ghaemiyeh.com
المؤلف: السيد محسن الطباطبائي الحكيم
الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1389 ه.ق
الصفحات: 635
الكتب بساتین العلماء
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
قرآن كريم
مستمسك العروة الوثقی
تأليف: فقيه عصره آية اللّه العظمی السيد محسن الطباطبائي الحكيم مد ظله العالي
الجزء الخامس
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
كتاب الصلاة مقدمة في فضل الصلاة اليومية وأنها أفضل الأعمال الدينية : اعلم أن الصلاة أحب الأعمال إلى اللّه تعالى وهي آخر وصايا الأنبياء (عليهم السلام) (1). وهي عمود الدين ، إذا قُبلت قُبل ما سواها ، وإن ردّت ردّ ما سواها (2). وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم فان صحت نظر في عمله ، وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله (3)ومثلها كمثل النهر الجاري (4)فكما أن من اغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شيء من الدرن ، كذلك كلما صلى صلاة كفّر ما بينهما من الذنوب وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة (5)وإذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأول شيء يسأل عنه الصلاة فإذا جاء بها تامة وإلا زُخَّ في النار (6)وفي الصحيح : قال
ص: 3
1) الوسائل باب : 10 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 2.
2) وردت بهذا المضمون أحاديث كثيرة منها حديث : 10 من باب 8 : من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها.
3) الوسائل باب : 8 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 13.
4) الوسائل باب : 2 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 3 والحديث في المتن منقول بالمعنى.
5) الوسائل باب : 11 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 6 و 7.
6) الوسائل باب : 7 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 6
مولانا الصادق علیه السلام : « ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ألا ترى إلى العبد الصالح عيسى بن مريم علیه السلام قال : ( وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ) (1)وروى الشيخ في حديث عنه (عليه السلام) قال : « وصلاة فريضة تعدل عند اللّه ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبلات » (2).
وقد استفاضت الروايات في الحث على المحافظة عليها في أوائل الأوقات (3)، وأن من استخف بها كان في حكم التارك لها ، قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : « ليس مني من استخف بصلاته » (4). وقال : « لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته » (5). وقال : « لا تضيعوا صلاتكم ، فان من ضيع صلاته حشر مع قارون وهامان وكان حقاً على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين » (6). وورد : « بينا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام فصلى فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال (عليه السلام) : نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني » (7). وعن أبي بصير
ص: 4
1) الوسائل باب : 10 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 1.
2) الوسائل باب : 1 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 34.
3) راجع الوسائل والمستدرك في أوائل أبواب أعداد الفرائض وأبواب المواقيت.
4) الوسائل باب : 6 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 1 و 5 و 7 و 8.
5) الوسائل باب : 6 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 10.
6) الوسائل باب : 7 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 7.
7) الوسائل باب : 8 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 2.
قال : « دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد اللّه علیه السلام فبكت وبكيت لبكائها ، ثمَّ قالت : يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللّه عند الموت لرأيت عجباً ، فتح عينيه ثمَّ قال : اجمعوا كل من بيني وبينه قرابة قالت : فما تركنا أحداً إلا جمعناه ، فنظر إليهم ثمَّ قال : إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة » (1)وبالجملة ما ورد من النصوص في فضلها أكثر من أن يحصى. ولله در صاحب الدرة حيث قال :
تنهى عن المنكر والفحشاء *** أقصر فهذا منتهى الثناء
1) الوسائل باب : 6 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 11.
ص: 2
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
فصل في أعداد الفرائض ونوافلها الصلوات الواجبة ست [1] : اليومية - ومنها الجمعة -
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، والصلاة والسلام على سيد النبيين محمد وآله الطاهرين.
كتاب الصلاة
فصل في أعداد الفرائض ونوافلها
[1] وعدها بعضهم سبعاً ، كالشهيد - في كتبه الثلاثة - وغيره ، وهي :
والآيات ، والطواف الواجب ، والملتزم بنذر أو عهد أو يمين
اليومية ، والجمعة ، والعيدان ، والآيات ، والطواف ، والجنائز ، وما يوجبه الإنسان على نفسه بنذر وشبهه. وبعضهم عدها تسعاً ، قال في المعتبر : « فالواجب تسع : الصلوات الخمس ، وصلاة الجمعة ، والعيدين ، والكسوف ، والأموات ، والزلزلة ، والآيات ، والطواف ، وما يلتزمه الإنسان بنذر وشبهه ». ونحوه ما في القواعد. وفي كشف اللثام : « انها تسع : الفرائض اليومية - ومنها الجمعة - والسادسة العيدان ، والسابعة صلاة الكسوف والزلزلة والآيات ، والثامنة صلاة الطواف ، والتاسعة المنذور وشبهه ». والاختلاف في ذلك ناشئ من اختلاف أنظارهم في دخول بعض وخروجه ، وإدخال بعضها في بعض وإخراجه ، ولا يهم التعرض لذلك. نعم لم يعترض المصنف (رحمه اللّه) لذكر العيدين ، ولعله لبنائه على دخولها في اليومية كالجمعة. لكن - مع أنه غير ظاهر الوجه - كان اللازم التنصيص على ذلك ، فإنه أخفى من دخول الجمعة فيها. ويحتمل أن يكون نظره إلى تعداد ما هو واجب في زمان الغيبة ، والعيدان ليس منه ، بخلاف الجمعة على مذهبه ، والأمر سهل.
ثمَّ إن الدليل على وجوب كل واحدة من المذكورات موكول إلى محله في بابه. وأما عدم وجوب ما عداها فهو إجماع ، حكاه جماعة كثيرة ، منهم الشيخ والمحقق والعلامة والشهيد وصاحب المدارك. وفي المعتبر : « هو مذهب أهل العلم. وقال أبو حنيفة : الوتر واجب. وهو عنده ثلاث ركعات بتسليمة واحدة لا يزاد عنها ولا ينقص. وأول وقته بعد المغرب ، والعشاء مقدمة ، وآخره الفجر ». ويشهد له خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « الوتر في كتاب علي واجب ، وهو وتر الليل ، والمغرب وتر النهار » (1).
1) الوسائل باب : 25 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 4.
أو إجارة ، وصلاة الوالدين على الولد الأكبر [1] ، وصلاة الأموات.
أما اليومية : فخمس فرائض [2] : الظهر أربع ركعات والعصر كذلك ، والمغرب ثلاث ركعات ، والعشاء أربع ركعات والصبح ركعتان. وتسقط في السفر من الرباعيات ركعتان [3] كما أن صلاة الجمعة أيضاً ركعتان. وأما النوافل : فكثيرة ، آكدها الرواتب اليومية [4] ، وهي - في غير يوم الجمعة -
لكنه لا يصلح لمعارضة الإجماع والنصوص التي منها صحيح الحلبي ، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الوتر : « إنما كتب اللّه الخمس وليست الوتر مكتوبة ، إن شئت صليتها ، وتركها قبيح » (1).
[1] يعني : صلاة القضاء عن الوالدين التي تجب على الولد الأكبر ، على ما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في مبحث صلاة القضاء.
[2] إجماعاً ، بل ضرورة من الدين. والنصوص بذلك متواترة.
[3] إجماعاً ، بل ضرورة عندنا كما سيأتي. وكذا ما بعده.
[4] وعن جماعة كثيرة : التصريح به. وفي الجواهر : أنه لا ريب فيه. وفي كلام بعض : أنه من المسلمات بين الأصحاب. ولم أقف على ما يدل عليه صريحاً. نعم قد يستفاد مما ورد من كثرة الحث على فعلها ومزيد الاهتمام بها ، وأنها من علامات المؤمن ، وأنها مكملات للفرائض وما ورد في بعضها - كصلاة الليل والوتر وركعتي الفجر - أنها واجبة ، بل في الصحيح الآتي : « إن ترك الست والعشرين منها معصية ». لكنّ في ثبوت الأفضلية بهذا المقدار - لو لا ظهور الإجماع عليه تأملاً ظاهراً ،
1) الوسائل باب : 16 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 1.
أربع وثلاثون ركعة [1] :
ولذلك احتمل كون مثل صلاة جعفر « ع » أفضل منها. وأما ما رواه محمد ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن أفضل ما جرت به السنة من الصلاة. قال (عليه السلام) : تمام الخمسين » (1)فالمراد به أفضلية التمام لا كل صلاة منها. ونحوه ما رواه يحيى بن حبيب : « سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى اللّه تعالى من الصلاة ، قال (عليه السلام) : ست وأربعون ركعة فرائضه ونوافله. قلت : هذه رواية زرارة. قال : أَوَترى أحداً كان أصدع بالحق منه؟ » (2).
[1] إجماعاً صريحاً وظاهراً ادعاه جماعة كثيرة ، والأخبار الدالة عليه مستفيضة. نعم في بعضها : أنها ثلاث. وثلاثون ، بإسقاط الوتيرة ، كموثق حنان : « سأل عمرو بن حريث أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا جالس ، فقال له جعلت فداك أخبرني عن صلاة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله). فقال (عليه السلام) : كان النبي (صلی اللّه عليه وآله) يصلي ثمان ركعات الزوال ، وأربعاً الأولى ، وثمانياً بعدها ، وأربعاً العصر ، وثلاثاً المغرب ، وأربعاً بعد المغرب ، والعشاء الآخرة أربعاً ، وثماني صلاة الليل ، وثلاثاً الوتر ، وركعتي الفجر ، وصلاة الغداة ركعتين. قلت : جعلت فداك وإن كنت أقوى على أكثر من هذا أيعذبني اللّه تعالى على كثرة الصلاة؟ قال (عليه السلام) : لا. ولكن يعذب على ترك السنة » (3). ويوافقه خبر محمد بن أبي عمير المتقدم. وفي بعضها : أنها تسع وعشرون ، بإسقاط أربع من نافلة العصر مع الوتيرة ، كخبر أبي بصير : « سألت
أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التطوع بالليل والنهار. فقال (عليه السلام) : الذي يستحب أن لا يقصر عنه ثمان ركعات عند الزوال ، وبعد الظهر ركعتان ، وقبل العصر ركعتان ، وبعد المغرب ركعتان ، وقبل العتمة ركعتان ، وفي السحر ثمان .. » (1)ويطابقه خبر يحيى بن حبيب المتقدم وغيره ، وفي بعضها : أنها سبع وعشرون ، بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب مع ذلك ، كصحيح زرارة : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إني رجل تاجر أختلف وأتجر فكيف لي بالزوال والمحافظة على صلاة الزوال؟ وكم نصلي؟ قال (عليه السلام) : تصلي ثمان ركعات إذا زالت الشمس ، وركعتين بعد الظهر ، وركعتين قبل العصر فهذه اثنتا عشرة ركعة ، وتصلي بعد المغرب ركعتين ، وبعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة - منها الوتر ومنها ركعتا الفجر - وذلك سبع وعشرون ركعة سوى الفريضة ، وإنما هذا كله تطوع وليس بمفروض ، إن تارك الفريضة كافر ، وإن تارك هذه ليس بكافر ، ولكنها معصية ، لأنه يستحب إذا عمل الرجل عملاً من الخير أن يدوم عليه » (2).
هذا ولكنه لا مجال للعمل بهذه النصوص في قبال ما عرفت من الإجماع والنصوص. فلا بد إما من حملها على اختلاف مراتب الفضل - كما عن جماعة - أو على الجعل الأولي والثانوي - كما يشير اليه موثق سليمان الآتي بالنسبة إلى سقوط الوتر - ، أو على اختلاف الجهات المزاحمة العرضية - كما يشير إليه خبر عبد اللّه بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). قال في حديث طويل : « وعليك بالصلاة الست والأربعين ، وعليك بالحج أن تهل بالإفراد وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة ثمَّ قال : والذي أتاك به أبو بصير من صلاة
ثمان ركعات [1] قبل الظهر ، وثمان ركعات قبل العصر ، وأربع ركعات بعد المغرب وركعتان بعد العشاء من جلوس تُعدان بركعة [2] ، ويجوز فيهما القيام [3] بل هو الأفضل [4]
الإحدى وخمسين ، والإهلال بالتمتع إلى الحج ، وما أمرناه به من أن يهل بالتمتع ، فلذلك عندنا معان وتصاريف لذلك ، ما يسعنا ويسعكم ولا يخالف شيء منه الحق ولا يضاده » (1)أو على غير ذلك. واللّه سبحانه أعلم.
[1] بهذا الترتيب استفاضت النصوص لو لم تكن قد تواترت.
[2] ففي مصحح الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدان بركعة » (2)، وفي حسن البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) : « وركعتين بعد العشاء من قعود تعدان بركعة من قيام » (3). ونحوهما غيرهما.
[3] كما عن جماعة التصريح به ، منهم الشهيدان والمحقق الثاني والأردبيلي لموثق سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وركعتان بعد العشاء الآخرة يقرأ فيهما مائة آية ، قائماً أو قاعداً والقيام أفضل ، ولا تعدهما من الخمسين » (4). وفي خبر الحرث بن المغيرة : « وركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصليهما وهو قاعد وأنا أصليهما وأنا قائم » (5).
[4] كما عن الروض ويقتضيه موثق سليمان ، بل ظاهر خبر الحرث
1) الوسائل باب : 14 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 7.
2) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 3.
3) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 7.
4) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 16.
5) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 9.
وإن كان الجلوس أحوط [1] ، وتسمى بالوتيرة ، وركعتان قبل صلاة الفجر ، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل ، وهي ثمان ركعات ، والشفع ركعتان ، والوتر ركعة واحدة. وأما في يوم الجمعة : فيزاد على الست عشرة أربع ركعات [2] ،
ولا ينافيه ما فيه من مواظبة أبيه (عليه السلام) على الجلوس فيهما ، لقرب حمله على العذر ، كما يشير اليه خبر سدير : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أتصلي النوافل وأنت قاعد؟ فقال (عليه السلام) : ما أصليهما إلا وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم وبلغت هذا السن » (1). نعم قد ينافي ذلك ما دل على أنهما تعدان بركعة فإن ذلك إنما يكون مع الجلوس فيهما. اللّهم إلا أن يقال : إنهما في حال القيام أيضاً تعدان بركعة مع غض النظر عن فضل القيام ، فان القيام له فضل في نفسه لا يرتبط بالركعتين ، لأنه مستحب نفسي ، وليس كالقيام المشروع في غيرهما من النوافل ، فإنه مستحب غيري. أو يراد أن ذلك. إنما هو في أصل التشريع ، فلا ينافي أفضلية القيام بدلا عن الجلوس ، وإن عدت بالقيام ركعتين ، وتكون النوافل حينئذ خمساً وثلاثين ، فان ذلك العدد بالعرض لا بالأصل ، كما أن جواز الجلوس في عامة النوافل يوجب رجوع النوافل إلى سبع عشرة ركعة بالعرض. فلاحظ.
[1] لما قد يظهر من كلام جماعة - حيث اقتصروا على فعلها جالساً - من تعين الجلوس فيهما. ومثله ظاهر بعض النصوص.
[2] على المشهور شهرة عظيمة ويشهد به النصوص ، فقد روى ذلك الفضل بن شاذان (2)والبزنطي (3)ويعقوب بن يقطين (4)ومراد بن
فعدد الفرائض سبع عشرة ركعة ، وعدد النوافل ضعفها بعد عدّ الوتيرة بركعة ، وعدد مجموع الفرائض والنوافل إحدى وخمسون. هذا ويسقط في السفر نوافل الظهرين [1] والوتيرة على الأقوى [2].
خارجة (1)وغيرهم. وعن الإسكافي : إنها تزيد ست ركعات. ويشهد له صحيح سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : « سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال؟ قال (عليه السلام) : ست ركعات بكرة ، وست بعد ذلك اثنتي عشرة ركعة ، وست ركعات بعد ذلك ثماني عشرة ركعة ، وركعتان بعد الزوال فهذه عشرون ركعة ، وركعتان بعد العصر فهذه ثنتان وعشرون ركعة » (2). وعن الصدوقين : أنه كسائر الأيام ، ويشهد له صحيح الأعرج : « عن صلاة النافلة يوم الجمعة. فقال (عليه السلام) : ست عشرة ركعة قبل العصر ثمَّ قال (عليه السلام) : وكان علي (عليه السلام) يقول : ما زاد فهو خير » (3). وقريب منه صحيح سليمان بن خالد (4). لكن الأول مهجور ، فلا مجال للعمل به إلا أن يبنى على قاعدة التسامح. والأخيرين لا ينافيان دليل زيادة ، كما لعله ظاهر.
[1] إجماعاً صريحاً وظاهراً حكاه جماعة كثيرة. وتشهد به النصوص المتجاوزة حد الاستفاضة ، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « عن الصلاة تطوعاً في السفر. قال (عليه السلام) : لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً » (5).
[2] كما هو المشهور ، وعن المنتهى : نسبته إلى ظاهر علمائنا (رضي اللّه عنه)
بل عن السرائر : الإجماع عليه ، لإطلاق مثل صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلا المغرب ثلاث » (1). ونحوه صحيح أبي بصير ، إلا أنه قال : « إلا المغرب فان بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر » (2)وفي خبر أبي يحيى الحناط : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر. فقال : يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة » (3).
وعن النهاية والمهذب البارع : جواز فعلهما. ونسب إلى ظاهر الفقيه والعلل والعيون ، والروضة : أنه قوي. وعن الذكرى : أنه قوي إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. وعن مجمع البرهان : أنه جيد لو لا الإجماع لرواية الفضل عن الرضا (عليه السلام) : « وإنما صارت العتمة مقصورة وليست تترك ركعتاها لأن الركعتين ليستا من الخمسين وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعاً ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع » (4). وطريق الفقيه إلى الفضل عبد الواحد بن محمد بن عبدوس ، وعلي بن محمد ابن قتيبة ، والأول : من مشايخ الصدوق المعتبرين الذين أخذ عنهم الحديث كما في المدارك. والثاني : من مشايخ الكشي وعليه اعتمد في رجاله ، كما في النجاشي والخلاصة. وفي الثاني - في ترجمة يونس بن عبد الرحمن - روى الكشي حديثاً صحيحاً عن علي بن محمد القتيبي .. إلى أن قال : « وفي حديث صحيح عن علي بن محمد القتيبي .. » وقد ذكره في الخلاصة في قسم الموثقين ، فالرواية معتبرة يمكن الخروج بها عما عرفت ، كما تقدم
( مسألة 1 ) يجب الإتيان بالنوافل ركعتين ركعتين [1]
عن الشهيد وغيره. وأما نقل الإجماع فموهون بمخالفة من عرفت. وعن كشف الرموز : أنه ممنوع. وإعراض المشهور عنها لا يقدح بعد احتمال بنائهم على كون المقام من التعارض بين الرواية وغيرها ، وأن الترجيح مع الثاني لصحة السند وكثرة العدد.
فالتأمل يقضي بعدم سقوط الرواية عن الحجية ، لا سيما مع تأيدها أو اعتضادها بصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « عن الصلاة تطوعاً في السفر. قال (عليه السلام) : لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً » (1)وبقاعدة التسامح. ولا يعارضها ما دل على السقوط ، إذ به لا يخرج المورد عن صدق كونه مما بلغ عليه الثواب. نعم لو كان مفاد أدلة السقوط الحرمة الذاتية اقتضت خروجه عن ذلك ، لاختصاصها بما بلغ المكلف عليه الثواب محضاً. لكن أدلة السقوط لا تفيد ذلك. وبما في رواية رجاء بن أبي الضحاك المروية عن العيون : « ان الرضا (عليه السلام) كان يصلي الوتيرة في السفر » (2). وفي مفتاح الكرامة : « الرواية معتمد عليها ، مقبولة مشتهرة ، مشتملة على أحكام معلومة مفتى بها عند الفقهاء ». وبإمكان دعوى انصراف نصوص السقوط عن الوتيرة ، لعدم كونها من الرواتب بل إنما زيدت ليتم بها عدد النوافل ، كما في بعض النصوص فلاحظ.
[1] كما هو المشهور ، وعن ظاهر الغنية وصريح إرشاد الجعفرية : الإجماع عليه. ويشهد له خبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن
جعفر (عليهما السلام) قال : « سألته عن الرجل يصلي النافلة أيصلح له أن يصلي أربع ركعات لا يسلم بينهن؟ قال (عليه السلام) : لا إلا أن يسلم بين كل ركعتين » (1)ورواية أبي بصير المروية عن مستطرفات السرائر عن كتاب حريز : « قال أبو جعفر (عليه السلام) - في حديث - : وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم » (2). لكنهما لا يدلان على عدم مشروعية صلاة ركعة ، بل في عمومهما لما عدا الرواتب تأمل. ولذلك قال في محكي مجمع البرهان : « الدليل على عدم الزيادة والنقيصة غير ظاهر ، وما رأيت دليلاً صريحاً صحيحاً على ذلك ، نعم ذلك مذكور في كلام الأصحاب ، والحكم به مشكل ، لعموم مشروعية الصلاة. وصدق التعريف المشهور على الواحدة والأربع .. ». لكن عموم المشروعية ليس وارداً لبيان الكيفية ، فلا مجال للتمسك بإطلاقه وإن صدق التعريف على الواحدة والأكثر. وحينئذ لا بد في إثبات الكيفية من الرجوع إلى دليل آخر ، والأصل عدم المشروعية.
فإن قلت : لا إشكال في أصل مشروعية الركعة ، وإنما الشك في مشروعيتها مفصولة بالتشهد والتسليم وموصولة بركعة أخرى ، فيرجع الشك إلى الشك في جزئية الركعة الثانية ، والشك في مانعية التشهد والتسليم ، والأصل البراءة.
قلت : لا مجال للرجوع إلى البراءة في هذه المقامات ، لا العقلية ، للعلم بعدم العقاب. ولا مثل حديث الرفع الامتناني ، لعدم الامتنان في الرفع المذكور ، بل هو خلاف الامتنان ، نظير رفع الاستحباب الحرجي مع أنهما لا يثبتان مشروعية المقدار المعلوم. ولأجل ذلك أيضاً لا يجري استصحاب
إلا الوتر فإنها ركعة [1] ويستحب في جميعها القنوت ، حتى
العدم ، فلا يمكن التعبد بالمقدار المعلوم مع التشهد والتسليم.
فان قلت : أدلة المشروعية وإن لم تكن واردة في مقام بيان الكيفية ، لكن عدم بيان الكيفية فيها يقتضي الاعتماد على بيان الكيفية في غيرها ، وحيث أن الكيفية في غيرها مختلفة ، لكونها بعضها وتراً ، كصلاة الوتر وصلاة الاحتياط ، وبعضها ثنائية كالصبح ، وبعضها ثلاثية كالمغرب ، وبعضها رباعية كالظهرين والعشاء ، كان الظاهر هو التخيير بين الكيفيات المذكورة.
قلت : هذا الظهور ممنوع ، إذ من الجائز قريباً أن يكون قد اعتمد على خصوص الثنائية ، لأنها الغالب الشائع ، لكون النوافل الرواتب كذلك ، وكذا الفرائض في أصل التشريع ، والصبح ، والجمعة ، والعيدان ، والآيات ، ولا سيما بملاحظة أن محل الكلام النوافل غير الرواتب ، وحملها على خصوص الرواتب أولى من حملها على غيرها ، فالإطلاق المقامي يوجب البناء على كون النوافل غير الرواتب ثنائية كالرواتب. هذا كله مضافاً إلى رواية الفضل عن الرضا (عليه السلام) بالسند المتقدم في المسألة السابقة الذي قد عرفت اعتباره قال (عليه السلام) « الصلاة ركعتان ركعتان فلذلك جعل الأذان مثنى مثنى » (1).
[1] يعني : مفصولة عن الشفع بالتسليم. إجماعاً صريحاً وظاهراً ، كما عن الخلاف والمنتهى والتذكرة وغيرها. وتدل عليه النصوص ، كصحيح معاوية بن عمار : « قال لي : اقرأ في الوتر في ثلاثتهن ب- ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) ، وسلم في الركعتين ، توقظ الراقد ، وتأمر بالصلاة » (2)، ومصحح سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الوتر ثلاث ركعات وتفصل
الشفع على الأقوى [1] في الركعة الثانية. وكذا يستحب في مفردة الوتر.
بينهن » (1)، ومصحح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الوتر ثلاث ركعات ثنتان مفصولة وواحدة » (2). ونحوها غيرها. لكن في خبر كردويه الهمداني : « سألت العبد الصالح عن الوتر. فقال (عليه السلام) : صلة » (3)وفي صحيح يعقوب بن شعيب قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التسليم في ركعتي الوتر. فقال (عليه السلام) : إن شئت سلمت وإن شئت لم تسلم » (4)ونحوه صحيح معاوية بن عمار (5). ولأجلها قال في محكي مجمع البرهان : « الجمع بالتخيير حسن كما هو مذهب العامة ». وفي المدارك : « لو قيل بالتخيير بين الفصل والوصل واستحباب الفصل كان وجهاً قوياً ». إلا أنه لا مجال للعمل بهذه النصوص بعد حكاية الإجماع على خلافها ، فيتعين حملها على التقية ، أو غيرها.
[1] كما عن جماعة التصريح به ، بل عن بعض : نفي الخلاف فيه إلا من شيخنا البهائي - في حواشي مفتاح الفلاح - وبعض من تبعه. لعموم ما دل على مشروعيته في كل صلاة فرضاً ونفلا ، وخصوص خبر رجاء بن أبي الضحاك في حكاية فعل الرضا (عليه السلام) في طريقه إلى خراسان قال : « ثمَّ يقوم فيصلي ركعتي الشفع .. إلى أن قال : ويقنت في الثانية قبل
1) الوسائل باب : 15 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 9.
2) الوسائل باب : 15 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 10.
3) الوسائل باب : 15 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 18.
4) الوسائل باب : 15 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 16.
5) الوسائل باب : 15 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 17.
( مسألة 2 ) الأقوى استحباب الغفيلة [1] وهي : ركعتان
الركوع » (1). لكن شيخنا البهائي قال في محكي حواشيه : « القنوت في الوتر إنما هو في الثالثة ، وأما الأوليان المسماتان بالشفع فلا قنوت فيهما ». واستدل على ذلك بصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « القنوت في المغرب في الركعة الثانية ، وفي الغداة والعشاء مثل ذلك ، وفي الوتر في الركعة الثالثة » (2). وناقشه جماعة ممن تأخر عنه بحمل الصحيح على محامل كلها خلاف الظاهر ، مثل الحمل على التقية. أو على كون : « في المغرب » خبر المبتدأ وقوله (عليه السلام) : « في الركعة الثانية » بدل بعض من كل ، وكذا ما بعده ، فلا يدل على حصر قنوت الصلوات المذكورة في الركعات المزبورة وإنما يدل على حصر مواضع القنوت في الصلوات المذكورة ، الذي لا إشكال في وجوب الخروج عنه ، بالحمل على مزيد الاهتمام بها والأفضلية. أو على كون المراد بالوتر الموصولة للتقية لا المفصولة. أو نحو ذلك. والذي دعاهم إلى هذه المحامل ظهور التسالم على ثبوت القنوت في الشفع. وفي كفاية ذلك في جواز رفع اليد عن ظاهر الصحيح تأمل. نعم لو بني على قاعدة التسامح والاكتفاء بها بفتوى الفقيه أمكن الفتوى بالاستحباب. لكن ثبوت القاعدة محل إشكال أو منع كما سبق. وأما عموم مشروعية القنوت في كل صلاة فلا يكفي في تطبيق قاعدة التسامح لو بني عليها ، إذ بعد التقييد بالصحيح يكون المراد من العام ما عدا الشفع ، فلا يتحقق البلوغ ، نظير التخصيص بالمتصل. فتأمل جيداً.
[1] التي تدل عليها رواية هشام بن سالم المروية في محكي مصباح
بين المغرب والعشاء - ولكنها ليست من الرواتب - يقرأ فيها في الركعة الأولى بعد الحمد ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) ، وفي الثانية بعد الحمد : ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ
الشيخ (1)، وفي محكي فلاح السائل عن الصادق (عليه السلام) : « من صلى بين العشاءين ركعتين قرأ في الأولى الحمد وقوله تعالى ( وَذَا النُّونِ .. إلى قوله وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) ، وفي الثانية الحمد وقوله تعالى : ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ .. إلى قوله تعالى إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) ، فاذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال : ( اللّهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا ) ثمَّ تقول : ( اللّهم أنت ولي نعمتي والقادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسألك بحق محمد وآل محمد إلا ( لما ) قضيتها لي ) ويسأل اللّه جل جلاله حاجته أعطاه اللّه تعالى ما سأل » (2).
وظاهر الأكثر ما في المتن من كونها غير نافلة المغرب ، ويشهد له - كما في الجواهر - « عدم رجحان قراءة الآيتين في نافلة المغرب لخلو النصوص والفتاوى عنها ، بل الموجود فيها قراءة غير ذلك من السور كما لا يخفى على من لاحظها ». وعن بعض : إنكار ذلك ، لقاعدة توقيفية العبادة ، ولحرمة التطوع في وقت الفريضة ، ولما ورد من أنهم (عليهم السلام)
مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) ويستحب أيضاً بين المغرب والعشاء
ما كانوا يصلون غير نافلة المغرب. والجميع كما ترى ، إذ الأولان لا مجال لهما مع الدليل ، فان طريق الشيخ إلى هشام صحيح كما يظهر من ملاحظة الفهرست. والثالث يمكن أن يكون وارداً لبيان عدد النوافل المتعلقة بالفرائض لا غير ، وإلا فقد ورد أنهم (عليهم السلام) يصلون في اليوم والليل ألف ركعة.
فالعمدة ملاحظة الرواية المذكورة ، وأنها ظاهرة في صلاة أخرى مباينة لها خارجاً ، أو مفهوماً - مع إمكان اتحادهما خارجاً - أو واردة لتشريع خصوصية في نافلة المغرب لا غير. ولازم الأول جواز فعلهما معاً قدم الغفيلة أو النافلة. ولازم الأخير عدم جواز فعلهما معاً مطلقاً ، إذ مع تقديم الغفيلة يكون قد جاء بالنافلة فلا مجال لفعلها ثانياً لسقوط الأمر بها ، ومع تقديم النافلة لا مجال لفعل الغفيلة ، لسقوط مشروعية الخصوصية بسقوط الأمر بذات النافلة ، والمفروض أن دليل الغفيلة لا يشرع أصل الصلاة ، وإنما يشرع الخصوصية في صلاة مشروعة ، فتسقط الخصوصية بسقوط الأمر بالصلاة. ولازم الوسط جواز احتسابها من نافلة المغرب وعدمه ، إذ المفروض عليه إمكان اتحادهما خارجاً ، فمع قصد الأمرين بفعل الغفيلة يكون امتثالا لأمرها ولأمر نافلة المغرب ، ومع قصد أمرها لا غير يشرع الإتيان بالنافلة بعدها. وأظهر الوجوه أوسطها ، لإطلاق كل من دليلي النافلة والغفيلة ، الموجب لجواز اتحادهما خارجاً ، فيسقط الوجه الأول. ولأن ظاهر دليل الغفيلة تشريع الصلاة المقيدة بالخصوصية لا تشريع الخصوصية فقط في ظرف مشروعية الصلاة ، فيسقط الوجه الأخير.
هذا وقد أرسل الصدوق في الفقيه عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) أنه قال :
« تنفلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين فإنهما تورثان دار الكرامة قيل : يا رسول اللّه وما معنى الخفيفتين؟ قال (صلی اللّه عليه وآله) : الحمد وحده. قيل : وما ساعة الغفلة؟ قال (صلی اللّه عليه وآله) : بين المغرب والعشاء » (1). ورواه مسنداً في العلل ، وثواب الأعمال ، ومعاني الأخبار. ورواه الشيخ وغيره بتفاوت يسير. وفي الذكرى قال : « تستحب ركعتان ساعة الغفلة وقد رواه الشيخ » (2)، ثمَّ نقل الرواية المذكورة ثمَّ قال : « ويستحب أيضاً بين المغرب والعشاء ركعتان » ، وروى رواية هشام السابقة ، وظاهره أن هذه هي صلاة الغفيلة ، وما سبق صلاة أخرى غيرها. وكأنه لاختلافهما ذاتاً بالاشتمال على الآيتين وعدمه ، وأثراً بكون الأولى لقضاء الحاجة والثانية لزيادة الثواب. لكن من المحتمل أن يكون الاختلاف بينهما من قبيل الاختلاف بين المطلق والمقيد ، لعدم اعتبار الخفة في هذه كما تشهد به ( لو ) الوصلية ، ومن الجائز أن يكون للمقيد خصوصية موجبة لقضاء الحاجة زائداً على الأثر الأخروي ، وحينئذ فمقتضى إطلاق دليل هذه أنها عين الأولى منطبقة عليها قهراً انطباق المطلق على المقيد. ويشهد بذلك أنه زاد في محكي فلاح السائل على رواية هشام المتقدمة قوله : « فإن النبي (صلی اللّه عليه وآله) قال : لا تتركوا ركعتي الغفيلة وهما ما بين العشائين ». بناء على أنه من تتمة الحديث لا من كلام ابن طاوس.
ثمَّ إن الظاهر من قولهم (عليهم السلام) : « ما بين العشائين » ما بين الفرضين .
1) الوسائل باب : 20 من أبواب بقية الصلوات المندوبة حديث : 1 ، وليس في الفقيه ولا الوسائل قوله : ( قيل يا رسول اللّه .. ) وإنما المذكور فيهما : ( وساعة الغفلة بين المغرب والعشاء الآخرة ) ونقل المؤلف - دام ظله - في نسخته من الوسائل ان هذه الجملة ذكرها المؤلف في العلل منه لا جزء من الحديث. وقد نقل صاحب الحدائق قوله ( قيل يا رسول اللّه .. الى قوله : وحده ) عن فلاح السائل ، ونقل قوله ( وما ساعة الغفلة .. ) عن التهذيب.
2) راجع الذكرى - التنبيه - السادس عشر من فصل أعداد الصلاة.
صلاة الوصية [1] ، وهي أيضاً ركعتان يقرأ في أولاهما - بعد الحمد - ثلاث عشرة مرة سورة : ( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ) . وفي الثانية - بعد الحمد - سورة التوحيد خمس عشرة مرة.
( مسألة 3 ) الظاهر أن الصلاة الوسطى التي تتأكد المحافظة عليها هي الظهر [1] ، فلو نذر أن يأتي بالصلاة الوسطى في المسجد ، أو في أول وقتها - مثلاً - أتى بالظهر.
فإنه المتعارف في إطلاق اللفظ المذكور في النصوص والفتاوى ، لا ما بين الوقتين ، كما يشير إليه أيضاً ما في بعض أخبار الباب من قوله (عليه السلام) : « ما بين المغرب والعشاء الآخرة ». لكن في جواز الإتيان بها ولو مع تأخير العشاء عن وقتها الفضيلي تأملاً ، لإمكان دعوى انصراف النصوص إلى المتعارف في ذلك الزمان من إيقاع المغرب عند غروب الشمس والعشاء وقت الشفق ، ولا سيما بملاحظة أن في بعض النصوص توقيتها بما بين المغرب والعشاء ، ومن المحتمل قريباً إرادة ما بين الوقتين ، فالأحوط عند تأخير العشاء عن وقتها المذكور الإتيان بالغفيلة برجاء المطلوبية.
[1] روى ذلك الشيخ في المصباح مرسلاً عن الصادق (عليه السلام) كما في المتن ، وزاد : « فان من فعل ذلك في كل شهر كان من الموقنين ، فان فعل ذلك في كل سنة كان من المحسنين ، فان فعل ذلك في كل جمعة كان من المخلصين فان فعل ذلك في كل ليلة زاحمني في الجنة ولم يحص ثوابه إلا اللّه تعالى » (1). والكلام في أنها نافلة مستقلة غير نافلة المغرب. أو أنها يمكن احتسابها منها ، هو الكلام في صلاة الغفيلة ، بل يمكن الإتيان بالآيتين السابقتين فتحتسب صلاة الغفيلة. فلاحظ.
[2] كما هو المشهور ، بل عن الخلاف : إجماع الطائفة عليه. ويشهد
1) الوسائل باب : 17 من أبواب بقية الصلوات المندوبة حديث : 1.
( مسألة 4 ) النوافل المرتبة وغيرها يجوز إتيانها جالساً [1]
به جملة من النصوص ، منها صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - « قال (عليه السلام) : وقال تعالى ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) (1)وهي صلاة الظهر » (2). ونحوه صحيحه الآخر (3)، ومصحح أبي بصير (4)وغيرهما ، وعن السيد : أنها العصر مدعياً إجماع الشيعة أيضاً. ويشهد له ما رواه الصدوق عن الحسن بن علي علیهماالسلام ، قال (عليه السلام) : « وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم .. إلى أن قال : وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات » (5). ونحوه مرسل علي بن إبراهيم. لكن الإجماع ممنوع جداً ، كيف؟! ولم يعرف القول بذلك لغيره. والخبران ضعيفان في نفسهما لا يقاومان ما سبق. وعن العامة أقوال كثيرة ، فعن بعض : أنها الظهر ، وعن آخر : أنها المغرب ، وعن ثالث : أنها العشاء ، وعن رابع ، أنها الصبح ، وعن خامس : أنها مجموع الصلوات. ومستند الجميع اعتبارات لا تستحق ذكراً ولا رداً ، فراجع المطولات.
[1] على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً ، بل عن الخلاف والمعتبر والتذكرة والمنتهى وغيرها دعوى الإجماع عليه ، ويشهد به النصوص الكثيرة كمصحح سهل بن اليسع : « سأل أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الرجل يصلي النافلة قاعداً وليست به علة في سفر أو حضر. فقال (عليه السلام) :
1) البقرة : 238.
2) الوسائل باب : 5 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 1.
3) لعل المراد منه ما في المستدرك باب : 5 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها الحديث الأول أو غيره مما يرويه عن زرارة.
4) الوسائل باب : 5 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 2.
5) الوسائل باب : 2 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 7.
ولو في حال الاختيار ، والأولى حينئذ عدّ كل ركعتين بركعة [1] ، فيأتي بنافلة الظهر مثلاً ست عشرة ركعة ، وهكذا في نافلة العصر. وعلى هذا يأتي بالوتر مرتين ، كل مرة ركعة.
لا بأس به » (1)، وخبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إنا نتحدث نقول : من صلى وهو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة وسجدتين بسجدة. فقال (عليه السلام) : ليس هو هكذا هي تامة لكم » (2). ونحوهما غيرهما. وعن الحلي (رحمه اللّه) : منع ذلك إلا في الوتيرة وعلى الراحلة مدعياً خروجهما بالإجماع ، للأصل مع شذوذ الرواية المجوزة. لكن في الذكرى قال : « دعوى الشذوذ هنا مع الاشتهار بيننا عجيبة » وهو كما ذكر لاستفاضة النصوص المعتبرة بذلك ، مع تكثر دعوى الإجماع على العمل بها.
[1] ففي خبر محمد بن مسلم : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالساً. قال (عليه السلام) : يضعّف كل ركعتين بركعة » (3)، وفي صحيح ابن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : « سألته عن المريض إذ كان لا يستطيع القيام كيف يصلي؟ قال (عليه السلام) : يصلي النافلة وهو جالس ويحسب كل ركعتين بركعة. وأما الفريضة فيحتسب كل ركعة بركعة وهو جالس إذا كان لا يستطيع القيام » (4)، وفي خبره عنه (عليه السلام) : « عن رجل صلى نافلة وهو جالس من غير علة كيف يحتسب صلاته؟ قال (عليه السلام) : ركعتين بركعة » (5). وقريب منها غيرها.
وقت الظهرين ما بين الزوال [1]
فصل في أوقات اليومية ونوافلها
[1] بإجماع المسلمين ، كما عن الخلاف. والمعتبر والتذكرة ونهاية الأحكام. وبلا خلاف بين أهل العلم ، كما عن المسائل الناصرية والمنتهى ومجمع البرهان وشرح رسالة صاحب المعالم. وإجماعاً ، كما عن الغنية والذكرى. نعم عن ابن عباس والحسن والشعبي : إجزاء صلاة المسافر لو صلى قبل الزوال. وخلافهم - لو ثبت - لا يعول عليه ، لمخالفته لقوله تعالى : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ .. ) (1)والدلوك هو الزوال ، كما عن جماعة من أهل اللغة. ولو ثبت أن معناه غير ذلك فلا ينطبق على ما ذكروه. ويدل على ذلك أيضاً جملة من النصوص كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر » (2)، ومصحح عبيد بن زرارة : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن وقت الظهر والعصر. فقال (عليه السلام) : إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعاً ، إلا أن هذه قبل هذه ، ثمَّ أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس » (3)، وخبر مالك الجهني : « سألت
أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر ، فقال (عليه السلام) : إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين » (1).. إلى غير ذلك.
نعم قد يظهر من جملة من النصوص خلاف ذلك ، كمصحح إسماعيل ابن عبد الخالق : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال (عليه السلام) : بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك ، إلا في يوم الجمعة أو في السفر فان وقتها حين تزول الشمس » (2)- ونحوه موثق سعيد الأعرج (3)- وخبر زرارة : « وقت الظهر على ذراع » (4). ونحوها غيرها. وقد سرد في الجواهر جملة كثيرة استظهر منها المنافاة لما سبق. لكن بعضها ظاهر في تحديد الآخر ، كصحيح الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنهما قالا : وقت الظهر بعد الزوال قدمان ووقت العصر بعد ذلك قدمان » (5). ونحوه في ذلك صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن وقت الظهر. فقال : ذراع من زوال الشمس ، ووقت العصر ذراعان من وقت الظهر ، فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس .. » (6)ونحوهما مضمر ابن أبي نصر (7)وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (8)
1) الوسائل باب : 4 من أبواب المواقيت حديث : 11.
2) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 11.
3) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 17.
4) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 19.
5) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 1.
6) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 3.
7) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 12.
8) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 4 ويحتمل ان يريد به الحديث 23 من الباب المزبور لكن الظاهر إرادة الأول وان ذكر الثاني في الجواهر ، لأن الثاني لا يتكفل تحديد الآخر.
والمغرب [1]
وبعضها محتمل لذلك كمصحح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)وإسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليهما السلام) (2)، وموثق زرارة الحاكي رواية عمر بن سعيد (3). وبعضها ظاهر في أفضلية الصلاة على القدم والقدمين من الصلاة على القدمين والأربعة أقدام ، كصحيح ذريح المحاربي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4). وبعضها ظاهر في نهاية وقت الفضيلة ، كصحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (5). وبعضها محتمل لأول وقت الفضيلة ، كخبر ابن بكير الحاكي قصة دخول عمه زرارة على الصادق (عليه السلام) وخروجه عنه من غير أن يجيبه (6)، إذ لم يعلم أن الذراع والذراعين اللذين سبق ذكرهما لزرارة كانا تحديداً لأول وقت الفضيلة أو الاجزاء.
وبالجملة : أكثر النصوص المذكورة في الجواهر غير ظاهرة المنافاة لما سبق ، أو ظاهرة فيما هو أجنبي عنه. وكيف كان يجب حمل النصوص المنافية على وجه لا ينافي ما عرفت ، لما عرفت من دعوى الإجماع على التوقيت بالزوال ، بل ادعي عليه ضرورة المذهب أو الدين.
[1] على المشهور شهرة عظيمة. بل في الجواهر : نفي الخلاف المعتد به عندنا. ويشهد له جملة من النصوص ، كمصحح عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين
إلى نصف الليل إلا أن هذه قبل هذه » (1)وخبره : « لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس. ولا تفوت صلاة الليل حتى يطلع الفجر ، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس » (2)، وخبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أحب الوقت إلى اللّه عز وجل أوله حين يدخل وقت الصلاة فصّل الفريضة فان لم تفعل فإنك في وقت منهما حتى تغيب الشمس » (3)ومرسل داود بن فرقد الآتي(4).
وعن المبسوط : انتهاء وقت الظهر للمختار بصيرورة الظل مثل الشاخص. وعن القاضي : ذلك أيضاً حتى للمضطر. وعن ابن أبي عقيل : انتهاء وقت المختار بالذراع. ونحوه عن المقنعة. وعن أبي الصلاح : انتهاء وقته بأربعة أسباع. ونحوه ما عن نهاية الشيخ وعمل يوم وليلة. وعن التهذيب : ذلك مطلقاً. كما أنه عن المقنعة : انتهاء وقت العصر للمختار باصفرار الشمس. وعن أكثر كتب الشيخ والقاضي والحلبي والطوسي : انتهاء وقته إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. وعن ابن أبي عقيل : انتهاء وقته بالذراعين.
ومستند هذه الأقوال أخبار غير ظاهرة ، أو ظاهرة لكنها محمولة على وقت الفضيلة جمعاً - كما يشير اليه بعضها - وغيره ، ففي صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) : « لكل صلاة وقتان وأول الوقتين أفضلهما ، ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ، ولكنه وقت من شغل أو نسي أو أسها أو نام ، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلا من عذر أو علة » (5)، ومرسل
ويختص الظهر بأوله مقدار أدائها [1] بحسب حاله ، ويختص
الفقيه : « أوله رضوان اللّه وآخره عفو اللّه والعفو لا يكون إلا عن ذنب » (1)ومصحح الحلبي : « ان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) قال : الموتور أهله وماله من ضيع صلاة العصر. قلت : وما الموتور أهله وماله؟ قال (صلی اللّه عليه وآله) : لا يكون له في الجنة أهل ولا مال يضيعها فيدعها متعمداً حتى تصفر الشمس وتغيب (2)وخبر ربعي : « إنا لنقدم ونؤخر وليس كما يقال : من أخطأ وقت الصلاة فقد هلك ، وإنما الرخصة للناسي والمريض والمدنف والمسافر والنائم في تأخيرها (3). فان ملاحظة مجموع النصوص المذكورة ونحوها توجب الجزم بامتداد الوقت إلى الغروب غير أن الأفضل التقديم على ما سيأتي إن شاء اللّه في الوقت الفضيلي. فلاحظ وتأمل.
[1] على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً ، بل عن المنتهى : نسبته إلى علمائنا ، وعن نجيب الدين : أنه نقل الإجماع عليه جماعة ، وعن العلامة والشهيد : نسبة الخلاف إلى الصدوق ، وعن جامع المقاصد والمدارك : نسبته إلى الصدوقين. ونوقش في النسبة المذكورة. وكيف كان فيدل على المشهور مرسل داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات ، فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي أربع ركعات ، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس (4)، وصحيح الحلبي - في
حديث - قال : « سألته عن رجل نسي الأولى والعصر جميعاً ثمَّ ذكر عند غروب الشمس. فقال (عليه السلام) : إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصلّ الظهر ثمَّ يصلي العصر ، وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ولا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعاً ، ولكن يصلي العصر فيما قد بقي من وقتها ثمَّ ليصلّ الأولى بعد ذلك على أثرها » (1)، فإن الظاهر من تأخير العصر المنهي عنه هو فعل الظهر أولاً ثمَّ فعلها وحينئذ فالحكم بفوتهما حينئذ معاً لا بد أن يكون لبطلان الظهر من جهة وقوعها في غير الوقت.
وهذان الحديثان هما العمدة في أدلة الاختصاص. أما صحيح ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن نام رجل أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصليهما وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة » (2)، ونحوه موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3). فالأمر بفعل العشاء فيهما أعم من خروج وقت المغرب ، لجواز أن يكون لأهمية العشاء حينئذ. ونحوه الأمر بفعل العصر في جملة من النصوص الواردة في الحائض إذا طهرت في وقت العصر (4)ولعل هذا الوجه في نسبة الوقت إلى العصر فيها وفي غيرها. ومن ذلك يظهر حال صحيحة إسماعيل بن أبي همام عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : « في الرجل يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر : أنه يبدأ بالعصر ثمَّ يصلي الظهر » (5)
هذا ويعارض هذه النصوص مصحح عبيد المتقدم : « إذا زالت الشمس
فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً إلا أن هذه قبل هذه ثمَّ أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس » (1)ودلالتها على الاشتراك ظاهرة ، بل متكررة ومتأكدة ، فإنه ظاهر الجزاء مؤكداً بقوله (عليه السلام) : « جميعاً » ، وبالاستثناء أيضاً ، فإن الاستثناء مما يؤكد العموم ، ولا سيما إذا كان منقطعاً كما في الرواية ، فإن الظاهر من قوله (عليه السلام) : « إلا أن هذه .. » مجرد الترتيب ، فلا يكون الاستثناء متصلا لعدم منافاة ما قبله حينئذ له بوجه وقوله (عليه السلام) : « ثمَّ أنت .. » ظاهر في أنه إذا دخل وقتهما جميعاً تكون في وقت منهما جميعاً إلى الغروب ، فتكون نسبة جميع أجزاء الوقت المذكور إلى كل واحدة من الصلاتين نسبة واحدة بلا فرق بين الصلاتين أصلا وصحيح زرارة المتقدم : « إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر فاذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء » (2)، ورواية سفيان ابن السمط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين » (3). ونحوها رواية منصور بن يونس عن العبد الصالح (عليه السلام) (4)ومالك الجهني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (5)، وإسماعيل بن مهران عن الرضا (عليه السلام) (6).
والجمع بين رواية ابن فرقد وبينها كما يكون بحمل دخول الوقتين على دخول مجموعهما على الترتيب فلا ينافي الاختصاص ، نظير رواية عبيد في قوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) : قال (عليه السلام) : إن اللّه تعالى
افترض أربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل » (1)يكون أيضاً بحمل رواية ابن فرقد على دخول الوقت الفعلي بملاحظة اعتبار الترتيب بين الصلاتين ، نظير خبر زرارة : « وإذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل » (2)، ورواية ابن أبي منصور « إذا زالت الشمس فصليت سبحتك فقد دخل وقت الظهر » (3)، وخبر مسمع : « إذا صليت الظهر فقد دخل وقت العصر » (4)ورواية ذريح : « متى أصلي الظهر؟ فقال (عليه السلام) : صلّ الزوال ثمانية ثمَّ صلّ الظهر » (5). واستضعاف هذا الحمل في الجواهر من أجل أنه لا يختص بمقدار الأربع ، بل هو مطرد في عامة الوقت. ضعيف من أجل أن مقدار أداء الظهر بعد الزوال لا يمكن فيه فعل العصر أصلاً ، بخلاف ما بعده ، فإنه يمكن فعلها فيه ولو من جهة فعل الظهر في أول الوقت. ولا تبعد دعوى كون الحمل الثاني أقرب ، بل لعله مراد جماعة من القائلين بالاختصاص كما يظهر من أدلتهم عليه ، مثل ما في المختلف : « لأن الإجماع واقع على أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) صلى الظهر أولا وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي » (6)وما عنه أيضاً من أن القول بالاشتراك حين الزوال مستلزم إما للتكليف بما لا يطاق أو خرق الإجماع. وما عن الروض من أن ضرورة الترتيب تقتضي الاختصاص. وما عن المدارك من أنه لا معنى لوقت الفريضة إلا
ما جاز إيقاعها فيه ، ولا يجوز إيقاع العصر عند الزوال لا عمداً ولا مع النسيان ، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه ، وعدم ما يدل على الصحة. ونحو ذلك. فإن ملاحظة أمثال هذه الأدلة تقضي بأن مراد القائلين بالاختصاص ما يكون ملازماً لاعتبار الترتيب لا ما يكون بالمعنى الملازم للتوقيت. ولعله إلى هذا يشير الحلي في محكي كلامه ، من أن الاختصاص قول المحصلين من أصحابنا الذين يلزمون الأدلة والمعاني لا العبارات والألفاظ يعني : أن الاشتراك غير معقول مع البناء على اعتبار الترتيب.
نعم يبقى الإشكال في صحيح الحلبي المتقدم (1)، لظهوره في فوت الظهر إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار أداء العصر وإن صليت الظهر فيه الذي لا يكون ذلك إلا لوقوعها في غير وقتها. وحمله على كون تطبيق الفوت على الظهر من جهة سقوط الأمر بها ولو من جهة مزاحمتها بالعصر التي هي أهم منها ، لا من جهة خروج وقتها بعيد ، لكنه لا يدل على بطلان الظهر الذي جعلوه من ثمرات الاختصاص. وأيضاً يتوقف الاستدلال به على الاختصاص على القول بعدم الفصل ، وإلا أمكن الاقتصار على مورده لا غير ، لكن ظاهر الجماعة عدم الفصل للاستدلال به على الاختصاص مطلقاً وعليه فلا بد من التصرف في رواية عبيد وغيرها بالحمل على دخول مجموع الوقتين ولو بنحو الترتيب ويكون المراد من قوله (عليه السلام) : « إلا أن هذه .. » أن وقت هذه قبل وقت هذه ، ويكون الاستثناء متصلا - كما هو الأصل في الاستثناء - لا منقطعاً ، كما لو حمل على الترتيب لا غير حسب ما عرفت وهذا مؤيد آخر للحمل المذكور. وعلى هذا فالجمع العرفي بين مجموع الأدلة يساعد الاختصاص ، وإن كان في النفس منه شيء ، واللّه سبحانه أعلم.
1) تقدم في صدر التعليقة.
ثمَّ إن المذكور في رواية ابن فرقد : تحديد وقت الاختصاص بمقدار أربع ركعات. ومثله ما عن المبسوط والخلاف والجمل والناصريات وغيرها. قال العلامة في التحرير : « يدخل وقت الظهر بزوال الشمس .. ( إلى أن قال ) : إلى أن يمضي مقدار أربع ركعات ثمَّ يشترك الوقت بينها وبين العصر إلى أن يبقى لغروب الشمس مقدار أربع ركعات فيختص بالعصر. روى ذلك داود بن فرقد ». والمحكي عن جماعة كثيرة : التعبير بمقدار الأداء. قال العلامة في الإرشاد : « وقت الظهر إذا زالت الشمس .. ( إلى أن قال ) : إلى أن يمضي مقدار أدائها ثمَّ تشترك مع العصر إلى أن يبقى للمغرب مقدار أداء العصر ». بل هو المحكي عن معقد إجماع الغنية وجملة من معاقد الشهرة. ولا ينبغي التأمل في أن مراد الجميع واحد ، لعدم تحرير الخلاف المذكور من أحد ، ولم يتعرض لإثبات أحد الوجهين ورد الآخر ، والظاهر أن المراد هو الثاني ، بل ربما قيل : إنه مقطوع به. حملا للمرسل (1)على الغالب ، ويشهد له التعبير في صحيح الحلبي المتقدم (2)بالفوت ، فان الظاهر منه أن وقت الاختصاص عبارة عن المقدار المحتاج إليه في أداء الصلاة.
فلا بد حينئذ من ملاحظة أحوال المكلف التي يختلف مقدار الصلاة باختلافها ، سواء أكانت مأخوذة موضوعات للأحكام المختلفة في لسان الشارع - مثل السفر والحضر والخوف ونحوها - أم لا ، كطلاقة اللسان وعيّه ، والإبطاء في الحركات ، والاستعجال ، وغير ذلك ، فيقدر الوقت بقدر الصلاة الذي يختلف بلحاظها. كما لا فرق أيضاً بين أن تكون حاصلة قبل الصلاة وطارئة .
في أثنائها ، فلو صلى الظهر في أول الوقت فنسي بعض الأجزاء غير الركنية فقد دخل الوقت المشترك بالفراغ ، وكذا لو طرأ له في الأثناء ما يوجب خفة اللسان أو الحركات الصلاتية ، ولو عرض له ما يوجب الإبطاء - كالعي في اللسان ، أو الثقل في الحركات الصلاتية ، أو نسي فقرأ بعض السور الطوال ، أو نحو ذلك - كان التقدير بتلك الصلاة. ولو كان التطويل مستنداً إلى الاختيار - كما لو اختار قراءة السور الطوال ، أو القنوت ببعض الأدعية كذلك. أو نحو ذلك - كان ذلك خارجاً عن التقدير ، لأن الظاهر من رواية الحلبي التقدير بأداء صرف الطبيعة الحاصل بأداء أقل المقدار الواجب. ولو لم يصل الظهر لكن علم بأنه لو صلى طرأ عليه ما يوجب له الإبطاء أو السرعة - كنسيان بعض الأجزاء أو نحوه - لم يبعد دخول ذلك في التقدير ، لأن تقدير النسيان مثلا أو نحوه لا بد أن يكون راجعاً إلى حالة فعلية للمكلف لا فرق بينها وبين سائر الحالات الفعلية من السفر والحضر ونحوهما ، كما لعله ظاهر بالتأمل. ولو صلى قبل الوقت فدخل الوقت قبل التسليم فدخول وقت الاشتراك بمجرد الفراغ مبني على ما سيأتي في نظيره من وقوع العصر قبل الظهر. ( ودعوى ) : دخول الوقت المشترك من جهة الضابط المتقدم ، لأن نسيان الوقت أو الجهل به من قبيل الحالات التي يختلف مقدار الصلاة باختلافها - كما في الجواهر - ( غير ظاهرة ) إذ لا يرتبط ذلك باختلاف الصلاة بالمرة ، وإنما يرتبط بعدم اعتبار الوقت في تمام الصلاة لا غير.
وأيضاً الظاهر من المرسلة أن التقدير بلحاظ نفس الفعل دون مقدماته ، فاعتبار المقدمات في التقدير - كما عن المحقق والشهيد الثانيين وغيرهما ، بل عن بعض : أنه مفروغ عنه - غير ظاهر الوجه ، والفوت في رواية الحلبي وإن كان يتحقق بترك بعض الشرائط إلا أن الشرائط في آخر الوقت لازمة
التحصيل على كل حال لكل واحدة من الفريضتين ، فلم يثبت كون زمانها ملحوظاً زماناً للعصر فقط. فتأمل جيداً. كما أن دخول الأجزاء المنسية وركعات الاحتياط وسجود السهو في التقدير مبني على اعتبارها جزءاً في الصلاة ، ولو بني على خروجها عنها كان اللازم البناء على خروجها عن مورد التقدير.
هذا وثمرة الخلاف : أنه لو صلى العصر غفلة في أول الزوال ، فعلى الاشتراك تصح ، إذ لم تفقد إلا الترتيب ، وهو غير معتبر في حال النسيان لحديث : « لا تعاد الصلاة » (1). وعلى الاختصاص تبطل ، لفوات الوقت المستثنى في حديث : « لا تعاد ». ولو دخل الوقت المشترك في الأثناء لحقه حكم الصلاة في الوقت على الاختصاص ، فتصح كما تصح على الاشتراك لما سبق. ولو ذكر في الأثناء أنه لم يصل الظهر عدل على الاشتراك ، وأشكل ذلك على الاختصاص ، لاختصاص العدول بصورة وقوع الصلاة صحيحة لو لا الترتيب ، فالتعدي إلى غيرها محتاج إلى دليل ، وهو مفقود.
ولو صلى العصر قبل الظهر لاعتقاد فعل الظهر أو لاعتقاد ضيق الوقت عنهما ، فانكشف سعة الوقت لهما ، فلا ينبغي التأمل في صحة العصر بناء على عموم : « لا تعاد » لمثل الفرض كما هو الظاهر ، وحينئذ فهل يجب عليه فعل الظهر فوراً أداء ، أو يجوز فعلها قضاء في الوقت وخارجه ، أو لا يصح فعلها إلا في خارج الوقت؟ وجوه. إذ على الاشتراك يتعين الأول كما هو ظاهر. أما على الاختصاص ، فقد قيل أيضاً بالأول ، لاختصاص أدلة الاختصاص بصورة اشتغال ذمة المكلف بالعصر ، فمع فراغها عنه يكون المرجع أدلة الاشتراك. وفيه : أن النسبة بين أدلة الاختصاص
1) الوسائل باب : 3 من أبواب الوضوء حديث : 8.
وأدلة الاشتراك ليست من قبيل النسبة بين الخاص والعام - كي يرجع إلى أدلة الاشتراك عند عدم صلاحية أدلة الاختصاص للمرجعية - بل هما متباينان ، لورودهما معاً في مقام التحديد للوقت ، فاذا جمع بينهما بحمل أدلة الاشتراك على ما يوافق الاختصاص فاذا فرض قصور أدلة الاختصاص عن شمول المورد كانت أدلة الاشتراك كذلك ، وكان المرجع الأصل.
فإن قلت : مقتضى أدلة الاشتراك أن كل حصة من الزمان بين الزوال والغروب مشتركة بين الفرضين ، وأدلة الاختصاص إنما تنافيها في الجزء الأول والأخير لا غير ، فنسبتها إليها نسبة الخاص إلى العام ، فإذا أجمل الخاص في بعض الأحوال كان المرجع العام ، وكذا في المقام.
قلت : قد عرفت أن أدلة الاشتراك واردة في مقام تحديد الوقت للفرضين ، وأن مقتضى الجمع بينها وبين أدلة الاختصاص حملها على معنى لا ينافي الاختصاص ، لا تخصيصها بأدلته ، كما يظهر ذلك بملاحظة ما سبق في وجه الجمع ، فلو اختصت أدلة الاختصاص بغير الفرض كانت أدلة الاشتراك كذلك ، فلا بد من الرجوع إلى الأصل ، وليس هو استصحاب بقاء الوقت المشترك ، لأنه من الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد الذي تكرر في هذا الشرح التنبيه على عدم حجيته. مع أنه يتوقف على البناء على أنه يكفي في صحة الصلاة أداء بقاء الوقت بنحو مفاد كان التامة ، أما لو اعتبر وقوعها في وقت هو وقتها بنحو مفاد كان الناقصة فلا يجدي الأصل المذكور ، إلا بناء على الأصل المثبت. ومنه يظهر الإشكال في استصحاب بقاء الاشتراك. أما إثبات كون الوقت المعين وقتاً لها بالأصل فغير ممكن ، لعدم الحالة السابقة له ، اللّهم إلا أن يلحظ بعضاً مما سبق فيقال : كان مشتركاً فهو على ما كان. فتأمل جيداً. وأما
استصحاب وجوب الأداء فلا يثبت القدرة على الأداء وصحتها أداء ، ولو فرض سقوط الاستصحاب عن المرجعية كان المرجع أصل البراءة من وجوب الفعل في الوقت المعين. هذا إذا جوزنا فعلها قضاء على تقدير القول بالاختصاص وإلا كان من الدوران بين المتباينين ، للعلم بوجوب فعلها في باقي الوقت أداء أو في خارجه قضاء ، فيجب الاحتياط.
ثمَّ إنه لو بني على الاختصاص حتى في الفرض ، لم يبعد جواز إيقاع الظهر قضاء. ودعوى : أن الظاهر من الاختصاص عدم صحة الشريكة مطلقاً ولو قضاء - كما في الجواهر - غير مجدية وإن سلمت ، إذ لم يقع لفظ الاختصاص في لسان الأدلة ، ليرجع إلى ظهوره ، وإنما المرجع أدلة القول به ، وليس مقتضاها إلا خروج وقت الظهر إذا بقي من الوقت مقدار أداء العصر ، وهذا المقدار لا يقتضي بطلانها قضاء. وقد عرفت أن مضمر الحلبي المتقدم في أدلة الاختصاص لا يقتضي ذلك أيضاً (1)، فإطلاق ما دل على جواز القضاء محكم.
ومما ذكرنا تعرف حكم الفرع السابق وهو : ما لو صلى الظهر قبل الوقت وقد دخل وهو في الصلاة ، وأنه لو صلى العصر بعدها لم يكن دليل على صحتها ، للشك في وقوعها في وقتها مع العلم بأنها موقتة بوقت ، فقاعدة الاشتغال تقتضي وجوب الإعادة.
ولو بقي من الوقت مقدار خمس ركعات وجب فعل الظهر أولا لعموم : « من أدرك ». ولا يزاحمه وجوب فعل العصر في وقتها ، لاعتبار الترتيب في العصر الموجب لفعل الظهر قبلها ليحصل الترتيب ، فضلا عن اقتضاء وجوب فعل الظهر ذلك. ومما ذكرنا يظهر أنه لا حاجة إلى إثبات
1) راجع صدر التعليقة.
أهمية صلاة الظهر ، لكونها الصلاة الوسطى. كما أنه لا يختلف القول بالاختصاص والقول بالاشتراك في ذلك. نعم يختلفان - بناء على التفكيك - في تطبيق : « من أدرك » بين العصر والظهر ، فيطبق في الأول للنص ولا يطبق في الثاني لعدمه ، إذ على الاختصاص ، لا وجه حينئذ لفعل الظهر ، لعدم صحتها ، لعدم وقوعها في وقتها ، فلا يعتبر الترتيب بينها وبين العصر. نعم أو بقي من وقت العشاءين مقدار أربع ركعات يختلف القولان إذ على الاختصاص يتعين فعل العشاء ولا يجوز فعل المغرب ، لخروج وقتها. وعلى الاشتراك يتعين فعل المغرب ، لما سبق من اعتبار الترتيب في العشاء بعد تطبيق : « من أدرك » بالنسبة إليها. كما يختلفان أيضاً لو حاضت المرأة بعد مضي مقدار إحدى الفريضتين ، فعلى الاختصاص ، لا تقضي إلا الظهر. وعلى الاشتراك يكون قضاؤها بعينها موقوفاً على بقاء شرطية الترتيب في العصر. ولو بني على سقوطه بقاعدة الميسور ونحوها ، أو دعوى انصراف دليله عن مثل الفرض - كما يشير إليه بناؤهم على الاقتصار على العشاء إذا لم يبق من الوقت إلا أربع ركعات - كان اللازم قضاء واحدة من الفريضتين تخييراً. ولو طهرت الحائض في آخر الوقت لزم فعل العصر لا غير ، للنصوص الخاصة المتقدمة في مبحث الحيض (1)، ولا يرجع إلى ما ذكرنا.
كما أنه مما ذكرنا تعرف - بعد التأمل - حكم ما لو أفاق المجنون الأدواري في أول الوقت ، أو في آخره ، أو في وسطه بمقدار أداء إحدى الفريضتين. فتأمل جيداً.
1) راجع الوسائل باب : 49 من أبواب الحيض.
العصر بآخره كذلك وما بين المغرب ونصف الليل وقت المغرب [1]
[1] أما دخول وقت صلاة المغرب بالغروب في الجملة فمما لا خلاف فيه كما عن جماعة ، أو لا ريب فيه كما عن آخرين ، أو إجماعي كما عن غيرهم وفي الجواهر : « هو من ضروريات الدين ». ويدل عليه النصوص المتواترة التي منها صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) « وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة » (1).
وأما انتهاء وقتها بانتصاف الليل مطلقاً : فهو المشهور كما عن جماعة ويشهد له جملة من النصوص كرواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في قوله تعالى : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ ... ) - : « ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه » (2)وروايته الأخرى : « إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلا أن هذه قبل هذه » (3)، وصحيح زرارة : « سألت أبا جعفر علیه السلام عما فرض اللّه عز وجل من الصلوات. فقال (عليه السلام) : خمس صلوات في الليل والنهار .. إلى أن قال (عليه السلام) : وفيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات ، سماهن اللّه وبينهن ووقتهن ، وغسق الليل هو انتصافه » (4)، ومرسل ابن فرقد : « إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات ، فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل
مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات ، وإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقي وقت العشاء إلى انتصاف الليل » (1).
وعن الخلاف : انتهاء وقتها مطلقاً بذهاب الشفق ، وكأنه لإطلاق مثل صحيح زرارة والفضيل قالا : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : إن لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد ووقتها وجوبها ، ووقت فوتها سقوط الشفق » (2). ونحوه غيره. وعن المقنعة والنهاية : ذلك للحاضر ، ويجوز تأخيرها للمسافر إلى ربع الليل ، لمثل مصحح عمر بن يزيد : « وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل » (3). وعن جماعة من أساطين القدماء - منهم الشيخ في المبسوط وغيره والسيد في المصباح والإصباح - : ذلك للمختار ، وأما للمعذور فيجوز تأخيرها إلى ربع الليل. وكأنه لمثل خبر عمر بن يزيد : « أكون مع هؤلاء وانصرف من عندهم عند المغرب فأمر بالمساجد فأقيمت الصلاة فإن أنا نزلت أصلي معهم لم أستمكن من الأذان والإقامة وافتتاح الصلاة. فقال (عليه السلام) : ائت منزلك وانزع ثيابك وإن أردت أن تتوضأ فتوضأ وصل فإنك في وقت إلى ربع الليل » (4).
وفي جميع الأقوال الثلاثة طرح لنصوص النصف ، لأنها نص في جواز التأخير في الجملة إلى النصف. كما أن في أولها طرحاً أيضاً لنصوص الأخيرين وفي كل من الأخيرين أيضاً طرح لنصوص الآخر. والجميع غير ظاهر. مضافاً إلى منافاتها لنصوص أخرى كمصحح عمر بن يزيد قال : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل » (5)، وصحيح
والعشاء [1] ويختص المغرب بأوله بمقدار أدائه.
أبي همام إسماعيل بن همام : « رأيت الرضا (عليه السلام) - وكنا عنده - لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم ثمَّ قام فصلى بنا على باب دار ابن أبي محمود » (1)، وخبر داود الصرمي : « كنت عند أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يوماً فجلس يحدث حتى غابت الشمس ثمَّ دعا بشمع وهو جالس يتحدث فلما خرجت من البيت نظرت وقد غاب الشفق قبل أن يصلي المغرب ثمَّ دعا بالماء فتوضأ وصلى » (2). ودعوى كون الأخيرين حكاية فعل مجمل يمكن لذلك حملهما على العذر. مما لا يصغى إليها ، فإن عدم إبدائه للعذر في التأخير وعدم أمره للحاضرين بالمبادرة إلى الصلاة ، مانع عن الحمل المذكور. واحتمال اطراد العذر في الحاضرين أيضاً مما لا مجال له ، وإلا كان على الراوي بيانه. ( وبالجملة ) : ظهور النصوص المذكورة في جواز التأخير اختياراً مما لا ينبغي التأمل فيه. مع أن في ظهور نصوص الأخير في العذر الذي هو ظاهر القائل تأملا ظاهراً. ولأجل ذلك كله يتعين حمل نصوص ذهاب الشفق على وقت الفضيلة أو كراهة التأخير عنه ، ونصوص الربع والثلث على نفي الكراهة في التأخير في السفر أو العذر ، فان ذلك مقتضى الجمع العرفي بين جميع النصوص المذكورة. فلاحظ.
[1] أما أن أول وقت العشاء المغرب في الجملة - على الخلاف الآتي في الاختصاص والاشتراك - فهو المشهور والمنسوب إلى السيد والتقي والقاضي وابني زهرة وحمزة وسائر المتأخرين. ويشهد له كثير من النصوص ، منها ما تقدم في وقت المغرب من روايات زرارة وابنه وابن فرقد ، ونحوها غيرها.
وبعضه وإن لم يكن ظاهراً في دخول الوقت بالغروب أو بعده بمقدار أداء المغرب ، لكنه صريح في دخوله قبل ذهاب الشفق ، كموثق زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « صلى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) بالناس المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق من غير علة في جماعة ، وإنما فعل ذلك ليتسع الوقت على أمته » (1)، ورواية إسحاق بن عمار : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : يجمع بين المغرب والعشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علة؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (2)، وخبر زرارة : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) وأبا عبد اللّه عن الرجل يصلي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق. فقال (عليه السلام) : لا بأس به » (3).
وعن المقنعة والمبسوط والخلاف وغيرها : أول وقتها غروب الشفق ، لظاهر جملة من النصوص ، كصحيح بكر بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال وأول وقت العشاء ذهاب الحمرة وآخر وقتها إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ (4)، وخبره : « ثمَّ سألته عن وقت العشاء فقال (عليه السلام) : إذا غاب الشفق » (5)وصحيح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) متى تجب العتمة؟ قال (عليه السلام) : إذا غاب الشفق والشفق الحمرة » (6)ونحوها غيرها - الواجب حمل الجميع على الفضل جمعاً عرفياً بينه وبين ما سبق.
هذا ، ومن موثق زرارة ورواية إسحاق يظهر ضعف ما عن النهاية من
أنه يجوز للمسافر والمعذور تقديمها على ذهاب الشفق ولا يجوز لغيرهما. ومثله ما عن التهذيب من أنه يجوز تقديمها إذا علم أو ظن بعدم التمكن منها لو أخرها.
وأما أن آخر وقتها مطلقاً نصف الليل فهو المشهور. ويشهد له النصوص المتقدمة في المغرب وغيرها. وعن المقنعة وجملة من كتب الشيخ وغيره : أن آخره ثلث الليل مطلقاً ، ويشهد له جملة من النصوص كرواية زرارة : « وآخر وقت العشاء ثلث الليل » (1)، وخبر معاوية بن عمار : « وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل » (2). ونحوهما غيرهما. لكن لا مجال للأخذ بظاهرها ، لما سبق ، فلا بد من الجمع بينها بالحمل على اختلاف مراتب الفضل ، لصراحة تلك في جواز التأخير إلى النصف.
وأما ما عن التهذيب والاستبصار والمبسوط والوسيلة من التفصيل بين المختار فالى الثلث ، وبين غيره فالى النصف ، جمعاً بين النصوص ، فغير ظاهر ، لعدم الشاهد للجمع. والمتعين ما ذكرنا ، كما يشير اليه موثق الحلبي « العتمة إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل وذلك التضييع » (3)، وخبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : لو لا أني أخاف أن أشق على أمتي لأخرت العتمة إلى ثلث الليل. وأنت في رخصة الى نصف الليل » (4).
نعم يبقى الإشكال في ظاهر مثل هذا الخبر ، حيث أنه يقتضي استحباب إيقاع العشاء بعد الثلث ، وهو مما لا يمكن الالتزام به. ويمكن
والعشاء بآخره كذلك [1]. هذا للمختار. وأما المضطر - لنوم أو نسيان أو حيض أو نحو ذلك من أحوال الاضطرار - فيمتد وقتهما الى طلوع الفجر [2]. ويختص العشاء من آخره بمقدار أدائها دون المغرب من أوله أي : ما بعد نصف الليل. والأقوى
حمله على إرادة جعل آخر وقتها ثلث الليل لا أكثر فيطابق ما سبق ، أو على إرادة أن ذلك - أعني : استحباب التأخير - بحسب العناوين الأولية لا الثانوية ، وإلا فمقتضاها عدم الفضل في التأخير إليه - كما يقتضيه الشرط - بل الفضل في التقديم ، كما يشهد به. مواظبته (صلی اللّه عليه وآله) على ذلك. ومرسلة الكليني - بعد أن روى عن أبي بصير أنه إلى ثلث الليل - قال : « وروي الى ربع الليل » (1)المحمول على الفضل جزماً ، فيكون للعشاء ثلاثة أوقات ربع الليل ، وثلثه ، ونصفه. واللّه سبحانه أعلم.
[1] الكلام هنا هو الكلام في الظهرين قولا ، وقائلا ، ودليلا ، فقد ورد في مرسلة ابن فرقد نحو ما ورد هناك ، كما ورد في رواية عبيد وغيرها مثل ما ورد والجمع في المقامين بنحو واحد ، فلاحظ.
[2] كما عن المعتبر. وفي المدارك : انه المعتمد. ويشهد له جملة من النصوص كموثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن نام رجل ولم يصل صلاة المغرب والعشاء الآخرة أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الفجر ثمَّ المغرب ثمَّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس .. » (2)، ونحوه صحيح ابن سنان المروي في التهذيب (3)
أن العامد في التأخير الى نصف الليل أيضاً كذلك - أي : يمتد وقته الى الفجر - وإن كان آثماً بالتأخير لكن الأحوط أن
أو ابن مسكان المروي في الاستبصار (1)، وصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في الحائض - : « وإن طهرت في آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء » (2)، ونحوه خبر داود الدجاجي عن أبي جعفر (عليه السلام) (3)وخبر عمر بن حنظلة عن الشيخ (عليه السلام) قال : « إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء » (4). والمناقشة في دلالتها على امتداد الوقت في غير محلها ، ولا سيما ما ورد في الحائض.
والاشكال عليها بأنها خلاف ما ورد (5)في تفسير قوله تعالى : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... ) (6)، وأنها موافقة للعامة ، ومخالفة لما دل على ذم النائم عن الصلاة (7)، وأمره بالقضاء بعد الانتصاف وصوم اليوم الذي بعده عقوبة ، وأن مضمونها مما لم يتعرض له في غيرها من النصوص. ( سهل الاندفاع ) فان المخالفة بين الأدلة اللفظية لا تقدح مع إمكان الجمع العرفي. وكذا الموافقة للعامة. وذم النائم إنما يقتضي الإثم فلا ينافي ما دل على بقاء الوقت ، ولا سيما لو خص الثاني بالعذر ، إذ لا ذم حينئذ ولا إثم. والتعبير بالقضاء في مرفوعة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :
لا ينوي الأداء والقضاء ، بل الأولى ذلك في المضطر أيضاً. وما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس وقت الصبح [1]
« من نام قبل أن يصلي العتمة فلم يستيقظ حتى يمضي نصف الليل فليقض صلاته وليستغفر اللّه » (1)، وفي مرسل الفقيه : « يقضي ويصبح صائماً عقوبة » (2). غير ظاهر في القضاء بالمعنى المصطلح. مع أن الخبرين ضعيفان ومختصان بغير المعذور. وليس من شرط حجية الحجة تعرض غيرها لمضمونها.
نعم قد يخدش في الأخبار المذكورة إعراض المشهور عنها. لكنه لم يثبت كونه بنحو يوهن الحجية ، لجواز أن يكون وجهه بعض ما سبق مما عرفت اندفاعه. نعم في التعدي عن موردها إلى مطلق المعذور تأمل ، وإن كان غير بعيد ، إذ بعد إلغاء خصوصية مورد كل منها يكون الانتقال الى جامع الاضطرار أولى من الانتقال الى الجامع بين مواردها. وأشكل منه التعدي إلى غير المعذور مع الالتزام بالإثم كما يقتضيه الأمر بالاستغفار وبالصوم عقوبة. وإن كان يساعده إطلاق رواية عبيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة ، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس ، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر ، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس » (3). فالاحتياط فيه متعين. واللّه سبحانه أعلم.
[1] أما أن أول وقت الصبح طلوع الفجر : فلا خلاف فيه - كما عن
جماعة - وإجماع - كما عن آخرين - وإجماع أهل العلم أو العلماء كما عن غيرهم. ويشهد له كثير من النصوص المعتبرة. ففي مصحح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - : « إذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة » (1)، وخبره عنه (عليه السلام). وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس » (2). ونحوهما غيرهما.
وأما انتهاؤه بطلوع الشمس فهو مذهب الأكثر - كما عن جماعة - والأشهر - كما عن آخرين - والمشهور بين الأصحاب كما عن غيرهم ، بل في الجواهر وصف الشهرة بالعظيمة. وعن السرائر والغنية : الإجماع عليه. ويشهد له خبرا زرارة وعبيد المتقدمان (3).
وعن الشيخ في كثير من كتبه : أن ذلك للمضطر ، أما المختار فوقته الى أن يسفر الصبح ، لمصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وقت الفجر حين ينشق الفجر الى أن يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ولكنه وقت لمن شُغل أو نسي أو نام » (4)، وصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لكل صلاة وقتان وأول الوقتين أفضلهما ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ولكنه وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام » (5).
وفيه : أن الظاهر من الصحيح كون قوله (عليه السلام) : « ووقت الفجر .. » من قبيل الصغرى للكبرى التي تضمنها الصدر كما يشهد به قوله (عليه السلام) في
ووقت الجمعة من الزوال إلى أن يصير الظل مثل الشاخص [1]
ذيله : « ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلا من عذر أو علة » إذ لا ريب في كونه من قبيل الصغرى لا من قبيل الاستثناء ، وحينئذ يتعين حمل : « لا ينبغي » فيه على الكراهة. وكذا قوله (عليه السلام) في ذيله « وليس لأحد .. » فيكون الصحيح المذكور قرينة على إرادة بيان الوقت الأول الأفضل في المصحح. وكذا موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل إذا غلبت عينه أو عاقه أمر أن يصلي المكتوبة من الفجر ما بين أن يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس » (1)، لا أقل من وجوب الحمل على ذلك ، ولو بقرينة إطلاق رواية زرارة وعبيد ، وبقرينة وجود مثل هذا التعبير في بقية الصلوات. فتأمل جيداً.
ثمَّ إن الظاهر أنه لا إشكال ولا خلاف ظاهر في أن الفجر الذي هو أول وقت الصبح هو الفجر الصادق ، كما تدل عليه النصوص الآتية إن شاء اللّه في التمييز بينه وبين الكاذب.
[1] كما عن الأكثر ، أو أكثر أهل العلم ، أو المشهور ، أو عليه المعظم على اختلاف عبارات النسبة. وعن المنتهى : الإجماع عليه. ومستنده غير واضح كما عن المسالك والروض والذخيرة. وعن الروضة : « لا شاهد له ». بل قد يقال : إن النصوص الدالة على أن وقتها حين تزول الشمس تشهد بخلافه ، كصحيح الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال : إن من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة ، فالصلاة مما وسع فيه تقدم مرة وتؤخر أخرى ، والجمعة مما ضيق فيها فان وقتها يوم الجمعة ساعة تزول ، ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها » (2). ونحوه صحيح زرارة (3)، وصحيح ابن مسكان
فإن أخرها عن ذلك مضى وقته ووجب عليه الإتيان بالظهر.
أو ابن سنان (1)، وغيرهما. ولذلك اختار الحلبيان أن وقتها أول الزوال. لكن فيه أن أكثر النصوص الواردة بهذا اللسان موردها صلاة الظهر يوم الجمعة أو ما يعمها والجمعة ، ففي خبر أبي سيار قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر في يوم الجمعة في السفر. فقال (عليه السلام) : عند زوال الشمس وذلك وقتها يوم الجمعة في غير السفر » (2)، وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : « وقت الجمعة زوال الشمس ووقت صلاة الظهر في السفر زوال الشمس ، ووقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو من وقت الظهر في غير يوم الجمعة (3)، ومصحح ابن سنان : « إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة » (4)، وخبر إسماعيل بن عبد الخالق : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن وقت الصلاة فجعل لكل صلاة وقتين إلا الجمعة في السفر والحضر فإنه قال : وقتها إذا زالت الشمس » (5). ونحوها غيرها.
والمتعين حمل الجميع على استحباب المبادرة إلى الصلاة من جهة عدم المزاحمة بالنافلة لتقديمها على الزوال. مع أن التضييق الحقيقي - كما هو ظاهرها - مما لا يمكن الالتزام به ، والتضييق العرفي - مع أنه خلاف ظاهرها ، وأنه مما يصعب جداً الالتزام به أيضاً - مناف لبعض النصوص ، ففي رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) - المحكية عن المصباح - : « قال : أول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة فحافظ عليها ، فان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) قال : لا يسأل اللّه عز وجل عبد فيها خيراً إلا
أعطاه اللّه » (1). ونحوها غيرها. فان التحديد بالساعة فيها ظاهر في كون الوقت أوسع من الفعل بنحو معتد به. مع أن ظاهر التعليل فيها استحباب إيقاعها في الساعة لا وجوبه. ومن ذلك يشكل أيضاً جعلها سنداً لفتوى المشهور. مضافاً الى عدم ظهور كون المراد بالساعة المثل.
وربما توجه فتوى المشهور بأن النصوص المشار إليها آنفاً قد تضمنت أن الجمعة لها وقت واحد ، وأنها من الأمر المضيق ، وتضييقها كما يحتمل أن يكون من جهة تحديدها بالزوال يحتمل أن يكون من جهة أن ليس لها إلا الوقت الأول من الوقتين المجعولين لغيرها ، والأول مما لا يمكن الالتزام به لأنه حرج غالباً فيتعين الثاني ، وهو المثل. وفيه : أن هذه النصوص لم تهمل تحديد ذلك الوقت الواحد ليتردد الأمر بين الاحتمالين ، وإنما حددته بالزوال ، فاذا امتنع البناء عليه كان اللازم حمله على الاستحباب ، ولا سيما بملاحظة ما عرفت من كون مورد تلك النصوص الظهر ، ولا سيما مع صراحة بعضها بلزوم المبادرة إليها بمجرد الزوال والمنع من فصلها عنه بركعتين. فلاحظها.
ولأجل ذلك كله اختار الحلي والشهيد في الدروس والبيان أن وقتها وقت الظهر فضيلة وإجزاء. قال في الدروس : « ووقت الجمعة وقت الظهر بأسره » ، لعدم دليل على توقيتها بعينها ، فيرجع في توقيتها الى ما دل على توقيت الظهر ، لأنها عين الظهر جعل فيها الخطبتان بدل الركعتين. وهذا وإن كان الأوفق بالقواعد الأولية ، لكنه بعيد جداً ، لعدم الإشارة الى ذلك في السنة قولا ولا فعلا ، بل هو خلاف المرتكز بين المسلمين من توقيتها بوقت دون ذلك. ولذلك لم يعهد وقوعها من النبي (صلی اللّه عليه وآله) ولا من غيره
1) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها حديث : 19.
ووقت فضيلة الظهر [1] من الزوال الى بلوغ الظل الحادث بعد
من أئمة المسلمين (عليه السلام) في آخر وقت الظهر مع كثرة الطوارئ والعوارض التي تكون عذراً في تأخير الظهر كالسفر والمرض وغيرهما.
بل الإنصاف يقتضي القطع بأن لها وقتاً معيناً أقل من ذلك. وحينئذ نقول : حيث أجمل كان المرجع في غير المتيقن من وقتها عموم العام ، أو استصحاب حكم المخصص ، فان المقام من صغريات تلك المسألة. ( وبالجملة ) : عموم ما دل على وجوب الظهر قد خصص في يوم الجمعة بما دل على بدلية الجمعة ، والفعل في أول الزوال متيقن البدلية ، وفيما بعده من الأوقات المشكوكة يشك في بدلية الجمعة إذا وقعت فيها ، فيحتمل الرجوع الى استصحاب البدلية ، ويحتمل الرجوع الى عموم وجوب الظهر. لكن المختار في مسألة استصحاب حكم المخصص هو الرجوع الى عموم العام. واللّه سبحانه أعلم.
[1] قد اختلفت الأخبار الدالة على وقت الفضيلة اختلافاً كثيراً.
فبعضها : دال على انتهائه بالقدمين والأربعة أقدام ، كصحيح الفضلاء : « وقت الظهر بعد الزوال قدمان ، ووقت العصر بعد ذلك قدمان » (1)ورواية عبيد بن زرارة قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أفضل وقت الظهر. قال (عليه السلام) : ذراع بعد الزوال. قلت : في الشتاء والصيف سواء؟ قال (عليه السلام) : نعم » (2)، ومكاتبة محمد بن الفرج : « إذا زالت الشمس فصل سبحتك وأحب أن يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين ، ثمَّ صل سبحتك وأحب أن يكون فراغك من العصر والشمس على أربعة
أقدام » (1).
وبعضها : ظاهر في دخوله بعد القدمين والأربعة ، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن وقت الظهر. فقال (عليه السلام) : ذراع من زوال الشمس. ووقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس. ثمَّ قال (عليه السلام) : إن حائط مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كان قامة وكان إذا مضى منه ذراع صلى الظهر وإذا مضى منه ذراعان صلى العصر. ثمَّ قال (عليه السلام) : أتدري لم جعل الذراع والذراعين؟ قلت : لم جعل ذلك؟ قال (عليه السلام) : لمكان النافلة ، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع ، فاذا بلغ فيؤك ذراعاً بدأت بالفريضة وتركت النافلة ، وإذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة » (2)فإن الصدر وإن كان ظاهراً في كونه من القسم الأول لكن الذيل يوجب حمله على القسم الثاني كرواية إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إذا كان ألفي في الجدار ذراعاً صلى الظهر وإذا كان ذراعين صلى العصر. قلت : الجدران تختلف منها قصير ومنها طويل قال (عليه السلام) : إن جدار مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كان يومئذ قامة ، وإنما جعل الذراع والذراعان لئلا يكون تطوع في وقت فريضة » (3). ونحوها غيرها.
وبعضها : ظاهر في انتهائه بالقامة ، كصحيح البزنطي : « سألته عن وقت الظهر والعصر. فكتب : قامة للظهر وقامة للعصر » (4)، وخبر محمد بن حكيم : « سمعت العبد الصالح يقول : إن أول وقت الظهر زوال
الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال ، وأول وقت العصر قامة وآخر وقتها قامتان. قلت : في الشتاء والصيف سواء؟ قال (عليه السلام) : نعم » (1)، وحسنة أحمد بن عمر عن أبي الحسن (عليه السلام) : « قال : سألته عن وقت الظهر والعصر. فقال (عليه السلام) : وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة ، ووقت العصر قامة ونصف الى قامتين » (2).
وبعضها : ظاهر في دخوله بعد المثل ، كموثق زرارة : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني ، فلما ان كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال : إن زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أخبره فحرجت من ذلك فاقرأه مني السلام وقل له : إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر وإذا كان ظلك مثليك فصل العصر » (3). ونحوها رواية ابن بكير (4)، غير أنها صريحة في الفرق بين الصيف وغيره ، وأن في غيره تكون الصلاة على ذراع وذراعين.
وبعضها : ظاهر في دخول وقت الظهر بعد القدم أو نحوه ، كخبر إسماعيل بن عبد الخالق قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال (عليه السلام) : بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر فان وقتها حين تزول » (5).
ونحوه موثق سعيد الأعرج (6). وبعضها : ظاهر في أن وقت الظهر إلى أربعة أقدام. كخبر إبراهيم
الكرخي قال : « سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) : متى يدخل وقت الظهر؟ قال (عليه السلام) : إذا زالت الشمس. فقلت : متى يخرج وقتها؟ فقال (عليه السلام) : من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام ، إن وقت الظهر ضيق ليس كغيره قلت : فمتى يدخل وقت العصر؟ فقال (عليه السلام) : إن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر. فقلت : فمتى يخرج وقت العصر؟ فقال (عليه السلام) : وقت العصر الى أن تغرب الشمس .. » (1)وهناك نوع أو أنواع أخرى نشير إليها إن شاء اللّه تعالى.
والاختلاف فيما بين هذه الأنواع يرجع الى جهتين : أولاهما : الاختلاف في المقدار من القدم والقدمين والأربعة ، والذراع والذراعين في الصيف والشتاء ، أو في خصوص الشتاء ، والمثل والمثلين في الصيف والشتاء ، أو في خصوص الصيف. وثانيتهما : اختلافها من حيث أن وقت الفضيلة يدخل بعد القدم أو القدمين أو المثل ، أو يدخل بالزوال إلى نهاية القدم أو القدمين أو المثل ، أو مع زيادة مقدار أداء الفعل.
أما الكلام في الثانية : فهو أن الظاهر من رواية القدم نفسها دخول الوقت بعدها لا كونها وقتاً ، بقرينة دخول الباء ، كما تقول : بعد الزوال بساعة. وأما روايات القدمين والذراع : فبعضها ظاهر - في نفسه - في ذلك ، مثل صحيح زرارة : « وقت الظهر على ذراع » (2). وفي مكاتبة عبد اللّه بن محمد : « وقت الظهر على قدمين من الزوال ووقت العصر على أربعة أقدام من الزوال » (3). ونحوهما غيرهما. وبعضها محمول على ذلك
وإن كان ظاهراً في أن الذراع نفسه وقت. والمقتضي لهذا الحمل التعليل بقوله (عليه السلام) - في رواية إسماعيل الجعفي - : « لئلا يكون تطوع في وقت فريضة » (1)، والاستدلال على ذلك بفعل النبي (صلی اللّه عليه وآله) في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) وأنه كان إذا صار فيء مسجده ذراعاً صلى الظهر (2)فان ذلك قرينة على أن المراد من قوله (عليه السلام) : « ذراع » أو « قدمان » : أنه على ذراع وعلى قدمين ، أو بذراع وبقدمين. وكأن إرادة هذا المعنى من هذه العبارة كان شائعاً رائجاً ، ولذلك عبر في صدر صحيح زرارة بالذراع ثمَّ استشهد بفعل النبي (صلی اللّه عليه وآله). ومن ذلك ربما يسهل الجمع بين روايتي المثل والقامة فتحمل رواية القامة على إرادة أنه على قامة. إلا أنه لا مجال للالتزام به ، لمخالفته لصريح حسنة أحمد بن عمر ورواية محمد بن حكيم المتقدمتين ، المعتضدتين بخبر إبراهيم الكرخي المتقدم الذي يرويه عنه ابن محبوب ، فإنه صريح أيضاً في دخول وقت الفضيلة بالزوال. فلا بد من حمل جميع ما دل على تأخر وقت الفضيلة بذراع أو بقامة أو نحو ذلك على إرادة الوقت الذي يجوز الانتظار فيه والتأخير اليه ، ويكون المراد من قوله (عليه السلام) في التعليل : « لئلا يكون تطوع في وقت فريضة » : لئلا يكون تزاحم بين النافلة والفريضة. فالمراد من وقت الفريضة وقتها الذي لا يمكن أن تتأخر عنه.
وأما الكلام في الجهة الأولى : فيمكن أن يكون الوجه اختلاف مراتب الفضيلة ، فيكون غاية الوقت الفضيلي المثل ، وأفضل منه ثلثا القامة عدا وقت الفعل. ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الصلاة
في الحضر ثمان ركعات إذا زالت الشمس ما بينك وبين أن يذهب ثلثا القامة ، فإذا ذهب ثلثا القامة بدأت بالفريضة » (1)، وأفضل منه أربعة أقدام كما في رواية الكرخي ، وأفضل منه القدمان عدا وقت الفعل ، وأفضل منه أن يكون الفراغ من الفريضة والشمس على قدمين كما في مكاتبة محمد ابن الفرج. وأفضل منه القدم عدا وقت الصلاة. ففي رواية ذريح المحاربي : « سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) أناس وأنا حاضر .. ( الى أن قال ) : فقال بعض القوم : إنا نصلي الأولى إذا كانت على قدمين والعصر على أربعة أقدام. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : النصف من ذلك أحب إلي » (2). ونحوها روايتا سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وإسماعيل بن عبد الخالق عنه (عليه السلام) (3). وأفضل منه ما قبل ذلك بمجرد الفراغ من النافلة ، كما يقتضيه مرسل الفقيه : « قال الصادق (عليه السلام) : أوله رضوان اللّه » (4)، وما دل على حسن المسارعة والاستباق الى الخيرات (5)، وصحيح زرارة قال : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : اعلم أن أول الوقت أبداً أفضل ، فعجل الخير ما استطعت » (6)، ورواية أبي بصير : « ذكر أبو عبد اللّه (عليه السلام) أول الوقت وفضله ، فقلت : كيف أصنع بالثمان ركعات؟ فقال (عليه السلام) : خفف ما استطعت » (7)، ونحوها.
1) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 23.
2) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 22.
3) تقدم ذكرهما في هذه التعليقة.
4) الوسائل باب : 3 من أبواب المواقيت حديث : 16.
5) كما هو مفاد الآية : 148 من سورة البقرة ، و: 133 من سورة آل عمران و: 21 من سورة الحديد.
6) الوسائل باب : 3 من أبواب المواقيت حديث : 10.
7) الوسائل باب : 3 من أبواب المواقيت حديث : 9.
وأما مواظبة النبي (صلی اللّه عليه وآله) على الصلاة على الذراع - كما في كثير من النصوص (1)- وانتظاره الوقت المذكور ، فيمكن أن يكون الوجه فيه انتظار فراغ المسلمين من نوافلهم ، ولعله لا يتيسر لهم أجمع فعلها في أول الوقت. ولعله على ذلك أيضاً يحمل ما في « نهج البلاغة » في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الأمراء : « أما بعد فصلوا بالناس الظهر حين تفيء الشمس مثل مربض العنز » (2).
وأما رواية زرارة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أصوم فلا أقيل حتى تزول الشمس فاذا زالت الشمس صليت نوافلي ثمَّ صليت الظهر ثمَّ صليت نوافلي ثمَّ صليت العصر ثمَّ نمت وذلك قبل أن يصلي الناس. فقال (عليه السلام) : يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت ولكني أكره لك أن تتخذه وقتاً دائماً » (3)فيمكن أن يكون الوجه فيه جهة راجعة إلى زرارة خوفاً عليه.
وأما موثق زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الدال على الأمر بإيقاع الصلاة بعد المثل والمثلين ، ونحوه خبر ابن بكير. فهو مختص بالصيف فيمكن الأخذ به فيه ولو من جهة استحباب الإبراد في الصلاة ، لحفظ الإقبال عليها ، أو لغير ذلك لا من جهة خصوصية الوقت. ولكنه خلاف المشهور بين الفقهاء (رضي اللّه عنه) ، بل في رواية القاسم بن عروة : « ولم أسمع أحداً من أصحابنا يفعل ذلك غيره ( يعني : غير زرارة ) وغير ابن بكير ». وحينئذ لا يخلو الأخذ به عن إشكال. وقد تقدم في خبر محمد بن حكيم .
التصريح بعدم الفرق بين الصيف والشتاء. ويدل على عموم الحكم موثق معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الوارد في إتيان جبرئيل بمواقيت الصلاة. إذ فيه : « فأتاه (صلی اللّه عليه وآله) حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر .. ( إلى أن قال ) : ثمَّ أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر .. ( إلى أن قال ) ثمَّ قال : ما بينهما وقت » (1)، فهو غير مختص بالصيف. لكن في بعض أسانيد الرواية المذكورة. وفي بعض الروايات : التعبير بالذراع والذراعين (2)، والقدمين والأربعة أقدام (3)وهذا مما يهون الأمر.
ثمَّ إنه ورد في روايتي علي بن حنظلة (4)وعلي بن أبي حمزة (5)عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « كم القامة؟ فقال (عليه السلام) : ذراع » ، ولعل مثلهما مرسل يونس عن بعض رجاله عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عما جاء في الحديث : أن صل الظهر إذا كانت الشمس قامة وقامتين وذراعاً وذراعين وقدماً وقدمين من هذا ومن هذا فمتى هذا وكيف هذا؟ وقد يكون الظل في بعض الأوقات نصف قدم. قال (عليه السلام) : إنما قال : ظل القامة ، ولم يقل قامة الظل ، وذلك أن ظل القامة يختلف ، مرة يكثر ومرة يقل ، والقامة قامة أبداً لا تختلف. ثمَّ قال : ذراع وذراعان وقدم وقدمان ، فصار ذراع وذراعان تفسيراً للقامة والقامتين في الزمان الذي يكون فيه ظل القامة ذراعاً ، وظل القامتين ذراعين ، فيكون ظل القامة
الانعدام أو بعد الانتهاء مثل الشاخص. ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين على المشهور [1] ،
والقامتين والذراع والذراعين متفقين في كل زمان ، معروفين مفسراً أحدهما بالآخر ، مسدداً به ، فاذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعاً ، كان الوقت ذراعاً من ظل القامة ، وكانت القامة ذراعاً من الظل ، وإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصوراً بالذراع والذراعين ، فهذا تفسير القامة والقامتين والذراع والذراعين » (1). لكن الجميع مخالف لصريح النصوص المتقدمة وغيرها ، فلا بد من طرح الجميع ، ولا سيما مع ما عليه الأخير من الاشكال من جهات أخرى تظهر بالتأمل. ومن العجيب أنه اعتمد عليه جماعة في قولهم بأن المماثلة بين الظل الباقي والفيء الزائد ، لا بين الشاخص والفيء كما نسب إلى المشهور ، وعن الخلاف : نفي الخلاف فيه ، وهو ظاهر النصوص.
[1] ونسبه في مفتاح الكرامة إلى جمع منهم المحقق في المعتبر ، والعلامة في المنتهى والتذكرة ، والشهيدان في الدروس واللمعة وحواشي القواعد والروضة والمسالك وغيرها ، والمحقق الثاني في جامع المقاصد ، وغيرهم. وفي الحدائق : « والمشهور في كلام المتأخرين أفضلية تأخير العصر الى أول المثل الثاني ». ويشهد له جملة من النصوص ، كخبر يزيد بن خليفة : « قلت لأبي عبد اللّه علیه السلام : إن عمر بن حنظلة أتانا عنك ، فقال علیه السلام : إذن لا يكذب علينا. قلت ذكر أنك قلت : إن أول صلاة .. إلى أن قال : فاذا صار الظل قامة دخل وقت العصر ، فلم تزل في وقت حتى يصير الظل قامتين (2)، وصحيح البزنطي وخبر محمد بن حكيم
ولكن لا يبعد أن يكون من الزوال إليهما [1] ووقت فضيلة
المتقدمان في المسألة السابقة ، وموثق معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المشار اليه آنفاً (1): « أتى جبرئيل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) بمواقيت الصلاة فأتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ثمَّ أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر .. إلى أن قال : ثمَّ أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ثمَّ أتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فصلى العصر .. إلى أن قال : فقال : ما بينهما وقت » ، وما في رواية المجالس لعهد أمير المؤمنين (عليه السلام) الى محمد بن أبي بكر من قول النبي (صلی اللّه عليه وآله) : « ثمَّ أراني وقت العصر وكان ظل كل شيء مثله » (2)، وما ورد في المستحاضة : انها تؤخر الظهر وتعجل العصر (3). وقريب منه ما ورد في الحائض (4).
[1] لمعارضة تلك النصوص بما دل على دخول وقتها بالذراع ، وموثق سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : العصر على ذراعين فمن تركها حتى يصير ستة أقدام فذلك المضيع » (5)، وخبر منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « صل العصر على أربعة أقدام » (6)، وفي خبر سليمان بن جعفر : « قال الفقيه (عليه السلام) : آخر وقت العصر ستة أقدام ونصف » (7)، ورواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)
1) أشير إليه في أواخر التعليقة السابقة.
2) الوسائل باب : 10 من أبواب المواقيت حديث : 12.
3) الوسائل باب : 1 من أبواب المستحاضة حديث : 1 و 8 و 15.
4) الوسائل باب : 8 من أبواب الحيض حديث : 3.
5) الوسائل باب : 9 من أبواب المواقيت حديث : 2.
6) الوسائل باب : 9 من أبواب المواقيت حديث : 3.
7) الوسائل باب : 9 من أبواب المواقيت حديث : 6.
قال : « سألته عن صلاة الظهر. فقال (عليه السلام) : إذا كان الفيء ذراعاً. قلت : ذراعاً من أي شيء؟ قال (عليه السلام) : ذراعاً من فيئك. قلت : فالعصر. قال (عليه السلام) الشطر من ذلك. قلت : هذا شبر. قال (عليه السلام) : وليس شبر كثيراً » (1)، ورواية ذريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتقدمة المتضمنة لكون فعل صلاة الظهر والعصر على القدم والقدمين أحب إليه (عليه السلام) من فعلها على القدمين والأربعة أقدام (2)، وروايته الأخرى : « متى أصلي الظهر؟ فقال (عليه السلام) : صل الزوال ثمانية ثمَّ صل الظهر ثمَّ صل سبحتك طالت أو قصرت ثمَّ صل العصر » (3). ونحوها جملة أخرى ذكرها في الوسائل - في باب استحباب الصلاة في أول وقتها (4)وما بعده من الأبواب - بضميمة ما دل على فضل المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها (5)، والمسارعة إلى المغفرة ، والمسابقة إلى الخيرات ، مما هو آب عن التخصيص. ولذا قال في المدارك : « ويستفاد من رواية ذريح وغيرها أنه لا يستحب تأخير العصر عن الظهر إلا بمقدار ما يصلي النافلة ، ويؤيده الروايات المستفيضة الدالة على أفضلية أول الوقت .. إلى أن قال : وذهب جمع من الأصحاب إلى استحباب تأخير العصر الى أن يخرج وقت فضيلة الظهر وهو المثل أو الأقدام ، وممن صرح بذلك المفيد في المقنعة .. إلى أن قال : إن أكثر الروايات يقتضي استحباب المبادرة بالعصر عقيب نافلتها من غير اعتبار للإقدام والأذرع ». وفي البحار استظهر حمل أخبار المثل
والمثلين على التقية. وفي الحدائق : أنها أظهر ظاهر في المقام ، وكأنه من جهة بناء المخالفين في عملهم على ذلك.
لكن لو تمَّ يبقى الإشكال في وجه الجمع بين نصوص دخول وقت العصر بالذراع وغيرها مما دل على دخوله بالزوال. ومثله في ذلك حمل القامة في النصوص الأول على الذراع ، كما في جملة من النصوص المتقدمة آنفاً ، فإنه يأباه ما في ذيل رواية يزيد بن خليفة عن عمر بن حنظلة من قوله (عليه السلام) : « فلم تزل في وقت العصر حتى يصير الظل قامتين وذلك المساء » (1). وكذلك غيرها كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.
ويحتمل الجمع بينها بحمل التأخير في نصوص المشهور على كونه مبنياً على فعل الظهر في آخر وقت فضيلتها ، وإلا فوقت الفضيلة للعصر لا من حيث الترتيب قامتان من الزوال. ولكن يأباه جداً ما ورد في المستحاضة من أنها تؤخر الظهر وتعجل العصر (2)، وغيره مما ورد فيها وفي الحائض إذا نقت بعد الزوال (3)، إلا أن يحمل على ما يتعارف من التفريق بين الصلاتين. وأما التعيين في كتبه (عليه السلام) الى الأمراء (4)فيجوز أن يكون لمصلحة اقتضت ذلك ، إذ لا ريب في أن التعيين في جزء معين من وقت الفضيلة لا بد أن يكون لذلك. فان التصرف بنحو ذلك أهون من التصرف فيما هو صريح في رجحان التعجيل.
ويحتمل أن يكون استحباب التعجيل في النصوص الثانية لا لخصوصية راجعة للوقت - كما يقتضيه ظاهر التوقيت - بل لجهات ثانوية مثل خوف.
المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق أي : الحمرة المغربية [1] ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل [2] ، فيكون لها وقتا إجزاء ، قبل ذهاب الشفق ، وبعد الثلث إلى النصف. ووقت فضيلة الصبح من طلوع الفجر إلى حدوث الحمرة في المشرق [3].
الفوت ، وحصول الشواغل المانعة عن فعلها في وقت الفضيلة ، أو نحو ذلك ، فيكون المقام من باب التزاحم وترجيح الأهم ، أو نحو ذلك مما لا ينافي استحباب التأخير عن القامة لخصوصية الوقت الذي قد عرفت أنه مفاد النصوص السابقة ، كما يشير الى ذلك صحيح سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام) : « قال يا فلان إذا دخل الوقت عليك فصلها فإنك لا تدري ما يكون » (1).
وبالجملة : الجمع بين النصوص في المقام بنحو تطمئن به النفس من أشكل المشكلات. لكن الذي تقتضيه قواعد العلم حمل أخبار المثل على التقية ، لمعارضتها بأخبار الذراع ، وكلاهما في مقام التقدير المانع من الجمع العرفي والأولى موافقة للعامة. أما أخبار التقدير بالذراع فالجمع بينها وبين أخبار التعجيل هو حمل الأول على العنوان الأولي والثانية على العنوان الثانوي ، كما هو المشار إليه أخيراً في وجوه الجمع. لكن الإنصاف أن رفع اليد عن أخبار التأخير على القدمين على كثرتها ورواية الأجلاء والأعيان لها في غاية الإشكال ، فالعمل عليها متعين ، وحمل أخبار التعجيل على الطوارئ الاتفاقية لا غير. واللّه سبحانه ولي التوفيق.
[1] كما سبق بيانه في وقت المغرب. فراجع.
[2] كما سبق أيضاً
[3] كما سبق ، إلا أن التحديد بالحمرة لم يعثر على نص فيه ، وإنما
1) الوسائل باب : 3 من أبواب المواقيت حديث : 3.
( مسألة 1 ) : يعرف الزوال بحدوث ظل الشاخص المنصوب معتدلاً في أرض مسطحة بعد انعدامه [1] ، كما في
المذكور في النصوص أن يتخلل الصبح السماء ، كما في مصحح الحلبي وصحيح عبد اللّه بن سنان المتقدمين (1)وفي موثق معاوية بن وهب : « ثمَّ أتاه حين نور الصبح » (2). وفي رواية معاوية بن ميسرة : « فقال : أسفر بالفجر فأسفر » (3). وهذه العناوين لا تخلو من إجمال في نفسها ، فضلا عن ملازمتها لحدوث الحمرة المشرقية ، ولذلك خلت جملة من العبارات عنها ، واشتملت على التعبير بالاسفار والتنوير. ومع ذلك فقد صرح جماعة - كما في مفتاح الكرامة - بأن المراد بالأسفار في الكتاب والأخبار ظهور الحمرة. ويشهد لهم في الأول عدم تحرير الخلاف في ذلك مع اختلاف تعبيرهم كما عرفت ، ولكن في استفادة ذلك من الأخبار تأملا ظاهراً بل قد يظهر من صحيح ابن يقطين - : « عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة .. » (4)- عدمه. وحمل العطف على التأكيد خلاف الأصل. إلا أن يقال : الاستعمال أعم من الحقيقة. فالعمدة في ذلك ظهور الإجماع عليه.
[1] من الواضح أنه إذا طلعت الشمس حدث لكل شاخص على سطح الأفق - أي : على وجه الأرض - ظل طويل إلى جهة المغرب ، ثمَّ لا يزال ينقص ذلك الظل كلما ارتفعت الشمس حتى تبلغ وسط السماء وتصل إلى دائرة نصف النهار وهي : دائرة عظيمة موهومة ، مارة بقطبي
البلدان التي تمر الشمس على سمت الرأس
الشمال والجنوب ، قاطعة لدائرة الأفق ، قاسمة للعالم نصفين متساويين شرقي وغربي ، فإذا وصلت الشمس إلى الدائرة المذكورة ، فإن كانت مسامتة لذلك الشاخص واقعة فوق رأسه انعدم الظل بالمرة ، وإن لم تكن مسامتة له بل مائلة عنه جنوباً أو شمالا بقي له ظل شمالي في الأول وجنوبي في الثاني. والمسامتة إنما تكون في الأماكن الواقعة فيما بين الميل الجنوبي إلى الميل الشمالي في زمان يكون مدار الشمس مساوياً لذلك المكان في البعد عن خط الاستواء والى جهته ، فان لم يكن مدار الشمس مساويا لذلك المكان في البعد عن خط الاستواء أو لم يكن الى جهته لم ينعدم الظل ، بل كان له ظل جنوبي إن كان المدار شمالياً لذلك المكان ، وشمالي إن كان جنوبياً له. وأما الأماكن الخارجة عما بين الميلين فالظل لا ينعدم فيها أصلا ، بل يكون للشاخص ظل شمالي إن كان المكان في شمال الميل الشمالي ، وجنوبي إن كان في جنوب الميل الجنوبي. فإذا زالت الشمس عن دائرة نصف النهار ، وصارت في قوس المدار الغربي ، فإن كان الظل منعدماً حدث إلى جهة المشرق ، وإن كان باقياً قد انتهى نقصه زاد إليها ، ثمَّ لا يزال يزيد كلما قربت الشمس الى المغرب حتى يرجع الظل في المقدار الى ما كان عليه حين الطلوع الى أن تغيب.
هذا ولأجل أن صورة انعدام الظل عند الزوال نادرة لم يتعرض في النصوص ولا في كلمات الأكثر لذكر حدوث الظل بعد عدمه علامة للزوال ، بل ذكر زيادة الظل بعد نقصه. ففي مرفوع أحمد بن محمد بن عيسى عن سماعة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك متى وقت الصلاة؟ فأقبل يلتفت يميناً وشمالاً كأنه يطلب شيئاً ، فلما رأيت ذلك تناولت عوداً
ك- ( مكة ) في بعض الأوقات [1] ، أو زيادته بعد انتهاء نقصانه كما في غالب البلدان ، و ( مكة ) في غالب الأوقات. ويعرف أيضاً بميل الشمس إلى الحاجب الأيمن لمن واجه نقطة الجنوب [2] ،
فقلت : هذا تطلب؟ قال (عليه السلام) : نعم ، فأخذ العود ونصبه بحيال الشمس ، ثمَّ قال : إن الشمس إذا طلعت كان الفيء طويلاً ثمَّ لا يزال ينقص حتى تزول ، فاذا زالت زاد ، فاذا استبنت الزيادة فصلّ الظهر ، ثمَّ تمهل قدر ذراع وصلّ العصر » (1)، وفي رواية علي بن أبي حمزة : « تأخذون عوداً طوله ثلاثة أشبار وإن زاد فهو أبين فيقام ، فما دام ترى الظل ينقص فلم تزل ، فاذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت » (2)، وفي مرسل الفقيه : « فاذا نقص الظل حتى يبلغ غايته ثمَّ زاد فقد زالت الشمس وتفتح أبواب السماء وتهب الرياح وتقضى الحوائج العظام » (3).
[1] وهو - كما عن المقاصد العلية حاكياً له عن أهل الفن - يكون عند الصعود إذا كانت الشمس في الدرجة الثامنة من الجوزاء ، وعند الهبوط إذا كانت في الدرجة الثالثة والعشرين من السرطان ، لمساواة الميل في الموضعين لعرض ( مكة ).
[2] كما عن جماعة من الأصحاب ، وعن جامع المقاصد نسبته إليهم مع التقييد بقولهم : « لمن يستقبل القبلة » ، وقيده بعض بقبلة العراق ، وآخر بما إذا كانت القبلة نقطة الجنوب. وكأنه مراد من أطلق ، وإلا ففساده
وهذا التحديد تقريبي [1] ، كما لا يخفى. ويعرف أيضاً بالدائرة الهندية [2] ،
أظهر من أن يحتاج إلى بيان. لكن التقييد بالأول لا يخلو من مساهلة ، لاختلاف القبلة في العراق باختلاف البلدان ، فيمتنع أن يكون الجميع بنحو واحد ، كما هو ظاهر - ولذلك قيده في المتن بالثاني - كظهور الوجه في كونه علامة على الزوال حينئذ ، إذ المواجهة لنقطة الجنوب توجب كون دائرة نصف النهار مسامتة لما بين الحاجبين ، فاذا مالت الشمس عن دائرة نصف النهار إلى المغرب فقد مالت إلى الحاجب الأيمن ، فيكون أحدهما عين الآخر.
[1] كونه تقريبياً إنما هو بلحاظ مقام الإثبات ، لأن ظهور ميل الشمس للمستعلم لا يكون بمجرد تحققه ، بل يحتاج إلى مضي زمان ، فان الحس لا يقوى على إدراك أول مراتبه ، فلا يدرك منه إلا المرتبة المعتد بها ، وهي إنما تكون بعد الزوال لا معه. وأما في مقام الثبوت : فهو تحقيقي ، لما عرفت من ملازمة الميل للزوال. نعم بناء على الاكتفاء بتقييده بمن يستقبل القبلة في العراق يكون تقريبياً حتى في مقام الثبوت بالنسبة إلى أكثر بلاد العراق الذي تكون قبلته منحرفة عن نقطة الجنوب إلى المغرب ، إذ تحقق الميل إلى الحاجب الأيمن لمن يستقبل نقطة القبلة يدل على تحقق الزوال قبله مدة قليلة تارة وكثيرة أخرى. ويمكن أن يقال بكونه تقريبياً مع التقييد بما في المتن حتى بلحاظ مقام الثبوت ، من جهة أن قوس المواجهة الحقيقية غير منضبط كقوس الاستقبال على ما يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.
[2] وكيفيتها : أن تساوي موضعاً من الأرض بحيث لا يكون فيه انخفاض وارتفاع ، وتدير عليه دائرة بأي بعد ، وتنصب على مركزها
مقياساً مخروطاً محدد الرأس يكون طوله قدر ربع قطر الدائرة تقريباً نصباً مستقيماً ، بحيث يحدث عن جوانبه أربع زوايا قوائم متساوية ، وعلامة استقامته أن يقدر ما بين رأس المقياس ومحيط الدائرة من ثلاثة مواضع ، فان تساوت الأبعاد فهو عمود ، فاذا طلعت الشمس وحدث لذلك المقياس ظل إلى جهة المغرب ، تنتظر حتى ينقص الظل ويصل طرفه إلى محيط الدائرة للدخول فيها فتعلم عليه علامة ، ثمَّ تنتظر خروجه بعد الزوال ، فاذا وصل طرفه إلى محيط الدائرة من جهة المشرق تعلم عليه علامة أخرى ، ثمَّ تصل ما بين العلامتين بخط مستقيم. ثمَّ تنصف ذلك الخط ، ثمَّ تصل ما بين مركز الدائرة ومنتصف ذلك الخط بخط آخر فهو خط نصف النهار. فإذا أردت معرفة الزوال في غير يوم العمل تنظر إلى ظل المقياس ، فمتى وصل إلى هذا الخط كانت الشمس في وسط السماء ، فاذا مال رأس الظل إلى جهة المشرق فقد زالت.
وأسهل من هذا الطريق طريق آخر : وهو أن ينصب مقياساً في الأرض بعد تسويتها فاذا طلعت الشمس وحدث له ظل رسم خطاً على ذلك الظل إلى جهة المغرب مبدؤه من قاعدة المقياس ، ثمَّ ينتظر إلى حين الغروب فيرسم خطاً على ظله إلى جهة المشرق مبدؤه من قاعدته أيضاً. فإن كان الخطان خطاً على ظله إلى جهة المشرق مبدؤه من قاعدته أيضاً. فإن كان الخطان خطاً واحداً مستقيما - كما في يومي الاعتدالين - نصّف ذلك الخط بخط مستقيم على نحو تحدث من تنصيفه زوايا ، وإن كان الخطان خطين متقاطعين - كما في غير اليومين المذكورين - فلا بد من أن يحدث من تقاطعهما زاوية ، فلينصفها بخط آخر نصفين متساويين ، وهذا الخط المنصف في الصورتين هو خط نصف النهار ، فاذا مال ظل الشاخص عنه إلى المشرق فقد زالت الشمس. ولا يعتبر في صحته أن يكون رسم الخط المنطبق على
وهي أضبط وأمتن [1].
الظل عند الطلوع والغروب ، بل يكفي فيه أن يكون الرسم في زمانين متساويي النسبة إلى الطلوع والغروب في البعد والقرب.
[1] لكونه أقرب إلى الإحساس مما سبق ، ومع ذلك ربما لا يستقيم هذا الطريق في بعض الأحيان ، بل يحتاج إلى تعديل حتى يستقيم - كما عن الوافي - لاختلاف مداري الشمس حال مدخل الظل الغربي ومخرج الظل الشرقي. نعم يستقيم لو اتفق الميل حال الزوال فيتحد المداران حينئذ في الوقتين ، لكن الأمر سهل. لأن اختلاف المدار كذلك يوجب الاختلاف بزمان يسير جداً.
هذا وفي الجواهر : « إنما الكلام في اعتبار مثل هذا الميل في دخول الوقت بعد أن علقه الشارع على الزوال الذي يراد منه ظهوره لغالب الأفراد حتى أنه أخذ فيه استبانته - كما سمعته في الخبر السابق - وإناطته بتلك الزيادة التي لا تخفى على أحد على ما هي عادته في إناطة أكثر الأحكام المترتبة على بعض الأمور الخفية بالأمور الجلية كي لا يوقع عباده في شبهة .. ».
وفيه : أن مفهوم الزوال كسائر المفاهيم المأخوذة موضوعاً للأحكام الشرعية يترتب عليه حكمه واقعاً بمجرد وجوده كذلك ، ولا يعتبر فيه ظهوره لأحد ، فضلاً عن ظهوره لغالب الأفراد ، والاستبانة لم تؤخذ في موضوعيته للحكم ، وإنما أخذت طريقاً اليه جمعاً بين الخبر المتقدم وما دل على كون الوقت هو الزوال الواقعي ، وإناطته بالزيادة لا تنافي ذلك بل تثبته لأن الزيادة الواقعية ملازمة للزوال واقعاً وإن كان المحسوس منها يكون بعد الزوال بقليل. فلاحظ.
هذا وفي صحيح عبد اللّه بن سنان المروي عن الفقيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :
ويعرف المغرب بذهاب الحمرة المشرقية [1]
« تزول الشمس في النصف من ( حزيران ) على نصف قدم ، وفي النصف من ( تموز ) على قدم ونصف ، وفي النصف من ( آب ) على قدمين ونصف ، وفي النصف من ( أيلول ) على ثلاثة أقدام ونصف ، وفي النصف من ( تشرين الأول ) على خمسة أقدام ونصف ، وفي النصف من ( تشرين الآخر ) على سبعة ونصف ، وفي النصف من ( كانون الأول ) على تسعة ونصف ، وفي النصف من ( كانون الآخر ) على سبعة ونصف ، وفي النصف من ( شباط ) على خمسة ونصف ، وفي النصف من ( آذار ) على ثلاثة ونصف ، وفي النصف من ( نيسان ) على قدمين ونصف ، وفي النصف من ( أيار ) على قدم ونصف وفي النصف من ( حزيران ) على نصف قدم » (1). وعن الخصال والتهذيب روايته أيضاً. وإطلاقه ليس مراداً قطعاً ، لاختلاف الأمكنة في ذلك اختلافاً فاحشاً ، ولذا قال في محكي التذكرة والمنتقى : « إن النظر والاعتبار يدلان على أن هذا مخصوص بالمدينة ». وعن المنتهى وشيخنا البهائي : « أنه مختص بالعراق وما قاربها لأن عرض البلاد العراقية يناسب ذلك ، ولأن الراوي لهذا الحديث - وهو عبد اللّه ابن سنان - عراقي ». هذا وقد يشكل الحديث لما فيه من اختلاف الشهور الثلاثة الأول بزيادة القدم والثلاثة التي بعدها بزيادة القدمين ، وكذا نقصان الثلاثة الأخيرة عن التي قبلها ، مع أن الاختلاف بالزيادة والنقصان إنما يكون تدريجياً. وحمله على كونه تقريبياً فلا ينافيه ذلك ، كما ترى خلاف الظاهر. واللّه سبحانه أعلم.
[1] إجماعا كما عن السرائر ، وعليه عمل الأصحاب كما في المعتبر ، ونسبه جماعة إلى المشهور ، وآخرون إلى الأكثر ومنهم السيد في المدارك. ومقتضى الجمود على ما يفهم من العبارة وملاحظة سياقه مساق علامات
1) الوسائل باب : 11 من أبواب المواقيت حديث : 3.
الزوال الاتفاق على كون المراد من غروب الشمس غروبها عن أفق المصلي فتكون العلامة المذكورة مرجعاً عند الشك في غروبها عن الأفق ، لاحتمال حجبها بضباب أو سحاب أو جبل أو غير ذلك ، فاذا علم بغروبها عن الأفق جاز ترتيب الأثر وإن لم تذهب الحمرة ، فيكون مراد المخالف الاكتفاء في ترتيب الأثر بمجرد الغياب عن النظر وإن احتمل ذلك. لكن ليس مرادهم ذلك ، بل تحديد الغروب بذهاب الحمرة ، فيكون المراد من غروب الشمس وصولها تحت الأفق إلى درجة تقارن ذهاب الحمرة ، كما يظهر بأدنى تأمل في كلماتهم. وفي المدارك عن المبسوط والاستبصار وعلل الشرائع والاحكام وابن الجنيد والمرتضى في بعض مسائله : « انه يعلم باستتار القرص وغيبته عن العين مع انتفاء الحائل بينهما ». وحكي عن المنتقى والاثنا عشرية وشرحها. وفي المدارك : انه لا يخلو من قوة. وعن ظاهر حاشيتها والوافي والبحار والكفاية والمفاتيح والمستند وعن الحبل المتين : نفي البعد عنه. ونسب الى معتمد النراقي أيضاً ، بل عنه نسبته الى أكثر الطبقة الثالثة ، وربما نسب الى غيرهم أيضاً.
واستدل للأول بأخبار كثيرة :
منها : مصحح بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا غابت الحمرة من هذا الجانب - يعني من المشرق - فقد غابت من شرق الأرض وغربها » (1). وفيه : أن الترتيب في القضية ليس بلحاظ الوجود الخارجي ، إذ لا ترتب للجزاء على الشرط ، بل بلحاظ الوجود العلمي ، وترتب العلم بالجزاء على العلم بالشرط لا يقتضي اقترانهما حدوثاً ، بل يجوز أن يتقدم حدوث الجزاء على حدوث الشرط كما تقول : « إذا استطعمك
1) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 1.
زيد فهو جائع ».
ومنها : مرسل علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق ، وتدري كيف ذلك قلت : لا. قال (عليه السلام) : لأن المشرق مطل على المغرب هكذا - ورفع يمينه فوق يساره - فاذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا » (1)فان ظهور صدره في إرادة الغروب بالمرتبة المقارنة لذهاب الحمرة مما لا مجال لإنكاره. وكذا التعليل ، إذ الذي يصح أن يكون علة لذهاب الحمرة ليس إلا الغروب بتلك المرتبة لا غير. ومثله مرسل ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فاذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار وسقط القرص » (2).
ومنها : خبر أبان : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أي ساعة كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يوتر؟ فقال (عليه السلام) : على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب » (3). وفيه : أن ذكر نفس الصلاة لا وقتها يمكن أن يكون من جهة فصل الصلاة عن المغيب غالباً بالسعي الى المسجد والأذان والإقامة ولا يدل على تأخر وقتها عن المغيب.
ومنها : مصحح بكر بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سأله سائل عن وقت المغرب. فقال (عليه السلام) : إن اللّه تعالى يقول ( فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) وهذا أول الوقت ، وآخر ذلك غيبوبة الشفق
وأول وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة ، وآخر وقتها إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ. يعني : نصف الليل » (1)وفيه : أن رؤية الكوكب قد تكون قبل الغروب ، وقد تكون معه ، وقد تكون بعده ، وقد تكون بعد ذهاب الحمرة والغالب رؤية الكوكب قبل ذهاب الحمرة بكثير ، والبناء عليه أو على إطلاق الرواية مخالف للقولين. مضافاً الى أن سوق الأول مساق الآخر يقتضي عدم ظهورها في الوجوب ، كرواية شهاب بن عبد ربه : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا شهاب إني أحب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء كوكباً » (2). مع معارضتهما بما رواه الصباح وأبو أسامة قالا : « سألوا الشيخ (عليه السلام) عن المغرب ، فقال بعضهم : جعلني اللّه فداك ننتظر حتى يطلع كوكب؟ فقال (عليه السلام) : خطابية إن جبرائيل نزل بها على محمد حين سقط القرص » (3).
ومنها : خبر محمد بن علي : « صحبت الرضا (عليه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق. يعني : السواد » (4)وفيه : أن العمل مجمل لا يدل على التوقيت الوجوبي ، وحكايته ليست من المعصوم لتدل عليه ، كما لا يخفى.
ومنها : خبر عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين زالت الحمرة من مطلع الشمس فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب وكان يصلي حين يغيب الشفق » (5). وفيه : أنه لا يظهر منها كون أمره (عليه السلام) لأبي الخطاب بالصلاة حين
زوال الحمرة كان للوجوب أو للاستحباب أو للاحتياط ، كما قد يشهد للأخير خبر عبد اللّه بن وضاح الآتي ، وللثاني مرسل الفقيه : « ملعون ملعون من أخر المغرب طلباً لفضلها » (1). ونحوه مرسل محمد بن أبي حمزة (2). فافهم.
ومنها : مكاتبة عبد اللّه بن وضاح الى العبد الصالح (عليه السلام) : « يتوارى القرص ويقبل الليل ، ثمَّ يزيد الليل ارتفاعاً ، وتستتر عنا الشمس ، وترتفع فوق الجبل حمرة ، ويؤذن عندنا المؤذن ، أفأصلي وأفطر إن كنت صائماً أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب الي : أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك » (3). وفيه : أن التعبير بالاحتياط شاهد بأن التأخير إنما هو لاحتمال عدم سقوط القرص لا لوجوبه تعبداً ، فهي على خلاف المشهور أدل. ودعوى أن اختياره (عليه السلام) للتعبير عن وجوب التأخير واقعاً تعبداً بقوله (عليه السلام) : « أرى » وقوله (عليه السلام) : « بالحائطة » لأجل التقية ، لا داعي إليها ، ولا شاهد عليها. مضافاً الى عدم ظهور الحمرة التي ترتفع فوق الجبل في الحمرة المشرقية. بل ظاهر قوله : « ويقبل الليل ثمَّ يزيد الليل ارتفاعاً » تبدل الحمرة المشرقية بالسواد وزوالها عن الأفق الشرقي ، فتكون الرواية مناسبة لمذهب الخطابية.
ومنها خبر جارود : « قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا جارود ينصحون فلا يقبلون ، وإذا سمعوا بشيء نادوا به أو حدثوا بشيء أذاعوه. قلت لهم : مسوا بالمغرب قليلا فتركوها حتى اشتبكت النجوم فأنا الآن أصليها إذا سقط
القرص » (1). وفيه : أن الظاهر أن قوله (عليه السلام) : « مسوا .. » بيان لصغرى قوله (عليه السلام) : « ينصحون فلا يقبلون ». وحينئذ تكون صلاته (عليه السلام) عند سقوط القرص ردعاً لما قد يختلج في أذهان الشيعة من رجحان الانتظار الى أن تشتبك النجوم. وحينئذ تكون على خلاف المشهور أدل ، لامتناع ردعهم عن ذلك التوهم بفعل الصلاة قبل وقتها ، فان ذلك إيقاع لهم بخلاف الواقع على وجه أعظم ، إذ ليس في التأخير إلا فوات الفضل وفي التقديم على الوقت فوات الصحة كما لا يخفى. وحمله على كونه من صغريات الإذاعة لتكون الصلاة عند سقوط القرص من باب التقية من العامة والفرار من خطر الإذاعة فتدل على المشهور - كما في الوسائل - لا وجه له ، لاختصاص ذلك بصورة إذاعة الحق الذي سمعوه لا الباطل الذي شرعوه كما هو ظاهر الرواية. فقوله (عليه السلام) : « قلت .. » راجع الى قوله (عليه السلام) : « ينصحون فلا يقبلون » وصغرى له ، لا صغرى لما بعده. وليس في قوله (عليه السلام) : « قلت .. » إشارة إلى الإذاعة بوجه.
ومنها صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال لي : مسوا بالمغرب قليلا ، فان الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا » (2). وفيه : أنه إن كان المراد من التعليل أنها تغيب عن الأفق حقيقة قبل أن تغيب من عندهم ، فهو كاف في جواز الصلاة ولا يعتبر غيابها عن جميع الآفاق بالضرورة ، ففي رواية عبيد اللّه بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر وكنت أنا أصلي المغرب إذا غربت الشمس وأصلي الفجر
إذا استبان لي الفجر. فقال لي الرجل : ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟ فإن الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا وهي طالعة على قوم آخرين بعد. قال (عليه السلام) : فقلت : إنما علينا أن نصلي إذا وجبت الشمس عنا وإذا طلع الفجر عندنا وليس علينا إلا ذلك ، وعلى أولئك أن يصلوا إذا غربت عنهم » (1). وإن كان المراد أنها تغيب بحسب النظر الخطئي لوجود حائل ونحوه عنها ، فوجوب الانتظار لا يدل على المشهور بوجه كما لا يخفى.
ومنها خبر محمد بن شريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن وقت المغرب فقال (عليه السلام) : إذا تغيرت الحمرة في الأفق وذهبت الصفرة وقبل أن تشتبك النجوم » (2). وفيه : أن تغير الحمرة غير زوالها ، ومدعى المشهور هو الثاني دون الأول. فلم يبق ما يصلح دليلا للمشهور غير المرسلتين لا بني أشيم وأبي عمير. مع أن التعليل في أولتهما ظاهر في كون الحكم جارياً على المعنى العرفي في الغياب أعني : الغياب عن دائرة الأفق لا الغياب عن دائرة أخرى تحتها ، وزوال الحمرة إنما يقارن وصول الشمس تقريباً إلى الدرجة الرابعة تحت الأرض ، فلا يبعد الحمل على إرادة أن زوال الحمرة طريق قطعي إلى غياب الشمس عن دائرة الأفق ، بحيث لا يبقى احتمال كونها طالعة وأنها محجوبة بحائل من جبل أو غيره ، ولا سيما وأن تصرف الشارع الأقدس في الغروب وفي الليل ونحوهما مما جعل مبدأ الوقت لو كان ثابتاً لاشتهر النقل عنه ، لتوفر الدواعي اليه ، للابتلاء به في كل يوم ، فحمل لزوم الانتظار على كونه حكما ظاهرياً عند الشك أولى من حمله على كونه
حكماً واقعياً لتصرف الشارع الأقدس في مفهوم الغروب.
ولا سيما مع معارضة تلك النصوص بنصوص أخرى مضافاً إلى ما تقدم منها : صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها » (1). وصحيح زرارة : « قال أبو جعفر علیه السلام : « وقت المغرب إذا غاب القرص ، فإن رأيت بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئاً » (2)، وخبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : إذا غاب القرص أفطر الصائم ودخل وقت الصلاة » (3)وصحيح داود بن فرقد : « سمعت أبي يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) متى يدخل وقت المغرب؟ فقال (عليه السلام) : إذا غاب كرسيها. قلت : وما كرسيها؟ قال (عليه السلام) : قرصها. قلت : متى يغيب؟ قال (عليه السلام) إذا نظرت اليه فلم تره » (4)- ونحوه صحيح علي بن الحكم عمن حدثه عن أحدهما علیه السلام (5)- ورواية إسماعيل بن الفضل : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يصلي المغرب حين تغيب الشمس حين يغيب حاجبها » (6)، وخبر عمرو ابن أبي نصر : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في المغرب : إذا توارى القرص كان وقت الصلاة وأفطر » (7)، وخبر الربيع بن سليمان وأبان
1) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 16.
2) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 17.
3) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 20.
4) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت ملحق حديث : 25.
5) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 25.
6) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 27.
7) الوسائل باب : 16 من أبواب المواقيت حديث : 30.
ابن أرقم وغيرهم : « قالوا : أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر الى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا ، فجعل يصلي ونحن ندعو عليه حتى صلى ركعة ونحن ندعو عليه ونقول : هذا من شباب أهل المدينة. فلما أتيناه إذا هو أبو عبد اللّه جعفر بن محمد علیهماالسلام ، فنزلنا فصلينا معه وقد فاتتنا ركعة فلما قضينا الصلاة قمنا اليه فقلنا : جعلنا فداك هذه الساعة تصلي؟ فقال (عليه السلام) : إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت » (1). وحمله على التقية - مع أنه لا داعي إليه - بعيد جداً ، ولا سيما بالنسبة إلى الجماعة الذين اقتدوا به مع عدم ظهور ذلك لهم بوجه. نعم صدرها ظاهر في اعتقادهم عدم دخول الوقت بغياب القرص ، ولعله لأنهم من أهل الكوفة الذين دخلت عليهم الشبهة من أبي الخطاب لعنه اللّه. ومصحح محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد اللّه علیه السلام انه قال : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يصلي المغرب ، ويصلي معه حي من الأنصار يقال لهم : ( بنو سلمة ) ، منازلهم على نصف ميل فيصلون معه ، ثمَّ ينصرفون الى منازلهم وهم يرون موضع سهامهم » (2)فان الظاهر أنه لا ينطبق على ما هو المشهور. ورواية صفوان بن مهران : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إن معي شبه الكرش فأؤخر صلاة المغرب حتى غيبوبة الشفق ثمَّ أصليهما جميعاً يكون ذلك أرفق بي. فقال (عليه السلام) : إذا غاب القرص فصل المغرب فإنما أنت ومالك لله سبحانه » (3)، ورواية الشحام : « قال رجل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أؤخر المغرب حتى
تستبين النجوم. فقال (عليه السلام) : خطابية ، إن جبرئيل نزل بها على محمد (صلی اللّه عليه وآله) حين سقط القرص » (1)، وصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « قال : وقت المغرب حين تجب الشمس الى أن تشتبك النجوم » (2)ورواية أبي بصير : « وقت المغرب حين تغيب الشمس » (3)، ورواية الفضل : « إنما جعلت الصلاة في هذه الأوقات ولم تقدم ولم تؤخر لأن الأوقات المشهورة المعلومة التي تعم أهل الأرض فيعرفها الجاهل والعالم أربعة غروب الشمس مشهور معروف تجب عنده المغرب » .. (4)الى غير ذلك مما هو كثير.
( وترجيح ) الأولى على الأخيرة بأنها أقرب إلى الاحتياط ، وأن فيه جمعاً بين الأدلة ، وأنه من حمل المجمل على المبين ، والمطلق على المقيد ، ولاحتمال الثانية للتقية لموافقتها للعامة ، وللنسخ ، ولأن الأولى أشهر فتوى بين الأصحاب ولكونها أوضح دلالة إذ لم يصرح في الثانية بعدم اشتراط ذهاب الحمرة ، فما دل على اعتباره أوضح دلالة وأبعد عن التأويل - كما في الوسائل - ( كما ترى ). إذ الترجيح بالأحوطية - لو سلم - إنما يكون بعد تعذر الجمع العرفي. والأخبار الثانية ليست من قبيل المجمل أو المطلق ، لأن قولهم (عليهم السلام) : حين تغيب الشمس ، أو قرصها ، أو نحو ذلك ، لما كان وارداً في مقام التوقيت فهو ظاهر في أول وجود الغياب لا غير ، وبعضها نص في ذلك. واحتمال الثانية للتقية أو للنسخ لا يكفي في رفع اليد عنها ، ولا سيما مع بعد الثاني جداً ، بل لعله ممتنع ، لصدورها من المعصوم في مقام البيان للحكم
عن سمت الرأس [1] ،
الأولي. والأولى وإن كانت أشهر فتوى ، لكن الثانية أشهر رواية وأصح سنداً. وكون الثانية لم يصرح فيها بعدم اشتراط ذهاب الحمرة مع أنه لا يسلم بالنسبة إلى بعضها ، فالأولى لم يصرح فيها بكون الانتظار على نحو الوجوب ، فيمكن الحمل على الاستحباب ، كما جرى عليه العمل في كثير من تحديدات الأوقات المتقدمة التي استفيد منها وقت الفضيلة ، لكونه أوفق بالاحتياط ، لاحتمال عدم الغياب ووجود الحائل ، كما يشير إليه اختلافها في التعبير عنه ، تارة بزوال الحمرة ، وأخرى بتغيرها ، وثالثة بالتأخير قليلاً كما في رواية يعقوب بن شعيب المتقدمة (1)وملاحظة التعليلات الواردة فيها.
وعليه فتجوز الصلاة بمجرد عدم رؤية القرص إذا لم يعلم أنه خلف جبل أو نحوه. ويدل عليه صحيح حريز عن أبي أسامة أو غيره قال : « صعدت مرة جبل أبي قبيس أو غيره والناس يصلون المغرب ، فرأيت الشمس لم تغب إنما توارت خلف الجبل عن الناس ، فلقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بذلك. فقال لي : ولم فعلت ذلك؟ بئس ما صنعت ، إنما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها ، وإنما عليك مشرقك ومغربك ، وليس على الناس أن يبحثوا » (2). لكن هجره مانع عن العمل به ، فيتعين طرحه. وعليه فيجب الانتظار إلى أن يعلم بغيبوبة القرص. والظاهر حصوله بمجرد تغير الحمرة وميلها إلى السواد ، فلاحظ. واللّه سبحانه أعلم ،
[1] كما في مرسل بن أبي عمير (3).
والأحوط زوالها من تمام ربع الفلك [1] من طرف المشرق ويعرف نصف الليل بالنجوم الطالعة أول الغروب إذا مالت عن دائرة نصف النهار إلى طرف المغرب ، وعلى هذا فيكون المناط نصف ما بين غروب الشمس وطلوعها [2]. لكنه لا يخلو عن إشكال لاحتمال أن يكون نصف ما بين الغروب وطلوع الفجر ، كما عليه جماعة [3] ،
[1] لاحتمال أن يكون المراد من جانب المشرق النصف الشرقي المقابل للنصف الغربي. بل في الجواهر ادعى أن ارادته ضرورية. ولا يخلو من تأمل.
[2] كما نسب إلى شرذمة ، منهم الأعمش ، وظاهر محكي الكفاية اختياره ، ونسب أيضاً إلى ظاهر الذكرى والمفاتيح وشرحها. واستدل له بما عن بعض أهل اللغة من تفسير النهار بما بين الطلوع والغروب ، والليل بما بين الغروب والطلوع. وبما ورد في جملة من النصوص من استعمال النهار بذلك ، فيدل على أن ما عداه ليل لانتفاء الواسطة ، مثل ما ورد : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لا يصلي من النهار شيئاً حتى تزول الشمس » (1). وبما رواه الصدوق عن عمر بن حنظلة : « سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال له : زوال الشمس نعرفه بالنهار فكيف لنا بالليل؟ فقال (عليه السلام). لليل زوال كزوال الشمس. قال : فبأي شيء نعرفه؟ قال (عليه السلام) : بالنجوم إذا انحدرت » (2). وبخبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : « دلوك الشمس زوالها ، وغسق الليل بمنزلة الزوال من النهار » (3).
[3] إما بناء منهم على أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس لا من
الليل ولا من النهار ، كما يشهد به جملة من النصوص ، مثل خبر أبي هاشم الخادم : « قلت لأبي الحسن الماضي (عليه السلام) : لمَ جعلت صلاة الفريضة والسنة خمسين ركعة لا يزاد فيها ولا ينقص منها؟ قال (عليه السلام) : إن ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة ، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة ، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة ، فجعل لكل ساعة ركعتين ، وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق غسق » (1)، وخبر أبان الثقفي : « عن الساعة التي ليست من الليل ولا من النهار. فقال (عليه السلام) : ساعة الفجر » (2). أو بناء منهم على أنها من النهار كما هو المنسوب إلى أكثر أهل اللغة ، والمفسرين ، والفقهاء ، والمحدثين ، والحكماء الإلهيين ، والرياضيين.
وفي الجواهر : « لا ينبغي أن يستريب عارف بلسان الشرع والعرف واللغة أن المنساق من إطلاق اليوم والنهار والليل في الصوم والصلاة ومواقف الحج والقسم بين الزوجات وأيام الاعتكاف وجميع الأبواب أن المراد بالأولين من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب ومنه إلى طلوعه بالثالث ، كما قد نص عليه غير واحد من الفقهاء والمفسرين واللغويين فيما حكي عن بعضهم .. إلى أن قال - بعد نقل كلام جماعة من الفقهاء والمفسرين واللغويين والاستدلال عليه بجملة وافرة من الآيات والنصوص - : وتفصيل الكلام فيها بل وفيما ذكرنا من الآيات يفضي إلى إطناب تام لا يناسب وضع الكتاب ، كما أنه لا يناسب أيضاً ذكر جميع ما يدل على ذلك ، أو يشعر به من النصوص ، ولا سيما وهي أكثر من أن تحصى ، وأوسع من أن تستقصى ، وقد جمع
المجلسي في البحار شطراً منها يقرب إلى المائة من كتب متفرقة ، كالكافي والتهذيب ، والفقيه ، وفقه الرضا ، وقرب الاسناد ، ودعائم الإسلام ، والاحتجاج ، والعلل ، والخصال ، وتفسير علي بن إبراهيم ، والعياشي ، ومعاني الاخبار ، وتحف العقول ، وإرشاد القلوب ، وثواب الاعمال ، وعدة الداعي ، ومجالس ، الصدوق ، والتوحيد ، والعيون ، والمصباح للشيخ ، ومسارّ الشيعة للمفيد ، والإقبال ، والمقنعة ، ومجالس الشيخ ، والخلاف له والمعتبر ، والذكرى ، وغياث سلطان الورى ، ومصباح الكفعمي ، ودعوات الراوندي ، والسرائر في مقامات متشعبة ، كالصلاة الوسطى ، والصوم ، وصلاة الليل ، والحج ، وتفسير بعض الآيات ، والأذان ، والقسم بين الزوجات ، والأغسال للجمعة والعيدين وغير ذلك ، وإن كان في جملة مما تخيل دلالته على المطلوب مناقشة ، لكن في الجملة الأخرى ووضوح الأمر مغناة .. ».
هذا ومرجع الاستدلال بأكثر الآيات والروايات إلى الاستدلال باستعمال الليل فيما بين الغروب وطلوع الفجر ، والنهار واليوم فيما بين طلوع الفجر والغروب. والمحقق في محله عدم دلالة الاستعمال على الحقيقة ، خلافا للسيد المرتضى (رحمه اللّه). نعم لا تبعد دعوى كون الاستعمال في المقامات المذكورة بلا ملاحظة علاقة ومناسبة ، بل جرياً على حقيقة اللفظ.
نعم بعضها تام الدلالة مثل المروي عن الفقيه من جواب أبي الحسن الأول (عليه السلام) ليحيى بن أكثم القاضي حين سأله عن صلاة الفجر لِمَ يجهر فيها بالقراءة وهي من صلاة النهار ، وإنما يجهر في صلاة الليل؟ فقال (عليه السلام) : « لأن النبي (صلی اللّه عليه وآله) كان يغلس بها لقربها لليل » (1). ونحوه ما عن العلل
1) الوسائل باب : 25 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 3 ولكن فيها وفي الفقيه ( فقربها ) لا : ( لقربها ). نعم أشار المؤلف في نسخته المصححة من الوسائل الى ان الموجود في العلل ( لقربها ).
ناسباً الجواب إلى علي بن محمد (عليه السلام) (1). إذ لو لا كون ما بين طلوعي الفجر والشمس من النهار لم يكن للسؤال المذكور معنى ولتعين الجواب عنه بالنفي لا بما ذكر. ومثل ما ورد في الصلاة الوسطى أنها وسطى بين صلاتين بالنهار. لكن وضوح المعنى أغنى عن الاستدلال له بما ذكر وغيره.
ومنه يظهر ضعف القول بالواسطة تمسكاً بالنصوص السابقة ، إذ هي - مع عدم صلاحيتها لمعارضة ما ذكر - لا تصلح للإثبات ، إلا بناء على إثبات الاستعمال للحقيقة.
كما أنه لذلك يظهر ضعف القول الأول. وأما نقل بعض أهل اللغة فمعارض بنقل أكثرهم المعتضد بما عرفت ، بل لا مجال للرجوع إلى النقل بعد وضوح المعنى. وأما خبر ابن حنظلة : فإن كان الاستدلال بقوله (عليه السلام) : فيه : « لليل زوال كزوال الشمس » فهو لا يدل على أكثر من أن لليل دائرة كدائرة نصف النهار تنصفه نصفين ، فاذا مال الكوكب عنها إلى الغروب تحقق الزوال ، فاذا كان آخر الليل الفجر - كما هو المفهوم منه عرفاً ولغة - فالدائرة الموهومة لا بد أن تكون مفروضة بنحو يتحقق تنصيف المقدار المذكور عند وصول الكوكب إليها ، ولا يدل على أن الآخر هو الفجر. ومن ذلك تعرف الخدش في الاستدلال برواية أبي بصير. وإن كان بقوله (عليه السلام) : « بالنجوم إذا انحدرت » فاجماله مانع عن الاستدلال به ، إذ لا ريب في أنه لا يراد مطلق النجوم ، لاختلافها بالطلوع والغروب. وإرادة خصوص النجوم التي تطلع عند الغروب بعيد جداً ، لتعسر تعيينها غالباً ، ولا سيما بملاحظة عدم ظهور النجوم حول الأفق غالباً ، وإنما تظهر مرتفعة مقدار قامة أو أكثر ، والأولى الحمل على إرادة الإشارة إلى ما
1) الوسائل باب : 25 من أبواب القراءة في الصلاة ملحق الحديث الثالث.
والأحوط مراعاة الاحتياط هنا في صلاة الليل التي أول وقتها بعد نصف الليل. ويعرف طلوع الفجر باعتراض البياض [1]
يعرف به النصف في الجملة ولو بعد تحققه بمقدار ساعة أو أكثر ، فلا ينافي كون الآخر الفجر ، كما لا يخفى. واللّه سبحانه أعلم.
[1] إجماعاً كما عن جماعة كثيرة. ويشهد له صحيح ليث المرادي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت : متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر؟ فقال (عليه السلام) : إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء ، فثم يحرم الطعام على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر .. » (1)، وخبر علي بن عطية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الصبح هو الذي إذا رأيته كان معترضاً كأنه بياض نهر سوراء » (2)، وخبر هشام بن الهذيل عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال : « سألته عن وقت صلاة الفجر. فقال علیه السلام : حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سوراء » (3)، وخبر علي بن مهزيار : « كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : جعلت فداك ، قد اختلف موالوك في صلاة الفجر ، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء ، ومنهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الأفق واستبان ، ولست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه ، فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين ، وتحدّه لي وكيف أصنع مع القمر ، والفجر لا يتبين معه حتى يحمر ويصبح؟ وكيف أصنع مع الغيم؟ وما حد ذلك في السفر والحضر؟ فعلت إن شاء اللّه. فكتب (عليه السلام) بخطه - وقرأته - :
الحادث في الأفق المتصاعد في السماء ، الذي يشابه ذنب السرحان ، ويسمى بالفجر الكاذب [1] ، وانتشاره على الأفق وصيرورته كالقبطية البيضاء ، وكنهر سوراء بحيث كلما زدته نظراً أصدقك بزيادة حسنه وبعبارة أخرى : انتشار البياض على الأفق بعد كونه متصاعداً في السماء.
( مسألة 2 ) : المراد باختصاص أول الوقت بالظهر وآخره بالعصر وهكذا في المغرب والعشاء - عدم صحة الشريكة في ذلك الوقت مع عدم أداء صاحبته [2] ، فلا مانع من إتيان
الفجر - يرحمك اللّه تعالى - هو الخيط الأبيض المعترض وليس هو الأبيض صعدا ، فلا تصل في سفر ولا حضر حتى تتبينه ، فان اللّه تبارك وتعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا ، فقال تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) ، فالخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل والشرب في الصوم ، وكذلك هو الذي يوجب به الصلاة » (1).
[1] ففي مرسلة الكليني : « وأما الفجر الذي يشبه ذنب السرحان فذلك الفجر الكاذب ، والفجر الصادق هو المعترض كالقباطي » (2). هذا والضمير في قوله : ( ويسمى ) راجع إلى ( المتصاعد ) الذي هو صفة للبياض ، فالبياض المعترض المتصاعد هو الفجر الصادق ، وخصوص المقدار المتصاعد هو الكاذب. وقوله : ( وانتشاره ) معطوف على ( اعتراض ).
[2] تقدم الكلام في هذه المسألة في ثمرة الاختصاص والاشتراك. فراجع.
غير الشريكة فيه ، كما إذا أتى بقضاء الصبح أو غيره من الفوائت في أول الزوال ، أو في آخر الوقت. وكذا لا مانع من إتيان الشريكة إذا أدى صاحبة الوقت ، فلو صلى الظهر قبل الزوال بظن دخول الوقت فدخل الوقت في أثنائها - ولو قبل السلام حيث أن صلاته صحيحة - لا مانع من إتيان العصر أول الزوال وكذا إذا قدم العصر على الظهر سهواً وبقي من الوقت مقدار أربع ركعات ، لا مانع من إتيان الظهر في ذلك الوقت ولا تكون قضاء ، وإن كان الأحوط عدم التعرض للأداء والقضاء ، بل عدم التعرض لكون ما يأتي به ظهراً أو عصراً ، لاحتمال احتساب العصر المقدم ظهراً [1] وكون هذه الصلاة عصراً.
( مسألة 3 ) : يجب تأخير العصر عن الظهر [2] ، والعشاء عن المغرب ، فلو قدم إحداهما على سابقتها عمداً بطلت ، سواء كان في الوقت المختص أو المشترك. ولو قدم سهواً : فالمشهور على أنه إن كان في الوقت المختص بطلت [3] ، وإن كان في
[1] كما سيأتي في المسألة اللاحقة.
[2] بلا خلاف ، لما يستفاد من قولهم (عليهم السلام) في النصوص المتقدمة : « إلا أن هذه قبل هذه » (1)الظاهر في اعتبار الترتيب بينهما ، فلو تركه عمداً بطلت الصلاة ، لفوات المشروط لفوات شرطه.
[3] لفوات الوقت الذي هو شرط مطلقاً ، كما تقتضيه الأدلة الأولية ، ورواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : من صلى في غير وقت فلا صلاة له » (2)، وحديث : « لا تعاد الصلاة .. »(3).
الوقت المشترك ، فان كان التذكر بعد الفراغ صحت [1] ، وإن كان في الأثناء عدل بنيته إلى السابقة [2] إذا بقي محل
[1] إذ ليس الفائت إلا الترتيب وليس هو بشرط مع السهو ، لإطلاق حديث : « لا تعاد الصلاة ». وعن كشف اللثام : الإجماع على عدم قدح مخالفة الترتيب نسياناً.
[2] وجوباً إجماعاً كما عن حاشية الإرشاد للمحقق الثاني وغيرها ، ويشهد له جملة من النصوص ، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - : « وإن ذكرت أنك لم تصل الأولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الأولى ، ثمَّ صلّ الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر .. إلى أن قال : وإن كنت ذكرتها - يعني : المغرب - وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين ، أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثمَّ سلم ثمَّ قم فصل العشاء الآخرة » (1)، وحسن الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أمَّ قوماً في العصر فذكر وهو يصلي بهم أنه لم يكن صلى الأولى. قال (عليه السلام) : فليجعلها الأولى التي فاتته ويستأنف العصر ، وقد قضى القوم صلاتهم » (2)، وخبر الحسن بن زياد الصيقل قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي الأولى حتى صلى ركعتين من العصر. قال (عليه السلام) : فليجعلها الأولى وليستأنف العصر. قلت : فإنه نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثمَّ ذكر. قال (عليه السلام) فليتم صلاته ثمَّ ليقض بعد المغرب. قال : قلت له : جعلت فداك قلت حين نسي الظهر ثمَّ ذكر وهو في العصر : يجعلها الأولى ثمَّ يستأنف ، وقلت لهذا : يتم
العدول ، وإلا - كما إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة من العشاء - بطلت [1] وإن كان الأحوط الإتمام والإعادة بعد الإتيان بالمغرب. وعندي فيما ذكروه إشكال ، بل الأظهر في العصر المقدم على الظهر سهواً صحتها واحتسابها ظهراً إن كان التذكر بعد الفراغ لقوله (عليه السلام) : « إنما هي أربع مكان أربع » في النص الصحيح [2] ، لكن الأحوط الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة من دون تعيين أنها ظهر أو عصر ، وإن كان
صلاته بعد المغرب. فقال (عليه السلام) : ليس هذا مثل هذا إن العصر ليس بعدها صلاة ، والعشاء بعدها صلاة » (1). وما فيه من حكم نسيان المغرب مطروح ، لضعفه في نفسه ، ومعارضته لما سبق ، وهجره عند الأصحاب فلا بد من تأويله إن أمكن ، أو إيكال معرفة المراد منه إلى قائله (عليه السلام) كما أمرنا بذلك (2).
[1] كما هو ظاهر الجواهر - في مبحث قضاء الصلوات - لاختصاص اغتفار فوات الترتيب بما بعد الفراغ. وفيه : أن النصوص المتقدمة وإن كانت مختصة بما ذكر ، لكن حديث : « لا تعاد الصلاة » شامل لصورة الذكر في الأثناء ، ولا مانع من التعويل عليه. ويأتي في المسألة السادسة من ختام خلل الصلاة ما له نفع في المقام. فما في محكي كشف اللثام من الجزم بالصحة في محله ، وإن كان في بعض أدلته عليها نظر.
[2] وهو بعض ما اشتمل عليه صحيح زرارة السابق عن أبي جعفر علیه السلام : « قال : إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثمَّ صل العصر فإنما هي أربع مكان
في الأثناء عدل ، من غير فرق في الصورتين بين كونه في الوقت المشترك أو المختص [1]. وكذا في العشاء إن كان بعد الفراغ صحت ، وإن كان في الأثناء عدل مع بقاء محل العدول - على ما ذكروه - لكن من غير فرق بين الوقت المختص والمشترك أيضاً. وعلى ما ذكرنا يظهر فائدة الاختصاص فيما إذا
أربع » (1). ونسب في الجواهر القول به إلى نادر لا يقدح خلافه ، وفي غيرها إلى المفاتيح. وعن الأردبيلي : « انه حسن لو كان به قائل » ، ويظهر منه عدم العثور على قائل به. بل عن بعض دعوى الاتفاق على خلافه. وعليه يشكل الاعتماد عليه ، بل لو بني على العمل بما أعرض عنه الأصحاب لحصل لنا فقه جديد ، فالمتعين تأويله أو طرحه ، وإن كان يعضده مضمر الحلبي قال : « سألته عن رجل نسي أن يصلي الأولى حتى صلى العصر ، قال (عليه السلام) : فليجعل صلاته التي صلى الأولى ثمَّ ليستأنف العصر » (2). وربما يتوهم معارضته بصحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلى العصر. قال : كان أبو جعفر (عليه السلام) ، أو كان أبي يقول : إن أمكنه أن يصليها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها وإلا صلى المغرب ثمَّ صلاها » (3). وفيه : أن مورده الذكر خارج الوقت.
[1] لإطلاق الأدلة. مضافاً - في الصورة الثانية - إلى أن نية العدول في الأثناء تكشف عن كونها السابقة في وقت اختصاصها ، فلا
مضى من أول الوقت مقدار أربعَ ركعات فحاضت المرأة ، فإن اللازم حينئذ قضاء خصوص الظهر [1]. وكذا إذا طهرت من الحيض ولم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات ، فان
فوات للوقت على تقدير القول بالاختصاص. وفيه : أن موضوع الأدلة المتقدمة هو الصلاة الصحيحة من جميع الجهات عدا حيثية الترتيب ، فاذا كانت باطلة لفقد شرط الوقت - ولو بوقوعها بتمامها في الوقت المختص بصاحبتها - لا تكون مشمولة للأدلة ، كما لو كانت باطلة لفقد جزء أو شرط ركني غير الترتيب ، أو وجود مانع ، فالتمسك بالإطلاق في غير محله ، كدعوى كون نية العدول تكشف عن كونها المعدول إليها من أول الأمر ، لعدم الدليل عليها ، بل ظاهر الأدلة خلافها ، وأنها بالنية تنقلب إلى المعدول إليها كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر ضعف ما في الشرائع من التفصيل بين الصورتين ، حيث بنى على بطلان اللاحقة لو أتى بها في الوقت المختص بالسابقة ، وإطلاق جواز العدول لو ذكره في الأثناء.
[1] المرأة إما أن تعلم حين الزوال بطروء الحيض عليها بعد مضي مقدار أربع ركعات ، وإما أن تجهل ذلك فيفاجئها الحيض في الوقت المذكور فان علمت ذلك فلا إشكال في وجوب أداء خصوص الظهر بناء على الاختصاص ، لدخول وقتها ، وعدم دخول وقت العصر إلا في حال الحيض. وكذا على الاشتراك لو بني على اعتبار الترتيب في العصر ، فإنه حينئذ لا يجب فعل العصر لعدم صحتها لفقد الشرط. أما بناء على سقوط اعتباره فيها لقصور أدلة اعتباره عن شمول الفرض ، أو لقاعدة الميسور ، فيقع التزاحم بين الفريضتين فيحتمل التخيير بينهما ، ويحتمل تعين الظهر لاحتمال أهميتها ، ولا سيما لو كان المستند في عدم اعتبار الترتيب قاعدة الميسور ،
اللازم حينئذ إتيان العصر فقط [1]. وكذا إذا بلغ الصبي ولم يبق إلا مقدار أربع ركعات ، فان الواجب عليه خصوص العصر فقط. وأما إذا فرضنا عدم زيادة الوقت المشترك عن أربع ركعات فلا يختص بإحداهما ، بل يمكن أن يقال بالتخيير
إذ يبعد أن تكون العصر الناقصة مساوية في الأهمية للظهر التامة كما لا يخفى. وعلى كل حال فإذا أدت الظهر لم يبعد وجوب قضاء العصر حينئذ ، لأن وجوبها في أول الوقت يوجب صدق الفوت على تركها ، وإن كان المكلف معذوراً في تركها من جهة المزاحمة بالظهر. نعم لو قلنا ببقاء اعتبار الترتيب في هذه الحال لم يجب القضاء ، لاستناد فوات العصر حينئذ إلى وجود الحيض ، ومثله لا يوجب القضاء كما تقدم. ومن ذلك تعرف حكم ما لو فاجأها الحيض بعد مضي مقدار أداء الظهر ، ولم تكن قد صلّتها ، وأنه على تقدير اعتبار الترتيب في العصر تقضي الظهر لا غير سواء أقلنا بالاختصاص أم الاشتراك. وكذا على تقدير عدم اعتباره بناء على الاختصاص. أما بناء على الاشتراك فلا يبعد وجوب قضائهما معاً ، لصدق الفوت بالنسبة الى كل منهما في عرض الأخرى ، ومجرد عدم إمكان فعلهما معاً لا يوجب كون الصدق عليهما على البدل ، كي يلزم قضاء إحداهما تخييراً. وكذا الحكم فيما لو علمت قبل الوقت بالحيض في الوقت المذكور ولم تؤد عصياناً.
[1] هذا على الاختصاص ، وأما على الاشتراك : فيجري فيه الكلام السابق في أول المسألة ، إلا أن يستفاد من النصوص الواردة في الحائض لو طهرت في آخر الوقت (1)، فيكون عليها أداء العصر ، وقضاؤها على تقدير تركها ، وليس عليها قضاء الظهر.
1) راجع الوسائل باب : 49 من أبواب الحيض.
بينهما [1] ، كما إذا أفاق المجنون الأدواري في الوقت المشترك مقدار أربع ركعات [2] ، أو بلغ الصبي في الوقت المشترك ثمَّ جنّ أو مات بعد مضي مقدار أربع ركعات ، ونحو ذلك.
( مسألة 4 ) : إذا بقي مقدار خمس ركعات إلى الغروب قدم الظهر [3] ، وإذا بقي أربع ركعات أو أقل قدم العصر [4] وفي السفر إذا بقي ثلاث ركعات قدم الظهر ، وإذا بقي ركعتان قدم العصر. وإذا بقي إلى نصف الليل خمس ركعات قدم المغرب ، وإذا بقي أربع أو أقل قدم العشاء [5]. وفي السفر
[1] قد عرفت وجهه ، كما عرفت وجه تعيين الظهر.
[2] يعرف حكم ما لو أفاق المجنون بمقدار أربع ركعات أول الزوال أو قبل الغروب ، أو فيما بينهما مما سبق. وكذا حكم ما لو بلغ الصبي أول الوقت أو في الأثناء ثمَّ جن أو مات. فلاحظ وتأمل.
[3] قد عرفت سابقاً أنه يكفي في إثبات ما ذكر كون أداء الظهر من قبيل سائر الشرائط المعتبرة في العصر التي يجب مزاحمتها بها عند إمكان ركعة منها. لكنه لا يخلو من تأمل ، لاحتمال سقوط الشرطية في الضيق. فالعمدة في ذلك وقوع المزاحمة بين فعل الظهر مع إدراك ركعة من العصر ، وبين فعل العصر بتمامها في الوقت ، والأول أهم فيجب.
[4] ولو قلنا بالاشتراك ، لاستفادة ذلك من نصوص الاختصاص بعد حملها على الاشتراك.
[5] لأنه بخروج الوقت المشترك صارت المغرب قضاء ، وفعلها قضاء ليس شرطاً في صحة العشاء ، فلا وجه لمزاحمتها بالمغرب ، فدليل وجوب إيقاع تمام العشاء في وقتها لا معارض له.
إذا بقي أربع ركعات قدم المغرب [1] ، وإذا بقي أقل قدم العشاء [2]. ويجب المبادرة إلى المغرب بعد تقديم العشاء إذا بقي بعدها ركعة أو أزيد ، والظاهر أنها حينئذ أداء [3] ، وإن كان الأحوط عدم نية الأداء والقضاء.
( مسألة 5 ) : لا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة [4]. ويجوز العكس ، فلو دخل في الصلاة بنية الظهر ثمَّ تبين له في الأثناء أنه صلاها ، لا يجوز له العدول إلى العصر. بل يقطع ويشرع في العصر. بخلاف ما إذا تخيل أنه صلى الظهر فدخل في العصر ، ثمَّ تذكر أنه ما صلى الظهر ، فإنه يعدل إليها.
[1] لما تقدم في أول المسألة.
[2] لأن فعل المغرب يوجب تفويت العشاء بالمرة ، ولا يكون مقدمة لها ، كي يجري فيه ما سبق.
[3] هذا مبني على ما سبق من أن اختصاص الآخر باللاحقة يختص بصورة عدم أدائها ، ومع أدائها بوجه صحيح يكون الوقت مشتركاً بينهما فمع أداء العشاء في الفرض ، يكون مقدار الركعة وقتاً للمغرب ، فتجب المبادرة إلى فعلها فيه أداء. ومنه يظهر أنه لم يتضح الوجه فيما قد يظهر من العبارة من جزمه بوجوب المبادرة إلى المغرب في الفرض وعدم جزمه بكونها أداء.
[4] لأن صحة العدول مطلقاً على خلاف القاعدة ، لأن في انقلاب الصلاة المأتي بها لأمرها إلى صلاة أخرى غير منوية ، ولا نوى أمرها ، مخالفة لما دل على اعتبار نية الفعل عن أمره في العبادات ، فاذا دل عليه دليل في مورد وجب الاقتصار عليه ، والرجوع في غيره إلى القاعدة المقتضية
( مسألة 6 ) : إذا كان مسافراً وقد بقي من الوقت أربع ركعات ، فدخل في الظهر بنية القصر ثمَّ بدا له الإقامة فنوى الإقامة بطلت صلاته ، ولا يجوز له العدول إلى العصر فيقطعها ويصلي العصر. وإذا كان في الفرض ناوياً للإقامة فشرع بنية العصر لوجوب تقديمها حينئذ ثمَّ بدا له فعزم على عدم الإقامة ، فالظاهر أنه يعدل بها إلى الظهر قصراً (1).
( مسألة 7 ) : يستحب التفريق بين الصلاتين المشتركتين في الوقت (2) كالظهرين والعشاءين. ويكفي مسماه. وفي الاكتفاء به بمجرد فعل النافلة وجه ، إلا أنه لا يخلو عن إشكال.
للمنع. ومورد نصوص جواز العدول هو العدول من اللاحقة إلى السابقة ، فلا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة. ومن ذلك يظهر وجه الحكم في المسألة اللاحقة.
[1] هذا لا يخلو عن إشكال ، لقصور الدليل عن شموله واختصاصه بغيره ، مما كان المعدول اليه مكلفا به قبل الشروع في المعدول منه. اللّهم إلا أن يستفاد العموم بإلغاء خصوصيته عرفاً. فلاحظ.
[2] كما نسب الى المشهور ، بل في الذكرى : « انه كما علم من مذهب الإمامية جواز الجمع بين الصلاتين مطلقاً ، علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص والمصنفات بذلك ». ويدل عليه ما في الذكرى نقلا عن كتاب عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كان في السفر يجمع بين المغرب والعشاء ، والظهر والعصر وإنما يفعل ذلك إذا كان مستعجلا. قال : وقال (عليه السلام) : وتفريقهما أفضل » (1)
1) الوسائل باب : 31 من أبواب المواقيت حديث : 7.
ورواية معاوية بن ميسرة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إذا زالت الشمس في طول النهار للرجل أن يصلي الظهر والعصر؟ قال (عليه السلام) : نعم ، وما أحب أن يفعل ذلك في كل يوم » (1)، ورواية زرارة : « أصوم فلا أقيل حتى تزول الشمس ، فاذا زالت صليت نوافلي ثمَّ صليت الظهر ، ثمَّ صليت نوافلي ، ثمَّ صليت العصر ، ثمَّ نمت ، وذلك قبل أن يصلي الناس فقال (عليه السلام) : يا زرارة إذا زالت الشمس فقد دخل الوقت ، ولكني أكره لك أن تتخذه وقتاً دائماً » (2).
لكن ظاهر الروايتين الأخيرتين كراهة المداومة على ذلك لا فضل التفريق في كل يوم ، وحينئذ فمن القريب أن تكون تلك الكراهة لجهة راجعة إلى معاوية وزرارة خوفاً عليهما ، ففي رواية سالم أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سأله إنسان وأنا حاضر - فقال : ربما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلون العصر وبعضهم يصلي الظهر. فقال (عليه السلام) : أنا أمرتهم بهذا ، لو صلوا على وقت واحد عرفوا فأخذوا برقابهم » (3). ولو سلمت دلالتهما كانت مع الأول معارضة لما دل على استحباب التعجيل والمسارعة ، مما تقدمت الإشارة إليه في مسألة وقت فضيلة الظهرين ، فرفع اليد به عنها لا يخلو من إشكال لو لا الشهرة المحكية على العمل بها. إلا أن يقال : إن نسبتها الى ذلك نسبة الخاص الى العام فيخصص بها ، بل قد يقال : بحكومتها عليه لأنها تجعل الخير هو الصلاة المفرقة لا الموصولة. فتأمل. وعليه فلا بأس بالاكتفاء في حصول التفريق بمجرد فعل النافلة ، لما دل على أن الجمع بين
الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع ، فاذا كان بينهما تطوع فلا جمع (1). نعم لو كان المستند في استحباب التفريق رواية زرارة كان اللازم عدم الاكتفاء به.
والتحقيق : أن نصوص التفريق المذكورة - عدا رواية ابن سنان المتقدمة عن الذكرى - وكذلك النصوص الكثيرة التي عقد لها في الوسائل بابين : باب جواز الجمع بين الصلاتين في وقت واحد جماعة وفرادى لعذر (2)، وباب جواز الجمع بين الصلاتين بغير عذر أيضاً (3)، فإنها بأجمعها تدل على أن الجمع خلاف الوظيفة الأولية جاز لعذر ولغير عذر ، بل لمجرد التوسيع على الأمة ، لكن لا من حيث كونه جمعاً يقابل التفريق ، بل من حيث كونه إيقاعاً للصلاة الثانية قبل وقت فضيلتها. ( وبالجملة ) : مفهوم الجمع مقابل التفريق ، غير مفهوم التعجيل مقابل انتظار وقت الفضيلة والنصوص إنما تدل على مرجوحية الثاني لا الأول ، فمن شرع في الصلاة الأولى في أول وقتها وجاء بها على الوجه الأكمل حتى دخل وقت الفضيلة للثانية فشرع فيها ، كان مؤدياً للأفضل ، وإن كان قد جمع بين الصلاتين ولم يفرق بينهما ، فالجمع المفضول هو التعجيل بالثانية قبل وقت فضيلتها لا مجرد الوصل بين الصلاتين.
ومن ذلك تعرف أنه بناء على دخول وقت فضيلة العصر بالزوال - كما اختاره المصنف (رحمه اللّه) - لا مجال للحكم باستحباب التفريق في الظهرين بهذا المعنى ، ولا بد له من حمل النصوص المذكورة على المعنى الأول.
( مسألة 8 ) : قد عرفت أن للعشاء [1] وقت فضيلة ، وهو من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل ، ووقتا إجزاء من الطرفين وذكروا : أن العصر أيضاً كذلك فله وقت فضيلة وهو من المثل إلى المثلين ، ووقتا إجزاء من الطرفين ، لكن عرفت نفي البعد في كون ابتداء وقت فضيلته هو الزوال. نعم الأحوط في إدراك الفضيلة الصبر إلى المثل [2].
( مسألة 9 ) : يستحب التعجيل في الصلاة [3] في وقت الفضيلة وفي وقت الاجزاء ، بل كلما هو أقرب إلى الأول يكون أفضل إلا إذا كان هناك معارض كانتظار الجماعة [4] أو نحوه.
كما أنه بناء على تأخر فضيلة العصر يمكن حمل رواية ابن سنان المتقدمة على المعنى الثاني. لكنه بعيد. فيكون استحباب التفريق غير استحباب المحافظة على وقت الفضيلة.
[1] قد تقدم الكلام في هذه المسألة والمسألة اللاحقة. فراجع.
[2] كون الأحوط ذلك غير ظاهر ، لما عرفت من القول بالتقدير بالذراع والذراعين الذي سبق أنه أقرب في مقام الجمع بين النصوص ، فان انتظار المثل يوجب خروج وقت الفضيلة.
[3] قد تقدم ما يدل على ذلك في مبحث وقت الفضيلة للعصر. وقد عقد في الوسائل ، باب استحباب الصلاة في أول الوقت (1)، وذكر فيه روايات كثيرة دالة على استحباب التعجيل ، ذكرنا بعضها في المبحث المتقدم.
[4] كما سيأتي وجهه في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الآتي.
1) وهو باب : 3 من أبواب المواقيت.
( مسألة 10 ) : يستحب الغلس بصلاة الصبح [1] ، أي : الإتيان بها قبل الاسفار في حال الظلمة.
( مسألة 11 ) : كل صلاة أدرك من وقتها في آخره مقدار ركعة فهو أداء ، ويجب الإتيان به [2] ، فان من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت ، لكن لا يجوز التعمد في التأخير إلى ذلك.
[1] كما يقتضيه ظاهر النصوص ، ففي مصحح إسحاق بن عمار قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر. فقال (عليه السلام) : مع طلوع الفجر .. » (1)، ورواية زريق عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « أنه كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أول ما يبدو قبل أن يستعرض .. » (2). ونحوهما غيرهما.
[2] كما هو المعروف ، وعن التذكرة والمدارك : أنه إجماعي. وعن المنتهى : لا خلاف فيه بين أهل العلم. وقد يستشعر الخلاف في ذلك أو يستظهر من الحلي في السرائر أو غيره. لكنه - لو سلم - لا يقدح في دعوى الإجماع ، ولا سيما مع شهادة النصوص به ، ففي خبر الأصبغ بن نباتة : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة » (3)، وموثق عمار : « فان صلى ركعة من الغداة ثمَّ طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته » (4). ونحوه حديثه الآخر (5)مع زيادة قوله (عليه السلام) :
« وإن طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة فليقطع الصلاة ، ولا يصلي حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها » ، والنبوي المرسل في الذكرى : « من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر » (1)والآخر : « من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة » (2).
نعم قد يستشكل في دلالة النصوص المذكورة. أما في الأخير : فلأن الظاهر منه إدراك المأموم ركعة من صلاة الإمام ، فلاحظ آخر الباب المعقود في الوسائل لهذا العنوان في كتاب الجماعة (3). وأما ما قبله - ولا سيما الموثق - : فظاهر في من صلى ركعة بقصد الإتيان بالصلاة تامة ثمَّ خرج الوقت ، لا من لم يصل وقد بقي من وقت صلاته مقدار ركعة ، لأن الظاهر من إدراك الصلاة فعلها. مضافاً الى اختصاصها بالغداة والعصر نعم لو كانت العبارة : « من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت » كان المراد مقدار ركعة منه ، فيصدق قبل تحقق الركعة. لكن الروايات التي ذكرناها لفظها الأول لا غير. نعم روى العبارة الثانية في المدارك (4)ولم تثبت.
اللّهم إلا أن يقال : المراد من الإدراك ما يقابل الفوت ، ومع بقاء مقدار ركعة من الوقت يصدق الفوت بالإضافة الى ما زاد على الركعة ، ولا يصدق بالإضافة إليها. وإذ لم يصدق لا بد أن يصدق الإدراك فيكفي في تحقق الإدراك القدرة على المدرك لا غير. فتأمل. فإذا ثبت الحكم .
1) الوسائل باب : 30 من أبواب المواقيت حديث : 5.
2) الوسائل باب : 30 من أبواب المواقيت حديث : 4.
3) لم تعثر في الوسائل في أبواب صلاة الجماعة على باب بهذا العنوان. نعم في آخر باب : 49 من أبواب صلاة الجماعة حديث يتضمن ذلك إذ فيه : ( إذا جئتم إلى الصلاة ونحن في السجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ، ومن إدراك الركعة فقد أدرك الصلاة ).
4) راجع المدارك في البحث عن هذه المسألة.
( مسألة 1 ) : وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع ، والعصر إلى الذراعين [1]
في الغداة ثبت في غيرها ، لعدم القول بالفصل ، ولا يهم حينئذ دفع المناقشات الباقية.
ثمَّ إن الظاهر من النص والفتوى تنزيل الصلاة الواقع منها في الوقت ركعة منزلة الصلاة الواقع تمامها فيه ، ومقتضاه ترتيب أحكامها عليها ، لا تنزيل خارج الوقت المساوي لثلاث ركعات مثلا منزلة نفس الوقت ، ليكون مفاده ترتيب أحكامه عليه. فلاحظ.
فصل في أوقات الرواتب
[1] كما هو المشهور. لما في رواية إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قال : قلت : لم؟ قال (عليه السلام) : لمكان الفريضة ، لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه » (1). وقريب منها روايته الأخرى (2)وصحاح زرارة (3). وموثق عمار : « فان مضى قدمان قبل أن يصلي ركعة بدأ بالأولى ولم يصل الزوال إلا بعد ذلك
وللرجل أن يصلي من نوافل العصر ما بين الأولى الى أن يمضي أربعة أقدام فإذا مضت الأربعة أقدام ولم يصل من النوافل شيئاً فلا يصل النوافل » (1)الى غير ذلك.
وعن جماعة من الأساطين - منهم الشيخ في الخلاف ، والفاضلان في المعتبر والتبصرة ، والمحقق والشهيد الثانيان في جامع المقاصد والروض والروضة : الامتداد الى المثل والمثلين. واستدل لهم بإطلاق أدلة النوافل وبما استفاض من : أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر ، إلا أن بين يديها سبحة ، وذلك إليك إن شئت طولت وإن شئت قصرت (2). بل في بعضها التصريح بنفي القدم والقدمين (3). وبما دل على أن حائط مسجد النبي (صلی اللّه عليه وآله) قامة ، فإذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر ، وإذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر (4)، بناء على أن المراد من القامة الذراع ، كما في جملة من النصوص (5). وبالمنقول عن المعصومين (عليهم السلام) من فعل نافلة العصر متصلة بها (6). بناء على أن وقت الفضيلة بعد المثل وبأنه الحكمة في توسعة وقت الفضيلة إلى المثل والمثلين.
والجميع لا يخلو من إشكال. إذ الإطلاق - مع أنه مقيد بأخبار الذراع - يقتضي الامتداد إلى الأكثر من المثل والمثلين. وكذا حال المستفيض مع أن التأمل فيه يقتضي أن يكون مساقاً لنفي الانتظار الى القدم والقدمين
1) الوسائل باب : 40 من أبواب المواقيت حديث : 1.
2) راجع الوسائل باب : 5 من أبواب المواقيت.
3) الوسائل باب : 5 من أبواب المواقيت حديث : 13.
4) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 3 و 7 و 10 و 27 و 28.
5) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 14 و 15 و 26 و 34.
6) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 24.
لا امتداد وقت النافلة. فلاحظ ما في رواية ابن مسكان : « كنا نقيس الشمس في المدينة .. » (1)، بل قد يشعر به قوله (عليه السلام) : « إن شئت طولت وإن شئت قصرت » ، ولم يعبر بقوله : « إن شئت قدمت وإن شئت أخرت ». وقد عرفت الإشكال في حمل القامة على الذراع ، وأنه مما تشهد القرائن القطعية بخلافه. فلاحظ ما في رواية يعقوب بن شعيب من قوله (عليه السلام) : « ذراعاً من فيئك » (2)، وقوله (عليه السلام) في رواية زرارة « فإذا بلغ فيؤك ذراعاً » (3)، وغيرهما. وما أبعد ما بين هذا وبين إرجاع أخبار القامة والقامنين الى الذراع والذراعين من ظل قامة الإنسان ، كما هو ظاهر خبر علي بن حنظلة : « القامة والقامتان : الذراع والذراعان » (4)ونحوها رواية علي بن أبي حمزة (5). وإن كان هو أيضاً لا يتم في جملة من النصوص التي جمعت بين التعبير بالقامة والذراع ، مثل صحيح زرارة وغيره : « إن حائط مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كان قامة فإذا مضى منه ذراع .. » (6). وفعل المعصوم - مع أنه لا يثبت الامتداد إلى نهاية المثل - قد عرفت ضعف مبني الاستدلال به ، بل الثابت من فعل النبي (صلی اللّه عليه وآله) خلافه. ومنه يظهر الإشكال في الأخير كما سبق في مسألة تعيين وقت الفضيلة للعصر. فالقول المذكور غير ظاهر.
وأما القول الأول المشهور : فالظاهر من نصوصه أن المنع من فعل
النافلة عند انتهاء الذراع والذراعين عرضي من جهة المزاحمة بفضيلة الفريضة لا انتهاء وقت النافلة ، ومن المعلوم أن التعليل بذلك لا يقتضي انتفاء المشروعية بانتهاء الوقت ، فليس في فعل النافلة عند انتهاء القدر المعين إلا تفويت فضيلته ، وذلك لا يقتضي المنع عن فعل النافلة ، ولا عدم صحتها أداء.
ولعل هذا هو المراد من القول الثالث المنسوب إلى الحلبي - وإن قال في المدارك : « انه مجهول القائل » - من امتداد وقت النافلة بامتداد وقت إجزاء الفريضة. وحينئذ لا حاجة الى التمسك لإثباته بما دل على أن النافلة بمنزلة الهدية متى ما أتي بها قبلت (1). مع أنه لا يصلح لإثبات كونها أداء ، وإنما يصلح لإثبات صحتها لا غير ، وهو مما لا يحتاج في إثباته إلى التمسك بهذا ونحوه ، بل هو من الوضوح بمكان بناء على جواز التطوع في وقت الفريضة. مع أن في تلك النصوص ما يظهر منه كون الصحة لا بعنوان الأداء ، مثل رواية القاسم بن الوليد الغساني عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « قلت له : جعلت فداك صلاة النهار صلاة النوافل في كم هي؟ قال علیه السلام : ست عشرة ركعة في أي ساعات النهار شئت أن تصليها صليتها ، إلا أنك إذا صليتها في مواقيتها أفضل » (2).
وبالجملة : إن كان الكلام في تعيين الوقت الذي يفضل فيه فعل النافلة على الفريضة ، فلا ينبغي التأمل في تعين أخبار الذراع والذراعين للمرجعية. وإن كان الكلام في تعيين الوقت الذي يجوز فيه فعل النافلة عما لا يجوز ، فالمرجع فيه أيضاً تلك الأخبار ، بضميمة ما دل على جواز التطوع في وقت الفريضة وعدم جوازه. وإن كان الكلام في تعيين ما تكون
أي : سبعي الشاخص وأربعة أسباعه ، بل إلى آخر وقت إجزاء الفريضتين على الأقوى ، وإن كان الأولى بعد للذراع تقديم الظهر ، وبعد الذراعين تقديم العصر ، والإتيان بالنافلتين بعد الفريضتين. فالحدان الأولان للأفضلية ، ومع ذلك الأحوط بعد الذراع والذراعين عدم التعرض لنية الأداء والقضاء في النافلتين.
( مسألة 2 ) : المشهور عدم جواز تقديم نافلتي الظهر والعصر [1]
فيه أداء عما تكون فيه قضاء ، فالمرجع إطلاق أدلتها أو استصحاب بقاء الوقت. نعم في إحدى روايتي إسماعيل الجعفي التعليل بقوله (عليه السلام) : « لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه » (1)، والظاهر منه خروج وقت النافلة في الذراع. لكن لا بد من حمله على غيره ، فيراد من الوقت : الوقت الذي يرجح فيه فعل النافلة على الفريضة. فتأمل جيداً.
[1] كما يقتضيه ظاهر كثير من النصوص ، كصحيح ابن أذينة عن عدة أنهم سمعوا أبا جعفر (عليه السلام) يقول : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلي من النهار شيئاً حتى تزول الشمس ، ولا من الليل بعد ما يصلي العشاء حتى ينتصف الليل » (2)، وصحيح زرارة عنه (عليه السلام) : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) لا يصلي من الليل شيئاً إذا صلى العتمة حتى ينتصف الليل ، ولا يصلي من النهار حتى تزول الشمس » (3)، بل دلالة النصوص عليه في غاية من .
الوضوح ، حتى عبر عنها فيها بالزوال وصلاة الزوال.
وعن جماعة : جوازه مطلقاً ، منهم الشهيد في الذكرى والأردبيلي والسيد في المدارك ، لجملة من النصوص ، كرواية محمد بن عذافر : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى ما أتي بها قبلت فقدم منها ما شئت وأخر منها ما شئت » (1)، ورواية عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : اعلم أن النافلة بمنزلة الهدية متى ما أتي بها قبلت » (2)، ونحوهما غيرهما.
وعن التهذيب : الجواز لمن خاف الفوت ، لرواية محمد بن مسلم قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشتغل عن الزوال أيعجل من أول النهار؟ قال (عليه السلام) : نعم إذا علم أنه يشتغل فيعجلها في صدر النهار كلها » (3)، ورواية إسماعيل بن جابر : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني أشتغل. قال (عليه السلام) : فاصنع كما نصنع صلّ ست ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها من صلاة العصر ، يعني : ارتفاع الضحى الأكبر ، واعتد بها من الزوال » (4).
هذا ولو لا إعراض المشهور عن النصوص الأول تعين العمل بها ، ولا مجال للبناء على تقييدها بالنصوص الأخيرة ، لإبائها عن ذلك. اللّهم إلا أن يحتمل كون الاعراض للبناء على معارضتها لما سبق ، فلا يكون قادحاً في الحجية. هذا ولو بني على العمل بها كان اللازم البناء على كون التقديم من باب التعجيل لا أداء وقضاء ، فلاحظها وتأمل.
في غير يوم الجمعة [1] على الزوال وإن علم بعدم التمكن من إتيانهما بعده. لكن الأقوى جوازه فيهما ، خصوصاً في الصورة المذكورة.
( مسألة 3 ) : نافلة يوم الجمعة عشرون ركعة [2] ، والأولى تفريقها بأن يأتي ستاً عند انبساط الشمس ، وستاً عند ارتفاعها ، وستاً قبل الزوال وركعتين عنده [3].
( مسألة 4 ) : وقت نافلة المغرب من حين الفراغ من الفريضة إلى زوال الحمرة المغربية [4].
[1] فإنه يجوز فيه التقديم ، للنصوص المصرحة به.
[2] كما تقدم.
[3] هذا ذكره المشهور ، وليس عليه دليل ظاهر ، بل ظاهر النصوص خلافه ، ففي صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) : « قال : النوافل في يوم الجمعة ست ركعات بكرة ، وست ركعات ضحوة ، وركعتين إذا زالت الشمس ، وست ركعات بعد الجمعة » (1)، ونحوه غيره. نعم في رواية سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : « ست ركعات بكرة ، وست بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة ، وست ركعات بعد ذلك ثمان عشرة ركعة ، وركعتان بعد الزوال فهذه عشرون ركعة » (2)وفي دلالتها على ما ذكر خفاء.
[4] كما هو المشهور عن جماعة ، وعن المعتبر : نسبته إلى علمائنا ، وفي المدارك : « انه مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفاً ». وليس عليه
( مسألة 5 ) : وقت نافلة العشاء وهي الوتيرة - يمتد بامتداد وقتها [1].
دليل ظاهر. نعم استدل له بالأخبار المتضمنة أن المفيض من عرفات إذا صلى العشاء بالمزدلفة يؤخر النافلة إلى ما بعد العشاء (1). وبما ورد من أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) كان يصلي المغرب ثلاثاً وبعدها أربعاً ، ثمَّ لا يصلي شيئاً حتى يسقط الشفق ، فاذا سقط صلى العشاء الآخرة (2)، وبأن سائر النوافل لا يمتد وقتها بامتداد وقت الفريضة ، فمن المستبعد أن لا تكون نافلة المغرب كذلك ، والجميع كما ترى. إذ الأول لعله لاستحباب الجمع بين الصلاتين في خصوص المورد. وفعل النبي (صلی اللّه عليه وآله) لو تمَّ دليلاً لدل على أن وقتها بعد المغرب بلا فصل قبل ذهاب الشفق. والاستبعاد - مع أنه ليس بحجة - لا يقتضي التحديد بذلك. والاعتماد على تحديد الأصحاب لو صح لم يحتج إلى التمسك بالاستبعاد. ولذلك اختار أو مال إلى امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة فيما عن الذكرى ، والدروس ، والحبل المتين ، وكشف اللثام ، والذخيرة ، وغيرها. وفي المدارك : « انه متجه ، تمسكاً بإطلاق أدلة المشروعية ». اللّهم إلا أن يتمسك للأول بما دل على النهي عن التطوع في وقت الفريضة (3)، بناء على أن المراد من وقت الفريضة وقت الفضيلة كما هو غير بعبد ، لكنه لا يدل على التوقيت ، بل على مجرد المنع من النافلة ، أو ترجيح الفريضة لا غير على الخلاف الآتي.
[1] وهو مذهب علمائنا كما عن المعتبر. وفي المنتهى بزيادة « أجمع » وعن الحدائق : ان ظاهرهم الإجماع عليه لإطلاق دليلها.
والأولى كونها عقيبها من غير فصل معتد به [1]. وإذا أراد فعل بعض الصلوات الموظفة في بعض الليالي بعد العشاء جعل الوتيرة خاتمتها [2].
( مسألة 6 ) : وقت نافلة الصبح بين الفجر الأول وطلوع الحمرة المشرقية [3].
[1] ففي الجواهر : « قد يقال بالبعدية العرفية في الوتيرة بالنسبة إلى صلاة العشاء ، لأنه المنساق بل المعهود ، فلا يجوز صلاة العشاء مثلاً في أول الوقت وتأخير الوتيرة من غير اشتغال بنافلة إلى قريب النصف أو طلوع الفجر بناء على امتداد الوقت اليه .. ». وحيث لم يتضح ما ذكر كان الأولى العمل على الإطلاق. نعم قد يستفاد من قولهم (عليهم السلام) : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر » (1)أفضلية المبادرة إليها قبل صدق البيتوتة ، واستفادة التوقيت منه بذلك لا يخلو من إشكال.
[2] كما عن الشيخين وأتباعهما. وعن جماعة : أنه المشهور. وليس له دليل ظاهر. نعم استدل له - كما عن الحدائق - برواية زرارة : « وليكن آخر صلاتك وتر ليلتك » (2). وفيه : أن الظاهر من الوتر صلاة الوتر لا الوتيرة. كما أنه قد يستدل له بصحيح زرارة وغيره : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر » (3). وفيه : أن الظاهر منه مجرد فعل الوتر سواء أكان المراد من البيات النوم أم الأعم.
[3] أما أن المبدأ الفجر الأول : فهو المحكي عن جماعة منهم السيد
والشيخ والمحقق. وليس له دليل ظاهر إلا خبر ابن مسلم : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أول وقت ركعتي الفجر. فقال (عليه السلام) : سدس الليل الباقي » (1)بناء على أن أول السدس هو الفجر الأول ، وصحيح عبد الرحمن ابن الحجاج : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : صلهما بعد ما يطلع الفجر » (2)، وصحيح يعقوب بن سالم البزاز : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : صلهما بعد الفجر » (3)بناء على رجوع الضمير إلى ركعتي الفجر ، وكون المراد من الفجر : الأول ، لئلا يلزم حمل الأمر على الرخصة أو التقية وكلاهما خلاف الأصل. لكن البناء الأول لا دليل عليه. وحمل الأمر على الرخصة قد يقتضيه الجمع العرفي بين الأمر المذكور وبين مثل مصحح زرارة قال : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ فقال علیه السلام : قبل طلوع الفجر فاذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة » (4). كما أن الحمل على التقية قد يقتضيه ما في رواية أبي بصير : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : متى أصلي ركعتي الفجر؟ فقال لي : بعد طلوع الفجر ، قلت له : إن أبا جعفر (عليه السلام) أمرني أن أصليهما قبل طلوع الفجر. فقال لي : يا أبا محمد إن الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمر الحق وأتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقية » (5).
وأما انتهاء وقتها بطلوع الحمرة المشرقية - كما هو المشهور ، وعن ظاهر الغنية والسرائر : الإجماع عليه - : فقد يستدل عليه بصحيح علي بن
ويجوز دسها في صلاة الليل [1] قبل الفجر ، ولو عند النصف [2] ، بل ولو قبله إذا قدم صلاة الليل عليه [3]
يقطين قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال علیه السلام : يؤخرهما » (1). وفي دلالته على التوقيت تأمل ظاهر. نعم هو ظاهر في المنع عنهما ، أو رجحان الفريضة على ما يأتي من الخلاف في التطوع في وقت الفريضة.
[1] كما هو المشهور. ويدل عليه النصوص ، كصحيح البزنطي : « سألت الرضا (عليه السلام) عن ركعتي الفجر. فقال (عليه السلام) : احش بهما صلاة الليل » (2). ونحوه المكاتبة التي رواها علي بن مهزيار إلى أبي جعفر علیه السلام (3)، وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « انهما من صلاة الليل » (4).
[2] ففي رواية زرارة : « إنما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة. ثمَّ إن شاء جلس فدعا ، وإن شاء نام ، وإن شاء ذهب حيث شاء » (5). ويقتضيه إطلاق ما دل على أنهما من صلاة الليل وجواز دسهما فيها (6).
[3] للإطلاق المذكور ، ولخبر أبي حريز بن إدريس القمي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) : « صلّ صلاة الليل في السفر من أول الليل في المحمل
إلا أن الأفضل إعادتها في وقتها [1].
( مسألة 7 ) : إذا صلى نافلة الفجر في وقتها أو قبله ونام بعدها يستحب إعادتها.
( مسألة 8 ) : وقت نافلة الليل ما بين نصفه والفجر الثاني [2].
والوتر وركعتي الفجر » (1). هذا ولا إطلاق في النصوص يقتضي جواز تقديمهما على النصف وإن لم يقدم صلاة الليل. كما أن إطلاق ما دل على جواز تقديمهما وحدهما على الفجر مقيد برواية ابن مسلم المتقدمة الدالة على أن أول وقتها السدس الأول (2). فلاحظ.
[1] كما عن الشيخ وجماعة ، لصحيح حماد بن عثمان : « قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : ربما صليتهما وعلي ليل فان قمت ولم يطلع الفجر أعدتهما » (3)، وموثق زرارة : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : إني لأصلي صلاة الليل وأفرغ من صلاتي وأصلي الركعتين وأنام ما شاء اللّه قبل أن يطلع الفجر فان استيقظت عند الفجر أعدتهما » (4). لكن مورد الروايتين النوم ، فاستحباب الإعادة مطلقاً لا يخلو من إشكال. إلا أن يعتمد فيه على الفتوى ، وتكون الروايتان هما الوجه في المسألة الآتية ، فإن إطلاقهما يقتضي عدم الفرق بين أن يصليهما بعد الفجر وقبله.
[2] إجماعاً كما عن الخلاف والمعتبر والمنتهى. وعن جماعة : نسبته إلى الأصحاب. وعن غيرهم : نفي الخلاف فيه. ويشهد له مرسل الفقيه :
والأفضل إتيانها في وقت السحر [1] ، وهو الثلث
« قال أبو جعفر (عليه السلام) : وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل إلى آخره » (1). وأما ما تضمن حكاية فعل النبي (صلی اللّه عليه وآله) وأنه كان يصلي بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة (2)، أو أنه كان لا يصلي من الليل شيئاً حتى ينتصف الليل (3)، فلا يدل على أن ما قبل النصف ليس وقتاً ، لجواز كون الحكاية في مقام بيان الأفضل.
وأما رواية سماعة : « لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوله إلى آخره إلا أن أفضل ذلك بعد انتصاف الليل » (4)، ومكاتبة الحسين بن علي ابن بلال : « كتبت إليه في وقت صلاة الليل. فكتب : عند زوال الليل وهو نصفه أفضل » (5)، ومكاتبة محمد بن عيسى : « روي عن جدك (عليه السلام) : أنه قال : لا بأس بأن يصلي الرجل صلاة الليل في أول الليل. فكتب (عليه السلام) في أي وقت صلى فهو جائز » (6)فهي ما بين مطروح أو محمول على العذر لما عرفت من الاتفاق على خلافها.
[1] كما هو المستفاد من النصوص الموقتة به ، كرواية الأعمش المروية في الخصال عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال (عليه السلام) فيها. « وثمان ركعات في السحر وهي صلاة الليل » (7). وفي رواية الفضل عن الرضا (عليه السلام)
1) الوسائل باب : 43 من أبواب المواقيت حديث : 2.
2) الوسائل باب : 43 من أبواب المواقيت حديث : 3.
3) الوسائل باب : 43 من أبواب المواقيت حديث : 1 و 4.
4) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 9.
5) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 13.
6) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 14.
7) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 25.
الأخير من الليل [1]. وأفضله القريب من الفجر [2].
المروية عن العيون : « وثمان ركعات في السحر » (1). وقريب منها ما في المروية عن العلل عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2).
[1] كما عن بعض وكأنه لأنه مقتضى الجمع بين النصوص المذكورة وبين ما دل على أن وقت صلاة الليل الثلث الأخير ، كرواية المروزي : « فإذا بقي ثلث من آخر الليل وظهر بياض .. الى أن قال (عليه السلام) : وهو وقت صلاة الليل » (3). وقد يستفاد أيضاً من صحيح إسماعيل : « وسألته عن أفضل ساعات الليل. فقال (عليه السلام) : الثلث الباقي » (4). لكن - مع أن الأخير قاصر الدلالة ، والأول قاصر السند - لا موجب للجمع بذلك ، بل من الجائز أن يكون السحر أقل من الثلث ، ويكون أفضل الثلث.
فالعمدة الرجوع الى كلمات اللغويين وغيرهم في معناه ، وكلماتهم لا تخلو من إجمال ، ففي بعضها : أنه آخر الليل ، وفي آخر : أنه قبيل الصبح ، وفي آخر : أنه قبل الصبح. نعم المحكي عن جماعة من الأكابر : أنه السدس الأخير ، بل عن بعض : نسبته الى ظاهر الأكثر ، وأنه لم يوجد أحد من المعتبرين من حدده بأكثر من ذلك. انتهى. فاذن العمل على ذلك متعين.
[2] إجماعاً كما عن الخلاف والمعتبر وظاهر التذكرة وحاشية المدارك وغيرها. ويدل عليه ما في رواية مرازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال :
« قلت له : متى أصلي صلاة الليل؟ قال (عليه السلام) : صلها آخر الليل » (1)وما في موثق سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وثمان ركعات في آخر الليل » (2)المحمولة كلها على الفضل. كما تشهد به رواية أبي بصير : « وأحب صلاة الليل إليهم آخر الليل » (3).
نعم. ما ذكره الأصحاب (رضي اللّه عنه) من اختلاف مراتب الفضل باختلاف القرب من الفجر - كما يقتضيه ظاهر قولهم : « كلما قرب من الفجر كان أفضل » - ليس عليه دليل ظاهر ، إلا ما قد يستشعر من الأخبار المذكورة. وكأنه لذلك عدل المصنف الى ما في المتن.
نعم ينافيهما جميعاً ما تقدمت الإشارة إليه مما تضمن أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) كان يصلي بعد ما ينتصف الليل ، أو أنه كان لا يصلي من الليل شيئاً حتى ينتصف الليل (4)، لظهوره في أنه (صلی اللّه عليه وآله) يصلي عند النصف. ومثله ما في صحيحي الحلبي ومعاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : من أنه (صلی اللّه عليه وآله) كان يصلي أربعاً ثمَّ ينام ما شاء ، ثمَّ يقوم فيصلي أربعاً ثمَّ ينام ما شاء ، ثمَّ يقوم فيوتر ، ثمَّ يصلي الركعتين (5). واحتمال كون ذلك من خصائصه - مع أنه ينافيه ظاهر الحكاية من الامام (عليه السلام) - مخالف لما في صحيح الحلبي من قوله (عليه السلام) : ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .
فلعل الأولى في الجمع : ما ذكره غير واحد من كون الأفضل التفريق
( مسألة : 9 ) : يجوز للمسافر والشاب الذي يصعب عليه نافلة الليل في وقتها تقديمها على النصف [1].
على النحو الذي يصنعه النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، ولو أريد الجمع فالأفضل أن يكون في آخر الليل. واللّه سبحانه أعلم.
[1] كما نسب إلى الأشهر والأكثر والمشهور. وعن الخلاف : الإجماع عليه. ويشهد له كثير من النصوص ، كموثق سماعة بن مهران : « أنه سأل أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن وقت صلاة الليل في السفر. فقال (عليه السلام) : من حين تصلي العتمة الى أن ينفجر الصبح » (1)، ورواية أبي حريز بن إدريس عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال : « قال : صل صلاة الليل في السفر أول الليل في المحمل والوتر وركعتي الفجر » (2)، ورواية محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن صلاة الليل أصليها أول الليل؟ قال (عليه السلام) : نعم إني لأفعل ذلك ، فإذا أعجلني الجمال صليتها في المحمل » (3)، وصحيح ليث قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة الليل في الصيف في الليالي القصار ، صلاة الليل في أول الليل؟ فقال (عليه السلام) : نعم نِعمَ ما رأيت ونِعمَ ما صنعت يعني : في السفر .. » (4). ونحوه صحيح يعقوب الأحمر بزيادة قوله : « ثمَّ قال (عليه السلام) : إن الشاب يكثر النوم فأنا آمرك به » (5).
وكذا كل ذي عذر [1] كالشيخ ، وخائف البرد أو الاحتلام ، والمريض. وينبغي لهم نية التعجيل لا الأداء [2].
نعم في جملة من النصوص التقييد بخوف الفوت ، أو خوف البرد أو كانت به علة (1). ومقتضى الجمع التقييد بذلك ، لا بما في المتن من الصعوبة ، إلا أن يكون سبباً في خوف الفوت. أو حمل التقييد على غير المسافر والشاب وحينئذ لا وجه للتقييد بالصعوبة. فلاحظ.
[1] كما هو المشهور كما عن الذكرى وجامع المقاصد. ويشهد له ما في صحيح ليث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « وسألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو في البرد فيعجل صلاة الليل والوتر في أول الليل؟ فقال (عليه السلام) : نعم » (2)، وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن خشيت أن لا تقوم في آخر الليل ، أو كانت بك علة ، أو أصابك برد ، فصل وأوتر من أول الليل في السفر » (3). ونحوه صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4).. الى غير ذلك. فما عن الحلي في السرائر من المنع ضعيف.
[2] كما هو الظاهر من النصوص ، كرواية ليث (5)، ويعقوب بن سالم (6)، وغيرهما ، المعبر فيها بالتعجيل ، فتكون الصلاة فاقدة لمصلحة
1) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 1 و 2 و 3 وملحق الحديث الخامس.
2) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 1.
3) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 2.
4) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 12.
5) تقدم ذكرها في التعليقة السابقة.
6) الوسائل باب : 44 من أبواب المواقيت حديث : 10.
( مسألة 10 ) : إذا دار الأمر بين تقديم صلاة الليل على وقتها أو قضائها فالأرجح القضاء [1].
وقتها ، شرعت كذلك لمصلحة أخرى ، لا أنها واقعة في وقتها ، وواجدة لمصلحته ، لتكون أداء ، كما يظهر من رواية سماعة المتقدمة (1)، فالمراد من الوقت فيها مجرد الزمان الذي يصح فيه الفعل لا غير ، إذ حملها على بقية النصوص أولى من العكس. فلاحظ.
[1] اتفاقاً كما عن كشف اللثام ، والرياض ، وظاهر المدارك ، والمفاتيح ويشهد له جملة وافرة من النصوص ، كصحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه علیه السلام : أنه قال : « قلت له : إن رجلا من مواليك من صلحائهم شكى إلي ما يلقى من النوم. وقال : إني أريد القيام بالليل فيغلبني النوم حتى أصبح فربما قضيت صلاتي في الشهر المتتابع والشهرين أصبر على ثقله. فقال (عليه السلام) : قرة عين واللّه قرة عين واللّه ، ولم يرخص في النوافل أول الليل. وقال (عليه السلام) : القضاء بالنهار أفضل » (2). وزاد في رواية الشيخ : « قلت : فان من نسائنا أبكاراً .. الى أن قال : فرخص لهن في الصلاة أول الليل إذا ضعفن وضيعن القضاء » (3). وفي صحيح محمد عن أحدهما : « الرجل من أمره القيام بالليل تمضي عليه الليلة والليلتان والثلاث لا يقوم فيقضي أحب إليك أم يعجل الوتر أول الليل؟ قال (عليه السلام) : لا بل يقضي وإن كان ثلاثين ليلة (4). وفي روايته الأخرى : « عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتى يمضي لذلك العشر والخمس عشرة فيصلي
( مسألة 11 ) : إذا قدمها ثمَّ انتبه في وقتها ليس عليه الإعادة [1].
( مسألة 12 ) : إذا طلع الفجر وقد صلى من صلاة الليل أربع ركعات أو أزيد أتمها مخففة [2].
أول الليل أحب إليك؟ قال (عليه السلام) : بل يقضي أحب إلي ، إني أكره أن يتخذ ذلك خلقاً ، وكان زرارة يقول : كيف يقضي صلاة لم يدخل وقتها إنما وقتها بعد نصف الليل » (1).
[1] لظهور النصوص في كون المعجل أداء للمأمور به ، وامتثالا لأمره فلا مجال للإعادة. ودعوى انصراف النصوص عن هذه الصورة ممنوعة.
[2] كما هو المشهور. وعن المدارك : أنه مذهب الأصحاب. وعن المصابيح : الإجماع عليه. ويشهد له خبر أبي جعفر الأحول محمد بن النعمان : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا كنت أنت صليت أربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع أو لم يطلع » (2). وضعفه - لو تمَّ - مجبور بالعمل.
هذا وظاهر النص والفتوى الإتمام على الترتيب الموظف ، لكن في خبر يعقوب البزاز قال : « قلت له : أقوم قبل الفجر بقليل فأصلي أربع ركعات ثمَّ أتخوف أن ينفجر الفجر أبدأ بالوتر أو أتم الركعات؟ فقال (عليه السلام) : لا بل أوتر وأخر الركعات حتى تقضيها في صدر النهار » (3). ولعل الأمر بفعل الوتر لأن يدركها في وقتها ، فلا يكون منافياً لما قبله. نعم
وإن لم يتلبس بها قدم ركعتي الفجر [1] ثمَّ فريضته ، وقضاها
ما في ذيله من تأخير قضاء الباقي الى صدر النهار مناف له. ومقتضى الجمع تقييد الأول بغير الصورة المفروضة.
ثمَّ إن اعتبار التخفيف محكي عن الأكثر ، بل مقتضى تقييد معقد الإجماع أو نفي الخلاف به عدم الخلاف فيه. والنص المتقدم خال عن التقييد به. نعم استدل له برواية إسماعيل بن جابر أو عبد اللّه بن سنان : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إني أقوم آخر الليل وأخاف الصبح. قال (عليه السلام) : اقرأ الحمد واعجل واعجل » (1)ولذلك فسر التخفيف - كما عن الدروس وغيره - بالاقتصار على الحمد. وفيه : أن مورد الرواية غير ما نحن فيه.
[1] كما هو المشهور. وفي المعتبر : « هو مذهب علمائنا ». ويقتضيه مفهوم الشرط في خبر الأحول المتقدم (2)- بناء على ظهوره في المنع - المعتضد بغيره كصحيح إسماعيل بن جابر « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أوتر بعد ما يطلع الفجر؟ قال (عليه السلام) لا » (3). ونحوه صحيح سعد بن سعد (4).
نعم صريح جملة من النصوص خلاف ذلك كصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن صلاة الليل والوتر بعد طلوع الفجر. فقال (عليه السلام) : صلها بعد الفجر حتى تكون في وقت تصلي الغداة في آخر وقتها ولا تعمد ذلك في كل ليلة. وقال (عليه السلام) : أوتر أيضاً بعد
ولو اشتغل بها أتم ما في يده [1] ، ثمَّ أتى بركعتي الفجر وفريضته ، وقضى البقية بعد ذلك.
فراغك منها » (1). ونحوه روايته الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2)وصحيح سليمان بن خالد عنه (عليه السلام) (3)، وخبر إسحاق بن عمار عنه (عليه السلام) (4). وعن الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر : العمل بها. والجمع بينها وبين ما سبق بالحمل على التخيير. قال في المعتبر - بعد ذكر الروايتين - : « واختلاف الفتوى دليل التخيير ». وعن جماعة من متأخري المتأخرين متابعتهم في ذلك.
والحمل على الرخصة قريب جداً ، بل لعل سياقها لا يقتضي أكثر من ذلك ، لورودها مورد توهم المنع. وصحيح إسماعيل ونحوه محمول على كون المنع لإدراك الأفضل ، نظير أخبار المنع عن التطوع في وقت الفريضة على ما سيأتي إن شاء اللّه. وحملها على الفجر الأول بعيد جداً ، كحملها على صورة التلبس بأربع ركعات. وكثرة النصوص المعارضة لها - لو سلمت - لا تقدح في حجيتها بعد إمكان الجمع العرفي ، وكذا الشهرة العظيمة على خلافها ، لإمكان أن يكون الوجه فيها اعتقاد التعارض وتعذر الجمع العرفي ومن ذلك أيضاً تعرف عدم قدح الموافقة للعامة والمخالفة للاحتياط. ومما ذكرنا تعرف مواقع التأمل في كلام شيخنا في الجواهر. فلاحظ.
[1] هذا ظاهر إذا كان قد صلى ركعة ، لعموم : « من أدرك ». أما لو لم يصل ركعة فينبغي أن يكون حكمه حكم ما لو لم يتلبس أصلا.
( مسألة 13 ) : قد مر أن الأفضل في كل صلاة تعجيلها [1] فنقول : يستثنى من ذلك موارد : ( الأول ) : الظهر والعصر لمن أراد الإتيان بنافلتهما [2] وكذا الفجر إذا لم يقدم نافلتها قبل دخول الوقت [3]. ( الثاني ) : مطلق الحاضرة لمن عليه فائتة [4]
[1] قد مر (1)الاستدلال له بما دل على حسن المسارعة والاستباق إلى المغفرة والخير ، وبصحيح زرارة : « أول الوقت أبداً أفضل ، فعجل الخير ما استطعت » ، وغير ذلك.
[2] إجماعاً ، ولما دل على الأمر بنافلتهما قبلهما.
[3] أما لو قدمها ، أو كانت الفريضة ليست بذات نافلة - كالظهرين في السفر - أو قدمها على الوقت - كالظهرين يوم الجمعة - فالأفضل أول الوقت ، كما يقتضيه العموم المتقدم ، والنصوص الخاصة بيوم الجمعة المعللة بذلك (2).
[4] للنصوص التي لأجلها قيل بالمضايقة في القضاء ، مثل صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت » (3)ونحوه غيره. ويعارضها صحيح ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال إن نام رجل أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة .. الى أن قال علیه السلام : وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثمَّ المغرب ثمَّ العشاء
وأراد إتيانها [1] ( الثالث ) : في المتيمم مع احتمال زوال العذر أو رجائه [2] ، وأما في غيره من الأعذار فالأقوى وجوب
الآخرة قبل طلوع الشمس » (1)ونحوه صحيح ابن سنان (2)، وصحيح أبي بصير عنه (عليه السلام) (3). وما في المتن مبني على حمل الأول على الفضل والثانية على الجواز. وهو غير ظاهر. وسيأتي الكلام فيه في مبحث القضاء إن شاء اللّه تعالى.
[1] لأن المستحب البدأة بالفائتة لا مجرد تأخير الحاضرة ، فإذا لم يرد فعل الفائتة استحب له المبادرة إلى الحاضرة.
[2] تقدم وجهه في مبحث التيمم في مسألة جواز التيمم في السعة ، كما تقدم فيها وفي غيرها أيضاً الوجه في أصالة عدم جواز البدار لأولي الأعذار.
ومحصله : أن المفهوم عرفاً من أدلة الأحكام الاضطرارية - ولو بمناسبة الحكم والموضوع - هو كون الحكم الاضطراري ثابتاً في ظرف عذر المكلف عقلا عن الحكم الاختياري ، وسقوطه عن مقام الفعلية أصلا ، وهو إنما يكون كذلك في ظرف استمرار العجز ، ولا يكفي في سقوطه مجرد العجز آناً ما. ولأجل ذلك لا يكون حال دليل الحكم الاضطراري بالإضافة إلى دليل الحكم الاختياري حال سائر الأدلة المخصصة للعمومات ، كي يكون في عرضه ، ولأجل منافاته يجمع بينهما بالتخصيص أو التقييد ، نظير دليل حكم المسافر بالإضافة إلى عمومات الأحكام بل المفهوم عرفاً أنه في طوله فلا يكون منافياً له أصلا ، بل يكون مثبتاً لبدله في ظرف العجز عنه وسقوطه عن الفعلية. ولأجل ذلك لا يجوز
التأخير وعدم جواز البدار. ( الرابع ) : لمدافعة الأخبثين ونحوهما فيؤخر لدفعهما [1] ( الخامس ) : إذا لم يكن له إقبال فيؤخر إلى حصوله [2]
للمكلف تعجيز نفسه عن الواجب الأولى ، لأن فيه تفويت الواجب وهو محرم عقلا.
وبالجملة : حرمة التعجيز واعتبار استمرار العذر في مشروعية البدل كلاهما ناشئان عما ذكرنا من أن المفهوم عرفاً من دليل البدلية ثبوتها في ظرف سقوط المبدل منه عن الفعلية بالمرة ، ووجود العذر عقلا عنه ، وذلك إنما يكون في ظرف استمرار العجز ، فلو بادر المكلف الى فعل البدل في أول آنات العجز كان الاكتفاء به مراعى باستمرار العجز ، فان كان مستمراً صح البدل من أول الأمر ، وإلا بطل كذلك ، ولا فرق بين صورتي رجاء زوال العذر وعدمه. وقد تكرر بيان ذلك في مواضع من كتاب الطهارة.
[1] لما في صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة وهو بمنزلة من هو في ثوبه » (1)المحمول على الكراهة لدلالة غيره على الجواز كما يأتي إن شاء اللّه في محله.
[2] لما في رواية عمر بن يزيد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أكون في جانب المصر فتحضر المغرب وأنا أريد المنزل ، فإن أخرت الصلاة حتى أصلي في المنزل كان أمكن لي وأدركني المساء ، أفأصلي في بعض المساجد؟ قال (عليه السلام) : صل في منزلك » (2).
( السادس ) لانتظار الجماعة [1] إذا لم يفض إلى الإفراط في التأخير [2]. وكذا لتحصيل كمال آخر كحضور المسجد [3] ، أو كثرة المقتدين ، أو نحو ذلك [4] ( السابع ) : تأخير الفجر عند مزاحمة صلاة الليل إذا صلى منها أربع ركعات [5] ( الثامن ) : المسافر المستعجل [6]
[1] لما في رواية جميل بن صالح : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) : أيهما أفضل أيصلي الرجل لنفسه في أول الوقت أو يؤخر قليلا ويصلي بأهل مسجده إذا كان إمامهم؟ قال (عليه السلام) : يؤخر ويصلي بأهل مسجده إذا كان هو الامام » (1)وموردها الامام والتأخر قليلا ، ولا يبعد التعدي منه الى المأموم ، والى التأخير كثيراً ، لما ورد في فضل الجماعة من الحث عليها مما يدل على زيادة فضلها على مثل الصلاة في أول الوقت.
[2] كأنه لخروجه عن مورد النص. لكن عرفت أن ما ورد في فضل الجماعة يصلح للتعدي به الى المقام.
[3] لم نقف على ما يدل عليه بالخصوص. نعم قد يستفاد مما دل على أن الصلاة في المسجد وحده أفضل من الصلاة في المنزل جماعة (2)، بضميمة رواية جميل السابقة.
[4] هذا لم أقف على دليله. نعم يتم لو يتم لو استفيد من دليل المكمل أهميته من التعجيل. فلاحظ.
[5] للأمر بإتمام صلاة الليل في خبر الأحول المتقدم (3). [6] كما يظهر من جملة من النصوص (4)الموقتة للمغرب في السفر
( التاسع ) : المربية للصبي تؤخر الظهرين لتجمعهما مع العشاءين بغسل واحد لثوبها [1] ( العاشر ) : المستحاضة الكبرى تؤخر الظهر والمغرب إلى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بين الاولى والعصر ، وبين الثانية والعشاء بغسل واحد [2] ( الحادي عشر ) : العشاء تؤخر إلى وقت فضيلتها [3] وهو بعد ذهاب الشفق بل الأولى تأخير العصر إلى المثل [4] ، وإن كان ابتداء وقت فضيلتها من الزوال. ( الثاني عشر ) : المغرب والعشاء لمن أفاض من عرفات إلى المشعر [5] ،
بربع الليل أو ثلثه ، أو إلى أن يغيب الشفق ، أو إلى خمسة أميال من بعد غروب الشمس ، أو نحو ذلك. ولا يبعد أن يكون منصرفها المستعجل الذي لا يسهل عليه النزول. بل قد يظهر مما في رواية عمر بن يزيد المتقدمة من قوله (عليه السلام) : « إذا كان أرفق بك وأمكن لك في صلاتك وكنت في حوائجك فلك أن تؤخرها إلى ربع الليل » (1)استثناء مطلق المستعجل في حاجته.
[1] ليس عليه دليل. نعم ذكر جماعة أن الأولى لها ذلك. واحتمل بعض وجوبه. وإطلاق الدليل الوارد في المربية ينفيه كما تقدم في محله.
[2] كما تقدم في حكم المستحاضة.
[3] كما تقدم.
[4] كأنه للخروج عن شبهة الخلاف كما سبق. فتأمل.
[5] ففي صحيح ابن مسلم : « لا تصل المغرب حتى تأتي ( جمعاً ) وإن ذهب ثلث الليل » (2)وفي موثق سماعة : « عن الجمع بين المغرب
فإنه يؤخرهما ولو إلى ربع الليل [1] ، بل ولو إلى ثلثه. ( الثالث عشر ) : من خشي الحر يؤخر الظهر إلى المثل ليبرد بها [2] ( الرابع عشر ) : صلاة المغرب في حق من تتوق نفسه إلى الإفطار [3] ، أو ينتظره أحد [4].
والعشاء الآخرة ب- ( جمع ) فقال (عليه السلام) : لا تصلهما حتى تنتهي إلى ( جمع ) وإن مضى من الليل ما مضى .. » (1).
[1] كما في الخبر المروي عن مقنع الصدوق (2).
[2] قال في الذكرى : « يستحب تأخير صلاة الظهر إذا اشتد الحر » ، واستدل عليه من طريق الأصحاب بما رواه معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : كان المؤذن يأتي النبي في الحر في صلاة الظهر فيقول له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أبرد أبرد .. » (3)ومقتضى الرواية التأخير بمقدار ما يحصل الإبراد. وفي المبسوط عبر بالتأخير قليلا ، وخصه بالجماعة والمسجد. والتخصيص غير ظاهر. ولعل المراد بالقليل ما يحصل به الإبراد.
[3] ففي رواية الفضل وزرارة : « وإن كنت ممن تنازعك نفسك للإفطار وتشغلك شهوتك عن الصلاة. فابدأ بالإفطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة » (4)غير أن ذلك مشروط بأن لا يشتغل بالإفطار قبل الصلاة إلى أن يخرج وقت الصلاة.
[4] ففي صحيح الحلبي : « سئل عن الإفطار أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال (عليه السلام) : إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم ،
( مسألة 14 ) : يستحب التعجيل في قضاء الفرائض [1] ، وتقديمها على الحواضر. وكذا يستحب التعجيل في قضاء النوافل [2] إذا فاتت في أوقاتها الموظفة. والأفضل قضاء الليلية في الليل والنهارية في النهار [3].
( مسألة 15 ) : يجب تأخير الصلاة عن أول وقتها لذوي الأعذار مع رجاء زوالها أو احتماله في آخر الوقت ما عدا التيمم [4]
وإن كان غير ذلك فليصل ثمَّ ليفطر » (1).
[1] لما أشرنا إليه من النصوص التي اعتمد عليها أهل القول بالمضايقة. وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار » (2). مضافاً إلى ما دل على حسن المسارعة والاستباق إلى المغفرة والخير » (3).
[2] لبعض ما سبق.
[3] ففي موثق إسماعيل الجعفي قال : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : أفضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل وقضاء صلاة النهار بالنهار » (4)
[4] قد عرفت الإشارة إلى أنه لو بادر إلى فعل الصلاة الناقصة برجاء استمرار العذر صحت إذا انكشف استمرار العذر ولو ظن بارتفاعه إذا أمكنت نية القربة كما هو الظاهر.
كما مر هنا وفي بابه. وكذا يجب التأخير لتحصيل المقدمات غير الحاصلة [1] كالطهارة والستر وغيرهما. وكذا لتعلم أجزاء الصلاة وشرائطها [2] ، بل وكذا لتعلم أحكام الطوارئ من الشك والسهو ونحوهما مع غلبة الاتفاق ، بل قد يقال مطلقاً لكن لا وجه له. وإذا دخل في الصلاة مع عدم تعلمها بطلت إذا كان متزلزلاً [3] وإن لم يتفق. وأما مع عدم التزلزل بحيث تحقق منه قصد الصلاة وقصد امتثال أمر اللّه فالأقوى الصحة. نعم إذا اتفق شك أو سهو لا يعلم حكمه بطلت صلاته [4] ، لكن له أن يبني على أحد الوجهين أو الوجوه بقصد السؤال بعد الفراغ والإعادة إذا خالف الواقع. وأيضاً يجب التأخير إذا زاحمها واجب آخر مضيق كإزالة النجاسة عن المسجد أو أداء الدين المطالب به مع القدرة على أدائه ، أو حفظ النفس المحترمة أو نحو ذلك. وإذا خالف واشتغل بالصلاة عصى في ترك ذلك
[1] كما يقتضيه وجوب الصلاة التامة.
[2] ليس تعلم الأجزاء من قبيل المقدمات الوجودية ، بل إنما هو مقدمة للجزم بالنية ، فإذا لم نعتبره في صحة العبادة - كما هو الظاهر - لم يكن واجباً. نعم يجب عقلا العلم بالفراغ ، وهو يحصل بالتعلم ولو بعد الصلاة ، كما يحصل بالاحتياط. وكذا حال تعلم أحكام السهو والشك.
[3] قد عرفت الاشكال فيه ، وأنه لا يعتبر في صحة العبادة الجزم بالنية مع إمكان تحصيله ، بل إنما يجب عقلا العلم بالفراغ ولو بالسؤال بعد الصلاة.
[4] قد عرفت إشكاله ، بل لا يناسب قوله : « لكن له أن يبني .. »
الواجب لكن صلاته صحيحة على الأقوى [1] وإن كان الأحوط الإعادة.
( مسألة 16 ) : يجوز الإتيان بالنافلة ولو المبتدأة في وقت الفريضة [2]
[1] لعدم الدليل على أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، ولا على بطلان الترتب. مع أنه يكفي في صحة العبادة التقرب بالملاك ، وقد تقدم الكلام في ذلك في أحكام النجاسات ، وقد عرفت في نية الوضوء أن المصحح لباً لجميع العبادات هو ذلك. فراجع. ومن هنا يظهر أن وجوب التأخير المذكور في المتن عرضي لا حقيقي ، بل ليس الواجب إلا فعل الضد الأهم لا غير. فلاحظ.
[2] كما عن الذكرى ، والدروس ، وجامع المقاصد ، وحاشية الإرشاد والمسالك ، والروض ، ومجمع الفائدة ، والمدارك ، والذخيرة ، والمفاتيح ، وغيرها. وفي الدروس : « ان الأشهر انعقاد النافلة في وقت الفريضة أداءً كانت أو قضاء ». ونسب المنع الى الشيخين وأتباعهما. وعن جامع المقاصد والروض : أنه المشهور. بل عن الوحيد : وصف الشهرة بالعظيمة. وفي الذكرى : « اشتهر بين متأخري الأصحاب منع صلاة النافلة لمن عليه فريضة ». وفي ظاهر المعتبر : « أن المنع مذهب علمائنا ». واستدل له - مضافاً الى أصالة عدم مشروعية العبادة لأنها توقيفية - بجملة من النصوص كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - : « أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ قلت : لا. قال (عليه السلام) : من أجل الفريضة إذا دخل وقت الذراع والذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة » (1)، ورواية
1) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 27.
إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) : « وإنما جعل الذراع والذراعان لئلا يكون تطوع في وقت فريضة » (1). ونحوه روايته الأخرى (2). وفي موثقته عن أبي جعفر (عليه السلام) : « لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه » (3)، وصحيح زرارة الثاني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال (عليه السلام) : قبل الفجر إنهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل ، أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة » (4)، وصحيحه الثالث (5)المروي عن الروض وفي المدارك وغيرهما : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أصلي النافلة وعليّ فريضة أو في وقت فريضة؟ قال (عليه السلام) : لا ، لأنه لا تصلى نافلة في وقت فريضة أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أن تتطوع حتى تقضيه؟ قال : قلت : لا قال (عليه السلام) : فكذلك الصلاة » (6)، وصحيحه الرابع المحكي عن السرائر عن كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « لا تصل من النافلة شيئاً في وقت الفريضة فإنه لا تقضى نافلة في وقت فريضة ، فإذا دخل وقت الفريضة فابدأ بالفريضة » (7)، وموثق ابن مسلم
1) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 28.
2) الوسائل باب : 35 من أبواب المواقيت حديث : 11.
3) الوسائل باب : 8 من أبواب المواقيت حديث : 21.
4) الوسائل باب : 50 من أبواب المواقيت حديث : 3.
5) مستدرك الوسائل باب : 46 من أبواب المواقيت حديث : 3.
6) نقله في المدارك في هذا المبحث ونقله في الذكرى في آخر تتمة مسألة : 2 من الفصل الرابع في مواقيت القضاء.
7) الوسائل باب : 35 من أبواب المواقيت حديث : 8.
عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال : قال لي رجل من أهل المدينة : يا أبا جعفر ما لي لا أراك تتطوع بين الأذان والإقامة كما يصنع الناس؟ فقلت : إنا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة ، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع » (1)، وخبر أبي بكر الحضرمي عن جعفر بن محمد (عليه السلام) : « قال : إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع » (2)، وخبر أديم بن الحر : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : لا يتنفل الرجل إذا دخل وقت فريضة. وقال (عليه السلام) : إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها » (3)، وخبر زياد بن أبي غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرك أن تترك ما قبلها من النافلة » (4)وخبر نجية : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : تدركني الصلاة ويدخل وقتها فأبدأ بالنافلة؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) : لا ، ولكن ابدأ بالمكتوبة واقض النافلة » (5).
هذا والجميع لا يخلو الاستدلال به من إشكال :
أما أصالة عدم مشروعية العبادة. فينفيها إطلاق دليل المشروعية.
وأما صحيح زرارة الأول ونحوه : فلا يدل على المنع ، إذ يكفي في مصلحة التشريع مرجوحية التطوع في وقت الفريضة وإن كان بنحو الكراهة. مضافاً الى أن ما تقدم من دخول وقت الفضيلة بالزوال - كما يقتضيه الجمع
بين النصوص - يوجب حملها على إرادة المنع عن التطوع في آخر وقت الفضيلة ، لا وقت الاجزاء ، ولا مطلق وقت الفضيلة ، فيكون المراد من وقت الفريضة الوقت الذي يتعين إيقاعها فيه لتحصيل الفضيلة وأين هذا من دعوى المشهور؟!
وأما صحيح زرارة الثاني : فلأجل أنك قد عرفت جواز إيقاع نافلة الفجر بعده في وقت فريضته ، فلا بد أن يحمل الأمر بإيقاع النافلة قبله على الرخصة أو الرجحان ، ويكون الغرض من المقايسة تعليم زرارة كيفية المناظرة مع المخالفين الذين يرون أن نافلة الفجر بعده ، تنبيهاً لهم إما على فساد القياس الذي جعلوه من أصولهم ، أو على فساد مذهبهم في وقت ركعتي الفجر. ومن ذلك يظهر الإشكال في صحيحه الثالث ، لقرب دعوى كونه عين الثاني ، ولذا لم يعثر عليه في كتب الحديث ، كما اعترف به بعض. مضافاً الى إمكان حمله على وقت فوات الفضيلة بقرينة ما سبق. ومنه يظهر الإشكال في الرابع ولا سيما بقرينة قوله (عليه السلام) : « فابدأ بالفريضة » المناسب جداً للرواتب اليومية وإن كان لا يناسبه التعبير بالقضاء.
وأما موثق ابن مسلم : فمع إمكان دعوى منافاته لما دل على استحباب الفصل بين الأذان والإقامة بركعتين. فتأمل. ليس ظاهراً في المنع ظهوراً يعتد به. أما قوله (عليه السلام) : « إنا إذا أردنا أن .. » فعدم ظهوره ظاهر. وأما قوله (عليه السلام) : « فلا تطوع » فمن القريب جداً أن يكون المراد منه : فلا تطوع منا ، الذي هو أعم من الحرمة والكراهة. ومما ذكرنا بتمامه يظهر إمكان حمل الباقي من النصوص على خصوص فوت الفضيلة. ويكون ذلك حكماً أدبياً محافظة على فضل الوقت للفريضة التي هي أهم في نظر الشارع الأقدس. مضافاً الى موثق سماعة الذي رواه المشايخ الثلاثة « قدس
سرهم ) قال : « سألته ( وفي التهذيب سألت أبا عبد اللّه ) عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال (عليه السلام) : إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة ، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة ، وهو حق اللّه ، ثمَّ ليتطوع ما شاء » (1)، وزاد في الكافي والتهذيب : « الأمر موسع أن يصلي في أول دخول وقت الفريضة النوافل إلا أن يخاف فوت الفريضة ، والفضل إذا صلى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ، ليكون فضل أول الوقت للفريضة ، وليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت الى قريب من آخر الوقت ».
ودعوى اختصاصه بالرواتب فلا يعم غيرها ، مندفعة بقوله (عليه السلام) : « والفضل .. » ، لعدم إمكان حمله على الرواتب. كما أن دعوى أن قوله : « الأمر موسع .. » من كلام الكليني بقرينة عدم روايته في الفقيه مندفعة بروايته في التهذيب عن كتاب محمد بن يحيى العطار الذي هو في طريق الكليني (رحمه اللّه) أيضاً. مع أن فتح هذا الباب يوجب سد باب الاستنباط. كما لا يخفى. وعدم روايته في الفقيه أعم من ذلك ، كما هو ظاهر ، فهذه الرواية الشريفة توجب حمل النواهي المذكورة على كونها عرضية للاهتمام بفضيلة الفريضة ، لصراحتها في ذلك.
ومثلها في الاشكال في دعوى المشهور صحيحة عمر بن يزيد : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرواية التي يروون أنه لا يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال (عليه السلام) : إذا أخذ المقيم في الإقامة. فقال : إن الناس يختلفون في الإقامة. فقال (عليه السلام) : المقيم الذي يصلي معه » (2)،
فهي وإن كانت غير صالحة للحكومة على جميع نصوص النهي لصراحة جملة منها في عموم الحكم للمنفرد ، لكنه لا بد من حمل الحكم فيها على من يريد الصلاة جماعة. فتدل على جواز تطوعه في وقت الفريضة ما لم يأخذ المقيم في الإقامة. ولعل مناسبة الحكم والموضوع تساعد على حمل النهي على كونه عرضياً من جهة فضيلة الجماعة في أول الصلاة لا ذاتياً ، ولا إرشادياً إلى نفي المشروعية ، ولا الى نقص في الماهية. ويؤيد ذلك أو يعضده صحيح سليمان بن خالد : « عن رجل دخل المسجد وافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن وأقام الصلاة. قال (عليه السلام) : فليصل ركعتين ثمَّ ليستأنف الصلاة مع الامام » (1).
وقد يدل على الجواز في الجملة جملة من النصوص الواردة في قضاء النوافل كموثق أبي بصير : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إن فاتك شيء من تطوع الليل والنهار فاقضه عند زوال الشمس وبعد الظهر وعند العصر وبعد المغرب وبعد العتمة ومن آخر السحر » (2)، وخبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) « عن رجل نسي صلاة الليل والوتر فيذكر إذا قام في صلاة الزوال. فقال (عليه السلام) : يبدأ بالنوافل فاذا صلى الظهر صلى صلاة الليل وأوتر ما بينه وبين العصر أو متى أحب » (3)، ومصحح الحلبي : « سئل أبو عبد اللّه علیه السلام عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال (عليه السلام) : متى شاء إن شاء بعد المغرب وإن شاء بعد العشاء » (4). ونحوه صحيح ابن
ما لم تتضيق ، ولمن عليه فائتة [1] على الأقوى. والأحوط
مسلم (1)بناء على أن المراد من صلاة النهار نوافله كما يظهر من ملاحظة غيرها من النصوص. فلاحظ.
[1] كما عن الصدوق ، والإسكافي ، والشهيدين ، والأردبيلي ، وتلميذه في المدارك ، والكاشاني ، وغيرهم ، خلافاً للفاضلين وجماعة ، وقد تقدم عن الذكرى : أنه المشهور بين المتأخرين. وعن الرياض : أنه الأشهر الأقوى. بل عن المختلف وغيره : أنه المشهور. للمرسل المروي عن المبسوط والخلاف : « لا صلاة لمن عليه صلاة » (2)وفي الذكرى قال : ( للمروي عنهم (عليهم السلام) : « لا صلاة لمن عليه صلاة » ) (3)وصحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلها أو نام عنها. فقال (عليه السلام) : يقضيها إذا ذكرها .. إلى أن قال (عليه السلام) : ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة » (4)وصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال (عليه السلام) : يصلي حين يستيقظ. قلت : يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال (عليه السلام) : بل يبدأ بالفريضة » (5). وصحيح زرارة الثالث المتقدم في التنفل في وقت الفريضة. .
1) الوسائل باب : 39 من أبواب المواقيت حديث : 6.
2) رواه في المبسوط في أواسط فصل قضاء الصلاة ورواه في الخلاف عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) في مسألة : 139 من قضاء الصلاة.
3) لاحظ الذكرى مسألة : 11 من الفصل الثالث في أحكام الرواتب ورواه عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) في الفصل الرابع في مواقيت القضاء المسألة : 2.
4) الوسائل باب : 61 من أبواب المواقيت حديث : 3.
5) الوسائل باب : 61 من أبواب المواقيت حديث : 4.
والجميع لا يخلو من خدش : أما الأخير : فقد عرفت الاشكال عليه. والتفكيك بين موردي السؤال فيه غير ممكن عرفاً. وأما صحيح يعقوب : فيعارضه في مورده موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس. فقال (عليه السلام) يصلي ركعتين ثمَّ يصلي الغداة » (1)، وما دل على قضاء النبي (صلی اللّه عليه وآله) ركعتي الفجر قبل صلاته (2)الذي ذكر في الذكرى : أنه لم يقف على راد لهذا الخبر من حيث توهم القدح في العصمة » (3). لكن التحقيق وجوب قبولها في الدلالة على جواز التنفل لمن عليه فريضة وإن لم يجز قبولها في الدلالة على نومه (صلی اللّه عليه وآله) عن الصلاة ، المخالف لأصول المذهب ، وأن نومه من الشيطان الذي دل على فساده العقل والكتاب والأخبار كما عن الوحيد (رحمه اللّه) ، فيحمل الأمر بالبدأة في الفريضة على الرخصة.
وأما صحيح زرارة الأول : فيعارضه صحيحه عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن ابن طاوس في كتاب ( غياث سلطان الورى ) قال : « قلت له : رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك. قال (عليه السلام) : يؤخر القضاء ويصلي صلاة ليلته تلك » (4)، المؤيد بوحدة سياق النهي المذكور في الصحيح الأول مع النهي عن التطوع في وقت الفريضة الذي قد عرفت المراد منه.
مضافاً إلى ما في الذكرى من قوله : « روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : إذا دخل وقت صلاة
المكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة ، قال : فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه فقبلوا ذلك مني ، فلما كان في القابل لقيت أبا جعفر علیه السلام فحدثني أن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) عرَّس في بعض أسفاره وقال : من يكلؤنا؟ فقال بلال : أنا ، فنام بلال وناموا حتى طلعت الشمس فقال : يا بلال ما أرقدك؟ فقال : يا رسول اللّه أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم. فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : قم ( قوموا ) فتحولوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة ، وقال : يا بلال أذن ، فأذن ، فصلى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ركعتي الفجر وأمر أصحابه فصلوا ركعتي الفجر ثمَّ قام فصلى بهم الصبح ، ثمَّ قال : من نسي شيئاً من الصلاة فليصلها إذا ذكرها فان اللّه عز وجل يقول ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) . قال زرارة : فحملت الحديث الى الحكم وأصحابه فقال : نقضت حديثك الأول ، فقدمت على أبي جعفر (عليه السلام) فأخبرته بما قال القوم. فقال : يا زرارة إلا أخبرتهم أنه قد فات الوقتان جميعاً وأن ذلك كان قضاء من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (1). هذا ومقتضى الصحيح المذكور الفرق بين الأداء والقضاء ، وإذ قد بنينا على جواز التطوع في الأداء فلا بد أن يحمل وجه الفرق على كون التفويت في الأول أعظم منه في الثاني ، ولعله لأن خصوصية وقت الفضيلة في الفضل للأداء أكثر من خصوصية المبادرة في القضاء.
وأما المرسل : ففيه - مع إرساله - أنه غير ظاهر في التنفل ، وحمله عليه ليس بأولى من حمله على غيره ، فاجماله مانع من الاستدلال به. هذا والمتحصل من ملاحظة مجموع النصوص في المسألتين : أن خصوصية وقت الفضيلة في الأداء والمبادرة في القضاء أهم من التنفل ، فملاحظتها
1) الوسائل باب : 61 من أبواب المواقيت حديث : 6.
الترك بمعنى : تقديم الفريضة وقضائها.
( مسألة 17 ) : إذا نذر النافلة لا مانع من إتيانها في وقت الفريضة ولو على القول بالمنع. هذا إذا أطلق في نذره [1]. وأما إذا قيده بوقت الفريضة فإشكال على القول بالمنع وإن أمكن القول بالصحة ، لأن المانع إنما هو وصف النفل ، وبالنذر يخرج عن هذا الوصف ، ويرتفع المانع. ولا يرد أن متعلق النذر لا بد أن يكون راجحاً ، وعلى القول بالمنع لا رجحان فيه ، فلا ينعقد نذره. وذلك لأن الصلاة من حيث هي راجحة ، ومرجوحيتها مقيدة بقيد يرتفع بنفس النذر ، ولا يعتبر في متعلق النذر الرجحان قبله [2] ، ومع قطع النظر عنه حتى يقال بعدم تحققه في المقام.
أولى ، إلا أن يؤدي إلى فوات النافلة بالمرة كصلاة الليل كما في رواية ( غياث سلطان الورى ) ، أو كون النافلة من شؤون الفريضة المقضية كركعتي الفجر بالنسبة إلى قضاء صلاته. واللّه سبحانه أعلم.
[1] لا فرق بين صورتي الإطلاق والتقييد في ورود الاشكال وعدمه ، لأنه إذا امتنع نذر المقيد من جهة عدم الرجحان فلا بد أن يمتنع نذر المطلق أيضاً لعدم الرجحان ، لأن الجامع بين ما يكون راجحاً وما يكون غير راجح يمتنع أن يكون راجحاً. وبعبارة أخرى : الجامع بين الراجح والمرجوح لا راجح ولا مرجوح ، فالمطلق الراجح لا بد أن يكون جميع أفراده كذلك ، كما لعله ظاهر.
[2] فيه - مع أنه خلاف ظاهر الأدلة - أنه خلاف مضمون صيغة النذر فان الظاهر من اللام في قول الناذر : ( لله علي أن أفعل كذا ) انها
( مسألة 18 ) : النافلة تنقسم إلى مرتبة وغيرها ، والأولى : هي النوافل اليومية التي مرّ بيان أوقاتها.
الثانية : إما ذات السبب كصلاة الزيارة ، والاستخارة ، والصلوات المستحبة في الأيام والليالي المخصوصة. وإما غير ذات السبب ، وتسمى بالمبتدأة.
لام الملك ، والظرف مستقر ، فيكون الناذر قد جعل الفعل لله سبحانه ، وملكاً له تعالى ، نظير قول المخبر : ( لزيد علي أن أفعل كذا ) ، لما تحقق في محله من أن معنى الكلام الإنشائي عين معنى الكلام الاخباري ، وإنما يختلفان في قصد الحكاية عن ذلك المعنى في الخبر وقصد إنشائه وجعله في الإنشاء ، فإذا كان معنى اللام التمليك وجب أن يكون متعلقها محبوباً للمجعول له الملك ، ولا يجوز أن يكون مرجوحاً أو مباحاً. ولذا لا يصح أن يقول : ( لزيد علي أن أهتك عرضه ، أو أن اشتمه ، أو أن أغصب ماله ) إذا كانت هذه الأمور المذكورة مبغوضة لزيد ، كما لا يصح أن تقول : ( لزيد علي أن أتنفس في كل يوم مائة ألف نفس ) إذا لم يتعلق غرض لزيد بذلك يوجب كونه محبوباً له ، فاذا لم يكن المنذور راجحاً امتنع إنشاء معنى صيغة النذر ، بل لو سلم كون اللام لام الصلة والظرف لغواً ، فتكون اللام متعلقة ب- ( التزمت ) يعني : ( التزمت لله سبحانه أن أفعل كذا ) فالواجب في الملتزم به أن يكون محبوباً للملتزم له ، فلو لم يكن كذلك لا معنى لجعل الالتزام له ، فلا يصح أن تقول : ( التزمت لزيد أن أتنفس مائة ألف نفس ) فضلا عن أن يصح قولك : ( التزمت لزيد أن أهتك عرضه ) وبالجملة : لازم مفاد صيغة النذر أن يكون المنذور راجحاً ، سواء أكان الظرف مستقراً أم لغواً ، واللام للملك أو الصلة. نعم يختلفان من
لا إشكال في عدم كراهة المرتبة في أوقاتها [1]
جهة أخرى وهي قصر سلطنة الناذر على الأول وعدمه على الثاني ، لكنها لو تمت لا ترتبط بما نحن فيه.
هذا وقد يقال في دفع الإشكال. بأن الصلاة في نفسها راجحة يصح نذرها ، وإنما المنهي عنه هو التطوع في وقت الفريضة ، وهو أمر آخر زائد على نفس الصلاة ، بل هو متأخر رتبة عن الأمر بها كعنوان الإطاعة ، بل هو هو ، والنذر لم يتعلق بالتطوع ، وإنما تعلق بنفس الصلاة التي هي موضوع الأمر ، فإذا تعلق بها النذر كانت إطاعة الأمر النذري ليست من التطوع ، لاختصاصه بالنفل ولا يشمل الواجب.
وفيه : أن التطوع كالطاعة يمتنع تعلق النهي به حتى لو قلنا بكون أوامر الإطاعة مولوية شرعية لا إرشادية عقلية ، لأن حكم العقل بحسن الإطاعة من المستقلات العقلية التي لا يمكن تعلق النهي على خلافها ، ويلزم منه التناقض مع أن التحقيق أن أوامر الإطاعة إرشادية إلى حكم العقل بحسنها ولا يجوز أن تكون مولوية ، كما أشرنا إلى وجهه في ما علقناه على مباحث الانسداد من الكفاية. فراجع. فالنهي عن التطوع لا بد أن يكون راجعاً إلى النهي عن الصلاة ، إما لمفسدة فيها لو قلنا بالحرمة الذاتية ، أو لعدم المصلحة لو قلنا بمجرد الحرمة التشريعية. فتأمل جيداً. واللّه سبحانه أعلم.
[1] كما قد يستفاد - في الجملة - من محكي ظاهر الإجماع عن الناصريات على نفي الكراهة في مطلق ما له سبب من النوافل. ومن محكي الخلاف من الإجماع على عدم البأس والكراهة في ذوات الأسباب من قضاء نافلة ، أو تحية مسجد ، أو صلاة زيارة ، أو صلاة إحرام ، أو طواف في ما كره لأجل الفعل ، يعني بعد صلاة الصبح وبعد العصر. ومما في
وإن كان بعد صلاة العصر أو الصبح [1]. وكذا لا إشكال في عدم كراهة قضائها في وقت من الأوقات [2].
المنتهى من قوله : « لا بأس بقضاء السنن الراتبة بعد العصر ذهب إليه علماؤنا أجمع ».
لكن نصوص الكراهة شاملة للرواتب في أوقاتها ، كموثق الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، فان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) قال : إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان ، وتغرب بين قرني الشيطان. وقال (عليه السلام) : لا صلاة بعد العصر حتى المغرب » (1)ونحوه غيره. وتوقيتها بالوقت المعين لا ينافي الكراهة بلحاظ الوقوع بعد الصبح والعصر كما لا يخفى. نعم يستفاد نفي الكراهة مما يأتي في عدم كراهة قضائها في أي وقت.
[1] الأمر منحصر بالصورتين المذكورتين ، وليس هناك صورة ثالثة ، إذ لا تنطبق أوقات الرواتب على المشهور مع الأوقات الثلاثة الأخر. نعم بناء على امتداد وقت نافلة الظهرين بامتداد وقت إجزائهما تكون لهما صورة ثالثة.
[2] كما يستفاد مما سبق من دعوى الإجماع صريحاً وظاهراً. لكن في محكي المقنعة : « ولا يجوز ابتداء النوافل ، ولا قضاء شيء منها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ». وعن النهاية : كراهة صلاة النوافل وقضائها في هذين الوقتين. ولا ينبغي التأمل في عموم مستند الكراهة مما مضى ويأتي لما نحن فيه. نعم يدل على نفي الكراهة مثل رواية عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي
1) الوسائل باب : 38 من أبواب المواقيت حديث : 1.
عبد اللّه (عليه السلام) : « في قضاء صلاة الليل والوتر تفوت الرجل أيقضيها بعد صلاة الفجر وبعد العصر؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس بذلك » (1). ونحوها رواية جميل بن دراج : « سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن قضاء صلاة الليل بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فقال : نعم وبعد العصر إلى الليل فهو من سر آل محمد (صلی اللّه عليه وآله) المخزون » (2). ومثلهما غيرهما.
نعم هذه الطائفة - مع أنها معارضة بمثل مكاتبة علي بن بلال : « في قضاء النافلة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ومن بعد العصر إلى أن تغيب الشمس. فكتب : لا يجوز ذلك إلا للمقتضي فأما لغيره فلا » (3)- مختصة بنفي الكراهة بعد الصبح والعصر. وليس ما يدل على نفيها في بقية الموارد سوى رواية حسان بن مهران قال : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن قضاء النوافل قال (عليه السلام) : ما بين طلوع الشمس إلى غروبها » (4). ونحوها غيرها. لكن في دلالتها على نفي الكراهة تأمل ، وإن اشتمل بعضها على التعبير بقوله (عليه السلام) : « كل ذلك سواء » (5)، لقرب دعوى كون الجميع وارداً مورد الاجزاء في مقابل تعيين وقت للقضاء نعم يمكن أن يستفاد نفي الكراهة عند غروب الشمس مما في رواية جميل الواردة في قضاء صلاة الليل قال (عليه السلام) : « وبعد العصر إلى الليل » كما أنه يمكن أيضاً استفادة نفي الكراهة عند قيام الشمس في وسط السماء من رواية
وكذا في الصلوات ذوات الأسباب [1].
وأما النوافل المبتدأة التي لم يرد فيها نص بالخصوص ، وإنما يستحب الإتيان بها لأن الصلاة خير موضوع ، وقربان كل تقي ، ومعراج المؤمن ، فذكر جماعة : أنه يكره الشروع فيها في خمسة أوقات [2].
أبي بصير : « إن فاتك شيء من تطوع النهار والليل فاقضه عند زوال الشمس » (1).
[1] كما يستفاد من إجماع الناصريات والخلاف. لكن عن الخلاف : ثبوت الكراهة لأجل الوقت. وقد تقدم ما عن المقنعة والنهاية. ودليل نفي الكراهة فيها الذي يخرج به عن عموم ما دل على ثبوتها غير ظاهر. مع أن في بعض أخبار الاستخارة بالرقاع ما يظهر منه كراهة إيقاع صلاتها بعد الفجر إلى أن تنبسط الشمس وبعد العصر (2).
[2] إجماعاً صريحاً وظاهراً محكياً عن الناصريات والخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى وجامع المقاصد وغيرها. ويدل عليه - مضافاً إلى ما سبق - خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا صلاة بعد العصر حتى تصلي المغرب ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس » (3)، ومكاتبة علي بن بلال المتقدمة (4)وما في حديث المناهي : « نهى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها » (5)وخبر سليمان بن جعفر الجعفري قال : « سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : لا
ينبغي لأحد أن يصلي إذا طلعت الشمس لأنها تطلع بقرني شيطان فاذا ارتفعت وصفت فارقها ، فتستحب الصلاة ذلك الوقت والقضاء وغير ذلك ، فاذا انتصفت النهار قارنها ، فلا ينبغي لأحد أن يصلي في ذلك الوقت لأن أبواب السماء قد غلقت ، فاذا زالت الشمس وهبت الريح فارقها » (1). ونحوها أو قريب منها غيرها. وظاهر النفي في بعضها وإن كان هو التحريم - كما عن السيد (رحمه اللّه) - لكنه محمول على الكراهة كما يظهر من التعبير ب- « لا ينبغي » و « يكره » (2)، ومن التعليل في بعضها الآخر ، فلا مجال لاحتمال الحرمة ، ولا سيما بملاحظة دعوى مخالفته للإجماع ، كما عن المختلف أو الاتفاق ، كما عن كشف الرموز.
نعم يعارض النصوص المذكورة التوقيع المروي عن الحجة ( عجل اللّه تعالى فرجه ) كما عن إكمال الدين ، وفي غيره عن محمد بن عثمان العمري (قدس سره) : « وأما ما سألت عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فلئن كان كما يقول الناس : إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان فما أرغم أنف الشيطان بشيء أفضل من الصلاة فصلهما وأرغم أنف الشيطان » (3). وعن الصدوق : العمل به وطرح ما سبق (4). وفي الوسائل : « أنه الأقرب » (5). لكن رفع اليد عن تلك النصوص الكثيرة التي هي ما بين صريح ، وظاهر ، وملوح إلى الكراهة ، المتفرقة في أبواب كثيرة ، كقضاء الفرائض ، والنوافل (6)،
أحدها : بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
الثاني : بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
الثالث : عند طلوع الشمس حتى تنبسط [1].
وصلاة الطواف (1)، والاستخارة (2)، وصلاة الجنائز (3)، وتعداد الصلوات (4)، وغير ذلك ، مع اعتماد أساطين الفرقة عليها ، ودعوى الإجماع المتكررة على العمل بها صعب جداً ، بل الأولى التصرف في التوقيع إما بحمله على إرادة مجرد إبطال المنع ، أو الكراهة من جهة التعليل المذكور كما هو غير بعيد. ولذا حكي عن المفيد (رحمه اللّه) في كتاب ( افعل ولا تفعل ) ما يوافق التوقيع ، ومع ذلك بني على العمل بالنصوص كما عرفت. وإما بحمله على إرادة إبطال الأخذ بظاهر التعليل ، وأن المراد منه معنى آخر كني بظاهر التعليل عنه. أو نحو ذلك مما يظهر بالتأمل.
[1] وفي رواية الجعفري المتقدمة (5)التحديد بالصفاء ، وفي روايتي أبي بصير (6)وزرارة (7)الواردتين في قضاء الفريضة التحديد بذهاب الشعاع ، ونحوهما رواية عمار الواردة في سجود السهو (8). والجميع متقارب المفاد.
1) الوسائل باب : 76 من أبواب الطواف حديث : 7 و 8.
2) تقدمت الإشارة إلى مواضعها في التعليقة السابقة.
3) الوسائل باب : 20 من أبواب صلاة الجنازة.
4) الوسائل باب : 2 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 7.
5) تقدم ذكرها في التعليقة السابقة.
6) الوسائل باب : 62 من أبواب المواقيت حديث : 3.
7) الوسائل باب : 63 من أبواب المواقيت حديث : 1.
8) الوسائل باب : 32 من أبواب الخلل في الصلاة : 2.
الرابع : عند قيام الشمس حتى تزول [1].
الخامس : عند غروب الشمس [2] أي : قبيل الغروب. وأما إذا شرع فيها قبل ذلك فدخل أحد هذه الأوقات وهو فيها فلا يكره إتمامها [3]. وعندي في ثبوت الكراهة في المذكورات إشكال.
( مسألة 1 ) : لا يجوز الصلاة قبل دخول الوقت ، فلو صلى بطلت [4]
[1] كما يقتضيه التعبير عنه بالاستواء في رواية المناهي (1)، وعبر عنه في رواية الجعفري بانتصاف النهار ، وبقرينة قوله (عليه السلام) : « فاذا زالت .. » لا يراد منه انتصاف ما بين الطلوع والغروب ، فلا يبعد أن يكون المراد نصف ما بين الفجر والغروب.
[2] المعبر عنه بالاصفرار والاحمرار في روايات صلاة الطواف (2)
[3] كما صرح به في الجواهر وحكاه عن بعض ، لأن المنساق من الأدلة كراهة الشروع في النافلة في هذه الأوقات. وفيه : أن مقتضى الإطلاق - ولا سيما بملاحظة التعليل في بعضها - كراهة صرف وجود الصلاة فيها لا مجرد الشروع. نعم قد يزاحم ذلك كراهة قطع النافلة. فتأمل جيداً.
فصل في أحكام الأوقات
[4] بلا خلاف ولا إشكال ، ويقتضيه - مضافاً الى ما دل على اعتبار
وإن كان جزء منها قبل الوقت. ويجب العلم بدخوله حين الشروع فيها [1] ولا يكفي الظن [2]
الوقت - رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من صلى في غير وقت فلا صلاة له » (1)، وحديث : « لا تعاد الصلاة إلا من خمسة » (2)التي هو أحدها. وإطلاق الجميع يقتضي عدم الفرق بين الكل والجزء.
[1] لقاعدة الاشتغال العقلية الموجبة لتحصيل العلم بالفراغ. مضافاً الى رواية عبد اللّه بن عجلان : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : إذا كنت شاكاً في الزوال فصل ركعتين فاذا استيقنت أنها قد زالت بدأت الفريضة » (3)وما في رواية علي بن مهزيار عن أبي جعفر (عليه السلام) الواردة في الفجر : « فلا تصل في سفر ولا حضر حتى تتبينه .. » (4)، ورواية علي ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) : « في الرجل يسمع الأذان فيصلي الفجر ولا يدري طلع أم لا غير أنه يظن لمكان الأذان أنه قد طلع. قال (عليه السلام) : لا يجزؤه حتى يعلم أنه قد طلع » (5).
[2] كما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل عن مجمع الفائدة والمفاتيح وكشف اللثام : الإجماع عليه. ويقتضيه ما تقدم من القاعدة والنصوص. نعم حكي عن ظاهر الشيخين في المقنعة والنهاية : الاكتفاء به. ومحكي عبارة الأولى غير ظاهر قطعاً ، ومحكي عبارة الثانية لا يبعد فيه ذلك. نعم عن الحدائق اختياره للصحيح عن إسماعيل بن رباح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :
لغير ذوي الأعذار. نعم يجوز الاعتماد على شهادة العدلين على الأقوى [1]
« إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك » (1)، وللأخبار المستفيضة الدالة على جواز الاعتماد على أذان المؤذنين وإن كانوا من المخالفين (2)، إذ غاية ما يفيده الأذان هو الظن ، وإن تفاوت شدة وضعفاً باعتبار اختلاف المؤذنين وما هم عليه من زيادة الوثاقة والضبط في معرفة الأوقات وعدمه. وفيه : أن الرؤية في الصحيح غير ظاهرة في الظن ، ولو سلم فلا إطلاق لها ، لورود الكلام مورد بيان حكم آخر ، ولو سلم فهو مقيد بالظن الخاص جمعاً بينه وبين ما تقدم مما دل على اعتبار العلم. اللّهم إلا أن يدعى أنه حاكم عليه فيقدم ويؤخذ بإطلاقه ، لكنه لا يتم بالإضافة إلى خبر ابن جعفر (عليه السلام) وأما أخبار الأذان فلو وجب العمل بها لم يمكن أن يستفاد منها جواز العمل بالظن مطلقاً.
[1] كما عن جماعة ، بل عن الذخيرة : عليه الأكثر. وكأنه لما عن الأكثر من عموم حجية البينة في الموضوعات الذي يمكن استفادته من النصوص الخاصة الدالة على حجيتها في موارد كثيرة جداً. مضافا الى رواية مسعدة بن صدقة (3)التي قد تقدم في المياه تقريب استفادة عموم الحجية منها (4). فراجع. والى ما دل على حجية خبر الثقة حتى في الموضوعات من
وكذا على أذان العارف [1]
بناء العقلاء. نعم لو تمَّ الاستدلال على العموم برواية مسعدة كان - بمقتضى الاستثناء الموجب للحصر - رادعاً عن البناء المذكور ، كما تقدمت الإشارة الى ذلك في المباحث السابقة. وعليه فحجية البينة لا بد من الالتزام بها إما لرواية مسعدة أو لبناء العقلاء. نعم على الثاني لا تكون خصوصية للبينة بما هي بل بما أنها خبر ثقة.
[1] قال في المعتبر : « لو سمع الأذان من ثقة يعلم منه الاستظهار قلده لقوله (عليه السلام) : ( المؤذن مؤتمن ) (1)، ولأن الأذان مشروع للاعلام بالوقت فلو لم يجز تقليده لما حصل الغرض به ». وعن الذخيرة : الميل اليه. ويشهد له صحيح ذريح المحاربي قال : « قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : صل الجمعة بأذان هؤلاء فإنهم أشد شيء مواظبة على الوقت » (2)وصحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - قال : « فقال النبي (صلی اللّه عليه وآله) إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فاذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال » (3)، فإنه وإن كان وارداً في الصوم إلا أن الظاهر منه أن أذان ( بلال ) حجة على دخول الوقت مطلقاً ، ولا سيما بملاحظة أنه وارد في مقام الردع عن أذان ابن أم مكتوم. ونحوه غيره وصحيح حماد بن عثمان عن محمد بن خالد القسري : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخاف أن نصلي يوم الجمعة قبل أن تزول الشمس. فقال (عليه السلام) : إنما ذلك على المؤذنين » (4)، وخبر سعيد الأعرج المحكي عن تفسير العياشي :
« دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) وهو مغضب وعنده جماعة من أصحابنا وهو يقول : يصلون قبل أن تزول الشمس ، قال : وهم سكوت. قال : فقلت : أصلحك اللّه ما نصلي حتى يؤذن مؤذن مكة قال (عليه السلام) : فلا بأس ، أما إنه إذا أذن فقد زالت الشمس » (1)، ورواية الهاشمي عن علي (عليه السلام) : « المؤذن مؤتمن والامام ضامن » (2)، ومرسل الفقيه في المؤذنين : « إنهم الأمناء » (3)، ورواية عبد اللّه بن علي عن بلال - في حديث - : « سمعت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يقول : المؤذنون أمناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم لا يسألون اللّه عز وجل شيئاً إلا أعطاهم .. » (4)ودلالتها على حجية أذان المواظب على الوقت مما لا ينبغي إنكاره. وإطلاق بعضها محمول عليه جمعاً بينه وبين رواية ابن جعفر المتقدمة في مسألة اعتبار العلم (5). والظاهر من التعليل بالمواظبة على الوقت هو الموثوق به في معرفة الوقت ، وكون أذانه فيه لا قبله.
والخدش في النصوص من جهة إعراض المشهور عنها لا يهم ، لامكان كون المنشأ فيه بناءهم على معارضتها برواية ابن جعفر (عليه السلام) المتقدمة المعتضدة بما دل على اعتبار العلم مما تقدمت الإشارة إليه الموجب لحملها على التقية أو على صورة العذر ، أو على صورة حصول العلم. وقد عرفت أن الجمع العرفي يقتضي ما ذكرنا من اعتبار أذان الثقة ولا تنتهي النوبة الى ما ذكر.
وأما خبر علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه : « عن رجل صلى الفجر
العدل [1]. وأما كفاية شهادة العدل الواحد فمحل إشكال [2]
في يوم غيم أو بيت وأذن المؤذن وقعد وأطال الجلوس حتى شك فلم يدر هل طلع الفجر أم لا؟ فظن أن المؤذن لا يؤذن حتى يطلع الفجر قال (عليه السلام) : أجزأه أذانهم » (1)فلا يبعد ظهوره في حصول اليقين بدخول الوقت من الأذان وطروء الشك بعد ذلك ، فلا يكون مما نحن فيه من الاعتماد على الأذان ، وإلا كان مورده مورد روايته السابقة.
[1] لم يظهر وجه لاعتبار العدالة لإطلاق النصوص المتقدمة ، بل ظاهر صحيح المحاربي العدم ، لأن الظاهر أن المراد من « هؤلاء » المخالفون. وفي الجواهر : « إن المصنف (رحمه اللّه) وصاحب الذخيرة يريدان من الثقة الموثوق به لا العدل الشرعي لعدم نصبه للأذان في تلك الأزمان غالباً فتأمل » نعم في موثق عمار : « عن الأذان هل يجوز أن يكون من غير عارف؟ قال علیه السلام : لا يستقيم الأذان ولا يجوز أن يؤذن به إلا رجل مسلم عارف فان علم الأذان وأذن به ولم يكن عارفاً لم يجزئ أذانه ولا إقامته ولا يقتدى به » (2). لكن الظاهر من العارف المؤمن لا خصوص العادل. ولو سلم فمن المحتمل أن يكون المراد بعدم إجزاء أذانه عدم الاكتفاء به في سقوط الأذان ، لا عدم الاعتماد عليه.
[2] للإشكال في تمامية دلالة آية النبإ وغيرها على عموم حجية خبر العادل. نعم قد عرفت الإشارة إلى استقرار سيرة العقلاء على العمل بخبر الثقة ، فلا بأس بالبناء عليه ، إلا أن يتم الاستدلال على عموم حجية البينة برواية مسعدة فتكون رادعة عنه.
وإذا صلى مع عدم اليقين بدخوله ، ولا شهادة العدلين ، أو أذان العدل بطلت [1] ، إلا إذا تبين بعد ذلك كونها بتمامها في الوقت مع فرض حصول قصد القربة منه.
( مسألة 2 ) : إذا كان غافلا عن وجوب تحصيل اليقين أو ما بحكمه فصلى ثمَّ تبين وقوعها في الوقت بتمامها صحت [2] كما أنه لو تبين وقوعها قبل الوقت بتمامها بطلت. وكذا لو لم تتبين الحال [3]. وأما لو تبين دخول الوقت في أثنائها ففي الصحة إشكال [4] ، فلا يترك الاحتياط بالإعادة.
وأما دعوى استفادة حجية خبر الثقة من أخبار الأذان ، لأن الأذان خبر فعلي ، والخبر القولي أولى بالحجية منه. فهي وإن كنا قد بنينا عليها في شرح التبصرة ، لكن في النفس منها شيء ، لأن الأذان عبادة مبنية على الإعلان غالباً ، ويتحقق الاستظهار فيه بنحو لا يحصل في الأخبار بالوقت.
[1] يعني : ظاهراً ، لقاعدة الاشتغال ، أو استصحاب عدم دخول الوقت. وهو المراد من النصوص المتقدمة المتضمنة لاعتبار العلم ، جمعاً بينها وبين ما دل على كون شرط الصلاة واقعاً هو الوقت لا غير.
[2] لمطابقتها للواقع. وقد عرفت أن العلم بالوقت ليس شرطاً لها واقعاً شرعاً بل ظاهراً عقلا.
[3] لكن البطلان هنا ظاهري عقلي لا واقعي كما في الصورة السابقة.
[4] ينشأ من أن مقتضى اعتبار الوقت في تمام أجزاء الصلاة هو البطلان ، وليس ما يوجب الخروج عنها إلا رواية ابن رباح ، والموضوع فيها من يرى أنه في وقت ، وهو غير حاصل ، إذ المفروض كون الصلاة في حال عدم اليقين بالوقت ، غاية الأمر أنه صلى غافلا عن وجوب تحصيل
( مسألة 3 ) : إذا تيقن دخول الوقت فصلى أو عمل بالظن المعتبر كشهادة العدلين وأذان العدل العارف ، فان تبين وقوع الصلاة بتمامها قبل الوقت بطلت [1] ووجب الإعادة. وإن تبين دخول الوقت في أثنائها ولو قبل السلام صحت [2]
اليقين ، فاذا لم يدخل الفرض في الرواية بقي داخلا تحت القاعدة الموجبة للبطلان. ومن احتمال كون المراد من قوله (عليه السلام) : « وأنت ترى .. » مجرد الإتيان بالصلاة بقصد الامتثال وتفريغ الذمة ، ولو لأجل الغفلة عن وجوب تحصيل اليقين ، بلا خصوصية لرؤية أنه في وقت ، لكن الاحتمال المذكور خلاف الظاهر ، فلا مجال للاعتماد عليه.
[1] إجماعاً محصلاً ومنقولاً ، كما في الجواهر. ويقتضيه - مضافاً الى ما دل على اعتبار الوقت ، وحديث : « لا تعاد » (1)- صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في رجل صلى الغداة بليل غرَّه من ذلك القمر ونام حتى طلعت الشمس فأخبر أنه صلى بليل. قال (عليه السلام) : يعيد صلاته » (2)، وصحيحه الآخر : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيت بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك » (3). ومن ذلك يظهر أنه لا مجال في المقام للاعتماد على قاعدة الاجزاء في الامتثال الظاهري لو تمت في نفسها. مع أنها في نفسها غير تامة.
[2] على الأشهر بل المشهور كما في الجواهر ، لصحيح ابن أبي عمير عن إسماعيل بن رباح المتقدم : « إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت
وأما إذا عمل بالظن غير المعتبر فلا تصح وإن دخل الوقت في أثنائها. وكذا إذا كان غافلا على الأحوط ، كما مر [1]. ولا فرق في الصحة في الصورة الأولى بين أن يتبين دخول الوقت في الأثناء بعد الفراغ أو في الأثناء [2] ، لكن بشرط أن يكون الوقت داخلا حين التبين. وأما إذا تبين أن
ولم يدخل الوقت فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك » (1).
وعن المرتضى ، والإسكافي ، والعماني ، والعلامة في أول كلامه في المختلف ، وابن فهد في موجزه ، والصيمري في كشفه ، والأردبيلي ، وتلميذه وغيرهم : البطلان ، بل عن المرتضى : نسبته إلى محققي أصحابنا ومحصليهم للقاعدة المتقدمة ، وضعف النص ، لجهالة إسماعيل. وفيه : أن عمل الأصحاب وكون الراوي عن إسماعيل ابن أبي عمير الذي قيل : « إنه لا يروي إلا عن ثقة » ، وكون الخبر مروياً في الكتب الثلاثة ، وفي بعض أسانيده أحمد بن محمد بن عيسى المعروف بكثرة التثبت ، وجميع أسانيده مشتملة على الأعيان والأجلاء ، كاف في إدخال الخبر تحت القسم المعتبر. وظاهر قوله (عليه السلام) « وأنت ترى » وإن كان هو العلم ، إلا أن دليل حجية الظن وتنزيله منزلة العلم يوجب إلحاقه به حكماً ، كما في سائر أحكام العلم الموضوع على نحو الطريقية حسبما حرر في محله. أما الظن غير المعتبر فحيث لا دليل على تنزيله منزلة العلم لا وجه لا لحاقه بالعلم في الحكم المذكور.
[1] ومر وجهه.
[2] لإطلاق النص الشامل للصورتين.
1) الوسائل باب : 25 من أبواب المواقيت حديث : 1. وقد تقدم ذكره في المسألة الأولى من هذا الفصل.
الوقت سيدخل قبل تمام الصلاة فلا ينفع شيئاً [1].
( مسألة 4 ) : إذا لم يتمكن من تحصيل العلم أو ما بحكمه لمانع في السماء من غيم أو غبار ، أو لمانع في نفسه من عمى أو حبس أو نحو ذلك ، فلا يبعد كفاية الظن [2]. لكن الأحوط التأخير حتى يحصل اليقين ، بل لا يترك هذا الاحتياط.
[1] إذ في الفرض المذكور يكون بعض الصلاة واقعاً منه ولا يرى أنه في وقت ، وظاهر النص كون موضوع الحكم خصوص ما إذا كانت الصلاة بقصد الامتثال لاعتقاد كونها في الوقت.
[2] كما هو المشهور ، بل في المدارك وعن غيرها : « قيل : إنه إجماع » بل عن التنقيح : أنه إجماع. واستدل له بالأصل الذي لا أصل له وبنفي الحرج الذي لا مجال له في المقام ، لا مكان الصبر الى أن يعلم الوقت كما هو محل الكلام. وبتعذر اليقين الذي لا يوجب الانتقال الى الظن إلا بعد تمامية مقدمات الانسداد ، لكنها غير تامة ، لأن الشك في الوقت يوجب الشك في أصل التكليف بناء على أنه شرط الوجوب ، ومن جملة المقدمات أن يكون التكليف معلوماً. ولو كان شرطاً للواجب فالاحتياط ممكن بالصبر والانتظار ، ومن جملة المقدمات عدم التمكن من الاحتياط. وبالإجماع المحكي عن التنقيح الممنوع حصوله لتحقق الخلاف. وبقبح التكليف بما لا يطاق الذي لا موضوع له في المقام ، لما سبق من الشك في التكليف وإمكان الاحتياط. وبنصوص الأذان المتقدمة التي لا طريق للتعدي عن موردها. وبالمرسل في بعض الكتب : « المرء متعبد بظنه » الذي لا دليل على حجيته ، ولا سيما مع عدم العمل به في أكثر موارده ، وكون لسانه شاهداً بأنه عبارة فقيه لا معصوم. وبنصوص الديكة التي لو وجب العمل
بها كانت كنصوص الأذان يقتصر على موردها. مع أن اعتبار ارتفاع أصواتها وتجاوبها أو الصياح ثلاثة أصوات ولاء يأبى عن استفادة الكلية المذكورة منها ، لظهورها في الطريقية التعبدية. وبموثق سماعة : « سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم تر الشمس ولا القمر ولا النجوم. فقال علیه السلام : تجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك » (1)الظاهر في وروده في القبلة كما قد يظهر من السؤال أيضاً ، لا أقل من عدم ظهوره في المقام وبخبر إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) - في حديث - : « إن اللّه تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلا على أوقات الصلاة فموسع عليهم تأخير الصلاة ليتبين لهم الوقت .. » (2)الذي هو - مع ضعفه لجهالة سنده - غير ظاهر في حجية الظن ، وقوله (عليه السلام) : « فموسع عليهم .. » لو سلمت دلالته على جواز التقديم وليس هو حثاً على التأخير ، فلا إطلاق له يدل على جواز العمل بالظن. وبموثق ابن بكير : « ربما صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زوال النهار. فقال (عليه السلام) : لا تُعِد ولا تَعُد » (3)الذي هو على خلاف المطلوب أدل ، فإن النهي عن العود وإن كان يدل على أن ابن بكير كان قد عمل بالظن يدل على عدم جواز ذلك منه لا جوازه وأما نفي الإعادة فهو لوقوعها في الوقت. نعم يدل على الاكتفاء بالموافقة الظنية مع المطابقة للواقع وإن أمكنت الموافقة الجزمية. وبصحيح زرارة : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد
( مسألة 5 ) : إذا اعتقد دخول الوقت فشرع ، وفي أثناء الصلاة تبدل يقينه بالشك لا يكفي في الحكم بالصحة [1]
ذلك وقد صليت أعدت الصلاة ومضى صومك » (1)، الذي لا يظهر منه كون الصلاة كانت بظن الغياب إلا من جهة بُعد الخطأ مع العلم به ، وهو كما ترى. ولو سُلم فهو غير ظاهر في جواز العمل. وبخبر الكناني : « عن رجل صام ثمَّ ظن أن الشمس قد غابت وفي السماء علة فأفطر ثمَّ إن السحاب انجلى فاذا الشمس لم تغب. قال (عليه السلام) : قد تمَّ صومه ولا يقضيه » (2)الذي - مع أن الاستدلال به مبني على عدم الفصل بين الصوم والصلاة وهو غير ظاهر ، للاتفاق على حجية الظن في الأول والاختلاف في الثاني - لا إطلاق له يشمل كل ظن ، لجواز أن يكون المراد من الظن فيه ظناً خاصاً تثبت حجيته عند السائل ، بشهادة ترتب الإفطار عليه بقرينة فاء الترتيب الظاهر في الترتيب الطبيعي لا الزماني. فلاحظ. وبخبر القروي الحاكي عن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) : « أنه كان في حبس الفضل بن الربيع يقوم للصلاة إذا أخبره الغلام بالوقت » (3)الذي فيه - مع ضعف السند - أنه لم يعلم كون الحاصل من قول الغلام هو الظن ، كما لا يظهر منه (عليه السلام) أنه كان عاجزاً عن العلم بالوقت ، بل الظاهر خلافه ، لأنه كان تحت السماء في صحن السجن.
[1] لعدم الدليل على كفاية الاعتقاد الزائل بالشك.
إلا إذا كان حين الشك عالماً بدخول الوقت [1] ، إذ لا أقل من أنه يدخل تحت المسألة المتقدمة من الصحة مع دخول الوقت في الأثناء [2].
( مسألة 6 ) : إذا شك بعد الدخول في الصلاة في أنه راعى الوقت وأحرز دخوله أم لا؟ فان كان حين شكه عالماً بالدخول فلا يبعد الحكم بالصحة [3] وإلا وجبت الإعادة بعد الإحراز [4].
[1] يعني : بكونه في الوقت. أما لو كان عالماً بأنه يكون في الوقت قبل الفراغ فالظاهر البطلان كما تبين في آخر المسألة الثالثة.
[2] إذ هنا يحتمل دخول الوقت حين الشروع ، وهناك يعلم بعدمه حينه.
[3] لقاعدة الصحة التي استقر عليها بناء العقلاء في كل ما يحتمل فيه الصحة والفساد ، عبادة كان أو معاملة ، بعضاً كان أو كلا. مضافاً الى دخوله تحت قوله (عليه السلام) في رواية ابن مسلم : « كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فامضه ولا إعادة عليك فيه » (1)بناء على عمومه للبعض والكل ، كما هو الظاهر.
[4] لقاعدة الاشتغال الموجبة لتحصيل اليقين بالامتثال. نعم له المضي على الشك برجاء دخول الوقت ، وبعد الفراغ لا تجب الإعادة إن أحرز دخوله ولو في أثناء الصلاة قبل حدوث الشك ، وتجب إن لم يحرز ذلك. نظيره ما لو شك في الوقت قبل الشروع في الصلاة فشرع فيها برجاء دخوله ، وبعد الفراغ تبين دخوله ، فإنه لا حاجة الى الإعادة.
1) الوسائل باب : 42 من أبواب الوضوء حديث : 6.
( مسألة 7 ) : إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في أنها وقعت في الوقت أو لا ، فان علم عدم الالتفات الى الوقت حين الشروع وجبت الإعادة [1] ، وإن علم أنه كان ملتفتا ومراعيا له ومع ذلك شك في أنه كان داخلا أم لا بني على الصحة [2]. وكذا إن كان شاكا في أنه كان ملتفتا أم لا. هذا كله إذا كان حين الشك عالما بالدخول وإلا لا يحكم بالصحة مطلقا ، ولا تجري قاعدة الفراغ ، لأنه لا يجوز له حين الشك الشروع في الصلاة [3] فكيف يحكم بصحة ما مضى مع هذه الحالة؟
[1] لقاعدة الاشتغال ، ولا تجري قاعدة الصحة أو قاعدة الفراغ ، لعدم جريانها مع إحراز الغفلة وعدم الالتفات. لكن عرفت في الوضوء الإشكال في ذلك (1)وإمكان دعوى عموم الدليل لصورة الغفلة. ولخصوص حسن الحسين بن أبي العلاء (2).
[2] لقاعدة الفراغ. وكذا في الفرض الآتي ، لعموم دليلها له أيضاً.
[3] هذا غير كاف في المنع عن القاعدة بعد عموم دليلها ، كما لو شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة ، فإنه يبني على صحة الصلاة ولا يجوز له الدخول في صلاة أخرى.
نعم هنا شيء وهو أنه بناء على كون الوقت شرطاً للوجوب لا للوجود
( مسألة 8 ) : يجب الترتيب بين الظهرين [1] بتقديم الظهر ، وبين العشاءين بتقديم المغرب ، فلو عكس عمداً بطل. وكذا لو كان جاهلا بالحكم [2]. وأما لو شرع في الثانية قبل الأولى غافلا أو معتقداً لإتيانها ، عدل بعد التذكر إن كان محل العدول باقياً ، وإن كان في الوقت المختص بالأولى على الأقوى كما مر [3] ، لكن الأحوط الإعادة في هذه الصورة. وإن تذكر بعد الفراغ صح وبني على أنها الأولى في متساوي
يمكن أن يستشكل في جريان قاعدة الفراغ ، لاختصاص دليلها بالشك في تمامية الوجود في ظرف الفراغ عن تعلق الأمر به ، وكونه في عهدة المكلف فلا تشمل صورة ما لو كان الشك في الصحة من جهة تعلق الأمر به ، وكونه موضوعاً للغرض مع إحراز تماميته في نفسه ، لكن لو تمَّ لم تجر القاعدة في جميع الفروض المذكورة في هذه المسألة. فلاحظ.
[1] تقدم الكلام فيه في المسألة الثالثة من فصل الأوقات فراجع.
[2] هذا مبني على إلحاق الجاهل بالحكم بالعامد في عدم شمول حديث : « لا تعاد » (1)كما هو ظاهر المشهور ، إذ حينئذ لا بد من البناء على البطلان فيه ، لعموم ما دل على اعتبار الترتيب ، لكن في المبنى المذكور إشكال ، لعموم الحديث ، وتخصيصه بالناسي مما لا قرينة عليه ، كما أشرنا الى ذلك في مبحث الخلل. نعم يختص بمقتضى الانصراف بمن صلى بانياً على صحة صلاته وأنه في مقام الامتثال ، فلا يشمل العامد ولا المتردد سواء أكان تردده للجهل بالحكم أم الموضوع.
[3] في المسألة الثالثة من فصل أوقات اليومية ، وقد مر الاشكال فيه.
1) تقدمت الإشارة إلى موضعه في أول هذا الفصل.
العدد - كالظهرين تماماً أو قصراً - وإن كان في الوقت المختص على الأقوى ، وقد مر أن الأحوط أن يأتي بأربع ركعات أو ركعتين بقصد ما في الذمة. وأما في غير التساوي - كما إذا أتى بالعشاء قبل المغرب وتذكر بعد الفراغ - فيحكم بالصحة ويأتي بالأولى ، وإن وقع العشاء في الوقت المختص بالمغرب [1] لكن الأحوط في هذه الصورة الإعادة.
( مسألة 9 ) : إذا ترك المغرب ودخل في العشاء غفلة أو نسياناً أو معتقداً لاتيانها فتذكر في الأثناء عدل ، إلا إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة [2] ،
وكذا ما بعده.
[1] لا بأس بهذا التعميم هنا ، لدخول الوقت قبل الفراغ ، فتصح معه الصلاة.
[2] أما جواز العدول قبل الركوع - وإن قام إلى الرابعة وجاء بالتسبيح الواجب - فنسبه في الجواهر الى ظاهرهم. والعمدة فيه إطلاق خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى. فقال (عليه السلام) : إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها ، فان ذكرها وهو في الصلاة بدأ بالتي نسي وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمها بركعة ثمَّ صلى المغرب .. » (1)بناء على ظهور قوله (عليه السلام) : « بدأ .. » في العدول. وإطلاقه شامل لصورتي تجاوز القدر المشترك وعدمه كإطلاق ، قوله (عليه السلام) : « أتمها بركعة » الشامل لصورة كونه في التشهد.
1) الوسائل باب : 63 من أبواب المواقيت حديث : 2.
فإن الأحوط حينئذ إتمامها عشاء ثمَّ إعادتها بعد الإتيان بالمغرب [1].
( مسألة 10 ) : يجوز العدول في قضاء الفوائت أيضاً من اللاحقة إلى السابقة [2] بشرط أن يكون فوت المعدول
نعم قد يمنع من العمل به ضعف سنده ، أو ظهور الفقرة الأولى - بقرينة السؤال - في إرادة وقت الصلاة لا فيها نفسها. وفيه : أن المعلى ابن محمد معتبر الحديث. والفقرة الأولى ظاهرة في إرادة نفس الصلاة. والسؤال لا يصلح قرينة كما يظهر من ملاحظة الفقرة الثانية. مع أن فيها كفاية في إثبات المطلوب. وظاهر الحديث العدول بتمام ما هو موضوع المعدول اليه فلا عدول بالزيادة ، بل تبقى زيادة غير قادحة.
وبذلك يندفع الإشكال بأنه إن أريد منه العدول بتمام المأتي به حتى الزيادة فهو مما لا يلتزم به ، وإن أريد العدول ببعض ما أتي به ، لزم أيضاً مالا يمكن الالتزام به ، فلا بد أن يكون المراد العدول بتمام المأتي به في ظرف الإمكان ، فيختص بصورة عدم تجاوز القدر المشترك ، إذ مع التجاوز لا يمكن العدول بالجميع. فلاحظ.
[1] قد تقدم منه في المسألة الثالثة من فصل أوقات اليومية الجزم بالبطلان في الفرض ، وتقدم وجهه وضعفه ، وأن الأوجه صحتها عشاء لحديث : « لا تعاد الصلاة » (1). ويمكن القول بجواز العدول أيضاً ، لأن الركوع حين ما وقع وقع صحيحاً للإتيان به بقصد العشاء ، وبالعدول لا دليل على قدح مثله. والإجماع - لو تمَّ - إنما قام على قدح زيادة الركوع بقصد الصلاة الخارج هو عنها لا مطلقاً.
[2] بلا خلاف أجده فيه كما في الجواهر ، بل عن حاشية الإرشاد
1) تقدمت الإشارة إلى موضعه في أول هذا الفصل.
عنه معلوماً. وأما إذا كان احتياطياً فلا يكفي العدول في البراءة من السابقة وإن كانت احتياطية أيضاً ، لاحتمال اشتغال الذمة واقعاً بالسابقة دون اللاحقة ، فلم يتحقق العدول من صلاة إلى أخرى. وكذا الكلام في العدول من حاضرة الى سابقتها فان اللازم أن لا يكون الإتيان باللاحقة من باب الاحتياط ، وإلا لم يحصل اليقين بالبراءة من السابقة بالعدول ، لما مر.
( مسألة 11 ) : لا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة [1] في الحواضر ولا في الفوائت ، ولا يجوز من الفائتة إلى الحاضرة. وكذا من النافلة الى الفريضة ولا من الفريضة إلى النافلة ، إلا في مسألة إدراك الجماعة [2]. وكذا من فريضة
للمحقق الثاني : الإجماع عليه. والنصوص غير وافية به ، وإنما تضمنت العدول من الحاضرة إلى الحاضرة أو الى الفائتة. نعم ربما استفيد المقام بالأولوية ، أو بإلغاء خصوصية موردها ، أو لأن القضاء عين الأداء فيجري عليه حكمه. ولكن الجميع غير ظاهر ، ولا سيما الأخير ، فإن إطلاق دليل القضاء إنما يقتضي مماثلته للأداء موضوعاً لا حكماً ، فيجوز أن يكون الشيء الواحد باختلاف كونه في الوقت وفي خارجه مختلف الحكم. فالعمدة فيه ظهور الإجماع عليه المؤيد بما ذكر ، فافهم.
[1] لما عرفت من أنه خلاف الأصل ، ولا دليل عليه في الموارد المذكورة لما تقدم من اختصاص نصوصه بالعدول من الحاضرة إلى السابقة الحاضرة أو الفائتة لا غير. والتعدي منهما الى هذه الموارد المذكورة في المتن يحتاج إلى إلغاء خصوصيتهما عرفاً ، وهو غير ثابت.
[2] ففي صحيح سليمان بن خالد قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)
الى أخرى إذا لم يكن بينهما ترتيب. ويجوز من الحاضرة إلى الفائتة [1] ، بل يستحب في سعة وقت الحاضرة.
( مسألة 12 ) : إذا اعتقد في أثناء العصر أنه ترك الظهر فعدل إليها ثمَّ تبين أنه كان آتيا بها فالظاهر جواز العدول منها الى العصر ثانيا ، لكن لا يخلو عن إشكال [2] ، فالأحوط بعد الإتمام الإعادة أيضا.
عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن وأقام الصلاة. قال (عليه السلام) : فليصل ركعتين ثمَّ ليستأنف الصلاة مع الامام وليكن الركعتان تطوعاً » (1)ونحوه موثق سماعة (2).
[1] بلا خلاف ، لخبر عبد الرحمن المتقدم (3)وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4).
[2] أما إذا تبين له ذلك قبل الإتيان ببعض الأفعال بقصد الظهر : فلا ينبغي الإشكال في الصحة ، إذ لا دليل على قدح هذه النية المحضة في بطلان العصر وعدم إمكان إتمامها. وأما إذا تبين ذلك بعد الإتيان ببعض الأفعال بقصد الظهر : فلا ينبغي الإشكال في الفساد ، بناء على ما عرفت من عدم إمكان التعدي عن مورد نصوص العدول الى غيره. إلا أن يقال بعد بطلان العدول إلى الأولى لم يكن ما يوجب القدح في الصلاة المعدول عنها إلا وقوع بعض الأجزاء بنية الأولى فيها ، وفي بطلان الصلاة بذلك إذا وقع سهواً إشكال كما يأتي في مبحث القواطع.
( مسألة 13 ) : المراد بالعدول ، أن ينوي كون ما بيده هي الصلاة السابقة بالنسبة الى ما مضى منها وما سيأتي [1].
( مسألة 14 ) : إذا مضى من أول الوقت مقدار أداء الصلاة بحسب حاله في ذلك الوقت من السفر والحضر ، والتيمم والوضوء ، والمرض والصحة ، ونحو ذلك ، ثمَّ حصل أحد الأعذار المانعة من التكليف بالصلاة - كالجنون ، والحيض والاغماء - وجب عليه القضاء ، وإلا لم يجب. وإن علم بحدوث العذر قبله وكان له هذا المقدار وجبت المبادرة إلى الصلاة. وعلى ما ذكرنا فان كان تمام المقدمات حاصلة في أول الوقت يكفي مضي مقدار أربع ركعات للظهر ، وثمانية للظهرين ، وفي السفر يكفي مضي مقدار ركعتين للظهر وأربعة للظهرين ، وهكذا بالنسبة إلى المغرب والعشاء. وإن لم تكن المقدمات أو بعضها حاصلة لا بد من مضي مقدار الصلاة وتحصيل تلك المقدمات [2]. وذهب بعضهم إلى كفاية مضي مقدار الطهارة
[1] كما هو الظاهر من قوله (عليه السلام) في قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة عن أبي جعفر علیه السلام : « فانوها الأولى » ، وقوله (عليه السلام) : « فانوها العصر » وقوله علیه السلام : « فانوها المغرب » ، وقوله (عليه السلام) : « فانوها العشاء » (1)وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « فليجعلها الأولى » (2)، وغير ذلك.
[2] قد عرفت في مبحث الحيض الإشكال في اعتبار مضي مقدار
والصلاة في الوجوب وإن لم يكن سائر المقدمات حاصلة. والأقوى الأول. وإن كان هذا القول أحوط.
من الوقت يسع المقدمات في وجوب القضاء ، وأن الظاهر وجوبه بمجرد سعة الوقت لنفس الفعل ، لأن الظاهر من دليل نفي القضاء على الحائض والمجنون والمغمى عليه اختصاصه بصورة استناد الفوت إلى الأعذار المذكورة فلو استند إلى أمور أخرى لم يكن مجال لتحكيمه ، بل كان المرجع فيه عموم وجوب قضاء الفائت ، وإذا مضى من الوقت مقدار أداء الصلاة التامة الأجزاء ، ثمَّ طرأ أحد الأعذار المذكورة فقد تحقق الفوت مستنداً الى غيرها لا إليها ، ولذا لو هيأ المقدمات قبل الوقت فصلى عند دخوله لم تفته ففواتها عند عدم فعل المقدمات قبل الوقت لم يكن مستنداً الى العذر ، والمحكم حينئذ دليل وجوب قضاء الفائت ، لا دليل نفي القضاء عن المعذورين.
وهذا ظاهر بناء على كون دليل نفي القضاء عنهم مخصصاً لدليل وجوب قضاء ما فات ، بأن يكون الفوت متحققاً بالنسبة إليهم وغير موجب للقضاء. أما إذا كان مخصصاً لدليل التكليف بالصلاة - بأن كان كاشفاً عن عدم المصلحة في صلاتهم ، ومانعاً عن صدق الفوت بالإضافة إليهم ، فيكون وارداً على دليل قضاء الفائت ، رافعاً لموضوعه - فقد يشكل وجوب القضاء ، لعدم إحراز الفوت في الفرض المذكور.
ويندفع الإشكال بأنه إذا كان دليل نفي القضاء مختصاً بصورة استناد الترك الى أحد الأعذار المذكورة ، ولم يكن مجال لتطبيقه في الفرض المذكور فلا بد أن يكون المرجع عموم التكليف ، ومقتضاه ثبوت المصلحة فيه حينئذ فلا بد من صدق الفوت ، لأنه منوط وجوداً وعدماً بوجود المصلحة وعدمها فاذا صدق وجب القضاء ، لصوم وجوب قضاء الفائت.
( مسألة 15 ) : إذا ارتفع العذر المانع [1] من التكليف في آخر الوقت ، فان وسع للصلاتين وجبتا ، وإن وسع لصلاة واحدة أتى بها ، وإن لم يبق إلا مقدار ركعة وجبت الثانية فقط ، وإن زاد على الثانية بمقدار ركعة وجبتا معا ، كما إذا بقي إلى الغروب في الحضر مقدار خمس ركعات ، وفي السفر مقدار ثلاث ركعات ، أو الى نصف الليل مقدار خمس ركعات في الحضر ، وأربع ركعات في السفر. ومنتهى الركعة تمام الذكر الواجب من السجدة الثانية [2]. وإذا كان ذات الوقت واحدة - كما في الفجر - يكفي بقاء مقدار ركعة.
ولا فرق فيما ذكرنا بين المقدمات المطلقة كالطهارة ، والمختصة بحال الاختيار ، لجريان ما ذكرنا في الجميع بنحو واحد.
كما لا فرق أيضاً فيه بين القول بوجوب تحصيل المقدمات شرعاً أو عقلا قبل الوقت إذا علم بعدم التمكن منها بعده للبناء على الوجوب المعلق أو للبناء على حرمة التفويت عقلا ، وبين القول بعدمه ، إذ عدم حرمة التفويت لا يلازم عدم صدق الفوت الذي وموضوع القضاء. نعم لو ثبت توقيت المقدمات بالوقت كأصل الواجب ، كان اللازم الحكم بنفي القضاء ، لاستناد العدم الى العذر لا غير ، فيرتفع موضوع القضاء أعني : الفوت أو حكمه. لكنه يختص حينئذ بالمقدمات المعتبرة مطلقاً كالطهارة ، لا غيرها مما يسقط في حال الاضطرار ، فان اعتبار سعة الوقت له مما ليس له وجه ظاهر. ومن ذلك تعرف وجه القول باعتبار سعة الوقت للطهارة. فلاحظ وتأمل.
[1] تقدم الكلام في هذه المسألة في فصل الأوقات. فراجع.
[2] لأن الظاهر من الركعة في لسان الشارع مجموع الأفعال حتى
( مسألة 16 ) : إذا ارتفع العذر في أثناء الوقت المشترك بمقدار صلاة واحدة. ثمَّ حدث ثانياً - كما في الإغماء والجنون الأدواري - فهل يجب الإتيان بالأولى ، أو الثانية ، أو يتخير وجوه [1].
( مسألة 17 ) : إذا بلغ الصبي في أثناء الوقت وجب عليه الصلاة إذا أدرك مقدار ركعة أو أزيد [2].
السجدتين ، لا واحدة الركوع ، كما قد يتوهم من الهيئة ، ولا ما ينتهي بمسمى السجود ، لأن الذكر وإن كان خارجاً عن السجود غير خارج عن الركعة. ولا يدخل فيها رفع الرأس من السجود ، لكونه من المقدمات العقلية لما بعده من الأفعال ، لا من الواجبات الصلاتية. ولا تتوقف على إتمام السجود وإن قلنا بالوجوب التخييري بين السجود القصير والطويل لأن الظاهر من إدراك الوقت بإدراك الركعة إدراك أقل الواجب منها لا غير. وقد تعرضنا في الخلل لتحديد الركعة فراجعه فان له نفعاً في المقام.
[1] قد تقدم في فصل الأوقات ترجيحه للأخير. كما تقدم أيضاً بيان وجهه ووجه الأول. ولم يتضح لي وجه الثاني إلا ما ربما يمكن أن يقال : بأن وقت الاختصاص بالعصر يراد به آخر وقت بعد الوقت الأول يمكن فيه فعل العصر ، فيكون الوقت المذكور وقت اختصاص العصر يتعين فعلها فيه.
[2] لعموم دليل التكليف بالصلاة من غير مخصص. مع عموم : « من أدرك ركعة .. » (1).
1) راجع مسألة : 11 من فصل أوقات اليومية في هذا الجزء.
ولو صلى قبل البلوغ ، ثمَّ بلغ في أثناء الوقت فالأقوى كفايتها [1] ، وعدم وجوب إعادتها وإن كان أحوط. وكذا الحال لو بلغ في أثناء الصلاة.
( مسألة 18 ) : يجب في ضيق الوقت الاقتصار على أقل الواجب إذا استلزم الإتيان بالمستحبات وقوع بعض الصلاة خارج الوقت ، فلو أتى بالمستحبات مع العلم بذلك يشكل صحة صلاته ، بل تبطل على الأقوى [2].
[1] لما عرفت غير مرة من أن عموم حديث : « رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم » (1)بمناسبة وروده في مقام الامتنان ، إنما يرفع التكليف والإلزام لأنه الذي في رفعه الامتنان لا غير ، فيكون فعل الصبي كفعل البالغ من جميع الجهات إلا من حيث الإلزام ، فإنه غير ملزم به وإن كان واجداً لملاك الإلزام كفعل البالغ ، فاذا جاء به الصبي في حال صباه فقد حصل الغرض وسقط الأمر ، فلا مجال للامتثال ثانياً. وكذا الحال فيما لو بلغ في أثناء الصلاة.
[2] إن كان البطلان من جهة النهي فهو - مع أنه مبني على أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده - إنما يقتضي بطلان ذلك المستحب لا أصل الصلاة. وإن كان من جهة الزيادة فهو مبني على أن الاجزاء الاستحبابية مأتي بها بقصد الجزئية ، وقد أشرنا في مبحث الخلل إلى أن التحقيق خلافه ، وإلا لم تكن مستحبة ، بل كانت واجبة ، فإن جزء الشيء عينه فلا بد أن يكون له حكمه. وإن كان من جهة التشريع لعدم استحباب ما يفوت به الوقت فالإتيان به بقصد العبادة تشريع محرم ، فهو مبني على إبطال التشريع ، والتحقيق خلافه ، لعدم الدليل عليه ، ولا
1) الوسائل باب : 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 11.
( مسألة 19 ) : إذا أدرك من الوقت ركعة أو أزيد يجب ترك المستحبات [1] محافظة على الوقت بقدر الإمكان. نعم في المقدار الذي لا بد من وقوعه خارج الوقت لا بأس بإتيان المستحبات.
( مسألة 20 ) : إذا شك في أثناء العصر في أنه أتى بالظهر أم لا ، بنى على عدم الإتيان وعدل إليها إن كان في الوقت المشترك ، ولا تجري قاعدة التجاوز [2]. نعم لو كان
ينافي التعبد بالصلاة. وإن كان من جهة كونه من الكلام المبطل عمداً ، فهو - مع أنه مختص بالمستحب الكلامي ، ولا يجري في الفعل المستحب كجلسة الاستراحة ونحوها - لا يتم ، لأن المستحبات الكلامية كلها من قبيل الذكر والدعاء ، ومثله غير مبطل ، وقد عرفت أن تحريمه غير ثابت كي تمكن دعوى الابطال به بناء على إبطال الدعاء والذكر المحرمين.
[1] قد عرفت أن هذا الوجوب عرضي جاء من وجوب إيقاع الركعة في الوقت.
[2] إما لأن الترتيب شرط ذكري لا واقعي ، والمفروض في الشك أن الظهر على تقدير تركها متروكة نسياناً فلا ترتيب ولا تجاوز. وإما لأن الترتيب كما يعتبر في الأجزاء السابقة على الشك يعتبر في الأجزاء اللاحقة له أيضاً فاجراؤها لإثبات صحة الأجزاء السابقة لا يجدي في إحراز صحة الأجزاء اللاحقة.
وفيه : أنه يكفي في جريان قاعدة التجاوز شرطية الترتيب بلحاظ الجعل الأولي وإن انتفت بلحاظ الجعل الثانوي الثابت من جهة النسيان وقد صرح في صحيح زرارة بجريانها إذا شك في القراءة وهو في الركوع (1)
1) الوسائل باب : 23 من أبواب خلل صلاة حديث : 1.
في الوقت المختص بالعصر يمكن البناء على الإتيان باعتبار كونه من الشك بعد الوقت.
مع أن القراءة ليست جزءاً في حال النسيان. وأن الترتيب منتزع من فعل العصر بعد الظهر ، والبعدية للظهر وإن كانت معتبرة في جميع أجزاء العصر ، ولا تختص بجزء دون جزء ، إلا أن الظهر لما كان لها موضع معين ومحل مخصوص يصدق التجاوز عنها بالإضافة الى جميع الأجزاء بمجرد التعدي عن موضعها والشروع في العصر ، ولا يحتاج الى الدخول في جميع الأجزاء والفراغ من العصر بتمامها.
فالأقوى إذن صحة جريان قاعدة التجاوز ، وإتمام الصلاة بعنوان العصر ، ولا يجوز العدول منها الى الظهر. بل لا تبعد دعوى عدم الحاجة الى فعل الظهر بعد إتمام العصر ، لأن الظاهر من دليل القاعدة إثبات الوجود المشكوك فيه بلحاظ جميع الآثار العملية ، لا خصوص صحة ما بعد المشكوك كما قد يظهر ذلك من إجرائها في صحيح زرارة في الشك في القراءة وهو في الركوع ، فإن إثبات القراءة إنما يكون بلحاظ وجوب سجود السهو الذي هو أثر عملي خارج عن الصلاة ، وإلا فالركوع صحيح في ظرف ترك القراءة نسياناً. بل يمكن أن يكون إجراؤها في صحيح زرارة في الشك في الأذان والإقامة إذا كبر من ذلك القبيل ، بأن يكون المقصود إثباتهما بلحاظ سقوط الأمر بهما ، لا بلحاظ تصحيح الصلاة ، لصحتها ولو علم ترك الأذان والإقامة. ولا بلحاظ كمالها ، لإمكان دعوى كون استحبابهما لذاتهما لا لتكميل الصلاة. فتأمل.
فإن قلت : لازم ذلك أنه لو شك بعد الفراغ من الصلاة وهو في التعقيب في كون الصلاة في حال الطهارة تجري قاعدة التجاوز لإثبات
وهي المكان الذي وقع فيه البيت - شرفه اللّه تعالى - من تخوم الأرض إلى عنان السماء [1] ، للناس كافة ، القريب والبعيد ، لا خصوص البنية.
الطهارة ، ولا يحتاج الى تجديدها بالإضافة إلى صلاة أخرى.
قلت : الدخول في صلاة أخرى ليس من الآثار العملية لثبوت الطهارة حال الصلاة التي فرغ منها ، وإنما هو أثر عملي لكونه على طهارة في حال الدخول في الصلاة الثانية ، وكونه على طهارة في تلك الحال ملازم لكونه على طهارة في حال الصلاة الأولى ، فإثباتها بقاعدة التجاوز موقوف على القول بالأصل المثبت. هذا ولا بأس بمراجعة ما كتبناه في مبحث الخلل فان له نفعاً في المقام.
فصل في القبلة
[1] بلا خلاف ، كما عن المفاتيح. وعن المنتهى : « لا نعرف فيه خلافاً بين أهل الحل ». وفي كشف اللثام : « إنه إجماع من المسلمين ». ويشهد له مرسل الفقيه : « قال الصادق (عليه السلام) : أساس البيت من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض السابعة العليا » (1)، وخبر عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سأله رجل قال : صليت فوق أبي قبيس العصر
1) الوسائل باب : 18 من أبواب القبلة حديث : 3.
ولا يدخل فيه شيء من حجر إسماعيل [1] وإن وجب إدخاله
فهل يجزي ذلك والكعبة تحتي؟ قال (عليه السلام) : نعم إنها قبلة من موضعها الى السماء » (1)، وخبر خالد بن أبي إسماعيل : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يصلي فوق أبي قبيس مستقبل القبلة. فقال (عليه السلام) : لا بأس » (2)
[1] كما عن الأكثر ، لصحيح معاوية بن عمار : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الحجر أمن البيت هو أم فيه شيء من البيت؟ قال (عليه السلام) : لا ولا قلامة ظفر ، ولكن إسماعيل دفن فيه أمه فكره أن يوطأ فجعل عليه حجراً ، وفيه قبور أنبياء » (3). ومثله في الدلالة على أن فيه قبر إسماعيل أو عذارى بناته ، أو قبور أنبياء جملة وافرة من النصوص مذكورة في أبواب الطواف من الوسائل (4). ومنه يظهر ضعف ما عن نهاية الأحكام والتذكرة : من جواز استقباله لأنه عندنا من الكعبة. وما في الذكرى : من أن ظاهر الأصحاب أن الحجر من الكعبة بأسره ، وأنه قد دل النقل على أنه كان منها في زمن إبراهيم وإسماعيل الى أن بنت قريش الكعبة ، فأعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه ، وكذلك كان في عهد النبي (صلی اللّه عليه وآله) ونقل عنه (صلی اللّه عليه وآله) الاهتمام بإدخاله في بناء الكعبة ، وبذلك احتج ابن الزبير حيث أدخله فيها ثمَّ أخرجه الحجاج بعده ورده الى ما كان. ولأن الطواف يجب خارجه ، وللعامة خلاف في كونه من الكعبة بأجمعه أو بعضه أو ليس منها وفي الطواف خارجه. وبعض الأصحاب له فيه كلام أيضاً مع إجماعنا على وجوب إدخاله في الطواف انتهى. وعن جماعة من علمائنا الاعتراف بعدم الوقوف
في الطواف [1]. ويجب استقبال عينها [2] ، لا المسجد أو الحرم ولو للبعيد.
على النقل الذي ادعاه من طريق الأصحاب. قال في المدارك : « وما ادعاه من النقل لم أقف عليه من طرق الأصحاب ». وفي كشف اللثام قال : « وما حكاه إنما رأيناه في كتب العامة وتخالفه أخبارنا » ، ثمَّ ذكر صحيح معاوية بن عمار المتقدم وغيره.
[1] لعدم الملازمة بين الطواف وما نحن فيه.
[2] كما عن السيد ، وابن الجنيد ، وأبي الصلاح ، وابن إدريس ، والمحقق في النافع. ونسب إلى المتأخرين بل إلى الأكثر والمشهور. وكلام أكثرهم وإن كان : « الكعبة قبلة القريب وجهتها قبلة البعيد » ، لكن مرادهم من الجهة ما سيأتي ، فيرجع الى أنها قبلة مطلقاً. ويشهد له النصوص المستفيضة بل المتواترة التي عقد لها في الوسائل باباً وإن لم يستوفها فيه (1). فراجعه. وفي حاشية المدارك : « إن كون الكعبة قبلة من ضروريات الدين والمذهب حتى أن الإقرار به يلقن الأموات فضلا عن الأحياء كالإقرار باللّه تعالى ». ونحوها غيرها. وفي الجواهر : « يعرفه الخارج عن الإسلام فضلا عن أهله ».
ومع ذلك حكي عن الشيخين وجماعة من القدماء وبعض المتأخرين : أن الكعبة قبلة لمن في المسجد ، وهو قبلة لمن في الحرم ، وهو قبلة لمن خرج عنه. وفي الشرائع : انه الأظهر. وفي الذكرى : نسبه الى أكثر الأصحاب. وعن الخلاف : الإجماع عليه. واستدل له - مضافاً الى الإجماع المذكور ، وما عن مجمع البيان من نسبته إلى أصحابنا - بمرسل
1) الوسائل باب : 2 من أبواب القبلة حديث : 1.
عبد اللّه بن محمد الحجال عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن اللّه تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد ، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا » (1). ونحوه مرسل الفقيه عن الصادق (عليه السلام) (2)وخبر بشر بن جعفر الجعفي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3)، بل لا يبعد اتحاد الأولين. ويعضدهما خبر أبي عزة : « قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : البيت قبلة المسجد ، والمسجد قبلة مكة ، ومكة قبلة الحرم ، والحرم قبلة الدنيا » (4). ويشير إليهما ما ورد في استحباب التياسر لأهل العراق (5).
ولكن الجميع كما ترى ، إذ الإجماع لا مجال للاعتماد عليه مع ظهور الخلاف. ولذا قال في المعتبر - في الجواب عن احتجاج الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف بإجماع الفرقة - : « أما الإجماع فلم نتحققه لوجود الخلاف من جماعة من أعيان فضلائنا ». وأما الأخبار فمع ما هي عليه من الضعف بالإرسال وغيره واختلافها فيما بينها ، بل قيل بعدم القائل بمضمون الأخير منها ، لا تصلح لمعارضة ما سبق ، لكثرة العدد ، وصحة السند ، والاعتضاد بما عرفت ، فلا يبعد حملها على إرادة بيان اتساع جهة المحاذاة للبعيد - كما يشير اليه بعض القائلين بمضمونها. فعن المقنعة : « القبلة هي الكعبة ، ثمَّ المسجد قبلة لمن نأى عنها ، لأن التوجه اليه توجه إليها » - أو على إرادة المواجهة من الاستقبال ، فمن كان خارج المسجد إنما يواجه المسجد ، ومن كان خارج مكة إنما يواجه مكة ، ومن كان خارج الحرم إنما يواجه الحرم. ولعل
ولا يعتبر اتصال الخط من موقف كل مصل بها [1] ، بل المحاذاة العرفية كافية غاية الأمر أن المحاذاة تتسع مع البعد ، وكلما ازداد بعداً ازدادت سعة المحاذاة ، كما يعلم ذلك بملاحظة الأجرام البعيدة كالنجوم ونحوها ، فلا يقدح زيادة عرض صف المستطيل عن الكعبة في صدق محاذاتها كما نشاهد ذلك بالنسبة إلى الأجرام البعيدة. والقول بأن القبلة للبعيد سمت الكعبة وجهتها راجع في الحقيقة إلى ما ذكرناه. وإن كان مرادهم الجهة العرفية المسامحية فلا وجه له.
ترك مكة في الخبرين الأولين لا مكان مواجهة المسجد لمن بعد عن البلد ، لارتفاع جدرانه ، وإلا فالالتزام بظاهرها من جواز استقبال أي طرف من المسجد وإن لزم الانحراف عن الكعبة كثيراً - وكذا في استقبال طرف الحرم - غريب في مذاق المتشرعة ، ولا يظن من أهل القول المذكور التزامهم به ، وإن كان هو المحكي عن ظاهر جملة من كتبهم. فالبناء على أن الكعبة قبلة مطلقاً هو المتعين.
[1] قد عرفت الإشارة الى أن الموجود في كلام المتأخرين والمنسوب إليهم القول بأن الكعبة هي القبلة أن جهتها قبلة البعيد. قال في المعتبر : « القبلة هي الكعبة مع الإمكان وإلا جهتها ». وقد اختلفت عباراتهم في تفسير الجهة ، ففي المعتبر : « أنها السمت الذي فيه الكعبة » ، وعن التذكرة والنهاية : « أنها ما يظن أنها الكعبة » ، وفي الذكرى وعن الجعفرية « أنها السمت الذي يظن كون الكعبة فيه » ، وعن المقداد : « أنها خط مستقيم يخرج من المشرق الى المغرب الاعتداليين ويمر بسطح الكعبة ، فالمصلي يفرض من نظره خطاً يخرج الى ذلك الخط ، فان وقع على زاوية قائمة
فذلك هو الاستقبال ، وإن كان على حادة أو منفرجة فهو الى ما بين المشرق والمغرب ». ونحوه ما عن شرح الألفية للمحقق الثاني. وعن المسالك والروضة والروض وغيرها : « أنها القدر الذي يجوز على كل جزء منه كون الكعبة فيه ، ويقطع بعدم خروجها عنه لأمارة شرعية » ، ومثله - بإسقاط القيد الأخير - ما عن جامع المقاصد وفوائد الشرائع .. الى غير ذلك من العبارات التي لا يخلو ظاهرها عن الإشكال ، فإن الظن والاحتمال مما لا دخل لهما في مفهوم الجهة أصلا ، بل ما هو جهة الكعبة جهتها سواء أظن أو احتمل كون الكعبة فيه أم لا ، وما لا يكون جهة الكعبة ليس جهتها سواء أظن أو احتمل كون الكعبة فيه أم لا ، فان الظن والاحتمال - على تقدير دخلهما - دخيلان في الجهة الظاهرية التي تجوز الصلاة إليها ظاهراً لا في ما هو جهة الكعبة واقعاً.
وأما ما ذكره المقداد فهو غريب ( أولاً ) من جهة أن الخط الخارج ما بين المشرق والمغرب الاعتداليين يمتنع أن يكون ماراً بسطح الكعبة ، لانحرافها عنه الى الشمال. ( وثانياً ) بأن لازم ما ذكره أن يكون جميع البلاد الشمالية بالإضافة إلى مكة قبلتها نقطة الجنوب ، فان الخط الخارج من موقف المصلي إلى الخط المذكور المقاطع له على زوايا قوائم هو خط نصف النهار المفروض ما بين نقطتي الجنوب والشمال ، وهذا إن لم يكن خلاف الضرورة من الدين فلا أقل من كونه خلاف ضرورة الفقه ، ومنافياً لجعل العلامات المختلفة باختلاف الأقاليم المخالفة طولا وعرضاً لمكة. ( وثالثاً ) بأنه خال عن التعرض للجهة بالإضافة إلى البلاد الشرقية بالإضافة إلى مكة أو الغربية الواقعة في ذلك الخط المفروض بين المشرق والمغرب الاعتداليين.
نعم تعريف المعتبر لا بأس به بناء على أن يكون المراد من السمت
خصوص نقطة من الأفق يكون الخط الخارج من موقف المصلي إليها مسامتاً للكعبة.
والسبب في عدول الأصحاب عن التعبير بما في النصوص من كون الكعبة الشريفة قبلة مطلقاً الى التعبير بأن قبلة البعيد الجهة ، هو امتناع مقابلة البعيد للكعبة بناء على كروية الأرض ، بل الخط الخارج من موقف البعيد إلى الكعبة إنما هو شبه القوس المختلف كبراً وصغراً باختلاف بعد المصلي عنها وقربه ، لا ما قد يظهر من المصنف (رحمه اللّه) من أن الوجه في العدول الإشارة منهم إلى اتساع المحاذاة مع البعد ، إذ الاتساع المذكور لا يختص بالبعد بل يكون مع القرب والمشاهدة للبيت الشريف ، كما أشرنا إليه في محمل نصوص المسجد والحرم. نعم الاتساع المذكور ليس برهانياً واقعياً بل هو حسي وجداني ، ولا ينبغي التأمل في كون موضوع أدلة وجوب الاستقبال هو الاستقبال على النحو المذكور - أعني : الاستقبال الحسي الوجداني - لا العقلي البرهاني. ونظيره تغير لون الماء وريحه وطعمه الذي أخذ موضوعاً لأدلة الانفعال. ومنه يظهر كون الصف المستطيل المنعقد بعيداً عن الكعبة - ولو مع مشاهدتها - كله مستقبل الكعبة حساً ووجداناً وإن كان بعضه منحرفاً عنها واقعاً وبرهاناً. نعم يختلف ذلك باختلاف مراتب البعد ، فان كان بعيداً عن الكعبة بمقدار ميل أمكن أن يكون تمام الصف مستقبلا لها ، وإن كان يزيد طوله على طولها بمقدار نصفه أو مثله وإن كان عشرة أميال يكون كذلك وإن كان يزيد بأمثاله .. وهكذا.
ومعيار الاستقبال على النحو المذكور أن ينظر المصلي إلى قوس من دائرة الأفق يكون بحسب حسه ونظره - بعد التأمل والتدقيق - مستقبلا لجميع أجزائه ، ثمَّ يفرض خطين يخرجان من جانبيه إلى طرفي القوس ،
فكل ما يكون في هذا الانفراج فهو مستقبل - بالفتح - ولما كان هذا الانفراج يضيق من جانب المصلي ويتسع من جانب القوس ، فكلما يكون المستقبل - بالفتح - من جانب المصلي أقرب تكون المحاذاة أضيق ، وكلما كان أبعد كانت المحاذاة أوسع. ولعل مراد المصنف (رحمه اللّه) من المحاذاة العرفية هذا المعنى. يعني : المحاذاة الحسية لا المحاذاة المسامحية.
هذا وقد ذكر بعض مشايخنا - دام تأييده - في درسه : « إن قوس الاستقبال من دائرة الأفق نسبته إليها نسبة قوس الجبهة إلى مجموع دائرة الرأس ، ولما كان الغالب أن قوس الجبهة خمس من دائرة الرأس تقريباً ، فقوس الاستقبال من دائرة الأفق خمس تقريباً الذي يبلغ اثنتين وسبعين درجة وعليه فلا يضر الانحراف ثلاثين درجة تقريباً ». وما ذكره مما لا يشهد به عرف ولا لغة ، ولا تساعده كلماتهم ، فاستظهاره من الأدلة غير ظاهر الوجه.
ومثله في الاشكال ما عن المحقق الأردبيلي من عدم اعتبار التدقيق في أمر القبلة ، وما حاله إلا كحال أمر السيد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية الذي لا ريب في امتثاله بمجرد التوجه الى تلك البلد من غير حاجة الى رصد وعلامات وغيرها ، مما يختص بمعرفته أهل الهيئة ، المستبعد والممتنع تكليف عامة الناس من النساء والرجال - خصوصاً السواد منهم - بما عند أهل الهيئة الذي لا يعرفه إلا الأوحدي منهم ، واختلاف العلامات التي نصبوها ، وخلو النصوص عن التصريح بشيء من ذلك سؤالاً وجواباً ، عدا ما ستعرفه مما ورد في الجدي من الأمر تارة بجعله بين الكتفين ، وأخرى بجعله على اليمين ، مما هو - مع اختلافه ، وضعف سنده ، وإرساله - خاص بالعراقي ، مع شدة الحاجة لمعرفة القبلة في أمور كثيرة ، خصوصاً
ويعتبر العلم بالمحاذاة [1] مع الإمكان. ومع عدمه يرجع الى العلامات والأمارات المفيدة للظن [2].
في مثل الصلاة التي هي عمود الأعمال وتركها كفر ، ولعل فسادها ولو بترك الاستقبال كذلك أيضاً ، وتوجه أهل مسجد قبا في أثناء الصلاة لما بلغهم انحراف النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، وغير ذلك مما لا يخفى على العارف بأحكام هذه الملة السهلة السمحة ، أكبر شاهد على شدة التوسعة في أمر القبلة وعدم وجوب شيء مما ذكره هؤلاء المدققون انتهى. ونحوه ما في المدارك وعن غيرها.
إذ فيه : ما عرفت من أن ظاهر أدلة الاستقبال وجوب الاستقبال بالمعنى المتقدم ، والخروج عنه مما لا موجب له. وكذا الحال في المثال الذي ذكره ، والاكتفاء فيه بمجرد التوجه في الجملة ممنوع ، إلا أن تقوم قرينة عليه. نعم تعذر العلم بها غالباً أو صعوبته يجوز الرجوع الى الظن - كما سيأتي - لا أنه يكون دليلاً على التوسع في معنى الاستقبال. فلاحظ. واللّه سبحانه أعلم.
[1] لأن شغل الذمة اليقيني يستدعي الفراغ كذلك.
[2] استظهر في الجواهر جواز العمل بالأمارات الشرعية ولو مع التمكن من العلم ، لإطلاق دليل العمل بها ، وظهور اتفاق الأصحاب على إرادتها من العلم المأمور به للقبلة. وفيه : أنه إن كان المراد من الأمارات الشرعية ما ورد به النص مثل وضع الجدي على المنكب أو بين الكتفين ، ففيه : أن ظاهر السؤال في المرسل الآتي صورة العجز ، وكذا ظاهر المسند. مع أن في جعل الجدي من الأمارات الشرعية - بناء على استفادته من النص - إشكالا ، لأنه إذا كان علامة في صقع معين يمتنع أن يكون مخالفاً ، لأنه يلزم من الأمر بالعمل به الأمر بمخالفة الواقع دائماً. مع
وفي كفاية شهادة العدلين مع إمكان تحصيل العلم إشكال [1] ومع عدمه لا بأس بالتعويل عليها [2] إن لم يكن اجتهاده على خلافها [3]
أنه خلاف كونه علامة على القبلة ، فيتعين كونه مصيباً لها دائماً ويكون من الامارات المفيدة للعلم. نعم لو بني على عدم استفادة كونه علامة من النص من جهة قصور دلالته ، وأن ذلك مأخوذ من قول أهل الخبرة ، خرج عن كونه من الأمارات الشرعية ويكون حاله حال غيره مما يفيد الظن. وإن كان المراد مثل قبله البلد ومحاريب المسلمين وإخبار ذي اليد فالحكم بإطلاق أدلتها غير ظاهر ، إذ هي مستفادة من السيرة والإجماع. ودعوى شمولها لصورة التمكن من العلم محتاجة إلى تأمل. وسيأتي التعرض لذلك إن شاء اللّه.
[1] وجهه : أن دليل حجية البينة وإن كان شاملا للمقام - على ما عرفت من إمكان استفادة عموم الحجية من رواية مسعدة بن صدقة (1)- إلا أن في شمولها للأخبار عن حدس تأملا ، لقرب دعوى انصرافها الى الاخبار عن حسن أو ظهورها فيه.
وأما ما في الجواهر من أنه بين دليل اعتبارها وما دل على وجوب الاجتهاد عموم من وجه. ففيه : أن دليل اعتبارها حاكم على ما دل على وجوب الاجتهاد عند تعذر العلم ، لأن دليل اعتبارها يجعلها علماً تنزيلا فلا مجال للاجتهاد معه. ومنه يظهر أن الأقوى التفصيل بين إخبارها عن حس فتكون حجة ، وعن حدس فلا تكون حجة.
[2] لدخولها حينئذ في التحري الواجب عند عدم إمكان العلم بالقبلة.
[3] إذ حينئذ يكون العمل على اجتهاده ، لأنه أقرب إلى مطابقة
1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4.
وإلا فالأحوط تكرار الصلاة [1] ، ومع عدم إمكان تحصيل الظن يصلي الى أربع جهات [2] إن وسع الوقت ، وإلا فيتخير بينها
الواقع فيدخل في التحري دونها. هذا إذا كان أخبار البينة عن حدس. أما إذا كان عن حس فالبينة مقدمة على اجتهاده كما عرفت.
[1] فيصلي مرة على طبق اجتهاده ، وأخرى على طبقها. وظاهره التوقف. لكن عرفت الاجتزاء بالعمل باجتهاده.
[2] الترتيب المذكور هو المشهور. وعن ظاهر الشيخين في المقنعة والنهاية والمبسوط وغيرهما : أنه مع فقد الأمارات السماوية لا يجوز العمل بالظن ، بل يصلي الى أربع جهات مع الإمكان ، ومع عدمه يصلي الى جهة واحدة. وفيه : أنه مخالف لصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة؟ » (1)، وموثق سماعة : « سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس والقمر ولا النجوم. قال (عليه السلام) : اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك » (2)بناء على ظهورها في الاجتهاد في القبلة لا في الوقت ، ضرورة صدق التحري والاجتهاد على مطلق الظن. نعم يعارضهما مرسل خراش عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون : إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد. فقال (عليه السلام) ليس كما يقولون ، إذا كان كذلك فليصل لأربع وجوه » (3)إلا أنه لا مجال للعمل به لإرساله وإعراض المشهور عنه.
وكيف كان فالمشهور شهرة عظيمة أنه مع فقد العلم والظن يصلي الى أربع جهات ، بل في المعتبر وعن المنتهى والتذكرة : نسبته إلى علمائنا وعن صريح الغنية : الإجماع عليه. ويشهد له مرسل خراش المتقدم ، ومرسل الكافي : « روي أيضاً أن المتحير يصلي الى أربعة جوانب » (1)ومرسل الفقيه : « روي في من لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أن يصلي الى أربعة جوانب » (2). وضعفها منجبر بما عرفت.
نعم يعارضها صحيح زرارة ومحمد عن أبي جعفر (عليه السلام) : « يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (3)، ومرسل ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن زرارة قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحير. فقال (عليه السلام) : يصلي حيث يشاء » (4)، وصحيح معاوية بن عمار : « أنه سأل الصادق (عليه السلام) : عن الرجل يقوم في الصلاة ثمَّ ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف يميناً أو شمالا. فقال (عليه السلام) : قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة. ونزلت هذه الآية في قبلة المتحير ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (5)» (6).
والمناقشة في الأول سنداً بجهالة طريق الصدوق إلى زرارة ومحمد مجتمعين ، ومتناً من جهة أن في بعض النسخ ذكر « التحري » بدل
« المتحير ». مع أنه مناف لما دل على وجوب التحري عند عدم العلم. وفي الثاني بالإرسال. وفي الثالث بأنه قد احتمل جماعة من المحققين كون قوله : « نزلت .. » ، من كلام الصدوق لا من الرواية.
مندفعة بأن نص الصدوق على طريقه الى زرارة والى محمد مع عدم تعرضه لطريقة إليهما مجتمعين يقتضي أن طريقه إليهما مجتمعين هو طريقه الى كل منهما منفرداً. وما في بعض النسخ لا يعول عليه بعد كون النسخة الشائعة ما ذكرنا ولا سيما مع عدم مناسبة المتن لما في بعض النسخ. والجمع بينه وبين ما دل على وجوب التحري ممكن بالتقييد ، بل لعل ما دل على وجوب التحري يدل على حجية الظن ، ويكون بمنزلة العلم ، فيكون حاكماً على الرواية المذكورة ومرسل ابن أبي عمير كمسنده حجة عند المشهور ، فإنه لا يرسل إلا عن ثقة. فتأمل. واحتمال جملة من المحققين لا مجال للاعتماد عليه في رفع اليد عن الظاهر. وكأن الوجه في مناسبته لصدر الرواية هو التنظير ، وأنه كما لا يضر الانحراف عن القبلة خطأ كذلك لا يضر مع التحير. وورود جملة من النصوص في نزول الآية الشريفة المذكورة في النافلة (1)لا ينافي نزولها أيضاً في المتحير.
وكأنه لذلك اختار جماعة من المتأخرين الاكتفاء بالصلاة لجهة واحدة منهم المحقق الأردبيلي. وعن المختلف والذكرى : الميل اليه. ونسب أيضاً الى العماني والصدوق. وهو في محله لو لا شبهة إعراض الأصحاب عن النصوص المذكورة وإن لم يكن متحققاً ، لاحتمال كون الوجه في بنائهم على الصلاة للجهات الأربع كونه أوفق بقاعدة الاحتياط. وأما ما عن
1) راجع الوسائل باب : 15 من أبواب القبلة حديث : 18 و 19 و 23 وباب : 13 من أبواب القبلة حديث : 7 وراجع المستدرك باب : 11 من أبواب القبلة حديث : 5 و 6.
( مسألة 1 ) : الامارات المحصلة للظن التي يجب الرجوع إليها عند عدم إمكان العلم كما هو الغالب بالنسبة إلى البعيد - كثيرة :
( منها ) : الجدي [1] الذي هو المنصوص في الجملة [2] بجعله في أواسط العراق - كالكوفة والنجف وبغداد ونحوها -
السيد ابن طاوس (رحمه اللّه) في ( أمان الأخطار ) من الرجوع الى القرعة ففيه : أنه طرح لنصوص الطرفين من غير وجه ظاهر.
[1] بفتح الجيم وسكون الدال المهملة كما ضبطه جماعة ، منهم الحلي في السرائر ، وحكاه عن إمام اللغة ببغداد ابن العطار ، واستشهد له بقول مهلهل :
كأن الجدي جدي بنات نعش
يكب على اليدين فيستدير
وعن المغرب : « أن المنجمين يصغرونه فرقاً بينه وبين البرج ». وفي القاموس : « أن الجدي بمعنى البرج لا تعرفه العرب ». وعليه يكون مختصاً بالكوكب عندهم.
[2] ففي موثق محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « سألته عن القبلة فقال (عليه السلام) : ضع الجدي في قفاك وصله » (1)، ومرسل الفقيه : « قال رجل للصادق علیه السلام : أني أكون في السفر ولا أهتدي الى القبلة بالليل. فقال (عليه السلام) : أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قلت : نعم. قال (عليه السلام) : اجعله على يمينك ، وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك » (2). وما عن تفسير العياشي عن إسماعيل بن أبي
زياد السكوني عن جعفر (عليه السلام) : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (1)قال (صلی اللّه عليه وآله) : هو الجدي لأنه نجم لا يزول ، وعليه بناء القبلة ، وبه يهتدي أهل البر والبحر » (2). ونحوه خبره الآخر (3).
ولا يخفى أنه لا يمكن الأخذ بإطلاق النصوص المذكورة. وحملها على صقع معين تناسبه مما لا قرينة عليه. ومجرد كون السائل في الأول من أهل الكوفة غير كاف في القرينية على إرادتها بالخصوص ، ولا سيما لو ثبت مخالفتها لبلد السؤال. مع أن ذلك مناف لما ذكره المحققون من انحراف قبلة الكوفة عن نقطة الجنوب الى المغرب ، وأنه مما يبعد السؤال عن قبلة الكوفة التي هي من أعظم الأمصار الإسلامية المشتملة على كثير من المساجد ، ومنها المسجد الأعظم ، فإنه مما يبعد جداً جهل محمد بن مسلم بقبلتها الى زمان السؤال. فتأمل جيداً. فالبناء على إجمال النصوص المذكورة متعين. نعم يستفاد منها ومن غيرها - كموثق سماعة المتقدم في وجوب التحري والاجتهاد - جواز الاعتماد على الكواكب في معرفة القبلة وليس هو محلا للإشكال. فلا بد في معرفة قبلة كل بلد بعينه من الرجوع الى قواعد الهيئة وغيرها.
ولا بأس بالإشارة إلى شيء مما ذكره مهرة الفن - على ما حكاه جماعة - فنقول : إن تساوى البلد ومكة - شرفها اللّه تعالى - طولا - بأن يكون الخط الواقع بين الشمال والجنوب المار بأحدهما ماراً بالآخر - فان زاد عليها عرضاً فقبلته نقطة الجنوب ، وإن نقص عنها عرضاً فقبلته
نقطة الشمال. وإن تساوى معها عرضاً - بأن يكون خط المشرق والمغرب المار بأحدهما ماراً بالآخر - فان نقص طولا فقبلته نقطة المشرق ، وإن زاد طولا فقبلته نقطة المغرب. وإن اختلف معها طولا وعرضاً ، فبعد تسوية الأرض ورسمه دائرة عليها وتقسيم الدائرة أقواساً أربعة متساوية ، بإخراج خطين متقاطعين على زوايا قوائم أربع ، أحدهما من نقطة المشرق إلى نقطة المغرب ، والآخر من نقطة الجنوب إلى نقطة الشمال ، يسمى الأول خط المشرق والمغرب والآخر خط نصف النهار ، ثمَّ تقسيم كل من تلك الأقواس الأربعة إلى تسعين قسماً متساوية يسمى كل منها درجة ، ليكون مجموع الدائرة ثلاثمائة وستين درجة ، ثمَّ ينظر فان زاد البلد على مكة المشرفة طولا وعرضاً يحسب من نقطتي الجنوب والشمال الى المغرب بقدر التفاوت بين الطولين ويوصل بين النهايتين بخط ، ومن نقطتي المشرق والمغرب الى الجنوب بقدر التفاوت بين العرضين ويوصل بين النهايتين بخط ، ثمَّ يخرج خط مستقيم من مركز الدائرة الى محيطها ماراً بنقطة التقاطع بين الخطين ، فما بين نقطة تقاطع الخط المذكور والمحيط وبين نقطة الجنوب هو مقدار انحراف قبلة البلد عن نقطة الجنوب الى المغرب. وإن نقص طولا وعرضاً يحسب من نقطتي الجنوب والشمال الى المشرق ومن نقطتي المشرق والمغرب الى الشمال .. الى تمام العمل السابق. فمقدار انحراف قبلة البلد عن نقطة الشمال هو مقدار ما بين نقطة التقاطع ونقطة الشمال. وإن نقص طولا وزاد عرضاً ، يحسب من نقطتي الجنوب والشمال الى المشرق ومن نقطتي المشرق والمغرب الى الجنوب .. الى آخر العمل. وإن زاد طولا ونقص عرضاً يحسب من نقطتي الشمال والجنوب الى المغرب ، ومن نقطتي المشرق والمغرب الى الشمال الى آخر العمل.
ولعل الأولى من ذلك أن ترسم الدائرة المذكورة وتفرض مكة المشرفة في مركزها ، ثمَّ يوضع البلد في موضعها من الدائرة من حيث الطول والعرض ثمَّ يرسم خط مستقيم من البلد ، إلى مكة ، إلى المحيط ، ثمَّ ينظر مقدار ما بين موضع تقاطع الخط مع المحيط ، وبين إحدى النقاط الأربع فذلك المقدار هو مقدار الانحراف.
وهناك طريق آخر ومحصله : استقبال قرص الشمس عند زوالها في مكة في اليوم الذي تكون فيه فوق رؤوس أهلها ، فخط الاستقبال المذكور هو خط القبلة. وهو يتوقف على معرفة أمرين : أحدهما : الوقت الذي تكون فيه الشمس فوق رؤوس أهل مكة ، وثانيهما : وقت زوال مكة.
وطريق الأول : أن تحسب درجات العرض للمكان الذي يكون فيه الميل الشمالي فتوزع عليه درجات الميل الشمالي التي هي تسعون. فاذا كان عرض المكان اثنتين وعشرين درجة وثلاثين دقيقة ، كان لكل درجة أربع درجات من دائرة معدل النهار التي فيها مدارات الشمس ، ثمَّ يعرف عرض مكة ، فإذا كان خمس عشرة درجة كانت الشمس مسامتة لرؤوس أهلها عند ما تبعد من نقطة الاعتدال الى الميل الشمالي ستين درجة ، ويكون ذلك عند ما تكون في نهاية برج الثور صاعدة ، ونهاية برج السرطان هابطة. والمذكور في كلامهم أن الشمس تسامت رؤوس أهل مكة عند ما تكون في الدرجة الثامنة من الجوزاء صاعدة ، وفي الثالثة والعشرين من السرطان هابطة.
وطريق الثاني : هو أنه لما كانت الشمس تدور في كل يوم - الذي هو أربع وعشرون ساعة - ثلاث مائة وستين درجة كان لكل ساعة خمس عشرة درجة ، فإذا كان المكان أكثر من مكة طولا بخمس عشرة درجة كان زواله قبل زوال مكة بساعة ، وزوال مكة بعد زواله بساعة ، فقبلته
خلف المنكب الأيمن [1]. والأحوط أن يكون ذلك في غاية ارتفاعه وانخفاضه [2]. والمنكب ما بين الكتف والعنق [3]. والأولى وضعه خلف الاذن.
على خط مواجهة قرص الشمس بعد ساعة من زواله. وإذا كان المكان أنقص من مكة طولا بخمس عشرة درجة كان زوال مكة قبل زواله بساعة فقبلته خط مواجهة قرص الشمس قبل ساعة من زواله. وإذا كان طول المكان أكثر من طول مكة بعشر درجات فقبلته خط مواجهة قرص الشمس بعد زواله بأربعين دقيقة. وإذا كان أنقص من طول مكة بعشر درجات فقبلته خط مواجهة قرص الشمس قبل زواله بأربعين دقيقة. وعلى هذا القياس. وما ذكره الأصحاب في المقام مبني على الرجوع الى الطريقين المذكورين وغيرهما.
[1] لزيادتها على مكة طولا الموجب لانحراف قبلتها عن نقطة الجنوب الى المغرب. والمذكور في كلام جماعة - اعتماداً على بعض المحققين من علماء الهيئة - أن انحراف قبلة الكوفة عن نقطة الجنوب الى المغرب يساوي اثنتي عشرة درجة وإحدى وثلاثين دقيقة ، وانحراف قبلة بغداد يساوي اثنتي عشرة درجة وخمساً وأربعين دقيقة. والذي يقتضيه الاختبار أن انحرافهما يكون عشرين درجة تقريباً.
[2] هذا الاحتياط غير ظاهر ، إذ لا يوجب ذلك قوة الظن بالقبلة الدقيقة الحقيقية حينئذ ، والاحتمالات كلها متساوية. نعم يمكن أن يكون الوجه التسالم على صحة كونه علامة حينئذ ، لتقييد أماريته بالحال المذكورة في كلام بعض.
[3] كما عن نسخة من مختصر النهاية الأثيرية وصريح جامع المقاصد
وفي البصرة وغيرها من البلاد الشرقية في الاذن اليمنى [1].
وربما نسب الى ظاهر نهاية الأحكام والتنقيح وإرشاد الجعفرية. وفي القاموس ومجمع البحرين وعن الصحاح : أنه مجمع عظمى العضد والكتف. وعن جماعة من الفقهاء الجزم به ، بل نسب الى أكثر من تعرض لتفسيره من الفقهاء. ويشهد له ما في كلام جماعة من جعل العلامة لأهل العراق جعل الفجر أو المشرق على المنكب الأيسر ، والمغرب أو الشفق على المنكب الأيمن. إذ لا يتأتى ذلك إلا على التفسير الثاني. ويناسبه جداً ملاحظة مادة الاشتقاق. ولعل مراد من فسره بالأول أنه المراد منه في خصوص المقام بملاحظة القواعد التي أعملها في تعيين القبلة ، لا أنه معناه لغة أو عرفاً وإلا فمعناه الثاني لا غير.
وكيف كان فلا مجال لحمله في المقام على الأول ، إذ عليه يكون الانحراف خمس درجات تقريباً ، وهو خلاف ما عرفت الذي ذكره المحققون في كتب الهيئة على ما حكاه عنهم في البحار وغيره. ومنه يظهر الإشكال في جعله خلف الاذن اليمنى. إلا أن الشأن في صحة الاعتماد على ما ذكره المحققون ، مع أن فيه من الغرائب ما لا يخفى على من له أدنى خبرة بالبلاد فقد ذكر فيه أن انحراف البحرين من الجنوب الى المغرب بسبع وخمسين درجة وثلاث وعشرين دقيقة ، مع أن الاختبار يقضي بأن منامة عاصمة البحرين تنحرف عن الجنوب الى المغرب ست وستين درجة تقريباً. وأن التفاوت بين المدائن وبغداد يكون بأربع درجات تقريباً ، فان ذلك أمر غريب ، لأن المدائن تبعد عن بغداد بفراسخ لا تزيد على العشرة فلاحظه.
[1] يعني في ثقب الاذن اليمنى. والمذكور في الجدول : أن انحراف البصرة من الجنوب الى المغرب ثمان وثلاثون درجة ، وهما متقاربان.
وفي الموصل ونحوها من البلاد الغربية بين الكتفين [1]. وفي الشام خلف الكتف الأيسر [2]. وفي عدن بين العينين [3]. وفي صنعاء على الاذن اليمنى. وفي الحبشة والنوبة صفحة الخد الأيسر [4].
( ومنها ) : سهيل وهو عكس الجدي.
[1] ومقتضاه أن قبلته نقطة الجنوب ، والاختبار يقضي بأن انحراف الموصل عن الجنوب الى المغرب باثنتي عشرة درجة. ومنه يظهر الإشكال أيضاً فيما ذكر في الجدول : من أن انحراف الموصل من الجنوب الى المشرق أربع درجات واثنتان وخمسون دقيقة.
[2] المذكور في الجدول : أن انحراف دمشق من الجنوب الى المشرق ثلاثون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة. وهو مخالف لما في المتن. والاختبار يقتضي أن انحرافه من الجنوب الى المشرق خمس عشرة درجة.
[3] مقتضاه أن القبلة في عدن نقطة الشمال. والمذكور في الجدول : أن انحراف عدن من الشمال الى المشرق خمس درجات وخمس وخمسون دقيقة وهو مخالف لما ذكر. وكلاهما مخالف للاختبار ، فان انحراف عدن عن الشمال الى المغرب بتسع وعشرين درجة. وأن انحراف صنعاء أقل من ذلك أعني : درجة وخمس عشرة دقيقة. وفي المتن جعل الانحراف فيها من الشمال الى المغرب بقدر انحراف الكوفة. والذي يقتضيه الاختبار أن الانحراف فيها من الشمال الى المغرب ثلاث وثلاثون درجة.
[4] المذكور في الجدول : أن جرم دار ملك الحبشة تنحرف من الشمال الى المشرق سبعاً وأربعين درجة وخمساً وعشرين دقيقة. والذي يقتضيه الاختبار أن انحراف ( أديسأبابا ) عاصمة الحبشة أربع درجات من الشمال
( ومنها ) : الشمس لأهل العراق إذا زالت عن الأنف إلى الحاجب الأيمن [1] عند مواجهتهم نقطة الجنوب.
( ومنها ) : جعل المغرب على اليمين والمشرق على الشمال لأهل العراق أيضاً في مواضع يوضع الجدي بين الكتفين كالموصل.
( ومنها ) : الثريا والعيوق لأهل المغرب يضعون الأولى عند طلوعها على الأيمن والثاني على الأيسر [2].
( ومنها ) : محراب صلى فيه معصوم ، فان علم أنه صلى فيه من غير تيامن ولا تياسر كان مفيداً للعلم ، وإلا فيفيد الظن [3].
( ومنها ) : قبر المعصوم فاذا علم عدم تغيره وأن ظاهره مطابق لوضع الجسد أفاد العلم ، وإلا فيفيد الظن [4].
( ومنها ) : قبلة بلد المسلمين [5] في صلاتهم وقبورهم ومحاريبهم إذا لم يعلم بناؤها على الغلط .. الى غير ذلك كقواعد
الى المشرق. ولعله يخالف ما ذكر.
[1] مقتضى ما سبق أن تجعل الشمس مقابل الاذن اليمنى فتخرج عن مقابلة الحاجب الأيمن بالمرة.
[2] ذكر ذلك أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمي (رحمه اللّه) في رسالة ( إزاحة العلة في معرفة القبلة ) ، وكأن المراد أن يكون موقف المصلي بينهما.
[3] حملا للفعل على الصحة.
[4] وذلك لأجل أن بناء المسلمين على الاستقبال في شق القبر وبنائه.
[5] إجماعاً كما عن التذكرة وكشف الالتباس. وتقتضيه السيرة القطعية
الهيئة ، وقول أهل خبرتها.
وهو في الجملة مما لا إشكال فيه. إنما الإشكال في اختصاصه بحال عدم التمكن من تحصيل العلم بالقبلة - كما هو ظاهر المنتهى ، بل ظاهر قولهم : « فان جهلها عول على الأمارات المفيدة للظن » ، واختاره في المدارك - أو يعم صورة التمكن منه - كما اختاره في الجواهر - قولان ، أولهما أقوى ، لعدم الدليل على الثاني بعد عدم ثبوت إطلاق الإجماع والسيرة ، بل لا يبعد الاختصاص بصورة عدم التمكن من تحصيل الظن الأقوى ، وإن كان عموم الحكم لذلك لا يخلو من قوة ، لأن الظاهر ثبوت السيرة فيهما معاً كإطلاق معقد الإجماع. نعم لو اتفق حصول الظن الأقوى على الخلاف تعين العمل به دونها ، لإطلاق ما دل على وجوب التحري من دون مقيد.
وما في الذكرى وجامع المقاصد من أنه لا يجوز الاجتهاد في الجهة قطعاً. غير ظاهر بعد ما عن المبسوط والمهذب من وجوب الرجوع الى الأمارات إذا ظن بعدم صحة قبلة البلد. ولا فرق بين أن يكون الظن على خلافها بالجهة أو بمجرد التيامن والتياسر. والفرق بينهما بالعمل بالظن المخالف في الثاني - كما في الذكرى وجامع المقاصد وغيرهما - دون الأول غير ظاهر. قال في الذكرى : « ولا يجوز الاجتهاد في الجهة قطعاً ، وهل يجوز في التيامن والتياسر؟ الأقرب جوازه ، لأن الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق واتفاقهم ممتنع ، أما الخطأ في التيامن والتياسر فغير بعيد ». ونحوه ما في جامع المقاصد. وقال في المدارك : « قد قطع الأصحاب بعدم جواز الاجتهاد في الجهة - والحال هذه - لأن استمرار الخلق واتفاقهم ممتنع أما في التيامن والتياسر فالأظهر جوازه لعموم الأمر بالتحري. وربما قيل
( مسألة 2 ) : عند عدم إمكان تحصيل العلم بالقبلة يجب الاجتهاد في تحصيل الظن ، ولا يجوز الاكتفاء بالظن الضعيف مع إمكان القوي [1] ، كما لا يجوز الاكتفاء به مع إمكان الأقوى. ولا فرق بين أسباب حصول الظن ، فالمدار على الأقوى فالأقوى ، سواء حصل من الامارات المذكورة أو من غيرها ، ولو من قول فاسق ، بل ولو كافر ، فلو أخبر عدل ولم يحصل الظن بقوله ، وأخبر فاسق أو كافر بخلافه وحصل منه الظن من جهة كونه من أهل الخبرة يعمل به.
( مسألة 3 ) : لا فرق في وجوب الاجتهاد بين الاعمى والبصير [2].
بالمنع منه ، لأن احتمال إصابة الخلق الكثير أقرب من احتمال إصابة الواحد ومنعه ظاهر ».
لكن ظاهر الكلمات المذكورة أن نزاعهم في الموضوع ، وهو إمكان حصول الظن الأقوى من الظن الحاصل من استقرار سيرة المسلمين. وعليه فلا يبعد اختلاف ذلك باختلاف الموارد ، ولا نزاع في الحكم حينئذ. هذا كله في قبلة بلد المسلمين. أما غيرها من الامارات فسيأتي الكلام فيه في المسألة الآتية.
[1] لمنافاته لما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (1)، ولما في موثق سماعة : « اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك » (2).
[2] لإطلاق أدلته الشامل للأعمى والبصير. وما في كلامهم من أن
غاية الأمر أن اجتهاد الاعمى هو الرجوع الى الغير في بيان الأمارات [1] ، أو في تعيين القبلة.
( مسألة 4 ) : لا يعتبر إخبار صاحب المنزل إذا لم يفد الظن [2] ، ولا يكتفى بالظن الحاصل من قوله إذا أمكن تحصيل الأقوى.
الأعمى يعول على غيره ، إن أريد منه التعويل الذي هو نوع من الاجتهاد والتحري ففي محله ، وإن أريد منه التعويل الذي هو من باب التقليد نظير رجوع الجاهل الى العالم في الأحكام تعبداً وإن لم يحصل منه ظن أو كان الظن على خلافه ، فهو مما لا دليل عليه ، ولا وجه للمصير اليه. وما دل على جواز الائتمام بالأعمى إذا كان له من يوجهه ، أجنبي عن إثباته ، لوروده مورد حكم آخر. مع أن الظاهر منه التوجيه على سبيل اليقين بالاستقبال ، لا مجرد التوجيه تعبداً ولو مع الظن بالخلاف. وبذلك يظهر سقوط البحث عن وجوب كونه مؤمناً ، عادلا ، ذكراً ، بالغاً ، حراً ، طاهر المولد. غير مفضول لغيره .. الى غير ذلك من شرائط التقليد. كما يظهر منه أيضاً ضعف ما عن الخلاف من وجوب الصلاة على الأعمى إلى أربع جهات. وربما استظهر من غيره أيضاً ، فإن ذلك أيضاً خلاف إطلاق صحيح زرارة.
[1] يعني : فإذا عرفها من الغير توصل إلى القبلة بنفسه.
[2] لعدم صدق التحري حينئذ. وكذا الوجه فيما بعده. وأما ما دل على حجية إخبار ذي اليد من النصوص (1)المعتضدة بالسيرة فهو مختص بصورة عدم ما يوجب اتهامه : مع أنه مختص بأحكام ما في اليد مثل الطهارة
1) تقدم ذكرها في الجزء الأول من هذا الكتاب.
( مسألة 5 ) : إذا كان اجتهاده مخالفاً لقبلة بلد المسلمين في محاريبهم ومذابحهم وقبورهم ، فالأحوط تكرار الصلاة [1] إلا إذا علم بكونها مبنية على الغلط.
( مسألة 6 ) : إذا حصر القبلة في جهتين بأن علم أنها لا تخرج عن إحداهما وجب عليه تكرار الصلاة [2] إلا إذا كانت إحداهما مظنونة والأخرى موهومة فيكتفي بالأولى. وإذا حصر فيهما ظناً فكذلك يكرر فيهما [3]. لكن الأحوط إجراء
والنجاسة والملكية ونحوها ، وفي شموله للمقام منع ، إذ الحكم في المقام راجع الى أن القبلة في النقطة الكذائية من الأفق ، وليس هو حكماً للدار أو البيت فتأمل جيداً.
[1] لما تقدم من دعوى الجماعة القطع بعدم جواز العمل بالاجتهاد ولكن قد عرفت لزوم العمل على اجتهاده إذا كان الظن الحاصل منه أقوى ، عملا بما دل على وجوب التحري والاجتهاد.
[2] عملا بالعلم الإجمالي. هذا إذا ترددت القبلة بين نقطتين معينتين بحيث يعلم بأن الصلاة إليهما صلاة إلى القبلة. وأما إذا ترددت القبلة بين تمام نقاط الجهتين فقد يشكل الاكتفاء بالصلاة مرتين ، بل لا بد من تكرار الصلاة مرات كثيرة الى أن يعلم بالصلاة إلى القبلة ما لم يلزم الحرج. اللّهم إلا أن يستفاد الاكتفاء بالصلاتين مما دل على الاكتفاء بالصلاة إلى أربع جهات عند الجهل بالقبلة كما هو غير بعيد. لكن في المستند : « لو اشتبهت القبلة في نصف الدائرة أو أقل من النصف وجبت الصلاة الى أربع لشمول دليل الأربع لذلك ». وهو كما ترى ، لمنع الشمول.
[3] هذا إنما يتم لو ثبتت حجية الظن مطلقاً كالعلم ، إذ حينئذ يكون
حكم المتحير فيه بتكرارها إلى أربع جهات.
( مسألة 7 ) : إذا اجتهد لصلاة وحصل له الظن لا يجب تجديد الاجتهاد لصلاة أخرى ما دام الظن باقياً [1].
الفرض كالفرض السابق في الحكم ، لكن الثابت حجية الظن التفصيلي الذي به يحصل التحري ، فغيره يرجع فيه الى ما دل على وجوب الصلاة الى أربع جهات ، كما هو ظاهر الجواهر. ولذلك جعل الأحوط إجراء حكم التحير.
[1] كما لعله المشهور ، لأن المقصود من الاجتهاد هو الظن ، وهو حاصل. وفيه : أنه يتم لو لم يعلم أو يحتمل تجدد الاجتهاد المخالف ، إذ مع ذلك لا يحرز تحقق التحري وتعمد القبلة حسب الجهد كما في الصحيح والموثق المتقدمين (1). ومن هنا قال في محكي المبسوط : « يجب على الإنسان أن يتبع أمارات القبلة كلما أراد الصلاة عند كل صلاة. اللّهم إلا أن يكون قد علم أن القبلة في جهة بعينها أو ظن ذلك بأمارات صحيحة ثمَّ علم أنها لم تتغير جاز حينئذ التوجه إليها من غير أن يجدد الاجتهاد ». بل مقتضى ذلك أنه لو طرأ في الأثناء ما يوجب احتمال تغير الاجتهاد احتمالا معتداً به وجب التجديد ، فاذا لم يمكن إلا بإبطال الصلاة أبطلها ، ولا مانع من هذا الابطال مع الشك في كون الفعل موضوعاً للامتثال بلا محرز حقيقي ولا تعبدي. وكذا لو طرأ قبل الدخول فلا يدخل فيها إلا بعد تجديد الاجتهاد. ولا مجال لاستصحاب حكم الاجتهاد الأول ، لمنافاته لدليل وجوب التحري. ولا لدعوى صدق الصلاة بالاجتهاد ، لقيام الدليل على خلافها ، إذ الظاهر من قوله (عليه السلام) : « وتعمد القبلة جهدك » حال الصلاة لا آنا ما كما لا يخفى.
1) تقدما في المسألة الثانية من هذا الفصل في البحث عن الاكتفاء بالظن الضعيف مع إمكان القوي.
( مسألة 8 ) : إذا ظن بعد الاجتهاد أنها في جهة فصلى الظهر - مثلا - إليها ثمَّ تبدل ظنه إلى جهة أخرى وجب عليه إتيان العصر الى الجهة الثانية [1]. وهل يجب إعادة الظهر أو لا؟ الأقوى وجوبها [2] إذا كان مقتضى ظنه الثاني وقوع الاولى مستدبراً ، أو الى اليمين ، أو اليسار. وإذا كان مقتضاه وقوعها ما بين اليمين واليسار. وإذا كان مقتضاه وقوعها ما بين اليمين واليسار لا يجب الإعادة [3].
[1] بلا خلاف ظاهر ، فإنه مقتضى التحري ، وتعمد القبلة بحسب الجهد. والاجتهاد الأول بعد زواله زال حكمه.
[2] لا لحجية الظن حتى بالنسبة إلى إثبات صحة الأولى وعدمها ، ليكون الظن الثاني بمنزلة العلم بالاستدبار في الأولى ، أو كونها الى اليمين أو اليسار ، فإنه يتوقف على إطلاق يقتضي حجيته كذلك ، وهو مفقود إذ لا تعرض في الموثق والصحيح السابقين لذلك. بل لأن المكلف لما لم يجز له إلا العمل بالاجتهاد الثاني صار عالماً إجمالا ببطلان إحدى الصلاتين فلا بد له من إعادة الأولى فراراً عن مخالفة العلم المذكور. وعليه فوجوب الإعادة مدلول التزامي لما دل على وجوب الاجتهاد لا لنفس الاجتهاد. ولو كانت الصلاتان مترتبتين كان الحال أوضح ، لأنه يعلم ببطلان الثانية على كل حال ، إما لفوات الترتيب ، أو لفوات الاستقبال. نعم يتوقف ذلك على البناء على طريقية الاجتهاد ، إذ لو بني على موضوعيته فلا علم ، لصحة كل من الصلاتين واقعاً. لكنه خلاف ظاهر الأدلة ، بل لعله خلاف ما دل على الإعادة لو تبين الخطأ.
[3] لصحتها واقعاً كما يقتضيه الاجتزاء بها لو تبين ذلك على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
( مسألة 9 ) : إذا انقلب ظنه في أثناء الصلاة إلى جهة أخرى انقلب الى ما ظنه إلا إذا كان الأول إلى الاستدبار ، أو اليمين واليسار بمقتضى ظنه الثاني ، فيعيد [1].
( مسألة 10 ) : يجوز لأحد المجتهدين المختلفين في الاجتهاد الاقتداء بالآخر إذا كان اختلافهما يسيراً [2] بحيث لا يضر بهيئة الجماعة [3] ، ولا يكون بحد الاستدبار [4] ، أو اليمين واليسار.
( مسألة 11 ) : إذا لم يقدر على الاجتهاد أو لم يحصل له الظن بكونها في جهة وكانت الجهات متساوية صلى إلى أربع جهات إن وسع الوقت [5] ،
[1] لما تقدم في المسألة السابقة ، بل الإعادة في الفرض الثاني أولى ، للعلم بفساد الثانية هنا على كل حال.
[2] لصحة صلاة الإمام واقعاً بحسب نظره ونظر المأموم ، فلا مانع من صحة الاقتداء. اللّهم إلا أن يشكك في صحة الاقتداء حينئذ ، ولا إطلاق في باب الجماعة يرجع إليه لنفي الشك في الشرطية والمانعية ، ومقتضى الأصل الفساد. لكن الشك من هذه الجهة بالخصوص منفي بالنص الدال على صحة الاقتداء ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في مبحث الجماعة في مسألة حكم الاقتداء مع اختلاف الامام والمأموم اجتهاداً أو تقليداً.
[3] وإلا فسدت الجماعة ، لفوات الهيئة المعتبرة فيها.
[4] لبطلان صلاة الإمام بنظر المأموم ، بل لبطلان إحدى الصلاتين الموجب لبطلان الجماعة.
[5] تقدم وجهه.
والا فبقدر ما وسع [1] ، ويشترط أن يكون التكرار على وجه يحصل معه
[1] قد أشرنا في تعليقتنا على الكفاية الى أن العمدة في وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة عند الاضطرار الى ارتكاب بعض غير معين من الأطراف - كما إذا علم بنجاسة أحد إناءين واضطر الى ارتكاب أحدهما لا بعينه - هو أن دليل نفي الاضطرار يقتصر في تقييده لإطلاق الأحكام على القدر اللازم في رفع الاضطرار ، ولا يجوز التعدي عن المقدار اللازم الى ما هو أوسع منه ، وحيث أنه يكفي في رفع الاضطرار تقييد وجوب الاجتناب عن النجس بحال ارتكاب الآخر المشتبه به ، يكون التكليف في حال الاضطرار إلى أحدهما باقياً بحاله ، غايته أنه لا يجب الاجتناب عنه مطلقاً ، بل في خصوص حال ارتكاب الآخر ، فان مثل هذا التكليف المقيد على النحو المذكور لا يوجب الوقوع في الضرر ، فيبقى بحاله ، وإنما الموجب له بقاؤه على إطلاقه ، فيرفع إطلاقه ، وحينئذ فلا يجوز ارتكابهما معاً ، إذ في ذلك مخالفة للتكليف المعلوم بالإجمال ، إذ المفروض ثبوت التكليف في ظرف ارتكاب الآخر ، وقد ارتكبه ، فيكون معصية قطعية.
هذا وقد أشرنا في التعليقة الى أن الارتكاب المأخوذ شرطاً لثبوت التكليف ليس مطلق الارتكاب ، بل خصوص الارتكاب الرافع للاضطرار ولذا لو ارتكب أحدهما ثمَّ ارتفع الاجمال فتبين ارتكاب النجس وبقاء الطاهر لم يحرم الطاهر حينئذ لئلا يلزم مخالفة التكليف المشروط بشرط حاصل بل يجوز ارتكابه ، لأن ارتكابه حينئذ ليس ارتكاباً رافعاً للاضطرار ، لارتفاع الاضطرار بارتكاب الأول النجس ، فلا يكون ارتكاب الطاهر الشرط في ثبوت التكليف بالنجس.
والعمدة في ذلك : أن الارتكاب إنما أخذ شرطاً للتكليف من جهة أنه رافع للاضطرار ، فلا مانع من ثبوت التكليف معه ، بخلاف الارتكاب غير الرافع للاضطرار ، فإنه إذا فرض غير رافع للاضطرار لا يجدي التقييد به في كون التكليف غير اضطراري ، بل هو على حاله اضطراري فلا يمكن ثبوته.
وعليه فالتقريب المذكور إنما يقتضي المنع من ارتكابهما دفعة لتحقق الارتكاب الرافع للاضطرار فيتحقق معه التكليف كما عرفت ، ولا يمنع من ارتكابهما تدريجاً ، فإنه إذا ارتكب أحدهما ارتفع اضطراره حينئذ فلا يكون ارتكاب الثاني ارتكاباً رافعاً للاضطرار ، فتكون المخالفة فيه احتمالية ، من أجل احتمال كونه النجس ، لا قطعية ، لاحتمال كون النجس هو الذي ارتكبه أولا ، والتكليف باجتنابه منتف ، لعدم تحقق شرطه وهو ارتكاب غيره الرافع للاضطرار كما لا يخفى بالتأمل.
ولازم ذلك وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية إذا اضطر المكلف الى ترك الاحتياط في واحد منها ، لأن رفع اليد عن العمل في غير المقدار المضطر الى ترك العمل فيه مخالفة للتكليف المعلوم ، لتحقق شرطه وهو الارتكاب الرافع للاضطرار ، فلو وجب عليه إعطاء درهم لزيد وتردد زيد بين أربعة أشخاص ، وكان عنده ثلاثة دراهم وجب عليه أن يدفعها إلى ثلاثة منهم من باب الاحتياط ، ويقتصر على المقدار المضطر اليه ، وهو ترك إعطاء واحد منهم فقط ، ولا يجوز له أن يعطي اثنين منهم درهمين ويترك اثنين منهم ، لأن ترك إعطاء أحد الاثنين ارتكاب يندفع به الاضطرار فيثبت التكليف لثبوت شرطه ، فترك إعطاء ثاني الاثنين يحتمل أنه مخالفة للتكليف المنجز فيحرم عقلا ، فلا بد حينئذ من الاحتياط التام في أطراف
الشبهة الوجوبية إلا بالمقدار المضطر الى تركه.
ومما ذكرنا يظهر ضعف ما عن المقنعة ، وجمل السيد ، والمبسوط ، والوسيلة ، والسرائر من الاكتفاء بواحدة لقولهم : « فان لم يقدر على الأربع فليصل الى أي جهة شاء » أو ما يقرب منه. اللّهم الا أن يكون مرادهم ما إذا لم يقدر إلا على واحدة ، أو أنهم اعتمدوا على الصحاح المتقدمة الدالة على الاكتفاء بواحدة مطلقاً (1)مع الاقتصار في الخروج عنها على خصوص صورة التمكن من الأربع. وفيه : أن ظاهر المرسل وجوب الصلاة الى القبلة مع الاشتباه الذي لا فرق فيه بين التمكن من الأربع وعدمه كسائر أدلة الأحكام.
هذا وظاهر الأصحاب الاكتفاء بالممكن من غير حاجة الى القضاء بلا فرق بين وجود العذر في التأخير وعدمه ، بل في الجواهر عدم وجدان الخلاف الصريح في الأول. نعم عن المقاصد العلية : النظر في الاجتزاء في الثاني. وعن نهاية الأحكام : احتماله مطلقاً ، أو في صورة ظهور الخطأ فيقضي الفائت. واستشكله في الجواهر بعدم شمول أدلة القضاء للمقام ، ولقاعدة الاجزاء. ويمكن الخدش فيه بأن دليل قضاء الفائت لا قصور في عمومه إلا من جهة الشبهة الموضوعية للشك في الفوت ، لكن يمكن إثباته بأصالة عدم الإتيان بالواجب. وقاعدة الشك بعد الوقت لا تشمل المقام قطعاً. وبأن قاعدة الاجزاء لا مجال لها لا بالنسبة إلى دليل وجوب الصلاة الى القبلة الواقعية للشك في الامتثال ، ولا بالنسبة إلى دليل المقام الدال على وجوب الأربع للعلم بعدمه. نعم لو فرض الاستناد في وجوب المقدار الممكن الى نص بالخصوص كان ظاهراً في الاجتزاء به ، كظهور دليل الأربع
1) تقدمت في البحث عن الصلاة الى أربع جهات مع عدم إمكان الظن بالقبلة.
في الاجتزاء بها ، لكنه مفقود ، بل المستند ما عرفت من حكم العقل بوجوب الاحتياط مهما أمكن ، ولا حكم للعقل بالأجزاء. إلا أن يقال : أصالة عدم الإتيان بالصلاة إلى القبلة من قبيل الأصل الجاري في الفرد المردد بين معلوم الثبوت ومعلوم الانتفاء ، لأن الواجب إن انطبق على المتروك كان معلوم الانتفاء ، وإن انطبق على المأتي به كان معلوم الثبوت.
والفرق بين المقام وبين سائر موارد الشك في الأجزاء والشرائط - حيث يجري فيها أصالة عدم الإتيان بالواجب بلا تأمل - : هو أن القبلة التي يجب استقبالها في الصلاة جهة معينة في الخارج ، وليست من قبيل الكليات التي تنطبق على الخارجيات كسائر الشرائط والأجزاء ، فالشك في الصلاة إليها لا يمكن أن يتعلق بها بما أنها خارجية متعينة ، لأن المفروض كون بعض الجهات المعينة علم بتحقق الصلاة إليها ، وبعضها علم بعدم تحققها إليها ، وإنما يصح تعلق الشك فيها بلحاظ انتزاع عنوان مردد بين الجهتين الخارجيتين أو الجهات كذلك ، وذلك المفهوم المردد لا يجري الأصل فيه ، ولا في كل فعل مفروض التعلق به ، لعدم كونه موضوعاً للأحكام الشرعية ، إذ المفاهيم إنما تكون موضوعاً لها بما هي منطبقة على الخارج والمفهوم المردد غير صالح لذلك.
وبالجملة : إن أخذنا ذلك المفهوم عنواناً لإحدى الجهتين الخارجيتين تعييناً لم يكن مشكوكاً ، بل هو إما معلوم الثبوت أو معلوم الانتفاء. وان أخذناه عنواناً لإحداهما على الترديد كان مشكوكاً ، إلا أنه غير موضوع لحكم شرعي.
ولأجل ذلك لو صلى المكلف الى الجهات الأربع ثمَّ علم بفساد إحدى الصلوات تعييناً لا تجري قاعدة الفراغ في الصلاة الى القبلة المرددة ، لا من
اليقين بالاستقبال [1] في إحداها ، أو على وجه لا يبلغ الانحراف الى حد اليمين واليسار. والأولى أن يكون على خطوط متقابلات [2].
جهة العلم التفصيلي بفساد إحداها ، إذ لا أثر للعلم مع الجهل بكون متعلقه الصلاة الى القبلة ، بل لما ذكرنا من أن الصلاة الى القبلة التي تجعل موضوعاً لقاعدة الفراغ مرددة بين معلوم الصحة ومعلوم الفساد ، ولو علم بفساد إحداها إجمالا من دون تعيين للفاسدة جرت قاعدة الفراغ في كل واحدة منها تعييناً على تقدير كونها إلى القبلة ، ولا يقدح العلم الإجمالي بفساد إحداها لخروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء. ولا تجري أيضاً قاعدة الفراغ في الصلاة الى القبلة المرددة ، لما سبق. فلا مجال للبناء على القضاء من جهة أصالة عدم الإتيان. نعم لو بني على كون الأمر بالقضاء عين الأمر الأول بالأداء أمكن القول بوجوبه للاستصحاب ، أو لقاعدة الاشتغال ، إلا أن ينعقد إجماع على خلافه كما هو غير بعيد فلاحظ.
[1] كما لو علم بأن القبلة في إحدى نقاط أربع في الجهات.
[2] كما يقتضيه منصرف النص والفتوى. ولأجله صرح فيما عن حاشيتي الميسي والروضة والروض والمسالك وغيرها بأن الجهات تكون متقاطعة على زوايا قوائم. قال في المدارك : وعلى المشهور فيعتبر في الجهات الأربع كونها على خطين مستقيمين وقع أحدهما على الآخر بحيث يحدث عنهما زوايا قائمة ، لأنه المتبادر من النص ، وربما قيل بالاجتزاء بالأربع كيف اتفق ، وهو بعيد جداً ، لكن لما كان الغرض من التكرار هو اليقين بالامتثال لم يعتبر في المتن - تبعاً لما في نجاة العباد وغيرها - ذلك ، بل اكتفى بمجرد حصول اليقين بالصلاة إلى القبلة أو الانحراف بنحو لا يبلغ
( مسألة 12 ) : لو كان عليه صلاتان فالأحوط أن تكون الثانية إلى جهات الأولى [1].
( مسألة 13 ) : من كان وظيفته تكرار الصلاة الى أربع جهات أو أقل وكان عليه صلاتان يجوز له أن يتمم جهات الاولى ثمَّ يشرع في الثانية ، ويجوز أن يأتي بالثانية في
اليمين واليسار. وفيه : - مع أنه يتوقف على عموم دليل جواز الانحراف الى ما لا يبلغ الحد المذكور للمقام ، إذ مورده غيره كما سيأتي في أحكام الخلل - أنه لو كفى الانحراف المذكور لم يحتج إلى أربع صلوات ، بل اكتفى بالثلاث الى زوايا مثلث مفروض في دائرة الأفق ، إذ القوس الذي يكون بين كل زاويتين مائة وعشرين درجة يكون الانحراف معه ستين درجة تقريباً ، وهو أقل من الانحراف الذي لا يبلغ اليمين واليسار ، لأنه تسعون درجة تقريباً. نعم لو كان المراد باليمين واليسار ربع المحيط تسعين درجة كان غاية الانحراف إليهما خمساً وأربعين درجة تقريباً ، ولا يمكن اليقين بالامتثال حينئذ إلا بالأربع ، إلا أنه لا بد أن تكون على نقاط متقابلة وإلا تعذر العلم بالاستقبال أو بالانحراف الى ما لا يبلغ اليمين واليسار كما هو ظاهر.
[1] بناء على ما سبق لا ينبغي التأمل في جواز إيقاع الثانية الى غير جهات الأولى ، لتحقق اليقين بالاستقبال في كل منهما على كل حال. نعم لو كان مفاد الدليل الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية بالأربع الذي لازمه جواز إيقاعها أجمع الى نصف المحيط تعين إيقاع الثانية إلى جهات الأولى ، إذ لو لا ذلك يعلم إجمالا ببطلان إحدى الصلاتين ، بل لو كانتا مرتبتين يعلم تفصيلا ببطلان الثانية كما سبق في المسألة الثامنة.
كل جهة صلى إليها الاولى الى أن تتم. والأحوط اختيار الأول [1]. ولا يجوز أن يصلي الثانية الى غير الجهة التي صلى إليها الأولى [2]. نعم إذا اختار الوجه الأول لا يجب أن يأتي بالثانية على ترتيب الاولى [3].
( مسألة 14 ) : من عليه صلاتان كالظهرين مثلا - مع كون وظيفته التكرار إلى أربع إذا لم يكن له من الوقت
[1] فقد عينه ابن فهد والشهيد الثاني والصيمري - على ما حكي عنهم - ونسب الى ظاهر بعض الإجماعات. وجعله في الجواهر أقوى ، لتوقف الجزم الذي هو من مقومات النية عليه ، وسقوط اعتبار الجزم من جهة اشتباه القبلة لا يوجب سقوطه من حيث شرطية الترتيب. وفيه : ما عرفت غير مرة من عدم الدليل على اعتبار الجزم في النية ، والرجوع الى العقلاء يقضي بعدم اعتباره ، إذ هم لا يفرقون في تحقق الإطاعة والعبادة بين صورتي الجزم وعدمه ، بل ربما تكون الإطاعة في الثاني أعلى وأعظم ، ولو سلم فلا دليل على اعتباره من حيثية إذا تعذر من حيثية أخرى مع تلازم الحيثيتين في الخارج كما في المقام ، حيث أنه لو صلى إحدى صلوات الظهر إلى جهة ثمَّ صلى أولى العصر إليها ، فإن كانت الظهر إلى القبلة فالعصر إليها أيضاً والترتيب حاصل ، وإن كانت الظهر الى غير القبلة فالعصر باطلة من جهتي القبلة والترتيب معاً ، وقد أشرنا الى ذلك في مباحث التقليد.
[2] للعلم بفساد الثانية حينئذ إما لفقد الترتيب أو لفقد الاستقبال.
[3] لأن الإتيان بها أربعاً على كل حال يوجب اليقين بالفراغ منها فيجوز له أن يجعل أولى الثانية إلى جهة رابعة الأولى ، كما له أن يجعلها إلى جهة الأولى منها.
مقدار ثمان صلوات ، بل كان مقدار خمسة ، أو ستة ، أو سبعة ، فهل يجب إتمام جهات الاولى [1] وصرف بقية الوقت في الثانية ، أو يجب إتمام جهات الثانية وإيراد النقص على الاولى؟ الأظهر الوجه الأول. ويحتمل وجه ثالث وهو التخيير. وإن لم يكن له إلا مقدار أربعة أو ثلاثة
[1] كما عن الموجز والحاوي وكشف الالتباس ، لأن الأولى متقدمة في الرتبة على الثانية ، فلا وجه لرفع اليد عن محتملاتها والاشتغال بالثانية بلا ضرورة تدعو الى ذلك ، فرفع اليد عنها مخالفة للتكليف بها من غير عذر ، ولا مجال لمعارضة ذلك بمثله في العصر ، لأنه إذا تمم محتملات الظهر - مثلا - فاشتغل بمحتملات العصر فعدم إتمامها يكون لعذر وهو ضرورة ضيق الوقت.
فان قلت : إذا فعل بعض محتملات الظهر - مثلا - حتى لم يبق إلا مقدار أربع صلوات يكون قد اجتمع على المكلف وجوبان ، وجوب الظهر ووجوب العصر ، فمع تزاحمهما وعدم الأهمية لإحداهما من الأخرى يحكم العقل بالتخيير. وتقدم الظهر رتبة لا أثر له في ترجيح امتثال وجوبها على امتثال وجوب العصر ، بل ترجيح إحداهما على الأخرى يتوقف على تقدم وجوبها رتبة على وجوب الأخرى ، وحيث لا تقدم لأحد الوجوبين رتبة على الآخر وكونهما في رتبة واحدة لا بد من البناء على التخيير بين امتثالهما. وحينئذ فإن اختار الظهر صلاها الى غير الجهات السابقة ، وإن اختار العصر صلاها إلى إحدى الجهات السابقة ، فلو صلاها الى غيرها علم ببطلانها إما لانتفاء القبلة أو لانتفاء الترتيب.
قلت وإن لم تحرز أهمية إحدى الصلاتين من الأخرى ، إلا أن الظهر
فقد يقال يتعين الإتيان بجهات الثانية [1] وتكون الاولى قضاء لكن الأظهر وجوب الإتيان بالصلاتين ، وإيراد النقص على الثانية ، كما في الفرض الأول. وكذا الحال في العشاءين ، ولكن في الظهرين يمكن الاحتياط [2] بأن يأتي بما يتمكن من الصلوات بقصد ما في الذمة فعلا ، بخلاف العشاءين ،
لما كانت شرطاً في صحة العصر فوجوب العصر يدعو الى فعلها كما يدعو الى فعل العصر ، ففعل الظهر امتثال لأمرها ولأمر العصر معاً ، فكيف مع ذلك يجوّز العقل فعل العصر وترك الظهر وليس في فعلها إلا امتثال وجوبها لا غير؟! فهذه الجهة كافية في ترجح فعل الظهر على فعل العصر في نظر العقل.
وأما دعوى كون وقت الاختصاص يراد منه الوقت الذي تفعل فيه الفريضة بمقدماتها العلمية. فساقطة جداً وان احتملها بعض الأساطين أو جعلها الأقرب ، لظهور أدلته في غير ذلك قطعاً. ومما ذكرنا يظهر لك وجه ما استظهره في المتن وضعف الوجهين الآخرين.
[1] وقد عرفت مبناه وضعفه ، وأن اللازم البناء على بقاء الاشتراك الى أن يبقى مقدار أداء إحدى الصلاتين ، فيختص بالعصر ، وعليه فلا ينبغي التأمل في فساد الأولى من الأربع أو ما دونها لو جيء بها بعنوان العصر ، للعلم بفوات الترتيب ، فيتعين عليه إتيانها بعنوان الظهر ، وحينئذ يجري ما تقدم فيما يمكنه من غير الأخيرة من الصلوات من ترجيح فعله بعنوان الظهر ، لما فيه من جهتي الامتثال ، ويتعين في الأخيرة فعلها بعنوان العصر وكأن هذا هو ما جعله في المتن أظهر ، وإن كانت العبارة غير ظاهرة فيه.
[2] يعني : الاحتياط في موافقة القولين المذكورين ، فيصلي الأربع
لاختلافهما في عدد الركعات.
( مسألة 15 ) : من وظيفته التكرار الى الجهات إذا علم أو ظن بعد الصلاة الى جهة أنها القبلة لا يجب عليه الإعادة [1]. ولا إتيان البقية [2]. ولو علم أو ظن بعد الصلاة إلى جهتين أو ثلاث أن كلها إلى غير القبلة ، فإن كان فيها ما هو ما بين اليمين واليسار كفى [3] ، وإلا وجبت الإعادة.
( مسألة 16 ) : الظاهر جريان حكم العمل بالظن مع عدم إمكان العلم والتكرار إلى الجهات مع عدم إمكان الظن في سائر الصلوات غير اليومية [4]
[1] لموافقتها للتحري المأمور به الجاهل. مع أنه لو أعاد لا عاد إليها بلا فائدة.
[2] لقصور الدليل حينئذ عن اقتضاء ذلك.
[3] قد عرفت اختصاص دليل الاجزاء مع الانحراف الى ما دون اليمين واليسار بغير المقام ، فالتعدي منه الى المقام - مع أنه غير ظاهر - مناف لما دل على وجوب الصلاة الى أربع جهات مع عدم إمكان الاجتهاد كما تقدم في المسألة الحادية عشرة.
[4] لإطلاق دليل الحكمين الشامل لليومية وغيرها من الصلوات التي منها صلاة الأموات. والمناقشة في ذلك ضعيفة ، فان الظاهر أن تطبيق الصلاة عليها كتطبيقها على غيرها أيضاً. نعم قد يستشكل في عموم الحكم
بل غيرها مما يمكن فيه التكرار كصلاة الآيات [1] وصلاة الأموات ، وقضاء الأجزاء المنسية ، وسجدتي السهو ، وإن قيل في صلاة الأموات بكفاية الواحدة عند عدم الظن [2] مخيراً بين الجهات أو التعيين بالقرعة. وأما فيما لا يمكن فيه التكرار - كحال الاحتضار ، والدفن ، والذبح ، والنحر - فمع عدم الظن يتخير [3] ، والأحوط القرعة.
لها ، وللإجزاء المنسية ، وسجدتي السهو ، من جهة قصور الدليل عن الشمول لها ، لكن قوله (عليه السلام) : « يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (1)شامل للصلاة وغيرها ، فالبناء على حجية الاجتهاد في الجميع في محله. وأما رواية خراش (2)فدعوى القصور فيها بالنسبة الى غير الصلاة ظاهرة ، إلا أن يستفاد الحكم فيه منها بإلغاء خصوصية المورد ، بأن يكون المراد بيان كيفية تحصيل العلم بالاستقبال المعتبر في أي مقام كان ، وذكر الصلاة لأنها الفرد الغالب. ولا يخلو من تأمل. ولو بني على عدم ثبوت ذلك ، فالمرجع قاعدة الاحتياط.
[1] تمثيل لسائر الصلوات.
[2] ضعفه ظاهر لما عرفت من كونها داخلة في إطلاق الصلاة في رواية خراش. اللّهم إلا أن يمنع أصل الإطلاق فيها لورودها مورد حكم آخر ، وحينئذ فلا وجه لرفع اليد عن قاعدة الاحتياط.
[3] كما هو الأصل في الأولين للدوران مع عدم المرجح لو لا أدلة
( مسألة 17 ) : إذا صلى من دون الفحص عن القبلة إلى جهة غفلة أو مسامحة يجب إعادتها إلا إذا تبين كونها القبلة [1] مع حصول قصد القربة منه.
يجب الاستقبال في مواضع : أحدها : الصلوات اليومية [2] ،
القرعة (1). لكن وجوب العمل بها في المقام - كغيره مما لم يتعرض له الأصحاب - مشكل ، لإعراض الأصحاب عنها في غالب الموارد ، الكاشف عن اقترانها بما يمنع عن العمل بإطلاقها. وأما في الأخيرين فالأصل المنع لكن الظاهر من دليل اعتبار الاستقبال فيهما غير الفرض ، كما يظهر من ملاحظة ذلك المقام. فلاحظ.
[1] سيأتي في أحكام الخلل الصحة في الغفلة مع تبين الانحراف الى ما دون اليمين واليسار. وأما في المسامحة فالظاهر عدم دخوله في ذلك الدليل والمرجع فيه القواعد الأولية المقتضية للبطلان إلا إذا انكشفت المطابقة للواقع.
فصل فيما يستقبل له
[2] إجماعاً من المسلمين - كما قيل - بل لعله من ضروريات الدين
1) راجع الوسائل باب : 13 من أبواب كيفية الحكم ، وباب : 34 من أبواب العتق وباب : 10 من أبواب ميراث ولد الملاعنة ، وباب : 4 من أبواب ميراث الخنثى والمستدرك باب : 11 من أبواب كيفية الحكم.
أداء وقضاء [1] ، وتوابعها من صلاة الاحتياط للشكوك [2] وقضاء الأجزاء المنسية [3] ، بل وسجدتي السهو [4]
ويشهد له - بعد الكتاب العزيز كقوله تعالى ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ .. ) (1)بضميمة ما ورد في تفسيره من النصوص الكثيرة المتجاوزة حد التواتر (2)كما قيل - صحيح زرارة : « لا صلاة الا الى القبلة » (3)وصحيح : « لا تعاد الصلاة » (4)، وغيرهما مما سيمر عليك بعضه.
[1] بلا شبهة للإطلاق.
[2] للإطلاق المتقدم. ولا ينافيه احتمال كونها نفلا - بناء على عدم وجوب ذلك فيه - لأن الظاهر من قوله (عليه السلام) في بعض أخبارها : « وإن ذكرت أنك نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت » (5)أنها لا بد أن تقع على نحو يجوز أن تكون واجبة ، فيجب فيها ما يجب في الصلاة الواجبة.
[3] لأن الظاهر من دليل قضائها وجوب الإتيان بها بما أنها جزء صلاتي ، ومقتضى ذلك مطابقتها لما فات في جميع الخصوصيات التي يكون عليها حال امتثال أمره ، سواء أكان جزءاً له ، أم شرطاً ، أم واجباً مقارناً له ، ومن ذلك الاستقبال ، فإنه وإن لم يكن شرطاً للسجود ، بل هو شرط للصلاة ، لكنه واجب مقارن للسجود ، فيجب كما في الأداء.
[4] لما في بعض الأخبار المتضمنة لسهو النبي (صلی اللّه عليه وآله) قال (عليه السلام) :
وكذا فيما لو صارت مستحبة بالعارض كالمعادة جماعة [1] أو احتياطاً [2]. وكذا في سائر الصلوات الواجبة [3] كالآيات بل وكذا في صلاة الأموات. ويشترط في صلاة النافلة في حال الاستقرار [4].
« فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ثمَّ سجد سجدتين » (1). وقد تنظر المصنف (رحمه اللّه) في مبحث الخلل في وجوب ذلك وغيره ، ويأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام فيه. فانتظر.
[1] لأن إعادة الشيء فعله ثانياً كفعله أولا.
[2] إذ لا معنى للاحتياط إلا رفع احتمال عدم الإتيان بالواقع ، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان بالفعل واجداً لجميع ما يعتبر فيه.
[3] لإطلاق الأدلة المتقدمة في اليومية.
[4] كما عن غاية المراد نسبته إلى الأكثر. وفي كشف اللثام : أنه المشهور. وفي مفتاح الكرامة : « وبه صرح في جميع كتب الأصحاب إلا ما قل ».
والعمدة فيه أمران : أحدهما : ارتكاز المتشرعة ، فإنهم يقطعون ببطلان صلاة من يستدبر القبلة ويصلي جالساً أو قائماً مستقراً بنحو لا يمكن ردعهم عن ذلك. وبذلك يفترق عن سائر المرتكزات المستندة إلى السماع من أهل الفتوى التي لا مجال للاعتماد عليهم في إثباتها. وثانيهما : صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا صلاة إلا إلى القبلة » (2)الشامل للفريضة والنافلة.
( ودعوى ) اختصاص ذيله بالفريضة : « قلت : أين حد القبلة؟ قال (عليه السلام) : ما بين المشرق والمغرب قبلة كله. قلت : فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت. قال (عليه السلام) : يعيد ».
( ضعيفة ) لتوقفها على كون : « يعيد ». للوجوب المولوي كي يختص بالفريضة ، والظاهر أنه إرشادي إلى فساد الصلاة ، فلا يختص بالفريضة. مع أن تخصيص الذيل بدليل منفصل لا يقتضي تخصيص الصدر به.
ومثلها دعوى أن قيام الأدلة الآتية على عدم وجوب الاستقبال في النافلة في حالي الركوب والمشي يقتضي خروج النافلة عن عموم الصحيح المذكور بالمرة ، لأن بقاءها في غير الحالين المذكورتين تحته يقتضي حمله على العموم الأفرادي ، حتى يكون له إطلاق أحوالي مضافاً الى العموم الأفرادي ، فيكون ما دل على عدم اعتبار الاستقبال في الحالتين المذكورتين مقيداً لذلك الإطلاق فقط ، بلا تصرف في العموم ، لوجوب الاستقبال في النافلة في الجملة. ولو حمل على الجنس كان موضوعه صرف طبيعة الصلاة بلا تكثر فيه ولا عموم ، فاذا خرج الحالان المذكوران أدى ذلك الى خروجهما في الفريضة أيضاً ، وحيث أنه لا يمكن الالتزام به فلا بد أن يخص موضوع النفي بخصوص الفريضة لا مطلق الصلاة. والحمل على العموم الأفرادي خلاف الأصل في أسماء الأجناس ، لا يرتكب إلا عند قيام القرينة وهي مفقودة.
ووجه الضعف أن ثبوت خلاف حكم المطلق لفرد في بعض الأحوال يصلح أن يكون قرينة على ملاحظة المطلق بنحو الطبيعة السارية لا صرف الماهية ، فلا يكفي التقريب المذكور لرفع اليد عن حكم العام للفرد في غير
حال التقييد. فالعمل بالصحيح متعين ، ولا سيما مع اعتضاده بقاعدة إلحاق النوافل بالفرائض التي استقر بناء الأصحاب على العمل بها في أكثر المقامات. وقد أشرنا إلى وجهها غير مرة. وربما تشير اليه النصوص الواردة في جواز ترك الاستقبال في النوافل في السفر أو المشي (1)، لسوقها مساق الاستثناء من حكم وجوب الاستقبال في الصلاة فلاحظها.
وأما حديث : « لا تعاد الصلاة .. » (2): فلا يصلح دليلا على الاعتبار في النافلة ، لأنه ليس وارداً في مقام تشريع الاعتبار ، ليكون له إطلاق يقتضي عموم الاعتبار للنافلة ، بل في مقام سقوطه المتفرع على ثبوته على إجماله من عموم وخصوص. ومثله خبر زرارة : « عن الفرض في الصلاة فقال (عليه السلام) : الوقت ، والطهور ، والقبلة » (3)، إذ الظاهر منه الفرض في قبال السنة بعد الفراغ عن موضوع الاعتبار ، فلا إطلاق له في موضوعه.
وقد يستدل على القول بعدم الوجوب بالأصل. وبما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال : « استقبل القبلة بوجهك ، ولا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك ، فان اللّه عز وجل يقول لنبيه في الفريضة : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (4)» (5)لظهوره في اختصاص الحكم بالفريضة. وبما عن قرب الاسناد عن علي (عليه السلام) : « عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ فقال (عليه السلام) : إذا كانت الفريضة
والتفت الى خلفه فقد قطع صلاته ، فيعيد ما صلى ولا يعتد به ، وإن كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود » (1). ونحوه ما عن جامع البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (2). ومصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كانت الالتفات فاحشاً » (3). وما عن تفسير العياشي : « الصلاة في السفر في السفينة والمحمل سواء .. الى أن قال : فأتوجه نحوها في كل تكبيرة. فقال (عليه السلام) : أما في النافلة فلا ، إنما تكبر على غير القبلة : اللّه أكبر ، ثمَّ قال (عليه السلام) : كل ذلك قبلة للمتنفل ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (4)» (5).
والجميع لا يخلو من اشكال ، إذ الأصل لا مجال له مع الدليل. وأن مقتضى صحيح زرارة اختصاص الآية بالفريضة لا اختصاص الحكم بها. وما عن قرب الاسناد - مع ضعفه - إنما يدل على عدم قدح الالتفات في الأثناء ، وهو أعم من جواز الصلاة الى غير القبلة ، كما ورد في جواز الالتفات الى أحد الجانبين في الفريضة ، كما يشير اليه التقييد بالخلف فيه. ومنه يظهر الحال فيما بعده. وأما ما عن تفسير العياشي ، فمع ضعفه في نفسه ، لا إطلاق له ، لاختصاص مورده بالسفينة. والاستشهاد بالآية بعد عدم إمكان الأخذ بإطلاقها لا بد من الاقتصار فيه على مورده ، ولا يبعد أن يكون المراد من قوله تعالى ( تُوَلُّوا ) : تذهبوا ، فتختص بحال السعي سواء أكان في سفينة ، أم على دابة ، أم ماشياً ، كقوله تعالى : ( وَلَّوْا
لا في حال المشي أو الركوب [1]
إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) (1). وليس المراد : تولوا وجوهكم. ومنه يظهر عدم صحة الاستدلال بما عن تفسير العياشي أيضاً عن حريز قال أبو جعفر علیه السلام : « أنزل اللّه تعالى هذه الآية في التطوع خاصة » (2). مضافاً الى ظهور وروده لنفي عمومها للفريضة فلا إطلاق له أيضاً. وما قبل من استفاضة النقل في تفسير الآية الشريفة بأنها نزلت في النافلة مطلقاً غير ثابت سوى ما ذكر مما عرفت إشكاله. مع معارضته بما في الوسائل عن نهاية الشيخ (3)ومجمع البيان (4)، وما في الجواهر عن تفسير القمي (5)من أنها نزلت في النافلة في السفر. والجمع بينهما يقتضي حمل الأول على الأخير ، واللّه سبحانه أعلم.
[1] بلا خلاف فيه ظاهر في السفر ، بل عن المعتبر والمنتهى : الإجماع عليه في الثاني ، وعن الثاني : نفي الخلاف في الأول. ويشهد له صحيح الحلبي : « سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة على البعير والدابة فقال (عليه السلام) : نعم ، حيث كان متوجهاً ، وكذلك فعل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (6)والصحيح عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال له : إني أقدر أن أتوجه نحو القبلة في المحمل فقال (عليه السلام) : هذا الضيق ، أما لكم في رسول اللّه أسوة؟ » (7)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)
1) الأحقاف - 29.
2) الوسائل باب : 15 من أبواب القبلة حديث : 23.
3) الوسائل باب : 15 من أبواب القبلة حديث : 19.
4) الوسائل باب : 15 من أبواب القبلة حديث : 18.
5) الجواهر ج 8 ص 6 طبع النجف الحديث.
6) الوسائل باب : 15 من أبواب القبلة حديث : 6.
7) الوسائل باب : 15 من أبواب القبلة حديث : 2 وفي التهذيب ( ما هذا الضيق ).
قال : « لا بأس بأن يصلي الرجل صلاة الليل في السفر وهو يمشي ، ولا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار وهو يمشي ، يتوجه إلى القبلة ثمَّ يمشي ويقرأ ، فإذا أراد أن يركع حول وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثمَّ مشى » (1)، وصحيح يعقوب بن شعيب قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام). الى أن قال : قلت : يصلي وهو يمشي؟ قال (عليه السلام) : نعم يومئ إيماء وليجعل السجود أخفض من الركوع » (2). ونحوها غيرها مما هو متجاوز حد التواتر ، وإن كان أكثرها غير ظاهر في وروده لتشريع عدم الاستقبال في النافلة ، بل في مجرد عدم مانعية المشي والركوب فراجعها. لكن قد يستفاد ذلك من غلبة كون طرق المسير على غير القبلة ، بل الغالب انحراف ما يكون منها على القبلة عنها يميناً وشمالا ولو في الأثناء ، بل تمكن دعوى عدم وجود ما يكون منها على القبلة مستقيماً من أوله الى آخره ، فيكون عدم التعرض لذكر الاستقبال فيها دليلا على عدم اعتباره. مع أن في التصريح في بعضها كفاية.
وإطلاق جملة منها يقتضي إلحاق الحضر بالسفر كما هو المشهور. مضافاً الى تصريح بعضها ، كصحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن علیه السلام : « في الرجل - أو أنه سأل أبا عبد اللّه عن الرجل - يصلي النوافل في الأمصار وهو على دابته حيث ما توجهت به؟ قال (عليه السلام) : نعم لا بأس » (3)، وصحيح حماد بن عثمان عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) : « في الرجل يصلي النافلة وهو على دابته في الأمصار؟ قال (عليه السلام) :
لا بأس » (1)، والصحيح الآخر لابن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة .. الى أن قال (عليه السلام) : فان صلاتك على الأرض أحب الي » (2). نعم ليس فيها ما يدل صريحاً على سقوط الاستقبال في حال المشي في الحضر بالخصوص بل فيها ما هو مطلق في جواز الصلاة ماشياً ، لكنه يمكن أن يستفاد ذلك منه كما عرفت ، أو يستفاد مما ورد في الركوب في الحضر بالأولوية.
وكيف كان فما عن ابن أبي عقيل وغيره من اعتبار الاستقبال مطلقاً في الحضر غير ظاهر ، إلا من جهة ذكر السفر في جملة من نصوص الجواز وما في بعض الأخبار الواردة في تفسير قوله تعالى ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا ... ) في النافلة في السفر (3). لكن الأول لا يصلح لتقييد غيره ، لعدم التنافي فضلا عن أن يصلح لمعارضة الصريح كصحيح ابن الحجاج وغيره. ومن ذلك يظهر اندفاع الثاني ، فيكون ذكر السفر لأجل كونه الغالب في موارد الابتلاء ، أو أنه مورد النزول لا مورد اختصاص الحكم. فلاحظ.
ثمَّ إن المحكي عن الشيخ : الإجماع على عدم اعتبار الاستقبال في الركوع والسجود ، وما في صحيح معاوية المتقدم (4)من تحويل الوجه إلى القبلة فيهما محمول على الاستحباب ، كما قد يشهد به صحيح يعقوب المتقدم (5)وصحيح عبد الرحمن بن أبي نجران الآتي ، وغيرهما مما أهمل فيه ذلك. فتأمل. وكذا ما دل على عدم لزومه في التكبير ، كما هو ظاهر المشهور
أيضاً. ويقتضيه إطلاق النصوص وخصوص خبر الحلبي المتقدم المروي عن الكافي بزيادة : « قلت : على البعير والدابة؟ قال (عليه السلام) : نعم حيث ما كان متوجهاً ، قلت : استقبل القبلة إذا أردت التكبير؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولكن تكبر حيث ما كنت متوجهاً ، وكذلك فعل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (1).
ومنها يظهر ضعف ما عن جماعة من وجوبه فيه لما في صحيح معاوية المتقدم ، وما في صحيح عبد الرحمن بن أبي نجران قال : « سألت أبا الحسن علیه السلام عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل. قال (عليه السلام) : إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثمَّ كبر وصل حيث ذهب بعيرك .. » (2)إذ يجب - بقرينة ما ذكر - حملهما على الاستحباب مضافاً الى كون المورد من المندوبات التي اشتهر فيها عدم وجوب حمل المطلق على المقيد. فتأمل.
ثمَّ إن المحكي عن صريح الصيمري ، وظاهر العلامة في جملة من كتبه وجماعة : أن قبلة الراكب طريقه ومقصده. وصريح البيان وغيره : أن قبلته رأس دابته. والظاهر أن المراد واحد وهو وجوب استقبال الجهة التي يمشي إليها ، سواء أكان فيها المقصد أم لا ، وكأنهم فهموا مما في النصوص من قولهم (عليهم السلام) : « حيث ذهب بعيرك » و « حيث ما كان متوجهاً » ، و « حيث ما توجهت به » ، ونحوها : أنه يجب استقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة ، ولا يجوز الانحراف عنها. ولا يخفى بعد التأمل أن المراد أنه لا يحتاج الى أن يوجه دابته إلى القبلة ، بل يصلي مطلقاً أينما توجهت الدابة ولو أريد بيان المعنى المدعى كان اللازم التعبير بقولهم (عليهم السلام) : « يصلي الى حيث توجهت » ، لتدل كلمة ( الى ) على أن مدخولها مستقبل - بالفتح -
ولا يجب فيها الاستقرار [1] والاستقبال وإن صارت واجبة بالعرض [2] بنذر ونحوه.
ويشهد بذلك ما في خبر الكرخي المتقدم : « هذا الضيق .. » (1)إذ أو كان يجب استقبال رأس الدابة كان أيضاً ضيقاً. فتأمل. لا أقل من الاجمال الموجب للرجوع إلى أصالة البراءة من وجوب استقبال الجهة التي توجهت إليها الدابة. وأما قوله تعالى : ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا ... ) (2)- بناء على أن معناها : أينما تذهبوا فالمراد منه بيان أن وجه اللّه تعالى يكون في كل جهة ، لا أنه مختص بخصوص الجهة التي تتوجهون إليها لا غير. وعلى هذا فلا بأس بالصلاة إلى أحد جانبي الدابة أو خلفها ، كما قواه في الجواهر والنجاة ، وأمضاه المحققون من أهل الحواشي عليها.
[1] لوفاء النصوص المتقدمة.
[2] لأن النذر والإجارة ونحوهما لا يصلحان لتشريع أحكام في النافلة غير أحكامها الثابتة لها لولاهما ، فاذا كان من أحكامها جواز إيقاعها اختياراً ماشياً أو راكباً فهي على ذلك بعد النذر.
لكن عن بعض : التصريح بثبوت حكم الفريضة بعد النذر ، بل في الجواهر : « لا خلاف أجده فيه ». وكأنه لإطلاق ما دل على المنع من ذلك في الفريضة ، ولا يعارضه إطلاق ما دل على الجواز في صلاة الليل والوتر الشامل لحال النذر ، للانصراف إلى حال كونها نفلا كما هو الغالب ولو سلم فالمرجع عموم وجوب الاستقبال.
وفيه - مضافاً الى ما قيل من أن عنواني الفريضة والنافلة قد غلب
( مسألة 1 ) : كيفية الاستقبال في الصلاة قائماً أن يكون وجهه ومقاديم بدنه الى القبلة حتى أصابع رجليه [1] على الأحوط ، والمدار على الصدق العرفي. وفي الصلاة جالسا
عليهما المعنى الاسمي فيتبادر منهما ذوات الصلوات المخصوصة لا بقيد وصفي النفل والفرض - خبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) : « سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلي كذا وكذا هل يجزئه أن يصلي ذلك على دابته وهو مسافر؟ قال (عليه السلام) : نعم » (1). والتوقف فيه لأن في سنده محمد بن أحمد العلوي غير ظاهر ، لتصحيح العلامة حديثه فيما عن المختلف والمنتهى ، وعدم استثناء القميين حديثه من كتاب نوادر الحكمة ، ووصف الصدوق له - فيما عن إكمال الدين - بالدين والصدق ، ورواية جملة من الأجلاء عنه ، وكفى بهذا المقدار دليلا على الوثاقة. مضافاً الى ما في الجواهر (2)من رواية الشيخ الحديث أيضاً من كتاب ابن جعفر (عليه السلام) وطريقه اليه صحيح. ويؤيده أو يعضده ما روي من صلاة النبي (صلی اللّه عليه وآله). صلاة الليل وهو على راحلته (3)مع ما اشتهر من وجوبها عليه (صلی اللّه عليه وآله) هذا لو نذر الصلاة الصحيحة. أما لو نذر فعلها على الأرض اتبع قصد الناذر ، وهو غير محل الكلام.
[1] بل الظاهر عدم توقف الاستقبال على ذلك ، وليس الرجلان إلا كاليدين ، وكذا الركبتان في استقبال الجالس ، والقيام والجلوس لا يختلفان في هذه الجهة ولا في غيرها ، ولا فرق بين أن يكون الجلوس على الرجلين وعلى الأرض ، فقوله : ( لا بد أن يكون .. ) محل تأمل.
أن يكون رأس ركبتيه إليها مع وجهه وصدره وبطنه. وإن جلس على قدميه لا بد أن يكون وضعهما على وجه يعد مقابلا لها. وإن صلى مضطجعا يجب أن يكون كهيئة المدفون [1]. وإن صلى مستلقيا فكهيئة المحتضر.
( الثاني ) : في حال الاحتضار [2] ، وقد مر كيفيته.
( الثالث ) : حال الصلاة على الميت يجب أن يجعل على وجه يكون رأسه إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق [3].
( الرابع ) : وضعه حال الدفن على كيفية مرت.
( الخامس ) : الذبح والنحر [4] بأن يكون المذبح
[1] العرف يقصر عن إثبات هذه الحدود للاستقبال ، وإنما تستفاد من النصوص ، والكلام في ذلك كله يأتي إن شاء اللّه في مبحث القيام.
[2] قد تقدم دليل وجوبه في أحكام الاحتضار. وكذا الثالث والرابع فان محلهما مبحث الصلاة والدفن. والمراد وجوب الاستقبال بالميت حال الاحتضار ، وحال الصلاة عليه ، وحال الدفن.
[3] يعني : إذا كانت القبلة في ذلك المكان في الجنوب. أما إذا كانت في الشمال - كما في المكان الذي يكون في جنوب مكة - فيجب الاستقبال بالميت بأن يكون رأسه الى المشرق ورجلاه الى المغرب. والمدار في استقباله أن يكون رأسه الى يمين المصلي حينما يستقبل القبلة ورجلاه الى يساره. فراجع.
[4] إجماعاً بقسميه ، كما في الجواهر ، للنصوص المستفيضة كحسن ابن مسلم : « استقبل بذبيحتك القبلة » (1). ونحوه غيره.
1) الوسائل باب : 14 من أبواب الذبائح حديث : 1 ويشتمل على غيره ولكن موضوعه المتعمد خاصة.
والمنحر ومقاديم بدن الحيوان إلى القبلة [1]. والأحوط كون الذابح أيضا مستقبلا [2] ، وإن كان الأقوى عدم وجوبه.
( مسألة 2 ) : يحرم الاستقبال حال التخلي بالبول أو الغائط. والأحوط تركه حال الاستبراء والاستنجاء كما مر.
( مسألة 3 ) : يستحب الاستقبال في مواضع : حال الدعاء ، وحال قراءة القرآن ، وحال الذكر ، وحال التعقيب وحال المرافعة عند الحاكم ، وحال سجدة الشكر وسجدة التلاوة ، بل حال الجلوس مطلقا.
( مسألة 4 ) : يكره الاستقبال حال الجماع ، وحال لبس السراويل ، بل كل حالة تنافي التعظيم.
[1] لأنه الظاهر من الاستقبال بها.
[2] لما عن جماعة من وجوب استقبال الذابح ، بدعوى كون الباء في الحسن للمصاحبة ، أي : استقبل مع ذبيحتك القبلة. ولما عن دعائم الإسلام : « إذا أردت أن تذبح ذبيحة فلا تعذب البهيمة أحد الشفرة واستقبل القبلة » (1)بناء على كون المراد استقبال الذابح. لكن الدعوى ممنوعة مع أن مصاحبة المستقبل لا تقتضي استقبال الصاحب : وإنما اقتضته في مثل : ( ذهبت بزيد ) لخصوصية المادة. والظاهر أن الباء هنا للتعدية ، مثل قوله تعالى ( ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ ) (2). وحديث الدعائم - مع ضعفه في نفسه ولا جابر له - يلزم حمله على الاستقبال بالبهيمة لئلا يلزم عدم التعرض له مع وجوبه ، وتعرضه لما ليس بواجب. واللّه سبحانه أعلم.
( مسألة 1 ) لو أخل بالاستقبال عالماً عامداً بطلت صلاته مطلقاً [1]. وإن أخل بها جاهلا [2] أو ناسياً أو غافلا [3] أو مخطئاً في اعتقاده أو في ضيق الوقت ، فان كان منحرفاً عنها الى ما بين اليمين واليسار صحت صلاته [4] ،
فصل في أحكام الخلل
[1] إجماعا محققاً ومستفيضاً ، كما في المستند ، لفوات المشروط بفوات شرطه ، ولحديث : « لا تعاد الصلاة إلا من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود » (1). ونحوه غيره ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الاستدبار وغيره.
[2] يعني : بالحكم قاصراً أو مقصراً.
[3] متعلقهما أعم من الحكم والموضوع. وسيجيء التعرض لحكمهما إن شاء اللّه.
[4] كما هو المشهور ، بل عن جماعة الإجماع عليه ، لصحيح معاوية ابن عمار : « أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصلاة ثمَّ ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالا. فقال (عليه السلام) له : قد مضت صلاته ، وما بين المشرق والمغرب قبلة » (2)، وخبر الحسين
ابن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليه السلام) : « أنه كان يقول : من صلى على غير القبلة وهو يرى أنه على القبلة ثمَّ عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان فيما بين المشرق والمغرب » (1)، المعتضدين بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا صلاة إلا الى القبلة. قال : قلت أين حد القبلة؟ قال (عليه السلام) : ما بين المشرق والمغرب قبلة كله » (2).
لكن عن الناصريات والمقنعة والمبسوط والخلاف والنهاية والمراسم والوسيلة والغنية والسرائر : إطلاق وجوب الإعادة في الوقت إذا صلى لغير القبلة باجتهاده. بل عن الخلاف : الإجماع عليه. وعن السرائر : نفي الخلاف فيه. ويشهد لهم إطلاق جملة من النصوص كصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه البصري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد ، وإن فاتك الوقت فلا تعد » (3)، وصحيح يعقوب بن يقطين : « سألت عبداً صالحاً (عليه السلام) عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبلة ثمَّ طلعت الشمس وهو في وقت أيعيد الصلاة إذا كان قد صلى على غير القبلة وإن كان قد تحرى القبلة بجهده أتجزؤه صلاته؟ فقال (عليه السلام) : يعيد ما كان في وقت ، فاذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه » (4). ونحوهما غيرهما. والجمع بين هذه النصوص وما قبلها كما يمكن بحمل هذه النصوص على غير ما بين المشرق والمغرب ، يمكن بحمل تلك على نفي الإعادة في خارج الوقت ، ومع تعارض وجوه الجمع يرجع الى عموم ما دل على اعتبار القبلة ووجوب الإعادة بتركها
ولذلك استشكل في الحدائق في نفي الإعادة مطلقاً.
هذا والتأمل يقضي بأنه لا وقع لهذا الاشكال لا لحكومة قوله (عليه السلام) : « ما بين المشرق .. » على هذه النصوص ، لأن لفظ القبلة مستعمل في أكثر هذه النصوص في كلام السائل لا في كلام الامام (عليه السلام) ، وإرادة للسائل عن القبلة تمام ما بين المشرق والمغرب بعيد جداً. ولا لكون المرجع بعد التعارض قاعدة الاجزاء ، أو إطلاق الصلاة ، أو أصالة البراءة ، لمنع ذلك ، بل المتعين للمرجعية إطلاقات الشرطية ووجوب الإعادة. بل لأن الجمع الأول بالتصرف في الموضوع أظهر من الثاني بالتصرف في متعلق الحكم ، لظهور النصوص الأول في كون ما بين المشرق والمغرب ذا خصوصية يمتاز بها عن غيره ، ولا يتم ذلك على الجمع الآخر ، وقد مر لذلك نظائره.
وكيف كان فالنصوص المتقدمة بنوعيها متفقة على نفي القضاء. ومع ذلك فقد حكي عن بعض وجوبه ، ويشهد له خبر معمر ( عمرو خ ل ) ابن يحيى قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثمَّ تبينت القبلة وقد دخل وقت صلاة أخرى. قال (عليه السلام) : يعيدها قبل أن يصلي هذه التي قد دخل وقتها » (1). وفيه - مع الغض عن إشكال سنده وإعراض الأصحاب عنه - أنه لا يصلح لمعارضة ما هو صريح في نفيه إذ مقتضى الجمع العرفي الحمل على الاستحباب. مضافاً الى قرب دعوى إرادة وقت الفضيلة من وقت الأخرى ، كما يشير اليه عدم تصريح السائل بخروج وقت الأولى ، أو دعوى كون الغرض مشروعية القضاء قبل ذات الوقت لا وجوب القضاء في نفسه. فتأمل جيداً.
ثمَّ إن ظاهر قول السائل في الصحيح : « ثمَّ ينظر فيرى .. » (2)
ولو كان في الأثناء مضى ما تقدم واستقام في الباقي [1] من
أن العلم بكون الصلاة الى غير القبلة لم يكن حال الصلاة ، وإنما حدث بعد ذلك ، فلا يدخل في عموم الصحيح الناشئ عن ترك الاستفصال الجاهل بالحكم قاصراً كان أو مقصراً ، وكذا الناسي له مع علمهما بجهة القبلة ، كما لا يدخل العالم العامد. وأما الجاهل بالقبلة إذا كان متردداً - كما إذا بنى على الصلاة الى جهة ثمَّ يسأل بعد ذلك - ففي دخوله في الصحيح إشكال لانصرافه الى من صلى بانياً على كون صلاته فرداً للمأمور به ، ومثله ما لو صلى إلى إحدى الجهات الأربع عند اشتباه القبلة وبعد الفراغ انكشف له الانحراف كذلك ، فيمكن دعوى وجوب الإعادة على الأول عملا بمقتضى الشرطية ، وكذا في الثاني إذا تبين كون الانحراف أكثر من ثمن الدائرة ، أما إذا لم يكن انحرافه كذلك فيمكن الاجتزاء بصلاته عملا بدليل الاجتزاء بالأربع ، بناء على ما عرفت من ظهوره في حصول اليقين بالاستقبال لو اقتصر عليها ، فان ذلك لازم لاغتفار الانحراف المذكور واقعاً. وكذا حكم من صلى إلى واحدة في ضيق الوقت بناء على وجوب إيقاع الثلاث بعد الوقت أما بناء على الاجتزاء بها فليس مما نحن فيه ، لأن حكمه الواقعي ذلك في اعتقاده في الدخول تحت عموم الصحيح. وأما ناسي القبلة والغافل فلا ينبغي التأمل في دخولهما تحت عموم الصحيح أيضاً كالمخطئ. واللّه سبحانه أعلم.
[1] بلا خلاف كما صرح به جماعة ، بل عليه الإجماع في جملة من كلماتهم ، كما في المستند. ويشهد له موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل صلى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته. قال (عليه السلام) : إن كان متوجهاً فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم ، وإن كان متوجهاً الى دبر القبلة فليقطع الصلاة
غير فرق بين بقاء الوقت وعدمه ، لكن الأحوط الإعادة في غير المخطئ في اجتهاده مطلقاً [1]. وإن كان منحرفاً الى اليمين واليسار ، أو الى الاستدبار ، فان كان مجتهداً مخطئاً أعاد في الوقت دون خارجه [2]
ثمَّ يحول وجهه إلى القبلة ثمَّ يفتتح الصلاة » (1). وخبر القاسم بن الوليد قال : « سألته عن رجل تبين له وهو في الصلاة أنه على غير القبلة. قال (عليه السلام) : يستقبلها إذا ثبت ذلك ، وإن كان فرغ منها فلا يعيدها » (2)بناء على أن المراد : يستقبل القبلة - كما هو الظاهر - لا الصلاة. مضافاً الى إمكان استفادته من ذيل صحيح معاوية بناء على ظهوره في عدم الخصوصية للفراغ. إلا أن يشكل من جهة فوات الاستقبال حين الالتفات في الأثناء إلى حين الاستقامة. فتأمل.
[1] لاقتصار جماعة كثيرة على المجتهد ، بل في كلام بعض نسبته إلى الأصحاب. ولكونه القدر المتيقن من النصوص.
[2] أما الإعادة في الوقت : فمما لا إشكال فيه ولا خلاف ، إذ يقتضيها - مضافاً الى أدلة الشرطية ، والى حديث : « لا تعاد الصلاة » ونحوه - الأخبار الكثيرة المتقدم بعضها.
وأما عدم وجوب القضاء في الأولين : فهو المشهور ، ويشهد له النصوص المتقدم بعضها ، الصريحة في نفي الإعادة بعد خروج الوقت. وحكي عن بعض أصحابنا أو قوم منهم : إطلاق وجوب الإعادة. وليس صريحاً في المخالفة لذلك ، ولا دليل عليه ظاهراً إلا خبر معمر بن يحيى
الذي قد تقدم الكلام فيه.
وأما عدم وجوبه في الاستدبار : فهو المحكي عن كثير - منهم السيد والحلي ، وابن سعيد ، والعلامة والشهيد في جملة من كتبهما ، وابن فهد ، والميسي ، والشهيد الثاني ، وولده ، وسبطه ، والخراساني ، والأصبهاني ، وغيرهم - أخذاً بإطلاق النصوص النافية للإعادة في خارج الوقت. وعن الشيخين وسلار وابن زهرة ، والعلامة في جملة أخرى من كتبه ، واللمعة والتنقيح وجامع المقاصد وغيرهم ، بل عن الروضة نسبته الى المشهور وجوب القضاء. وليس لهم شاهد ظاهر. نعم استدل له بخبر معمر بن يحيى وذيل موثق عمار المتقدمين ، بناء على إطلاق الثاني الشامل لما بعد الوقت ، وعدم الفصل بين الأثناء وما بعد الفراغ ، ومرسل الشيخ في النهاية : « رويت رواية انه إذا كان صلى الى استدبار القبلة ثمَّ علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصلاة » (1). ونحوه ما عن الناصريات والجمل والسرائر.
وقد عرفت الإشكال في الأول. مع أن حمله على الاستدبار مما لا قرينة عليه. وأما الثاني فعلى تقدير عدم ظهوره في الوقت فلا أقل من إمكان حمله عليه بقرينة تلك النصوص لقرب حمله عليه جداً ، لا أنه يرجع الى أدلة الشرطية من جهة كون التعارض بالعموم من وجه. مع أن الظاهر من الاستدبار فيه - بقرينة المقابلة - ما يعلم اليمين واليسار ، فلو كان له إطلاق يشمل ما بعد الوقت كانت تلك النصوص السابقة - بعد حملها على غير ما بين اليمين واليسار - أخص فيتعين التصرف فيه بالحمل على الوقت ، لئلا يلزم طرح تلك النصوص بالمرة. فتأمل جيداً. مع أن
1) الوسائل باب : 11 من أبواب القبلة حديث : 10.
وإن كان الأحوط الإعادة مطلقاً [1] ، لا سيما في صورة الاستدبار ، بل لا ينبغي أن يترك في هذه الصورة [2]. وكذا إن كان في الأثناء [3]. وإن كان جاهلا
عدم الفصل بين الأثناء وبعد الفراغ محل تأمل. وأما الثالث : فضعيف جداً حيث أنه نقل بالمضمون لرواية مجهولة العين لم يعتمد ناقلها عليها ، إذ ما عدا النهاية من كتب الشيخ محكي عنه العدم. وأما هي فالمحكي عنها قوله : « وهذا هو الأحوط وعليه العمل » ، وهو غير ظاهر في الاعتماد. إلا من جهة الاحتياط ، كما أنه قد يظهر من استدلاله في التهذيب والاستبصار والخلاف برواية عمار أنها المراد بالمرسل في النهاية ، كما أن استدلال بعض أهل هذا القول بخبر معمر وآخر بأدلة الشرطية عدم الاعتماد على المرسل بنحو يكون جابراً لضعفه. فلاحظ.
[1] خروجاً عن شبهة الخلاف الأول المحكي عن بعض أصحابنا أو قوم منهم.
[2] لقوة شبهة الخلاف المحكي عن المشهور.
[3] يعني : إذ التفت في الوقت أعاد إذا كان الانحراف الى اليمين أو اليسار أو الاستدبار كما هو المعروف. وتقتضيه أدلة الشرطية ، وحديث : « لا تعاد » ، وموثق عمار ، والنصوص المتقدمة بناء على الأولوية أو عدم الفصل. وأما خبر القاسم بن الوليد المتقدم فلا بد أن يكون محمولا على غير الفرض ، بقرينة ما فيه من نفي الإعادة بعد الفراغ ، ولعله أيضاً هو المراد من إطلاق ابن سعيد الانحراف إن تبين الخطأ في الأثناء ، وكذا ما عن المبسوط من قوله : « فان كان في حال الصلاة ثمَّ ظن أن القبلة عن يمينه أو شماله بنى عليه واستقبل القبلة ويتمها ، وإن كان مستدبراً للقبلة أعادها من أولها
أو ناسياً أو غافلا فالظاهر وجوب الإعادة في الوقت وخارجه [1]
بلا خلاف » ، ويشير الى الحمل المذكور نفيه الخلاف بناء على رجوعه إلى الأول أيضاً ، فيكون ذلك منه فتوى بمضمون موثق عمار. وإلا فهو محجوج بما عرفت.
نعم يشكل حال الالتفات في الأثناء إذا كان في آخر الوقت بحيث لو استأنف كان قضاء فهل يستقيم ويتم صلاته؟ - كما عن المدارك والذخيرة والرياض واختاره في الجواهر ، بل عن الأول حكايته عن الشهيدين - إما لاستفادته من النصوص النافية للقضاء المتقدمة فيما لو تبين الخطأ بعد الفراغ ، إما لإطلاق بعضها الشامل لصورة التبين في الأثناء ، أو للأولوية ، لأن فوات الاستقبال في بعض الصلاة أولى بنفي القضاء من فواته في جميعها. إما لأن فوات الوقت أولى من مراعاة الاستقبال. أو يقطع صلاته ويستأنف؟ إما لمنع الإطلاق في النصوص المتقدمة ، وكذا الأولوية ، فيكون المرجع إما إطلاق موثق عمار على تقدير تماميته ، أو إطلاق أدلة الشرطية ، وحديث : « لا تعاد » ، وإما لتسليم الإطلاق في النصوص المتقدمة مع البناء على معارضته. بإطلاق موثق عمار ، فيكون المرجع الأدلة الأولية. وعن الشهيد في الذكرى : التردد في الحكم ، لعدم ظهور المباني المذكورة. والأقرب الى الذهن عاجلا هو الأول كما يظهر بعد التأمل في وجهه. ولا يعارضه إطلاق الموثق ، فإنه لو سلم يسهل حمله على خصوص صورة إمكان الإعادة في الوقت. والمسألة محل تأمل.
[1] لاختصاص نصوص نفي القضاء بالمجتهد المخطئ في اجتهاده كما يظهر من ملاحظة ما فيها من ذكر الغيم (1)والسحاب (2)
والعمى (1)، وقوله (عليه السلام) : « فحسبه اجتهاده » (2). وفيه : أن بعضها مطلق كصحيح عبد الرحمن المتقدم (3)، وصحيح زرارة : « إذا صليت على غير القبلة فاستبان لك قبل أن تصبح أنك صليت على غير القبلة فأعد صلاتك » (4)، إذ لا فرق بينهما وبين صحيح معاوية المتقدم في المسألة السابقة (5)، فالبناء على إطلاقه الشامل لجميع الأحوال دون إطلاقهما غير ظاهر. وحينئذ لا بد من الرجوع الى ما ذكرناه من عدم الشمول للجاهل بالحكم ، والناسي له ، والغافل عنه ، والشمول لناسي الموضوع والغافل عنه حسبما سبق.
المذكور في النصوص لفظ المشرق والمغرب كما سبق في صحيح معاوية وموثق عمار وغيرهما ، وقد عبر غير واحد - منهم الفاضلان في جملة من كتبهما - بهما ، والأكثر عبروا باليمين واليسار ، بل في كشف اللثام : « لم أر ممن قبل الفاضلين اعتبار المشرق والمغرب ». والأخير هو المتعين ، لاختصاص الأول بمن قبلته نقطة الجنوب أو الشمال ، أما من كانت قبلته نقطة المشرق فقوس الاجزاء في حقه يكون ما بين الشمال والجنوب من جانب المشرق ، ومن كانت قبلته نقطة المغرب فقوس الاجزاء
في حقه يكون ما بين الشمال والجنوب من جانب المغرب ، وقد يكون غير ذلك في البلدان الأخر على اختلافها في الطول والعرض. وكأن التعبير بالمشرق والمغرب في كلام الجماعة اتباعاً للنصوص ، والتعبير فيها كان لأن الراوي قبلته في جهة الجنوب ، لكن متابعة النصوص مع لزوم الإبهام المحل ليس كما ينبغي.
وكيف كان فالظاهر من المشرق والمغرب في النصوص والفتاوى - وكذا اليمين واليسار - النقطتان المتقابلتان من دائرة الأفق القاسمتان لها قسمين متساويين ، فالقوس الذي يكون من جانب القبلة هو قوس الاجزاء.
وأما الاستدبار فالبحث عن المراد منه غير مهم ، إذ لا حكم له بالخصوص ، وليس له تعرض في النصوص سوى موثق عمار (1)ومرسل النهاية (2)، والأول قد عرفت أن الظاهر منه - بقرينة المقابلة - إرادة ما يعم اليمين واليسار ، لئلا يلزم إهمال الجواب ، وهو خلاف الظاهر جداً والثاني لا ينبغي التأمل في ظهوره فيما يقابل القبلة. ولو بني على متابعة الأصحاب الذين خصوه بحكم الإعادة والقضاء فالظاهر منهم أنهم يريدون به ما يقابل القبلة ، كما عن الشهيد الثاني في الروض والمسالك والروضة وفوائد القواعد ، كالمرسل الذي ذكر مستنداً لهم. وما بينه وبين اليمين والشمال ملحق بهما ، لا به ، لأنهم إنما ذكروا اليمين واليسار تحديداً لقوس الاجزاء ، ولم يذكروهما موضوعاً لحكم التفصيل ، كي يشكل إلحاق ما بينهما وبين الاستدبار بهما ، وإنما ذكروا الاستدبار فقط ، فخصوه بوجوب القضاء وجعلوا ما عداه وما عدا الانحراف فيما بين اليمين واليسار موضوعاً للتفصيل
( مسألة 2 ) : إذا ذبح أو نحر الى غير القبلة عالماً عامداً حرم المذبوح [1] والمنحور. وإن كان ناسياً أو جاهلا أو لم يعرف جهة القبلة لا يكون حراماً [2]. وكذا لو تعذر
بينه وبين الإعادة ، فراجع كلماتهم وتأمل تجد في تحرير الخلاف في معنى الاستدبار ما لا ينبغي. واللّه سبحانه الموفق.
[1] بلا خلاف ولا إشكال ، وتقتضيه نصوص الشرطية ، كمصحح الحلبي : « عن الذبيحة تذبح لغير القبلة. فقال (عليه السلام) : لا بأس إذا لم يتعمد » (1). ونحوه صحيحا ابن مسلم وابن جعفر (عليه السلام) (2).
[2] أما في الأول : فموضع وفاق ، وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه بل حكى الإجماع عليه غير واحد ». ويقتضيه نفي البأس في الصحاح المشار إليها آنفاً ، وأما في الأخيرين : فهو المحكي عن تصريح كثير من الأصحاب ، وعن الأردبيلي نسبته إلى الأصحاب. وهو في الأخير ظاهر ، لصدق عدم العمد الذي أخذ في النصوص موضوعاً للحل ، ولذا قال في كشف اللثام : « لا نعرف خلافاً في أن من أخل بالاستقبال بها ناسياً أو جاهلا بالجهة حلت ذبيحته ». لكنه يشكل في الأول ، لعدم ظهور صدقه فيه. ورواية الدعائم في من ذبح لغير القبلة : « إن كان خطأ أو نسي أو جهل فلا شيء عليه وتؤكل ذبيحته .. » (3)ضعيفة غير مجبورة. ومجرد الموافقة لفتوى الجماعة غير كاف في الجبر ما لم يظهر الاعتماد عليها ، وهو غير ثابت أو معلوم العدم. نعم استدل له بصحيح ابن مسلم : « عن رجل
استقباله كأن يكون عاصياً أو واقعاً في بئر أو نحو ذلك مما لا يمكن استقباله [1] ، فإنه يذبحه وإن كان الى غير القبلة.
( مسألة 3 ) : لو ترك استقبال الميت وجب نبشه [2] ما لم يتلاش ولم يوجب هتك حرمته ، سواء كان عن عمد أو جهل أو نسيان كما مر سابقاً.
ذبح ذبيحة فجهل أن يوجهها إلى القبلة. فقال (عليه السلام) : كل منها. فقلت له : فإنه لم يوجهها. فقال (عليه السلام) فلا تأكل منها » (1)بناء على ظهوره في أن المقابلة بين السؤالين مع اشتراكهما في عدم الاستقبال هو فرض الجهل في الأول والعلم في الثاني ، كما هو غير بعيد ، لا هو الاستقبال في الأول والعدم في الثاني مع الاشتراك في الجهل.
[1] بلا خلاف فيه ظاهر ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه لكثير من النصوص ، كصحيح الحلبي : « في ثور تعاصى فابتدره قوم بأسيافهم وسموا فأتوا علياً (عليه السلام). فقال : هذه ذكاة وحية ، ولحمه حلال » (2)، وخبر زرارة : « عن بعير تردى في بئر ذبح من قبل ذنبه. فقال (عليه السلام) : لا بأس إذا ذكر اسم اللّه تعالى عليه » (3)، وحسن الحلبي : « في رجل ضرب بسيفه جزوراً أو شاة في غير مذبحها وقد سمى حين ضرب .. فأما إذا اضطر اليه واستصعب عليه ما يريد أن يذبح فلا بأس بذلك » (4). ونحوها غيرها.
[2] يعني : مقدمة للاستقبال الواجب ، وحرمة النبش ليس لدليلها
اعلم أن الستر قسمان : ستر يلزم في نفسه ، وستر مخصوص بحالة الصلاة.
فالأول : يجب ستر العورتين [1] القبل والدبر ، عن كل مكلف من الرجل والمرأة ، عن كل أحد من ذكر أو أنثى ، ولو كان مماثلا محرماً أو غير محرم. ويحرم على كل منهما أيضاً النظر إلى عورة الآخر. ولا يستثنى من الحكمين إلا الزوج والزوجة والسيد والأمة إذا لم تكن مزوجة ولا محللة بل يجب الستر عن الطفل المميز ، خصوصاً المراهق. كما أنه يحرم النظر إلى عورة المراهق ، بل الأحوط ترك النظر إلى عورة المميز.
ويجب ستر المرأة تمام بدنها [2]
إطلاق يشمل المقام ، فإطلاق دليل وجوب الاستقبال بالميت محكَّم. نعم لو تلاشى انتفى موضوع الاستقبال ، كما أنه لو لزم هتكه حرم النبش ، لأن حرمة الهتك أهم من وجوب الاستقبال به وأعظم. واللّه سبحانه أعلم.
فصل في الستر والساتر
[1] تقدم الكلام في وجوب ستر العورتين وحرمة النظر إليهما في أحكام التخلي. فراجع.
[2] إجماعاً ، بل ضرورة من الدين ، ويشير اليه قوله تعالى : ( وَلْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ ... ) (1)، وقوله تعالى ( وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ) (2)، وصحيح الفضيل : « عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال اللّه تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ ) ؟ قال (عليه السلام) : نعم » (3)، وصحيح البزنطي : « لا تغطي المرأة رأسها من الغلام حتى يبلغ الغلام » (4). ونحوهما غيرهما مما ورد في هذه الأبواب. وما ورد في حرمة النظر إلى الأجنبية (5)بناء على الملازمة بين حرمة النظر ووجوب الستر ، المفروغ عنها في ظاهر النص والفتوى ولأجل وضوح الحكم في وجوب التستر وحرمة النظر لم يتعرض أكثر النصوص لهما إلا عرضاً بملاحظة حكم موارد الاستثناء أو توهمه ، كالقواعد (6)، والمملوك (7)، والخصي (8)، والأعمى (9)، وعند العلاج (10)، والصبي والصبية (11)، والوجه والكفين (12)، ومن يريد تزويجها (13)
1) النور : 24.
2) النور : 60.
3) راجع الوسائل باب : 109 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 1.
4) راجع الوسائل باب : 126 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 4.
5) راجع الوسائل باب : 104 من أبواب مقدمة النكاح.
6) راجع الوسائل باب : 110 من أبواب مقدمة النكاح.
7) راجع الوسائل باب : 124 من أبواب مقدمة النكاح.
8) راجع الوسائل باب : 125 من أبواب مقدمة النكاح.
9) راجع الوسائل باب : 129 من أبواب مقدمة النكاح.
10) راجع الوسائل باب : 130 من أبواب مقدمة النكاح.
11) راجع الوسائل باب : 126 - 127 من أبواب مقدمة النكاح.
12) راجع الوسائل باب : 109 من أبواب مقدمة النكاح.
13) راجع الوسائل باب : 36 من أبواب مقدمة النكاح.
عمن عدا الزوج والمحارم [1] ، إلا الوجه والكفين [2] مع عدم التلذذ والريبة
ونساء أهل تهامة ونحوهن ممن لا ينتهين إذا نهين (1)، والمرأة التي تموت ليس معها محرم (2)، وغير ذلك من الموارد المتفرقة التي يعثر المتتبع على مقدار وافر منها جداً. فلاحظ.
[1] أما استثناء الأول فواضح. وأما الثاني : فسيأتي الكلام فيه.
[2] كما عن الشيخ في النهاية والتبيان والتهذيب والاستبصار ، واختاره جماعة ممن تأخر عنه ، ومنهم شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في شرح كتاب النكاح من الإرشاد. ويشهد له خبر علي بن جعفر (عليهما السلام) المروي في قرب الاسناد : « عن الرجل ما يصلح له أن ينظر من المرأة التي لا تحل له؟ قال (عليه السلام) : الوجه والكفان وموضع السوار » (3)، وخبر مسعدة بن زياد « سمعت جعفراً (عليه السلام) - وسئل عما تظهر المرأة من زينتها - قال (عليه السلام) : الوجه والكفين » (4)، ومرسل مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت له : ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال (عليه السلام) : الوجه والكفان والقدمان » (5)، وخبر زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في قول اللّه عز وجل ( إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها ) . قال (عليه السلام) : الزينة الظاهرة الكحل والخاتم » (6). ونحوه
1) راجع الوسائل باب : 113 من أبواب مقدمة النكاح.
2) راجع الوسائل باب : 21 من أبواب غسل الميت.
3) قرب الاسناد ج : 1 باب ما يجب على النساء في الصلاة.
4) الوسائل باب : 109 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 5.
5) الوسائل باب : 109 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 2.
6) الوسائل : باب 109 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 3.
خبر أبي بصير (1)، إلا أن فيه الخاتم والمسكة وهي القلب ( والقلب بالضم السوار ). وخبر المفضل بن عمر : « في المرأة تموت في السفر مع رجال ليس فيهم ذو محرم. قال (عليه السلام) : ولا يكشف لها شيء من محاسنها التي أمر اللّه سبحانه بسترها. قلت : فكيف يصنع بها؟ قال (عليه السلام) : يغسل بطن كفيها ، ثمَّ يغسل وجهها ، ثمَّ يغسل ظهر كفيها » (2). وفي صحيح داود بن فرقد : « يغسلون كفيها » (3). وقريب منه خبر جابر (4)، وخبر أبي سعيد : « في الرجل يموت مع نسوة ليس فيهن له محرم. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : بل يحل لهن أن يمسسن منه ما كان يحل لهن أن ينظرن منه اليه وهو حي » (5)بناء على عدم الفصل بين الرجل والمرأة ، المؤيد ذلك كله أو المعتضد بما ورد من نظر سلمان (رحمه اللّه) لكف الزهراء (عليها السلام) دامية (6)، ونظر جابر (رضي اللّه عنه) وجهها أصفر تارة وأحمر أخرى (7)، وتعرض جملة من النصوص (8)الواردة في باب حكم النظر في جملة من الموارد التي هي مظنة الاستثناء للذراعين والشعر والرأس دون الوجه والكفين مع أنهما أولى بالتعرض ، لغلبة الابتلاء ، فالسكوت .
1) الوسائل باب : 109 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 4.
2) الوسائل باب : 22 من أبواب غسل الميت حديث : 1.
3) الوسائل باب : 22 من أبواب غسل الميت حديث : 2.
4) الوسائل باب : 22 من أبواب غسل الميت حديث : 8.
5) الوسائل باب : 22 من أبواب غسل الميت حديث : 10.
6) في البحار ج : 43 ص : 28 الطبعة الحديثة هكذا : ( روي أن سلمان قال : كانت فاطمة (عليها السلام) جالسة قدامها رحى تطحن بها الشعير وعلى عمود الرحى دم سائل والحسين (عليه السلام) في ناحية الدار يتضور من الجوع فقلت : يا بنت رسول اللّه دبرت كفاك .. ).
7) الوسائل باب : 120 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 3.
8) تقدمت الإشارة إلى مواضعها عن قريب.
عنه يوجب الاطمئنان بوضوح حكمه وهو الجواز. ومثلها ما تضمن كشف المرأة وجهها في الإحرام (1).
وبذلك كله يمكن الخروج عن عموم أدلة التحريم لو تمَّ. كيف لا؟ وقوله تعالى ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ) مشعر باختصاص الحكم بالجيوب فلا يعم الوجوه. وقوله تعالى : ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ... ) مخصص بغير الظاهرة ، وإجماله مانع عن العموم. والأمر بالغض (2)لا عموم في متعلقه ، وحذفه لا يقتضيه ، إذ حمله على العموم لكل شيء ممتنع ، ولا سيما بملاحظة التعبير بقوله تعالى ( مِنْ أَبْصارِهِمْ ) أو بقوله تعالى : ( أبصارهم ) ، فان كلمة ( من ) ظاهرة في التبعيض ، والظاهر كونه بلحاظ المتعلق. وتقدير كل شيء من بدن المرأة لا قرينة عليه ، بل المناسب جداً بقرينة ما بعده أن يكون متعلقه الفروج. مع أن كون المراد من الغض الغمض غير ظاهر. وما دل على أن المرأة عي وعورة (3)ظاهر في كونها عورة ولو كانت متسترة ، ولذا أمر بسترهن في البيوت. وعموم غير ما ذكر مما هو ضعيف السند غير مجد. نعم يحتمل في خبر ابن جعفر علیه السلام كون المراد من المرأة التي لا تحل له المحرم لا الأجنبية ، إلا أنه لو تمَّ كفى غيره في الإثبات. والاشتمال على السوار والقدمين التي لا قائل بالجواز فيها لا يقدح في حجيتها في غيرها.
ومن ذلك يظهر ضعف ما عن التذكرة وغيرها من المنع ، وقواه في الجواهر ، لإطلاق آية الغض ، ومعلومية كون المرأة عورة. وعن كنز
العرفان : دعوى إطباق الفقهاء عليه. ولسيرة المتدينين على التستر. ولما ورد من أنه ما من أحد إلا يصيب حظاً من الزنا فزنا العين النظر (1). ولما ورد في مكاتبة الصفار الى أبي محمد (عليه السلام) : « في الشهادة على المرأة هل تجوز أن يشهد عليها من وراء الستر وهو يسمع كلامها إذا شهد عدلان بأنها فلانة بنت فلان أو لا تجوز له الشهادة حتى تبرز من بيتها بعينها؟ فوقع (عليه السلام) : تتنقب وتظهر للشهود » (2)، ولما ورد من أن النظر سهم من سهام إبليس مسموم (3). ولخبر سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) المتضمن أن شاباً من الأنصار استقبل امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن ، فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها فدخل في زقاق وجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه فلما مضت المرأة رأى الدماء تسيل على صدره وثوبه ، فجاء إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله) فأخبره ، فهبط جبرئيل (عليه السلام) بالآية (4). ولأن الستر أبعد عن الوقوع في الزنا والافتتان ونحوهما. المعلوم من الشارع الأقدس إرادة عدمها ، ولذا حرم ما يحتمل من النظر إيصاله إليها. وتقييد المجوز بعدم خوف الفتنة والريبة قاض بعدم الجواز غالباً. ودليله قاض بالإطلاق على وجه لو حمل على الأفراد غير الغالبة كان من المؤل الذي لا حجية فيه. وتفسير ( ما ظَهَرَ مِنْها ) بما عرفت كاف في عدم الوثوق به ، لاختلافه اختلافاً لا يرجى جمعه. مع ضعف السند في جملة منها. ولما ورد من صرف النبي (صلی اللّه عليه وآله) وجه الفضل بن العباس عن الخثعمية (5).
هذا وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر لك وجه المناقشة في جميع ما ذكر. إذ إطلاق آية الغض غير معلوم. وكذا كون جميع بدن المرأة عورة بالمعنى الذي هو محل الكلام. والإطباق عليه ممنوع. وسيرة المتدينين أعم من وجوب الستر. وزنا العين النظر مجمل المتعلق. مع أن من القريب إرادة النظر بالتلذذ. ومثله ما ورد من أنه سهم من سهام إبليس لعنه اللّه. وكذا ما هو مورد خبر سعد الإسكاف. مع أن النظر فيه كان الى ما يزيد على الوجه. ومكاتبة الصفار غير ظاهرة في وجوب التستر شرعاً. فلعله لدفع الحزازة العرفية. مع أن النقاب لا يستر تمام الوجه. فجواز النظر الى بعض الوجه مع إمكان العلم بها بطريق غير النظر شاهد بالجواز. ويكفي في البعد عن الزنا حرمة النظر مع التلذذ والريبة لا مطلقاً. وكونه الغالب ممنوع جداً ولو سلم فحمل دليل الجواز على غيره لا يجعله من المؤل ، لوروده من حيث النظر ذاته لا من حيث آخر من تلذذ أو ريبة. واختلاف الأخبار في بيان الزينة لأجل ورودها مورد بيان التمثيل ولو ببعض الأفراد. وضعف السند ممنوع ، إذ الأول صحيح كما في المستند ، لكن الذي وجدته فيه روايته بتوسط عبد اللّه بن الحسن عن جده علي بن جعفر (عيهما السلام) ( وعبد اللّه ) مهمل لم يذكره إلا بعض المتأخرين. ولم يعرف بقدح ولا مدح غير اعتماد الحميري عليه في رواية كتاب جده ، ولعل هذا المقدار كاف في اعتباره في المقام عندهم. والثاني فيه هارون بن مسلم ومسعدة وكلاهما ثقة كما عن النجاشي والخلاصة. والثالث فيه ( مروك ) الذي قيل فيه : إنه شيخ صدوق. وإرساله ربما لا يهم ، لأن في سنده أحمد بن محمد بن عيسى الذي أخرج البرقي من ( قم ) لأنه يعتمد الضعفاء ويروي المراسيل. والرابع ليس فيه من يخدش فيه إلا القاسم بن عروة وقد صحح حديثه في المواقيت
المعدود من أدلة الاشتراك. والخامس ليس فيه من يتوقف في روايته إلا سعدان بن مسلم. ورواية كثير من الأجلاء عنه توجب اعتبار حديثه. وخبر المفضل فيه عبد الرحمن بن سالم. إلا أن في السند أحمد بن محمد ابن عيسى الذي عرفت حاله ، والبزنطي الذي هو من أصحاب الإجماع وممن قيل في حقه : إنه لا يروي إلا عن ثقة. ولعل الاعتبار بهذا المقدار من الأخبار في المسألة كاف في الحكم عندهم. وصرف النبي (صلی اللّه عليه وآله) وجه الفضل لكون نظره مما يخاف منه الفتنة ، كما يظهر من تعليله (صلی اللّه عليه وآله) بخوف دخول الشيطان بينهما ، فهو من أدلة الجواز لا المنع.
وقد يستدل على الجواز أيضا بصحيح علي بن سويد : « قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : إني مبتلى بالنظر الى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها فقال (عليه السلام) : يا علي لا بأس إذا عرف اللّه سبحانه من نيتك الصدق ، وإياك والزنا » (1)وفيه : أن ظاهر التعبير بالابتلاء هو الاضطرار ، وكأن الوجه في السؤال ما يدخله بعد النظر المعبر عنه بقوله : « فيعجبني .. ».
وفي الشرائع وعن العلامة في أكثر كتبه : التفصيل بين النظرة الأولى فيجوز ، والثانية فتحرم. وكأنه للجمع بين ما دل على المنع والجواز ، وللنبوي : « لا تتبع النظرة بالنظرة فإن الأولى لك والثانية عليك » (2)وقريب منه مرسلتا الفقيه (3)، وخبر الكاهلي : « النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة » (4). وفيه : أنك
وأما معهما فيجب الستر [1]. ويحرم النظر حتى بالنسبة إلى
عرفت ما يقتضيه التأمل في الجمع بين أدلتي المنع والجواز. والنظر في النبوي وما بعده مجمل المتعلق. ولا يبعد أن يكون المراد من النظرة الأولى النظرة غير العمدية.
وما ذكرناه من تقريب القول بالجواز والمناقشة في دليل المنع وإن كان أكثره مذكوراً في كلام شيخنا الأعظم في كتاب النكاح - ولأجله اختار القول بالجواز - لكن الخروج به عن مرتكزات المتدينين ، بل مرتكزات المتشرعة في غير النساء المتبذلات لا يخلو من إشكال. فلاحظ وتأمل. واللّه سبحانه أعلم.
[1] إجماعاً محققاً ادعاه جماعة كثيرة على ما حكي عن بعضهم. ويشير اليه ما تقدم من خبر سعد الإسكاف ، وخبر الكاهلي ، وما تضمن صرف النبي (صلی اللّه عليه وآله) وجه الفضل عن الخثعمية بملاحظة التعليل بخوف أن يدخل الشيطان بينهما ، وغيرهما ، وفيما عن العلل والعيون : « وحرم النظر الى شعور النساء المحجوبات بالأزواج والى غيرهن من النساء لما فيه من تهييج الرجال وما يدعو اليه التهييج من الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يجمل وكذلك ما أشبه الشعور إلا الذي .. » (1).
هذا وفسرت الريبة - كما في المسالك - بخوف الوقوع في الحرام ، وجعل خوف الفتنة عبارة عن ذلك. وحكي عن التذكرة ما استظهر منه أن الريبة غير خوف الافتتان. وفي كشف اللثام : فسر الريبة بما يخطر بالبال عند النظر. وجعل الفرق بينها وبين خوف الافتتان ظاهراً. والتعليل في خبر الفضل مع الخثعمية كاف في إثبات الجميع ، إذ في جميعها يخاف
1) الوسائل باب : 104 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 12.
المحارم وبالنسبة إلى الوجه والكفين. والأحوط سترها عن المحارم [1] من السرة إلى الركبة مطلقاً ، كما أن الأحوط ستر الوجه والكفين عن غير المحارم مطلقاً.
( مسألة 1 ) : الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول بالشعر [2]
من الشيطان ، والعمدة التسالم على التحريم المعتضد بارتكازات المتشرعة على وجه لا يقبل الشك والارتياب.
[1] لما عن التحريم من أنه ليس للمحرم التطلع في العورة والجسد عارياً. وعن ظاهر التنقيح : المنع عنه إلا الثدي حال الإرضاع. وعن بعض : المنع في غير المحاسن وهو مواضع الزينة. ودليل الجميع غير ظاهر بعد ما دل الكتاب الشريف على جواز إبداء الزينة غير الظاهرة ، ورواية السكوني الدالة على جواز النظر الى شعر الأم والأخت والبنت (1). والجواز في غير ذلك مقتضى الأصل. مضافاً الى التسالم عليه فيما بينهم.
هذا ولا يظهر الوجه في تخصيص الاحتياط بما بين السرة والركبة حيث لا ينقل قول بذلك في المقام. نعم عن بعض : تحديد العورة بذلك مطلقاً حتى بالنسبة الى الرجل ، وعن بعض : تحريم نظر المرأة الى الرجل في خصوص ما بين السرة والركبة ، وعليه فالأحوط وجوب ستره مطلقاً. هذا ومما سبق يظهر لك وجه الاحتياط الآتي. واللّه سبحانه أعلم.
[2] لا يخلو من إشكال ، لأن ما ورد من النهي عن النظر الى الشعر والأمر بستره (2)ظاهر في الشعر الأصلي فلا يعم الموصول. نعم إذا كان
سواء كان من الرجل أو المرأة ، وحرمة النظر اليه. وأما القرامل من غير الشعر وكذا الحلي ففي وجوب سترهما وحرمة النظر إليهما مع مستورية البشرة إشكال [1] وإن كان أحوط.
( مسألة 2 ) : الظاهر حرمة النظر الى ما يحرم النظر إليه في المرآة والماء الصافي [2] مع عدم التلذذ. وأما معه فلا إشكال في حرمته.
من المرأة وكانت أجنبية أمكن القول بحرمة النظر اليه ، لاستصحاب حرمة النظر الثابتة قبل الانفصال. لكن في وجوب ستره على المرأة الواصلة له بشعرها إشكال ، لاختصاص وجوب الستر بالمرأة ذات الشعر لا غيرها. ووجوبه عليها من باب الأمر بالمعروف لا يختص بها ، بل يعم كل مكلف كما لا يخفى. لكن في محكي كشف الغطاء : « والزينة المتعلقة بما لا يجب ستره في النظر - على الأصح - والصلاة - من خضاب ، أو كحل ، أو حمرة ، أو سوار ، أو حلي ، أو شعر خارج وصل بشعرها ولو كان من شعر الرجال وقرامل من صوف ، ونحوه - يجب ستره عن الناظر دون الصلاة على الأقوى ». وظاهره تحريم إبداء مطلق الزينة حتى الظاهرة ولكنه غير ظاهر.
[1] يظهر عدم البأس من النظر الى القرامل مما سبق في الشعر الموصول وأما الحلي : فقد يقتضي ظهور الآية (1)وجوب سترها ، لأنها من الزينة المحرم إبداؤها. وما يظهر من النصوص (2)من تفسيرها بمواضع الزينة لا ينافي ذلك لجواز أن يكون المراد من الزينة ما يعم الذاتية والعرضية ، وما ورد من ذكر المواضع غير ظاهر في الحصر فيها بالتأمل.
[2] خلافاً لما في المستند حيث استظهر الجواز فيهما ، لانصراف النظر
( مسألة 3 ) : لا يشترط في الستر الواجب في نفسه ساتر مخصوص ، ولا كيفية خاصة [1] ، بل المناط مجرد الستر ولو كان باليد وطلي الطين ونحوهما.
( وأما الثاني ) : - أي الستر حال الصلاة فله كيفية خاصة [2]. ويشترط فيه ساتر خاص. ويجب مطلقاً سواء كان هناك ناظر محترم أو غيره أم لا [3].
إلى الشائع المتعارف ، ولعدم العلم بكونه نظراً الى المرء والمرأة ، لجواز كون الرؤية فيهما بالانطباع. وفيه : أنه لو سلم فالظاهر من الأدلة عدم الخصوصية لغير الفرض ، وأن موضوع الحكم هو الإحساس الخاص ، وإلا جاز النظر بالآلة النظارة ، ولا يمكن الالتزام به. نعم قد يشكل الحكم في الماء الصافي من جهة عدم تمامية حكايته. فتأمل.
[1] لإطلاق الأدلة.
[2] كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
[3] إجماعاً كما عن المنتهى والتذكرة والذكرى وظاهر المعتبر والتحرير وغيرها. وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه منا ومن أكثر العامة على اشتراط الصحة معه ». وقد يستدل له بصحيح محمد بن مسلم - في حديث - قال : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الرجل يصلي في قميص واحد؟ فقال (عليه السلام) : إذا كان كثيفاً فلا بأس به » (1)، وبنصوص العاري (2)المشتملة على إبدال الركوع والسجود بالإيماء ، والقيام في بعض الأحوال بالجلوس ، فلو لا شرطية التستر لما جاز ذلك عند فقده. وبالنهي عن الصلاة فيما شف أو
وصف (1)، وبالأمر بغسل الثوب من النجاسة والصلاة فيه مع الإمكان وبالصلاة فيه معها مع عدم الإمكان (2). وبما ورد من أمر المرأة بالتستر وبيان ما تستتر به (3).
لكن الأول ليس وارداً في مقام تشريع شرطية التستر ، بل في مقام الاجتزاء بالواحد في مقابل اعتبار التعدد - كما يظهر من رواية أبي مريم : « صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا إزار ولا رداء فقال (عليه السلام) : إن قميصي كثيف فهو يجزئ أن لا يكون علي إزار ولا رداء » (4)فلا يقتضي إطلاق الشرطية حتى مع عدم الناظر. ونصوص العاري مضطربة وسيأتي القول من بعض بجواز الصلاة تامة مع أمن المطلع. والنهي عن الصلاة فيما شف أو وصف مقتضى إطلاقه الشامل لصورة التعدد أن يكون محمولا على الكراهة ، كما يشهد به خبر الخصال عن علي (عليه السلام) : « عليكم بالصفيق من الثياب فإن من رق ثوبه رق دينه ، ولا يقومن أحدكم بين يدي الرب ( جل جلاله ) وعليه ثوب يشف » (5). والأمر بغسل النجاسة إرشادي الى مانعيتها ، والأمر بالصلاة فيه مع إمكان تطهيره لم يثبت البناء عليه منهم كما تقدم في أحكام النجاسات ، فالاستدلال به يتوقف على القول بذلك ، ولا يتم بناء على القول بالآخر. والأمر للمرأة بالتستر مختص بمورده ، فإثبات عموم الحكم لصورتي وجود الناظر وعدمه بالنصوص غير ظاهر. والعمدة فيه الإجماع المحقق.
ويتفاوت بالنسبة الى الرجل والمرأة.
أما الرجل : فيجب عليه ستر العورتين أي : القبل من القضيب والبيضتين وحلقة الدبر لا غير [1] ، وإن كان الأحوط ستر العجان [2] أي : ما بين حلقة الدبر إلى أصل القضيب ، وأحوط من ذلك ستر ما بين السرة والركبة [3].
[1] هذا هو المتيقن من الأدلة إجماعاً وغيره.
[2] لما عن حاشية الإرشاد للكركي : « من أن الأولى إلحاق العجان بذلك في وجوب الستر ». وأصل البراءة يقتضي عدمه بعد عدم الدليل عليه أو على كونه عورة ، بل صريح النصوص الآتية خروجه من العورة كما هو كذلك عرفاً.
[3] لما عن القاضي والتقي من أن العورة من السرة إلى الركبة. وكأنه لما عن الخصال عن علي (عليه السلام) : « ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذه ويجلس بين قوم » (1)، وخبر الحسين بن علوان عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا زوج الرجل أمته فلا ينظر الى عورتها ، والعورة ما بين السرة والركبة » (2). والأول ضعيف الدلالة. مضافاً الى قصور السند كالثاني. مضافاً الى معارضته بغيره كمرسل أبي يحي الواسطي : « العورة عورتان القبل والدبر ، والدبر مستور بالأليتين ، فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة » (3)، وخبر محمد بن حكيم عن الصادق (عليه السلام) : « الفخذ ليست من العورة » (4). ونحوه مرسل الصدوق (5)، وفي خبر محمد بن حكيم
والواجب ستر لون البشرة [1] ، والأحوط ستر الشبح [2] الذي يرى من خلف الثوب من غير تميز للونه ، وأما الحجم - أي : الشكل - فلا يجب ستره.
الآخر : « ان الركبة ليست من العورة » (1)مما هو معول عندهم دونه.
[1] إجماعاً.
[2] لم يتعرض الجماعة لذكر الشبح بخصوصه ، وإنما تعرضوا لذكر الحجم في مقابل لون البشرة ، فعن المعتبر والتذكرة والمهذب البارع وكشف الالتباس والمدارك وغيرها : عدم وجوب ستره. وفي الذكرى : « لو كان الثوب رقيقاً يبدو منه الحجم لا اللون فالاكتفاء به أقوى لأنه يعد ساتراً ». وعن البحار أنه أظهر. وفي جامع المقاصد وفوائد الشرائع وفوائد القواعد : الوجوب ، لقاعدة الاحتياط ، وتبادره من الستر الواجب ، ولمرفوع أحمد ابن حماد الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تصل فيما شف أو وصف » (2)بناء على ضبطه بواوين كما هو المعروف ، مأخوذ من الوصف كما عن الذكرى ، ومعنى ( وصف ) حكى الحجم. وفصل في المستند بين صورة رؤية الشبح بنفسه كما يرى الشيء من وراء الزجاجة الكثيفة أو من وراء ثوب قريب من العين وان لم يتميز لونه ، وبين عدم رؤيته وإنما يرى الحائل لا غير وإن حكى حجم الشيء ، ففي الأول يجب الستر وفي الثاني لا يجب. ومرجعه الى التفصيل بين الشبح فيجب ستره والحجم فلا يجب. وهو كلام متين. وقاعدة الاحتياط غير جارية في أمثال المقام. وتبادر
وأما المرأة : فيجب عليها ستر جميع بدنها [1]
ستر الحجم من أدلة وجوب الستر ممنوع. ومرفوع أحمد بن حماد - مع ضعفه وإمكان حمله على الكراهة كما عرفت - لا يقتضي وجوب ستر الحجم ، كيف؟! والحجم يرى مع التستر بالجلد الذي لا ريب في كفايته. نعم إذا كانت رؤية الشبح ناشئة من حيلولة ذي الشبح بين الناظر والنور المرتسم بالساتر فلا بأس بعدم ستره ، إذ لا رؤية له في الحقيقة ، وانما هو يمنع من ارتسام النور المحجوب به.
هذا والمصنف (رحمه اللّه) في المقام توقف في وجوب ستر الشبح ، وفي باب التخلي جزم بوجوبه ، لأنه يرجع في الحقيقة إلى ستر اللون. ولا يخلو من تدافع. اللّهم الا أن يقال : لا دليل في المقام يدل على وجوب هذه المرتبة من ستر اللون ، إذ هو إما إطلاق معقد الإجماع على وجوب التستر أو ما دل على وجوب كون الثوب كثيفاً. والأول لا يجدي بعد تحقق الخلاف منهم في وجوب ستر الشبح. وكذا الثاني ، لأن الكثافة الغلظ وهو قد لا ينافي حكاية الشبح ، فأصالة البراءة عن وجوب ستره محكمة. فافهم.
[1] فعن المنتهى : « بدن المرأة البالغة الحرة عورة بلا خلاف بين كل من يحفظ عنه العلم ». وعن المعتبر والمختلف والتذكرة : « عورة المرأة الحرة جميع بدنها الا الوجه بإجماع علماء الإسلام ». وكأن عدم استثناء الوجه في الأول اعتماداً على ما ذكره بعد ذلك من عدم وجوب ستره الدال بالالتزام على أنه ليس بعورة ، إذ احتمال كونه عورة ولا يجب ستره ساقط وإن استظهره في مفتاح الكرامة ، للاتفاق القطعي على وجوب ستر العورة في الصلاة.
وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في وجوب ستر بدن المرأة
في الجملة ، وتشهد له جملة من النصوص ، كصحيح علي بن جعفر (عليه السلام) : « انه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن المرأة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال (عليه السلام) : تلتف فيها وتغطي رأسها وتصلي فإن خرجت رجلها وليس تقدر على غير ذلك فلا بأس » (1). وقريب منه غيره. وما عن ابن الجنيد من اتحاد الرجل والمرأة في العورة ضعيف جداً لو ثبت.
إنما الإشكال في مواضع :
( منها ) : الشعر ، فعن القاضي : عدم وجوب ستره ، وعن الكفاية التأمل فيه ، وعن ألفية الشهيد : ما ظاهره التوقف فيه ، وفي المدارك وعن البحار : « ليس في كلام الأكثر تعرض لذكره » ، بل في المدارك : « ربما ظهر منها - يعني : من عبارات أكثر الأصحاب - أنه غير واجب ». واستدل على وجوب ستره بمصحح الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) : « صلت فاطمة (عليها السلام) في درع وخمارها على رأسها ليس عليها أكثر مما وارت به شعرها وأذنيها » (2)بناء على ظهوره في تحديد الواجب لا مجرد نفي وجوب الزائد على ما ذكر. فتأمل. وصحيح زرارة : « سألت أبا جعفر علیه السلام عن أدنى ما تصلي فيه المرأة. فقال (عليه السلام) : درع وملحفة تنشرها على رأسها وتجلل بها » (3)، ونحوه غيره مما دل على وجوب تغطية الرأس ، بناء على شموله للشعر ولو للتبعية ، بل ظاهر التجلل في الصحيح ذلك. اللّهم إلا أن يكون الأمر محمولا على الاستحباب ، لعدم
اعتبار تجليل الجسد ، والتبعية في أطراف الشعر الطويل النازل عن الرأس ممنوعة. وربما استدل عليه أيضاً بما دل على وجوب الصلاة في الخمار ، بناء على ظهور الخمار فيما يستر جميع الشعر. وفيه تأمل ظاهر. وأما خبر عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة أن تصلي وهي مكشوفة الرأس » (1)فهجره مانع عن العمل به. وعدم تقييد المقنعة بالكثيفة في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « المرأة تصلي في الدرع والمقنعة إذا كان كثيفا ( يعني : ستيراً ) » (2)من جهة أن المتعارف طي المقنعة بحيث تكون ستيرة وإن كانت رقيقة.
( ومنها ) : الرأس فعن ابن الجنيد عدم وجوب ستره. ويشهد له خبر ابن بكير المتقدم ، وإطلاق خبره الآخر الذي لم يقيد بالحرة (3). لكن الأول قد عرفت أنه مهجور ، والثاني يمكن حمله على غير الحرة جمعاً. فما دل على لزوم تغطية الرأس والاختمار كاف في وجوب ستره.
( ومنها ) : العنق ، فعن الألفية : ما ظاهره التوقف في وجوب ستره لجعله الأولى ، ولعله غير مراد منه الخلاف ، ففي الذكرى : « أما العنق فلا شك في وجوب ستره من الحرة ». ويشهد له صحيح زرارة الآمر بالتجلل بالملحفة (4). فتأمل. وما دل على لزوم الخمار بناء على أن المتعارف في استعماله ستر العنق كالرأس. ولا ينافيه مصحح الفضيل السابق (5)من جهة الاقتصار فيه على الشعر والأذنين ، لقرب حمله على إرادة نفي وجوب ستر الوجه ، لغلبة ستر العنق بالخمار.
حتى الرأس والشعر ، إلا الوجه [1] ، المقدار الذي يغسل في الوضوء [2] ،
[1] فقد استثني في معاقد جملة من الإجماعات. وعن المنتهى والروض والتنقيح : الإجماع على عدم وجوب ستره. وفي الذكرى : « أجمع العلماء على عدم وجوب ستر وجهها إلا أبا بكر بن هشام ». ويشهد له - مضافاً الى مصحح الفضيل السابق ونحوه مما دل على الاكتفاء في الساتر بالدرع والخمار أو المقنعة اللذين لا يستران الوجه بحسب المتعارف - موثق سماعة قال : « سألته عن المرأة تصلي متنقبة. قال (عليه السلام) : إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به وإن أسفرت فهو أفضل » (1). فما عن الغنية والجمل والعقود من وجوب ستر جميع البدن من غير استثنائه ، وعن الوسيلة من الاقتصار في الاستثناء على موضع السجود. ضعيف ، أو غير مراد الظاهر.
[2] إذ الظاهر من دليل التحديد في الوضوء هو التحديد للموضوع العرفي ، لا لبيان المراد الشرعي ليقتصر فيه على مورده لا غير. وفي الذكرى : « وفي الصدغين وما لم يجب غسله من الوجه نظر لتعارض العرف اللغوي والشرعي ». ومرجعه الى مخالفة الموضوع العرفي للتحديد الشرعي ، وعليه فلا وجه للتعدي عن مورده ، لعدم إطلاق دليل التحديد بحيث يشمل المقام. مضافاً إلى أن الوجه لم يذكر إلا في معاقد الإجماع ، والنصوص خالية عن ذكره ، وإنما تضمنت الاكتفاء بستر الشعر والأذنين ، أو بما يكون تحت الخمار أو المقنعة إذا استعملا على النحو المتعارف ، وما يستفاد منهما عدم وجوب ستره غير مطابق للوجه الواجب الغسل في الوضوء ، فاللازم الرجوع في غير ما قام الإجماع على وجوب ستره إلى أصالة البراءة.
1) الوسائل باب 33 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.
وإلا اليدين الى الزندين [1] ، والقدمين الى الساقين [2]
[1] فلا يجب سترهما عندنا - كما عن المختلف - أو عند علمائنا - كما عن المعتبر والمنتهى - أو إجماعاً - كما عن التذكرة وجامع المقاصد والروض - بل في الذكرى : « إجماع العلماء إلا أحمد وداود ». وكفى بهذا دليلا على العدم. أما نصوص الاكتفاء بالدرع والخمار فإثبات العدم بها موقوف على عدم ستر الدرع للكفين وهو غير ثابت ، بل في الحدائق : « إن من الجائز كون دروعهن في تلك الأزمنة واسعة الأكمام طويلة الذيل كما هو المشاهد الآن في نساء أهل الحجاز بل أكثر بلدان العرب ، فإنهم يجعلون القمص واسعة الأكمام مع طول زائد بحيث يجر على الأرض ، ففي مثله يحصل ستر الكفين والقدمين ». ولو شك كفى في البناء على العدم أصالة البراءة. أما صحيح زرارة المتقدم الآمر بالتجلل فلا يصلح لمعارضة ما دل على الاكتفاء بالدرع في ستر الجسد ولا يقتضي وجوب ستر ما يزيد على ما يستره الدرع ، فالأمر به إما لستر الرأس والشعر والعنق ، أو محمول على الاستحباب. وأصالة وجوب التستر غير ثابتة كما أشرنا إليه آنفاً.
[2] كما نص عليه جماعة كثيرة على ما حكي عنهم. وفي الذكرى وعن جامع المقاصد والروض وغيرها : انه المشهور. والعمدة فيه أصل البراءة بعد عدم ما يدل على وجوب سترها. ونصوص الدرع غير صالحة لإثباته ، لعدم ثبوت كون المتعارف منه ما يكون ساتراً لهما ، ولا سيما ما كان مستعملا في البيوت لا عند الخروج. وصحيح زرارة الآمر بالتجلل (1)قد عرفت إشكاله كأصالة وجوب الستر. نعم في صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « عن المرأة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال (عليه السلام) : تلتف
1) الوسائل باب : 28 من أبواب لباس المصلي حديث : 9.
ظاهرهما وباطنهما [1] ، ويجب ستر شيء من أطراف هذه المستثنيات من باب المقدمة [2].
فيها وتغطي رأسها وتصلي ، فإن خرجت رجلها وليس تقدر على غير ذلك فلا بأس » (1)، ومقتضى مفهوم ذيله وجوب ستر الرجل. وكأنه لذلك تردد في الشرائع. اللّهم (2)إلا أن يكون الاعراض موجباً لسقوطه عن الحجية ، فيتعين العمل على المشهور.
وأما دعوى عدم الفصل بين الكفين والقدمين ، فغير ثابتة ، ولا سيما بملاحظة دعوى الإجماع من جماعة على العدم في الأولين وعدم دعواه من أحد فيما أعلم عليه في الأخيرين ، بل ظاهر نسبة العدم الى المشهور في الثاني وجود الخلاف فيه ، بل في الذكرى : نسبته الى الشيخ فيه ، وإن كان قد نسب الخلاف إليه في الكفين أيضاً. لكن في صدر كلامه دعوى إجماع العلماء في الكفين كما تقدم ، والتردد من المحقق في العدم فيه دون الكفين شاهد بذلك أيضاً.
[1] كما نص على ذلك في الدروس. وعن السرائر والتذكرة والتبصرة والإرشاد والتلخيص ونهاية الاحكام : استثناء القدمين. وظاهره العموم للباطن. وفي القواعد ، وعن المبسوط والمعتبر والإصباح والجامع : التخصيص بظهر القدمين. ومقتضى الأصل عموم الحكم ، ولا دليل يقتضي التفصيل. نعم لو كان المستند في عدم وجوب الستر الإجماع لا غير كان التخصيص بالأول في محله ، لعدم انعقاده في الثاني كما هو ظاهر.
[2] تقدم الكلام فيه في نظائر المقام.
( مسألة 4 ) : لا يجب على المرأة [1] حال الصلاة ستر ما في باطن الفم من الأسنان واللسان ، ولا ما على الوجه من الزينة - كالكحل والحمرة والسواد والحلي - ولا الشعر الموصول بشعرها والقرامل وغير ذلك وإن قلنا بوجوب سترها عن الناظر [2]
( مسألة 5 ) : إذا كان هناك ناظر ينظر بريبة إلى وجهها أو كفيها أو قدميها يجب عليها سترها ، لكن لا من حيث الصلاة ، فإن أتمت ولم تسترها لم تبطل الصلاة. وكذا بالنسبة إلى حليها وما على وجهها من الزينة. وكذا بالنسبة إلى الشعر الموصول والقرامل في صورة حرمة النظر إليها.
( مسألة 6 ) : يجب على المرأة ستر رقبتها حال الصلاة [3]. وكذا تحت ذقنها ، حتى المقدار الذي يرى منه عند اختمارها على الأحوط [4].
[1] للأصل ، بل عدم التعرض في النصوص له دليل على عدمه. وما في كشف الغطاء من احتمال إلحاق ما في باطن الفم من اللسان والأسنان ونحوهما بعورة الصلاة للمرأة في وجه قوي. ضعيف.
[2] لعدم الملازمة بين المقامين. وكم من واجب نفسي لا يكون شرطاً في الصلاة أو غيرها ، وما يظهر من كشف الغطاء من قوله : « ومع كشفها للناظر في غير محل الرخصة عمداً لا يبعد البطلان » غير ظاهر. ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية.
[3] تقدم الكلام فيه.
[4] لإطلاق كلماتهم وجوب الستر لما عدا الوجه والكفين والقدمين المقتضية لوجوب ستر الذقن من دون فرق بين ما يظهر عند الاختمار وعدمه
( مسألة 7 ) : الأمة كالحرة في جميع ما ذكر [1] من المستثنى والمستثنى منه ، لكن لا يجب عليها ستر رأسها [2] ولا شعرها ولا عنقها [3]
لكن إقامة الدليل عليه لا تخلو من صعوبة كما سبق.
[1] لإطلاق أدلة المستثنى والمستثنى منه الشاملة للحرة والأمة. فما في محكي المبسوط من وجوب ستر الأمة ما عدا رأسها ضعيف ، أو غير مراد الظاهر. ولعله في قبال بعض الشافعية وأحمد من أنها بمنزلة الرجل في جواز كشف ما عدا العورة كما احتمله في الجواهر وعن كشف اللثام.
[2] إجماعاً محصلا ، ومنقولا مستفيضاً ، عنا وعن غيرنا من علماء الإسلام ، عدا الحسن البصري فأوجبه على الأمة إذا تزوجت أو اتخذها لنفسه وقد سبقه الإجماع ولحقه. كذا في الجواهر. ويشهد له كثير من النصوص كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - قال : « قلت له : الأمة تغطي رأسها إذا صلت؟ فقال (عليه السلام) : ليس على الأمة قناع » (1)وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) - في حديث - قال : « ليس على الإماء أن يتقنعن في الصلاة » (2). ونحوهما غيرهما.
[3] كما يقتضيه سقوط التقنع عنها نصاً وفتوى ، إذ قد عرفت أن استفادة وجوب سترهما إنما كانت بما دل على وجوب الصلاة بالقناع أو الخمار ، ولم يعرف في ذلك خلاف. نعم عن الروض : احتمال عدم دخول الرقبة في الرأس ووجوب سترها. ولكنه ضعيف جداً ، ولا سيما بملاحظة ما دل على أنه لا بأس أن تصلي في قميص واحد (3).
من غير فرق بين أقسامها [1] من القنة ، والمدبرة ، والمكاتبة ، والمستولدة.
[1] كما يقتضيه إطلاق النص والفتوى ، بل استثناء الحسن البصري في الزوجة والسرية كالصريح في عموم الإجماع للجميع ، وفي صحيح محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال : ليس على الأمة قناع في الصلاة ولا على المدبرة قناع في الصلاة ، ولا على المكاتبة إذا اشترط عليها مولاها قناع في الصلاة وهي مملوكة حتى تؤدي جميع مكاتبتها .. ( إلى أن قال ) : وسألته عن الأمة إذا ولدت عليها الخمار؟ فقال (عليه السلام) : لو كان عليها لكان عليها إذا حاضت وليس عليها التقنع في الصلاة » (1).
نعم في صحيحه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « قلت له : الأمة تغطي رأسها؟ فقال (عليه السلام) : لا ولا على أم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد » (2)، ومفهومه يقتضي إلحاق أم الولد إذا كان لها ولد بالحرة ومعارضته بخبره السابق بالعموم من وجه ، المقتضية لترجيح حمله على غير الصلاة على تقييد الخبر به بحمل الخبر على صورة فقد الولد موقوفة على كون المراد من قوله (عليه السلام) - في الخبر - : « إذا ولدت » أنها ولدت من مولاها ، وهو غير ظاهر ، بل قيل : ذيله يشهد بأن المراد مجرد الولادة في مقابل عدمها ، لتوهم السائل أن الولادة دخيلة في إجراء أحكام الحرة ، لأنها من أمارات البلوغ ، ولذا أجاب (عليه السلام) بأنه لو كان عليها الخمار إذا ولدت لكان عليها إذا حاضت. فالعمدة في رفع اليد عن ظاهر الصحيح ظهور الإجماع الذي هو كالصريح في عدم الفرق بين أنواع الأمة
وأما المبعضة : فكالحرة [1] مطلقاً. ولو أعتقت في أثناء الصلاة وعلمت به ولم يتخلل بين عتقها وستر رأسها زمان صحت صلاتها [2] ، بل وإن تخلل زمان إذا بادرت الى ستر رأسها للباقي من صلاتها بلا فعل مناف [3].
بل عن الخلاف : الإجماع على أن أم الولد كغيرها. إذ مع ذلك كيف يمكن الاعتماد على الصحيح؟!
[1] اتفاقاً ظاهراً ، لاختصاص الأمة في النص والفتوى بغير المبعضة فتبقى هي داخلة تحت إطلاق وجوب التستر على المرأة. وما في بعض النصوص (1)من التقييد بالحرة لا يوجب تقييد غيره بها ، كي يرجع في المبعضة الى الأصل ، بل إنما يوجب سقوط إطلاق ذلك النص بالخصوص. هذا مضافاً الى مصحح حمزة بن حمران عن أحدهما (عليهما السلام) : « قلت : فتغطي رأسها منه حين أعتق نصفها؟ قال (عليه السلام) : نعم ، وتصلي وهي مخمرة الرأس » (2). وقد يظهر أيضاً من صحيح ابن مسلم السابق (3). فلاحظ.
[2] بلا إشكال ، لوقوعها على وجهها بلا خلل فيها.
[3] بلا خلاف يعرف كما اعترف به في الجواهر. نعم في كشف اللثام عن ابن إدريس : البطلان ، لكن في محكي السرائر : « إن بلغت الصبية بغير الحيض وجب عليها ستر رأسها وتغطيته مع قدرتها على ذلك. وكذلك حكم الأمة إذا أعتقت في أثناء الصلاة ». وهو ظاهر في المشهور.
والعمدة فيه : إما أصالة البراءة عن شرطية التستر في الآن المتخلل إذ الأدلة اللفظية الدالة عليها إنما تدل على شرطيته للأفعال الصلاتية ، لا مطلق الأكوان الصلاتية حتى ما يكون بين الأفعال ، والإجماع وإن قام على قدح التكشف في أثناء الصلاة ، إلا أنه لا يشمل المقام ، لما عرفت من انعقاد الشهرة على الصحة فيه. وإما حديث : « لا تعاد الصلاة » (1)بناء على شموله لمطلق الخلل وإن كان عن غير سهو ما لم يكن عن عمد واختيار ، وعلى جواز تطبيقه ولو في أثناء الصلاة ، فلا يقدح فوات التستر في الزمان المتخلل بين عتقها وبين وقوعه. وإما صحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قال (عليه السلام) : لا إعادة عليه وقد تمت صلاته » (2)بناء على إطلاقه الشامل لصورة الالتفات في الأثناء ، الدال بالملازمة العرفية على عدم قدح التكشف من زمان العلم الى زمان وقوع التستر منه ، فيتعدى منه الى المقام.
ويمكن المناقشة في جميع ما ذكر بأن الظاهر من النصوص الناهية عن الصلاة بغير خمار قدح ترك الاختمار حال الصلاة أعني : ما بين المبدأ والمنتهى لا خصوص حال الأفعال. فتأمل. وبأن منصرف حديث : « لا تعاد » خصوص الفعل المأتي به بعنوان الامتثال ، فلا يشمل صورة ما لو كان الفعل في نظر المكلف ليس مصداقاً للمأمور به ، فلو علم في أثناء الصلاة أنه مضطر إلى ترك جزء أو شرط لا يجوز له إتمام الصلاة اعتماداً على حديث : « لا تعاد » والملازمة العرفية بين الصحة من حيث فوات التستر حال الجهل به وبينها من حيث فواته من حين العلم به الى زمان التستر إنما تسلم لو كان
وأما إذا تركت سترها حينئذ بطلت [1]. وكذا إذا لم تتمكن من الستر إلا بفعل المنافي [2] ، ولكن الأحوط الإتمام ثمَّ الإعادة.
مورد الصحيح خصوص صورة الالتفات في الأثناء ، أما لو كان مورده مطلقاً فإطلاقه إنما يقتضي الصحة من حيث فوات التستر حال الجهل ولو كان في الأثناء ، ولا يقتضي الصحة من حيث فواته حال العلم.
[1] لتفويت التستر عمداً ، وهو قادح نصاً وفتوى. لكن عن الخلاف : « إذا أعتقت فأتمت صلاتها لم تبطل صلاتها » ، ثمَّ نسب التفصيل بين التستر فتصح وتركه فتبطل إلى الشافعي. وظاهره الصحة مطلقاً. وهو غير ظاهر ، بل مناف لما دل على اعتبار التستر في غير الأمة. ولأجله لا مجال لجريان استصحاب الحكم الأول قبل العتق ، لأن الدليل المذكور حاكم على الاستصحاب. وفي المدارك : « التستر إنما ثبت وجوبه إذا توجه التكليف قبل الشروع في الصلاة ». وهو كما ترى.
[2] كما في الشرائع والقواعد وغيرهما ، إذ حينئذ يدور الأمر بين فوات التستر وفعل المنافي ، وكلاهما قادح بمقتضى الإطلاق ، ولا دليل على الصحة حينئذ. وعن جامع المقاصد والمنتهى : التردد ، من ذلك ، ومن تساوي المانع الشرعي والعقلي مع انعقاد الصلاة صحيحة ، وعموم : ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (1)، وأصالة البراءة. وفيه ما لا يخفى ، إذ المراد من المانع العقلي إن كان ما كان في تمام الوقت فلا وجه لإلحاق المانع الشرعي به ، لكون المفروض إمكان التدارك بلا فعل مناف ، وإن كان ما كان في خصوص تلك الصلاة فالحكم فيه ممنوع ، ولو ثبت بدليل فلا وجه للتعدي منه الى المقام. وعموم ( لا تُبْطِلُوا ) غير منطبق للانبطال.
1) محمد - 33.
نعم لو لم تعلم بالعتق حتى فرغت صحت صلاتها على الأقوى [1] بل وكذا لو علمت لكن لم يكن عندها ساتر [2] ، أو كان الوقت ضيقاً [3]. وأما إذا علمت عتقها لكن كانت جاهلة بالحكم - وهو وجوب الستر - فالأحوط إعادتها [4].
وأصالة البراءة لا مجال لها مع الدليل. ومنه يظهر ما عن المبسوط والمعتبر من أنها تستمر على صلاتها وتصح. ولأجل ذلك تعرف وجه الاحتياط الآتي.
[1] كما عن المعتبر والمنتهى والبيان وغيرها. وعن شرح الوحيد : أنه لا تأمل فيها. واستدل له بامتناع تكليف الغافل. وهو - كما ترى - لا يقتضي صحة الناقص وإجزاءه. فالأولى الاستدلال له بحديث : « لا تعاد الصلاة » الحاكم على إطلاق دليل وجوب التستر ، وبه ترتفع مناقشة الجواهر في الصحة بأنها خلاف الأخذ بالإطلاق.
[2] بأن كان يشرع لها الصلاة ابتداء ، فإنها تستمر على صلاتها بإجماع علماء الأعصار كما في المنتهى. أما لو كان الساتر مفقوداً في ذلك الآن لا غير أشكل الحال بناء على عدم جواز البدار لذوي الأعذار.
[3] فعن التذكرة والتحرير ونهاية الأحكام : الاستمرار ، لسقوط الشرطية مع الضيق. واختاره في كشف اللثام لسقوط الستر مع ضيق الوقت.
[4] لما يظهر من محكي التذكرة والمنتهى من المفروغية عن البطلان حينئذ ، فإنهم ذكروه من دون ذكر خلاف فيه ، وتوقف المصنف لذلك ولدخوله في حديث : « لا تعاد » الذي لا مانع من شموله للجاهل بالحكم. والإجماع على عدم معذوريته إذا كان عن تقصير ممنوع الشمول لما نحن فيه ، والمتيقن منه حيثية العقاب لا غير. وسيأتي في مبحث الخلل إن شاء اللّه ما له نفع في المقام.
( مسألة 8 ) : الصبية غير البالغة حكمها حكم الأمة في عدم وجوب ستر رأسها ورقبتها [1] بناء على المختار من صحة صلاتها وشرعيتها [2].
[1] إجماعاً محققاً. وتشير اليه مصححة يونس بن يعقوب : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب واحد؟ قال (عليه السلام) : نعم. قلت : فالمرأة؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار » (1)، وخبر أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) : « إذا حاضت الجارية فلا تصلي إلا بخمار » (2)، وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وعلى الجارية إذا حاضت الصيام والخمار » (3)بناء على إرادة شرطيته للصلاة بقرينة تخصيص الخمار بالذكر كما أن الاستدلال بها جميعاً يتوقف على إرادة البلوغ من الحيض ، كما يشير اليه تعليق وجوب الصيام عليه في الخبر الثاني ، وبذلك كله يخرج عن عموم شرطية التستر. وإنكار العموم من جهة أن أدلة الشرطية موضوعها المرأة غير الصادقة على الصبية ليس على ما ينبغي ، إذ يكفي في عموم الحكم للصبية قاعدة الإلحاق التي يعول عليها في أمثال المقام. ومثله في الضعف الاستدلال على الحكم المذكور بحديث : « رفع القلم عن الصبي » (4). ووجه الضعف ظهور الحديث في رفع الإلزام ، لا رفع الشرطية والجزئية للعبادة المشروعة ولو ندباً. فتأمل.
[2] إلحاق الصبية بالأمة لا يتوقف على شرعية عبادة الصبي ، بل
وإذا بلغت في أثناء الصلاة فحالها حال الأمة المعتقة في الأثناء [1] في وجوب المبادرة إلى الستر ، والبطلان مع عدمها إذا كانت عالمة بالبلوغ.
( مسألة 9 ) : لا فرق في وجوب الستر وشرطيته بين أنواع الصلوات [2] الواجبة والمستحبة. ويجب أيضاً في توابع الصلاة من قضاء الأجزاء المنسية [3] ، بل سجدتي السهو على الأحوط [4]. نعم لا يجب في صلاة الجنازة [5] وإن كان هو الأحوط فيها أيضاً. وكذا لا يجب في سجدة التلاوة وسجدة الشكر.
( مسألة 10 ) : يشترط ستر العورة في الطواف أيضاً [6]
يتم ولو بناء على كونها تمرينية ، لإطلاق النص والفتوى. هذا وقد تقدمت الإشارة إلى وجه كونها شرعية لا تمرينية مراراً.
[1] لاتحاد الأدلة بأنواعها في البابين. فراجع.
[2] بلا خلاف ظاهر ، بل حكي عليه الإجماع ، ويقتضيه إطلاق الأدلة.
[3] لاعتبار المطابقة بين القضاء والمقضي في جميع الخصوصيات ، فاذا كان التستر شرطاً في سجود الصلاة كان شرطاً في قضائه.
[4] يأتي في الخلل - إن شاء اللّه - الإشارة إلى وجهه ، وقد سبق مكرراً أيضاً في القبلة وغيرها.
[5] لعدم ثبوت شمول الأدلة لها ، والأصل يقتضي البراءة فيها ، كما يقتضيها أيضاً في سجدة التلاوة ، كما يقتضيها الإطلاق فيها وفي سجدة الشكر.
[6] كما عن جماعة ، للنبوي : « لا يطوف بالبيت عريان » (1)
1) الوسائل باب : 53 من أبواب الطواف.
( مسألة 11 ) : إذا بدت العورة كلا أو بعضاً لريح أو غفلة لم تبطل الصلاة [1] ، لكن إن علم به في أثناء الصلاة وجبت المبادرة إلى سترها وصحت [2] أيضاً ، وإن كان الأحوط الإعادة بعد الإتمام ، خصوصاً إذا احتاج سترها إلى زمان معتد به.
وعن المختلف : « للمانع أن يمنعه ، والرواية بالاشتراط غير مسندة من طرقنا ». لكن عن كشف اللثام : « إن الخبر يقرب من التواتر من طريقنا وطريق العامة ». وفي الجواهر : « قد تمنع دلالة ذلك على اعتبار الستر فيه للرجل والمرأة على حسب اعتباره في الصلاة ، ضرورة أعمية النهي عن العراء منه .. اللّهم إلا أن يقال : إن المراد من العراء ستر العورة للإجماع - في الظاهر - على صحة طواف الرجل عارياً مع ستر العورة ». وتمام الكلام فيه موكول إلى محله.
[1] يعني : مع الجهل الى الفراغ أو الى حصول التستر له من باب الاتفاق ، والظاهر أنه لا إشكال فيه ولا خلاف ، إلا ما يحكى عن ابن الجنيد (رحمه اللّه) حيث قال : « لو صلى وعورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد في الوقت فقط ». ويدل عليه صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به هل عليه إعادة؟ أو ما حاله؟ قال (عليه السلام) : لا إعادة عليه وقد تمت صلاته » (1).
[2] أما وجوب المبادرة : فالظاهر أنه من القطعيات ، وإن كانت استفادته من الأدلة موقوفة على شرطية التستر في جميع الأكوان الصلاتية ، التي لا يخلو إثباتها بالأدلة اللفظية من تأمل - كما أشرنا إليه فيما لو أعتقت
1) الوسائل باب : 27 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.
( مسألة 12 ) : إذا نسي ستر العورة ابتداء أو بعد التكشف في الأثناء فالأقوى صحة الصلاة [1] ، وإن كان الأحوط العادة. وكذا لو تركه
الأمة في أثناء الصلاة - وإن كان غير بعيد. وأما صحة الصلاة حينئذ : فالظاهر أنه المشهور. وفي الجواهر نفي وجدان مخالف صريح فيه. نعم ظاهر التحرير : احتمال البطلان ، لإطلاق صحيح ابن جعفر (عليه السلام) السابق لكن عرفت الإشارة الى أن الصحيح وإن كان شاملا لصورة الالتفات في الأثناء إلا أنه غير متعرض إلا لحكم التكشف حال الجهل ، فلا يمكن استفادة حكمه من حال الالتفات الى زمان التستر ، والملازمة العرفية بين الحكمين إنما تسلم لو كان وارداً في خصوص صورة الالتفات في الأثناء ، لا ما لو كان شاملا لها بإطلاقه. كما عرفت أيضاً الإشكال في التمسك بحديث : « لا تعاد الصلاة ». فلا بد في البناء على الصحة من عدم ثبوت إطلاق لفظي لأدلة وجوب التستر ، كي يكون المرجع عند الشك أصالة البراءة من الشرطية. وقد عرفت المناقشة في ثبوت الإطلاق المذكور في صدر المبحث. نعم في النصوص ما يدل بإطلاقه على وجوب الاختمار ولم يثبت في غيره. فلاحظ.
[1] كما عن المدارك والرياض وشرح الوحيد. وعن الشهيد وغيره : البطلان. وعن ظاهر التذكرة والمنتهى والمحكي عن المعتبر : الإجماع عليه ظهوراً كالصريح. كذا في الجواهر. ولم يتضح وجهه بعد عموم حديث : « لا تعاد الصلاة ». ومن الغريب عدم التعرض للاستدلال على الصحة به والاستدلال عليها بصحيح ابن جعفر (عليه السلام) المتقدم ، إما بدعوى شموله للناسي ، أو بتنقيح المناط المشترك بينه وبين مورده ، مع وضوح منع الوجهين
من أول الصلاة أو في الأثناء غفلة [1]. والجاهل بالحكم كالعامد على الأحوط [2].
( مسألة 13 ) : يجب الستر من جميع الجوانب بحيث لو كان هناك ناظر لم يرها ، إلا من جهة التحت فلا يجب [3]. نعم إذا كان واقفاً على طرف سطح أو على شباك بحيث ترى عورته لو كان هناك ناظر فالأقوى والأحوط وجوب الستر من تحت أيضاً [4] ، بخلاف ما إذا كان واقفاً على طرف بئر
جميعاً أو خفائهما. وأضعف من القول بالبطلان ما يظهر من عبارة ابن الجنيد المتقدمة من التفصيل بين الوقت وخارجه.
[1] لكونه حينئذ من الجاهل الذي هو مورد صحيح ابن جعفر (عليه السلام) ، ومشمول لحديث : « لا تعاد الصلاة ». أيضاً.
[2] كما هو المشهور بناء منهم على عدم عموم حديث : « لا تعاد » له. فتشمله أدلة الشرطية. وقد ذكرنا في مبحث الخلل ما يمكن اقتضاؤه لمنع الشمول له. فراجع.
[3] إجماعاً أو ضرورة ، ويقتضيه ما دل على الاكتفاء بالدرع والقميص اللذين لا يستران العورة من جهة التحت ، وخلو النصوص عن الأمر بلبس السراويل أو الاستثفار ونحوه.
[4] فان مقتضى الجمود على ما تحت عبارة النصوص وإن كان عدم الوجوب ، لخلوها عن التعرض لذلك ، إلا أن مناسبة الحكم والموضوع تساعد على أن موضوع الشرطية أن لا يكون المكلف على حالة ذميماً مهتوكاً ستره وحجابه ، ومقتضى ذلك أنه لا فرق في اعتبار الستر بين الجهات ، والاكتفاء في النصوص بالقميص إنما هو لكون الصلاة على الأرض غالباً الذي لا يكون
والفرق من حيث عدم تعارف وجود الناظر في البئر فيصدق الستر عرفاً ، وأما الواقف على طرف السطح لا يصدق عليه الستر إذا كان بحيث يرى ، فلو لم يستر من جهة التحت بطلت صلاته وإن لم يكن هناك ناظر ، فالمدار على الصدق العرفي ، ومقتضاه ما ذكرنا.
معه المصلي في معرض النظر من تحت ، فلو كان في معرض النظر كالإمام والخلف - بأن وقف على مخرم أو على طرف سطح - فلا بد من التستر من تحت بالسراويل أو الاستثفار مثلا ، وإلا بطلت الصلاة ، كما عن غير واحد منهم العلامة في التذكرة والنهاية ، والوحيد في حاشية المدارك. فما في الذكرى من التردد في الحكم فيما لو وقف على طرف سطح ، والجزم بالصحة فيما لو قام على مخرم ، غير ظاهر. والمراد من كونه في معرض النظر صلاحيته لأن ينظر اليه بلحاظ خصوصية المكان وإن علم بعدم وجود الناظر أو امتناع النظر عقلا ، فلا تجوز الصلاة بلا ساتر لمن كان في سجن قد بنيت أبوابه بحيث يمتنع عقلا دخول الناظر فيه ، فالمدار في صدق التستر الواجب عرفاً كونه غير مكشوف في مكان من شأنه أن يكون فيه ناظر وإن امتنع وجوده فيه من جهة أنه لا باب له ، ولا فرق بين التحت وغيره من الجهات.
وبذلك يظهر الفرق بين طرف السطح وشفير البئر ، فإن خصوصية البئر مانعة من وجود الناظر. نعم إذا كانت البئر قريبة القعر ومن شأنها أن يكون فيها ناظر كان شفيرها كطرف السطح.
لكن يشكل ذلك بأن مقتضاه جواز الصلاة عارياً في الحفيرة التي يساوي فراغها بدن المصلي ، وجواز الصلاة عارياً في المكان إذا كان فيه
( مسألة 14 ) : هل يجب الستر عن نفسه بمعنى أن يكون بحيث لا يرى نفسه أيضاً ، أم المدار على الغير؟ قولان الأحوط الأول ، وإن كان الثاني لا يخلو عن قوة [1] ، فلو صلى في ثوب واسع الجيب بحيث يرى عورة نفسه عند الركوع لم تبطل على ما ذكرنا ، والأحوط البطلان. هذا إذا لم يكن بحيث قد يراها غيره أيضاً ، والا فلا إشكال في البطلان.
( مسألة 15 ) : هل اللازم أن يكون ساتريته في جميع الأحوال حاصلا من أول الصلاة الى آخرها ، أو يكفي الستر بالنسبة الى كل حالة عند تحققها؟ مثلا إذا كان ثوبه مما يستر حال القيام لا حال الركوع فهل تبطل الصلاة فيه وإن كان في حال الركوع يجعله على وجه يكون ساتراً ، أو يتستر عنده بساتر آخر ، أو لا تبطل؟ وجهان ، أقواهما الثاني [2] ، وأحوطهما الأول. وعلى ما ذكرنا فلو كان ثوبه مخرقاً بحيث تنكشف عورته في بعض الأحوال لم يضر إذا سد ذلك الخرق
جدار وكان المصلي متصلا بالجدار حال القيام ومكشوف القبل ، وهكذا ، وذلك كله مما لا يمكن الالتزام به. ولعل ذلك يقوي ما تقدم عن الذكرى من صحة الصلاة على المحرم. وينبغي إلحاق طرف السطح به. فلاحظ.
[1] لعدم الدليل على اعتبار التستر بلحاظ نفسه ، ومنصرف النص والفتوى التستر بلحاظ الغير.
[2] لصدق الصلاة متستراً في جميع الأحوال ، وعدم التستر على تقدير مفقود لا دليل على قدحه.
في تلك الحالة بجمعة أو بنحو آخر ولو بيده على اشكال في الستر بها [1].
( مسألة 16 ) : الستر الواجب في نفسه من حيث حرمة النظر يحصل بكل ما يمنع عن النظر [2] ، ولو كان بيده ، أو يد زوجته ، أو أمته. كما أنه يكفي ستر الدبر بالأليتين [3] وأما الستر الصلاتي : فلا يكفي فيه ذلك [4] ولو حال الاضطرار بل لا يجزئ الستر بالطلي بالطين أيضاً حال الاختيار. نعم يجزئ حال الاضطرار على الأقوى وإن كان الأحوط خلافه وأما الستر بالورق والحشيش : فالأقوى جوازه حتى حال الاختيار ، لكن الأحوط الاقتصار على حال الاضطرار. وكذا يجزئ مثل القطن والصوف غير المنسوجين ، وإن كان الأولى المنسوج منهما أو من غيرهما مما يكون من الألبسة المتعارفة.
[1] ينشأ من ظهور النص والفتوى في اعتبار التستر بما هو خارج عن المصلي. ومن أن المتيقن اعتبار التستر بالخارج في الجملة ، أما وجوب استقلاله في الستر به فمما لا دليل عليه ، والأصل البراءة. واستقرب في محكي الذكرى البطلان. وظاهر محكي نهاية الأحكام : الصحة. وهو الأقوى. ولذا لا يظن الاشكال من أحد في الاكتفاء بوضع خرقة فوق القبل إذا كان مستوراً من الجانبين بالفخذين ، ولا يتوقف حصول التستر الواجب على لفه بالخرقة.
[2] هذا مما لا إشكال فيه بأقل تأمل في أدلته.
[3] كما في النص.
[4] بلا خلاف ولا إشكال ، لما يظهر من النصوص من اعتبار
التستر بشيء من ثوب أو نحوه. وقد اختلفت كلماتهم في تعيينه اختياراً واضطراراً ، ففي محكي المبسوط : « إن لم يجد ثوباً يستر العورة ووجد جلداً طاهراً أو قرطاساً أو شيئاً يمكنه أن يستر به عورته وجب عليه ذلك. فان وجد طيناً وجب أن يطين به عورته ». ونحوه ما عن السرائر والمنتهى والتحرير والنهاية والبيان. وظاهرها - كما عن المحقق الثاني وجماعة الاعتراف به - أنه لا يجوز التستر بالحشيش والطين إلا عند الضرورة وفقد الثوب. لكن عن البحار : « ذهب الأكثر - ومنهم الشيخ والفاضلان والشهيد في البيان - إلى أنه مخير بين الثوب والورق والطين » ، فاستظهر من العبارات المذكورة التخيير وعدم الترتيب. وتبعه عليه في مفتاح الكرامة والجواهر ، بقرينة ذكر الجلد والخرق في جملة منها. وعن الدروس وغاية المرام وحاشية الإرشاد وحاشية الميسي والروض والمسالك : التصريح بأنه لا يجوز التستر بالحشيش والورق إلا عند تعذر الثوب ، وأنه إذا تعذر الحشيش تعين الطين. ونحوه ما عن المدارك إلا أنه ذكر أنه إذا تعذر الحشيش انتقل إلى الإيماء ، فلم يجعل الطين ساتراً صلاتياً في جميع المراتب. وعن المهذب البارع والموجز : أن الحفيرة مقدمة على الماء الكدر ، وهو مقدم على الطين وعن المسالك وغيرها : تقدم الماء الكدر على الماء الحفيرة. وعن جامع المقاصد : احتمال التخيير ، واحتمال تقدم كل على الآخر. وفي غيرها غير ذلك.
وملخص ما ينبغي أن يقال في المقام : إن نصوص اعتبار الساتر المشتملة على الثوب والقميص والدرع والملحفة والقناع والخمار ونحوها مما لا مجال لأن يستفاد منها جواز التستر بمثل الحشيش والورق اختياراً ، بل لا يستفاد منها كونهما ساتراً صلاتياً ولو في بعض الأحوال ، لخروجهما عن العناوين المذكورة فيها ، والتعدي منها إليهما محتاج إلى قرينة مفقودة. كما لا يستفاد منها عدم
الجواز أيضاً ، لعدم ظهورها في التقييد بغيرهما ، لقرب احتمال كون العناوين المذكورة فيها مثالا لمطلق الساتر ، فلا تصلح دليلا لنفي ساتريتهما. ومثلها صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عرياناً وحضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال (عليه السلام) : إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتم صلاته بالركوع والسجود ، وإن لم يصب شيئاً يستر به عورته أومأ وهو قائم » (1)، فإن فقد الثوب ونحوه فيه لم يؤخذ قيداً لجواز التستر بالحشيش في كلام الامام (عليه السلام) ، وإنما ذكر في مفروض السؤال ، وذلك إنما يقتضي الإجمال. وحينئذ فالمرجع في جواز التستر بالحشيش والورق الأصل ولأجل أن الظاهر أن منشأ الشك هو الشك في اعتبار هيئة مخصوصة للساتر منهما ، لا الشك في جواز التستر بمادتهما - إذ لا يظن الاشكال من أحد في جواز التستر بالثوب المصنوع من الحشيش أو الورق كالمنسوج من سعف النخل ونحوه - يكون المقام من الشك في الشرطية الذي يكون المرجع فيه أصل البراءة ، ومقتضاه جواز التستر بهما اختياراً ، لا من الشك في التعيين والتخيير ليكون المرجع فيه أصالة الاحتياط ، بناء على ما هو المشهور من أنها المرجع فيه.
وأما الطين والوحل ونحوهما : فلا دليل على كونهما ساتراً صلاتياً فضلا عن كونهما ساتراً في حال الاختيار. ولأجل أن الشك هنا في تعيين ما عداهما من أنواع الساتر يكون المقام من الشك في التعيين والتخيير ، لا في اعتبار خصوصية فيهما ليكون من الشك في الشرطية كما في الحشيش والورق فالمرجع فيه أصالة الاحتياط لا أصالة البراءة ، فلا يجوز التستر بهما في حال الاختيار. وأما في حال الاضطرار فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب التستر
1) الوسائل باب : 50 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.
بهما لأجل الصلاة. نعم لما كان التستر بهما موجباً للأمن من المطلع الموجب للصلاة قائماً مؤمئاً أو راكعاً وساجداً ، فلا بأس بدعوى وجوبه مقدمة للقيام الواجب وحده ، أو مع الركوع والسجود. وهو واضح بناء على وجوب إتمام الركوع والسجود على العاري إذا أمن المطلع ، أما بناء على أنه يومئ لهما وإن أمن المطلع ، فقد يقال بوجوب الجمع عليه ، للعلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين من إتمامهما والإيماء لهما ، إذ على تقدير كونهما ساتراً صلاتياً يتعين الأول ، وعلى تقدير عدمه يتعين الثاني ، وحيث لا دليل على أحد الأمرين يجب الجمع بينهما. ولا فرق بين أمن المطلع من جهة التستر بهما ، وأمنه من غير جهته ، كما إذا كان في بيت وحده. نعم على الأول يعلم بوجوب التستر بهما تفصيلا ، إما لأنه ستر صلاتي ، أو لأنه مقدمة للقيام وفي الثاني ، لا يعلم بذلك ، بل يتردد بين لزوم التستر بهما وإتمام الصلاة ، وبين الصلاة مومئاً ولو بدون تستر بهما. لكن فرض إمكان إتمام الصلاة في الوحل ونحوه بعيد جداً ، بل من جهة ذكر الركوع والسجود ممتنع.
هذا وقد يدعى انحلال العلم الإجمالي بأن الإيماء في صلاة العاري على تقدير القول به يمكن إثباته بإثبات موضوعه ، سواء أكان موضوعه عدم وجود الساتر الشرعي أم عدم ساترية الموجود شرعاً ، فان كلا من العدمين مما يمكن إثباته بالأصل ، فإذا ثبت وجوب الإيماء انحل العلم الإجمالي على ما تقرر في محله من أنه إذا ثبت التكليف في أحد أطراف العلم الإجمالي يسقط العلم الإجمالي عن المنجزية ، فيرجع في الطرف الآخر إلى أصالة البراءة ، فلا يجب التستر به ، ولا إتمام الركوع والسجود. ( وفيه ) : أن حكم العاري ليس موضوعه عدم ساترية الموجود ، بل موضوعه عدم وجوده ، وأصالة عدم وجوده لا تجري لأنها من قبيل الأصل الجاري في
وهي أمور :
( الأول ) : الطهارة في جميع لباسه ، عدا ما لا تتم فيه الصلاة منفرداً ، بل وكذا في محموله على ما عرفت تفصيله في باب الطهارة [1].
( الثاني ) : الإباحة ، وهي أيضاً شرط [1] في جميع لباسه من غير فرق بين الساتر وغيره.
الفرد المردد بين معلوم البقاء ومعلوم الانتفاء.
نعم قد يقال إن مقتضى إطلاق قول الكاظم (عليه السلام) في صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « وإن لم يصب شيئاً يستر به عورته .. » كون الطين ساتراً صلاتياً ، لأنه مما يستر به العورة ، فيكون موضوعاً لإتمام الركوع والسجود ، ولا مجال للرجوع إلى أصالة عدم ساتريته شرعاً. اللّهم إلا أن يدعى انصرافه إلى مثل الحشيش ، ولو بقرينة غلبة وجود الطين لمن غرق متاعه ، لكنها غير ظاهرة ، فدعوى ساترية الطين في حال الاضطرار غير بعيدة. لكن في ثبوت ذلك في الوحل والماء الكدر تأملا ، لانصراف الصحيح عنهما جداً. واللّه سبحانه أعلم.
فصل في شرائط لباس المصلى
[1] وعرفت أيضاً الاستدلال له. فراجع.
[2] إجماعاً في الجملة ، كما عن الناصريات والغنية ونهاية الاحكام
والتذكرة والذكرى وكشف الالتباس وغيرها. واستدل له ( تارة ) : بعدم الدليل على الصحة بدونها - كما عن السيد (رحمه اللّه) - ( وأخرى ) : بأن التصرف في الثوب المغصوب قبيح ، ولا تصح نية القربة فيما هو قبيح - كما عن الخلاف - ( وثالثة ) : بأنه مأمور بإبانة المغصوب ورده إلى مالكه فاذا افتقر الى فعل كثير كان مضاداً للصلاة ، والأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، والنهي يقتضي الفساد - كما حكاه في المدارك عنهم - ( ورابعة ) : برواية إسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لو أن الناس أخذوا ما أمرهم اللّه به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم ، ولو أخذوا ما نهاهم اللّه تعالى عنه فأنفقوه فيما أمرهم اللّه تعالى به ما قبله منهم » (1)وبما عن تحف العقول المحكي عن بعض نسخ النهج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لكميل : « يا كميل انظر فيم تصلي وعلى م تصلي ، إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول » (2). ( وخامسة ) : بأن النهي عن المغصوب نهي عن وجوه الانتفاع به ، والحركات فيه انتفاع فتكون محرمة منهياً عنها ومن الحركات القيام والقعود والركوع والسجود ، وهي أجزاء الصلاة ، فتكون منهياً عنها ، فتفسد. كذا ذكر في المعتبر.
وهذه الوجوه لا تخلو بظاهرها من الإشكال ، إذ يكفي في الحكم بالصحة الظاهرية أصالة البراءة عن الشرطية. ونية القربة المعتبرة في الصلاة إنما هي في أفعال الصلاة لا في التصرف في الثوب. والتستر بالثوب وإن كان تصرفاً فيه ، إلا أنه ليس من أفعال الصلاة ، بل من شرائطها ، ولذا لا إشكال ظاهر في صحة الصلاة مع الغفلة عن التستر أصلا ، والقصد شرط
في صحة العبادة. وقد تحقق في محله أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده. مع أن النهي على تقديره غيري ، وفي اقتضاء النهي الغيري للفساد إشكال معروف. مع أن الرد قد لا يجب ، لتعذره ( فتأمل ). أو يجب ولا يكون ضداً منافياً للصلاة ، لحضور المالك أو الواسطة في الإيصال اليه مع أنه لا يختص هذا الحكم بالساتر ولا بالملبوس ، بل كل مغصوب يمكن رده إلى مالكه لا تجوز الصلاة به مع الابتلاء به. والإنفاق في رواية إسماعيل ظاهر في غير ما نحن فيه. مع أنها لا تدل على أكثر من كون الإباحة شرطاً في القبول. وكذا رواية تحف العقول. مع أنها ضعيفة غير مجبورة بالعمل. ومجرد موافقة المشهور غير جابرة. وكون القيام والقعود والركوع والسجود من قبيل الحركات لا يخلو عن تأمل أو منع ، فان المفهوم منها عرفاً أنها من قبيل الهيئة القائمة بالجسم ، فتكون من مقولة الوضع ، لا من قبيل الحركة لتكون من مقولة الفعل. نعم الحركة من قبيل المقدمة لوجودها ، وحرمة المقدمة لا توجب النهي عن ذيها ولا فساده ، وما ذكرنا هو المطابق للمرتكز العقلائي ، فان التذلل والخضوع واستشعار مشاعر العبودية إنما يكون بالهيئة الخاصة التي يكون عليها العبد في مقام عبادة مولاه ، لا بالحركة المحصلة لها ، كما لا يخفى.
فان قلت : الظاهر من أدلة وجوب الركوع والسجود ونحوهما كون الحدوث بخصوصه واجباً لا ما يعم الحدوث والبقاء ، ومن المعلوم أن الحدوث لا يكون دفعياً بل تدريجي ، فلو هوى من القيام الى الركوع لا بقصد الصلاة لم يجزئ ، وإذا كان الهوي صلاة جاء ما سبق من امتناع كونه محرماً مبعداً.
قلت : لو سلم ذلك فإنما يقتضي كون أول مراتب الانحناء جزءاً
صلاتياً ، وكذا ما هو أقوى منه من مراتب الانحناء إلى المرتبة الخاصة التي هي حد الركوع الواجب ، ولا يقتضي كون الحركة المحصلة لجميع المراتب المذكورة صلاة ليجيء الاشكال ، فالانحناء من أوله المتصل بالانتصاب الى آخره المنتهي إلى حد الركوع أجزاء صلاتية ، إلا أنه ليس عين الحركة المحصلة له في الخارج بل غيرها ، فلا مانع من التعبد به ، والتقرب بفعله مع العصيان بالحركة والبعد بها.
ثمَّ إنه لو تنزلنا عن ذلك وقلنا : إن الواجب الصلاتي نفس الحركة من أول الانحناء عن القيام الى أن ينتهي إلى حد الركوع ، وهكذا في غير الركوع ، فلا وجه للالتزام بأن المقام من صغريات مسألة الاجتماع ، ضرورة أن الحركة الصلاتية الواجبة قائمة بالبدن ، والحركة الغصبية المحرمة قائمة بالمغصوب ، فتكون إحداهما غير الأخرى في الخارج ، ضرورة أن تباين المغصوب وبدن المكلف يستلزم تباين الحركة القائمة بأحدهما والحركة القائمة بالآخر ، فيمتنع أن تكون الحركة الصلاتية عين التصرف في المغصوب في الخارج كي يكون المقام من صغريات مسألة الاجتماع. نعم حركة البدن الصلاتية علة لحركة المغصوب والتصرف فيه ، نظير حركة اليد التي هي علة لحركة المفتاح. فاذا قلنا بأن علة الحرام حرام ، تكون الحركة الصلاتية محرمة بالتحريم الغيري. لكن في كون مخالفة التكليف الغيري موجبة للبعد والعقاب إشكال ، بل هو الذي منعه جماعة من المحققين ، وإن كان التحقيق أنه يوجب العقاب ، لأنه تمرد على المولى ، نظير التجرؤ الذي ذكرنا أنه يوجب العقاب أيضاً ، بل لعله أولى منه. وعليه : فهذا هو العمدة في البناء على بطلان الصلاة في المغصوب.
لكن عرفت أنه لا تنتهي النوبة إليه ، إذ لا ملزم به. وكأنه لذلك
قال في المعتبر : « والأقرب إن كان ستر به العورة أو سجد عليه أو قام فوقه كانت الصلاة باطلة ، لأن جزء الصلاة يكون منهياً عنه وتبطل الصلاة بفواته. أما إذا لم يكن كذلك لم تبطل وكان كلبس خاتم مغصوب ». وفي المدارك : أنه المعتمد. وعن الذكرى وجامع المقاصد وإرشاد الجعفرية والمقاصد العلية والروض وكشف اللثام : أنه قوي. وظاهر عبارة المحقق بناؤه على الجزئية في الموارد الثلاثة المذكورة. ولأجل ذلك تفسد الصلاة إذا كانت محرمة. وهو في الثاني في محله ، وفي الأول والأخير لا يخلو من إشكال ، فإن مجرد وجوب التستر في الصلاة في الجملة لا يقتضي جزئيته ، بل ظاهر بعض المفروغية عن عدم اعتبار النية فيه ، ومقتضاه عدم جزئيته كما سبق ، وإذا كان التستر شرطاً لم يكن تحريمه مانعاً من التقرب بالصلاة كسائر شرائط العبادة ، إذ التعبد اللازم فيها إنما يكون في أجزائها الداخلة فيها لا الشرائط الخارجة عنها. بل لو شك في كونه جزءاً يجب التقرب به أو شرطاً لا يجب التقرب به ، فالأصل البراءة من وجوب التقرب ، بناء على ما هو التحقيق من أصالة التوصل في الواجبات الشرعية. وكذا الكلام في الأخير ، فإن الظاهر أن وجوب القيام على شيء وإن كان مما لا إشكال فيه ، إلا أن في اعتبار هذه الخصوصية على وجه الجزئية منعاً ظاهراً.
ثمَّ إنه قد يدعى فساد الصلاة في الساتر المغصوب من جهة انصراف أدلة وجوب الساتر الى المباح. أو عدم إطلاقها الموجب للرجوع إلى أصالة الاحتياط. أو لأن فعلية الحرمة تمنع من الأمر بالصلاة المقيدة به ، فلا أمر بالصلاة المقيدة بالمغصوب ، بل الأمر يختص بالصلاة بالفرد المقيد بالمباح.
وكذا في محموله [1] ، فلو صلى في المغصوب ولو كان خيطاً منه [2] عالماً بالحرمة عامداً بطلت وإن كان جاهلا بكونه مفسداً [3] ، بل الأحوط البطلان مع الجهل بالحرمة أيضاً ، وإن كان الحكم بالصحة لا يخلو عن قوة [4].
وفيه : أن دعوى الانصراف ممنوعة كدعوى الاجمال ، ولو سلمت فأصالة البراءة من اشتراط الساتر بالإباحة جارية كسائر موارد الشك في الشرطية. وانتفاء الأمر الفعلي بالمقيد بالمغصوب لا يقدح في إمكان التقرب لجواز التقرب بالملاك ، فيسقط الأمر بالمقيد بالمباح قهراً ، لحصول الغرض. فالبناء على عدم الفرق بين الساتر وغيره في الحكم بالصحة في محله ، لو لا ظهور الإجماع على البطلان فيه ، وإن كان في الاعتماد على مثل هذا الإجماع تأمل للعلم بالمستند الذي قد عرفت حاله.
[1] قد ألحق جماعة من المتأخرين - أو لهم العلامة كما يظهر من الجواهر - المحمول بالملبوس في البطلان ، واستدلوا له بما تقدم في الملبوس مما عرفت إشكاله.
[2] كما نص عليه بعض لإطلاق دليل حرمة التصرف في المغصوب.
[3] لأن الجهل بالمفسدية لا يرفع المبعدية الحاصلة من العلم بالغصب والحرمة.
[4] كما هو ظاهر جامع المقاصد وإرشاد الجعفرية والروض والمقاصد العلية ومجمع البرهان والمدارك على ما حكي ، لامتناع تكليف الغافل. وفي القواعد ، وعن المنتهى والتحرير : البطلان مع جهل الحكم ، لأن التكليف لا يتوقف على العلم ، وإلا لزم الدور المحال. ومقتضى إطلاقهم الصحة والبطلان عدم الفرق بين القاصر والمقصر.
والتحقيق : أن الالتفات والغفلة والعلم والجهل مما لا دخل لها في
وأما مع النسيان أو الجهل بالغصبية فصحيحة [1].
التكليف ، لتأخرها عنه رتبة ، بل التكليف مشترك بين الملتفت والغافل والعالم والجاهل ، فإنه يغفل عنه مرة ويلتفت إليه أخرى ، ويعلم به تارة ويجهل أخرى. وانما العناوين المذكورة دخيلة في تنجز التكليف وعدمه ، واستحقاق العقاب على مخالفته وعدمه ، ولكن لما كان الوجه في بطلان العبادة المحرمة هو المبعدية المنافية للمقربية اختص الحكم بصحة صلاة الجاهل بالقاصر ، لعدم مبعدية فعله ، والحكم بالبطلان بالمقصر ، لمبعدية فعله ، ولا وجه للإطلاق صحة وفساداً. ودعوى أن عقاب الجاهل إنما هو على ترك التعلم لا على نفس الفعل ، إذ ليس فعله مبعداً. قد تحقق في محله بطلانها وإن كان هو مذهب بعض من نسب اليه القول بالصحة مطلقاً. ومثلها دعوى عدم اعتبار صلاحية الفعل للمقربية في صحة العبادة ، وأن المعتبر صدوره عن داعي القربة ، وهو حاصل في الجاهل ولو كان مقصراً ، إذ هي مخالفة لبناء العقلاء في العبادية ، وأنه لا بد أن تكون العبادة واقعة على وجه غير مبعد. فلاحظ.
[1] أما ناسي الغصب. فمقتضى حكم العقل إلحاقه بجاهل الحكم ، فتصح صلاته مع القصور وتفسد مع التقصير. لكن مقتضى إطلاق حديث الرفع (1)الصحة مطلقاً. وتقييد الحديث بالقاصر بالنسبة إلى الجهل لقيام الأدلة القطعية على عدم معذورية الجاهل المقصر ، لا يقتضي تقييده بالنسبة إلى الناسي ، لأنه قياس محرم.
فالبناء على الصحة مطلقاً - ولو كان مقصراً - عملا بالحديث الشريف في محله ، خلافاً لإطلاق جماعة كالعلامة في جملة من كتبه ، وولده
1) راجع الوسائل باب : 30 من أبواب خلل الصلاة وباب : 56 من أبواب جهاد النفس.
والشهيد الثاني في الروض ، وغيرهم على ما حكي عنهم من الحكم بالبطلان مطلقاً ، لأن هذا الستر كالعري ، وكالتستر بالظلمة وباليد. ولأنه مفرط بالنسيان ، لأنه قادر على التكرار الموجب للتذكار. ولأنه لما علم كان حكمه المنع والأصل بقاؤه ، ولم يعلم زواله بالنسيان. وفيه : المنع من الأول ، لأنه خلاف إطلاق الدليل ، ومجرد الحرمة الواقعية لا يقتضي تقييده. والتفريط بالنسيان - مع أنه ممنوع في بعض الأحوال - لا يقدح في حصول العذر به بعد دلالة حديث الرفع عليه ، كما في جهل الموضوع. والاستصحاب لا مجال له ، للعذر بملاحظة حكم العقل ، وحديث الرفع ، وإن علم بعدم العذر حال العلم قبل النسيان. مع أن استصحاب حكم العقل قد تحقق في محله بطلانه.
وعن الدروس وظاهر الذكرى وغيرهما : الإعادة في الوقت ، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه ، لا في خارجه ، لأن القضاء محتاج إلى أمر جديد ، وهو غير ثابت. وفيه : أنه لا نقص في المأتي به لا في موضوع الأمر ، لعدم اعتبار الإباحة شرطاً في الصلاة ، ولا في نية القربة ، لحصول التقرب به بلا مانع ، وعلى تقديره يكفي في وجوب القضاء إطلاق ما دل على وجوب قضاء الفائت.
ومما ذكرنا تعرف ما في كلمات الجماعة من الاضطراب ، ولا سيما ما يظهر منهم من أن المقصود من تطبيق حديث الرفع رفع شرطية الإباحة فإن المقصود منه رفع الحرمة ، ليصح وقوع الفعل عبادة ، ولو كان المقصود ما ذكروه لكان التمسك بحديث : « لا تعاد الصلاة » (1)متعيناً فراجع وتأمل.
1) الوسائل باب : 9 من أبواب القبلة حديث : 1.
والظاهر عدم الفرق بين كون المصلي الناسي هو الغاصب أو غيره [1] ، لكن الأحوط الإعادة بالنسبة إلى الغاصب [2] خصوصاً إذا كان بحيث لا يبالي على فرض تذكرة أيضاً [3].
( مسألة 1 ) : لا فرق في الغصب بين أن يكون من جهة كون عينه للغير أو كون منفعته له [4] ، بل وكذا لو تعلق به حق الغير [5] بأن يكون مرهوناً.
ومما ذكرنا تعرف حكم نسيان الحرمة فإنه يجري ما سبق بعينه فيه. وأما الجاهل بالغصب : فالظاهر أنه لا إشكال في صحة صلاته مطلقاً.
[1] لاشتراك المناط المصحح في القسمين معاً.
[2] خروجاً عن شبهة الخلاف المتقدم ، فان مورده خصوص الغاصب على ما يظهر من الجواهر ، وإن كان ما ذكر من وجه البطلان مشتركاً بينه وبين غيره كما لا يخفى.
[3] إذ يشكل الحال في كونه معذوراً بالمخالفة ، لعدم جريان حديث الرفع في حقه ، لاختصاصه بما إذا كانت المخالفة ناشئة من النسيان ، والمفروض خلافه ، وأنه مقدم عليها على كل حال. وكذا الحال في حكم العقل بل حكمه بعدم معذورية المقصر - كما هو الغالب - قطعي.
[4] لإطلاق دليل حرمة التصرف في مال الغير ، وكون المناط الحرمة الموجودة في الجميع.
[5] يعني : إذا كان ذلك الحق يستتبع حرمة التصرف ولو كان بالمقدار الذي يحصل بالصلاة فيه ، مثل حق الرهانة ، لا ما لا يقتضي الحرمة لعدم منافاة التصرف حق ، كما لو شرط عليه أن يبيعه الثوب يوم الجمعة ، فإن الشرط استتبع حقاً للشارط في الثوب ، فملك عليه أن يبيعه ، لكن
( مسألة 2 ) : إذا صبغ ثوب بصبغ مغصوب ، فالظاهر أنه لا يجري عليه حكم المغصوب [1] ، لأن الصبغ يعد تالفاً ، فلا يكون اللون لمالكه ، لكن لا يخلو عن إشكال أيضاً.
الصلاة فيه يوم الخميس لما لم تكن منافية للحق المذكور لم تكن محرمة ، بل لعل الصلاة فيه يوم الجمعة كذلك ، لعدم كونها تصرفاً في الحق ، وإن كان ترك البيع حينئذ حراماً. فلا بد من التأمل في مقتضى الحق ، وأن التصرف في الثوب بالصلاة فيه تصرف في الحق الثابت فيه أم لا؟
[1] من الظاهر وضوح كون المرتكز العرفي العقلائي أن تولد شيء من شيء يوجب إلحاقه به في الإضافة إلى مالكه ، فثمرة الشجرة لمالكها وولد الحيوان لمالكه ، والحصيد لمالك البذر ، ولا فرق في ذلك بين العين والأثر ، عيناً خارجياً كان - مثل اللون كالبياض والسواد - أو واقعياً خارجياً مثل طحن الحنطة ، وغزل الصوف ، ونسج الغزل ، وصياغة النقرة ، ونحو ذلك. ومقتضى ذلك أن يكون اللون الحاصل في الثوب ملكاً لمالك الصبغ ، والهيئة الحاصلة للحنطة بالطحن ، وللصوف بالغزل ، وللثوب بالنسج ، وللنقرة بالصياغة ، ملكاً للطاحن والغازل والناسج والصائغ.
لكن يمنع من العمل بالارتكاز المذكور ظهور الاتفاق على عدم الاستحقاق مع عدم زيادة قيمة العين ، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في كتابي الغصب والفلس ، فقد ذكروا : أن الغاصب إذا أحدث في العين صفة محضة كانت - كالصياغة - أو عينية - كاللون - فليس له مطالبة المالك بشيء. وكذا المفلس إذا اشترى عيناً فأحدث فيها صفة محضة أو عينية ثمَّ فلس ، جاز للبائع أخذها ، وليس للغرماء فيها شيء. بل عدم الاستحقاق بمجرد إحداث صفة لا تزيد مالية العين ينبغي أن يعد من
الضروريات ، وليس فرض عدم زيادة المالية خارجاً عن محل الكلام. لأن صحة الإضافة لا تتوقف على المالية ، فإن حبة الحنطة مملوكة لمالك البذر وإن لم تكن ذات مالية ، فالاتفاق على عدم صحة الإضافة عند عدم زيادة مالية المحل بالصفة مانع عن العمل بالارتكاز المذكور.
بل الذي يظهر من الجواهر الإنفاق على عدم استحقاق الغاصب شيئاً وإن زادت المالية ، من دون فرق بين الصفة المحضة - كالصياغة - والعينية - كاللون - ويختص استحقاقه بصورة كون الزيادة عيناً محضة ، كالزرع والشجر والصبغ الذي يكون عيناً لا مجرد تمويه ونحو ذلك. بل قيل بعدم استحقاق المفلس في مثل الصفة المحضة - مثل النسج والغزل - وإن زادت المالية. وقد اختاره في الجواهر حاكياً له عن العلامة في القواعد خلافاً لما في الشرائع والتذكرة من الاستحقاق ، معللا له في الثاني بأنها زيادة حصلت بفعل متقوم محترم ، فوجب أن لا يضيع عليه. ولعل هذا الخلاف جار في اللون أيضاً ، وإطلاقهم استحقاق المفلس للزيادة في الصبغ الموجب لزيادة المالية لا يبعد أن يكون المراد من الصبغ فيه الصبغ الذي هو من قبيل العين لا مثل اللون. فلاحظ كلماتهم.
مع أنه لو بني على ملك هذه الصفات لأشكل التخلص عنه إلا بالمصالحة عليه ، إذ البناء على الشركة في العين غير ظاهر الوجه. إذ لا دليل على مثل هذه الشركة. ومثلها الشركة في القيمة ، لأن القيمة مجعولة في مقابل العين لا في مقابل الذات والصفة معاً كما في بيع الصفقة. وأشكل منه الشركة في المالية ، إذ مالية الشيء من الاعتبارات القائمة بالعين المنتزعة من حدوث الرغبة الموجبة لبذل المال بإزاء العين ، فليست مملوكة لمالك العين فضلا عن صلاحيتها لوقوع الاشتراك فيها ، والاشتراك إنما يكون في
نعم لو كان الصبغ أيضاً مباحاً لكن أجبر شخصاً على عمله
المال لا في المالية. مع أن تعليل الاستحقاق الذي ذكره في التذكرة إنما يقتضي ضمان العمل لا استحقاق ما يتولد منه ، كما يشير إليه أيضاً بناؤهم على الفرق بين الغاصب والمفلس ، لبنائهم على احترام عمل الثاني دون الأول فلو بني على استحقاق العامل شيئاً فالبناء على كون المضمون هو العمل أولى من البناء على استحقاق نفس الصفة.
مع أن في البناء على استحقاق العامل لقاعدة الاحترام إشكالا ، لظهور أدلة احترامه في حرمة اغتصابه ، لا وجوب تدارك ماليته في ظرف تلفه. ولو سلم فقد تختلف قيمة العمل مع المقدار الزائد من المالية الذي ذكر أنه راجع الى العامل ، فاذا كان أقل لم تقتضي القاعدة ضمان الزائد ، وإذا كان أكثر كان مقتضاها ضمان الزيادة. فتأمل. ولازم ما ذكرنا أنه لو أجبر غاصب العين صائغاً على صياغتها جاز للمالك التصرف فيها ، لأن عمل الصائغ متدارك بضمان الغاصب. كما أن الغاصب لو صبغ العين بصبغ مغصوب جاز للمالك التصرف فيها ، لضمان الغاصب لقيمة الصبغ ، ولو صبغ الثوب مالكه بصبغ مغصوب جاز أيضاً له التصرف فيه لضمانه للصبغ التالف بالصباغة.
وبالجملة : قاعدة احترام مال المسلم وعمله لو اقتضت الضمان في المقام فإنما تقتضي ضمانهما لا غير ، كان هناك ضامن لهما غير المالك - كما إذا اغتصب غاصب الثوب صبغاً فصبغه به أو أجبر شخصاً على خياطته فليس على المالك ضمان أصلا ، وجاز له التصرف فيه - أو كان الضمان على المالك ، كما لو أجبر المالك شخصاً على خياطة ثوبه أو غصب صبغاً فصبغ به ثوبه كان هو ضامناً لقيمة الخياطة والصبغ ، ولا مانع من تصرفه في الثوب أيضاً وكذا الحال في الجبر على مثل الصياغة.
ولم يعطي أجرته لا إشكال فيه. بل وكذا لو أجبر على خياطة ثوب أو استأجر ولم يعط أجرته إذا كان الخيط له أيضاً ، وأما إذا كان للغير فمشكل ، وإن كان يمكن أن يقال : أنه يعد تالفاً فيستحق مالكه قيمته [1] ، خصوصاً إذا لم يمكن رده بفتقه. لكن الأحوط ترك الصلاة فيه قبل إرضاء مالك الخيط ، خصوصاً إذا أمكن
[1] يعني : وإن استحق القيمة كان الخيط ملكاً للضامن ، كما استجوده في الجواهر في هذه المسألة من كتاب الغصب ، وحكاه عن مجمع البرهان معللا له باقتضاء ملك المالك القيمة خروج المغصوب عن ملكه ، لكونها عوضاً شرعياً عنه ، وحكي ذلك عن ظاهر الدروس فيما لو غصب ساجة فأدخلها في بنائه أو لوحاً فأثبته في سفينة بنحو لا ينتفع بإخراجهما ، وكذا عن صريح المبسوط ، بل عن المسالك نسبته إلى ظاهرهم وأن العين تنزل منزلة المعدومة. لكن عن المسالك : « ولو قيل بوجوب إعطائها كان حسناً وإن جمع بين القيمة والعين ». قال في الجواهر : « لكنه مناف لقاعدة : « لا ضرر ولا ضرار » ، ومناف أيضاً لملك القيمة التي هي عوض شرعي يقتضي ملك معوضه للدافع ، اللّهم إلا أن يقال : إنها عوض ماليته وإن بقي هو مملوكاً ، لكنه كما ترى ».
وقال في مسألة الخيط المغصوب : « وقد تقدم سابقاً في وطء حيوان الغير الموجب لدفع القيمة ما يؤكد ذلك في الجملة ، بل قد تقدم أيضاً أن من كان في يده المغصوب لو رجع المالك عليه وغرمه كان له الرجوع على من استقر التلف في يده على وجه يملك ما كان في ذمته للمالك عوض ما أداه ، بل ستسمع ملك الغاصب المغصوب إذا أدى قيمته للحيلولة وإن
كان متزلزلا ، بل كأن ذلك مفروغ عنه عند التأمل في كلماتهم في مقامات متعددة ظاهرة أو صريحة في أن المؤدى عن المضمون عوض شرعي عنه على وجه يقتضي الملك للطرفين من غير فرق بين الموجود من العين مما لا قيمة له وبينها إذا كانت كذلك لو انتزعت ، كما في الفرض الذي يتعذر فيه الرد لنفس العين المغصوبة ، بل لعل قول المصنف (رحمه اللّه) وغيره : « وكذا لو خاط بها جرح حيوان له حرمة لم تنزع إلا مع الأمن عليه تلفاً وشيناً وإلا ضمنها » مؤيد لذلك ، ضرورة اقتضائه جواز التصرف للآدمي بما خيط به جرحه ، وليس ذلك إلا للخروج عن ملكه بضمان القيمة له بتعذر الرد لاحترام الحيوان ».
وحكي في المقام عن جامع المقاصد والمسالك عدم الخروج عن ملك المالك بضمان القيمة. وربما ينافيه ما ذكراه في مسألة ضمان الحيلولة. قال أولهما : « اعلم أن هنا إشكالا فإنه كيف تجب القيمة ويملكها بالأخذ ويبقى العبد على ملكه؟ وجعلها في مقابل الحيلولة لا يكاد يتضح معناه ». وقال ثانيهما - بعد أن ذكر بقاء العين المغصوبة على ملك المالك وأن ملك القيمة للحيلولة - : « ولا يخلو من إشكال من حيث اجتماع العوض والمعوض على ملك المالك من غير دليل واضح ». بل ربما ينافي ما تقدم من الجواهر في مسألتي وضع الساجة المغصوبة في البناء والخيط المغصوب ما ذكره في مسألة ضمان الحيلولة حيث قال - بعد حكاية الإشكال المتقدم عن جامع المقاصد والمسالك - : « لكنه مخالف لما عرفته من الاتفاق المؤيد بمعلومية عدم اعتبار توقف ملكية المالك القيمة على الغاصب على خروج المغصوب عن قابلية التملك .. إلى أن قال : فالقيمة المدفوعة حينئذ مملوكة والعين باقية على الملك ، للأصل ، ولأنها مغصوبة وكل مغصوب مردود ، وأخذ
القيمة غرامة للدليل الشرعي لا ينافي ذلك .. إلى أن قال في الاستدلال على ذلك : مضافاً الى أصالة بقائه على ملكه ، والى ما عرفته من الاتفاق عليه ، ولذا لم يذكروا خلافاً بل ولا إشكال في ملك نمائه المنفصل له. ودعوى أنه من الجمع بين العوض والمعوض عنه الممنوع عنه شرعاً واضحة الفساد ».
وكيف كان فمقتضى الأصل بقاء الخيط على ملك مالكه ، والقاطع لهذا الأصل إن كان أدلة نفي الضرر ففيه : أنها لا تقتضي الخروج عن الملك أو جواز التصرف فيه بغير إذن المالك. وإن كان أدلة الضمان بالقيمة من جهة ظهورها في أنها عوض عن العين شرعاً ففيه : أن الملحوظ في الضمان عوضية القيمة عن العين من حيث المالية ، فهي جبر للخسارة المالية الواردة على المالك ، لا عوض عن العين في إضافة الملكية ليقتضي خروج العين عن ملك المالك ، ولا معاوضة من الطرفين فيها ليقتضي دخول كل من الطرفين في ملك مالك الآخر ، إذ العين قد تخرج عن صلاحية التملك بالتلف والاستهلاك. وإن كان الإجماع ففيه : أنه لا مجال لدعواه مع مخالفة الأساطين.
لكن الإنصاف أن دعوى كون المرتكز العرفي في باب الضمان ذلك قريبة جداً. وما ذكر في كلام الجماعة - ومنهم شيخنا الأعظم - من أن وجوب البدل من باب الغرامة يقصد به تدارك التالف لا ينافي ذلك ، لأن تدارك التالف كما يكون بنحو المعاوضة يكون بنحو العوضية ، ولا يتعين أن يكون على النحو الثاني.
فإن قلت : العين التالفة لا تقبل الملك ولا غيره من العناوين التي يقصد قيام البدل مقامها فيه ، فكيف يمكن اعتبار البدلية فيها؟ وكيف
رده بالفتق صحيحاً ، بل لا يترك في هذه الصورة [1].
( مسألة 3 ) : إذا غسل الثوب الوسخ أو النجس بماء مغصوب فلا إشكال في جواز الصلاة فيه بعد الجفاف ، غاية الأمر أن ذمته تشتغل بعوض الماء. وأما مع رطوبته فالظاهر أنه كذلك [2] أيضاً ، وإن كان الأولى تركها حتى يجف.
( مسألة 4 ) : إذا أذن المالك للغاصب أو لغيره في الصلاة فيه مع بقاء الغصبية صحت [3] ، خصوصاً بالنسبة الى غير الغاصب [4]. وإن أطلق الإذن ففي جوازه بالنسبة
تمكن دعوى كون ذلك مقتضى الارتكاز العرفي؟
قلت : المدعى هو المعاوضة من الطرفين على نحو الاقتضاء لا على نحو الفعلية ، نظير شراء من ينعتق على المشتري ، فإنه لا يستوجب معاوضة فعلية من الطرفين. مع أن البيع من أظهر المعاوضات كما ذكرنا ذلك في حاشيتنا على مكاسب شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في مبحث بدل الحيلولة. فراجع
[1] بل الظاهر أنه لا خلاف بيننا في وجوب الرد حينئذ. وإن تعسر ولا يلزم المالك بالقيمة. نعم عن أبي حنيفة والشيباني القول بملك الغاصب للعين فلا يجب عليه ردها ، ولكن يلزمه قيمتها ، وفي الجواهر : « لا ريب في مخالفة ذلك قواعد الإسلام ».
[2] إذا كانت الرطوبة معدودة عرفاً من قبيل العين فالكلام فيها هو الكلام في الخيط ، وإن كانت من قبيل العرض واللون فالكلام فيها هو الكلام في الصبغ. فتأمل جيداً.
[3] بلا إشكال ، لارتفاع الحرمة الموجبة للبعد.
[4] هذه الخصوصية غير ظاهرة.
الى الغاصب إشكال ، لانصراف الاذن الى غيره [1]. نعم مع الظهور في العموم لا إشكال.
( مسألة 5 ) : المحمول المغصوب إذا تحرك بحركات [2] الصلاة يوجب البطلان وإن كان شيئاً يسيراً.
( مسألة 6 ) : إذا اضطر الى لبس المغصوب لحفظ نفسه أو لحفظ المغصوب عن التلف صحت صلاته فيه [3].
( مسألة 7 ) : إذا جهل أو نسي الغصبية وعلم أو تذكر في أثناء الصلاة ، فإن أمكن نزعه فوراً [4] وكان له
[1] في دعوى الانصراف كلية منع ، بل يختلف الحال باختلاف المقامات من حيث اقترانها بما يوجب صرف الاذن الى غير الغاصب ، بل قد يكون فيها ما يوجب انصراف الاذن عن خصمه أو عدوه أو غيرهما.
[2] لا يبعد عدم الفرق بين السكون والحركة ، فإذا حمله في حال القيام وألقاه قبل الركوع بطلت صلاته أيضاً ، لأن كونه في النقطة الخاصة من الفضاء في حال القيام مستند أيضاً الى قيام المصلي ، فيكون منهياً عنه ولا يصح قياسه بما لو وضعه في الصندوق ، فان الكون في الصندوق في الآن الثاني مستند الى استعداد ذات المغصوب لا الى المكلف ، فلا يكون متصرفاً إلا بالوضع والأخذ لا غير ، وليس كذلك في المقام.
[3] لارتفاع الحرمة.
[4] بناء على أن القادح خصوص حركة المغصوب بحركة المصلي لا يعتبر نزعه فوراً في صحة الصلاة ، فلو بقي عليه ولم يتحرك بحركته - كما لو التفت إليه في حال القيام ثمَّ نزعه قبل أن يهوي الى الركوع - لم يكن
ساتر غيره صحت الصلاة ، وإلا ففي سعة الوقت ولو بإدراك ركعة يقطع الصلاة [1] ، وإلا فيشتغل بها في حال النزع.
( مسألة 8 ) : إذا استقرض ثوباً وكان من نيته عدم أداء عوضه أو كان من نيته الأداء من الحرام ، فعن بعض العلماء : أنه يكون من المغصوب [2] ، بل عن بعضهم : أنه لو لم ينو الأداء أصلا لا من الحلال ولا من الحرام أيضاً كذلك. ولا يبعد ما ذكراه. ولا يختص بالقرض ولا بالثوب بل لو اشترى أو استأجر أو نحو ذلك وكان من نيته عدم أداء العوض أيضاً كذلك.
وجه لبطلان صلاته ، لأنه يكون كالمحمول الذي لا يتحرك بحركة المصلي.
[1] لبطلان الصلاة بامتناع إتمامها صحيحة.
[2] كأنه لما في خبر أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أيما رجل أتى رجلا فاستقرض منه مالا وفي نيته أن لا يؤديه فذلك اللص العادي » (1)وفي مرسل ابن فضال عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « من استدان ديناً فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق » (2)، وظاهرهما بطلان القرض. قال في الجواهر - في المسألة الثالثة من أحكام القرض - : « قد يستفاد من نصوص السرقة أن عدم نية القضاء حال القرض مفسدة لعقده فيحرم على المقترض التصرف بالمال حينئذ .. ( الى أن قال ) : لكن لم أجده محرراً في كلامهم ، بل ربما كان ما ينافيه ، كعدم ذكرهم له في الشرائط ، وجعلهم وجوب العزم هنا كالواجب الموسع ، وغير ذلك ،
( مسألة 9 ) : إذا اشترى ثوباً بعين مال تعلق به الخمس أو الزكاة مع عدم أدائها من مال آخر حكمه حكم المغصوب [1].
( الثالث ) : أن لا يكون من أجزاء الميتة [2] ، سواء كان حيوانه محلل اللحم أو محرمه ،
وعليه فينبغي الاقتصار فيه على خصوص القرض ، أما الابتياع مع عدم نية الوفاء فلا يقتضي فساد البيع ».
أقول : قد تقدم في غسل الجنابة أن نية الأداء من قبيل نية الوفاء بالعقد ليست من مقومات العقد بحيث ينتفي بانتفائها ، فاعتبارها في صحته موقوف على دليل ، والأخبار المذكورة لا تخلو من إشكال في السند ، ولا يظهر لها جابر ، بل قد يظهر من عدم تعرض الفقهاء (رضي اللّه عنه) لذلك في شروط القرض إعراضهم عنها فيكون موهناً لها ، كما أشار إليه في الجواهر ، فالاعتماد عليها في القرض لا يخلو من إشكال فضلا عن التعدي منه الى غيره من أنواع المعاملات. نعم نية الوفاء في القرض واجبة عندهم كما صرح به جماعة ، وفي الجواهر : « إجماعاً محكياً إن لم يكن محصلاً ». واستدل عليه في الجواهر بالنصوص الدالة على أن من استدان ديناً فلم ينو قضاءه فهو سارق. ولم أعثر على هذا المضمون إلا في المرسل المتقدم الذي عرفت الإشكال في سنده ، فلا يبعد كون نية الوفاء كنية أداء سائر الواجبات من الواجبات الأخلاقية. فتأمل.
[1] يأتي التعرض لذلك في المسألة الثالثة عشرة من مبحث مكان المصلي. واللّه سبحانه أعلم.
[2] بلا خلاف فيه ظاهر ، بل ولا إشكال ، فقد حكي الإجماع عن الخلاف ، والغنية ، والمعتبر ، والمنتهى ، والتذكرة ، والذكرى ، وكشف
الالتباس ، وجامع المقاصد ، والروض ، ومجمع البرهان ، والمدارك ، والمفاتيح وغيرها على عدم جواز الصلاة في جلدها ، والظاهر بل المعلوم منهم عدم الفرق بينه وبين غيره من أجزاء الميتة. وما عن الذكرى من استثناء من شذ منا لم يعلم المراد منه ، بل عن المجمع : الإجماع على المنع حتى ممن قال بالطهارة. وهو الذي تشهد به النصوص المدعى تواترها ، كصحيح محمد ابن مسلم قال : « سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال (عليه السلام) : لا ولو دبغ سبعين مرة » (1)، وفي صحيح ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الميتة : « لا تصل في شيء منه ولا شسع » (2)، وظاهرهما - كغيرهما - كون الميتة مانعاً من صحة الصلاة ، كما أن ظاهر ما في موثق ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الوارد في عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه من قوله (عليه السلام) : « إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذبح » (3)، ورواية علي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن (عليه السلام) : « عن لباس الفراء والصلاة فيها. قال (عليه السلام) : لا تصل فيها إلا ما كان منه ذكياً. قال : قلت : أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ قال (عليه السلام) : بلى إذا كان مما يؤكل لحمه » (4)اشتراط التذكية وحيث ان الظاهر من النصوص الواردة في استعمال الجلود وفي بعض شرائط التذكية كون التقابل بين الميتة والمذكى تقابل العدم والملكة ، فما دل على بطلان الصلاة في الميتة يراد منه البطلان لفقد الشرط.
نعم لو كان التقابل بينهما تقابل الضدين أشكل الأمر في المراد من
بل لا فرق بين أن يكون مما ميتته نجسة أولا [1] ، كميتة السمك
مجموع النصوص ، وهل هو كون التذكية شرطاً حينئذ؟ ويكون النهي عن الصلاة في الميتة عرضياً ، فيتصرف في ظاهر الطائفة الأولى ، أو أن الموت مانع؟ ويكون الأمر بالصلاة في المذكى عرضياً ، فيتصرف في الثانية أو تكون التذكية شرطاً والموت مانعاً؟ فيؤخذ بظاهر كل من الطائفتين. فعلى الثاني : يكون مقتضى الأصل الصحة ، لأصالة عدم الموت. وعلى الأول : يكون مقتضى الأصل الفساد ، لأصالة عدم التذكية. وكذا على الأخير ، ولا يعارضها أصالة عدم الموت ، لعدم التنافي بينهما ، إذ لا علم إجمالي منجز بكذب إحداهما كي ينافيانه معاً فيسقطان بالمعارضة ، ولو سلم التساقط. فلا أصل يحرز التذكية التي هي الشرط الذي لا بد من إحرازه. ويشهد بجريان أصالة الصحة موثق سماعة : « عن تقليد السيف في الصلاة وفيه الفراء والكيمخت؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة » (1). ونحوه غيره. ويشهد لأصالة الفساد ما تقدم من رواية ابن بكير. لكن لما عرفت من أن التقابل تقابل العدم والملكة فلا بد من حمل الموثق ونحوه على صورة وجود أمارة على التذكية من سوق وغيره ، كما يشير اليه بعض النصوص الآتية.
[1] كما عن البهائي ووالده ، لإطلاق النصوص. وطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة لا تمنع من العمل بها ، لأن ظاهر النصوص اعتبار التذكية من حيث هي لا من حيث النجاسة ، ولذا قال باعتبارها من قال بطهارة الجلد بالدبغ. كما أن ما في بعض النصوص من ذكر الدبغ الذي يعتاد في خصوص ذي النفس لا يوجب انصراف غيره إلى ذي النفس ، وما في
1) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 12.
مكاتبة علي بن مهزيار الى أبي محمد (عليه السلام) : من جواز الصلاة في القرمز (1)- وهو صبغ أرمني من عصارة دود يكون في آجامهم - ليس مما نحن فيه لجواز كون الصبغ من قبيل اللون لا العين ، وإلا فهو مما لا يؤكل لحمه. والسيرة على جواز الصلاة في القمل والبق والبرغوث تختص بموردها. وما عن المعتبر من دعوى الإجماع على الجواز غير ثابت النسبة ، بل قيل : إنه توهم ، ولو سلم فالاعتماد عليه مع إطلاق الفتوى بالمنع ، وعدم تعرض الأساطين لاستثناء غير ذي النفس غير ممكن.
نعم الاشكال كله في ثبوت هذا الإطلاق الشامل لغير ذي النفس ، فإن أكثر النصوص وارد في مقام الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية من دون نظر فيه الى موضوع الحكم الواقعي ، والوارد منها لبيان الحكم الواقعي لم نعثر على شيء منه إلا على ما سبق من صحيحي ابن مسلم وابن أبي عمير ورواية ابن أبي حمزة ، وإطلاقها غير ظاهر ، إذ الصحيح الأول إنما ورد للسؤال عن حال الدبغ. وأنه يرفع حكم الميتة أم لا؟ ، والثاني وارد في مقام تعميم الحكم لأجزاء الميتة. نعم ظاهر الرواية أن كلامه (عليه السلام) السابق على القول كان في أمور تتعلق بالميتة ، ولا يدرى أن الميتة أي ميتة هي؟ فلعله كان في حمار ميت أو نحوه كما يشهد له الضمير المذكر ، ورواية ابن أبي حمزة مشتملة على التذكية بالحديد المختص به أيضاً. وعلى خبر أبي تمامة قال : « قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : إن بلادنا بلاد باردة فما تقول في لبس هذا الوبر؟ قال (عليه السلام) : البس منها ما أكل وضمن » (2)، إلا أنه لو فرض كون المراد السؤال عن اللبس في الصلاة ، وأن المراد من الضمان ضمان
ونحوه مما ليس له نفس سائلة على الأحوط. وكذا لا فرق بين أن يكون مدبوغاً أولا [1]. والمأخوذ من يد المسلم وما عليه أثر استعماله بحكم المذكى [2] ،
التذكية ، فموضوع السؤال فيه هذا الوبر ، والمراد منه غير ظاهر. ولم أعثر على غيرها مما هو مظنة الإطلاق. وعليه فالتخصيص بذي النفس هو الموافق لأصالة البراءة عن شرطية التذكية في غيره.
[1] بلا خلاف ظاهر ، للصحيح السابق وغيره.
[2] قد أشرنا سابقاً ، وفي كتاب الطهارة إلى أن النصوص قد اختلفت في حلية لبس الجلد في الصلاة مع الشك في كونه من مذكى أو ميتة ، فبعضها : يظهر منه الجواز ، كموثق سماعة : « عن تقليد السيف في الصلاة وفيه الفرا والكيمخت. فقال (عليه السلام) : لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة » (1)ومصحح علي ابن أبي حمزة : « إن رجلا سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) - وأنا عنده - عن الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه. قال (عليه السلام) : نعم. فقال الرجل : إن فيه الكيمخت. قال (عليه السلام) : وما الكيمخت؟ قال : جلود دواب منه ما يكون ذكياً ومنه ما يكون ميتة. فقال (عليه السلام) : ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه » (2)، ورواية جعفر بن محمد بن يونس : « إن أباه كتب الى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الفرو والخف ألبسه وأصلي فيه ولا أعلم أنه ذكي؟ فكتب : لا بأس به » (3). وبعضها : يظهر منه المنع كموثق ابن بكير السابق. والجمع العرفي بينها يتعين بحمل الأول على ما إذا
كان أمارة على التذكية أو أصل يحرزها. والثانية على ما عدا ذلك ، بشهادة النصوص الواردة في جواز الصلاة في الجلد إذا اشتري من سوق المسلمين كصحيح الحلبي : « عن الخفاف التي تباع في السوق. فقال (عليه السلام) : اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه » (1)، وصحيح البزنطي : « عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية ، أيصلي فيها؟ قال (عليه السلام) : نعم ليس عليكم المسألة ، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول : إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ، إن الدين أوسع من ذلك » (2)، ونحوه صحيح ابن جعفر (عليه السلام) (3)، ومصحح إسحاق : « لا بأس في الصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام. قلت : فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال (عليه السلام) : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس » (4)، وصحيح البزنطي الآخر : « عن الخفاف يأتي إلى السوق فيشتري الخف لا يدري أذكي هو أم لا ، ما تقول في الصلاة فيه؟ وهو لا يدري أيصلي فيه؟ قال (عليه السلام) : نعم أنا أشتري الخف من السوق ويصنع لي وأصلي فيه وليس عليكم المسألة » (5)، وخبر إسماعيل بن عيسى : « عن الجلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال (عليه السلام) : عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك ، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا .
1) الوسائل باب : 38 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.
2) الوسائل باب : 55 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.
3) لم يتضح المراد به إذ لم نجد حديثاً يناسب المقام. وانما المذكور في الوسائل في باب : 55 من أبواب لباس المصلي ملحق الحديث الأول حديث لسليمان بن جعفر الجعفري عن موسى بن جعفر علیه السلام يناسب المقام ولعله مراد المؤلف مد ظله.
4) الوسائل باب : 55 من أبواب لباس المصلي حديث : 3.
5) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 6.
عنه » (1)، وخبر الحسن بن الجهم : « أعترض السوق فأشتري خفاً لا أدري أذكي هو أم لا؟ قال (عليه السلام) : صل فيه. قلت : فالنعل؟ قال (عليه السلام) : مثل ذلك. قلت : إنى أضيق من هذا. قال (عليه السلام) : أترغب عنا ، كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله » (2).. الى غير ذلك.
والمتحصل من مجموع النصوص المذكورة : هو أن تصرف المسلم تصرفاً يتوقف شرعاً على التذكية - كالصلاة والبيع بناء على عدم جواز بيع الميتة - أو بحسب الدواعي النوعية - كاللبس ونحوه بناء على جواز الانتفاع بالميتة - يكفي في الحكم بالتذكية وترتيب آثارها وإن لم تعلم ، ويشهد للأول : قوله (عليه السلام) في رواية إسماعيل : « إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه » ، وغيره من النصوص الدالة على الاكتفاء بمجرد الشراء من المسلمين. ويشهد للثاني : ما دل على الاكتفاء بصنع المسلم كما في صحيح البزنطي ورواية إسحاق. أما مجرد كونه تحت يد المسلم ، أو استعماله له في شيء ما ولو لم يكن مقتضى الدواعي النوعية طهارته - مثل أن يتخذ ظرفاً للنجاسة أو فراشاً لموضعها كالكنيف - أو كونه في يد المسلم مع العلم بأنه يقصد إلقاءه في المزبلة ، أو يشك في ذلك ، فلا دليل على الحكم معه ، وليس في النصوص إطلاق يشمل ذلك. وقوله (عليه السلام) في رواية إسحاق : « وفيما صنع في .. » مورده خصوص الفراء ونحوه مما يصلى فيه. فإطلاق ما في المتن من الاكتفاء بكونه في يد المسلم أو كونه عليه أثر استعماله محل إشكال.
وأشكل منه ما في كلام بعض من الاكتفاء بمجرد الأخذ من سوق المسلمين ولو أخذ من يد الكافر ، في قبال الأخذ من يد المسلم ، إذ السوق
الموجود في النصوص إن بني على الجمود على ما تحت لفظه كان اللازم إطلاق السوق وإن كان سوقاً للكافرين ، وإن بني على انصرافه الى سوق المسلمين فالظاهر منه خصوص ما لو كان البائع مسلماً ، كما يشهد به قوله (عليه السلام) « إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك .. » ، بل الظاهر أن الداعي لذكره كونه الموضع المعتاد لوقوع المعاملة فيه ، لا لخصوصية فيه في قبال الدار ، والصحراء ، ونحوها ، فالمراد من الشراء من السوق الشراء من المسلم الذي هو أحد التصرفات الدالة على التذكية ، ولا خصوصية له ، فهو راجع الى الاستعمال المناسب للتذكية.
ثمَّ إن مقتضى رواية محمد بن الحسين الأشعري : « كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال (عليه السلام) : إذا كان مضموناً فلا بأس » (1)اعتبار إخبار البائع بالتذكية في الحكم بها ، لكنه يتعين حملها على الاستحباب بقرينة ما دل على عدم وجوب السؤال من النصوص المتقدمة.
ثمَّ إنه حكي عن بعض جواز الحكم بالتذكية بمجرد الشك فيها ، اعتماداً على قوله (عليه السلام) : « كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » (2)وفيه : أنه لو سلم كون ظاهر الحديث جعل الحل المقابل للحرمة ولو كان من جهة أنه مفاد أصل موضوعي يقتضيه من استصحاب أو تصرف المسلم - كما يساعده ذكر الأمثلة - لوجب الخروج عن عمومه بما دل على الحكم بالميتة حتى تعلم التذكية ، فإنه أخص منه ، ولو بني على معارضته بما دل على الحكم بالتذكية إلا أن يعلم
بل وكذا المطروح في أرضهم وسوقهم [1] ، وكان عليه أثر الاستعمال ، وإن كان الأحوط اجتنابه ، كما أن الأحوط اجتناب ما في يد المسلم المستحل للميتة بالدبغ [2]
أنه ميتة فقد عرفت أن الجمع العرفي ما ذكرنا.
[1] قد يستدل له برواية السكوني : « أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها ، وفيها سكين. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يقوم ما فيها ثمَّ يؤكل لأنه يفسد وليس له بقاء ، فاذا جاء طالبها غرموا له الثمن. قيل له : يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال (عليه السلام) : هم في سعة حتى يعلموا » (1). لكن لا يبعد كون الرواية في مقام بيان أصالة الطهارة ، للشك في نجاسة ما في السفرة من جهة ملاقاة المجوسي ، وليست مما نحن فيه. فالأولى الاستدلال له بمصحح إسحاق المتضمن جواز الصلاة في أرض يكون الغالب عليها المسلمين. كما منه أيضاً يعلم وجه الحكم بالتذكية إذا أخذ الجلد من مجهول الحال في بلاد يكون الغالب عليها المسلمين.
[2] فعن العلامة (رحمه اللّه) : التوقف في طهارة ما في يد مستحل الميتة بالدبغ ، بل عنه وعن المحقق الثاني : الجزم بالنجاسة. وربما يستفاد من خبر أبي بصير ، قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء. فقال (عليه السلام) : كان علي بن الحسين (عليهما السلام) رجلا صرداً لا تدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فاذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه ، فكان يسأل عن ذلك فقال (عليه السلام) : إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون أن
1) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 11.
ويستثنى من الميتة صوفها وشعرها ووبرها وغير ذلك مما مر في بحث النجاسات [1].
( مسألة 10 ) : اللحم أو الشحم أو الجلد المأخوذ من يد الكافر [2] ،
دباغه ذكاته » (1).
وفيه - مع أنه غير صريح في اللزوم ، وأن الشراء إنما يصح مع الحكم بالتذكية ولو ظاهراً ، وكذا اللبس بناء على عدم جواز الانتفاع بالميتة - أنه لا يقوى على تقييد تلك النصوص بالحمل على غير المستحل ، ولا سيما مع ندرة العلم بمذهبه ، وكيف يصح حمل : « ما صنع في أرض الإسلام » (2)على أرض يكون أهلها لا يستحلون الميتة بالدبغ؟ وكذا خبر ابن الجهم (3)، فان الظاهر أن الضيق الذي حكاه السائل بقوله : « قلت : إني أضيق من هذا » إنما هو من مثل هذه الجهة. فلاحظ. مع أن الخبر ضعيف لا يصلح للاعتماد عليه.
[1] مر هناك الكلام فيه.
[2] لا ينبغي التأمل في وجوب الحكم بعدم تذكية ما في يد الكافر ، لعدم الدليل على الحكم بها ، إذ لو سلم شمول أخبار السوق للكافر فما في رواية إسماعيل بن عيسى من قوله (عليه السلام) : « عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك » (4)وقريب منه خبر إسحاق المتقدم (5)
أو المطروح في بلاد الكفار ، أو المأخوذ من يد مجهول الحال في غير سوق المسلمين [1] ، أو المطروح في أرض المسلمين إذا لم يكن عليه أثر الاستعمال [2] محكوم بعدم التذكية ، ولا يجوز الصلاة فيه ، بل وكذا المأخوذ من يد المسلم إذا علم أنه أخذه من يد الكافر مع عدم مبالاته بكونه من ميتة أو مذكى [3]
[1] أما لو كان المجهول في سوق المسلمين حكم عليه بالإسلام ظاهراً فيحكم بتذكية الجلد المأخوذ منه ، ومستنده رواية إسحاق. لكن المستفاد منها كون المعيار أرض المسلمين ولو كان السوق الخاص لغيرهم ، فمجهول الإسلام إذا وجد في سوق اليهود في بغداد مثلا التي يغلب عليها الإسلام فهو محكوم بالإسلام ولو كان الغالب في السوق غيره. فتأمل.
[2] لما عرفت من اختصاص دليل الحكم بالتذكية بما كان عليه أثر استعمالهم ، فيرجع في غيره إلى أصالة عدم التذكية.
[3] كأنه لانصراف النصوص المتقدمة عن الفرض ، أو لأن عمومها
( مسألة 11 ) : استصحاب جزء من أجزاء الميتة في الصلاة موجب لبطلانها [1] وإن لم يكن ملبوساً.
له بترك الاستفصال ، ومن الجائز أن تكون أسواق المسلمين في عصر صدور هذه النصوص تباع فيها الجلود غير المأخوذة من أيدي الكافرين ، وحينئذ لا يحسن الاستفصال ، لظهور الحال ، فلا مجال للعموم.
وفيه : أن الانصراف ممنوع. واحتمال ظهور ذلك بنحو يكون قرينة بحيث لا يحسن الاستفصال غير كاف في رفع اليد عن العموم الناشئ من تركه ، نظير احتمال وجود القرينة الصارفة عن الحقيقة ، فإنه لا يوجب رفع اليد عن أصالة الحقيقة. مع أن هذا الاحتمال ساقط ، بل غير حاصل لكثرة وجود الكفار في بلاد الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم ، ولا سيما مع البناء على كفر الخوارج والنواصب والغلاة ، وتداول ذبحهم للحيوانات ، وأكلهم لها ، وبيع جلودها. فاحتمال عدم اتفاق العلم بسبق يد الكافر على يد المسلم ساقط جداً. مضافاً الى أن عموم بعض النصوص ليس بترك الاستفصال ، بل بالإطلاق مثل : « ما صنع في أرض الإسلام » ولا سيما مع فرض السائل وجود الكفار فيها ، ولا ريب في أن ما صنع في أرض الإسلام يشمل ما لو أخذ من الكافر وغيره. وكذا مبالاة المسلم المأخوذ منه وعدمها ، ولا يكاد يظهر الفرق بين غير المبالي وبين المستحل للميتة بالدبغ في الدخول تحت إطلاق الأدلة. ( وبالجملة ) : البناء على التذكية فيما هو محل تصرف المسلم نظير البناء على صحة عمل المسلم ، لا يفرق فيه بين حصول الظن بالصحة ، وحصول الظن بالفساد ، وبين عدم حصول الظن بشيء ، فالبناء على عموم الحكم لازم. وقد تقدم في مبحث نجاسة الميتة التعرض لجملة من هذه الأحكام. فراجع.
[1] تقدم الكلام في المحمول النجس في أحكام النجاسات ، كما تقدم
( مسألة 12 ) : إذا صلى في الميتة جهلا لم يجب الإعادة نعم مع الالتفات والشك لا تجوز ولا تجزئ. وأما إذا صلى فيها نسياناً فان كانت ميتة ذي النفس أعاد في للوقت وخارجه وإن كان من ميتة ما لا نفس له فلا تجب الإعادة.
( مسألة 13 ) : المشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من غيره لا مانع من الصلاة فيه [1].
( الرابع ) : أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه [2]
الكلام أيضاً في المسألة الآتية. فراجع.
[1] لأصالة البراءة عن اشتراط تذكيته ، أو عن مانعيته.
[2] بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد استفاض فيه نقل الإجماع. ويدل عليه موثق عبد اللّه بن بكير : « سأل زرارة أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : إن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل اللّه تعالى أكله. ثمَّ قال : يا زرارة هذا عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فاحفظ ذلك يا زرارة ، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح ، وإن كان غير ذلك مما نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد ذكاه الذبح أو لم يذكه » (1)وقريب منه غيره.
وفي المدارك قال : « والروايات لا تخلو من ضعف في سند أو قصور
1) الوسائل باب : 2 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.
وإن كان مذكى أو حياً ، جلداً كان أو غيره [1] ، فلا يجوز الصلاة في جلد غير المأكول ، ولا شعره وصوفه وريشه ووبره ولا في شيء من فضلاته ، سواء كان ملبوساً أو مخلوطاً به أو محمولاً ، حتى شعرة واقعة على لباسه [2] ، بل حتى عرقه
في دلالة ، والمسألة محل إشكال ». وفيه : أن بالموثق حجة في نفسه ، ولا سيما مثل الموثق المذكور المشتمل سنده على عظيمين من أصحاب الإجماع ومن أعيان أصحاب الحديث ، ولا سيما مع اعتضاده بغيره مما ورد في مطلق غير المأكول (1)، أو في قسم منه كالسباع (2)، ودعوى الإجماع عن جماعة على الحكم المذكور على ما ذكره ، فلا ينبغي التأمل في المسألة.
[1] إجماعاً في الجملة كما عن غير واحد. ويشهد له الموثق السابق.
[2] كما نسب إلى الأكثر ، والمشهور. وظاهر الفقهاء ، وإطلاق كلامهم. ويقتضيه الموثق المتقدم. ودعوى أن صدق الصلاة فيه يتوقف على تحقق اشتماله على المصلي ولو على بعضه - مثل الخاتم والقلادة - فلا صدق مع عدم الاشتمال ، وإن كانت صحيحة في نفسها - كما أشرنا الى ذلك في أحكام النجاسة من كتاب الطهارة - لكنها مندفعة في المقام بذكر البول والروث اللذين لا يتصور فيهما الاشتمال. فيراد من الصلاة فيه الملابسة التي تشمل الظرفية والمعية ، والتفكيك بين البول والروث وبين الصوف والشعر خلاف الظاهر. مضافاً إلى خبر إبراهيم بن محمد الهمداني كتبت اليه : « يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة. فكتب (عليه السلام) : لا تجوز الصلاة فيه » (3)، وليس
في سنده من يتوقف منه عدا عمر بن علي بن عمر ، وفي رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه مع عدم استثناء القميين روايته من كتاب نوادر الحكمة نوع شهادة على وثاقته.
نعم يعارض ذلك صحيح محمد بن عبد الجبار : « كتبت الى أبي محمد (عليه السلام) أسأله هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكة حرير محض أو تكة من وبر الأرانب؟ فكتب (عليه السلام) : لا تحل الصلاة في الحرير المحض ، وإن كان الوبر ذكياً حلت الصلاة فيه إن شاء اللّه » (1). لكن في تقييد الوبر بالذكي إشكالا ، فإنه إن أريد منه ذكي الجلد فلا إشكال في عدم اعتبار ذكاة الجلد في حل الوبر ، وإن أريد منه الطاهر فلا إشكال في جواز الصلاة في النجس الذي لا تتم فيه الصلاة ، وإن أريد ما كان من محلل الأكل - كما يحتمله ما في رواية علي بن أبي حمزة قلت : « أوليس الذكي مما ذكي بالحديد؟ فقال (عليه السلام) : بلى إذا كان مما يؤكل لحمه » - (2)فهو يتوقف على كون الأرانب قسمين محلل الأكل ومحرمه ، وليس كذلك ، وحمل التقييد على كونه تقييدا لمطلق الوبر ، لا لمورد السؤال خلاف الظاهر. وحيث يدور الأمر بين هذه الاحتمالات التي لا يخلو كل واحد منها من إشكال ، فلا يبعد الحمل على الأخير جمعاً بين الصحيح وموثق ابن بكير المتقدم. ( وبالجملة ) : رفع اليد عن الموثق بمثل هذا الصحيح لا يخلو من إشكال. فلا يبعد إذاً وجوب العمل عليه.
نعم يقع الإشكال في دلالة الموثق على المنع عن مثل الشعرات والمحمول فان الظاهر - كما عرفت في مبحث النجاسات - من قوله : « لا تصل في
وريقه وإن كان طاهراً ما دام رطباً ، بل ويابساً إذا كان له عين. ولا فرق في الحيوان بين كونه ذا نفس أو لا [1] ، كالسمك الحرام أكله.
كذا » المنع عن خصوص ما لو كان مدخول ( في ) ظرفاً للمصلي ، ولو لاشتماله على بعضه كالقلنسوة والخاتم والجورب ، وتعميمه لغيره - مثل الشعرات الواقعة على الثوب فضلا عن مثل قبضة السكين وقاب الساعة وأمثالهما من المحمولات المحضة - يحتاج إلى قرينة ، وذكر البول والروث لا يصلح قرينة على إرادة معنى المصاحبة من ( في ) ، لإمكان فرض الاشتمال فيهما على المصلي ولو بلحاظ بعضه ، أو بلحاظ محلهما من الثوب المشتمل عليه إذا كان ملوثاً بهما ، فان المشتمل على المشتمل مشتمل ، ولا ملجئ إلى حمل ( في ) على معنى المصاحبة. مع أن الحمل على ذلك يستلزم المنع عن الصلاة في محل أجزاء ما لا يؤكل لحمه - مثل المخازن والسفن الحاملة له - وفي المكان المفروش بها ، لصدق المصاحبة قطعاً بذلك ونحوه. اللّهم إلا أن يراد مصاحبة خاصة ، نظير ما في بعض روايات ما لا تتم به الصلاة من قوله (عليه السلام) : « كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز فيه الصلاة .. » (1). لكن يبقى الاشكال من جهة عدم الملزم به ، فالبناء على المنع في مطلق المحمول لا يخلو من إشكال ، والأصل يقتضي البراءة.
[1] كما هو ظاهر الفتوى. واستدل له بإطلاق النصوص. وفيه : أن الإطلاق الذي يصح الاعتماد عليه غير متحصل ، إذ العمدة في النصوص الموثق ، وما في ذيله من قوله (عليه السلام) : « ذكاه الذبح أو لم يذكه » يصلح قرينة على اختصاصه بما له نفس ، لاختصاصه بتذكية الذبح. واحتمال كون
1) الوسائل باب : 31 من أبواب النجاسات حديث : 5.
( مسألة 14 ) : لا بأس بالشمع ، والعسل ، والحرير الممتزج ، ودم البق والقمل والبرغوث ، ونحوها من فضلات أمثال هذه الحيوانات مما لا لحم لها [1].
المراد التعميم لغير ذي النفس - يعني : سواء كانت تذكيته بالذبح أم بغيره - مندفع بأن الظاهر من مقابلة هذه الفقرة بما قبلها من قوله (عليه السلام) : « إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح ». أن يكون المراد : ذبح أم لم يذبح ، فظهور اختصاص هذه الفقرة بما يكون ذكاته بالذبح لا ينبغي أن ينكر ، فلا يصلح ما قبلها لإثبات عموم الحكم. ومثله رواية علي بن أبي حمزة وأما رواية إبراهيم الواردة في الشعر فلا إطلاق فيها ، لورودها في حكم الشعر مفروغاً عن حكم ذي الشعر. وبقية النصوص لا يخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة. فالبناء على التعميم في غاية الإشكال.
[1] فإن الموثق الذي هو عمدة النصوص لا إطلاق له يشمله لقوله علیه السلام فيه : « فان كان مما يؤكل لحمه » فإنه يصلح قرينة على اختصاص قوله (عليه السلام) : « حرام أكله » وقوله (عليه السلام) : « مما قد نهيت عن أكله » بما كان له لحم. هذا مضافاً الى ما عرفت من عدم الإطلاق فيه بنحو يشمل ما لا نفس له فضلا عما لا لحم له. وبقية النصوص مختص بذي اللحم لا غير. مضافاً الى الإجماع المحقق في الحرير الممتزج ودم البق والبراغيث والقمل ، والى صحيح الحلبي : « عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال (عليه السلام) : لا وإن كثر » (1)، وصحيح ابن مهزيار : « عن الصلاة في القرمز وأن أصحابنا يتوقفون فيه. فكتب علیه السلام : لا بأس به » (2)، وعن نوادر الراوندي : « عن الصلاة
وكذا الصدف ، لعدم معلومية كونه جزءاً من الحيوان [1] ، وعلى تقديره لم يعلم كونه ذا لحم [2]. وأما اللؤلؤ فلا إشكال فيه [3] أصلا ، لعدم كونه جزءاً من الحيوان.
( مسألة 15 ) : لا بأس بفضلات الإنسان [4] ولو لغيره ، كعرقه ، ووسخه ، وشعره ، وريقه ، ولبنه ، فعلى هذا لا مانع في الشعر الموصول بالشعر ، سواء كان من الرجل أو المرأة. نعم لو اتخذ لباساً من شعر الإنسان فيه إشكال ، سواء كان ساتراً أو غيره ، بل المنع قوي ، خصوصاً الساتر.
في الثوب الذي فيه أبوال الخنافس ودماء البراغيث. فقال (عليه السلام) : لا بأس » (1).
[1] وما في صحيح علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه أبي الحسن الأول علیه السلام قال : « وسألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر والفرات أيؤكل؟ قال (عليه السلام) : ذلك لحم الضفادع لا يحل أكله » (2)لا يدل على أنه جزء من الحيوان ، بل الظاهر أنه خارج عنه ظرف لتولده فيه ، ومجرد انعقاد الحيوان فيه لا يستلزم جزئيته له كما هو ظاهر.
[2] بل ظاهر الصحيح السابق أنه ذو لحم.
[3] بل عن بعض الاشكال فيه لكونه جزءاً من الصدف ، لكن عرفت حال الصدف. وأما اللؤلؤ فهو مخلوق في الصدف لا جزؤه. ولو سلم فصدف اللؤلؤ غير صدف الحيوان. مع أن الظاهر تحقق السيرة على لبسه ، فالإشكال فيه في غاية الوهن.
[4] هو ظاهر بناء على ما عرفت من قصور الموثق ورواية ابن أبي حمزة
المتقدمة عن شمول ما لم يذك بالذبح ، إذ غيرها قد عرفت عدم صلاحيته لإثبات المنع في غير الإنسان مما لا يؤكل لحمه فصلا عن الإنسان. أما بناء على عموم الموثق لكل ما لا يؤكل لحمه وإن لم يذك بالذبح فقد يشكل خروج الإنسان إلا بدعوى الانصراف عنه. وبالسيرة على مص ريق الزوجة ، ومباشرة النساء لفضلات الأطفال بالرضاع وغيره ، والصلاة في ثياب بعضهم بعضاً وإن كان فيها من العرق وغيره. وبالصحيح : « هل تجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان وأظفاره من قبل أن ينفضه من ثوبه : فوقع (عليه السلام) : يجوز » (1)، وبالخبر : « عن البزاق يصيب الثوب. قال (عليه السلام) : لا بأس به » (2)، وبموثق الساباطي : « لا بأس أن تحمل المرأة صبيها وهي تصلي أو ترضعه وهي تتشهد » (3)، وبالخبر : « عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن إنسان ميت فيجعله مكانه. قال (عليه السلام) : لا بأس » (4)وبالآخر : « عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن. فقال (عليه السلام) : لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها » (5)، وبالآخر : « وكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها » (6)، وبالآخر : « إذا كان صوفاً فلا بأس وإن كان شعراً فلا خير فيه من الواصلة والموصولة » (7)لكن بعض هذا لا يخلو عن إشكال ، إما لأنه ممنوع من أصله ، أو غير متعرض للمقام أصلا ، أو متعرض لما لا يصدق معه الصلاة فيه. ويكفي
1) الوسائل باب : 18 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.
2) الوسائل باب : 17 من أبواب النجاسات حديث : 6.
3) الوسائل باب : 24 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 1.
4) الوسائل باب : 31 من أبواب لباس المصلي حديث : 4.
5) الوسائل باب : 101 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 2.
6) الوسائل باب : 101 من أبواب مقدمة النكاح حديث : 1.
7) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يكتسب به حديث : 5.
( مسألة 16 ) : لا فرق في المنع بين أن يكون ملبوساً أو جزءاً منه ، أو واقعاً عليه ، أو كان في جيبه ، بل ولو في حقة هي في جيبه [1].
( مسألة 17 ) : يستثنى مما لا يؤكل الخز الخالص [2] ،
في خروج الإنسان ما ذكرناه أولا. ولأجله لا بأس بالقول بجواز الصلاة في لباس متخذ من شعر الإنسان ساتراً كان أم غيره.
نعم بناء على كون المرجع قاعدة الاشتغال عند الشك في جنس الساتر الواجب للإجماع على وجوبه ، ولا إطلاق يرجع اليه عند الشك ، فيكون الشك فيه من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير ، يكون مقتضى الأصل المنع في الساتر منه لا غير. واللّه سبحانه أعلم.
[1] قد تقدم الكلام في هذه المسألة في حكم الشعرات الملقاة. فراجع.
[2] إجماعاً في الوبر - كما هو المراد من المتن - حكي عن المعتبر ، ونهاية الأحكام ، والتذكرة ، والذكرى ، وجامع المقاصد ، وحاشية الإرشاد ، والروض ، والمسالك ، وغيرها. وعن التنقيح : نفي الخلاف فيه. ويشهد له النصوص الكثيرة الظاهرة أو الصريحة فيه ، كصحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) : « إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يلبس الجبة الخز بخمسمائة درهم والمطرف الخز بخمسين ديناراً » (1)، ومصحح زرارة : « خرج أبو جعفر (عليه السلام) يصلي على بعض أطفالهم وعليه جبة خز صفراء ومطرف خز أصفر » (2)، وصحيح العيص عن يوسف بن إبراهيم : « دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعلي عباءة خز وبطانته خز وطيلسان خز
مرتفع فقلت : إن علي ثوباً أكره لبسه. فقال (عليه السلام) : وما هو؟ قلت : طيلساني هذا. فقال (عليه السلام) : وما بال الطيلسان؟ قلت : هو خز. قال : وما بال الخز؟ قلت : سداه إبريسم قال : وما بال الإبريسم؟ قال : لا تكره أن يكون سدا الثوب إبريسم » (1).. الى غير ذلك.
وأما الجلد : فالأكثر - كما عن جماعة - استثناؤه أيضاً. وفي البحار : نسبته الى المشهور بين المتأخرين ، وعن كشف الالتباس : أنه المشهور ، بل لم ينقل التصريح بالمنع عنه إلا من الحلي والمنتهى والتحرير. نعم استفيد المنع من اقتصار جماعة في الاستثناء على الخز الخالص الظاهر في خصوص الوبر. وكيف كان فيدل على الجواز فيه خبر ابن أبي يعفور قال : « كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من الخزازين فقال له : جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس بالصلاة فيه. فقال له الرجل : جعلت فداك إنه ميت وهو علاجي وأنا أعرفه. فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أنا أعرف به منك. فقال له الرجل : إنه علاجي وليس أحد أعرف به مني. فتبسم أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثمَّ قال له : أتقول إنه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فاذا فقد الماء مات؟ فقال الرجل : صدقت - جعلت فداك - هكذا هو. فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : فإنك تقول : إنه دابة تمشي على أربع وليس هو على حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء. فقال له الرجل : إي واللّه هكذا أقول. فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) : فان اللّه تعالى أحله وجعل ذكاته موته كما أحل الحيتان وجعل ذكاتها موتها » (2)، فان تعليل الحل بتحقق
التذكية فيه كالصريح في أن موضوع السؤال هو الجلد ، فإنه الذي يعتبر في جواز الصلاة فيه التذكية دون الوبر.
وفي الجواهر : الاستدلال عليه بموثق معمر بن خلاد : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في الخز. فقال : صلّ فيه » (1). فان ترك الاستفصال قرينة على عموم الحكم للجلد والوبر. ويشكل بأن ذلك إنما يتم لو كان المراد من الخز فيه الحيوان ، وهو غير ظاهر ، بل من المحتمل إرادة المنسوج من وبره ، فإنه من معانيه أيضاً كما يظهر من مكاتبة جعفر بن عيسى الى الرضا (عليه السلام) : « أسأله عن الدواب التي يعمل الخز من وبرها .. » (2). ونحوه خبر يوسف بن إبراهيم (3). ومنه يظهر الإشكال في استدلاله بخبر يحيى بن عمران : « كتبت الى أبي جعفر الثاني علیه السلام في السنجاب والفنك والخز. قلت : جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك ، فكتب إلي بخطه : صلّ فيها » (4). اللّهم إلا أن تكون قرينة السياق تقتضي كون المراد منه الحيوان.
وأما الاستدلال بصحيح سعد بن سعد : « سألت الرضا (عليه السلام) عن جلود الخز. فقال (عليه السلام) : هو ذا نحن نلبس. فقلت : ذاك الوبر - جعلت فداك - فقال (عليه السلام) : إذا حل وبره حل جلده » (5)، بناء على أن المراد : نحن نلبس الجلود ، و « هو ذا » كلمة واحدة مفادها الاستمرار والاتصال وأن استمرار لبسهم للجلود كالصريح في شموله لحال الصلاة. ففيه أولا :
أن قول السائل : « ذاك الوبر » وقوله (عليه السلام) : « إذا حل وبره .. » صريح في أنهم (عليهم السلام) كانوا يلبسون الوبر ، لا أنهم يلبسون الجلود. وثانياً : أن كون « هو ذا » كلمة واحدة معناها الاستمرار إن صح في نفسه فهو غير ظاهر. وثالثاً : أن استمرار اللبس عرفاً لا ينافيه النزع حال الصلاة. والاستدلال بقوله (عليه السلام) : « إذا حل وبره .. » بناء على إطلاقه الشامل للحل التكليفي والوضعي يتوقف على ثبوت هذا الإطلاق ، ولكنه محل تأمل أو منع ، فإن السؤال عن الجلود وإن كان مجملا من حيث الجهة المسؤول عنها ، لكن قوله (عليه السلام) : « نحن نلبس » شاهد بأن المراد السؤال عن حيثية اللبس ، وعن حكمه التكليفي النفسي لا غير. وتحليل اللبس من حيث هو مطلقاً حتى حال الصلاة لا يستلزم عدم المانعية. فتأمل.
ومن ذلك يظهر لك ما في دعوى كون التعارض بين الصحيح وما دل على المنع عما لا يؤكل لحمه بالعموم من وجه والترجيح للأول ، إذ لا أصل لهذه المعارضة ، ولو سلمت فلا وجه لترجيح الصحيح ، بل إخراج حال الصلاة منه أولى من إخراج الخز من المعارض ، لظهوره في أن عنوان ما لا يؤكل لحمه من العناوين الاقتضائية للمنع التي يبعد عرفاً التفكيك بين أفرادها ، فيكون دليله أظهر في شمول مورد المعارضة ، كما مر في نظائره. مع أنه لا ملجئ الى التشبث بالترجيح بذلك أو بالشهرة لإثبات الجواز ، إذ يكفي فيه أصل البراءة بعد سقوط الدليلين عن الحجية في مورد المعارضة. والشهرة في الفتوى ليست من مرجحات الدلالة ، واستبعاد أن يكون السؤال عن اللبس من حيث هو لظهور عدم المنع من لبس ما لا يؤكل لحمه ، وإنما الشك في المنع عنه من حيث الصلاة ، لا يكفي في الترجيح ، لخروجه
عن مدلول الكلام. ومن ذلك يظهر ضعف الاستدلال على المقام بصحيح ابن الحجاج : « سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلود الخز. فقال (عليه السلام) : ليس بها بأس. فقال الرجل : إنها علاجي وإنما هي كلاب تخرج من الماء. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل : لا. فقال : ليس بها بأس » (1)، بدعوى كون السؤال عن حيثية الصلاة. نعم لا يبعد كون ترك الاستفصال عن الجهة المسؤول عنها يقتضي نفي البأس عن الجهتين معاً. واحتمال وجود قرينة تعين جهة اللبس لا الصلاة مدفوع بالأصل ، كما أشرنا إليه آنفاً ، فاذاً لا يبعد إلحاق الجلد بالوبر كما هو المشهور ، ولا سيما بضميمة خبر ابن أبي يعفور الذي لا تبعد دعوى انجبار ضعفه بالشهرة.
وأما الاستدلال على المنع بالتوقيع المروي عن الاحتجاج : « كتبت إليه (عليه السلام) : روي لنا عن صاحب العسكر (عليه السلام) أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الأرانب فوقع (عليه السلام) : يجوز ، وروي عنه أيضاً أنه لا يجوز ، فبأي الخبرين نعمل؟ فأجاب (عليه السلام) : إنما حرم في هذه الأوبار والجلود ، وأما الأوبار وحدها فكل حلال » (2). ففيه : أن مقتضى تنزيل الجواب على السؤال كون الموضوع خصوص المغشوش بوبر الأرانب وهو غير محل الكلام.
ثمَّ إن مقتضى أصالة عدم النقل هو كون ما يسمى خزاً في عرفنا اليوم هو موضوع الأحكام المذكورة. قال المجلسي (رحمه اللّه) في البحار : « فاعلم أن في جواز الصلاة في الجلد المشهور في هذا الزمان بالخز وشعره
غير المغشوش بوبر الأرانب والثعالب [1]
ووبره إشكالا ، للشك في أنه هل هو الخز المحكوم عليه بالجواز في عصر الأئمة (عليهم السلام) أم لا؟ بل الظاهر أنه غيره ، لأنه يظهر من الأخبار : أنه مثل السمك يموت بخروجه من الماء وذكاته إخراجه منه ، والمعروف بين التجار : أن المسمى بالخز الآن دابة تعيش في البر ولا تموت بالخروج من الماء. إلا أن يقال : إنهما صنفان بري وبحري ، وكلاهما تجوز الصلاة فيه. وهو بعيد. ويشكل التمسك بعدم النقل واتصال العرف من زماننا إلى زمانهم (عليهم السلام) ، إذ اتصال العرف غير معلوم ، إذ وقع الخلاف في في حقيقته في أعصار علمائنا السالفين أيضاً (رضي اللّه عنه) ، وكون أصل عدم النقل في مثل ذلك حجة غير معلوم ». وفي الجواهر : « يمكن حمل الأخبار على إرادة أنه لا يعيش خارج الماء زماناً طويلا كما يشهد به ما في خبر حمران من أنه سبع يرعى في البر ويأوي في الماء » (1).
ثمَّ إن الظاهر أن الحيوان المذكور كما يسمى بالخز يسمى بكلب الماء ، كما يشير إليه صحيح ابن الحجاج المتقدم (2)، وخبر ابن أبي يعفور : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أكل لحم الخز. قال (عليه السلام) : كلب الماء إن كان له ناب فلا تقربه وإلا فاقربه » (3). واللّه سبحانه أعلم.
[1] فلا تجوز الصلاة بالمغشوش بأحد الوبرين على المشهور ، بل في مفتاح الكرامة : نقل الإجماع على اشتراط الخلوص من هذين عن التذكرة ونهاية الأحكام وكشف الالتباس وجامع المقاصد وغيرها ، وفي المعتبر قال :
وكذا السنجاب [1]
« والوجه ترجيح الروايتين الأولتين وإن كانتا مقطوعتين ، لاشتهار العمل بهما بين الأصحاب ودعوى أكثرهم الإجماع على العمل بمضمونهما ». ونحوه ما عن المنتهى. والمراد بالروايتين الأولتين مرفوعا أحمد بن محمد وأيوب بن نوح ، فالأول : ما رواه الكليني (رحمه اللّه) عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد رفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الصلاة في الخز الخالص لا بأس به ، فأما الذي يخلط فيه وبر الأرانب وغير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه » (1)ومثله مرفوع أيوب بن نوح (2). نعم في خبر داود الصرمي : « أنه سأل رجل أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب فكتب : يجوز ذلك » (3). ورواه الشيخ أيضاً عن داود الصرمي عن بشر بن بشار قال : « سألته .. » (4)الحديث بلفظه. وكذا رواه الصدوق. ولكنه لا يصلح لمعارضة الخبرين المعتضدين بعمومات المنع ، لضعفه ، ودعوى الإجماع على خلافه. هذا ولم يعرف القول بالجواز إلا عن الصدوق (رحمه اللّه) في الفقيه فإنه - بعد أن أورد الرواية المذكورة - قال : « وهذه الرخصة الآخذ بها مأجور ورادها مأثوم. والأصل ما ذكره أبي رحمه اللّه في رسالته إلي : وصلّ في الخز ما لم يكن مغشوشاً بوبر الأرانب » (5).
[1] يعني : تجوز الصلاة فيه وإن لم يكن من مأكول اللحم. وعن
جامع المقاصد : عليه جمع من كبراء الأصحاب. ونسب إلى الأكثر - ولا سيما بين المتأخرين - تارة ، والى المشهور أخرى ، والى عامتهم ثالثة ، بل عن أمالي الصدوق : « إن من دين الإمامية الرخصة فيه وفي الفنك والسمور ، والأولى الترك » ، وفي الذكرى عن المبسوط : « لا خلاف في جواز الصلاة في السنجاب والحواصل الخوارزمية ». ويشهد له جملة من النصوص كصحيح أبي علي الحسن بن راشد : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الفراء. أي شيء يصلى فيه؟ قال (عليه السلام) : أي الفراء؟ قلت : الفنك والسنجاب والسمور. قال (عليه السلام) : فصل في الفنك والسنجاب ، وأما السمور فلا تصل فيه » (1)، وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سأله عن أشياء منها الفراء والسنجاب. فقال (عليه السلام) : لا بأس بالصلاة فيه » (2)وصحيحه الآخر عنه (عليه السلام) : « سألته عن الفراء والسمور والسنجاب والثعالب وأشباهه. قال (عليه السلام) : لا بأس بالصلاة فيه » (3). ونحوها غيرها.
ومع ذلك فقد حكي المنع عن الصدوق في الفقيه ، ووالده في الرسالة والشيخ في الخلاف وأطعمة النهاية ، والحلي في السرائر ، وجماعة من المتأخرين ومتأخريهم ، بل عن الروض : نسبته إلى الأكثر ، وفي الذكرى ، وعن غيرها : نسبته الى ظاهر الأكثر ، لضعف جملة من نصوص الجواز ، واشتمال الصحيح منها على غيره مما لا تجوز الصلاة فيه ، ومعارضتها بموثق ابن بكير المتقدم المخالف للعامة المعتضد بغيره مما دل على عموم المنع عما لا يؤكل لحمه. وفيه : أن اشتمال الصحيح على غير السنجاب لا يقدح في العمل به فيه. ولو
وأما السمور ، والقاقم ، والفنك ، والحواصل : فلا يجوز الصلاة في أجزائها [1] على الأقوى
سلم فصحيح الحلبي الأول لم يذكر فيه معه إلا الفراء الذي هو حمار الوحش وهو مما يؤكل وتجوز الصلاة فيه. وصحيح أبي علي لم يذكر .. فيه إلا الفنك ، ولا مانع من القول بجواز الصلاة فيه ، كما هو مذهب جماعة. والمعارضة بالموثق ممنوعة لا مكان الجمع العرفي. ومجرد ذكره في السؤال لا يقتضي المعارضة ، لا مكان الجمع بين الكلامين بنحو الاستثناء المتصل بلا تدافع ولا تناقض ، كما هو المعيار في عدم المعارضة ، وحينئذ لا تصلح مخالفة العامة للترجيح. وعمومات المنع - لو تمت حجيتها في نفسها - صالحة للتخصيص. وعليه فالبناء على الجواز فيه أنسب بقواعد العمل بالأدلة وإن كان في النفس منه شيء ، لعدم بناء أكثر القدماء عليه ، وللظن بورود الرخصة فيه مورد التقية كغيره. فلاحظ ، واللّه سبحانه أعلم.
[1] السمور : كتنور دابة تشبه السنور على ما قيل. وعدم الجواز فيه مشهور ، بل عن المفاتيح : عليه الإجماع ، ويشهد له - مضافاً الى عموم موثق ابن بكير - صحيح ابن راشد المتقدم (1)، وخبر بشر بن بشار : « ولا تصل في الثعالب والسمور » (2). وفي صحيح سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام) : « سألته عن جلود السمور. قال (عليه السلام) : أي شيء هو ذاك الأدبس؟ فقلت : هو الأسود. فقال (عليه السلام) : يصيد؟ فقلت : نعم ، يأخذ الدجاج والحمام. فقال (عليه السلام) : لا » (3)ونحوها غيرها.
وعن الصدوق في المقنع والأمالي والمجالس : الجواز ، ويشهد له صحيح الحلبي المتقدم (1). وأما صحيح ابن يقطين قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود. قال (عليه السلام) : لا بأس بذلك » (2)فليس دالا على الجواز ، لظهوره في جواز اللبس تكليفاً. ومثله صحيح الريان بن الصلت قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن لبس فراء السمور والسنجاب والحواصل وما أشبهها .. قال (عليه السلام) : لا بأس. بهذا كله إلا بالثعالب » (3). ( اللّهم ) إلا أن يكون بقرينة الاستثناء. نعم في خبر علي بن جعفر (عليهما السلام) عن أخيه موسى بن جعفر قال : « سألته عن لبس السمور والسنجاب والفنك. فقال (عليه السلام) : لا يلبس ولا يصلى فيه إلا أن يكون ذكياً » (4). إلا أنه لا مجال للعمل بها بعد هجرها عند الأصحاب وإعراضهم عنها مع صحة السند ، ولأجله لا تصلح لمعارضة الموثق ، لسقوطها عن الحجية. وما في المعتبر - بعد ذكر صحيحي الحلبي وابن يقطين - من قوله : « وطريق هذين الخبرين أقوى من تلك الطرق ولو عمل بها عامل جاز » ضعيف.
والقاقم - عن المصباح - : « حيوان ببلاد الترك على شكل الفأرة إلا أنه أطول ويأكل الفأرة ». والظاهر أنه لا إشكال في كونه من غير مأكول اللحم ، كما لا إشكال في عدم جواز الصلاة فيه ولم ينسب الى أحد القول بالجواز فيه. نعم عن قرب الاسناد وكتاب المسائل عن علي بن جعفر (عليهما السلام) : « عن لبس السمور والسنجاب والفنك والقاقم. قال (عليه السلام) :
لا يلبس ولا يصلى فيه إلا أن يكون ذكياً » (1). إلا أني لم أجد الخبر المذكور في كتاب مسائل الرجال ، والذي حكاه في الوسائل عن قرب الاسناد خال عن ذكر القاقم. مع أنه لا مجال للعمل به بعد الاعراض عنه ومخالفته لعموم المنع. اللّهم إلا أن لا يثبت كونه غير مأكول اللحم.
والفنك - بفتحتين - قيل : نوع من الثعلب الرومي ، وقيل : نوع من جراء الثعلب التركي. وعن بعض : أنه يطلق على فرخ ابن آوى. قيل : جلده يكون أبيض وأشقر وأبلق ، وحيوانه أكبر من السنجاب. نسب المنع فيه الى المشهور ، وعن المفاتيح : الإجماع عليه ، ويشهد له موثق ابن بكير. وعن مجالس الصدوق وأماليه : الجواز ، وعن المنتهى : أنه استوجهه. وهو في محله ، للتصريح به في جملة من النصوص ، كصحيحي ابن راشد ويقطين ، وخبر ابن جعفر (عليه السلام) المتقدمة. وفي مكاتبة يحيى بن أبي عمران الى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) التصريح بجواز الصلاة فيه وفي السنجاب والخز. وفي خبر الوليد بن أبان : « قلت للرضا (عليه السلام) : أصلي في الفنك والسنجاب؟ قال (عليه السلام) : نعم » (2). لو لا أنها مهجورة ساقطة عن مقام الحجية ، كما سبق في السمور ، ووجود المعارض المعتد به هناك - غير الموثق - وعدمه هنا ، لا يصلح فارقاً بين المقامين.
والحواصل : قيل : طيور كبار لها حواصل عظيمة. وعن صريح النهاية والإصباح والمبسوط والجامع : جواز الصلاة فيها. وكذا عن ظاهر غيرها. بل تقدم عن المبسوط : أنه لا خلاف في جواز الصلاة فيه وفي السنجاب. وكأنه لخبر بشر بن بشار : « صل في السنجاب والحواصل
( مسألة 18 ) : الأقوى جواز الصلاة في المشكوك كونه من المأكول أو من غيره [1] ،
الخوارزمية ، ولا تصل في الثعالب ولا السمور » (1)، ولصحيح الريان المتقدم في السمور (2)، ولما في التوقيع المروي عن الخرائج : « وإن لم يكن لك ما تصلي فيه فالحواصل جائز لك أن تصلي فيه » (3)، وصحيح ابن الحجاج - على نسخة الاستبصار - : « عن اللحاف من الثعالب أو الخوارزمية أيصلي فيها أم لا؟ قال (عليه السلام) : إن كان ذكياً فلا بأس به » (4): لكن الأول ضعيف. والثاني غير ظاهر في الصلاة كما عرفت. والثالث مرسل. مع أن الجواز فيه مشروط بفقد ما يصلي فيه. والرابع نسخة التهذيب (5)( فيه الجرز منه ) قيل الجرز - بكسر الجيم وتقديم المهملة على المعجمة - من لباس النساء ، وكلمة ( منه ) ظرف ضميره راجع الى الثعالب ، ولا مجال للعمل به مع اختلاف النسخ من ناسخ واحد. مع أن في اقترانه بالثعالب نوعاً من التوهين. فلاحظ. وكأنه لذلك كان المشهور المنع اعتماداً على ما دل بإطلاقه على المنع عما لا يؤكل لحمه. اللّهم إلا أن يدعى كونها من مأكول اللحم ، كما يقتضيه إطلاق ما دل على حلية ما له حوصلة. فلاحظ.
[1] كما عن جماعة من المتأخرين ، منهم المحقق الأردبيلي ، وتلميذه في المدارك ، والمحقق الخوانساري ، والمحدثان المجلسي والبحراني ، والنراقيان
في المعتمد والمستند ، وهو المشهور بين المعاصرين. خلافاً للمشهور ، بل عن الشافية : نسبته إلى الأصحاب ، وعن المدارك : نسبته الى قطعهم ، وعن الجعفرية وشرحها : « لو جهل من صلى في جلد أو ثوب من شعر حيوان أو كان مستصحباً في صلاته عظم حيوان ولم يعلم كون ذلك الجلد وذلك الشعر والعظم من جنس ما يصلى فيه فقد صرح الأصحاب بوجوب الإعادة مطلقاً ( يعني : أن الحكم بوجوب الإعادة إجماعي للأصحاب ) » وفي الجواهر - بعد قول ماتنه في مبحث الخلل : « إذا لم يعلم أنه من جنس ما يصلى فيه وصلى أعاد » - قال (رحمه اللّه) : « بلا خلاف معتد به أجده ، بل في المدارك : هذا الحكم مقطوع به بين الأصحاب ».
هذا ، والذي يظهر من كلام الأكثر أن مبنى المنع والجواز هو القول بشرطية مأكولية اللحم في لباس المصلي والقول بمانعية محرمية الأكل فيه. وفي المدارك عن المنتهى أنه قال : « لو شك في كون الصوف أو الشعر أو الوبر من مأكول اللحم لم تجز الصلاة فيه. لأنها مشروطة بستر العورة بما يؤكل لحمه والشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط » ، وموضوع كلامه وإن كان هو الساتر ، إلا أن عموم المنع مما لا يؤكل لحمه لما كان عاماً لمطلق اللباس فاذا تأتت استفادة الشرطية منه بالنسبة إلى الساتر جرى الكلام بعينه بالنسبة إلى مطلق اللباس.
فتأمل. وكيف كان فالذي ينبغي هو التعرض في الجملة لما يستفاد من كلام الجماعة في المقام من نقض وإبرام ، فنقول : الكلام يقع في مقامات.
ما هو مفاد النصوص من حيث الشرطية والمانعية ، فنقول : يمكن
بدائياً استفادة الشرطية المذكورة من أمور :
( الأول ) : قوله (عليه السلام) في موثق ابن بكير المتقدم : « لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل اللّه تعالى أكله » (1)، فإنه ظاهر في إناطة القبول بحلية الأكل ، وليست الشرطية إلا عين الإناطة المذكورة والمراد بالقبول فيه الاجزاء ، بقرينة بقية الفقرات.
( الثاني ) : قوله (عليه السلام) في الموثق المذكور : « فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز » ، فإنه صريح في إناطة الجواز بكونه محلل اللحم كما سبق ، والمراد من الجواز فيه ما هو ملازم للصحة.
( الثالث ) : ما في رواية أبي تمامة : « ألبس منها ما أكل وضمن؟ » (2).
( الرابع ) : ما في رواية علي بن أبي حمزة : « لا تصل إلا فيما كان منه ذكياً قلت : أو ليس الذكي مما ذكي بالحديد؟ فقال (عليه السلام) : بلى إذا كان مما يؤكل لحمه » (3)، فان كونه من مأكول اللحم إما داخل في مفهوم الذكاة المقيد بها ما يصلي فيه ، أو يكون قيداً آخر كالذكاة.
( الخامس ) : ما تضمن النهي عن الصلاة في غير المأكول (4)، فإن المفهوم منه عرفاً تقييد الصلاة المأخوذة في موضوع الأمر بكونها في مأكول اللحم إذا صلى في حيوان ، كما ادعي ذلك في مثل قوله : « أكرم
العالم » و « لا تكرم الفاسق » ، حيث قيل : إن المفهوم منه عرفاً كون موضوع وجوب الإكرام العالم العادل.
هذا ويمكن أيضاً استفادة المانعية من أمور :
( منها ) : صدر موثق ابن بكير وهو قوله (عليه السلام) : « إن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد » ، فإنه ظاهر في إناطة الفساد بمحرمية الأكل التي هي عين إناطة العدم بالوجود التي هي من لوازم المانعية ، فإن المانع ما يلزم من وجوده العدم.
( ومنها ) : قوله (عليه السلام) : « وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد » (1)والاستفادة منها بعين ما سبق.
( ومنها ) : ما في رواية إبراهيم بن محمد الهمداني الواردة فيما يسقط على الثوب من وبر وشعر ما لا يؤكل لحمه. قال (عليه السلام) : « لا تجوز الصلاة فيه » (2)، فان الظاهر مما لا يؤكل ما يحرم أكله ، فترتب عدم الصلاة على حرمة الأكل من قبيل ترتب عدم الممنوع على وجود المانع. ( ودعوى ) أن ما لا يؤكل هو ما لا يحل لحمه فترتب عدم الصلاة عليه من قبيل ترتب العدم على العدم الذي هو من لوازم شرطية الوجود. ( فيها ) : أن مقتضى تسلط النفي على نفس الأكل كون الأكل ممنوعاً محرماً ، ولذا استفيد التحريم من الجمل المنفية الواردة في مقام الإنشاء مثل : ( لا يقوم ) ( ولا يقعد ) وكما لا يصح الحمل فيها على معنى : لا يحل أن يقوم ، ولا يحل أن يقعد
لا يصح التقدير هنا أيضاً.
( ومنها ) : خبر حماد بن عمرو وأنس بن محمد : عن أبيه عن جعفر ابن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلی اللّه عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : « قال : يا علي لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه » (1)بالتقريب المتقدم. ومثله خبر محمد بن إسماعيل : « لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه لأن أكثرها مسوخ » (2)، بل التعليل فيه صريح في المانعية لأنه من تعليل العدم بالوجود.
( ومنها ) : الأخبار الخاصة الناهية عن الصلاة في الثعالب والأرانب (3)والسمور والفنك (4)والسباع (5)وغير ذلك.
( ومنها ) : تعليل جواز الصلاة في السنجاب بأنه دابة لا تأكل اللحم (6)، فان الظاهر أن المراد منه أنه ليس من السباع ، فيكون من قبيل تعليل الصحة بالعدم الذي هو من لوازم المانعية ، كتعليل الفساد بالوجود.
هذا ، وإثبات الشرطية من الأمور المتقدمة لا يخلو من إشكال.
أما الأول : فلأن الظاهر من قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « لا تقبل تلك .. » أنه خبر للصلاة بعد خبر ، ويكون بياناً لمضمون الخبر الأول - أعني : قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « فاسدة » - بقرينة كون موضوعه اسم الإشارة ، الراجع إلى الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، فكأنه قال (صلی اللّه عليه وآله) : « الصلاة فيما لا يؤكل
لحمه فاسدة غير مقبولة » وأين هو من الدلالة على الشرطية؟! وإنما تتم الدلالة لو قيل ابتداء : « لا تقبل الصلاة إلا فيما يؤكل لحمه ». وحينئذ يكون الظاهر من قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « حتى تصلي في غيره » أن الوجه في القبول انتفاء المانع.
وأما الثاني : فالظاهر أن قوله (عليه السلام) : « فان كان مما يؤكل لحمه .. » إنما سيق تمهيداً لبيان اعتبار التذكية وإناطة الجواز بها ، فيكون شرطاً لإناطة الجواز بالتذكية ، لا شرطاً للجواز كالتذكية ، ويكون مقيداً للإطلاق المستفاد من قوله (عليه السلام) : « حتى تصلي في غيره » ، فهو أجنبي عن الدلالة على الشرطية.
وأما الثالث : فمع أنه ضعيف السند ، وأنه لا تعرض فيه للصلاة أن مفاده - بقرينة السؤال عن الجواز وعدمه - هو جواز لبس المأكول دون غيره ، وأين هو من الظهور في الشرطية؟!
وأما الرابع : فمع الرمي بالضعف ، فيه : أن ما في ذيله من قوله : « قلت : وما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ قال (عليه السلام) : لا بأس بالسنجاب فإنه دابة لا تأكل اللحم ، وليس هو مما نهى عنه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب » كالصريح في أن المنع إنما يكون من جهة أنه يأكل اللحم ، أو كونه ذا ناب ومخلب ، فالحديث - بملاحظة الذيل - مما يتمسك به على المانعية كما سبق.
وأما الخامس : ففيه أن كون الخاص مما يوجب تقييد العام بقيد وجودي ممنوع جداً ، ولم يلتزم به في غير المقام أهل القول بالشرطية نعم لا بأس بدعوى تقييده بقيد سلبي وهو عدم الخاص. على أنها لا تخلو من إشكال مذكور في مبحث التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.
ومن ذلك يظهر أن دعوى دلالة النصوص على الشرطية ضعيفة جداً والبناء عليها في غير محله ، بخلاف دعوى المانعية فإنها قوية جداً ، والبناء عليها متعين.
ثمَّ إنه قد يستشكل على الشرطية - بناء على تمامية دلالة النصوص عليها - بأنه لا يمكن الأخذ بإطلاق الشرطية ، ضرورة جواز الصلاة في غير ما يؤكل لحمه من القطن والكتان وغيرهما من أنواع النباتات. فلا بد إما من الالتزام بكون شرطية المأكول تخييرية - يعني : أن الشرط إما القطن أو الكتان أو ما يؤكل لحمه من الحيوان أو غيرها عدا غير المأكول اللحم من الحيوان - أو تكون الشرطية منوطة بكون اللباس حيوانياً. والأول خلاف ظاهر الأدلة. والثاني - مع أنه خلاف ظاهر الأدلة - غير جائز ، لأن اللباس الحيواني المفروض وجوده منوطاً به الشرطية إن كان من مأكول اللحم. فالشرط حاصل ، فالأمر به أمر بتحصيل الحاصل وإن كان من غير مأكول اللحم فالشرط ممتنع ، والأمر به أمر بالممتنع. وفيه : أن المنوط به الشرطية ليس اللباس الحيواني المتشخص بل نفس اللباس الحيواني ، وهو يمكن أن يكون على نحوين وإن كان المتشخص منه لا يكون إلا على أحد النحوين بعينه. وكونه خلاف ظاهر الأدلة ممنوع ، بل هو ظاهر الموثقة التي هي عمدتها وخبري علي بن أبي حمزة وأبي تمامة المتقدمين.
ثمَّ إنه قد يبنى على المانعية فيدعى اختصاصها بصورة العلم ، ( إما ) لدعوى : اختصاص أدلتها بصورة العلم باللباس وقصورها عن شمول صورة الجهل به. ( وإما ) لدعوى : كون الظاهر من العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام خصوص المعلوم منها دون نفس الطبيعة. ( وإما )
لدعوى أن العلم شرط في صحة التكليف كالبلوغ والعقل فلا تكليف بالمانعية بدونه ( وإما ) لدعوى : أن مقتضى الجمع العرفي بين إطلاقات المانعية في المقام وبين مثل صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه البصري : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال (عليه السلام) : إن كان لم يعلم فلا يعيد » (1)تخصيص المانعية بصورة العلم فلا مانعية مع عدمه.
وفي الجميع ما لا يخفى ، إذ الدعوى الأولى : خلاف ظاهر الأدلة ، فإن عمدتها الموثق ، والسؤال إنما كان فيه عن نفس الموضوعات الواقعية التي تكون موضوعاً للعلم والشك. ( وأما ) الدعوى الثانية : فغريبة جداً ، إذ الظهور المذكور إن كان مستنده الوضع فهو خلاف ضرورة العرف واللغة ، وإن كان مستنده الانصراف فلا منشأ له. ( وأما ) الدعوى الثالثة : ففيها أن العلم إنما يكون شرطاً في حسن العقاب عقلا لا في المصلحة وإلا فلا دليل عليه من عقل أو شرع. ( وأما ) الدعوى الرابعة : ففيها أن الصحيح إنما تضمن صحة الصلاة مع الغفلة أو اعتقاد العدم وليس له تعرض لما نحن فيه - أعني : صورة الالتفات والشك - كما لا يخفى. وقياس المقام عليه قياس مع الفارق.
فيما هو مقتضى الأصول العقلية ، فنقول : على تقدير استفادة الشرطية
1) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 5.
من النصوص يتعين الاحتياط بترك الصلاة في المشكوك كونه من محرم الأكل ومحلله ، وعلى تقدير استفادة المانعية تجوز الصلاة فيه ، ويكتفى بها في مقام الامتثال كما تقدم في كلام العلامة (رحمه اللّه).
أما الأول : فلأنه مع الشك في حل الأكل وحرمته يشك في حصول الشرط ، ومعه يجب الاحتياط ، للعلم باشتغال الذمة به الموجب عقلا للعلم بحصول الامتثال ، لما اشتهر من أن شغل الذمة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني نعم يختص ذلك بما لو أحرز كون اللباس حيوانياً لما عرفت من أن الظاهر من نصوص الشرطية على تقدير تماميتها كون الشرطية منوطة بما إذا كان اللباس حيوانيا ، وعليه فاذا شك في كونه كذلك كانت الشرطية مشكوكة ، والأصل فيها البراءة. نعم لو قلنا بالشرطية التخييرية - بمعنى : أن الشرط إما القطن أو الكتان أو الحيواني المأكول - فمع الشك في حيوانيته وكونه من مأكول اللحم يجب الاحتياط ، لقاعدة الاشتغال ، لكن المبنى المذكور ضعيف.
وربما يتوهم عدم وجوب الاحتياط بناء على الشرطية ، بدعوى أن مقتضى تعلق الشرط بأمر خارجي هو إناطة التقييد به بوجود ذلك الخارجي قياساً على التكاليف النفسية مثل : ( أكرم العالم ) ونحوه ، فكما أنه ظاهر في إناطة وجوب الإكرام بوجود العالم ، كذلك في المقام يكون التقييد باللبس منوطاً بوجود وصف المأكول ، فمع الشك فيه يكون الشك في الشرطية ، والأصل البراءة. وضعفه ظاهر ، إذ وصف المأكول إذا أخذ منوطاً به الشرطية كيف يكون موضوعاً لها؟ وثبوت ذلك في مثل : ( أكرم العالم ) و ( أهن الفاسق ) ليس مقتضى التركيب اللغوي ، بل هو مقتضى القرائن الخاصة ، ولذا لا يلتزم به في مثل : ( أعتق رقبة مؤمنة ) نعم قد تقوم القرينة على ذلك في بعض الموارد ، مثل : ( أكرم العالم )
و ( أهن للفاسق ) و ( تصدق على الفقير ) ، ولا مجال لقياس غيره عليه ولا سيما مع امتناعه كما عرفت.
وأما الثاني : فلأنه مع الشك في المأكولية يكون الشك في مانعية ذلك اللباس ، والأصل البراءة.
فإن قلت : هذا يتم لو كان موضوع المانعية ملحوظاً بنحو الطبيعة السارية بحيث يكون كل ما يفرض من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه مانعاً مستقلا في قبال غيره من الأفراد ، إذ حينئذ يرجع جعل المانعية إلى جعل مانعيات متعددة بتعدد أفراد الحيواني المذكور ، فاذا عُلم بفردية اللباس للحيواني المذكور فقد علم بالمانعية ، وإذا شك فيها فقد شك في أصل مانعيته ، فيرجع الى أصل البراءة كما يرجع اليه لو شك في المانعية للشبهة الحكمية. أما لو كان ملحوظاً بنحو صرف الوجود فلا يكون شك في المانعية ، إذ يعلم بجعل مانعية واحدة لصرف الوجود الصادق على القليل والكثير ، وإنما الشك في انطباق المانع عليه ، فلا مجال لأصل البراءة ، لاختصاص مجراه بالشك بالتكليف ، وهو مفقود. وكما يفترق اللحاظان بما ذكر - أعني : جواز الرجوع إلى البراءة في الشك في الأول وعدمه في الثاني - يفترقان أيضاً في أنه لو اضطر إلى ارتكاب بعض الأفراد يجب الاجتناب عن بقية الأفراد على الأول ، لأن ارتكاب ما عدا المقدار المضطر اليه ارتكاب للمانع بلا ضرورة مسوغة ، وليس كذلك على الثاني ، إذ ليس للمقدار الزائد على المضطر اليه منع غير المنع الحاصل منه المفروض جوازه للضرورة. هذا وحيث يدور الأمر بين اللحاظين فمقتضى الإطلاق هو الثاني لأن اسم الجنس موضوع لنفس الماهية ، فملاحظة خصوصيات حصص الأفراد بحيث يكون كل واحد منها ملحوظاً في قبال غيره يحتاج إلى قرينة.
قلت : أولا : أنه يمكن الرجوع إلى البراءة فيما لو كان الموضوع ملحوظاً على النحو الثاني أيضاً ، لأن صرف الوجود الملحوظ موضوعاً للمانعية لما كان يتحد مع تمام الأفراد ، فالفرد المشكوك على تقدير فرديته يكون موضوع الانطباق ، فيكون موضوع الانطباق موضوعاً للمانعية ، وعلى تقدير عدمها لا يكون كذلك ، فالشك في الفرد يستتبع الشك في اتساع المانعية بنحو تشمله ، فيكون الشك في التكليف به. والعلم بوحدة المانعية لوحدة موضوعها ، لا يخرج المقام عن كونه من الشك في التكليف وعن كون العقاب عليه عقاباً بلا بيان ، كما أشرنا إلى ذلك في تعليقتنا على الكفاية في مبحث الشبهة الموضوعية التحريمية. وثانياً : أن مقتضى الإطلاق وإن كان هو الثاني ، إلا أن الظاهر في النواهي النفسية والغيرية هو الأول ، لغلبة كون المفسدة الباعثة عليها موجودة في كل فرد لنفسه في قبال غيره ، ولذا بني عليه في عامة النواهي النفسية ، مثل : ( لا تشرب الخمر ) و ( لا تأكل النجس ) و ( لا تكذب ) .. إلى غير ذلك من الموارد التي لا تدخل تحت الحصر ، مع عدم البناء منهم على وجود قرينة خاصة ، كما يظهر بأقل تأمل في الموارد.
فيما يقتضيه أصل الحل ، فنقول : قد يقال : إن مقتضى جريان أصالة الحل في الحيوان المأخوذ منه اللباس صحة الصلاة فيه ، سواء استفيد من النصوص الشرطية أم المانعية.
أما على الأول : فواضح ، لأن الأصل المذكور يثبت الشرط فيترتب
عليه صحة المشروط.
وأما على الثاني : فلأن الحل وإن كان ضداً للحرمة ، وجعل أحد الضدين ظاهراً لا يستلزم نفي الآخر كذلك ، إلا أن الظاهر من دليل الأصل - مثل صحيح ابن سنان : « كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » (1)، وخبر مسعدة بن صدقة : « كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه » (2)- جعل الحل بلحاظ كل من أثر الحل وأثر الحرمة. وبعبارة أخرى : الظاهر منه جعل الحل بلحاظ أثره ونفي الحرمة بلحاظ أثرها ، فيقتضي نفي أثر الحرمة كما يقتضي ثبوت أثر الحل ، فاذا كان المنع عن الصلاة من آثار حرمة الأكل كان منفياً بمقتضى الأصل ، وإذا انتفى المنع صحت الصلاة.
فإن قلت : هذا يتم لو كان الحيوان محلا للابتلاء بالأكل ، أما إذا كان خارجاً عن الابتلاء - كما هو الغالب من كون الحيوان مفقوداً منذ دهر طويل والابتلاء إنما هو باللباس المعمول من صوفه أو جلده مثلا - فلا معنى لأصالة حل الأكل.
قلت : يكفي في صحة جريان الأصل المذكور في الحيوان الابتلاء باللباس المعمول منه ، فإنه كاف في رفع لغوية الجعل المذكور وصحته ، وهذا نظير ما لو غسل الثوب بماء ثمَّ شك في طهارة ذلك الماء ، فإنه يكفي في صحة جريان أصالة الطهارة في الماء الابتلاء بالثوب وإن كان الماء المغسول به معدوماً.
أقول : الشك في الحل والحرمة : ( تارة ) : يكون من جهة
الشبهة الموضوعية ، ( وأخرى ) : من جهة الشبهة الحكمية ، مثل أن لا يعلم كون السمور مما يحل أكله أو لا؟ والأول : ( تارة ) : يكون مع تعين الحيوان خارجاً وتردده بين عنوانين ، كأن لا يعلم أن الحيوان المعين أرنب أو غزال. ( وأخرى ) : مع تردده بين معلومين ، كأن لا يدري أن هذا الوبر أخذ من هذا الأرنب أو من ذلك الغزال؟
هذا ولا يخفى أن إجراء أصالة الحل في الأول من نوعي الشبهة الموضوعية يتوقف ( أولا ) : على كون الأثر الشرعي في المقام مترتباً على نفس حلية الأكل لا على نفس موضوعاتها. ( وثانياً ) : على كون المراد من الحلية الحلية الفعلية بمعنى : الرخصة فعلا في الأكل ، لا بمعنى الحلية الأولية الثابتة للموضوعات بالنظر إليها أنفسها من حيث كونها حيواناً.
أما التوقف على الأول : فلأنه لو كان الأثر في المقام ثابتاً لنفس موضوعات الحلية بحيث يكون في عرضها بلا دخل لها فيه ، فلا مجال للأصل المذكور ، لأن المقصود من إجرائه ترتب الأثر الذي هو محل الكلام عليه ، وترتبه موقوف على كونه أثراً لمجراه ، فاذا فرض أنه ليس أثراً لمجراه لم يمكن أن يترتب بإجرائه إلا على القول بالأصل المثبت.
وأما التوقف على الثاني : فلأن الظاهر من الحل المجعول بالأصل المذكور هو الحلية الفعلية - أعني : الرخصة فعلا - فان كان الأثر المقصود إثباته في المقام أثراً لتلك الحلية ترتب بإجراء الأصل ، أما إذا كان أثراً لغيرها - أعني : الحلية الأولية الثابتة للحيوان من حيث كونه حيواناً التي لا تنافي المنع الفعلي لأجل كون الحيوان مغصوباً أو مضراً للآكل مثلا - امتنع أن يترتب بإجراء الأصل المذكور ، حيث أنه لا يثبت موضوعه كي يترتب بإجرائه ، وإنما يثبت موضوعاً آخر غير موضوعه. مذا ، وكلا
الأمرين غير ثابت.
أما الأول : فلأن جملة من نصوص المقام قد جعل فيها موضوع الأثر ذوات العناوين الأولية ، التي هي موضوع الحرمة مثل ما دل على المنع عن الصلاة في الثعالب والأرانب (1)والسمور (2)والسباع (3). ونحوها ، ولم يتعرض فيها لكون الحرمة دخيلة في موضوع الأثر. وبعضها وإن تعرض لها مثل الموثق وغيره ، إلا أن التعليل في هذا البعض بمثل : « أن أكثرها مسوخ » (4)وبمثل : « إنه دابة تأكل اللحم » (5)يعين حمله على الطائفة الأولى بأن يكون عنوان محرم الأكل لوحظ مرآة إلى ذوات الموضوعات الأولية ، لا على أن يكون بنفسه موضوعاً للأثر في المقام.
وأما الثاني : فلأنه لو كان المراد من الحلية في المقام الرخصة الفعلية لزم عدم جواز الصلاة فيما لا تحله الحياة من ميتة الغنم ، وجواز الصلاة فيما يؤخذ من الأرنب - مثلا - عند الاضطرار إلى أكله ، لعدم الرخصة الفعلية في الأول وثبوتها في الثاني ، وهو مما لا يمكن الالتزام به فدل على أن المراد من الحلية والحرمة الأوليتان الثابتتان للموضوعات الأولية من حيث كونها حيواناً ، والأصل المذكور لا يصلح لإثبات الحلية بهذا المعنى ولا لنفي الحرمة كذلك ، لما عرفت من أن مفاده ليس إلا جعل الرخصة الفعلية ونفي المنع الفعلي ، ولذا لا يجري مع العلم بالحلية من جهة الاضطرار ولا مع العلم بالحرمة من جهة
الإضرار بالنفس لا غير. ومن ذلك كله تعرف عدم صحة إجرائه في الشبهة الحكمية لأجل ترتب الأثر المذكور ، فاذا شككنا في الحواصل الخوارزمية أنها مما يؤكل لحمه أو لا ، لا مجال لجريان أصالة الحل لإثبات كونه حلال الأكل ليترتب عليه جواز الصلاة في اللباس المأخوذ منه ، وإن قلنا بجواز إجرائها لإثبات جواز أكله ظاهراً.
وأما النوع الثاني : من الشبهة الموضوعية - أعني : ما لو كان المأخوذ منه اللباس مردداً بين فردين من معلومي الحكم - فإجراء أصالة الحل في الحيوان المردد لإثبات جواز الصلاة في المأخوذ منه يشكل - مضافاً إلى ما ذكر - بأن موضوع الأصل إن كان العنوان الذي له الأثر ، فليس هو بمشكوك ، لأن المفروض كون كل من الحيوانين المتعينين معلوم الحكم ، وإن كان عنواناً آخر - مثل أن نقول في المقام : ( الحيوان الذي أخذ منه هذا اللباس ) - فهو وإن كان مشكوكاً ، إلا أنه ليس موضوعاً للأثر ، كما أشرنا إلى ذلك في غير موضع من هذا الشرح مما يكون مجرى الأصل المفهوم المردد أو الفرد المردد ، وتوضيح ذلك موكول إلى محله من مبحث الاستصحاب.
فتحصل مما ذكرنا كله : أنه لا مجال لإجراء أصالة الحل في الحيوان لإثبات صحة الصلاة في المأخوذ منه.
وهناك تقريبات أخرى لأصل الحل في المقام أوضح إشكالا مما سبق.
منها : أن يقال : إن الحل في دليل القاعدة يراد منه الحلية الوضعية ، بمعنى : النفوذ وترتب الأثر ، مثل ( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (1)فيقال الصلاة في المشكوك لا يعلم أنها مما يترتب عليها الأثر المقصود من الصلاة ،
1) البقرة - 275.
فهي محكومة بأنها يترتب عليها الأثر إلى أن يعلم خلاف ذلك. وفيه - مع أن حمل دليل القاعدة على هذا المعنى خلاف المقطوع به منه كما يشهد به قوله (عليه السلام) في رواية مسعدة : « وذلك مثل الثوب .. » الظاهر بل الصريح في أن موضوع تطبيق القاعدة نفس الثوب وإخوته ، وليس هو مما له أثر يشك في ترتبه عليه وعدمه وكذا قوله (عليه السلام) : « فتدعه .. » - أنه يلزم من ذلك البناء على صحة كل عقد أو إيقاع يشك في ترتب الأثر عليه عند الشارع ، وكذا البناء على الصحة ظاهراً مع الشك في الشرط الذي لا إشكال في أنه مجرى لقاعدة الاشتغال ، فاذا شك في الطهارة من الحدث يجوز له أن يصلي للشك في ترتب الأثر على الصلاة المذكورة ، وكل ذلك مما لا يمكن الالتزام به.
ومنها : أن الشك في اللباس يستلزم الشك في مشروعية التعبد بالصلاة فيه وحليته ، فاذا جرت القاعدة وثبتت حلية التعبد بها ثبت ظاهراً أنه ليس بمانع. وفيه : ( أولا ) : أن الأثر المقصود في المقام - أعني : إجزاء الصلاة وكونها فرداً من المأمور به - ليس من الآثار الشرعية لحلية التعبد كي يترتب بإثباتها بالأصل ، بل هو من اللوازم الخارجية ، فإثباته بها مبني على القول بالأصل المثبت. ( وثانياً ) : أن موضوع أصالة الحل هو الشك في الحلية والحرمة ، وكون المقام منه موقوف على كون جواز التعبد وعدمه من أحكام ثبوت المشروعية واقعاً وعدمها حتى يكون الشك فيه شكاً فيه ، وليس كذلك ، لأن التحقيق عدم جواز التعبد بما لم يُعلم تشريعه ، فتكون الحرمة ثابتة بنفس الشك في المشروعية ، فلا مجال لأصالة الحل ، لعدم الشك في الحل والحرمة.
وبالجملة : المستفاد من أدلة حرمة التشريع عقليها ونقليها : أن موضوعها عدم العلم بالمشروعية لا عدم المشروعية واقعاً ، فمع الشك في
المشروعية يتحقق موضوع حرمة التشريع واقعاً ، فتثبت ، لا أنه مع الشك في المشروعية يشك في حرمة التشريع كي يتحقق موضوع قاعدة الحل وتكون هي المرجع. ولو سلم كون موضوع حرمة التشريع هو عدم المشروعية واقعاً ، فالشك في المشروعية وعدمها وإن كان يستوجب الشك في الحلية والحرمة ، إلا أنه لا مجال لإجراء أصالة الحل ( أولا ) : من جهة جريان أصالة عدم المشروعية ، فإنه على هذا القول لا مانع من إجرائها لترتب الأثر على مجراها ، وهي حاكمة على أصالة الحل. ( وثانياً ) : من جهة أنه على هذا القول يتعين حمل ما دل على عدم جواز التعبد بما لم يعلم على كونه حكماً ظاهرياً لا واقعياً - كما هو مبنى القول الأول - وإذا ثبت مثل هذا الحكم الظاهري وجب رفع اليد عن عموم أصالة الحل ، لتخصيص دليلها بدليله. وبالجملة : فهذا التقريب موهون جداً.
ومنها ما قيل من أن مرجع الشك في المانعية إلى الشك في منع الشارع عن إيقاع الصلاة فيه وترخيصه فيه ، فاذا جرت أصالة الحل فقد ثبت ترخيص ظاهري في جواز الصلاة فيه ، ولازم ذلك الترخيص الاكتفاء بالصلاة فيه. ( وتوهم ) اختصاص قاعدة الحل بالحل النفسي ( مدفوع ) بأنه خلاف إطلاق دليلها. ولا يجري هذا التقريب على القول بالشرطية ، لعدم انتزاعها من المنع كي يكون الشك فيها شكاً في المنع والرخصة كي يكون من موارد قاعدة الحل.
أقول : التحقيق أن الشرطية والمانعية كلتيهما إما منتزعتان من الأمر بالمقيد بالوجود أو العدم ، أو من نفس التقييد بالوجود أو العدم في رتبة سابقة على الأمر به ، ولا دخل للنهي في انتزاع المانعية بوجه. وما ورد في النصوص مثل قولهم (عليهم السلام) : « لا تحل الصلاة في حرير محض » (1)
1) الوسائل باب : 11 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.
وقوله (عليه السلام) في الحرير : « فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه » (1)ونحوهما مما هو كثير ، محمول على النهي العرضي ، لأن الأمر بالصلاة بالمقيد بالعدم يستلزم النهي عن ضده العام ، وهو ترك الصلاة المقيدة بالعدم ، وهذا الترك لازم للصلاة المقيدة بالوجود ، كما هو الحال في الضد الوجودي فإنه ملزوم للضد العام الحرام ، كما هو محرر في محله من مسألة الضد. ومن الغريب دعوى ثبوت هذا النهي ، فضلا عن دعوى كونه منشأ انتزاع المانعية. مع أنه لو سلم اقتضاء الأمر بالمقيد بالعدم النهي عن المقيد بالوجود لم يكن فرق بين الشرطية والمانعية في ذلك ، إذ يقال أيضاً : إن الأمر بالمقيد بالوجود يقتضي النهي عن المقيد بالعدم بعين الاقتضاء السابق ، فيكون الشك في وجود الشرط مستتبعاً للشك في حرمة الفاقد والترخيص فيه ، فيكون مجرى لقاعدة الحل أيضاً.
نعم هنا شيء وهو أن الأمر بالمقيد بالعدم لما كان مستتبعاً للأمر الغيري بالقيد العدمي كان مستتبعاً للنهي الغيري عن نقيضه وهو الوجود ، لقاعدة أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام ، فمع الشك في المانعية يشك في حرمة المشكوك وحليته ، فيكون من هذه الجهة مورداً لقاعدة الحل. ولا يطرد ذلك على الشرطية ، لأن القيد الوجودي إذا كان واجباً فمع الشك في وجوده يكون الشك في فعل الواجب ، فيجب اليقين بالفراغ لا في حليته وحرمته. ليرجع إلى قاعدة الحل.
لكن التقريب على النهج المذكور يتوقف على كون القيد العدمي للصلاة اختيارياً للمكلف ، ليمكن تعلق الأمر الغيري به والنهي الغيري .
1) لم أعثر عليه في مظان وجوده في الوسائل ومستدركها والحدائق والجواهر. نعم وردت هذه العبارة في الذهب ، كما في حديث موسى بن أكيل الآتي في لبس الذهب.
بنقيضه ، بأن يكون الموضوع الواجب الصلاة المقيدة بعدم لبس ما لا يؤكل لحمه ، فان اللبس مما يمكن تعلق النهي به نفسياً أو غيرياً. أما إذا لم يكن كذلك مثل عدم ما لا يؤكل لحمه ، فيكون الواجب الصلاة المقيدة بعدم ما لا يؤكل لحمه ، فلا مجال لتعلق الأمر الغيري به والنهي الغيري بنقيضه ولا لأن يكون موضوعاً للشك في الحل والحرمة ليكون موضوعاً للقاعدة. والمستفاد من أدلة الباب هو الثاني ، فإنها إنما تضمنت الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، لا الصلاة لابساً ما لا يؤكل لحمه ، فحرف الظرفية هو حرف التقييد ومدخولة هو القيد لا غير. هذا مضافاً إلى أن نقيض القيد العدمي للواجب وإن كان موضوعاً للنهي الغيري ، إلا أنه لا ينطبق على مطلق الوجود ، بل خصوص الوجود الذي يكون علة لعدم المأمور به أعني : المقيد ، فلو صلى في أول الوقت فيما لا يؤكل لحمه لم يكن مثل هذا القيد حراماً ولا مبغوضاً ، لا مكان أن يصلي بعد ذلك بما لا يكون مما لا يؤكل كما هو ظاهر. نعم يتم ذلك لو صلى في آخر الوقت. فلاحظ.
فيما يقتضيه الاستصحاب فنقول : ( تارة ) : يقصد إجراؤه في نفس الحيوان المأخوذ منه اللباس ، فيقال : الأصل عدم كونه محرم الأكل. ( وأخرى ) : في نفس اللباس ، فيقال : الأصل عدم كونه مأخوذاً من محرم الأكل. ( وثالثة ) : في نفس المصلي ، فيقال : الأصل عدم كونه لابساً مما يؤكل لحمه. ( ورابعة ) : في نفس الصلاة ، إما بأن يقال : كانت الصلاة قبل لبس هذا اللباس صحيحة فهي بعد لبسه باقية على ما كانت. أو بأن يقال :
الأصل عدم تحقق الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، بنحو مفاد ليس التامة. أو بأن يقال : الأصل عدم كون الصلاة الواقعة كائنة فيما لا يؤكل لحمه.
والأول : يجري فيه الاشكال المتقدم في جريان أصالة الحل في الحيوان من التوقف على كون التحريم ملحوظاً موضوعاً لا طريقاً ، إذ لو كان طريقاً إلى العناوين الأولية فأصالة عدم كون الحيوان الخاص أرنباً أو غيره لا تجري ولو قلنا بجريان أصالة العدم الأزلي ، لاختصاص ذلك بغير الذاتيات كما يأتي. وأيضاً موقوف على كون الحيوان معيناً لا مردداً بين فردين معلومي الحال حسبما عرفت.
والثاني : يتوقف على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي الذي قد اشتهر الاشكال فيه.
فان قلت : لو قيل بصحة استصحاب العدم الأزلي فإنما ذلك فيما كان من عوارض الوجود ، أما الذاتيات وعوارض الماهية فلا حالة لها سابقة إذ هي من الأزل إما متصفة بها أو غير متصفة ، فلا يقين سابق بعدم الاتصاف كي يصح استصحابه ، وكون المقام من الأول يتوقف على كون الحرمة ملحوظة موضوعاً للمانعية ، أما إذا كانت ملحوظة مرآة إلى الذوات الخاصة وكأنه قيل : ( لا تصل في وبر الأرنب ) - مثلا - فالوبرية ذاتية للأرنب ، فلا يصح أن يقال : قبل أن يوجد هذا اللباس لم يكن وبراً للأرنب كي يستصحب هذا العدم.
قلت : وبرية الوبر ذاتية ، لكن وصف وبرية الأرنب الناشئ من منشأ اعتبار الإضافة إلى الأرنب ليس ذاتياً للوبر ، ولا من لوازم ماهيته إذ ليس حقيقة وبر الأرنب غير حقيقة سائر أنواع الوبر ، بل الحقيقة واحدة ، وإنما الاختلاف في بعض الخصوصيات الزائدة على الذات الناشئة
من نبات الوبر في جلده ، وهكذا الحال في بقية أجزاء الأرنب.
فإن قلت : موضوع الحكم يكون تارة : الصلاة لا فيما يحرم أكله ، فيكون العدم قيداً للصلاة ، وأخرى : الصلاة فيما لا يحرم أكله ، فيكون العدم قيداً للباس. وأصالة عدم كون اللباس مما يحرم أكله إنما تنفع على الثاني ، لأنها تثبت قيداً للموضوع بلا واسطة ، أما على الأول - كما لعله ظاهر الأدلة - فإنما تثبته بالملازمة بينه وبين مجراها ، لأنه إذا ثبت كون اللباس ليس مما يحرم فقد ثبت عدم كون الصلاة فيما يحرم ، فاجراؤها يتوقف على القول بالأصل المثبت.
قلت : الحرمة على الأول أخذت قيداً للصلاة ، لأنها قيد للموصول الذي هو قيد للعدم ، الذي هو قيد للصلاة ، وإذا كانت كذلك صح جريان الأصل فيها وجوداً وعدماً ، فكما أنه لو جرى استصحاب الحرمة لم يكن من الأصول المثبتة ، كذلك استصحاب عدم الحرمة ، وقد عرفت أنه لم يستشكل أحد في جريان أصالة الحل في الحيوان من هذه الجهة ، ولا فرق بينها وبين أصالة عدم الحرمة كما هو ظاهر. والمائز بين الأصل المثبت وغيره : أن المثبت ما لا يكون مجراه قيداً في القضية الشرعية ، وغيره ما يكون مجراه قيداً فيها ، بأن يكون واقعاً في سلسلة التقييد.
والثالث : يتوقف على كون القيد المذكور قيداً للمصلي ، وهو خلاف ظاهر الأدلة كما عرفت.
والرابع : يختص بما لو كان اللبس في الأثناء. لكن الإشكال في استصحاب الصحة مشهور. نعم لو كان المراد استصحاب عدم كونها فيما لا يحل أكله كان الاستصحاب في محله.
والخامس : ليس مجراه موضوعاً للأثر ، إذ العلم بعدم تحقق الصلاة
فيما لا يحل أكله لا يجدي في حصول الفراغ عقلا ، فضلا عن استصحابه ، وإنما الذي يجدي في ذلك إحراز كون الصلاة الواقعة في الخارج لا فيما لا يؤكل ، وإثبات ذلك بالأصل المذكور يتوقف على القول بالأصل المثبت.
والسادس : لا غبار عليه ، لأنه محرز للواجب كسائر الأصول المحرزة ، كاستصحاب الطهارة ، وقاعدة التجاوز ، وقاعدة الفراغ ، ونحوها إلا أنه من قبيل الأصل الجاري في العدم الأزلي الذي قد اشتهر الاشكال فيه ، وقد تعرضنا في كتاب الطهارة لجهات الاشكال فيه ودفعها. وعليه فلا بأس بالبناء عليه فيما كان من عوارض الوجود ، والعرف لا يأباه ، وإن كان لا يخلو من خفاء. وكذلك مذاق الفقه كما يظهر من كلماتهم فيما لو شك في المرأة أنها قرشية ، فراجع. فلا مانع في المقام من الرجوع إلى أصالة عدم كون الصلاة فيما يحرم أكله.
ثمَّ إن الأصول المذكورة على اختلافها لو سلم جريانها في نفسها فإنما تجري بناء على المانعية ، ولا مجال لجريانها بناء على الشرطية ، لأن الأصل العدمي لا يحرز الشرط الوجودي. نعم استصحاب صحة الصلاة لو تمَّ يجري على البناءين ، لأن الصحة تكون من حيث وجدان القيد الوجودي كما تكون من حيث وجدان القيد العدمي.
هذا وقد كنا عزمنا حين الشروع في هذه المسألة أن نخرج بها عن وضع هذا المختصر ، لكثرة الاهتمام بها ، غير أنه لم يساعدنا التوفيق ، لكثرة الشواغل الفكرية ، الداخلية والخارجية ، النوعية والشخصية ، ولذلك اعتمدنا في جملة مما ذكرنا على رسالة لبعض الأعيان في هذه المسألة نسأله سبحانه مزيد العناية وكامل الرعاية ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي
فعلى هذا لا بأس بالصلاة في الماهوت. وأما إذا شك في كون شيء من أجزاء الحيوان أو من غير الحيوان فلا إشكال فيه [1].
( مسألة 19 ) : إذا صلى في غير المأكول جاهلا أو ناسياً فالأقوى صحة صلاته [2].
العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأكرم وآله الطاهرين.
[1] كأنه من جهة أن مبنى الاشكال هو القول بالشرطية ، وعلى القول بها فليست شرطية مطلقة ، بل منوطة باللباس الحيواني ، فمع الشك فيه يشك في الشرطية ، وحينئذ يكون الأصل البراءة منها ، كما في سائر موارد الشك في الشرطية. لكن عرفت أنه بناء على المانعية لا يكون جواز الصلاة فيه بذلك الوضوح ، لما عرفت من الإشكال في جريان كل من أصل البراءة وأصل الحل والاستصحاب ، فليس مبنى الاشكال مختصاً بالقول بالشرطية ، كما عرفت أيضاً الإشارة إلى أنه على تقدير القول بالشرطية يحتمل كون الشرطية تخييرية لا منوطة ، وعلى هذا التقدير لا يفرق الحال في وجوب الاحتياط - على تقدير القول به - بين إحراز حيوانية اللباس والشك فيها. فراجع. ولو قال بدله : ( فالإشكال حينئذ أخف ) كان أولى.
هذا والظاهر أن المراد مما في المتن صورة الشك في الحيوانية مع الشك في المأكولية على تقديرها. ولو علم بعدم المأكولية على تقديرها فالحكم فيها كما سبق أيضاً. ولو علم بالمأكولية على تقدير الحيوانية فلا إشكال أصلا.
[2] أما في الجاهل - يعني : الجاهل بالموضوع - فلصحيح
عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال (عليه السلام) : إن كان لم يعلم فلا يعيد » (1). وأما في الناسي : فلحديث : « لا تعاد الصلاة » (2)، بل بناء على عموم الحديث للجاهل يكون دليلا على عدم الإعادة فيه أيضاً.
هذا وعن المشهور وجوب الإعادة في الناسي ، واستدل له بما في موثق ابن بكير من قوله (عليه السلام) : « لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل اللّه تعالى اكله » (3)، لظهور كونه في بيان حكم الصلاة الواقعة من المكلف ، كأنه قيل : ( إذا صلى فعليه الإعادة ) ، وبينه وبين حديث : « لا تعاد » وإن كان هو العموم من وجه لاختصاص الحديث بالنسيان وعمومه للخلل من حيث لا يؤكل وسائر موارد الخلل ، وعموم الموثق للنسيان والجهل واختصاصه بالخلل من حيث لا يؤكل ، إلا أنه بعد خروج الجاهل عن الموثق بمقتضى الصحيح السابق يبقى مختصاً بالناسي ، فتنقلب النسبة بينه وبين حديث : « لا تعاد » ، ويكون أخص مطلقاً منه فيقدم عليه. ولو فرض بقاء النسبة فمقتضى أصالة تساقط العامين من وجه في مورد المعارضة الرجوع إلى أصالة الفساد ، لفوات المشروط بفوات شرطه.
وتوهم : أن ظاهر السؤال كونه سؤالا عن أصل المانعية ، ومقتضى تنزيل الجواب على السؤال كون قوله (عليه السلام) : « فاسدة لا تقبل .. » وارداً في مقام أصل تشريع المانعية بالجعل الأولي ، كأنه قال : ( لا تجوز
الصلاة فيما يحرم أكله ) فلا يكون منافيا لحديث : « لا تعاد .. » الوارد في مقام التشريع الثانوي.
مندفع : بأن السؤال وإن كان ظاهراً فيما ذكر إلا أن بيان المانعية لا ينحصر بلسان التشريع الأولي الدال بالمطابقة على المانعية أو بالالتزام مثل : ( صلّ لا فيما لا يؤكل لحمه ) أو ( لا تصل فيما يحرم أكله ) ، بل يكون أيضاً بلسان التشريع الثانوي مثل : ( لو صلى فيما لا يؤكل فسدت صلاته ) ، وكم من مانعية استفيدت من مثل ذلك ، فتنزيل الجواب على السؤال لا يقتضي صرف ظهور قوله (عليه السلام) : « فاسدة لا تقبل .. » في التشريع الثانوي إلى كونه في مقام التشريع الأولي ، ليخرج عن صلاحية المعارضة لحديث : « لا تعاد .. » ، بل المعارضة بينهما محكمة.
نعم يمكن أن يقال : الموثق شامل للجاهل بالموضوع وبالحكم ، قاصراً ومقصراً ، وللعالم بهما الناسي والملتفت ، وللغافل ، وصحيح عبد الرحمن مختص بالغافل والجاهل بالموضوع ، فإذا بني على تخصيص الموثق به كان الباقي بعد التخصيص العالم الناسي والملتفت ، والجاهل بالحكم بقسميه ، وبينه وبين حديث : « لا تعاد » - بناء على اختصاصه بالناسي - أيضاً نسبة العموم من وجه ، فلو بني على العمل بالحديث في الناسي كان الموثق حجة فيما عداه ، وحينئذ لا وجه لدعوى أنه لو عمل بالحديث في الناسي يبقى الموثق بلا مورد. بل اللازم العمل بالحديث في الناسي ، لوضوح دلالته ، وتأكدها بالاستثناء وبذيله الذي هو كالتعليل ، ويبقى الموثق حجة فيما عداه. نعم بناء على ما هو الظاهر من عموم الحديث لكل من هو في مقام تفريغ ذمته بالناقص ، لنسيان أو غفلة أو جهل يعذر فيه بالحكم أو الموضوع - كما هو الظاهر في الموثق أيضاً - يكون الموثق أخص مطلقاً من
( مسألة 20 ) : الظاهر عدم الفرق بين ما يحرم أكله بالأصالة أو بالعرض [1] كالموطوء والجلال - وإن كان لا يخلو عن إشكال.
الحديث فيخصص به ، ولأجل أنه أعم مطلقاً من صحيح عبد الرحمن يخصص بالصحيح أيضاً ، ونتيجة ذلك الصحة مع عدم العلم بالموضوع والبطلان فيما عداه.
ثمَّ إنه ربما يتوهم دلالة صحيح عبد الرحمن أيضاً على البطلان في صورة العلم بالمفهوم الشامل للناسي والغافل والعامد ، وفيه : أن المفهوم وإن دل على البطلان فيه ، لكن لا يظهر منه كونه لأجل النجاسة ، أو لأجل حرمة الأكل ، فاجماله مسقط له عن الحجية. فلاحظ.
[1] كما يقتضيه إطلاق الأدلة ، من غير فرق بين أن تكون الحرمة ملحوظة مرآة لموضوعاتها ، أو ملحوظة في نفسها عنواناً وموضوعاً للحكم. ( ودعوى ) أنه على الأول تكون مرآة لخصوص العناوين الأولية ، ولا مجال حينئذ لدعوى المانعية فيما هو محرم بالعارض ، حتى جعل ذلك مبنى للإشكال في المسألة. ( غير ظاهرة ) فإن المرآتية لا تلازم الاختصاص بالمحرم بالأصل ، إذ يمكن جعل الحرمة عنواناً للعنوان المحرم بالعارض مثل الموطوء ، كما يمكن جعلها عنواناً للمحرم بالأصل ، مثل الأرنب بعينه. فالعمدة حينئذ في الإشكال في المسألة الذي أشار إليه في المتن دعوى الانصراف الآتية على الوجهين. لكنها ممنوعة ، فالعمل بالإطلاق لازم. ( فان قلت ) : لازم البناء على الإطلاق المذكور بطلان الصلاة فيما كان محرماً للضرر أو الغصب أو نحو ذلك ، ولا يمكن الالتزام به ( قلت ) : الظاهر من النصوص بطلان الصلاة في الحيواني المحرم حيوانه بما أنه
( الخامس ) : أن لا يكون من الذهب للرجال [1]. ولا يجوز
حيوان ، سواء أكانت جهة التحريم عنواناً أولياً أو ثانوياً ، والحيوان المضر أو المغصوب ليس تحريمه بما أنه حيوان ، بل بما أنه مضر أو مغصوب ملغى فيه جهة حيوانيته ، بخلاف الموطوء والجلال وشارب لبن الخنزيرة. فلاحظ.
[1] كما هو المعروف ، بل في الجواهر : « نفي وجدان الخلاف في الساتر منه ، بل ولا فيما تتم الصلاة به منه وإن لم يقع الستر به ». ويشهد له موثق عمار عن الصادق (عليه السلام) : « لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه لأنه من لباس أهل الجنة » (1)، وخبر موسى بن أكيل عنه (عليه السلام) : « جعل اللّه الذهب في الدنيا زينة للنساء فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه » (2)، وما في خبر جابر : « يجوز للمرأة لبس الديباج .. الى أن قال : ويجوز أن تتختم بالذهب وتصلي فيه ، وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد » (3). والمناقشة في سند الأول ضعيفة ، لأن التحقيق حجية الموثق. وفي الأخيرين لا تهم ، لكفاية الأول ، ولا سيما مع اعتماد الأصحاب عليه ، كالمناقشة في دلالته من جهة التعليل في ذيله إذ الظاهر أن المراد من التعليل في ذيله : ان اللّه سبحانه خص لباس الرجال إياه في الجنة فلا يجوز لبسهم إياه في الدنيا. وهذا هو العمدة في إثبات المانعية.
أما حرمة لبس الذهب إجماعاً أو ضرورة فلا تقتضي الفساد نظير حرمة النظر إلى الأجنبية.
وما عن المنتهى من الاستدلال على البطلان بأن الصلاة فيه استعمال
لبسه لهم في غير الصلاة أيضاً [1]. ولا فرق بين أن يكون خالصاً أو ممزوجاً [2] ،
له فتحرم ، وحرمة العبادة تقتضي الفساد. مدفوع بالمنع من حرمة استعمال الذهب كلية ، وإن أريد من الاستعمال خصوص اللباس فالحرمة مسلمة ، لكن اللبس ليس عين الصلاة ولا قيدها ، ولو كان قيدها - كما لو كان لبساً للساتر - فحرمة القيد لا توجب فساد العبادة ، لعدم اعتبار العبادية في القيود ، إذ هي إنما تعتبر في الصلاة التي تتحد مع أجزائها دون قيودها.
ومثله في الاشكال دعوى أن حرمة اللبس منافية لإطلاق الأمر بالتستر فلا بد من تقييد التستر الذي هو موضوع الأمر بغير الذهب ، فالتستر به كالعراء. إذ فيها أيضاً أن المنافاة إنما تسلم بناء على الامتناع. وعليه فالساتر من الذهب إنما يكون خارجاً عن موضوع الأمر الفعلي لا عن ملاكه ، ومع حصول الملاك الموجود في غيره من أنواع الساتر تصح الصلاة ، ولا يكون التستر به كعدمه ، وقد عرفت أن التستر الصلاتي ليس عبادة حتى يكون النهي عنه مانعاً عن عباديته. مضافاً إلى أن غاية مقتضى ما ذكر المنع من التستر به ، لا مطلق اللبس في الصلاة.
[1] إجماعاً كما عن جماعة كثيرة ، وفي الجواهر : « إجماعاً أو ضرورة » ويدل عليه ما سبق من النصوص ، ويستفاد أيضاً مما تضمن النهي عن التختم بالذهب ، كخبر جراح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تجعل في يدك خاتماً من ذهب » (1). ونحوه غيره.
[2] كأنه لصدق لبس الذهب فيشمله إطلاق التحريم ، لكنه يختص بما لو كان للذهب وجود ممتاز في الخارج ، مثل الثوب الذي يكون سداه
1) الوسائل باب : 30 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.
بل الأقوى اجتناب الملحم به والمذهب بالتمويه والطلي [1] إذا صدق عليه لبس الذهب. ولا فرق بين ما تتم فيه الصلاة
أو لحمته ذهباً. أما إذا كان المزج مانعاً من امتياز الوجود - مثل ما لو ميع الذهب بالنحاس ثمَّ عمل منهما قلادة أو سوار أو درع أو نحوها - فالمنع تابع للصدق العرفي ، فقد يسمى نحاساً مذهباً ، وقد يسمى ذهباً مغشوشاً ، وقد يسمى شيئاً آخر. على أنه في المستند استشكل في المنع في القسم الأول ، معللا بأن ما لبسه ليس ذهباً ، وما هو ذهب لم يلبسه. وفيه : أن عدم صدق الذهب على نفس اللباس لأنه جزؤه لا كله لا يمنع من صدق لبس الذهب ، إذ يكفي في صدق اللبس تحقق الاشتمال ، وكل من السدا واللحمة مشتمل على البدن ، فهو ملبوس. هذا من حيث الحكم التكليفي وأما من حيث الحكم الوضعي : فلا ينبغي التأمل في المانعية حينئذ لصدق الصلاة فيه.
[1] كما نسب إلى العلامة والشهيدين وغيرهم ، وفي محكي كشف الغطاء : « الشرط الثالث : أن لا يكون هو أو جزؤه - ولو جزئياً - أو طليه مما يعد لباساً أو لبساً ولو مجازاً بالنسبة إلى الذهب من المذهب ، إذ لبسه ليس على نحو لبس الثياب ، إذ لا يعرف ثوب مصبوغ منه ، فلبسه إما بالمزج أو التذهيب أو التحلي .. ». وظاهر محكي الغنية والإشارة والوسيلة : الجواز. للتعبير فيها بالكراهة. وهو الأقرب ، لعدم صدق لبس الذهب بمجرد ذلك ولا سيما في التمويه ، لأنه معدود عرفاً من الألوان. والوجه الذي ذكره كاشف الغطاء إنما يتم لو كان قد ورد : ( لا تلبس الثوب من الذهب ) أما على ما ورد في النصوص فلا يتم ، لإمكان تحقق اللبس حينئذ في مثل السوار والقلادة والخاتم ونحوها. فلاحظ. نعم لو بني على حرمة التزيين
وما لا تتم كالخاتم [1] والزر ونحوهما
بالذهب - كما ادعى في الجواهر في كتاب الشهادات الإجماع بقسميه عليه ويستفاد من بعض النصوص الآتية - أمكن المنع في الملحم إذا كان ذلك تزييناً عرفاً ، أما المذهب بالتمويه : ففيه إشكال ، لما عرفته من عدم صدق الذهب فيه ، لأنه لون عرفاً. هذا من حيث الحرمة النفسية. أما من حيث صحة الصلاة : فسيأتي الكلام فيه.
[1] أما عدم الفرق في حرمة اللبس تكليفاً : فالظاهر أنه لا إشكال فيه ، لصدق اللبس حقيقة على لبس ما لا تتم به الصلاة ، كصدقه على ما تتم ، فإطلاق دليل حرمة لبس الذهب بلا معارض. وأما بطلان الصلاة فيه : فهو المشهور. لكن في المعتبر : « لو صلى وفي يده خاتم من ذهب ففي فساد الصلاة تردد ، وأقربه أنها لا تبطل ، لما قلناه في الخاتم المغصوب ومنشأ التردد رواية موسى بن أكيل النميري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .. » (1)ومقتضى كلامه : عدم اختصاص القول بالصحة بمثل الخاتم ، بل يجري في مطلق اللباس غير الساتر ، لاطراد ما ذكره من الوجه في الجميع من أن النهي عن لبسه لا يقتضي النهي عن الصلاة. وفيه : أنه إن بني على الإغماض عن النصوص المتضمنة للمانعية كان الوجه الصحة حتى في الساتر كما أشرنا إليه آنفاً. وإن بني على العمل بها لم يكن فرق بين الجميع في البطلان ، لإطلاقها. وحيث أن نص المانعية لا يختص بخبر موسى بن أكيل الضعيف كي يجوز الاعراض عنه ، بل فيه الموثق المتقدم الداخل تحت موضوع حجية خبر الثقة ، فلا وجه للتردد في المسألة فضلا عن جعل الأقرب عدم البطلان.
1) الوسائل باب : 30 من أبواب لباس المصلي حديث : 5.
وأما الأزرار ونحوها مما بعد جزءاً من اللباس : فالإشكال فيها هو الاشكال المتقدم في الملحم بالذهب. ومنشأ الاشكال : أن المحرم تكليفاً هو خصوص اللبس - كما تضمنه موثق عمار (1)- أو مطلق التزين - كما هو الظاهر ، وادعي عليه الإجماع ، ويستفاد من خبر حنان بن سدير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : قال النبي (صلی اللّه عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : إياك أن تتختم بالذهب فإنه حليتك في الجنة » (2)، وخبر أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام) .. الى أن قال : لا تتختم بخاتم ذهب فإنه زينتك في الآخرة » (3). ونحوه خبر روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4)وخبر أبي بصير الآتي في تحلية الصبيان بالذهب (5)، بناء على أن المراد من الغلمان البالغون - فان قيل بالثاني : فالمنع في محله ، لصدق التزين في الموارد المذكورة ، وإن قيل بالأول لضعف سند النصوص المذكورة : فلا وجه للمنع ، لعدم صدق اللبس فيها ، لفقد الاشتمال الذي يدور عليه صدق اللبس عرفاً. ثمَّ نقول : إن كان موضوع المانعية هو موضوع الحرمة النفسية - كما هو ظاهر الجواهر - كان الوجه صحة الصلاة أيضاً في الموارد المذكورة ، وإن كان غيره فالبطلان تابع لصدقه.
وتحقيق ذلك : ما أشرنا إليه آنفاً من أن حرف الظرفية في قولهم (عليهم السلام) :
نعم لا بأس بالمحمول منه [1]
( يصلي في كذا ) أو ( لا يصلي في كذا ) هل يراد منه الظرفية أو المعية. المحكي عن الوحيد (رحمه اللّه) : الثاني ، لامتناع ظرفية مدخولها للفعل وهو الصلاة ، فيتعين حملها على المعية ، كما قيل في قوله تعالى ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) (1). وعليه فالوجه البطلان حتى في المحمول لو لم يقم الدليل على الصحة فيه. وظاهر غيره : الأول على ما هو الأصل في معناه تجوزاً ، ولو بلحاظ الظرفية للفاعل ، فلا يشمل المحمول ، بل يختص بما له نحو اشتمال على المصلي ولو على بعضه وهو الملبوس عرفاً. وهذا هو الأظهر بل لو بني على الأول ، فالظاهر من قوله (عليه السلام) في الموثق : « لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه لأنه من لباس أهل الجنة » (2)تخصيص المانع بخصوص اللباس ، لا من جهة رجوع الضمير المجرور بحرف الظرفية إلى اللباس المتصيد من قوله (عليه السلام) : « لا يلبس » ، فان الظاهر رجوعه الى الذهب ، بل من جهة التعليل بأنه لباس أهل الجنة ، الظاهر في أن اللّه سبحانه خص لباسه بأهلها ، فإن ذلك يوجب تقييد الضمير بخصوص اللباس فلا يعم غيره.
والمتحصل من ذلك كله : هو حرمة لبس الذهب وحرمة التزين فيه تكليفاً ، وأما مانعيته عن الصلاة فتختص باللباس ، ولا تعم التزين ، لاختصاص الموثق باللباس ، فالتزين بالذهب لا يبطل الصلاة وإن كان حراماً تكليفاً. وأما اللبس : فيختص بما له نوع اشتمال على المصلي ولو بعضه ، ولا يكون في غيره.
[1] قيل : بلا ريب ولا إشكال سوى ما عن الوحيد (رحمه اللّه) في أول
مسكوكا أو غيره ، كما لا بأس بشد الأسنان به [1]. بل الأقوى أنه لا بأس بالصلاة فيما جاز فعله فيه من السلاح [2] كالسيف والخنجر ونحوهما ، وإن أطلق عليهما اسم اللبس ، ولكن الأحوط اجتنابه.
كلامه ، لاستظهاره من ( في ) معنى المعية. لكن قيل : آخر كلامه ظاهر في الجواز. وهو الذي تقتضيه السيرة ، وما ورد من أمر الحاج بشد نفقته على بطنه ، المطابقين لمقتضى الأصل ، بعد قصور أدلة المنع عن شمول المحمول ، بل غير الملبوس ، كما عرفت.
[1] للأصل ، وفي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إن أسنانه (عليه السلام) استرخت فشدها بالذهب » (1). وقريب منه غيره.
[2] أما جواز التحلية : فلا خلاف فيه ظاهر ، ويشهد له مصحح ابن سنان : « ليس بتحلية السيف بأس بالذهب والفضة » (2)، وخبر ابن سرحان : « ليس بتحلية المصاحف والسيوف بالذهب والفضة بأس » (3)وأما جواز لبس المحلى بالذهب : فهو مستفاد من النصوص المذكورة بالالتزام العرفي. وأما جواز الصلاة فيها : فهو المحكي عن المحقق الخونساري في حاشية الروضة ، للأصل ، وضعف خبر الساباطي والنميري. وفيه : أن خبر الساباطي من الموثق الحجة ، فالبناء على الجواز لا بد أن يكون إما لمنع صدق اللبس حقيقة كما هو الظاهر ، وما ورد من أن السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه ما لم تر فيه دما (4)، وما ورد من عدم جواز الصلاة
وأما النساء : فلا إشكال في جواز لبسهن وصلاتهن فيه [1].
وأما الصبي المميز فلا يحرم عليه لبسه [2] ،
في السيف إذا كان فيه ( الكيمخت ) الميت (1)، محمول على المجاز ، لأن الاستعمال أعم من الحقيقة. وإما لدلالة ما دل على جواز التحلية ، لغلبة الابتلاء بذلك بنحو يغفل عن وجوب النزع حين الصلاة. وإما لظهور الموثق في التلازم بين المنع تكليفاً ووضعاً ، لذكرهما في كلام واحد ، وتعليلهما بأمر واحد. وهذا هو الأظهر.
[1] إجماعاً كما عن التذكرة. ويقتضيه الأصل وبعض النصوص. وعن الصدوق : المنع من صلاتهن ، لإطلاق النهي. وهو كما ترى.
[2] بلا خلاف ظاهر. ويشهد له صحيح أبي الصباح قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذهب يحلى به الصبيان؟ فقال (عليه السلام) : كان علي (عليه السلام) يحلي ولده ونساءه بالذهب والفضة » (2)، وصحيح داود بن سرحان قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذهب والفضة يحلى به الصبيان؟ فقال (عليه السلام) : إنه كان أبي ليحلي ولده ونساءه الذهب والفضة فلا بأس به » (3). وأما خبر أبي بصير : « عن الرجل يحلي أهله بالذهب؟ قال (عليه السلام) : نعم النساء والجواري ، وأما الغلمان فلا » (4)فمع ضعفه غير صالح لمعارضة ما سبق ، فلا بد من طرحه ، أو حمله على ما لا ينافي ذلك مثل كونه مظنة الضرر وفساد الأخلاق ، أو الغلمان البالغين. وأما حمله
ولكن الأحوط له عدم الصلاة فيه [1].
( مسألة 21 ) : لا بأس بالمشكوك كونه ذهبا في الصلاة [2] وغيرها.
( مسألة 22 ) : إذا صلى في الذهب جاهلاً أو ناسياً فالظاهر صحتها [3].
على الكراهة : فينفيه فعلهم (عليهم السلام) له.
[1] إذ دليل تشريع عبادته إن كان هو الأدلة الخاصة به فموضوعها عبادة البالغ كأنه قيل : ( فليصل الصبي صلاة البالغ ) وهكذا. فاذا فرض شرطية عدم الذهب في صلاة البالغ فهو كذلك في صلاة الصبي. وإن كان الأدلة العامة - بناء على شمولها للبالغ وغيره. وأن حديث : « رفع القلم .. » (1)إنما يرفع الإلزام فقط كما هو الظاهر الذي أشرنا إليه مراراً في هذا الشرح - فدليل المانعية يشمله. وذكر الرجل فيه ، إنما هو في قبال المرأة ، لا في قبال الصبي ، كأنه قيل : ( الذكر يصلي بلا ذهب ). وكأنه للاستشكال في ذلك واحتمال خصوصية الرجل - مضافاً الى ما دل على جواز لبس الصبي ، بضميمة ما تقدم في الصلاة في المحلى بالذهب - توقف المصنف (رحمه اللّه) عن الفتوى بالمانعية.
[2] لأصالة البراءة من مانعيته.
[3] لإطلاق حديث : « لا تعاد الصلاة » (2). والاستشكال فيه من جهة ظهور الحديث في الخلل الناشئ من فوات وجودي ، فلا يشمل الموانع ، في غير محله ، لأنه خلاف إطلاقه ، ولا قرينة عليه. وكون
( مسألة 23 ) : لا بأس بكون قاب الساعة من الذهب إذ لا يصدق عليه الآنية ، ولا بأس باستصحابها أيضاً في الصلاة إذا كان في جيبه حيث أنه يعد من المحمول. نعم إذا كان زنجير الساعة من الذهب وعلقه على رقبته أو وضعه في جيبه لكن علق رأس الزنجير يحرم لأنه تزيين بالذهب [1] ولا تصح الصلاة فيه أيضاً.
الخمسة المستثناة من الوجودي لا يصلح قرينة عليه. ومثلها دعوى الاختصاص بالنسيان فلا يشمل الجاهل بأنواعه ، فإنه خلاف إطلاقه. وما ادعى كونه قرينة عليه غير ظاهر كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في مبحث الخلل. نعم الظاهر عدم شموله للجاهل بالحكم إذا كان شاكاً حين الدخول في الصلاة مع عدم طريق شرعي أو عقلي يقتضي الاجزاء في نظره ، لظهور الحديث فيمن صلى بعنوان الامتثال وتفريغ الذمة ، لا مطلق من صلى ولو كان بانياً على الإعادة ، أو غير مبال أصلا ، فالشاك المذكور خارج عنه كالعامد ، ويدخل فيه الناسي للموضوع أو الحكم ، والغافل ، والجاهل المركب والبسيط إذا كان له طريق يقتضي الاجتزاء بالفعل ، قاصراً كان أو مقصراً.
[1] قد عرفت دلالة النصوص على حرمة التزيين وضعفها منجبر بالإجماع ، بل ما في الجواهر في كتاب الشهادات من دعوى الإجماع بقسميه على حرمة التحلي به كاف في البناء على الحرمة. وأما عدم صحة الصلاة فيه : فلا تخلو من إشكال ، لما عرفت من أن التزيين بالذهب لا دليل على مانعيته من صحة الصلاة ، واختصاص المانعية باللبس. واحتمال أن تعليق الزنجير لبس له ممنوع ، وإلا لزم كون الساعة الذهبية ملبوسة إذا علقت بقيطان ، بل يلزم أن يكون القيطان ملبوساً ، فاذا كان حريراً يحرم.
( مسألة 24 ) : لا فرق في حرمة لبس الذهب بين أن يكون ظاهراً مرئياً أو لم يكن ظاهراً [1].
( مسألة 25 ) : لا بأس بافتراش الذهب [2] ، ويشكل التدثر به.
( السادس ) : أن لا يكون حريراً محضاً للرجال [3]
نعم إذا وضعه في رقبته يكون ملبوساً ، وهو غير الفرض.
[1] لإطلاق الأدلة. نعم الظاهر أن التزيين مختص بالظاهر ولا يكون بالمستور. فتأمل.
[2] لعدم صدق اللبس المحرم ، والأصل يقتضي البراءة. ومنه يظهر ضعف ما عن التحرير من المنع من افتراشه ، وما عن المبسوط والوسيلة من أن ما يحرم عليه لبسه يحرم عليه فرشه والتدثر به.
وأما التدثر به : فإن أريد منه معناه اللغوي الذي هو قريب من الالتحاف والالتفاف - ومنه قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) (1)، وقال في القاموس « تدثر بالثوب اشتمل به » ونحوه كلام غيره - فالظاهر حرمته ، لصدق اللبس عليه. ولا يحضرني كلام لهم في المقام. وإن أريد معناه العرفي وهو التغطي بالغطاء الغليظ أو الكثير فصدق اللبس عليه غير ظاهر ، بل ممنوع فيكون جائزاً. ولعله يأتي في الحرير ما له نفع في المقام ، فانتظر.
[3] فتبطل صلاتهم به إجماعاً ، كما عن الانتصار والخلاف والتذكرة والمنتهى وغيرها. ويشهد له مصحح إسماعيل بن سعد الأحوص - في حديث - قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) : هل يصلي الرجل في ثوب إبريسم؟ فقال (عليه السلام) له : لا » (2)، ومكاتبة محمد بن عبد الجبار
سواء كان ساتراً للعورة أو كان الساتر غيره [1] ، وسواء كان مما تتم فيه الصلاة أولا على الأقوى [2] ، كالتكة والقلنسوة ونحوهما.
الى أبي محمد (عليه السلام) : « هل يصلي في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب (عليه السلام) : لا تحل الصلاة في حرير محض » (1). ونحوهما غيرهما. نعم يعارضها صحيح إسماعيل بن بزيع قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في الديباج. فقال (عليه السلام) : ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس » (2)إلا أنه بالاعراض ساقط عن الحجية ، فليحمل على بعض المحامل الصحيحة مثل حال الحرب. أو حال الضرورة. أو لغير الرجال ، أو على غير المحض ، أو نحو ذلك ، أو على التقية.
[1] صرح بذلك كثير من علمائنا. بل يكاد يفهم من الروض وغيره أنه مما انعقد عليه إجماعنا. كذا في مفتاح الكرامة. ويقتضيه إطلاق الأدلة.
[2] كما عن الفقيه. والمنتهى والمختلف والبيان والموجز. ومجمع البرهان والمدارك والكفاية وغيرها. ويشهد له مكاتبة محمد بن عبد الجبار المتقدمة ، ومكاتبته الأخرى : « هل يصلي في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكة حرير محض أو تكة من وبر الأرانب؟ فكتب (عليه السلام) : لا تحل الصلاة في الحرير المحض ، وإن كان الوبر ذكياً حلت الصلاة فيه إن شاء اللّه تعالى » (3).
وما قيل من احتمال إرادة الثوب من الحرير إن لم نقل بأنه المنساق منه - كما عن المختلف والشهيد الاعتراف به - بل قيل : إن الحرير المحض
لغة هو الثوب المتخذ من الإبريسم ، وعليه يكون الجواب عن السؤال متروكاً ، ولعل ذلك لإشعار الحكم بالصحة فيه بالبطلان في غيره ، وهو مخالف للتقية ، لصحة الصلاة عندهم وإن حرم اللبس ، من غير فرق بين ما تتم الصلاة فيه وغيره. فعدل الامام (عليه السلام) الى بيان حرمة الصلاة المسلمة عندهم وإن اقتضى ذلك الفساد عندنا دونهم ، بل في التعبير بنفي الحل دون نفي الصحة إيماء الى ذلك ( كما ترى ) إذ الاحتمال مخالف للظاهر بلا قرينة. وكونه المنساق ممنوع. وما قيل من معناه لغة مخالف لوصف القلنسوة والتكة فيهما بالحرير المحض ، لا أقل من وجوب الحمل على الجنس الشامل لما يصنع منه الثوب وغيره ، بقرينة كونه جواباً عن القلنسوة والتكة واحتمال كون الجواب متروكاً لا يؤبه به. وإشعار الحكم بالصحة فيه بالبطلان في غيره وهو مخالف للتقية ليس بأقوى من ظهور قوله (عليه السلام) : « لا تحل الصلاة في حرير محض » في حرمة نفس الصلاة زائداً على اللباس ، والذي يظهر أنهم يخصون الحرمة باللباس فتأمل. مع أن الظاهر من التحريم في المقام الإرشاد إلى المانعية الذي لا يفرق فيه بين أهل المذاهب. وحمل الحل على حل اللبس غير ظاهر. ومثله حمل نفي الحل على نفي الإباحة المصطلحة فيكون أعم من الكراهة ، فإنه بعيد جداً.
وعن الشيخ والحلي والفاضلين والشهيدين والكركي وغيرهم : الجواز. ونسب إلى الأشهر ، وإلى المتأخرين ، والى أجلاء الأصحاب ، لخبر الحلبي : « كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الإبريسم والقلنسوة ، والخف ، والزنار يكون في السراويل ويصلى فيه » (1)فيقيد به إطلاق الصحيحين. ودعوى أنه من قبيل تخصيص المورد وهو مستهجن
1) الوسائل باب : 14 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.
ممنوعة ، فإن الاستهجان إنما يسلم لو كان بحيث لو ضم هذا المقيد الى المطلق لكان الكلام متدافعاً ، ولو قيل : ( لا تحل الصلاة في حرير محض إلا في القلنسوة ونحوها ) لم يكن كذلك ، فالتقييد هو مقتضى الجمع العرفي.
وضعف سند الخبر بأحمد بن هلال العبرتائي المذموم الملعون - كما عن الكشي - الغالي المتهم في دينه - كما عن الفهرست - الذي رجع عن التشيع الى النصب - كما عن سعد بن عبد اللّه الأشعري - الذي لا نعمل على ما يختص بروايته - كما عن التهذيب - أو روايته غير مقبولة - كما عن الخلاصة - ( مدفوع ) - كما في الجواهر - بما عن الخلاصة من أن ابن الغضائري لم يتوقف في حديثه عن ابن أبي عمير والحسن بن محبوب لأنه قد سمع كتابيهما جل أصحاب الحديث واعتمدوه فيهما ، وبأن التأمل في كلام الأصحاب هنا حتى بعض المانعين يرشد الى عدم الإشكال في حجيته ضرورة كونهم بين عامل به ، وبين متوقف متردد من جهته ، وبين مرجح لغيره ، والجميع فرع الحجية.
اللّهم إلا أن يقال : إن ما ذكره ابن الغضائري يختص بما رواه عن نوادر ابن أبي عمير ومشيخة ابن محبوب ، ولا يعم كل ما رواه عنهما ، وأن المتردد من الأصحاب لم يثبت أن تردده من جهة بنائه على حجيته ، بل البناء المذكور يمنع من التردد ، إذ اللازم تخصيص الصحيحين به ، بل المناسب للتردد هو التردد في حجيته وكذا المانع ، فان الظاهر منه عدم الاعتداد به لا ترجيح الصحيحين عليه ، إذ ليس المقام مقام الترجيح.
وبالجملة : ما أرشد إليه بعض الأصحاب غير ظاهر.
نعم يمكن البناء على حجية الخبر المذكور أولا : بما عن النجاشي - في ترجمة أحمد بن هلال المذكور - من أنه صالح الرواية يعرف منها
وينكر. انتهى. فان الظاهر من كونه صالح الرواية جواز الاعتماد على روايته ، وأنه ثقة في نفسه. ولا ينافيه الطعن فيه بما سبق ، إذ يكون حاله حال جماعة من العامة ، والفطحية ، والواقفية وغيرهم من المخالفين للفرقة المحقة مع بناء الأصحاب على العمل برواياتهم. وثانياً : بأن الذي يظهر مما ذكر في ترجمته أنه كان في أول أمره مستقيماً ، بل كان من أعيان هذه الطائفة ووجوهها وثقاتها ، حتى أن أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا عنه ولم يقبلوا ما ورد في ذمه ، حتى حملوا القاسم بن العلاء على أن يراجع في أمره مرة بعد أخرى ، فوردت فيه ذموم هائلة طاحنة شديدة. وكان ذلك في أواخر عمرة حتى بتر اللّه سبحانه عمره بدعوة الحجة عجل اللّه تعالى فرجه ، بل المصرح به فيما روي عن أبي همام أن ذلك كان بعد وفاة عثمان بن سعيد (رحمه اللّه) ، ومن البعيد جداً أن يرجع إليه أحد من الشيعة بعد ورود تلك الذموم ، ولا سيما الراوي عنه الحديث المذكور - أعني : موسى بن الحسن الأشعري - الذي قيل في ترجمته : إنه ثقة عين جليل ، وأن الراوي عن موسى المذكور سعد بن عبد اللّه الأشعري الذي هو أحد الطاعنين فيه كما تقدم كلامه ، فذلك كله قرينة على كون رواية موسى عنه كانت في حال الاستقامة ، نظير ما عن إكمال الدين : « حدثنا يعقوب بن يزيد ، عن أحمد بن هلال في حال استقامته ، عن ابن أبي عمير ». على أن المذكور في ترجمته لا يخلو من تدافع ، فان المحكي عن النجاشي : أن الذموم وردت عن العسكري (عليه السلام) ، وعن الكشي : أنها من الناحية المقدسة ، وعن كتاب الغيبة : أن ذلك كان بعد وفاة عثمان ابن سعيد. وقد تقدم رميه بالغلو تارة ، وبالنصب أخرى ، ورمي بالرجوع عن الإمامة إلى القول بالوقف على أبي جعفر (عليه السلام). ومستند الأخير ما عن
بل يحرم لبسه في غير حال الصلاة أيضاً [1]
كتاب الغيبة من التوقف في وكالة أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه اللّه) ، وهو أجنبي عن النسبة المذكورة ، وكأن منشأ الاشتباه تكنية محمد بن عثمان بأبي جعفر. فلاحظ.
هذا وقد خرجنا عن وضع الكتاب هنا مع أنا لم نؤد المسألة حقها من الفحص ، حيث لم يحضرنا تمام كلمات المجوزين تفصيلا ، لنعرف أنهم اعتمدوا على الخبر المذكور ، وكيف كان اعتمادهم عليه؟ نعم في المعتبر قال : « وفي التكة والقلنسوة من الحرير تردد أظهره الجواز. إلى أن قال : وجه الجواز ما رواه الحلبي » وذكر الرواية المذكورة. وقريب منه ما في الذكرى. وفي جامع المقاصد قال : « فيه - أي فيما لا تتم به الصلاة - قولان : أقربهما الكراهة ، لرواية الحلبي » ثمَّ ذكر الرواية ، ثمَّ قال : « الثاني : العدم لمكاتبة محمد بن عبد الجبار السالفة ، وحملها على الكراهة وجه جمع بين الأخبار ». والذي يظهر من نقل وجه القول بالجواز اعتماد القائلين به على الرواية المذكورة ، وعليه فلا بأس بالاعتماد عليها في المقام ، وإن كان لا يخلو من شبهة وإشكال ، واللّه سبحانه أعلم.
ثمَّ إنه لا ينبغي التأمل في عدم الفرق بين أفراد ما لا تتم به الصلاة سواء أقيل بالمنع أم الجواز ، لإطلاق الصحيحين وعموم خبر الحلبي ، فما عن بعض من الاقتصار على ذكر التكة والقلنسوة ، وآخر من زيادة الجورب والنعلين والخفين لعله من باب التمثيل ، وإلا فلا وجه له.
[1] إجماعا كما عن جماعة ، بل عن كثير دعوى إجماع علماء الإسلام عليه بل قيل : إنه من ضروريات الدين. ويشهد له جملة من النصوص ، كمرسل ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « لا يلبس
إلا مع الضرورة [1] لبرد أو مرض ، وفي حال الحرب [2] وحينئذ تجوز الصلاة فيه أيضاً [3] ،
الرجل الحرير والديباج إلا في حال الحرب » (1). ونحوه في المنع غيره.
[1] إجماعاً حكي عن جماعة كثيرة. ويقتضيه قولهم (عليهم السلام) : « ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » (2)، وقولهم (عليهم السلام) : « وليس شيء مما حرم اللّه إلا وقد أحله لمن اضطر اليه » (3)، وحديث رفع التسعة المشهور ومنها الاضطرار (4). ولو أريد من الاضطرار ما ترتفع به القدرة عقلا كفى حكم العقل بقبح التكليف. كما هو ظاهر.
[2] إجماعاً كما عن جماعة كثيرة أيضاً ، ويشهد له مرسل ابن بكير المتقدم ، وموثق سماعة : « عن لباس الحرير والديباج. فقال (عليه السلام) : أما في الحرب فلا بأس به وإن كان فيه تماثيل » (5). ونحوهما غيرهما.
[3] أما في الضرورة : فالظاهر أنه لا إشكال فيه ، لأن الصلاة لا تسقط حينئذ قطعاً ، وسيأتي التعرض له في المسألة الثامنة والثلاثين. وأما في حال الحرب : فهو المعروف ، بل حكي الإجماع على عدم الفصل بين الجوازين. ودليله غير ظاهر ، إذ النصوص المتضمنة لاستثناء الحرب ظاهرة في الحكم التكليفي. ( وما في الجواهر ) من عمومها للوضعي المقدم على عموم المانعية - وإن كان بينهما العموم من وجه - بفهم الأصحاب ، ومناسبة التخفيف. ( في غير محله ) ، فالبناء على نفي المانعية
وإن كان الأحوط أن يجعل ساتره من غير الحرير [1]. ولا بأس به للنساء [2] ،
حينئذ إما لدعوى عدم الفصل ، أو لدعوى انصراف نصوصها الى غير حال الحرب ، أو خصوص المحرم من اللبس ولا عموم فيها للمحلل منه. والأولان - ولا سيما الثاني - لا يخلوان من إشكال ، والأخير لا يخلو من وجه ، ولا سيما مع اعتضاده بدعوى كون نصوص الرخصة وإن اقتضت بمدلولها اللفظي رفع التكليف ، لكن بإطلاقها المقامي - حيث لم تتعرض لوجوب النزع حال الصلاة مع أنه مما يغفل عنه - قد دلت على رفع المانعية أيضاً. فتأمل.
[1] لاحتمال كون أدلة التحريم مقيدة لإطلاق أدلة وجوب الساتر ، وأدلة الرخصة لا إطلاق فيها يشمله. لكنه ضعيف ، لاتحاد اللسان في المقامين. نعم ربما يتوهم من بعض تعليلات الرخصة الاختصاص بما كان بطانة للدرع ليدفع ضرر زره عند الحركة ، لكنه تخرص مخالف لإطلاق الأدلة.
[2] إجماعاً كما عن جماعة ، بل بإجماع أهل العلم كافة كما عن المعتبر والمنتهى والتحرير وجامع المقاصد. ويشهد له غير واحد من النصوص ، كخبر ليث : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كسا أسامة ابن زيد حلة حرير فخرج فيها ، فقال (صلی اللّه عليه وآله) : مهلا يا أسامة إنما يلبسها من لا خلاق له فاقسمها بين نسائك » (1)، وخبر جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - : « ويجوز للمرأة لبس الديباج والحرير في غير صلاة وإحرام » (2)، وخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن
بل تجوز صلاتهن فيه أيضاً على الأقوى [1].
جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن الديباج هل يصلح لبسه للنساء؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (1). ونحوها غيرها.
[1] كما نسب إلى الأكثر ، والى المشهور ، وإلى فتوى الأصحاب ، وإلى عمل الناس في الأعصار والأمصار. وعن الفقيه : المنع. وعن مجمع البرهان : أنه أولى. وعن البهائي في الحبل المتين : أنه أوجه. وعن جماعة : التوقف.
واستدل للمنع بإطلاق أدلة المانعية الشامل للنساء ، مثل : « لا تحل الصلاة في حرير محض » في صحيحي ابن عبد الجبار المتقدمين (2)، وذكر القلنسوة التي هي من لباس الرجل في السؤال لا يوجب اختصاص الجواب به. ومثل التوقيع : « لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان » (3)، وخصوص خبر جابر المتقدم (4)، وخبر زرارة : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز أو كتان أو قطن ، وإنما يكره الحرير المحض للرجال والنساء » (5)، وما دل على أنه لا يجوز للمرأة الإحرام في الحرير (6). بضميمة ما دل من النص والفتوى على أن ما تجوز الصلاة فيه يجوز الإحرام فيه (7). بل وبما دل على أنه لا تجوز في الحرير
1) الوسائل باب : 16 من أبواب لباس المصلي حديث : 9.
2) تقدما في أوائل البحث عن حرمة الحرير للرجال.
3) الوسائل باب : 13 من أبواب لباس المصلي حديث : 8.
4) تقدم في التعليقة السابقة.
5) الوسائل باب : 13 من أبواب لباس المصلي حديث : 5.
6) يدل على ذلك مرسل ابن بكير الآتي في أواخر هذه التعليقة.
7) الوسائل باب : 27 من أبواب الإحرام حديث : 1.
للرجال ، بضميمة ما دل على قاعدة الاشتراك.
ويمكن الإشكال في الجميع : أما في الأخير : فلأن العمدة في قاعدة الاشتراك الإجماع ، وفهم عدم الخصوصية للرجل حين ما يؤخذ موضوعاً للأحكام ، والإجماع في المقام منتف. وفهم عدم الخصوصية بعد عدم مساواة الرجل والمرأة في جواز لبس الحرير تكليفاً غير حاصل ، بل قد عرفت أن مناسبة الحكم والموضوع ربما تساعد على فهم الاختصاص بالرجل وأن المانعية من جهة الحرمة النفسية وهي مفقودة في المرأة. وأما فيما قبله : فيتوقف أولا على المنع من لبسها الحرير في الإحرام ، وهو محل إشكال أو منع ربما يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى. وثانياً على أن القضية حجة في عكس نقيضها - أعني : كل ما لا يجوز الإحرام فيه لا تجوز الصلاة فيه - وهو غير ظاهر كما حرر في محله في الأصول. وأما فيما قبله : فظاهره المنع عن اللبس تكليفاً ، وحمله على المانعية عن الصلاة من المأول الذي ليس بحجة ، لجواز حمله على المرجوحية للبس تكليفاً ، وإن كان للرجال على نحو التحريم وللنساء على نحو الكراهة. وأما خبر جابر : فضعيف السند وأما إطلاق أدلة المانعية : فقد يجاب عنه بمعارضته بإطلاق ما دل على جواز لبسهن للحرير الشامل للصلاة بالعموم من وجه ، والترجيح له بفهم الأصحاب ولو فرض التساوي فالحكم التساقط والرجوع الى أصالة عدم المانعية. وفيه : أن إطلاق جواز اللبس إنما يتعرض لحكم اللبس تكليفاً - كما أشرنا إليه سابقاً - فشموله لحال الصلاة لا ينافي المانعية ، نظير إطلاق ما دل على جواز لبس المذكى مما لا يؤكل لحمه.
فالعمدة حينئذ في رفع اليد عن الإطلاق الدال على المانعية هو التمسك بمرسل ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « النساء تلبس الحرير والديباج
بل وكذا الخنثى المشكل [1].
إلا في الإحرام » (1)، فإن استثناء الإحرام قرينة على إرادة الأعم من التكليف والوضع في المستثنى منه ، ولا يقدح إرساله ، لانجباره بالعمل ، ولأن المرسل من أصحاب الإجماع ، وفي السند أحمد بن محمد الظاهر في ابن عيسى الأشعري. فتأمل. ولعله مثله موثق سماعة : « لا ينبغي للمرأة أن تلبس الحرير المحض وهي محرمة ، فأما في الحر والبرد فلا بأس » (2)، فإنه لا يبعد أن يراد ما عدا حال الإحرام من سائر الأحوال. وبينها وبين إطلاق أدلة المانعية وإن كان هو العموم من وجه ، لكنهما مرجحان عليهما بقرينة مناسبة الحكم والموضوع ، وبما ربما قيل من الإطلاق المقامي لأدلة جواز اللبس المشار إليها آنفاً ، ولا سيما بملاحظة ما ورد في بعض النصوص من السؤال عن خصوص الرجال. إذ الظاهر أنه لوضوح حكم النساء ، ووضوح المانعية بعيد جداً ، فيتعين وضوح عدمها. مع أنه لو بني على التساقط فالمرجع أصالة عدم المانعية كما عرفت. وبالجملة : التأمل في نصوص الباب يشرف بالفقيه على القطع بالجواز. فتأمل جيداً.
[1] يعني : يجوز لبسها للحرير ، وتصح صلاتها فيه ، كما اختاره في الجواهر ، معللا للأول بأصالة براءة الذمة ، وللثاني بصدق الامتثال وعدم العلم بالفساد. وعن التذكرة : المنع تغليباً لجانب الحرمة. وفي المستند : جواز اللبس ، لاختصاص المنع بالرجال إجماعاً نصاً وفتوى ، ولا تصح صلاته فيه ، لإطلاقات المنع خرجت النساء فيبقى الباقي.
أقول : لأجل أن المستفاد من الكتاب والسنة أن الخنثى ليست قسماً
وكذا لا بأس بالممتزج بغيره [1]
برأسه ، بل هو إما ذكر أو أنثى ، فاما مكلّف بأحكام الرجال أو بأحكام النساء ، وهذا العلم الإجمالي يقتضي الاحتياط بفعل كل ما يحتمل وجوبه على الرجال أو النساء ، ولا وجه للرجوع إلى أصالة البراءة ، أو صدق الامتثال أو تغليب الحرمة على الحل ، مع أن الأخيرين لا أصل لهما. وأما ما ذكره في المستند من اختصاص المنع بالرجال : فلا يجدي في الجواز ، لاحتمال كونه رجلا. كما أن إطلاق المنع عن الصلاة فيه لا يجدي في المنع مع احتمال كونه من النساء المعلوم خروجهن ، فلا بد مع ذلك من الرجوع إلى الأصل وقد عرفت أن المورد من موارد العلم الإجمالي بالتكليف التي لا يرجع فيها إلى الأصول النافية كما حرر في محله. وكأن كلامهم في المقام مبني على ملاحظة التكليف بالحرير تكليفاً أو وضعاً مع الغض عن العلم الإجمالي الحاصل من ملاحظة التكليف بغيره ، لكن إطلاق الفتوى في المتن يمتنع حمله على ذلك ، للابتلاء غالباً بالعلم الإجمالي ، لا أقل من العلم إما بوجوب ستر الجسد أو بوجوب الاجتناب عن الحرير ، ولذا قال في الذكرى : « يحرم على الخنثى لبسه أخذاً بالاحتياط ».
[1] إجماعاً في الجملة حكاه جماعة كثيرة. ويشهد له جملة من النصوص كصحيح البزنطي : « سأل الحسين بن قياما أبا الحسن (عليه السلام) عن الثوب الملحم بالقز والقطن والقز أكثر من النصف أيصلى فيه؟ قال (عليه السلام) : لا بأس ، قد كان لأبي الحسن (عليه السلام) منه جبات » (1)، وخبر إسماعيل ابن الفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الثوب يكون فيه الحرير. فقال (عليه السلام) : إن كان فيه خلط فلا بأس » (2). ونحوهما غيرهما.
من قطن أو غيره [1] مما يخرجه عن صدق الخلوص والمحوضة.
وإطلاق بعضها يقتضي الجواز بمطلق الممتزج وبما لم يكن حريراً محضاً ولو كان الخليط أقل من العشر. وربما يتوهم من كلام المعتبر حيث قال : « ولو كان عشراً » اعتبار أن لا يكون الخليط أقل من العشر. لكنه ضعيف مخالف لإطلاق الأدلة ، مع أن ظاهره كون المراد عدم الاستهلاك.
[1] يعني مطلق ما تجوز الصلاة فيه ، من دون فرق بين القطن ، والكتان ، والخز ، والصوف ، والوبر مما يؤكل لحمه ، وغيرها مما تجوز الصلاة فيه. وعن المعتبر والتذكرة : نسبته إلى علمائنا. وهو الذي يقتضيه خبر إسماعيل بن الفضل المتقدم ، والاقتصار في المنع على الحرير المحض ، لانتفاء المحوضة بالخلط في جميع ذلك.
نعم ربما يوهم الاختصاص بالقطن والكتان خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا بأس بلباس القز إذا كان سداه أو لحمته من قطن أو كتان » (1)، والتوقيع الشريف عن صاحب الزمان (عليه السلام) - في حديث - : « لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان » (2). أو الاختصاص بهما مع الخز خبر زرارة الآخر : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز أو كتان أو قطن » (3).
لكنه محمول - كما في الجواهر وغيرها - على إرادة المثال ، لغلبة الخلط بها ، كما يشير اليه - مضافاً إلى اختلافها في نفسها - ما في ذيل خبر
وكذا لا بأس بالكف به [1]
زرارة الأخير من قول أبي جعفر (عليه السلام) : « وإنما يكره الحرير المحض للرجال والنساء ». ونحوه ذيل خبر يوسف بن إبراهيم (1). وعلى هذا يحمل اختلاف كلماتهم في التعميم والتخصيص ، فعن بعضها : الاقتصار على القطن والكتان ، كالمقنع والمراسم والنهاية والخلاف وغيرها. وعن المقنعة والمبسوط : إضافة الخز إليهما. وعن آخرين : زيادة الصوف بدله وفي الجواهر : « لا ريب في إرادة المثال بشهادة ظهور دعوى الإجماع من المعتبر والتذكرة على التعميم. مع أن هذه الاقتصارات بمرأى منهم ومسمع » وما ذكره (رحمه اللّه) في محله كما يقتضيه أيضاً - مضافاً إلى ما ذكر - عدم تحرير الخلاف ، وعدم الاستدلال لكل من الأقوال ، ولو كان بينهم خلاف لم يكن وجه لإهمالهم ذلك كما لا يخفى.
[1] كما نسب إلى الأكثر ، والأشهر ، والمشهور ، وفتوى الأصحاب. ومذهب الأصحاب ، وفي المدارك : « هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب ». بل قيل : لا خلاف فيه إلا من القاضي ، فقد حكي عنه أنه نص على بطلان الصلاة في المدبج بالديباج والحرير المحض. ولعل مراده غير ما نحن فيه.
وكيف كان فقد حكي المنع أيضاً عن السيد في بعض رسائله ، والميل اليه عن الأردبيلي وكاشف اللثام ، والتردد فيه عن المدارك والكفاية والمفاتيح ويمكن أن يستدل له بإطلاق ما دل على المنع من لبس الحرير والصلاة فيه (2). وبموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « عن
الثوب يكون عَلَمه ديباج قال (عليه السلام) : لا يصلى فيه » (1)، وخبر جراح المدائني عنه (عليه السلام) : « أنه كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج ويكره لباس الحرير ولباس الوشي » (2).
وفيه : أن عموم المنع من لبس الحرير لا يراد منه - بقرينة اتفاق النص والفتوى على جواز لبس المخلوط بغيره - إلا المنع عن لبس الموضوعات التي تلبس استقلالا إذا كانت حريراً محضاً ، مثل الثوب والقبا والسروال ونحو ذلك. إذ لا يمكن دعوى أن المراد من النهي عن لبس الحرير مطلق اللبس ، ويكون خروج السدا أو اللحمة إذا كان الآخر منهما غير حرير عنه من باب التخصيص ، فان ذلك مما لا يساعده المتفاهم العرفي في مقام الجمع بين الأدلة ، فلبس الثوب من القطن المكفوف بالحرير ليس لبساً لثوب حرير. نعم بالإضافة إلى الكف يصدق لبس الحرير ، لكن عرفت أن المراد من عموم المنع ما لا يشمل مثل ذلك ، وليس الكف إلا كالسدا أو اللحمة ، فالمرجع فيه أصل البراءة.
وأولى بالإشكال المذكور عموم المنع من الصلاة فيه ، إذ قد عرفت انحصاره بما في مكاتبة محمد بن عبد الجبار من قوله (عليه السلام) : « لا تحل الصلاة في حرير محض » (3). وجه الاشكال : أن التوصيف بالمحض مانع من شموله لما نحن فيه ، فان انتفاء المحوضة كما يكون بالخلط بمثل السدا واللحمة يكون أيضاً باشتمال الثوب على القطع من الحرير ومن غيره ، إذ لا يكون مثل ذلك الثوب حريراً محضاً. مضافاً إلى خبر الحلبي المتقدم فيما لا تتم فيه
الصلاة. لكنه يختص بالكف بالمقدار الذي لا تتم الصلاة فيه وحده كما هو الغالب ، واحتمال التفكيك بين المستقل باللبس والتابع بعيد جداً ، فإن الثاني أولى بعدم المانعية ، مع أنه خلاف العموم المذكور في الخبر. ومضافاً أيضاً إلى خبر يوسف بن إبراهيم : « لا بأس بالثوب أن يكون سداه وزره وعلمه حريراً ، وإنما كره الحرير المبهم للرجال » (1)، فإن إطلاق نفي البأس فيه يشمل الصلاة وغيرها. مع أنه لو فرض اختصاصه بغيرها فقد عرفت أن مناسبة الحكم والموضوع تمنع من عموم المانعية لما لا يحرم لبسه. ومثله خبره الآخر : « لا يكره أن يكون سدا الثوب إبريسم ولا زره ولا علمه ، إنما يكره المصمت من الإبريسم للرجال ولا يكره للنساء » (2)فان ذيلهما دال على عدم مانعية الحرير إذا كان جزءاً. والمناقشة في سندهما بجهالة يوسف بن إبراهيم ضعيفة ، لأن الراوي عنه الأول صفوان ، بل والثاني أيضاً بتوسط العيص بن القاسم ، وصفوان أحد الأعلام من أصحاب الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم. مضافاً إلى اختصاصه مع ابن أبي عمير والحسن بن محبوب بالنص عليهم بأنهم لا يروون إلا عن ثقة فلا مجال لذلك التشكيك في حجيتهما بعد كون المظنون اعتماد الأصحاب عليهما في المقام في الحكم بالجواز.
وأما موثق عمار ، فكفى موهناً له إعراض المشهور عن ظاهره ، بل قيل : إنه خلاف اتفاقهم على جواز كون علم الثوب حريراً. مضافاً إلى أنه ظاهر في المنع ، فيمكن حمله على الكراهة بقرينة ما سبق ، والجمع بينهما بالمنع في خصوص الصلاة موجب للتفكيك بين الصلاة ومطلق اللبس وهو
وإن زاد على أربع أصابع [1] ، وإن كان الأحوط ترك ما زاد عليها. ولا بأس بالمحمول منه [2] أيضاً وإن كان مما تتم فيه الصلاة.
بعيد جداً عن لسان المنع في الصلاة ، لما أشرنا إليه من ظهوره في خصوص ما يحرم لبسه. وأما خبر جراح المدائني : فالكراهة فيه غير ظاهرة في المنع بل ادعي ظهورها في الجواز حتى جعل الخبر دليلا عليه فيما حكي عن المعتبر والتذكرة وغيرهما. فالقول بالجواز أقوى ،
[1] كما صرح به غير واحد ، ويقتضيه ظاهر ما عن الأكثر من خلو كلامهم عن التقييد بالأربع ، ولم نقف له على مستند في أخبارنا كما عن الروض وغيره. نعم روى العامة عن عمر : « أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) نهى عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع » (1). والاعتماد عليها مع عدم ظهور الجابر لها غير ظاهر. وفتوى الجماعة بالمنع عن الزائد لا تصلح للجابرية ، لتعليل بعضهم له بالاقتصار على القدر المتيقن في الخروج عن دليل المنع ، لا بالاعتماد على الرواية ، والتعليل أيضاً كما ترى. نعم الأحوط الاقتصار عليها ولو بني على خلافه. فالأحوط الاقتصار على ما لا تتم به الصلاة. فلاحظ.
[2] بلا خلاف ظاهر ، بل جواز حمله في غير الصلاة ينبغي عده من القطعيات. نعم عن بعض : أنه بنى جواز حمله في الصلاة على جواز حمل ما لا يؤكل لحمه فيها ، لأن الحرير معدود من فضلات ما لا يؤكل لحمه. وفيه : أن المنع على تقديره مختص بما له لحم ، فلا يشمل مثل دود القز
1) كنز العمال ج 8 حديث : 1157. وسنن البيهقي ج : 2 ص 423 ويروي مثله في مستدرك الوسائل باب 15 من أبواب لباس المصلي حديث : 1 فراجع.
( مسألة 26 ) : لا بأس بغير الملبوس من الحرير كالافتراش [1] ، والركوب عليه ، والتدثر به [2] ،
والإبريسم ، ولو سلم فالنصوص الدالة على جواز لبس الحرير الممزوج بغيره ونحوه دالة على استثنائه.
[1] كما هو المشهور ، وفي المدارك : أنه المعروف من مذهب الأصحاب ، للأصل بعد عدم الدليل على حرمته ، إذ أدلة المنع مختصة باللبس صريحاً أو ظاهراً كما اعترف به غير واحد ، وإطلاق بعض النصوص منزل عليه للانصراف اليه. مضافاً إلى صحيح علي بن جعفر (عليه السلام) قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الفراش الحرير ، ومثله من الديباج ، والمصلى الحرير ومثله من الديباج هل يصلح للرجل النوم عليه والتكأة والصلاة؟ قال (عليه السلام) : يفترشه ويقوم عليه ولا يسجد عليه » (1). وفي خبر مسمع : « لا بأس أن يؤخذ من ديباج الكعبة فيجعله غلاف مصحف أو يجعله مصلى يصلي عليه » (2)فما عن المبسوط من المنع من فرشه والتدثر به والاتكاء وأسباله ستراً ضعيف ، ومن ذلك تعرف جواز الركوب عليه.
[2] فعن غير واحد - منهم جامع المقاصد والمسالك - جوازه ، وعن مجمع البرهان : « إن كان عموم يدل على تحريم اللبس حرم التدثر به والالتحاف ». وفي المدارك : « وفي حكم الافتراش التوسد عليه والالتحاف به. أما التدثر : فالأظهر تحريمه ، لصدق اسم اللبس عليه ». وفي حاشيتها : « هذا لا يخلو من تأمل ولذا حكم جده بأنه مثل الافتراش. فتأمل ». ومنشأ الخلاف اختلافهم في صدق اللبس وعدمه ، وفي الجواهر : « الظاهر
ونحو ذلك في حال الصلاة وغيرها ، ولا بزرّ الثياب وأعلامها [1] والسفائف والقياطين الموضوعة عليها وإن تعددت وكثرت.
( مسألة 27 ) : لا يجوز جعل البطانة من الحرير [2] للقميص وغيره وإن كان إلى نصفه. وكذا لا يجوز لبس الثوب الذي أحد نصفيه حرير. وكذا إذا كان طرف العمامة منه إذا كان زائداً على مقدار الكف [3] ،
عدم صدقه على الالتحاف والتدثر ». وهو في محله إن أريد منه التغطي بالدثار واللحاف حال الاضطجاع ، ولو أريد سائر الأحوال من جلوس وقيام ومشي فالظاهر صدق اللبس. ولعل المراد مما في المتن الأول.
[1] بلا خلاف ظاهر عدا ما عن الكاتب من المنع من كون علم الثوب حريراً ، وخلافه غير معتد به وإن كان يطابقه موثق عمار المتقدم (1)لكن عرفت أنه لا مجال للعمل به بعد إعراض المشهور عنه ، على أنه معارض بخبر يوسف بن إبراهيم المتقدم ، فيتعين حمله على الكراهة ، فإنه أولى من تقييد خبر يوسف بغير الصلاة. فلاحظ.
[2] كما نص عليه في الجواهر معللا له بأنها ملبوسة كالظهارة. وقد عرفت أن المستفاد من العمومات حرمة ما يكون ملبوساً مستقلا إذا كان حريراً ، وحلية ما يكون ملبوساً تبعاً أو بعض الملبوس. نعم قد يشكل الحكم في الثوب الذي يكون نصفه الأعلى قطناً والأسفل حريراً ، وقد صرح في الجواهر بالمنع عنه ، لكن الحل أظهر ، إذ لا يصدق على النصف الأسفل إنه ملبوس تام.
[3] يعني : كفة الثوب ، وهذا التقييد غير ظاهر ، إذ ليس جواز
1) تقدم ذكره في البحث عن الكف بالحرير في المسألة السابقة.
بل على أربع أصابع على الأحوط [1].
( مسألة 28 ) : لا بأس بما يرقع به الثوب من الحرير إذا لم يزد على مقدار الكف [2]. وكذا الثوب المنسوج طرائق بعضها حرير وبعضها غير حرير إذا لم يزد عرض الطرائق من الحرير على مقدار الكف. وكذا لا بأس بالثوب الملفق من قطع بعضها حرير وبعضها غيره بالشرط المذكور.
( مسألة 29 ) : لا بأس بثوب جعل الإبريسم بين ظهارته وبطانته [3] عوض القطن ونحوه. وأما إذا جعل
كون كفة الثوب حريراً مستنداً إلى دليل بالخصوص عليه كي يقتصر في الخروج عن عموم المنع عليه ، ويكون الحكم بالجواز فيما يساويه في المقدار مستفاداً من دليل جوازه ، لما عرفت من مجموع ما ذكرنا أن المستفاد من الأدلة حرمة الحرير المبهم لا غير ، ولأجل عدم انطباقه على كفة الثوب قلنا بالجواز فيها ، وبعين ذلك نقول في حكم أبعاض الثوب وإن كانت أكثر مقداراً من الكف ، فالتقييد بمقدار الكف في غير محله.
[1] تقدم وجهه.
[2] قد عرفت الإشكال في هذا التقييد.
[3] كما عن التنقيح الجزم به ، وفي الذكرى : أنه غير بعيد ، وعن المجلسي الأول : الميل اليه ، ونقله عن شيخه التستري. ويشهد له ، صحيح الريان : « أنه سأل الرضا (عليه السلام) عن أشياء ، منها المحشو بالقز. فقال (عليه السلام) : لا بأس بهذا كله إلا بالثعالب » (1). وعدم ظهوره في الصلاة لا يقدح
1) الوسائل باب : 5 من أبواب لباس المصلي حديث : 2 ويذكره أيضا في باب : 47 حديث : 2 بإسقاط كلمة ( الا بالثعالب ).
لما عرفت من إمكان دعوى اختصاص دليل المانعية بالمحرم بالخصوص. وصحيح الحسين بن سعيد : « قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم إلى الرضا علیه السلام يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز. فكتب اليه - وقرأته - : لا بأس بالصلاة فيه » (1). وقريب منه خبر سفيان ابن السمط (2). ومصحح إبراهيم بن مهزيار : « كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) : الرجل يجعل في جبته بدل القطن قزاً هل يصلي فيه؟ فكتب (عليه السلام) : نعم لا بأس به » (3)وهذه النصوص وإن كان موردها القز ، لكن بعدم الفصل ، وبما دل على أنه والإبريسم سواء ثبت الحكم في الإبريسم. وما في المعتبر عن الصدوق من حمل القز على قز الماعز لا قز الإبريسم خلاف الظاهر.
وعن الفقيه ، وفي المعتبر ، وعن المنتهى والتذكرة والدروس وجامع المقاصد والروض والمسالك وغيرها : المنع. لعموم النهي عن لبس الحرير. اللّهم إلا أن يستشكل في صدق الحرير على غير المنسوج. ولأنه سرف. إلا أنه لو تمَّ لا يقتضي حرمة اللباس بعد التحشية ، ولو سلم فلا يصلح لمعارضة النصوص المذكورة. اللّهم إلا أن يكون إعراض المشهور مسقطاً لها عن الحجية ، بل لا يعرف القول بمضمونها إلى زمان الذكرى وإن حكى فيها عن الصدوق أنه روى مصحح إبراهيم وأورده بصيغة الجزم ، إذ لا يجدي ذلك بعد حمله القز على قز الماعز ، كما تقدمت حكايته عنه في المعتبر. لكن هذا المقدار غير كاف في ثبوت الوهن ، فإنه لم يعرف القول بخلافها من القدماء ، والمحقق في المعتبر لم يتعرض لغير مصحح إبراهيم ، وطعن فيه
وصلة من الحرير بينهما فلا يجوز لبسه ولا الصلاة فيه.
( مسألة 30 ) : لا بأس بعصابة الجروح والقروح ، وخرق الجبيرة ، وحفيظة ، المسلوس والمبطون إذا كانت من الحرير [1].
( مسألة 31 ) : يجوز لبس الحرير لمن كان قملا [2]
بالضعف ، لإسناد الراوي إلى ما وجده في كتاب لم يسمعه من محدث. لكن الطعن كما ترى : وبالجملة : الصحاح المذكورة لم يتحقق لنا إعراض موهن لها ، فالعمل بها متعين.
نعم قد عرفت. أن موردها القز ، وعدم الفصل بينه وبين الإبريسم غير ثابت ، والرواية الدالة على مساواتهما ضعيفة ، فالتعدي إلى الإبريسم غير ظاهر. اللّهم إلا أن يكون الجواز فيه مقتضى الأصل بناء على اختصاص أدلة المنع بالمنسوج. أو لدعوى عدم صدق اللباس على الحشو. نظير ما في المسألة الآتية ، فتأمل.
[1] كما نص على ذلك في الجواهر ، لعدم صدق اللبس في جميع ذلك ، وقد عرفت أنه بالخصوص موضوع الحرمة.
[2] كما عن المنتهى ، وفي الذكرى وجامع المقاصد وغيرها. قال في جامع المقاصد : « لما روي أن النبي (صلی اللّه عليه وآله) رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لما شكوا اليه القمل ». وفي الذكرى : رواها عن صحيح مسلم عن أنس (1). وعن الفقيه : « لم يطلق النبي (صلی اللّه عليه وآله) لبس الحرير لأحد من الرجال إلا لعبد الرحمن بن عوف
1) الذكرى المسألة الخامسة من الأمر الثالث من فصل الساتر. وورد في صحيح مسلم ج : 6 الباب الثاني من كتاب اللباس.
على خلاف العادة لدفعه ، والظاهر جواز الصلاة فيه حينئذ [1].
( مسألة 32 ) : إذا صلى في الحرير جهلا أو نسياناً فالأقوى عدم وجوب الإعادة [2] وإن كان أحوط.
وذلك أنه كان رجلا قملا » (1). ونحوه ما عن الراوندي (2)في الشرائع. قال في المعتبر بعد نقله : « والمشهور أن الترخيص لعبد الرحمن والزبير ولم يعلم من الترخيص لهما بطريق القمل الترخيص لغيرهما بفحوى اللفظ ، ويقوى عندي عدم التعدية ». ويظهر منه المفروغية عن ثبوت الترخيص كما يظهر من غيره أيضاً ، فالرواية وإن لم تكن من طرقنا كما اعترف به غير واحد ، لكنها منجبرة بتسالم الأصحاب على ثبوت مضمونها نعم الذي ينبغي هو الإشكال في دلالتها ، لأنها من قبيل حكاية الأحوال التي يتطرق إليها الاحتمال كما أشار إليه في المعتبر ، فيجوز أن تكون الشكاية من جهة الاضطرار ، لا مجرد الزيادة على العادة ، ومعه لا مجال لرفع اليد عن العمومات زائداً على موارد الاضطرار التي تقدم جواز اللبس فيها فلاحظ.
[1] وجهه يظهر مما تقدم في جواز صلاة المحارب والنساء في الحرير ، فراجع.
[2] لعموم حديث : « لا تعاد » (3)الشامل للخلل بفقد الشرط العدمي شموله للخلل بفقد الشرط الوجودي ، وتخصيصه بالثاني لا قرينة عليه ومنه يظهر وجه القول بالإعادة. ثمَّ إن بني على عموم الحديث للناسي ، والجاهل بالحكم والموضوع ، والغافل عمّ الحكم بعدم وجوب الإعادة تمام
( مسألة 33 ) : يشترط في الخليط أن يكون مما تصح فيه الصلاة ، كالقطن والصوف مما يؤكل لحمه ، فلو كان من صوف أو وبر ما لا يؤكل لحمه لم يكف في صحة الصلاة [1] وإن كان كافياً في رفع الحرمة. ويشترط أن يكون بمقدار يخرجه عن صدق المحوضة فاذا كان يسيراً مستهلكاً بحيث يصدق عليه الحرير المحض لم يجز لبسه ولا الصلاة فيه ، ولا يبعد كفاية العشر في الإخراج عن الصدق.
( مسألة 34 ) : الثوب الممتزج إذا ذهب جميع ما فيه من غير الإبريسم من القطن أو الصوف - لكثرة الاستعمال وبقي الإبريسم محضاً لا يجوز لبسه بعد ذلك.
( مسألة 35 ) : إذا شك في ثوب أن خليطه من صوف ما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل فالأقوى جواز الصلاة
الصور المذكورة ، وإن اختص بالناسي للموضوع اختص به ، ووجبت الإعادة في غيره ، عملا بإطلاق أدلة الشرطية الموجبة لفوات المشروط بفوات شرطه ، وإن اختص بما لا يمكن ثبوت التكليف معه كالناسي للموضوع والغافل عنه اختص الحكم بالعدم به ، ولزمت الإعادة في غيره ، ( وبالجملة ) : عموم الحكم بالإعادة وخصوصه تابع عموم الحديث وخصوصه على اختلاف الأذواق في ذلك ، فلاحظ. ولعله يأتي في مباحث الخلل التعرض لذلك.
[1] بلا خلاف ظاهر ، لإطلاق دليل مانعية الخليط. هذا والحكم في بقية المسألة والمسألة الآتية ظاهر.
فيه [1] ، وإن كان الأحوط الاجتناب عنه.
( مسألة 36 ) : إذا شك في ثوب أنه حرير محض أو مخلوط جاز لبسه والصلاة فيه على الأقوى [2].
( مسألة 37 ) : الثوب من الإبريسم المفتول بالذهب لا يجوز لبسه ولا الصلاة فيه [3].
[1] الفرض من فروض الشك في كون اللباس مما يؤكل ولا يؤكل التي تقدم أن الأقوى فيها الجواز.
[2] للشك في حرمته ومانعيته وذلك من موارد أصالة البراءة ، ولا فرق بين كون المانعية ملحوظة بنحو صرف الوجود أو بنحو الوجود الساري كما تقدم في اللباس المشكوك كونه مما لا يؤكل لحمه. نعم يمكن أن يقال : المرجع أصالة عدم الحرير ممزوجاً ومخلوطاً ، لأن المزج طارئ على الحرير فيستصحب عدمه. وفيه : أنك عرفت أن الذي يظهر من الأدلة أن موضوع المانعية كون تمام الملبوس التام حريراً ، ومن الواضح أن الملبوس التام - أعني : الثوب الخاص - مما ليس له حالة سابقة في الحريرية وعدمها ، بل هو من الأزل إما حرير ، أو بعضه حرير وبعضه غير حرير. وبعبارة أخرى : المانع هو الحرير المبهم ، ولا أصل يحرز ذلك في الثوب ، لأن الحريرية من الذاتيات التي لا يجري الأصل في عدمها ولو قلنا بصحة استصحاب العدم الأزلي. نعم لو كان موضوع المانعية صرف وجود الحرير غير المنضم إليه شيء جرت أصالة عدم الانضمام. لكنه ليس كذلك.
[3] لأنه لبس للذهب وصلاة فيه. وأما الحرير : فليس من المبهم المصمت بل من الممزوج فلا يقدح لبسه في الصلاة.
( مسألة 38 ) : إذا انحصر ثوبه في الحرير فان كان مضطراً إلى لبسه لبرد أو غيره فلا بأس بالصلاة فيه [1] ، وإلا لزم نزعه وإن لم يكن له ساتر غيره فيصلي حينئذ عارياً [2]. وكذا إذا انحصر في الميتة أو المغصوب أو الذهب.
[1] بلا خلاف ظاهر ، بل في المستند : « لا شك فيه ». ونحوه ظاهر غيره ، بل ظاهر كلماتهم في المقام أنه من الواضحات. ويقتضيه ما أشرنا إليه من أن أدلة المانعية بقرينة مناسبة الحكم والموضوع منصرفة إلى اللبس المحرم ، ولو لا ذلك أشكل انطباقه على القواعد ، لأن إطلاق دليل المانعية يقتضي البطلان حتى مع الاضطرار ، « وما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » (1)ونحوه إنما يقتضي ارتفاع الإثم لا ارتفاع المانعية ، فالعمدة ظهور الإجماع عليه.
[2] عندنا كما في الذكرى ، وبلا خلاف أجده كما في الجواهر. وعلله في الذكرى بأن وجوده كعدمه. وتنظر فيه في مفتاح الكرامة بأن الصلاة عارياً تستلزم فوات واجبات كثيرة ركن وغير ركن وترك الواجب حرام. وفيه : أن ما دل على كيفية صلاة العاري موضوعه من لم يجد ساتراً ، وعدم الوجدان كما يكون بفقد أصل الساتر يكون بوجدان الساتر المحرم اللبس كالحرير والمغصوب والذهب. مع أن لزوم فوات الركن وغيره مبني على أحد القولين في صلاة العاري ، وعلى القول الآخر لا يلزم ذلك إلا مع عدم الأمن من المطلع ، أما مع الأمن منه فلا يلزم إلا فوات التستر. وعليه فالكلام ( تارة ) بالنظر إلى القواعد الأولية ( وأخرى ) بالنظر إلى القواعد الثانوية.
1) الوسائل باب : 3 من أبواب قضاء الصلوات حديث : 13.
وكذا إذا انحصر في غير المأكول [1]. وأما إذا نحصر في النجس
فعلى الأول : يتعين البناء على حرمة لبس الحرير وسقوط الصلاة ، أما الأول : فلإطلاق دليله. وأما الثاني : فلتعذر الصلاة إما لفقد الشرط إن صلى عارياً ، أو لوجود المانع إن صلى لابساً للحرير.
وعلى الثاني : فمقتضى ما دل على وجوب الصلاة الناقصة في هذه الحال يدور الأمر بين الصلاة عاريا والصلاة متستراً بالحرير ، والمتعين الصلاة عارياً ، إذ ليس في العراء إلا فوات التستر ، وفي الصلاة في الحرير خلل المانعية ، مضافاً إلى مفسدة الحرمة التكليفية ، وإلى احتمال عدم حصول التستر به فتكون الصلاة فاقدة للساتر. والثاني إن لم يكن أهم فلا أقل من كونه محتمل الأهمية الواجب عقلا تقديمه كمعلوم الأهمية. نعم يشكل الحال لو استلزم العراء فوات الركوع والسجود ، فان أهميتهما محتملة كأهمية مفسدة الحرير الوضعية والتكليفية ، ومع احتمال الأهمية في كل من المتزاحمين يجب الاحتياط بالجمع إن أمكن ، وإلا فالتخيير. لكن ذلك كله مبني على الغض عما ذكرنا أولا من أن أدلة حرمة لبس الحرير تستوجب العجز عن الساتر وإجراء حكم العاري عليه على الخلاف في حكمه ، إذ عليه لا مجال للعمل بالاحتمالات المذكورة ، ولا سيما بملاحظة ما عرفت من الإجماع على إجراء حكم العاري. وهذا الكلام بعينه جار في الذهب والمغصوب والميتة بناء على حرمة لبسها ، ولو بني على جوازه كان حكمه حكم ما لا يؤكل.
[1] ما سبق في الحرير ونحوه مما يحرم في نفسه غير آت هنا ، لعدم حرمة لبس غير المأكول حتى تكون تلك الحرمة موجبة لسلب قدرة المكلف على لبسه ، كي يصدق عدم وجدان الساتر. وقد عرفت أن مقتضى القواعد الأولية سقوط الصلاة لتعذرها ، لكن الظاهر الإجماع على وجوب
الناقصة ، قال في المعتبر : « لا يسقط فرض الصلاة مع عدم الساتر ، وعليه علماء الإسلام ». وحينئذ يدور الأمر بين الخلل الحاصل من وجود المانع على تقدير لبس غير مأكول اللحم وبين الخلل الحاصل بفقد الساتر فقط على تقدير نزعه ، أو مع فوات الركوع والسجود لو فرض أن حكم العاري الإيماء ، فيرجع حينئذ إلى قواعد التزاحم من ترجيح الأهم المعلوم الأهمية ، وكذا محتمل الأهمية ، ومع التساوي يتخير ، ومع احتمال الأهمية في كل منهما يحتاط بالتكرار مع الإمكان ، ومع عدمه يتخير في الاقتصار على أحدهما في الوقت ويؤتى بالآخر بعد خروج الوقت إن لم يمكن الفرد التام وإلا قضى بفعله على إشكال في وجوب القضاء ، لعدم إحراز الفوت بفعل الناقص في الوقت ، وأصالة عدم الإتيان بالواجب غير جارية ، لأنها من الأصل الجاري في المردد بين ما يعلم الإتيان به وما يعلم عدمه. اللّهم إلا أن يقال : الواجب الأولي لم يؤت به قطعاً ، وما أتي به لم يعلم بدليته عنه شرعاً ، ويكفي في وجوب القضاء عدم الإتيان بالواجب الأولي مع عدم إحراز سقوط الأمر بفعل البدل ، فتأمل جيداً.
هذا ويمكن أن يقال : حيث عرفت في المسألة السادسة عشرة من فصل الساتر أنه لا إطلاق يحرز به ساترية ما يشك في كونه ساتراً ، ففي المقام يدور الأمر بين لبسه فيعلم بالخلل من حيث وجوده ، وبين نزعه فلا يعلم بخلل من نزعه ، لاحتمال عدم كونه ساتراً صلاتياً ، فتكون الصلاة مختلة بفقد الساتر على كل حال نزعه أو لبسه ، ومع الدوران بين معلوم القادحية ومحتملها يترجح الأول عقلا ، ولازمه وجوب الصلاة عارياً. نعم لو فرض كون نزعه سبباً لفوات الركوع والسجود يدور الأمر بين فعل المانع وترك الجزء ، ولا ينبغي التأمل في أهمية الثاني في المقام لركنيته ، ومقتضاه لبسه
فالأقوى جواز الصلاة فيه [1] وإن لم يكن مضطراً إلى لبسه والأحوط تكرار الصلاة ، بل وكذا في صورة الانحصار في غير المأكول فيصلي فيه ثمَّ يصلي عارياً.
( مسألة 39 ) : إذا اضطر إلى لبس أحد الممنوعات من النجس ، وغير المأكول ، والحرير ، والذهب ، والميتة ، والمغصوب ، قدم النجس على الجميع [2] ثمَّ غير المأكول [3] ،
والصلاة بالركوع والسجود ، إلا أن يدعى أن ظاهر دليل بدلية الإيماء عن الركوع والسجود أن موضوعه عدم وجدان الساتر الذي تصح به الصلاة فيتحقق موضوع البدلية في حال انحصار الساتر بما لا تصح به الصلاة ، ويكون الحكم العراء والصلاة عارياً مومياً. لكنه بعيد.
[1] قد تقدم الكلام في ذلك في أحكام النجاسات. فراجع.
[2] هذا ظاهر بناء على جواز الصلاة في النجس عند الانحصار ، فان ذلك يدل على أهونية النجاسة من غيرها من الموانع التي لا تجوز الصلاة فيها مع الانحصار. وأما بناء على وجوب الصلاة عارياً فيشكل التقديم المذكور بعدم ما يوجب الأهمية أو احتمالها. نعم علله في الجواهر - تبعاً لما في الذكرى - بأن النجاسة مانع عرضي بخلاف غير المأكول. وفيه : أن هذا المقدار لا يوجب ذلك. مع إمكان معارضته بصحة الصلاة في غير المأكول مع النسيان بخلاف الصلاة في النجس.
[3] لجواز لبسه تكليفاً وحرمة لبس ما عداه ، ولا مسوغ لمخالفة الحرمة. نعم بناء على جواز لبس الميتة - كما تقدم اختياره من المصنف (رحمه اللّه) في أحكام النجاسات - يشكل وجه تأخيرها عن غير المأكول. اللّهم إلا أن يكون مزيد التأكيد في المنع عن لبسها في الصلاة منشأ لاحتمال
ثمَّ الذهب والحرير ، ويتخير بينهما [1] ، ثمَّ الميتة [2] ، فيتأخر المغصوب عن الجميع [3].
( مسألة 40 ) : لا بأس بلبس الصبي الحرير [4] ،
أهمية مانعيتها.
[1] بناء على الترجيح باعتبار عرضية المانعية وذاتيتها قد يُرجح الحرير ، لأن مانعيته من جهة الإبهام ، وهي جهة عرضية ، فإن المقدار الخاص من الحرير المبهم لو فرض خلطه بالقطن لم يكن مانعاً من الصلاة.
[2] يشكل تأخيرها عن الذهب والحرير لحرمة لبسهما تكليفاً ، ومخالفتها بلا مسوغ غير جائزة.
[3] لأنه - مضافاً إلى حرمته تكليفاً - من حقوق الناس المقدمة على حقوق اللّه تعالى ، وهذه الكلية وإن لم تكن صحيحة بعمومها ، إلا أنها في المقام غير بعيدة ، لكثرة التأكيد في حرمة الغصب والظلم والعدوان ، لا أقل من اقتضاء ذلك احتمال الأهمية.
[4] أما عدم حرمته عليه : فضروري. وأما عدم الحرمة على الولي : فهو الذي جزم به في جامع المقاصد ، وجعله الأقرب في الذكرى ، وحكاه عن التذكرة. وجعله في المعتبر أشبه. ويقتضيه أصل البراءة ، لعدم دليل على الحرمة ، وليس المقام من قبيل ما علم من الشارع كراهة وجوده في الخارج حتى من الصبيان ليتوجه الخطاب إلى أوليائهم بمنعهم عنه كما أشار إلى ذلك في الجواهر. وما عن جابر : « كنا ننزعه عن الصبيان ونتركه على الجواري » (1)إن صح فهو محمول على التورع. مع أنه لا يصلح للحجية. ومنه يظهر ضعف القول بالحرمة كما حكي في المدارك.
1) المعتبر الفرع الثالث من المسألة الثامنة من المقدمة الرابعة في لباس المصلي.
فلا يحرم على الولي إلباسه إياه ، وتصح صلاته فيه [1] بناء على المختار من كون عباداته شرعية.
( مسألة 41 ) : يجب تحصيل الساتر للصلاة ولو بإجارة أو شراء ، ولو كان بأزيد من عوض المثل [2] ما لم يجحف بماله ، ولم يضر بحاله. ويجب قبول الهبة أو العارية ما لم يكن فيه حرج. بل يجب الاستعارة والاستيهاب كذلك.
[1] يشكل بأنه خلاف إطلاق قوله (عليه السلام) : « لا تحل الصلاة في حرير محض » (1).
نعم قد يدعى انصرافه - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - إلى خصوص اللبس المحرم ، فاذا حل اللبس لم يكن مانعاً من الصلاة ، كما تقدم في صحة الصلاة في الحرير في الحرب وللنساء. لكن ذلك لو تمَّ اختص بما إذا كان الحل لعدم مقتضي الحرمة - كما في الموردين المذكورين - لا لمزاحمتها بما يوجب الترخيص كالضرورة وللصبي ، فالبناء على البطلان أوفق بإطلاق أدلة المانعية. نعم لو كان دليل بالخصوص على جواز لبسه أمكن التمسك بإطلاقه المقامي على جواز لبسه في الصلاة ، فتأمل جيداً.
[2] فان ذلك كله مقتضى إطلاق دليل شرطيته للواجب المطلق الذي يجب تحصيل مقدماته على كل حال. نعم قد يقال : إن الشراء بأكثر من ثمن المثل ضرر مالي منفي بقاعدة الضرر فيسقط. ويشكل بأنه يتم لو لم يكن وجوب التستر في الصلاة من الأحكام الضررية ، إذ حينئذ تكون قاعدة الضرر حاكمة على دليله ، مقتضية لتخصيصه بغير صورة لزوم الضرر المالي كما في سائر الموارد ، لكنه ليس كذلك ، فإنه حكم ضرري ، فيكون دليله
1) الوسائل باب : 11 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.
( مسألة 42 ) : يحرم لبس لباس الشهرة [1] بأن يلبس خلاف زيه من حيث جنس اللباس ، أو من حيث لونه ، أو من
أخص مطلقاً من أدلة القاعدة ، فيقدم عليها ويؤخذ بإطلاقه من حيث مراتب الضرر ، فيجب التستر بأي مرتبة كان لزوم الضرر. نعم إذا كان بحيث يجحف بحاله ويضر به يسقط لدليل نفي الحرج ، فيختص وجوب التستر بما إذا لم يكن حرجياً ، ويسقط إذا كان حرجياً. ومن ذلك تعرف الوجه في قوله (رحمه اللّه) : « ويجب قبول .. ». هذا ولكن الإنصاف يقتضي المنع من كون وجوب التستر من الأحكام الضررية نوعاً ، فالعمدة في وجوب الشراء بأكثر من ثمن المثل دعوى الإجماع على وجوبه ، فتأمل جيداً.
[1] للنهي عنه في جملة من النصوص كمصحح أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن اللّه يبغض شهرة اللباس » (1)، ومرسل ابن مسكان عنه (رحمه اللّه) : « كفى بالمرء خزياً أن يلبس ثوباً يشهره أو يركب دابة تشهره » (2)، ومرسل عثمان بن عيسى عنه (عليه السلام) : « الشهرة خيرها وشرها في النار » (3)، وخبر أبي الجارود عن أبي سعيد عن الحسين (عليه السلام) : « من لبس ثوباً يشهره كساه اللّه سبحانه يوم القيامة ثوباً من النار » (4)وخبر ابن القداح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : نهاني رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) عن لبس ثياب الشهرة » (5). والعمدة المصحح
حيث وضعه وتفصيله وخياطته ، كأن يلبس العالم لباس الجندي أو بالعكس مثلا. وكذا يحرم - على الأحوط - لبس الرجال ما يختص بالنساء [1] وبالعكس ، والأحوط ترك الصلاة فيهما ، وإن
الأول ، والظاهر منه حرمة اللباس الموجب لشهرة لابسه بين الناس ، ولم أقف عاجلا على كلماتهم في المقام. نعم ظاهر الرياض ومفتاح الكرامة في مسألة تزيين الرجل بما يحرم عليه عدم الخلاف في حرمته ، لكن صريح الوسائل في أحكام الملابس الكراهة ، ولا بد من مراجعة كلماتهم ، فراجع.
[1] على الأشهر الأظهر المحتمل فيه الإجماع كما في الرياض. ويشهد له ما عن الكافي عن عمر بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) في حديث : لعن اللّه المحلل والمحلل له ، ومن تولى غير مواليه ، ومن ادعى نسباً لا يعرف ، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال .. » (1). لكن استشكل فيه غير واحد بأن الظاهر من التشبه التذكر والتأنث ، كما يشير اليه ما عن العلل عن زيد بن علي عن علي (عليهم السلام) : « أنه رأى رجلا به تأنيث في مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فقال (عليه السلام) له أخرج من مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يا لعنة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ، ثمَّ قال علي (عليه السلام) : سمعت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) يقول : لعن اللّه المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال » (2). لكن الاستظهار المذكور غير ظاهر ، وما عن العلل على تقدير حجيته غير ظاهر في تفسير الحديث المذكور بذلك. نعم تطبيقه على مورده يدل على عمومه له ، فالبناء على عمومه للتشبه باللباس في محله. نعم ظاهر التشبه
كان الأقوى عدم البطلان [1].
( مسألة 43 ) : إذا لم يجد المصلي ساتراً حتى ورق الأشجار والحشيش [2] ، فان وجد الطين ، أو الوحل ، أو الماء
فعل ما به تكون المشابهة بقصد حصولها ، فلبس الرجل مختصات النساء لا بقصد مشابهتهن ليس تشبهاً بهن ولا منهياً عنه ، بل يحتمل انصراف النص عن التشبه اتفاقاً في مدة يسيرة لبعض المقاصد العقلائية.
[1] لعدم الملازمة بين الحرمة النفسية والمانعية ، فلا يصلح دليلها لإثباتها. وما عن كشف الغطاء من الحكم ببطلان الصلاة به ضعيف.
[2] قد عرفت في المسألة السادسة عشرة من فصل الساتر تقريب جواز التستر بهما اختياراً ، كما عرفت أن الطين ليس ساتراً حال الاختيار وإن كان ساتراً حال الاضطرار ، وأن في إلحاق الوحل والماء الكدر به إشكالا. نعم لا يبعد إلحاق الوحل به إذا أمكن الاطلاء به بنحو يستر البشرة وإن لم يستر الحجم ، بناء على ما عرفت من الاكتفاء بذلك في صحة الصلاة ، كما عرفت أن مقتضى الأصل فيما لم يثبت كونه ساتراً ولو اضطرارياً هو الاحتياط بتكرار الصلاة من جهة العلم الإجمالي ، فراجع ، وأن العمدة في ساترية ما ذكر صحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) : « عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عرياناً وحضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال (عليه السلام) : إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتم صلاته بالركوع والسجود ، وإن لم يصب شيئاً يستر به عورته أومأ وهو قائم » (1)وأما الحفيرة : فهي وإن لم يشملها عموم ذيل الصحيح المذكور يستفاد حكمها من مرسلة أيوب بن نوح عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « العاري
1) الوسائل باب : 50 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.
الكدر ، أو حفرة يلج فيها ويتستر بها أو نحو ذلك مما يحصل به ستر العورة [1] صلى صلاة المختار قائماً مع الركوع والسجود. وإن لم يجد ما يستر به العورة أصلا ، فإن أمن من الناظر بأن لم يكن هناك ناظر أصلا ، أو كان وكان أعمى ، أو في ظلمة ، أو علم بعدم نظره أصلا ، أو كان ممن لا يحرم نظره إليه كزوجته أو أمته فالأحوط تكرار الصلاة بأن يصلي صلاة المختار تارة ومومياً للركوع والسجود أخرى قائماً [2] وأن لم يأمن من الناظر
الذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها ويسجد فيها ويركع » (1). وإرسالها غير قادح ، لاعتماد جماعة من الأكابر عليها كالفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم.
[1] كل ذلك لإطلاق مفهوم ذيل الصحيح المتقدم.
[2] المشهور - كما عن جماعة كثيرة - : أن من لا يجد ساتراً إن كان أمن من المطلع صلى قائماً مومياً وإلا صلى جالساً مومياً. ومستندهم في ذلك الجمع بين ما دل على وجوب القيام والإيماء مطلقاً - كصحيح ابن جعفر (عليه السلام) المتقدم ، وموثق سماعة على رواية التهذيب : « سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب وليس عليه إلا ثوب واحد فأجنب فيه وليس يجد الماء. قال (عليه السلام) يتيمم ويصلي عرياناً قائماً يومئ إيماء » (2)، وصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث : « وإن كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلد السيف ويصلي قائماً » (3)- وبين ما دل على وجوب الجلوس والإيماء مطلقاً -
كموثق سماعة المتقدم على رواية الكافي (1)، حيث رواه ( قاعدا ) بدل ( قائماً ) ، ومصحح زرارة : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل خرج من سفينة عرياناً أو سلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلي فيه ، فقال (عليه السلام) : يصلي إيماء ، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها ، وإن كان رجلا وضع يده على سوأته ، ثمَّ يجلسان فيومئان إيماء ، ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفهما ، تكون صلاتهما إيماء برؤوسهما .. » (2)، وخبر أبي البختري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) : « من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت ، يبتغي ثياباً فان لم يجد صلى عرياناً جالساً يومئ إيماء ، يجعل سجوده أخفض من ركوعه » (3)، وخبر محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن لا يجد إلا ثوباً واحداً فأجنب فيه. قال (عليه السلام) : « يتيمم ويطرح ثوبه فيجلس مجتمعاً فيصلي فيومئ إيماء » (4)- بحمل الأول على من أمن المطلع والأخيرة على غيره بشهادة مرسل الفقيه (5)الظاهر اتحاده مع مرسل ابن مسكان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يخرج عرياناً فتدركه الصلاة قال (عليه السلام) : يصلي عرياناً قائماً إن لم يره أحد ، فإن رآه أحد صلى جالساً » (6)، ومسنده الحسن أو الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في رجل عريان ليس معه ثوب. قال (عليه السلام) : إذا كان حيث لا يراه أحد
فليصل قائماً » (1)، وما عن نوادر الراوندي : « قال علي (عليه السلام) في العاري : إن رآه الناس صلى قاعداً ، وإن لم يره الناس صلى قائماً » (2)وفي المعتبر : احتمل التخيير بين القيام مومياً والجلوس كذلك ، وحكاه عن ابن جريح ، حملا لنصوصهما على التخيير ، لضعف ما يصلح لشهادة الجمع المشهور بينها ، إذ ما عدا مسند ابن مسكان ظاهر الضعف ، وأما هو فقد اعترف غير واحد بغرابة ما فيه من رواية ابن مسكان عن أبي جعفر علیه السلام ، فان المذكور في ترجمته أنه قليل الرواية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وأنه من أصحاب الكاظم (عليه السلام) ، بل عن يونس أنه لم يسمع عن أبي عبد اللّه علیه السلام إلا حديث : « من أدرك المشعر فقد أدرك الحج » ، ومرسله كان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). فالموثوق به أنه مرسل عن أبي جعفر (عليه السلام). وفيه : أن المراسيل حجة إذا كانت مجبورة بعمل المشهور ولذا قال في الذكرى في المقام : « وأما المراسيل فاذا تأيدت بالشهرة صارت في قوة المسانيد ».
ومثله في الاشكال ما عن السرائر في بحث لباس المصلي من تعين القيام والإيماء مطلقاً ، ترجيحاً لنصوصه على نصوص الجلوس ، بناء منه على تعارضها وعدم الشاهد على الجمع بينها. وكذا ما عن الصدوق في الفقيه والمقنع ، والسيد في الجمل والمصباح ، والشيخين في المقنعة والتهذيب من تعين الجلوس والإيماء مطلقاً ، لما ذكر.
هذا وعن ابن زهرة : أن العريان إذا كان بحيث لا يراه أحد صلى قائماً وركع وسجد وإلا صلى جالساً مومياً مدعياً عليه الإجماع. وجعله.
الأصح في نجاة العباد ، وقواه في الجواهر للأصل ، وخبر الحفيرة (1)وموثق إسحاق : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : قوم قطع عليهم الطريق وأخذت ثيابهم فبقوا عراة وحضرت الصلاة كيف يصنعون؟ قال (عليه السلام) : يتقدمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه فيومئ إيماء للركوع والسجود ، وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم » (2). وللإجماع المنقول ، ولأن الذي يسوغ له القيام المقتضي لانكشاف قبله الأمن من المطلع فليقتض أيضاً وجوب الركوع والسجود وإن استلزم أيضاً انكشاف العورة ، ولا سيما وظاهر نصوص التفصيل بين الأمن من المطلع وغيره جواز كشف العورة من جهة الصلاة. وبذلك يظهر وهن الصحيح والموثق ، لا سيما وكان الثاني مروياً في الكافي ( قاعداً ) بدل ( قائماً ) كما عرفت. والأول موهون بعدم العمل بإطلاقه من حيث الأمن من المطلع وعدمه ، وباحتمال إرادة أول مراتب الركوع من الإيماء فيه ، وبظهوره في لزوم التشهد والتسليم قائماً ، ولم يعرف دليل عليه ولا مصرح به ، وفي المنع من الإيماء جالساً بدل السجود ولو مع عدم بدو العورة ، مع أنه أقرب إلى هيئة الساجد. ولذا حكى في الذكرى عن السيد العميدي وجوب الإيماء جالساً.
وفيه : أن الأصل لا مجال له مع الدليل حتى لو كان المراد به إطلاق دليل وجوب الركوع والسجود ، فإنه مقيد بالصحيح. وخبر الحفيرة مختص بها. وموثق إسحاق مورده المأمومون لا المنفرد. والإجماع لا حجية فيه مع العلم بمخالفته للواقع. ولا ملازمة بين جواز بدو القبل وجواز بدو الدبر بحيث يرفع بها اليد عن ظاهر الدليل. وسقوط اعتبار التستر مسلم ، لكن لا يقتضي رفع اليد
عن الصحيح ، فإنه أيضاً يدل على ذلك وإن دل على عدم جواز بدو الدبر ومجرد ذلك لا يوجب وهن الصحيح. وكذا الموثق ، ورواية الكافي ( قاعداً ) لا يمنع من التمسك به وإن كان الكافي أضبط ، لما حكي من نص الشيخ في الاستبصار على رواية الكافي له ( قاعداً ) والتفاته إلى ذلك (1)وروايته ( قائماً ) الظاهر في اطلاعه على ما يوجب خطأ الكافي ، فتأمل. مع أن في الصحيح كفاية ، ولا يقدح فيه عدم العمل بإطلاقه. واحتمال إرادة أول مراتب الركوع من الإيماء فيه غريب ، ولا سيما بملاحظة كونه في مقابل ما ذكر في صدره من إتمام الركوع والسجود إذا أصاب حشيشاً وظهوره في الإيماء للسجود الذي لا يمكن حمله على السجود التام أصلا. وكفى به دليلا على لزوم التشهد والتسليم قائماً ، وعلى عدم جواز الإيماء جالساً بدل السجود. ( وبالجملة ) : دلالة الصحيح على وجوب الإيماء قائماً لا مدافع لها ، فالعمل عليها متعين ، وتوهينه بعدم ثبوت شهرة العمل به موهون ، فان الصحيح حجة وإن لم يعمل به المشهور. نعم لو ثبت إعراضهم عنه كان موهوناً ، لكنه غير ثابت ، بل عرفت شهرة القول بالإيماء شهرة عظيمة وإن اختلف في القعود والقيام والتفصيل.
هذا وربما يستشكل في التفصيل بين الأمن وعدمه مع أن نصوصه تضمنت الفرق بين أن يراه أحد ، وأن لا يراه أحد ، وبين العنوانين فرق ظاهر. ويندفع بأن الظاهر من مسند ابن مسكان : « إذا كان حيث لا يراه .. ». أن يكون في مكان هو في معرض أن يراه أحد ، فليحمل غيره عليه. مع قرب احتمال إرادة ذلك منه ، ولا سيما بملاحظة ما دل على وجوب التحفظ في ستر العورة - يعني : وجوب التستر مع عدم الأمن -
1) الاستبصار باب : 101 ذيل الحديث الثاني ج 1 صفحة 169 طبع النجف الحديث
المحترم صلى جالساً وينحني للركوع والسجود بمقدار لا تبدو عورته [1] ، وإن لم يمكن فيومئ برأسه ، وإلا فبعينيه [2]. ويجعل الانحناء أو الإيماء للسجود أزيد من الركوع [3] ،
فان ذلك الارتكاز كقرينة على صرف الكلام إلى ما ذكر. كما أن مقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق بين من يحرم نظره ومن يحل كالزوجة والأمة. وبه جزم في كشف الغطاء على ما حكي ، لكن لا يبعد دعوى الانصراف إلى الأجنبي ، لأنه الذي يحرم نظره ويجب التستر عنه الملحوظان في وجوب الجلوس كما استوضحه في الجواهر ، وحكاه عن الرياض.
[1] كما في الذكرى وعن جامع المقاصد وفوائد الشرائع وغيرها ، لقاعدة الميسور. وفيه : أنه خلاف إطلاق النص ، بل لعله خلاف ظاهر قوله (عليه السلام) في مصحح زرارة : « إيماء برؤوسهما » (1)، كما لا يخفى.
[2] كما صرح به في الذكرى ، ونص عليه في الجواهر وغيرها ، لأنه من مراتب الإيماء كما يظهر مما ورد في المريض إذا صلى مستلقياً ، قال (عليه السلام) فيه : « فإذا أراد الركوع غمض عينيه ثمَّ سبح ، فاذا سبح فتح عينيه ، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع .. » (2)، بناء على اتحاد كيفية الإيماء في كل مقام يجب ، أو أن المقام أولى من المريض كما في الذكرى.
[3] كما في الذكرى نسبته إلى الأصحاب. ويشهد له خبر أبي البختري المتقدم (3). لكنه ضعيف ، واعتماد الأصحاب عليه بنحو ينجبر غير ظاهر. وفي الذكرى علله بتحصيل الافتراق.
ويرفع ما يسجد عليه ويضع جبهته عليه [1]. وفي صورة القيام يجعل يده على قُبله [2] على الأحوط.
( مسألة 44 ) : إذا وجد ساتراً لإحدى عورتيه ففي وجوب تقديم القبل ، أو الدبر ، أو التخيير بينهما وجوه ، أوجهها : الوسط [3].
[1] كما في الذكرى وغيرها ، لما ورد في المريض مما تضمن ذلك (1)بل هنا أولى كما عن الذكرى. لكن في صحيح الحلبي في المريض : « وأن يضع جبهته على الأرض أحب إلي » (2)مما يظهر منه الاستحباب. مع أن في التعدي منه إلى المقام مع خلو الأخبار عنه إشكالا.
[2] فقد تضمن ذلك مصحح زرارة ، لكنه - مع مخالفته لإطلاق النصوص والفتاوى - ظاهر في الستر من جهة الناظر ، كما يقتضيه عطف قوله (عليه السلام) : « يجلسان عليه » ب- « ثمَّ » الموجب لظهوره في كونه قبل الصلاة ، إذ حمله على كون الستر باليد حال القراءة قائماً ثمَّ يجلسان بعدها للإيماء للركوع والسجود غريب لا قائل به ، فأصالة البراءة من وجوب الستر باليد محكمة. وبه يندفع احتمال كونه من الستر الصلاتي الواجب بعد عدم إطلاق دليل وجوب الساتر بنحو يشمله ، بل ظاهر النصوص عدمه.
[3] كما عن البيان احتماله لاستتمام الركوع والسجود بستره ، وزاد في الجواهر بأن الدبر لم يسقط اعتبار مستوريته في حال من الأحوال ، بخلاف القبل. وعن الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم : ترجيح القبل لبروزه ، وكونه إلى القبلة ، ولأن الدبر مستور بالأليتين. وعن حواشي
الشهيد (رحمه اللّه) : أنه احتمل كلا منهما. وما عدا الأول من وجوه الترجيح غير ظاهر. والأول إنما يقتضي وجوب ستر الدبر حال الركوع والسجود لا غير ، فالبناء عليه متعين ، ويتخير في سائر الأحوال. اللّهم إلا أن يلزم من نقله من موضع إلى آخر التكشف ، فيتعين حينئذ عليه الوضع على الدبر في جميع الأحوال. ومنه يظهر ضعف إطلاق التخيير كما نسب إلى قوم ، وقد يظهر من محكي المبسوط.
المرأة العارية حكمها حكم الرجل في بدلية الإيماء عن الركوع والسجود مطلقاً ، لأنها أولى من الرجل بالاحتفاظ على بدو العورة ، مضافاً إلى مصحح زرارة المتقدم (1). ولأجل اختصاصه بصورة عدم الأمن من المطلع - بقرينة ما فيه من الأمر بوضع اليد على الفرج قبل الصلاة ، ووحدة سياقها مع الرجل المحمول جلوسه على خصوص الصورة المذكورة - يكون حكمها القيام مع الأمن ، لقاعدة الاشتراك المعول عليها عند الأصحاب ، كما يظهر من إطلاقهم حكم العاري من دون تعرض لحكم المرأة بالخصوص مما هو ظاهر في الاتفاق على إلحاقها بالرجل ، بل لعل ذلك بنفسه كاف في وجوب القيام عليها مع الأمن كالرجل ، وإن كان مقتضى القواعد وجوب الجلوس عليها حيث يجب - كما في التشهد والتسليم - مع التحفظ من بدو العورة. ومن ذلك يظهر أنها لو وجدت ما يستر العورتين وجبت عليها صلاة المختار ، إذ لا وجه لرفع اليد عن القواعد الأولية حينئذ ، واللّه سبحانه أعلم.
1) تقدم ذكره في المسألة الثالثة والأربعين من هذا الفصل.
( مسألة 45 ) : يجوز للعراة الصلاة متفرقين [1] ، ويجوز بل يستحب لهم الجماعة [2] وإن استلزمت للصلاة جلوساً وأمكنهم الصلاة مع الانفراد قياماً ، فيجلسون ويجلس الإمام [3]
[1] بلا خلاف ولا إشكال في أصل مشروعية الصلاة فرادى لهم بل عن ظاهر المقنع ، وصلاة الخوف والمطاردة من الخلاف : وجوبها لهم وكأنه لخبر أبي البختري المتقدم (1)إذ في ذيله - عطفاً على ما سبق - : « فان كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثمَّ صلوا كذلك فرادى ». لكنه - مع ضعفه وإعراض الأصحاب عنه - محمول على إرادة أنهم إذا أرادوا الصلاة فرادى فليتباعدوا ليأمنوا من المطلع فيتأتى لهم الصلاة قياماً. فتأمل.
[2] إجماعاً كما عن المنتهى والمختلف والتذكرة وفي الذكرى ، لإطلاق ما دل على استحباب الجماعة في الصلاة ، مضافاً إلى النصوص الآتية التي بها يخرج عما دل على وجوب القيام مع الإمكان.
[3] المحكي عن النهاية والوسيلة والمعتبر والمنتهى والدروس وغيرها : أنهم يجلسون جميعاً ويتقدمهم إمامهم بركبتيه فيومئ للركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون خلفه. ومقتضى إطلاقهم عدم الفرق بين الأمن من المطلع وعدمه ، اعتماداً منهم على إطلاق صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « عن قوم صلوا جماعة وهم عراة. قال (عليه السلام) : يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوساً وهو جالس » (2)، وموثق إسحاق ابن عمار : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : قوم قطع عليهم الطريق وأخذت ثيابهم فبقوا عراة وحضرت الصلاة كيف يصنعون؟ فقال (عليه السلام) : يتقدمهم
وسط الصف [1] ويتقدمهم بركبتيه ويومئون للركوع والسجود [2] ، إلا إذا كانوا في ظلمة آمنين من نظر بعضهم
إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه فيومئ إيماء بالركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم » (1). لكن لما كان بينهما وبين نصوص وجوب القيام على العاري مع أمن المطلع عموم من وجه ، دار الأمر بين التصرف فيهما بحملهما على صورة عدم الأمن من المطلع وبين التصرف فيها بحملها على خصوص المفرد ، ولأجل أن التصرف الأول أقرب ، لأن الاجتماع - غالباً - ملازم لعدم الأمن من المطلع كان التصرف فيهما أولى وكأنه لذلك اختار جماعة وجوب القيام مع الأمن لظلمة أو عمى أو نحوهما بل عن المدارك والذخيرة : نسبته إلى الأكثر. وهو في محله.
[1] كما يظهر من قوله (عليه السلام) في الصحيح : « يتقدمهم الامام بركبتيه » ومنه يظهر وجه ما بعده.
[2] كما عن الحلي ، ونسب أيضاً إلى المقنعة وغيرها. بل في محكي السرائر الإجماع عليه ، وأن قول الشيخ (رحمه اللّه) : « إن الامام يومئ فقط والمأمومين يركعون ويسجدون جلوساً » مخالف للإجماع. انتهى. وفي الجواهر : نسبته إلى القواعد والبيان والمدارك وغيرها من كتب متأخري المتأخرين. وكأنهم اعتمدوا في ذلك على إطلاق ما دل على وجوب الإيماء على العاري المعتضد بإجماع الحلي. وفيه : أن الإجماع لا يعول عليه مع شهرة الخلاف. وإطلاق ما دل على الإيماء مقيد بالموثق ، فإنه أخص مطلقاً منه ، ولذا قال في المعتبر : « وهذه - يعني : الرواية - حسنة ، ولا يلتفت إلى من يدعي الإجماع على خلافها ». وما في الذكرى من استبعاد أن يكون
1) الوسائل باب : 51 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.
إلى بعض فيصلون قائمين صلاة المختار تارة ومع الإيماء أخرى [1] على الأحوط.
( مسألة 46 ) : الأحوط بل الأقوى تأخير الصلاة عن أول الوقت إذا لم يكن عنده ساتر [2] واحتمل وجوده في آخر الوقت.
( مسألة 47 ) : إذا كان عنده ثوبان يعلم أن أحدهما حرير أو ذهب أو مغصوب والآخر مما تصح فيه الصلاة لا تجوز الصلاة في واحد منهما [3] ،
للمأمومين خصوصية عن غيرهم من العراة. لا يسوغ رفع اليد عن الموثق ولا سيما بعد اعتماد جماعة من الأساطين عليه. وما عن كشف اللثام من احتمال إرادة الإيماء من قوله (عليه السلام) : « وهم يركعون .. » بعيد جداً مخالف للظاهر ، فالعمل على الموثق متعين.
[1] الوجه في الجمع بين الصلاتين على النحو المذكور قد تقدم في المسألة الثالثة والأربعين.
[2] كما عن السيد وسلار ، ومال إليه في المعتبر. وعن الشيخ في النهاية : جواز الصلاة في سعة الوقت. وقد أشرنا مكرراً إلى أن إطلاق أدلة البدلية يقتضي جواز البدار لذوي الأعذار. إلا أن مناسبة الحكم والموضوع وكون البدلية من جهة الاضطرار قرينة على إرادة جعل البدلية حيث يتعذر الامتثال الاختياري في تمام الوقت. وعليه فالصحة في أول الوقت أو في أثنائه تدور على استمرار الاضطرار إلى آخر الوقت ، فان استمر صح الفعل الاضطراري أول الوقت وإن احتمل حاله ارتفاع الاضطرار ، وإن لم يستمر لم يصح الاضطراري وإن علم حاله باستمرار الاضطرار.
[3] لأن العلم الإجمالي بالتكليف بالاجتناب عن الذهب أو الحرير أو
بل يصلي عارياً. وإن علم أن أحدهما من غير المأكول والآخر من المأكول ، أو أن أحدهما نجس والآخر طاهر صلى صلاتين [1]. وإذا ضاق الوقت ولم يكن إلا مقدار صلاة واحدة يصلي عارياً في الصورة الأولى [2] ويتخير بينهما في الثانية.
المغصوب بعد ما كان منجزاً للواقع موجب عقلا ترك كل من محتملات الواقع فلو صلى في واحد منها لم يجتزئ بها ، لعدم العذر على تقدير الثبوت واقعاً. نعم إذا انكشف أن ما صلى فيه ليس مانعاً صحت صلاته ، لأن حرمة اللبس عقلا من جهة العلم الإجمالي وحصول التجرؤ به لا ينافي صحة العبادة وحصول التقرب بها.
[1] ليحصل له اليقين بفعل الصلاة الصحيحة.
[2] كما في نجاة العباد ، وحكاه في الجواهر عن بعض ، وكأنه لأن العلم الإجمالي بعد ما كان منجزاً للواقع يكون كل واحد من محتملاته بمنزلة المعلوم بالتفصيل ، فكما يصلي عارياً مع الانحصار في المعلوم كونه من غير مأكول اللحم ، كذلك مع الانحصار في محتملات المعلوم بالإجمال. لكن قد يشكل بأن وجوب الصلاة عارياً مع الانحصار بالمعلوم من جهة أنه يصدق أنه لا يجد ساتراً يستر به عورته ، كما أشرنا إليه سابقاً ، ولا يصدق ذلك مع العلم الإجمالي ، للعلم بوجود الساتر الشرعي أيضاً في المحتملات ، وحينئذ لو صلى في واحد منها فقد احتمل الموافقة والمخالفة ، ولو تركهما وصلى عارياً قطع بالمخالفة ، فيتعين الأول. وفيه : أن المنع العقلي كالمنع الشرعي في سلب القدرة ، فهو لا يقدر على الصلاة في الساتر الشرعي ، فقد تحقق المنع العقلي من جهة العلم الإجمالي. نعم في الصورة الثانية لما لم يكن منع عن الصلاة في واحد ، بل كان علم بوجوب الصلاة في واحد
( مسألة 48 ) : المصلي مستلقياً أو مضطجعاً ، لا بأس بكون فراشه أو لحافه نجساً أو حريراً أو من غير المأكول [1] إذا كان له ساتر غيرهما. وأن كان يتستر بهما أو باللحاف فقط فالأحوط كونهما مما تصح فيه الصلاة [2].
مردد ، وجب عليه أن يصلي في واحد من باب الاحتياط. لكن في الاكتفاء به عن القضاء إشكالا ، إذ لا دليل على سقوط التكليف بالصلاة التامة ، والجهل لا يوجب سلب القدرة عليها ، فيجب عليه بعد الوقت إتيان الصلاة بالثوب الآخر ، أو في ثوب معلوم أنه من مأكول اللحم ، أو معلوم الطهارة ، ليحصل له اليقين بالفراغ.
[1] لعدم صدق اللبس فيما ذكر ، ولا الصلاة فيه.
[2] كأنه لاحتمال صدق الصلاة فيه. لكنه غير ظاهر ، إذ الفارق بين الصورتين لا يقتضي الفرق بينهما في ذلك. نعم يمكن أن يقال : لما لم يكن إطلاق في دليل الساتر يصلح أن يستدل به على ساترية ما يشك في ساتريته لا يجوز التستر بالحرير ، وما لا يؤكل لحمه في هذا الحال ، للشك في كونهما من الساتر ، وقاعدة الاشتغال تقتضي الاحتياط بالتستر بغيرهما. وأما النجس : فلما علم أنه ساتر في نفسه لو لا النجاسة ، فالشك يرجع إلى الشك في مانعية النجاسة في هذه الحال ، والأصل البراءة ، وما دل على عدم جواز الصلاة في النجس لا مجال للتمسك به ، لأن الكلام مبني على عدم صدق الصلاة في النجس. اللّهم إلا أن يدعى عدم وجوب التستر على المضطجع أو المستلقي مع وضع الغطاء عليه ، لا أن الغطاء ساتر له ، وإلا فلا يمكن دعوى كونه متستراً من تحته بالأرض التي افترشها ، فكما لا يجب عليه التستر من تحت لا يجب التستر من فوق مع التغطي ، وأدلة
( مسألة 49 ) : إذا لبس ثوباً طويلا جداً وكان طرفه الواقع على الأرض غير المتحرك بحركات الصلاة نجساً أو حريراً أو مغصوباً أو مما لا يؤكل ، فالظاهر عدم صحة الصلاة ما دام يصدق أنه لابس ثوباً كذائياً [1]. نعم لو كان بحيث لا يصدق لبسه ، بل يقال : لبس هذا الطرف منه - كما إذا كان طوله عشرين ذراعاً ، ولبس بمقدار ذراعين منه أو ثلاثة وكان الطرف الآخر مما لا تجوز الصلاة فيه - فلا بأس به.
( مسألة 50 ) : الأقوى جواز الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولا يغطي الساق [2] كالجورب ونحوه.
وجوب التستر غير شاملة لمثله. لكنه مجال تأمل ظاهر.
[1] هذا لا يتم في المغصوب ، إذ لا دليل على مانعيته بالخصوص ، وإنما هي على تقدير القول بها من جهة المنافاة لقصد التقرب ، وذلك يختص بما إذا كانت الصلاة فيه تصرفاً فيه ، والواقع على الأرض الذي لا يتحرك بحركات المصلي لا يصدق على الصلاة فيه أنها تصرف فيه ، فلا وجه لبطلان الصلاة فيه وإن صدق أنه لابس له ، أو أنه صلى فيه. وأما في الذهب فقد عرفت أن موضوع المانعية هو موضوع الحرمة. فإذا كان مثله لبساً محرماً أبطل. وأما ما لا يؤكل لحمه والحرير : فالمانعية دائرة مدار الصلاة فيه ، لا مدار اللبس له ، فجعل الجميع دائراً مدار اللبس غير ظاهر ، إلا أن يراد ما ذكرنا.
[2] كما عن العلامة في المنتهى والتحرير ، والمحقق والشهيد الثانيين ، والميسي والمدارك والمفاتيح ، ونسب أيضاً إلى المبسوط والوسيلة وغيرها ، وعن المفاتيح : نسبته إلى أكثر المتأخرين ، وعن البحار : أنه أشهر.
للأصل ، ولما عن الاحتجاج أن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان - عجل اللّه تعالى فرجه - : « هل يجوز للرجل أن يصلي وفي رجليه بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز؟ فوقع (عليه السلام) : جائز » (1). والبطيط - كما في القاموس - رأس الخف بلا ساق. لكن الاستدلال به يتوقف إما على كون المراد بالكعبين العظمين في جانبي الساق ، أو على كون المراد مما لا يستر ظهر القدم ما لا يستر تمامه ولا بعضه.
هذا والمنسوب إلى كبراء الأصحاب ، أو المشهور ، أو الأشهر ، أو مذهب الأكثر ، أو أكثر القدماء : المنع ، وإن كانت النسبة إلى جماعة لا تخلو من خدشة ، لأن المنقول عنهم الاقتصار على خصوص الشمشك والنعل السندية. ( وكيف كان ) فاستدل للمنع بالمرسل عن الوسيلة : « روي أن الصلاة محظورة في النعل السندية والشمشك » (2)، وخبر سيف ابن عميرة : « لا يصلى على جنازة بحذاء » (3). بناء على أن صلاتها أوسع. وبما في المعتبر وعن التذكرة من عدم فعل النبي (صلی اللّه عليه وآله) والصحابة والتابعين ، ولقوله (صلی اللّه عليه وآله) : « صلوا كما رأيتموني أصلي » (4). والجميع كما ترى ، إذ المرسل قاصر السند ، ولا سيما مع عدم عمل مرسله به ، ومجرد الموافقة لفتوى المشهور غير جابرة ، واعتمادهم عليه غير ثابت. مع أنه لا يظهر منه دلالة على المقام ، إذ من الجائز أن يكون وجه المنع في مورده عدم التمكن من وضع الإبهامين على الأرض. وخبر سيف بن عميرة - مع قصوره سنداً - غير معمول بظاهره. كما في الجواهر وغيرها. وعدم
وهي أمور : ( أحدها ) : الثوب الأسود ، حتى للنساء عدا الخف والعمامة والكساء ، ومنه العباءة. والمشبع منه أشد كراهة. وكذا المصبوغ بالزعفران أو العصفر ، بل الأولى اجتناب مطلق المصبوغ. ( الثاني ) : الساتر الواحد الرقيق. ( الثالث ) : الصلاة في السروال وحده وإن لم يكن رقيقاً. كما أنه يكره للنساء الصلاة في ثوب واحد وإن لم يكن رقيقاً. ( الرابع ) : الاتزار فوق القميص. ( الخامس ) : التوشح ، وتتأكد كراهته للإمام ، وهو إدخال الثوب تحت اليد اليمنى وإلقاؤه على المنكب الأيسر ، بل أو الأيمن. ( السادس ) :
فعل النبي (صلی اللّه عليه وآله) مع أنه لا شاهد عليه - أعم من المنع ، والنبوي يختص بما يظهر أن فعله (صلی اللّه عليه وآله) أو تركه له بعنوان كونه دخيلا في الصلاة ، فما لم يحرز ذلك لا مجال للتمسك به ، ومنه ما نحن فيه لو سلم تركه (صلی اللّه عليه وآله) له كما هو ظاهر. فالبناء على الجواز قوي. نعم لا بأس بالقول بالكراهة بناء على تمامية قاعدة التسامح ، وجريانها بمجرد فتوى الفقيه ولو كان المفتي به الكراهة. وإن كان الجميع محل إشكال ، والقول بالكراهة في خصوص الشمشك والنعل السندية لقاعدة التسامح يتوقف على عدم المانع من لبسهما ، وهو يتوقف على تحقيق المراد منهما ، وهو غير حاصل لنا فعلا واللّه سبحانه العالم بحقائق الأمور.
في العمامة المجردة عن السدل وعن التحنك أي : التلحي. ويكفي في حصوله ميل المسدول إلى جهة الذقن. ولا يعتبر إدارته تحت الذقن وغرزه في الطرف الآخر ، وإن كان هذا أيضاً إحدى الكيفيات له. ( السابع ) : اشتمال الصماء بأن يجعل الرداء على كتفه وإدارة طرفه تحت إبطه وإلقائه على الكتف. ( الثامن ) : التحزم للرجل. ( التاسع ) : النقاب للمرأة إذا لم يمنع من القراءة ، وإلا أبطل. ( العاشر ) : اللثام للرجل إذا لم يمنع من القراءة. ( الحادي عشر ) : الخاتم الذي عليه صورة. ( الثاني عشر ) : استصحاب الحديد البارز. ( الثالث عشر ) : لبس النساء الخلخال الذي له صوت. ( الرابع عشر ) : القباء المشدود بالزرور الكثيرة أو بالحزام. ( الخامس عشر ) : الصلاة محلول الأزرار. ( السادس عشر ) : لباس الشهرة إذا لم يصل إلى حد الحرمة ، أو قلنا بعدم حرمته. ( السابع عشر ) : ثوب من لا يتوقى من النجاسة خصوصاً شارب الخمر. وكذا المتهم بالغصب. ( الثامن عشر ) : ثوب ذو تماثيل. ( التاسع عشر ) : الثوب الممتزج بالإبريسم. ( العشرون ) : ألبسة الكفار وأعداء الدين. ( الحادي والعشرون ) : الثوب الوسخ. ( الثاني والعشرون ) : السنجاب. ( الثالث والعشرون ) : ما يستر ظهر القدم من غير أن يغطي الساق. ( الرابع والعشرون ) : الثوب الذي يوجب التكبر. ( الخامس والعشرون ) : لبس الشائب ما يلبسه الشبان. ( السادس والعشرون ) : الجلد المأخوذ ممن يستحل الميتة بالدباغ. ( السابع والعشرون ) :
الصلاة في النعل من جلد الحمار. ( الثامن والعشرون ) : الثوب الضيق اللاصق بالجلد. ( التاسع والعشرون ) : الصلاة مع الخضاب قبل أن يغسل. ( الثلاثون ) : استصحاب الدرهم الذي عليه صورة. ( الواحد والثلاثون ) : إدخال اليد تحت الثوب إذا لاصقت البدن. ( الثاني والثلاثون ) : الصلاة مع نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة ، كالخاتم والتكة والقلنسوة ونحوها. ( الثالث والثلاثون ) : الصلاة في ثوب لاصق وبر الأرانب أو جلده مع احتمال لصوق الوبر به.
وهي أيضاً أمور : ( أحدها ) : العمامة مع التحنك. ( الثاني ) : الرداء خصوصا للإمام ، بل يكره له تركه. ( الثالث ) : تعدد الثياب ، بل يكره في الثوب الواحد للمرأة كما مر. ( الرابع ) : لبس السراويل. ( الخامس ) : أن يكون اللباس من القطن أو الكتان. ( السادس ) : أن يكون أبيض ( السابع ) : لبس الخاتم من العقيق. ( الثامن ) : لبس النعل العربية. ( التاسع ) : ستر القدمين للمرأة. ( العاشر ) : ستر الرأس في الأمة والصبية ، وأما غيرهما من الإناث فيجب كما مر ( الحادي عشر ). لبس أنظف ثيابه. ( الثاني عشر ) : استعمال الطيب ففي الخبر ما مضمونه : الصلاة مع الطيب تعادل
سبعين صلاة. ( الثالث عشر ) : ستر ما بين السرة والركبة. ( الرابع عشر ) : لبس المرأة قلادتها.
والمراد به ما استقر عليه [1] ولو بوسائط ، وما شغله
فصل في مكانه المصلى
[1] حكي عن جماعة - منهم فخر الدين وجامع المقاصد والأردبيلي - التصريح بأن المكان في عرف الفقهاء مشترك بين معنيين : أحدهما باعتبار إباحته ، والآخر باعتبار طهارته. قال في جامع المقاصد : « ومن شروط الصلاة المكان المخصوص بالاتفاق ، ويراد به باعتبار إباحة الصلاة فيه وعدمها : الفراغ الذي يشغله بدن المصلي أو يستقر عليه بوسائط ، وباعتبار اشتراط طهارته وعدمه ما سنذكره بعد إن شاء اللّه تعالى. والشارح الفاضل ولد المصنف عرف المكان باعتبار الأول في نظر الفقهاء بأنه ما يستقر عليه المصلي ولو بوسائط ، وما يلاقي بدنه وثيابه ، وما يتخلل بين مواضع الملاقاة من موضع الصلاة ، كما يلاقي مساجده ويحاذي بطنه وصدره ». وأورد عليه فيما عن جامع المقاصد والروض والمدارك وغيرها بأنه يقتضي بطلان صلاة ملاصق الحائط المغصوب كما في المدارك ، وكذا واضع الثوب المغصوب
الذي لا هواء له بين الركبتين والجبهة ، إذ الأول مما يلاقي بدنه ، والثاني مما يتخلل بين مواضع الملاقاة. ولأجل ذلك عدل الجماعة عن تعريفه بذلك إلى تعريفه بأنه الفراغ الذي يشغله بدن المصلي أو يستقر عليه ولو بوسائط الراجع إليه تعريف المتن. وفيه : أن الاشكال الأول غير ظاهر ، لأن المراد من اسم الموصول في التعريف المكان بما له من المفهوم العرفي ، وهو لا ينطبق على الجدار الملاصق لبدن المصلي. وكان الأولى إبدال الاشكال المذكور بأن لازمه صحة الصلاة في الفضاء المغصوب إذا كان القرار مباحاً مع المقدار الذي يتخلل بين مواضع الملاقاة.
ثمَّ إنه قد استشكل في التعريف الثاني في جامع المقاصد بأن لازمه صحة الصلاة تحت السقف والخيمة المغصوبين ونحوهما. وأجاب بأن الفساد لو سلم ليس لعدم إباحة المكان ، بل لأنه تصرف في المغصوب. أقول : سيأتي إن شاء اللّه منع صدق التصرف في الخيمة بالصلاة تحتها ، وكذا السقف ، وعدم بطلان الصلاة على سطح الجدار إذا كان في أساسه حجر مغصوب ، لعدم صدق التصرف فيه. فالتعريف المذكور أيضاً لا يخلو عن إشكال.
هذا وعن الإيضاح وفي المدارك تعريفه باعتبار الطهارة بما يلاقي بدنه وثوبه. وربما فسر بما يكون مسقط كل البدن ، أو بما هو مسقط أعضاء السجود.
وحيث أن لفظ المكان لم يقع في لسان دليل معتبر في المقامين - أعني شرطي الإباحة والطهارة - فلا يهم التعرض لتحقيق مفهومه ومعناه ، وذكره في معاقد الإجماعات على اشتراط الإباحة لا يقتضي ذلك أيضاً ، للعلم بأن مراد المجمعين منه ما يكون التصرف فيه متحداً مع الصلاة ، ولو بلحاظ بعض أجزائها ، بحيث يكون تحريمه تحريماً لها. فالعمدة حينئذ تشخيص
من الفضاء في قيامه ، وقعوده ، وركوعه ، وسجوده ، ونحوها.
ويشترط فيه أمور. ( أحدها ) : إباحته ، فالصلاة في المكان المغصوب باطلة [1].
مصاديق ذلك المفهوم ليترتب عليه الحكم بالبطلان. هذا من حيث الإباحة. وأما من حيث الطهارة فالمرجع في تحقيقه الأدلة الدالة على اعتبار الطهارة ، وأن الموضوع فيها خصوص مسجد الجبهة ، أو موضع المساجد ، أو موضع تمام بدن المصلي ، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه.
[1] للإجماع محكيه ومحصله ، صريحاً وظاهراً ، مستفيضاً إن لم يكن متواتراً ، كما في الجواهر. وفي مفتاح الكرامة : حكاية الإجماع عليه ظاهراً عن نهاية الأحكام ، والناصرية ، والمنتهى ، والتذكرة ، والمدارك ، والدروس ، والبيان ، وجامع المقاصد ، والغرية. قال في جامع المقاصد : « تحرم الصلاة في المكان المغصوب بإجماع العلماء إلا من شذ ، وتبطل عندنا وعند بعض العامة ». وقريب منه ما في المدارك ، ثمَّ قال : « لأن الحركات والسكنات الواقعة في المكان المغصوب منهي عنها كما هو المفروض ، فلا تكون مأموراً بها ، ضرورة استحالة كون الشيء الواحد مأموراً به ومنهياً عنه ». ونحوه ما في غيرها.
أقول : امتناع اجتماع الأمر والنهي بمجرده غير كاف في بطلان العبادة ، لإمكان التقرب بالملاك ، إذ المصحح للعبادة لا ينحصر بالأمر. ولذا بني على صحة الضد المهم إذا زاحمه الضد الأهم بناء على امتناع الترتب مع أنه لا يعقل الأمر بالضدين المتزاحمين ، فليس الوجه في صحته إلا البناء على إمكان التقرب بالملاك ، كما هو محرر في مسألة الضد من الأصول. فالعمدة في بطلان العبادة في مسألة الاجتماع عدم إمكان التقرب بما هو
معصية ، لأن القرب والبعد ضدان لا يجتمعان ، ولأجل أن المعصية مبعدة يمتنع أن تكون مقربة. ولو كان الملاك صالحاً لأن يتقرب به.
نعم يبقى الكلام في المقدمة الأولى من أن أجزاء الصلاة تتحد مع الغصب في الخارج ، فتكون محرمة ، فإنها لا تخلو من إشكال ، إذ الأقوال منها - مثل تكبيرة الافتتاح والقراءة والتسبيح والتشهد والتسليم - من قبيل الكيفيات القائمة بالصوت ، تحدث بواسطة حركات اللسان ، والكيفية ليست من التصرف في المغصوب فتحرم ، ولو سلم أنها عين حركات اللسان فشمول ما دل على حرمة التصرف في المغصوب لمثلها محل إشكال ، بل منعه غير واحد من المحققين.
وأما القيام والجلوس والركوع : فقد عرفت في مبحث اللباس أنها هيئات قائمة بالبدن نظير الاستقامة والانحناء ، وليست عبارة عن النهوض والهوي لتكون من التصرف في المغصوب المحرم.
وأما السجود : فهو الانحناء الخاص مع مماسة الجبهة للأرض ، والانحناء من قبيل الهيئة التي قد عرفت أنها ليست متحدة مع التصرف المحرم ، وأما المماسة ، فإنما هي تصرف في المتماسين فاذا كانا مباحين كانت مباحة. ( ودعوى ) : أن المأخوذ في السجود الوضع ، وهو لا يصدق إلا بأن يكون رفع ، فمقدار من الهوي - وهو ما يكون قبيل وصول الجبهة إلى الأرض - داخل في حقيقة السجود ، فاذا كان حراماً - لأنه تصرف في المغصوب - امتنع التعبد به. ( مندفعة ) : بمنع ذلك جداً ، بل الوضع ليس إلا نفس المماسة للأرض على النحو المخصوص ، ولذا يصدق على البقاء بعين صدقه على الحدوث ، فلو وضع جبهته على الأرض ساعة فهو في كل آن ساجد بعين السجود الذي ينطبق في الآن الأول مع أنه في الآن الثاني
لا يكون الوضع عن رفع ، وانسباق ذلك إنما يكون من جهة أن صرف الوجود مسبوق بالعدم.
ومنه يظهر الحال في دعوى ذلك في الركوع. نعم يعتبر في الركوع الواجب في الصلاة أن يكون عن قيام ، وذلك لا يقتضي كون الهوي داخلا في حقيقته. ومن ذلك يظهر أن من سجد على أرض مغصوبة بطل سجوده وإن كان الفضاء مباحاً له ، ومن سجد على أرض مباحة صح سجوده وإن كان الفضاء مغصوباً ، فمن صلى في الدار المغصوبة لا تفسد صلاته إلا إذا كان وضع جبهته ومساجده على مواضعها تصرفاً في المغصوب.
فان قلت : يعتبر في الصلاة القرار على شيء ولو كان مثل الطيارات الجوية الدائرة الاستعمال في هذه الأعصار ، فمن صلى في الهواء بين السماء والأرض لا تصح صلاته لفقد القرار ، وحينئذ فالصلاة في الدار المغصوبة باطلة ، لاتحاد القرار على الأرض في القيام الجلوس والركوع مع التصرف في المغصوب.
قلت : لو سلم اعتباره فلا دليل على كونه بنحو الجزئية ، ولِمَ لا يكون بنحو الشرطية؟ وشروط العبادة - من حيث هي شروط عبادة - لا يعتبر فيها التقرب ، فكونه محرماً - لأنه تصرف في المغصوب - لا يقتضي فساد الصلاة كما هو ظاهر. فينحصر الحكم ببطلان الصلاة في المغصوب بما لو كان وضع المساجد على محالها تصرفاً فيه ، فلو اتفق عدم كونه كذلك لم يكن وجه للفساد ، كما لو صلى على تخت مملوك مثبت في الدار المغصوبة بناء على عدم كفاية الاعتماد على المغصوب في صدق التصرف فيه.
ولأجل ذلك قد يشكل إطلاق الأصحاب اعتبار إباحة المكان في صحة الصلاة. والاعتماد على الإجماعات المنقولة أشكل ، لوضوح مستند المجمعين
سواء تعلق الغصب بعينه أو بمنافعه [1] ، كما إذا كان مستأجراً وصلى فيه شخص من غير إذن المستأجر وإن كان مأذوناً من قبل المالك ، أو تعلق به حق ، كحق الرهن [2] وحق غرماء الميت [3] ،
ولا سيما مع نقل الخلاف عن الفضل بن شاذان ، بل ظاهر محكي كلامه أن القول بالصحة كان مشهوراً بين الشيعة كما اعترف به في محكي البحار. وأشكل منه الاستدلال عليه برواية إسماعيل الجعفي والمرسل عن تحف العقول المتقدمين في مبحث اللباس ، فراجع. وبالمرسل عن غوالي اللئالي عن الصادق (عليه السلام) وفيه : « بل نبيح لهم المساكن لتصح عبادتهم » (1). فان ضعف السند من غير جابر وقصور الدلالة مانع عن صلاحية الاستدلال كما لا يخفى. هذا والانصاف أن التشكيك في الإجماع في غير محله ، كيف؟ وقد اتفقوا على شرطية الإباحة مع اختلافهم في جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه ، فأفتى بشرطية الإباحة من لا يقول بامتناع الاجتماع ، ولا يعارض ذلك خلاف الفضل ولا نقله ، فلاحظ كلماتهم في شرطية الإباحة في الصلاة وكلامهم في مبحث الاجتماع تراهم متفقين على الأول مختلفين في الثاني.
[1] لعدم الفرق في حرمة التصرف بين المذكورات.
[2] للدليل الدال على حرمة تصرف الراهن في العين المرهونة بدون إذن المرتهن ، والعمدة فيه الإجماع المستفيض النقل والنص ، وإلا فحق الراهن بنفسه لا اقتضاء له في ذلك.
[3] هذا بناء على أن المال المقابل للدين باق على ملك الميت أو
1) مستدرك الوسائل باب : 4 من أبواب الأنفال حديث : 3
وحق الميت إذا أوصى [1] بثلثه ولم يفرز بعد ولم يخرج منه ، وحق السبق كمن سبق إلى مكان من المسجد أو غيره فغصبه منه غاصب على الأقوى [2] ، ونحو ذلك. وإنما تبطل الصلاة
بحكم ملكه كما هو المنسوب إلى جماعة كثيرة ، ولعله الظاهر الذي يقتضيه ما دل من النصوص على الترتيب بين الكفن والدين والوصية والميراث (1)المقدم على عموم ما دل على إرث الوارث ما ترك الميت ظاهراً ، لأن التصرف فيه تصرف في مال الغير بغير إذنه. وأما بناء على أنه مملوك للوارث ويتعلق به حق الغرماء - كما هو مذهب جمع من المحققين ، واختاره في الجواهر - فلا يخلو من إشكال ، لأن التصرف بمثل الصلاة ليس منافياً لحقهم ، إذ ليس هو أعظم من حق المرتهن الذي قد عرفت أنه لا اقتضاء له في نفسه للمنع عن التصرف لو لا الدليل الخاص. وتمام الكلام في المسألة موكول إلى محله من كتاب الحجر.
[1] فان المال الموصى به باق على ملك الميت ، فلا يجوز التصرف فيه بغير إذن وصيه. هذا لو أوصى بجزء مشاع ، ولو أوصى بنحو الكلي في المعين - كعشرة دراهم من تركته - لم يكن مانع من التصرف ، كما لو باع عشرة على النحو المذكور ، فإنه يجوز للبائع التصرف فيما زاد على العشرة ، لعدم منافاة ذلك لحق المشتري.
[2] كما هو ظاهر جماعة ، بل المشهور ، وعن جامع المقاصد. والكفاية : أنه الوجه. ويقتضيه ظاهر النص أيضاً ، ففي مرسل محمد بن إسماعيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قلت له : « نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجيء آخر
1) يأتي ذكر بعضها في المسألة الرابعة عشرة من هذا الفصل ، وتقدم ذكر بعضها في المسألة التاسعة عشرة من مبحث التكفين في الجزء الرابع.
فيصير مكانه. قال (عليه السلام) : من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته » (1)وخبر طلحة بن زيد : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل » (2). وعن التذكرة : « لو دفعه عن مكانه أثم وحل له مكثه فيه وصار أحق من غيره به ».
وفي الجواهر : « أما حق السبق في المشتركات - كالمسجد ونحوه - ففي بطلان الصلاة بغصبه وعدمه وجهان ، بل قولان ، أقواهما الثاني ، وفاقاً للعلامة الطباطبائي في منظومته ، لأصالة عدم تعلق الحق للسابق على وجه يمنع الغير بعد فرض دفعه عنه ، سواء كان هو الدافع أم غيره ، وإن أثم بالدفع المزبور لأولويته ، إذ هي أعم من ذلك قطعاً. وربما يؤيده عدم جواز نقله بعقد من عقود المعاوضة ، مضافاً إلى ما دل على الاشتراك الذي لم يثبت ارتفاعه بالسبق المزبور ، إذ عدم جواز المزاحمة أعم من ذلك ، فتأمل ».
وفيه : أن الأصل لا مجال له مع النص. وعدم جواز النقل بعقد المعاوضة غير ثابت ، ولو سلم فهو أعم من نفي الحق ، إذ ليس من لوازم الحق جواز النقل إلى الغير ، إذ لا دليل عليه. نعم جواز الاسقاط من لوازمه ، وهو بلا مانع. مضافاً إلى أنه لم يتضح اقتضاء الأولوية لحرمة الدفع ، ولو علل الحرمة بأن الدفع عدوان على نفسه كان أولى. والمناقشة في النص بضعف السند - لإرسال الأول وضعف طلحة - يمكن اندفاعها أولا : بظهور الاعتماد عليهما في الجملة. وثانياً : بأن الظاهر من محمد بن إسماعيل أنه ابن بزيع الذي هو أحد الأعيان ، والراوي عنه أحمد بن محمد
الظاهر عند الإطلاق في أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي أخرج أحمد ابن محمد بن خالد البرقي من ( قم ) لأنه يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل وطلحة قيل : إن كتابه معتمد ، والراوي عنه هذا الحديث جماعة من الأعيان ، ومنهم ابن عيسى المتقدم ، ولعل هذا المقدار كاف في إدخال الروايتين تحت خبر الثقة. وأضعف من ذلك المناقشة في الدلالة من جهة أن الأحقية في المقام يراد منها مجرد الأولوية بقرينة صيغة التفضيل ، لا كما في موارد الحقوق مثل ملك الانتفاع كي يكون التصرف في المكان تصرفاً في حق الغير. إذ يدفعها أيضاً : أن صيغة التفضيل تستعمل كثيراً مع عدم الاشتراك في المبدأ نظير ما ورد من أن الزوج أحق بزوجته ، والميت أحق بماله ما دام فيه الروح ، ونحو ذلك. ( وبالجملة ) : دلالة الكلام على منع الغير من التصرف ظاهرة ، ومنعها مكابرة ، والحمل على الاستحباب محتاج إلى قرينة صارفة ، وهي مفقودة.
نعم قد يوهنهما عدم ظهور العمل بالتحديد المذكور فيهما ، وتعارضهما فيه ، وعدم ظهور القول بإطلاقهما من حيث وجود الرجل وعدمه ، بل وإطلاق الثاني من حيث نية العود وعدمها. قال في الجواهر : « لا خلاف ولا إشكال في سقوط الحق لو قام مفارقاً رافعاً يده عنه ». وقال فيها أيضاً : « لا خلاف في سقوط حقه مع عدم الرجل وإن نوى العود وكان قيامه لضرورة من تجديد طهارة ونحوها ». نعم حكى بعد ذلك عن التذكرة القول بثبوته. أما إذا كان القيام لغير ضرورة فلا ريب ولا خلاف في سقوط حقه كما في الجواهر أيضاً. ( وبالجملة ) : مراجعة كلامهم في كتاب الاحياء تقتضي البناء على وهن الحديثين لو جمعا شرائط الحجية في أنفسهما ، فراجع.
إذا كان عالماً عامداً ، وأما إذا كان غافلا أو جاهلا أو ناسياً فلا تبطل [1]. نعم لا يعتبر العلم بالفساد ، فلو كان جاهلا بالفساد مع علمه بالحرمة والغصبية كفى في البطلان. ولا فرق بين النافلة والفريضة في ذلك [2] على الأصح.
نعم لا خلاف ولا إشكال في أن من سبق إلى مكان من المسجد فهو أحق به ما دام جالساً. وفي مفتاح الكرامة : « إجماعاً محصلا بل كاد يكون ضرورياً ». إلا أن كون معنى الأحقية ثبوت حق له في المكان بحيث يكون التصرف فيه غصباً للحق لو كان قد دفعه عنه ظلماً غير ظاهر فتأمل جيداً.
[1] تقدم الكلام في ذلك في مبحث اعتبار إباحة اللباس ، وأن المعيار في مبطلية الغصب للعبادة عدم المعذورية في مخالفة النهي فان كان معذوراً صحت العبادة ، فراجع.
[2] كما هو ظاهر الأصحاب حيث أطلقوا اعتبار الإباحة في الصلاة.
وعن المحقق : صحة النافلة في المغصوب معللا بأن الكون ليس جزءاً منها ولا شرطاً فيها.
أقول : لو لا تعليله بما ذكر لأمكن توجيهه بما عرفت من أن القول بفساد الصلاة في المكان المغصوب ليس إلا من جهة أن وضع المساجد على محلها المغصوب تصرف فيه فيبطل وتبطل الصلاة ، والنافلة لا يعتبر فيها الوضع المذكور ، بل يجزئ أقل مراتب الانحناء الحاصل بالإيماء الذي قد عرفت أنه ليس تصرفاً عرفاً في المغصوب كالركوع. لكن تعليله بذلك موجب لتوجه الاشكال عليه بأن غاية الفرق بين النافلة والفريضة أنه لا يعتبر فيها الاستقرار ، ولا الركوع والسجود ، فيجزئ فعلها ماشياً مومئاً ،
( مسألة 1 ) : إذا كان المكان مباحاً ولكن فرش عليه فرش مغصوب فصلى على ذلك الفرش بطلت صلاته ، وكذا العكس [1].
( مسألة 2 ) : إذا صلى على سقف مباح وكان ما تحته من الأرض مغصوباً ، فان كان السقف معتمداً على تلك الأرض تبطل الصلاة عليه [2] ، وإلا فلا.
والإيماء أيضاً تصرف في المغصوب كالركوع والسجود. اللّهم إلا أن يمنع حرمته بخلاف الركوع والسجود كما هو ظاهر محكي كشف اللثام ، حيث اختار صحة فعل النافلة في المغصوب ماشياً مومياً للركوع والسجود ، وبطلانها مع الركوع والسجود. ( وكيف كان ) فالظاهر أن مراد المحقق من صحة النافلة في المغصوب صحتها في الجملة ، بأن يأتي بها ماشياً مومياً ، لا صحتها ولو ركع وسجد فيها ، فان بطلان الركوع والسجود موجب لبطلانها ، اللّهم إلا أن يجتزئ بالإيماء الحاصل في ضمنها وإن لم يقصد منه البدلية. فتأمل.
[1] لأن السجود على الفراش تصرف فيه وفي الأرض معاً ، فاذا حرم أحدهما حرم السجود وبطل ، فتبطل الصلاة.
[2] كأنه لصدق التصرف في المغصوب ولو بالواسطة ، نظير الصلاة على فراش مباح مفروش على أرض مغصوبة. وفيه : منع ذلك جداً ، فان الكون على السقف تصرف فيه وليس تصرفاً فيما يعتمد عليه السقف ، وإنما هو انتفاع به ، والانتفاع بالمغصوب غير محرم ، لعدم الدليل عليه ، فان أدلة التحريم ما بين مصرح فيه بحرمة التصرف مثل التوقيع الشريف : « فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه » (1)، وبين ما هو
1) راجع الوسائل باب : 3 من أبواب الأنفال حديث : 6.
محمول عليه مثل موثق سماعة : « لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه » (1). إذ هو إما ظاهر في حرمة الإتلاف ، أو التصرف ، أو مجمل محمول على ذلك ، كيف؟ وتحليل الانتفاع الحاصل بالمجاورة - كالاصطلاء بنار الغير والاستظلال بجداره - أو بالنظر - كالتلذذ بالنظر إلى التماثيل الجميلة والصور الغريبة ، والبساتين والحدائق النضرة - أو بالسماع - كالتلذذ بالأصوات المفرحة - أو بالشم - كما في الطيب والرياحين - أو بغير ذلك مما لا يحصى كثرة كاد أن يكون من الضروريات الشرعية والعقلائية. وما دل على حرمة الظلم والعدوان غير شامل لذلك قطعاً.
ومن ذلك يظهر الاشكال فيما هو ظاهر الجواهر من حرمة الانتفاع بمال الغير كحرمة التصرف فيه ، وإن قوى الصحة في الفرض ونحوه بناء منه على عدم اتحاد الانتفاع بمال الغير مع الإجزاء الصلاتية بخلاف التصرف بمال الغير. قال (رحمه اللّه) - في مسألة الصلاة تحت الخيمة والسقف المغصوبين - : « قد تقوى الصحة وفاقاً للشهيدين في البيان والمحكي عن الروض والمحقق الجزائري في شافيته والعلامة المجلسي في البحار ، للفرق الواضح بين الانتفاع حال الصلاة وبين كون الصلاة نفسها تصرفاً منهياً عنه ، والمتحقق في الفرض الأول ، إذ الأكوان من الحركات والسكنات في الفضاء المحلل ويقارنها حالها الانتفاع بالمحرم ، وهو أمر خارج عن تلك الأكوان لا أنها من أفراده ، ضرورة عدم حلول الانتفاع فيها حلول الكلي في أفراده كما هو واضح بأدنى تأمل ». ونحوه كلامه بعد ذلك أيضاً. مضافاً إلى أن الانتفاع وإن لم يتحد مع الأفعال للصلاتية فهو متحصل بها وهي محصلاته ، فتحريمه تحريم لها ، لأن علة الحرام حرام ، فيرجع المحذور. وبذلك أيضاً يندفع إشكاله على
1) الوسائل باب : 3 من أبواب مكان المصلي حديث : 1.
لكن إذا كان الفضاء الواقع فيه السقف مغصوباً أو كان الفضاء الفوقاني الذي يقع فيه بدن المصلي مغصوباً بطلت في الصورتين [1]
( مسألة 3 ) : إذا كان المكان مباحاً وكان عليه سقف مغصوب ، فان كان التصرف في ذلك المكان يُعد تصرفا في السقف بطلت الصلاة فيه [2] ، وإلا فلا ، فلو صلى في قبة سقفها أو جدرانها مغصوب وكان بحيث لا يمكنه الصلاة فيها إن لم يكن سقف أو جدار [3] ، أو كان عسراً وحرجاً
بعض الأعيان حيث اعتبر في المكان الإباحة بحيث لا يتوجه اليه منع التصرف أو الانتفاع بوجه من الوجوه. فالعمدة في وجه صحة الصلاة ما ذكرنا من عدم صدق التصرف المحرم ، ولا يجدي صدق الانتفاع ، لعدم كونه محرماً ، فلاحظ. وتقدم في شرائط الوضوء ماله نفع تام في المقام ، فراجع.
[1] أما في الصورة الثانية : فظاهر على ما سبق. وأما في الأولى : فغير ظاهر إذ الأفعال الصلاتية ليست تصرفاً في الفضاء وإن كانت تصرفاً في السقف ، فان مماسته بالجلوس عليه أو السجود عليه أو الركوع عليه أو نحوها تصرف فيه عرفاً ، ومماسة الفضاء ليست كذلك ، بل لا معنى لتطبيق المماسة بالنسبة إليه.
[2] قد أشرنا سابقاً إلى أن الصلاة تحت السقف ليست تصرفاً فيه مطلقاً فالوجه الصحة مطلقاً ، كما في الجواهر وحكاه عن جماعة كما سبق.
[3] ما ذكر إنما يناط به صدق الانتفاع ، فان تحقق صدق ، وإلا فلا ، لا صدق التصرف فإنه غير صادق مطلقاً. وكذا الحال في الخيمة المغصوبة والأطناب والمسامير. ولأجل ما عرفت من عدم الدليل على حرمة الانتفاع بالمغصوب إذا لم يكن تصرفاً فيه لا وجه للحكم بالبطلان في جميع ذلك.
( مسألة 4 ) : تبطل الصلاة على الدابة المغصوبة [2] ، بل وكذا إذا كان رحلها أو سرجها أو وطاؤها غصباً ، بل ولو كان المغصوب نعلها.
( مسألة 5 ) : قد يقال ببطلان الصلاة على الأرض التي تحتها تراب مغصوب ولو بفصل عشرين ذراعاً ، وعدم بطلانها إذا كان شيء آخر مدفوناً فيها ، والفرق بين الصورتين مشكل [3] ، وكذا الحكم بالبطلان ، لعدم صدق التصرف في ذلك
[1] لا تخلو العبارة من تشويش ، وكان الأولى أن يقال : إذا كان بحيث يتوقف الاستظلال بالخيمة على الطنب أو المسمار المغصوب ، بأن يكون محتاجاً إليه في نصبها ، ولو لم يكن كذلك بحيث لا يتوقف الاستظلال بها حال الصلاة عليه لا يقدح كونه مغصوباً في صحة الصلاة.
[2] إذا كان السجود بالإيماء لا وجه للبطلان ، إذ لا تصرف في الدابة ينطبق على أفعال الصلاة كما سبق. نعم لو قلنا بأن الجلوس الصلاتي ينطبق على الكون على الدابة ، وأن الاستقرار على شيء من أجزاء الصلاة التي يجب فيها التعبد كان البطلان متعيناً. وكذا الحال في السرج والوطاء ، بل وكذا النعل وإن كان صدق التصرف فيه لا يخلو من خفاء.
[3] يمكن أن يكون الفرق : أن المدفون لا اعتماد عليه ولو بالواسطة
التراب أو الشيء المدفون. نعم لو توقف الاستقرار [1] والوقوف في ذلك المكان على ذلك التراب أو غيره يصدق التصرف ويوجب البطلان.
( مسألة 6 ) : إذا صلى في سفينة مغصوبة بطلت [2] وقد يقال بالبطلان إذا كان لوح منها غصباً. وهو مشكل على إطلاقه ، بل يختص البطلان بما إذا توقف الانتفاع بالسفينة على ذلك اللوح [3].
( مسألة 7 ) : ربما يقال ببطلان الصلاة على دابة خيط جرحها بخيط مغصوب. وهذا أيضاً مشكل ، لأن الخيط يعد تالفاً [4] ويشتغل ذمة الغاصب بالعوض ، إلا إذا أمكن رد الخيط إلى مالكه مع بقاء ماليته [5].
بخلاف التراب المغصوب ، فإذا بني على صدق التصرف بالاعتماد ولو بالواسطة صدق في التراب دون المدفون.
[1] قد عرفت أن هذا ليس معياراً لصدق التصرف وإنما هو معيار لصدق الانتفاع.
[2] بعين الوجه المتقدم في الأرض المغصوبة.
[3] فيه الاشكال المتقدم من أن صدق الانتفاع لا يستلزم صدق التصرف والمحرم هو التصرف دون الانتفاع.
[4] تقدم الكلام فيه في مبحث اللباس.
[5] بل لو أمكن ذلك لا مقتضي للبطلان ، إذ ليس الركوع على الدابة تصرفاً فيه ، بل ولا انتفاعاً به ، إلا إذا امتنع سير الدابة بدون الخيط ، وحينئذ يتوقف البطلان على حرمة الانتفاع بالمغصوب.
( مسألة 8 ) : المحبوس في المكان المغصوب يصلي فيه قائماً مع الركوع والسجود [1] إذا لم يستلزم تصرفاً زائداً على الكون فيه على الوجه المتعارف كما هو الغالب. وأما إذا استلزم تصرفاً زائداً فيترك ذلك الزائد ويصلي بما أمكن
[1] لأن المحبوس مضطر إلى شغل مقدار من الفراغ يساوي بدنه لا يمكنه أن يشغل ما يزيد عليه ، كما لا يمكنه أن يقتصر على ما دون سواء أكان قائماً ، أم قاعداً ، أم راكعاً ، أم ساجداً ، أم مضطجعاً ، أم مستلقياً ، أم مكبوباً على وجهه ، أم غير ذلك من الكيفيات ، فهو في جميع الحالات المذكورة شاغل مقداراً واحداً لا يزيد عليه بتمدد الجسم ولا ينقص عنه بتقلصه ، وحيث أنه لا معين لواحد من الأكوان المذكورة يتخير عقلا بينها ، فإذا أراد الصلاة وجوباً أو استحباباً لم يكن مانع من أن يصلي صلاة المختار نعم لو كان ذلك يستلزم تصرفاً زائداً - كما لو كان المكان ضيقاً يتوقف القيام فيه أو الركوع أو السجود على هدم موضع منه أو حفرة أو نحوهما - لم يجز له ذلك التصرف ، واقتصر على المقدار الممكن.
قال في الجواهر : « من الغريب ما صدر من بعض متفقهة العصر بل سمعته من بعض مشايخنا المعاصرين من أنه يجب على المحبوس الصلاة على الكيفية التي كان عليها أول الدخول إلى المكان المحبوس فيه إن قائماً فقائماً ، وإن جالساً فجالساً ، بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى في غير الصلاة أيضاً ، لما فيه من الحركة التي هي تصرف في مال الغير بغير إذنه. ولم يتفطن أن البقاء على السكون الأول تصرف أيضاً لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرف ».
أقول : ما ذكر إنما يتم بالإضافة إلى الفضاء ، أما بالإضافة إلى
من غير استلزام. وأما المضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب فلا إشكال في صحة صلاته [1].
( مسألة 9 ) : إذا اعتقد الغصبية وصلى فتبين الخلاف فان لم يحصل منه قصد القربة بطلت ، وإلا صحت [2]. وأما إذا اعتقد الإباحة فتبين الغصبية فهي صحيحة [3] من غير إشكال.
( مسألة 10 ) : الأقوى صحة صلاة الجاهل بالحكم
الأرض فالتصرف فيها بالجلوس أكثر من التصرف فيها بالقيام ، وكذا التصرف فيها بالسجود. وكذا الحال في الاستنجاء والوضوء والغسل ، فإن إراقة الماء في الأرض تصرف فيها غير التصرف في الفضاء بنفس الفعل ، وعليه فلا يجوز له الوضوء ولا الغسل ولا الاستنجاء إذا استلزم إراقة الماء في الأرض ، فتأمل جيداً. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في مباحث التيمم.
[1] لم يتضح الفرق بين المضطر والمحبوس مع أن المحبوس من أفراده عندهم ، فتخصيصه بأنه لا إشكال في صحة صلاته غير ظاهر ، بل هما واحد إشكالا ووضوحاً.
[2] حصول قصد القربة مع كون الفعل مبعداً غير كاف في صحة العبادة ، ولأجل ذلك بني على بطلان العبادة بناء على الامتناع ولو حصلت نية القربة بلحاظ الملاك ، وعليه فان بني على قبح التجرؤ واستحقاق فاعله العقاب عليه يتعين القول بالبطلان وإن حصلت نية القربة ، وإن بني على غير ذلك تعين القول بالصحة إذا حصلت نية القربة.
[3] لأن اعتقاد الخلاف يكون عذراً في مخالفة النهي ، فلا يكون الفعل مبعداً ، ولا يكون مانع من صحة العبادة.
الشرعي وهي الحرمة ، وإن كان الأحوط البطلان ، خصوصاً في الجاهل المقصر [1].
( مسألة 11 ) : الأرض المغصوبة المجهول مالكها لا يجوز التصرف فيها ولو بالصلاة [2] ، ويرجع أمرها إلى الحاكم الشرعي [3]. وكذا إذا غصب آلات وأدوات من الآجر ونحوه وعمر بها داراً أو غيرها ثمَّ جهل المالك ، فإنه لا يجوز التصرف ويجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي.
( مسألة 12 ) : الدار المشتركة لا يجوز لواحد من الشركاء التصرف فيها إلا بإذن الباقين [4].
[1] بل البطلان فيه متعين ، لعدم كونه معذوراً في مخالفة النهي ، فيكون فعله مبعداً ، فلا يمكن أن يصح عبادة. وليس الحال كذلك في القاصر.
[2] لإطلاق ما دل على حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه.
[3] لثبوت ولايته على مثل ذلك ، لقوله (عليه السلام) : « قد جعلته قاضياً » (1)أو « حاكماً » (2). بناء على أن الولاية على مثل ذلك من وظائف القضاة والحكام في عصر الجعل المذكور ، وللتوقيع المشهور : « وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواه حديثنا » ، بناء على ظهوره في أمثال ذلك من الوقائع الخارجية التي يتحير في كيفية العمل فيها لا من حيث الحكم الكلي. لكن المبنيين غير ظاهرين. وقد تعرض لوجه الحكم المذكور في المتن في كتاب الخمس في مبحث الكنز ، فراجع.
[4] لإطلاق ما دل على حرمة التصرف في مال الغير الشامل
( مسألة 13 ) : إذا اشترى داراً من المال غير المزكى أو غير المخمس يكون بالنسبة إلى مقدار الزكاة أو الخمس فضولياً [1] ، فإن أمضاه الحاكم ولاية على الطائفتين من الفقراء
للمشترك وغيره.
[1] أما في الزكاة : فلظاهر الإجماع على تعلقها بالعين ، وإن اختلف في كونه بنحو الشركة والإشاعة ، أو الكلي في المعين ، أو من قبيل حق الرهانة ، أو على نحو آخر ، وعلى كل فالتصرف في المال بالبيع أو غيره تصرف في مال الغير أو في موضوع حقه بغير إذنه يتوقف نفوذه على إذنه ويشهد له مصحح عبد الرحمن بن الحجاج : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل لم يزك إبله أو شاته عامين فباعها ، على من اشتراها أن يزكيها لما مضى؟ قال (عليه السلام) : نعم تؤخذ منه زكاتها ويتبع بها البائع ، أو يؤدي زكاتها البائع » (1).
وأما في الخمس : فالمعروف أنه متعلق بالعين على سبيل الإشاعة. ويقتضيه ظاهر أدلته. نعم قد يظهر من بعض النصوص جواز بيع المالك ويتعلق الخمس بثمنه ، ففي رواية الحرث بن حصيرة الأزدي قال (عليه السلام) لمن وجد كنزاً فباعه بغنم : « أد خمس ما أخذت ، فإن الخمس عليك ، فإنك أنت الذي وجدت الركاز وليس على الآخر شيء لأنه إنما أخذ ثمن غنمه » (2)، وفي مصحح الريان بن الصلت : « ما الذي يجب علي يا مولاي في غلة رحى أرض في قطيعة لي ، وفي ثمن سمك وبردي وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب (عليه السلام) : يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّه » (3)
والسادات يكون لهم ، فيجب عليه أن يشتري هذا المقدار من الحاكم ، وإذا لم يمض بطل وتكون باقية على ملك المالك الأول.
( مسألة 14 ) : من مات وعليه من حقوق الناس - كالمظالم أو الزكاة أو الخمس - لا يجوز لورثته التصرف في تركته [1] - ولو بالصلاة في داره - قبل أداء ما عليه من الحقوق.
وفي رواية أبي بصير المروية عن السرائر : « فيمن يكون في داره البستان فيها الفاكهة ، منها ما يأكله العيال ، ومنها ما يبيعه ، هل عليه الخمس؟ فكتب (عليه السلام) : أما ما أكل فلا ، وأما البيع فنعم ، هو كسائر الضياع » (1)لكن الأولى ضعيفة السند ، والأخيرتان غير ظاهرتين في البيع بعد استقرار الخمس بكمال السنة ، بل ولا إطلاق لهما يقتضيه ، لعدم ورودهما لبيان هذه الجهة. فالخروج عن عموم ما دل على عدم جواز التصرف بغير إذن المالك ، ومثل قولهم (عليهم السلام) : « ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس حتى يصل إلينا حقنا » (2). غير ظاهر. وتمام الكلام في كتاب الخمس وكتاب الزكاة.
[1] لوضوح أن الحقوق المذكورة من قبيل الدين كما تضمنه خبر عباد الآتي ، وهو مانع عن التصرف في التركة في الجملة بلا إشكال ولا خلاف. نعم في اقتضائه إطلاق المنع تأمل.
ومحصل ما يقال في المقام : هو أنه لا خلاف ولا إشكال في انتقال التركة إلى الوارث بمجرد موت الموروث إذا لم يكن وصية ولا دين ، كما لا خلاف أيضاً في انتقال ما يزيد على الدين والوصية معهما ، ولكن اختلفوا
في انتقالها اليه مع الدين المستوعب ، وفي انتقال تمامها مع الدين غير المستوعب على قولين : ( أحدهما ) : أنها تنتقل ، وهو المحكي عن كثير من كتب العلامة وجامع المقاصد وغيرها ، وعن ظاهر التذكرة : الإجماع عليه ، واختاره في الجواهر. ( وثانيهما ) : أنها لا تنتقل ، ونُسب إلى الحلي والمحقق والعلامة في الإرشاد وغيرهم ، وعن المسالك والمفاتيح : نسبته إلى الأكثر. وقد استدل لكل من القولين بأدلة لا تخلو من خدش أو منع والأظهر : الأخير.
والعمدة فيه : النصوص المتضمنة للترتيب بين الكفن ، والدين ، والوصية ، والميراث ، مثل خبر محمد بن قيس : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إن الدين قبل الوصية ، ثمَّ الوصية على أثر الدين ، ثمَّ الميراث بعد الوصية ، فإن أول القضاء كتاب اللّه » (1)، وخبر السكوني : « أول شيء يُبدأ به من المال الكفن ، ثمَّ الدين ، ثمَّ الوصية ، ثمَّ الميراث » (2)، وخبر عباد بن صهيب : « في رجل فرّط في إخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما يلزمه من الزكاة ، ثمَّ أوصى به أن يخرج ذلك فيدفع إلى من يجب له. قال (عليه السلام) : جائز يخرج ذلك من جميع المال إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه ، ليس للورثة شيء حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة » (3). ونحوها غيرها.
ولا ينافيها الإجماع على ملك الوارث للزائد على المقدار المساوي للوصية والدين ، بتوهم : أنها ظاهرة في نفي أصل الميراث مع أحدهما كي
يتصرف فيها بحملها على إرادة بيان أن سهام الوارث ليس مخرجها أصل المال ، بل مخرجها المقدار الزائد على الدين والوصية ، فلا تدل على حكم ، المقدار المساوي لهما ، وأنه باق على ملك الميت أو موروث للوارث ، فاذا خلت عن التعرض لذلك وجب الرجوع في تعيين حكمه إلى عموم : « ما ترك الميت فهو لورثته » (1)كما صنعه في الجواهر.
ووجه عدم المنافاة : أن ظاهر النصوص المذكورة ليس هو الترتيب الزماني ضرورة بطلانه ، بل الترتيب بمعنى الترجيح والأهمية ، فيختص بصورة التزاحم ، وهو إنما يكون في خصوص المقدار المساوي للدين أو الوصية ، فتدل على أن مقدار الدين لا مجال للعمل بالوصية فيه ولا توارث فلا تنافي إرث الزائد على الدين ، ولا وجوب العمل بالوصية فيه. كما أن مقدار الوصية لا توارث فيه ، فلا تنافي ثبوت التوارث في الزائد عليه.
وبالجملة : لما كان مفاد النصوص هو الترجيح يختص نفي التوارث فيها بما كان فيه تزاحم ، وهو خصوص ما كان مساوياً للدين ، وبخصوص الثلث الذي هو مورد وجوب العمل بالوصية ، ولا تعرض فيها لنفي الإرث في الزائد على الدين والوصية كما لا يخفى. وحملها على تحديد السهام - مع أنه يختص بما ذكر فيه السهام كالآية (2)، ولا يجري في غيره كالنصوص المتقدمة - أنه يقتضي اختصاص الإرث بمخرج السهام ، إذ لا إرث لغيره ، وذلك مناف للبناء على موروثية الجميع. ودعوى إهمالها من هذه الجهة ، وأنها متعرضة لحكم الزائد ، وأن توارثه على النحو المذكور من التسهيم ، فلا ينافي ثبوت الإرث في غيره - مع أنها خلاف الظاهر -
لازمها البناء على كون إرث المقدار المساوي للدين لا على نحو التسهيم ، إذ لا دليل حينئذ على هذا التسهيم ، ومقتضى الرجوع إلى عموم : « ما ترك الميت فهو لوارثه » في إثبات إرث المقدار المساوي للدين أن يكون ذلك على نحو الشركة ، فتأمل جيداً.
وبالجملة : ظاهر النصوص المذكورة عدم إرث المقدار المساوي للدين والوصية والكفن ، فالبناء عليه متعين ، ولأجل أنه لا مانع من البناء على ملك الميت عقلا ولا عقلائياً تعين البناء على كونه باقياً على ملك الميت. وعليه فلا ينبغي التأمل في عدم جواز تصرف الورثة في التركة ، لأنه تصرف بغير الملك ، كما أنه على القول الأول لا إشكال في تعلق الدين بالتركة في الجملة. وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه عليه » كما لا إشكال في عدم جواز التصرف بالإتلاف ونحوه مما يوجب ذهاب موضوع الحق المذكور. ثمَّ إن كان الحق قائماً بالتركة بما هي مملوكة للوارث لم يجز له التصرف الناقل للعين عن الملك ، لأن الحق كما يمنع عن إذهاب الموضوع يمنع عن إذهاب قيده ، وإن كان قائماً بذات العين لا بالقيد المذكور جاز التصرف الناقل ، وحينئذ فهل للديان حق الفسخ على تقدير تعذر الوفاء من غير العين - كما هو المشهور في حق الجناية - أو لا؟ وجهان ينشآن من كون الحق المملوك للديان هو أخذ العين من الورثة ، أو مطلقاً ، فعلى الأول : يكون له الفسخ فيرجع المشتري بالثمن على الوارث. وعلى الثاني : لا يكون له الفسخ فيأخذ العين من كل من وجدها عنده.
وكيف كان فلو قيل بالمنع من البيع ونحوه فلا وجه ظاهر للمنع عن مطلق التصرف ، ولا سيما إذا لم يكن له قيمة معتد بها عند العقلاء كالصلاة والوضوء ، بحيث تكون التركة كمال الغير لا يجوز مطلق التصرف فيها.
( مسألة 15 ) : إذا مات وعليه دين مستغرق للتركة لا يجوز للورثة ولا لغيرهم التصرف في تركته قبل أداء الدين بل وكذا في الدين غير المستغرق [1] إلا إذا علم رضا الديان [2]
وتمام الكلام في المسألة موكول إلى محله. ثمَّ إنه قد ورد في صحيح ابن سنان : « في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء. قال (عليه السلام) إذا رضي الغرماء فقد برئت ذمة الميت » (1)، وعليه فلا مانع من التصرف كما لو لم يكن دين من الأول.
[1] كما عن جامع الشرائع ، وميراث القواعد ، وحجر الإيضاح ورهنه ، وغيرها ، فلم يفرق فيها بين الدين المستغرق وغيره في المنع عن التصرف ، إذ لا أولوية لبعض من بعض في اختصاص التعلق به ، ولأن الأداء لا يقطع بكونه بذلك البعض لجواز التلف ، ولما دل على تعليق الإرث على مطلق الدين. وعن جامع المقاصد وغيره : الفرق بينهما ، ويشهد له صحيح البزنطي : « عن رجل يموت ويترك عيالا وعليه دين أينفق عليهم من ماله؟ قال (عليه السلام) : إن استيقن أن الذي عليه يحيط بجميع المال فلا ينفق عليهم ، وإن لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال » (2). ونحوه غيره. وموردهما التصرف المتلف ، فالتعدي إلى غيره أولى ، ولا سيما مع إمكان المناقشة فيما ذكر دليلا للأول بالتأمل فيما ذكرنا آنفاً. فتأمل.
[2] إذا بنينا على بقاء التركة على ملك الميت لم يجد رضا الديان في
بأن كان الدين قليلا والتركة كثيرة والورثة بانين على أداء الدين غير متسامحين ، وإلا فيشكل حتى الصلاة في داره. ولا فرق في ذلك بين الورثة وغيرهم. وكذا إذا لم يكن عليه دين ولكن كان بعض الورثة قصيراً أو غائباً أو نحو ذلك [1]
( مسألة 16 ) : لا يجوز التصرف - حتى الصلاة - في ملك الغير إلا بإذنه الصريح أو [2] الفحوى أو شاهد
جواز تصرف الوارث ، لأن المانع كونه ملكاً للميت ، وهو حاصل وإن رضي الديان بالتصرف. اللّهم إلا أن يرجع رضاه إلى إبراء ذمة الميت من الدين ، فيكون المال حينئذ ملكاً للوارث ، كما لو لم يكن دين من الأول. نعم بناء على انتقالها إلى الوارث يجدي رضا الديان في جواز التصرف ، إذ المانع حقه لا غير فيرتفع برضاه لكن عرفت أنه على هذا المبنى لا وجه للمنع عن التصرف بمثل الصلاة مما لا مجال فيه لتوهم المزاحمة مع الدين.
[1] لما تقدم من عدم جواز التصرف في المشترك إلا بإذن جميع الشركاء.
[2] أقول : ظاهر التوقيع الشريف المروي عن الاحتجاج (1)اعتبار الاذن الظاهر في الاذن الإنشائية ، وعدم الاكتفاء بالرضا النفسي. وظاهر مثل موثق سماعة (2)اعتبار الرضا النفسي ومقتضى الجمع العرفي اعتبارهما معاً ، لكن لما كانت الاذن من قبيل الطريق العرفي إلى الرضا كان الجمع العرفي بين الدليلين حمل الأول على الحكم الظاهري ، والثاني على الحكم الواقعي ، فيكون الموضوع للحكم الواقعي هو الرضا الباطني ، والموضوع للحكم الظاهري هو الاذن ، كما هو الحال في كل ما كان من هذا القبيل مما علق فيه الحكم
الحال ، والأول كأن يقول : ( أذنت لك بالتصرف في داري ) بالصلاة فقط أو بالصلاة وغيرها والظاهر عدم اشتراط حصول العلم برضاه [1] ، بل يكفي الظن الحاصل بالقول المزبور ، لأن ظواهر الألفاظ معتبرة عند العقلاء. والثاني : كأن يأذن
تارة على الطريق وأخرى على ذي الطريق ، فالمدار في الرخصة واقعاً هو الرضا الباطني ، فلو أذن المالك بالتصرف مع العلم بعدم الرضا لم يجز ، ولو علم الرضا مع عدم إنشاء الإذن جاز التصرف. ثمَّ إن ظاهر النصوص اعتبار الرضا الفعلي فلا يكتفى بالرضا التقديري المتوقف على الالتفات. لكن ظاهر الأصحاب التسالم على كفايته. وكأنهم فهموا من النصوص أنها مسوقة مساق الإرفاق بالمالك ، ولا إرفاق في المنع عن التصرف مع الرضا التقديري. أو أنهم حملوها على ذلك اعتماداً على السيرة العملية على التصرف إذا أحرز الرضا التقديري ، أو السيرة الارتكازية على جوازه معه. نعم لو كان المالك ملتفتاً إلى القضية الخارجية فلم يأذن بالتصرف غفلة عن أن التصرف صلاح له ، أو جهلا منه بذلك ، أو لاعتقاده كون المتصرف عدواً ، أو نحو ذلك من الأمور الزائدة على الالتفات في الجملة إلى القضية الخارجية ، لم يجز التصرف وإن كان راضياً تقديراً ، إذ لا دليل على الجواز حينئذ بحيث ترفع به اليد عن إطلاق دليل المنع.
[1] لما عرفت أن شرط جواز التصرف في مال الغير رضاه. فلا بد في جوازه عقلا من إحرازه ، إذ مع الشك فيه يكون المرجع أصالة عدم الرضا المترتب عليها عدم الجواز ، وإحراز الرضا إما بالعلم حقيقة أو حكماً بقيام حجة عليه ، كالبينة أو خبر العادل بناء على حجيته في الموضوعات ، أو نحو ذلك ولو كانت حجيته في خصوص المورد.
في التصرف بالقيام والقعود والنوم والأكل من ماله ، ففي الصلاة بالأولى يكون راضياً [1]. وهذا أيضاً يكفي فيه الظن على الظاهر ، لأنه مستند إلى ظاهر اللفظ إذا استفيد منه عرفاً [2] وإلا فلا بد من العلم بالرضا ، بل الأحوط اعتبار العلم مطلقاً. والثالث : كأن يكون هناك قرائن وشواهد تدل على رضاه كالمضايف المفتوحة الأبواب ، والحمامات ، والخانات ، ونحو ذلك. ولا بد في هذا القسم من حصول القطع بالرضا [3] ،
[1] يعني رضاً تقديرياً إذ قد لا يكون ملتفتاً إلى الصلاة.
[2] الاستفادة العرفية موقوفة على كون المستفاد إما تمام المعنى ، أو بعضه ، أو لازمه لزوماً بيناً بالمعنى الأخص بحيث ينتقل الذهن اليه بمجرد حضور المعنى فيه ، والصلاة بالنسبة إلى القيام والقعود والأكل والنوم ليست من هذا القبيل ، وعليه فلا تجوز الصلاة في ملك الغير بمجرد إذنه في النوم والقيام إذا كانت الاذن الإنشائية غير موجبة للعلم بالرضا بالمأذون به. نعم إذا كانت موجبة للعلم به جازت الصلاة ، لاستلزام العلم المذكور العلم بالرضا بالصلاة من جهة الأولوية. ( فإن قلت ) : إذا كانت الاذن بالنوم مثلا موجبة للظن بالرضا به استلزم الظن المذكور الظن بالرضا بالصلاة ، وكما يكفي الظن بالرضا بالنوم في جوازه لأنه مستند الى اللفظ ، فليكف الظن بالرضا بالصلاة لأنه مستند إليه أيضاً. ( قلت ) : حجية الدلالة اللفظية مختصة بالمداليل اللفظية - أعني : ما يكون بإحدى الدلالات الثلاث - لا مطلق المدلول ولو كان عقلياً ، لأن حجية الدلالة اللفظية مستفادة من بناء العقلاء ، ولم يثبت بناؤهم عليها في مطلق المدلول ، فتأمل.
[3] كما عن صريح المدارك وظاهر كثير ، لما في المتن من عدم
لعدم استناد الإذن في هذا القسم إلى اللفظ ، ولا دليل على حجية الظن غير الحاصل منه [1].
الدليل على حجية الظن الحاصل من غير اللفظ ، ودلالة الأفعال ليست كدلالة الألفاظ ، إذ دلالة الألفاظ من أجل أنها مجعولة طرقا إلى المعاني بخلاف الأفعال ، فإن دلالتها من أجل المقارنة الغالبية بين الفعل والمدلول ، ولأجل أن الاقتران الغالبي غير كاف في البناء على وجود أحد المقترنين بمجرد العلم بوجود المقارن الآخر ، بل لا بد من الملازمة بينهما في ذلك ، لا يجوز البناء على وجود ما يقارن الفعل غالباً بمجرد العلم بوجود الفعل. نعم إذا كان الفعل مجعولا طريقاً إلى شيء كاللفظ كان الاعتماد عليه في محله ، لبناء العقلاء على الحجية فيه كالألفاظ ، ويختلف ذلك باختلاف العادات كاختلاف اللغات ، ولا يبعد أن يكون فتح أبواب المضائف والمسابل من هذا القبيل ، فيجوز الدخول في المضيف والصلاة فيه بمجرد فتح بابه ، كما يجوز الوضوء والاستقاء من السبيل بمجرد فتح بابه أيضاً ، ونحوهما غيرهما ، ولا يصح قياسهما بسائر الأفعال الموجبة للظن بالرضا من جهة غلبة اقترانها به.
[1] قد عرفت بناء العقلاء على حجية الفعل المجعول طريقاً إلى الشيء كبنائهم على حجية اللفظ ، ولو لا هذا البناء لكان الجعل لغواً كما في وضع اللفظ.
هذا والمحكي عن الذخيرة والبحار : جواز الصلاة في كل موضع لا يتضرر المالك بالكون فيه ، وكان المتعارف بين الناس عدم المضايقة في أمثاله وإن فرض عدم العلم برضا المالك ، إلا أن تكون أمارة على الكراهة وأيده في الحدائق بما دل على جعل الأرض مسجداً له (صلی اللّه عليه وآله) ولأمته (1)، لمناسبة
1) راجع الوسائل باب : 7 من أبواب التيمم. وباب : 1 من أبواب مكان المصلي.
( مسألة 17 ) : يجوز الصلاة في الأراضي المتسعة [1]
الامتنان للاكتفاء بالظن. واستدل في محكي المستند - بعد ما قواه - بأصالة جواز التصرف في كل شيء. والإجماع على المنع غير ثابت في صورة الظن ، والتوقيع (1)ضعيف السند ، ومثله خبر محمد بن زيد الطبري : « لا يحل مال إلا من وجه أحله اللّه » (2)، ولضعف الاستدلال بموثق سماعة المتقدم المتضمن عدم حل مال المسلم إلا بطيب نفسه (3). وفيه : أن حرمة التصرف في مال الغير مما أجمع عليه جميع الأديان والملل كما اعترف به ، وكفى بذلك حجة عليه ، ولا حاجة إلى التمسك بالتوقيع ليورد عليه بضعف السند. مع أنه اعترف في محكي كلامه بانجباره بالشهرة ، والخلاف في المقام إنما كان في حجية الظن لا في تخصيص حرمة التصرف في مال الغير بغير رضاه بغير صورة الظن ، فان الخلاف في الحكم الظاهري لا يلازم الخلاف في الحكم الواقعي ، وموثق سماعة ظاهر في التصرف ، وحمله على خصوص الإتلاف غير ظاهر.
وبالجملة : بعد الاتفاق على الحكم الواقعي - يعني : حرمة التصرف في مال الغير بغير رضاه - يكون المرجع عند الشك في الرضا أصالة العدم ، إلا أن تقوم حجة عليه ، ومع الشك في الحجية يبنى على عدمها.
[1] كما صرح به جماعة والعمدة فيه السيرة القطعية على التصرف من دون استئذان من ملاكها. وفي عموم الحكم لصورة العلم بالكراهة إشكال ، للشك في ثبوت السيرة فيها ، وإن كان غير بعيد. أما أدلة نفي الحرج .
اتساعاً عظيماً بحيث يتعذر أو يتعسر على الناس اجتنابها وإن لم يكن إذن من ملاكها ، بل وإن كان فيهم الصغار والمجانين بل لا يبعد ذلك وإن علم كراهة الملاك ، وإن كان الأحوط التجنب حينئذ مع الإمكان.
والضرر (1): فلا مجال للتمسك بها ، لاختصاصها بالحرج والضرر الشخصيين وهما غير محل الكلام ، ولو سلم فلا تصلح لإثبات الجواز ، لأنها امتنانية ، والأدلة الامتنانية لا تجري إذا لزم من جريانها خلاف الامتنان في حق الغير.
وأما ما يقال من أن أدلة نفي الحرج والضرر والضرار لا تصلح لتحليل أموال المسلمين المحرمة بالكتاب والسنة وفطرة العقل مجاناً بلا عوض ، وإلا لاقتضى ذلك إباحة كثير من المحرمات ، ولعله بعموم التحريم يستكشف أنه لا حرج لا يتحمل في الحرمة المزبورة. فضعيف أولا : بأن محل الكلام مجرد الجواز لا نفي العوض. وثانياً : بأنه لا محذور في تحليل المحرمات بأدلة نفي الحرج ، إذ لا يتضح فرق بين الواجبات والمحرمات ، فكما أنها تقتضي نفي الوجوب لو كان حرجياً كذلك تقتضي نفي التحريم لو كان حرجياً. وثالثاً : بأن تطبيق أدلة الحرج يتوقف على إحراز ثبوته كما هو المفروض ، ومعه لا مجال لأن يستكشف عدمه من عموم التحريم. فالعمدة في عدم جواز تطبيق أدلة نفي الحرج ونحوها في المقام ما ذكرنا من لزوم خلاف الامتنان. ولو جرت لم تصلح لإثبات كون التصرف مجانياً ، إذ لا حرج في ثبوت القيمة ، فعموم ضمان مال المسلم بحاله غير محكوم عليه بها. هذا كله إذا فرض ثبوت الحرج في ترك التصرف ، لكنه ليس محل الكلام أيضاً ، بل محله ما يلزم من تركه حرج نوعاً ، فإنه المراد مما في المتن من
1) تقدمت الإشارة إليها في الجزء الأول صفحة : 70 و 203 فراجع.
( مسألة 18 ) : تجوز الصلاة في بيوت من تضمنت الآية جواز الأكل فيها بلا إذن [1] مع عدم العلم بالكراهة [2] كالأب والأم والأخ والعم والخال والعمة والخالة ومن ملك الشخص مفتاح بيته والصديق. وأما مع العلم بالكراهة فلا يجوز بل يشكل مع ظنها أيضاً [3].
قوله (رحمه اللّه) : « بحيث يتعذر أو يتعسر ».
[1] لأن تجويز الشارع الأقدس للأكل مع عدم الاذن الثابت كتاباً وسنة بل وإجماعاً - كما في الجواهر - راجع إلى حجية ظهور الحال في الرضا من المالك بالأكل ، فيكون حجة على الرضا بالصلاة ، لأنها أولى ، فتأمل. والآية الكريمة هي قوله تعالى ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً ) (1).
[2] بلا خلاف أجده فيه ، كما في الجواهر.
[3] بل ظاهر محكي كشف اللثام الإجماع على المنع معه ، لانصراف الآية الشريفة عنه فيرجع إلى أصالة المنع. لكن لا يظهر للانصراف وجه غير الغلبة ، وفي اقتضائها للانصراف المعتد به في رفع اليد عن الإطلاق إشكال أو منع ، فالإطلاق محكم ، المقتصر في الخروج عنه على خصوص العلم بالكراهة ، لظهور الإجماع الكاشف عن أن الحكم المذكور ظاهري ، والحكم الظاهري لا مجال له مع العلم بالواقع. ( فان قلت ) : إذا كان
1) النور - 61.
( مسألة 19 ) : يجب على الغاصب الخروج من المكان المغصوب [1] ، وإن اشتغل بالصلاة في سعة الوقت يجب قطعها [2]
الحكم المذكور ظاهرياً فملاكه جعل الظهور الحالي طريقاً إلى الرضا ، فمع الظن بالكراهة لا طريق إلى الرضا ليثبت لأجله الترخيص. ( قلت ) : الظهور الحالي المجعول طريقاً هو الظهور النوعي الذي لا ينافيه الظن بالخلاف ، وتخصيصه بالظهور الشخصي خلاف الظاهر ، ولو سلم كان اللازم اعتبار الظن بالرضا ، فلا يجوز الأكل مع الشك فيه ، كما لا يجوز مع الظن بالكراهة ، فلاحظ.
[1] الخروج : عبارة عن الحركة إلى المكان المباح ، وهذه الحركة لما كانت في المغصوب كانت محرمة ، وحيث أنها بالاختيار الملازم لاختيار الدخول كانت معصية كما ذهب إليه أبو هاشم. وما عن المنتهى من أن هذا القول باطل عندنا ، وما عن التحرير من أنه أجمع الفضلاء على تخطئة أبي هاشم في هذا المقام غير ظاهر ، كما هو موضح في الأصول. وحينئذ فوجوب الخروج لا يراد منه الوجوب النفسي ، لما عرفت من أنه غصب كالدخول ، ولا الوجوب الغيري ، إذ ليس هو إلا مقدمة للكون في خارج المغصوب ، وليس هو بواجب ، بل الواجب ترك الكون في المغصوب ، لكن لما كان يلازمه الكون في المباح كان الكون المذكور واجباً بالعرض ، فتكون مقدمته - أعني : الخروج - واجباً كذلك ، فوجوب الخروج ليس إلا مقدمي عرضي.
[2] الصلاة المذكورة باطلة ، فكأن المراد وجوب قطعها بالخروج ، لكن الخروج قد لا يقتضي قطعها لعدم استلزامه لبعض المنافيات لها.
وإن كان في ضيق الوقت يجب الاشتغال بها حال الخروج [1]
[1] على المشهور ، بل قيل : يظهر من بعض أنه لا خلاف فيه. وكأن ذلك منهم لبنائهم على كون التصرف بالخروج مباحاً ، وحينئذ لا مانع من صحة الصلاة لا مكان التقرب بها ، ولأجل أن الركوع والسجود يوجبان مزيد المكث في المغصوب وجب الانتقال إلى الإيماء ، ولا يجب حينئذ القضاء ، لأنه فرع الفوت وهو غير حاصل بفعل الصلاة الناقصة ، لأن المراد من الفوت فوت أصل الفريضة لا الفريضة الكاملة. لكن في اقتضاء الركوع المكث الزائد منع ظاهر ، لعدم استلزامه الاستقرار بخلاف السجود ، فالبناء على إطلاق بدلية الإيماء عنه غير ظاهر. مضافاً إلى ما عرفت من فساد المبنى ، وأن الخروج محرم كالدخول ، فوقوعه من الغاصب مبعد له ، ويمتنع معه التقرب بالتصرف في حاله. اللّهم إلا أن يمنع من شمول التحريم لمثل التصرف بالقراءة والإيماء ، لكنه في غير محله كما سبق.
فان قلت : قد سبق أن الظاهر أن القراءة ليس تصرفاً في المغصوب لأنها كيفية قائمة بالصوت ، وكذلك الإيماء يراد منه الهيئة القائمة بالجسم ، وليست من التصرف المحرم.
قلت : هو مسلم ، لكنهما موقوفان على حركة الفم والرأس ويمتنع التكليف بما يتوقف على الحرام ، إلا أن ترفع اليد عن حرمته ، لكنه في المقام ليس كذلك قطعاً. وعلى هذا أيضاً يشكل الوجه في وجوب الصلاة بالكيفية المذكورة.
إلا أن يقال : بعد اضطراره إلى الغصب - ولو بسوء الاختيار - يجب عليه عقلا الصلاة بالقراءة والإيماء فراراً عن محذور المعصية بترك الصلاة ، لأن المانع من وجوبها ليس عدم إمكان التقرب بها ، لكون
مع الإيماء للركوع والسجود ، ولكن يجب عليه قضاؤها أيضاً إذا لم يكن الخروج عن توبة وندم ، بل الأحوط القضاء وإن كان من ندم وبقصد التفريغ للمالك [1].
المفروض عدم انطباق الواجب على ما هو الحرام ، بل المانع توقفها على الحرام ، فاذا فرض الوقوع في الحرام على كل حال والاضطرار اليه وجب عقلا الوقوع في خصوص الفرد المترتب عليه الواجب تحصيلا لغرض الشارع اللّهم إلا أن يكون فرضه في مثل هذه الحال الصلاة بمحض الاخطار ، لأن كل ما عداها من المراتب يمتنع التكليف به ، والصلاة لا تترك بحال (1). لكن لم يتحقق هذا الحديث ، فيشكل الاكتفاء بالصلاة الاخطارية ، والبناء على عدم وجوب القضاء. هذا ولأجل الإشكال في صحة الصلاة بالإيماء لم يكتف بها في المتن ، بل ألزم بوجوب القضاء ، لكن كان المناسب أن يجعل وجوب الأداء أو القضاء من باب الاحتياط ، لا من باب الفتوى بالوجوب كما لعله ظاهر.
[1] ربما فصل بين كون الخروج صادراً عن توبة وندم ، وكونه لا عن ذلك ، فيحكم بوجوبه في الأول ، لعدم كونه محرماً ، ولا معصية بعد سبقه بالتوبة ، بخلاف الثاني فيكون محرماً لا غير بناء على امتناع اجتماع الأمر والنهي. هذا بناء على كونه مقدمة للتخلص الواجب ، أما بناء على بطلان ذلك - كما تقدم تحقيقه - يكون حاصل التفصيل أنه حرام في الثاني دون الأول ، فتصح الصلاة فيه. وفيه : أن التوبة لا ترفع الحرمة ، ولا ترفع كونه معصية ، لأن كونه محرماً ومعصية من قبيل الموضوع لها ، فيمتنع
1) ينقل المؤلف - دام ظله - هذا الحديث في الجزء السادس بلفظ ( لا تسقط الصلاة بحال ) ويذكر عدم وجدانه إلا في الجواهر.
( مسألة 20 ) : إذا دخل في المكان المغصوب جهلا أو نسياناً أو بتخيل الإذن ثمَّ التفت وبان الخلاف ، فان كان في سعة الوقت لا يجوز له التشاغل بالصلاة [1] ،
ارتفاعهما بها ، وإنما ترفع حسن العقاب ، وحينئذ فإن كان المانع من صحة العبادة كون الخروج محرماً ومعصية فالتوبة لا تجدي في صحة العبادة ، وإن كان المانع كون الفعل يحسن العقاب عليه كانت التوبة مجدية في صحة العبادة وحيث أن الأظهر الثاني فالتفصيل في الصحة وعدمها بين التوبة وعدمها في محله. هذا وقد يظهر من الجواهر أن التوبة إنما يترتب عليها الأثر إذا كانت بعد الفعل لا قبله. ولكنه غير ظاهر في مثل الفرض ، أعني : ما لو فعل ما هو علة تامة في الوقوع في المعصية.
[1] لمنافاته لوجوب التخلص عن التصرف في مال الغير بغير إذنه ، فيحرم عقلا. لكن لو تشاغل بالصلاة أمكن القول بصحتها إذا كان زمانها مساوياً لزمان الخروج أو أقل منه ، لأن ذلك المقدار من التصرف مضطر اليه لا عن سوء الاختيار ، فلا يكون حراماً ، فلا مانع من صحته إذا كان معنوناً بعنوان الصلاة ، غاية الأمر أنه لو صلى كذلك وقع في التصرف في المغصوب زائداً على المقدار المضطر اليه ، لكن التشاغل بالصلاة ليس مقدمة لذلك ، بل هو ملازم له ، لأن الخروج مقدمة للكون في المكان المباح الملازم لترك الغصب ، فترك الخروج علة لعدم الكون في المكان المباح الملازم للتصرف في المغصوب ، والتشاغل بالصلاة ملازم لترك الخروج الملازم للحرام. نعم إذا كان زمان الصلاة يزيد على زمان الخروج فبعض الصلاة يكون تصرفاً غير مضطر اليه محرماً. وكذا لو أذن له المالك بالخروج ونهاه عن التشاغل ، إذ الإذن المذكورة رافعة للاضطرار إلى الحرام ، فالتشاغل
وإن كان مشتغلا بها وجب القطع [1] والخروج ، وإن كان في ضيق الوقت اشتغل بها حال الخروج [2] سالكاً أقرب الطرق ، مراعياً للاستقبال بقدر الإمكان ، ولا يجب قضاؤها وإن كان أحوط [3] لكن هذا إذا لم يعلم برضا المالك بالبقاء بمقدار الصلاة ، وإلا فيصلي ثمَّ يخرج. وكذا الحال إذا كان مأذوناً من المالك في الدخول ثمَّ ارتفع الاذن [4] برجوعه عن إذنه ، أو بموته والانتقال إلى غيره.
( مسألة 21 ) : إذا أذن المالك بالصلاة خصوصاً أو عموماً ثمَّ رجع عن إذنه قبل الشروع فيها وجب الخروج في سعة الوقت [5] ،
بالصلاة تصرف محرم.
[1] بناء على ما ذكرنا من إمكان دعوى صحة الصلاة فوجوب القطع للمزاحمة بين حرمة القطع وحرمة الغصب ، والثانية أهم. نعم على تقدير البطلان تكون الصلاة باطلة منقطعة.
[2] ويسقط وجوب الاستقرار والسجود ، لمنافاتهما للخروج الواجب ، المقدم دليله على دليلهما ، ويومئ حينئذ إلى السجود. وأما الركوع فان كان مستلزماً لزيادة المكث أومأ بدلا عنه ، وإلا وجب فعله.
[3] لما سيأتي عن ابن سعيد وغيره.
[4] فان التصرف حينئذ يكون عن عذر فيجري عليه ما تقدم كما سيذكره في المسألة الآتية.
[5] هذا القيد غير ظاهر ، لأن الخروج واجب في السعة والضيق ، غاية الأمر أنه في السعة يصلي بعد الخروج ، وفي الضيق يصلى حال الخروج
وفي الضيق يصلي حال الخروج [1] على ما مر. وإن كان
فكأن السعة قيد لأمر مقدر.
[1] كما هو المشهور ، لما سبق في المسألة السابقة. وعن ابن سعيد : أنه نسب صحة هذه الصلاة إلى القيل ، وقد يظهر منه التوقف فيها. ومثله ما عن منظومة الطباطبائي. قال في الجواهر : « لعله لعدم ما يدل على صحتها ، بل قد يدعى وجود الدليل على العدم باعتبار معلومية اعتبار الاستقرار والركوع والسجود ونحو ذلك ، ولم يعلم سقوطها هنا ، والأمر بالخروج بعد الاذن في الكون وضيق الوقت وتحقق الخطاب بالصلاة غير مجد ، فهو كما لو أذن له في الصلاة وقد شرع فيها وكان الوقت ضيقاً مما ستعرف عدم الإشكال في إتمام صلاته ، فالمتجه حينئذ عدم الالتفات إلى أمره بعد فرض كونه عند الضيق الذي هو محل الأمر بصلاة المختار والمرجح على أمر المالك بسبق التعلق ، فلا جهة للجمع بينهما بما سمعت ، بل يصلي صلاة المختار مقتصراً فيها على الواجب مبادراً في أدائها على حسب التمكن لكن لم أجد قائلا بذلك ، بل ولا أحد احتمله ». ولا يخفى ما فيه ، لأن قاعدة حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه تقتضي عجزه عن كل شرط وجزء للصلاة مناف للخروج ، فيسقط ، فان كان له بدل - كالسجود - انتقل إلى بدله ، وإلا سقط بلا بدل. وقياس المقام على ما لو رجع في أثناء الصلاة - مع أنه قياس مع الفارق - لا يجدي للمنع في المقيس عليه. وليس ذلك من باب ترجيح أمر المالك على الأمر بصلاة المختار ، ليرجح العكس للسبق ، بل هو لورود دليل النهي عن التصرف بغير إذن المالك على دليل الشرائط والأجزاء الذي عليه العمل في جميع الموارد. مع أن السبق الزماني من حيث هو ليس من المرجحات كما هو ظاهر ، ولا فرق
ذلك بعد الشروع فيها فقد يقال بوجوب إتمامها مستقراً [1] وعدم الالتفات إلى نهيه وإن كان في سعة الوقت إلا إذا كان موجباً لضرر عظيم على المالك. لكنه مشكل ، بل الأقوى وجوب القطع في السعة [2] ، والتشاغل بها خارجاً في الضيق
بين أن يكون الأمر بالخروج رجوعاً عن الأمر السابق أولا ، لجريان ما ذكرنا في المقامين. والفرق بينهما - كما يظهر من الجواهر في كلام له بعد ذلك - غير ظاهر.
[1] قال في الذكرى : « لو نهى الآذن في القرار عن الصلاة لم يصل فان نهى في الأثناء فالإتمام قوي للاستصحاب ، ولأن الصلاة على ما افتتحت عليه ». وحكي ذلك عن البيان. وفي حاشية المدارك : « في شمول النهي - يعني نهي المالك - لهذه الصورة تأمل ، لأن المفروض أن المالك رخصه وأذن له بقدر الصلاة ويعلم قدر الصلاة ويعلم أنه يجب عليه إتمام الصلاة ويحرم عليه قطعها ، على أنه لعله في هذا القدر يدخل في أمر لا يمكن شرعاً قطعه ، كما لو كان مشغولا بجماع أو غيره مما لا يتيسر له القطع ، لأنه ربما يقتله أو يضره ضرراً عظيماً أو غير عظيم ، إذ لا ضرر ولا ضرار ، فيمكن أن تكون الصلاة أيضاً من قبيل الأمور المذكورة .. ».
[2] كما عن كتب كثيرة - منها جامع المقاصد والروض والمسالك ومجمع البرهان والمدارك - عملا بما دل على حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه وعن الإرشاد ، ونسب إلى جماعة : أنه يصلي في حال الخروج ولو في سعة الوقت.
ومحصل الكلام : أن المقام مورد طوائف ثلاث : إحداها : ما دل على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه. ثانيتها : ما دل على حرمة
قطع الصلاة. ثالثتها : ما دل على وجوب صلاة المختار. وهذه الطوائف الثلاث لما لم يمكن العمل بها أجمع ، يدور الأمر بين طرح الأولى فيتعين القول الأول ، وطرح الثانية فيتعين القول الثاني ، وطرح الثالثة فيتعين القول الثالث. لكن الطائفة الثانية لا تصلح لمعارضة الطائفتين الأخريين ، لأن موضوع حرمة القطع العمل الصحيح ، ومع حرمة التصرف يمتنع التقرب فيبطل العمل. وكذا مع وجوب صلاة المختار لا تكون الصلاة في حال الخروج موضوعاً للامتثال لتصح ويحرم قطعها. وعليه يتعين القول الثاني كما عرفت. نعم لو فرض حرمة القطع في المقام يتعين سقوط القاعدة الثالثة ، لأن حرمة التصرف توجب العجز عن الصلاة المختار ، فيتعين القول الثالث. وأما القول الأول المبني على سقوط القاعدة الأولى فما سبق من وجهه ضعيف جداً ، كما يظهر بأقل تأمل فيما ذكرنا. وأما قياس المقام على الاذن في الرهن والدفن حيث لا يجوز الرجوع فيهما عن الاذن - بمعنى : أن لو رجع لا يترتب أثر عليه - ففيه : أن الرهن يوجب حقاً للمرتهن في العين ثابتاً بإذن المالك ، فالرجوع لما لم يكن موجباً لزوال الحق ، إذ لا دليل عليه ، بل هو خلاف قاعدة السلطنة على الحقوق نظير السلطنة على الأموال ، لم يؤثر الرجوع أثراً. وثبوت حق الصلاة للمأذون في الصلاة غير ظاهر ، بل لا يظن التزامه من أحد. وفي الدفن قام الإجماع على حرمة نبش من دفن بوجه مشروع حال الدفن ، ولما لم يكن الرجوع عن الاذن رافعاً لذلك الموضوع ، لامتناع انقلاب ما وقع عما وقع عليه ، لم يؤثر الرجوع في جواز النبش. وليس المقام كذلك ، لاعتبار الإباحة في جميع أجزاء الصلاة ، ولا يختص اعتبارها بأول الأجزاء. وأما قاعدة أن الاذن في الشيء إذن في لوازمه : فلو صحت فغاية ما تقتضيه أن لوازم الصلاة
خصوصاً في فرض الضرر على المالك.
( مسألة 22 ) : إذا أذن المالك في الصلاة ، ولكن هناك قرائن تدل على عدم رضاه ، وأن إذنه من باب الخوف أو غيره لا يجوز أن يصلي [1] ، كما أن العكس بالعكس.
( مسألة 23 ) : إذا دار الأمر بين الصلاة حال الخروج من المكان الغصبي بتمامها في الوقت أو الصلاة بعد الخروج وإدراك ركعة أو أزيد ، فالظاهر وجوب الصلاة في حال الخروج ، لأن مراعاة الوقت أولى [2] من مراعاة الاستقرار والاستقبال والركوع والسجود الاختياريين.
تكون بالاذن اللازم للإذن في الصلاة ، وأين هذا من إثبات جواز المضي في الصلاة بعد الرجوع عن الاذن فيها؟! نعم لو كان إتمام الصلاة من لوازم الشروع فيها جاز بمجرد الاذن في الشروع ، لكن عرفت منع ذلك وأن إباحة المكان شرط في الإتمام على نحو شرطيتها في الشروع ، فمع انتفائها يمتنع الإتمام. فلاحظ وتأمل.
[1] تقدم أن موضوع الجواز واقعاً هو الرضا الواقعي ، وأن الجواز مع الاذن جواز ظاهري إنما يعمل عليه مع الشك في الرضا الباطني ، لا مع العلم بالحال وجوداً أو عدماً. فراجع.
[2] هذا في الجملة من القطعيات ، ويقتضيه جميع ما دل على لزوم الانتقال إلى الأبدال الاضطرارية في الوقت عند عدم التمكن من الفرد الاختياري فيه وإن تمكن منه في خارج الوقت. نعم قد يشكل من جهة ما دل على أن من أدرك ركعة من الصلاة في الوقت فقد أدرك الصلاة فيه (1). لكن تقدم اختصاصه بصورة ما لو فات الوقت إلا مقدار ركعة
1) راجع المسألة : 11 من فصل أوقات اليومية ونافلتها في هذا الجزء.
( الثاني ) : من شروط المكان : كونه قاراً فلا تجوز الصلاة على الدابة [1] ،
فلا يدل على جواز التأخير إلى أن تبقى ركعة ، فعموم ما دل على وجوب إيقاع تمام الصلاة في الوقت بحاله ، ومقتضى الجمع بينه وبين ما دل على الابدال الاضطرارية وجوب البدل.
فان قلت : المراد من الركعة الركعة التامة ومقدارها يسع الصلاة الاضطرارية ، وحينئذ فدليل : « من أدرك ركعة » يقتضي تعين إيقاع ركعة تامة في الوقت والباقي خارج الوقت ، وعدم الاكتفاء بالبدل الاضطراري وإن وقع تمامه في الوقت.
قلت : هذا مسلم ، لكنه يختص بخصوص مورد : « من أدرك » وهو ما لو لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة تامة ، لا في مثل المقام مما بقي منه أكثر من ذلك. وقد تقدم نظير ذلك في بعض مسائل التيمم لضيق الوقت. فراجع.
[1] لا إشكال ولا خلاف في عدم جواز الصلاة على الدابة إذا كان يفوت بعض ما يعتبر فيها من استقبال أو قيام أو طمأنينة أو غيرها مما يعتبر في الصلاة ، بل ادعي عليه إجماع المسلمين. ويقتضيه ما دل على اعتبار ذلك في صحتها ، المعتضد بما دل بالخصوص على عدم جواز فعل الفريضة على الدابة ، كصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا يصلى على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة ، وتجزؤه فاتحة الكتاب ، ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء ، ويومئ في النافلة إيماء » (1)، ورواية عبد اللّه بن سنان : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) :
1) الوسائل باب : 14 من أبواب القبلة حديث : 1.
أو الأرجوحة [1] ،
أيصلي الرجل شيئاً من المفروض راكباً؟ قال (عليه السلام) : لا ، إلا من ضرورة » (1)ونحوهما غيرهما.
هذا وليس في النصوص المذكورة دلالة على اعتبار الاستقرار في الصلاة بمعنى الطمأنينة ، فضلا عن اعتباره بمعنى آخر ، لأنه إن بني على الجمود على ما تحت العبارة فيها دلت على مانعية الكون على الدابة تعبداً من حيث هو ، فيكون عدم الكون على الدابة شرطاً في قبال سائر الشرائط ، فلا ربط له بالاستقرار ولا بغيره. وإن بني على ظهورها في كون وجه النهي كون الصلاة على الدابة فاقدة لما يعتبر فيها ، فالفقدان لا يختص بالاستقرار ، فإن الصلاة على الدابة على النحو المتعارف فاقدة للاستقرار والقيام والاستقبال والسجود على المساجد السبعة ، ولا قرينة على كون النهي من جهة خصوص فقد الاستقرار ، كي تكون دليلا على شرطيته. فالعمدة في اعتبار الاستقرار - بمعنى الطمأنينة - ما دل على اعتباره بالخصوص من الإجماع والنص ، الآتي التعرض لهما في محله من أفعال الصلاة ، فانتظر.
[1] لا إشكال أيضاً في عدم صحة الصلاة على الأرجوحة إذا كان يفوت بعض ما يعتبر في الصلاة ، لأدلة الاعتبار كما في الدابة ، ويشير اليه خبر ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « عن الرجل هل يصلح له أن يصلي على الرف المعلق بين نخلتين؟ فقال (عليه السلام) : إن كان مستوياً يقدر على الصلاة عليه فلا بأس » (2)، لظهوره في اعتباره تمامية الصلاة لو وقعت فوقه. نعم بناء على ظهوره في المسمر بالمسامير يدل على حكم الأرجوحة بالأولوية.
أو في السفينة [1] ونحوها مما يفوت معه استقرار المصلي.
[1] المحكي عن جامع المقاصد والجعفرية وشرحها : أنه لا تجوز الصلاة في السفينة مع عدم التمكن من استيفاء الأفعال. وعن ظاهر المبسوط والنهاية والوسيلة ونهاية الأحكام والمدارك : الجواز مطلقاً. وكأنهم اعتمدوا على إطلاق بعض النصوص كصحيح جميل : « أنه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : تكون السفينة قريبة من الجدد فاخرج وأصلي؟ قال (عليه السلام) : صل فيها ، أما ترضى بصلاة نوح (عليه السلام) »؟ (1)، وموثق المفضل بن صالح : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفرات وما هو أضعف منه من الأنهار في السفينة فقال (عليه السلام) : إن صليت فحسن وإن خرجت فحسن » (2). ونحوهما غيرهما.
وفيه : أن الظاهر منها السؤال عن حيثية الصلاة في السفينة ، وأن كونها في السفينة مانع عن صحتها أم لا؟ كما يقتضيه القياس بنظائره ، كما لو سئل عن الصلاة ضاحكاً أو متكتفاً أو ملتفا أو نحو ذلك ، فالجواب بنفي البأس إنما يقتضي الصحة من هذه الجهة ولا يقتضي الصحة من الجهات الأخر كما لا يخفى ، فلا إطلاق فيها يقتضي الجواز ولو مع عدم استيفاء سائر الواجبات. نعم الظاهر من تخصيص السفينة بالسؤال دون سائر الأماكن التي يصلي فيها كون الحيثية المنظورة بالسؤال ملازمتها دائماً للحركة التبعية ، فمرجع السؤال عن الصلاة في السفينة إلى السؤال عن مانعية الحركة المذكورة ، فالجواب بنفي البأس يقتضي عدم قدحها في صحة الصلاة ولا تعرض في النصوص لسائر الجهات.
هذا ، مضافاً إلى معارضتها بغيرها مما دل على عدم جواز الصلاة في
نعم مع الاضطرار - ولو لضيق الوقت عن الخروج من السفينة مثلا - لا مانع [1] ، ويجب عليه حينئذ مراعاة الاستقبال
السفينة اختياراً مثل مصحح حماد بن عيسى : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول (عليه السلام) : إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا ، فان لم تقدروا فصلوا قياماً ، فان لم تستطيعوا فصلوا قعوداً وتحروا القبلة » (1)، وما في خبر علي بن إبراهيم : « ولا يصلي في السفينة وهو يقدر على الشط » (2). فان الجمع بينهما يتعين إما بحمل الأخيرة على الاستحباب ، أو بالحمل على صورة عدم إمكان الصلاة تامة ، والثاني هو المتعين ، لأن الأول خلاف الترغيب عليها بمثل قوله (عليه السلام) : « أما ترضى بصلاة نوح (عليه السلام)؟ » بل لعل الترغيب المذكور بنفسه قرينة على إرادة خصوص الصلاة التامة ، فلاحظ. وبالجملة دعوى جواز الصلاة في السفينة ولو ناقصة ضعيفة جداً.
[1] بلا خلاف ظاهر ، كما صرح به في خبر ابن سنان السابق ، ونحوه غيره مما هو مصرح بالجواز فيه ، أو ظاهر فيه ، مثل ما تضمن الجواز للمريض ، أو يوم الوحل ، أو المطر. وأما خبر منصور بن حازم قال : « سأله أحمد بن النعمان فقال : أصلي في محملي وأنا مريض؟ فقال (عليه السلام) : أما النافلة فنعم ، وأما الفريضة فلا. قال : وذكر أحمد شدة وجعه. فقال (عليه السلام) : أنا كنت مريضاً شديد المرض فكنت آمرهم إذا حضرت الصلاة فينحوني فاحتمل بفراشي فأوضع وأصلي ثمَّ أحتمل بفراشي فأوضع في محملي » (3)
والاستقرار بقدر الإمكان ، فيدور حيثما دارت الدابة أو السفينة [1]. وإن أمكنه الاستقرار في حال القراءة. والأذكار والسكوت خلالها حين الاضطراب وجب ذلك مع عدم الفصل الطويل الماحي للصورة ، وإلا فهو مشكل [2].
( مسألة 24 ) : يجوز في حال الاختيار الصلاة في السفينة [3] أو على الدابة [4] الواقفتين مع إمكان مراعاة جميع الشروط من الاستقرار والاستقبال ونحوهما ، بل الأقوى جوازها مع
فمحمول على صورة عدم الضرورة بقرينة غيره مما عرفت ، ولا وجه لحمله على الاستحباب كما عن الشيخ.
[1] لأن الضرورة تقدر بقدرها ، ولخبر محمد بن عذافر : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل يكون في وقت الفريضة لا تمكنه الأرض من القيام عليها ولا السجود عليها من كثرة الثلج والماء والمطر والوحل أيجوز له أن يصلي الفريضة في المحمل؟ قال (عليه السلام) : نعم هو بمنزلة السفينة إن أمكنه قائماً ، وإلا قاعداً وكل ما كان من ذلك فاللّه أولى بالعذر ، يقول اللّه عز وجل ( بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) (1)» (2).
[2] بل الظاهر وجوب التشاغل بالذكر والقراءة ، لأن مانعية السكوت الماحي للصورة أهم من شرطية الاستقرار.
[3] قال في جامع المقاصد : « أما السفينة الواقفة فيجوز اتفاقاً مع عدم الحركات الفاحشة ». وتقتضيه النصوص المتقدمة بالإطلاق أو بالأولوية لظهور بعضها في السائرة.
[4] قال في القواعد : « وفي صحة الفريضة على بعير معقول أو
أرجوحة معلقة بالحبال نظر ». وقال في مفتاح الكرامة : « منع من الصلاة عليهما في المنتهى والإيضاح والموجز الحاوي والجعفرية وشرحيها وحاشية الفاضل الميسي ، لكونه في الأول بمعرض الزوال كالدابة ». ويظهر من التعليل المفروغية عن المنع في الدابة الواقفة. ( وكيف كان ) فالمنع إما لما ذكر الموجب لعدم الجزم بالنية ، أو لمخالفته لقوله تعالى ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ) (1)- كما عن الإيضاح - لأن المراد بالمحافظة عليها المداومة وحفظها عن المفسدات والمبطلات ، وإنما يتحقق ذلك في مكان اتخذ للقرار وإما لقوله (صلی اللّه عليه وآله) : « جعلت لي الأرض مسجداً » (2)- أي : مصلى - فلا يصح إلا فيما معناها ، وإنما عديناه إليه بالإجماع ، وغيره لم يثبت كما عن الإيضاح أيضاً ، أو لإطلاق النصوص الناهية عن الصلاة على الدابة. لكن الأول مبني على اعتبار الجزم بالنية ، والمبني ممنوع ، مع أنه لا يقتضي المنع مطلقاً. والثاني : ممنوع ، لأن الظاهر منه الإتيان بها على الوجه الصحيح. والثالث : يراد من الأرض فيه ما يقابل المسجد ، فالمراد عدم اعتبار وقوع الصلاة في المساجد. والرابع : وإن كان مقتضى الجمود عليه هو مانعية الكون على الدابة عن صحة الصلاة كما أشرنا إليه سابقاً ، إلا أن التأمل في النصوص يشرف على القطع بأن المراد إيقاعها على الدابة على النهج المتعارف المستلزم لفوات كثير من الواجبات ، فان قوله (عليه السلام) في مصحح عبد الرحمن : « لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة ، وتجزؤه فاتحة الكتاب ، ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء ، ويومئ في النافلة إيماء » (3)لا يراد منه عدم جواز إيقاع الفريضة تامة لغير المريض
كونهما سائرتين إذا أمكن مراعاة الشروط ولو بأن يسكت حين الاضطراب عن القراءة والذكر مع الشرط المتقدم ويدور إلى القبلة إذا انحرفتا عنها ، ولا تضر الحركة التبعية بتحركهما [1] وإن كان الأحوط القصر على حال الضيق والاضطرار.
( مسألة 25 ) : لا تجوز الصلاة على صبرة [2] الحنطة وبيدر التبن وكومة الرمل مع عدم الاستقرار. وكذا ما كان مثلها.
وجوازه له. وكذا ما في خبر ابن سنان : « أيصلي الرجل شيئاً من المفروض راكباً؟ قال (عليه السلام) : لا ، إلا من ضرورة » (1)، لا يراد منه ذلك أيضاً. ويشهد له ما ورد في جواز النافلة على الدابة والفريضة عند الضرورة من الثلج والوحل والماء والمطر وغير ذلك (2)، فإنه صريح في الجواز على النحو الممكن وإن كانت ناقصة ، ولو لم يكن إلا غلبة وقوعها ناقصة لكفى بها قرينة على ما ذكر. وليس ذلك من الانصراف للغلبة كي يقال : إن التحقيق عدم كون الغلبة موجبة للانصراف المعتد به في رفع اليد عن الإطلاق بل هو من أجل أن الغلبة موجبة لتنزيل السؤال والجواب على كون الجهة المسؤول عنها هو صحة الصلاة من أجل النقص الوارد عليها من جهة الركوب على ما هو المتعارف ، وصرفها عن مقتضى الجمود عليها من الحمل على مانعية الكون على الدابة من حيث هو مع استيفاء تمام الواجبات فيها سائرة كانت أو واقفة.
[1] كما نص عليه غير واحد ، لعدم الدليل عليه ، حيث أنها لا تنافي الاطمئنان المعتبر نصاً وإجماعاً.
[2] مع عدم الاستقرار وجهه ظاهر.
( الثالث ) : أن لا يكون معرضاً لعدم إمكان الإتمام والتزلزل في البقاء إلى آخر الصلاة [1] كالصلاة في الزحام المعرض لإبطال صلاته ، وكذا في معرض الريح أو المطر الشديد أو نحوها ، فمع عدم الاطمئنان بإمكان الإتمام لا يجوز الشروع فيها على الأحوط. نعم لا يضر مجرد احتمال عروض المبطل.
( الرابع ) : أن لا يكون مما يحرم البقاء فيه [2] كما بين الصفين من القتال ، أو تحت السقف أو الحائط المنهدم ، أو
[1] كأنه لوجوب النية الجزمية ، وتوضيح ذلك : أن إرادة الصلاة لما كانت متعلقة بالصلاة التامة ، والصلاة الناقصة ليست مرادة ، فمع كون الصلاة في معرض النقصان تكون الإرادة لها غير فعلية ، بل معلقة على تقدير عدم عروض المبطل ، ويعتبر في صحة العبادة الإرادة الفعلية. نعم إذا كان احتمال النقصان غير معتد به عند العقلاء لكونه ضعيفاً لم يكن منافياً لتحقق الإرادة الفعلية. وفيه : أولا : أنه مع وجود التقدير المعلق عليه الإرادة واقعاً تكون فعلية وإلا كان خلفاً. وثانياً : أنه لا دليل على اعتبار الإرادة الفعلية في حصول التعبد عند العقلاء ، فكما تكفي الإرادة الفعلية في حصوله تكفي الإرادة الاحتمالية التقديرية فيه كما في جميع موارد الاحتياط. ودعوى أن الاكتفاء بها إنما يكون في ظرف امتناع الإرادة الجزمية ممنوعة جداً ، والرجوع إلى العقلاء أقوى شاهد عليه ، وقد تقدم جواز الاحتياط المستلزم للتكرار وإن لم يكن عن اجتهاد أو تقليد ، فالشرط المذكور غير ظاهر.
[2] هذا الشرط مبني على أن أفعال الصلاة وواجباتها من قبيل الأكوان لتتحد مع الكون المحرم ، ويمتنع التقرب بها ، وقد تقدم الكلام فيه.
في المسبعة ، أو نحو ذلك مما هو محل للخطر على النفس.
( الخامس ) : أن لا يكون مما يحرم الوقوف والقيام والقعود عليه [1] كما إذا كتب عليه القرآن ، وكذا على قبر المعصوم (عليه السلام) أو غيره ممن يكون الوقوف عليه هتكاً لحرمته.
( السادس ) : أن يكون مما يمكن أداء الأفعال فيه بحسب حال المصلي [2] ، فلا تجوز الصلاة في بيت سقفه نازل بحيث لا يقدر فيه على الانتصاب ، أو بيت يكون ضيقاً لا يمكن فيه الركوع والسجود على الوجه المعتبر. نعم في الضيق والاضطرار يجوز ، ويجب مراعاتها بقدر الإمكان ، ولو دار الأمر بين مكانين في أحدهما قادر على القيام لكن لا يقدر على الركوع والسجود إلا مومئاً ، وفي الآخر لا يقدر عليه ويقدر عليهما جالساً ، فالأحوط الجمع بتكرار الصلاة ، وفي الضيق لا يبعد التخيير.
( السابع ) : أن لا يكون متقدماً على قبر معصوم [3]
[1] هذا أيضاً مبني على كون الوقوف على شيء من واجبات الصلاة ، أما إذا كان من شرائطها فلا مقتضي لاعتبار الشرط المذكور ، لعدم اعتبار التقرب في شرائط الصلاة وإنما يعتبر في أجزائها لا غير ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في اللباس والمكان المغصوبين.
[2] هذا ليس شرطاً في قبال وجوب الأفعال كما هو ظاهر.
[3] المحكي عن البهائي والمجلسي والكاشاني وبعض المتأخرين عنهم المنع من التقدم على قبر أحد الأئمة (عليهم السلام). ومستندهم في ذلك صحيح محمد ابن عبد اللّه الحميري : « كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور
الأئمة هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم (عليهم السلام) أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ، ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا؟ فأجاب - وقرأت التوقيع ومنه نسخت - : أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ، بل يضع خده الأيمن على القبر. وأما الصلاة فإنها خلفه ويجعله الامام ، ولا يجوز أن يصلي بين يديه لأن الإمام لا يتقدم ، ويصلى عن يمينه وشماله » (1).
لكن المنسوب إلى المشهور : الكراهة ، بل عن بعض المحققين : الظاهر اتفاقهم على ترك العمل بظاهر الصحيح ، بل عن بعض عدم وجدان الخلاف فيه. وكأنه للخدش في الصحيحة من وجوه : الأول : أنها رواها الشيخ عن محمد بن أحمد بن داود ، ولم يذكر طريقه إليه في مشيخته. والثاني : أنها مروية عن الفقيه (عليه السلام) والظاهر منه الكاظم (عليه السلام) ، ونظراً إلى أن الحميري متأخر عن زمانه علیه السلام فالسند فيه سقط ، فتكون مقطوعة. الثالث : أنها مضطربة المتن ، لأنها مروية في الاحتجاج للطبرسي هكذا : « هذا ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن شماله لأن الإمام لا يتقدم ولا يساوى » (2). الرابع : أنها مخالفة للمشهور.
ويمكن دفع الأول بأن الشيخ (رحمه اللّه) ذكر في محكي الفهرست في ترجمة محمد بن أحمد بن دواد أنه أخبرنا بكتبه ورواياته جماعة منهم محمد بن محمد بن النعمان ، والحسين بن عبيد اللّه ، وأحمد بن عبدون كلهم ، ولذا قال الأردبيلي في رسالة تصحيح الاسناد : « إن طريقه اليه صحيح في الفهرست ».
لكن قال فيها : « والمشيخة ». وهو غير ظاهر ، لما عرفت من عدم ذكر طريقه إليه في المشيخة كما اعترف به غير واحد. ويمكن أيضاً أن يستفاد طريقه اليه من ذكر طريقه إلى أبيه أحمد بن داود ، ولكونه فيه ، وإن تنظر فيه في نهج المقال ، وكأنه لعدم الملازمة بين الطريقين. ويدفع الثاني : أن قول الحميري : كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) قرينة على أن الفقيه من ألقاب الحجة ( عجل اللّه تعالى فرجه ) ، وسيأتي في مبحث السجود على التربة الحسينية ما يشهد به ، أو أن المراد منه معناه الوصفي ولم يقم دليل على عدم صحة استعماله إلا في الكاظم (عليه السلام) ليكون ذلك قرينة على السقط في السند. ويدفع الثالث : أن رواية الاحتجاج مرسلة لا تصلح لمعارضة الصحيح ، مع احتمال كونهما روايتين عن واقعتين ، فتأمل. ويدفع الرابع : أن إعراض المشهور إنما يقدح في الحجية لو كان كاشفاً عن اطلاعهم على عدم الصدور ، أو على وجه الصدور ، أو على قرينة تقتضي خلاف الظاهر بحيث لو اطلعنا عليها لكانت قرينة عندنا ، والجميع غير ثابت في المقام ، لجواز كون الوجه في الاعراض عدم فهمهم منها الوجوب.
فالعمدة إذاً النظر في دلالة الصحيحة فنقول : قوله (عليه السلام) : « ولا يجوز أن يصلي بين يديه » ظاهر ظهوراً لا ينكر في المنع ، لكن قرينة مورد السؤال تعين حمل « الإمام » في قوله (عليه السلام) : « يجعله الامام » على الامام المعصوم لا إمام الجماعة ، فيكون الضمير في قوله (عليه السلام) : « يجعله » راجعاً إلى القبر ، وحينئذ يكون قوله (عليه السلام) : « لأن الإمام لا يتقدم » مراداً منه المعصوم ، وحيث أن التقدم على المعصوم في الموقف ليس حكماً إلزامياً ، بل أدبياً قطعاً. يكون التعليل قرينة على الكراهة. ودعوى : أن التقدم على المعصوم في الموقف غير الصلاة وإن كان أدبياً ، لكن التقدم
ولا مساوياً له [1] مع عدم الحائل المانع الرافع لسوء الأدب
فيه في الصلاة غير ظاهر في كونه أدبياً. مندفعة بأن الظاهر من التعليل مطلق التقدم لا في خصوص الصلاة ، لعدم القرينة عليه. وبالجملة : ظهور التعليل في كونه أدبياً لا إلزامياً يوجب صرف قوله (عليه السلام) : « لا يجوز .. » إلى الكراهة. وأضعف من ذلك الاستدلال بما ورد من الأمر بالصلاة خلف القبر كما في رواية هشام (1)، أو خلفه وعند رأسه كما في غيرها (2)فان ذلك كله وارد مورد آداب الزيارة ، فهو محمول على الفضل.
[1] كما عن بعض متأخري المتأخرين. ولا وجه له بناء على كراهة التقدم ، أما بناء على المنع منه فوجهه إما قوله (عليه السلام) في الصحيح : « أما الصلاة فإنها خلفه » ، لظهوره في الحصر ، ولا ينافيه قوله (عليه السلام) : « ويصلي عن يمينه ويساره » وإن بني على كونه جملة مستأنفة لا منصوباً معطوفاً على « يصلي » ، ولا مبنياً للمفعول معطوفاً على « يتقدم » ، لكونهما خلاف الظاهر. ووجه عدم المنافاة : إمكان حمله على صورة عدم المحاذاة ، لأن المراد من الخلف ما يقابل التقدم والمحاذاة. وإما رواية الاحتجاج ، لصراحتها في كون اليمين واليسار كالتقدم. وفي الأول : أن الاقتصار في نفي الجواز على خصوص التقدم ، والاقتصار في التعليل على أن الامام لا يتقدم وقوله (عليه السلام) : « ويصلي عن يمينه ويساره » بقرينة تقدم السؤال عن الصلاة عند رأسه ورجليه ، قرينة على اختصاص المنع بصورة التقدم وعلى جواز المحاذاة ، وأن الحصر بالخلف إما إضافي في مقابل التقدم ، أو للفضل في قبال التقدم والمحاذاة. والأخير هو الأظهر.
وبالجملة : دلالة الصحيح على جواز المحاذاة مما لا ينبغي أن ينكر ، وتؤيدها رواية ابن فضال التي تأتي. وأما رواية الاحتجاج : فمع عدم صلاحيتها في نفسها لإثبات المنع من المحاذاة ، لضعفها ، معارضة بالصحيح الواجب تقديمه عليها عرفاً.
ثمَّ إن ظاهر جماعة ممن قال بجواز المحاذاة عدم الكراهة فيها ، ويقتضيه أيضاً ما في رواية ابن فضال في وداع أبي الحسن (عليه السلام) لقبر النبي (صلی اللّه عليه وآله) وفيها : « فقام إلى جانبه يصلي فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الأسطوانة المخلقة التي عند رأس النبي (صلی اللّه عليه وآله) » (1)، وإطلاق جملة من النصوص الواردة في باب الزيارات مثل رواية جعفر بن ناجية : « صل عند رأس الحسين (عليه السلام) » (2)، ورواية الثمالي : « ثمَّ تدور من خلفه إلى عند رأس الحسين (عليه السلام) وصل عند رأسه ركعتين ، وإن شئت صليت خلف القبر وعند رأسه أفضل » (3)ورواية صفوان : « فصل ركعتين عند الرأس » (4).. إلى غير ذلك. اللّهم إلا أن يحمل الجميع على صورة عدم المحاذاة ، لكنه لا يأتي في رواية ابن فضال. واحتمال أن المراد من المحاذاة : المحاذاة لوسط القبر غير ظاهرة ، بل هي خلاف ظاهر النص والفتوى ، اللّهم إلا أن تحمل على أن ذلك من خواص النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، أو من خواص المعصوم كأبي الحسن (عليه السلام) ، أو كون المقدار الذي ألزق منكبه الشريف به زائداً على مقدار القبر. نعم يبقى الإشكال في وجه الكراهة. اللّهم الا أن يكون رواية الاحتجاج بناء على التسامح في أدلة السنن. وعلى
على الأحوط. ولا يكفي في الحائل الشبابيك [1] والصندوق الشريف وثوبه.
( الثامن ) : أن لا يكون نجساً نجاسة متعدية الى الثوب أو البدن [2] ،
هذا كله فالمراد من الخلف في صحيح الحميري : خط الخلف ، والصلاة الى جانب الرأس منه أفضل من الصلاة على بقيته.
والمحكي عن المشهور : كراهة استقبال القبر. وعن المفيد والحلبي : المنع عنه. لكن ظاهر ما عرفت من النصوص العدم ، غاية الأمر أن الصلاة عند الرأس أفضل. وكذا رواية أبي اليسع في قبر الحسين (عليه السلام) : « أجعله قبلة إذا صليت؟ قال (عليه السلام) : تنح هكذا ناحية » (1). وكأن منشأ المنع ما ورد من النهي عن اتخاذ القبر قبلة ، وفي صحيح زرارة : « فإن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) نهى عن ذلك ، وقال (صلی اللّه عليه وآله) : لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً » (2). لكن الظاهر منها قصد كونه قبلة كالكعبة الشريفة ، لا مجرد جعل المصلي له أمامه. وأما الكراهة فلا وجه لها ظاهر إلا فتوى الجماعة بناء على التسامح في أدلة السنن. واللّه سبحانه أعلم.
[1] لكون الأمور المذكورة معدودة من توابع القبر فهي كثياب المصلي المعدودة من توابعه ، والجميع مشمولة لإطلاق النص والفتوى. نعم إذا كان الحائل مستقلا - كجدار أو ستار - كان خارجاً عن النصوص ، ولا سيما بملاحظة كون العلة فيه - ارتكازاً - هو التأدب غير الحاصل منافيه مع الحائل على النحو المذكور.
[2] هذا ليس شرطاً زائداً على شرطية طهارة البدن واللباس كما هو ظاهر.
وأما إذا لم تكن متعدية فلا مانع إلا مكان الجبهة فإنه يجب طهارته [1] وإن لم تكن نجاسته متعدية ، لكن الأحوط طهارة ما عدا مكان الجبهة أيضاً مطلقاً ، خصوصاً إذا كانت عليه عين النجاسة.
( التاسع ) : أن لا يكون محل السجدة أعلى أو أسفل من موضع القدم بأزيد من أربع أصابع مضمومات على ما سيجيء في باب السجدة [2].
( العاشر ) : أن لا يصلي الرجل والمرأة في مكان واحد [3] بحيث تكون المرأة مقدمة على الرجل أو مساوية له
[1] سيجيء إن شاء اللّه تعالى التعرض لذلك في مبحث السجود.
[2] ويجيء إن شاء اللّه تعالى التعرض لوجهه.
[3] نسب المنع الى أكثر المتقدمين ، والى الشيخين وأتباعهما ، والى أكثر علمائنا ، والى المشهور. وعن الخلاف والغنية : الإجماع عليه ، لصحيح إدريس بن عبد اللّه القمي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي وبحياله امرأة نائمة ( قائمة خ ل ) على فراشها جنباً ( جنبه خ ل ). فقال (عليه السلام) : إن كانت قاعدة فلا يضرك وإن كانت تصلي فلا » (1)، وخبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي والمرأة بحذاه عن يمينه ويساره. فقال (عليه السلام) : لا بأس إذا كانت لا تصلي » (2)، وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعاً؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولكن يصلي الرجل
فاذا فرغ صلت المرأة » (1)، وصحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) : « عن إمام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلي وهي تحسب أنها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر؟ قال (عليه السلام) : لا يفسد ذلك على القوم وتعيد المرأة » (2)- بناء على أن الموجب للإعادة تقدمها على صفوف الرجال وقيامها بحذاء الامام. لكنه غير ظاهر فيحتمل أن يكون لعدم تقدم الامام عليها الذي هو شرط في صحة الائتمام ، أو لعدم جواز الائتمام في العصر بالظهر ، ويحتمل غير ذلك - وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن المرأة تصلي عند الرجل. فقال (عليه السلام) : لا تصلي المرأة بحيال الرجل إلا أن يكون قدامها ولو بصدره » (3)وموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « أنه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلي وبين يديه امرأة تصلي؟ قال (عليه السلام) : إن كانت تصلي خلفه فلا بأس وإن كانت تصيب ثوبه » (4). ونحوها غيرها.
وقيل بالجواز مع الكراهة ، كما عن السيد والحلي وأكثر المتأخرين ، بل عن شرح نجيب الدين : أنه مذهب عامة المتأخرين ، واختاره في الشرائع والقواعد. أما الجواز : فلصحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس أن تصلي المرأة بحذاء الرجل وهو يصلي فإن النبي (صلی اللّه عليه وآله) كان يصلي وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض ، وكان إذا أراد أن يسجد غمز رجلها فرفعت رجلها حتى يسجد » (5)، وخبر الحسن بن فضال
عمن أخبره عن جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يصلي والمرأة تصلي بحذاه. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1)، وصحيح الفضيل عن أبي جعفر : « إنما سميت مكة بكة لأنه يبتك فيها الرجال والنساء والمرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن يسارك ومعك ولا بأس بذلك ، وإنما يكره في سائر البلدان » (2)بناء على عدم الفصل بين مكة وغيرها في المنع والجواز وإن فصل بينهما في الكراهة. وأما الكراهة : فلنصوص المنع بعد حملها عليها جمعا بينها وبين نصوص الجواز.
وقد يستشكل في ذلك باضطراب الصحيح الأول ، واحتمال التصحيف فيه بقرينة التعليل لاستفاضة النصوص بالتفصيل بين كون المرأة مصلية وعدمه في المانعية في الأول وعدمها في الثاني. وضعف المرسل بالإرسال. وعدم ثبوت عدم الفصل ليتم الاستدلال بالثالث. مع عدم صراحته في كون مورده صلاة الرجل ، فمن المحتمل إرادة غير حال الصلاة فلا يكون مما نحن فيه. وبأن الجمع بالكراهة ليس بأولى من الجمع بنحو آخر ، لاستفاضة النصوص بالتفصيل بين صورتي التباعد وعدمه ، فلتحمل نصوص الجواز على الأولى ونصوص المنع على الثانية بشهادة تلك النصوص.
وفيه : أن احتمال التصحيف لا يعول عليه بعد جريان أصالة عدم السهو والتعليل لا يصلح قرينة عليه ، لا مكان عدم الفصل واقعاً بين حالتي الصلاة وعدمها في المانعية ، وإن كان بينهما فصل في الكراهة الذي هو المراد بنصوص التفصيل ولو بقرينة الصحيح المزبور وغيره من نصوص الجواز. والإرسال غير قادح في الحجية بعد الانجبار بالعمل ، فتأمل. ولا سيما وكون الرواية
من روايات بني فضال الذين قال العسكري (عليه السلام) في كتبهم : « خذوا ما رووا وذروا ما رأوا » (1)، فتأمل. وعدم الفصل يمكن أن يستفاد من إطلاق المانعين والمجوزين ، واحتمال إرادة غير حال الصلاة بعيد لا يعول عليه ، ولا سيما بملاحظة قوله (عليه السلام) : « أو معك ». ونصوص التفصيل بين التباعد وعدمه لا تصلح شاهداً للجمع لاختلافها فيه ، ففي بعضها الاكتفاء بالشبر كصحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سأله عن الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد قال (عليه السلام) : إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذاه وحدها وهو وحده لا بأس » (2). وفي بعضها شبر أو ذراع كخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد المرأة عن يمين الرجل بحذاه؟ قال (عليه السلام) : لا ، إلا أن يكون بينهما شبر أو ذراع » (3). وفي روايته الأخرى : « شبر أو ذراع أو نحوه » (4). وفي بعضها موضع رحل كمصحح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في المرأة تصلي إلى جنب الرجل قريباً منه. فقال (عليه السلام) : إذا كان بينهما موضع رحل فلا بأس » (5). ونحوه صحيح زرارة المروي عن مستطرفات السرائر (6). وفي بعضها ما لا يتخطى ، أو قدر عظم الذراع فصاعدا كصحيح زرارة المروي عن الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا كان بينها وبينه ما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعداً فلا بأس » (7). ونحوه
1) الوسائل باب : 11 من أبواب القضاء حديث : 14.
2) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 7.
3) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 3.
4) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 4.
5) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 11.
6) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 12.
7) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 8.
صحيحه المروي عن المستطرفات (1). وفي بعضها أكثر من عشرة أذرع كموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن الرجل يستقيم له أن يصلي وبين يديه امرأة تصلي؟ قال (عليه السلام) : لا يصلي حتى يجعل بينه وبينها أكثر من عشرة أذرع ، وإن كانت عن يمينه وعن يساره جعل بينه وبينها مثل ذلك ، فان كانت تصلي خلفه فلا بأس .. » (2). وفي خبر علي ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يصلي ضحى وأمامه امرأة تصلي بينهما عشرة أذرع. قال (عليه السلام) : لا بأس ليمض في صلاته » (3). وهذا الاختلاف قرينة الكراهة ، بل لا بد من الالتزام بها في الزائد على الشبر ، لصراحة نصوصه بارتفاع المانعية به ، فليحمل هو على الكراهة أيضاً لوحدة السياق ، ولا سيما فيما عطف عليه الذراع وحده أو مع « نحوه » ، بل يمكن أن تؤيد بالتعبير ب- « لا ينبغي » في رواية المحمدين الحلبي (4)والثقفي (5)، وب- « يكره » في صحيح الفضيل وب- « لا يستقيم » في موثق عمار المتقدمين (6).
نعم في الحدائق قرب حمل نصوص التقدير بما دون العشرة على صورة تقدم الرجل على المرأة لا المحاذاة بقرينة صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن المرأة تصلي عند الرجل. فقال (عليه السلام) : لا تصلي المرأة بحيال الرجل إلا أن يكون قدامها ولو بصدره » (7)، وموثق ابن فضال عمن أخبره
1) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 13.
2) الوسائل باب : 7 من أبواب مكان المصلي حديث : 1.
3) الوسائل باب : 7 من أبواب مكان المصلي حديث : 2.
4) الوسائل باب : 8 من أبواب مكان المصلي حديث : 3.
5) الوسائل باب : 5 من أبواب مكان المصلي حديث : 1.
6) تقدما في صدر هذه التعليقة.
7) تقدم في صدر هذه التعليقة.
عن جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يصلي والمرأة بحذاه أو الى جنبه. فقال (عليه السلام) : إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس » (1)بناء على. أن المراد منه التقدير للتباعد في المكان لا في الزمان. ونحوه مرسل ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2)فان ما ذكر فيها مما يقرب من الشبر.
وفيه : أن نصوص التقدير آبية عن الحمل على ما ذكر ، فلتلحظ صحيحة معاوية بن وهب ورواية أبي بصير المتقدمين (3)، فان لازم ذلك التصرف في المحاذاة الظاهرة في أن يكونا على خط واحد عرفاً ، والتباعد بمقدار الشبر ينافيه. مضافاً الى التصرف في البينية الظاهرة في البينية في جميع الأحوال ، إذ على ما ذكره تكون البينية بين الموقفين لا غير ، ومع التباعد بدون العشرة تكون البينية بين خط موقفه وخط موقفها ، وكلاهما خلاف الظاهر. وأيضاً فإن المقدار المذكور في النصوص التي اتخذها قرينة على ما ذكر من التصرف أكثر من شبرين لا كما ذكر.
وأبعد من ذلك ما حكي عن بعض من حمل أخبار الشبر ونحوه على إرادة تقدير الحائل بذلك - يعني : إذا كان بينهما حائل ارتفاعه بمقدار شبر أو ذراع أو نحوهما - فان ذلك خلاف ظاهر النصوص المذكورة جداً ، ولا سيما مصحح حريز وصحيح زرارة المتقدمان. فاذاً لا معدل عما هو المشهور من البناء على الكراهة مع عدم التباعد ، وأنها تخف به وتختلف باختلاف مراتبه زيادة ونقيصة. وأما ما عن الجعفي من المنع إلا مع الفصل بقدر عظم الذراع. ففيه : أنه عمل ببعض النصوص وطرح لما سواه من غير وجه ظاهر.
إلا مع الحائل [1] ،
ثمَّ إن صورة تقدم المرأة قد تعرضت لها نصوص المنع كموثق عمار ، بل وصحيح إدريس المتقدمين ، كما تعرضت لها نصوص الجواز كصحيح جميل ، فإن المحاذاة فيه وإن كان الظاهر منها المساواة إلا أن الظاهر من جميل ، فإن المحاذاة فيه وإن كان الظاهر منها المساواة إلا أن الظاهر من التعليل فيه جواز تقدمها عليه ، وكصحيح الفضيل بناء على عدم الفصل. والجمع العرفي أيضاً يقتضي الحمل على الكراهة. مضافاً إلى عدم القول بالفصل بين التقدم والمحاذاة ، والظاهر انحصار ارتفاع المنع أو الكراهة بالعشرة أذرع ، كما في موثق عمار وصحيح ابن جعفر ، ولا تكفي المقادير المذكورة في النصوص من الشبر وغيره ، لعدم شمولها لهذه الصورة. فلاحظ.
[1] قال في محكي المعتبر : « ولو كان بينهما حائل سقط المنع إجماعاً منا ». بل الظاهر أنه لا خلاف في زوال الكراهة على القول بها مع الحائل لاختصاص أدلتها بصورة عدمه. ويشهد له صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في المرأة تصلي عند الرجل. قال (عليه السلام) : إذا كان بينهما حاجز فلا بأس » (1)، وخبر محمد الحلبي : « لا ينبغي ذلك إلا أن يكون بينهما ستر فان كان بينهما ستر أجزأه » (2)، وخبر ابن جعفر : « عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في مسجد قصير الحائط وامرأة قائمة تصلي بحياله وهو يراها وتراه؟ قال (عليه السلام) : إن كان بينهما حائط طويل أو قصير فلا بأس » (3)، وصحيحه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) - في حديث - قال : « سألته عن الرجل يصلي في مسجد حيطانه كوى كله قبلته وجانباه
أو البعد عشرة أذرع [1] بذراع اليد على الأحوط ، وإن كان الأقوى كراهته إلا مع أحد الأمرين. والمدار على الصلاة الصحيحة لو لا المحاذاة [2] أو التقدم ، دون الفاسدة لفقد شرط أو وجود مانع. والأولى في الحائل كونه مانعاً [3] عن المشاهدة وإن كان لا يبعد كفايته مطلقاً ، كما أن الكراهة أو الحرمة مختصة بمن شرع في الصلاة لا حقاً [4] إذا كانا
وامرأته تصلي حياله يراها ولا تراه. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1).
[1] فيزول المنع معه إجماعاً ، كما عن المعتبر والمنتهى ، بل الكراهة على تقدير القول بها إجماعاً ، كما عن جامع المقاصد وإرشاد الجعفرية ويشهد له خبر ابن جعفر (عليه السلام) المتقدم ، بل وموثق عمار بناء على أن المراد منه العشرة فما زاد نظير قوله تعالى ( فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) (2)، أو كون الزيادة لأجل الإحراز.
[2] كما عن جماعة التصريح به ، بل نسب إلى الأكثر. وعن الإيضاح وجامع المقاصد والروض : احتمال العموم للباطلة لصدق الصلاة على الفاسدة وفيه : أنه لو سلم فالانصراف إلى الصحيحة يقتضي الاختصاص بها.
[3] كما يقتضيه إطلاق الساتر في رواية الحلبي لكن عرفت التصريح بالاكتفاء بما لا يكون مانعاً عن الرؤية ، فالعمل عليه متعين. اللّهم إلا أن يحمل الثاني على خفة الكراهة ، فتأمل.
[4] كما عن جماعة الجزم به ، أو الميل اليه ، منهم الشهيدان والمحقق الثاني وابن فهد وسيد المدارك وكاشف اللثام. وربما يستدل له ( تارة ) :
باستبعاد بطلان الصلاة التي انعقدت صحيحة بفعل الغير. ( وأخرى ) : بأن المتأخرة مختصة بالنهي المقتضي للفساد ، ومع عدم انعقادها فكيف تبطل بها صلاة انعقدت؟ ولا كذلك مع الاقتران ، لعدم الأولوية هنا بخلافه ثمة. كذا ذكر في جامع المقاصد. ( وثالثة ) : بأن المتأخرة ليست بصلاة ، لبطلانها بالمحاذاة ، فلا تصلح لإبطال السابقة. ( فإن قلت ) : الفساد الناشئ من قبل هذا الحكم لا يعقل أن يكون مانعاً من تحقق موضوعه كما في نهي الحائض عن الصلاة ، إذ ليس موضوعه إلا الصلاة الصحيحة من غير جهة مانعية الحيض ، ولو أريد الصلاة الصحيحة حتى من جهة المحاذاة امتنع البطلان في صورة الاقتران. ( قلنا ) : إنما يصار إلى التأويل المذكور بالنسبة إلى الصلاة الواقعة في حيز المنع بقرينة عقلية كما في صلاة الحائض ، وكذا في صورة الاقتران ، لا بالنسبة إلى الصلاة اللاحقة ، إذ لا مانع عقلا من أن يراد من قوله (عليه السلام) : « وامرأته تصلي بحذائه » الصحيحة المبرئة لذمتها ، فيجوز أن يصرح الشارع بأنه يشترط في صحة صلاة الرجل أن لا تصلي امرأته بحذائه صلاة صحيحة مبرئة لذمتها. من جميع الجهات كما أشار إلى ذلك في مصباح الفقيه. ( ورابعة ) : لصحيح ابن جعفر (عليه السلام) المتقدم في أدلة المنع.
وفيه : أن الاستبعاد المحض لا يصلح لإثبات الحكم الشرعي. وأن النهي لا يختص بالأخيرة. وأن دليل مانعية المحاذاة إما أن يكون المراد منه المحاذاة في الصلاة الصحيحة من غير جهة المحاذاة ، أو حتى من جهة المحاذاة فعلى الأول : لا فرق بين صورتي الاقتران والترتيب في البطلان بالنسبة إليهما وعلى الثاني : لا فرق بينهما في عدمه كذلك ، وحيث يمتنع الثاني يتعين الأول واستفادة الأول منه في صورة الاقتران والثاني في صورة الترتيب غير ممكن. ومثل ذلك دعوى اختصاص النصوص بصورة الاقتران ، إذ فيها - مع أنها
مختلفين في الشروع ، ومع تقارنهما تعمهما وترتفع أيضاً بتأخر المرأة مكاناً بمجرد الصدق [1] ، وإن كان الأولى تأخرها عنه في جميع حالات الصلاة ، بأن يكون مسجدها وراء موقفه.
خلاف الإطلاق - أن صورة الاقتران نادرة جداً فكيف يدعى اختصاص النصوص بها؟ فالعمل بالإطلاق متعين. وأما صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : فقد عرفت إجماله وتكثر محتملاته. ولذلك حكي عن جماعة عدم الفرق بين صورتي الاقتران والترتيب في المنع أو الكراهة. بالنسبة إلى الصلاتين معاً. وعن بعض : نسبته إلى المشهور. وفي جامع المقاصد : نسبته إلى إطلاق كلام الأصحاب. وكذا في الحدائق.
والأولى أن يقال - ولعل فيه حل الاشكال - : إن المانع من صحة الصلاة أو كمالها إن كان هو المحاذاة فنسبتها إلى السابق واللاحق نسبة واحدة نظير المنع عن الجمع بين الأختين ، وإن كان هو أن يصلي الرجل وبحذائه المرأة تصلي أو تصلي المرأة وبحذائها رجل يصلي اختص المانع باللاحق ، والنصوص قد اشتملت على المفادين معاً فلاحظها ، والجمع يقتضي الأخذ بالأول ، ولا سيما وأنه لو بني على الأخذ بالمفاد الثاني يلزم عدم تعرض النصوص لصورة الاقتران ، وهو كما ترى. وما في المدارك من أنه ينبغي القطع بصحة الصلاة المتقدمة لسبق انعقادها وفساد المتأخرة خاصة ، فغير ظاهر ، إذ سبق الانعقاد لا يمنع من طروء الفساد إذا اقتضاه الدليل. ولذا قال في الذكرى : « ولو سبقت إحداهما أمكن بطلان الثانية لا غير ، لسبق انعقاد الأولى فيمتنع انعقاد الثانية ، ويحتمل بطلانهما معاً ، لتحقق الاجتماع في الموقف المنهي عنه ».
[1] كأنه لاختصاص نصوص المنع أو الكراهة بصورة المساواة في
الموقف ، لاشتمالها على التعبير بالمحاذاة وما يؤدي معناها فلا تشمل صورة التأخر. وفيه : أنه مناف لما في صحيح زرارة المتقدم من قوله (عليه السلام) : « إلا أن يكون قدامها ولو بصدره » (1)، وما في خبري جميل وابن بكير : « إذا كان سجودها مع ركوعه » (2)- بناء على إرادة تقدير التباعد بالمكان كما هو ظاهر - وما في موثق عمار : « إن كانت تصلي خلفه فلا بأس وإن كانت تصيب ثوبه » (3). بناء على أن الظاهر منه إرادة كون موضع صلاتها بتمامه خلفه وإن كانت متصلة به بحيث تصيب ثوبه - كما هو الظاهر - لا أن موقفها خلف موقفه. فالمتعين بناء على الكراهة القول بخفة الكراهة بما في الصحيح ، ثمَّ بما في الخبرين ، وترتفع بما في الموثق ، وبناء على المنع ارتفاعه بالأول مع الكراهة ، وتخف بالثاني ، وترتفع بالثالث.
ومن ذلك يظهر الاشكال فيما هو ظاهر جملة من كلمات الأصحاب ، ففي الشرائع : « ولو كانت وراءه بقدر ما يكون موضع سجودها محاذياً لقدمه سقط المنع ». ونحوها عبارتا المقنعة واللمعة على ما حكي وفي القواعد : « ولو كانت وراءه صحت صلاتهما ». ونحوهما غيرهما. وفي محكي المنتهى - بعد حكاية الإجماع على صحة صلاتهما مع الحائل والأذرع - : « وكذا لو صلت متأخرة ولو بشبر أو قدر مسقط الجسد ». وفي جملة : الاقتصار على مسقط الجسد. وفي غيرها : غير ذلك. وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر ما فيها فلاحظ. نعم بناء على المانعية يكون ما دل على ارتفاعها بالشبر
كما أن الظاهر ارتفاعها أيضاً بكون أحدهما في موضع عال على وجه لا يصدق معه التقدم أو المحاذاة وإن لم يبلغ عشرة أذرع [1].
في المحاذاة دالا عليه مع التأخر حينئذ ولو قليلا ، فيكون الجمع بينه وبين ما دل على اعتبار التقدم بالصدر حمل الثاني على صورة عدم الانفصال بالشبر ومنه يعرف الحكم لو قلنا بالكراهة. فلاحظ.
[1] حيث ان النصوص الدالة على المنع أو المحتملة الدلالة عليه مشتملة على التعبير بالإمام ، وبين يديه ، وقدامه ، وحياله ، وحذاءه ، ويمينه ، ويساره ، ونحوها ، ويستفاد منه كون الموضوع للمانعية هو التقدم أو المساواة ، فإذا كان أحدهما في مكان مرتفع عن مكان الآخر بحيث لا يصدق معه أحد العنوانين لم يكن المورد داخلا في النصوص المذكورة ، بل يكون المرجع فيه الأصل الجاري في الشك في المانعية أو الكراهة. نعم إذا كان الارتفاع قليلا بمقدار ذراع ونحوه لم يكن مانعاً من صدق التقدم والمحاذاة ، فيكون المورد مشمولا للنصوص المذكورة ، فيثبت المنع أو الكراهة.
نعم قد يشكل الحال فيما هو المعيار في صدق العنوانين وعدمه ، فيمكن أن يقال : إن المعيار كون الارتفاع بمقدار قامة الآخر بحيث تكون الخطوط الخارجة من أحدهما مستقيمة إلى جهة الآخر غير مارة به ، أو دونها بحيث تكون مارة ، ويحتمل أن يكون المعيار تعدد المكان عرفاً ووحدته. ولعل الأقوى الأول. فتأمل.
وكيف كان فلو صدق أحد العنوانين فالبعد الرافع للنقص هل يراد منه البعد ما بين موقف أحدهما وما يسامته من أساس موقف الآخر ، أو مجموع ما بين الموقف والأساس ، أو ما بين الأساس وموقف الآخر ، أو ضلع المثلث الخارج من موقف أحدهما وموقف الآخر؟ وجوه ، أقواها : الأخير
( مسألة 26 ) : لا فرق في الحكم المذكور [1] - كراهة أو حرمة - بين المحارم وغيرهم ، والزوج والزوجة وغيرهما ، وكونهما بالغين أو غير بالغين [2] أو مختلفين بناء على المختار من صحة عبادات الصبي والصبية.
[1] بلا خلاف ظاهر ، لإطلاق أكثر النصوص ، وخصوص بعضها المشتمل على التعبير بالزوجة والبنت.
[2] وعن المشهور : الاختصاص بالبالغين ، لاختصاص النصوص بالرجل والمرأة المختصين بهما. وفيه : أن مقتضى الإطلاق المقامي لدليل تشريع عبادة الصبي مع عدم بيان كيفية عبادته الاعتماد على بيانها للبالغ ، فالعبادة المشروعة لغيره هي العبادة المشروعة له إلا أن يقوم دليل على الخلاف ، وحيث لا دليل في المقام على الخلاف يتعين البناء على العموم.
اللّهم إلا أن يقال : إنما يتم ذلك بناء على استفادة مشروعية عبادة الصبي بالأدلة الخاصة مثل : « مروهم بالصلاة » (1)ونحوه ، أما لو كان دليل المشروعية منحصراً بالأدلة العامة المثبتة للتكاليف - لعدم اقتضاء حديث رفع القلم عن الصبي (2)أكثر من رفع الإلزام ، فتبقى الدلالة .
( مسألة 27 ) : الظاهر عدم الفرق أيضاً بين النافلة والفريضة [1].
( مسألة 28 ) : الحكم المذكور مختص بحال الاختيار ، ففي الضيق والاضطرار لا مانع ولا كراهة [2]. نعم إذا كان الوقت واسعاً
الالتزامية للأدلة العامة على ثبوت الملاك في فعل الصبي ، الموجب لرجحانه ومشروعيته بحالها - فيشكل ثبوت الإطلاق المقامي المذكور ، لأن الأدلة العامة حسب الفرض موضوعها الرجل والمرأة ، فلا تعم الصبي لا بإطلاقها اللفظي ولا بإطلاقها المقامي ، لعدم تمامية مقدمات الحكمة بالنسبة إليه ، كما هو ظاهر. لكن حيث أن الظاهر تمامية الأدلة الخاصة بالصبي في الدلالة على مشروعية عبادته فالتمسك بالإطلاق المقامي في محله.
نعم الإطلاق المقامي المذكور إنما يقتضي إلحاق الصبي بالرجل في قدح محاذاته للمرأة في صلاته وإلحاق الصبية بالمرأة في قدح محاذاتها للرجل في صلاتها ، أما قدح محاذاة الرجل للصبية في صلاتها ، أو قدح محاذاة المرأة للصبي في صلاتها ، أو قدح محاذاة كل من الصبي والصبية للآخر في صلاته ، فشيء لا يقتضيه الإطلاق المذكور ، إذ مقتضاه أن الكيفية المشروعة للبالغ تثبت للصبي ، فإذا كانت محاذاة المرأة مانعة من صحة عبادة البالغ كانت مانعة أيضاً من صحة عبادة الصبي ، أما محاذاة البالغ للصبية فلم تثبت مانعيتها لصلاة البالغ فكيف يحكم بثبوتها لصلاة الصبي؟ وهكذا الكلام في بقية الصور ، كما أشار إليه في الجواهر.
[1] للزوم سراية حكم الفريضة إلى النافلة كما قررناه في مواضع من هذا الشرح. مضافاً الى إطلاق جملة من نصوص المقام الشامل للفريضة والنافلة معاً.
[2] كما نسب إلى الأكثر ، بل إلى الأصحاب ، لقاعدة الميسور المجمع
يؤخر أحدهما صلاته [1]. والأولى تأخير المرأة صلاتها [2].
عليها في المقام وأمثاله من موارد الاضطرار ، التي بها يقيد إطلاق المانعية وبها يظهر الاشكال فيما ذكره في جامع المقاصد ، فإنه بعد ما حكى عن الشارح الفاضل أن هذا البحث إنما هو في حال الاختيار ، أما في الاضطرار فلا كراهة ولا تحريم ، قال : « ويشكل بأن التحاذي إن كان مانعاً من الصحة منع مطلقاً ، لعدم الدليل على اختصاص الإبطال بموضع دون آخر ». نعم يتم ما ذكره بناء على الكراهة ، إذ لا دليل على تقييد أدلتها ، فالبناء عليها في حال الاضطرار كحال الاختيار متعين. اللّهم إلا أن يستفاد نفيها من أدلة نفي الاضطرار بناء على شمولها لمثل المقام ، لكن شمولها للكراهة مشكل ، فضلا عن الكراهة العبادية. فلاحظ.
[1] وجوبا أو استحباباً فراراً عن المانعية أو الكراهة.
[2] لصحيح محمد بن مسلم : « عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعاً؟ فقال (عليه السلام) : لا ، ولكن يصلي الرجل فاذا فرغ صلت المرأة » (1). ونحوه خبر أبي بصير (2)، المحمول معه على الاستحباب حتى بناء على المانعية ، جمعاً بينهما وبين صحيح بن أبي يعفور : « أصلي والمرأة إلى جنبي وهي تصلي؟ قال (عليه السلام) : لا ، إلا أن تتقدم هي أو أنت » (3)بناء على إرادة التقدم في الزمان بقرينة المنع عن تقدمها في المكان ، فيكون ظاهراً في التخيير وجواز كل منهما. مضافاً الى ما عن المنتهى عن الإجماع على صحة صلاتهما لو تقدمت المرأة. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الشيخ (رحمه اللّه)
( مسألة 29 ) : إذا كان الرجل يصلي وبحذائه أو قدامه امرأة من غير أن تكون مشغولة بالصلاة لا كراهة ولا إشكال [1] ، وكذا العكس [2] ، فالاحتياط أو الكراهة مختص بصورة اشتغالهما بالصلاة.
( مسألة 30 ) : الأحوط ترك الفريضة على سطح الكعبة وفي جوفها اختياراً [3] ،
من الوجوب تعبداً أو شرطاً ، إذ الأول : خلاف ظاهر الخبرين ، والثاني : خلاف الإجماع المذكور. فتأمل.
[1] لصراحة النصوص في جواز ذلك ، منها ما تقدم في أدلة المنع والجواز ، ومنها صحيح ابن أبي يعفور : « لا بأس أن تصلي والمرأة بحذاك جالسة أو قائمة » (1). وغيره.
[2] يشير اليه والى ما قبله روايتا ابن مسلم وأبي بصير الواردتان في المرأة تزامل الرجل ، وليس موردهما الضرورة ، لجواز إيقاع النافلة اختياراً على الراحلة.
[3] لصحيح محمد بن مسلم المروي في الكافي عن أحدهما (عليهما السلام) : « قال : لا تصل المكتوبة في الكعبة » (2)، وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا تصل المكتوبة في جوف الكعبة ، فإن .
1) الوسائل باب : 4 من أبواب مكان المصلي حديث : 5 والظاهر انه ذيل الحديث المتقدم في التعليقة السابقة وقد وردت روايته في التهذيب : ( ولا بأس ان تصلي وهي .. )
2) الوسائل باب : 17 من أبواب القبلة حديث : 1 وقد رواه الشيخ (رحمه اللّه) - بهذا المتن أيضاً - في التهذيب في الجزء الثاني باب : 17 من الزيارات حديث : 96 ص 376 طبع النجف الحديث. فلاحظ.
النبي (صلی اللّه عليه وآله) لم يدخل الكعبة في حج ولا عمرة ولكنه دخلها في الفتح فتح مكة وصلى ركعتين بين العمودين ومعه أسامة بن زيد » (1). ولأجلهما اختار في الخلاف والتهذيب وحج النهاية والمهذب : المنع ، مدعياً في الأول الإجماع عليه. وقد يقتضيه ظهور الاستقبال الواجب في الصلاة بالإجماع والضرورة في غير ما يكون عليه المصلي في جوف الكعبة ، لا أقل من الانصراف عنه.
وفيه : أن الصحيحين معارضان بموثق يونس بن يعقوب : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة أفأصلي فيها؟ قال (عليه السلام) : صل » (2)، والجمع العرفي يقتضي حمل الأولين على الكراهة. مضافاً الى أن الصحيح الأول رواه الشيخ : « لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة » (3)، ورواه أيضاً بطريق آخر : « تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة » (4)، والأول لو لم يصلح دليلا على الجواز مع الكراهة فلا يصلح دليلا على المنع ، والثاني صريح في الجواز. وأما حمل الموثق على صورة الاضطرار فبعيد عن مساق السؤال لا شاهد له. والإجماع المدعى غير حجة بعد شهرة الخلاف ، بل عدم اعتماد ناقله عليه في المبسوط على ما حكي. وما ذكر أخيراً لا يصلح لمعارضة الموثق. وأما دفعه بعدم الدليل على وجوب الاستقبال لمن كان في جوف الكعبة ، ولا إجماع ولا ضرورة
1) الوسائل باب : 17 من أبواب القبلة حديث : 3.
2) الوسائل باب : 17 من أبواب القبلة حديث : 6.
3) الوسائل باب : 17 من أبواب القبلة حديث : 4.
4) الوسائل باب : 17 من أبواب القبلة حديث : 5 وقد ورد في التهذيب. هكذا ( لا تصلح .. ) فراجع الجزء الثاني ص 383 طبع النجف الحديث ولكن نسب في الوسائل حذف كلمة ( لا ) الى نسخة قوبلت بخط الشيخ (رحمه اللّه).
ولا بأس بالنافلة [1] ، بل يستحب أن يصلي فيها قبال كل ركن ركعتين [2].
عليه. ففيه : أنه مخالف لإطلاق مثل : « لا صلاة إلا الى القبلة » (1)مع أن لازمه عدم وجوب استقبال جزء منها إذا صلى في جوفها ، ولا يظن التزامه من أحد ، فلاحظ. هذا فالجواز - كما عن الأكثر بل نسب إلى الأصحاب - أنسب بالعمل بالأدلة.
وأما الصلاة على سطح الكعبة : فلم يعرف الخلاف في جوازها اختياراً إلا من القاضي ، فخص الجواز بالاضطرار. وكأن مستند الجواز أصالة البراءة من مانعية الكون على السطح. وأما حديث المناهي : « نهى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) عن الصلاة على ظهر الكعبة » (2)، فضعيف في نفسه ، مهجور عندهم ، فلا يصلح دليلا على المنع. لكن عرفت أن ما دل على اعتبار الاستقبال في الصلاة ظاهر في غير ذلك أو منصرف عنه. اللّهم إلا أن يستفاد حكم المقام مما دل على جواز الصلاة في جوفها ، لعدم إمكان التفكيك بين الفوق والتحت من حيثية الاستقبال ، واحتمال مانعية الكون على السطح تعبداً منفي بأصل البراءة.
[1] بإجماع العلماء كافة ، كما عن المعتبر والمنتهى والمدارك.
[2] ففي صحيح معاوية بن عمار : « إذا أردت دخول الكعبة .. الى أن قال : ثمَّ تصلي ركعتين بين الأسطوانتين على الرخامة الحمراء .. الى أن قال (عليه السلام) وتصلي في زواياه » (3)، وصحيح إسماعيل بن همام : « قال
وكذا لا بأس بالفريضة في حال الضرورة [1]. وإذا صلى على سطحها فاللازم أن يكون قباله في جميع حالاته شيء من فضائها [2] ويصلي قائماً. والقول بأنه يصلي مستلقياً متوجهاً الى البيت المعمور [3] أو يصلي مضطجعاً ضعيف.
أبو الحسن (عليه السلام) : دخل النبي (صلی اللّه عليه وآله) الكعبة فصلى في زواياها الأربع وصلى في كل زاوية ركعتين » (1).
[1] بلا خلاف كما عن البحار ، وإجماع أصحابنا كما عن الذكرى ، وإجماع العلماء كافة كما عن المعتبر والمنتهى والمدارك.
[2] على المشهور ، ليتحقق الاستقبال الواجب بإطلاق أدلة وجوبه.
[3] هذا القول محكي عن الفقيه والخلاف والنهاية والمهذب والجواهر ، واستدل له برواية عبد السلام عن الرضا (عليه السلام) : « في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة قال (عليه السلام) : إن قام لم يكن له قبلة ولكن يستلقي على قفاه ويفتح عينيه الى السماء ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور ويقرأ ، فإذا أراد أن يركع غمض عينيه ، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه ، والسجود على نحو ذلك » (2)وعن الشيخ : دعوى الإجماع على العمل بمضمونه. وعن المبسوط : نسبة الحكم إلى رواية أصحابنا. والظاهر أنها عين المسند المذكور. لكن ضعفها في نفسها وإعراض المشهور عنها ، بل إعراض الصدوق والشيخ في باقي كتبهما ، بل عدم نسبة القول بمضمونها الى أحد فيما لو صلى في جوفها مع كون المقامين من باب واحد. بل عن الروض الإجماع على خلافها يمنع من الاعتماد عليها في تخصيص الأدلة القطعية
يشترط فيه - مضافاً إلى طهارته [1] - أن يكون من الأرض أو ما أنبتته [2]
على وجوب القيام والركوع والسجود والاستقبال. ومن هنا كان الأقوى ما عليه المشهور ، وأما القول بأنه يصلي مضطجعاً فلم أقف على قائل به. وكأن وجهه أن الوقوف مخالف للأدب ، فيحرم. وهو كما ترى صغرى وكبرى ، واللّه سبحانه أعلم.
فصل في مسجد الجبهة
[1] يأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام فيه في السجود.
[2] إجماعاً مستفيض النقل أو متواتراً ، وقد حكى في مفتاح الكرامة دعواه عما يزيد على ثلاثة عشر كتاباً للقدماء والمتأخرين من أصحابنا (رضي اللّه عنه) والنصوص الدالة عليه وافرة ، كصحيح هشام بن الحكم : « أنه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز؟ قال (عليه السلام) : لا يجوز السجود إلا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس. فقال له : جعلت فداك ما العلة في ذلك؟ قال (عليه السلام) : لأن السجود خضوع لله عز وجل فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون والساجد في سجوده في عبادة اللّه عز وجل فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها » (1). وصحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه علیه السلام :
1) الوسائل باب : 1 من أبواب ما يسجد عليه حديث : 1.
غير المأكول والملبوس [1]. نعم يجوز على القرطاس [2]
« أنه قال : السجود على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس » (1)، وخبر الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) : « لا تسجد إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا المأكول والقطن والكتان » (2)، وخبر الفضل بن عبد الملك : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا يسجد إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا القطن والكتان » (3). وقريب منها غيرها.
[1] بلا خلاف ، بل إجماعاً كما عن الخلاف والغنية والروض والمقاصد العلية وغيرها ، وعن الأمالي : نسبته إلى دين الإمامية. وتدل عليه النصوص المتقدمة وغيرها. وبالتأمل يظهر لزوم حمل ما لا يفي بالدلالة على ذلك على ما هو واف بها. نعم ورد في القطن والكتان الرخصة في السجود ، ومقتضى الجمع العرفي بينه وبين ما دل على المنع عنه فيها حمل الثاني على الكراهة ، وحيث أنهما الغالب فيما لبس يتعين حمل المنع فيما لبس على الكراهة. ويطرد ذلك فيما أكل ، لوحدة السياق ، ولا سيما مع مناسبة التعليل في صحيح هشام للكراهة جداً ، لكن لا مجال لذلك كله بعد الإجماعات المتقدمة والاشكال في نصوص الرخصة كما يأتي إن شاء اللّه ، فلاحظ.
[2] إجماعاً كما عن الجامع والمسالك والمفاتيح ، وعن التذكرة والروض والمدارك وكشف اللثام نسبته إلى علمائنا وإلى الأصحاب. ويشهد له جملة من النصوص ، كصحيح ابن مهزيار : « سأل داود بن فرقد أبا الحسن (عليه السلام) عن القراطيس والكواغد المكتوبة عليها هل يجوز السجود عليها أم لا؟
أيضاً ، فلا يصح على ما خرج عن اسم الأرض كالمعادن مثل الذهب [1] والفضة والعقيق والفيروزج والقير [2] والزفت
فكتب (عليه السلام) : يجوز » (1)، وصحيح صفوان الجمال : « رأيت أبا عبد اللّه علیه السلام في المحمل يسجد على القرطاس وأكثر ذلك يومئ إيماء » (2)وصحيح جميل عنه (عليه السلام) : « أنه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة » (3)بناء على ظهوره في الكراهة المصطلحة ، بل بناء على مفهوم الوصف يدل على جواز السجود على غير المكتوب وإن حملت الكراهة فيه على الحرمة. وسيجيء إن شاء اللّه بقية الكلام فيه.
[1] حيث عرفت اتفاق النص والفتوى على عدم جواز السجود على ما ليس بأرض ولا ما أنبتت الأرض تعرف عدم جواز السجود على المعادن التي لا يصدق عليها الأرض ولا ما أنبتته ، مثل الأمور المذكورة في المتن. أما ما كان من المعدن يصدق عليه اسم الأرض فلا ينبغي التأمل في جواز السجود عليه ، إذ لم يؤخذ في الدليل مفهوم المعدن موضوعاً لعدم جواز السجود كي يدور المنع مدار صدقه ، أو يحسن التعرض لتحقيق مفهومه كما صنعه جماعة ، فلاحظ ،
[2] عن المدارك نسبة المنع فيه إلى قطع الأصحاب ، وعن البحار : أنه المشهور ، بل لا يظهر فيه مخالف. ويشهد له - مضافاً إلى ما دل على عدم جواز السجود على غير الأرض - صحيح زرارة عن أبي جعفر علیه السلام : « قلت له : أيسجد على الزفت يعني : القير؟ قال (عليه السلام) :
ونحوها. وكذا ما خرج عن اسم النبات كالرماد [1] والفحم [2] ونحوهما. ولا على المأكول والملبوس كالخبز والقطن والكتان
لا » (1)، وخبر محمد بن عمرو بن سعيد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : « لا يسجد على القير ولا على القفر ولا على الصاروج » (2). نعم يدل على الجواز روايات معاوية بن عمار (3)ورواية إبراهيم بن ميمون (4)وفي رواية منصور بن حازم : أنه من نبات الأرض (5)، لكن الجميع لا مجال للعمل بها بعد وهنها بإعراض الأصحاب ، فهي محمولة على التقية لاتفاق العامة على الجواز - كما قيل - أو على حال الضرورة. والكلام في الزفت هو الكلام في القير ، لخروجه عن مفهوم الأرض ، بل قيل : إنه نوع منه. ويشهد له صحيح زرارة المتقدم.
[1] كما عن غير واحد - منهم المبسوط والسرائر - التصريح بالمنع عنه ، وفي كشف اللثام : « كأنه لا خلاف في أنه لا يسجد على النبات إذا صار رماداً ». وفي مفتاح الكرامة : « يظهر من المعتبر ونهاية الأحكام والتذكرة والذكرى وكشف الالتباس التأمل في ذلك حيث اقتصروا فيها على حكايته عن الشيخ (رحمه اللّه) ». وكيف كان فالمتعين المنع عنه ، لعدم صدق الأرض عليه.
[2] لما سبق في الرماد ، ولا أقل من الانصراف إلى غيره. وفي الجواهر : « قد يقوى الجواز فيه ، للأصل وعدم طهارة المتنجس بالاستحالة
ونحوها ويجوز السجود على جميع الأحجار إذا لم تكن من المعادن [1].
( مسألة 1 ) : لا يجوز السجود في حال الاختيار على الخزف [2] ، والآجر [3] ،
اليه ». وفيه : أنه لا مجال للأصل بعد ما عرفت ، ولا ملازمة بين ارتفاع جواز السجود بصيرورة الحطب فحماً وعدم ارتفاع النجاسة بذلك ، إذ يكفي في ارتفاع الأول ارتفاع موضوعه ولو بارتفاع صفته المقومة له ، ولا يكفي في الثاني ذلك ، بل لا بد من صدق الاستحالة الموجبة لتعدد الموضوع ذاتاً وصفة عرفاً ، مثلا لو ثبت حكم للعجين ارتفع بمجرد صيرورته خبزاً وإن كانت نجاسته لا ترتفع بذلك.
[1] قد عرفت أن المعيار أن يصدق عليها اسم الأرض.
[2] في المدارك : نسبة الجواز إلى قطع الأصحاب. وعن الروض : « لا نعلم في ذلك مخالفاً من الأصحاب ». وقد يظهر من محكي المعتبر والتذكرة المفروغية عنه. وينبغي أن يكون كذلك ، لصدق الأرض عليه عرفاً ، كصدقها على العين ، وإن اختلفا في الوضوح وعدمه ، إذ الإجزاء الأرضية التي أخذت موضوعاً للسجود لم تتغير ولم تتحول ، وإنما تغير بعض صفاتها - مثل التماسك وعدمه - شدة وضعفاً ، وذلك لا يوجب اختلافاً في موضوع الأرض ، بشهادة انطباقه على التراب والصخر على نحو واحد وكون التماسك بعمل اللّه سبحانه أو بعمل العبد لا أثر له في الفرق. مع أن الشك كاف في الحكم بالجواز اعتماداً على استصحابه. وأما استصحاب مفهوم الأرض فلا مجال له ، لأنه من قبيل استصحاب المفهوم المردد بين معلوم البقاء ومعلوم الارتفاع ، المحقق في محله عدم صحته.
[3] حكى في مفتاح الكرامة عن صريح النهاية والمبسوط وظاهر الأكثر
والنورة والجص المطبوخين [1]. وقبل الطبخ لا بأس به.
( مسألة 2 ) : لا يجوز السجود على البلور والزجاجة [2]
جواز السجود عليه ، وعن التنقيح. الميل اليه ، وعن البحار : أنهم لم ينقلوا فيه خلافاً. والكلام فيه هو الكلام في الخزف.
[1] المحكي عن الشيخ في النهاية والمبسوط : التصريح بجواز السجود على الجص. وعن جماعة من متأخري المتأخرين : الميل اليه. ويقتضيه صحيح الحسن ابن محبوب : « سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثمَّ يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب اليه بخطه : إن الماء والنار قد طهراه » (1)، فإن السؤال يظهر منه المفروغية عن جواز السجود على الجص في نفسه ، وإنما كان الاشكال من السائل من جهة شبهة النجاسة ، فقوله (عليه السلام) : « إن الماء .. » - مهما كانت المناقشة فيه - ظاهر في تقرير السائل على اعتقاده من جواز السجود عليه في نفسه ، وفي رفع إشكاله فيه من جهة شبهة النجاسة. مع أن فيما دل على جواز السجود على الأرض كفاية ، لصدقها عليه كصدقها على الخزف والآجر ، بل هنا أظهر. وكذلك الكلام في النورة. نعم في خبر محمد بن عمرو بن سعيد (2)النهي عن السجود على الصاروج وهو - كما عن الكاشاني - النورة بإخلاطها. وفي الذكرى : أنه يستلزم المنع من النورة بطريق أولى. وفيه : أنه يتوقف على كون الأخلاط أجزاء أرضية وهو غير ثابت ، بل الظاهر أن ما يسمى في زماننا بالصاروج من جملة أجزائه الرماد.
[2] لخروجهما عن مفهوم الأرض عرفاً. مضافاً في الثاني إلى صحيح
( مسألة 3 ) : يجوز على الطين الأرمني [1] والمختوم.
( مسألة 4 ) : في جواز السجدة على العقاقير والأدوية مثل لسان الثور وعنب الثعلب والخبة وأصل السوس وأصل الهندباء - إشكال ، بل المنع لا يخلو عن قوة [2]. نعم لا بأس
محمد بن الحسين : « إن بعض أصحابنا كتب الى أبي الحسن الهادي (عليه السلام) يسأله عن الصلاة على الزجاج. قال : فلما نفذ كتابي إليه تفكرت وقلت : هو مما أنبتت الأرض وما كان لي أن أسأل عنه. قال : فكتب إلي : لا تصل على الزجاج وإن حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الأرض ولكنه من الملح والرمل وهما ممسوخان » (1). ولعل المراد أنهما ممسوخان بالمزج ، لا أن الرمل في نفسه ممسوخ ، إذ لا إشكال في كونه أرضاً ، ولا في جواز السجود عليه ، لكن عن الصدوق وعلي بن عيسى روايته : « فإنه من الرمل والملح والملح سبخ » (2).
[1] هو طين أحمر لم يخرج بحمرته عن كونه أرضاً يؤتى به من ( إيروان ) على ما في التحفة الفارسية ، وفي الجواهر في مبحث الربا : جزم بأنه الذي يؤتى به من قبر ذي القرنين. ويشهد له روايتا المصباح (3)ومكارم الأخلاق (4). والطين المختوم : طين أبيض - على ما رأيته - لم يخرج عن كونه أرضاً ، وببالي أن في التحفة ذكر أنه يؤتى به من بعض جزائر الغرب ، وذكر وجهاً لتسميته بالمختوم - فراجع.
[2] نسبة الأكل واللبس في قوله (عليه السلام) : « إلا ما أكل ولبس »
بما لا يؤكل منها شائعاً ولو في حال المرض وإن كان يؤكل نادراً عند المخمصة أو مثلها.
إما أن يراد بها نسبة الأكل واللبس فعلا ، أو نسبتهما استعداداً ، وعلى الأول : لا يمكن أن يكون المراد من الموصول الشخص المتلبس بفعلية المبدأ لامتناع ذلك عقلا بالنسبة الى ما أكل ، فيمتنع أيضاً عرفاً بالنسبة الى ما لبس لبعد التفكيك بينهما ، بل المراد به إما الشخص بلحاظ قيام المبدأ بأمثاله ، فالمعنى : « إلا ما أكل أو لبس أمثاله » أو الجنس بلحاظ قيام المبدأ ببعض أفراده فالمعنى : « إلا الجنس الذي أكل بعض أفراده أو لبس كذلك ». وعلى الثاني : فالاستعداد إما أن يكون بلحاظ نفسه بأن يكون فيه من خصوصيات الطعم والرائحة ما يحسن لأجله أن يؤكل في قبال ما لا يكون كذلك ، ضرورة اختلاف الأشياء في ذلك اختلافاً بيناً ، وكذلك الحال فيما لبس ، أو يكون بلحاظ إعداد الناس إياه للأكل أو اللبس سواء أكان مستعداً في نفسه لذلك أم لا. والظهور الأولي للجملة المذكورة إرادة الشخص المتلبس بالمبدإ. لكن - حيث عرفت امتناعه - يدور الأمر بين إرادة الفعلية بالمعنيين الأخيرين وبين إرادة الاستعداد ، والثاني منهما أيضاً أظهر ، كما أن الأظهر الحمل على الاستعداد الذاتي لا العرضي ، لاحتياج الثاني إلى عناية زائدة لا قرينة عليها. نعم يساعده التعليل في صحيح هشام : « لأن أهل الدنيا إنما يعبدون ما أعدوه لأكلهم ولبسهم » (1)ولا يكفي في كون الشيء معبوداً لهم كونه مستعداً للأكل أو اللبس في نفسه. لكن التعليل لما لم يمكن الأخذ بظاهره - لاقتضائه المنع في غير المأكول والملبوس
1) تقدم ذكر الصحيح في البحث عن اشتراط كون مسجد الجبهة من الأرض ونباتها في أول هذا الفصل. ونص التعليل : ( لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ) والنقل هاهنا بالمعنى.
من المفروش وغيره من حاجياتهم التي يعبدونها عبادة المأكول والملبوس ، واقتضائه الجواز في المأكول والملبوس اللذين ما أعدوهما للأكل واللبس ، وإن أكل ولبس لغيرهم من صلحاء العباد - يكون مجملا ، ويسقط عن مقام القرينية ، فتحمل الجملة على معناها الظاهر - أعني : الاستعداد الذاتي - ولا سيما وقد وردت الجملة في صحيح حماد غير مقرونة بالتعليل (1)المذكور. وعلى هذا يجوز السجود على العقاقير والأدوية مثل المذكورة في المتن - كما قطع به في الجواهر - لخلوها عن الاستعداد المذكور. نعم بناء على إرادة ما أعده الناس لأكلهم أو لبسهم يكون المنع في محله ، لأنها معدودة للأكل ولو بلحاظ حال المرض. نعم إذا كان الاحتياج اليه نادراً لا يصدق الاعداد والاستعداد عرفاً فلا بأس بالسجود عليه ، ولذا قال في المتن : « نعم لا بأس .. ».
ثمَّ إن المرجع في تعيين الاستعداد الذاتي نوع الإنسان الذي لا يقدح فيه مخالفة النادر ، إذ الإطلاق لا بد أن يكون منزلا على ذلك ، ولو فرض الاختلاف فالمرجع عموم جواز السجود على ما أنبتت الأرض الذي تضمنه صحيح الفضيل وبريد (2)للشك في تخصيصه. ولو شك في اختلاف النوع واتفاقه ، فلأجل أن الشبهة حينئذ مصداقية ، فالمرجع فيها إما عموم الجواز بناء على الرجوع الى العام في الشبهة المصداقية ، أو الأصل الجاري في الشك في التعيين والتخيير من أصالة الاحتياط أو أصالة البراءة ، لكون المقام منه كما لا يخفى. لكن فرض الاختلاف غير ممكن كما نشير إليه في المسألة الحادية عشرة.
( مسألة 5 ) : لا بأس بالسجود على مأكولات الحيوانات [1] كالتبن والعلف.
( مسألة 6 ) : لا يجوز السجود على ورق الشاي ولا على القهوة [2]. وفي جوازها على الترياك إشكال.
( مسألة 7 ) : لا يجوز على الجوز واللوز [3]. نعم
[1] بلا إشكال ظاهر ، لأن المنصرف اليه مما أكل ما كان كذلك بالنسبة إلى الإنسان ، ولا سيما بقرينة اقترانه بما لبس.
[2] بناء على أن المراد مما أكل ما أعده الناس لذلك لا ينبغي التأمل في عدم جواز السجود على الشاي وعلى القهوة ، لاعدادهم إياهما للأكل ولو بالنحو الخاص. لأن الظاهر أن المراد من الأكل في المقام ما يعم استعماله ولو بنحو يكون به مائعاً. أما بناء على ما عرفت من استعداده في نفسه لذلك فغير بعيد بالنسبة إلى الشاي ، أما بالنسبة إلى القهوة فمحل إشكال أو منع ، لعدم كونها واجدة لذلك الاستعداد. وشيوع استعمالها إنما نشأ من جهة وجود خواص أخرى فيها ، كما يشهد لذلك شدة التنفر منها في الاستعمال الأول لها مع جهل المستعمل بها. والحال في الترياك أظهر. ولا يتضح الوجه في توقف المصنف في عدم جواز السجود عليه مع تقويته العدم في مثل العقاقير والأدوية مع أن الترياك أشيع منها استعمالا وأكثر اعتباراً ، فعلى ما يظهر منه من اعتبار الاعتياد يكون أولى بالمنع.
[3] لأن الجبهة وإن كانت تلاصق القشر الذي ليس بمأكول ، إلا أن القشر عند اشتماله على اللب لما كان يلحظ تبعاً له عرفاً يصدق السجود على المأكول. لكن في تمامية التبعية المذكورة في مثل قشر اللوز والجوز إشكالا ظاهراً ، لاستقلال القشر في نفسه ، فهو كالصندوق من الخشب المملوء
يجوز على قشرهما بعد الانفصال [1]. وكذا نوى المشمش والبندق والفستق.
( مسألة 8 ) : يجوز على نخالة الحنطة [2] والشعير وقشر الأرز.
( مسألة 9 ) : لا بأس بالسجدة [3] على نوى التمر ، وكذا على ورق الأشجار وقشورها ، وكذا سعف النخل.
( مسألة 10 ) : لا بأس بالسجدة على ورق العنب بعد اليبس وقبله مشكل [4].
ذهباً. نعم يتم ذلك في مثل قشر الحنطة والشعير الذي لا استقلال له ويرى جزءاً من اللب ، وإن حكي عن التذكرة والمنتهى ونهاية الأحكام والسرائر والموجز : جواز السجود على الحنطة والشعير ، لأن القشر الذي ليس بمأكول حاجز بين المأكول والجبهة ، والسجود واقع عليه. لكنه ضعيف.
[1] لعموم جواز السجود على ما لا يؤكل ، ولا مجال لاستصحاب المنع الثابت قبل الانفصال ، لأن ذلك المنع ليس تخصيصاً لعموم الجواز كي يندرج المورد في مسألة استصحاب حكم المخصص ، وإنما هو تخصص لأجل صدق السجود على المأكول. مع أن الرجوع إلى الاستصحاب مطلقاً في تلك المسألة غير ظاهر.
[2] لعدم إعدادها للأكل ولا استعدادها له ، ولا ينافيه أكلها مخلوطة بالدقيق كثيراً ، لعدم كونها مقصودة بالأكل أصالة ، فلاحظ.
[3] وجهه ظاهر مما سبق.
[4] بناء على ما عرفت الأظهر عدم جواز السجود عليه لتحقق الاستعداد الأكلي فيه. بل يشكل الحكم مع اليبس ، لأنه من الطوارئ
( مسألة 11 ) : الذي يؤكل في بعض الأوقات دون بعض لا يجوز السجود عليه مطلقاً [1]. وكذا إذا كان مأكولا في بعض البلدان دون بعض [2].
المانعة من الأكل كما فيما وجد الاستعداد.
[1] بناء على ما استظهرناه من اعتبار الاستعداد الذاتي فالمدار في جواز السجود وعدمه على فقدان الاستعداد ووجدانه ، فان فقد جاز وإن وجد لم يجز ، سواء أكان مأكولا دائماً أم في وقت أم لم يكن مأكولا أصلا. وكذا بناء على اعتبار إعداد الناس إياه للأكل يكون المدار عليه ، وحينئذ ففي الوقت الذي لا يؤكل فيه إن كان فاقداً للاعداد لبعد الوقت جداً جاز السجود عليه ، وإن كان واجداً له لقرب الوقت امتنع السجود عليه ، فإطلاق المنع - كما في المتن - غير ظاهر على كل حال.
[2] بناء على اعتبار الاستعداد يمتنع فرض اختلاف البلدان فيه لامتناع اختلاف مذاق النوع الإنساني في الاستعداد المذكور. نعم يمكن اختلاف الناس في إدراك ذلك الاستعداد لأوهام تقليدية أو عادات جارية ، فترى قوماً لا يرون الجراد واجداً لوصف المأكولية ، وآخرين يرون الترياك واجداً له ، وهذا الاختلاف لا اعتبار به ، لأنه ناشئ عن أمور زائدة عن ملاحظة الذات ، والعبرة بأن يعرض الشيء على الآكل مع جهله به وعدم أكله له قبل ذلك كي لا يتأثر بتقليد غيره ولا بعادة جارية له ، فان حكم بأنه مأكول أو لا مأكول جرى حكم المنع والجواز ، كما أشرنا إليه سابقاً. نعم بناء على اعتبار الاعداد يمكن فرض اختلاف البلدان. لكن في الاكتفاء بإعداد بعض البلدان إشكالا ، وإن حكي عن جماعة كثيرة أنه لو أكل شائعاً في قطر دون غيره عم التحريم ، والتمسك بإطلاق ما أكل
( مسألة 12 ) : يجوز السجود على الأوراد غير المأكولة.
( مسألة 13 ) : لا يجوز السجود على الثمرة قبل أوان أكلها [1].
( مسألة 14 ) : يجوز السجود على الثمار غير المأكولة [2] أصلا كالحنظل ونحوه.
وإن كان يقتضيه ، إلا أنه يقتضي أيضاً الاكتفاء بالواحد والاثنين من الناس ، اللّهم إلا أن يدعى الانصراف عن مثله ، ولا سيما مع ندرة ما لا يكون كذلك من النباتات. فتأمل جيداً.
[1] لأن الظاهر مما أكل - ولو بقرينة ما دل على النهي عن السجود على كدس الحنطة والشعير والطعام ونحوه - أعم مما كان يحتاج في أكله إلى علاج بالطبخ والنضج بالنار أو بالشمس أولا.
[2] كما يقتضيه النص والإجماع المتقدمان. نعم في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قلت له : أسجد على الزفت - يعني : القير -؟ فقال (عليه السلام) : لا ، ولا على الثوب الكرفس ، ولا على الصوف ، ولا على شيء من الحيوان ، ولا على طعام ، ولا على شيء من ثمار الأرض ، ولا على شيء من الرياش » (1). وصحيح ابن مسلم : « لا بأس بالصلاة على البوريا والخصفة وكل نبات إلا الثمرة » (2). ونحوهما المرسل عن تحف العقول (3). وإطلاق الثمرة فيها وإن كان يقتضي عموم الحكم لغير المأكول يجب تقييده بالمأكول للإجماع.
( مسألة 15 ) : لا بأس بالسجود على التنباك [1].
( مسألة 16 ) : لا يجوز على النبات الذي ينبت على وجه الماء [2].
( مسألة 17 ) : يجوز السجود على القبقاب والنعل المتخذ من الخشب مما ليس من الملابس المتعارفة ، وإن كان لا يخلو عن إشكال [3]. وكذا الثوب المتخذ من الخوص [4].
[1] لعدم كونه من المأكول والملبوس.
[2] لعدم كونه من نبات الأرض وظاهر النصوص المتقدمة اعتبار أن يكون على الأرض أو نباتها. وما في بعض النصوص من إطلاق النبات - كصحيح ابن مسلم المتقدم في الثمرة ، وخبر الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أن رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام) وسأله عن السجود على البوريا والخصفة والنبات. قال (عليه السلام) نعم » (1)- مقيد بنصوص الحصر في الأرض ونباتها ، ولا سيما مع غلبة كون النبات الذي يسأل عن السجود عليه من نبات الأرض.
[3] للإشكال في عموم اللباس الممنوع من السجود عليه لمثل القبقاب. بل المنع أشبه وإن كان متعارفاً في لباس الرجل ، إذ هو أشبه بالموطوء لا بالملبوس. ومثل القبقاب القلادة والسوار والخلخال من الخشب فان ذلك ليس منصرف اللبس المانع كما لا يخفى. مع أنه بناء على ما استظهرناه من اعتبار الاستعداد لا إشكال ، لفقد ذلك في الخشب.
[4] صدق اللبس على قلنسوة الخوص وثوبه ليس فيه الاشكال المتقدم في القبقاب فهما أولى منه بالمنع ، فعلى ما ذكرنا من اعتبار الاستعداد الذاتي
1) الوسائل باب : 1 من أبواب ما يسجد عليه حديث. 10.
( مسألة 18 ) : الأحوط ترك السجود على القنب [1].
( مسألة 19 ) : لا يجوز السجود على القطن [2] ، لكن يجوز على خشبه وورقه.
لا منع ، لانتفاء ذلك الاستعداد في الخوص. أما بناء على كفاية الاعداد في المنع فقد يشكل حينئذ وجهه. إلا أن لا يكتفى بهذا المقدار من الاعداد أو يتمسك بما ورد في جواز السجود على المروحة. وكذا الخمرة والخصفة فإنهما يعملان من الخوص ، بل والحصر ، فإنه يعمل منه غالباً.
[1] فقد حكى في الذكرى عن الفاضل جواز السجود عليه ، لعدم اعتبار لبسه ، وتوقف فيما لو اتخذ منه ثوب ، ثمَّ قال : « والظاهر القطع بالمنع لأنه معتاد اللبس في بعض البلدان ». وينبغي الجزم بالمنع بناء على ما ذكرنا من أن الاعتبار بالاستعداد للبس ، لكونه كذلك. بل وكذا بناء على اعتبار الاعداد ، حيث أن الظاهر أن ما يسمى في زماننا ب- « الشعيري » متخذ منه.
[2] على المشهور فيه شهرة عظيمة ، بل عن التذكرة والمهذب البارع والمقتصر : نسبته إلى علمائنا ، بل عن الخلاف والمختلف والبيان : الإجماع عليه. ويشهد به - مضافاً الى النصوص المانعة من السجود على ما لبس ، فإنها كالنص في القطن والكتان ، لندرة غيرهما في ذلك الزمان أو عدمه ، والى خبري الفضل والأعمش المتقدمين في صدر المسألة (1)، والى صحيح زرارة المتقدم (2)في الثمرة المتضمن للمنع عن السجود على الثوب الكرسف وهو القطن كما في القاموس والمجمع - خبر ابن جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل
يؤذيه حر الأرض وهو في الصلاة ولا يقدر على السجود هل يصلح له أن يضع ثوبه إذا كان قطناً أو كتاناً؟ قال (عليه السلام) : إذا كان مضطراً فليفعل » (1).
وعن السيد في الموصليات والمصريات الثانية : الجواز على الثوب المعمول منهما ، وظاهر محكي كلامه المفروغية عن صحة الصلاة لو سجد عليهما. وهو غريب ، إلا أن يريد الصحة في الجملة ولو عند الاضطرار. نعم يشهد للجواز خبر ياسر الخادم : « مرَّ بي أبو الحسن (عليه السلام) وأنا أصلي على الطبري وقد ألقيت عليه شيئاً أسجد عليه. فقال (عليه السلام) لي : ما لك لا تسجد عليه أليس هو من نبات الأرض؟ » (2)، وخبر داود الصرمي : « سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) هل يجوز السجود على القطن والكتان من غير تقية؟ فقال (عليه السلام) : جائز » (3)، وخبر الحسين بن علي بن كيسان الصنعاني : « كتبت الى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة. فكتب (عليه السلام) إلي : ذلك جائز » (4). لكن الطبري في الأول مجمل ، وظهور كلمات جماعة في أنه من القطن والكتان غير كاف في حجيته ، ولا سيما مع ما حكي عن المولى مراد من أنه الحصير الذي يعمله أهل طبرستان. وداود الصرمي لم يثبت اعتبار حديثه ، إذ لم ينص على توثيقه ، بل ولا على مدحه بنحو يعتد به. والصنعاني مهمل ، فلا يمكن التعويل على النصوص المذكورة في رفع اليد عن ظاهر ما سبق من المنع ، ولا سيما مع إعراض الأصحاب عنها ، وبنائهم على التصرف فيها بالحمل على التقية أو الضرورة. ومقتضى إطلاق المنع عدم الفرق بين كونه مغز ولا
( مسألة 20 ) : لا بأس بالسجود على قراب السيف والخنجر إذا كان من الخشب [1] وإن كانا ملبوسين ، لعدم كونهما من الملابس المتعارفة.
( مسألة 21 ) : يجوز السجود على قشر البطيخ والرقي والرمان بعد الانفصال على إشكال [2] ، ولا يجوز على قشر الخيار والتفاح [3] ونحوهما.
( مسألة 22 ) : يجوز السجود على القرطاس وإن كان متخذاً من [4] القطن أو الصوف أو الإبريسم والحرير وكان فيه شيء من النورة ، سواء كان أبيض ، أو مصبوغاً بلون أحمر أو أصفر أو أزرق ، أو مكتوباً عليه إن لم يكن مما له جرم حائل مما لا يجوز السجود عليه كالمداد المتخذ من الدخان ونحوه. وكذا لا بأس بالسجود على المراوح المصبوغة من غير جرم حائل.
وغيره. نعم في مرسل تحف العقول (1): الجواز قبل الغزل. وعن التذكرة والنهاية : الاستشكال فيه حينئذ. لكنه غير ظاهر ، لضعف المرسل.
[1] الكلام فيه مثل الكلام في القبقاب والقلادة.
[2] كأنه ينشأ من استصحاب المنع. لكن عرفت في قشر الجوز واللوز الكلام فيه. وحيث أن القشور المذكورة لا استعداد فيها للأكل ولا معدة له فلا إشكال.
[3] حال قشر التفاح حال النحالة. وقد تقدم منه الجواز فيها. وأما قشر الخيار فلأجل أنه مستعد للأكل يكون المنع عنه متعيناً.
[4] كما يقتضيه إطلاق الأكثر ، بدعوى إطلاق النصوص المتقدمة في
1) تقدم في المسألة الرابعة عشرة من هذا الفصل.
صدر المسألة. لكن في القواعد وعن نهاية الأحكام واللمعة والبيان وحاشية النافع : التقييد بالمتخذ من النبات. وعن حاشية الإرشاد والجعفرية وإرشادها والغرية : التقييد بما إذا كان من جنس ما يسجد عليه. قيل : وكلاهما غير ظاهر ، فإنه تقييد للنص والفتوى من غير مقيد. وتوهم أن المقيد ما دل على أنه لا يجوز السجود إلا على الأرض أو على ما أنبتته غير الملبوس والمأكول ، فيه : أن بينه وبين نصوص المقام عموماً من وجه والترجيح لها ، لظهورها في أن للقرطاسية خصوصية لأجلها يجوز السجود عليه. مع أن تقييدها بما يصح السجود عليه حمل على النادر. نعم لو سلم عدم الترجيح بذلك كان مقتضى التساقط الرجوع الى أصالة الاحتياط بناء على جريانها عند الدوران بين التعيين والتخيير ، لكون المقام منه.
هذا ولكن في ثبوت إطلاق النصوص المتقدمة (1)تأملا ، أما صحيح صفوان : فلاجمال الواقعة المحكية فيه ، فضلا عن إجمال القرطاس ، وأما صحيح ابن مهزيار : فوارد مورد السؤال عن مانعية الكتابة عن جواز السجود على ما يصح السجود عليه من أنواع القرطاس لا في مقام تشريع جواز السجود على القرطاس ، ومثله صحيح جميل بناء على ظهوره في الجواز ، إما بحمل الكراهة فيه على الكراهة المصطلحة ، أو لأن المنع عن خصوص المكتوب يدل على الجواز في غيره. وإذ لا إطلاق في النصوص يشكل جواز السجود على القرطاس اختياراً حتى المتخذ مما يجوز السجود عليه ، لعدم صدق الأرض أو ما أنبتت عليه. اللّهم إلا أن يكون المستند فيه الإجماع ، لكن مقتضى الاقتصار على القدر المتيقن منه الاختصاص بخصوص المتخذ مما يصح السجود عليه ، فإطلاق المتن غير ظاهر. وأشكل منه التقييد
1) تقدمت في أول الفصل.
( مسألة 23 ) : إذا لم يكن عنده ما يصح السجود عليه - من الأرض أو نباتها أو القرطاس - أو كان ولم يتمكن من السجود عليه لحر أو برد أو تقية أو غيرها سجد على ثوبه [1]
بالمتخذ من النبات وإن كان مما يؤكل أو يلبس ، إذ لا يتم سواء أكان لنصوص القرطاس إطلاق أم لم يكن ، إذ على الثاني يتعين ما ذكرنا. وكذا على الأول بناء على معارضته بإطلاق المنع عن السجود على ما لم يكن أرضاً ولا نباتها على معارضته بإطلاق المنع عن السجود على ما لم يكن أرضاً ولا نباتها غير المأكول والملبوس ، وبناء على العمل به وعدم معارضته بما ذكر يتعين ما في المتن ، فلاحظ.
[1] الذي ذكره غير واحد مرسلين له إرسال المسلمات من دون تعرض لخلاف فيه : وجود بدل شرعي اضطراري لمن لم يتمكن من المسجد الاختياري. ويشهد له خبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قلت له : أكون في السفر فتحضر الصلاة وأخاف الرمضاء على وجهي كيف أصنع؟ قال (عليه السلام) : تسجد على بعض ثوبك. فقلت : ليس علي ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه ولا ذيله. قال (عليه السلام) : أسجد على ظهر كفك فإنها أحد المساجد » (1). وضعف سنده - لو تمَّ - لا يقدح في حجيته بعد اعتماد الأصحاب عليه. وحمله على أن ذكر الثوب واليد للتنبيه على ما يمكنه السجود عليه خلاف الظاهر جداً. ومثله خبره الآخر المروي عن الفقيه : « عن رجل يصلي في حر شديد فيخاف على جبهته من الأرض. قال (عليه السلام) : يضع ثوبه تحت جبهته » (2).
وصحيح منصور عن غير واحد من أصحابنا (رضي اللّه عنه) : « قلت لأبي
جعفر (عليه السلام) : إنا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أفنسجد عليه؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولكن اجعل بينك وبينه شيئاً قطناً أو كتاناً » (1). والحمل على أن المنع عن السجود على الثلج لعدم الاستقرار لا لعدم كونه مسجداً ، وأن قوله (عليه السلام) : « قطناً أو كتاناً » وارد لبيان المثال لما يحصل به الاستقرار كأنه قال (عليه السلام) : « قطناً أو كتاناً أو غيرهما » أيضاً خلاف الظاهر. ودعوى : أن ظاهر الصحيحة جواز السجود على القطن والكتان اختياراً ، لأن كون الأرض باردة يكثر فيها الثلج لا يلازم الاضطرار الى غير الأرض ونباتها ، بل الحمل على ذلك حمل على النادر. ضعيفة ، لظهورها في إرادة السؤال عن جواز السجود على الثلج حيث لا يكون أرض ليسجد عليها ، لكون الثلج النازل من السماء مستوعباً وجه الأرض وما عليها من النبات كثيراً بحيث لا يمكنه نبشه والسجود على وجه الأرض ، ولعله ظاهر بأقل تأمل.
وخبر أحمد بن عمر : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يسجد على كم قميصه من أذى الحر والبرد أو على ردائه إذا كان تحته مسح أو غيره ما لا يسجد عليه. فقال (عليه السلام) : لا بأس به » (2). فإنه ظاهر في مفروغية السائل عن عدم جواز السجود على المسح وغيره مما لا يسجد عليه ، واحتماله جواز السجود على الثوب لخصوصية فيه ، فقوله (عليه السلام) : « لا بأس » - مقتصراً عليه - تقرير للسائل على ما في ذهنه من عدم جواز السجود على المسح في هذه الحال. ولعل مثله صحيح محمد بن القاسم بن الفضيل : « كتب رجل إلى أبي الحسن (عليه السلام) هل يسجد الرجل على الثوب
القطن أو الكتان [1] ، وإن لم يكن سجد
يتقي به وجهه من الحر والبرد ومن الشيء يكره السجود عليه؟ فقال (عليه السلام) : نعم لا بأس به » (1). وما ذكرنا هو العمدة في إثبات البدل الاضطراري أما خبر عيينة بياع القصب : « أدخل المسجد في اليوم الشديد الحر فأكره أن أصلي على الحصى فأبسط ثوبي فأسجد عليه؟ قال (عليه السلام) : نعم ليس به بأس » (2). ونحوه غيره ، فلا دلالة لها إلا على جواز السجود على الثوب عند الضرورة ، وهو أعم من التعيين كما هو ظاهر.
[1] قد عرفت من النصوص السابقة أن الثوب هو البدل الأول. وإطلاقها يقتضي عدم الفرق بين كونه من القطن أو الكتان أو غيرهما ، لكنه مقيد بصحيح منصور (3)بخصوص القطن أو الكتان ، ولازمه الانتقال إلى الكف الذي تضمنته رواية أبي بصير (4)بمجرد فقد الثوب المذكور. ويحتمل تقييد بدلية الثوب بصورة فقد القطن والكتان ، فيكون البدل الأول القطن والكتان ، والثاني الثوب من غيرهما ، والثالث الكف. وفيه : أن لازمه تقييد الثوب المذكور في النصوص بما كان من غيرهما ليصح جعله في الرتبة الثانية ، وإذا دار الأمر بين تقييد الموضوع فقط وبين تقييده مع تقييد الحكم يكون الأول أولى ، ولا سيما وأن في جملة من النصوص ذكر الكم والقميص الغالب كونه منهما. فما قواه بعض من كون المراتب ثلاث غير ظاهر.
على المعادن [1] أو ظهر كفه ، والأحوط تقديم الأول.
( مسألة 24 ) : يشترط أن يكون ما يسجد عليه مما يمكن تمكين الجبهة عليه ، فلا يصح على الوحل والطين أو التراب الذي لا تتمكن الجبهة عليه [2]. ومع إمكان التمكين لا بأس
[1] كأنه للنصوص المشار إليها آنفاً الدالة على جواز السجود على القير ، الواجب حملها على الضرورة ، جمعاً بينها وبين ما دل على المنع عنه. لكن لو بني على التعدي عن مواردها إلى مطلق المعادن فحملها على صورة تعذر السجود على الثوب لا شاهد له ، بل بعيد جداً ، ولا سيما بالنسبة إلى بعضها ، فالأولى تقييد نصوص الثوب بها فيكون مقدماً عليه ، وأولى منه عدم العمل بها في المقام ، لإجمال موردها ، واللّه سبحانه أعلم.
[2] لاعتبار ذلك في السجود على الشيء كما يأتي إن شاء اللّه. وفي موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو؟ فقال (عليه السلام) : إذا غرقت الجبهة ولم تثبت على الأرض » (1). وموثقه الآخر : « عن الرجل يصيبه المطر وهو في موضع لا يقدر أن يسجد فيه من الطين ولا يجد موضعاً جافاً. قال (عليه السلام) : يفتتح الصلاة فإذا ركع فليركع كما يركع إذا صلى ، فاذا رفع رأسه من الركوع فليومئ بالسجود إيماء وهو قائم ، يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلاة ، ويتشهد وهو قائم » (2). ومثله صحيح هشام بن الحكم (3)المروي عن مستطرفات السرائر.
بالسجود على الطين [1] ، ولكن إن لصق بجبهته يجب إزالته للسجدة الثانية. وكذا إذا سجد على التراب ولصق بجبهته يجب إزالته لها [2]. ولو لم يجد إلا الطين الذي لا يمكن الاعتماد عليه سجد عليه بالوضع من غير اعتماد [3].
( مسألة 25 ) : إذا كان في الأرض ذات الطين بحيث يتلطخ به بدنه وثيابه في حال الجلوس للسجود والتشهد جاز له الصلاة مومياً للسجود ولا يجب الجلوس للتشهد [4]
[1] بلا إشكال كما في الجواهر ، ويفهم من موثق عمار السابق. [2] لكونه معدوداً من توابع الجبهة ، حائلا بينها وبين الأرض ، فلا يصدق السجود على الأرض. فتأمل.
[3] لقاعدة الميسور التي يظهر منهم التسالم على العمل بها في أمثال المقام إلا أن يقوم دليل على البدلية ، وهو في مثل الفرض مفقود ، وموثق عمار السابق ونحوه مورده المسألة الآتية وهي ما إذا كان مكان المصلي فيه الطين لا مسجده فقط. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره غير واحد في هذا المقام من قولهم : « لا يجوز السجود على الوحل لعدم تمكن الجبهة فإن اضطر أومأ ». فإن إطلاقه شامل لهذه المسألة مع أنها غير مشمولة لنصوص الإيماء. نعم في محكي نهاية الأحكام : « إن أمن من التلطيخ فالوجه وجوب إلصاق الجبهة به إذا لم يتمكن من الاعتماد عليه ». وهو في محله.
[4] كما ذكر جماعة كثيرة ، لموثق عمار وصحيح هشام السابقين. ومقتضى الجمود على قول السائل « لا يقدر .. » وإن كان هو عدم القدرة عقلا - ولو لعدم القدرة على الاعتماد على المسجد وتمكين الجبهة منه -
لكن الأحوط مع عدم الحرج الجلوس لهما وإن تلطخ بدنه وثيابه [1] ، ومع الحرج أيضاً إذا تحمله صحت صلاته [2].
( مسألة 26 ) : السجود على الأرض أفضل من النبات [3]
لكن الظاهر منه - بقرينة قوله : « ولم يجد موضعاً جافاً » ، وندرة عدم وجود موضع صلب يمكن الاعتماد عليه - إرادة عدم القدرة من جهة تلطخ ثيابه وتلوثها بالطين فيكون ذلك هو موضوع الحكم ببدلية الإيماء وعدم وجوب الجلوس له ولا للتشهد ، من دون فرق بين أن يكون السجود والجلوس له وللتشهد حرجياً وأن لا يكون. وما في جامع المقاصد ، وعن فوائد الشرائع والمسالك ، وفي المدارك وكشف اللثام من وجوب الانحناء إلى أن تصل الجبهة إلى الوحل ، لقاعدة الميسور التي لا يخرج عنها بالخبرين المذكورين غير ظاهر إذ القاعدة لا دليل عليها ظاهر غير الإجماع ، وهو مفقود ، والخبران صحيح وموثق وكلاهما حجة. ومثله ما حكي من وجوب الجلوس للإيماء وللتشهد فإنه طرح للخبرين من غير وجه ، وحملهما على صورة تعذر الجلوس - مع أنه بعيد في نفسه - خلاف الظاهر كما عرفت.
[1] لاحتمال تنزيل الخبرين على خصوص صورة الحرج في السجود والجلوس.
[2] لأن أدلة الحرج لا تصلح لنفي الاقتضاء ، وإنما تنفي الإلزام ، ومع وجود المقتضي تصح العبادة. مع أن في ظرف الاقدام على الحرجي لا مجال لتطبيق أدلة الحرج لعدم الامتنان في تشريعها حينئذ. فتأمل جيداً.
[3] لما في صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « السجود على الأرض أفضل لأنه أبلغ في التواضع والخضوع لله عز وجل » (1). وسأل إسحاق بن الفضيل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السجود على الحصر والبواري.
1) الوسائل باب : 17 من أبواب ما يسجد عليه حديث : 1.
والقرطاس ، ولا يبعد كون التراب أفضل من الحجر [1]. وأفضل من الجميع التربة الحسينية ، فإنها تخرق الحجب السبع [2] وتستنير إلى الأرضين السبع.
فقال (عليه السلام) : « لا بأس وأن يسجد على الأرض أحب إلي .. » (1).
[1] ففي خبر دعائم الإسلام : « ينبغي للمصلي أن يباشر بجبهته الأرض ويعفر وجهه في التراب لأنه من التذلل لله عز وجل » (2). وفي الآخر : « أفضل ما يسجد عليه المصلي الأرض النقية » (3). وفي التعليل في صحيح هشام دلالة عليه.
[2] كما في رواية الشيخ في المصباح عن معاوية بن عمار قال : « كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه ، ثمَّ قال (عليه السلام) : إن السجود على تربة أبي عبد اللّه (عليه السلام) تخرق الحجب السبع » (4). ونحوه مرسل الطبرسي في مكارم الأخلاق (5). وفي مرسل الفقيه عن الصادق علیه السلام : « السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) ينور إلى الأرضين السبع » (6).
وفي المسالك : ويستحب التسبيح بها استحباباً مؤكداً ، فروى الشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب في الصحيح عن عبد اللّه بن جعفر الحميري قال :
1) الوسائل باب : 17 من أبواب ما يسجد عليه حديث : 4.
2) مستدرك الوسائل باب : 10 من أبواب ما يسجد عليه ملحق الحديث الأول.
3) مستدرك الوسائل باب : 10 من أبواب ما يسجد عليه حديث : 1.
4) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يسجد عليه حديث : 3.
5) الوسائل باب : 16 من أبواب التعقيب حديث : 4.
6) الوسائل باب : 16 من أبواب ما يسجد عليه حديث : 1.
« كتبت إلى الفقيه أسأله هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر؟ وهل فيه فضل؟ فأجاب - وقرأت التوقيع ومنه نسخت - : سبح به فما من شيء من التسبيح أفضل منه ، ومن فضله أن المسبح ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له ذلك التسبيح » (1). وروى الشيخ في المصباح عن عبد اللّه بن علي الحلبي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) : « لا يخلو المؤمن من خمسة : سواك ومشط وسجادة وسبحة فيها أربع وثلاثون حبة وخاتم عقيق » (2). وروى أيضاً عن الصادق (عليه السلام) : « من أدار الحجر من تربة الحسين (عليه السلام) فاستغفر به مرة واحدة كتب اللّه له سبعين مرة ، وإن أمسك السبحة بيده ولم يسبح بها ففي كل حبة منها سبع مرات » (3). والمراد من طين القبر في الخبر الأول طين قبر الحسين (عليه السلام) كما يشير اليه ما في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن محمد الثقفي : « أن فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كانت سبحتها من خيوط الصوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات فكانت تديرها بيدها تكبر وتسبح إلى أن قتل حمزة بن عبد المطلب رضی اللّه عنه سيد الشهداء فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس ، فلما قتل الحسين (عليه السلام) عدل إليه بالأمر فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية » (4). ومنه يظهر أن المراد بالسبحة في الخبر الثاني ما كانت من طين قبر الحسين (عليه السلام). وقريب منه في الدلالة على ذلك ما رواه عن كتاب الحسن بن محبوب : « ان أبا عبد اللّه (عليه السلام) سئل عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) والتفاضل بينهما.
( مسألة 27 ) : إذا اشتغل بالصلاة وفي أثنائها فقد ما يصح السجود عليه قطعها في سعة الوقت [1] ، وفي الضيق يسجد على ثوبه القطن أو الكتان أو المعادن أو ظهر الكف على الترتيب.
فقال (عليه السلام) : السبحة التي من طين قبر الحسين (عليه السلام) تسبح بيد الرجل من غير أن يسبح » (1). ثمَّ إن الخبر الأول رواه في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر (2): أنه كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام). ويظهر منه أن الفقيه من ألقابه (عليه السلام) ، وإن كان المشهور أنه من ألقاب الكاظم (عليه السلام).
[1] إذا فقد ما يسجد عليه في أثناء صلاته فتارة : يقدر عليه لو قطع صلاته لوجوده عنده في مكان آخر ، وأخرى : لا يكون كذلك فلا يقدر عليه إلا بانتظار وقت آخر. فعلى الأول : لا يجوز إتمام صلاته بالسجود على الثوب أو الكف مثلا لقدرته على الأرض أو ما أنبتته. وما يتراءى من النصوص من الشمول لصورة القدرة مقيد بما في خبر ابن جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يؤذيه حر الأرض وهو في الصلاة ولا يقدر على السجود هل يصلح له أن يضع ثوبه إذا كان قطناً أو كتاناً؟ قال (عليه السلام) : إذا كان مضطراً فليفعل » (3). وما يقال من أن حرمة قطع الصلاة توجب سلب قدرته عليهما مندفع بأن الصلاة حينئذ باطلة في نفسها ، لعدم مشروعيتها على الحال المذكورة. وعلى الثاني : تكون المسألة من صغريات
( مسألة 28 ) : إذا سجد على ما لا يجوز باعتقاد أنه مما يجوز فان كان بعد رفع الرأس مضى ولا شيء عليه [1] ، وإن كان قبله جر جبهته [2] إن أمكن ، وإلا قطع الصلاة في السعة [3] ، وفي الضيق أتم على ما تقدم [4] إن أمكن ، وإلا اكتفى به.
مسألة وجوب الانتظار لذوي الأعذار وجواز البدار ، والمختار فيها الأول إلا أن يكون لدليل البدلية خصوصية يقتضي جواز البدار ، ونصوص المقام من هذا القبيل ، بل هي كالصريحة فيه ، لأن حرارة الرمضاء إنما تكون في أوائل وقت الظهر ، وحمل النصوص على آخر الوقت أو أول الوقت مع العلم ببقاء الحرارة إلى آخر الوقت بعيد جداً لا مجال لارتكابه ، فلاحظ.
[1] هذا - بناء على ما يظهر منهم الإجماع عليه من كون الوضع على ما يصح السجود عليه من واجبات السجود - ظاهر ، لفوات المحل بمجرد رفع الرأس ، لأن محله صرف الوجود المنقطع برفع الرأس ، فيدور الأمر بين رفع اليد عن الصلاة من رأس وبين البناء على صحتها ، ولأجل أن حديث : « لا تعاد الصلاة » (1)شامل للبعض والتمام يتعين القول بالصحة. ولو قيل بأن ذلك من قيود السجود الواجب فاللازم إعادة السجود ، لعدم مطابقة المأتي به للمأمور به ، ويأتي لذلك تتمة في مبحث الخلل إن شاء اللّه تعالى ،
[2] لبقاء المحل.
[3] لوجوب الصلاة التامة.
[4] يعني : من الانتقال إلى البدل الاضطراري ، وإن لم يمكن سقط
1) الوسائل باب : 9 من أبواب القبلة حديث : 1.
وهي مواضع : ( أحدها ) : الحمام [1] وإن كان نظيفاً ،
للاضطرار. واللّه سبحانه أعلم وَالحمدُ للّه ربّ العالَمين. إلى هنا انتهى ما أردنا تحريره من شرح مباحث مكان المصلي من كتاب ( العروة الوثقى ) ، وذلك في ( النجف الأشرف ) ، في جواز الحضرة العلوية المقدسة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام ، في شهر شعبان من السنة الرابعة والخمسين بعد الالف والثلاثمائة هجرية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحية ، بقلم محررة الأحقر ( محسن ) خلف العلامة المرحوم السيد مهدي الطباطبائي الحكيم قدس سره .
فصل في الأمكنة المكروهة
[1] على المشهور ، وعن الخلاف والغنية : الإجماع عليها ، لمرسل عبد اللّه بن الفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عشرة مواضع لا يصلى فيها : الطين ، والماء ، والحمام ، والقبور ، ومسان الطريق ، وقرى النمل ومعاطن الإبل ، ومجرى الماء ، والسبخ ، والثلج » (1). ونحوه مرسل ابن أبي عمير (2). وفي خبر النوفلي : « الأرض كلها مسجد إلا الحمام والقبر » (3). المحمولة على الكراهة جمعاً بينها وبين موثق عمار : « عن
حتى المسلخ منه عند بعضهم [1]. ولا بأس بالصلاة على سطحه [2] ( الثاني ) : المزبلة. ( الثالث ) : المكان المتخذ للكنيف ، ولو سطحاً متخذاً لذلك. ( الرابع ) : المكان الكسيف الذي يتنفر منه الطبع. ( الخامس ) : المكان الذي يذبح فيه الحيوانات
الصلاة في بيت الحمام. فقال (عليه السلام) : إذا كان الموضع نظيفاً فلا بأس » (1). ونحوه صحيح علي بن جعفر (عليه السلام) (2). وحمل البيت فيهما على المسلخ - بقرينة ما في الفقيه من زيادة ( يعني : المسلخ ) بعد روايته الصحيح - في غير محله ، لكون الظاهر أنها من كلام الصدوق كما عن جماعة. مع أنه لو ثبت أنها من كلام ابن جعفر (عليه السلام) وصح كونه صارفاً للصحيح فلا يصلح صارفاً للموثق. اللّهم إلا أن يقال : ظاهر إضافة البيت إلى الحمام المغايرة ، فلا يصلح الموثق والصحيح لمعارضة ما تقدم. فالعمدة في الحمل على الكراهة دعوى الإجماع على الجواز ، لا أقل من منعها عن حجيته ولا سيما مع ضعفه في نفسه بالإرسال وغيره.
[1] حكي ذلك عن النهاية والأردبيلي وظاهر غيره ، لكن عن صريح جماعة كثيرة : العدم ، لاختصاص الحمام بما عدا المسلخ ، ولنفي البأس في الصحيح والموثق المتقدمين عن الصلاة في بيت الحمام ، وهو المسلخ كما فسره به علي بن جعفر (عليه السلام). لكن الاشكال على الجميع ظاهر ، إذ عرفنا اليوم يقتضي شمول الحمام للمسلخ ، وبيت الحمام غير ظاهر فيه ، وتفسير علي بن جعفر (عليه السلام) غير ثابت.
[2] عن جماعة : التصريح به ، لعدم الدليل على الكراهة.
أو ينحر. ( السادس ) : بيت المسكر. ( السابع ) : المطبخ ، وبيت النار. ( الثامن ) ، دور المجوس إلا إذا رشها ثمَّ صلى فيها بعد الجفاف. ( التاسع ) : الأرض السبخة. ( العاشر ) : كل أرض نزل فيها عذاب أو خسف. ( الحادي عشر ) : أعطان الإبل وإن كنست ورشت. ( الثاني عشر ) : مرابط الخيل والبغال والحمير والبقر ، ومرابض الغنم. ( الثالث عشر ) : على الثلج والجمد. ( الرابع عشر ) : قرى النمل وأوديتها وإن لم يكن فيها نمل ظاهر حال الصلاة. ( الخامس عشر ) : مجاري المياه وإن لم يتوقع جريانها فيها فعلا. نعم لا بأس بالصلاة على ساباط تحته نهر أو ساقية ، ولا في محل الماء الواقف. ( السادس عشر ) : الطرق وإن كانت في البلاد ما لم تضر بالمارة ، وإلا حرمت وبطلت. ( السابع عشر ) : في مكان يكون مقابلا لنار مضرمة أو سراج. ( الثامن عشر ) : في مكان يكون مقابله تمثال ذي الروح من غير فرق بين المجسم وغيره ، ولو كان ناقصاً نقصا لا يخرجه عن صدق الصورة والتمثال. وتزول الكراهة بالتغطية. ( التاسع عشر ) : بيت فيه تمثال وإن لم يكن مقابلا له. ( العشرون ) : مكان قبلته حائط ينز من بالوعة يبال فيها أو كنيف. وترتفع بستره. وكذا إذا كان قدامه عذرة. ( الحادي والعشرون ) : إذا كان قدامه مصحف أو كتاب مفتوح أو نقش شاغل ، بل كل شيء شاغل. ( الثاني والعشرون ) : إذا كان قدامه إنسان
مواجه له. ( الثالث والعشرون ) : إذا كان مقابله باب مفتوح. ( الرابع والعشرون ) : المقابر. ( الخامس والعشرون ) : على القبر. ( السادس والعشرون ) : إذا كان القبر في قبلته وترتفع بالحائل. ( السابع والعشرون ) : بين القبرين من غير حائل ، ويكفي حائل واحد من أحد الطرفين. وإذا كان بين قبور أربعة يكفي حائلان أحدهما في جهة اليمين أو اليسار ، والآخر في جهة الخلف أو الامام. وترتفع أيضاً ببعد عشرة أذرع من كل جهة فيها القبر. ( الثامن والعشرون ) : بيت فيه كلب غير كلب الصيد. ( التاسع والعشرون ) : بيت فيه جنب. ( الثلاثون ) : إذا كان قدامه حديد من أسلحة أو غيرها. ( الواحد والثلاثون ) : إذا كان قدامه ورد عند بعضهم. ( الثاني والثلاثون ) : إذا كان قدامه بيدر حنطة أو شعير.
( مسألة 1 ) : لا بأس بالصلاة في البيع والكنائس وإن لم ترش ، وإن كان من غير إذن من أهلها كسائر مساجد المسلمين.
( مسألة 2 ) : لا بأس بالصلاة خلف قبور الأئمة (عليهم السلام) ولا على يمينها وشمالها ، وإن كان الأولى الصلاة عند جهة الرأس على وجه لا يساوي الامام (عليه السلام).
( مسألة 3 ) : يستحب أن يجعل المصلي بين يديه سترة إذا لم يكن قدامه حائط أو صف للحيلولة بينه وبين من يمر بين يديه إذا كان في معرض المرور وإن علم بعدم المرور فعلا. وكذا إذا كان هناك شخص حاضر. ويكفى فيها عود أو حبل
أو كومة تراب ، بل يكفي الخط. ولا يشترط فيها الحلية والطهارة. وهي نوع تعظيم وتوقير للصلاة ، وفيها إشارة إلى الانقطاع عن الخلق والتوجه الى الخالق.
( مسألة 4 ) : يستحب الصلاة في المساجد وأفضلها المسجد الحرام ، فالصلاة فيه تعدل ألف ألف صلاة ، ثمَّ مسجد النبي (صلی اللّه عليه وآله) والصلاة فيه تعدل عشرة آلاف ، ومسجد الكوفة وفيه تعدل ألف صلاة ، والمسجد الأقصى وفيه تعدل ألف صلاة أيضاً ، ثمَّ مسجد الجامع وفيه تعدل مائة ، ومسجد القبيلة وفيه تعدل خمساً وعشرين ، ومسجد السوق وفيه تعدل اثني عشر. ويستحب أن يجعل في بيته مسجداً - أي : مكاناً معداً للصلاة فيه - وإن كان لا يجري عليه أحكام المسجد. والأفضل للنساء الصلاة في بيوتهن ، وأفضل البيوت بيت المخدع أي : بيت الخزانة في البيت.
( مسألة 5 ) : يستحب الصلاة في مشاهد الأئمة (عليهم السلام) وهي البيوت التي أمر اللّه تعالى أَن ترْفع ويذكر فيها اسمهُ ، بل هي أفضل من المساجد ، بل قد ورد في الخبر أن الصلاة عند علي (عليه السلام) بمائتي ألف صلاة (1). وكذا يستحب في روضات الأنبياء ومقام الأولياء والصلحاء والعلماء والعباد ، بل الأحياء منهم أيضاً.
( مسألة 6 ) : يستحب تفريق الصلاة في أماكن متعددة
1) أبواب الجنان : للشيخ خضر الشلال الفصل الثامن من الباب الثالث.
لتشهد له يوم القيامة ، ففي الخبر : « سأل الراوي أبا عبد اللّه (عليه السلام) يصلي الرجل نوافله في موضع أو يفرقها؟ قال (عليه السلام) : لا بل هاهنا وهاهنا فإنها تشهد له يوم القيامة » (1)، وعنه (عليه السلام) « صلوا من المساجد في بقاع مختلفة فإن كل بقعة تشهد للمصلي عليها يوم القيامة » (2).
( مسألة 7 ) : يكره لجار المسجد أن يصلي في غيره لغير علة كالمطر ، قال النبي (صلی اللّه عليه وآله) : « لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده » (3). ويستحب ترك مؤاكلة من لا يحضر المسجد ، وترك مشاربته ومشاورته ومناكحته ومجاورته.
( مسألة 8 ) : يستحب الصلاة في المسجد الذي لا يصلى فيه ويكره تعطيله ، فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : ثلاثة يشكون الى اللّه عز وجل مسجد خراب لا يصلي فيه أهله ، وعالم بين جهال ، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه » (4).
( مسألة 9 ) : يستحب كثرة التردد الى المساجد فعن النبي (صلی اللّه عليه وآله) : « من مشى الى مسجد من مساجد اللّه فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع الى منزله عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات » (5).
( مسألة 10 ) : يستحب بناء المسجد ، وفيه أجر عظيم
قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : « من بنى مسجداً في الدنيا أعطاه اللّه بكل شبر منه مسيرة أربعين ألف عام مدينة من ذهب وفضة ولؤلؤ وزبرجد » (1). وعن الصادق (عليه السلام) : « من بنى مسجداً بنى اللّه له بيتاً في الجنة » (2).
( مسألة 11 ) : الأحوط إجراء صيغة الوقف بقصد القربة في صيرورته مسجداً ، بأن يقول : ( وقفته قربة الى اللّه تعالى ). لكن الأقوى كفاية البناء بقصد كونه مسجداً مع صلاة شخص واحد فيه بإذن الباني ، فيجري عليه حينئذ حكم المسجدية وإن لم تجر الصيغة.
( مسألة 12 ) : الظاهر أنه يجوز أن يجعل الأرض فقط مسجداً دون البناء والسطح. وكذا يجوز أن يجعل السطح فقط مسجداً ، أو يجعل بعض الغرفات أو القباب أو نحو ذلك خارجاً ، فالحكم تابع لجعل الواقف والباني في التعميم والتخصيص. كما أنه كذلك بالنسبة إلى عموم المسلمين أو طائفة دون أخرى على الأقوى.
( مسألة 13 ) : يستحب تعمير المسجد إذا أشرف على الخراب ، وإذا لم ينفع يجوز تخريبه وتجديد بنائه. بل الأقوى جواز تخريبه مع استحكامه لإرادة توسيعه من جهة حاجة الناس.
( الأول ) : يحرم زخرفته أي : تزيينه بالذهب ، بل الأحوط ترك نقشه بالصور. ( الثاني ) : لا يجوز بيعه ولا بيع آلاته وإن صار خراباً ولم يبق آثار مسجديته ، ولا إدخاله في الملك ، ولا في الطريق ، فلا يخرج عن المسجدية أبداً ، ويبقى الأحكام من حرمة تنجيسه ووجوب احترامه. وتصرف آلاته في تعميره ، وإن لم يكن معمر تصرف في مسجد آخر وإن لم يمكن الانتفاع بها أصلا يجوز بيعها وصرف القيمة في تعميره أو تعمير مسجد آخر. ( الثالث ) : يحرم تنجيسه. وإذا تنجس يجب إزالتها فوراً وإن كان في وقت الصلاة مع سعته. نعم مع ضيقه تقدم الصلاة. ولو صلى مع السعة أثم لكن الأقوى صحة صلاته. ولو علم بالنجاسة أو تنجس في أثناء الصلاة لا يجب القطع للإزالة وإن كان في سعة الوقت ، بل يشكل جوازه. ولا بأس بإدخال النجاسة غير المتعدية ، إلا إذا كان موجباً للهتك كالكثيرة من العذرة اليابسة مثلا. وإذا لم يتمكن من الإزالة بأن احتاجت الى معين ولم يكن سقط وجوبها. والأحوط إعلام الغير إذا لم يتمكن
وإذا كان جنباً وتوقفت الإزالة على المكث فيه فالظاهر عدم وجوب المبادرة إليها ، بل يؤخرها الى ما بعد الغسل ، ويحتمل وجوب التيمم والمبادرة إلى الإزالة.
( مسألة 1 ) : يجوز أن يتخذ الكنيف ونحوه من الأمكنة التي عليها البول والعذرة ونحوهما مسجداً ، بان يطم ويلقى عليها التراب النظيف ، ولا تضر نجاسة الباطن في هذه الصورة وإن كان لا يجوز تنجيسه في سائر المقامات ، لكن الأحوط إزالة النجاسة أولا ، أو جعل المسجد خصوص المقدار الطاهر من الظاهر. ( الرابع ) : لا يجوز إخراج الحصى منه ، وإن فعل رده الى ذلك المسجد أو مسجد آخر ، نعم لا بأس بإخراج التراب الزائد المجتمع بالكنس أو نحوه. ( الخامس ) : لا يحوز دفن الميت في المسجد إذا لم يكن مأموناً من التلويث ، بل مطلقاً على الأحوط. ( السادس ) : يستحب سبق الناس في الدخول الى المساجد ، والتأخر عنهم في الخروج منها. ( السابع ) : يستحب الإسراج فيه ، وكنسه ، والابتداء في دخوله بالرجل اليمنى وفي الخروج باليسرى ، وأن يتعاهد نعله تحفظاً عن تنجيسه ، وأن يستقبل القبلة ، ويدعو ، ويحمد اللّه ، ويصلي على النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، وأن يكون على طهارة. ( الثامن ) : يستحب صلاة التحية بعد الدخول ، وهي ركعتان ويجزى عنها الصلوات الواجبة أو المستحبة. ( التاسع ) :
يستحب التطيب ولبس الثياب الفاخرة عند التوجه الى المسجد ( العاشر ) : يستحب جعل المطهرة على باب المسجد. ( الحادي عشر ) : يكره تعلية جدران المساجد ، ورفع المنارة عن السطح ، ونقشها بالصور غير ذوات الأرواح ، وأن يجعل لجدرانها شرفاً ، وأن يجعل لها محاريب داخلة. ( الثاني عشر ) : يكره استطراق المساجد إلا أن يصلي فيها ركعتين ، وكذا إلقاء النخامة والنخاعة والنوم إلا لضرورة ، ورفع الصوت إلا في الأذان ونحوه ، وإنشاد الضالة ، وحذف الحصى ، وقراءة الأشعار غير المواعظ ونحوها ، والبيع والشراء ، والتكلم في أمور الدنيا ، وقتل القمل ، وإقامة الحدود ، واتخاذها محلا للقضاء والمرافعة ، وسل السيف ، وتعليقه في القبلة ، ودخول من أكل البصل والثوم ونحوهما مما له رائحة تؤذي الناس ، وتمكين الأطفال والمجانين من الدخول فيها ، وعمل الصنائع وكشف العورة والسرة والفخذ والركبة ، وإخراج الريح.
( مسألة 2 ) : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد.
( مسألة 3 ) : الأفضل للرجال إتيان النوافل في المنازل والفرائض في المساجد.
لا إشكال في تأكد رجحانهما في الفرائض اليومية [1] أداء وقضاء ، جماعة وفرادى ، حضراً وسفراً. للرجال والنساء وذهب بعض العلماء الى وجوبهما [2] ،
فصل
في الأذان والإقامة
[1] قال في المدارك : « أجمع العلماء كافة على مشروعية الأذان والإقامة للصلوات الخمس ». وقال في الحدائق : « لا ريب ولا إشكال في رجحان الأذان والإقامة في الصلوات الخمس المفروضة أداء وقضاء ، لجملة المصلين ذكوراً وإناثاً ، فرادى وجماعة ». وقال في المستند : « لا ريب في مشروعيتهما ومطلوبيتهما لكل من الفرائض الخمس اليومية ومنها الجمعة إلا فيما يأتي الكلام فيه ، للرجال والنساء ، فرادى وجماعة ، أداء وقضاء ، حضراً وسفراً ، بل هي إجماع من المسلمين ، بل ضروري الدين ». ويظهر ذلك كله من كلماتهم هنا في مقام نقل الأقوال في المسألة. فراجع. وإطلاق النصوص الآتية كاف فيه. فانتظر.
[2] المحكي عن المشهور - كما عن جماعة كثيرة - : استحباب الأذان
وخصه بعضهم بصلاة المغرب والصبح ، وبعضهم بصلاة الجماعة وجعلهما شرطاً في صحتها ، وبعضهم جعلهما شرطاً في حصول ثواب الجماعة. والأقوى استحباب الأذان مطلقاً [1]
والإقامة مطلقاً. وعن الجمل وشرحه والمقنعة والنهاية والمبسوط والوسيلة والمهذب وكتاب أحكام النساء للمفيد (رحمه اللّه) : أنهما واجبان على الرجال في الجماعة. وعن القاضي : نسبته إلى الأكثر. وعن الغنية والكافي والإصباح : إطلاق وجوبهما في الجماعة من دون تقييد بكونه على الرجال. وعن الشيخ (رحمه اللّه) ما نصه : « متى صليت جماعة بغير أذان ولا إقامة لم تحصل فضيلة الجماعة والصلاة ماضية ». وعن جمل السيد وابن أبي عقيل وابن الجنيد : وجوب الإقامة في الصلوات مطلقاً. أما الأذان : فعن الأولين : اختصاص وجوبه بالصبح والمغرب. وعن الأخير : ذلك أيضاً على الرجال خاصة. هذا ما عثرت عليه من الأقوال. وأما القول بوجوبهما مطلقاً - كما يظهر من المتن - فغير ظاهر ، ولعل مراده الوجوب في الجملة وما بعده تفصيل له. نعم قال في المختلف : « القول باستحباب الأذان في كل المواطن ووجوب الإقامة في بعضها خارق للإجماع وخرق الإجماع باطل ». ومقتضاه عدم الفصل بين الأذان والإقامة في الوجوب والاستحباب ، فمن قال بوجوب الإقامة لزمه القول بوجوب الأذان وإلا لزم خرق الإجماع. فلاحظ.
[1] كما هو المشهور شهرة عظيمة. ويشهد له من النصوص (1)ما تضمن أن من صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صفان من الملائكة ، ومن صلى بإقامة بلا أذان صلى خلفه صف واحد ، أو ملكان عن يمينه وشماله ،
1) راجع الوسائل باب : 4 من أبواب الأذان والإقامة.
أو ملكان ، أو ملك ، وفي بعضها قال (عليه السلام) : « اغتنم الصفين » ، فإنها ظاهرة أو صريحة في كون فوات الأذان لا يوجب إلا فوات بعض مراتب كمال الصلاة. نعم في خبر أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) : « أيجزئ أذان واحد؟ قال (عليه السلام) : إن صليت جماعة لم يجزئ إلا أذان وإقامة ، وإن كنت وحدك تبادر أمراً تخاف أن يفوتك يجزؤك إقامة ، إلا الفجر والمغرب فإنه ينبغي أن تؤذن فيهما وتقيم من أجل أنه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات » (1)، وفي صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « يجزؤك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان » (2)، وفي صحيح عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) : « أنه كان إذا صلى وحده في البيت أقام إقامة ولم يؤذن » (3)، وفي موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجيء رجل فيقول له : تصلي جماعة؟ هل يجوز أن يصليا بذلك الأذان والإقامة؟ فقال (عليه السلام) : لا ولكن يؤذن ويقيم » (4). وعلى هذه النصوص عول القائلون باعتباره في الجماعة مع الإقامة. مع أنه مقتضى أصالة الاحتياط في كل ما يحتمل دخله في الجماعة ، لعدم الإطلاق الصالح لنفي الشك في الشرطية كما سيأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.
وفيه : أن ظاهر الأول السؤال عن أجزاء الإقامة عن الأذان والإقامة وحينئذ فالجواب بعدم الاجزاء إنما يقتضي الوجوب لو كان وجوب الأذان
والإقامة مفروغاً عنه ، وهو عين المدعى ، بل لا يقول به المدعي إلا في خصوص الجماعة ، فالخبر ليس في مقام جعل الوجوب تعبداً أو وضعاً لهما في الجماعة أو مطلقاً ، بل في مقام بيان الاكتفاء عن المشروع ببعضه وعدمه وأين هو من المدعى؟! ومن ذلك يظهر الإشكال في الاستدلال بصحيح ابن سنان. مضافاً الى عدم وضوح دلالته على الجماعة. فتأمل. وأما صحيح الحلبي : فهو مجمل من حيث الوجوب والاستحباب ، وإنما يدل على أصل المشروعية. وأما موثق عمار : فالإشكال المتقدم فيه أظهر ، إذ هو كالصريح في السؤال عن الاجتزاء بالأذان والإقامة المأتي بهما سابقاً عن الأذان والإقامة الموظفين في الجماعة ولو على سبيل الاستحباب. مضافاً الى معارضته بما دل على انعقاد الجماعة بلا أذان ولا إقامة إذا كان الامام قد سمعهما ، ففي خبر أبي مريم الأنصاري : « صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة. الى أن قال : فقال (عليه السلام) : إني مررت بجعفر (عليه السلام) وهو يؤذن ويقيم فلم أتكلم فأجزأني ذلك » (1).
مع معارضة الجميع بصحيح علي بن رئاب : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت : تحضر الصلاة ونحن مجتمعون في مكان واحد أتجزؤنا إقامة بغير أذان؟ قال (عليه السلام) : نعم » (2)، وخبر الحسن بن زياد : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا كان القوم لا ينتظرون أحداً اكتفوا بإقامة واحدة » (3)وبذلك ترفع اليد عن أصالة الاحتياط المتقدمة ، ويتعين حمل النصوص المتقدمة منطوقاً ومفهوماً على تأكد الاستحباب. واحتمال الجمع بحمل
الطائفة الأولى على صورة الانتظار لبعض المأمومين ، بشهادة خبر الحسن ابن زياد - مع أنه لا يوافق القول المذكور - بعيد ، ولا سيما في موثق عمار ، ولو سلم فظاهر الحسن كون الفائدة المقصودة منه حضور المنتظرين بلا دخل له في الصلاة ، فلاحظ.
وأما القائلون باعتباره في الصبح والمغرب : فيشهد لقولهم ذيل خبر أبي بصير المتقدم (1)، وما في صحيح صفوان بن مهران عن أبي عبد اللّه علیه السلام في حديث : « ولا بد في الفجر والمغرب من أذان وإقامة في الحضر والسفر لأنه لا يقصر فيهما في حضر ولا سفر ، وتجزؤك إقامة بغير أذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، والأذان والإقامة في جميع الصلوات أفضل » (2)، وصحيح الصباح بن سيابة : « قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا تدع الأذان في الصلوات كلها ، فان تركته فلا تتركه في المغرب والفجر فإنه ليس فيهما تقصير » (3)، وصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « تجزؤك في الصلاة إقامة واحدة إلا الغداة والمغرب » (4). ونحوها غيرها. لكن يعارضها في المغرب صحيح عمر بن يزيد : « سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الإقامة بغير الأذان في المغرب. فقال (عليه السلام) : ليس به بأس وما أحب أن يعتاد » (5). فيتعين حمل ما سبق على تأكد الاستحباب في المغرب. ولأجل اشتماله على التعليل الذي يمتنع فيه عرفاً التفكيك بين المغرب والصبح ، إذ لا بد أن يكون المقصود منه التعليل بجهة واحدة ذات اقتضاء واحد فيهما معاً ، بحمل ما سبق على تأكد الاستحباب في الصبح
والأحوط عدم ترك الإقامة للرجال [1]
أيضاً. مضافاً الى اشتمالها على : « ينبغي » (1)و « يجزؤك » (2)مما لا يكون ظاهراً في الوجوب.
[1] إذ قد عرفت ذهاب السيد (رحمه اللّه) وابن أبي عقيل وابن الجنيد الى وجوبها إما مطلقاً - كما عن الثاني - أو على خصوص الرجال - كما عن الآخرين - واختاره في الحدائق ، وحكي عن الوحيد : الميل اليه ، وفي البحار قال : « فاعلم أن الأخبار في ذلك مختلفة جداً ومقتضى الجمع استحباب الأذان مطلقاً وأما الإقامة ففيه إشكال ، إذ الأخبار الدالة على جواز الترك إنما هي في الأذان ، وتمسكوا في الإقامة بخرق الإجماع المركب وفيه ما فيه. والأحوط عدم ترك الإقامة مطلقاً ، والأذان في الغداة والمغرب والجمعة والجماعة ولا سيما في الحضر ». وقد ادعي استفاضة النصوص الدالة على الوجوب.
منها : ما تضمن التعبير باجزاء الإقامة ، إما في السفر (3)، أو إذا صلى وحده (4)، أو في الظهرين والعشاء (5)، أو إذا كان القوم لا ينتظرون أحدا (6)، أو نحو ذلك مما هو ظاهر في أن الإقامة أدنى ما يجزئ. وفيه : ما عرفت من أن هذا التعبير لما لم يكن في مقام التشريع الابتدائي بل في مقام بيان ما يجتزأ به عن المشروع وما لا يجتزأ .
1) الوسائل باب : 6 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 7.
2) لم أجد هذا التعبير في أحاديث الباب والموجود فيها : أدنى ما يجزى : فراجع الوسائل باب : 6 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
3) الوسائل باب : 5 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
4) الوسائل باب : 5 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 6.
5) الوسائل باب : 6 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
6) الوسائل باب : 5 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 8.
به عنه ، لا يصلح للدلالة على الوجوب ولا على الاستحباب.
ومنها : موثق عمار المتقدم (1). وفيه : أنك عرفت ما فيه.
ومنها : موثقه الآخر قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : لا بد للمريض أن يؤذن ويقيم إذا أراد الصلاة ولو في نفسه إن لم يقدر على أن يتكلم به. سئل فإن كان شديد الوجع؟ قال (عليه السلام) : لا بد من أن يؤذن ويقيم لأنه لا صلاة إلا بأذان وإقامة » (2).
وفيه : أن نفي الصحة بالإضافة إلى الأذان غير ممكن لما عرفت من الأدلة على استحبابه ، فاما أن يحمل على نفي الصحة بالإضافة إلى الإقامة ونفي الكمال بالإضافة إلى الأذان ، أو على نفي الكمال بالإضافة إليهما ، والأول ممتنع لأنه استعمال في معنيين ، والثاني يوجب نفي دلالته على المدعى ، ونحوه في الاشكال ما في صحيح صفوان المتقدم (3)ونحوه.
ومنها : ما دل على أن الإقامة من الصلاة كخبر سليمان بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « وليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة فإنه إذا أخذ في الإقامة فهو في الصلاة » (4)، وخبر يونس الشيباني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - : « إذا أقمت الصلاة فأقم مترسلا فإنك في الصلاة » (5)، وخبر أبى هارون المكفوف : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا أبا هارون الإقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلم ولا تومئ بيدك » (6). وفيه : - مع ضعف سنده - أنه مخالف لما دل
على خروج الإقامة عنها مثل ما تضمن أن افتتاحها التكبير (1)وغيره ، بل هو خلاف ضروري نصوص الإقامة نفسها - فلاحظ أبوابها ، ولا سيما باب ما تضمن أحكام ناسي الأذان والإقامة ، أو الإقامة وحدها (2)- فضلا عن وضوح خلاف ذلك في نفسه ، فلا بد أن يحمل على التنزيل بلحاظ الأحكام - مثل لزوم التمكن والترسل وحرمة الكلام والإيماء باليد التي هي مورد النص المذكور ونحوها من الأحكام - لا الوجوب ، فان النص المذكور ليس في مقام بيان ذلك ، كما هو ظاهر بأقل ملاحظة.
ومنها : ما دل على حرمة الكلام بعدها (3)، وعلى اعتبار الطهارة (4)والاستقبال (5)والتمكن والقيام ونحوها من شرائط الصلاة فيها. وفيه : أن ذلك أعم كما هو ظاهر. مع معارضة الأول بما دل على جواز الكلام بعدها كما سيأتي إن شاء اللّه.
ومنها : ما دل على أنه لا أذان ولا إقامة على النساء (6)، بضميمة ما دل على مشروعيتهما لها ، إذ هو يقتضي حمله على نفي اللزوم ، فيدل بالمفهوم على اللزوم للرجال ، بل مقتضى حرف الاستعلاء كونه ظاهراً بنفسه في نفي اللزوم. وفيه : أن الاستدلال إن كان من أجل المفهوم فهو من مفهوم اللقب وليس بحجة. وإن كان من جهة ظهوره في كونه من قبيل الاستثناء من عموم الحكم للرجال والنساء فلا ظهور فيه بنحو يعتد به في كون الحكم المستثنى منه على نحو الوجوب ، كما يشهد به
1) راجع الوسائل باب : 1 من أبواب تكبيرة الإحرام.
2) راجع الوسائل باب : 28 و 29 من أبواب الأذان والإقامة.
3) راجع الوسائل باب : 10 من أبواب الأذان والإقامة.
4) راجع الوسائل باب : 9 من أبواب الأذان والإقامة.
5) راجع الوسائل باب : 13 من أبواب الأذان والإقامة.
6) راجع الوسائل باب : 14 من أبواب الأذان والإقامة.
ذكر الأذان والجماعة وغيرهما من المستحبات في سياق الإقامة بنحو واحد.
ومنها : ما تضمن الأمر بقطع الصلاة عند نسيان الإقامة وحدها أو مع الأذان (1). وفيه : أن الأمر فيها يراد منه الجواز أو الاستحباب بقرينة ما دل على جواز المضي وأن جواز القطع أو استحبابه أعم من المدعى كما لا يخفى.
وبالجملة : ليس في النصوص ما هو ظاهر في وجوب الإقامة بنحو معتد به. نعم في موثق عمار : « إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن وأقم ، وافصل بين الأذان والإقامة بقعود أو كلام أو تسبيح » (2)وظهوره في وجوب كل من الأذان والإقامة لا مجال لإنكاره ، وقيام الدليل على جواز ترك الأذان غير كاف في رفع اليد عن ظهوره في وجوب الإقامة ، لإمكان التفكيك بينهما كما يظهر من ملاحظة نظائره. لكن مع أن ذكره في سياق الأمر بالفصل بينه وبين الإقامة المراد منهما الاستحباب يوجب شيئاً من الوهن أنه يمكن معارضته بما دل على أن من صلى بإقامة صلى خلفه صف واحد (3)ونحوه مما هو ظاهر في أن الفائدة في مشروعية الإقامة ائتمام الملائكة بالمقيم ، لكمال صلاته بحيث يكون تركها موجباً لفوات ائتمامهم به لا بطلان صلاته ، كأنه قيل : ( ومن صلى بلا إقامة لم يصل خلفه أحد ) بل حكي تذييله بذلك في روايات أهل الخلاف. والانصاف أن هذا اللسان في دليل التشريع آب عن الحمل على الوجوب جداً ، بل الظاهر أنه لا نظير له في الواجبات ، وهذا المقدار من الظهور في الاستحباب كاف في صرف ظهور الموثق أو نحوه لو وجد.
وهذا هو العمدة في نفي الوجوب لا صحيح حماد بن عيسى (1)المشهور المتضمن لبيان كيفية الصلاة من أجل أنه لم يتعرض فيه للإقامة ، إذ ليس هو وارداً إلا لبيان نفس الصلاة وما فيها من الآداب - أعني : ما بين التكبير والتسليم - لا ما كان خارجاً عنها وإلا فالإشكال محكم على الصحيح على كل حال ، إذ لا يظهر الوجه حينئذ في ترك الأذان والإقامة ولو كان من المستحبات ، فان حالهما حال غيرهما منها مما ذكر فيه. ولا خبر أبي بصير : « عن رجل نسي أن يقيم الصلاة حتى انصرف أيعيد صلاته؟ قال (عليه السلام) : لا يعيد ولا يعود لمثلها » (2)، فان حمل لنسيان على الترك عمداً - كما عن ظاهر الشيخ والحلي وابن سعيد - غير ظاهر ، والنهي عن العود لمثله لا يصلح قرينة عليه ، لإمكان حمله على وجوب التحفظ حتى لا يقع في النسيان. مع أن عدم وجوب إعادة الصلاة إنما ينافي الوجوب الغيري لا النفسي التعبدي الذي لا يأبى كلام بعض القائلين بالوجوب عن إرادته ، وإن نص بعضهم على إرادة الأول. ولا صحيح زرارة أو حسنه عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة. قال (عليه السلام) : فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة » (3)- بناء على أن المراد من الأذان ما يعم الإقامة بقرينة السؤال - إذ لا يظهر كون المراد من السنة المندوب ، لاحتمال كون المراد بها مقابل الفريضة كما أطلقت على القراءة والتشهد بذلك المعنى. ولا الإجماع على عدم التفكيك بين الأذان والإقامة في الوجوب والاستحباب الذي ادعاه في المختلف ، وحكي عن غيره ممن تأخر
في غير موارد السقوط [1] ، وغير حال الاستعجال [2] والسفر وضيق الوقت. وهما مختصان بالفرائض اليومية [3].
عنه ، لعدم ثبوت ذلك ، بل الثابت خلافه. ومما ذكرنا كله يظهر لك قوة القول المشهور.
[1] يأتي التعرض لها إن شاء اللّه تعالى.
[2] الأدلة المستدل بها على الوجوب على تقدير تمامية دلالتها شاملة لحالي الاستعجال والسفر وغيرهما ، ولا دليل على السقوط في الحالين المذكورين ، فالجزم بعدم الوجوب فيهما والتوقف فيه في غيرهما غير ظاهر. نعم سيأتي التعرض لجواز الاقتصار على فصل واحد من كل من فصول الأذان والإقامة في السفر وفي الاستعجال. لكنه لا ينافي إطلاق وجوب الإقامة بوجه. وكذا حال ضيق الوقت. مع أنه لم يرد فيه نص بالقصر ، إلا أن يلحق بالاستعجال ، ولا يخلو من تأمل.
[3] إجماعا كما في المعتبر والمنتهى ، وعن التذكرة والذكرى وجامع المقاصد والغرية ، بل في الأول. أنه إجماع علماء الإسلام. وفي الثاني : أنه قول علماء الإسلام. وبذلك يخرج عن إطلاق بعض النصوص الشامل لغير الفرائض ، مثل ما تقدم في موثق عمار : « لا صلاة إلا بأذان وإقامة » (1)أو غير اليومية مثل موثقه الآخر : « إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن وأقم .. » (2). ويشهد له في الجملة مصحح زرارة : « قال أبو جعفر علیه السلام : ليس في يوم الفطر والأضحى أذان ولا إقامة. أذانهما طلوع الشمس » (3). وخبر إسماعيل الجعفي : « أرأيت صلاة العيدين
وأما في سائر الصلوات الواجبة فيقال : ( الصلاة ) ثلاث مرات [1]. نعم يستحب الأذان في الأذان اليمنى من المولود [2] والإقامة في أذنه اليسرى يوم تولده [3]
هل فيهما أذان وإقامة؟ قال (عليه السلام) : ليس فيهما أذان ولا إقامة ، ولكنه ينادى : الصلاة ثلاث مرات » (1).
[1] كما عن الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني. وكأنه لخبر إسماعيل المتقدم بإلغاء خصوصية مورده ، ولا يخلو من إشكال ، إلا بناء على قاعدة التسامح وعلى شمولها للفتوى ، لكن مقتضى ذلك التعميم لغير الواجبة - كما عن التذكرة ونهاية الاحكام - لاتحاد الوجه في الجميع. وكيف كان ، فالقول المذكور إنما يشرع بقصد الاعلام بفعل الصلاة ، لا أذان الإعلام بالوقت ، ولا لأجل الصلاة على ما يقتضيه ظاهر النص ، فيختص بما يرغب فيه بالاجتماع كما لعله ظاهر.
[2] ففي رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة وليقم في أذنه اليسرى فإنها عصمة من الشيطان الرجيم » (2). ونحوه ما في خبر أبي يحيى الرازي (3)، ومرسل الفقيه (4). ولعله المراد بما في خبر حفص الكناسي من الإقامة في أذنه اليمنى (5).
[3] كما في الخبر عن الرضا (عليه السلام) وفيه : « أن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله)
أو قبل أن تسقط سرته [1]. وكذا يستحب الأذان في الفلوات عند الوحشة [2] من الغول وسحرة الجن ، وكذا يستحب الأذان في أذن من ترك اللحم أربعين يوماً [3].
أذن في أذن الحسين (عليه السلام) بالصلاة يوم ولد » (1).
[1] كما في خبر أبي يحيى الرازي (2)، والجمع بينه وبين ما قبله ظاهر.
[2] ففي مرسل الفقيه : « قال الصادق (عليه السلام) : إذا تولعت بكم الغول فأذنوا » (3)، وفي خبر جابر : « إذا تغولت بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة » (4). ونحوه ما عن الجعفريات (5)والدعائم (6). وعن الهروي : « ان العرب تقول : إن الغيلان في الفلوات ترائي الناس تغول تغولا - أي : تلون تلوناً - تضلهم عن الطريق وتهلكهم وروي في الحديث ( لا غول ). وفيه إبطال لكلام العرب » (7)فيمكن أن يكون الأذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات وإن لم يكن له حقيقة ، فكأن ذكر سحرة الجن في المتن من باب التفسير.
[3] ففي مصحح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « اللحم ينبت اللحم ومن تركه أربعين يوماً ساء خلقه ومن ساء خلقه فأذنوا في أذنه » (8). وخبر أبي حفص : « كلوا اللحم فان اللحم من اللحم واللحم ينبت اللحم. وقال :
1) الوسائل باب : 36 من أبواب أحكام الأولاد حديث : 7.
2) الوسائل باب : 35 من أبواب أحكام الأولاد حديث : 2.
3) الوسائل باب : 46 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
4) الوسائل باب : 46 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
5) مستدرك الوسائل باب : 35 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
6) مستدرك الوسائل باب : 35 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
7) ذكره الهروي في الغريبين المجلد الأول من المجلد الثاني ورقة : 108 مصور في مكتبة آية اللّه الحكيم العامة وما في المتن منقول بالمعنى عما هو مذكور في المصدر المزبور مع تقديم تأخير
8) الوسائل باب : 12 من أبواب الأطعمة المباحة حديث : 1.
وكذا كل من ساء خلقه [1]. والأولى أن يكون في أذنه اليمنى [2] ، وكذا الدابة إذا ساء خلقها [3].
ثمَّ إن الأذان قسمان أذان الاعلام وأذان الصلاة [4].
من لم يأكل اللحم أربعين يوماً ساء خلقه فإذا ساء خلق أحدكم من إنسان أو دابة فأذنوا في أذنه الأذان كله » (1). ونحوهما غيرهما.
[1] كما يستفاد من النصوص السابقة.
[2] كما قيد به في خبر الواسطي (2).
[3] كما في خبر أبي حفص المتقدم.
[4] كما صرح به غير واحد. ويشهد للأول النصوص الكثيرة المتعرضة لأجر المؤذنين مثل صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : من أذن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة » (3)، وخبر سعد الإسكاف : « سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : من أذن سبع سنين احتساباً جاء يوم القيامة ولا ذنب له » (4)، وخبر سعد بن طريف عن أبي جعفر (عليه السلام) : « من أذن عشر سنين محتسباً يغفر اللّه مد بصره وصوته في السماء ، ويصدقه كل رطب ويابس سمعه ، وله من كل من يصلي معه في مسجده سهم ، وله من كل من يصلي بصوته حسنة » (5)ونحوها غيرها مما هو كثير. والجميع ظاهر في رجحان الأذان في الأوقات من حيث نفسه لا من حيث الصلاة.
ويشترط في أذان الصلاة - كالإقامة - قصد القربة [1] ، بخلاف أذان الاعلام [2] فإنه لا يعتبر فيه ،
ويشهد للثاني المستفيضة (1)المتضمنة : أن من صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صفان من الملائكة ومن صلى بإقامة بلا أذان صلى خلفه صف واحد ، أو ملكان. أو غير ذلك كما تقدمت الإشارة إليها. ومثلها النصوص الكثيرة المتضمنة لحكم الصلاة بالأذان والإقامة المتقدم بعضها في أدلة الوجوب والاستحباب مثل : « لا صلاة إلا بأذان وإقامة » (2). وحينئذ فما عن جماعة من أنه إنما شرع للاعلام ، وشرعه للقضاء بالنص. غير ظاهر. وكذا ما عن ظاهر حواشي الشهيد من أنه إنما هو مشروع للصلاة خاصة والاعلام تابع.
[1] للإجماع ظاهراً على كونه عبادة لا يصح إلا بقصد القربة ، والارتكاز المتشرعي شاهد به.
[2] كما صرح بذلك في الجواهر - تبعاً للعلامة الطباطبائي في منظومته - لحصول الغرض بفعله مطلقاً ، وكأنه مما لا إشكال فيه عندهم. ولولاه أشكل ذلك بأنه لا إطلاق يقتضي عدم الاعتبار ، لعدم كون القربة من القيود للموضوع الشرعي. ومنه يظهر عدم جريان الأصول الشرعية النافية مثل حديث الرفع ونحوه ، بل الأصول العقلية ، لعدم العقاب على كل حال. مع أن ما ذكر لا يناسب ما ذكره الجماعة في تعليل اعتبار الذكورة في أذان الاعلام من أن النهي عنه مفسد له ، إذ النهي إنما يفسد العبادة لا غير.
ويعتبر أن يكون أول الوقت [1] ، وأما أذان الصلاة فمتصل بها [2] وإن كان في آخر الوقت.
وفصول الأذان ثمانية عشر : اللّه أكبر. أربع مرات [3]
[1] لأنه شرع للاعلام بدخوله.
[2] على ما يأتي.
[3] إجماعاً. أو مذهب علمائنا ، أو مذهب الشيعة ومن والأهم ، أو عليه عمل الأصحاب ، أو عمل الطائفة ، أو مذهب الأصحاب لا يعلم فيه مخالف ، أو الأصحاب لا يختلفون فيه في كتب فتاواهم ، أو نحو ذلك من كلماتهم المحكية في المقام. ويدل عليه من النصوص خبر الحضرمي وكليب الأسدي جميعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه حكى لهما الأذان فقال : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، اللّه أكبر. أشهد أن لا إله إلا اللّه ، أشهد أن لا إله إلا اللّه. أشهد أن محمداً رسول اللّه ، أشهد أن محمداً رسول اللّه. حي على الصلاة ، حي على الصلاة. حي على الفلاح ، حي على الفلاح. حي على خير العمل ، حي على خير العمل. اللّه أكبر ، اللّه أكبر. لا إله إلا اللّه ، لا إله إلا اللّه » (1). والإقامة كذلك ، وخبر المعلى : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يؤذن فقال : اللّه أكبر .. » (2)إلى آخر ما ذكر فيما قبله. لكنه فعل مجمل لا يمنع من احتمال أن يكون ما فعله (عليه السلام) بعض الأفراد. وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « يا زرارة تفتح الأذان بأربع تكبيرات وتختمه بتكبيرتين وتهليلتين » (3)
وخبر إسماعيل الجعفي : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : الأذان والإقامة خمسة وثلاثون حرفاً ، فعد ذلك بيده واحداً واحداً ، الأذان ثمانية عشر حرفاً ، والإقامة سبعة عشر حرفاً » (1). وهو ينطبق على ما في الخبر الأول. وفي علل الفضل عن الرضا (عليه السلام) في الأذان : « وإنما جعل مثنى مثنى ليكون .. إلى أن قال (عليه السلام) : وجعل التكبير في أول الأذان أربعاً لأن أول الأذان .. » (2).
نعم يعارضها صحيح صفوان : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مثنى مثنى » (3). وصحيح عبد اللّه بن سنان : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأذان. فقال (عليه السلام) تقول : اللّه أكبر اللّه أكبر. أشهد .. » إلى آخر ما ذكر في الخبر الأول من الفصول يقول (عليه السلام) كل واحد من الفصول مرتين (4). ومثله صحيح زرارة والفضيل الحاكي لأذان النبي (صلی اللّه عليه وآله) لما أسري به إلى البيت المعمور ، وفي آخره قال (عليه السلام) : « والإقامة مثلها إلا أن فيها : قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. بين : حي على خير العمل ، وبين : اللّه أكبر. فأمر بها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) بلالا فلم يزل يؤذن بها حتى قبض اللّه تعالى رسوله » (5)وصحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الأذان مثنى مثنى والإقامة واحدة » (6)، وخبر عبد السلام : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله)
1) الوسائل باب : 19 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
2) الوسائل باب : 19 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 14.
3) الوسائل باب : 19 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
4) الوسائل باب : 19 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 5.
5) الوسائل باب : 19 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 8.
6) الوسائل باب : 19 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 7.
وأشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمداً رسول اللّه ، وحي على الصلاة ، وحي على الفلاح ، وحي على خير العمل واللّه أكبر ، ولا إله إلا اللّه ، كل واحد مرتان.
وفصول الإقامة سبعة عشر : اللّه أكبر [1] في أولها مرتان ،
[1] حكي عليه الإجماع ، وأنه مذهب العلماء ، وأنه لا يختلف فيه الأصحاب ، وأن عليه عمل الأصحاب ، وعمل الطائفة ، وأنه مذهب الشيعة وأتباعهم ، ونحو ذلك مما هو ظاهر في الإجماع. وليس في النصوص ما يشهد له إلا خبر إسماعيل الجعفي المتقدم. مع أنه محتاج في تتميم الدليلية
ويزيد بعد حي على خير العمل : ( قد قامت الصلاة ) مرتين وينقص من لا إله إلا اللّه في آخرها مرة. ويستحب الصلاة على محمد وآله عند ذكر اسمه [1].
إلى إجماع أو نحوه كما هو ظاهر. وأما النصوص الأخر : فمنها : ما دل على أن الإقامة مثنى مثنى كالأذان ، مثل صحيح صفوان وخبر عبد السلام ابن صالح. ومنها : ما دل على أنها واحدة مثل صحيح معاوية بن وهب. ومنها : ما دل على أنها مرة مرة إلا قول : ( اللّه أكبر ) فإنه مرتان (1)ومنها : ما تضمن أنها كالأذان إلا في زيادة : ( قد قامت الصلاة ) ، بعد بيان تثنية التكبير في أوله والتهليل في آخره كصحيح زرارة والفضيل. ومنها : ما دل على أنها كالأذان بعد بيان تربيع التكبير في أوله وتثنية التكبير في آخره كخبر الحضرمي والأسدي. وكذا خبر يزيد بن الحسن الذي قد ترك فيه ذكر : ( حي على خير العمل ). في الأذان (2). ومنها : ما عرفت حكايته عن النهاية والمصباح. وقد عرفت أن الجمع العرفي بين النصوص المذكورة يقتضي حمل ما دل على الأقل على أقل مراتب الفضل وما دل على الزائد عليه على الأفضل على اختلاف مراتبه. لكن لا مجال لذلك بعد وضوح خلافه عند المتشرعة ، فالعمل على المشهور لازم. نعم لا بأس بالإتيان بغيره برجاء المطلوبية ، ولا سيما مع ما عن النهاية من جواز تربيع التكبير في آخر الأذان وأول الإقامة وآخرها. واللّه سبحانه أعلم.
[1] لصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « وصل على النبي كلما
وأما الشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية وإمرة المؤمنين فليست جزءاً منهما [1].
ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره » (1). مضافاً إلى عموم ما تضمن الأمر بالصلاة عليه عند ذكره.
[1] بلا خلاف ولا إشكال قال في محكي الفقيه - بعد ذكر حديث الحضرمي والأسدي المتقدم - : « هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه ولا ينقص منه ، والمفوضة لعنهم اللّه قد وضعوا أخباراً زادوا بها في الأذان : (محمد وآل محمد خير البرية ) مرتين ، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمداً رسول اللّه : ( أشهد أن علياً ولي اللّه ) مرتين ، ومنهم من روى بدل ذلك : ( أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً ) مرتين ، ولا شك في أن علياً ولي اللّه وأمير المؤمنين حقاً وأن محمداً وآله صلى اللّه عليهم خير البرية ، لكن ليس ذلك في أصل الأذان ». قال : « وإنما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم في جملتنا » (2)وقال الشيخ (رحمه اللّه) في محكي النهاية : « فأما ما روي في شواذ الأخبار من قول : ( ان علياً ولي اللّه وآل محمد خير البرية ) فمما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة فمن عمل به كان مخطئاً ». وقال في المبسوط : « وأما قول :( أشهد أن علياً أمير المؤمنين وآل محمد خير البرية ) - على ما ورد في شواذ الأخبار - فليس بمعمول عليه في الأذان ، ولو فعله الإنسان لم يأثم به ، غير أنه ليس من فضيلة الأذان ولا كمال فصوله ». وفي المنتهى : « وأما
ولا بأس بالتكرير في : ( حي على الصلاة ) أو : ( حي على الفلاح ) [1] للمبالغة في اجتماع الناس ، ولكن الزائد ليس جزءاً من الأذان.
ما روي من الشاذ من قول : ( إن علياً ولي اللّه ) و ( أن محمداً وآله خير البرية ) فمما لا يعول عليه ». ونحوه كلام غيرهم. والظاهر من المبسوط إرادة نفي المشروعية بالخصوص ، ولعله أيضاً مراد غيره.
لكن هذا المقدار لا يمنع من جريان قاعدة التسامح على تقدير تماميتها في نفسها ، ومجرد الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجب لاحتمال المطلوبية. كما أنه لا بأس بالإتيان به بقصد الاستحباب المطلق لما في خبر الاحتجاج : « إذا قال أحدكم : لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه. فليقل : علي أمير المؤمنين » (1). بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الايمان ورمز إلى التشيع ، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً بل قد يكون واجباً ، لكن لا بعنوان الجزئية من الأذان. ومن ذلك يظهر وجه ما في البحار من أنه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الاجزاء المستحبة للأذان ، لشهادة الشيخ والعلامة والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها ، وأيد ذلك بخبر القاسم بن معاوية المروي عن احتجاج الطبرسي عن الصادق (عليه السلام) وما في الجواهر من أنه كما ترى. غير ظاهر.
[1] اتفاقاً كما في المختلف وظاهر غيره ، لموثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لو أن مؤذناً أعاد في الشهادة ، أو في حي على الصلاة أو حي على الفلاح ، المرتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إنما يريد .
1) رواه في الاحتجاج عن القاسم عن معاوية عن الصادق (عليه السلام) في طي احتجاجات علي (عليه السلام) مع المهاجرين والأنصار في ذيل تفصيل ما كتب على العرش وغيره صفحة : 78.
ويجوز للمرأة الاجتزاء [1]
به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس » (1). وفي صحيح زرارة : « قال لي أبو جعفر (عليه السلام) - في حديث - : « إن شئت زدت على التثويب حي على الفلاح. مكان : الصلاة خير من النوم » (2). ومن الأول يظهر عموم الحكم للشهادة ، ولا يختص بما ذكر في المتن.
[1] لا إشكال ظاهراً في مشروعية الأذان والإقامة للنساء. وعن المدارك وفي الحدائق : دعوى الإجماع عليه. وعن الذكرى : نسبته إلى علمائنا وعن كشف اللثام : الظاهر أنه اتفاقي. وكذا ظاهر محكي المعتبر والمنتهى والتذكرة. ويشهد له صحيح ابن سنان : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة تؤذن للصلاة. فقال (عليه السلام) : حسن إن فعلت ، وإن لم تفعل أجزأها أن تكبر وأن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (3)وفي مرسل الفقيه : « قال الصادق علیه السلام : ليس على المرأة أذان ولا إقامة إذا سمعت أذان القبيلة ، ويكفيها الشهادتان ، ولكن إذا أذنت وأقامت فهو أفضل » (4). وبذلك يخرج عما دل على أنه لا أذان ولا إقامة عليها ، مثل صحيح جميل بن دراج قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة أعليها أذان وإقامة؟ فقال (عليه السلام) : لا » (5). ومثله خبر جابر (6)، وخبر وصية النبي (صلی اللّه عليه وآله) لعلي (عليه السلام) (7). ويشهد لما
1) الوسائل باب : 23 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
2) الوسائل باب : 22 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
3) الوسائل باب : 14 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
4) الوسائل باب : 14 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 5.
5) الوسائل باب : 14 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
6) مستدرك الوسائل باب : 13 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
7) الوسائل باب : 14 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 7.
عن الأذان بالتكبير والشهادتين ، بل بالشهادتين [1]. وعن الإقامة بالتكبير وشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمد عبده ورسوله [2]. ويجوز للمسافر والمستعجل الإتيان بواحد من كل فصل منهما [3] ،
في المتن من اجتزائها عن الأذان بالتكبير والشهادتين صحيح ابن سنان المذكور.
[1] كما في مرسل الفقيه المتقدم. وفي صحيح زرارة : « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : النساء عليهن أذان؟ فقال (عليه السلام) : إذا شهدت الشهادتين فحسبها » (1).
[2] كما يشهد به صحيح أبي مريم الأنصاري : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إقامة المرأة أن تكبر وتشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً عبده ورسوله » (2). بل قد يظهر من المرسل المتقدم الاكتفاء عنها بالشهادتين فقط.
[3] كما عن جماعة من الأصحاب التصريح به ، بل عن الذخيرة نسبة الحكم في الأول إلى الأصحاب ، ففي خبر بريد بن معاوية عن أبي جعفر علیه السلام : الأذان يقصر في السفر كما تقصر الصلاة ، الأذان واحداً واحداً ، والإقامة واحدة » (3). ولعل ذيله قرينة على إرادة الإقامة من الأذان في أوله كما هو الظاهر من صحيح عبد الرحمن الآتي ، وخبر نعمان الرازي : « سمعت أبا عبد اللّه علیه السلام يقول : يجزؤك من الإقامة طاق طاق في السفر » (4)وصحيح أبي عبيدة : « رأيت أبا جعفر (عليه السلام)
كما يجوز ترك الأذان والاكتفاء بالإقامة [1]. بل الاكتفاء
يكبر واحدة واحدة في الأذان. فقلت له (عليه السلام) : لم تكبر واحدة واحدة؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس إذا كنت مستعجلا » (1). لكن لم يتعرض فيه للإقامة ، بل ولا لغير التكبير ، إلا أن يكون المراد من التكبير تمام الفصول بقرينة قوله : « واحدة واحدة » ، لأن التكرار في الوحدة لا يكون إلا بلحاظ الفصول غير التكبير. فتأمل.
[1] ففي صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام) : « يجزئ في السفر إقامة بغير أذان » (2). وصحيحه الآخر : « يقصر الأذان في السفر كما تقصر الصلاة ، تجزئ إقامة واحدة » (3). ومرسل بريد مولى الحكم عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « سمعته يقول : لأن أقيم مثنى مثنى أحب إلي من أن أؤذن وأقيم واحداً واحداً » (4). ومنه يستفاد أن الاقتصار على الإقامة أفضل من فعل الأذان والإقامة فصلا فصلا. بل منه يظهر أيضاً حكم الاستعجال بناء على مشروعية إفراد الفصول منهما معاً فيه. مضافاً إلى خبر أبي بصير المتقدم : « إن كنت وحدك تبادر أمراً تخاف أن يفوتك يجزؤك إقامة إلا الفجر والمغرب فإنه ينبغي أن تؤذن فيهما وتقيم من أجل أنه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات » (5)لكنه مختص بغير الفجر والمغرب.
1) الوسائل باب : 21 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
2) الوسائل باب : 5 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
3) الوسائل باب : 5 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 9.
4) الوسائل باب : 20 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
5) الوسائل باب : 6 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 7. وتقدم في البحث عن استحباب الأذان في صدر هذا الفصل.
بالأذان فقط. ويكره الترجيع [1] على نحو لا يكون غناء ،
هذا ولعل الظاهر من عبارة المتن إرادة بيان جواز ترك الأذان والاكتفاء بالإقامة مطلقاً ، لا في خصوص حال السفر كما يقتضيه استحبابه مستقلا. وصحيح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل هل يجزؤه في السفر والحضر إقامة ليس معها أذان؟ قال (عليه السلام) : نعم لا بأس به » (1). وقريب منه غيره. لكن الحمل على هذا المعنى يقتضي أيضاً حمل ما بعده من الاكتفاء بالأذان فقط على مطلق الحال لا خصوص الحالين المذكورين وهو لا يوافق ما سبق من الاحتياط اللزومي في فعل الإقامة. كما أن الحمل على خصوص الحالين أيضاً يوجب الاشكال عليه بعدم الدليل بالخصوص على الاكتفاء بالأذان فقط لا في حال السفر ولا في حال الاستعجال ، كما أشرنا إليه سابقاً. فلاحظ.
[1] يعني : ترجيع الصوت فيه. ولا يظهر عليه دليل - كما اعترف به غير واحد - إلا ما يحكى عن الرضوي حيث قال فيه بعد ذكر فصول الأذان وعددها : « ليس فيها ترجيع ولا ترديد .. » (2)بناء على أن المراد منه ترجيع الصوت كما عن البحار احتماله. نعم ذكر الأصحاب (رضي اللّه عنه) الترجيع في المقام ، واختلفوا في حكمه ومفهومه ، فهم بين قائل بكراهته ، وآخر بحرمته وعدم جوازه ، وآخر ببدعيته ، وآخر بعدم كونه مسنوناً ولا مستحباً. وبين مفسر له بتكرير التكبير والشهادتين في أول الأذان ، وآخر بأنه تكرير الشهادتين مرتين أخريين ، وآخر بأنه تكرير الشهادتين برفع .
وإلا فيحرم [1] ، وتكرار الشهادتين جهراً بعد قولهما سراً أو جهراً [2] ، بل لا يبعد كراهة مطلق تكرار واحد من الفصول إلا للإعلام.
( مسألة 1 ) : يسقط الأذان في موارد : ( أحدها ) : أذان عصر يوم الجمعة إذا جمعت مع الجمعة [3] أو الظهر
الصوت بعد فعلهما مرتين بخفض الصوت ، أو برفعين ، أو بخفظين ، وآخر بأنه تكرير الفصل زيادة على الموظف. وعن جماعة من أهل اللغة : أنه تكرير الشهادتين جهراً بعد إخفاتهما. وعن بعض العامة : أنه الجهر في كلمات الأذان مرة والإخفات أخرى من دون زيادة. وتعيين واحد من المعاني المذكورة لا يهم بعد عدم ذكر لفظ الترجيع في النصوص. نعم خبر أبي بصير المتقدم في مسألة تكرير : ( حي على الصلاة ) (1)يدل على ثبوت البأس بإعادة ما عدا الشهادة والحيعلتين الأولتين مطلقاً ، وبإعادة الشهادة والحيعلتين لغير الاعلام ، وذلك في أمثال المقام من المندوبات ظاهر في الكراهة. وأما قاعدة التسامح - على تقدير تماميتها - فهي تقتضي كراهة جميع المعاني المذكورة بناء على صدق بلوغ الثواب بمجرد الفتوى حتى لو كانت بالحرمة أو الكراهة. هذا كله لو لم يؤت بالزائد بقصد المشروعية وإلا كان تشريعاً محرماً.
[1] هذا بناء على حرمة الغناء مطلقاً ، وإلا اختص بصورة تحريمه لا غير.
[2] مما سبق في الترجيع تعرف الكلام هنا.
[3] بلا خلاف معتد به أجده فيه كما في الجواهر. وعن الذكرى : نسبته إلى الأصحاب. وعن الغنية والسرائر والمنتهى : الإجماع عليه. واستدل
1) راجع صفحة 545.
له برواية حفص بن غياث عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) : « الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة » (1)بناء على تفسيره بأذان العصر - كما عن بعض - لأنه ثالث الأذان والإقامة للظهر ، أو ثالث الأذانين للصبح والظهر. ولكنه كما ترى مجمل غير ظاهر. وقد حمله بعض على الأذان الثاني للظهر الذي قيل : إنه ابتدعه عثمان. كما عن مجمع البيان رواية ذلك عن السائب ابن زيد. وعن بعض : أنه ابتدعه معاوية.
هذا وعن الشيخ (رحمه اللّه) الاستدلال له بصحيح رهط منهم الفضيل وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين ، وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين » (2)وفي المدارك وغيرها : الاشكال عليه بأنه إنما يدل على ترك الأذان للعصر والعشاء مع الجمع بين الفرضين مطلقاً سواء أكان يوم الجمعة أم غيره ، وهو غير المدعى. ودفعه غير واحد بأنه لم يظهر من المستدل اختصاص الدعوى بالجمعة ، ولذا قال في المعتبر : « يجمع يوم الجمعة بين الظهرين بأذان وإقامتين - كذا قاله الثلاثة وأتباعهم - لأن الجمعة تجمع صلواتها وتسقط ما بينهما من النوافل ». وفي محكي كشف اللثام : « يسقط الأذان بين كل صلاتين جمع بينهما - كما قطع به الشيخ والجماعة - لأنه المأثور عنهم بل عن الخلاف الإجماع على أنه ينبغي لمن جمع بين الصلاتين أن يؤذن للأولى ويقيم للثانية ».
قلت : إشكال المدارك مبني على ما هو الظاهر من ذكر عصر الجمعة مورداً لسقوط الأذان بالخصوص في قبال سائر موارده من كونه بخصوصه
مورداً للسقوط ، كالأذان لعصر عرفة ، وعشاء المزدلفة ، وغيرهما من موارد السقوط ، والصحيح المذكور خال عن الدلالة على ذلك. مع أن فهم الكلية المذكورة - أعني : سقوط الأذان في مورد الجمع - منه غير ظاهر ، إذ مجرد وقوع ذلك من النبي (صلی اللّه عليه وآله) لا يدل عليه ، لجواز تركه للمستحب كتركه للنافلة ، وحكاية الإمام (عليه السلام) له يمكن أن يكون المقصود منها التنبيه على جوازه كالجمع بين الصلاتين ، كصحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) : « إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين ، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد وإقامتين » (1). ولذا تعرضت جملة من النصوص لجمعه (صلی اللّه عليه وآله) بين الصلاتين من دون تعرض للأذان ، كموثق زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « صلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة ، وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة ، وإنما فعل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) ليتسع الوقت على أمته » (2). وخبر عبد الملك القمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أجمع بين الصلاتين من غير علة؟ قال (عليه السلام) : قد فعل ذلك رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أراد التخفيف عن أمته » (3). ونحوهما غيرهما
ومن التعليل المذكور في هذه النصوص وغيرها يظهر ضعف ما ذكره بعض من استبعاد أن يكون المقصود من الترك بيان استحباب الترك وعدم وجوب الفعل ، لأن الترك الذي يمكن أن يكون لجهات عديدة مجمل الدلالة
لا يستكشف منه أن المتروك مستحب ، ولا شبهة أن القول أبلغ في بيان المقصود وأظهر. ( انتهى ). وجه الضعف : أن الاستدلال ليس بالترك ، بل بالتعليل لصراحته في كون الترك للدلالة على نفي الوجوب لا نفي المشروعية. وعليه فكلية سقوط مشروعية الأذان في حال الجمع المستحب أو مطلقاً غير ظاهرة من النصوص وإن نسبت إلى المشهور ، بل قد عرفت عن الخلاف دعوى الإجماع عليها ، وكذا في ظاهر المعتبر وكشف اللثام.
ولذلك قوى في الجواهر عدم السقوط فيما لو صلى الظهر أربعاً في يوم الجمعة فضلا عن الجمع بين الظهرين في غيره ، وإن اختار السقوط فيما لو صلى الظهر جمعة اعتماداً منه على الإجماعات صريحة أو ظاهرة على السقوط فيه ، المحكية عن الغنية والسرائر والمنتهى وغيرها ، التي بها ترفع اليد عن إطلاقات الاستحباب أو عموماته ، ولا سيما مع اعتضاد دعوى الإجماع باستمرار سيرة النبي (صلی اللّه عليه وآله) والتابعين وتابعي التابعين على تركه ، ولم يقم مثل هذه الإجماعات على السقوط فيما لو صلى الظهر أربعاً يوم الجمعة ، فقد حكي العدم فيه عن المقنعة والأركان والكامل والمهذب والسرائر وغيرها ، فضلا عن كلية الجمع بين الصلاتين ولو في غيره ، ولم تثبت سيرة المعصومين (عليهم السلام) على الترك فيها ، فالعمل فيها على إطلاقات المشروعية بلا مانع ، بل في السقوط في الصورة الأولى تأمل وإشكال حيث لم يتحقق إجماع يجب العمل به ، لحكاية القول بالعدم فيها عن جماعة منهم سيد المدارك وأستاذه الأردبيلي. ومن ذلك يظهر الاشكال على المصنف (رحمه اللّه) حيث لم يتعرض لسقوط الأذان في مطلق الجمع ، الظاهر منه بناؤه على عدمه ، ومع ذلك بنى على سقوط أذان العصر يوم الجمعة إذا جمعت مع الظهر من دون ظهور دليل عليه بالخصوص. وفي الجواهر : « وأولى منه
وأما مع التفريق فلا يسقط [1]. ( الثاني ) : أذان عصر يوم عرفة إذا جمعت مع الظهر [2] لا مع التفريق.
في عدم السقوط الجمع في غير محل استحبابه ». وما ذكره في محله. فلاحظ.
[1] لإطلاق دليل المشروعية من دون مقيد من نص أو إجماع ، ويشهد له - بناء على منافاة النافلة للجمع - خبر زريق المروي في الوسائل عن مجالس الشيخ (رحمه اللّه) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : وربما كان يصلي يوم الجمعة ست ركعات إذا ارتفع النهار وبعد ذلك ست ركعات أخر وكان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذن وصلى ركعتين فما يفرغ إلا مع الزوال ثمَّ يقيم للصلاة فيصلي الظهر ويصلي بعد الظهر أربع ركعات ثمَّ يؤذن ويصلي ركعتين ثمَّ يقيم ويصلي العصر » (1). لكن الخبر ضعيف السند ، ومتضمن لمشروعية تقديم أذان الظهر على الزوال.
[2] بلا خلاف ظاهر ، بل عن جماعة كثيرة : دعوى الإجماع صريحاً وظاهراً عليه. ويشهد له صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « السنة في الأذان يوم عرفة أن يؤذن ويقيم للظهر ثمَّ يصلي ثمَّ يقوم فيقيم للعصر بغير أذان ، وكذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة » (2)، ومرسل الفقيه : « إن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين وجمع بين المغرب والعشاء ب- ( جمع ) بأذان واحد وإقامتين » (3). ومقتضى إطلاق الصحيح عدم الفرق بين عرفة وغيرها من المواضع ، لظهوره في كون موضوع السقوط هو يوم عرفة ، لكن عن ظاهر السرائر
( الثالث ) : أذان العشاء في ليلة المزدلفة [1] مع الجمع أيضاً لا مع التفريق [2] ( الرابع ) : العصر والعشاء للمستحاضة التي تجمعهما مع الظهر والمغرب [3]
اختصاص الحكم بعرفة ، وفي الجواهر : « لعله المنساق من النص ». ويناسبه جداً كونه في سياق المزدلفة ، فيكون المطلق من قبيل المقرون بما يصلح للقرينية ، فيسقط إطلاقه.
هذا ومقتضى إطلاقه عدم الفرق في السقوط بين صورتي الجمع والتفريق. لكن لا تبعد دعوى كون المنسبق من عبارته خصوص صورة الجمع. فما قد يظهر من إطلاق جملة من العبارات من عموم الحكم للتفريق أيضاً ضعيف.
[1] بلا خلاف ظاهر. ويشهد له - مضافاً إلى ما تقدم - صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « صلاة المغرب والعشاء ب- ( جمع ) بأذان واحد وإقامتين ولا تصل بينهما شيئاً. وقال (عليه السلام) : هكذا صلى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) » (1)، ومصحح الحلبي عنه (عليه السلام) : « لا تصل المغرب حتى تأتي ( جمعاً ) فصل بها المغرب والعشاء الآخرة بأذان وإقامتين » (2).
[2] إذ النصوص المتقدمة الدالة على السقوط ما بين مختص بصورة الجمع وبين منصرف إليها ، لأن الجمع هو الوظيفة الدارجة.
[3] ليس في النصوص الواردة في أحكام المستحاضة تعرض لسقوط الأذان في الفريضة الثانية ، وإنما تضمنت الجمع بين الظهرين بغسل وبين
( الخامس ) : المسلوس [1] ونحوه في بعض الأحوال التي يجمع بين الصلاتين [2]. كما إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد. ويتحقق التفريق بطول الزمان بين الصلاتين [3] لا بمجرد قراءة تسبيح الزهراء ، أو التعقيب والفصل القليل
العشاءين بغسل ، فالبناء على السقوط يتوقف على تمامية كلية سقوط الأذان مع الجمع. وما في الجواهر من ورود السقوط في المستحاضة في النصوص لم نقف عليه.
[1] لصحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : « إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم إذا كان في حين الصلاة أخذ كيساً وجعل فيه قطناً ثمَّ علقه عليه وأدخل ذكره فيه ثمَّ صلى يجمع بين صلاتين الظهر والعصر ، يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان وإقامتين ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء بأذان وإقامتين » (1).
[2] إلحاق مثل المبطون والمسلوس سلس الريح بالمسلوس بالبول يتوقف إما على ثبوت كلية سقوط الأذان في الجمع بين الصلاتين ، أو إلغاء خصوصية المورد. وإذ أن ظاهر المصنف (رحمه اللّه) عدم ثبوت الكلية المذكورة يتعين كون الوجه عنده الثاني. ولا يخلو من تأمل.
[3] قد يظهر من غير واحد ممن علل سقوط الأذان في الجمع بأن الأذان للوقت ولا وقت للعصر ، أو أن الوقت لواحدة منهما : أن الجمع عبارة عن فعل الفريضتين في وقت إحداهما ، فيكون التفريق عبارة عن فعلهما في وقتهما. لكن يرده ما ورد في المسلوس من تأخير الظهر وتعجيل العصر وتأخير المغرب وتعجيل العشاء ، الظاهر منه حصول الجمع بفعل
1) الوسائل باب : 19 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 1.
الفريضتين في وقتهما معاً. كما أن المنسوب لجماعة من المحققين : أن الجمع عبارة عن وصل الصلاة الثانية بالأولى على نحو يصدق عرفاً إيقاعهما في زمان واحد ، اعتماداً منهم على كون ذلك هو المفهوم منه عرفاً ويقابله التفريق. وما ذكره هؤلاء في محله. نعم المحكي عن السرائر والروض وظاهر غيرهما : أن الجمع عبارة عن عدم التنفل بين الفريضتين ، والتفريق عبارة عن التنفل بينهما. وقد يشهد له خبر محمد بن حكيم : « سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع ، فاذا كان بينهما تطوع فلا جمع » (1)، وخبره الآخر عنه (عليه السلام) : « إذا جمعت بين صلاتين فلا تطوع بينهما » (2).
وخبر الحسين بن علوان عن جعفر (عليه السلام) : « رأيت أبي وجدي القاسم بن محمد يجمعان مع الأئمة المغرب والعشاء في الليلة المطيرة ولا يصليان بينهما شيئاً » (3).
لكن لا يخفى أن الظاهر من الخبرين الأولين قدح التطوع في الجمع ، لا أن المراد من الجمع عدم التطوع ولو مع الفصل الطويل ، كما يقتضيه ظاهر القول المذكور ، ولا بأس بالالتزام بمنافاة التطوع للجمع ، فإنه مناف لمفهومه عرفاً. مضافاً إلى ظهور نصوصه في ذلك كصحيح ابن سنان المتقدم في يوم عرفة وصحيح حريز في المسلوس ، فلاحظهما. بل هو صريح صحيح منصور الوارد في المزدلفة الناهي عن التطوع بين العشاءين ، وأنه خلاف ما فعل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله). نعم قد ينافي ذلك صحيح أبان بن تغلب : « صليت خلف أبي عبد اللّه (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة فلما انصرف أقام الصلاة
فصلى العشاء الآخرة لم يركع بينهما ثمَّ صليت معه بعد ذلك بسنة فصلى المغرب ثمَّ قام فتنفل بأربع ركعات ثمَّ أقام فصلى العشاء الآخرة » (1). لكن لإجماله لأنه حكاية عن واقعة لا يصلح لمعارضة ما سبق. وأما خبر عبد اللّه بن سنان : « شهدت صلاة المغرب ليلة مطيرة في مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فحين كان قريباً من الشفق نادوا وأقاموا الصلاة فصلوا المغرب ، ثمَّ أمهلوا الناس حتى صلوا ركعتين ، ثمَّ قام المنادي في مكانه في المسجد فأقام الصلاة فصلوا العشاء ، ثمَّ انصرف الناس إلى منازلهم فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك ، فقال (عليه السلام) : نعم قد كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) عمل بهذا » (2). فلا يظهر منه أن ترك الأذان كان لأجل تحقق الجمع بين الفريضتين ليدل على عدم قدح النافلة فيه ، لجواز أن يكون لأجل الاستعجال أو المطر أو غيرهما مما اقتضى ترك الأذان للمغرب أيضاً. ومثله صحيح أبي عبيدة : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إذا كانت ليلة مظلمة وربح ومطر صلى المغرب ثمَّ مكث قدر ما يتنفل الناس ثمَّ أقام مؤذنه ثمَّ صلى العشاء الآخرة ثمَّ انصرفوا » (3). وحمله على كون المراد من الإقامة ما يعم الأذان ، أو كون المراد من قوله (عليه السلام) : « قدر ما يتنفل الناس » مقداراً من الزمان بلا تنفل ، أو كونه (صلی اللّه عليه وآله) لم يتنفل والعبرة بصلاته ، بعيد. مع أن كون العبرة بصلاته أول الكلام ، إذ لا نيابة في الأذان. وأما خبر الحسين بن علوان فاجماله ظاهر ، ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره المصنف بقوله : « بل لا يحصل .. ».
بل لا يحصل بمجرد فعل النافلة [1] مع عدم طول الفصل. والأقوى أن السقوط في الموارد المذكورة رخصة لا عزيمة [2] وإن كان الأحوط الترك ، خصوصاً في الثلاثة الأولى.
[1] قد عرفت ظهور النصوص في منافاته للجمع.
[2] أما في الأول : فالمحكي عن البيان والروضة وكشف اللثام وغيرها : أنه حرام ، وعن المبسوط والعلامة في جملة من كتبه ، والذكرى ، وجامع المقاصد وتعليقة النافع وغيرها : أنه مكروه ، وعن الدروس : أنه مباح. وإذ عرفت أن عمدة المستند في السقوط هو الإجماع والسيرة يتعين البناء على الأخير ، لعدم ثبوت الإجماع على واحد منها بعينه ، والسيرة أعم من كل منهما ، ومع إجمالهما تكون إطلاقات التشريع الدالة على وجود المصلحة المصححة للتعبد به والتقرب بفعله بلا مقيد لها.
وأما ما في الجواهر من أنه لا جهة للتمسك بإطلاق أوامر الأذان أو عموماته. ضرورة الاتفاق على عدم شمولها للمفروض ، وإلا لاقتضيا بقاء ندبه ، فالمرجع أصالة عدم المشروعية المقتضية للحرمة. ففيه : أن البناء على انتفاء البعث اليه بظهور السيرة في ذلك لا يقتضي البناء على عدم المصلحة المصححة للتشريع والتعبد ، لاحتمال ملازمته لعنوان مرجوح ، فلا موجب لرفع اليد عن دلالة الأدلة العامة على رجحانه ووجود المصلحة فيه ، لأن دلالة الأوامر العامة على البعث والحث عليه بالمطابقة ، وعلى وجود المصلحة المصححة للتشريع بالالتزام ، ولا تلازم بين الدلالتين في الحجية ، فسقوط الأولى عن الحجية لظهور السيرة في خلافها لا يقتضي سقوط الثانية عنها ، كما أشرنا إلى ذلك مراراً في مطاوي هذا الشرح. ولذا بني على أصالة التساقط في المتعارضين ، وعلى كونهما حجة في نفي الثالث. وحصول
القطع بمرجوحيته بنحو ينافي مشروعيته من الإجماع والسيرة ممنوع جداً. نعم لو كان المستند في السقوط خبر ابن غياث كان البناء على الحرمة التشريعية - كما هو لازم كونه بدعة - في محله. لكن عرفت عدم تماميته.
وأما في الثاني : فاستظهر في الجواهر كون السقوط عزيمة ناسباً الوفاق فيه إلى صريح بعض ، وإلى ظاهر التعبير بالبدعة. وعن الشهيد في بعض كتبه والمحقق : أنه مكروه ، وعن الدروس : الإباحة. وظاهر ما تضمنه صحيح ابن سنان (1)السابق من أن السنة إيقاع الصلاة الثانية بلا أذان أنه تخصيص لعموم المشروعية ، فيتعين كونه عزيمة ، لانتفاء الأمر به. وكذا الكلام بعينه في الثالث ، لاتحاد لسان السقوط فيهما.
وأما الرابع : فلأنك عرفت أنه لا دليل على السقوط فيه فاطلاقات المشروعية فيه بلا معارض. نعم قد يشكل فعله من جهة ظهور ما دل على أنها تجمع بين الظهرين بغسل وبين العشاءين بغسل في البعدية على نحو ينافيها الأذان. لكنه لو تمَّ لأشكل الأذان في الأولى أيضاً مع أنه في غير محله كما تقدم في غسل المستحاضة. بل عن الشهيد : أنه لا إشكال في مشروعية الأذان لها.
وأما في الخامس : فمقتضى الجمود على صحيح حريز (2)عدم جواز الفصل بين الوضوء والصلاتين إلا بما ذكر في الصحيح من الأذان للأولى والإقامة لها وللثانية ، بمعنى : أنه لو فصل لم تبق طهورية الوضوء للصلاة المفصولة بالأذان. لكن لو تمَّ فهو أجنبي عن عدم المشروعية ، بل من جهة لزوم تحصيل الطهارة في الصلاة ، فهو نظير ما لو كانت له
( مسألة 2 ) : لا يتأكد الأذان لمن أراد إتيان فوائت في دور واحد [1]
فترة لا تسع إلا الوضوء ونفس الصلاة من دون مقدماتها ، فإنه حينئذ للمزاحمة بين شرط نفس العمل وشرط الكمال ، لا لأنه غير مشروع ، فلو جدد وضوءه ثانياً شرع الأذان للصلاة الثانية ، كما لعله ظاهر.
[1] أما أصل السقوط في الجملة : فالظاهر أنه لا خلاف فيه ، ويشهد له صحيح محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى الصلوات وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة ثمَّ ذكر بعد ذلك. قال (عليه السلام) : يتطهر ويؤذن ويقيم في أولاهن ثمَّ يصلي ويقيم بعد ذلك في كل صلاة فيصلي بغير أذان حتى يقضي صلاته » (1)، وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال : إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن فأذن لها وأقم ثمَّ صل ما بعدها بإقامة لكل صلاة » (2). وفي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) « سألته عن الرجل يغمى عليه ثمَّ يفيق. قال (عليه السلام) : يقضي ما فاته يؤذن في الأولى ويقيم في البقية » (3)وأما مكاتبة موسى بن عيسى : « رجل يجب عليه إعادة الصلاة أيعيدها بأذان وإقامة؟ فكتب (عليه السلام) : يعيدها بإقامة » (4). فليست مما نحن فيه لظهورها في الفعل ثانياً بعد فعله أولا. فتأمل. مع أنها غير ظاهرة في المتعدد. ومثلها موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سئل عن الرجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان والإقامة؟ قال (عليه السلام) : نعم » (5).
لما عدا الصلاة الأولى ، فله أن يؤذن للأولى منها ، ويأتي بالبواقي بالإقامة وحدها لكل صلاة.
( مسألة 3 ) : يسقط الأذان والإقامة في موارد : أحدها : الداخل في الجماعة التي أذنوا لها [1]
وهل السقوط فيما عدا الأولى عزيمة - كما عن المدارك وغيرها بدعوى ظهور الصحاح المتقدمة في عدم مشروعية الأذان لها - أو رخصة - كما نسب إلى المشهور بل حكي عليه الإجماع صريحاً وظاهراً -؟ الأظهر الثاني عملا بعمومات المشروعية التي لا يعارضها الصحاح المذكورة بعد إمكان الجمع بينها بحمل الصحاح على نفي التأكد تسهيلا وتخفيفاً على المصلي ، كما في نظائره من المستعجل والمسافر. ودعوى : أنه ينافيه قوله (عليه السلام) : « بغير أذان » في الصحيح الأول. مندفعة بأنه وارد مورد الرخصة والتخفيف ، ولا ينافي المشروعية. نعم لو بني على السقوط على نحو العزيمة في مطلق الجمع بين الفريضتين تعين البناء عليه في المقام ، لأنه من صغرياته ، ونصوصه من جملة نصوصه.
[1] بلا إشكال ظاهر وإن قل من تعرض له ، ويشهد له - مضافاً إلى السيرة القطعية موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجيء آخر فيقول له : نصلي جماعة. هل يجوز أن يصليا بذلك الأذان والإقامة؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولكن يؤذن ويقيم » (1)لظهوره في مفروغية السائل عن الاكتفاء بأذان الامام وإقامته ، وخبر أبي مريم الأنصاري الآتي في المورد الثالث ، وخبر ابن عذافر عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « أذن خلف من قرأت خلفه » (2)، وخبر معاوية
وأقاموا وإن لم يسمعهما ، ولم يكن حاضراً حينهما ، أو كان مسبوقاً ، بل مشروعية الإتيان بهما في هذه الصورة لا تخلو عن إشكال [1].
ابن شريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ومن أدرك الامام وهو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل الجماعة ، ومن أدرك وقد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة وليس عليه أذان ولا إقامة ، ومن أدركه وقد سلم فعليه الأذان والإقامة » (1). فإنه ظاهر في أن حكم من أدرك الجماعة أن لا أذان عليه ولا إقامة. وتدل عليه أيضا النصوص الآتية في المورد الثاني.
[1] لظهور قوله (عليه السلام) في خبر معاوية : « ليس عليه أذان ولا إقامة ». في انتفاء الأمر بهما ، بل هو ظاهر التعبير بالاجزاء في خبر أبي مريم.
الظاهر أنه لا إشكال في سقوط الأذان والإقامة عن الداخل في الجماعة وإن لم يسمع. وفي جواز اكتفاء الإمام بأذان بعض المأمومين وإقامتهم وإن لم يسمعهما إشكال. والذي يظهر من بعض النصوص ذلك أيضاً ، كخبر حفص بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة. أيقوم الناس على أرجلهم أو يجلسون حتى يجيء إمامهم؟ قال (عليه السلام) : لا بل يقومون على أرجلهم فإن جاء إمامهم ، وإلا فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدم » (2)، وخبر معاوية بن شريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)
الثاني : الداخل في المسجد للصلاة [1]
[1] بلا خلاف أجده في ذلك في الجملة ، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه. كذا في الجواهر. ويشهد له جملة من النصوص ، كموثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « قلت له : الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم أيؤذن ويقيم؟ قال (عليه السلام) : إن كان دخل ولم يتفرق الصف صلى بأذانهم وإقامتهم ، وإن كان تفرق الصف أذن وأقام » (7)، وخبر زيد بن علي (عليهما السلام) : « دخل رجلان المسجد وقد صلى الناس ، فقال لهما
1) الوسائل باب : 42 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 2.
2) الوسائل باب : 31 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
3) الوسائل باب : 31 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
4) الوسائل باب : 31 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
5) راجع الوسائل باب : 32 من أبواب الأذان والإقامة.
6) الوسائل باب : 31 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3 ، 1.
7) الوسائل باب : 25 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
علي (عليه السلام) : إن شئتما فليؤم أحدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم » (1)، وخبر السكوني عن علي (عليه السلام) : « انه كان يقول : إذا دخل رجل المسجد وقد صلى أهله فلا يؤذنن ولا يقيمن ، ولا يتطوع حتى يبدأ بصلاة الفريضة ولا يخرج منه إلى غيره حتى يصلي فيه » (2)، وخبر أبي علي : « كنا جلوساً عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأتاه رجل فقال له : جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر فانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فأذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أحسنت ، ادفعه عن ذلك وامنعه أشد المنع. فقلت : فان دخلوا فأرادوا أن يصلوا فيه جماعة؟ قال (عليه السلام) : يقومون في ناحية المسجد ولا يبدوا بهم إمام » (3)، وخبر أبي بصير : « سألته عن الرجل ينتهي الى الامام حين يسلم. فقال (عليه السلام) : ليس عليه أن يعيد الأذان فليدخل معهم في أذانهم ، فإن وجدهم قد تفرقوا أعاد الأذان » (4). وعن كتاب زيد النرسي عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا أدركت الجماعة وقد انصرف القوم ووجدت الامام مكانه وأهل المسجد قبل أن يتفرقوا أجزأك أذانهم وإقامتهم فاستفتح الصلاة لنفسك ، وإذا وافيتهم وقد انصرفوا من صلاتهم وهم جلوس أجزأك إقامة بغير أذان ، وإن وجدتهم قد تفرقوا وخرج بعضهم من المسجد فاذن وأقم لنفسك » (5). وهذه النصوص بعد اعتضاد بعضها ببعض والاتفاق على العمل بها لا مجال للمناقشة في حجيتها.
منفرداً أو جماعة [1] وقد أقيمت الجماعة حال اشتغالهم [2]
وما عن المدارك من الاستدلال للحكم بروايتي أبي بصير الأولى وأبي علي ، والاستشكال فيه لاشتراك راوي الأولى بين الثقة والضعيف ، وجهالة راوي الثانية ، في غير محله ، ولا سيما وأن المحقق أن أبا بصير ثقة سواء أكان ليثاً أم يحيى ، وابن أبي عمير الراوي عن أبي علي في طريق الصدوق (رحمه اللّه) لا يروي إلا عن ثقة كما عن الشيخ ، فتأمل. وأما ما في الجواهر من أن أبا علي الحراني سلام بن عمر الثقة ، فلم أعرف مأخذه ، إذ ليس فيمن يسمى سلاماً من ينسب الى حران. نعم سلامة بن ذكاء الحراني يكنى أبا الخير صاحب التلعكبري. وكذا ليس فيهم من هو ثقة عندهم سوى سلام بن أبي عمرة الخراساني. ومثله في الاشكال ما ذكره من أن الحسين ابن سعيد الراوي عن أبي علي في طريق الشيخ (رحمه اللّه) من أصحاب الإجماع. وهذا شيء ما احتمله أحد ، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في عددهم واختلافهم فيه. فراجع.
[1] لإطلاق جملة من النصوص المتقدمة ، واختصاص بعضها بمن يريد الصلاة جماعة مع القوم لا ينافيه ، لكونهما مثبتين فلا يحمل المطلق منهما على المقيد. كما أن دعوى انصراف المطلقات الى خصوص من يريد الائتمام بإمام الجماعة لكونه الغالب ، ممنوعة ، لمنع كون الغلبة - لو سلمت - صالحة لصرف المطلقات الى موردها.
[2] يمكن استفادة حكم الفرض من خبر معاوية بن شريح المتقدم في المورد الأول ، لكنه يختص بصورة قصد الائتمام بالإمام. وأما النصوص في هذا المورد فلا إطلاق لها يشمله. نعم يمكن استفادته منها بالأولوية.
ولم يدخل معهم ، أو بعد فراغهم مع عدم تفرق الصفوف [1] فإنهما يسقطان ، لكن على وجه الرخصة لا العزيمة [2] على
[1] قد صرح باشتراط ذلك في خبري أبي بصير ، وإطلاق غيرهما مقيد بهما. وأما خبر زيد النرسي فلو سلمت حجيته لا يخلو من إجمال. نعم مقتضى إطلاق خبري أبي بصير السقوط بمجرد ذهاب البعض ، لأن الظاهر من التفرق فيهما تفرق الجمع ، وهو يحصل بتفرق كل من آحاده ولو بلحاظ بعضهم ، لا تفرق كل من آحاده عن كل منها ، فان ذلك خلاف الإطلاق. نعم مقتضى خبر أبي علي عدم السقوط بذلك ، فيحمل عليه الخبران. لكن في تمامية حجيته بمجرد رواية ابن أبي عمير عنه تأملا. اللّهم إلا أن يكون ذلك بملاحظة طريق الصدوق (رحمه اللّه) اليه المشتمل على جماعة من الأعاظم وفيهم ابن الوليد ، ورواية الشيخ (رحمه اللّه) لهذا الحديث بتوسط أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد يوجب الوثوق بالصدق ، فيدخل الخبر بذلك في موضوع الحجية ، ويتعين تقييد غيره به.
[2] كما لعله المشهور ، ولعله لموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل أدرك الإمام حين سلم. قال (عليه السلام) : عليه أن يؤذن ويقيم ويفتتح الصلاة » (1)، ولما في خبر معاوية بن شريح المتقدم : « ومن أدركه وقد سلم فعليه الأذان والإقامة » (2). وطرحهما لمعارضته لما سبق مما هو ظاهر في عدم المشروعية غير ظاهر بعد إمكان الجمع العرفي بجملهما على الرخصة. وأما حملهما على ما بعد التفرق - كما قيل - فبعيد جداً. هذا ولكن الإنصاف أن ما في خبر أبي علي من قوله (عليه السلام) - بعد قول الرجل :
الأقوى سواء صلى جماعة إماماً أو مأموماً أو منفرداً [1]. ويشترط في السقوط أمور :
أحدها : كون صلاته وصلاة الجماعة كلتاهما أدائية ، فمع كون إحداهما أو كلتيهما قضائية عن النفس أو عن الغير على وجه التبرع أو الإجارة لا يجري الحكم [2].
الثاني : اشتراكهما في الوقت [3] ، فلو كانت السابقة
« فمنعناه ودفعناه عن ذلك » - : ... « أحسنت ادفعه عن ذلك وامنعه أشد المنع » ينافي الرخصة ، فالخبران إما أن يحملا على ما لا ينافي ذلك ، أو يطرحا ويرد علمهما إليهم (عليهم السلام) فالبناء على العزيمة - كما قربه في الجواهر وحكي عن بعض - أنسب بقواعد العمل بالنصوص.
[1] أما في الأول : فلخبري زيد وأبي علي. وأما في الثاني : فلما عداهما من النصوص الشاملة بإطلاقهما لهما. وما ربما ينسب الى المشهور من تخصيص الحكم بالأول غير ظاهر الوجه. اللّهم إلا أن يكون لبنائهم على عدم حجية ما عدا الخبرين ، لمعارضتهما بالموثق وخبر معاوية. لكنه كما ترى. مع إمكان التعدي في السقوط من الأول الى الثاني بالأولوية. فتأمل.
[2] لانصراف النصوص الى الأدائيتين. لكن استشكل فيه في الجواهر من ذلك ومن إطلاق النصوص. وفي الحدائق تعرض في الاشكال لخصوص صورة كون صلاة الداخل قضائية. وليس منشأ الانصراف الغلبة ليتوجه عليه أن الغلبة لا توجب الانصراف المعتد به ، بل هو التوظيف.
[3] كما ربما نسب الى المعظم. ووجهه ما سبق في الشرط الأول. مضافا الى عدم مشروعية الأذان قبل الوقت وعدم الاجتزاء به ، فإن غاية ما تفيده أدلة السقوط في المقام أن يفرض أذان الجماعة أذاناً له ، فاذا كان أذانه قبل الوقت لا يجزؤه فكيف بجزؤه أذان غيره؟
عصراً وهو يريد أن يصلي المغرب لا يسقطان.
الثالث : اتحادهما في المكان عرفاً [1] ، فمع كون إحداهما داخل المسجد والأخرى على سطحه يشكل السقوط. وكذا مع البعد كثيراً ،
الرابع : أن تكون صلاة الجماعة السابقة مع الأذان والإقامة [2] ، فلو كانوا تاركين لا يسقطان عن الداخلين وإن كان تركهم من جهة اكتفائهم بالسماع من الغير [3].
الخامس : أن تكون صلاتهم صحيحة [4] ، فلو كان الامام فاسقاً مع علم المأمومين لا يجري الحكم. وكذا لو كان البطلان من جهة أخرى.
السادس : أن يكون في المسجد فجريان الحكم في الأمكنة الأخرى محل إشكال [5].
[1] كما جزم به في الجواهر ، لكونه المنساق الى الذهن من النصوص وهو في محله.
[2] كما جزم به في الجواهر لما يظهر من النصوص - خصوصاً خبري أبي بصير - من أن الوجه في السقوط الاجتزاء بأذان الجماعة الأولى وإقامتها ، وإن كان ظهور غير الخبرين ممنوعاً.
[3] لأن الظاهر من أذانهم وإقامتهم في الموثق ما لا يشمل ذلك ، وما في كلام بعض من أنه لا ينبغي التردد في اطراد الحكم في الفرض غير ظاهر.
[4] لأنها هي الظاهر من النصوص.
[5] ينشأ من إطلاق خبر أبي بصير الثاني (1). ومن كون الغالب
1) تقدم في المورد الثاني لسقوط الأذان والإقامة.
وحيث أن الأقوى كون السقوط على وجه الرخصة فكل مورد شك في شمول الحكم له الأحوط أن يأتي بهما [1] ،
إقامة الجماعة في المساجد الموجب ذلك لانصراف الإطلاق المذكور ، ولا سيما وأن الحكم بالسقوط في خبر السكوني قد عبر عنه بصورة القضية الشرطية وجعل شرطها الدخول في المسجد ، ويدل مفهومها على عدم السقوط في غيره. اللّهم إلا أن يقال : الدخول في المسجد لم يجعل شرطاً في خبر السكوني للسقوط فقط ، بل ضم إليه أحكام أخر تخص المسجد ، ومن الجائز أن يكون للمسجدية دخل في اجتماع تلك الأحكام ، فمع عدمها ينتفي مجموعها لأكل واحد منها. مثلا إذا قيل : ( إن جاءك زيد راكباً فخذ ركابه واخلع عليه ، و ( إذا جاءك زيد فاخلع عليه ) لا يقيد إطلاق الجزاء في الثانية بمفهوم الشرطية الأولى ليختص وجوب الخلعة بصورة المجيء راكباً وأما الغلبة : فقد عرفت عدم اقتضائها الانصراف المعتد به. فالبناء على عموم الحكم لغير المسجد - كما عن الذكرى وفوائد الشرائع وحاشية الإرشاد وحاشية الميسي ومجمع البرهان والمدارك وظاهر جملة أخرى - في محله. نعم لا يبعد اختصاص الخبر بمن قصد الائتمام بإمام الجماعة ، فالتعدي عنه في غير المسجد الى غيره لا يخلو من إشكال.
[1] إذا شك في ثبوت الحكم في مورد من الموارد ، فان كان الشك بنحو الشبهة الحكمية فالمرجع عموم المشروعية ، وإن كان بنحو الشبهة الموضوعية فالمرجع الأصول الموضوعية أو الحكمية ، ولو انتفت وأريد الاحتياط في استحباب الأذان والإقامة جيء بهما بقصد المشروعية بناء على الرخصة ، وبرجاء المشروعية بناء على العزيمة ، ولا يختص كون الاحتياط بالإتيان بهما بمعنى دون آخر ، وإنما يختلف المبنيان في كيفية الاحتياط من
كما لو شك في صدق التفرق [1] وعدمه ، أو صدق اتحاد المكان وعدمه ، أو كون صلاة الجماعة أدائية أو لا ، أو أنهم أذنوا وأقاموا لصلاتهم أم لا. نعم لو شك [2] في صحة صلاتهم حمل على الصحة ،
الثالث : - من موارد سقوطهما - : إذا سمع الشخص أذان غيره أو إقامته [3]
حيث قصد المشروعية أو رجائها ، وكذلك لو كان الشك بنحو الشبهة الحكمية ولم يسع الفقيه الفحص واستقصاء النظر الذي هو شرط صحة الفتوى فلو أراد هو أو مقلدوه الاحتياط كان بالإتيان بهما على أحد النحوين.
[1] الظاهر أن مراده الشك من حيث الشبهة المفهومية ، فالشبهة حكمية ، وقد عرفت الرجوع فيها إلى عموم التشريع. لكن لو أريد الاحتياط كان على أحد النحوين. ويحتمل أن يكون مراده الشبهة الموضوعية ، والمرجع فيها أصالة عدم التفرق المثبتة للسقوط ، ولو أريد الاحتياط كان على أحد النحوين أيضاً. وكذا الحال في الشك في اتحاد المكان ، لكن لو كانت الشبهة موضوعية فالأصل يقتضي المشروعية ، لأصالة عدم الاتحاد. وكذا لو شك في كون الصلاة أدائية أم لا ، أو أنهم أذنوا لها وأقاموا أم لا ، اللذان هما من الشبهة الموضوعية.
[2] لا يظهر الفرق بين الفرض وما قبله في جريان الأصول المسقطة أو المثبتة ، فلا يتضح وجه الاستدراك.
[3] بلا خلاف فيه في الجملة ، ويشهد له خبر أبي مريم : « صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة .. إلى أن قال : وإني مررت بجعفر (عليه السلام) وهو يؤذن ويقيم فلم أتكلم فأجزأني
فإنه يسقط عنه سقوطاً على وجه الرخصة [1] ، بمعنى : أنه
ذلك » (1)، وخبر عمر بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) : « كنا معه فسمع إقامة جار له بالصلاة فقال علیه السلام : قوموا فقمنا فصلينا معه بغير أذان ولا إقامة ، وقال (عليه السلام) : يجزؤكم أذان جاركم » (2)، وصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا أذن مؤذن فنقص الأذان وأنت تريد أن تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو من أذانه » (3). وقد تشير اليه النصوص المتضمنة : أنه لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم (4)، وما تضمن صلاة النبي (صلی اللّه عليه وآله) بأذان جبرئيل وإقامته (5)، وما تضمن أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) كان يؤذن ويقيم غيره ، وكان يقيم ويؤذن غيره (6)، وكان علي (عليه السلام) كذلك (7). لكن يقرب إرادة الاكتفاء بنفس الأذان والإقامة للجماعة ولو مع عدم السماع أو مع قطع النظر عنه ، كما أشرنا إليه في المورد الأول. ثمَّ إن ظاهر صحيح ابن سنان وخبر ابن خالد بدلية أذان الغير في حال السماع ، فالسقوط بالأذان والسماع شرطه ، لا بالسماع ، وخبر أبي مريم محتمل لذلك بل لعله ظاهر فيه ، فكان الأولى التعبير بالسقوط بأذان الغير عند سماعه ، لا بالسماع. والأمر سهل.
[1] كما عن جماعة من المتأخرين ، لقصوص النصوص عن المنع ، فعموم المشروعية بحاله. بل صحيح ابن سنان ظاهر في أن ذلك موكول إلى إرادة
1) الوسائل باب : 30 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
2) الوسائل باب : 30 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
3) الوسائل باب : 30 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
4) راجع الوسائل باب : 32 من أبواب الأذان والإقامة.
5) الوسائل باب : 31 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4 ، 5 ، 6.
6) الوسائل باب : 31 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
7) الوسائل باب : 31 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
يجوز له أن يكتفي بما سمع إماماً كان الآتي بهما أو مأموماً أو منفرداً [1]. وكذا في السامع [2]. لكن بشرط أن لا يكون
المصلي ، وعن المبسوط : المنع عنه. واختاره في المستند ، لأنه مقتضى التعبير بالاجزاء ، فإن الظاهر منه الاجزاء عن المأمور به في سقوط الأمر. نعم ربما يفهم منه الرخصة بقرينة وروده مورد التسهيل ، أو يكون هناك ما يدل على المشروعية ، فيجمع بينهما بالحمل على الرخصة ، وليس منه المقام.
فان قلت : عموم دليل التشريع يقتضي المشروعية ، فليجمع بينهما بذلك.
قلت : الجمع العرفي يقتضي بدلية الأذان المسموع عن الأذان الموظف ، ومقتضاها سقوط الأمر. وأما صحيح ابن سنان : فالمراد به ما يقابل عدم إرادة الصلاة بعد السماع ، إما لأنه صلاها ، أو لأنه عازم على التأخير ، لا ما يقابل إرادة الصلاة بالأذان ، إذ لا إطلاق فيه من هذه الجهة. ولو سلم اختص الجواز بمورده - أعني : خصوص الناقص - ولا يشمل التام.
[1] لإطلاق الخبرين الأولين.
[2] أما الامام : فلا خلاف فيه - كما قيل - لأنه مورد الخبرين. وأما المأموم : فالظاهر من النصوص المشار إليها في المورد الأول - ومنها الخبران المذكوران هنا - كون صلاته تبعاً لصلاة الإمام فإذا اكتفى الامام بالسماع كفى ذلك للمأموم ، بل هو صريح الخبرين المذكورين. وأما إذا لم يسمع الامام ولم يؤذن فالمأموم كالمنفرد ، والمشهور أن سماعه أيضاً كاف قيل : لإطلاق الصحيح. وفيه : أن الصحيح لا إطلاق له ، لأنه وارد مورد حكم آخر ، ولما في خبر عمر بن خالد من قوله (عليه السلام) : « يكفيكم » لكنه غير ثابت الحجية. نعم يمكن أن يستفاد بالأولوية من ثبوت الحكم في الإمام. فتأمل.
ناقصاً [1] ، وأن يسمع تمام الفصول [2]. ومع فرض النقصان يجوز له أن يتم ما نقصه القائل [3] ، ويكتفي به. وكذا إذا لم يسمع التمام يجوز له أن يأتي بالبقية [4] ويكتفي به ، لكن بشرط مراعاة الترتيب [5]. ولو سمع أحدهما لم يجزئ للآخر [6] والظاهر أنه لو سمع الإقامة فقط فأتى بالأذان لا يكتفي بسماع الإقامة ، لفوات الترتيب حينئذ بين الأذان والإقامة.
الرابع : إذا حكى أذان الغير أو إقامته ، فان له أن يكتفي بحكايتهما [7].
[1] لعدم شمول الأدلة له.
[2] فإنه الظاهر من سماع الأذان والإقامة ، ولا ينافيه ما في خبر أبي مريم من جهة استبعاد سماع تمام فصول الأذان والإقامة بمجرد المرور. إذ مجرد الاستبعاد لا يصحح رفع اليد عن الظاهر. مع أن أصل الاستبعاد ممنوع في بعض أنحاء المرور كما لا يخفى.
[3] لصحيح ابن سنان السابق. [4] يفهم من صحيح ابن سنان أيضاً.
[5] لإطلاق أدلة الترتيب التي لا يعارضها نصوص المقام ، لعدم تعرضها لهذه الجهة :
[6] لعدم الدليل على الاجزاء.
[7] كما ذكر في نجاة العباد. ولم أقف على ما يدل عليه. نعم ما دل على الاكتفاء بالسماع يدل على الاكتفاء بالحكاية ، لأنها إنما تشرع بعد السماع لا مطلقاً. لكنه لا ينبغي عدها قسماً برأسه في مقابل السماع. ويحتمل أن يكون الوجه فيه : أن الحكاية أذان بقصد المتابعة نظير صلاة
( مسألة 4 ) : يستحب حكاية الأذان عند سماعه [1]
المأموم ، فلو لم يدل على الاكتفاء بالسماع دليل أمكن الاكتفاء بها ، لأنها مصداق حقيقي للأذان. ودعوى : أن الحكاية ليست من الأذان ، لأن المؤذن يقصد معنى الفصول والحاكي يقصد لفظ الفصول. فيها : أن التعبير بالحكاية إنما كان في كلمات الأصحاب ، وأما النصوص فإنما اشتملت على أن يقول مثل ما يقول المؤذن ، وفسرها بذلك الأصحاب ، والظاهر إرادتهم قصد معنى الفصول كما يظهر ذلك مما ورد أنه ذكر اللّه تعالى (1). لكن في ظهور نصوص الحكاية في كونها أذاناً بقصد المتابعة نظير صلاة المأموم تأملا أو منعاً. بل الظاهر منها أن استحبابها من باب الذكر. فلاحظ ولو سلم لم يناسب قوله (رحمه اللّه) : « له أن يكتفي .. ». الظاهر في الرخصة. مضافاً إلى أنه ينبغي تخصيص الاكتفاء بصورة حكاية جميع الفصول من دون تبديل بالحولقة. فلاحظ.
[1] إجماعاً حكاه جماعة كثيرة. ويشهد له جملة من النصوص كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شيء » (2)، وصحيحه الآخر عنه علیه السلام : « يا محمد بن مسلم لا تدعن ذكر اللّه عز وجل على كل حال ، ولو سمعت المنادي ينادي بالأذان وأنت على الخلاء فاذكر اللّه عز وجل وقل كما يقول المؤذن » (3). ونحوهما غيرهما. وفي بعضها : أنه يزيد في الرزق (4).
سواء كان أذان الإعلام أو أذان الإعظام [1] ، أي أذان الصلاة جماعة ، أو فرادى ، مكروهاً كان [2] أو مستحباً. نعم لا يستحب حكاية الأذان المحرم [3]. والمراد بالحكاية : أن يقول مثل ما قال المؤذن [4] عند السماع ، من غير فصل معتد به [5] وكذا يستحب حكاية الإقامة [6] أيضاً. لكن ينبغي إذا قال
[1] بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه إطلاق النصوص.
[2] للإطلاق أيضاً. والمراد بالمكروه : الأذان في بعض موارد السقوط.
[3] كما عن نهاية الاحكام والتذكرة وكشف الالتباس والروض والمسالك وجامع المقاصد حيث خصوا الاستحباب بالأذان المشروع ، وكأنه لانصراف النصوص اليه. لكن التعليل في بعضها بأن ذكر اللّه تعالى حسن على كل حال (1)، يقتضي العموم كما عن بعض التصريح به.
[4] كما هو المأخوذ موضوعاً للحكم في النصوص ، وليس فيها ذكر الحكاية كما عرفت. وفي الشرائع وعن المبسوط والوسيلة وغيرها : يستحب أن يحكيه مع نفسه. والظاهر منه إرادة الحكاية بنحو كأنه يتكلم مع نفسه ودليله غير ظاهر. وعن فوائد الشرائع : تفسيره بأن لا يرفع صوته كالمؤذن. قال في محكي كلامه : « وسمعت من بعض من عاصرناه من الطلبة استحباب الإسرار بالحكاية ولا يظهر لي وجهه الآن ». وكما لم يظهر له وجه استحباب الاسرار لم يظهر لنا وجه استحباب أن لا يرفع صوته كالمؤذن.
[5] كما يظهر من النصوص ، ولا سيما ما اشتمل منها على حرف المعية.
[6] كما عن بعض الأصحاب. ولا دليل عليه ظاهر ، لاختصاص النصوص بالأذان. وإرادة ما يعم الإقامة منه. غير ظاهرة. ولذا صرح
1) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 2.
المقيم : ( قد قامت الصلاة ) أن يقول هو : ( اللّهم أقمها وأدمها واجعلني من خير صالحي أهلها ) [1]. والأولى تبديل الحيعلات بالحولقة [2] بأن يقول : ( لا حول ولا قوة إلا باللّه ).
جماعة على ما حكي بالاختصاص بالأذان دون الإقامة ، بل نسب ذلك الى المشهور. نعم يمكن أن يستفاد التعميم من التعليل في بعض النصوص بأن ذكر اللّه تعالى حسن ، لكنه لا يشمل الحيعلات. اللّهم إلا أن يستفاد الشمول لها من جعله علة لحكاية تمام الفصول أن تمامها من الذكر. ومثله مرسل الدعائم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا قال المؤذن : اللّه أكبر. فقل : اللّه أكبر ، فإذا قال : أشهد أن محمداً رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فقل : أشهد أن محمداً رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) فاذا قال : قد قامت الصلاة. فقل : اللّهم أقمها وأدمها واجعلنا من خير صالحي أهلها عملا » (1). بل تمكن المناقشة في دلالته على استحباب حكاية جميع أذكار الإقامة أيضاً. فلاحظ.
[1] لما في خبر الدعائم المتقدم.
[2] كما تضمنه مرسل الدعائم عن علي بن الحسين (عليهما السلام) : « ان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) كان إذا سمع المؤذن قال كما يقول ، فاذا قال : حي على الصلاة حي على الفلاح حي على خير العمل. قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه » (2)ونحوه خبر الآداب والمكارم (3)على ما حكاه العلامة الطباطبائي في منظومته لكن في صلاحيتهما لمعارضة الصحاح المتقدمة الدالة على استحباب حكاية الحيعلات تأملا ظاهراً. فالجمع بينها - بعد البناء على قاعدة التسامح -
( مسألة 5 ) : يجوز حكاية الأذان وهو في الصلاة [1] لكن الأقوى حينئذ تبديل الحيعلات بالحولقة [2].
يقتضي البناء على استحباب كل منهما جمعاً.
[1] كما صرح به جماعة وحكي عن ظاهر آخرين ، ويقتضيه إطلاق النصوص المتقدمة ، الشامل لحال الصلاة وغيرها. ودعوى عدم الإطلاق فيها ممنوعة جداً. وما عن صريح المبسوط والخلاف والتذكرة ونهاية الاحكام والبيان وجامع المقاصد والروض وغيرها من نفي استحباب الحكاية في الصلاة ، معللا بأن الإقبال على الصلاة أهم. غير ظاهر أولا : لعدم ثبوت الأهمية وثانياً : لأن الأهمية لا تنافي الاستحباب.
[2] يعني : لو لم يبدل الحيعلات بالحولقة بطلت صلاته - كما نص عليه جماعة - لأن الحيعلات من كلام الآدميين المبطل ، وحينئذ فلو حرم الابطال حرمت الحكاية ، ولو جاز - كما في النافلة - جازت. ودعوى : أنها ليست من كلام الآدميين بل هي من الذكر غير المبطل ، كما يظهر من نصوص الحكاية. ممنوعة جداً. كيف؟! والظاهر أنه لا إشكال في الإبطال بها في غير مورد الحكاية. وأضعف منها دعوى : أن ما بين ما دل على استحباب الحكاية مطلقاً وما دل على البطلان بكلام الآدميين عموم من وجه ، فالبناء على البطلان يتوقف على ترجيح الثاني ، وهو غير ظاهر ، فيكون المرجع في مورد المعارضة الأصل. إذ فيها : أن الأول لا يدل على عدم البطلان بوجه وإنما يتعرض لحيثية الاستحباب لا غير ، فإطلاق الثاني محكم. نعم في مورد يحرم الابطال فيه يقع التعارض بين إطلاق الاستحباب وإطلاق حرمة الإبطال. لكن في مثل ذلك يجمع العرف بين الدليلين بحمل الأول على كونه وارداً لبيان حكمه بالنظر الى عنوانه الأولي فلا يصلح
( مسألة 6 ) : يعتبر في السقوط بالسماع عدم الفصل الطويل بينه وبين الصلاة [1].
( مسألة 7 ) : الظاهر عدم الفرق بين السماع والاستماع [2].
( مسألة 8 ) : القدر المتيقن من الأذان الأذان المتعلق بالصلاة [3] ، فلو سمع الأذان الذي يقال في أذان المولود أو وراء المسافر عند خروجه [4] الى السفر لا يجزؤه.
لمعارضة إطلاق الدليل المتعرض لحكمه بالنظر الى عنوانه الثانوي وهو عنوان الابطال ، فيكون التعارض من قبيل تعارض اللامقتضي مع المقتضي المقدم فيه الثاني. ولذلك يتعين القول بحرمة الحكاية حيث يحرم الابطال وبجوازها حيث يجوز.
ثمَّ إنه بناء على عدم جواز حكاية الحيعلات قد يستشكل في مشروعية حكاية ما عداها من الفصول ، لأنه بعض الأذان ، ولا دليل على مشروعية حكاية البعض ، ولا دليل معتد به على بدلية الحولقة كي يكون الإتيان بها مع بقية الفصول حكاية لتمام الأذان. وفيه : أنه مبني على عدم تمامية قاعدة التسامح الدالة على البدلية. مع أن الظاهر من أدلة استحباب الحكاية هو استحباب حكاية كل فصل لنفسه لا أنه ارتباطي بين جميع الفصول فلاحظ.
[1] إذ لا تفي أدلة كفاية السماع إلا ببدليته عن المسموع ، فما دل على اعتبار عدم الفصل بين الأذان والإقامة وبين الصلاة محكم.
[2] الموضوع في الأدلة السماع ، والاستماع من جملة أفراده.
[3] لأنه الظاهر من نصوص البدلية ، ولا سيما بملاحظة ذكر الإقامة معه فيها.
[4] قال في الجواهر : « قد شاع في زماننا الأذان والإقامة خلف
( مسألة 9 ) : الظاهر عدم الفرق بين أذان الرجل والمرأة [1] ، إلا إذا كان سماعه على الوجه المحرم ، أو كان أذان المرأة على الوجه المحرم.
( مسألة 10 ) : قد يقال : يشترط في السقوط بالسماع أن يكون السامع من الأول قاصداً للصلاة ، فلو لم يكن قاصداً وبعد السماع بنى على الصلاة لم يكف في السقوط. وله وجه [2].
المسافر ، حتى استعمله علماء العصر فعلا وتقريراً ، إلا أني لم أجد به خبراً ، ولا من ذكره من الأصحاب ».
[1] لا يخلو من إشكال ، إذ لا إطلاق في النصوص يشمل المرأة. وأما ما في خبر ابن خالد من قوله (عليه السلام) : « يجزؤكم أذان جاركم » (1)- لو سلم شموله للمرأة - فضعيف السند. وقاعدة الاشتراك - لو سلمت - اختصت بما إذا كان الرجل موجهاً اليه الحكم ، لا ما إذا كان قيداً لموضوعه كما تقدم في بعض المباحث السابقة.
ثمَّ إنه لو بني على التعميم اختص بالأذان والسماع المحللين ، لأنهما مورد النصوص كما تقدم في المسألة السابقة ، لا أقل من عدم الإطلاق الشامل لغيرهما.
[2] كأنه من جهة أن اعتبار التعيين في الأذان - كما سيأتي - يقتضي اعتباره في السماع المنزل منزلته. لكنه يتوقف على كون البدل هو السماع لا نفس الأذان المسموع ، ويلزمه اعتبار تعيين الصلاة المقصودة أيضاً ، لا مجرد قصد الصلاة في الجملة.
1) الوسائل باب : 30 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
يشترط في الأذان والإقامة أمور
الأول : النية ابتداء واستدامة [1] على نحو سائر العبادات ، فلو أذن أو أقام لا بقصد القربة لم يصح. وكذا لو تركها في الأثناء. نعم لو رجع إليها وأعاد ما أتى به من الفصول لا مع القربة معها صح [2] ، ولا يجب الاستئناف.
فصل
يشترط في الأذان والإقامة أمور
[1] بلا خلاف يحكى في ذلك في الجملة ، لكونهما من العبادات. والعمدة في عبادتيهما : أنها المرتكز في أذهان المتشرعة بنحو لا يقبل الردع فان ذلك الارتكاز كاشف عن كونهما كذلك عند الشارع كما في نظائره. وبذلك يندفع احتمال عدم عباديتهما ، لا بما ذكره في الجواهر من أصالة العبادية في كل ما أمر به ، مع عدم ظهور الحكمة في غير الإعلامي. إذ فيه : أن الأصل المذكور ممنوع كما هو محرر في الأصول ، وعدم ظهور الحكمة غير كاف في العبادية.
[2] لأن الفصول الفاسدة بفقد نية القربة لا دليل على كونها قاطعة بل إطلاق أدلة الكيفية تنفي قاطعيتها.
هذا في أذان الصلاة. وأما أذان الإعلام : فلا يعتبر فيه القربة [1] كما مر. ويعتبر أيضاً تعيين الصلاة التي يأتي بهما لها [2] مع الاشتراك ، فلو لم يعين لم يكف. كما أنه لو قصد بهما صلاة لا يكفي لأخرى بل يعتبر الإعادة والاستئناف.
الثاني : العقل [3].
[1] كما تقدم. فراجع.
[2] كما نص عليه في الجواهر ، لأن عبادية كل من الأذان والإقامة إنما تكون بقصد الأمر النفسي المتعلق بالصلاة المقيدة بهما ، وتعيين الأمر المذكور إنما يكون بتعيين الصلاة ، لاختلاف الأمر باختلاف موضوعه ، ولازم ذلك أنه لو قصد بهما صلاة فعدل إلى أخرى لم يكتف بهما ، لفوات قصد الامتثال. هذا بناء على وجوب المقدمة الموصلة. أما بناء على وجوب مطلق المقدمة : فيمكن القول بالاكتفاء بهما ، لصحة التعبد بهما حينئذ ، إلا إذا كانت الصلاة المقصودة بالأذان والإقامة غير مأمور بها ، لانتفاء الأمر المقصود به التعبد بهما.
ثمَّ إنه - بناء على ما أشرنا إليه في مبحث الوضوء وفي مبحث الخلل من أن الأمر بالقيود الكمالية والأجزاء المستحبة نفسي لا غيري - لا بد أن يكون الوجه في اشتراط تعيين الصلاة في صحتهما دعوى أن الأمر بهما نفسياً مقيد بكل صلاة لنفسها في مقابل الأخرى ، نظير الأمر بصوم الاثنين والجمعة ، فيكون تعيين الصلاة طريقاً الى تعيين الأمر. لكن في تمامية الدعوى المذكورة إشكال. لأن إطلاق دليل الأمر ينفي اعتبار خصوصية الصلاة في موضوعه.
[3] إجماعا حكاه جماعة كثيرة. وهو العمدة فيه. وأما عدم تأتي
والايمان [1]. وأما البلوغ
القصد من المجنون الى نفس الأذان أو الى الأمر به فغير مجد في عموم الحكم ، لجواز تحقق ذلك منه في بعض الأحيان. فتأمل. على أن أذان الإعلام ليس عبادياً.
[1] كما عن غير واحد من الأصحاب. ويشهد له موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سئل عن الأذان هل يجوز أن يكون من غير عارف؟ قال (عليه السلام) : لا يستقيم الأذان ولا يجوز أن يؤذن به إلا رجل مسلم عارف ، فان علم الأذان وأذن به ولم يكن عارفاً لم يجز أذانه ولا إقامته ولا يقتدى به » (1)بناء على أن المراد من العارف المؤمن كما هو الظاهر منه ، ولا سيما بملاحظة موارد استعماله في النصوص. وأما خبر محمد بن عذافر : « أذن خلف من قرأت خلفه » (2)، وخبر معاذ بن كثير : « إذا دخل الرجل المسجد وهو لا يأتم بصاحبه وقد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي إن هو أذن وأقام أن يركع فليقل : قد قامت الصلاة اللّه أكبر لا إله إلا اللّه » (3)فالظاهر منهما عدم سقوط الأذان والإقامة في الجماعة الباطلة وإن كان المؤذن والمقيم مؤمناً ، لا نفي حكم الأذان عن أذان المخالف.
هذا وقد يظهر ممن اقتصر في الاشتراط على اعتبار الإسلام : عدم اعتبار الايمان. ولعله لصحيح ابن سنان المتقدم : « إذا نقص المؤذن الأذان وأنت تريد أن تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو » (4). لكن في دلالته على ما نحن فيه تأمل ظاهر ، لتعرضه لجهة النقصان لا غير ، فلا إطلاق له من
فالأقوى عدم اعتباره [1] ، خصوصاً في الأذان [2] ، وخصوصاً في الإعلامي [3] ، فيجزئ أذان المميز وإقامته [4] إذا سمعه ، أو حكاه ، أو فيما لو أتى بهما للجماعة. وأما
هذه الجهة. ودعوى ظهوره في أذان المخالف الناقص : « حي على خير العمل » غير ظاهر ، إذ لا قرينة عليه ، ومجرد كونه الغالب غير كاف في الحمل ، فلا معدل عن العمل بالموثق المعتضد بما دل على كون الأذان عبادة ، وهي لا تصح من المخالف إجماعاً. نعم لا يطرد ذلك في أذان الإعلام بناء على ما تقدم من عدم اعتبار عباديته ، بل قرب في الجواهر حمل الموثق أيضاً على غيره ، لحصول حكمة المشروعية ولو صدر من المخالف ، ومعروفية الاجتزاء به في أزمنة التقية. ولعل ذكر الإقامة في ذيله قرينة على اختصاص الأذان فيه بأذان الصلاة.
[1] لكون التحقيق مشروعية عبادته.
[2] ففي الجواهر : أن الإجماع محصل ومنقول مستفيضاً بل متواتراً على عدم اعتبار البلوغ فيه ، ويشهد له صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم » (1)، ونحوه غيره. ومنها يظهر أن ذكر الرجل في موثق عمار السابق لإخراج المرأة ، لا لإخراج الصبي.
[3] الذي قد عرفت أنه لا يعتبر صدوره على وجه التعبد.
[4] لو قلنا بعدم مشروعية عبادة الصبي كان البناء على الاجتزاء بإقامة الصبي مشكلا ، لعدم شمول ما تقدم في الأذان من النص والإجماع لها ، والتعدي من الأذان إليها غير ظاهر ، ولا سيما بملاحظة مخالفتها معه في بعض الأمور الآتية.
1) الوسائل باب : 32 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
إجزاؤهما لصلاة نفسه فلا إشكال فيه [1]. وأما الذكورية : فتعتبر في أذان الإعلام [2] والأذان والإقامة لجماعة الرجال غير المحارم. ويجزيان لجماعة النساء [3]
[1] إذ هما حينئذ يكونان كسائر أجزاء صلاته وشرائطها مجزية له بناء على الشرعية والتمرينية.
[2] لاختصاص نصوصه بالرجال وضعاً وانصرافاً ، ولو بمناسبة مطلوبية الستر للنساء. وهذا هو العمدة في عدم الاجتزاء بأذانهن للإعلام ولجماعة الرجال الذي سيذكره المصنف (رحمه اللّه) ، لا ما قيل - كما عن غير واحد من الأعيان - بأنه إذا أسرت المرأة به بحيث لا يسمعونه لا اعتداد به ، وإن جهرت كان أذاناً منهياً عنه ، لأن صوتها عورة ، فيفسد ، للنهي. لتوجه الاشكال عليه - كما في مفتاح الكرامة والجواهر وغيرهما - بعدم الدليل على اعتبار السماع في الاعتداد ، فتأمل. ولا على كون صوتها عورة ، ولا على كون النهي عنه مفسداً له ، لعدم ثبوت كونه عبادة ينافيها النهي ، أو لأن النهي في المقام ليس عن العبادة بل عن رفع الصوت فلا يكون من مسألة الاجتماع. وباحتمال كون المقام - وكذا الذكر وتلاوة القرآن - مستثنى كاستثناء الاستفتاء من الرجال كما عن الذكرى. مع أنه لا يتم فيما لو كانت لا تعلم بسماع الأجانب ، أو كان السامع من المحارم لا غير.
[3] بلا إشكال ظاهر ، ويقتضيه عدم تعرض الشارع الأقدس لكيفية جماعة النساء ومالها من الأحكام ، فان ذلك ظاهر في اكتفائه في ذلك ببيانه لأحكام جماعة الرجال ، وعليه فكل حكم لجماعة الرجال يتعدى به إلى جماعة النساء. كما أشرنا إلى نظائره في مواضع من هذا الشرح ، فاذا كان يجزئ في جماعة الرجال أذان الإمام أو بعض المأمومين لا بد من البناء على الاجتزاء
والمحارم على إشكال في الأخير [1] ، والأحوط عدم الاعتداد نعم الظاهر إجزاء سماع أذانهن بشرط عدم الحرمة كما مر [2] وكذا إقامتهن.
الثالث : الترتيب بينهما بتقديم الأذان على الإقامة [3].
في جماعة النساء بأذان إمامهن أو إحداهن.
[1] ينشأ من فتوى جماعة بالاجتزاء به للرجال المحارم ، وأنه مقتضى التعليل السابق. ومن عدم الدليل على السقوط عنهم بأذانها ، فالمرجع أصالة عدم السقوط. وهو الأقوى كما في الجواهر.
[2] في المسألة التاسعة ، لكن مر الاشكال فيه.
[3] كما عن جماعة كثيرة : النص عليه ، وفي الحدائق : نفي الخلاف والاشكال فيه ، وعن كشف اللثام : دعوى الإجماع عليه. قال في الجواهر : « يشترط الترتيب بين الأذان والإقامة نفسهما فمع نسيان حرف من الأذان يعيد من ذلك الحرف إلى الأخر للإجماع بقسميه أيضاً ، والأصل ، والتأسي إذ هو الثابت من الأدلة ، بل تمكن دعوى القطع باستفادته من تصفح النصوص ». ومن تلك النصوص صحيح زرارة المتضمن لعدم الاعتناء بالشك في الأذان وهو في الإقامة (1). لكن في موثق عمار : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل نسي من الأذان حرفاً فذكره حين فرغ من الأذان والإقامة. قال (عليه السلام) : يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله وليقل من ذلك الحرف إلى آخره ، ولا يعيد الأذان كله ولا الإقامة » (2). ولا بأس بالعمل به في مورده ، فيكون أشبه بقضاء الأجزاء المنسية. كما
وكذا بين فصول كل منهما [1] ، فلو قدم الإقامة عمداً أو جهلا أو سهواً أعادها بعد الأذان [2]. وكذا لو خالف
أن موثقه الآخر : « إن نسي الرجل حرفاً من الأذان حتى يأخذ في الإقامة فليمض في الإقامة وليس عليه شيء ، فان نسي حرفاً من الإقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه ثمَّ يقول من ذلك الموضع إلى آخر الإقامة » (1). لا بد أن يكون محمولا على عدم قدح ذلك في الإقامة ، لجواز الاقتصار عليها.
[1] إجماعاً صريحاً وظاهراً حكاه جماعة ، وفي الجواهر : « إجماعاً بقسميه ». ويقتضيه النصوص المتعرضة للكيفية. مضافاً إلى صحيح زرارة : « من سها في الأذان فقدم وأخر أعاد على الأول الذي أخره حتى يمضي على آخره » (2). ومرسل الفقيه : « تابع بين الوضوء .. إلى أن قال : وكذلك الأذان والإقامة فابدأ بالأول فالأول فإن قلت : ( حي على الصلاة ) قبل الشهادتين تشهدت ثمَّ قلت : ( حي على الصلاة ) » (3).
[2] ليحصل له الترتيب بينهما. ثمَّ إن الظاهر من الأصحاب أن استحباب كل من الأذان والإقامة ليس ارتباطياً بالإضافة إلى الآخر ، فيجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر. لكن الاقتصار على الأذان دون الإقامة لم أقف على دليله من النصوص ، وإن كان ظاهر الجواهر : أنه مفروغ عنه عندهم وعليه فاشتراط الترتيب بين الأذان والإقامة يختص بحال الجمع ، وحينئذ إن كان هو شرطاً استحبابياً لتحصيل مرتبة من الفضيلة زائدة على ما يحصل من كل منهما من المصلحة فلو قدم الإقامة على الأذان امتنع التدارك بفعل
الترتيب فيما بين فصولهما ، فإنه يرجع إلى موضع المخالفة [1] ويأتي على الترتيب إلى الآخر. وإذا حصل الفصل الطويل المخل بالموالاة يعيد من الأول [2] من غير فرق أيضاً بين العمد وغيره [3].
الإقامة بعد الأذان لسقوط الأمر بها ، وإن كان شرطاً لزومياً اقتضى بطلانهما معاً لفقد الترتيب ، إذ المراد منه أن يكون الأذان قبل الإقامة وتكون الإقامة بعد الأذان ، وهذا المعنى مفقود في كل منهما. نعم يمكن تداركه بفعل الإقامة ثانياً ، فإنه يصدق على الأذان المتوسط أنه قبل الإقامة ، وعلى الإقامة أنها بعد الأذان فيحصل الترتيب. نعم لو كان المراد من الترتيب في الأذان أن لا يكون قبله إقامة لم يمكن التدارك بما ذكر. لكنه غير مراد من الترتيب.
[1] كما تقدم في صحيح زرارة.
[2] لأن فوات الموالاة يوجب البطلان من الأول.
[3] لعدم الفرق في اعتبار الموالاة بين الفصول في الصورتين. وفي الجواهر خصه بالعمد. قال (رحمه اللّه) : « ثمَّ إن ظاهر النصوص المزبورة عدم مراعاة الموالاة ، ضرورة اقتضاء صحة تدارك الحرف الثاني من الأذان مثلا وإن كان قد ذكره بعد الفراغ منه ومن الإقامة ، ولعله لا بأس به عملا بإطلاق النصوص .. إلى أن قال : وأما الخلل عمداً فقد يقوى فيه مراعاة الموالاة العرفية لعدم المعارض لما دل على اعتبارها ». انتهى ملخصاً. وفيه : أن النصوص الدالة على التدارك بما يحصل معه الترتيب لا إطلاق فيها من حيث لزوم فوات الموالاة وعدمها ، فلا تصلح لمعارضة دليل اعتبارها وكأنه لذلك اختار العلامة الطباطبائي (قدس سره) ما في المتن فقال :
ومن سها فخالف الترتيب في
عد الفصول فليعد حتى يفي
الرابع : الموالاة بين الفصول [1] من كل منهما على وجه تكون صورتهما محفوظة بحسب عرف المتشرعة. وكذا بين الأذان والإقامة ، وبينهما وبين الصلاة ، فالفصل الطويل المخل بحسب عرف المتشرعة بينهما ، أو بينهما وبين الصلاة مبطل.
الخامس : الإتيان بهما على الوجه الصحيح بالعربية [2] فلا يجزئ ترجمتهما ، ولا مع تبديل حرف بحرف.
السادس : دخول الوقت [3] ، فلو أتى بهما قبله ولو
إلا إذا فات بذلك الولا *** إذ طال فصل فليعد مستقبلا
وسيأتي بقية الكلام فيه.
[1] استدل عليه في الجواهر بالأصل ، وأنه الثابت من فعلهم (عليهم السلام) ، والمستفاد من الأدلة الخالية عن المعارض. ويشكل بأن الأصل لا يعارض الإطلاق الدال على عدم الاعتبار ، والثابت من فعلهم لا دلالة فيه ، لا جماله والاستفادة من الأدلة غير واضحة. نعم الفصل بالسكوت الطويل والأعمال الأجنبية إذا كان بحيث يوجب محو الصورة عند المتشرعة قادح ، لعين ما يأتي إن شاء اللّه في قدح ما حي الصورة في الصلاة. لكن ذلك غير اعتبار الموالاة العرفية الذي ذكره في الجواهر. وسيأتي إن شاء اللّه أن الموالاة العرفية غير معتبرة في الصلاة ، فأولى أن لا تكون معتبرة هنا. فانتظر.
[2] كما يقتضيه ظاهر نصوص الكيفية.
[3] إجماعاً في - غير الصبح - كما عن نهاية الاحكام والمختلف وكشف اللثام ، بل عن المعتبر والمنتهى والتحرير والتذكرة وجامع المقاصد : أنه إجماع علماء الإسلام. ويشهد له صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - قال : « لا تنتظر بأذانك وإقامتك إلا دخول وقت
لا عن عمد لم يجتزأ بهما وإن دخل الوقت في الأثناء. نعم لا يبعد جواز تقديم الأذان قبل الفجر [1].
الصلاة » (1). وتشير اليه النصوص الآتية.
[1] على المشهور ، وفي المنتهى : نسبته إلى فتوى علمائنا ، وعن ابن أبي عقيل : « إنه بذلك تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) ، وقالوا : كان لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله مؤذنان أحدهما بلال ، والآخر ابن أم مكتوم وكان أعمى ، وكان يؤذن قبل الفجر ، وبلال إذا طلع الفجر ، وكان (صلی اللّه عليه وآله) يقول : إذا سمعتم أذان بلال فكفوا عن الطعام والشراب » وأشار بذلك إلى صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كان بلال يؤذن للنبي (صلی اللّه عليه وآله) ، وابن أم مكتوم وكان أعمى يؤذن بليل ، ويؤذن بلال حين يطلع الفجر » (2). وخبر زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : هذا ابن أم مكتوم وهو يؤذن بليل ، فإذا أذن بلال فعند ذلك فأمسك » (3). وصحيح معاوية ابن وهب عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « لا تنتظر بأذانك وإقامتك إلا دخول وقت الصلاة واحدر إقامتك حدرا ، قال : وكان لرسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) مؤذنان أحدهما بلال والآخر ابن أم مكتوم ، وكان ابن أم مكتوم أعمى ، وكان يؤذن قبل الصبح ، وكان بلال يؤذن بعد الصبح. فقال النبي (صلی اللّه عليه وآله) : إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فاذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته ، وقالوا إنه (صلی اللّه عليه وآله) قال : إن بلالا
يؤذن بليل ، فاذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم (1).
لكن في ظهورها في مشروعية الأذان قبل الفجر إشكال ، لإمكان كون المراد منها أن ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن قبل الفجر لأنه أعمى ، فيخطئ الصبح ، لا أنه موظف لذلك ، فالأمر بالأكل عند أذانه اعتماداً على استصحاب الليل ، لا أن أذانه أمارة الليل ، ولا سيما بملاحظة صحيح معاوية ، حيث أطلق في صدره المنع من تقديم الأذان على الوقت ، ثمَّ نقل فعل ابن أم مكتوم الظاهر في أنه (عليه السلام) أراد الاستشهاد على إطلاق المنع ، ودفع توهم الجواز من أذان ابن أم مكتوم من جهة كونه أعمى لا يبصر الوقت وإلا كان الأنسب استثناء الصبح من إطلاق المنع والاستشهاد للاستثناء بفعل ابن أم مكتوم. وكذا صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) : « إن لنا مؤذناً يؤذن بليل قال (عليه السلام) : أما إن ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة ، وأما السنة فإنه ينادي مع طلوع الفجر (2)، فإنه ظاهر في حصر المشروعية بحال الفجر. ومثله صحيحه الآخر. وقوله (عليه السلام) فيه : « لا بأس » (3)لعله محمول على فعله لا بقصد المشروعية ، بقرينة قوله (عليه السلام) : « وأما السنة فمع الفجر ». وأما ما في صحيح عمران بن علي الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأذان قبل الفجر. فقال (عليه السلام) : إذا كان في جماعة فلا ، وإذا كان وحده فلا بأس » (4)، فغير معمول به ، مع أنه لا يخلو من إجمال في المراد. ولهذا ونحوه ذهب السيد في المسائل المصرية ، والحلي
للإعلام [1] ، وإن كان الأحوط إعادته بعده [2].
السابع : الطهارة من الحدث في الإقامة على الأحوط ، بل لا يخلو عن قوة [3] ،
في السرائر ، والجعفي ، والحلبي إلى المنع على ما حكي عنهم. وفي المستدرك عن أصل زيد النرسي عن أبي الحسن (عليه السلام) : « عن الأذان قبل طلوع الفجر. فقال (عليه السلام) : لا ، إنما الأذان عند طلوع الفجر أول ما يطلع (1)وفيه أيضاً عنه (عليه السلام) : « أنه سمع الأذان قبل طلوع الفجر. فقال : شيطان ، ثمَّ سمعه عند طلوع الفجر فقال (عليه السلام) : الأذان حقاً ».
[1] المذكور في صحيح ابن سنان : أنه ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة.
[2] ظاهر القائلين بجواز الأذان قبل الفجر أنه أذان الفجر قدم على وقته ، فيجزئ عن الأذان عند الفجر. لكن النصوص المذكورة لا تدل على ذلك لو سلمت دلالتها على مشروعيته ، وإنما تدل على أنه مشروع في قبال أذان الفجر ، غير مرتبط به.
[3] كما عن جماعة من القدماء والمتأخرين ، للنصوص الدالة على اعتبارها فيها ، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « تؤذن وأنت على غير وضوء في ثوب واحد قائماً أو قاعداً أو أينما توجهت ، ولكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيئاً للصلاة » (2)، وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس أن يؤذن الرجل من غير وضوء ولا يقيم إلا وهو على وضوء » (3). ونحوه
بخلاف الأذان [1].
( مسألة 1 ) : إذا شك في الإتيان بالأذان بعد الدخول في الإقامة لم يعتن به [2] وكذا لو شك في فصل من أحدهما بعد الدخول في الفصل اللاحق [3]. ولو شك قبل التجاوز أتى بما شك فيه [4].
صحيح ابن سنان عنه (عليه السلام) (1)، وخبر علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) وقال في ذيل ثانيهما : « فإن أقام وهو على غير وضوء أيصلي بإقامته؟ قال (عليه السلام) : لا » (2). وظاهر النصوص المذكورة شرطية الطهارة للإقامة ، وحملها على شرطية الكمال - كما عن المشهور - غير ظاهر.
[1] للنصوص المشار إليها وغيرها.
[2] لصحيح زرارة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة. قال (عليه السلام) يمضي. الى أن قال (عليه السلام) : يا زرارة إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء » (3). مضافاً الى بعض ما يستدل به على قاعدة التجاوز كلية.
[3] لقاعدة التجاوز المشار إليها آنفاً. ويأتي في مبحث الخلل التعرض إن شاء اللّه لبعض الإشكالات في جريانها في أجزاء الأفعال ، مثل فصول الأذان والإقامة ، وآيات الفاتحة والسورة ، فانتظر.
[4] لمفهوم صحيح زرارة السابق ، المستفاد منه قاعدة الشك في المحل المطابقة لقاعدة الاشتغال ، واستصحاب بقاء الأمر ، وأصالة عدم الإتيان بالمأمور به.
يستحب فيهما أمور : الأول : الاستقبال [1]
فصل
يستحب فيهما أمور
[1] بلا خلاف ولا إشكال في أصل الرجحان ، بل حكى عليه الإجماع جماعة. ويشهد له - مضافاً إلى ذلك - أما في الأذان : فخبر الدعائم عن علي (عليه السلام) : « يستقبل المؤذن القبلة في الأذان والإقامة فإذا قال : ( حي على الصلاة. حي على الفلاح ) حول وجهه يميناً وشمالا » (1). وأما في الإقامة : فخبر سليمان بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة ، فإنه إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة » (2)وخبر يونس الشيباني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا أقمت الصلاة فأقم مترسلا فإنك في الصلاة » (3). ولا مجال لحملهما على تنزيل الإقامة منزلة الصلاة في خصوص الترسل والتمكن ، فان ذلك - مع أنه خلاف إطلاق التنزيل - مخالف لما في ذيله المتضمن استشكال السائل على الامام (عليه السلام) في
تجويز المشي في الإقامة مع عدم جوازه في الصلاة ، وجواب الامام (عليه السلام) له أنه يجوز المشي في الصلاة ، فلو لم يدل الكلام على عموم التنزيل لم يكن وجه لاستشكال السائل. وكأنه لذلك اختار المفيد (رحمه اللّه) والسيد (رحمه اللّه) وغيرهما القول بوجوبه في الإقامة. واختاره في الحدائق. لكن ضعف الخبرين سنداً مانع عن جواز الاعتماد عليهما ، وقاعدة التسامح - لو تمت - لا تقتضي أكثر من الأفضلية ، وأن التنافي بين المطلق والمقيد إنما كان في الواجبات من أجل إحراز اتحاد الحكم وهو غير حاصل في المستحبات ، إذ لا مانع عرفاً من أن يكون استحبابان أحدهما قائم بالمطلق والآخر قائم بالمقيد ، فلا تنافي بينهما ، ولأجل ذلك اشتهر بينهم عدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات ، ففي المقام يلتزم باستحباب الإقامة مطلقاً واستحباب كونها على حال الاستقبال. مضافاً الى خبر ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « عن رجل يفتتح الأذان والإقامة وهو على غير القبلة ثمَّ يستقبل القبلة. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1).
اللّهم إلا أن يقال : ضعف السند مجبور بالعمل. وقاعدة عدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات - لو تمت وثبت الفرق بينها وبين الواجبات - فإنما هو إذا كان الحكم في المطلق والمقيد بلسان الأمر النفسي مثل : ( أعتق رقبة ). ( وأعتق رقبة مؤمنة ) ، لا في مثل ما نحن فيه ما ورد في مقام شرح الماهيات وبيان ما يعتبر فيها ، فإنه لا فرق بين الماهيات الواجبة والمستحبة في كون ظاهر الأمر بها الإرشاد إلى الشرطية والجزئية ، ولا مجال للحمل فيه على تعدد المطلوب في المقامين. وخبر ابن جعفر (عليه السلام) - لو تمَّ سنده - فمنصرفه النسيان ولا يشمل العمد. وعلى هذا فالعمدة في مشروعية الإقامة
1) الوسائل باب : 47 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
الثاني : القيام [1].
الثالث : الطهارة في الأذان [2].
الى غير القبلة فتوى المشهور بناء على تمامية قاعدة التسامح بنحو تشمل الفتوى. لكن الإنصاف : يقتضي أن الاعتماد على الخبر الضعيف في الفتوى بالاستحباب لا يصلح جابراً لضعف الخبر. وعليه فإطلاق استحباب الإقامة بدون الاستقبال محكم. واللّه سبحانه أعلم.
[1] إجماعا كما عن غير واحد ، ويشهد له - مضافاً الى ذلك في الأذان - خبر حمران : « سألت أبا جعفر علیه السلام عن الأذان جالساً قال (عليه السلام) : لا يؤذن جالساً إلا راكب أو مريض » (1)، المحمول على الاستحباب ، بقرينة مثل صحيح زرارة عنه علیه السلام : « تؤذن وأنت على غير وضوء في ثوب واحد قائماً أو قاعداً وأينما توجهت ولكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيئاً للصلاة » (2)، وصحيح محمد بن مسلم : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يؤذن الرجل وهو قاعد؟ قال (عليه السلام) : نعم ولا يقيم إلا وهو قائم » (3). ونحوهما غيرهما. ومنها يستفاد رجحان القيام في الإقامة. نعم ليس في النصوص ما يدل على جواز ترك القيام فيها ومقتضى ما سبق في الاستقبال تقييد المطلقات بنصوص القيام فلا دليل على مشروعيتها بدونه. اللّهم إلا أن يعتمد على فتوى المشهور كما سبق في الاستقبال.
[2] إجماعاً محكياً عن جماعة ، ويشهد له المرسل المروي عن كتب الفروع « لا تؤذن إلا وأنت طاهر » (4). وخبر الدعائم : « لا بأس
وأما الإقامة : فقد عرفت أن الأحوط بل لا يخلو عن قوة [1] اعتبارها فيها. بل الأحوط اعتبار الاستقبال والقيام أيضاً فيها وان كان الأقوى الاستحباب.
الرابع : عدم التكلم في أثنائهما [2].
أن يؤذن الرجل على غير طهر ، ويكون على طهر أفضل » (1).
[1] كما عرفت. هذا ، ولا يظهر الفرق بين الطهارة والقيام في عدم المعارض لنصوص التقييد ، فالجزم بالعدم في القيام ، والفتوى بالشرطية في الطهارة غير واضح.
[2] كما هو المشهور ، بل عن المنتهى : نفي الخلاف فيه بين أهل العلم في الإقامة. ويشير إليه في الأذان موثق سماعة : « عن المؤذن أيتكلم وهو يؤذن؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس حين يفرغ من أذانه » (2). وظاهره كراهة الكلام لا استحباب تركه كما يظهر من عبارة المتن وغيره ويشهد له في الإقامة نصوص كثيرة كخبر عمرو بن أبي نصر : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أيتكلم الرجل في الأذان؟ قال (عليه السلام) : لا بأس. قلت : في الإقامة؟ قال (عليه السلام) : لا » (3)، وخبر أبي هارون : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا أبا هارون الإقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلم ولا تومئ بيدك » (4)المحمولين على الكراهة ، جمعاً بينهما وبين ما دل على الجواز كخبر الحسن بن شهاب : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : لا بأس أن يتكلم الرجل وهو يقيم الصلاة ، وبعد ما يقيم إن شاء » (5)، وصحيح محمد الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل
بل يكره بعد ( قد قامت الصلاة ) [1] للمقيم ، بل لغيره أيضاً في صلاة الجماعة [2] إلا في تقديم إمام ، بل مطلق ما يتعلق بالصلاة [3] كتسوية صف ونحوه ، بل يستحب له إعادتها حينئذ [4]
يتكلم في أذانه أو في إقامته. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1). وربما يجمع بينهما بحمل الثانية على الاضطرار ، أو على ما قبل قوله : ( قد قامت الصلاة ) ، بشهادة ما رواه ابن أبي عمير قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في الإقامة؟ قال (عليه السلام) : نعم فاذا قال المؤذن : ( قد قامت الصلاة ) فقد حرم الكلام على أهل المسجد إلا أن يكونوا قد اجتمعوا من شتى وليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض : تقدم يا فلان » (2). ونحوه غيره ، أو على خصوص الكلام المتعلق بالصلاة أو حملها على الجواز التكليفي وحمل الأولى على المنع الوضعي ، أو حمل الأولى على ما بعد قول : ( قد قامت الصلاة ) في الجماعة وحمل الثانية على ما عداه. لكن الجميع أبعد مما ذكرنا ، بل بعضه خلاف الظاهر جداً.
[1] لما عرفت من النصوص المفصلة بين ما قبل ذلك وما بعده ، كما عرفت أن اللازم التعبير بتأكد الكراهة حينئذ كما عبر بذلك في المنتهى.
[2] للنص المتقدم وغيره.
[3] بناء على أن ذكر تقديم الإمام في النصوص لأجل كونه الغالب في الكلام المتعلق بالصلاة ، ولذا قال في المنتهى : « لا خلاف في تسويغ الكلام بعد : ( قد قامت الصلاة ) إذا كان مما يتعلق بالصلاة كتقديم إمام أو تسوية صف ».
[4] ففي صحيح ابن مسلم : « لا تتكلم إذا أقمت الصلاة فإنك إذا
الخامس : الاستقرار في الإقامة [1].
السادس : الجزم في أواخر فصولهما [2] مع التأني في الأذان والحدر في الإقامة [3] على وجه لا ينافي قاعدة الوقف.
تكلمت أعدت الإقامة » (1).
[1] كما يشير اليه خبر سليمان بن صالح المتقدم (2)في الاستقبال.
[2]لخبر خالد بن نجيح عن الصادق (عليه السلام) : « الأذان والإقامة مجزومان » (3). وفي الوسائل : « قال ابن بابويه : وفي حديث آخر : موقوفان » (4). وفي مصحح زرارة : « قال أبو جعفر (عليه السلام) : الأذان جزم بإفصاح الألف والهاء والإقامة حدر » (5). وفي خبر خالد ابن نجيح الآخر عنه (عليه السلام) : « التكبير جزم في الأذان مع الإفصاح بالهاء والالف » (6). ولعل تخصيص الأذان فيها بالجزم لتأكد الاستحباب فيه ، ويحتمل أن يكون المراد منه طول الوقف على الفصول.
[3] ففي خبر الحسن بن السري عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « الأذان ترتيل والإقامة حدر » (7). وفي صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « واحدر إقامتك حدراً » (8). وقد تقدم في مصحح زرارة : أن الإقامة حدر (9). والمراد من الحدر الإسراع.
1) الوسائل باب : 10 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
2) راجع صدر هذا الفصل.
3) الوسائل باب : 15 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
4) الوسائل باب : 15 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 5.
5) الوسائل باب : 15 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
6) الوسائل باب : 15 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
7) الوسائل باب : 24 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 3.
8) الوسائل باب : 24 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
9) تقدم في التعليقة السابقة.
السابع : الإفصاح بالألف والهاء [1] من لفظ الجلالة في آخر كل فصل هو فيه.
الثامن : وضع الإصبعين في الأذنين في الأذان [2].
التاسع : مد الصوت في الأذان ورفعه [3] ، ويستحب الرفع في الإقامة أيضاً إلا أنه دون الأذان [4].
العاشر : الفصل بين الأذان والإقامة بصلاة ركعتين [5]
[1] للنصوص المتقدمة وغيرها ، لكن الجميع غير ظاهر الشمول للإقامة ، كما أنه غير مختص بلفظ الجلالة الذي يكون في آخر الفصل.
[2] ففي خبر الحسن بن السري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال السنة أن تضع إصبعيك في أذنيك في الأذان » (1).
[3] ففي صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الأذان فقال (عليه السلام) : اجهر به وارفع به صوتك ، وإذا أقمت فدون ذلك » (2). وفي صحيح عبد الرحمن : « إذا أذنت فلا تخفين صوتك ، فان اللّه تعالى يأجرك مد صوتك فيه » (3). وفي صحيح زرارة : « وكلما اشتد صوتك من غير أن تجهد نفسك كان من يسمع أكثر ، وكان أجرك في ذلك أعظم » (4). إلى غير ذلك.
[4] كما في صحيح معاوية المتقدم.
[5] ففي صحيح سليمان بن جعفر الجعفري : « سمعته يقول : افرق
بين الأذان والإقامة بجلوس أو بركعتين » (1). وفي موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وافصل بين الأذان والإقامة بقعود أو بكلام أو بتسبيح » (2)، وخبر بكر بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول لأصحابه : من سجد بين الأذان والإقامة فقال في سجوده : سجدت لك خاضعاً خاشعاً ذليلا. يقول اللّه تعالى : ملائكتي وعزتي وجلالي لأجعلن محبته في قلوب عبادي المؤمنين وهيبته في قلوب المنافقين » (3)وخبر الحسن بن شهاب عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « لا بد من قعود بين الأذان والإقامة » (4). وفي مرسل ابن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « بين كل أذانين قعدة إلا المغرب فان بينهما نفساً » (5). وكأنه من الأخير استفيد الفصل بالسكوت لكنه لا إطلاق فيه. وكذا الخطوة لم يعرف لها دليل إلا ما في الرضوي : « وإن أحببت أن تجلس بين الأذان والإقامة فافعل فان فيه فضلا كثيراً وإنما ذلك على الامام وأما المنفرد فيخطو تجاه القبلة خطوة برجله اليمنى ثمَّ يقول : باللّه استفتح ، وبمحمد صلی اللّه علیه و آله أستنجح وأتوجه اللّهم صل على محمد وآل محمد ، واجعلني بهم ( وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) » (6). وهو كما ترى.
وأما الذكر والدعاء : فلم أقف في النصوص على ما يدل على الفصل بهما بالخصوص ، ولعل الثاني منهما استفيد من خبر بكر بن محمد وغيره
1) الوسائل باب : 11 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
2) الوسائل باب : 11 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
3) الوسائل باب : 11 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 14.
4) الوسائل باب : 11 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
5) الوسائل باب : 11 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 7.
6) مستدرك الوسائل باب : 10 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
أو خطوة ، أو قعدة أو سجدة ، أو ذكر ، أو دعاء ، أو سكوت ، بل أو تكلم ، لكن في غير الغداة ، بل لا يبعد كراهته فيها [1].
مما اشتمل على الدعاء في حال السجود أو الجلوس أو التخطي كما يأتي في المسألة الآتية ، والمذكور في الموثق التسبيح ، فكان الأولى ذكره بدلا عنهما.
[1] هذا الاستدراك راجع إلى الكلام فقط ، ووجهه الخبر المروي في الفقيه والمجالس في وصية النبي (صلی اللّه عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : « وكره الكلام بين الأذان والإقامة في صلاة الغداة » (1). ومقتضاه الكراهة ، وبه يخرج عن إطلاق الفصل بالكلام.
هذا وقال في الشرائع : « السادس : أن يفصل بينهما بركعتين أو جلسة أو سجدة أو خطوة إلا في المغرب فان الأولى أن يفصل بخطوة أو سكتة ». وكذا في محكي المعتبر. وفي المنتهى بإضافة تسبيحة إلى الخطوة والسكتة ، ونسب ذلك فيهما إلى علمائنا. وكأن منشأ ذلك خبر ابن فرقد المتقدم. لكنه - مع أنه غير واف بتمام المقصود - معارض بما دل على استحباب الجلوس بينهما في المغرب كخبر إسحاق الجريري عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : « من جلس فيما بين أذان المغرب والإقامة كان كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه » (2)، وخبر زريق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من السنة الجلسة بين الأذان والإقامة في صلاة الغداة وصلاة المغرب وصلاة العشاء ليس بين الأذان والإقامة سبحة ، ومن السنة أن يتنفل بركعتين بين الأذان والإقامة في صلاة الظهر والعصر » (3). ونحوهما
( مسألة 1 ) : لو اختار السجدة يستحب أن يقول في سجوده : ( رب سجدت لك خاضعاً خاشعاً ) [1] ، أو يقول : ( لا إله إلا أنت سجدت لك خاضعاً خاشعاً ) [2]. ولو اختار القعدة يستحب أن يقول : ( اللّهم اجعل قلبي باراً ورزقي داراً وعملي ساراً ، واجعل لي عند قبر نبيك قراراً ومستقراً ) [3]. ولو اختار الخطوة أن يقول : ( باللّه أستفتح وبمحمد صلی اللّه علیه و آله أستنجح وأتوجه ، اللّهم صل على محمد وآل محمد ، واجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة ومِن المقربين ) [4].
غيرهما. اللّهم إلا أن يكون الإجماع هو عمدة المستند ، فلا يعارضه ما ذكر.
[1] تقدم ذلك في خبر بكر بن محمد (1)، لكنه خال عن ذكر ( رب ) ومزيد فيه ( ذليلا ) في آخره.
[2] ففي رواية محمد بن أبي عمير عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من أذن ثمَّ سجد فقال : ( لا إله إلا أنت ربي سجدت لك خاضعاً خاشعاً ) غفر اللّه تعالى له ذنوبه » (2).
[3] ففي مرفوعة محمد بن يقطين : « يقول الرجل إذا فرغ من الأذان وجلس : اللّهم اجعل قلبي باراً ورزقي داراً واجعل لي عند قبر نبيك (صلی اللّه عليه وآله) قراراً ومستقراً » (3).
[4] كما تقدم في الرضوي.
( مسألة 2 ) : يستحب لمن سمع المؤذن يقول « أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمداً رسول اللّه ». أن يقول : « وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) أكتفي بها عن كل من أبي وجحد وأعين بها من أقر وشهد » [1].
( مسألة 3 ) : يستحب في المنصوب للأذان أن يكون عدلا [2] ، رفيع الصوت [3] ،
[1] ففي خبر الحارث بن المغيرة النضري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : « من سمع المؤذن يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله . فقال مصدقاً محتسباً : وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه أكتفي بها عن كل من أبي وجحد وأعين بها من أقر وشهد. كان له من الأجر عدد من أنكر وجحد وعدد من أقر وشهد » (1).
[2] بلا خلاف ، وعن كتب كثيرة : دعوى الإجماع عليه. ويشهد له مرسل الفقيه : « قال علي (عليه السلام) : قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : يؤمكم أقرأكم ويؤذن لكم خياركم » (2). فتأمل وعن الكاتب : عدم الاعتداد بأذان غير العارف. وشاهده غير واضح. والنبوي لا يدل عليه ، لأن الخطاب فيه لغير المؤذن بالترجيح ، فلا يدل على التعيين ، فضلا عن أن يصلح لمعارضة إطلاقات مشروعية الأذان وإطلاق ما دل على الاجتزاء به.
[3] بلا خلاف ظاهر لما عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) أنه قال : « القه على بلال فإنه أندى منك صوتاً » (3). ويؤيده ما تقدم مما دل على استحباب رفع الصوت به.
مبصراً [1] ، بصيراً بمعرفة الأوقات [2] ، وأن يكون على مرتفع [3] منارة أو غيرها.
( مسألة 4 ) : من ترك الأذان أو الإقامة أو كليهما عمداً حتى أحرم للصلاة لم يجز له قطعها لتداركهما [4]. نعم إذا كان عن نسيان جاز له القطع ما لم يركع [5] ،
[1] كما عن المشهور ، بل عن التذكرة : الإجماع عليه. وهو العمدة فيه.
[2] بلا خلاف ، بل نسب إلى فتوى العلماء. وهو العمدة فيه. قال في الجواهر : « وليس ذلك شرطاً قطعاً لجواز الاعتداد بأذان الجاهل بلا خلاف في كشف اللثام بل إجماعاً في المسالك ».
[3] لما في صحيح ابن سنان : « أنه (صلی اللّه عليه وآله) كان يقول لبلال إذا أذن : اعل فوق الجدار وارفع صوتك بالأذان » (1).
[4] كما عن غير واحد : بل نسب إلى الأكثر ، لحرمة قطع الفريضة واختصاص النصوص الآتية الدالة على جواز القطع لتداركهما بصورة النسيان نعم عن الشيخ في النهاية والحلي : أنه إن نسيهما ودخل في الصلاة مضى ولم يرجع ، وإن تركهما متعمداً رجع ما لم يركع. ووجهه غير ظاهر.
[5] كما هو المشهور ، لصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذن وتقيم ثمَّ ذكرت قبل أن تركع فانصرف وأذن وأقم واستفتح الصلاة ، وإن كنت قد ركعت فأتم على صلاتك » (2). نعم يعارضه صحيح زرارة : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة. قال (عليه السلام) :
فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة » (1)، وصحيح داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة. قال (عليه السلام) : ليس عليه شيء » (2)، وخبر زرارة عنه (عليه السلام) : « قلت له : رجل ينسى الأذان والإقامة حتى يكبر. قال (عليه السلام) : يمضي على صلاته ولا يعيد » (3). لكنها محمولة على جواز المضي جمعاً بينها وبين الصحيح ، بل لعل الثاني منهما ظاهر في ذلك نفسه ، بل الأول أيضاً بقرينة التعليل في ذيله ، بل الجميع بمناسبة كون المورد مورد توهم وجوب القطع ، فتأمل جيداً. ومثلها خبر نعمان الرازي : « فيمن نسي أن يؤذن ويقيم حتى كبر ودخل في الصلاة. قال علیه السلام : إن كان دخل المسجد ومن نيته أن يؤذن ويقيم فليمض في صلاته ولا ينصرف » (4). إذ احتمال حمل صحيح الحلبي عليه بتقييد الرجوع فيه بصورة عدم دخول المسجد ومن نيته أن يؤذن ويقيم بعيد جداً. ومما ذكر أيضاً يظهر وجه الجمع بين صحيح الحلبي وصحيح ابن مسلم : « في الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يدخل في الصلاة. قال (عليه السلام) : إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصل على النبي (صلی اللّه عليه وآله) وليقم ، وإن كان قد قرأ فليتم صلاته » (5). ونحوه خبر زيد الشحام ، إلا أنه قال فيه : « وإن كان قد دخل في القراءة » (6)، فإنه لا مانع من حملها على الرخصة في المضي ، لكون
1) الوسائل باب : 29 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
2) الوسائل باب : 29 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 2.
3) الوسائل باب : 29 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 7.
4) الوسائل باب : 29 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 8.
5) الوسائل باب : 29 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
6) الوسائل باب : 29 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 9.
منفرداً كان أو غيره [1] حال الذكر لا ما إذا عزم على الترك زماناً معتداً به ثمَّ أراد الرجوع [2] ،
الصحيح نصاً في جواز الرجوع.
نعم يعارضه صحيح علي بن يقطين : « عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة وقد افتتح الصلاة. قال (عليه السلام) : إن كان قد فرغ من صلاته فقد تمت صلاته ، وإن لم يكن فرغ من صلاته فليعد » (1). وحمله على ما قبل الركوع بعيد جداً. بل الجمع العرفي يقتضي حمل صحيح الحلبي على جواز المضي كما سبق في النصوص الأولى ، ومقتضى ذلك جواز الرجوع قبل الفراغ. وعن الشيخ في التهذيب والاستبصار : القول به ، وعن المفاتيح : متابعته عليه. لكنه لما كان صحيح ابن يقطين مهجوراً عندهم بل في المختلف دعوى الإجماع على خلافه ، إذ لا قائل بالإعادة بعد الركوع كان المتعين طرحه.
[1] كما يقتضيه إطلاق النص والفتوى. وما في الشرائع وعن المبسوط وغيره من التقييد بالمنفرد غير ظاهر. ودعوى أنه المتبادر من النصوص ممنوعة. ولذلك قال في المسالك : « لا فرق في ذلك بين المنفرد والامام لإطلاق النص والأصحاب ، فتقييده بالمنفرد هنا ليس بوجه ». وعن الإيضاح وحاشية الميسي : « انه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لا للتقييد »
[2] قال في الجواهر : « ثمَّ إن المتيقن من النص والفتوى الرخصة في الرجوع عند الذكر ، أما إذا عزم على تركه وإن لم يقع منه فعل لم يجز له الرجوع ، اقتصاراً في حرمة الإبطال على المتيقن ، بل الأحوط له ذلك إذا مضى له زمان في التردد في الرجوع وعدمه بعد الذكر ». وما ذكره
1) الوسائل باب : 28 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.
بل وكذا لو بقي على التردد كذلك. وكذا لا يرجع لو نسي أحدهما [1] ،
(قدس سره) مخالف لإطلاق النص والفتوى ، وكون غيره المتيقن منهما غير كاف في رفع اليد عن الإطلاق ، كما لعله ظاهر.
[1] قال في الشرائع : « ولو صلى منفرداً ولم يؤذن ساهياً رجع الى الأذان .. » وقال في المسالك : « وكما يرجع ناسي الأذان يرجع ناسيهما بطريق أولى دون ناسي الإقامة لا غير على المشهور ، اقتصاراً في إبطال الصلاة على موضع الوفاق ». وظاهره أن جواز القطع في ناسي الأذان وحده وفاقي ، وكذا في ناسية مع الإقامة ، وأن المشهور عدم جواز القطع في نسيان الإقامة. لكن دعوى الوفاق على الجواز في الأول غير ظاهرة ، فإن المحكي عن صريح جماعة وظاهر آخرين : العدم ، بل عن الإيضاح وغاية المرام وغيرهما : الإجماع عليه. ولذا احتمل في الجواهر أن يكون المراد من الأذان في عبارة الشرائع الأذان والإقامة ، بقرينة معروفية موضوع المسألة بين الأصحاب ، كما أن نسبة العدم في ناسي الإقامة فقط الى المشهور غير ظاهرة ، فقد حكي الجواز فيه عن جماعة كثيرة ، وعن ظاهر النفلية : أنه المشهور.
وكيف كان فلا دليل على جواز القطع في نسيان الأذان فقط ، بل ولا على جوازه لاستدراكه فقط إذا كان قد نسيه مع الإقامة ، لاختصاص النصوص بغير ذلك ، فعموم ما دل على حرمة إبطال الفريضة بحاله ، فتأمل وأما ناسي الإقامة : فيدل على جواز قطعه الصلاة حسن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثمَّ يذكر أنه لم يقم. قال (عليه السلام) : فان ذكر أنه لم يقم قبل أن
أو نسي بعض فصولهما [1] ، بل أو شرائطهما على الأحوط.
يقرأ فليسلم على النبي (صلی اللّه عليه وآله) ثمَّ يقيم ويصلي ، وإن ذكر بعد ما قرأ بعض السورة فليتم على صلاته » (1). لكنه مانع من القطع إذا ذكر بعد ما قرأ وحينئذ فإن تمَّ عدم الفصل بين أفراد الذكر قبل الركوع يتعين حمله على الرخصة ، ولا يعارض بأن عدم الفصل أيضاً يقتضي إلحاق ما قبل القراءة بما بعدها ، فاذا دل على المنع في الثاني فقد دل بالالتزام على المنع في الأول لأنه صريح في الجواز قبل القراءة ، فإلحاق ما قبلها بما بعدها يلزم منه طرح الخبر ، بخلاف العكس ، لإمكان حمله على الرخصة كما تقدم في صحيح محمد وخبر الشحام. وإن لم يتم عدم الفصل يتعين القول بجواز القطع قبل القراءة دون ما بعدها.
ويمكن أيضاً الاستدلال بصحيح محمد وخبر الشحام فإنهما وإن ذكر في السؤال فيهما فرض نسيان الأذان والإقامة ، لكن قول الامام (عليه السلام) في الجواب « وليقم ». ظاهر في أن المصحح للقطع هو تدارك الإقامة لا غير. واحتمال اختصاص ذلك بصورة نسيانهما معاً مما لا يعتد به العرف ، لأن النسيان إنما يذكر في الأسئلة توطئة لفرض التدارك ، فتمام الموضوع هو تدارك المنسي ، فإذا كان المصحح للقطع هو تدارك الإقامة لم يكن فرق بين نسيان الأذان معها وعدمه. فافهم.
[1] الفرض المذكور وما بعده خارج عن مدلول النصوص ، فالمرجع فيه عموم المنع من قطع الفريضة. وجزم بذلك العلامة الطباطبائي في منظومته بقوله (رحمه اللّه) :
ولا رجوع للفصول فيهما *** ولا بشرط فيهما قد عدما
1) الوسائل باب : 29 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 5.
( مسألة 5 ) : يجوز للمصلي فيما إذا جاز له ترك الإقامة تعمد الاكتفاء بأحدهما ، لكن لو بنى على ترك الأذان فأقام ثمَّ بدا له فعله أعادها بعده [1].
( مسألة 6 ) : لو نام في خلال أحدهما أو جن أو أغمي عليه أو سكر ثمَّ أفاق جاز له البناء [2] ما لم تفت الموالاة [3] مراعياً لشرطية الطهارة في الإقامة [4].
وفي الجواهر قال : « اللّهم إلا أن يقال مع فرض النسيان الذي يكون بسببه الفساد يتجه التدارك لما علم من الشارع من تنزيل الفاسد منزلة العدم في كل ما كان من هذا القبيل ، وهو لا يخلو من قوة ». وما قواه في محله ، لأنه المطابق للمرتكزات العرفية.
[1] لما تقدم من اعتبار الترتيب بينهما لو أريد الجمع بينهما.
[2] كما صرح به جماعة ، لإطلاق الأدلة الرافع لاحتمال قاطعية الأمور المذكورة. وما عن نهاية الأحكام من احتمال الاستئناف في الإغماء ونحوه من روافع التكليف وإن قصر لخروجه عن التكليف ، وغير ظاهر ، لما عرفت. ومثله في الضعف ما ربما قيل من أن عروض بعض ما ذكر يوجب فوات استدامة النية المعتبرة في العبادات. إذ فيه - كما في الجواهر - : أن المراد من الاستدامة عدم وقوع جزء من العمل بدونها ، لا عدم خلو المكلف عنها الى تمام العمل.
[3] كما صرح به غير واحد ، إذ بناء على اعتبارها فيهما يكون فواتها موجباً لبطلانهما.
[4] على ما سبق في المتن من اعتبارها فيها فلو أراد البناء جدد الطهارة وبنى فتكون إقامته في حال الطهارة ، ولا يقدح تخلل الحدث بين الفصول
لكن الأحوط الإعادة فيها مطلقاً [1] ، خصوصاً في النوم [2] وكذا لو ارتد عن ملة ثمَّ تاب [3].
لعدم الدليل على قاطعيته ، فإنه خلاف الإطلاق.
[1] يعني : في الإقامة وإن لم تفت الموالاة ، لما تقدم في بعض النصوص (1)من أن الإقامة من الصلاة ، وأنه في حال الاشتغال في الإقامة كأنه في حال الاشتغال في الصلاة ، مما يظهر منه أن حال الإقامة كحال الصلاة ، فكما أن الحدث قاطع للصلاة لو وقع بين أجزائها يكون قاطعاً للإقامة إذا وقع بين فصولها. وفي خبر ابن جعفر (عليه السلام) : « عن المؤذن يحدث في أذانه أو في إقامته. قال (عليه السلام) : إن كان الحدث في الأذان فلا بأس وان كان في الإقامة فليتوضأ وليقم إقامة » (2). فإن ظاهره الأمر باستئناف الإقامة بمجرد وقوع الحدث في أثنائها على ما هو شأن القاطع.
[2] لم يتضح وجه الخصوصية في النوم إلا من حيث وضوح حدثيته ، وكان الاولى إبداله بالجنون ونحوه ، لما تقدم عن نهاية الاحكام من احتمال الاستئناف فيه.
[3] يعني : يبني على ما مضى من أذانه ، لعدم الدليل على قاطعيته إذ هو كالارتداد بعد الفراغ في أنه لا يوجب بطلان ما وقع ، للإطلاق. وفي الشرائع حكاية القول بالاستئناف ، ونسبه غيره الى المبسوط وأبي العباس وفي القواعد : الجزم به ، وعن الذكرى والنهاية : أنه أقوى ، وعن كشف الالتباس : أنه أشهر. ووجهه غير ظاهر. وفي أشهريته تأمل كما في مفتاح الكرامة وغيره. هذا ، ولا يظهر وجه التخصيص بالارتداد الملي ، والتقييد به خال عنه كلام النافي والمثبت.
( مسألة 7 ) : لو أذن منفرداً وأقام ثمَّ بدا له الإمامة يستحب له إعادتهما [1].
( مسألة 8 ) : لو أحدث في أثناء الإقامة أعادها بعد الطهارة [2] ، بخلاف الأذان. نعم يستحب فيه أيضاً الإعادة بعد الطهارة [3].
[1] على المشهور كما عن غير واحد ، لموثق عمار المتقدم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له نصلي جماعة هل يجوز أن يصليا بذلك الأذان والإقامة؟ قال (عليه السلام) : لا ولكن يؤذن ويقيم » (1). ونوقش فيه : تارة : بضعف السند ، لاشتماله على الفطحية ، وأخرى : بمعارضته برواية أبي مريم المتقدمة في سماع الأذان ، المتضمنة لاجتزاء إمام الجماعة بسماع الأذان من غير أحد المأمومين. ويدفع الاولى : أن التحقيق حجية خبر الثقة وإن كان فطحياً. مع أن الضعف - لو تمَّ - منجبر بالعمل. والثانية : بإمكان أن يكون الاكتفاء بالسماع كان من جهة نية الجماعة ، وليس في الخبر دلالة على الاجتزاء بالسماع مطلقاً ولو لم يكن قاصداً للجماعة حال السماع ، كما أشار الى ذلك في محكي الذكرى.
[2] تقدم الكلام فيه في المسألة السادسة. لكنه أجاز البناء في الإقامة هناك ، وهنا جزم بالإعادة. والفرق بين المسألتين غير ظاهر. فتأمل.
[3] قال في الشرائع في المسألة الاولى : « من نام في خلال الأذان أو الإقامة ثمَّ استيقظ يستحب له استئنافه ويجوز البناء ». وقال في المسألة التاسعة : « من أحدث في أثناء الأذان والإقامة تطهر وبنى ، والأفضل أن
1) الوسائل باب : 27 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
( مسألة 9 ) : لا يجوز أخذ الأجرة على أذان الصلاة [1] ولو أتى به بقصدها بطل. وأما أذان الإعلام :
يعيد الإقامة ». وظاهره عدم استحباب الإعادة في الأذان فيخالف ما سبق منه ، وفي القواعد : « ولو نام أو أغمي عليه استحب الاستئناف - يعني : استئناف الأذان - ويجوز البناء ». وقال بعد ذلك : « والمحدث في أثناء الأذان والإقامة يبني والأفضل إعادة الإقامة ». وكأن موضوع المسألة الاولى في الكتاب خصوص الحدث الموجب للخروج عن التكليف ، وفي المسألة الثانية فيه ما لا يخرج به عن التكليف ، فيرتفع التنافي بين المسألتين فيهما. ويبقى الإشكال في وجه استحباب إعادة الأذان الذي ذكره الجماعة وغيرهم في المسألة الاولى. والتعليل - كما سبق - بالخروج عن التكليف كما ذكره في التذكرة وغيرها عليل ، كما اعترف به غير واحد منهم كاشف اللثام كما سبق. والمصنف (رحمه اللّه) لم يتعرض لاستحباب إعادة الأذان في المسألة السادسة التي موضوعها الحدث المخرج عن التكليف وتعرض له في هذه المسألة المختصة بغيره. ولعل الوجه في فتواه بالاستحباب قاعدة التسامح بناء على صحتها وعمومها للفتوى. لكن عرفت أن فتوى الجماعة مختصة بالحدث المخرج عن التكليف.
[1] على المشهور ، بل في المختلف : نسبته الى فتوى الأصحاب إلا من شذ. وفي جامع المقاصد : نسب التحريم الى أكثر الأصحاب. وفي كتاب المكاسب : نسبه الى الإجماع. وعن حاشية الإرشاد : أنه لا خلاف فيه. واستدل له بخبر السكوني عن علي (عليه السلام) « انه قال : آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي. أن قال (صلی اللّه عليه وآله) : يا علي إذا صليت فصل صلاة أضعف من خلفك ، ولا تتخذن مؤذناً يأخذ على أذانه أجراً » (1).
1) الوسائل باب : 38 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.
ومرسل الفقيه : « أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : يا أمير المؤمنين واللّه إني لأحبك فقال (عليه السلام) له : ولكني أبغضك قال : ولم؟ قال (عليه السلام) : لأنك تبغي في الأذان كسباً ، وتأخذ على تعليم القرآن أجراً » (1). ودلالتها غير ظاهرة ، فان المنع عن اتخاذ المؤذن الذي يأخذ الأجر أعم من حرمة ذلك. وابتغاء الكسب يشمل الأذان بداعي الارتزاق من بيت المال. نعم ما عن الدعائم عن علي (عليه السلام) : « أنه قال : من السحت أجر المؤذن » (2)ظاهر الدلالة ، لكنه غير مجبور سنده بعمل واعتماد ، ومجرد الموافقة لفتوى المشهور غير كافية في الجبر.
هذا ، ولو أغمض عن قصور السند والدلالة في الجميع فهي مختصة - كظاهر الفتوى - بأذان الاعلام دون أذان الصلاة.
نعم يمكن أن يكون الوجه فيه منافاة قصد الأجرة لقصد الامتثال المعتبر في العبادة ، لكنه يتوقف على كونها ملحوظة داعياً في عرض امتثال الأمر ، إذ لو كانت ملحوظة في طوله بنحو داعي الداعي فلا تمنع من عبادية العبادة ، كما التزم به الماتن (رحمه اللّه) في قضاء الأجير ، وإن كان التحقيق خلافه. أو كانت الأجرة ملحوظة في طوله على نحو ترجع إليه سبحانه ، بأن يكون الداعي إلى امتثال الأمر استحقاق الأجرة شرعاً على المستأجر ، أو إباحة الأجرة شرعاً فلا مانع منه حينئذ ، ولا ينافي عبادية العبادة ، نظير فعل طواف النساء بداعي إباحة النساء.
أو الوجه ما أشار إليه في الجواهر من عدم صحة النيابة في الأذان الصلاتي ، لظهور أدلة مشروعيته في كون الخطاب به كخطاب الصلاة
فقد يقال بجواز أخذها عليه [1]. لكنه مشكل [2]. نعم لا بأس بالارتزاق من بيت المال [3].
( مسألة 10 ) : قد يقال إن اللحن في أذان الإعلام لا يضر [4] ، وهو ممنوع
وقنوتها وتعقيبها يراد منه المباشرة من المكلف ، فلا تصح الإجارة عليه. وفيه : أن ذلك لو سلم فإنما يمنع من وقوع الإجارة على الأذان بعنوان النيابة ، أما لو كانت على الأذان المأتي به لصلاة الأجير لغرض للمستأجر في ذلك ، كأن يريد أن يصلي بصلاته ، أو نحو ذلك من الأغراض ، الدنيوية والأخروية ، فلا يصلح للمنع عنها. فالعمدة في المنع : أن الأذان وغيره من العبادات مما كان البعث الى فعله بعنوان كونه للفاعل لا لغيره ، والإجارة عليه تستوجب كونه ملكاً للمستأجر ، فلا تكون حينئذ موضوعاً للطلب. فاذا لم تكن الإجازة منافية لذلك لم يكن موجب للبطلان.
[1] كما عن السيد والكاشاني. وعن الذكرى والبحار وتجارة مجمع البرهان : أنه متجه. وعن المدارك : أنه لا بأس به. لما عرفت من عدم كونه عبادة عندهم فلا يجري فيه ما سبق. نعم إذا جيء به على أنه عبادة امتنع أخذ الأجرة عليه على ما عرفت.
[2] كأنه لاحتمال صلاحية ما سبق من الإجماع المحكي وغيره للدليلية على المنع من كل وجه.
[3] إجماعاً صريحاً وظاهراً حكاه جماعة كثيرة ، لأنه من مصالح المسلمين المعد لها بيت المال. وليس ارتزاق المؤذن إلا كارتزاق أمثاله من الموظفين لمصالح المسلمين العامة كالقاضي والوالي وغيرهما.
[4] حكى في الجواهر احتمال عدم قدحه فيه عن بعض ، وقال :
ينبغي للمصلي بعد إحراز شرائط صحة الصلاة ورفع موانعها - السعي في تحصيل شرائط قبولها ورفع موانعه ، فإن الصحة والاجزاء غير القبول ، فقد يكون العمل صحيحاً ولا يعد فاعله تاركاً بحيث يستحق العقاب على الترك ، لكن لا يكون مقبولا للمولى ، وعمدة شرائط القبول إقبال القلب على العمل فإنه روحه وهو بمنزلة الجسد ، فان كان حاصلا في جميعه فتمامه مقبول وإلا فبمقداره فقد يكون نصفه مقبولا ، وقد يكون ثلثه مقبولا ، وقد يكون ربعه ، وهكذا. ومعنى الإقبال : أن يحضر قلبه ويتفهم ما يقول ويتذكر عظمة اللّه تعالى ، وأنه ليس
« لا يخلو عن نظر أو منع ». وكأن وجه الاحتمال حصول الاعلام المقصود منه. وفيه : أن المقصود هو الإعلام بالأذان العربي على ما هو ظاهر الأدلة وإلا كان اللازم الاكتفاء بالترجمة وسائر ما يقتضي الاعلام ، وبطلانه ظاهر. نعم في الروض : « أما اللحن : ففي بطلانهما به وجهان ، وقد اختلف كلام المصنف فيه فحرمه في بعض كتبه وأبطل به ، والمشهور العدم. نعم لو أخل بالمعنى - كما لو نصب لفظ ( رسول اللّه ) صلی اللّه علیه و آله ، الموجب لكونه وصفاً وتفسيراً لجملة خالية عن الخبر ، أو مد لفظ ( أكبر ) بحيث صار على صيغة ( أكبار ) جمع ( كبر ) وهو الطبل له وجه واحد - اتجه البطلان. » ولكنه - كما ترى - مخالف لظاهر الأدلة واللّه سبحانه أعلم. والحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
كسائر من يخاطب ويتكلم معه ، بحيث يحصل في قلبه هيبته منه ، وبملاحظة أنه مقصر في أداء حقه يحصل له حالة حياء ، وحالة بين الخوف والرجاء بملاحظة تقصيره مع ملاحظة سعة رحمته تعالى. وللإقبال وحضور القلب مراتب ودرجات ، وأعلاها ما كان لأمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - حيث كان يخرج السهم من بدنه حين الصلاة ولا يحس به. وينبغي له أن يكون مع الخضوع والخشوع والوقار والسكينة ، وأن يصلي صلاة مودع ، وأن يجدد التوبة والإنابة والاستغفار ، وأن يكون صادقاً في أقواله كقوله ( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، وفي سائر مقالاته ، وأن يلتفت أنه لمن يناجي وممن يسأل ولمن يسأل. وينبغي أيضاً أن يبذل جهده في الحذر عن مكايد الشيطان وحبائله ومصائده ، التي منها إدخال العجب في نفس العابد ، وهو من موانع قبول العمل. ومن موانع القبول أيضاً حبس الزكاة وسائر الحقوق الواجبة ، ومنها الحسد والكبر والغيبة ، ومنها أكل الحرام وشرب المسكر ، ومنها النشوز والإباق ، بل مقتضى قوله تعالى ( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (1)عدم قبول الصلاة وغيرها من كل عاص وفاسق. وينبغي أيضاً أن يجتنب ما يوجب قلة الثواب والأجر على الصلاة ، كأن يقوم إليها كسلا ثقيلا في سكره النوم أو الغفلة ، أو كان
1) المائدة : 27.
لاهياً فيها ، أو مستعجلا ، أو مدافعاً للبول أو الغائط أو الريح ، أو طامحاً ببصره إلى السماء ، بل ينبغي أن يخشع ببصره شبه المغمض للعين ، بل ينبغي أن يجتنب كل ما ينافي الخشوع ، وكل ما ينافي الصلاة في العرف والعادة ، وكل ما يشعر بالتكبر أو الغفلة. وينبغي أيضاً أن يستعمل ما يوجب زيادة الأجر وارتفاع الدرجة ، كاستعمال الطيب ، ولبس أنظف الثياب ، والخاتم من عقيق ، والتمشط ، والاستياك ، ونحو ذلك.
[ كتاب الصلاة ]
3 فضل الصلاة
[ فصل في اعداد الفرائض وسنوافلها ]
5 الصلوات الواجبة
7 الصلوات اليومية
7 في النوافل ، وأن أهمها الرواتب اليومية مع تفصيلها
10 يستحب القيام في ركعتي الوتيرة نافلة العشاء
11 نافلة يوم الجمعة
12 تسقط في السفر نوافل الظهرين ، مع الكلام في سقوط نافلة العشاء
14 لاتشرع النوافل الاركعتين عدا الوتر فانها ركعة
16 يستحب القنوت في النوافل مع الكلام في الشفع
18 الكلام في صلاة الغفيلة
20 الكلام في صلاة الوصية
22 الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر
23 يجوز الجلوس في النافلة اختيارا ولاولى أن تحسب الركعتين بركعة
[ فصل في اوقات اليومية ونوافلها ]
25 الكلام في وقت الظهرين
29 الكلام في اختصاص الظهر من اول الوقت بمقدار أدائها ، واختصاص العصر من آخر الوقت بمقدار أدائها
36 الكلام في ثمرة القول بالاختصاص
42 الكلام في وقت المغرب والعشاء الاختياري والاضطراري مع الكلام في اختصاص كل منهما بأول الوقت وآخره
47 الكلام في وقت الصبح
49 وقت الجمعة
52 وقت الظهر الفضيلي
60 وقت العصر الفضيلي
61 وقت المغرب الفضيلي
64 وقت فضيلة العشاء
64 وقت فضيلة الصبح
65 طريق معرفة الزوال
71 الكلام في أن طريق معرفة المغرب ذهاب الحمرة المشرقية
81 الكلام في نصف الليل ، وأن المعيار فيه نصف ما بين غروب الشمس وطلوعها ، او نصف ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر
86 طريق معرفة الفجر
87 يجوز الاتيان في الوقت المختص باحدى الصلاتين بصلاة ثالثة غير شريكتها
88 يجب تقديم الظهر على العصر والمغرب على العشاء حتى في الوقت المشترك وحكم ما لو خالف الترتيب المذكور
91 لو طهرت الحائض او بلغ الصبي ولم يبق من الوقت المشترك او المختص الا اربع ركعات
94 اذا بقي من الوقت مقدار خمس ركعات يجب تقديم الظهر
95 يجوز العدول من اللاحقة الى السابقة دون العكس
96 اذا بقي للمسافر من الوقت مقدار اربع
ركعات فدخل في الظهر ثم نوى الاقامة. او نوى الاقامة قدخل في العصر ثم عدل عن الاقامة قبل اكمال الصلاة
96 الكلام في استحباب التفريق بين الصلاتين المشركتين في الوقت
99 تحقيق الكلام في مبدا وقت فضيلة العصر ، وأنه من الزوال ، أو من المثل
99 يستحب التعجيل في الصلاة في وقت الفضيلة ووقت الاجزاء ، الامع المزاحمة بفضيلة اخرى كالجماعة
100 يستحب التغليس بصلاة الصبح
100 من ادراك من الوقت ركعة وجبت عليه المبادرة للصلاة وكانت أداء ، لكن لا يجوز تعمد التأخير
[ فصل في أقات الرواتب ]
102 الكلام في وقت نافلتي الظهر والعصر
106 الكلام في تقديم نافلتي الظهر والعصر عن وقتهما
108 الكلام في استحباب تفريق نافلة الجمعة وكيفيته
108 وقت نافلة المغرب
109 وقت نافلة العشاء
110 الكلام في وقت نافلة الصبح ، وانه يجوز دسها في صلاة الليل ، مع استحباب اعادتها في وقتها
113 يبدأ وقت صلاة الليل بنصف الليل والافضل اتيانها في السحر - مع تحقيق السحر - وأفضله القريب من الفجر
117 يجوز للمسافر والشاب ونحو هما تقديم صلاة الليل على نصفه
119 قضاء صلاة الليل أفضل من تقديم على وقتها
120 ليس على من قدم صلاة الليل على وقتها اعادتها اذا انتبه في وقتها
120 من دخل عليه الفجر وقد شرع في صلاة الليل
123 موارد الاستثناء من استحباب تعجيل الصلاة في وقتها
129 استحباب التعجيل في قضاء الفرائض والنوافل ، والافضل قضاء الليلية في الليل والنهارية في النهار
130 يجب تاخير الصلاة لذوي الاعذار في غير التيمم ، مع التعرض الى موارد وجوب التاخير كالمزاحمة ونحوها
131 حكم التطوع في وقت الفريضة
137 حكم التطوع لمن عليه فائتة
140 حكم اتيان النافلة المنذورة في وقت الفريضة بناء على المنع منه ابتداء
141 الكلام في كراهة الاتيان بالنوافل المبتدأة في الاوقات الخمسة ، وفي ثبوت الكراهة في غيرها من الرواتب وذوات الاسباب
[ فصل في أحكام الاوقات ]
147 لا يجوز الصلاة قبل الوقت
149 لابد من العلم بدخول الوقت ولايكفي الظن. نعم يكفي البينة ، وأذان العارف مع الكلام في اعتبار عدالته
153 الكلام في شهادة العدل الواحد بدخول الوقت
154 من صلى من دون اعتماد على حجة بدخول الوقت بطلت صلاته ظاهرا الا اذا تبين وقوعها بتمامها في الوقت
154 الكلام فيمن صلى غافلا عن لزوم تحصيل الحجة على الوقت
155 من قامت عنده الحجة على دخول الوقت فصلى ثم تبين وقوع بعض صلاة او تمامها خارج الوقت
157 حكم الرجوع الى الظن مع تعذر العلم أو نحوه
159 اذا تيقن دخول الوقت فشرع في الصلاة ثم تبدل يقينه بالشك
160 اذا شك بعد الدخول في الصلاة في أنه راعى الوقت وأحرزه أولا
161 اذا شك بعد الفراغ من الصلاة في وقوعها في الوقت. مع الكلام في جريان قاعدة الفراغ في الشك في الوقت
162 لو دخل في العصر قبل الظهر او في العشاء قبل المغرب باعتقاد فعلهما او غفلة وجب العدول الى السابقة على تفصيل
164 حكم العدول من اللاحقة الى السابقة في قضاء الفوائت
165 لا يجوز العدول من السابقة الى اللاحقة ولا من الفائتة الى الحاضرة ، ولا من النافلة الا لادراك الجماعة
166 لا يجوز العدول من فريضة الى اخرى مع عدم الترتيب بينهما
166 يجوز العدول من الحاضرة الى الفائتة مع سعة الوقت
166 اذا اعتقدو هو في العصر عدم الاتيان بالظهر فعدل اليها ثم تبين انه قد أتى بها
167 معنى العدول من فريضة الى أخرى
167 الكلام في الوقت المختص بالصلاة الاولى الذي لوطرأ الحيض أو الاغماء أو نحو هما بعده وجب القضاء - وأنه ما يسع الصلاة وحدها ، أو هي مع المقدمات؟
169 اذا ارتفع العذر في آخر الوقت أتى بما يسعه الوقت من الصلوات ولو بادراك ركعة مع الكلام في حدالركعة وما تنتهي به
170 اذا ارتفع العذر في الوقت المشترك ثم عاد ولم يمض منه اكثر من صلاة واحدة
170 اذا بلغ الصبي في أثناء الوقت ولو بادراك ركعة وجبت عليه الصلاة
170 اذا بلغ الصبي بعد الصلاة أو في اثنائها أجزأته
171 يجب مع ضيق الوقت الاقتصار على الواجب ، وحكم ما لوأتى بالمستحبات
ففات الوقت
172 اذا شك في أثناء العصر في فعل الظهر قبلها. مع الكلام في جريان قاعدة التجاوز
[ فصل في القبلة ]
174 القبلة هي المكان الذي تقع فيه الكعبة من تخوم الارض الى عنان السماء
175 حجر اسماعيل ليس من الكعبة وان وجب ادخاله في الطواف
176 في أن عين الكعبة هي القبلة لكل احد لا لخصوص من في المسجد
178 يكفي المحاذاة العرفية للكعبة في الاستقبال ، مع الكلام في تحقيقها وضابطها
182 يعتبر العلم بالاستقبال مع الامكان ، ومع عدمه فالمرجع الامارات المفيدة للظن
183 الكلام في حجبة البينة
184 الكلام في وجوب الصلاة الى اربع جهات مع تعذر الظن وسعة الوقت
186 الكلام في الامارات المفيدة للظن وهي أمور ( الاول ) : الجدي.
188 اختلاف الامكنة في الرجوع اليه
حسب ما ذكره علماء الهيئة
193 ( الثاني ) : سهيل وهو عكس الجدي
194 ( الثالث ) : الشمس لأهل العراق
194 ( الرابع ) : جعل المغرب على اليمين والمشرق على الشمال لأهل العراق
194 ( الخامس ) : الثريا والعيوق لأهل المغرب
194 ( السادس ) : المحراب الذي صلى فيه معصوم
194 ( السابع ) : قبر المعصوم
194 ( الثامن ) : قبلة بلد المسلمين
196 لا يكفي الظن الظعيف مع التمكن من القوي
196 الكلام في الاعمى
197 الكلام في حجية خبر صاحب المنزل
198 اذا خالف الاجتهاد قبلة بلد المسلمين
198 اذا انحصرت القبلة في جهتين وجبت الصلاة اليهما معا
199 الكلام في وجوب تكرار التحري لكل صلاة أو يكفي التحري للاولى لبقية الصلوات
200 اذا تبدل ظنه بالقبلة بعد الصلاة أو في أثنائها
201 يجوز اقتداء احد المختلفين بالاجتهاد بالثاني اذا كان الاقتداء يسيرا
202 الكلام فيما لوضاق الوقت عن الصلاة الى أربع جهات ، مع الكلام في حكم الاضطرار الى بعض اطراف الشبهة المحصورة
206 الكلام في لزوم كون الجهات الاربع متقاطعة على زوايا قوائم
207 لو كان عليه صلاتان فهل يجب اتفاقهما في الجهات؟
207 من وجبت عليه صلاتان مترتبتان واشتبهت عليه القبلة فهل يجب عليه الفراغ من محتملات الاولى ثم الاتيان بمحتملات الثانية ، او يجوزله الاتيان بهما معا الى كل جهة جهة
208 من وجبت عليه صلاتان مترتبتان واشتبهت عليه القبلة وضاق وقته عن ثمان صلوات
211 من صلى الى اربع جهات ثم علم أوظن بالقبلة
211 وجوب الصلاة الى اربع جهات لا يختص باليومية ، بل ياتي في جميع الصلوات ، بل في غير الصلاة مما يعتبر فيه الاستقبال اذا أمكن فيه التكرار
213 من صلى من دون فحص الى جهة غفلة أو تسامحا
[ فصل فيما يستقبل له ]
213 يجب الاستقبال في أمور ( الاول ) : الصلاة الواجبة بالاصل وتوابعها. مع الكلام في النافلة
224 كيفية الاستقبال في الصلاة
225 ( الثاني والثالث والرابع ) : الميت حال الاحتضار والصلاة والدفن
225 ( الخامس ) : الحيوان حال الذبح والنحر ، مع الكلام في وجوب استقبال الذابح
226 مايحرم الإستقبال فيه، وما يستحب وما يكره
[ فصل في أحكام الخلل بالقبلة ]
227 من أخل بالاستقبال عالما عامدا بطلت صلاته
227 من أخل بالاستقبال عن جهل او نحوه وكانت القبلة بين اليمين واليسار صحت صلاته
230 لو التفت في اثناء الصلاة الى ان الخلل في القبلة صح ما مضى واستقبل بما
بقي اذا كانت القبلة بين اليمين واليسار
231 حكم من كان منحرفا الى اليمين واليسار او الى الاستدبار.
235 ( تنبيه ) : في تحقيق أن المعيار اليمين واليسار لا المشرق والمغرب ، وتحقيق المراد من الاستدبار.
237 حكم الذبح او النحر الى غير القبلة.
238 حكم الدفن الى غير القبلة
[ فصل في الستر والساتر ]
239 يجب سترالعورتين من الرجل والمراة ولا يجوز لكل منهما النظر لعورة الآخر الا الزوج والمالك والمملوكة والطفل غير المميز.
239 يجب على المراة ستر بدنها عن الرجل.
241 الكلام في جواز كشف المراة وجهها وكفيها.
247 الكلام فيما يجب ستره عن المحارم.
248 الكلام في وجوب ستر الشعر الموصول بالشعر ، والحلي مع ستر البشرة.
249 حكم النظر في المرآة والماء الصافي الى ما يحرم النظر اليه.
250 لا يجب في الستر الواجب ساتر مخصوص.
250 كيفية الستر الواجب في الصلاة للرجل والمرأة.
260 لا يجب على المراة سترالباطن والزينة كالحلي.
260 يجب ستر الوجه عن الناظر مع الرينة الا أنه لو لم تستره لم تبطل الصلاة.
260 الكلام في وجوب ستر الرقبة وما تحت الذقن على المرأة.
261 الموارد التي تفترق فيها الامة على الحرة في وجوب الستر.
263 حكم الامة التي تعتق في أثناء الصلاة.
267 الصبية غير البالغة بحكم الامة.
268 لا فرق بين انواع الصلاة في وجوب الستر ، وكذا توابع الصلاة.
268 الكلام في وجوب ستر العورة في الطواف.
269 حكم ما اذا بدت العورة في اثناء الصلاة لغفلة أو ريح.
270 حكم ما اذا نسي ستر العورة.
271 الكلام في كيفية الستر وأنه من جميع الجوانب؟ وفي وجوب الستر من تحت.
273 لا يجب على المصلي ستر عورته عن
نظر نفسحه.
273 هل يجب في الساتر كونه ساترا في جميع أحوال الصلاة ، أويكفي كونه ساترا في كل حال بحسبها.
274 لا يعتبر في الساتر الواجب لنفسه الا ستر البشرة باي شيء كان حتى الطين ونحوه ، بخلاف الساتر الصلاتي.
[ فصل في شرائط لباس المصلي ]
278 وهي أمور ( الأول ) : الطهارة الا فيما لا تتم به الصلاة
278 ( الثاني ) : الاباحة على تفصيل وكلام.
284 لا تبطل الصلاة بالمغصوب مع الجهل بالغصبية أو نسيانها.
286 لا فرق في حرمة الصلاة بالمغصوب بين مغصوب العين ومغصوب المنفعة بل حتى مع منافاتها لحق متعلق بالعين كالمرهون
287 حكم الصلاة في الثوب المصبوغ بصبغ مغصوب ، أو الذي أجبر الغير على صبغه أو خياطته
290 حكم الصلاة في المخيط يخسط مغصوب
293 حكم الصلاة في الثوب المغسول بماء مغصوب مع رطوبته وجفافه
293 تصح الصلاة في المغصوب مع اذن المالك ، مع الكلام في شمول اطلاق الاذن للغاصب نفسه
294 حكم الصلاة في المحمول المغصوب
294 اذا اضطر الى لبس المغصوب صحت الصلاة فيه
294 اذا علم بالغصبية أو تذكرها في أثناء الصلاة
295 اذا استقرض ثوبا وكان من نيته عدم أداء العوض أو أوداؤه من الحرام
296 اذا اشترى ثوبا بعين مال تعلق به الخمس أو الزكاة
296 ( الثالث من شروط اللباس ) : أن لا يكون من أجزاء الميتة وان كان من محلل الاكل
298 الكلام في الميتة الطاهرة
300 يد المسلم أمارة على التذكية ، وكذا المطروح في أرض المسلمين وسوقهم
305 ما يؤخذ من يد الكافر أو مجهول الحال محكوم بعدم التذكية
306 ما يؤخذ من المسلم اذا علم بأنه أخذه من الكافر تسامحا
308 ما يشك في كونه من جلد الحيوان
أو من غيره لا مانع من الصلاة فيه
308 ( الرابع من شروط اللباس ) : أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه حتى الريق والعرق
311 الكلام فيما لايؤكل لحمه اذا لم تكن له نفس سائلة
312 لا بأس بالشمع والعسل ودم البق ونحوها
313 لا بأس بفضلات الانسان
315 لا فرق في المنع بين الملبوس وغيره مما يستصحب حال الصلاة
315 الكلام في الخز الخالص دون المغشوش بوبر الارانب والثعالب
321 الكلام في السنجاب
323 الكلام في السمور والقاقم والفنك والحواصل
326 الكلام في أجزاء ما يشك كونه ما كول اللحم. ويقع الكلام في مقامات ( الأول ) : في مفاد النصوص
333 ( المقام الثاني ) : فيما هو مقتضى الاصول العقلية
336 ( المقام الثالث ) : فيما يقتضيه أصل الحلد
344 ( المقام الرابع ) : فيما يقتضيه الاستصحاب
348 من صلى في غير الماكول جاهلا أو ناسيا
351 الكلام فيما يحرم أكله بالعرض ، كالموطوء
352 ( الخامس من شروط اللباس ) : أن لا يكون من الذهب الخالص
353 لا يجوز للرجال لبس الذهب حتى في غير الصلاة
357 لا بأس بالمحمول من الذهب
359 لا بأس بالذهب للمراة والصبي المميز
360 تصح الصلاة فيما يشك كونه ذهبا ،
360 تصح الصلاة في الذهب جاهلا أو ناسيا
361 لا بأس يكون قاب الساعة ذهبا بخلاف زنجيرها
362 لا فرق في حرمة لبس الذهب بين الظاهر وغيره
362 ( السادس من شروط اللباس ) : أن لا يكون حريرا محضا
363 الكلام فيما لا تتم به الصلاة اذا كان حريرا
367 يحرم لبس الحرير في غير حال الصلاة
368 تجوز الصلاة في الحرير مع حلية لبسه
كما في الضرورة والحرب
369 يجوز للنساء لبس الحرير كما تجوز صلاتهن فيه
372 الكلام في الخنثى المشكل
373 لا باس بالكف بالحرير الممتزيج بغيره
375 لا بأس بالكف بالحرير
379 لا بأس بالحرير غير الملبوس كالفراش والدثار
380 الكلام في جعل البطانة أو طرف الثوب والرقعة من الحرير
381 الكلام في جعل الحرير حشوا بين الظهارة والبطانة
383 لا بأس بالعصابة ونحوها من الحرير
383 لبس الحرير لدفع القمل
384 الصلاة في الحرير جهلا أو نسيا نا
385 يجب أن يكون الخليط مما تصح فيه الصلاة
385 تحرم الصلاة في الممزوج اذا ذهب منه المزج بكثرة الاستعمال
385 اذا شك في ان الخليط مما تصح فيه الصلاة
386 اذا شك في كون الحرير ممزوجا
386 لا تجوز الصلاة في الحرير المفتول بالذهب
388 حكم ما اذا انحصر الثوب في الحرير أو الميتة أو المغصوب أو الذهب أو غير المأكول أو النجس
391 يجوز لبس الصبي الحرير ، مع الكلام في صلاته فيه
392 يجب تحصيل الساتر ولو بصرف المال ما لم يحجف
393 يحرم لبس لباس الشهرة ، ولا يبطل الصلاة
395 اذا لم يجدالمصلي ساترا حتى الحشيش وورق الشجر
402 اذا تمكن العاري من ستر احدى عورتيه
403 ( تنبيه ) في حكم المراة العارية
404 كيقية صلاة العرأة جماعة
406 حكم البدار في الصلاة للعاري
406 اذا كان عنده ثوبان يعلم أن احدهما حرير او ذهب أو مغصوب او من غير الماكول أو نجس
408 صلاة المستلقي او الضطجع في الفراش او اللحاف اذا كانا نجسين او حرير او من غير المأكول
409 الصلاة في الثوب الطويل الذي يكون ما فضل منه على الارض مما
لا تصح الصلاة فيه
409 الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولا يغطي الساق
411 [ فصل فيما يكره من اللباس حال الصلاة ]
413 [ فصل فيما يستحب من اللباس ]
[ فصلفي مكان المصلي ]
414 تعريف مكان المصلى
416 يشترط في مكان المصلي أمور ( الاول ) الاباحة فلا تصح في المغصوب ، ولو لتعلق حق الغير به كحن الرهانة
420 الكلام في حق السبق في المسجد أو غيره من المشتركات
420 تصح الصلاة مع الجهل بالحرمة الغفلة او النسيان
423 لا فرق بين النافلة والفريضة في اعتبار الشرط المذكور
424 تبطل الصلاة مع غصبية الفرش واباحة الارض ومع العكس
424 حكم الصلاة على السقف المباح فوق الارض المغصوبة ، مع بيان أن الحرم هو التصرف في المغصوب لامجرد الانتفاع به
426 حكم الصلاة تحت السقف المغصوب
427 حكم الصلاة على الدابة المغصوبة
427 حكم الصلاة في الارض التي تحتها تراب مغصوب
428 حكم الصلاة في السفينة المغصوبة او التي يكون بعض الواحها مغصوبا
428 حكم الصلاة على الدابة التي خيط جرحها بخيط مغصوب
429 كيفية صلاة المحبوس في مكان مغصوب
430 حكم الصلاة في المباح مع اعتقاد غصبيته او في المغصوب مع اعتقاد اباحته
431 حكم الصلاة في المغصوب مع الجهل بحرمته قصورا او تغصيرا
431 حكم الارض المغصوبة المجهول مالكها
431 لا يجوز لاحد الشركاء التصرف في المشترك الا باذن الباقين
432 حكم شراء ما تعلق به حق الزكاة او الخمس
433 حكم تصرف الورثة في التركة مع تعلق الحقوق الشروعية بها ، مع الكلام في انتقال التركة للوارث مع الدين المستوعب
438 لا بد في جواز التصرف في ملك الغير من اذنه الصريح ، او الفحوى ، او
شاهد الحال ، مع الكلام فيما قيل من جواز التصرف مع عدك تضرر المالك وكان المتعارف بين الناس الرضا به اذا لم تكن أمارة على كراهة المالك
443 حكم الصلاة في الاراضي الواسعة
444 تجوز الصلاة في بيوت من يجوز الاكل من بيته من اذن مع عدم العلم بالكراهة
445 حكم الصلاة في حال الخروج من الارض المغصوبة
448 حكم من دخل في المغصوب جهلا ثم التفت
449 اذا اذن المالك في الصلاة ثم عدل عن اذنه قبل الشروع فيها أو في اثنائها
453 اذا دلت القرينة على عدم صدور اذن المالك عن رضاه ، او عدم صدور منعه عن كراهته
453 اذا دار الامر بين الصلاة في حال الخروج فاقدة لبعض الشرائط ، او الصلاة بعد الخروج تامة الشرائط مع عدم ادراك ركعة من الوقت لاتمامه
454 ( الثاني من شروط المكان ) : الاستقرار ، فلا تصح الصلاة على الدابة أو نحوها ، الى مع الاضطرار فيجوز مع مراعاة الاستقبال والاستقرار بقدر الامكان
458 تجوز الصلاة في السفينة او على الدابة اختيارا مع المحافظة على تمام الشرائط
460 لا تجوز الصلاة على مثل صبرة الحنطة والرمل مع عدم الاستقرار
461 ( الثالث ) : أن لا يكون معرضا لا نقطاع الصلاة كالمكان المزدحم ، على كلام
461 ( الرابع ) : أن لا يكون مما يحرم البقاء فيه كموائع الخطر ، على كلام
462 ( الخامس ) : أن لا يكون مما يحرم الكون فيه كالصلاة على قبر المعصوم مع استلزامها الهتك ، على كلام
462 ( السادس ) : أن يكون مما يمكن أداء الواجبات فيه تامة
462 ( السابع ) : أن لا يكون متقدما على قبر المعصوم ولا مساويا له ، على كلام
467 ( الثامن ) : أن لا يكون نجسا نجاسة متعدية للثوب او البدن ، وان لم تكن
متعدية فلا بأس الا في مسجد الجبهة
468 ( التاسع ) : أن لا يكون المسجد أعلى أو أسفل من الموقت بازيد من أربع أصابع مضمومات
468 ( العاشر) : أن لا يكون في مكان تتقدم فيه المرأة على الرجل أو تساويه الا مع الحائل أو مسافة عشرة أذرع على كلام
475 الكلام في حكم صلاة اللاحق منهمخا
477 الكلام في ان المعيار في امساواة تمام حالات الصلاة أو بعضها
479 الكلام فيما اذا كان مكان أحدهما مرتفعا على مكان الآخر
480 لا فرق بين المحارم والزوجين في الحكم المذكور ، مع الكلام في عمومه لغير البالغ
481 لا فرق بين الفريضة والنافلة في الحكم المذكور
481 الحكم المذكور مختص بحال الاختيار
483 لا بأس بصلاة الرجل مع تقدم المراة عليه اذا لم تكن مشغولة بالصلاة وكذا العكس
483 الكلام في صلاة الفريضة في جوف الكعبة أو على سطحها اختيارا
485 لا باس بصلاة النافلة على سطح الكعبة أو في جوفها ، بل يستحب أن يصلى امام كل ركن ركعتين
486 كيفية الاستقبال في الصلاة على سطح الكعبة
[ فصل في مسجد الجبهة من مكان المصلي ]
487 يشترط فيه - مضافا الى طهارته - ان يكون من الارض أو ما أنبتته غير المأكول والملبوس
488 يجوز السجود على القرطاس
489 لا يجوز السجود على القرطاس
490 لا يجوز السجود على ما خرج عن اسم الارض كالمعادن
491 لا يجوز السجود على الرماد والفحم
492 الكلام في السجود على الخزف والآجر والنورة والجص المطبوخين
493 لا يجوز السجود على الطين الأرمني
493 الكلام في السجود على العقاقير والادوية وفي معيار الاكل واللبس
496 لا بأس بالسجود على مأكول الحيوانات
496 الكلام في السجود على ورق الشاي والقهوة والافيون
497 الكلام في السجود على الجواز ونحوه مما له قشر سميك ، ولابأس بالسجود على القشر بعد الانفصال
المتخذ من القطن والصوف ونحوهما
497 يجوز السجود على نخاله الحنطة وقشر الارز ونوى التمر
497 الكلام في السجود على ورق العنب بعد اليبس او قبله
498 الكلام فيما يؤكل أو يلبس في بعض الاوقات دون بعض ، أو في بعض الأمكنة دون بعض
499 لا يجوز السجود على الثمرة قبل أوان أكلها
499 يجوز السجود على الثمار غير المأكولة كالنظل ، وكذا التبغ
500 لا يجوز السجود على النبات الذي ينبت على وجه الماء
500 الكلام في السجود على القبقاب والنعل والقلادة ونحوها من الملبوسات
501 الكلام في السجود على القنب
501 الكلام في السجود على القطن
503 الكلام في السجود على قشر البطيخ ونحوه بعد الانفصال
503 الكلام في السجود على القرطاس
505 حكم المضطر الذي لا يتمكن من السجود على الارض او ما أنبتت
508 يعتبر في مسجد الجبهة استقرار الجبهة عليه ، فلا يجوز السجود على مثل الوحل الامع الا ضطرار
509 كيفية الصلاة في الارض الطينية التي يلزم من السجود عليها تلوث الثياب
510 السجود على الارض أفضل من السجود على النبات ، وأفضلها تربة الحسين (عليه السلام)
512 اذا فقد ما يصح السجود عليه في أثناء الصلاة
514 اذا التفت في الاثناء الى انه سجد على ما لا يجوز السجود عليه
[ فصل في الامكنة المكروهة ]
515 رهي مواضع ( أحدها ) : الحمام
516 بقية المواضع المكروهة
522 [ فصل في بعض أحكام المساجد ]
[ فصل في الاذان والا قامة ]
525 يستحب الاذان والاقامة في الفرائض اليومية يجميع أقسامها ، مع الكلام في دليل القول بوجوبهما
535 تختص مشروعية الاذان والاقامة باليومية دون غيرها
536 موارد استحباب الاذان والاقامة غير الصلاة
538 يسحب أذان الاعلام لدخول الوقت ويكون في أوله ، وهو غير مشروط بالقربة بخلاف أذان الصلاة ، فانه مشروط بها وهو متصل بالصلاة
540 فصول الاذان والاقامة
543 يستحب الصلاة على النبي وآله عند ذكر اسمه (صلی اللّه عليه وآله)
544 الكلام في الشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية وإمرة المؤ منين
545 لا بأ بتكرار بعض الفصول للمبالغة في اجتماع الناس
546 يجوز للمرأة الاجتزاء عن كل من الاذان والاقامة بالتكبير والشهادتين
547 الكلام فيما يشرع للمسافر والمستعجل من التخفيف في الاذان والاقامة
549 ما يكره في الاذان والاقامة
550 يقسط الاذان في موارد ( الأول ) : عصر يوم الجمعة اذا جمعت مع الجمعة أو الظهر.
554 ( الثاني ) : عصر يوم عرفة اذا جمعت مع الظهر
555 ( الثالث ) : العشاء ليلة المزد لفة اذا جمعت مع المغرب
555 ( الرابع ) : العصر والعشاء للمستحاضة مع الجمع على كلام
556 ( الخامس ) : المسلوس ونحوه ممن يجمع بين الصلاتين
556 المعيار في التفريق بين الصلاتين
559 الكلام في أن السقوط في هذه الموارد رخصة او عزيمة
560 الكلام في سقوط الاذان فيما عدا الاولى لمن عليه فوائت ، وانه رخصة او عزيمة
562 يسقط الاذان والاقامة في موارد ( أحدها ) : لمن دخل في الجماعة التي أذنوا لها وأقاموا وإن لم يسمعهم
563 ( تنية ) : في انه هل يكتفي الامام باذان بعض المأمومين واقامتهم وان لم يسمعهم؟
564 ( الثاني ) : من دخل في المسجد وقد أقيمت فيه الجماعة قبل تفرقها ، مع الكلام في أن السقوط رخصة أو
عزيمة وفي شرائط السقوط المذكور
571 ( الثالث ) : اذا سمع الشخص أذان غيره أو اقامته ولو سمع بعضهما اجزأه إكمالهما
574 ( الرابع ) : اذا حكى أذان غيره أو أقامته فان له أن يكتفي بهما على كلام
575 يستحب حكاية الاذان والاقامة عند سما عهما على كلام
578 الكلام في استحباب حكاية الاذان والاقامة في الصلاة ، وفي كيفيتها
579 يعتبر في السقوط بالسماع عدم الفصل الطويل بينه وبين الصلاة
579 الا كتفاء بسماع الاذان مختص بالاذان المتعلق بالصلاة ، دون غيره كالاذان في أذان المولود
580 الكلام في عموم الحكم لاذان المراة
580 هل يعتبر في السقوط بالسماع قصد الصلاة حينه؟
[ فصل في شرائط الاذان والاقامة ]
581 وهي أمور : ( الأول ) : النية على نحو سائر العبادات ، مع الكلام في لزوم تعيين الصلاة التي تقع بها
582 ( الثاي ) : العقل والايمان ، دون البلوغ ، مع التفصيل في اعتبار الذكورية
586 ( الثالث ) : الترتيب بتقديم الاذان على الاقامة ، وكذا بين فصول كل منهما
589 ( الرابع ) : الموالاة بين الفصول ، وبين كل من الاذان والاقامة ، وبينهما وبين الصلاة
589 ( الخامس ) : العربية مع عدم اللحن
589 ( السادس ) : دخول وقت الصلاة
590 الكلام في جواز تقديم أذان الفجر عليه
592 ( السابع ) : الطهارة من الحدث في الاقامة دون الاذان
593 لا يعتنى بالشك في الاذان بعد الدخول في الاقامة ، وكذا بالشك في الفصول السابقة بعد الدخول في اللاحقة على كلام
[ فصل في مستحبات الاذان والاقامة ]
594 وهي أمور ( الأول ) : الاستقبال
596 ( الثاني ) : القيام
596 ( الثالث ) : الطهارة في الأذان
597 ( الرابع ) : عدم التكلم في أثنائهما على كلام
599 ( الخامس ) : الاستقرار في الاقامة
599 ( السادس ) : الجزم في أواخر فصولهما مع التأني في الاذان والحدر في الاقامة
600 ( السابع ) : الافصاح بالالف والهاء من لفظ الجلالة على كلام
600 ( الثامن ) : وضع الاصبعين في في الاذنين في الاذان
600 ( التاسع ) : مدالصوت في الاذان ورفعه ، وفي الاقامة دون ذلك
600 ( العاشر ) : الفصل بين الاذان والاقامة بركعتين ، او خطوة ، او قعدة ، او سجدة ، او ذكر او دعاء أو سكوت ، او تكلم ، على كلام وتفصيل
603 ما يستحب من الذكر في السجود أو القعدة أو الخطوة الفاصلة بين الاذان والاقامة
604 ما يستحب لمن سمع الشهادتين من المؤذن
604 ما يستحب في الموظف المنصوب للاذان
605 من تعمد ترك الاذان أو الاقامة أو كليهما حتى دخل في الصلاة حرم عليه قطعها لتداركهما ، ولو نسيهما جاز له القطع ما لم يركع
610 من ترك الاذان وأقام ثم بدا له الاتيان بالاذان لزمه تكرار الاقامة بعده
610 لو نام أو جن أو ارتد في الاثناء ثم أفاق جاز له البناء على ما مضى مع مراعاة الموالاة وغيرها من الشروط
612 لو أذان وأقام منفردا ثم بدا له الامامة يستحب له أعاتهما
612 لو أحدث في اثناء الاقامة استانف بعد الطهارة على كلام
613 حكم أخذ الاجرة على الاذان
615 الكلام في جواز اللحن في اذان الاعلام
[ فصل ]
616 يستحب للمصلي السعي في تحصيل شرائط قبول الصلاة