مستمسک العروة الوثقی جلد 8

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: السيد محسن الطباطبائي الحكيم

الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1390 ه.ق

الصفحات: 624

الكتب بساتین العلماء

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

قرآن كريم

مستمسك العروة الوثقی

تأليف: فقيه عصره آية اللّه العظمی السيد محسن الطباطبائي الحكيم مد ظله العالي

الجزء الثامن

دار إحياء التراث العربي

بيروت - لبنان

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

فصل في صلاة المسافر

لا إشكال في وجوب القصر على المسافر [1] ، مع اجتماع


فصل في صلاة المسافر

[1] ادعى غير واحد عليه الإجماع ، بل الضرورة من الإمامية (رضي اللّه عنه) وحكي أيضاً عن أكثر العامة. ويدل عليه النصوص الكثيرة ، ففي صحيح زرارة ومحمد : « قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) : ما تقول في الصلاة في السفر؟ إلى أن قال (عليه السلام) : فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر قالا : قلنا له : إنما قال اللّه عز وجل ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) (1)ولم يقل : ( افعلوا ) ، فكيف أوجب ذلك؟! فقال (عليه السلام) : أوليس قد قال عز وجل في الصفا والمروة ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) ؟ (2)ألا ترى أن الطواف بهما واجب مفروض ، لأن اللّه عز وجل ذكره في كتابه. وصنعه نبيه؟ وكذلك التقصير. » (3)


1) النساء : 101.

2) البقرة : 158.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

الشرائط الآتية [1] ، بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات [2]. وأما الصبح والمغرب فلا قصر فيهما. وأما شروط القصر فأمور وأما شروط القصر فأمور :

الأول : المسافة [3] ، وهي ثمانية فراسخ امتدادية [4]


[1] للأدلة الآتية الدالة على شرطيتها.

[2] بلا خلاف. ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عشر ركعات ، ركعتان من الظهر ، وركعتان من العصر ، وركعتا الصبح ، وركعتا المغرب ، وركعتا العشاء الأخيرة ، لا يجوز فيهن الوهم .. إلى أن قال : فرضها اللّه عز وجل .. إلى أن قال : فزاد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، وركعة في المغرب للمقيم والمسافر » (1)ونحوه غيره.

[3] يعني : المحدودة ، إجماعاً من الخاصة والعامة - كما عن غير واحد دعواه - مع استثناء داود الظاهري ، إذ اكتفى بمجرد الضرب في الأرض. والنصوص بها في الجملة متواترة ، كما سنشير إلى بعضها.

[4] فلا يعتبر الزائد عليها ، إجماعاً منا حكاه غير واحد. وتدل عليه النصوص المستفيضة ، ففي موثق سماعة : « في كم يقصر الصلاة؟ فقال (عليه السلام) : في مسيرة يوم ، وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ » (2). و‌في رواية الفضل : « إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ ، لا أقل من ذلك ، ولا أكثر » (3)و‌في صحيح الكاهلي : « بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا » (4)و‌في رواية ابن الحجاج : « أربعة وعشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ » (5)


1) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 12.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 15.

ذهاباً أو إياباً ، أو ملفقة من الذهاب والإياب إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد [1] ،


وفي صحيح أبي أيوب : « في بريدين أو بياض يوم » (1)ونحوها غيرها.

وأما ما ورد في تحديدها بمسيرة يوم وليلة - كما في صحيح زكريا ابن آدم (2)- أو مسيرة يومين - كما في رواية أبي بصير (3)- أو ثلاثة برد - كما في صحيح البزنطي (4)- فهو مطروح ، أو محمول على ما لا ينافي الأول ، أو على التقية.

وأما ما رواه عمرو بن سعيد قال : « كتب إليه جعفر بن أحمد يسأله عن السفر ، وفي كم التقصير؟ فكتب (عليه السلام) بخطه - وأنا أعرفه - : قد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا سافر وخرج في سفر قصر في فرسخ. ثمَّ أعاد عليه من قابل المسألة ، فكتب إليه : في عشرة أيام » (5)فالأول منها محمول عند بعضهم على حد الترخص ، ونحوه خبر الخدري عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) (6)ولكنه - كما ترى - خلاف المقطوع به. والثاني على مدة قطع الثمانية فراسخ وهو أيضاً خلاف الظاهر ، ولا قرينة عليه. وكأن ارتكاب ذلك كان لعدم صلاحيتها لمعارضة ما عرفت. لكن الأولى إيكال أمرها إلى قائلها ، من دون تعرض للمراد منها من دون شاهد عليه.

[1] كما عن الأكثر - كما عن جماعة - أو المشهور - كما عن آخرين -


1) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 7.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 10.

5) الوسائل باب : 6 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

6) الوسائل باب : 6 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.


وحكي عن جملة من كتب الصدوق ، والشيخ ، وسلار وحمزة ، والحلي ، والفاضلين والشهيدين ، والمحقق الثاني ، وغيرهم. وتدل عليه طائفة من النصوص ، كصحيح معاوية بن وهب : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أدنى ما يقصر فيه المسافر ، فقال (عليه السلام) : بريد ذاهباً وبريد جائياً » (1)وصحيح زرارة : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التقصير ، فقال : بريد ذاهب وبريد جائي ( كذا ) قال (عليه السلام) : كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إذا أتى ( ذبابا ) قصر. وذباب على بريد - وإنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ » (2)ونحوهما غيرهما. ومنه ما دل على وجوب التقصير على أهل مكة في خروجهم الى عرفات.

وبها يجمع بين ما دل على تحديد المسافة بالبريدين ، كالطائفة المشار إليها سابقاً ، وبين ما دل على تحديدها بالبريد ، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « التقصير في بريد والبريد أربعة فراسخ (3)ومصحح الخزاز : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أدنى ما يقصر فيه المسافر فقال علیه السلام : بريد » (4)وصحيح الشحام : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : يقصر الرجل الصلاة في مسير اثني عشر ميلا » (5)ونحوها غيرها فتحمل الأولى على الملفقة ، والثانية على تحديد خط السير في الذهاب والإياب ويوضح ذلك ما في صحيح زرارة السابق من التعليل ، وما في خبر إسحاق المروي عن العلل وغيرها في قوم خرجوا في سفر وتخلف عنهم رجل وبقوا


1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 14 ، 15.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1 ، 10.

4) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 11.

5) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.


ينتظرونه ، حيث قال (عليه السلام) : « إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا ، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا ، وإذا مضوا فليقصروا. ثمَّ قال (عليه السلام) : هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت : لا أدري. قال (عليه السلام) : لأن التقصير في بريدين ولا يكون التقصير في أقل من ذلك ، فلما كانوا قد ساروا بريداً وأرادوا أن ينصرفوا بريداً كانوا قد ساروا سفر التقصير .. » (1)فان الحديثين المذكورين بمنزلة الحاكم على نصوص الثمان المفسر لها بما يشمل الملفقة من الذهاب والإياب ، والمقيد لإطلاق نصوص الأربع ، فيتعين حملهما معاً عليه.

ومنه يظهر ضعف ما عن الذكرى ، والروض ، والمدارك : من الميل إلى التخيير بين القصر والتمام في الثمانية الملفقة ، بحمل الأمر بالتقصير فيها على الوجوب التخييري ، جمعاً بينه وبين ما دل على اعتبار الثمانية الامتدادية فإنه جمع غير ظاهر الشاهد ، بل عرفت كون الشاهد على خلافه ، ولا سيما مع إباء بعض أخبار التقصير الواردة في خروج أهل مكة الى عرفات عنه مثل خبر معاوية بن عمار : « إن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير » (2)، وخبر إسحاق بن عمار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : في كم التقصير؟ فقال (عليه السلام) : في بريد. ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فقصروا » (3)وصحيح معاوية بن عمار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات قال (عليه السلام) : ويلهم - أو ويحهم - وأي سفر أشد منه؟! » (4). فإنها كالصريحة في تحتم


1) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 11.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

بل مطلقاً على الأقوى [1] وإن كان الذهاب فرسخاً والإياب


القصر تعييناً كما لا يخفى. وحمل الإنكار فيها بالويل أو الويح على الإنكار على الالتزام بالتمام والبناء على عدم مشروعية القصر ، لما سنه عثمان - كما دل عليه صحيح زرارة (1)- مع أنه خلاف الظاهر ، لا يناسب ما في الأول من التعبير بقوله (عليه السلام) : « كان عليهم التقصير » ، ولا ما في الأخير بقوله علیه السلام : « وأي سفر أشد منه؟! ». ورفع الجناح في الآية الشريفة لا يصلح شاهداً للتخيير ، لما عرفت من اتفاق النص والفتوى على إرادة الوجوب التعييني منه.

كما منه يظهر ضعف ما عن ابن زهرة وأبي الصلاح وغيرهما : من تعين التمام في الأربعة مطلقاً ، كضعف ما عن الكليني : من الاكتفاء بالأربعة الامتدادية مطلقاً. فإنه وإن كان يشهد له نصوص الأربعة في نفسها ، الا أنه لا مجال للاعتماد عليها في ذلك بعد وجوب حملها على إرادة بيان خط السير الذي يكون فيه الذهاب والإياب ، بقرينة ما عرفت من النصوص. ولعل ذلك مراد الكليني (رحمه اللّه) ، فيكون من القائلين بالثمانية الملفقة. نعم قد يشهد لظاهره صحيح عمران بن محمد : « قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : جعلت فداك إن لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ ، وربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ فقال (عليه السلام) : قصر في الطريق ، وأتم في الضيعة » (2). لكن المتعين طرحه. أو حمل الأمر بالتمام فيه على التقية ، لمعارضة ما عرفت. وحينئذ يكون شاهداً لعدم اعتبار الرجوع ليومه ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

[1] لما يستفاد من نصوص الأربعة بعد الجمع بينها وبين نصوص


1) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 14.


الثمانية ، من الاكتفاء بالثمانية الملفقة مطلقاً ، ولو بالنحو المذكور. ولا سيما بملاحظة ذيل موثق ابن مسلم : « عن التقصير. قال (عليه السلام) : في بريد. قلت : بريد؟ قال (عليه السلام) : إذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه » (1)فإنه ظاهر في أن المدار على شغل اليوم بالذهاب والإياب ولو مع اختلاف مسافتهما. ومثله في ذلك : التعليل في مصحح زرارة المتقدم الوارد في سفر النبي (صلی اللّه عليه وآله) إلى ( ذباب ) (2)، وخبر إسحاق الوارد في منتظر الرفقة (3)لكن لا يخفى أن التعليلات المذكورة وإن كانت حاكمة على نصوص الثمان ومقتضية لجواز التلفيق مطلقاً ، إلا أن الجميع مقيد بنصوص البريد ذاهباً وجائياً. والتعليلات المذكورة لا تصلح لتقديمها على نصوص البريد بل يجب حملها عليه حملا للمطلق على المقيد (4). ولا سيما مع عدم إمكان


1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

2) تقدم ذلك في صدر التعليقة السابقة.

3) تقدم أيضاً في التعليقة السابقة.

4) وبعبارة أخرى : نصوص الثمانية ظاهرة في وجوب البعد ثمانية فراسخ ، ونصوص الأربعة ظاهرة في وجوب البعد أربعة فراسخ ، ونصوص التعليلات لما لم تكن في بيان تعليل الحكم في مقام الثبوت ، وإنما هي في بيان تعليله في مقام الإثبات ، لم تصلح للحكومة الا على نصوص الثمانية ، فتدل على أن المراد منها ما يعم الملفقة بنحو تشمل الأربعة ذهابا والأربعة إيابا. ولا تعرض فيها لإلغاء اعتبار البعد أربعة فراسخ لتكون حاكمة على نصوص الأربعة نعم إطلاق التلفيق يقتضي الاكتفاء بكون مجموع الذهاب والإياب ثمانية ، ولو كان أحدهما أقل من أربعة. لكن هذا الإطلاق مقيد بنصوص الأربعة ، بعد ما لم تكن له حكومة عليها ، حملا للمطلق على المقيد. نعم لو كان التعليل تعليلا للحكم في مقام الثبوت ، كان حاكماً على جميع نصوص التحديد ، ويكون المستفاد منه : كون المدار على الثمانية ولو ملفقة مطلقاً لكن عرفت أنه تعليل للحكم في مقام الإثبات ، وأن التقصير في البريد ذاهباً وجائياً تقصير في البريدين ، فإنما يتضمن إلغاء ظهور البريدين في الامتداديين ، وأن المراد بهما ما يعم الملفقين ، ولا تعرض فيه لإلغاء نصوص البريد ، فيجب العمل بها. منه قدس سره

سبعة. وإن كان الأحوط - في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية - الجمع [1].


الالتزام بإطلاق التعليلات المذكورة ، لدلالته على الاكتفاء بمجرد شغل اليوم ولو بالتردد بميل ذاهباً وآئباً أربعاً وعشرين مرة ، وهو مما لا يمكن الالتزام به ، بل الظاهر أنه لا خلاف في عدم الاكتفاء به. نعم حكي عن التحرير (1)التقصير على إشكال ، ولم يعرف الاشكال فيه من غيره ، ولا منه في غير التحرير. اللّهم إلا أن يفرق بين التلفيق من ذهاب واحد وإياب كذلك ، والتلفيق من أكثر من ذهاب وإياب ، كما هو غير بعيد. وسيأتي.

وكيف كان فالمتعين إذاً حمل التعليلات على بيان أن المراد من الثمانية فراسخ الأعم من الامتدادية والملفقة من أربعة الذهاب وأربعة الإياب. وهو أولى من التصرف في نصوص البريد ، بحملها على الغالب ، الموجب للحكم بالتقصير في كثير من فروض التلفيق المستبشع فيها ذلك. وعليه فما عن شرذمة من متأخري المتأخرين : من الحكم بالتقصير في الفرض ونحوه ، ضعيف.

[1] أما في صورة كون الإياب أقل من أربعة فالاحتياط فيها لا مجال له ، لظهور أخبار البريد في كفاية كون الذهاب بريداً في وجوب التقصير غاية الأمر اعتبر في بعض النصوص : ضم الإياب ليكون متمماً للثمانية ، لا أنه ملحوظ بالأصالة في قبال الذهاب ، ليجري الاحتياط في الصورتين معاً. لكن لا يخفى أن جملة من النصوص تضمنت تحديد أقل المسافة ببريد الإياب أيضاً مع بريد الذهاب ، فلا فرق بين الذهاب والإياب في ذلك.


1) قال في التحرير : « ولو قصد أربعة فراسخ فان عزم على الرجوع من يومه قصر ، أما لو قصد التردد في ثلاثة فراسخ ثلاث مرات لم يقصر. إلا أن لا يبلغ في الرجوع الأول مشاهدة الجدران ولا سماع الأذان » وظاهره الجزم بوجوب القصر عند التردد فيما دون الأربع. منه قدس سره

والأقوى عدم اعتبار [1] كون الذهاب والإياب


فإن أخذ بظاهر التعليلات بني على جواز نقص كل منهما عن البريد مع تكميله بالآخر ، وإلا فلا بد من اعتبار عدم نقص كل منهما عنه. فلاحظ.

[1] كما عن العماني ، ونسبه في محكي كلامه إلى آل الرسول (صلی اللّه عليه وآله). وعن المفاتيح : نسبته الى الشيخ (رحمه اللّه). وعن مجمع البرهان : نسبته إلى القاضي. واختاره الكاشاني ، والبحراني ، ونسبه ثانيهما إلى جملة من أفاضل متأخري المتأخرين. وهو المشهور بين المعاصرين ، ومن قارب عصرنا. ويقتضيه إطلاق نصوص التلفيق ، بل هو كصريح ما دل على وجوب التقصير على أهل مكة عند خروجهم الى عرفات ، مع عدم ما يشهد لاعتبار الرجوع ليومه ، إلا ما قد يتراءى من ذيل موثق ابن مسلم المتقدم من اعتبار شغل اليوم بالفعل (1). ولكنه - كما ترى - غير ظاهر ، بل الظاهر كونه في مقام مجرد التقدير ، ليكون نظير الصغرى للكبرى المرتكزة في ذهن السائل من اعتبار الثمانية فراسخ ، المقدرة في جملة من النصوص بمسيرة يوم ، وبياض يوم ، ونحو ذلك ، كما يشهد به مصحح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدم في نصوص التلفيق (2)، فان المراد منهما واحد ، كما يظهر بأقل ملاحظة ويشير إلى ذلك التعبير باليوم ، مع أن السفر قد يكون كله بالليل ، أو بعضه باليوم وبعضه بالليل.

ولقد أطال السيد بحر العلوم (رحمه اللّه) في رسالته في تقريب دلالة الحديث المذكور على اعتبار الرجوع ليومه. كما أتعب نفسه الشريفة في الاستدلال على ذلك بموثق سماعة : « عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال (عليه السلام) : في مسيرة يوم ، وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ. ومن سافر قصر


1) تقدم ذلك قريباً.

2) تقدم ذلك في أوائل الكلام في هذا الشرط.


الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعاً لسلطان جائر ، أو خرج إلى صيد ، أو إلى قرية له يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصر ولا يفطر » (1). بناء على أن المراد من أهله بلد الخروج ، ويكون معنى قوله (عليه السلام) : « أو إلى قرية له .. » أو المسافر إلى قرية له ، مع كون سفره جامعاً للشرائط لأنه مسيرة يوم ذاهباً وجائياً ، ورجوعه ليومه لا يجوز فيه التقصير لانقطاعه بقصد القرية. وبما عن شرح السنة للحسين بن مسعود : « من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خرج من الكوفة إلى النخيلة فصلى بالناس الظهر ركعتين ثمَّ رجع من يومه » (2). فان نقل الرجوع من يومه امارة دخله في قصر الصلاة. وبما عن المقنع : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى سوقاً يتسوق بها ، وهي من منزله على أربع فراسخ. فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم ، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم. قال (عليه السلام) : يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوماً ، ويقصر صاحب السفن » (3). بدعوى كون المعنى : يتم الراكب الذي لا يرجع من يومه إما بتقدير حرف النفي ، أو بحمل الرجوع من يومه على إمكان الرجوع من يومه ولكن لم يرجع.

لكن الجميع - كما ترى - قاصر الدلالة على ذلك بنحو يعوّل عليه في إثبات الحكم الشرعي ، فضلا عن قصور السند في بعضها. ومجرد الموافقة لفتوى المشهور غير كاف في الجبر ، كما تكرر بيان وجهه في هذا الشرح.


1) لاحظ صدره في الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13 ، وذيله في باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

2) البحار ج : 18 صفحة 686 الطبع القديم ، كما في هامش جواهر الكلام الجزء : 14 صفحة 225 الطبع الحديث.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13.

في يوم واحد [1] ، أو في ليلة واحدة [2] ، أو في الملفق منهما مع اتصال إيابه بذهابه وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعداً في الأثناء ، بل إذا كان من قصده الذهاب والإياب ولو بعد تسعة أيام يجب عليه القصر. فالثمانية الملفقة كالممتدة في إيجاب القصر


وعلى هذا فالمتعين الأخذ بما هو المستفاد من النصوص الصحيحة الدالة على تعين القصر ، وإن لم يرد الرجوع ليومه ، الدالة بإطلاقها أو بصريحها على ذلك كما أشرنا إليها من قبل.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن المرتضى والحلي والفاضلين في بعض كتبهما : من تعين التمام على غير مريد الرجوع ليومه. كضعف ما عن المشهور : من التخيير له بين القصر والتمام. وما عن التهذيب والمبسوط وغيرهما : من التفصيل بين مريد الرجوع ليومه فيتخير بين القصر والتمام ، وغيره فيتعين عليه التمام. وما عن المفيد وسلار ووالد الصدوق : من التخيير لمريد الرجوع لغير يومه في خصوص الصلاة ، دون الصوم. وغير ذلك من الأقوال. لعدم وضوح المستند لها في قبال ما عرفت ، وإن كان يوافق الثاني الرضوي ، قال فيه : « وإن سافرت إلى موضع مقدار أربع فراسخ ، ولم ترد الرجوع من يومك ، فأنت بالخيار فإن شئت تممت ، وإن شئت قصرت » (1). لكنه غير ثابت الحجية في نفسه ، ولا يصلح للمعارضة لغيره مما سبق. ودعوى انجباره بفتوى المشهور. ووهن ما سبق بالاعراض عنه غير ثابتة ، لما عرفت من عدم الانجبار بمجرد الفتوى ، وعدم الوهن بمجرد المخالفة ، لأن بنائهم على الجمع بالتخيير فرع الاعتماد عليه لا القدح فيه.

[1] كما هو الموجود في أكثر العبارات.

[2] كما عن جماعة التصريح به ، بل ظاهر السيد بحر العلوم أو صريحه


1) مستدرك الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

إلا إذا كان قاصداً للإقامة عشرة أيام في المقصد أو غيره ، أو حصل أحد القواطع الأخر. فكما أنه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفقة ، فيقصر ويفطر ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام ، والصوم وقضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط.

ولو كان من قصده الذهاب والإياب ولكن كان متردداً في الإقامة في الأثناء عشرة أيام وعدمها لم يقصر [1]. كما أن الأمر في الامتدادية أيضاً كذلك.

( مسألة 1 ) : الفرسخ ثلاثة أميال [2].


دعوى الإجماع عليه ، وإن كان مقتضى الجمود على ذيل موثق ابن مسلم المتقدم المشتمل على التعليل عدمه (1). إلا أن يستفاد من النصوص اعتبار اتصال السير عرفاً. فتأمل. ومما ذكرنا يظهر حكم الملفق.

[1] لعدم قصد السفر الواحد ثمانية فراسخ ولو ملفقة ، نظير ما لو قصد الإقامة على رأس الأربعة. إذ كما أن قصد الإقامة مناف لقصد السفر كذلك التردد فيها. وسيأتي التعرض له في الشرط الرابع.

[2] بلا خلاف - كما عن المنتهى - وإجماعاً ، كما عن المعتبر والتذكرة والغرية والنجيبية والمفاتيح والكفاية. وعن جماعة : حكاية الاتفاق عليه. ويشهد به ما تقدم من صحيح الكاهلي (2)، وخبر عبد الرحمن بن الحجاج (3)وصحيح الشحام (4)، وما في موثق العيص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) في التقصير : حده أربعة وعشرون ميلا » (5)بعد الجمع


1) تقدم ذلك في أوائل الكلام في هذا الشرط.

2) تقدم ذلك كله في الشرط الأول من شروط القصر.

3) تقدم ذلك كله في الشرط الأول من شروط القصر.

4) تقدم ذلك كله في الشرط الأول من شروط القصر.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 14.

والميل أربعة آلاف ذراع [1] بذراع اليد ، الذي طوله أربع


بينها وبين غيرها ، وغيرها.

[1] كما هو المشهور. وعن المدارك والكفاية : أنه مما قطع به الأصحاب وعن غير واحد : أنه المشهور المعروف بين اللغويين ، والفقهاء ، والعرف. وفي السرائر عن مروج الذهب للمسعودي أنه قال : « الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود ، وهو الذراع الذي وضعه المأمون لذرع الثياب ، ومساحة البناء ، وقسمة المنازل. والذراع أربع وعشرون إصبعاً ». وعن الأزهري : أن الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع ، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع. والخلاف لفظي فإنهم اتفقوا على أن مقداره ستة وتسعون ألف إصبع ، والإصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى ظهر الأخرى ، ولكن القدماء يقولون : الذراع اثنتان وثلاثون إصبعاً ، والمحدثون : أربع وعشرون إصبعا. ونحوه ما في القاموس : « الميل قدر مد البصر. ومنار يبنى للمسافر ، أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع ، أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنى عشر ألف ذراع بذراع المحدثين ». وحكي التقدير بذلك عن نهاية ابن الأثير. وحينئذ يتعين حمل الإطلاق عليه. إذ لا مجال لحمله على مد البصر ، ولا على ما يمتاز فيه الراجل والراكب ، وإن عدا من معانيه ، لعدم انضباطهما. كما لا مجال لحمله على ما تفرد به في محكي تاج العروس : من أنه ستة آلاف ذراع. لندرته وغرابته.

نعم في مرسل الخزاز : « إن كل ميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع » (1). لكن. مع إرساله وهجره بين الأصحاب لا مجال للاعتماد


1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13.

وعشرون إصبعاً ، كل إصبع عرض سبع شعيرات [1] ، كل شعيرة عرض سبع شعرات ، من أوسط شعر البرذون.

( مسألة 2 ) : لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيراً لا يجوز القصر ، فهي مبنية على التحقيق ، لا المسامحة العرفية [2] نعم لا يضر اختلاف الأذرع المتوسطة في الجملة [3] كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية.


عليه. مع إمكان حمله على ذراع خاص يساوي سبعة أثمانه أربعاً وعشرين إصبعاً. وأولى بعدم إمكان الحمل عليه رواية الصدوق للمرسل المذكور هكذا : « كل ميل ألف وخمس مائة ذراع » (1). فان لازم ذلك أن يكون البريد ثمانية عشر ألف ذراع ، التي هي فرسخ ونصف بالفرسخ المتعارف. وهو - كما ترى - مناف لكون البريدين مسيرة يوم ، كما صرحت به النصوص. فلا معدل عما هو المشهور.

[1] قيل : إنه المشهور. لكن تقدم في محكي كلام الأزهري : أنه ست شعيرات. ولعل الحاجة غير ماسة إلى معرفة ذلك ، لأن الذراع المقدر بأربع وعشرين إصبعاً هو الذراع المتعارف عند الأعراب اليوم ، الذي هو من المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى ، فإنه ست قبضات ، أربع وعشرون إصبعاً ، فيكون المعيار منه المتعارف ، كما هو الحال في سائر التحديدات ، ولا تنتهي النوبة إلى تحديده بالإصبع ، فضلا عن تحديد الإصبع والشعيرة. فلاحظ ، وتأمل.

[2] كما تقتضيه ظواهر الأدلة في المقام وفي سائر موارد التحديد.

[3] هذا ينافي ما تقدم من الضبط بالشعرة. وكيف كان فالعمل على أقل الأذرع المتوسطة.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 16.

( مسألة 3 ) : لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أو لا بقي على التمام على الأقوى [1] ،


[1] كما عن غير واحد التصريح به ، بل عن الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه. لأصالة التمام ، الراجعة إلى عموم ما دل على وجوب التمام على كل مكلف ، المقتصر في الخروج عنه على المسافر ، فان مقتضى الجمع العرفي بين العام والخاص كون موضوع حكم العام عنوان العام المسلوب عنه الخاص ، فإذا أحرز عنوان العام بالوجدان. وسلب الخاص عنه بالأصل ، كفى ذلك في ثبوت موضوع حكم العام تعبداً ، فيثبت نفسه.

نعم قد يشكل ذلك أولا : بمنع كون مقتضى الجمع العرفي ذلك ، بل ليس موضوع حكم العام إلا الأفراد الواقعية الباقية بعد التخصيص وهي مما لا يمكن إثباتها بالأصل. وثانياً : بأنه يتم لو لم يظهر من الأدلة كون موضوع حكم العام عنواناً وجودياً ، والمقام من الثاني ، فإن المصرح به في بعض النصوص كون موضوع التمام الحاضر أو المقيم ، فلاحظ صحيح زرارة المتقدم فيما يقصر من الصلاة (1). وحينئذ فإثبات وجود التمام بأصالة عدم السفر الخاص مبني على صلاحية إثباته عنوان الحاضر ، وهو مبني على القول بالأصل المثبت.

ويندفع الأول : بأنه وإن كان قريباً ، لكن دعوى كون مقتضى الجمع العرفي ذلك أقرب. ويندفع الثاني : بأن ذكر ذلك في النصوص ليس من باب التقييد ، فإنه خلاف ظاهر أكثر النصوص جداً. ويشهد به عدم اختصاص التمام بالمقيم والحاضر قطعاً ، بل يثبت لكثير من أفراد المسافر ككثير السفر ، والعاصي ، والمتمادي به السير من دون قصد له ، والمتردد ، وغيرهم. فليس موضوع وجوب التمام إلا من لم يكن مسافراً سفراً خاصاً ، فيمكن إثباته بأصالة عدم كون المكلف مسافراً ذلك السفر الخاص. والعلم بوجود السفر


1) تقدم ذلك في أول هذا الفصل.

بل وكذا لو ظن كونها مسافة [1].

( مسألة 4 ) : تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار وبالشياع المفيد للعلم [2] ، وبالبينة الشرعية [3].


في الجملة لا يقدح في جريان أصالة عدم السفر الخاص ، لأن العلم بذات المقيد لا ينافي الشك في وجود المقيد بما هو مقيد ، فلا مانع من جريان الأصل فيه. ولأجل ذلك كان بناء الفقهاء (رضي اللّه عنه) على الرجوع إلى أصالة التمام عند الشك في جواز القصر من جهة الشبهة الحكمية لوجوب الرجوع إلى العام عند الشك في التخصيص.

وأما استصحاب الحضر فإن أريد منه استصحاب الحضر بالمعنى العرفي اختص جريانه بصورة الشك في الخروج من البلد بنحو الشبهة الموضوعية. أما إذا كان بنحو الشبهة المفهومية فلا يجري ، لما عرفت مراراً : من عدم جريان استصحاب المفهوم المردد. وأما إذا كان بمعنى ما يقابل السفر الشرعي فمرجعه إلى أصالة عدم السفر.

ثمَّ إنه قد يتوهم : أنه في فرض المسألة يجوز الرجوع إلى إطلاق وجوب القصر على المسافر للعلم بصدق السفر. وفيه : أن الإطلاق المذكور بعد ما قيد بأدلة اعتبار المسافة لا يجوز الرجوع اليه عند الشك في وجود قيده

[1] لعدم الدليل على حجية مطلق الظن في الأحكام ، فضلا عن الموضوعات. واحتمل في الروض الاكتفاء بالظن القوي ، لأنه مناط العمل في كثير من العبادات. وهو كما ترى.

[2] كان الأولى الاقتصار على ذكر الشياع بلا قيد ، ليكون معطوفاً على الاختبار.

[3] بناء على عموم حجيتها ، كما قربناه في مبحث المياه من هذا الشرح (1).


1) راجع الجزء الأول المسألة : 6 من فصل ماء البئر.

وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال [1] ، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

( مسألة 5 ) : الأقوى عند الشك وجوب الاختبار أو السؤال [2] لتحصيل البينة ، أو الشياع المفيد للعلم ، إلا إذا كان مستلزماً للحرج.

( مسألة 6 ) : إذا تعارض البينتان فالأقوى سقوطهما [3]


[1] وعن الذكرى والروض : احتماله ، لقرب دعوى بناء العقلاء على حجيته مطلقاً ، بل حجية مطلق خبر الثقة. لكن لو تمت دلالة رواية مسعدة (1)على عموم حجية البينة كانت رادعة عن هذا البناء ، فلا مجال للتعويل عليه.

[2] كما في الجواهر وغيرها ، لقاعدة الامتثال ، وعدم الدليل على معذورية العامل بالأصول النافية قبل الفحص في المقام. وفيه : أن قاعدة الامتثال لا مجال لها مع الأصل المؤمن من الخطر. ودليل الأصل كاف في إثبات العذر ، كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية. وما دل على وجوب تعلم الأحكام - من الإجماع وغيره - غير شامل للمقام.

نعم يمكن أن يقال : إنه يلزم من العمل بالأصل في المقام المخالفة القطعية الكثيرة ، المعلوم عدم جوازها شرعاً ، المستكشف منه وجوب الاحتياط ولكن لزوم ذلك أول الكلام ، بل ممنوع جداً ، لقلة الابتلاء بموارد الشك فتأمل. مع أنه لا يصلح لاستكشاف وجوب الاختبار ونحوه من أسباب العلم وإنما يقتضي وجوب الاحتياط مع عدمه. نعم لو بني على وجوب الجزم بالنية كان ما ذكر في محله. لكن تقدم ضعفه.

[3] لأصالة التساقط في الأمارات المتعارضة ، كما تحقق ذلك في الأصول.

وعن المحقق تقديم بينة الإثبات ، لأن شهادة النفي غير مسموعة. وفيه :


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4.

ووجوب التمام [1] ، وإن كان الأحوط الجمع.

( مسألة 7 ) : إذا شك في مقدار المسافة شرعاً [2] وجب عليه الاحتياط بالجمع ، إلا إذا كان مجتهداً ، وكان ذلك بعد الفحص عن حكمه ، فإن الأصل هو التمام.

( مسألة 8 ) : إذا كان شاكاً في المسافة ومع ذلك قصر لم يجز بل وجب عليه الإعادة تماماً [3]. نعم لو ظهر بعد


أن عموم حجية الشهادة لا يفرق فيه بين النفي والإثبات ولو كان المستند في الأول الأصل ، فضلا عما لو كان المستند فيه الحس.

اللّهم إلا أن يقال : إذا كان المستند للنفي الأصل ترجح بينة الإثبات لأنها حاكمة على الأصل الذي هو مستند بينة النفي ، فإذا سقط الأصل سقطت بينة النفي ، لبطلان مستندها ، كما تقدم ذلك في مباحث أحكام النجاسات.

[1] لأصالة التمام المشار إليها سابقاً.

[2] يعني : بنحو الشبهة الحكمية. والوجه في وجوب الاحتياط مع ما عرفت من أصالة التمام : هو ما تحرر في محله من وجوب الفحص ، وعدم جواز الرجوع إلى الأصول اللفظية والعملية في الشبهات الحكمية قبل الفحص عن الحجة ، فيجب على العامي الرجوع إلى المجتهد ، وعلى المجتهد الرجوع إلى الأدلة ، وقبل ذلك يجب الاحتياط عقلا الذي هو مفاد قاعدة الاشتغال. نعم يجوز للمجتهد - بعد الفحص عما يوجب القصر وعدم عثوره عليه - الرجوع إلى أصالة التمام. أما العامي فليس له الرجوع إليها ، لأنه وظيفة المجتهد ، لقدرته على الفحص. وعجز العامي عنه. نعم لو شك بنحو الشبهة الموضوعية رجع إليها ، لأنها وظيفته حينئذ بمقتضى فتوى مجتهده ، وعدم اشتراط جواز الرجوع إليها بالفحص.

[3] لأصالة التمام المقتضية لوجوب التمام. ومع الغض عن ذلك فمقتضى

ذلك كونه مسافة أجزأ [1] ، إذا حصل منه قصد القربة مع الشك المفروض [2]. ومع ذلك الأحوط الإعادة أيضا.

( مسألة 9 ) : لو اعتقد كونه مسافة فقصر ثمَّ ظهر عدمها وجبت الإعادة [3]. وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتم ، ثمَّ ظهر كونه مسافة ، فإنه يجب عليه الإعادة [4].

( مسألة 10 ) : لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثمَّ بان في أثناء السير كونه مسافة يقصر وإن لم يكن الباقي مسافة [5].

( مسألة 11 ) : إذا قصد الصبي مسافة ثمَّ بلغ في الأثناء وجب عليه القصر [6] وإن لم يكن الباقي مسافة. وكذا يقصر


قاعدة الاشتغال عدم الاكتفاء بالقصر المأتي به ، للشك في الامتثال به.

[1] كما في الجواهر وغيرها. لمطابقة العمل للواقع ، الموجبة للإجزاء

[2] لا ريب في إمكان حصوله ، لما عرفت من عدم اعتبار الجزم بالنية

[3] لعدم الدليل على الاجزاء بموافقة الأمر الظاهري ، فضلا عن الأمر الخيالي الخطئي.

[4] لما عرفت. وعن المدارك والروض : الإجزاء ، لقاعدة الاجزاء وفيه : ما عرفت.

[5] كما في الجواهر وغيرها ، بل لا ينبغي الخلاف فيه ، لتحقق الموضوع واقعاً فيتبعه حكمه. واحتمال اعتبار العلم بالمسافة في وجوب القصر - كما عن الروض - ضعيف كما اعترف به هو ، إذ هو خلاف إطلاق الأدلة.

ودعوى : أن ظاهر أدلة اعتبار القصد لزوم قصد الثمانية فراسخ ، الموقوف على العلم بها ممنوعة ، بل الظاهر منها قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية.

[6] كما عن الروض. لعموم أدلة القصد ، الشامل لقصد الصبي.

إذا أراد التطوع بالصلاة مع عدم بلوغه. والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد مسافة ثمَّ أفاق في الأثناء يقصر. وأما إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته.

( مسألة 12 ) : لو تردد في أقل من أربعة فراسخ ذاهباً وجائياً مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر [1] ، ففي التلفيق لا بد أن يكون المجموع من ذهاب واحد وإياب واحد ثمانية.

( مسألة 13 ) : لو كان لبلد طريقان والا بعد منهما مسافة ، فإن سلك الأبعد قصر [2] ، وإن سلك الأقرب لم


وفي الجواهر : « فيه إشكال ». وكأنه لما دل على أن عمد الصبي خطا (1). وفيه - مع اختصاص ذلك بالجنايات ، كما يظهر من ملاحظة النصوص الدالة عليه - : أن القصد المعتبر في المقام أعم من الالتفات ، وإن لم يكن موجباً لإرادة السفر ، كما سيأتي في الأسير في أيدي المشركين ، وهذا المعنى مما لا مجال للإشكال في حصوله للصبي. مع أن لازم الاشكال المذكور عدم إمكان تطوعه بالقصر في السفر وبطلانه على القول بكون عباداته شرعية ، وأنه لا بد من تطوعه بالتمام ، ولا يظن الالتزام به من أحد. وأضعف من ذلك : ما عن بعض : من اعتبار قصد وليه وجوداً وعدماً ، فإنه خال عن السند.

[1] تقدم الكلام فيه في مسألة اختلاف الذهاب والإياب.

[2] إجماعاً ، كما عن جماعة ، ولم ينسب الخلاف فيه إلا إلى القاضي وعلل بالشك في شمول الأدلة لمثله ، واحتمال كونه من سفر اللّهو ، لأن


1) الوسائل باب : 11 من أبواب العاقلة حديث : 3.

يقصر ، إلا إذا كان أربعة أو أقل وأراد الرجوع من الأبعد [1].

( مسألة 14 ) : في المسافة المستديرة [2] الذهاب فيها


قطع الزيادة لا لداع ، كقطع تمام المسافة كذلك ، وللشك في صدق المسافر عليه. لكن الجميع كما ترى ، فإن إطلاق الأدلة محكم ، وصدق المسافر عليه قطعي. وكونه من اللّهو المانع عن القصر ممنوع. مع أنه قد يكون لداع عقلائي ، كالفرار من الصوم لاحتمال مرض ، أو كون يومه عيداً ، أو لمشقة أو نحو ذلك من الأغراض الصحيحة العقلائية.

[1] بناء على ما تقدم من الاكتفاء بمطلق التلفيق.

[2] حكى في مفتاح الكرامة عن مصابيح أستاذه الوحيد (رحمه اللّه) ما يوهم عدم اعتبار المسافة المستديرة ، قال في المصابيح : « أما السفر فلا شك في أنه لغة وعرفاً أن يطوي المسافة بعنوان امتداد ذهابي يذهب ويغيب عن الوطن فلا بد من قيدين : أحدهما : الإبعاد عن الوطن ، فلو كان المسافر يمشي ويدور في البلد أو يدور حوله ، لا يكون مسافراً .. » ثمَّ حكى عن الصيمري في كشف الالتباس : أن الاستقامة والاستدارة لا مدخل لهما في تحديد المسافة لإطلاق الفتاوى والروايات .. ، ثمَّ استظهر من الشهيد الثاني في نفائح الأفكار : أنه لا كلام فيه. وجعل الأصرح في الدلالة على ذلك ما عن جماعة الإجماع عليه : من أنه لو كان للبلد طريقان أقرب وأبعد ، فسلك الأبعد قصر ، ولا يكون ذلك إلا مع الاستدارة ، ولا قائل بالفصل بين أفراد الاستدارة .. إلى أخر ما ذكر.

أقول : المسافة المستديرة تارة : تفرض مستديرة على البلد ، وأخرى : في جانب منها ، بحيث يلاصق البلد نقطة منها ، فتكون مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين. أما الثانية فلا ينبغي التأمل في كونها موضوعاً للقصر ، لإطلاق النصوص والفتاوى ، وصدق السفر معها. ويشهد به ما ذكروه في البلد الذي له طريقان. وأما الأولى فدعوى انصراف النصوص عنها بل الفتوى

الوصول الى المقصد والإياب منه الى البلد [1]. وعلى المختار : يكفي كون المجموع مسافة مطلقاً ، وإن لم يكن الى المقصد أربعة. وعلى القول الآخر : يعتبر أن يكون من مبدأ السير إليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة.

( مسألة 15 ) : مبدأ حساب المسافة سور البلد [2] ،


قريبة جداً. بل الظاهر عدم صدق السفر ذاهباً وآئباً بريدين في بعض صورها فالبناء على التمام معها عملا بأصالة التمام في محله. والظاهر أنها مورد كلام الوحيد (رحمه اللّه) فلاحظ.

[1] لا يخلو من إشكال ، لأن المعيار في الذهاب التباعد عن مبدأ السير وهو موجود فيما بين المقصد والنقطة المقابلة لمبدإ السير ، فلا يصدق الشروع في الإياب. إلا مع التجاوز عن تلك النقطة. نعم قد يستعمل الإياب بمجرد الخروج عن المقصد مسامحة بلحاظ مقصده الأصلي وهو البلد. لكنه لا عبرة به

[2] كما نسب إلى غير واحد لكونه المتبادر من إطلاق النص والفتوى كما قيل. ويشهد له صحيح زرارة : « سافر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إلى ذي خشب ، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان ، أربعة وعشرين ميلا ، فقصر ، وأفطر .. » (1).

وفي الكفاية : « انه لا يبعد أن يكون مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر ». وكأنه لأن ظاهر نصوص التقدير كونها ملحوظة مما بين المكلف والمقصد. وتشير اليه النصوص المتضمنة لذكر المنزل ، مثل خبر المروزي : « فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر


1) المراد به - ظاهراً - هو صحيح زرارة ومحمد بن مسلم المذكور في الفقيه ج 1 صفحة 278 الطبع الحديث. وقد نقله الوسائل عنه غير مسند في باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4. ونقل بعضاً من الرواية عن الفقيه مسنداً في باب : 17 من أبواب صلاة المسافر ملحق حديث : 4 ، وبعضاً آخر كذلك في باب : 22 من الأبواب المذكورة.

أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار والمتوسطات


ميلا - وذلك أربعة فراسخ - ثمَّ بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر » (1)، وخبر صفوان : « لا يقصر ولا يفطر ، لأنه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ » (2)، ومرسل ابن بكير : « إن كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر » (3)، وموثق عمار : « لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ » (4). لكن مبدأ السير لا ينطبق على المنزل دائماً ، إذ قد يكون من نقطة معينة في المنزل. نعم قد تنطبق النصوص على ما عن ابن بابويه : « من أن مبدأها جدران البيت » لكن - مع احتمال أن يكون المراد من المنزل ما هو أوسع من البيت - لا يناسب عطف الضيعة والقرية عليه في الخبرين الأخيرين. وحمله على التخيير بين الأقل والأكثر ممتنع. بل الظاهر منها أن المبدأ المنزل ، حيث لا يكون في قرية أو ضيعة ، ومنهما حيث يكون فيهما. ومنه يظهر الاشكال فيما تقدم عن الكفاية ، فإنه وإن سلم أنه مقتضى الإطلاق ، إلا أنه يجب رفع اليد عنه لهذه النصوص.

وأما الأول الذي ذكر في المتن ، فهو وإن كان يساعده الصحيح وغيره مما تقدم ، لكنه عليه يشكل البناء على اعتبار المحلة في البلاد المتسعة جداً ، لعدم الوجه الظاهر. والبناء على كون فهم البلد من النصوص بعناية التقدير ، فيرجع إلى مقدارها في الكبيرة ، وهو المراد من المحلة ، نظير ما ذكر في تحديد الوجه : من رجوع غير مستوي الخلقة إليه مندفع - مضافاً إلى


1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

4) الوسائل باب : 4 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

وآخر المحلة في البلدان الكبار الخارقة للعادة. والأحوط - مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلدان - الجمع [1] ، وإن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلة.

الشرط الثاني : قصد قطع المسافة من حين الخروج [2] فلو قصد أقل منها ، وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقداراً آخر يكون مع الأول مسافة لم يقصر. نعم لو كان ذلك


أنه لا منشأ لفهم التقدير ، وأنه ليس هناك بلد متعارف المقدار ، ليكون ملحوظاً في مقام التقدير ، لاختلاف البلدان جداً في الصغر والكبر - بأن ذلك يوجب رجوع طرفي الإفراط والتفريط في الكبر والصغر إلى ذلك الوسط وكذا من نوى السفر وهو في البيداء ، ولا وجه لاختصاص الرجوع إليه بالكبيرة جداً.

فالأولى أن يقال : إن ظاهر الأدلة اعتبار صدق السفر في تمام المسافة ، فيكون مبدأ المسافة أول حركة يصدق عليها السفر. ولأجل ذلك حصل الاختلاف ، فان من كان في البيداء يصدق السفر على أول خطوة يخطوها ، ومن كان في القرية أو البلد لا يصدق عليه أنه مسافر إلا بالخروج عنهما ، ومن كان في البلاد الكبيرة جداً يصدق عليه المسافر إذا بعد عن أهله ووصل إلى موضع لا يحسب أنه من أهله ، والمسألة محتاجة إلى التأمل.

[1] لاحتمال اعتبار سور البلد في مبدأ المسافة مطلقاً.

[2] إجماعاً بقسميه ، كما في الجواهر وغيرها. ويدل عليه موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل يخرج في حاجة ، فيسير خمسة أو ستة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ، ثمَّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة لا يجوز ذلك ثمَّ ينزل في ذلك الموضع. قال (عليه السلام) : لا يكون


مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، فليتم الصلاة » (1). فإن الظاهر منه - بقرينة السؤال - اعتبار إرادة السير ثمانية ، والمرسل عن صفوان - فيمن خرج من بغداد يلحق رجلا حتى بلغ النهروان - : « قال علیه السلام : لا يقصر ، ولا يفطر ، لأنه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه .. » (2).

بل في كلام غير واحد الاستدلال عليه : بما دل على تحديد المسافة بضميمة الإجماع والنصوص على جواز التقصير عند بلوغ حد الترخص ، فاذا لم يكن طيها معتبراً في التقصير تعين أن يكون المعتبر قصدها لا غير ، ومن هنا لم تذكر المسافة في القواعد شرطاً في قبال القصد وإنما ذكر قصد المسافة المحدودة لا غير. اللّهم إلى أن يقال : طي المسافة معتبر في وجوب التقصير بنحو الشرط المتأخر ، كما يظهر من صحيح أبي ولاد ، المتضمن لإعادة الصلاة التي صلاها قصراً إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (3). ولا سيما بملاحظة التعليل فيه. فلاحظ.

فالعمدة إذاً : الإجماع ، والنصوص المذكورة الدالة على اعتبار القصد. وأما اعتبار طي المسافة معه بنحو الشرط المتأخر ، فهو وإن كان ظاهر نصوص المسافة ، وصحيح أبي ولاد - ونحوه خبر المروزي - (4)لكن يجب رفع اليد عنهما بالتأويل أو الطرح لإعراض المشهور عنهما ، ومعارضتهما بصحيح زرارة الدال على صحة الصلاة (5). وسيأتي التعرض لذلك إن شاء اللّه.


1) تقدم ذكرهما في المسألة : 15.

2) تقدم ذكرهما في المسألة : 15.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

4) تقدم في المسألة : 15 من هذا الفصل.

5) الوسائل باب : 23 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

المقدار مع ضم العود مسافة قصر من ذلك الوقت [1] ، بشرط أن يكون عازماً على العود [2]. وكذا لا يقصر من لا يدري أي مقدار يقطع ، كما لو طلب عبداً آبقا ، أو بعيراً شارداً ، أو قصد الصيد ولم يدر أنه يقطع مسافة أولا. نعم يقصر في العود إذا كان مسافة ، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وإن لم يكن أربعة [3] ، كأن يقصد في الأثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ ، والمفروض أن العود يكون خمسة أو أزيد. وكذا لا يقصر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسروا سافر معهم وإلا فلا [4] ، أو علق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل يسافر وإلا فلا [5]. نعم


وأما موثق عمار : « قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر ، فيمضي في ذلك ، فتمادى به المضي حتى يمضي به ثمانية فراسخ ، كيف يصنع في صلاته؟ قال (عليه السلام) : يقصر ، ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله » (1)فمحمول - كما قيل - على التقصير في الرجوع ، أو مطروح في قبال ما عرفت.

[1] يعني : وقت سيره الثاني.

[2] ليكون من الثمانية الملفقة.

[3] على ما سبق من المصنف (رحمه اللّه) من الاكتفاء بمطلق التلفيق.

[4] كما نص عليه الأصحاب لما سبق.

[5] لظهور الأدلة المتقدمة في القصد المنجز المطلق ، وهو منتف ، بخلاف الفرض الآتي.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

لو اطمأن بتيسر الرفقة ، أو حصول المطلب بحيث يتحقق معه العزم على المسافة ، قصر بخروجه عن محل الترخص.

( مسألة 16 ) : مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير [1] فيقصر وإن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام ، وإن كان ذلك اختياراً ، لا لضرورة ، من عدو ، أو برد ، أو انتظار رفيق ، أو نحو ذلك. نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصر [2] ، كما إذا قطع في كل يوم شيئاً يسيراً جداً للتنزه [3] أو نحوه. والأحوط في هذه الصورة أيضاً الجمع.

( مسألة 17 ) : لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا ، بل يكفي ولو كان من جهة التبعية للغير [4] ، لوجوب الطاعة - كالزوجة ، والعبد - أو قهراً - كالأسير [5] ،


[1] بلا خلاف ظاهر ، لإطلاق الأدلة. وقد تشهد به : مكاتبة عمرو بن سعيد المتقدمة في الثمانية الامتدادية (1). وذكر العشرة لأنها غاية العدد في الغالب. فتأمل.

[2] لظهور النصوص في اعتبار السفر ، كما صرح به في جملة منها.

[3] كما في الجواهر ، لكن في منع صدق السفر في الفرض تأملا.

نعم هو من الأفراد غير المتعارفة ، ومثله لا يقدح في الإطلاق ، وإلا وجب تقييده بالمتعارف سرعة أيضاً. وهكذا سائر الخصوصيات غير المتعارفة. فلاحظ.

[4] كما صرح به جماعة كثيرة. لإطلاق النص والفتوى.

[5] الأسير إن كان له قصد فهو من المكره ، وإلا فهو من المجبور الذي لا اختيار له. وسيأتي حكمه.


1) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

والمكره ونحوهما - أو اختياراً - كالخادم ونحوه - بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة [1] ، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام [2]. ويجب الاستخبار مع الإمكان [3]. نعم في وجوب


[1] كما عن الذكرى والروض ومجمع البرهان وغيرها. ليتحقق للتابع قصدها ، المعتبر في جواز القصر. وما عن الدروس وغيرها : من أنه يكفي قصد المتبوع عن قصد التابع ، على ظاهره غير ظاهر الوجه ، لمنافاته لما دل على اعتبار القصد.

[2] لما تقدم : من أصالة التمام ، المعول عليها عند الشك في المسافة.

ودعوى : أن تعليق التابع قصده بمقصد المتبوع كاف في تحقق قصد المسافة ، إذا كان مقصد المتبوع مسافة واقعاً. مندفعة : بأن الظاهر من الأدلة : اعتبار قصد المساحة المخصوصة ، وعدم كفاية قصد عنوان مردد بين مساحات مختلفة. ولذا يتم طالب الضالة وإن علم أن ضالته في مكان معين في الواقع ، إذا كان ذلك المكان مردداً في نظره بين رأس فرسخ ورأس ثمانية ، كما إذا خرج من النجف جاهلا أن دابته مربوطة في الكوفة أو في الحلة.

[3] أقول : لا ينبغي التأمل في أن المقام ليس من صغريات وجوب الفحص في الشبهات الحكمية والموضوعية ، ليبنى فيه على قاعدة وجوب الفحص ، بناء على عموم أدلتها لكل شبهة إلا ما خرج. حيث أن الوجوب هناك على تقديره إرشادي ، كما حقق في محله. ولذا لا يترتب على مخالفته من حيث هي عقاب ، وإنما يكون العقاب على مخالفة الواقع. ولأجل ذلك يأمن من العقاب بفعل الواقع المحتمل ، ومنه : ما تقدم في المسألة الخامسة ، حيث يمكن الاحتياط بفعل القصر والتمام معاً ، ويأمن بذلك من العقاب. والوجوب هنا على تقديره نفسي ، إذ مع عدم الاختبار يعلم بوجوب التمام ، وعدم وجوب القصر ، لعدم القصد المعتبر فيه ، فلا مجال للاحتياط بفعل

الاخبار على المتبوع إشكال ، وإن كان الظاهر عدم الوجوب [1]

( مسألة 18 ) : إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة ولو ملفقة بقي على التمام [2] ، بل لو ظن ذلك فكذلك [3]. نعم لو شك في ذلك فالظاهر القصر. خصوصاً لو ظن العدم لكن الأحوط في صورة الظن بالمفارقة والشك فيها الجمع.


القصر والتمام ، وإنما الاحتياط بفعل الاختبار ، لاحتمال وجوبه تعبداً. ولأجل ذلك لا ينبغي التأمل في جريان أصل البراءة فيه ، الجاري في سائر موارد الشبهات الوجوبية الكلية. ولا وجه للبناء على وجوبه - كما في المتن وغيره - أو التردد فيه ، كما في الجواهر ، حيث جعل فيه وجهين ، مقتضى الأصل العدم. ونحوه غيره.

لكن الظاهر أن الوجه في حكم المصنف (رحمه اللّه) بالوجوب : بناؤه على أنه من موارد وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية ، كما يتضح ذلك مما يذكره في المسألة العشرين. وفيه : ما سيأتي. ونظير المقام : ما لو أمكنه العلم بموضع دابته الضالة أو عبده الآبق ، فإنه لا يجب الاستخبار أيضاً.

[1] للأصل المتقدم فيما قبله.

[2] لانتفاء القصد المعتبر في القصر.

[3] الظاهر أن المفروض في هذه المسألة صورة إحراز المقتضي للتبعية وكون المفارقة - على تقدير وقوعها - لوجود المانع من دوام السفر أو انتفاء شرطه. بخلاف المسألة الآتية ، فإن احتمال المفارقة فيها لاحتمال زوال مقتضي التبعية. وكيف كان فان كان احتمال المفارقة ناشئاً من احتمال طروء المانع ، أو فقد الشرط ، فكون الظن به مانعاً من تحقق القصد إلى السفر كلية غير ظاهر ، بل لا يبعد حصول القصد إذا كان الداعي له مزيد أهمية.

( مسألة 19 ) : إذا كان التابع عازماً على المفارقة مهما أمكنه ، أو معلقاً لها على حصول أمر ، كالعتق أو الطلاق ونحوهما ، فمع العلم بعدم الإمكان وعدم حصول المعلق عليه يقصر [1]. وأما مع ظنه فالأحوط الجمع. وإن كان الظاهر التمام. بل وكذا مع الاحتمال ، إلا إذا كان بعيداً غايته بحيث


ومن ذلك يظهر الحال في صورة الشك في المفارقة ، والظن بعدمها. بل الظاهر عدم منافاتهما للقصد ، فيجب القصر معهما.

[1] لتحقق القصد إلى المسافة تبعاً ، غير المنافي له القصد إلى المفارقة ، المعلق على أمر غير حاصل باعتقاده. نعم مع الظن بالحصول أو احتماله يكون القصد إلى المسافة تعليقيا لا تنجيزياً ، فلا مجال لاقتضائه القصر ، لما عرفت : من ظهور النصوص والفتاوى في اعتبار القصد التنجيزي في وجوبه وهو مفقود. وإن حكي عن جماعة : القصر في المقام ، بل يظهر من محكي المنتهى - حيث اقتصر في نقل القول بالتمام على قول الشافعي - الاتفاق عليه منا ، بل ظاهر رده على الشافعي - بالنقض بالعبد والمرأة - الاتفاق على القصر فيهما حتى من العامة.

لكن عن نهاية الأحكام : الجزم بالتمام ، معللا بانتفاء القصد. وفي محكي الذكرى : التفصيل بين ظهور أمارة التمكن من المفارقة فالتمام ، وعدمه فالقصر ، للبناء على بقاء الاستيلاء ، وعدم رفعه بالاحتمال البعيد. وكأنه يريد من الاحتمال البعيد ما يقابل الظن بالحصول ، بقرينة المقابلة. وقد عرفت إشكاله. ويحتمل أن يريد ما في المتن : من التفصيل بين احتمال حصول التمكن بعيداً فالقصر ، وغيره فالتمام. ولا بأس به حينئذ ، لكون المفهوم من النص ما يعمه. وإن كان لا يخلو من تأمل.

لا ينافي صدق قصد المسافة ، ومع ذلك أيضاً لا يترك الاحتياط.

( مسألة 20 ) : إذا اعتقد التابع أن متبوعه لم يقصد المسافة ، أو شك في ذلك ، وفي الأثناء علم أنه قاصد لها ، فالظاهر وجوب القصر عليه ، وإن لم يكن الباقي مسافة. لأنه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعاً [1]. فهو كما لو قصد بلداً معيناً واعتقد عدم بلوغه مسافة ، فبان في الأثناء أنه مسافة. ومع ذلك فالأحوط الجمع.

( مسألة 21 ) : لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرهاً على السفر أو مجبوراً عليه [2]. وأما إذا أركب على


[1] قد عرفت الإشكال في ذيل المسألة السابعة عشرة ، وأن تردد المقصد بين مسافات مختلفة مانع من وجوب التقصير ، كتردد مكان الضالة بين بلاد كثيرة مختلفة بالقرب والبعد. نعم لا يقدح تردد المسافة المعينة بين أن تكون ثمانية فراسخ أو دونها في وجوب التقصير واقعاً ، كالخارج من النجف قاصداً الحلة مع تردده في كون المسافة بينهما تبلغ ثمانية فراسخ. والفرق بين تردد العنوان وتردد المعنون ظاهر.

[2] الجبر يقابل الاختيار ، فالمجبور لا اختيار له ولا قصد ، فلا ينبغي إلحاقه بالمكره الحاصل له القصد ، بل ينبغي إلحاقه بما بعده في الاشكال ، من جهة فقد القصد المعتبر في السفر الموجب للقصر. ومجرد أن له حركة سيرية غير اختيارية - كالأسير الذي يسحب قهراً - غير كاف في الإلحاق بالمكره ، لاشتراكهما في عدم القصد. ولعله يريد من المجبور الأسير الذي يقاد فيمشي تبعاً لقائده. لكنه حينئذ يكون من المكره ، لحصول القصد منه الى السير ، وإن كان الداعي له إليه الخوف.

الدابة ، أو ألقي في السفينة من دون اختياره ، بأن لم يكن له حركة سيرية ، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالإيصال إلى المسافة إشكال [1] ، وإن كان لا يخلو عن قوة.


[1] قال في المستند : « قد يختلج بالبال فيه الإشكال ، إذ القصد إنما يكون على العمل ، ولا يصدر منه عمل حتى يكون قاصداً له. ولعدم شمول كثير من أخبار القصر لمثله ، وعدم تبادره من شي‌ء من أخباره ، وإجمال نحو قوله (عليه السلام) : ( التقصير في بريدين ) لاحتمال إرادة قصد بريدين أو سيره ، ومثل ذلك لا يقصد ولا يسير. إلا أن الظاهر الإجماع على وجوب القصر عليه. ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر ... ) (1)فإن ذلك كائن في السفر وان لم يكن مقصوداً له ، ولا معارض له ، فيجب التقصير أيضاً.

وفيه : أنه إن بني على الغض عما دل على اعتبار القصد في القصر ، فلا وجه للمناقشة في إطلاق الأدلة بما ذكر ، وإن بني على النظر إليها ، فلا وجه لدعوى الإجماع على القصر ، ولا للاستدلال عليه بإطلاق الآية.

إذ دعوى الإجماع خلاف ما صرحوا به من اعتبار القصد. وإطلاق الآية مقيد بما دل على اعتباره ، كما لا يخفى. ومثله : دعوى كون المراد من القصد في كلماتهم أعم من العلم ، فإنها خلاف الظاهر. والاستشهاد له بتصريحهم بوجوب القصر على الأسير في أيدي المشركين غير ظاهر ، فإنه أعم من ذلك ، إذ الأسير في الغالب يكون مكرهاً ، لا مجبوراً ، كما هو محل الكلام ، ولا إطلاق في كلامهم يشمله ، لأنه وارد في مقام حكم التابع من حيث أنه تابع.

فالعمدة في وجوب القصر : ما في رواية إسحاق بن عمار ، الواردة في


1) البقرة : 184.

الثالث : استمرار قصد المسافة [1] ، فلو عدل عنه


قوم خرجوا في سفر وتخلف منهم واحد ، قال (عليه السلام) : « بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لأنهم لم يشكوا في مسيرهم وأن السير يجد بهم .. » (1)فإنه يدل على أن تمام موضوع التقصير هو العلم بالسفر ثمانية فراسخ. لكن سند الحديث لا يخلو من إشكال.

[1] نسبه في الحدائق إلى الأصحاب أولا ، وادعى اتفاقهم عليه ثانياً. وفي المستند : عن بعض نفي الخلاف فيه ، وعن آخر : أنه إجماع. واستدل له غير واحد بصحيح أبي ولاد ، الوارد فيمن خرج في سفر ثمَّ بدا له الرجوع ، قال (عليه السلام) فيه : « وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً ، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام ، من قبل أن تؤم من مكانك ، لأنك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت ، فوجب عليك قضاء ما قصرت. وعليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك » (2)، وبما في رواية إسحاق ، من قوله (عليه السلام) : « وإن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة » (3)، وبرواية المروزي فيمن نوى السفر بريدين أربعة فراسخ ، فبدا له بعد ما بلغ فرسخين. قال (عليه السلام) : « وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام » (4).

ويشكل الأول : بأنه ظاهر في اعتبار بلوغ المسافة في صحة التقصير من أول الأمر ، بنحو الشرط المتأخر ، بقرينة أمره بالإعادة ، وهو خلاف


1) تقدم ذكره في أوائل الشرط الأول.

2) تقدم ذلك في أول الشرط الثاني.

3) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

4) تقدم ذكره في المسألة : 15.

قبل بلوغ الأربعة أو تردد أتم. وكذا إذا كان بعد بلوغ الأربعة لكن كان عازماً على عدم العود [1] ، أو كان متردداً في أصل العود وعدمه [2] ، أو كان عازماً على العود لكن بعد نية الإقامة هناك عشرة أيام. وأما إذا كان عازماً على العود من غير نية الإقامة عشرة أيام فيبقى على القصر [3] وإن لم يرجع ليومه [4] بل وإن بقي متردداً إلى ثلاثين يوما. نعم بعد الثلاثين متردداً يتم.

( مسألة 22 ) : يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع


المشهور. ومعارض بصحيح زرارة الآتي (1)، فيكون مطروحاً. ويشكل الثاني : بأنه ضعيف السند. ويشكل الثالث - مضافاً الى احتمال أن يكون المراد من المقام إقامة عشرة أيام - : بأنه لا بد من حمله على ذلك ، إذ لا وجه للتمام على من بلغ بريداً وإن كان من نيته الرجوع. ولا ينافيه ذكر الفرسخين ، لأنها محمولة على الخراسانية ، التي هي ضعف غيرها ، بشهادة تفسير البريد بها ، وأمره بالقصر إذا بلغها ناوياً للرجوع ، أو فرسخين آخرين. فلاحظ.

ويمكن دفع الإشكال في الأول : بأنه يجب حمله - بقرينة الصحيح - على الاستحباب ، ولا مانع من الأخذ بظاهره من وجوب الإتمام إذا رجع. كدفعه في الثاني : بأنه يمكن دعوى انجباره بالعمل. فتأمل.

[1] بأن كان متردداً بين الإقامة والسفر.

[2] بأن كان متردداً بين السفر والإقامة والعود.

[3] لما سيأتي ، مما دل على الاكتفاء بالمسافة النوعية.

[4] لما سبق. من عدم اعتبار الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية.


1) يأتي ذكره في المسألة : 24.

النوع وإن عدل عن الشخص [1] ، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه الى آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه


[1] كما عن غير واحد التصريح به. لصدق المسافة المقصودة. المأخوذة موضوعاً لوجوب القصر. إلا أن يقال : المقدار المعدول اليه لم يكن مقصوداً أولا ، وإنما طرأ قصده ثانياً بعد العدول عن الأول ، فكيف يمكن ضم ما لم يقصد الى ما قد قصد ، وظاهر أدلة اعتبار القصد كون الجميع بقصد واحد ودعوى : أن المسافة النوعية مقصودة بقصد واحد ، كما ترى ، إذ الجامع بين المسافتين مما لم يطرأ عليه القصد ، وإنما طرأ على مسافة شخصية أولا ، ثمَّ طرأ على مسافة شخصية أخرى ثانياً.

فالأولى أن يقال : إن أدلة اعتبار القصد إنما دلت على اعتباره عند الخروج من المنزل ، وأدلة اعتبار استمراره إنما دلت على قدح التردد في أصل السفر لا غير. فلا تشمل صورة العدول عن مسافة إلى مسافة ، بل تبقى مشمولة لأدلة الاكتفاء بالقصد الأول.

ومنه يظهر وهن ما في الروض : من احتمال عدم الترخص ، لبطلان المسافة الأولى بالرجوع عنها ، وعدم بلوغ المقصد الثاني مسافة انتهى فإنه لا مجال لذلك بعد عموم أدلة التقصير له ، ولأجل ذلك أوجب التقصير - في العدول عن الامتدادية إلى الملفقة ولو لم يرد الرجوع ليومه - من لا يقول به في الملفقة من أول الأمر ، إذا كان مريداً للرجوع ليومه ، كالشيخ (رحمه اللّه) في النهاية وغيره. مضافاً إلى ما في صحيح أبي ولاد الوارد فيمن بدا له الرجوع الى البلد ، من قوله (عليه السلام) : « إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً ، كان عليك حين رجعت أن تصلي بالتقصير ، لأنك كنت مسافراً إلى أن تصير في منزلك » (1)، وما في خبر إسحاق بن عمار من قوله (عليه السلام) :


1) تقدم ذكره في أول الشرط الثاني.

مسافة فإنه يقصر حينئذ على الأصح. كما أنه يقصر لو كان من أول سفره قاصداً للنوع دون الشخص [1] ، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق ، ولم يعين من الأول أحدهما بل أو كل التعيين الى ما بعد الوصول الى آخر الحد المشترك ، كفى في وجوب القصر.

( مسألة 23 ) : لو تردد في الأثناء ثمَّ عاد الى الجزم ، فاما أن يكون قبل قطع شي‌ء من الطريق ، أو بعده ، ففي


« إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم ، أقاموا أم انصرفوا » (1)، وما في خبر المروزي من قوله (عليه السلام) : « فاذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا - وذلك أربعة فراسخ - ثمَّ بلغ فرسخين ، ونيته الرجوع ، أو فرسخين آخرين قصر » (2).

ومنه يظهر ما في المحكي عن المقدس البغدادي : من عدم الترخص لو بلغ بريداً وإن أراد الرجوع ليومه ، تمسكاً بإطلاق الأصحاب عدم التقصير فيمن بدا له الرجوع أو تردد ينتظر الرفقة ، لعدم اعتبار التلفيق هنا ، لعدم كونه مقصوداً من قبل. فان ضعفه ظاهر مما سبق.

[1] لإطلاق ما دل على الترخص بمجرد الخروج من المنزل مريداً للسفر ثمانية فراسخ ، فإنه شامل للثمانية الشخصية المعينة وغيرها. ودعوى : انصرافه إلى المسافة الشخصية ساقطة جداً ، لأن المراد من المسافة خط السير ، وتعيينه متعذر غالباً. نعم لا بأس بدعوى الانصراف إلى صورة تعيين المقصد. إلا أنه بدوي ، لا يعول عليه في رفع اليد عن الإطلاق.


1) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

2) تقدم ذكره في المسألة : 15.

الصورة الأولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة [1] ولو ملفقة. وكذا إن لم يكن مسافة في وجه [2] ، لكنه مشكل [3] فلا يترك الاحتياط بالجمع. وأما في الصورة الثانية فإن كان ما بقي


[1] لكفاية قصده للمسافة بعد التردد في وجوب التقصير.

[2] قد جزم به في الجواهر وغيرها ، لتناول الأدلة له ، لأنه يصدق أنه خرج من منزله قاصداً للمسافة. وما دل على قدح التردد ، فإنما دل على قدحه في بقاء الترخص حال وجوده ، ولم يدل على اقتضائه ارتفاع السفر حقيقة أو تعبداً بمجرد حدوثه ، فيتعين الرجوع - بعد ارتفاعه بالعزم على السفر - إلى أدلة الترخص.

[3] لاحتمال كون المرجع في المقام استصحاب حكم الخاص ، لا الرجوع الى عموم العام ، لاحتمال كون عمومات الترخص إنما تدل على حكم واحد مستمر ، بحيث يكون الحكم في الزمان الثاني ملحوظاً بعناية البقاء لوجوده في الزمان الأول ، لا ملحوظاً في نفسه في مقابل وجوده في الزمان الأول ، كما هو مبنى الاحتمالين : احتمال الرجوع الى العام ، واحتمال الرجوع الى الاستصحاب. فالحكم في الزمان الثاني إن كان ثبوته بلحاظ استمراره وبقائه إلى الزمان الثاني فالمرجع الاستصحاب لا العام ، وان كان بلحاظ نفسه في قبال وجوده في الزمان الأول فالمرجع العام ، كما أوضحنا ذلك في تعليقتنا على الكفاية. فإذا شك في ثبوت الحكم في الزمان الثاني ، وأنه على النحو الأول أو النحو الثاني ، لا مجال للرجوع الى العام.

وفيه : أن الظاهر من أدلة التقصير والتمام هو ثبوت الحكم في كل زمان ، مع قطع النظر عن ثبوته فيما قبله ، كما يقتضيه ظهور كون الموضوع المناط به الحكم هو السفر ، وهو صادق على حصص الفرد الزمانية بنحو واحد ونسبة واحدة. مضافاً الى ما في خبر إسحاق المتقدم من قوله (عليه السلام) :

مسافة ولو ملفقة يقصر أيضاً [1] ، وإلا فيبقى على التمام [2]. نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أو لا مع ما بقي بعد العود الى الجزم - بعد إسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد - مسافة ففي العود إلى التقصير وجه ، لكنه مشكل [3] ، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

( مسألة 24 ) : ما صلاه قصراً قبل العدول عن قصده لا تجب إعادته في الوقت [4] فضلا عن قضائه خارجه.


« وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا ، فإذا مضوا فليقصروا » (1). لكن الخبر ضعيف.

[1] على ما عرفت.

[2] كأنه لدعوى : ظهور الأدلة في اعتبار كون حركة السير في الثمانية فراسخ كلها ناشئة عن قصد واحد للثمانية ، وليس كذلك في الفرض ولأجله افترق عن الفرض السابق. ولا يجدي إسقاط المتخلل في دفع المحذور المذكور ، لأن الظاهر من الثمانية الممتدة المتصلة - أعني : أول وجود للمسافة المقدرة بالمقدار المذكور - فإذا أسقط المتخلل فات الاتصال والامتداد. وكأنه لعدم وضوح ذلك عند المصنف (رحمه اللّه) جعل العود الى التقصير في صورة كون المجموع مسافة بعد إسقاط المتخلل وجهاً ، عملا بإطلاق وجوب القصر على المسافر ، المؤيد بخبر إسحاق المتقدم. لكن في الدعوى الأولى تأملا. والتمسك بإطلاق أدلة التقصير ، المؤيد بما في خبر إسحاق قريب.

[3] لما عرفت من ظهور المسافة المعلق عليها التقصير في خصوص المتصلة.

[4] كما هو المشهور شهرة عظيمة ، لصحيح زرارة : « قال سألت


1) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

الرابع : أن لا يكون من قصده في أول السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام [1] قبل بلوغ الثمانية.


أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده ، فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين ، فصلوا ، وانصرف بعضهم في حاجة ، فلم يقض له الخروج ، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين قال (عليه السلام) : تمت صلاته ، ولا يعيد » (1). نعم يعارضه خبر المروزي : « وإن كان قصر ثمَّ رجع عن نيته أعاد الصلاة » (2).

ولأجل ذلك جمع الشيخ في الاستبصار : بحمل الأول على نفي القضاء في خارج الوقت ، والثاني على وجوب الإعادة في الوقت.

وفيه - مع ضعف الثاني في نفسه ، مضافاً الى إعراض الأصحاب عنه ، بل كاد أن ينعقد الإجماع على خلافه ، إذ لم يعرف القول بالإعادة من أحد سواه في خصوص الاستبصار ، وهو غير معد للفتوى ، وإلى أنه جمع بلا شاهد - : أنه معارض في نفي القضاء بصحيح أبي ولاد : « وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً ، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك .. » (3)فيتعين حمل الجميع على الاستحباب.

[1] عن الذخيرة : « لا أعرف فيه خلافاً » ، وعن المدارك : « لا خلاف في أنها قاطعة للسفر ». ويستدل له - مضافاً الى ذلك ، والى استصحاب التمام - بما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة ، وهو بمنزلة أهل مكة ،


1) الوسائل باب : 23 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) تقدم ذكره في المسألة : 15.

3) تقدم ذكره في أول الشرط الثاني.


فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير ، فاذا زار البيت أتم الصلاة ، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر » (1).

اللّهم إلا أن يستشكل في الإجماع : بعدم حجيته ما لم يوجب العلم بالحكم. وفي الأصل : بأنه محكوم لعموم وجوب التقصير على المسافر.

وفي الصحيح : بظهوره في كون التنزيل بلحاظ وجوب التمام لا غير. إلا أن يقال : إن عطف قوله (عليه السلام) : « وهو بمنزلة .. » ظاهر في أنه لبيان حكم آخر ، وإلا كان تأكيداً لما قبله ، وهو خلاف الأصل. بل قوله (عليه السلام) : « فاذا خرج .. » كالصريح في أن محل الإقامة بمنزلة الوطن ، إذا سافر عنه قصر ، وإذا رجع إليه أتم ، وإذا خرج عنه الى ما دون المسافة أتم. نعم عدم التزام الأصحاب بذلك فيه يوجب وهن دلالته جداً ، وكونه مما يرد علمه إلى أهله (عليه السلام). والتفكيك في الحجية بين دلالاته بحيث ينفع فيما نحن فيه ، بعيد عن المذاق العرفي.

نعم قد يشير الى عموم المنزلة صحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) « عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الأيام في المكان. عليه صوم؟ قال (عليه السلام) : لا ، حتى يجمع على مقام عشرة أيام .. إلى أن قال : وسألته عن الرجل يكون عليه الأيام من شهر رمضان وهو مسافر ، يقضي إذا أقام في المكان؟ قال (عليه السلام) : لا ، حتى يجمع على مقام عشرة أيام » (2).

فإن ظاهر السؤال. صدراً وذيلا - كون منشئه تخيل أن المراد بالمسافر ما يقابل المقيم والحاضر معاً ، لا ما يقابل الحاضر فقط ، ولأجل ذلك سأل عن جواز الصوم في حال الإقامة أداء وقضاء ، فيكون الجواب ظاهراً في الإقرار على ذلك إذا كانت مدة الإقامة عشرة. ويؤيد ذلك :


1) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك [1]. وإلا أتم ، لأن الإقامة قاطعة لحكم السفر ، والوصول الى الوطن قاطع لنفسه ، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصداً للمسافة. وكذا يتم لو كان متردداً في نية الإقامة ، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية [2]. نعم لو


ما ورد في وجوب التقصير على كثير السفر إذا كان قد أقام عشرة أيام في بلده أو غيره (1). فتأمل. مضافاً الى أن الظاهر مما دل على وجوب التمام على المقيم - بقرينة مناسبة الحكم لموضوعه - كون التمام بعناية خروجه بالإقامة عن عنوان المسافر. فلعل ذلك كله ، بضميمة تسالم الأصحاب كاف في الحكم بقاطعية الإقامة.

ومما ذكرنا يظهر أن مراد المصنف (رحمه اللّه) بقوله : « لأن الإقامة قاطعة لحكم السفر » : أنها قاطعة له نفسه شرعاً ، في قبال الوطن القاطع له عرفاً حقيقة ، لا أنها رافعة لحكم السفر نظير التردد. وإلا لم يصلح تعليلا للحكم المذكور ، ولا مما تساعده الأدلة. فلاحظ.

[1] إذ بذلك يخرج عن عنوان المسافر عرفاً. وما في المستند : من عدم فرق العرف بين ما إذا مر بمنزلة الذي يتوطنه ، ولا سيما إذا كان راكباً ولا سيما إذا مر عن حواليه ، وبين ما إذا لم يمر - كما ترى - ضعيف. نعم لا بأس به بالنسبة إلى الوطن الشرعي ، بناء على القول به. لكن دليله دل على كونه بمنزلة الوطن العرفي من حيث قاطعية السفر. وسيأتي الكلام فيه.

[2] لعدم قصد السفر المتصل الواحد ، بل يكون المقصود مردداً بين المتصل والمنفصل.


1) راجع الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة المسافر.

لم يكن ذلك من قصده ، ولا متردداً فيه ، إلا أنه يحتمل عروض مقتض لذلك في الأثناء ، لم يناف عزمه على المسافة ، فيقصر. نظير ما إذا كان عازماً على المسافة إلا أنه لو عرض في الأثناء مانع - من لص أو عدو أو مرض أو نحو ذلك - يرجع ، ويحتمل عروض ذلك ، فإنه لا يضر بعزمه وقصده.

( مسألة 25 ) : لو كان حين الشروع في السفر ، أو في أثنائه [1] ، قاصداً للإقامة ، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية ، لكن عدل بعد ذلك عن قصده ، أو كان متردداً في ذلك ، وعدل عن ترديده الى الجزم بعدم الأمرين ، فإن كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه ، أو مع التلفيق بضم الإياب قصر [2] ، وإلا فلا. فلو كان ما بقي بعد العدول الى المقصد أربع فراسخ ، وكان عازماً على العود ولو لغير يومه قصر في الذهاب والمقصد والإياب. بل وكذا لو كان أقل من أربعة ، بل ولو كان فرسخاً فكذلك على الأقوى من وجوب


[1] الأولى إسقاط هذا العطف. فإنه على تقدير القصد في الأثناء يكون داخلا في المسألة الآتية التي استشكل فيها في التقصير والتمام ، فلا وجه لذكره هنا ، ولا لجزمه بالتمام على تقدير عدم كون الباقي مسافة ولو ملفقة كما هو مفاد قوله فيما يأتي : « وإلا فلا ».

فالفرق بين المسألتين : أن الأولى فيما لو كان قصد الإقامة أو التردد فيها من الأول ، والثانية فيما لو كان في الأثناء. ولعل كلمة : « أو في أثنائه » من قلم الناسخ.

[2] لتحقق القصد اللاحق إلى المسافة المتصلة الممتدة أو الملفقة.

القصر في كل تلفيق من الذهاب والإياب ، وعدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد ، كما مر [1].

( مسألة 26 ) : لو لم يكن من نيته في أول السفر الإقامة أو المرور على الوطن ، وقطع مقداراً من المسافة ، ثمَّ بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية ، ثمَّ عدل عما بدا له وعزم على عدم الأمرين ، فهل يضم ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عما بدا له مسافة؟ - فيقصر إذا كان المجموع مسافة ، ولو بعد إسقاط ما تخلل بين العزم الأول والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئاً - إشكال. خصوصاً في صورة التخلل ، فلا يترك الاحتياط بالجمع ، نظير ما مر في الشرط الثالث [2].

الخامس من الشروط : أن لا يكون السفر حراماً [3] ، وإلا لم يقصر. سواء كان نفسه حراماً [4] ، كالفرار من


[1] ومر الاشكال فيه.

[2] لاتحاد مناط المسألتين.

[3] إجماعاً ، كما عن الخلاف ، والمعتبر ، والتذكرة ، والمنتهى ، والدرة ، وظاهر كشف الحق ، والذخيرة ، والكفاية ، ومجمع البرهان ، وغيرها. ويدل عليه جملة من النصوص الآتي إليها الإشارة.

[4] كما هو ظاهر المشهور. ويقتضيه صحيح عمار بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من سافر قصر وأفطر. إلا أن يكون رجلا سفره الى صيد ، أو معصية اللّه تعالى ، أو رسولا لمن يعصي اللّه ، أو في طلب عدو ، أو شحناء ، أو سعاية ، أو ضرر على قوم من المسلمين » (1).


1) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

الزحف ، وإباق العبد ، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج في غير الواجب ، وسفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب ، وكما إذا كان السفر مضراً لبدنه ، وكما إذا نذر عدم السفر مع


فإنه إذا حرم السفر يصدق عليه أنه في معصية ، وموثق سماعة : « ومن سافر قصر الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعاً لسلطان جائر ، أو خرج الى صيد .. » (1).

فان السفر المشايع فيه بنفسه حرام. ومرسل ابن أبي عمير : « لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق » (2)وما ورد في تعليل وجوب التمام على المتصيد بأن التصيد مسير باطل ، بدعوى : أن السفر المحرم باطل ، وليس بحق.

اللّهم إلا أن يستشكل في الجميع : بأن ظاهر قوله (عليه السلام) : « أو في معصية » كونه معطوفاً على قوله : « إلى صيد » ، فيكون المراد سفره في معصية. وظاهره : كون المعصية غير السفر ، فان السفر المعصية غير السفر في المعصية ، الذي هو من قبيل السعي في الحاجة. وأن الظاهر من حرمة المشايعة كونها بلحاظ ما يترتب عليها ، من ترويج الجور والإعانة عليه ، لا من حيث أنها حركة بعنوان المشايعة ، فتكون حينئذ من القسم الثاني. ولو أريد من الثاني خصوص ما كانت الغاية فعلا اختيارياً ، كان هذا قسماً برأسه. ولا يبعد دخوله في قوله (عليه السلام) : « أو في معصية » وحينئذ لا يدل على حكم السفر المحرم نفسه ، كأكثر الأمثلة المذكورة. والظاهر من سبيل الحق ما كان سبيلا إلى الحق ، فلا ينافي تحريمه النفسي - وكذا التعليل بالمسير الباطل - فلا يثبت بهما عموم الدعوى ، إذ قد يكون السفر المحرم بقصد بعض الأغراض الصحيحة العقلائية المباحة أو المستحبة ،


1) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

رجحان تركه ، ونحو ذلك. أو كان غايته أمراً محرماً [1] ، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة ، أو للسرقة ، أو للزنا ، أو لإعانة ظالم ، أو لأخذ مال الناس ظلماً ، ونحو ذلك. وأما إذا لم يكن لأجل المعصية ، لكن تتفق في أثنائه ، مثل الغيبة ، وشرب الخمر ، والزنا ، ونحو ذلك مما ليس غاية للسفر فلا يوجب التمام [2] بل يجب معه القصر والإفطار.

( مسألة 27 ) : إذا كان السفر مستلزماً لترك واجب ،


فيكون مسير حق لا باطل. مع أنه لا يمكن الأخذ بإطلاقهما ، كما لا يخفى ودعوى القطع بالأولية أو المساواة - كما في الجواهر - محل تأمل.

ولأجل بعض ما ذكرنا - مضافاً إلى دعوى استلزامه المنع من ترخص كل مسافر تارك للواجب في سفره ، المقتضي لعدم الترخص إلا للأوحدي - تنظر الشهيد الثاني في الروض في وجوب التمام في هذا القسم.

اللّهم إلا أن يستفاد ذلك من إطلاق معاقد الإجماع ، وعدم العثور على مخالف فيه ، وعدم ثبوت خلاف الشهيد الثاني ، ولا سيما وكون خلافه - على تقديره - للشبهة الأخيرة غير الواردة ، وعلى تقدير ورودها إنما تقدح في عدم الترخص في السفر المستلزم ترك الواجب - كما يأتي الكلام فيه - لا ما حرم في نفسه ، كما هو محل الكلام. فتأمل جيداً.

[1] يعني : كانت غايته فعلا اختيارياً بالمباشرة محرماً. وبذلك افترق عن السفر المضر ببدنه. وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في قدحه في الترخص. وتدل عليه النصوص المتقدمة ، وغيرها.

[2] هو واضح لا خلاف فيه ، كما في مفتاح الكرامة. لقصور الأدلة من النصوص والإجماعات عن شموله. فالمرجع فيه أصالة القصر على المسافر.

كما إذا كان مديوناً وسافر مع مطالبة الديان وإمكان الأداء في الحضر دون السفر ونحو ذلك ، فهل يوجب التمام أم لا؟ الأقوى التفصيل بين [1] ما إذا كان لأجل التوصل الى ترك الواجب أو لم يكن كذلك ، ففي الأول يجب التمام ، دون الثاني. لكن الأحوط الجمع في الثاني.


[1] لا ينبغي التأمل في أن الكون في الحضر - الذي يتوقف عليه أداء الدين الواجب - والكون في السفر من قبيل الضدين. وعليه إن لم نقل بأن وجود أحد الضدين مقدمة لترك الآخر فالسفر المذكور ليس مقدمة لترك الواجب ، فلا يمكن قصد التوصل به إليه ، فضلا عن أن يكون معصية ويقتضي التمام ، لعدم الدليل على ذلك ، حيث لا تشمله النصوص المتقدمة ، ولا الإجماعات ، فلا موجب للخروج عن أصالة القصر على المسافر. وإن قلنا بمقدميته له كان البناء على التمام فيه في محله ، لصدق كونه سفراً في معصية.

نعم لا بد من التفاته إلى ترتب ترك الواجب عليه ، لعدم صدق السفر في المعصية بدونه. وحينئذ يتعين التفصيل بين الالتفات إلى الغاية المذكورة وعدمه ، لا قصد التوصل وعدمه. وإذ أن التحقيق : انتفاء المقدمية المذكورة ، فالقول بوجوب القصر مطلقاً في محله.

اللّهم إلا أن يقال : المعيار في كون السفر في معصية نظر المسافر ، لا الواقع. فكما أنه إذا سافر بقصد الوصول اختياراً إلى غاية محرمة ، صدق كون سفره سفراً في معصية ، وإن لم يصل الى الغاية ولم تترتب على سفره ، بل وإن لم يكن سفره مقدمة لها أصلا واقعاً. كذلك اعتقاد المقدمية مع الالتفات أو القصد إلى الغاية كاف في الصدق ، ولا يتوقف على ثبوتها

( مسألة 28 ) : إذا كان السفر مباحاً ، لكن ركب دابة غصبية ، أو كان المشي في أرض مغصوبة ، فالأقوى فيه القصر [1]. وإن كان الأحوط الجمع.

( مسألة 29 ) : التابع للجائر إذا كان مجبوراً ، أو مكرهاً على ذلك ، أو كان قصده دفع مظلمة ، أو نحوها من


واقعاً. فالتفصيل بين صورة البناء على المقدمية مع الالتفات الى ترتب ترك الواجب فيجب التمام ، وبين غيرها فيجب القصر. في محله.

وعليه فاعتبار قصد التوصل في وجوب التمام - كما في المتن - وعدم الاكتفاء بمجرد الالتفات ، غير ظاهر الوجه ، للاكتفاء به في حسن العقاب في سائر الموارد في الغايات التوليدية ، وإن لم يحصل قصد التوصل. ولعل ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) راجع إلى ما قلنا ، وإن بعد. وسيأتي - إن شاء اللّه - في المسألة السادسة والثلاثين تحقيق كون المدار على الواقع ، أو على اعتقاد المسافر.

[1] لاختصاص النصوص بما لو كان السفر بما أنه طي للمسافة حراماً ، فلا تشمل صورة ما لو كان التحريم بلحاظ كونه تصرفاً في مال الغير بركوبه عليه ، أو لبسه له ، أو وضعه في جيبه ، أو نحو ذلك. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر وغيرها من وجوب التمام.

اللّهم إلا أن يقال : اختصاص النصوص بغير ما ذكر ممنوع ، بل إطلاقها يقتضي عموم الحكم له. مع أن ذلك يقتضي عدم الترخص بالسفر المضر بالبدن ، فان تحريمه ليس بعنوان كونه سفراً بل بعنوان كونه مضراً. وكذا سفر الولد مع نهي الوالد ، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج ، فان تحريمهما بعنوان كونهما معصية للوالد ، وخروجاً من البيت بغير إذن الزوج. وكذا الحال في كل سفر يحرم لحرمة غايته التوليدية ، إذا كانت تترتب على السفر ، لا من حيث كونه بعداً عن الوطن.

الأغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصر [1]. وأما إذا لم يكن كذلك - بأن كان مختاراً ، وكانت تبعيته إعانة للجائر في جوره - وجب عليه التمام [2] ، وان كان سفر الجائر طاعة [3] ، فإن التابع حينئذ يتم ، مع أن المتبوع يقصر.

( مسألة 30 ) : التابع للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر [4] ، فسافر امتثالا لأمره ، فان عد سفره إعانة للظالم في ظلمة كان حراماً [5] ، ووجب عليه التمام ، وإن كان من حيث هو - مع قطع النظر عن كونه إعانة - مباحاً. والأحوط الجمع. وأما إذا لم يعد إعانة على الظلم ، فالواجب عليه القصر.

( مسألة 31 ) : إذا سافر للصيد ، فان كان لقوته وقوت عياله قصر [6] ،


[1] لانتفاء المعصية من كل وجه.

[2] لصدق كونه سفراً في معصية.

[3] لعدم قصده المعصية.

[4] يعني : لغاية مباحة. وإلا كان من القسم الثاني بلا إشكال.

[5] هذا لا إشكال فيه ، إنما الإشكال في المعيار في صدق الإعانة وعدمه ، والكلام فيه في محل آخر.

[6] بلا خلاف - كما عن التنقيح ، والذخيرة - بل هو مجمع عليه نقلا ، إن لم يكن تحصيلا - كما في الجواهر - لإطلاق ما دل على وجوب القصر في السفر. مضافاً الى ما في مرسل محمد بن عمران القمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « .. إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر ، وليقصر » (1).


1) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

بل وكذا لو كان للتجارة [1]. وإن كان الأحوط فيه الجمع. وإن كان لهواً - كما يستعمله أبناء الدنيا - وجب عليه التمام [2].


وقصور نصوص نفي الترخص بسفر الصيد - بواسطة التعليل فيها بأنه مسير باطل ، وب « إنما خرج في لهو » - عن شموله.

[1] كما هو المشهور بين المتأخرين. لما تقدم من إطلاق وجوب القصر على المسافر. لكن المحكي عن أكثر القدماء قصر الصوم ، دون الصلاة. بل في محكي السرائر : « إن أصحابنا أجمعوا على ذلك فتيا ، ورواية ». وعن المبسوط : نسبته إلى رواية أصحابنا. وليس عليه دليل ظاهر ، عدا ما ذكر من الإجماع ، والمرسلتين (1). وفي الاعتماد عليها - في تقييد إطلاقات ترخص المسافر ، وما دل على تلازم الإفطار والقصر ، كصحيح معاوية بن وهب : « إذا قصرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصرت » (2)- تأمل. أو منع. إذ الإجماع المنقول ليس بحجة. والمرسلتان غير معلومتي الدلالة ، وإن كانتا مجبورتي السند.

اللّهم إلا أن يكون قوله في المبسوط : « إنه يتم ويفطر الصوم » - ونحوه في السرائر نقل للمتن باللفظ ، أو المعنى. وهو غير قاصر الدلالة ، فيكون حجة. واحتمال عدم وروده في المقام بعيد جيداً. والمسألة بعد لا تخلو من إشكال.

[2] إجماعاً ، حكاه جماعة كثيرة. وعن الأمالي : إنه من دين الإمامية.

ويدل عليه النصوص الكثيرة ، كصحيح عمار بن مروان ، وموثق سماعة ، المتقدمين (3)وخبر السكوني : « سبعة لا يقصرون .. إلى أن قال : والرجل


1) المراد بهما : مرسلتا الشيخ في المبسوط والحلي في السرائر.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 17.

3) تقدم ذكرهما في الشرط الخامس.

ولا فرق بين صيد البر والبحر [1]. كما لا فرق - بعد فرض كونه سفراً - بين كونه دائراً حول البلد ، وبين التباعد عنه ، وبين استمراره ثلاثة أيام وعدمه على الأصح [2].


يطلب الصيد ، يريد به لهو الدنيا » (1)، وصحيح زرارة « عمن يخرج من أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه الليلتين والثلاث ، هل يقصر من صلاته ، أو لا يقصر؟ قال (عليه السلام) : إنما خرج في لهو ، لا يقصر » (2). إلى غير ذلك.

[1] لإطلاق النصوص والفتاوى. اللّهم إلا أن يدعى : انصرافه إلى المعهود المتعارف بين الملوك وأبناء الدنيا ، من صيد الأول بالبزاة والكلاب كذا في الجواهر. لكن عرفت : أن التعارف لا يوجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الإطلاق.

[2] لإطلاق الأدلة. نعم عن الإسكافي : « المتصيد ماشياً إذا كان دائراً حول المدينة ، غير مجاوز حد الترخص لم يقصر يومين. فان تجاوز الحد واستمر دورانه ثلاثة أيام ، قصر بعدها ». وهو غير واضح. نعم يشير الى ما في ذيله خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام. وإذا جاوز الثلاثة لزمه » (3).

لكنه مما لا مجال للعمل به بعد مخالفته لما سبق. ومثله صحيح العيص : « أنه سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يتصيد ، فقال : إن كان يدور حوله فلا يقصر ، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر » (4). ونحوه صحيح صفوان عن عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل .. » (5)فإنهما - مع ما هما عليه من الإجمال -


1) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

4) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

5) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

( مسألة 32 ) : الراجع من سفر المعصية ان كان بعد التوبة يقصر [1]. وان كان مع عدم التوبة فلا يبعد وجوب التمام عليه ، لكون العود جزءاً من سفر المعصية [2]. لكن الأحوط الجمع حينئذ [3].

( مسألة 33 ) : إباحة السفر كما أنها شرط في الابتداء شرط في الاستدامة أيضاً. فلو كان ابتداء سفره مباحاً ، فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخصه [4] ، ووجب عليه الإتمام ، وإن كان قد قطع مسافات [5]. ولو لم يقطع بقدر المسافة


محمولان على الصيد للقوت ، جمعاً.

[1] لعدم كونه سفراً في معصية أو نحو ذلك. فالمرجع فيه عموم القصر على المسافر.

[2] كما ذكر بعض الأعيان ، وحكاه عن المحقق القمي في أجوبة مسائله. وفيه منع ظاهر ، لاختلافهما موضوعاً ، وعنواناً. ولذا نفى في الجواهر الإشكال في الترخص في العود. إلا أن يكون قصد به المعصية أيضاً.

[3] وفي حاشية النجاة لشيخنا الأعظم (رحمه اللّه) : « الأحوط في كل سفر معصية الإتمام في العود ، كما قيل. إلا أن يندم .. ». وهو من المشكلات. ولذا علق عليه سيدنا الأعظم (رحمه اللّه) في حاشيته : « بل الأحوط الجمع ». ولعل مراد شيخنا : أن الأحوط التمام مع القصر المذكور في متن نجاة العباد ، لا التمام وحده. فتأمل.

[4] لعدم الفرق بين الابتداء والاستدامة ، كما صرح به غير واحد ، على نحو يظهر أنه من المسلمات. وهو كذلك ، لإطلاق الأدلة.

[5] كما صرح به في الجواهر وغيرها ، بنحو يظهر كونه من المسلمات ،

صح ما صلاه قصراً. فهو كما لو عدل عن السفر ، وقد صلى قبل عدوله قصراً [1] ، حيث ذكرنا سابقاً أنه لا يجب إعادتها وأما لو كان ابتداء سفره معصية ، فعدل في الأثناء إلى الطاعة


ولم يعرف فيه خلاف صريح. نعم في حاشية النجاة لشيخنا الأعظم (رحمه اللّه) : « فيه تأمل مع قطع المسافة الموجبة للقصر ». وكأن وجه التأمل : احتمال كون نصوص هذا الشرط - أعني : شرط الإباحة - إنما تكون مقيدة لإطلاق المسافة المأخوذة موضوعاً لوجوب التقصير ، فيكون المحصل بعد الجمع بينهما : أنه لا بد في التقصير من قصد السفر المباح ثمانية فراسخ ، فاذا حصل ذلك للمكلف وجب عليه التقصير إلى أن يخرج عن كونه مسافراً ، بالمرور بالوطن ، أو ما هو بمنزلته ، لا مقيدة للحكم بوجوب التقصير ، حتى يكون المتحصل بعد الجمع بينهما : أن كل مسافر يجب عليه التقصير في حال عدم كون سفره معصية ، كي يكون لازمه وجوب التمام في الفرض ، كما في المتن ، وغيره.

وبالجملة : مرجع التأمل المذكور في حاشية شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) : إلى إرجاع شرطية الإباحة إلى تقييد السفر في المسافة المخصوصة ، ومرجع ما في المتن : إلى تقييد حكم السفر في المسافة المخصوصة. فعلى الأول إذا تحقق السفر المباح في المسافة المخصوصة يجب التقصير ، وإن نوى في سفره الباقي المعصية ، وعلى الثاني يجب التمام إذا نوى ذلك ، لأن انتفاء شرط وجوب القصر يوجب انتفائه. والأظهر ما ذكره شيخنا الأعظم. وكان اللازم الجزم بوجوب القصر. وكأن الذي منعه عن الجزم كون المعروف وجوب التمام وسيأتي ما له دخل في المقام.

[1] إذ غاية ما تقتضيه نصوص المقام تقييد السفر بالمباح ، فيكون مقتضى الجمع بينها ، وبين ما دل على اعتبار القصد ، وبين صحيح زرارة السابق في المسألة الرابعة والعشرين : كون تمام موضوع القصر هو قصد السفر

فان كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر [1] ، وإن كانت ملفقة من الذهاب والإياب [2] ، بل وإن لم يكن الذهاب أربعة على الأقوى [3]. وأما إذا لم يكن مسافة ولو ملفقة فالأحوط الجمع بين القصر والتمام. وإن كان الأقوى القصر [4] ، بعد كون مجموع ما نواه بقدر المسافة ولو ملفقة ، فإن المدار على حال العصيان والطاعة ، فما دام عاصياً يتم ، وما دام مطيعاً يقصر ، من غير نظر إلى كون البقية مسافة أو لا.


المباح. والمفروض حصوله حال الصلاة ، فتكون موافقة للأمر الواقعي ، وهي تقتضي الإجزاء.

[1] لتحقق الموضوع ، وهو قصد السفر المباح البالغ المسافة.

[2] كما في الرياض ، وعن غيره. وعن بعض نفي الخلاف فيه.

والظاهر أن مرادهم الاكتفاء به في الجملة ، على الشروط المقررة في المسافة الملفقة - من اعتبار كون كل من الذهاب والإياب أربعة وعدمه ، والرجوع ليومه وعدمه ، كل على مذهبه - لا الاكتفاء به مطلقاً ، ليكون منافياً لما ذكروه في غير قاصد المسافة ابتداء ونحوه ، من عدم ضم ما بقي من الذهاب إلى الرجوع ، وإن كان هو في نفسه مسافة. وإن احتمل في الجواهر وغيرها المنافاة لذلك ، لكنه خلاف الظاهر.

[3] لكن تقدم الاشكال فيه.

[4] كأن وجهه ما عرفت : من أن نصوص المقام كما يحتمل أن تكون مخصصة لأدلة الترخص بخصوص سفر غير المعصية ، ويكون سفر المعصية خارجاً عنها ، يحتمل أيضاً أن تكون مقيدة لإطلاق حكم الترخص بخصوص حال غير المعصية ، فيكون سفر المعصية باقياً تحت عنوان السفر ، غايته أنه

( مسألة 34 ) : لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة


يجب التقصير في حال الطاعة ، والتمام في حال المعصية. ومع الدوران بين تقييد الموضوع وتقييد الحكم يتعين الثاني ، عملا بأصالة الإطلاق في الموضوع ولا يعارضها أصالة الإطلاق في الحكم ، للعلم بسقوطها عن الحجية في زمان المعصية ، إما للتخصيص أو للتخصص ، كما أشرنا الى ذلك في مسألة التردد في الأثناء.

وفيه : أن الظاهر من قوله (عليه السلام) في مرسل ابن أبي عمير : « إلا في سبيل حق » (1)، وقوله (عليه السلام) في موثق عبيد : « لأنه ليس بمسير حق » (2)وقوله (عليه السلام) في خبر ابن بكير : « فان التصيد مسير باطل » (3)ونحوها غيرها : كون سفر المعصية مستثنى من موضوع السفر ، فيكون موضوع الترخص خصوص قصد السفر الذي لا يكون معصية ، على نحو تكون الإباحة شرطاً للموضوع ، لا لحكمه. وحينئذ يمتنع أن ينطبق على أي قطعة تفرض من سفر المعصية ، فلا بد في الفرض من استئناف مسافة جديدة. ولأجل ذلك لم يعرف الخلاف فيه ، كما اعترف به غير واحد صريحاً ، أو ظاهراً.

نعم لو سافر بقصد السفر المباح ، فنوى في أثنائه المعصية ، ثمَّ عدل منها إلى غيرها ، فالمشهور وإن كان اعتبار مسافة جديدة ، لكن المحكي عن ظاهر نهاية الشيخ ، والمعتبر ، والروضة ، وصريح الذكرى ، وغيرها ، عدم اعتبارها ، بل يكفي كون المجموع من السابق واللاحق مسافة ، بإسقاط المتخلل ، أو مع انضمامه. والوجه فيه : ما تقدم هنا ، وفي مبحث التردد


1) تقدم ذكره في الشرط الخامس من هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 7.

والمعصية فمع استقلال داعي المعصية لا إشكال في وجوب التمام [1]. سواء كان داعي الطاعة أيضاً مستقلا ، أو تبعاً. وأما إذا كان داعي الطاعة مستقلا وداعي المعصية تبعاً ، أو كان بالاشتراك ، ففي المسألة وجوه [2].


في الأثناء. وإذ عرفت ظهور الأدلة في تقييد الموضوع ، كان اللازم عدم احتساب المتخلل. كما أنك إذ عرفت ظهور نصوص المسافة في خصوص الممتدة المتصلة ، كان المتعين عدم الضم أصلا ، كما هو المشهور.

نعم ما ذكرناه لا يلائم ما تقدم عن المشهور : من وجوب التمام إذا عدل إلى المعصية ، وإن قطع مسافات ، كما عرفت. وبالجملة : فتوى المشهور فيما لو عدل إلى المعصية ، وفيما لو عدل إلى الطاعة ، غير متلائمة وغير مبتنية على مبنى واحد. نعم في المتن أفتى في المقامين على مبنى واحد ، كما يظهر ذلك بالتأمل فيما ذكرناه.

وأما مرسل السياري عن أبي الحسن (عليه السلام) : « إن صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة ، فإذا عدل عن الجادة أتم ، فإذا رجع إليها قصر » (1)فمع ضعفه بالإرسال ، وعدم ثبوت الجابر له ، ظاهر في التفصيل في الترخص لصاحب الصيد ، وهو خلاف الإجماع. وحمله على من خرج لا بقصد الصيد ، ثمَّ عدل عن الطريق للصيد ، فيكون شاهداً لما نحن فيه - كما عن الشيخ (رحمه اللّه) - لا قرينة عليه. فرفع اليد عنه متعين. هذا إذا كان الرجوع الى قصد المباح بعد قطع مقدار من المسافة ، أما لو رجع اليه قبل ذلك كان البناء على القصر في محله ، كما عرفت في مبحث التردد.

[1] لوضوح صدق سفر المعصية.

[2] أحدها : وجوب القصر ، بدعوى : ظهور نصوص سفر المعصية


1) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.

والأحوط الجمع. وإن كان لا يبعد وجوب التمام [1]. خصوصاً في صورة الاشتراك ، بحيث لو لا اجتماعهما لا يسافر.

( مسألة 35 ) : إذا شك في كون السفر معصية أو لا ، مع كون الشبهة موضوعية ، فالأصل الإباحة [2]. إلا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة [3] ، أو كان هناك أصل موضوعي ، كما إذا كانت الحلية مشروطة بأمر وجودي ، كإذن المولى ، وكان مسبوقاً بالعدم ، أو كان الشك في الإباحة والعدم من جهة الشك في حرمة الغاية وعدمها ، وكان الأصل فيها الحرمة [4].


فيما إذا كان داعي المعصية صالحاً للعلية بالاستقلال. وثانيها : وجوب التمام لما يأتي. وثالثها : التفصيل بين صورة الاشتراك في الداعوية ، فيجب التمام وكون داعي المعصية تابعاً ، فيجب القصر. بدعوى : ظهور النصوص في كون المراد من سفر المعصية ما يكون للحرام دخل فيه ، بحيث لولاه لم يكن.

[1] لأنه يكفي في كونه سفراً في معصية كونه سائراً بقصد المعصية ، بلا فرق بين الصور المذكورة.

[2] فإنه الأصل الجاري في الشبهة الموضوعية التحريمية.

[3] إذ حينئذ يكون استصحابها حاكماً على أصالة الإباحة. وكذا الحال في الأصل الموضوعي الجاري في نفي الشرط ، فإنه حاكم عليها ، كما هو شأن الأصل السببي.

[4] إذ جريان الأصل المذكور يوجب كون الغاية معصية تعبداً ، فيصدق على السفر أنه سفر في معصية ، فيكون من قبيل إحراز جزء الموضوع بالأصل ، وجزئه الآخر بالوجدان.

( مسألة 36 ) : هل المدار في الحلية والحرمة على الواقع أو الاعتقاد ، أو الظاهر من جهة الأصول؟ [1] إشكال. فلو اعتقد كون السفر حراماً ، بتخيل أن الغاية محرمة ، فبان خلافه ، كما إذا سافر لقتل شخص بتخيل أنه محقون الدم ، فبان كونه مهدور الدم ، فهل يجب عليه إعادة ما صلاه تماماً [2] أو لا؟ ولو لم يصل وصارت قضاء ، فهل يقضيها قصراً أو تماماً؟ وجهان [3]. والأحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المدار على الواقع [4] ، إذا لم نقل بحرمة التجري ، وعلى


[1] هذا معطوف على الاعتقاد ، الذي هو بديله يختص بحال الشك ، الذي هو موضوع الأصل ، فيكون عدلا للواقع ، في قبال الاعتقاد الذي هو عدل له أيضاً.

[2] وكذا قضاؤه. لعدم الفرق بين الإعادة والقضاء على تقدير البطلان.

[3] ينشآن : من ظاهر قوله (عليه السلام) : « إلا في سبيل حق » (1)، أو « في معصية اللّه » (2)، « أو رسولا لمن يعصي اللّه » (3)، أو « طلب شحناء » (4)، ونحو ذلك ، في إناطة الحكم بالتحريم الواقعي. ومن أن الإباحة لما كانت شرطاً في السفر - الذي أخذ موضوعاً للترخص بعنوان كونه مقصوداً ، لا بوجوده الواقعي الخارجي - كان الظاهر من اعتبارها فيه هو اعتبارها كذلك ، فيكون القادح في الترخص قصد المعصية. ولا سيما بملاحظة كون الحكم بالترخيص إرفاقياً ، كما يظهر من النصوص. ومنها بعض نصوص المقام.

[4] فإنه الظاهر من كلمات الأصحاب ، حيث جعلوا الإباحة شرطاً


1) ورد ذلك في مرسل ابن أبي عمير المتقدم في الشرط الخامس من هذا الفصل.

2) ورد ذلك كله في صحيح عمار بن مروان المتقدم في الشرط الخامس.

3) ورد ذلك كله في صحيح عمار بن مروان المتقدم في الشرط الخامس.

4) ورد ذلك كله في صحيح عمار بن مروان المتقدم في الشرط الخامس.

الاعتقاد إن قلنا بها. وكذا لو كان مقتضى الأصل العملي الحرمة وكان الواقع خلافه ، أو العكس ، فهل المناط ما هو في الواقع ، أو مقتضى الأصل بعد كشف الخلاف؟ وجهان. والأحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المناط هو الظاهر ،


للسفر ، كشرط بلوغ المسافة بريدين ، الظاهر في كونها شرطاً واقعياً ، لا قصدياً بل ظاهر النصوص أيضاً ، لما ذكر. ومجرد كون السفر المأخوذ شرطاً للترخص قصدياً لا خارجياً ، لا ينافي ذلك إذا ساعدته الأدلة ، ولذا لا نقول بذلك في البلوغ بريدين ، فان جميع ما ذكر فيه التمام من أنواع سفر المعصية في النصوص كان محرماً واقعياً ، لا قصدياً اعتقادياً.

ودعوى : أن ظاهر قوله (عليه السلام) : « في معصية اللّه ، أو رسولا لمن يعصي اللّه » ، كون ذلك بنظر المكلف. ممنوعة ، بل الظاهر كون المراد منه السفر في الحرام ، ولو بنحو الرسالة اليه. ومناسبة الإرفاق لا تنافي ذلك لأن في جعل الترخيص لخصوص السفر المباح واقعاً ، دون الحرام كذلك ، نحواً من الإرفاق أيضاً. وليست حيثية الإرفاق علة يدور مدارها الحكم جزماً ، بل هي حكمة يجوز تخلفها ، فليس ذلك مما يصلح لأجله رفع اليد عن الظاهر.

هذا إذا لم نقل بحرمة التجري. أما لو قلنا بها فاللازم البناء على التمام مع اعتقاد الحرمة أيضاً ، لتحقق الحرمة للسفر بالفرض ، ولو كانت من أجل التجري. واعتبار الحرمة بالعنوان الأولي لا ملزم به. وحينئذ تكون نتيجة ذلك الاكتفاء في نفي الترخص بإحدى الحرمتين : الأولية الواقعية ، والثانوية الناشئة من التجري ، لا أنه يكون المدار على الاعتقاد لا غير ، كما يظهر من المتن.

الذي اقتضاه الأصل ، إباحة أو حرمة [1].

( مسألة 37 ) إذا كانت الغاية المحرمة في أثناء الطريق لكن كان السفر إليها مستلزماً لقطع مقدار آخر من المسافة ، فالظاهر أن المجموع يعد من سفر المعصية [2] ، بخلاف ما إذا لم يستلزم.


[1] أما إباحة فظاهر ، فانا وإن لم نقل بثبوت حكم ظاهري في قبال الحكم الواقعي ، لكن لا بد لنا من القول بالترخيص الشرعي في فعل الحرام ، إذا كان الأصل يقتضي الحل. وحينئذ يكون السفر سائغاً ومرخصاً فيه شرعاً حقيقة. وأما حرمة فينبغي ابتناؤه على ما سبق من القول بحرمة التجري وعدمها. إذ على الأول يكون السفر محرماً شرعاً بعنوان التحري ، وإن كان حلالا بالعنوان الواقعي الأولي. وعلى الثاني يكون حلالا لا غير ، فيجب فيه القصر واقعاً. فإجراء أصل الإباحة وأصل الحرمة على نحو واحد - كما في المتن - غير ظاهر.

هذا ويمكن أن يقال : إن مورد النصوص ، والمستفاد منها : كون الموضوع هو الحرام الواقعي ، لا ما يشمل الحرام من جهة التجري. وغاية ما يدعى : انصرافه إلى صورة تنجز ذلك الحرام على المكلف. وهذا هو الأقرب. ولا سيما وأن البناء على حرمة التجري شرعاً بعيد جداً ، إذ غاية ما يمكن الالتزام به هو إيجابه لاستحقاق العقاب ، كالمعصية الحقيقية. فتأمل جيدا. واللّه العالم.

[2] هذا إذا كان الاستلزام من جهة المقدمية ، كما إذا كان مرسى السفن - التي تركب في طريق الغاية المحرمة - واقعاً في مكان أبعد من الغاية بميل ونحوه مثلا. أما إذا لم يكن للمقدمية ، بل لتلازم القطعتين من السفر لتلازم غايتهما ، فلا وجه لعده جزءاً من سفر المعصية. ولعل المراد الصورة الأولى.

( مسألة 38 ) : السفر بقصد مجرد التنزه ليس بحرام ، ولا يوجب التمام [1].

( مسألة 39 ) : إذا نذر أن يتم الصلاة في يوم معين ، أو يصوم يوماً معيناً وجب عليه الإقامة ولو سافر وجب عليه القصر ، على ما مر [2] : من أن السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام ، إلا إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب والأحوط الجمع.


[1] يظهر من المقدس البغدادي ، والجواهر ، وغيرهما الإجماع عليه. واستدل عليه في الجواهر : بالأصل ، والسيرة القطعية.

[2] يعني : في المسألة السابعة والعشرين. وفيه : أن ذلك إنما كان في الاستلزام الناشئ من التضاد الذاتي بين فعل الواجب والسفر ، لا الناشئ من مقدمية ترك السفر للواجب ، كما في المقام ، فان ترك السفر مقدمة شرعاً للصوم وإتمام الصلاة ، لاعتباره فيهما ، فيكون نذرهما نذراً له. وقد تقدم في أول هذا الشرط : أن السفر المنذور تركه من سفر المعصية ، يجب فيه التمام. وبالجملة : إتمام الصلاة المنذورة إن كان خصوص الإتمام المشروع بشرائطه الشرعية ، كان نذره منحلا إلى نذر شرطه ، وهو ترك السفر ، فيجري فيه ما سبق. وإن كان مطلق الإتمام وإن لم يكن مشروعاً كان النذر باطلا. فالبناء على صحة النذر ملازم لإلحاق السفر في الفرض بالقسم الأول من أقسام سفر المعصية.

نعم مقتضى جواز السفر في شهر رمضان اختياراً الجواز هنا ، بضميمة قاعدة الإلحاق. ويؤيده - بل يشهد به - : رواية عبد اللّه بن جندب : « سمعت من زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « انه سأله عن رجل جعل على

( مسألة 40 ) : إذا كان سفره مباحاً ، لكن يقصد الغاية المحرمة في حواشي الجادة ، فيخرج عنها لمحرم ويرجع إلى الجادة. فإن كان السفر لهذا الغرض كان محرماً موجباً للتمام وإن لم يكن كذلك ، وإنما يعرض له قصد ذلك في الأثناء ، فما دام خارجاً عن الجادة يتم [1] ، وما دام عليها يقصر. كما أنه إذا كان السفر لغاية محرمة ، وفي أثنائه يخرج عن الجادة ،


نفسه نذر صوم ، فحضرته نية في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام). قال (عليه السلام) : يخرج ، ولا يصوم في الطريق ، فاذا رجع قضى ذلك » (1). وقريب منها غيرها. ويأتي - إن شاء اللّه تعالى - في كتاب الصوم : أن مقتضى الجمع بين الأدلة ، أن الحضر شرط لنفس الصوم ، لا لمشروعيته. لكن لم يؤخذ وجوده مطلقاً كذلك ، بل خصوص وجوده من باب الاتفاق ، لا بداعي وجوده ، فلا يكون نذر الصوم نذراً للحضر ، ولا للإقامة. فتأمل جيداً. وسيأتي الكلام في هذه المسألة في المسألة الثانية والعشرين من الفصل الآتي.

[1] هذا يتم بناء على مختاره : من أن إباحة السفر شرط في الترخص لا في السفر الذي جعل موضوعاً له ، كما تقدم في ذيل المسألة الثالثة والثلاثين. أما على المختار : من كونها شرطاً في السفر الذي جعل موضوعاً له ، فلا يجوز التقصير إذا رجع إلى الجادة. إلا إذا كان الباقي مسافة ، ولو ملفقة.

ثمَّ إن الظاهر أن محل الفرض ما لو كان الخروج عن الجادة معدوداً عرفاً جزءاً من السفر ، بحيث يكون خط السير الخروجي معدوداً جزءاً من المسافة المحدودة. أما لو كان معدوداً عرفاً خارجاً عنها ، كما لو غضب على المكاري ، فنزل عن دابته يركض إليه ليضربه ظلماً ، أو خرج من منزله إلى المواضع التي حوله ليسرق متاعاً ، أو يشرب ماء غصباً ، أو


1) الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

ويقطع المسافة أو أقل [1] لغرض آخر صحيح ، يقصر ما دام خارجاً. والأحوط الجمع في الصورتين.

( مسألة 41 ) : إذا قصد مكاناً لغاية محرمة ، فبعد الوصول إلى المقصد قبل حصول الغرض يتم [2]. وأما بعده فحاله حال العود عن سفر المعصية ، في أنه لو تاب يقصر ، ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام ، لعد المجموع سفراً واحداً [3]. والأحوط الجمع هنا ، وإن قلنا بوجوب القصر


يدخل بستاناً بغير إذن أهله ، فالظاهر بقاؤه على التقصير في حال الخروج ، فضلا عن حال الرجوع.

[1] أما في الأول فلا ينبغي الإشكال في الترخص حال الخروج ، لقصد السفر المباح مسافة. وأما في الأقل فهو مبني على ما سبق في ذيل المسألة الثالثة والثلاثين.

[2] لعدم انتهاء سفر المعصية قبل حصولها ، بل يصدق عليه أنه مسافر لقصد المعصية.

[3] لا ريب في أن المسافر من حين خروجه من وطنه إلى أن يرجع اليه ، سفره سفر واحد ، ما لم ينقطع بأحد قواطع السفر ، وهو منتف في الفرض. نعم عد المجموع سفراً واحداً إنما يوجب التمام في حال كونه في المقصد ، قبل الشروع في الإياب ، لأحد وجهين.

الأول : صدق سفر المعصية عليه حينئذ. لكنه منتف. لأن كونه في المقصد لم يقصد منه معصية ، ولا هو معصية.

الثاني : أن تكون إباحة السفر شرطاً للموضوع ، لأنه على هذا المبنى لم يتحقق منه سفر مباح ، ليجب عليه القصر ، لأن السفر السابق كان سفر

العود ، بدعوى : عدم عده مسافراً قبل أن يشرع في العود [1].

( مسألة 42 ) : إذا كان السفر لغاية ، لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم ، منضماً إلى الغرض الأول ، فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة ، لكون الغاية في ذلك المقدار ملفقة من الطاعة والمعصية [2].


معصية ، والسفر اللاحق المباح لم يتحقق منه ، فيجب عليه التمام. أما إذا كانت الإباحة شرطاً للحكم ، فالسفر السابق لا قصور في موضوعيته للقصر ، وإنما القصور في الحكم ، من جهة عدم حصول شرطه ، وهو الإباحة. وهذا الشرط إنما انتفى قبل حصول الغرض الحرام. أما بعد حصوله فقد حصل شرط الإباحة ، فيتعين القصر. وبعبارة أخرى : بعد حصول الغرض الحرام يصدق على هذا المكلف أنه مسافر ، وليس سفره معصية ، فيجب عليه القصر. لكن عرفت سابقا الإشكال في هذا المبنى ، وإن كان ظاهر المصنف (رحمه اللّه) اختياره. ولو تمَّ ذلك كان اللازم الجزم بوجوب القصر مطلقاً ، وإن لم يتب ، إذ التوبة وعدمها لا يوجبان اختلافاً في الصدق وعدمه.

[1] قد عرفت الإشارة إلى أن الفرق بين الشروع في الإياب وما قبله ، حال كونه في المقصد ، إنما يتم بناء على أخذ الإباحة شرطاً للموضوع لأن تحقق السفر المباح يتوقف على الشروع فيه ، فقبله لا سفر مباح. أما إذا أخذت شرطاً للحكم فالسفر السابق موضوع للحكم ، وإنما لم يثبت له الحكم لانتفاء شرطه ، بحصول قصد المعصية ، فإذا زال قصد المعصية بحصولها ، فقد حصل الشرط ، وثبت الحكم.

[2] يعني : وقد عرفت فيما سبق وجوب التمام في مثله ، لصدق كون السفر في معصية.

والأحوط الجمع ، خصوصاً إذا لم يكن الباقي مسافة [1].

( مسألة 43 ) : إذا كان السفر في الابتداء معصية ، فقصد الصوم ، ثمَّ عدل في الأثناء إلى الطاعة. فإن كان العدول قبل الزوال وجب الإفطار [2]. وإن كان بعده ففي صحة الصوم ووجوب إتمامه إذا كان في شهر رمضان مثلا ، وجهان [3]. والأحوط الإتمام والقضاء. ولو انعكس بأن كان طاعة في الابتداء وعدل إلى المعصية في الأثناء. فان لم يأت بالمفطر ،


[1] لم يظهر لهذه الخصوصية دخل في الاحتياط المذكور ، لأن الملفق من المعصية إن كان معصية عرفاً وجب التمام ، وإن كان الباقي مسافة. وإلا وجب القصر ، وإن لم يكن الباقي مسافة. فالعمدة في الاحتياط : الإشكال في صدق المعصية على الملفق وعدمه.

[2] لما يأتي إن شاء اللّه تعالى في كتاب الصوم : من وجوب الإفطار لمن سافر قبل الزوال المفروض حصوله. نعم لا بد على المعروف - كما سبق - من وجوب كون الباقي مسافة ، ومن وجوب الشروع فيه. ولا يفطر بمجرد العدول ، كما عرفت.

[3] ينشآن : من أن مقتضى البناء على أن الإباحة ليست شرطاً في السفر الموجب للترخص ، وإنما هي شرط في الترخص ، فيكون المسافر في الفرض مسافراً قبل الزوال. غاية الأمر أنه لم يقتض سفره الترخص حال قصد المعصية. وإنما يقتضيه حال قصد الطاعة ، وذلك بعد الزوال ، فيجب الإفطار. ومن أن المعيار في إفطار اليوم وصومه حال الزوال ، فاذا كان صائماً صوماً صحيحاً حاله لا يجب عليه الإفطار بعد ذلك. وكأنه لأجل ذلك توقف المصنف (رحمه اللّه) عن الحكم. وإلا فلازم مبناه من أن المدار

وكان قبل الزوال ، صح صومه [1]. والأحوط قضاؤه أيضاً وإن كان بعد الإتيان بالمفطر ، أو بعد الزوال بطل [2]. والأحوط إمساك بقية النهار تأدباً إن كان من شهر رمضان [3].

( مسألة 44 ) : يجوز في سفر المعصية الإتيان بالصوم الندبي ، ولا يسقط عنه الجمعة ، ولا نوافل النهار ، والوتيرة ، فيجري عليه حكم الحاضر [4].

السادس من الشرائط : أن لا يكون ممن بيته معه [5] ،


في الترخص وعدمه على حال الإباحة والعصيان ، هو وجوب الإفطار والقضاء جزماً ، لما تقدم من الوجه الأول ، وضعف الوجه الثاني ، لعدم ثبوته.

هذا وإذ عرفت أن الإباحة شرط للسفر الموجب للترخص ، فيكون السفر المشروط بها في الفرض حاصلا بعد الزوال ، كان الواجب الحكم بصحة الصوم ، ووجوب إتمامه بلا قضاء ، كما لو سافر ابتداء بعد الزوال.

[1] فإنه حينئذ يكون كمن سافر وحضر قبل الزوال ، فإنه ينوي الصوم ويتمه. ولا فرق بين القول بأن الإباحة شرط للسفر ، والقول بأنها شرط في الترخص.

[2] كما لو سافر أول النهار وحضر بعد الزوال ، أو بعد استعمال المفطر. ولا فرق أيضاً بين القولين المتقدمين آنفاً في ذلك.

[3] يعني : استحباباً. وسيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في كتاب الصوم بيان وجهه.

[4] لظهور النص والفتوى في اختصاص حكم المسافر بخصوص السفر المباح ، من دون فرق بين الأحكام.

[5] بلا خلاف فيه ، كما عن جماعة. نعم المعروف بينهم : إرجاع

كأهل البوادي من العرب والعجم ، الذين لا مسكن لهم معيناً بل يدورون في البراري ، وينزلون في محل العشب والكلاء ، ومواضع القطر واجتماع الماء. لعدم صدق المسافر عليهم [1].


هذا الشرط وما بعده إلى شرط واحد ، وإن اختلفت عبارتهم عنه. فعبر المعظم : بأن لا يكون سفره أكثر من حضره ، وآخر : بأن لا يكون كثير السفر ، وثالث : بأن لا يكون السفر عملا له ، ورابع : بأن لا يكون ممن يلزمه الإتمام في السفر ، وخامس : بأن لا يكون سفره في حكم حضره ، وسادس : اقتصر على ذكر العناوين الموجودة في النصوص ، من المكاري ، والجمال ، والملاح ، والراعي ، والجابي الذي يدور في جبايته ، والأمير الذي يدور في إمارته ، والتاجر الذي يدور في تجارته ، والبدوي الذي يتطلب مواضع القطر ومنابت الشجر ، و ( الاشتقان ) وهو البريد أو أمين البيدر ، و ( الكري ) وهو الساعي (1).

وما ذكره المصنف (رحمه اللّه) - تبعاً لجماعة - أولى ، لاختلاف الشرطين مفهوماً ، مع تضمن النصوص لكل منهما بخصوصه. ففي مضمر إسحاق بن عمار : « عن الملاحين والأعراب هل عليهم تقصير؟ قال (عليه السلام) : لا ، بيوتهم معهم » (2)، ومرسل سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الأعراب لا يقصرون ، وذلك أن منازلهم معهم » (3).

[1] كما يشير إليه التعليل في النصوص : بأن بيوتهم معهم ، فان المراد منه ذلك. وحينئذ فلو كان متوطناً في بلد معين ، وكان له بيت ينقل ، فسافر فيه اتفاقاً ، لزيارة ونحوها ، قصر وإن كان بيته معه ، لصدق المسافر


1) راجع الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.

نعم لو سافروا لمقصد آخر ، من حج ، أو زيارة ، أو نحوهما قصروا [1]. ولو سافر أحدهم لاختيار منزل ، أو لطلب محل القطر أو العشب ، وكان مسافة ، ففي وجوب القصر أو التمام عليه إشكال [2]. فلا يترك الاحتياط بالجمع.

السابع : أن لا يكون ممن اتخذ السفر عملا وشغلا له [3] كالمكاري ، والجمال ، والملاح ، والساعي ، والراعي ، ونحوهم فإن هؤلاء يتمون الصلاة والصوم في سفرهم الذي هو عمل لهم ، وإن استعملوه لأنفسهم ، كحمل المكاري متاعه أو أهله من مكان إلى مكان آخر. ولا فرق بين من كان عنده بعض


عليه حينئذ. نعم لو جعل نفسه من الذين يسكنون البيوت المبنية على الحط والارتحال أتم ، كأهل القرى الذين يتوطنون في أيام الصيف منازلهم ، وفي أيام الشتاء يرتحلون في بيوتهم إلى مواضع القطر والنبت ، لحاجة أنعامهم الى ذلك.

[1] كما عن جماعة كثيرة من المتأخرين ومتأخريهم ، بل عن الغوالي : دعوى الإجماع عليه. لعدم كون بيوتهم معهم. والمستفاد من التعليل في النصوص : دوران الحكم مداره وجوداً وعدماً ، فلو سافروا للزيارة ونحوها ، وكانت بيوتهم معهم أتموا.

[2] ينشأ : مما سبق. ومن أن السفر لما كان راجعاً إلى إصلاح شؤون بيته كان كأنه سفر وهو في بيته. ولكنه - كما ترى - خروج عن ظاهر التعليل من غير ملزم. فالبناء على القصر فيه حيث لا يكون بيته معه متعين.

[3] بلا خلاف ، كما عرفت. ويدل عليه صحيح زرارة : « قال أبو

الدواب يكريها إلى الأماكن القريبة من بلاده [1] ، فكراها


جعفر (عليه السلام) : أربعة قد يجب عليهم التمام في السفر كانوا أو في الحضر : المكاري ، والكري والراعي ، والاشتقان ، لأنه عملهم » (1). ومثله مرفوع ابن أبي عمير ، بزيادة « الملاح » (2). ومقتضى حمل التعليل المذكور على الارتكاز العرفي عموم الحكم لمن كان بانياً على الاستمرار على السفر للتعليم أو للتعلم أو لغير ذلك من الغايات المحللة. فالعمال الذين يسافرون كل يوم من وطنهم إلى خارج المسافة للعمل ثمَّ الرجوع الى وطنهم ليلا يتمون صلاتهم ، ويصومون شهر رمضان ، وان لم يصدق أن عملهم السفر بل عملهم البناء ، أو الحفر ، أو نحو ذلك. كل ذلك حملا للتعليل على مقتضى الارتكاز العرفي ، وهو الاستمرار على السفر لأي غاية كانت. مضافاً الى ما ورد في التاجر الذي يدور في تجارته ، والأمير الذي يدور في إمارته ، والجابي الذي يدور في جبايته. فإن هؤلاء شغلهم الجباية ، والامارة ، والتجارة التي تكون في السفر ، وليس السفر نفسه شغلهم. ولا فرق بينهم وبين العمال المذكورين في أن السفر مقدمة لما هو عملهم.

وحاصل ما يشير اليه التعليل : أن الذي شغله السفر ليس له مقر يسافر عنه ، فيكون ممن لا مقر له إلا منازل السفر ، فيكون من قبيل من بيته معه ، ولذا وجب عليه التمام.

[1] بشرط أن يبلغ المسافة ، كما نص عليه في الجواهر. لأن الظاهر من السفر - الذي جعل التمام لمن كان هو عملا له - هو السفر الشرعي ، الذي يكون موضوعاً للقصر لو لا كونه عملا. وقد يشير إلى ذلك خبر إسحاق : « عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الأيام ، أعليهم التقصير


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر حديث : 12.

الى غير ذلك من البلدان البعيدة وغيره. وكذا لا فرق بين من جد في سفره [1] ، بأن جعل المنزلين منزلا واحداً ، وبين


إذا كانوا في سفر؟ قال (عليه السلام) : نعم » (1). ونحوه خبره الآخر (2).

[1] كما هو المشهور شهرة عظيمة. لإطلاق أدلة التمام على المسافر الذي اتخذ السفر عملا. نعم عن ظاهر الكليني والشيخ في التهذيب : وجوب التقصير إذا جد السير. للنصوص المستفيضة الدالة على ذلك ، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « المكاري والجمال إذا جد بهما السير فليقصروا » (3)، وصحيح البقباق : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكارين يختلفون ، فقال (عليه السلام) : إذا جدوا السير فليقصروا » (4)، والمروي عن كتاب ابن جعفر عن أخيه (عليه السلام) : « عن المكارين الذين يختلفون الى النيل ، هل عليهم إتمام الصلاة؟ قال (عليه السلام) : إذا كان مختلفهم فليصوموا ، وليتموا الصلاة. إلا أن يجدبهم السير ، فليقصروا وليفطروا » (5). حاملين للجد على معنى جعل المنزلين منزلا واحداً.

ومال إلى العمل بها أصحاب المنتقى ، والمدارك ، والذخيرة ، والمفاتيح والحدائق. وإن خالفوهم في معنى جد السير ، فحملوه على ظاهره ، وهو المعنى العرفي ، وهو زيادة السير على القدر المتعارف ، بنحو يحصل منه جهد ومشقة ، وإن لم يبلغ جعل المنزلين منزلا ، إذ لا قرينة على ما ذكره الشيخان. وهو في محله.


1) الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

4) الوسائل باب : 13 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

5) الوسائل باب : 13 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

من لم يكن كذلك. والمدار على صدق اتخاذ السفر عملا له عرفاً [1] ،


إلا أن العمل بالنصوص المذكورة - بعد إعراض الأصحاب عنها ، حتى الشيخ في كتبه الفتوائية - مشكل. ولا سيما وأن ظاهر الكليني (رحمه اللّه) توهينها ، إذ أنه بعد ما روى روايات التمام قال : « وفي رواية أخرى : « المكاري إذا جد به السير فليقصر » (1). قال : ومعنى جد السير : جعل المنزلين منزلا ». فان إرساله لهذه الروايات لا يخلو من دلالة على وهنها. فلا مجال لرفع اليد بها عن عموم ما سبق.

وحملها على ما إذا أنشأ المكاري والجمال سفراً غير صنعتهما - كما عن الذكرى - أو على ما إذا أقاما عشرة - كما عن المختلف - أو على ما إذا قصدا المسافة قبل تحقق الكثرة - كما عن الروض - بعيد جداً. نعم الأقرب منها ما احتمله في الذكرى. من حملها على ما إذا كانت المكاراة فيما دون المسافة ، ويكون جد السير عبارة عن قصد المسافة ، فيكون محملها محمل خبري إسحاق المتقدمين (2). لكنه لا يتم في مرسل عمران بن محمد : « الجمال والمكاري إذا جد بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين ، ويتما في المنزل » (3)الذي يجب تقييد ما تقدم به ، على تقدير جواز العمل به ، وعدم قدح الاعراض عنه فيه. وإرساله قد لا يمنع عن ذلك ، بعد اعتماد الشيخ عليه. بل قد يدعى قصور ما تقدم عن اقتضاء القصر في المنزل. فتأمل.

[1] لما عرفت من التعليل ، الحاكم على بقية النصوص الدالة على وجوب التمام على أحد العناوين الخاصة ، من المكاري ، والجمال ، ونحوهما ، فيدور وجوب التمام مداره وجوداً وعدماً. ومنه يظهر ضعف ما عن الذكرى


1) الوسائل باب : 13 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

2) تقدم ذكرهما في التعليقة السابقة.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده الى مكان آخر [1].


وجماعة : من كون المدار على صدق أحد العناوين الخاصة ، أو صدق عملية السفر ، وما عن الحلبي : من أن المدار على صدق أحد العناوين الخاصة ، من المكاري ، والجمال ، ونحوهما.

اللّهم إلا أن يكون مراده ما ذكرنا ، لغلبة تلازم صدق تلك العناوين مع عملية السفر. وقد عرفت أن المراد من عملية السفر مزاولته وتعاطيه ، على نحو يكون صاحبه لا مقر له الا منازل السفر ، فهي بيوته التي تتناوب عليه.

[1] الظاهر تحقق الصدق العرفي بمجرد التلبس بالسفر بانياً على أنه عمله ، ولا يتوقف على طول السفر ، ولا على تكرره ، كما عن المقدس البغدادي استظهاره ، وفي الجواهر : « لا يخلو من وجه ».

فان قلت : إذا كانت الإقامة عشرة أيام رافعة لحكم التمام ، فكيف لا تكون الإقامة طول العمر كذلك؟! فكيف يجب التمام في السفرة الأولى؟! قلت : هذا شرط آخر لوجوب التمام ، أعني : عدم إقامة عشرة أيام فما زاد. ويمكن حصوله بالسفرة الأولى ، كما لو سافر إلى بلد زائراً ، فأقام بها يوماً ، ثمَّ اشترى دواباً وصار مكارياً وسافر.

فان قلت : ظاهر جملة من النصوص اعتبار الاختلاف ، وهو لا يتحقق بالسفرة الأولى. قلت : الظاهر من الاختلاف الاختلاف بمعنى الملكة المأخوذ في مفهوم المكاري. لا أقل من وجوب حمله على ذلك ، بقرينة التعليل المتقدم. ولو بني على حمله على الفعلية كان اللازم اعتبار التكرر بنحو الشرط المتأخر ، كما يقتضيه الفعل المضارع ، لا الشرط المتقدم الذي هو مدلول الفعل الماضي ، كما يدعيه الجماعة. وإذ لا قائل باعتباره بنحو الشرط المتأخر يتعين حمله على الملكة.

فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرات [1] ، أو مرتين [2]. فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحق الحكم ، وهو وجوب الإتمام. نعم إذا لم يتحقق الصدق إلا بالتعدد يعتبر ذلك.

( مسألة 45 ) : إذا سافر المكاري ونحوه ممن شغله السفر سفراً ليس من عمله كما إذا سافر للحج أو للزيارة - يقصر [3]. نعم لو حج أو زار ، لكن من حيث أنه عمله


[1] كما في الروض ، والرياض. حملا لإطلاق النصوص على الغالب المتعارف. وفيه : أن الغالب في المكاري من تكرر منه السفر أكثر من ثلاث مرات ، بل أكثر من ذلك بكثير ، فاللازم التخصيص بهم لو بني على الحمل على الغالب ، ولا وجه لتخصيصه بذي الثلاث. مضافاً إلى أن ظهور التعليل ليس بالإطلاق ، ليختص بالمتعارف. مع أن التعارف والغلبة لا يوجبان القدح في الإطلاق ، كما هو محقق في محله. ومثله ما عن الذكرى : من أن المدار على صدق وصف أحدهم ، أو صدق عملية السفر ، وأن ذلك إنما يحصل بالمرة الثالثة. إذ فيه : ما عرفت من المنع.

[2] كما عن المختلف. لتوقف صدق الاختلاف عليه ، ولا يحتاج الى الثلاث. وفيه : أيضاً ما عرفت.

[3] كما في الجواهر. اقتصاراً في تقييد الأدلة على المتيقن ، وهو السفر الذي يدخل في عملهم ومكاراتهم ، لانصراف الأدلة عن غيره. بل هو ظاهر الأدلة ، لأن الضمير في قوله (عليه السلام) : « لأنه عملهم .. » راجع الى السفر المحكوم بوجوب التمام ، فلا بد في السفر المحكوم بوجوب التمام فيه أن يكون من عملهم. وقد يشير اليه صحيح ابن مسلم : « ليس

• كما إذا كرى دابته للحج أو الزيارة ، وحج أو زار بالتبع - أتم [1].

( مسألة 46 ) : الظاهر وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحج [2]. بخلاف


على الملاحين في سفينتهم تقصير » (1)، حيث خص الحكم بالسفينة. ونحوه خبر ابن جعفر (عليه السلام) (2). ولعله أيضاً محمل خبري إسحاق المتقدمين (3). ومنه يظهر ضعف القول بالإتمام ، اعتماداً على إطلاق أدلة التمام على من كان عمله السفر.

هذا بناء على أن الموضوع عملية السفر. أما إذا كان المراد مزاولة السفر وتعاطيه على نحو تكون منازل السفر كبيوته المتبادلة ، لعزمه على اتخاذها بيوتاً له ، فاللازم التمام ، لأن هذا السفر كغيره من أسفاره.

[1] لأنه في عمله.

[2] كما نص عليه في الجواهر وغيرها. لعدم صدق كون السفر عملهم ، الذي عرفت أنه مدار وجوب التمام. والوجه في ذلك : أن عملية السفر - كعملية سائر الحرف والصنائع - موقوفة على البناء على المزاولة مرة بعد أخرى ، على نحو لا يكون له فترة طويلة غير معتادة لمن يزاول تلك الحرفة أو الصنعة. ولذا لا يظن أن يحتمل أن من كان بناؤه على السفر من النجف الأشرف إلى كربلاء للبيع على الزائرين في الزيارات المأثورة فهو ممن عمله السفر ، لأن الفترات بين أيام الزيارات منافية لصدق عملية السفر. كما أن من كان بناؤه على نسيج ثلاثة أثواب أو أربعة في كل سنة ليلبسها


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر حديث : 7.

3) تقدم ذكرهما في أوائل الشرط السابع.


لا يصدق عليه أنه نساج وعمله النساجة. فهؤلاء المسافرون في كل سنة إلى مكة في أشهر الحج لا يصدق عليهم أنهم عملهم السفر ، وإن كان بناؤهم على ذلك في كل سنة ، لتحقق الفترة المنافية لصدق عملية السفر ، فلا تجدي مزاولتهم للسفر المذكور - بلحاظ ضم السنين بعضها إلى بعض - في صدق كون السفر عملهم.

نعم لو بنى بعض أهل مكة على مكاراة جماله في أشهر الحج بين جدة ومكة ، على نحو عزم على التردد مرة بعد أخرى ، بلا فترة منافية للاستمرار عرفاً على العمل المذكور ، كان في أشهر الحج ممن عمله السفر ، ووجب عليه التمام. وبالجملة : اعتبار المواظبة والتكرر في صدق كون السفر أو غيره عملا مما لا مجال لإنكاره عرفاً.

ويدل عليه صحيح هشام : « المكاري ، والجمال الذي يختلف وليس له مقام ، يتم الصلاة ، ويصوم شهر رمضان » (1)- ونحوه غيره - إذ المراد من الاختلاف تكرر الذهاب والإياب بلا فترة. وهذا المعنى غير موجود في الحملدارية ونحوهم ، ممن يسافر في كل سنة مرة أو مرات متفرقة بنحو لا يصدق معه المواظبة على السفر ، والاختلاف فيه ، والاستمرار عليه. فالمرجع في حكمهم أصالة القصر على المسافر. وإلى ذلك تومي مكاتبة محمد بن جزك إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) : « إن لي جمالا ، ولي قوام عليها ، ولست أخرج فيها إلا في طريق مكة ، لرغبتي في الحج ، أو في الندرة إلى بعض المواضع ، فما يجب علي إذا خرجت معهم أن أعمل ، أيجب علي التقصير في الصلاة والصيام في السفر ، أو التمام؟ فوقع (عليه السلام) : إذا كنت لا تلزمها ، ولا تخرج معها في كل سفر إلا إلى مكة فعليك تقصير وإفطار » (2).


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

من كان متخذاً ذلك عملا له في تمام السنة ، كالذين يكرون دوابهم من الأمكنة البعيدة ، ذهاباً وإياباً ، على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها ، فإنه يتم حينئذ [1].

( مسألة 47 ) : من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء ، أو بالعكس ، الظاهر وجوب التمام عليه [2]. ولكن الأحوط الجمع.


[1] لأن الفترة بين السفرات الواقعة في السنين - لقلتها - لا تمنع من صدق الاختلاف والمزاولة والاستمرار ، فيصدق أنهم ممن عملهم السفر. نعم لو اشترى دواباً ليكريها ، ذهاباً وإياباً ، مرة بعد أخرى ، في مدة معينة كسنة ، فاتفق أنه كراها إلى مقصد معين ، ثمَّ إلى آخر - وهكذا - حتى تمادى به السير ستة أشهر ذاهباً ، من دون قصد الاستمرار على ذلك ، وإنما كان عن البداء المرة بعد الأخرى ، لم يبعد القول بوجوب التمام عليه في تمام ذهابه وإيابه ، لكفاية عزمه السابق في صدق عملية السفر. أما لو كان قاصداً المكاراة عليها من مقصد الى آخر - وهكذا إلى نهاية الغاية - قصر في الذهاب والإياب ، إذ ليس حاله إلا حال من قصد السفر إلى نهاية ستة أشهر ذاهباً وآئباً ، مرة واحدة لسبب اتفاقي ، الذي لا إشكال في وجوب القصر عليه ، لعدم كونه ممن عملهم السفر. وكذا لو كان متردداً بين الصورتين من أول الأمر. فالمدار حينئذ في صدق عملية السفر ، ووجوب التمام على قصد المكاراة ذاهباً وآئباً ، مرة بعد أخرى ، على النحو المتعارف بين المكارين ، ليصدق عليه أنه لا مقر له إلا منازل السفر.

[2] وفي الجواهر : « فيه وجهان : ينشآن من إطلاق الدليل ، وصدق العملية له في هذا الحال ، مع اختلافه ذهاباً وإياباً متكرراً. ومن أن المتيقن الأول ، فيبقى غيره على أدلة القصر. والأحوط الجمع ». وفيه : أنه

( مسألة 48 ) : من كان التردد الى ما دون المسافة عملا له كالحطاب ونحوه - قصر إذا سافر [1] ، ولو للاحتطاب. إلا إذا كان يصدق عليه المسافر عرفاً ، وإن لم يكن بحد المسافة الشرعية ، فإنه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه إذا سافر بحد المسافة [2]. خصوصاً فيما هو شغله من الاحتطاب مثلا.


لا وجه للاقتصار على المتيقن ، مع اقتضاء الإطلاق التمام. ولا سيما بملاحظة ما ورد : من إتمام الجابي والاشتقان ، بناء على أنه أمين البيدر ، فان عمليتهما للسفر إنما تكون في أوقات مخصوصة.

واحتمال الفرق : بأن وضع هذه الأعمال على هذا الحال ، إذ عملية كل شي‌ء بحسبه ، بخلاف التاجر ونحوه. ضعيف جداً بعد ما عرفت من صدق عملية السفر في المقامين بنحو واحد ، فليست عملية السفر مثل التوطن محتاجة إلى قصد الدوام. بل تتوقف على قصد المزاولة للسفر مدة معتداً بها ، بحيث يكون لا مقر له الا منازل السفر ، التي يتردد إليها ذاهباً وآئباً ، كما عرفت. ولا يتوقف ذلك على أن يكون في تمام السنة.

[1] كما تقدم في أوائل هذا الشرط.

[2] بل هو المحكي عن الموجز الحاوي. لكنه ضعيف - ويظهر من بعض عدم القول به من أحد سواه - لما عرفت من أن ظاهر أدلة التمام على من كان عمله السفر كونه حكماً على من كان عمله السفر الموجب للقصر لو لا كونه عملا مطلقاً ، فيكون لسانها لسان الاستثناء من أدلة التقصير. نعم في الفرض المذكور لو كان عازماً على مزاولة السفر الشرعي للاحتطاب ولكنه لعدم تيسره له اشتغل بالسفر الى ما دون المسافة ، أو كان ذلك أعود

( مسألة 49 ) : يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لا يقيم في بلده أو غيره عشرة أيام [1]. وإلا انقطع حكم عملية السفر ،


له ، فاذا سافر إلى المسافة للاحتطاب جرى عليه حكم السفرة الأولى ممن اتخذ السفر عملا له ، التي قد عرفت أن الظاهر من الأدلة أن حكمها وجوب التمام. ولو كان عازماً على الاحتطاب مطلقاً ، إما من المسافة أو مما دونها فاشتغل بالاحتطاب مما دونها ، ثمَّ اتفق له أن قصد الاحتطاب من المسافة ، قصر كالأول.

[1] على المشهور. وعن المعتبر : نفي الخلاف فيه. وعن المدارك : أن ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه. واستدل له بمصحح هشام المتقدم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « المكاري ، والجمال الذي يختلف وليس له مقام ، يتم الصلاة ، ويصوم شهر رمضان » (1). فان الظاهر من المقام إقامة عشرة أيام ، إما لأنها المتبادر منه عند الإطلاق في النص والفتوى. أو للإجماع على عدم التقصير بإقامة ما دونها. أو لأن البناء على إطلاقه يوجب التقصير لكل مكار غالباً ، لتحقق الإقامة في الجملة ولو بعض يوم ، وذلك مما لا يمكن الالتزام به. وفيه - مع رجوع الأخير إلى ما قبله - : أن من المحتمل - بقرينة العطف على الاختلاف - أن يكون المراد من المقام ما ينافي مفهوم المكاري عرفاً ، فلا يكون مما نحن فيه. وبخبر عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « المكاري إن لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار ، وأتم بالليل ، وعليه صوم شهر رمضان. وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام وأكثر ، قصر في سفره وأفطر » وفيه : انه - مع ضعف سنده بإسماعيل بن مرار المجهول. ومتروكية ظاهره


1) تقدم ذكره في المسألة : 46 من هذا الفصل.


من التقصير نهاراً بإقامة الخمسة فما دونها - قاصر الدلالة على ما نحن فيه ، وإنما يدل على وجوب التقصير في السفر إلى مقصد يقيم فيه عشرة. نعم رواه الصدوق (رحمه اللّه) عن عبد اللّه بن سنان - وطريقه اليه صحيح - هكذا : « المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتم صلاة الليل ، وعليه صيام شهر رمضان. فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر ، وينصرف إلى منزله ويكون له مقام عشرة أيام أو أكثر ، قصر في سفره وأفطر » (1). وظاهره اعتبار أمرين في وجوب التقصير : إقامة عشرة في البلد الذي يذهب اليه ، ومثلها في بلده الذي يرجع اليه. وهو أيضاً غير ما نحن فيه. وبمرسل يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم. قال (عليه السلام) : أيما مكار أقام في منزله ، أو في البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام ، وجب عليه الصيام والتمام أبداً. وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام ، فعليه التقصير والإفطار » (2). وفيه - مع ضعف سنده بالإرسال ، وبإسماعيل بن مرار - : أنه يدل على اعتبار أكثر من عشرة أيام ، وهو غير المدعى بل مناف له.

اللّهم إلا أن يدفع الأول : برواية الشيخ (رحمه اللّه) له عن كتاب نوادر الحكمة ، ولم يستثن القميون من رواياته مثله ، فدل ذلك على اعتمادهم عليه وكفى به مصححاً. والثاني : بأن الظاهر من الشرطيتين كون إحداهما تصريحاً بمفهوم الأخرى ، وجعل الثانية تصريحاً بمفهوم الأولى أولى من العكس لموافقته للترتيب الذكري ، ولمناسبته لقاطعية إقامة العشرة للسفر الشرعي. فتأمل.

ولعل من هنا يتضح المراد برواية ابن سنان التي رواها الشيخ ، وأن


1) الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

وعاد الى القصر في السفرة الأولى خاصة [1] ، دون الثانية ،


المراد أنه يقصر في سفره من البلد الذي يذهب اليه ويقيم عشرة ، لا من سفره اليه ، كما قد يشهد به : ظهورها في أن المقابلة بين الصدر والذيل من جهة الاختلاف بينهما في الإقامة خمسة وعشرة لا غير. وبه أيضا يتضح المراد من المتن الذي رواه الصدوق. فيكون ما ذكره الأصحاب : - من أن إقامة المكاري عشرة في بلده أو غيره موجبة لتقصيره في سفره عنه - مستفاداً من مجموع النصوص المذكورة. واشتماله على ما هو متروك الظاهر لا يقدح في الحجية.

[1] كما عن السرائر ، والمدارك ، والرياض ، وعن المهذب البارع والذخيرة : الميل اليه ، ونسب الى المحقق مذاكرة ، وإلى السيد عميد الدين. اقتصاراً فيما دل على القصر على المتيقن ، وهو السفرة الأولى ، والرجوع في غيره الى عموم وجوب التمام. وعن الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم : العود الى التمام في الثالثة ، لزوال الاسم بالإقامة ، فيكون حاله كالمبتدئ. ولأنه مقتضى صحيح هشام المتقدم ، المعتبر للاختلاف مع عدم المقام ، إذ لا يصدق ذلك إلا في الثالثة (1).

وفيه : المنع من زوال الاسم. ومجرد وجوب القصر لا يدل عليه. والعرف أقوى شاهد عليه. مع أنك عرفت عدم اعتبار التعدد في المبتدئ وأما الصحيح فقد عرفت إشكال الاستدلال به في المبتدئ. فراجع. فلا مجال لرفع اليد عن عموم ما دل على وجوب التمام لمن كان عمله السفر.

بل الظاهر إن أدلة الترخص للمقيم عشرة ممن عمله السفر بنفسها كافية في وجوب التمام ، لأنها - كما تضمنت وجوب القصر بشرط الإقامة عشرة - تضمنت وجوب التمام بشرط عدم الإقامة عشرة ، فكل سفر عن الإقامة


1) راجع المسألة : 46 من هذا الفصل.

فضلا عن الثالثة [1]. وإن كان الأحوط الجمع فيهما. ولا فرق في الحكم المزبور بين المكاري ، والملاح ، والساعي ، وغيرهم ممن عمله السفر [2]. أما إذا أقام أقل من عشرة أيام


المذكورة يوجب القصر ، وكل سفر لا يكون عنها يوجب التمام. ولو لا ذلك لأشكل الرجوع الى عموم وجوب التمام في السفر الثالث ، لأن دليل القصر بعد الإقامة عشرة من قبيل الخاص ، المقدم إطلاقه لو كان على دليل العام فيؤخذ به في السفرين الأولين ، ويرجع في الثالث إلى الإجماع على وجوب التمام.

وأما البناء على التمام في السفرة الثانية ، لاستصحاب وجوب التمام الثابت قبل الخروج فهو - مع أنه لا مجال له فيما لو كان السفر الثاني بعد إقامة دون العشرة في غير وطنه ، لأن حكمه القصر حال الإقامة المذكورة ، فهو المستصحب لا التمام - إنما يتم لو لم يكن معارضاً باستصحاب تعليقي ، وهو استصحاب وجوب القصر على تقدير السفر ، لأنه كان حين الإقامة عشرة محكوماً بذلك.

وأما الإشكال على استصحاب التمام : بأنه من قبيل القسم الثالث ، لأن التمام في الوطن لأنه حاضر ، وفي السفر لأنه عمله ، واختلاف العلل يوجب اختلاف المعلول ، فالمتيقن معلوم الارتفاع ، والمشكوك محتمل الحدوث ففيه : أن عملية السفر ليس علة حقيقية للحكم بالتمام ، في قبال علة الحضور في الوطن ، بل الظاهر أن التمام في المقامين بمناط واحد ، وهو عدم السفر الاتفاقي. فلاحظ.

[1] كذا في نجاة العباد. وظاهره كون الثالثة محل الخلاف كالثانية وأن التقصير فيها مبني على وجوب التقصير فيها للمبتدئ ، وأن الإقامة عشرة موجبة لكونه مبتدئاً. وقد عرفت الإشكال في كل منهما. هذا وقد ادعى بعض : الإجماع على وجوب التمام في الثالثة ، ولعله ظاهر غيره أيضاً. ولكنه غير ظاهر. فراجع ، وتأمل.

[2] كما هو المشهور ، بل في الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه »

بقي على التمام [1]. وإن كان الأحوط مع إقامة الخمسة الجمع [2] ولا فرق في الإقامة في بلده عشرة بين أن تكون منوية


وفي الرياض : « اتفقت الفتاوى بعدم الفرق ». والمحقق وإن حكى في الشرائع وغيرها قولا بالاختصاص بالمكاري ، إلا أنه لم يعرف قائله ، كما اعترف به جماعة. وإن كان هو مقتضى الجمود على مورد النصوص ، لاختصاصه به. لكن لا يبعد التعدي إلى سائر من عمله السفر ، بأن يكون دليل الإقامة عشرة كاشفاً عن أن المراد بعملية السفر - التي جعلت علة للحكم في جميعها - الاشتغال بعمل السفر على نحو تنافيه الإقامة المذكورة ، على ما هو المتعارف ، فيكون في الجميع بمعنى واحد ، فان ذلك أقرب عرفاً من تقييد التعليل في خصوص المكاري بعدم الإقامة. فيكون المقام نظير موارد الدوران بين التخصيص والتخصص.

[1] لعموم نصوص التمام عليهم ، وخصوص نصوص الإقامة عشرة الدالة على التمام بدونها.

[2] لما عن الإسكافي : من أنها بحكم العشرة. ولم يعرف مستنده. نعم عن المبسوط ، والنهاية ، والوسيلة - بل نسب الى الشيخ واتباعه - : التقصير في صلاته نهاراً ، والإتمام في صومه وفي صلاته ليلا. ويشهد له حديث ابن سنان المتقدم (1). لكن قال في محكي السرائر : « لا يجوز العمل به بلا خلاف ، لأن الإجماع على خلافه بلا خلاف ». وعن غاية المراد وغيرها : أنه متروك الظاهر. مضافاً الى دلالته على الاكتفاء في ذلك بالأقل من خمسة ، الذي لم ينقل عن أحد أصلا. وإلى إمكان دعوى معارضته بخبر يونس المتقدم ، الواجب ترجيحه عليه. فلاحظ. وحينئذ فلا مجال للعمل به.


1) راجع أوائل الكلام في هذه المسألة.

أولا [1] ، بل وكذا في غير بلده أيضاً [2] ، فمجرد البقاء عشرة يوجب العود الى القصر. ولكن الأحوط - مع الإقامة في غير بلده بلا نية - الجمع في السفر الأول بين القصر والتمام.

( مسألة 50 ) : إذا لم يكن شغله وعمله السفر ، لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة ، لا يلحقه حكم وجوب التمام [3] ، سواء كان كل سفرة بعد سابقها اتفاقياً ، أو كان


[1] كما صرح به غير واحد ، بل يظهر منهم الاتفاق عليه. نعم عن النجيبية : اعتبار النية. لكن قال في مفتاح الكرامة : « لم أجد له موافقاً ». ويدل عليه إطلاق النص ، ومعاقد الإجماعات.

[2] كما يقتضيه إطلاق النص. لكن المحكي عن الروض والعلامة المجلسي : الإجماع على اعتبار النية ، وهو ظاهر محكي الذخيرة. وسوق البلد وغيره بمساق واحد ، لا يأبى التفكيك بينهما في اعتبار النية في الثاني وعدمه في الأول ، لإمكان كون المراد من النصوص أن يخرج عن حكم السفر عشرة أيام ، وهو حاصل في البلد بلا نية ، وفي غيرها معها. إلا أن الشأن كله في ثبوت الإجماع المذكور ، لإهمال جمع كثير لذكر غير بلده ، بل لا يعرف من تعرض له إلى زمان المحقق في النافع. وهو فيه وإن ذكره لم يتعرض لذكر النية ، والعلامة في جملة من كتبه أهمله ، وفي التبصرة ذكره ولم يشترط فيه النية. نعم في القواعد ذكره واشترط فيه النية ، وتبعه عليه الجماعة. ومع هذا الإهمال والإطلاق لا يبقى وثوق بنقل الإجماع على نحو يعتمد عليه في تقييد إطلاق النص. فالعمل على الإطلاق متعين. ولا سيما أن النية لا دخل لها في منافاة الإقامة عشرة لعملية السفر أصلا. فلاحظ.

[3] لانتفاء العلة التي يدور الحكم مدارها ، وهي عملية السفر ، على

من الأول قاصداً لأسفار عديدة. فلو كان له طعام أو شي‌ء آخر في بعض مزارعه ، أو بعض القرى ، وأراد أن يجلبه الى البلد ، فسافر ثلاث مرات أو أزيد ، بدوابه أو بدواب الغير لا يجب عليه التمام [1]. وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان فاحتاج إلى إسفار متعددة في حمل أثقاله وأحماله.

( مسألة 51 ) : لا يعتبر فيمن شغله السفر اتحاد كيفيات وخصوصيات أسفاره ، من حيث الطول والقصر ، ومن حيث الحمولة ، ومن حيث نوع الشغل. فلو كان يسافر إلى الأمكنة القريبة ، فسافر إلى البعيدة ، أو كانت دوابه الحمير فبدل بالبغال أو الجمال ، أو كان مكارياً فصار ملاحاً - أو بالعكس - يلحقه الحكم [2] ، وإن أعرض عن أحد النوعين إلى الآخر ، أو لفق من النوعين. نعم لو كان شغله المكاراة ، فاتفق أنه ركب السفينة للزيارة - أو بالعكس - قصر ، لأنه سفر في


ما عرفت من لزوم صدق أنه لا مقر له إلا منازل السفر المتناوبة. وذلك لا يحصل إلا بالعزم على المزاولة مدة طويلة ، ولا يحصل ذلك بمجرد المزاولة من دون عزم على الاستمرار.

[1] لعدم صدق كون السفر عملا له ، لأن صدق العملية دائر عرفاً مدار اتخاذه حرفة وصنعة ، كما صرح به في المستند وغيره ، وهو غير حاصل في الفرضين.

[2] لصدق كونه مسافراً سفراً هو عمله ، على النحو الذي كان سفره السابق عليه. ومجرد اختلاف السفرين في الخصوصيات ، لا يوجب اختلافهما في صدق العمل عليهما بنحو واحد.

غير عمله [1] ، بخلاف ما ذكرنا أولا ، فإنه مشتغل بعمل السفر ، غاية الأمر أنه تبدل خصوصية الشغل إلى خصوصية أخرى. فالمناط هو الاشتغال بالسفر وإن اختلف نوعه.

( مسألة 52 ) : السائح في الأرض ، الذي لم يتخذ وطناً منها يتم [2]. والأحوط الجمع.

( مسألة 53 ) : الراعي الذي ليس له مكان مخصوص يتم [3].

( مسألة 54 ) : التاجر الذي يدور في تجارته يتم [4].

( مسألة 55 ) : من سافر معرضاً عن وطنه ، لكنه لم يتخذ وطناً غيره يقصر [5].


[1] بل يأتي به بداع آخر ، كغيره ممن لا يكون السفر عملا له. لكن عرفت الاشكال فيه في المسألة الخامسة والأربعين.

[2] كذا في نجاة العباد أيضاً. وكأنه لأن السفر يختص بمن كان له حضر ، والسائح لا حضر له ولا سفر ، كي يثبت له حكم المسافر. أو لأنه نظير الأعراب الذين بيوتهم معهم. ولا سيما إذا كان قد اتخذ بيتاً معه ، لا أنه يتخذ له في كل منزل بيتاً.

[3] بلا إشكال ظاهر. ويدل عليه صحيح زرارة (1)وموثق السكوني (2)، ومرفوع ابن أبي عمير (3)حيث عد فيها ممن يجب عليه التمام في السفر ، معللا في الأول والأخير : بأن السفر عملهم. ولأجله قيده في المتن بما ذكر.

[4] بلا إشكال ظاهر أيضاً. ويدل عليه موثق السكوني.

[5] لعموم وجوب القصر على المسافر ، مع عدم دخوله فيمن بيته


1) تقدم ذلك في السابع من شرائط وجوب القصر.

2) تقدم ذلك في المسألة : 31 من هذا الفصل.

3) تقدم ذلك في السابع من شروط القصر.

( مسألة 56 ) : من كان في أرض واسعة قد اتخذها مقراً ، إلا أنه كل سنة مثلا في مكان منها ، يقصر إذا سافر عن مقر سنته [1].

( مسألة 57 ) : إذا شك في أنه أقام في منزله أو بلد آخر عشرة أيام أو أقل بقي على التمام [2].


معه ، ولا فيمن عمله السفر. نعم إذا كان بانياً على عدم التوطن في مكان بعينه ، فإنه يمكن أن يكون داخلا فيمن بيته معه ، لأن منازل سفره في نظره كمنزل وطنه ، فيكون نظير السائح. بل يمكن القول بوجوب التمام عليه وإن كان متردداً في التوطن وعدمه ، لاختصاص أدلة الترخص بغيره ممن كان له وطن يسافر عنه ويرجع إليه. فتأمل جيداً.

[1] لأنه يكون ذا أوطان متعددة بتعدد السنين ، فاذا سافر عن مقر سنته فقد سافر عن وطنه. ولا إشكال حينئذ في وجوب القصر عليه إذا صدق أن له وطناً ، لكن الإشكال في صدق الوطن بمجرد القصد ، لاعتبار الدوام في التوطن ، ولا يكفي توطن سنة في صدقه ، كما سيأتي.

والأولى إلحاقه بالأعراب الذين بيوتهم معهم ، فان كانوا في بيوتهم أتموا ، وإذا فارقوها قصروا.

[2] هذا ظاهر ، بناء على أن الإقامة عشرة إنما أوجبت القصر لارتفاع موضوع عملية السفر ، إذ الشك حينئذ يرجع الى الشك في بقاء عملية السفر وارتفاعها ، فتستصحب. وكذا لو كان عدم الإقامة عشرة قيداً شرعياً لوجوب التمام على المكاري ، إذا كان الشك في أول الإقامة ، مع العلم بآخرها كما لو علم أنه خرج يوم الجمعة من البلد ، وشك في أنه دخله قبل تسعة أيام أو عشرة ، إذ لا مجال لاستصحاب الإقامة حينئذ ، إذ الأصل عدمها. أما إذا كان الشك في آخرها ، كما لو علم أنه دخل البلد يوم الجمعة ، وشك

الثامن : الوصول الى حد الترخص [1] ، وهو المكان


في أنه خرج منه بعد تسعة أو عشرة ، كما لو كان في يوم الاثنين مسافراً ، وشك في أنه خرج اليوم أو أمس ، فقد يشكل الحكم بوجوب التمام عليه حينئذ ، لإمكان استصحاب الإقامة في اليوم العاشر ، فيثبت به موضوع القصر ، وهو تمام العشرة ، لأن الموضوع يكون مجموع الاقامات المتصلة في الأيام العشرة ، فإذا أحرز منها تسعة بالعلم ، والعاشر بالأصل ، يكون من قبيل الموضوع المركب المحرز بعضه بالوجدان وبعضه بالأصل ، فيترتب عليه الأثر.

اللّهم إلا أن يقال : إنما يجري الاستصحاب لو كان موضوع الأثر الوجود الباقي الى العشرة. أما لو كان الوجود المستغرق للعشرة ، أو المساوي أمده للعشرة ، فلا يمكن إثباته باستصحاب بقاء الإقامة إلى العشرة ، إلا بناء على الأصل المثبت ، لملازمة هذا المفهوم للبقاء إلى نهاية العشرة ، كما تقدم نظيره في أقل الحيض ثلاثة. نعم لو شك حين الخروج أن اليوم الأحد أو يوم الاثنين ، فلا ينبغي التأمل في الرجوع إلى أصالة عدم المقام عشرة كالصورة الأولى. ولا مجال للرجوع الى استصحاب البقاء ، إذ لا شك بالنسبة إلى الأزمنة التفصيلية. فتأمل جيداً.

[1] على المشهور شهرة كادت تكون إجماعاً ، كما عن الذكرى ، بل عن الخلاف : الإجماع عليه. وعن علي بن بابويه : التقصير بمجرد الخروج من المنزل. ويوافقه مرسل ولده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود اليه » (1)وقريب منه غيره. لكنه لا يصلح لمعارضة ما يأتي ، فيتعين حمله عليه إن أمكن.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد ، ويخفى عنه أذانه [1]. ويكفي تحقق أحدهما ، مع عدم العلم بعدم تحقق الآخر.


[1] كما عن المشهور ، أو بين المتأخرين ، أو أكثر المتأخرين ، أو الأظهر بينهم ، أو أكثر علمائنا ، أو نحو ذلك من عبارات النسبة. وعن أكثر المتقدمين : اعتبار أحد الأمرين ، بل نسب الى المشهور تارة ، وإلى الأكثر أخرى. وعن التنقيح : الاقتصار على الأول. ونحوه ما عن المقنع : من الاقتصار على التواري من البيوت. وعن المفيد والتقي وسلار والحلي : الاقتصار على خفاء الأذان.

ومنشأ الاختلاف المذكور اختلاف الأخبار ، إذ هي بين ما يشير إلى الأول ، كصحيح ابن مسلم : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد السفر فيخرج ، متى يقصر؟ قال (عليه السلام) : إذا توارى عن البيوت » (1)وبين ما يدل على الثاني ، كصحيح ابن سنان عنه (عليه السلام) : « عن التقصير قال (عليه السلام) : إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم. وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر. وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك » (2)وصحيح حماد بن عثمان المروي عن المحاسن عنه (عليه السلام) : « إذا سمع الأذان أتم المسافر » (3)وما تقدم في خبر إسحاق بن عمار : « أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ » (4)فمبنى القول الأول المذكور في المتن : تقييد منطوق إحدى الطائفتين بالآخر. ومبنى الثاني : إما تقييد مفهوم إحدى الطائفتين بمنطوق الأخرى


1) الوسائل باب : 6 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب صلاة المسافر حديث : 7.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 11.


أو رفع اليد عن المفهوم فيهما بالمرة ، أو رفع اليد عن خصوصية الشرط في كل منهما وجعل الموضوع هو الجامع بينهما ، أو البناء على التعارض فيكون الحكم التخيير ، بناء على أنه تخيير في المسألة الفرعية. ومبنى الأخيرين التعارض ، والترجيح ، إما للأولى ، أو للأخيرة.

هذا ولا يخفى أن ما ذكر - على تقدير تماميته في نفسه - إنما يصح لو كان خفاء الأذان أو البيوت ملحوظاً موضوعاً لجواز التقصير. أما إذا لوحظ معرفاً للمقدار الخاص من البعد - يعني : أن يبعد الإنسان إلى حد لا يسمع فيه الأذان لو كان ، ويتوارى عن البيوت لو كانت ، وإن لم يكن أذان ولا بيوت فلا مجال لهذا الخلاف. لأن التقديرين إن كانا متساويين كان أحدهما عين الآخر ، والاختلاف يكون في المفهوم الملازم ، نظير التقدير بثمانية فراسخ ومسيرة يوم ، فلا معنى للاكتفاء بأحدهما تعييناً ، أو تخييراً ، أو اعتبار الانضمام. وان كانا مختلفين ، فحيث يمتنع التقدير بالأقل والأكثر معاً ، وجب إعمال قواعد التعارض ، من الترجيح أو التخيير.

نعم هنا احتمال آخر ، وهو أن يكون كل من الخفائين علامة على تحقق البعد في الجملة ، أعم من أن يكون مقارناً لوجوده ، أو سابقاً عليه. فحينئذ يمكن أن يقع الخلاف في أن العلامة مجموعهما ، أو كل منهما مستقلا ، مطلقاً ، أو في غير صورة العلم بانتفاء الأخرى. وفيه أيضاً : أنه لا يتم لو أريد بهما المقداران إذ مع البناء على تلازمهما لا معنى للخلاف المذكور ، لرجوعهما الى مقدار واحد ، ومع البناء على انفكاكهما يتعين كون العلامة أحدهما ، إما السابق ، أو اللاحق ، ويكون ضم الآخر إليه في غير محله. نعم لو أريد بهما الفعليان فحيث إنه لا ريب في انفكاك أحدهما عن الآخر يمكن النزاع المذكور. لكن لازم ذلك انتفاء العلامة عند انتفائهما معاً. وهو مما لا يمكن أن يلتزم به.

فالتحقيق : إنه لا ينبغي التأمل في كون العنوانين المذكورين في النصوص


يراد بهما تحديد مقدار البعد الذي يجوز معه التقصير ، كما اعترف به جماعة - بل نسبه الى الأصحاب غير واحد - لا أنهما علامتان عليه ، ولا موضوعان لجواز التقصير. وحينئذ فلا بد من النظر في كونهما متساويين ، أو مختلفين. وعلى الثاني فهل يمكن التصرف بظاهر أحدهما ، أو كليهما ، ليرجع أحدهما إلى الآخر فيرتفع التنافي ، أولا يمكن ليرجع الى قواعد التعارض؟ فنقول :

أما صحيحة ابن مسلم ، المتضمنة للتحديد بأن يتوارى عن البيوت ، فمقتضى الجمود على عبارتها أن يستتر المسافر نفسه عن البيوت ، يعنى : أن يبعد إلى حد يكون بينه وبينها ساتر وحاجب. وهذا تارة : يكون بعناية أن لا يراها ، وأخرى : بعناية أن لا تراه. وحيث أن الثاني محتاج الى تقدير الابصار لها. مضافاً الى عدم مناسبته لكون ذلك أمارة للمسافر يعمل عليها تعين أن يكون بعناية الأول. ولأجل ذلك عبر المشهور بخفاء الجدران ، أو تواريها ، مريدين خفاءها عليه. وكأن الباعث على هذا التعبير ان المسافر هو فاعل المواراة ، وإن كانت هي قائمة بكل من الطرفين. وحينئذ فالتحديد المذكور مما لا يناسب التحديد في صحيحة ابن سنان وأخواتها ، إذ البعد المؤدي إلى استتار البيوت عن المسافر يزيد كثيراً عن البعد المانع عن سماع الأذان ، سواء أريد منه عدم سماع فصوله ، على نحو يميز بعضها عن بعض أم عدم سماعه بما أنه أذان ، على نحو لا يميز كونه أذاناً أو ندبة ، أم عدم سماعه بما أنه صوت ، بحيث يخفى أصل الصوت ، فان جميع ذلك يحصل قبل أن يحصل البعد الموجب للاستتار.

وحينئذ يدور الأمر بين حمل الأولى على خصوص البوادي ، التي لا يكون التوطن فيها إلا في بيوت منقولة أو ثابتة ، وحمل الثانية على ما عداها من البلدان والأمصار. وبين حمل الأولى على إرادة مرتبة خاصة من الاستتار تكون مساوية في المقدار لعدم السماع. وبين حملها على عدم إرادة التحديد

وأما مع العلم بعدم تحققه فالأحوط اجتماعهما [1]. بل الأحوط مراعاة اجتماعهما مطلقاً. فلو تحقق أحدهما دون الآخر ، إما يجمع بين القصر والتمام ، وإما يؤخر الصلاة الى أن يتحقق الآخر.


بل مجرد وجوب التقصير حينئذ ، لكون التواري عن البيوت أمارة قطعية على الوصول الى الحد ، ولو متجاوزاً عنه. والأول وإن كان أوفق بصناعة الجمع ، لأن نسبة الصحيحة الأولى - بلحاظ كون موردها البيوت - إلى غيرها نسبة المقيد الى المطلق. ويؤيده اختصاص خبر إسحاق بالمصر. إلا أنه مما لم يقل به أحد ، بل لا يظن إمكان الالتزام به ، لأن تبعية ما دخل في حد الترخص للوطن في المدن والأمصار أولى منها في البيوت والقرى ، كما هو ظاهر. فيتعين أحد الأخيرين. وثانيهما أقرب عرفاً. وكيف كان فالتصرف يختص بالصحيحة الأولى لا غير. ولو فرض تعذر الجمع العرفي كان الترجيح لنصوص الأذان ، لكونها أشهر.

[1] التفصيل بين صورة العلم بانتفاء الأخر وعدمه مبني على أن وجود كل منهما أمارة على الوجود ، وانتفاءه أمارة على الانتفاء ، فإذا أحرز أحدهما وشك في الآخر فقد أحرزت الأمارة على الوجود وشك في وجود المعارض لها ، ومع الشك في وجود المعارض يرجع الى أصالة عدمه. أما مع العلم بانتفاء الآخر ، فتتعارض الأمارتان ، فيسقطان عن الحجية ، ويرجع الى الأصول. وهذا المعنى جمع آخر بين النصوص ، ليس فيه تقييد المنطوق بالمنطوق ، ولا المفهوم بالمنطوق ، ولا رفع اليد عن المفهوم ، ولا رفع اليد عن خصوصية كل من الشرطين ، بجعل الشرط هو الجامع بينهما ، بل جعل المنطوق والمفهوم من كل من الشرطيتين لبيان كون شرطها علامة وأمارة على الحد وعدمه أمارة على عدمه. وهو وإن كان في نفسه معنى صحيحاً قريباً ، واستظهرناه من نصوص صفات المني في مبحث الجنابة من هذا الشرح ، لكن عرفت

وفي العود عن السفر أيضاً ينقطع حكم القصر [1]. إذا وصل الى


الإشكال فيه في الحاشية السابقة.

[1] على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً ، كما عن الذكرى ويدل عليه - مضافاً الى ما دل عليه في الذهاب ، لظهوره في أن ما بين حد الترخص والبلد خارج عن حكم السفر ، وأنه بحكم البلد ، من دون خصوصية للذهاب - صحيح حماد ، وذيل صحيح ابن سنان المتقدمان (1).

نعم يعارضهما جملة من النصوص ، كصحيح العيص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا يزال المسافر مقصراً حتى يدخل بيته » (2)وصحيح معاوية بن عمار عنه (عليه السلام) : « إن أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم أتموا ، وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا » (3)وقريب منه صحيح الحلبي (4)وموثق إسحاق عن أبي إبراهيم (عليه السلام) : « عن الرجل يكون مسافراً ، ثمَّ يقدم فيدخل بيوت الكوفة ، أيتم الصلاة أم يكون مقصراً حتى يدخل أهله؟ قال (عليه السلام) : بل يكون مقصراً حتى يدخل أهله » (5)ومرسل الصدوق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود اليه » (6)ونحوها غيرها. وعن علي بن بابويه : العمل بها كالذهاب. ووافقه السيد المرتضى ، وأبو علي ، وفي الرياض : « لو لا الشهرة المرجحة للأدلة الأولة لكان المصير الى هذا القول في غاية القوة ، لاستفاضة نصوصه


1) راجع أوائل الكلام من هذا الشرط.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 7.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

5) الوسائل باب : 7 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

6) الوسائل باب : 7 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

حد الترخص [1] من وطنه أو محل اقامته. وإن كان الأحوط تأخير الصلاة الى الدخول في منزله ، أو الجمع بين القصر والتمام إذا صلى قبله بعد الوصول الى الحد.


وصحة أكثرها ، وظهور دلالتها جملة ، بل صراحة كثير منها .. » وفي الحدائق : جعله الأظهر. وعن المدارك والذخيرة : التخيير بين القصر والتمام جمعاً بين النصوص. وعن الأردبيلي : أنه حسن لو وجد القائل به. وتكلف غير واحد توجيه النصوص المذكورة بنحو لا تنافي الأول ، منهم شيخ الطائفة فحمل دخول الأهل والمنزل على وصول محل الترخص. وفي الوسائل : هو جيد ، لأن هذه النصوص ظاهرة ، وتلك النصوص نص. وهذا الجمع وغيره وإن كان بعيداً ، لكن لا بأس به بعد إعراض المشهور عنها بنحو يوجب وهنها. ولا سيما بملاحظة اشتمال بعضها على عدم اعتبار حد الترخص في الذهاب أيضاً كالإياب. وقد عرفت أنه مخالف للإجماع المنعقد في كثير من الطبقات. ولعل الأقرب حملها على التقية.

[1] وهو بناء على رجوع الحدين المتقدمين الى حد واحد ظاهر. وكذا بناء على أن الحد خفاء الأذان ، وأن المواراة عن البيوت طريق إليه في الذهاب ، كما قربناه في الجمع. بين الروايتين ، إذ العبرة في الإياب حينئذ بخفاء الأذان لا غير ، لامتناع الطريقة المتقدمة في الإياب. وكذا بناء على سقوط رواية المواراة للمعارضة. أما بناء على اعتبار اجتماعهما ، أو الاكتفاء بأحدهما ، فيشكل ذلك في الإياب ، لعدم الدليل عليه فيه ، لاختصاص رواية المواراة بالذهاب فقط. ولذا كان ظاهر الشرائع الاعتبار هنا بخفاء الأذان لا غير. ومال إليه في محكي المدارك وغيره. ثمَّ إنه مقتضى ما هو ظاهر المشهور من الاكتفاء بأحد الأمرين في الذهاب ، وأن أحدهما كاف في وجوب القصر فلا بد من رفعهما معاً في الإياب ، إذ لا يرتفع القصر إلا برفع موجبه ، فاذا

( مسألة 58 ) : المناط في خفاء الجدران خفاء جدران البيوت [1] ، لا خفاء الاعلام والقباب والمنارات ، بل ولا خفاء سور البلد إذا كان له سور. ويكفي خفاء صورها وإشكالها ، وإن لم يخف أشباحها.

( مسألة 59 ) : إذا كان البلد في مكان مرتفع ، بحيث يرى من بعيد ، يقدر كونه في الموضع المستوي [2]. كما أنه إذا كان في موضع منخفض يخفى بيسير من السير ، أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته ، كذلك يقدر في الموضع المستوي وكذا إذا كانت البيوت على خلاف المعتاد ، من حيث العلو أو الانخفاض ، فإنها ترد اليه. لكن الأحوط خفاؤها مطلقاً [3] وكذا إذا كانت على مكان مرتفع ، فان الأحوط خفاؤها مطلقاً.

( مسألة 60 ) : إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير [4]. نعم في بيوت الاعراب ونحوهم ممن لا


كان موجبه أحدهما ، فلا يرتفع إلا بارتفاعهما معاً.

[1] قد عرفت أنه ليس في النص خفاء ، ولا جدران ، وإنما الموجود فيه التواري عن البيوت ، الذي هو بمعنى استتارها عنه. كما عرفت محمله مما اقتضاه الجمع العرفي.

[2] لأن الظاهر من الدليل كون التواري من جهة البعد ، لا من جهة أخرى. ومنه يظهر الوجه في التقدير فيما يأتي ، وضعف ما عن المدارك : من الاكتفاء بالخفاء في المنخفضة ، للإطلاق. ونحوه ما عن الذخيرة : من الاكتفاء بالخفاء للحائل ، ولو رئيت بعد ذلك.

[3] قد عرفت أنه معنى الكلام.

[4] كما هو مقتضى ورود الكلام هذا المورد. وفي الجواهر : نفى الريب فيه.

جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها ، ولا يحتاج الى تقدير الجدران [1].

( مسألة 61 ) : الظاهر في خفاء الأذان كفاية عدم تميز فصوله [2]. وإن كان الأحوط اعتبار خفاء مطلق الصوت حتى المتردد بين كونه أذاناً أو غيره ، فضلا عن المتميز كونه أذاناً ، مع عدم تميز فصوله.

( مسألة 62 ) : الظاهر عدم اعتبار كون الأذان في آخر البلد ، في ناحية المسافر [3] ، في البلاد الصغيرة والمتوسطة بل المدار أذانها وإن كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة. نعم في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في أواخر البلد ، من ناحية المسافر.


[1] وعن ظاهر المقاصد العلية : اعتبار تقديرها. لكن عرفت أنه ليس في النص إلا ذكر البيوت ، فان كانت الجدران راجعة إليها ، فلا معنى لتقديرها مع فعلية البيوت ، وإن لم تكن كذلك ، فلا وجه للاعتبار بها ، لا بالفعل ، ولا بالتقدير.

[2] بل مقتضى الجمود على عبارة النص خفاؤه بما هو أذان ، بحيث لا يتميز أنه أذان أو غيره. نعم يحتمل قريباً : أن يكون المراد خفاء صوت الأذان بما هو صوت عال بمرتبة خاصة من العلو ، فيكون عنوان الأذان ملحوظاً طريقاً الى نفس الصوت. وإنما خصه بالذكر من بين الأصوات لمعهوديته خارجاً ، وليس لغيره مثل هذه المعهودية. ولو بني على اعتبار تميز الفصول كان اللازم اعتبار تميز الحروف ، لعدم الفرق.

[3] بل مقتضى إطلاق تقدير البعد الكائن بين المسافر والبلد بذلك هو اعتبار ما ذكر ، لأن إرادة غيره تحتاج الى نصب قرينة. نعم لو كان للأذان محل معين وسط البلد أو غيره كان منصرف التقدير ذلك لا غير. لكنه

( مسألة 63 ) : يعتبر كون الأذان على مرتفع ، معتاد في أذان ذلك البلد [1] ، ولو منارة غير خارجة عن المتعارف في العلو.

( مسألة 64 ) : المدار في عين الرائي وأذن السامع على المتوسط [2] في الرؤية والسماع ، في الهواء الخالي عن الغبار والريح ونحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع. فغير المتوسط يرجع اليه. كما أن الصوت الخارق في العلو يرد الى المعتاد المتوسط.

( مسألة 65 ) : الأقوى عدم اختصاص اعتبار حد الترخص بالوطن ، فيجري في محل الإقامة أيضاً [3] ، بل


ليس كذلك ، بل يجوز أن يكون فيه وفي آخر البلد ، من ناحية المسافر ومن الناحية الأخرى ، وفي غير ذلك من المواضع. فيتعين ما ذكرنا.

[1] فيكون هو منصرف التقدير كسائر الخصوصيات المعتادة ووجهه ما أشرنا إليه مكرراً ، من أن التقدير إذا كان بأمر مختلف الأفراد بالزيادة والنقصان ، فمقتضى إطلاقه تعين المعتاد لا غير ، لأن الاعتياد مما يصلح أن يكون قرينة على تعيين المراد من الكلام الوارد في مقام البيان ، لأن غير المعتاد لو أريد احتيج الى نصب قرينة ، بخلاف المعتاد. ومنه يظهر الوجه في اعتبار كونه معتاداً بحسب حال البلد ، إذا فرض اختلاف البلدان في ذلك. نعم لا بد من مراعاة المعتاد في عصر صدور النصوص ، لا المعتاد في كل زمان ، بحيث يختلف الحد باختلاف الاعتياد بحسب الأزمنة ، فإنه خلاف ظاهر الدليل.

[2] لأنه المعتاد ، فينصرف اليه التقدير.

[3] كما استوضحه في نفائح الأفكار ، والمدارك. واختاره في السرائر

وفي المكان الذي بقي فيه ثلاثين يوماً متردداً. وكما لا فرق في الوطن بين ابتداء السفر والعود عنه في اعتبار حد الترخص ، كذلك في محل الإقامة. فلو وصل في سفره الى حد الترخص


وكشف الالتباس ، والذخيرة ، وظاهر التذكرة ، والذكرى ، على ما حكي عنهم. وفي مفتاح الكرامة : « وهو الذي يستفاد من كلام الأكثر من مواضع ، بل هو صريح كلامهم في مسألة ناوي الإقامة في بلد ، حيث ذكروا : إنه لا يضره التردد في نواحيها ، ما لم يبلغ محل الترخص ، فقد ذكروا ذلك هناك متسالمين عليه. والأخبار منطبقة الدلالة عليه ، فلا اشكال فيه ».

أقول : أما دلالة الأخبار عليه فلا تخلو من خفاء. أما رواية حماد : « إذا سمع الأذان أتم المسافر » (1)فلا معنى للأخذ بإطلاقها. وأما رواية ابن سنان فموردها السؤال عن التقصير ، وإجماله مما لا يخفى. بل لعل قوله (عليه السلام) : « وإذا قدمت .. » (2)ظاهر في خصوص الوطن. نعم لا يبعد احتمال إطلاق صحيح محمد ابن مسلم (3)إلا أن دعوى انصرافه الى خصوص الوطن - بأن يراد من السفر فيه السفر بعد الحضر - قريبة جداً. وأما رواية التنزيل للمقيم بمكة منزلة أهله (4)فقد عرفت الاشكال فيها في قاطعية نية الإقامة. فراجع. ولأجل ذلك قيل بعدم اعتبار حد الترخص هنا.

نعم يمكن أن يقال : انه لو فرض اختصاص صحيح محمد ابن مسلم بالوطن ، يمكن دعوى : أن الغرض منه تحديد الموضع الذي يجب فيه التمام ، وتمييزه عما يجب فيه القصر ، بلا خصوصية للوطن عرفاً. ولا سيما بملاحظة بعد الاكتفاء بالخطوة والخطوتين في وجوب القصر في موضع الإقامة فلعل هذا - بضميمة ما أشرنا إليه سابقاً. من كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر حقيقة - كاف في البناء على الإطلاق. ومثله الكلام في الموضع الذي


1) تقدمت الروايات في الثامن من شروط القصر.

2) تقدمت الروايات في الثامن من شروط القصر.

3) تقدمت الروايات في الثامن من شروط القصر.

4) تقدمت الروايات في الثامن من شروط القصر.

من مكان عزم على الإقامة فيه ينقطع حكم السفر ، ويجب عليه أن يتم [1] وإن كان الأحوط التأخير إلى الوصول إلى المنزل ، كما في الوطن. نعم لا يعتبر حد الترخص في غير الثلاثة ، كما إذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق ، بدون قصد المسافة ، ثمَّ في الأثناء قصدها ، فإنه يكفي فيه الضرب في الأرض [2].

( مسألة 66 ) : إذا شك في البلوغ إلى حد الترخص بنى على عدمه [3] ، فيبقى على التمام في الذهاب ، وعلى القصر في الإياب.

( مسألة 67 ) : إذا كان في السفينة أو العربة ، فشرع في الصلاة قبل حد الترخص بنية التمام ، ثمَّ في الأثناء وصل إليه ، فإن كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمها قصراً [4] وصحت ، بل وكذا إذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع [5]


يتردد فيه المسافر ثلاثين يوماً. والمسألة بعد لا تخلو من اشكال.

[1] هذا لو تمَّ عموم التنزيل لا يكفي فيه ، إذ الظاهر من دليله كون التنزيل بعد أن يقدم الى البلد ، لا قبله. فلأجل ذلك فصّل جماعة - كالشهيد الثاني وسبطه وغيرهما - بين الدخول والخروج ، فلم يعتبروا الحد في الأول مع اعتبارهم له في الثاني. نعم قد يتم بملاحظة ما ذكرنا أخيراً ، فيقوى به إطلاق روايتي حماد وابن سنان.

[2] بلا اشكال ، كما قيل. لاختصاص الدليل على اعتبار الحد بغيره.

[3] للاستصحاب.

[4] لتبدل الحكم بتبدل موضوعه.

[5] والقيام حينئذ يكون زيادة ، لأنه واقع في غير محله ، لأنه في

وإن كان بعده فيحتمل وجوب الإتمام ، لأن الصلاة على ما افتتحت. لكنه مشكل ، فلا يترك الاحتياط بالإعادة قصراً أيضاً [1]. وإذا شرع في الصلاة في حال العود ، قبل الوصول الى الحد ، بنية القصر ، ثمَّ في الأثناء وصل إليه ، أتمها تماماً ، وصحت. والأحوط - في وجه - إتمامها قصراً [2]. ثمَّ إعادتها تماماً.

( مسألة 68 ) : إذا اعتقد الوصول الى الحد ، فصلى قصراً ، ثمَّ بان أنه لم يصل اليه ، وجبت الإعادة ، أو القضاء تماماً [3]. وكذا في العود إذا صلى تماماً باعتقاد الوصول ،


الواقع مسافر يجب عليه القصر.

[1] بل هو المتعين ، لانقلاب الحكم بانقلاب موضوعه ، كما عرفت وكون الصلاة على ما افتتحت لم يثبت بنحو يشمل المقام ، كما هو ظاهر.

نعم قد يقال : بأن الركعة الثالثة المأتي بها إما أن تكون مأموراً بها أولا. والثاني باطل ، وإلا لزم صحة صلاته لو تركها وسلم على الركعتين مع أنه لا ريب في البطلان حينئذ ، لأنه قبل حد الترخص. وفيه : أن البطلان بالتسليم على الركعتين ، من جهة كونه امتثالا بالقصر قبل حد الترخص لا ينافي عدم الأمر بالركعة ، حيث لا يتحقق الامتثال قبله ، كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر وجه الفرع الآتي.

[2] مقتضى ما تقدم منه - من أن الأقوى إتمامها تماماً - يكون الأحوط إتمامها تماماً ، ثمَّ إعادتها تماماً. لأن إتمامها قصراً مخالفة لحرمة الابطال ، واعادتها قصراً يعلم بعدم مشروعيتها ، لأنه دون حدَّ الترخص. فيتعين. الاحتياط على نحو ما ذكرنا.

[3] لعدم الدليل على الاجزاء. وكذا الحال فيما يأتي.

فبان عدمه ، وجبت الإعادة أو القضاء قصراً. وفي عكس الصورتين - بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف - ينعكس الحكم ، فيجب الإعادة قصراً في الأولى ، وتماماً في الثانية.

( مسألة 69 ) : إذا سافر من وطنه ، وجاز عن حد الترخص ، ثمَّ في أثناء الطريق وصل الى ما دونه ، إما لاعوجاج الطريق ، أو لأمر آخر ، كما إذا رجع لقضاء حاجة ، أو نحو ذلك ، فما دام هناك يجب عليه التمام [1]. وإذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر ، إذا كان الباقي مسافة [2]. وأما إذا سافر من محل الإقامة وجاز عن الحد ، ثمَّ وصل الى ما دونه ، أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة بقي على التقصير [3]. وإذا صلى في الصورة الأولى - بعد الخروج عن حد الترخص -


[1] لإطلاق ما دل على وجوبه قبل الحد.

[2] هذا يتم إذا كان الرجوع الى ما دون حد الترخص رجوعاً عن نية السفر. أما لو لم يكن الرجوع كذلك ، بل كان المكلف باقياً على نية السفر ، فلا وجه ظاهر لما ذكر ، بل يكفي كون الباقي ، بضميمة ما قطعه أولا إلى الموضع الذي رجع إليه مسافة. ولا وجه لإلغاء المسافة التي بين البلد والموضع المذكور.

[3] لأن حد الترخص إنما يعتبر في وجوب القصر في الخروج عن محل الإقامة بالنسبة إلى السفر الأول ، لا مطلقاً. ولذا لو وصل الى نهاية المسافة ، ثمَّ رجع الى محل الإقامة ، جاز التقصير في الرجوع ، وإن وصل الى محل الإقامة ، فضلا عما قبله بعد حد الترخص ، كما سيأتي. وبالجملة : اعتبار حد الترخص في مثل الفرض لا دليل عليه.

قصراً ، ثمَّ وصل الى ما دونه ، فان كان بعد بلوغ المسافة فلا إشكال في صحة صلاته. وأما ان كان قبل ذلك. فالأحوط وجوب الإعادة. وإن كان يحتمل الإجزاء ، إلحاقاً له بما لو صلى ، ثمَّ بدا له في السفر ، قبل بلوغ المسافة [1].

( مسألة 70 ) : في المسافة الدورية حول البلد ، دون حد الترخص [2] ، في تمام الدور أو بعضه ، مما لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة [3] يتم الصلاة.


[1] هذا هو المتعين لو كان ناوياً لعدم الرجوع ثمَّ بدا له أن يرجع بل لا ينبغي التأمل فيه لو لم يكن الرجوع رجوعاً عن نية السفر ، كما هو ظاهر الفرض ، فإن صحة القصر أولى من صحته في الرجوع عن أصل السفر أما لو كان ناوياً له ، كما لو علم أن خط السير معوج ، على نحو يوجب الرجوع عن حد الترخص ، فلا يبعد القول بعدم جواز التقصير عند تجاوز الحد ، لظهور أدلة التحديد في اعتبار البعد الخاص - أعني : ما يكون بعضاً من البعد الناشئ عن سير المسافة - لا مطلق البعد ، ولو كان ملغياً من جهة الرجوع. وعليه فلو قصر أعاد. وأظهر من ذلك - في وجوب الإعادة - ما لو كان الرجوع على خط السير الذهابي ، إذ القطعة الخاصة من الذهاب - أعني : ما بين ما وصل اليه وما رجع اليه - ليست معدودة من السفر الموجب للترخص. فلاحظ.

[2] قد تقدم في المسألة الرابعة عشرة : الإشكال في الترخيص في المسافة الدورية حول البلد مطلقاً ، ولو كانت فوق حد الترخص.

[3] يعني : إذا كانت المسافة الدورية حول البلد بعضها دون حد الترخص وبعضها فوق حد الترخص ، فان كان القوس الواقع فوق حد الترخص

فصل في قواطع السفر

موضوعاً أو حكماً

وهي أمور :

أحدها : الوطن ، فان المرور عليه قاطع للسفر ، وموجب للتمام [1] ما دام فيه ، أو في ما دون حد الترخص منه [2].


مسافة ، وجب التقصير فيه ، دون ما كان دون حد الترخص. وإن لم يكن مسافة إلا بضميمة القوس الكائن دون حد الترخص لم يجب التقصير في شي‌ء منهما ، سواء أكان القوس الواقع فوق حد الترخص قبل ما كان دونه ، أم بعده.

أقول : إذا كان عموم أدلة الترخص للمسافر شاملا للمسافر في المسافة الدورية ، فاللازم الجزم بالترخص في القوس الواقع فوق حد الترخص ، وإن لم يكن مسافة ، لما سبق : من أن المسافة المعتبرة في الترخص ما كانت من البلد ، وهي موجودة في الفرض ، لا من حد الترخص. واللّه سبحانه أعلم.

فصل في قواطع السفر

موضوعاً أو حكماً

[1] بلا خلاف ولا إشكال فيه ، في الجملة ، بل لعله من الضروريات لاختصاص أدلة القصر بغيره ، واستفاضة النصوص بالإتمام فيه ، كما ستأتي الإشارة إليها. نعم تقدم في بعض النصوص : وجوب التمام ما لم يدخل منزله. وقد عرفت : أنه لا مجال للعمل به.

[2] كما تقدم الكلام فيه.

ويحتاج في العود الى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة [1] ، ولو ملفقة ، مع التجاوز عن حد الترخص [2]. والمراد به المكان الذي اتخذه مسكناً ومقراً له دائماً [3] ، بلداً كان أو قرية


[1] لاعتبار كون المسافة في خارج الوطن.

[2] كما سبق.

[3] فان تحقق هذا المعنى كاف في صدق الوطن عرفاً ، الموجب لصدق الحاضر ، المقابل للمسافر ، المأخوذ في موضوع أدلة التقصير ، فيبقى داخلا تحت أدلة التمام. مضافاً الى النصوص الخاصة الدالة على وجوب التمام في الوطن ، كصحيح الحلبي (1)عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يسافر ، فيمر بالمنزل له في الطريق ، يتم الصلاة أو يقصر؟ قال (عليه السلام) : يقصر. إنما هو المنزل الذي توطنه » (2)وصحيح علي بن يقطين : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إن لي ضياعاً ومنازل بين القرية والقرية ، الفرسخ والفرسخان والثلاثة ، فقال (عليه السلام) : كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير » (3)وصحيحه الآخر : « كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل ، وليس لك أن تتم فيه » (4)وصحيح سعد بن أبي خلف : « سأل علي بن يقطين أبا الحسن (عليه السلام) عن الدار تكون للرجل بمصر ، أو الضيعة فيمر بها. قال (عليه السلام) : إن كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة وإن كان مما لم يسكنه فليقصر » (5).


1) كذا في الجواهر. لكن في الوسائل : روى المتن المذكور عن حماد بن عثمان. « منه قدس سره ». قلت : ونحوه في الاستبصار ج 1 صفحة 230 طبع النجف الأشرف وأما التهذيب فهو موافق لما في الجواهر. راجع التهذيب ج 3 صفحة 212 طبع النجف الأشرف.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 10.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.

5) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

أو غيرهما سواء كان مسكناً لأبيه وأمه ومسقط رأسه ، أو غيره مما استجده. ولا يعتبر فيه - بعد الاتخاذ المزبور - حصول ملك له فيه [1]. نعم يعتبر فيه الإقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفاً أنه وطنه [2]. والظاهر أن الصدق المذكور يختلف


وبالجملة : لا ينبغي التأمل في وجوب التمام بالوطن بالمعنى المذكور. وذكر غير واحد الخلاف في معنى الوطن ، وإنهاء الأقوال فيه إلى ثمانية أو أكثر ، لا ينافي الاتفاق الذي ادعاه بعض عليه ، ولا ما في كلام بعض من نفي الاشكال فيه ، فان ذلك الخلاف راجع إلى الخلاف في ثبوت الوطن الشرعي وقيود ثبوته ، لا في ثبوت التمام للوطن العرفي.

نعم قد يتراءى - مما في الشرائع وغيرها : « من أن الوطن هو كل موضع له فيه ملك قد استوطنه .. » - الخلاف في ثبوت الوطن العرفي ، في قبال الوطن الشرعي ، وجريان حكم التمام عليه. ولكنه مما لا ينبغي ، فإن كثيراً من المتوطنين لا ملك لهم في أوطانهم فضلا عن أن يكون الملك وطنا لهم والالتزام بوجوب القصر عليهم غريب ، بل لعله خلاف الضروري. بل الظاهر - بقرينة كون موضوع كلامهم المسافر الخارج عن وطنه - أن مرادهم ثبوت الوطن الشرعي وتحديده ، في قبال الوطن العرفي. وكذا الحال في صحيح ابن بزيع الآتي ، فإنه - على تقدير تمامية دلالته على ثبوت الوطن الشرعي - ليس في مقام حصر الوطن به ، بل في مقام مجرد بيان ثبوته ، إذ لا إطلاق له يقتضي شرح مطلق الوطن - المأخوذ موضوعاً للتمام - بذلك. فلاحظه سؤالا وجواباً.

[1] بلا خلاف نصاً وفتوى - كما في الرياض - أو بلا خلاف صريح - كما في الجواهر - لإطلاق الأدلة.

[2] لا يبعد الاكتفاء بمجرد النية ، كما عن بغية الطالب للشيخ الأكبر وفي الجواهر : « لا يخلو من قوة ».

بحسب الأشخاص والخصوصيات ، فربما يصدق بالإقامة فيه - بعد القصد المزبور - شهراً أو أقل. فلا يشترط الإقامة ستة أشهر [1] ، وإن كان أحوط ، فقبله يجمع بين القصر والتمام ، إذا لم ينو إقامة عشرة أيام.

( مسألة 1 ) : إذا أعرض عن وطنه الأصلي أو المستجد وتوطن في غيره ، فان لم يكن له فيه ملك أصلا ، أو كان ولم يكن قابلا للسكنى ، كما إذا كان له فيه نخلة أو نحوها ، أو كان قابلا له ، ولكن لم يسكن فيه ستة أشهر ، بقصد التوطن الأبدي ، يزول عنه حكم الوطنية ، فلا يوجب المرور عليه قطع حكم السفر [2]. وأما إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه


[1] لتحقق الصدق بدونها. وما عن الذكرى : من أن الأقرب الاشتراط ليتحقق الاستيطان الشرعي مع العرفي ، غير ظاهر ، إذ لا ملزم بتحقق أحدهما مع الآخر. ومثله : ما عن المدارك : من أنه غير بعيد ، لأن الاستيطان على هذا الوجه إذا كان معتبراً مع الملك فمع عدمه أولى. إذ فيه : أنه لا مجال للأولوية. واعتباره مع الملك في الشرعي للدليل ، لا يلازم اعتباره مع عدمه في العرفي ، كما هو ظاهر.

[2] أما مع انتفاء الملك فلإطلاق أدلة القصر ، مع عدم ما يوجب الخروج عنها ، لاختصاص النصوص الدالة على التمام في الملك والضيعة بصورة وجود الملك. وكذا صحيح ابن بزيع. وأما إذا كان ولم يكن قابلا للسكنى فيدل على التمام فيه : موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يخرج في سفر ، فيمر بقرية له أو دار ، فينزل فيها. قال (عليه السلام) : يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة لا يقصر. وليصم إذا حضره الصوم » (1)


1) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.


وعن المحقق والعلامة ومن تأخر عنهما : الجزم به إذا أقام هناك ستة أشهر ، جمعاً بينه وبين صحيح ابن بزيع الآتي. وفيه : إنه لو أمكن الجمع بينهما بذلك فهو موقوف على ظهور الصحيح في الوطن الشرعي ، وسيأتي ما فيه. وإلا كان الموثق المزبور معارضاً به ، وبما دل على اختصاص التمام بالوطن ، فيجب حينئذ طرحه لمرجوحيته من وجوه. مضافاً الى عدم ظهور العمل به على إطلاقه.

وأما إذا كان قابلا للسكنى ولم يسكن فيه ستة أشهر ، فيدل على وجوب التمام فيه ما دل على وجوبه في الملك والضيعة ، كما في صحيح إسماعيل ابن الفضل ، من قول الصادق (عليه السلام) : « إن نزلت قراك وضيعتك (1)فأتم الصلاة » (2)وما في صحيح البزنطي ، من قول الرضا (عليه السلام) : « يتم الصلاة كلما أتى ضيعة من ضياعه » (3)ونحوه ما في صحيحه الآخر (4)وصحيح ابن الحجاج : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يكون له الضياع بعضها قريب من بعض ، يخرج فيقيم فيها ، يتم أو يقصر. قال (عليه السلام) : يتم » (5)- كذا عن الفقيه والتهذيب - (6)وعن الكافي : « يقيم » بدل


1) كما في التهذيب ج 3 صفحة 210 طبع النجف الأشرف ، والاستبصار ج 1 صفحة 228 طبع النجف الأشرف. وفي الوسائل : « وأرضك » بدل « وضيعتك » ، كما في الفقيه ج 1 صفحة 287 طبع النجف الأشرف.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 17.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 18.

5) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

6) راجع الفقيه ج 1 صفحة 282 طبع النجف الأشرف ، والتهذيب ج 3 صفحة 213 طبع النجف الأشرف ، والاستبصار ج 1 صفحة 231 طبع النجف الأشرف.

• بعد اتخاذه وطناً له دائماً - ستة أشهر ، فالمشهور على أنه بحكم الوطن العرفي [1] ، وإن أعرض عنه إلى غيره ، ويسمونه

« يطوف » (1)فيشكل الاستدلال به. الى غير ذلك. لكن قد أشرنا إلى معارضتها بما تقدم ، مما دل على اعتبار التوطن في التمام. فيجب إما تقييد الأولى بالثانية إن أمكن ، أو طرحها إن لم يمكن ، كما لعله كذلك في بعضها ، لمخالفتها لظاهر الأصحاب ، ولرجحان الثانية عليها من وجوه ، منها : موافقة عموم القصر على المسافر.

وأما إذا أقام فيه ستة أشهر ، ولم يكن بقصد التوطن فوجوب التمام فيه مبني على ظهور صحيح ابن بزيع في ثبوت الوطن الشرعي ، وكون المراد من الإقامة فيه مطلق الإقامة ، ولو لا بقصد التوطن الأبدي ، لتحققه في المقام ، فيكون اللازم التمام. هذا ولم يتضح من عبارة المشهور اعتبار قصد التوطن ، ولكنه غير بعيد.

[1] نسبه الى المشهور جماعة. وعن التذكرة ، والروض : أنه إجماع وعن بعض الأجلة : « لا أعرف فيه خلافاً إلا من الصدوق ، على وجه ». ودليلهم عليه : صحيح ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) : « عن الرجل يقصر في ضيعته. قال (عليه السلام) : لا بأس ، ما لم ينو مقام عشرة أيام. إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت : ما الاستيطان؟ فقال (عليه السلام) : أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر ، فإذا كان كذلك يتم متى يدخلها » (2)وما تقدم في صحيح الحلبي وسعد بن أبي خلف (3).

وفيه : أن قوله (عليه السلام) : « يستوطنه » ، وقوله (عليه السلام) : « يقيم »


1) راجع الكافي ج 3 صفحة 438 طبع إيران الحديثة.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 11.

3) راجع أوائل هذا الفصل.


بصيغة المضارع ، يأبى ذلك جداً. ولا سيما بملاحظة اقتصار الامام (عليه السلام) على الجواب بالأول ، الظاهر في الاستيطان العرفي ، فلو كان المراد منه الاستيطان الشرعي كان الاقتصار عليه إيهاماً لخلاف الواقع. فلأجل ذلك يتعين حمله على بيان كيفية اتخاذ المتوطن وطناً ثانياً ، ويكون بذلك ذا وطنين ، لأن مفروض السؤال فيه من له وطن ، ثمَّ يستوطن منزلا آخر له في ضيعته. وهذا هو الذي سأل عنه ابن بزيع ، وليس سؤاله عن مفهوم الاستيطان ، الذي لا يخفى على من هو دونه في الفضل. فالإمام علیه السلام ليس في مقام شرح مفهوم الاستيطان شرعاً أو عرفا ، بل في مقام بيان ما يتحقق الاستيطان للوطن الثاني ممن كان له وطن. ولأجل ذلك أطاق لفظ الاستيطان أولا ، وبعد السؤال فسره بالإقامة ، إذ لو كرره في الجواب انقلب المعنى ، وكان ظاهراً في الاستيطان ستة أشهر ، مع أنه غير مراد ، إذ المراد الاستيطان أبداً ، لكنه يحصل بالإقامة ستة أشهر في كل سنة. والاقتصار على الستة أشهر إنما هو لأنها الأصل في قسمة السنة. وإلا فالوطن الثاني يحصل بالعزم على الإقامة فيه في كل سنة مدة معتداً بها ، أقل من ستة أشهر أو أكثر. وأما إطلاق الصحيحين الأخيرين فهو وان كان يقتضي الاكتفاء بالتوطن في الماضي في الجملة » ولو مع انتفاء فعليته ، إلا أنه مقيد بما دل على اعتبار فعلية الاستيطان ، مما تقدم. فالمتعين حمل الجميع على إرادة الاستيطان الفعلي.

وبالجملة : عموم الأدلة وخصوصها - مما دل على اعتبار الاستيطان الفعلي العرفي في وجوب التمام - صالح لأن يكون موجباً لرفع اليد عن ظهور هذه الصحاح ، على تقدير ثبوته. ودعوى : أن الصحيح الأول حاكم ، وهو مقدم على المحكوم. مندفعة : بأن الحاكم إنما يقدم على المحكوم لو كان ظهوره في الحكومة أقوى من ظهور المحكوم ، وليس المقام كذلك.

بالوطن الشرعي ، ويوجبون عليه التمام إذا مر عليه ، ما دام بقاء ملكه فيه [1]. لكن الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الاعراض. فالوطن الشرعي غير ثابت. وإن كان الأحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه ، فيجمع فيه بين القصر والتمام إذا مر عليه ، ولم ينو إقامة عشرة أيام. بل الأحوط الجمع إذا كان له نخلة [2] أو نحوها ، مما هو غير قابل للسكنى ، وبقي فيه بقصد التوطن ستة أشهر. بل وكذا إذا لم يكن سكناه بقصد التوطن ، بل بقصد التجارة مثلا [3].


[1] الوجه في اعتبار الملك عندهم : موثق عمار المتقدم (1)وكونه المتيقن من صحيح ابن بزيع (2)لأن المنزل المذكور في الجواب هو ما يكون في ضيعته ، لا مطلقاً. وأما اللام في قوله (عليه السلام) : « أن يكون له منزل » فلا دلالة فيها على الملك ، لأن إضافة المنزل إليه بواسطة اللام يكفي فيها كونه موضع نزوله وقراره ، لا مثل إضافة الضيعة ، فإن دلالة اللام على الملك تختلف باختلاف المضاف.

[2] لما عرفت من موثق عمار (3)المعمول به عند جماعة.

[3] لاحتمال كفاية ذلك في تحقق الوطن الشرعي ، على تقدير ثبوته بل هو الظاهر ، كما أشرنا إليه سابقاً. وكون قصد التوطن مأخوذاً في مفهوم الاستيطان ، المذكور في الجواب الأول في الصحيح ، لا يكون قرينة على اعتباره في الإقامة المذكورة في الجواب الثاني تفسيراً للاستيطان ، لأن المدار على ظهور المفسر - بالكسر - لا المفسر.


1) راجع أوائل هذه المسألة.

2) مر ذلك في التعليقة السابقة.

3) تقدم في أوائل هذه المسألة.

( مسألة 2 ) : قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي ، وأنه منحصر في العرفي. فنقول : يمكن تعدد الوطن العرفي ، بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين ، من قصده السكنى فيهما أبداً ، في كل منهما مقداراً من السنة ، بأن يكون له زوجتان مثلا ، كل واحدة في بلدة ، يكون عند كل واحدة ستة أشهر ، أو بالاختلاف [1]. بل يمكن الثلاثة أيضاً. بل لا يبعد الأزيد أيضاً [2].

( مسألة 3 ) : لا يبعد أن يكون الولد تابعاً [3] لأبويه


[1] بأن يقيم في أحدهما أربعة أشهر ، وفي الآخر ثمانية أشهر. ولا ينافيه ما في الصحيح ، بناء على حمله على الوطن العرفي - كما عرفت - لأنه محمول على أحد الأفراد الذي يسبق الى الذهن.

[2] للصدق عرفاً في الجميع.

[3] لا ينبغي التأمل في كون الفرق بين الأمكنة - في صدق الوطن وعدمه - ليس تابعاً للجهات الخارجية ، وإنما هو تابع للقصد النفساني. فإذا قصد المكث في محل إلى آخر عمره - بحيث لا يخرج عنه إلا لأمر يقتضي الخروج ، ولو خلي ونفسه كان مقره ذلك المكان - كان هو وطناً له. ولو خرج عنه كان مسافراً ، ولو أقام فيه كان حاضراً. وما عداه لا يكون وطناً. وهذا القصد المقوم لصدق الوطن ، تارة يكون تفصيلياً ، واخرى يكون إجمالياً ارتكازياً ، ناشئاً من التبعية لوالديه أو أحدهما. فإذا حصل القصد بأحد النحوين صدق الوطن ، وإلا فلا ، من دون فرق بين ما قبل البلوغ وما بعده. وإلغاء قصد الصبي في مثل المقام لا دليل عليه ، بعد الاكتفاء به عرفاً في صدق التوطن.

أو أحدهما في الوطن ، ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرهما ، وإن لم يلتفت بعد بلوغه إلى التوطن فيه أبداً. فيعد وطنهما وطناً له أيضاً. إلا إذا قصد الاعراض عنه [1] ، سواء كان وطناً أصلياً لهما ومحلا لتولدهما ، أو وطناً مستجداً لهما ، كما إذا أعرضا عن وطنهما الأصلي ، واتخذا مكاناً آخر وطناً لهما ، وهو معهما قبل بلوغه ، ثمَّ صار بالغاً. وأما إذا أتيا بلدة أو قرية ، وتوطنا فيها وهو معهما ، مع كونه بالغاً ، فلا يصدق وطناً له ، إلا مع قصده بنفسه [2].

( مسألة 4 ) : يزول حكم الوطنية بالاعراض والخروج وإن لم يتخذ بعد وطناً آخر. فيمكن أن يكون بلا وطن [3] مدة مديدة.


[1] وكذا لو تردد ، على ما يأتي.

[2] أو بالتبعية. وكذا لو كان غير بالغ ، لاتحاد المناط في الجميع نعم الطفل غير المميز ، الذي لا يتأتى منه القصد الإجمالي الارتكازي ولو تبعاً قد يدعى صدق الوطن في حقه بقصد متبوعه. لكنه غير ظاهر.

[3] وحينئذ يكون كالسائح يتم دائماً ، إذ لم يتخذ مقراً ولو موقتاً وإذا اتخذ له مقراً موقتاً يأوي إليه إذا لم يكن ما يقتضي الخروج ، فإنه يتم فيه ، ويقصر إذا سافر عنه إلى مقصد ، اتفاقا لزيارة أو نحوها. ويكون مقره كبيوت الأعراب يتم فيه ، لأن بيته معه. فكأن الوطن نوعان : شخصي وهو المتعارف. ونوعي ، وهو بيوت الأعراب ونحوها من البيوت التي تتخذ مقراً موقتاً ، بعد الانصراف عن الوطن الأصلي.

وقد جرى على ذلك بعض المهاجرين الى بغداد ، فيستأجر داراً فيها سنة ، وسنة أخرى في مدينة البياع ، وثالثة في الكاظمية ، ورابعة في الكرادة الشرقية

( مسألة 5 ) : لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه [1] ، فلو غصب داراً في بلد ، وأراد السكنى فيها أبداً يكون وطناً له. وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراماً عليه ، من جهة كونه قاصداً لارتكاب حرام ، أو كان منهياً عنه من أحد والديه ، أو نحو ذلك.

( مسألة 6 ) : إذا تردد بعد العزم على التوطن أبداً ، فان كان قبل أن يصدق عليه الوطن عرفاً ، بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق ، فلا إشكال في زوال الحكم [2] ، وإن لم يتحقق الخروج والاعراض. بل وكذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجد. وأما في الوطن الأصلي إذا تردد في البقاء فيه وعدمه ، ففي زوال حكمه قبل الخروج والاعراض إشكال [3] ، لاحتمال صدق الوطنية ما لم يعزم على العدم. فالأحوط الجمع بين الحكمين.


... وهكذا. فكأنه قصد التوطن في منطقة بغداد وتوابعها ، من دون توطن في مكان خاص ، وانصرف عن وطنه الأصلي ، فهؤلاء يتمون في بيوتهم ويقصرون إذا سافروا عنها إلى زيارة مشهد أو نحو ذلك ، لأنهم يسافرون عن وطنهم النوعي. فيفترقون عن السائح من جهة تحقق التوطن في الجملة منهم ، كما يفترق أهل بيوت الأعراب عنه أيضاً بذلك.

[1] لعدم الدليل عليه ، والعرف شاهد بخلافه.

[2] إذا فرض عدم الصدق قبل الاعراض فلا حكم أولا كي يزول بالإعراض.

[3] ينشأ : من التردد في كون الوطنية تابعة للقصد حدوثاً وبقاء.

( مسألة 7 ) : ظاهر كلمات العلماء - رضوان اللّه عليهم - اعتبار قصد التوطن أبداً في صدق الوطن العرفي ، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدة مديدة ، كثلاثين سنة ، أو أزيد. لكنه مشكل ، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك [1]. والأحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط.


أو من قبيل الإيقاع الذي يكفي فيه القصد الآني ، غاية الأمر أنه يرتفع بالاعراض ، نظير نصب الوكيل وعزله. ولا يبعد الأول. ويقتضيه ظاهر النصوص المتقدمة. وعليه يكون حكمه التمام وإن سافر عن مكانه ، بناء على ما تقدم في المسألة الخامسة والخمسين ، من أحكام من كان السفر عملهم فراجع.

[1] بل هو خلاف الظاهر ، إذ لا فرق في نظر العرف بين السنة والثلاثين سنة في كون قصد التوطن مدتها لا يوجب صدق الوطن ، بل لا بد فيه من التوطن مدة العمر.

نعم يحتمل دخوله فيمن بيوتهم معهم ، لأن انقطاعه عن وطنه الأصلي واتخاذ المنزل كوطن له ، يقتضي كونه في بيته الثاني ، وإن كان موقتاً. اللّهم إلا أن يختص من بيوتهم معهم بمن كانت بيوتهم مبنية على الارتحال ، لتكون معهم ، ولا يشمل البيوت الثابتة المبنية على الاستقرار. ولكن هذا التخصيص خلاف مقتضى التعليل الارتكازي ، فإنه لا فرق في ارتكاز العرف بين الأمرين اللّهم إلا أن يقال : حمل التعليل على مقتضى الارتكاز يقتضي كون المراد من البيوت الأوطان ، فإنها التي لا يقصر فيها ويجب فيها التمام ، لا مطلق البيوت. وإلا كان التعليل غير ارتكازي ، وهو خلاف الأصل في التعليلات وإذا حملت البيوت على الوطن لم تشمل ما نحن فيه.

اللّهم إلا أن يقال : الارتكاز يقتضي الحمل على البيوت التي لا يكون المقيم فيها مسافراً عرفاً ، وإن لم تكن وطناً. فالمقيم فيها إذا كان منقطعاً

الثاني من قواطع السفر : العزم على إقامة عشرة أيام [1] متواليات [2] ، في مكان واحد [3] ، من بلد ، أو قرية ، أو مثل بيوت الأعراب ، أو فلاة من الأرض [4].


عن وطنه ، وجاعلا له كوطنه لا يكون مسافراً ، فلذا كان عليه التمام. فالتعليل يكون إشارة الى هذا المعنى ، وهو قريب جداً الى الأذواق العرفية فالمسافر الذي يقصر مقابل الحاضر الذي يتم ، والحضور يكون بالإقامة في الوطن الدائم ، ويكون بالوطن الموقت ، فان المقيم فيه حاضر عرفاً.

ويشهد بذلك : أن كثيراً من الأعراب الذين يسكنون هذه البيوت لهم أوطان مستقرة ، يسكنونها في بعض السنة ، ويخرجون منها في أيام الربيع لسوم مواشيهم. وعلى هذا يكون المقر بمنزلة الوطن في وجوب التمام.

[1] قد تقدم في شروط القصر الكلام في وجه قاطعية الإقامة. فراجع وأما إيجابها التمام فمما لا إشكال فيه ، بل لعله من الضروريات. والنصوص الدالة عليه مستفيضة ، لو لم تكن متواترة.

[2] كما هو المشهور ، بل لعله لا خلاف فيه. والقول بجواز خروج المسافر إلى ما دون المسافة ليس راجعاً الى نفي اعتبار التوالي ، بل راجع الى نفي منافاة الخروج للإقامة نفسها ، كما سيأتي. والوجه في اعتباره : ظهور أدلة التحديد بالزمان - فيما يقبل الاستمرار - في المقدار المستمر ، غير المتفرق ، كما يظهر من ملاحظة النظائر. وقد أشرنا الى ذلك في فصل الحيض وغيره.

[3] كما سيأتي.

[4] كما صرح به جماعة ، بل في كلام بعض : أنه مما لا خلاف فيه. وقد اشتملت النصوص على البلد ، والضيعة ، والمكان ، والأرض.

أو العلم بذلك [1] ، وإن كان لا عن اختيار. ولا يكفي الظن بالبقاء [2] ، فضلا عن الشك. والليالي المتوسطة داخلة [3] ، بخلاف الليلة الاولى والأخيرة [4] ، فيكفي عشرة أيام وتسع ليال. ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الأصح [5] فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الأول إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى ، ويجب عليه الإتمام. وإن كان الأحوط الجمع.


[1] كما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قلت له : أرأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له أن يكون مقصراً؟ ومتى ينبغي له أن يتم؟ فقال (عليه السلام) : إذا دخلت أرضاً ، فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام ، فأتم الصلاة .. » (1)وإطلاقه يقتضي عموم الحكم لصورة ما إذا كان المقام لا عن اختيار.

[2] لعدم الدليل عليه ، فالمرجع عموم القصر على المسافر.

[3] بلا إشكال ، أما لو أريد من اليوم ما يدخل فيه الليل فظاهر.

وأما لو أريد منه ما يقابل الليل - كما هو الظاهر - فظهور الدليل في الاستمرار - كما عرفت - كاف في إثباته.

[4] لخروجهما عن اليوم عرفاً ، ولا موجب لتبعيتهما له.

[5] كما عن الشهيد وجماعة. لأن الظاهر من اليوم الساعات النهارية لا خصوص الأمد الممتد بين الطلوع والغروب ، كما أشرنا إلى ذلك في أن أقل الحيض ثلاثة. فراجع. ومنه يظهر ضعف ما عن المدارك : من أن الأظهر العدم ، وما عن النهاية والتذكرة : من الاستشكال فيه.


1) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

ويشترط وحدة محل الإقامة [1] ، فلو قصد الإقامة في أمكنة متعددة عشرة أيام لم ينقطع حكم السفر ، كأن عزم على الإقامة في النجف والكوفة ، أو في الكاظمين وبغداد ، أو عزم على الإقامة في رستاق من قرية إلى قرية ، من غير عزم على الإقامة في واحدة منها عشرة أيام. ولا يضر بوحدة المحل فصل مثل الشط ، بعد كون المجموع بلداً واحداً ، كجانبي الحلة ، وبغداد ، ونحوهما. ولو كان البلد خارجاً عن المتعارف في الكبر فاللازم قصد الإقامة في المحلة منه ، إذا كانت المحلات منفصلة ، بخلاف ما إذا كانت متصلة. إلا إذا كان كبيراً جداً بحيث لا يصدق وحدة المحل ، وكان كنية الإقامة في رستاق مشتمل على القرى ، مثل قسطنطينية ونحوها.


[1] بلا خلاف ظاهر. لأن الظاهر من النصوص كون موضوع التمام هو الإقامة الواحدة المستمرة ، ومع تعدد المكان تتعدد الإقامة ، فلا تكون واحدة مستمرة. نعم في موثق عبد الرحمن بن الحجاج قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل تكون له الضياع ، بعضها يكون قريباً من بعض ، فيخرج فيقيم فيها ، أيتم ، أم يقصر؟ قال (عليه السلام) : يتم » (1)كذا رواه في الكافي. وعن الشيخ والصدوق : روايته : « يطوف » بدل : « يقيم » مع أنه لم يظهر منه كون الإقامة عشرة ، فيمكن أن يكون من قبيل ما دل على وجوب الإتمام في الضيعة ، مما تقدم الكلام فيه.

ثمَّ إن المراد من الوحدة المكانية ليس الوحدة الحقيقية ، ضرورة جواز تردد المقيم في بلد من داره الى المسجد ، وإلى السوق ، وإلى الحرم ، وإلى


1) تقدم ذلك في المسألة : 1 من هذا الفصل.

( مسألة 8 ) : لا يعتبر في نية الإقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على الأصح [1]. بل لو قصد حال نيتها الخروج الى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من حدودها ،


الحمام ... الى غيرها من الأمكنة المتعددة. ولا الوحدة الاعتبارية مطلقاً ، لاختلاف مقتضي الاعتبار جداً ، فقد تكون البلاد المتعددة مع تعددها واحداً ببعض العناوين الاعتبارية ، مثل العراق ، وإيران ، وآسيا ، وغير ذلك. بل المراد خصوص الوحدة الاعتبارية بلحاظ عنوان الإقامة ، فإذا كانت الأمكنة المتعددة حقيقة بنحو لا يكون تعددها موجباً لتعدد الإقامة عرفاً فيها كانت مكاناً واحداً بذلك الاعتبار. وإن كانت بحيث توجب تعدد الإقامة كانت متعددة. والوجه في ذلك : ما عرفت من رجوع اعتبار وحدة المكان الى اعتبار وحدة الإقامة ، لانحصار الدليل عليها بما دل على اعتبار وحدة الإقامة ، فتدور وحدة المكان مدار وحدتها. فمهما كانت الأمكنة المتعددة لا تكون الإقامات فيها إلا إقامة واحدة عرفاً - كالدار ، والمسجد ، والحرم والحمام ، وغيرها - كانت مكاناً واحداً. ومهما كانت الأمكنة لتباعدها بنحو تعد الإقامة في بعضها غير الإقامة في الآخر ، كانت الأمكنة متعددة.

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنه تختلف الإقامة العرفية باختلاف الأمكنة فالقرى المفصول بعضها عن بعض بربع الفرسخ تعد الإقامة في بعضها غير الإقامة في الأخرى ، ومحلات البلد الواحد ، وإن كان يبعد بعضها عن بعض بربع الفرسخ لا تعد الإقامة في بعضها غير الإقامة في الأخرى. فلا بد من ملاحظة خصوصيات الأمكنة ، لينظر أن التعدي من مكان إلى مكان هل يعد ارتحالا عنه إلى الآخر ، أو لا يعد كذلك؟ وعلى ذلك تدور صحة الإقامة وعدمها ، بلا فرق بين الأرض ، والقرية ، والبلاد المتسعة ، وغيرها فلاحظ

[1] وفي الحدائق : « الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في جوازه.

مما لا ينافي صدق اسم الإقامة في البلد عرفاً ، جرى عليه حكم المقيم ، حتى إذا كان من نيته الخروج عن حد الترخص - بل الى ما دون الأربعة - إذا كان قاصداً للعود عن قريب ، بحيث لا يخرج عن صدق الإقامة في ذلك المكان عرفاً ، كما إذا كان من نيته الخروج نهاراً والرجوع قبل الليل.

( مسألة 9 ) : إذا كان محل الإقامة برية قفراء لا يجب


وأما ما اشتهر في هذه الأوقات المتأخرة والأزمنة المتغيرة : من أن من أقام في بلد أو قرية - مثلا - فلا يجوز له الخروج عن سورها المحيط بها ، أو عن حدود بنيانها ودورها ، فهو ناشئ عن الغفلة » وفي مفتاح الكرامة : « هذا تعريض بالفاضل الفتوني ». ووجه ضعفه : عدم منافاة الخروج عن السور في الجملة لصدق الإقامة في البلد عرفاً ، التي أخذت موضوعاً لأدلة وجوب التمام ، لأن خارج السور القريب منه معدود عرفاً متحداً مع البلد ، فلا تكون الإقامة فيه مغايرة للإقامة في البلد ، فضلا عن الخروج اليه آناً ما.

هذا ومقتضى ما عرفت - من أن ظاهر النصوص كون الموجب للتمام هو الإقامة الواحدة المستمرة التي لا يتخلل بين أجزائها عدم - أن يكون مبنى الفروض المذكورة في هذه المسألة : كون المكان الذي يخرج اليه المقيم معدوداً عرفاً مغايراً لموضع الإقامة ، بحيث تكون الإقامة فيه إقامة أخرى ، غير الإقامة في موضعها. أو معدوداً معه واحداً. فما يكون من قبيل الأول لا تجوز نية الخروج إليه ، لأن الخروج إليه إذا كان منافياً لاستمرار الإقامة كانت نية الخروج إليه منافية لنية الإقامة الواحدة المستمرة ، بل كانت نية الإقامة حينئذ من قبيل نية الإقامة في القرى المتعددة ، التي لا تكون موضوعاً لوجوب الإتمام. وما يكون من قبيل الثاني تجوز نية الخروج اليه ، لعدم منافاتها لنية الإقامة الواحدة المستمرة.


ولأجل ذلك نسب القول بجواز نية الخروج إلى ما دون المسافة إلى الندرة والشذوذ ، ولم يعرف قائل به الى زمان فخر الإسلام ، فقد قيل : إنه قال به في بعض حواشيه ، وتبعه عليه في الوافي ، وشرح المفاتيح. وعن الشهيد الثاني في بعض فوائده ، أنه قال : « وما يوجد في بعض القيود : من أن الخروج الى خارج الحد ، مع العود الى موضع الإقامة ليومه أو ليلته لا يؤثر في نية الإقامة ، وإن لم ينو إقامة عشرة مستأنفة ، لا حقيقة له ، ولم نقف عليه مسنداً الى أحد من المعتبرين ، الذين تعتبر فتواهم ، فيجب الحكم بإخراجه .. ».

وكأن الوجه الذي دعاهم الى ذلك : حمل الإقامة في النصوص على كون البلد مثلا مقراً له ومحطاً لرحله. إذ من الواضح أن هذا المعنى لا ينافيه الخروج المذكور. بل لا ينافيه الخروج إلى المسافة ، لو لا الإجماع على قدح نيته. لكن حيث لا قرينة على هذا المعنى ، لا مجال لرفع اليد عن ظاهر النصوص في كون الإقامة ما يقابل الارتحال والذهاب ، المعبر عنها بالحضور المنافي ذلك قطعاً. لا أقل من إجمال النصوص ، والمرجع عموم التقصير على المسافر. اللّهم إلا أن يقال : المفهوم عرفاً من الإقامة هو المعنى الأول ، فيتعين حمل النصوص عليه ، ولا إجمال فيها حينئذ.

وأما ما في خبر الحضيني ، المروي في الوسائل في باب تخيير المسافر بمكة : « إني أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة. قال (عليه السلام) : انو مقام عشرة أيام ، وأتم الصلاة » (1)فالاستدلال به على هذا القول مبني على كون الخروج الى عرفات لا يوجب التقصير ، والالتزام بكون الخروج هذه المدة غير مناف للإقامة. والأول مناف لصريح النصوص. والثاني بعيد جداً. مع أن عدم صحة الخبر في نفسه ، وإعراض الأصحاب عنه مانعان عن العمل به.


1) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 15.

التضييق في دائرة المقام [1] ، كما لا يجوز التوسيع كثيراً ، بحيث يخرج عن صدق وحدة المحل. فالمدار على صدق الوحدة عرفاً وبعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحل إلى أطرافه ، بقصد العود اليه ، وإن كان الى الخارج عن حد الترخص ، بل الى ما دون الأربعة ، كما ذكرنا في البلد. فجواز نية الخروج إلى ما دون الأربعة لا يوجب جواز توسيع محل الإقامة كثيراً ، فلا يجوز جعل محلها مجموع ما دون الأربعة ، بل يؤخذ على المتعارف ، وإن كان يجوز التردد الى ما دون الأربعة ، على وجه لا يضر بصدق الإقامة فيه.

( مسألة 10 ) : إذا علق الإقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي ، بل وكذا لو كان مظنون الحصول ، فإنه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها. نعم لو كان عازماً على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضر [2].

( مسألة 11 ) : المجبور على الإقامة عشراً والمكره عليها يجب عليه التمام ، وإن كان من نيته الخروج على فرض رفع الجبر والإكراه ، لكن بشرط أن يكون عالماً بعدم ارتفاعهما ، وبقائه عشرة أيام كذلك [3].


[1] قد عرفت فيما سبق الكلام في هذه المسألة.

[2] لأنه مع وجود المقتضيات للعزم - من الميل والرغبة - يتحقق وإن احتمل عروض الرافع المزاحم. وبذلك افترق عن الفرض السابق ، لأن التعليق راجع الى تعليق مقتضيات العزم وعدم فعليتها. فتأمل جيداً.

[3] إذ بذلك وإن لم يدخل في العازم يدخل في المتيقن ، وقد عرفت

( مسألة 12 ) : لا تصح نية الإقامة في بيوت الأعراب ونحوهم ما لم يطمئن بعدم الرحيل عشرة أيام [1]. إلا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة.

( مسألة 13 ) : الزوجة والعبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج والسيد والمفروض أنهما قصدا العشرة - لا يبعد كفايته في تحقق الإقامة بالنسبة إليهما ، وإن لم يعلما حين القصد أن مقصد الزوج والسيد هو العشرة. نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير ، ويجب عليهما التمام بعد الاطلاع. وإن لم يبق إلا يومان أو ثلاثة ، فالظاهر وجوب الإعادة أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى مما صليا قصراً. وكذا الحال إذا قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه ، وكان مقصدهم العشرة. فالقصد الإجمالي كاف [2] في تحقق الإقامة. لكن الأحوط الجمع في الصورتين. بل لا يترك الاحتياط.


أن اليقين بالبقاء كالعزم عليه.

[1] إذ لولاه لا يحصل العزم ، ولا اليقين ، ومعه يحصل العزم.

[2] هذا غير ظاهر ، إذ لا يخرج به عن كونه متردداً في إقامة العشرة المحكوم بوجوب القصر. ومثله : ما لو نوى الإقامة إلى أجل مردد بين العشرة وما دونها ، مثل قدوم الحاج ، وقضاء الحاجة ، ونزول المطر ، وأمثال ذلك ، فإنه لا يوجب عليه التمام واقعاً ، وإن كان الأجل لا ينقضي قبل العشرة بل هو من المتردد الذي يجب عليه القصر نصاً وفتوى.

ولا مجال لقياس المقام على ما لو قصد السفر إلى مكان معين عنده ، ولكن لا يعلم أن المسافة إليه تبلغ ثمانية فراسخ ، حيث تقدم كفاية القصد


الإجمالي للثمانية في وجوب القصر. إذ التردد هنا في حد الزمان الإجمالي ، وأنه ينتهي إلى العشرة أو الى ما دونها ، وهناك لا تردد في حد المسافة ، وإنما التردد في أن المسافة المحدودة تبلغ ثمانية أو لا تبلغ ، والفرق بينهما ظاهر.

نعم نظير المقام : ما لو قصد مكان ضالته الذي لا يعلم أنه في الكوفة أو في الحلة أو في ذي الكفل ، نظراً الى أن المتردد فيه حدود المسافة. ولذا تقدم وجوب التمام على المسافر المذكور ، وان كان مقصده الإجمالي ينطبق واقعاً على نهاية مسافة.

وبالجملة : تارة : يكون المسافر متردداً في حد ذات الزمان الذي يقيم فيه ، وأنه الأقل أو الأكثر ، وإن كان جازماً بعنوانه من حيث المقدار على كل من تقديري الأقل والأكثر ، كما إذا كان عالماً بأن الزمان الذي يقيم فيه إن كان منتهاه يوم الجمعة فهو تسعة أيام ، وإن كان منتهاه يوم السبت فهو عشرة أيام ، ولكنه متردد في حده ، وأنه الجمعة أو السبت. وفي هذه الصورة يجب البقاء على التقصير واقعاً ، لعدم تحقق قصد الإقامة منه في زمان هو عشرة أيام ، لاحتمال انتهاء الإقامة بيوم الجمعة لا يوم السبت.

وأخرى : يكون جازماً بحد الزمان الذي يقيم فيه ، وهو يوم السبت في المثال ، وان كان متردداً في انطباق عنوان العشرة أيام عليه ، لتردده في اليوم الذي بدأ فيه الإقامة ، كما لو دخل البلد عند الزوال ، وهو لا يدري أن اليوم يوم الأربعاء أو الخميس ، فنوى الإقامة إلى زوال السبت ، وتبين أن يوم دخوله كان هو الأربعاء. وفي هذه الصورة يجب عليه التمام ، لتحقق قصد الإقامة منه في زمان هو عشرة أيام في الواقع ، وإن لم يدر أن ذات الزمان معنون بعنوان عشرة أيام ، لأن الغرض من ذكر العشرة تحديد الأمد فلا يلزم ملاحظتها موضوعاً للقصد. وكذا الحال إذا نوى الإقامة إلى آخر الشهر ، وكان متردداً في أن النية كانت في زوال يوم العشرين أو زوال

( مسألة 14 ) : إذا قصد المقام إلى آخر الشهر - مثلا - وكان عشرة كفى ، وإن لم يكن عالماً به حين القصد ، بل وإن كان عالماً بالخلاف. لكن الأحوط في هذه المسألة أيضاً الجمع بين القصر والتمام بعد العلم بالحال ، لاحتمال اعتبار العلم حين القصد.

( مسألة 15 ) : إذا عزم على إقامة العشرة ، ثمَّ عدل عن قصده ، فان كان صلى مع العزم المذكور رباعية بتمام بقي على التمام ما دام في ذلك المكان [1]. وإن لم يصل أصلا ، أو


الواحد والعشرين. أما إذا علم أنه زوال العشرين ، ولكن كان متردداً في أن الشهر ناقص أو كامل فعليه القصر ، كما عرفت.

وهذا التفصيل الذي ذكرناه في قصد الإقامة بعينه جار في قصد المسافة وأنه إن كانت ذات المسافة المقصودة معلومة الحد ، وإنما الشك في انطباق عنوان الثمانية فراسخ عليها ، وجب القصر. وإن كانت مجهولة الحد ، وأنه الموضع الفلاني أو الموضع الفلاني وجب التمام ، وان علم العنوان على تقدير أن يكون الحد هو الموضع الخاص. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكر في المسألة الآتية.

[1] بلا خلاف ، كما عن جماعة بل عن جماعة : الإجماع عليه. لصحيح أبي ولاد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام ، وأتم الصلاة ، ثمَّ بدا لي بعد أن لا أقيم بها ، فما ترى لي أتم ، أم أقصر؟ قال (عليه السلام) : إن كنت دخلت المدينة ، وصليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام ، فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها. وإن كنت حين دخلتها على نيتك التمام ، ولم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم ، فأنت في تلك الحال بالخيار ، إن شئت فانو المقام

صلى مثل الصبح والمغرب ، أو شرع في الرباعية. لكن لم يتمها وإن دخل في ركوع الركعة الثالثة ، رجع الى القصر [1].


عشراً وأتم ، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر. فاذا مضى لك شهر فأتم الصلاة » (1)مضافاً إلى إطلاق نصوص الإقامة ، لتعليق التمام فيها على مجرد نية الإقامة ولو حدوثاً ، ولا مقيد لها بصورة البقاء.

وخبر حمزة بن عبد اللّه الجعفري : « لما نفرت من منى نويت المقام بمكة ، فأتممت الصلاة ، ثمَّ جاءني خبر من المنزل ، فلم أجد بداً من المصير إلى المنزل ، ولم أدر أتم أم أقصر ، وأبو الحسن (عليه السلام) يومئذ بمكة ، فأتيته وقصصت عليه القصة ، فقال (عليه السلام) : ارجع الى التقصير » (2)لا يصلح لمعارضة ما سبق ، لوهنه في نفسه بإهمال الجعفري ، وبإعراض الأصحاب عنه.

ثمَّ إن التفصيل المذكور إنما هو للعدول في الأثناء. أما لو كان بعد تمام العشرة بقي على التمام ، وإن لم يصل فريضة بتمام.

[1] لأن الظاهر من الشرط في الشرطية الثانية أن لا يفرغ من صلاة فريضة تامة غير مقصورة ، وهو حاصل في جميع الفروض المذكورة. بل لا اشكال فيه بالنسبة إلى الأول. وكذا الثاني ، وإن احتمل في الحدائق : كون المراد من الشرط في الأولى أن يصلي فريضة مطلقاً ، بعد قصد التمام في المقصورات. إذ هو احتمال غريب ، ولذا جعله بعيداً ، وجعل الظاهر خلافه. وكذا في الثالث ، وان كان ظاهر محكي المبسوط وغيره : الاكتفاء بمجرد الشروع في الرباعية ، وإن لم يدخل في ركوع الثالثة. وكأنه حملاً للنص على ما يعم الشروع في الرباعية بقصد التمام. أو لدعوى انصراف النص عن مثله ، فالمرجع فيه إطلاق التمام على المقيم ، أو استصحابه ، بناء على


1) الوسائل باب : 18 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) الوسائل باب : 18 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

وكذا لو أتى بغير الفريضة الرباعية ، مما لا يجوز فعله للمسافر كالنوافل والصوم ونحوهما ، فإنه يرجع الى القصر مع العدول.


كونه المرجع ، دون عموم القصر.

وفيه : أن الانصراف ممنوع. وعن التذكرة والمختلف : الاكتفاء بالدخول في ركوع الثالثة ، لأنه يلزم من الرجوع الى القصر ابطال العمل المنهي عنه. وفيه : أن تحريم الابطال لا ينافي سببية العدول لتبدل الحكم ، فيكون انبطالا لا إبطالا. وأما عدم اندراجه في قوله (عليه السلام) : « وإن شئت فانو المقام وأتم » حيث لا يتصور التخيير بين القصر والتمام ، بعد ما بدا له بعد الركوع الثالث ، من جهة تعذر جعل صلاته قصراً. فغير ظاهر لإمكان القصر له بالاستئناف. وأضعف من ذلك : الاكتفاء بمجرد القيام إلى الثالثة وكون الزيادة عمدية مبطلة لو بني على القصر - لو سلم لا يجدي في الاكتفاء المذكور بعد صدق عدم الصلاة تماماً. ومما ذكرنا يظهر وجه الحكم في بقية الفروض.

نعم قد يدعى : أن ذكر الصلاة تماماً مبني على الغالب ، والمراد مجرد فعل ما هو من أحكام الإقامة ، بأن يشرع في الرباعية بقصد إتمامها أربعاً كما أشرنا إليه في توجيه ظاهر محكي المبسوط وغيره. أو يدعى : أن فعل ذلك إما أن يحكم بصحته ، أو ببطلانه. لا سبيل الى الثاني ، للأمر به واقعاً فيتعين الأول. ولا بد أن يكون من جهة الحكم بصحة الإقامة. وقد تقدم أنها من قواطع السفر ، فاذا صحت احتيج في جواز التقصير إلى إحداث سفر جديد ، ولا يكفي فيه العدول عن نية الإقامة. وفي الأول : أنه خروج عن الظاهر من غير وجه ظاهر. وفي الثاني : ( أولا ) : النقض بصورة ما لو كان العدول قبل فعل شي‌ء ، فإنه قبل العدول آناً ما محكوم بأحكام الحاضر ، فيكشف ذلك عن صحة إقامته. ولازمه عدم الرجوع الى

نعم الأولى الاحتياط مع الصوم ، إذا كان العدول عن قصده بعد الزوال. وكذا لو كان العدول في أثناء الرباعية ، بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة ، بل بعد القيام إليها ، وإن لم يركع بعد.

( مسألة 16 ) : إذا صلى رباعية بتمام ، بعد العزم على


التقصير بمجرد العدول ، مع أنه خلاف الإجماع. ( وثانياً ) : إن ما ذكر أشبه بالاجتهاد في قبال النص ، فان صحيح أبي ولاد يدل على الرجوع الى التقصير بمجرد العدول إذا لم يكن صلى تماماً ، وإن لم يحدث سفراً جديداً فكيف يبني على رفع اليد عن مدلوله لما ذكر؟!.

ثمَّ إن في إلحاق الصوم الواجب بالفريضة في البقاء على التمام أقوالا : الإلحاق بمجرد الشروع فيه ، حكي عن العلامة في جملة من كتبه ، وعن الموجز الحاوي ، وغاية المرام ، وإرشاد الجعفرية ، والمقاصد العلية ، والمسالك وغيرها. وعلل : بتحقق أثر النية. والإلحاق بشرط الرجوع عن نية الإقامة بعد الزوال ، نسب إلى جامع المقاصد ، وفوائد الشرائع ، والتنقيح ، والهلالية وغيرها. وعلل : بأنه - لأجل عدم جواز الإفطار حينئذ - بمنزلة ما لو رجع بعد الغروب. والإلحاق بشرط أن يكون العدول بعد الغروب ، نسب إلى جماعة. وعلل : بأن المراد من الفريضة التامة مطلق العمل التام ، ولما يستفاد من رواية معاوية بن وهب ، من أن الصوم والصلاة واحد (1). والجميع - كما ترى - خروج عن ظاهر النص بلا قرينة. وأما رواية معاوية فظاهرة في اتحادهما في الترخص وعدمه ، وأنه إذا أفطر قصر ، وإذا قصر أفطر ، وليست متعرضة لما نحن فيه. فالأقوى عدم الإلحاق ، كما عن مجمع الفائدة ، والمدارك ، والكفاية ، والذخيرة ، والحدائق ، والرياض وغيرها.


1) تقدم ذلك في المسألة : 31 من فصل صلاة المسافر.

الإقامة ، لكن مع الغفلة عن اقامته ، ثمَّ عدل ، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام [1]. وكذا لو صلاها تماماً لشرف البقعة [2] كمواطن التخيير ، ولو مع الغفلة عن الإقامة [3]. وإن كان الأحوط الجمع بعد العدول حينئذ. وكذا في الصورة الأولى.

( مسألة 17 ) : لا يشترط في تحقق الإقامة كونه مكلفاً بالصلاة [4] ، فلو نوى الإقامة وهو غير بالغ ، ثمَّ بلغ في أثناء العشرة ، وجب عليه التمام في بقية الأيام. وإذا أراد التطوع بالصلاة قبل البلوغ يصلي تماماً [5]. وكذا إذا نواها وهو مجنون [6] ، إذا كان ممن يتحقق منه القصد ، أو نواها حال الإفاقة ، ثمَّ جن ، ثمَّ أفاق [7].


[1] لإطلاق الصحيح المتقدم. ودعوى : انصرافه الى خصوص صورة الفعل ، جرياً على نية الإقامة. ممنوعة ، بل الانصراف بدوي لا يعول عليه في رفع اليد عن الإطلاق.

[2] للإطلاق أيضاً. لكن لا تبعد دعوى الانصراف الى خصوص صورة كون الصحة من آثار نية الإقامة. إلا أن يقال : الصحة في المقام مستندة إلى نية الإقامة ، غاية الأمر أنه لو لا النية لصحت أيضاً من جهة الخصوصية في المكان ، فالصحة لها سببان على البدل.

[3] لا يمكن فرض ذلك في حال الالتفات ، بل لا بد فيه من الغفلة

[4] لإطلاق الأدلة. والاشكال في قصد الصبي قد عرفت دفعه في قصد المسافة. ثمَّ إنه لا يطرد في صورة العلم بالإقامة عشرة أيام.

[5] لأنه كالبالغ في كيفية العمل ، سواء أكانت أعماله شرعية أم تمرينية

[6] للإطلاق.

[7] إذ الجنون - لو سلم كونه رافعاً للقصد - لا يقدح عروضه ،

وكذا إذا كانت حائضاً حال النية [1] ، فإنها تصلي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماماً. بل إذا كانت حائضاً تمام العشرة يجب عليها التمام ، ما لم تنشئ سفراً.

( مسألة 18 ) : إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الإقامة ثمَّ عدل عنها بعد الوقت ، فان كانت مما يجب قضاؤها ، وأتى بالقضاء تماماً ثمَّ عدل ، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام [2]. وأما إن عدل قبل إتيان قضائها أيضاً فالظاهر العود إلى القصر ، وعدم كفاية استقرار القضاء عليه تماماً. وإن كان الأحوط الجمع حينئذ ، ما دام لم يخرج. وإن كانت مما لا يجب قضاؤه كما إذا فاتت لأجل الحيض ، أو النفاس ، ثمَّ عدلت عن النية ، قبل إتيان صلاة تامة ، رجعت إلى القصر. فلا يكفي مضي وقت الصلاة في البقاء على التمام [3].

( مسألة 19 ) : العدول عن الإقامة قبل الصلاة تماماً قاطع لها من حينه ،


لعدم الدليل على اعتبار استمرار القصد ، وإنما دل على قدح التردد والبداء ولذا لا يقدح النوم ، ولا النسيان.

[1] للإطلاق.

[2] للإطلاق. إذ اعتبار خصوص الأداء لا وجه له. والانصراف إليه بدوي.

[3] كما عن الذكرى. لصدق أنه لم يصل فريضة بتمام. وفي نجاة العباد لم يستبعد الاكتفاء ، تبعاً لما عن التذكرة وغيرها ، لاستقرارها في الذمة تماماً. وهو كما ترى.

وليس كاشفا عن عدم تحققها من الأول [1]. فلو فاتته حال العزم عليها صلاة أو صلوات أيام ، ثمَّ عدل قبل أن يصلي صلاة واحدة بتمام ، يجب عليه قضاؤها تماماً. وكذا إذا صام يوماً أو أياماً حال العزم عليها ، ثمَّ عدل قبل أن يصلي صلاة واحدة بتمام ، فصيامه صحيح. نعم لا يجوز له الصوم بعد العدول ، لأن المفروض انقطاع الإقامة بعده [2].

( مسألة 20 ) : لا فرق في العدول عن قصد الإقامة بين أن يعزم على عدمها ، أو يتردد فيها [3] ، في أنه لو كان بعد الصلاة تماماً بقي على التمام ، ولو كان قبله رجع إلى القصر.

( مسألة 21 ) : إذا عزم على الإقامة فنوى الصوم ، ثمَّ عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماماً ، رجع إلى القصر في صلاته [4]. لكن صوم ذلك اليوم صحيح ، لما عرفت من


[1] لأن ظاهر الصحيح التعرض للبقاء على التمام ، لا لأصل الحدوث فإطلاق ما دل على أن حدوث نية الإقامة مطلقا كاف في وجوب التمام محكم بلا معارض. مضافاً الى أن فعل الفريضة لو كان شرطاً في صحة الإقامة لزم الدور ، لأن نية الإقامة شرط في صحة التمام والأمر به. فتأمل.

[2] على ما عرفت : من عدم الاكتفاء بالصوم في البقاء على التمام.

[3] لما في ذيل الصحيح المتقدم : من أن البقاء على التمام مشروط بالبقاء على النية ، فإذا لم ينو الإقامة - ولو كان متردداً - وجب القصر ، إذا لم يصل فريضة بتمام (1)

[4] لما عرفت.


1) راجع المسألة : 15 من هذا الفصل.

أن العدول قاطع من حينه ، لا كاشف ، فهو كمن صام ، ثمَّ سافر بعد الزوال [1].

( مسألة 22 ) : إذا تمت العشرة لا يحتاج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة. بل إذا تحققت بإتيان رباعية تامة كذلك ، فما دام لم ينشئ سفراً جديداً يبقى على التمام [2].

( مسألة 23 ) : كما أن الإقامة موجبة للصلاة تماماً ، ولوجوب - أو جواز - الصوم ، كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر ، ولوجوب الجمعة ، ونحو ذلك من أحكام الحاضر [3].

( مسألة 24 ) : إذ تحققت الإقامة وتمت العشرة أولا وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفقة ، فللمسألة صور :

الأولى : أن يكون عازماً على العود إلى محل الإقامة


[1] لإطلاق الأخبار الدالة على أن من سافر بعد الزوال أتم صومه مثل صحيح ابن مسلم : « إذا سافر الرجل في شهر رمضان ، فخرج بعد نصف النهار ، عليه صيام ذلك اليوم » (1)فإنه ظاهر الشمول لما نحن فيه. كما أن مقتضى استصحاب وجوب الصوم ذلك. لكن في الاعتماد عليه ، في قبال عموم وجوب الإفطار على المسافر إشكال ظاهر. فلاحظ.

[2] أما في الأول فلإطلاق ما دل على أن نية الإقامة موجبة للتمام. وأما في الثاني فللتصريح في صحيح أبي ولاد بوجوب الإتمام حتى يخرج (2)[3] لما عرفت من انها من قواطع السفر ، وأن المقيم في البلد بمنزلة أهله.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 1.

2) تقدم في المسألة : 15 من هذا الفصل.

واستئناف إقامة عشرة أخرى. وحكمه : وجوب التمام [1] في الذهاب ، والمقصد ، والإياب ، ومحل الإقامة الأولى. وكذا إذا كان عازماً على الإقامة في غير محل الإقامة الأولى ، مع عدم كون ما بينهما مسافة [2].

الثانية : أن يكون عازماً على عدم العود إلى محل الإقامة وحكمه : وجوب القصر إذا كان ما بقي من محل إقامته إلى


[1] إجماعاً ، كما عن الروض ، والمقاصد العلية ، والمصابيح. وعن الغرية : عليه عامة الأصحاب. وعن الصيمري في كشف الالتباس : انه لا شك ولا خلاف فيه. وعن مجمع البرهان : ان دليله واضح لا إشكال فيه. ووجهه : ما عرفت ، من كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر ، فالرجوع إلى القصر بعدها محتاج إلى سفر جديد ، وهو غير حاصل في الفرض. بل لو قلنا بكونها قاطعة لحكمه تعين أيضاً البناء على التمام ، بناء على الرجوع في مثل المقام الى استصحاب حكم المخصص ، لا عموم أدلة القصر.

وعن بعض : وجوب القصر ، ونسب الى المقدس البغدادي (رحمه اللّه) ، والشيخ محمد طه نجف (رحمه اللّه) وكأنه لبنائهم على كون الإقامة رافعة لحكم السفر ، لا قاطعة لنفسه ، وعلى كون المرجع في مثل المقام عموم أدلة التقصير ، لا استصحاب التمام. أو على إطلاق الخروج في صحيح أبي ولاد (1)وكلاهما ضعيف. إذ الأول عرفت حاله في شروط المسافة. والثاني - لو سلم - لا مجال للأخذ به بعد البناء على قاطعية الإقامة للسفر ، للإجماع على عدم جواز التقصير لغير المسافر.

[2] كما نص عليه في محكي مجمع البرهان وغيره ، لجريان ما سبق فيه لكونهما من باب واحد.


1) تقدم في المسألة : 15 من هذا الفصل.

مقصده مسافة [1] ، أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو بلد آخر مسافة ، ولو كان ما بقي أقل من أربعة ، على الأقوى من كفاية التلفيق ، ولو كان الذهاب أقل من أربعة [2].

الثالثة : أن يكون عازماً على العود إلى محل الإقامة ، من دون قصد إقامة مستأنفة ، لكن من حيث أنه منزل من منازله في سفره الجديد. وحكمه : وجوب القصر أيضاً في الذهاب ، والمقصد ، ومحل الإقامة [3].


[1] يعني : إذا كان ما بين محل إقامته ومقصده مسافة. والتعبير عنه بما بقي بلحاظ سفره قبل نية الإقامة. وفي الجواهر : « الظاهر أنه لا خلاف فيه ، فان الباحثين عنها والمتعرضين لها اتفقوا على ذلك ، من دون نقل خلاف ، ولا إشكال ، بل اعترف بعضهم بظهور الاتفاق عليها » ، ويقتضيه ما دل على وجوب القصر على المسافر ، من دون معارض. وهذا مما لا إشكال فيه. نعم في جعل هذا من صور مسألة الخروج الى ما دون المسافة ولو ملفقة - كما في المتن - غير ظاهر.

[2] لكن عرفت إشكاله في مبحث التلفيق. هذا بالنسبة إلى الرجوع الى بلده. أما بالنسبة إلى الرجوع إلى غير بلده ، فليس هو من التلفيق ، بل يجري عليه حكم الامتداد ، فإنه نوع منه. إذ لا يعتبر استقامة خط السير ، بل يشمل غير المستقيم أيضاً.

[3] كما عن الشيخ ، والقاضي ، والحلبي ، والعلامة في كثير من كتبه وغيرهم ، بل عن الشهيد : نسبته إلى المتأخرين. وهو إنما يتم بناء على ضم الذهاب مطلقاً - ولو كان دون الأربعة - إلى الإياب. أما بناء على عدمه ، واعتبار كون الذهاب أربعة ، فغير ظاهر ، لان المفروض كون


الذهاب الى المقصد دون الأربعة. ودعوى : كفاية قصد السفر بالإياب ، فهو من حين خروجه عن محل الإقامة يصدق أنه مسافر ، بلحاظ قصد الإياب ، فيجب عليه التقصير. مندفعة : بما عرفت في أحكام المسافة ، من أن ظاهر الأدلة اعتبار السير في المسافة في وجوب التقصير ، فاذا لم يكن السير الذهابي جزءاً من السفر الموجب للقصر ، لم يشرع القصر حاله. ولذا حكي عن جماعة : الاقتصار في وجوب التقصير على الإياب ، ومحل الإقامة وأوجبوا التمام في الذهاب ، والمقصد.

وهذا القول وإن كان أقرب من الأول إلى القواعد ، لعدم ورود الاشكال المتقدم فيه. إلا أنه استشكل فيه أيضاً جماعة : بأن جعل الشروع في الإياب شروعاً في السفر يتوقف على ضم الإياب إلى الخروج ثانياً عن محل الإقامة ، وكونهما سفراً واحداً عرفاً ، وهو لا يطرد في جميع الصور. ولذا فصل - في المتن وغيره - بين الصورة الثالثة والرابعة ، فأوجب القصر في الإياب في الاولى ، والتمام فيه في الثانية ، لأنه يصدق على الإياب والخروج عن محل الإقامة أنهما سفر واحد عرفاً في الاولى ، ولا يصدق ذلك عليهما في الثانية.

وفيه : أن عدم الصدق في الثانية مبني على المسامحة ، إذ لا ينبغي التأمل في كون المسافر عند شروعه في الإياب قاصداً للسفر إلى بلده حقيقة ، غاية الأمر أنه - بلحاظ كونه لما لم يقض وطره من محل الإقامة - يقال - بنحو من العناية - إنه ذاهب إلى محل الإقامة ، لا إلى بلده. وهذا المقدار لا يدور عليه الحكم. ونظيره : من خرج من وطنه لحاجة له في موضع على رأس ثلاثة فراسخ ، لكنه لا يتمكن من النزول فيه عند الوصول اليه ، لعدم وقوف القطار فيه مثلا ، بل كان يقف على رأس أربعة فراسخ ، فإنه إذا وقف القطار على رأس الأربعة فرجع الى مقصده ، يقال عند شروعه في الرجوع


إليه : أنه قاصد السفر إلى المقصد ، لا إلى بلده ، مع أنه لا يظن من أحد التوقف في وجوب القصر عليه في الذهاب ، والإياب ، لما ذكرنا من كونه قاصداً حقيقة الرجوع إلى بلده ، وان كان يمر بمقصده. ولذا اتفق النص والفتوى على انحصار قواطع السفر بالمرور بالوطن ، والإقامة عشراً ، والتردد ثلاثين يوماً. بل من ضروريات نصوص الإقامة : أن الإقامة دون عشرة في الضياع والقرى المملوكة لا يقطع السفر ، ولا يقدح في اتصال السفر قبلها بما بعدها على أي نحو كانت ، فكيف يكون المقام في موضع الإقامة قاطعاً في المقام؟! فتأمل جيداً. فاذاً التفصيل المذكور لا يخلو من إشكال.

مضافاً الى ما يمكن أن يشكل به على أصل الحكم بالتقصير في الإياب بجميع صوره ، وذلك أنه بناء على كون الإقامة قاطعة لنفس السفر المأخوذ موضوعاً لوجوب التقصير ، لا بد في جواز التقصير من قصد السفر عن محل الإقامة ، بحيث يكون الكون في محل الإقامة خارجاً عنه. وهذا المعنى إنما ينطبق على الخروج عن محل الإقامة كلية بعد العود اليه ، ولا ينطبق على الإياب إليه ، لأن انطباقه على الإياب يلازم كون المرور بمحل الإقامة جزءاً من السفر عنه ، وقد عرفت أنه غير جائز. فالقول بالتمام في الذهاب والمقصد ، والإياب ، ومحل الإقامة ، الى أن يخرج عنه كلية - كما عن غير واحد من متأخري المتأخرين ، وفاقاً لما عن العلامة في جواب المسائل المهنائية ونسب الى ولده في بعض الحواشي - في محله. وما عن غير واحد : من نفي الخلاف في وجوب القصر في الإياب ، أو دعوى الإجماع عليه. ليس بنحو يصلح أن يعتمد عليه في رفع اليد عما تقتضيه القواعد. ومن ذلك تعرف حال الصورة الرابعة.

اللّهم إلا أن يقال : لا دليل على اعتبار تحقق السفر عن محل الإقامة في المترخص ، بل اللازم - بعد البناء على قاطعية الإقامة للسفر - اعتبار

الرابعة : أن يكون عازماً على العود إليه من حيث أنه محل إقامته ، بأن لا يكون حين الخروج معرضاً عنه ، بل أراد قضاء حاجة في خارجه والعود إليه ، ثمَّ إنشاء السفر منه ولو بعد يومين ، أو يوم ، بل أو أقل. والأقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب ، والمقصد ، والإياب ، ومحل الإقامة ما لم ينشئ سفراً. وإن كان الأحوط الجمع في الجميع ، خصوصاً في الإياب ، ومحل الإقامة.

الخامسة : أن يكون عازماً على العود الى محل الإقامة ، لكن مع التردد في الإقامة بعد العود وعدمها. وحكمه أيضاً وجوب التمام [1]. والأحوط الجمع ، كالصورة الرابعة.

السادسة : أن يكون عازماً على العود ، مع الذهول عن


تحقق السفر غير السفر السابق المنقطع بالإقامة ، وهذا متحقق في المقام وفيه : أن ظاهر صحيح أبي ولاد (1)اعتبار السفر عن محل الإقامة ، والخروج عنه مسافراً ، بحيث يكون خط السير في خارجه.

[1] كما عن المدارك ، والذخيرة ، والمصابيح. أما بناء على الاشكال المتقدم فظاهر. وأما بناء على القصر في الإياب في الصورة الثالثة ، فلعدم قصد السفر به ، لأن التردد في الإقامة تردد في السفر غير المنقطع بها ، ومعه لا بد من التمام ، كما تقدم في الشرط الرابع من شروط القصر. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الغرية وإرشاد الجعفرية. من الحكم بالقصر ، وعن فوائد الشرائع وحاشية الإرشاد : انه الأقوى ، وما عن جامع المقاصد والجعفرية : من أن فيه وجهين.


1) تقدم في المسألة : 15 من هذا الفصل.

الإقامة وعدمها. وحكمه أيضا : وجوب التمام [1]. والأحوط الجمع ، كالسابقة.

السابعة : أن يكون متردداً في العود وعدمه [2] ،


[1] يظهر وجهه مما سبق في الصورة الخامسة ، لأن الذهول عن الإقامة وعدمها مناف لقصد السفر ، كالتردد فيها هناك ، بناء على وجوب القصر في الإياب. أما بناء على وجوب التمام فيه ، فوجه التمام أظهر.

[2] عدم العود تارة : يكون بمعنى الإقامة في المقصد ، وأخرى : بمعنى السفر إلى أهله. فعلى الأول يكون محصل الفرض : أنه قصد الذهاب الى المقصد ، متردداً بين الإقامة فيه والعود الى محل الإقامة. وينبغي الجزم بوجوب التمام في الذهاب ، لأن التردد في الإقامة مانع من الترخص فيه ، سواء أكان قاصداً - على تقدير العود - الإقامة في محل الإقامة ثانياً ، أم الذهاب إلى أهله ، أم تردد في ذلك. وعلى الثاني فاما أن يكون بناؤه - على تقدير العود - الإقامة في محل الإقامة ثانياً ، وإما أن يكون بناؤه - على تقديره - السفر إلى أهله ، أو تردد في ذلك. فعلى الأول يكون محصل الفرض : أنه سافر إلى المقصد ، متردداً بين الذهاب منه الى أهله ، وبين العود والإقامة. وينبغي الجزم بوجوب التمام أيضاً في الذهاب ، لما عرفت من أن التردد في الإقامة مانع عن القصر. وكذا لو كان متردداً في الإقامة ولا فرق في ذلك بين القول بالترخص في الإياب في الصورة الثالثة والرابعة والقول بالتمام فيه. وعلى الثاني يكون محصل الفرض : أنه سافر إلى المقصد متردداً بين السفر منه إلى أهله وبين العود الى محل الإقامة والذهاب منه إلى أهله. وينبغي الجزم بأن حكمه التمام في الذهاب ، على تقدير كون رجوعه إلى محل الإقامة من قبيل الرجوع إليه في الصورة الرابعة ، وأن حكمه القصر لو كان من قبيل الرجوع إليه في الصورة الثالثة ، بناء على القصر في الإياب

أو ذاهلا عنه [1]. ولا يترك الاحتياط بالجمع فيه في الذهاب والمقصد ، والإياب ، ومحل الإقامة ، إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الإقامة ، أو ينشئ السفر. ولا فرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين أن يرجع الى محل الإقامة في يومه ،


فيها. أما بناء على التمام فيه فيهما - بناء على الاشكال المتقدم - فالحكم التمام هنا على التقديرين ، لعدم تحقق قصد السفر الخارج عن محل الإقامة.

وهذا الكلام كله في الذهاب. وقد عرفت أنه قد يجب فيه التمام ، وقد يجب فيه القصر. كما أن وجوب القصر - على تقديره - مبني على القول بالضم مطلقاً. أما بناء على اعتبار الأربعة في جواز الضم فلا مجال للقصر فيه في جميع الصور. وأما الإياب فلا يعرف حكمه إلا بعد الشروع فيه ، ليعلم أنه كان بأي قصد. وحينئذ يعرف حكمه مما سبق في الصور السابقة. لكن لا بد من ملاحظة ما يأتي في ذيل المسألة الخامسة والعشرين ، فقد يجب فيه القصر ، مع وجوب التمام فيه فيما سبق ، وذلك إذا انقطعت الإقامة في الذهاب ، حيث يجب فيه التقصير. فلاحظ.

[1] الذهول عن العود إن كان بمعنى الذهول عنه وعما ينافيه - من الإقامة في المقصد ، والسفر منه الى أهله - فهو يلازم عدم قصد السفر إلا إلى المقصد. وحينئذ فلا بد من التمام فيه ، لعدم قصد المسافة الموجبة للقصر وإن كان بمعنى الغفلة عنه فقط ، بأن عزم على السفر إلى المقصد ومنه إلى أهله ، أو بنى على الإقامة فيه ، أو تردد بين الأمرين ، وجب القصر في الذهاب في الأول ، والتمام في الأخيرين. هذا حكم الذهاب. وأما الإياب فلا يعرف حكمه إلا بعد الشروع فيه ، كما سبق. ومما ذكرنا كله تعرف أنه لا وجه ظاهر لتوقف المصنف (رحمه اللّه) عن الفتوى في هذه المسألة ، مع ما عرفت من وضوح حكمها في جميع الصور.

أو ليلته ، أو بعد أيام [1].

هذا كله إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة ، بعد العشرة أو في أثنائها ، بعد تحقق الإقامة. وأما إذا كان من عزمه الخروج في حال نية الإقامة ، فقد مر [2] أنه إن كان من قصده الخروج والعود عما قريب. وفي ذلك اليوم ، من غير أن يبيت خارجاً عن محل الإقامة ، فلا يضر بقصد اقامته ويتحقق معه ، فيكون حاله بعد ذلك حال من بدا له. وأما إن كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة في ابتداء نيته ، مع البيتوتة هناك ليلة أو أزيد ، فيشكل معه تحقق الإقامة. والأحوط الجمع من الأول إلى الآخر. إلا إذا نوى الإقامة بدون القصد المذكور جديداً ، أو يخرج مسافراً.

( مسألة 25 ) : إذا بدا للمقيم السفر ، ثمَّ بدا له العود إلى محل الإقامة والبقاء عشرة أيام ، فإن كان ذلك بعد بلوغ أربعة فراسخ ، قصر في الذهاب ، والمقصد ، والعود [3]. وإن كان قبله فيقصر حال الخروج [4] - بعد التجاوز عن حد الترخص - [5] إلى حال العزم على العود ، ويتم عند


[1] لأن التفصيل بين الأمرين إنما قيل به في قصد المسافة التلفيقية ، لا فيما نحن فيه.

[2] قد مر الكلام فيه.

[3] لكونه مسافراً في الجميع ، كالخارج من وطنه.

[4] لكونه شارعاً في سفر مقصود له.

[5] على ما تقدم.

العزم عليه [1]. ولا يجب عليه قضاء ما صلى قصراً [2]. وأما إذا بدا له العود ، بدون إقامة جديدة ، بقي على القصر حتى في محل الإقامة ، لأن المفروض الاعراض عنه [3]. وكذا لو ردته الريح ، أو رجع لقضاء حاجة ، كما مر سابقاً [4].

( مسألة 26 ) : لو دخل في الصلاة بنية القصر ، ثمَّ بدا له الإقامة في أثنائها أتمها ، وأجزأت [5]. ولو نوى الإقامة ودخل في الصلاة بنية التمام ، فبدا له السفر ، فان كان


[1] لأن العدول عن السفر مانع من البقاء على القصر ، لاعتبار استمرار قصده ، كما عرفت.

[2] لما تقدم في المسألة الرابعة والعشرين من أول المبحث.

[3] يعنى : فلا مجال لتوهم أن الرجوع الى موضع الإقامة ملحق بالإقامة السابقة ، لعدم منافاة هذا المقدار من الخروج لها ، فان الخروج حال الاعراض مانع عن ذلك ، ولا دليل على أن العدول عنه موجب للرجوع الى التمام ، فالمرجع عموم القصر.

[4] في المسألة التاسعة والستين من الفصل الأول.

[5] بلا خلاف ظاهر ، بل عن التذكرة ، وإرشاد الجعفرية ، وظاهر الذخيرة : الإجماع عليه. ويدل عليه - مضافاً الى إطلاق أدلة التمام على المقيم - صحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن علیه السلام : « عن الرجل يخرج في السفر ، ثمَّ يبدو له في الإقامة ، وهو في الصلاة. قال (عليه السلام) : يتم إذا بدت له الإقامة » (1)ونحوه خبر سهل (2).


1) الوسائل باب : 20 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

قبل الدخول في الركعة الثالثة أتمها قصراً ، واجتزأ بها [1]. وإن كان بعده بطلت ، ورجع إلى القصر ما دام لم يخرج [2] وإن كان الأحوط إتمامها تماما ، وإعادتها قصراً ، والجمع بين القصر والإتمام ما لم يسافر [3] ، كما مر.

( مسألة 27 ) : لا فرق في إيجاب الإقامة لقطع حكم السفر وإتمام الصلاة بين أن تكون محللة أو محرمة [4] ، كما إذا قصد الإقامة لغاية محرمة ، من قتل مؤمن ، أو سرقة ماله أو نحو ذلك ، كما إذا نهاه عنها والده ، أو سيده ، أو لم يرض بها زوجها.

( مسألة 28 ) : إذا كان عليه صوم واجب معين غير رمضان كالنذر ، أو الاستيجار ، أو نحوهما - وجب عليه الإقامة مع الإمكان [5].


[1] بلا إشكال فيه على الظاهر ، بناء على عدم الاكتفاء في البقاء على وجوب التمام بمجرد الدخول في الصلاة بنية التمام. أما بناء على الاكتفاء بذلك - كما تقدم نقله عن الشيخ - أتمها تماماً ، وبقي على التمام. وقد عرفت فيما سبق أن هذا المبنى خلاف ظاهر صحيح أبي ولاد (1)

[2] إذا كان بعد الدخول في ركوع الثالثة. وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة عشرة. فرجع.

[3] مبنى الاحتياط : الإشكال في الاكتفاء بهذا المقدار من الأثر في البقاء على التمام وغيره ، مما عرفت ضعفه.

[4] للإطلاق.

[5] اعلم : أن الحضر إذا كان شرطاً لوجوب الصوم - كما يقتضيه


1) تقدم ذلك في المسألة : 15 من هذا الفصل.


ظاهر الآية (1)وبعض النصوص (2)كان السفر موجباً لعدم المصلحة في الصوم. وحينئذ لا يكون ترك الصوم تفويتاً ، ولا عدمه فوتاً. ولا وجه لوجوب القضاء لما فات في السفر ، بل إن وجب بعد ذلك في الحضر لم يكن قضاء لما فات ، بل هو واجب آخر أجنبي عنه. وهو خلاف ضرورة الفقه ، بل خلاف مرتكزات المتشرعة. وان كان الحضر شرطاً لوجوده ، كان اللازم وجوب تحصيله ، فلا يجوز السفر. ولأجل أن المشهور المنصور جواز السفر اختياراً في شهر رمضان ، وجب الالتزام بأن الشرط ليس وجود الحضر مطلقاً ، بل وجوده من باب الاتفاق. وحينئذ يجوز تفويته اختياراً ، كما يجوز تفويت شرائط الوجوب ، ولكن يجب القضاء.

هذا في صوم رمضان. أما غيره فمقتضى قاعدة الإلحاق جريان ذلك فيه أيضاً ، فيكون الحضر شرطاً لوجود الصوم ، لا مطلقاً ، بل خصوص وجوده من باب الاتفاق. وعليه فيجوز السفر اختياراً في كل صوم واجب معين ، بالأصل أو بالعارض ، كما اختاره في نجاة العباد ، وأمضاه شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) والسيد المحقق الشيرازي (قدس سره) وغيرهما من محشيها. ويشهد به في النذر بعض النصوص ، كرواية عبد اللّه بن جندب : « سمعت من زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سأله عن رجل جعل على نفسه نذراً صوماً. فحضرته نية في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام). قال (عليه السلام) : يخرج ، ولا يصوم في الطريق. فاذا رجع قضى ذلك » (3)وقريب منها غيرها. وعلى هذا فلا موجب للإقامة. نعم لا يبعد ذلك في الاستئجار ، لظهور الإجارة في كونها إجارة على الإقامة والصوم معاً ، لا على الصوم على تقدير الإقامة.


1) وهي قوله تعالى : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .. ) البقرة : 185.

2) تأتي الإشارة إليها - ان شاء اللّه تعالى - في المسألة : 1 من فصل شرائط وجوب الصوم.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

( مسألة 29 ) : إذا بقي من الوقت أربع ركعات ، وعليه الظهران ، ففي جواز الإقامة إذا كان مسافراً ، وعدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاء ، إشكال [1] فالأحوط عدم نية الإقامة مع عدم الضرورة. نعم لو كان حاضراً ، وكان الحال كذلك لا يجب عليه السفر لإدراك الصلاتين في الوقت.

( مسألة 30 ) : إذا نوى الإقامة ، ثمَّ عدل عنها ، وشك في أن عدوله كان بعد الصلاة تماماً حتى يبقى على التمام أم لا ، بنى على عدمها [2] ، فيرجع إلى القصر.

( مسألة 31 ) : إذا علم بعد نية الإقامة بصلاة أربع ركعات والعدول عن الإقامة ، ولكن شك في المتقدم منهما مع


ومنه يظهر أنه لو كان مرجع النذر إلى نذر الإقامة والصوم معاً ، وجبت الإقامة أيضاً. وانما لا تجب الإقامة - حسبما قلنا - إذا كان النذر للصوم المشروع في الزمان المعين ، لا غير. وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة التاسعة والثلاثين من الفصل السابق. وتمام الكلام في المقام موكول إلى محله من كتاب الصوم.

[1] لكنه ضعيف ، لأن التفويت المحرم ترك الواجب في ظرف الفراغ عن وجوبه ، ولا يشمل ترك تبديل الواجب ، الذي لا يقدر عليه المكلف بواجب يقدر عليه ، لعدم الدليل على حرمة مثل ذلك ، والأصل البراءة. ولأجل ذلك لم يجب السفر في الفرض الآتي. إذ لا فرق بين الفرضين في ذلك. وقد تقدم في المسألة الثالثة من فصل القراءة ما له تعلق بالمقام.

[2] لأصالة عدمها ، فيثبت موضوع وجوب القصر بكلا جزئية ،

الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر ، مع البناء على صحة الصلاة [1] لأن الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماماً ، حال العزم على الإقامة ، وهو مشكوك [2].


أحدهما بالوجدان ، وهو العدول ، والثاني بالأصل ، وهو عدم الصلاة تماماً.

[1] هذا يوجب المخالفة القطعية للعلم الإجمالي بالتكليف ، لأنه إن كان العدول بعد الصلاة تماماً وجب عليه البقاء على التمام. وان كان قبلها وجب عليه الإعادة لما مضى والقصر لما يأتي ، فالبناء على صحة الصلاة ، والرجوع إلى القصر مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال.

[2] هذا إنما يصلح تعليلا للرجوع الى القصر ، لو جرت أصالة عدم وقوع الصلاة تماماً الى حين العدول. لكنه يمتنع جريانها ، إما لمعارضتها بأصالة عدم وقوع العدول إلى حين الصلاة تماماً ، كما هو المشهور. أو لعدم حجية الأصل المذكور ذاتاً ، كما هو التحقيق ، حسبما حررناه في تعليقتنا على الكفاية : ( حقائق الأصول ) ، في استصحاب مجهول التاريخ ، وتقدم في مباحث خلل الوضوء.

ولأجل أنه لا يجري الأصل الموضوعي المذكور ، فالمرجع الأصل الحكمي وهو استصحاب وجوب التمام لو أمكن. وإلا - كما لو كان العدول المحتمل قبل الوقت ، وبني على عدم حجية الاستصحاب التعليقي - تعين الجمع بين التمام والقصر ، من جهة العلم الإجمالي. كما أن عليه إعادة القصر ، لأنها بعض المعلوم بالإجمال.

هذا كله بناء على عدم الرجوع الى العام في الشبهة المصداقية. أما بناء على الرجوع اليه فيكون الحكم التمام ، لعموم ما دل على التمام بنية الإقامة المقتصر في الخروج عنه على صورة العلم بالعدول ، قبل الصلاة تماماً ، لا القصر لعموم ما دل على القصر للمسافر ، للعلم بتخصيصه بأدلة الإقامة ، المعلوم

( مسألة 32 ) : إذا صلى تماماً ثمَّ عدل ، ولكن تبين بطلان صلاته ، رجع إلى القصر ، وكان كمن لم يصل [1]. نعم إذا صلى بنية التمام ، وبعد السلام شك في أنه سلم على الأربع أو على الاثنين أو الثلاث ، بنى على أنه سلم على الأربع ويكفيه في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الإقامة بعدها [2]

( مسألة 33 ) : إذا نوى الإقامة ، ثمَّ عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة ، وشك في أنه هل صلى في الوقت حال العزم على الإقامة أم لا ، بنى على أنه صلى. لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام إشكال [3] ، وإن كان لا يخلو من


انطباقه في المقام.

هذا ويمكن أن يقال : إن موضوع وجوب التمام على من عدل عن نية الإقامة ، هو نية الإقامة مع الصلاة تماماً ، فاذا ثبتت صحت الصلاة بأصالة الصحة فقد تحقق موضوعه. وعدم العدول قبل الصلاة تماماً ، لا دخل له في وجوب التمام ، إلا من حيث اقتضائه صحة الصلاة ، لا أنه شرط آخر في قبال الصلاة تماماً صحيحة. فليس الشرط في وجوب التمام إلا صحة الصلاة تماماً ويمكن إثبات ذلك بأصل الصحة.

[1] لما عرفت من عدم الاكتفاء بمطلق الأثر الشرعي لنية الإقامة ، فضلا عن الأثر الخارجي.

[2] لإطلاق دليل قاعدة البناء على الأكثر ، الشامل لمثل الأثر المذكور.

[3] لاحتمال اختصاص دليل قاعدة الشك بعد خروج الوقت - وهو صحيح زرارة والفضيل - بنفي الإعادة ، للاقتصار فيه على ذلك ، قال (عليه السلام) : « وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت ، وقد دخل حائل فلا إعادة

قوة خصوصاً إذا بنينا على أن قاعدة الشك بعد الفراغ ، أو بعد الوقت ، إنما هي من باب الأمارات ، لا الأصول العملية [1].

( مسألة 34 ) : إذا عدل عن الإقامة ، بعد الإتيان بالسلام الواجب ، وقبل الإتيان بالسلام الأخير ، الذي هو مستحب ، فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام [2] ، وفي تحقق الإقامة. وكذا لو كان عدوله قبل الإتيان بسجدتي السهو إذا كانتا عليه. بل وكذا لو كان قبل الإتيان بقضاء الأجزاء المنسية ، كالسجدة والتشهد المنسيين. بل وكذا لو كان قبل


عليك من شك حتى تستيقن .. » (1)لكن لا يبعد أن يكون ذكر نفي الإعادة لأجل كونه أحد الآثار المترتبة على الوجود ، لا لخصوصية فيه. وإذا رجعت القاعدة المذكورة إلى قاعدة التجاوز فالأمر أظهر ، لما عرفت في أوائل مبحث الخلل ، من صلاحية القاعدة المذكورة لإثبات الوجود المطلق بلحاظ جميع الآثار.

[1] هذا لا أثر له في الفرق في الاكتفاء وعدمه. إذ لو كان دليل القاعدة شاملا بإطلاقه للأثر المذكور ، اكتفي بها على كلا المذهبين. وإلا لم يكتف بها على كليهما أيضاً. نعم لو لم يكن الأثر المذكور شرعياً أمكن أن يدعى الفرق بين المذهبين في ذلك. لكنه شرعي على كل حال. فمنشأ الإشكال : عدم عموم الدليل له ، ولو كان عاماً له ارتفع الاشكال ، وإن لم تكن القاعدة من الامارات ، ولم نقل بحجية الأصل المثبت.

[2] لصدق أنه صلى فريضة بتمام ، فيجب عليه البقاء على التمام. وكذا في الفرضين الأخيرين. نعم لو قيل بأن الأجزاء المنسية أجزاء للصلاة أشكل الحكم في الفرض الثاني منهما. لكنه خلاف التحقيق ، كما تقدم.


1) الوسائل باب : 60 من أبواب المواقيت حديث : 1.

الإتيان بصلاة الاحتياط ، أو في أثنائها [1] إذا شك في الركعات وإن كان الأحوط فيه الجمع ، بل وفي الأجزاء المنسية.

( مسألة 35 ) : إذا اعتقد أن رفقاؤه قصدوا الإقامة فقصدها ، ثمَّ تبين أنهم لم يقصدوا ، فهل يبقى على التمام أو لا؟ فيه صورتان :

إحداهما : أن يكون قصده مقيداً بقصدهم [2].

الثانية : أن يكون اعتقاده داعياً له إلى القصد ، من غير أن يكون مقيداً بقصدهم. ففي الأولى يرجع إلى التقصير [3].


[1] هذا غير ظاهر ، لأن احتمال نقص الركعة أو الأكثر موجب لاحتمال عدم صدق التمام. ومنه يظهر أنه لا يجب عليه صلاة الاحتياط ، بل يجب عليه الاستئناف قصراً ، كما لو عدل قبل السلام.

والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين البناء على كون التسليم على الصلاة المشكوكة تسليما على نقص غير مخرج ، كما استظهرناه ، وبين البناء على كونه مخرجاً ، لأجل البناء على انقلاب التكليف بصلاتين ، على ما يظهر من جماعة. إذ المراد من الصلاة بتمام - على هذا المعنى - هو تمام الصلاتين. فتأمل جيداً.

[2] بأن يكون قصده الخارجي ثابتاً في فرض ثبوت قصدهم ، نظير الإرادة في الوجوب المشروط ، فإن الإرادة الخارجية الحاصلة للآمر حاصلة له فعلا في فرض وجود الشرط اللحاظي. أو بأن يكون موضوع قصده هو موضوع قصدهم ، غاية الأمر أنه كان يعتقد أن موضوع قصدهم عشرة ومقتضى الجمود على عبارة المتن إرادة الأول. لكن المظنون قوياً هو الثاني.

[3] أما على تقدير الاحتمال الثاني فظاهر ، لكون المفروض أنه لم

وفي الثانية يبقى على التمام. والأحوط الجمع في الصورتين.

الثالث من القواطع : التردد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً [1] ، إذا كان بعد بلوغ المسافة. وأما إذا كان قبل بلوغها


يقصد إقامة عشرة ، وإنما قصد إقامة المدة المنوية لرفقائه ، فاذا كانت في الواقع دون عشرة أيام لم يكن قد نوى مدة عشرة. ومجرد علمه بأن تلك المدة عشرة ، غير مجد في وجوب التمام ، ما لم يوجب العلم بإقامة العشرة الذي هو غير المفروض.

ونظيره : ما لو نوى الإقامة إلى يوم العيد ، وكان يعتقد أن ما بين زمان الإقامة والعيد عشرة أيام ، ولم يكن في الواقع كذلك. وأما على تقدير الاحتمال الأول فإنه وإن كان نوى إقامة عشرة لكن نيته ليست مطلقة ، بل مشروطة حسب الفرض بنية رفقائه ، فإذا لم يكن الشرط حاصلا في الواقع ، لم تكن النية داخلة في إطلاق النصوص ، لأن النية المنوطة بشرط غير حاصل بمنزلة العدم في نظر العرف. وإن كان التحقيق - حسب ما ذكرنا في الواجب المشروط - أنها موجودة حقيقة ، غاية الأمر أنها منوطة لا مطلقة. ومجرد عدم حصول المنوط به خارجاً ، لا يوجب عدم حصولها ، لأن المنوط به حقيقة وجود الشرط الفرضي اللحاظي ، لا الخارجي الحقيقي. لكن الوجود التعليقي بدون وجود المعلق عليه ليس موضوعاً للحكم بوجوب التمام ، كما هو واضح.

[1] على المشهور ، بل عن ظاهر الروض أو صريحه : مساواته لمحل الإقامة في حكاية الإجماعات. ولم يعرف مخالف في ذلك إلا المحقق البغدادي (رحمه اللّه) فقد حكي عن ظاهره أو صريحه : أنه ليس من القواطع ، ولا يحتاج في تحديد الترخص الى قصد مسافة مستأنفة. وكأنه جمود منه على نصوص وجوب التمام بعد التردد ، والرجوع بعد الخروج عن مكان التردد الى عمومات

فحكمه التمام حين التردد ، لرجوعه إلى التردد في المسافرة وعدمها [1]. ففي الصورة الأولى إذا بقي في مكان متردداً في البقاء والذهاب أو في البقاء والعود إلى محله ، يقصر إلى ثلاثين يوماً ، ثمَّ بعده يتم ما دام في ذلك المكان [2] ، ويكون بمنزلة من


الترخص للمسافر.

وفيه : أن النصوص المذكورة وإن لم يصرح فيها بقاطعية التردد ، إلا أن المنسبق إلى الذهن منها كون وجوب التمام إنما هو لقدح الإقامة الطويلة في عنوان المسافر ، المأخوذ موضوعاً للترخص ، فتكون نظير الحاكم على أدلته ، لا المخصص البحت. وهذا هو العمدة في تسالم الأصحاب على القاطعية وإلا فمن البعيد وقوفهم على ما لم نقف عليه. وكيف كان لا ينبغي التأمل فيما ذكرنا.

[1] هذا يتم إذا كان تردده في الإقامة عشرة أيام وعدمها ، فإن الإقامة إذا كانت منافية للسفر كان تردده فيها تردداً في السفر. وكذا لو كان تردده في البقاء دون العشرة والعود الى وطنه. أما لو كان تردده في الإقامة دون العشرة والذهاب ، كما لو تردد في بعض منازل سفره في إقامة يوم أو يومين أو أكثر - إلى تسعة أيام - والذهاب ، ثمَّ لم يزل كذلك حتى مضى عليه ثلاثون يوماً ، وجب عليه القصر إلى نهاية الثلاثين ، لعدم منافاته لقصد السفر بوجه.

[2] إجماعاً ، كما عن الخلاف والمدارك ، وظاهر المنتهى والذخيرة والرياض. وتدل عليه النصوص المستفيضة ، كصحيح أبي ولاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن شئت فانو المقام عشراً وأتم ، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر. فاذا مضى لك شهر فأتم الصلاة » (1)وصحيح زرارة


1) تقدم ذلك في المسألة : 15 من هذا الفصل.

نوى الإقامة عشرة أيام ، سواء أقام فيه قليلا أو كثيراً ، حتى إذا كان بمقدار صلاة واحدة [1].

( مسألة 36 ) : يلحق بالتردد ما إذا عزم على الخروج غداً أو بعد غد ، ثمَّ لم يخرج. وهكذا ، إلى أن مضى ثلاثون يوماً ، حتى إذا عزم على الإقامة تسعة أيام مثلا [2] ، ثمَّ بعدها عزم على إقامة تسعة أيام أخرى. وهكذا. فيقصر إلى ثلاثين يوماً ، ثمَّ يتم ، ولو لم يبق إلا مقدار صلاة واحدة.


عن أبي جعفر (عليه السلام) : « وإن لم تدر ما مقامك بها ، تقول غداً أخرج أو بعد غد ، فقصر ما بينك وبين أن يمضي شهر. فاذا تمَّ لك شهر فأتم الصلاة ، وإن أردت أن تخرج من ساعتك » (1)ومصحح ابن أبي أيوب : « قال : سأل محمد ابن مسلم أبا عبد اللّه (عليه السلام) [ أبا جعفر (عليه السلام). خ تهذيب ] (2).. إلى أن قال (عليه السلام) : فان لم يدر ما يقيم يوماً أو أكثر ، فليعد ثلاثين يوماً ، ثمَّ ليتم وإن كان أقام يوماً ، أو صلاة واحدة » (3)ونحوها غيرها.

[1] كما في مصحح ابن أبي أيوب المتقدم.

[2] ففي خبر أبي بصير : « وإن كنت تريد أن تقيم أقل من عشرة أيام فأفطر ما بينك وبين شهر ، فاذا تمَّ الشهر فأتم الصلاة والصيام » (4)وفي صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - قال (عليه السلام) :


1) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

2) راجع التهذيب ج 3 صفحة 219 طبع النجف الأشرف. وفي الوسائل نقل الرواية عن الشيخ (رحمه اللّه) بإسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، ثمَّ أردفها برواية الكافي عنه (عليه السلام). ولعل المقصود بذلك إنما هو رواية الشيخ (رحمه اللّه) في الاستبصار. راجع الاستبصار ج 1 صفحة 238 طبع النجف الأشرف. والكافي ج 3 صفحة 436 طبع إيران الحديثة.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 12.

4) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

( مسألة 37 ) : في إلحاق الشهر الهلالي إذا كان ناقصاً بثلاثين يوماً إذا كان تردده في أول الشهر وجه ، لا يخلو عن قوة [1]. وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء به.


« وإن أقمت تقول غداً أخرج أو بعد غد ، ولم تجمع على عشرة فقصر ما بينك وبين شهر. فاذا تمَّ الشهر فأتم الصلاة » (1).

[1] الموجود في مصحح ابن أبي أيوب المتقدم ذكر الثلاثين ، وفيما عداه من النصوص ذكر الشهر. كما أن الموجود في عبارات الأكثر التعبير بالشهر. وفي النهاية وأكثر كتب المتأخرين : التعبير بالثلاثين. ولا خلاف - كما في مفتاح الكرامة ، وغيره - في اعتبار الثلاثين إذا لم يكن ابتداء التردد في أول الشهر. إنما الخلاف فيما لو كان أول يوم منه. والمعروف اعتبار الثلاثين فيه أيضاً. وعن مجمع البرهان : الاكتفاء بالشهر الهلالي ، وتبعه غير واحد.

ووجه القول الأول ، بناء على كون الشهر حقيقة في الثلاثين ظاهر لاتفاق النصوص عليه. أما بناء على كونه حقيقة في خصوص ما بين الهلالين أو مشتركاً لفظياً بينهما ، أو مشتركاً معنوياً ، فإن رواية الثلاثين تكون حينئذ نسبتها إلى رواية الشهر نسبة القرينة الصارفة عن الحقيقة إلى المجاز ، أو المعينة للمشترك اللفظي ، أو المقيدة للمشترك المعنوي. كذا قرر هذا الوجه في الجواهر وغيرها.

ووجه القول الثاني : أن لفظ ( الشهر ) حقيقة فيما بين الهلالين ، فيجب حمله عليه. ولا تصلح رواية الثلاثين لصرفه ، لعدم التنافي بينهما. إذ يمكن أن يكون كل منهما موضوعاً للحكم ، فيكون التردد فيما بين الهلالين موجباً للتمام كالتردد ثلاثين. ويختص الأول بما لو وقع التردد في أول الشهر


1) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 17.

( مسألة 38 ) : يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردده في أثناء اليوم [1] ، كما مر في إقامة العشرة. وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء ومراعاة الاحتياط.

( مسألة 39 ) : لا فرق في مكان التردد بين أن يكون بلداً ، أو قرية ، أو مفازة [2].


ويختص الثاني بغيره.

والتحقيق : أن الشهر وإن كان حقيقة فيما بين الهلالين لا غير ، فإنه موضوع لغة وعرفاً للجامع بين الشهور العربية الاثني عشر ، من محرم إلى ذي الحجة. إلا أنه يمتنع حمله في النصوص المذكورة عليه. إذ لازمه اختصاص تلك النصوص بصورة وقوع التردد في أول آنات الشهر ، ويكون المراد منها أنه إذا تردد المسافر في تمام محرم ، أو صفر ، أو غيرهما من الشهور العربية ، فعليه التمام. ولا تعرض فيها لصورة وقوع التردد في ثاني آنات اليوم الأول من الشهور ، فضلا عن صورة وقوعه في غير اليوم الأول من الأيام. وهذا مما لا يمكن الالتزام به ضرورة. فلا بد أن يكون المراد منها مقدار الشهر ، وحيث أن الشهر يختلف بالتمام والنقصان ، يتعين حمله على خصوص التام ، فإنه مقتضى الإطلاق المقامي ، فضلا عن كونه مقتضى رواية الثلاثين. ومما ذكرنا يظهر لك ضعف الوجه الذي أشار إليه في المتن.

[1] لما عرفت من ظهور الأدلة في المقدار الحاصل مع التلفيق وغيره

[2] كما في الجواهر ، حاكياً عن بعض التصريح به. ويقتضيه إطلاق كلامهم ، كإطلاق جملة من النصوص. وعن الدروس واللمعة : التقييد بالمصر. وكأنه وارد مورد التمثيل. وإلا فمن الواضح خلافه ، فإنه تقييد لنصوص البلد والأرض من غير وجه.

( مسألة 40 ) يشترط اتحاد مكان التردد [1] ، فلو كان بعض الثلاثين في مكان وبعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر. وكذا لو كان مشتغلا بالسير وهو متردد ، فإنه يبقى على القصر إذا قطع المسافة. ولا يضر بوحدة المكان ، إذا خرج عن محل تردده إلى مكان آخر - ولو ما دون المسافة - بقصد العود إليه عما قريب ، إذا كان بحيث يصدق عرفاً أنه كان متردداً في ذلك المكان ثلاثين يوماً ، كما إذا كان متردداً في النجف ، وخرج منه إلى الكوفة لزيارة مسلم ، أو لصلاة ركعتين في مسجد الكوفة ، والعود إليه في ذلك اليوم ، أو في ليلته. بل أو بعد ذلك اليوم.

( مسألة 41 ) : حكم المتردد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه [2] ، في أنه يتم ذهاباً ، وفي المقصد ، والإياب ، ومحل التردد ، إذا كان قاصداً للعود إليه من حيث أنه محل تردده. وفي القصر


[1] لظهور الأدلة في ذلك ، كما تقدم في الإقامة. إذ لسان الدليل في البابين واحد. ومن ذلك يظهر لك الكلام في الخروج إلى ما دون المسافة بقصد العود اليه عن قريب.

[2] إذ بعد ما عرفت من البناء على قاطعية التردد للسفر ، وأنه كالإقامة عشرة ، لا بد أن يجري فيه الكلام المتقدم في الخروج الى ما دون المسافة ، بعد نية الإقامة على نسق واحد. نعم لو بني على عدم قاطعيته وجب القصر بمجرد الخروج عن ذلك المكان ، ولو مع عدم الاعراض عنه ، بناء على كون المرجع في المقام عموم وجوب القصر على المسافر ، كما هو الظاهر.

بالخروج إذا أعرض عنه ، وكان العود إليه من حيث كونه منزلا له في سفره الجديد ، وغير ذلك من الصور التي ذكرناها.

( مسألة 42 ) : إذا تردد في مكان تسعة وعشرين يوماً أو أقل ، ثمَّ سار الى مكان آخر وتردد فيه كذلك - وهكذا - بقي على القصر ما دام كذلك [1] إلا إذا نوى الإقامة في مكان أو بقي متردداً ثلاثين يوماً في مكان واحد.

( مسألة 43 ) : المتردد ثلاثين يوماً إذا أنشأ سفراً بقدر المسافة لا يقصر إلا بعد الخروج عن حد الترخص ، كالمقيم ، كما عرفت سابقاً [2].


[1] لعدم الدليل على وجوب التمام ، ليخرج عن عموم وجوب القصر فالعموم المذكور محكم.

[2] وعرفت وجهه في المسألة الخامسة والستين في مبحث حد الترخص واللّه سبحانه أعلم.

فصل في أحكام صلاة المسافر

مضافاً إلى ما مر في طي المسائل السابقة

قد عرفت أنه يسقط - بعد تحقق الشرائط المذكورة - من الرباعيات ركعتان [1]. كما أنه تسقط النوافل النهارية [2] أي نافلة الظهرين. بل ونافلة العشاء - وهي الوتيرة - أيضاً على الأقوى [3].


فصل في أحكام صلاة المسافر

[1] تقدم في أول صلاة المسافر.

[2] بلا إشكال. وعن جماعة : الإجماع عليه صريحاً وظاهرا. والنصوص الدالة عليه كثيرة ، منها : صحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « عن الصلاة تطوعاً في السفر. قال (عليه السلام) : لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً » (1)ونحوه غيره.

[3] كما هو المشهور. وعن المنتهى : نسبته إلى علمائنا. وعن الحلي : الإجماع عليه. ويقتضيه إطلاق بعض النصوص (2)وعن الشيخ في النهاية جواز فعلها. لخبر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) : « إنما صارت العتمة مقصورة ، وليس تترك ركعتاها ، لان الركعتين ليستا من الخمسين وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعاً ، ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع » (3)وعن الذكرى : « إنه قوي ». وهو في محله


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 1.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 2 ، 3 ، 7.

3) الوسائل باب : 29 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 3.

وكذا يسقط الصوم الواجب عزيمة [1] ، بل المستحب أيضاً ، إلا في بعض المواضع المستثناة. فيجب عليه القصر في الرباعيات فيما عدا الأماكن الأربعة [2].

ولا يجوز له الإتيان بالنوافل النهارية. بل ولا الوتيرة إلا بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية ، لمكان الخلاف في سقوطها وعدمه. ولا تسقط نافلة الصبح ، والمغرب ، ولا صلاة الليل [3]. كما لا إشكال في أنه يجوز الإتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبة [4].

( مسألة 1 ) : إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر ، ثمَّ سافر قبل الإتيان بالظهرين ، يجوز له الإتيان بنافلتهما سفراً [5] ، وإن كان يصليهما قصراً. وان تركها في الوقت يجوز له قضاؤها.


فإنه مقتضى الجمع العرفي بين النصوص. لو لا شبهة الاعراض عن الخبر الموجب لسقوطه عن الحجية. وقد تقدم في أوائل الصلاة ما له نفع في المقام

[1] كما تقدمت الإشارة الى ذلك. وتفصيله يأتي - إن شاء اللّه - في محله من كتاب الصوم.

[2] على ما يأتي قريباً إن شاء اللّه.

[3] بلا خلاف. والنصوص به متظافرة ، ففي رواية الحرث : « قال أبو عبد اللّه علیه السلام : « كان أبي (عليه السلام) لا يدع ثلاث عشرة ركعة في الليل ، في سفر ولا حضر » (1).

[4] لإطلاق أدلتها.

[5] هذا خلاف ما دل على سقوط نافلة المقصورة. واحتمال اختصاصه


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 1.

( مسألة 2 ) : لا يبعد جواز الإتيان بنافلة الظهر في حال السفر [1] إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر ، وترك الإتيان بالظهر حتى يدخل المنزل ، من الوطن ، أو محل الإقامة


بغير هذه الصورة ، فيرجع الى عموم ثبوتها. غير ظاهر. نعم قد يقتضي ذلك موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله ، ثمَّ يخرج في السفر ، فقال (عليه السلام) : يبدأ بالزوال فيصليها ثمَّ يصلي الأولى بتقصير ركعتين ، لأنه خرج من منزله قبل أن تحضر الأولى وسئل : فإن خرج بعد ما حضرت الأولى. قال (عليه السلام) : يصلي الأولى أربع ركعات ، ثمَّ يصلي بعد النافلة ثمان ركعات ، لأنه خرج من منزله بعد ما حضرت الأولى. فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير ، وهي ركعتان لأنه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر » (1)إلا أن في جواز العمل به - مع ابتناء الحكم فيه على كون العبرة بحال الوجوب ، وعلى عدم دخول وقت الظهر بمجرد الزوال - إشكالا. ولا سيما مع مخالفته لعموم سقوط نافلة المقصورة. ولذا اختار في المدارك العدم ، حيث قيد جواز الإتيان بها في السفر بصورة فعل الفريضة تماماً في الحضر. وإن قال في الجواهر : « فيه نظر » ، ولم يتعرض لوجهه. اللّهم إلا أن يكون مراده صورة فوات وقت النافلة. إذ حينئذ يكون عموم ما دل على قضائها محكماً. لكن الظاهر أن كلام المدارك لا يختص بذلك. وكيف كان فالإنصاف يقتضي جواز العمل بالموثق ، لأنه من قسم الحجة. ولم يثبت إعراض منهم يوجب وهنه فلا مانع من تخصيصه لعمومات السقوط. كما لا مانع من التفكيك بين دلالته في الحجية. فتأمل.

[1] هذا أيضاً خلاف إطلاق ما دل على سقوط نافلة المقصورة ، إذ


1) الوسائل باب : 23 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 1.

وكذا إذا صلى الظهر في السفر ركعتين ، وترك العصر إلى أن يدخل المنزل ، لا يبعد جواز الإتيان بنافلتها في حال السفر. وكذا لا يبعد جواز الإتيان بالوتيرة في حال السفر إذا صلى العشاء أربعاً في الحضر ثمَّ سافر ، فإنه إذا تمت الفريضة صلحت نافلتها [1].

( مسألة 3 ) : لو صلى المسافر - بعد تحقق شرائط القصر - تماماً ، فاما أن يكون عالماً بالحكم والموضوع [2] ، أو جاهلا بهما - أو بإحداهما - ، أو ناسياً. فان كان عالماً بالحكم والموضوع عامداً - في غير الأماكن الأربعة - بطلت


المفروض أنه في السفر وظيفته القصر ، ومقتضى الإطلاق المتقدم سقوط نافلتها. ومجرد كونه في الواقع يصليها تماماً بعد الوصول إلى وطنه لا يوجب انقلاب تكليفه فعلا ، وإنما يوجب انقلاب تكليفه بعد ذلك ، فيلحقه حينئذ حكم النافلة ، لا فعلا. وكذا الحال في الفرض اللاحق.

[1] كأنه إشارة إلى ما في الصحيح عن أبي يحيى الحناط : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر ، فقال (عليه السلام) : يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة ». (1)ولكنه يدل على أنه مهما لا تتم الفريضة في سفر لا تشرع النافلة فيه. وإذ أن السفر في الفرض لا تتم فيه الفريضة ، فيجب أن لا تشرع فيه النافلة. لا أنه إذا صليت الفريضة تماماً ، في حضر أو سفر ، جاز الإتيان بنافلتها ، ولو سفراً ، ليدل على مشروعية النافلة في المقام.

[2] إمكان التقرب من العالم العامد إنما يكون بالتشريع في تطبيق المأمور به على المأتي به ، لا في الأمر. والا كان خالياً عن التقرب.


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 4.

صلاته. ووجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه [1]. وإن كان جاهلا بأصل الحكم ، وأن حكم المسافر التقصير ، لم تجب عليه الإعادة ، فضلا عن القضاء. وأما إن كان عالماً


[1] إجماعاً ، كما عن الانتصار ، والغنية ، والتذكرة ، والدروس ، وشرح المفاتيح ، وظاهر المنتهى ، والنجيبية ، والذخيرة. وهو الذي يقتضيه إطلاق دليل الواقع ، حيث لا دليل على الاجزاء يقتضي الخروج عنه. مضافاً إلى صحيح زرارة ومحمد قالا : « قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل صلى في السفر أربعاً ، أيعيد ، أم لا؟ قال (عليه السلام) : إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له ، فصلى أربعاً أعاد. وإن لم يكن قرئت عليه ، ولم يعلمها ، فلا إعادة عليه » (1)وفي خبر الأعمش : « ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته ، لأنه زاد في فرض اللّه عز وجل » (2)وصحيح عبيد اللّه ابن علي الحلبي : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر. قال (عليه السلام) : أعد » (3)والظاهر أن المراد من الصحيح الأخير السؤال عن القضية الفرضية ، فإطلاقه كإطلاق غيره يشمل العامد ، لا عن القضية الخارجية ، كي يجب حمله على غير صورة العلم والعمد ، لمكان جلالة الحلبي ورفعة مقامه.

نعم يمكن أن يستشكل في اقتضائه الإعادة في خارج الوقت في العامد لوجوب تقييده بصحيح العيص بن القاسم قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة. قال (عليه السلام) : إن كان في وقت فليعد ، وإن كان الوقت قد مضى فلا » (4). بل قد يستشكل في


1) الوسائل باب : 17 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.

4) الوسائل باب : 17 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.


الاستدلال بالصحيح الأول على الإعادة في خارج الوقت في العامد ، نظراً إلى أن بين صدره وهذا الصحيح عموماً من وجه ، لعموم هذا الصحيح للجاهل والعالم ، وعموم الأول للوقت وخارجه. وهذا التعارض بعينه جار في الجاهل بالنسبة إلى الإعادة في الوقت ، فان مقتضى إطلاق الصحيح الأول عدم وجوبها ، ومقتضى إطلاق الثاني وجوبها.

والتحقيق أن يقال : بعد صراحة الصحيح الأول بالتفصيل بين العالم والجاهل وصراحة الصحيح الثاني بالتفصيل بين الوقت وخارجه ، يمتنع الجمع بينهما بالتصرف في أحدهما دون الآخر ، لأن ذلك خلاف صريح التفصيل المذكور فيه. مثلا : التصرف في الأول ، بحمل نفي الإعادة فيه في الجاهل على نفيها في خارج الوقت ، ووجوب الإعادة المذكور فيه في العالم على وجوبها في داخل الوقت ، خلاف صريح التفصيل فيه ، لأن التفصيل إنما يحسن مع تنافي الحكمين. وكذلك التصرف في الصحيح الثاني بحمل وجوب الإعادة فيه على خصوص العالم ، ونفي القضاء فيه على خصوص الجاهل ، فإنه أيضاً خلاف صريح التفصيل بين الوقت وخارجه المذكور فيه ، لما عرفت من توقف صحة التفصيل على تباين الحكمين. فيتعين في مقام الجمع ارتكاب التصرف فيهما معاً.

وذلك ، إما بأن تحمل الإعادة وعدمها في الأول على خارج الوقت فيلزم حمل الثاني على خصوص الجاهل ، فيكون حكمه التفصيل بين الوقت وخارجه ، دون العالم ، فإنه يعيد في الوقت وخارجه. وإما بأن يحمل الأول على داخل الوقت ، فيلزم حمل الثاني على خصوص العالم. فيكون التفصيل بين الوقت وخارجه مختصاً بالعالم ، دون الجاهل ، فإنه لا يعيد لا في الوقت ولا في خارجه. وإما بأن يحمل الثاني على العالم ، فيلزم تقييد صدر الأول بالحمل على الإعادة في خصوص الوقت ، ويبقى ذيله على إطلاقه في نفي

بأصل الحكم وجاهلا ببعض الخصوصيات - مثل أن السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر ، أو أن المسافة


الإعادة على الجاهل. ومرجع هذا الحمل إلى الحمل الثاني. وإما بأن يحمل الثاني على الجاهل ، فيلزم تقييد ذيل الأول بحمل نفي الإعادة فيه على الجاهل في خارج الوقت ، ويبقى صدره على إطلاقه في وجوب الإعادة على العالم في الوقت وخارجه. ومرجع هذا الحمل إلى الحمل الأول.

ثمَّ إنه لما كان حمل وجوب الإعادة ونفيه على خارج الوقت بعيداً في الصحيح الأول ، من جهة أن التعرض لحكم خارج الوقت دون داخله خلاف الأولى ، ومن جهة أن استعمال لفظ الإعادة في القضاء دون الأداء خلاف الشائع ، يتعين التصرف بحمل الأول على داخل الوقت ، والثاني على خصوص العالم ، ومقتضاه عدم وجوب القضاء على العالم.

ويحتمل الجمع بحمل الصحيح الثاني على خصوص العالم الناسي ، فيجب القضاء فيما عداه من أقسام العالم. ولعله أولى من غيره من أنواع الجمع ، إذ لا يلزم عليه إلا تصرف واحد في الصحيح الثاني ، للعلم بتخصيص وجوب الإعادة على العالم بغير الناسي. وكذا تخصيص عموم قضاء الفائت بغير الناسي ، بخلاف غيره من أنواع الجمع ، فان التصرف فيه متعدد. مضافاً إلى أنه أوفق بإطلاق قضاء الفائت. وإلى إمكان المناقشة في دلالة الصحيح ، بأن قوله : « فأتم الصلاة » ظاهر في أن الإتمام لم يكن مقصوداً من أول الأمر ، وإنما طرأ من جهة النسيان. وإلى أن الإجماعات الدالة على وجوب القضاء على العالم غير الناسي مانعة من حمل وجوب الإعادة في الصحيح على خصوص الوقت. وقد عرفت أن حمله على خارج الوقت بعيد أيضاً. فلا بد من ارتكاب الجمع المذكور ، فإنه لا يلزم منه مخالفة لشي‌ء من ذلك. ومن ذلك تعرف وجه الحكم الذي ذكره المصنف (رحمه اللّه)

ثمانية ، أو أن كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيام يقصر في السفر الأول ، أو أن العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصر ، ونحو ذلك - وأتم ، وجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه [1]. وكذا إذا كان عالماً بالحكم جاهلا بالموضوع ، كما إذا تخيل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة ، فإنه لو أتم وجب عليه الإعادة أو القضاء.


في الجاهل بقوله : « لم تجب عليه الإعادة فضلا .. » كما هو المشهور كما عن جماعة ، بل عن المقدس البغدادي : الإجماع عليه.

ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في الغنية ، وعن الإشارة : من وجوب الإعادة إن ذكر في الوقت ، بل في الأول : دعوى الإجماع عليه. وأضعف منه ما عن العماني : من وجوب الإعادة مطلقاً.

[1] كما عن أكثر من تعرض له. لإطلاق دليل الواقع ، المعتضد بإطلاق صحيح الحلبي (1)، وخبر الأعمش (2). بل صحيح العيص بالنسبة إلى الوقت (3)، مع عدم المخرج عنها. إلا ما يتوهم من دخوله في صحيح زرارة ومحمد (4)، لأن عدم العلم ببعض الخصوصيات يصدق معه عدم العلم بتفسير الآية. أو لأنه يستفاد من الصحيح المذكور كون الوجه في الاجزاء مطلق الجهل. أو مما ورد في الصوم من بعض النصوص المطلقة الشاملة له ، كرواية العيص : « من صام في السفر بجهالة لم يقضه » (5). ونحوه غيره ، بضميمة عدم القول بالفصل.

لكن الجميع غير ظاهر. إذ الظاهر من التفسير بيان أن المراد من نفي الجناح الوجوب ، والمفروض أنه حاصل له. واستفادة كون الوجه في


1) تقدم ذلك كله في أوائل التعليقة السابقة.

2) تقدم ذلك كله في أوائل التعليقة السابقة.

3) تقدم ذلك كله في أوائل التعليقة السابقة.

4) تقدم ذلك كله في أوائل التعليقة السابقة.

5) الوسائل باب : 2 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 5.

وأما إذا كان ناسياً لسفره ، أو أن حكم السفر القصر ، فأتم ، فإن تذكر في الوقت وجب عليه الإعادة ، وإن لم يعد وجب


الاجزاء مطلق الجهل لا منشأ لها. وعدم الفصل غير ثابت. مع أن الحكم في الصوم غير ثابت. ولو سلم ذلك ، وبني على عدم الفصل ، كان دليله معارضاً بصحيح زرارة ومحمد ، ومقتضى الرجوع إلى الأصل بعد التساقط البطلان ، كما سيأتي في نظيره في الصوم. نعم لو فرض إجمال الصحيح - لإجمال التفسير - سقط عن الحجية ، وكان المرجع رواية العيص ونحوها. لكنه ممنوع ، وأن الظاهر من التفسير تفسير نفي الجناح بالوجوب.

ومن ذلك يظهر لك الحال في الجاهل بالموضوع ، فإنه من أفراد من قرئت عليه آية التقصير وفسرت له ، فلا مجال لاحتمال دخوله في ذيل صحيح زرارة ومحمد ، بل المتعين دخوله في صدره. وحينئذ يجي‌ء فيه الكلام المتقدم في العامد بعينه.

وقد يستوجه إلحاقه بجاهل الحكم في نفي الإعادة والقضاء للأولوية ، فإن الجاهل بالموضوع معذور فأولى بالتخفيف من الجاهل بالحكم غير المعذور ولاقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء. بل عن المقدس البغدادي : أنه لو فاتته الصلاة قضى تماماً. ولكن ضعفه ظاهر. لمنع الأولوية ، لعدم وضوح المناط في الاجزاء. ولما حرر في محله : من عدم اقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء. مع أنه لو سلما فلا يقتضيان القضاء تماماً ، بل يتوقف ذلك على كون الجاهل بالموضوع حكمه التمام وأن القصر بدل على تقدير الأداء لا مطلقاً وهو كما ترى. ومثله : الناسي لسفره ، والناسي لحكم سفره ، فان الجميع داخل في العالم ، فيجري فيه ما تقدم في العامد ، لاتفاق النصوص المتقدمة عليه. مضافاً إلى إطلاق دليل الواقع.

عليه القضاء في خارج الوقت [1]. وإن تذكر بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء [2]. وأما إذا لم يكن ناسياً للسفر


[1] لما تقدم. أو لعموم قضاء الفائت من دون معارض ، كما عرفت ولا يدخل في صحيح العيص ، لفرض التذكر في الوقت.

[2] على المشهور. وعن الانتصار ، والخلاف ، والسرائر ، وظاهر التذكرة : الإجماع عليه. بل عن الثالث : دعوى تواتر الأخبار به. إلا أنا لم نقف إلا على ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل ينسى ، فيصلي في السفر أربع ركعات. قال (عليه السلام) : إن ذكر في ذلك اليوم فليعد ، وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه » (1)ومقتضى الجمود على متن الجواب وإن كان ثبوت الحكم في الظهرين لا غير لاختصاص اليوم بالنهار ، لكن بملاحظة إطلاق السؤال ، وما تقدم في صحيح العيص ، يحمل ذكر اليوم على إرادة مطلق الوقت ، فيثبت الحكم في العشاء أيضاً. ولا سيما مع عدم القول بالفصل.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الصدوق ، ووالده ، والمبسوط : من وجوب الإعادة مطلقاً لصحيح الحلبي (2)، فإنه يجب تقييده بما ذكر. ودعوى : أنه ظاهر في السؤال بعد الوقت ، لاستبعاد وقوع السؤال فيه في الوقت ، غير ظاهرة. والاستبعاد لا يصلح قرينة. مع أنك عرفت أن المراد السؤال عن القضية الفرضية ، لا الخارجية ، فلا مانع من التقييد حينئذ. وأولى منه بالتقييد غيره مما تضمن الأمر بالإعادة مطلقا ولو بعد الوقت.

ثمَّ إن مقتضى ترك الاستفصال في رواية أبي بصير المذكورة عدم


1) الوسائل باب : 17 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

2) تقدم ذلك في أوائل هذه المسألة.

ولا لحكمه ، ومع ذلك أتم صلاته ناسياً [1] ، وجب عليه الإعادة والقضاء [2].

( مسألة 4 ) : حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة ، فيبطل مع العلم والعمد [3] ،


الفرق بين نسيان الحكم والموضوع. لكن قيل : ان المتيقن من النص والفتوى نسيان الموضوع - أعني : السفر - فيرجع في نسيان الحكم إلى غيره من الأدلة المقتضية للإعادة والقضاء. وفيه : ما أشرنا إليه : من وجوب العمل بالعموم الناشئ من ترك الاستفصال ، ولا موجب للاقتصار على المتيقن. مع أن دعوى : كون متيقن الفتوى نسيان الموضوع غير ظاهر ، لأن ذكر النسيان في كلامهم في سياق العلم والجهل يقتضي اتحاد متعلقهما. فدعوى : كون المتيقن منها نسيان الحكم أولى.

[1] يعني : لصلاته ، بأن غفل عن عددها فصلاها أربعاً.

[2] بلا إشكال ظاهر. ويقتضيه إطلاق ما تقدم من النصوص ، المعتضد بإطلاق دليل الواقع ، وليس ما يوجب الخروج عنه في الإعادة قطعاً. وأما في القضاء فقد يتوهم عدمه ، لدخوله في رواية أبي بصير ، فيلحقه حكم ناسي الحكم أو السفر. ولكن لا مجال له ، لأن الظاهر من الأربع فيه الأربع في الرباعية ، لا فعل الركعتين الأخيرتين بعنوان الأولتين سهواً كما هو المفروض. وكذا قوله : « فأتم الصلاة » في صحيح العيص (1)فإنه ظاهر في صلاة التمام بعنوان التمام ، فلا يشمل المقام. فلاحظ.

[3] إجماعاً. ويقتضيه - مضافاً إلى إطلاق ما دل على بطلان الصوم في السفر - (2)النصوص الآتية في الجاهل.


1) تقدم ذلك في أوائل المسألة السابقة.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب من يصح الصوم منه.

ويصح مع الجهل بأصل الحكم [1] ، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع.


[1] إجماعاً. ويدل عليه صحيح عبد الرحمن البصري عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر ، فقال (عليه السلام) إن كان لم يبلغه أن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء ، وقد أجزأ عنه الصوم » (1)، وصحيح الحلبي : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل صام في السفر ، فقال (عليه السلام) : إن كان بلغه أن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) نهى عن ذلك فعليه القضاء ، وإن لم يكن بلغه فلا شي‌ء عليه » (2)، وصحيح العيص عنه (عليه السلام) : « من صام في السفر بجهالة لم يقضه » (3). وفي صحيح ليث : « وإن صامه بجهالة لم يقضه » (4). ومقتضى إطلاق الأخيرين - كما أشرنا إليه سابقاً - عدم الفرق بين الجهل بالحكم ، والجهل بالخصوصيات والجهل بالموضوع.

لكن يعارضه في الأخير إطلاق صحيح الحلبي (5)ونحوه ، الظاهر في اعتبار الجهل بأصل الحكم شرطاً في الصحة ، فيقدم عليه للأخصية. ولو سلم التساوي وعدم الترجيح في الظهور فالمرجع إطلاق ما دل على بطلان الصوم في السفر. وأما الجهل بالخصوصيات فقد يدعى عدم بلوغ النهي فيه ، فلا يجب القضاء معه. لكن الانصاف منع ذلك ، وأن المراد من بلوغ النهي العلم بأصل الحكم ، فيجري فيه ما ذكرنا في الجاهل بالموضوع بعينه.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 2.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 3.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 5.

4) الوسائل باب : 2 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 6.

5) تقدم ذلك في أوائل المسألة السابقة.

( مسألة 5 ) : إذا قصر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد [1]. إلا في المقيم المقصر للجهل بأن حكمه التمام.

( مسألة 6 ) : إذا كان جاهلا بأصل الحكم ، ولكن لم


[1] على المشهور ، كما عن الروض ، وظاهرهم ، كما في الحدائق. وفي الجواهر : « بل ربما كان ظاهر جميع الأصحاب أيضاً حيث اقتصروا في بيان المعذورية على الأولى - وهي عكس الفرض - ». لإطلاق أدلة التمام ، الموجب للبطلان. وعن الجامع : الصحة. وعن مجمع البرهان : نفي البعد عنها. وليس له وجه ظاهر غير صحيح منصور عن الصادق (عليه السلام) « إذا أتيت بلدة ، فأزمعت المقام عشرة أيام فأتم الصلاة. فإن تركه رجل جاهلاً فليس عليه إعادة » (1)، وخبر محمد بن إسحاق بن عمار : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة كانت معنا في السفر ، وكانت تصلي المغرب ركعتين ذاهبة وجائية. قال (عليه السلام) : ليس عليها قضاء » (2).

لكن الخبر غير ظاهر في الجاهل. وحمله عليه بلا وجه ظاهر ، بعد حكاية الإجماع على خلافه ، كما عن الدروس ، ورميه بالشذوذ ، كما عن الشيخ وغيره. وأما الصحيح فالعمل به في مورده لا يخلو عن إشكال بعد إعراض الأصحاب عنه ، فضلاً عن التعدي عنه إلى غيره. بل وإلى الناسي كما عن الجامع.

اللّهم إلا أن يقال : إنه لم يثبت إعراضهم عنه ، لعدم تصريحهم بخلافه. ومجرد عدم التعرض لمضمونه غير كاف في إثباته. ولا سيما مع إطلاق بعض معذورية الجاهل بالقصر والإتمام. فالعمل به في مورده - كما في المتن - لا يخلو من قوة.


1) الوسائل باب : 17 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب صلاة المسافر حديث : 7.

يصل في الوقت ، وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به [1] ، وإن كان لو أتم في الوقت كان صحيحاً. فصحة التمام منه ليس لأجل أنه تكليفه ، بل من باب الاغتفار [2]. فلا ينافي ما ذكرناه قوله : « اقض ما فات كما فات » ، ففي الحقيقة الفائت منه هو القصر ، لا التمام. وكذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه ، فإنه لو لم يصل أصلا - عصياناً أو لعذر - وجب عليه القضاء قصراً.

( مسألة 7 ) : إذا تذكر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة ، فإن كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتم الصلاة قصراً [3] واجتزأ بها. ولا يضر كونه ناوياً من الأول للتمام ، لأنه من باب الداعي والاشتباه في المصداق [4] ،


[1] أما قبل العلم به فالمتعين القول باجزاء القضاء تماماً. لإطلاق ما دل على معذورية الجاهل ، الشامل للأداء والقضاء.

[2] وإن شئت قلت : دليل الصحة إنما دل عليها في ظرف حصول الامتثال به ، لا على انقلاب التكليف إليه مطلقا. فإطلاق ما دل على وجوب القصر عند عدم الامتثال بالتمام محكم ، ومقتضاه وجوب القضاء قصراً.

[3] بلا كلام ، كما في الجواهر ، حاكياً عن المقدس البغدادي الاعتراف به.

[4] المستفاد من النصوص : أن القصر والتمام حقيقة واحدة ، يختلف مصداقها باختلاف خصوصيتي الحضر والسفر ، وأن صلاة القصر عين الركعتين الأولتين اللتين فرضهما اللّه تعالى ، وأن السفر اقتضى سقوط الركعتين الأخيرتين اللتين سنهما النبي (صلی اللّه عليه وآله). وعليه فالمسافر يتقرب بصلاة القصر

لا التقييد ، فيكفي قصد الصلاة ، والقربة بها. وإن تذكر بعد ذلك بطلت [1] ، ووجب عليه الإعادة مع سعة الوقت ،


بعين ما يتقرب به الحاضر في الركعتين الأولتين ، فيأتيان بفعل واحد ، ممتثلين أمراً واحداً. غير أن الحاضر يقصد امتثال ذلك الأمر في ضمن امتثاله للأمر المنبسط على الركعات الأربع ، والمسافر يقصد امتثال الأمر المتعلق بالركعتين مستقلا بلا ضم امتثال الآخر اليه ، بل يقصد امتثال الأمر بهما بقيد عدم زيادة عليهما. وهذا المقدار من الاختلاف لا يوجب فرقاً بينهما في أصل التقرب المعتبر في العبادة بالإضافة إلى الركعتين ، وإنما هو اختلاف في الخصوصية. فإن كانت الخصوصية ملحوظة في التقرب على نحو التقييد كان فواتها موجباً لفوات التقرب. وإن كانت ملحوظة فيه على نحو الداعي ، لم يكن فواتها موجباً لفوات التقرب ، كما في سائر موارد الاشتباه في التطبيق.

ودعوى : أن العناوين - التي تقصد من باب الاشتباه في التطبيق ولا يقدح تخلفها - هي التي لا تؤخذ في موضوع الأمر ، أما ما كان كذلك فتخلفه يوجب فوات المقصود الواجب قصده ، لاعتبار قصد المأمور به في حصول التقرب. مندفعة : بأن قصد المأمور به بقيوده إنما يعتبر في حصول التقرب بالمعنى الأعم من الإجمالي والتفصيلي ، فيمكن قصد قيود المأمور به على ما هي عليه إجمالا ، وقصد غيرها تفصيلاً خطأ. ولا تنافي بين القصدين لاختلافهما بالإجمال والتفصيل.

على أنك عرفت في مباحث النية عدم وضوح الدليل على اعتبار قصد المأمور به في تحقق العبادة ، وإن كان هو المشهور ، بل المحتمل اعتبار قصد الأمر ، لا غير. نعم ربما كان قصد المأمور به دخيلاً في كون الانبعاث عن الأمر ، وربما لا يكون. فراجع.

[1] لحصول الزيادة.

ولو بإدراك ركعة من الوقت [1]. بلى وكذا لو تذكر بعد الصلاة تماماً وقد بقي من الوقت مقدار ركعة ، فإنه يجب عليه إعادتها قصراً [2]. وكذا الحال في الجاهل بأن مقصده مسافة إذا شرع في الصلاة بنية التمام ثمَّ علم بذلك ، أو الجاهل بخصوصيات الحكم إذا نوى التمام ثمَّ علم في الأثناء أن حكمه القصر. بل الظاهر أن حكم من كان وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنية القصر جهلا ثمَّ تذكر في الأثناء العدول إلى التمام ولا يضره أنه نوى من الأول ركعتين مع أن الواجب عليه أربع ركعات ، لما ذكر من كفاية قصد الصلاة متقرباً وإن تخيل أن الواجب هو القصر ، لأنه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق ، لا التقييد. فالمقيم الجاهل بأن وظيفته التمام إذا قصد القصر ثمَّ علم في الأثناء يعدل إلى التمام ، ويجتزئ به. لكن الأحوط الإتمام والإعادة ، بل الأحوط في الفرض الأول


[1] أما مع ضيق الوقت حتى عن الركعة فقد يحتمل إتمامها تماماً ، والاجتزاء بها ، لأنه يلزم من بطلانها وجوب القضاء ، وقد عرفت أنه ساقط عن الناسي. اللّهم إلا أن يقال : الدليل إنما دل على الصحة إن ذكر وقد مضى الوقت ، فاذا ذكر قبل مضيه وجب القضاء. وفيه : أن الظاهر من قوله : « وإن كان الوقت قد مضى .. » عدم التمكن من الفعل في الوقت. أو يقال : إن الدليل إنما دل على الصحة لو ذكر بعد الفراغ عنها تماماً ، فلا يشمل ما نحن فيه ، والتعدي إليه غير واضح. فتأمل جيداً.

[2] لصدق أنه في وقت.

أيضاً الإعادة قصراً بعد الإتمام قصراً.

( مسألة 8 ) : لو قصر المسافر اتفاقاً لا عن قصد فالظاهر صحة صلاته [1]. وإن كان الأحوط الإعادة. بل وكذا لو


[1] ادعى في الجواهر : عدم وجدان الخلاف في البطلان بين من تعرض لهذا الفرع. وعلله - تبعاً للمبسوط - بأنه قد صلى صلاة يعتقد فسادها ، وأنها غير المأمور به. ومقتضى التعليل المذكور كون المراد صورة الالتفات إلى عدم الأمر بالقصر المأتي به. وحينئذ يتعين كون التقرب بلحاظ الأمر التشريعي ، لا الشرعي ، والبطلان حينئذ في محله. لكن إرادة ذلك بعيدة عن ظاهر العبارة ، لأن الظاهر أن قيد الاتفاق راجع الى القصر يعني : كان قاصداً لفعل التمام ، فوقع منه القصر بلا قصد له ، بل من باب الاتفاق. وينحصر فرضه حينئذ في صورتين :

إحداهما : أن يقع منه التسليم بلا قصد إليه أصلا ، ككلام النائم. وحينئذ لا وجه للاجتزاء به ، لفوات التقرب المعتبر فيه. فاما أن يحكم بالبطلان بمثل ذلك ، أولا ، فلا بد من تجديد السلام بقصد الصلاة بعد الالتفات. وثانيتهما : أن يقع منه التسليم سهواً ، بأن يعتقد أن عليه التمام ثمَّ يسلم على الركعتين باعتقاد فعل الأربع. ولا مانع من الالتزام بالصحة وعدم الحاجة إلى استئناف القصر بعد العلم بأنه حكمه ، لما عرفت في المسألة السابقة.

ثمَّ إنه يمكن تصحيح القصر - مع الالتفات إلى كون المأمور به هو التمام جهلا ، وإلى أن المأتي به هو القصر - بدعوى : كون التشريع ليس في الأمر ، ليلزم فوات التقرب ، بل في تطبيق المأمور به - وهو التمام - على القصر ، فيأتي بالقصر بدعوى كونه عين التمام المأمور به. لكن كون مراد المصنف (رحمه اللّه) ذلك بعيد جداً ، بل الظاهر أن الفرق بين هذه الصورة

كان جاهلا بأن وظيفته القصر فنوى التمام ، لكنه قصر سهواً. والاحتياط بالإعادة في هذه الصورة [1] أأكد وأشد [2].

( مسألة 9 ) : إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكن من الصلاة ، ولم يصل ، ثمَّ سافر وجب عليه القصر [3]. ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر ، فلم يصل حتى دخل المنزل من الوطن ، أو محل الإقامة ،


والصورة الآتية : أن قصد التمام فيها كان عن نسيان ، وفي الثانية عن جهل.

[1] وقوى بعض البطلان ، لأن وظيفة الجاهل التمام ، فيكون القصر غير المأمور به. وفيه : ما عرفت آنفا : من أنه لا دليل على كون وظيفة الجاهل التمام مطلقاً حتى لو جاء بالقصر ، وإنما المستفاد من النصوص صحة التمام لو امتثل به ، وهو غير ما نحن فيه. مع أن لازم ذلك وجوب القضاء تماماً لو لم يأت به في الوقت ، وإن علم بعد خروج الوقت أن وظيفة المسافر القصر ، ولم يلتزم به القائل المذكور. وكون دليل القضاء يفيد التوسعة في وقت الأداء لا يجدي ، لأن المطابقة بين الأداء والقضاء مما لا بد منها ، فاذا لم يصل في الوقت في حال الجهل ، فقد فاته التمام ، فدليل القضاء يدل على توسعة الوقت للتمام ، فيجب فعله خارج الوقت ، وإن علم بأن حكم المسافر القصر. مع أن ذلك لو سلم اختص بجاهل الحكم ، لا مطلق الجاهل.

[2] كأنه للشبهة المتقدمة.

[3] على المشهور. وعن السرائر : الإجماع عليه. ويقتضيه - مضافاً إلى إطلاق ما دل على وجوب القصر على المسافر - صحيح إسماعيل بن جابر : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يدخل على وقت الصلاة وأنا في السفر ، فلا


أصلي حتى أدخل أهلي ، فقال (عليه السلام) : صل ، وأتم الصلاة. قلت : فدخل علي وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر ، فلا أصلي حتى أخرج فقال (عليه السلام) : فصل ، وقصر ، فان لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (1)وصحيح محمد بن مسلم : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد السفر ، فيخرج حين تزول الشمس ، فقال (عليه السلام) : إذا خرجت فصل ركعتين » (2)ولا ينافي الاستدلال بالأخير فرض الخروج حين الزوال ، لأن الخروج المذكور يلازم إمكان التمام قبل الوصول إلى حد الترخص. بل الظاهر أن السؤال كان من جهة وجوب التمام عليه قبل السفر. وخبر الحسن بن علي الوشاء : « سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : إذا زالت الشمس وأنت في المصر ، وأنت تريد السفر فأتم. فإذا خرجت وأنت بعد الزوال قصر العصر » (3)بناء على ما هو الظاهر من إرادة الإتمام في المصر. واحتمال إرادة الإتمام بعد الخروج - كما عن الكافي - خلاف الظاهر.

نعم يعارضها صحيحة محمد بن مسلم : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يدخل من سفره ، وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق ، فقال علیه السلام : يصلي ركعتين. وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعاً » (4)، ومصححته عنه (عليه السلام) : « عن رجل يدخل [ مكة ] من سفره وقد دخل وقت الصلاة. قال (عليه السلام) : يصلي ركعتين. فان خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعاً » (5)، وصحيح


1) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 12.

4) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

5) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 11.


زرارة المروي عن مستطرفات السرائر عن أحدهما (عليهما السلام) : « أنه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر حتى دخل أهله ، قال (عليه السلام) : يصلي أربع ركعات. وقال لمن نسي الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج ، قال (عليه السلام) : يصلي أربع ركعات في سفره. وقال : إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ، ثمَّ سافر ، صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره » (1)، وخبر بشير النبال : « خرجت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) حتى أتينا الشجرة ، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا نبال ، قلت : لبيك. قال (عليه السلام) : إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعاً غيري وغيرك. وذلك : إنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج » (2).

لكن لم يصرح في الأخير أنهما صليا بعد الخروج ، فمن الجائز أن يكون المراد أنهما صليا قبله أربعاً. وأما الأولان : فالجمع العرفي بينهما وبين ما سبق غير ظاهر. إذ يبعد جداً حمل ما سبق على ما لو كان الخروج قبل الوقت بقليل ، بحيث لا يمكن فعل التمام قبل الوصول إلى حد الترخص ، إذ يأباه جداً قوله في الصحيح الأول : « فلا أصلي حتى أخرج ». كما أنه يبعد أيضاً حمل الأخيرة على الصلاة أربعاً قبل الخروج ، أو بعده قبل الوصول إلى محل الترخص. وكون التصرف فيها بذلك أقرب من التصرف في الأول بما سبق ، غير كاف في كون الجمع عرفياً غير محتاج الى شاهد على أنه لا يتأتى في صحيح زرارة.

كما أن الجمع بينهما بالتخيير - كما عن الشيخ في الخلاف واحتمله في التهذيب والاستبصار ، حملا للأمر على الوجوب التخييري ، كما يشهد به


1) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 10.


صحيح منصور بن حازم قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله ، فسار حتى دخل أهله ، فإن شاء قصر ، وإن شاء أتم. والإتمام أحب الي » (1)- مما لا مجال له. لصراحة صحيح إسماعيل بالوجوب التعييني ، لأن التفصيل بين الدخول والخروج يأبى ذلك جداً. وصحيح منصور - مع أنه مختص بصورة الرجوع إلى الأهل ، كما هو موضوع المسألة اللاحقة - لا مجال للعمل به في مورده بعد إعراض المشهور عنه ، فضلا عن التعدي عنه إلى المقام.

ونحوه : الجمع بينهما بحمل الأول على صورة سعة الوقت ، والأخيرة على صورة ضيقه - كما عن الفقيه والنهاية ، وموضع من المبسوط والكامل - بشهادة موثق إسحاق : « سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة ، فقال (عليه السلام) : إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم ، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر » (2). فإنه أيضاً يرد عليه ما سبق من منافاته للتفصيل المشتمل عليه نصوص الطرفين ، ولما هو كصريح صحيح إسماعيل. ومن اختصاصه بصورة القدوم من السفر وعدم إمكان العمل به في مورده.

مضافاً إلى قرب دعوى : إرادة أنه إن كان في سعة فليدخل وليتم ، وإن كان يخاف الضيق فليقصر في الطريق ، كما ورد في صحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال (عليه السلام) : إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم ، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصر » (3).


1) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

أو حد الترخص منهما أتم [1]. فالمدار على حال الأداء ، لا حال الوجوب والتعلق. لكن الأحوط في المقامين الجمع.


وحيث تعذر الجمع العرفي وغيره بينها فاللازم الرجوع إلى المرجحات ومقتضاها تعين العمل بالطائفة الأولى ، لموافقتها لعموم وجوب القصر على المسافر ، وسلامتها من الوهن الحاصل للثانية ، حيث تضمنت أن العبرة في صورة الدخول أيضاً بحال الوجوب ، ولم يعرف القائل به هناك ، كما سيأتي مؤيداً ذلك كله بموافقة الشهرة الفتوائية. والإجماع المنقول. ولما قد يظهر من صحيح إسماعيل - حيث تضمن أن التمام مخالفة لرسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، مؤكداً ذلك بالقسم - من أن التمام موافق للعامة.

ومن ذلك يظهر ضعف القول بوجوب الإتمام في المقام اعتباراً بحال الوجوب ، كما نسب إلى مشهور المتأخرين ، وحكي عن المقنع ، وكثير من كتب العلامة ، والشهيدين ، والمحقق الثاني ، وغيرهم. فلاحظ.

[1] كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً ، فإن القول هنا بكون الاعتبار بحال الوجوب ضعيف القائل ، حيث حكي عن غير واحد دعوى عدم الوقوف عليه. وإن كان يظهر من الشرائع وغيرها وجوده ، لكنه غير ظاهر. بل عن السرائر : « لم يذهب إلى ذلك أحد ولم يقل به فقيه ، ولا مصنف ذكره في كتابه ، لا منا ، ولا من مخالفينا ».

ويشهد له من النصوص - مضافاً إلى ما تقدم من صحيح إسماعيل بن جابر (1)- : صحيح العيص قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ، ثمَّ يدخل بيته قبل أن يصليها. قال علیه السلام : يصليها أربعاً. وقال (عليه السلام) : لا يزال مقصراً حتى يدخل بيته » (2).


1) راجع أوائل المسألة.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.


ويعارضها - مضافاً إلى ما تقدم - خبر موسى ابن بكر عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أنه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر ، فأخر الصلاة حتى قدم ، وهو يريد يصليها إذا قدم إلى أهله ، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها. قال (عليه السلام) : يصليها ركعتين صلاة المسافر ، لأن الوقت دخل وهو مسافر ، كان ينبغي أن يصلي عند ذلك » (1). فإنه وإن كان وارداً في القضاء ، لكن ظاهر التعليل فيه عموم الحكم للأداء ، بل عموم الحكم لصورة الخروج.

هذا وقد عرفت الإشارة إلى امتناع الجمع العرفي بين النصوص ، كامتناع الجمع بالتخيير ، وإن كان يشهد به هنا صحيح منصور المتقدم (2)وكذا بالتفصيل بين ضيق الوقت وسعته ، وإن كان يشهد به موثق إسحاق المتقدم (3). فيتعين الرجوع إلى الترجيح ، وهو يقتضي العمل بالطائفة الأولى ، لما عرفت ، بل هنا أولى.

وهنا قولان آخران : ( أحدهما ) : الاعتبار في المسألة الأولى بحال الأداء ، وفي هذه المسألة بحال الوجوب. وكأنه للاعتماد على ما دل على ذلك في كل من المسألتين ، وطرح معارضه. ( وثانيهما ) : الاعتبار في المسألة الأولى بحال الوجوب ، وفي المسألة الثانية بحال الأداء ، عكس التفصيل السابق. وكأنه لنظير ما ذكر أولا في التفصيل الأول. أو لما روي في البحار ، عن كتاب محمد بن المثنى الحضرمي ، عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي ، قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إذا خرج الرجل مسافراً وقد دخل وقت الصلاة كم يصلي؟ قال (عليه السلام) : أربعاً. قلت :


1) الوسائل باب : 21 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

2) راجع أوائل المسألة.

3) راجع التعليقة السابقة.

( مسألة 10 ) : إذا فاتت منه الصلاة ، وكان في أول الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس ، فالأقوى أنه مخير بين القضاء قصراً أو تماماً [1] ، لأنه فاتت منه الصلاة


فإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر. قال (عليه السلام) : يصلي ركعتين قبل أن يدخل أهله. فإن دخل المصر فليصل أربعاً » (1).

لكن التفصيلين معاً ضعيفان. إذ ما ذكر لهما من الوجه - عدا الرواية - كما ترى اقتراح من غير وجه. والرواية - على تقدير اعتبار سندها - لا تصلح معارضة لجميع ما سبق ، فطرحها ، وإرجاعها إلى أهلها متعين. واللّه سبحانه أعلم.

[1] لأنه يدور الأمر بين عدم وجوب قضاء أحدهما ، ووجوب قضاء كل منهما ، ووجوب قضاء أحدهما بخصوصه تعييناً ، ووجوب قضاء أحدهما تخييراً. لكن الأول : مخالفة لدليل وجوب القضاء. والثاني : يتوقف على وجود مصلحتين عرضيتين فيهما ، وهو منتف. والثالث : ترجيح بلا مرجح ، لأن خصوصية كل من القصر للمسافر والتمام للحاضر على نحو واحد في اعتبارها في المصلحة. فيتعين الأخير.

نعم قد تقدمت هذه المسألة في قضاء الصلاة ، وذكرنا : أن المتعين - بحسب القواعد - القضاء قصراً في الفرض الأول ، وتماماً في الثاني ، بناء على أن العبرة في المسألة السابقة بحال الأداء ، لأن الفوت الذي هو موضوع القضاء قد جعل موضوعه الفرض ، فيجب أن يكون مقارناً له ، ولا ريب أن الفرض المقارن للفوت إنما يصدق على ما وجب في آخر الوقت ، لأنه - بعد انقلاب الواجب من القصر الى التمام ، أو من التمام الى القصر - يكون المطالب به المكلف والواجب عليه تعييناً هو الثاني لا غير ، فاذا تركه إلى آخر الوقت كان هو الفرض الفائت ، فيتعين قضاؤه. أما ما وجب أولا ففي زمان


1) مستدرك الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

في مجموع الوقت ، والمفروض أنه كان مكلفاً في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام. ولكن الأحوط مراعاة حال الفوت ، وهو آخر الوقت. وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام.

( مسألة 11 ) : الأقوى كون المسافر مخيراً بين القصر والتمام في الأماكن الأربعة [1] ، وهي مسجد الحرام ، ومسجد


الفوت ليس بفرض ، وفي حال كونه فرضاً ليس بفائت ، لكون المفروض أنه تبدل بواجب آخر. نعم مقتضى خبر زرارة المتقدم وجوب القضاء بلحاظ حال الوجوب. لكن عرفت إشكاله في المسألة السابقة.

وأما ما في المتن : من التخيير فيتوقف على كون الفائت هو الجامع بين القصر والتمام ، مع أنه لم يكن مفروضاً على المكلف في زمان من أزمنة الأداء ، لا في حال السفر ، ولا في حال الحضر. ولعل ما ذكرنا ظاهر بأقل تأمل.

[1] على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً ، ونسب الى مذهب الأصحاب ومتفرداتهم. وعن السرائر وظاهر الخلاف : الإجماع عليه. وظاهر مفتاح الكرامة : تكثر دعوى الإجماع. للأخبار الكثيرة الدالة عليه ، التي منها الصحيح والموثق وغيرهما. وفي فهرست الوسائل : أنها أربعة وثلاثون حديثاً على اختلاف في مضامينها (1). فمنها : صحيح ابن الحجاج : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التمام بمكة والمدينة ، فقال (عليه السلام) : أتم وإن لم تصل فيهما إلا صلاة واحدة » (2)، ومصحح حماد بن عيسى عنه (عليه السلام) : « من مخزون علم اللّه الإتمام في أربعة مواطن : حرم اللّه ،


1) راجع الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر ، ومستدرك الوسائل باب : 18 من أبواب صلاة المسافر.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

النبي صلی اللّه علیه و آله ، ومسجد الكوفة ، والحائر الحسيني علیه السلام . بل التمام هو الأفضل ، وإن كان الأحوط هو القصر.


وحرم رسوله (صلی اللّه عليه وآله) ، وحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وحرم الحسين (عليه السلام) » (1)وصحيح ابن مهزيار : « كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : إن الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين ، فمنها : يأمر بأن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة ، ومنها : يأمر أن يقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام. ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا من حجنا في عامنا هذا ، فان فقهاء أصحابنا أشاروا إلى بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة ، وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك. فكتب (عليه السلام) بخطه : قد علمت - يرحمك اللّه - فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما ، فأنا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر وتكثر فيهما من الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة : إني كتبت إليك بكذا ، وأجبت بكذا ، فقال (عليه السلام) : نعم. فقلت : أي شي‌ء تعني بالحرمين؟ فقال : مكة ، والمدينة » (2)إلى غير ذلك ..

نعم يعارضها جملة أخرى آمرة بالقصر ما لم ينو مقام عشرة. منها : صحيح أبي ولاد ، المتقدم في مبحث العدول عن نية الإقامة (3). ومنها : صحيح ابن بزيع : « سألت الرضا (عليه السلام) عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو إتمام؟ فقال (عليه السلام) : قصر ما لم تعزم على مقام عشرة أيام » (4). ومنها : المصحح عن علي بن حديد : « سألت الرضا (عليه السلام) فقلت : إن


1) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

3) لاحظ المسألة : 15 من فصل قواطع السفر.

4) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 32.


أصحابنا اختلفوا في الحرمين ، فبعضهم يقصر وبعضهم يتم ، وأنا ممن يتم على رواية أصحابنا في التمام ، وذكرت عبد اللّه بن جندب أنه كان يتم ، فقال : رحم اللّه ابن جندب ( ثمَّ قال ) : لي لا يكون التمام. إلا أن تجمع على إقامة عشرة أيام. وصل النوافل ما شئت. قال ابن حديد : وكانت محبتي أن يأمرني بالإتمام » (1). ومنها : مصحح معاوية بن وهب : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين والتمام ، فقال : لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام. فقلت : إن أصحابنا رووا عنك أنك أمرتهم بالتمام ، فقال : إن أصحابنا كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون ، والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة ، فأمرتهم بالتمام (2)» ، وحسنه : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : مكة والمدينة كسائر البلدان؟ قال : نعم. قلت : روى عنك بعض أصحابنا أنك قلت لهم : أتموا بالمدينة لخمس. فقال : إن أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون ، فيخرجون من المسجد عند الصلاة ، فكرهت ذلك لهم ، فلهذا قلته » (3).

ويمكن الجواب عنها ، أما صحيح أبي ولاد فلتوقف الاستدلال به على كون التخيير بين القصر والتمام عاماً لجميع البلد. أما لو اختص بالمسجد فلا مجال له. مضافاً إلى إمكان دعوى كون السؤال عن حكم الإقامة في مطلق البلد ، ولأجل ذلك استفيد منه الحكم الكلي ، وإن كان للمدينة خصوصية دون غيرها. ولزوم تخصيص المورد لا مانع منه في مقام الجمع بين الأدلة. وأما صحيح ابن بزيع والمصحح عن ابن حديد ، فمع ضعف الثاني ، يمكن حملهما على إرادة نفي وجوب التمام ، لا نفي مشروعيته إذا لم


1) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 33.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 34.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 27.


ينو الإقامة عشرة ، كما يشهد به قوله في الثاني : « وكانت محبتي أن يأمرني بالتمام ». إذ هو ظاهر في الإلزام به ، لا في الترخيص فيه.

ومن ذلك يظهر الجواب عن مصحح معاوية ، وحسنه. والظاهر منهما أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) في عصرهم كانوا مختلفين ، فبعضهم كان مأموراً بالإتمام ، ولذا كان يرى وجوبه تعييناً ، وبعضهم كان مأموراً بالقصر ، فيرى وجوبه تعييناً. والظاهر أن الوجوبين طارئان بالعناوين الثانوية فالعنوان الموجب للأمر بالإتمام تعييناً هو ما أشير إليه في مصحح معاوية وحسنه الأخيرين. والعنوان الموجب للأمر بالقصر هو خوف الوقوع في خلاف التقية ، كما أشير إليه في حسن ابن الحجاج : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إن هشاماً روى عنك أنك أمرته بالتمام في الحرمين ، وذلك من أجل الناس قال : لا ، كنت أنا ومن مضى من آبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة ، واستترنا من الناس » (1). فان الظاهر أن الاستتار إنما يكون من جهة التقية ممن كان يرى وجوب القصر على المسافر من العامة. فكل من العنوانين الموجب للقصر والتمام راجع إلى التقية. وان اختلفت الجهة. ولأجل ذلك الاختلاف صح له (عليه السلام) أن يقول في حسن ابن الحجاج : « لا ، كنت .. » إذ المراد إنكار جهة التقية التي ادعاها هشام ، لا إنكار أصل التقية ، وإلا لم يكن وجه للاستتار بالإتمام.

ومن ذلك أيضاً تعرف أن المراد من قول السائل في صحيح ابن مهزيار : « فمنها : يأمر أن يتم .. ، ومنها : يأمر أن يقصر .. » الأمر الإلزامي التعييني ، لكن كان لبعض العناوين الثانوية ، ولولاها لكان كل منها واجباً تخييرياً. وأما ما في صدر الحسن الأخير فلا بد أن يكون المراد منه مساواة مكة والمدينة لسائر البلاد في عدم وجوب التمام إلا بنية


1) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.


الإقامة عشرة.

وبالجملة : المستفاد من نصوص المسألة : أن العبارات الصادرة من الأئمة (عليهم السلام) على أنحاء. منها : ما هو صريح في التخيير بين التمام والقصر ومنها : ما هو آمر تعييناً بالتمام ، ومنها : ما هو آمر تعييناً بالقصر. والجمع بين الأخيرين وما قبلهما : هو أن الحكم الأولي التخيير ، وقد يطرأ عنوان فيقتضي وجوب أحدهما تعييناً. وأن اختلاف أصحاب الأئمة (عليهم السلام) في ذلك ناشئ من اختلافهم في الأمر الصادر لهم ، الناشئ من اختلاف الجهات المعينة للقصر أو التمام. فلا تنافي بين روايتي الأمر بالتمام والأمر بالقصر ، كما لا تنافي بينهما وبين غيرهما.

ومن ذلك يظهر الوجه فيما رواه في كامل الزيارة عن سعد : « أنه سئل أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد : مكة ، والمدينة ، والكوفة وقبر الحسين (عليه السلام) ، والذي روي فيها ، فقال : أنا أقصر ، وكان صفوان يقصر ، وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون » (1)، وما في صحيح ابن مهزيار : « من أن فقهاء أصحابنا أشاروا إليه بالتقصير .. » (2)فان المراد الالتزام بالتقصير ، والإشارة بذلك للأمر الصادر عن الأئمة (عليهم السلام) به لبعض العوارض المقتضية لذلك.

وما ذكرنا هو الذي يقتضيه الجمع بين النصوص. وأما حمل نصوص الأمر بالإتمام على إرادة الأمر بالإقامة فبعيد جداً. وكذا حمل التخيير بينه وبين القصر على إرادة التخيير بين نية الإقامة وعدمها ، فإنه خلاف ما دل على الإتمام ولو صلاة واحدة ، أو ماراً ، أو حين يدخل.

ومما ذكرنا يظهر لك ضعف ما عن ظاهر الصدوق أو صريحه. من منع


1) مستدرك الوسائل باب : 18 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

2) تقدم ذلك في أوائل هذه التعليقة.

وما ذكرنا هو القدر المتيقن. والا فلا يبعد كون المدار على البلدان الأربعة ، وهي مكة ، والمدينة ، والكوفة وكربلاء [1].


الإتمام إلا مع نية الإقامة. وكذا ما عن السيد وابن الجنيد : من وجوبه. إذ جواز القصر من ضروريات مدلول النصوص المتقدمة إليها الإشارة. وطرحها بأجمعها ، والعمل بما ظاهره وجوب التمام خلاف مقتضى الجمع بين الأدلة. إلا أن في الحكاية عنهما إشكالا ، لما عن المختلف : من نسبة استحباب التمام إليهما. ولذا لم يتعرض في المتن للاحتياط بفعل التمام. فلاحظ ، وتأمل.

[1] كما نسب إلى المبسوط والنهاية - على وجه - وابني حمزة وسعيد ، والمحقق في كتاب له في السفر ، بل حكي عن الشيخ ، والفاضلين ، وأكثر الأصحاب ، بل نسب إلى المشهور.

ووجهه : أما في الأولين فالأخبار الكثيرة المشتملة على التعبير بمكة والمدينة ، كصحيح ابن الحجاج المتقدم (1)، وبالحرمين ، لتفسيرهما في صحيح ابن مهزيار المتقدم بهما ، وبحرم اللّه وحرم رسوله (صلی اللّه عليه وآله) ، المفسرين في رواية معاوية بن عمار وغيرها بهما (2).

وما يتوهم معارضته لها ، من مرسل إبراهيم بن أبي البلاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « تتم الصلاة في ثلاثة مواطن : في المسجد الحرام ، ومسجد الرسول (صلی اللّه عليه وآله) ، وعند قبر الحسين (عليه السلام) » (3)، ونحوه مرسل حذيفة


1) راجع التعليقة السابقة.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب المزار حديث : 1. وفي نفس الباب - وكذا في الباب 16 من أبواب المزار - أحاديث أخر على ذلك.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 22.


ابن منصور عنه (عليه السلام) (1). وخبر أبي بصير عنه (عليه السلام) (2)، وخبر خادم إسماعيل بن جعفر عنه (عليه السلام) (3)، فمع ضعفه في نفسه ، غير صالح للمعارضة ، لعدم التنافي بينهما ، لكونهما مثبتين. وذكر المسجد بالخصوص يمكن أن يكون لغلبة كونه موضع الصلاة.

ويشهد بعموم الحكم للبلدين : ما في مرسل حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من الأمر المذخور : إتمام الصلاة في أربعة مواطن : بمكة ، والمدينة ، ومسجد الكوفة ، والحائر » (4). فإن التعبير بالبلدين ، ثمَّ العدول عنه إلى التعبير بالمسجد في الكوفة شاهد قوي على عموم الحكم لهما. ونحوه مرسل الفقيه (5)، بل الظاهر أنه هو. ويشهد له أيضاً ما في صحيح ابن مهزيار من قوله : « أي شي‌ء تعني بالحرمين؟ .. » فان الظاهر أن اختصاص الحرمين في مكة والمدينة في الجملة مما لا إشكال فيه عنده ، وإنما السؤال كان عن أن الحرم يعم البلد ، أو يخص المسجد ، أو جهة معينة منه ، أو غير ذلك ، فلا يمكن حمل البلدين فيه على المسجدين فلاحظ. نعم يقتضي الاختصاص بالمسجد في المدينة صحيح أبي ولاد المتقدم. لكن عرفت قريباً وجه الجمع بينه وبين ما نحن فيه. فتأمل. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الحلي : من اختصاص الحكم بالمسجدين. أخذاً بالمتيقن.

وأما بلد الكوفة فليس ما يدل على جواز الإتمام فيه إلا خبر زياد القندي عن أبي الحسن (عليه السلام) (6). وما عداه قد اشتمل بعضه على التعبير


1) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 23.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 25.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 14.

4) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 29.

5) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 26.

6) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13.


بحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، كمصحح حماد بن عيسى المتقدم (1)، ومرسل المصباح (2). وبعضها قد اشتمل على التعبير بمسجد الكوفة ، كمرسل حذيفة ابن منصور (3)، ومرسل الفقيه (4)، وخبر أبي بصير (5)، ومرسل حماد (6). ولا ريب في اختصاص الأخير بالمسجد.

وأما الثاني فلا يخلو من إجمال. وتطبيقه في بعض الروايات عليها - كخبر حسان بن مهران ، وفيه : « قال أمير المؤمنين : مكة حرم اللّه تعالى ، والمدينة حرم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، والكوفة حرمي ، لا يريدها جبار بحادثة إلا قصمه اللّه » (7). ونحوه خبر عاصم بن حميد - (8)وفي رواية القلانسي : « إن الكوفة حرم اللّه ، وحرم رسوله (صلی اللّه عليه وآله) ، وحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) » (9)غير كاف في إثبات الحكم لها ، لضعفه - كخبر زياد - أولا. ولأن مجرد التطبيق لا يجدي فيما نحن فيه ، وإنما المجدي التفسير ، بأن يقال : حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الكوفة. وليس


1) راجع أوائل التعليقة السابقة.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 24.

3) المراد هو المرسل المتقدم في صدر التعليقة.

4) تقدم ذكر ذلك كله في هذه التعليقة.

5) تقدم ذكر ذلك كله في هذه التعليقة.

6) تقدم ذكر ذلك كله في هذه التعليقة.

7) الوسائل باب : 16 من أبواب المزار حديث : 1.

8) لم نجد الرواية المذكورة في مظانها ، من الوسائل ، والمستدرك ، والجواهر ، والحدائق ، والمستند. نعم في المستدرك باب : 12 من أبواب المزار ، عن أمالي الطوسي (رحمه اللّه) عن عاصم بن عبد الواحد المدني ، عن الصادق (عليه السلام) وفيه : « والكوفة حرم علي (عليه السلام) .. » وقد أشار صاحب المستند في ج 2 صفحة 584 ، والحدائق في ج 11 صفحة 456 طبع النجف الأشرف إلى الرواية المذكورة مصرحاً الأخير منهما بإهمال الراوي. كما وإنا لم نجد ذكراً له في تنقيح المقال للمامقاني (رحمه اللّه) وانما جاء فيه : ترجمة عاصم بن حميد. من أصحاب الصادق (عليه السلام). فراجع تنقيح المقال ج 2 ص 113‌

9) الوسائل باب : 44 من أبواب أحكام المساجد حديث : 33.


مفاد النصوص ذلك. والتطبيق إنما يجدي في الحكم الثابت لموضوع عام ، لا ما إذا أريد من العام فرد مخصوص وقد أجمل. فرفع اليد عن عموم وجوب القصر على المسافر فيما عدا مسجد الكوفة لا يخلو من إشكال ، والاقتصار على المتيقن - وهو خصوص المسجد - متعين. ويشير إليه مرسل حماد المتقدم. وإلحاق الكوفة بمكة ، بضميمة عدم الفصل - كما عن الشيخ (رحمه اللّه) - غير ظاهر ، لثبوت القول بالفصل حينئذ.

وأما كربلاء : فالنصوص المتعرضة للحكم فيها بين ما تضمن التعبير ب- « حرم الحسين (عليه السلام) » ، كمصحح حماد (1)، وخبر خادم إسماعيل بن جعفر (2)، ومرسل حذيفة بن منصور (3). ومرسل المصباح (4)، وبين ما تضمن التعبير ب- « عند قبر الحسين (عليه السلام) » ، كخبر أبي شبل (5)وخبر عمرو بن مرزوق (6)، ومرسل إبراهيم بن أبي البلاد المتقدم (7)وبين ما تضمن التعبير بالحائر ، كمرسل حماد ، ومرسل الصدوق ، اللذين قد عرفت أن الظاهر أنهما واحد (8)،

أما الأول فقد ورد في مرفوع منصور بن العباس : أنه خمسة فراسخ من أربع جوانبه (9). وفي مرسل محمد بن إسماعيل البصري : أنه فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر (10). لكن لا مجال للاعتماد عليه في مثل


1) تقدم ذلك في أول المسألة.

2) تقدم ذلك كله في صدر التعليقة.

3) تقدم ذلك كله في صدر التعليقة.

4) تقدم ذلك كله في صدر التعليقة.

5) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 12.

6) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 30.

7) تقدم ذلك في صدر التعليقة.

8) تقدم ذلك في صدر التعليقة.

9) الوسائل باب : 67 من أبواب المزار حديث : 1.

10) الوسائل باب : 67 من أبواب المزار حديث : 2.


المقام ، لضعف السند من دون جابر. ولما لم يكن طريق شرعي إلى تحديده يبقى على إجماله ، وليس له معنى عرفي ليرجع اليه.

وأما الأخير فلم أقف في النصوص على تحديده ، إلا على رواية الحسين ابن ثوير ، الواردة في آداب الزيارة المأثورة ، وفيها : « وعليك بالتكبير ، والتهليل ، والتسبيح ، والتحميد ، والتعظيم لله تعالى ، والصلاة على محمد وأهل بيته ، حتى تصير إلى باب الحائر ، ثمَّ تقول : السلام .. ( إلى أن قال ثمَّ اخط عشر خطاً ، ثمَّ قف وكبر ثلاثين تكبيرة. ثمَّ امش اليه حتى تأتيه من قبل وجهه ، فاستقبل وجهك بوجهه .. » (1). فإنه - على تقدير ظهوره في كون باب الحائر متصلا بالحائر - ظاهر في أن الحائر أكثر من عشر خطوات.

نعم عن الإرشاد للمفيد (رحمه اللّه) : أن الحائر محيط بهم (عليهم السلام) إلا العباس (عليه السلام) فإنه قتل على المسناة. وعن السرائر : أنه ما دار سور المشهد والمسجد عليه ، دون ما دار سور البلد عليه ، لأن ذلك هو الحائر حقيقة ، لأن الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يحار الماء فيه. وعن البحار عن بعض : أنه مجموع الصحن المقدس ، وبعضهم : أنه القبة السامية. وبعضهم : أنه الروضة المقدسة وما أحاط بها من العمارات المقدسة ، من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها. ثمَّ قال : « والأظهر عندي أنه مجموع الصحن القديم ، لا ما تجدد منه في الدولة الصفوية ». لكن الجميع غير واضح المستند. مع أن في الاعتماد على المرسلين المشتملين على التعبير بالحائر (2)إشكالا. فالاقتصار على القدر المتيقن من معنى الحائر ، ومن معنى الحرم - وهو ما يقارب الضريح المقدس - متعين.


1) الوسائل باب : 62 من أبواب المزار حديث : 1.

2) المراد بهما : مرسلا حماد والصدوق المتقدمان في صدر التعليقة.

لكن لا ينبغي ترك الاحتياط ، خصوصاً في الأخيرتين. ولا يلحق بها سائر المشاهد [1]. والأحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الأصلي منها ، دون الزيادات الحادثة في بعضها [2]. نعم لا فرق فيها بين السطوح ، والصحن ، والمواضع المنخفضة منها. كما أن الأحوط في الحائر الاقتصار على ما حول الضريح المبارك.

( مسألة 12 ) : إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في أماكن التخيير وبعضه خارجاً لا يجوز له التمام [3]. نعم لا بأس بالوقوف منتهى أحدها إذا كان يتأخر حال الركوع والسجود [4]


وأما تحديده في كلام بعض بخمسة وعشرين ذراعاً فلم أقف على مستند له غير مصحح إسحاق بن عمار : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إن لموضع قبر الحسين علیه السلام حرمة معروفة من عرفها واستجار بها أجير. قلت : صف لي موضعها. قال (عليه السلام) : امسح من موضع قبره اليوم خمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه ، وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه ، وخمسة وعشرين ذراعاً مما يلي وجهه » (1)إلا أن في تعلقها بما نحن فيه تأملا ظاهراً. واللّه سبحانه أعلم.

[1] لعدم الدليل الموجب للخروج عن عموم القصر على المسافر. وما عن السيد وابن الجنيد. من إلحاق المشاهد بها في وجوب التمام. قد عرفت الاشكال فيه في الملحق به ، فضلا عن الملحق.

[2] إذا كانت الزيادة بعد صدور النصوص ، لعدم الدليل على ذلك نعم لو كانت الزيادة قبل صدور النصوص فظاهرها دخول الزيادة.

[3] لعدم دخوله في أدلته.

[4] لصدق الصلاة في المواطن المذكورة.


1) الوسائل باب : 67 من أبواب المزار حديث : 4.

بحيث يكون تمام بدنه داخلا حالهما.

( مسألة 13 ) : لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور [1] ، فلا يصح له الصوم فيها ، إلا إذا نوى الإقامة أو بقي متردداً ثلاثين يوماً.

( مسألة 14 ) : التخيير في هذه الأماكن استمراري [2] فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر وبالعكس ما لم يتجاوز محل العدول. بل لا بأس بأن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الأمرين من الأول [3]. بل لو نوى القصر فأتم غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحة [4].


[1] كما هو ظاهر الفتاوى ، والمصرح به في كلام غير واحد. لعدم دخوله في الأدلة. وعموم التلازم بينهما في القصر والتمام مختص بغير ما نحن فيه ، لظهوره في عدم الفرق بين السفر المشرع لقصر الصوم والمشرع لقصر الصلاة ، وأن عنوان المسافر في المقامين بمعنى واحد. ويشير إلى عدم الإلحاق ما في موثق عثمان بن عيسى : « عن إتمام الصلاة والصيام في الحرمين قال (عليه السلام) : أتمها ولو صلاة واحدة » (1).

[2] لإطلاق الأدلة ، التي لا فرق فيها بين الابتداء والاستدامة.

[3] بأن يقصد الأمر المتعلق بالركعتين في الجملة ، بلا تحديد له بإحدى الخصوصيتين.

[4] كما لو تخيل أنه مأمور بالتمام لكونه حاضراً. وكذا لو جاء بكل من الركعتين الأخيرتين بقصد أنها الثانية ، لاعتقاده عدم فعلها. واحتمال البطلان بزيادة الركعتين لعدم قصد امتثال أمرهما ضعيف ، لأن ذلك من قبيل الاشتباه في التطبيق ، كما تقدم في مبحث الخلل. فلاحظ.


1) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 17.

( مسألة 15 ) : يستحب أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة [1] ثلاثين مرة : « سبحان اللّه والحمد لله ، ولا إله إلا اللّه ، واللّه أكبر ». وهذا وإن كان يستحب من حيث التعقيب عقيب كل فريضة حتى غير المقصورة [2] ، إلا أنه يتأكد عقيب المقصورات [3] ، بل الأولى تكرارها مرتين [4] ، مرة من باب التعقيب ، ومرة من حيث بدليتها عن الركعتين الساقطتين.


[1] بلا خلاف أجده ، كما في الجواهر. لخبر المروزي قال : « قال الفقيه العسكري (عليه السلام) : يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها : سبحان اللّه ، والحمد لله ، ولا إله إلا اللّه ، واللّه أكبر ، ثلاثين مرة ، لتمام الصلاة » (1). وفي خبر رجاء : « إن الرضا (عليه السلام) كان يقولها في دبر كل صلاة يقصرها ثلاثين مرة ، ويقول هذا تمام الصلاة » (2). ويتعين حمل الأول على الاستحباب ، لما عرفت من نفي الخلاف ، وقضاء السيرة القطعية بذلك.

[2] كما ورد في بعض الأخبار.

[3] لتعدد الجهة.

[4] لاحتمال عدم التداخل. لكنه خلاف إطلاق الأدلة. ولأجله لا مجال للرجوع إلى قاعدة عدم التداخل. وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

انتهى الكلام فيما يتعلق بصلاة المسافر ، في النجف الأشرف ، ثالث ربيع الثاني من السنة الخمسين بعد الألف والثلاثمائة هجرية ، على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وأزكى التحية. بقلم مؤلفه الأقل ( محسن ) ، خلف المقدس العلامة المرحوم السيد ( مهدي ) الطباطبائي الحكيم. وله الحمد


1) الوسائل باب : 24 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

2) الوسائل باب : 24 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصوم

اشارة

وهو الإمساك عما يأتي من المفطرات ، بقصد القربة [1].


والمجد ، كما هو أهله. وهو حسبنا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، محمد وآله الغر الميامين.

كتاب الصوم

الصوم في اللغة : مطلق الإمساك ، أو إمساك الحيوان ، أو خصوص الإنسان ، وعن ابن دريد : « كل شي‌ء سكنت حركته فقد صام صوماً ».

[1] قد اختلفت عباراتهم في معناه الشرعي ، ففي بعضها : أنه الكف وفي آخر : أنه التوطين ، وفي ثالث : أنه الإمساك. وقد اختلفت أيضاً في القيود المذكورة في تعريفاته. وظاهر أكثرهم أنهم في مقام التعريف الحقيقي ، لعدول كل عن تعريف الآخر ، معتذراً بتوجه المناقشات على التعريف المعدول عنه ، من جهة الطرد ، أو العكس ، أو من جهتهما معاً. وليس ذلك إلا لبنائهم على التعريف الحقيقي. لكن السعي في هذا السبيل لما لم يترتب عليه مزيد فائدة كان تركه والاشتغال بما هو أهم أولى.

وينقسم [1] إلى الواجب ، والمندوب ، والحرام ، والمكروه ، بمعنى قلة الثواب. والواجب منه ثمانية [2] : صوم شهر رمضان ، وصوم القضاء ، وصوم الكفارة - على كثرتها - وصوم بدل الهدي في الحج وصوم النذر والعهد واليمين ، وصوم الإجارة ونحوها - كالشروط في ضمن العقد - وصوم الثالث من أيام الاعتكاف ، وصوم الولد الأكبر عن أحد أبويه.

ووجوبه في شهر رمضان من ضروريات الدين [3] ، ومنكره مرتد [4] يجب قتله [5]. ومن أفطر فيه - لا مستحلا - ،


نعم هنا شي‌ء ، وهو أنه لا ريب في الاجتزاء يصوم من أكل ناسياً للصوم. وحينئذ فإن كان الصوم عبارة عن الإمساك عن ذوات المفطرات لم يصدق ذلك على الصوم المذكور ، ووجب الالتزام بكونه بدلا عن الصوم لا صوماً حقيقة ، وهو خلاف ظاهر النص والفتوى. وإن كان عبارة عن الإمساك عنها بقيد الالتفات إلى الصوم لزم أخذ الالتفات إليه قيداً فيه ، وهو ممتنع ، إذ الالتفات إلى الشي‌ء خارج عنه. فلا بد من أخذ المفطرات مهملة ، لا مطلقة ، ولا مقيدة بالالتفات. وهكذا الحال في أخذ قصد القربة فيه وفي غيره من العبادات ، فالأمر به وبسائر العبادات متعلق بالذات الملازمة لقصد القربة ، لا بالذات المطلقة ، ولا بالذات المقيدة بقصد القربة. فلاحظ

[1] سيأتي التعرض للأقسام المذكورة.

[2] الاستدلال على وجوب كل من الأقسام المذكورة موكول إلى محله.

[3] كما صرح به جماعة ، بل الظاهر أنه إجماع.

[4] تقدم في مبحث نجاسة الكافر الكلام في أن إنكار الضروري مطلقاً موجب للكفر ، أو بشرط علم المنكر بأنه من الدين. فراجع.

[5] إن كان ولد على فطرة الإسلام. وإلا فبعد أن يستتاب فلا يتوب ،

عالماً عامداً يعزر [1] بخمسة وعشرين سوطاً [2] ، فان عاد عزر ثانياً [3] ، فان عاد قتل على الأقوى [4]. وإن كان


كما أشرنا إليه في كتاب الطهارة. ومحله مفصلا في كتاب الحدود.

[1] بلا خلاف ظاهر. لصحيح بريد العجلي : « سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر شهر رمضان ثلاثة أيام. قال (عليه السلام) : يسأل هل عليك في إفطارك شهر رمضان إثم ، فان قال : لا ، فان على الامام أن يقتله. وإن قال : نعم ، فان على الامام أن ينهكه ضرباً » (1)

[2] لخبر المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - فيمن أتى امرأته وهما صائمان - : « وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً ، نصف الحد. وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً ، وضربت خمسة وعشرين سوطاً » (2). وضعف سنده - لو تمَّ - مجبور بالعمل به في مورده. لكن التعدي منه إلى مطلق الإفطار - مع كونه خلاف إطلاق الصحيح المتقدم ، وإطلاق ما دل على إيكال تقدير التعزير إلى الامام - غير ظاهر. ولا سيما وكون التقدير المذكور خلاف ظاهر إطلاق التعزير في كلامهم ، فإنه عندهم يقابل الحد ، وهو الذي له تقدير بعينه. وكأنه لذلك كان ما عن جماعة من التصريح بعدم التقدير.

[3] بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه إطلاق الصحيح المتقدم.

[4] كما عن الأكثر أو المشهور. لموثق سماعة : « سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان ، وقد أفطر ثلاث مرات ، وقد رفع إلى الامام ثلاث مرات. قال (عليه السلام) : يقتل في الثالثة » (3). ونحوه خبر أبي بصير (4)


1) الوسائل باب : 2 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

4) الوسائل باب : 2 من أبواب أحكام شهر رمضان ملحق الحديث : 2.

الأحوط قتله في الرابعة [1]. وإنما يقتل في الثالثة أو الرابعة إذا عزر في كل من المرتين أو الثلاث [2]. وإذا ادعى شبهة محتملة في حقه درئ عنه الحد [3].

فصل في النية

يجب في الصوم القصد إليه ، مع القربة والإخلاص [4]


أما صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) : « أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة » (1)فالاستدلال به يتوقف على عمومه للمقام ، بأن يراد من الحد ما يعم التعزير. وهو كما ترى.

[1] كما هو المحكي عن بعض. للمرسل : « إن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة » (2). وضعفه - لعدم صلاحية المرسل لمعارضة ما سبق - ظاهر. وكونه أحوط غير ظاهر ، لأنه مخالف للأدلة المتقدمة. وأهمية القتل إنما تقتضي تقديم الاحتياط فيه على الاحتياط في غيره عند تزاحم الاحتياطين. وذلك في غير ما نحن فيه.

[2] كما عن التذكرة وجماعة. ويقتضيه ظاهر ما سبق. لا أقل من عدم إطلاقه بنحو يشمل صورة عدمه ، كما لا يخفى.

[3] لإطلاق ما دل على أن الحدود تدرأ بالشبهات.

فصل في النية

[4] بلا خلاف. لكونه من العبادات المعتبر فيها ذلك إجماعاً. نعم الظاهر ، بل الذي لا ينبغي التأمل فيه : أنه لا يعتبر فيه أن يكون الترك


1) الوسائل باب : 5 من أبواب مقدمات الحدود حديث : 1.

2) لم نعثر على ذلك ، وإنما روي ذلك مرسلا في خصوص شارب الخمر. لاحظ الوسائل باب : 11 من أبواب حد المسكر حديث : 7.

كسائر العبادات. ولا يجب الاخطار بل يكفي الداعي [1]. ويعتبر فيما عدا شهر رمضان - حتى الواجب المعين أيضاً - القصد إلى نوعه [2] ، من الكفارة ، أو القضاء ، أو النذر ،


للمفطرات في كل آن من آنات النهار مستنداً إلى إرادة موافقة أمر اللّه تعالى. وإلا لزم بطلان الصوم بانتفاء ذلك بالنوم ، أو الغفلة ، أو العجز عن ارتكاب المفطر ، أو عدم الرغبة فيه ، أو وجود المنفر الطبعي عنه ، بناء على قدح الضميمة في عبادية العبادة ، وذلك مما لا يمكن الالتزام به ضرورة بل المعتبر فيه : استقلال داعي الموافقة للأمر في الزجر عن المفطر على تقدير الالتفات والاختيار وعدم وجود المقتضي الخارجي للزجر عنه. فلا يقدح فيه النوم ، والغفلة ، والعجز ، ووجود المقتضي الخارجي للزجر عنه ، كما في الموارد المذكورة إذا فرض تحقق داعي موافقة الأمر الشرعي بنحو يستقل في الزجر لو لا ما ذكر ، وإنما يقدح فيه عدم تحقق داعي الموافقة للأمر الشرعي أصلا ، أو عدم صلاحيته للاستقلال في الزجر. فالعبادية المعتبرة في آنات الصوم إنما هي عبادية فاعلية ، لا فعلية ، كما في سائر العبادات ولعل ذلك يجري أيضاً في بعض الواجبات العبادية ، كالوقوف في عرفات أو المشعر الحرام.

[1] كما تقدم بيانه مفصلا في نية الوضوء. فراجع.

[2] وهو في غير المعين قول علمائنا - كما عن المنتهى - وقول العلماء كافة - كما عن التذكرة - وعند الأصحاب - كما عن المعتبر - وبلا خلاف يعرف - كما عن التنقيح - وإجماعاً - كما عن السرائر ، والتحرير ، وغيرهما وظاهر الشرائع. ويدل عليه - مضافاً إلى ذلك - : أن الفعل العبادي لا يصح عبادة إلا إذا قصد إيقاعه على النحو الذي أخذ موضوعاً للتكليف ، لما عرفت في نية الوضوء من أن قوام العبادية انفعال المكلف بأمر المولى ،


بنحو تحدث له إرادة تكوينية تابعة للإرادة التشريعية للمولى ، فلا بد أن تتعلق إرادة العبد بما تعلقت به إرادة مولاه ، وهذا معنى قصد موضوع الأمر على النحو الذي أخذ موضوعاً له. فاذا فرض أن صوم الكفارة بعنوان كونه كفارة قد أخذ موضوعاً للأمر ، فلا يكون عبادة إلا إذا قصد الإتيان به معنوناً بذلك العنوان.

نعم قد يتوهم فيدعى : أن ظاهر الأدلة السمعية كون موضوعها نفس الصوم الذي هو الماهية المشتركة بين أفراده ، فإذا كان على المكلف صوم يوم قضاء وصوم يوم كفارة فقد وجب عليه صوم يومين لا ميز بينهما إلا بمحض الاثنينية ، فلا مجال للتعيين ، فضلا عن وجوبه. فلو صام يوماً واحداً سقط عنه صوم يوم وبقي عليه صوم يوم آخر. ولكنه كما ترى ، بل ظاهر نصوص الأمر بالقضاء والكفارة ونحوهما : أخذ العنوان من القضاء والكفارة أو نحوهما في موضوع الأمر ، فلا بد من قصده ليقع عبادة ، كما عرفت.

ويشهد به أيضاً اختلافها بخصوصيات أخر ، مثل التضييق والتوسعة ، والسقوط مع العجز بلا بدل ومع البدل وغير ذلك ، فان اختلافها في الخصوصيات المذكورة يدل على اختلافها بالقيود والحدود. كما يظهر أيضاً من نصوص عدم جواز الصوم ندباً لمن عليه فريضة : أن الصوم المندوب غير الصوم الواجب يمكن أن يقصد أحدهما بعينه. فيسقط أمره ويبقى أمر الآخر ، نظير النافلة والفريضة في الصلاة. نعم لا يبعد الالتزام برجحان طبيعة الصوم في نفسها ، عدا الحرام منه ، وتعرضها خصوصيات أخرى موجبة له من قضاء أو كفارة ، فإذا قصد نفس الطبيعة بلا خصوصية وقع مندوباً ، وإذا قصدها مع الخصوصية الأخرى وقع ذو الخصوصية وترتبت عليه أحكامه.

مطلقاً كان أو مقيداً بزمان معين [1] ، من غير فرق بين الصوم الواجب والمندوب. ففي المندوب أيضاً يعتبر تعيين نوعه ،


هذا في غير رمضان ، أما هو فلا يشرع فيه غير فرضه أصلا ، فلا يصح ولو ندباً وإن قصد صرف الطبيعة الراجحة ، كما سيأتي.

[1] كما هو المشهور. ونسب إلى الشيخ ، والمحقق ، والعلامة في بعض كتبه ، والشهيد في كتبه الثلاثة. وهو واضح جداً بناءً على أن النذر يوجب كون الفعل المنذور ملكاً لله سبحانه على المكلف ، كما هو الظاهر. ويقتضيه مفهوم صيغة النذر ، لأن تسليم ما في الذمة يتوقف على قصد المصداقية ، ولولاه لم يتعين الخارجي لذلك ، كما في سائر موارد ما في الذمة من الديون المالية عيناً كانت أو فعلا. وبذلك أيضاً يتضح وجه اعتبار التعيين في الصوم الواجب بالإجارة والشرط ونحوهما. أما بناءً على عدم إيجاب النذر ذلك ، بل إنما يقتضي وجوب المنذور فقط ، يشكل اعتبار قصد التعيين ، بل يكفي قصد نفس العنوان المنذور في سقوطه ، لانطباق موضوعه عليه قهراً.

فان قلت : الوجوب الآتي من قبل النذر إنما يتعلق بعنوان الوفاء ، كما يقتضيه ظاهر أدلة النفوذ ، فيجب قصد الوفاء في سقوط أمر النذر ، كما هو الحال في الأمر بالكفارة والقضاء. قلت : أولا : إن الأمر بالوفاء بالنذور ليس مولوياً ، بل هو إرشادي إلى صحة النذر ، نظير الأمر بالوفاء بالعقود والشروط وغيرها ، كما أوضحناه فيما علقناه على مباحث الشرط من مكاسب شيخنا الأعظم (رحمه اللّه). وثانياً : إنه لو سلم كونه مولوياً فالظاهر كونه توصلياً ، لا تعبدياً ، فلا يتوقف سقوطه على قصد امتثاله ، بل يكفي في سقوطه الإتيان بمتعلقه ، وهو فعل نفس المنذور. نعم لو بني على أن الواجب عنوان الوفاء بالنذر بنحو يكون قصدياً ، توقف وجوده على قصده لكن الظاهر أنه ليس كذلك ، بل ليس الواجب إلا فعل المنذور لا غير.

من كونه صوم أيام البيض مثلا أو غيرها من الأيام المخصوصة [1] فلا يجزي القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع ، من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمته متحداً أو متعدداً ،


ومما ذكرنا يظهر أن ما حكي عن السيد. والحلي والعلامة في جملة من كتبه والمدارك وغيرهم : من عدم اعتبار التعيين فيه ينبغي أن يكون مبنياً على ذلك لا غير.

وأما الاستدلال له : بأنه زمان يتعين بالنذر للصوم ، فكان كشهر رمضان ، لا يعتبر فيه التعيين. ففيه : أن التعيين الواقعي لا يكفي في انطباق ما في الذمة من حق الغير عليه ، ولا في صدق إطاعة أمر النذر لو كان عبادياً ، ولا في صدق الوفاء بالنذر لو كان قصدياً.

ومثله في الضعف : الاستدلال للأول بأنه زمان لم يعينه الشارع في الأصل ، فافتقر إلى التعيين ، كالنذر المطلق. وجه الضعف : أنه لو بني على عدم اقتضاء النذر جهة وضعية ، ولا كون الأمر بالوفاء عبادياً ، ولا كون عنوان الوفاء قصدياً ، يكون انطباق المنذور على المأتي به قهرياً ، فيسقط أمره ، ولا يتوقف على التعيين. وكذا الحال في النذر المطلق ، فان المنذور فرد من العنوان المستحب يعرضه بالنذر الوجوب ، فتكون أفراد المستحب بعضها واجباً بالعرض وبعضها مستحباً ، فيلحقه حكم ما لو وجب صوم يوم واستحب صوم يوم آخر ، بلا تميز بين اليومين إلا بمحض الاثنينية ، فإذا صام أحدهما سقط الوجوب وبقي الاستحباب. فالعمدة إذاً في القولين ما ذكرنا.

هذا ولا يبعد الفرق بين مفاد النذر ومفاد العهد واليمين ، فظاهر الأول الأول ، كما عرفت ، وظاهر الأخيرين الثاني.

[1] يظهر من أدلة القولين في النذر المعين : تأتي الخلاف هنا أيضاً.

ففي صورة الاتحاد أيضاً يعتبر تعيين النوع [1]. ويكفي التعيين الإجمالي [2] ، كأن يكون ما في ذمته واحداً ، فيقصد ما في ذمته ، وإن لم يعلم أنه من أي نوع ، وإن كان يمكنه الاستعلام أيضاً. بل فيما إذا كان ما في ذمته متعدداً أيضاً يكفي التعيين الإجمالي ، كأن ينوي ما اشتغلت ذمته به أولا ، أو ثانياً أو نحو ذلك.

وأما في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم وإن لم ينو كونه من رمضان [3]. بل لو نوى فيه غيره


وعن البيان : إلحاق المندوب المعين بالواجب في عدم اعتبار التعيين. وعن بعض تحقيقاته : إلحاق مطلق المندوب به ، لتعينه شرعاً في جميع الأيام ، وتبعه على ذلك بعض من تأخر. ولكن التحقيق : لزوم التعيين في الأول إما لأخذ الزمان الخاص قيداً في موضوع الأمر ، كما يقتضيه الجمود على عبارة النصوص ، فلا يقع عبادة وامتثالا لأمره إلا إذا قصده المكلف. وإما لأن صوم الزمان المعين كما يصلح أن يكون امتثالا للأمر بالمعين يصلح أن يكون امتثالا للأمر بالمطلق ، فكونه امتثالا للأول بعينه محتاج إلى معين وليس إلا القصد ، ومجرد تعينه غير كاف فيه ، ولا سيما مع صلاحية الزمان لغيره. وأما المندوب المطلق فالقصد إلى صرف الطبيعة المطلقة فيه كاف في تعينه ، لأن ما عداه طبيعة خاصة. نعم لو قصد طبيعة الصوم مهملة مرددة بين الواجب والمندوب ، لم يجز عنه ولا عن غيره.

[1] لما عرفت من اعتبار القصد إلى عنوان موضوع الأمر في تحقق العبادة.

[2] للاكتفاء به عند العقلاء ، الذين هم المرجع في القيود المعتبرة في العبادة.

[3] على المشهور ، بل في محكي التذكرة : نسبته إلى علمائنا. ونحوه

جاهلا أو ناسياً له أجزأ عنه [1]. نعم إذا كان عالماً به وقصد


ما عن المختلف والمنتهى ، بل عن التنقيح : دعوى الاتفاق عليه. وعن الغنية : دعوى الإجماع. واستدل له - مضافاً إلى ذلك - بأصالة البراءة من وجوب التعيين. وبأصالة الإطلاق النافية لاشتراطه. وبأن التعيين فرع قابلية المورد للترديد ، ولما كان رمضان لا يصح فيه صوم غير صومه لا مجال للترديد ، فيكون متعيناً بالذات بلا حاجة الى التعيين.

والجميع كما ترى ، إذ الإجماع لم يثبت بنحو يصح الاعتماد عليه. وأصل البراءة لا مجال له بعد قيام الإجماع بل الضرورة على كون الصوم من العبادات المعتبر فيها القصد ، وبه يقيد إطلاق الأدلة. مع أنه إنما يصلح لرفع الشك في شرط المأمور به ، لا في شرط الإطاعة والامتثال ، كما هو موضح في الأصول. فتأمل. والتعيين فرع الترديد في نظر المكلف ، وهو حاصل ، ولا ينافيه عدم مشروعية غير صوم رمضان ، كما هو ظاهر. فما تقدم في صوم أيام البيض وغيرها جار هنا بعينه.

نعم يمكن قصد الأمر الخاص بنحو يكون ملازماً لقصد خصوصية رمضان ، كما يمكن العكس ، بأن يقصد الصوم الخاص بالغد عن أمره ، فإن ذلك كله قصد لصوم رمضان عن أمره الخاص به ، ولا إشكال فيه ولعل ذلك هو مراد القائلين بعدم اعتبار التعيين هنا ، فمرادهم عدم اعتباره تفصيلا ، لا عدم اعتباره أصلاً ولا إجمالاً ، إهمالا منهم لقاعدة اعتبار قصد المأمور به بخصوصياته في تحقق العبادية. وإن كانت عبارة المتن وغيره آبية عنه.

[1] إجماعاً ، حكاه غير واحد. وتساعده القواعد إذا رجع الى قصد الخصوصية إجمالا ، بأن كان الخطأ في مجرد التطبيق لا غير. أما إذا رجع

غيره لم يجزه [1].


إلى قصد الأمر والخصوصية المباينين لخصوصية رمضان وأمره يشكل الاجتزاء به بالنظر إلى القواعد. نعم يدل على الاجتزاء به في الأول : ما ورد في الاجتزاء بصوم يوم الشك على أنه من شعبان ، ففي رواية سماعة. « فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل اللّه تعالى » (1). وفي خبر الزهري : « لو أن رجلا صام يوماً من شهر رمضان تطوعاً ، وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان ، ثمَّ علم بذلك لأجزأ عنه ، لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه » (2)بل ظاهر الأخير الاجتزاء به في الثاني أيضاً. بل يمكن القول بدلالة الأول عليهما معاً بإلغاء خصوصية مورده.

اللّهم إلا أن يدعى : أن منصرف النصوص خصوص صورة الجهل بالتطبيق الراجعة إلى تحقق قصد الخصوصية إجمالا. وقد يومئ إليه التعليل في الثاني. ولا سيما بملاحظة تخصيصه بصورة عدم العلم. ولا ينافيه التعبير بالتفضل في الأول ، لا مكان كون الوجه في التفضل عدم الجزم بالنية. فتأمل جيداً.

لكن يدفع توهم الانصراف المذكور : التفصيل في النصوص بين نية رمضان وشعبان ، إذ لا وجه للتفصيل مع قصد الخصوصية إجمالا. والتعليل لا يخلو من إجمال. مع ضعف سند الخبر ، ومخالفته لظاهر ما قبله من إجزاء التطوع عن رمضان تفضلا. فلاحظ.

[1] كما عن الحلي ، والكركي ، والشهيدين ، وصاحب المدارك ، وغيرهم. لعدم الدليل على الاجتزاء به بعد فوات التقرب المعتبر ، من جهة عدم قصد خصوصية الواجب ، وعدم قصد امتثال أمره. والنصوص المتقدمة


1) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم حديث : 4.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم حديث : 8.

كما لا يجزئ لما قصده أيضاً [1]. بل إذا قصد غيره عالماً به


لا تصلح للدلالة على الاجتزاء به. بل ظاهر الخبر الثاني عدمه. وعن السيد والمبسوط والمعتبر والتذكرة والمختلف : أن الاجزاء لا يخلو عن قوة ، لأن النية المشترطة - وهي القربة - حاصلة ، وما زاد لغو لا عبرة به. وهو كما ترى. نعم لازم القول بالصحة في غير العالم اعتماداً على القواعد القول بها فيه أيضاً ، فالتفكيك بينهما في ذلك غير ظاهر.

[1] وفي الجواهر : « إنه المعروف في الشريعة ، بل كاد يكون من قطعيات أربابها ، إن لم يكن من ضرورياتها ». لعدم الدليل على مشروعية غير صوم رمضان فيه ، ولقوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (1)، وللنبوي : « ليس من البر الصيام في السفر » (2)ولمرسل الحسن بن بسام عن رجل : « كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ، ثمَّ رأينا هلال شهر رمضان ، فأفطر. فقلت : جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم ، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر! فقال (عليه السلام) : إن ذلك تطوع ولنا أن نفعل ما شئنا. وهذا فرض وليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا » (3). وقريب منه مرسل ابن سهل (4).

لكن الجميع لا يخلو من خدش. إذ يكفي في المشروعية إطلاقات مشروعية ما قصده. والآية الشريفة ظاهرة في نفي وجوب صوم رمضان على المريض والمسافر ، لا مطلق الصوم. ولو سلم فظاهرها المنع من حيث


1) البقرة : 184.

2) مستدرك الوسائل باب : 9 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 2.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 5.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 4.

مع تخيل صحة الغير فيه ، ثمَّ علم بعدم الصحة ، وجدد نيته قبل الزوال لم يجزه أيضاً [1]. بل الأحوط عدم الاجزاء إذا كان جاهلا بعدم صحة غيره فيه ، وإن لم يقصد الغير أيضاً بل قصد الصوم في الغد مثلا. فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان [2]. كما أن الأحوط في المتوخي - أي : المحبوس


السفر والمرض ، لا من حيث زمان رمضان ، كما هو محل الكلام. وكذلك النبوي ، مع أنه أخص من المدعى ، ومقيد بما دل على مشروعية الصوم في السفر في الجملة ، كما هو المفروض في المقام. والمرسلان - مع أنهما أخص من المدعى أيضاً ، ويتضمنان جواز الصوم ندباً في السفر الذي هو محل الاشكال ، كما سيأتي إن شاء اللّه ، وأنهما لا يدلان إلا على المنع من صوم رمضان في السفر - ضعيفان.

ومن ذلك يمكن البناء على ما هو صريح المبسوط : من أن المسافر إذا نوى صوم التطوع ، أو النذر المعين ، أو صوماً واجباً آخر وقع عما نواه ، وعليه قضاء رمضان. لو لا ما عرفت من كون الحكم مظنة الإجماع وخلاف الشيخ غريب - كما هو في الجواهر - فلا يقدح في الإجماع. ولا سيما مع مخالفته له في بقية كتبه ، وعدم موافقة أصوله ، بل حكى الاتفاق غير واحد في غير المسافر. وهذا هو العمدة في المنع ، كما اعترف به في الجواهر. واللّه سبحانه أعلم.

[1] لاختصاص دليل الاجتزاء بالنية قبل الزوال بغير المقام ، فيتعين العمل فيه بالقواعد المقتضية للبطلان ، لما عرفت من وضوح عباديته ، فيجب وقوعه بتمامه عن نية التقرب.

[2] كما تقدم في نية رمضان. وكأن الوجه في تخصيص الاحتياط بالجاهل : دعوى كون نية العالم بعدم صحة الغير فيه راجعة إلى نية الخصوصية ،

الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظن - أيضاً ذلك ، أي : اعتبار قصد كونه من رمضان. بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوة [1].

( مسألة 1 ) : لا يشترط التعرض للأداء والقضاء ، ولا الوجوب والندب ، ولا سائر الأوصاف الشخصية [2] ، بل


كما أشرنا إليه سابقاً ، وعدم ثبوت ذلك في الجاهل.

هذا بناءً على كون عدم اعتبار التعيين في رمضان جارياً على القواعد ، أما لو كان على خلافها من جهة الإجماع ، فالوجه في التوقف في الجاهل : عدم ثبوت الإجماع فيه.

[1] حكي في المتوخي وجوه : ( أحدها ) : وجوب التعيين مطلقاً - كما عن البيان : أنه قوي - لأنه زمان لا يتعين فيه الصوم. ولأنه معرض للقضاء المعتبر فيه التعيين. ( ثانيها ) : عدم الوجوب ، لأن زمان الصوم كشهر رمضان غير معتبر فيه التعيين. ( ثالثها ) : التفصيل بين حصول الامارة الموجبة للظن بشهر رمضان فلا يجب ، لحجية الظن كالعلم ، وعدمه فيجب ، لعدم الطريق إلى ثبوت الشهر. والكلام فيه يعرف مما سبق في الجاهل. فتأمل جيداً.

[2] لأن الخصوصيات المذكورة مما لا دخل لها في تحقق العبادة والطاعة ، والأصل البراءة من وجوبها ، على ما هو التحقيق : من جريان البراءة في الشك في شرط الإطاعة كالشك في شرط المأمور به. مع أن الإطلاقات المقامية كافية في نفي وجوب مثل ذلك.

نعم يشكل ذلك في خصوصيتي الأداء والقضاء : من جهة أن الأداء هو الفعل في الوقت والقضاء هو الفعل خارج الوقت ، فيرجعان إلى قيود المأمور به ، فيجري عليهما ما يجري عليها ، من لزوم نيتها تفصيلا أو إجمالا.

لو نوى شيئاً منها في محل الآخر صح ، إلا إذا كان منافياً للتعيين. مثلا : إذا تعلق به الأمر الادائي فتخيل كونه قضائياً فإن قصد الأمر الفعلي المتعلق به واشتبه في التطبيق فقصده قضاء صح. وأما إذا لم يقصد الأمر الفعلي بل قصد الأمر القضائي بطل ، لأنه مناف للتعيين حينئذ [1]. وكذا يبطل إذا كان مغيراً للنوع ، كما إذا قصد الأمر الفعلي لكن بقيد كونه قضائياً مثلا ، أو بقيد كونه وجوبياً مثلا فبان كونه أدائياً ، أو كونه ندبياً ، فإنه حينئذ مغير للنوع ، ويرجع إلى عدم قصد الأمر الخاص.

( مسألة 2 ) : إذا قصد صوم اليوم الأول من شهر رمضان فبان أنه اليوم الثاني مثلا ، أو العكس ، صح [2]. وكذا لو قصد اليوم الأول من صوم الكفارة أو غيرها فبان الثاني - مثلا - أو العكس. وكذا إذا قصد قضاء رمضان السنة الحالية فبان أنه قضاء رمضان السنة السابقة وبالعكس.


[1] بل لعدم قصد الأمر الخاص - أعني : الأمر المتوجه اليه - كما سيذكر ، وإنما قصد أمراً وهمياً لا واقع له.

[2] لأنه جاء بالمأمور به عن أمره. وخصوصية اليوم الأول أو غيره ليست دخيلة في موضوع الأمر ، كي يكون عدم قصدها مانعاً من تحقق العبادية. وقصده اليوم الثاني أو الأول خطأ لا يمنع من تحقق الإطاعة ، فيلغى. وكذا الحال في الفرض الآتي. نعم إذا كان قصد خصوصية اليوم أو السنة راجعاً إلى تقييد الامتثال ، الموجب لعدم قصد خصوصية الأمر أو المأمور به بطل.

( مسألة 3 ) : لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل ، فلو نوى الإمساك عن أمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى [1].

( مسألة 4 ) : لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات ، ولكن تخيل أن المفطر الفلاني ليس بمفطر ، فان ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه [2]. وكذا إن لم يرتكبه ولكنه لاحظ في نيته الإمساك عما عداه [3]. وأما إن لم يلاحظ ذلك صح صومه في الأقوى [4].

( مسألة 5 ) : النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نية النيابة [5] وإن كان متحداً. نعم لو علم باشتغال


[1] هذا واضح إذا كان قد نوى التقرب بخصوص الإمساك عن المفطرات المعلومة إجمالا. ووجه الكفاية : تحقق الصوم منه متقرباً. أما لو نوى التقرب بالإمساك عن جميع الأمور التي يعلم أن فيها المفطر وغيره كان ذلك تشريعاً ، فتبتني الكفاية على عدم قدح التشريع في الصحة ، وإلا بطل.

[2] لاستعمال المفطر.

[3] وجه البطلان حينئذ : عدم التقرب بالإمساك عنه ، فيكون متقرباً ببعض الصوم لا بتمامه ، فلا يكون صومه بتمامه واقعاً على نحو العبادة. نعم إذا كانت نية الإمساك عما عداه مقارنة لنية الصوم المشروع ، مع الخطأ في تطبيقه على الإمساك عما عداه ، كانت الصحة في محلها.

[4] هذا يتم إذا لا حظ الإمساك عنه إجمالا ، كما هو المراد ظاهراً. أما لو لم يلاحظه ، بل لاحظ ما عداه مهملا ، تعين البطلان ، كما قبله.

[5] لأن كون الفعل لغيره المنوب عنه من الأمور القصدية ، فلا يكون بغير قصد.

ذمته بصوم ، ولا يعلم أنه له أو نيابة عن الغير ، يكفيه أن يقصد ما في الذمة [1].

( مسألة 6 ) : لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره [2] واجباً كان ذلك الغير أو ندباً. سواء كان مكلفاً بصومه أولا كالمسافر ونحوه. فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير سواء كان عالماً بأنه رمضان أو جاهلا ، وسواء كان عالماً بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلا. ولا يجزئ عن رمضان أيضاً إذا كان مكلفاً به مع العلم والعمد. نعم يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان ، كما مر. ولو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضاً لم يصح قضاء ، ولم يجز عن رمضان أيضاً مع العلم والعمد.

( مسألة 7 ) : إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزؤه نية الصوم بدون تعيين أنه للنذر [3] ، ولو إجمالا ، كما مر [4].


[1] لأنه يرجع إلى قصد النيابة على تقدير كونه نائباً ، وهذا المقدار يكفي في تحقق النيابة ، لتحقق التقدير.

[2] تقدم في أوائل الفصل الكلام في هذه المسألة.

[3] لا يخلو من إشكال ، لأن التعين مانع من صلاحية التعيين وعدمه لاختصاص الصلاحية لهما بغير المتعين القابل لكل من التعيين وعدمه. ولأجل ذلك حكم بالصحة في المسألة التاسعة.

[4] مر وجهه ، من أن مفاد النذر جعل المنذور ملكاً لله سبحانه ، فلا يمكن أداؤه إلا بنية أداء ما في الذمة. فلو بني على كون مفاد النذر مجرد الالتزام بالمنذور ، وأن مفاد دليل النفوذ وجوب ما التزم به ، فاذا

ولو نوى غيره ، فان كان مع الغفلة عن النذر صح [1] ، وإن كان مع العلم والعمد ففي صحته إشكال [2].


جاء به - ولو مع الغفلة عن النذر - سقط الأمر ، لحصول موضوعه ، لأنه توصلي ، وعنوان الوفاء ليس واجباً زائداً على وجوب المنذور. وتقدم أن الأول أظهر.

[1] لأن النذر لا يرفع ملاك مشروعية الصوم غير المنذور ، فاذا ثبت الملاك لا وجه للبطلان ، لكون المفروض الغفلة عن النذر ، المانعة من تحقق العصيان. هذا إذا نوى غير المنذور ، كما لو نذر الصوم ندباً فصام قضاء. أما لو نوى نفس المنذور غافلا عن النذر فالصحة أوضح ، وإن لم يكن وفاء بالنذر.

[2] أقول : بناءً على أن النذر لا يوجب حقاً في ذمة الناذر وإنما يقتضي وجوب المنذور فقط ، ففعل غير المنذور يكون من صغريات مسألة الضد ، فيبتني الفساد فيها على اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده ، فاذا منع من الاقتضاء المذكور - كما هو المحقق في محله - فلا مجال للإشكال في الصحة. أما بناء على أن النذر يوجب جهة وضعية - كما هو الظاهر - فلا يبعد أيضاً القول بالصحة. إذ الصوم غير المنذور ليس تصرفاً في الحق الحاصل بالنذر ، ليكون حراماً ، لحرمة التصرف في حق الغير كحرمة التصرف في ماله. وإنما هو ضد لأداء الحق الواجب ، فيجري عليه ما يجري على ضد الواجب من الصحة كما عرفت. نعم لو فرض كون مرجع النذر إلى نذر أن يشغل الزمان المعين في الصوم المنذور كان البطلان في محله ، لكون الصوم المأتي به تفويتاً لموضوع النذر فيحرم ، فيبطل. لكن هذا النحو خارج عن الفرض.

فان قلت : إذا كان النذر يقتضي ملكية اللّه سبحانه للصوم ، امتنع على الناذر جعله على خلاف مقتضى النذر ، لأنه تصرف في مال الغير.

( مسألة 8 ) : لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها وقضاء رمضان السنة الماضية ، لا يجب عليه تعيين أنه من أي منهما ، بل يكفيه نية الصوم قضاء [1]. وكذا إذا كان عليه نذران كل واحد يوم أو أزيد. وكذا إذا كان عليه كفارتان غير مختلفتين في الآثار.

( مسألة 9 ) : إذا نذر صوم يوم خميس معين ، ونذر


قلت : إنما يتم ذلك لو كان المملوك الصوم بما أنه من منافع الناذر الشخصية.

أما لو كان المملوك العمل في ذمة الناذر ، فهذا لا ينطبق على الصوم الخارجي إلا بالنية ، فلا مانع من التصرف فيه بجعله لغير المنذور له.

[1] هذا يتم لو لم يكن مائز بين القضاءين في الآثار ، مثل التضييق والتوسعة ، والكفارة وعدمها ، وإلا كشف ذلك عن التمايز بالقيود ، الموجب لاعتبار القصد ، كما أشرنا إليه سابقاً.

وأما ما ربما يقال : من وجوب تعيين ما يقضى من الأيام حتى ما كان لسنة واحدة ، فينوي اليوم الأول أو الثاني ، لتمايزهما بالخصوصيات ، فيجب ملاحظتها في القضاء الملحوظ به البدلية. ففيه : أنه يتم لو فرض كون خصوصية اليوم الأول أو الثاني ملحوظة في موضوع التكليف بالأداء. لكنه خلاف ظاهر الدليل المتضمن لوجوب صوم شهر رمضان من حيث أنه شهر رمضان كما لا يخفى.

ومن ذلك يظهر لك وجه عدم وجوب التعيين لو نذر صوم يوم إذا رزق ولد ، وصوم يوم آخر إذا شفي المريض ، فرزق ولداً ، وشفي مريضة ، لأن عدم التميز بينهما مانع من إمكان التعيين ، فضلا عن وجوبه. وكذا الحال في صورة تعدد الكفارات المتفقة ، كما لو ترك صوم اليومين المنذورين في الفرض المذكور.

صوم يوم معين من شهر معين ، فاتفق في ذلك الخميس المعين يكفيه صومه [1] ، ويسقط النذران. فان قصدهما أثيب عليهما [2] وإن قصد أحدهما أثيب عليه ، وسقط عنه الآخر.

( مسألة 10 ) : إذا نذر صوم يوم معين ، فاتفق ذلك اليوم في أيام البيض مثلا ، فان قصد وفاء النذر وصوم أيام البيض أثيب عليهما ، وإن قصد النذر فقط أثيب عليه فقط ، وسقط الآخر. ولا يجوز أن يقصد أيام البيض دون وفاء النذر [3].


[1] إن كان العنوان المأخوذ في كل من النذرين ملحوظاً مرآة للزمان المعين ، كان النذر الأول صحيحاً ، والثاني لغواً باطلا ، ووجب عليه الصوم بقصد الوفاء وأداء ما في ذمته. وإن كان ملحوظاً موضوعاً لكونه موضوعاً للاستحباب الشرعي ، كما لو نذر صوم آخر خميس في ذي القعدة ويوم دحو الأرض ، فاتفقا يوماً واحداً ، صح النذران معاً ، ووجب قصدهما معا فلو قصد أحدهما دون الآخر وفي بأحدهما دون الآخر. وفي ثبوت الكفارة حينئذ إشكال ، لاختصاص أدلتها بالحنث غير الصادق في المقام. إلا أن يقال : الحنث مجرد عدم موافقة النذر ، وهو حاصل.

[2] لما كان يعتبر في المنذور أن يكون راجحاً ، فالمقصود امتثاله وإطاعته بفعل المنذور هو الرجحان الثابت فيه مع قطع النظر عن الأمر بالوفاء بالنذر. والثواب إنما يكون على إطاعة الأمر الذاتي المذكور ، لا الأمر العرضي الناشئ من النذر ، كما يظهر من العبارة. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما يظهر من عبارته في المسألة الآتية. فتأمل جيداً.

[3] لما تقدم : من وجوب قصد الوفاء في النذر.

( مسألة 11 ) : إذا تعدد في يوم واحد جهات من الوجوب ، أو جهات من الاستحباب ، أو من الأمرين ، فقصد الجميع ، أثيب على الجميع. وإن قصد البعض دون البعض أثيب على المنوي ، وسقط الأمر بالنسبة إلى البقية [1].

( مسألة 12 ) : آخر وقت النية في الواجب المعين رمضاناً كان أو غيره - عند طلوع الفجر الصادق [2].


[1] يعني : إذا كان مضيقاً. للعجز المسقط للتكليف.

[2] لوضوح كون الصوم من العبادات المعتبر وقوعها بتمامها عن نية الامتثال ، فلو تأخرت النية عن طلوع الفجر - الذي هو أول وقته - يلزم وقوع بعضه بلا نية ، فيبطل. لكن المحكي عن السيد (رحمه اللّه) : جواز التأخير عمداً الى الزوال. بل ظاهر ابن الجنيد : جواز التأخير إلى ما قبل الغروب. وحينئذ يكون ذلك منهم خلافاً في وجوب وقوع الصوم بتمامه عبادة. فان لم ينعقد الإجماع على خلافهم كان مقتضى الأصل جواز التأخير اختياراً. ولا سيما بملاحظة ما تقدم : من أن نية الصوم ليست مقومة لعباديته ، لعدم اعتبار وقوعه على وجه العبادة ، وإنما يعتبر وقوعه في حال كون المكلف عازماً عن داعي الأمر على الإمساك على تقدير وجود المقتضي لاستعمال المفطر ، فاذا لم يقم دليل على وجوب العزم في أوله - من إجماع أو غيره - فالمرجع أصل البراءة.

لكن الإنصاف أن ارتكاز عباديته عند المتشرعة مما يوهن الخلاف المذكور جداً ، فلا مجال لرفع اليد عن الإجماع عليه ممن عداهما. بل الظاهر أن الوجه في خلافهما : النصوص الآتية في غير المعين وفي المندوب. ولأجل عدم شمول تلك النصوص للواجب المعين كان العمل على المشهور متعيناً.

وأما ما عن ابن أبي عقيل : من لزوم تقديمها من الليل. فلو سلم

ويجوز التقديم في أي جزء من أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه [1]. ومع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعين


ظهوره في المخالفة ، وامتنع حمله على ارادة وقوع الصوم عن نية ، أو أنه من باب الاحتياط ، أو لعدم القدرة على إيقاعها حدوثاً في الجزء الأول من النهار ، فلا دليل عليه إلا ما قد يظهر من النبوي المشهور : « لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل » (1)ونحوه خبران آخران. لكن يتعين حملها على ما ذكر ، للإجماع على عدم اعتبار شي‌ء في الصوم أكثر من كونه عبادة.

[1] كما هو المعروف ، بل لعله إجماع. وما عن السيد (رحمه اللّه) : من أن وقتها قبل الفجر غير ظاهر في المخالفة. مع أنه لو سلم كونه ظاهراً في التوقيت بآخر الليل ، فلازمه الالتزام ببطلان صوم النائم قبل الفجر إذا كان قد نوى الصوم أول الليل ، وهو كما ترى. نعم ظاهرهم : عدم الاكتفاء بإيقاعها قبل الليل. وقد يشهد به النبوي المشهور المتقدم. لكن لا يبعد ظهور كون الحصر فيه إضافياً ، أي بالإضافة إلى النهار.

ويمكن أن يستدل له : بأنه القدر المتيقن في الخروج عن قاعدة اعتبار المقارنة للنية في العبادات. وفيه : أن قاعدة المقارنة إن تمت هنا لا تقبل التخصيص ، فلا بد من حمل الدليل الوارد على خلافها على إخراج المورد عن العبارة ، فالمتعين الرجوع إلى الأصل ، وهو يقتضي نفي التوقيت. لكن الذي يهوّن الخطب أن ذلك كله مبني على كون النية المعتبرة في العبادات الاخطار ، أعني : الإرادة التفصيلية. أما على ما هو التحقيق : من أنها عبارة عن الداعي - أعني : ما يعم الإرادة الإجمالية الارتكازية - فلا تقديم


1) مستدرك الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 1 وملحقة. وفي كنز العمال ج 4 صفحة 303 حديث :6105 - 6109.

الآخر ، يجوز متى تذكر إلى ما قبل الزوال [1] إذا لم يأت


ولا وقت لها إلا وقت العمل.

[1] إجماعاً ، كما عن صريح الغنية ، وظاهر المعتبر ، والمنتهى ، والتذكرة ويشهد له : ما ورد في المسافر إذا حضر قبل الزوال (1)، وحديث رفع النسيان وما لا يعلمون (2)والمرسل : « إن ليلة الشك أصبح الناس ، فجاء أعرابي فشهد برؤية الهلال ، فأمر (صلی اللّه عليه وآله) منادياً ينادي : من لم يأكل فليصم ، ومن أكل فليمسك » (3). ومورده وان كان الجهل ، إلا أنه تمكن دعوى ظهوره في مطلق العذر.

والجميع لا يخلو من خدش. إذ التعدي عما ورد في المسافر يتوقف على إحراز المناط ، وهو غير حاصل. وحديث الرفع لا يصلح لتصحيح الناقص ، ولعدم لزوم التدارك. ولا سيما فيما كان شرطاً للاطاعة. فتأمل. والمرسل - مع ضعفه بالإرسال ، وكونه عامياً ، وتضمنه قبول شهادة الواحد في الهلال ، ولا سيما من كان من الأعراب. فتأمل - مختص بالجاهل ، وبشهر رمضان ، فالتعدي منهما إلى النسيان والصوم المعين غير ظاهر. مع أنه لا يدل على بقاء الوقت إلى الزوال. فالعمدة إذاً : الإجماع. ولا يقدح فيه خلاف العماني ، حيث ألحق الناسي بالعامد في البطلان ، لكثرة تفرده في مخالفة الأصحاب. مع عدم ثبوت خلافه في المقام ، كما قيل.

ثمَّ إن ظاهر غير واحد : اختصاص الإجماع بالمعين ، من دون فرق بين رمضان ، والنذر المعين ، والمطلق المضيق ، والقضاء المضيق. كما


1) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح الصوم منه.

2) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

3) لاحظ المعتبر مسألة : وقت النية في الصوم. وقريب منه حديث عكرمة عن ابن عباس ، كما في المبسوط للسرخسي ج 3 صفحة 62.

بمفطر ، وأجزأه عن ذلك اليوم ، ولا يجزؤه إذا تذكر بعد الزوال [1]. وأما في الواجب غير المعين فيمتد وقتها اختياراً من أول الليل إلى الزوال [2] ،


أنه لا فرق في العذر بين الجهل والنسيان للموضوع والحكم. وأما احتمال الرجوع في المعين إلى بعض النصوص الآتية في غير المعين ، بدعوى عمومه للمعين. فضعيف - كما عرفت - لقصوره عن شمول المعين جزماً ، كما يظهر من التعبير في السؤال والجواب فيها. فانتظر.

[1] والعمدة فيه : الإجماع المدعى. مضافاً إلى أنه مقتضى أصالة العبادية في الصوم ، المقتصر في الخروج عنها على ما قبل الزوال ، كما عرفت. وأما النصوص الآتية المفصلة بين ما قبل الزوال وما بعده ، فعلى تقدير وجوب الأخذ بظاهرها ، قد عرفت اختصاصها بغير المعين ، ولا تشمل المقام.

[2] بلا خلاف معتد به ، وعن المدارك : انه مما قطع به الأصحاب. ففي صحيح ابن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) : « في الرجل يبدو له - بعد ما يصبح ويرتفع النهار - في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ولم يكن نوى ذلك من الليل. قال (عليه السلام) : نعم ، ليصمه ، وليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئاً » (1). وفي مصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « إن رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار أيصوم؟ فقال (عليه السلام) : نعم » (2)وفي خبر صالح بن عبد اللّه عن أبي إبراهيم (عليه السلام) : « رجل جعل لله تعالى عليه الصيام شهراً ، فيصبح وهو ينوي الصوم ، ثمَّ يبدو له فيفطر ويصبح وهو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم. فقال : هذا كله جائز » (3). وخبر محمد بن قيس


1) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 2.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 1.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 4.

دون ما بعده على الأصح [1]. ولا فرق في ذلك بين سبق


عن أبي جعفر (عليه السلام). « قال علي (عليه السلام) : إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياماً ، ثمَّ ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاماً ، أو يشرب شراباً ولم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر » (1). وموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل يكون عليه من أيام شهر رمضان ، ويريد أن يقضيها ، متى ينوي الصيام؟ قال (عليه السلام) : هو بالخيار إلى أن تزول الشمس ، فاذا زالت الشمس ، فان كان نوى الصوم فليصم ، وإن كان نوى الإفطار فليفطر. سئل : فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال (عليه السلام) : لا » (2).

واختصاص البعض بقضاء شهر رمضان أو النذر ، لا يقدح في عموم الحكم لغيرهما من أفراد غير المعين ، للإجماع على عدم الفصل. مضافاً إلى إطلاق البعض الآخر. كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين تضيق الوقت وعدمه ، فالتعيين بضيق الوقت بمنزلة عدمه.

[1] للموثق المتقدم ، بضميمة عدم القول بالفصل. وعن ظاهر ابن الجنيد : جواز تجديد النية بعده. ويشهد له - مضافاً إلى إطلاق بعض النصوص المتقدمة - : صحيح ابن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) : « عن الرجل يصبح ولم يطعم ، ولم يشرب ، ولم ينو صوماً ، وكان عليه يوم من شهر رمضان ، أله أن يصوم ذلك وقد ذهب عامة النهار؟ فقال (عليه السلام) : نعم له أن يصومه ويعتد به من شهر رمضان » (3)، ومرسل البزنطي عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الرجل يكون عليه القضاء من شهر


1) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 5.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 10.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 6.

التردد ، أو العزم على العدم [1]. وأما في المندوب فيمتد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الأقوى [2].


رمضان ، ويصبح فلا يأكل إلى العصر ، أيجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال (عليه السلام) : نعم » (1)، وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت له الرجل يصبح ولا ينوي الصوم ، فاذا تعالى النهار وحدث له رأي في الصوم ، فقال (عليه السلام) : إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه ، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى » (2).

هذا ولا ريب أن مقتضى الجمع بينها وبين الموثق حمله على استحباب الإفطار واستئناف القضاء ، كما يومئ إليه الصحيح الأخير. لكن : لا مجال له بعد إعراض المشهور عنها ، بل ظاهر السيد (رحمه اللّه) : الإجماع على خلافها. فيتعين العمل بظاهره ، مع اعتضاده بإطلاق خبر ابن بكير الآتي.

[1] كما صرح به في بعضها.

[2] كما عن الصدوق في الفقيه ، والشيخ ، والإسكافي ، وابني زهرة وحمزة ، والحلي ، والمنتهى ، والتحرير ، والمختلف ، والدروس ، والروضة وعن الانتصار والسرائر : الإجماع عليه. لموثق أبي بصير : « عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة. قال (عليه السلام) : هو بالخيار ما بينه وبين العصر. وإن مكث حتى العصر ، ثمَّ بدا له أن يصوم ، فان لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء » (3)، وإطلاق صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول :


1) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 9.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 8.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 1.

( مسألة 13 ) : لو نوى الصوم ليلا ، ثمَّ نوى الإفطار ثمَّ بدا له الصوم قبل الزوال فنوى وصام قبل أن يأتي بمفطر صح على الأقوى [1] ، إلا أن يفسد صومه برياء ونحوه ،


عندكم شي‌ء وإلا صمت ، فان كان عندهم شي‌ء أتوا به. وإلا صام » (1)وإطلاق خبر محمد بن قيس المتقدم (2)وغيره.

وعن جماعة : العدم. وعن الذخيرة : نسبته إلى الأكثر وعن المسالك والمدارك : أنه المشهور. للأصل ، وخبر ابن بكير : « عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ، ثمَّ أراد الصيام بعد ما اغتسل ، ومضى ما مضى من النهار قال (عليه السلام) : يصوم إن شاء. وهو بالخيار إلى نصف النهار » (3). لكن الخبر لا يصلح لمعارضة ما سبق ، لإمكان حمله على خصوص الصوم الواجب أو على الفضل ، حسبما يقتضيه الجمع العرفي بينها.

[1] كما هو المشهور ، كما عن المدارك والحدائق. إذ احتمال قدح نية الإفطار من حيث هي مما يقطع بخلافه. بل ينفيه : ما دل على حصر النواقض في غيرها ، فلم يبق إلا احتمال البطلان من جهة منافاته لنية الصوم فاذا تمت دلالة النصوص السابقة على عدم اعتبار النية قبل الزوال كان الاحتمال المذكور ساقطاً أيضاً.

ومنه يظهر : أنه لا حاجة إلى الاستدلال على الصحة : بأن المعتبر في صحة الصوم النية عند انعقاده لا استمرارها. مع أنه غير ظاهر ، لمخالفته لمرتكزات المتشرعة في عامة العبادات. وأيضاً يشكل : بأنه إن تمَّ الدليل على اعتبارها في انعقاده فلا يبعد إمكان إثبات اعتبار استمرارها بالاستصحاب.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 7.

2) تقدم ذلك قريباً.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

فإنه لا يجزؤه لو أراد التجديد قبل الزوال على الأحوط [1].


مع أن بعض الأدلة المستدل بها على الاعتبار لا فرق فيها بين الأول وما بعده. فلاحظ.

وعن الحلبي ، والإرشاد ، وشرحه للفخر ، والشهيد في الدروس والبيان ، وحاشية القواعد - وكذا عن المسالك وغيرها - : البطلان ، واختاره في الجواهر. لأنه مع فوات النية يبطل الصوم في ذلك الزمان ، فيبطل بتمامه ، لأنه لا يتبعض. وضعفه ظاهر مما مر. نعم يتم ذلك في الواجب المعين الذي لا يجوز ترك النية فيه اختياراً ، وكذا في غير المعين بعد الزوال ، كما هو ظاهر.

هذا ولكن المحكي عن المختلف : أنه لا فرق في قدح نية الإفطار وعدمه بين ما قبل الزوال وما بعده. وهو غير ظاهر بناء على ما عرفت من وجه القول بالصحة. نعم بناء على أن الوجه فيها عدم اعتبار النية إلا في انعقاد الصوم - كما يقتضيه الاقتصار على النبوي المتقدم (1)- كان لما ذكره وجه.

[1] لاحتمال ظهور نصوص حرمة الرياء في كونه مبطلا له ، لا من جهة منافاته للتقرب المعتبر في العبادة ، كي يتوجه القول بالصحة في المقام - كما عن بعض - لعدم اعتبار التقرب بالإمساك الخارجي ، كما عرفت. بل لأنه إذا كان الفعل المأتي به رياء مبعداً امتنع أن يكون مقرباً. ولا ينافيه ما سبق : من عدم كون عبادية الصوم فعلية ، لأن ذلك بالإضافة إلى العبادية العقلية ، لا بالإضافة إلى الأدلة الشرعية ، المتضمنة لترتب الثواب عليه ، وأنه جنة من النار. فلاحظ.


1) راجع أول المسألة : 12 من هذا الفصل.

( مسألة 14 ) : إذا نوى الصوم ليلا لا يضره الإتيان بالمفطر بعده قبل الفجر [1] ، مع بقاء العزم على الصوم.

( مسألة 15 ) : يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكل يوم نية على حدة [2]. والأولى : أن ينوي صوم الشهر جملة ويجدد النية لكل يوم [3]. ويقوى الاجتزاء بنية واحدة للشهر كله [4]. لكن لا يترك الاحتياط بتجديدها لكل يوم. وأما في غير شهر رمضان من الصوم المعين فلا بد من نيته لكل


[1] لعدم منافاته للنية ، ولا للمنوي. وعن البيان : الجزم بعدم جواز التناول ، والتردد في جواز ما يبطل الغسل. وهو - كما ترى - دعوى خالية عن الدليل ، كما عن المدارك. أو على خلافها الدليل ، كما في الجواهر.

[2] كما هو ظاهر الأصحاب. وعن المنتهى : الإجماع عليه. لكن عن الشهيد الثاني أنه استشكل فيه ، بناء على عدم جواز تفريق النية على أجزاء العبادة الواحدة. وفيه : أنه لا مجال لاحتمال ذلك ، لتعدد الثواب والعقاب ، والكفارة ، وإمكان التفكيك بين الأيام في الطاعة والمعصية ، فإن ذلك كله من لوازم تعدد العبادة.

[3] جمعاً بين ما ذكرنا وما ذكره الشهيد.

[4] إجماعاً ، كما عن السيدين ، والشيخ في الخلاف. واستدل له : بأن صوم الشهر كله عبادة واحدة. لكن عرفت ما فيه ، فان تمَّ إجماع ، وإلا كفى في جواز ذلك أصالة البراءة من لزوم إيقاعها لكل يوم في ليلته ولأجله يظهر ضعف ما عن المختلف ، وجامع المقاصد وغيرهما - بل عن الحدائق : نسبته إلى المشهور بين المتأخرين - : من وجوب ذلك. نعم قد

يوم [1] إذا كان عليه أيام ، كشهر أو أقل أو أكثر.

( مسألة 16 ) : يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان يبني على أنه من شعبان ، فلا يجب صومه [2]. وإن صام ينويه ندباً [3] ،


يقتضيه ظاهر النبوي المتقدم ، المتضمن وجوب تبييت النية (1). لكنه - على تقدير حجيته ، وعدم قدح تخصيص الأكثر فيه ، لخروج غير الواجب المعين ، بل الواجب المعين في غير العمد ، ولا إعراض القدماء عنه - قد عرفت أنه لا يبعد حمله على عدم جواز انعقاده بلا نية.

ثمَّ إن هذا الخلاف جار على ما هو المشهور من كون النية الاخطار. أما بناء على أنها الداعي فلا مجال للخلاف المذكور ، لأنه إن تحقق الداعي حال الصوم صح وإن حدث قبل أشهر ، وإن لم يتحقق لم يجد الاخطار في الليل ، فضلا عن أول الشهر.

[1] وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده ، بل في الدروس : الإجماع عليه ». أقول : عرفت المراد بالنية. وعليه فلا فرق بين رمضان وغيره إلا أن يكون إجماع على الفرق المذكور.

[2] بلا خلاف ولا اشكال. ويكفي فيه الأصل. مع استفاضة النصوص بذلك ، بل دلالة بعضها على المنع عن صومه.

[3] فان الظاهر أنه لا إشكال في مشروعية صومه في الجملة ، بل عن صريح جماعة وظاهر الآخرين : الإجماع عليه وتدل عليه النصوص الكثيرة ، المتضمنة أنه يصام على أنه من شعبان ، ففي موثق سماعة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) .. إلى أن قال (عليه السلام) : إنما يصام يوم الشك


1) راجع أول المسألة : 12 من هذا الفصل.

أو قضاء [1] ، أو غيرهما. ولو بان بعد ذلك أنه من رمضان أجزأ عنه [2] ،


من شعبان ، ولا يصومه من شهر رمضان » (1). وأما ما تضمن النهي عن صومه ، كخبر الأعشى عن الصادق (عليه السلام) : « نهى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) عن صوم ستة أيام : العيدين ، والتشريق ، والذي يشك فيه من رمضان .. » (2)- ونحوه غيره - فمحمول على صيامه على أنه من شهر رمضان ، جمعاً بينه وبين مثل موثق سماعة.

وربما حمل على الكراهة ، كما عن المفيد. وهو غير ظاهر بعد تضمن النصوص الأمر بصومه على أنه من شعبان. نعم لا يبعد ذلك في خبر عبد الكريم بن عمرو. قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم ، فقال (عليه السلام) : لا تصم في السفر ، ولا العيدين ، ولا أيام التشريق ، ولا اليوم الذي يشك فيه » (3). لكن يتعين تخصيصه بمورده لا غير.

[1] لإطلاق نصوصه ، إذ صومه على أنه من شعبان كما يمكن أن يكون بنية الندب يمكن أن يكون بنية القضاء. اللّهم إلا أن يدعى : أن المنصرف من صومه على أنه من شعبان صومه بنية صوم شعبان المندوب لا غير. لكنه ليس بنحو يعتد به. مع أنه يمكن التعدي عن مورده في نظر العرف.

نعم لو لم يتم هذا فالوجه في جواز الجميع - مضافاً إلى ظهور الاتفاق - : إطلاق أدلة مشروعيتها.

[2] إجماعاً مستفيض النقل أو متواتراً ، كالنصوص. بل في كثير


1) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 4.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 2.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 3.

ووجب عليه تجديد النية إن بان في أثناء النهار [1] ، ولو كان بعد الزوال. ولو صامه بنية أنه من رمضان لم يصح وإن صادف الواقع [2].


منها : أنه يوم وفق له ، وأنه يجزئ بما وسع اللّه تعالى على عباده ، ونحو ذلك (1).

ثمَّ إن تمَّ وفاء نصوص يوم الشك بمشروعية كل صوم تمت دلالتها أيضاً على الاجزاء ، وإن لم يتم كما أشرنا إليه - فإلحاق غير صوم شعبان به في الاجتزاء محتاج إلى دعوى الإجماع على عدم الفصل ، أو دعوى الأولوية. وأما التعليل في رواية الزهري : بأن الفرض وقع على اليوم بعينه ، فمقتضاه الاجزاء ولو مع العلم ، مع أنه فيها قد نفى الاجزاء معه ، كما أشرنا الى ذلك آنفاً.

[1] لقصور النصوص عن صورة الانكشاف في الأثناء ، فإلحاقها إنما كان بالإجماع ، أو الأولوية ، والمتيقن منهما صورة التجديد. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر : من عدم وجوب التجديد. ومن أن إطلاق النص والفتوى يقتضي الاجتزاء ولو مع عدم تجديد النية. نعم قد يوهم تعليل الاجزاء في رواية الزهري الاجتزاء مطلقاً. لكنه ينافيه الحكم بعدم الاجزاء في صورة العلم ، كما سبق.

[2] كما هو المشهور ، كما في الجواهر. للأخبار المتضمن بعضها للنهي عن صومه كذلك ، الظاهر في الحرمة التكليفية المقتضية للبطلان ، مثل موثق سماعة المتقدم (2)- ونحوه روايتا الزهري (3)- والمصرح بعضها بلزوم


1) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته.

2) تقدم ذلك قريباً.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 8 ، وباب : 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 4.

( مسألة 17 ) : صوم يوم الشك يتصور على وجوه : الأول : أن يصوم على أنه من شعبان. وهذا لا إشكال فيه ،


قضائه ، كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) في يوم الشك : من صامه قضاه وإن كان كذلك - يعني : من صامه على أنه من شهر رمضان قضاه وإن كان من شهر رمضان - لأن السنة جاءت في صيامه على أنه من شعبان ، ومن خالفها كان عليه القضاء » (1). واحتمال أن قوله « يعني .. » من كلام الشيخ أو بعض الرواة لا يقدح في الاستدلال به ، لأن ما قبله كاف في الدلالة ، لأن قوله (عليه السلام) : « وإن كان كذلك » إنما يصح إذا أريد أن صيامه كان بنية رمضان ، إذ لو أريد غيره لم يكن لقوله (عليه السلام) : « وإن كان كذلك » معنى. فتأمل.

نعم لا يتم ذلك في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. فقال (عليه السلام) : عليه قضاؤه وإن كان كذلك » (2)، بناء على أن قوله : « من رمضان » متعلق بقوله : « يشك » لا بقوله : « يصوم ». لكن لا بد حينئذ من حمله - كغيره من المطلقات - على ما ذكر ، جمعاً كما أشرنا إليه سابقاً.

هذا وعن الشيخ في البيان ، والعماني ، والإسكافي : إجزاؤه عن رمضان. وعن الشيخ : الاستدلال له بإجماع الفرقة وأخبارهم على أنه من صام يوم الشك أجزأه عن صيام شهر رمضان. ( انتهى ). وهو كما ترى. إذ الإجماع معلوم الانتفاء. والنصوص قد عرفت مفادها. نعم في موثق سماعة : « قال سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان ، لا يدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان ، فصامه فكان من شهر رمضان. قال (عليه السلام) :


1) الوسائل باب : 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 5.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 1.

سواء نواه ندباً ، أو بنية ما عليه من القضاء أو النذر ، أو نحو ذلك. ولو انكشف بعد ذلك أنه كان من رمضان أجزأ عنه ، وحسب كذلك.

الثاني : أن يصومه بنية أنه من رمضان. والأقوى بطلانه وإن صادف الواقع.

الثالث : أن يصومه على أنه إن كان من شعبان كان ندباً أو قضاء مثلا ، وإن كان من رمضان كان واجباً. والأقوى بطلانه أيضاً [1].


هو يوم وفق له ولا قضاء عليه » (1)ومصحح معاوية بن وهب قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان ، فيكون كذلك ، فقال (عليه السلام) : هو شي‌ء وفق له » (2).

لكن عن الكافي رواية الأول هكذا : « فصامه ، فكان من شهر .. ». وهو - مع أنه أضبط - يتعين الاعتماد عليه في المقام ، لعدم مناسبته للذيل على رواية الشيخ (3). وأما المصحح فان لم يكن الظاهر تعلق « من شهر رمضان » ب- « يشك » لأنه أقرب ، يتعين الحمل عليه ، جمعاً. مع أنه لو فرض تعذر الجمع بذلك ، تعين الطرح ، لإعراض المشهور. ولشهرة الرواية الدالة على البطلان.

[1] كما عن الشيخ (رحمه اللّه) في جملة من كتبه ، والحلي ، والمحقق ، وصاحب المدارك ، وأكثر المتأخرين ، بل عن التذكرة : « لو نوى أنه يصوم عن


1) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 6.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 5.

3) في رواية الشيخ (رحمه اللّه) : « فصامه من شهر رمضان .. » لاحظ التهذيب ج 4 ص 181 طبع النجف ، الاستبصار ج 2 صفحة 78 طبع النجف الأشرف.


رمضان أو نافلة ، لم يجز إجماعاً ». لأنه لم ينو أحد السببين قطعاً ، والنية فاصلة بين الوجهين ، كما عن الشيخ. أو لما يستفاد من النصوص : من تعين نيته من شعبان ، فنيته على خلاف ذلك تشريع محرم ، فلا يتحقق به الامتثال ، كما عن المدارك. أو لأن حقيقة صوم رمضان غير حقيقة غيره كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما ، فإذا لم تعين حقيقة أحدهما فالنية - التي حقيقتها استحضار حقيقة الفعل المأمور به - لم يقع عن أحدهما ، كما ذكر شيخنا الأعظم (رحمه اللّه).

لكن الجميع لا يخلو من إشكال : أما الأول : فلأن الواقع لما لم يخل عن أحد التقديرين ، فنية كل على تقدير بعينه ترجع إلى نية كونه من شعبان لا غير إذا انكشف أنه من شعبان أو من رمضان لا غير إذا انكشف أنه من رمضان ، فالفاصل بين الوجهين محقق حينئذ. نعم لا جزم بالمنوي حال النية. إلا أنه لا دليل على قدحه في العبادة حتى مع إمكان الموافقة التفصيلية الظاهرية ، كما هو محقق في الأصول ، وأشرنا إلى وجهه في أوائل مسائل التقليد من هذا الشرح.

وأما الثاني : فلان الظاهر من الحصر في بعض النصوص كونه ظاهرياً إضافياً بلحاظ نيته من رمضان ، فلا يمنع من العمل على الواقع ، فالمرجع في الفرض لا بد أن يكون القواعد الأولية ، المقتضية للصحة ، وتشير إليها بعض النصوص ، كحسن بشير النبال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن صوم يوم الشك. فقال (عليه السلام) : صمه فإن يك من شعبان كان تطوعاً ، وإن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له » (1). وفي حسن الكاهلي : « قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان. قال (عليه السلام) : لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من


1) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 3.

الرابع : أن يصومه بنية القربة المطلقة ، بقصد ما في الذمة ، وكان في ذهنه أنه إما من رمضان أو غيره ، بأن يكون الترديد في المنوي لا في نيته ، فالأقوى صحته [1]. وإن كان الأحوط خلافه.


شهر رمضان » (1). ونحوه خبر الزهري (2).

وأما الثالث : فيظهر اندفاعه مما ذكر في الاشكال في الأول ، لرجوعه اليه. ومن هنا يظهر : أن الأقوى الصحة ، كما عن الخلاف ، والمبسوط. والوسيلة ، والمختلف ، والدروس ، وظاهر البيان وغيرها.

[1] لتحقق النية إلى الصوم المشروع واقعاً عن أمره ، وإنما التردد في عنوانه. أقوال : لم يتضح الفرق بين هذه الصورة وما قبلها. إذ المراد من القربة المطلقة إن كان هو الجامع بين الأمر بصوم شعبان والأمر بصوم رمضان ، فنيتها غير كافية ، لاعتبار ملاحظة الخصوصيات في الأمر والمأمور به في باب العبادات ، لتوقف الإطاعة عليها. وإن كان المراد الأمر الخاص وموضوعه الخاص بواقعهما ، مع التردد في خصوصياتهما في نظر المكلف ، بأن يقصد المكلف الصوم الخاص عن أمره الذي هو إما رمضان وجوباً أو شعبان ندباً ، رجع إلى الصورة السابقة بعينها. فلا وجه للفرق بينهما في


1) الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 1.

2) لم نعثر على رواية للزهري بمضمون حسن الكاهلي الراجع إلى إهمال كيفية النية لينفع فيما نحن فيه وانما الذي عثرنا عليه روايتين له ، أحدهما : ظاهرة في صوم يوم الشك تطوعاً ، وهي التي رواها في الوسائل باب : 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 8. والأخرى ظاهرة في صومه بعنوان شعبان ، والنهي عن صومه بنية رمضان ، وهي المروية في الوسائل باب : 6 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 4.

( مسألة 18 ) : لو أصبح يوم الشك بنية الإفطار ، ثمَّ بان له أنه من الشهر. فان تناول المفطر وجب عليه القضاء ، وأمسك بقية النهار وجوباً [1] تأدباً. وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال [2]. وإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر ،


الصحة والبطلان ، كما يظهر بأقل تأمل.

وأما ما قد يظهر من المتن : من كون السابقة من الترديد في النية ، واللاحقة من الترديد في المنوي ، فلا يرجع إلى محصل ظاهر ، وإن ذكره في نجاة العباد أيضاً. إذ الترديد في النية في مقابل الجزم بها ، وليس هنا كذلك ، للجزم بنية الصوم على كل تقدير. نعم لو نوى صومه من رمضان إن كان كذلك ، ولم ينو صومه من شعبان ، كان ترديداً في النية. ومع ذلك فلا دليل أيضاً على قدح مثله ، كالترديد في المنوي. إلا إذا كان موجباً لإبهامه وعدم تعينه واقعاً ، كما لو قصد أن يصوم يوم الشك إما من شعبان أو رمضان ، بلا تعليق على تقدير معين واقعاً. لكنه خارج عن الصورتين معاً.

كما أنه مما ذكرنا يظهر لك ضعف ما يظهر من إطلاق بعض الفتاوى : من البطلان أيضاً في الفرض. فتأمل جيداً.

[1] إجماعاً ، كما عن الخلاف. بل عن المنتهى ، والذكرى : « لا نعلم أحداً قال بأنه يأكل بقية يومه ، إلا عطا وأحمد في رواية ». ويشهد به : النبوي الوارد في ثبوت الهلال يوم الشك : « من أكل فليمسك » (1). ولعل هذا المقدار كاف في إثبات الوجود المذكور ، ولا سيما بملاحظة ما ورد في حرمة استعمال المفطر ممن وظيفته الصوم. وأيضاً الظاهر أن حكمه في الكفارة حكم من استعمل المفطر بعد الإفطار ، كما سيأتي.

[2] لما عرفت من انتهاء وقت النية في مثله بالزوال.


1) تقدم ذلك في المسألة : 12 من هذا الفصل.

جدد النية وأجزأ عنه [1].

( مسألة 19 ) : لو صام يوم الشك بنية أنه من شعبان - ندباً أو قضاء أو نحوهما - ثمَّ تناول المفطر نسياناً ، وتبين بعده أنه من رمضان ، أجزأ عنه أيضاً ، ولا يضره تناول المفطر نسياناً [2] ، كما لو لم يتبين ، وكما لو تناول المفطر نسياناً بعد التبين.

( مسألة 20 ) : لو صام بنية شعبان ، ثمَّ أفسد صومه - برياء ونحوه لم يجزه عن رمضان [3] وإن تبين له كونه منه قبل الزوال.

( مسألة 21 ) : إذا صام يوم الشك بنية شعبان ، ثمَّ نوى الإفطار ، وتبين كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر ، فنوى ، صح صومه [4]. وأما إن نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصياناً ، ثمَّ تاب فجدد النية قبل الزوال لم ينعقد صومه [5]. وكذا لو صام يوم الشك بقصد واجب معين ، ثمَّ نوى الإفطار عصياناً. ثمَّ تاب فجدد النية ، بعد تبين كونه من رمضان ، قبل الزوال [6].


[1] كما تقدم في المسألة الثانية عشرة.

[2] لما سيأتي : من عدم قدح ذلك في الصوم.

[3] لبطلانه بالرياء المفسد ، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الثالثة عشرة

[4] كما لو لم يكن قد نوى الصوم أصلا.

[5] لفوات النية عمداً ، الموجب للبطلان في الواجب المعين ، على ما سبق.

[6] يمكن القول بالصحة ، لأن نية الإفطار إنما كانت تجرياً محضاً ،

( مسألة 22 ) : لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين بطل صومه [1] ، سواء نواهما من حينه ، أو


لعدم صحة الصوم الذي نواه من أول الأمر ، لما تقدم : من أنه لا يصح في رمضان غيره. فاذا جدد النية بعد تبين أن اليوم من رمضان ، يكون كما لو أصبح بنية الإفطار ثمَّ تبين قبل الزوال كون اليوم من رمضان ، الذي تقدم في المسألة الثامنة : أنه يجدد النية بعد التبين قبل الزوال ، ويصح صومه. ومجرد نيته للصوم المعين - الذي لا يصح واقعاً - لا يصلح فارقاً بين المسألتين.

[1] ينبغي أن يكون حكم نية القطع - وهو رفع اليد عما تلبس به من الصوم - ونية القاطع - وهو فعل أحد المفطرات الآتية - حكم نية الإفطار ، فإذا تمَّ الدليل على اعتبار النية من طلوع الفجر الى الغروب في صحة الصوم كانت نية القطع أو القاطع منافية لها ، فيبطل الصوم لفوات شرطه. وإن لم يتم الدليل على ذلك فلا موجب للبطلان بحدوث نية القطع أو القاطع. ولا فرق في ذلك بين المنوي الحالي والاستقبالي.

ودعوى : أن نية الثاني غير منافية لنية الصوم فعلا ، فلا موجب للبطلان. مندفعة : بأنهما إنما لا ينافيان نية الصوم إلى زمان القطع أو القاطع المنوبين ، لا نية الصوم المأخوذ موضوعاً للحكم الشرعي ، الذي هو الإمساك إلى الغروب ، إذ من الواضح منافاتها لها ، لتنافي متعلقهما. والمعتبر من النية - في الصوم وغيره من العبادات - هي الثانية ، فإذا انتفت بطل الصوم.

نعم قد يظهر من التعبير بنية المفطر أو القاطع : استناد الإفطار إلى فعل المفطر أو القاطع ، لا إلى النية. وبناء على ما ذكرنا يستند إلى النية ، إذ قد لا يتحقق استعمال المفطر بعد ذلك ، ولو تحقق استند الإفطار إلى أسبق العلل. لكن لا يخفى : أن التعبير المذكور بلحاظ أصل ماهية الصوم

فيما يأتي. وكذا لو تردد [1]. نعم لو كان تردده من جهة الشك في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض ، لم يبطل [2] وإن استمر ذلك إلى أن يسأل. ولا فرق في البطلان بنية القطع أو القاطع أو التردد بين أن يرجع إلى نية الصوم قبل الزوال أم لا [3]. وأما في غير الواجب المعين فيصح لو رجع قبل الزوال [4].

( مسألة 23 ) : لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك


فإن المنافي للماهية استعمال نفس المفطر ، أما فوات النية فإنما ينافي الماهية الصحيحة ، لأنها بحكم الشرط ، لا أصل الماهية ، لخروجها عن حقيقته حقيقة وحكماً ، كما عرفت.

هذا وقد عرفت في كتاب الصلاة : أن نية الزيادة أو النقيصة قد لا تنافي نية الأمر والمأمور به إذا كان التشريع في التطبيق. وفي المقام يكون الأمر كذلك ، وقد يكون من نية غير المأمور به.

ثمَّ إن نية المفطر إنما تكون منافية لنية الصوم مع الالتفات إلى مفطريته أما إذا لم يكن ذلك فلا تكون منافية لها.

[1] فان التردد مضاد للنية ، كنية القطع ، فيجري عليه حكمها. نعم إذا كان التردد على نحو لا ينافي قصد الصوم ولو رجاء لم يبطل.

[2] كما نص عليه جماعة. لأن التردد المذكور راجع إلى نية الصوم على تقدير صحته ، وهو كاف في نية العبادة ، كما في الصوم الاحتياطي.

[3] لما عرفت : من اعتبار النية من طلوع الفجر إلى الغروب في الواجب المعين.

[4] لعدم اعتبار النية فيه قبل الزوال ، على ما سبق الكلام فيه.

المفطرات مع النية ، أو كف النفس عنها معها [1].

( مسألة 24 ) : لا يجوز العدول من صوم إلى صوم [2] واجبين كانا أو مستحبين ، أو مختلفين. وتجديد نية رمضان إذا صام يوم الشك بنية شعبان ليس من باب العدول ، بل


[1] هذا إذا كان قد قصده مطلقاً ، لتحقق الموافقة القطعية على نحو العبادة. نعم لو اعتبرت الموافقة التفصيلية في صحة العبادة - كما لعله المشهور. ولأجله بني على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد وإن طابقت الواقع - كانت معرفة معنى الصوم منهما لازمة. إلا أن التحقيق : عدم اعتبارها ، كما أشرنا إليه في مسائل التقليد من هذا الشرح.

[2] فإنه على خلاف الأصل. ومجرد ثبوته بالدليل في الصلاة أو غيرها غير كاف في إثباته مطلقاً ، بل اللازم الاقتصار على المقدار الثابت لا غير ، والرجوع في غيره إلى أصالة عدم صحة المعدول اليه.

نعم يختص ذلك بما بعد زمان انعقاده ، فالواجب المعين ينعقد عند طلوع الفجر ، فلا يجوز العدول اليه بعده ، والواجب غير المعين ينعقد عند الزوال ، فلا يعدل اليه بعده ، والمستحب ينعقد عند الغروب ، فلا يعدل اليه بعده. أما قبل زمان انعقاده - كما لو عدل إلى واجب غير معين قبل الزوال - فلا مانع منه. إذ العدول عنه إن كان غير معين فلا تعينه النية قبل الزوال ، لعدم تعينه حينئذ ، فلا مانع من العدول بالنية إلى غيره. وإن كان معيناً فنية العدول كنية المفطر مفسدة له ، فلا مانع من تجديد النية لغيره أيضاً. ولعل عبارة المصنف منزلة على ذلك. وإلا فاشكالها ظاهر.

وبالجملة : جواز العدول تابع لوقت التجديد ، ففي كل وقت يجوز تجديد النية يجوز العدول ويصح ، وكل وقت فات تجديد النية فيه للمعدول اليه لم يجز العدول فيه.

من جهة أن وقتها موسع لغير العالم به إلى الزوال [1].

فصل فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطرات

وهي أمور :

الأول والثاني : الأكل والشرب [2] ، من غير فرق في المأكول والمشروب بين المعتاد - كالخبز ، والماء ، ونحوهما - وغيرها ، كالتراب ، والحصى ، وعصارة الأشجار ، ونحوها [3] ،


[1] لكن الذي تقدم : هو الاجتزاء به عن رمضان إذا ثبت الهلال ولو بعد الزوال إذا جدد النية. والتحديد بالزوال إنما هو فيما إذا لم ينو الصوم ، لا فيما إذا نواه من شعبان ، وإلا فهو من باب الاجتزاء ، لا من باب العدول. فالأولى دعوى : وجوب الاقتصار على مورده لا غير.

فصل

فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطرات

[2] إجماعاً في الجملة. بل ادعي عليه الضرورة. ويشهد به الكتاب والسنة.

[3] كما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل عن الخلاف ، والغنية ، والسرائر ، والمختلف ، وظاهر المنتهى ، والتذكرة : الإجماع عليه. بل في محكي كلام السيد (رحمه اللّه) في المسائل الناصرية : نفي الخلاف فيه بين المسلمين إلا من الحسن بن صالح ، حيث قال : إنه لا يفطر. ثمَّ قال : « وهو

ولا بين الكثير والقليل [1] ، كعشر حبة الحنطة ، أو عشر


مسبوق بالإجماع ، وملحق به ». وكفى بذلك دليلا على مفطرية ما ذكر بضميمة وضوح كونه من مرتكزات المتشرعة. ويشهد به أيضاً : النص الوارد في الغبار ، كما سيأتي (1).

وحينئذ فما عن السيد (رحمه اللّه) في بعض كتبه : من نفي المفطرية - وكذا عن ابن الجنيد - ضعيف. وإن أمكن الاستدلال له : بمنع صدق الطعام والشراب - المذكورين في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام ، والشراب والنساء ، والارتماس في الماء » (2). وفي بعض طرقه : إبدال « ثلاث » ب- « أربع » على غير المتعارف ، فيقيد به إطلاق ما دل على لزوم الاجتناب عن الأكل والشرب من دون ذكر للمتعلق ، فإن إطلاقه الحاصل بحذف المفعول وإن كان يقتضي المنع عن كل ما يتعلق به الأكل والشرب ، لكنه مقيد بما ذكر.

مضافاً الى ما ورد في عدم الإفطار بالذباب إذا دخل الحلق ، معللا : إنه ليس بطعام (3). ومثله : ما ورد في الكحل (4). إلا أنه لا مجال لجميع ذلك بعد ما عرفت من تكرر دعوى الإجماع ، المعتضدة بارتكاز المتشرعة بعد ما عرفت. مع إمكان حملهما على المعنى المصدري. فتأمل.

[1] بلا خلاف ظاهر. لإطلاق الأدلة. والقلة والكثرة لا يوجبان الانصراف المعتد به.


1) الوسائل باب : 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1. ويأتي ذكره - إن شاء اللّه - في السادس من الأمور الذي يجب الإمساك عنه في الصوم.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

4) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

قطرة من الماء ، أو غيرها من المائعات. حتى أنه لو بل الخياط الخيط بريقه أو غيره ، ثمَّ رده إلى الفم ، وابتلع ما عليه من الرطوبة ، بطل صومه [1]. إلا إذا استهلك ما كان عليه من الرطوبة [2] بريقه على وجه لا يصدق عليه الرطوبة الخارجية [3] وكذا لو استاك. وأخرج المسواك من فمه ، وكان عليه رطوبة ثمَّ رده إلى الفم ، فإنه لو ابتلع ما عليه بطل صومه ، إلا مع الاستهلاك على الوجه المذكور. وكذا يبطل بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه [4].


[1] عندنا ، وهو قول أكثر الشافعية. كذا في محكي التذكرة. ويقتضيه. ما تقدم من الإطلاق.

[2] كما نص عليه في الجواهر وغيرها.

[3] يمكن دعوى عدم كفاية هذا المقدار ، بل يكفي في المنع عنه : صدق ريقه وريق غيره على نحو الامتزاج عليه ، ولا يعتبر صدق غير ريقه عليه ، ليكفي في الجواز عدم صدقه. ولذا قيده في الجواهر بقوله : « بحيث يعد ابتلاع ريقه لا غير ». لكن في تحقق الاستهلاك كذلك - مع الاتحاد في الجنس - إشكال فتأمل.

[4] قولا واحداً عندنا ، كما في الجواهر. ويقتضيه : الإطلاق المتقدم. نعم قد ينافيه : ما في صحيح ابن سنان : « عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشي‌ء من الطعام ، أيفطر ذلك؟ قال (عليه السلام) : لا. قلت : فان ازدرده بعد أن صار على لسانه. قال (عليه السلام) : لا يفطره ذلك » (1).

ولأجله ناقش في الحدائق في الحكم المذكور. لكن - مع أنه لم يعرف عامل به في مورده - غير ما نحن فيه ، لإمكان أن يلحق ما يخرج بعد البلع


1) الوسائل باب : 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 9.

( مسألة 1 ) : لا يجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم وإن احتمل أن تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه. ولا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهواً [1] نعم لو علم أن تركه يؤدي إلى ذلك وجب عليه ، وبطل صومه على فرض الدخول.

( مسألة 2 ) : لا بأس ببلع البصاق [2] وإن كان كثيراً


حكم ما يخرج من الصدر ، فالتعدي منه الى المقام غير ظاهر.

[1] لاختصاص قدح استعمال المفطرات بصورة العمد ، كما سيأتي. نعم عن فوائد الشرائع هنا : وجوب القضاء خاصة لو قصر في التخليل فجرى بالريق إلى الجوف. ونفى عنه البأس في المسالك ، للتفريط الموجب للإلحاق بالعمد. ولكنه كما ترى ، لاختصاص ذلك بصورة العلم بالترتب ، كما هو الحال في العمد المعتبر في حسن العقاب وتحقق المعصية. ولا يكفي مجرد احتمال الترتب في صدقه جزماً.

اللّهم إلا أن يقال : مقتضى الإطلاقات الأولية تحقق الإفطار به ، وما دل على عدم قدح الأكل سهواً - من النص (1)والإجماع - مختص بغير المقام مما لا يكون فيه تفريط أصلا ، فيلحقه حكم العلم بالترتب الذي لا مخرج به قطعاً عن عموم المفطرية للأكل والشرب. وبذلك يفترق عن النوم مع العلم بالاحتلام ، كما سيأتي جوازه في مفطرية الاستمناء ، فإنه لا عموم يقتضي مفطريته. اللّهم إلا أن يؤخذ بإطلاق معاقد الإجماع على اختصاص المفطرية بصورة العمد ، غير الشامل لصورة الاحتمال ، فيبقى داخلا تحت عموم المفطرية.

[2] بلا خلاف ، كما عن الخلاف. وعن التذكرة : نسبته إلى


1) الوسائل باب : 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

مجتمعاً ، بل وإن كان اجتماعه بفعل ما يوجبه [1] ، كتذكر الحامض مثلا. لكن الأحوط الترك في صورة الاجتماع ، خصوصاً مع تعمد السبب.

( مسألة 3 ) : لا بأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس [2] ما لم يصل إلى فضاء الفم.


علمائنا. لقصور الأدلة عن شموله - فتأمل - والأصل البراءة. مضافاً إلى السيرة التي ادعاها غير واحد. والى خبر زيد الشحام : « في الصائم يتمضمض. قال (عليه السلام) : لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات » (1).

[1] كما نص عليه غير واحد. لعين ما سبق.

[2] مطلقاً فيهما ، كما عن المعتبر ، والمنتهى ، والتذكرة ، والبيان ، وغيرها. لقصور الأدلة عن شمول مثله ، والأصل البراءة. فتأمل. مضافاً إلى موثق غياث : « لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته » (2)، بناء على عموم النخامة لهما ، كما صرح به بعض اللغويين ، واستظهره غير واحد من الفقهاء ، وظاهر المجمع والقاموس وغيرهما. كما أن الظاهر عموم الازدراد لما يصل الى فضاء الفم ، بل لعله فيه أظهر.

وظاهر الشرائع والإرشاد : التفصيل بينهما ، بالجواز في الأول ، والمنع في الثاني. وكأنه مبني على أن مقتضى الأدلة الأولية المنع فيهما ، لكن وجب الخروج عنها في الأول للموثق ، لاختصاص النخامة به. وعن الشهيدين : الجواز فيهما قبل الوصول إلى فضاء الفم ، والمنع منهما بعده. وكأنه لقصور الخبر عن الحجية ، لضعف سنده ، أو إجمال المراد به ، ومقتضى القواعد المنع في الواصل إلى فضاء الفم ، لصدق الأكل والشرب


1) الوسائل باب : 31 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

بل الأقوى جواز الجر من الرأس إلى الحلق ، وإن كان الأحوط تركه. وأما ما وصل منهما إلى فضاء الفم فلا يترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع.

( مسألة 4 ) : المدار صدق الأكل والشرب [1] وإن


عليه ، دون ما لم يصل لعدم الصدق. وضعف القولين يظهر مما سبق.

[1] قد يستشكل في ذلك : بأن الأدلة لم تختص بالمنع عن الأكل والشرب ، بل مثل الصحيح السابق - المتضمن لوجوب الاجتناب عن الأربع وغيره - دال على المنع عما هو أعم من الأكل والشرب. وكيف ولو خص بهما أشكل الحكم بالإفطار بالطعام والشراب الواصلين إلى الجوف بغير طريق الفم؟ كما يحكى عن بعض أهل زماننا هذا. إذ دعوى : صدق الأكل والشرب بذلك غير ظاهرة ، لتقومهما بالفم ، وإطلاقهما على غير ذلك مسامحة بلحاظ ترتب الغاية. مضافاً إلى أنه يستفاد - مما ورد في المنع عن الاحتقان بالمائع (1)، وصب الدهن في الاذن إذا كان يصل إلى الحلق (2)، وما ورد في الاستنشاق إذا كان كذلك (3)، وما ورد في مفطرية الغبار (4)- : أن المعتبر في الصوم : عدم الإيصال إلى الجوف مطلقاً. وحينئذ يشكل صب الدواء في الجرح إذا كان يصل إلى الجوف. بل في المختلف : استقرب فيه الإفطار ، مستظهراً له من المبسوط. وكذا تقطير المائع في الاذن. وعن أبي الصلاح : الجزم بمفطريته. وكذا الصب في الإحليل وفي محكي المبسوط : الجزم بمفطريته. وفي المختلف : أنه أقرب.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

2) الوسائل باب : 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

3) المراد : رواية سليمان المروزي ، ويأتي ذكرها - ان شاء اللّه - في الأمر السادس مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

4) المراد : رواية سليمان المروزي ، ويأتي ذكرها - ان شاء اللّه - في الأمر السادس مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

كان بالنحو غير المتعارف. فلا يضر مجرد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الأكل والشرب ، كما إذا صب دواء في جرحه أو شيئاً في أذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه. نعم إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنه موجب للبطلان إن كان متعمداً ، لصدق الأكل والشرب حينئذ.

( مسألة 5 ) : لا يبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف [1] وان كان متعمداً.

الثالث : الجماع وإن لم ينزل [2]. للذكر والأنثى ، قبلا أو دبراً صغيراً كان أو كبيراً ، حياً أو ميتاً ، واطئاً أو


اللّهم إلا أن يقال : الظاهر عرفاً من الأكل والشرب إيصال المأكول والمشروب من طريق الحلق وإن لم يكن بواسطة الفم ، فيشمل ما يتعارف بين بعض أهل زماننا ، وكذا الاستنشاق. وأما ما تضمن وجوب الاجتناب عن الطعام والشراب ، فهو ظاهر في خصوص الأكل والشرب. وما ورد في الاحتقان ونحوه مما لم يكن من طريق الحلق يجب الاقتصار على مورده لا غير ، كما هو ظاهر المشهور. فالبناء على قاعدة المنع مما يصل إلى الجوف مطلقاً غير ظاهر.

[1] كما هو المشهور ، وعن المبسوط. وفي المختلف : البطلان ، لما سبق. وفيه : ما عرفت.

[2] لا إشكال في الإفطار بالجماع في قبل المرأة ، ولعله من الضروريات. وهو القدر المتيقن من نصوص مفطرية الجماع. وكذا بالجماع في دبرها إذا أنزل. ويدل عليه : النصوص الواردة في الاستمناء (1)فتأمل.


1) راجع الوسائل باب : 1 ، 4 ، 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم‌


وأما إذا لم ينزل فالمحكي عن صريح الخلاف ، والوسيلة ، والمبسوط : الإجماع على أنه كذلك أيضاً. وعن الغنية : الإجماع على الفساد بحصول الجنابة ، الشامل لما نحن فيه ، بناء على سببيته لها ، كما تقدم في كتاب الطهارة. ويدل عليه : إطلاق النصوص الدالة على الإفطار بالنكاح ، أو الجماع ، أو الوطء ، أو إصابة الأهل ، أو نحو ذلك على اختلاف مضامينها ودعوى : الانصراف إلى الجماع في القبل. ممنوعة. إذ لا منشأ لها إلا الغلبة. وقد عرفت غير مرة : أنها لا توجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الإطلاق. ولا سيما مع مناسبته لارتكاز مفطرية الجنابة بلا خصوصية للنكاح في القبل.

بل لا يبعد استفادة ذلك من النصوص ، ففي خبر عمر بن يزيد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : لأي علة لا يفطر الاحتلام الصائم ، والنكاح يفطر الصائم؟ قال (عليه السلام) : لأن النكاح فعله ، والاحتلام مفعول به » (1). فان الظاهر منه كون المرتكز في ذهن السائل مساواة الاحتلام والنكاح في حصول الجنابة التي هي السبب في الإفطار ، فالجواب بالفرق بينهما بالعمد وعدمه تقرير لما في ذهنه. وفي خبر القماط عنه (عليه السلام) : « عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل فنام حتى أصبح. قال (عليه السلام) : لا شي‌ء عليه. وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال » (2). فان مفهوم التعليل قدح الجنابة في وقت حرام.

وبذلك يظهر لزوم الحكم بالإفطار بالإيلاج في دبر الغلام ، وفرج البهيمة ، بناء على وجوب الغسل بذلك. ويعضده : الإجماع المحكي سابقاً عن الغنية من فساد الصوم بتعمد الجنابة ، وتلوح دعواه من المختلف


1) الوسائل باب : 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

موطوءاً. بل وكذا لو كان الموطوء بهيمة. بل وكذا لو كانت


وغيره. نعم لو لم نقل بوجوب الغسل بذلك يشكل الحكم بالإفطار به.

اللّهم إلا أن يكون المستند فيه : ظاهر الإجماع المدعى في المبسوط على الإفطار فيهما ، وصريح الإجماع المدعى في محكي الخلاف في أولهما. لكن الاعتماد عليه محل إشكال ، بعد تردد مثل المحقق في الشرائع ، ودعواه فيها : أن الأشبه أنه يتبع وجوب الغسل. ونحوه العلامة في المختلف. أو يكون المستند فيه : إطلاق الجماع الشامل للغلام والبهيمة بنحو شموله لدبر المرأة. لكنه بعيد. مع إمكان دعوى تقييده بمثل صحيح ابن مسلم : « لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء » (1). فاذاً البناء على ما ذكره المحقق هو الأقوى.

وعليه فالحكم بالإفطار في الصورة المذكورة في المتن موقوف على البناء على وجوب الغسل فيها. والكلام فيه تقدم في غسل الجنابة ، وقد تقدم من المصنف (رحمه اللّه) : التوقف في اقتضاء وطء البهيمة للغسل ، مع جزمه بالإفطار هنا.

وأما مرسل علي بن الحكم عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا أتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لا ينقض صومها ، وليس عليها غسل » (2). ونحوه مرفوع بعض الكوفيين (3). فلا مجال للعمل بهما بعد ضعفهما في أنفسهما ، وإعراض الأصحاب عنهما ، ودعوى الإجماع على خلافهما.


1) تقدم ذلك في الأمر الأول مما يجب الإمساك عنه.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب الجنابة ملحق الحديث : 3.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب الجنابة حديث : 3.

هي الواطية. ويتحقق بإدخال الحشفة [1] ، أو مقدارها من مقطوعها. فلا يبطل بأقل من ذلك. بل لو دخل بجملته ملتوياً [2] ولم يكن بمقدار الحشفة لم يبطل ، وإن كان لو انتشر كان بمقدارها.

( مسألة 6 ) : لا فرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الانزال به وعدمه [3].

( مسألة 7 ) : لا يبطل الصوم بالإيلاج في غير أحد الفرجين [4] بلا إنزال. إلا إذا كان قاصداً له ، فإنه يبطل وإن لم ينزل من حيث أنه نوى المفطر [5].

( مسألة 8 ) : لا يضر إدخال الإصبع ونحوه لا بقصد الانزال [6].


[1] هذا مما لا دليل عليه في المقام ، وإنما تضمنت النصوص اعتباره في وجوب الغسل (1)، فلو لم يكن المقام من متفرعات وجوب الغسل كان مشكلا. وكذا الحكم باعتبار مقدارها من مقطوعها ، فان مبناه فهم التقدير من النصوص القائلة : « إذا التقى الختانان وجب الغسل » (2). فالبناء عليه في المقام يتوقف على كونه من متفرعات وجوب الغسل.

[2] يعني : منكمشاً. الظاهر رجوعه الى مقطوع الحشفة.

[3] بلا إشكال. لظهور الأدلة في كونه بنفسه موضوعاً للحكم بالبطلان.

[4] لعدم الدليل عليه. بل الظاهر : عدم الاشكال فيه.

[5] كما تقدم في أواخر الفصل السابق.

[6] لعدم الدليل عليه. بل الظاهر : أنه لا اشكال فيه.


1) راجع الوسائل باب : 6 من أبواب الجنابة.

2) راجع الوسائل باب : 6 من أبواب الجنابة.

( مسألة 9 ) : لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائما [1] أو كان مكرهاً بحيث خرج عن اختياره ، كما لا يضر إذا كان سهواً [2].

( مسألة 10 ) : لو قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين لم يبطل [3]. ولو قصد الإدخال في أحدهما فلم يتحقق كان مبطلا ، من حيث أنه نوى المفطر [4].

( مسألة 11 ) : إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه ، وصومها [5]. وكذا لو دخل الخنثى بالأنثى ولو


[1] لاعتبار الاختيار والعمد في فعل المفطر في مفطريته. وسيأتي إن شاء اللّه في الفصل الآتي.

[2] يعني : سهواً عن الصيام. فإنه لا خلاف أيضاً في أنه لا يقدح استعمال المفطر مع نسيان الصوم ، كما سيأتي إن شاء اللّه.

[3] لعدم العمد.

[4] على ما سبق.

[5] على ما هو ظاهر المشهور. لظهور الأدلة في الإيلاج بالفرج الحقيقي ، وهو غير معلوم للشبهة الموضوعية ، لا مطلق الثقب وإن كان مثله. وعن كشف الغطاء : أن الأقوى البطلان. وكأنه مبني على أنه فرج حقيقة كسائر فروج النساء والرجال ، ولذا يكون له ما يكون لها من الخواص ، مثل أنها تحمل بوطئها فيه ، أو تلقح بوطئها للمرأة. وهو غير بعيد. إلا أن في عموم الأدلة تأملا ، لانصرافها إلى ما يكون مقتضى الخلقة الأصلية ، فمع الشك فيه يكون مقتضى الأصل الصحة. هذا مع قطع النظر عن العلم الإجمالي في بعض الفروض. وإلا وجب العمل عليه.

دبراً. أما لو وطئ الخنثى دبراً بطل صومهما [1]. ولو دخل الرجل بالخنثى ، ودخلت الخنثى بالأنثى [2] ، بطل صوم الخنثى [3] دونهما [4]. ولو وطئت كل من الخنثيين الأخرى لم يبطل صومهما [5].

( مسألة 12 ) : إذا جامع نسياناً أو من غير اختيار ، ثمَّ تذكر أو ارتفع الجبر ، وجب الإخراج فوراً ، فان تراخى بطل صومه [6].

( مسألة 13 ) : إذا شك في الدخول ، أو شك في بلوغ مقدار الحشفة ، لم يبطل صومه [7].

الرابع من المفطرات : الاستمناء ، أي : إنزال المني متعمداً [8] ،


[1] يعني : وطئه الرجل ، لا الخنثى.

[2] الواو بمنزلة مع.

[3] للعلم بأنها إما واطئة أو موطوءة.

[4] لاحتمال كل منهما مساواتها له في الذكورة والأنوثة. نعم يكونان كواجدي المني في الثوب المشترك.

[5] لاحتمال تساويهما في الذكورية والأنوثية.

[6] لتعمد الجماع ولو بقاء لا حدوثاً ، لظهور الأدلة في الأعم منهما.

[7] للأصل.

[8] بلا خلاف ، كما عن المنتهى ، والذخيرة ، والحدائق. وعن المعتبر : الاتفاق عليه. وعن شرح اللمعة للأصبهاني : « أنه مما أطبق عليه الأصحاب ». وعن المدارك : « عليه أجمع العلماء كافة ». ونحوه - في

بملامسة ، أو قبلة ، أو تفخيذ ، أو نظر [1] ، أو تصوير


دعوى الإجماع - ما عن الانتصار ، والوسيلة ، والغنية ، والتذكرة ، وغيرها.

ويدل عليه : صحيح ابن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) : « عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني. قال (عليه السلام) : عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع » (1)، وخبر أبي بصير : « عن رجل وضع يده على شي‌ء من جسد امرأته فأدفق. فقال (عليه السلام) : كفارته أن يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكيناً ، أو يعتق رقبة » (2)، ومرسل حفص بن سوقة ، عمن ذكره ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يلاعب أهله أو جاريته ، وهو في قضاء شهر رمضان ، فيسبقه الماء. فقال (عليه السلام) عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان » (3)، وغيرها. والجميع وإن لم يصرح فيه بالإفطار والقضاء ، إلا أنه يدل عليه بالالتزام ، للإجماع على انتفاء الكفارة مع عدم الإفطار. مع أن الإجماعات المتقدمة تغني عن الاستدلال عليه بالنصوص.

وتشير إليه أيضاً : النصوص - الدالة على مفطرية الجنابة العمدية - المتقدمة. والنصوص الدالة على كراهة المس مع خوف سبق المني. وسنذكر بعضها إن شاء اللّه.

[1] إلحاق النظر بما قبله يتوقف ، إما على ثبوت الإجماع على مفطرية مطلق الاستمناء ، كما هو ظاهر غير واحد. لكن ينافيه القول بالصحة معه مطلقاً - كما عن الخلاف ، والسرائر ، وفي الشرائع ، وغيرها - أو إذا كان إلى من يحل النظر إليه ، كما عن المفيد ، وسلار ، وابن البراج ، والسيد


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

صورة الواقعة ، أو تخيل صورة امرأة ، أو نحو ذلك من الأفعال التي يقصد بها حصوله. فإنه مبطل للصوم بجميع أفراده. وأما لو لم يكن قاصداً للإنزال وسبقه المني من دون إيجاد شي‌ء مما يقتضيه ، لم يكن عليه شي‌ء [1].

( مسألة 14 ) : إذا علم من نفسه أنه لو نام في نهار رمضان يحتلم ، فالأحوط تركه. وإن كان الظاهر جوازه [2] ،


في جملة من كتبه ، وابن حمزة ، والتحرير.

اللّهم إلا أن ينزل كلام هؤلاء على صورة عدم القصد إليه ، كما عن الرياض دعواه. لكن صريح محكي المدارك : اعتبار الاعتياد مع القصد. وإما على ثبوت فهم عدم الخصوصية من العبث ، والملاعبة ، والمس ، واللزق ، واللصق ، المذكورة في النصوص ، فيراد منها : مطلق ما يقصد منه نزول المني. وإما لما عرفت : من ظهور النصوص في قاعدة مفطرية الجنابة العمدية.

ومن ذلك تعرف : وجه الحكم في التخيل ، وكذا في الإصغاء. وإن كان ظاهر الشرائع عدم قدحه مطلقاً. فتأمل.

[1] قطعاً بلا خلاف ولا إشكال. لعدم الدليل عليه بعد قصور النصوص السابقة عن إثبات مفطريته حينئذ ، والأصل البراءة. ولو فرض استفادة مفطرية خروج المني في نفسه من الأدلة ، اختصت - بقرينة ما ورد في عدم مفطرية الاحتلام - بما إذا استند خروجه إلى المكلف الصائم ، كالأكل ، والشرب ، والجماع ، كما تقدمت الإشارة إليه ، ويجي‌ء تفصيله فيما يأتي إن شاء اللّه.

[2] إذ لا يخرج عن كونه حينئذ مفعولا به ، الذي تقدم في النص

خصوصاً إذا كان الترك موجباً للحرج [1].

( مسألة 15 ) : يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات ، وإن علم بخروج بقايا المني في المجرى [2].


تعليلا لعدم مفطرية الاحتلام. نعم لو كان المراد من التعليل مجرد العذر العقلي في تحقق الجنابة ، كان الحكم بمفطرية الاحتلام المذكور في محله ، لأن العلم بترتبه على النوم الاختياري كاف في عدم العذر العقلي فيه ، لأنه يكفي في اختيارية الفعل كون بعض مقدماته اختيارية ولو كانت عدمية. لكنه خلاف الظاهر. ولو سلم ظهوره في ذلك فالاعتماد عليه محل إشكال. ولا سيما مع بناء الأصحاب ظاهراً على خلافه ، وأن المفطر هو الجنابة العمدية بفعله ، لا مطلق العمد إليها في الجملة. وحركة المني إلى الخارج في المقام نظير حركة الدم في العروق ، مما لا تصح نسبته إلى المكلف بوجه. فتأمل. وبذلك افترق الفرض عن صورة العلم بدخول بقايا الطعام في الفم إلى الجوف لو لم يخلل ، حيث تقدم في المسألة الاولى من هذا الفصل : الحكم بالإفطار على تقدير الدخول.

وحاصل الفرق : أن الأكل قد أخذ مطلقاً موضوعاً للإفطار في جملة من النصوص ، والخارج إنما هو خصوص صورة الأكل ناسياً للصوم ، فلا يشمل الفرض. بخلاف خروج المني ، فإنه قد ورد - في خصوص خروجه بالاحتلام - دليل على عدم مفطريته ، وإطلاقه - ولا سيما بملاحظة التعليل المشار إليه سابقاً - شامل للمقام ، فاذا لم يكن مفطراً في هذه الحال لم يجب الاجتناب عنه.

[1] أدلة الحرج والضرر - على تقدير جريانها - إنما تدل على جواز الإفطار ، لا على نفي المفطرية. وكذا الحال فيما يأتي.

[2] قيل : إنه مقطوع به. وهو كذلك ، لقصور الأدلة - من الإجماع

ولا يجب عليه التحفظ [1] بعد الانزال [2] من خروج المني إن استيقظ قبله. خصوصاً مع الإضرار أو الحرج.

( مسألة 16 ) : إذا احتلم في النهار وأراد الاغتسال ، فالأحوط تقديم الاستبراء إذا علم أنه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل ، فتحدث جنابة جديدة [3].

( مسألة 17 ) : لو قصد الإنزال بإتيان شي‌ء مما ذكر ولكن لم ينزل ، بطل صومه من باب نية إيجاد المفطر [4].


والنصوص - عن شمول مثله. فأدلة جواز الاستبراء أو استحبابه محكمة. إلا أن يقال : إنها غير ظاهرة فيما نحن فيه ، ولا إطلاق لها يشمل صورة لزوم الإفطار كي تكون دالة على عدم المفطرية. فالعمدة في الجواز : أصل البراءة. ولا سيما مع كون السيرة من المحتلمين الصائمين على البول بلا احتمال منهم للمنع.

[1] لما عرفت في المسألة السابقة : من عدم الدليل عليه ، والأدلة إنما تدل على مفطرية الجنابة بفعل المكلف ، لا مطلقاً.

[2] يعني : نزول المني من مقره ، قبل الخروج إلى خارج المخرج.

[3] مقتضى ما تقدم - من عدم الدليل على وجوب التحفظ - جواز ترك الاحتياط ، فالاحتياط المذكور لا يناسب الجزم بعدم لزوم التحفظ. إلا أن يكون المراد منه صورة الخروج بفعله ببول أو نحوه. وعليه فالظاهر عدم جوازه لأنه تعمد للجنابة ، ولا سيرة عليه. وبذلك افترق عن الاستبراء قبل الغسل مع العلم ببقاء شي‌ء في المجرى ، فان خروجه لا يوجب جنابة ، فلا موجب لمفطريته.

[4] كما سبق.

( مسألة 18 ) : إذا أوجد بعض هذه الافعال لا بنية الانزال ، لكن كان من عادته الانزال بذلك الفعل ، بطل صومه أيضاً إذا أنزل [1]. وأما إذا أوجد بعض هذه ، ولم


[1] في الرياض : « الذي أظنه أن هذا ليس محل خلاف أجده في وجوب الأمرين معاً » ، يعني : البطلان ، والكفارة. ويقتضي البطلان : إطلاق النصوص المتقدمة (1).

نعم عن المدارك : الصحة ، لعدم حجية غير الصحيح الأول. ودلالته على البطلان في المقام تتوقف على كون ( حتى ) للغاية ، وهو غير ظاهر. بل من المحتمل - أو الظاهر - كونها تعليلية ، بمنزلة ( كي ). وحينئذ يتوقف تطبيقها على وجود القصد ، المفقود في المقام حسب الفرض.

وفيه : أن ما ذكره - أولا - لا يتم ، بناء على حجية خبر الثقة مطلقاً. وما عدا الأول فيه الموثق ، والمرسل المعتبر لكون الراوي عن حفص فيه محمد بن أبي عمير : التي عدت مراسيله في الصحاح عند المشهور. فتأمل. وما ذكره - ثانياً - ممنوع ، فان الظاهر من ( حتى ) كونها للغاية دائماً. غاية الأمر أنه قد تقوم القرينة الخارجية على كون الغاية فيها علة غائية ، فمع عدم القرينة يكون مقتضى أصالة الإطلاق عدمها. ولا سيما بملاحظة كون قصد الامناء خلاف ظاهر حال المسلم العاقل.

نعم قد يتوهم : معارضة النصوص المذكورة بمرسل المقنع عن علي علیه السلام : « لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى ، لم يكن عليه شي‌ء » (2). ورواية أبي بصير - المروية في التهذيب ، والمنتهى والذخيرة ، والحدائق - عن الصادق (عليه السلام) : « عن رجل كلم امرأته في


1) لاحظ الأمر الرابع من المفطرات.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث : 5.

يكن قاصداً للإنزال ، ولا كان من عادته ، فاتفق أنه أنزل ، فالأقوى عدم البطلان [1]. وإن كان الأحوط القضاء ، خصوصاً


شهر رمضان فأمنى. فقال (عليه السلام) : لا بأس » (1). فيكون مقتضى الجمع العرفي : حمل الأول على خصوص صورة القصد ، وحمل الثانية على غيرها.

وفيه - مع أن الأولى مرسلة ، ومروية في الوسائل عن الفقيه هكذا : « لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأدفق كان عليه عتق رقبة » (2)اللّهم إلا أن تكون رواية أخرى غير الأولى. فتأمل. والثانية - مع أنها ضعيفة - موردها ما لا يعتاد غالباً خروج المني بعده. فتختص به جمعاً - : أن ما ذكره من الجمع لا شاهد عليه ، فلا مجال له. فالبناء على البطلان متعين. ولا سيما مع كونه مظنة الإجماع ، كما عرفت من الرياض وغيره.

[1] كما عن السيدين ، والحلي ، والفاضلين في جملة من كتبهما ، وغيرهم. لعدم الدليل عليه. والنصوص المتقدمة وإن كانت في نفسها مطلقة ، لكن تضمنها للكفارة مانع عن الحكم بإطلاقها ، لأن الكفارة لا تناسب العذر ، المفروض من جهة عدم القصد ، وعدم الاعتياد معاً.

ومنه يظهر : ضعف ما اختاره في المستند - حاكياً عن المختلف. والمهذب : نسبته إلى المشهور ، وعن المعتبر والخلاف : الإجماع عليه - : من وجوب القضاء والكفارة ، في الملاعبة ، والملامسة ، والتقبيل ، للإطلاقات المذكورة.

وبالجملة : ذكر الكفارة قرينة على الاختصاص بصورة العمد ، للإجماع على اعتباره فيها. ولاختصاصها عرفاً بالذنب المتوقف على ذلك. ولأجله يشكل ثبوت الإطلاق للنصوص ، فيقتصر في الكفارة على المتيقن - وهو صورة القصد إليه أو الاعتياد ، فان الاعتياد له نحو من الطريقة العرفية.


1) التهذيب حديث : 837 ج 4 صفحة 273 طبع النجف الأشرف.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

في مثل الملاعبة ، والملامسة ، والتقبيل [1].

الخامس : تعمد الكذب على اللّه تعالى ، أو رسوله ، أو الأئمة - صلوات اللّه عليهم - [2] ، سواء كان متعلقاً


مع أن حمل النصوص على خصوص صورة القصد بعيد جداً - وفي غير هاتين يشكل ثبوت الكفارة ، فضلا عن القضاء.

نعم ما ورد في كراهة المس والتقبيل والمباشرة في شهر رمضان ، معللا بخوف أن يسبقه المني - كصحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام) : « عن الرجل يمس من المرأة شيئاً ، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال (عليه السلام) : إن ذلك ليكره للرجل الشاب ، مخافة أن يسبقه المني » (1)، وصحيح محمد وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال (عليه السلام) : إني أخاف عليه فليتنزه من ذلك. إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه » (2). ونحوهما غيرهما - ظاهر في أن سبق المني مطلقاً موجب للإفطار. ولا يظهر له معارض عدا خبر أبي بصير المتقدم (3). لكن في حجيته تأملا ، لضعف سنده ، وعدم ثبوت جابر له. ومجرد الموافقة لفتوى المشهور - لو تمت - غير جابرة. فالخروج عن إطلاق تلك النصوص بمجرده ، وحملها على صورة الاعتياد ، غير ظاهر.

[1] لأنه مورد النصوص.

[2] كما عن الشيخين والسيدين ، في الانتصار والغنية ، بل عنهما : دعوى الإجماع عليه. وعن الخلاف : نسبته إلى الأكثر.

واستدل له - مضافاً إلى الإجماع المدعى في كلام السيدين ، وقاعدة


1) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 13.

3) راجع التعليقة السابقة.


الاشتغال - بالنصوص ، كموثق سماعة : « عن رجل كذب في رمضان. فقال (عليه السلام) : قد أفطر ، وعليه قضاؤه. فقلت : ما كذبته؟ قال (عليه السلام) : يكذب على اللّه ، وعلى رسوله » (1). وفي موثقة الآخر : « قد أفطر وعليه قضاؤه ، وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد » (2). وموثق أبي بصير قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم. فقلت له : هلكنا! (عليه السلام) : ليس حيث تذهب ، إنما ذلك الكذب على اللّه ، وعلى رسوله ، وعلى الأئمة » (3). ونحوها غيرها.

وعن السيد في الجمل ، والحلي ، والمحقق في المعتبر والشرائع ، والعلامة في التذكرة والمختلف : العدم ، ونسب إلى أكثر المتأخرين. لأصالة البراءة وعدم تمامية الإجماع. وعن المعتبر : أن دعواه مكابرة. ويشهد له : مخالفة حاكيه له. وعدم صحة النصوص. وقصور دلالتها ، لاشتمالها على نقضه للوضوء ، المراد به نقض كماله ، الموجب - بقرينة وحدة السياق - لحمل الإفطار فيه على نقض كمال الصوم أيضاً. ولقوله في موثق سماعة : « وهو صائم » ، فيكون المراد من إفطار الصوم ذلك أيضاً.

وفيه : أنه لا مجال للأصل مع الدليل. والنصوص إن لم تكن صحيحة فهي من الموثق الذي هو حجة. مع أن عمل القدماء بها كاف في جبر سندها. وكون المراد من نقض الوضوء نقض كماله لا يقتضي حمل إفطار الصوم فيه عليه. وقرينة وحدة السياق في مثله غير ثابتة. ولا سيما مع اختلاف المادتين ، وما زالت النصوص مشتملة على الواجب والمستحب معاً. وقوله علیه السلام : « وهو صائم » كما يصلح أن يصرف قوله (عليه السلام) :


1) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

بأمور الدين أو الدنيا [1] ، وسواء كان بنحو الاخبار أو بنحو الفتوى [2] ،


« قد أفطر » إلى إرادة نقض الكمال ، يمكن العكس أيضاً ، بحمل الصوم على الإمساك الواجب وعدم جواز استعمال المفطر ، وترجح الأول على الثاني عرفاً غير ثابت. وغاية ذلك : سقوط النص عن صلاحية إثبات المفطرية لا صلاحيته لصرف غيره إلى نقض الكمال. وحينئذ يكفي غيره لإثبات المفطرية.

هذا ما تقتضيه صناعة الاستدلال. وإن كان في النفس منه شي‌ء. ولا سيما بملاحظة أن حمل الصوم على ما ذكر - من وجوب الإمساك - خلاف ظاهر القضية الحملية الحالية. وحمله على الإمساك حال الكذب خلاف ظاهر حال المتكلم ، لأنه أمر خارجي معلوم للسامع لا يحتاج إلى بيان ، ولا سيما ممن شأنه تشريع الأحكام. فيتعين حمله على الصوم الحقيقي ، وحمل ظاهر « أفطر » على نقض الكمال ، فيتعين حمل بقية النصوص على ذلك. ولا سيما مع تأييده بنقض الوضوء ، واعتضاده بما دل على حصر المفطر في غيره. والاحتياط طريق النجاة.

[1] كما عن المنتهى ، والتحرير. لإطلاق النصوص. وعن كشف الغطاء : تخصيصه بالأول. وكأنه : لدعوى الانصراف إليه. لكنها غير ظاهرة.

[2] المفتي تارة : يخبر عن الواقع بتوسط الحجة. وتارة : يخبر عن رأيه الحاكي عن الواقع. فان كان الأول - كما هو الظاهر من الفتوى - كانت من قبيل الخبر عن اللّه تعالى ، فلا يناسب جعلها في قبال الخبر. اللّهم إلا أن يكون المراد من الخبر الصريح ، كأن يقول : « قال اللّه تعالى كذا ، وخلق اللّه كذا » بخلاف الفتوى مثل : « هذا حَلالٌ ، وَهذا حَرامٌ » فإنه راجع إلى الاخبار عن اللّه تعالى بأنه أحله أو حرمة. وإن كان الثاني فالظاهر عدم كونه من الكذب على اللّه تعالى ، وإنما هو كذب على نفسه

بالعربي ، أو بغيره من اللغات [1]. من غير فرق بين أن يكون بالقول ، أو الكتابة ، أو الإشارة ، أو الكناية ، أو غيرها مما يصدق عليه الكذب [2]. مجعولا له ، أو جعله غيره وهو أخبر به مسنداً إليه [3] لا على وجه نقل القول. وأما لو كان على وجه الحكاية ونقل القول فلا يكون مبطلا [4].

( مسألة 19 ) : الأقوى إلحاق باقي الأنبياء والأوصياء بنبينا (صلی اللّه عليه وآله) [5] ، فيكون الكذب عليهم أيضاً موجباً للبطلان بل الأحوط إلحاق فاطمة الزهراء - سلام اللّه عليها - بهم أيضاً [6].


لو لم يكن رأيه كذلك.

[1] للإطلاق.

[2] للإطلاق أيضاً. وتوهم : أن الكذب نوع من الخبر ، وهو إنما يكون بالقول ، دون غيره. ساقط ، لصدق الخبر المتصف بالصدق أو الكذب على الجميع.

[3] كما لو قال : « بايع علي (عليه السلام) معاوية ، كما أخبر بذلك فلان » إذ لا يخرج بهذا الاسناد عن كونه كاذباً.

[4] لعدم كونه كذباً.

[5] جعله في الجواهر أولى. لرجوع الكذب عليهم إلى الكذب على اللّه تعالى. وفيه : نظر ، كما يظهر من جعل الكذب على النبي (صلی اللّه عليه وآله) مقابلا للكذب على اللّه تعالى. ولذا صرح بنفي الإلحاق في محكي كشف الغطاء.

نعم لو أمكن التمسك بإطلاق : « رسوله ». « والأئمة » ، بأن يكون المراد منهما الجنس ، كان الإطلاق في محله. لكنه خلاف الظاهر.

[6] كما عن كشف الغطاء. وفي الجواهر جعل الأولى الإلحاق أيضاً

( مسألة 20 ) : إذا تكلم بالخبر غير موجه خطابه إلى أحد ، أو موجهاً إلى من لا يفهم معناه ، فالظاهر عدم البطلان [1]. وإن كان الأحوط القضاء.

( مسألة 21 ) : إذا سأله سائل : « هل قال النبي (صلی اللّه عليه وآله) كذا .. » ، فأشار ( نعم ) في مقام ( لا ) ، أو ( لا ) في مقام ( نعم ) ، بطل صومه [2].

( مسألة 22 ) : إذا أخبر صادقاً عن اللّه أو عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) مثلا ، ثمَّ قال : « كذبت » ، بطل صومه [3]. وكذا إذا أخبر بالليل كاذباً ، ثمَّ قال في النهار : « ما أخبرت به البارحة صدق » [4].


لما سبق. وفيه : ما عرفت. نعم يحتمل التعدي عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) إليها (عليه السلام) ، وإلى الأنبياء ، والأوصياء (عليه السلام). بدعوى : فهم عدم الخصوصية عرفاً. لكنه غير ثابت.

[1] كما صرح به في الجواهر. وكأنه : لعدم صدق الخبر بدون المخبر. ولذا تصح تعدية الفعل إليه فيقال : « أخبرت زيداً ». لكن الخبر لم يذكر في النص ، وإنما المذكور الكذب. لكن الكذب نوع من الخبر. ولا أقل من الانصراف.

[2] لصدق الكذب.

[3] كما صرح به في محكي كشف الغطاء. لأنه من الكذب غير الصريح ، فيشمله الإطلاق. ودعوى : انصرافه عنه ، غير ظاهرة.

هذا إذا كان المقصود نفي الواقع المطابق للخبر ، كما هو الظاهر. أما إذا كان المقصود نفي الخبر المطابق للواقع ، فلا يبطل به صومه ، لعدم كونه كذباً على اللّه تعالى أو على النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، بل كذب على نفسه فقط.

[4] كما في محكي كشف الغطاء. والكلام فيه كما سبق.

( مسألة 23 ) : إذا أخبر كاذباً ، ثمَّ رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الأثر [1] ، فيكون صومه باطلا. بل وكذا إذا تاب بعد ذلك ، فإنه لا تنفعه توبته في رفع البطلان [2].

( مسألة 24 ) : لا فرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوباً في كتاب من كتب الاخبار أو لا ، فمع العلم بكذبه لا يجوز الاخبار به وإن أسنده إلى ذلك الكتاب [3]. إلا أن يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الاخبار. بل لا يجوز الاخبار به على سبيل الجزم [4] مع الظن بكذبه ، بل وكذا مع احتمال كذبه ، إلا على سبيل النقل والحكاية. فالأحوط لناقل الاخبار في شهر رمضان - مع عدم العلم بصدق الخبر - أن يسنده إلى الكتاب ، أو إلى قول الراوي على سبيل الحكاية.


[1] حيث لا يخرج خبره السابق عن كونه كذباً.

[2] نعم تنفعه في رفع الإثم.

[3] لما عرفت : من أن الإسناد إلى الكتاب لا يخرجه عن الكذب ، لأن الصدق في الإسناد لا ينافي الكذب في الاخبار عن الواقع.

[4] لما يظهر من مثل قوله تعالى ( آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ) (1)، وقوله تعالى ( أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (2)وغيرهما : عدم جواز الاخبار بدون العلم ، أو ما هو بمنزلته ، كاليد المسوغة للشهادة بالملك ، والاستصحاب المسوغ للشهادة ببقاء الواقع ، كما يظهر من بعض النصوص. فمع عدم العلم بالواقع لا يجوز الاخبار عنه ، سواء أظن به ، أم بعدمه ، أم شك.


1) يونس : 59.

2) يونس : 68.

( مسألة 25 ) : الكذب على الفقهاء والمجتهدين والرواة وإن كان حراماً - لا يوجب بطلان الصوم [1]. إلا إذا رجع إلى الكذب على اللّه ورسوله (صلی اللّه عليه وآله).

( مسألة 26 ) : إذا اضطر إلى الكذب على اللّه ورسوله (صلی اللّه عليه وآله) في مقام التقية من ظالم لا يبطل صومه به [2]. كما أنه لا يبطل


هذا حكم الاخبار من حيث نفسه. وأما حكمه من حيث الصوم فلا دليل على كون الاخبار مع عدم العلم مفطراً ، لاختصاص الدليل بالكذب ولما كان المشهور المنصور : كونه عبارة عن مخالفة الخبر للواقع ، فمع الشك في المخالفة يشك في حصول الإفطار به ، والمرجع أصل البراءة. بل بناء على ما سيأتي : من اختصاص المفطرية بحال العمد المتوقف على قصد الكذب لا يفطر به وإن كان مخالفاً للواقع. وحينئذ لا مجال لأصل البراءة ، للعلم بعدم مفطريته واقعاً. فتأمل. ولأجل توقف المصنف (رحمه اللّه) في ذلك توقف عن الفتوى بعدم مفطريته.

ومما ذكرنا يظهر : أنه لا تنافي بين جزمه بعدم جواز الاخبار مع الاحتمال ، وقوله : « فالأحوط .. » فإن الأول كان في حكم الاخبار تكليفاً ، والثاني في حكمه وضعاً.

[1] لعدم الدليل عليه ، والأصل البراءة.

[2] كما في محكي كشف الغطاء وغيره. وكأنه : لانصراف الدليل إلى الكذب المحرم. وحينئذ لا موقع لما قيل : من أن التقية إنما ترفع الإثم لا حكم الإفطار من القضاء. فإنه إنما يتم لو بني على إطلاق دليل المفطرية ليكون حاله حال الأكل تقية ، لا ما لو بني على الانصراف ، اللّهم إلا أن يكون مبنى ما ذكر : منع الانصراف المعتد به. ومجرد كون الكذب بعنوانه الأولي محرماً لا يقتضيه. وإلا لاتجه انصراف الأكل والشرب إلى

مع السهو ، أو الجهل المركب [1].

( مسألة 27 ) : إذا قصد الكذب فبان صدقاً دخل في عنوان قصد المفطر ، بشرط العلم بكونه مفطراً [2].

( مسألة 28 ) : إذا قصد الصدق فبان كذباً لم يضر ، كما أشير إليه [3].

( مسألة 29 ) : إذا أخبر بالكذب هزلا بأن لم يقصد المعنى أصلا - لم يبطل صومه [4].


المحرم ، ولم يدعه أحد.

لكن الانصاف : الفرق بين المقامين ، لوجود المناسبة المقتضية له في الأول ، والمقتضية لعدمه في الثاني ، كما لعله ظاهر.

[1] لعدم العمد ، الذي هو شرط المفطرية ، كما سيأتي.

[2] إذ مع عدم العلم بمفطريته لا يكون من قصد المفطر بما هو مفطر بل يكون من قصد ذات المفطر بعنوانه الأولي ، ومثله لا ينافي قصد الصوم لأن المعتبر في قصد الصوم القصد إلى الإمساك عن المفطرات ولو إجمالا ، كما تقدم. والقصد إلى ترك الشي‌ء بعنوان إجمالي - مثل عنوان ما جعل مفطراً شرعاً - لا ينافي القصد إلى فعله بعنوانه التفصيلي ، لأن القصد إنما يتعلق بالوجود العلمي ، ومع اختلاف الوجودات العلمية - ولو لاختلاف العناوين الإجمالية والتفصيلية - يجوز اختلاف القصود المتعلقة بها ، فيتعلق بأحد العنوانين قصد الفعل ، وبالآخر قصد الترك ، فلا تنافي بين القصد إلى الأكل والقصد إلى الصوم بماله من المعنى ، نعم لو احتمل أو علم بتنافي العنوانين انطباقاً امتنع القصد المطلق إليهما. لكنه في غير محل الفرض.

[3] يعني : في آخر المسألة السادسة والعشرين.

[4] لعدم تحقق الخبر ، المتقوم بقصد الحكاية عن الواقع.

السادس : إيصال الغبار الغليظ إلى حلقه [1] ،


[1] على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً. إذ لم يعرف مخالف فيه صريحاً إلى زمان المحدث الكاشاني. نعم ظاهر عدم تعرض الصدوق ، والسيد والشيخ في المصباح ، وسلار له : المنع من مفطريته. وكأنه لأجل ذلك حكي في الشرائع : الخلاف فيها.

واستدل له - مضافاً إلى قاعدة المنع عن كل ما يصل إلى الجوف ، المتقدم إليها الإشارة في ذيل مفطرية الأكل. وإلى دعوى الإجماع عليه صريحاً أو ظاهراً ، كما عن الناصرية ، والغنية ، والسرائر ، ونهج الحق ، والتذكرة ، والتنقيح - برواية سليمان المروزي : « سمعته يقول : إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان ، أو استنشق متعمداً ، أو شم رائحة غليظة ، أو كنس بيتاً ، فدخل في أنفه وحلقه غبار ، فعليه صوم شهرين متتابعين ، فان ذلك له فطر ، مثل الأكل ، والشرب ، والنكاح » (1).

ولا يقدح ضعفها بجهالة سليمان ، لانجباره بالعمل. ولا إضمارها ، لأن تدوين الأجلاء لها في كتب الحديث شهادة منهم بكونها رواية عن المعصوم. ولا معارضتها بموثق عمرو بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) : « عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك ، فتدخل الدخنة في حلقه. فقال (عليه السلام) : جائز لا بأس به. وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه. قال (عليه السلام) : لا بأس » (2)لا مكان حمله على صورة العذر ، لاختصاص الرواية الأولى بصورة العمد ، بقرينة ذكر الكفارة ، وتشبيهه بالأكل وأخويه المختص مفطريتها بحاله.

اللّهم إلا أن يقال : أصالة المنع عن كل ما يدخل الجوف - لو تمت -


1) الوسائل باب : 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

بل وغير الغليظ [1] على الأحوط. سواء كان من الحلال


مختصة بما كان له جرم ، لا ما يشمل الغبار ونحوه من الأجزاء اللطيفة المنتشرة. والرواية غير معلومة الانجبار بالعمل ، لتقييد المشهور الغبار بالغليظ ، مع خلوها عنه. وحملها على صورة العمد خلاف ظاهر تقييد المضمضة والاستنشاق به وتركه فيما عداهما. ويكفي في صدق المجازاة المسامحة من المكلف في ترك التحفظ ولو بترك بعض المقدمات البعيدة. والإجماع على اختصاص الكفارة بحال العمد موهن آخر للرواية. والتشبيه إنما يقتضي التخصيص بالعمد لو كانت الرواية مطلقة ، لا ما لو كانت كالصريحة في العموم من جهة ما ذكرنا. والموثق صدره ظاهر في العمد ، بقرينة قوله (عليه السلام) : « جائز ». والتفكيك بين ما في الصدر والذيل بعيد.

هذا ولكن قد يقال : إن قول الإمام في الخبر : « أو كنس بيتاً فدخل في أنفه .. » ظاهر في أن الحكم ليس لمطلق الغبار ، بل للغبار الذي يحصل عند كنس البيت ، الذي يكون غالباً من الغليظ. وعليه يتضح الوجه في تقييد المشهور الغبار بالغليظ ، وأن هذا التقييد دليل على اعتمادهم على الرواية ، وأن النسبة بينها وبين الموثق نسبة المقيد والمطلق. فيتعين حمل الموثق على غير الغليظ ، جمعاً بينه وبين الرواية. وترك التقييد بالعمد في الغبار ليس بنحو يوجب امتناع حمل الرواية على صورة العمد. فاذاً لا مانع من العمل بالرواية. فلاحظ.

[1] وعن المسالك : انه الظاهر ، لأنه نوع من المتناولات ، فيحرم ويفسد. وفيه : أنه مبني على ثبوت أصالة المنع ينحو يشمل المقام ، وقد عرفت : أنه أول الكلام. كما عرفت : اختصاص الرواية بالغليظ ، وأنه يتعين في غير الغليظ الرجوع إلى الموثق النافي لمفطريته ، المعتضد بالسيرة القطعية على عدم الاجتناب عنه في الصوم.

• كغبار الدقيق - أو الحرام ، كغبار التراب ونحوه [1].

وسواء كان بإثارته بنفسه - بكنس أو نحوه - أو بإثارة غيره ، بل أو بإثارة الهواء مع التمكين منه وعدم تحفظه [2]. والأقوى إلحاق البخار الغليظ ، ودخان التنباك [3] ونحوه. ولا بأس بما


[1] بلا إشكال ظاهر. وخصوصية مورد النص ملغاة في نظر العرف إذ المفهوم من النص عندهم - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - دخول نفس الغبار كما لا يخفى. مضافاً إلى أصالة المنع ، بناء عليها.

[2] قد يظهر من محكي كشف الغطاء : عدم مفطريته حينئذ ولو مع عدم التحفظ. لكن الفرق بينه وبين غيره غير ظاهر.

[3] حكي عن المتأخرين : إلحاقهما بالغبار. وكأن الوجه فيه : استفادته من نص الغبار ، أو أصالة المنع. ولأجل الإشكال في ذلك - كما عرفت - استبعد الإلحاق في المدارك ، والكفاية ، والذخيرة. بل عن التنقيح : الجزم بعدمه في الدخان ، لموثق عمرو بن سعيد المتقدم ، الواجب تقديمه على الوجهين المذكورين حجة للإلحاق ، على تقدير تماميتهما.

ومن ذلك يظهر الإشكال في البناء على مفطرية دخان التتن ، والترياك ونحوهما. وكونه - بواسطة الاعتياد والتلذذ - يقوم مقام القوت ، ويكون أشد من الغبار ، غير واضح. ومثله : ما قيل : من استقرار سيرة المسلمين على الاجتناب عنه. لانقطاع السيرة المذكورة. وكذا ما يقال : من أنه ماح لصورة الصوم بحسب ارتكاز المتشرعة. فإنه بنحو يكون حجة أول الكلام. فتأمل.

بل لعل استقرار سيرة المسلمين على الدخول إلى الحمامات في نهار رمضان من دون أقل استشكال في ذلك دليل على جواز جذب البخار : ولا فرق في ارتكازهم بين الغليظ وغيره. فالتعدي منه إلى الدخان - لتناسبهما

يدخل في الحلق غفلة ، أو نسياناً ، أو قهراً [1] ، أو مع ترك التحفظ بظن عدم الوصول [2] ، ونحو ذلك.

السابع : الارتماس في الماء [3]. ويكفي فيه رمس


جداً - غير بعيد ، لو لا بلوغ الحكم المذكور من الاستبشاع في هذه الأعصار حداً يلحقه بمخالفة الضروري. وقال شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في محكي صومه : « الأقوى الإلحاق لو عممنا الغبار لغير الغليظ ، لتنقيح المناط ، والأولوية وإن قيدناه بالغليظ فالأقوى عدم اللحوق ، لأن الأجزاء الترابية تلصق بالحلق وتنزل مع الريق ، بخلاف الأجزاء اللطيفة الرمادية في الدخان ، فإنها تدخل في الجوف مصاحبة للدخان النازل ، ولا تلصق بالحلق ، ولا ينزل مع الريق منها شي‌ء. والدخان ليس مما يؤكل ، والأجزاء الرمادية ليست منفردة عن الدخان حتى يصدق الأكل بنزولها .. ».

وما ذكره في وجه الفرق بين الدخان والغبار مانع من الجزم بالأولوية على تقدير تعميم الغبار لغير الغليظ. مع أن اللصوق بالحلق والنزول مع الريق ليسا مناطاً في مفطرية المفطرات ، ليكون الفرق المذكور فارقاً ، حيث لا يظن الإشكال في مفطرية دخول الجرم إلى الجوف ، ولو مع انتفاء الريق أصلا ، ووجود الحائل على الحلق ، بحيث لا يلصق به الجرم. مع أن الفرق المذكور في نفسه غير ظاهر ، أو ممنوع. فلاحظ.

[1] على ما سيأتي - إن شاء اللّه - في اعتبار العمد في الإفطار.

[2] إطلاق النص ، بضميمة قرينة أن الغبار مما يكون الداعي النفساني موجباً لعدم ابتلاعه ، يقتضي حصول الإفطار به في الصورة المذكورة.

[3] على المشهور شهرة عظيمة ، بل ادعي عليه الإجماع. للنصوص الناهية عنه ، الظاهرة في الإرشاد إلى مفطريته ، كغيرها مما ورد في أمثال المقام. وأظهر منه في ذلك صحيح ابن مسلم : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام)

الرأس فيه [1] ، وإن كان سائر البدن خارجاً عنه. من غير


يقول : لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء » (1)، والمرفوع المروي عن الخصال ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « خمسة أشياء تفطر الصائم .. » ، وعد منها : الارتماس في الماء (2).

نعم يعارض ذلك كله : موثق إسحاق بن عمار : « رجل صائم ارتمس في الماء متعمداً ، عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال (عليه السلام) : ليس عليه قضاؤه ولا يعودن » (3). والجمع العرفي بينهما يوجب حمل ما سبق على الكراهة ، كما عن المرتضى في أحد قوليه ، وابن إدريس وغيرهما.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الشيخ في الاستبصار ، والعلامة ، وولده والشهيد الثاني وغيرهم : من حمل النهي على الحرمة التكليفية - واختاره في الشرائع والمدارك - فإنه خلاف المعهود بينهم في الجمع بين النهي والرخصة الواردين في مقام بيان الماهيات ، فان بناءهم على حمل النهي على الكراهة الوضعية. ولا ينافيه في المقام : قوله (عليه السلام) في الموثق : « ولا يعودن » لقرب حمله على ذلك أيضاً ، كما يظهر بأقل ملاحظة لنظائر المقام. فراجع.

[1] لاشتمال جملة من النصوص عليه ، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « الصائم يستنقع في الماء ، ويصب على رأسه ، ويتبرد بالثوب ، وينضح بالمروحة ، وينضح البوريا تحته ، ولا يغمس رأسه في الماء » (4). ونحوه غيره. ولا تنافي بينه وبين ما تضمن النهي عن الارتماس الظاهر في ارتماس تمام البدن. لإمكان حمله على الأول ، ويكون كل منهما مفطراً.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

فرق بين أن يكون رمسه دفعة ، أو تدريجاً [1] على وجه يكون تمامه تحت الماء زماناً. وأما لو غمسه على التعاقب - لا على هذا الوجه - فلا بأس به وإن استغرقه [2]. والمراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه [3] ، فلا يكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان [4]. وإن كان هو الأحوط. وخروج الشعر لا ينافي صدق الغمس [5].

( مسألة 30 ) : لا بأس برمس الرأس ، أو تمام البدن في غير الماء من سائر المائعات [6] ، بل ولا رمسه في الماء المضاف. وإن كان الأحوط الاجتناب ، خصوصاً في الماء المضاف.


ومنه يظهر ضعف ما في محكي الدروس : من التوقف في الإفطار برمس الرأس ، وما عن ظاهر الميسي : من منعه.

[1] كما نص عليه في الجواهر. للإطلاق.

[2] لعدم صدق الارتماس والانغماس ، الظاهرين في كون الرأس بتمامه تحت الماء آنا ما. فاحتمال تحريمه - كما في المدارك - ضعيف.

[3] لأنه الظاهر منه لغة وعرفاً.

[4] لقصور الأدلة عن شموله. وما في المدارك : من أنه لا يبعد تعلق التحريم بغمس المنافذ كلها دفعة ، وإن كانت منابت الشعر خارجة عن الماء ضعيف.

[5] لخروج الشعر عن مفهوم الرأس.

[6] إذ لم أقف على إطلاق يقتضي الاكتفاء بمطلق الارتماس. ولو فرض وجوده - كما هو ظاهر الجواهر - فهو مقيد بصحيح ابن مسلم. وحمل ذكر الماء فيه على ارادة التمثيل لمطلق المائع خال عن القرينة. اللّهم إلا أن يكون الوجه في تخصيصه بالذكر : كونه الغالب في الارتماس.

( مسألة 31 ) : لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثمَّ رمسه في الماء ، فالأحوط ، بل الأقوى بطلان صومه [1]. نعم لو أدخل رأسه في إناء - كالشيشة ونحوها - ورمس الإناء في الماء ، فالظاهر عدم البطلان.

( مسألة 32 ) : لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه ، وكان ما فوق المنافذ من رأسه خارجاً عن الماء ، كلا أو بعضاً ، لم يبطل صومه على الأقوى [2]. وإن كان الأحوط البطلان برمس خصوص المنافذ ، كما مر.

( مسألة 33 ) : لا بأس بإفاضة الماء على رأسه [3] وإن اشتمل على جميعه ، ما لم يصدق الرمس في الماء. نعم لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصب من عال إلى السافل - ولو


لكنه غير ظاهر.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن المسالك : من أن في حكم الماء : مطلق المائع وإن كان مضافاً ، كما نبه عليه بعض أهل اللغة والفقهاء. انتهى. إذ لا ريب في كون الماء حقيقة في المطلق. وإطلاقه على غيره مجاز ، محتاج في الحمل عليه إلى قرينة. ومثله : ما عن كشف الغطاء : من تقوية إلحاق خصوص المضاف بالماء.

[1] كما في محكي كشف الغطاء. لصدق الارتماس معه. لكن تنظر فيه في الجواهر. وكأنه لدعوى الانصراف ، وإن صدق معه الارتماس.

[2] لعدم تحقق الارتماس ، كما تقدم.

[3] كما تقدم في صحيح ابن مسلم (1). والظاهر أنه لا إشكال فيه.


1) تقدم قريباً في السابع من المفطرات.

على وجه التسنيم - فالظاهر البطلان ، لصدق الرمس [1]. وكذا في الميزاب إذا كان كبيراً ، وكان الماء كثيراً ، كالنهر مثلا.

( مسألة 34 ) : في ذي الرأسين إذا تميز الأصلي منهما فالمدار عليه. ومع عدم التميز يجب عليه الاجتناب عن رمس كل منهما [2]. لكن لا يحكم ببطلان الصوم [3] إلا برمسهما ولو متعاقباً.

( مسألة 35 ) : إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء


[1] وكون الماء جارياً وواقفاً لا أثر له في الفرق.

[2] يعني : إذا كان يحرم عليه الإفطار. إذ حينئذ يعلم إجمالا بحرمة رمس أحدهما ، فيجب عقلا الاحتياط. أما لو كان الصوم مندوباً فحكم العقل إرشادي إلى عدم الاجتزاء بالصوم مع الارتماس في طرف الشبهة. لأن منجزية العلم الإجمالي لا تختص بالأحكام الإلزامية ، فكما يمنع العلم من جريان الأصل المنافي في الأحكام الإلزامية ، يمنع منه في الأحكام غير الإلزامية.

[3] لاحتمال كون المرموس الرأس الزائد. وإن كان يعاقب على تقدير المصادفة للرأس الأصلي ، بل مطلقاً ، بناء على قبح التجري عقلا بحيث يوجب العقاب.

هذا ويمكن أن يقال : إنه وإن لم يحكم بالإفطار واقعاً أو ظاهراً شرعاً إلا أنه بمقتضى العلم الإجمالي يحكم عقلا بعدم الاجتزاء به ، لاحتمال مصادفة الواقع المنجز. كما لو توضأ من أحد الإناءين المشتبهين ، أو صلى في أحد الثوبين كذلك. واستصحاب الصحة لا يجري في قبال العلم الإجمالي المنجز ، كما هو لازم القول بالحرمة. وبالجملة : وجوب الاجتناب عقلا تابع لتنجز الواقع ، وهو مانع من جريان الأصل المؤمن منه.

يجب الاجتناب عنهما ، ولكن الحكم بالبطلان يتوقف على الرمس فيهما [1].

( مسألة 36 ) : لا يبطل الصوم بالارتماس سهواً ، أو قهراً ، أو السقوط في الماء من غير اختيار [2].

( مسألة 37 ) : إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيل عدم الرمس ، فحصل ، لم يبطل صومه [3].

( مسألة 38 ) : إذا كان مائع لا يعلم أنه ماء أو غيره ، أو ماء مطلق أو مضاف ، لم يجب الاجتناب عنه [4].


[1] بناء على اختصاص الحكم بالماء المطلق فالكلام في الفرض كما سبق في ذي الرأسين. ولو عمم لمطلق المائع كفى الرمس في أحدهما في الإفطار.

[2] لاعتبار العمد في المفطرية ، كما سيأتي إن شاء اللّه.

[3] لعدم العمد.

[4] لأصالة البراءة عن مفطرية الارتماس فيه. ودعوى : أنه إنما يصح جريانها لو كان المفطر ملحوظاً في وجوب الصوم عنه بنحو الطبيعة السارية ، إذ حينئذ يشك في تعلق التكليف بالإضافة إلى المشتبه بنحو الشبهة الموضوعية. أما لو كان ملحوظاً بنحو صرف الوجود الخارق للعدم ، فلا يصح جريانها ، لأن صرف الوجود مفهوم معين علم بتعلق التكليف بالصوم عنه ، فمع الشك في المائع أنه ماء أولا يشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالارتماس فيه ، ومع الشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم يجب الاحتياط. مندفعة : بأن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اتساع التكليف بنحو يشمل الارتماس في المردد وعدمه ، فيكون الارتماس فيه موضوعاً للشك في التكليف ، والشك في التكليف مطلقاً مجرى لأصالة

( مسألة 39 ) : إذا ارتمس نسياناً أو قهراً ، ثمَّ تذكر أو ارتفع القهر ، وجب عليه المبادرة إلى الخروج ، وإلا بطل صومه [1].

( مسألة 40 ) : إذا كان مكرهاً في الارتماس لم يصح صومه [2] ، بخلاف ما إذا كان مقهوراً [3].


البراءة. ولا فرق في جريانها بين انحلال التكليف إلى تكاليف متعددة ، متلازمة ثبوتاً وسقوطاً وإطاعة ومعصية ، وبين مثل المقام ، لعدم الفرق في حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان بين المقامين.

ولأجل ذلك نقول بالبراءة في الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين مع انحلال التكليف بالأكثر إلى تكاليف متلازمة ثبوتاً وسقوطاً وإطاعة ومعصية ، وأن التكليف بالأقل مشكوك السقوط مع الاقتصار على الأقل. وتفصيل الكلام موكول إلى محله من الأصول.

[1] لتحقق الارتماس منه عمداً. ودعوى الانصراف إلى الحدوث دون البقاء ممنوعة.

[2] لعدم الدليل على الصحة. وكون البطلان مقتضى إطلاق الأدلة. وأدلة نفي الإكراه إنما تصلح لنفي المؤاخذة أو سائر الآثار المترتبة على فعل المكره ولا تصلح لإثبات الصحة ، لأن وظيفتها النفي لا الإثبات. ومثله : الكلام فيما لو أكره على ترك الجزء ، أو الشرط ، أو فعل المانع ، في سائر العبادات.

[3] لانتفاء العمد. وبذلك افترق عن الإكراه ، لتحقق القصد معه لأن الإكراه هو الحمل على فعل المكروه عن إرادة. وكذا الحال لو كان الارتماس واجباً عليه لإنقاذ غريق ، إذ الوجوب المذكور إنما يقتضي وجوب الإفطار ، لا صحة الصوم مع الارتماس ، إذ لا تعرض فيه لذلك.

( مسألة 41 ) : إذا ارتمس لإنقاذ غريق بطل صومه وإن كان واجباً عليه.

( مسألة 42 ) : إذا كان جنباً. وتوقف غسله على الارتماس انتقل إلى التيمم إذا كان الصوم واجباً معيناً [1].

وإن كان مستحباً ، أو كان واجباً موسعاً وجب عليه الغسل [2] وبطل صومه [3].


[1] فان وجوبه كذلك يوجب حرمة الغسل الارتماسي ، فيكون غير مقدور شرعاً ، فيتعين عليه التيمم.

[2] لتمكنه منه ، لكون المفروض جواز الإفطار. وربما يتوهم : وجوب التيمم في الفرض أيضاً ، بناء على كونه محرماً تكليفاً ، لا مفطراً إذ أنه بناء على ذلك لا فرق بين الواجب المعين وغيره في كون الارتماس فيه حراماً ، لإطلاق الأدلة ودعوى : قصورها عن شمول النافلة - كما احتمله في محكي المدارك - ممنوعة. فإذا حرم الغسل الارتماسي تعين التيمم.

وفيه : أنه إذا فرض جواز إفطار الصوم لعدم كونه من الواجب المعين ، كانت الطهارة المائية مقدورة ولو بتوسط الإفطار ، فيجب أن يفطر أولا ، ثمَّ يرتمس بعده ، لئلا يحصل الارتماس حال الصوم المفروض كونه محرماً. فيكون الإفطار في المقام نظير وجوب شراء ماء الغسل لئلا يكون الغسل بالماء المغصوب. فاذاً لا فرق في وجوب الغسل الارتماسي بين القول بمفطرية الارتماس والقول بتحريمه.

[3] يعني : يبطل بمجرد وجوب الغسل وإن لم يرتمس. لأنه إذا وجب الارتماس للغسل فقد امتنع الأمر بالصوم عنه ، فيبطل لعدم الأمر به ، وامتناع التقرب بفعله.

( مسألة 43 ) : إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعين ، بطل صومه وغسله [1] إذا كان متعمداً. وإن كان ناسياً لصومه صحا معاً [2]. وأما إذا كان الصوم مستحباً ، أو واجباً موسعاً ، بطل صومه ، وصح غسله [3].

( مسألة 44 ) : إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي ، فان لم يكن من شهر رمضان ، ولا من الواجب المعين غير رمضان ، يصح له الغسل حال المكث في الماء ، أو حال الخروج [4]. وإن كان من شهر رمضان يشكل صحته حال المكث ، لوجوب الإمساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضاً. بل يشكل صحته حال الخروج أيضاً ، لمكان النهي السابق ، كالخروج من الدار الغصبية إذا دخلها عامداً [5]. ومن هنا يشكل صحة الغسل في الصوم الواجب المعين أيضاً ، سواء كان في حال المكث ، أو حال الخروج.


[1] أما بطلان صومه فللارتماس فيه عمداً. وأما بطلان غسله فللنهي عنه ، لكونه مفطراً.

[2] أما الصوم فلعدم انتقاضه بالارتماس السهوي. وأما الغسل فلعدم النهي عنه ، لعدم كونه مفطراً.

[3] يعني : إذا كان متعمداً. ووجه الحكم فيهما يظهر مما سبق.

[4] المراد من حال الخروج : حال المكث تحت الماء مقارناً لحركته للخروج. ثمَّ إنه لا فرق بين الحالين في كون الغسل في كل منهما مأموراً به بلا شائبة نهي عنه ، لكون المفروض كون الصوم مما يجوز نقضه بالمفطر.

[5] فان الخروج المذكور مورد الخلاف بين الاعلام. فقيل بوجوبه

( مسألة 45 ) : لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب


مقدمة للكون في المكان المباح ، وليس منهياً عنه ، لا فعلا ، ولا سابقاً على الدخول. وهو المنسوب إلى فقهائنا (رضي اللّه عنه). وقيل : بأنه واجب وحرام فعلا. وهو المنسوب إلى أبي هاشم. وقيل : بأنه واجب وليس بحرام فعلا ، ولكنه كان حراماً قبل الدخول. وهو المنسوب إلى الرازي.

والتحقيق : أنه ليس بواجب ، لا نفسياً - كما هو ظاهر - ولا غيرياً لعدم كونه مقدمة لواجب. وكونه مقدمة للكون في المكان المباح - لو سلم - لا يقتضي وجوبه غيرياً ، لعدم وجوب الكون في المكان المباح ، بل ليس الثابت في الشريعة المقدسة إلا حرمة الكون في المكان المغصوب. نعم لا بأس بدعوى وجوبه عقلا ، فراراً عن الغصب في الزمان الزائد على زمان الخروج من باب وجوب ارتكاب أقل القبيحين.

فان قلت : الفرار عن الغصب في الزمان الزائد واجب ، فاذا توقف الفرار على الخروج كان واجباً أيضاً. وهذا معنى ما اشتهر : من وجوبه مقدمة للتخلص عن الغصب. قلت : الفرار عن الغصب وإن كان واجباً ، إلا أن الخروج ليس مقدمة له ، بل هو ملازم له ، لأنه أقل القبيحين ، الملازم لعدم أكثرهما.

كما أن التحقيق أنه ليس بحرام فعلا ، لخروجه عن الاختيار المانع من التكليف به. وإنما الإشكال في أنه كان حراماً سابقاً ، فيقع على وجه المبغوضية ، فيكون مبعداً ، وموجباً للعقاب - وهو المعبر عنه بحكم المعصية - أولا. وجهان ، ناشئان من كونه اختيارياً - ولو في الزمان السابق - أولا فعلى الأول يكون مبعداً وموجباً للعقوبة ، لأنه مخالفة للنهي عنه ، ولو سابقاً. وعلى الثاني لا يكون كذلك.

واختار بعض الأعيان الثاني ، مدعياً أن للخروج عدمين : عدم في


ظرف عدم الدخول ، وعدم في ظرف الدخول. والاختياري هو الأول ، لا الثاني ، فإنه ليس اختيارياً من الأزل ، فلا يصح تعلق التكليف به من الأزل. وفيه : أنه لا يظهر وجه للتفكيك بين العدمين في الاختيار وعدمه فكما أن عدم الخروج على تقدير الدخول ليس اختيارياً بل واجب ، كذلك عدمه على تقدير عدم الدخول ، فإنه أيضاً ليس اختيارياً بل ممتنع ، فاما أن يلتزم بامتناع التكليف بالخروج على كل تقدير ، وإما أن يلتزم بجوازه كذلك.

والتحقيق هو الثاني ، سواء أكان الدخول مقدمة للخروج أم ملازماً له. إذ على الأول : يكون اختياره باختيار الدخول كاختيار سائر المعلولات باختيار عللها ، ويكفي مثله في صحة التكليف. وعلى الثاني : يكون اختياره ملازماً لاختيار الدخول ، كما في سائر المتلازمات ، ويكفي أيضاً مثله في صحة التكليف. وهذا الذي ذكرنا هو الموافق لمرتكزات العرف والعقلاء. وتحقيق الكلام موكول إلى محله في الأصول. وعليه يمتنع الغسل في حال الخروج ، لحرمته المانع من إمكان التقرب به.

وربما يتوهم الفرق بين المقام وبين الخروج من الدار المغصوبة ، بأن دليل حرمة الغصب نسبته إلى الدخول والخروج نسبة واحدة ، بخلاف حرمة استعمال المفطر في المقام ، فإن حرمة الاستعمال الأول من باب حرمة الإفطار ، وحرمة الاستعمال الثاني من باب وجوب الإمساك على المفطر ، فحرمة الثاني مشروطة بالإفطار ، وإذا كانت مشروطة به امتنع أن تقتضي المنع عما كان معلولا للإفطار ، لأنه يلزم أن يكون الإفطار المذكور علة لوجود المعلول وعلة لعدمه ، أما الأول : فلكونه المفروض ، وأما الثاني : فلأنه مقتضى علية الإفطار للحرمة ، التي هي علة العدم. فحينئذ نقول : الخروج إذا كان معلولا للارتماس الدخولي امتنع أن يكون محرماً بالحرمة المشروطة به ، لأنه يلزم أن يكون الارتماس الدخولي علة للخروج ولعدمه.

فان كان ناسياً للصوم وللغصب صح صومه وغسله [1]. وإن كان عالماً بهما بطلا معاً - وكذا إن كان متذكراً للصوم ناسياً للغصب - [2]. وإن كان عالماً بالغصب ناسياً للصوم صح الصوم ، دون الغسل [3].

( مسألة 46 ) : لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس


ودفعه أولا : بعدم المقتضي للالتزام بكون حرمة الاستعمال ثانياً مشروطة بالإفطار ، ولم لا يكون الدليل الدال على وجوب الإمساك دالا على كون وجوب الإمساك عن المفطرات ثابتاً على من يجب عليه الصوم من أول النهار إلى آخره وإن أفطر في بعض النهار؟! فتكون حرمة استعمال المفطر نظير حرمة الغصب التي لا فرق فيها بين الدخول والخروج.

وثانياً : بأن الارتماس المفطر الذي هو شرط حرمة استعمال المفطر ثانياً آني ، ولا يكون علة للارتماس في الآن الثاني ، وانما الذي يكون كذلك هو خصوص الارتماس مع البعد عن سطح الماء ، وليس هو المفطر لاستناد الإفطار إلى أول مراتب وجوده.

وثالثاً : بالإشكال في إمكان كون الحدوث من علل البقاء ، لأن الحدوث والبقاء وجود واحد ، لا وجودان مترتبان ، كما هو الحال في العلة والمعلول ، ليكون الأول علة للثاني. فلاحظ.

[1] أما الأول : فلعدم القصد الى المفطر. وأما الثاني : فللجهل بالغصبية ، المصحح للتقرب بالغسل ، على ما تقرر في محله. ومنه يظهر وجه بطلانهما لو علم بهما.

[2] إذ يكفي في بطلان الغسل الالتفات إلى كونه مفطراً محرماً.

[3] يعلم وجهه مما سبق.

بين أن يكون عالماً بكونه مفطراً أو جاهلا [1].

( مسألة 47 ) : لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل ، ولا بالارتماس في الثلج [2].

( مسألة 48 ) : إذا شك في تحقق الارتماس بنى على عدمه [3].

الثامن : البقاء على الجنابة عمداً إلى الفجر الصادق [4] ،


[1] لإطلاق الأدلة من دون مقيد. وسيأتي في الفصل الآتي.

[2] لعدم كونهما من الماء ، بل هما أولى بالعدم من الماء المضاف الذي عرفت عدم قدح الارتماس فيه.

[3] لأصالة عدمه.

[4] على المشهور ، بل عده في الجواهر من القطعيات ، وأنه لم يتحقق فيه خلافاً. وعن الخلاف ، والوسيلة ، والغنية ، والسرائر ، وظاهر التذكرة والمنتهى وغيرها : الإجماع عليه ، بل في محكي الانتصار : دعوى الإجماع المتكرر عليه.

ويدل عليه جملة من النصوص. وفي الرياض : أنها قريبة من التواتر إذ منها ما دل على ثبوت الكفارة ، كموثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ، ثمَّ ترك الغسل متعمداً حتى أصبح. قال (عليه السلام) : يعتق رقبة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكيناً » (1)ونحوه رواية المروزي عن الفقيه (2)ومرسل ابن عبد الحميد (3)مع التصريح فيهما بالقضاء. ولأجلهما تكون الكفارة في


1) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

3) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.


الموثق للإفطار ، لا لمجرد المعصية.

ومنها : ما ورد في النائم ، كصحيح الحلبي عنه (عليه السلام) : « في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله ، ثمَّ نام متعمداً في شهر رمضان حتى أصبح. قال (عليه السلام) : يتم صومه ذلك ، ثمَّ يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه » (1)وصحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) : « عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ، ثمَّ ينام حتى يصبح متعمداً قال (عليه السلام) : يتم ذلك اليوم ، وعليه قضاؤه » (2)ونحوهما غيرهما.

نعم يعارضها جملة أخرى دالة على الجواز وعدم الإفطار ، كصحيح حماد عن الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ، ثمَّ يجنب ، ثمَّ يؤخر الغسل متعمداً حتى يطلع الفجر » (3)ونحوه غيره.

لكنها لا مجال للعمل بظاهرها بعد ما عرفت : من حكاية الإجماعات الكثيرة على خلافها. فلا بد من حملها على التقية ، كما يشير اليه ما رواه في المقنع عن حماد بن عثمان. « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل ، فأخر الغسل حتى يطلع الفجر. فقال (عليه السلام) : كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يجامع نساءه من أول الليل ، ثمَّ يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر! ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب (4)، يقضي يوماً مكانه » (5)ورواية إسماعيل بن عيسى قال : « سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته


1) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

3) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

4) جمع قشب ككتف وهو من لا خير فيه من الرجال.

5) الوسائل باب : 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

في صوم شهر رمضان ، أو قضائه [1] ، دون غيرهما من


جنابة في شهر رمضان ، فنام عمداً حتى يصبح ، أي شي‌ء عليه؟ قال (عليه السلام) : لا يضره هذا ، ولا يفطر ، ولا يبالي. فان أبي (عليه السلام) قال : قالت عائشة : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أصبح جنباً من جماع غير احتلام » (1). أما ما لا صراحة فيه في العمد - كصحيح العيص : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل ، فأخر الغسل حتى طلع الفجر. فقال (عليه السلام) : يتم صومه ، ولا قضاء عليه » (2). ونحوه غيره - فمحمول على غير العامد ، جمعاً بينه وبين ما سبق مما هو صريح في العامد ، أو ظاهر فيه.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن ظاهر الصدوقين : من عدم الإفطار بذلك. وعن الداماد في شرح النجاة ، والأردبيلي في آيات أحكامه وشرح الإرشاد ، والكاشاني في المعتصم : القول به ، أو الميل اليه.

[1] كما هو ظاهر الأصحاب. ويقتضيه - مضافاً الى أنه مقتضى قاعدة اتحاد القضاء مع الأداء - : صحيح عبد اللّه بن سنان : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقضي شهر رمضان ، فيجنب من أول الليل ، ولا يغتسل حتى يجي‌ء آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع. قال (عليه السلام) : لا يصوم ذلك اليوم ، ويصوم غيره » (3)وصحيحه الآخر : « كتب أبي إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) - وكان يقتضي شهر رمضان - وقال : إني أصبحت بالغسل وأصابتني جنابة ، فلم أغتسل حتى طلع الفجر. فأجابه (عليه السلام) : لا تصم هذا اليوم ، وصم غداً » (4)ونحوهما موثق سماعة (5)


1) الوسائل باب : 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

3) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

5) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

الصيام الواجبة والمندوبة على الأقوى [1]. وإن كان الأحوط


وحينئذ فما عن المنتهى : من التردد فيه ، وعن المعتبر : من الميل إلى عدمه ، في غير محله. وما يظهر من تعليل الأول ذلك : باختصاص النصوص بشهر رمضان كما ترى.

[1] أما في المندوبة فهو المشهور بين من تعرض له. ويدل عليه : صحيح عبد اللّه بن المغيرة عن حبيب الخثعمي : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخبرني عن التطوع وعن صوم هذه الثلاثة أيام إذا أجنبت من أول الليل فأعلم أني أجنبت ، فأنام متعمداً حتى ينفجر الفجر ، أصوم أو لا أصوم؟ قال (عليه السلام) : صم » (1)وخبر عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ، ثمَّ أراد الصيام بعد ما اغتسل ومضى ما مضى من النهار. قال (عليه السلام) : يصوم إن شاء ، وهو بالخيار الى نصف النهار » (2)وقريب منهما موثقه عنه (عليه السلام) (3)وما قد يظهر من المشهور أو ينسب إليهم من المنع في غير محله.

وأما الواجبة فصريح جماعة المنع فيها ، كرمضان وقضائه ، بل هو ظاهر المشهور والمنسوب إليهم. حملا له عليها. ولا مجال لحمله على التطوع ، لمعلومية التسامح فيه بما لا يتسامح في غيره ، كصلاة التطوع.

وفيه : أن قاعدة الإلحاق وإن كانت تامة في الجملة ، وقد استقر بناء الأصحاب عليها في كثير من الموارد. إلا أنها لا مجال لها في المقام. إذ الوجه فيها - كما أشرنا إليه في بعض مباحث الطهارة من الشرح - إما ظهور الدليل الوارد في المورد الخاص في كونه لبيان نفس الماهية من حيث هي. أو الإطلاق


1) الوسائل باب : 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

3) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

تركه في غيرهما أيضاً [1]. خصوصاً في الصيام الواجب ، موسعاً كان أو مضيقاً. وأما الإصباح جنباً من غير تعمد فلا يوجب البطلان [2].


المقامي لدليل مشروعية الملحق ، الموجب لحمله على الملحق به. وكلاهما لا مجال لهما في المقام. إذ الأول ينافيه ما دل على الجواز في المندوب. والإطلاق كما يمكن أن يكون الوجه فيه : الاكتفاء ببيان صوم شهر رمضان وقضائه يمكن أن يكون الاكتفاء ببيان صوم المندوب.

ولو فرض أن البيان في الأول أولى بالاعتماد عليه ، للمشاركة في الوجوب ، أمكن أن يقال : إن الوجه في الإطلاق : الاعتماد على ما ورد في مطلق الصوم مما ينفي اعتبار ذلك فيه ، مثل صحيح ابن مسلم : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء » (1)فإنه يدل على عدم قدح البقاء على الجنابة في طبيعة الصوم من حيث هي. فإذا دل دليل على دخله في خصوص صوم رمضان لم يكن وجه لإلحاق غيره به ، بل المرجع فيه الدليل المذكور.

[1] بل هو المختار في الجواهر ، وعن المصابيح ، ناقلا الإجماع عليه وفي محكي مفتاح الكرامة : « لم أجد في علمائنا المتقدمين من خالف في ذلك أو تردد ، سوى المحقق في المعتبر ». ونحوه كلام غيره. وقد عرفت ضعفه وان كان لا ينبغي ترك الاحتياط ، لما عرفت من الشبهة. لكن يتم ذلك في الصيام الواجب ، دون المندوب ، فان في الاحتياط تفويتاً للمندوب ، الذي دل الدليل على صحته.

[2] كما هو ظاهر الأصحاب ، لأنهم قيدوا الإفطار بصورة العمد.


1) الوسائل باب : 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.


بل يظهر ذلك مما عن الخلاف : من الإجماع على صحة الصوم لو نام وقد نوى الغسل. وفي الجواهر : « لا خلاف أجده فيه ». وعن المدارك : إنه مذهب الأصحاب ، لا أعلم فيه مخالفاً ».

وكيف كان يدل عليه : صحيح البزنطي عن القماط : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل ، فنام حتى أصبح قال (عليه السلام) : لا شي‌ء عليه. وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال » (1)وصحيح ابن رئاب : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) - وأنا حاضر - عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ، فينام ولا يغتسل حتى يصبح. قال (عليه السلام) : لا بأس ، يغتسل ويصلي ويصوم » (2)ونحوهما غيرهما.

ولا ينافيها : ما دل على الفساد بالنوم جنباً حتى يصبح ، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما قال : « سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثمَّ ينام قبل أن يغتسل. قال (عليه السلام) : يتم صومه ، ويقضي ذلك اليوم » (3)ونحوه غيره - لوجوب حملها على العامد ، جمعاً بينهما ، بشهادة صحيح الحلبي المتقدم (4)إذ بعد تقييد ما سبق به - لاختصاصه بالعامد - يبقى تحت ما سبق غير العامد ، فيكون أخص من مثل صحيح ابن مسلم. وهذا نحو من الجمع العرفي ، كما حقق في مبحث التعارض.

هذا كله في رمضان. أما غيره من أنواع الواجب المعين ، فإن أمكن إلحاقه برمضان من جهة النصوص المذكورة ، بدعوى إلغاء خصوصية موردها فهو. وإلا كفى أصل البراءة في الإلحاق فيه وفي غير المعين ، أو عموم حصر المفطر في غيره.


1) الوسائل باب : 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 7.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

4) تقدم قريباً في أول الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

إلا في قضاء شهر رمضان [1] على الأقوى. وإن كان الأحوط إلحاق مطلق الواجب غير المعين به في ذلك [2]. وأما الواجب


[1] كما نسب الى الشيخ ، والفاضلين ، والمحقق الثاني وغيرهم ، بل عن الأخير : نسبته إلى الشيخ والأصحاب. لإطلاق صحيحي ابن سنان المتقدمين (1)ودعوى : اختصاصهما بالعمد - لأن الظاهر من قول السائل في الأول : « ولا يغتسل حتى .. » ، وقوله في الثاني : « أصبحت بالغسل فلم أغتسل حتى .. » : أن ذلك عن عمد ، كما هو الأصل في نسبة الفعل إلى الفاعل - ممنوعة. والأصل المذكور لا أصل له.

نعم يشكل التمسك بموثق سماعة : « سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان ، فنام - وقد علم بها - ولم يستيقظ حتى أدركه الفجر. فقال (عليه السلام) : عليه أن يتم صومه ، ويقضي صوما آخر. فقلت : إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان؟ قال (عليه السلام) : فليأكل يومه ذلك ، وليقض ، فإنه لا يشبه رمضان شي‌ء من الشهور » (2)لظهور صدره في عدم الصحة في رمضان في مورد السؤال ، فلا بد من حمله على العمد - كما هو الظاهر - أو على تعدد الانتباه ، فيختص الذيل بذلك.

لكن في غيره من النصوص كفاية. ولأجلها لا مجال للتمسك في المقام بقاعدة المساواة بين القضاء والأداء ، فإن نسبة النصوص إلى القاعدة نسبة الخاص الى العام ، الواجب تقديمه عليه.

[2] كما نسب إلى الشيخ وجماعة من المتأخرين ، بل عن جامع المقاصد وفوائد الشرائع : نسبته إلى الشيخ والأصحاب. وليس له وجه ظاهر إلا دعوى استفادته من نصوص القضاء ، بإلغاء خصوصية موردها ، وأن المفهوم


1) تقدما قريباً في أوائل هذا الأمر.

2) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

المعين - رمضاناً كان أو غيره - فلا يبطل بذلك. كما لا يبطل مطلق الصوم - واجباً كان أو مندوباً ، معيناً أو غيره - بالاحتلام في النهار [1]. ولا فرق في بطلان الصوم بالإصباح جنباً عمداً بين أن تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام [2] ، ولا بين أن يبقى كذلك متيقظاً أو نائماً [3] بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل [4]. ومن البقاء على الجنابة عمداً :


منها عرفاً : كون الموضوع فيها كونه غير معين. لكن في جواز الاعتماد عليها إشكال ، بل منع. فأصل البراءة محكم ، كما أشرنا إليه سابقاً.

[1] بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه - كما في الجواهر - بل لعله ضروري. ويدل عليه النصوص المستفيضة ، كصحيح عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ثلاثة لا يفطرن الصائم : القي‌ء ، والاحتلام ، والحجامة » (1)وصحيح العيص : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ، ثمَّ يستيقظ ، ثمَّ ينام قبل أن يغتسل قال (عليه السلام) : لا بأس » (2)ونحوهما غيرهما.

[2] كما صرح بكل منهما في جملة من النصوص ، كصحيحي الحلبي والبزنطي (3)وغيرهما.

[3] لإطلاق النص والفتوى. مع التصريح في جملة من النصوص بالثاني ، المقتضي لثبوت الحكم في الأول بطريق أولى (4)

[4] كما يقتضيه ظاهر التعمد المذكور في صحيحي الحلبي والبزنطي.


1) الوسائل باب : 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

3) تقدما في أول الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

4) لاحظ ما تقدم في أول الأمر الثامن.

الاجناب قبل الفجر متعمداً [1] في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم. وأما لو وسع التيمم خاصة فتيمم ، صح صومه. وإن كان عاصياً في الاجناب [2]. وكما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمداً كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض والنفاس


[1] كما نص عليه في الجواهر وغيرها. وفي كلام بعض : نفي الاشكال فيه. وعن الخلاف : الإجماع عليه. لأن مورد النصوص المتقدمة وإن كان مختصاً بصورة كون البقاء جنباً بنفسه اختيارياً مع قطع النظر عن الحدوث ، إلا أن الظاهر منها : كون المفطر مجرد الاختيار في البقاء ولو بتوسط الاختيار في الحدوث ، كما في الفرض.

[2] أما الصحة فلعموم بدلية التراب عن الماء ، الشامل لما نحن فيه. وما عن المنتهى وغيره : من المنع عن البدلية عن الغسل في المقام - وعن المدارك اختياره - لأن أدلة البدلية مثل قولهم (عليهم السلام) : « التراب أحد الطهورين » ونحوه (1)ظاهر في قيام التيمم مقام الغسل أو الوضوء في ترتيب آثار الطهارة. ولم يظهر من نصوص المقام كون صحة الصوم منها ، بل الظاهر منها : كون نفس الغسل شرطاً في صحة الصوم ، لا الطهارة. فيه : أن الظاهر من دليل اعتبار الغسل : اعتباره من أجل اعتبار ما يترتب عليه من الطهارة ، لا من حيث هو.

ومثله في الضعف : ما قد يقال : من اختصاص أدلة البدلية بصورة اعتبار الطهارة المطلقة ، لا مطلق الطهارة ، ولو كان خصوص الطهارة من الجنابة. إذ فيه أيضاً : أن ذلك خلاف إطلاق أدلة البدلية.

ومثلهما في الضعف : ما قد يقال : من أن أدلة المقام إنما تدل على


1) تقدم في فصل ما يصح التيمم به من الجزة : 4 من هذا الشرح ، وكذا في مسألة : 24 من فصل أحكام التيمم من الجزء المذكور ما يدل على ذلك. فراجع.


قدح الجنابة في الصوم ، فيكون البطلان من آثار الجنابة ، ولما كان التحقيق أن التيمم ليس رافعاً لها ، لم يجد التيمم في تصحيح الصوم. وهذا وإن كان لا يخلو من وجه ، إلا أن الأوجه خلافه : أولا : من جهة اشتمال جملة من نصوص المقام على ذكر الغسل ، بنحو يكون مقتضى الجمود على ظاهرها : شرطية الغسل والطهارة ، لا مانعية الجنابة. وثانياً : من جهة أن الطهارة وإن كانت صفة وجودية ضد الحدث ، إلا أن المراد منها - في موضوعيتها للاحكام - الخلو من الحدث ، ولذا تضاف الى حدث معين ، فيقال : طاهر من الأكبر ، أو الأصغر ، أو من الجنابة أو من الحيض ، أو غير ذلك. ودليل البدلية ظاهر في ترتيب آثار الخلو من الحدث الخاص سواء ألوحظ الحدث مانعاً ، أم الخلو عنه شرطاً ، لرجوع الأول إلى الثاني ولأجل ذلك كان من الضروري صحة الصلاة مع التيمم ، مع تسالمهم على كون الحدث قاطعاً ، كما يقتضيه الجمود على ظاهر جملة من النصوص وهكذا الحال في الطهارة المقابلة للنجاسة ، فإنها يراد منها عدم النجاسة. ولذا يرجع إلى قاعدة الطهارة في الشبهة الموضوعية حتى في الموارد التي كان ظاهر الدليل مانعية النجاسة فيها.

وبالجملة : لو بني على فتح هذا الباب لأشكل الحكم في كثير من الغايات المترتبة على الطهارة من الحدث والخبث ، التي يكتفى في ترتيبها بالتيمم وأصالة الطهارة ، مع أن مقتضى الجمود على ظاهر أدلتها مانعية الحدث والنجاسة. فلاحظ باب حرمة دخول المساجد ، وقراءة العزائم على الجنب وغيرها. وتأمل.

وأما العصيان فمبني على عدم وفاء التيمم بتمام مصلحة الغسل. ويقتضيه الجمع العرفي بين إطلاق دليل الطهارة المائية وتقييد دليل الطهارة الترابية بتعذر الماء ، فان العرف في مثله يحكم : بأن الوجه في إطلاق الدليل الأول :

إلى طلوع الفجر [1] ، فاذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمم ، ومع تركهما عمداً يبطل صومها ،


تعين المائية في مقام الوفاء بالمصلحة. وكذا الحال في سائر الابدال الاضطرارية. وقد أشرنا الى ذلك في غير مقام من كتاب الطهارة. فراجع.

[1] كما هو المشهور بين من تعرض له. بل عن جامع المقاصد : نفي الخلاف فيه.

ويدل عليه في الأول : موثق أبي بصير (1)عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا طهرت بليل من حيضها ، ثمَّ توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت ، عليها قضاء ذلك اليوم » (2)وعن المعتبر والذكرى : التردد فيه. بل عن نهاية الأحكام الميل الى العدم ، بل يستظهر من عدم التعرض له في كثير من كتب السيدين والشيخين وغيرهما. ويستدل له : بالأصل ، مع عدم صحة الرواية. وفيه ما لا يخفى. إذ يكفي في الحجية كونها من الموثق. ولا سيما وكونها من روايات بني فضال ، التي أمرنا بالخصوص بالأخذ بها.

وفي الثاني : القاعدة المجمع عليها ، من أن النفساء كالحائض. والكلام فيها تقدم في مبحث النفاس.

هذا ومقتضى عموم ما دل على وجوب الكفارة بتعمد المفطر : وجوب الكفارة أيضاً. لكن في المستند وغيره : عدمها. ووجهه غير ظاهر. وأصل البراءة لا مجال له مع الدليل.


1) رواه الشيخ (رحمه اللّه) بإسناده عن علي بن الحسن ، عن علي بن أسباط ، عن عمه يعقوب ابن سالم الأحمر ، عن أبي بصير. ( منه قدس سره ). راجع التهذيب ج 1 صفحة 393 طبع النجف الأشرف.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

والظاهر : اختصاص البطلان بصوم رمضان [1]. وإن كان الأحوط إلحاق قضائه به أيضاً ، بل إلحاق مطلق الواجب ، بل المندوب أيضاً. وأما لو طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم ، أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار فصومها صحيح [2] ، واجباً كان أو ندباً على الأقوى.

( مسألة 49 ) : يشترط في صحة صوم المستحاضة [3]


[1] لاختصاص النص به ، والمرجع في غيره عموم حصر المفطر في غيرهما ، الموافق لأصل البراءة. ولأجل العموم المذكور يشكل البناء على قاعدة الإلحاق ، كما أشرنا إليه سابقاً.

ودعوى : كون المفهوم من الموثق المتقدم : منافاة حدث الحيض للصوم مطلقاً ، عهدتها على مدعيها. فما في نجاة العباد : من إلحاق غير شهر رمضان من النذر المعين ونحوه به ضعيف. نعم لا يبعد الإلحاق في قضاء رمضان. لظهور دليل القضاء في اتحاده مع المقضي في جميع الخصوصيات عدا الزمان.

[2] لعدم الدليل على المفطرية حينئذ. لاختصاص الموثق المتقدم بصورة التواني عن الغسل ، غير الصادق فيما نحن فيه. وما في نجاة العباد : من تخصيص الصحة في الواجب المعين ، دون الموسع والمندوب ، ضعيف ونحوه : ما عن كشف الغطاء : من تخصيص الصحة بغير الموسع.

[3] على المشهور شهرة عظيمة. بل عن جماعة : الإجماع عليه. ويدل عليه صحيح ابن مهزيار : « وكتبت اليه (عليه السلام) : امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ، ثمَّ استحاضت ، فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة ، من الغسل لكل صلاتين ، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب (عليه السلام) : تقضي

• على الأحوط - الأغسال النهارية التي للصلاة [1] ، دون ما لا

صومها ، ولا تقضي صلاتها. لأن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كان يأمر فاطمة (عليها السلام) والمؤمنات من نسائه بذلك » (1)وإضماره لا يقدح ، كما تكرر غير مرة. وكذا اشتماله على ما لا يقول به الأصحاب من عدم قضاء الصلاة. لامكان التفكيك بين فقرات الحديث الواحد في الحجية. وكذا اشتماله على الأمر لفاطمة - التي تكاثرت الأخبار : بأنها (عليها السلام) لم تر حمرة أصلا ، لا حيضاً ولا استحاضة - لامكان أن يكون المراد منها بنت أبي حبيش. أو لكون الأمر لفاطمة الزهراء (عليها السلام) لأجل أن تعلم المؤمنات ، لا لعمل نفسها. ولا سيما وكون المحكي عن الفقيه والعلل روايته هكذا : « كان يأمر المؤمنات .. » (2)ومن ذلك يظهر ضعف الوجه في توقف المصنف (رحمه اللّه) عن الجزم بالاشتراط.

[1] أقول : مقتضى الجمود على عبارة النص كون الوجه في فساد الصوم : ترك الغسل للصلاتين ، الظهرين والعشاءين ، إذ لا تعرض فيه لغسل الفجر. لكن الظاهر - بل المقطوع به - إرادة ترك الغسل للصلاة أصلا حتى للفجر. وحينئذ فبطلان الصوم عند ترك الجميع لا يدل على اعتبار كل واحد منها فيه ، وإنما يدل على اعتبارها في الجملة ، كلا أو بعضاً. ولما كان لا يحتمل اعتبار غسل العشاءين فقط ، بل التردد إنما هو في اعتبار غسل النهار فقط ، أو مع غسل الليل ، يكون غسل الليل مشكوك الشرطية ويكون المرجع فيه أصل البراءة ، على التحقيق من جريانه مع الشك في الشرطية ، كالجزئية.


1) الوسائل باب : 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1 ، باب : 41 من أبواب الحيض حديث : 7.

2) الفقيه ج 1 صفحة 142 طبع النجف الأشرف. هذا والمذكور في الكافي ، والتهذيب وموضع أخر من الفقيه هو ما تقدم أولا. لاحظ الكافي ج 4 صفحة 136 طبع إيران الحديثة والتهذيب ج 4 صفحة 310 طبع النجف الأشرف ، والفقيه ج 2 صفحة 94 طبع النجف الأشرف.

يكون لها. فلو استحاضت قبل الإتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل - كالمتوسطة [1] ، أو الكثيرة - فتركت الغسل بطل صومها. وأما لو استحاضت بعد الإتيان بصلاة الفجر ، أو بعد الإتيان بالظهرين ، فتركت الغسل إلى الغروب لم يبطل صومها [2]. ولا يشترط فيها الإتيان بأغسال الليلة المستقبلة [3] ، وإن كان أحوط. وكذا لا يعتبر فيها الإتيان


ثمَّ نقول : إن تمَّ إجماع على اعتبار غسلي النهار معاً فهو. وإلا كان كل منهما طرفاً للعلم الإجمالي ، فيجب الاحتياط بفعلهما معاً. اللّهم إلا أن يكون غسل الفجر متيقناً أيضاً ، إذ لم يقل أحد بالاقتصار على غسل الظهرين دونه ، مع احتمال الاقتصار على غسل الفجر قبل الصوم دون غسل الظهرين كما عن العلامة (رحمه اللّه) في النهاية.

لكن هذا المقدار لا يوجب العلم التفصيلي ، بنحو ينحل به العلم الإجمالي ليرجع في غسل الظهرين إلى أصالة البراءة.

[1] لا يخفى أن مورد الصحيح هو الكثيرة ، ولأجل ذلك خص الحكم بها في الجامع ، والبيان ، والموجز ، وشرحه ، والجعفرية. بل لعله ظاهر كل من عبر بالأغسال. لكن عن جامع المقاصد وغيره : التصريح بعدم الفرق بين الكثيرة والمتوسطة. وهو غير ظاهر الوجه. إلا دعوى : كون المفهوم من النص مانعية الحدث الأكبر للصوم. وعهدتها على مدعيها. مع أني لم أجد التصريح بعدم الفرق في جامع المقاصد. وحينئذ فما في الجواهر - من رمي التقييد بالكثيرة بالشذوذ ، أو كونه محمولا على ما يقابل القليلة - لم يصادف محله ،

[2] لعدم فوات الغسل النهاري.

[3] فإنه لا يعتبر ذلك في الصحة قطعاً ، كما في جامع المقاصد.

بغسل الماضية ، بمعنى : أنها لو تركت الغسل الذي للعشاءين لم يبطل صومها لأجل ذلك. نعم يجب عليها الغسل حينئذ لصلاة الفجر ، فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة. وكذا لا يعتبر فيها ما عدا الغسل من الأعمال [1]. وإن كان الأحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الأغسال ، والوضوءات ، وتغيير الخرقة ، والقطنة. ولا يجب تقديم غسل المتوسطة والكثيرة على الفجر [2] ، وإن كان هو الأحوط.

( مسألة 50 ) : الأقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلا قبل الفجر [3] حتى مضى عليه يوم


ويقتضيه الأصل ، كما تقدم في غسل الليلة الماضية. ومنه يظهر : أنه لا فرق في جريان الأصل بين أن تغتسل لصلاة الصبح قبل الفجر - كما سيأتي - وأن تغتسل بعد الفجر ، فان الوجه المتقدم يقتضي جريان الأصل النافي لاعتبار الغسل لليلة الماضية في صحة صوم النهار اللاحق.

[1] لعدم الدليل عليه. فما عن ظاهر السرائر ، ونهاية الأحكام وغيرهما ، - من التوقف عليه ، حيث علق الفساد فيها على الإخلال بما عليها - في غير محله ، أو يكون المراد منه خصوص الغسل.

[2] لعدم الدليل عليه. والنص إنما تضمن الغسل للصلاة ولو بعد دخول وقتها. ومجرد دلالة الرواية على كون المنع للحدث لا يجدي في وجوب التقديم. إلى أن يدل الدليل على منع الدخول في الصوم مع الحدث ، وهو غير ثابت. وحينئذ فما عن العلامة في النهاية - من احتمال اشتراط الصوم بغسل الفجر خاصة مع وجوب تقديمه عليه - ضعيف.

[3] كما عن الصدوق ، والشيخ في النهاية والمبسوط ، والمحقق في المعتبر


وابن سعيد ، والعلامة ، وأكثر المتأخرين. بل نسب إلى الأكثر ، والأشهر. ويدل عليه صحيح الحلبي : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان ، فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان. قال (عليه السلام) : عليه أن يقضي الصلاة والصيام » (1)، وخبر إبراهيم بن ميمون : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان. ثمَّ ينسى أن يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة ، أو يخرج شهر رمضان. قال (عليه السلام) : عليه قضاء الصلاة والصوم » (2). وقريب منهما مرسل الفقيه (3).

وعن الحلي : العدم ، بل في محكي كلامه : أنه لم يقل أحد من محققي أصحابنا بوجوب القضاء. وفي الشرائع والنافع : أنه أشبه. وكأنه لما دل على رفع النسيان (4)ولمساواته للنوم ، الذي سيأتي عدم المفطرية معه. ولما دل على حصر المفطر في غيره. والجميع - كما ترى - لا يصلح لمعارضة ما سبق. مع أن حديث رفع النسيان إنما يصح تطبيقه لو ثبت عموم يقتضي قدح مطلق الجنابة ، وهو مفقود. ولو ثبت فلا يصلح الحديث لتصحيح الناقص ، بنحو لا يحتاج إلى الإعادة والقضاء. إذ غاية ما يقتضي رفع التكليف بالتمام ، لا ثبوت التكليف بالناقص حال النسيان ليصح ، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. والمساواة للنوم إن أريد بها المساواة في العذرية عقلا فلا تجدي فيما نحن فيه ، وإن أريد بها المساواة شرعاً في الأحكام فهي مصادرة.

وربما يتوهم : معارضة النصوص المذكورة بما ورد في عدم قضاء الجنب إذا نام حتى أصبح (5)، لأن بينها وبين نصوص المقام عموما من


1) الوسائل باب : 30 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 3.

2) الوسائل باب : 30 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 1.

3) الوسائل باب : 30 من أبواب من يصح الصوم منه حديث : 2.

4) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

5) تقدم ذلك في الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

أو أيام. والأحوط إلحاق غير شهر رمضان - من النذر المعين ونحوه - به ، وإن كان الأقوى عدمه [1]. كما أن الأقوى عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك [2] وإن كان أحوط.


وجه. ولكنه في غير محله ، لدلالة تلك النصوص على عدم اقتضاء الجنابة من حيث النوم للإفطار ، ودلالة نصوص المقام على اقتضائها له من حيث النسيان ، فلا تنافي بينهما ، كما لا تنافي بين المقتضي واللامقتضي في سائر المقامات وعليه فلو نسي الجنابة ثمَّ نام حتى أصبح ، أو نام ثمَّ استيقظ فنسي حتى أصبح كان مفطراً ، وعليه القضاء ، لتحقق المقتضي بلا مانع.

[1] لاختصاص النص بشهر رمضان ، والتعدي منه إلى مطلق الصوم محتاج إلى فهم عدم الخصوصية لرمضان ، بنحو يقدم على عموم ما دل على حصر المفطر في غيره ، وهو غير ثابت. فالعموم المذكور ، المطابق لأصل البراءة محكم.

ومنه يظهر : ضعف ما استظهره في الجواهر : من عدم الفرق بين الأقسام في الاشتراط. نعم يلحق برمضان قضاؤه ، لما دل على اتحاد المقضي وقضائه ، لما أشرنا إليه سابقاً. ولا سيما مع إمكان دخوله في صحيحي ابن سنان المتقدمين في قضاء رمضان (1). [2] لما سبق في نظيره : من اختصاص النصوص بالجنابة ، فالتعدي منها إليها يحتاج الى دليل مفقود. وفهم عدم الخصوصية للجنابة غير ثابت ولا سيما بملاحظة عموم حصر المفطرات في غيره. وما في الجواهر - من استظهار الإلحاق بالجنابة - غير ظاهر. وتعليله : بأنهما أقوى ، لأنه لم يرد فيهما ما ورد فيه مما يوهم أن الشرط إنما هو تعمد البقاء. ممنوع ، لاختصاص


1) تقدم ذكرهما في الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

( مسألة 51 ) : إذا كان المجنب ممن لا يتمكن من الغسل لفقد الماء ، أو لغيره من أسباب التيمم - وجب عليه التيمم [1] ، فان تركه بطل صومه [2]. وكذا لو كان متمكناً من الغسل وتركه حتى ضاق الوقت [3].

( مسألة 52 ) : لا يجب على من تيمم بدلا عن الغسل أن يبقى مستيقظاً حتى يطلع الفجر ، فيجوز له النوم بعد التيمم قبل الفجر على الأقوى [4]. وإن كان الأحوط البقاء مستيقظاً ، لاحتمال بطلان تيممه بالنوم ، كما على القول بأن التيمم بدلا عن الغسل يبطل بالحدث الأصغر.


النص المتقدم في الحيض بصورة التواني في الغسل (1)مع أن هذا المقدار - لو تمَّ - لا يوجب الأقوائية. بل كثرة النصوص في قدح الجنابة عمداً ، وقلتها في قدحهما كذلك ، ربما يقتضي أقوائيتها منهما. مع أن الأقوائية في العمد لا تقتضي الأقوائية في المقام ، لاختلاف الجهات. فالتعدي عن عموم حصر المفطر بغيرهما غير ظاهر الوجه.

[1] لما عرفت من كون المورد من موارد عموم كونه أحد الطهورين وأنه بمنزلة الغسل ، فيترتب على فعله وتركه ما يترتب على فعل الغسل وتركه.

[2] لأنه بقاء على الجنابة عمداً.

[3] يعني : ضاق عن الغسل ، فلم يغتسل ، ولم يتيمم. أما لو ضاق الوقت عن الغسل فتيمم صح صومه. فالمراد من العبارة : أن ضيق الوقت عن الغسل كغيره من الأعذار موجب للتيمم ، وتركه موجب للبطلان.

[4] يعني : بناء على ما اختاره من عدم انتقاض التيمم الذي هو بدل الغسل بالحدث الأصغر كالنوم ، كما أشار الى ذلك في المتن.


1) تقدم ذلك في الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

( مسألة 53 ) : لا يجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الأعذار أن يبادر إلى الغسل فوراً [1] وإن كان هو الأحوط.

( مسألة 54 ) : لو تيقظ بعد الفجر من نومه ، فرأى نفسه محتلماً لم يبطل صومه ، سواء علم سبقه على الفجر ، أو علم تأخره ، أو بقي على الشك. لأنه لو كان سابقاً كان من البقاء على الجنابة غير متعمد. ولو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار. نعم إذا علم سبقه على الفجر لم يصح منه صوم قضاء رمضان [2] مع كونه موسعاً. وأما مع ضيق وقته فالأحوط الإتيان به وبعوضه [3].


[1] بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه ، كما في الجواهر. وعن التذكرة : نسبته إلى علمائنا. وعن المنتهى ، والذخيرة ، والحدائق : نفي العلم بالخلاف فيه. ويدل عليه صحيح العيص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتقدم في عدم مفطرية الاحتلام (1)وما في مرسل إبراهيم بن عبد الحميد : « إذا احتلم نهاراً في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل » (2)محمول على الندب وكأنه هو الوجه في الاحتياط.

[2] لما عرفت من إطلاق النص الدال على قدح الجنابة فيه ، الشامل لغير العمد.

[3] منشؤه : التوقف في أن قولهم (عليهم السلام) : « لا تصم هذا اليوم ، وصم غداً » (3)هل له ظهور أو انصراف الى الموسع أو لا؟ فعلى الأول


1) تقدم ذلك في الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

2) تقدم ذلك في الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

3) تقدم ذلك في الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

( مسألة 55 ) : من كان جنباً في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال [1]. ولو نام واستمر إلى الفجر لحقه حكم البقاء متعمداً [2] ، فيجب عليه القضاء والكفارة. وأما إن احتمل الاستيقاظ جاز له النوم وإن كان من النوم الثاني أو الثالث أو الأزيد فلا يكون نومه حراماً [3]. وإن كان الأحوط


يجب أن يصومه لصحته ، ولا موجب لصوم غيره. وعلى الثاني يجب أن يصوم غيره لبطلانه. والأظهر الثاني.

[1] لأن في ذلك تعمد البقاء على الجنابة ، المؤدي إلى تعمد الإفطار المحرم.

[2] بل هو بالخصوص مورد بعض النصوص المتقدمة.

[3] كما عن صريح جماعة من المتأخرين ، واختاره في المدارك ، حاكياً له عن المنتهى. للأصل ، وعدم الدليل على الحرمة. وفي المسالك : الحرمة في النوم الثاني مطلقاً ، وفي الأول مع عدم العزم على الغسل ، أو عدم اعتياد الانتباه. وكأنه لما في صحيح معاوية بن عمار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يجنب في أول الليل ، ثمَّ ينام حتى يصبح في شهر رمضان. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء. قلت : فإنه استيقظ ثمَّ نام حتى أصبح. قال (عليه السلام) : فليقض ذلك اليوم عقوبة » (1)وفيه : أن العقوبة بالقضاء لا تلازم الحرمة وإنما يلازمها العقوبة الأخروية لا غير. مع أن الصحيح خال عن التعرض لحكم النومة الأولى ، وربما كان ظاهراً في جوازها ولو مع عدم اعتياد الانتباه فاذاً لا معدل عما يقتضيه أصل البراءة.

وقد يظهر من الجواهر القول بالحرمة لخبر إبراهيم بن عبد الحميد : « وإن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام ساعة حتى يغتسل » (2)لكنه


1) الوسائل باب : 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) تقدم ذلك في الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

ترك النوم الثاني فما زاد وإن اتفق استمراره إلى الفجر [1] ، غاية الأمر : وجوب القضاء أو مع الكفارة في بعض الصور ، كما سيتبين.

( مسألة 56 ) : نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام ، فإنه إما أن يكون مع العزم على ترك الغسل وأما أن يكون مع التردد في الغسل وعدمه ، وإما أن يكون مع الذهول والغفلة عن الغسل ، وأما أن يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتفاق الاستمرار. فان كان مع العزم على ترك الغسل أو مع التردد فيه لحقه حكم تعمد البقاء جنباً [2] ،


• مع إرساله - مروي في الوسائل المصححة هكذا : « فلا ينام إلا ساعة حتى يغتسل. فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه .. » ودلالته غير ظاهرة ، بل هو على الجواز أدل.

وربما يتوهم : أن مقتضى استصحاب بقاء النوم إلى الصبح حرمته ، لأن النوم على الجنابة إلى الفجر حرام. وفيه : أن الحرام تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر ، وهذا المعنى لا يثبت بالاستصحاب المذكور ، ولو ثبت لا يوجب حرمة النوم الخارجي حتى يعلم بترتبه عليه ، كما لعله ظاهر بالتأمل.

[1] لأن اتفاق استمراره لا يوجب صدق تعمد البقاء ، فلا يقتضي ثبوت الحرمة ، كما هو محل الكلام.

[2] أما في الأول فعن المعتبر والمنتهى : نسبته إلى علمائنا ، وفي الرياض الاتفاق عليه. لوضوح كونه من تعمد البقاء على الجنابة ، فيدل على حكمه ما تقدم في تعمد البقاء : من الإجماع والنصوص ، مطلقها ومقيدها.


وأما في الثاني : فهو المحكي عن جماعة. وربما كان إطلاق ما عن المنتهى من أنه لو نام غير ناو للغسل فسد صومه ، وعليه القضاء. ذهب إليه علماؤنا انتهى. ظاهر في الإجماع عليه. إلا أن استدلاله عليه : بأن العزم على ترك الغسل يسقط اعتبار النوم ، يقتضي اختصاص كلامه بالأول ، كما اعترف به في الرياض وغيره.

وكيف كان فاستدل له بالنصوص المتقدمة في حكم تعمد البقاء على الجنابة. وفيه : أن المطلق منها وإن كان يشمل المقام ، لكنك عرفت حمله على صورة تعمد البقاء ، جمعاً بينه وبين ما دل على نفي المفطرية مطلقا. والمقيد منها بالعمد ظاهر في العمد الى النوم حتى يصبح ، أو في مطلق العمد إلى البقاء على الجنابة حتى يصبح ، وليس المقام كذلك ، كما هو ظاهر. ولأجل ذلك تأمل في المدارك في وجوب القضاء في الفرض.

اللّهم إلا أن يقال : التردد في الغسل ينافي نية الصوم ، لأنه إذا كانت الطهارة في أول الفجر معتبرة في قوامه ، فنيته عين نية الطهارة في الحال المذكورة ، ومع عدمها لا نية للصوم المأمور به. فان قلت : المعتبر في الصوم الطهارة من الجنابة العمدية ، لا من مطلق الجنابة ، فلا موجب لنية الطهارة من الجنابة مطلقاً. قلت : التردد في الغسل وعدمه الذي هو محل الكلام ، هو التردد في الطهارة من الجنابة في حال الالتفات إليها وفي البقاء عليها ، فيكون تردداً في البقاء على الجنابة العمدية ، فيكون تردداً في الصوم ، وهو ينافي نية الصوم.

نعم إذا كان التردد في الغسل للتردد في الاستيقاظ وعدمه فلا منافاة بينه وبين نية الصوم. وكذا لو كان للتردد في وجوب الغسل وعدمه ، بناء على ما سبق : من عدم منافاة نية فعل المفطر لنية الصوم إجمالا. فلاحظ.

بل الأحوط ذلك إن كان مع الغفلة والذهول أيضاً [1]. وإن كان الأقوى لحوقه بالقسم الأخير. وإن كان مع البناء على الاغتسال ، أو مع الذهول - على ما قوينا - فان كان في النومة الأولى بعد العلم بالجنابة فلا شي‌ء عليه ، وصح صومه [2].


[1] الذهول أولى من التردد بعدم وفاء النصوص المتقدمة بقدحه. وأما من حيث المنافاة لنية الصوم فالظاهر عدمها ، لا مكان ارتكاز نية الصوم المأمور به شرعاً في ذهنه مع الغفلة عن مفطر بعينه ، فيلحق الذهول المذكور حكم نية الغسل ، كما قواه في المتن. وإن كان ظاهر الجماعة خلافه.

[2] بلا خلاف ظاهر ، بل الظاهر الاتفاق عليه. وعن الخلاف : الإجماع عليه. ويدل عليه - مضافاً إلى إطلاق النصوص النافية للبأس عن النوم بعد الجنابة حتى يصبح - : صحيح معاوية بن عمار المتقدم (1)وصحيح ابن أبي يعفور : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يجنب في شهر رمضان ثمَّ يستيقظ ، ثمَّ ينام ، ثمَّ يستيقظ ، ثمَّ ينام حتى يصبح. قال (عليه السلام) : يتم صومه ، ويقضي يوماً آخر. وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له » (2)وحمل نفي الاستيقاظ في الشرطية الثانية على نفي أصل الاستيقاظ ، لا الاستيقاظ الثاني خلاف الظاهر ، لأنه يوجب عدم التعرض لبعض الصور المفروضة ، وهو خلاف الظاهر ، بل يوجب عدم التعرض لما هو أولى من غيره بالتعرض فلاحظ.

لكن عن موضع من المعتبر : « لو أجنب فنام ناوياً للغسل حتى أصبح فسد صومه ذلك اليوم ، وعليه قضاؤه. وعليه أكثر علمائنا » وهو غير ظاهر. ومثله : ما حكي عنه : من استدلاله على ذلك بصحيح ابن أبي يعفور المذكور وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال : « سألته عن الرجل تصيبه الجنابة


1) راجع المسألة : 55 من هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

وإن كان في النومة الثانية - بأن نام بعد العلم بالجنابة ، ثمَّ انتبه ونام ثانياً - مع احتمال الانتباه ، فاتفق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط [1] ، دون الكفارة على الأقوى [2]. وإن كان


في شهر رمضان ، ثمَّ ينام قبل أن يغتسل. قال (عليه السلام) : يتم صومه ، ويقضي ذلك اليوم ، إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر. فان انتظر ماء يسخن أو يستقي فطلع الفجر فلا يقضي صومه ( يومه. خ ل ) » (1)إذ الصحيح الأول قد عرفت مفاده. والصحيح الثاني - كغيره من المطلقات - محمول على العمد ، جمعاً بينه وبين غيره ، كما عرفت آنفاً.

[1] بلا خلاف يعرف. وعن المدارك : نسبته إلى الأصحاب. وعن المنتهى : نسبته إلى علمائنا ، وعن الخلاف : الإجماع عليه. وفي المستند : « استفاض نقل الإجماع عليه ». ويدل عليه صحيحا معاوية وابن أبي يعفور المتقدمان.

[2] كما نسب الى ظاهر الأصحاب ، بل قيل : إنه نقل الإجماع عليه للأصل ، مع عدم الدليل عليها ، عدا ما يقال : من أصالة وجوب الكفارة عند وجوب القضاء ، وخبر المروزي عن الفقيه (عليه السلام) : « إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى يصبح ، فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم. ولا يدرك فضل يومه » (2)وما في مرسل إبراهيم ابن عبد الحميد : « فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح ، فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً ، وقضاء ذلك اليوم ، ويتم صيامه. ولن يدركه أبداً » (3)


1) الوسائل باب : 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

3) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

في النومة الثالثة فكذلك على الأقوى [1].


والجميع محل إشكال : أما القاعدة فلا دليل عليها ، كما سيأتي إن شاء اللّه وأما الخبر الأول فخال عن ذكر النوم. وتقييده بالنوم الثاني ليس أولى من تقييده بالعمد ، بل الثاني أظهر ، ولا سيما بملاحظة موثق أبي بصير المصرح فيه بالتقييد بذلك (1)وأما الثاني - فمع ضعفه في نفسه - ظاهر في النومة الأولى. ومجرد عدم إمكان العمل بإطلاقه غير كاف في حمله على النومة الثانية ، لقرب حمله على صورة العمد ، بل هو الأقرب جمعاً فيتعين. فلا معدل عن العمل بالأصل ، المؤيد أو المعتضد بسكوت الصحيحين المتقدمين عن الكفارة (2).

[1] أما وجوب القضاء فالظاهر عدم الخلاف فيه. ويقتضيه : ما تقدم في النوم الثاني. وأما عدم وجوب الكفارة فهو المحكي عن المعتبر ، والمنتهى والمدارك وجماعة من متأخري المتأخرين. لما تقدم في النوم الثاني أيضاً : من الأصل ، وعدم الدليل. لكن المحكي عن الشيخين ، وابني حمزة وزهرة والحلبي ، والحلي ، والعلامة ، والشهيد ، والمحقق الثاني في جملة من كتبهم وغيرهم : وجوبها. بل عن الغنية ، والخلاف ، والوسيلة ، وفي جامع المقاصد : الإجماع عليه. لما تقدم أيضاً في وجه وجوب الكفارة في النوم الثاني ، مما عرفت الاشكال فيه.

وأما الإجماع المحكي في لسان الجماعة فيشكل الاعتماد عليه بعد مخالفة من عرفت. بل من الغريب دعوى الإجماع على وجوب الكفارة من مثل جامع المقاصد مع خلاف المعتبر والمنتهى ، وتردد الشرائع فيه بعد نسبته الى قول مشهور. وكأنه يريد الإجماع ممن سبق المحقق. لكن مخالفته ومخالفة


1) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

2) المراد بهما : صحيحا معاوية بن عمار وابن أبي يعفور المتقدمين قريباً.

وإن كان الأحوط ما هو المشهور [1] : من وجوب الكفارة أيضاً في هذه الصورة ، بل الأحوط وجوبها في النومة الثانية أيضاً. بل وكذا في النومة الأولى أيضاً إذا لم يكن معتاد الانتباه [2] ولا يعد النوم الذي احتلم فيه من النوم الأول ، بل المعتبر فيه النوم بعد تحقق الجنابة ، فلو استيقظ المحتلم من نومه ثمَّ نام كان من النوم الأول لا الثاني [3].


غيره مانعة من جواز الاعتماد عليه ، كما عرفت.

[1] قد عرفت وجه الاحتياط.

[2] كأنه لاحتمال صدق العمد.

[3] كما عن الفخر في شرح الإرشاد ، والشهيدين ، والمدارك ، واختاره في الجواهر وغيرها. وقد يشهد له صحيح العيص بن القاسم : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ، ثمَّ يستيقظ ، ثمَّ ينام قبل أن يغتسل قال (عليه السلام) : لا بأس » (1)فتأمل. مضافاً الى قصور دليله عن شمول نوم الاحتلام. وأما صحيح معاوية بن عمار ، المتقدم في المسألة الخامسة والخمسين (2)فهو إما مختص بالجنابة بغير الاحتلام ، فلا يكون مما نحن فيه. وإما مطلق شامل لما نحن فيه فمقتضى قوله : « ثمَّ ينام » أن يكون المراد غير نومة الاحتلام. فلاحظه.

وأما صحيح ابن أبي يعفور المتقدم (3)فمورد الحكم بالقضاء فيه - على ما في الوسائل المصححة - النوم إلى الصبح بعد يقظتين ، يقظة بعد نومة الاحتلام ويقظة أخرى. نعم فيما يحضرني من نسختي الوسائل المطبوعة


1) الوسائل باب : 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

2) من هذا الفصل.

3) تقدم ذلك قريباً في هذه المسألة.


والحدائق - وعن الفقيه والوافي عنه - روايته هكذا : « يجنب في شهر رمضان ثمَّ ينام ، ثمَّ يستيقظ ، ثمَّ ينام » (1)فيكون حاله حال صحيح معاوية إما ظاهر في غير الاحتلام ، أو شامل له. وبقرينة : ( ثمَّ ) يراد من النوم فيه غير نومة الاحتلام. وفيما يحضرني من نسخة الجواهر ، والمستند والمعتبر والمنتهى ، والمختلف ، ومجمع البرهان ، والذخيرة ، وعن التهذيب ، والوافي عنه روايته هكذا : « يجنب في شهر رمضان ، ثمَّ يستيقظ ، ثمَّ ينام حتى يصبح » (2)وحينئذ يكون مقتضاه احتساب المقدار الواقع بعد الاحتلام وربما كان نحوه موثق سماعة : « سألته (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان ، فنام وقد علم بها ، ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر. فقال (عليه السلام) : عليه أن يتم صومه ، ويقضي يوماً آخر » (3)لكن الموثق غير ظاهر في النومة الثانية. وحينئذ كما يمكن حمله على النومة الثانية لنومة الاحتلام ، يمكن حمله على التعمد كغيره مما ورد في مطلق النوم بعد الجنابة وقد عرفت أنه الأظهر.

وأما النسخة الأخيرة لصحيح ابن أبي يعفور فلا مجال للاعتماد عليها في قبال غيرها ، ولا سيما مع استبعاد الفرق بين يقظة الجنابة إذا أجنب في اليقظة وبين الانتباهة بعد نومة الاحتلام. فاذاً لا موجب لطرح الأصل وعموم حصر المفطر اللذين هما العمدة في المقام.


1) كما في الفقيه ج 1 صفحة 136 الطبعة الايرانية بعنوان ( نسخة ). وأما الطبعة الأخرى من الفقيه فلم تشتمل على ذلك. لاحظ الفقيه ج 2 صفحة 75 طبع النجف الأشرف ، والوافي ص 348 والوسائل باب : 15 من أبواب ما يجب الإمساك عنه حديث : 2 ، الطبعة الايرانية الحديثة.

2) التهذيب ج 4 صفحة 211 طبع النجف الأشرف ، الاستبصار ج 2 صفحة 86 ، الوافي صفحة 348.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

( مسألة 57 ) : الأحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعين به [1] في حكم استمرار النوم الأول ، أو الثاني ، أو الثالث ، حتى في الكفارة في الثاني والثالث ، إذا كان الصوم مما له كفارة ، كالنذر ونحوه.

( مسألة 58 ) : إذا استمر النوم الرابع أو الخامس فالظاهر أن حكمه حكم النوم الثالث [2].


أما صحيح العيص : فالظاهر منه الاحتلام في النهار ، فإنه المنصرف من إطلاق السؤال. ولا سيما بقرينة عدم تعرضه للبقاء على الجنابة إلى الصبح وإنما كان السؤال عن مجرد النوم على الجنابة آناً ما ، ومن البعيد أن يكون مما يحتمل المنع عنه في ليل رمضان كي يسأل عن حكمه. ولو سلم كان ظاهراً في الجواز التكليفي للنوم في الجملة ، ولا يكون مما نحن فيه. فلاحظ. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في المستند : من احتساب نومة الاحتلام من النوم الأول. فتأمل جيداً.

[1] لأن النصوص المتقدمة وإن كانت واردة في رمضان بخصوصه لكن يقرب فهم عدم الخصوصية له ، وأن ذلك قادح في مطلق الصوم المعين. وإنما لم يجزم المصنف (رحمه اللّه) بذلك لما عرفت غير مرة : من أن ذلك معارض بإطلاق ما دل على حصر المفطرات في غيره ، المطابق لمقتضى أصالة البراءة. لكن عرفت ضعف الوجه الأول.

نعم يتعين القول بإلحاق قضائه به ، لما عرفت من اتحاد القضاء والمقضي في الخصوصيات ، لو لا ما قد عرفت : من بطلان القضاء بالإصباح جنباً ولو لم يكن قد أفاق.

[2] لأنه يفهم وجوب القضاء فيه من نصوص النوم الثاني ، كما فهم وجوب القضاء في النوم الثالث ، فإنه لم تصرح به النصوص. وأما الكفارة

( مسألة 59 ) : الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة [1].

( مسألة 60 ) : ألحق بعضهم الحائض والنفساء بالجنب في حكم النومات [2]. والأقوى عدم الإلحاق ، وكون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال [3] ، فمعه يبطل وإن كان في النوم الأول ، ومع عدمه لا يبطل وإن كان في النوم الثاني أو الثالث.

( مسألة 61 ) : إذا شك في عدد النومات بنى على الأقل [4].

( مسألة 62 ) : إذا نسي غسل الجنابة ، ومضى عليه أيام ، وشك في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر


• على تقدير القول بها في الثالث - فلا فرق في نصوصها بينه وبين غيره.

[1] فإن الجنابة الواقعية وإن لم تكن تمام موضوع الحكم ، بل العلم جزء منه إلا أن المحقق في الأصول : قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ في موضوع الحكم على نحو الطريقية ، لظهور دليله في تنزيل الشك بعد اليقين بمنزلة اليقين. فراجع.

[2] كما في النجاة ، ونسب الى غير واحد ممن تأخر. ووجهه : أن حكم النومة الأولى في الجنب موافق للأصل ، فيطرد فيهما. والنصوص في النومتين وإن كانت واردة في الجنب ، لكن يتعدى إليهما بالأولوية. وفيه : ما عرفت في المسألة الخمسين : من عدم ثبوت الأولوية.

[3] لأنه المذكور في النص (1)فيدور الحكم مداره.

[4] لأصالة عدم الزائد عليه.


1) راجع الأمر الثامن مما يجب الإمساك عنه في الصوم.

المتيقن [1]. وإن كان الأحوط تحصيل اليقين بالفراغ.

( مسألة 63 ) : يجوز قصد الوجوب في الغسل وإن أتى به في أول الليل [2].


[1] لأصالة الصحة في المقدار الزائد عليه ، المشكوك وقوعه حال الجنابة. ولا مجال لاستصحاب بقاء الجنابة حينه لو كان الشك في نهاية المدة لأن أصالة الصحة مقدمة عليه ، لكونه محكوماً لها.

[2] قد اشتهر الإشكال في وجوب المقدمات قبل الوقت ، من أجل أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها ، فاذا كان الوقت شرطاً لوجوب الصوم كان شرطاً لوجوب المقدمة ، فلا وجوب قبله ، فكيف يمكن أن ينوي الوجوب بفعل المقدمة قبل الوقت؟! ولأجل ذلك يمتنع الإتيان بالغسل قبل الوقت بنية الوجوب.

فلا بد في إمكان نية الوجوب به من الالتزام بكون وجوب الصوم من الوجوب المعلق ، بأن يكون الوقت شرطاً للواجب - وهو الصوم - لا للوجوب ، فيكون الوجوب حالياً والواجب استقباليا.

ودعوى : أنه إذا كان الوقت شرطاً للواجب كان الواجب غير مقدور في الزمان الحالي ، لأن العجز عن الشرط فيه يستوجب العجز عن المشروط فاذا انتفت القدرة في الحال انتفى الوجوب فيه. مندفعة : بأن الزمان الاستقبالي أخذ شرطاً للواجب بنحو لا يجب تحصيله ، بأن أخذ وجوده الاستقبالي الحاصل من قبل إرادة اللّه تعالى شرطاً ، فاذا فرض حصوله بعد ذلك من قبله تعالى كان الفعل فيه مقدوراً ، وجاز تعلق التكليف به.

نعم مثل هذا التكليف لا يبعث على إيجاده فعلا حالا ، وإنما يقتضي البعث إليه في وقته المعين له ، وهذا المقدار لا يوجب المنع من تعلق التكليف به فعلا عرفا أو عقلا. نظير الأمر بالمركب فإنه ينحل إلى أوامر متعددة


بتعدد الأجزاء ، والأمر الضمني المتعلق بالجزء الأخير لا يقتضي البعث اليه فعلا ، ولكن لا يصح لذلك أن يقال : إن الأمر بالمركب منتف ، وإنما الأمر الفعلي هو المتعلق بالجزء الأول منه لا غير. ويكفي في صحة دعوى كونه حالياً أنه يبعث الى فعل المقدمات قبل الوقت ، كالغسل في المقام. أو الالتزام بالتفكيك بين الوجوب النفسي والغيري في الإطلاق والاشتراط فيكون وجوب الغسل مطلقاً غير مشروط بالوقت ، ووجوب الصوم مشروطاً به. لكن في معقولية ذلك إشكال ، لأن الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي ، فإذا كان الوجوب النفسي معلولا للشرط امتنع أن لا يكون الوجوب الغيري معلولا له ، لأن علة العلة علة.

أو الالتزام بأن الزمان اللاحق شرط للوجوب النفسي على نحو الشرط المتقدم ، ولكنه شرط للوجوب الغيري على نحو الشرط المتأخر. والاشكال السابق لا مجال له هنا ، لا مكان كون المصلحة الموجودة في المقدمة منوطة بالوقت على غير نحو إناطة مصلحة الواجب به.

أو الالتزام بكون الشرط وجود الوقت الاستقبالي اللحاظي لا الخارجي فيكون الوجوب ثابتاً قبله منوطاً به ، لا مطلقاً.

لكن هذا الالتزام وإن كان في محله ، إلا أنه لا يدفع الإشكال ، لأن وجوب المقدمة قبل الوقت وإن كان حاصلا على نحو الإناطة بالوجود الاستقبالي ، إلا أن الإناطة المذكورة مانعة من باعثيته إلى فعل المقدمة قبل حصول المنوط به. إلا أن تكون الإناطة على نحو الشرط المتأخر ، فيتوجه عليه ما يتوجه على الوجه السابق من الإشكال.

أو الالتزام بوجوب الغسل وجوباً تهيئياً ، لا غيرياً ، ويكون هو الباعث على فعله قبل الوقت. لكن مغايرة الوجوب التهيئي للوجوب الغيري غير ظاهرة. وقد تعرضنا لهذه الوجوه في تعليقة الكفاية في مبحث وجوب التعلم.

لكن الأولى مع الإتيان به قبل آخر الوقت أن لا يقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة.

( مسألة 64 ) : فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم [1] ، فيصح صومه مع الجنابة ، أو مع حدث الحيض أو النفاس.

( مسألة 65 ) : لا يشترط في صحة الصوم الغسل لمس الميت [2]. كما لا يضر مسه في أثناء النهار.

( مسألة 66 ) : لا يجوز إجناب نفسه في شهر رمضان إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمم [3] ، بل إذا لم يسع للاغتسال ولكن وسع للتيمم [4]. ولو ظن سعة الوقت فتبين


ولو لم يتم شي‌ء من ذلك وجب عقلا فعل الغسل قبل الوقت بنية الاستحباب. وهذا الوجوب العقلي يبعث على فعل المقدمة قبل الوقت كفعلها بعده. بل قد يجب فعلها تعييناً قبله إذا لزم من تركها فوات الواجب ، لا أنه يأتي بها بنية الوجوب الشرعي النفسي أو الغيري ، كما هو كذلك لو تمَّ أحد الوجوه السابقة. فلاحظ.

[1] لعدم الدليل على قدح الجنابة حينئذ. والثابت من الأدلة غيره مما سبق.

[2] لعدم الدليل على شرطيته ، ولا على مانعية حدث المس لا حدوثاً ولا بقاء.

[3] كما سبق في أوائل المفطر الثامن.

[4] يعني : لا يجوز إجناب نفسه حينئذ ، لكن عدم الجواز في الفرض تكليفي - بمعنى : حصول العصبان - لا وضعي ، بمعنى : البطلان ، كما

ضيقه ، فإن كان بعد الفحص صح صومه [1] ، وإن كان مع ترك الفحص ، فعليه القضاء على الأحوط [2].

التاسع من المفطرات : الحقنة بالمائع [3] ، ولو مع الاضطرار إليها [4] لرفع المرض. ولا بأس بالجامد [5].

وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً.


سبق في أوائل هذا المفطر تصريحه به.

[1] لعدم الدليل على المفطرية حينئذ.

[2] لاحتمال صدق التعمد بترك الفحص. لكن الأظهر عدمه.

[3] كما عن المختلف ، حاكياً له عن الشيخ في المبسوط والجمل ، والقاضي ، والحلبي ، وحكي أيضاً عن الإرشاد والتحرير ، والدروس ، وغيرها. بل في الناصريات : « لم يختلف في أنها تفطر ». ويقتضيه صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) : « أنه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان. فقال (عليه السلام) : الصائم لا يجوز له أن يحتقن » (1). وحمل نفي الجواز على الحرمة التكليفية - كما نسب إلى كثير - خلاف ظاهره في أمثال المقام. والظاهر من الاحتقان عرفاً خصوص المائع.

[4] كما يقتضيه ظاهر النص. ولم يعرف التفصيل بين الاختيار والاضطرار في المفطرية. نعم عن ابن زهرة : التفصيل بينهما في الكفارة ، مدعياً الإجماع عليه. ولعله في محله. إذ مع الاضطرار يجوز الإفطار أو يجب ، فلا مجال للكفارة معه.

[5] كما عن الأكثر ، ونسب إلى جملة من كتب الشيخ (رحمه اللّه) ، والسرائر ، والنافع. ويقتضيه الأصل - بعد قصور الصحيح المتقدم عن شموله ، لظهوره في المائع - وصحيح علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى


1) الوسائل باب : 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

( مسألة 67 ) : إذا احتقن بالمائع ، لكن لم يصعد إلى


ابن جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس » (1). فإنه لو سلم إطلاقه الشامل للمائع كان مقيداً بالصحيح السابق ، لما عرفت من ظهوره في خصوص المائع.

وأوضح من ذلك : موثق الحسن بن فضال : « كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام : ما تقول في اللطف يستدخله الإنسان وهو صائم؟ فكتب (عليه السلام) لا بأس بالجامد » (2)، وعن الشيخ (رحمه اللّه) روايته : « في اللطف من الأشياف » (3). ولأجله يظهر أنه لو بني على عموم الصحيحين معاً للجامد والمائع معاً ، يكون الموثق المذكور موجباً للجمع العرفي بينهما بالتقييد لأن الموثق أخص من الأول فيقيد به ، وبعد التقييد المذكور يكون الأول أخص من الثاني فيقيد به أيضاً.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن السيد في الناصرية ، والمفيد ، وعلي ابن بابويه ، والحلبي : من الإفساد في الجامد كالمائع ، واختاره في المختلف. كما يظهر أيضاً ضعف ما في المعتبر : من الحرمة فيهما معاً ، لعدم صحة الموثق لوجود ابني فضال في سنده. ولكونه مكاتبة. إذ فيه : أن الموثق من الخبر حجة ، ولا سيما إذا كان في السند بنو فضال. وكذا المكاتبة. مع أن في صحيح ابن جعفر - بعد حمله على الجامد ، ولو للجمع بينه وبين صحيح البزنطي - كفاية. ولو فرض التعارض وتساويهما في العموم كان مقتضى الجمع العرفي الحمل على الكراهة.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

الجوف ، بل كان بمجرد الدخول في الدبر فلا يبعد عدم كونه مفطراً [1]. وإن كان الأحوط تركه.

( مسألة 68 ) : الظاهر جواز الاحتقان بما يشك في كونه جامداً أو مائعاً [2]. وإن كان الأحوط تركه.

العاشر : تعمد القي‌ء [3]


[1] لانصراف الاحتقان عنه.

[2] كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية التحريمية. وقد تقدم في المسألة الثامنة والثلاثين ماله نفع في المقام. فراجع.

[3] عن جماعة نسبته إلى الأكثر ، وعن آخرين : نسبته إلى المشهور.

وفي الجواهر : أنه إجماع من المتأخرين ، بل في الخلاف ، وظاهر الغنية ، والمحكي عن المنتهى : الإجماع عليه. انتهى. وتشهد له جملة من النصوص : منها : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا تقيأ الصائم فقد أفطر. وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه » (1). وفي موثق سماعة « سألته عن القي‌ء في رمضان. فقال (عليه السلام) : إن كان شي‌ء يبدره فلا بأس وإن كان شي‌ء يكره نفسه عليه فقد أفطر ، وعليه القضاء » (2)ونحوهما غيرهما.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الحلي : من أنه محرم غير مفطر ، للأصل. ولعموم حصر المفطر في غيره. ولأن الصوم الإمساك عما يصل إلى الجوف ، لا عما يخرج منه ، فتحمل النصوص على الحرمة. ولصحيح عبد اللّه بن ميمون ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال : « ثلاثة لا يفطرن الصائم : القي‌ء ، والاحتلام ، والحجامة » (3). فإن الأصل


1) الوسائل باب : 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

3) الوسائل باب : 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

وإن كان للضرورة [1] ، من رفع مرض ، أو نحوه. ولا بأس بما كان سهواً [2] ، أو من غير اختيار [3]. والمدار على الصدق العرفي [4] ، فخروج مثل النواة ، أو الدود لا يعد منه [5].

( مسألة 69 ) : لو خرج بالتجشؤ شي‌ء ، ثمَّ نزل من غير اختيار ، لم يكن مبطلا [6]. ولو وصل إلى فضاء الفم


لا مجال له مع الدليل. والعموم مقيد بالدليل. وكون الصوم : الإمساك عما يدخل في الجوف اجتهاد في مقابل النص. وحمل النصوص على الحرمة خلاف صريحها. والصحيح مقيد بما سبق ، فيحمل على غير صورة الاختيار.

ومن الأخير يظهر ضعف ما عن السرائر : من أنه منقص للصوم غير مبطل له ، جمعاً بين النصوص. إذ الجمع العرفي يقتضي التقييد كما عرفت لا حمل الإفطار على النقص.

[1] لإطلاق النصوص.

[2] كما سيأتي في الفصل الآتي إن شاء اللّه تعالى.

[3] كما صرح به في النصوص ، وادعي الاتفاق عليه. نعم عن ابن الجنيد : وجوب القضاء إذا كان من محرم. وضعفه ظاهر.

[4] كما في سائر الموضوعات المذكورة في الكتاب والسنة.

[5] لا أظن أنه محل إشكال ، فلا يكون مفطراً.

[6] أما ما خرج بالتجشؤ فلعدم الدليل على الإفطار به. بل الظاهر أنه لا كلام في عدمه ، كما يقتضيه ظاهر جملة من النصوص الآتية. وأما ما نزل بلا اختيار فلما سيأتي : من اعتبار الاختيار في حصول الإفطار. مضافاً إلى صحيح عبد اللّه بن سنان قال : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الصائم يقلس ، فيخرج منه الشي‌ء من الطعام ، أيفطر ذلك؟ قال (عليه السلام) : لا.

فبلعه اختياراً بطل صومه [1] ، وعليه القضاء والكفارة. بل تجب كفارة الجمع إذا كان حراماً [2] ، من جهة خباثته ، أو غيرها.

( مسألة 70 ) : لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار فسد صومه [3] إن كان الإخراج منحصراً في القي‌ء ، وإن لم يكن منحصراً فيه لم يبطل [4]. إلا إذا اختار القي‌ء مع إمكان الإخراج بغيره. ويشترط أن يكون مما يصدق القي‌ء على إخراجه [5]. وأما لو كان مثل درة ، أو بندقة ، أو درهم


قلت : فان ازدرده بعد أن صار على لسانه. قال (عليه السلام) : لا يفطره ذلك » (1)وموثق عمار : « عن الرجل يخرج من جوفه القلس حتى - يبلغ الحلق ، ثمَّ يرجع إلى جوفه وهو صائم. قال (عليه السلام) : ليس بشي‌ء » (2). وقريب منهما غيرهما. فتأمل.

[1] لإطلاق ما دل على المنع عن الأكل ، بناء على عمومه للمقام. لكن صحيح ابن سنان المتقدم يقتضي الصحة لو أمكن العمل به على ظاهره.

[2] بناء على ما سيجي‌ء : من وجوبها في الإفطار على الحرام.

[3] يعني : وإن لم يتقيأ ، لأن وجوب فعل القي‌ء المفطر يمنع من التعبد بالإمساك عنه.

[4] لإمكان التقرب بالإمساك عن القي‌ء ، لكون المفروض إمكان إخراجه بغيره ، فيتعين ذلك في نظر العقل ، جمعاً بين غرضي الشارع الأقدس كما في كل واجب كانت مقدمته محرمة مع عدم الانحصار فيها.

[5] كما سبق.


1) الوسائل باب : 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 9.

2) الوسائل باب : 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

أو نحوها مما لا يصدق معه القي‌ء لم يكن مبطلا.

( مسألة 71 ) : إذا أكل في الليل ما يعلم أنه يوجب القي‌ء في النهار من غير اختيار فالأحوط القضاء [1].

( مسألة 72 ) : إذا ظهر أثر القي‌ء وأمكنه الحبس والمنع وجب [2] ، إذا لم يكن حرج وضرر.

( مسألة 73 ) : إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه [3] ولا يكون من القي‌ء. ولو توقف إخراجه على القي‌ء سقط وجوبه ، وصح صومه [4].


[1] لاحتمال كون المعيار في المفطر العمد المصحح للعقاب الحاصل في الفرض ، لا خصوص العمد في زمان الفعل المنتفي. وإن كان هو الظاهر من اعتبار إكراه النفس عليه في موثق سماعة (1)، ولصدق : « بدره » و « ذرعه ». لا أقل من الرجوع إلى أصالة البراءة ، الموافقة لعموم حصر المفطر في غيره.

[2] لمفطريته حينئذ ، لتحقق العمد إليه ، المصحح للعقاب ، كما عرفت. والمراد من الوجوب التكليفي ، بقرينة استثناء الحرج والضرر. إذ لو كان المراد الوضعي - بمعنى : البطلان - لم يكن فرق بين الحرج والضرر وغيرهما في ذلك. وحينئذ يختص الوجوب بالواجب المعين.

[3] لحرمة أكله في نفسه.

[4] للتزاحم بين وجوب الصوم وحرمة الأكل ، والأول أهم ، أو محتمل الأهمية ، فيترجح في نظر العقل. ومنه يظهر : اختصاص الحكم بالواجب المعين. إلا أن في ثبوت أهمية مطلق الواجب المعين. من حرمة الأكل أو احتمالها تأملا ، أو منعاً.


1) تقدم ذلك في المفطر العاشر.

( مسألة 74 ) : يجوز للصائم التجشؤ اختياراً وإن احتمل خروج شي‌ء من الطعام معه [1]. وأما إذا علم بذلك فلا يجوز [2].

( مسألة 75 ) : إذا ابتلع شيئاً سهواً ، فتذكر قبل أن يصل إلى الحلق [3] وجب إخراجه [4] ، وصح صومه. وأما إن تذكر بعد الوصول إليه فلا يجب [5] بل لا يجوز إذا صدق عليه القي‌ء. وإن شك [6] في ذلك فالظاهر وجوب إخراجه أيضاً مع إمكانه ، عملا بأصالة عدم الدخول في الحلق [7].


[1] للأصل. وقد يقتضيه ظاهر النصوص المتقدمة في المسألة التاسعة والستين.

[2] كأن الوجه : دلالة نصوص القي‌ء عليه. وفيه تأمل ظاهر.

[3] يعني : منتهاه.

[4] يعني : لا يجوز ابتلاعه ، لقدحه في الصوم ، فلو أخرجه لم يكن وجه لبطلان الصوم.

[5] لتحقق الأكل والشرب ، فلا يتحقق ثانياً بنزوله الى الجوف. إلا أن نقول : بأن وصول شي‌ء إلى الجوف مفطر لنفسه وإن لم يكن أكلا أو شرباً. وقد تقدم التعرض له في المفطر الأول.

[6] يعني : في الوصول وعدمه.

[7] لا يخلو من تأمل ، لأن أصالة عدم دخوله في الحلق لا يثبت كون ابتلاعه حينئذ أكلا أو شرباً. إلا بناء على الأصل المثبت ، لأن اللزوم بين الأول والثاني عقلي ، لا شرعي. نعم لو ثبت أن كل ما لم يدخل الحلق يحرم ابتلاعه ويقدح في الصوم. كان الأصل المذكور كافياً في إثبات الحرمة. لكنه كما ترى.

( مسألة 76 ) : إذا كان الصائم بالواجب المعين مشتغلا بالصلاة الواجبة ، فدخل في حلقه [1] ذباب ، أو بق ، أو نحوهما ، أو شي‌ء من بقايا الطعام الذي بين أسنانه ، وتوقف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلم ب- ( أخ ) أو بغير ذلك ، فإن أمكن التحفظ والإمساك إلى الفراغ من الصلاة وجب [2] وإن لم يمكن ذلك ودار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالإخراج ، فان لم يصل إلى الحد من الحلق - كمخرج الخاء - وكان مما يحرم بلعه في حد نفسه - كالذباب ونحوه - وجب قطع الصلاة [3] بإخراجه ، ولو في ضيق وقت الصلاة [4] وإن كان مما يحل بلعه في ذاته - كبقايا الطعام - ففي سعة الوقت للصلاة - ولو بإدراك ركعة منه - يجب القطع والإخراج وفي الضيق يجب البلع وإبطال الصوم ، تقديماً لجانب الصلاة


[1] يعني : في فمه ، كما يظهر ذلك من تقسيمه الآتي.

[2] لئلا يلزم قطع الصلاة المحرم.

[3] لأهمية حرمة الأكل وحرمة الإفطار من حرمة قطع الصلاة. بل ثبوت حرمة القطع في مثل ذلك غير معلوم ، فإنه يجوز القطع للحاجة التي منها : الفرار عن المحرم ، كما تقدم في كتاب الصلاة.

[4] فيقطع الصلاة ، وينتقل إلى البدل الاضطراري ، لأن دليل البدلية ظاهر في مثل المورد. أما لو فرض لزوم فوات الصلاة بالمرة فجواز القطع غير ظاهر ، فإن الصلاة إحدى الدعائم التي بني الإسلام عليها ، ومزيد الاهتمام بها من الشارع مما لا مجال للتشكيك فيه ، فكيف يجوز تركها محافظة على امتثال النهي عن أكل الحرام في الجملة؟! وكذا الحال في الفرض الآتي.

لأهميتها [1]. وإن وصل إلى الحد ، فمع كونه مما يحرم بلعه وجب إخراجه بقطع الصلاة وإبطالها ، على إشكال [2]. وإن كان مثل بقايا الطعام لم يجب [3] ، وصحت صلاته ، وصح صومه على التقديرين [4] ، لعدم عد إخراج مثله قيئاً في العرف.

( مسألة 77 ) : قيل يجوز للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه ويخرجه عمداً. وهو مشكل مع الوصول إلى الحد [5] ، فالأحوط الترك.

( مسألة 78 ) : لا بأس بالتجشؤ القهري [6] وإن وصل


[1] ثبوت الأهمية إنما هو إذا دار الأمر بين فوات الصلاة في الوقت بالمرة وفوات الصوم. أما إذا دار بين فوات الصلاة التامة وفوات الصوم فثبوتها محل تأمل ، كما تقدم.

[2] بل هو الأظهر. والاشكال ضعيف ، كما عرفت. نعم في ضيق الوقت بحيث يؤدي القطع إلى فوات الصلاة يشكل جواز القطع ، كما تقدم.

[3] لعدم المقتضي ، كما تقدم في المسألة السابقة.

[4] يعني : تقديري الإخراج وعدمه. أما على الأول فلما ذكر. وأما على الثاني فلكون وصوله إلى الحد لم يكن باختياره ، فلا يكون مفطراً. وابتلاعه بعد ذلك وان كان باختياره فليس بمفطر ، لأنه بعد تجاوز الحد ، كما سبق.

[5] إن كان الاشكال من جهة الإدخال ، ففيه : أنه لم يتضح الفرق بينه وبين إنفاذ الرمح والسكين بحيث يصلان إلى الجوف ، الذي تقدم في أوائل الفصل الجزم بعدم الإفطار به ، لعدم صدق الأكل والشرب. وان كان من جهة الإخراج لاحتمال صدق القي‌ء ، ففيه : أن هذا الاحتمال ضعيف.

[6] للأصل. وكذا تعمد التجشؤ ، كما تقدم. ووجه بقية المسألة يعلم مما سبق في المسائل السابقة.

معه الطعام إلى فضاء الفم ورجع. بل لا بأس بتعمد التجشؤ ما لم يعلم أنه يخرج معه شي‌ء من الطعام. وإن خرج بعد ذلك وجب إلقاؤه. ولو سبقه الرجوع إلى الحلق لم يبطل صومه. وإن كان الأحوط القضاء.

فصل في اعتبار العمد والاختيار في الإفطار

المفطرات المذكورة ، ما عدا البقاء على الجنابة - الذي مر الكلام فيه تفصيلا - إنما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد والاختيار. وأما مع السهو وعدم القصد فلا توجبه [1].


فصل في اعتبار العمد والاختيار في الإفطار

[1] أما في السهو وعدم القصد إلى فعل المفطر فقولا واحداً ، ونصوصاً - كما في الجواهر - وبلا ريب ولا خلاف ، كما في المستند. والظاهر أن النصوص المشار إليها في الجواهر : ما ورد في الكذب والقي‌ء من التقييد بالعمد (1)وما ورد في قضاء من أفطر قبل الغروب من التعليل : بأنه أكل متعمدا (2)ومثل خبر مسعدة : « سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم. قال (عليه السلام) : ليس عليه قضاء ، لأنه ليس بطعام » (3)بناء على أن المراد أنه ليس باختيار المكلف ، وما ورد في تعليل عدم مفطرية الاحتلام من أنه مفعول به (4)وما ورد في سبق ماء المضمضة الذي سيأتي - إن


1) لاحظ نصوص الكذب في الوسائل باب : 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1 ، 2 ، 3. وأما نصوص القي‌ء فقد تقدمت قريبا في المفطر العاشر.

2) الوسائل باب : 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

4) الوسائل باب : 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.


شاء اللّه - الكلام فيه.

وأما النصوص المتضمنة للقضاء على من أفطر متعمدا (1)فلا تصلح لإثبات ذلك ، لأن التقييد بالعمد إنما كان في السؤال ، فلا تصلح لتقييد وجوب القضاء على من أفطر. نعم في رواية المشرقي ذكر في الجواب (2)إلا أن الجزاء فيها مجموع الحكمين : من القضاء والكفارة ، فلا تدل على تقييد القضاء به. فالعمدة في النصوص : ما ذكرنا.

وأما في السهو عن الصوم فلا خلاف ظاهر في عدم الإفطار. وعن غير واحد : نفي الخلاف. وفي المستند : دعوى الإجماع المحقق ، وحكاه عن بعض. ويشهد به جملة من النصوص المتضمنة لعدم الإفطار لو أكل أو شرب أو جامع ناسياً. منها : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل نسي فأكل وشرب ، ثمَّ ذكر. قال (عليه السلام) : لا يفطر. إنما هو شي‌ء رزقه اللّه ، فليتم صومه » (3)وصحيح محمد بن قيس : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر ، من أجل أنه نسي ، فإنما هو رزق رزقه اللّه تعالى ، فليتم صيامه » (4)وموثق عمار : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينسى وهو صائم فجامع أهله. فقال (عليه السلام) : يغتسل ، ولا شي‌ء عليه » (5)ونحوها غيرها.

واختصاصها بالثلاثة لا يقدح في عموم الحكم ، لما في الصحيح الثاني : من التعليل بالنسيان ، المطرد في الجميع. ولعدم الفصل ، أو فهم عدم الخصوصية. مضافاً الى عموم : « ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » (6)


1) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 11.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 9.

5) الوسائل باب : 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

6) الوسائل باب : 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

من غير فرق بين أقسام الصوم [1] ، من الواجب المعين ، والموسع ، والمندوب ولا فرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه [2] والعالم ،


الوارد في نفي القضاء عن المغمى عليه ، بناء على أن تطبيقه بلحاظ نفي القضاء موجب للتصرف فيه بحمل العذر على العذر حتى من أجل القضاء ، لا للتصرف في تطبيقه ، ليختص بمورده. وفيه تأمل.

[1] بلا خلاف. لإطلاق جملة من النصوص. واختصاص بعض النصوص برمضان أو النافلة لا يستوجب تقييد المطلق. ولا سيما مع إمكان إلحاق غيرهما بهما في الحكم ، بإلغاء خصوصية المورد. ولما عن الفقيه : من أنه - بعد روايتي الحلبي وعمار - قال : « روي عن الأئمة (عليهم السلام) : أن هذا في شهر رمضان وغيره ، ولا يجب فيه القضاء » (1)

[2] على المشهور. لإطلاق دليل المفطرية. وعن ظاهر الحلي ، والشيخ في موضع من التهذيب : العدم مطلقاً ، وحكي أيضاً عن ظاهر الجامع ، واختاره في الحدائق. لإطلاق موثق أبي بصير وزرارة ، قالا جميعاً : « سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله وهو في شهر رمضان ، أو أتي أهله وهو محرم وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء » (2)المعتضد بإطلاق صحيح عبد الصمد ، الوارد فيمن لبس قميصاً حال الإحرام : « أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه » (3)وحمل الموثق على الجاهل القاصر غير ظاهر. ومثله : حمله على نفي خصوص الكفارة ، فإنه خلاف إطلاقه. ودعوى : أن بينه وبين أدلة


1) الوسائل باب : 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 12.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب تروك الإحرام حديث : 3.

ولا بين المكره وغيره [1]. فلو أكره على الإفطار فأفطر


المفطرية عموماً من وجه ، والترجيح لها من وجوه : منها : الشهرة. ومنها : ظهور جملة من أدلة القضاء في الجاهل. غير ظاهرة ، إذ الشهرة الفتوائية لا تصلح للترجيح. مع أن إعمال الترجيح في تعارض العامين من وجه خلاف التحقيق. وظهور جملة من أدلة القضاء في الجاهل أول الكلام.

فالتحقيق : أن إطلاق الموثق في نفي القضاء أقوى من إطلاق أدلة المفطرية ، كما هو الحال في أمثاله مما يظهر لعنوان الموضوع خصوصية تناسب الحكم ، كالجهل في المقام. ولو سلم عدم الترجيح في الظهور فاللازم الرجوع إلى الأصل المقتضي لنفي المفطرية. وأما التقييد بغير المقصر فخال عن الوجه. فالبناء على الصحة في الجاهل وإن كان مقصراً أقوى.

نعم لا تشمل الجاهل المتردد الذي لا يحكم عقله بالحل ، فالرجوع فيه إلى عموم المفطرية ووجوب القضاء أولى. ونحوه : الجاهل بالموضوع وإن كان عقله حاكماً بالحل ، لاختصاص الموثق بالجاهل بالحكم. وصحيح عبد الصمد وإن كان يشمله وغيره ، ويقتضي نفي القضاء والكفارة ، لكن الاعتماد عليه في ذلك لا يخلو من إشكال ، لامتناع الأخذ بإطلاقه ، للزوم كثرة التخصيص الموهنة له. فلا يبعد اختصاصه بمورده : من الجهل بالحكم مع حكم عقله بالحل ، فيكون كالموثق. فالمرجع في الجاهل بالموضوع مطلقاً عموم المفطرية. فتأمل جيداً.

[1] كما عن المبسوط ، والتذكرة ، والمسالك ، والحدائق. لإطلاق أدلة المفطرات ، المؤيد بما ورد في الإفطار تقية ، كمرسل رفاعة عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : دخلت على أبي العباس بالحيرة .. ( إلى أن قال ) : فأكلت معه وأنا أعلم واللّه أنه يوم من شهر رمضان ،

مباشرة فراراً عن الضرر المترتب على تركه بطل صومه على الأقوى. نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم يبطل [1].

( مسألة 1 ) : إذا أكل ناسياً ، فظن فساد صومه ، فأفطر عامداً بطل صومه [2]. وكذا لو أكل بتخيل أن صومه


فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا أعبد اللّه » (1)

لكن المحكي عن الأكثر : عدم الإفطار. للأصل ، بعد انصراف أدلة المفطرية الى غير المكره. ولحديث رفع الإكراه الحاكم على إطلاقها (2)وفيه : أن الانصراف ممنوع فلا مجال للأصل. وحديث الرفع لا يصلح لإثبات الصحة ، لأنه ناف لا مثبت ، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً. وأما ما ورد في إكراه الزوجة على الجماع : من أن على الزوج كفارتين (3)فلا يدل على عدم إفطارها ، بل على إفطارها أدل ، بقرينة تعدد الكفارة. وأما ما ورد في نفي القضاء عن المغمى عليه : من قوله (عليه السلام) : « كلما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » (4)فلا يبعد اختصاصه بالإجبار ، كما في الإغماء ، فلا يشمل الإكراه. مع أنك عرفت في أول الفصل : التأمل في صحة التمسك به في غير مورده.

[1] بلا خلاف - كما جزم به جماعة - لانتفاء العمد المعتبر في المفطرية إجماعاً ، كما سبق.

[2] هذا بناء على ما سبق : من إلحاق الجاهل بالعامد ظاهر ، لأن الإفطار مقتضى الإطلاق. أما بناء على إلحاقه بالساهي فقد يشكل الحكم


1) الوسائل باب : 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

2) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 24 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

مندوب يجوز إبطاله ، فذكر أنه واجب [1].

( مسألة 2 ) : إذا أفطر تقية من ظالم بطل صومه [2].


بالإفطار في الفرض ، لكون الوجه في الإفطار جهله بكونه صائماً شرعاً ، والظاهر عدم الفرق بين أفراد الجهل بالحكم.

اللّهم إلا أن يقال : مورد موثق أبي بصير وزرارة المتقدم خصوص الجهل بالمفطرية مع العلم بالصوم (1)والمقام عكس ذلك ، فالتعدي إليه يحتاج الى دليل مفقود. إلا أن يثبت عدم الفصل. لكنه ممنوع ، كما يظهر من المحقق حيث تردد في حكم الجاهل ، وجزم في المقام بالإفطار والقضاء.

[1] فإنه لا ينبغي التأمل في البطلان ، لإطلاق أدلة المفطرية. وخروج نسيان الصوم عنها لا يلازم خروج ما نحن فيه ، للفرق الظاهر بين المقامين.

[2] لما تقدم في المكره. وقال في المدارك - بعد ما اختار الصحة في المكره - : « وفي معنى الإكراه : الإفطار في يوم يجب صومه للتقية ، أو التناول قبل الغروب لأجل ذلك ». ونحوه في الذخيرة. وقال في الحدائق : « قالوا : في معنى الإكراه : الإفطار في يوم .. ». فكأن الخلاف فيه مبني عندهم على الخلاف في المكره.

نعم ظاهر جملة من النصوص الواردة في الأمر بالتقية : صحة العمل الجاري على طبق التقية وإن وجد مانعاً أو فقد شرطاً أو جزءاً ، مثل المصحح عن أبي عمر الأعجمي : « قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين التقية. ولا دين لمن لا تقية له. والتقية في كل شي‌ء ، إلا في النبيذ ، والمسح على الخفين » (2)فان استثناء المسح على الخفين يقتضي


1) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل.

2) لاحظ صدر الرواية في الوسائل باب : 24 من أبواب الأمر بالمعروف حديث : 2 ، وذيلها في باب : 25 حديث : 3.


شمول المستثنى منه للحكم الوضعي ، ومصحح زرارة : « قلت له : في مسح الخفين تقية؟ فقال (عليه السلام) : ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً : شرب المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحج » (1)وفي رواية أبي الصباح عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) : « ما صنعتم من شي‌ء ، أو حلفتم عليه من يمين في تقية ، فأنتم منه في سعة » (2)فإن إطلاق السعة يقتضي الصحة. فتأمل ، وموثق سماعة : « وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ، ويصلي ركعة أخرى ، ويجلس قدر ما يقول : « أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله » ثمَّ ليتم صلاته معه على ما استطاع فإن التقية واسعة. وليس شي‌ء من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها إن شاء اللّه » (3). وقريب منها غيرها. وحينئذ لا مانع من الالتزام بالصحة في المقام ، كما هو صريح جماعة ، بل هو المشهور في غير المقام. فراجع ما تقدم في الوضوء.

نعم القدر المتيقن صورة ما لو كان العمل موافقاً لمذهبهم من حيث الحكم الكلي ، مثل استعمال ما ليس مفطراً عندهم مع كونه مفطراً عندنا كالارتماس. أما لو كان موافقاً لمذهبهم من حيث الموضوع الخارجي ، فإن شمول النصوص له غير ظاهر ، كما لو ثبت عندهم هلال شوال فأفطروا ، فإن الإفطار معهم ليس موافقة لهم إلا في اعتقاد كون يوم الإفطار عيداً وهو من قبيل الموضوع لا الحكم. إلا أن يرجع ذلك إلى مذهبهم في الحكم بحجية الشهادة ، أو في حجية حكم حكامهم التي هي من قبيل الحكم الكلي الظاهري. ولا فرق بين الحكم الواقعي والظاهري في دخولهما تحت دليل


1) الوسائل باب : 25 من أبواب الأمر بالمعروف حديث : 5.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب الأيمان حديث : 2.

3) الوسائل باب : 56 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 2.

( مسألة 3 ) : إذا كانت اللقمة في فمه ، وأراد بلعها لنسيان الصوم ، فتذكر وجب إخراجها ، وإن بلعها مع إمكان إلقائها بطل صومه ، بل تجب الكفارة أيضاً. وكذا لو كان مشغولا بالأكل فتبين طلوع الفجر.


الاجزاء. ويشير اليه خبر أبي الجارود : « إنا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى ، فلما دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) وكان بعض أصحابنا يضحي ، فقال (عليه السلام) : الفطر يوم يفطر الناس ، والأضحى يوم يضحي الناس ، والصوم يوم يصوم الناس » (1).

إلا أن يقال : أدلة الاجزاء مختصة بالعمل الناقص الموافق للتقية ، مثل الوضوء مع المسح على الخف ، أو غسل الرجلين ، والصلاة مع القراءة بدون البسملة ، والصوم مع الارتماس ونحو ذلك. ولا تشمل صورة ترك العمل الواجب بحيث تقتضي عدم وجوب قضائه إذا كان مما يقضى. والإفطار في عيدهم من قبيل ذلك ، لأن الموافقة لهم في جواز الإفطار ، لا في صحة الصوم ، لأنه خلاف معتقدهم ، فنفي القضاء يحتاج الى دليل مفقود. ومجرد كون المورد من باب الموافقة لهم في الحكم الكلي غير كاف في نفي القضاء مع كون مذهبهم جواز الإفطار وعدم صحة الصوم. فالمقام نظير ما لو كان مذهبهم ترك صلاة موقتة ، فتركها تقية ، فإن ذلك لا يوجب نفي القضاء.

وبالجملة : الأدلة ظاهرة في إجزاء العمل الناقص إذا كان الموجب لنقصه التقية ، فيسقط الأمر به ، ولا يحتاج إلى الإعادة. ولا تعرض فيها لسقوط الأمر بالفعل إذا كانت التقية تقتضي تركه. ومن الأول - الذي هو موضوع النصوص - : الإفطار عند سقوط القرص تقية ، فإنه موافقة لهم في مذهبهم في امتثال الحكم الكلي الواقعي ، وهو انتهاء اليوم بسقوط القرص.


1) الوسائل باب : 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 7.

( مسألة 4 ) : إذا دخل الذباب ، أو البق ، أو الدخان الغليظ ، أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه.


وما في الجواهر من الاشكال فيه وفي الإفطار في عيدهم - بالشك في شمول دينية التقية لمثل ذلك ، الذي مرجعه الى موضوع مصداقاً أو مفهوماً لا إلى حكم غير ظاهر ، فان الاختلاف في المسح على الخف ، وجزئية البسملة ، ومانعية التكتف أيضاً اختلاف في مفهوم الموضوع ، ولا ريب في ثبوت التقية فيها ، وأنها من الدين ، فالاختلاف في الموضوعات المستنبطة اختلاف مذهبي تشمله أدلة التقية.

نعم الاختلاف في الموضوع من جهة الأمور الخارجية ليس اختلافاً مذهبياً ، فلا تشمله الأدلة الخاصة بها ، مثل الاختلاف في العيد للاختلاف في الرؤية وعدمها. وأما لو كان من جهة الاختلاف في الحكم الظاهري للاختلاف في حجية الشهادة أو حكم حاكمهم ، فهو وإن كان اختلافاً مذهبياً - كما اعترف به في الجواهر - لكنه لا تشمله أدلتها بنحو لا توجب القضاء كما عرفت. نعم لو حكم حاكمهم بهلال ذي الحجة فالحج الجاري على مقتضى الحكم المذكور مجزي عن الإعادة. وكذا لو حكم حاكمهم بطهارة ماء فتوضأ به وصلى أجزأت صلاته عن الإعادة والقضاء.

ومما ذكرنا يظهر قوة ما في نجاة العباد : من الاجزاء إذا تناول ما ليس مفطراً عندهم ، أو أفطر قبل الغروب تقية ، ووجوب القضاء لو أفطر في عيدهم. كما يظهر أيضاً ضعف القول بالصحة في الجميع ، اعتماداً على نصوص مشروعية التقية ، كضعف القول بعدم الاجزاء ، اعتماداً على أدلة وجوب القضاء ، بعد الاستشكال في دلالة نصوص التقية على الصحة ، كما في المسالك ، والحدائق.

وبالجملة : التفصيل الذي ذكرناه هو الظاهر من النصوص المتقدمة ،

وإن أمكن إخراجه وجب ، ولو وصل إلى مخرج الخاء [1].

( مسألة 5 ) : إذا غلب على الصائم العطش ، بحيث خاف من الهلاك ، يجوز له أن يشرب الماء [2] ، مقتصراً على مقدار الضرورة [3] ، ولكن يفسد صومه بذلك [4].


والقول بالصحة مطلقاً ، أو ببطلان الصوم مطلقاً ضعيف. ومن ذلك يظهر : أن مرسل رفاعة المتقدم - المتضمن وجوب القضاء على من أفطر في عيدهم تقية (1)موافق لما ذكرنا ، لا مخالف له ، وإن كان هو ضعيفاً لا يصلح للحجية.

[1] لحرمة أكله في نفسه.

[2] لأدلة وجوب حفظ النفس عن الهلاك. وكذا لو كان حرجاً أو خاف ضرراً ، لدليل نفي الحرج والضرر.

[3] بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه؟ قال (عليه السلام) : يشرب بقدر ما يمسك رمقه ، ولا يشرب حتى يروي » (2)وخبر المفضل قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن لنا فتيات وشباناً لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش. قال (عليه السلام) : فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون » (3)

[4] لاستعمال المفطر اختياراً. وأدلة رفع الاضطرار لا تصلح لتصحيح الصوم (4).


1) راجع أوائل الكلام من هذا الفصل :

2) الوسائل باب : 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

4) راجع الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

ويجب عليه الإمساك بقية النهار [1] إذا كان في شهر رمضان وأما في غيره من الواجب الموسع والمعين فلا يجب الإمساك [2] وإن كان أحوط في الواجب المعين.

( مسألة 6 ) : لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الإفطار [3] بإكراه أو إيجار في حلقه أو نحو ذلك ، ويبطل صومه لو ذهب وصار مضطراً ولو كان بنحو الإيجار. بل لا يبعد بطلانه بمجرد القصد إلى ذلك ، فإنه كالقصد إلى الإفطار [4].


[1] كما يفهم من الخبرين السابقين.

[2] لعدم الإطلاق في الموثق ، والمتيقن منه شهر رمضان. والخبر - مع ضعفه في نفسه - لا تبعد أيضا فيه دعوى الانصراف إلى شهر رمضان كما يظهر ذلك بملاحظة السؤال. لا أقل من الاجمال فيه ، فأصالة البراءة من وجوب الإمساك في غير رمضان محكمة.

[3] يعني : إذا كان صومه معيناً ، فان العمد الى الذهاب عمد إلى الإفطار المحرم ، وقد عرفت : أن الإفطار عمداً مفطر موجب للقضاء.

نعم يمكن الإشكال في الإيجار : بأنه غير مفطر ، نظير الاحتلام ، لأنه مفعول به ، فالعمد اليه ليس عمداً إلى المفطر ، حتى يكون حراماً. فالعمد اليه بالذهاب ليس عمداً إلى الحرام ، كما لو علم أنه إذا نام يحتلم ، أو إذا أكل في الليل شيئاً احتلم.

بل قد يشكل الأمر في القي‌ء ، بناء على ما تقدم من المصنف (رحمه اللّه) : من التوقف في كفاية العمد المصحح للعقاب في تحقق العمد المعتبر في مفطريته.

[4] فقد تقدم أنه مفطر. هذا والحكم في المسألة الآتية ظاهر.

( مسألة 7 ) : إذا نسي فجامع لم يبطل صومه. وإن تذكر في الأثناء وجب المبادرة إلى الإخراج ، وإلا وجب عليه القضاء والكفارة.

فصل في أمور لا بأس بها للصائم

لا بأس للصائم بمص الخاتم أو الحصى ، ولا بمضغ الطعام للصبي ، ولا بزق الطائر ، ولا بذوق المرق ، ونحو ذلك مما لا يتعدى إلى الحلق [1] ،


فصل في أمور لا بأس بها للصائم

[1] للأصل. وعموم حصر المفطر في غيره. مضافاً الى صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يعطش في شهر رمضان. قال (عليه السلام) : لا بأس أن يمص الخاتم » (1)ونحوه صحيح منصور عنه (عليه السلام) (2)وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « أنه سئل عن المرأة يكون لها الصبي وهي صائمة ، فتمضغ له الخبز وتطعمه؟ قال (عليه السلام) : لا بأس. والطير إن كان لها » (3)ونحوه في المضغ خبر مسعدة عنه (عليه السلام) (4)وصحيح حماد قال : « سأل ابن أبي يعفور أبا عبد اللّه (عليه السلام) - وأنا أسمع - عن الصائم يصب الدواء في أذنه؟ قال (عليه السلام) : نعم ، ويذوق المرق ،


1) الوسائل باب : 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

3) الوسائل باب : 38 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 38 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

ولا يبطل صومه إذا اتفق التعدي [1] ، إذا كان من غير قصد ولا علم بأنه يتعدى قهراً أو نسياناً. أما مع العلم بذلك من الأول فيدخل في الإفطار العمدي [2]. وكذا لا بأس بمضغ العلك [3] ، ولا ببلع ريقه بعده ، وإن وجد له طعماً فيه [4]


ويزق الفرخ » (1)ونحوه في ذوق المرق جملة أخرى.

وأما مصحح سعيد الأعرج : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم يذوق المرق ولا يبلعه. قال (عليه السلام) : لا » (2)فمحمول على الكراهة. وحمله على عدم الحاجة - كما عن الشيخ - لا شاهد عليه.

[1] لعدم العمد ، الذي هو شرط في الإفطار. وما عن المنتهى : من وجوب القضاء إذا كان الإدخال في الفم لا لغرض صحيح ، ضعيف.

[2] لأن العمد إلى ما يعلم ترتب الشي‌ء عليه عمد الى ذلك الشي‌ء.

[3] للأصل. والعموم المتقدم. وصحيح ابن مسلم : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : يا محمد إياك أن تمضغ علكاً. فإني مضغت اليوم علكاً وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئاً » (3)وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الصائم يمضغ العلك؟ قال (عليه السلام) : نعم إن شاء » (4)ولأجلها يحمل ما في مصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من المنع عنه على الكراهة (5)كما يشهد به التحذير عنه في الصحيح.

[4] للإطلاق. بل الصحيح كالصريح فيه.


1) الوسائل باب : 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

2) الوسائل باب : 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

3) الوسائل باب : 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

5) الوسائل باب : 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

ما لم يكن ذلك بتفتت أجزاء منه [1] ، بل كان لأجل المجاورة وكذا لا بأس بجلوسه في الماء [2] ما لم يرتمس ، رجلا كان أو امرأة [3] ، وإن كان يكره لها ذلك. ولا ببل الثوب ووضعه على الجسد [4] ،


[1] فيدخل في الأكل المفطر. إلا أن تكون الأجزاء مستهلكة في الريق ، فالحكم بالإفطار حينئذ غير ظاهر.

[2] للأصل. والعموم. وخبر ابن راشد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « قلت فالصائم يستنقع في الماء؟ قال (عليه السلام) : نعم. قلت : فيبل ثوباً على جسده؟ قال (عليه السلام) : لا » (1)ونحوه غيره ، وقد تقدم بعضه في مبحث الارتماس.

[3] أما في الأول فلا خلاف فيه يعرف. وأما في الثاني فهو المشهور. وعن الحلبي : وجوب القضاء. وعن القاضي وابن زهرة : وجوبه مع الكفارة. وكأنه لخبر حنان بن سدير : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال (عليه السلام) : لا بأس ، ولكن لا يغمس رأسه. والمرأة لا تستنقع في الماء ، لأنها تحمله بقبلها » (2)وهو كما ترى. إذ فيه - مضافاً إلى إعراض المشهور عنه - : قصور الدلالة ، من جهة التعليل. فالمتعين الحمل على الكراهة ، كما هو المشهور.

[4] بلا خلاف ظاهر ، بل الإجماع في الظاهر ، كما في الجواهر. وبه - مضافاً الى عموم حصر المفطر في غير المقام ، وصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، المتضمن : أن الصائم يتبرد بالثوب (3). فتأمل - يحمل


1) الوسائل باب : 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

ولا بالسواك باليابس [1] ، بل بالرطب أيضاً [2]. لكن إذا أخرج المسواك من فمه لا يرده وعليه رطوبة ، وإلا كانت كالرطوبة الخارجية لا يجوز بلعها إلا بعد الاستهلاك في الريق. وكذا لا بأس بمص لسان الصبي ، أو الزوجة [3]


النهي في خبر ابن راشد المتقدم وغيره على الكراهة ، كما يأتي.

[1] بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه ، كما في الجواهر. للأصل والعموم المتقدم. والنصوص المستفيضة الدالة على جوازه مطلقاً ، كصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « يستاك الصائم أي ساعة من النهار أحب » (1).

[2] كما هو المشهور ، وعن المنتهى : نسبته إلى علمائنا أجمع. لما سبق أيضاً. وعن المختلف ، عن ابن أبي عقيل : المنع عنه. ويقتضيه النهي في جملة من النصوص ، مثل صحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ولا يستاك بعود رطب » (2)ومصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ولا يستاك بسواك رطب » (3)ونحوهما غيرهما. لو لا معارضتها بغيرها ، مما يوجب الحمل على الكراهة ، مثل صحيح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس » (4)

[3] للأصل. والعموم. ولصحيح ابن جعفر (عليه السلام) ، عن أخيه (عليه السلام) : « قال سألته عن الرجل الصائم يمص لسان المرأة ، أو تفعل المرأة ذلك؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (5)ويدل أيضاً على جواز مصها للسانه. ونحوه


1) الوسائل باب : 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 8.

3) الوسائل باب : 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 10.

4) الوسائل باب : 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

5) الوسائل باب : 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

إذا لم يكن عليه رطوبة [1] ، ولا بتقبيلها ، أو ضمها [2] ، أو نحو ذلك.

( مسألة 1 ) : إذا امتزج بريقه دم واستهلك فيه يجوز بلعه على الأقوى [3] ، وكذا غير الدم من المحرمات والمحللات. والظاهر عدم جواز تعمد المزج والاستهلاك بالبلع [4] ، سواء كان مثل الدم ونحوه من المحرمات ، أو الماء ونحوه من المحللات. فما ذكرنا من الجواز إنما هو إذا كان ذلك على وجه الاتفاق.


في ذلك خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)ولم أقف على نص في الصبي.

[1] الإطلاق المتقدم يقتضي الجواز معها ، بل هو الغالب. نعم قد يدعى سوق النصوص لحكم مجرد المص ، فلا تدل على جواز ابتلاعها ، فيرجع فيه إلى الأصل المانع. لكنه لا يخلو من تأمل.

[2] النصوص بذلك مستفيضة ، كصحيح جميل وزرارة وأبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : « لا تنقض القبلة الصوم » (2)وموثق سماعة بن مهران قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القبلة في شهر رمضان للصائم أتفطر؟ قال (عليه السلام) : لا » (3). ونحوهما غيرهما.

[3] إذا بلعه بعد استهلاك الدم فيه لا يخرج عن كونه بلعاً للريق. المنصوص على جوازه ، كما تقدم.

[4] وجهه غير ظاهر. لأنه إذا فرض جواز البلع بعد الاستهلاك كان المنع عن الاستهلاك غير ظاهر الوجه ، لأنه محتاج الى دليل ، وهو مفقود ، والأصل يقتضي الجواز.


1) الوسائل باب : 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 12.

3) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 14.

فصل يكره للصائم أمور

أحدها : مباشرة النساء ، لمساً ، وتقبيلا ، وملاعبة [1] خصوصاً لمن تتحرك شهوته بذلك [2]. بشرط أن لا يقصد


فصل يكره للصائم أمور

[1] لإطلاق جماعة الكراهة. بناء على قاعدة التسامح ، مع الاكتفاء بالفتوى في تطبيقها. مضافاً الى إطلاق بعض النصوص ، مثل ما عن العيون : « ثلاثة لا يعرض أحدكم نفسه لهن وهو صائم : الحجامة ، والحمام ، والمرأة الحسناء » (1)وما عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يجد البرد ، أيدخل مع أهله في لحاف وهو صائم؟ قال (عليه السلام) : يجعل بينهما ثوباً » (2)

[2] فقد استفاض في النصوص نهيه عن ذلك ، كصحيح منصور : « ما تقول في الصائم يقبل الجارية والمرأة؟ فقال (عليه السلام) : أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس. وأما الشاب الشبق فلا ، لأنه لا يأمن ، والقبلة إحدى الشهوتين » (3)المحمول على الكراهة إجماعاً.

وعن جماعة - منهم الفاضلان والشهيدان - : تخصيص الكراهة بذلك جمعاً بين النصوص ، وحملا للمطلق منها على المقيد. ولعل الجمع بينها باختلاف مراتب الكراهة أوفق بالقواعد. فتأمل.


1) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 7.

3) الوسائل باب : 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

الانزال ، ولا كان من عادته. وإلا حرم إذا كان في الصوم الواجب المعين [1].

الثاني : الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما ، مما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق [2].


[1] كما نص عليه في الجواهر ، معللا له : بأنه كتعمد الابطال. وهو بالنسبة إلى الأول ظاهر ، بناء على أن قصد المفطر مفطر. أما بالنسبة إلى الثاني فمحل تأمل ، لأن مجرد الاعتياد غير كاف في منافاة ذلك لقصد الصوم. نعم لو أنزل بطل صومه ، كما تقدم في المسألة الثامنة عشرة.

[2] بلا خلاف أجده ، كما في الجواهر. وفي موثق سماعة : « عن الكحل للصائم. فقال (عليه السلام) : إذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق فلا بأس به » (1)وفي صحيح ابن مسلم : « عن المرأة تكتحل وهي صائمة؟ فقال (عليه السلام) : إذا لم يكن كحلا تجد له طعماً في حلقها فلا بأس » (2)وخبر الحسين بن علوان : « كان لا يرى بأساً بالكحل للصائم إذا لم يجد طعمه » (3)المحمول على الكراهة إجماعاً ، ادعاه غير واحد صريحاً وظاهراً. وللنصوص المطلقة في الجواز المعلل بعضها : بأنه ليس بطعام ولا شراب (4). وفي بعضها : إنه ليس بطعام يؤكل (5)وخصوصاً : ما دل على نفي البأس بالاكتحال بما فيه المسك (6)


1) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 12.

4) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

5) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

6) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 11.

وكذا ذر مثل ذلك في العين [1].

الثالث : دخول الحمام إذا خشي منه الضعف [2].

الرابع : إخراج الدم المضعف [3] بحجامة أو غيرها.


نعم قد يقتضي الجمع بين ما ذكر وما دل على إطلاق النهي عن الاكتحال (1)عموم الكراهة وشدتها فيما له طعم ، كما احتمله في الجواهر والأمر سهل.

[1] لدخول الذر بالاكتحال ، فتشمله النصوص المتقدمة.

[2] ففي صحيح ابن مسلم : « عن الرجل يدخل الحمام وهو صائم. فقال (عليه السلام) : لا بأس ما لم يخش ضعفاً » (2)المحمول على الكراهة إجماعاً.

[3] ففي صحيح سعد الأعرج : « عن الصائم يحتجم. فقال (عليه السلام) : لا بأس ، إلا أن يتخوف على نفسه الضعف » (3)وفي صحيح الحلبي : « إني أتخوف عليه ، أما يتخوف على نفسه؟ قلت : ما ذا يتخوف عليه؟ قال (عليه السلام) : الغشيان ، وتثور به مرة. قلت : أرأيت إن قوي على ذلك ولم يخش شيئاً؟ قال (عليه السلام) : نعم إن شاء » (4)ومن التعليل يظهر عموم الحكم للحجامة وغيرها. وما في صحيح ابن سنان : « لا بأس أن يحتجم الصائم ، إلا في شهر رمضان ، فإني أكره أن يغرر بنفسه » (5)لا يبعد حمله على شدة الكراهة في رمضان ، وإن كان قد يأباه التعليل. كما أن إطلاق النهي عن الحجامة (6)قد يقتضي عموم الكراهة وإن أمن الضعف. فلاحظ


1) الوسائل باب : 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3 ، 8 ، 9.

2) الوسائل باب : 27 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 10.

4) الوسائل باب : 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

5) الوسائل باب : 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 12.

6) الوسائل باب : 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 7.

وإذا علم بأدائه إلى الإغماء المبطل للصوم حرم [1]. بل لا يبعد كراهة كل فعل يورث الضعف ، أو هيجان المرة [2].

الخامس : السعوط [3] ، مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق وإلا فلا يجوز على الأقوى [4].

السادس : شم الرياحين [5] ،


[1] لأدائه إلى تعمد الإفطار.

[2] لعموم التعليل المتقدم في صحيح الحلبي.

[3] لموثق ليث : « عن الصائم يحتجم ويصب في أذنه الدهن ، قال (عليه السلام) : لا بأس ، إلا السعوط ، فإنه يكره » (1)وخبر غياث : « يكره السعوط للصائم » (2)وما عن جماعة : من القول بالحرمة - منهم المفيد والديلمي - غير ظاهر. ومثله : القول بالجواز بلا كراهة ، كما نسب إلى الإسكافي.

[4] كما عن المبسوط والمختلف وغيرهما. لما دل على عدم جواز الأكل والشرب ، الصادقين مع الوصول الى الحلق. ولا يصلح الخبران لمعارضته لعدم الإطلاق فيهما ، لسوقهما لبيان كراهة السعوط من حيث هو لا غير. فما عن المشهور : من إطلاق الكراهة غير ظاهر.

[5] إجماعا صريحاً وظاهراً ، محكياً عن جماعة ، ويدل عليه جملة من النصوص ، كخبر الحسن بن راشد : « الصائم لا يشم الريحان » (3)وفي خبره الآخر : « الصائم يشم الريحان؟ قال (عليه السلام) : لا ، لأنه لذة ، ويكره له أن يتلذذ (4)المحمولة على الكراهة ، كما يقتضيه ظاهر بعضها ، وصريح


1) الوسائل باب : 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

3) الوسائل باب : 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 12.

4) الوسائل باب : 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 7.

خصوصاً النرجس [1]. والمراد بها : كل نبت طيب الريح [2].

السابع : بل الثوب على الجسد [3].

الثامن : جلوس المرأة في الماء [4] ، بل الأحوط لها تركه [5].

التاسع : الحقنة بالجامد [6].


ما دل على الجواز ، كصحيح ابن مسلم : « الصائم يشم الريحان والطيب؟ قال (عليه السلام) : لا بأس (1)ونحوه غيره.

[1] للنهي عنه بالخصوص في خبر ابن رئاب ، معللا : بأنه ريحان الأعاجم (2).

[2] كما في المجمع. وفي القاموس : إنه أحد معانيه.

[3] بلا خلاف أجده ، كما في الجواهر. للنهي عنه في خبر ابن راشد (3)وخبر الصيقل (4)وفي خبر سنان : « لا تلزق ثوبك إلى جسدك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره » (5)ولا يبعد كون العصر ينافي البلل ، لأن الظاهر من المبلول ما فيه بلل ، لا مجرد الرطب. ولو بني على منافاته للبلل كان اللازم البناء على خفة الكراهة ، إذ لا مجال لحمل المطلق على المقيد في أمثال المقام.

[4] كما تقدمت الإشارة إليه (6).

[5] للنهي المتقدم (7)

[6] قد تقدم الكلام فيه (8).


1) الوسائل باب : 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث : 4.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

5) الوسائل باب : 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

6) لاحظ أوائل الكلام من الفصل السابق.

7) لاحظ أوائل الكلام من الفصل السابق.

8) لاحظ المسألة : 68 من فصل ما يجب الإمساك عنه من المفطرات.

العاشر : قلع الضرس ، بل مطلق إدماء الفم [1].

الحادي عشر : السواك بالعود الرطب [2].

الثاني عشر : المضمضة عبثاً [3]. وكذا إدخال شي‌ء آخر في الفم لا لغرض صحيح.

الثالث عشر : إنشاد الشعر [4].


[1] لموثق عمار : « في الصائم ينزع ضرسه؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولا يدمي فاه .. » (1)

[2] للنهي عنه في جملة من النصوص ، المحمول على الكراهة ، كما تقدم (2).

[3] الموجود في مرسل حماد : النهي عن المبالغة في المضمضة (3)وفي خبر يونس : « الأفضل للصائم أن لا يتمضمض » (4)وفي خبر عمار فيمن تمضمض الثالثة : « أنه قد أساء » (5)وفي الرضوي : التحذير عن إدخال الماء في الفم للتلذذ في غير وضوء (6). وأما ما في المتن فلم أقف على ما يدل عليه.

[4] كما عن بعض. لصحيح حماد : « يكره رواية الشعر للصائم ، وللمحرم ، وفي الحرم ، وفي يوم الجمعة ، وأن يروي بالليل. قلت : وإن كان شعر حق؟ قال (عليه السلام) : وإن كان شعر حق » (7)وفي صحيحه


1) الوسائل باب : 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

2) لاحظ أوائل الكلام من الفصل السابق.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

4) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

5) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

6) مستدرك الوسائل باب : 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

7) الوسائل باب : 13 من أبواب آداب الصائم حديث : 1.

ولا يبعد اختصاصه [1] بغير المراثي ، أو المشتمل على المطالب الحقة من دون إغراق ، أو مدح الأئمة (عليهم السلام). وان كان يظهر من بعض الأخبار التعميم [2].

الرابع عشر : الجدال ، والمراء ، وأذى الخادم [3] ،


الآخر : « ولا ينشد في شهر رمضان بليل ولا نهار. فقال له (عليه السلام) إسماعيل يا أبتاه فإنه فينا؟ قال (عليه السلام) : وإن كان فينا » (1).

[1] كما نسب إلى الأصحاب. ويشهد له : ما عن الآداب الدينية للطبرسي ، عن خلف بن حماد : « قلت للرضا (عليه السلام) : إن أصحابنا يروون عن آبائك : أن الشعر ليلة الجمعة ، ويوم الجمعة ، وفي شهر رمضان ، وفي الليل مكروه. وقد هممت أن أرثي أبا الحسن (عليه السلام) ، وهذا شهر رمضان. فقال (عليه السلام) : ارث أبا الحسن (عليه السلام) في ليلة الجمعة ، وفي شهر رمضان وفي الليل وفي سائر الأيام. فإن اللّه عز وجل يكافؤك على ذلك بالثواب الجزيل » (2)واختصاصه بالمراثي لا يقدح في التعميم ، لامكان التعدي عنها بعدم القول بالفصل ، كما ادعي.

[2] بل هو صريح ما تقدم. لكن دعوى الهجر عند الأصحاب ، وموافقته للتقية - كما قيل - توجب ترجح الثاني. فتأمل.

[3] ففي خبر جراح المدائني : « ولا تنازعوا ، ولا تحاسدوا .. إلى أن قال (عليه السلام) : ودع المراء ، وأذى الخادم » (3). ونحوه - في الحسد والتنازع - خبر أبي بصير (4)، وفيما عن نوادر ابن عيسى : « فاذا


1) الوسائل باب : 13 من أبواب آداب الصائم حديث : 2.

2) الوسائل باب : 105 من أبواب المزار حديث : 8.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب آداب الصائم حديث : 3.

4) الوسائل باب : 11 من أبواب آداب الصائم حديث : 4.

والمسارعة إلى الحلف [1] ، ونحو ذلك من المحرمات والمكروهات في غير حال الصوم ، فإنه تشتد حرمتها أو كراهتها حاله.

فصل فيما يوجب الكفارة

المفطرات المذكورة كما أنها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفارة [2] ،


صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب ، وغضوا أبصاركم ، ولا تنازعوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تغتابوا ، ولا تماروا ، ولا تكذبوا ولا تباشروا ، ولا تخالفوا ، ولا تغاضبوا ولا تسابوا ، ولا تشاتموا ، ولا تنابزوا ولا تجادلوا ، ولا تباذوا ، ولا تظلموا ولا تسافهوا ، ولا تزاجروا ، ولا تغفلوا عن ذكر اللّه تعالى .. » (1)- الحديث طويل.

[1] لمصحح الفضيل : « إذا صام أحدكم الثلاثة في الشهر فلا يجادلن أحداً ، ولا يجهل ، ولا يسرع إلى الأيمان والحلف باللّه تعالى. فان جهل عليه أحد فليتحمله » (2)فتأمل. ويمكن إدخاله تحت جملة من العناوين المذكورة في النصوص المروية في الوسائل والمستدرك (3).

فصل فيما يوجب الكفارة

[2] اعلم أنه قد ورد في جملة من النصوص وجوب الكفارة على من


1) الوسائل باب : 11 من أبواب آداب الصائم حديث : 13.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب آداب الصائم حديث : 1.

3) لاحظ الوسائل باب : 11 ، 12 من أبواب آداب الصائم ، ومستدرك الوسائل باب : 9 من الأبواب المذكورات.

إذا كانت مع العمد والاختيار [1] ، من غير كره ولا إجبار [2]


أفطر متعمداً ، كصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أفطر من شهر رمضان متعمداً يوماً واحداً من غير عذر. قال (عليه السلام) : يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكيناً. فان لم يقدر على ذلك تصدق بما يطيق » (1)، ومصحح عبد الرحمن البصري عنه (عليه السلام) : « عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً. قال (عليه السلام) : عليه خمسة عشر صاعاً ، لكل مسكين مد بمد النبي (صلی اللّه عليه وآله) أفضل » (2)، وصحيح البزنطي عن المشرقي ، عن أبي الحسن (عليه السلام) : « من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً فعليه عتق رقبة مؤمنة. ويصوم يوماً بدل يوم » (3). ونحوها غيرها. واختلاف هذه النصوص في نفس الكفارة يأتي الكلام فيه ان شاء اللّه.

وعليه فكل ما ثبت كونه مفطراً فالعمومات المذكورة تقتضي وجوب الكفارة فيه. مضافاً إلى ما ورد بالخصوص في كثير منها ، كالأكل ، والشرب ، والجماع ، والاستمناء ، وتعمد البقاء على الجنابة ، والغبار بناء على كونه مفطراً.

[1] كما يقتضيه - مضافاً إلى اعتباره في الإفطار كما تقدم - : التقييد به في الصحيح عن المشرقي ، الدال على عدمها مع عدمه بمفهوم الشرط.

[2] أما الثاني فلعدم العمد ، فيجري فيه ما سبق. ومثله : صورة السهو عن الصوم ، لانتفاء الإفطار معه. ولرواية عبد السلام ، الآتية في الإفطار على الحرام (4).


1) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 10.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 11.

4) لاحظ الأمر الأول من المسألة : 1 من هذا الفصل.

من غير فرق بين الجميع [1] ، حتى الارتماس ، والكذب على اللّه وعلى رسوله (صلی اللّه عليه وآله) ، بل والحقنة ، والقي‌ء على الأقوى.


وأما في الأول فلأنه وإن كان يصدق الإفطار عمداً ، لكن - لاختصاص الكفارة أو انصرافها إلى خصوص صورة تحقق الإثم والذنب ، وهو منتف في الإكراه - لا تشمله أدلتها. مضافاً إلى حديث رفع الإكراه (1)، ولو بملاحظة تطبيقه في طلاق المكره ، على نحو يدل على عدم صحته وعدم ترتب أثره عليه. وكذلك في المقام.

[1] إذ بعد البناء على مفطريتها تدخل تحت العمومات المتقدمة. ودعوى : انصراف الإفطار إلى غيرها غير ظاهرة. وفي الشرائع : نفى الكفارة في تعمد القي‌ء ، والاحتقان بالمائع ، مع بنائه على وجوب القضاء.

وكأن الوجه في الأول : خلو نصوص المفطرية عن التعرض لها مع تعرضها لوجوب القضاء. وما في رواية مسعدة من قول الصادق (عليه السلام) : « من تقيأ متعمداً وهو صائم فقد أفطر ، وعليه الإعادة. فإن شاء اللّه تعالى عذبه ، وإن شاء غفر له » (2). فإنه ظاهر في نفي الكفارة ، بل في الجواهر : كالصريح في عدم الكفارة ، التي يفزع إليها في تكفير الذنوب.

ولأجله - مضافاً إلى صريح إجماع الخلاف وظاهر غيره ، المؤيد بالتتبع لعدم معرفة القائل بوجوبها - مال في الجواهر إلى نفيها ، وأفتى به في نجاة العباد. ولا يخلو من قوة. وإن كان الخروج به عن عموم وجوب الكفارة بالإفطار عمداً لا يخلو من إشكال. وأما وجهه في الثاني : فلعله دعوى الانصراف. لكنها غير ظاهرة.


1) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

نعم الأقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه [1] بل والثالث. وإن كان الأحوط فيها أيضاً ذلك ، خصوصاً الثالث. ولا فرق أيضاً في وجوبها بين العالم والجاهل ، والمقصر والقاصر [2] على الأحوط. وإن كان الأقوى عدم وجوبها على الجاهل [3] ، خصوصاً القاصر ، والمقصر غير الملتفت حين الإفطار. نعم إذا كان جاهلا بكون الشي‌ء مفطراً ، مع علمه بحرمته ، كما إذا لم يعلم أن الكذب على اللّه ورسوله (صلی اللّه عليه وآله)


[1] قد تقدم عدم الدليل على وجوبها فيه وفي النوم الثالث. والعمومات المتقدمة لا تقتضيه ، لانتفاء العمد فيها. فراجع ما سبق في المفطرات.

[2] كما نسب إلى الأكثر ، والمشهور. وقيل بثبوتها في المقصر ، دون القاصر. ووجه الأول : الإطلاقات المتقدمة ، لعدم منافاة الجهل للعمد المأخوذ قيداً في وجوبها في كثير من النصوص. ووجه الثاني : انصراف الكفارة واختصاصها بصورة الإثم ، وهو غير حاصل في القاصر.

[3] لما تقدم من موثق أبي بصير وزرارة : « عن رجل أتى أهله وهو في شهر رمضان ، أو أتى أهله وهو محرم ، وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء » (1)بناء على عمومه الشامل للقاصر والمقصر - كما هو الظاهر - لترك الاستفصال ، مع عدم القرينة على التعيين.

نعم موردها من كان يرى أنه غير مفطر ، فتشمل القاطع بالحل مطلقا والمتردد الذي يحكم عقله بجواز الارتكاب - بناء على أن المراد بالحل الأعم من الواقع والظاهر - ولا تشمل المتردد الذي لا يحكم عقله بالحل ، فالتعدي إليه لا يخلو من إشكال ، بل الرجوع الى عموم الكفارة فيه أنسب بالقاعدة كما تقدم مثل ذلك في القضاء.


1) راجع أوائل الكلام من فصل اعتبار العمد والاختيار في الإفطار.

من المفطرات ، فارتكبه حال الصوم ، فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفارة [1].

( مسألة 1 ) : تجب الكفارة في أربعة أقسام من الصوم :

الأول : صوم شهر رمضان. وكفارته مخيرة [2] بين


[1] لا يخلو من إشكال ، لأن الظاهر من قول السائل : « وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له » أنه يرى حلال له من حيث الصوم ومن حيث الإحرام ، لا أنه حلال في نفسه ، أو من حيثية أخرى. وحينئذ فيشمل الفرض المذكور.

[2] كما عن الشيخين ، والسيدين ، والإسكافي ، والقاضي والحلي ، والحلبي وسلار ، وكثير ممن تأخر. وفي الجواهر ، وعن الحدائق : أنه المشهور ، وعن الانتصار : أنه مما انفردت به الإمامية. ويشهد له صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أفطر في شهر رمضان متعمداً يوماً واحداً ، من غير عذر. قال (عليه السلام) : يعتق نسمة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكيناً. فان لم يقدر تصدق بما يطيق » (1)وخبر أبي بصير : « عن رجل وضع يده على شي‌ء من جسد امرأته فأدفق. فقال (عليه السلام) : كفارته أن يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكيناً أو يعتق رقبة » (2)وموثق سماعة - المروي عن نوادر ابن عيسى ، على ما في الجواهر والوسائل المصححة. وكذا في رواية الشيخ ، على ما في الوسائل : - « عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمداً. قال (عليه السلام) : عليه عتق رقبة ، أو إطعام ستين مسكيناً ، أو صوم شهرين متتابعين » (3)و‌موثقه


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 13 ، ملحقة.

العتق ، وصيام شهرين متتابعين ، وإطعام ستين مسكيناً على الأقوى. وإن كان الأحوط الترتيب [1] ، فيختار العتق مع الإمكان ،


الآخر : « عن معتكف واقع أهله. قال (عليه السلام) : عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكيناً » (1).

وقد تؤيد هذه النصوص بما اقتصر فيه على ذكر الصدقة لا غير ، كصدر مصحح جميل (2)ومصحح محمد بن النعمان (3)ومصحح عبد اللّه ابن سنان (4)وموثق عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (5)وموثق سماعة (6)وخبر إدريس بن هلال (7)وغيرها. بناء على أن التصرف فيها بالحمل على التخيير - كما يقتضيه القول به - أولى من التصرف فيها بالتقييد ، كما يقتضيه القول بالترتيب.

ويمكن أن يعارض بالاقتصار في صحيح البزنطي عن المشرقي على الأمر بالعتق (8)إذ على الترتيب يمكن الأخذ بظاهره ، وعلى التخيير لا بد من حمله على الوجوب التخييري.

[1] كما عن العماني ، والمرتضى في أحد قوليه ، ونسب الى محتمل


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 5.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

4) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

5) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 10.

6) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 12.

7) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 8.

8) تقدم ذلك في أول الفصل.

ومع العجز عنه فالصيام ، ومع العجز عنه فالاطعام. ويجب الجمع بين الخصال إن كان الإفطار على محرم [1] ، كأكل المغصوب ، وشرب الخمر ، والجماع المحرم ، ونحو ذلك.


الخلاف ، ولم يعرف لغيرهم. لما عن علي بن جعفر (عليهما السلام) في كتابه ، عن أخيه موسى بن جعفر علیه السلام : « عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ، ما عليه؟ قال (عليه السلام) : عليه القضاء ، وعتق رقبة. فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين. فان لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. فان لم يجد فليستغفر اللّه تعالى » (1)وخبر عبد المؤمن الأنصاري : « فيمن أتى أهله في شهر رمضان. قال (صلی اللّه عليه وآله) : أعتق رقبة. قال : لا أجد قال (صلی اللّه عليه وآله) : فصم شهرين متتابعين. قال : لا أطيق. قال (صلی اللّه عليه وآله) : تصدق على ستين مسكيناً » (2).

وفيه : أن الثاني - مع ضعفه في نفسه - إنما يدل بالإطلاق الظاهر في التعيين ، والتصرف فيه بحمله على التخيير - بقرينة ما سبق - أولى من التصرف فيما سبق من التقييد ، بجعل ( أو ) للتنويع ، لا التخيير. مع أن هجره عند الأصحاب كاف في سقوطه عن الحجية.

ومن الأخير يظهر الإشكال في الأول. مضافاً الى أن التصرف فيه بالحمل على الاستحباب أولى من التصرف فيما سبق بحمل ( أو ) على التنويع ولو سلم التعارض فالترجيح لما سبق ، لكثرة العدد ، وأصحية السند ، والمخالفة للعامة. فلاحظ.

[1] كما عن الصدوق ، والشيخ في كتابي الحديث ، والوسيلة ، والجامع وجملة من كتب العلامة ، والشهيدين وغيرهم. لخبر عبد السلام بن صالح


1) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 9.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.


• الذي رواه الصدوق عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري ، عن علي بن محمد بن قتيبة ، عن حمدان بن سليمان عنه - قال : « قلت للرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه ، قد روي عن آبائك (عليهم السلام) فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه : ثلاث كفارات ، وروي عنهم (عليهم السلام) أيضا : كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ؟ قال (عليه السلام) : بهما جميعاً - متى جامع الرجل حراماً ، أو أفطر على حرام في شهر رمضان ، فعليه ثلاث كفارات : عتق رقبة ، وصيام شهرين متتابعين ، وإطعام ستين مسكيناً ، وقضاء ذلك اليوم. وان نكح حلالا ، أو أفطر على حلال ، فعليه كفارة واحدة. وان كان ناسياً فلا شي‌ء عليه » (1).

والتوقف في اعتبار السند من جهة عبد الواحد بن محمد بن عبدوس ، أو علي بن محمد بن قتيبة ، أو عبد السلام بن صالح الهروي في غير محله. إذ الأول من مشايخ الصدوق المعتبرين ، الذين أخذ عنهم الحديث ، كما عن المدارك. والثاني من مشايخ الكشي ، وعليه اعتمد في رجاله ، كما في النجاشي والخلاصة. وفي الخلاصة ، في ترجمة يونس بن عبد الرحمن : « روى الكشي حديثاً صحيحاً عن علي بن محمد القتيبي .. إلى أن قال : وفي حديث صحيح عن علي بن محمد القتيبي .. ». وقد ذكره في الخلاصة في قسم الموثقين ، وهو ظاهر ما في المختلف أيضاً ، حيث قال : « في طريق هذه الرواية : عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري. ولا يحضرني الآن حاله ، فان كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها » والثالث في الخلاصة : « إنه ثقة صحيح الحديث ». ونحوه عن النجاشي ، والحسن بن داود ، وغيرهم ممن تأخر. مضافاً الى ما في التحرير في كتاب الكفارات : من تصحيح الحديث المذكور. وإلى اعتضاده بما عن الفقيه من الفتوى بمضمونه ، لوجود ذلك


1) الوسائل باب : 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

الثاني : صوم قضاء شهر رمضان [1]


في رواية أبي الحسين الأسدي ، فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمرى (رحمه اللّه) ..

وبه ترفع اليد عن إطلاق النصوص المتقدمة ، فتحمل على إرادة بيان كفارة الإفطار من حيث هو ، لا من حيث خصوصية كونه على حرام.

[1] على المشهور ، وفي الجواهر : نفى الخلاف فيه ممن عدا العماني. وعن الانتصار والغنية والخلاف : الإجماع عليه. وتشهد له جملة من النصوص كخبر بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان. قال (عليه السلام) : إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شي‌ء عليه ، إلا يوماً مكان يوم. وإن كان أتى أهله بعد الزوال فان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين ، فان لم يقدر عليه صام يوماً مكان يوم ، وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع » (1). ونحوه في ثبوت الكفارة ما يأتي : من صحيح هشام بن سالم ، ومرسل حفص بن سوقه ، وموثق زرارة.

نعم يعارضها موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ، ويريد أن يقضيها ، متى يريد أن ينوي الصيام قال (عليه السلام) : هو بالخيار إلى أن تزول الشمس ، فاذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم ، وإن كان نوى الإفطار فليفطر .. إلى أن قال : سئل : فإن نوى الصوم ، ثمَّ أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال (عليه السلام) : قد أساء ، وليس عليه شي‌ء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه » (2)والجمع بينه وبين ما سبق وإن كان يقتضي حمل ما سبق على الاستحباب - كما في محكي المسالك وعن الذخيرة - ولا سيما بملاحظة اختلافه في كيفيتها ،


1) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

إذا أفطر بعد الزوال [1]. وكفارته إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين مد [2]. فان لم يتمكن فصوم


وفي وقت ثبوتها. إلا أنه لا مجال له بعد هجره عند الأصحاب ، ومخالفته للإجماعات التي عرفتها ، فيتعين حمله على التقية. فتأمل.

[1] كما في خبر بريد المتقدم. وعليه يحمل إطلاق موثق زرارة ، ومرسل حفص. وأما ما في صحيح هشام ، من قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان - : « إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شي‌ء عليه ، يصوم يوماً بدل يوم وان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم ، وأطعم عشرة مساكين ، فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك » (1). فلا مجال للأخذ به ، لعدم القائل به ، فلا بد من طرحه فيحمل على سهو الراوي. أو إرادة وقت الظهر - بناء على اشتراكهما في الوقت - أو نحو ذلك ، وإن بعد.

[2] كما نسب إلى المشهور. لخبر بريد ، وصحيح هشام المتقدمين. وعن علي بن بابويه وولده : أنها كفارة الإفطار في رمضان المتقدمة. وعن ابن البراج : أنها كفارة يمين : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة ، مخيراً بينها. ونسب أيضاً الى الشيخين ، وسلار ، والحلبي ، والحلي وربما نسب إلى الحلبي : أنها صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام عشرة مساكين. وعن ابن حمزة في الوسيلة ذلك إذا لم يكن مستخفاً ، وإلا فكفارة الإفطار في رمضان.

ووجه الأول : موثق زرارة عن أبي جعفر : « رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء. قال (عليه السلام) : عليه من الكفارة مثل ما على الذي أصاب في شهر رمضان ، لأن ذلك اليوم عند اللّه من أيام رمضان » (2)


1) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

ثلاثة أيام [1]. والأحوط إطعام ستين مسكيناً.

الثالث : صوم النذر المعين [2]. وكفارته كفارة إفطار شهر رمضان [3].


وما في مرسل حفص بن سوقة من قوله (عليه السلام) - في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان ، فيسبقه الماء فينزل - : « عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان » (1).

وفيه : أن الثاني مرسل لا يصلح للاعتماد عليه. والأول لا يصلح لمعارضة ما سبق ، لا مكان الجمع العرفي بحمله على الاستحباب. فتأمل. ولو بني على امتناع الجمع كان الترجيح من الأولين ، لصحة السند ، وكثرة العدد. ودعوى : ضعف خبر بريد بالحارث بن محمد المجهول مندفعة : بانجبارها باعتماد المشهور. ولا سيما كون الراوي عنه الحسن بن محبوب ، الذي هو من أصحاب الإجماع ، ومن الذين قيل في حقهم : إنهم لا يروون إلا عن ثقة ، وكون الراوي عن الحسن أحمد بن محمد ، الظاهر في ابن عيسى الأشعري.

ومثلها : الإشكال في صحيح هشام لاشتماله على التحديد بالعصر ، إذ يمكن التفكيك في مدلول الخبر الواحد في الحجية.

[1] كما في صحيح هشام ، وخبر العجلي.

[2] على المشهور شهرة عظيمة ، بل لم يعرف الخلاف فيه إلا من ابن أبي عقيل ، وعن الانتصار : الإجماع عليه. للنصوص الآتية. ومستند ابن أبي عقيل غير ظاهر ، كما في الجواهر.

[3] كما عن المشهور في كفارة النذر ، وعن الانتصار والغنية : الإجماع عليه. لصحيح جميل عن عبد الملك بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عمن جعل لله عليه أن لا يركب محرماً سماه فركبه. قال (عليه السلام) : لا ، ولا


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.


أعلمه إلا قال : فليعتق رقبة ، أو ليصم شهرين متتابعين ، أو ليطعم ستين مسكيناً » (1)ومكاتبة ابن مهزيار إلى الهادي (عليه السلام) : « رجل نذر أن يصوم يوماً بعينه ، فوقع ذلك اليوم على أهله ، ما عليه من الكفارة؟ فكتب اليه : يصوم يوماً بدل يوم ، وتحرير رقبة مؤمنة » (2)ونحوها - سؤالا وجواباً - مكاتبة الحسين بن عبيدة (3)ومكاتبة القاسم الصيقل (4)بناء على أن الأمر بالعتق للتخيير بينه وبين الإطعام والصيام.

وفيه : أن الخبر الأول معارض بمصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن قلت : ( لله علي ) فكفارة يمين » (5)وخبر حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن كفارة النذر ، فقال (عليه السلام) : كفارة النذر كفارة اليمين » (6)والمكاتبات كما تصلح أن تكون شاهداً لكون الكفارة كفارة رمضان ، تصلح أيضا شاهداً لكونها كفارة يمين ، لأن العتق أحد خصالها الثلاث أيضاً.

بل صحيح ابن مهزيار - : « كتب بندار مولى إدريس : يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت ، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب اليه وقرأته : لا تتركه إلا من علة. وليس عليك صومه في سفر ، ولا مرض. إلا أن تكون نويت ذلك. وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين » (7)- شاهد للثاني ، بناء على أن ( سبعة )


1) الوسائل باب : 23 من أبواب الكفارات حديث : 7.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 2.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 3.

5) الوسائل باب : 23 من أبواب الكفارات حديث : 1.

6) الوسائل باب : 23 من أبواب الكفارات حديث : 4.

7) الوسائل باب : 7 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 4.


مصحف ( عشرة ) ، كما حكي في المسالك : روايته كذلك في المقنع (1)، قائلا في المسالك : « هو عندي بخطه الشريف ».

بل مقتضى الجمع بينه وبين المكاتبات السابقة : الحمل على التخيير ، فتكون معارضة لخبر عبد الملك ، موافقة لحسن الحلبي وخبر حفص. ولا ريب حينئذ في وجوب ترجيحها عليه ، لضعفه ، واتحاده ، بل لقصور حكايته ، حيث يظهر منه نحو تردد للراوي في روايته. فلاحظ. وكأنه لذلك اختار في النافع والمسالك : أنها كفارة يمين ، وحكي عن الصدوق (رحمه اللّه).

نعم قد يعارض ذلك كله مخالفتها للإجماع المحكي عن الانتصار والغنية وموافقتها لمذهب العامة. لكن الإجماع المحكي لم يبلغ حداً يوجب سقوط مخالفه عن الحجية. وموافقة العامة ومخالفتهم واقعتان في مقام الترجيح في مقبولة ابن حنظلة في الرتبة اللاحقة للمرجحات السابقة. فلاحظ.

هذا وعن الروض ، والحلي ، والعلامة في بعض كتبه : حمل الخبر على كفارة نذر الصوم ، وحمل معارضه على غيره ، واختاره في الوسائل. وفيه : أنه لا شاهد له ، فلا مجال لارتكابه. وعن الشيخ : حمل الأول على القادر ، ومعارضه على العاجز ، بشهادة خبر جميل بن صالح : « كل من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين » (2). وفيه : أن الظاهر منه العجز عن المنذور ، لا العجز عن كفارة النذر ، فيتعين حمله على الاستحباب. وعن سلار ، والكراجكي ، وظاهر غيرهما : أن كفارة النذر كفارة ظهار ودليله غير ظاهر. ومثله : ما عن الراوندي : من أنها كفارة ظهار ، فان عجز عنها فكفارة يمين.


1) لاحظ المقنع باب الأيمان والنذور والكفارات صفحة 34.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب الكفارات حديث : 5.

الرابع : صوم الاعتكاف [1]. وكفارته مثل كفارة شهر رمضان مخيرة بين الخصال [2] ، ولكن الأحوط الترتيب المذكور. هذا وكفارة الاعتكاف مختصة بالجماع ، فلا تعم سائر المفطرات [3].


[1] بلا خلاف ظاهر في الجملة. وتقتضيه النصوص الآتية.

[2] كما هو الأشهر فتوى ، وعن المنتهى والتذكرة : نسبته إلى فتوى علمائنا ، وعن الغنية : الإجماع عليه. ويدل عليه موثق سماعة المتقدم في كفارة رمضان (1)وموثقه الآخر : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن معتكف واقع أهله. فقال (عليه السلام) : هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان » (2)

وعن بعض : أنها كفارة ظهار. وعن المسالك والمدارك : أنه أرجح لصحيح زرارة : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المعتكف يجامع أهله. قال (عليه السلام) : إذا فعله فعليه ما على المظاهر » (3)وصحيح أبي ولاد الحناط : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة معتكفة هيأت نفسها لزوجها حتى واقعها .. قال (عليه السلام) : عليها ما على المظاهر » (4)الواجب ترجيحهما على ما سبق لصحة السند. وفيه : أنه يتم لو لم يمكن الجمع العرفي بالحمل على الأفضل.

[3] كما في الشرائع. وفي الجواهر : نسبته الى الشيخ ومن تبعه ، وعن المدارك ناسباً له إلى الشيخ وأكثر المتأخرين. لاختصاص النصوص المتقدمة بالجماع ، والأصل البراءة من وجوب الكفارة في غيره. وعن المفيد


1) لاحظ القسم الأول من الأقسام الأربع من هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 2.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

4) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 6.

والظاهر أنها لأجل الاعتكاف [1] لا للصوم ، ولذا تجب في الجماع ليلا أيضاً. وأما ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلا كفارة في إفطاره [2] ، واجباً كان - كالنذر المطلق ، والكفارة - أو مندوباً ، فإنه لا كفارة فيها وإن أفطر بعد الزوال.

( مسألة 2 ) : تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين أو أزيد [3] من صوم له كفارة.


والسيدين والعلامة في التذكرة : الوجوب ، بل عن الغنية : الإجماع عليه ، إلحاقاً له بالجماع. وفيه : ما لا يخفى. نعم عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وظاهر العلامة في التذكرة : الإجماع على ثبوتها في الاستمناء. وليس له وجه ظاهر. والإجماع لا مجال للاعتماد عليه بعد مخالفة مثل المحقق وغيره.

[1] كما يقتضيه ظاهر النصوص التي تقدمت إليها الإشارة ، وصريح ما دل على وجوب الكفارة في الجماع ليلا ، كخبر عبد الأعلى بن أعين : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان. قال (عليه السلام) : عليه الكفارة. قلت : فإن وطئها نهاراً. قال (عليه السلام) : عليه كفارتان » (1)ونحوه مرسل الصدوق (2).

[2] بلا خلاف ظاهر ، وعن المنتهى : دعوى اتفاق العامة والخاصة عليه. ويقتضيه الأصل ، بعد اختصاص ما دل على ثبوت الكفارة بالإفطار بغيره ، وعدم الدليل على ثبوت الكفارة فيه.

[3] إجماعاً ، كما عن المبسوط ، والتذكرة ، والتنقيح ، ونهج الحق وفي الجواهر الإجماع بقسميه عليه. من غير فرق بين تخلل التكفير وعدمه ، واتحاد جنس الموجب وعدمه ، والوطء وغيره. لإطلاق ما دل على وجوبها


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 4.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

ولا تتكرر بتكرره في يوم واحد [1] في غير الجماع ، وإن تخلل التكفير بين الموجبين ، أو اختلف جنس الموجب على


بالإفطار ، الصادق مع الجميع ، كما يقتضيه البناء على أصالة عدم التداخل مع عدم ما يوجب الخروج عنه.

[1] كما عن المبسوط ، والخلاف ، والوسيلة ، وكتب المحقق الثلاثة والمنتهى والذخيرة. لامتناع تكرر الإفطار الموجب لها ، إذ لا ينطبق إلا على استعمال المفطر أولا ، فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الزائد على المرة. وما في بعض النصوص - من تعليق الكفارة على استعمال نفس المفطر - منصرف إلى صورة وقوعه مفطراً ، ولذا لا يبنى على وجوب الكفارة ولو مع عدم وجوب الصوم.

ومن ذلك يظهر ضعف القول بالتكرار مطلقاً ، كما عن المحقق الثاني في حواشي الشرائع ، وفي المسالك : « إنه الأصح ، إن لم يكن سبق بالإجماع على خلافه ». وكأنه اعتماد على أصالة عدم التداخل. ولأنه كما يجب الإمساك قبل فعل المفطر يجب بعد فعله أيضاً ، فإذا وجبت الكفارة في الأول ، لمخالفة وجوب الإمساك ، كذلك تجب في الثاني. إذ فيه : أن أصالة عدم التداخل إنما تجدي لو تكرر عنوان السبب ، وقد عرفت امتناعه. كما أن مجرد مخالفة وجوب الإمساك لم يجعل موضوعاً للسببية ، ليبنى على عدم الفرق بين المخالفتين ، وإنما المجعول الإفطار - الذي هو نقض الصوم - وليس له إلا فرد واحد.

ودعوى : أنه لا دليل على انتقاض الصوم باستعمال المفطر أولا ، بل من الجائز صحته حتى بعد استعماله. ودليل القضاء لا ينافي ذلك ، لإمكان كونه واجباً تعبداً ، نظير الكفارة. مندفعة : بأنه خلاف صريح النصوص الدالة على ماهية الصوم ، وبيان المفطرات ، ونصوص القضاء أيضاً ، إذ

الأقوى ، وإن كان الأحوط التكرار مع أحد الأمرين ، بل الأحوط التكرار مطلقاً. وأما الجماع فالأحوط ، بل الأقوى تكريرها بتكرره [1].


ليس القضاء إلا فعل ما لم يفعل في وقته. فراجع ، وتأمل.

كما يظهر أيضا ضعف ما عن المختلف وغيره : من التكرر مع تغاير جنس المفطر ، أو اتحاده مع وقوع التكفير عن الأول ، وعدم التكرر مع انتفائهما معاً. ومستنده في الأول : أصالة عدم التداخل. وفي الثاني : أصالة التداخل. وفيه : أن الأصل عدم التداخل مطلقاً. واختلاف الجنس ، ووقوع التكفير لا يقتضيان شيئاً بعد امتناع تكرر السبب - أعني : الإفطار - كما عرفت.

ومن ذلك كله يظهر ضعف التفصيل بين اختلاف الجنس فتتكرر ، واتحاده فلا ، وبين وقوع التكفير فتتكرر ، وعدمه فلا.

[1] كما نسب إلى السيد المرتضى (قدس سره) وقواه في المستند. وكأنه لما ورد في كفارته من النصوص الكثيرة ، المعلقة وجوب التكفير على عنوان : الجماع ، أو ملاعبة الأهل ، أو العبث بها ، أو نحو ذلك ، من دون تعرض فيها لعنوان الإفطار. وحينئذ يكون مقتضى أصالة عدم التداخل وجوب التكرار.

وفيه : ما عرفت من أن منصرف النصوص المذكورة خصوص الإفطار بالجماع ، لا نفس الجماع تعبداً. مع أنه لو تمَّ لجرى في بعض أخبار الاستمناء لذكره بنفسه سبباً للكفارة. فالعمدة فيه : رواية الفتح بن يزيد الجرجاني المروية عن العيون والخصال : « أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان ، من حلال أو حرام في يوم عشر مرات. قال (عليه السلام) : عليه عشر كفارات. فإن أكل أو شرب فكفارة يوم واحد » (1).


1) الوسائل باب : 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

( مسألة 3 ) : لا فرق في الإفطار بالمحرم الموجب لكفارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصلية - كالزنا ، وشرب الخمر - أو عارضية [1] ، كالوطء حال الحيض ، أو تناول ما يضره.

( مسألة 4 ) : من الإفطار بالمحرم : الكذب على اللّه ، وعلى رسوله (صلی اللّه عليه وآله) ، بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث. لكنه مشكل [2].


وعن ابن أبي عقيل : أنه روى عن صاحب كتاب ( شمس المذهب ) عنهم (عليهم السلام) : « أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامداً فعليه القضاء والكفارة. فإن عاد إلى المجامعة في يومه ذلك مرة أخرى فعليه في كل مرة كفارة » (1). وعن العلامة (رحمه اللّه) : « روي عن الرضا (عليه السلام) : أن الكفارة تتكرر بتكرر الوطء » (2)وفيه : أنه لم تثبت حجية الروايات المذكورة ، فالاعتماد عليها غير ظاهر. وعمل السيد (رحمه اللّه) الذي لا يعمل إلا بالقطعيات غير معلوم.

[1] لما عرفت من إطلاق المحرم ، الشامل لما هو أعم من المحرم بالذات وبالعارض.

[2] لعدم ثبوت ذلك ، كيف ويتعارف وقوعه كثيراً بلا اكتراث من أهل العرف فيه؟! بل في صحيح عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) : « من تنخع في المسجد ، ثمَّ ردها في جوفه ، لم تمر بداء في جوفه إلا أبرأته منه (3). فأصالة البراءة عن الحرمة - كما في المستند - محكمة. نعم


1) الوسائل باب : 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب أحكام المساجد حديث : 1.

( مسألة 5 ) : إذا تعذر بعض الخصال في كفارة الجمع وجب عليه الباقي [1].

( مسألة 6 ) : إذا جامع في يوم واحد مرات وجب عليه كفارات بعددها. وإن كان على الوجه المحرم تعددت كفارة الجمع بعددها [2].

( مسألة 7 ) : الظاهر أن الأكل في مجلس واحد يعد إفطاراً واحدا وإن تعددت اللقم ، فلو قلنا بالتكرار مع التكرر في يوم واحد لا تتكرر بتعددها ، وكذا الشرب إذا كان جرعة فجرعة.

( مسألة 8 ) : في الجماع الواحد إذا أدخل وأخرج مرات لا تتكرر الكفارة [3] ، وان كان أحوط.

( مسألة 9 ) : إذا أفطر بغير الجماع ، ثمَّ جامع بعد ذلك ، يكفيه التكفير مرة [4]. وكذا إذا أفطر أولا بالحلال ، ثمَّ


لا ينبغي التأمل في كون نخامة الغير منها.

[1] لا يخلو من إشكال ، لأن الظاهر من الدليل كون التكليف بالجمع ارتباطياً. وعليه فمقتضى القاعدة الأولية سقوطه بالعجز عنه ولو للعجز عن بعض أجزائه. إلا أن تثبت قاعدة الميسور. ولكنه محل إشكال ، أو منع كما تكرر في هذا الشرح. نعم إذا طرأ العجز لم يبعد الوجوب ، عملاً بالاستصحاب.

[2] بناء على تعددها بتعدد الجماع.

[3] لأن الظاهر من دليل تكررها بتكرر الجماع غير هذا الفرض.

[4] هذا يتم إذا لم نقل بالتكرر بالجماع ، إذ الإفطار حينئذ لا ينطبق

أفطر بالحرام تكفيه كفارة الجمع [1].

( مسألة 10 ) : لو علم أنه أتى بما يوجب فساد الصوم وتردد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفارة أيضاً ، لم تجب عليه [2]. وإذا علم أنه أفطر أياماً ولم يدر عددها ، يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم [3]. وإذا شك في أنه أفطر بالمحلل أو المحرم كفاه إحدى الخصال [4]. وإذا شك في أن اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من


إلا على الأول ، فالجماع الواقع بعد الإفطار بالأكل كالأكل الواقع بعد الإفطار بالأكل. أما إذا قلنا بالتكرر بتكرره فظاهر دليله حينئذ سببية كل فرد من الجماع إذا وقع في نهار رمضان وإن لم يتحقق الإفطار به ، فيكون الجماع في الفرض موجباً للكفارة.

ودعوى : اختصاص دليل التكرر بصورة تكرر الجماع لا غير ، بحيث يكون وجود الجماع السابق له دخل في وجوب الكفارة بالجماع اللاحق. خلاف ظاهر الدليل. نعم لو انعكس الفرض كان الحكم في محله.

[1] في وجوبها إشكال ، لأن المحرم إنما وقع بعد الإفطار بالمحلل. فلا يكون مفطراً ، فلا يوجب الكفارة ، بناء على عدم التكرر بتكرر غير الجماع. نعم لو انعكس الفرض كان ما ذكر في محله.

[2] للأصل.

[3] يعني : الاقتصار في الكفارة. ووجهه : أصالة البراءة من وجوب الزائد عليه. ولا فرق بين أن يكون النسيان مسبوقاً بالذكر أم لا ، لأن العلم السابق إنما ينجز حال وجوده ، فاذا زال حال النسيان فقد زال التنجز معه ، وجاز الرجوع إلى أصل البراءة ، كما هو موضح في محله من الأصول.

[4] لأصالة البراءة من وجوب الزائد.

قضائه - وقد أفطر قبل الزوال - لم تجب عليه الكفارة [1] ، وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكيناً [2] ، بل له الاكتفاء بعشرة مساكين [3].

( مسألة 11 ) : إذا أفطر متعمداً ثمَّ سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفارة بلا إشكال [4]. وكذا إذا سافر قبل الزوال [5] للفرار عنها.


[1] لاحتمال كون الإفطار في القضاء قبل الزوال ، الذي لا كفارة فيه ، ومع هذا الاحتمال فالأصل البراءة من الوجوب.

[2] بلا إشكال ، لأنه أحوط. ولأجل ذلك لا يحتاج إلى بيانه.

[3] إذ الشك المذكور يوجب العلم إجمالا بوجوب التصدق على عشرة مساكين تعييناً ، أو بوجوب الصدقة على ستين مسكيناً تخييراً بينه وبين العتق وصوم شهرين متتابعين ، فالتصدق على عشرة مساكين مما يعلم بتعلق الطلب به المردد بين التعيين والتخيير. ولأجل ذلك يعلم بتحقق الامتثال به ويشك في وجوب الزائد عليه ، فيرجع فيه إلى أصل البراءة.

[4] لإطلاق دليل الكفارة ، بلا ورود الشبهة الآتية في الفروض الآتية لكون السفر بعد الزوال لا يمنع من بقاء وجوب الصوم ، كما هو ظاهر.

[5] بلا خلاف ظاهر ، ونفاه بعض. وعن الخلاف : دعوى الإجماع عليه. وقد يستدل له بمصحح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أيما رجل كان له مال فحال عليه الحول فإنه يزكيه. قلت له : فان وهبه قبل حله بشهر أو بيوم؟ قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء أبداً. وقال زرارة عنه (عليه السلام) : إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوماً في إقامته ، ثمَّ يخرج في آخر النهار في سفر ، فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه. وقال : إنه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة ، ولكنه لو


كان وهبه قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شي‌ء ، بمنزلة من خرج ثمَّ أفطر. (1)فإن الظاهر من اسم الإشارة في قوله (عليه السلام) : « إنما هذا » الإشارة إلى الأول الذي حال الحول على ماله ، لا الثاني ، بقرينة قوله (عليه السلام) : « وجبت عليه .. ». مضافاً إلى أن الأول هو موضوع البيان ، فعود اسم الإشارة إليه أولى من الثاني ، لأنه إنما ذكر حكمه عرضاً بعد السؤال عنه ، فليس مقصوداً إلا عرضاً.

وفيه : أن مورده السفر بعد الزوال في آخر النهار ، وقد عرفت أنه لا إشكال في عدم إسقاطه للكفارة.

ويمكن أن يستدل له بما دل على وجوب الصوم إلى أن يسافر (2)فإنه ظاهر في أنه صوم صحيح ، فيدخل في عموم : « من أفطر وهو صائم متعمداً فعليه الكفارة » (3)ولا ينافيه ما دل على وجوب قضائه ، لإمكان أن يكون وجوب القضاء لتدارك ما فات من مصلحة الصوم التام. وفيه : أن ظاهر الأدلة كون السفر ناقضاً للصوم ومبطلا له ، فيبطل الصوم الواقع منه بمجرد تحقق السفر منه ، فاذا كان المكلف يسافر في علم اللّه تعالى قبل الزوال ، فصومه باطل من أول الأمر ، فالإفطار قبل السفر إفطار في صوم باطل ، فلا أثر له في وجوب الكفارة. ولا ينافيه وجوب الإمساك إلى أن يسافر ، لإمكان كونه احتراماً للشهر ، لا لوجوب الصوم حقيقة ، فيكون الإمساك المذكور من قبيل الإمساك بعد الإفطار عمداً ، فإنه لا يدل على كونه صوما حقيقة. فتأمل.

فالأولى أن يقال : إن السفر في أثناء النهار إن كان عدمه شرطاً


1) الوسائل باب : 58 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) كما يأتي ذلك في الأمر الخامس من شرائط صحة الصوم.

3) تقدم ذلك في أول هذا الفصل.


للوجوب - يعني : لثبوت ملاك الصوم - كان الصوم قبله بلا ملاك ، فلا يكون الإفطار قبله موجباً للكفارة. وإن كان عدمه شرطاً للواجب - وهو الصوم - كما يقتضيه صدق الفوت والقضاء في حق المسافر ، فيقال : فاته الصوم ، ويجب عليه قضاؤه ، إذ الفوت إنما يصدق في ظرف وجود الملاك ، والقضاء فرع وجوب الأداء وفوته ، كان اللازم البناء على وجوب الكفارة كما لو أفطر ولم يسافر ، إذ لا فرق بينهما في وجوب الصوم ، وفي حرمة إيقاع المفطر غير السفر ، وفي جواز الإفطار بالسفر. ومجرد اختلافهما بوجود السفر وعدمه لا يؤثر فرقاً في وجوب الكفارة. لأن موضوع الكفارة الصوم الصحيح الواجب على المكلف صحة تأهلية ، وهذا المعنى لا يختل بوجود السفر باختياره.

نعم لو كان السفر غير اختياري كان موجبا للمنع عن التكليف بالصوم لأنه مع الاضطرار الى السفر لا يقدر على إتمامه ، فلا يكون مكلفاً به ، فينتفي. موضوع الكفارة ، لأنه الصوم الواجب. أما السفر الاختياري فلا يمنع عن القدرة على الصوم التام ، ولا عن التكليف به من غير جهة السفر. وبذلك يظهر الفرق بين الموانع الاختيارية والاضطرارية ، فتجب الكفارة بالإفطار قبل الأولى ، ولا تجب به قبل الثانية. فالحيض والنفاس ونحوهما لا توجب سقوط الكفارة لو اتفق وقوعها اختياراً من المكلف بعد صدور المفطر كالسفر الاختياري. ولو وقعت اضطراراً اقتضت سقوط الكفارة ، كالسفر الاضطراري.

هذا ولكن سيأتي في فصل شرائط وجوب الصوم : أن السفر المأخوذ مانعاً من الصوم لم يؤخذ مانعاً منه كسائر الموانع ، ولذا لا يدعو الأمر بالصوم الى تركه ، فيكون التكليف بالصوم كالمنوط بعدمه ، فلا يثبت إلا في ظرف عدمه من باب الاتفاق ، فاذا اتفق وجوده كشف عن عدم

بل وكذا لو بدا له السفر لا بقصد الفرار [1] على الأقوى. وكذا لو سافر فأفطر قبل الوصول إلى حد الترخص. وأما لو أفطر متعمداً ، ثمَّ عرض له عارض قهري ، من حيض ، أو نفاس ، أو مرض ، أو جنون ، أو نحو ذلك من الأعذار ففي السقوط وعدمه وجهان ، بل قولان ، [2] أحوطهما الثاني وأقواهما الأول [3].

( مسألة 12 ) : لو أفطر يوم الشك في آخر الشهر ثمَّ تبين أنه من شوال فالأقوى سقوط الكفارة [4]. وإن كان الأحوط عدمه. وكذا لو اعتقد أنه من رمضان ثمَّ أفطر متعمداً فبان أنه من شوال ، أو اعتقد في يوم الشك في أول الشهر أنه من رمضان فبان أنه من شعبان.


التكليف بالصوم من الأول ، فيجري عليه حكم المانع غير الاختياري.

اللّهم إلا أن يقال : إن دعوى كون السفر ونحوه إذا وقع في أثناء النهار كان مبطلا للصوم من أول الأمر مما لا شاهد عليها. إذ يحتمل كونه مبطلا له وناقضاً له من حينه. فاذاً لا يبعد البناء على وجوب الكفارة مطلقاً.

[1] كما هو المشهور. وعن المختلف : السقوط فيه. ووجهه يعلم مما سبق ، لأنهما من باب واحد.

[2] حكي ثانيهما عن الأكثر ، وعن الشيخ : الإجماع عليه ، وحكي أولهما عن بعض ، وفي الجواهر : إنه لم يتحقق قائله.

[3] يعلم وجهه مما سبق ، الذي عرفت الاشكال فيه.

[4] لعدم وجوب الصوم واقعاً ، وظاهر الكفارة اختصاصها به. ودعوى : أنها من آثار التجرؤ والتمرد ، الحاصل بمخالفة الحكم الظاهري غير متحققة. ومثله : الفرض الثاني.

( مسألة 13 ) : قد مر [1] أن من أفطر في شهر رمضان عالماً عامداً إن كان مستحلا فهو مرتد ، بل وكذا إن لم يفطر ولكن كان مستحلا له. وإن لم يكن مستحلا عزر بخمسة وعشرين سوطاً ، فان عاد بعد التعزير عزر ثانياً ، فان عاد كذلك قتل في الثالثة. والأحوط قتله في الرابعة.

( مسألة 14 ) : إذا جامع زوجته في شهر رمضان [2] وهما صائمان مكرهاً لها كان عليه كفارتان ، وتعزيران : خمسون سوطاً [3] ، فيتحمل عنها الكفارة والتعزير. وأما إذا طاوعته في الابتداء فعلى كل منهما كفارته وتعزيره [4]. وإن أكرهها


[1] تقدم ذلك في أول كتاب الصوم ، ومر الكلام فيه.

[2] هذا القيد غير مذكور في الخبر الآتي ، غاية الأمر أن ذكر الكفارة والتعزير في الجواب ظاهر في خصوص الصوم الذي فيه الكفارة والتعزير ، فيعم جميع أفراده.

[3] إجماعاً ، كما عن جماعة. لخبر المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة. فقال (عليه السلام) : إن كان استكرهها فعليه كفارتان ، وإن طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة. وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحد ، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً ، وضربت خمسة وعشرين سوطاً » (1)وضعفه منجبر بالإجماع المدعى ، ونفي الخلاف. وخلاف العماني ، حيث نسب اليه القول باتحاد الكفارة عليه - مع أنه غير محقق - غير قادح.

[4] إجماعاً على الظاهر. لصدق الإفطار العمدي بالنسبة الى كل منهما فيشمله ما دل على وجوبها على من أفطر متعمداً. مضافاً الى إمكان دخوله


1) الوسائل باب : 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

في الابتداء ثمَّ طاوعته في الأثناء فكذلك على الأقوى [1] ،


في الخبر - كما هو الظاهر - لصدق أنها طاوعته. والإكراه بعد ذلك لا أثر له ، لعدم تأثير الجماع حينئذ الكفارة عليها مع المطاوعة ، فضلا عن الإكراه.

[1] كأنه لظهور الخبر في استمرار الإكراه إلى الفراغ ، فلا يشمل المقام ، فيرجع فيه الى الضوابط المقتضية لكون على كل منهما كفارة واحدة كذا في الجواهر. وفيه : أنه مبني على كون جماعها في الابتداء عن إكراه غير مفطر لها ، فإنه حينئذ تجب عليه لأجله كفارة واحدة ، فإذا طاوعته وجبت عليها كفارة لافطارها باستدامة الجماع بلا إكراه. أما بناء على أنها تفطر بالإكراه ، يكون مقتضى القواعد أن عليه كفارة واحدة دونها ، لأن مطاوعتها بعد ذلك لا توجب الإفطار العمدي ، لتحقق الإفطار باكراهها في الابتداء ، فلا مقتضى للكفارة.

نعم لو ثبت أن الجماع بعد الإفطار عن عذر موجب للكفارة ، كان البناء على أن عليها كفارة في محله. ولكنه غير ظاهر وإن قلنا بتكرر الكفارة بتكرر الجماع ، لاختصاصه بصورة تحقق الإفطار الموجب للكفارة لا مطلق الجماع ولو بعد الإفطار عن عذر ، فالمكره على الإفطار إذا أفطر ثمَّ جامع عمداً لا دليل على وجوب الكفارة عليه. وإذ عرفت سابقا : أن استعمال المفطر عن إكراه مفطر ، تعرف أن مقتضى القواعد في المقام وجوب كفارة واحدة عليه دونها.

نعم مقتضى إطلاق النص : تعدد الكفارة عليه ، لصدق الإكراه على صرف ماهية الجماع. ولا ينافيه صدق المطاوعة له أيضاً ، لأن ذلك إنما هو بلحاظ البقاء ، لا صرف الوجود ، والظاهر من الخبر كون المعيار في تعدد الكفارة عليه الإكراه في صرف وجود المفطر ، وفي كون كفارة واحدة على كل منهما المطاوعة في صرف الوجود المفطر.

وإن كان الأحوط كفارة منها وكفارتين منه. ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة [1].

( مسألة 15 ) : لو جامع زوجته الصائمة وهو صائم في النوم [2] لا يتحمل عنها الكفارة ، ولا التعزير [3]. كما أنه ليس عليها شي‌ء ، ولا يبطل صومها بذلك [4]. وكذا لا يتحمل عنها إذا أكرهها على غير الجماع من المفطرات [5] حتى مقدمات الجماع ، وإن أوجبت إنزالها.

( مسألة 16 ) : إذا أكرهت الزوجة زوجها لا تتحمل عنه شيئاً.

( مسألة 17 ) : لا تلحق بالزوجة الأمة إذا أكرهها على الجماع وهما صائمان [6] ، فليس عليه إلا كفارته وتعزيره


هذا بناء على أن المراد بالإكراه في النص : ما لا يرتفع معه الاختيار أما لو أريد منه ما يعم الإجبار وفرض ذلك ، كان اللازم البناء على وجوب كفارتين عليه للنص ، وكفارة واحدة عليها بالمطاوعة ، للقواعد الأولية الموجبة للكفارة بمطلق الإفطار العمدي.

[1] كما نسب التصريح به إلى الأصحاب. ويقتضيه إطلاق النص.

[2] يعني : وهي نائمة.

[3] للأصل ، بعد عدم الدليل عليه ، وعدم دخوله في الخبر. وما عن الشيخ (رحمه اللّه) : من وجوب الكفارتين عليه غير ظاهر.

[4] للأصل ، بعد عدم تحقق الإفطار العمدي منها.

[5] للأصل ، بعد عدم الدليل عليه ، وعدم شمول النص له. وكذا في المسألة الآتية.

[6] لظهور النص في الزوجة. وكون إضافة الامرأة إلى الضمير

وكذا لا تلحق بها الأجنبية إذا أكرهها عليه على الأقوى [1]. وإن كان الأحوط التحمل عنها ، خصوصاً إذا تخيل أنها زوجته فأكرهها عليه.

( مسألة 18 ) : إذا كان الزوج مفطراً ، بسبب كونه مسافراً ، أو مريضاً ، أو نحو ذلك ، وكانت زوجته صائمة ، لا يجوز له إكراهها على الجماع [2] ، وإن فعل لا يتحمل عنها


يكفي فيها أدنى ملابسة ، ولو لكونها أمته خلاف الظاهر. ومنه يظهر ضعف ما عن المختلف من الإلحاق.

[1] للأصل ، وعدم دخوله في النص. وعن المختلف : الإشكال في ذلك ، لأن الكفارة عقوبة على الذنب ، وهو هنا أفحش. ولأنه قد يكون الذنب قوياً ، فلا تجدي الكفارة في تخفيفه. انتهى. وقد يظهر من الشيخ (رحمه اللّه) ذلك أيضاً. والأصل يقتضي عدم الإلحاق.

[2] على الأصح. لأصالة عدم جواز إجبار المسلم على غير الحق الواجب عليه. كذا عن المدارك. وفي الجواهر : « فيه بحث ». وكأنه لعموم ما دل على ثبوت حق الانتفاع بالبضع للزوج ، الذي لا ينافيه حرمة التمكين تكليفاً من جهة الإفطار عمداً. نظير وجوب أكل مال الغير عند المخمصة الذي لا ينافي ملك الغير له ، فيجوز للزوج الإكراه ، ويجب عليها الامتناع حسب الإمكان.

نعم لو كانت حرمة الإفطار مانعة من ثبوت حق الانتفاع للزوج ، كان عدم جواز الإجبار في محله ، لأنه إجبار على غير الحق. لكن عرفت عدم المنافاة ، فلا وجه للمنع.

إلا أن يقال : لم يثبت ما يدل على عموم الحق المذكور ، والعمدة فيه : إطلاق وجوب الإطاعة ، فإذا ثبت تقييده بغير المعصية ، فلا طريق

الكفارة ، ولا التعزير [1]. وهل يجوز له مقاربتها وهي نائمة إشكال [2].

( مسألة 19 ) : من عجز عن الخصال الثلاث في كفارة مثل شهر رمضان تخير [3] بين أن يصوم ثمانية عشر يوماً ، أو يتصدق بما يطيق [4].


إلى ثبوته. ومن ذلك يظهر الإشكال في دعوى استفادته من قوله تعالى : ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ... ) (1). فتأمل جيداً.

ويشهد بنفي الحق المذكور : أنه خلاف السيرة الارتكازية القطعية على عدم جواز منع الزوجة من الصوم والصلاة ، ومقدماتهما من طهارة حدثية أو خبثية أو نحوهما ، وغيرهما من الواجبات الشرعية.

[1] للأصل ، بعد عدم دخوله في النص ، كما سبق في نظيره. فما عن بعض - من القول بوجوب كفارة عنها عليه - غير ظاهر.

[2] يبتني على ثبوت الحق وعدمه في المقام ، نظير ما تقدم في الإكراه.

[3] كذا حكي التعبير عن الأكثر. وفي الشرائع : « كل من وجب عليه شهران متتابعان ، فعجز ، صام .. ».

[4] كما عن المختلف ، والدروس ، وغيرهما. لأنه مقتضى الجمع بين ما دل على بدلية خصوص صوم الثمانية عشر - كخبر أبي بصير وسماعة بن مهران قالا : « سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين ، فلم يقدر على الصيام ، ولم يقدر على العتق ، ولم يقدر على الصدقة. قال (عليه السلام) : فليصم ثمانية عشر يوماً ، على كل عشرة مساكين ثلاثة أيام » (2)، وخبر أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن


1) البقرة : 223.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1. ثمَّ إن الشيخ (رحمه اللّه) - رواها عن أبي بصير وسماعة في التهذيب ج 4 : ص 208 طبع النجف الأشرف ، والاستبصار ج 2 ص 92 طبع النجف الأشرف بدون قوله : « ولم يقدر على العتق ». ورواها في التهذيب ج 4 صفحة 312 عن أبي بصير ، كما في الوسائل. فلاحظ.


رجل ظاهر من امرأته ، فلم يجد ما يعتق ، ولا ما يتصدق ، ولا يقوى على الصيام. قال (عليه السلام) : يصوم ثمانية عشر يوماً ، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام » (1)- وبين ما دل على بدلية خصوص الصدقة ، كصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أفطر في شهر رمضان متعمداً يوماً واحداً من غير عذر. قال (عليه السلام) : يعتق نسمة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكيناً. فان لم يقدر تصدق بما يطيق » (2)ومصححه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل وقع على أهله في شهر رمضان ، فلم يجد ما يتصدق به على ستين مسكيناً. قال (عليه السلام) : يتصدق بقدر ما يطيق » (3).

وفيه : أن الجمع بذلك فرع التعارض ، المتوقف على اتحاد المورد ، ولكنه غير ظاهر. إذ ثاني الأولين صريح في كون مورده كفارة الظهار وأولهما إن لم يكن ظاهراً في المرتبة - بقرينة ما في ذيل الجواب : من توزيع الصيام على الصدقة على ستين مسكيناً ، الظاهر في كونه بدل الصدقة على ستين مسكيناً المتعينة - فلا أقل من عدم ظهوره في العموم. والأخيران موردهما كفارة شهر رمضان. وعليه فيجب العمل بكل في مورده من دون مقتض للتصرف في كل منهما بالحمل على التخيير. على أنه لو سلم عموم الأول لكفارة شهر رمضان وجب تخصيصه بالأخير ، جمعاً بين العام والخاص.


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الكفارات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

ولو عجز أتى بالممكن منهما [1]. وإن لم يقدر على شي‌ء منهما


ومنه يظهر ضعف ما عن المفيد والسيد والحلي : من بدلية الأول مطلقاً. كضعف ما عن الإسكافي والمقنع والمدارك والذخيرة : من بدلية الثاني مطلقا لضعف الخبرين الأولين سنداً. إذ فيه : أن الضعف يجبر بالعمل. ولو سلم فلا مجال للتعدي عن مورد الصحيحين الأخيرين.

ثمَّ إن المذكور في صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه ، من صوم ، أو عتق ، أو صدقة في يمين أو نذر ، أو قتل. أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة ، فالاستغفار له كفارة ، ما خلا يمين الظهار » (1)فيمكن الجمع بينه وبين ما سبق ، بحمل الكفارة المعجوز عنها على ما يشمل البدل ، كالصدقة بما يطيق ، أو صوم الثمانية عشر يوماً. إذ عليه ترتفع المنافاة بينهما.

نعم في صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « إذا عجز عن الخصال الثلاث فليستغفر » (2)ومقتضاه كون الاستغفار في رتبة الصدقة. والجمع بينهما بالترتيب لا شاهد له. إلا أن يكون هو الإجماع.

[1] كأنه لقاعدة الميسور. لكن في تماميتها إشكالا أشرنا إليه فيما سبق. مع أنه غير معقول بالنسبة إلى الصدقة ، إذ مع فرض العجز عن الصدقة بما يطيق كيف يمكن تكليفه بالممكن منهما؟! اللّهم إلا أن يكون المراد من الصدقة بما يطيق : الصدقة على ستين مسكيناً بما يطيق وإن لم يكن مداً ، وحينئذ فالبدل في حال العجز عنه هو ما يمكنه لكنه - مع أنه غير ظاهر من العبارة - غير ظاهر من الدليل.


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الكفارات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 9. وهو منقول بالمعنى. إلا إذا كان المراد غيره.

استغفر اللّه تعالى ولو مرة [1] بدلا عن الكفارة ، وإن تمكن بعد ذلك منها أتى بها [2].


[1] بلا خلاف فيه ، على الظاهر. لما عرفت : من أنه مقتضى الجمع بين نصوص المقام ، وصحيح أبي بصير وابن جعفر ( ع. ومقتضاه الاكتفاء بالمرة للإطلاق.

[2] هذا ينافي البناء على بدلية الاستغفار ، إذ مقتضى البدلية الاجزاء اللّهم إلا أن تختص بدليته بالعجز المستمر ، فاذا تمكن بعد ذلك انكشف عدم البدلية. وعليه فاللازم البناء على ذلك في بدلية الصوم ثمانية عشر ، والصدقة بما يطيق ، لعدم الفرق بين المقامين.

فالأولى أن يقال : إنه إن بني على عدم فورية وجوب الكفارة ، فتخصيص البدلية بالعجز المستمر وان كان يساعده الارتكاز جداً ، وعليه بنينا على عدم جواز البدار لذوي الأعذار في الواجبات الموقتة ، إلا أن حمل الدليل عليه في المقام بعيد جداً ، لندرة العجز المستمر عن الصدقة بالقليل كما لا يخفى. فالاكتفاء بالعجز العرفي مطلقاً ، أو مع عدم ظهور أمارة المكنة لا يخلو من قوة.

نعم في مصحح إسحاق : « الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة فليستغفر ربه ، وينوي أن لا يعود قبل أن يواقع ، ثمَّ ليواقع وقد أجزأه ذلك من الكفارة. فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر يوماً من الأيام فليكفر .. » (1)ومورده وإن كان الظهار ، لكن لا يبعد استفادة الحكم في غيره منه ، كما يساعده الارتكاز العرفي. ولا سيما مع البناء على وجوبه مع فعل الكفارة ، كما يظهر من بعض نصوص قصة الأعرابي الذي واقع أهله في شهر رمضان (2)


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الكفارات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2 ، 5.

( مسألة 20 ) : يجوز التبرع بالكفارة عن الميت [1] ، صوماً كانت أو غيره. وفي جواز التبرع بها عن الحي إشكال [2] والأحوط العدم. خصوصاً في الصوم.


وعلى هذا فالمسقط للكفارة عدم الوجدان ، لا فعل الاستغفار لأنه بدل فلاحظ.

[1] بلا خلاف معتد به ، على ما تقدم في مبحث قضاء الصلوات.

[2] بلا خلاف. فعن المبسوط : الجواز مطلقاً ، وعن المختلف وغيره موافقته. وعن المدارك وغيره : العدم مطلقاً ، وقواه في الجواهر ، وقال : « لعله المشهور ». وفي الشرائع : التفصيل بين الصوم فالثاني ، وغيره فالأول.

واستدل للأول : بأن الكفارة دين كسائر الديون التي يجوز التبرع فيها. ولما ورد في قصة الأعرابي الذي ادعى العجز عن الكفارة ، حيث قال له النبي (صلی اللّه عليه وآله) : خذ هذا التمر ، وتصدق به » (1)ولما ورد في قصة الخثعمية المشهورة ، حيث قال النبي (صلی اللّه عليه وآله) لها : « فدين اللّه أحق بالقضاء » وقد تقدمت في قضاء الصلوات (2).

وفيه : أن كونها كسائر الديون مصادرة. مع أن صحة التبرع في وفاء دين الحي محل إشكال ، ففي حاشية الكركي المنع عنها بلا إذن منه. فتأمل. وما ورد في قصة الأعرابي ليس من التبرع الذي هو محل الكلام بل من باب الاذن في إخراج الكفارة من ماله (صلی اللّه عليه وآله).

نعم لو كان المراد من التبرع في المقام بذل الأجنبي للمال ، في مقابل إخراج المكلف لها من ماله ، أمكن الاستدلال به على الجواز. مع إمكان الإشكال فيه : باحتمال كونه من باب التمليك ، لا الاذن في الصدقة بماله (صلی اللّه عليه وآله)


1) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

2) الحدائق ج : 11 صفحة : 39 الطبعة الحديثة وتقدم التعرض لها في المسألة : 3 من فصل صلاة الاستيجار ج 7 صفحة 117 الطبعة الثالثة.


نعم في موثق سماعة عن أبي بصير ، الوارد في كفارة الظهار : « فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : أنا أتصدق عنك ، فأعطاه تمراً لإطعام ستين مسكيناً. قال (صلی اللّه عليه وآله) : اذهب فتصدق بها .. » (1)

وأما ما ورد في قصة الخثعمية ، فمع أنه ضعيف السند ، وأن من المحتمل كون مورده الميت ، مما لا مجال للعمل بإطلاقه في الحي إجماعاً ، بل ضرورة فيجب الاقتصار فيه على مورده ، للبناء على إجماله.

واستدل للثاني : بأن ظاهر الخطاب الموجه الى شخص بشي‌ء وجوب مباشرته له ، فيجب العمل به. إلا أن يقوم ما يقتضي جواز التبرع ، وهو في المقام مفقود.

ووجه الثالث : أما في الصوم فلما ذكر. وأما في غيره فلأنه لا إشكال عندهم في صحة الوكالة في العتق ، والإطعام ، وقد ادعى في الجواهر : الإجماع المحقق على الصحة فيما لو أعتق الأجنبي عبده عن غيره بمسألته. والاشكال في صحة التبرع بالعتق من بعض ، ليس لبنائه على عدم كون الكفارة مورداً للتبرع ، بل لشبهة أنه لا عتق إلا في ملك ، بناء على كون المراد منه في ملك المعتق عنه. إذ لا مجال للبناء على الدخول في ملك المعتق عنه في التبرع لانتفاء السبب.

وعلى هذا فلا مجال للإشكال في صحة التبرع بغير الصوم. إذ المنشأ فيه إن كان احتمال اعتبار المباشرة التي يقتضيها ظاهر الخطاب فيدفعه الإجماع المذكور ، المساعد له ارتكاز العرف والمتشرعة في أمثال ذلك ، مما لم يكن الغرض من الأمر فيه محض تكميل النفس ، كما في الصوم ، والصلاة ، ونحوهما ، بل كان الغرض منه أيضاً شيئاً آخر يقوم بفعل الغير.

وإن كان احتمال اعتبار كون العتق والإطعام من ماله ، فهو خلاف


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الكفارات حديث : 1.

( مسألة 21 ) : من عليه كفارة إذا لم يؤدها حتى مضت عليه سنين لم تتكرر [1].

( مسألة 22 ) : الظاهر أن وجوب الكفارة موسع ، فلا تجب المبادرة إليها [2]. نعم لا يجوز التأخير إلى حد التهاون.


إطلاق النص. وعدم الاجتزاء بالتصدق بمال الغير ، إنما هو لعدم السلطنة عليه ، لا لقصور الدليل عن شموله. مضافاً الى ظاهر موثق سماعة ، وأبي بصير. وإن كان احتمال اعتبار الاذن من المكلف تعبداً فهو مما لا مجال للركون اليه.

وإن كان لاحتمال دخل إذنه في كون فعل الغير له ، بنحو يترتب عليه آثاره وفوائده ، بحيث لو لم يأذن لغيره في أن يفعل عنه لا تصح نسبة الفعل اليه بوجه ، ولا ترجع فوائده إليه. ففيه : أنه خلاف بناء العرف ، لاستقرار بنائهم على رجوع فوائده إليه بمجرد وقوعه من الغير بقصد أن يكون له إذا كان مما يقبل النيابة ، ولا يتوقف ترتب الفائدة ورجوعها الى المنوب عنه على إذن منه. وهذا البناء كاف في حكم العقل بالخروج عن عهدة التكليف ، لتحقق الإطاعة عند العقلاء ، كما في سائر الموارد. فتأمل جيداً.

وبالجملة : لا ينبغي التأمل في الجواز بعد الإجماع على صحة الاذن والوكالة. فلاحظ.

[1] للأصل ، بعد عدم الدليل على التكرر.

[2] يظهر من الدروس وغيره المفروغية عنه ، ويقتضيه إطلاق الأدلة. نعم يمكن أن يستشكل في ذلك : بأن مقتضى كونها كفارة للذنب وجوب المبادرة إليها عقلا ، نظير وجوب المبادرة إلى التوبة ، فكما يحكم العقل بوجوب الإطاعة وحرمة المعصية ، فراراً عن الوقوع في الذنب ، يحكم بوجوب المبادرة

( مسألة 23 ) : إذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام - من زنا ، أو شرب الخمر ، أو نحو ذلك - لم يبطل صومه [1] ، وإن كان في أثناء النهار قاصداً لذلك.

( مسألة 24 ) : مصرف كفارة الإطعام للفقراء [2] ،


إليها أيضاً ، فراراً عن بقاء الذنب ، لعدم الفرق بين الحدوث والبقاء في نظر العقل ، لأن في كل منهما خطراً. بل لعل ذلك منشأ لانصراف الأدلة إلى الفورية. فتأمل.

[1] لعدم الدليل عليه ، والأصل البراءة.

[2] بلا خلاف معتد به ، فإن الآية (1)والنصوص (2)وإن كانت مشتملة على المسكين ، إلا أن الإجماع - صريحاً ، وظاهراً ، محكياً عن جماعة - على أن الفقير والمسكين يراد كل منهما من الآخر عند الانفراد. قال في محكي المبسوط : « لا خلاف في أنه إن أوصى للفقراء منفردين ، أو للمساكين كذلك ، جاز صرف الوصية إلى الصنفين جميعاً » ومثله : ما عن نهاية الأحكام وفي محكي المسالك : « واعلم أن الفقراء والمساكين متى ذكر أحدهما دخل فيه الآخر بغير خلاف ». وعن الروضة ، ومحكي الميسية : الإجماع على ذلك ، وفي الحدائق : نفي الخلاف فيه ، ويظهر من كلامهم في الكفارات المفروغية عنه. فما في القواعد - من الإشكال في إجزاء الإعطاء للفقير في الكفارة - ضعيف. ولا سيما بملاحظة ما في مصحح إسحاق ، الوارد في إطعام عشرة مساكين أو إطعام ستين مسكيناً : « قلت : فيعطيه الرجل قرابته إن كانوا محتاجين؟ قال (عليه السلام) : نعم » (3).


1) البقرة : 184.

2) تقدم ذكرها في المسألة : 1 من هذا الفصل.

3) الوسائل باب : 16 من أبواب الكفارات حديث : 2.

إما بإشباعهم [1] ، وإما بالتسليم إليهم. كل واحد مداً [2] ،


[1] بلا خلاف ولا إشكال ، كما في الجواهر. ويدل عليه مصحح أبي بصير : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ( أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) (1)قال (عليه السلام) : نعم ، ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك. قلت : وما أوسط ذلك؟ فقال : الخل ، والزيت ، والتمر ، والخبز ، يشبعهم به مرة واحدة » (2)واختصاصه بكفارة اليمين لا يقدح في جواز التعدي إلى المقام وسائر الكفارات ، لعدم الفصل.

ومنه يظهر ما في ما عن المفيد : من أنه اعتبر في كفارة اليمين أن يشبعهم طول يومهم. ويشهد له رواية سماعة - المروية عن تفسير العياشي - عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن قول اللّه عز وجل ( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ) في كفارة اليمين. قال (عليه السلام) : ما يأكل أهل البيت يشبعهم يوماً. وكان يعجبه مد لكل مسكين » (3)لضعف الرواية بالإرسال ، مع لزوم حملها على الاستحباب ، جمعاً بينها وبين المصحح.

[2] كما هو المشهور ، ولا سيما بين المتأخرين. للنصوص الكثيرة الدالة على الاكتفاء به ، بل لعلها متواترة ، الوارد بعضها في كفارة قتل الخطا (4)وبعضها في كفارة اليمين (5)وبعضها في كفارة شهر رمضان (6)بضميمة عدم القول بالفصل بين أنواع الكفارات.


1) المائدة : 89.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الكفارات حديث : 5.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب الكفارات حديث : 9.

4) الوسائل باب : 10 من أبواب الكفارات حديث : 1.

5) راجع الوسائل باب : 12 من أبواب الكفارات.

6) الوسائل باب : 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 10 ، 12.

والأحوط مدان ، من حنطة ، أو شعير ، أو أرز ، أو خبز أو نحو ذلك [1] ولا يكفي في كفارة واحدة إشباع شخص واحد مرتين


وعن الشيخ في الخلاف والمبسوط والنهاية والتبيان : أنها مدان ، ووافقه عليه غيره ، وعن الخلاف : الإجماع عليه. ويشهد له مصحح أبي بصير في كفارة الظهار : « تصدق على ستين مسكيناً ثلاثين صاعاً ، لكل مسكين مدين مدين » (1)وفيه : أنه إن أمكن تخصيصه بمورده وجب الاقتصار عليه ، لعدم معارض له فيه. وإلا - كما هو الظاهر ، من جهة عدم الفصل بين الموارد - فاللازم حمله على الاستحباب ، جمعاً عرفيا بينه وبين ما سبق. وأما دعوى الإجماع ، فموهونة بمخالفة الأكثر ، كما لا يخفى.

[1] مما يسمى طعاماً ، كما هو المشهور ، بل في محكي الخلاف : الإجماع عليه. لإطلاق الأدلة. وما في بعض كتب اللغة : من أنه قد يختص الطعام بالبر لا يقدح فيما ذكرنا ، - لأنه لو تمَّ - فهو خلاف الاستعمال الشائع ، الذي يحمل عليه اللفظ عند الإطلاق. مع أنه مختص بلفظ الطعام ، ولا يجري فيما اشتملت عليه النصوص ، وهو الإطعام. فالبناء على إطلاقه ، الشامل لكل ما يطعم ، المقابل لما يشرب ، متعين.

نعم ورد في نصوص كفارة اليمين التقييد بالحنطة ، والدقيق ، والخبز ففي صحيح الحلبي : « يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة ، أو مد من دقيق » (2)، وفي صحيح الثمالي : « إطعام عشرة مساكين مداً مداً ، دقيق ، أو حنطة » (3). وفي مصحح هشام بن الحكم : « مد مد من حنطة » (4). وفي مصحح أبي بصير : « قلت : وما أوسط ذلك؟


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الكفارات حديث : 6.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب الكفارات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب الكفارات حديث : 4.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب الكفارات حديث : 4.


فقال (عليه السلام) : الخل ، والزيت ، والتمر ، والخبز ، يشبعهم به مرة واحدة » (1)ونحوها غيرها. وعليه فالجمع العرفي يقتضي التقييد بذلك في خصوص كفارة اليمين. والتعدي إلى غيرها يتوقف على عدم الفصل ، وهو غير ثابت. فعن الحلي : « يجوز أن يخرج حباً ، ودقيقاً ، وخبزاً ، وكلما يسمى طعاماً إلا كفارة اليمين ، فإنه يجب عليه أن يخرج من الطعام الذي يطعم أهله ، للآية ». وفي التحرير : « يجوز إخراج الخبز ، والدقيق ، والسويق ، والحب - لا السنبل - من كل ما يسمى طعاماً ، في جميع الكفارات. إلا كفارة اليمين ، فان الواجب فيها الإطعام من أوسط ما يطعم أهله. ولو أطعم مما يغلب على قوت البلد جاز ».

وأما التقييد في الآية بالأوسط - وكذا في جملة من النصوص - فقد اختلفت النصوص في تفسيره. ففي بعضها : إرادة الوسط في المقدار ، ففي مصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في قول اللّه عز وجل ( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) قال (عليه السلام) : هو كما يكون في البيت : من يأكل المد ، ومنهم من يأكل أكثر من المد ، ومنهم من يأكل أقل من المد ، فبين ذلك. وإن شئت جعلت لهم أدماً. والأدم أدناه ملح ، وأوسطه الخل والزيت ، وأرفعه اللحم » (2). ونحوه غيره. وفي بعضها : إرادة الوسط في الجنس ، كمصحح أبي بصير المتقدم. ونحوه مصحح البزنطي عن أبي جميلة (3)، وخبر زرارة (4)وغيرهما.

ويجب حمل الأخير على الاستحباب ، لما في مصحح الحلبي المتقدم ،


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الكفارات حديث : 5.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الكفارات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب الكفارات حديث : 2.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب الكفارات حديث : 9.

أو أزيد ، أو إعطاؤه مدين أو أزيد [1] ، بل لا بد من ستين نفساً.


من قوله (عليه السلام) : « وإن شئت جعلت .. ». الظاهر في نفي الوجوب.

فالمتحصل من مجموع الأدلة كتاباً وسنة : الاكتفاء بمطلق ما يسمى إطعاماً في جميع الكفارات ، عدا كفارة اليمين ، فإنه يتعين فيها إما الخبز ، أو الحنطة ، أو الدقيق. ومقتضى إطلاق الخبز والدقيق في النصوص - وكذا ما في الجواهر : من نفي الاشكال في أجزائهما - عدم الفرق بين ما يكون من الحنطة ومن غيرها. اللّهم إلا أن يكون ذكر الحنطة مع الدقيق في الصحيحين موجباً لانصرافه إلى دقيق الحنطة ، بل لعل الاقتصار على الحنطة في مصحح هشام يقتضي ذلك ، بأن يكون الجمع بينه وبينهما موجباً لحمل الحنطة على ما يعم الدقيق.

ومن هنا يشكل إطلاق الخبز في مصحح أبي بصير ، فلعل الجمع أيضاً يقتضي حمله على خبز الحنطة. بل يمكن الاشكال فيه أيضاً : بعدم وروده في مقام البيان من هذه الجهة. فتأمل.

وأما ما ورد في قصة الأعرابي الذي أفطر شهر رمضان ، أو الذي ظاهر من امرأته : من إعطاء النبي (صلی اللّه عليه وآله) له التمر ليتصدق به (1)، فلا يصلح لتقييد الأدلة ، لعدم ظهوره في التقييد ، كما هو ظاهر. واللّه سبحانه أعلم.

[1] إجماعا ظاهراً. لعدم الإتيان بالمأمور به ، وهو إطعام الستين. مضافاً إلى مصحح إسحاق بن عمار : « سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن إطعام عشرة مساكين أو إطعام ستين مسكيناً ، أيجمع ذلك لإنسان واحد يعطاه؟ فقال (عليه السلام) : لا ، ولكن يعطى إنساناً إنساناً ، كما قال اللّه عز وجل » (2).


1) تقدم ذكرهما في المسألة : 20 من هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب الكفارات حديث : 2.

نعم إذا كان للفقير عيال متعددون - ولو كانوا أطفالا صغاراً [1]


قال في الجواهر : « نعم لو دفعه لواحد ، ثمَّ اشتراه منه ، ثمَّ دفعه لآخر .. وهكذا إلى تمام الستين - أجزأه ، بلا خلاف ولا إشكال ». ويقتضيه إطلاق الصدقة في كثير من النصوص ، لتحققها بالتمليك ، فلا مانع من الشراء بعده.

وتوهم : أنه لا بد من أكل الفقير لها ، ليتحقق الإطعام المعتبر في الكفارة كتاباً وسنة. مندفع : بأن الإطعام مفسر في النصوص ببذل الطعام لهم ليأكلوه ، أو تمليكهم إياه ، فلا يعتبر في الأول التمليك ، ولا يعتبر في الثاني الأكل. ولو اعتبر الأكل في الجميع لزم عدم الاجتزاء بمجرد التصدق حتى يتحقق الأكل في الخارج ، وهو خلاف المقطوع به من النصوص.

ثمَّ إن ما ذكر - من عدم الاكتفاء بإعطاء الواحد مرتين في كفارة واحدة - إنما هو مع التمكن من المستحق. أما مع التعذر ، ففي الشرائع وغيرها : أنه يجوز ، بل في الجواهر : لم أقف فيه على مخالف صريح معتد به ، وعن ظاهر الخلاف : الاتفاق عليه. ويشهد له خبر السكوني : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إن لم يجد في الكفارة إلا الرجل والرجلين. فليكرر عليهم حتى يستكمل العشرة ، يعطيهم اليوم ، ثمَّ يعطيهم غدا » (1). واختصاص مورده بكفارة العشرة لا يقدح في التمسك به على عموم الحكم بناء على إلغاء خصوصيته عرفاً ، أو عدم الفصل.

نعم ظاهره ملاحظة التعدد في الأيام. إلا أن يحمل على الإشباع بملاحظة المتعارف فيه ، فلا يكون خصوصية لذلك ، نظير خصوصية الغد. فتأمل.

[1] الظاهر أنه لا إشكال ولا خلاف في جواز إعطاء الصغار كالكبار فيما لو كان الإطعام بنحو التمليك. كما يقتضيه - مضافاً إلى إطلاق الأدلة


1) الوسائل باب : 16 من أبواب الكفارات حديث : 1.

يجوز إعطاؤه بعدد الجميع لكل واحد مداً [1].


لصدق المسكين عليهم كصدقه على الكبار - صحيح يونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن (عليه السلام) : « عن رجل عليه كفارة إطعام عشرة مساكين ، أيعطي الصغار والكبار سواء ، والنساء والرجال ، أو يفضل الكبار على الصغار ، والرجال على النساء؟ فقال (عليه السلام) : كلهم سواء » (1).

وأما في الإشباع ، فالمحكي عن المفيد : المنع من إعطائهم مطلقاً ، وفي الشرائع : « يجوز إطعامهم منضمين. ولو انفردوا احتسب الاثنان بواحد ». وكأنه لخبر غياث : « لا يجزي إطعام الصغير في كفارة اليمين ولكن صغيرين بكبير » (2). وفي خبر السكوني : « من أطعم في كفارة اليمين صغاراً وكباراً فليزود الصغير بقدر ما أكل الكبير » (3). لكن الأول شامل لصورة الانضمام أيضاً ، بل الثاني ظاهر فيها - كما في الجواهر - إلا أنه ظاهر في لزوم تزويد كل صغير بقدر ما أكل الكبير ، لا في احتساب الاثنين بواحد. اللّهم إلا أن يجمع بينه وبين الأول بالتخيير بين الأمرين. أو يحمل الأول على صورة الانفراد ، فيختص التزويد بصورة الانضمام. ولعل الثاني أقرب. وعليه : تشكل دعوى عموم احتساب الاثنين بواحد لصورتي الانضمام والانفراد ، كما عن الرياض.

نعم في عموم الحكم لغير كفارة اليمين نظر ، لاختصاص الخبرين بها اللّهم إلا أن يتمم في غيرها بعدم الفصل. ولا سيما بملاحظة اختصاص دليل مشروعية الإشباع بها لا غير.

[1] للإطلاق. ولصحيح يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) : « ويتمم


1) الوسائل باب : 17 من أبواب الكفارات حديث : 3.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب الكفارات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب الكفارات حديث : 2.

( مسألة 25 ) : يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر وحاجة [1] ،


إذا لم يقدر على المسلمين وعيالاتهم تمام العدة التي تلزمه أهل الضعف ممن لا ينصب » (1).

ثمَّ إن عبارة المتن ظاهرة في جواز إعطاء المعيل بقدر عدد العيال ، وإن لم يكن وكيلا عنهم إذا كانوا كباراً ، ولا ولياً عليهم إذا كانوا صغاراً. لكنه غير ظاهر الوجه إذا كان بنحو التمليك ، إذ التملك يحتاج سلطنة. نعم إذا كان بنحو الإشباع أمكن ذلك بلا توكيل أو ولاية ، لكون المعيل حينئذ واسطة في الإشباع. لكن لا بد حينئذ من العلم بحصول الإشباع ، ولا تفرغ الذمة إلا به.

[1] على المشهور شهرة عظيمة. لمصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل يدخله شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحاً ، ثمَّ يبدو له - بعد ما يدخل شهر رمضان - أن يسافر. فسكت ، فسألته غير مرة ، فقال (عليه السلام) : يقيم أفضل. إلا أن تكون له حاجة لا بد له من الخروج فيها ، أو يتخوف على ماله » (2)وصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيام. فقال (عليه السلام) : لا بأس بأن يسافر ، ويفطر ولا يصوم » (3)وقريب منهما غيرهما.

وعن الحلبي : أنه لا يحل اختياراً ، لإطلاق ما دل على وجوب الصوم بناء على كون الحضر من شرائط الوجود ، لا الوجوب. مضافاً الى مصحح


1) الوسائل باب : 18 من أبواب الكفارات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

بل ولو كان للفرار من الصوم [1]. لكنه مكروه [2].


أبي بصير : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان فقال (عليه السلام) : لا ، إلا فيما أخبرك به : خروج إلى مكة ، أو غزو في سبيل اللّه تعالى ، أو مال تخاف هلاكه ، أو أخ تخاف هلاكه » (1)وما في حديث الأربعمائة : « ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا دخل شهر رمضان لقول اللّه عز وجل ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (2).

وفيه : أن الحضر - لو سلم كونه شرطاً للوجود - فلم يؤخذ شرطاً على نحو يجب تحصيله كسائر شرائط الوجود ، بل أخذ بنحو لا يجب تحصيله كما قد يقتضيه ظاهر الآية. والصحيحان المتقدمان كافيان في إثبات ذلك. ولأجلهما ترفع اليد عن ظاهر مصحح أبي بصير ، وحديث الأربعمائة - لو سلمت حجية الثاني في نفسه - حملا للظاهر على الأظهر فيحملان على الكراهة ، أو ترك الأفضل.

لا يقال : يمكن الجمع بينهما بالتقييد ، بحمل المجوز على صورة وجود الحاجة ، وغيره على غيرها. لأنا نقول : لا مجال لهذا الجمع بالإضافة إلى الصحيح الأول ، لظهوره في الجواز بلا حاجة. وسيأتي ما له نفع في المقام في شرائط وجوب الصوم.

[1] كما هو المشهور. وعن العماني وابن الجنيد وأبي الصلاح : الحرمة بل يلوح ذلك من الشيخ في التهذيب. وهو ضعيف ، لإطلاق الأدلة المتقدمة.

[2] للنهي عنه فيما سبق ، المحمول عليها جمعاً. نعم ظاهر المدارك : كون الحضر أفضل ، أخذاً بظاهر الصحيح الأول. لكن لا تنافي بينهما ،


1) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

2) البقرة : 185.

( مسألة 26 ) : المد ربع الصاع [1] ، وهو ستمائة مثقال وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال. وعلى هذا فالمد : مائة وخمسون مثقالا وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وربع ربع المثقال. وإذا أعطى ثلاثة أرباع الوقية من حقه النجف [2] فقد زاد أزيد من واحد وعشرين مثقالا [3] ، إذ ثلاثة أرباع الوقية : مائة وخمسة وسبعون مثقالا.

فصل يجب القضاء دون الكفارة

في أمور :

أحدها : ما مر من النوم الثاني ، بل الثالث [4]. وإن كان الأحوط فيهما الكفارة أيضاً ، خصوصاً الثالث.


لإمكان كون الحضر أفضل ، وكون السفر فيه منقصة موجبة للكراهة.

[1] تقدم الكلام في هذه المسألة في مستحبات الوضوء. فراجع.

[2] هي ثلاث حقق اسلامبول وثلث ، أعني : تسعمائة وثلاثة وثلاثين مثقالا صيرفياً وثلثاً.

[3] ولو أعطى حقة النجف لستة أنفار فقد زاد مقداراً أيضاً.

فصل يجب القضاء دون الكفارة

في أمور :

[4] قد مر الكلام في ذلك في المفطرات. فراجع.

الثاني : إذا أبطل صومه بالإخلال بالنية [1] ، مع عدم الإتيان بشي‌ء من المفطرات [2] ، أو بالرياء [3] ، أو بنية القطع أو القاطع كذلك.

الثالث : إذا نسي غسل الجنابة ومضى عليه يوماً أو أيام كما مر [4].

الرابع : من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ، ثمَّ ظهر سبق طلوعه [5] وأنه كان في النهار. سواء كان قادراً على


[1] فإنه وإن وجب القضاء لتركه للصوم ، لكن لا دليل على وجوب الكفارة ، لاختصاص أدلتها بالإفطار الحاصل باستعمال المفطر ، لا مطلق ترك الصوم ، كما نص عليه في المستند.

[2] إذ في ظرف الإتيان يدخل تحت الإفطار باستعمال المفطر ، فتشمله أدلة الكفارة. فإن قلت : إذا كان الإخلال بالنية مفطراً ، كان الأكل بعده غير مفطر ، لاستناد الإفطار إلى أسبق علله ، وحينئذ فلا يوجب الكفارة. قلت : لو بني على ذلك لم تجب الكفارة في جميع المفطرات ، لسبقها بنية الإفطار ، التي هي مفطرة. وحينئذ لا بد من حمل نصوص وجوب الكفارة بالإفطار على استعمال المفطر ، ولو كان الإفطار حاصلا بالإخلال بالنية ، أو بالرياء ، أو بنية القاطع ، أو نحو ذلك. أو يقال : بعموم أدلة الكفارة للنية ، لكنها تختص بالنية الملحوقة باستعمال المفطر ، ولا تشمل النية المجردة.

[3] معطوف على : ( بالإخلال ).

[4] مر وجوب القضاء في المسألة الخمسين من فصل المفطرات ، وعدم وجوب الكفارة في فصل اعتبار العمد والاختيار في وجوبها.

[5] بلا خلاف أجده ، كما في الجواهر ، وفي محكي الانتصار : الإجماع

المراعاة ، أو عاجزاً عنها [1] لعمى ، أو حبس ، أو نحو ذلك


عليه. وكذا عن الخلاف وظاهر الغنية. ويشهد له صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن رجل تسحر ثمَّ خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبين. فقال (عليه السلام) : يتم صومه ذلك ، ثمَّ ليقضيه. وإن تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر » (1)وموثق سماعة : « سألته عن رجل أكل وشرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان. فقال (عليه السلام) : إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ، ثمَّ عاد فرأى الفجر ، فليتم صومه ، ولا إعادة عليه. وإن كان قام فأكل وشرب ، ثمَّ نظر إلى الفجر فرأى أنه قد طلع ، فليتم صومه ، ويقضي يوماً آخر. لأنه بدأ بالأكل قبل النظر ، فعليه الإعادة » (2)ونحوهما غيرهما.

هذا كله في وجوب القضاء. وأما عدم الكفارة فيقتضيه الأصل ، بعد اختصاص عموم وجوبها بالإفطار بصورة العمد.

[1] كما مال إليه في الجواهر ، وجعله في المستند الأقوى ، إلا أن يقوم الإجماع على خلافه. لإطلاق النصوص المتقدمة. خلافاً للمشهور ، حيث نفوا القضاء عن العاجز ، بل عن الرياض : نفي وجدان الخلاف فيه للأصل ، مع اختصاص النص والفتوى - بحكم التبادر وغيره - بصورة القدرة ، كما لا يخفى على من تدبرهما.

لكن الأصل خلاف إطلاق دليل المفطرية. وتقييده بغير الجاهل بالموضوع غير ظاهر ، لعدم المقيد. وأما اختصاص النصوص بالقادر فإنه خلاف الظاهر.


1) لاحظ صدر الرواية في الوسائل باب : 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1. وذيلها في باب : 45 من الأبواب المذكورة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

أو كان غير عارف بالفجر [1]. وكذا مع المراعاة وعدم اعتقاد بقاء الليل [2] ، بأن شك في الطلوع ، أو ظن فأكل ، ثمَّ تبين سبقه. بل الأحوط القضاء حتى مع اعتقاد بقاء الليل [3] ولا فرق في بطلان الصوم بذلك بين صوم رمضان ، وغيره من الصوم الواجب والمندوب. بل الأقوى فيها ذلك حتى مع المراعاة واعتقاد بقاء الليل [4].


[1] لدخوله في إطلاق بعض نصوص الباب ، كالعاجز.

[2] هذا خلاف إطلاق موثق سماعة ، الدال على نفي القضاء مع المراعاة وإن حصل الشك أو الظن ، ومن المعلوم أنه مقدم على إطلاق أدلة المفطرية ، وإطلاق مثل صحيح الحلبي لو تمَّ. ومنه يظهر ما في الجواهر : من الميل إلى القضاء ، وحكاه عن الروض. لإطلاق أدلة المفطرية. وبأنه أولى بذلك من الظان ببقاء الليل بإخبار الجارية والاستصحاب. إذ في الإطلاق ما عرفت. والأولوية ممنوعة.

[3] هذا غير واضح. للتسالم على نفي القضاء مع المراعاة ، وفي محكي الانتصار : الإجماع عليه ، وموثق سماعة المتقدم دال عليه. ونحوه ما في مصحح معاوية ، من قوله (عليه السلام) : « أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك قضاؤه » (1). وحمله على إرادة أنك لو كنت أنت الذي نظرت لعلمت طلوع الفجر فلم تأكل خلاف الظاهر. ولا سيما بملاحظة باقي نصوص المراعاة. ولا يبعد أن يكون المراد في المتن صورة ترك المراعاة لاعتقاد بقاء الليل. وعليه لا يبعد وجوب القضاء ، لإطلاق الموثق وغيره.

[4] كما استوضحه في المستند ، واستظهر عدم الخلاف فيه إذا كان


1) الوسائل باب : 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث : 1.


الواجب غير معين ، ونفى بعض الاشكال فيه ، وعن العلامة وغيره : التصريح به. لاختصاص نصوص الصحة مع المراعاة بغيره ، فإطلاق ما دل على المفطرية - بضميمة ما دل على وجوب قضاء الفائت - يقتضي القضاء. مضافاً إلى إطلاق ذيل صحيح الحلبي المتقدم (1)- فتأمل - (2)، وموثق إسحاق بن عمار : « قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : يكون علي اليوم واليومان من شهر رمضان ، فأتسحر مصبحاً ، أفطر ذلك اليوم وأقضي مكان ذلك اليوم يوماً آخر ، أو أتم على صوم ذلك اليوم وأقضي يوما آخر؟ فقال (عليه السلام) : لا ، بل تفطر ذلك اليوم ، لأنك أكلت مصبحاً ، وتقضي يوماً آخر » (3)وخبر علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) : « عن رجل شرب بعد ما طلع الفجر وهو لا يعلم في شهر رمضان. قال (عليه السلام) : يصوم يومه ذلك ، ويقضي يوماً آخر. وإن كان قضاء لرمضان في شوال أو غيره ، فشرب بعد الفجر ، فليفطر يومه ذلك ، ويقضي » (4). ولا يعارضها مصحح معاوية الآتي ، لأنه مختص بالمعين ، بقرينة القضاء.

وأما الواجب المعين فاستظهر في المدارك إلحاقه برمضان ، في عدم الإفطار مع المراعاة ، وتبعه في الذخيرة والمستند. لعدم الدليل على فساد الصوم ، ولا على وجوب قضائه. لإطلاق صحيح معاوية بن عمار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : آمر الجارية أن تنظر الفجر ، فتقول : لم يطلع بعد فآكل ، ثمَّ أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرت. قال (عليه السلام) : تتم يومك ثمَّ تقضيه. أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك قضاؤه » (5)


1) لاحظ ذلك في أول الأمر الرابع من الأمور المذكورة في هذا الفصل.

2) إشارة إلى ما يأتي : من قرب دعوى اختصاصه بصورة عدم المراعاة. منه قدس سره .

3) الوسائل باب : 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

4) الوسائل باب : 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

5) تقدم ذلك في التعليقة السابقة.

الخامس : الأكل تعويلا على من أخبر ببقاء الليل وعدم طلوع الفجر مع كونه طالعاً [1].


فإنه شامل لرمضان وغيره. وفيه : أن إطلاق دليل المفطرية ، وإطلاق ما دل على القضاء بالإفطار يقتضي البناء على الإفطار ، ووجوب القضاء. والصحيح المذكور معارض بصحيح الحلبي بالعموم من وجه (1)، وحمل الصحيح الثاني على غير المعين ، ليس أولى من حمل الصحيح الأول على شهر رمضان. وحينئذ فإن كان الثاني أقرب عرفاً فهو ، وإلا فالمرجع عموم المفطرية والقضاء.

هذا ولكن التحقيق : أن صحيح الحلبي لفظه شامل لصورتي المراعاة وعدمها ، وللمعين وغيره ، وهو مختص برمضان ، وصحيح معاوية مختص بصورة المراعاة في المعين ، وشامل لرمضان وغيره ، والجمع كما يكون بتقييد الأول بعدم المراعاة ، وبتقييده بغير المعين ، يكون أيضاً بتقييد الثاني برمضان. إلا أن الأول لما كان صدره مقيداً بصورة عدم المراعاة جمعاً بينه وبين ما سبق ، فذيله يتعين أيضاً حمله على ذلك ، وحينئذ يرتفع التنافي بينه وبين الثاني ، ولا يتردد الأمر في الجمع بين النحوين الآخرين حتى يرجع إلى دليل آخر ، من جهة عدم المرجح ، وعليه يتم ما استظهر في المدارك. لكن ذلك معارض : بأن قوله (عليه السلام) في الثاني : « تتم صومك » مختص برمضان ، فيتعين حمل ما بعده عليه ، فلا يتم الثاني دليلا على الحكم في غيره معيناً أو غيره.

إلا أن يقال : لا وجه لهذا الاختصاص ، بل تقدم احتمال المصنف (رحمه اللّه) تعميم الحكم لمطلق المعين. ولعله لهذا الصحيح الثاني.

[1] بلا خلاف أجده ، كما في الجواهر. لصحيح معاوية السابق.


1) تقدم ذلك في أول الأمر الرابع من الأمور المذكورة في هذا الفصل.

السادس : الأكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر ، لزعمه سخرية المخبر ، أو لعدم العلم بصدقه [1].

السابع : الإفطار تقليداً لمن أخبر بدخول الليل [2]


وأصالة البراءة من الكفارة.

ثمَّ إن ظاهر إطلاق النص والفتوى : عدم الفرق بين كون المخبر عدلا أولا ، متعدداً أولا. وعن المحقق والشهيد الثانيين ، والمدارك والذخيرة : سقوط القضاء لو كان المخبر عدلين ، لحجية البينة. وفيه : أن حجية البينة - كحجية الاستصحاب - لا تنافي وجوب القضاء عند انكشاف الخطأ ، فإطلاق قوله (عليه السلام) : لو كنت أنت .. » ، مع إطلاق أدلة المفطرية يقتضي تحقق الإفطار بذلك. كما أن عموم وجوب القضاء بالفوت يقتضي وجوبه أيضاً.

[1] بلا خلاف أجده ، كما في الجواهر وعن مجمع البرهان. وعن المدارك : أنه قطع به الأصحاب. لصحيح العيص بن القاسم : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت ، فنظر إلى الفجر فناداهم أنه قد طلع الفجر ، فكف بعض ، وظن بعض أنه يسخر فأكل. فقال : يتم صومه ويقضي » (1). مضافاً إلى ما تقدم في الرابع والخامس ، فإنه يدل على القضاء في المقام بالأولوية.

وأما الكفارة فينفيها أصل البراءة ، وعن ظاهر جماعة : أنه لا خلاف في نفيها في غير صورة إخبار العدلين أو العدل الواحد ، التي سيأتي الكلام فيها.

[2] كما هو المشهور ، وعن الحدائق : نفي الاشكال فيه ، وفي الرياض : نفي الخلاف فيه. إلا من المدارك في بعض صوره. وعن الخلاف والغنية : الإجماع عليه مع الشك. وهذا - مضافاً إلى فحوى ما تقدم في الرابع


1) الوسائل باب : 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.


والخامس ، وإلى إطلاق ما دل على المفطرية ، بضميمة ما دل على إيجابها قضاء الصوم - هو العمدة في وجوب القضاء. ولأجله يخرج عما دل بإطلاقه على نفيه ، كصحيح زرارة. قال : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : وقت المغرب إذا غاب القرص. فإن رأيته بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ، ومضى صومك ، وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئاً » (1)- ونحوه خبر زيد الشحام - (2)ومصحح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أنه قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ، ثمَّ أبصر الشمس بعد ذلك ، قال (عليه السلام) : ليس عليه قضاؤه » (3). مع إمكان دعوى ظهور الأول في صورة العلم ، والثاني في صورة حصول الظن من الأمارات التي يعرفها لا من الخبر ، فلا يكونان مما نحن فيه.

وأما الاستدلال عليه بما في ذيل موثق أبي بصير وسماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس ، فرأوا أنه الليل ، فأفطر بعضهم ، ثمَّ إن السحاب انجلى فاذا الشمس. فقال (عليه السلام) : على الذي أفطر صيام ذلك اليوم. إن اللّه عز وجل يقول ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (4). فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه ، لأنه أكل متعمداً » (5). ففيه : أن الموثق معارض بما يأتي ، فيجب حمله على وجوب إتمام الصوم بعد الإفطار ، نظير صحيح زرارة السابق ، كما قد يشهد به : الاستدلال بقوله تعالى : ( ثم


1) الوسائل باب : 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

3) الوسائل باب : 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

4) البقرة : 187.

5) الوسائل باب : 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

وإن كان جائزاً له [1] ، لعمى أو نحوه. وكذا إذا أخبره عدل ، بل عدلان [2]. بل الأقوى وجوب الكفارة أيضاً إذا لم يجز له التقليد [3].

الثامن : الإفطار لظلمة قطع بحصول الليل منها [4] فبان خطؤه ، ولم يكن في السماء علة. وكذا لو شك [5] ، أو ظن


أَتِمُّوا ... ) ، إذ حمله على القضاء يوجب توقف الاستدلال به عليه على مقدمة مطوية ، وهو خلاف الظاهر.

ولأجل ذلك يشكل الاستدلال بذيله ، لامتناع التفكيك بينهما في الحكم إذ هو بمنزلة الكبرى. فتأمل. وأما الكفارة فينفيها أصل البراءة.

[1] إذ الجواز الظاهري لا يمنع من تحقق الإفطار ، لعدم الدليل على الاجزاء معه. ومنه يظهر ضعف ما عن المدارك : من نفي القضاء حينئذ.

[2] إذ غاية الأمر حجية الخبر حينئذ ، فيجوز معه الإفطار ظاهراً ، وقد عرفت عدم الدليل على الاجزاء. ومنه أيضاً يظهر ضعف ما عن المحقق الثاني : من أنه لا شي‌ء على المفطر لو كان المخبر عدلين ، لحجية شهادتهما.

[3] لأن الظاهر من الإفطار عمداً - الذي هو موضوع الكفارة - الإفطار لا عن عذر مع الالتفات إلى الصوم. نعم إذا كان جاهلا بعدم جواز التقليد جرى عليه حكم الجاهل بالحكم ، من انتفاء الكفارة.

[4] كأنه لعموم أدلة المفطرية ، بضميمة ما دل على وجوب القضاء على من أفطر. وفيه : أن العموم مقيد بصحيح زرارة وخبر الشحام المتقدمين آنفاً ، اللذين قد عرفت انتفاء المعارض لهما. مضافاً إلى مصحح زرارة الوارد في الظن بضميمة الأولوية ، بناء على إطلاق الظن فيه. فالبناء على عدم القضاء - كما في المستند - متعين. وحال الكفارة حينئذ ظاهر.

[5] لعموم أدلة المفطرية من غير مقيد ، لعدم شمول النصوص المتقدمة له.

بذلك [1] منها ، بل المتجه في الأخيرين الكفارة أيضاً ، لعدم جواز الإفطار حينئذ [2]. ولو كان جاهلا بعدم جواز الإفطار فالأقوى عدم الكفارة [3] ، وإن كان الأحوط إعطاؤها. نعم لو كانت في السماء علة فظن دخول الليل فأفطر ، ثمَّ بان له الخطأ لم يكن عليه قضاء [4] ، فضلا عن الكفارة.


[1] قد يشكل : بأنه خلاف مصحح زرارة المتقدم ، مع عدم المعارض له ، اللازم حينئذ تقديمه على عموم أدلة المفطرية. وحمل الظن فيه على العلم ، كقوله تعالى : ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ... ) (1)حمل على خلاف الظاهر من دون قرينة.

نعم قوله : « فأفطر » بالفاء الدالة على الترتيب ، يصلح أن يكون قرينة على إرادة خصوص الظن الذي يجوز التعويل عليه. ولا سيما بملاحظة أصالة الصحة في فعل المسلم. وحينئذ لا إطلاق للظن فيه يؤخذ به ، والمتيقن منه ما يجوز العمل به. وهو وإن كان المحكي عن المدارك أنه مطلق الظن حيث لا طريق إلى العلم بلا خلاف. لكنه غير ظاهر ، لخلو أكثر عباراتهم عن التصريح به - كما عن الذخيرة - وظهور محكي المقنعة في خلافه. فلا يبعد حينئذ تخصيصه بما يحصل من المراعاة مع وجود علة في السماء ، فان جواز العمل به حينئذ إن لم يكن متيقناً من الفتاوى ، فلا أقل من كونه متيقناً من المصحح وغيره. وعليه فإطلاق أدلة المفطرية في غيره محكم.

[2] فيكون إفطاره من العمد بالمعنى المتقدم ، الذي هو موضوع الكفارة.

[3] على ما سبق في الجاهل بالحكم.

[4] للمصحح المتقدم (2)مضافاً إلى مصحح الكناني قال : « سألت


1) البقرة : 46.

2) لاحظ الأمر السابع من الأمور المذكورة في هذا الفصل.

ومحصل المطلب : أن من فعل المفطر بتخيل عدم طلوع الفجر ، أو بتخيل دخول الليل بطل صومه في جميع الصور إلا في صورة ظن دخول الليل ، مع وجود علة في السماء ، من غيم ، أو غبار ، أو بخار ، أو نحو ذلك. من غير فرق بين شهر رمضان ، وغيره [1] من الصوم الواجب والمندوب. وفي الصور التي ليس معذوراً شرعاً في الإفطار - كما إذا قامت البينة على أن الفجر قد طلع ومع ذلك أتى بالمفطر ، أو شك في دخول الليل ، أو ظن ظناً غير معتبر ومع ذلك أفطر - يجب الكفارة أيضاً فيما فيه الكفارة.

( مسألة 1 ) : إذا أكل أو شرب - مثلا - مع الشك في طلوع الفجر ، ولم يتبين أحد الأمرين لم يكن عليه شي‌ء [2]


أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صام ، ثمَّ ظن أن الشمس قد غابت وفي السماء غيم فأفطر ، ثمَّ إن السحاب انجلى فاذا الشمس لم تغب. فقال (عليه السلام) : قد تمَّ صومه ولا يقضيه » (1)ونحوه خبر زيد الشحام عنه (عليه السلام) (2)لكن ينبغي تخصيصه بصورة المراعاة التي يجوز العمل فيها بالظن ، لما عرفت

[1] لإطلاق النص في المستثنى والمستثنى منه.

[2] لأصالة عدم تحقق الأكل في النهار ، الذي هو موضوع القضاء ولا يجري استصحاب بقاء الأكل إلى زمان تحقق النهار ، لأنه لا يثبت تحقق الأكل فيه ، لأن الشك ليس في بقاء الأكل وعدمه ، بل في بقاء الليل وعدمه ، فاستصحاب بقاء الليل يقتضي كون الأكل لا في النهار. لا يقال : موضوع القضاء ترك الصوم ، وهو يثبت بأصالة عدم الصوم. لأنه يقال :


1) الوسائل باب : 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

2) تقدم ذلك في الأمر السابع من الأمور المذكورة في هذا الفصل.

نعم لو شهد عدلان بالطلوع ، ومع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء [1] ، بل الكفارة أيضاً ، وإن لم يتبين له ذلك بعد ذلك. ولو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على الأحوط [2].

( مسألة 2 ) : يجوز له فعل المفطر ولو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر ، ولم يشهد به البينة ، ولا يجوز له ذلك إذا شك في الغروب عملا بالاستصحاب في الطرفين [3] ولو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالأحوط ترك المفطر ، عملا بالاحتياط ، للإشكال في حجية خبر العدل الواحد وعدم حجيته. إلا أن الاحتياط في الغروب إلزامي ، وفي الطلوع استحبابي ، نظراً للاستصحاب.


الصوم ترك المفطر في النهار ، وقد عرفت أنه بنفسه يثبت بالأصل.

[1] يعني : وجوباً ظاهريا بمقتضى حجية البينة. وكذا وجوب الكفارة فلو انكشف خطأ البينة لم يلزم شي‌ء منهما.

[2] لاحتمال حجية الخبر. لكن عرفت مكرراً : عدم الدليل عليها فلا مانع من العمل بالأصول المتقدمة ، بل خبر مسعدة بن صدقة ظاهر في نفي الحجية (1).

[3] يعني : استصحاب بقاء الليل والنهار ، اللذين لا إشكال ظاهراً في حجيتهما في المقام ، بل عد جواز العمل بهما من الضروريات.

وقد يشكل : بأن ظاهر قوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (2)ونحوه - مما دل على توقيت الصوم وغيره من الموقتات - : وجوب إيقاع الفعل الموقت في زمان هو رمضان ، أو غيره من الأوقات ، بنحو مفاد


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4.

2) البقرة : 185.

التاسع : إدخال الماء في الفم للتبرد بمضمضة أو غيرها -


كان الناقصة ، وهو لا يثبت باستصحاب النهار أو نحوه الذي هو مفاد كان التامة ، لوضوح تباين المفادين ، فلا يثبت أحدهما بالاستصحاب الجاري في إثبات الآخر. فكما أن استصحاب بقاء الكر في الحوض لا يثبت كرية الماء الموجود فيه ، كذلك استصحاب بقاء النهار لا يثبت نهارية الزمان الخاص الواقع فيه الإمساك ، وإذ لا تثبت نهارية الزمان الخاص لا يجب الإمساك فيه. نعم لو كان الأثر ثابتا لوجود النهار بنحو مفاد كان التامة ، كما إذا قيل : « صم ما دام نهار رمضان » كان استصحاب بقاء النهار كافياً في إثبات وجوب الصوم. إلا أنه خلاف ظاهر دليل التوقيت فيه ، وفي سائر موارد التوقيت التي يؤخذ الزمان فيها قيداً للفعل.

ويمكن أن يدفع الإشكال : بأن ظرفية الزمان الخاص - أعني : الليل والنهار ، ونحوهما - ليس المراد بها كونه ظرفاً للفعل الموقت حقيقة ، إذ الإضافة بينهما ليست إضافة الظرفية ، إذ كيف يمكن اعتبارها بين حركة الكوكب في القوس الفوقاني أو التحتاني وبين فعل المكلف؟! بل إضافة الظرفية إنما تعتبر بين فعل المكلف والأمد الموهوم ، الذي يعتبر ظرفاً للفعل كما يعتبر أيضاً ظرفاً لليل أو النهار أو غيرهما من الساعات ، فيكون معنى : « صم في رمضان » صم في ذلك الأمد الموهوم الذي يكون ظرفاً لرمضان فترجع الإضافة بين الصوم ورمضان إلى إضافة الاقتران ، نظير الإضافة بين الصلاة والطهارة في قولنا : « صل في طهارة ». وعليه فكما لا إشكال في جريان استصحاب الطهارة لإثبات كون الصلاة في طهارة ، كذلك لا ينبغي الإشكال في جريان استصحاب رمضان لإثبات كون الصوم في رمضان. فلاحظ ، وتأمل.

هذا ولو فرض تحكم الاشكال المذكور أمكن الرجوع - في إثبات

فسبقه ودخل الجوف ، فإنه يقضي [1] ،


وجوب الصوم في الزمان المشكوك كونه قبل الغروب أو بعده - الى استصحاب نفس الوجوب ، فيقال : كان الصوم واجباً ، فهو على ما كان. ولا يقال عليه : إن المعلوم الثبوت سابقاً هو وجوب الصوم في النهار ، والمقصود إبقاؤه هو وجوب نفس الصوم ، فيكون المشكوك غير المتيقن ، وهو مانع من جريان الاستصحاب لاعتبار اتحاد القضية المعلومة والمشكوكة في جريانه. لأنه يقال : هذا المقدار من الاختلاف إنما يقدح بناء على اعتبار الاتحاد بينهما بحسب لسان الدليل. وأما بناء على اعتباره بحسب نظر العرف فلا إشكال فيه ، كما أوضحناه فيما علقناه على مباحث الاستصحاب من الكفاية. فراجع.

كما يمكن أيضاً : جواز الأكل في الزمان المشكوك كونه بعد الطلوع لأصالة البراءة من وجوب الإمساك ، ولظاهر قوله تعالى : ( حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ... ) (1)المحمول على الحكم الظاهري. ولما رواه إسحاق بن عمار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : آكل في شهر رمضان حتى أشك؟ قال (عليه السلام) : كل حتى لا تشك » (2). ونحوه غيره.

[1] بلا خلاف فيه في الجملة ، كما في الرياض ، أو بلا خلاف فيه أجده ، كما في الجواهر ، وعن المنتهى : نسبته إلى علمائنا ، وعن الانتصار والخلاف والغنية : الإجماع عليه. واستدل له بموثق سماعة - في حديث - قال : « سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش ، فدخل حلقه. قال (عليه السلام) : عليه القضاء. وإن كان في وضوء فلا بأس » (3)وبصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الصائم يتوضأ للصلاة ، فيدخل


1) البقرة : 187.

2) الوسائل باب : 49 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 4.

ولا كفارة عليه [1]. وكذا لو أدخله عبثاً فسبقه [2]. وأما


الماء حلقه. فقال (عليه السلام) : إن كان وضوءه لصلاة فريضة فليس عليه شي‌ء وإن كان وضوءه لصلاة نافلة فعليه القضاء » (1)ورواه في الكافي عن حماد عنه (عليه السلام) (2)بضميمة الأولوية. اللّهم إلا أن يمنع الحكم في الأصل - كما سيأتي - فيتعين الحمل على الاستحباب.

نعم قد يعارض الموثق : موثق عمار : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء وهو صائم. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء إذا لم يتعمد ذلك. قلت : فان تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء. قلت : فان تمضمض الثالثة فقال (عليه السلام) : قد أساء ، ليس عليه شي‌ء ، ولا قضاء » (3)إلا أنه مطلق والموثق مقيد ، فيحمل المطلق على المقيد. ثمَّ إن مورد الموثق المضمضة ، فإلحاق غيرها بها كأنه لإلغاء خصوصيتها.

[1] للأصل ، بعد انتفاء العمد ، الموجب لامتناع الرجوع الى أدلة الكفارة.

[2] كما عن صريح بعض ، وظاهر محكي الانتصار : الإجماع عليه. وكأنه لمفهوم قوله (عليه السلام) في موثق سماعة المتقدم : « وان كان في وضوء .. ».

ودعوى : أن من المحتمل كون المراد من الشرط غير مضمضة العطش فتكون الشرطية الثانية تصريحاً بمفهوم الصدر. في غير محلها ، لاختصاص ذلك بما لو كانت الشرطيتان في كلام المعصوم ، وليس هنا كذلك ، فالأخذ بالمفهوم في محله. ولا سيما مع مناسبته للأولوية الارتكازية. وحينئذ فلا بأس بالتعدي إلى مطلق الإدخال في الفم لغرض ، كتطهير الفم ، والتداوي ،


1) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 5.

لو نسي فابتلعه فلا قضاء عليه أيضاً [1] ، وإن كان أحوط. ولا يلحق بالماء غيره - على الأقوى - [2] وإن كان عبثاً. كما لا يلحق بالإدخال في الفم الإدخال في الأنف للاستنشاق أو غيره ، وإن كان أحوط في الأمرين.

( مسألة 3 ) : لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء ، سواء كانت الصلاة فريضة [3] أو نافلة على الأقوى [4]. بل لمطلق الطهارة [5] وإن كانت لغيرها من الغايات ، من غير فرق بين الوضوء والغسل. وإن كان الأحوط


ونحوهما. وإن جزم في الجواهر في الأولين بنفي القضاء ، للأصل.

[1] كما في الجواهر. لخروجه عن النصوص ، فالمرجع فيه : ما دل على عدم قدح النسيان ، مما سبق.

[2] كما في الجواهر. لعدم الدليل عليه ، وقد عرفت : اعتبار الاختيار في حصول الإفطار. ومنه يعرف الحال في الاستنشاق ، وإن حكي عن صريح الدروس : إلحاقه إذا كان للتبرد بالمضمضة.

[3] بلا خلاف ، كما جزم به غير واحد ، بل استفاض نقل الإجماع عليه. ويشهد له النصوص المتقدمة ، لاتفاقها على نفي القضاء فيها.

[4] إجماعاً ، كما عن الخلاف والمنتهى ومحكي الانتصار. ويقتضيه إطلاق موثق سماعة وعمار المتقدمين. نعم يعارضهما : صحيح الحلبي المتقدم. إلا أن يدعى هجره عند الأصحاب ، المسقط له عن الحجية. لكنه محل تأمل لحكاية القول به - أو الميل اليه - عن جماعة. فتأمل.

[5] وفي محكي الانتصار ، وعن الغنية والسرائر : الإجماع عليه. ويشهد له إطلاق موثق عمار المتقدم - وكذا موثق سماعة - بناء على كون

القضاء فيما عدا ما كان لصلاة الفريضة ، خصوصاً فيما كان لغير الصلاة من الغايات.

( مسألة 4 ) : يكره المبالغة في المضمضة مطلقاً [1] ، وينبغي له أن لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات [2].

( مسألة 5 ) : لا يجوز التمضمض مطلقاً مع العلم بأنه يسبقه الماء إلى الحلق [3] ، أو ينسى فيبلعه.


المراد من الوضوء فيه الطهارة ، وذكر الوضوء بالخصوص لأنه الشائع. وفيه : ما عرفت من أنه مخالف لصحيح الحلبي (1)بل لمفهوم موثق سماعة أيضاً - (2)لأن إرادة مطلق الطهارة من الوضوء لا قرينة عليها.

[1] لمرسل حماد عن الصادق (عليه السلام) : « في الصائم يستنشق ، ويتمضمض؟ قال (عليه السلام) : نعم ، ولكن لا يبالغ » (3).

[2] لخبر زيد الشحام : « في صائم يتمضمض. قال (عليه السلام) : لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات » (4).

[3] إذ حينئذ يكون من الإفطار عمداً. وكذا في الفرض الثاني ، كما تقدم نظيره. وتقدم في المسألة الإحدى والسبعين الاشكال فيه : بأن العلم المذكور مصحح للعقاب ، ولا يصحح نسبة الفعل إلى المكلف ، التي هي شرط في حصول المفطرية ، كما يظهر من بعض النصوص.

ثمَّ إن الظاهر من النص والفتوى : جواز المضمضة في غير الفرضين مطلقاً. وعن التهذيب والاستبصار : أنه لا تجوز إذا كانت للتبرد ، مستدلا


1) تقدم ذكرهما في الأمر التاسع من الأمور المذكورة في هذا الفصل.

2) تقدم ذكرهما في الأمر التاسع من الأمور المذكورة في هذا الفصل.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

4) الوسائل باب : 31 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

العاشر : سبق المني بالملاعبة ، أو الملامسة [1] ، إذا لم يكن ذلك من قصده ولا عادته على الأحوط. وإن كان الأقوى عدم وجوب القضاء أيضاً.

فصل في الزمان الذي يصح فيه الصوم

وهو النهار [2] من غير العيدين [3].


عليه : بما في خبر يونس ، من قوله (عليه السلام) : « والأفضل للصائم أن لا يتمضمض » (1). وهو - كما ترى - قاصر الدلالة ، بل دال على الجواز مطلقاً ، كغيره.

[1] تقدم الكلام فيه في المفطرات. فراجع.

فصل في الزمان الذي يصح فيه الصوم

[2] إجماعاً ، بل ضرورة من المذهب ، بل الدين - كما في الجواهر - ونحوه في غيره. ويكفي في عدم المشروعية في غيره عدم ثبوتها ، ورواية أبي بصير : « إذا اعترض الفجر وكان كالقبطية البيضاء ، فثم يحرم الطعام ويحل الصيام » (2). نعم الخبر المذكور ونحوه لا يمنع من الصيام في غير النهار برجاء المطلوبية ، وإنما يمنع عن ذلك العلم بعدم المشروعية ، الحاصل بدعوى الإجماع والضرورة على عدمها.

[3] فلا يجوز صومهما إجماعاً من المسلمين ، كما في الجواهر وغيرها.


1) الوسائل باب : 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 3.

2) الوسائل باب : 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 2.

ومبدؤه طلوع الفجر الثاني [1] ، ووقت الإفطار ذهاب الحمرة من المشرق [2]. ويجب الإمساك من باب المقدمة [3] في جزء من الليل في كل من الطرفين ، ليحصل العلم بإمساك تمام النهار. ويستحب تأخير الإفطار حتى يصلي العشاءين [4]


ويشهد له جملة من النصوص ، ففي خبر الزهري : « وأما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر ، ويوم الأضحى » (1). والكلام فيه كما سبق.

[1] بلا خلاف فيه ولا إشكال ، كما يشهد به رواية أبي بصير المتقدمة وغيرها.

[2] كما هو المشهور. ففي مرسل ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة ، وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق ، فاذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار ، وسقط القرص » (2). وقريب منه غيره. وقد تقدم الكلام في ذلك في مواقيت الصلاة. فراجع.

[3] يعني : المقدمة العلمية ، كما هو المصرح به هنا ، وفيما سبق في الوضوء والتيمم وغيرهما. وقد تقدم الاشكال عليه : بأن الوجوب العقلي للمقدمة العلمية يختص بما يحتمل انطباق الواجب عليه. ليكون فعله من باب الاحتياط ، فلا يشمل ما يعلم أنه غير الواجب. فيتعين كون الوجوب في المقام ونحوه عرضياً ، للتلازم غالبا بين الإمساك في أول جزء من النهار والإمساك فيما قبله ، فلا تسع قدرة المكلف الجمع بين الإفطار في آخر جزء من الليل والإمساك في أول جزء من النهار. فلاحظ.

[4] ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن الإفطار ، أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال (عليه السلام) : إن كان معه قوم يخشى


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الصوم المحرم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 1.

لتكتب صلاته صلاة الصائم [1]. إلا أن يكون هناك من ينتظره للإفطار [2] ، أو تنازعه نفسه على وجه يسلبه الخضوع والإقبال [3] - ولو كان لأجل القهوة والتتن والترياك - فإن الأفضل حينئذ الإفطار ، ثمَّ الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الإمكان.


أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم. وإن كان غير ذلك فليصل ، ثمَّ ليفطر » (1). ونحوه غيره. وليس فيها التنصيص على ذكر العشاءين ، بل الظاهر من الصلاة فيها المغرب لا غير. وكذا فيما عن دعائم الإسلام : « السنة تعجيل الفطر ، وتأخير السحور ، والابتداء بالصلاة ، يعني : صلاة المغرب .. » (2).

[1] كذا في نجاة العباد. وظاهرهما : أنه مضمون رواية ، ولم أعثر عليها. نعم في موثق زرارة وفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - : « تصلي وأنت صائم ، فتكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحب إلي » (3)وفي محكي المقنعة روايتها : « وتكتب صلاتك وأنت صائم أحب الي » (4).

[2] كما تضمنته جملة من النصوص ، منها صحيح الحلبي المتقدم (5).

[3] ففي مرسل المقنعة : « وإن كنت ممن تنازعك نفسك للإفطار ، وتشغلك شهوتك عن الصلاة ، فابدأ بالإفطار ، ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة ، غير أن ذلك مشروط : بأن لا تشتغل بالإفطار قبل الصلاة إلا أن


1) الوسائل باب : 7 من أبواب آداب الصائم حديث : 1.

2) مستدرك الوسائل باب : 6 من أبواب آداب الصائم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب آداب الصائم حديث : 2.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب آداب الصائم حديث : 4.

5) تقدم ذلك قريباً في هذه المسألة.

( مسألة 1 ) : لا يشرع الصوم في الليل [1] ، ولا صوم مجموع الليل والنهار. بل ولا إدخال جزء من الليل فيه إلا بقصد المقدمية.

فصل في شرائط صحة الصوم

وهي أمور :

الأول : الإسلام ، والايمان ، فلا يصح من غير المؤمن [2]


يخرج وقت الصلاة » (1).

[1] هذا وما بعده من القطعيات ، كما عرفت.

فصل في شرائط صحة الصوم

[2] إجماعاً محققاً. ويشهد له من الكتاب - في الأول - قوله تعالى : ( وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ ) (2)وقوله تعالى ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (3)، وقوله تعالى : ( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) (4)ومن السنة فيهما أخبار كثيرة ، عقد لها في الوسائل باباً في مقدمات العبادات أوائل الجزء الأول (5)فلاحظها.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب آداب الصائم حديث : 5.

2) التوبة : 54.

3) الزمر : 65.

4) الفرقان : 25.

5) الوسائل باب : 29 من أبواب مقدمة العبادات.

ولو في جزء من النهار [1]. فلو أسلم الكافر في أثناء النهار - ولو قبل الزوال - لم يصح صومه. وكذا لو ارتد ثمَّ عاد إلى الإسلام بالتوبة ، وإن كان الصوم معيناً وجدد النية قبل الزوال على الأقوى.

الثاني : العقل ، فلا يصح من المجنون [2] - ولو أدواراً


[1] كما عن العلامة ، والشهيد غيرهما. لإطلاق الأدلة المتقدمة ، المقتضي لبطلان الجزء ، الموجب لبطلان الكل.

وعن المبسوط ، والمحقق ، والحلي ، وابن سعيد : الصحة ، لعدم الدليل على البطلان. وقوله تعالى : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ... ) إنما يدل على البطلان بالشرك عند الموت ، لا مطلقاً. وفيه : أن الدليل لا ينحصر بالآية الشريفة ، لما عرفت : من اتفاق الكتاب والسنة على بطلان الأعمال الواقعة حال الكفر. مع أن ما ذكر في معنى الآية مناف لإطلاقها. اللّهم إلا أن يدعى الانصراف إلى العمل التام الصادر على النحو الصحيح. لكن تدل على المقام بالأولوية.

ودعوى أن بطلانه قبل الزوال لا ينافي تجديد النية حينئذ ، فيصح كما في الناسي والجاهل. مندفعة : بأن جواز تجديد النية في موارد مخصوصة لا يقتضي جوازه بنحو الكلية. اللّهم إلا أن يستشكل في وجوب إيقاع النية في أول الصوم ، كما سبق.

[2] بلا خلاف ، كما عن جمع ، والعمدة فيه : كون الصوم من العبادات الموقوفة على النية ، وهي لا تتأتى منه. وأما حديث رفع القلم فهو إنما يدل على رفع التكليف ، وهو أعم من البطلان ، ولذا يصح الصوم من النائم مع أنه ممن رفع عنه القلم (1).


1) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

وإن كان جنونه في جزء من النهار - ولا من السكران ، ولا من المغمى عليه - ولو في بعض النهار وإن سبقت منه النية على الأصح.

الثالث : عدم الإصباح جنباً [1] ، أو على حدث الحيض والنفاس بعد النقاء من الدم ، على التفصيل المتقدم.

الرابع : الخلو من الحيض والنفاس في مجموع النهار [2] فلا يصح من الحائض والنفساء إذا فاجأهما الدم ولو قبل


ومنه يظهر : أنه لو فرض سبق النية قبل الفجر ثمَّ طرأ الجنون كان كالنائم في صحة الصوم ، كما عن الشيخ في الخلاف. اللّهم إلا أن يدعى - كما هو الظاهر - منافاة الجنون للنية بجميع مراتب وجودها فعلية وفاعلية ، بخلاف النوم فإنه إنما ينافي النية الفعلية - كالغفلة - لا الفاعلية المقومة لعبادية الصوم كما سبق في أول الكتاب.

ومنه يظهر الحكم في المغمى عليه والسكران ، فإنه لا مانع من دعوى صحة صومهما إذا سبقت منهما النية ، كما عن الشيخين في الأول. ولا مجال لدعوى منافاة السكر والاغماء للنية الفاعلية. إذ الظاهر كونهما كالنوم.

[1] تقدم الكلام فيه في المفطرات.

[2] إجماعاً قطعياً. وتدل عليه النصوص الكثيرة المدعى تواترها ، كموثق العيص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس. قال (عليه السلام) : تفطر حين تطمث » (1)وحسن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : أي ساعة رأت الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت » (2)ومصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)


1) الوسائل باب : 25 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

الغروب بلحظة ، أو انقطع عنهما بعد الفجر بلحظة ، ويصح من المستحاضة إذا أتت بما عليها من الأغسال النهارية [1].

الخامس : أن لا يكون مسافراً [2]


« عن امرأة أصبحت صائمة ، فلما ارتفع النهار أو كان العشي حاضت ، أتفطر؟ قال (عليه السلام) : نعم ، وان كان وقت المغرب فلتفطر. وسألته عن امرأة رأت الطهر في أول النهار من شهر رمضان ، فتغتسل ولم تطعم ، فما تصنع في ذلك اليوم؟ قال (عليه السلام) : تفطر ذلك اليوم ، فإنما فطرها من الدم » (1)وصحيح ابن الحجاج قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة تلد بعد العصر ، أتتم ذلك اليوم أم تفطر؟ قال (عليه السلام) : تفطر ، وتقضي ذلك اليوم » (2)إلى غير ذلك.

[1] تقدم الكلام فيه في المفطرات.

[2] إجماعاً بقسميه ، كما في الجواهر. والنصوص الدالة عليه لعلها متواترة ، أو متجاوزة حد التواتر ، الوارد جملة منها في مطلق الصوم ، كصحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) : « عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم. قال (عليه السلام) : ليس من البر الصيام في السفر » (3)وموثق سماعة قال : « سألته عن الصيام في السفر. فقال (عليه السلام) : لا صيام في السفر قد صام ناس على عهد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فسماهم العصاة. فلا صيام في السفر ، إلا الثلاثة أيام التي قال اللّه عز وجل في الحج » (4)، وموثق عمار : « لا يحل له الصوم في السفر ، فريضة كان أو غيره. والصوم


1) الوسائل باب : 25 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 26 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 10.

4) الوسائل باب : 11 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.


في السفر معصية » (1).

وجملة منها في صيام شهر رمضان ، وهو كثير جداً ، كرواية يحيى ابن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر » (2).

وجملة منها في قضائه ، كصحيح علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) : « عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان وهو مسافر أيقضي إذا أقام في المكان؟ قال (عليه السلام) : لا ، حتى يجمع على مقام عشرة أيام » (3).

وجملة منها في النذر ، كصحيح ابن مهزيار فيمن نذر أن يصوم كل سبت : « لا تتركه الا من علة. وليس عليك صومه في سفر ، ولا مرض إلا أن تكون نويت ذلك .. » (4).

وبعضها في صوم الكفارة. كموثق ابن مسلم : « وإن ظاهر وهو مسافر أفطر حتى يقدم. وإن صام فأصاب ما لا يملك فليقض الذي ابتدأ فيه » (5).

هذا وقد يظهر من محكي المقنعة : جواز صوم الكفارة مطلقاً ، بل نسب إلى المفيد (رحمه اللّه) : جواز صوم الواجب عدا شهر رمضان. ومستنده غير ظاهر في قبال ما عرفت من النصوص.


1) الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 8.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

5) الوسائل باب : 9 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

سفراً يوجب قصر الصلاة [1] ، مع العلم بالحكم [2] ، في الصوم الواجب. إلا في ثلاثة مواضع :

أحدها : صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع [3].

الثاني : صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً [4] ، وهو ثمانية عشر يوما.


[1] للتلازم بين قصر الصلاة والإفطار ، كما في مصحح معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « إذا قصرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصرت » (1)وقريب منه غيره.

[2] لما سيأتي.

[3] فإن من لا يجد هدي التمتع ولا ثمنه صام بدله عشرة أيام : ثلاثة في سفر الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله ، بلا خلاف فيه ولا إشكال. لاتفاق الكتاب والسنة عليه ، لقوله تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ) (2)وموثق سماعة المتقدم (3)وصحيح معاوية بن عمار : « عن متمتع لم يجد هدياً. قال (عليه السلام) : يصوم ثلاثة أيام في الحج : يوماً قبل التروية ، ويوم التروية ، ويوم عرفة .. » (4)ونحوهما غيرهما. ويأتي الكلام فيه في محله إن شاء اللّه تعالى.

[4] فإنه لما كان يجب الوقوف بعرفات الى الغروب ، فلو أفاض قبله عمداً كان عليه كفارة بدنة ، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً على المشهور. ويدل عليه صحيح ضريس : « عن رجل أفاض من عرفات من قبل أن


1) الوسائل باب : 4 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

2) البقرة : 196.

3) تقدم ذكره في أول الشرط الخامس من شروط صحة الصوم.

4) الوسائل باب : 46 من أبواب الذبح حديث : 4.

الثالث : صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصة ، أو سفراً وحضراً [1] ،


تغيب الشمس. قال (عليه السلام) : عليه بدنة ينحرها يوم النحر. فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكة ، أو في الطريق ، أو في أهله » (1)وعن الجمل ، والاقتصار ، والمراسم ، والوسيلة ، والغنية : الاقتصار في الاستثناء على غير المقام. ولعله لعدم صراحة الرواية في جواز إيقاع الصوم في السفر الموجب للقصر ، لجواز كون الصوم بعد نية الإقامة بمكة أو في الطريق ، فيتعين حملها على ذلك ، جمعاً بينها وبين ما دل على المنع عن الصوم في السفر. لكن لا تبعد دعوى ظهورها في السفر. بل الظاهر أن التنصيص على مكة والطريق لنفي تعين إيقاع بعضها بمكة وبعضها عند أهله ، كما في العشرة السابقة ، فيكون المراد : أن له إيقاعها - كلها أو بعضها - في الحضر والسفر. فتأمل.

[1] كما هو المعروف ، وفي الجواهر : لا أجد فيه خلافا ، وعن المنتهى : نفي الخلاف فيه ، وعن الحدائق : الاتفاق عليه. وما في الشرائع - من نسبته الى قول مشهور - ليس لوجود خلاف فيه - وإن كان ظاهره ذلك - بل لضعف الرواية في نظر مصنفه ، كما صرح به في المعتبر ، وهي : صحيحة ابن مهزيار المتقدمة في الشرط الخامس.

ولا تقدح فيها جهالة الكاتب - وهو بندار مولى إدريس - بعد قراءة ابن مهزيار. ولا الإضمار ، لإثباتها في الكتب المعتبرة التي ألفها أصحابها الأعاظم 5 لجمع أحاديث المعصومين (عليهم السلام). ولا ظهورها في جواز الصوم حال المرض إذا نوى ذلك ، مع أن جوازه وعدمه لا يناطان بالنية ، وإنما يناطان بالضرر وعدمه. لا مكان إرجاع الاستثناء الى السفر لا غير. ولا اشتمال ذيله على كون كفارة النذر إطعام سبعة مساكين ، المخالف


1) الوسائل باب : 23 من أبواب الوقوف بعرفة حديث : 3.

دون النذر المطلق [1].


لغيره من الأدلة الدالة على أنها كفارة يمين ، أو كبرى مخيرة ككفارة شهر رمضان. لأن سقوط بعض فقرات الرواية عن الحجية للمعارض لا يوجب سقوط الجميع عنها. على أنك عرفت أن في نسخة المقنع : « عشرة » بدل « سبعة » (1). فالتوقف في الحكم - كما هو ظاهر الشرائع ، وعن المعتبر - غير ظاهر.

[1] كما هو المشهور. وتدل عليه النصوص التي منها : صحيح ابن مهزيار المتقدم ، ومصحح كرام : « إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم (عليه السلام). فقال (عليه السلام) : صم ، ولا تصم في السفر .. » (2)وموثق زرارة قال : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إن أمي جعلت عليها نذراً - إن رد اللّه تعالى عليها بعض ولدها من شي‌ء كانت تخافه عليه - أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم ما بقيت ، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة ، فأشكل علينا لمكان النذر ، أتصوم أم تفطر فقال (عليه السلام) : لا تصوم قد وضع اللّه عنها حقه ، وتصوم هي ما جعلت على نفسها. قلت : فما ترى إذا هي رجعت إلى المنزل ، أتقضيه؟ قال (عليه السلام) : لا. قلت أفتترك ذلك؟ قال (عليه السلام) : لا ، لأني أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره » (3)الى غير ذلك.

وعن المفيد والمرتضى ، وسلار : وجوب الصوم ولو مع إطلاق النذر. لعموم الوفاء به. ولرواية عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى. قال (عليه السلام) : يصومه أبداً في السفر والحضر » (4)وفيه : أن عموم الوفاء مختص بصورة رجحان


1) لاحظ القسم الثالث من المسألة : 1 من فصل ما يوجب الكفارة.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 9.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

4) الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 7.

بل الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضاً [1].


المنذور ، فأخبار المنع حاكمة عليه رافعة لموضوعه. ورواية عبد الحميد مقيدة بالصحيح.

[1] كما عن الصدوقين ، والقاضي ، والحلي ، وجماعة من المتأخرين ، بل عن الحلي : نسبته إلى الفقهاء المحصلين من أصحابنا ، بل عن المفيد : نسبته الى المشهور عند القدماء. لصحيح البزنطي : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر. قال (عليه السلام) : أفريضة؟ فقلت : لا ولكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة ، فقال (عليه السلام) : تقول اليوم وغداً. قلت : نعم. فقال (عليه السلام) : لا تصم » (1)وما في موثق عمار : « لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره ، والصوم في السفر معصية » (2)والمروي عن تفسير العياشي : « لم يكن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يصوم في السفر تطوعاً ، ولا فريضة » (3)المعتضدة بعمومات المنع.

وعن ابن حمزة : الجواز ، لمرسل إسماعيل بن سهل عن رجل قال : « خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم ثمَّ دخل عليه شهر رمضان - وهو في السفر - فأفطر ، فقيل له : أتصوم شعبان ، وتفطر شهر رمضان؟! فقال (عليه السلام) : نعم ، شعبان إلي إن شئت صمت وإن شئت لا ، وشهر رمضان عزم من اللّه عز وجل على الإفطار » (4)ومرسل الحسن بن بسام عن رجل : « كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ، ثمَّ رأينا هلال شهر رمضان فأفطر.


1) الوسائل باب : 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

2) تقدم ذلك في أول الشرط الخامس من شروط صحة الصوم.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

إلا ثلاثة أيام للحاجة في المدينة [1]. والأفضل إتيانها في


فقلت له : جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم ، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر! فقال (عليه السلام) : إن ذلك تطوع ، ولنا أن نفعل ما شئنا. وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا » (1)وصحيح سليمان بن جعفر الجعفري : « سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : كان أبي (عليه السلام) يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف ، ويأمر بظل مرتفع فيضرب له » (2).

وعن جماعة : الجواز مع الكراهة ، بل نسب ذلك إلى الأكثر ، جمعاً بين الطائفتين ، وحملا للأولى على الكراهة. ولا يخفى : أن صحيح الجعفري - مع أنه في مورد خاص - مجمل محتمل لكون الصوم فرضاً ولو بالنذر. وليس قول أبي الحسن (عليه السلام) : « كان أبي .. » وارداً مورد تشريع الصوم في السفر ، وإنما هو وارد لدفع توهم عدم مشروعية صوم يوم عرفة على النحو الخاص. ولو سلم فهو مقيد بما سبق ، فيحمل على صورة نذره بالسفر بالخصوص. وأما المرسلان فضعفهما ظاهر ، وانجبارهما بالعمل غير ثابت. مع أن الحمل على الكراهة بعيد عن قوله (عليه السلام) في الموثق : « والصوم في السفر معصية » ، كبعد ارتكابهم (عليهم السلام) لمثل هذه المعصية. واللّه سبحانه أعلم.

[1] بلا خلاف ، كما في الجواهر. لصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « قال (عليه السلام) : إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الأربعاء ، وتصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة - وهي أسطوانة التوبة ، التي كان ربط إليها نفسه حتى نزل عذره من السماء - وتقعد عندها يوم الأربعاء ، ثمَّ تأتي ليلة الخميس التي تليها ما يلي مقام


1) الوسائل باب : 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

الأربعاء والخميس والجمعة [1]. وأما المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصح صومه ويجزؤه [2] - حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة - إذ الإفطار كالقصر ، والصيام كالتمام في الصلاة


النبي (صلی اللّه عليه وآله) ليلتك ويومك ، وتصوم يوم الخميس ، ثمَّ تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبي (صلی اللّه عليه وآله) ومصلاه ليلة الجمعة ، فتصلي عندها ليلتك ويومك ، وتصوم يوم الجمعة. وان استطعت أن لا تتكلم بشي‌ء في هذه الأيام إلا ما لا بد لك منه ، ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة ، ولا تنام في ليل ولا نهار فافعل ، فان ذلك مما يعد فيه الفضل. ثمَّ احمد اللّه سبحانه في يوم الجمعة ، وأثن عليه ، وصل على النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، وسل حاجتك. وليكن فيما تقول : اللّهم ما كانت لي إليك من حاجة ، شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع ، سألتكها أو لم أسألكها ، فإني أتوجه إليك بنبيك محمد (صلی اللّه عليه وآله) نبي الرحمة في قضاء حوائجي ، صغيرها وكبيرها. فإنك حري أن تقضى حاجتك إن شاء اللّه تعالى » (1)وقريب منه مصحح الحلبي (2)والمروي عن مزار ابن قولويه مرسلا عن بعضهم (عليهم السلام) (3).

[1] لم أقف على رواية مطلقة ، لتكون مستنداً لاستحباب مطلق الثلاثة. والروايات التي وجدتها كلها قد خص الاستحباب فيها بالثلاثة لا غير.

[2] إجماعاً محققاً. ويشهد له جملة من الصحاح ، كصحيح ليث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر. وإن صامه بجهالة لم يقضه » (4)ونحوه صحاح عبد الرحمن البصري ، والحلبي ، والعيص


1) الوسائل باب : 11 من أبواب المزار حديث : 1.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب المزار حديث : 3.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب المزار حديث : 5.

4) الوسائل باب : 2 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار ، وأما لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصح صومه [1]. وأما الناسي فلا يلحق بالجاهل في الصحة [2]. وكذا يصح الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال [3].


ابن القاسم ، وعبد الرحمن البجلي (1)وغيرها.

[1] إذ لو صام كان قد صام بعلم لا بجهالة ، فلا يصح صومه ، فلا يجزي. وإن شئت قلت : يخرج الفرض عن النصوص المتقدمة ، فيبقى داخلا تحت أدلة المنع.

[2] لإطلاق النصوص المتقدمة. وقيل : يلحق به ، لاشتراكهما في العذر ، ورفع الحكم ، وعدم التقصير. وفيه : ما لا يخفى ، إذ ليس الوجه في الصحة في الجاهل ما ذكر ، ليشترك معه فيها ، بل الوجه النصوص ، وهي غير مشتركة بينهما.

[3] كما عن الإسكافي ، والكليني ، والمفيد ، والصدوق في الفقيه والمقنع ، والعلامة في أكثر كتبه ، وولده ، والشهيدين في اللمعة والروضة وغيرهم من المتأخرين. ويشهد له صحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار ، فعليه صيام ذلك اليوم ، ويعتد به من شهر رمضان » (2)وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام) : « عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم. قال (عليه السلام) : إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر ، وليقض ذلك اليوم. وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه » (3)ومصحح عبيد بن زرارة عنه (عليه السلام) : « في


1) الوسائل باب : 2 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2 و 3 و 5 وملحق حديث : 2.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.


الرجل يسافر في شهر رمضان ، يصوم أو يفطر؟ قال (عليه السلام) : إن خرج قبل الزوال فليفطر. وإن خرج بعد الزوال فليصم. فقال (عليه السلام) : يعرف ذلك بقول علي (عليه السلام) : أصوم وأفطر حتى إذا زالت الشمس عزم ، يعني : على الصيام » (1)وموثقه عنه (عليه السلام) : « إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتم الصيام ، فاذا خرج قبل الزوال أفطر » (2).

وعن الشيخ في النهاية والمبسوط والاقتصاد والجمل ، والقاضي ، وابن حمزة ، والمعتبر ، والشرائع ، والنافع ، والتلخيص : أنه إن بيت نية السفر ليلا أفطر ولو خرج بعد الزوال ، وإلا صام وإن خرج قبله. ويشهد له مصحح رفاعة قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح. قال (عليه السلام) : يتم صومه » (3)وموثق علي ابن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) : « في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال (عليه السلام) : إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله ، وإن لم يحدث نفسه من الليلة ثمَّ بدا له في السفر من يومه أتم صومه » (4)ومرسل إبراهيم بن هاشم ، عن رجل ، عن صفوان عن الرضا (عليه السلام) : « لو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً ، والإفطار. فإن هو أصبح ولم ينو السفر ، فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصر ، ولم يفطر يومه ذلك » (5)ومرسل صفوان عمن رواه عن أبي بصير : « إذا خرجت بعد طلوع الفجر


1) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

4) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 10.

5) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 11.


ولم تنو السفر من الليل ، فأتم الصوم واعتد به من شهر رمضان » (1)ومرسل سماعة وابن مسكان ، عن رجل ، عن أبي بصير قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت الخروج من الليل ، فان خرجت قبل الفجر أو بعده فأنت مفطر ، وعليك قضاء ذلك اليوم » (2).

وعن رسالة ابن بابويه : عدم اعتبار شي‌ء من الأمرين ، فيكفي مطلق السفر في لزوم الإفطار وإن خرج بعد الزوال ولم يبيت النية ، ونسبه في المعتبر والمنتهى : إلى علم الهدى. ويشهد له - مضافاً الى إطلاق الآية (3)وإطلاق ما دل على التلازم بين التقصير والإفطار (4)- : رواية عبد الأعلى : « في الرجل يريد السفر في شهر رمضان. قال (عليه السلام) : يفطر وان خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل » (5).

وظاهر محكي المبسوط : اعتبار تبييت النية والخروج قبل الزوال في الإفطار ، وان انتفى أحدهما لزمه الصوم ، ولا قضاء عليه. وكأن وجهه : تقييد إطلاق كل مما دل على الإفطار بالخروج قبل الزوال ، وعلى الإفطار إذا بيت النية بالآخر.

وعن التهذيب والاستبصار : وان لم يبيت النية صام مطلقاً. وإن بيتها ، فان خرج قبل الزوال لزمه الإفطار ، وان خرج بعد تخير بينه وبين الصوم. وعن ابن حمزة : إن خرج قبل الزوال ناوياً للسفر في الليل أفطر وقضى. وإن لم يكن ناوياً صام ولا يقضي. وإن خرج بعد الزوال صام وقضى.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 12.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 13.

3) البقرة : 184 - 185.

4) تقدم ذلك في أوائل الشرط الخامس من شروط صحة الصوم.

5) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 14.


وعن الشيخ في النهاية : أنه إن بيت النية وخرج قبل الزوال أفطر. وإن خرج بعد الزوال أمسك وعليه القضاء. وإن لم يبيت النية صام على كل حال.

وهذه الأقوال الثلاثة لا يتضح لها شاهد. والتعرض لتقريب الشواهد لها لا يساعد عليه الوقت. فالأولى التعرض لحال شواهد الأقوال السابقة إجمالا ، فنقول :

الطائفة الأولى من النصوص قد صرحت بشرطيتين : إحداهما : إذا خرج قبل الزوال أفطر ، وثانيتهما : إن خرج بعد الزوال صام. وكذا الطائفة الثانية أيضاً تعرضت لشرطيتين : إحداهما : إذا بيت النية أفطر ، وثانيتهما : إذا لم يبيت النية صام. وحينئذ يدور الأمر في مقام الجمع بين الطائفتين إما بتقييد الأولتين منهما إحداهما بالأخرى ، ولازمه اعتبار أمرين في الإفطار : الخروج قبل الزوال ، وتبييت النية معاً. وإما بتقييد الثانيتين منهما إحداهما بالأخرى ، ولازمه اعتبار أمرين في الصوم : الخروج بعد الزوال ، وعدم تبييت النية. ولا يمكن البناء على الجمع بين التقييدين معاً ، للزوم التناقض فان مفاد التقييد الأول : اعتبار أمرين في الإفطار ، وكفاية عدم أحدهما في الصوم ، ومفاد الثاني : اعتبار عدم كل منهما في الصوم ، وكفاية أحدهما في الإفطار. فيتعين إما البناء على الأول ، أو على الثاني. وإذ لا مرجح ، لا مجال للبناء على أحدهما ، لأنه بلا شاهد. ويجب الرجوع حينئذ إلى قواعد التعارض ، المقتضية لتقديم الطائفة الأولى ، لصحة سندها. ومخالفتها للمحكي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وغيرهم وعن المعتبر والمنتهى : أنهما رويا حديث رفاعة : « حتى يصبح » بدل « حين يصبح » (1)وعليه فهو ظاهر في خلاف القول الثاني.

ومما ذكرنا اتضح لك ضعف القول الرابع ومثله : القول الثالث.


1) الموجود في المعتبر المطبوع : « حين يصبح ». لاحظ المسألة : 2 من اللواحق ص 319.

كما أنه يصح صومه إذا لم يقصر في صلاته [1] ، كناوي الإقامة عشرة أيام ، أو المتردد ثلاثين يوماً ، وكثير السفر ، والعاصي بسفره وغيرهم ممن تقدم تفصيلا في كتاب الصلاة.


إذ لا مجال للأخذ بالإطلاقات ورواية عبد الأعلى في قبال ما عرفت.

وهنا أخبار أخر لم يعرف قائل بها ، كصحيح رفاعة قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يريد السفر في شهر رمضان. قال (عليه السلام) : إذا أصبح في بلده ثمَّ خرج ، فان شاء صام ، وإن شاء أفطر » (1)، وموثق سماعة : « سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ قال (عليه السلام) : إذا طلع عليه الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم. وإن خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر ولا صيام عليه » (2)وخبر سليمان بن جعفر الجعفري قال : « سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام .. الى أن قال (عليه السلام) : إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم. إلا أن يدلج دلجة » (3)فإن أمكن حملها على ما سبق فهو ، وإلا فهي مطروحة.

[1] بلا خلاف فيه في الجملة. ويشهد له ما تقدم : من صحيح معاوية (4)وغيره. نعم يستثنى من ذلك : السفر بعد الزوال - على ما عرفت - والسفر للتجارة - على إشكال تقدم في صلاة المسافر - والمسافر الذي لا يريد الرجوع ليومه. فعن الشيخ (رحمه اللّه) : أنه يتم الصوم ، ويتخير في الصلاة بين الإتمام والقصر. والسفر في مواضع التخيير. فتأمل جيداً.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 7.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 8.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

4) لاحظ أوائل الكلام في الشرط الخامس من شروط صحة الصوم.

السادس : عدم المرض أو الرمد الذي يضره الصوم [1] لإيجابه شدته [2] ، أو طول برئه ، أو شدة ألمه ، أو نحو ذلك. سواء حصل اليقين بذلك ، أو الظن ، بل أو الاحتمال


[1] بلا خلاف - كما عن جماعة - بل إجماعاً ، كما عن آخرين. ويشهد له - مضافاً الى قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (1)- النصوص المستفيضة ، لو لم تكن متواترة ، كموثق سماعة قال : « سألته : ما حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار كما يجب عليه في السفر ، من كان مريضاً أو على سفر؟ قال (عليه السلام) : هو مؤتمن عليه مفوض إليه ، فإن وجد ضعفاً فليفطر ، وإن وجد قوة فليصمه كان المرض ما كان » (2)وصحيح حريز عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر » (3)، وموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يجد في رأسه وجعاً من صداع شديد ، هل يجوز الإفطار؟ قال (عليه السلام) : إذا صدع صداعاً شديداً وإذا حم حمى شديدة ، وإذا رمدت عيناه رمداً شديداً فقد حل له الإفطار » (4)وصحيح ابن جعفر علیه السلام عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) - في حديث - قال : « كل شي‌ء من المرض أضر به الصوم فهو يسعه ترك الصوم » (5)ونحوها غيرها.

[2] بلا خلاف. لظهور بعض الأدلة ، وإطلاق الآخر.


1) البقرة : 184.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

4) الوسائل باب : 20 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 9.

5) الوسائل باب : 19 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

الموجب للخوف [1] ، بل لو خاف الصحيح من حدوث المرض لم يصح منه [2]. وكذا إذا خاف من الضرر في نفسه ، أو غيره ، أو عرضه ، أو عرض غيره ، أو في مال يجب حفظه وكان وجوبه أهم في نظر الشارع من وجوب الصوم [3]. وكذا إذا زاحمه واجب آخر أهم منه. ولا


[1] كما يقتضيه إطلاق الأكثر للخوف ، لصدقه مع الاحتمال. ويشهد له صحيح حريز. وتعليق الحكم من بعض على اليقين والظن في غير محله إن أريد التخصيص بهما. وأشكل منه : ما عن شرح اللمعة : من التصريح بعدم الاكتفاء بالاحتمال. لثبوت التكليف وعدم العلم بالمسقط. إذ فيه : أنه لا مجال للرجوع إلى الأصل مع الدليل.

اللّهم إلا أن يكون منهم تشكيكاً في صدق الخوف مع الاحتمال. إلا أنه في غير محله أيضاً ، لصدقه بمجرد الاحتمال المعتد به وإن كان دون الاحتمال المساوي.

[2] كما يفهم من الأدلة المتقدمة. ولا يضر في ذلك كون موردها المريض ، إذ الظاهر منها : كون المانع هو حدوث مرتبة من المرض ، سواء كانت قبلها مرتبة أخرى أم لم تكن. بل ظاهر صحيح حريز المتقدم خوف حدوث الرمد.

[3] فان الأهمية موجبة لترجحه في مقام الامتثال ، فيسقط وجوب الصوم عنه. نعم يتم هذا لو أحرز وجود المزاحم بقيام العلم أو العلمي على وجوده. أما مع الشك فيه فلا وجه لرفع اليد عن التكليف المعلوم. اللّهم إلا أن يستفاد من أدلة المقام طريقية الاحتمال الموجب للخوف مطلقاً حتى في المقام ، كما لعله ظاهر الأصحاب. وهو غير بعيد.

نعم لو زاحمه واجب آخر غير الضرر ، فلا بد من إحرازه بالعلم أو

يكفي الضعف [1] وإن كان مفرطاً ما دام يتحمل عادة. نعم لو كان مما لا يتحمل عادة جاز الإفطار [2]. ولو صام بزعم


ما يقوم مقامه. ومجرد احتمال المزاحمة أو ظنها غير كاف في رفع اليد عن الواجب المعلوم الثبوت ، بل قاعدة الاشتغال تقتضي وجوب امتثاله. كما أن الحكم بالبطلان مطلقاً في صورة التزاحم بالواجب الأهم مبني على حرمة الضد المزاحم بالضد الأهم. وإلا توقف البطلان على مقدمية ترك الصوم لذلك الواجب. وإلا صح الصوم وإن لزم فوات الواجب الأهم. غاية الأمر : أنه يعصي بتفويت الواجب ، كما هو موضح في مسألة الضد من مباحث الأصول ، وأشرنا إليه مكرراً في كتاب الطهارة.

فلا ينبغي سوق جميع صور التزاحم مساق المرض في عدم صحة الصوم إذ الصوم علة المرض المحرم ، وليس اللازم في غيره أن يكون كذلك ، بل قد يكون الصوم فيه كذلك وقد لا يكون. فلاحظ.

[1] بلا خلاف ظاهر. لعموم دليل الوجوب ، كيف وهو من اللوازم الغالبية؟!.

[2] لعموم دليل نفي الحرج (1)وعليه يحمل إطلاق رواية سماعة : « فإن وجد ضعفاً فليفطر » (2)أو على ما يخاف منه المرض. والموجب لهذا التقييد : هو الانصراف الناشئ عن مناسبة الحكم لموضوعه المرتكزة في أذهان العرف ، ولا سيما بملاحظة حصوله غالباً. مضافاً الى أن قوله (عليه السلام) : « وإن وجد قوة فليصم » ظاهر في أن المراد من الضعف الضعف عن الصوم ، لا مطلق الضعف ولو ببعض مراتبه ، وإلا فهو لا يقابل القوة. مع أن في


1) لاحظ ما علقناه على ذلك في المسألة : 10 من فصل ماء البئر ج 1 صفحة 203 الطبعة الثالثة.

2) المراد به هي الرواية المتقدمة في أول الأمر السادس من هذا الفصل.

عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم ففي الصحة إشكال [1] ، فلا يترك الاحتياط بالقضاء. وإذا حكم الطبيب بأن الصوم مضر ، وعلم المكلف من نفسه عدم الضرر يصح صومه [2]. وإذا حكم بعدم ضرره ، وعلم المكلف أو ظن


ثبوت الإطلاق في الرواية تأملا ، لورودها في مقام إرجاع الأمر إليه ، لا في مقام بيان مرتبة المرض. فتأمل.

[1] ينشأ : من كونه مريضاً واقعا. فيكون خارجاً عن موضوع الأمر بالصوم فيبطل ، كما لو صام المسافر بزعم الحضر. وفي رواية الزهري : « فإن صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء ، فان اللّه عز وجل يقول : ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ... ) » (1)ومن أن الظاهر من استثناء المريض في الآية والرواية - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - كونه من باب التزاحم بين وجوب الصوم وحفظ النفس وأهمية الثاني ، لا لعدم الملاك في صوم المريض ، ليكون استثناؤه من باب التخصيص. وحينئذ فلو صام كان صومه واجداً لملاك الأمر ، فيصح.

ولا يرد : أن لازم ذلك الصحة حتى مع زعم ثبوت الضرر ووجوده واقعاً. لأنه مع اعتقاده الضرر - أو ظنه الذي هو حجة - يتنجز النهي عن الصوم ، لكونه علة الحرام ، فيكون معصية فيبطل ، لوقوعه على غير وجه العبادة. وعليه تحمل رواية الزهري الضعيفة. وهذا هو الأقوى ، كما مال إليه في الجواهر.

[2] لما تقدم من موثق سماعة (2)ونحوه غيره مما دل على رجوعه إلى نفسه. ولا دليل على حجية قول الطبيب مطلقاً حتى لو ظن بخطئه ،


1) الوسائل باب : 1 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

2) تقدم ذلك كله في أول الشرط السادس من هذا الفصل.

كونه مضراً وجب عليه تركه [1] ، ولا يصح منه.

( مسألة 1 ) : يصح الصوم من النائم [2] ولو في تمام


فضلا عما لو علم بخطئه ، بل الحجية حينئذ ممتنعة. وعليه يتعين عليه وجوب الصوم. وكذا لو فرض قيام البينة على الضرر ، وبني على عموم حجيتها بنحو يشمل المقام.

هذا مع احتمال الإصابة. أما مع العلم بالخطإ فلا مجال للحجية ، فيصح الصوم ، بل يجب ، كما عرفت.

[1] لما عرفت من النصوص الدالة على رجوعه إلى نفسه. ولا فرق في ذلك بين تحقق الضرر واقعاً وعدمه. أما الأول فواضح مما أشرنا اليه. وأما الثاني فلأن انتفاء الضرر واقعاً إنما يمنع عن صدق المعصية على الصوم لكنه يكون تجرؤا لمخالفة الحجة الظاهرية ، والتجرؤ يمنع من وقوع الفعل على وجه العبادة كالمعصية الحقيقية.

تنبيه : قد يستشكل في المقام وأمثاله في أن موضوع الحكم بالإفطار هو المرض الواقعي - كما يقتضيه ظاهر الآية (1)وجملة من الروايات - أو العلم به أو خوفه - كما يقتضيه صحيح حريز (2)وموثق سماعة (3)أو مجموعهما ، أو كل منهما ، كما قد يقتضيه الجمع العرفي بين الأدلة؟ لكن المتعين في الجمع العرفي : الالتزام بأن موضوع الحكم الواقعي هو المرض واقعاً. وثبوت الحكم مع العلم أو الخوف من باب الحكم العقلي الطريقي ، أو الشرعي الظاهري ، لا أنه موضوع لحكم واقعي آخر - ليلزم منه اجتماع حكمين مع خوف الضرر إذا كان موجوداً واقعاً ، الذي هو خلاف المرتكز العرفي - ولا أنه جزء موضوعه ، ليلزم تقييد إطلاق الطائفتين معاً ، كما لا يخفى.

[2] قد عرفت في مبحث النية : أن الصوم ليس على حد غيره من


1) تقدم ذلك كله في أول الشرط السادس من هذا الفصل.

2) تقدم ذلك كله في أول الشرط السادس من هذا الفصل.

3) تقدم ذلك كله في أول الشرط السادس من هذا الفصل.

النهار ، إذا سبقت منه النية في الليل. وأما إذا لم تسبق منه النية ، فإن استمر نومه إلى الزوال بطل صومه ، ووجب عليه القضاء إذا كان واجباً [1]. وإن استيقظ قبله نوى وصح. كما أنه لو كان مندوباً واستيقظ قبل الغروب يصح إذا نوى.

( مسألة 2 ) : يصح الصوم وسائر العبادات من الصبي المميز على الأقوى من شرعية عبادته [2].


العبادات يجب وقوعه في الخارج عن داعي الأمر به كما يجب وقوعها كذلك بل يكفي وقوعه في الخارج بلا اختيار ، فضلا عن وقوعه بداع آخر. نعم لا بد من أن يكون المكلف عازماً على أنه لو تمكن من المفطرات أو بعضها وكان له دواع نفسانية إليها لكان يتركها بداعي الأمر. ولذا يصح ممن لا يتمكن من فعل المفطرات ، كالمسجون في سجن يتعذر فعل أحد المفطرات فيه ، والنائم ، ومن لا يجد داعياً إلى فعلها ، ومن يجد الصوارف الأكيدة عن فعلها.

نعم الفرق بين صوم الأخيرين وبين سائر عباداتهما إنما يتم بناء على اعتبار عدم الضميمة المستقلة غير الشرعية في صحة التقرب والتعبد. أما بناء على الاكتفاء باستقلال داعوية الأمر لو انفردت وان كانت معها ضميمة غير شرعية صالحة للاستقلال في الداعوية ، فلا فرق بين صومهما وسائر عباداتهما. ولما ذكرنا صحح الأصحاب صوم النائم من أول الفجر الى الغروب وإن كان نومه بلا اختيار.

[1] تقدم في فصل النية : الوجه في البطلان هنا ، والصحة في الفرض الآتي.

[2] لما عرفته غير مرة : من أن مقتضى إطلاق أدلة مشروعية العبادات

ويستحب تمرينه عليها [1] ، بل التشديد عليه لسبع. من


عدم الفرق بين الكبير والصغير. وحديث : رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم (1)، لما كان امتنانياً لا يصلح أن يرفع نفس المشروعية التي هي من لوازم ملاك الأمر أو الرجحان ، إذ ليس في رفعها امتنان ، وإنما يرفع مجرد الإلزام ، لأن في رفعه كمال الامتنان.

[1] بلا خلاف ولا إشكال. وإنما الخلاف في مبدئه ، فعن المفيد (رحمه اللّه) وغيره : أنه إذا قدر على صيام ثلاثة أيام متواليات. وقد يشهد له خبر السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صوم شهر رمضان » (2)وعن المعتبر : أنه يمرن لست سنين. وليس عليه دليل ظاهر. وعن المبسوط وجماعة : أنه يمرن لسبع وقد يشهد له مصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - « إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم ، فان كان إلى نصف النهار ، أو أكثر من ذلك ، أو أقل. فإن غلبهم العطش والغرث (3)أفطروا حتى يتعودوا الصوم ويطيقوه. فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام فاذا غلبهم العطش أفطروا » (4)وفي دلالته تأمل ظاهر. فالأولى أن يجعل دليلا على ما عن النهاية : من أنه يمرن لتسع ، كمرسل الفقيه عن الصادق (عليه السلام) : « الصبي يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه ، فإن أطاق إلى الظهر أو بعده صام إلى ذلك الوقت ، فاذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر » (5). نعم عن


1) الوسائل باب : 4 من أبواب مقدمات العبادات حديث : 11.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

3) الغرث : بالتحريك الجوع.

4) الوسائل باب : 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

5) الوسائل باب : 29 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 11.

غير فرق بين الذكر والأنثى في ذلك كله [1].

( مسألة 3 ) : يشترط في صحة الصوم المندوب مضافاً إلى ما ذكر - : أن لا يكون عليه صوم واجب [2] ، - من


المختلف : رواية المصحح في المقامين : ( سبع ) (1)وعليه يتم الاستدلال.

وكيف كان فمقتضى الجمع بين هذه النصوص وغيرها من المطلقات : البناء على اختلاف مراتب التأكيد باختلاف مراتب العمر. وما في المتن - تبعاً للشرائع وغيرها - إنما يتم بناء على ثبوت رواية السبع. اللّهم إلا أن يكتفى بفتوى الشرائع وغيرها في الحكم.

[1] في محكي المدارك : « قطع الأصحاب باستحباب تمرينها قبل البلوغ والتشديد عليها لسبع. ولا ريب في استحباب التمرين. إلا أن تعيين مبدئه يتوقف على الدليل ». وكأنه لاختصاص النصوص بالذكر ، فالتعدي إلى الأنثى محتاج إلى قرينة مفقودة. ولا سيما بملاحظة اختلافهما في وقت الوجوب. وقاعدة الاشتراك لا مجال لها ، لعدم الدليل عليها فيه.

[2] كما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل قيل لا خلاف فيه إلا من السيد (رحمه اللّه) في المسائل الرسية ، وعن جماعة موافقته ، منهم العلامة في القواعد ويشهد للأول صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « سألته عن ركعتي الفجر قال (عليه السلام) : قبل الفجر .. الى أن قال : أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة! فابدأ بالفريضة » (2)ومصحح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة ، أيتطوع؟ فقال (عليه السلام) : لا ، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان » (3)ومثله خبر الكناني عنه (عليه السلام) (4).


1) راجع المختلف صفحة : 64.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

3) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5.

4) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 6.

قضاء ، أو نذر ، أو كفارة ، أو نحوها - [1].


ومنهما يظهر ضعف القول الثاني. إذ ليس المستند فيه إلا الإطلاق الواجب تقييده بما عرفت. أو القياس على الصلاة ، بناء على الجواز فيها وهو لا مجال للعمل به. ولا سيما في قبال النص.

[1] كما عن ظاهر الأكثر. ويشهد له ما في الوسائل عن الفقيه ، بإسناده عن الحلبي - وبإسناده عن أبي الصباح الكناني - جميعاً ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شي‌ء من الفرض » (1)قال : « وقد وردت بذلك الأخبار والآثار عن الأئمة علیهم السلام » (2)وفي كتاب المقنع : « اعلم أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل وعليه شي‌ء من الفرض كذلك وجدته في كل الأحاديث » (3).

ومنه يظهر ضعف ما عن السيد (رحمه اللّه) ، وظاهر الكليني ، والمدارك وبعض من تأخر عنه. من الجواز في مطلق الواجب غير قضاء رمضان ، للأصل. إذ لا مجال للأصل مع النصوص. وتوهم : أنه لا مجال للأخذ بها لتعارضها ، لإطلاق بعضها ، وتقييد الآخر بمن عليه قضاء شهر رمضان ويحمل المطلق على المقيد. مندفع : بأن الحمل إنما يكون مع التنافي ، ولا تنافي بين إطلاق المنع وخصوصه.

هذا ولكن قد يشكل العمل بالرواية العامة ، فإن الموجود في الفقيه هكذا : « باب الرجل يتطوع بالصيام وعليه شي‌ء من الفرض : وردت الاخبار والآثار عن الأئمة علیهم السلام أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شي‌ء من الفرض. وممن روى ذلك الحلبي وأبو الصباح


1) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

3) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

مع التمكن من أدائه [1]. وأما مع عدم التمكن منه - كما إذا كان مسافراً وقلنا بجواز الصوم المندوب في السفر ، أو كان في المدينة وأراد صيام ثلاثة أيام للحاجة - فالأقوى صحته. وكذا إذا نسي الواجب وأتى بالمندوب فإن الأقوى صحته [2] إذا تذكر بعد الفراغ. وأما إذا تذكر في الأثناء قطع. ويجوز


الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) » (1). وهو مخالف لما تقدم في الوسائل. والمظنون قوياً : أن الصدوق (رحمه اللّه) عنى - بالروايتين في كلامه المذكور - الروايتين السابقتين في قضاء شهر رمضان ، المرويتين في الوسائل عن الكافي في آخر الباب المعقود له (2)، وفهم الصدوق (رحمه اللّه) منهما مطلق الفرض ، لا روايتين غيرهما. ولأجل ذلك اقتصر في الكافي والتهذيب على روايتهما فقط (3). فلاحظ. والمظنون قوياً أيضاً : أنهما المعني بالمرسل في المقنع. وعليه فيشكل ما عليه المشهور ، إذ لا مأخذ له على هذا. فتأمل جيداً.

[1] كما عن ظاهر جماعة ، منهم الدروس والمدارك. لأن إطلاق النصوص منصرف إلى ذلك ، بتوسط ارتكاز أهمية الفرض المانعة من صلاحية التطوع لمزاحمته. ولا مجال لذلك مع عدم التمكن منه.

[2] كما جزم به في الجواهر. وقرب العدم في صورة عدم التمكن من الواجب. وكأنه فرق من دون فارق ، لعين الوجه السابق. إذ غاية ما يقتضيه النسيان عدم التمكن من المنسي ، بل الصحة مع النسيان أخفى ، لإمكان دعوى الانصراف إلى صورة عدم التمكن من غير جهته ، كما لا يخفى.


1) الفقيه ج 2 صفحة 87 طبع النجف الأشرف.

2) المراد بهما : ما رواه في الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5 ، 6.

3) لاحظ الكافي ج 4 صفحة 123 طبع إيران الحديثة ، التهذيب ج 4 ص 276 طبع النجف الأشرف.

تجديد النية حينئذ للواجب مع بقاء محلها [1] ، كما إذا كان قبل الزوال. ولو نذر التطوع على الإطلاق صح [2] وإن كان عليه واجب ، فيجوز أن يأتي بالمنذور قبله بعد ما صار واجباً [3]. وكذا لو نذر أياماً معينة يمكن إتيان الواجب قبلها [4]. وأما لو نذر أيام معينة لا يمكن إتيان الواجب قبلها ففي صحته اشكال ، من أنه بعد النذر يصير واجباً ، ومن أن التطوع قبل الفريضة غير جائز فلا يصح نذره.

ولا يبعد أن يقال : إنه لا يجوز بوصف التطوع [5] ، وبالنذر يخرج عن الوصف ، ويكفي في رجحان متعلق النذر


[1] على ما سبق.

[2] لأن اشتغال الذمة بالواجب إنما يمنع عن صحة التطوع لا عن صحة نذره.

[3] لا يخلو من إشكال ، لأنه إذا كان لا يجوز التطوع لمن عليه الفرض ، فلا يجوز أن يكون للمنذور إطلاق يشمله ، بل يختص بغيره ، فلا يكون الإتيان به قبل الواجب فرداً للمنذور.

[4] الاشكال فيه كما سبق. وحينئذ فلو نذر كذلك ، وقصد الصوم الصحيح شرعاً ، وجب الإتيان بالواجب من باب المقدمة لصحة المنذور ، ثمَّ يأتي بالمنذور بعده.

[5] هذا غير معقول ، لأن ذات التطوع إن كانت راجحة امتنع النهي عن التطوع بها ، لأن التطوع بالراجح من المستقلات العقلية ، كالتطوع بالواجب. وإن كانت مرجوحة امتنع نذرها ، لاعتبار الرجحان في متعلق النذر.

رجحانه ولو بالنذر [1]. وبعبارة أخرى : المانع هو وصف الندب ، وبالنذر يرتفع المانع.

( مسألة 4 ) : الظاهر جواز التطوع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم الواجب استئجارياً [2]. وإن كان الأحوط تقديم الواجب.


[1] هذا - مع أنه خلاف ظاهر الأدلة - خلاف مضمون صيغة النذر فان ما لا يكون راجحاً عنده سبحانه لا يمكن أن يجعل له تعالى على المكلف كما أن ما لا يكون محبوباً لزيد لا يمكن جعله لزيد شرطاً في عقد ، بل إذا كان مبغوضاً له يكون عليه لا له ، فتقول : « لزيد علي أن أعطيه درهماً » ولا تقول : « لزيد علي أن آخذ منه درهماً ». إلا أن يكون أخذ الدرهم منه محبوباً له ولو بالعرض. وقد أشرنا إلى ذلك أيضاً في مبحث التطوع بالصلاة لمن عليه فريضة.

[2] الصورة المتصورة في المقام أربع ، لأنه تارة : يكون الواجب والتطوع لنفسه ، وأخرى : يكونان لغيره ، وثالثة : يكون الواجب لنفسه والتطوع لغيره ، ورابعة : بالعكس.

والمتيقن من النصوص السابقة : الصورة الأولى. ويجري حكمها في الثانية ، لأنه إذا لم يشرع للمنوب عنه التطوع - لثبوت الواجب عليه - لا يشرع للنائب ، لتفرع المشروعية للنائب على المشروعية للمنوب عنه. اللّهم إلا أن يكون عدم المزاحمة للواجب من شرائط الأداء ، لا من شرائط المؤدى كما هو الأقرب. ومنه يظهر : أن حكم الثالثة البطلان ، فإن أداء التطوع ولو عن الغير لا يصح لمن عليه الفرض.

والظاهر الصحة في الصورة الرابعة المذكورة في المتن ، لأن الواجب بالاستيجار ليس على المتطوع ، بل على المنوب عنه ، والنائب يؤدي ما هو

فصل في شرائط وجوب الصوم

وهي أمور : الأول والثاني : البلوغ والعقل ، فلا يجب على الصبي ، والمجنون [1]. إلا أن يكملا قبل طلوع الفجر [2] ، دون ما إذا كملا بعده ، فإنه لا يجب عليهما وإن لم يأتيا بالمفطر [3] بل وإن نوى الصبي الصوم ندباً [4]. لكن الأحوط - مع عدم


فرض على غيره ، فلا تشمله النصوص. وقواه في الجواهر وغيرها.

فصل في شرائط وجوب الصوم

[1] إجماعاً. لحديث رفع القلم عنهما (1)

[2] فلا خلاف ولا إشكال في وجوب الصوم عليهما - كما في الجواهر - لإطلاق دليل الوجوب.

[3] خلافاً لما عن الوسيلة : من وجوب الصوم عليه حينئذ ، لإطلاق دليله. وفيه : أنه لا دليل على الاجتزاء بالنية من حين البلوغ ، بل لا بد فيه من اعتبار النية من حين الفجر ، والمفروض عدمها. فتأمل ، وراجع ما سبق في النية. ولو كان قد أتى بالمفطر فلا ريب في عدم وجوب الصوم إذ لا يشرع صوم البعض.

[4] خلافاً لما عن الخلاف والمعتبر والمدارك : من وجوب الصوم عليه حينئذ ، لإطلاق الدليل. وفيه : ما عرفت. اللّهم إلا أن يقال : بناء


1) الوسائل باب : 4 من أبواب مقدمات العبادات حديث : 11.

إتيان المفطر - الإتمام ، والقضاء [1] إذا كان الصوم واجباً معيناً. ولا فرق في الجنون بين الإطباقي والأدواري [2] إذا كان يحصل في النهار ولو في جزء منه [3]. وأما لو كان دور جنونه في الليل ، بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه.

الثالث : عدم الاغماء ، فلا يجب معه الصوم ولو حصل في جزء من النهار. نعم لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه [4].


على التحقيق من شرعية عبادات الصبي ، وأنها كعبادة البالغ ، غير أنها قد رفع الإلزام بها لمصلحة اقتضت ذلك ، فاذا نوى الصبي الصوم قبل الفجر فصام ، وفي أثناء النهار بلغ ، اختص رفع الإلزام بما قبل البلوغ ، وأما بعده فدليل اللزوم بحاله. ودعوى : أن موضوع اللزوم على البالغ هو تمام اليوم لا بعضه. ممنوعة على نحو الكلية ، بل يجوز تكليف البالغ بالبعض المتمم للكل إذا ساعدت عليه الأدلة ، كما في المقام ، فان تفويت المصلحة الملزمة لو لا الصبا حرام ، وهو يترتب على الإفطار حين البلوغ في الأثناء. ونظير المقام : ما لو صلى في آخر الوقت وقد بلغ في الأثناء ، فإنه يجب عليه إتمام صلاته.

[1] يعني : القضاء على تقدير عدم الإتمام ، إذ مع الإتمام لا فوت للصوم ، كي يحتمل وجوب قضائه. ويحتمل أن يكون إطلاق القضاء في العبارة خروجاً عن شبهة خلاف ما عن الاقتصاد : من وجوب القضاء عليه مع عدم وجوب الإمساك.

[2] لإطلاق دليل حكمه.

[3] لما تقدم : من منافاته للصوم ، وليس هو كالإغماء.

[4] يجري فيه ما تقدم في الصبي ، بناء على أن الإغماء غير مناف

الرابع : عدم المرض [1] الذي يتضرر معه الصائم. ولو برئ بعد الزوال ولم يفطر لم يجب عليه النية والإتمام [2] وأما لو برئ قبله ولم يتناول مفطراً. فالأحوط أن ينوي ويصوم [3] ، وإن كان الأقوى عدم وجوبه.


للصوم ، كما تقدم في الفصل السابق. وعليه يجب إتمامه ويصح صوماً إذا بقي محل النية.

[1] بلا خلاف ولا إشكال ، بل لعله ضروري. لاتفاق الكتاب المجيد ، والسنة المتواترة عليه.

[2] لفوات محل النية.

[3] كما هو المشهور ، وفي المدارك : نسبته إلى علمائنا أجمع ، وعن المفاتيح : أنه لا خلاف فيه ، وفي الذخيرة : حكاية الإجماع من بعض عليه وهو في محله بناء على أن الأصل يقتضي بقاء محل النية إلى الزوال. وإلا فلا وجه له إلا استفادته مما ورد في المسافر والجاهل ، ومن دعوى الإجماع المتقدمة. والاستفادة محل نظر. وما في المدارك - من أن المريض أعذر من المسافر - لا يجدي في الاستفادة ، لعدم إحراز المناط. وثبوت الإجماع بنحو يصح الاعتماد عليه مشكل ، وان كان قريباً ، إذ أنه لا يظهر خلاف فيه من أحد. وما عن ابني زهرة وحمزة - من استحباب إمساك المريض إذا برئ - ليس فيما نحن فيه. فراجع.

ثمَّ إن محل الكلام إن كان في مريض كان لا يضره الصوم ، بشهادة أنه أمسك وبرئ ، غاية الأمر أنه كان يعتقد أنه يضره الصوم تمام اليوم فلما برئ في الأثناء انكشف خطأه ، فمثله يجب عليه الصوم واقعاً ، فبعد انكشاف الحال كيف يحتمل أنه مفطر وأنه يجوز له الأكل والشرب؟! بل يكون كالجاهل الذي علم في أثناء النهار أن اليوم من رمضان. نعم

الخامس : الخلو من الحيض والنفاس [1] ، فلا يجب معهما وإن كان حصولهما في جزء من النهار.

السادس : الحضر ، فلا يجب على المسافر الذي يجب عليه قصر الصلاة ، بخلاف من كان وظيفته التمام - كالمقيم عشراً والمتردد ثلاثين يوماً ، والمكاري ، ونحوه ، والعاصي بسفره - فإنه يجب عليه التمام. إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة ، فكل سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم وبالعكس [2].

( مسألة 1 ) : إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر ، فان كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار [3] ، وإن كان بعده


يبقى الإشكال في الاكتفاء بصومه من جهة عدم النية أول النهار. وان كان في مريض كان يضره الصوم ولو أول النهار ، فكان إمساكه موجباً تضرره المحرم ، وبعد تضرره برئ وبقي متضرراً ، فلا يظن من أحد الالتزام بصحة صومه بعد البرء ، لوقوعه على الوجه المحرم ، المنافي لعباديته - كالرياء - حسبما تقدم.

نعم لو كان الإمساك حرجاً عليه ، فأقدم عليه مدة من أول النهار ثمَّ ارتفع الحرج ، كان الإشكال في صحة صومه من جهة عدم النية عند الفجر في محله. وحينئذ يكون حكمه حكم المغمى عليه أول النهار إذا أفاق قبل الزوال. وقد تقدم. فلاحظ.

[1] كما تقدم.

[2] تقدم الكلام فيه في الفصل السابق.

[3] تقدم الكلام فيه.

وجب عليه البقاء على صومه. وإذا كان مسافراً وحضر بلده أو بلداً يعزم على الإقامة فيه عشرة أيام ، فإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجب عليه الصوم [1] ،


[1] بلا خلاف ظاهر. لموثق أبي بصير : « سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان. فقال (عليه السلام) : إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ، ويعتد به » (1)وموثق سماعة : « إن قدم بعد زوال الشمس أفطر ، ولا يأكل ظاهراً. وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء » (2)ورواية البزنطي : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان ولم يطعم شيئاً قبل الزوال. قال (عليه السلام) : يصوم » (3)ومصحح يونس : « قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل ، فعليه أن يتم صومه ، ولا قضاء عليه » (4)ونحوها غيرها.

نعم يظهر من جملة أخرى خلاف ذلك ، كصحيح ابن مسلم : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان ، فيدخل أهله حين يصبح ، أو ارتفاع النهار. قال (عليه السلام) : إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر » (5)وصحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « فاذا دخل أرضاً قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم. وان دخل بعد طلوع الفجر فلا


1) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 7.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

4) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

5) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

وإن كان بعده ، أو تناول فلا [1] ، وإن استحب له الإمساك


صيام عليه ، وإن شاء صام » (1)بل قد يظهر ذلك من موثق سماعة المتقدم. لكن يجب حملها على التخيير قبل القدوم بين الإمساك إلى أن يدخل فيصوم ، وبين الإفطار والبقاء عليه بعد الدخول ، كما قد يظهر من صحيحة رفاعة بن موسى قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار. قال (عليه السلام) : إن طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل فهو بالخيار إن شاء صام ، وإن شاء أفطر » (2)فالخيار له في حال كونه خارجاً ولم يدخل لا بعد ما دخل. فان لم يمكن ذلك الحمل فلتطرح ، لإعراض الأصحاب عنها. فما عن ابن زهرة : من إطلاق استحباب الإمساك للمسافر إذا قدم أهله ، ضعيف. أو محمول على ما لا يخالف ما ذكر.

ثمَّ إن إطلاق فرض السؤال في مصحح يونس المتقدم وان كان بمقتضى ترك الاستفصال العموم للجنابة العمدية ، لكن قول الامام (عليه السلام) في الجواب « أن يتم صومه » دليل على أن المراد بالجنابة الاحتلام ونحوه مما لا يضر في الصوم ، فيكون موضوع الحكم : الذي لم يستعمل جميع المفطرات في ذلك اليوم إلى أن دخل البلد. فالاخبار واردة لتشريع الامتثال ، لا لتشريع موضوع الامتثال.

[1] بلا خلاف فيه ظاهر أيضاً. لموثق سماعة المتقدم ، بعد حمله على ما سبق. ومعتبر ابن مسلم : « عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان ، فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض ، أيواقعها؟ قال (عليه السلام) : لا بأس به » (3)فما عن الشيخ (رحمه اللّه) - من إطلاق وجوب


1) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

بقية النهار [1]. والظاهر أن المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده [2] ، لا الخروج عن حد الترخص. وكذا في الرجوع المناط دخول البلد. لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال والخروج عن حد الترخص بعده وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حد الترخص قبل الزوال والدخول في المنزل بعده.

( مسألة 2 ) : قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة والصوم ، وقصرها والإفطار. لكن يستثنى من ذلك موارد :

أحدها : الأماكن الأربعة ، فإن المسافر يتخير فيها بين القصر والتمام في الصلاة ، وفي الصوم يتعين الإفطار [3].

الثاني : ما مر من الخارج إلى السفر بعد الزوال [4] ،


الصوم ، وسقوط القضاء عنه ، إذا لم يكن قد فعل ما ينقض الصوم - محمول على ما قبل الزوال. أو مدفوع بما عرفت. وعن السرائر : أنه مخالف للإجماع.

[1] كما يشهد به جملة من النصوص ، كموثق سماعة : « سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل. قال (عليه السلام) : لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئاً. ولا يواقع في شهر رمضان » (1)ونحوه غيره.

[2] لأن الظاهر من أدلة حد الترخص كونها مقيدة لإطلاق أدلة أحكام المسافر ، لا حاكمة عليها بجعل ما دون الحد من البلد ، كي يكون حد الترخص حداً للسفر ابتداء وغاية ، بل الحد حد للترخص ، لا للسفر.

[3] تقدم الكلام فيه في صلاة المسافر.

[4] مر الكلام فيه.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

فإنه يتعين عليه البقاء على الصوم ، مع أنه يقصر في الصلاة [1].

الثالث : ما مر من الراجع من سفره ، فإنه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام ، مع أنه يتعين عليه الإفطار.

( مسألة 3 ) : إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلا بعد الوصول إلى حد الترخص [2]. وقد مر سابقاً : وجوب الكفارة عليه إن أفطر قبله [3].

( مسألة 4 ) : يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان [4] ،


[1] هذا على المشهور - وكذا ما يأتي في الثالث - حسبما تقدم في صلاة المسافر.

[2] بلا خلاف ولا إشكال - كما في الجواهر - في وجوب الكفارة عليه لو أفطر قبله ، فضلا عن وجوب القضاء. للقاعدة المتقدمة ، المتضمنة للملازمة بين التقصير والإفطار.

[3] مر في المسألة الحادية عشرة من فصل الكفارة.

[4] على المشهور شهرة عظيمة كادت أن تكون إجماعاً. إذ لا يعرف الخلاف فيه إلا من الحلبي ، فإنه حكي عنه أنه قال : إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختاراً. لقوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1)بناء على أن المراد منه الحاضر في أوله ، كما يشهد له جملة من النصوص الآتية. ولخبر أبي بصير ، الذي رواه المشايخ الثلاثة على اختلاف يسير لا يضر بالاستدلال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان. فقال (عليه السلام) : لا ، إلا فيما أخبرك به : خروج إلى مكة ، أو غزو في سبيل اللّه تعالى ، أو مال تخاف هلاكه ، أو أخ تخاف هلاكه. وإنه ليس أخاً من الأب والأم » (2)ومرسل علي بن


1) البقرة : 185.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.


أسباط عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا دخل شهر رمضان فلله تعالى فيه شرط قال اللّه تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) . فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج ، إلا في حج ، أو عمرة ، أو مال يخاف تلفه ، أو أخ يخاف هلاكه ، وليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه. فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرين فليخرج حيث يشاء » (1)ونحوهما خبر أبي بصير الآخر (2)وحديث الأربعمائة عن علي (عليه السلام) (3)وخبر الحسين بن المختار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4).

نعم يعارضها : صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان ، وهو مقيم وقد مضى منه أيام. فقال (عليه السلام) : لا بأس بأن يسافر ، ويفطر ولا يصوم » (5)ولو بني على كون مقتضى الجمع : تقيد الصحيح بموارد الاستثناء فيها. أو ظهوره في كون السؤال فيه عن حكم الإفطار والصوم في السفر ، لا السؤال عن حكم نفس السفر ، كفى في وجوب رفع اليد عن النصوص الأول صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان وهم مقيم لا يريد براحاً ، ثمَّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر. فسكت ، فسألته غير مرة ، فقال (عليه السلام) : يقيم أفضل إلا أن تكون له حاجة لا بد له من الخروج فيها ، أو يتخوف على ماله » (6). المعتضد أو المؤيد بحسن حماد :


1) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 7.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 8.

5) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

6) الوسائل باب : 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

بل ولو كان للفرار من الصوم [1] ، كما مر. وأما غيره من الواجب المعين فالأقوى عدم جوازه [2] ، إلا مع الضرورة. كما أنه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة لإتيانه مع الإمكان.


« رجل من أصحابنا جاءني خبره من الأعوص ، وذلك في شهر رمضان ، أتلقاه وأفطر؟ قال (عليه السلام) : نعم. قلت : أتلقاه وأفطر ، أو أقيم وأصوم قال (عليه السلام) : تلقاه وأفطر » (1)والمرسل الوارد في تفصيل السفر لمشايعة المؤمن والإفطار على الإقامة والصوم (2).

هذا ومقتضى صحيح الحلبي أفضلية الإقامة من جهة إدراك الصوم ، ولا يبعد أن يكون النهي عن السفر في النصوص الأول عرضياً لملازمته لترك الأفضل.

[1] للإطلاق المتقدم.

[2] لأن الحضر من شرائط الواجب ، فيجب تحصيله ، كسائر شرائط الواجب. ويشهد لذلك : صدق الفوت بترك الصوم في السفر ، ووجوب القضاء ، ولو كان من شرائط الوجوب التي لا يجب تحصيلها لم يكن وجه لذلك ، لأن انتفاء شرائط الوجوب يقتضي انتفاء الملاك المشرع للواجب ، ومع انتفائه لا معنى للفوات والقضاء.

فان قلت : لو كان الحضر من شرائط الوجود لحرم السفر في شهر رمضان ، لاقتضائه ترك الصوم الواجب ، فجوازه دليل على أنه من شرائط الوجوب. قلت : وجوب تحصيل شرط الواجب يتوقف على أخذ مطلق وجوده شرطاً للواجب. أما لو كان المأخوذ شرطاً له وجوده لا بداعي الأمر امتنع وجوب تحصيله ، للزوم الخلف ، فان حصوله يكون بداعي


1) الوسائل باب : 10 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.


الأمر ، كما هو ظاهر.

فان قلت : إذا كان المأخوذ شرطاً للصوم الحضر من باب الاتفاق - لا من قبل الأمر - لم يجب تحصيله مطلقاً ، بلا فرق بين شهر رمضان وغيره من الواجب المعين ، فلا وجه لدعوى وجوب الإقامة في الواجب المعين غير رمضان. قلت : قيام الدليل الخاص على كون الشرط خصوص الوجود من باب الاتفاق في شهر رمضان لا يقتضي جواز التعدي عنه إلى سائر أنواع الصوم الواجب المعين.

اللّهم إلا أن يقال : إذا ثبت كون الشرط في صوم رمضان الحضر من باب الاتفاق ، فلا بد من التعدي إلى غيره ، كما تقتضيه قاعدة الإلحاق التي استقر بناؤهم على العمل بها في سائر الحدود المعتبرة في صوم رمضان وسائر الموارد ، إلا أن يقوم دليل على خلافها. ولا سيما بملاحظة اعتضادها بما ورد في المعين بالنذر ، كرواية عبد اللّه بن جندب : « سمعت من زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم (1)الوسائل باب : 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5 ، التهذيب ج 4 صفحة 333 ، ج 7 صفحة 306 طبع النجف الأشرف.(2)يصوم ، فحضرته نية في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام). قال (عليه السلام) : يخرج ولا يصوم في الطريق ، فاذا رجع قضى ذلك » (3)وقريب منه غيره مما هو مذكور في باب صوم النذر في السفر. ولذلك اختار في الجواهر : عدم وجوب الإقامة في الصوم المعين مطلقاً ، رمضان كان ، أو قضاؤه ، أو كفارة أو نذر - وكذا في نجاة العباد - وأمضاه شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) ، وسيدنا


1) (*) كذا في صوم الوسائل عن التهذيب. وفي كتاب النذر عن الكافي : « نذراً صوما »

2) وبين المتنين اختلافات أخر. فراجع . منه قدس سره .

3) الوسائل باب : 13 من أبواب النذر حديث : 1 ، الكافي ج 7 صفحة 457 طبع إيران الحديثة.

( مسألة 5 ) : الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان [1] قبل أن يمضي ثلاثة وعشرون يوماً [2] ، إلا في حج ، أو عمرة ، أو مال يخاف تلفه ، أو أخ يخاف هلاكه [3].

( مسألة 6 ) : يكره للمسافر في شهر رمضان [4]


المحقق الشيرازي (رحمه اللّه) وغيرهما. وهذا هو الأقوى.

نعم لو كان مقصود الناذر نذر الإقامة والصوم وجبت الإقامة. وكذا الواجب المعين بالإجارة إذا كان المقصود الإجارة على الإقامة والصوم ، كما أشرنا إلى ذلك في صلاة المسافر. واللّه سبحانه أعلم.

[1] قد عرفت : أن مقتضى الجمع بين النصوص هو أفضلية الإقامة والصوم.

[2] تقدم التحديد بذلك في رواية علي بن أسباط (1)

[3] تقدم التعرض في النصوص لاستثناء ذلك (2)

[4] كما هو المشهور ، وعن المدارك : أنه مما قطع به الأصحاب. لصحيح ابن سنان : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له ، أفله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال (عليه السلام) : سبحان اللّه أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان؟! إنه له في الليل سبحاً طويلا. قلت : أليس له أن يأكل ويشرب ويقصر؟ فقال (عليه السلام) : إن اللّه تبارك وتعالى قد رخص للمسافر في الإفطار والتقصير رحمة وتخفيفاً ، لموضع التعب والنصب ووعث السفر ، ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان .. ( إلى أن قال ) : وإني إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت ، وما أشرب كل الري » (3)وعن أبي الصلاح :


1) لاحظ ذلك في المسألة : 4 من هذا الفصل.

2) لاحظ ذلك في المسألة : 4 من هذا الفصل.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 5.

• بل كل من يجوز له الإفطار - [1] التملي من الطعام والشراب وكذا يكره له الجماع في النهار ، بل الأحوط تركه [2]. وإن كان الأقوى جوازه.

الحرمة ، وهو ضعيف لما يأتي.

[1] لما يظهر من الصحيح السابق : من أن الموجب للكراهة منافاة ذلك لحرمة الشهر ، لا لخصوصية السفر.

[2] لما عرفت : من حكاية الحرمة عن أبي الصلاح ، وكذا عن الشيخ (رحمه اللّه) للصحيح المتقدم - ونحوه صحيحه الآخر (1)وصحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا سافر الرجل في شهر رمضان فلا يقرب النساء في النهار ، فان ذلك محرم عليه » (2)لكن يجب حملها على الكراهة ، جمعاً بينها وبين ما دل على الجواز ، كصحيح عمر بن يزيد : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ، أله أن يصيب من النساء؟ قال (عليه السلام) : نعم » (3)ونحوه غيره مما هو كثير. فلاحظ الباب المعقود له في الوسائل في أبواب من يصح منه الصوم (4).


1) الوسائل باب : 13 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 8.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

4) الوسائل باب : 13 من أبواب من يصح منه الصوم.

فصل

وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص بل قد يجب [1] :

الأول والثاني : الشيخ والشيخة ، إذا تعذر عليهما الصوم [2] ، أو كان حرجاً ومشقة [3] ، فيجوز لهما الإفطار. لكن يجب عليهما [4] فصل


[1] وذلك إذا لزم من الصوم ضرر محرم.

[2] بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ، كما في الجواهر ويشهد له - مضافاً الى حكم العقل ، وحديث رفع الاضطرار (1)- النصوص الكثيرة التي كادت تكون متواترة ، كما ستأتي الإشارة إلى بعضها.

[3] إجماعاً على الظاهر أيضاً. ويشهد له - مضافاً الى ما دل على نفي الحرج (2)إطلاق بعض النصوص الآتية ، أو صريحها.

[4] على المشهور شهرة عظيمة. للأمر بالفدية في النصوص الآتية. وعن أبي الصلاح : الاستحباب. ويشهد له الصحيح عن إبراهيم الكرخي : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل شيخ لا يستطيع القيام الى الخلاء لضعفه ، ولا يمكنه الركوع والسجود .. ( إلى أن قال ) : قلت : فالصيام. قال (عليه السلام) : إن كان في ذلك الحد فقد وضع اللّه تعالى عنه. فان كانت


1) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

2) راجع المسألة : 10 من فصل ماء البئر ج 1 من هذا الشرح.

في صورة المشقة [1] - بل في صورة التعذر أيضاً - [2]


له مقدرة فصدقة مد من طعام بدل كل يوم أحب إلي. وان لم يكن له يسار ذلك فلا شي‌ء عليه » (1)إلا أنه - مع اختصاصه بالعاجز - يمكن حمله عليه جمعاً ، كما يأتي.

[1] بلا خلاف فيه بين القائلين بوجوب الفدية. لصحيح عبد الملك ابن عتبة الهاشمي قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الشيخ الكبير ، والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان. قال (عليه السلام) : يتصدق عن كل يوم بمد من حنطة » (2)وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان. فقال (عليه السلام) : يتصدق بما يجزي عنه طعام مسكين لكل يوم » (3)ونحوهما غيرهما.

[2] على المشهور. كما يقتضيه إطلاق بعض النصوص الشامل له. وللمشقة. وخصوص خبر أبي بصير ، المحكي عن نوادر ابن عيسى قال : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : « أيما رجل كبير لا يستطيع الصيام ، أو مرض من رمضان الى رمضان ثمَّ صح ، فإنما عليه لكل يوم أفطر فيه فدية إطعام ، وهو مد لكل مسكين » (4)وخبره الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « قلت له : الشيخ الكبير لا يقدر أن يصوم. فقال (عليه السلام) : يصوم عنه بعض ولده. قلت : فان لم يكن له ولد. قال (عليه السلام) : فأدنى قرابته. قلت : فان لم يكن له قرابة. قال (عليه السلام) : يتصدق بمد في كل يوم. فان لم يكن عنده شي‌ء فليس عليه » (5).


1) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 10.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 4.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 9.

4) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 12.

5) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 11.

التكفير بدل كل يوم بمد من طعام. والأحوط مدان [1].


وعن المفيد والسيد وسلار وابني زهرة وإدريس والمختلف : عدم الوجوب ، واختصاصها بصورة المشقة للأصل. ولمناسبة الفدية للقدرة. ولصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في قول اللّه عز وجل : ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) (1)قال (عليه السلام) : الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش » (2)الظاهر في أن موضوع الفدية الطاقة. ولكن لا مجال للأصل مع الدليل. والمناسبة - لو تمت - لا تصلح لإثبات شي‌ء. والصحيح - مع معارضته بما دل على أن الآية منسوخة - غير ظاهر فيما ذكر ، لاحتمال كون المراد : « الذين كانوا يطيقونه » ، كما في مرسل ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3)ولو سلم فمقتضاه اختصاص الآية بالطاقة ، لا اختصاص الفدية بها ، فلا يعارض ما دل على ثبوتها مع العجز أيضا ، مما عرفت الإشارة إليه.

نعم يمكن الاستشهاد للقول المذكور بالصحيح عن إبراهيم الكرخي المتقدم ، بناء على ظهوره في العاجز ، فإنه يقيد ما دل بإطلاقه على ثبوت الكفارة فيه ، ويوجب حمل ما دل بالخصوص على وجوبها فيه - كروايتي أبي بصير - على الاستحباب. بل لو سلم إطلاقه يمكن حمله على العاجز ، جمعاً بينه وبين ما تقدم مما دل على وجوبها في القادر مع المشقة.

[1] كما عن الشيخ (رحمه اللّه) فيمن تمكن منهما ، جمعاً بين ما دل على أنها مد واحد ، الذي هو المشهور في النصوص ، وما دل على أنها مدان ، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدم ، الذي رواه الشيخ (رحمه اللّه) : « في


1) البقرة : 184.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 6.

والأفضل كونهما من حنطة [1]. والأقوى وجوب القضاء عليهما لو تمكنا بعد ذلك [2].


الشيخ الكبير والذي به العطاش. قال (عليه السلام) : يتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام » (1)بحمل الثاني على القادر عليهما ، والأول على العاجز.

وفيه - مضافاً إلى بعده في أخبار المد - : أنه جمع لا شاهد عليه ، فلا يجوز ارتكابه بعد أن كان الجمع العرفي يقتضي حمل الثاني على الاستحباب

[1] كما في صحيح الهاشمي المتقدم (2)ولم يعرف عامل بظاهره.

[2] كما هو المشهور ، كما في المستند. لعموم قضاء الفائت. وعن علي ابن بابويه : العدم ، وحكي عن جماعة ، منهم النافع والمدارك ، ويظهر من محكي المراسم والوسيلة والسرائر ، وقواه في الرياض والمستند. لصحيح محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان. ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام ، ولا قضاء عليهما » (3)ويشير اليه صحيح الحلبي المتقدم (4)ورواية أبي بصير المحكية عن النوادر (5)ورواية ابن فرقد فيمن ترك الصيام : « إن كان من مرض فإذا برئ فليقضه. وإن كان من كبر


1) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2. ولا يخفى : أنه ليس هو بالصحيح لمحمد بن مسلم المتقدم في التعليقة السابقة ، كما يظهر ذلك بمراجعة الوسائل ، والتهذيب ج 4 صفحة 238 طبع النجف الأشرف والاستبصار ج 2 صفحة 104 طبع النجف الأشرف. بل هو الصحيح الآتي له قريباً ، مع تغيير يسير. فلاحظ.

2) تقدم ذلك قريباً في هذه المسألة.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

4) تقدما قريباً في هذه المسألة.

5) تقدما قريباً في هذه المسألة.

الثالث : من به داء العطش [1] فإنه يفطر ، سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر ، أو كان فيه مشقة. ويجب عليه التصدق بمد. والأحوط مدان. من غير فرق بين ما إذا كان مرجو الزوال أم لا [2]. والأحوط - بل الأقوى - وجوب القضاء عليه إذا تمكن بعد ذلك [3].


أو عطش فبدل كل يوم مد » (1).

ودعوى : انصرافها إلى غير المتمكن من القضاء ممنوعة ، كما يظهر بأقل تأمل فيها. ولا سيما بملاحظة ذكر ذي العطاش الممنوع فيه الغلبة. والمقابلة بين المريض والشيخ الظاهرة في اختلافهما في الحكم. فلاحظ.

[1] إجماعاً حكاه غير واحد ، منهم العلامة في محكي التذكرة ، والتحرير ، والمنتهى. لما دل على رفع الاضطرار والحرج. وللنصوص المتقدم بعضها في الشيخ ، التي منها يستفاد أن الفدية مد واحد ، كما هو المشهور نصاً وفتوى. وعن الشيخ : أنها مدان لمن تمكن منهما. للصحيح المتقدم وتقدم الجواب عنه.

[2] لإطلاق أدلة الفدية. وعن العلامة في جملة من كتبه : نفي الفدية مع رجاء البرء ، وتبعه عليه في جامع المقاصد. للأصل. وكونه من المريض الذي لا كفارة عليه. وهو - كما ترى - لا يصلح لمعارضة ما سبق. ومثله : ما عن سلار في المراسم : من نفيها مع اليأس من البرء ، لأصالة البراءة.

[3] كما هو المشهور ظاهراً. لعموم قضاء الفائت - كما سيأتي - ولقوله تعالى ( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً ... ) (2)وفيه : أن العموم مخصص بصحيحي ابن مسلم وغيرهما. والآية غير ظاهرة الشمول لما نحن فيه ، لقرب دعوى


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الصوم المندوب حديث : 1.

2) البقرة : 185.

كما أن الأحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة [1].


انصرافها إلى غيره ، كما يعطيه خبر داود بن فرقد المتقدم. ولو سلم فهي أيضاً مخصصة بما عرفت.

ودعوى : أن بينه وبينها عموماً من وجه ، لاختصاصها بالمرض الزائل إذ الظاهر من : ( أَيّامٍ أُخَرَ ) غير أيام المرض. وعمومه له وللمستمر ، والمرجع في مورد التعارض عموم القضاء. مندفعة : بأنه لو سلم فحيث أن المرض المتقدم في الشرط هو في أيام شهر رمضان فغير أيامه يراد بها غير أيام شهر رمضان ، سواء أكان فيها مرض آخر أم لم يكن. ولا وجه لتخصيصها بما لا يكون فيها مرض أصلا ، وإرادة غير أيام مطلق المرض خلاف الظاهر.

فان قلت : إذا كان المرض في شهر رمضان مسوغاً للإفطار كان مسوغاً له في غيره بالأولوية ، فلا بد من حمل ( الأيام الأخر ) على غير أيام مطلق المرض ، لا خصوص المرض السابق. قلت : هذا بعينه جار في الصحيحين ، فنفي القضاء فيهما لا بد أن يكون بملاحظة حال البرء من العطاش - لا حاله - فيكونان أيضا أخص.

هذا مضافاً إلى ما يفهم من نصوص الباب في الموارد الثلاثة ، من كون الفدية بدلا عن نفس الصوم بمنزلة القضاء ، يتدارك بها مصلحته ، لا بدلا عن خصوصية الوقت. ولذا لا تجب في المريض ، والمسافر ، والحائض ، والنفساء ، وغيرهم من المعذورين - فتأمل جيداً - فاذاً القول بنفي القضاء - كما عن بعض - في محله.

[1] فعن بعض : وجوب الاقتصار عليها ، لرواية عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يصيبه العطش حتى يخاف على نفسه. قال علیه السلام : يشرب بقدر ما يمسك به رمقه ، ولا يشرب حتى

الرابع : الحامل المقرب التي يضرها الصوم [1] ، أو يضر حملها [2] ، فتفطر ، وتتصدق [3]


يروى » (1)وفيه : أنه أجنبي عما نحن فيه ، لاختصاصه بمن يعرض له العطش اتفاقاً في نهار الصوم. وكذا رواية المفضل عنه (عليه السلام) : « إن لنا فتيانا وبنات لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش. قال (عليه السلام) : فليشربوا بمقدار ما تروى به نفوسهم وما يحذرون » (2)مع الإشكال في اعتبارها ، لجهالة إسماعيل بن مرار ، وقد مر الكلام فيه في مرسلة يونس في مستمرة الدم. فلا مجال لرفع اليد عن الإطلاق.

[1] بلا خلاف ولا إشكال ، وفي الجواهر : الإجماع بقسميه عليه. لعموم ما دل على نفي الضرر والحرج. ولصحيح محمد بن مسلم قال : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : الحامل المقرب ، والمرضعة القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان ، لأنهما لا تطيقان. وعليهما أن تتصدق كل واحدة منهما في كل يوم تفطران فيه بمد من طعام. وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه ، تقضيانه بعد » (3).

[2] اتفاقاً. لإطلاق النص وغيره.

[3] بلا خلاف ظاهر فيه إذا كان الخوف على الولد. وكذا لو كان على نفسها ، كما اختاره جماعة. لإطلاق الصحيح. وعن المشهور - كما في محكي المسالك - : عدم الكفارة حينئذ ، بل في محكي الدروس : نسبة التقييد بالولد إلى الأصحاب. ولا يخلو من تأمل ، إذ قيل : « لم نقف على مصرح بالتفصيل إلا فخر الإسلام وبعض من تأخر عنه ».


1) الوسائل باب : 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

من مالها [1] بالمد أو المدين [2] ، وتقضي بعد ذلك [3].

الخامس : المرضعة القليلة اللبن [4] إذا أضر بها الصوم


وكيف كان فليس له وجه ظاهر في قبال إطلاق الصحيح. وانتفاء الكفارة في المريض وكل من خاف على نفسه ، لا يكفي في قياس المقام عليه

[1] كما نص عليه جماعة من الأعاظم. لظهور الأمر بها في ذلك كالقضاء. وليست من النفقة الواجبة ، لتكون على الزوج. ويشهد به : ما ورد في من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان ، وأنه عليه كفارتان وإن طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة.

[2] يعني : على الخلاف المتقدم.

[3] على المشهور ، وعن الخلاف : دعوى الإجماع عليه. للصحيح وعن علي بن بابويه وسلار : العدم. ولا يعرف له وجه إلا الصحيح عن محمد بن جعفر : « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إن امرأتي جعلت على نفسها صوم شهرين ، فوضعت ولدها ، وأدركها الحبل ، فلم تقو على الصوم. قال (عليه السلام) : فلتتصدق مكان كل يوم بمد على مسكين » (1)وهو - مع أنه غير ما نحن فيه - ليس له ظهور يقوى على صرف الصحيح الى الاستحباب.

[4] اتفاقاً ، كالحامل. للصحيح المتقدم فيها ، ولمكاتبة ابن مهزيار المروية عن مستطرفات السرائر : « كتبت إليه ( يعني : علي بن محمد ) أسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان ، فيشتد عليها الصوم - وهي ترضع - حتى يغشى عليها ، ولا تقدر على الصيام ، أترضع وتفطر وتقضي صيامها إذا أمكنها ، أو تدع الرضاع وتصوم ، فان كانت مما لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع؟ فكتب (عليه السلام) : إن كانت ممن يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها وأتمت صيامها. وإن كان ذلك لا يمكنها


1) الوسائل باب : 17 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

أو أضر بالولد [1]. ولا فرق بين أن يكون الولد لها ، أو متبرعة برضاعه ، أو مستأجرة [2]. ويجب عليها التصدق بالمد أو المدين أيضاً من مالها [3] ، والقضاء بعد ذلك. والأحوط - بل الأقوى - الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع [4] تبرعاً ، أو بأجرة من أبيه ، أو منها ، أو من متبرع.


أفطرت وأرضعت ولدها ، وقضت صيامها متى ما أمكنها » (1)

[1] لإطلاق الصحيح.

[2] كما نص عليه في محكي الدروس وغيره. لإطلاق الصحيح ، وصريح المكاتبة.

[3] الكلام فيه كما سبق في الحامل قولا ودليلا. وكذا الحال فيما بعده

[4] كما يقتضيه صريح المكاتبة ، فيقيد بها إطلاق الصحيح. بل قد يشير إلى ذلك قوله (عليه السلام) في الصحيح : « لا حرج عليهما » ، فإنه مع إمكان ارتضاع الولد من غيرها لا حرج في الصوم. وكذا التعليل فيه بعدم الطاقة فإن مقتضى تطبيقه على الارتكازي العرفي حمله على خصوص الصورة المذكورة. ولا ينافي ذلك تصريح الأصحاب : بعدم الفرق بين الأم والمتبرعة إذ المراد من المتبرعة المرضعة مجاناً ، وان وجب عليها ذلك للانحصار.

وضعف سند المكاتبة غير ظاهر ، لروايتها عن الحميري عن ابن مهزيار الجليلين ، ومن القريب جداً : أن يكون الحلي قد عثر على ما يوجب له اليقين برواية الحميري لها. فلاحظ.


1) الوسائل باب : 17 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 3.

فصل في طريق ثبوت هلال رمضان وشوال

للصوم والإفطار ، وهي أمور [1] :

الأول : رؤية المكلف نفسه.

الثاني : التواتر.

الثالث : الشياع المفيد للعلم وفي حكمه كل ما يفيد العلم ولو بمعاونة القرائن. فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به وإن لم يوافقه أحد ، بل وإن شهد ورد الحاكم شهادته.

الرابع : مضي ثلاثين يوماً من هلال شعبان ، أو ثلاثين يوماً من هلال رمضان ، فإنه يجب الصوم معه في الأول ،


فصل

في طريق ثبوت هلال رمضان وشوال

[1] الطرق الأربعة الأول كلها راجعة إلى العلم ، الذي هو حجة بنفسه. وتعرض الأصحاب لذكرها - كاشتمال النصوص على بعضها - كان تنبيهاً على أسباب العلم ، لا لخصوصية فيها ، كما هو واضح.

هذا والنصوص قد تعرضت للأول ، وهي متجاوزة حد التواتر ، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - « فإذا رأيت الهلال فصم ، وإذا رأيته فأفطر » (1)كما تعرضت للثاني ، مثل خبر عبد الرحمن


1) الوسائل باب : 3 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 7.

والإفطار في الثاني.

الخامس : البينة الشرعية [1] ، وهي خبر عدلين ، سواء


« عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان. فقال (عليه السلام) : لا تصم ذلك اليوم ، إلا أن يقضي أهل الأمصار ، فإن فعلوا فصمه » (1)ونحوه غيره. ويحتمل أن يكون المراد بها الثالث. كما أنها استفاضت في الرابع ، كصحيح محمد بن قيس : « فان غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثمَّ أفطروا » (2)ونحوه غيره ، الوارد بعضه في هلال شهر رمضان ، وبعضه في هلال شوال.

[1] بلا خلاف ظاهر في ذلك في الجملة. نعم في الشرائع : حكاية القول بعدم القبول مطلقاً ، ولم يعرف قائله ، كما اعترف به في الجواهر وغيرها. ويدل عليه - مضافاً الى إطلاق ما دل على حجية البينة ، كخبر مسعدة بن صدقة ، حسب ما تقدم تقريب دلالته في المياه (3)- موثق منصور ابن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه » (4)وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « قال علي (عليه السلام) : لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال ، إلا شهادة رجلين عدلين » (5)وصحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن علياً (عليه السلام) كان يقول : لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين » (6)ونحوها غيرها.


1) الوسائل باب : 12 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 11.

3) لاحظ المسألة : 6 من فصل ماء البئر من الجزء الأول من هذا الشرح.

4) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

5) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 7.

6) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.


نعم يعارضها : خبر إبراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت له : كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال (عليه السلام) : إن شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه تعالى فلا تؤدى بالتظني ، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد : قد رأيته ، ويقول الآخرون : لم نره ، إذا رآه واحد رآه مائة ، وإذا رآه مائة رآه ألف. ولا يجزي في رؤية الهلال - إذا لم يكن في السماء علة - أقل من شهادة خمسين. وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر » (1)وخبر حبيب الخزاعي ( الخثعمي الجماعي ) : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا ، عدد القسامة. وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر - وكان بالمصر علة - فأخبرا أنهما رأياه ، أو أخبرا عن قوم صاموا للرؤية » (2)

وكأنه لأجلها اختار جماعة عدم قبول البينة إذا لم يكن في السماء علة كالصدوق ، والشيخ ، وبني حمزة وزهرة والبراج ، والحلبي - على ما حكي عنهم - على اختلاف في عباراتهم المحكية ، من حيث اعتبار كونهما من خارج البلد أيضاً إذا كانت في السماء علة - كما هو ظاهر الخبرين - أو يكفي أحد الأمرين ، من العلة والخروج عن البلد.

وكيف كان فالقول المذكور ضعيف ، لا لضعف الخبرين - لأن الظاهر اعتبار الأول ، مع الانجبار بعمل الأجلاء - بل لأن ظاهر الخبرين عدم حجية البينة مع الاطمئنان النوعي بالخطإ ، كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في الأول : « فلا تؤدى بالتظني » ، وقوله (عليه السلام) : « إذا رآه واحد رآه مائة .. ». فالممنوع من حجية البينة خصوص الصورة التي هي مورد الملازمة


1) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 10.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 13.

شهدا عند الحاكم وقبل شهادتهما ، أو لم يشهدا عنده ، أو شهدا ورد شهادتهما [1]. فكل من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر [2] ، من الصوم أو الإفطار. ولا فرق بين أن تكون البينة من البلد أو من خارجه ، وبين وجود العلة في السماء وعدمها [3]. نعم يشترط توافقهما في الأوصاف ، فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها [4]. نعم لو أطلقا ،


المذكورة لا مطلقاً. ولذا تضمنا جواز الاعتماد عليها مع العلة ، وكون المخبر من خارج البلد ، لانتفاء الملازمة المذكورة حينئذ ، الموجب لانتفاء الاطمئنان بالخطإ نوعاً. وهذا أمر آخر غير القول المذكور. اللّهم إلا أن يكون مراد القائل ذلك. وحينئذ لا بأس بالالتزام به ، للخبرين المذكورين ، المطابقين لبناء العقلاء في باب حجية الخبر.

[1] كما نص عليه غير واحد من دون نقل خلاف فيه. ويقتضيه إطلاق النصوص.

[2] إذ بقيام الحجة يتنجز وجوب الصوم أو الإفطار.

[3] على ما عرفت.

[4] كما نص عليه غير واحد ، مرسلين له إرسال المسلمات. وهو كذلك لا من جهة أن ظاهر دليل حجية البينة كون موضوعه الخبرين الحاكيين عن مفهوم واحد ، وليس كذلك في الفرض ، لأن الذات المقيدة بوصف غير الذات المقيدة بضده. فان ذلك ممنوع ، بل الظاهر كون موضوعه الخبرين الحاكيين عن خارجي واحد ولو بتوسط مفهومين مختلفين ، ولذا لا إشكال عندهم في قبول البينة مع اختلاف الشاهدين في الأوصاف غير المتضادة. بل لأن الاختلاف بالأوصاف المتضادة مانع من الحكاية عن خارجي واحد

أو وصف أحدهما وأطلق الآخر كفى [1]. ولا يعتبر اتحادهما


بل يؤدي إلى التكاذب ، فلا يمكن أخذ القدر المشترك بين الخبرين. فلو شهد أحدهما برؤية الهلال المحدب إلى الأرض ، والآخر برؤية الهلال المحدب إلى الشمال ، فالمدلول الالتزامي للخبر الأول عدم الهلال المحدب الى الشمال والمدلول الالتزامي للخبر الثاني عدم الهلال المحدب إلى الأرض. وكما أن القدر المشترك بين المدلولين المطابقيين للخبرين هو نفس وجود الهلال ، كذلك القدر المشترك بين المدلولين الالتزاميين لهما هو عدم الهلال ، فالأخذ بأحد المدلولين دون الآخر ترجيح بلا مرجح.

والعمدة في عدم الاعتبار بشهادة الشاهدين مع اختلافهما في الأوصاف المتضادة : هو عدم حكايتهما عن وجود خارجي واحد ، بل كل واحد يحكي عن وجود غير ما يحكيه الآخر ، فلا يكون خبرهما بينة.

هذا إذا كان خبر كل منهما عن الموصوف بنحو وحدة المطلوب. أما إذا كان بنحو تعدد المطلوب وجب قبولهما ، لاشتراك الخبرين في الحكاية عن ذات الموصوف بنحو مفاد كان التامة ، والاختلاف في وصفه - بنحو مفاد كان الناقصة - غير قادح ، كما لو اتفقا على الاخبار بوجود شي‌ء واختلفا في الاخبار عن وجود شي‌ء آخر. وعلامة ذلك : أن لو تبين للشاهد الخطأ في الشهادة بالوصف بقي مصراً على الشهادة بذات الموصوف بخلاف ما لو كان الاخبار عن الموصوف بما هو موصوف على نحو وحدة المطلوب ، فإنه لو تبين له الخطأ في الشهادة بالوصف عدل عن الشهادة بذات الموصوف. وقد أشرنا إلى ذلك في مباحث المياه في أوائل الكتاب فراجع. وعلى هذا فإطلاق ما في المتن وغيره : من عدم الاعتبار مع الاختلاف في غير محله.

[1] لما عرفت من الاشتراك في الحكاية عن أمر خارجي واحد ،

في زمان الرؤية [1] مع توافقهما على الرؤية في الليل [2].


بلا تكاذب بين الخبرين ، ليؤدى إلى المحذور السابق.

[1] إذ لا مقتضي لذلك بعد اشتراكهما في الحكاية عن وجوده ، مع كون وجوده في أحد الزمانين ملازماً لوجوده في الزمان الآخر.

[2] فلو اختلفا فيها - كما لو شهد أحدهما برؤيته ليلة الاثنين والآخر برؤيته ليلة الثلاثاء - لم يثبت في كلتا الليلتين ، لعدم اشتراك الخبرين في أمر واحد. نعم لازم شهادة الأول كون يوم الثلاثاء من الشهر ، فيشترك الأول بمدلوله الالتزامي مع الثاني بمدلوله الالتزامي أيضاً. إلا أن هذا المقدار من الاشتراك غير كاف في الدخول تحت موضوع الحجية ، لاختصاصه بشهادة الشاهدين بأمر واحد ، والمدلول الالتزامي ليس مشهوداً به لهما ، ولا بد في صدق البينة من اتحاد المشهود به.

فان قلت : قد تكرر مراراً وتحقق : إمكان التفكيك بين المدلول المطابقي والالتزامي في الحجية ، فلم لا يكون الخبران حجة في المدلول الالتزامي لاشتراكهما فيه ، وليسا بحجة في المدلول المطابقي لعدم الاشتراك؟! قلت : إذا ثبت حجية شي‌ء أمكن حينئذ التفكيك بين مداليله في الحجية. والخبر الأول لما كان خبراً واحداً ، فليس بحجة ، وكذا الخبر الثاني ، فلا وجه لحجيتهما في المدلول الالتزامي. واشتراكهما في ذلك المدلول بالالتزام لا يجدي في وجوب ترتيب الأثر عليه واعتباره ، لما عرفت من اختصاص دليل حجية البينة بما إذا اتحد المشهود به.

نعم لو كان اللزوم بيناً بالمعنى الأخص ، وموجباً لكون الدلالة الالتزامية لفظية ، كفى الاشتراك في الدلالة عليه في صدق البينة ، والدخول تحت دليل الحجية ، لتحقق الحكاية حينئذ للخبرين عن أمر واحد.

وبالجملة : إذا اشترك الخبران في الحكاية عن أمر واحد بالدلالة

ولا يثبت بشهادة النساء [1] ،


اللفظية - مطابقة ، أو تضمناً ، أو التزاماً ، أو مختلفة - صدق مفهوم البينة وثبتت الحجية في كل واحد من المداليل المذكورة ، لإطلاق دليل الحجية كما أنه لا مانع من التفكيك بينها في الحجية إذا قام دليل على نفي الحجية في واحد منها ، فتبقى البينة حجة في الآخر. أما إذا كان أحد الخبرين حاكياً عنه بالالتزام العقلي ، لعدم كون اللزوم بينا بالمعنى الأخص ، فلا عبرة بالخبرين معاً ، لانتفاء البينة ، فينتفي حكمها وهو الحجية ، فضلا عما إذا كان كل واحد منهما حاكيا كذلك.

ومن هنا يظهر أنه لو شهد عدل برؤية هلال شعبان ليلة الاثنين ، وآخر برؤية هلال شهر رمضان ليلة الأربعاء بعد ثلاثين ليلة ، فقبول شهادتهما لإثبات كون الأربعاء من شهر رمضان موقوف على كون دلالة شهادة الأول بالالتزام على كون الأربعاء من شهر رمضان من الدلالة اللفظية ، لكون اللزوم بيناً بالمعنى الأخص. لكنه ليس كذلك ، فلا وجه للقبول.

[1] إجماعاً ، كما عن غير واحد. لصحيح الحلبي المتقدم (1)وصحيح حماد : « لا تجوز شهادة النساء في الهلال » (2)ونحوهما صحاح ابن مسلم (3)وعبد اللّه بن سنان (4)والعلاء (5)وغيرها. وما في خبر داود بن الحصين : « لا بأس في الصوم بشهادة النساء » (6)مطروح قطعاً.


1) تقدم ذلك في أول الفصل.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

4) الوسائل باب : 24 من أبواب الشهادات حديث : 10.

5) الوسائل باب : 24 من أبواب الشهادات حديث : 19.

6) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 15.

ولا بعدل واحد [1] ، ولو مع ضم اليمين.

السادس : حكم الحاكم [2]


[1] كما هو المشهور. وعن سلار : الاكتفاء به في الصوم دون الإفطار واستشهد له بصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا رأيتم الهلال فأفطروا ، أو شهد عليه عدل من المسلمين » (1)وفيه - مع أن المحكي عن بعض نسخه : ( عدول ) (2)بدل ( عدل ) (3)، أو ( بينة عدل ) (4)، كما في الوسائل ، والبينة رجلان. وأن العدل يطلق على الواحد والكثير ، كما نص عليه أهل العربية. وأن مورده الإفطار ، الذي لا يقول به هو - : أنه لا يصلح لمعارضة ما سبق ، مما هو أصح سنداً وأكثر عدداً ، وموافق للإجماع ممن عداه.

[2] كما هو ظاهر الأصحاب ، كما عن الحدائق. لإطلاق ما دل على وجوب قبوله ونفوذه ، وعدم جواز رده. ولصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار ذلك اليوم ، إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس ، وإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بالإفطار ذلك اليوم ، وأخر الصلاة


1) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 11.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1. والتهذيب ج 4 ص 177 طبع النجف الأشرف. وفيهما : « واشهدوا عليه عدولا .. ».

3) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 11 ، التهذيب ج 4 ص 158 طبع النجف الأشرف ، الاستبصار ج 3 ص 73 طبع النجف الأشرف ، الفقيه ج 2 ص 77 طبع النجف الأشرف.

4) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 6. ولكن في الاستبصار ج 2 ص 64 طبع النجف الأشرف : « بينة عدول من المسلمين ».


إلى الغد فصلى بهم » (1)والتوقيع الذي رواه إسحاق بن يعقوب : « وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواه حديثنا ، فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة اللّه » (2).

ويشكل الأول : بأن التمسك به فرع إحراز موضوعه - وهو الحكم الذي هو وظيفة المجتهد - فلا يصلح لإثبات موضوعه. نعم لو ثبت إطلاق يقتضي نفوذ حكم الحاكم في كل شي‌ء كفى ذلك في نفوذه في المقام. لكنه غير ثابت. والثاني مختص بالإمام الظاهر في إمام الحق ، ولا يجدي فيما نحن فيه. إلا أن يقوم ما يدل على أن الحاكم الشرعي بحكم الامام ، وله كل ما هو وظيفته. وأما التوقيع الشريف فلا يخلو من إجمال في المراد ، وأن الرجوع اليه هل هو في حكم الحوادث ، ليدل على حجية الفتوى؟ أو حسمها ليدل على نفوذ القضاء؟ أو رفع إشكالها وإجمالها ، ليشمل ما نحن فيه؟. وإن كانت لا تبعد دعوى انصرافه الى خصوص ما لا بد من الرجوع فيه الى الامام ، وليس منه المقام ، لإمكان معرفة الهلال بالطرق السابقة. وكأنه لأجل ذلك اختار بعض أفاضل المتأخرين : العدم ، وتبعه في الحدائق والمستند على ما حكي.

هذا ويمكن الاستدلال له بما ورد في مقبولة ابن حنظلة ، من قوله (عليه السلام) : « ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ، فليرضوا به حكما ، فإني قد جعلته عليكم حاكماً » (3)وقوله (عليه السلام) في خبر أبي خديجة : « اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً » (4)فان مقتضى إطلاق التنزيل ترتيب جميع


1) الوسائل باب : 6 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 9.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 1.

4) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 6.


وظائف القضاة والحكام ، ومنها الحكم بالهلال ، فإنه لا ينبغي التوقف عن الجزم بأنه من وظائفهم التي كانوا يتولونها ، فإنه لم يكن بناء المسلمين في عصر صدور هذه النصوص وغيره على الاقتصار في الصوم والإفطار على الطرق السابقة ، أعني : الرؤية ، والبينة ، فمن قام عنده بعض تلك الطرق أفطر مثلا ، ومن لم يقم عنده شي‌ء منها بقي على صومه ، بل كانوا يرجعون إلى ولاة الأمر ، من الحكام ، أو القضاة ، فاذا حكموا أفطروا بمجرد الحكم. وأقل سبر وتأمل كاف في وضوح ذلك ، كيف! ولولاه لزم الهرج والمرج.

ويشير إلى ذلك : صحيح محمد بن قيس المتقدم ، والمرسل المتضمن شهادة الأعرابي برؤية الهلال‌و أمر النبي (صلی اللّه عليه وآله) منادياً ينادي : « من لم يأكل فليصم. ومن أكل فليمسك » المتقدم في تأخير النية إلى ما قبل الزوال للمعذور (1)وخبر أبي الجارود : « الفطر يوم يفطر الناس ، والأضحى يوم يضحي الناس ، والصوم يوم يصوم الناس » (2)المتقدم في استعمال المفطر تقية ، وما تضمن قول الصادق (عليه السلام) لأبي العباس : « ما صومي إلا بصومك ، ولا إفطاري إلا بإفطارك » (3)ونحوها.

والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون مستند الحكم البينة أو الشياع العلمي ، وبين أن يكون علم الحاكم بنفسه ، بناء على جواز حكمه بعلمه - كما هو الظاهر - حسب ما تحقق في محله من كتاب القضاء ، فإنه إذا صح له الحكم به وجب ترتيب الأثر عليه ، لما دل على وجوب قبوله ، وحرمة رده. فالتردد فيه - كما عن المدارك - غير ظاهر.


1) راجع صفحة : 214.

2) الوسائل باب : 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 7.

3) الوسائل باب : 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث : 6.

الذي لم يعلم خطؤه ، ولا خطأ مستنده [1] ،


[1] لا ينبغي التأمل في عدم جواز العمل بالحكم إذا علم بخطئه الواقع - كما إذا حكم بكون الجمعة أول شوال ، وعلمنا بكونه من شهر رمضان - لأن حكم الحاكم ليس ملحوظاً في نظر الشارع الأقدس عنواناً مغيراً للأحكام وجوداً وعدما ، بل هو طريق - كسائر الطرق - حجة على الواقع في ظرف الشك فيه ، فاذا علم الواقع انتفى موضوع الحجية ، لامتناع جعل الحجة على الواقع في ظرف العلم به ، مصيبة كانت الحجة أم مخطئة. وكذا لا مجال للعمل به إذا علم تقصير الحاكم في مقدمات الحكم ، لأن تقصيره مسقط له عن الأهلية للحكم ، فلا يكون موضوعاً لوجوب القبول وحرمة الرد. ولأن الحكم حينئذ يكون فاقداً لبعض الشرائط المعتبرة فيه عند الحاكم ، ويراه حكماً على خلاف حكمهم (عليهم السلام) ، فكيف يحتمل وجوب العمل به منه أو من غيره؟! وكذا لو فقد بعض الشرائط غفلة من الحاكم ، كما لو حكم تعويلا على شهادة الفاسقين غفلة عن كونهما كذلك ، أو غفلة عن اعتبار عدالة الشاهد.

أما إذا كان جامعاً للشرائط المعتبرة فيه في نظره ، بعد بذله الجهد في معرفتها والاجتهاد الصحيح في إثباتها ، لكن كان الخطأ منه في بعض المبادي - كما لو شهد له عنده فاسقان مجهولا الحال عنده ، فطلب تزكيتهما بالبينة ، واعتمد في ثبوت عدالتهما على البينة العادلة ، التي قد أخطأت في اعتقاد عدالتهما - وجب العمل بالحكم ، لأنه حكم صحيح في نظر الحاكم فيدخل تحت موضوع وجوب القبول وحرمة الرد. وهكذا كل مورد كان فيه الخطأ من الحاكم في بعض المبادي في الشبهات الموضوعية ، أو الحكمية كما لو أدى اجتهاده إلى حجية الشياع الظني - كما عن التذكرة والمسالك وغيرهما - لأن الظن الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل بالبينة ، فيدل

كما إذا استند إلى الشياع الظني [1].


على حجيته ما يدل على حجيتها بالفحوى. أو أدى الى حجية الرؤية قبل الزوال على كون ذلك اليوم من الشهر اللاحق أو نحو ذلك. ففي جميع هذه الموارد يجب العمل بالحكم ، لدخوله تحت دليل الحجية.

وبالجملة : عموم الدليل المتقدم يقتضي وجوب العمل بكل حكم ، إلا في حال العلم بمخالفته للواقع. أو صدوره عن تقصير في بعض المبادي أو غفلة توجب صدور حكمه على خلاف رأي الحاكم واجتهاده.

[1] سوق العبارة يقتضي كونه مثالا لخطأ المستند. ولكنه غير ظاهر بل هو خطأ في الاستناد ، فيكون مثالا لخطأ الحاكم. وكيف كان فلا يتضح الوجه في عدم حجية الحكم إذا أدى نظر الحاكم إلى حجية الشياع الظني ، وقد عرفت دخوله في عموم الحجية.

فإن قلت : إذا كان المكلف لا يرى حجية الشياع الظني ، كان حكم الحاكم - اعتماداً عليه - حكماً على خلاف حكمهم (عليهم السلام) في نظر المكلف فلا يجب قبوله. ومجرد كونه معذوراً في حكمه على طبق اجتهاده لا يلزم منه وجوب العمل على من يراه مخطئاً في اجتهاده ، ولا سيما وأن ذلك خلاف المرتكز العقلائي في الحجج. قلت : لو تمَّ هذا اقتضى عدم نفوذ حكم الحاكم على من يخالفه في الرأي ، اجتهاداً أو تقليداً ، وهذا - مع أنه خلاف المقطوع به ، إذ لازمه عدم صلاحية الحاكم لحسم التداعي إذا كان ناشئاً من الاختلاف في الأحكام الكلية ، فان حكمه حينئذ لا بد أن يكون مخالفاً لهما ، أو لأحدهما ، فلو بني على عدم نفوذ حكم الحاكم المخالف في الرأي لزم أن يكون التداعي بلا حاسم ، والالتزام به كما ترى - خلاف ما يستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة ، حيث دلت على وجوب الرجوع الى الحاكم المجتهد إذا كان النزاع في ميراث (1)الظاهر في كونه نزاعاً في الحكم


1) تقدم ذلك في أوائل الأمر السادس من هذا الفصل.

ولا يثبت بقول المنجمين [1] ، ولا بغيبوبة الشفق في الليلة الأخرى [2] ،


الكلي ، لا في الموضوع الخارجي. وأقوى منه في الدلالة على ذلك : ما في ذيلها من الرجوع إلى قواعد التعارض عند اختلاف الحكمين ، إذ ذلك إنما يكون وظيفة المجتهد ، كما يظهر بأقل تأمل.

وقد أشار الى بعض ما ذكرنا المصنف (رحمه اللّه) في قضائه ، تبعاً لما في الجواهر ، قال (رحمه اللّه) : « ولا يجوز له ( يعني : لحاكم آخر ) نقضه ، إلا إذا علم علماً قطعياً بمخالفته للواقع ، بأن كان مخالفاً للإجماع المحقق أو الخبر المتواتر ، أو إذا تبين تقصير في الاجتهاد. ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز له نقضه وان كان مخالفاً لرأيه ، بل وإن كان مخالفاً لدليل قطعي نظري كإجماع استنباطي ، أو خبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأول .. » وقد تقدم في مباحث التقليد ما له نفع في المقام. فراجع. وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله من كتاب القضاء.

[1] لعدم الدليل عليه بعد عدم إفادته العلم. وعن شاذ منا وبعض الجمهور جواز العمل به. لقوله تعالى ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (1)ولجواز العمل عليها في القبلة. وهو كما ترى ، إذ الأول دال على جواز الاهتداء بالنجوم ، لا العمل بقول المنجمين تعبداً بلا اهتداء. والثاني لا يقتضي الجواز هنا ، لما دل على جواز العمل بالظن هناك لصدق التحري الكافي ، وعدم جواز العمل به هنا لأنه من التظني المنهي عنه ، كما تقدم.

[2] كما هو المشهور. وعن المقنع : « واعلم أن الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة ، وإن غاب بعد الشفق فهو لليلتين ، وإن رئي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال ». وكأنه لرواية إسماعيل بن الحر عن أبي


1) النحل : 16.

ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال [1] فلا يحكم بكون ذلك


عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة ، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين » (1)

ولكنها مهجورة ، ومعارضة بما هو ظاهر رواية الحسن بن راشد - قال : « كتب إلي أبو الحسن العسكري (عليه السلام) كتاباً ، وأرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان ، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وكان يوم الأربعاء يوم شك ، وصام أهل بغداد يوم الخميس ، وأخبروا في أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس ، ولم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل. قال : فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس ، وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء. قال : فكتب إلي : زادك اللّه تعالى توفيقاً فقد صمت بصيامنا قال : ثمَّ لقيته بعد ذلك ، فسألته عما كتب به الي ، فقال لي : أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس؟ ولا تصم إلا للرؤية » (2)- من عدم الاعتبار بذلك مع فرض الغياب بعد الشفق بزمان طويل. وعن الشيخ في كتابي الأخبار : حمل الأولى على ما إذا كان في السماء علة من غيم ، أو ما يجري مجراه. وفيه : أنه لا شاهد له.

[1] كما هو المشهور شهرة عظيمة يمكن تحصيل الإجماع معها ، كما في الجواهر ، وعن التذكرة : نسبته إلى علمائنا أجمع. ويشهد له - مضافاً الى ما دل على انحصار الحجة بغيره (3)- صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال أمير المؤمنين علیه السلام : إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدول من المسلمين. وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.


أو آخره فأَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ » (1)بناء على أن المراد من الوسط ما قبل الزوال ، بلحاظ كون الأول طلوع الفجر ، ومكاتبة محمد بن عيسى : « جعلت فداك ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال ، وربما رأيناه بعد الزوال ، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب (عليه السلام) : تتم إلى الليل ، فإنه إن كان تاماً رئي قبل الزوال » (2)بناء على ان المراد من هلال شهر رمضان هلال شوال ، بقرينة سؤاله عن جواز الإفطار ، وقوله (عليه السلام) : « إن كان تاماً .. » ، إذ لا دخل لتمامية هلال شهر رمضان في رؤيته في أوله قبل الزوال ، بل رؤيته كذلك تناسب كونه ناقصاً ، كما هو ظاهر. ورواية الجراح المدائني : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : من رأى هلال شوال نهاراً في رمضان فليتم صيامه » (3)والمرسل عن الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إذا رأيتم الهلال ، أو رآه ذوا عدل منكم نهاراً فلا تفطروا حتى تغرب الشمس ، كان ذلك في أول النهار ، أو في آخره. وقال (عليه السلام) : لا تفطروا إلا لتمام ثلاثين من رؤية الهلال ، أو بشهادة شاهدين عدلين » (4)والأخبار المتضمنة للأمر بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية ، بناء على انصرافها إلى الرؤية الليلية (5).


1) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 11.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

4) لم نعثر على الرواية في الوسائل ومستدركها والفقيه والحدائق. نعم رواه في الجواهر مرسلا عن بعض الكتب.

5) راجع الوسائل باب : 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ، وقد تقدم ذكر كثير من هذه الاخبار من أول الفصل الى هنا.


هذا ولكن النصوص الأخيرة غير متعرضة لهذه الحيثية ، بل هي في مقام اعتبار الرؤية ، وعدم الاعتبار ببعض الأمور التي لا تصلح للاعتماد عليها وأما المرسل فمن القريب أن يكون عين صحيح محمد بن قيس ، الذي لا ينافي ما دل على دلالة الرؤية قبل الزوال على كون اليوم من الشهر اللاحق. ورواية جراح مطلقة صالحة للتقييد به. فلم يبق إلا المكاتبة ، وليس هي في وضوح الدلالة ، وصحة السند ، وكثرة العدد كمعارضها ، مثل مصحح حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية ، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة » (1)وموثق عبيد بن زرارة وعبد اللّه بن بكير قالا : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا رئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال ، وإذا رئي بعد الزوال فهو من شهر رمضان » (2)وموثق إسحاق : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان ، فقال (عليه السلام) : لا تصمه إلا أن تراه. فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه ، وإذا رأيته من وسط النهار فأتم صومه الى الليل » (3)والمرسل عن أبي جعفر (عليه السلام) : « .. وإذا رئي هلال شوال بالنهار قبل الزوال فذلك اليوم من شوال ، وإذا رئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان » (4).

فالعمدة في رفع اليد عن هذه النصوص : إعراض المشهور عنها ، إذ لا يعرف القول بمضمونها إلا من المرتضى (رحمه اللّه) في شرح المسائل الناصرية دون غيره من كتبه. نعم حكيت متابعته عن جماعة من متأخري المتأخرين


1) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 6.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

4) الفقيه ج 2 صفحة 110 طبع النجف الأشرف.

اليوم أول الشهر ، ولا بغير ذلك [1] مما يفيد الظن ولو كان


كالمحقق السبزواري في الكفاية والذخيرة ، والكاشاني في الوافي والمفاتيح ، وغيرهما. فلا مجال للاعتماد عليها لذلك. والمسألة لا تخلو عن إشكال.

[1] كالتطوق ، فقد نسب إلى الصدوق : أنه أمارة كونه لليلتين. ويشهد له صحيح مرازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا تطوق الهلال فهو لليلتين » (1)وكعد خمسة أيام من أول الهلال في الماضية ، فالخامس أول الآتية ، كما يشهد به جملة من النصوص ، كرواية محمد بن عثمان الخدري ، عن بعض مشايخه ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أول » (2)ونحوها غيرها. وعن عجائب المخلوقات للقزويني : « امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا ». وكعد شعبان ناقصاً أبداً وشهر رمضان تاماً ابداً ، كما يشهد به جملة أخرى ، كخبر حذيفة بن منصور : « شهر رمضان ثلاثون يوماً لا ينقص أبداً » (3)وفي خبر معاذ بن كثير - بعد بيان الشهور كلها شهر ناقص وشهر تام - : « ثمَّ الشهور على مثل ذلك شهر تام وشهر ناقص ، وشعبان لا يتم أبداً » (4)ونحوهما غيرهما. وعن المفيد في بعض كتبه والصدوق العمل بها.

لكن الجميع مهجور عند الأصحاب معرض عنه. والأخيرة معارضة بجملة أخرى - قيل إنها متواترة - كصحيح حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال في شهر رمضان : هو شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان » (5)ونحوه غيره. فيتعين العمل على المشهور في الجميع.


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 26.

4) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 32. ولكن رواها في الوسائل مسندة إلى يعقوب بن شعيب. وكذلك في التهذيب ج 4 صفحة 171 طبع النجف الأشرف والاستبصار ج 2 صفحة : 67 طبع النجف.

5) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

قوياً. إلا للأسير ، والمحبوس [1].

( مسألة 1 ) : لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية [2] ، بل شهدا شهادة علمية.

( مسألة 2 ) : إذا لم يثبت الهلال وترك الصوم ، ثمَّ شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم [3]. وكذا إذا قامت البينة على هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان [4] ، أو رآه في تلك الليلة بنفسه.

( مسألة 3 ) : لا يختص اعتبار حكم الحاكم بمقلديه [5] بل هو نافذ بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضاً إذا لم يثبت عنده خلافه.


[1] كما سيأتي.

[2] للتقييد في نصوص قبول شهادة البينة في المقام بصورة شهادتهما بالرؤية.

[3] بلا خلاف ظاهر. ويشهد له صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال : صم للرؤية ، وأفطر للرؤية. فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه » (1)ونحوه غيره.

[4] ففي صحيح ابن سنان عن رجل : « صام علي (عليه السلام) بالكوفة ثمانية وعشرين يوماً شهر رمضان ، فرأوا الهلال ، فأمر منادياً ينادي : اقضوا يوماً ، فان الشهر تسعة وعشرون يوماً » (2).

[5] لإطلاق دليل نفوذ الحكم ، ووجوب قبوله ، وحرمة رده. وقد أشرنا سابقاً إلى أن مقبولة ابن حنظلة - بقرينة ما في صدرها من التنازع ،


1) تقدم ذلك في أول الفصل ، وعبر هناك بالموثق. فلاحظ.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

( مسألة 4 ) : إذا ثبت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده ، فان كانا متقاربين كفى [1] ، وإلا فلا. إلا إذا علم توافق أفقهما وإن كانا متباعدين.

( مسألة 5 ) : لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي [2]


وما في ذيلها من الترجيح - ظاهرة في صورة كون المختلفين من المجتهدين (1)ومنه تعرف ظهور قوله (رحمه اللّه) : « بل هو نافذ ». وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بقوله : « إذا لم يثبت عنده خلافه ».

[1] إجماعاً قيل. واستدل له بصحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين ، قال (عليه السلام) : إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً ». وإطلاق ما دل على الاكتفاء بشهادة عدلين بالرؤية. بناء على انصراف الجميع إلى صورة تقارب البلدان.

أقول : لأجل أنه لا ينبغي التأمل في اختلاف البلدان في الطول والعرض الموجب لاختلافها في الطلوع والغروب ، ورؤية الهلال وعدمها ، فمع العلم بتساوي البلدين في الطول لا إشكال في حجية البينة على الرؤية في أحدهما لإثباتها في الآخر. وكذا لو رئي في البلاد الشرقية ، فإنه تثبت رؤيته في الغربية بطريق أولى. أما لو رئي في الغربية فالأخذ بإطلاق النص غير بعيد إلا أن يعلم بعدم الرؤية ، إذ لا مجال حينئذ للحكم الظاهري. ودعوى الانصراف إلى المتقاربين غير ظاهرة.

نعم يحتمل عدم إطلاق النص بنحو يشمل المختلفين ، لوروده من حيث تعميم الحكم لداخل البلد وخارجها ، لا من حيث التعميم للمختلفين والمتفقين. لكن الأول أقوى.

[2] حيث أن الخبر الحجة لا فرق فيه بين أن يكون بالقول ، وبالكتابة


1) راجع الأمر السادس من هذا الفصل.

• المسمى بالتلغراف - في الاخبار عن الرؤية ، إلا إذا حصل منه العلم ، بأن كان البلدان متقاربين ، وتحقق حكم الحاكم ، أو شهادة العدلين برؤيته هناك.

( مسألة 6 ) : في يوم الشك في أنه من رمضان أو شوال يجب أن يصوم [1]. وفي يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان يجوز الإفطار ، ويجوز أن يصوم ، لكن لا بقصد أنه من رمضان كما مر سابقا تفصيل الكلام فيه. ولو تبين في الصورة الأولى كونه من شوال وجب الإفطار ، سواء كان قبل الزوال ، أو


وبالفعل - كتحريك الآلات التلغرافية بقصد الاخبار عن الواقع - فصاحب التلغراف المحرك لآلاته إن كان عدلا ، بحيث عرف أنه فلان العادل ، كان إخباره بتوسط الآلات التلغرافية خبر عادل يلحقه حكمه ، فإذا انضم إليه عادل آخر كان خبرهما حجة ، فان شهدا برؤيته وجب الصوم أو الإفطار. وكذا إذا شهدا بوجود الحجة ، كحكم الحاكم ، أو البينة ، أو الشياع الموجب للعلم. نعم إذا كان مورد التلغراف غير البلدة التي هي مصدره جرى ما سبق من التفصيل في إلحاق أحد البلدين بالآخر في وجوب الصوم أو الإفطار.

وإن كان المحرك للآلات التلغرافية واحداً ، أو ليس بثقة ، أو غير معروف ، لم يجز العمل بخبره. إلا أن تقوم القرائن القطعية على صدقه ، سواء أخبر بالرؤية أم بالحجة على الرؤية. ومما ذكرنا يظهر عدم خلو عبارة المتن من الحزازة وإن علم المراد. فلاحظ.

[1] بلا ريب ، لما عرفت من النصوص الدالة على كون الصوم والإفطار للرؤية ، فإنها صريحة في ذلك. وقد تقدم الوجه في بقية المسألة في أوائل كتاب الصوم. فراجع.

بعده. ولو تبين في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الإمساك ، وكان صحيحاً إذا لم يفطر ونوى قبل الزوال ، ويجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال.

( مسألة 7 ) : لو غمت الشهور ولم ير الهلال في جملة منها أو في تمامها ، حسب كل شهر ثلاثين [1] ما لم يعلم النقصان عادة.


[1] الأكثر - كما عن المسالك - أنه لو غمت الشهور كلها عد كل شهر ثلاثين. وكأنه لأصالة التمام ، المطابقة لأصالة بقاء الشهر. وقيل : ينقض منها لقضاء العادة بالنقيصة. ولم يعرف قائله - كما قيل - ولا عرف مقدار النقيصة ، ولا تعيين الشهر الناقص. اللّهم إلا أن بكون المراد منهما ما جرت به العادة ، المقتضية للعلم ، الذي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان. وحينئذ يكون مقتضى الاستصحاب بقاء الشهر إلى أن يعلم بانتهائه.

وقد يشكل ذلك : بأن استصحاب بقاء الشهر إنما يجري لو كان الأثر لوجود الشهر وعدمه. أما إذا كان الأثر لكون الزمان المعين من شهر كذا ، فلا يجدي استصحاب بقاء الشهر في إثبات كون الزمان المعين من الشهر الكذائي ، الا على القول بالأصل المثبت. وظاهر قوله تعالى : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ) (1)كون الأثر مجعولا على النحو الثاني لتعليق الفعل به ، حيث جعل الضمير الراجع إلى الشهر مفعولا فيه للصوم ، بلا إناطة لوجوبه بوجوده.

ويندفع : بأنه على تقدير تسليم ما ذكر ، فظاهر الأخبار المتضمنة لقولهم (عليهم السلام) : « صم للرؤية ، وأفطر للرؤية » (2). لزوم العمل بما


1) البقرة : 185.

2) لاحظ أكثرها في الوسائل باب : 3 من أبواب أحكام شهر رمضان. وقد تقدم ذكر الكثير منها من أول الفصل إلى هنا.


يطابق استصحاب بقاء الشهر ، فلا بأس بالبناء على بقاء شعبان أو رمضان إلى أن يعلم بالخلاف. نعم لو فرض ثبوت أثر شرعي غير الصوم لكون الزمان المعين من شهر كذا جاء الاشكال ، ووجب الرجوع إلى الأصول العملية الجارية في ذلك المورد.

مع أنا قد أشرنا سابقا : إلى أن الخصوصيات الزمانية - من الليل والنهار ، ورمضان ، وغيرها - إنما أخذت في موضوعات الأحكام ملحوظة بنحو الوجود المقارن ، لا على الظرفية الحقيقية ، فمعنى قوله : « صم في النهار » صم في زمان فيه النهار - أعني : كون الشمس فوق الأرض - فاستصحاب وجود النهار كاف في إحراز قيد الموضوع ، وليس معناه صم في زمان هو نهار. إذ المراد من الزمان إن كان الأمد الموهوم ، فليس هو مصداقاً للنهار ، وإن كان نفس النهار ، فلا ظرفية حقيقية بينه وبين الصوم ، كما يظهر بأقل تأمل ، فليس المراد به إلا ما ذكرنا ، أعني : صم في زمان فيه حركة الشمس في القوس النهاري ، وفي مثله يكفي في إحراز الموضوع استصحاب بقاء الحركة.

فإن قلت : يرجع ذلك إلى اعتبار المقارنة بين الصوم والنهار ، والمقارنة لا يمكن إثباتها بالاستصحاب. قلت : المقارنة لازم التقييد على النحو المذكور ، لا أنها معناه ، كي يتوجه الاشكال المذكور. فان قلت : وجوب الصوم على النحو المذكور راجع الى اعتبار التقييد بينه وبين النهار على نحو خاص ، والتقييد لا يمكن إثباته بالاستصحاب ، لأنه إن أريد إجراؤه فيه بنفسه ، فليس له حالة وجود سابقة ، بل هو مسبوق بالعدم. وان أريد إجراؤه في النهار ، فلا يمكن إثباته به ، إلا بناء على الأصل المثبت ، لأنه لازم بقاء النهار إلى زمان الصوم. قلت : التقييد - بالمعنى المذكور - لم يلحظ بالمعنى الاسمي في قبال طرفيه ، وإنما لوحظ بالمعنى الحرفي ، والإضافات الملحوظة كذلك في القضايا الشرعية لا يحتاج في


إثباتها إلى أكثر من ثبوت طرفيها حقيقة ، أو تعبداً ، أو ثبوت أحدهما حقيقة والآخر تعبداً ، لأن إثباتها بنفسها يتوقف على ملاحظتها على نحو المعنى الاسمي ، وهو خلف. مع أنه لو لوحظت كذلك فلا بد من ثبوت إضافة بالمعنى الحرفي بينها وبين كل من الطرفين ، فتحتاج أيضاً إلى الإثبات وهكذا يلزم في إثباتها من ملاحظتها بالمعنى الاسمي ، فتثبت إضافة جزئية فيلزم التسلسل.

وبالجملة : الإضافات الجزئية لا تحتاج إلى إثبات زائد على إثبات طرفيها والا أشكل جريان الاستصحاب في طهارة الماء ، وعدالة الإمام ، لأن الماء الطاهر مقيد بالطهارة ، فلو كان استصحاب الطهارة لا يثبت تقييد الماء بها لم ينفع استصحاب الطهارة في ترتيب أحكام الماء الطاهر. وكذا الكلام في الإمام العادل إذا شك في بقاء عدالة الإمام. كيف والعمدة في دليل الاستصحاب صحيح زرارة الوارد في الشك في الحدث بعد الطهارة ، وقد تضمن لزوم استصحاب الطهارة من الحدث ، والطهارة لوحظت شرطاً للصلاة فإذا كان استصحاب الطهارة كافياً في إثبات كون الصلاة على طهارة ، فلم لا يكون استصحاب بقاء النهار كافياً في إثبات كون الصوم في حال النهار؟! وكذا الحال في غيره من الموارد.

وأضعف من ذلك : المنع من جريان الاستصحاب لإثبات جزء المركب لأن الجزء مقيد بالجزء الآخر ، وإثبات الجزء بالاستصحاب لا يثبت التقييد. إذ فيه - مضافاً الى ما عرفت - : أن الأجزاء لا تقيد فيما بينها ، وإلا لزم تقدم الشي‌ء على نفسه ، لأن تقييد الأول بالثاني يقتضي تقدم الثاني عليه رتبة ، لأن القيد مقدم على المقيد ، وتقييد الثاني بالأول يقتضي كون الأول مقدماً على الثاني رتبة ، فيلزم أن يكون الشي‌ء متقدماً على الآخر ومتأخراً عنه. فالأجزاء لم يلحظ فيما بينها تقييد ، وإنما لوحظت بينها نسبة أخرى


بين الإطلاق والتقييد ، فالجزء الأول لو حظ حال الجزء الثاني ، لا مطلقاً ، ولا مقيداً به ، وكذا الجزء الثاني لو حظ حال الجزء الأول ، لا مطلقاً ، ولا مقيداً به. وبذلك افترق الجزء عن الشرط ، فإنه لو حظ تقييد المشروط به ، ولم يلاحظ ذلك في الجزء. ومثل الجزء في ذلك الموضوع بالنسبة إلى حكمه ، فإنه لم يلحظ مقيداً بحكمه ، ولا مطلقاً بالنسبة إليه ، بل لوحظ لا مطلقاً بالنسبة اليه ولا مقيداً به.

وبالجملة : المحقق في محله : أنه يكفي في صحة جريان الاستصحاب كون مجراه مذكوراً في القضية الشرعية ، سواء أكان موضوعاً للحكم ، أم قيداً للموضوع ، أم قيداً لقيده ، فاذا قال : « أكرم عالماً جالساً في دار موقوفة ، وقفها عادل لم يتجاوز عمره خمسين سنة ، في وقت بارد ، بيده عصاً يابسة » فمفردات القضية - وهي : الإكرام ، والعلم ، والجلوس ، والدار ، والوقف ، وعدالة الواقف ، وعدم تجاوز عمره خمسين سنة ، وكون الوقت بارداً ، وكون بيده عصاً ، وكون العصا يابسة - إذا جرى فيها الاستصحاب ثبت الحكم والإضافات الحرفية لا يحتاج إلى إثباتها في مقابل المفردات.

نعم يجب إثبات المفردات على النحو الذي أخذت عليه عند ذكرها في القضية ، فإذا ذكرت على نحو مفاد كان التامة وجب إثباتها كذلك ، وإذا كانت مأخوذة على نحو مفاد كان الناقصة يجب إثباتها كذلك ، وإلا لم يترتب الحكم ، فلا بد من إثباتها على النحو المذكور في القضية.

وعن الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط ، والعلامة في جملة من كتبه ، والشهيدين في الدروس والروضة : وجوب العمل برواية الخمسة ، أعني : رواية عمران الزعفراني : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن السماء تطبق علينا بالعراق اليومين والثلاثة ، فأي يوم نصوم؟ قال (عليه السلام) : أنظر اليوم الذي صمت

( مسألة 8 ) : الأسير والمحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظن [1]. ومع عدمه تخيرا في كل سنة بين الشهور [2] ، فيعينان شهراً له. ويجب مراعاة المطابقة


فيه من السنة الماضية فعد منه خمسة أيام ، وصم اليوم الخامس (1)ورواية الخدري المتقدمة (2)لكن الروايتين ضعيفتان مهجورتان. ولذا حكي عن المختلف في المقام : أن العمل على العادة ، لا الرواية.

لكن في ثبوت العادة إشكال ، ولا سيما وقد قيل : إن ذلك في غير السنة الكبيسية. ويشهد له مكاتبة محمد بن فرج التي رواها السياري (3)ولو سلم فحجيتها غير ظاهرة. فالعمل على القواعد الأولية متعين.

[1] إجماعاً ، كما عن التذكرة ، والمنتهى. ويشهد له مصحح عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « رجل أسرته الروم ، ولم يصح له شهر رمضان ، ولم يدر أي شهر هو. قال (عليه السلام) : يصوم شهراً يتوخى ويحسب. فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزئه ، وإن كان بعد شهر رمضان أجزأه » (4)ونحوه مرسل المقنعة (5)وموردهما : الأسير فالتعدي عنه إلى المحبوس كأنه لفهم العرف المناط المشترك بينهما.

[2] من غير خلاف فيه بينهم ، كما في الجواهر ، وفي المدارك : نسبته إلى قطع الأصحاب. وقد يستدل له بالصحيح المتقدم (6)وفيه : أن


1) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

2) راجع أواخر الأمر السادس من هذا الفصل.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

5) الوسائل باب : 7 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

6) المراد هو صحيح عبد الرحمن المتقدم في التعليقة السابقة.

بين الشهرين في سنتين [1] ، بأن يكون بينهما أحد عشر شهراً ولو بان بعد ذلك أن ما ظنه أو اختاره لم يكن رمضان ، فان


الظاهر من التوخي العمل بما هو أقرب الى الواقع ، فيختص بالظن.

وأضعف منه : الاستدلال له : بأن التعيين سقط اعتباره بالعجز ، فيبقى أصل الصوم. وفيه : أن التعيين قيد في الواجب ، فالعجز عنه عجز عن الواجب مسقط له. مع أن العجز إنما هو عن العلم بالتعيين ، لا نفسه فاللازم الاحتياط بالتكرار إلى أن يحصل العلم بأداء الواجب في وقته. ودعوى لزوم الحرج من الاحتياط التام ممنوعة بنحو الكلية. مع أن لزوم الحرج من الاحتياط يوجب أحد الأمرين ، إما التبعيض في الاحتياط بالاقتصار على المقدار الممكن ، أو سقوط التكليف بالمرة ، على الخلاف فيما لو تعذر الاحتياط في بعض أطراف الشبهة الوجوبية. وكيف كان فلا مصحح للقول بالاكتفاء بالامتثال الاحتمالي. وقياس المقام بما لو تعذرت الصلاة إلى إحدى الجهات الأربع قياس مع الفارق ، لأن الصلاة لا تترك بحال. ولخصوص النص الوارد في تلك المسألة.

نعم هنا شي‌ء ، وهو أنه كما يعلم بوجوب صوم شهر رمضان يعلم بحرمة صوم العيدين - بناء على أن حرمته ذاتية - فمع تردد شهر رمضان بين الشهور يكون المقام من قبيل الدوران بين المحذورين ، وحينئذ يتخير بين الصوم والإفطار ، كما هو مقتضى حكم العقل عند الدوران بين المحذورين لا التخيير في تعيين الشهر كما ذكر.

نعم لو تردد شهر رمضان بين غير شوال وذي الحجة كان الحكم ما سبق من وجوب الاحتياط بالتكرار. إلا أن يلزم الحرج منه ، فيسقط التكليف بالمرة ، أو يحكم بتبعيض الاحتياط ، على الخلاف المشار اليه آنفا فلاحظ.

[1] لئلا يعلم أن أحد الشهرين ليس رمضان ، فيجب القضاء. إلا

تبين سبقه كفاه [1] ، لأنه حينئذ يكون ما أتى به قضاء. وإن تبين لحوقه وقد مضى قضاه ، وإن لم يمض أتى به. ويجوز له في صورة عدم حصول الظن [2] أن لا يصوم حتى يتيقن أنه كان سابقاً فيأتي به قضاء. والأحوط إجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنه [3] ، من الكفارة ، والمتابعة ، والفطرة ، وصلاة العيد ، وحرمة صومه ، ما دام الاشتباه باقياً. وإن بان الخلاف عمل بمقتضاه.


أن يعلم بسبق رمضان ، فيكون المأتي به بعده قضاء. فالموجب للمطابقة الفرار عن تنجز وجوب القضاء. ومجرد احتمال تحقق القضاء - بأن يكون رمضان سابقاً - غير كاف في نظر العقل.

نعم لو كان مبنى التخيير سقوط خصوصية الزمان بالعجز ، فيبقى وجوب نفس الصوم بلا قيد الزمان ، كان لعدم اعتبار المطابقة وجه.

[1] وقد يشكل : بأنه خلاف ما نواه. وفيه : أن نية الأداء في مثل المقام من أجل الاشتباه في التطبيق ، لا على نحو التقييد. ولعله يستفاد من ذيل النص.

[2] هذا الجواز إما لعدم حجية العلم الإجمالي بين التدريجين. وإما من أجل كون المورد من قبيل الدوران بين محذورين. لكن كلا من المبنيين غير ظاهر. مع أنه خلاف ظاهر الإجماع على التخيير ، الموجب للموافقة الاحتمالية. فالبناء على جواز ترك جميع المحتملات بعيد جداً.

[3] كما عن غير واحد من الأصحاب. وكأنهم فهموا من النص حجية الظن بقول مطلق ، فيثبت جميع اللوازم وملزوماتها بما لها من الأحكام. والنص غير ظاهر في ذلك ، بل لعله ظاهر في وجوب البناء على كون

( مسألة 9 ) إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر - مثلا - فالأحوط صوم الجميع [1]. وإن كان لا يبعد إجراء حكم الأسير والمحبوس [2]. وأما إن اشتبه الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الاحتياط ما لم يستلزم الحرج ، ومعه يعمل بالظن ، ومع عدمه يتخير [3].

( مسألة 10 ) : إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة أشهر وليله ستة أشهر ، أو نهاره ثلاثة وليله ستة ، أو نحو ذلك ، فلا يبعد كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة [4] ، مخيراً بين أفراد المتوسط. وأما احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد. كاحتمال سقوط الصوم ، وكون الواجب صلاة يوم واحد وليلة واحدة. ويحتمل كون المدار بلده


المظنون أنه شهر رمضان شهر رمضان بماله من الأحكام الشرعية لا غير ، ومنها وجوب : الكفارة ، والمتابعة ، وأما وجوب الفطرة ، وصلاة العيد وحرمة صومه ، ونحوها من أحكام اللوازم فغير ظاهر. فلاحظ.

[1] كما عرفت أنه مقتضى القواعد الأولية.

[2] إذ كما تعدوا عن الأسير إلى المحبوس بمناط الاشتباه الناشئ من القهر والغلبة - يمكن التعدي إلى المقام بمناط الجهل بالشهر. وأما التعدي إلى مطلق الجاهل بالزمان الواجب صومه ولو بالنذر فغير ظاهر ، فيتعين العمل فيه بالقواعد.

[3] العمل بالظن محتاج إلى تقرير مقدمات الانسداد في المورد ، وتماميتها ممنوعة. بل يدور الأمر بين الاحتياط الناقص ، وبين رفع اليد عن التكليف ، على الخلاف المشار اليه آنفاً.

[4] لا يظهر لهذا وجه ، كيف والصلوات اليومية لها مواقيت معينة

الذي كان متوطناً فيه سابقاً إن كان له بلد سابق.

فصل في أحكام القضاء

يجب قضاء الصوم ممن فاته بشروط ، وهي البلوغ ، والعقل ، والإسلام فلا يجب على البالغ ما فاته أيام صباه [1].


مفقودة في الفرض المذكور ، فكيف تجب في غير مواقيتها؟.

وأما الاحتمال الثاني فيمنع عنه : استبعاد سقوط الفرائض المذكورة بالمرة ، وإن كان ثبوتها على نحو خاص لا دليل عليه. وأما وجوب صلاة يوم وليلة فيمنع عنه - بالنسبة إلى الظهرين - : أنه لا دلوك في الفرض ، كي تجبان عنده. نعم يمكن فرض الفجر ، والمغرب ، والعشاء في حقه ، فتجب عندهما صلواتها. أو يحمل الدلوك على ما يعم الزوال الذي يكون آخر ذلك اليوم الذي يلحقه الغروب بعد ساعات.

وأما الاحتمال الأخير فغريب. والاستصحاب لا مجال له بعد ما عرفت من انتفاء شرائط الوجوب. مع أنه ينتقض باليقين عند وصوله إلى غيره من الأمكنة قبل الوصول إلى المحل المفروض.

وبالجملة : الفرض المذكور خارج عن موضوع الأدلة ، فلا مجال لأعمالها فيه. فإنه لا شهر رمضان ولا غيره من الشهور ، فكيف تجري فيه أحكام شهر رمضان أو غيره؟ فالاحتمال الثالث أوفق بالأدلة.

فصل في أحكام القضاء

[1] إجماعاً ، بل ضرورة. وعن ابن أبي عقيل : الأفضل القضاء ، بل هو أحوط. ولا دليل له ظاهر. وأصل البراءة ، بل الاستصحاب ينفيه

نعم يجب قضاء اليوم الذي بلغ فيه قبل طلوع فجره [1] ، أو بلغ مقارناً لطلوعه إذا فاته صومه. وأما لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلا يجب قضاؤه [2] ، وإن كان أحوط. ولو شك في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده ، فمع الجهل بتاريخهما لم يجب القضاء [3] ، وكذا مع الجهل بتاريخ البلوغ [4]. وأما مع الجهل بتاريخ الطلوع - بأن علم أنه بلغ قبل ساعة مثلا ولم يعلم أنه كان قد طلع الفجر أم لا - فالأحوط القضاء ، ولكن في وجوبه إشكال [5].


وإطلاق وجوب القضاء على من ترك الصوم - لو تمَّ - فغير ظاهر بنحو يشمل ما لو كان الترك لعدم الوجوب.

[1] لتركه الصوم الواجب عليه ، الموجب للقضاء بلا خلاف ولا إشكال ، كما يستفاد من النصوص المتفرقة في الموارد الكثيرة ، مضافاً إلى ما يأتي.

[2] لعدم وجوب الأداء ، فيجري فيه ما تقدم. نعم لو بلغ في الأثناء ولم يتناول المفطر ، وقلنا بوجوب الصوم عليه ، كان القول بالوجوب في محله ، لتركه الصوم الواجب.

[3] لأصالة البراءة ، بعد الشك في توجه الخطاب بالأداء اليه ، والأصل البراءة منه.

[4] لاستصحاب الصبا الى ما بعد الفجر ، فيدخل في موضوع نفي وجوب القضاء.

[5] ينشأ : من أن أصالة عدم طلوع الفجر الى ما بعد البلوغ يثبت البلوغ قبل الفجر ، فيقتضي وجوب الصوم عليه. ومن أن المستفاد من مجموع الأدلة أن الصوم إنما يجب على البالغ في النهار ، وهذا لازم لما يثبته الأصل من حدوث البلوغ قبل الفجر. ولأجل أن الأصل المثبت ليس بحجة يتعين القول بعدم الوجوب.

وكذا لا يجب على المجنون ما فات منه أيام جنونه [1] ، من غير فرق بين ما كان من اللّه ، أو من فعله على وجه الحرمة [2] أو على وجه الجواز. وكذا لا يجب على المغمى عليه [3] ،


[1] بلا خلاف ظاهر ، بل عن الروضة : الإجماع عليه. ويشهد له نصوص الاغماء الآتية.

[2] كما هو المشهور. وعن الإسكافي : وجوب القضاء إذا كان الجنون بفعله على وجه الحرمة. ودليله غير ظاهر في قبال الأصل. وعموم القضاء لا يشمله.

[3] على المشهور. للنصوص ، كصحيح أيوب بن نوح : « كتبت الى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر ، هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب (عليه السلام) : لا يقضي الصوم ، ولا يقضي الصلاة » (1)ومثلها مكاتبة علي بن محمد بن سليمان (2)وصحيحة علي بن مهزيار (3)وفي مكاتبة القاساني : « لا يقضي الصوم » (4).

وعن المفيد ، والمرتضى ، والشيخ في الخلاف : أنه يقضي إن لم تسبق منه النية ، وإن سبقت منه لم يقض. وليس لهم دليل ظاهر. نعم عن المختلف : الاستدلال لهم بما دل على قضاء المريض (5)وبما دل على وجوب قضاء الصلاة (6)وفيه : أنه لو تمَّ صدق المريض ، وتمت الملازمة


1) الوسائل باب : 24 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

2) الوسائل باب : 24 من أبواب من يصح منه الصوم ملحق حديث : 1.

3) الوسائل باب : 24 من أبواب من يصح منه الصوم ملحق حديث : 2.

4) الوسائل باب : 24 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 2.

5) الوسائل باب : 22 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

6) راجع أوائل فصل صلاة القضاء من الجزء السابع من هذا الشرح.

سواء نوى الصوم قبل الإغماء أم لا. وكذا لا يجب على من أسلم عن كفر [1]. إلا إذا أسلم قبل الفجر ولم يصم ذلك اليوم فإنه يجب عليه قضاؤه. ولو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه صومه وإن لم يأت بالمفطر [2] ،


بين الصلاة والصيام ، فالنصوص المتقدمة مقيدة ، ونافية لوجوب قضاء الصلاة - كما هو المختار - عملا بما دل على نفي قضائها من النصوص الكثيرة. وكأن منشأ التخصيص بصورة عدم سبق النية بناؤهم على صحة صومه لو سبقت منه النية ، لعدم منافاة الاغماء للصوم. وقد سبقت الإشارة الى ذلك.

[1] إجماعاً. لحديث الجب (1)ولصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن رجل أسلم في النصف من رمضان ، ما عليه من صيامه؟ قال (عليه السلام) : ليس عليه إلا ما أسلم فيه » (2)وصحيح العيص بن القاسم قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام ، هل عليهم أن يقضوا ما مضى منه ، أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ قال (عليه السلام) : ليس عليهم قضاء ، ولا يومهم الذي أسلموا فيه. إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر » (3). ونحوهما غيرهما.

وأما ما رواه الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أسلم بعد ما دخل في شهر رمضان أيام. فقال (عليه السلام) : ليقض ما فاته » (4)فلا بد أن يكون محمولا على الاستحباب ، جمعاً عرفياً.

[2] على المشهور. لعدم تبعض الصوم ، وتأثير النية فيما مضى خلاف


1) راجع الحديث في أوائل فصل صلاة القضاء من الجزء السابع من هذا الشرح.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

4) الوسائل باب : 22 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5.

ولا عليه قضاؤه [1]. من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو بعده. وإن كان الأحوط القضاء إذا كان قبل الزوال.

( مسألة 1 ) : يجب على المرتد قضاء ما فاته أيام ردته [2] ، سواء كان عن ملة ، أو فطرة.


القاعدة. فتأمل. وقد يشير اليه : ما دل على نفي القضاء ، كصحيح العيص المتقدم. وتقدم عن المبسوط وغيره : وجوب الصوم إذا أسلم قبل الزوال لبقاء وقت النية. وفيه : أنه مصادرة - فتأمل - وخروج عن ظاهر الصحيح المتقدم من غير وجه ظاهر.

وقد يستدل له بصحيح الحلبي المتقدم. وفيه : أن الظاهر من : « ما أسلم فيه » النصف الثاني من رمضان. ولما كان الصوم هو الإمساك تمام النهار يكون حاصل المراد : ليس عليه الإمساك تمام النهار بعد ما أسلم وليس فيه تعرض لامساك بعض النهار ، بل هو داخل في عموم النفي المستثنى منه. وقد تقدم في فصل شرائط الوجوب بعض ماله نفع في المقام. فراجع.

[1] قد عرفت وجهه.

[2] بلا خلاف ، كما عن الذخيرة وغيرها ، وعن المدارك : أنه قطعي. واستدل له في الجواهر بعموم « من فاتته .. » وغيره مما دل على وجوب القضاء لكل تارك للصوم. لكن عموم « من فاتته .. » مرسل في بعض كتب الفقه ، فليس بحجة. وما دل على وجوب القضاء لكل تارك للصوم غير متحصل.

نعم ورد في غير واحد من النصوص : « من أفطر متعمداً فعليه القضاء » (1)لكن في شموله للمرتد حتى القاصر تأمل. وعن المدارك : أنه استدل على عموم القضاء لكل تارك للصوم بصحيح الحلبي عن أبي


1) راجع أول فصل فيما يوجب الكفارة.


عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إذا كان على الرجل شي‌ء من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياماً متتابعة ، فان لم يستطع فليقضه كيف شاء. وليحص الأيام ، فإن فرق فحسن ، وإن تابع فحسن ». (1)وبصحيح عبد اللّه بن المغيرة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : من أفطر شيئاً من شهر رمضان في عذر ، فان قضاه متتابعاً فهو أفضل ، وان قضاه متفرقاً فهو حسن » (2)وهو كما ترى ، إذ الأول وارد في جواز القضاء في أي شهر بعد الفراغ عن ثبوت القضاء في الذمة. والثاني وارد في استحباب التتابع بعد الفراغ عن أصل القضاء أيضاً.

نعم قد تستفاد الكلية من مجموع ما ورد في وجوب القضاء على من أفطر متعمداً ، وعلى المريض ، والحائض ، والنفساء ، والمسافر ، وناسي الجنابة ، وغيرهم من المعذورين في الإفطار وغيرهم. اللّهم إلا أن يعارض ذلك بما دل على نفي القضاء في بعض الموارد. مضافاً الى أن الاستقراء المذكور لا يصلح للدلالة على وجوب القضاء على من لم يصم وإن لم يفطر.

اللّهم إلا أن يقال : نصوص القضاء ظاهرة في علية الفوت للقضاء وإن كان لمحض ترك الصوم وإن لم يصدق الإفطار ، فلا ينافي ثبوت التخصيص لها في بعض الموارد.

وكيف كان فيدل على عموم القضاء : قوله تعالى : ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ... ) (3)لظهوره في تعليل وجوب القضاء على المريض والمسافر فيؤخذ بعمومه في غير مورده. فلاحظ. واللّه سبحانه أعلم.


1) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5.

2) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

3) البقرة : 185.

( مسألة 2 ) : يجب القضاء على من فاته لسكر [1] ، من غير فرق بين ما كان للتداوي ، أو على وجه الحرام.

( مسألة 3 ) : يجب على الحائض والنفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض والنفاس [2]. وأما المستحاضة فيجب عليها الأداء وإذا فات منها فالقضاء [3].

( مسألة 4 ) : المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته [4]. وأما ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه [5].


[1] على ما عرفت من عموم قضاء الصوم ، بناء على منافاة السكر للصوم ، وإلا فلو سبقت منه النية ، وقلنا بعدم المنافاة كان صومه صحيحاً فلا يدخل فيمن فاته الصوم.

[2] إجماعاً. للنصوص الكثيرة الدالة عليه (1).

[3] للعموم المتقدم. ولخصوص مكاتبة ابن مهزيار ، الواردة فيمن استحاضت في شهر رمضان من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين ، قال (عليه السلام) : « تقضي صومها ، ولا تقضي صلاتها » (2)

[4] للعموم المتقدم. وقد تقدمت في قضاء الصلاة رواية سليمان بن خالد الظاهرة في عدم وجوب القضاء عليه إذا ترك (3)وتقدم الكلام فيها.

[5] للنصوص الدالة عليه ، المتقدمة في قضاء الصلاة (4)ومنصرفها ما يكون موافقاً لمذهبه ، فلو كان مخالفاً له موافقاً لمذهبنا فلا يبعد عدم


1) الوسائل باب : 25 ، 26 من أبواب من يصح منه الصوم.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب من يصح منه الصوم حديث : 1.

3) الوسائل باب : 31 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 4. وتقدمت في الجزء السابع من هذا الشرح صفحة : 59.

4) راجع الجزء السابع من هذا الشرح صفحة : 59 ، 60.

( مسألة 5 ) : يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم [1] بأن كان نائماً قبل الفجر إلى الغروب [2] من غير سبق نية ، وكذا من فاته للغفلة كذلك.

( مسألة 6 ) : إذا علم أنه فاته أيام من شهر رمضان ، ودار بين الأقل والأكثر يجوز له الاكتفاء بالأقل [3]. ولكن الأحوط قضاء الأكثر خصوصاً إذا كان الفوت لمانع - من


القضاء فيه ، للأولوية إذا فرض الإتيان به بنية القربة ولو كان برجاء الواقع. وقد تقدم في قضاء الصلاة ماله نفع في المقام. فراجع.

[1] عملا بعمومات القضاء المتقدمة.

[2] بل يكفي النوم الى الزوال ، لعدم الدليل على صحة تجديد النية بعده. وقد تقدم الكلام في ذلك في مبحث النية.

[3] للأصل النافي لوجوب الأكثر. ولا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد وقته ، لانتفاء وجوب الصوم بدخول الليل ، فيكون الشك في وجوب صوم النهار شكاً في حدوث الوجوب ، لا في بقائه. وبذلك افترق المقام عن سائر الموقتات ، فإنه يمكن إجراء استصحاب بقاء الوجوب بعد الوقت فيها ، بناء على أن خصوصية الوقت من قبيل الخصوصيات غير المقومة لموضوع الاستصحاب ، كي يكون انتفاؤها موجباً لتبدل الموضوع المانع من جريان الاستصحاب.

بل يفترق صوم رمضان عن غيره من أنواع الصيام ، بأنه ينتهي وجوب صومه بدخول العيد الذي يحرم صومه ، فلو بني على غض النظر عن الاشكال السابق فحرمة صوم العيد مانعة عن جريان الاستصحاب ليثبت به وجوب القضاء ، فاذا شك يكون المرجع أصل البراءة. نعم عموم وجوب القضاء على من لم يصم يقتضي وجوب القضاء مع الشك في الأداء

مرض ، أو سفر ، أو نحو ذلك - وكان شكه في زمان زواله [1] كأن يشك في أنه حضر من سفره بعد أربعة أيام أو بعد خمسة أيام مثلا من شهر رمضان.


لأصالة عدم الصوم في الوقت.

نعم يحكم على الأصل المذكور قاعدة الشك بعد خروج الوقت - بناء على عمومها للمقام ، كما هو الظاهر - فيتعين الرجوع في وجوب القضاء إلى أصالة البراءة.

[1] فإنه قد يدعى : أن استصحاب بقاء المانع الى زمان الأكثر يقتضي فوات الأكثر. مثلا : لو تردد السفر بين ثلاثة أيام وأربعة ، كان استصحاب بقاء السفر الى اليوم الرابع يقتضي عدم جواز صوم الرابع ، فيكون فائتاً. وفيه : أنه تارة : يعلم بأنه لم يصم أيام السفر وصام أيام الحضر ، ويشك في أن أيام السفر كانت ثلاثة أو أربعة. فاستصحاب بقاء السفر الى اليوم الرابع لا يثبت أنه ما صام اليوم الرابع ، إلا بناء على الأصل المثبت ، للملازمة الخارجية بين السفر في الرابع وعدم صومه. وأخرى : يعلم بأنه صام أيام السفر صوماً غير مشروع ، فيشك في أن أيام السفر كانت أربعة ليقضيها ، أو ثلاثة. فاستصحاب السفر في اليوم الرابع وإن كان يقتضي حرمة صومه ، الموجبة لعدم مشروعيته ، إلا أن أصالة الصحة مقدمة على الاستصحاب. مع أن ذلك لا يتم في مثل المرض لأن في ترتب عدم المشروعية على مجرد ثبوت الحرمة الواقعية إشكالا تقدم.

فان قلت : مقتضى قوله تعالى : ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً .. ) (1)أن من أحكام المسافر والمريض وجوب القضاء ، فيكون استصحاب السفر والمرض موجباً لإثبات الأثر المذكور. وكذا الحال في بقية الموانع ، من


1) البقرة : 184.

( مسألة 7 ) : لا يجب الفور في القضاء [1] ولا التتابع [2].


الحيض والنفاس ونحوهما. قلت : وجوب القضاء من آثار عدم الصوم الصحيح في أيام الشهر ، لا من آثار نفس وجود السفر مثلا ، فلا بد في إثبات وجوب القضاء من إثبات موضوعه ، إما لعدم الصوم ذاتاً ، أو لعدم كونه صحيحاً. وقد عرفت أنه لا يمكن إثبات عدم الصوم أو عدم صحته باستصحاب بقاء المانع في الصورتين المذكورتين ، بل يرجع في الأولى إلى قاعدة الشك بعد خروج الوقت ، وفي الثانية إلى أصالة الصحة. وليس مفاد الآية الشريفة ونحوها مفاد أدلة الأسباب الشرعية ، كي يترتب ثبوت المسبب على مجرد ثبوت السبب بالأصل.

هذا كله إذا كان الشك في زمان زوال المانع. وأما إذا كان في زمان حدوثه فلا مجال لهذه التوهمات ، لأصالة عدم حدوثه ، كما هو واضح.

[1] كما هو المعروف. ويشهد له صحيحتا الحلبي وابن سنان المتقدمتان في حكم المرتد (1)، ومصححة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : كن نساء النبي (صلی اللّه عليه وآله) إذا كان عليهن صيام أخرن ذلك إلى شعبان ، كراهة أن يمنعن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله). فاذا كان شعبان صام وصمن » (2)مضافاً إلى إطلاقات أدلة القضاء. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن ظاهر أبي الصلاح : من وجوب الفورية.

[2] إجماعاً ، كما عن الناصريات ، والخلاف ، والمختلف. لإطلاق الأدلة. وخصوص صحيحي الحلبي وابن سنان المتقدمين في المرتد (3). وفي رواية سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : « لا بأس بتفريق


1) لاحظ الروايتين في أوائل هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب الصوم المندوب حديث : 2.

3) لاحظ الروايتين في أوائل هذا الفصل.

نعم يستحب التتابع فيه [1] وإن كان أكثر من ستة ، لا التفريق فيه مطلقاً [2] ، أو في الزائد على الستة [3].


قضاء شهر رمضان » (1)، وموثق سماعة : « سألته عمن يقضي شهر رمضان متقطعاً؟ قال (عليه السلام) : إذا حفظ أيامه فلا بأس » (2)، إلى غير ذلك.

[1] كما هو المشهور. للتصريح بأفضليته في صحيح ابن سنان (3)- ونحوه خبر الأعمش (4)- وللأمر به في صحيح الحلبي (5). وفي رواية غياث : « إن كان لا يقدر على سرده فرقه » (6).

[2] كما نسب إلى ظاهر المفيد. وقال في محكي المقنعة : « أوجبت السنة الفصل بين الأيام بالإفطار ، ليقع الفرق بين الأمرين : الأداء والقضاء » وهو كما ترى مخالف للنصوص.

[3] كما هو أحد الأقوال في المسألة - كما حكاه في الشرائع - وعن السرائر. واستدل له بموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال : « سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ، كيف يقضيها؟ فقال (عليه السلام) : إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوماً ، وإن كان عليه خمسة أيام فليفطر بينهما أياماً. وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية. وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أيام أفطر بينهما يوماً » (7). وانطباقه على المدعى - من استحباب المتابعة في الستة والتفريق في الزائد عليه - غير ظاهر. ولا سيما وفي بعض


1) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 8.

2) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

3) المراد به هو الصحيح الذي تقدمت الإشارة إليه آنفاً.

4) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 11.

5) المراد هو الصحيح المتقدم إليه الإشارة آنفاً.

6) الوسائل باب : 27 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

7) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 6.

( مسألة 8 ) : لا يجب تعيين الأيام [1] ، فلو كان عليه أيام فصام بعددها كفى وإن لم يعين الأول والثاني - وهكذا - بل لا يجب الترتيب أيضاً ، فلو نوى الوسط أو الأخير تعين ، ويترتب عليه أثره.


النسخ - بدل ( الستة ) - ( الثمانية ) (1). فطرحه والعمل بغيره متعين.

[1] قد أشرنا في بحث سجود السهو وغيره إلى أن التعيين فرع التعين والتعين تابع لاعتبار خصوصيات في المأمور به ، بحيث يكون كل واحد من المتعدد مشتملا على خصوصية غير ما يشتمل عليه الآخر ، مثل خصوصية الظهرية والعصرية ، ونافلة الفجر وفريضته ، فالصلاتان الأولتان - وكذا الأخيرتان - وإن اتحدت صورتهما متغايرتان بلحاظ الخصوصيات المذكورة. وليس في المقام ما يوجب ذلك ، فان قضاء الصوم الفائت ماهية واحدة ، قد يكون الواجب منها فرداً واحداً إذا كان الفائت يوما واحداً ، وقد يكون الواجب متعدداً ، كما إذا كان الفائت متعدداً ، فاذا وجب صوم يومين لم يكن مائز بين اليومين إلا بمقدار ما يكون به أحدهما مقابل الآخر المحصل ذلك لمفهوم الاثنينية ، فإذا فات اليومان كان قضاؤهما - كنفسهما - لا تمايز بينهما ولا تعين لكل واحد إلا بالمعنى المتقدم ، فالتعين بعد ما كان مفقوداً لا يكون مجال للتعيين.

فان قلت : اليوم الأول من شهر رمضان متعين في نفسه كاليوم الثاني فإذا كان التعين ثابتاً في الزمان سرى إلى المقيد به ، فله أن ينوي الصوم المقيد باليوم الأول في قبال الصوم المقيد باليوم الثاني ، وكذا العكس. وحيث أن الواجب متعين وجب تعيينه ، لاعتبار القصد إلى الواجب بما له من الخصوصيات المأخوذة فيه حين ما كان موضوعاً للوجوب ، ولو لا ذلك


1) رواها بالوجه الأول في التهذيب صفحة : 275 ج : 4. ورواها بالوجه الثاني في الاستبصار صفحة : 118 ج : 2.

( مسألة 9 ) : لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعداً يجوز قضاء اللاحق قبل السابق [1]. بل إذا تضيق اللاحق ، بأن صار قريباً من رمضان آخر ، كان الأحوط تقديم اللاحق ولو أطلق في نيته انصرف إلى السابق ، وكذا في الأيام.

( مسألة 10 ) : لا ترتيب بين صوم القضاء وغيره من


لم يكن الفعل عبادة وامتثالا لأمره. قلت : الخصوصيات المذكورة لم تؤخذ في موضوع الوجوب ، بل تمام موضوعه صوم يوم رمضان ، فصوم اليوم الأول لم يجب بما أنه صوم اليوم الأول بخصوصياته التي يتميز بها عن اليوم الثاني ، بل بما أنه صوم يوم من رمضان ، وصوم اليوم من رمضان مفهوم واحد ينطبق على جميع الأيام بنحو واحد ، فالصوم الأول هو الصوم الثاني مفهوماً وخصوصية إلا بالمقدار الذي يحصل منه التعدد.

ومنه يظهر أنه لا معنى للترتيب ، فضلا عن وجوبه. كما يظهر الاشكال فيما ذكره أخيراً. كما أنه لم يظهر المراد من قوله (رحمه اللّه) : « ويترتب أثره » وأي أثر لواحد في قبال الآخر؟!.

نعم ربما تكون بعض الخصوصيات الزمانية دخيلة في زيادة الفضل ، مثل يوم القدر ، أو أول خميس ، أو آخر جمعة. لكن هذه الخصوصيات أجنبية عن الوجوب ، ونيتها إنما تكون مؤثرة في ترتب الأثر الخاص لو قام دليل على مشروعية القضاء بنحو ذلك ، وهو مفقود.

[1] ما سبق يجري في قضاء رمضانين أيضاً ، وأنه لا مائز بينهما ولا تعين ليمكن التعيين. إلا أنه بناء على وجوب المبادرة إلى القضاء قبل مجي‌ء رمضان الثاني ، وعدم وجوب المبادرة بعد ذلك ، يستكشف وجود المائز ، لامتناع الاختلاف في الحكم مع عدمه. وسيجي‌ء الكلام في وجوب المبادرة إن شاء اللّه.

أقسام الصوم الواجب [1] ، كالكفارة ، والنذر ، ونحوهما. نعم لا يجوز التطوع بشي‌ء لمن عليه صوم واجب ، كما مر [2]

( مسألة 11 ) : إذا اعتقد أن عليه قضاء فنواه ، ثمَّ تبين بعد الفراغ فراغ ذمته لم يقع لغيره [3]. وأما لو ظهر له في الأثناء ، فإن كان بعد الزوال لا يجوز العدول إلى غيره [4] وإن كان قبله فالأقوى جواز تجديد النية لغيره [5]. وإن كان الأحوط عدمه.

( مسألة 12 ) : إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس ومات فيه لم يجب القضاء عنه [6] ، ولكن


[1] بلا خلاف ظاهر. للإطلاق الموافق لأصالة البراءة من شرطية الترتيب. وعن ابن أبي عقيل : المنع من صوم النذر أو الكفارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان. وليس له دليل ظاهر.

[2] في أواخر فصل شرائط صحة الصوم ، ومر وجهه أيضاً.

[3] لفقد النية المعتبرة في صحة الصوم ، على ما تقدم. نعم لو كانت نيته من باب الاشتباه في التطبيق صح لغيره ، لتحققها حينئذ.

[4] إلا إذا كان ذلك الغير مندوباً ، فقد عرفت أن نيته تمتد اختياراً إلى ما قبل الغروب ، فيجوز التجديد قبل الغروب بعد ظهور الخطأ في نية القضاء.

[5] لما سبق في مبحث النية : من أنه يمتد وقتها اختياراً إلى الزوال في غير المعين. وكذا مع الجهل والنسيان في المعين. فراجع ما سبق هناك فإنه مبنى هذه المسألة.

[6] قطعاً. للأصل. قيل : ولعدم وجوبه على الميت ، فأولى أن


لا يجب على الحي ، لأنه إن وجب عليه كان عن ميتة الذي لا يجب عليه. فتأمل (1). وللنصوص المستفيضة ، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « سألته عن رجل أدركه رمضان وهو مريض ، فتوفي قبل أن يبرأ. قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء ، إنما يقضى عن الذي يبرأ ثمَّ يموت قبل أن يقضي » (2)والآخر له : « سألته عن الحائض تفطر في شهر رمضان أيام حيضها ، فإذا أفطرت ماتت. قال (عليه السلام) : ليس عليها شي‌ء » (3)، والآخر له عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في امرأة مرضت في شهر رمضان ، أو طمثت ، أو سافرت ، فماتت قبل أن يخرج رمضان ، هل يقضى عنها؟ قال (عليه السلام) : أما الطمث والمرض فلا ، وأما السفر فنعم » (4)وموثق سماعة : « في امرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان ولم تقدر على الصوم ، فماتت في شهر رمضان أو في شوال. فقال (عليه السلام) : لا يقضى عنها » (5)ونحوها غيرها.

ثمَّ إن مقتضى صحيح ابن مسلم الثالث وجوب القضاء لو ماتت في السفر. ونحوه صحيح أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (6)ورواية منصور ابن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (7)وهو المحكي عن التهذيب ، والمقنع ،


1) إن أريد عدم الوجوب فعلا فهو مسلم. لكنه لا يكفي في امتناع التكليف بالقضاء ، إذ يكفي فيه وجود الملاك. كما هو كذلك بالنسبة إلى الأداء. وان أريد عدم الملاك فممنوع، لأنه خلاف إطلاق أدلة القضاء. منه قدس سره .

2) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 14.

4) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 16.

5) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 10.

6) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

7) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 15.

يستحب النيابة عنه [1] في أدائه. والأولى أن يكون بقصد إهداء الثواب.


والجامع ، والمدارك ، وغيرها. وقيل بإلحاق السفر بما سبق. ويشير اليه صحيح أبي بصير الآتي ، وما في رواية ابن بكير : من التعليل لوجوب القضاء على الولي بأن الميت صح ولم يقض وقد وجب عليه (1)ونسب القول بذلك إلى جماعة من المتأخرين ، رمياً للنصوص الأول بالشذوذ. ولكنه غير ظاهر بنحو تسقط لأجله عن الحجية. وليست النصوص الثانية بنحو تصلح لصرف الأول إلى الاستحباب. فتأمل جيداً.

[1] كما عن جماعة ، بل عن المنتهى : نسبته إلى أصحابنا. وعن جماعة : العدم. لعدم الدليل على مشروعيته. ولصحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال ، فأوصتني أن أقضي عنها. قال (عليه السلام) : هل برأت من مرضها؟ قلت : لا ، ماتت فيه. قال (عليه السلام) : لا يقضى عنها ، فان اللّه سبحانه لم يجعله عليها. قلت فإني أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك. قال (عليه السلام) : كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه تعالى عليها؟ ، فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم » (2).

اللّهم إلا أن تستفاد المشروعية من دليل مشروعية القضاء ، بضميمة ما دل على مشروعية النيابة فيه. ولا ينافيه النصوص المتقدمة الدالة على نفي القضاء ، إذ هي ما بين ما يدل على عدم الوجوب على الميت ، وما يدل على عدم الوجوب على النائب ، ولا تعرض فيها لنفي المشروعية. والصحيح يحتمل أن يكون المراد منه المنع من القضاء بعنوان كونه ثابتاً عليها وتفريغاً


1) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 13.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 12.

( مسألة 13 ) : إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر واستمر الى رمضان آخر ، فان كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الأصح [1] ، وكفر عن كل يوم بمد.


لذمتها ، حسبما يظهر من وصيتها بذلك ، لا مجرد الفعل عنها. بل لعل قوله (عليه السلام) : « فان اشتهيت .. » يراد منه مشروعية ذلك ، وأنه لا بأس بأن تصوم عنها لنفسك ، لا بداعي وصيتها.

هذا ولكن الاحتمال المذكور خلاف الظاهر ، فان فيه تقييد القضاء الذي أوصت به بكونه بعنوان أداء ما عليها من القضاء - وكذا ما بعده - وحمل قوله (عليه السلام) : « فان اشتهيت .. » على أن المراد الصوم عنها بداعي نفسه لا بداعي الوصية ، لا أن المراد الصوم عن نفسه ، وكل ذلك خلاف الظاهر. فلاحظ.

[1] ونسب إلى المشهور. ويشهد له كثير من النصوص ، وفي الجواهر : « لا بأس بدعوى تواترها ، والخروج بها عن ظاهر قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ... ) (1)كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر. فقالا (عليه السلام) : إن كان برئ ثمَّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه ، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه قضاؤه. وإن كان لم يزل مريضاً حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه ، وتصدق عن الأول لكل يوم مد على مسكين ، وليس عليه قضاؤه » (2)وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ، ولا يصح حتى يدركه


1) البقرة : 184.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.


شهر رمضان آخر. قال (عليه السلام) : يتصدق عن الأول ، ويصوم الثاني » (1)ونحوهما غيرهما.

وعن ابن أبي عقيل ، وابن بابويه ، والخلاف ، والغنية ، والسرائر والحلبي ، والتحرير : وجوب القضاء دون الكفارة. ويشهد له خبر الكناني قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمَّ أدركه شهر رمضان قابل. قال (عليه السلام) : عليه أن يصوم ، وأن يطعم كل يوم مسكيناً. فان كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح. وان تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكل يوم مسكيناً » (2). لكنه لا يصلح لمعارضة ما سبق ، لأنه أصح سنداً ، وأكثر عدداً ، ولموافقته لفتوى المشهور. وما عن الشيخ (رحمه اللّه) : من دعوى الإجماع على القضاء - لو تمت - موهونة بمخالفة الأكثر ، بل مخالفته في كتبه الأخر. وموافقة الخبر لظاهر الكتاب لا تجدي في قبال ما سبق.

وأضعف منه ما عن ابن الجنيد : من وجوب القضاء والكفارة معاً. إذ ليس له وجه ظاهر. واحتمال كونه مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين ساقط ، لأن الطائفتين كما تشتركان في إثبات كل من الأمرين تشتركان أيضا في نفي كل منهما ، فلو بني على الجمع بالإثبات كان الجمع بالنفي أولى. وأولى منهما الجمع بالتخيير. لكنه غير عرفي. بل الظاهر أن المقام من التعارض الذي هو موضوع الترجيح ، الموجب لتقديم الطائفة الاولى لا غير.

نعم قد يظهر من مضمر سماعة ثبوت الأمرين ، قال : « سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل ذلك لم يصمه. فقال (عليه السلام) : يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام ، وليصم هذا الذي


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

والأحوط مدان [1]. ولا يجزئ القضاء عن التكفير [2]. نعم الأحوط


أدرك. فإن أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه ، فإني كنت مريضاً فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن ، ثمَّ أدركت رمضاناً فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمد من طعام ، ثمَّ عافاني اللّه تعالى وصمتهن » (1)لكن - مع هجره ، وعدم العمل به - يمكن حمله على استحباب القضاء ، فإنه مقتضى الجمع العرفي بينه وبين الطائفة الأولى. ويشير اليه صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال أفطر شيئاً من رمضان في عذر ، ثمَّ أدرك رمضان آخر وهو مريض : فليتصدق بمد لكل يوم ، وأما أنا فإني صمت وتصدقت » (2). أما خبر الكناني فقد عرفت سقوطه بالمعارضة فلاحظ.

[1] فقد حكي تعينهما عن النهاية ، والاقتصاد ، والحلبيين. وليس له دليل ظاهر مع تصريح النصوص السابقة بالاكتفاء بالمد. نعم حكي ذلك عن بعض نسخ موثق سماعة المتقدم. لكنه - مع أنه لا يعارض ما سبق مما دل على الاكتفاء بالمد - معارض بما عن النسخ الصحيحة : من أنه مد من طعام (3)واستظهر في الجواهر أنه اشتباه من قلم النساخ في لفظة : ( من ) كما يشهد له الرسم في ( طعام ) - يعنى : حيث رسم بالجر - ولو كان المد مثنى لرسم بالنصب على التمييز. لكن المحكي عن بعض النسخ : ذكر ( من ) مع المدين. فراجع.

وربما يستشهد للمدين بما ورد في ذي العطاش. لكنه - مع أنه معارض بما دل على المد فيه الواجب تقديمه عليه - لا مجال للتعدي عن مورده الى المقام.

[2] لظاهر الأدلة. وقيل بالاجزاء - كما عن التحرير - حملا للفدية


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

3) راجع التهذيب ج 4 صفحة 251 طبع النجف الأشرف ، الاستبصار ج 2 صفحة 112 طبع النجف الأشرف.

الجمع بينهما [1]. وإن كان العذر غير المرض - كالسفر ونحوه - فالأقوى وجوب القضاء [2]. وإن كان الأحوط الجمع بينه وبين المد [3]. وكذا إن كان سبب الفوت هو المرض ، وكان العذر في التأخير غيره [4] مستمراً من حين برئه إلى رمضان


على الرخصة. وهو كما ترى.

[1] لما عرفت من نسبته إلى ابن الجنيد.

[2] كما عن المختلف ، والشهيد الثاني ، وسبطه ، وغيرهم. لإطلاق أدلة القضاء ، المقتصر في تقييدها على خصوص المرض ، وربما قيل بإلحاق السفر بالمرض في ثبوت الكفارة دون القضاء. ويشهد له مصحح الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) - في حديث - قال : « فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره ، أو لم يقو من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر ، وجب عليه الفداء للأول ، وسقط القضاء وإذا أفاق بينهما ، أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟! قيل .. » (1)لكن الحديث وإن جمع في نفسه شرائط الحجية ، ساقط عنها بالهجر ، إذ لم يعرف قائل به. وإلحاق السفر بالمرض وان نسب الى ابن أبي عقيل ، والخلاف ، فليس ذلك عملا منهما به أو بمضمونه ، لما عرفت من أن المحكي عنهما في المرض وجوب القضاء دون الكفارة. مضافاً الى قرب دعوى معارضته بما دل على وجوب القضاء عن المسافر إذا مات في سفره (2)فان وجوبه هنا بطريق أولى. فتأمل.

[3] خروجاً عن شبهة الخلاف ، واحتياطاً بالعمل بالدليلين.

[4] الكلام فيه هو الكلام في سابقة ، فإنه أيضاً يمكن أن يستفاد حكمه


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 8.

2) تقدم ذلك في المسألة : 12 من هذا الفصل.

آخر أو العكس [1] ، فإنه يجب القضاء أيضاً في هاتين الصورتين على الأقوى. والأحوط الجمع ، خصوصاً في الثانية.

( مسألة 14 ) : إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمداً في الترك ، ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر وجب عليه الجمع بين الكفارة والقضاء بعد الشهر [2]. وكذا إن فاته لعذر ولم يستمر ذلك العذر ، بل ارتفع في أثناء السنة ولم يأت به إلى رمضان آخر متعمداً وعازماً على الترك ، أو متسامحاً واتفق العذر عند الضيق ، فإنه يجب حينئذ أيضاً الجمع.


من مصحح الفضل.

[1] يمكن أن يستفاد ثبوت الفدية فيه فقط من صحيح ابن سنان المتقدم في آخر مسألة سقوط القضاء عن مستمر المرض (1)كما عن ظاهر الخلاف وفي المدارك : أنه أوجه. وحمل العذر على المرض ، بقرينة قوله (عليه السلام) : « ثمَّ أدركه آخر .. » - كما عن المختلف - غير ظاهر ، كدعواه : عدم صلاحيته لتقييد أدلة القضاء. ومن ذلك يظهر الوجه في أولوية الاحتياط فيه من الاحتياط فيما قبله.

[2] كما هو المعروف فيه وفيما بعده مما لم يكن عازماً على القضاء ، بل لم يعرف فيه مخالف صريح إلا ابن إدريس ، على ما حكي عن سرائره قال فيها : « والإجماع غير منعقد على وجوب هذه الكفارة ، لأن أكثر أصحابنا لا يذهبون إليها ، ولا يوردونها في كتبهم ، مثل الفقيه ، وسلار ، والسيد المرتضى ، وغيرها. ولا يذهب إلى الكفارة في هذه المسألة ( يعني : مسألة التواني ) إلا شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان - في الجزء الثاني من مقنعته


1) راجع صفحة : 498.

وأما إن كان عازماً على القضاء بعد ارتفاع العذر ، فاتفق العذر عند الضيق ، فلا يبعد كفاية القضاء [1]. لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضاً. ولا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض أو غيره.

فتحصل مما ذكر في هذه المسألة وسابقتها : أن تأخير القضاء إلى رمضان آخر إما يوجب الكفارة فقط ، وهي الصورة الأولى المذكورة في المسألة السابقة ، وإما يوجب القضاء فقط


ولم يذكرها في كتاب الصيام ولا في غيرها من كتبه - وشيخنا أبو جعفر ومن تابعهما ، وقلد كتبهما ، ويتعلق بأخبار الآحاد التي ليست عند أهل البيت حجة على ما شرحناه ».

ورد عليه جماعة ممن تأخر عنه : بأن رواه الفدية فضلاء السلف ، كزرارة ، ومحمد بن مسلم ، وأبي الصباح الكناني ، وأبي بصير ، وعبد اللّه ابن سنان. وليس لروايتهم معارض إلا ما يحتمل رده الى ذلك. والقول بالفدية لا يختص بالشيخين ، فقد ذهب إليها ابنا بابويه وابن أبي عقيل. وكيف كان فيظهر وجوب الكفارة في الفروض المذكورة مما سيأتي من النصوص في العازم على القضاء.

وأما مرسل سعد بن سعد عن رجل عن أبي الحسن (عليه السلام) : « عن رجل يكون مريضاً في شهر رمضان ثمَّ يصح بعد ذلك ، فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر ، ما عليه في ذلك؟ قال (عليه السلام) : أحب له تعجيل الصيام ، فان كان أخره فليس عليه شي‌ء » (1)فساقط بالضعف ، والهجر.

[1] كما هو المشهور ، ولا سيما بين المتأخرين كما قيل. لصحيح محمد


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 7.

وهي بقية الصور المذكورة فيها ، وإما يوجب الجمع بينهما ، وهي الصور المذكورة في هذه المسألة. نعم الأحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضاً كما عرفت.


ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر. فقالا (عليهما السلام) : إن كان برئ ثمَّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه ، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين ، وعليه قضاؤه. وان كان لم يزل مريضاً .. » (1)وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : إذا مرض الرجل من رمضان الى رمضان ثمَّ صح فإنما عليه لكل يوم أفطره فدية طعام ، هو مد لكل مسكين. قال : وكذلك أيضاً في كفارة اليمين وكفارة الظهار مداً مداً. وإن صح بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام ، فان تهاون به وقد صح فعليه الصدقة والصيام جميعاً ، لكل يوم مد ، إذا فرغ من ذلك الرمضان » (2)وخبره الآخر المروي عن تفسير العياشي ، قال (عليه السلام) فيه : « فان صح فيما بين الرمضانين ، فتوانى أن يقضيه حتى جاء الرمضان الآخر ، فان عليه الصوم والصدقة جميعاً ، يقضي الصوم ويتصدق من أجل أنه ضيع ذلك الصيام » (3)ومصحح الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) - في حديث طويل - قال (عليه السلام) : « فإن أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب عليه الفداء للتضييع ، والصوم لاستطاعته » (4)فان التواني والتهاون والتضييع - التي جعلت دخيلة في وجوب الكفارة - غير صادقة مع العزم على القضاء.


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 6.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 11.

4) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 8.


ومقتضى مفهوم الشرط أو التعليل أو مفهومهما معاً : انتفاء الكفارة بانتفائها الحاصل بالعزم على القضاء. وبه يقيد إطلاق ما دل على وجوب الكفارة بمجرد ترك الصوم مع التمكن منه فيما بين الرمضانين ، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - قال (عليه السلام) : « فان كان صح فيما بينهما ، ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا ، ويتصدق عن الأول » (1).

وفيه : أن الظاهر من العناوين المذكورة مجرد ترك القضاء وعدم المبادرة إليه في زمان يمكن فيه ، كما يشهد له مقابلته في رواية ابن مسلم بقوله (عليه السلام) : « وإن كان لم يزل مريضاً » ، وعدم التعرض للقسم الثاني المقابل للتواني من قسمي الصحة بين الرمضانين ، مع كثرة التفصيل في النصوص المذكورة في الباب وعدم السؤال عنه مع كونه الغالب. وقوله في مصحح الفضل : « فإن أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب عليه الفداء للتضييع » الظاهر في أن عدم الصوم حال الإفاقة هو التضييع.

ومن الغريب ما عن الكاشاني : من دعوى ظهور خبر أبي بصير المتقدم في الأقسام الثلاثة ، بحمل قوله (عليه السلام) : « فان صح بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام » على معنى : فان صح بين الرمضانين فلم يقض في أيام صحته ، مع عدم تهاونه فيه ، فإنما عليه أن يقضي الصيام بعد رمضان الثاني ، فيكون متضمناً لحكم غير المتهاون من وجوب القضاء لا غير ، وأن قوله (عليه السلام) : « فان تهاون » متعرض لحكم المتهاون - من وجوب القضاء والكفارة - ويكون صدره متعرضاً لحكم مستمر المرض من وجوب الكفارة لا غير

فان ما ذكره أولا تكلف خلاف الظاهر ، بل هو كالصريح في أن المراد منه أنه إن صح بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام حينئذ ،


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 2.

( مسألة 15 ) : إذا استمر المرض إلى ثلاث سنين [1] - يعني : الرمضان الثالث - وجبت كفارة للأولى ، وكفارة أخرى للثانية [2] ، ويجب عليه القضاء للثالثة إذا استمر إلى آخرها ثمَّ برئ ، وإذا استمر إلى أربع سنين وجبت للثالثة أيضاً ، ويقضي للرابعة إذا استمر إلى آخرها ، أي : الرمضان


فان تهاون ولم يقض فعليه القضاء والكفارة. ويشهد به : الضمير المجرور بالباء في قوله (عليه السلام) : « تهاون به » ، فإنه لا مجال للتأمل في رجوعه الى قضاء الصيام ، فلو كان المراد القضاء بعد رمضان الثاني كان المراد : فان تهاون بالقضاء بعد رمضان الثاني ، وهو كما ترى.

ومثلها : دعواه تعرض خبر الكناني - المتقدم في المسألة السابقة - للأقسام الثلاثة أيضاً ، بأن يكون صدره متعرضاً لصورة التهاون ، وقوله (عليه السلام) : « فان كان مريضاً فيما بين .. » متعرضاً لصورة عدم التهاون ، وقوله (عليه السلام) : « وإن تتابع المرض » متعرضاً لصورة استمرار المرض. فان قوله (عليه السلام) : « فان كان مريضاً فيما بين ذلك .. » ظاهر جداً في استمرار المرض الى رمضان قابل ، وصدره ظاهر فيمن صح بين الرمضانين. وقد عرفت أنه لا بد من طرحه لمعارضته بما سبق.

ومثل هذه التكلفات لا تصلح لتأسيس حكم شرعي. ومجرد الشهرة لا تصلح قرينة صارفة للكلام عن ظاهره الى غيره ، وان كان ظاهر الجواهر ذلك. فاذاً القول بوجوب القضاء والفدية على العازم على القضاء - كما عن ظاهر الصدوقين ، وصريح المعتبر والشهيدين وغيرهم - متعين. فلاحظ.

[1] كما يستفاد من مصحح الفضل (1).

[2] لإطلاق الأدلة. وخصوص موثق سماعة المتقدم في المسألة السابقة


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 8.

الرابع وأما إذا أخر قضاء السنة الأولى إلى سنين عديدة فلا تتكرر الكفارة بتكررها [1] ، بل تكفيه كفارة واحدة.

( مسألة 16 ) : يجوز إعطاء كفارة أيام عديدة - من رمضان واحد أو أزيد - لفقير واحد [2] ، فلا يجب إعطاء كل فقير مداً واحداً ليوم واحد.

( مسألة 17 ) : لا تجب كفارة العبد على سيده [3] ، من غير فرق بين كفارة التأخير ، وكفارة الإفطار. ففي الأولى إن كان له مال وأذن له السيد [4] أعطى من ماله ، وإلا استغفر بدلا عنها. وفي كفارة الإفطار يجب عليه اختيار صوم


ونحوه صدر خبر أبي بصير المتقدم المروي عن تفسير العياشي. وعن الصدوقين : أنه لو استمر المرض رمضانين وجب الفداء للأول والقضاء للثاني. وليس له دليل ظاهر. وحمل كلامهما على ما إذا صح بعد الرمضان الثاني - كما هو مضمون رواية ابن جعفر (عليه السلام) (1)بل عن الحلي الجزم بذلك. والأمر سهل.

[1] بلا خلاف أجده فيه إلا من الفاضل في محكي التذكرة - كذا في الجواهر - وحكي أيضاً عن المبسوط. ودليله غير ظاهر. وقياس السنة الثانية على الأولى مما يجل مقامهما الأقدس عن العمل به.

[2] لإطلاق الأدلة.

[3] للأصل ، وليست هي من النفقة الواجبة عليه ، كما لعله ظاهر.

[4] لإطلاق أدلة الحجر. إلا أن يقال : إنها مختصة بغير الواجب التعييني ، ولذا ليس له المنع عن الصلاة.


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 9.

شهرين مع عدم المال والاذن من السيد ، وإن عجز فصوم ثمانية عشر يوماً ، وإن عجز فالاستغفار.

( مسألة 18 ) : الأحوط عدم تأخير القضاء إلى رمضان آخر مع التمكن عمداً [1] ، وإن كان لا دليل على حرمته.


[1] المصرح به في كلام جماعة : عدم جواز تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان الثاني ، منهم الفاضلان والشهيد ، ويظهر من كلام غير واحد منهم : أنه من المسلمات ، وفي محكي غنائم القمي (رحمه اللّه) : الظاهر عدم الخلاف فيه ودليله غير ظاهر (1).

نعم قد يستفاد مما دل على وجوب الفدية إذا صح بين الرمضانين فلم يقض. أو من التعبير عن تركه بالتهاون ، والتواني ، والتضييع. أو من قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير المتقدمة : « فإن صح بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضي الصيام ، فان تهاون .. » (2)بناء على ظهوره في إرادة أن عليه أن يقضي الصيام بين الرمضانين ، ومصحح الفضل المروي عن العيون والعلل « قال (عليه السلام) : إن قال : فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان ، فلم يخرج من سفره ، أو لم يقو من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر ، وجب عليه الفداء للأول ، وسقط القضاء ، وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب القضاء والفداء؟ قيل : لأن ذلك الصوم إنما وجب عليه في تلك السنة في هذا الشهر. فأما الذي لم يفق فإنه لما مر عليه السنة كلها وقد غلب اللّه تعالى عليه. فلم يجعل له السبيل إلى أدائها سقط عنه. وكذلك كلما غلب اللّه تعالى عليه ، مثل المغمى الذي يغمى


1) قد يظهر من مرسل سعد بن سعد - المتقدم في المسألة الرابعة عشرة - جواز التأخير. منه قدس سره.

2) لاحظ المسألة : 14 من هذا الفصل.

( مسألة 19 ) : يجب على ولي الميت قضاء ما فاته من الصوم لعذر [1]


عليه في يوم وليلة ، فلا يجب عليه قضاء الصلاة ، كما قال الصادق (عليه السلام) : « كلما غلب اللّه تعالى عليه فهو أعذر له ، لأنه دخل الشهر وهو مريض ، فلم يجب عليه الصوم في شهره ، ولا في سنته ، للمرض الذي كان فيه ، ووجب عليه الفداء .. » (1).

لكن وجوب الفدية أعم من وجوب الفورية. والتعبير بالتواني ، والتهاون ، والتضييع لا يدل على أكثر من الرجحان. فتأمل. وما في خبر أبي بصير غير ظاهر إلا في أنه إذا صح كان عليه القضاء دون الفدية ، فإذا أخره حينئذ كان عليه القضاء مع الفدية ، ولا يدل على أنه إذا صح كان عليه القضاء زمان الصحة تعييناً. لا أقل من إجماله من هذه الجهة ، الموجب لسقوطه عن الدليلية.

وأما مصحح الفضل فدلالته قريبة. واحتمال كون الكلام وارداً مورد الإقناع أو الإلزام للخصم ، لموافقته لمذهبه ، ولا يدل على مطابقته لاعتقاده (عليه السلام) خلاف الظاهر جداً ، كما يظهر بأقل تأمل في فقرات الجواب. فالبناء على وجوب المبادرة اعتماداً عليه في محله. ولا سيما مع تأيده بتطبيق مفهوم التضييع فيه وفي غيره ، فان الجمود عليه يقتضي ذلك ، بل بوجوب الفدية فإنه لا يناسب استحباب المفدي. بل استفادة التوقيت للقضاء بما بين الرمضانين من المصحح - كما عن المحقق (رحمه اللّه) - قريبة جداً.

[1] كما هو المعروف ، بل عن الخلاف والسرائر : الإجماع عليه ، وعن المنتهى : نسبته إلى علمائنا. ولم يحك فيه خلاف إلا من ابن أبي عقيل فأوجب التصدق عنه ، وادعى تواتر الاخبار به ، ونسب القول بقضاء الصوم إلى الشذوذ.


1) الوسائل باب : 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 8.

• من مرض ، أو سفر ، أو نحوهما - لا ما تركه عمداً ، أو أتى به وكان باطلا من جهة التقصير في أخذ المسائل [1].

ودعواه تواتر الاخبار بالتصدق غير ظاهرة ، إذ لم تعرف رواية به عدا صحيح ابن بزيع عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : « قلت له : رجل مات وعليه صوم ، يصام عنه أو يتصدق؟ قال (عليه السلام) : يتصدق عنه ، فإنه أفضل » (1)، وخبر أبي مريم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا صام الرجل شيئاً من شهر رمضان ، ثمَّ لم يزل مريضاً حتى مات ، فليس عليه قضاء. وإن صح ثمَّ مرض ثمَّ مات ، وكان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد ، وإن لم يكن له مال تصدق عنه وليه » (2).

ولا مجال للعمل بهما بعد مخالفتهما للإجماع ، والنصوص الكثيرة ، التي هي قريبة من التواتر ، كصحيح حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام. قال (عليه السلام) : يقضي عنه أولى الناس بميراثه. قلت : فان كان أولى الناس به امرأة ، قال (عليه السلام) : لا ، إلا الرجال » (3)ونحوه غيره مما يأتي.

[1] كما عن جماعة ، ونسب إلى المحقق في المسائل البغدادية. ولم


1) الفقيه ج 3 صفحة 236 حديث : 1119 طبع النجف الأشرف ، الوافي ج 2 باب : 55 من كتاب الصيام صفحة 51.

2) هكذا ورد الحديث في النسخة الخطية وقد اختلفت كتب الحديث في نقل متن الحديث المذكور ، فقد ورد بهذا المضمون في كل من التهذيب : ج : 4 صفحة : 248. طبع النجف : والاستبصار : ج : 2 صفحة : 109 طبع النجف الأشرف وورد هكذا : « وإن لم يكن له مال صام عنه وليه » في كل من التهذيب والاستبصار بطريق آخر وكذا في الفقيه ج : 2 صفحة : 98. طبع النجف وفي الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 7.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5.

وإن كان الأحوط قضاء جميع ما عليه وإن كان من جهة الترك عمداً. نعم يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أن يكون قد تمكن في حال حياته من القضاء وأهمل [1] ، وإلا فلا يجب ، لسقوط القضاء حينئذ ، كما عرفت سابقاً. ولا فرق في الميت بين الأب والأم على الأقوى [2] وكذا


يتضح وجهه مع إطلاق نصوص القضاء. واشتمال بعضها على ذكر العذر - من المرض ، والسفر وغيرهما - لا يقتضي حمل المطلق عليه ، لعدم التنافي بين المطلق والمقيد. كما لا يخفى.

ومثله : دعوى انصراف الإطلاق إلى الغالب ، فان الغالب كون الترك لعذر. إذ فيها : أن الغلبة ليست بحيث تصلح للانصراف المسقط للمطلق عن الحجية.

[1] الظاهر أنه لا إشكال في اشتراط قدرة الميت على القضاء وإهماله في وجوب القضاء على الولي ، فيما عدا السفر من الأعذار ، من دون فرق بين المرض ، والحيض ، والنفاس ، وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيما عدا السفر ». ويشهد له النصوص المتقدمة في المسألة الثانية عشرة والثالثة عشرة. كما تقدم أيضاً فيما ذكر - وفي قضاء الصلاة - الإشارة إلى الخلاف في إلحاق السفر بغيره وعدمه ، وأن الأقرب الثاني. فراجع.

[2] كما نسب إلى الأكثر تارة ، والى المعظم أخرى. ويشهد له صحيح أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت ، أو سافرت ، فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال (عليه السلام) : أما الطمث والمرض فلا ، وأما السفر فنعم » (1)ونحوه صحيح ابن مسلم المتقدم (2)وما في صحيح أبي بصير


1) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

2) راجع المسألة : 12 من هذا الفصل.

لا فرق بين ما إذا ترك الميت ما يمكن التصدق به عنه وعدمه [1]


المتقدم - الوارد فيمن مرضت في شهر رمضان فماتت في مرضها - قال (عليه السلام) : « لا يقضى عنها ، فان اللّه سبحانه لم يجعله عليها » (1).

لكنها لا تدل على أكثر من مشروعية القضاء عنها في قبال نفي مشروعيته في الطمث والمرض. وعدم القول بالفصل بين المشروعية والوجوب غير ثابت. كما أن دعوى كون السؤال إنما هو عن الوجوب لا المشروعية ، للاتفاق على الاستحباب ، غير ظاهرة ، فان اتفاق العلماء على الاستحباب لا يقتضي وضوحه عند السائل في النصوص المذكورة.

نعم ربما يستفاد ذلك من قاعدة الاشتراك. وفيه : أن الثابت من القاعدة هو إلحاق النساء بالرجال في الأحكام الموجهة إليهم المخاطبين بها مثل : يجب على الرجل كذا ، ويحرم عليه كذا ، فالرجل إذا كان موضوعاً للخطاب بحكم كانت المرأة مثله ، ولا يشمل مثل ما نحن فيه مما كان الرجل قيداً لموضوع الحكم. فلاحظ. وقد تقدمت الإشارة إليه في بعض مباحث الخلل وغيره.

[1] كما عن المعظم ، كما في الجواهر ، وعن السرائر : الإجماع منعقد من أصحابنا على ذلك. وعن السيد (رحمه اللّه) : اشتراط عدم تركه ما يمكن التصدق به. ويشهد له خبر أبي مريم السابق على ما رواه الصدوق والكليني هكذا : « وان لم يكن له مال صام عنه وليه » (2)وفي محكي المعتبر : نسبة الرواية إلى الصراحة ، والاشتهار ، ومطابقة فتوى الفضلاء من الأصحاب وعن السيد : دعوى إجماع الإمامية عليه.

وفيه - مع أن الرواية رواها في التهذيب كما سبق : تصدق عنه


1) راجع المسألة : 12 من هذا الفصل.

2) لاحظ الفقيه ج 2 صفحة 98 طبع النجف الأشرف ، الكافي ج 4 صفحة 123 طبع إيران الحديثة.

وإن كان الأحوط في الأول الصدقة عنه برضاء الوارث مع القضاء. والمراد بالولي هو الولد الأكبر [1] وان كان طفلا أو مجنوناً حين الموت ، بل وإن كان حملا.

( مسألة 20 ) : لو لم يكن للميت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة ، وإن كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه.

( مسألة 21 ) : لو تعدد الولي اشتركا [2] ، وإن تحمل أحدهما كفى عن الآخر. كما أنه لو تبرع أجنبي سقط عن الولي [3].

( مسألة 22 ) : يجوز للولي أن يستأجر من يصوم


وليه » (1)- : أنه لا يمكن الجمع العرفي بينها وبين ما سبق بتقييد إطلاقه لأنه خلاف الغالب. ولا الترجيح عليه ، لكونه أصح سنداً ، وأشهر رواية ، ومخالفاً للعامة - كما قيل - فالعمل بإطلاقه متعين.

[1] كما نسب الى المعظم. وتخصيصه به غير ظاهر ، كما أشرنا الى ذلك في مبحث قضاء الصلاة. فراجع.

[2] تقدم : أن الأقرب في العمل بالدليل الوجوب الكفائي. ولأجل ذلك يسهل الخطب في جملة من الصور التي لا يمكن فيها التوزيع ، كما لو لزم الكسر ، لكون عدد الأيام أقل من عدد الأولياء أو أكثر ، أو عجز أحدهما عن الصوم ، أولم يقم عنده طريق على اشتغال ذمة الميت به ، أو غير ذلك.

[3] لانتفاء موضوع الوجوب عنه.


1) التهذيب ج 4 صفحة 248 طبع النجف الأشرف ، وهكذا الاستبصار ج 2 صفحة 109 طبع النجف الأشرف.

عن الميت [1]. وأن يأتي به مباشرة. وإذا استأجر ولم يأت به المؤجر ، أو أتى به باطلا لم يسقط عن الولي.

( مسألة 23 ) : إذا شك الولي في اشتغال ذمة الميت وعدمه لم يجب عليه شي‌ء [2]. ولو علم به إجمالا وتردد بين الأقل والأكثر جاز له الاقتصار على الأقل.

( مسألة 24 ) : إذا أوصى الميت باستئجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الولي ، بشرط أداء الأجير صحيحاً [3] وإلا وجب عليه.

( مسألة 25 ) : إنما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمة الميت به ، أو شهدت به البينة ، أو أقر به عند موته [4] وأما لو علم أنه كان عليه القضاء ، وشك في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمته ، فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه [5] نعم لو شك هو في حال حياته ، وأجرى الاستصحاب


[1] لظهور الدليل في أن المقصود تفريغ ذمة الميت ، لا خصوص مباشرته لذلك.

[2] لأصالة البراءة. إلا أن تجري أصالة عدم إتيان الميت بالواجب. نعم لو تمت قاعدة الشك بعد الوقت في الصوم - كما أشرنا إليه قريبا - كانت مقدمة على الاستصحاب المذكور. ومن ذلك يعلم الحال في جواز الاقتصار على الأقل مع تردد الواجب بين الأقل والأكثر.

[3] قد تقدم القول بالسقوط بمجرد الوصية ، بلا اعتبار الشرط المذكور. كما تقدم ضعفه أيضاً.

[4] قد تقدم الإشكال في اعتبار الإقرار هنا. فراجع.

[5] كأن وجهه : أصالة البراءة ، للشك في الفوت ، ولا أصل يحرزه

أو قاعدة الشغل ، ولم يأت به حتى مات ، فالظاهر وجوبه على الولي [1].

( مسألة 26 ) : في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان ، أو عمومه لكل صوم واجب قولان [2] ، مقتضى إطلاق بعض الأخبار الثاني ، وهو الأحوط.


لكن عرفت الاشكال فيه ، وأن ما دل على عدم الاجتزاء بالبينة في وفاء الدين الذي على الميت حتى ينضم إليها اليمين ، معللا باحتمال الوفاء يدل على المقام بالأولوية. لكنه لا يخلو من تأمل.

[1] لما كان ظاهر الأدلة أن موضوع الوجوب على الولي هو الصوم الواقعي الثابت على الميت وإن لم يتنجز عليه ، لغفلته وذهوله ، أو اعتقاده بالأداء ، فلا بد في تنجز الوجوب على الولي من علمه بثبوت ذلك على الميت أو قيام طريق عليه ، أو أصل محرز له. وحينئذ فعلم الميت وشكه لا أثر لهما في وجوب شي‌ء على الولي ، فلو علم الميت أن في ذمته شيئاً والولي يعلم بعدمه لم يجب على الولي القضاء ، ولو انعكس الفرض وجب ، وكذا لو قام الطريق عند الولي على الثبوت ولم يكن طريق عليه عند الميت.

وبالجملة : المدار على اعتقاد الولي ، أو قيام منجز عنده ، لا علم الميت ، أو قيام منجز عنده. نعم لو كان الموضوع الثبوت الواقعي ، أو الظاهري عند الميت ولو كان عقلياً ، وجب في الفرض المذكور. لكنه غير ظاهر من الأدلة. فلاحظ.

[2] فعن ابن أبي عقيل وابني بابويه. الاختصاص. وعن الشيخين : العموم ، واختاره في الشرائع. لصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام. قال (عليه السلام) :

( مسألة 27 ) : لا يجوز للصائم قضاء شهر رمضان - إذا كان عن نفسه - الإفطار بعد الزوال [1] ، بل تجب


يقضي عنه أولى الناس بميراثه » (1)ورواية الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : « إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة ، فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول ، ويقضي الشهر الثاني » (2). ومنع دلالة الجملة الخبرية على الوجوب ضعيف ، كما حقق في محله. نعم لا إطلاق في رواية الوشاء. فالعمدة في إثبات العموم : هو الصحيح وكون ما عداه من النصوص مختصاً بصوم رمضان لا يقتضي تقييده به.

[1] فإنه مذهب الأصحاب لا أعلم فيه خلافاً ، كما عن المدارك.

ونسب الخلاف فيه إلى ظاهر الشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب ، حيث حمل رواية عمار الآتية على نفي العقاب. ولكن المحتمل أن يكون مراده مجرد بيان وجه الجمع بين الأخبار ، لا إبداء الاعتقاد.

ويشهد للمشهور صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال في الذي يقضي شهر رمضان : إنه بالخيار الى زوال الشمس. فان كان تطوعاً فإنه إلى الليل بالخيار » (3)، ونحوه رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4). وفي رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل ومتى شئت ، وصوم الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس. فاذا زالت الشمس فليس لك أن


1) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 5.

2) الوسائل باب : 24 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 4.

4) الوسائل باب : 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 10.

عليه الكفارة به [1]. وهي - كما مر - [2] إطعام عشرة مساكين


تفطر » (1)وقريب منها رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2)مضافاً الى نصوص الكفارة الظاهرة في الحرمة (3).

نعم قد يعارضها موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن عليه أيام من شهر رمضان : « سئل فإن نوى الصوم ثمَّ أفطر بعد ما زالت الشمس. قال (عليه السلام) : قد أساء ، وليس عليه شي‌ء ، إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه » (4). وفي ظهورها في نفي الحرمة تأمل ، بل لعلها ظاهرة فيها. نعم ظاهرها : نفي الكفارة ، فهي معارضة بأدلتها لا غير.

ونحوها : ما تضمن أنه لا ينبغي للزوج أن يكره زوجته على الجماع بعد الزوال ، وهي تقضي شهر رمضان (5)فان قوله (عليه السلام) : ( لا ينبغي ) لو سلم ظهوره في الكراهة ، أمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى الزوج لا الزوجة

ومن الصحيح المتقدم وغيره يظهر الجواز قبل الزوال ، خلافاً للعماني لظاهر بعض النصوص (6)، وإطلاق آخر (7). والجميع لا يصلح لمعارضة ما سبق ، بل هو محمول على الكراهة ، أو على ما بعد الزوال جمعاً.

[1] من غير خلاف ظاهر ، إلا من العماني فأنكره. ويشهد للمشهور : نصوص الكفارة. وللعماني : موثقة عمار السابقة ، التي لا تصلح للحجية بعد هجرها.

[2] مر الكلام فيه.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 9.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 8.

3) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 1 ، 2 ، 3 ، 5.

4) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 4.

5) الوسائل باب : 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 2.

6) الوسائل باب : 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث : 6.

7) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 3.

لكل مسكين مد ، ومع العجز عنه صيام ثلاثة أيام. وأما إذا كان عن غيره - بإجارة ، أو تبرع - فالأقوى جوازه [1] ، وإن كان الأحوط الترك. كما أن الأقوى الجواز في سائر أقسام الصوم الواجب الموسع [2] ، وإن كان الأحوط الترك فيها أيضاً وأما الإفطار قبل الزوال فلا مانع منه حتى في قضاء شهر رمضان عن نفسه [3]. إلا مع التعيين بالنذر ، أو الإجارة [4] أو نحوهما. أو التضيق بمجي‌ء رمضان آخر إن قلنا بعدم جواز التأخير إليه ، كما هو المشهور.


[1] لانصراف الدليل السابق إلى الصائم عن نفسه. والفرق بين هذا الحكم وسائر الأحكام التي استقر بناؤهم على تسريتها للفعل عن الغير ، هو أن مرجعه الى وجوب البقاء على النيابة ، فلا يكون من آثار الفعل الوضعية أو التكليفية ، بل من آثار النيابة فيه ، بخلاف سائر الأحكام. ومثله : حرمة قطع الفريضة ، فإنه لا يسري إلى الفريضة التي يؤتى بها بقصد النيابة.

[2] كما هو المشهور ، الموافق للأصل. وعن الحلبي : الحرمة. وكأنه لقوله تعالى : ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (1). ولكنه قد تكرر مراراً الاشكال فيه.

نعم قد يساعده رواية عبد اللّه بن سنان السابقة (2)ونحوها. ولكن لا يبعد أن يكون المراد من صوم الفريضة ما كان فريضة بعنوان كونه صوماً لا بعنوان أمر آخر خارج عنه ، كالنذر ، والإجارة ، وأمر الوالد ، ونحوها.

[3] كما سبق.

[4] فإن الحرمة حينئذ يقتضيها دليل نفوذ النذر والإجارة واللّه سبحانه أعلم.


1) محمد : 33.

2) تقدم ذلك في أوائل المسألة.

فصل في صوم الكفارة

وهو أقسام :

منها : ما يجب فيه الصوم مع غيره ، وهي كفارة قتل العمد [1] ، وكفارة من أفطر على محرم في شهر رمضان [2] فإنه تجب فيها الخصال الثلاث.

منها : ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره ، وهي كفارة الظهار [3] ،


فصل في صوم الكفارة

[1] إجماعاً ، كما عن جماعة. ويشهد له جملة من النصوص ، كصحيح ابني سنان وبكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سئل : المؤمن يقتل المؤمن متعمداً ، هل له توبة؟ فقال (عليه السلام) : إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له ، وإن كان قتله لغضبه ، أو بسبب من أمر الدنيا ، فان توبته أن يقاد منه وإن لم يكن علم به أحد انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية ، وأعتق نسمة ، وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكيناً » (1).

[2] كما تقدم (2).

[3] لقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ ... إلى قوله تعالى : فَمَنْ لَمْ


1) الوسائل باب : 9 من أبواب القصاص في النفس حديث : 1.

2) لاحظ المسألة : 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء.

وكفارة قتل الخطأ [1] ، فان وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق ، وكفارة الإفطار في قضاء رمضان [2] ، فان الصوم فيها بعد العجز عن الإطعام ، كما عرفت ، وكفارة اليمين [3] وهي عتق رقبة ، أو إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، وبعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيام ، وكفارة صيد النعامة ، وكفارة صيد البقر الوحشي ، وكفارة صيد الغزال ، فإن الأول تجب فيه بدنة [4] ، ومع العجز عنها صيام ثمانية عشر يوماً. والثاني يجب فيه ذبح بقرة ، ومع العجز عنها صوم تسعة أيام. والثالث يجب فيه شاة ، ومع العجز عنها صوم ثلاثة أيام ،


يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) (1).

[1] لقوله تعالى : ( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... إلى قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ... ) (2)وبمضمونها جملة من النصوص (3)وعن المفيد وسلار : أنها مخيرة. وما سبق حجة عليهما.

[2] كما سبق (4).

[3] للآية (5)، والنصوص (6).

[4] الكلام في ذلك موكول إلى محله.


1) المجادلة : 3 - 4.

2) النساء : 92.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1 ، وباب : 10 من أبواب القصاص في النفس حديث : 3.

4) لاحظ المسألة : 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء.

5) المائدة : 89.

6) راجع الوسائل باب : 12 من أبواب الكفارات.

وكفارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامداً ، وهي بدنة ، وبعد العجز عنها صيام ثمانية عشر يوماً ، وكفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى أدمته ، ونتفها رأسها فيه ، وكفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده ، فإنهما ككفارة اليمين [1].

ومنها : ما يجب فيه الصوم مخيراً بينه وبين غيره ، وهي : كفارة الإفطار في شهر رمضان ، وكفارة الاعتكاف ، وكفارة النذر والعهد ، وكفارة جز المرأة شعرها في المصاب ، فان كل هذه مخيرة بين الخصال الثلاث على الأقوى ، وكفارة حلق الرأس في الإحرام ، وهي دم شاة ، أو صيام ثلاثة أيام أو التصدق على ستة مساكين [2]. لكل واحد مدان.

ومنها : ما يجب فيه الصوم مرتباً على غيره مخيراً بينه


[1] ففي رواية خالد بن سدير : « إذا شق زوج على امرأته ، أو والد على ولده ، فكفارته كفارة حنث يمين. ولا صلاة لهما حتى يكفرا ، أو يتوبا من ذلك. وإذا خدشت المرأة وجهها ، أو جزت شعرها ، أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكيناً. وفي خدش الوجه إذا أدمت ، وفي النتف كفارة حنث يمين » (1)وعن السرائر والمدارك : الحمل على الاستحباب ، لضعف الرواية. وتحقيق الحال في ذلك موكول إلى محله.

[2] أما في إفطار شهر رمضان فقد تقدم (2)وأما في الاعتكاف فهو الأشهر ، لرواية سماعة (3). وقيل : مرتبة ، لصحيحي زرارة وأبي


1) الوسائل باب : 31 من أبواب الكفارات حديث : 1.

2) لاحظ المسألة : 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 5.

وبين غيره ، وهي كفارة الواطئ أمته المحرمة بإذنه [1] ، فإنها بدنة ، أو بقرة. ومع العجز فشاة ، أو صيام ثلاثة أيام.

( مسألة 1 ) : يجب التتابع في صوم شهرين من كفارة الجمع ، أو كفارة التخيير [2]. ويكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأول ويوم من الشهر الثاني [3]. وكذا


ولاد (1)المحمولين على الاستحباب جمعا. وأما كفارة النذر فقيل : مخيرة وقيل : كفارة يمين. وهو الأظهر ، لتكثر النصوص بأن كفارته كفارة يمين (2)وأما كفارة العهد فلروايتي علي بن جعفر (عليهما السلام) (3)وأبي بصير (4)بلا معارض. وأما كفارة جز المرأة فلما تقدم في رواية خالد بن سدير. وأما كفارة الحلق فيشهد للتخيير فيها قوله تعالى ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ... ) (5)المفسر في النصوص بما ذكر في المتن (6)

[1] الكلام في ذلك موكول الى محله.

[2] بلا خلاف ظاهر. للتقييد به في أدلتها ، من الكتاب والسنة. فراجع.

[3] يعني : فيجوز الإفطار حينئذ عمداً ، كما عن ظاهر ابني الجنيد وأبي عقيل ، وصريح العلامة ، والدروس. والعمدة فيه : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن قطع صوم كفارة اليمين ، وكفارة الظهار


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 1 ، 6.

2) لاحظ المسألة : 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء.

3) الوسائل باب : 24 من أبواب الكفارات حديث : 1.

4) الوسائل باب : 24 من أبواب الكفارات حديث : 2.

5) البقرة : 196.

6) الوسائل باب : 14 من أبواب بقية كفارات الإحرام.

يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين [1] ، بل هو الأحوط في


وكفارة قتل. فقال (عليه السلام) : إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين ، والتتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخر شيئاً أو أياماً منه ، فان عرض له شي‌ء يفطر منه أفطر ، ثمَّ قضى ما بقي عليه. وإن صام شهراً ، ثمَّ عرض له شي‌ء فأفطر قبل أن يصوم من الآخر شيئاً فلم يتابع ، أعاد الصوم كله وقال : صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات ، ولا تفصل بينهن » (1)فان قوله (عليه السلام) : « والتتابع .. » حاكم على جميع أدلة وجوبه. كما أن قوله (عليه السلام) : « فان عرض .. » يراد منه ما لا يكون عذراً ، بقرينة قوله (عليه السلام) : « ثمَّ عرض له شي‌ء .. » الذي جعل حكمه الإعادة ، وهو مختص بغير العذر.

ومنه يظهر ضعف ما عن الشيخين والسيدين والحلي : من الإثم بالعمد عملا بالأدلة الأولية الدالة على وجوب التتابع في الشهرين ، الظاهرة في التتابع في تمامهما ، التي لا مجال للأخذ بها في قبال الصحيح المذكور. ولا سيما أن ظاهر الأدلة الأولية الشرطية - التي لا يقولون بها - لا الوجوب التكليفي. وأما النصوص الأخر فتقصر عن إثبات الجواز.

[1] كما هو المشهور. واستشكل فيه في محكي المدارك : بأن اعتبار التتابع خلاف إطلاق الدليل. وأجاب في الجواهر : « بأن الظاهر من دليلها أن المراد الاقتصار على هذا المقدار من الشهرين إرفاقاً بالمكلف ، فتكون متتابعة ، لا مطلق الثمانية عشر. مضافاً إلى ما أرسله المفيد في المقنعة - بعد تصريحه بالتتابع وغيره - من مجي‌ء الآثار عنهم (عليهم السلام) بذلك ». والاستظهار لا يخلو من إشكال. والمرسل غير جامع لشرائط الحجية.


1) لاحظ صدر الرواية في الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 9 ، وذيله في باب : 10 منها حديث : 4.

صيام سائر الكفارات [1] ، وإن كان في وجوبه فيها تأمل وإشكال.

( مسألة 2 ) : إذا نذر صوم شهر أو أقل أو أزيد لم يجب التتابع [2] ، إلا مع الانصراف ، أو اشتراط التتابع فيه.


[1] كما هو المعروف. وفي الشرائع : لم يستثن من ذلك إلا كفارة الصيد حتى لو كان نعامة. وعن المفيد والمرتضى وسلار : وجوبه في جزأيها بل عن المختلف : أن المشهور أن فيه شهرين متتابعين. والعمدة في وجوب التتابع هو دعوى انصراف الإطلاق إليه. لكن في محكي المدارك - في شرح قول مصنفه (رحمه اللّه) : « كل الصوم يلزم فيه التتابع. » - : « يمكن المناقشة في وجوب المتابعة في صوم كفارة قضاء رمضان ، وحلق الرأس ، وصوم ثمانية عشر في بدل البدنة ، وبدل الشهرين عند العجز عنهما. لإطلاق الأمر بالصوم فيها ، فيحصل الامتثال مع التتابع وبدونه ». ودعوى انصراف الإطلاق إلى التتابع - كما في الجواهر - غير ظاهرة. والفتوى به لا تصلح قرينة. كما لا يصلح كونها كفارة ، لأجل أن الغالب فيها التتابع. وتعليل التتابع في الشهرين : بأنه كي لا يهون عليه الأداء فيستخف به مختص بمورده.

ويؤيده : تقييد الشهرين به في أدلة وجوبها وعدم التقييد به في غيرها مضافاً الى أن المذكور في خبر عبد اللّه بن سنان أن الثمانية عشر بدل عن الإطعام (1)على أن يكون بدل إطعام كل عشرة مساكين ثلاثة أيام. فالكلية المذكورة غير ظاهرة. ولا سيما وأن في خبر الجعفري : « إنما الصيام الذي لا يفرق : كفارة الظهار ، وكفارة الدم وكفارة اليمين » (2)وفي صحيح ابن سنان : « كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين » (3).

[2] كما هو المشهور. للأصل. وعن أبي الصلاح : أنه إن نذر


1) الوسائل باب : 9 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 3.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1.


صوم شهر وأطلق ، فإن ابتدأ بشهر لزمه إكماله. وعن ابن زهرة : أنه إن نذر صوم شهر فإن أفطر مضطراً بنى ، وإن كان في النصف مختارا استأنف ، وإن كان بعد أثم ، وجاز له البناء ، ونحوه حكي عن المفيد ، وابن البراج. ودليلهم غير ظاهر.

نعم روى الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - كما في بعض الطرق - أو عن أبي جعفر (عليه السلام) - كما في بعض آخر - : « في رجل جعل عليه صوم شهر ، فصام منه خمسة عشر يوماً ، ثمَّ عرض له أمر. فقال (عليه السلام) : إن كان صام خمسة عشر يوماً فله أن يقضي ما بقي. وإن كان أقل من خمسة عشر يوماً لم يجزه حتى يصوم شهراً تاماً » (1)وهو لا يوافق واحداً من الأقوال المذكورة. ولعدم ظهور القائل بمضمونه لا مجال للعمل به. فالبناء على عدم وجوب التتابع متعين. إلا أن يكون قيداً في المنذور تفصيلا أو إجمالا ، كما لو نذر صوم شهر ، بمعنى ما بين الهلالين - كما لعله مورد رواية الفضيل - فان التتابع لازم فيه ، كلزوم الابتداء به في أول الشهر الهلالي ، وجواز الاكتفاء به وإن كان أقل من ثلاثين يوماً ، بخلاف ما لو قصد مقدار الشهر - أعني : الثلاثين - فلا يجب فيه التتابع ، كما لا يجب الابتداء به أول الشهر الهلالي ، كما لا يكفي صوم ما بين الهلالين إذا كان ناقصاً.

ودعوى : أن منصرف الإطلاق التتابع قد عرفت ما فيها. والاستشهاد عليها بفهم الأصحاب ذلك في أقل الحيض ، وأكثره ، ومدة الاعتكاف ، وعشرة الإقامة وغيرها في غير محله ، للفرق بأن المراد هناك التقدير لأمر واحد مستمر ، فلا يمكن فيه التفريق ، وليس الصوم كذلك.

نعم لو نذر أن يجلس في المسجد يومين ، أو يسبح ساعتين ، كان المنصرف اليه المتتابع. ولكنه غير ما نحن فيه.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1 وملحقة.

( مسألة 3 ) : إذا فاته النذر المعين ، أو المشروط فيه التتابع ، فالأحوط في قضائه التتابع أيضاً [1].

( مسألة 4 ) : من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم أنه لا يسلم له [2] ، بتخلل العيد ، أو تخلل يوم يجب فيه صوم آخر ، من نذر ، أو إجارة أو شهر رمضان. فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان ، بل يجب أن يصوم قبله يوماً أو أزيد من رجب. وكذا لا يجوز أن يقتصر على شوال مع يوم من


[1] المحكي عن الدروس : أنه استقرب وجوب التتابع في قضاء ما اشترط فيه ذلك ، كنذر ثلاثة أيام متتابعة من رجب. وعن القواعد : التردد فيه للأصل. ومن أن القضاء عين الأداء ، فإذا كان الأداء متتابعاً فالقضاء كذلك.

وقد يشكل ذلك : بأنه لا دليل على وجوب قضاء المنذور بما له من القيود التي قيد بها الناذر ، وإنما الذي قام عليه الدليل أن الصوم المنذور في وقت معين إذا فات وجب قضاؤه بماله من القيود المأخوذة في مفهومه لا القيود الخارجة عنه المأخوذة في موضوع النذر. والمرسل : « من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته » غير ثابت. ولو سلم فالظاهر منه ما كان فريضة في نفسه ، لا بما هو موضوع النذر ، ولذا لا نقول بوجوب قضاء الصوم المنذور لو لم يقم دليل بالخصوص عليه. وقد عرفت في الفصل السابق الإشكال في إثبات وجوب قضاء الصوم بالاستصحاب ، وإن أمكن إثبات وجوب القضاء في غيره.

[2] يعني : لا يكتفي به لو شرع كذلك ، ولا يكفي في حصول الواجب البناء بعد الإفطار على ما مضى قبل الإفطار.

ذي القعدة ، أو على ذي الحجة مع يوم من المحرم ، لنقصان الشهرين بالعيدين. نعم لو لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتفق فلا بأس على الأصح [1]. وإن كان الأحوط عدم الاجزاء. ويستثنى مما ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد وهو صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع إذا شرع فيه يوم التروية [2]


[1] كأنه لتعليل جواز البناء في طروء العذر بقوله (عليه السلام) : « هذا مما غلب اللّه تعالى عليه ، وليس على ما غلب اللّه عز وجل عليه شي‌ء » (1)وقوله (عليه السلام) : « اللّه تعالى حبسه » (2)لكن في صدق ذلك مع الالتفات والشك إشكال ، أو منع. نعم يصدق مع الغفلة ، أو اعتقاد عدم اتفاق العيد فاتفق خطأ الاعتقاد.

[2] كما هو المشهور ، بل عن الحلي : الإجماع عليه. ويشهد له جملة من النصوص ، كخبر عبد الرحمن بن الحجاج : « فيمن صام يوم التروية وعرفة. قال (عليه السلام) : يجزيه أن يصوم يوما آخر » (3)وخبر الأزرق : « عن رجل قدم يوم التروية متمتعاً ، وليس له هدي ، فصام يوم التروية ويوم عرفة. قال (عليه السلام) : يصوم يوماً آخر بعد أيام التشريق » (4)وبها يرفع اليد عن ظاهر مثل صحيح حماد قال « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : قال علي (عليه السلام) : صيام ثلاثة أيام في الحج ، قبل التروية بيوم ، ويوم التروية ويوم عرفة ، فمن فاته ذلك فليتسحر ليلة الحصبة - يعني : ليلة النفر - ويصبح صائماً ، ويومين بعده ، وسبعة إذا رجع » (5)ونحوه غيره.


1) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 12.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 10.

3) الوسائل باب : 52 من أبواب الذبح في الهدي حديث : 1.

4) الوسائل باب : 52 من أبواب الذبح في الهدي حديث : 2.

5) الوسائل باب : 53 من أبواب الذبح في الهدي حديث : 3.

فإنه يصح وإن تخلل بينها العيد ، فيأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل [1] ، أو بعد أيام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى. وأما لو شرع فيه يوم عرفة ، أو صام يوم السابع والتروية وتركه في عرفة ، لم يصح ووجب الاستئناف [2] ، كسائر موارد وجوب التتابع.

( مسألة 5 ) : كل صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه - لا لعذر اختياراً - يجب استئنافه [3]. وكذا إذا شرع فيه في زمان يتخلل فيه صوم واجب آخر من نذر ونحوه وأما ما لم يشترط فيه التتابع وإن وجب فيه بنذر أو نحوه فلا يجب استئنافه ، وإن أثم بالإفطار [4] ، كما إذا نذر التتابع في


[1] في محكي كشف اللثام : أنه الظاهر. وتنظر فيه في الجواهر ، لإطلاق النص ، والفتوى. وكذا الكلام فيمن كان بمنى فإنه لا دليل على وجوب الإتيان به بعد أيام التشريق بلا فصل.

[2] لعدم الدليل على سقوط التتابع حينئذ ، فيرجع الى عموم ما دل على وجوبه. وعن الاقتصاد : أنه لو أفطر الثاني بعد صوم الأول لعذر - من مرض أو حيض أو غيرهما - بنى. وتمام الكلام في ذلك في محله.

[3] لفوات شرط الواجب ، الموجب لفواته. وتوهم كونه واجباً تعبدياً لا شرطاً للواجب ، نظير المتابعة في صلاة الجماعة عند المشهور ، خلاف ظاهر الأدلة. وحصر مفسدات الصوم بغير ذلك لا يدل على عدم شرطية التتابع ، وعلى كونه واجباً تعبديا ، لأن التتابع إنما يكون شرطاً في الكفارة لا في أصل الصوم ، نظير التعدد.

[4] أما صحته في نفسه فلموافقته للمأمور به ، لعدم كون التتابع شرطاً

قضاء رمضان فإنه لو خالف وأتى به متفرقاً صح ، وإن عصى من جهة خلف النذر.

( مسألة 6 ) : إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الاعذار كالمرض ، والحيض ، والنفاس ، والسفر الاضطراري دون الاختياري - لم يجب استئنافه ، بل يبني على ما مضى [1].


فيه في نفسه. وأما حصول الإثم فلمخالفة النذر بترك التتابع فيه.

أقول : قد تقدم في أوائل مباحث القراءة ، وفي المسألة الأولى من فصل الجماعة : إن نذر قيد للواجب يوجب بطلان فعل الواجب خالياً عن ذلك القيد ، لأن نذر القيد يستوجب ثبوت حق لله تعالى على الناذر ، وهو فعل المنذور ، وفعل الواجب خالياً عن القيد المنذور إعدام لموضوع الحق المذكور وتفويت له فيحرم ، فيبطل ، لأنه لا يصح وقوعه عبادة.

لكن التقريب المذكور لا يتأتى في المقام ، لأن التفويت لا يستند إلى الصوم بل يستند الى ترك وصل اللاحق بالسابق ، والترك ليس عبادة ، ولا هو موضوع الكلام إذ الكلام في صحة الصوم وبطلانه ، وقد عرفت أن الصوم ولو كان بنية عدم وصل ما بعده به مما لا ينافي وجود الحق ، بل مما يدعو إليه الحق ، فكيف يكون مفوتا للحق ، ليكون حراماً ، فيبطل؟ فتأمل جيداً.

[1] إجماعاً ظاهراً في الشهرين ، وعلى المشهور في غيرهما. ويدل عليه صحيح رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين ، فصام شهراً ومرض. قال (عليه السلام) : اللّه حبسه. قلت : امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين ، فصامت وأفطرت أيام حيضها. قال (عليه السلام) : تقضيها. قلت : فإنها قضتها ثمَّ يئست من المحيض. قال (عليه السلام) : لا تعيدها


أجزأها ذلك » (1)وصحيح سليمان بن خالد : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين ، فصام خمسة عشر يوماً ، ثمَّ مرض ، فإذا برئ يبني على صومه ، أم يعيد صومه كله؟ قال (عليه السلام) : بل يبني على ما كان صام. ثمَّ قال (عليه السلام) : هذا مما غلب اللّه تعالى عليه وليس على ما غلب اللّه عز وجل عليه شي‌ء » (2)ونحوهما غيرهما. ومن التعليل فيهما يظهر عموم الحكم لكل صوم متتابع ، ولكل عذر لا يكون من قبل المكلف.

نعم في صحيح جميل ومحمد بن حمران عنه (عليه السلام) : « في الرجل يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار ، فيصوم شهراً ثمَّ يمرض. قال (عليه السلام) : يستقبل. فان زاد على الشهر الأول يوماً أو يومين بنى على ما بقي » (3)ونحوه خبر أبى بصير (4)لكنهما لا يصلحان لمعارضة ما سبق ، بعد دعوى الاتفاق على جواز البناء في موردهما ، ومخالفتهما لما هو صريح في جواز البناء ، الموجب لحملهما على الاستحباب ، جمعاً عرفيا. وأما صحيح الحلبي - المتقدم في أول المسألة الأولى - فيمكن حمل العارض فيه على ما لا يكون عذراً ، كما سبق.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن القواعد ، والدروس ، والمسالك ، وغيرها : من وجوب الاستئناف في كل ثلاثة يجب تتابعها إذا أفطر بينها لعذر ولغيره إلا ثلاثة الهدي ، على ما تقدم في آخر المسألة الرابعة. والاستدلال عليه بقاعدة عدم الإجزاء بالإتيان بالمأمور به على غير وجهه. وبما دل على وجوب التتابع في الثلاثة. وبصحيح الحلبي المتقدم ضعيف ، إذ كل ذلك


1) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 10.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 12.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 3.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 6.


غير صالح لمعارضة ما سبق. ولا سيما وقد عرفت أن الصحيح لو حمل على العذر كان مخالفاً للإجماع. وما ورد من نفي التفريق في خصوص الثلاثة محمول على نحو التفريق في الشهرين ، بمعنى : جوازه اختياراً لو تجاوز النصف ، وكون الحصر إضافياً ، كما يظهر من ذيل صحيح الحلبي المتقدم.

ومثله في الضعف : تخصيص البناء في الشهرين والاستئناف في غيرهما - كما في المدارك - لعدم الدليل على البناء في غيرهما. إذ قد عرفت اقتضاء عموم التعليل عدم الفرق بين الشهرين وغيرهما. وعدم إمكان العمل به غاية ما يقتضي البناء على تخصيصه ، لا على إجماله والاقتصار به على مورده.

وعن الشيخ (رحمه اللّه) في النهاية - فيمن نذر أن يصوم شهراً متتابعا ، فصام خمسة عشر يوماً ، وعرض له ما يفطر فيه - : صام ما بقي وإن صام أقل من خمسة عشر استأنف. والتعليل أيضا حجة عليه. وكذا ما ورد في نذر الشهرين المتتابعين (1)أو أيام معلومة (2)المتضمن لجواز البناء في العذر ، وعدم لزوم الاستئناف. نعم يوافقه خبر الفضيل ، المتقدم في مسألة وجوب التتابع في المنذور. غير أن الخبر لم يصرح فيه بنذر التتابع. ولذا لم يحك القول بمضمونه من أحد. فالبناء على ما في المتن متعين.

ثمَّ إن المحكي عن الوسيلة ، والسرائر ، وظاهر الخلاف : أن السفر غير قاطع للتتابع ، بل عن السرائر : التصريح بعدم الفرق بين الاضطراري والاختياري ، وعن المستند : أنه استظهر منها الإجماع عليه ، وجعله الأقوى ، لأن الظاهر مما ( حبسه اللّه ) و ( غلب عليه ) ما لم يكن بفعل العبد. وفيه : منع الظهور المذكور ، بل يصدق مع السفر الاضطراري صدقه مع المرض إذ المرض ليس بذاته مفطراً ، وإنما يجب معه الإفطار ، وهذا المقدار من


1) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 2.

ومن العذر : ما إذا نسي النية حتى فات وقتها [1] ، بأن تذكر بعد الزوال ، ومنه أيضاً : ما إذا نسي فنوى صوماً آخر ، ولم يتذكر إلا بعد الزوال. ومنه أيضاً : ما إذا نذر قبل تعلق الكفارة صوم كل خميس ، فان تخلله في أثناء التتابع لا يضر به [2] ، ولا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من


الوجوب المستند الى ما لم يكن باختيار العبد إذا كان كافياً في صدق الحبس والغلبة ، فلم لا يكون كذلك إذا حدث بغير الاختيار السبب الموجب للسفر الموجب للإفطار؟!

ومن هنا استحسن المحقق في المعتبر : الفرق بين السفر الاضطراري فلا يقطع التتابع ، والاختياري فيقطعه » وعن العلامة (رحمه اللّه) : القطع به ، وكذا عن الدروس إذا حدث سببه بعد الشروع في الصوم. ولقد بالغ في الجواهر فقوى الصدق مطلقاً ، باعتبار كونه محبوساً عن الصوم معه. إذ هو كما ترى إذ مجرد الحبس التشريعي - مع عدم استناده الى حبس تكويني - غير كاف في تطبيق التعليل ، وإلا جرى في سائر موارد الإفطار الاختياري. فتأمل. فالتفصيل - كما في المتن - في محله. وعليه فلا يبعد التفصيل بين الاضطراري من المرض والحيض والاختياري أيضا.

[1] كما في المدارك ، حاكياً له عن المسالك ، واختاره في الجواهر. لصدق حبس اللّه تعالى. وما عن الحدائق : من أن النسيان من الشيطان ، لا من اللّه تعالى ، كما يشير اليه قوله تعالى : ( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ... ) (1)فيه : أنه لو تمَّ في نفسه كلية ، فالمراد من التعليل ما يقابل الإفطار اختياراً ولو بتوسط المخلوق. فلاحظ.

[2] لصدق الحبس. ولا يتوهم انصراف التعليل إلى ما لا يعلم به


1) يوسف : 42.

الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذر. نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلق الكفارة اتجه الانتقال إلى سائر الخصال [1].

( مسألة 7 ) : كل من وجب عليه شهران متتابعان - من كفارة معينة أو مخيرة - إذا صام شهراً ويوماً متتابعاً يجوز له التفريق في البقية ، ولو اختياراً لا لعذر [2]. وكذا لو


المكلف. فإنه خلاف المتعارف في الحيض للمرأة ، كما لا يخفى.

[1] كما نص عليه في الجواهر. ضرورة عدم التمكن من الصوم حينئذ أصلا ولو غير متتابع.

[2] بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل المحكي منه متواتر أو مستفيض - كذا في الجواهر - ويشهد له جملة من النصوص ، كصحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل صام في ظهار شعبان ثمَّ أدركه شهر رمضان. قال (عليه السلام) : يصوم شهر رمضان ، ويستأنف الصوم. فان هو صام في الظهار فزاد في النصف يوماً قضى بقيته » (1)وموثق سماعة عنه (عليه السلام) : « عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أيفرق بين الأيام؟ فقال (عليه السلام) : إذا صام أكثر من شهر فوصله ، ثمَّ عرض له أمر فأفطر ، فلا بأس. فإن كان أقل من شهر ، أو شهر ، فعليه أن يعيد الصيام » (2)ونحوها غيرها.

ومنها يظهر ضعف ما عن محتمل النهاية : من اختصاص ذلك بحال العجز ، ومع الإفطار عمداً يجب الاستئناف. كما يظهر أيضاً ضعف ما عن المفيد ، والسيد ، وابني زهرة وإدريس : من الإثم في الإفطار عمداً - بل حكي أيضاً عن التبيان ، وكفارات النهاية ، وظهار المبسوط - إذ لا دليل


1) الوسائل باب : 4 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 5.

كان من نذر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الأيام جميعها [1] ، ولم يكن المنساق منه ذلك. وألحق المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع [2] ، فقالوا : إذا تابع في خمسة عشر يوماً


على الإثم بعد سقوط التتابع بصيام أكثر من النصف ، بل بعد ظهور النص في كون المراد من التتابع في المقام التتابع على النحو المذكور ، لا بين الأيام جميعها ، كما أشرنا إلى ذلك في أول المسألة الأولى. فراجع.

[1] المشهور عدم اعتبار هذا الشرط في ثبوت الحكم السابق. واستشكل فيه غير واحد - فيما لو صرح الناذر بالتتابع في جميع الأيام ، أو كان منصرف ذهنه ذلك - بأنه مخالف لقاعدة وجوب الوفاء بالنذر. ووجهه في الجواهر : بأن الشارع الأقدس قد كشف عن كون المراد واقعاً بهذا الخطاب ذلك وإن زعم صاحبه خلافه. ولكنه كما ترى ، إذ الأدلة المتقدمة تقصر عن التعرض للنذر ونحوه ، فالإشكال محكم. وعليه فالتقييد بما في المتن في محله.

كما أنه على تقدير عدم التقييد لا موجب للتتابع فيما بين أيام الشهر الأول ولا فيما بينه وبين يوم من الشهر الثاني ، كما تقدم. نعم لو كان مقصود الناذر نذر التتابع المقصود بأصل الشرع - بماله من الأحكام - تعين القول المشهور.

[2] للصحيح عن موسى بن بكر عن الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل جعل عليه صوم شهر ، فصام منه خمسة عشر يوماً ، ثمَّ عرض له أمر. فقال (عليه السلام) : إن كان صام خمسة عشر يوماً فله أن يقضي ما بقي وإن كان أقل من خمسة عشر يوماً لم يجز حتى يصوم شهراً تاماً » (1)ونحوه روايته عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) (2)بناء على ظهورهما في نذر التتابع.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1 ، وملحقة.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث : 1 ، وملحقة.

منه لا يجوز له التفريق في البقية اختياراً. وهو مشكل [1] ، فلا يترك الاحتياط فيه بالاستئناف مع تخلل الإفطار عمداً وان بقي منه يوم. كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختياراً مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع [2].

( مسألة 8 ) : إذا بطل التتابع في الاثناء لا يكشف عن بطلان الأيام السابقة ، فهي صحيحة وإن لم تكن امتثالا للأمر الوجوبي ولا الندبي ، لكونها محبوبة في حد نفسها [3] من حيث أنها صوم. وكذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء فإن الأذكار والقراءة صحيحة في حد نفسها من حيث محبوبيتها لذاتها.


وعن ابن حمزة : اعتبار مجاوزة النصف ولو بيوم. وكأنه قياس على الشهرين ، وهو غير ظاهر. وعن ابن زهرة : التفصيل مع اشتراط الموالاة بين الاختيار فيقضي مطلقاً ، والاضطرار فيبني كذلك. ومع عدم اشتراطها بنى مع الاضطرار مطلقاً ، ومع الاختيار يستأنف إن أفطر في النصف الأول وإن كان في النصف الثاني بنى وأثم. ودليله غير ظاهر.

[1] لضعف سند الروايتين ، فلا يخرج بهما عن القاعدة الموجبة للاستئناف ، كما عن المدارك. وفيه : أن الضعف مجبور بالعمل.

[2] لعدم الدليل على الجواز في غير ما سبق ، فيرجع فيه الى مقتضى القواعد المقتضية للاستئناف ، لفوات المشروط بفوات شرطه.

[3] المحبوبية مسلمة ، إلا أن قصدها دخيل في وقوع الفعل على وجه العبادية فلو لم تقصد لم يكن عبادة. نعم لو قلنا بثبوت العبادة الذاتية ، وأن الصوم ، منها ، كان الصوم حينئذ في نفسه صحيحاً. لكن أشرنا في ( حقائق


الأصول ) - وفي بعض مباحث الطهارة من هذا الشرح - إلى الإشكال في ثبوت ما هو عبادة بالذات بلا ملاحظة كونه محبوباً ، وإن كان واجداً لعنوان يكون علة تامة للمحبوبية ، فضلا عما إذا لم يكن كذلك ، بل كان فيه مقتضى المحبوبية ، فضلا عما إذا لم يكن كذلك ، بل كان فيه مقتضى المحبوبية ، كما في مثل السجود ، والركوع ، والذكر ، والدعاء ، ونحوها من مشاعر التعظيم. ولو سلم فليس الصوم منها ، فإنه مما لا ينطبق عليه عنوان كذلك أصلا ، وليس هو إلا كالنوم ، واليقظة ، والأكل ، والمشي ونحوها مما لا يكون فيه مراسم العبودية ، وإنما تكون عباديته لجهات خفية تعبدية. ومما يشهد بما ذكرنا : تحريم جملة مما يكون عندهم من العبادة بالذات ، فإن الحرمة تنافي ذلك ولو في بعض الأحوال وعلى بعض الكيفيات.

نعم يمكن البناء على تصحيح الصوم في المقام : بأن الناذر في مقام الوفاء بنذره إنما يقصد امتثال الأمر الندبي المتعلق بالصوم لو لا النذر ، وهو المقرب له ، لا الأمر الآتي من قبل النذر ، إذ الأمر بالوفاء بالنذر - كالأمر بالوفاء بالعقود - ليس مقوماً لعبادية موضوعه إذا كان عبادة ، إذ عباديته أيضاً موضوع للنذر ، فلا بد أن يكون المصحح لها أمرها الأولي ، ويمتنع أن يكون المصحح لها أمر النذر. نعم الأمر بالوفاء بالنذر من قبيل الداعي إلى امتثال ذلك الأمر ، فصوم كل يوم إنما يؤتى به بقصد امتثال أمره في نفسه ، فاذا بطل التتابع لم يرد خلل على الامتثال المذكور ، فيكون الصوم عبادة على حاله لو لا بطلان التتابع ، فيكون صحيحاً على كل حال. ولا مجال لهذا التقريب بالنسبة إلى القراءة والأذكار ، إذ عباديتها إنما كانت بقصد امتثال أمر الصلاة ، فإذا بطلت الصلاة بطل الامتثال ، ولا تكون عبادة. نعم يترتب الثواب على فعلها ، بناء على ترتبه على مطلق الانقياد لحصوله على كل حال. لكن ترتب الثواب أمر آخر لا يرتبط بالصحة ، بخلاف الصوم المأتي به بقصد التتابع ، فإنه صحيح وإن بطل التتابع.


اللّهم إلا أن يقال : الوفاء بالنذر ليس من قبيل الداعي حتى لا يكون تخلفه موجباً للبطلان ، بل من قبيل العنوان التقييدي ، فمع بطلانه يبطل الامتثال حقيقة ، إلا أن يكون قصد العنوان بنحو تعدد المطلوب. نعم يكون انقياداً ، كما ذكرنا في القراءة ونحوها عند بطلان الصلاة ، فهما من باب واحد. والحكم فيهما البطلان وإن كان يترتب عليهما الثواب من جهة الانقياد. فتأمل جيداً. واللّه سبحانه أعلم وله الحمد أولا وآخراً.

إلى هنا انتهى المقصود من شرح كتاب الصوم وكان ذلك في أوائل الليلة الثانية من شهر محرم الحرام ، من السنة الرابعة والخمسين بعد الألف والثلاثمائة ، من الهجرة النبوية ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، وأكمل التحية ، على يد مؤلفه الفقير الى اللّه ( محسن ) خلف العلامة المرحوم السيد مهدي الطباطبائي الحكيم - قدس سره .

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الاعتكاف

اشارة

وهو اللبث في المسجد بقصد العبادة [1]. بل لا يبعد كفاية قصد التعبد بنفس اللبث [2] وإن لم يضم اليه قصد عبادة أخرى خارجة عنه. لكن الأحوط الأول. ويصح في


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد والمجد. والصلاة على رسوله وآله الطاهرين

كتاب الاعتكاف

[1] يعني : العبادة زائدة على اللبث ، من ذكر ، أو دعاء ، أو قراءة أو غيرها. ويظهر من غير واحد : أنه لا كلام في اعتبار القيد الأخير ، حيث عرفوه تارة : بأنه اللبث المتطاول للعبادة - كما في الشرائع - وأخرى : بأنه لبث مخصوص للعبادة - كما عن التذكرة ، والمنتهى - وثالثة : بأنه اللبث في مسجد جامع ثلاثة أيام فصاعداً ، صائماً للعبادة - كما عن الدروس - ومع كثرة المناقشة في التعريفات المذكورة ، من جهة عدم الطرد والعكس لم يناقشوا في اعتبار القيد المذكور ، كما يظهر من مراجعة كلامهم.

[2] قال في الجواهر : « المراد من قوله : ( للعبادة ) كون اللبث على وجه التعبد به نفسه ، فلا يتوهم شموله اللبث لعبادة خارجية ، كقراءة

كل وقت يصح فيه الصوم [1] ، وأفضل أوقاته شهر رمضان [2] ،


ونحوها. بل لا يتوهم أن المعتبر في الاعتكاف قصد كون اللبث لعبادة خارجة عنه ، بحيث لا يجزي الاقتصار على قصد التعبد به خاصة. ضرورة ظهور النصوص والفتاوى في مشروعيته لنفسه ، من غير اعتبار ضم قصد عبادة أخرى معه. ففي خبر السكوني بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : « اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجتين وعمرتين » (1). لكن ظاهر ما يأتي من التذكرة اعتبار ذلك ، بل جزم به شيخنا الأكبر في رسالته وكشفه.

أقول : قد عرفت ما هو ظاهر الفتاوى ، وحملها على ما ذكر بعيد جدا. وأما ظاهر النصوص فلم يتضح أنه كما ذكر (قدس سره). وخبر السكوني الذي ذكره إنما ورد في مقام تشريع الاعتكاف عشراً ، فلا مجال للتمسك بإطلاقه. بل ظاهر صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد ، وضربت له قبة من شعر ، وشمر الميزر ، وطوى فراشه .. » (2)اعتبار ذلك.

نعم في صحيح داود بن سرحان : « كنت في المدينة في شهر رمضان فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنى أريد أن اعتكف ، فما ذا أقول ، وما ذا أفرض على نفسي؟ فقال (عليه السلام) : لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود الى مجلسك » (3)فإنه ظاهر في بيان تمام ماهيته ، وخال عن ذكر العبادة. فلاحظ.

[1] بلا إشكال ظاهر ، ولا خلاف.

[2] كأنه لخبر السكوني المتقدم. ولخبر أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

وأفضله العشر الأواخر منه [1].

وينقسم إلى واجب ، ومندوب. والواجب منه ما وجب بنذر ، أو عهد ، أو يمين ، أو شرط في ضمن عقد ، أو إجارة ، أو نحو ذلك ، وإلا ففي أصل الشرع مستحب [2]. ويجوز الإتيان به عن نفسه ، وعن غيره الميت. وفي جوازه نيابة عن الحي قولان [3] ، لا يبعد ذلك ، بل هو الأقوى. ولا يضر اشتراط الصوم فيه فإنه تبعي ، فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحي. ويشترط في صحته أمور :


قال : « اعتكف رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) في شهر رمضان في العشر الأول ، ثمَّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى ، ثمَّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر ثمَّ لم يزل (صلی اللّه عليه وآله) يعتكف في العشر الأواخر » (1)فتأمل.

[1] لما يظهر من مواظبة النبي (صلی اللّه عليه وآله) عليه ، بل حكاية ذلك في كلام المعصوم دليل على الأفضلية.

[2] إجماعاً ، ادعاه جماعة كثيرة ، بل في الجواهر : الإجماع من المسلمين عليه.

[3] أحدهما : المنع ، كما في رسالة كاشف الغطاء ، حيث قال فيها : « تجوز نيته عن الميت والأموات ، دون الأحياء ». وثانيهما : الجواز ، كما قواه في الجواهر. قال : « ولا يقدح ما فيه من النيابة في الصوم ، كالصلاة في الطواف ، ونحوها ».

أقول : إن كان عموم يقتضي جواز النيابة عن الأحياء فلا حاجة الى التعليل بالتبعية ، إذ الصوم كالاعتكاف تجوز فيهما النيابة في عرض واحد


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الاعتكاف حديث : 4.

الأول : الإيمان [1] ، فلا يصح من غيره.

الثاني : العقل [2] ، فلا يصح من المجنون - ولو أدواراً في دوره - ولا من السكران وغيره من فاقدي العقل.

الثالث : نية القربة [3] ، كما في غيره من العبادات. والتعيين إذا تعدد [4] ولو إجمالا. ولا يعتبر فيه قصد الوجه ،


وإن لم يكن عموم كذلك ، فأصالة عدم المشروعية كافية في المنع ولو لم يكن فيه صوم. مع أن قياس صوم الاعتكاف بصلاة الطواف لا يخلو من إشكال ، لأن الصلاة لا بد من الإتيان بها بعنوان كونها مضافة الى الطواف ولا كذلك صوم الاعتكاف ، إذ يكفي فيه الصوم ولو بعنوان كونه صوم شهر رمضان. فتأمل.

ولأجل أن الظاهر ثبوت العموم الدال على مشروعية النيابة عن الحي - كروايتي محمد بن مروان وعلي بن حمزة ، المذكورتين في باب قضاء الصلوات عن الأموات من الوسائل (1)- كان البناء على مشروعية النيابة فيه قوي.

[1] لأن الاعتكاف من العبادات إجماعاً ، وهي لا تصح من غير المؤمن للإجماع والنصوص ، كما سبق. مضافاً إلى ما في الجواهر : من كون اللبث في المسجد حرام على الكافر ، والحرمة مانعة من صحة التعبد ، ولا فرق في في ذلك بين الابتداء والاستدامة. فما عن المبسوط - من أنه لا يبطل الاعتكاف بالارتداد في الأثناء - في غير محله.

[2] إذ لا قصد بدونه ، والقصد من ضروريات العبادة.

[3] للإجماع على كونه عبادة.

[4] قد عرفت في مبحث قضاء الصوم : أن إمكان التعيين فرع التعين ،


1) الوسائل باب : 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث : 1 ، 9.

كما في غيره من العبادات [1]. وإن أراد أن ينوي الوجه ، ففي الواجب منه ينوي الوجوب [2] ، وفي المندوب الندب. ولا يقدح في ذلك كون اليوم الثالث - الذي هو جزء منه -


فالأمور المتعددة إذا كانت متميزة بمميزات داخلة أو خارجة أمكن فيها التعيين ، فيجب إذا كانت عبادة ، كما سبق في كتاب الصلاة. أما إذا لم لم تكن متميزة بمميزات كذلك ، بل كانت من قبيل أفراد حقيقة واحدة ، كما إذا وجب صوم أيام ، فإن كل واحد من الأيام لما لم يكن متميزاً عن الآخر بمميزات داخلية ولا خارجية لم يمكن التعيين ، فضلا عن أن يجب وأفراد الاعتكاف من هذا القبيل.

نعم إذا كان واحد منها منذوراً ، والآخر مستأجراً عليه ، فلا بد من قصد الوفاء بالنذر ، أو قصد النيابة ، لأن عنوان الوفاء بالنذر ، وعنوان النيابة من العناوين القصدية ، التي لا يمكن أن تتحقق بدون القصد. لكن ذلك أمر آخر ليس تعييناً في الاعتكاف. ولذا لو نذر : إن شفي مريضه اعتكف ، وإن رزقه اللّه ولداً اعتكف ، فشفي مريضه ورزق ولداً وجب عليه الاعتكافان ، ويصح الإتيان بهما بلا تعيين ، بل يكفي مجرد قصد الوفاء بالنذر لا غير. فلاحظ.

[1] على ما تقدم في الوضوء.

[2] قد تقدم في المتن : أن مشروعية الاعتكاف إنما هي على وجه الندب ، وأن وجوبه إنما يكون بالعرض بنذر ، أو عهد ، أو يمين أو شرط أو إجارة أو نحوها. ولأجل أن موضوع هذه العناوين هو الاعتكاف العبادي المشروع عبادة في الشريعة المقدسة ، وعباديته إنما هي بتوسط الأمر الندبي وإلا فالأمر الوجوبي ليس عبادياً ، أمكن حينئذ أن يتحقق الوفاء بأحد العناوين المذكورة بقصد ذلك الأمر الندبي ، بل لعل ذلك هو المتعين ، لأنه

واجباً ، لأنه من أحكامه [1]. فهو نظير النافلة إذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها. ولكن الأولى ملاحظة ذلك حين الشروع فيه ، بل تجديد نية الوجوب في اليوم الثالث [2].

ووقت النية قبل الفجر. وفي كفاية النية في أول الليل - كما في


بذلك يكون وفاء.

اللّهم إلا أن يكون المقصود للناذر ونحوه خصوص الحصة الملازمة للتقرب ، نظير ما يذكر في مبحث أخذ نية القربة في موضوع الأمر ، فيمكن حينئذ أن يتقرب بالأمر الوجوبي. كما يمكن بالأمر الندبي الأولي فوجهه الندب ، وإن تقرب بالأمر الوجوبي الثانوي فوجهه الوجوب ، وإن تقرب بهما - بناء على إمكان التقرب بنحو داعي الداعي ، بحيث يتقرب بكل من الأمر الداعي والمدعو اليه - قصد الوجهين معاً. وإن كان المراد به الوجه الذي يكون عليه الفعل فعلا ، فلا بد من قصد الوجوب وإن تقرب بالأمر الندبي. فتأمل جيداً.

[1] كذا علله في الجواهر. أقول : الذي يستفاد من الأدلة في المقام أن في الاعتكاف مصلحتين ، إحداهما غير ملزمة قائمة بتمام الثلاثة أيام ومجموعها وثانيتهما ملزمة قائمة باليوم الثالث منوطة بتحقق اليومين الأولين ، فاليوم الثالث واجد لمصلحتين ، إحداهما ضمنية غير ملزمة ، والثانية استقلالية ملزمة. فالوجه الذي يقصد إن كان هو الحال الذي يكون عليه الفعل فعلا بأي لحاظ كان ، فوجه اليوم الثالث الوجوب لا غير. وان كان الحال الذي يكون عليه الأمر الذي يتحرك من قبله فوجه الأمر الندب في الجميع قبل تمام اليومين ، وبعده يمكن أن يكون الندب ويمكن أن يكون الوجوب ، ويمكن أن يكون مجموعهما ، كل ذلك تابع لقصده في فعل اليوم الثالث. فلاحظ

[2] لأجل تحصيل المقارنة بين الاخطار والفعل.

صوم شهر رمضان - إشكال [1]. نعم لو كان الشروع فيه في أول الليل [2] أو في أثنائه نوى في ذلك الوقت. ولو نوى الوجوب في المندوب ، أو الندب في الواجب اشتباهاً لم يضر. إلا إذا كان على وجه التقييد [3] ، لا الاشتباه في التطبيق.

الرابع : الصوم ، فلا يصح بدونه [4]. وعلى هذا فلا


[1] لأن الأصل اعتبار مقارنة النية للعبادة. وجواز التقديم في أول الليل في الصوم - للإجماع ، أو للنبوي ، أو لكون عباديته على نحو خاص لا كسائر العبادات ، كما سبق - لا يقتضي القول به هنا ، لأن المكث في المسجد يجب أن يقع على وجه العبادة ، فلا بد من مقارنته للنية.

وفيه : أنه بناء على التحقيق من كون النية بمعنى الداعي لا مجال للإشكال في جواز التقديم ، ضرورة أن التقديم لا ينافي وقوعه عن ذلك الداعي الارتكازي نعم الظاهر أن مفروض المتن ما لو نام أو غفل بنحو ذهب الداعي بالمرة فطلع عليه الفجر وهو في المسجد. ووجه الإشكال حينئذ : ما ذكرنا من عدم كون حدوث اللبث عن داعي الاعتكاف العبادي ، ومن أن النوم في الأثناء لا يضر ، فكذا في الابتداء. والأقرب الصحة ، لعدم ثبوت كونه عبادة بأكثر من ذلك.

نعم قد يشكل الأمر فيما لو نام في بيته ناوياً المجي‌ء إلى المسجد عند الفجر واللبث فيه معتكفاً ، ثمَّ اتفق أنه جي‌ء به إلى المسجد وهو نائم حتى طلع الفجر.

[2] يعني : نوى كون اللبث في أول الليل اعتكافاً ، فإنه لا مجال للإشكال فيه ، لتحقق المقارنة.

[3] كما تقدم نظيره مراراً.

[4] بلا خلاف أجده فيه بيننا ، بل الإجماع بقسميه عليه ، كذا في

يصح وقوعه من المسافر في غير المواضع التي يجوز له الصوم [1] ولا من الحائض والنفساء ، ولا في العيدين ، بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصح وان كان غافلا حين الدخول. نعم لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع أو الخامس منه العيد فان كان على وجه التقييد بالتتابع لم يصح ، وإن كان على وجه الإطلاق لا يبعد صحته ، فيكون العيد فاصلا بين أيام الاعتكاف [2].


الجواهر. ويشهد له صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال لا اعتكاف إلا بصوم » (1)وفي صحيحه الآخر عنه (عليه السلام) : « وتصوم ما دمت معتكفاً » (2)، ونحوهما وغيرهما.

[1] وعن ابن بابويه والشيخ وابن إدريس : جوازه. لإطلاق ما دل على مشروعيته ، المقتضي لمشروعية ما يتوقف عليه. وفيه : أن الإطلاق بعد ما كان مقيداً بالصوم يكون مقيداً بكل ما يكون قيداً للصوم ، لأن المقيد للمقيد مقيد ، فلا يصلح لمعارضة ما دل على تقييد الصوم بالحضر ، فضلا عن أن يقدم عليه ، كما يظهر ملاحظة النظائر ، مثل : « لا صلاة إلا بطهور » بالإضافة إلى ما دل على عدم مشروعية الوضوء بماء الورد ، أو بالماء المضاف بل لازم كلامهم صحة الاعتكاف يوم العيد إذا أراد أن يعتكف فيه بعين التقريب المتقدم في السفر.

[2] بعد الفصل بالعيد لا يكون المجموع اعتكافاً واحداً ، لاعتبار التوالي فيه. فالمتعين البناء على كون ما بعد العيد اعتكافاً آخر ، فيعتبر فيه أن يكون ثلاثة أيام لا أقل ، إذ لا يكون أقل من ثلاثة أيام ، كما سيأتي.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

الخامس : أن لا يكون أقل من ثلاثة أيام [1] ، فلو نواه كذلك بطل. وأما الأزيد فلا بأس به وان كان الزائد يوماً ، أو بعض يوم ، أو ليلة ، أو بعضها [2]. ولا حد لأكثره [3]. نعم لو اعتكف خمسة أيام وجب السادس [4].


[1] بلا خلاف أجده فيه بيننا ، بل الإجماع بقسميه عليه ، كذا في الجواهر. ويشهد له موثق عمر بن يزيد : « لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام » (1)ونحوه خبر أبي بصير (2)وقريب منهما غيرهما.

[2] قد يشهد له موثق أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - قال : « من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار ، إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر ، وإن شاء خرج من المسجد ، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر » (3). فإن مفهوم ذيله يقتضي جواز الخروج وإن كان بعض يوم ، أو بعض ليلة - بناء على ما يأتي من تبعية الليل لليوم - ومدلوله الالتزامي جواز زيادة البعض المذكور. فما عن بغية كاشف الغطاء : من الميل الى العدم ضعيف.

[3] كأنه لا خلاف فيه ، وقد أرسله غير واحد إرسال المسلمات من دون ذكر خلاف في ذلك. وقد يقتضي بعض النصوص المتعرضة للتحديد من طرف الأقل ، من دون تعرض للأكثر.

[4] كما لعله المشهور. ويشهد له موثق أبي عبيدة السابق. ويأتي في المسألة الخامسة ماله نفع في المقام.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الاعتكاف حديث : 5.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب الاعتكاف حديث : 2.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

بل ذكر بعضهم أنه كلما زاد يومين وجب الثالث [1] ، فلو اعتكف ثمانية أيام وجب اليوم التاسع - وهكذا - وفيه تأمل. واليوم من طلوع الفجر [2] إلى غروب الحمرة المشرقية ، فلا يشترط إدخال الليلة الأولى [3] ، ولا الرابعة [4] وإن جاز ذلك ، كما عرفت. ويدخل فيه الليلتان المتوسطتان [5]. وفي


[1] بل عن المسالك والمدارك : عدم القول بالفصل بين السادس وكل ثالث ، وفي الجواهر : قد يظهر من الموثق ذلك. ولكنه غير ظاهر ، ولذلك تأمل فيه المصنف (رحمه اللّه).

[2] كما هو الظاهر منه لغة وعرفاً.

[3] كما لعله المشهور. وعن العلامة والشهيد الثاني : دخولها. لأن اليوم يستعمل في المركب منها ومن النهار. ولدخولها في اليومين الأخيرين. وفيه : أن الاستعمال أعم. ودخولها في الأخيرين ، بقرينة ظهور الأدلة في الاستمرار ، يمنع من صحة القياس.

[4] عن المدارك : أنه حكي عن بعض الأصحاب احتمال دخولها ، وقال بعد نقله : « وهو بعيد جداً ، بل مقطوع بفساده ». وفي خبر عمر ابن يزيد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن المغيرية يحكمون أن هذا اليوم لليلة المستقبلة. فقال (عليه السلام) : كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية. إن أهل بطن نخلة إذا رأوا الهلال قالوا : قد دخل شهر الحرام » (1). وبطن نخلة بين مكة والطائف.

[5] كما هو المشهور شهرة عظيمة. وعن الخلاف : عدم الدخول ، لخروجهما عن اليومين. ذكر ذلك فيمن نذر اعتكاف ثلاثة أيام. وفيه : أنه وان كان كذلك إلا أن المنصرف إلى الذهن في الأمور القابلة للاستمرار


1) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث : 7.

كفاية الثلاثة التلفيقية إشكال [1].

السادس : أن يكون في المسجد الجامع [2] ، فلا يكفي


هو الدخول ، كما في إقامة العشرة ، وخروج الدم ، كما تقدمت الإشارة إليه مراراً.

[1] ينشأ : من البناء عليه في الأمور المستمرة ، لظهور الكلام فيه عرفاً ، مثل أقل الحيض ، وأكثره النفاس ، وإقامة العشرة ، ومدة الاستبراء ، والعدة ، ومدة الخيار ، وغير ذلك. ومن أن مقتضى الجمود على ما تحت الكلام هو العدم. وثبوت ذلك في الموارد المذكورة - لظهور الكلام في إرادة التقدير - لا يقتضي الثبوت هنا ، لاحتمال اعتبار خصوصية ما بين المبدأ والمنتهى - أعني : ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس - من دون ثبوت ما يقتضي رفع اليد عن الظاهر. ولا سيما بملاحظة ما دل على اعتبار الصوم ، فان المناسب إرادة أيام الصوم. فتأمل.

[2] كما عن المفيد ، والمحقق في المعتبر ، والشهيدين ، وسيد المدارك وكثير من المتأخرين. ويشهد له صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع » (1)، وخبر علي بن غراب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) : « قال : المعتكف يعتكف في المسجد الجامع » (2)، وخبر داود بن سرحان عنه (عليه السلام) : « إن علياً (عليه السلام) كان يقول : لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام ، ومسجد الرسول أو مسجد جامع » (3)وموثق داود بن حصين - المروي في المعتبر ، والمنتهى - عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا اعتكاف إلا بصوم وفي المصر الذي أنت فيه » (4).


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 4.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 10.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 11.


وعن الشيخ ، والمرتضى ، والحلبي ، والحلي ، وغيرهم : التخصيص بأحد المساجد الأربعة : مسجد الحرام ، ومسجد النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، ومسجد الكوفة ، ومسجد البصرة. بل عن الخلاف ، والتبيان ، والانتصار ، والغنية وغيرها : الإجماع عليه. وعن علي بن بابويه : إبدال مسجد البصرة بمسجد المدائن. وعن ولده : ضمه إلى الأربعة. واستدل له بخبر عمر بن يزيد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ قال (عليه السلام) : لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ، قد صلى فيه إمام عدل بصلاة جماعة. ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة ، والبصرة ، ومسجد المدينة ، ومسجد مكة » (1). بناء على أن المراد بإمام عدل الإمام الأصلي. ومرسلة المقنعة : « روي : أنه لا يكون إلا في مسجد جمع فيه نبي ، أو وصي نبي ، وهي أربعة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، جمع فيه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأمير المؤمنين (عليه السلام) ، ومسجد الكوفة ، ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين (عليه السلام) (2).

لكن المرسل ضعيف ، ولم يثبت انجباره ، بل حكاية القول الأول عن مرسله توهنه. وكون المراد بإمام عدل الإمام الأصلي غير ظاهر ، ولا قرينة عليه. مع أنه لو كان المراد منه ذلك لم يحسن قوله (عليه السلام) : « ولا بأس أن يعتكف .. » ، لأن مورده من جملة أفراده ، بل من أظهرها. فالمرسل المذكور لا مجال للعمل به لو صح سنده.

فالأولى أن يقال في وجه الجمع بين النصوص : أنها طوائف : منها : ما تضمن اعتبار الجامع وإن لم تنعقد به جماعة ، كما سبق. ومنها : ما تضمن اعتبار كونه مما تنعقد به الجماعة وإن لم يكن جامعاً ، كمصحح الحلبي عن


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 8.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 12.


أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سئل عن الاعتكاف. قال : لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام ، أو مسجد الرسول (صلی اللّه عليه وآله) ، أو مسجد الكوفة ، أو مسجد جماعة » (1)، وموثق عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا يصلح العكوف في غيرها ( يعني : مكة ) إلا أن يكون في مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، أو مسجد من مساجد الجماعة » (2)وخبر يحيى بن العلاء الرازي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا يكون اعتكاف إلا في مسجد جماعة » (3). ومنها : ما جمع الأمرين ، كخبر أبي الصباح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : .. « إن علياً (عليه السلام) كان يقول : لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام ، أو في مسجد الرسول ، أو في مسجد جامع جماعة » (4). فيحمل ما دل على اعتبار الجامع على إرادة جامع الجماعة ، جمعاً بين الطوائف المذكورة ، ويكون المراد من قوله (عليه السلام) في خبر ابن يزيد : « قد صلى فيه إمام عدل » تفسير الجماعة بالجماعة الصحيحة ، لا مطلق الجماعة التي تنعقد في غالب مساجد بغداد في ذلك الزمان. ويكون المقصود من قوله (عليه السلام) فيه : « ولا بأس أن يعتكف » أن هذه المساجد لها خصوصية تقتضي صحة الاعتكاف فيها ولو لم تنعقد فيها الجماعة.

ويكون المتحصل من جميعها : جواز الاعتكاف في المساجد الأربعة وإن لم تنعقد فيها جماعة ، وكل مسجد تنعقد به الجماعة الصحيحة.

نعم ربما يكون لخبر داود بن الحصين المتقدم ظهور في اعتبار كون المسجد مسجد البلد. اللّهم إلا أن يحمل على إرادة مسجد بعينه كانت


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 7.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 6.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب الاعتكاف حديث : 5.

في غير المسجد ، ولا في مسجد القبيلة والسوق. ولو تعدد الجامع تخير بينها [1] ، ولكن الأحوط مع الإمكان كونه في أحد المساجد الأربعة [2] : مسجد الحرام ، ومسجد النبي (صلی اللّه عليه وآله) ومسجد الكوفة ، ومسجد البصرة.

السابع : إذن السيد بالنسبة إلى مملوكه [3] ، سواء كان قناً ، أو مدبراً ، أو أم ولد ، أو مكاتباً لم يتحرر منه شي‌ء [4] ولم يكن اعتكافه اكتساباً. وأما إذا كان اكتساباً فلا مانع


تنعقد به الجماعة الصحيحة ، أو خصوص مسجد الكوفة ، بقرينة كونه كوفياً أسدياً. ولو لم يتم ذلك تعين تقييد غيره به ، كتقييده بغيره ، جمعاً بين المطلق والمقيد. فيتعين اعتبار كونه مسجد البلد ، وكونه مما تنعقد به الجماعة الصحيحة إذا لم يكن أحد المساجد الأربعة ، وإلا جاز الاعتكاف به على كل حال. وإجماع الخلاف والتبيان ، والانتصار ، والغنية ، وغيرها ، المحكي على اعتبار كونه في أحد المساجد الأربعة لا مجال للاعتماد عليه ، مع تحقق الخلاف ووضوحه. واللّه سبحانه أعلم.

[1] للإطلاق.

[2] خروجاً عن شبهة الخلاف المتقدم. أما مع عدم الإمكان فالأحوط الإتيان به في غيرها برجاء المطلوبية.

[3] بلا خلاف أجده فيه ، كما في الجواهر. وعن المسالك والمدارك : نفي الاشكال فيه ، وعن الحدائق : نفي الاشكال والخلاف فيه. وينبغي أن يكون كذلك ، لأن العبد مملوك لمولاه ، فتصرفه في نفسه يتوقف على الاذن من المالك.

[4] للاشتراك في الملكية.

منه [1]. كما أنه إذا كان مبعضاً فيجوز منه في نوبته إذا هاياه مولاه من دون إذن [2] ، بل مع المنع منه أيضاً. وكذا يعتبر إذن المستأجر بالنسبة إلى أجيره الخاص [3] ، وإذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافياً لحقه [4] ، وإذن الوالد ،


[1] لتحقق الاذن بالكتابة.

[2] عملا بالمهاياة.

[3] كما عن الدروس. وهو ظاهر إذا كان قد استأجره بنحو ملك عليه منفعة الاعتكاف. أما إذا لم يكن كذلك فالمنع عنه بدون إذن المستأجر يتوقف على القول بأن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده. وأوضح منه ما لو لم يكن منافياً للعمل المستأجر عليه ، كما إذا استؤجر على عمارة المسجد ، أو حفر بئر فيه ، أو خياطة فرشه في أيام معينة ، فإنه لا ينبغي التأمل في عدم الحاجة فيه إلى الاذن من المستأجر.

[4] بل قد يشكل الحكم في المنافي أيضاً ، بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده. نعم ورد في النصوص : أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها بغير إذنه (1). والمراد منه حرمة المكث في خارج البيت مع عدم الاذن ، فاذا كان الاعتكاف كذلك حرم ، فلا يصح عبادة فلو كان مقيماً معها في المسجد ، أو كان قد أذن لها في الخروج إلى المسجد لكن نهاها عن عنوان الاعتكاف ، فالبطلان حينئذ غير ظاهر. إلا أن يرجع إلى تقييد الاذن بغير الاعتكاف. كما أنه لو كان صومها مندوباً ، وقلنا بتوقفه على إذن الزوج - كما دل عليه الصحيح (2)، وادعي عليه الإجماع - بطل من دون إذن الزوج ، فيبطل الاعتكاف الموقوف عليه.


1) لاحظ الوسائل باب : 79 ، 80 وغيرهما من أبواب مقدمات النكاح.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب الصوم المحرم والمكروه.

أو الوالدة بالنسبة إلى ولدهما ، إذا كان مستلزماً لإيذائهما [1]. وأما مع عدم المنافاة ، وعدم الإيذاء فلا يعتبر إذنهم ، وإن كان أحوط ، خصوصاً بالنسبة إلى الزوج والوالد.

الثامن : استدامة اللبث في المسجد [2] ، فلو خرج عمداً


أما لو كان صومها واجباً ، أو أذن لها فيه ونهاها عن الاعتكاف ، فالبطلان أيضاً غير ظاهر.

ثمَّ إن هذا كله في حدوث الاعتكاف في اليومين الأولين منه ، أما اليوم الثالث فلا يقدح نهي الزوج عن الاعتكاف فيه إذا كان قبل النهي مشروعاً لها ، لأنه واجب ولا أثر لنهي الزوج عن فعل الواجب. لكن الفرض خارج عن مورد المتن.

[1] لا إشكال ظاهراً في حرمة إيذائهما بالمخالفة للأمر أو النهي الصادرين من أحدهما بداعي العطف والشفقة. وكأنه القدر المتيقن من وجوب إطاعة الوالدين. وحينئذ فإذا نهى أحدهما الولد عن الاعتكاف بداعي الشفقة ، أو عن الصوم كذلك بطل ، وإلا فالدليل على البطلان مع عدم الاذن غير ظاهر. ولو سلم حرمة إيذائهما مطلقاً اختص بما لو كان الصوم أو الاعتكاف عن اطلاعهما ، إذ لا أذى مع عدمه ضرورة.

[2] باتفاق العلماء - كما عن المعتبر - وإجماعهم - كما عن التذكرة ، والمدارك ، والحدائق - وفي الجواهر : الإجماع بقسميه عليه. ويدل عليه. - مضافاً إلى ذلك - جملة من النصوص ، كصحيح داود بن سرحان : « كنت بالمدينة في شهر رمضان ، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني أريد أن أعتكف فما ذا أقول ، وما ذا أفرض على نفسي؟ فقال (عليه السلام) لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها » (1)، وموثق ابن سنان : « ولا يخرج


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

اختياراً لغير الأسباب المبيحة بطل ، من غير فرق بين العالم بالحكم والجاهل به [1]. وأما لو خرج ناسياً أو مكرهاً فلا يبطل [2].


المعتكف من المسجد إلا في حاجة » (1). وقريب منهما غيرهما.

[1] كما في الجواهر مرسلا له إرسال المسلمات. وكأنه لإطلاق الأدلة.

نعم قد يشكل في الجاهل القاصر ، بناء على صلاحية حديث : ( رفع ما لا يعلمون ) (2)لإثبات الصحة. لكن المبنى ضعيف ، لأن الحديث الشريف رافع ، لا مثبت ، فلا يصلح لإثبات صحة الباقي.

وأما ما قيل : من أن الجمع بينه وبين دليل وجوب الباقي يقتضي ذلك. ففيه : أن الحديث المذكور ليس في مرتبة الأدلة الواقعية ، كي تلحظ النسبة بينها ، لأن المفروض كونه حكماً ظاهرياً ، وهو في غير مرتبة الواقع وإلا لزم انتفاء الشك بالواقع ، وهو خلف. ولا تصح مقايسة المقام بما لو قام دليل على نفي جزئية المشكوك ، فإنه يدل على صحة الباقي ، مع أنه كحديث الرفع رافع في مقام الشك. وذلك للفرق بين المقامين ، لأن الدليل مثبتة حجة ، فهو يصلح للإثبات ، وهذا الأصل مثبتة ليس بحجة.

وإن شئت قلت : بعد ما كان المفروض أن الوجوب على تقديره ارتباطي ، فهو كما يتلازم في مقام الثبوت والسقوط واقعاً ، كذلك يتلازم في مقام السقوط والثبوت ظاهراً ، فرفعه في مقام الظاهر بالنسبة إلى المجهول رفع بالنسبة إلى غيره ، وإلا كان خلفاً.

ومن ذلك يظهر أنه لا مجال للتمسك بحديث الرفع لنفي شرطية أو جزئية مشكوك الشرطية أو الجزئية في العقود والإيقاعات.

[2] أما الأول فلا خلاف فيه - كما في الجواهر - مستدلا له بالأصل


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 5.

2) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.


وحديث رفع التسعة ، وانصراف ما دل على الشرطية إلى غيره ، ولو لاشتماله على النهي المتوجه إلى غيره.

وفيه : أن الأصل لا مجال له مع إطلاق الأدلة. وحديث الرفع قد عرفت أنه لا يصلح لإثبات صحة الناقص بعد ما كان التكليف ارتباطياً ، وأن الحديث ناف لا مثبت. والانصراف الذي ادعاه ممنوع. وعدم صحة توجيه الخطاب إليه لا يمنع عن ثبوته في الجملة الكافي في تحقق البطلان. ولا فرق في ذلك بين ناسي الحكم ، وناسي الاعتكاف ، وناسي كون حد المسجد ما تجاوز عنه.

ودعوى : أنه لا يبعد شمول الحديث له بملاحظة صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) : « في الرجل يستكره على اليمين ، فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ، أيلزمه ذلك؟ فقال (عليه السلام) : لا. قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه ، وما لم يطيقوا ، وما أخطأوا » (1). فان النسيان وإن لم يكن أحد الثلاثة ، إلا أن الظاهر أن المراد بحديث رفع التسعة هو المراد بالحديث المذكور ، وحينئذ يدل الصحيح على أن المراد بحديث الرفع عموم الرفع للتكليف والوضع ، فيدل على عدم سببية المنسي وعلى عدم شرطيته أو جزئيته إذا كان المنسي سبباً أو شرطاً أو جزءاً ، وعلى عدم مانعيته أو قاطعيته إذا كان مانعاً أو قاطعاً ، فاذا دل على عدم قاطعية الخروج فقد دل على الصحة ، لأن البطلان إنما حصل من القاطعية وهي منتفية.

مندفعة : بأن القاطعية إنما تكون منتزعة من الأمر بالمقيد بعدم القاطع فرفعها إنما يكون برفع الأمر بالمقيد ، وذلك لا يقتضي ثبوت الأمر بذات المقيد مطلقاً ، كي يصح حتى مع وجود القاطع. وكذا حال بقية الأحكام


1) الوسائل باب : 12 من أبواب الأيمان حديث : 8.

وكذا لو خرج لضرورة [1] عقلا ، أو شرعاً ، أو عادة ، كقضاء الحاجة - من بول أو غائط - أو للاغتسال من الجنابة


الوضعية ، فإن شرطية القبض لبيع الصرف منتزعة من جعل الأثر للعقد الواقع معه القبض ، فاذا فات القبض عن إكراه فحديث الرفع إنما يقتضي رفع الأثر عن المقيد ، لا أنه يقتضي ثبوته للمطلق. ولذا لم يكن بناء الأصحاب على صحة العقود أو الإيقاعات عند فوات ما يعتبر فيها إذا كان فواته نسياناً أو إكراهاً أو اضطراراً. فلاحظ.

وبالجملة : انتفاء أثر الفعل الصادر نسياناً لا يقتضي ترتب الأثر على الاعتكاف الناقص ، ومقتضى إطلاق الدليل القادحية العدم.

وأما الثاني فجعله في الشرائع بحكم الطائع في قدح خروجه ، لإطلاق الأدلة. وعن التذكرة : العدم ، إلا مع طول الزمان. واستدل له في الجواهر : بظهور أدلة المنع في غيره. خصوصاً بملاحظة ما دل على الرخصة في الخروج للحاجة ونحوها مما هو أسهل بمراتب من الإكراه. لكن عرفت الإشكال في الأول. وأما الثاني فغير بعيد ، بل قد يقال : بأن دفع الضرر المتوعد عليه المكره من أعظم الحوائج وأهمها ، فيشمله ما دل على جواز الخروج للحاجة.

وعن المدارك : الاستدلال له بالأصل ، وحديث رفع الإكراه ، وعدم توجه النهي إلى هذا الفعل. لكن الأول لا يعارض الدليل. والحديث قد عرفت حاله. وعدم توجه النهي لا يقتضي الصحة ، كما هو ظاهر. نعم ربما يستفاد مما يأتي في الخروج لضرورة أو حاجة.

[1] المذكور في صحيح الحلبي وابن سرحان : « لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها » (1)، وقد تقدم ما في صحيح ابن


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 2 ، 1.

أو الاستحاضة ونحو ذلك. ولا يجب الاغتسال في المسجد وإن أمكن من دون تلويث ، وإن كان أحوط [1]. والمدار على


سرحان الآخر (1)وفي موثق ابن سنان : « ولا يخرج المعتكف من المسجد إلا في حاجة » (2)ومقتضى وجوب حمل المطلق على المقيد اعتبار لزوم الحاجة. نعم في صحيح الحلبي جواز الخروج للجنازة ، وعيادة المرضى ، ومثله في الأول صحيح ابن سنان (3)والتعدي عنهما الى كل راجح شرعاً غير ظاهر ، وان كان هو ظاهر بعض الأعاظم ، بل لعله ظاهر الأكثر حيث جوزوا الخروج لتشييع المؤمن.

وأما ما في خبر ابن ميمون ، من خروج الحسن (عليه السلام) لقضاء حاجة المؤمن ، فقال له : « يا ابن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أنسيت اعتكافك ) فقال (عليه السلام) : له : لم أنس ، ولكني سمعت أبي بحديث عن جدي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أنه قال : من سعي في حاجة أخيه المؤمن فكأنما عبد اللّه تعالى تسعة آلاف سنة صائماً نهاره قائماً ليله » (4)فلا يدل على عدم منافاة ذلك الخروج للاعتكاف بل من الجائز أن يكون (عليه السلام) بنى على نقض اعتكافه. وبالجملة : لا دليل ظاهر يدل على جواز الخروج للحاجة الراجحة ديناً أو دنياً.

[1] تحفظاً باستدامة اللبث. لكن عن المدارك : أنه قد أطلق جماعة المنع ، لما فيه من الامتهان المنافي للاحترام. ويحتمل الجواز ، كما في الوضوء والغسل المندوب. واستشكل فيه في الجواهر : بأنه مستلزم لللبث المحرم ، فيجب لأجله الخروج ، وبه يفرق بين الوضوء والغسل المندوب. وهو في محله.


1) تقدم ذلك قريباً في أوائل الأمر الثامن.

2) تقدم ذلك قريباً في أوائل الأمر الثامن.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 6.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 4.

صدق اللبث ، فلا ينافيه خروج بعض أجزاء بدنه [1] من يده أو رأسه أو نحوهما.

( مسألة 1 ) : لو ارتد المعتكف في أثناء اعتكافه بطل [2] وإن تاب بعد ذلك ، إذا كان ذلك في أثناء النهار ، بل مطلقاً على الأحوط [3].

( مسألة 2 ) : لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره [4] وإن اتحدا في الوجوب والندب ، ولا عن نيابة ميت إلى آخر أو إلى حي ، أو عن نيابة غيره إلى نفسه ، أو العكس.


نعم لو توقف الاغتسال في خارج المسجد على لبث في المسجد زائداً على ما يحصل بالاغتسال في المسجد وجب حينئذ الاغتسال في المسجد ، فلو خالف أثم من جهة اللبث الزائد ، وبطل اعتكافه. كما أنه لو أمكن الاغتسال في حال الخروج بلا لبث محرم جاز إيقاعه في المسجد ، بل لعله يجب.

[1] كما عن المعتبر والمنتهى. وعن المسالك : منافاة خروج الجزء له كالكل. ولكنه ممنوع.

[2] لما قد عرفت : من أن الاعتكاف من العبادات حدوثاً وبقاء ، والكفر مانع عن صحة التعبد. وما عن الشيخ (رحمه اللّه) من عدم البطلان غير ظاهر ، كما سبق.

[3] كأنه لأجل خلاف الشيخ لم يثبت عند المصنف (رحمه اللّه) كونه عبادة مطلقاً. وأما البطلان لو كان في أثناء النهار فمن جهة بطلان الصوم ، فإنه يبطل بالارتداد بلا خلاف. ولو أن الشيخ (رحمه اللّه) خص عدم البطلان بالارتداد في الليل لأمكن ابتناؤه على مذهبه ، من عدم دخول الليل في الاعتكاف.

[4] إذ صحة المعدول اليه خلاف الأصل ، لاعتبار النية في العبادة

( مسألة 3 ) : الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد [1]. نعم يجوز ذلك بعنوان إهداء الثواب ، فيصح إهداؤه إلى متعددين أحياء ، أو أمواتاً ، أو مختلفين.

( مسألة 4 ) : لا يعتبر في صوم الاعتكاف أن يكون لأجله [2] ، بل يعتبر فيه أن يكون صائماً أي صوم كان ،


حدوثاً وبقاء ، كما أشرنا إليه في مواقيت الصلاة. وفي الجواهر - بعد ما حكى عن أستاذه في بغية الطالب الجزم بعدم جواز العدول كما في المتن - قال (رحمه اللّه) : « ولا يخلو عن إشكال ». ووجهه غير ظاهر.

[1] لعدم الدليل على قبول الفعل للاشتراك ، والأصل عدم المشروعية. اللّهم إلا أن يستفاد من قول الصادق (عليه السلام) - في بعض أخبار تشريع النيابة في العبادة - : « يصلي عنهما ، ويتصدق عنهما ، ويحج عنهما ، ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما ، وله مثل ذلك » (1)وحمله على إرادة أنه يصلي عن كل منهما بانفراده خلاف الظاهر. ومثله : رواية علي بن أبي حمزة : « قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : أحج ، وأصلي ، وأتصدق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال (عليه السلام) : نعم » (2). ونحوهما غيرهما.

اللّهم إلا أن يكون المقصود من السؤال السؤال عن أصل مشروعية النيابة ، ولا نظر فيه إلى ما هو محل الكلام ، فيتعين الرجوع فيه الى الأصل لعدم مشروعية النيابة على نحو الاشتراك. بل لعل ذلك نفسه دليل على العدم لأن مقتضى الإطلاق المقامي الرجوع إلى العرف في ذلك. فلاحظ.

[2] بلا خلاف أجده فيه ، بل عن المعتبر : أن عليه فتوى علمائنا


1) الوسائل باب : 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث : 9.

فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استئجارياً ، أو واجباً من جهة النذر ونحوه. بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أن يؤجر نفسه للصوم ويعتكف في ذلك الصوم [1]. ولا يضره وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف ، فإن الذي يجب لأجله هو الصوم الأعم من كونه له أو بعنوان آخر ،


• كذا في الجواهر - لإطلاق الأدلة. ولصريح النصوص الحاكية لاعتكاف النبي (صلی اللّه عليه وآله) في شهر رمضان (1).

[1] لأن النذر لا يغير المنذور عما هو عليه ، ولا يصلح لتشريع ما لم يشرع ، ولا يمنع عن تشريع ما هو مشرع. فاذا كانت قيدية الصوم للاعتكاف لا تمنع عن صحة الإتيان به بعنوان الإجارة عن الغير ، فاذا تعلق النذر بالاعتكاف لم يخرج الصوم عما كان عليه ، فيجوز أن يؤجر نفسه للصوم ويعتكف وفاء بالنذر ، كما يجوز غير ذلك أيضاً. وبالجملة : كلما كان جائزاً لو لا النذر فهو جائز بعده.

ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يؤجر نفسه أولا ثمَّ ينذر الاعتكاف صائما فيصوم للإجارة ويعتكف وفاء للنذر ، وبين أن ينذر أولا ثمَّ يؤجر نفسه للصوم فيصوم للإجارة معتكفاً وفاء بنذره. كما لا فرق بين أن يكون المنذور الاعتكاف في أيام معينة ، وبين أن يكون مطلقاً ، فيجوز في كل منهما إيجار نفسه للصوم قبله وبعده.

وما يقال : من أنه إذا نذر الاعتكاف في أيام معينة فقد وجب الصوم فيها من باب المقدمة ، فيمتنع أن يؤجر نفسه للصوم فيها. مندفع : بما أشار إليه المصنف (رحمه اللّه) : من أن الواجب للمقدمية ليس خصوص الصوم للاعتكاف ، بل مطلق الصوم ولو للإجارة نيابة عن الغير ، فيجب عليه


1) راجع أول الفصل.

بل لا بأس بالاعتكاف المنذور مطلقاً في الصوم المندوب [1] الذي يجوز له قطعه [2] ، فان لم يقطعه تمَّ اعتكافه ، وإن قطعه انقطع [3] ووجب عليه الاستئناف.


في الأيام المذكورة أن يصوم نيابة عن الغير للإجارة أو للتبرع ، أو عن النفس قضاء أو كفارة أو ندباً أو غير ذلك ، ويكون الحال كما لو نذر أن يكون صائماً في أيام رجب بأي عنوان كان - وفاء للإجارة ، أو للنذر المطلق ، أو قضاء ، أو كفارة ، أو غير ذلك - فإنه بالنذر يجب أن يوقع الصوم في رجب لأحد العناوين المذكورة. ولا تنافي بين كون الصوم مندوباً بعنوانه الأولي ، وواجباً بعنوان النذر ، فيدعو الأمر الوجوبي الى إطاعة الأمر الندبي.

ومن ذلك كله يظهر ضعف ما عن التذكرة. من أنه لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام وجب عليه الصوم بالنذر ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً. اللّهم إلا أن يريد به أنه يكون واجباً في الجملة ، لا أنه يجب إتيانه للنذر لا غير.

كما يظهر أيضا ضعف ما عن المسالك : من الجزم بالمنع من جعل صوم الاعتكاف المنذور مندوباً ، للتنافي بين وجوب المضي على الاعتكاف الواجب وجواز قطع الصوم المندوب. فإن ندبية الصوم من قبيل الموضوع للنذر ، فكيف تزول به؟! والوجوب ليس في عرض الندب ، ليمتنع اجتماعهما للتضاد ، بل في طوله. فتأمل جيداً.

[1] الظرف متعلق بالاعتكاف.

[2] يعني : قطع الصوم.

[3] هذا في اليومين الأولين. أما في الثالث فلا يجوز ، كما سيأتي.

( مسألة 5 ) : يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأولين [1] ، ومع تمامهما يجب الثالث. وأما المنذور فان كان معيناً فلا يجوز قطعه مطلقا [2] ، وإلا فكالمندوب [3].


[1] كما في الشرائع ، وعن المدارك وجمع من المتأخرين ، بل قيل : إنه الأشهر. ويشهد له صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا اعتكف الرجل يوماً ولم يكن اشترط ، فله أن يخرج ، وأن يفسخ الاعتكاف وان أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام » (1).

وعن الشيخ والحلبي وابن زهرة : عدم الجواز مطلقاً ، وعن الأخير دعوى الإجماع عليه. لما دل على حرمة إبطال العمل. ولما دل على وجوب الكفارة بالوقاع قبل تمام ثلاثة أيام. وفيه : أن الأول - لو تمَّ الاستدلال به على ما نحن فيه - لا يصلح لمعارضة الصحيح. والثاني ليس ظاهراً في المنع عن القطع إلا من جهة الملازمة بين وجوب الكفارة وحرمته ، لكنها ممنوعة. ولذا قال في محكي التذكرة : « لا استبعاد في وجوب الكفارة في هتك الاعتكاف المستحب ». ولو سلمت الملازمة فالصحيح المتقدم مقيد لإطلاق دليل الكفارة ، حملا للمطلق على المقيد.

وعن السيد (رحمه اللّه) والحلي والمعتبر والمختلف والمنتهى وغيرها : جواز القطع مطلقاً. للأصل. وعدم الفرق بين اليومين الأولين واليوم الثالث. ولاستصحاب عدم جواز المضي. والجميع - كما ترى - لا يصلح لمعارضة ما سبق.

[2] لئلا تلزم مخالفة النذر.

[3] لما عرفت : من أن النذر لا يغير المنذور عما هو عليه. وما يظهر من الشرائع - من وجوب المضي بمجرد الشروع فيه - غير ظاهر.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

( مسألة 6 ) : لو نذر الاعتكاف في أيام معينة ، وكان عليه صوم منذور أو واجب لأجل الإجارة ، يجوز له أن يصوم في تلك الأيام وفاء عن النذر أو الإجارة [1]. نعم لو نذر الاعتكاف في أيام مع قصد كون الصوم له ولأجله لم يجز عن النذر أو الإجارة.

( مسألة 7 ) : لو نذر اعتكاف يوم أو يومين ، فان قيد بعدم الزيادة بطل نذره [2] ، وان لم يقيده يصح [3] ، ووجب ضم يوم أو يومين.

( مسألة 8 ) : لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام معينة أو أزيد فاتفق كون الثالث عيداً بطل من أصله [4] ، ولا يجب عليه قضاؤه ، لعدم انعقاد نذره. لكنه أحوط [5].


[1] يظهر وجهه مما سبق.

[2] لعدم مشروعية المنذور.

[3] يعني : بأن أخذه مطلقاً. أما لو أخذه مهملا فهو بمنزلة المقيد في عدم المشروعية.

[4] لانكشاف عدم مشروعية متعلقه.

[5] يمكن أن يكون وجهه : احتمال كون تعيين الأيام الخاصة من باب تعدد المطلوب. لكن التعبير بالقضاء لا يساعد عليه. ويحتمل أن يكون باعتكاف اليومين قبل العيد قد حدثت مصلحة في ضم الثالث ، وعدم إمكان الضم من جهة العيد لا يرفع الاقتضاء الذي يصدق معه الفوت ، فيجب القضاء. لكنه مختص بما إذا اعتكف يومين قبل العيد ، ولا يجري فيما لو اعتكف يوماً واحداً. مع أن أصل الاقتضاء غير ثابت ، لاختصاص دليله

( مسألة 9 ) : لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد بطل [1] إلا أن يعلم يوم قدومه قبل الفجر. ولو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صح ، ووجب عليه ضم يومين آخرين.

( مسألة 10 ) : لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين لم ينعقد [2].

( مسألة 11 ) : لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد لم يجب إدخال الليلة الأولى فيه [3] ، بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر ، فإن الليلة الأولى جزء من الشهر [4].

( مسألة 12 ) : لو نذر اعتكاف شهر يجزئه ما بين الهلالين [5] وإن كان ناقصاً. ولو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوماً [6].


بغير صورة كون الثالث العيد. اللّهم إلا أن يستفاد القضاء مما دل عليه في الحائض والمريض. فتأمل.

[1] البطلان غير ظاهر مع إمكان الاحتياط ، بل وجوبه عليه بالعلم الإجمالي بالمردد بين التدريجيين.

[2] لما عرفت ، من عدم مشروعية الاعتكاف كذلك.

[3] لما عرفت من خروجها عن الثلاثة. اللّهم إلا أن يقصد من اليوم ما يعم الليل.

[4] وبذلك افترق عن اليوم.

[5] لأن الشهر حقيقة في ذلك لغة وعرفاً. ومنه يظهر أنه يتعين عليه ذلك ، لا مجرد إجزائه ، فإنه لا يجزيه الملفق وان كان ثلاثين أو أكثر.

[6] فإن الشهر - أعني : ما بين الهلالين - وإن كان ينقص تارة ، فيكون

( مسألة 13 ) : لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع [1] وأما لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق [2] ثلاثة ثلاثة إلى أن يكمل ثلاثون يوماً. بل لا يبعد جواز التفريق يوماً فيوماً [3] ، ويضم إلى كل واحد يومين آخرين ، بل الأمر كذلك في كل مورد لم يكن المنساق منه هو التتابع.

( مسألة 14 ) : لو نذر الاعتكاف شهراً أو زماناً على وجه التتابع سواء شرطه لفظاً ، أو كان المنساق منه ذلك - فأخل بيوم أو أزيد بطل [4] ، وإن كان ما مضى ثلاثة فصاعداً واستأنف آخر مع مراعاة التتابع فيه [5]. وإن كان معيناً وقد أخل بيوم أو أزيد وجب قضاؤه [6] ، والأحوط التتابع فيه أيضاً. وإن بقي شي‌ء من ذلك الزمان المعين بعد الإبطال


تسعة وعشرين ، ويتم أخرى فيكون ثلاثين ، إلا أنه إذا استعمل في مقام التقدير ، وامتنع حمله على الجامع بينهما ، إذ لا معنى للتقدير بالجامع بين الزائد والناقص ، تعين حمله على أحدهما بعينه. ومقتضى الإطلاق حمله على خصوص الكامل ، فان الحمل على غيره محتاج إلى عناية زائدة ، كما لعله ظاهر بأدنى تأمل.

[1] لتتابع أجزاء الشهر ، التي يرجع نذر اعتكاف الشهر إلى نذر اعتكافها.

[2] إذ لا تتابع في مفهوم المقدر ، والإطلاق ينفيه.

[3] في دخول ذلك في مقصود الناذر تأمل ، والمنصرف غير ذلك.

[4] لانتفاء الشرط.

[5] ليكون مصداقاً للمنذور.

[6] يحتمل رجوع الضمير إلى نفس المنذور ، يعني : قضاء تمام المنذور

بالإخلال فالأحوط ابتداء القضاء منه [1].

( مسألة 15 ) : لو نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل


• كما عن المبسوط والتذكرة - لبطلانه بفوات المتابعة المشروطة فيه ، كما في المسألة السابقة. لكن عن المختلف والمسالك والمدارك : الاقتصار على قضاء ما أخل به ، لأن ما أتى به من الأيام كان متتابعاً ، فتكون موافقة للمنذور ، فلا وجه لوجوب قضائها.

وأشكل عليه في الجواهر : بأن التتابع في البعض غير كاف في الامتثال بعد أن فرض اعتباره في الجميع. وعدم إمكان استئنافها باعتبار تعينها لا ينافي وجوب القضاء ، كما إذا لم يأت بها أجمع.

هذا ومحصل الكلام : أن الناذر تارة : يلاحظ كل واحد من الأيام المعينة لنفسه ، من دون اعتبار انضمامه إلى ما اتصل به من الأيام. وأخرى : يلاحظ انضمامه كذلك. فعلى الأول يصح ما أتى به ، لمطابقته للمنذور ، وليس عليه إلا قضاء ما أخل به ، لفواته. وعلى الثاني عليه قضاء الجميع ما أتى به وما أخل به ، إذ ما أتى به لم يأت به على وجهه الملحوظ فيه حال النذر ، لفقده للانضمام الى ما اتصل به. وعليه يتعين قضاء الجميع متتابعاً ، لوجوب قضاء الفائت كما فات. فتوقف المصنف (رحمه اللّه) في وجوب التتابع في القضاء يناسب أن يكون المراد من الضمير خصوص ما أخل به. لكن قوله (رحمه اللّه) : « فالأحوط ابتداء .. » يعين كون المراد الأول إذ لو كان المراد خصوص ما أخل به لتعين قضاؤه خارج ذلك الزمان ، لأن ما بقي من ذلك الزمان يجب فعل الأداء فيه. وعليه فالتوقف في وجوب التتابع غير ظاهر.

[1] كأنه لموافقته للأداء في الزمان في الجملة. ولكنه - كما ترى - لا يصلح للتوقف في الفتوى.

بالرابع ، ولم يشترط التتابع ، ولا كان منساقاً من نذره ، وجب قضاء ذلك اليوم ، وضم يومين آخرين [1]. والأولى جعل المقضي أول الثلاثة ، وإن كان مختاراً في جعله أياً منها شاء [2].


[1] الحكم فيها ظاهر.

[2] كما استظهره في الجواهر. وحكي عن جماعة من المتأخرين : أن الزائد على الواجب إن تأخر عن الواجب لم يقع إلا واجباً. وإن تقدم جاز أن ينوي به الوجوب من باب مقدمة الواجب ، والندب لعدم تعين الزمان له. وحكي عن المدارك : الاشكال فيه - فيما إذا كان الواجب يوماً واحداً - بأن اعتكاف اليومين بنية الندب يوجب الثالث ، فلا يكون مجزياً عما في ذمته. وبأن الاعتكاف يتضمن الصوم ، وهو لا يقع مندوباً ممن في ذمته واجب.

وأجاب عن الأول : بأن وجوب اليوم الثالث لتتميم الاعتكاف ثلاثاً لا ينافي وجوبه من جهة أخرى. وعن الثاني : بأن الممتنع إنما هو وقوع النافلة ممن في ذمته قضاء رمضان ، لا مطلق الواجب. ولو أراد زوال الاشكال من أصله نوى بالأول الندب ، وجعل ما في ذمته وسطاً. على أنهما واجبان من باب المقدمة ، فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة.

أقول : إذا فرض أنه لا يشرع الاعتكاف أقل من ثلاثة ، وأنه يجب قضاء اليوم الفائت ، كان ذلك دالا على وجوب الضم ، فيكون المنضم واجباً ولا وجه لكونه مندوباً ، لا ذاتاً - لعدم مشروعية أقل من ثلاثة - ولا عرضاً - كما هو واضح - ولا واجباً من باب المقدمة إذ لا مقدمية بين اليوم واليومين ، فإنها جميعاً اعتكاف واحد ، ولو لا وجوب القضاء لكان مندوباً ، لكن لوجوب القضاء صار الجميع واجباً واحداً نفسياً لا مقدمياً. ومن ذلك تعرف الإشكال في كلمات الجماعة. فتأمل.

( مسألة 16 ) : لو نذر اعتكاف خمسة أيام وجب أن يضم إليها سادساً [1] ، سواء تابع ، أو فرق بين الثلاثين.

( مسألة 17 ) : لو نذر زماناً معيناً شهراً أو غيره ، وتركه نسياناً أو عصيانا أو اضطراراً ، وجب قضاؤه [2].


[1] لما تقدم في الشرط الخامس. لكن عن الروضة : حكاية قول بعدم وجوب الضم فيما لو تابع بين الخمسة المنذورة ، ونسب الى الشهيد في بعض تحقيقاته : الميل اليه. وعن المحقق القمي : تقريبه بأن الرواية الدالة على وجوب ضم السادس الى الرابع والخامس مختصة بالمندوب ، فلا تشمل المنذور. وبأنه في المندوب قد تحقق الاعتكاف بالثلاثة الأول ، ولم يثبت من الشرع ما يدل على اتصال اليومين به ، فالرابع والخامس منفصلا عنه ، فيكون اعتكافا آخر يجب بمضي اليومين ، وأما في المنذور فالخمسة اعتكاف واحد ، ولا انفصال بين الرابع والخامس ، لأن النذر جعلها فعلا واحداً متصلا.

وفيه : أن الرواية وإن كانت مختصة بالمندوب - بقرينة الترخيص في الخروج - إلا أن المنذور ليس حقيقة أخرى غير المندوب ، إذ النذر - كما عرفت - إنما تعلق بالمندوب ، فحكم المنذور حكم المندوب لأنه هو. ولو بني على الفرق بينهما أشكل حال المنذور في كثير من الأحكام - ومنها : وجوب الثالث - لاختصاص دليله بالمندوب أيضاً ، فاللازم البناء على جواز نذر اعتكاف يومين لا أزيد ، وهو كما ترى. ومن ذلك يظهر سقوط الفرق الذي ذكره ثانياً بين المنذور والمندوب ، فإن إطلاق الرواية ينفيه. فلاحظ.

[2] قال في الشرائع : « إذا نذر اعتكاف شهر معين ولم يعلم به حتى خرج - كالمحبوس ، والناسي - قضاه ». قال في الجواهر : بلا خلاف بل في المدارك : أنه مقطوع به في كلام الأصحاب ». واستدل له بعموم

ولو غمت الشهور فلم يتعين عنده ذلك المعين عمل بالظن ، ومع عدمه يتخير بين موارد الاحتمال [1].

( مسألة 18 ) : يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد [2] فلا يجوز أن يجعله في مسجدين ، سواء كانا متصلين [3] أو


قولهم (عليهم السلام) : « اقض ما فات كما فات » وقوله (عليه السلام) : من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته ». وبأنه مشتمل على الصوم الذي قد ثبت القضاء للواجب منه. وبأنه قد ثبت القضاء في الحائض والمريض وغيرهما مما اشتملت عليه النصوص والفتاوى ، مع عدم القول بالفصل.

لكن المرسلين غير ثابتين. ووجوب قضاء الصوم - لو سلم - لا يقتضي وجوب قضاء الاعتكاف. والنص الدال على القضاء في الحائض والمريض لا يدل على ما نحن فيه ، وعدم القول بالفصل لا يدل على عدم الفصل. فالمسألة لا تخلو من إشكال لو لا ظهور الإجماع ، الذي تطمئن النفس بثبوت معقده.

[1] كما عن الشهيد. لكنه غير ظاهر مع إمكان الاحتياط ، لوجوبه عقلا حينئذ ، ومع عدمه يسقط التكليف بالمرة ، بناء على سقوط التكليف المعلوم بالإجمال بالاضطرار إلى مخالفته الاحتمالية.

وبالجملة : ما ذكر مبني على تمامية مقدمات دليل الانسداد في خصوص المسألة ، وإثباتها بنحو الكلية في نهاية المنع.

[2] كما نص عليه في الجواهر. لأن ظاهر قولهم (عليهم السلام) : « لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع أو مسجد جماعة » (1)ذلك ، والحمل على الجنس خلاف الظاهر.

[3] حكى في الجواهر عن بغية أستاذه (رحمه اللّه) : جواز التشريك بينهما.


1) الظاهر أن هذا نقل بالمعنى للنصوص المتقدمة في الشرط السادس من شروط صحة الاعتكاف فراجع.

منفصلين. نعم لو كانا متصلين على وجه يعد مسجداً واحداً فلا مانع [1].

( مسألة 19 ) : لو اعتكف في مسجد ، ثمَّ اتفق مانع من إتمامه فيه - من خوف ، أو هدم ، أو نحو ذلك - بطل ، ووجب استئنافه أو قضاؤه [2] إن كان واجباً في مسجد آخر [3] أو ذلك المسجد إذا ارتفع عنه المانع. وليس له البناء ، سواء كان في مسجد آخر ، أو في ذلك المسجد [4] بعد رفع المانع.

( مسألة 20 ) : سطح المسجد ، وسردابه ، ومحرابه منه [5] ،


واستشكل فيه : بأن الاتصال غير مجد. بعد فرض ظهور الأدلة في اعتبار الوحدة ، المفروض عدم تحققها بذلك. وهو في محله.

[1] لصدق الوحدة حينئذ ، ويكون الحال كما لو وسع المسجد بوقف الأرض المتصلة به ، كما سيأتي.

[2] قد عرفت الكلام في وجوب القضاء ، ولا سيما مع انكشاف عدم الأمر بالأداء.

[3] احتمل في الجواهر : الاكتفاء بالإتمام بجامع آخر. وفيه : أنه مناف لإطلاق ما دل على اعتبار الوحدة.

[4] يمكن أن يستفاد مما تقدم - من جواز الخروج للحاجة - عدم قدح الخروج في صحة الاعتكاف ، إذا لم يطل ، ولم يك ماحياً للصورة.

[5] مقتضى الاستصحاب عدم مسجدية ما يشك في كونه مسجداً. نعم قد يحكم على الاستصحاب المذكور ظاهر معتد به عند المتشرعة ، فيكون بناؤهم على العمل به حجة على عدم حجيته ، مثل بنائهم على مسجدية كل ما يكون داخلا في سؤر المسجد من فوقاني وتحتاني. وكما يحكم بمسجدية

ما لم يعلم خروجها. وكذا مضافاته إذا جعلت جزءاً منه [1] كما لو وسع فيه.

( مسألة 21 ) : إذا عين موضعاً خاصاً من المسجد محلا لاعتكافه لم يتعين [2] ، وكان قصده لغواً [3].

( مسألة 22 ) : قبر مسلم وهاني ليس جزءاً من مسجد الكوفة على الظاهر [4].

( مسألة 23 ) : إذا شك في موضع من المسجد أنه جزء منه أو من مرافقه لم يجر عليه حكم المسجد [5].

( مسألة 24 ) : لا بد من ثبوت كونه مسجداً أو جامعاً بالعلم الوجداني ، أو الشياع المفيد للعلم ، أو البينة الشرعية. وفي كفاية خبر العدل الواحد إشكال [6].


ما ذكر يحكم بصحة الاعتكاف في مجموعه وإن انتقل المعتكف من موضع إلى آخر. وما عن الدروس : من تحقق الخروج من المسجد بالصعود على السطح ، لعدم دخوله في مسماه واضح الضعف ، كما في الجواهر.

[1] لصدق الوحدة المعتبرة.

[2] لعدم الدليل عليه ، والأصل ينفيه.

[3] ما لم يرجع إلى تقييد الامتثال.

[4] لخروجهما عن سوره ، والأصل عدم الإلحاق. بل ظاهر اتخاذه قبراً عدمه.

[5] لما تقدم : من الاستصحاب النافي لذلك.

[6] لما تكرر : من عدم الدليل على حجيته في الموضوعات. وبناء العقلاء على حجية خبر الثقة مطلقاً مردوع عنه بمثل رواية مسعدة بن صدقة

والظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي [1].

( مسألة 25 ) : لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية فبان الخلاف تبين البطلان.

( مسألة 26 ) : لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل والمرأة [2] ، فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدته للصلاة في بيتها ، بل ولا في مسجد القبيلة ونحوها.

( مسألة 27 ) : الأقوى صحة اعتكاف الصبي المميز ، فلا يشترط فيه البلوغ [3].


بناء على تمامية عمومها في حجية البينة ، كما أشرنا إليه في أوائل الكتاب (1).

[1] إذا صح منه الحكم. لكن في كون جامعية المسجد ، أو كونه مسجد الجماعة من موارد حكم الحاكم تأمل ظاهر. إلا أن يكون مورداً للنزاع في الملكية والمسجدية بين المتخاصمين.

[2] بلا خلاف أجده بيننا ، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه - كما ادعاه في الحدائق - كذا في الجواهر. لإطلاق أكثر النصوص. وللتصريح في بعضها : بأن المرأة مثل ذلك. مضافاً إلى قاعدة الاشتراك. ومن ذلك يظهر صحة ما بعده.

[3] قد أشرنا مكرراً. إلى أن إطلاق أدلة المشروعية يقتضي عدم الفرق بين البالغ وغيره. وحديث : « رفع القلم عن الصبي » (2)لا يصلح لرفع المشروعية ، بل يختص برفع الإلزام ، جمعاً عرفياً بين دليل الرفع ودليل المرفوع.


1) راجع المسألة : 6 من فصل ماء البئر من الجزء الأول من هذا الشرح.

2) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس.

( مسألة 28 ) : لو اعتكف العبد بدون إذن المولى بطل [1]. ولو أعتق في أثنائه لم يجب عليه إتمامه [2]. ولو شرع فيه بإذن المولى ثمَّ أعتق في الأثناء ، فإن كان في اليوم الأول أو الثاني لم يجب عليه الإتمام [3]. إلا أن يكون من الاعتكاف الواجب. وإن كان بعد تمام اليومين وجب عليه الثالث. وإن كان بعد تمام الخمسة وجب السادس.

( مسألة 29 ) : إذا أذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع [4] عن إذنه ، ما لم يمض يومان. وليس له الرجوع بعدهما ، لوجوب إتمامه حينئذ. وكذا لا يجوز له الرجوع إذا كان الاعتكاف واجباً بعد الشروع فيه من العبد [5].


[1] تقدم الكلام في ذلك.

[2] لبطلانه من رأس. وما عن الشيخ (رحمه اللّه) من وجوب الإتمام غريب ، كما في الجواهر. ولعل مراده الصورة الآتية.

[3] الحكم في جميع الصور المذكورة مقتضى إطلاق الأدلة ، المحكمة بعد انتفاء المانع. وكذا الحال في الفرع الذي بعده.

[4] لقاعدة السلطنة. نعم لو قلنا بوجوب الإتمام بمجرد الشروع - كما تقدم نقله عن جماعة - كان الحال فيه هو الحال في الرجوع بعد اليومين ، من عدم وجوب إطاعة العبد لسيده في ترك الواجب أو فعل الحرام. كما أنه لو قلنا بعدم وجوب الإتمام مطلقاً كان له الرجوع مطلقا ، وتجب إطاعته على العبد مطلقاً. وقد يقال : بأن اعتكافه تصرف في ملك المولى ، فإتمامه بعد رجوع المولى تصرف حرام ، فيبطل بنفسه وليس المقام من باب التزاحم بين إطاعة اللّه تعالى وإطاعة المولى.

[5] كما لو نذر إتمامه. أما لو كان الاعتكاف واجباً بنذر أو شبهه ،

( مسألة 30 ) : يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة الشهادة ، أو لحضور الجماعة ، أو لتشييع الجنازة ، وإن لم يتعين عليه هذه الأمور [1]. وكذا في سائر الضرورات العرفية ، أو الشرعية ، الواجبة ، أو الراجحة. سواء كانت متعلقة بأمور الدنيا ، أو الآخرة ، مما يرجع مصلحته إلى نفسه أو غيره. ولا يجوز الخروج اختياراً بدون أمثال هذه المذكورات.

( مسألة 31 ) : لو أجنب في المسجد ، ولم يمكن الاغتسال فيه وجب عليه الخروج [2] ،


ففي جواز الرجوع وعدمه وجهان ، مبنيان على عدم وجوب إتمام الواجب بالشروع فيه ، ووجوبه.

وفي الشرائع جزم بعدم جواز الرجوع في الاذن بمجرد الشروع في الواجب. وكأنه لبنائه على وجوب إتمامه. لكنه غير ظاهر. وقوله تعالى : ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ... ) (1)غير ظاهر فيما نحن فيه.

[1] قد تقدم في الشرط الثامن : الإشكال في ذلك ، وأنه لا دليل ظاهر على جواز الخروج لمطلق الحاجة ، بل لا بد من كونها لازمة له شرعاً أو عقلا ، أو عادة. نعم إطلاق صحيح الحلبي وغيره جواز الخروج للجنازة وعيادة المريض (2)يقتضي جوازهما ولو مع عدم التعين.

[2] قد عرفت : أن حرمة لبث الجنب في المسجد يقتضي وجوب الخروج وإن أمكن الاغتسال في المسجد. نعم لو لم يستلزم الاغتسال اللبث المحرم فلا مانع من جوازه ، بل يشكل جواز الخروج حينئذ ، لعدم الحاجة اللازمة.


1) محمد : 33.

2) تقدم ذلك في الشرط الثامن من شروط صحة الاعتكاف.

ولو لم يخرج بطل اعتكافه ، لحرمة لبثه فيه [1].


[1] هذا يتم لو لم تكن الجنابة فيما قبل آخر اليوم الثالث بمقدار الخروج والاغتسال ، إذ في هذه الصورة ينتهي الاعتكاف بحدوث الجنابة ، ويكون اللبث بعدها خارجاً عنه ، لأن وجوب الخروج حين الجنابة للاغتسال مانع من جزئية اللبث من الاعتكاف ، فلا تقدح حرمته في صحة الاعتكاف.

ومثله : ما لو كان زمان اللبث بعد الجنابة والخروج بعده للاغتسال مساوياً لزمان الخروج من حين الجنابة والاغتسال ، كما لو كان الماء حين الجنابة بعيداً عن المسجد ، بحيث يكون زمان الخروج والاغتسال مقدار ساعة ، فلبث مقدار نصف ساعة ، فجاء الماء إلى باب المسجد ، فخرج واغتسل ، وكان زمان اللبث والغسل مساوياً لزمان الخروج من حين الجنابة والاغتسال ، فان اللبث في الفرض المذكور حرام ، لكنه لما لم يكن جزءاً من الاعتكاف لم تقدح حرمته في صحته. نعم إذا كان اللبث جزءاً من الاعتكاف وكان حراماً بطل الاعتكاف.

هذا ويمكن أن يستشكل في البطلان - حتى في غير الصورتين المذكورتين - : بأن وجوب الخروج للاغتسال إذا كان موجباً لعدم جزئية اللبث ، فلذلك لا تقدح حرمته في صحة الاعتكاف ، لم يفرق في ذلك بين الآن الأول بعد الجنابة وما بعده من الآنات ، فكلما مكث كان مكثه حراماً ، وحرمته غير قادحة في صحة الاعتكاف ، لخروجه عن الجزئية بتوسط وجوب الخروج ، ولا تختص الصحة بالفرضين المذكورين. وفيه : أن الجنابة إنما تقتضي الخروج عن المسجد بمقدار الاغتسال ، لا أزيد فالكون في المسجد المساوي لذلك المقدار لا يكون جزءاً من الاعتكاف ، أما ما زاد على ذلك المقدار فهو جزء منه.

وحينئذ فإذا بقي لابثاً في المسجد عامداً ، فان خرج بعد ذلك للاغتسال

( مسألة 32 ) : إذا غصب مكاناً من المسجد سبق إليه غيره بأن أزاله وجلس فيه - فالأقوى بطلان اعتكافه [1].


لزم فوات ذلك الجزء ، وإن كان واجباً من جهة حرمة لبث الجنب في المسجد. وإن بقي لم يمكن أن يتقرب بلبثه ، لأنه حرام. فتأمل جيداً.

[1] لأنه غصب ، كما يستفاد من مرسل محمد بن إسماعيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت له : نكون بمكة ، أو بالمدينة ، أو الحيرة ، أو المواضع التي يرجى فيها الفضل ، فربما خرج الرجل يتوضأ ، فيجي‌ء آخر فيصير مكانه. قال (عليه السلام) : من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته » (1)وخبر طلحة بن زيد : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل » (2).

ويمكن أن يستشكل فيه أولا : من جهة ضعف الأول بالإرسال ، والثاني بطلحة. وثانياً : بأن الظاهر من الأحقية في المقام - بقرينة صيغة التفضيل - مجرد الأولوية ، لا خصوصية في المكان ، كما في سائر موارد الحقوق ، بحيث يكون السابق يملك التصرف فيما سبق اليه ، والمزاحم له فيه غاصب له في ذلك. وثالثاً : بأن الاعتكاف عبارة عن مجرد الكون في المسجد ولو بلا قرار ، فلا يتحد مع القرار ، كي يحرم بحرمته ، وغصب المكان إنما يحرم القرار لا غير.

اللّهم إلا أن يدفع الأخير : بأن الأحقية على تقدير ثبوتها تقتضي لمنع عن التصرف في الفضاء الذي ينتفع فيه السابق ، لأنه موضوع للسبق ، كالأرض ، فيكون الكون الخارجي من اللاحق حراماً ، ولا يختص بالأرض. ويدفع ما قبله : بأن التفضيل يستعمل كثيراً مع عدم الاشتراك في المبدأ.


1) الوسائل باب : 56 من أبواب أحكام المساجد حديث : 1.

2) الوسائل باب : 56 من أبواب أحكام المساجد حديث : 2.


مع أن التحريم لا يتوقف على القول بثبوت إضافة الملكية أو الحقية ، بل يكفي فيه تخصيص الرخصة بالسابق دون اللاحق. ودلالة الكلام على هذا المقدار ظاهرة ، ومنعها مكابرة ، والحمل على الأولوية الاستحبابية محتاج إلى قرينة صارفة. ويدفع الأول : بأن الإرسال قد لا يمنع من الحجية إذا كان المرسل من الأعيان ، مثل محمد بن إسماعيل الظاهر في ابن بزيع ، والراوي عنه أحمد بن محمد الظاهر في ابن عيسى ، وكون الرواية في الكافي. وطلحة قيل : إن كتابه معتمد ، والراوي عنه جماعة من الأعيان منهم ابن عيسى. ولعل هذا المقدار كاف في إدخال الروايتين تحت خبر الثقة ، وإن كان لا يخلو من نظر.

نعم قد يوهنهما : عدم العمل بالتحديد المذكور فيهما. وعدم ظهور القول بإطلاقهما من حيث وجود الرحل وعدمه ، بل إطلاق الثاني من حيث نية العود وعدمها. قال في الجواهر : « لا خلاف ولا إشكال في سقوط الحق لو قام مفارقاً رافعاً يده عنه ». وقال فيها أيضاً : « لا خلاف في سقوط حقه مع عدم الرحل وإن نوى العود وكان قيامه لضرورة ، من تجديد طهارة ونحوه ». نعم حكى بعد ذلك عن التذكرة القول بثبوته. أما إذا كان القيام لغير ضرورة فلا ريب ولا خلاف في سقوط حقه ، كما في الجواهر. وبالجملة : مراجعة كلماتهم في كتاب إحياء الموات تقتضي البناء على وهن الحديثين لو جمعا شرائط الحجية في أنفسهما. فراجع.

نعم لا خلاف ولا إشكال في أن من سبق إلى مكان من المسجد فهو أحق به ما دام جالساً. إلا أن كون معنى الأحقية ثبوت حق له في المكان بحيث يكون التصرف فيه غصباً للمكان لو كان رفعه عنه ظلماً غير ظاهر. فتأمل جيداً.

وكذا إذا جلس على فراش مغصوب [1]. بل الأحوط الاجتناب عن الجلوس على أرض المسجد المفروض بتراب مغصوب أو آجر مغصوب [2] على وجه لا يمكن إزالته [3]. وإن توقف على الخروج خرج على الأحوط. وأما إذا كان لابساً لثوب مغصوب أو حاملا له ، فالظاهر عدم البطلان [4].

( مسألة 33 ) : إذا جلس على المغصوب ناسياً ، أو جاهلا ، أو مكرهاً ، أو مضطراً لم يبطل اعتكافه [5].


[1] قد عرفت فيما سبق الإشكال في هذا أيضاً ، وأن التصرف بالفراش بمسه برجله وغيرها من أعضائه - لا يتحد مع الكون الاعتكافي ، وليس ذلك إلا كالتصرف فيه بمسه بيده ، مما لا مجال لتوهم قدحه في صحة الاعتكاف.

[2] حكى في الجواهر عن بعض مشايخه : الجزم بالجواز في الفرض واختاره هو في النجاة. وعلل : بأن المنع تعطيل للمسجد ، ومنع للمسلمين عن حقهم ، وهو ضرر منفي. وفيه - مع إمكان منع كون ذلك ضرراً - : أن التصرف بغير إذن المالك ضرر أيضاً ، فعموم حرمة التصرف بغير إذن المالك محكم.

نعم إذا كان معدوداً تالفاً عرفاً كان مضموناً على الغاصب ، وجاز التصرف فيه بإذن الغاصب ، بناء على كون الضمان بالتلف موجباً لانتقال الملك إلى الضامن - كما لعله الظاهر - كما قربناه في ( نهج الفقاهة ).

[3] ولو كان بحيث تمكن إزالته لحقه حكم الفراش المغصوب.

[4] لما عرفت من عدم اتحاده مع الكون الاعتكافي. لكن الفرق بينه وبين الجلوس على الفراش المغصوب خفي ، لاتحادهما في كون المحرم شأنا من شؤون الكون. فلاحظ.

[5] للعذر المانع من مبعدية النهي المانع من صحة التقرب. هذا بناء

( مسألة 34 ) : إذا وجب عليه الخروج لأداء دين واجب الأداء عليه ، أو لإتيان واجب آخر متوقف على الخروج ولم يخرج أثم ، ولكن لا يبطل اعتكافه على الأقوى [1].

( مسألة 35 ) : إذا خرج عن المسجد لضرورة فالأحوط مراعاة أقرب الطرق [2]. ويجب عدم المكث إلا بمقدار الحاجة والضرورة. ويجب أيضاً أن لا يجلس تحت الظلال [3]


على البطلان إذا وقع عمداً وإلا فلا مجال لما ذكر.

[1] من كون الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص.

[2] بل عن الأصحاب : وجوب ذلك. وكأنه لوجوب الاقتصار على مقدار الضرورة ، فإن الضرورات تقدر بقدرها. لكن في النجاة جعله مما ينبغي. وكأنه لإطلاق ما دل على جواز الخروج للحاجة. وفيه : أن إطلاقه ممنوع ، لأن الخروج عبارة عن الكون في خارج المسجد ، ومع سلوك أبعد الطريقين يكون الخروج الزائد ليس للحاجة. نعم إذا كان التفاوت يسيراً ، بحيث لا يلتفت اليه غالباً ، فلا يعد سلوكه عبثاً ، لم يبعد جواز سلوكه ، لعدم التنبيه في النصوص عليه ، الظاهر في عدم قدحه.

ومثله في الجواز : المشي العادي ، فلا يجب الركض والإسراع لعين ما ذكر أيضاً ، وإن كان لا يجوز التواني في المشي جداً ، بحيث يخرج عن المتعارف ، لأنه خارج عن مقتضى الضرورة. كما هو الوجه في قوله (رحمه اللّه) : « ويجب عدم ... ».

[3] بلا خلاف أجده ، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه - كذا في الجواهر - ويشهد له ما في صحيح داود بن سرحان : « ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك » (1).


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 3.

مع الإمكان [1]. بل الأحوط أن لا يمشي تحته أيضاً [2]. بل الأحوط عدم الجلوس مطلقاً [3] إلا مع الضرورة.

( مسألة 36 ) : لو خرج لضرورة وطال خروجه ، بحيث انمحت صورة الاعتكاف بطل [4].

( مسألة 37 ) : لا فرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون [5] ، من القيام ، والجلوس ، والنوم ، والمشي ، ونحو ذلك ، فاللازم الكون فيه بأي نحو ما كان.


[1] كأنه لانصراف دليل المنع اليه.

[2] كما عن جماعة ، منهم الشيخ. ودليله غير ظاهر. وما في الوسائل : من أنه قد تقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس والمرور تحت الظلال للمعتكف لم نقف على المراد منه. ولعله أراد الصحيح المتقدم في الجلوس ، بناء منه على إلغاء خصوصية الجلوس. وما عن الانتصار : من دعوى الإجماع على أن المعتكف لا يستظل بسقف ، لا يمكن الاعتماد عليه. فالبناء على عدم المنع متعين.

[3] كما عن كثير. لما في صحيحي الحلبي وداود من النهي عنه (1). لكن لا يبعد أن يكون المراد منه النهي عن الجلوس الزائد على مقدار الحاجة وهو غير ما نحن فيه.

[4] كما نص عليه غير واحد. لفوات الشرط ، أعني : الصورة.

وما دل على الرخصة في الحاجة لا يقتضي الصحة ، لأنه أعم ، ونظره ليس إلا إلى عدم قدح الخروج في الجملة من حيث كونه خروجاً ، لا من حيث فوات الصورة التي هي قوام العمل.

[5] للإطلاق.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 2 ، 1.

( مسألة 38 ) : إذا طلقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقاً رجعياً ، وجب عليها الخروج إلى منزلها للاعتداد [1] ، وبطل اعتكافها. ويجب استئنافه إن كان واجباً موسعاً بعد الخروج من العدة. وأما إذا كان واجباً معيناً فلا


[1] على المشهور ، بل عن التذكرة : نسبته إلى علمائنا أجمع. لحرمة الخروج عن البيت على المعتدة ، وقد عرفت أن الخروج من المكان عبارة عن اللبث في غيره ، فاذا حرم لبثها في المسجد - لأنه خروج عن البيت - امتنع عليها التعبد به بعنوان الاعتكاف ، كما سبق في الشرط السابع.

لكن عن الدروس والمسالك : وجوب الاعتداد عليها في المسجد لو كان الاعتكاف واجباً معيناً. وهو ظاهر بناء على أن عدم الخروج من البيت من حقوق الزوج - كما في غير المطلقة - كما هو مذهب جماعة من القدماء والمتأخرين. ويشهد له من النصوص : ما تضمن أنها لا تخرج إلا بإذن زوجها (1)إذ عليه تكون المعتدة كالزوجة ، وقد عرفت أن الزوجة إذا اعتكفت بإذن زوجها لم يكن له المنع في اليوم الثالث ، فلو منع لم تجب إطاعته ، ووجب إتمام الاعتكاف في المسجد.

أما إذا كان من أحكام الاعتداد فقد يشكل الحال ، إذ كما أنه يجب على المطلقة الاعتداد في البيت ويجوز لها الخروج للواجب ، كذلك يجب على المعتكف اللبث في المسجد ويجوز له الخروج للواجب ، وتقديم أحدهما على الآخر محتاج إلى وجه ظاهر.

اللّهم إلا أن يقال : إن المقام ليس من باب خروج المعتكف للحاجة بل هو من رفع اليد عن الاعتكاف بالمرة. ولأجل أن رفع اليد عن الواجب لا يجوز إلا مع مزاحمته بواجب أهم أو مساو ، وخروج المعتدة لأداء الواجب


1) راجع الوسائل باب : 23 من أبواب العدد.

يبعد التخيير بين إتمامه ثمَّ الخروج وإبطاله ، والخروج فوراً ، لتزاحم الواجبين [1] ، ولا أهمية معلومة في البين. وأما إذا طلقت بائناً فلا إشكال ، لعدم وجوب كونها في منزلها في أيام العدة.

( مسألة 39 ) : قد عرفت أن الاعتكاف إما واجب


المعين ليس من باب التزاحم ، بل من باب عدم المقتضي ، فإنه يجوز خروجها لمطلق الواجب المعين ، وإن لم يكن أهم أو مساوياً - كما ذكروا - فحينئذ يكون وجوب اللبث في المسجد رافعاً لاقتضاء وجوب اللبث في المنزل ، وهذا الوجوب - لو تمَّ - كان مزاحماً لوجوب اللبث في المسجد ، لا رافعاً له. ومع تعارض المقتضي واللامقتضي يكون الأول مقدماً.

نعم لو كان الاعتداد غير مناف لأصل الاعتكاف - كما لو كان قبل الآخر بقليل ، فيكون من قبيل الحاجة التي يخرج إليها المعتكف وجواز خروجه لعدم المقتضي ، نظير خروج المعتدة للواجب - يكون المقام من التعارض ، وبعد تساقط الدليلين يرجع إلى استصحاب عدم جواز الخروج الثابت للمعتكفة قبل الطلاق.

هذا كله مع غض النظر عن إجماع التذكرة ، الذي يظهر من الجواهر وجوب الاعتماد عليه. لكنه غير ظاهر ، لعدم تعرض الأكثر للفرض المذكور. فلاحظ.

[1] قد تقدمت الإشارة : إلى أن خروج المعتدة للواجب ليس من باب التزاحم ، حيث أطلقوا جوازه من دون تقييد بكونه أهم أو مساوياً ومثله : خروج المعتكف للحاجة الواجبة. نعم رفع اليد عن الاعتكاف وقطعه بتاتاً لأداء واجب من باب التزاحم. فلاحظ كلماتهم ، وتأمل.

معين ، أو واجب موسع ، وإما مندوب [1]. فالأول يجب بمجرد الشروع - بل قبله - ولا يجوز الرجوع عنه. وأما الأخيران فالأقوى فيهما جواز الرجوع قبل إكمال اليومين. وأما بعده فيجب اليوم الثالث. لكن الأحوط فيهما أيضاً وجوب الإتمام بالشروع. خصوصاً الأول منهما.

( مسألة 40 ) : يجوز له أن يشترط حين النية الرجوع متى شاء [2] ،


[1] قد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة الخامسة. فراجع.

[2] بلا خلاف فيه في الجملة ، بل عن المنتهى : الإجماع عليه. ويشهد له جملة وافرة من النصوص ، مثل ما رواه أبو بصير : « وينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يحرم » (1)، وموثق عمر ابن يزيد : « واشترط على ربك في اعتكافك - كما تشترط في إحرامك - أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك ، من علة تنزل بك من أمر اللّه تعالى » (2)وصحيح أبي ولاد : « عن امرأة كان زوجها غائباً ، فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها ، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها ، فتهيأت لزوجها حتى واقعها. فقال (عليه السلام) : إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تنقضي ثلاثة أيام ، ولم تكن اشترطت في اعتكافها ، فان عليها ما على المظاهر » (3)، وصحيح محمد بن مسلم : « إذا اعتكف الرجل يوماً ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف. وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام » (4).


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الاعتكاف حديث : 2.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 6.

4) الوسائل باب : 4 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

حتى في اليوم الثالث [1] ، سواء علق الرجوع على عروض عارض أو لا. بل يشترط الرجوع متى شاء حتى بلا سبب عارض [2] ولا يجوز له اشتراط جواز المنافيات [3] - كالجماع ونحوه - مع بقاء الاعتكاف على حاله. ويعتبر أن يكون الشرط المذكور حال النية [4] ، فلا اعتبار بالشرط قبلها ، أو بعد الشروع


[1] على المشهور ، كما يقتضيه مفهوم صحيح ابن مسلم ، وإطلاق غيره. وعن المبسوط : المنع عنه في الثالث. وكأنه لإطلاق ما دل على المنع عن الخروج في الثالث. لكنه مقيد بما عرفت.

[2] كما نسب إلى ظاهر الأكثر. لكن عن جماعة : التخصيص بالعذر لروايتي أبي بصير وعمر بن يزيد. وفيه - مع أنه مخالف لصحيح أبي ولاد فان حضور الزوج ليس عذراً قطعاً ، ولا سيما مع التصريح فيه بوجوب الكفارة للفسخ معه بلا شرط. وموجب لإلغاء فائدة الشرط ، وهو خلاف ظاهر النصوص - : أنه مخالف لإطلاق صحيح ابن مسلم.

ولا مجال لحمل المطلق على المقيد في المقام ، لعدم التنافي بينهما. بل لعل الصحيح المذكور كالنص في غير العارض ، للمقابلة فيه بين اليومين الأولين والثالث ، إذ لو كان المراد منه خصوص صورة العذر لم يكن فرق بينهما ، فالتقابل بينهما إنما هو في جواز الفسخ في اليومين الأولين بلا عذر ، وعدم جوازه في الثالث كذلك. ولأجل أن المفهوم تابع للمنطوق يختص مفهومه أيضاً بصورة عدم العذر ، كما لعله ظاهر بالتأمل. ومن ذلك يظهر ضعف احتمال التخصيص بالعارض ولو لم يكن عذراً شرعا. فلاحظ.

[3] كما صرح به غير واحد. لأصالة عدم نفوذ الشرط ، وعدم ترتب أثره عليه ، والنصوص المتقدمة مختصة بما سبق.

[4] كما نص عليه غير واحد. وهو الذي يقتضيه منصرف النصوص

فيه وإن كان قبل الدخول في اليوم الثالث. ولو شرط حين النية ثمَّ بعد ذلك أسقط حكم شرطه فالظاهر عدم سقوطه [1]. وإن كان الأحوط ترتيب آثار السقوط ، من الإتمام بعد إكمال اليومين.

( مسألة 41 ) : كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيته كذلك يجوز اشتراطه في نذره [2] ، كأن يقول :


وما دل على أن وقته النية في الإحرام ، مثل خبر الكناني : « يقول حين يريد أن يحرم : أن حلني حيث حبستني » (1)- ونحوه غيره - بضميمة ما دل في المقام على أنه كما يشترط في الإحرام. وما عن الأردبيلي (رحمه اللّه) : من احتمال أن وقته عند نية اليوم الثالث غير ظاهر.

[1] لعدم الدليل على أنه من الحقوق القابلة للإسقاط. ومنه يظهر ما في الجواهر : من السقوط به ، وفي النجاة جعله وجهاً موافقاً للاحتياط.

[2] على المشهور ، بل قيل : لا خلاف فيه ظاهر ، وعن التنقيح والمستند : الإجماع عليه. ووجهه غير ظاهر ، كما أشار إليه في محكي المدارك والحدائق.

وعوى : أنه لا حاجة الى دليل خاص يدل على المشروعية في النذر بل يكفي فيها ثبوته في الاعتكاف. فيها : أنها تتم لو كان المراد من الشرط في النذر تقييد الاعتكاف المنذور بالمشروط ، لأنه إذا كان الاعتكاف المشروع على نحوين : مطلق ، ومشروط ، جاز نذر كل واحد منهما ، فيصح نذر الاعتكاف المشروط ، كما يصح نذر الاعتكاف المطلق ، فاذا جاء بالاعتكاف بقصد الوفاء بالنذر ، فقد قصد الاعتكاف المشروط ، ومرجع ذلك إلى الاشتراط في الاعتكاف أيضاً. لكن الظاهر من كلماتهم إرادة إيقاع الشرط وإنشائه في ضمن النذر ، كسائر الشروط التي تكون في ضمن العقد والإيقاع. وحينئذ فالإشكال عليه ظاهر ، إذ المنذور إن كان هو


1) الوسائل باب : 22 من أبواب الإحرام حديث : 1.

« لله علي أن أعتكف ، بشرط أن يكون لي الرجوع عند عروض كذا ، أو مطلقاً ». وحينئذ فيجوز له الرجوع وإن لم يشترط حين الشروع في الاعتكاف ، فيكفي الاشتراط حال النذر في جواز الرجوع ، لكن الأحوط ذكر الشرط حال الشروع أيضاً. ولا فرق في كون النذر اعتكاف أيام معينة ، أو غير معينة متتابعة أو غير متتابعة ، فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط المذكور في النذر. ولا يجب القضاء بعد الرجوع مع التعيين [1]


الاعتكاف غير المشروط - كما هو الظاهر - فهو مما يمتنع فسخه ، فشرط أن له الفسخ شرط أمر ممتنع ، وإن كان هو المشروط فالشرط المذكور لغو.

وإن شئت قلت : الشرط في النذر لا دليل على صحته ، فهو لغو. إلا أن يرجع إلى تقييد الاعتكاف المنذور بالمشروط ، فيكون حاله حال سائر القيود ، كما لو قال : « لله علي أن أعتكف اعتكافاً مشروطاً ». وليست صحته حينئذ من حيث كونه إيقاعاً في ضمن إيقاع ، بل من حيث كونه تقييداً للمنذور. مضافاً إلى أن دعوى الاكتفاء بالشرط في النذر عن الشرط في الاعتكاف غير ظاهرة ، فإنه لا بد في جواز الرجوع عن الاعتكاف من الشرط فيه ، غاية الأمر أنه يكفي الشرط الإجمالي ، ولو الحاصل بقصد الوفاء بنذر المشروط ، كما سبق.

[1] بلا خلاف ظاهر - كما قيل - وعن التنقيح : الإجماع عليه. إذ ليس في الرجوع مخالفة للنذر ، ليتحقق صدق الفوت ، الذي هو موضوع وجوب القضاء. ودعوى : أن الاعتكاف الناقص ليس براجح ولا مشروع فلا يتعلق به النذر. فيها : أن ذلك خلاف فرض صحة النذر ، وخلاف ما دل على مشروعية الاعتكاف المشروط ، فإنه ظاهر في أنه راجح ومشروع ولو فسخ بعد ذلك. مع أنه لو سلم بطلان النذر فلا موجب للقضاء.

ولا الاستئناف مع الإطلاق [1].

( مسألة 42 ) : لا يصح أن يشترط في اعتكاف أن يكون له الرجوع في اعتكاف آخر له غير الذي ذكر الشرط فيه [2]. وكذا لا يصح أن يشترط في اعتكافه جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده ، أو عبده ، أو أجنبي.

( مسألة 43 ) : لا يجوز التعليق في الاعتكاف ، فلو علقه بطل [3]. إلا إذا علقه على شرط معلوم الحصول حين النية ، فإنه في الحقيقة لا يكون من التعليق.


[1] كما هو المشهور. لعين ما سبق من كونه وفاء بالنذر وإتياناً ببعض أفراد المنذور ، فلا موجب للاستئناف. وما عن المعتبر والمنتهى والتذكرة وغيرها : من وجوب الاستئناف ، غير ظاهر.

[2] لعدم الدليل على ترتب الأثر عليه ، والأصل عدمه. وعموم : « المسلمون عند شروطهم » (1)إنما يدل على نفوذ شرط المؤمن على نفسه لغيره ، ولا يرتبط بما نحن فيه من الشرط على اللّه سبحانه. فاحتمال الصحة ، للعموم المذكور - كما في الجواهر - ضعيف جداً. ومثله الكلام فيما بعده.

[3] كما نص عليه في الجواهر ، مرسلا له إرسال المسلمات. ودليله غير ظاهر. ودعوى : منافاته لحصول النية المعتبرة في العبادات ممنوعة ، فإن الامتثال الرجائي نوع من الامتثال ، كالامتثال الجزمي. وقياس المقام على العقود والإيقاعات التي يبطلها التعليق في غير محله ، لأنه مع الفارق ، وهو الإجماع المنعقد هناك ، الذي لأجله قيل ببطلان الإنشاء المعلق إلا في بعض الموارد ، ولولاه كان القول بالصحة كلياً صحيحاً لا غبار عليه.


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الخيار.

فصل في أحكام الاعتكاف

يحرم على المعتكف أمور :

أحدها : مباشرة النساء ، بالجماع في القبل أو الدبر [1] وباللمس والتقبيل [2]


فصل في أحكام الاعتكاف

[1] كما نسب إلى الأصحاب ، أو قطعهم ، وظاهر غير واحد الاتفاق عليه ، وفي الجواهر : الإجماع بقسميه عليه. ويشهد له كثير من النصوص ، كموثق سماعة : « عن معتكف واقع أهله. فقال (عليه السلام) : هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان » (1)، وموثق ابن الجهم : « عن المعتكف يأتي أهله. فقال (عليه السلام) : لا يأتي امرأته ليلا ولا نهاراً وهو معتكف » (2)، ونحوهما غيرهما.

نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد ، وضربت له قبة من شعر ، وشمر المئزر ، وطوى فراشه. وقال بعضهم : واعتزل النساء ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أما اعتزال النساء فلا » (3)لكن يجب حمله على ما لا ينافي ما سبق ، بأن يراد اعتزال مجالستهن ومخالطتهن ونحو ذلك.

[2] كما هو المشهور ، وعن المدارك : أنه مما قطع به الأصحاب.


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 2.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب الاعتكاف حديث : 2.

بشهوة [1]. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة [2] ، فيحرم على المعتكفة أيضاً : الجماع ، واللمس والتقبيل بشهوة. والأقوى عدم حرمة النظر بشهوة إلى من يجوز النظر اليه [3] وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً.

الثاني : الاستمناء على الأحوط [4] ، وإن كان على الوجه الحلال ، كالنظر إلى حليلته الموجب له.


ودليله غير ظاهر. وقوله تعالى ( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ) (1)لو سلم إرادة الاعتكاف الشرعي منه ، فالظاهر من المباشرة فيه الجماع. مع أن الحمل على مطلق المباشرة بالمعنى اللغوي غير ممكن. والبناء على إطلاقه وتقييده بما ذكر بالإجماع ليس أولى من حمله على خصوص الجماع. وكأنه لذلك كان ظاهر التهذيب جواز ما عدا الجماع.

[1] أما مع عدمها فعن المنتهى : أنه لا يعرف الخلاف في الجواز.

[2] بلا خلاف ظاهر. والعمدة فيه : قاعدة الاشتراك. وأما صحيح أبي ولاد - المتقدم في المسألة الأربعين - (2)فالظاهر منه كون الكفارة للخروج السابق على الوطء. ومثله في قصور الدلالة : ما في صحيحي الحلبي وابن سرحان - الواردين في جواز الخروج للحاجة أو غيرها - من قوله (عليه السلام) : « والمرأة مثل ذلك » (3)، فان الظاهر من اسم الإشارة خصوص الأحكام المذكورة.

[3] للأصل. خلافاً عن ابن الجنيد والمختلف ، من القول بالحرمة. دليله غير ظاهر.

[4] لما عن الخلاف من الإجماع على حرمته فيه. لكن دليله غير


1) البقرة : 187.

2) من كتاب الاعتكاف.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب الاعتكاف حديث : 2 ، 1.

الثالث : شم الطيب مع التلذذ [1] ، وكذا الريحان. أما مع عدم التلذذ - كما إذا كان فاقداً لحاسة الشم مثلا - فلا بأس به [2].

الرابع : البيع والشراء [3] ،


ظاهر ، إذ لا نص عليه بالخصوص. وأولويته من اللمس والتقبيل بشهوة غير قطعية. مع أنك عرفت الاشكال فيهما. ومجرد خروجه بالجنابة عن قابلية اللبث في المسجد ، لحرمة لبث الجنب فيه ، غير كاف في حرمته من جهة الاعتكاف ، فان ذلك من قبيل شرب المسهل أو المدر الموجب للخروج عن المسجد للبول والغائط.

اللّهم إلا أن يلتزم بحرمة مثل ذلك في الاعتكاف أيضاً ، فيلتزم ببطلان الاعتكاف بالتسبيب إلى ما يوجب الخروج عن المسجد. لكن يرده إطلاق ما دل على جواز الخروج للحاجة التي لا بد منها ، فإنه شامل للحاجة ولو بالاختيار والتسبيب. فلاحظ.

[1] كما عن الأكثر ، والأشهر ، بل في الجواهر : أنه المشهور ، بل عن الخلاف : الإجماع عليه. صحيح أبي عبيدة : « المعتكف لا يشم الطيب ، ولا يتلذذ بالريحان ، ولا يماري ، ولا يشتري ، ولا يبيع » (1)فما عن المبسوط : من عدم حرمته غير ظاهر.

[2] ووجهه في الجواهر : بأن المنساق من النص صورة التلذذ ، وهو غير بعيد. وكأن منشأ إطلاق النص فيه ، وتقييد الريحان بالتلذذ : هو الاختلاف في تأثير التلذذ ، فان الطيب أقوى فيه وأكثر تعارفاً فيه من الريحان. فتأمل. وأما فاقد حاسة الشم فليس مما نحن فيه.

[3] بلا خلاف ، بل الإجماع بقسميه عليه ، كما في الجواهر. ويشهد


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

بل مطلق التجارة [1] ، مع عدم الضرورة على الأحوط. لا بأس بالاشتغال بالأمور الدنيوية من المباحات [2] ، حتى الخياطة ، والنساجة ، ونحوهما ، وإن كان الأحوط الترك إلا مع الاضطرار إليها. بل لا بأس بالبيع والشراء إذا مست الحاجة إليهما [3] للأكل والشرب ، مع تعذر التوكيل ، أو النقل بغير البيع.

الخامس : المماراة [4] ، أي : المجادلة على أمر دنيوي أو ديني ، بقصد الغلبة وإظهار الفضيلة [5]. وأما بقصد إظهار الحق ورد


له صحيح أبي عبيدة المتقدم.

[1] كما عن المنتهى ، حاكياً له عن السيد المرتضى أيضاً. ودليله غير ظاهر. وعلله في المنتهى : بأنه مقتضى مفهوم النهي عن البيع والشراء وهو قريب ، لكنه ليس بحيث يجوز التعويل عليه.

[2] للأصل. وعن المنتهى : « الوجه تحريم الصنائع المشغلة عن العبادة كالخياطة وشبهها. إلا ما لا بد منه ». وكأنه لاستفادته من النهي عن البيع والشراء التي قد عرفت حالها.

[3] قد استظهر في الجواهر الجواز حينئذ. وكأنه لانصراف النص عن ذلك. ولا يخلو من تأمل. أما أدلة نفي الحرج والاضطرار (1)فإنما تقتضي نفي الحرمة ، وأما عدم القدح في الاعتكاف فيشكل إثباته بها ، لأن النفي لا يستلزم الإثبات ، كما تقدم ذلك في حديث الرفع (2).

[4] بلا خلاف أجده فيه - كما في الجواهر - لصحيح أبي عبيدة المتقدم.

[5] كما عن المسالك تفسيرها بذلك. لكن قيل : إن المراء لا يكون


1) راجع الجزء الأول من هذا الشرح المسألة : 10 من فصل ماء البئر.

2) راجع الصفحة : 214 من هذا الجزء.

الخصم من الخطأ فلا بأس به ، بل هو من أفضل الطاعات [1]. المدار على القصد والنية ، فلكل امرئ ما نوى من خير أو شر. والأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد ، وإزالة الشعر ، ولبس المخيط ، ونحو ذلك ، وإن كان أحوط [2].

( مسألة 1 ) : لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل والنهار. نعم المحرمات من حيث الصوم - كالأكل والشرب ، والارتماس ، ونحوها - مختصة بالنهار.

( مسألة 2 ) : يجوز للمعتكف الخوض في المباح ، والنظر في معاشه ، مع الحاجة وعدمها [3].


إلا اعتراضاً ، بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضاً.

[1] كما نص على ذلك كله في محكي المسالك.

[2] فإنه محكي عن الشيخ ، وابني البراج وحمزة. وعن المبسوط : « روي : أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم » (1)لكن في الشرائع وغيرها : أنه لم يثبت ، بل عن التذكرة : أنه ليس المراد بذلك العموم ، فإنه لا يحرم عليه لبس المخيط ، ولا إزالة الشعر ، ولا أكل الصيد ، ولا عقد النكاح. نتهى. وعليه فلا خلاف. وعلى تقديره فهو ضعيف ، للأصل بعد عدم الدليل.

[3] للأصل. وعن الحلي : المنع عن كل مباح لا يحتاج اليه. وكأنه لدعوى كون الاعتكاف اللبث للعبادة ، فينافيه فعل المباح. لكن عرفت الاشكال فيها. ولو سلمت فالعبادة التي هي غاية الاعتكاف العبادة في الجملة ، لا في تمام الزمان ، ضرورة عدم منافاة النوم وما يحتاج اليه من المباح قطعاً.


1) راجع المبسوط الفصل الثالث كتاب الاعتكاف.

( مسألة 3 ) : كلما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف إذا وقع في النهار ، من حيث اشتراط الصوم فيه ، فبطلانه يوجب بطلانه. وكذا يفسده الجماع [1] ، سواء كان في الليل أو النهار. وكذا اللمس والتقبيل بشهوة [2]. بل الأحوط بطلانه بسائر ما ذكر من المحرمات من البيع والشراء ، وشم الطيب ، وغيرها مما ذكر ، بل لا يخلو عن قوة [3] وإن كان لا يخلو من إشكال أيضاً [4] وعلى هذا فلو أتمه واستأنفه أو قضاه بعد ذلك ، إذا صدر منه أحد المذكورات في الاعتكاف الواجب كان أحسن وأولى [5].

( مسألة 4 ) : إذا صدر منه أحد المحرمات المذكورة


[1] كما عن جماعة التصريح به ، وعن الغنية : الإجماع عليه. وهو المستفاد من النصوص المتقدمة وغيرها.

[2] كما هو ظاهر من بنى على تحريمها في الاعتكاف ، فان الظاهر من التحريم الفساد الوضعي لا المنع التكليفي ، كما في نظائره. لكن عرفت الإشكال في أصل التحريم ، فضلا عن الفساد.

[3] فان الظاهر من النهي في أمثال المقام هو الإرشاد إلى المانعية الوضعية ، لا مجرد المنع التكليفي. ولا سيما إذا كان بأداة النفي. وعليه فلو وقع واحد منها في اليومين الأولين بطل الاعتكاف ، ولا إثم. بخلاف ما لو قيل بالحرمة التكليفية ، فإنه لو وقع فيهما أو في اليوم الثالث كان معصية وصح الاعتكاف.

[4] كأنه للجمود على ظاهر النهي. لكن عرفت إشكاله. ولو تمَّ لم يكن فرق بين لسان دليلها ودليل الجماع. وإجماع الغنية لا يصلح للتعويل عليه.

[5] عملا بالوجهين معاً.

سهواً فالظاهر عدم بطلان اعتكافه. إلا الجماع [1] فإنه لو جامع سهواً أيضاً فالأحوط في الواجب الاستئناف ، أو القضاء مع إتمام ما هو مشتغل به ، وفي المستحب الإتمام.

( مسألة 5 ) : إذا فسد الاعتكاف بأحد المفسدات ، فان كان واجباً معيناً وجب قضاؤه [2] ، وان كان واجباً غير معين وجب استئنافه [3]. إلا إذا كان مشروطاً فيه ، أو في نذره الرجوع ، فإنه لا يجب قضاؤه أو استئنافه [4]. كذا يجب قضاؤه إذا كان مندوباً ، وكان الإفساد بعد اليومين [5]


[1] عن المنتهى : أنه صرح بأن الجماع - فضلا عن غيره - إنما يبطل مع العمد دون السهو. وكأنه لانصراف دليل المنع عنها إلى صورة العمد. فيه نظر. إلا أن ينعقد إجماع عليه - كما في الجواهر - إذ لا وجه للانصراف المذكور بنحو يعتد به في رفع اليد عن الإطلاق ، كما يظهر من ملاحظة نظائره ، إذ لو لا حديث : « لا تعاد الصلاة .. » ونحوه ، لم يكن وجه للحكم بصحة الصلاة مع فقد الشرط ، أو وجود المانع ، ولو سهواً.

وكأن وجه توقف المصنف (رحمه اللّه) في الجماع : كثرة النصوص فيه ، من دون إشارة إلى التخصيص بالعمد. فتأمل.

[2] بناء على ما سبق : من عموم وجوب قضاء ما فات من الاعتكاف.

[3] لوجوب الامتثال ، وهو غير حاصل بالفاسد.

[4] هذا يتم إذا كان فعل المفسد بقصد الرجوع عن الاعتكاف. ما إذا لم يكن بقصده فيشكل ، للفساد الموجب للفوت ، الموجب للقضاء أو الاستئناف. اللّهم إلا أن يكون قد رجع بعد ذلك. فتأمل جيداً.

[5] لأنه يكون واجباً حينئذ.

وأما إذا كان قبلهما فلا شي‌ء عليه ، بل في مشروعية قضائه حينئذ إشكال [1].

( مسألة 6 ) : لا يجب الفور في القضاء [2] ، وإن كان أحوط.

( مسألة 7 ) : إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه لم يجب على وليه القضاء [3] ، وإن كان أحوط. عم لو كان المنذور الصوم معتكفاً وجب على الولي قضاؤه ، لأن الواجب حينئذ عليه هو الصوم ، ويكون الاعتكاف واجباً من باب المقدمة. بخلاف ما لو نذر الاعتكاف ، فان الصوم ليس واجباً فيه ، وإنما هو شرط في صحته ، والمفروض أن


[1] لعدم الدليل على مشروعية قضائه حينئذ. لكن في مرسل الفقيه : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : كانت بدر في شهر رمضان ، ولم يعتكف رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : فلما كان من قابل اعتكف عشرين ، عشراً لعامه ، وعشراً قضاء لما فاته » (1)، ونحوه مصحح الحلبي المروي عن الكافي (2). نعم موردهما خصوص ما كان للمندوب خصوصية زائدة من جهة الزمان. فلاحظ.

[2] للأصل بعد عدم الدليل عليه ، بل لإطلاق ما دل من النصوص على القضاء ، بناء على عدم دلالة الأمر على الفور ، كما حقق في محله. فما عن المبسوط والمنتهى : من وجوب الفورية ضعيف.

[3] للأصل بعد عدم الدليل عليه. وعن الشيخ في المبسوط عن بعض الأصحاب : الوجوب ، أو يخرج من ماله من ينوب به عنه. لعموم ما روي : « أن من مات وعليه صوم واجب وجب على وليه أن يقضي عنه ، أو يتصدق


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الاعتكاف حديث : 2.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الاعتكاف ملحق حديث : 2.

الواجب على الولي قضاء الصلاة والصوم عن الميت ، لا جميع ما فاته من العبادات.

( مسألة 8 ) : إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه وشراؤه [1] وإن قلنا ببطلان اعتكافه.

( مسألة 9 ) : إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلا - وجبت الكفارة [2]. وفي وجوبها في سائر


عنه » (1). فيه : ما تقدمت إليه الإشارة ، من أن ظاهر الرواية وجوب قضاء الصوم الواجب بالأصالة ، كما أشار إليه في المتن. ولو سلم اختص ذلك بما لو استقر القضاء على الميت ، فلو نذر الاعتكاف في أيام معينة ، فمات في أثناء اعتكافه فيها ، أو اعتكف مندوبا فمات في الثالث ، لم يجب القضاء عنه.

[1] كما اختاره في الجواهر ، حاكياً القول بالبطلان أيضاً عن بعض وكأنه مبني على اقتضاء النهي في المعاملة الفساد. لكنه ضعيف ، كما حرر في محله. نعم إذا كان ظاهر النهي الإرشاد إلى المانعية اقتضى ذلك ، والمقام ليس منه.

[2] بلا إشكال ولا خلاف ظاهر. ويشهد له النصوص المصرحة بثبوت الكفارة ، وفي بعضها التصريح بثبوتها ولو كان الجماع ليلا ، كرواية عبد الأعلى : « عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان قال (عليه السلام) : عليه الكفارة. قال : قلت : فإن وطئها نهاراً. قال (عليه السلام) : عليه كفارتان » (2).


1) راجع المبسوط الفصل الثالث من كتاب الاعتكاف. وقد سبقت الإشارة إلى نصوص ذلك في المسألة : 26 من فصل أحكام القضاء في هذا الجزء.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 4.

المحرمات إشكال. والأقوى عدمه [1] ، وإن كان الأحوط ثبوتها. بل الأحوط ذلك حتى في المندوب منه قبل تمام اليومين [2] وكفارته ككفارة شهر رمضان على الأقوى [3] ، وإن كان الأحوط كونها مرتبة ككفارة الظهار.


[1] كما في الشرائع ، وعن المدارك ناسباً له الى الشيخ وأكثر المتأخرين لاختصاص نصوصها بالجماع ، فإلحاق غيره به قياس. والمناط غير محرز علماً. وعن المفيد والسيدين والعلامة في التذكرة. وجوبها ، إلحاقاً لها بالجماع. وللإجماع المحكي عن الغنية. وقد عرفت ما فيه. والإجماع ممنوع.

[2] كما يقتضيه إطلاق نصوص الكفارة ، والندبية لا تنافي ثبوتها ، كما سبق. قال في الجواهر : « اللّهم إلا أن يقال : إن تعليق الكفارة على عدم الاشتراط في صحيح أبي ولاد المتقدم يومئ الى عدم وجوبها مع عدم تعين الاعتكاف حتى في اليوم الثالث ، إذا فرض الاشتراط فيه على وجه يرفع وجوبه. مضافاً إلى أصل البراءة ونحوه ، وهو قوي جداً. فيكون المدار حينئذ في وجوبها بالجماع وعدمه تزلزل الاعتكاف وعدمه ، فتجب في الثاني ، دون الأول ».

أقول : قد أشرنا إلى أنه لا يظهر من صحيح أبي ولاد كون الكفارة من جهة الوطء (1)، بل لعل الظاهر منه كونها من جهة الخروج عن المسجد عمداً ، فإنه أسبق العلل في البطلان ، فالبناء على إطلاق ثبوت الكفارة غير بعيد.

[3] كما نسب إلى الأكثر والأشهر ، وعن المنتهى والتذكرة : نسبته إلى علمائنا ، وعن الغنية : الإجماع عليه. ويشهد له موثق سماعة : « عن معتكف واقع أهله. قال (عليه السلام) : عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان


1) سبقت الإشارة إلى الصحيح المذكور في المسألة : 40 من كتاب الاعتكاف.

( مسألة 10 ) : إذا كان الاعتكاف واجباً ، وكان في شهر رمضان ، وأفسده بالجماع في النهار ، فعليه كفارتان [1] إحداهما للاعتكاف ، والثانية للإفطار في نهار رمضان. وكذا إذا كان في صوم قضاء شهر رمضان ، وأفطر بالجماع بعد الزوال ، فإنه يجب عليه كفارة الاعتكاف ، وكفارة قضاء شهر رمضان. وإذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان ، وأفسده بالجماع في النهار وجب عليه ثلاث كفارات ، إحداها للاعتكاف والثانية لخلف النذر والثالثة للإفطار في شهر رمضان. وإذا جامع امرأته المعتكفة - وهو معتكف - في نهار رمضان ، فالأحوط


متعمداً : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكيناً » (1). وفي موثقة الآخر : « هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان » (2).

وعن المسالك والمدارك : أنها كفارة ظهار ، وعن المبسوط : نسبته إلى بعض أصحابنا. ويشهد له صحيح زرارة : « عن المعتكف يجامع أهله قال (عليه السلام) : إذا فعل فعليه ما على المظاهر » (3)ونحوه صحيح أبي ولاد. هذا والأخيران - وإن كانا أصح سنداً. وأكثر عدداً - يجب حملهما على الاستحباب ، جمعاً عرفياً.

[1] بلا خلاف ظاهر ولا إشكال ، وعن الانتصار والخلاف والغنية : الإجماع عليه. كما يستفاد من رواية عبد الأعلى المتقدمة (4)، المطابقة لمقتضى أصالة عدم التداخل ، التي هي الوجه فيما ذكره في المتن.


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 5.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 2.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الاعتكاف حديث : 1.

4) راجع المسألة : 9 من هذا الفصل.

أربع كفارات [1] ، وان كان لا يبعد كفاية الثلاث ، إحداها لاعتكافه ، واثنتان للإفطار في شهر رمضان ، إحداهما عن نفسه ، والأخرى تحملا عن امرأته [2]. ولا دليل على تحمل كفارة الاعتكاف عنها [3]. ولذا لو أكرهها على الجماع في الليل لم تجب عليه إلا كفارته ، ولا يتحمل عنها. هذا ولو كانت مطاوعة فعلى كل منهما كفارتان إن كان في النهار ، وكفارة واحدة إن كان في الليل.

( تمَّ كتاب الاعتكاف ، ويليه كتاب الزكاة )


[1] كما عن السيد والشيخ ، بل قيل : إنه المشهور ، وعن المختلف : إنه قول مشهور لعلمائنا لم يظهر له مخالف. والوجه فيه : إلحاق الاعتكاف بالصوم في تحمل الكفارة مع الإكراه ، فأكراه الزوجة على إفساد اعتكافها يوجب تحمل الكفارة ، كاكراهها على إفساد الصوم. وقد أشار في المتن إلى ضعفه.

[2] وفي الشرائع : جعل الأشبه لزوم كفارتين لا غير ، نافياً لكفارة التحمل في الصوم هنا ، لأن الدليل عليه ضعيف جداً لكن عمل به جماعة من الأصحاب في الصائم غير المعتكف ، فلا يتعدى عن موضع النص. وفيه : أن النص مطلق شامل للمعتكف وغيره ، ولا يختص بالصائم غير المعتكف. فالبناء على التحمل من جهة الإكراه على إفساد الصوم في محله

[3] لاختصاص دليله بالصوم ، وإلحاق المقام به يتوقف على إلغاء خصوصيته عرفاً ، وهو غير ثابت ، بل ممنوع. واللّه سبحانه أعلم. وله الحمد أولا وآخراً. والصلاة على رسوله الأكرم ، وآله الطاهرين أولياء النعم.

تمَّ كتاب الاعتكاف على يد مؤلفه الفقير إلى اللّه ( محسن الطباطبائي الحكيم ) في النجف الأشرف ، في صباح السابع عشر من ربيع الأول ، من السنة الرابعة والخمسين بعد الألف والثلاثمائة هجرية. على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحية. وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

فهرست الجزء الثامن من مستمسك العروة الوثقى

[ فصل في صلاة المسافر ]

3 يجب قصر الصلاة على المسافر بشروط ( الأول ) : المسافة ، وهي ثمانية فراسخ

4 الكلام في الاكتفاء بثمانية فراسخ ملفقة من الذهاب والاياب

8 الكلام في اعتبار بلوغ الذهاب وحده أربعة فراسخ

11 الكلام في اعتبار الرجوع ليومه في المسافة الملفقة

14 لا يجوز القصر في المسافة الملفقة مع التردد في الإقامة عشرة أيام في المقصد

14 الكلام في تحديد الفرسخ

16 التحديد في المسافة مبني على الدقة ، ولا يكفي التسامح العرفي إذا نقصت قليلا ، مع الكلام في حكم اختلاف الأذرع مع اخذ الذراع في مفهوم الفرسخ

17 الكلام فيما لو شك في بلوغ المقصد المسافة المعتبرة

18 طرق ثبوت المسافة شرعا

19 الكلام في وجوب الفحص عن المسافة

19 مع الشك فيها

20 إذا تعارضت البينتان تساقطتا

20 يجب الاحتياط أو الفحص مع الشك في المسافة المعتبرة شرعا بنحو الشبهة الحكمية

21 إذا قصر مع الشك في المسافة لم يجزه إلا أن ينكشف إنه حكمه القصر

21 إذا قصر أو أتم باعتقاد بلوغ المسافة أو عدمه خطأ لم يجزه

21 إذا شك أو اعتقد أن المقصد ليس مسافة ثم تبين أنه مسافة بعد السفر وجب القصر

22 إذا قصد الصبي المسافة لم يشرع له التمام قبل البلوغ وبعده

22 لو تردد في أقل من أربع فراسخ ذاهبا وجائيا مرات حتى بلغ ثمانية فراسخ لم يقصر

23 حكم ما لو كان للمقصد طريقان أحد هما مسافة دون الآخر

23 الكلام في المسافة المستديرة

24 الكلام في مبدأ حساب المسافة

26 ( الشرط الثاني ) : قصد قطع المسافة فلو قطع المسافة تدريجا من دون قصد إليها من أول الامر لم يقصر

29 لا يعتبر اتصال السير مع قصد المسافة

29 يكفي قصد المسافة تبعا لقصد الغير كالزوجة التابعة للزوج ، مع الكلام في وجوب الاستعلام على التابع والاعلام على المتبوع مع الجهل بقصده

31 يكفي قصد المسافة تبعا لقصد الغير كالزوجة التابعة للزوج ، مع الكلام في وجوب الاستعلام على التابع والاعلام على المتبوع مع الجهل بقصده

32 الكلام فيما إذا عزم التابع على مفارقة المتبوع إن تمكن أو معلقا على أمر خاص كالعتق

33 الكلام فيما لو اعتقد المتبوع عدم قصد التابع للمسافة ثم تبين قصده لها

33 الكلام فيمن يسافر به من دون اختيار له ، كما لو ألقي في السفينة

35 ( الشرط الثالث ) : استمرار القصد في تمام المسافة فلو عدل في أثنائها أو تردد أتم

36 الكلام فيما لو عدل في الأثناء عن المقصد الذي قصده أولا إلى مقصد آخر. وكذا لو قصد من أول الامر المسافة من دون تعيين المقصد

38 الكلام فيما لو تردد في أثناء السفر ثم عاد إلى الجزم

40 لا يجب على من عدل عن قصد المسافة إعادة ما صلاة قصرا قبل العدول

41 ( الشرط الرابع ) : أن لا يكون من قصده قطع السفر بالإقامة في مكان عشرة أيام أو المرور بالوطن قبل بلوغ ثمانية فراسخ. وكذا لو كان مترددا في ذلك

44 حكم ما لو عدل عن قطع السفر في أثناء السير

45 حكم ما لو عدل عن قطع السفر في أثناء السير

45 ( الشرط الخامس ) : أن لا يكون السفر حراما

47 الكلام فيما لو كان السفر مستلزما لترك واجب

49 حكم السفر على الدابة المغصوبة والذي يكون بالمشي في أرض مغصوبة

49 حكم التابع للجائر في سفره

50 حكم السفر امتثالا لأمر الجائر

50 الكلام في السفر للصيد إما للقوت أو للتجارة أو للهو

53 الكلام في الراجع من سفر المعصية

53 إباحة السفر كما تكون شرطا في استدامته على كلام

56 الكلام فيما إذا كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية

58 حكم الشاك في كون السفر معصية

59 هل المدار في الحلية والحرمة على الواقع أو الاعتقاد أو الحجة الظاهرية؟

61 الكلام فيما لو كانت الغاية المحرمة في بعض الطريق

62 لا يحرم السفر للتنزه ولا يوجب التقصير

62 الكلام في جواز السفر مع نذر صوم يوم معين

63 الكلام فيما إذا كانت الغاية المحرمة في حواشي الجادة مع إباحة نفس السفر

64 الكلام في حكم المسافر لغاية محرمة بعد حصولها

65 الكلام فيما إذا كان السفر لغاية مباحة وعرض في أثناء الطريق قطع بعض المسافة لغرض محرم

66 الكلام فيما إذا عدل في أثناء السفر عن قصد الحرام إلى الحلال أو بالعكس قبل الزوال أو بعده

67 سفر المعصية بحكم الحظر في جميع الاحكام ولا يختص بالصوم والتقصير في الصلاة

67 ( الشرط السادس ) : أن لا يكون ممن مبيته معه

69 ( الشرط السابع ) : أن لا يكون ممن اتخذ السفر عملا له. مع التنبيه إلى وجوب القصر على من يكثر منه السفر وإن لم يكن عملا له

71 الكلام فيمن جد به السير

73 الكلام في حكم السفرة الأولى

74 الكلام فيما لو سافر من عمله السفر سفرا خارجا عن عمله

75 الكلام في الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحج

77 الكلام فيمن عمله السفر في الشتاء دون الصيف أو بالعكس

78 الكلام فيمن عمله الخروج إلى ما دون المسافة إذا اتفق له السفر إلى المسافة

79 يعتبر في وجوب التمام على من عمله

السفر أن لا يقيم في بلده عشرة أيام فإنه يقصر في السفرة الأولى بعد الإقامة خاصة

82 لا فرق في انقطاع عملية السفر بالإقامة بين المكاري وغيره

83 لا تنقطع عملية السفر بالإقامة في البلد خمسة أيام

84 لا فرق في الإقامة القاطعة لعملية السفر بين المنوية وغيرها

84 إذا كثر السفر من شخص لعارض لم يلحق بمن عمله السفر

85 لا يعتبر فيمن عمله السفر اتحاد كيفيات السفر وخصوصياته

86 السائح الذي لا وطن له يتم

86 الراعي الذي ليس له مكان مخصوص يتم

86 التاجر الذي يدور في تجارته يتم

86 الكلام فيمن يسافر معرضا عن وطنه ولم يتخذ وطنا غيره

87 الكلام فيمن يسافر معرضا عن وطنه ولم يتخذ وطنا غيره

87 الكلام فيمن شك في أنه أقام عشرة أيام أو أقل

89 ( الشرط الثامن ) : الوصول إلى حد الترخص ، مع الكلام في تعيين الحد المذكور ، وكيفية الجمع بين النصوص الواردة فيه

93 من دخل حد الترخص حال العود انقطع عنه حكم السفر على كلام

95 الكلام في مناط خفاء الجدران

95 الكلام فيما لو كان البلد في مكان مرتفع أو منخفض أو عالي الجدران على خلاف المتعارف

95 الكلام فيما لو لم يكن بيوت ولا جدران

96 المناط في خفاء الاذان

97 المدار في عين الرائي وأذن السامع على المتوسط

97 الكلام في اعتبار حد الترخص في الخروج عن محل الإقامة ونحوه مما هو بحكم الوطن

99 إذا شك في بلوغ حد الترخص بنى على عدمه

99 الكلام فيما لو وصل حد الترخص في أثناء الصلاة

100 إذا اعتقد خطأ الوصول إلى حد الترخص فقصر وجب عليه الإعادة بعد انكشاف الحال

101 الكلام فيما إذا خرج عن حد الترخص ثم عاد إليه لاعوجاج الطريق ونحوه

102 الكلام في المسافة الدورية التي يكون بعضها أو تمامها في حد الترخص

فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما

103 وهي أمور ( أحدها ) : المرور على الوطن ، فيجب فيه التمام بمجرد الوصول إلى حد الترخص ، ولا يجوز التقصير إلا بقصد مسافة جديدة

104 الكلام في معنى الوطن

106 الكلام في وجوب التقصير في البلد الذي له فيه ملك وفي ثبوت الوطن الشرعي

111 يمكن تعدد الوطن

111 الكلام في توطن الطفل تبعا لأبويه

112 يزول حكم الوطن بالاعراض عنه والخروج وإن لم يتخذ وطنا آخر

113 لا يشترط في الوطن إباحة المسكن الذي يسكنه فيه

113 الكلام في حكم التردد بعد قصد التوطن

114 الكلام فيمن يتخذ مكانا معينا مقرا له مدة طويلة

115 ( الثاني ) من قواطع السفر : العزم على إقامة عشرة أيام متوالية

117 يعتبر في الإقامة وحدة المكان الذي يقيم فيه

118 الكلام في نية الخروج عن محل الإقامة لبعض الأمكنة القريبة

119 الكلام فيما إذا أقام في الصحراء

121 إذا علق الإقامة على أمر غير معلوم الحصول يجب القصر ، ولو كان عازما على البقاء واحتمل حدوث المانع وجب التمام

121 الكلام في المجبور على الإقامة والمكره عليها

122 لا تصح نية الإقامة في بيوت الاعراب المبنية على الرحيل الا مع الاطمئنان بعدمه

122 الكلام في إقامة الزوجة والعبد تبعا للزوج والمولى ، مع الكلام في نية الإقامة إجمالا

124 الكلام فيمن نوى المقام إلى آخر الشهر وهو لا يعلم انه عشرة أيام مع كونه في الواقع عشرة

124 من عدل عن الإقامة بعد العزم عليها فان كان قد صلى رباعية تامة بقي على التمام وإلا وجب عليه القصر

125 الكلام فيمن عدل في أثناء الفريضة

الرباعية قبل إتمامها

127 الكلام فيمن عدل بعد الصوم قبل فعل الفريضة الرباعية

127 الكلام فيمن عدل عن الإقامة بعد أن صلى رباعية تامة مع الغفلة عن اقامته أو لشرف البقعة من جهة التخيير

128 من نوى إقامة عشرة أيام حال عدم التكليف بالصلاة لصبي أو جنون أو حيض وجب عليه الاتمام بعد التكليف بها

129 الكلام فيمن عدل عن الإقامة بعد خروج وقت الرباعية لكن لم يصلها في وقتها

129 العدول عن الإقامة رافع لحكمها من حينه ، لا كاشف عن عدم ثبوت حكمها من أول الامر

130 لافرق في العدول عن قصد الإقامة بين أن يعزم على عدمها أو يتردد

130 إذا رجع الصائم عن نية الإقامة بعد الزوال قبل صلاة الرباعية أتم صومه

131 إذا تمت العشرة لا يحتاج إلى إقامة جديدة ، بل يبقى على التمام مالم يحدث سفرا جديدا

131 الإقامة بحكم الحضر في جميع الاحكام لافي خصوص الاتمام والصيام

131 الكلام فيما إذا بدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ، وفي صور ذلك

139 الكلام فيما إذا بدا للمقيم السفر وشرع فيه ثم بدا له العود إلى محل الإقامة

140 إذا دخل في الصلاة بنية القصر قبل العزم على الإقامة ثم نوى الإقامة في أثنائها أتمها ، مع الكلام في عكس ذلك

141 لا فرق في انقطاع حكم السفر بالإقامة بين أن تكون محللة أو محرمة

141 الكلام في وجوب الإقامة على من كان عليه صوم واجب مضيق

143 الكلام في جواز الإقامة لمن ضاق وقته عن إدراك الصلاة تماما

143 إذا شك في أن عدوله قبل الصلاة تماما أو بعده بني على أنه قبله

143 الكلام فيما إذا علم بعد نية الإقامة بأنه صلى رباعية وعدل عن الإقامة مع الجهل بالمتقدم منهما

145 إذا عدل عن الإقامة بعد صلاة الرباعية لكن انكشف بطلانها رجع إلى القصر

145 إذا عدل عن الإقامة بعد خروج وقت الرباعية وشك في أنه هل صلى في الوقت أولا؟

146 الكلام فيما لو عدل عن الإقامة قبل السلام الأخير أو قبل صلاة الاحتياط أو قضاء الأجزاء المنسية أو قبل سجود السهو

147 الكلام فيما لو أعتقد أن رفقاءه قصدوا الإقامة فقصدها ثم تبين عدم قصدهم لها

148 ( الثالث ) من قواطع السفر : البقاء ثلاثين يوما في مكان واحد مترددا في إقامة عشرة أيام وعدمها

151 الكلام في كفاية البقاء شهرا هلاليا إذا كان ناقصا

152 يكفي في الثلاثين يوما التلفيق (ش)

152 لافرق في مكان التردد بين البلد والقرية والمفازة (ش)

153 لابد من اتحاد مكان التردد

153 الكلام في المتردد بعد الثلاثين لو خرج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه

154 المتردد ثلاثين يوما إذا سافر عن مكانه لا يقصر الا بعد الخروج عن حد الترخص

فصل في أحكام صلاة المسافر

155 تسقط النوافل النهارية مع الكلام في سقوط نافلة العشاء

156 الكلام في سقوط نافلة الظهرين لو دخل عليه الوقت وهو حاضر ولم يصل الا بعد السفر

157 الكلام في جواز الاتيان بنافلة الرباعية حال السفر إذا أتى بفريضتها حال الحضر

158 الكلام فيمن صلى تماما في السفر عالما بالحكم والموضوع أو جاهلا أو ناسيا لهما أو لأحدهما

166 الكلام في الصوم في السفر

167 الكلام فيما لو قصر من وظيفته التمام

168 من فاتته الصلاة وهو جاهل بوجوب القصر ثم علم به قبل قضائها وجب عليه قضاؤها قصرا

168 حكم تذكر الحكم أو الموضوع في أثناء الصلاة مع سعة الوقت أو ضيقة

171 إذا اتفق للمسافر التقصير لا عن قصد أجزأه على كلام

173 الكلام فيمن دخل عليه الوقت وهو حاضر فلم يصل حتى سافر أو بالعكس

178 الكلام فيمن فاتته الصلاة وكان حاضرا في بعض الوقت ومسافرا في بعضه

179 الكلام في التخيير بين القصر والاتمام في الأماكن الأربعة. مع الكلام في الجمع بين الاخبار المتعارضة في ذلك

184 الكلام في تحديد الأماكن الأربعة وأنها تعم تمام البلدان الأربعة أولا؟

189 إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في أحد الأماكن وبعضه خارجا عنه لا يجوز له التمام

190 لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المذكور

190 التخيير في الأماكن الأربعة استمراري فيجوز العدول من القصر إلى التمام في أثناء الصلاة وكذا العكس

191 يستحب أن يلحق بالصلاة المقصورة ثلاثين تسبيحة كبرى إتماما لها

كتاب الصوم

192 تعريف الصوم

193 أقسام الصوم

193 حد منكر وجوب الصوم وتاركه

[ فصل في النية ]

195 يعتبر في الصوم القصد والقربة

195 يعتبر في غير صوم رمضان القصد إلى نوع الصوم ولو كان مستحبا

200 هل يعتبر التعيين في صوم رمضان؟

200 الكلام فيمن نوى في رمضان صوما غيره ولو لم يكن صوم رمضان عليه واجباً

205 لا يعتبر التعيين في الأداء والقضاء ، والوجوب والندب ، وغيرها

206 لو قصد صوم اليوم الأول ، فبان أنه الثاني ، أو قضاء صوم سنة فبان غيرها

207 الكلام في نية الجاهل بالمفطرات

207 النائب لا بد أن ينوي النيابة

208 لا يقع في شهر رمضان صوم غيره

208 الكلام فيمن نذر صوم يوم بعينه فصامه غير ناو للنذر أو ناويا غيره

210 من كان عليه قضاء رمضان لسنين هل يجب التعيين عند القضاء؟ وكذا لو كان عليه صومان منذوران ، أو صوم كفارتين متحدتين في الآثار

210 إذا نذر صوم يومين معينين بعنوانين واتفق اتحادهما في يوم واحد أجزأه صومه

211 الكلام فيما إذا نذر صوم يوم معين واتفق اتحاده مع يوم يستحب صومه لذاته

212 الكلام فيما إذا تعدد في صوم يوم واحد جهات من الوجوب أو جهات من الاستحباب

212 آخر وقت النية في الواجب المعين اختيارا عند الفجر ، ومع الغفلة أو

الجهل أو النسيان يمتد إلى ما قبل الزوال وكذا في غير المعين مطلقا. وفي المندوب يمتد إلى آخر النهار

218 الكلام فيما لو نوى الصوم ليلا ثم نوى الافطار ثم بدا له الصوم قبل الزوال

220 إذا نوى الصوم ليلا لا يضره الاتيان بالمفطر قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم

220 كيفية نية صوم شهر رمضان ، وأنه هل تعتبر نية واحدة له جملة ، أو ينوي لكل يوم على حدة؟

221 حكم صوم يوم الشك وكيفية نيته

228 لو أصبح يوم الشك بنية الافطار وبان في أثناء النهار أنه من رمضان

229 لو صام يوم الشك على أنه من شعبان وتناول المفطر نسيانا أجزأه لو صادف رمضان

229 لو صام يوم الشك على أنه من شعبان وأبطله برياء ونحوه لم يجزه عن رمضان وإن تبين انه منه قبل الزوال

229 لو صام يوم الشك على أن من شعبان ثم نوى الافطار وتبين أنه من رمضان قبل الزوال جدد النية إذا لم يتناول المفطر ، وأجزأه ، بخلاف ما إذا نوى

الافطار فيما يعلم بوجوبه معينا.

230 لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين بطل صومه ، وفي غير المعين يصح صومه إذا رجع قبل الزوال

231 لا يعتبر معرفة حقيقة الصوم وأنه ترك المفطرات مع النية ، أو كف النفس عنها

232 لا يجوز العدول من صوم إلى صوم

فصل فيما يجب الامساك عنه من المفطرات

233 ( الأول ، والثاني ) الاكل والشرب مطلقا

236 لا يجب التخليل بعد الاكل لمن يريد الصوم إلا إذا علم أن تركه يؤدي إلى دخول بقايا الطعام في الجوف.

236 لا بأس بابتلاع البصاق وإن كان كثيرا وكذا ما يخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس.

238 حكم ما يصل إلى الجوف بغير طريق الفم.

239 لا يبطل الصوم بانفاذ الرمح ونحوه إلى الجوف

239 ( الثالث ) : الجماع مطلقا. مع بيان أن المدار على الجنابة العمدية مطلقا ، مع بعض فروع الجنابة غير العمدية

243 حكم مجامعة الخنثى

244 إذ حدث الجماع سهوا أو جبرا ثم

ارتفع ذلك وجب الاخراج فورا

244 إذا شك في تحقق الجماع بنى على العدم

244 ( الرابع ) : الاستمناء متعمدا مطلقا

246 الكلام فيمن علم من نفسه أنه لو نام يحتلم

247 يجوز للمحتلم الاستبراء وإن علم بخروج بقايا المني من المجرى

248 إذا احتلم وأراد الاغتسال فالأحوط له تقديم الاستبراء إذا علم أنه لو لم يفعل يخرج المني المتبقي من المخرج بعد الغسل فتكون جنابة جديدة

248 لو قصد الانزال ولم ينزل بطل صومه

249 لو أتى ببعض موجبات الانزال وأنزل فمع القصد أو الاعتياد يبطل صومه ، مع بيان حكم ما لو لم يكن قاصدا ولا معتادا له

251 ( الخامس ) : تعمد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله (صلی اللّه عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام) مطلقا

254 ( الخامس ) : تعمد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله (صلی اللّه عليه وآله) أو الأئمة (عليهم السلام) مطلقا

255 الكلام فيما إذا تكلم غير موجه خطابه إلى أحد ، مع بعض فروع الكذب

256 إذا أخبر كاذبا ثم رجع عن خبره أو تاب لم يصح الصوم

256 لا فرق بين كون الخبر المكذوب منقولا في كتاب وعدمه ، مع حكم الخبر المشكوك الصدق

257 الكذب على الفقهاء والرواة لا يبطل الصوم

257 إذا اضطر إلى الكذب فلا يفطر

258 الكلام فيما إذا قصد الكذب فبان صدقا وبالعكس

258 الكلام فيما إذا أخبر كاذبا هزلا

259 ( السادس ) : إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق

261 حكم البخار ودخان التتن

262 ( السابع ) : رمس الرأس في الماء بتمامه ، ولا يكفي رمس منافذه فقط

264 حكم الارتماس في الماء المضاف وغيره من المائعات.

265 الكلام فيما لو ارتمس في الماء مع وجود حاجب يمنع من وصوله إلى الرأس ، أو رمس منافذ الرأس دون ما فوقها

265 لا بأس بافاضة الماء على الرأس مع عدم صدق الارتماس

266 حكم ذي الرأسين

266 إذا كان هناك مائعان يعلم بأن أحد هما ماء

267 لا يبطل الصوم بالارتماس سهوا أو قهرا.

268 لو ارتمس نسيانا أو قهرا وارتفع النسيان أو القهر وجب المبادرة بالخروج

268 لو ارتمس مكرها بطل صومه بخلاف ما إذا كان مقهورا

269 لو ارتمس لانقاذ غريق بطل صومه

269 إذا كان جنبا وانحصر غسله بالارتماس انتقل إلى التيمم مع وجوب الصوم تعيينا ، وإلا وجب عليه الغسل وبطل صومه

270 صور ما لو ارتمس بقصد الاغتسال أو أبطل صومه بالارتماس ثم أراد الاغتسال حال المكث أو الخروج من الماء ، مع تفصيل الكلام في حكم الخروج من الأرض المغصوبة ، وفي قياس المقام عليه.

271 صور الارتماس في الماء المغصوب وحكمها.

273 لا فرق بين العالم بحكم الارتماس والجاهل به

274 لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل والثلج

274 إذا شك في الارتماس بنى على عدمه

274 ( الثامن ) : تعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر في صوم رمضان وقضائه دون غيرهما

278 الاصباح جنبا بلا اختيار مبطل لقضاء رمضان دون غيره

281 الاحتلام في النهار ليس مفطرا مطلقا

281 النوم على الجنابة مع العزم على عدم الغسل من تعمد البقاء على الجنابة فيفطر

281 الاجناب قبل الفجر متعمدا في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم من تعمد البقاء على الجنابة فيفطر ولو وسع التيمم وجب وصح صومه

282 حدث الحيض والنفاس بحكم حدث الجنابة

285 الكلام في توقف صوم المستحاضة على أغسال الصلاة

288 يبطل صوم رمضان بنسيان غسل الجنابة دون غيره من أنواع الصوم

290 حكم نسيان غسل الحيض والنفاس

291 إذ كان المجنب ممن لا يستطيع الغسل وجب عليه التيمم

291 لا يجب على من تيمم قبل الفجر أن يبقى مستيقظا حتى يطلع الفجر

292 لا يجب على من أجنب في أثناء النهار أن يبادر إلى الغسل

292 إذا استيقظ بعد الفجر محتلما لم يبطل صومه سواء علم سبقه على الفجر أو تأخره عنه أم شك. نعم لو علم سبقه على الفجر لم يصح منه قضاء رمضان مطلقا أو إن كان موسعا

293 يجوز للجنب النوم في ليل شهر رمضان إذا احتمل الاستيقاظ قبل الفجر

294 صور ما لو نام الجنب في ليل شهر رمضان فاستمر إلى الفجر مع التعرض إلى حكم النوم الأول والثاني

301 الكلام في صوم غير شهر رمضان من الصوم المعين في حكم النوم على الجنابة

301 النوم الرابع والخامس بحكم الثالث

302 الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الاحكام المذكورة

302 الكلام في النوم مع حدث الحيض والنفاس في ليل شهر رمضان

302 إذا شك في عدد النومات بنى على الأقل

302 إذا نسي الجنابة ومضى عليه أيام وشك في عددها بنى على الأقل

303 الكلام في الاتيان بغسل الجنابة قبل الفجر بنية الوجوب ، مع تحقيق الكلام في وجوب المقدمات قبل الوقت.

305 فاقد الطهورين يجزيه الصوم مع الحدث

305 لا يشترط في صحة الصوم الغسل لمس الميت ، كمالا يضر مسه أثناء النهار

305 يحرم اجناب الشخص نفسه في زمان لا يسع الغسل

306 ( التاسع ) من المفطرات : الاحتقان بالمائع دون الجامد

307 إذا احتقن بالمائع ولم يصعد إلى الجوف لم يبطل الصوم

308 يجوز الاحتقان بما يشك في كونه مائعا أو جامدا

308 ( العاشر ) : تعمد القئ

309 لو خرج بالتجشؤ شئ لم يكن مبطلا

310 لو ابتلع في الليل ما يجب قيؤه في النهار بطل صومه

311 إذا أكل في الليل ما يعلم أنه يوجب

القيء في النهار قهراً عليه

أو بالحكم قصورا أو تقصيرا

311 إذا أمكنه حبس القئ وجب.

318 حكم تناول المفطر عن إكراه

311 إذا دخل الذباب في الحلق يجب إخراجه مع الامكان ، ولو توقف على القئ لم يجب

319 من قهر على المفطر ودفع في حلقه بلا اختيار منه لم يفطر

312 يجوز التجشؤ للصائم وإن احتمل خروج شئ من الجوف. وحكم ما لو علم بذلك.

319 الكلام فيمن ظن فساد صومه أو أنه مندوب فأفطر عامدا وتبين خطأ ظنه

312 الكلام فيما إذا ابتلع سهوا وتذكر قبل وصوله إلى الحلق ، أو بعده أو شك في وصوله

320 الافطار تقية مبطل للصوم. مع تحقيق مفاد أدلة التقية ، والتنبيه إلى أن مفاد أدلة الأجزاء إجزاء العمل الناقص تقية ، لا إجزاء ترك العمل تقية ، بنحو يرتفع معه القضاء

313 صور ما إذا دخل شئ في الحلق في أثناء الصلاة وتوقف إخراجه على قطعها

322 من تذكر انه صائم والطعام في فمه وجب عليه إخراجه ولو بلعه أفطر

314 هل يجوز للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه يخرجه اختيارا؟

324 إذا خاف الصائم على نفسه من العطش جاز له أن يشرب بقدر ما يرفع ضرورته

314 لا يبطل الصوم بالتجشؤ القهري ولو مع خروج شئ من الجوف ورجوعه وكذا التجشؤ الاختياري مع عدم العلم بخروج شئ من الجوف

325 لا يجوز للصائم أن يذهب إلى مكان يعلم باضطراره فيه إلى المفطر

فصل في اعتبار العمد والاختيار في الافطار

فصل في أمور لا بأس بها للصائم

315 فعل المفطر مع عدم قصده ، أو مع نسيان الصوم ، لا يفطر

326 لا بأس بما يدخل الفم ولا يتعدى إلى الحلق ، ولو دخل من غير قصد لم يفطر

317 حكم فعل المفطر عمداً جهلا بالموضوع

327 لا بأس بمضغ العلك. وكذا الجلوس في الماء مالم يرتمس ، ويكره للمرأة

328 لا بأس ببل الثوب على الجسد ، وإن

كره. كما لا بأس بالاستياك.

329 لا بأس بمص لسان الصبي ، والزوج والزوجة ، كما لا بأس بتقبيلها وضمها.

330 إذا استهلك دم أو غيره بريقه جاز بلعه

فصل يكره للصائم أمور

331 ( الأول ) : مباشرة النساء بما لا يستوجب الجنابة

332 ( الثاني ) : الاكتحال بما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق

333 ( الثالث ) : دخول الحمام لمن يخشى الضعف

333 ( الرابع ) : إخراج الدم المضعف بل كل فعل يورث الضعف أو هيجان المرة

334 ( الخامس ) : السعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق ، والاحرام.

334 ( السادس ) : شم الرياحين

335 ( السابع ) : بل الثوب على الجسد.

335 ( الثامن ) : جلوس المرأة في الماء

335 ( التاسع ) : الحقنة بالجامد

336 ( العاشر ) : قلع الضرس ، بل مطلق إدماء الفم

336 ( الحادي عشر ) : السواك بالعود الرطب

336 ( الثاني عشر ) : المضمضة عبثا

336 ( الثالث عشر ) : إنشاد الشعر ، إلا أن يشتمل على المطالب الحقة

337 ( الرابع عشر ) : الجدال والمراء وأذى الخادم والمسارعة إلى الحلف وجميع المحرمات والمكروهات في غير حال الصوم ، فإنه تشتد حرمتها أو كراهتها حاله

فصل فيما يوجب الكفارة

338 تجب الكفارة بفعل المفطر مع العمد والاختيار بلا كره ولا إجبار

341 لا تجب الكفارة في النوم الثاني والثالث بعد الجنابة

341 الكلام في وجوب الكفارة مع الجهل قصورا أو تقصيرا

342 تجب الكفارة في أربعة أقسام من الصوم ( الأول ) : صوم شهر رمضان وكفارته مخيرة بين الخصال الثلاث

344 يجب الجمع بين الخصال على من أفطر على محرم

346 ( الثاني ) : قضاء شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال ، وكفارته إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد ، فان لم يتمكن فصيام ثلاثة أيام.

348 ( الثالث ) : صوم النذر المعين ، مع تحقيق كفارته

351 ( الرابع ) : صوم الاعتكاف وكفارته مخيرة بين الخصال الثلاث ، وهي مختصة بالجماع. كما أنها لنقض الاعتكاف لا لنقض الصوم ولذا تجب بالجماع ليلا أيضا

352 ما عدا هذا من الصوم لا تجب الكفارة بالافطار فيه

352 تتعدد الكفارة بتكرر السبب في يومين ولا تتكرر بتكرره في يوم واحد.

354 هل تتعدد الكفارة بتكرار الجماع في يوم واحد؟

355 لا فرق في الافطار بالمحرم الموجب لكفارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصلية وعارضية

355 من الافطار بالمحرم الكذب على اللّه ورسوله.

355 حكم ابتلاع النخامة

356 الكلام فيما إذا تعذر بعض الخصال في كفارة الجمع

356 حكم ما إذا تعدد الجماع بالوجه المحرم في اليوم الواحد

356 الاكل في مجلس واحد اكل واحد وإن تعددت اللقم ، فلا تتعدد به الكفارة ولو قلنا بتعددها مع تعدده ، وكذا الشرب جرعة فجرعة ، وكذا الجماع إذا أدخل وأخرج مرات

356 حكم ما إذا أفطر بغير الجماع ثم جامع أو أفطر بالحلال ثم تناول الحرام

357 إذا علم بفساد الصوم وشك في كونه بنحو يوجب الكفارة ، أو في عدد الأيام ، أو في كون الافطار بالمحرم أو في كونه من الافطار المحرم ، أو نحو ذلك ، لم يجب عليه إلا المتيقن من القضاء أو الكفارة

358 إذا أفطر متعمدا ثم سافر لم تسقط الكفارة ، مع بيان حكم ما لو طرا بعد الافطار عذر فهري يبطل الصوم.

361 إذا أفطر متعمدا في يوم محكوم بأنه من رمضان ظاهرا ثم بان أنه من غيره لم تجب الكفارة

362 إذا جامع الرجل زوجته باختيارها وهما صائمان في رمضان وجب على كل منهما كفارة وتعزير بخمسة وعشرين سوطا. ولو أكرهها تحمل كفارتها

وتعزيرها. مع بيان حكم ما لو أكرهها في الابتداء ، وطاوعته في الاستدامة

364 إذا جامع الرجل امرأته وهي نائمة لم يتحمل عنها شيئا ولم يبطل صومها كما لا يتحمل عنها لو أكرهها على غير الجماع من المفطرات

364 إذا أكرهت الزوجة زوجها على الجماع لا تتحمل عنه شيئا

365 إذا أكره أمته أو الأجنبية لم يتحمل عنهما شيئا

365 لا يجوز للمفطر إكراه زوجته الصائمة على الجماع. لكن لو أكرهها لا يحتمل عنها شيئا. مع التعرض إلى حكم ما لو أراد مجامعتها وهي نائمة. وإلى ضابط حق الزوج على الزوجة

366 حكم من عجز عن خصال الكفارة.

370 يجوز التبرع بالكفارة عن الميت. مع الكلام في التبرع عن الحي

372 لا تتكرر الكفارة الواحدة إذا مضت عليها سنين

372 الكلام في أن وجوب الكفارة موسع أو فوري

373 إذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام لم يبطل صومه

373 مصرف كفارة الاطعام الفقراء إما باشباعهم أو بالتسليم ماليهم كل واحد مدا

375 المراد من الطعام في كفارة الاطعام

375 لا يكفي إعطاء شخص واحد أزيد من مد ، أو إشباعه أكثر من مرة بل لابد من ستين مسكينا. نعم يكفى إعطاء شخص واحد بقدر عياله. كمام يكفي إعطاء شخص واحد وشراؤه منه ثم دفعه إلى غيره وهكذا ولا يعتبر أكله له. كما يكفي التكرار على الشخص الواحد مع عدم وجود المستحق غيره

380 حكم السفر في شهر رمضان لغير عذر ولا حاجة

382 الكلام في قدر المد والصاع

فصل يجب القضاء دون الكفارة في أمور :

382 ( أحدها ) : النوم الثاني والثالث على الجنابة إذا استمر إلى الفجر

383 ( الثاني ) : إذا أخل بنية الصوم ولم يأت بالمفطر

383 ( الثالث ) : إذا نسي غسل الجنابة يوما أو أياما

383 ( الرابع ) : إذا فعل المفطر بعد

الفجر جهلا بطلوعه على تفصيل.

387 ( الخامس ) : إذا أكل بعد الفجر تعويلا على من أخير ببقاء الليل

388 ( السادس ) : إذا أكل وقد أخبر مخبر بطلوع الفجر لزعمه سخرية المخبر ، أو لعدم العلم بصدقه

388 ( السابع ) : الافطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل ولو كان معذورا فيه. أما لو لم يكن معذورا فيه فعليه الكفارة أيضا

390 ( الثامن ) : الافطار لظلمة توهم منها دخول الليل ولم يكن في السماء علة ، بخلاف ما إذا كانت في السماء علة

392 إذا فعل المفطر مع الشك في طلوع الفجر ولم يظهر الحال فلا شئ عليه

393 يجوز فعل المفطر مع الشك في طلوع الفجر ولا يجوز مع الشك بدخول الليل. مع التعرض إلى إشكال استصحاب الزمان

394 ( التاسع ) : إدخال الماء في الفم فيسبقه ويدخل الجوف. بخلاف ما لو نسي فابتلعه فإنه لا يقضي

397 لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء فلا قضاء عليه على تفصيل وكلام

398 يكره المبالغة في المضمضة

398 حكم المضمضة مع العلم بسبق الماء إلى الجوف أو النسيان والابتلاع

399 ( العاشر ) : سبق المني بالملاعبة إذا لم يكن من قصده ولا عادته على كلام

فصل في الزمان الذي يصح فيه الصوم

399 زمان الصوم هو النهار من الفجر الصادق إلى غروب الحمرة المشرقية

399 لا يجوز صوم العيدين

400 يستحب تأخير الافطار عن الصلاة إلا ان ينتظره أحد للإفطار ، أو تنازعه نفسه اليه

402 لا يشرع الصوم في الليل

فصل في شرائط صحة الصوم

402 ( الأول ) : الاسلام والايمان في تمام النهار

403 ( الثاني ) : العقل. مع الكلام فيما لو ذهب العقل بعد تحقق النية في وقتها

404 ( الثالث ) : عدم الاصباح جنبا

404 ( الرابع ) : الخلو من الحيض والنفاس في تمام النهار

405 ( الخامس ) : أن لا يكون مسافرا سفرا يوجب قصر الصلاة

407 يجوز الصوم في السفر بدل هدي التمتع وبدل البدنة ممن أفاض من عرفات عامدا

408 يصح صوم النذر الذي قصد فيه السفر

410 لا يجوز صوم التطوع في السفر

411 يصح صوم ثلاثة أيام للحاجة في المدينة

412 يصح صوم المسافر الجاهل بالحكم دون الناسي

413 يصح الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال ، مع التعرض إلى اختلاف الاخبار والجمع بينها

417 يصح الصوم من المسافر إذا لم يقصر في صلاته

418 ( السادس ) : عدم المرض

419 يكفي الخوف من المرض في الافطار

419 يسقط الصوم باستلزامه الضرر وبمزاحمته بتكليف أهم

420 لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف

421 لا عبرة بقول الطبيب مالم يوجب الخوف

422 ( تنبيه ) : في تحقيق موضوع وجوب الصوم الواقعي والظاهري

422 يصح الصوم من النائم في تمام النهار إذا سبقت منه النية في الليل

423 يصح الصوم من الصبي المميز ويستحب تمرينه عليه بل التشديد عليه فيه

425 يشترط في صحة الصوم المندوب أن لا يكون عليه قضاء بالقضاء مع الكلام فيمن كان عليه غيره من الصوم الواجب

428 الكلام في صحة نذر صوم التطوع لمن كان عليه قضاء رمضان

429 حكم التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب بالاستئجار

فصل في شرائط وجوب الصوم

430 ( الأول والثاني وهي أمور ) : البلوغ والعقل

430 الكلام فيما لو نوى الصبي الصوم ندبا فبلغ في اثناء النهار

431 ( الثالث ) عدم الاغماء على كلام

432 ( الرابع ) : عدم المرض ، وحكم ما لو برئ المريض قبل الزوال ولم يتناول مفطرا

433 ( الخامس ) : الخلو من الحيض والنفاس

433 ( السادس ) : الحضر. مع بيان حكم ممن كان في بعض النهار مسافرا وفي

بعضه حاضرا

436 قاعدة التلازم بين إتمام الصلاة والصوم وقصرها والافطار ، مع بيان ما يستثنى من هذه القاعدة

437 لا يجوز الافطار للمسافر حتى يصل إلى حد الترخص

437 حكم السفر اختيارا في شهر رمضان وفي غيره إذا استلزم فوات صوم واجب معين

441 الكلام في كراهة السفر رمضان

441 يكره لمن يسوغ له إفطار شهر رمضان الجماع والتملي من الطعام والشراب

فصل وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لاشخاص

443 ( الأول والثاني ) : الشيخ والشيخة إذا تعذر الصوم أو كان شاقا عليهما وعليهما الفدية مع الكلام في قدرها ونوعها

446 الكلام في وجوب القضاء على الشيخ والشيخة لو تمكنا منه

447 ( الثالث ) : من به داء العطش. مع الكلام في وجوب القضاء عليه لو تمكن منه

449 ( الرابع ) : الحامل المقرب التي يضرها الصوم أو يضر حملها

449 يجب عليها الفدية من مالها لا من الزوج ، كما يجب عليها القضاء أيضا

450 ( الخامس ) : المرضعة القليلة اللبن

فصل في طرق ثبوت هلال رمضان وشوال

452 التعرض لبعض الطرق المفيدة للعلم

453 حجية البينة في الهلال ، مع استقصاء الكلام فيما دل على عدم حجيتها ، وبيان أن مقتضى الجمع بين الأدلة عدم حجيتها مع الاطمئنان النوعي بالخطأ.

455 اختلاف الشاهدين في الأوصاف يسقط خبر هما عن الحجية على تفصيل في ذلك

457 لا يضر اختلافهما في زمان الرؤية مع الاتفاق مع كونها في ليلة واحدة. ولو اختلفا في الليلة لا اعتبار بشهادتهما حتى في ترتيب أثر رؤيته في الليلة اللاحقة

458 لا يثبت الهلال بشهادة النساء ولا العدل الواحد

459 الكلام في حجية حكم الحاكم في الهلال. مع التعرض إلى وظيفة الحاكم الشرعي

462 الكلام فيما إذا علم خطأ الحكم ، أو

خطأ مستنده

464 لا يثبت الهلال بقول المنجمين ، ولا بغيبوبته بعد الشفق في الليلة ، ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال ، ولا بغير ذلك مما يفيد الظن وإن كان قويا إلا للأسير والمحبوس

469 لابد من شهادة الشاهدين بالرؤية ولا يكفي علمهما بطريق آخر

469 إذا لم يثبت الهلال فأفطر ثم انكشف أن ذلك اليوم من الشهر وجب قضاؤه

469 ينفذ حكم الحاكم في حق كل أحد حتى الحاكم الآخر

470 الكلام فيما إذا ثبتت الرؤية في بلد ولم تثبت في آخر ، وفي حكم اختلاف الآفاق

470 الاخبار عن رؤية الهلال فيه أصلا أو ثبت في أثنائه

471 حكم يوم الشك إذا لم يثبت الهلال فيه أصلا أو ثبت في أثنائه

472 لو غمت الشهور حسب لكل شهر ثلاثين يوما مالم يعلم النقصان. مع التعرض إلى إشكال استصحاب الزمان ودفعه

475 دليل القول بأنه يحسب خمسة أيام من يوم الصيام في السنة الماضية ودفعه.

476 حكم الأسير والمحبوس إذا تعذر عليهما العلم بالشهر

479 إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو أكثر ، أو اشتبه المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة

479 حكم المكان الذي نهاره ستة أشهر وليله ستة أشهر أو نحوه

فصل في أحكام القضاء

480 وجوب قضاء الصوم ممن فاته بالغا عاقلا مسلما ، فلا يجب قضاء ما فات أيام الصبا.

481 لو بلغ الصبي في أثناء النهار لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم

481 الكلام فيما إذا احتمل تقدم الفجر على البلوغ أو تأخره عنه

482 لا يجب قضاء ما فات أيام الجنون والاغماء

483 لا يجب القضاء على من أسلم عن كفر.

483 لو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه الصوم ولا قضاؤه

484 يجب على المرتد قضاء ما فاته أيام ردته

486 يجب القضاء على من فاته الصوم لسكر.

486 يجب قضاء ما فات حال الحيض والنفاس. كما يجب على المستحاضة الأداء ، وإن فاتها فالقضاء

486 المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته ، دون ما أتى به على وفق مذهبه

487 يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم أو الغفلة إذا لم تسبق منه النية

487 إذا تردد الفائت بين الأقل والأكثر اقتصر على الأقل. مع بيان أن الاستصحاب لا ينفع في إحراز وجوب قضاء المشكوك

489 لا يجب الفور في القضاء ، ولا التتابع وإن كان التتابع مستحبا على تفصيل

491 لا يجب تعيين الأيام ولا الترتيب. مع التعرض إلى الضابط المصحح لهما

492 يجوز قضاء رمضان اللاحق قبل السابق على تفصيل وكلام

492 لا ترتيب بين قضاء رمضان وغيره من الصوم الواجب

493 إذا نوى القضاء فتبين فراغ ذمته منه لم يقع لغيره. إلا أن يتبين في أثناء النهار فلو عدل يقع عما يصح نيته في أثناء النهار.

493 من فاته صوم رمضان لعذر فمات فيه لم يجب القضاء عنه. مع الكلام في استحبابه

496 لا يجب القضاء على من أفطر لمرض واستمر مرضه إلى رمضان آخر ، ويجب عليه الفدية ، ولا يجزئ عنها القضاء

499 الكلام في وجوب القضاء أو الفدية على من استمر به السفر ونحوه بين رمضانين ، أو كان عذره السفر ثم مرض ، أو العكس

500 الكلام فيمن فاته شهر رمضان لا لعذر أو لعذر غير مستمر إلى رمضان الآخر.

504 إذا استمر المرض إلى ثلاث سنين أو أربع وجب لكل سنة كفارة ، ولا تتكرر كفارة الستة الواحدة لو أخر القضاء سنين عديدة

505 يجوز إعطاء كفارة أيام عديدة لفقير واحد

505 لا تجب كفارة العبد على سيده مع الكلام في وجوب دفعها من ماله إذا لم يأذن له سيده

506 الكلام في فورية القضاء قبل رمضان الآخر

507 يجب على ولي الميت قضاء ما فاته من

الصوم ، مع بيان المراد من الصوم الفائت ، والميت المقضي عنه ، والولي

511 حكم ما لو تعدد الولي ، وأنه إذا تبرع متبرع سقط عن الولي.

511 يجوز للولي أن يستأجر من يصوم عن الميت ، ولا تبرأ ذمته إلا بأداء الأجير

512 إذا شك الولي في انشغال ذمة الميت بنى على العدم ، ويبني على الأقل لو تردد في مقدار الفائت

512 إذا أوصى الميت باستئجار ما عليه سقط عن الولي بشرط أداء الأجير

512 الكلام فيما لو علم الولي أنه كان على الميت القضاء وشك في إتيانه به

512 لو شك الميت فاستصحب انشغال ذمته بالقضاء فمات قبل إتيانه به فهل يجب على الولي الاتيان به؟

513 هل تجب على الولي قضاء الصوم الواجب على الميت غير رمضان؟

514 لا يجوز لمن يقضي رمضان عن نفسه الافطار بعد الزوال ، ولو أفطر وجبت الكفارة ، ويجوز الافطار مطلقا لمن يقضي عن غيره ، وكذا في سائر أقسام الصوم الواجب الموسع.

فصل في صوم الكفارة

517 وهو أقسام ( الأول ) : ما يجب فيه الصوم مع غيره ، وذلك في قتل العمد ، وافطار شهر رمضان على محرم ، فإنه تجب فيها الخصال الثلاث

517 ( الثاني ) : ما يجب بعد العجز عن غيره ، وذلك في الظهار ، وقتل الخطأ وإفطار قضاء شهر رمضان ، واليمين وصيد المحرم النعامة ، أو البقر الوحشي أو الغزال ، والإفاضة من عرفات قبل الغروب عامدا ، وخدش المرأة وجهها في المصاب حتى تدميه ، ونتفها رأسها فيه ، وشق الرجل ثوبه على زوجته أو وولده ، على كلام في بعض ذلك.

519 ( الثالث ) : ما يجب مخيرا بينه وبين غيره. وذلك في إفطار شهر رمضان ونقض الاعتكاف ، والنذر والعهد ، وجز المرأة شعرها في المصاب ، وحلق الرأس في الاحرام

519 ( الرابع ) : ما يجب مرتبا على غيره ومخيرا بينه وبين غيره ، وذلك في وطء

الرجل أمته التي أحرمت باذنه

520 يجب التتابع في صوم شهرين من كفارة الجمع أو التخيير. ويكفى فيه صيام شهر ويوم من الشهر الثاني

521 الكلام في وجوب التتابع في الثمانية عشر يوما التي يجب صومها بدل الشهرين ، بل في جميع صوم الكفارة

522 لا يجب التتابع في الصوم المنذور إلا مع اشتراطه أو الانصراف إليه

524 الكلام في وجوب التتابع في قضاء الصوم المنذور المشترط فيه التتابع

524 من وجب عليه الصوم الواجب فيه التتابع لا يجوز له الشروع فيه في زمان يعلم بعدم سلامة التتابع فيه على تفصيل. ولو لم يعلم فاتفق طروء ما يمنع من استمرار الصوم صح ما مضى منه ويبني عليه ولا يضر فوت التتابع

526 إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع يجب استئنافه. وكذا لو شرع في زمان يتخلله صوم واجب غير صوم الكفارة مع بيان حكم ما لم يكن التتابع شرطا فيه ، وإنما كان واجبا بنذر ونحوه

527 إذا أفطر في أثناء ما يجب فيه التتابع لعذر اضطراري لم يجب الاستئناف مع بيان بعض أمثلة العذر الاضطراري

531 من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فصام شهرا ويوما جاز له التفريق اختيارا

532 حكم صوم الشهرين المنذور فيه التتابع

532 حكم صوم الشهر المنذور فيه التتابع

533 إذا بطل التتابع فهل يحكم على الصوم الواقع بالصحة أو الفساد

كتاب الاعتكاف

536 تعريف الاعتكاف. مع التعرض إلى أنه هل يعتبر فيه قصد العبادة الخارجة عن اللبث ، أو يكفي التعبد باللبث

537 يصح الاعتكاف في كل وقت يصح فيه الصوم. وأفضل أوقاته شهر رمضان ، خصوصا العشر الأواخر منه

538 الاعتكاف مستحب بأصل الشرع وقد يجب بالعرض

538 يصح التبرع بالاعتكاف. عن الميت وعن الحي

538 يشترط في الاعتكاف أمور ( الأول ) : الايمان

539 ( الثاني ) : العقل

539 ( الثالث ) : قصد القربة. مع الكلام في اعتبار التعيين فيه إذا تعدد

540 إذا كان الاعتكاف مندوبا فهل يتوي باليوم الثالث الندب أو الوجوب

541 وقت نية الاعتكاف

542 ( الرابع ) : الصوم فلا يقع في الموضع الذي لا يصح الصوم فيه

544 ( الخامس ) : أن لا يكون أقل من ثلاثة أيام ويجوز أكثر ، وإذا بلغ خمسة أيام وجب السادس ، مع الكلام في وجوب اليوم الثالث كل ما زاد يومان

545 الليلتان المتوسطتان داخلتان دون المتطرفتان.

545 الكلام في كفاية الثلاثة أيام التلفيقية

546 ( السادس ) : أن يكون في المسجد الجامع. مع التعرض إلى اختلاف الاخبار والأقوال في ذلك ، وطريق الجمع بينها

549 ( السابع ) : إذن السيد في الاعتكاف بالنسبة إلى مملوكه ، وإذن المستأجر بالنسبة إلى أجيره الخاص ، وإذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافيا لحقه ، وإذن الوالدين بالنسبة إلى ولدهما على تفصيل. مع التعرض إلى ضابط حرمة مخالفة الوالدين.

551 ( الثامن ) : استدامة اللبث في المسجد فلو خرج لغير الأسباب المبيحة بطل

552 حكم خروج الناسي والمكره. مع الكلام في مفاد حديث الرفع

554 ضابط الحاجة المسوغة لخروج المعتكف من المسجد بنحو لا يوجب بطلانه

555 المدار على صدق اللبث في المسجد فلا يضر خروج بعض اجزاء بدنه عنه

556 لو ارتد المعتكف في أثناء اعتكافه بطل

556 لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف لاخر

557 الكلام في صحة النيابة في الاعتكاف عن أكثر من واحد

557 لا يعتبر في صوم الاعتكاف أن يكون لأجله

560 يجوز قطع الاعتكاف في اليومين الأولين ، ولا يجوز بعدهما

561 لو نذر الاعتكاف في أيام معينة وكان عليه صوم منذور أو واجب لأجل الإجارة

561 إذا نذر اعتكاف يوم أو يومين فان قيد بعدم الزيادة بطل النذر وإلا

صح ووجب إتمامه ثلاثة أيام

561 لو نذر اعتكاف أيام معينة فصادف الثالث العيد

562 إذا نذر اعتكاف يوم قدوم زيد أو نحوه مما لا يعلم به إلا في أثنائه

562 لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون لياليها لم ينعقد

562 لو نذر اعتكاف أيام لم تدخل الليلة الأولى ، ولو نذر اعتكاف شهر دخلت الليلة الأولى

562 إذا نذر اعتكاف شهر أجزأه ما بين الهلالين ووجب التتابع ، ولو قصد مقدار الشهر وجب ثلاثون يوما ولم يجب التتابع

563 لو نذر اعتكاف شهر أو نحوه على نحو التتابع فأخل ببعضه بطل ووجب القضاء مع الكلام في أن المقضي خصوص الفائت ، أو جميع المنذور

564 لو نذر اعتكاف أربعة أيام لا على نحو التتابع فأخل بالرابع وجب قضاؤه وضم يومين آخرين له

566 لو نذر اعتكاف خمسة أيام وجب ضم سادس لها

566 لو نذر اعتكاف زمان معين فتركه وجب قضاؤه ، وحكم ما لو غمت الشهور

567 يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد

568 حكم ما لو اعتكف في مسجد فاتفق مانع من اتمامه فيه

558 سطح المسجد وسردابه ومحرابه منه ما لم يعلم بخروجها عنه وكذا ما يضاف إليه

569 إذا عين موضعا خاصا من المسجد لاعتكافه لم يتعين

569 قبر مسلم وهاني (عليهما السلام) ليس جزءا من مسجد الكوفة

569 إذا شك في موضع أنه جزء من المسجد أو من مرافقه لم يحكم بمسجديته

569 لابد من ثبوت مسجدية المكان أو كونه جامعا بالعلم أو البينة وفي كفاية خبر العدل الواحد اشكال كما يكفي حكم الحاكم

570 لو اعتكف في مكان باعتقاد صحة الاعتكاف فيه ولم يكن كذلك بطل اعتكافه

570 لا فرق في محل الاعتكاف بين الرجل والمرأة

570 يصح الاعتكاف من الصبي المميز

571 يعتبر في اعتكاف العبد اذن سيده مع

بعض فروع في ذلك

572 بعض المورد التي يصح للمعتكف الخروج من المسجد فيها

572 لو أجنب في المسجد ولم يمكن الاغتسال فيه وجب الخروج وإلا بطل اعتكافه ، مع الكلام في بعض صور ذلك

574 حكم ما إذا غصب مكانا من المسجد ، مع تحقيق حال حق السبق في المسجد وحكم الجلوس على فراش أو تراب مغصوبين أو نحو ذلك

576 لا يبطل الاعتكاف باستعمال المغصوب عن عذر

577 إذا وجب الخروج مقدمة لواجب ولم يخرج أثم ولم يبطل اعتكافه

577 إذا احتاج إلى الخروج اقتصر على قدر الحاجة منه ولا يجلس تحت الظلال مع الكلام في المشي تحت الظلال

578 إذا احتاج إلى الخروج وطال خروجه بحيث انمحت صورة الاعتكاف بطل اعتكافه

578 لا يعتبر في اللبث في المسجد الكون بهيئة خاصة

579 إذا طلقت المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقا رجعيا فهل يجب عليها الخروج للاعتداد أولا؟

580 إذا كان الاعتكاف واجبا معينا حرم قطعه مطلقا ، بخلاف ما إذا كان مندوبا أو واجبا موسعا فإنه يجوز قطعه قبل اليوم الثالث

581 إذا اشترط في اعتكافه أن له الرجوع عنه كان له الرجوع متى شاء ، ووقت الشرط وقت نية الاعتكاف ، ولا يسقط حكم الشرط باسقاطه بعد ذلك ولا يصح اشتراط فعل المنافيات مع بقاء الاعتكاف

583 حكم اشتراط أن له فسخ الاعتكاف عند نذره

585 لا يصح أن يشترط في اعتكاف أن يكون له الرجوع في اعتكاف آخر

585 حكم التعليق في الاعتكاف

فصل في أحكام الاعتكاف

586 يحرم على المعتكف أمور ( أحدها ) : الوطء قبلا ودبرا من دون فرق بين

الرجل والمرأة مع الكلام في التقبيل واللمس والنظر بشهوة

587 ( الثاني ) : الاستمناء وان كان حلالا في نفسه ، على الأحوط

588 ( الثالث ) : شم الطيب مع التلذذ

588 ( الثالث ) : شم الطيب مع التلذذ

589 ( الخامس ) : المماراة وهي المجادلة بقصد الغلبة ، بخلاف ما إذا كانت لا حقاق الحق

590 لا يحرم على المعتكف بقية محرمات الاحرام

590 لا يحرم على المعتكف بقية محرمات الاحرام

590 يجوز للمعتكف الخوض في المباح والنظر في معاشه

591 كلما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف إذا وقع في أثناء النهار ، كما أنه يفسد بالأمور الخمسة المذكورة

591 حكم ما إذا صدر منه أحد الأمور المذكور سهوا

592 إذا أفسد الاعتكاف بأحد المفسدات وجب قضاؤه إن كان واجبا معينا ، ووجب استئنافه أن كان واجبا موسعا إلا أن يشترط في الرجوع. وكذا يجب قضاء المندوب لو أفسده بعد اليومين

593 لا يجب الفور في القضاء

593 إذا مات في أثناء اعتكافه الواجب لم يجب قضاء على وليه. إلا أن يكون المنذور هو الصوم معتكفا فيجب قضاؤه

594 إذا باع واشترى معتكفا لم يبطل بيعه وشراؤه

594 إذا أفسد اعتكافه بالجماع وجبت الكفارة ، بخلاف بقية المحرمات : وكفارته مخيرة

596 إذا كان الاعتكاف في شهر رمضان وأفسده بالجماع وجبت كفارتان وحكم ما لو أكره زوجته المعتكفة في شهر رمضان على الجماع