميقات ».

[2] كما هو مشهور بين الأصحاب. وعن بعض : نسبته إلى الشهرة العظيمة ، بل لا يظهر مخالف صريح في ذلك. وإن كان قد يظهر من المحقق في الشرائع وجود المخالف ، وتوقفه في الحكم المذكور ، فإنه قال : « ولو حج على طريق لا يفضي الى أحد المواقيت ، قيل : يحرم إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة ». لكن من المحتمل أن يكون للتوقف في اعتبار الظن. أو للتوقف في اعتبار القرب إلى مكة ، وإلا فالمخالف في أصل الحكم غير ظاهر. نعم استشكل فيه في المدارك والذخيرة والحدائق وغيرها ، تبعاً لما في مجمع البرهان.

[3] يريد بهما ما رواه في الكافي عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحج ، ثمَّ بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه ، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال

ولا يضر اختصاصهما بمحاذاة مسجد الشجرة [1] ،


فيكون حذاء الشجرة من البيداء » (1)، وما رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن الحسن بن محبوب ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : من أقام بالمدينة وهو يريد الحج - شهراً أو نحوه - ثمَّ بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة ، فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها » (2). وعدهما صحيحين بلحاظ اختلاف المتن ، وإلا فمن المقطوع به : أن الواقعة واحدة لا متعددة. ودلالة الصحيح - على تقدير كل من المتنين - لا مجال للمناقشة فيها.

نعم يعارضها خبر إبراهيم بن عبد الحميد ، المتقدم في مسألة حكم ذي الحليفة (3). وبمرسلة الكليني ، فإنه بعد ما روى صحيح ابن سنان قال : « وفي رواية يحرم من الشجرة ، ثمَّ يأخذ أي طريق شاء » (4)لكنهما لا يصلحان للمعارضة ، لضعفهما ، وهجرهما عند الأصحاب.

[1] لا يخفى أن الرواية قد اشتملت على قيود متعددة في كلام الامام (عليه السلام) منها : الإقامة بالمدينة شهراً ، ومنها : أنه كان يريد الحج في هذه الإقامة ومنها : أن يخرج في غير طريق المدينة ، على رواية الكافي والفقيه (5). وفي رواية التهذيب عن الكافي : « في طريق أهل المدينة » (6). لكن


1) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت حديث : 3.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 5. وقد تقدم ذلك في المسألة : 1 من الفصل‌

4) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت حديث : 2.

5) لا حظ الكافي الجزء 4 الصفحة 321 طبع إيران الحديثة ، الفقيه الجزء 2 الصفحة 200 طبع النجف الأشرف.

6) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت ملحق حديث : 1. ولا يخفى عليك : أن بعض نسخ التهذيب موافق لما في الكافي والفقيه. لا حظ : التهذيب الجزء 5 الصفحة 57 طبع النجف الأشرف.

بعد فهم المثالية منهما [1] ، وعدم القول بالفصل [2]. ومقتضاهما محاذاة أبعد الميقاتين إلى مكة إذا كان في طريق يحاذي اثنين [3] ، فلا وجه للقول بكفاية أقربهما إلى مكة [4].


الظاهر أنه سقط من قلمه الشريف ، أو من الناسخين. نعم يمكن أن يقال : إن القيد الأخير ذكر تمهيداً للحكم ، لتحقيق موضوعه.

[1] هذا بعيد في القيود المذكورة في شرط القضية الشرطية. نعم لو كانت مذكورة في كلام السائل أمكن دعوى ذلك. وإن كانت - أيضاً - محتاجة إلى إثبات. لكن إذا كانت في كلام الحاكم كان مقتضى الشرطية الانتفاء عند الانتفاء. ولذلك احتمل في مجمع البرهان : الاقتصار - في العمل بالرواية - على من دخل المدينة وجاور فيها شهراً.

وأشكل من ذلك : أنه لا مجال للالتزام بمضمون الصحيحين إلا في مورد خاص. وإلا فقد تقدم أنه لو خرج من المدينة إلى جهة الغرب كان ميقاته الجحفة ، أو الى الشرق كان ميقاته وادي العقيق ، ولا يجب عليه الإحرام من مسيرة ستة أميال ، ولا مما يحاذي مسجد الشجرة. نعم يدل في الجملة على مشروعية الإحرام مع المحاذاة.

[2] ادعى ذلك جماعة ، منهم صاحب المستند. والظاهر أنه كما ذكر فلا بأس بالاعتماد عليه. ولا سيما مع اعتضاده بما سبق في ميقات ذي الحليفة من جواز الإحرام خارج المسجد. فراجع.

[3] فان مسجد الشجرة أبعد المواقيت عن مكة ، وقد تضمن الصحيح وجوب الإحرام من محاذاته.

[4] كما اختاره في القواعد. قال : « ولو لم يؤد الطريق إليه أحرم عند محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة » ، وذكره في الشرائع قولاً. وفي المدارك : أنه أجود. اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع الوفاق. انتهى.

وتتحقق المحاذاة بأن يصل - في طريقه الى مكة - إلى موضع يكون بينه وبين مكة باب [1] ، وهي بين ذلك الميقات ومكة بالخط المستقيم. وبوجه آخر : أن يكون الخط من موقفه الى الميقات أقصر الخطوط في ذلك الطريق [2]. ثمَّ إن المدار


ومرجعه إلى أصالة البراءة عن وجوب الإحرام من الأبعد. وفيه : أنه لا مجال للأصل مع الدليل. وعن المبسوط : لزوم الإحرام من أقرب المواقيت اليه ، وحكي عن المنتهى أيضاً. وعن ابن إدريس : الإحرام مما يحاذي أحد المواقيت مطلقاً.

[1] كذا في النسخ المطبوعة كلها. ومن المؤسف أني راجعت النسخة التي بخط المصنف (رحمه اللّه) فلم أجد فصل المواقيت فيها. والمظنون وقوع التحريف في نسخة الأصل. ولعل أصل النسخة هكذا : « بينه وبين مكة كما بين ذلك .. ». وكيف كان فالوجه المذكور لا يصلح أن يكون ضابطاً للمحاذاة ، فان الشاخص - الذي يكون بينه وبين الميقات مسافة - لا يكون محاذياً له إلا إذا كان الخط المأخوذ منه الى مكة أقصر من الخط المأخوذ من الميقات إلى مكة ، وكلما يبعد عنه يكون خطه إلى مكة أقصر من خط الميقات إلى مكة. فإذا خرج عن نصف الدائرة لا يكون محاذياً له أصلاً بل يكون مواجهاً له ، سواء كان الخط منه الى مكة أقصر من خط الميقات إلى مكة أم أطول. نعم يصح هذا الوجه فيما إذا كانا متصلين.

[2] هذا الوجه لا يتحد مع ما سبقه عملاً ، ولا يلازمه خارجاً ، فان الطريق إذا كان يمر خلف الميقات بمسافة معينة ثمَّ يبعد عنه - حينما يكون عن يمينه أو يساره - يكون أقصر الخط خلفه ، ولا يكون الشاخص حينئذ محاذياً له بل يكون خلفه. ومن ذلك تعرف أن الضابط في المحاذاة : أن

على صدق المحاذاة عرفاً ، فلا يكفي إذا كان بعيداً عنه [1]. فيعتبر فيها المسامتة [2] ، كما لا يخفى. واللازم حصول العلم بالمحاذاة إن أمكن [3] ،


يكون الميقات عن يمين الشخص أو يساره ، حينما يكون مواجهاً لمكة المكرمة

[1] لا ينبغي الإشكال في اعتبار صدق المحاذاة عرفاً ، فإن المحاذاة - كسائر المفاهيم العرفية - إذا وقعت في لسان الشارع - موضوعاً أو حكماً - فالمراد منها المفهوم العرفي. لكن الظاهر أن القرب والبعد لا دخل لهما في ذلك ، فكما تصدق المحاذاة مع القرب تصدق مع البعد. نعم لا دليل ظاهراً على الاكتفاء بالمحاذاة مطلقاً ، فان الدليل إنما ورد في مورد خاص ، وهو المحاذاة للشجرة بمسيرة ستة أميال عن المدينة. والمحاذاة الحاصلة من ذلك إنما تكون مع قرب المسافة بين الشخص والشجرة ، فالتعدي إلى مطلق المحاذاة العرفية محتاج الى دليل.

ومما يعضد ما ذكرنا وجوب إحرام أهل العراق ونحوهم من وادي العقيق ، مع محاذاتهم - على الظاهر - لمسجد الشجرة قبل وادي العقيق وليس ذلك الا لعدم الاعتناء بالمحاذاة إذا كانت على بعد. وكذا أهل المغرب والشام عند مجيئهم إلى الجحفة ، فإنهم يحاذون مسجد الشجرة قبل الجحفة.

[2] بمعنى : أن يكون أحدهما في سمت الآخر وجهته ، فلا يكفي في المحاذاة أن يكونا على خط واحد في جهتين. بل عرفت أن مقتضى الاقتصار على المتيقن أن يكونا متقاربين ، ولا يكفي أن يكونا متسامتين وحينئذ يكون تفسير المحاذاة العرفية بالمسامتة تفسيراً بالأخفى ، أو بالأعم.

[3] لقاعدة الاشتغال ، المقتضية لوجوب العلم بالفراغ.

وإلا فالظن الحاصل من قول أهل الخبرة [1]. ومع عدمه أيضاً فاللازم الذهاب الى الميقات ، أو الإحرام من أول موضع احتماله واستمرار النية والتلبية إلى آخر مواضعه. ولا يضر احتمال كون الإحرام قبل الميقات حينئذ [2] - مع أنه لا يجوز -


[1] كما عن المبسوط ، والجامع ، والتحرير ، والمنتهى ، والتذكرة والدروس : بل ظاهر المحكي عنهم الاكتفاء به ولو مع إمكان العلم. واستدل لهم بالحرج. والأصل ، كما في كشف اللثام والجواهر. وفي الأخير الاستدلال له أيضاً بانسباق إرادة الظن في أمثال ذلك. والجميع كما ترى. لمنع لزوم الحرج. والأصل لا أصل له. والانسباق غير ظاهر. نعم مع عدم إمكان العلم بالمحاذاة يتعين في نظر العقل تحصيل العلم بالفراغ ، إما بالذهاب الى الميقات ، أو بالاحتياط المذكور في المتن.

[2] حكى في الجواهر هذا الاشكال عن بعض. قال : « وأشكل : بأنه كما يمتنع تأخير الإحرام عن الميقات كذا يمتنع تقديمه عليه. وتجديد الإحرام في كل مكان يحتمل فيه المحاذاة مشكل ، لأنه تكليف شاق لا يمكن إيجابه بغير دليل. ويدفع : بأن ذلك لا ينافي كونه طريق احتياط عليه. بل قد ينافيه على الوجوب أيضا - بناء على أن النية هي الداعي - إذ لا مشقة في استمرارها في إمكان الاحتمال. فتأمل جيداً » وكأنه أشار بالأمر بالتأمل إلى أن الإحرام لا ينعقد بمجرد النية ، بل يحتاج إلى عقده بالتلبية ، والاستمرار على ذلك مشقة.

اللّهم إلا أن يقال : إن نفي الحرج والمشقة في المقام يتوقف على عدم إمكان الذهاب الى الميقات ، أما مع إمكان ذلك فالمشقة ليست لازمة من التكليف ، وإنما لزمت من اختيار المكلف ، فلا مجال لأدلة نفي الحرج.

لأنه لا بأس به إذا كان بعنوان الاحتياط ولا يجوز إجراء أصالة عدم الوصول إلى المحاذاة ، أو أصالة عدم وجوب الإحرام ، لأنهما لا يثبتان كون ما بعد ذلك محاذياً. والمفروض لزوم كون إنشاء الإحرام من المحاذاة [1]. ويجوز لمثل هذا الشخص أن ينذر الإحرام قبل الميقات ، فيحرم في أول موضع الاحتمال أو قبله ، على ما سيأتي ، من جواز ذلك مع النذر. والأحوط في صورة الظن أيضاً عدم الاكتفاء به وإعمال أحد هذه الأمور ، وإن كان الأقوى الاكتفاء [2]. بل الأحوط عدم الاكتفاء بالمحاذاة مع إمكان الذهاب الى الميقات [3]. لكن الأقوى ما ذكرنا من جوازه مطلقاً. ثمَّ إن أحرم في موضع الظن بالمحاذاة ولم يتبين الخلاف فلا إشكال [4]. وان


نعم إذا فرض تعذر الذهاب الى الميقات والإحرام منه. فالعمل بالظن يتوقف على تمام مقدمات الانسداد في المورد بخصوصه ، فاذا لم تتم جاز الإحرام في بعض محتملات المحاذاة.

[1] وحينئذ يكون الشك في الفراغ ، لا في الاشتغال ، فيجب تحصيل العلم به في نظر العقل.

[2] قد عرفت الاشكال فيه.

[3] لما عرفت من الاشكال من جماعة في الحكم المذكور. بل الإشكال في صحيح ابن سنان من وجوه ، عمدتها عدم إمكان الالتزام بالعمل به في مورده.

[4] عملاً بحجية الظن ، بناء عليها.

تبين بعد ذلك كونه قبل المحاذاة ولم يتجاوزه أعاد الإحرام [1] وان تبين كونه قبله وقد تجاوز ، أو تبين كونه بعده. فإن أمكن العود والتجديد تعين [2] ، والا فيكفي في الصورة الثانية ، ويجدد في الأولى في مكانه [3]. والأولى التجديد مطلقاً [4]. ولا فرق - في جواز الإحرام في المحاذاة - بين البر والبحر [5].


[1] كما في الجواهر ، وعن الدروس والمسالك وغيرهما. لتبين البطلان لكونه قبل الميقات ، بناء على التحقيق من عدم الاجزاء في موافقة الأحكام الظاهرية.

[2] أما في الصورة الأولى فلبطلان الإحرام ، لوقوعه قبل الميقات ولا دليل على الاجزاء في الأحكام الظاهرية. ومنه يظهر الاشكال على ما في الجواهر ، من الاجزاء لو ظهر التقدم وقد تجاوز ، لقاعدة الاجزاء. وأما في الصورة الثانية ، فعن الدروس والمسالك : إطلاق عدم الإعادة لو ظهر التأخير. وسيأتي الكلام فيه في المسألة الثانية من الفصل الآتي.

[3] لبطلان الإحرام فيها.

[4] لاحتمال البطلان فيهما معاً. بل لا يبعد إذا كان بحيث يمكنه الرجوع حال الإحرام وإن تعذر عليه حال الالتفات.

[5] كما في الشرائع والقواعد وغيرهما. وظاهر الشراح عدم الخلاف فيه ، إلا من ابن إدريس ، فذكر أن ميقات أهل مصر ومن صعد البحر : جدة. والاشكال فيه من وجهين : أحدهما : أن من ركب البحر يحاذي الجحفة إذا كان وارداً من المغرب


لأنها - كما قيل - قرب رابغ ، تبعد عن البحر ستة أميال أو ميلين - على اختلاف - فيكون الراكب في السفن عند توجهه من رابغ الى جدة محاذياً لها ، فيجب إحرامه منها قبل جدة. وإذا كان وارداً من جهة اليمن كان محاذياً ليلملم عند وصوله إلى الموضع الذي بين قمران وجدة ، فيكون إحرامه هناك ، كما عليه عمل الإمامية - رفع اللّه تعالى شأنهم - في الأزمنة الماضية ، فإنهم يحرمون في السفن البحرية عند وصولهم إلى ذلك الموضع : لكن عرفت الإشكال في ذلك ، فان الواصل إلى ذلك المكان إذا توجه إلى مكة المكرمة تكون يلملم بينه وبين مكة ، فيكون مواجهاً لها ، لا أنها عن يمينه أو يساره ، كما عرفت أنه معنى المحاذاة. ومثله الواصل إلى قرب رابغ في البحر ، فإن الجحفة لا تكون عن يساره إذا توجه إلى مكة. نعم الواصل إلى الموضع الأول في البحر تكون يلملم عن يمينه بلحاظ طريق السفر. وكذا الواصل الى قرب رابغ تكون الجحفة عن يساره بلحاظ طريق السفر. لكن لا اعتبار بذلك ، كما عرفت.

وثاني الإشكالين : إن جده ليست من المواقيت ، لا نصاً ولا فتوى ومحاذاتها ليلملم مشكل من وجهين : أحدهما : ما عرفت من أنه لا دليل على اعتبار المحاذاة مع البعد. وثانيهما : أن الظاهر أن يلملم واقعة في جنوب مكة ، وجدة واقعة في شرق مكة ، فلا تكون محاذية لها. ومن ذلك يشكل البناء على محاذاتها للجحفة ، لما بينهما من البعد الكثير. نعم مقتضى بعض الخارطات المصورة للحجاز : أن الواصل إلى قريب جدة في البحر يكون محاذياً للجحفة ، لكن على بعد منها ، فان قلنا بصحة المحاذاة على بعد لم يبعد وجوب الإحرام من ذلك الموضع المحاذي قبل جدة. لكن عرفت الاشكال فيه.

ثمَّ إن الظاهر أنه لا يتصور طريق لا يمر على ميقات ، ولا يكون محاذياً لواحد منها [1] ، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب [2] ، فلا بد من محاذاة واحد منها. ولو فرض


[1] قال العلامة في القواعد : « ولو لم يؤد الطريق إلى المحاذاة فالأقرب أن ينشئ الإحرام من أدنى الحل. ويحتمل مساواة أقرب المواقيت » قال في المدارك : « ولو سلك طريقاً لم يؤد إلى محاذاة ميقات ، قيل يحرم من مساواة أقرب المواقيت إلى مكة .. ( إلى أن قال ) : واستقرب العلامة في القواعد ، وولده في الشرح وجوب الإحرام من أدنى الحل. وهو حسن ، لأصالة البراءة من وجوب الزائد. وقولهم : إن هذه المسافة لا يجوز قطعها إلا محرماً ، في موضع المنع ، لأن ذلك إنما ثبت مع المرور على الميقات ، لا مطلقاً ». وقريب منه ما في الحدائق وغيرها. وظاهر الكلمات المفروغية عن صحة الفرض.

لكن قال في المستند : « واختلفوا في حكم من سلك طريقاً لا يحاذي شيئا منها. وهو خلاف لا فائدة فيه : إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب ». ونحوه ما في الجواهر. وفيه : أنه مبني على عموم حكم المحاذاة للبعيد ، وقد عرفت إشكاله. وقد تقدم من المصنف عدم الاجتزاء بالمحاذاة في البعيد ، وهو مناف لما ذكره هنا ، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر صحة ما ذكره الجماعة من فرض عدم أداء الطريق إلى المحاذاة.

[2] فان الجحفة ما بين الشمال والمغرب ، ومسجد الشجرة في جهة الشمال ، ووادي العقيق بين الشمال والمشرق ، وقرن المنازل في المشرق تقريباً ويلملم في جنوب مكة.

إمكان ذلك فاللازم الإحرام من أدنى الحل [1]. وعن بعضهم أنه يحرم من موضع يكون بينه وبين مكة بقدر ما بينها وبين أقرب المواقيت إليها - وهو مرحلتان - لأنه لا يجوز لأحد قطعه إلا محرماً. وفيه : أنه لا دليل عليه. لكن الأحوط الإحرام منه ، وتجديده في أدنى الحل.

العاشر : أدنى الحل ، وهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الافراد [2] ،


[1] لإطلاق ما دل على عدم جواز دخول الحرم بلا إحرام ، والأصل البراءة عن وجوب الإحرام قبله. ولزوم الخروج عنه ، فيمن مر بالميقات أو من حاذاه - لما دل على وجوب الإحرام من الميقات أو مما يحاذيه - لا يقتضي خروج غيره من الأفراد ، كما ذكر الجماعة ، واحتمال دخل الميقات في صحة الإحرام ، منفي بأصل البراءة من الشرطية ، كما في سائر العبادات الشرعية

[2] كما عن جماعة التصريح به. وفي كشف اللثام : « هو منصوص الخلاف والمبسوط والسرائر. وفي التذكرة : لا نعلم فيه خلافا. وفي المنتهى : لا خلاف في ذلك ». واستدل له في الحدائق والمستند وغيرهما بما رواه ابن بابويه في الفقيه عن عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبههما. قال : وان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلها في ذي القعدة : عمرة أهلّ فيها من عسفان - وهي عمرة الحديبية - وعمرة القضاء ، أحرم فيها من الجحفة ، وعمرة أهلّ فيها من الجعرانة ، وهي بعد أن رجع من الطائف من غزاة حنين » (1)


1) الوسائل باب : 22 من أبواب المواقيت حديث : 1 ، 2.

بل لكل عمرة مفردة [1]. والأفضل أن يكون من الحديبية ،


ودلالته لا تخلو من إشكال ، إذ لا ظهور فيه في وجوب الخروج عن مكة للاعتمار. اللّهم إلا أن يقال : مقتضى إطلاق كون الخروج من مكة مقدمة للاعتمار - كما هو ظاهر حرف الغاية - أنه مقدمة على سبيل اللزوم والتعيين فيتوقف الاعتمار عليه.

ونحوه في الاشكال صحيح جميل بن دراج : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية. قال (عليه السلام) : تمضي كما هي الى عرفات فتجعلها حجة ، ثمَّ تقيم حتى تطهر ، فتخرج الى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة » (1).

قال ابن أبي عمير : « كما صنعت عائشة » فإنه لا يمكن حمل الأمر بالإحرام من التنعيم على الوجوب. فالعمدة في الحكم هو الإجماع.

[1] كما اختاره في المستند. لعموم النصوص المذكورة. قال في الجواهر : « لو لا الإجماع ظاهراً على اختصاص العمرة المزبورة بذلك لأمكن القول باعتبار ذلك في كل عمرة ، لإطلاق بعض النصوص ». أقول : أما صحيح جميل فخاص بعمرة حج الافراد. وأما الصحيح الآخر فهو وإن كان عاماً ، لكن قد عرفت الإشكال في دلالته على اللزوم. وحينئذ يجوز له الإحرام من منزله ، لما دل على أن من كان منزله دون الميقات أحرم من منزله ، كما اختاره في الجواهر. إلا أن يقال : يحمل الصحيح الأول على الوجوب - ولو بقرينة الإجماع - وحينئذ يتعين الأخذ بعمومه. والإجماع الموجب للخروج عن عمومه غير ثابت.


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

أو الجعرانية ، أو التنعيم ، فإنها منصوصة [1]. وهي من حدود الحرم [2] ،


[1] كما عرفت. قال في كشف اللثام : « وفي التذكرة : ينبغي الإحرام من الجعرانة ، فإن النبي (صلی اللّه عليه وآله) اعتمر منها. فان فاتته فمن التنعيم لأنه (صلی اللّه عليه وآله) أمر عائشة بالإحرام منه. فان فاته فمن الحديبية ، لأنه لما قفل من حنين أحرم بالجعرانة. ولعل هذا دليل تأخير الحديبية والتنعيم عن الجعرانة فضلاً ، وتفصيل لما ذكره أولاً من اعتماره منه ».

لكن في استفادة الترتيب من النصوص اشكال - كما في الجواهر - لعدم دلالتها على ذلك ، لأن فعله (صلی اللّه عليه وآله) أعم من الأفضلية ، فضلاً عن الترتيب ، لأن الفعل مجمل الوجه. إذ من الجائز أن إحرامه من المواضع المذكورة لأنها كانت في طريقه ، أو لوجه آخر. نعم أمره (صلی اللّه عليه وآله) لعائشة بالإحرام من التنعيم يدل على أفضليته. وأما الجعرانة والحديبية في صحيح عمر بن يزيد فلم يذكرا بالخصوص ، وإنما ذكرا مثالاً لأدنى الحل بقرينة قوله (عليه السلام) : « أو ما أشبههما ».

نعم ذكرت الجعرانة في صحيحي سالم الحناط وعبد الرحمن بن الحجاج (1)، المتقدمين في حكم الميقات السابع. لكن موردهما ، الحج لا العمرة. فاستحباب المواضع المذكورة مبني على قاعدة التسامح ، وكذا الترتيب بينها.

[2] لا إشكال ظاهر بينا في أن الحرم بريد في بريد. وفي كشف اللثام : أنه لا خلاف فيه. وفي موثق عبد اللّه بن بكير عن زرارة قال : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : حرّم اللّه تعالى حرمه بريداً في بريد : أن


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أقسام الحج حديث : 6 ، 5.

على اختلاف بينها في القرب والبعد. فان الحديبية - بالتخفيف أو التشديد - [1] - بئر بقرب مكة ، على طريق جدة ، دون


يختلى خلاه ، أو يعضد شجره إلا الإذخر ، أو يصاد طيره .. » (1). وظاهر قوله (عليه السلام) : « بريد في بريد » أنه من قبيل المربع الذي طوله بريد وعرضه بريد. لكن لما كان من المعلوم اختلاف جهات مكة في حدود الحرم ، فان من بعض الجهات بعيد عنها ومن بعضها قريب إليها ، تعين أن يكون المراد من الحديث تقدير المساحة ، بحيث لو جمعت تلك المساحة وكانت بشكل مربع كان طولها بريداً وعرضها بريداً.

والذي ذكره ابن رستة في كتابه أعلاق النفيسة : أن الحرم من طريق المدينة : دون التنعيم ، عند بيوت معاذ ، على ثلاثة أميال ، ومن طريق اليمن : طرف إضاءة لبن ، في ثنية لبن ، على سبعة أميال ، ومن طريق جدة : منقطع الاعشاش ، على عشرة أميال ، ومن طريق الطائف : على طرف عرفة من بطن نمرة ، على أحد عشر ميلاً ، ومن طريق العراق : على ثنية خل بالمنقطع ، على سبعة أميال ، ومن طريق الجعرانة : في شعب عبد اللّه بن خالد بن أسيد ، على تسعة أميال. وقد أطال في كشف اللثام والجواهر في نقل كلمات من تعرض لذكر مسافة الحرم من الجهات المحيطة بمكة. وليس بمهم بعد وضع العلامات على الحدود بنحو صارت معلومة وإن كانت المسافة بينها وبين مكة بالذراع مجهولة. ولأجله لا يهم الإطالة في ذلك.

[1] قال في كشف اللثام : « بضم الحاء المهملة ، ثمَّ ياء مثناة تحتانية ساكنة ، ثمَّ باء موحدة ، ثمَّ ياء مثناة تحتانية ، ثمَّ تاء التأنيث. وهي في


1) الوسائل باب : 87 من أبواب تروك الإحرام حديث : 45.

مرحلة ، ثمَّ أطلق على الموضع. ويقال : نصفه في الحل ونصفه في الحرم. والجعرانة - بكسر الجيم والعين وتشديد الراء ، أو بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء - [1] موضع


الأصل اسم بئر خارج الحرم ، على طريق جدة ، عند مسجد الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان. قال الفيومي : دون مرحلتين ، وقال النووي : على نحو مرحلة من مكة. وعن الواقدي : أنها على تسعة أميال من المسجد الحرام. وقيل : اسم شجرة حدباء ، ثمَّ سميت بها قرية هناك ليست بالكبيرة. قيل : إنها من الحل ، وقيل : من الحرم ، وقيل : بعضها في الحل وبعضها في الحرم. ويقال : إنها أبعد أطراف الحل إلى الكعبة. يخفف ياؤها الثانية ويثقل ، فيكون منسوباً إلى المخففة. وفي تهذيب الأسماء عن مطالع الأنوار : ضبطناها بالتخفيف عن المتقنين ، وأما عامة الفقهاء والمحدثين فيشدونها .. وقال السهيلي : التخفيف أعرف عند أهل العربية ، وقال أحمد بن حنبل : لا يجوز فيها غيره ، وكذا عن الشافعي. وقال أبو جعفر النحاس : سألت كل من لقيت ، ممن أثق بعلميته من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا عليّ في أنها مخففة ، وقيل : إن الثقيل لم يسمع من فصيح ». انتهى ما في كشف اللثام. وقال ابن إدريس في السرائر : « الحديبية اسم بئر ، وهو خارج الحرم. يقال : الحديبية ، بالتخفيف ، والتثقيل. وسألت ابن العطار الفرهي فقال : أهل اللغة يقولونها بالتخفيف ، وأصحاب الحديث يقولونها بالتشديد. وخطه عندي بذلك ، وكان إمام اللغة ببغداد ».

[1] في كشف اللثام : « بكسر الجيم والعين المهملة ، وتشديد الراء المهملة المفتوحة ، كما في الجمهرة. وعن الأصمعي والشافعي : بكسر الجيم

بين مكة والطائف ، على سبعة أميال. والتنعيم : موضع قريب من مكة [1] ، وهو أقرب أطراف الحل إلى مكة. ويقال : بينه وبين مكة أربعة أميال ، ويعرف بمسجد عائشة كذا في مجمع البحرين. وأما المواقيت الخمسة فعن العلامة رحمه اللّه في المنتهى : أن أبعدها من مكة ذو الحليفة ، فإنها على عشر مراحل من مكة ، ويليه في البعد الجحفة ، والمواقيت الثلاثة الباقية على مسافة واحدة ، بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان. وقيل : إن الجحفة على ثلاث مراحل من مكة.

( مسألة 5 ) : كل من حج أو اعتمر على طريق


وإسكان العين ، وتخفيف الراء. قيل : العراقيون يثقلونه ، والحجازيون يخففونه. وحكى ابن إدريس : بفتح الجيم ، وكسر العين ، وتشديد الراء أيضاً. وهي موضع بين مكة والطائف من الحل ، بينها وبين مكة ثمانية عشر ميلاً ، على ما ذكر الباجي. سميت بريطة بنت سعد بن زيد مناة من تميم أو قريش ، كانت تلقب بالجعرانة. ويقال : إنها المرادة بالتي نقضت غزلها. قال الفيومي : إنها على سبعة أميال عن مكة. وهو سهو في سهو في سهو ، فان الحرم من جهته تسعة أميال أو بريد ، كما يأتي ».

[1] قال في كشف اللثام : « على لفظ المصدر ، سمي به موضع على ثلاثة أميال من مكة أو أربعة. وقيل : على فرسخين على طريق المدينة به مسجد أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ومسجد زين العابدين (عليه السلام) ، ومسجد عائشة وسمي به ، لأن عن يمينه جبلاً اسمه نعيم ، وعن شماله جبلاً اسمه ناعم ، واسم الوادي نعمان. ويقال : هو أقرب أطراف الحل إلى مكة ».

فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق وإن كان مهلّ أرضه غيره - كما أشرنا إليه سابقاً [1] - فلا يتعين أن يحرم من مهّل أرضه بالإجماع ، والنصوص. منها : صحيحة صفوان : « إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) وقت المواقيت لأهلها ، ومن أتى عليها من غير أهلها » (1).

( مسألة 6 ) : قد علم مما مر أن ميقات حج التمتع مكة. واجبا كان أو مستحباً ، من الآفاقي أو من أهل مكة وميقات عمرته : أحد المواقيت الخمسة ، أو محاذاتها [2] ،


[1] في الميقات الثاني ، والثالث.

[2] قد عرفت أن المحاذاة مع البعد لا دليل على إجزائها ، ويتعين الإحرام حينئذ من أدنى الحل ، كما فرضه الجماعة ، فيمن لم يؤد طريقه الى الميقات أو ما يحاذيه. فراجع. هذا إذا كان عابرا على الميقات أو ما يحاذيه إلى مكة. أما إذا كان منزله دون الميقات إلى مكة ، فالظاهر من الأصحاب أن منزلة ميقات عمرته وحجه ، فإنهم ذكروا أن من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله ، ولم يخصصوا ذلك بالحج أو العمرة. قال في الجواهر : « قد عرفت أن ميقات الإحرام - لمن كان منزله أقرب من الميقات - منزله ، سواء كان بعمرة تمتع ، أو إفراد ، أو حج. لإطلاق الأدلة ». وكذلك ظاهر عبارات غيره. وهو في محله ، للإطلاق الذي ذكره في الجواهر. فكان على المصنف أن يستثنيه في الفرض الآتي.

وعلى هذا فميقات إحرام عمرة التمتع ، أما أحد المواقيت - إن مر به -


1) الوسائل باب : 15 من أبواب المواقيت حديث : 1.

كذلك أيضاً. وميقات حج القران والافراد : أحد تلك المواقيت مطلقاً أيضاً [1] ، إلا إذا كان منزله دون الميقات أو مكة فميقاته منزله [2]. ويجوز من أحد تلك المواقيت أيضاً ، بل هو الأفضل. وميقات عمرتهما : أدنى الحل إذا كان في مكة [3] ويجوز من أحد المواقيت أيضاً [4]. وإذا لم يكن في مكة فيتعين أحدها [5]. وكذا الحكم في العمرة المفردة [6] ،


أو ما يحاذيه محاذاة قريبة ، بحيث يكون معه في أفق واحد عرفاً - إن مر به - أو أدنى الحل إن لم يمر بالميقات ، ولا بما يحاذيه. أو منزله إذا كان دون الميقات. هذا إذا كان ذاهباً إلى مكة. وان كان مقيما بمكة فسيأتي حكمه ..

[1] يعني : واجباً كان أو مستحباً ، من أهل الآفاق أو غيره. وكان المناسب أن يذكر المحاذاة أيضاً كما ذكرها فيما قبل.

[2] تقدم وجهه في الميقات السابع. كما تقدم الوجه في قوله : « ويجوز من .. ».

[3] كما تقدم في الميقات العاشر.

[4] تقدم وجهه في نظيره.

[5] هذا إذا كان فيما بعد الميقات ، وعبر عليه. أما إذا كان فيما بعده وعبر على ما يحاذيه أحرم مما يحاذيه ، وإن عبر على غير الميقات وما يحاذيه أحرم من أدنى الحل ، وكذا إذا كان في الحرم. وإذا كان منزله دون الميقات أحرم من منزله. كل ذلك لإطلاق الأدلة في الجميع. ويكون الحكم كما في عمرة التمتع لمن لم يكن في مكة. والتخصيص بأحد المواقيت لا دليل عليه.

[6] أما في الحكم الأول ، فلما عرفت في الميقات العاشر. وأما في

مستحبة كانت أو واجبة. وإن نذر الإحرام من ميقات معين تعين [1]. والمجاور بمكة بعد السنتين حاله حال أهلها [2] ، وقبل ذلك حاله حال النائي. فإذا أراد حج الافراد أو القران


الحكم الثاني الذي ذكرناه ، فلإطلاق الأدلة.

[1] لعموم الوفاء بالنذر إذا تعلق بالراجح ، وان كان غيره أرجح منه.

[2] قد عرفت أن أهل مكة إذا أرادوا حج التمتع فاحرامهم منها كإحرام حج التمتع من غيرهم ، فإن مكة ميقات حج التمتع مطلقاً. وأما إذا أرادوا حج القران أو الافراد فاحرامهم منها أيضاً ، على ما عرفت في الميقات السابع. وإذا أرادوا عمرة الافراد أو القران ، أو العمرة المفردة فاحرامهم من أدنى الحل ، على ما عرفت في الميقات العاشر. وأما إذا أرادوا عمرة التمتع فقد تقدم من المصنف (رحمه اللّه) - في المسألة الرابعة من فصل أقسام الحج - : أن ميقات إحرامها منهم أحد المواقيت الخمسة. بل قد يظهر منه أن الخلاف في حكم المجاور إذا أراد أن يعتمر عمرة التمتع جار فيهم ، وأن ميقات عمرة التمتع منهم ، هل هو مهلّ أرضه ، أو أحد المواقيت ، أو أدنى الحل؟.

لكن لا مجال للاحتمال الأول ، لأن المفروض أنه من أهل مكة. فكأن مراده هناك أن ما اختاره من هذه الاحتمالات - وهو أحد المواقيت الخمسة - جار في حقهم. وكيف كان فنصوص تلك المسألة أكثرها واردة في المجاور ، ولا تشمل أهل مكة ، فلا بد من الرجوع الى غيرها من الأدلة وحينئذ مقتضى عموم : من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله - بناء على عمومه لأهل مكة كما تقدم - أن ميقات عمرتهم لحج التمتع هو منزلهم مكة. لكن الظاهر أنه خلاف الإجماع ، وقد ذكر في كشف اللثام : أنه


لا بد في النسك من الجمع بين الحل والحرم ، وفي الحج يجمع بينهما بالخروج الى عرفات ، وجعله دليلاً على عدم جواز إحرام عمرة القارن والمفرد من مكة. وقد أشار العلامة في التذكرة الى ذلك ، فيظهر منهم أن من المسلمات أن العمرة مطلقاً لا تكون من مكة ، إذ حينئذ لا جمع فيها بين الحل والحرم. وهذه القاعدة وإن لم يظهر دليل عليها ، لكن الظاهر التسالم عليها. وحينئذ يتردد الأمر بين كونه أدنى الحل وكونه أحد المواقيت. والمصنف اختار الثاني فيما تقدم ، في فصل أقسام الحج. والذي يقتضيه عموم صحيح عمرو ابن يزيد - المتقدم في دليل الميقات العاشر - : الاجتزاء بالخروج إلى أدنى الحل (1).

وقد يشكل عمومه ، باستشهاد الامام (عليه السلام) فيه بفعل النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، ولم يكن (صلی اللّه عليه وآله) حينئذ من أهل مكة ، ولا كانت عمرته عمرة تمتع. لكن الظاهر أن الاستشهاد بالفعل الخاص لا يصح قرينة على التخصيص ، فلا بأس بالبناء على العموم. ولا سيما بعد اعتضاده بصحيح الحلبي الوارد في المجاور إذا أراد أن يتمتع ، حيث أمر فيه بالخروج عن الحرم ، وقد عرفت - في مسألة حكم المجاور - أن هذا الصحيح أرجح من غيره من أدلة القولين الآخرين. ولو فرض قصور النصوص عن تعيين الميقات تعين الرجوع إلى الأصل المقتضي للاجتزاء بالإحرام من أدنى الحل. ثمَّ إن مقصود المصنف (رحمه اللّه) ، من قوله : « حاله حال أهلها » أن إحرامه لحج القران والافراد يكون منها ، لما سبق في الميقات السابع. ويشكل بما سبق من الصحيحين المتضمنين إحرام المجاور للحج من أدنى الحل ، بناء على إطلاقهما الشامل لما بعد السنتين ، كما تقدم.


1) الوسائل باب : 22 من أبواب المواقيت حديث : 1 ، 2.

يكون ميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها [1] ، وإذا أراد العمرة المفردة جاز إحرامها من أدنى الحل.


[1] قد تقدم منه أن القدر المتيقن من الصحيحين ما قبل السنتين ، وحينئذ لا موجب لرفع اليد عنهما. وإن شئت قلت : المنزل - في روايات المنزل - إن كان يختص بالوطن فلا يشمل المجاور ولو بعد السنتين ، فلا وجه لإحرام المجاور منه حينئذ. وإن كان يعم غيره - بأن يراد به المنزل الذي اتخذه مقراً له ولأهله مدة معتداً بها - فهو وإن كان يشمل منزل المجاور ، لكن الصحيحين موجبان للخروج عن عموم حكم المنزل بمقتضى إطلاقهما. وقد عرفت لزوم العمل بالمطلق وإن كان القدر المتيقن منه الخاص ، فكيف ساغ الحكم بأن إحرام المجاور بعد السنتين من مكة؟ ولكن عرفت سابقاً أن ذيل الصحيح الثاني طويل جداً ، وظاهر في القاطن الذي تبدل فرضه وهو ما بعد السنتين. فلاحظ وتأمل.

والذي يتحصل مما ذكرنا : أن ميقات الحج لأهل مكة مطلقاً - سواء كان تمتعاً أم قراناً ، أم إفراداً - وميقات عمرتهم - سواء كانت عمرة تمتع ، أم إفراد ، أم قران ، أم مفردة - أدنى الحل ، وميقات حج المجاور في مكة ، وعمرته أدنى الحل مطلقاً. إلا حج التمتع فان ميقاته مكة. وإلا عمرته فان ميقاتها محل الخلاف ، المتقدم في فصل صورة حج التمتع واللّه سبحانه العالم العاصم ، وهو حسبنا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

فصل في أحكام المواقيت

( مسألة 1 ) : لا يجوز الإحرام قبل المواقيت [1] ، ولا ينعقد [2] ، ولا يكفي المرور عليها محرماً ، بل لا بد من إنشائه جديداً. ففي خبر ميسرة [3] : « دخلت على أبي


فصل في أحكام المواقيت

[1] المراد من عدم الجواز الحرمة التشريعية. ولو أريد الحرمة الذاتية فلا دليل. ولا سيما وأن المذكور في كلماتهم أنه لا ينعقد. وما في بعض النصوص ، من النهي عن الإحرام قبل الميقات ، فالظاهر الإرشادي الى عدم الصحة.

[2] بلا خلاف أجده فيه. والنصوص وافية في الدلالة عليه. كذا في الجواهر. وفي كشف اللثام : « للنصوص ، والأصل ، والإجماع. خلافاً للعامة ». وفي المدارك : « عن المنتهى : أنه قول علمائنا أجمع » ، واستدل له : بصحيحة عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الإحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها » (1)وصحيح ابن أذينة قال : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : ومن أحرم قبل الميقات فلا إحرام له » (2).

[3] رواه الكليني عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن


1) الوسائل باب : 11 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب المواقيت حديث : 3.

عبد اللّه (عليه السلام) وأنا متغير اللون ، فقال (عليه السلام) : من أين أحرمت بالحج؟ فقلت : من موضع كذا وكذا. فقال (عليه السلام) : رب طالب خير يزل قدمه. ثمَّ قال : أيسرك إن صليت الظهر في السفر أربعاً؟ قلت : لا. قال : فهو واللّه ذاك » نعم يستثنى من ذلك موضعان :

أحدهما : إذا نذر الإحرام قبل الميقات [1] ، فإنه يجوز ويصح. للنصوص. منها خبر أبي بصير [2] عن أبي


علي بن النعمان ، عن علي بن عقبة ، عن ميسرة قال : « دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) .. » (1)إلى آخر ما في المتن ونحوه غيره من النصوص الكثيرة ويأتي بعضها.

[1] حكاه - في كشف اللثام - عن النهاية ، والمبسوط ، والخلاف والتهذيب ، والمراسم ، والمهذب ، والوسيلة ، والنافع ، والشرائع ، والجامع. وفي كلام غيره نسبته إلى الأكثر ، أو أكثر المتأخرين ، أو المشهور. واستدل له بجملة من النصوص. منها : صحيح الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل جعل لله عليه شكراً أن يحرم من الكوفة. قال (عليه السلام) : فليحرم من الكوفة ، وليف لله بما قال » (2)، وخبر علي ابن أبي حمزة قال : « كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل جعل لله عليه أن يحرم من الكوفة. قال (عليه السلام) : يحرم من الكوفة » (3).

[2] رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسين ، عن أحمد بن محمد بن


1) الوسائل باب : 11 من أبواب المواقيت حديث : 5.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب المواقيت حديث : 1.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب المواقيت حديث : 2.


أبي نصر ، عن عبد الكريم ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : لو أن .. » (1). لكن الظاهر منه مجرد جعل الإحرام من المواضع البعيدة على نفسه ، من باب تحمل الزحمة في سبيل الطاعة ، شكراً لله تعالى ، لا أنه من باب نذر الشكر. لكن في الأولين كفاية.

نعم عن جماعة : المنع ، لبطلان النذر ، لأنه نذر غير مشروع ، كما لو نذر الصلاة قبل وقتها ، أو إيقاع المناسك في غير مواضعها. مع ضعف الأخبار ، فإن الأول وإن حكم بصحته في المنتهى وغيره ، لكن المحكي عن أكثر نسخ التهذيب أن السائل فيه : ( علي ) ، هكذا : « عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن علي .. ». والظاهر أنه ابن أبي حمزة. بل قيل : إن نسخ التهذيب متفقة على ذلك (2)، وإنما الحلبي بدله مذكور في نسخ الاستبصار (3). مع أن السند فيه هكذا : « الحسين ابن سعيد ، عن حماد ، عن الحلبي ». والمعروف في الحلبي مطلقاً : عبيد اللّه ، وأخوه محمد. وحماد إن كان ابن عيسى فتبعد روايته عن عبيد اللّه بلا واسطة ، وإن كان ابن عثمان فتبعد رواية الحسين بن سعيد عنه بلا واسطة. وتبعد أيضاً إرادة عمران من إطلاق الحلبي. ولذلك قوى البطلان في كشف اللثام. وفيه : أنه لا مجال للطعن في الروايات بالضعف بعد اعتماد من عرفت عليها. فالعمل بها متعين. مع أنها إن لم تكن من الصحيح فهي من الموثق الداخل في موضوع دليل الحجية.


1) الوسائل باب : 13 من أبواب المواقيت حديث : 3.

2) المصرح به في بعض نسخ التهذيب : ( الحلبي ) لاحظ التهذيب الجزء : 5 الصفحة : 53 طبع النجف الأشرف.

3) لا حظ الاستبصار الجزء : 2 الصفحة : 163 طبع النجف الأشرف.

عبداللّه (عليه السلام) : « لو أن عبداً أنعم اللّه تعالى عليه نعمة ، أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية ، فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان كان عليه أن يتم ». ولا يضر عدم رجحان ذلك - بل مرجوحيته - قبل النذر ، مع أن اللازم كون متعلق النذر راجحاً [1]. وذلك لاستكشاف رجحانه بشرط النذر من الأخبار [2] ، واللازم رجحانه حين العمل [3] ولو كان


[1] هذه الشبهة ذكرت في كلام من خالف في الحكم اعتماداً عليها.

[2] هذا على ظاهره غير معقول ، لأن صحة النذر مشروطة بمشروعية المنذور ، فلو كانت مشروعيته مشروطة بالنذر لزم الدور. ولا يمكن العمل بالأخبار إذا دلت على أمر غير معقول.

[3] لا إشكال في ذلك ، لكن الإشكال في تحقق الرجحان حين العمل فإنه لا يعقل أن يكون مستنداً إلى النذر. وكذلك الإشكال في نظيره. واللازم في التخلص عن الاشكال أن يقال : إن الاخبار دلت على صحة النذر ، اللازمة لمشروعية متعلقه. أما أنها كانت لأجل النذر أو لجهة ملازمة له فلا يستفاد من الأخبار. ولما كان الأول غير معقول تعين الثاني. وليس الدليل على عدم مشروعية الإحرام قبل الميقات إلا كسائر الأدلة ، يصح تقييد إطلاقه الأحوالي ، كما يصح تقييد إطلاق غيره. وقد دل الدليل على صحة الصلاة تماماً في السفر في بعض الموارد ، وعلى صحة الصلاة قبل الوقت في بعض الموارد ، وكما جاز الخروج به عن إطلاق دليل بطلان الصلاة تماماً في السفر ، وعن إطلاق دليل بطلان الصلاة قبل الوقت ، فليجز في المقام ذلك.

ذلك للنذر. ونظيره : مسألة الصوم في السفر المرجوح أو المحرم من حيث هو ، مع صحته ورجحانه بالنذر. ولا بد من دليل يدل على كونه راجحاً بشرط النذر ، فلا يرد أن لازم ذلك صحة نذر كل مكروه أو محرم. وفي المقامين المذكورين الكاشف هو الأخبار. فالقول بعدم الانعقاد - كما عن جماعة [1] ،


نعم يفترق المقام عن غيره أن عنوان المقيد في سائر المقامات يجوز أن يكون علة لحكم المقيد ، وفي المقام لا يجوز ذلك ، لئلا يلزم الدور. لكن هذا المقدار - مع إمكان استكشاف عنوان موجب لحكم المقيد ملازم لعنوان المقيد - لا يوجب الفرق بين المقامات ، في وجوب الخروج عن الإطلاق بالمقيد.

[1] المراد بهم الحلي ، والعلامة في المختلف. وعن المحقق ، في المعتبر : الميل اليه. أما الحلي فعذره واضح على أصله - كما في المسالك - لبنائه على عدم العمل بأخبار الآحاد ، وأما العلامة في المختلف فلم يذكر دليلاً على الجواز إلا رواية الحلبي - ونسبها إلى علي بن أبي حمزة البطائني - ورواية أبي بصير. وطعن في الأولى : بأن البطائني واقفي ، وفي الثانية : بأن في طريقها سماعة ، وهو أيضاً واقفي. وأما المحقق في المعتبر فنسب الروايتين الأولتين إلى علي بن أبي حمزة ، وأنه تارة يرويها عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وتارة يقول : كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام). ثمَّ ذكر رواية سماعة عن أبي بصير ، ثمَّ طعن فيهما بأن علي بن أبي حمزة واقفي ، وكذا سماعة. وقال في المسالك : « ولم يذكر - يعني : العلامة - في المختلف صحيحة الحلبي ، وهي مستند واضح. والعجب أنه في المنتهى والتذكرة أفتى بالجواز ، مستدلا بها ولم يذكر غيرها. وحينئذ فالجواز أقوى ». وقد عرفت أن

لما ذكر - لا وجه له. لوجود النصوص ، وإمكان تطبيقها على القاعدة. وفي إلحاق العهد واليمين بالنذر وعدمه وجوه ، ثالثها : [1] إلحاق العهد دون اليمين [2]. ولا يبعد الأول ،


اعتماد الأصحاب على الرواية - على تقدير ضعفها - موجب لدخولها في موضوع الحجية ، فضلاً عن أن تكون صحيحة ، أو موثقة.

[1] وأولها : الإلحاق. استظهره في المسالك ، واستدل له : بأن النصوص شاملة له ، فإنها مفروضة فيمن جعل ذلك عليه لله. وثانيها : العدم. وهو ظاهر كل من اقتصر على النذر ، وربما مال إليه في الجواهر.

[2] لما عرفت في أول فصل نذر الحج ، من أن النذر يتضمن إنشاء تمليك اللّه سبحانه نفس المنذور ، والعهد يتضمن إنشاء المعاهدة مع اللّه على فعل ، واليمين ليس فيه إنشاء مضمون إيقاعي ، فلا جعل فيه لله تعالى ، فلا يدخل في النصوص. بل العهد كذلك ، فإن إنشاء المعاهدة لا يرجع الى جعل شي‌ء لله تعالى ، فلا وجه لدخوله في النصوص أيضاً. بل التحقيق : أن المعاهدة ليست من المعاني الإيقاعية ، بل من الأمور الحقيقية ، والمعاني الإيقاعية هي التي تكون موضوعاً للمعاهدة. وتحقيق ذلك موكول الى محله وإرجاع المعاهدة مع اللّه سبحانه على فعل شي‌ء إلى جعل شي‌ء له تعالى غير واضح ، بل ممنوع.

ولأجل ذلك نقول : إذا صالحت زيداً على أن يصلي عنك أو تصلي عنه ، كان مفاد عقد الصلح غير مفاده لو صالحته على أن يكون لك عليه أن يصلي عنك وله عليك أن تصلي عنه ، فان مفاد الأول لا تمليك فيه ، ومفاد الثاني فيه إنشاء التمليك. وكذا في الشرط ، فقد يشترط عليه أن يخيط ثوبه ، فيقول : بعتك وعليك أن تخيط ثوبي ، فلا تمليك ، وقد يشترط

لإمكان الاستفادة من الأخبار. والأحوط الثاني [1] ، لكون الحكم على خلاف القاعدة. هذا ولا يلزم التجديد في الميقات [2] ،


أن له عليه أن يخيط ثوبه ، فيقول : بعتك ولي عليك أن تخيط ثوبي ، فيكون مشتملاً على التمليك ، فإرجاع أحد المضمونين الى الآخر غير ظاهر.

اللّهم إلا أن يقال : إن التمليك يستفاد من الشرط الوارد في مقام المعاوضات على اختلاف مضامينه ، لأن وروده في ذلك المقام يستوجب القصد الى التمليك. ولذا يكون الشرط موروثاً للوارث ، ولو كان خالياً عن التمليك لم يكن وجه للإرث. لكن لو تمَّ ذلك لم يرد في العهد ، إذ لا قرينة على هذا التمليك ، لا حالية ولا مقالية. فالبناء على دخول العهد واليمين في النصوص غير ظاهر. ولذا اقتصر الأصحاب على ذكر النذر ، ولم يتعرضوا للعهد ولا لليمين. نعم لو تمت دلالة رواية أبي بصير كانت عامة للجميع. فالتفصيل بين العهد واليمين أضعف الوجوه.

ودونه في الضعف العموم ، فإن رواية أبي بصير قد عرفت الاشكال فيها. وحملها - بقرينة الإجماع على عدم العمل بظاهرها - على غيرها يقتضي الخصوص لا العموم. فاذاً المتعين ما هو ظاهر الأصحاب ، وهو الاختصاص بالنذر ، لا غير.

[1] يشكل بأن الثاني وإن كان أحوط من جهة ، لكنه خلاف الاحتياط من جهة مخالفة النذر ، والمقام من قبيل الدوران بين محذورين.

[2] وإن حكي عن المراسم والراوندي. فإنه لا وجه له بعد صحة الإحرام المنذور. وأشكل منه ما حكي عن بعض القيود ، من أنه إذا نذر إحراماً واجباً وجب تجديده في الميقات ، وإلا استحب. فإنه تفصيل بلا فاصل ظاهر.

ولا المرور عليها. وإن كان الأحوط التجديد ، خروجاً عن شبهة الخلاف. والظاهر اعتبار تعيين المكان [1] ، فلا يصح نذر الإحرام قبل الميقات مطلقاً ، فيكون مخيراً بين الأمكنة لأنه القدر المتيقن ، بعد عدم الإطلاق في الأخبار. نعم لا يبعد الترديد بين المكانين [2] ، بأن يقول : « لله علي أن أحرم إما من الكوفة أو من البصرة » ، وإن كان الأحوط خلافه. ولا فرق بين كون الإحرام للحج الواجب ، أو المندوب ، أو للعمرة المفردة [3]. نعم لو كان للحج أو عمرة التمتع يشترط أن يكون في أشهر الحج [4] ، لاعتبار كون الإحرام لهما فيها ، والنصوص إنما جوزت قبل الوقت المكاني فقط.


[1] كما نص على ذلك في الحدائق والمستند.

[2] لا يظهر الفرق بين هذه المسألة وما قبلها ، فان كلاّ منهما غير المتيقن من الإطلاق. بل مقتضى الاقتصار على المتيقن الاقتصار على خصوص الكوفة ، أو مع البصرة ، بناء على دلالة روايتها على المقام ، أو لزوم حملها عليه.

[3] لإطلاق النص والفتوى.

[4] كما نص على ذلك المحقق في كتبه ، ووافقه عليه من تأخر عنه. عملاً بعموم ما دل على عدم صحة عمرة التمتع وحجه في غير أشهر الحج. والنصوص المتقدمة إنما دلت على صحة النذر إذا قدمه على الميقات ، ولم تتعرض لصحته إذا نذر تقديمه على وقته ، فلا موجب للخروج عن عموم أدلة المنع.

ثمَّ لو نذر وخالف نذره فلم يحرم من ذلك المكان - نسياناً أو عمداً - لم يبطل إحرامه إذا أحرم من الميقات [1]. نعم عليه الكفارة إذا خالفه متعمداً.

ثانيهما : إذا أراد إدراك عمرة رجب وخشي تقضيه إن أخر الإحرام إلى الميقات ، فإنه يجوز له الإحرام قبل الميقات [2] وتحسب له عمرة رجب ، وان أتي ببقية الأعمال في شعبان. لصحيحة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل يجي‌ء معتمراً ينوي عمرة رجب ، فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق ، أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب ، أو يؤخر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال : يحرم قبل الوقت لرجب. فان لرجب فضلاً » [3] ، وصحيحة معاوية بن عمار : سمعت


[1] أما في النسيان فظاهر ، لوقوع الإحرام على الوجه المشروع فيصح. وأما في العمد فمشكل ، لأن النذر يقتضي ملك اللّه سبحانه للمنذور على وجه يمنع من قدرة المكلف على تفويته ، والإحرام من الميقات عمداً لما كان تفويتاً للواجب المملوك كان حراماً ، فيبطل إذا كان عبادة. وقد تقدم ذلك في مواضع من هذا الشرح. فراجع المسألة الواحدة والثلاثين من فصل نذر الحج ، ونذر الصلاة جماعة وغيرها ، وتأمل.

[2] في الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه » ، وفي المعتبر : « عليه اتفاق علمائنا » ، وفي المسالك : « هو موضع نص ووفاق » ، وفي المنتهى : « على ذلك فتوى علمائنا ».

[3] رواها الشيخ عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن إسحاق (1)


1) الوسائل باب : 12 من أبواب المواقيت حديث : 2.

أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذي وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله). إلا أن يخاف فوت الشهر في العمرة » [1] ومقتضى إطلاق الثانية جواز ذلك لإدراك عمرة غير رجب أيضاً ، حيث أن لكل شهر عمرة. لكن الأصحاب خصصوا ذلك برجب [2]. فهو الأحوط ، حيث أن الحكم على خلاف القاعدة. والاولى والأحوط - مع ذلك - التجديد في الميقات [3] كما أن الأحوط التأخير إلى آخر الوقت. وإن كان الظاهر جواز الإحرام قبل الضيق إذا علم عدم الإدراك إذا أخر إلى الميقات [4].


وطريق الشيخ الى الحسين صحيح ، وصفوان من الأعيان ، ومن أصحاب الإجماع ورواه الكليني عن أبي علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان عنه. وأبو علي الأشعري ومحمد كلاهما من الأعيان ، وأما إسحاق فالمعروف عد حديثه موثقاً. لكن الذي حققه بعض المتأخرين أن حديثه صحيح ، وهو بالقبول حقيق. ولذلك عد في الجواهر هذا الحديث في الصحيح.

[1] رواها الشيخ عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن معاوية. ورواها الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عنه (1)والسند في الجميع لا مجال للمناقشة فيه.

[2] في الجواهر : « لم أجد به عاملاً في غير رجب ». ولعله للعلة التي أشار إليها الإمام (عليه السلام) في الصحيح الآخر.

[3] فان الحكم لم يتعرض له كثير من الأصحاب - كما في كشف اللثام - ولعل ذلك منهم خلاف فيه.

[4] جعله في الجواهر الأقوى لما ذكر. وقال في المسالك : « ولا


1) الوسائل باب : 12 من أبواب المواقيت حديث : 1.

بل هو الأولى ، حيث أنه يقع باقي أعمالها أيضاً في رجب. والظاهر عدم الفرق بين العمرة المندوبة والواجبة بالأصل [1] أو بالنذر ونحوه.

( مسألة 2 ) : كما لا يجوز تقديم الإحرام على الميقات كذلك لا يجوز التأخير عنها [2] ، فلا يجوز لمن أراد الحج


يشترط إيقاع الإحرام في آخر جزء منه ، بل المعتبر وقوعه فيه. عملاً بإطلاق النص ، وإن كان آخره أولى ». وأولوية آخره بملاحظة الاحتياط فلا تنافي الأولوية المذكورة في المتن ، بلحاظ أن التقدم يستوجب وقوع العمرة في مدة طويلة من الشهر ، بخلاف التأخير. ولعل مراد المصنف (رحمه اللّه) ذلك ، وان كانت العبارة لا تساعد عليه.

[1] عموم النص لها لا يخلو من تأمل أو منع.

[2] إجماعاً - بقسميه - ونصوصاً. كذا في الجواهر. وللنصوص ، والإجماع. وفي المعتبر والمنتهى : إجماع العلماء كافة عليه. كذا في كشف اللثام. ونحوهما كلام غيرهما. وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « من تمام الحج والعمرة ، أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لا تجاوزها إلا وأنت محرم » (1). وفي صحيح صفوان : « فلا تجاوز الميقات إلا من علة » (2). وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - قال : « ولا تجاوز الجحفة إلا محرماً » (3). وفي دلالتها على الحرمة الذاتية تأمل.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المواقيت حديث : 2. وباب : 16 منه حديث : 1.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب المواقيت حديث : 1.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب المواقيت حديث : 3 وباب : 16 منه حديث : 2.

أو العمرة أو دخول مكة أن يجاوز الميقات اختياراً إلا محرماً بل الأحوط عدم المجاوزة عن محاذاة الميقات أيضاً إلا محرماً وإن كان أمامه ميقات آخر [1]. فلو لم يحرم منها وجب العود إليها مع الإمكان. إلا إذا كان أمامه ميقات آخر ، فإنه يجزيه الإحرام منها [2] ،


[1] لأن قوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان المتقدم : « فليكن إحرامه » (1)ظاهر في الوجوب. وكذا قوله (عليه السلام) في الصحيح الآخر : « فليحرم منها .. » (2)فيكون ترك الإحرام حراماً. ولا يتضح الفرق بين المحاذاة وبين نفس الميقات ، فان لسان الأدلة في الجميع على نحو واحد. فتوقف المصنف (رحمه اللّه) في المحاذاة غير ظاهر.

[2] كما هو ظاهر المسالك. قال : وفي بعض الأخبار أنه يرجع الى ميقاته في جميع الصور - يعني : صور تجاوز الميقات بلا إحرام - والظاهر أنه غير متعين بل يجزي رجوعه الى أي ميقات شاء ، لأنها مواقيت لمن مر بها ، وهو عند وصوله كذلك ». وفي المدارك : « لا يخفى أنه إنما يجب العود إذا لم يكن في طريقه ميقات آخر ، وإلا لم يجب - كما مر - بل يؤخر إلى الميقات. وفي الجواهر : « هذا كله إذا لم يكن في طريقه ميقات آخر ، وإلا لم يجب عليه الرجوع أيضاً على كل حال ، بناء على ما تقدم ، من الاجتزاء بالإحرام منه مع الاختيار ، فضلاً عن العذر ».

والمراد ببعض الأخبار - في صدر كلام المسالك - : صحيح الحلبي « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب المواقيت حديث : 3.


قال (عليه السلام) : قال أبي (عليه السلام) : يخرج إلى ميقات أهل أرضه ، فإن خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه ، فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثمَّ ليحرم » (1)، وصحيحه الآخر : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم. فقال (عليه السلام) : يرجع الى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم. فإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثمَّ ليحرم » (2). ونحوهما خبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) (3)، وصحيح معاوية ابن عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم ، فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا : ما ندري أعليك إحرام أم لا وأنت حائض؟ فتركوها حتى دخلت الحرم. فقال (عليه السلام) : إن كان عليها مهلة فلترجع الى الوقت فلتحرم منه ، فان لم يكن عليها وقت فلترجع الى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها » (4). وفي رواية الشيخ : « بقدر ما لا يفوتها الحج فتحرم » (5). وأما ما ذكره من أن المواقيت مواقيت لمن مر بها ، فهو وإن كان صحيحاً ، لكن لا مجال للأخذ بإطلاق توقيتها بعد ورود الدليل الخاص الآمر بالرجوع الى ميقاته. نعم قد يظهر من صحيح معاوية الرجوع الى مطلق الميقات. لكن لو تمَّ فهو مقيد أيضاً على أنه من القريب أن يكون المراد به الميقات الذي عبروا عليه حين سألتهم


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 7.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 9.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 4.

5) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت ملحق حديث : 4.

وإن أثم بترك الإحرام من الميقات الأول [1]. والأحوط العود إليها مع الإمكان مطلقاً ، وإن كان أمامه ميقات آخر.


المرأة ، بقرينة التعبير بالرجوع. نعم ظاهر الصحيحين الأولين خصوص ميقات بلده وإن لم يكن قد عبر عليه. لكن يتعين حملهما على ما عبر عليه بقرينة التعبير بالرجوع في ثانيهما. أو بقرينة الإجماع على خلافهما.

نعم قد يظهر من موثق ابن بكير عن زرارة : « عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم ، فقدموا الى الميقات وهي لا تصلي ، فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم ، فمضوا بها - كما هي - حتى قدموا مكة وهي طامث حلال ، فسألوا الناس ، فقالوا : تخرج الى بعض المواقيت فتحرم منه. فكانت إذا فعلت لم تدرك الحج ، فسألوا أبا جعفر (عليه السلام) ، فقال (عليه السلام) : تحرم من مكانها ، قد علم اللّه تعالى بنيتها » (1). أنه يجري الخروج إلى بعض المواقيت ، أيها كان. لكن المسؤول فيه ليس هو الامام (عليه السلام) ولا يظهر من أبي جعفر (عليه السلام) تقرير للجواب المذكور ، إذ لم يعرض عليه الجواب الصادر من الناس وأما ما ذكره في المسالك ، من أن المواقيت مواقيت لمن مر بها وهو عند وصوله كذلك ، فهو مسلم ، لكن لا يصلح للخروج به عن ظاهر النصوص المذكورة ، لأن نسبتها الى دليل التوقيت نسبة الخاصة إلى العام. فاذاً المتعين الرجوع الى الميقات الذي عبر عليه ولا يجزي غيره.

[1] قد اشتهر ذلك في كلماتهم. وقد أشرنا إلى أن الأمر بالإحرام من الميقات ليس مولوياً بل إرشادي الى الشرطية ، كما في جميع الأوامر الواردة في مقام بيان الماهيات العرفية ، فضلا عن المخترعات الشرعية ، وعليه عمل الفقهاء في جميع أبواب العبادات والمعاملات. فإذا أمر الشارع بالاطمئنان


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 6.

وأما إذا لم يرد النسك ، ولا دخول مكة - بأن كان له شغل خارج مكة ولو كان في الحرم - فلا يجب الإحرام : نعم في بعض الأخبار [1] : وجوب الإحرام من الميقات إذا أراد دخول الحرم وان لم يرد دخول مكة. لكن قد يدعى الإجماع على عدم وجوبه [2]. وإن كان يمكن استظهاره من بعض الكلمات [3].


حال الصلاة كان المراد به الإرشاد إلى شرطية الاطمئنان في الصلاة ، لا وجوب الاطمئنان وجوباً مولوياً ، بحيث يكون تركه موجباً للإثم مع صحة الصلاة. وكذلك في المقام ، فان الظاهر أن الأمر بالإحرام من الميقات إرشادي إلى شرطية الإحرام من الميقات في صحة النسك - حجاً أو عمرة - فلا تكون مخالفته مستوجبة للإثم. اللّهم إلا أن يكون مراده الإثم من جهة الحرمة التشريعية ، لكون المفروض كونه عامداً. لكن الظاهر إرادة الحرمة الذاتية ، كما يفهم مما يأتي في المسألة الآتية.

[1] وهو صحيح عاصم بن حميد قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يدخل الحرم أحد إلا محرماً؟ قال : لا. إلا مريض ، أو مبطون » (1)وصحيح محمد بن مسلم : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) ، هل يدخل الرجل الحرم بغير إحرام؟ قال (عليه السلام) : لا. إلا أن يكون مريضاً ، أو به بطن » (2).

[2] قال في المدارك : « قد أجمع العلماء على أن من مر على الميقات وهو لا يريد دخول مكة بل يريد حاجة فيما سواها لا يلزمه الإحرام ».

[3] في الوسائل : التصريح به. قال (رحمه اللّه) : « باب : أنه لا يجوز دخول مكة ولا الحرم بغير إحرام » (3)وفي كشف اللثام : عن الجامع


1) الوسائل باب : 50 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 50 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 50 من أبواب الإحرام.

( مسألة 3 ) : لو أخر الإحرام من الميقات عالماً عامداً ولم يتمكن من العود إليها - لضيق الوقت أو لعذر آخر - ولم يكن أمامه ميقات آخر ، بطل إحرامه [1] ، وحجه [2] ، على المشهور [3] الأقوى ، ووجب عليه قضاؤه إذا كان مستطيعاً [4] واما إذا لم يكن مستطيعاً فلا يجب ، وأن أثم بترك الإحرام بالمرور على الميقات [5].


والتذكرة ذلك أيضاً. وظاهره : الميل إليه ، لأنه استدل له برواية عاصم ولم يتعرض للمناقشة فيها. وفي المستند : « ومقتضى بعض هذه الأخبار عدم جواز دخول الحرم بغير إحرام ، كما حكي الفتوى به عن جمع. وهو الأحوط ، بل الأظهر ». ولأجله تشكل دعوى لزوم رفع اليد عن ظاهر الصحيحين ، بدعوى الإجماع في المدارك ، فيحملان على خصوص صورة إرادة مكة من دخول الحرم ، كما في مجمع البرهان.

[1] كما في الشرائع وغيرها من كتب المحقق. وفي القواعد وعن النهاية والاقتصاد والسرائر وغيرها. لأنه مقتضى إطلاق دليل التوقيت ، الموجب لبطلان الإحرام من غير الوقت.

[2] كما حكي التصريح به عن جماعة منهم. لفوات الكل بانتفاء جزئه أو المشروط بانتفاء شرطه. نعم في الشرائع والقواعد وغيرهما اقتصر على ذكر بطلان الإحرام ، ولم يتعرض فيها للنسك. ولكن الظاهر منهم ذلك لما عرفت.

[3] وفي الجواهر : « وفاقاً للأكثر المشهور ، بل ربما يفهم من غير واحد : عدم الخلاف فيه بيننا ».

[4] يعني : أداؤه في السنة اللاحقة.

[5] الموجب لترك الحج إذا كان واجباً عليه ، أو الموجب للدخول

خصوصاً إذا لم يدخل مكة. والقول بوجوبه عليه ولو لم يكن مستطيعاً [1] ، بدعوى : وجوب ذلك عليه إذا قصد مكة ، فمع تركه يجب قضاؤه. لا دليل عليه. خصوصاً إذا لم يدخل مكة [2].


في الحرم محلا. لكن الإثم حينئذ بالدخول في الحرم محلا لا يترك الإحرام ولا مقدمية بينهما.

[1] قال في المسالك : « وحيث يتعذر رجوعه مع التعمد يبطل نسكه ويجب عليه قضاؤه ، وإن لم يكن مستطيعاً للنسك بل كان وجوبه بسبب إرادة دخول الحرم ، فان ذلك موجب للإحرام ، فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالمنذور. نعم لو رجع بعد تجاوز الميقات ولما يدخل الحرم فلا قضاء عليه ، وإن أثم بتأخير الإحرام. وادعى العلامة (1)في التذكرة الإجماع عليه ». وفي المدارك : « هو غير جيد ، لأن القضاء فرض مستأنف فيتوقف على دليل ، وهو منتف هنا. والأصح سقوط القضاء ، كما اختاره في المنتهى. واستدل عليه بأصالة البراءة من القضاء. وبأن الإحرام مشروع لتحية البقعة فإذا لم يأت به سقط ، كتحية المسجد ، وهو حسن ». ووجه في الجواهر كلام الشهيد في المسالك : بأن مراده وجوب القضاء على من دخل مكة حاجاً ولو بإحرام من دونه ، وعليه يكون القضاء للحج لا للإحرام. ولكنه أيضاً يشكل : بأنه لا دليل على وجوب القضاء في هذه الصورة أيضاً ، والأصل البراءة. على أنه خلاف ظاهر قوله : « موجب للإحرام فإذا .. ».

[2] فإن هذه الصورة داخلة في كلام المسالك. ووجه الخصوصية :


1) قال في التذكرة : « ولو تجاوز الميقات ورجع ولم يدخل الحرم فلا قضاء عليه. بلا خلاف نعلمه ، سواء أراد النسك أو لم يرده » منه قدس سره .

وذلك لأن الواجب عليه إنما كان الإحرام لشرف البقعة - كصلاة التحية في دخول المسجد - فلا قضاء مع تركه. مع أن وجوب الإحرام لذلك لا يوجب وجوب الحج عليه [1] ، وأيضاً إذا بدا له ولم يدخل مكة كشف عن عدم الوجوب من الأول [2]. وذهب بعضهم إلى أنه لو تعذر عليه العود الى الميقات أحرم من مكانه [3] ، كما في الناسي والجاهل. نظير ما إذا ترك التوضي الى أن ضاق الوقت ، فإنه يتيمم وتصح صلاته ، وإن أثم بترك الوضوء متعمداً. وفيه : أن البدلية في المقام لم تثبت ، بخلاف مسألة التيمم ، والمفروض أنه ترك ما وجب عليه متعمداً.


ما عرفت من المشهور ، من أن الإحرام إنما يجب لدخول مكة ، فإذا لم يدخل لم يكن ما يوجبه ، فلا وجه للقضاء مع عدم وجوب الأداء. إلا أن يقال : يجب عند الشهيد الإحرام لدخول الحرم عند إرادة دخول مكة وإن لم يدخلها ، بحيث يكون الوجوب واقعياً.

[1] لأن قضاء الإحرام يكون بالإحرام ثانياً ولو العمرة المفردة. إلا أن يكون مقصود الشهيد ما ذكر في الجواهر ، وهو ما لو دخل حاجاً. فالمقضي يكون هو الحج لا الإحرام. لكن عرفت : أنه لا دليل عليه أيضاً.

[2] فلا أداء ، فلا وجه للقضاء حينئذ. لكن عرفت إمكان التأمل في ذلك عند الشهيد.

[3] في الجواهر : أنه محكي عن جماعة من المتأخرين. وفي كشف اللثام : أنه محتمل إطلاق المبسوط والمصباح ومختصره. وهو قوي. وفي

( مسألة 4 ) : لو كان قاصداً من الميقات للعمرة المفردة وترك الإحرام لها متعمداً ، يجوز له أن يحرم من أدنى الحل وإن كان متمكناً من العود الى الميقات [1]. فأدنى الحل له مثل كون الميقات أمامه ، وإن كان الأحوط - مع ذلك -


المستند اختياره ، ونسبته إلى المحكي عن الكتب الثلاثة ، وجماعة من متأخري المتأخرين. لإطلاق صحيح الحلبي الثاني المتقدم (1)، الموجب لتنزيل إطلاق دليل التوقيت على غير صورة التعذر. لكن في الجواهر : ليس ذلك بأولى من تنزيل إطلاق صحيح الحلبي على غير الفرض - يعني : غير العامد - وهو أولى من وجوه ». وكأن المراد من الوجوه : الشهرة والحمل على الصحة. فإن التنزيل الثاني أوفق بالشهرة في الفتوى والشهرة في الرواية فإن روايات التوقيت أكثر عدداً. وكذا الحمل على الصحة ، فإن حمل الترك على الأعم من العمد خلاف حمل المسلم على الصحة.

أقول : الصحيح من قبيل الخاص بالنسبة إلى دليل التوقيت ، والخاص مقدم على العام. ولأجل ذلك لا مجال للرجوع إلى المرجحات المذكورة ، لو كانت في نفسها من المرجحات. نعم الحمل على الصحة ربما يقتضي انصراف الصحيح عن العامد. لكنه بدوي لا يعتد به. فالبناء على إلحاق العامد بغيره أقرب إلى العمل بالأدلة.

[1] قال في الجواهر : « ثمَّ إن ظاهر المتن والقواعد وغيرهما - يعني مما تضمن عدم صحة الإحرام لو تجاوز الميقات عمداً - بطلان الإحرام منه ولو للعمرة المفردة ، وحينئذ لا يباح له دخول مكة حتى يحرم من الميقات.


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 7. وقد تقدم ذلك في المسألة : 2 من هذا الفصل.

العود الى الميقات. ولو لم يتمكن من العود ، ولا الإحرام من أدنى الحل بطلت عمرته.

( مسألة 5 ) : لو كان مريضاً لم يتمكن من النزع ولبس الثوبين يجزيه النية والتلبية [1] ، فإذا زال عندها نزع


بل عن بعض الأصحاب : التصريح بذلك. لكن قد يقال : إن المراد بطلان الإحرام لا للعمرة المفردة التي أدنى الحل ميقات لها اختياري ، وإن أثم بتركه الإحرام عند مروره بالميقات ، بل قيل : إن الأصحاب إنما صرحوا بذلك لا بطلانه مطلقاً. ويمكن صرف ظاهر المتن وغيره اليه ولعله الأقوى ».

أقول : قد عرفت أن الأقوى وجوب الرجوع إلى الميقات الذي عبر عليه وان كان أمامه ميقات آخر. ولو بني على جواز الإحرام من الميقات الآخر الذي إمامه لا مجال لجعل المفروض منه ، إذ لا إطلاق يدل على أن ميقات العمرة المفردة أدنى الحل يشمل الفرض ، كي يرجع اليه فيه ، بل الأدلة فيه مختصة بغيره ، كما تقدم في الميقات العاشر. وحينئذ يتعين الأخذ بإطلاق التوقيت ، الشامل للعمرة المفردة. بل قد يشكل فيها في جواز الإحرام من موضعه إذا لم يتمكن من الرجوع الى الميقات ، لاختصاص النصوص المتقدمة بالحج ، أو به وبالعمرة المتمتع بها. اللّهم إلا أن تلحق بها للأولوية.

[1] المحكي عن الشيخ في النهاية : أنه قال : « من عرض له مانع من الإحرام جاز له أن يؤخره عن الميقات ، فاذا زال المانع أحرم من الموضع الذي انتهى اليه ». وعن ابن إدريس : أن مقصوده تأخير كيفية الإحرام الظاهرة ، من نزع الثياب ، وكشف الرأس ، والارتداء ، والتوشيح والائتزار. فأما النية والتلبية - مع القدرة عليهما - فلا يجوز له ذلك ، إذ


لا مانع له يمنع ذلك ، ولا ضرورة ، ولا تقية. وإن أراد وقصد شيخنا غير ذلك فهذا يكون قد ترك الإحرام متعمداً من موضعه ، فيؤدي إلى إبطال حجه بلا خلاف ». وتبعه على ذلك العلامة في المختلف والتحرير والمنتهى ، على ما حكي. وقال في المسالك : « وإنما يجوز تأخيره عن الميقات لعذر إذا لم يتمكن من نيته أصلاً - وإن كان الفرض بعيداً - فلو تمكن منها وإنما تعذر عليه توابعه - من نزع المخيط ، ونحوه - وجب عليه الإحرام ، وأخر ما يتعذر خاصة ، إذ لا دخل له في حقيقة الإحرام ولا يسقط الممكن بالمتعذر ». والذي ذكره في الشرائع : أنه لو أخره عن الميقات لمانع ثمَّ زال المانع عاد إلى الميقات ، فان تعذر جدد الإحرام حيث زال. وفي القواعد : « ولا يجوز تأخيره عنها إلا لعذر ، فيجب الرجوع مع المكنة ، ولا معها يحرم حيث زال المانع ». وفي الجواهر : « ذكر ذلك غير واحد ، مرسلين له إرسال المسلمات. وهو لا ينطبق على ما ذكره الشيخ ، ولا على ما ذكر ابن إدريس ، لظهوره في جواز تأخير نفس الإحرام - كما ذكره الشيخ ، خلافاً لابن إدريس - وفي وجوب الرجوع مع المكنة ، وهو خلاف ما ذكره الشيخ وابن إدريس.

والذي تقتضيه القواعد : هو ما ذكره ابن إدريس ومن تبعه ، بناء على أن لبس الثوبين ونزع المخيط ليس من شرائط الإحرام - كما سيأتي - لإمكان الإحرام للمعذور مع إمكان النية والتلبية ، فيجب ولا يجوز التأخير : والموجب للخروج عن القواعد هو مرسل أبي شعيب المحاملي ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال : « إذا خاف الرجل على نفسه أخر إحرامه إلى الحرم » (1). وما في صحيح صفوان المتقدم ، من قوله (عليه السلام) :


1) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 3.

ولبسهما ، ولا يجب حينئذ عليه العود الى الميقات. نعم لو


« فلا تجاوز الميقات إلا من علة » (1). وفي الرياض : نفي البأس عما ذكر ابن إدريس ، لقوة دليله ، مع قصور الخبرين - بعد إرسال أحدهما - عن التصريح بخلافه. انتهى. لكن عدم التصريح بخلافه لا يمنع من الحجية مع الظهور. وأما خبر الاحتجاج - المتقدم في ميقات أهل العراق - فإنما تضمن إيقاع الإحرام بواجباته - من لبس الثوبين ، ونزع المخيط. ثمَّ يلبس الثياب - فهو غير ما نحن فيه ، فلا مجال للاستشهاد به على المقام. فالعمل بالصحيح متعين ، وحمله على العلة المانعة من النية بعيد جداً.

نعم ليس فيه تعرض لموقع الإحرام إذا زالت العلة وقد تجاوز الميقات محلا لأجلها. والمنصرف منه أنه يحرم عند زوال العلة ، لأن الواجب قطع تمام المسافة التي بين الميقات ومكة محرماً ، فاذا رخص للعلة ترك الإحرام في بعضها وجب الباقي ، فيتم حينئذ ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه). ولو لم يتم الانصراف المذكور كان اللازم البناء على ما ذكر الجماعة ، من الرجوع إلى الميقات مع الإمكان ، ومع عدمه يحرم من مكانه. إلا أن يقال : إن ظاهر الصحيح : أن العلة مسقطة للإحرام من الميقات إلى آخره على نحو لا يرجع ، لا ما دامت. وحينئذ يتعين الرجوع إلى الأصل ، المقتضي للإحرام من أدنى الحل. نعم إذا كان قد تجاوز الحرم لم يبعد الرجوع إلى أدنى الحل ، كما يستفاد من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة ، الآتي بعضها في المسألة السادسة. وأما مرسل المحاملي فالاعتماد عليه - لإرساله - غير ظاهر.


1) الوسائل باب : 15 من أبواب المواقيت حديث : 1. وقد تقدم في المسألة : 2 هذا الفصل.

كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام - لمرض أو إغماء - ثمَّ زال وجب عليه العود الى الميقات إذا تمكن ، وإلا كان حكمه حكم الناسي في الإحرام من مكانه إذا لم يتمكن الا منه. وإن تمكن العود في الجملة وجب. وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره [1]. لمرسل جميل عن أحدهما (عليهما السلام) : « في مريض أغمي عليه ، فلم يفق حتى أتى الموقف [2]. قال (عليه السلام) : يحرم عنه رجل ». والظاهر أن المراد أنه يحرمه رجل ، ويجنبه عن محرمات الإحرام ، لا أنه ينوب عنه في الإحرام [3]. ومقتضى هذا القول عدم وجوب


[1] قال في القواعد : « ولو لم يتمكن من نية الإحرام - لمرض وغيره - أحرم عنه وليه ، وجنبه ما يتجنبه المحرم ». وحكي في كشف اللثام ذلك عن الأحمدي ، والنهاية ، والمبسوط ، والتهذيب ، والمهذب ، والجامع ، والمعتبر. وفي الدروس : « ولو جن في الميقات ، أو أغمي عليه أحرم عنه وليه ، وجنبه ما يتجنبه المحرم ».

[2] في نسخة الكافي (1). وفي الوسائل رواه عن الكليني : « أغمي عليه حتى أتى الوقت » (2)، ورواه عن الشيخ : « أغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت » (3).

[3] كما هو مذكور في القواعد وغيرها مما سبق ، أي : يحرم به


1) في بعض نسخ الكافي : ( الوقت ) لا حظ الكافي الجزء 4 الصفحة 325 طبع إيران الحديثة.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب المواقيت حديث : 1 ، طبع إيران الحديثة.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب المواقيت حديث : 4. طبع إيران الحديثة ، باب : 55 من أبواب الإحرام حديث : 2 من الطبعة المذكورة. إلا أنه في الثاني جاء في الأصل : ( الموقف ) وكتب ( الوقت ) بعنوان : نسخة. وفي التهذيب - أيضاً - : ( الموقف ) لاحظ التهذيب الجزء 5 الصفحة 60 طبع النجف الأشرف‌

العود إلى الميقات بعد إفاقته وإن كان ممكناً. ولكن العمل به مشكل ، لإرسال الخبر ، وعدم الجابر [1]. فالأقوى العود مع الإمكان ، وعدم الاكتفاء به مع عدمه.

( مسألة 6 ) : إذا ترك الإحرام من الميقات - ناسياً ، أو جاهلاً بالحكم ، أو الموضوع - [2] وجب العود إليه مع الإمكان [3]


رجل فيتولى النائب النية لا غير ، ويجنبه محرمات الإحرام - كما في الإحرام بالصبي - لا أن المراد : أن الإحرام يكون من النائب والأفعال تكون من المنوب عنه. إذ هو نظير قيام الطهارة بالنائب والصلاة بالمنوب عنه ، فان ذلك مما لا يقبل النيابة. ولذلك قال في المدارك : « وقد بينا فيما سبق : أن المراد بالإحرام عن غير المميز والمجنون الإحرام بهما ، لا كون الولي نائباً عنهما ».

[1] يظهر من الجماعة المتقدم ذكرهم الاعتماد عليه ، بل ظاهر المدارك : العمل به. وفي مرآة العقول للمجلسي - في شرح الحديث - : أنه مرسل كالحسن. وسيأتي - في المسألة الرابعة عشرة من فصل كيفية الإحرام - ما له نفع في المقام.

[2] ليس في النصوص تعرض لحكم الفرض. لكن يمكن استفادته من النصوص الواردة في غيره. ولا سيما وكون الحكم إجماعياً.

[3] بلا خلاف أجده فيه ، نصاً وفتوى. كذا في الجواهر ، وعن المنتهى : « بلا خلاف فيه بين العلماء ». ويشهد له في الناسي : أحد صحيحي الحلبي (1)، وفي الجاهل صحيح معاوية بن عمار (2)، وفيهما


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 1.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 4.


صحيح الحلبي الآخر (1)، المتقدمة كلها في المسألة الثانية. نعم في خبر أبي الصباح الكناني قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل جهل أن يحرم حتى دخل الحرم ، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام) : يخرج من الحرم ، ثمَّ يهل بالحج » (2). وفي خبر سورة بن كليب قال : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : خرجت معنا امرأة من أهلنا فجهلت الإحرام ، فلم تحرم حتى دخلها مكة ، ونسينا أن نأمرها بذلك. قال (عليه السلام) : فمروها فلتحرم من مكانها من مكة ، أو من المسجد » (3). وفي صحيح ابن جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ، ما حاله؟ قال (عليه السلام) : يقول : اللّهم على كتابك وسنة نبيك (صلی اللّه عليه وآله) ، فقد تمَّ إحرامه. فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلاده ، إن كان قضى مناسكه كلها فقد تمَّ حجه » (4).

لكن يتعين حمله على صورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات ، حملاً لها على ما سبق ، حملاً للمطلق على المقيد. بل صحيح ابن جعفر (عليه السلام) كالصريح في أن مورده صورة عدم التمكن من الرجوع إلى الميقات. نعم في خبر علي ابن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل ترك الإحرام حتى انتهى إلى الحرم ، فأحرم قبل أن يدخله. قال (عليه السلام) : إن كان فعل ذلك جاهلا فليبن [ فليلبي. خ ل - فليلب خ ل ] مكانه ليقضي ، فإن ذلك يجزيه إن شاء اللّه. وإن رجع إلى الميقات الذي يحرم


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 7.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 3.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 5.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 8.

ومع عدمه فإلى ما أمكن [1]. إلا إذا كان أمامه ميقات آخر.


منه أهل بلده فإنه أفضل » (1). فإنه صريح في عدم وجوب الرجوع إلى الميقات. ويتعين حينئذ طرحه ، لعدم القائل به - كما في الجواهر - ولا سيما مع ضعفه في نفسه.

[1] في المسالك : « في وجوب العود إلى ما أمكن من الطريق وجه » ونسب إلى بعض. ويشهد له ما في صحيح معاوية بن عمار - المتقدم في المسألة الثانية - من قوله (عليه السلام) : « فلترجع إلى ما قدرت عليه ، بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها » (2). واستدل له في المسالك : بقاعدة الميسور. وقد يشكل : بأنه خلاف ظاهر إطلاق النصوص ، المتضمنة : أنه يحرم من مكانه ، أو بعد ما يخرج من الحرم. فان الحمل على صورة عدم إمكان الرجوع - في الجملة - بعيد - ولأجل ذلك قال في المدارك : « في وجوب العود الى ما أمكن من الطريق وجهان ، أظهرهما العدم للأصل. ولظاهر الروايات المتضمنة لحكم الناسي ». لكن الأصل لا مجال له مع الدليل. وظهور روايات الناسي مقيد بالصحيحة لو تمَّ عدم الفصل ، ولو لم يتم لا يدل على حكم الجاهل. فالعمدة ما ذكرنا ، من صعوبة التقييد جداً. فلاحظ صحيح عبد اللّه بن سنان قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مر على الوقت الذي يحرم الناس منه ، فنسي - أو جهل - فلم يحرم حتى أتى مكة ، فخاف إن رجع الى الوقت أن يفوته الحج. فقال (عليه السلام) : يخرج من الحرم ويحرم ، ويجزيه ذلك » (3)ونحوه غيره ،


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 10.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 4.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 2.

وكذا إذا جاوزها محلا - لعدم كونه قاصداً للنسك ، ولا لدخول مكة ثمَّ بدا له ذلك - فإنه يرجع الى الميقات مع التمكن [1] والى ما أمكن مع عدمه [2].


مما يبعد جداً تقييده بصورة عدم إمكان الرجوع زائداً على ما ذكر ولو قليلا. وهذه النصوص لا تختص بالناسي ، فإنه حمل على النادر جداً ، فلذلك تعين حملها على ذلك جمعاً. وبذلك افترقت هذه النصوص عن النصوص السابقة الساكتة عن الرجوع الى الميقات ، إذ تقييدها بصورة عدم التمكن من الرجوع الى الميقات ليس فيه الحمل على النادر ، بل لعله الغالب.

[1] بلا خلاف ظاهر ، بل الظاهر أنه إجماع ، وفي المدارك : أنه مما قطع به الأصحاب ، وفي المستند : الإجماع عليه ، وفي الجواهر : نفي وجدان الخلاف في إلحاقهما بالناسي والجاهل. واستدل له في المعتبر : بأنه متمكن من الإتيان بالنسك على الوجه المأمور به فيكون واجباً. ويشكل : بأن كونه مأموراً به شرعاً يحتاج إلى إثبات ، والقدر الثابت أن المريد للنسك حال العبور على الميقات يحرم منه ، والمقام ليس منه. فالعمدة ما ذكروه للاستدلال به ، وهو صحيح الحلبي المتقدم ، المتضمن لحكم من ترك الإحرام من الميقات. وإن أمكن الإشكال فيه بانصرافه الى من تركه وهو مريد للنسك ، لأن المنصرف من قول السائل : « ترك الإحرام » تركه لما لا ينبغي تركه ، وهو الذي يحتاج إلى السؤال عن حكمه ، فلا يشمل المقام. وكذا لا يشمل ما لو كان قاصداً دخول مكة ، وكان ممن لا يجب له الإحرام لذلك - كالحطاب ، والحشاش ، ونحوهما - فان الجميع من باب واحد عندهم.

[2] على ما عرفت.

( مسألة 7 ) : من كان مقيماً في مكة وأراد حج التمتع وجب عليه الإحرام لعمرته من الميقات إذا تمكن ، وإلا فحاله حال الناسي [1].

( مسألة 8 ) : لو نسي المتمتع الإحرام للحج بمكة ثمَّ ذكر وجب عليه العود مع الإمكان [2] ، وإلا ففي مكانه ، ولو كان في عرفات - بل المشعر - وصح حجه [3]. وكذا


[1] قد تقدم الكلام منه في هذه المسألة مفصلا ، في المسألة الرابعة من فصل صورة حج التمتع. فراجع.

[2] لوجوب الإتيان بالمأمور به على وجهه. لكن تقدم في صحيح علي بن جعفر (عليهما السلام) ما يدل على أنه إذا ذكر وهو في عرفات لم يرجع (1)وعن التذكرة والمنتهى : العمل به فيمن نسي الإحرام - يوم التروية - بالحج حتى حصل بعرفات. لكن عرفت أن اللازم - بمقتضى الجمع العرفي - تقييد الصحيح بغيره ، فيحمل على صورة عدم التمكن من الرجوع الى الميقات ، بل هو كالصريح في ذلك كما عرفت. ولعل مراد العلامة منه ذلك ، فلا مخالفة منه للمشهور ، وإلا فلا وجه ظاهر للعمل به في خصوص الفرض المذكور دون غيره. فلاحظ.

[3] لما يأتي فيمن ترك الإحرام حتى أتم المناسك. والظاهر أنه لا دليل عليه غيره. وحينئذ لا خصوصية للمشعر ، فلو نسي الإحرام وذكر بعد الإفاضة من المشعر كان حكمه كذلك ، فيحرم ويتم الأعمال. ولعل وجه التعرض للمشعر بالخصوص ما ذكره العلامة (رحمه اللّه) في التذكرة والمنتهى ، من أن من


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 8.


نسي الإحرام يوم التروية حتى حصل بعرفات صح حجه ، فان الاقتصار فيه على عرفات ربما أشعر باختصاص الحكم بذلك. ومثله المحقق في الشرائع فإنه ذكر أنه إذا ضاق الوقت أحرم ولو بعرفات. انتهى. ولذا قال الشهيد الثاني في شرح العبارة : « وكان حق العبارة أن يقول : أحرم ولو بالمشعر لأنه أبعد ما يمكن فرض الإحرام منه فيحسن دخول ( لو ) عليه. بخلاف عرفة ، وإن كان الإحرام منها جائزاً أيضاً ، بل أولى به » وقوله (رحمه اللّه) : « لأنه أبعد ما يمكن فرض الإحرام منه .. » باعتبار كونه كافراً ، فلو لم يدرك المشعر مسلماً بطل حجه ، لبطلان الوقوفين منه ، لا لفوات الإحرام وإلا فالإحرام يمكن تداركه ولو بعد المشعر - بناء على إلحاق هذه المسألة بما يأتي في المسألة الثامنة - فإنه إذا صح الحج مع قضاء المناسك كلها بغير إحرام فالبعض أولى. وفي المدارك : « فالمسألة محل تردد .. ». وكأنه لعدم وضوح الأولوية. لكن الأولوية في نظر العرف - الموجب لفهم العموم - ظاهرة. فلاحظ.

وأما حديث رفع النسيان (1)، فلا يصلح لإثبات صحة الفاقد ، فإنه رافع لا مثبت. ودعوى : أن الرفع في حال رفع وجوب الباقي ليس امتنانياً فبقرينة ورود الحديث مورد الامتنان يتعين أن يكون الرفع في حال وجوب الباقي. مندفعة : بأن الرفع إذا لم يكن امتنانياً لا يكون الحديث شاملا له فلا يكون شاملاً للمورد. لا أنه شامل للمورد على نحو يكون الرفع في حال وجوب الباقي ، لأن ذلك إثبات لا يصلح حديث الرفع له. وبالجملة : قرينة الامتنان تقتضي عدم شمول الرفع للمورد ، لا شموله بنحو يقتضي الإثبات. فلاحظ.


1) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

لو كان جاهلاً بالحكم [1]. ولو أحرم له من غير مكة مع العلم والعمد لم يصح وإن دخل مكة بإحرامه ، بل وجب عليه الاستئناف مع الإمكان ، وإلا بطل حجه [2]. نعم لو أحرم من غيرها نسياناً ، ولم يتمكن من العود إليها صح إحرامه من مكانه [3].

( مسألة 9 ) : لو نسي الإحرام ولم يذكر حتى أتى بجميع الأعمال من الحج أو العمرة - فالأقوى صحة عمله [4].


[1] فان الدليل الآتي وارد في الجاهل أيضاً ، فيتم إلحاق الجاهل هنا به.

[2] على ما عرفت في العامد.

[3] يعني : من مكان الذكر.

[4] كما هو المشهور. وعن المسالك : أنه فتوى المعظم. وفي الدروس أنه فتوى الأصحاب إلا ابن إدريس. ويشهد له مرسل جميل ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهما (عليهما السلام) : « في رجل نسي أن يحرم أو جهل ، وقد شهد المناسك كلها ، وطاف وسعى. قال (عليه السلام) : يجزيه نيته ، إذا كان قد نوى ذلك فقد تمَّ حجه وإن لم يهل » (1). وفي الدروس : أنه لم يجد دليلاً للمشهور إلا المرسلة المذكورة ، وفيها دليل على أن المنسي هو التلبية لا النية. وفيه - كما في المدارك - : أن الظاهر أن المراد بقوله : « إذا كان قد نوى ذلك » أنه نوى الحج بجميع أجزائه جملة ، لا نوى الإحرام بقرينة ذكر الجاهل مع الناسي ، والجاهل لا يتأتى منه نية الإحرام ، كما هو ظاهر. نعم استشكل في المدارك - في الحكم المذكور - بأن الرواية مرسلة


1) الوسائل باب : 20 من أبواب المواقيت حديث : 1.


وإرسالها يمنع عن العمل بها.

وقد يستدل له بما يأتي في الجاهل ، فإن الناسي أعذر من الجاهل. وفي المدارك : أنه غير واضح. انتهى. أو لأن الجهل يعم النسيان ، كما في كشف اللثام. وفيه : منع. ولا يبعد أن يكون عمل الأصحاب بالمرسلة موجباً لانجبار سندها. وفي السرائر - بعد ما نسب صحة الحج إلى ما روي في أخبارنا - قال : « والذي تقتضيه أصول المذهب : أنه لا يجزي ، وتجب عليه الإعادة. لقوله (صلی اللّه عليه وآله) : « إنما الأعمال بالنيات » (1)، وهذا عمل بلا نية. فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد ، ولم يوردها ، ولم يقل به أحد من أصحابنا سوى شيخنا أبي جعفر ، فالرجوع إلى الأدلة أولى من تقليد الرجال ». ولا يخفى أن ما ذكره من الاستدلال بقوله (صلی اللّه عليه وآله) : « إنما الأعمال بالنيات » لا يخلو من غموض ، فان المفروض ترك الإحرام نسياناً ، لا ترك نية الإحرام ، ولا ترك نية غيره من المناسك. ولذلك قال في المعتبر : « ولست أدري كيف تخيل له هذا الاستدلال ، وكيف توجيهه؟؟ » وعن المنتهى : أنه وهم في ذلك ، لأن الشيخ اجتزأ بالنية عن الفعل فتوهم أنه اجتزأ بالفعل بغير نية ، وهو الغلط من باب إيهام العكس. انتهى. وقد يوجه بوجوه لا تخلو من تكلف.

فالعمدة في الدليل هو المرسلة ، بناء على أن ضعف سندها منجبر بالعمل - كما هو غير بعيد - كما تقدم أيضاً في حكم المغمى عليه. فلاحظ نعم مورد الرواية نسيان إحرام الحج ، بقرينة قوله (عليه السلام) : « فقد تمَّ حجه » ، فالتعدي إلى نسيان إحرام العمرة غير ظاهر. وفي المدارك : « لا يخرج عن القياس .. » أقول : لا بأس بدعوى عموم الحكم لحج


1) الوسائل باب : 5 من أبواب مقدمات العبادات حديث : 10.

وكذا لو تركه جهلاً حتى أتى بالجميع [1].

فصل في مقدمات الإحرام

( مسألة 1 ) : يستحب قبل الشروع في الإحرام أمور : أحدها : توفير شعر الرأس [2] - بل واللحية - [3]


التمتع ، الشامل لعمرته. نعم عمرة الافراد والقران ، ومطلق العمرة المفردة لا تصلح الرواية للاستدلال بها فيها ، إلا بضميمة عدم القول بالفصل. أو بالأولوية.

[1] الظاهر. أنه لا خلاف فيه. وما تقدم من ابن إدريس مختص بالناسي - كما تقدم في عبارته - وإن كان ظاهر بعضهم أن خلافه هنا أيضاً وكيف كان يدل عليه صحيح ابن جعفر (عليه السلام) (1)المتقدم في ترك الإحرام من الميقات. ولا مجال للمناقشة ، لا في دلالته ، ولا في سنده ، فالعمل به متعين.

فصل في مقدمات الإحرام

[2] كما في الشرائع والقواعد ، وعن النافع وغيرها.

[3] ذكر مع شعر الرأس في جملة من الكتب ، كالمصباح ، ومختصره والسرائر ، والتحرير ، والمنتهى ، وغيرها على ما حكي. ويشهد له : خبر سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « لا يأخذ الرجل - إذا رأى هلال ذي القعدة ، وأراد الخروج - من رأسه ، ولا من لحيته » (2). بل


1) الوسائل باب : 14 من أبواب المواقيت حديث : 8.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحرام حديث : 6.

لإحرام الحج مطلقاً [1] - لا خصوص التمتع [2] ، كما يظهر من بعضهم لإطلاق الأخبار - [3]


وإطلاق الشعر في جملة من النصوص الآتية.

[1] كما عن جماعة من محققي المتأخرين.

[2] كما في الشرائع والقواعد ، وعن النهاية والمبسوط والتحرير والتذكرة والإرشاد وغيرها.

[3] كصحيح عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « لا تأخذ من شعرك - وأنت تريد الحج - في ذي القعدة ، ولا في الشهر الذي تريد فيه الخروج إلى العمرة » (1). ونحوه صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، (2)وموثق محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : خذ من شعرك - إذا أزمعت على الحج - شوال كله إلى غرة ذي القعدة » (3)وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة. فمن أراد الحج وفر شعره إذا نظر الى هلال ذي القعدة. ومن أراد العمرة وفر شعره شهراً » (4)ومصحح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : أعف شعرك للحج إذا رأيت هلال ذي القعدة ، وللعمرة شهراً » (5). ونحوها غيرها ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين حج التمتع وغيره.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحرام ملحق حديث : 1.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحرام ملحق حديث : 2.

4) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحرام حديث : 4.

5) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحرام حديث : 5.

من أول ذي القعدة ، بمعنى : عدم إزالة شعرهما [1]. لجملة من الأخبار. وهي وإن كانت ظاهرة في الوجوب [2] ، إلا أنها محمولة على الاستحباب ، لجملة أخرى من الأخبار ظاهرة فيه [3]


[1] أي : عدم الأخذ منه ، كما هو المذكور في أكثر النصوص ، المحمول عليه ما في صحيح معاوية وغيره ، من الأمر بالتوفير. إذ لا احتمال لإرادة ظاهره ، وهو السعي في كثرة شعره. وأما ما هو ظاهر العبارة ، من أن المراد الإزالة بالحلق ونحوه ، فمما لا يحتمل في النصوص.

[2] أكثر النصوص يتضمن النهي عن أخذ الشعر ، فيكون حراماً ، فيكون تركه واجباً.

[3] كخبر علي بن جعفر (عليهما السلام) المروي عن كتابه ، عن أخيه موسى ابن جعفر (عليهما السلام) قال : « سألته عن الرجل إذا همّ بالحج ، يأخذ من شعر رأسه ، ولحيته ، وشاربه ما لم يحرم؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (1)، وصحيح هشام بن الحكم وإسماعيل بن جابر - جميعاً - عن الصادق (عليه السلام) : « إنه يجزي الحاج أن يوفر شعره شهراً » (2)، وموثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الحجامة وحلق القفا في أشهر الحج. فقال (عليه السلام) : لا بأس به ، والسواك ، والنورة » (3)، وخبر محمد بن خالد الخراز قال : « سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : أما أنا فآخذ من شعري حين أريد الخروج - يعني : إلى مكة للإحرام - » (4). لكن الأخير يجب


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الإحرام حديث : 6.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحرام حديث : 3.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب المواقيت حديث : 4.

4) الوسائل باب : 4 من أبواب الإحرام حديث : 5.

فالقول بالوجوب - كما هو ظاهر جماعة [1] - ضعيف ، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط. كما لا ينبغي ترك الاحتياط بإهراق دم لو أزال شعر رأسه بالحق ، حيث يظهر من بعضهم وجوبه أيضاً ، لخبر [2] محمول على الاستحباب. أو على ما إذا كان في حال الإحرام. ويستحب التوفير للعمرة شهراً.


التصرف فيه - حتى على القول بالاستحباب - فإن الإمام (عليه السلام) لا يواظب على ترك المستحب. وما قبله ليس وارداً في شعر الرأس واللحية. مع أن أشهر الحج أعم من ذي القعدة وغيره. والاجزاء فيما قبله أعم من الجواز. فلم يبق إلا خبر ابن جعفر (عليه السلام). وفي عده من الصحيح - كما في الجواهر - تأمل. والانصاف أن الاستحباب لا مجال للتردد فيه ، لعموم الابتلاء بهذا الحكم ، فبناء الأصحاب على استحبابه ، وخفاء الوجوب عليهم - لو كان - مما لا يحتمل.

[1] نسب ذلك إلى الشيخ في النهاية والاستبصار ، والمفيد في المقنعة. قال الأول ، في الأول : « فإذا أراد الإنسان أن يحج متمتعاً فعليه أن يوفر شعر رأسه ولحيته من أول ذي القعدة ، ولا يمس شيئاً منها ». ونحوه ما في الاستبصار وأما الثاني ، فقال في المقنعة : « إذا أراد الحج فليوفر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة ، فإن حلقه في ذي القعدة كان عليه دم يهريقه ».

[2] وهو ما رواه جميل في الصحيح - كما في الفقيه - قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في متمتع حلق رأسه بمكة. قال (عليه السلام) : إن كان جاهلا فليس عليه شي‌ء ، وان تعمد ذلك في أول الشهور للحج بثلاثين يوماً فليس عليه شي‌ء ، وإن تعمد ذلك بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحج فان عليه دماً


يهريقه » (1). ورواه الكليني بطريق فيه علي بن حديد ، المرمي بالضعف (2)ورواه الشيخ عن الكليني (3). ودلالته على وجوب الدم في ذي الحجة ظاهرة. لكنه غير المدعى. وعليه فلا عامل به على ظاهره. فيلزم إما التصرف فيه بتقدير مضاف - يعني : وإن تعمد بعد دخول الثلاثين - فيكون حجة للجماعة - كما اختاره في الحدائق - وإما الحمل على الاستحباب. أو على صورة وقوعه في الإحرام ، بقرينة وقوعه في مكة ، التي لا يجوز دخولها للحاج بغير إحرام للعمرة. بل الثاني هو المتعين.

وما في الحدائق من أن تقدير المضاف لازم على كل حال ، إذ المراد إما بعد دخول الثلاثين أو مضي الثلاثين. والأول متعين. وكأنه لأن الثاني يلزم منه عدم التعرض لحكم الحلق في نفس الثلاثين التي يوفر فيها الشعر. فيه : أن معنى بعد الثلاثين : هو معنى : بعد مضي الثلاثين ، أو وجود الثلاثين. وليس من باب تقدير مضاف ، لأن الثلاثين عين وجودها ومضيها ، لأن المفهوم حاك عن نفس الوجود ، وحينئذ لا يلزم تقدير المضاف على كل حال.

نعم في مقام توجيه الرواية لا بد ، إما من تقدير المضاف ، أو الحمل على أحد الوجهين. وقد عرفت أن القرينة تقتضي الحمل على ثانيهما اللّهم إلا أن يقال : الحمل على ذلك يقتضي إلغاء التفصيل بين ما قبل الثلاثين وما بعدها ، وهي كالصريحة فيه. ومن أجل ذلك تشكل الرواية. وحملها على الحلق في مكة بعد الإحلال من العمرة - لاستحباب توفير


1) الوسائل باب : 5 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب الإحرام ملحق حديث : 1.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب الإحرام ملحق حديث : 1.

الثاني : قص الأظفار ، والأخذ من الشارب ، وإزالة شعر الإبط والعانة [1] بالطلي ، أو الحلق ، أو النتف [2].


الشعر لحج التمتع - مما لا قائل به. والنصوص لا تساعد عليه ، لاختصاصها بالمواقيت غير مكة. فلاحظ.

[1] بلا خلاف ظاهر. ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إذا انتهيت إلى بعض المواقيت التي وقت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فانتف إبطيك ، واحلق عانتك ، وقلم أظفارك ، وقص شاربك. ولا يضرك بأي ذلك بدأت .. » (1)، وصحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق ، أو إلى الوقت من هذه المواقيت - وأنت تريد الإحرام إن شاء اللّه - فانتف إبطك وقلم أظفارك ، وأطل عانتك ، وخذ من شاربك - ولا يضرك بأي ذلك بدأت - ثمَّ استك ، واغتسل ، والبس ثوبيك » (2)، وصحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « السنة في الإحرام : تقليم الأظفار ، وأخذ الشارب وحلق العانة » (3)ونحوها غيرها.

[2] أما في العانة فقد ورد الاطلاء في صحيح معاوية الأخير ، والحلق في صحيحه الأول ، وفي صحيح حريز وغيرها. وأما النتف فيها فلم أجده في أبواب نصوص الإحرام. وأما في الإبط فالنتف ذكر في الصحاح المذكورة وغيرها. وأما الحلق والطلي فلم أجدهما في أبواب نصوص الإحرام. نعم ذكر في آداب الحمام ، كخبر ابن أبي يعفور ، المتضمن


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الإحرام حديث : 3.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الإحرام حديث : 4.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الإحرام حديث : 5.

والأفضل الأول ، ثمَّ الثاني [1]. ولو كان مطلياً قبله يستحب له الإعادة وإن لم يمض خمسة عشر يوماً [2].


للخلاف بينه وبين زرارة في أن النتف أفضل - كما ادعاه زرارة - أو الحلق أفضل - كما ادعاه هو - وقد قال الصادق (عليه السلام) : « حلقه أفضل من نتفه ، وطليه أفضل من حلقه ». ثمَّ قال (عليه السلام) لنا : « اطليا ، فقلنا : فعلنا منذ ثلاث. فقال (عليه السلام) : أعيدا ، فإن الاطلاء طهور » (1). لكن التعبير في الروايات بالنتف في الإبطين ، والطلي والحلق في العانة ، يقتضي الفرق بينهما في ذلك. فلاحظ.

[1] أما بالنسبة للإبط فللخبر ، وأما بالنسبة للعانة فغير ظاهر.

[2] عن المبسوط والنهاية والمنتهى وجماعة. لخبر ابن أبي يعفور المتقدم. وخبر أبي بصير : « تنور. فقال : إنما تنورت أول أمس ، واليوم الثالث. فقال (عليه السلام) : أما علمت أنها طهور ، فتنور » (2). لكن في الشرائع والقواعد وغيرهما : إذا أطلى ولم يمض خمسة عشر يوماً أجزأه ، بل في الحدائق : نسبته إلى الأصحاب. لخبر علي بن أبي حمزة : « سأل أبو بصير أبا عبد اللّه (عليه السلام) - وأنا حاضر - فقال : إذا أطليت للإحرام الأول ، كيف أصنع في الطلية الأخيرة ، وكم بينهما؟ قال (عليه السلام) : إذا كان بينهما جمعتان - خمسة عشر يوماً - فاطل » (3). وفيه : أن ظاهر الرواية صورة الاطلاء للإحرام مع وقوع الإحرام ، فيكون الثاني في أثنائه أو بعد انتهائه ، فلا تكون مما نحن فيه. بل في رواية أبي بصير


1) الوسائل باب : 85 من أبواب آداب الحمام حديث : 4.

2) الوسائل باب : 32 من أبواب آداب الحمام حديث : 4.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب الإحرام حديث : 4.

ويستحب - أيضاً - إزالة الأوساخ من الجسد [1] ، لفحوى ما دل على المذكورات. وكذا يستحب الاستياك [2].


عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا بأس بأن يطلي قبل الإحرام بخمسة عشر يوماً » (1)، وصحيح معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن رجل يطلي قبل أن يأتي الوقت بستة ليال. قال (عليه السلام) : لا بأس. وسأله عن رجل يطلي قبل أن يأتي مكة بسبع أو ثمان. قال (عليه السلام) : لا بأس » (2). فتدل هذه الروايات على الاجتزاء بالاطلاء للإحرام قبل الإحرام بخمسة عشر ، أو ستة ليال ، أو أقل من ذلك ، ولا تدل على الاجتزاء باطلاء قبل الإحرام بمدة معتد بها إذا لم يكن للإحرام.

والمتحصل من مجموع النصوص : هو استحباب الاطلاء لنفسه في كل وقت وتكريره ، واستحباب الاطلاء عند الإحرام ، والاجتزاء بالاطلاء للإحرام قبله بخمسة عشر يوماً أو أقل ، وعدم الاجتزاء به إذا كان قبل الإحرام بمدة لا يصدق كونه عنده ، إذا لم يكن بقصد الإحرام والتهيؤ له.

[1] ذكر ذلك جماعة ، منهم : المحقق في الشرائع ، والعلامة في القواعد. وليس له دليل ظاهر. ولذلك خصه بعضهم بالأمور المذكورة ، من قص الأظفار ، وحلق العانة ، وغيرهما. نعم لا إشكال في رجحان ذلك في نفسه ، لما دل على رجحان التنظيف ، والتنزيه ، والطهارة. لكنه غير ما نحن فيه من الاستحباب للإحرام. والفحوى التي ادعاها المصنف (رحمه اللّه) غير ظاهرة.

[2] لما تقدم في صحيح معاوية بن عمار (3).


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الإحرام حديث : 5.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب الإحرام حديث : 6.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الإحرام حديث : 4.

الثالث : الغسل للإحرام [1] في الميقات [2] ، ومع العذر عنه التيمم [3].


[1] للنصوص الكثيرة المستفيضة أو المتواترة ، على اختلاف ألسنتها. ففي بعضها : الأمر به ، وفي بعضها : عده من الغسل الواجب ، وفي مضامين أخرى يأتي بعضها في هذه المباحث (1). وظاهر النصوص : الوجوب ، لكنها محمولة على الاستحباب إجماعاً - كما عن التذكرة والتحرير وعن المنتهى : لا نعرف فيه خلافاً. وكأنه لم يعتد بخلاف الحسن ، فإنه حكي عنه الوجوب. لكنه ضعيف ، إذ كيف يخفى الوجوب على الأصحاب مع اتفاقهم على خلافه؟!

[2] كما عن جمع التصريح به. بل ظاهر ما يأتي من جواز تقديمه عند إعواز الماء الاتفاق على أن تشريعه كان في الميقات. ويشهد له ظاهر النصوص ، كصحيح معاوية بن عمار المتقدم ، وصحيح الحلبي الآتي في جواز التقديم ، وغيره.

[3] حكاه في الشرائع قولاً. وظاهره التوقف فيه. ونسبه في المسالك إلى الشيخ وجماعة ، وفي كشف اللثام إلى المبسوط والمهذب. وحكى فيه عن التذكرة تعليله : بأنه غسل مشروع ، فناب عنه التيمم. ثمَّ قال : « وضعفه ظاهر » وفي المدارك : أنه ضعيف جداً ، لأن الأمر إنما تعلق بالغسل فلا يتناول غيره. وفي المسالك : « وتوقف المصنف ، من عدم النص ومن أن الغرض من الغسل المندوب التنظيف - لأنه لا يرفع الحدث - وهو مفقود مع التيمم - ومن شرعيته بدلاً لما هو أقوى ،


1) لاحظ الوسائل باب : 1 من أبواب الجنابة ، وباب : 1 من أبواب الأغسال المسنونة وباب : 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 10 ، 11 ، 12 ، 13 ، 14 من أبواب الإحرام.

ويجوز تقديمه على الميقات مع خوف إعواز الماء [1] ، بل الأقوى جوازه مع عدم الخوف أيضاً [2].


وعموم قوله (صلی اللّه عليه وآله) : الصعيد طهور المؤمن ». وقد تقدم في مبحث التيمم : أن عموم بدلية التراب عن الماء ، وأنه يكفي عشر سنين ، وأن التراب أحد الطهورين ، وأن رب الماء ورب الصعيد واحد ونحوها ، كاف في ثبوت بدلية التيمم في المقام ونحوه ، مما لم يرد فيه نص بالخصوص فلا بأس بالبناء عليه. فراجع.

[1] في المدارك : إنه مجمع عليه بين الأصحاب. لصحيح هشام بن سالم قال : « أرسلنا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) » ونحن جماعة ونحن بالمدينة : إنا نريد أن نودعك ، فأرسل إلينا أن اغتسلوا بالمدينة ، فإني أخاف عليكم أن يعز عليكم الماء بذي الحليفة. فاغتسلوا بالمدينة ، والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ، ثمَّ تعالوا فرادى أو مثاني .. ( إلى أن قال ) : فلما أردنا أن نخرج. قال (عليه السلام) : لا عليكم أن تغتسلوا إن وجدتم ماء إذا بلغتم ذي الحليفة » (1)، وصحيح الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يغتسل بالمدينة للإحرام ، أيجزيه عن غسل ذي الحليفة؟ قال (عليه السلام) : نعم » (2). ونحوه خبر أبي بصير (3).

[2] وفي المدارك : أنه لا يبعد ، وكذا في كشف اللثام. ونسبه في الذخيرة إلى ظاهر عدة من الروايات. ثمَّ ذكر صحيح الحلبي وخبر أبي بصير المتقدمين. لكن تمكن المناقشة فيهما : بأن المراد السؤال عن أجزاء


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الإحرام حديث : 1 ، 4.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب الإحرام حديث : 5.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب الإحرام حديث : 3.


الغسل الواقع في المدينة في فرض مشروعيته ولو للإعواز ، لا السؤال عن أصل المشروعية ، فلا يدلان على المشروعية مطلقاً. نعم في صحيح معاوية بن وهب : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) - ونحن بالمدينة - عن التهيؤ للإحرام. فقال : أطل بالمدينة ، وتجهز بكل ما تريد ، واغتسل. وان شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي مسجد الشجرة » (1). لكن رواه الشيخ - أيضاً - بطريق فيه موسى بن القاسم (2)، خالياً عن ذكر الغسل.

وأما إطلاقات مشروعية غسل الإحرام فمقيدة بما دل على كونه في الميقات ، كما عرفت. مع أنه لو سلم الإطلاق فالتعليل في صحيح هشام المتقدم حاكم عليه. اللّهم إلا أن يكون تعليلاً لتعين الفرد الأول - كما هو ظاهر الأمر - فيكون إرشادياً إلى وجه المتعين عقلاً - كما لو قال : « صلّ أول الوقت ، فإني أخاف عليك الموت - لا لأصل المشروعية ، وإن كان دالاً على المشروعية بالالتزام. لكنه لا يصلح حينئذ لتقييد إطلاق دليلها ، كما لو قال : « صل نافلة الليل قبل نصف الليل ، فإني أخاف عليك النوم وعدم التمكن من أدائها في آخر الليل ». وحينئذ فالأخذ بالإطلاق في محله. وهذا غير بعيد. لكن عن التنقيح : أنه لا يظهر قائل به. لكن لا يهم بعد عدم تحقق الإجماع على خلافه. ولا سيما بعد مخالفة من عرفت. فتأمل. ولا ينافي ذلك ما تقدم من أن مكان غسل


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب الإحرام حديث : 3. قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام ، فقال : اطل بالمدينة ، فإنه طهور ، وتجهز بكل ما تريد ، وإن شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك من الماء وتلبس قميصك إن شاء اللّه ». فربما يستظهر من الحديث لزوم تأخير الغسل إلى مسجد الشجرة.

والأحوط الإعادة في الميقات [1]. ويكفي الغسل من أول النهار الى الليل ، ومن أول الليل الى النهار [2]. بل الأقوى كفاية غسل اليوم إلى آخر الليل وبالعكس [3]. وإذا أحدث بعدها قبل الإحرام يستحب إعادته خصوصاً في النوم [4].


الإحرام الميقات ، ولا ينطبق ذلك على الغسل بالمدينة. لإمكان أن يكون الغسل بالمدينة بدلاً اختيارياً ، فلا منافاة.

[1] بل هي مستحبة حتى في صورة خوف الاعوز ، كما تقدم في صحيح هشام.

[2] بلا خلاف - كما قيل - للمستفيضة ، مثل صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : غسل يومك ليومك ، وغسل ليلتك لليلتك » (1). ونحوه غيره.

[3] كما عن المقنع. وفي المدارك : أنه الأظهر ، وفي الذخيرة : أنه الظاهر ، وفي المستند : أنه لا بأس به ، وفي الجواهر : أنه لا يخلو من وجه. ويقتضيه صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال : غسل يومك يجزيك لليلتك ، وغسل ليلتك يجزيك ليومك » (2)، وخبر سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من اغتسل قبل طلوع الفجر وقد استحم قبل ذلك ، ثمَّ أحرم من يومه ، أجزأه غسله » (3). وحمل الأخير على الغسل بعد الفجر بعيد. وكذلك حمل اللام - في الصحيح - على معنى : ( إلى ).

[4] كما هو المشهور. لصحيح النضر بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام)


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الإحرام حديث : 1.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب الإحرام حديث : 5.


قال : « سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثمَّ ينام قبل أن يحرم. قال (عليه السلام) : عليه إعادة الغسل » (1). ونحوه خبر علي بن أبي حمزة (2). وفي السرائر : « وإذا اغتسل بالغداة كان غسله كافياً لذلك اليوم ، أي وقت أراد أن يحرم منه فعل. وكذلك إذا اغتسل أول الليل كان كافياً إلى آخره سواء نام أو لم ينم. وقد روي : أنه إذا نام بعد الغسل - قبل أن يعقد الإحرام - كان عليه إعادة الغسل استحباباً. والأول هو الأظهر ، لأن الأخبار عن الأئمة الأطهار جاءت في أن من اغتسل نهاراً كفاه ذلك الغسل ، وكذلك من اغتسل ليلاً ».

وفيه : أن ما دل على الاكتفاء بغسل الليل إلى آخر الليل وبغسل النهار إلى آخر النهار ، إنما كان النظر فيه الى الزمان ، فلا تعرض فيه للحدث. نعم في صحيح العيص بن القاسم قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة ، ويلبس ثوبين ، ثمَّ ينام قبل أن يحرم. قال (عليه السلام) : ليس عليه غسل » (3). ولكنه محمول على نفي التأكد جمعاً - كما في المدارك - لا على نفي الوجوب - كما عن الشيخ - لأن السؤال لم يكن عن الوجوب وعدمه وإنما كان عن الاعتداء بالغسل الأول وعدمه.

ثمَّ إن الروايات من الطرفين واردة في النوم ، وليس فيها تعرض لغيره من الأحداث. ولذلك قال في القواعد : « ولو أحدث بغير النوم فإشكال ، ينشأ من التنبيه بالأدنى على الأعلى. ومن عدم النص عليه ». لكن في الدروس : « والأقرب أن الحدث كذلك ». ونفي البأس عنه


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب الإحرام حديث : 3.


في المسالك ، لأن غير النوم أقوى. ووجه القوة الاتفاق على نقض الحدث غيره مطلقاً ، والخلاف فيه على بعض الوجوه. وفي كشف اللثام : « وجه القوة : أنها تلوث البدن دونه. أو لأن الظاهر أن النوم إنما صار حدثاً لأن معه مظنة الأحداث فحقائقها أولى ».

أقول : الأقوائية الحدثية غير ظاهرة ، والوجوه المذكورة لا تصلح لإثباتها. فالعمدة استفادة عدم الخصوصية من النص الوارد في النوم ، كما هو الظاهر. ومنه يظهر ضعف ما في المدارك من أن الأصح عدم الاستحباب ، لانتفاء الدليل. وربما كان في صحيحة جميل المتقدمة إشعار بذلك انتهى. وقد عرفت - في تضعيف دليل ابن إدريس - وجه الاشكال فيما ذكره أخيراً. مضافاً إلى أن مقتضى الاشعار عدم الفرق بين النوم وغيره فالتفصيل غير ظاهر.

وفي مصحح إسحاق بن عمار - المروي في التهذيب - قال : « سألته عن غسل الزيارة ، يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد. قال (عليه السلام) : يجزيه إن لم يحدث. فإن أحدث ما يوجب وضوءاً فليعد غسله » (1). ونحوه مصححه الآخر ، المروي في الكافي - كما في الحدائق - (2)ودلالته على الإعادة لمطلق الحدث ظاهرة. وهو وإن كان وارداً في غسل الزيارة لكن الظاهر بناؤهم على عدم الفرق بينه وبين المقام. وأما صحيح عبد الرحمن ابن الحجاج قال : « سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ، ثمَّ ينام فيتوضأ قبل أن يدخل ، أيجزيه ذلك أو يعيد؟ قال (عليه السلام) : لا يجزيه ، لأنه إنما دخل بوضوء » (3). فالتعليل فيه لا يقتضي عموم الحكم


1) الوسائل باب : 3 من أبواب زيارة البيت حديث : 2.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب زيارة البيت حديث : 3.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب مقدمات الطواف حديث : 1.

كما أن الأولى إعادته إذا أكل أو لبس ما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم [1].


لمطلق الحدث ، ولا لمطلق الغسل - نظير نصوص المقام - وإنما يقتضي انتقاض الغسل المستحب بالنوم ، فيحتاج في تعميم الحكم والموضوع إلى دليل.

نعم في المدارك : « ربما ظهر منه ارتفاع الحدث بالغسل المندوب كما ذهب اليه المرتضى (رحمه اللّه) ». وفي مرآة العقول للمجلسي : « في دلالته على مذهب السيد تأمل ». وكأنه لإمكان الالتزام بتعدد المراتب للحدث الأصغر ، على نحو يكون وجود بعضها ناقضاً للغسل ومرتفعاً به وبعضها ناقضاً للوضوء ومرتفعاً به. فكما لا يكون الوضوء رافعاً لجميع مراتب الحدث الأصغر الحاصل من أسبابه ولا بد في رفع بعضها من الغسل ، كذلك الغسل لا يرفع جميع مراتبه ، بل لا بد في رفع بعضها من الوضوء. وفيه : أن المنسبق من النص أن الغسل رافع لأثر النوم مطلقاً ، ويكون المكلف بالغسل كأن لم ينم ، لا أنه رافع لبعضه ويبقى بعضه ، فيكون الغسل أعظم أثراً من الوضوء. فلاحظ.

[1] بل ظاهر كلام الأصحاب استحباب الإعادة ، كما في الحدائق ويشهد له صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إذا لبست ثوباً لا ينبغي لك لبسه ، أو أكلت طعاماً لا ينبغي لك أكله ، فأعد الغسل » (1)وصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إذا اغتسلت للإحرام فلا تقنع ، ولا تطيب ، ولا تأكل طعاماً فيه طيب ، فتعيد الغسل » (2)وخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إذا اغتسل الرجل وهو


1) الوسائل باب : 13 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب الإحرام حديث : 2.

بل وكذا لو تطيب [1]. بل الأولى ذلك في جميع تروك الإحرام [2] ، فلو أتى بواحد منها بعدها قبل الإحرام الأولى إعادته. ولو أحرم بغير غسل أتى به [3] ،


يريد أن يحرم ، فلبس قميصاً قبل أن يلبي ، فعليه الغسل » (1)، وخبر علي بن أبي حمزة قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اغتسل للإحرام ثمَّ لبس قميصاً قبل أن يحرم. قال (عليه السلام) : قد انتقض غسله » (2). ونحوها غيرها.

[1] كما عن التهذيب والدروس وغيرهما. لما تقدم في صحيح عمر بن يزيد.

[2] لاحتمال حملها على ما سبق. وفي المسالك : « ولم يتعرضوا لباقي محرمات الإحرام - مع أن منها ما هو أقوى من هذه - لعدم النص ». وفي المدارك : « والظاهر عدم استحباب الإعادة بفعل ما عدا ذلك من تروك الإحرام ، لفقد النص. ولو قلم أظفاره بعد الغسل لم يعد ، ويمسحها بالماء. لما رواه الشيخ - في الحسن - عن جميل بن دراج ، عن بعض أصحابه ، عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في رجل اغتسل للإحرام ثمَّ قلم أظفاره قال (عليه السلام) : يمسحها بالماء ، ولا يعيد الغسل » (3).

[3] على المشهور. لصحيح الحسين بن سعيد ، عن أخيه الحسن قال : « كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن (عليه السلام) : رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل ، جاهلاً أو عالماً ، ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي له أن


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب الإحرام حديث : 1.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب الإحرام حديث : 2.

وأعاد صورة الإحرام [1] ،


يصنع؟ فكتب : يعيده » (1). وبقرينة قول السائل : « ينبغي » يظهر أن المراد السؤال عن الوظيفة الاستحبابية ، فيكون الجواب كذلك ، لوجوب المطابقة بينهما. ولو فرض عدم ظهور : « ينبغي » في الاستحباب فلا أقل من الاجمال ، فلا يكون الكلام ظاهراً في الوجوب. مع أن نفي الوجوب إجماعي. ومن ذلك يظهر أنه لا وجه للقول بالوجوب كما حكاه في المسالك ، بل في الجواهر : « لا أجد له وجهاً ، ضرورة عدم تعقل وجوب الإعادة مع كون المتروك مندوباً ».

[1] في السرائر - بعد ما حكى عن الشيخ (رحمه اللّه) في النهاية القول بإعادة الإحرام في الفرض - قال : « إن أراد به أنه نوى الإحرام وأحرم ولبى من دون صلاة وغسل ، فقد انعقد إحرامه ، فأي اعادة تكون عليه ، وكيف يتقدر ذلك؟ وإن أراد ، أنه أحرم بالكيفية الظاهرة من دون النية والتلبية - على ما قدمنا القول في ذلك ومعناه - فيصح ذلك ، ويكون لقوله وجه ». وأشكل عليه في المختلف : بأنه لا استبعاد في استحباب إعادة الفرض لأجل النفل ، كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل فيها المصلي بغير أذان ولا إقامة ، فإنه يستحب له إعادتها. انتهى. وأشكل عليه في المسالك : بأن الفرق بين المقامين واضح ، فإن الصلاة تقبل الإبطال ، بخلافه. انتهى.

وتبعه على ذلك في كشف اللثام ، وزاد عليه بأن الإعادة لا تفتقر إلى الإبطال ، لم لا يجوز أن يستحب تجديد النية وتأكيدها للخبر؟ انتهى. وكذلك في المدارك تبع جده فيما ذكر ، وزاد بقوله : « وعلى هذا فلا


1) الوسائل باب : 20 من أبواب الإحرام حديث : 1.


وجه لاستيناف النية ، بل ينبغي أن يكون المعاد بعد الغسل والصلاة التلبية واللبس خاصة ». ونحوه حكى عن جده أيضاً. وفي الرياض أصر على بطلان الإحرام بإعادته ، مستظهراً له من لفظ الإعادة في الصحيح ، مستشهداً عليه بما ذكره الأصوليون : بأن الإعادة الإتيان بالشي‌ء ثانياً بعد الإتيان به أولاً ، لوقوعه على نوع خلل ، كتجرد عن شرط معتبر ، أو اقترانه بأمر مبطل ..

ومن ذلك يظهر أن في المسألة وجوها : الأول : عدم مشروعية الإعادة إلا فيما لو كان الواقع منه - أولاً - صورة الإحرام لا حقيقته. وهو ظاهر ابن إدريس. الثاني : البناء على مشروعية الإحرام - ثانياً - حقيقة وبطلان الإحرام الأول. وهو ظاهر المختلف ، وتبعه عليه في الرياض الثالث : مشروعية صورة الإحرام ، بلبس الثوبين ، والتلبية ، بلا نية إنشائه. وهو ظاهر المدارك ، وكذا المسالك فيما حكي عنه. الرابع : مشروعية إنشائه ثانياً مع البناء على صحة الإحرام الأول ، فيكون قد أحرم إحرامين حقيقيين. كما قد يظهر من كاشف اللثام ، واختاره في الجواهر في أواخر شرح المسألة.

ولا يخفى بعد الوجه الأخير أولاً : بمخالفته لمرتكزات المتشرعة. بل لعله خلاف بناء الأصحاب ، فإن الإشكالات المذكورة - في كلمات ابن إدريس وغيره - مبنية على عدم إمكان تكرر الإحرام وتأكده. ولأجله حدثت الأقوال تخلصاً من المحذور المذكور.

وثانياً : بأنه خلاف ظاهر الصحيح ، فإن الإعادة المذكورة في الصحيح يراد منها امتثال أمر الإحرام بالفرد الثاني ، فلا ينطبق على الفرد الأول ، فالبناء على حصول الامتثال بفردين في عرض واحد في زمان


واحد خلاف ظاهر النص وخلاف المرتكز العرفي. وأشكل من ذلك ما ذكر في الجواهر ، من أنه يحسب له أفضلهما ، نظير ما ورد في الصلاة جماعة. فان ذلك كان الدليل ، وهذا في المقام مفقود. والقاعدة تقتضي وقوع الامتثال بالفردين معاً ، لأنهما في عرض واحد. ومما سبق يظهر ضعف الوجه الثالث ، فإن صورة الإحرام ليست إعادة للإحرام ضرورة. وأما الوجه الأول فهو خروج عن مفروض السؤال في الصحيح ، فيتعين الوجه الثاني. ولا يبعد أن يكون مراد الشيخ وأمثاله ممن أطلق استحباب الإعادة ذلك. ثمَّ إنه لا يبعد أن يكون مراد كاشف اللثام ، من تجديد النية وتأكيدها استحضار صورة الإحرام ، لا نية إنشائه ، فإن نية إنشائه لا تكون مؤكدة لنيته ، بخلاف استحضار نية الإحرام - ولو بقاء - فإنه مؤكد لنية الإحرام الإجمالية ، وهي نية بقائه. وحينئذ يرجع مراده إلى الوجه الثالث.

ومن المؤسف أن شيخنا في الجواهر مع أنه أطال في شرح المسألة ، وأتعب نفسه الزكية في نقل كلمات الأصحاب وما فيها من النقض والإبرام لكنه لم يتعرض لتحقيق أن الإحرام الثاني إذا كان إحراماً حقيقياً وكان الإحرام الأول صحيحاً ، فهل يكون من اجتماع المثلين الجائز ، أو أنه يتأكد أحدهما بالآخر؟ وهل يترتب على ذلك تعدد الكفارة ، أو تعدد العقاب لو فعل المحرم بعض محرمات الإحرام ، أو لا يترتب ذلك؟ كما أنه لم يتعرض للإشكال على القول بأن الإحرام الثاني صوري ، وما المسوغ للالتزام به؟! وأطال في نقل كلام السيد في الرياض والاشكال عليه. فراجع. واللّه سبحانه الموفق الهادي.

سواء تركه عالماً عامداً أو جاهلاً أو ناسياً [1]. ولكن إحرامه الأول صحيح باق على حاله [2] ، فلو أتى بما يوجب الكفارة بعده وقبل الإعادة وجبت عليه [3]. ويستحب أن يقول عند الغسل أو بعده : « بسم اللّه ، وباللّه. اللّهم اجعله لي نوراً ، وطهوراً ، وحرزاً ، وأمنا من كل خوف ، وشفاء من كل داء وسقم. اللّهم طهرني وطهر قلبي ، واشرح لي


[1] الصحيح المتقدم (1)مورده الجاهل والعالم ، فذكر الناسي في كلماتهم لا بد أن يكون من جهة دخوله في العالم. ولا يخلو من إشكال لاحتمال انصرافه إلى العامد في مقابل الجاهل المعذور ، فكأنه سأل فيه عن المعذور وغيره ، وكأنه لذلك جعل في الجواهر إلحاق الناسي بالفحوى. لكنه ضعيف. وأضعف منه ما يظهر من بعضهم ، من الاقتصار في موضوع المسألة على الناسي ، مع التصريح في النص بالجاهل والعالم.

[2] إذ لا موجب لبطلانه على هذا القول ، فان الواقع ليس إحراماً وإنما هو صورة الإحرام ، من لبس الثوبين ، والتلبية - بل والنية ، وهي استحضار كونه محرماً - وكل ذلك لا ينافي الإحرام الواقع. فإنه لا يزال المحرم في سائر الأوقات يقع منه مثل ذلك ، بل لعلها أفضل أحواله.

[3] قد يظهر من العلامة في القواعد : أن لزوم الكفارة في المتخلل على كل من الأقوال ، فإنه - بعد أن جزم باستحباب الإعادة - قال : « وأيهما المعتبر؟ إشكال. وتجب الكفارة بالمتخلل بينهما ». فلو


1) المراد : هو صحيح الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن ، المتقدم قريباً. راجع الوسائل باب : 20 من أبواب الإحرام حديث : 1.

صدري ، وأجر على لساني محبتك ومدحت والثناء عليك ، فإنه لا قوة إلا بك ، وقد علمت أن قوام ديني التسليم لك ، والاتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله » [1].


كان لزوم الكفارة مبنياً على القول بصحة الأول كان اللازم الإشكال في ترتبها في المتخلل تبعاً للإشكال في المعتبر منهما. ولعله ظاهر. ولذا قال في كشف اللثام - في شرح العبارة المذكورة - : « لعل استشكاله هنا لاحتمال الإحلال هنا بخصوصه للنص. وأما وجوب الكفارة بالمتخلل فلاعتبار الأول ما لم يحل ». لكن اعتبار الأول ما لم يحل لا يجدي في ثبوت الكفارة بعد تحقق الإحلال بالثاني بالموجب لبطلانه من أول الأمر. إلا أن يقال : صحة الإحرام الثاني لا تقتضي بطلان الأول وإنما تقتضي انتهاءه ، وهو كما يكون بنحو الابطال يكون بنحو الإحلال ، والإحلال اللاحق لا ينافي ثبوت الكفارة بالجناية قبله.

ومن ذلك يشكل ما ذكر في الرياض من أن ظاهر القواعد : وجوب الكفارة على القولين. فان تمَّ إجماعاً ، وإلا هو منفي على المختار قطعاً. وكذا مع التردد بينه وبين مقابله ، عملا بالأصل السالم عن المعارض. انتهى وجه الاشكال : ما عرفت ، من أن البناء على صحة الثاني وانتهاء الأول أعم من بطلانه والإحلال منه. اللّهم إلا أن يقال : لا نعني من البطلان إلا عدم كونه موضوعاً للامتثال ، والإحرام السابق كذلك ، فإنه ليس جزءاً من النسك ، ولا يشرع الإحرام إلا إذا كان جزءاً من النسك. فلاحظ.

[1] قال في الفقيه - في باب سياق مناسك الحج - : « وقل إذا اغتسلت : بسم اللّه وباللّه .. » إلى آخر ما في المتن ، مع تبديل : التسليم لك » ب- : « التسليم لأمرك » (1).


1) الفقيه الجزء : 2 الصفحة : 312 طبع النجف الأشرف.

الرابع : أن يكون الإحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة [1]. وقيل بوجوب ذلك [2] ، لجملة من الأخبار الظاهرة فيه [3] ،


[1] على المشهور : شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً.

[2] القائل : الإسكافي.

[3] كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : صل المكتوبة ، ثمَّ أحرم بالحج أو بالمتعة » (1)، وصحيحه الآخر عنه (عليه السلام) : « إذا أردت الإحرام في غير وقت صلاة فريضة. فصل ركعتين ثمَّ أحرم في دبرها » (2). وصحيحه الآخر : « لا يكون الإحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة ، فإن كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم ، وإن كانت نافلة صليت ركعتين وأحرمت في دبرها ، فاذا انفتلت في صلاتك فاحمد اللّه وأثن عليه ، وصل على النبي (صلی اللّه عليه وآله) .. » (3)، وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : تصلي للإحرام ست ركعات ، تحرم في دبرها » (4)، وخبر إدريس بن عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعض المواقيت بعد العصر ، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام) : يقيم الى المغرب. قلت : فان أبي جماله أن يقيم عليه. قال (عليه السلام) : ليس له أن يخالف السنة. قلت : أله أن يتطوع بعد العصر؟ قال (عليه السلام) : لا بأس به ، ولكني أكرهه للشهرة ، وتأخير ذلك أحب إلي. قلت : كم أصلي


1) الوسائل باب : 18 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 18 من أبواب الإحرام حديث : 5.

3) الوسائل باب : 16 من أبواب الإحرام حديث : 1.

4) الوسائل باب : 18 من أبواب الإحرام حديث : 4.

المحمولة على الندب ، للاختلاف الواقع بينها [1] ، واشتمالها على خصوصيات غير واجبة [2].


إذا تطوعت؟ قال (عليه السلام) : أربع ركعات » (1).

[1] لكن مع التمكن من الجمع لا يضر الاختلاف : ويصعب جداً رفع اليد - لذلك - عن ظاهر صحيح معاوية الثالث المتقدم.

[2] لا يضر ذلك أيضاً إذا اشتملت على ما هو ظاهر في الوجوب ، بحيث لا مانع من الأخذ به ، كالصحيح المتقدم. فالعمدة : التسالم على عدم الوجوب ، المانع من احتمال الوجوب وخفائه فيما كان محلا للابتلاء العام ، كما تقدم ذلك في استحباب غسل الإحرام. واما صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « خمس صلوات لا تترك على حال : إذا طفت بالبيت ، وإذا أردت أن تحرم .. » (2). فالظاهر منه الترك من جهة الوقت الذي تكره فيه الصلاة. نظير خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « خمس صلوات تصليها في كل وقت ، منها : صلاة الإحرام » (3). وقد تقدمت الإشارة إليه في خبر إدريس بن عبد اللّه. ونحوه خبر ابن فضال (4).

واستدل في كشف اللثام على نفي الوجوب بالأصل. ولاستلزامه وجوب نافلة الإحرام إذا لم يتفق في وقت فريضة. وهو كما ترى ، إذ الأصل لا يقاوم الدليل. والاستلزام المذكور لا محذور فيه.


1) الوسائل باب : 19 من أبواب الإحرام حديث : 3.

2) الوسائل باب : 19 من أبواب الإحرام حديث : 1.

3) الوسائل باب : 19 من أبواب الإحرام حديث : 2.

4) الوسائل باب : 19 من أبواب الإحرام حديث : 4.

والأولى أن يكون بعد صلاة الظهر [1] ، في غير إحرام حج


[1] كما في القواعد وغيرها ، بل هو المشهور ، بل نسبه في الحدائق إلى الأصحاب. وفي كشف اللثام : استدل بتظافر الأخبار. وكأنه يشير إلى صحيحة معاوية بن عمار وعبد اللّه الحلبي ، كليهما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا يضرك بليل أحرمت أو نهار. إلا أن أفضل ذلك عند زوال الشمس » (1)، وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته ليلاً أحرم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أم نهاراً؟ قال (عليه السلام) : نهاراً. فقلت : أي ساعة؟ قال (عليه السلام) : صلاة الظهر. فسألته متى ترى أن نحرم؟ قال (عليه السلام) : سواء عليكم. إنما أحرم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) بعد صلاة الظهر ، لأن الماء كان قليلاً ، كان في رؤوس الجبال فيهجر الرجل إلى مثل ذلك من الغد ولا يكاد يقدرون على الماء ، وإنما حدثت هذه المياه حديثاً » (2)، وصحيح معاوية بن عمار - المتقدم في الغسل - قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) فيه : « وليكن فراغك من ذلك عند زوال الشمس. وإن لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرك ذلك ، غير اني أحب أن يكون ذلك عند زوال الشمس » (3)، ومرسل المفيد في المقنعة : « قال (عليه السلام) : الإحرام في كل وقت - من ليل أو نهار - جائز. وأفضله عند زوال الشمس » (4). ولا يخفى أن النصوص إنما تدل على استحباب كونه عند الزوال ، ولو قبل صلاة الظهر أو بعد صلاة العصر إذا لم يكن منافياً


1) الوسائل باب : 15 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب الإحرام حديث : 5.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب الإحرام حديث : 6.

4) الوسائل باب : 15 من أبواب الإحرام حديث : 7.

التمتع ، فإن الأفضل فيه أن يصلي الظهر بمنى [1].


لصدق : ( عند الزوال ). مع أن الثاني منها كالصريح في نفي أفضلية كونه عند الزوال أو كونه بعد صلاة الظهر. فكأنه لم يبق دليل على الاستحباب إلا قاعدة التسامح ، بناء عليها. وكأنه لذلك عبر المصنف (رحمه اللّه) بالأولوية.

[1] حكي عن المفيد ، والسيد. لصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا كان يوم التروية فأهلّ بالحج .. ( الى أن قال ) : وصل الظهر إن قدرت بمنى » (1)، وموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : ثمَّ تلبي من المسجد الحرام .. ( إلى أن قال ) : وإن قدرت أن يكون رواحك إلى منى زوال الشمس ، وإلا متى ما تيسر لك من يوم التروية » (2)، وصحيح معاوية : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا انتهيت إلى منى فقل : اللّهم هذه منى .. ( الى أن قال ) (عليه السلام) : ثمَّ تصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر ، والامام يصلي بها الظهر لا يسعه إلا ذلك. وموسع عليك أن تصلي بغيرها إن لم تقدر » (3).

لكن في الشرائع : استحباب خروج التمتع إلى منى يوم التروية بعد أن يصلي الظهرين ، وحكي عن المواهب والوسيلة والتذكرة والمنتهى والمختلف والدروس وغيرها. ودليله غير ظاهر. نعم عن المختلف الاستدلال له : بأن مسجد الحرام أفضل من غيره ، والمستحب إيقاع الإحرام بعد فريضة فاستحب إيقاع الفريضتين فيه. لكنه - كما ترى - لا يعارض النصوص السابقة ولا غيرها. وعن التذكرة والمنتهى : الاستدلال بصحيح معاوية : « إذا


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الحرام الحج حديث : 3.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الحرام الحج حديث : 2.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب الحرام الحج حديث : 5.

وإن لم يكن في وقت الظهر فبعد صلاة فريضة أخرى حاضرة [1]


كان يوم التروية - ان شاء اللّه - فاغتسل ، ثمَّ البس ثوبيك ، وادخل المسجد حافيا .. ( إلى أن قال ) : ثمَّ اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة ، ثمَّ قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة .. » (1)لكن الظاهر من المكتوبة الظهر لا غير. ولذلك حكي عن جماعة : الاقتصار على الظهر ، كالهداية ، والمقنع ، والمقنعة ، والمصباح ، ومختصره ، والسرائر ، والجامع ، وغيرها.

وعن الشيخ في التهذيب : التفصيل بين الإمام فيصلي الظهر بمنى. للنصوص الكثيرة ، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « لا ينبغي للإمام أن يصلي الظهر يوم التروية إلا بمنى ، ويبيت بها الى طلوع الشمس » (2)وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : على الامام أن يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف ، ويصلي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام » (3)ونحوهما غيرهما. وبذلك جمع بين الطائفتين السابقتين. لكنه بعيد. ولعل الأولى الجمع بينهما ، بحمل ما دل على استحباب إيقاع الإحرام بمكة بعد الظهر على ما إذا لم يقدر على الخروج قبل ذلك ، وإلا فالأفضل إيقاع الظهر بمنى مطلقاً ، كما في المتن. وان كان بعد لا يخلو من تأمل.

[1] كما يقتضيه صحيح معاوية المتقدم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « صل المكتوبة ، ثمَّ أحرم بالحج أو بالمتعة » (4).


1) الوسائل باب : 1 من أبواب إحرام الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب إحرام الحج حديث : 1.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب إحرام الحج حديث : 3.

4) الوسائل باب : 18 من أبواب إحرام الحج حديث : 1.

وإن لم يكن فمقضية [1] ، وإلا فعقيب صلاة النافلة.

الخامس : صلاة ست ركعات [2] ، أو أربع ركعات [3] أو ركعتين [4] للإحرام. والأولى الإتيان بها مقدماً على الفريضة [5]. ويجوز إتيانها في أي وقت كان بلا كراهة ،


[1] ففي الدروس : « ولو لم يكن وقت فالظاهر أن الإحرام عقيب فريضة مقضية أفضل ». ولا يخلو من إشكال ، بل هو خلاف ظاهر النصوص المتقدمة. فلاحظ صحاح معاوية بن عمار المتقدمة في صدر المسألة ومن الثالثة منها يظهر الوجه في قوله (رحمه اللّه) : « فعقيب النافلة ».

[2] كذا ذكر الأصحاب. لرواية أبي بصير المتقدمة (1)ونحوها موثقته الأخرى : « ثمَّ ائت المسجد الحرام ، وصل فيه ست ركعات قبل أن تحرم .. » (2)، وصحيح معاوية : « إذا أردت أن تحرم يوم التروية .. ( إلى أن قال ) : واغتسل ، والبس ثوبيك ، ثمَّ ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل أن تحرم » (3).

[3] كما في خبر إدريس المتقدم (4).

[4] كما في صحيحي معاوية المتقدمين (5).

[5] قال الشرائع ، في مبحث مقدمات الإحرام المستحبة : « وأن


1) الوسائل باب : 18 من أبواب إحرام الحج حديث : 4. وقد تقدم ذلك في الأمر الرابع.

2) الوسائل باب : 52 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) لم نعثر على هذه الرواية في الأبواب المناسبة من الوسائل ، كأبواب الطهارة ، والصلاة ، والحج. كما لم نجدها في الكتب الفقهية ، أمثال : الجواهر ، والمستند ، والحدائق.

4) الوسائل باب : 19 من أبواب الإحرام حديث : 3. وقد تقدم ذلك في الأمر الرابع.

5) الوسائل باب : 18 من أبواب الإحرام حديث : 5 ، وباب : 16 من أبواب الإحرام حديث : 1. وقد تقدم ذكرهما في الأمر الرابع.

حتى في الأوقات المكروهة ، وفي وقت الفريضة ، حتى على


يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها. وإن لم يتفق صلى للإحرام ست ركعات ، وأقله ركعتان ». قال في المسالك : « ظاهر العبارة يقتضي أنه مع صلاة الفريضة لا يحتاج إلى ستة الإحرام ، وإنما يكون عند عدم فعل ظهر أو فريضة. وليس كذلك ، وإنما السنة أن يصلي ستة الإحرام أولاً ، ثمَّ يصلي الظهر أو غيرها من الفرائض ، ثمَّ يحرم. فان لم يتفق ثمة فريضة اقتصر على ستة الإحرام .. ( إلى أن قال ) : وقد اتفق أكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا ». وفي الجواهر : « سبقه إلى ذلك الكركي في حاشيته على الكتاب ». وفي المدارك : أنه مع صلاة الفريضة لا يحتاج إلى ستة الإحرام ، وأنها إنما تكون إذا لم يتفق وقوع الإحرام عقيب الظهر أو فريضة. وعلى ذلك دلت الأخبار. ثمَّ ذكر صحيحي معاوية ، الثاني ، والثالث. ثمَّ قال : « ومن هنا يظهر : أن ما ذكر الشارح ، من أن المراد .. ( إلى آخر كلام المسالك ) غير جيد. ومن العجب قوله : « وقد اتفق أكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا ». إذ لا وجه لحمل عبارات الأصحاب على المعنى الذي ذكره ، فإن الأخبار ناطقة بخلافه ، كما بينا ». وفي الجواهر - تبعاً لما في الذخيرة والحدائق - استظهر من كلمات جماعة من الأصحاب - كالمفيد في المقنعة ، والشيخ في المبسوط والنهاية ، والعلامة في القواعد والتذكرة والمنتهى وغيرها - ما ذكره في المسالك. قال في المقنعة : « وإن كان وقت فريضة وكان متسعاً قدم نوافل الإحرام - وهي ست ركعات. ويجزي منها ركعتان - ثمَّ صلى الفريضة ، وأحرم في دبرها ، فهو أفضل. وإن لم يكن وقت فريضة صلى ست ركعات ». وقريب منها غيرها.


بل في الشرائع - قال بعد ما سبق - : « ويوقع نافلة الإحرام تبعاً له ولو كان وقت فريضة ، مقدماً للنافلة ، ما لم تتضيق الحاضرة ». ومقتضاه الإتيان بنافلة الإحرام في وقت الفريضة ، فيكون الجمع بينه وبين ما قبله يقتضي حمل ما قبله على استحباب الإحرام عقيب الفريضة في وقت الفريضة مع سبق النافلة عليها ، لا الاقتصار عليها ، كما يظهر في بادي النظر. وفي كشف اللثام : نسبه إلى المشهور ، ثمَّ حكى عن جملة من كتب الجماعة تقديم الفريضة ، ثمَّ قال : « وهو أظهر ، لأن الفرائض تقدم على النوافل. إلا الراتبة ، إذ لا نافلة في وقت فريضة. ولم أظفر بما يدل على استحباب نافلة الإحرام مع إيقاعه بعد الفريضة ، إلا الذي سمعته الآن عن الرضا (عليه السلام). ولذا قال في التذكرة : وهل تكفي الفريضة عن ركعتي الإحرام؟ يحتمل ذلك ، وهو قول الشافعي ». وفي محكي الوسيلة لابن حمزة : « وإن كان بعد فريضة صلى ركعتين له وأحرم بعدهما. وان صلى ستاً كان أفضل ». وظاهره الجمع بين النافلة والفريضة ، مع تقديم الفريضة وقد تقدم في كشف اللثام : حكاية ذلك عن جملة من الكتب ، واختياره.

والمتحصل من جميع ذلك : أن كلمات الجماعة مختلفة ، فبعضها ظاهر في الجمع بين الفريضة والنافلة ، مع تأخير الفريضة والإحرام عقيبها ، وهو المنسوب إلى المشهور في كشف اللثام. وبعضها ظاهر في الجمع بينهما مع تقديم الفريضة على النافلة ، واختاره في كشف اللثام. وبعضها ظاهر في عدم الجمع ، كالإرشاد. قال فيه : « والإحرام عقيب فريضة الظهر أو غيرها ، أو ست ركعات ، وأقله ركعتان ». وعليه حمل في المدارك عبارة الأصحاب.

وأما النصوص فالظاهر منها الأخير. بل تقدم في المدارك : أن

القول بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة. لخصوص الأخبار الواردة في المقام [1].


الأخبار ناطقة به. وفي الذخيرة : أنه مقتضى الأخبار ، كما لا يخفى على المتأمل. انتهى. نعم في الفقه الرضوي : « فإن كان وقت صلاة فريضة فصل هذه الركعات قبل الفريضة ثمَّ صل الفريضة. وروي : أن أفضل ما يحرم الإنسان في دبر صلاة الفريضة ، ثمَّ أحرم في دبرها فيكون أفضل » (1). ودلالته على المشهور ظاهرة. إلا أن سنده غير ظاهر. وفي الجواهر : استدل بصحيح معاوية بن عمار قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : خمس صلوات لا تترك على حال : إذا طفت بالبيت ، وإذا أردت أن تحرم .. » (2)وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « خمس صلوات تصليها في كل وقت ، منها : صلاة الإحرام » (3).

ويشكل : بأنه - لو تمت دلالة الروايتين على مشروعية صلاة الإحرام في وقت الفريضة ، فغايتها مشروعية الإحرام في دبرها حينئذ ، لا الجمع بينها وبين الفريضة والإحرام بعد الفريضة. ومنه يظهر الاشكال فيما تمسك به - في المستند والجواهر - من إطلاق مشروعية نافلة الإحرام. إذ الإطلاق لا يقتضي الجمع الذي عرفت أنه خلاف ظاهر النصوص السابقة.

[1] يشير بذلك إلى صحيح معاوية وخبر أبي بصير المتقدمين. وأما إطلاقات التنفل بالركعتين ، أو الأربع ، أو الست فليس لها تعرض لهذه الجهة.


1) مستدرك الوسائل باب : 13 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 19 من أبواب الإحرام حديث : 1.

3) الوسائل باب : 19 من أبواب الإحرام حديث : 2.

والأولى أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الحمد التوحيد [1] ، وفي الثانية الجحد ، لا العكس كما قيل [2].

( مسألة ) : يكره للمرأة - إذا أرادت الإحرام - أن


[1] كما عن النهاية والسرائر والتذكرة والمنتهى. وفي الجواهر : « أما كيفية القراءة فيهما فلم أقف فيها إلا على خبر معاذ بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا تدع أن تقرأ بقُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، في سبع مواطن : في الركعتين قبل الفجر ، وركعتي الزوال والركعتين بعد المغرب ، وركعتين من أول صلاة الليل ، وركعتي الإحرام والفجر إذا أصبحت ، وركعتي الطواف » (1). لكن في التهذيب - بعد أن أورد ذلك - قال : « وفي رواية أخرى : إنه يبدأ في هذا كله بقُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ، وفي الركعة الثانية بقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. إلا في الركعتين قبل الفجر ، فإنه يبدأ بقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، ثمَّ يقرأ في الركعة الثانية بقُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ » (2).

وظاهره اختصاص الرواية الثانية بالتهذيب ، مع أن الكليني (رحمه اللّه) رواها أيضاً بعد الأولى كما في التهذيب (3).

[2] اختاره في الدروس ، وحكي عن المبسوط. وظاهر الشرائع : الميل إليه ، فإنه قال : « يقرأ في الأولى : وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، وفي الثانية : الحمد ، وقُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ. وفيه رواية أخرى بالعكس ». ولعلهم عثروا على غير ذلك. وإلا فخبر معاذ إما مطلق يقتضي التخيير ، أو ظاهر في تعين قل هو اللّه أحد للأولى ، والجحد للثانية. وهو صحيح في كلام بعض ، وحسن في كلام آخر.


1) الوسائل باب : 15 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

تستعمل الحناء إذا كان يبقى أثره الى ما بعده [1] ، مع قصد الزينة [2] ، بل لا معه أيضاً إذا كان يحصل به الزينة وإن لم تقصدها. بل قيل بحرمته [3]. فالأحوط تركه ، وإن كان الأقوى عدمها [4]. والرواية مختصة بالمرأة. لكنهم ألحقوا بها الرجل أيضاً ، لقاعدة الاشتراك ، ولا بأس به. واما استعماله مع عدم إرادة الإحرام فلا بأس به وإن بقي أثره [5] ولا بأس بعدم إزالته وإن كانت ممكنة.


[1] نسبه في الحدائق إلى ظاهر الأكثر ، وحكي عن جماعة. لخبر أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم ، هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك؟ قال (عليه السلام) : ما يعجبني أن تفعل » (1). ودلالته على الكراهة ظاهرة ، بعد حمل مورده على غير حال الضرورة ، بقرينة الجواب.

[2] الرواية غير متعرضة لهذه الصورة. لكن يستفاد الجواز مما دل على جوازها للمحرم ولو مع قصد الزينة ، كما هو المشهور. والكراهية للأولوية مما قبله.

[3] حكي ذلك عن الروضة. للزينة.

[4] لمنع تحريم كل زينة. ولذا كان المشهور كراهة ذلك للمحرم في حال الإحرام. لصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن الحناء. فقال (عليه السلام) : إن المحرم ليمسه ، ويداوي به بعيره ، وما هو بطيب ، ولا به بأس » (2).

[5] لخروجه عن مورد الرواية. لكن في المسالك : « لا فرق بين


1) الوسائل باب : 23 من أبواب تروك الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب تروك الإحرام حديث : 1.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

فصل في كيفية الإحرام

وواجباته ثلاثة :


الواقع بعد نية الإحرام وبين السابق عليه إذا كان يبقى بعده ». وهو - كما ترى - غير مورد الرواية. اللّهم إلا أن يستفاد منها كراهة أثره عند الإحرام ، لا كراهة استعماله عند إرادة الإحرام. وهو غير بعيد. ولأجله يشكل قوله (رحمه اللّه) : « ولا بأس بعدم ازالته .. ».

فصل في كيفية الإحرام

اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقة الإحرام ، ففي المختلف ، في مسألة تأخير الإحرام عن الميقات : أن الإحرام ماهية مركبة من النية ، والتلبية ، ولبس الثوبين. وفي المدارك : أنه حكى الشهيد في الشرح ، عن ابن إدريس : أنه جعل الإحرام عبارة عن النية ، والتلبية. ولا مدخلية للتجرد ، ولبس الثوبين فيه. وعن ظاهر المبسوط والجمل : أنه جعله أمراً واحداً بسيطاً ، وهو النية. وفي المسالك : إن هذا هو الظاهر .. ( إلى أن قال ) : وللشهيد تحقيق رابع ، وهو أن الإحرام توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة إلى أن يأتي بالمحلل .. ( إلى أن قال ) :


وهذا التفسير راجع إلى النية ، لأن التوطين أمر نفساني ، ولا يجب تحصيله في مجموع زمان الأفعال .. ( إلى أن قال ) : بل هو قد فسر النية في قوله : « أحرم » : بأن معناه : أوطن نفسي ..

أقول : أخذ النية في مفهوم الإحرام غير معقول ، لأنه فعل اختياري يقع عن نية تارة ، ولا عنها أخرى. ولذلك اعتبروا في صحته النية ، ومن المعلوم أن النية لا تكون موضوعاً للنية ، فالأقوال الثلاثة الأول على ظاهرها غير معقولة ، ولعلها مبنية على المسامحة. وأما التوطين فان كان راجعاً إلى النية فهو - كغيره - غير معقول. وإن كان راجعاً إلى البناء النفساني على ترك المحرمات والالتزام بذلك فهو معقول ، لأنه فعل اختياري يمكن أن يكون موضوعاً للنية كغيره من الأفعال الاختيارية النفسانية. بل قد تحقق في محله : أن العقود والإيقاعات النفسانية كلها التزامات نفسانية وهذه الالتزامات اختيارية للموقع. بل ذكروا الخلاف في وجوب الموافقة الالتزامية للتكليف زائداً على الموافقة العملية. وإن كان التحقيق عدم الوجوب بل المحقق في محله : أن الإسلام هو الالتزام بصحة ما جاء به النبي (صلی اللّه عليه وآله) وعليه تترتب الأحكام ، من حرمة الدم ، والمال ، وجواز المناكحة ، وثبوت التوارث ، وغيرها من أحكام الإسلام. وذلك كله دليل على كون الالتزام من الأفعال الاختيارية وموضوعاً للإرادة والنية.

لكن الإشكال في أن الإحرام هو نفس الالتزام ، أو أنه الحاصل من التزام ترك المحرمات؟ الظاهر هو الثاني ، فيكون الالتزام سبباً لإنشاء الإحرام وحصوله ، نظير سائر المفاهيم الإيقاعية التي يكون إيقاعها بالالتزام لا أنه نفس الإحرام ، كما قد يظهر من الشهيد (قدس سره). ويحتمل أن يكون السبب في حصوله مجرد نية ترك المحرمات وإن لم يكن التزام نفساني.

الأول : النية [1] ، بمعنى القصد اليه ، فلو أحرم من غير قصد أصلاً بطل ، سواء كان عن عمد ، أو سهو ، أو جهل. ويبطل نسكه أيضاً إذا كان الترك عمداً [2] ، وأما مع السهو والجهل فلا يبطل. ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن ، وإلا فمن حيث أمكن ، على التفصيل الذي مر سابقاً في ترك أصل الإحرام.

( مسألة 1 ) : يعتبر فيها القربة والخلوص ، كما في سائر العبادات ، فمع فقدهما أو أحدهما يبطل إحرامه.

( مسألة 2 ) : يجب أن تكون مقارنة للشروع فيه ،


به. لكن الأظهر الأول. وعلى كل من التقديرين فهو صفة اعتبارية تحصل بأحد السببين ، إما الالتزام بترك المحرمات ، أو نية ترك المحرمات لا أنه نفس ترك المحرمات ، ولا أنه نفس نية ترك المحرمات ، فإن الأول خلاف الإجماع ، والثاني غير معقول.

[1] بلا خلاف محقق فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل المحكي منه مستفيض. كذا في الجواهر. وفي كشف اللثام : « بلا خلاف عندنا في وجوبها .. ». ويقتضيه ارتكاز المتشرعة ، فان الإحرام عندهم من سنخ العبادة التي لا تصح بدون نية. مضافاً إلى بعض النصوص الآتية في كيفية النية والتلفظ.

[2] إذا لم يتمكن من تجديده من الميقات ، وإلا جدده وصح إحرامه وحجه ، على ما تقدم في المسألة الثالثة من فصل أحكام المواقيت. فراجع في جميع شقوق هذه المسألة.

فلا يكفي حصولها في الأثناء ، فلو تركها وجب تجديده [1]. ولا وجه لما قيل [2] : من أن الإحرام تروك وهي لا تفتقر إلى النية ، والقدر المسلم من الإجماع على اعتبارها إنما هو في الجملة ولو قبل التحلل ، إذا نمنع - أولاً - كونه تروكاً [3] فان التلبية ، ولبس الثوبين من الافعال. وثانياً : اعتبارها فيه


[1] وعن الشيخ في المبسوط : « الأفضل أن تكون مقارنة للإحرام فإن فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل ». والاشكال عليه ظاهر ، بعد ما عرفت من كونه عبادة من أوله الى آخره ، فلا يصح بدون نية. ولذلك قال في محكي المختلف : « الأولى ابطال ما لم يقع بنيته ، لفوات الشرط .. » وفي الدروس : « لعله أراد نية التمتع في إحرامه ، لا مطلق نية الإحرام. ويكون هذا التجديد بناء على جواز نية الإحرام المطلق - كما هو مذهب الشيخ - أو على جواز العدول إلى التمتع من إحرام الحج أو العمرة المفردة ».

[2] قال في كشف اللثام : « وقد يكون النظر الى ما أمضيناه ، من أن التروك لا تفتقر إلى النية. ولما جمع على اشتراط الإحرام بها - كالصوم - قلنا بها في الجملة ، ولو قبل التحلل بلحظة ، إذ لا دليل على أزيد من ذلك ولو لم يكن في الصوم نحو قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « لا صيام لمن لم يبيت الصيام » (1)قلنا فيه بمثل ذلك. وإنما كان الأفضل المقارنة ، لأن النية شرط في ترتب الثواب على الترك ».

[3] قد عرفت سابقاً : أن الإحرام صفة خاصة اعتبارية تحصل للمحرم بتوسط الالتزام بترك المحرمات أو نية ترك المحرمات ، لا أنه نفس الترك للمحرمات. كيف والمحرم إذا فعل جميع المحرمات من ابتداء إحرامه


1) مستدرك الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم حديث : 1.


الى أن يحل بالمحلل لا يخرج عن كونه محرماً ، بخلاف الصائم فإنه إذا استعمل المفطر خرج عن كونه صائماً؟ فالصوم ترك المفطرات وفعلها نقيضه. أما الإحرام فليس هو ترك المحرمات ، فإنه لا ينتقض بفعلها ، بل بمجرد حصول سببه يحصل ويبقى للمكلف إلى أن يحل بالمحلل. فهو باق بنفسه ما لم يحصل المحلل ، والصوم باق باختيار الصائم لا بنفسه ، فما دام تاركاً يكون صومه باقياً ، فاذا استعمل المفطر انتقض.

وبذلك افترق الصوم عن الإحرام من جهة أخرى ، فإن الصوم في جميع الآنات المتالية لا بد أن يقع على وجه العبادة ، لأنه في جميع الآنات باق باختيار الفاعل ، فهو من الأمور التدريجية. والإحرام باق بنفسه فلا يحتاج في بقائه إلى نية بل هو باق بنفسه ، فهو من الأمور القارة ، نظير الأمور الإنشائية ، كالزوجية ، والرقية ، ونحوهما. فاذا عدل الصائم عن نية الصوم ونوى استعمال المفطر بطل صومه ، وإذا عدل المحرم عن إحرامه لم يبطل إحرامه. فبناء على ذلك لا يتوجه لكلام كاشف اللثام وجه ، لأن النية قبل التحلل ليست نية الإحرام ولا قصداً له ، لحصوله من الأول ، فلا معنى لقصد حصوله ، وأنه لا مجال للمقايسة بالصوم.

وأيضاً يظهر من دليل كاشف اللثام : أنه توجد قاعدة ، وهي : أن التروك لا تحتاج إلى نية بخلاف الافعال ، وظاهر المصنف (رحمه اللّه) موافقته على ذلك أيضاً. ولكنه غير ظاهر ، فإنه لا أصل لهذه القاعدة. نعم في تروك الصوم لا يعتبر نية القربة ، لجواز تعذر الفعل ، فإن الصائم ربما لا يتمكن من الطعام والشراب والنساء فلا يكون تركه لها حينئذ عبادياً ولا عن نية القربة. ولأجل ذلك نقول : بأن عبادية الصوم فاعلية لا فعلية ، ويكفي في وقوعه على وجه العبادة أن يكون ناوياً لترك المفطر على تقدير القدرة

على حد اعتباره في سائر العبادات ، في كون اللازم تحققها حين الشروع فيها [1].

( مسألة 3 ) : يعتبر في النية تعيين كون الإحرام لحج أو عمرة ، وأن الحج تمتع أو قران أو إفراد ، وأنه لنفسه أو نيابة عن غيره ، وأنه حجة الإسلام أو الحج النذري أو الندبي [2] فلو نوى الإحرام من غير تعيين وأو كله الى ما بعد ذلك بطل


فاذا لم يكن ناوياً ذلك كان صومه باطلاً. وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب الصوم من هذا الشرح.

وأما تروك الإحرام بعد وقوعه فلا يعتبر فيها القربة بكل وجه ، فإنه إذا كان الفعل غير مبطل للإحرام لا يكون نية الفعل مبطلاً له بطريق أولى. نعم عند إنشاء الإحرام يجب أن يكون التزامه بتركه المحرمات أو نيته ترك المحرمات واقعاً على وجه قربي ، بحيث عند الابتلاء بالمحرم يتركه قربة الى اللّه تعالى ، كما في نية الصائم في ابتداء الصوم.

[1] يعني : اعتبار النية فيه. والعمدة في ذلك ارتكاز المتشرعة ، وإلا فالإجماع غير ثابت مع خلاف الشيخ (رحمه اللّه). اللّهم إلا أن يكون خلافه لشبهة.

[2] لاختلاف الخصوصيات الموجبة لاختلاف موضوع الأمر ، ويجب في العبادة أن يقع المأمور به بخصوصياته عن الأمر ، ولا يحصل ذلك إلا بقصد الخصوصية الموجبة لاختلاف الموضوع. فاذا لم يعين ، فان كان نوى الجامع بين الفردين فقد فاتت نية الخصوصية. مع أنه غير موضوع للأمر بما هو جامع بينهما فلا مجال للتقرب به. وكذا إذا نوى المردد ، لعين ما ذكر من المحذورين. فلاحظ ما ذكر مفصلاً في نية الوضوء وغيرها.

فما عن بعضهم من صحته ، وأن له صرفه إلى أيها شاء من حج أو عمرة [1] لا وجه له ، إذ الظاهر أنه جزء من النسك فتجب نيته كما في أجزاء سائر العبادات. وليس مثل الوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة [2]. نعم الأقوى كفاية التعيين


[1] قال في التذكرة : « والواجب في النية أن يقصد بقلبه إلى أمور أربعة : ما يحرم به من حج أو عمرة متقرباً إلى اللّه تعالى ، ويذكر ما يحرم له ، من تمتع ، أو قران ، أو إفراد .. ( إلى أن قال ) : ولو نوى الإحرام مطلقاً ولم يذكر لا حجاً ولا عمرة انعقد إحرامه ، وكان له صرفه إلى أيهما شاء .. ». وحكي نحوه عن المنتهى ، وقريب منه عن المبسوط والمهذب والوسيلة. وفي كشف اللثام - بعد أن حكى ذلك - قال : « ولعله الأقوى ، لأن النسكين في الحقيقة غايتان للإحرام ، غير داخلين في حقيقته ، ولا يختلف حقيقة الإحرام - نوعاً ولا صنفاً - باختلاف غاياته. فالأصل عدم وجوب التعيين ».

[2] فان كلاً منهما مشروع لنفسه ، فيمكن أن يتعبد به لنفسه من دون نية غايته ، بخلاف الإحرام. ضرورة أنه لا يصح ولا يتعبد به بنفسه وإنما يصح ويتعبد به في ضمن غايته ، فيكون جزءاً من المأمور به. ولأجل ذلك تختلف خصوصياته باختلاف خصوصيات ما ينضم اليه ، ولا بد من قصد تلك الخصوصيات في تحقق العبادة ، كما عرفت. واستدل في التذكرة على ما ذكره : بأن الإحرام بالحج يخالف غيره من إحرام سائر العبادات لأنه لا يخرج منه بالفساد ، وإذا عقد عن غيره - بأجرة أو تطوعاً - وعليه فرضه وقع عن فرضه ، فجاز أن ينعقد مطلقاً. وإذا ثبت أنه ينعقد مطلقاً فان صرفه إلى الحج صار حجاً ، وإن صرفه إلى العمرة صار عمرة ..

الإجمالي ، حتى بأن ينوي الإحرام لما سيعينه من حج أو عمرة فإنه نوع تعيين [1]. وفرق بينه وبين ما لو نوى مردداً مع


إلى آخر كلامه.

وفيه : ما لا يخفى ، فان ما ذكره ، من أنه لا يخرج عنه بالفساد ، لا أثر له فيما نحن فيه ، وقد عرفت في تحقيق مفهومه وجهه. وما ذكره - ثانياً - ممنوع. ولو سلم فهو للدليل. نظير ما ورد في العدول من صلاة إلى صلاة ، فإنه لا يدل على عدم وجوب التعيين في الصلاة.

وقد استدل أيضاً بما رواه العامة ، من أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) : خرج من المدينة لا سمى حجاً ولا عمرة ينتظر القضاء ، فنزل عليه القضاء ، وهو بين الصفا والمروة (1)وهو كما ترى ، فإن الرواية - لو صحت - فإنما تدل على قصور في التشريع ، لا قصور في التعيين ، فإنه (صلی اللّه عليه وآله) إنما قصد ما هو المشروع بخصوصياته ، إذ لا تعين حينئذ زائداً على ذلك.

[1] فاذا كان ما يعينه الحج فقد نوى الحج من الأول ، وإذا كان ما يعينه العمرة فقد نوى العمرة من أول الأمر ، وهكذا .. اللّهم إلا أن يكون المعتبر هو التعيين مع قطع النظر عن التعيين ، ولا يكفي التعيين الآتي من التعيين. لكنه غير ظاهر. ودعوى : أنه قبل التعيين اللاحق لا تعيين للمأتي به. مدفوعة ، ضرورة كون المكلف قد قصد ما يعينه لاحقاً فاذا كان ما يعينه هو الحج - مثلاً - فقد قصد الحج من الأول ، لكنه لعدم معرفته بما يعينه لا حقاً لا يعرف المعين حين النية ، لكنه لا يقدح في حصول التعيين الإجمالي. والظاهر جريان مثل ذلك في أجزاء الصلاة ، فالتكبير إذا وقع منه بنية ما يعينه بعد ذلك - من ظهر أو عصر - فقد نوى التكبير


1) سنن البيهقي الجزء : 5 الصفحة : 6 باب : أنه (صلی اللّه عليه وآله) لم يعين الحج وينتظر القضاء.

إيكال التعيين الى ما بعد.

( مسألة 4 ) : لا يعتبر فيها نية الوجه من وجوب أو ندب [1] ، إلا إذا توقف التعيين عليها. وكذا لا يعتبر فيها التلفظ [2]. بل ولا الاخطار بالبال ، فيكفي الداعي [3].

( مسألة 5 ) : لا يعتبر في الإحرام استمرار العزم على ترك محرماته [4] ،


المعين بلحاظ التعيين الآتي. ولأجل ذلك يتضح الفرق بين الفرض وبين ما إذا نوى المردد ثمَّ عين بعد ذلك ، فإنه في أول الأمر لم ينو الخصوصية لا تفصيلاً ولا إجمالاً.

[1] تقدم في نية الوضوء وغيرها وجه ذلك ، خلافاً للمشهور.

[2] كما في القواعد وغيرها. والظاهر أنه لا إشكال فيه. ويقتضيه - مضافاً إلى ذلك ، وإلى الأصل - : صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « قلت له : إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج ، فكيف أقول؟ فقال : تقول : اللّهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج ، على كتابك وسنة نبيك. وإن شئت أضمرت الذي تريد » (1). ونحوه خبر أبي الصلاح مولى بسام الصيرفي (2). ويحتمل أن يكون المراد بالإضمار الإسرار في التلفظ.

[3] كما تحقق ذلك في مباحث نية الوضوء وغيره من العبادات.

[4] كما أشرنا إليه آنفاً ، وأن فعل المحرمات لا يوجب فساد الإحرام


1) الوسائل باب : 17 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب الإحرام حديث : 2.

بل المعتبر العزم على تركها مستمراً [1] ، فلو لم يعزم من الأول على استمرار الترك بطل. وأما لو عزم على ذلك ولم يستمر عزمه - بأن نوى بعد تحقيق الإحرام عدمه ، أو إتيان شي‌ء منها - لم يبطل ، فلا يعتبر فيه استدامة النية كما في الصوم. والفرق : أن التروك في الصوم معتبرة في صحته [2] ، بخلاف الإحرام فإنها فيه واجبات تكليفية.

( مسألة 6 ) : لو نسي ما عينه من حج أو عمرة وجب عليه التجديد [3] ،


وإنما يوجب الفداء ، فعدم استمرار العزم أولى أن لا يقتضي الفساد. وسيأتي في المتن التعرض لذلك.

[1] يعني : يعتبر ذلك في حدوثه وإنشائه لا في بقائه واستمراره.

والوجه في اعتبار ذلك : ما أشرنا إليه آنفاً ، من أن إنشاءه إما بالالتزام الملازم للعزم المذكور ، أو بنفس العزم ، فلا يتحقق بدونه على كل حال.

[2] بل في مفهومه ، فان مفهوم الصوم ترك المحرمات ، ففعلها مناف له.

[3] لبطلان إحرامه ، لإجمال المكلف به وعدم الطريق الى امتثاله ، ولو بالاحتياط بفعل كل محتمل. فإنه وإن كان هذا ليس جمعاً بين النسكين بل هو مقدمة ليقين البراءة ، إلا أن فعل أحدهما يقتضي التحليل لاشتماله على الطواف. ولعل مرادهم بالتخيير هذا المعنى ، لا أن خطابه ينقلب الى التخيير ، كما في الابتداء كذا في الجواهر.

ويشكل بإمكان الامتثال الإجمالي. مثلاً : إذا تردد بين نية حج الافراد وبين نية العمرة المفردة ، يأتي بأعمال الحج أو لا ، ثمَّ يأتي إلى

سواء تعين عليه أحدهما أولا. وقيل : إنه للمتعين منهما [1] ،


مكة فيأتي بأعمالها بنية المردد بين الحج والعمرة. وإذا تردد بين العمرة المفردة وعمرة التمتع ، يتم أعمال العمرة بقصد ما نواه ، وأحل واقتصر. لأصالة البراءة من وجوب الحج بعدها. واحتياط - بناء على لزوم الاحتياط - لأن الحج طرف للعلم الإجمالي ، فيحج برجاء المطلوبية.

وبالجملة : لا مقتضي لبطلان الإحرام بعد وقوعه على الوجه الصحيح وإمكان إتمام أعماله إما رجاءً أو علماً. نعم لا يجزي ذلك عقلا ، ولا تفرغ به الذمة - وان تمكن من إتمامه - لتردده فيما نواه. فيجوز له رفع اليد عنه إذا لم يكن محذور في ذلك ، كما لو دخل في صلاة ثمَّ تردد أنه نواها ظهراً أو عصراً ، فإنه إذا أتمها بقصد ما نواه لم تجزئ عما في الذمة لا عن الظهر ولا عن العصر. وهذا المقدار لا يستوجب البطلان ، وانما يستوجب جواز رفع اليد عنه. لكن في مثل الإحرام - الذي لا يتحلل عنه إلا بمحلل خاص - لا مجال للبناء على التحلل منه بمجرد ذلك ، إلا إذا ثبت عموم قاعدة : جواز رفع اليد عن العمل إذا لم يكن له دخل في الامتثال ولا في اليقين به ، حتى في مثل المقام. لكنه يشكل ، وإن كان الظاهر ثبوت ذلك هنا أيضاً عندهم. نعم إذا كان لا يصح منه إلا أحدهما ، فإذا تردد فيما نوى جاز له رفع اليد بالمرة - بناء على عدم جريان أصالة الصحة في المقام - ومقتضى الأصل العملي البطلان.

[1] قال في الشرائع : « ولو نسي بما ذا أحرم ، كان مخيراً بين الحج والعمرة إذا لم يلزمه أحدهما ». وفي القواعد : « ولو نسي ما عينه تخير إذا لم يلزمه أحدهما ». ونحوهما ما في غيرهما. وفي الجواهر : نسبته إلى الفاضل والشهيدين وغيرهم. وفي كشف اللثام : تعليله بأن له الإحرام بأيهما شاء

ومع عدم التعيين يكون لما يصح منهما [1]. ومع صحتهما - كما في أشهر الحج - الاولى جعله للعمرة المتمتع بها [2]. وهو مشكل ، إذ لا وجه له [3].


إذا لم يتعين عليه أحدهما ، فله صرف إحرامه إلى أيهما شاء. لعدم الرجحان. وعدم جواز الإحلال بدون النسك إلا إذا صد أو أحصر ، ولا جمع بين النسكين في إحرام .. انتهى. وأما أنه للمتعين منهما ، فلأن الظاهر من حال المكلف الإتيان بما هو فرضه.

[1] عملاً بقاعدة الصحة. لكن قاعدة الصحة إنما تجري بعد إحراز العنوان الذي يكون موضوعاً للصحة والفساد ، لا مع الشك فيه.

[2] يعني : ويجوز جعله لكل منهما ، كما تقدم في كلام الجماعة. وهذه الأولوية نسبت إلى الشيخ (رحمه اللّه) ، لأنه ان كان متمتعاً فقد وافق ، وإن كان حاجاً فالعدول منه إلى غيره جائز. وعن المنتهى والتحرير : أنه حسن. لكن في كشف اللثام ، عن الخلاف : تتعين العمرة. وهو ظاهر كلامه المحكي عن الخلاف. قال : « وإذا أحرم بالعمرة لا يمكنه أن يجعلها حجة مع القدرة على أفعال العمرة ، فلهذا قلنا يجعلها عمرة على كل حال » وكيف كان فأولوية العدول مبنية على جواز العدول من الافراد الى العمرة المتمتع بها. لكن الوجوب غير ظاهر الوجه. إلا المحافظة على تمامية العمل ، وهو لا يقتضي الوجوب.

[3] وما تقدم في كشف اللثام ، من توجيهه : بأن له الإحرام بأيهما شاء إذا لم يتعين عليه أحدهما. لا يخلو من منع ، فان ثبوت ذلك قبل إنشاء الإحرام لا يقتضي ثبوته بعده. ولذا قلنا : بأن العدول من صلاة إلى أخرى خلاف الأصل ، لا يجوز ارتكابه إلا في موارد مخصوصة دل عليها الدليل

( مسألة 7 ) : لا تكفي نية واحدة للحج والعمرة [1] ، بل لا بد لكل منهما من نيته مستقلا ، إذ كل منهما يحتاج إلى إحرام مستقل ، فلو نوى كذلك وجب عليه تجديدها. والقول


وان جاز قبل الشروع في العمل.

هذا وإن المناسب للقول المذكور التفصيل هكذا : أنه إن صح أحدهما دون الآخر اختار ما صح ، وإن صحا معاً ، ولزمه أحدهما دون الآخر اختار ما لزم. وإن تساويا في عدم اللزوم اختار أحدهما ، والأولى العدول إلى العمرة. وعبارة المتن قد نقل فيها التفصيل على شكل آخر غير مناسب ثمَّ إنه تقدم من الجواهر : أنه احتمل أن مراد الجماعة بالتخيير التجديد. لكنه بعيد - كما يظهر من ملاحظة عبارة الشرائع - فإنه ذكر التجديد مقابل التخيير في المسألة الآتية. وفي هذه المسألة ذكر التخيير مقتصراً عليه ، فليس المراد منه إلا التخيير بالمعنى الظاهر له. فلاحظ.

[1] قال في الشرائع : « ولو أحرم بالحج والعمرة ، وكان في أشهر الحج كان مخيراً بين الحج والعمرة إذا لم يتعين عليه أحدهما. وإن كان في غير أشهر الحج تعين للعمرة. ولو قيل بالبطلان في الأول ولزوم تجديد النية كان أشبه ». وفي القواعد : « فالأقرب البطلان ، وإن كان في أشهر الحج ». وفي الدروس : « لا يجوز إدخال حج على حج ، ولا عمرة على عمرة » ولا نية حجتين ولا عمرتين .. ( إلى أن قال ) : ولا نية حجة وعمرة معاً ، إلا على قول الحسن وابن الجنيد. ولو فعل بطل إحرامه. وفي المبسوط : يتخير ما لم يلزم أحدهما ».

أقول : بعد ما تحقق ، من أن لكل من الحج والعمرة إحراماً مستقلا فإذا أحرم ونوى بإحرامه الحج والعمرة - بأن كان قصده أن يكون إحرامه

بصرفه الى المتين منهما إذا تعين عليه أحدهما والتخيير بينهما إذا لم يتعين ، وصح منه كل منهما ، كما في أشهر الحج [1]. لا وجه له. كالقول : بأنه لو كان في أشهر الحج بطل ولزم


للحج وللعمرة معاً - فقد نوى ما لم يشرع ، فلا يصح. ولا فرق بين أن يكون بحيث يصح منه الإحرام للحج ويصح منه الإحرام للعمرة - كما إذا كان في أشهر الحج - وبين أن لا يصح منه الإحرام للحج وإن كان يصح منه الإحرام للعمرة - كما إذا لم يكن في أشهر الحج - لاطراد المانع في الصورتين ، وهو نية غير المشروع عن غير أمر الشارع. فما ذكره في القواعد هو الموافق للقواعد.

[1] هذا منسوب إلى الشيخ وجماعة. وقواه في كشف اللثام ، لما سبق منه ، من أن الإحرام حقيقة واحدة ، فإذا وقع على وجه العبادة صح وترتب عليه أثره. وفيه : أنه لو سلم ، فذلك إذا كان قد وقع على وجه العبادة ، ونيته للحج والعمرة مانعة عن ذلك ، إذ الإحرام الذي يترتب عليه الغايتان ليس بمشروع له ، فلا مجال للتقرب به. نعم إذا كان قصد الغايتين - على نحو تعدد المطلوب - فلا بأس. لكنه خلاف المفروض.

وكذا إذا كان قصدهما لا باعتبار وقوعهما فيه بل باعتبار آخر ، مثل : أن يكون العمرة واقعة فيه والحج يترتب عليه في الجملة - ولو لتوقفه عليه - وإن كان يقع في إحرام آخر ، فان نيتهما معاً - بهذا المعنى - لا بأس بها. وعلى ذلك تحمل النصوص المتضمنة لنية الحج والعمرة في إحرام العمرة. ففي صحيح يعقوب بن شعيب : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، فقلت : كيف ترى لي أن أهلّ؟ فقال : إن شئت سميت وإن شئت لم تسم شيئاً. فقلت له : كيف تصنع أنت؟ قال : أجمعهما فأقول : لبيك

التجديد ، وإن كان في غيرها صح عمرة مفردة [1].

( مسألة 8 ) : لو نوى كإحرام فلان ، فان علم أنه لما ذا أحرم صح [2]. وإن لم يعلم ، فقيل : بالبطلان لعدم التعيين ، وقيل : بالصحيحة لما عن علي (عليه السلام) [3]. والأقوى


بحجة وعمرة معاً .. » (1).

[1] وهو ظاهر الشرائع. ومثله ، القول بالصحة للحج والعمرة - الذي نسبه في الدروس : إلى الحسن وابن الجنيد ، وفي المسالك : إلى الأول وجماعة - لما عرفت. نعم في الحدائق : أن الأول يرى أن الحج بعد العمرة يقع في إحرام العمرة لا في إحرام آخر. وأنه لا يحل من إحرامها إلا بعد أفعال الحج. وعليه يكون خلافه في المبنى.

[2] بلا خلاف ولا إشكال. لوجود المقتضي - من النية ، والتعيين - وعدم المانع. كذا في الجواهر.

[3] قال في الدروس : « قال - يعني : الشيخ - لو قال : كإحرام فلان ، صح. لما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال : إهلالاً كإهلال نبيك ». يشير بذلك إلى ما في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - الوارد في حج النبي (صلی اللّه عليه وآله) - وفيه ذكر : « أن علياً (عليه السلام) قدم من اليمن على رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) وهو بمكة .. ( إلى أن قال ) : وأنت يا علي بما أهللت؟ قال (عليه السلام) : قلت : يا رسول اللّه ، إهلالاً كإهلال النبي (صلی اللّه عليه وآله) : فقال له رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : كن على إحرامك مثلي ، وأنت شريكي في هديي » (2). ونحوه ما في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3)،


1) الوسائل باب : 17 من أبواب الإحرام حديث : 3.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 4.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 14.


ومرسل الفقيه (1)، وغيرها.

لكن النصوص المذكورة لا تخلو من تدافع - كما أشار إلى ذلك في الحدائق والجواهر وغيرهما - فان المذكور في صحيح الحلبي ومرسل الفقيه : أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) ساق مائة بدنة ، وبعد أن جاء علي (عليه السلام) من اليمن وسأل عن إهلاله ، فقال : أهللت بما أهلّ به النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، فشركه في هديه وجعل له سبعاً وثلاثين وحينئذ يكون الحكم مختصاً به (عليه السلام) ، لأن مجرد نية الإحرام كإحرام النبي - مع أنه (عليه السلام) لم يسق الهدي - لا يستوجب الاشتراك في الهدي. والمذكور في صحيح معاوية وخبر الفضل بن الحسن الطبرسي - في إعلام الورى - : أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) ساق الهدي ، ستاً وستين أو أربعاً وستين بدنة. وأن علياً (عليه السلام) جاء بأربع وثلاثين ، أو ست وثلاثين (2). ومقتضاه أنه لم يكن إجمال في نية إحرام أمير المؤمنين (عليه السلام) وإنما كان ناوياً للقران وساق الهدي كما نواه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) وساق الهدي فلا يكون مما نحن فيه.

وأيضاً فإن المستفاد من النصوص : أن المتعة شرعت في حجة الوداع بعد وصول النبي (صلی اللّه عليه وآله) إلى مكة ، ولم يكن قبل ذلك إلا تشريع الحج. والمسلمون حين أحرم النبي (صلی اللّه عليه وآله) من الميقات كلهم أحرموا للحج كما أحرم النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، ولا فرق بينهم وبينه في الإحرام ، وإنما كان الفرق في سياق الهدي ، وهو أمر خارج عن النية وعلي (عليه السلام) إنما أحرم للحج كما أحرم غيره ، ولا إجمال فيما نواه. بل إن كان قد ساق الهدي - كما في بعض الروايات - كان حجه قراناً ، وإلا كان إفراداً. وحينئذ يكون


1) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج ملحق حديث : 14 ، حديث : 25.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 32.

الصحة ، لأنه نوع تعيين. نعم لو لم يحرم فلان ، أو بقي على الاشتباه فالظاهر البطلان [1]. وقد يقال : إنه في صورة الاشتباه يتمتع [2]. ولا وجه له. إلا إذا كان في مقام يصح له العدول إلى التمتع.

( مسألة 9 ) : لو وجب عليه نوع من الحج أو العمرة فنوى غيره بطل [3].


المقصود ، من قوله (عليه السلام) : « كإهلاك » أنه إهلال بالحج. ولعله في مقابلة إهلال الجاهلية ، فالاستدلال بالنصوص على ما نحن فيه غير ظاهر. وقد عرفت فيما سبق أنه لا قصور في النية في فرض المسألة. بل الصحة فيها أظهر منها فيه ، لتحقق التعين حال النية في الفرض دون ما سبق. ومن العجيب ما في الجواهر هنا من أن الأقوى البطلان : كيف؟! ولعل أكثر السواد على هذا النهج من النية ، فإنهم يحرمون كما يحرم غيرهم ممن يعرفونه بالمعرفة والتفقه.

[1] أما في الصورة الأولى فظاهر ، لانتفاء الموضوع. وأما في الصورة الثانية فغير ظاهر. إلا بناء على ما عرفت في الناسي.

[2] حكاه في الشرائع قولاً ، ونسبه في الجواهر إلى الشيخ. قال في محكي الخلاف : « إذا أحرم كإحرام فلان ، وتعيين له ما أحرم به عمل عليه. وإن لم يعلم حج متمتعاً ». وفيه - كما في الجواهر - : أن العدول إنما يسوغ في حج الإفراد خاصة إذا لم يكن متعيناً عليه. ومن ذلك يظهر الوجه فيما ذكر في المتن.

[3] لفوات النية.

( مسألة 10 ) : لو نوى نوعاً ونطق بغيره كان المدار على ما نوى دون ما نطق [1].

( مسألة 11 ) : لو كان في أثناء نوع وشك في أنه نواه أو نوى غيره بنى على أنه نواه [2].

( مسألة 12 ) : يستفاد من جملة من الأخبار استحباب التلفظ بالنية [3] ،


[1] كما في القواعد وغيرها. إذ لا اعتبار بالنطق ، وإنما الاعتبار بالنية. وقد يستشهد له بخبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل أحرم قبل التروية ، فأراد الإحرام بالحج يوم التروية فأخطأ فذكر العمرة. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء ، فليعقد الإحرام بالحج » (1). لكن ظاهره نية العمرة غلطاً ، لا التلفظ بالعمرة والنية غلطاً - أيضاً - لا أثر لها كاللفظ ، لأن التأثير في الفعل إنما يكون للداعي النفسي ، لا للنية غلطاً ، فيكون المدار عليه لا عليها.

[2] قد تقدم - في بعض مباحث نية الصلاة - الإشكال في ذلك ، وأن قاعدة التجاوز أو الصحة إنما تجري مع الشك في تحقق ما له دخل في تمامية المعنون بعد إحراز عنوانه. والنية لما كانت بها قوام العنوان ، فمع الشك فيها يكون الشك في العنوان لا في المعنون. فراجع ذلك المبحث ، وتأمل.

[3] يعني : بالمنوي. ذكره جماعة من الأصحاب ، كما في الحدائق. وفي الجواهر : « صرح به غير واحد .. ». ويشير بالأخبار المذكورة إلى صحيح حماد بن عثمان المتقدم في المسألة الرابعة (2). ونحوه خبر أبي


1) الوسائل باب : 22 من أبواب الإحرام حديث : 8.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب إحرام حديث : 1.


الصلاح مولى بسام الصيرفي ، قال : « أردت الإحرام بالمتعة ، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : كيف أقول؟ قال : تقول : اللّهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج ، على كتابك وسنة نبيك وإن شئت أضمرت الذي تريد » (1)، وصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا أردت الإحرام بالتمتع ، فقل : اللّهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج ، فيسر ذلك لي ، وتقبله مني ، وأعني عليه ، وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. أحرم لك شعري ، وبشري من النساء ، والطيب ، والثياب » (2). وظاهر هذه النصوص استحباب التلفظ بالمنوي في غير التلبية.

قال في المدارك : « والأفضل أن يذكر - في تلبية عمرة التمتع - الحج والعمرة معاً ، على معنى : أنه ينوي فعل العمرة - أولاً - ثمَّ الحج بعدها ، باعتبار دخولها في حج التمتع. لقوله في صحيحة الحلبي : إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول فيها : لبيك بحجة وعمرة معاً ، لبيك » (3)وهو في محله. وما في بعض النصوص من أنه يهلّ بالحج ، محمول على ذلك قطعاً.

هذا وفي المنتهى : « لو اتقى كان الأفضل الإضمار. وروى الشيخ - في الصحيح - عن أبان بن تغلب قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : بأي شي‌ء أهل؟ فقال (عليه السلام) : لا تسم حجاً ولا عمرة ، وأضمر في نفسك المتعة. فإن أدركت كنت متمتعاً ، وإلا كنت حاجاً » (4).


1) الوسائل باب : 17 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب الإحرام حديث : 7.

4) الوسائل باب : 21 من أبواب الإحرام حديث : 4.

والظاهر تحققه بأي لفظ كان [1]. والأولى أن يكون بما في صحيحة ابن عمار [2] ، وهو أن يقول : « اللّهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج ، على كتابك وسنة نبيك (صلی اللّه عليه وآله) ، فيسر ذلك لي ، وتقبله مني ، وأعني عليه. فان عرض شي‌ء يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. اللّهم إن لم تكن حجة فعمرة ، أحرم لك شعري ، وبشري ، ولحمي ، ودمي ، وعظامي ، ومخي ، وعصبي من النساء والطيب ، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة ».


وعن منصور بن حازم قال : « أمرنا أبو عبد اللّه (عليه السلام) أن نلبي ، ولا نسمي شيئاً. وقال : أصحاب الإضمار أحب إلي » (1). وعن إسحاق بن عمار قال : « سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : الإضمار أحب إلي ، ولم يسم » (2). وإنما قلنا : أن ذلك على سبيل التقية جمعاً بين الأخبار ». ولا بأس به ، كما في المدارك.

[1] لأن اختلاف النصوص في اللفظ يدل على عدم خصوصية في لفظ بعينه.

[2] روى في الفقيه : عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) أنه قال : « لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة .. ( إلى أن قال ) : فاذا انفتلت من الصلاة فاحمد اللّه عز وجل وأثن عليه وصل على النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، وتقول : اللّهم إني أسألك أن تجعلني ممن استحباب لك ، وآمن بوعدك ، واتبع أمرك .. ( إلى أن قال ) :


1) الوسائل باب : 17 من أبواب الإحرام حديث : 5.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب الإحرام حديث : 6.

( مسألة 13 ) : يستحب أن يشترط - عند إحرامه - على اللّه أن يحله إذا عرض مانع من إتمام نسكه من حج أو عمرة ، وأن يتمم إحرامه عمرة إذا كان للحج ولم يمكنه الإتيان ، كما يظهر من جملة من الأخبار [1]. واختلفوا في


اللّهم تمم لي حجي. اللّهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج ، على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله ، فان عرض لي عارض (1).. » (2)إلى آخر ما في المتن. كذا فيما يحضرني من نسخة الفقيه وغيرها.

ثمَّ إن تخصيص الأولوية بصحيحة معاوية غير ظاهر. فاللازم إطلاق الأولوية بالنسبة إليها وإلى ما في صحيح ابن سنان (3)وغيرها ، من دون اختصاص بواحد منها.

[1] وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك ، نصاً وفتوى. نعم أنكره جماعة من العامة » ، وفي المدارك والحدائق : « استحباب ذلك مما أجمع عليه أصحابنا وأكثر العامة ». والمراد من الأخبار في المتن : صحيح عبد اللّه بن سنان ، وصحيح معاوية بن عمار المتقدمان (4)، وخبر


1) كما في الفقيه الجزء 2 الصفحة 206 طبع النجف الأشرف. وفي الكافي والتهذيب : « فان عرض لي شي‌ء ». الكافي الجزء 4 الصفحة 331 طبع إيران الحديثة ، التهذيب الجزء 5 الصفحة 77 طبع النجف الأشرف.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب الإحرام حديث : 1. وأما ما أسنده إلى معاوية بن عمار في المتن فلم نعثر له على رواية كذلك. نعم الى قوله : « وأعني عليه » موافق لصحيح ابن سنان المتقدم ذكره قريباً. فلاحظ.

3) الوسائل باب : 16 من أبواب الإحرام حديث : 2. وقد تقدم ذكره قريباً.

4) الوسائل باب : 16 من أبواب الإحرام حديث : 2 ، 1. وقد تقدم ذكر رواية ابن سنان في المسألة المتقدمة ورواية معاوية في التعليقة السابقة.

فائدة هذا الاشتراط ، فقيل : إنها سقوط الهدي [1].


أبي الصباح الكناني قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحج ، كيف يشترط؟ قال : يقول حين يريد أن يحرم : أن حلني حيث حبستني ، فإن حبستني فهي عمرة .. » (1)، وخبر الفضيل ابن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : المعتمر عمرة مفردة يشترط على ربه أن يحله حيث حبسه ، ومفرد الحج يشترط على ربه إن لم تكن حجة فعمرة » (2)، وخبر حنان بن سدير قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إذا أتيت مسجد الشجرة .. ( إلى أن قال ) : ثمَّ تقول : اللّهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج ، فإن أصابني قدرك فحلني حيث حبستني بقدرك .. » (3)، وغير ذلك من النصوص.

[1] حكي ذلك في كشف اللثام ، عن الانتصار ، والسرائر ، والجامع ، وحصر التحرير ، والمنتهى ، والتذكرة ، وغيرها. واستدل - في الأول - عليه : بالإجماع. وبأنه لا فائدة له سواه. وبصحيح ذريح المحاربي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج ، وأحصر بعد ما أحرم ، كيف يصنع؟ قال : فقال : أو ما اشترط على ربه - قبل أن يحرم - أن يحله من إحرامه عند عارض عرض له من أمر اللّه تعالى؟ فقلت : بلى ، قد اشترط ذلك. قال : فليرجع إلى أهله حلا لا إحرام عليه. إن اللّه أحق من وفي بما اشترط عليه. قلت : أفعليه الحج من قابل؟ قال : لا » (4)، وصحيح محمد بن أبي نصر قال :


1) الوسائل باب : 23 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب الإحرام حديث : 3.

4) الوسائل باب : 24 من أبواب الإحرام حديث : 3.

وقيل : إنها تعجيل التحلل ، وعدم انتظار بلوغ الهدي محله [1].


« سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم انكسرت ساقه ، أي شي‌ء تكون حاله وأي شي‌ء عليه؟ قال (عليه السلام) : هو حلال من كل شي‌ء. قلت : من النساء والثياب والطيب؟ فقال : نعم من جميع ما يحرم على المحرم. وقال : أو ما بلغك قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) : حلّني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي؟ قلت : أخبرني عن المحصور والمصدود هما سواء؟ فقال : لا .. » (1). فان الصحيحين وإن لم يتعرض فيهما لنفي الهدي صريحاً ، لكن السكوت فيهما عن الهدي ظاهر في سقوطه. واحتمال أن يكون ترك بيان وجوب الهدي اتكالاً على الآية وغيرها - كما في الجواهر - غير ظاهر ، فان مورد الصحيحين أخص من مورد الآية ، وظاهر الآية : أن وجوب الهدي من جهة التحلل ، فاذا حصل بالشرط لم يكن له فائدة (2). وأيضاً فإن البناء على كون الفائدة التعجيل يوجب تصرفاً في الآية ، وليس هو أولى من التصرف فيها ، بحمل الهدي على غير صورة الاشتراط.

[1] ولا يسقط الهدي ، كما عن المبسوط والخلاف والمهذب في المحصور ، والوسيلة في المصدود ، وعن التذكرة والتحرير والمنتهى والنافع. واختاره في الشرائع والجواهر ، واستشهد له بصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « إن الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج معتمراً فمرض في الطريق ، فبلغ علياً ذلك وهو بالمدينة ، فخرج في طلبه فأدركه في السقيا ، وهو مريض بها. فقال : يا بني ما تشتكي؟ فقال : اشتكي رأسي ، فدعا علي (عليه السلام) ببدنة فنحرها ، وحلق رأسه ، ورده إلى


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الإحصار حديث : 4.

2) المرار بها : قوله تعالى ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) - البقرة : 196.


المدينة ، فلما برأ من وجعه اعتمر .. » (1). بناء على أنه (عليه السلام) قد اشترط ، لأنه مستحب فلا يتركه. وبخبر عبد اللّه بن عامر ، الذي رواه في كشف اللثام عن جامع بن سعيد ، عن كتاب المشيخة لابن محبوب ، عن الصادق (عليه السلام) : « في رجل خرج معتمراً ، فاعتل في بعض الطريق وهو محرم. قال (عليه السلام) : ينحر بدنة ، ويحلق رأسه ، ويرجع إلى رحله ، ولا يقرب النساء. فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً ، فإذا برأ من وجعه اعتمر إن كان لم يشترط على ربه في إحرامه. وإن كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر .. » (2).

لكن الخبر الأخير غير ظاهر الصحة ، وقد تفرد بروايته ابن سعيد ولم يعمل به. فإنه نسب إليه القول الأول. والأول غير واضح الدلالة على ما نحن فيه. ومجرد الاستحباب لا يقتضي تحقق الاشتراط ، لإمكان وجود المانع. مع أن في صحيح رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « خرج الحسين (عليه السلام) معتمراً - وقد ساق بدنة - حتى انتهى إلى السقيا فبرسم ، فحلق شعر رأسه ، ونحرها مكانه. ثمَّ أقبل حتى جاء فضرب الباب ، فقال علي (عليه السلام) : ابني ورب الكعبة ، افتحوا له الباب. وكان قد حموه الماء ، فأكب عليه فشرب ، ثمَّ اعتمر بعد » (3). إذ حينئذ يكون خارجاً عما نحن فيه ، ففي المدارك : أن موضع الخلاف من لم يسق الهدي أما السائق فقال فخر المحققين (رحمه اللّه) : إنه لا يسقط عنه بإجماع الأمة. وفي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، ورفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الإحصار والصد حديث : 1.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الإحصار والصد حديث : 3.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الإحصار والصد حديث : 2.


أنهما قالا : « القارن يحصر ، وقد قال واشترط : فحلني حيث حبستني. قال : يبعث بهديه. قلنا : هل يتمتع في قابل؟ قال لا ، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه » (1). اللّهم إلا أن يكون مورده واقعة أخرى غير مورد صحيح معاوية ، للاختلاف الواقع بين مضمونيهما ، كما هو ظاهر. فالعمدة الإشكال الأول.

مضافا إلى أن ظاهره أنه (عليه السلام) نحر البدنة في مكانه - وهي سقيا بني غفار - لا أنه أرسله إلى مكة وانتظر وصول الهدي إلى مكة ، وبينه وبينها مسافة أربعة أيام أو أكثر ، فإنه أحد المنازل بين المدينة إلى مكة ، فمنه إلى الأبواء ، ومنه إلى الجحفة ، ومنه إلى قديد ، ومنه إلى عسفان ، ومنه إلى بطن مر ، ومنه إلى مكة. فإن ذلك بعيد جداً عن سوق الرواية ، لو لم يكن مقطوعاً بخلافه ، كما اعترف في الجواهر. فلو كانت الرواية فيما نحن فيه تعين البناء على تعجيل الإحلال بتعجيل نحر الهدي والإحلال بعده ، لا التعجيل بالمعنى الذي ذكروه ، فإنه خلاف ظاهر الرواية جداً. لكن عرفت الإشكال في كون الرواية فيما نحن فيه. وعليه لا مانع من الأخذ بظاهر الصحيحين السابقين في سقوط الهدي ، لسكوتهما عنه (2). بل ظهور الشرط في ذلك ، فان مضمونه فسخ الإحرام وجعله كأن لم يكن ، فلا يكون مقتض للهدي كي يجب.

ومنه يشكل ما في الجواهر ، من أنه قد يقال : بأن المراد بالشرط


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الإحصار والصد حديث : 1.

2) المراد بالصحيحين : هما صحيح ذريح المحاربي ، وصحيح محمد بن أبي نصر ، المتقدمين قريباً لاحظ الوسائل باب : 24 من أبواب الإحرام حديث : 3 ، باب : 1 من أبواب الإحصار والصد حديث : 4.

وقيل : سقوط الحج من قابل [1].


التحلل من إحرامه بمحلله الشرعي ، لا أنه يثبت به تحليل خاص لا يحتاج معه إلى الهدي ولا غيره. انتهى. كيف وهو خلاف ظاهر الشرط؟وخلاف قوله (عليه السلام) : « إن اللّه أحق من وفى بما اشترط عليه »؟ (1)وحمله على التعجيل بالمعنى المذكور بعيد جداً.

وإن شئت قلت : ظاهر الآية الشريفة ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ... ) (2)انحصار المحلل بالهدي ووجوب الانتظار ، فان كانت فائدة الشرط التعجيل كان التصرف في إطلاقها من حيث وجوب الانتظار ، وان كانت فائدة الشرط التحلل كان التصرف في إطلاقها من حيث لزوم الهدي. والتصرف الأول ليس أولى من الثاني ، فيسقط الإطلاق من الجهتين ، ومقتضى أصل البراءة عدم وجوب الهدي.

[1] حكي ذلك عن الشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب. واستدل عليه بصحيح ضريس بن أعين قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعاً بالعمرة إلى الحج ، فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر. فقال (عليه السلام) : يقيم على إحرامه ، ويقطع التلبية حين يدخل مكة ، فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ، ويحلق رأسه ، وينصرف إلى أهله إن شاء. وقال : هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه. فان لم يكن اشترط فان عليه الحج من قابل » (3). وأشكل عليه : بأن الحج الفائت إن كان واجباً لم يسقط فرضه في العام القابل بمجرد الاشتراط. وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده


1) هذا بعض ما جاء في صحيح ذريح المحاربي ، المتقدم ذكره قريباً.

2) البقرة : 196‌

3) الوسائل باب : 27 من أبواب الوقوف بالمشعر حديث : 2.

وقيل : إن فائدته إدراك الثواب [1] ، فهو مستحب تعبدي وهذا هو الأظهر. ويدل عليه قوله (عليه السلام) في بعض الأخبار [2] :


فيه ، كما اعترف به في محكي المنتهى ». وإن لم يكن واجباً لم يجب بترك الاشتراط ، والظاهر أنه لا خلاف فيه أيضاً. وعليه فالصحيح غير معمول به ، ولا معول عليه. على أن مورده خاص بالمتمتع الذي لم يدرك الموقفين فلا وجه للتعدي منه الى ما نحن فيه.

[1] نسبه في المدارك إلى الشهيد الثاني في جملة من مصنفاته : قال في المسالك - بعد ذكر الأقوال في فائدة الشرط - : « وكل واحد من هذه الفوائد لا يأتي على جميع الأفراد التي يستحب فيها الاشتراط. أما سقوط الهدي فمخصوص بغير السائق ، إذ لو كان قد ساق هدياً لم يسقط. وأما تعجيل التحلل فمخصوص بالمحصور دون المصدود - فإنه يجوز له التعجيل من غير شرط اتفاقا ، كما تقدم في كلامه. وأما كلام التهذيب فمخصوص بالمتمتع. وظاهر أن ثبوت التحلل بالأصل ، والعارض لا مدخل له في شي‌ء من الأحكام. واستحباب الاشتراط ثابت لجميع أفراد الحاج. ومن الجائز كونه - تعبداً ، أو ادعاءً - مأموراً به يترتب على فعله الثواب ». وفي الجواهر : « ربما كان ذلك ظاهر المبسوط والخلاف والمهذب ».

[2] يشير بذلك الى مصحح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « هو حل إذا حبسه ، اشترط أو لم يشترط » (1)، وخبر حمزة بن حمران قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يقول : حلني حيث حبستني. قال (عليه السلام) : هو حل حيث حبسه ، قال أو لم يقل » (2). ورواه الصدوق بإسناده عن


1) الوسائل باب : 25 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب الإحرام حديث : 2.


حمران بن أعين (1). لكن الروايتين لا تنافيان ما سبق ، لجواز الفرق من جهة زائدة على أصل الحل ، فالتمسك بهما لنفي الفرق أصلا غير ظاهر في مقابل - ما عرفت من النصوص. مضافاً الى أن الضمير في قوله (عليه السلام) : « هو حل .. » لا يعرف مرجعه ، فالتمسك به في جميع الصور غير ظاهر.

وأما ما أشار إليه في المسالك ، من أن استحباب الشرط عام والفائدة غير عامة ، فلا بد أن يكون الشرط لغير تلك الفوائد المذكورة. ففيه أيضاً : أنه وإن كان صحيحاً في الجملة ، لكنه لا يصلح لنفي الفائدة بالمرة بعد دلالة النصوص عليها. ووجوب الهدي للسائق لا يدل على عدم الفائدة للشرط فيه ، لإمكان أن يكون الوجوب من جهة تعين الهدي للذبح أو النحر ، لا لعدم التحلل بالشرط ، بل يتحلل قبل ذبح الهدي. فلا تختص الفائدة - على القول الأول - بمورد دون مورد - وهذا مما يعضد أدلة القول الأول.

ومثله في الاشكال ما عن فخر المحققين ، من أن الفائدة : هي أن التحليل بالشرط أصلي ، وبغيره عرضي من جهة العذر. وفيه : أن ذلك يتوقف على أن طروء المانع مع عدم الشرط موجب للتحلل فعلاً من دون حاجة الى الهدي ، وهو غير ظاهر. بل خلاف ظاهر الآية الشريفة الواردة في المحصور ، المتضمنة الانتظار في التحلل أن يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (2). فمع الشرط يجوز التحلل فوراً ، فتكون فائدته تحليل ما لم يحل لولاه. نعم عرفت الاتفاق على التحلل فوراً في المصدود ، فتكون فائدة الشرط سقوط الهدي ، لأن الشرط يوجب انفساخ الإحرام وفرضه بمنزلة عدمه ، فلا


1) الوسائل باب : 23 من أبواب الإحرام حديث : 4.

2) المراد بالآية : قوله تعالى ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) - البقرة : 196 -.

« هو حل حيث حبسه ، اشترط أو لم يشترط ». والظاهر عدم كفاية النية في حصول الاشتراط ، بل لا بد من التلفظ [1]. لكن يكفي كلما أفاد هذا المعنى ، فلا يعتبر فيه لفظ مخصوص [2] وان كان الأولى التعيين مما في الأخبار.

الثاني : من واجبات الإحرام : التلبيات الأربع [3].


موجب للهدي. بخلاف ما لو لم يشترط ، فان تحلله يكون بالهدي في مكانه.

والمتحصل : أن حكم المحصور عدم التحلل إلا بعد وصول الهدي الى محله إذا لم يكن قد اشترط. فان كان قد اشترط كان حكمه انفساخ الإحرام ، فيتحلل بلا هدي. وحكم المصدود - إذا لم يشترط - : أن يتحلل بذبح الهدي أو نحره من مكان الصد ، فاذا اشترط كان حكمه انفساخ الإحرام بمجرد الصد ، ولا حاجة الى الهدي. فهذا هو الفرق بين الشرط وعدمه ، لا ما ذكره قدس سره .

[1] الظاهر أن المراد من النية : الالتزام النفساني بمضمون الشرط فلا يترتب عليه الأثر - لانصراف الأدلة عنه - ما لم يكن معه إنشاء لفظي كما هو الحكم في الإنشائيات العرفية ، فإن الالتزامات النفسانية ما لم يكن لها مظهر - من قول أو فعل - ليست موضوعاً للتأثير ، ولا يترتب عليها الأثر. وأما النية بمعنى : نية الاشتراط فلا تحتمل إرادتها في كلام المصنف ولا موضوعيتها لأثر شرعي.

[2] كما يقتضي ذلك إطلاق الأدلة ، مثل ما تقدم في صحيح ذريح (1)

[3] الوجوب - في الجملة - من القطعيات ، المدعى عليها الإجماع.


1) الوسائل باب : 24 من أبواب الإحرام حديث : 3. وقد تقدم ذلك في صفحة : 379.

والقول بوجوب الخمس [1] ، أو الست [2] ضعيف. بل ادعى جماعة الإجماع على عدم وجوب الأزيد من الأربع. واختلفوا في صورتها على أقوال :

أحدها : أن يقول : « لبيك اللّهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك » [3].


وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه عليه ». نعم يقع الكلام تارة : في وجوبها تكليفاً ، وأخرى : في وجوبها وضعاً ، بمعنى : عدم انعقاد الإحرام إلا بها. وسيأتي الكلام في ذلك في المسألة الخامسة عشرة.

[1] قال في محكي الاقتصار : « يلبي فرضاً واجباً فيقول : لبيك اللّهم لبيك ، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، لبيك بحجة أو عمرة أو بحجة مفردة تمامها عليك ، لبيك. وإن أضاف إلى ذلك ألفاظاً مروية من التلبيات كان أفضل ». قال في كشف اللثام - بعد نقل ذلك - : « ولم يقل به أحد ، وفي التذكرة : الإجماع على العدم ، وفي المنتهى : إجماع أهل العلم عليه .. ».

[2] حكي عن المهذب البارع : حكايته عن بعض. وفي الجواهر : « لم نتحققه .. ».

[3] كما في الشرائع ، وعن النافع ، وعن جملة من نسخ المقنعة ، وعن التحرير والمنتهى ، واختاره السيد في المدارك وكاشف اللثام وغيرهم. ويشهد له صحيح معاوية بن عمار - الآتي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)فإنه - بعد ما ذكر ما في المتن إلى قوله (عليه السلام) : « يا كريم لبيك » - قال :


1) يأتي ذلك في الأمر الرابع من واجبات الإحرام.

الثاني : أن يقول - بعد العبارة المذكورة - : « إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك » [1].

الثالث : أن يقول : « لبيك اللّهم لبيك ، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، لبيك » [2].


« تقول ذلك في دبر كل صلاة .. ( إلى أن قال ) (عليه السلام) : واعلم أنه لا بد من التلبيات الأربع التي كن في أول الكلام ، وهي الفريضة ، وهي التوحيد ، وبها لبى المرسلون .. » (1). والظاهر من التلبيات الأربع - التي كن أول الكلام - ما يتم بلفظ ( لبيك ) الرابع.

[1] حكي ذلك عن الفقيه ، والمقنع ، والهداية ، والأمالي ، والمراسم لما في صحيح عاصم بن حميد قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لما انتهى إلى البيداء - حيث الميل - قربت له ناقة فركبها فلما انبعثت به لبى بالأربع ، فقال : لبيك اللّهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك. ثمَّ قال : هاهنا يخسف بالأخابث. ثمَّ قال : إن الناس زادوا بعد ، وهو حسن » (2)وخبر شرائع الدين ، الذي رواه الصدوق في الخصال عن الأعمش ، عن الصادق (عليه السلام) « وفرائض الحج : الإحرام ، والتلبيات الأربع ، وهي : لبيك اللّهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك » (3)

[2] كما عن جمل السيد ، وشرحه ، والمبسوط ، والسرائر ، والكافي والغنيمة ، والوسيلة ، والمهذب.


1) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 36 من أبواب الإحرام حديث : 6.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 29.

الرابع : كالثالث ، إلا أنه يقول : « إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك ، لبيك » [1] بتقديم لفظ : والملك على لفظ : لك. والأقوى هو القول الأول - كما هو صريح [2] صحيحة معاوية بن عمار (1)- والزوائد مستحبة. والأولى التكرار ، بالإتيان بكل من الصور المذكورة. بل يستحب


[1] اختاره في القواعد ، وحكي عن جامع ابن سعيد. الخامس : ما عن النهاية والإصباح ، من ذكر : ( لك ) قبل : ( الملك ) وبعده جميعاً

[2] الصراحة غير ظاهرة ، لاحتمال أن يكون المراد من التلبيات الأربع : ما قبل الخامسة ، بأن تكون التلبيات الأربع من قبيل العلم لذلك كما أن ما بينها داخل في مفهومها. نعم دعوى الظهور في محلها. لكن الجمع بينه وبين صحيح عاصم بن حميد يقتضي الحمل على ذلك. اللّهم إلا أن يقال : المذكور في صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال إذا أحرمت من مسجد الشجرة ، فإن كنت ماشياً لبيت من مكانك من المسجد تقول : لبيك اللّهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، لبيك ذا المعارج لبيك ، لبيك بحجة تمامها عليك. وأجهر بها .. » (2)، فإن خلوه من الزيادة المذكورة دليل على عدم لزومها. وحينئذ يتعين حمل ما في صحيح عاصم على الاستحباب ، وتكون حكاية الإمام (عليه السلام) ذلك من باب حكاية ما هو أفضل وأرجح. وأما القول الثالث والرابع والخامس فلم يعرف لها شاهد.


1) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 2. وقد تقدم ذكر الرواية في الصورة الأولى من صور التلبية.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 4.

أن يقول - كما في صحيحة معاوية بن عمار - : « لبيك اللّهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، لبيك ذا المعارج لبيك ، لبيك داعياً الى دار السلام ، لبيك غفار الذنوب لبيك ، لبيك أهل التلبية لبيك ، لبيك ذا الجلال والإكرام ، لبيك مرهوباً ومرغوباً إليك لبيك ، لبيك تبدأ والمعاد إليك ، لبيك كشاف الكروب العظام لبيك ، لبيك عبدك ابن عبديك لبيك ، لبيك يا كريم لبيك ».


وفي الجواهر : « وأما القول الثالث - على كثرة القائل به ، بل في الدروس : إنه أتم الصور ، وإن كان الأول مجزياً ، والإضافة إليه أحسن - فلم أظفر له بخبر - كما اعترف به غير واحد - لا من الصحيح ، ولا من غيره ، في الكتب الأربعة ولا في غيرها ، لا بتقديم. ( لك ) على ( الملك ) ، ولا تأخيره ، ولا ذكر مرتين قبله وبعده .. » ونحوه ما في المدارك وكشف اللثام وغيرهما. نعم ورد في بعض الروايات صور أخرى مثل ما في خبر يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن يسار ، عن أبويهما عن الحسن العسكري (عليه السلام) ، عن آبائه (عليهم السلام) ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) .. ( الى أن قال ) : فنادى ربنا عز وجل : يا أمة محمد ، فأجابوا كلهم ، وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم : لبيك اللّهم ، لبيك لا شريك لك ، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، لبيك » (1). ونحوه مرسل الصدوق عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : « جاء جبرئيل إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله) فقال : إن التلبية شعار المحرم ،


1) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 5.

( مسألة 14 ) : اللازم الإتيان بها على الوجه الصحيح بمراعاة أداء الكلمات على قواعد العربية [1]. فلا يجزي الملحون مع التمكن من الصحيح ، بالتلقين ، أو التصحيح. ومع عدم تمكنه فالأحوط الجمع بينه وبين الاستنابة [2].


فارفع صوتك بالتلبية : لبيك اللّهم لبيك .. » (1)إلى آخر ما في الخبر. ومثل ما في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لما لبى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) قال : لبيك اللّهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، لبيك ذا المعارج. وكان (صلی اللّه عليه وآله) يكثر من ذي المعارج .. » (2). ومتن هذا الصحيح كمتن صحيح معاوية المتقدم (3)، غير أنه خال عن الجملة الأخيرة التي بها قوام الاستدلال للقول الأول.

[1] قال في التذكرة ومحكي المنتهى : « لا تجوز التلبية إلا بالعربية مع القدرة ، خلافاً لأبي حنيفة ». وظاهره أنه لا خلاف فيه منا. لأنه المفهوم من الأدلة ، والملحون - مادة أو هيئة - خارج عنه.

[2] فان مقتضى قاعدة الميسور الاجتزاء بالملحون. ومقتضى خبر زرارة : « إن رجلا قدم حاجاً لا يحسن أن يلبي ، فاستفتي له أبو عبد اللّه (عليه السلام) فأمر له أن يلبى عنه » (4)لزوم الاستنابة عنه. لكن القاعدة لا تعارض الخبر. ودعوى : أنه حكاية حال كما ترى ، فإنه حكاية قول في مورد


1) الوسائل باب : 37 من أبواب الإحرام حديث : 3.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 15.

3) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 2. وقد تقدم ذلك في الصورة الأولى من صور التلبية.

4) الوسائل باب : 39 من أبواب الإحرام حديث : 2.

وكذا لا تجزئ الترجمة مع التمكن [1] ، ومع عدمه فالأحوط الجمع بينهما وبين الاستنابة [2]. والأخرس يشير إليها بإصبعه مع تحريك لسانه [3]. والاولى أن يجمع بينهما وبين الاستنابة.


الجواب عن السؤال ، كغيره من الأخبار الواردة هذا المورد. نعم هو غير ثابت الصحة ، والاعتماد عليه غير ظاهر. والقاعدة وان لم تكن عليها حجة لكنها معتضدة برواية الأخرس ، بضميمة الأولوية.

[1] لأنها غير المأمور به.

[2] لما عرفت ، من قاعدة الميسور ، وخبر زرارة.

[3] كما صرح بذلك أكثر الأصحاب. ويقتضيه خبر السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « إن علياً (عليه السلام) قال : تلبية الأخرس ، وتشهده ، وقراءته القرآن في الصلاة : تحريك لسانه ، وإشارته بإصبعه » (1). وفي الشرائع قال : « مع عقد قلبه بها .. ». ولم يذكره الأكثر ، ولا ذكر في الخبر ولعله لاستفادته من الأمر بالإشارة بالإصبع ، لأنها لا تتحقق إلا بذلك. ومن الأمر بتحريك لسانه ، إذ المراد منه تحريكه بعنوان الحكاية عما يحكيه لفظ التلبية لا مجرد التحريك.

وظاهر المحكي عن أبي علي لزوم الجمع. قال : « يجزيه تحريك لسانه مع عقده إياها بقلبه ». ثمَّ قال : ويلبى عن الصبي ، والأخرس ، وعن المغمى عليه .. ». ولعل مراده من الأخرس - في كلامه الأخير - الأبكم الذي لا يعرفها ، ولا تمكنه الإشارة ، ولا عقد قلبه إياها. إلا فهو خلاف ظاهر خبر السكوني ، المعول عليه عندهم هنا وفي الصلاة. فلاحظ.


1) الوسائل باب : 39 من أبواب الإحرام حديث : 1.

ويلبى عن الصبي غير المميز ، وعن المغمى عليه [1]. وفي قوله : « إن الحمد .. » يصح أن يقرأ بكسر الهمزة ، وفتحها [2]. والأولى الأول. و ( لبيك ) مصدر منصوب بفعل مقدر [3] ، أي : ألب لك إلباباً بعد إلباب. أو لباً


[1] بلا إشكال ظاهر في الأول. ويقتضيه فيهما خبر زرارة المتقدم لكن عرفت الإشكال في صحة الاعتماد عليه. مع أن عمومه لهما محل تأمل أو منع. ويقتضيه في الصبي صحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال : « إذا حج الرجل بابنه وهو صغير ، فإنه يأمره أن يلبي ويفرض الحج. فان لم يحسن أن يلبي لبوا عنه .. » (1). وقريب منه غيره. وقد تقدم - في المسألة الخامسة من فصل أحكام المواقيت - ما هو مناف لما هنا في الأول. فراجع.

[2] قال في المدارك : « فائدة : يجوز كسر الهمزة في : « إن الحمد » وفتحها. وحكى العلامة في المنتهى ، عن بعض أهل العربية أنه قال : من قال : ( أن ) - بفتحها - فقد خص ، ومن قال بالكسر فقد عم. وهو واضح ، لأن الكسر يقتضي تعميم التلبية وإنشاء الحمد مطلقاً والفتح يقتضي تخصيص التلبية ، أي : لبيك بسبب أن الحمد لك ». ونحوه كلام غيره ، ممن تقدم عليه ، أو تأخر عنه.

[3] قال سيبويه : « انتصب ( لبيك ) على الفعل ، كما انتصب سبحان اللّه ». وفي الصحاح : « نصب على المصدر ، كقولك : « حمداً لله وشكراً » وكان حقه أن يقال : لباً لك .. ».


1) الوسائل باب : 17 من أبواب أقسام الحج حديث : 5.

بعد لب [1] ، أي : إقامة بعد إقامة ، من لب بالمكان - أو ألب - أي : أنام. والاولى كونه من « لب » [2]. وعلى هذا ، فأصله ( لبين لك ) ، فحذف اللام ، وأضيف إلى الكاف ، فحذف النون. وحاصل معناه : إجابتين لك [3]. وربما يحتمل أن يكون من ( لب ) ، بمعنى : واجه [4] ، يقال : « داري تلب دارك » ، أي : تواجهها. فمعناه : مواجهتي وقصدي لك. وأما احتمال كونه من ( لب الشي‌ء ) أي : خالصة ، فيكون بمعنى إخلاصي لك فبعيد [5]. كما


[1] حكى بعض عن الخليل ، وأنشد :

لب بأرض ما تخطاها الغنم

قال : ومنه قول طفيل :

رددن حصيناً من عدي ورهطه *** وتيم تلبي في العروج وتحلب

وعن أبي الهيثم : أن معنى تلبي - في البيت المذكور - تحلب اللبأ تشربه

[2] لأنها أنسب بهيئة الثلاثي.

[3] ذكر ذلك جماعة من أهل اللغة ، من القدماء والمتأخرين.

[4] احتمل ذلك جماعة ، كابن الأثير ، والجواهري ، والفيروزآبادي حكى احتماله عن الخليل وغيره.

[5] وان احتمل الجماعة. وكأن وجه البعد : أنه لا يناسب مقام الجواب. أو لا يناسب هيئة الكلمة. واحتمل في القاموس وغيره أن المعنى محبتي : لك. مأخوذ من قولهم : « امرأة لبه » أو « أم لبة » بمعنى : محبة. وأنشد له :

أن القول بأنه كلمة مفردة ، نظير : ( على ) و ( لدى ) ، فأضيفت إلى الكاف ، فقلبت ألفه ياء [1]. لا وجه له [2] لان ( على ) و ( لدى ) - إذا أضيفا إلى الظاهر - يقال فيهما بالألف ، كعلي زيد ، ولدى زيد. وليس لبى كذلك ، فإنه يقال فيه : « لبي زيد » بالياء.

( مسألة 15 ) : لا ينعقد إحرام حج التمتع وإحرام عمرته ، ولا إحرام حج الافراد ، ولا إحرام حج العمرة


وكنتم كأم لبة طعن ابنها *** إليها فما ردت عليه بساعد

وهو - أيضا - كسابقه في البعد.

(1) هذا القول محكي عن يونس.

(2) قال الجواهري - بعد ما حكي ذلك عن يونس وأنكره سيبويه - قال : « لو كان مثل ( على ) و ( لدى ) ثبتت الياء مع الضمير ، وبقيت الألف مع الظاهر. وحكى من كلامهم : « لبى زيد ، مع الإضافة إلى الظاهر ، فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدل على أنه ليس مثل ( على ) و ( لدى ) .. ».

والانصاف : أن الاحتمالات المذكورة وإن ذكرت في كلام أكثر أهل اللغة والعربية ، واقتصر بعضهم على ذكر الأولين منها ، وبعضهم على ذكر الثلاثة الأول منها. لكن كلها بعيدة وتخرص في العربية ، ولا طريق إلى إثبات بعضها ، ولا يخطر منها شي‌ء في بال المتكلم أصلاً. والأقرب أن تكون كلمة برأسها ، تستعمل في مقام الجواب للمنادي ، مثل سائر كلمات الجواب ، ولا يختلف حالها في الظاهر والضمير.

المفردة إلا بالتلبية [1]. وأما في حج القران فيتخير بين


[1] حكي الإجماع على ذلك في الانتصار وفي الجواهر والغنية والتذكرة والمنتهى وغيرها ، بمعنى : أن من لم يلب كان له ارتكاب المحرمات على المحرم ولا كفارة عليه. وقد استفاضت بذلك النصوص. منها : صحيح عبد الرحمن ابن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يقع على أهله بعدها يعقد الإحرام ولم يلب. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء » (1)، وصحيح معاوية ابن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : لا بأس أن يصلي الرجل في مسجد الشجرة ، ويقول الذي يريد أن يقول ولا يلبي ، ثمَّ يخرج فيصيب من الصيد وغيره ، فليس عليه فيه شي‌ء » (2)، وما رواه الصدوق بإسناده عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « فيمن عقد الإحرام في مسجد الشجرة ثمَّ وقع على أهله قبل أن يلبي. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء » (3)، ومصحح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل إذا تهيأ للإحرام فله أن يأتي النساء ما لم يعقد التلبية أو يلب » (4). ونحوها غيرها مما هو كثير. ومقتضى عموم بعضها عدم الفرق بين إحرام العمرة وإحرام الحج. كما لا فرق بين عمرة التمتع والعمرة المفردة ، ولا في الحج بين حج التمتع والقران والافراد.

وأما ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد قال : « سمعت أبي يقول ، في رجل يلبس ثيابه ويتهيأ للإحرام ثمَّ يواقع أهله قبل أن يهلّ بالإحرام.


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الإحرام حديث : 1.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب الإحرام حديث : 13.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب الإحرام حديث : 8.

التلبية وبين الإشعار أو التقليد [1]. والاشعار مختص بالبدن


قال : عليه دم » (1). فلا مجال للعمل به في مقابل تلك النصوص والإجماعات ولا سيما أن مقتضى الجمع بينها وبينه الحمل على الاستحباب ، كما عن الشيخ (رحمه اللّه). على أنه غير معلوم الإسناد إلى المعصوم.

[1] على المشهور ، كما في المدارك والجواهر وغيرهما. للنصوص. منها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية ، والاشعار ، والتقليد ، فاذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم » (2)، وصحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « تقلدها نعلا خلقاً قد صليت فيه. والاشعار والتقليد بمنزلة التلبية » (3)وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : من أشعر بدنة فقد أحرم ، وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير » (4)ونحوها غيرها.

وعن السيد وابن إدريس عدم انعقاد الإحرام مطلقاً إلا بالتلبية ، لأن انعقاد الإحرام بالتلبية مجمع عليه ، ولا دليل على انعقاده بهما. وفيه : أن النصوص الصحيحة الصريحة المعول عليها دليل عليه. ومثله في الاشكال ما عن الشيخ وابني حمزة والبراج ، من اشتراط الانعقاد بغيرها بالعجز عنها إذ فيه : أنه جمع بلا شاهد. والجمع العرفي يقتضي ما ذكره المشهور. ولا سيما بملاحظة صحيح معاوية الثاني ، فإنه بمنزلة الحاكم المعلوم تقدمه على المحكوم.


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الإحرام حديث : 14.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 20.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 11.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 21.

والتقليد مشترك بينهما وبين غيرها من أنواع الهدي [1]. والاولى في البدن الجمع بين الاشعار والتقليد [2]. فينعقد


[1] الظاهر أنه لا إشكال فيه. وقد صرح به غير واحد ، مرسلاً له إرسال المسلمات ، منهم العلامة في التذكرة والقواعد. قال في القواعد : وبتخير القارن في عقد إحرامه بها ، أو بالإشعار المختص بالبدن ، أو التقليد المشترك بينها ». ونحوه كلام غيره. وفي الحدائق : أنه ذكره الأصحاب وأن الظاهر أنه متفق عليه بينهم ، لا أعلم فيه مخالفاً. انتهى. ولكن دليله غير ظاهر.

نعم كل ما ورد في كيفية الاشعار لم يذكر فيه إلا البدن ، والتقليد ورد في جميعها. وعلل اختصاص الاشعار : بضعف البقر والغنم عن الاشعار. واستدل على الاشتراك في الثاني ، بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال : كان الناس يقلدون الغنم والبقر ، وإنما تركه الناس حديثاً ، ويقلدون بخيط أو سير » (1). وضعف ذلك ظاهر.

[2] في حسن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « البدن تشعر من الجانب الأيمن ، ويقوم الرجل من الجانب الأيسر ، ثمَّ يقلدها بنعل خلق قد صلى فيه » (2). وفي رواية السكوني عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أنه سئل ما بال البدنة تقلد بالنعل وتشعر؟ قال : أما النعل فتعرف أنها بدنة ، ويعرفها صاحبها بنعله. وأما الاشعار فإنه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها ، فلا يستطيع الشيطان أن يمسها » (3)ونحوه غيره.


1) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 9.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 4.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 22.

إحرام حج القران بأحد هذه الثلاثة ، ولكن الأحوط - مع اختيار الاشعار والتقليد - ضم التلبية أيضاً [1]. نعم الظاهر وجوب التلبية على القارن [2] ،


[1] خروجاً عن شبهة خلاف السيد وغيره ممن تقدم.

[2] قال في الشرائع : « والقارن بالخيار إن شاء عقد إحرامه بها - يعني : بالتلبية - وإن شاء قلد أو أشعر ، على الأظهر. وبأيهما بدأ كان الآخر مستحباً ». وفي القواعد : « ولو جمع بين التلبية وأحدهما كان الثاني مستحباً ». وظاهر المسالك : المفروغية عن الاستحباب. وفي المدارك : أنه لم يقف على دليل يتضمن ذلك صريحاً. ولعل إطلاق الأمر بكل من الثلاثة كاف في ذلك .. وفي كشف اللثام ، في شرح عبارة القواعد المذكورة - بعد نسبة مضمونها إلى الشرائع - قال : « والأقوى الوجوب. لإطلاق الأوامر ، والتأسي. وهو ظاهر من قبلهما - يعني : قبل الفاضلين .. » إلى آخر كلامه في تقريب نسبة الوجوب إلى من قبل الفاضلين ، ونقل عباراتهم الظاهرة في وجوب التلبية في حج القران حتى مع الاشعار والتقليد. وفي الجواهر - في مباحث فصل أنواع الحج - قال : « إنما الكلام في المستفاد من عبارة القواعد ، من استحباب التلبية بعد عقد الإحرام والاشعار والتقليد. ولعل وجهه الاحتياط ، وإطلاق الأوامر بها في عقده ، ونحو ذلك مما يكفي في مثله. وأما احتمال الوجوب تعبداً وإن انعقد الإحرام بغيرها - كما هو مقتضى ما سمعته من كشف اللثام. بل قد يوهم ظاهره وجوب الاشعار والتقليد بعدها أيضاً - فهو في غاية البعد. خصوصاً الأخير. فتأمل جيداً ».

لكن في هذا المبحث حمل عبارة الشرائع والقواعد على أن المراد


استحباب الثاني من حيث عقد الإحرام الذي لا ينافي الوجوب تعبداً. وذكر أنه يمكن استفادته من إطلاق الأمر بالتلبية (1). وما في موثق يونس من الأمر بالتلبية بعد الاشعار (2)، وما في حسن معاوية المتقدم من الأمر بالتقليد بعد الاشعار (3)، وما في رواية السكوني المتقدمة من الأمر بالتقليد مع الاشعار (4)، وما في رواية الفضيل بن يسار ، من الأمر بالجمع بين التقليد والاشعار ، فإنه (عليه السلام) قال : « ولكن إذا انتهى الى الوقت فليحرم ، ثمَّ يشعرها ، ويقلدها » (5).

أقول : أما الروايات الثلاث الأخيرة فاللازم حملها على الاستحباب. ضرورة عدم وجوب الجمع بين الاشعار والتقليد ، لا على الترتيب ولا مطلقاً. ولذلك ذكرها في الحدائق دليلاً على الاستحباب الذي ذكر في الشرائع والقواعد ، معارضة منه لصاحب المدارك ، فيما ذكره من عدم وقوفه على دليل صريح في الاستحباب. وأما موثق يونس : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني قد اشتريت بدنة ، فكيف أصنع بها؟ فقال : انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة ، فأفض عليك من الماء ، والبس ثوبيك. ثمَّ أنخها مستقبل القبلة ، ثمَّ ادخل المسجد فصل ، ثمَّ أفرض بعد صلاتك ، ثمَّ أخرج إليها فأشعرها من الجانب الأيمن من سنامها ، ثمَّ قل : بسم اللّه اللّهم منك ولك ، اللّهم فتقبل مني. ثمَّ انطلق حتى تأتي البيداء فلبه » (6).


1) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 29.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 4.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 22.

5) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 13.

6) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 2.


فمن المعلوم أن جهة السؤال فيه عما يصنع بالبدنة غير معلومة ، من حيث الوجوب ، أو الاستحباب ، أو هما. وأيضاً فإن أكثر المذكورات آداب وأيضاً فالأمر إنما كان بالتلبية في البيداء ، وسيأتي أن في كونها مستحبة حينئذ أو واجبة إشكالاً.

وبالجملة : استفادة وجوب التلبية من الأمر المذكور غير ظاهرة. ولا سيما بملاحظة ما تقدم في صحيحة معاوية الثانية ، الدالة على أن الاشعار والتقليد بمنزلة التلبية (1)، فإن مقتضاه الاجتزاء بأحدهما عنها من حيث الوضع والتكليف ، فتكون حاكمة على أدلة الوجوب لو كانت. وأما كلمات الجماعة من القدماء ، فأما السيد وابن إدريس وابن حمزة وابن البراج والشيخ فحالهم معلوم - كما اعترف به في كشف اللثام - لما عرفت من بنائهم على عدم انعقاد الإحرام إلا بها اختياراً مطلقاً. وأما ما حكاه عن القواعد والمراسم ، مما يدل على وجوب التلبية حتى مع الاشعار والتقليد فغير ظاهر في ذلك. فلاحظ عبارتهما. ولا سيما مع اشتمالها على المندوبات واحتمال أن يكون مذهبهم فيها مذهب الشيخ وابني حمزة والبراج. وكيف كان ، فالعمدة في دعوى الوجوب الدليل ، وهو غير ظاهر.

هذا بالنسبة إلى التلبية ، وأما الاشعار والتقليد بعد التلبية ، فقد حكي في كشف اللثام : الاتفاق على عدم وجوبهما. للأصل ، وصحيح معاوية ابن عمار عن الصادق (عليه السلام) : « في رجل ساق هدياً ، ولم يقلده ، ولم يشعره. قال (عليه السلام) : قد أجزأ عنه. ما أكثر ما لا يقلد ولا يشعر ولا يحلل » (2). فلا مجال لاحتمال قوله بالوجوب ، كما قد تشعر به عبارته السابقة.


1) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 11.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 10.

وإن لم يتوقف انعقاد إحرامه عليها ، فهي واجبة عليه في نفسها. ويستحب الجمع بين التلبية وأحد الأمرين ، وبأيهما بدأ كان واجباً وكان الآخر مستحباً.

ثمَّ إن الاشعار عبارة عن شق السنام الأيمن [1] ، بأن يقوم الرجل من الجانب الأيسر من الهدي ، ويشق سنامه من الجانب الأيمن ، ويلطخ صفحته بدمه [2]. والتقليد : أن يعلق في رقبة الهدي نعلاً خلقاً قد صلى فيه [3].


[1] كما في موثق يونس ومصحح معاوية بن عمار المتقدمين (1). وفي رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه وزرارة : « سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن البدن كيف تشعر؟ .. ( إلى أن قال (عليه السلام) في الجواب ) : وتشعر من الجانب الأيمن » (2).

[2] كذا ذكره الأصحاب. لكن في الحدائق : إن الاخبار لا تساعد على ما ذكروه من اللطخ .. وهو كما ذكر. وفي التذكرة علله : بأنه يعرف به أنه صدقة. وفي رواية السكوني المتقدمة ما ربما ينافيه (3).

[3] كما تقدم في صحيح معاوية (4)وعن ابن زهرة : يعلق عليه نعلاً أو مزادة. وفي التذكرة : « والتقليد : أن يجعل في رقبة الهدي بعلاً قد صلى فيه ، أو يجعل في رقبة الهدي خيطاً أو سيراً أو ما أشبههما ليعلم


1) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 2 ، 4. وقد تقدم الأول في التعليقة السابقة. والثاني قبل ذلك قريباً.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 6.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 22.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 11.

( مسألة 16 ). لا تجب مقارنة التلبية لنية الإحرام ، وإن كان أحوط. فيجوز أن يؤخرها عن النية ولبس الثوبين على الأقوى [1].


أنه صدقة ». ونحوه عن المنتهى. ولعله لصحيح زرارة المتقدم (1). لكن دلالته غير ظاهرة ، لأن فعل الناس لا يدل على المشروعية.

ثمَّ إنه قد ذكر الأصحاب ( قدهم ) أنه إذا كان القارن قد ساق أكثر من بدنة وقف بينهما ، وأشعر ما على يمينه من الجانب الأيمن ، وما على يساره من الجانب الأيسر. ففي صحيح حريز : « إذا كانت بدن كثيرة فأردت أن تشعرها ، دخل الرجل بين بدنتين ، فيشعر هذه من الشق الأيمن ، وهذه من الشق الأيسر » (2).

وفي صحيح جميل : « إذا كانت البدن كثيرة قام فيما بين اثنتين ، ثمَّ أشعر اليمنى ، ثمَّ اليسرى » (3).

[1] كما لعله المشهور ، والمنسوب في الجواهر الى ظاهر المعظم ، بل الجميع إلا من جماعة. وفي المدارك وغيرها : نسبته إلى كثير ، أو الأكثر أو المشهور. وفي اللمعة : اعتبار المقارنة بينهما ، وحكي عن ابن إدريس وابني حمزة وسعيد عن التنقيح. وظاهر ذلك عدم الاعتبار بهما مع الفصل فلو نوى الإحرام ثمَّ لبى لم يصح. ويحتمل أن يكون المراد من المقارنة الانضمام ، فلو نوى الإحرام لم يصح إحرامه حتى يلبي ، فاذا لبى بعد ذلك صح إحرامه.

وهذا المعنى وان كان بعيداً عن معنى المقارنة ، غير بعيد عن عبارات من نسب إليهم اعتبار المقارنة فان المحكي عن ابن إدريس : أنها - يعني :


1) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 9.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 19.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 7.


التلبية - كتكبيرة الصلاة. وعن ابن حمزة : أنه إذا نوى ولم يلب ، أو لبى ولم ينو لم يصح إحرامه. وعن ابن سعيد : أنه يصير محرماً بالنية والتلبية وإطلاق العبارات المذكورة يقتضي اعتبار المقارنة بالمعنى الثاني ، لا بالمعنى الأول. وكذلك ما استدل به عليها ، وهو الاتفاق على أن الإحرام إنما ينعقد بها لغير القارن ، ولا معنى للانعقاد إلا التحقق والحصول والنصوص الدالة على عدم لزوم الكفارات إذا حصل الموجب قبل التلبية. فإن مفاد الدليلين المذكورين عدم حصول الإحرام قبلها ، لا لزوم المقارنة بينها وبين النية.

وبالجملة : لا تصح نسبة القول بوجوب المقارنة - بالمعنى الأول - إلا إلى من عبر بالمقارنة ، فإنها ظاهرة فيه. ودليله أيضاً غير ظاهر إلا الأصل - بناء على عدم إطلاق لأدلة تشريع الإحرام - فإنه مع الشك حينئذ يرجع إلى أصالة عدم ترتب الأثر. أما إذا كان له إطلاق فمقتضى الإطلاق عدم الشرطية. وقد عرفت أن الإحرام من الإيقاعات الإنشائية الحاصلة بالالتزام بحصولها ، فمقتضى الإطلاق المقامي حصوله بمجرد الالتزام النفساني. والدليل الدال على لزوم التلبية في حصول الإحرام - لما لم يدل إلا على اعتبارها في الجملة ، فإطلاق دليل التشريع يقتضي نفي اعتبار المقارنة زائداً على اعتبار وجودها.

ثمَّ إن ثمرة الخلاف المذكور أنه لو أنشأ الإحرام ولم يلب حينئذ ثمَّ لبى بعد ذلك ، لم يصح إحرامه بناء على اعتبار المقارنة ، ويصح إحرامه بناء على عدمه. ولا فرق بين أن تكون النية هي الاخطار أو الداعي.

ومنه يظهر لك النظر فيما في الجواهر ، من أن الثمرة واضحة ، بناء على أن النية الاخطار. أما بناء على الداعي - كما هو التحقيق - فلا ثمرة

( مسألة 17 ) : لا تحرم عليه محرمات الإحرام قبل التلبية وإن دخل فيه بالنية ولبس الثوبين ، فلو فعل شيئاً من المحرمات لا يكون آثماً ، وليس عليه كفارة [1]. وكذا في القارن إذا لم يأت بها ، ولا بالإشعار أو التقليد [2]. بل يجوز له أن يبطل الإحرام ما لم يأت بها في غير القارن ، أو لم يأت بها ولا بأحد الأمرين فيه [3].


غالباً ، ضرورة عدم انفكاكه عن التلبية المقصود بها عقد الإحرام. وجه النظر : أن المراد من قصد عقد الإحرام بها إن كان إنشاء الإحرام حين التلبية ، فهو حاصل أيضاً بناء على الاخطار. وان كان تصور عقد الإحرام فلا يفيد في إنشاء الإحرام حتى بناء على الداعي ، لفقد الالتزام الذي يتحقق به الإنشاء.

[1] الظاهر أنه مما لا إشكال فيه. وتقتضيه النصوص والإجماع ، المتقدمان في المسألة الخامسة عشرة.

[2] النصوص المتقدمة خالية عن التعرض لذلك. لكن يستفاد من الإجماع على عدم انعقاد إحرام القارن إلا بأحد الثلاثة ، ومن النصوص المتضمنة أن الاشعار والتقليد بمنزلة التلبية. فقبل واحد منها لا شي‌ء عليه ، لإطلاق النصوص المتقدمة ، ومع فعل واحد منها يكون عليه الإثم والكفارة ، لهذه النصوص المتضمنة للتنزيل.

[3] كما نص على ذلك في التهذيب. ويشكل : بأنه - بناء على ما يأتي احتماله ، من صيرورته محرماً وإن لم يلب - يكون مقتضى الاستصحاب بقاء الإحرام وان عدل عنه. وإن كان بقاؤه لا أثر له ، من إثم أو كفارة ،

والحاصل : أن الشروع في الإحرام وان كان يتحقق بالنية ولبس الثوبين [1] ، إلا أنه لا تحرم عليه المحرمات ، ولا يلزم


لكن لو رجع الى أهله واتفق وقوع التلبية منه - إما مطلقاً ، أو بقصد عقد الإحرام - لزمه الإحرام ، ولم يحل عنه الا بالمحلل.

[1] قد عرفت أن المذكور في كلام الأصحاب ، المدعى عليه الإجماع أنه لا ينعقد الإحرام إلا بالتلبية لغير القارن ، ولا ينعقد إحرام القارن إلا بالتلبية أو الإشعار أو التقليد ، وأن مقتضى ذلك عدم حصول الإحرام إلا بذلك.

لكن المذكور في كشف اللثام وغيره : أنه يصح الإحرام ، ويكون المكلف محرماً بالنية لا غير. وفسر معقد إجماع الأصحاب ، من أنه لا ينعقد الإحرام إلا بالتلبية : بأنه ما لم يلب يجوز له ارتكاب محرمات الإحرام ولا كفارة عليه ، لا أنه لا يكون محرماً إلا بالتلبية. وبذلك - أيضاً - فسره في الجواهر. وقد يظهر ذلك من الخلاف والمبسوط والنهاية والمهذب وغيرها.

والوجه فيه : عدم الدليل على عدم صحة الإحرام إلا بالتلبية. وإنما الذي دلت عليه النصوص - المتقدمة في المسألة الخامسة عشرة - : أنه إذا أحرم ولم يلب جاز له ارتكاب المحرمات ولا كفارة عليه ، وهو أعم من عدم الصحة. وحملها على أنها من قبيل نفي الموضوع بلسان نفي الحكم ، غير ظاهر ، ولا داعي إليه. لكن قال في التهذيب - بعد ذكر الأخبار المتقدمة في عدم انعقاد الإحرام إلا بالتلبية - : « والمعنى في هذه الأحاديث أن من اغتسل للإحرام وصلى وقال ما أراد من القول بعد الصلاة لم يكن في الحقيقة محرماً ، وإنما يكون عاقداً للحج والعمرة ، وإنما يدخل في أن

البقاء عليه إلا بها ، أو بأحد الأمرين. فالتلبية وأخواها بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة [1].

( مسألة 18 ) : إذا نسي التلبية وجب عليه العود الى الميقات لتداركها [2]. وان لم يتمكن أتى بها في مكان التذكر. والظاهر عدم وجوب الكفارة عليه إذا كان آتياً بما يوجبها ، لما عرفت من عدم انعقاد الإحرام إلا بها.


يكون محرماً إذا لبى .. » ونحوه ظاهر غيره. ولكنه غير ظاهر ، كما عرفت. وكأنه لذلك اختاره في المتن. لكن الإنصاف أنه خلاف المرتكزات عند المتشرعة ، فيكون ذلك قرينة على نفي الموضوع بلسان نفي الحكم.

[1] يعني : توجب تحريم المحرمات ، لا أنها بها يتحقق الإحرام ، وإلا كان منافياً لما سبق.

[2] هذا ظاهر - بناء على عدم صحة الإحرام قبل التلبية - إذ يكون نسيان التلبية نسياناً للإحرام ، وحكم الناسي الرجوع الى الميقات إن أمكن أما بناء على ما تقدم منه ، من صحة الإحرام قبل التلبية وصيرورة المكلف محرماً بمجرد النية ، فلا موجب للرجوع الى الميقات ، بل يلبي حيث يذكر. وكأنه لذلك حكي عن الشيخ في النهاية والمبسوط : أنه من ترك الإحرام ناسياً حتى يجوز الميقات كان عليه أن يرجع اليه ويحرم منه إذا تمكن منه والا أحرم من موضعه. وإذا ترك التلبية ناسياً ثمَّ ذكر جدد التلبية ، وليس عليه شي‌ء .. ». فإنه كالصريح في الفرق بين نسيان الإحرام من الميقات ونسيان التلبية منه.

اللّهم إلا أن يقال : كما يجب الإحرام من الميقات تجب التلبية منه ،

( مسألة 19 ) : الواجب من التلبية مرة واحدة [1]. نعم يستحب الإكثار بها وتكريرها ما استطاع [2]. خصوصاً في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة ، وعند صعود شرف أو هبوط واد ، وعند المنام [3] ، وعند اليقظة ، وعند الركوب


فاذا نسيها في الميقات ثمَّ ذكر وجب تداركها بفعلها في الميقات. لكن دليله غير واضح ، إذ غاية ما يستفاد من الأدلة وجوب المبادرة إليها ، والنسيان عذر في تركها. فتأمل.

[1] كما صرح به في السرائر وغيرها ، بل الظاهر أنه إجماع. ويقتضيه إطلاق الأدلة.

[2] إجماعاً كما قيل. وتقتضيه النصوص ، ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - بعد الأمر بالتلبية ، وذكر كيفيتها - : « تقول ذلك في دبر كل صلاة مكتوبة ونافلة ، وحين ينهض بك بعيرك ، وإذا علوت شرفاً أو هبطت وادياً ، أو لقيت راكباً ، أو استيقظت من منامك وبالأسحار. وأكثر ما استطعت وأجهر بها. ( إلى أن قال ) : وأكثر من ذي المعارج ، فان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كان يكثر منها » (1). وفي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إذا أحرمت من مسجد الشجرة ، فإن كنت ماشياً لبيت من مكانك من المسجد ، تقول : لبيك .. ( إلى أن قال ) : وأجهر بها كلما ركبت وكلما نزلت ، وكلما هبطت وادياً ، أو علوت أكمة ، أو لقيت راكباً ، وبالأسحار » (2).

[3] كما في الشرائع والقواعد. لكن في كشف اللثام : « لم أر لمن


1) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 3.

وعند النزول ، وعند ملاقاة راكب ، وفي الأسحار. وفي بعض الأخبار [1] : « من لبى في إحرامه سبعين مرة إيماناً واحتساباً ، أشهد اللّه له ألف ألف ملك براءة من النار وبراءة من النفاق ». ويستحب الجهر بها - خصوصاً في المواضع المذكورة - للرجال [2] ،


قبل الفاضلين التعرض له » ، وفي الجواهر : « لم نجد - فيما وصل إلينا من النصوص - التعرض للنوم ، كما اعترف به في المدارك ».

[1] يريد به خبر ابن فضال ، عن رجال شتى ، عن أبي جعفر (عليه السلام) « قال : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) .. » (1).

[2] عن السرائر : « الجهر بها مندوب ، على الأظهر من قول أصحابنا. وقال بعضهم : الجهر بها واجب ». وعن التهذيب : « الإجهار بالتلبية واجب مع القدرة والإمكان ». وربما مال إليه في الحدائق. للأمر به في صحيح معاوية المتقدم (2)، وصحيح حريز وغيره عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنهما قالا : لما أحرم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أتاه جبرئيل فقال : مر أصحابك بالعج والثج. فالعج : رفع الصوت ، والثجّ : نحر البدن. قال : فقال جابر : فما مشى الروحاء حتى بحت أصواتنا » (3). والأمر حقيقة في الوجوب. ولا سيما أوامر اللّه تعالى.

وربما استظهر ذلك من الكليني ، حيث قال : « ولا يجوز لأحد أن يجوز البيداء إلا وقد أظهر التلبية ». لكن في الخلاف : « إن التلبية


1) الوسائل باب : 41 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب إحرام حديث : 2. وقد تقدم ذلك قريباً.

3) الوسائل باب : 37 من أبواب الإحرام ملحق حديث : 1.

دون النساء [1]. ففي المرسل [2] : « إن التلبية شعار المحرم فارفع صوتك بالتلبية ». وفي المرفوعة [3] : « لما أحرم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أتاه جبرائيل ، فقال : مر أصحابك بالعج


فريضة ، ورفع الصوت بها سنة. ولم أجد أحداً ذكر كونها فرضاً ». ثمَّ ذكر رواية خلاد بن السائب ، المتضمنة للأمر برفع أصواتهم بالتلبية ، ثمَّ قال : « وظاهر الأمر يقتضي الوجوب. ولو خليناه وظاهره لقلنا إن رفع الصوت أيضاً واجب. لكن تركنا بدليل ». وكيف كان فالنصوص المذكورة ظاهرة في الحكم الأدبي ، بقرينة بحة الصوت الذي حكاه جابر ، إذ لا قائل بوجوبه. وكذا ذكره في سياق الأمور التي لا شبهة في استحبابها.

[1] بلا خلاف ، كما قيل. للأخبار الكثيرة الدالة على ذلك. منها : مرسلة فضالة ، عمن حدثه ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن اللّه وضع عن النساء أربعاً : الجهر بالتلبية .. » (1). ونحوه خبر أبي سعيد المكاري (2). وفي مصحح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ليس على النساء جهر بالتلبية » (3).

[2] رواه في الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « قال : جاء جبرئيل (عليه السلام) إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله) وقال له : إن التلبية .. » (4).

[3] رواها في الكافي عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز رفعه قال : « إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لما أحرم أتاه جبرئيل ،


1) الوسائل باب : 38 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 38 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 38 من أبواب الإحرام حديث : 4.

4) الوسائل باب : 37 من أبواب الإحرام حديث : 3.

والثج. فالعج : رفع الصوت بالتلبية ، والثج : نحر البدن ».

( مسألة 20 ) : ذكر جماعة أن الأفضل لمن حج على طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقاً - كما قاله بعضهم - [1] أو في خصوص الراكب ، كما قيل [2]. ولمن حج على طريق آخر تأخيرها الى أن يمشي قليلاً [3]. ولمن حج من مكة تأخيرها إلى الرقطاء [4] - كما قيل - أو الى أن يشرف على الأبطح [5]. لكن الظاهر - بعد عدم الإشكال في عدم


فقال له : مر أصحابك .. » إلى آخر ما تقدم. لكن في الحدائق : أنه مسند ، كما تقدم (1).

[1] حكي ذلك عن الشيخ ، وبني حمزة والبراج وسعيد.

[2] حكي عن الشيخ ، وابن سعيد.

[3] حكي عن المبسوط ، والتحرير ، والمنتهى ، والمسالك.

[4] عن هداية الصدوق : استحباب التأخير إلى الرقطاء مطلقاً. وعن السرائر والنهاية والجامع والوسيلة والمنتهى والتذكرة : استحباب تلبية المحرم من مكة من موضعه إن كان ماشياً. وإذا نهض به بعيره إن كان راكباً.

[5] كما في الشرائع والقواعد وغيرهما ، بل في الجواهر : « صرح به غير واحد من المتقدمين والمتأخرين ». وفي حسن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا انتهيت الى الردم ، وأشرفت على الأبطح ، فارفع صوتك بالتلبية » (2).


1) الوسائل باب : 37 من أبواب الإحرام ملحق حديث : 1. وقد تقدم ذلك قريباً فلاحظ‌

2) الوسائل باب : 46 من أبواب الإحرام حديث : 4.

وجوب مقارنتها للنية ولبس الثوبين - استحباب التعجيل بها مطلقاً ، وكون أفضلية التأخير بالنسبة إلى الجهر بها [1].


[1] أقول : الروايات الواردة في الباب لا تخلو من إشكال واختلاف ففي صحيح معاوية بن وهب قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام. فقال : في مسجد الشجرة ، فقد صلى فيه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله). وقد ترى أناساً يحرمون ، فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء - حيث الميل - فتحرمون كما أنتم في محاملكم ، تقول : لبيك اللّهم لبيك .. » (1)، وصحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء ، حيث يقول الناس : يخسف بالجيش » (2)، وصحيح عبد اللّه بن سنان قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء » (3)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : صل المكتوبة ، ثمَّ أحرم بالحج أو بالمتعة ، وأخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء إلى أول ميل عن يسارك. فاذا استوت بك الأرض - راكباً كنت أو ماشياً - فلب » (4). وفي صحيح البزنطي : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) ، كيف أصنع إذا أردت الإحرام؟ قال : اعقد الإحرام في دبر الفريضة ، حتى إذا استوت بك البيداء فلب. قلت : أرأيت إذا كنت محرما من طريق العراق؟ قال : لب إذا استوى بك بعيرك » (5)


1) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 3.

2) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 4.

3) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 5.

4) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 6.

5) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 7.


وفي صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إن أحرمت من غمرة ومن بريد البعث صليت ، وقلت كما يقول المحرم في دبر صلاتك وإن شئت لبيت من موضعك ، والفضل أن تمشي قليلاً ثمَّ تلبي » (1). وفي صحيح الفضلاء ، حفص بن البختري ، ومعاوية بن عمار ، وعبد الرحمن ابن الحجاج ، والحلبي ، كلهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا صليت في مسجد الشجرة فقل - وأنت قاعد - في دبر الصلاة - قبل أن تقوم - ما يقول المحرم ، ثمَّ قم فامش حتى تبلغ الميل وتستوي بك البيداء ، فاذا استوت بك فلبه » (2). وفي صحيح الفضلاء - أيضاً - عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وإذا أهللت من المسجد الحرام للحج ، فإن شئت لبيت خلف المقام. وأفضل من ذلك أن تمضي حتى تأتي الرقطاء وتلبي ، قبل أن تصير إلى الأبطح » (3). وفي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إن كنت ماشياً فاجهر بإهلالك وتلبيتك من المسجد ، وإن كنت راكباً فاذا علت بك راحلتك البيداء » (4). وفي صحيحه - أيضاً - عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة ، ثمَّ صل خلف المقام ، ثمَّ أهل بالحج. فان كنت ماشياً فلب عند المقام ، وان كنت راكباً فاذا نهض بك بعيرك » (5). وفي موثق أبي بصير : « ثمَّ تلبي من المسجد الحرام كما لبيت حين أحرمت » (6).


1) الوسائل باب : 35 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 35 من أبواب الإحرام حديث : 3.

3) الوسائل باب : 46 من أبواب الإحرام حديث : 1.

4) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 1.

5) الوسائل باب : 46 من أبواب الإحرام حديث : 2.

6) الوسائل باب : 46 من أبواب الإحرام حديث : 3.


وفي خبر زرارة : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : متى ألبي بالحج؟ فقال : إذا خرجت إلى منى .. ثمَّ قال : إذا جعلت شعب الدب على يمينك والعقبة على يسارك فلب بالحج » (1). وفي خبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال : « سألته عن الإحرام عند الشجرة هل يحل لمن أحرم عندها أن لا يلبي حتى يعلو البيداء؟ قال : لا يلبي حتى يأتي البيداء ، عند أول ميل. فأما عند الشجرة فلا تجوز التلبية » (2)وفي مصحح إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « قلت له : إذا أحرم الرجل في دبر المكتوبة ، أيلبي حين ينهض به بعيره أو جالساً في دبر الصلاة؟ قال : أي ذلك شاء صنع » (3). ونحوها غيرها. وهي - كما ترى - تختلف مضامينها من حيث المنع من الإحرام في مسجد الشجرة - كما في صحيح معاوية بن وهب - أو المنع من التلبية فيه - كما في خبر ابن جعفر - أو الأمر بتأخير التلبية عن الميقات - كما في أكثرها - أو التفصيل في الجهر بالتلبية بين الماشي ، فيجهر من المسجد ، والراكب فيجهر في البيداء - كما في صحيح عمر بن يزيد - أو التخيير بين المبادرة إلى التلبية في دبر الصلاة وتأخيرها إلى أن ينهض به بعيره ، كما في مصحح إسحاق. ونحوه صحيح هشام بن الحكم ، فيمن أحرم من غمرة.

أقول : أما ما دل على تأخير الإحرام عن مسجد الشجرة فلا مجال للأخذ به. ضرورة وجوب الإحرام من الميقات ، وأنه موضع الإحرام لا موضع التهيؤ للإحرام. مع أنه لم يعرف قائل به. ومعارض بالنصوص


1) الوسائل باب : 36 من أبواب الإحرام حديث : 5.

2) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 8.

3) الوسائل باب : 35 من أبواب الإحرام حديث : 4.


الباقية ، الظاهرة في وقوع الإحرام في الميقات. فما في الحدائق من الميل اليه ، وما في كشف اللثام من احتماله تأخير نية الإحرام إلى البيداء ، ضعيف.

وأما ما تضمن الأمر بتأخير التلبية ، فيعارضه في الماشي صحيح عمر ابن يزيد المتقدم في استحباب الإكثار منها (1)، ومطلقاً مصحح إسحاق ابن عمار (2)، وخبر عبد اللّه بن سنان : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال : نعم ، إنما لبى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) في البيداء ، لأن الناس لم يعرفوا التلبية فأحب أن يعلمهم كيف التلبية » (3). وعليه فلا ينبغي التأمل في جوازها في الميقات. نعم يبقى الإشكال في جواز تأخيرها - بناء على أنها شرط في صحة الإحرام - فتأخيرها تأخير للإحرام عن الميقات ، مع أنه لا يجوز تأخيره عن الميقات. ولأجل ذلك يشكل التفصيل بين الراكب فيؤخر التلبية والماشي فيبادر إليها - كما عن الشيخ لصحيح عمر بن يزيد ، ويكون شاهد جمع بين النصوص - فان المحذور المذكور لا يفرق فيه بينهما ويلزم الوقوع في المحذور في الراكب. مضافاً إلى أن الصحيح ظاهر في التفصيل بالإجهار بالتلبية ، لا في أصل التلبية ، وأن روايات التأخير قد نص بعضها على عدم الفرق بين الماشي والراكب.

وحينئذ يكون التخلص عن المحذور المذكور دائراً بين أمور : الأول : حمل روايات التأخير على تأخير الجهر ، إما مطلقاً - كما عن الصدوق في الفقيه والهداية ، وابن إدريس ، والمنتهى والتذكرة ، واختاره في المتن -


1) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 3.

2) تقدم ذلك قريباً. فلاحظ.

3) الوسائل باب : 35 من أبواب الإحرام حديث : 2.

فالأفضل أن يأتي بها حين النية ولبس الثوبين سراً ، ويؤخر الجهر بها الى المواضع المذكورة. والبيداء : أرض مخصوصة بين مكة والمدينة ، على ميل من ذي الحليفة نحو مكة [1].


أو لخصوص الراكب - كما في الشرائع والقواعد وعن غيرهما - وأما الماشي فيجهر بها في الميقات. الثاني : البناء على صحة الإحرام بلا تلبية ، فيكون الإحرام من الميقات لكن بلا تلبية ، فلا يلزم المحذور المتقدم. الثالث : حمل روايات تأخير التلبية على التلبية المستحبة والإكثار منها. وهذا هو الأقرب ، فإن الروايات واردة في التلبية في فرض حصول الإحرام ، فلا تعرض فيها للتلبية التي بها قوام الإحرام. وقد عرفت : أن الوجه الثاني خلاف المرتكزات الشرعية. والأول بعيد جداً عن ظاهر النصوص ، فإنها كالصريحة في أصل التلبية ، لا الإجهار بها.

وبالجملة : الأقرب - في وجوب التخلص من المحذور - حمل الروايات على استحباب تأخير التلبية المستحبة بعد عقد الإحرام بها ، لا التلبية التي بها عقد الإحرام. وأما وجه الجمع بين النصوص - بعد حملها على هذا المعنى - : فالأقرب هو الأخذ بإطلاق نصوص التأخير وحملها على كراهة التقديم ، جمعاً بينها وبين ما دل على جواز التقديم. والبناء على تأكد الكراهة في الراكب - ولا سيما مع الجهر - بشهادة صحيح عمر بن يزيد (1). هذا ما يقتضيه التأمل عاجلاً. واللّه سبحانه العالم العاصم الحاكم ، وهو حسبنا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

[1] كما عن السرائر ، والتحرير ، والتذكرة ، والمنتهى ، وغيرها.


1) الوسائل باب : 34 من أبواب الإحرام حديث : 1 وباب : 46 من أبواب الإحرام حديث : 2. وقد تقدم ذكر الروايتين قريباً. فلاحظ.

والأبطح مسيل وادي مكة [1] ، وهو مسيل واسع فيه دقائق الحصى ، أوله عند منقطع الشعب بين وادي منى ، وآخره متصل بالمقبرة التي تسمى بالعلى عند أهل مكة. والرقطاء : موضع دون الردم ، يسمى مدعى [2]. ومدعى الأقوام : مجتمع قبائلهم. والردم : حاجز يمنع السيل عن البيت [3] ، ويعبر عنه بالمدعى [4].

( مسألة 21 ) : المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة [5] في الزمن القديم. وحدها - لمن جاء


ويشهد به صحيح معاوية المتقدم.

[1] هذا إلى قوله (رحمه اللّه) : « والرقطاء » ذكره في مجمع البحرين. لكن عن ابن الأثير : تفسيره بمسيل وادي مكة ، مقتصراً عليه. وقوله : « هو مسيل واسع فيه دقائق الحصى » ذكره في القاموس تفسيراً للبطيحة والبطحاء والأبطح.

[2] على وزن سلمى : اسم مكان للدعوة.

[3] هذا إلى آخره ذكره في مجمع البحرين. وكأنه لا حظ فيه معناه في أصل اللغة ، ومنه قوله تعالى. ( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ) (1). لكن المذكور في القاموس : أنه موضع بمكة يضاف إلى بني جمح ، وهو لبني قراد ، كغراب.

[4] هذا ربما ينافي ما تقدم من تفسير الرقطاء - التي هي دون الردم - بالمدعى. اللّهم إلا أن يكون كل من الموضعين يسمى بالمدعى.

[5] ذكره الأصحاب ، وقيل : إنه إجماع ، ويشهد له النصوص.


1) الكهف : 95.


منها : مصحح معاوية بن عمار قال : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت الى بيوت مكة فاقطع التلبية. وحدّ بيوت مكة - التي كانت قبل اليوم - : « عقبة المدنيين ، فان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن ، فاقطع التلبية. وعليك بالتكبير ، والتحميد ، والتهليل ، والثناء على اللّه عز وجل ما استطعت » (1)، ومصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : المتمتع إذا نظر إلى بيوت مكة قطع التلبية » (2)، وصحيح البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : « أنه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال (عليه السلام) : إذا نظر الى عروش مكة ، عقبة ذي طوى. قلت : بيوت مكة؟ قال : نعم » (3). ونحوها غيرها.

نعم في موثق زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته أين يمسك المتمتع عن التلبية؟ فقال : إذا دخل البيوت بيوت مكة ، لا بيوت الأبطح » (4). لكنه مهجور. ونحوه خبر زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن تلبية المتعة متى تقطع؟ قال : حين يدخل الحرم » (5).

نعم يبقى الإشكال في الاختلاف فيما بين مصحح معاوية وصحيح البزنطي ، فإن التحديد في الأول بعقبة المدنيين ينافيه التحديد في الثاني بعقبة ذي طوى - بناء على أن الأولى غير الثانية - كما يظهر من الأصحاب. ولأجل


1) الوسائل باب : 43 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 43 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 43 من أبواب الإحرام حديث : 4.

4) الوسائل باب : 43 من أبواب الإحرام حديث : 7.

5) الوسائل باب : 43 من أبواب الإحرام حديث : 9.

على طريق المدينة - : عقبة المدنيين ، وهو مكان معروف. والمعتمر عمرة مفردة عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم [1] ، ، وعند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من


ذلك جمع بينهما ، بحمل الأول على من دخل مكة على طريق المدينة ، والثاني على من دخلها على طريق العراق. حكي ذلك عن السيد والشيخ وسلار. وعن الصدوقين : تخصيص الثاني بمن أخذ على طريق المدينة. وفي الروضة والمسالك : تخصيص الأول بمن دخلها من أعلاها ، والثاني بمن دخلها من أسفلها. وفي المختلف - بعد نقل المجمعين الأولين - « ولم نقف لأحدهم على دليل ».

أقول : عقبة المدنيين وعقبة ذي طوى إن اتحد المراد منهما فلا تعارض وإن اختلف فلا بد أن يكون ذلك لاختلاف الجهات. وحينئذ لا اختلاف بين النصوص ، لأن بيوت مكة من جهة : عقبة المدنيين ، ومن جهة أخرى : عقبة ذي طوى ، والوارد إلى مكة من جهة يكون قطعه عند النظر إلى بيوتها من تلك الجهة لا من الأخرى ، وحينئذ لا معارضة بين النصوص ولا منافاة. ومقتضى ما في الروضة والمسالك : أن عقبة ذي طوى تكون من جهة أسفل مكة ، كما حكي عن تهذيب الأسماء ولعل اختلاف الجماعة - 5 - مبني على اختلاف الأزمنة في تداول الطرق إلى مكة.

[1] كما عن المشهور فيه وفيما بعده. جمعاً بين صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في حديث : « ومن خرج من مكة يريد العمرة ثمَّ دخل معتمراً لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة » (1)ومصحح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من اعتمر من التنعيم


1) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 8.


فلا يقطع التلبية حتى ينظر الى المسجد (1). وبين خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - قال : « وإن كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم » (2)وصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من دخل مكة مفرداً للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإبل أخفافها في الحرم » (3)، وحسن مرازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الإبل أخفافها في الحرم » (4). ونحوها غيرها.

لكن في جملة من النصوص : أنه يقطع التلبية عند النظر إلى بيوت مكة. منها : موثق يونس بن يعقوب قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن الرجل يعتمر عمرة مفردة ، من أين يقطع التلبية؟ قال (عليه السلام) : إذا رأيت بيوت مكة - ذي طوى - فاقطع التلبية » (5). وفي خبر الفضيل ابن يسار قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت : دخلت بعمرة ، فأين أقطع التلبية؟ قال (عليه السلام) : حيال العقبة ، عقبة المدنيين. فقلت : أين عقبة المدنيين؟ قال : بحيال القصارين » (6)وصحيح البزنطي ، والمروي في قرب الاسناد قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية؟ قال : كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول : يقطع التلبية إذا نظر الى بيوت مكة » (7). ونحوها غيرها.


1) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 6.

2) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 1.

3) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 2.

4) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 6.

5) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 3.

6) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 11.

7) الوسائل باب : 45 من أبواب الإحرام حديث : 12.


وعن الصدوق (رحمه اللّه) : أنه جمع بينها بالتخيير. وحكاه في الشرائع قولا ، وفي النافع : أنه أشبه ، وفي كشف اللثام : أنه لا بد منه. ويشكل : بأن الصحيح الأول مختص بمن خرج من مكة للعمرة ، ولا معارض له في مورده إلا بالعموم اللازم تخصيصه. بل قيل : إن نصوص القطع بدخول الحرم لا تشمله ، لأن الخارج من مكة إحرامه من أدنى الحل ، فلا تمضي مدة يكون انتهاؤها بدخول الحرم ، فلا بد أن يختص بالبعيد الذي يقبل إلى مكة. بل خصوص البعيد الذي إحرامه من الميقات لا من أدنى الحل كما تقدم في المواقيت.

نعم يبقى الإشكال في وجه الجمع بين الطائفتين الأخريين. وعن ظاهر الشيخ في التهذيب والاستبصار : الجمع بينهما ، بحمل الأولى على من لم يجي‌ء من المدينة أو العراق ، وحمل الثانية على من جاء منهما. فان جاء من المدينة قطع عند عقبة المدنيين ، وإن جاء من العراق قطع عند ذي طوى ، وان جاء من غيرهما قطع عند دخول الحرم ، وإن خرج من مكة قطع عند رؤية الكعبة. ولا بأس به لو كانت الطائفة الثانية مختصة بخبري الفضيل ويونس - المذكور فيهما : عقبة المدنيين ، وذي طوى - عملا بالنصوص الخاصة في موردها ، وبالنصوص العامة في بقية الموارد.

لكن من جملة الطائفة الثانية : صحيح البزنطي ، الذي لم يذكر فيه طريق بعينه ، فيكون التعارض بينه وبين الطائفة الأولى مستحكماً. فيحتمل الجمع بينهما ، بحمل الثانية على تأكد المنع. ويحتمل الجمع بالتخصيص ، بناء على ما عرفت : من أن نصوص الدخول في الحرم مختصة بالمحرم من الميقات ، وصحيح البزنطي أعم منها ، فيخصص بها. لكن الظاهر أن نصوص النظر الى البيوت لا عامل بها. بل خبر الفضيل ظاهره القطع

مكة لإحرامها. والحاج - بأي نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة [1]. وظاهرهم : أن القطع في الموارد المذكورة على سبيل الوجوب [2] ، وهو الأحوط. وقد يقال بكونه مستحباً.


عند الوصول الى البيوت لا النظر إليها ، فيتعارضان. وكيف كان فإعراض الأصحاب عنها يوجب سقوطها عن الحجية.

[1] بلا خلاف ظاهر. ويشهد له النصوص المستفيضة. منها : صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال : « الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس » (1)، ومصحح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : قطع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) التلبية حين زاغت الشمس يوم عرفة. وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقطع التلبية إذا زاغت الشمس يوم عرفة » (2)، ومصححه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية عند زوال الشمس » (3). ونحوها غيرها.

[2] بل عن الخلاف والوسيلة : النص عليه ، بل عن الأول : الإجماع عليه ، وحكي عن علي بن بابويه. وفي المدارك : إنه حسن ، بل هو ظاهر الجميع ويقتضيه ظاهر النصوص ، فإن الأمر بالفعل بعد النهي عنه ، وان قلنا إنه ظاهر في الرخصة فيه ، كما أن النهي عن الشي‌ء بعد الأمر به ظاهر في الرخصة في تركه ، لكن ذلك في غير العبادة. أما فيها فظاهر النهي بعد الأمر نفي المشروعية ، وهو المراد من وجوب القطع في كلامهم ، لا الوجوب التكليفي.


1) الوسائل باب : 44 من أبواب الإحرام حديث : 1.

2) الوسائل باب : 44 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 44 من أبواب الإحرام حديث : 5.

( مسألة 22 ) : الظاهر أنه لا يلزم - في تكرار التلبية - أن يكون بالصورة المعتبرة في انعقاد الإحرام بل ولا بإحدى الصور المذكورة في الأخبار - بل يكفي أن يقول : « لبيك اللّهم لبيك » [1]. بل لا يبعد كفاية تكرار لفظ : ( لبيك ).

( مسألة 23 ) : إذا شك بعد الإتيان بالتلبية أنه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحة [2].

( مسألة 24 ) : إذا أتى بالنية ولبس الثوبين وشك في أنه أتى بالتلبية أيضاً حتى يجب عليه ترك المحرمات أو لا ، يبني على عدم الإتيان بها [3]. فيجوز له فعلها ولا كفارة عليه.

( مسألة 25 ) : إذا أتى بموجب للكفارة [4] وشك


[1] لإطلاق النصوص. بل يظهر ذلك بملاحظة التكرار في صحيح معاوية بن عمار المتقدم في المتن (1). وكفى بالإطلاق دليلا على ذلك وعلى ما بعده ، فضلا عن الصحيح.

[2] عملاً بقاعدة الصحة - المعبر عنها بقاعدة الفراغ في بعض الموارد - التي تشهد لها النصوص ، وبناء العقلاء ، كما أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث السابقة.

[3] لأصالة عدمه. فيجوز له فعل المحرمات ، لأن النصوص المتقدمة دلت على أن موضوع الجواز عدم التلبية.

[4] يعني : وقد أتى بالتلبية.


1) الوسائل باب : 40 من أبواب الإحرام حديث : 2. وقد تقدم ذلك في المسألة : 13 من هذا الفصل.

في أنه كان بعد التلبية حتى تجب عليه أو قبلها ، فان كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية مجهولاً لم تجب عليه الكفارة [1] وإن كان تاريخ إتيان الموجب مجهولاً ، فيحتمل أن يقال بوجوبها ، لأصالة التأخر [2]. لكن الأقوى عدمه ، لأن الأصل لا يثبت كونه بعد التلبية.

الثالث من واجبات الإحرام : لبس الثوبين [3]


[1] أما في الصورة الأولى فلأصالة البراءة الجارية بعد عدم جريان الأصل في مجهولي التاريخ - إما لعدم كونهما مجرى للأصل. أو للتعارض بين الأصلين على الخلاف - كما أشرنا إلى ذلك في بعض مباحث الخلل في الوضوء. وأما في الثانية فلأصالة عدم التلبية إلى حين فعل المحرم ، المقتضية لانتفاء الحرمة والكفارة ، كما عرفت في المسألة السابقة.

[2] يشير الى ما ذكره جماعة : من أصالة تأخر الحادث ، إذا شك في تقدمه وتأخره. والاشكال عليه ظاهر ، لأن التأخر حادث ، فلا يثبت بالأصل. وحينئذ يتعين الرجوع الى أصالة البراءة من وجوب الكفارة.

[3] قال في الذخيرة : « لا أعلم خلافاً في هذا الحكم بين الأصحاب بل قال في المنتهى : إنه لا نعلم خلافاً ». ونحوه كلام غيره. وعن التحرير : الإجماع عليه. ومستنده قيل : التأسي. وإشكاله ظاهر ، لأن فعله (صلی اللّه عليه وآله) أعم من الوجوب. وقيل : النصوص. مثل : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق ، أو إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الإحرام - إن شاء اللّه - فانتف إبطيك وقلم أظفارك ، وأطل عانتك ، وخذ من شاربك - ولا يضرك بأي ذلك


بدأت - ثمَّ استك ، واغتسل ، والبس ثوبيك. وليكن فراغك من ذلك .. » (1)ونحوه غيره.

وفي دلالتها تأمل ، لأنها واردة في مقام بيان الآداب. ولذلك قال في كشف اللثام : « وأما لبس الثوبين فان كان على وجوبه إجماع كان هو الدليل ، وإلا فالأخبار التي ظفرت بها لا تصلح مستنداً له ، مع أن الأصل العدم ».

وهل يختص وجوب لبسهما بالرجل أو يعم المرأة؟ فيه إشكال. وفي الجواهر : حكى الثاني عن بعض الفضلاء. وقوى العدم ، لعدم شمول النصوص لها. وقاعدة الاشتراك غير جارية هنا ، لمخالفتها لظاهر النص والفتوى .. وفيه : أن الفتاوى مطلقة ، ولم أقف على من قيد الوجوب بالرجل إلا البحراني في حدائقه. وأما النصوص - فان تمت دلالتها على الوجوب - فالخطاب فيها للرجل كغيرها من أدلة التكاليف التي كان البناء على التعدي فيها من الرجل إلى المرأة.

مع أن في بعض النصوص ما يظهر منه ثبوت الحكم فيها. ففي موثق يونس بن يعقوب قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض تريد الإحرام. قال : تغتسل ، وتستثفر ، وتحتشي بالكرسف ، وتلبس ثوباً دون ثياب إحرامها .. » (2)، وخبر زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سئل عن امرأة حاضت وهي تريد الإحرام فتطمث. قال : تغتسل ، وتحتشي ، بكرسف ، وتلبس ثياب الإحرام ، وتحرم » (3).


1) الوسائل باب : 15 من أبواب الإحرام حديث : 6.

2) الوسائل باب : 48 من أبواب الإحرام حديث : 2.

3) الوسائل باب : 48 من أبواب الإحرام حديث : 3.

بعد للتجرد عما يجب على المحرم اجتنابه [1] ، يتزر بأحدهما ، ويرتدي بالآخر. والأقوى عدم كون لبسهما شرطاً في تحقق الإحرام [2] ،


[1] لما سيأتي.

[2] حكي ذلك عن ظاهر الأصحاب. قال في الدروس : « وهل اللبس من شرائط الصحة حتى لو أحرم عارياً أو لابساً مخيطاً لم ينعقد؟؟نظر. وظاهر الأصحاب انعقاده ، حيث قالوا : لو أحرم وعليه قميص نزعه ولا يشقه ، ولو لبسه بعد الإحرام وجب شقه وإخراجه من تحته ، كما هو مروي ». وفي كشف اللثام : « قلت : كلامهم هذا قد يدل على عدم الانعقاد ، فان الشق والإخراج من تحت للتحرز عن ستر الرأس ، فلعلهم لم يوجبوه أولاً لعدم الانعقاد. نعم الأصل عدم اشتراط الانعقاد ».

أقول : الكلام تارة : في عدم اشتراط صحة الإحرام بلبس الثوبين ، وأخرى : في عدم اشتراطه بالتجرد عن لبس المخيط. وما ذكره الأصحاب إنما يرتبط بالثاني. فإن كان غرض الدروس الاستدلال به على الأول فهو كما ترى. وإن كان غرضه الاستدلال به على الثاني فهو في محله ، إذ لو كان التجرد من لبس المخيط شرطاً في صحة الإحرام لكان اللازم تجديد النية والتلبية ، وظاهر الأصحاب عدم الاحتياج إلى ذلك كظاهر النص. ففي صحيح معاوية بن عمار وغير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أحرم وعليه قميصه. فقال : ينزعه ولا يشقه. وإن كان لبسه بعد ما أحرم شقه وأخرجه مما يلي رجليه » (1)، وخبر عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « فيمن لبس قميصاً. فقال (عليه السلام) له : متى


1) الوسائل باب : 45 من أبواب تروك الإحرام حديث : 2.

بل كونه واجباً تعبدياً. والظاهر عدم اعتبار كيفية مخصوصة في لبسهما ، فيجوز الاتزار بأحدهما كيف شاء ، والارتداء بالآخر ، أو التوشح به ، أو غير ذلك من الهيئات [1].


لبست قميصك؟ أبعد ما لبيت أم قبل؟؟ قال : قبل أن ألبي. قال (عليه السلام) : فأخرجه من رأسك ، فإنه ليس عليك بدنة ، وليس عليك الحج من قابل أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه » (1).

ونحوه خبر خالد بن محمد الأصم (2). نعم في مصحح معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إن لبست ثوباً في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلب وأعد غسلك ، وإن لبست قميصاً فشقه وأخرجه من تحت قدميك » (3). لكن الظاهر منه اللبس بعد الإحرام ، ويكون مفاده الفرق بين القميص وغيره من الثياب التي لا يصلح للمحرم لبسها ، وهو على ظاهره غير معمول به. وسيأتي ما له نفع في المقام في المسألة الآتية. هذا كله في عدم اشتراط التجرد.

وأما عدم اشتراط لبس الثوبين ، فالعمدة فيه : صحيح معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية ، والاشعار ، والتقليد. فاذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم » (4). فإن إطلاقه يقتضي نفي شرطية لبس الثوبين كغيره مما يحتمل فيه الشرطية.

[1] الظاهر أنه لا إشكال في وجوب الاتزار بأحدهما ، ولكن


1) الوسائل باب : 45 من أبواب تروك الإحرام حديث : 3.

2) الوسائل باب : 45 من أبواب تروك الإحرام حديث : 4.

3) الوسائل باب : 45 من أبواب تروك الإحرام حديث : 5.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب أقسام الحج حديث : 20.

لكن الأحوط لبسهما على الطريق المألوف. ولذا الأحوط عدم عقد الإزار في عنقه [1].


اختلفت كلماتهم في الثاني ، ففي المنتهى والتذكرة : أنه يرتدي به. وعن الوسيلة : أنه يتوشح به. وهو - كما عن الأزهري وغيره - : أن يدخل طرفه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على عاتقه الأيسر ، كالتوشح بالسيف. وفي القواعد : « يأتزر بأحدهما ويتوشح بالآخر أو يرتدي به ». وحكي عن الشيخ والحلي والمسالك وغيرهم : التخيير المذكور. وفي كشف اللثام : « ولا يتعين عليه شي‌ء من الهيئتين. للأصل من غير معارض. بل يجوز التوشح بالعكس أيضاً ، أي : إدخال طرفه تحت الإبط الأيسر وإلقاؤه على الأيمن ». وفي الحدائق : قوة الأول. للتعبير بالرداء في جملة من النصوص. منها : صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وفيه : « لما نزل الشجرة - يعني : رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) - أمر الناس بنتف الإبط ، وحلق العانة ، والغسل ، والتجرد في إزار ورداء ، أو إزار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء » (1). وفي رواية محمد بن مسلم : « يلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء » (2). ونحوهما. لكن النصوص المذكورة ليس فيها إلا ذكر الرداء ، ولم تتعرض لكيفية لبسه. نعم النصوص المتضمنة للأمر بلبس الثوبين ظاهرة في لبس كل واحد منهما في محله. لكن عرفت المناقشة في ورودها مورد الوجوب. فتأمل.

[1] في موثق سعيد الأعرج : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يعقد إزاره في عنقه؟ قال (عليه السلام) : لا » (3). وفي خبر علي بن


1) الوسائل باب : 2 من أبواب أقسام الحج حديث : 15.

2) الوسائل باب : 44 من أبواب تروك الإحرام حديث : 7.

3) الوسائل باب : 53 من أبواب تروك الإحرام حديث : 1.

بل عدم عقده مطلقاً ولو بعضه ببعض ، وعدم غرزه بإبرة ونحوها [1]. وكذا في الرداء الأحوط عدم عقده [2]. لكن الأقوى جواز ذلك كله في كل منهما [3] ، ما لم يخرج عن


جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) : « المحرم لا يصلح له أن يعقد إزاره على رقبته. ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده » (1). وظاهرهما المنع ، وإن كان ظهور الثاني محل تأمل.

[1] في مكاتبة محمد بن عبد اللّه ابن جعفر (عليه السلام) إلى صاحب الزمان (عليه السلام) المروية في الاحتجاج : « أنه كتب إليه يسأله عن المحرم ، يجوز أن يشد الميزر من خلفه على عنقه [ عقبة خ ل ] .. ( إلى آخر ما ذكر في السؤال ). فأجاب (عليه السلام) : جائز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثاً بمقراض ، ولا إبرة تخرجه به عن حد الميزر وغرزه غرزاً ولم يعقده ولم يشد بعضه ببعض ، وإذا غطى سرته .. ( إلى أن قال ) : والأفضل لكل أحد شده على السبيل المألوفة المعروفة للناس جميعاً » (2).

[2] فعن العلامة والشهيد في الدروس وغيرهما : عدم الجواز. ويستدل له بموثق الأعرج المتقدم ، بناء على أن المراد بالإزار الرداء بقرينة السؤال ، لأنه هو الذي يعقد في العنق. ولذا خص الجماعة المنع فيه ، وفي الدروس صرح بجواز عقد الإزار.

[3] فان موثق الأعرج غير ظاهر في المنع ، لاحتمال كون السؤال فيه عن وجوب العقد - لمناسبة الستر الذي هو أقرب إلى مقام العبادة والتواضع - فيكون النفي في الجواب بنفي الوجوب. لا كون السؤال فيه عن الجواز ،


1) الوسائل باب : 53 من أبواب تروك الإحرام حديث : 5.

2) الوسائل باب : 53 من أبواب تروك الإحرام حديث : 3.

كونه رداءً أو أزراراً. ويكفي فيهما المسمى [1]. وإن كان الاولى - بل الأحوط أيضاً - كون الإزار مما يستر السرة والركبة والرداء مما يستر المنكبين [2]. والأحوط عدم الاكتفاء بثوب طويل يتزر ببعضه ويرتدي بالباقي [3] ، إلا في حال الضرورة والأحوط كون اللبس قبل النية والتلبية [4] ،


ليكون النفي لنفي الجواز. وأما خبر ابن جعفر (عليه السلام) فضعيف السند. مضافاً إلى ضعف الدلالة. وكذا المكاتبة ، لعدم ذكر السند في كتاب الاحتجاج. مع قرب احتمال أن يكون المراد من العقد فيها العقد المخرج عن كونه إزاراً. فلاحظ.

[1] للأصل. وإطلاق النص. لكن الإطلاق قد عرفت الاشكال فيه ، فالعمدة : الأصل.

[2] المعروف بينهم : أنه يعتبر في الإزار ستر ما بين السرة والركبة وفي الرداء ستر ما بين المنكبين ، وعن الرياض : نفي الاشكال عن ذلك. لكنه لا دليل عليه ، واللازم الرجوع فيه الى العرف ، كما صرح به غير واحد ، منهم : السيد في المدارك ، والشيخ في الجواهر. وفي صدق الرداء على ما يستر المنكبين فقط إشكال ، بل الظاهر وجوب ستر أكثر من ذلك.

[3] قال في الدروس : « ولو كان الثوب طويلاً فأتزر ببعضه وأرتدى بالباقي أو توشح أجزأ ». وعليه فالاثنينية - في النص والفتوى - لا اعتبار لها. وفي الجواهر : « لا يخلو من وجه ». ولكنه غير ظاهر.

[4] كما صرح به غير واحد. ويقتضيه الأمر بذلك في النصوص ، حيث ذكر فيها في سياق مقدمات الإحرام. وفي الجواهر : جعله ظاهر النص والفتوى. لكن من المعلوم أن الواجب وقوع ذلك حال التلبية التي

فلو قدمهما عليه أعادهما بعده [1]. والأحوط ملاحظة النية في اللبس [2]. وأما التجرد فلا يعتبر فيه النية [3] ، وإن كان الأحوط والاولى اعتبارها فيه أيضاً.

( مسألة 26 ) : لو أحرم في قميص [4] عالماً عامداً أعاد. لا لشرطية لبس الثوبين [5] ، لمنعها - كما عرفت - بل لأنه مناف للنية ، حيث أنه يعتبر فيها العزم على ترك المحرمات التي منها لبس المخيط [6]. وعلى هذا فلو لبسهما فوق القميص أو تحته كان الأمر كذلك أيضاً ، لأنه مثله في


بها يكون عقد الإحرام ، ولا يجب قبلها ولو حال النية. للأصل. والنصوص لا تفي بالوجوب قبل ذلك ، لما عرفت من الاشكال فيها.

[1] هذا ينافي ما تقدم منه ، من عدم كون اللبس شرطاً في صحة الإحرام ، ومقتضاه الإثم وعدم وجوب الإعادة.

[2] لأن الظاهر كونه من العبادات - كالتلبية - حسب مرتكزات المتشرعة

[3] فإنه - كغيره من تروك الإحرام - ليس من العبادة التي يعتبر فيها التقرب.

[4] يعني : أحرم في القميص بدون لبس ثوبين.

[5] يعني : وهو مفقود.

[6] فيه : أن منافاة اللبس حال الإحرام للنية وان كان يقتضي البطلان لفوات النية ، لكن عرفت : أن مقتضى صحيح معاوية السابق الصحة (1). وكذا مقتضى فتوى الأصحاب ، كما أشرنا إلى ذلك في توجيه كلام الدروس.


1) الوسائل باب : 45 من أبواب تروك الإحرام حديث : 2 وقد تقدم في المسألة السابقة.

المنافاة للنية. إلا أن يمنع كون الإحرام هو العزم على ترك المحرمات [1] ، بل هو البناء على تحريمها على نفسه [2] ، فلا تجب الإعادة حينئذ. هذا ولو أحرم في القميص جاهلاً - بل أو ناسياً أيضاً - نزعه وصح إحرامه [3] ، أما إذا لبسه


وحينئذ لا بد من الخروج عن القاعدة المذكورة ، بأن يلتزم بأن المحرم هو اللبس بعد الإحرام لا حاله ، فلا يكون لبس القميص حال الإحرام منافياً لنية الإحرام. ولذلك صح الإحرام حينئذ ووجب نزع الثوب.

نعم مقتضى إطلاق الصحيح - كإطلاق الفتوى - عدم الفرق بين العلم والجهل بالموضوع والحكم ، والنسيان للحكم والموضوع. لكن ظاهر ما في خبر خالد بن محمد الأصم ، من التعليل بقوله (عليه السلام) : « أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه » (1). الاختصاص بحال الجهل ، فلا يشمل حال العلم بالموضوع والحكم. وحينئذ يتعين تخصيص صحيح معاوية به ، فيحمل على حال الجهل لا غيره ، ويرجع الى القاعدة في البناء على البطلان في حال العلم. لكن الخبر ضعيف السند ، ومخالف لإطلاق الفتوى - كما عرفت حكايتها في الدروس - فالاعتماد عليه في تقييد الصحيح غير واضح. ولا بد من مراجعة كلماتهم ، ليتضح اعتمادهم على الخبر في تقييد الصحيح وإهمالهم إياه.

[1] كأنه يريد أن نية الإحرام هو العزم ، لا أنه نفس الإحرام.

[2] قد عرفت أن ذلك هو التحقيق. وهذا البناء عبارة عن الالتزام النفساني بترك المحرمات. والظاهر المنافاة بينه وبين لبس القميص ، فلا فرق بينه وبين العزم في المنافاة.

[3] تقدم ما يتعلق بذلك.


1) الوسائل باب : 45 من أبواب تروك الإحرام حديث : 4. وقد تقدم ذلك في المسألة السابقة.

بعد الإحرام فاللازم شقه وإخراجه من تحت. والفرق بين الصورتين من حيث النزع والشق تعبد ، لا لكون الإحرام باطلاً في الصورة الأولى ، كما قد قيل [1].

( مسألة 27 ) : لا يجب استدامة لبس الثوبين ، بل يجوز تبديلهما ونزعهما لازالة الوسخ أو للتطهير [2]. بل الظاهر جواز التجرد منهما [3] ، مع الأمن من الناظر. أو كون العورة مستورة بشي‌ء آخر.

( مسألة 28 ) : لا بأس بالزيادة على الثوبين - في ابتداء الإحرام وفي الأثناء - للاتقاء عن البرد والحر [4].


[1] يشير به إلى ما تقدم من كاشف اللثام.

[2] كما صرح به جماعة منهم السيد في المدارك. بل ذكر : أنه مقطوع به عند الأصحاب. ويقتضيه الأصل ، بعد عدم الدليل على وجوب الاستمرار. وفي رواية الشحام : « عن امرأة حاضت وهي تريد الإحرام فطمثت ، فقال (عليه السلام) : تغتسل ، وتحتشي بكرسف ، وتلبس ثياب الإحرام وتحرم. فاذا كان الليل خلعتها ولبست ثيابها الأخر حتى تطهر » (1).

[3] كل ذلك للأصل.

[4] بلا خلاف فيه ، كما عن المفاتيح وشرحه. ففي مصحح الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يتردى بالثوبين؟ قال : نعم والثلاثة إن شاء ، يتقي بها البرد والحر » (2)وفي مصحح معاوية بن عمار


1) الوسائل باب : 48 من أبواب الإحرام حديث : 2.

2) الوسائل باب : 30 من أبواب الإحرام حديث : 1‌

بل ولو اختياراً [1].

( قد تمَّ كتاب الحج بعون اللّه. وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين )


عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي أحرم فيها. قال (عليه السلام) : لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة » (1).

[1] كما يقتضيه المصحح الثاني. مضافاً الى الأصل. وقد يتوهم - من اقتصار جماعة على ما في مضمون المصحح الأول - : عدم جواز الزيادة اختياراً. لكنه بعيد ، مخالف للأصل والنص. واللّه سبحانه ولي التوفيق ، وهو حسبنا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

إلى هنا انتهى ما أردنا شرحه من كتاب العروة الوثقى من مباحث الحج ، في جوار الحضرة العلوية المشرفة ، عند غروب اليوم السابع من شهر شعبان ، سنة ألف وثلاثمائة وخمس وسبعين هجرية. والحمد لله تعالى كما هو أهله ، والصلاة والسلام على رسوله الأكرم وآله الطاهرين.


1) الوسائل باب : 30 من أبواب الإحرام حديث : 2‌

فهرست الجزء الحادي عشر من مستمسك العروة الوثقى

( فصل في النيابة )

3 تشرع النيابة في الحج المندوب والواجب في الجملة

3 يشترط في النائب أمور ( الأول ) البلوغ على كلام

4 الكلام في معنى قولهم : عبادات الصبي تمرينية ، وهل ينافي ذلك صحة نيابته؟

6 ( الثاني ) : العقل ، ولا مانع من نيابة السفيه

7 ( الثالث ) : الايمان على كلام

7 ( الرابع ) : العدالة أو الوثوق بصحة عمله على كلام

8 ( الخامس ) : معرفته بأفعال الحج وأحكامه على كلام

8 ( السادس ) : عدم اشتغال ذمته بحج واجب عليه في ذلك العام على كلام

10 تصح نيابة المملوك بإذن مولاه ويبطل حجه بدون إذنه

11 يشترط في المنوب عنه الاسلام على كلام

11 لا تصح النيابة عن الحي في الحج الواجب إلا مع عجزه عنه ، وتصح عنه في المندوب وعن الميت مطلقا

12 النيابة عن المجنون والصبي المميز

13 لا تعتبر المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأنوثة

14 الكلام في استنابة المرأة الصرورة ، بل مطلق الصرورة

16 يعتبر في النيابة قصدها وتعيين المنوب عنه ولو إجمالا. ولا يجب ذكر اسمه بل يستحب

17 تصح النيابة بالإجارة والتبرع والجعالة

17 لا تفرغ ذمة المنوب عنه بمجرد الإجارة ، بل باتيان النائب بالعمل صحيحا ، مع التعرض إلى ما دل من

الاخبار على ضمان النائب للحج

19 لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال ، وحكم تبرعه

19 إذا مات النائب قبل الاتيان بالمناسك أو بعد الاحرام قبل دخول الحرم أو بعده

24 حكم موت النائب في الطريق من حيث استحقاقه الأجرة

28 تحقيق حال الطريق من حيث كونه دخيلا في الأجرة على الحج

31 تحقيق حال توزيع الأجرة على أبعاض العمل المستأجر عليه

33 الاستحقاق من جهة الغرور

34 الكلام في وجوب تعيين نوع الحج المستأجر عليه ، وانه لا يجوز للمؤجر العدول عما عين له إلا برضى المستأجر

37 العدول من المفضول إلى الأفضل

42 حكم الأجرة لو عدل عن الطريق المعين

43 صور تعدد الإجارة للحج في سنة واحدة

47 إذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لا يجوز له التقديم ولا التأخير ، وحكم ما لو خالف

49 إذا آجر نفسه للحج مرتين فهل يمكن تصحيح الإجارة الثانية بإجازة المستأجر الأول؟ مع التعرض إلى صور الإجارة

54 إذا صد الأجير أو أحصر

56 إذا أتى النائب بما يوجب الكفارة فهو من ماله

56 إطلاق الإجارة يقتضي التعجيل

57 إذا قصرت الأجرة لا يجب على المستأجر إتمامها وإذا زادت لا يجب رد الزائد

58 إذا أفسد الأجير حجه بالجماع قبل المشعر يجب عليه إتمامه والحج من قابل وكفارة بدنة. مع الكلام في استحقاق الأجرة على الحج الأول ، والكلام في أن الواجب بالأصل هل هو الأول والثاني عقوبة أو الثاني؟

66 يملك الأجير الأجرة بمجرد العقد ، لكن لا يجب تسليمها إلا بعد العمل ، فلو سلمها الوصي أو الوكيل بدون

39 لا يجب تعيين الطريق ، لكن لو عين تعين ، مع الكلام في صحيحة حريز

إذن الأصيل ضمن

68 إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة

69 لا يجوز استيجار من ضاق وقته عن التمتع وكان فرضه العدول الى الافراد عمن زظيفته التمتع. وحكم استئجار من يسعه الوقت ثم ضاق

70 يجوز التبرع عن الميت في الحج الواجب والمندوب ، ولا يجوز التبرع عن الحي في الواجب إلا مع العذر ، ويجوز التبرع عنه في المندوب مطلقا

73 لا تجوز النيابة عن أكثر من واحد في الحج الواجب ، ويجوز في المندوب ، كما يجوز فيه بعنوان إهداء الثواب

74 تجوز نيابة جماعة في الحج عن واحد في عام واحد

76 إذا أوصى بالحج فان علم بكونه واجبا خرج من الأصل ، وإن علم بكونه مندوبا خرج من الثلث ، وحكم ما لو جهل الحال

82 لو علم بوجوب الحج عليه وشك في أدائه في حياته

83 تكفي الميقاتية مع إطلاق الوصية بالحج

83 إذا لم يعين أجرة فاللازم الاقتصار على أقل الممكن

85 إذا تبرع متبرع عن الميت كفى عن الموصى به

86 هل يجب في أجرة المثل ملاحظة شرف الميت

86 إطلاق الحج يقتضي الاكتفاء بالمرة إلا مع العلم بإرادة التكرار. مع التعرض إلى الاخبار المنافية لذلك

[ فصل في الوصية بالحج ]

89 الكلام فيما لو أوصى بصرف مقدار معين في الحج في سنين متعددة وعين لكل سنة مقدار أو اتفق عدم كفاية ذلك المقدار في كل سنة ، مع الكلام في حكم الفاضل عن الحج من المال الموصى به

94 إذا أوصى بالحج وعين الأجرة بمقدار خاص

95 إذا أوصى بالحج وعين أجيرا معينا

95 إذا عين للحج مقدارا لا يرغب فيه أحد بطلت الوصية بالحج مع كونه

مستحبا ، وحينئذ فهل يرجع المال ميراثا ، أو يصرف في وجوه البر؟

100 حكم ما إذا صالحه على مال وشرط أن يحج عنه بعد وفاته ، وحكم ما لو تخلف الشرط المذكور

104 لو أوصى أن يحج عنه ماشيا أو حافيا صح. وحكم ما لو نذر أن يحج ماشيا أو حافيا فمات قبل الأداء

105 إذا أوصى بحجتين وادعى وجوبهما عليه صدق وخرجا من الأصل

106 إذا مات الوصي بعد أن قبض أجرة الحج الموصى به وشك في استئجار له

108 إذا قبض الوصي الأجرة وتلفت في يده من غير تقصير لم يضمن ووجب الاستئجار من بقية المال ، وكذا إذا مات الأجير قبل الأداء ولم يمكن استرجاع الأجرة من تركته

108 إذا أوصى بمال خاص في الحج واحتمل زيادته عن الثلث فهل يعمل بالوصية ولو أخبر بعدم زيادته عن الثلث أو بإجازة الوارث فهل يقبل خبره؟

109 الطواف مستحب مستقل تجوز النيابة

فيه عن الميت ، وعن الحي مع غيبته أو عجزه عن مباشرته له ، ولو كان حاضرا متمكنا من المباشرة له لم تصح النيابة عنه فيه

114 غير الطواف من أفعال الحج لم تثبت مشروعيته مستقلا ، مع الكلام في السعي

114 من كان عنده وديعة فمات صاحبها وعليه حجة الاسلام موجب عليه الحج عنه بها إذا علم بعدم قيام الوارث بذلك ، وحكم ما لو ظن بعدم قيام الوارث به. وهل يجب في ذلك استئذان الحاكم الشرعي؟

117 هل يلحق بحجة الاسلام غيرها من الواجبات؟ وهل يلحق بالوديعة غيرها من أموال الميت التي عند غيره كالعارية؟

123 يجوز للنائب بعد الفراغ عما استنيب فيه أن يطوف أو يعتمر عن نفسه وغيره

124 هل يجوز لمن أعطي مالا للحج أن يحج بنفسه ، أو يجب عليه استئجار غيره؟

[ فصل في الحج المندوب ]

126 يستحب الاتيان بالحج مهما أمكن

حتى للصبي ، ويكره تركه خمس سنين متوالية

127 يستحب نية العود عند الخروج من مكة ويكره نية عدمه

128 يستحب التبرع بالحج وبالطواف عن الأرحام والمعصومين (عليهم السلام) وغيرهم

129 يستحب الاستقراض للحج مع الوثوق بالوفاء

129 يستحب إحجاج من لا يستطيع

129 يجوز إعطاء الزكاة للفقير ليستطيع بها

130 الحج أفضل من الصدقة بنفقته

130 يستحب التوسع في نفقة الحج

130 يجوز الحج بالمال المشتبه كجوائز الظلمة

131 لا يجوز الحج بالمال الحرام وقد يصح في بعض الصور

131 يشترط في الحج الندبي اذن الزوج والمولى والأبوين في بعض الصور كما يجب أن لا يكون عليه حج واجب مضيق

131 يصح إهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ منه وإن لم يكن ذلك من نيته من أول الامر

131 يستحب لمن لا مال له أن يحج ولو بإجارة نفسه عن غيره

[ فصل في أقسام العمرة ]

132 تجب العمرة في العمر مرة بشرائط الحج

132 وجوب العمرة فوري لا يشترط فيه الاستطاعة للحج

136 تجزي عمرة التمتع عن العمرة المفردة

136 هل تجب العمرة على من وظيفته حج التمتع إذا استطاع لها دون الحج؟

140 تجب العمرة عرضا بنذر ونحوه وبالافساد

141 لا يجوز لا حد دخول مكة إلا معتمرا إلا من يتكرر دخوله ، كالخطاب والحشاش

142 تستحب العمرة لغير من سبق ويستحب تكرارها كالحج

144 الكلام في اعتبار الفصل بين العمرتين وفي مقداره على تقدير القول باعتباره

[ فصل في أقسام الحج ]

147 الحج ثلاثة أقسام : تمتع وقران وإفراد والأول فرض من كان بعيدا عن

مكة ، والاخران فرض الحاضر

149 حد البعد الموجب للتمتع

158 من كان منزله على نفس الحد

159 من شك في كون منزله في الحد أو خارجه

161 ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى حجة الاسلام ، أما في غيرها من الحج المندوب والواجب فيجزي كل من الأقسام الثلاثة مطلقا ، والأفضل اختيار التمتع

163 حكم من كان له وطنان أحد هما في الحد والاخر خارجه

164 حكم من كان من أهل مكة وخرج منها إلى بعض الأمصار ثم رجع إليها

168 حكم الآفاقي المقيم بمكة

174 حكم الافاقي المتوطن في مكة

175 استطاعة المقيم هل هي كاستطاعة أهل مكة أو كاستطاعة النائي عنها؟

177 حكم المكي المقيم بعيدا عن مكة

178 المقيم إذا وجب عليه التمتع وجب عليه الخروج إلى الميقات لاحرام عمرة التمتع. مع الكلام في ميقاته حينئذ

184 كما يلزم الخروج إلى الميقات المذكور إذا وجب حج المتمتع على المقيم كذلك يلزم إذا أراد الاتيان به استحبابا. مع الكلام في ميقات أهل مكة إذا أرادوا التمتع استحبابا

184 مع تعذر الخروج إلى الميقات المذكور يكفي الرجوع إلى أدنى الحل ، ولو تعذر أيضا أحرم من موضعه

[ فصل في صورة حج التمتع ]

185 صور إجمالية لحج التمتع

188 يشترط في حج التمتع أمور : ( أحدها ) : النية ، ولابد فيها من قصده عند إحرام العمرة

190 يستحب لمن أتى بعمرة مفردة في أشهر الحج أن يتمتع بها ، مع الكلام في نصوص ذلك

195 ( الثاني ) : أن يكون مجموع عمرته وحجه في أشهر الحج ، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة

198 من أتى بعمرة التمتع قبل أشهر الحج فهل تبطل أو تصح مفردة؟

199 ( الثالث ) : أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة

202 ( الرابع ) : أن يكون إحرام حجه من بطن مكة

204 أفضل مواضع الاحرام

205 لو تعذر الاحرام من مكة أحرم مما يتمكن

205 حكم من أحرم من غير مكة متعمدا أو جاهلا أو ناسيا

206 ( الخامس ) : قد يذكر من الشرائط أن يكون مجموع الحج والعمرة من واحد وعن واحد

208 هل يجوز الخروج من مكة بعد الاحلال من عمرة التمتع قبل الحج؟ وتفصيل الكلام في ذلك

217 يجوز الخروج من مكة بعد الاحلال من العمرة قبل الحج مع الحاجة إليه

218 لا فرق بين الحج الواجب والمستحب في الحكم المذكور

220 لا يجوز لمن وظيفته التمتع العدول إلى غيره إلا إذا ضاق وقته. مع الكلام في حد الضيق المسوغ لذلك

233 من علم ضيق الوقت عن حج التمتع قبل الدخول في عمرته هل يجوز له العدول إلى غيره؟

233 من دخل في عمرة التمتع مع سعة الا وقت ثم أخر الطواف والسعي متعمدا حتى ضاق الوقت فهل يجوز له العدول (ش)

235 حكم الحائض والنفساء إذا لم يطهرا حتى ضاق وقتهما عن الطواف وإكمال عمرة التمتع

243 إذا حدث الحيض في أثناء طواف عمرة التمتع أو بعده قبل صلاته

( فصل في المواقيت )

247 تعريف الميقات لغة وشرعا

249 المواضع التي يجوز الاحرام منها عشرة ( الأول ) : ذو الحليفة ، وهو لأهل المدينة ومن يمر عليها إلى مكة

250 الكلام في جواز الاحرام من غير مسجد الشجرة مما يحاذيه

252 ( تنبيه ) في تحقيق موضع ذي الحليفة (ش)

253 هل يجوز تأخير الاحرام اختيارا إلى الجحفة؟ ولا إشكال في جوازه مع الاضطرار

255 يجوز لأهل المدينة ومن أتاها العدول إلى ميقات آخر إذا عدلوا عن طريق ذي الحليفة

256 إحرام الحائض هل يكون من نفس المسجد أو من خارجة؟ وكذا الجنب

258 ( الثاني ) : العقيق. وهو لأهل نجد والعراق ومن يمر عليه من غيرهم

260 الكلام في حدود العقيق ، والموضع الذي يكون الاحرام منه في حال الاختيار أو الاضطرار

265 ( الثالث ) : الجحفة. وهي لأهل الشام ومن يمر على طريقهم

266 ( الرابع ) : يلملم. وهو لأهل اليمن

267 ( الخامس ) : قرن المنازل. وهو لأهل الطائف

268 ( السادس ) : مكة. وهي لاحرام حج التمتع

269 ( السابع ) : دويرة الأهل. وهي لمن كان منزله دون الميقات إلى مكة

270 محل إحرام أهل مكة ومن كان فرضه كفرضهم من المجاورين

272 هل الاحرام من دويرة الأهل للمذكورين عزيمة ، أو رخصة فيندب لهم الاحرام من أحد المواقيت الخمسة؟

272 ( الثامن ) : فخ وهو ميقات الصبيان في الجملة

274 ( التاسع ) : محاذاة أحد المواقيت الخمسة لمن لم يمر عليها

276 يجب الاحرام بمحاذاة أبعد المواقيت إلى مكة

277 تحقيق مفهوم المحاذاة. وأن المعتبر في وجوب الاحرام بالمحاذاة القرب من الميقات في الجملة

278 حكم الشك في تحقق المحاذاة

280 من أحرم من موضع ثم تبين عدم محاذاته للميقات

281 ميقات من سلك طريق البحر

283 هل يتصور طريق لا يمر بأحد المواقيت ولا بمحاذيها؟ ولو وجد فاللازم لمن سلكه الاحرام من أدنى الحل.

284 ( العاشر ) : أدنى الحل. وهو لاحرام العمرة المفردة بعد حج القران ولافراد ، بل لكل عمرة مفردة على

كلام

286 حدود الحرم

289 المسافة بين المواقيت الخمسة ومكة

289 من سلك طريقا فميقاته ميقات أهل ذلك الطريق وإن كان مهل أرضه غيره

290 ما تحصل من مجموع الكلام في المواقيت

292 بعض الكلام في إحرام أهل مكة والمجاور بها

[ فصل في احكام المواقيت ]

295 لا يجوز الاحرام قبل الميقات ، ولا ينعقد إلا في مقامين ( الأول ) : إذا نذر الاحرام قبل الميقات. مع الكلام في توجيه انعقاد النذر مع عدم رجحان المنذور ذاتا

300 هل يلحق العهد واليمين بالنذر؟

301 لا يجب تجديد الاحرام عند المرور بالميقات مع الاحرام قبله بالنذر

302 يعتبر تعيين المكان المنذور منه الاحرام

302 لا فرق بين أقسام الاحرام في صحة نذره قبل الميقات. وفي نذر إحرام عمرة التمتع أن يكون في أشهر الحج

303 ( الثاني ) : إذا أراد إدراك عمرة رجب وخشي أن تفوته إذا أخر الاحرام إلى الميقات

305 لا يجوز تأخير الاحرام عن الميقات وحكم ما لو تجاوز الميقات بلا إحرام

309 حكم من عبر على الميقات وهو لا يريد النسك ولا دخول مكة مع الكلام في الاخبار الظاهرة في وجوب الاحرام لدخول الحرم

310 من عبر على الميقات بلا إحرام عالما عامدا وليس إمامة ميقات آخر ولا يستطيع الرجوع إلى الميقات

313 من عبر الميقات بلا احرام قاصدا العمرة المفردة هل يرجع إلى الميقات أو يحرم من أدنى الحل؟

314 حكم المريض العاجز عن نزع ثيابه عند الميقات

316 حكم من لا يستطيع إن شاء الاحرام عند الميقات كالمغمى عليه

318 إذا ترك الاحرام من الميقات ناسيا أو جاهلا بالحكم أو الموضوع

321 من جاوز الميقات محلا غير قاصد للنسك ولا لدخول مكة ثم بدا له ذلك

322 حكم المقيم بمكة إذا أراد حج التمتع

322 إذا ترك المتمتع الاحرام بمكة للحج نسيانا أو جهلا أو أحرم له من غير مكة عامدا أو ناسيا

324 لو نسي الاحرام حتى أتى بجميع الأعمال صح عمله

[ فصل في مقدمات الاحرام ]

326 يستحب قبل الشروع في الاحرام أمور ( الأول ) : توفير الشعر من أول ذي القعدة لاحرام الحج

329 يستحب توفير الشعر للعمرة شهرا

331 ( الثاني ) : قص الأظفار والاخذ من الشارب وإزالة شعر الإبط والعانة وإزالة الا وساخ من الجسد والاستياك

334 ( الثالث ) : الغسل للاحرام في الميقات ومع العذر عنه التيمم

335 حكم تقديم الغسل على الميقات

337 مقدار الفصل بين الغسل والاحرام

337 هل ينتقض الغسل بالحدث قبل الاحرام

340 إعادة الغسل لمن أتى بتروك الاحرام قبله في الجملة

341 تفصيل الكلام فيمن أحرم بغير غسل

345 الدعاء المأثور عند الغسل

347 ( الرابع ) : أن يكون الاحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة على تفصيل في ذلك

352 ( الخامس ) : صلاة ركعتين أو أربع أو ست. مع تحقيق ان استحبابها مطلق أو مختص بما إذا لم تكن هناك فريضة

357 يكره استعمال الحناء قبل الاحرام إذا كان يبقى أثره إلى ما بعده

[ فصل في كيفية الاحرام ]

358 حقيقة الاحرام

358 واجبات الاحرام ثلاثة ( الأول ) : النية

360 تجب النية من أول الشروع في الاحرام ولا تكفي في أثنائه

363 يعتبر تعيين الاحرام للحج باقسامه أو للعمرة. مع الكلام في صحة إيكال

التعيين إلى ما بعد الشروع في الاحرام

366 لا يعتبر نية الوجه ولا التلفظ ولا الاخطار

366 لا يعتبر في الاحرام استمرار العزم على ترك محرماته ، بل يعتبر العزم على تركها مستمرا

367 لو نسي المحرم ما عينه من حج أو عمرة

370 لا يصح الاحرام بنية الحج والعمرة معا على تفصيل

372 من نوى إحراما كاحرام فلان

374 لو نوى غير ما وجب عليه بطل

375 لو نوى غير ما نطق به وقع ما نوى

375 لو شك في أثناء نوع أنه نواه أو نوى غيره

375 يستحب التلفظ بالنية ، وكيفية التلفظ

378 يستحب أن يشترط عند إحرامه الاحلال إذا عرض له مانع من إتمام نسكه. مع الكلام في فائدة الاشتراط المذكور التلبيات الأربع. مع الكلام في صورتها

391 يلزم الاتيان بها على الوجه العربي مع الكلام فيما لو تعذر ذلك

395 لا ينعقد الاحرام إلا بالتلبية ، إلا إحرام حج القران فيتخير بينها وبين الاشعار أو التقليد. والاشعار مختص بالبدن ، والتقليد مشترك بينها وبين غيرها.

399 هل تجب التلبية على القارن لو عقد إحرامه بالاشعار أو التقليد؟

402 كيفية الاشعار والتقليد.

403 الكلام في وجوب مقارنة التلبية لنية الاحرام

405 لا تحرم محرمات الاحرام قبل عقده بالتلبية أو الاشعار أو التقليد

406 هل يتحقق الاحرام بمجرد النية قبل عقده بالتلبية أو الاشعار أو التقليد؟

407 من نسي التلبية حتى تجاوز الميقات

408 تجب التلبية مرة واحدة ويستحب الاكثار منها ولا سيما في مواضع ويستحب الجهر بها للرجال دون

386 لا يكفي نية الاشتراط ، بل يعتبر فيه التلفظ

386 ( الثاني ) : من واجبات الاحرام :

النساء

411 تحقيق الكلام فيما ذكره جماعة من استحباب تأخير التلبية في الجملة

417 المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة

419 المكان الذي يقطع منه المعتمر عمرة مفردة التلبية

422 الحاج يقطع التلبية عند الزوال من يوم عرفة

423 لا يعتبر في تكرار التلبية أن يكون بصورة خاصة

423 إذا شك بعد الاتيان بالتلبية في صحتها بنى على الصحة

423 من شك في التلبية بنى على عدمها فيجوز له فعل محرمات الاحرام

423 إذا أتى بموجب الكفارة وشك في انه كان بعد التلبية أو قبلها

423 ( الثالث ) : من واجبات الاحرام لبس الثوبين والتجرد عن لبس المخيط مع الكلام في كون ذلك شرطا في صحة الاحرام

427 هل يجب في لبس الثوبين كيفية خاصة

431 حكم من أحرم في قميص عامدا. أو جاهلا أو ناسيا

433 لا يجب استدامة لبس الثوبين

433 لا بأس بالزيادة على الثوبين