مستمسک العروة الوثقی جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: السيد محسن الطباطبائي الحكيم

الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة: 4

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1391 ه.ق

الصفحات: 611

الكتب بساتین العلماء

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

قرآن كريم

مستمسك العروة الوثقی

تأليف: فقيه عصره آية اللّه العظمی السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره

الجزء الأول

دار إحياء التراث العربي

بيروت - لبنان

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

مقدمة الطبعة الثالثة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا ونبيا خاتم المرسلين محمد وآله الطاهرين.

وبعد فان جميع الاوساط العلمية لتعرف حقا مايتمتع به الكتاب الشهير « مستمسك العروة الوثقى » تاليف آية اللّه العظمى وامرجع الديني الاعلى الذي انتهت اليه رثاسة الشيعة الامامية في هذا العصر السيد المحسن الطباطبائي الحكيم [ مد اللّه ظله على روؤس المسلمين ] من سمو المعنى وحسن السمعة وبعد الصيت ذلك لانه اول كتاب من نوعه ظهر للملأ العلمي واول شرح الكتاب « العروة الوثقى » برز للاوساط وهو يحمل بين فقد كان محور الدراسات الفقهية من ذي قبل هو كتاب « شرايع الاسلام » للمحقق [قدس اللّه سره ] ويتلوه كتاب تبصرة المتعلمين للعلامة عليه ، وكل ماجاء بعد هذا الشرح « العروة الوثقى » فقد وجد طريقا معبدا فسار عليه بسهولة ويسر ، واصبحت مطالبه ونظرياته موضع عناية الدارسين والمدرسين ونقاشهم وقبولهم وردهم.

وقد طبع للمرة الثانية بشكل امتازت به على الطبعة الاولى من نواح شتى أبرزها تيسر تطبيق الشرح مع الاصل بقضل الارقام الموضوعة على

كل منهما ولم يمض من لزمن الاقليل نسبيا حتى نفدت نسخه واصبح الطلب متكررا والحاجة اليه ملحة فلم يسع الناشر الا أن يتقدم للملأ العلمي باخراج الجزء الاول منه في طبعة ثالثة ممتاز على سابقتها بمزيد العناية في تحقيقه وتدقيقه وتخريج أحاديثه والدلالة على مظانها من مصادرها ونحو ذلك من الجهود التي بذلها صاحب الفضيلة البحاثة العلامة الجليل السيد مرتضى الخلخالي النجفي دام فضله وعلى اللّه أجره والحمدلله رب العالمين.

5 / رمضان / 1384

الناشر

محمد كاظم االحكيم

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين ، وصلى اللّه على محمد خير خلقه وآله الطاهرين. وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه محمد كاظم الطباطبائي : هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى وعليها الفتوى ، جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون ، وتكون ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. واللّه ولي التوفيق.


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين. والصلاة والسلام على أشرف النبيين وخاتم المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد فيقول العبد الفقير الى اللّه الغني « محسن » خلف العلامة المرحوم السيد « مهدي » الطباطبائي الحكيم : قد يكون من دواعي الخير وأسباب التوفيق أن يجتمع لدي فريق من أرباب العلم والفضل ، ويرغبوا إلى رغبة ملحة في تدريس علم الفقه الشريف على أن يكون محور البحث والنظر كتاب [ العروة الوثقى ] تأليف سيدنا الأعظم فخر الفقهاء المحققين المرحوم المبرور السيد محمد كاظم الطباطبائي ، أعلى اللّه مقامه ، فنزلت عند رغبتهم متوكلا على اللّه تعالى ومستمداً منه المعونة والتسديد. وكنت في أثناء ذلك أدون ما ألقيه إليهم كشرح للكتاب المذكور بشكل موجز. آملا منه - جل شأنه - أن يكون وافياً بمداركه كافياً في تعرف أحكامه ، فأكون قد أديت وظيفة جُلي في خدمة هذا العلم الجليل.

[ مسألة 1 ] : يجب على كل مكلف [1] في عباداته ومعاملاته [2] أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطا [3].

[ مسألة 2 ] : الأقوى جواز العمل بالاحتياط [4]


وإني لأرجو منه تعالى ببركة من أنا في جوار حرمه ، وأستجير في كثير من الأحيان بذمته - صلوات اللّه عليه - أن يتقبله بقبول حسن ، ويثبته في ديوان الحسنات ، ليكون ذخراً لي يوم ألقاه ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) إنه ولي التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[1] الوجوب التخييري المذكور من قبيل وجوب الإطاعة ، فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل ، حيث أن في ترك جميع الابدال احتمال الضرر. وعقلي بمناط وجوب شكر المنعم. ولأجل ذلك اختص بصورة احتمال التكليف المنجز ، فمع الغفلة عن التكليف ، أو احتمال التكليف غير الإلزامي ، أو الإلزامي غير المنجز ، لم يجب شي‌ء من ذلك ، لعدم احتمال الضرر في تركها ، ولا هو مما ينافي الشكر الواجب.

[2] بل في جميع أفعاله وتروكه - كما سيأتي ذلك منه رحمه اللّه - لوجود المناطين المذكورين في الجميع.

[3] يعني : يجب أن يعمل على طبق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط.

أما الاكتفاء بالأولين فلاقتضاء كل منهما العلم بأداء الوظيفة شرعية أو عقلية الموجب للأمن من العقاب ، أو من حصول ما ينافي الشكر ، وان احتمل مخالفته للواقع. وأما الاكتفاء بالأخير فلأنه يوجب القطع بأداء الواقع الموجب للأمن مما ذكر أيضاً. وأما عدم الاكتفاء بغيرها كالظن مثلا فلعدم اقتضاء العمل المطابق له للأمن لاحتمال مخالفته للواقع.

[4] خلافاً لما عن المشهور ، من بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد

مجتهداً أو لا. لكن يجب أن يكون عارفا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد [1].

[ مسألة 3 ] : قد يكون الاحتياط في الفعل ، كما إذا احتمل كون الفعل واجباً وكان قاطعاً بعدم حرمته ، وقد يكون في الترك ، كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعاً بعدم وجوبه ،


والتقليد معاً ، بل لعل ظاهر المحكي عن السيد المرتضى وأخيه الرضي - قدس سرهما - دعوى الاتفاق عليه. لكنه لا دليل عليه بعد ما عرفت من أن العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع. وأما أدلة وجوب التعلم فتأبى الحمل على الوجوب النفسي ، والوجوب الغيري ممتنع ، لعدم المقدمية بين العلم والعمل ، فالمراد منها الوجوب الإرشادي ، والمقصود منه عدم عذرية الجهل في مخالفة الواقع قبل التعلم ، كما هو أيضاً ظاهر وجوب التبين في آية النبإ (1). والإجماع المدعى على المنع غير واضح الحجية. كما أن اعتبار الإطاعة في صحة العبادة لا يقتضي ذلك » لتحقق الإطاعة عند العقلاء بنفس الفعل الصادر عن داعي الأمر ولو كان محتملا ، والتمييز مما لا يعتبر عندهم فيها قطعاً. واحتمال دخله في حصول الغرض - مع أنه قد يندفع بالإطلاقات المقامية - لا يصلح علة لوجوب الاحتياط في نظر العقل ، كاحتمال اعتبار شي‌ء جزءاً أو شرطاً في المأمور به ، كما هو موضح في محله من الأصول.

[1] هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل ، بل لعل عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط ، فلا يحصل الأمن.


1) وهي قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) الحجرات : 49.

وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار [1] كما إذا لم يعلم أن وظيفته القصر أو التمام.

[ مسألة 4 ] : الأقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزماً للتكرار [2] وأمكن الاجتهاد أو التقليد.


[1] الأولى إسقاط هذا القيد ، إذ التكرار هنا عين الجمع بين الأمرين كالقصر والتمام ، فيغني ذكره عن ذكره. وتسميته تكراراً بلحاظ مفهوم الصلاة وإلا فمع الاختلاف في الكيفية لا تكرار حقيقة. والاحتياط بفعل محتمل الجزئية أو الشرطية وترك محتمل المانعية داخل في أحد الأولين. بل الجمع يمكن أن يكون داخلا في الأول. فتأمل.

[2] وعن جماعة منعه ، بل هو الذي أصر عليه بعض الأعاظم [ دام ظله ] (1).

وقد يستدل له [ أولا ] : بأن فيه فوات نية الأمر ، لأن الفعل حينئذ يكون بداعي احتمال الأمر ، لا بداعي الأمر. [ وثانياً ] : بأنه لعب أو عبث بأمر المولى.

وكلا الأمرين ممنوعان. أما الأول : فلأن فعل كل واحد من الأطراف ناشئ عن داعي الأمر بفعل الواجب. والاحتمال دخيل في داعوية الأمر ، لا أنه الداعي إليه ، والا كان اللازم في فرض العلم التفصيلي البناء على كون الفعل ناشئاً عن داعي العلم بالأمر لا عن داعي نفس الأمر ، إذ الفرق بين المقامين غير ظاهر. [ وبالجملة ] : العلم في فرض العلم التفصيلي والاحتمال في فرض عدمه دخيلان في داعوية الأمر إلى الفعل ، لا أنهما داعيان اليه. ومن ذلك تعرف أن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اعتبار العلم بالأمر في تحقق الإطاعة ، فيكون من قبيل الدوران بين الأقل والأكثر


1) الشيخ ميرزا محمد حسين النائيني.

[ مسألة 5 ] : في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً [1] ، لأن المسألة خلافية.


لا من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير. نعم يتم ذلك بناء على أن الباعث على العمل الاحتمال لتباين نحوي الامتثال ، إذ في أحدهما يكون الباعث الأمر ، وفي الآخر الاحتمال ، فالشك في اعتبار الامتثال التفصيلي يكون من التردد بين التعيين والتخيير.

وأما الثاني : فلأنه قد يكون في الفحص بالاجتهاد أو التقليد من العناء والمشقة ما لا يكون بالاحتياط - مع أنه لو سلم ، فكونه عبثاً بأمر المولى ممنوع ، إذ الإتيان بالفعل المتكرر - بعد ما كان عن محض الأمر - موجب لكونه أبلغ في الإطاعة ، وأظهر في استشعار العبودية من الفعل بدون التكرار. غاية الأمر أنه عبث في كيفية الإطاعة ، وهو مما لا يقدح في حصولها ، كيف وهو متأخر عنها رتبة؟!

[1] لا ريب في أن الاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل إنما هو لكونه موجباً للعلم بأداء الواقع المؤدي إلى الأمن من تبعة مخالفته. فإذا أدرك عقل المكلف ذلك كان مجتهداً في مسألة جواز الاحتياط حينئذ ولزم الاكتفاء به ، وإلا امتنع الاكتفاء به. إلا أن يدرك عقله حجية رأي الغير ، فيفتي له بجواز الاحتياط ، فيكتفي به أيضاً. وكون المسألة وفاقية أو خلافية لا يصلح علة للاكتفاء به وعدمه. بل الاكتفاء به دائر مدار إدراك عقله لذلك ، كما عرفت. مع أن كون المسألة خلافية لا يختص بجواز الاحتياط ، فإن مسألة جواز التقليد أيضاً خلافية ، إذ المحكي عن علماء حلب وغيرهم وجوب الاجتهاد عيناً ، فاختصاص الاحتياط بذلك غير ظاهر. وسيأتي أنه لا بد للعامي من أن يكون مجتهداً في جواز التقليد.

[ مسألة 6 ] : في الضروريات لا حاجة إلى التقليد [1] كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما. وكذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين. وفي غيرهما يجب التقليد [2] إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط ، وإن أمكن تخير بينه وبين التقليد.

[ مسألة 7 ] : عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل [2].


[1] لوضوح أن وجوب العمل شرعاً برأي الغير حكم ظاهري كوجوب العمل بسائر الحجج ، ومن المعلوم أن الحكم الظاهري يختص جعله بحال الشك ، فيمتنع جعل حجية رأي الغير مع العلم بالواقع ، كما في الضروريات واليقينيات.

[2] على المعروف. لما دل على حجية رأي المجتهد لغيره ، من الكتاب والسنة وبناء العقلاء ، والسيرة القطعية في زمان المعصومين (عليهم السلام) - كما هو محرر في محله من الأصول - من غير فرق في دلالتها عليه بين إمكان الاحتياط وتعذره. وخلاف بعضهم في ذلك ضعيف ، وبذلك يظهر التخيير بينه وبين الاحتياط مع إمكانه.

[3] بمعنى عدم الاكتفاء به في نظر العقل في حصول الأمن من العقاب لاحتمال عدم مطابقته للواقع. فلو علم بعد العمل بصحته واقعاً ، أو ظاهراً لمطابقته لرأيه أو رأي من يجب عليه تقليده حال النظر ، اكتفى به في نظر العقل حينئذ. أما في الأول فواضح. وأما في الثاني فلحصول الأمن من تبعة مخالفته على تقديرها من جهة مطابقته للحجة. وسيأتي لذلك تتمة في كلام المصنف [رحمه اللّه] (1). ولو انكشف مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل مع مخالفته لرأي من يجب عليه تقليده حال النظر ، ففي الاكتفاء به وعدمه وجهان ، أقواهما الثاني. وليس الحكم فيه حكم ما لو قلد


1) راجع المسألة : 16 من هذا الفصل.

[ مسألة 8 ] : التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين [1] ، وان لم يعمل بعد ، بل ولو لم يأخذ فتواه ، فإذا أخذ رسالته والتزم بما فيها كفى في تحقق التقليد.


مجتهداً ثمَّ عدل عنه إلى غيره - لموت أو نحوه مما يسوغ العدول - فكان رأي من قلده ثانياً مخالفاً لرأي من قلده أولا. للفرق بين المسألتين بحصول التقليد في الثانية دون الأولى ، وربما كان فارقاً في الحكم. وسيأتي التعرض لذلك إن شاء اللّه تعالى (1).

[1] قد اختلفت كلماتهم في تعريف التقليد. ففي بعضها : « أنه الأخذ بقول الغير من غير حجة » ، وفي آخر : « أنه العمل بقول الغير ... » وفي ثالث : « أنه قبول قول الغير ... ». لكن هذا الاختلاف وإن كان - لأول نظرة - ظاهراً في الاختلاف في معنى التقليد ومفهومه ، إلا أن عدم تعرضهم للخلاف في ذلك مع تعرضهم لكثير من الجهات غير المهمة يدل على كون مراد الجميع واحداً ، وأن اختلافهم بمحض التعبير. وظاهر القوانين أن مراد الجميع العمل ، حيث نسب تعريفه بالعمل بقول الغير ... إلى العضدي وغيره ، مع أن تعريف العضدي كان بالأخذ. وظاهر الفصول أن المراد الالتزام حيث قال : « واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه. لأن العمل مسبوق بالعلم ، فلا يكون سابقاً عليه. ولئلا يلزم الدور في العبادات ، من حيث أن وقوعها يتوقف على قصد القربة ، وهو يتوقف على العلم بكونها عبادة ، فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دوراً ... [ إلى أن قال ] : وقول العلامة [رحمه اللّه] في النهاية : بأن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة ، بيان لمعناه اللغوي - كما يظهر من ذيل كلامه - وإطلاقه على هذا شائع في العرف العام ».


1) في المسألة : 53 من هذا الفصل.


وظاهره تسليم كون التقليد لغة هو العمل إلا أنه يجب حمله اصطلاحاً على مجرد الالتزام فراراً عن الإشكالين المذكورين في عبارته. لكن يدفعهما أن دليل حجية الفتوى يقتضي كونها بمنزلة العلم وهي سابقة على العمل ، وكافية في حصول نية القربة. [ ودعوى ] : أن حجية الفتوى مشروطة بالالتزام بالعمل ، كما يظهر منه [قدس سره] في شرح قولهم - في تعريف التقليد - : من غير حجة [ يدفعها ] : أنها خلاف ظاهر أدلة الحجية ، بل خلاف المقطوع به من بعضها ، كما لا يخفى. هذا مضافاً إلى النظر والاشكال في مقدمات الإشكالين المذكورين ، كما يظهر ذلك بالتأمل.

وأما التعبير بالأخذ في كلام الجماعة - كما سبق - فالظاهر أن المراد منه العمل ، كما في كثير من المقامات ، مثل الأخذ بما وافق الكتاب ، والأخذ بما خالف العامة ، والأخذ بقول أعدلهما ، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات .... إلى غير ذلك مما هو كثير. ولعله المراد أيضاً من القبول المذكور في كلام بعضهم. مع أن عدم إرادته منه لا يهم بعد ما عرفت من كون مقتضى الأدلة جواز العمل بالفتوى بلا توسيط الالتزام ، فلا يكون دخيلا في حصول الأمن من الضرر ، ولا واجباً تخييرياً بالوجوب الفطري والعقلي المتقدمين آنفاً.

فالمتحصل إذاً : أن التقليد عبارة عن العمل اعتماداً على رأى الغير ، وهو المناسب جداً لمعناه اللغوي - كما تقدم من الفصول - ويعبر عنه في العرفيات بقوله : إني أعمل كذا ويكون ذلك في رقبتك - مخاطباً من يشير عليه بالفعل - والالتزام أجنبي عنه.

هذا كله مع اتحاد المجتهد ، أما مع تعدده : فاما أن يتفقوا في الفتوى أو يختلفوا فيها. فان اتفقوا فالظاهر أنه لا دليل على تعيين واحد منهم ، فيجوز تقليد جميعهم كما يجوز تقليد بعضهم. وأدلة حجية الفتوى - كأدلة


حجية الخبر - إنما تدل على حجية الفتوى بنحو صرف الوجود الصادق على القليل والكثير ، فكما أنه لو تعدد الخبر الدال على حكم معين يكون الجميع حجة على ذلك الحكم كما يكون البعض كذلك ولا تختص الحجية بواحد منها معين أو مردد ، كذلك لو تعددت الفتوى. ويشير إلى ذلك آيتا النفر (1)والسؤال (2)- بناء على ظهورهما في التقليد - ورواية ابن مهزيار الواردة في حكم الإتمام بمكة (3)، ورواية صاحب السابري الواردة في من أوصى أن يحج عنه بمال لا يفي بالحج (4)، وخبر حمران بن أعين ، ومرفوع إبراهيم بن هاشم الواردان في أكثر النفاس (5)، وغير ذلك.

ومنه يظهر ضعف أخذ التعيين للمجتهد في مفهوم التقليد. إلا أن يكون المراد به ما يقابل الترديد ، فإنه حينئذ لا بأس به ، إذ الفرد المردد ليس له خارجية كي يصلح أن يكون موضوعاً للحجية أو غيرها من الأحكام.

وإن اختلف المجتهدون في الفتوى ، فلما امتنع أن يكون الجميع حجة للتكاذب الموجب للتناقض ، ولا واحد معين ، لأنه بلا مرجح ، ولا التساقط والرجوع إلى غير الفتوى ، لأنه خلاف الإجماع والسيرة ، تعين أن يكون الحجة هو ما يختاره ، فيجب عليه الاختيار مقدمة لتحصيل الحجة ، وليس


1) وهي قوله تعالى ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) التوبة : 122.

2) وهي قوله تعالى ( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) النحل : 43 ، الأنبياء : 7.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

4) الوسائل باب : 37 من كتاب الوصايا حديث : 2 وسيأتي ذكر الرواية مفصلا في الجزء العاشر في المسألة التاسعة من فصل الوصية بالحج.

5) الوسائل باب : 3 من أبواب النفاس حديث : 11 ، 7.

[ مسألة 9 ] : الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت [1].


الاختيار إلا الالتزام بالعمل على طبق إحدى الفتويين أو الفتاوى بعينها ، وحينئذ يكون الالتزام مقدمة للتقليد لا أنه عينه ، ومما ذكرنا يظهر أن دعوى أن التقليد هو الالتزام مما لم يتضح له مأخذ. واللّه سبحانه أعلم.

[1] الكلام في هذه المسألة ، [ تارة ] : يكون في صورة موافقة رأي الميت لرأي الحي الذي يجب عليه تقليده على تقدير عدم جواز البقاء على تقليد الميت ، [ وأخرى ] : في صورة مخالفة رأيه لرأيه.

أما الكلام في الصورة الأولى : فهو أنه - بناء على ما عرفت من أن التقليد هو العمل برأي الغير واحداً كان أو متعدداً - لا تترتب صحة العمل واقعاً وعدمها على الجواز وعدمه ، لأن العمل الموافق لرأي الميت موافق لرأي الحي أيضاً ، فيكون صحيحاً مطلقاً ، كان رأي الميت حجة أولا. غاية الأمر أنه على تقدير حجيته تكون صحة العمل عقلا - بمعنى الاجتزاء به في نظر العقل - لموافقته لرأي الجميع ، وعلى تقدير عدم حجيته يكون الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته لرأي الحي ، فالصحة والاجتزاء به عند العقل محرز على كل تقدير. نعم يثمر الكلام في حجية رأى الميت من حيث جواز البناء عليها لعدم كونه تشريعاً ، وعدمه لكونه كذلك. لكنه شي‌ء آخر أجنبي عن صحة العمل. أما بناء على كونه الالتزام بالعمل فصحة العمل عقلا وعدمها يبتنيان على حجية رأى الميت وعدمها ، فإنه على تقدير الحجية يكون الالتزام بالعمل برأيه تقليداً صحيحاً والعمل الموافق للالتزام المذكور عملا عن تقليد صحيح ، وليس كذلك على تقدير عدم الحجية.

وأما الكلام في الصورة الثانية : فهو بعينه الكلام في الصورة الأولى بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل ، لما عرفت من توقف الحجية حينئذ على الالتزام بواحد من الرأيين بعينه ، فتبتني الصحة وعدمها على حجية


رأى الميت وعدمها.

إذا عرفت ذلك نقول : بناء على ما عرفت من أن الأدلة اللفظية الدالة على حجية الفتوى لو تمت في نفسها فإنها تدل على حجيتها بنحو صرف الوجود الصادق على القليل والكثير. كأدلة حجية الخبر - فلا مجال للتمسك بها مع اختلاف الرأيين. لتكاذبهما المانع من شمول الدليل لهما ولا أحدهما. فلا بد في إثبات الحجة من رأي الميت أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر ، من إجماع ، أو بناء العقلاء ، أو سيرة المتشرعة ، أو الأصل. [ والأول ] لم يثبت بالنسبة إلى الميت ، بل قد يدعى على عدم جواز الرجوع إليه ، فضلا عن العلم بعدم انعقاده على الجواز. [ وأما الثاني ] فالظاهر أنه لا يشمل صورة الاختلاف أيضاً كالأدلة اللفظية. [ وأما السيرة ] فهي وإن ادعي استقرارها في عصر المعصومين (عليهم السلام) على البقاء على تقليد الميت ، كما هو المظنون قوياً ، لكن بلوغه حداً يصح التعويل عليه لا يخلو من : إشكال. فيتعين الأخير. وستأتي وجوه تقريره.

وأما بناء على أن مفاد أدلة التقليد هو الحجية على تقدير الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين فلا مانع من الرجوع إلى إطلاق تلك الأدلة لو كان. لكن عرفت أنا لا نعرف ذلك الدليل لنعرف إطلاقه.

فالعمدة إذاً هو الأصل. وتقريره [ تارة ] : بإجرائه في الحكم الوضعي الأصولي - أعني : الحجية - فيقال : كان رأي فلان حجه - يعني حال حياته - وهو على ما كان. [ وأخرى ] : في نفس المؤدى الواقعي المحكي بالرأي ، فيقال مثلا : كانت السورة واجبة واقعاً حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها. [ وثالثة ] : في الحكم الظاهري ، فيقال مثلا : كانت السورة واجبة ظاهراً حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها الظاهري ، فنقول : أما إجراؤه في الحكم الوضعي على النحو الأول - أعني : الحجية -


فيتوقف أولا على كونها متأصلة في الجعل ، بحيث يصح اعتبارها من مجرد جعلها ، وتترتب عليها آثارها عقلا من صحة اعتذار كل من المولى والعبد بها. لكنه غير ظاهر ، بل الظاهر أنها منتزعة من الحكم الظاهري الراجع إلى الأمر بالعمل بالواقع على تقدير المصادفة - نظير الأمر بالاحتياط في بعض موارد الشك - وإلى الترخيص على تقدير المخالفة ، فإن ذلك هو منشأ صحة الاعتذار والاحتجاج ، فالحجية نظير الوجوب والحرمة المنتزعين من مقام الإرادة والكراهة ، ولا يصح اعتبارهما من مجرد جعلهما مع قطع النظر عن الإرادة والكراهة. وعلى هذا لا مجال لجريان الاستصحاب فيها ، لعدم كونها أثراً شرعياً ولا موضوعاً لأثر شرعي.

ويتوقف ثانياً على أن يكون موضوع الحجية مجرد حدوث الرأي ، أما إذا كانت منوطة به حدوثاً وبقاء ، بحيث يكون موضوعها في الآن الثاني بقاء الرأي ، فلا مجال لاستصحابها ، لعدم بقاء موضوعها ، لانتفاء الرأي بالموت. وقد يستظهر ذلك من بناء الأصحاب - بل ظهور الإجماع - على ارتفاع الحجية بتبدل رأي المجتهد ، وبارتفاع الشرائط من العدالة والعقل والضبط وغيرها. ولأن حجية الرأي بالإضافة إلى العامي ليست بأعظم منها بالإضافة إليه نفسه ، ومن المعلوم أن حجية الرأي بالإضافة إلى نفسه على النحو الثاني ، فإن الحجية لرأي المجتهد بالإضافة إلى نفسه في كل زمان موضوعها الرأي في ذلك الزمان ، لا مجرد الحدوث.

فان قلت : سلمنا كونها كذلك بالإضافة إلى العامي ، لكن لا دليل على ارتفاع الرأي بالموت فيجري فيه استصحاب بقائه ، ويكون حجة.

[ قلت ] : لو سلمنا تقوم الرأي بالنفس عقلا لا بالبدن فليس كذلك عرفا ، فإنه يصدق عرفاً أن هذا الميت لا رأي له. مع أن الموت ملازم لارتفاع الرأي - غالباً - قبله آناً ما فلا مجال لاستصحابه.


هذا ولكن الإنصاف أن الإجماع على عدم حجية رأي المجتهد مع اختلال الشرائط - لو تمَّ - لا يقتضي عدم الحجية مع ارتفاع الحياة إذا كان محلا للخلاف وارتفاع الحجية بتبدل الرأي إنما هو لكون الحجية مشروطة بعدم ظهور الخطأ له في المستند ، لا لكونها منوطة بالرأي حدوثاً وبقاء. ولذا ترى الشهادة تسقط عن مقام الحجية إذا ظهر للشاهد الخطأ في المستند ، مع أنها حجة بحدوثها إلى الأبد ولا ترتفع حجيتها بموت الشاهد أو نسيانه. وارتفاع الرأي قبل الموت غالباً إن قام إجماع على قدحه فهو خارج عن محل الكلام ، والكلام في غيره من الفروض وإن لم يقم إجماع على ذلك لم يقدح في جريان الاستصحاب. وبالجملة : احتمال حجية الرأي بحدوثه إلى الأبد لا رافع له ، فلا مانع من الاستصحاب.

فان قلت : رأى المجتهد حال حياته وإن دل على ثبوت الحكم في جميع الوقائع السابقة والمقارنة واللاحقة ، إلا أن القدر المتيقن حجيته في غير الوقائع اللاحقة ، فهو بالنسبة إليها غير معلوم الحجية حتى تستصحب بعد الموت ، إذ الاستصحاب حينئذ يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي.

قلت : إنما يتم الاشكال لو كانت الوقائع ملحوظة بخصوصها موضوعاً للحجية في قبال غيرها ، كأفراد الكلي الملحوظ بعضها في قبال آخر. أما إذا كانت جميع الوقائع ملحوظة بنحو القضية الحقيقية ، والشك إنما هو في مجرد استمرار الحكم إلى الأزمنة اللاحقة ، فلا مانع من الاستصحاب ، إذ الواقعة اللاحقة - على هذا المعنى - تكون موضوعاً للحكم لو كانت واقعة في حياة المفتي وإنما الشك في خصوصية زمان الحياة ، والاستصحاب شأنه إلغاء احتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم. نظير ما لو ثبت أن من ولد في يوم الجمعة يجب ختانه وشك في استمرار الحكم لمن ولد في يوم السبت ، فمن ولد في يوم السبت يعلم بثبوت الحكم له لو كان ولد في يوم الجمعة


ويشك في بقائه على ما كان. فصورة القضية المستصحبة هكذا : هذا - يعني : المولود في يوم السبت - كان لو ولد وجب ختانه فهو على ما كان.

وكذلك نقول في المقام : هذه الواقعة كانت لو وجدت فيما مضى لكان الرأي فيها حجة فهي باقية على ما كانت ، فالشك ليس لاحتمال دخل خصوصية أفراد الوقائع ، بل لاحتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم ، وشأن الاستصحاب إلغاء احتمال ذلك. فهذا الاستصحاب نظير استصحاب الشرائع السابقة عند الشك المحرر جوازه في مبحث الاستصحاب. نعم هو من قبيل الاستصحاب التعليقي المحقق في محله جريانه ، إذ لا فرق بين الحكم التعليقي والتنجيزي في الدخول في عموم دليل الاستصحاب. لكنه ربما يكون معارضاً بالاستصحاب التنجيزي لعدم الدليل على حكومته عليه ، وحينئذ يسقط للمعارضة ، وفي المقام يعارض بأصالة عدم الحجية الثابت قبل الوجود. لكنه مبني على جريان الأصل في العدم الأزلي ، وإلا كان الأصل التعليقي بلا معارض.

وأما إجراؤه في الحكم الواقعي : فيشكل بأنه يتوقف على اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وكلاهما غير حاصل. أما الأول فلعدم اليقين الوجداني حال الوفاة بثبوت الحكم الواقعي حال الحياة ، إذ لا منشأ له. ومثله اليقين التنزيلي. وكون رأي المجتهد بمنزلة اليقين مسلم لو ثبتت حجيته حال الوفاة ، وهي محل الكلام ، وحجيته حال الحياة على ثبوت الحكم الواقعي حينئذ لا تجدي في ثبوت اليقين التنزيلي بعد الوفاة بأصل الثبوت ، فلا يقين ولا ما هو بمنزلته بثبوت الحكم الواقعي من أول الأمر. وأما الثاني فانتفاؤه أظهر ، للعلم بثبوت الحكم الواقعي على تقدير حدوثه ، وإنما الشك في أصل ثبوته لا غير.

وأما إجراؤه في الحكم الظاهري : فلا ضير فيه ، لاجتماع أركانه ،


لليقين الوجداني حال الوفاة بثبوته حال الحياة الملازم لحجية الفتوى حال الحياة ، والشك في بقائه ، للشك في بقاء الحجية إلى زمان الوفاة. نعم يتوجه عليه الإشكال الأخير في استصحاب الحجية. ويندفع بما عرفت من الاستصحاب التعليقي. بل جريانه هنا أوضح ، لأن الحكم المستصحب إن لم يكن اقتضائياً - كما لو كانت فتوى الميت عدم الوجوب أو عدم الحرمة - فاستصحابهما التعليقي لا يعارضه الاستصحاب التنجيزي ، لأنه لو جرى كان مفاده نفي الوجوب أو الحرمة - لأصالة عدمهما - فالاستصحاب التنجيزي - لو جرى - فهو موافق لا مخالف كي يسقطا بالمعارضة. نعم لو كان اقتضائياً - كما لو كانت فتوى الميت الوجوب أو الحرمة - فالأصل التنجيزي وإن كان معارضاً ، لكن البقاء على التقليد في الأحكام الاقتضائية مما لا بأس به قطعاً من حيث العمل ، لموافقته للاحتياط. ولو كانت فتوى الميت الوجوب ، وفتوى الحي الحرمة ، فالفتوى الأولى لما كان مفادها نفي الحرمة كانت من هذه الجهة غير اقتضائية ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في مضمونها ، ومن حيث نفس الوجوب اقتضائية فلا بأس بالبقاء عليها من حيث العمل ، كما عرفت.

هذا كله مضافاً إلى ما أشرنا إليه آنفاً من أن المظنون قويا استقرار السيرة على البقاء على تقليد الميت ، بل دعوى الجزم بذلك قريبة جداً. وعليه فلا تنتهي النوبة إلى الأصول وإن كان مقتضاهما مختلفاً ، إذ القدر المتيقن من السيرة صورة العلم بالمسألة أو خصوص صورة العمل ، لا مطلقاً وإن لم يعمل ، فضلا عما لو لم يعلم. أما الأصل فمقتضاه الجواز مطلقاً عمل أولا ، علم أولا. والتشكيك في ثبوته في الوقائع مع عدم العلم في غير محله ، إذ اعتبار العلم بالفتوى في الحجية خلاف الإجماع كما لا يخفى.

هذا كله مع تساوي المجتهدين الميت والحي في العلم. أما مع الاختلاف


فالظاهر أنه لا إشكال في بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الأعلم ، فيجب العدول إلى الحي إن كان أعلم ، كما يجب البقاء إن كان الميت أعلم. بلا فرق بين ما علم وعمل وبين غيره ، لعدم الفرق في بناء العقلاء المذكور. ولا مجال حينئذ للرجوع إلى الأصول شرعية أو عقلية ، نعم لو كان الرجوع إلى الأعلم من جهة الحكم العقلي بالتعيين عند الدوران بينه وبين التخيير كان الأصل الشرعي وارداً عليه ، فيتعين الرجوع إلى الأصل المتقدم. لكن الظاهر استقرار بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الأعلم ، فيتعين العمل به.

هذا ولو بني على جواز البقاء على تقليد الميت فهل يجوز العدول - كما هو ظاهر المتن والمنسوب إلى بعضهم - أولا؟ - كما نسب إلى أكثر القائلين بجواز البقاء - وجهان.

أما وجه الأول : فهو استصحاب التخيير الثابت قبل الرجوع إلى الميت. وفيه : أن مرجع التخيير الثابت سابقا إلى أنه لو اختار أي واحد منهما كان رأيه حجة عليه ، فيقال : كان لو اختار الحي الذي يقع الكلام في جواز العدول إليه لكان رأيه حجة. وهو من الاستصحاب التعليقي المعارض باستصحاب عدم الحجية الثابت قبل الاختيار.

وأما وجه الثاني : فهو إما الإجماع على عدم جواز العدول الثابت قبل الوفاة وبعد الوفاة ، أو الثابت قبل الوفاة فيستصحب المنع إلى ما بعد الوفاة. أو أصالة الاحتياط ، لكون المورد من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير. وفيه : أن عموم معقد الإجماع إلى ما بعد الوفاة ممنوع ، بل ثبوت الإجماع على المنع حال الحياة عن العدول تعبداً غير ظاهر كي يجري استصحابه.

وأما أصالة الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير فلا مجال لها ، إذ كما يحتمل وجوب البقاء على تقليد الميت يحتمل وجوب العدول عنه إلى الحي ، فاحتمال التعيين موجود في كل من الطرفين كما يحتمل التخيير أيضا ،


وفي مثله يجب البناء على التخيير بعد قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي ، حتى أحوط القولين المتعين في نظر العقل - لو لا الإجماع المذكور - للعلم الإجمالي بثبوت الحجة بينهما ، المستوجب لوجوب موافقتهما عقلا ، والعمل بأحوطهما موافقة لهما معا. لكن الإجماع على عدم وجوب الاحتياط مطلقاً على العامي يستوجب الحكم بالتخيير.

نعم البناء على ذلك موقوف على عدم جريان الأصول الشرعية ، وإلا كان عليها المعول فنقول : أما من حيث العمل وصحته فقد عرفت أنه إذا كانت فتوى الميت الرخصة ، كما لو أفتى بعدم وجوب الكفارة للوطء في الحيض ، وكانت فتوى الحي وجوبها لا مانع من جريان استصحاب الحكم الظاهري لعدم المعارض. فنقول هنا : أنه لا مانع من العدول إلى فتوى الحي من حيث العمل ، لموافقتها للاحتياط. أما إذا كانت فتوى الميت حكماً اقتضائياً - كالوجوب والحرمة - فلا مجال للاستصحاب التعليقي وان البقاء لا بأس به. أما جواز العدول فمقتضى الإجماع على التخيير في تعيين الحجة عند احتمال التعيين في كل واحد من محتملي الحجية ، لما عرفت أنه كما يحتمل حجية رأى الميت يحتمل حجية رأي الحي كما يحتمل التخيير بينهما أيضاً ، فله اختيار البقاء وله اختيار العدول.

هذا كله من حيث العمل. وأما من حيث جواز الالتزام والاعتقاد القلبي ، ومن حيث جواز النقل والاخبار عن الحكم الواقعي ، - اللذين هما من آثار العلم المترتبين على الطرق الشرعية بمقتضى دلالة أدلتها على تنزيلها بمنزلة العلم ، فحيث أن هذا التنزيل أيضاً من الأحكام الشرعية يجري فيه ما تقدم في الأحكام الاقتضائية التي تتضمنها فتوى الميت ، ويجري الأصل فيه على نحو جريانه في تلك الأحكام. ولأجل السقوط بالمعارضة يرجع إلى التخيير المستفاد من الإجماع عليه ، عند تردد الحجة تعييناً بين فردين حسبما

ولا يجوز تقليد الميت ابتداء [1].


عرفت. وقد عرفت أن هذا الكلام كله مع تساوي الحي والميت في العلم لا مع الاختلاف ، وإلا تعين الرجوع إلى الأعلم كان الحي أو الميت. فلاحظ وتأمل.

[1] إجماعاً إلا من جماعة من علمائنا الأخباريين ، على ما نسب إليهم على تأمل في صحة النسبة ، لظهور كلمات بعضهم في كون ذلك في التقليد بمعنى آخر غير ما هو محل الكلام. وكيف كان فالوجه في المنع : أنك عرفت قصور أدلة حجية الفتوى عن شمول الفتاوى المختلفة ، فلا مجال للرجوع إلى الآيات والروايات لإثبات حجية فتوى الميت - على تقدير تمامية دلالتها في نفسها على الحجية ، وكونها مطلقة - وكذلك بناء العقلاء عليها ، وكذلك الإجماع. إذ لا إجماع على جواز الرجوع إلى الميت ابتداء ، بل المنع مظنته ، كما عرفت. وكذلك السيرة ، فإن دعواها على الرجوع ابتداء إلى الأموات مجازفة. وقد عرفت إشكال استصحاب الحجية ، واستصحاب الأحكام الواقعية ، في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت ، فضلا عن المقام ، لعدم ثبوت الحجية هنا حدوثاً ، ولا قام عند المقلد طريق على ثبوت الحكم الواقعي في وقت من الأوقات. ومن هنا كان الإشكال في جريانهما هنا أعظم. ولأجل ذلك يشكل جريان استصحاب الأحكام الظاهرية ، إذ لا يقين بالثبوت لا وجداني ولا تعبدي. فيتعين الرجوع إلى الأصل العقلي عند الدوران بين التعيين والتخيير ، حيث يعلم بجواز الرجوع إلى الحي ويشك في الميت ، فان الحكم العقلي في مثله الاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجية.

ومن ذلك تعرف الفرق بين تقليد الميت ابتداء واستمراراً ، وأنه في الأول لا يقين بثبوت أمر شرعي سابقاً كي يجري الاستصحاب فيه ، بخلاف الثاني ، لليقين بثبوت الحجية سابقاً أو الحكم الظاهري ، فيمكن جريان


الاستصحاب فيه. وأن الشك في الأول بين التعيين والتخيير ، بخلاف الثاني فإن احتمال التعيين موجود في كل من الميت والحي. ولأجل ذلك كان الأصل العقلي التعيين في الأول دون الثاني ، بل المرجع فيه التخيير بعد الإجماع على عدم وجوب الاحتياط.

هذا كله مع تساوي الميت والحي في الفضيلة. أما إذا كان الميت أعلم فمقتضى بناء العقلاء لزوم تقليده تعييناً. وليس ما يوجب الخروج عنه إلا حكاية الإجماع على المنع عنه ، فقد حكاه غير واحد عليه ، كما في الجواهر ، وجعله فيها مفروغاً عنه بين أصحابنا ، وقد تعرض في تقريرات درس شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] لكلماتهم في حكاية الإجماع على المنع. ولعل هذا المقدار كاف في رفع اليد عن بناء العقلاء على وجوب الرجوع إلى الأفضل ، فإن الحاكين للإجماع وإن كانوا جماعة خاصة ، لكن تلقي الأصحاب لنقلهم له بالقبول ، من دون تشكيك أو توقف من أحد ، وتسالمهم على العمل به ، يوجب صحة الاعتماد عليه. ولا سيما مع كون نقلة الإجماع المذكور من أعاظم علمائنا وأكابر فقهائنا ، ولهم المقام الرفيع في الضبط والإتقان والتثبت. قدس اللّه تعالى أرواحهم ، ورفع منازل كرامتهم وجزاهم عنا أفضل الجزاء.

ومن هذا الإجماع تعرف سقوط ما يتصور في المقام أيضاً من الاستصحاب الجاري في الحكم الظاهري ، نظير ما سبق في مسألة الاستدامة. وتقريبه : أن هذا المقلد وان لم يثبت في حقه حكم ظاهري إلى حين موت المجتهد ، لعدم وجوده في حياته ، أو لعدم تكليفه أصلا حينئذ. لكن كان بحيث لو كان موجوداً في حياة المجتهد ورجع إليه لثبت الحكم الظاهري في حقه ، فيستصحب ذلك إلى ما بعد موت المجتهد ووجود ذلك العامي ، فيثبت حينئذ أنه لو رجع إليه لكان محكوماً بالحكم الظاهري ، فتكون هذه المسألة نظير

[ مسألة 10 ] : إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت [1].


المسألة السابقة من هذه الجهة. غاية الأمر أن الشك هنا من حيث الشخص المقلد ، وهناك من حيث الواقعة المتجددة ، وهذا غير فارق في جريان الاستصحاب بنحو استصحاب أحكام الشرائع السابقة. فالعمدة إذاً في الخروج عن الاستصحاب المذكور في الفرض الإجماع المتقدم. على أنه لا يطرد في بعض الفروض كما لو كان مقلداً في حال حياته لغيره الأعلم ففقد بعض الشرائط المانعة من البقاء على تقليده ، فإنه لا مجال للاستصحاب بالنسبة إلى الميت ، كما لا يخفى.

وأما الأصل العقلي عند الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية ، فلا تنتهي النوبة إليه إلا بعد سقوط الأصل الشرعي. وقد عرفت أن هذا الأصل في الفرض المتقدم لو جرى في الحكم الظاهري غير الاقتضائي فلا معارض له من حيث العمل. نعم هو من حيث الاخبار عن الواقع ، أو الالتزام به ، ومن حيث العمل أيضاً - لو كان الحكم اقتضائياً - معارض في الجميع بالاستصحاب التنجيزي. فالمرجع في ذلك يكون هو الأصل العقلي.

فالعمدة في الفرق المطرد بين المسألتين على هذا يكون في مقتضى الأصل العقلي لا غير ، وإلا ففي الأصل الشرعي قد لا يكون فرق بينهما.

وكيف كان ففي الإجماع المذكور كفاية. وبه يكون الفرق بين المسألتين أيضاً ، إذ القول بجواز تقليد الميت استدامة محكي عن جماعة من الأكابر ، بل القول بوجوب ذلك محكي في الجواهر وغيرها ، فكيف يمكن دعوى الإجماع على المنع أو يجب العمل بها؟! واللّه سبحانه أعلم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[1] لما يأتي في المسألة اللاحقة. مضافاً إلى أنه من التقليد الابتدائي

[ مسألة 11 ] : لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي ، إلا إذا كان الثاني اعلم [1].


الذي قد عرفت قيام الإجماع على المنع عنه.

[1] إجماعاً في الجملة حكاه غير واحد. ويقتضيه الأصل العقلي المتقدم ، للشك في حجية فتوى من يريد العدول إليه ، والعلم بحجية فتوى من يريد العدول عنه ، وفي مثله يبنى على عدم حجية مشكوك الحجية. وليس ما يوجب سقوط هذا الأصل العقلي من دليل أو أصل شرعي. إذ أدلة التقليد اللفظية قد عرفت عدم شمولها لصورة الاختلاف في الفتوى ، بلا فرق بين إطلاق الآيات والروايات. وكذلك بناء العقلاء. ولا إجماع على جواز العدول ولا سيرة. وأما استصحاب التخيير فقد تقدم في مسألة جواز العدول عن الميت إلى الحي : أنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي ، فلا مرجع إلا الأصل العقلي ، وهو أصالة التعيين عند التردد في الحجية بين التعيين والتخيير. نعم مع الاتفاق في الفتوى لا مانع من الاعتماد على فتوى كل من المجتهدين عملا بإطلاق أدلة الحجية كما عرفت ، لكن الظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام.

هذا كله إذا لم يكن المعدول إليه أعلم. وإلا - فبناء على ما يأتي من وجوب الرجوع إلى الأعلم - يجب الرجوع إليه. لعدم الفرق في كون مقتضى أدلة وجوب الرجوع إلى الأعلم وجوب الرجوع إليه بين سبق تقليد غيره فيجب العدول إليه. وعدمه فيرجع إليه ابتداء. نعم لو كان الوجه في وجوب الرجوع إلى الأعلم الأصل العقلي - أعني : أصالة التعيين عند الدوران بين التعيين والتخيير - وكان الوجه في عدم جواز العدول استصحاب حجية فتوى من يريد العدول عنه ونحوه من الأصول الشرعية ، لزم عدم جواز العدول ولو إلى الأعلم ، لأن الأصل الشرعي وارد على الأصل العقلي. فلاحظ.

[ مسألة 12 ] : يجب تقليد الأعلم مع الإمكان [1] على الأحوط.


هذا والمحكي عن جماعة التفصيل بين الوقائع التي التزم فيها بتقليد من قلده فلا يجوز العدول عنه إلى غيره ، كما لو عقد على زوجته بالفارسية اعتماداً على فتوى مجتهد يجوّز ذلك ، فلا يجوز العدول إلى غيره فيه ، بأن لا يرتب آثار الزوجية من النفقة والقسمة ونحوهما اعتماداً على فتوى مجتهد آخر لا يصح عنده العقد الفارسي ، وبين غيرها من الوقائع ، كالعقد على امرأة أخرى ، فيجوز له العدول إليه فيه ، فلو عقد على امرأة أخرى بالفارسية بعد العدول جاز له عدم ترتيب آثار الزوجية عليها. واختار هذا القول في الجواهر. وكأنه لاستصحاب التخيير الذي لا إجماع على خلافه هنا. وفيه ما عرفت.

[1] كما هو المشهور بين الأصحاب ، بل عن المحقق الثاني الإجماع عليه ، وعن ظاهر السيد في الذريعة كونه من المسلمات عند الشيعة.

وعن جماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني جواز الرجوع إلى غير الأعلم. لإطلاق الأدلة كتاباً وسنة ، بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال (1)على صورة تساوي النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على فرد نادر. ولاستقرار سيرة الشيعة في عصر المعصومين (عليهم السلام) على الأخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم مع العلم باختلاف مراتبهم في العلم والفضيلة. ولأن في وجوب الرجوع إلى الأعلم عسراً ، وهو منفي في الشريعة. ولأنه لو وجب تقليد الأعلم لوجب الرجوع إلى الأئمة (عليهم السلام) لأنهم أولى من الأعلم.

وفيه : أن الإطلاقات لا تشمل صورة الاختلاف في الفتوى - كما هو محل الكلام - ولا فرق بين آيتي النفر والسؤال وغيرهما ، كيف وقد عرفت


1) تقدم ذكرهما في المسألة : 8 من هذا الفصل.


أنه غير معقول. وندرة تساوي النافرين والمسؤولين مسلمة ، لكنها غير كافية إلا مع ندرة الاتفاق في الفتوى ، وهي ممنوعة ، بل الاختلاف في مورد الآيتين أولى بالندرة. بل ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان الشريفتان دليلا على جواز الرجوع إلى غير الأعلم ، لأن الحمل على الحجية التخييرية خلاف ظاهر الأدلة ، ومنها الآيتان ، فالحمل عليها محتاج إلى قرينة. نعم لو علم الاختلاف كان هو القرينة ، وإلا فلا قرينة تستدعي الحمل على خلاف الظاهر.

ومن ذلك يظهر الإشكال في الاستدلال بالسيرة ، إذ مجرد قيام السيرة على الرجوع إلى المختلفين في الفضيلة لا يجدي في جواز الرجوع إليهم مع الاختلاف في الفتوى ، ولم تثبت سيرة على ذلك. والعلم بوجود الخلاف بينهم وإن كان محققاً ، لكن ثبوت السيرة على الرجوع إلى المفضول غير معلوم ، بل بعيد جداً فيما هو محل الكلام ، أعني : صورة الاختلاف المعلوم وإمكان الرجوع إلى الأعلم.

وأما لزوم العسر فممنوع كلية ، كيف وقد عرفت أن المشهور المدعى عليه الإجماع وجوب الرجوع إلى الأعلم في أكثر الأعصار ، ولم يلزم من العمل بهذه الفتوى عسر على المقلدين. نعم لو بني على وجوب الرجوع إلى الأعلم على نحو يجب الفحص عنه مهما احتمل وجوده كان ذلك موجباً للعسر غالباً. لكنه ليس كذلك ، لما يأتي. وبالجملة : محل الكلام ما إذا أمكن الرجوع إلى الأعلم بلا عسر ولا حرج.

وأما الاستدلال الأخير : فإنما يتم لو كان الرجوع إلى غير الأعلم ممنوعاً عقلا ذاتاً ، وأما إذا كان من جهة عدم الدليل على حجية فتوى غير الأعلم فالمقايسة غير ظاهرة ، لقيام الدليل على جواز الرجوع إلى غير المعصوم مع إمكان الرجوع إليه.


وربما يستدل على الجواز بما ورد في الرجوع إلى شخص معين ، فإن إطلاقه يقتضي جواز الرجوع إليه وإن كان غيره أعلم. وفيه : أن الإرجاع على نحو الخصوص كالارجاع على نحو العموم إنما يقتضي الحجية في الجملة ولا يشمل صورة الاختلاف ، وإلا تعارض مع ما دل على الإرجاع إلى غيره بالخصوص ، بل مع ما دل على الإرجاع على نحو العموم ، فيكون كتعارض تطبيقي العام بالإضافة إلى الفردين المختلفين ، كما لا يخفى. واحتمال التخصيص يتوقف على احتمال الخصوصية في الشخص المعين وهو منتف. ولو سلم اختص الحكم بذلك الشخص بعينه ، ولا يطرد في غيره من الأشخاص.

وبالجملة : فلا يتضح دليل على جواز تقليد المفضول مع تيسر الرجوع إلى الأفضل ، ومقتضى بناء العقلاء تعين الرجوع إلى الأفضل ، والتشكيك في ثبوت بناء العقلاء على ذلك يندفع بأقل تأمل.

مضافاً إلى الأصل العقلي عند دوران الأمر في الحجية بين التعيين والتخيير الذي عرفته فيما سبق ، فان رأي الأفضل معلوم الحجية ، ورأي المفضول مشكوك الحجية. لكنه لا يطرد العمل بهذا الأصل مع سبق تقليد المفضول ، لعدم وجود الأفضل ثمَّ تجدد وجوده ، فان استصحاب بقاء الأحكام الظاهرية وارد على الأصل المذكور إذا كانت الأحكام غير اقتضائية ، وكذا إذا كانت اقتضائية من جهة الإشكال في جريان استصحابها ، لأنه من الاستصحاب التعليقي بالإضافة إلى الوقائع المتجددة ، المعارض بالاستصحاب التنجيزي ، وبعد التساقط يرجع إلى الأصل العقلي المقتضي للتخيير بين البقاء والعدول ، كما عرفت ذلك في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت فلاحظ.

وأما مقبولة ابن حنظلة (1)الواردة في رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث قال فيها : « فان كان كل منهما اختار رجلا من أصحابنا


1) الوسائل باب : 9 من أبواب صفات القاضي حديث : 1.

ويجب الفحص عنه [1].


فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما ، فاختلفا فيما حكما ، وكلاهما اختلفا في حديثنا؟ فقال (عليه السلام) : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر ». فإنها - بقرينة التنازع الذي لا يكون إلا مع العلم حقيقة أو تعبداً ، وبقرينة ما في ذيلها من الرجوع إلى المرجحات الداخلية والخارجية - ظاهرة في الحكم الفاصل للخصومة ، ولا تشمل الفتوى. وإلحاق الفتوى به لعدم القول بالفصل غير ظاهر. مع أن ظهورها في جواز فصل الخصومة بالحكم الصادر من الحكام المتعددين مما يظهر من الأصحاب عدم جواز العمل به ، لاعتبار الوحدة في القاضي عندهم ظاهراً. فلاحظ وتأمل.

[1] الكلام في وجوب الفحص [ تارة ] : يكون في صورة العلم بالاختلاف في الفتوى وبالتفاضل ، بأن يعلم بأن أحدهما أفضل من الآخر ولم يعرف الأفضل بعينه. [ وأخرى ] : في صورة الجهل بالاختلاف والعلم بالتفاضل. [ وثالثة ] : في صورة العكس. [ ورابعة ] : في صورة الجهل بهما معاً. [ وخامسة ] : في صورة الشك في وجود مجتهد غير من يعرف.

أما الكلام في الأولى : فهو أنه بعد ما عرفت من عدم شمول أدلة الحجية للفتويين المختلفتين ، وأن العمدة في التخيير بين المجتهدين هو الإجماع ، فلا مجال للرجوع إلى واحد بعينه ، إذ لا إجماع عليه قبل الفحص ، فيجب الفحص لأصالة عدم الحجية. بل مقتضى ما دل على وجوب الرجوع إلى الأعلم يكون الفرض من باب اشتباه الحجة باللاحجة ، المستوجب للأخذ بأحوط القولين حتى بعد الفحص والعجز عن معرفة الأفضل. لكن الظاهر الاتفاق على جواز الرجوع حينئذ إلى أيهما شاء ، وعدم وجوب الاحتياط


المذكور عليه. وبالجملة : الرجوع إلى أحد المجتهدين قبل الفحص اعتماد على مشكوك الحجية ، فلا يجوز في نظر العقل فلاحظ.

وأما في الثانية : فهو أن مقتضى إطلاق أدلة الحجية حجية كل واحدة من الفتويين. واحتمال الاختلاف بين الفتويين الموجب لسقوط الإطلاق عن الحجية لا يعتنى به في رفع اليد عن الإطلاق ، كما في سائر موارد التخصيص اللبي ، وإذا ثبتت حجية كل منهما جاز الاعتماد عليها قبل الفحص. [ ودعوى ] : أن العمل المطابق لإحدى الفتويين وان جاز الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته للحجة ، لكن لما كان مقتضى إطلاق دليل الحجية حجية الفتوى الأخرى ، ويحتمل مخالفة العمل لها لاحتمال الاختلاف بين الفتويين ، كان العمل مما يحتمل مخالفته للحجة ، والعمل المحتمل المخالفة للحجة مما لا يجوز الاجتزاء به في نظر العقل ، لاحتمال الخطر. [ مندفعة ] : بأنه يعلم بانتفاء الخطر من قبل الفتوى الأخرى ، لأن احتمال الخطر إنما جاء من قبل احتمال مخالفة العمل لها ، لاحتمال مخالفتها للفتوى الأولى ، واحتمال ذلك ملازم لاحتمال عدم حجيتها ، لعدم شمول دليل الحجية للفتويين المختلفتين ، فلا خطر في العمل بالإضافة إلى تطبيق الدليل على الفتوى الأخرى قطعاً. مضافاً إلى ما ربما قيل من أن إطلاق دليل الحجية الشامل لإحدى الفتويين يدل بالالتزام على نفي الاختلاف بينهما ، وعلى موافقة العمل لهما معاً. وان كان صلاحية العموم لإثبات مثل هذه اللوازم الخارجية محل تأمل واشكال.

وأما الصورة الثالثة : فالكلام فيها هو الكلام في الصورة الأولى ، لاشتراكهما في العلم بالاختلاف المانع من العمل بإطلاق أدلة الحجية ، فتكون كل من الفتويين مشكوكة الحجية قبل الفحص. كما أن الكلام في الصورة الرابعة ، هو الكلام في الصورة الثانية ، لاشتراكهما في عدم المانع من الأخذ بإطلاق دليل الحجية بالإضافة إلى إحدى الفتويين ، وأن احتمال اختلافهما

[ مسألة 13 ] : إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما ، إلا إذا كان أحدهما أورع ، فيختار الأورع [1].


الموجب لسقوط دليل الحجية بالإضافة إلى كل منهما لا يؤبه به ، كما عرفت.

ثمَّ إنه قيل بعدم وجوب الفحص مع العلم بالاختلاف لوجهين. [ الأول ] : أصل البراءة ، للشك في وجوبه. [ والثاني ] : أنهما أمارتان تعارضتا لا يمكن الجمع بينهما ، ولا طرحهما ، ولا تعيين إحداهما ، فلا بد من التخيير بينهما. ويشكل الأول : بأنه ليس الكلام في وجوب الفحص مولوياً كي يرجع الى أصل البراءة في نفيه ، وإنما الكلام في وجوبه عقلا وجوباً إرشادياً الى الخطر بدونه ، إذ قد عرفت أنه لو لا الفحص لا تحرز حجية إحدى الفتويين. ومن ذلك يظهر الإشكال في الثاني ، إذ لا حكم للعقل بالتخيير بين الفتويين المتعارضتين ، وإنما التخيير بين الفتويين بتوسط الإجماع على حجية ما يختاره منهما ، وقد عرفت أن معقد الإجماع إنما هو الحجية بعد الفحص لا قبله.

وأما الصورة الخامسة : فإثبات حجية فتوى من يعرف بإطلاق دليل الحجية أظهر مما سبق ، للشك في وجود مفت آخر ، فضلا عن كونه أفضل وكون فتواه مخالفة. ولا يبعد استقرار بناء العقلاء ، وسيرة المتشرعة ، على العمل بالفتوى مع الشك في وجود مجتهد آخر من دون فحص عنه. فعدم وجوب الفحص في هذه الصورة أظهر منه فيما سبق. فتأمل جيداً.

[1] كما عن النهاية ، والتهذيب ، والذكرى ، والدروس ، والجعفرية والمقاصد العلية ، والمسالك ، وغيرها ، ويقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه وبين التخيير. ولا يظهر على خلافها دليل ، إذ الإطلاقات الدالة على الحجية - لو تمت - لا تشمل صورة الاختلاف. اللّهم الا أن يكون بناء العقلاء على التخيير بين المتساويين في الفضل وان كان أحدهما

[ مسألة 14 ] : إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم [1] وإن أمكن الاحتياط [2].

[ مسألة 15 ] : إذا قلد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميت [3] ، فمات ذلك المجتهد ، لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة ، بل يجب الرجوع الى الحي الأعلم في جواز البقاء وعدمه.


أورع ، فيتبع اتباعه في حجية رأي العالم. لكن هذا البناء غير ظاهر مع الاختلاف ، كما عرفت آنفاً. ولو كان أحد المجتهدين أفضل والآخر أورع قدم الأفضل ، لما عرفت من بناء العقلاء على تعينه.

[1] سيجي‌ء التقييد بالأعلم فالأعلم ، كما هو مقتضى ما تقدم في وجوب تقليد الأعلم.

[2] لعدم وجوبه على العامي. لما عرفت من الأدلة القطعية على جواز رجوع الجاهل الى العالم ولو مع إمكان الاحتياط.

[3] الظاهر أن المراد تقليده في المسائل الفرعية ، كما لو قلده حين البلوغ. ويحتمل أن يكون المراد أنه قلده في خصوص مسألة جواز البقاء على تقليد الميت. وكيف كان فقد عرفت أنه مع الشك في جواز البقاء على تقليد الميت يتعين عليه الرجوع الى الحي في نظر العقل ، فيعمل على مقتضى فتواه في جواز العدول وحرمته ، ووجوبه. وهو ظاهر في الصورة الأولى التي هي ظاهر المتن. وأما في الفرض الثاني - الذي هو محتمل العبارة - فقد يشكل فيما لو أفتاه الحي بوجوب البقاء - مثلا - فهل يتعين عليه الرجوع الى المجتهد الأول؟ أو يتخير بينه وبين الرجوع الى الثاني؟


أو يفصل بين ما لو كان رأي الثاني جواز البقاء ، فالثاني ، ووجوبه فالأول؟ فيه وجوه. وأشكل منه ما لو أفتاه الحي بوجوب البقاء ، وكانت فتوى المجتهد الثاني وجوب العدول ، لتناقض الفتويين عملا ولذلك بنى شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] على عدم الأخذ بعموم فتوى الحي بالنسبة إلى مسألة البقاء والعدول ، للزوم تخصيص الأكثر ، ولاقتضائه وجوب العدول مع أن المفتي الحي لا يقول به.

والذي ينبغي أن يقال : إذا قلد زيداً في المسألة الفرعية ، كوجوب صلاة الظهر يوم الجمعة - مثلا - فمات زيد ، فقلد عمراً في جواز البقاء على تقليد زيد في وجوب صلاة الظهر ، فاذا مات عمرو فقلد بكراً فأفتى له بوجوب البقاء على تقليد الميت ، كان مقتضى ذلك وجوب العمل برأي زيد دون رأي عمرو. وذلك أن عمراً وإن كان ميتاً قد قلده حال حياته في جواز البقاء على تقليد الميت ، إلا أنه يمتنع الرجوع إليه في مسألة جواز تقليد الميت ، لأن هذه المسألة قد قلد فيها بكراً بعد موت عمرو ، فلا مجال لتقليد عمرو فيها ، لأن المسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين. لأنه لو بني على جواز اجتماع المثلين في رتبتين فلا أقل من لزوم اللغوية مع اتفاقهما عملا ، أو التناقض مع اختلافهما ، وبطلانه ظاهر.

وتوهم : أن رأي بكر حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد عمرو ورأي عمرو حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد زيد ، فيكون هناك مسألتان لاختلاف موضوعيهما يرجع في إحداهما إلى بكر ، وفي الأخرى إلى عمرو ، ولا يكون تقليد أحدهما فيما قلد فيه الآخر ، كما لو أخبر بكر بحجية خبر عمرو ، وأخبر عمرو بحجية خبر زيد ، فيكون كل منهما حجة في مؤداه ، ولا اشتراك بينهما في موضوع واحد. [ مندفع ] : بأن خصوصية عمرو ليست مقومة للقضية الشرعية التي يرجع فيها العامي إلى بكر ، ويكون رأيه حجة فيها ، فان فتوى بكر جواز تقليد الميت بنحو الكلية ، لا خصوص عمرو ،


فاذا كان رأي بكر حجة فيها على عمومها امتنع في الرتبة اللاحقة جعل حجة أخرى عليها. ومن ذلك يظهر الفرق بين المقام وبين المثال المذكور.

ومن ذلك أيضاً يظهر أنه لو كان رأي بكر وجوب البقاء ، وجب البقاء على تقليد زيد وإن كان رأي عمرو وجوب العدول أو جواز كل من البقاء والعدول. كما أنه لو كان رأي بكر جواز كل من البقاء والعدول ، جاز البقاء على تقليد زيد والعدول عنه ، وإن كان رأي عمرو وجوب البقاء أو وجوب العدول. ثمَّ إن العدول هنا إنما يكون إلى الحي لا إلى الميت الثاني ، لأنه من التقليد الابتدائي للميت. فتأمل.

ثمَّ إنه يمكن أن يقرر المنع عن الرجوع إلى الميت في جواز البقاء وعدمه بوجه آخر ، وهو أنه إذا رجع إلى الحي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت ، فالتقليد المأخوذ موضوعاً في هذه القضية لا بد أن يكون في غير هذه المسألة ، لامتناع أخذ الحكم في موضوع نفسه ، فيمتنع أن يفتي الحي بجواز البقاء على تقليد الميت في جواز البقاء على تقليد الميت ، أو بحجية رأى الميت في حجية رأى الميت ، فلا بد أن يكون موضوع الحجية غير هذه المسألة. وهذا الاشكال قد أورد نظيره في عموم حجية الخبر للخبر بالواسطة ، ودفع بما لا يطرد في المقام لما عرفت من أن الخصوصيات الموجبة للاختلاف مثل خصوصية كون الميت زيداً أو عمراً ليست دخيلة في القضية الشرعية التي يرجع فيها إلى المجتهد ، فيلزم المحذور المتقدم. ومن هنا يظهر امتناع حجية رأى الميت في حجية رأى الميت ، فكما يمتنع أن يكون ذلك بتوسط الرجوع إلى الحي يمتنع في نفسه أيضاً ، وأن امتناع ذلك في نفسه مانع من احتماله ، ليصح الرجوع فيه إلى الحي ، وان كان يمنع من الرجوع فيه إلى الحي ما عرفت آنفاً من اجتماع تقليدين مترتبين في مسألة واحدة.

ومن ذلك يظهر الوجه في قول المصنف [رحمه اللّه] : « لا يجوز البقاء

[ مسألة 16 ] عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل وان كان مطابقاً للواقع [1].


على تقليده في هذه المسألة » مع أنه [رحمه اللّه] قد تقدم منه جواز البقاء على تقليد الميت. للفرق بين هذه المسألة وغيرها من المسائل ، بامتناع جعل حجية رأى الميت فيها وإمكانه في غيرها ، فاذا مات المجتهد الذي يفتي بجواز البقاء على تقليد الميت فمقلده لا يشك في عدم جواز البقاء على تقليده في هذه المسألة ، وإنما الشك في جواز البقاء على تقليده في بقية المسائل. فلاحظ وتدبر.

[1] قد تقدم هذا الحكم في المسألة السابعة ، وحملناه على صورة عدم العلم بالمطابقة للواقع أو لرأي من رأيه حجة ، لكون البطلان حينئذ عقلياً. لكن هنا قد صرح بالبطلان ولو مع المطابقة للواقع. والوجه فيه - مضافاً إلى نفي الاشكال والخلاف فيه ظاهراً ، على ما ادعاه شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في مبحث العمل قبل الفحص من رسالة البراءة - ما ذكره [قدس سره] في ذلك المقام من عدم تحقق نية القربة ، لأن الشاك في كون المأتي به موافقاً للمأمور به كيف يتقرب به؟ وقال [رحمه اللّه] في مبحث الشبهة الوجوبية : « من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصداً لامتثال الأمر الواقعي على كل تقدير. نعم هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقاً ، وهذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبد بها ... » (1)إلى آخر ما ذكره في المقامين. ومحصله اعتبار الجزم بالنية في التعبد المعتبر في صحة العبادات. هذا ولكن التحقيق منع ذلك ، لعدم ظهور بناء العقلاء عليه ، وقد عرفت في أوائل الكتاب أن الإطاعة الاحتمالية كالاطاعة الجزمية في


1) التنبيه الثاني من تنبيهات الشبهة الوجوبية من مبحث اشتباه المكلف به مع العلم بأصل التكليف.

وأما الجاهل القاصر أو المقصر الذي كان غافلا حين العمل [1] وحصل منه قصد القربة ، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلده بعد ذلك كان صحيحاً [2]. والأحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.

[ مسألة 17 ] : المراد من الأعلم [3] من يكون أعرف


كون صدور الفعل عن الإرادة التكوينية الحاصلة للعبد بداعي إطاعة الإرادة التشريعية المولوية ، واحتمال الانطباق كالجزم به دخيلان في تأثير الإرادة المتعلقة بمعلوم الفردية أو محتملها.

ودعوى : أن الاقتصار على بعض المحتملات مع البناء على عدم فعل الباقي. يدل على أن الباعث ليس هو الإرادة المولوية ، وإلا لأثرت في غيره من المحتملات. [ مندفعة ] : بإمكان أن يكون قد منع من تأثيرها مانع من مشقة أو غيرها ، ولذلك تختلف الواجبات في ترتب الإطاعة على العلم بوجوبها وعدمه. وأما دعوى نفي الاشكال والخلاف فلم يعتن بها شيخنا الأعظم [قدس سره] في رسالته المعمولة في التقليد - على ما حكاه بعض الأكابر من تلامذته - فكيف يصح الاعتماد عليها حينئذ؟.

[1] المراد به الملتفت إلى الأحكام فلم يتعلم تهاوناً حتى غفل حين العمل. ويقابله القاصر.

[2] عملا بما دل على حجية رأيه ولو بعد العمل مع عدم ورود الشبهة المتقدمة. أما اعتبار مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل فلا دليل عليه فان أدلة الحجية لا تقتضي السببية ، كما هو محقق في محله.

[3] الظاهر أن المراد به الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية ، عقلية كانت أم شرعية. فلا بد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله.

بالقواعد والمدارك للمسألة ، وأكثر اطلاعا لنظائرها وللأخبار وأجود فهما للأخبار ، والحاصل أن يكون أجود استنباطاً. والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط.

[ مسألة 18 ] : الأحوط عدم تقليد [1] المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل.

[ مسألة 19 ] : لا يجوز تقليد غير المجتهد وان كان من أهل العلم [2].


ولا يلزم فيه أن يكون أقرب إلى الواقع. كما لا يكفي ذلك إذا كان سالكاً ما لا يجوز سلوكه من الطرق في مقام الاستنباط غفلة منه وقصوراً ، كما يوجد عند كثير من البسطاء ولو كان معذوراً لقصوره. وأما حمل الأعلم على معنى أكثر علما وأوسع إحاطة بالمعلومات. فهو وان كان أقرب إلى معنى التفضيل المدلول لهيئة [ أفعل ] إلا أن الظاهر كونه غير مراد القائلين بوجوب تقليد الأعلم ، ولا يقتضيه الدليل المتقدم عليه. فلاحظ.

[1] قد تقدم (1)أنه مع اتفاق الآراء فالجميع حجة ، والعمل المطابق لواحد منها مطابق للجميع ، فكما يجوز العمل اعتماداً على رأي الأفضل ، يجوز اعتماداً على رأي المفضول أيضاً ، وكما يجوز الالتزام بالعمل بالأول ، يجوز الالتزام بالعمل بالثاني أيضاً. فاحتمال المنع عن الثاني غير ظاهر الوجه ، إلا إطلاق قولهم : لا يجوز تقليد المفضول. لكن لو تمَّ الإطلاق ، فليس معقداً لإجماع واجب العمل.

[2] إجماعاً. لعدم الدليل على حجية فتواه.


1) في المسألة : 8 من هذا الفصل.

كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد [1] وان كان من أهل العلم.

[ مسألة 20 ] : يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص. وكذا يعرف بشهادة عدلين [2] من أهل الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد. وكذا يعرف بالشياع المفيد للعلم [3]. وكذا الأعلمية تعرف بالعلم أو البينة غير المعارضة ، أو الشياع المفيد للعلم.


[1] يعني : إذا لم يكن محتاطاً ، كما عرفت فيما سبق.

[2] سيأتي (1)- إن شاء اللّه - في مبحث المياه تقريب العموم الدال على حجية البينة في المقام وغيره.

[3] الفرق بينه وبين الأول من حيث السبب لا غير ، وإلا فهما مشتركان في كون العلم هو الحجة وإن كانت عبارة المتن توهم غير ذلك. هذا وربما يقال بثبوته بخبر الثقة ، لعموم ما دل على حجيته في الأحكام الكلية ، إذ المراد منه ما يؤدي إلى الحكم الكلي ، سواء كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي ، والمقام من الثاني ، فإن مدلول الخبر المطابقي هو وجود الاجتهاد ، وهو من هذه الجهة يكون إخباراً عن الموضوع ، لكن مدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الواقعي الكلي الذي يؤدي إليه نظر المجتهد.

فان قلت : أدلة حجية خبر الثقة مختصة بالأخبار عن حس ، ولا تشمل الاخبار عن حدس ، ولذا لم تكن تلك الأدلة دالة على حجية فتوى المجتهد مع أنها اخبار عن الحكم الكلي إلا أن مستنده الحدس. [ قلت ] : الاخبار عن الاجتهاد من قبيل الاخبار عن الحس. نعم المدلول الالتزامي - وهو


1) في المسألة : 6 من الفصل المتعرض لأحكام ماء البئر.

[ مسألة 21 ] : إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البينة [1] ، فإن حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين تقليده ، بل لو كان في أحدهما احتمال الأعلمية يقدم ، كما إذا علم أنهما إما متساويان أو هذا المعين أعلم ولا يحتمل أعلمية الآخر ، فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميته.


الحكم الكلي - إنما كان بتوسط الحدس. لكن هذا المقدار لا يقدح في الحجية ، لأن الحس إنما يعتبر في المدلول المطابقي ، لا في الملازمة التي يتوقف عليها ثبوت المدلول الالتزامي ، وإلا فأخبار زرارة - مثلا - عن قول الإمام الذي هو إخبار عن موضوع يكون أيضاً إخباراً عن الحكم الكلي ويكون حجة على المجتهد ، وربما يكون بتوسط حدس المجتهد الذي هو حجة عليه أيضاً.

وبالجملة : الاخبار عن الاجتهاد كالاخبار عن قول الامام ، ودلالتهما على الحكم الكلي بالالتزام إنما يكون بتوسط الحدس ، غاية الأمر أن الحدس في الثاني من المجتهد وحجة عليه ، والحدس في الأول من المجتهد وحجة على العامي المقلد له. وعلى هذا المبنى يكفي توثيق رجال السند بخبر الثقة. وكذا في إثبات المعنى بأخبار اللغوي الثقة ، كما حررنا ذلك في مبحث حجية قول اللغوي. ولو قلنا بحجية خبر الثقة في الموضوعات - كما عليه بناء العقلاء - فالحكم أظهر. لكنه محل تأمل ، لإمكان دعوى تحقق الردع عنه. وسيأتي (1)- إن شاء اللّه - التعرض لذلك في بعض المباحث.

[1] هذه المسألة ، تارة : تكون ثلاثية الاحتمالات ، وأخرى : ثنائية. فالأولى : أن يحتمل كونهما متساويين ، ويحتمل أعلمية زيد من عمرو مثلا ، ويحتمل العكس. والثانية صورتان : الأولى : أن يعلم أعلمية أحدهما ويحتمل


1) في المسألة : 6 من الفصل المتعرض لأحكام البئر.

[ مسألة 22 ] : يشترط في المجتهد أمور [1] : البلوغ والعقل ، والايمان والعدالة ، والرجولية ، والحرية - على قول - وكونه مجتهداً مطلقاً ، فلا يجوز تقليد المتجزئ ، والحياة ، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء. نعم يجوز البقاء كما مر ، وان يكون أعلم فلا يجوز - على الأحوط - تقليد المفضول مع التمكن من الأفضل ، وأن لا يكون متولداً من الزنا ، وأن لا يكون


كونه زيداً ويحتمل كونه عمراً أيضاً. والثانية : أن يحتمل تساويهما ويحتمل أعلمية زيد لا غير.

والحكم في الأولى التخيير مع تساوي الاحتمالات. وإن كان مقتضى القاعدة الأخذ بأحوط القولين ، لأن الاعتماد على كل واحد من القولين اعتماد على مشكوك الحجية ، إلا أن الظاهر الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط المذكور وعلى جواز الرجوع إلى أيهما شاء. ولو ظن أن أحدهما بعينه أعلم ففي الترجيح بالظن إشكال ، لعدم الدليل عليه بعد ما لم يكن معتبراً في نفسه. اللّهم إلا أن يكون احتمال الترجيح به موجباً لكون رأي مظنون الأعلمية معلوم الحجية ، ورأي الآخر مشكوك الحجية ، فيتعين الأول ، كما في جميع موارد الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية. ومنه يظهر الحكم في الصورة الثانية ، فإنه - لعدم المرجح ، وعدم محتمل المرجحية - يتعين التخيير ، بناء على ما عرفت آنفاً من الاتفاق فتوى على جواز رجوع الجاهل إلى العالم وإن أمكن الاحتياط ، حتى في مثل المقام. وأما الصورة الثالثة : فلا ينبغي التأمل في تعين محتمل الأعلمية للمرجعية للدوران بين التعيين والتخيير الذي يجب فيه عقلا الأخذ بمحتمل التعيين.

[1] قد أشرنا سابقاً إلى أن جواز التقليد في الجملة لا بد أن يكون بغير التقليد ، وإلا لزم الدور أو التسلسل ، فاذاً لا بد أن يستند جواز التقليد

مقبلا على الدنيا وطالبا لها مكبا عليها مجداً في تحصيلها ، ففي الخبر : « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه ».


• في الجملة - إلى الاجتهاد. ومستند هذا الاجتهاد بناء العقلاء عليه مع الغفلة عن احتمال الردع أو القطع بعدمه ولو بالإضافة إلى شخص معين بخصوصه ، لاجتماع جميع ما يحتمل اعتباره شرعا فيه ، مثل كونه بالغاً ، عاقلا ، عادلا ، حياً ، أفضل ... الى غير ذلك. فهذا البناء المرتكز في نفس العامي هو المسوغ له الرجوع الى غيره في الخصوصيات المعتبرة في المفتي ، فإذا رجع الى غيره أفتى له بما يقتضيه نظره الحاصل له من مراجعة الأدلة المستفاد منها شرائط التقليد ، ويكون عمله حينئذ على ما تقتضيه فتواه عموماً أو خصوصاً. وهذا ولأجل أن من أدلة جواز التقليد بناء العقلاء عليه في الجملة ، فهذا البناء محكم مهما تحقق في مورد من الموارد والعمل عليه متعين ، إلا مع ثبوت الردع عنه.

وحينئذ نقول : لا ينبغي التأمل في عدم الفرق في بناء العقلاء بين البالغ وغيره إذا كان غير البالغ قد حاز مراتب الفضل حتى صار كالبالغ ، فاعتبار البلوغ في المفتي لا بد أن يكون بدليل شرعي يكون رادعاً عن إطلاق بناء العقلاء ، وليس هو إلا الإجماع إن تمَّ. ومجرد كونه محجوراً عن التصرف ومرفوعا عنه القلم ، ومولى عليه وعمده خطأ ، ونحو ذلك. لا يصلح رادعاً لأنه لا يوجب إلا الاستبعاد المحض كيف؟! وربما كان غير البالغ حائزاً مرتبة النبوة أو الإمامة ، فكيف لا يصلح أن يجوز منصب الفتوى؟! اللّهم إلا أن يقوم الدليل على كون منصب الفتوى مختصاً بالمعصوم وبمن يجعله له ، فالشك في الجعل كاف في المنع. لكنه خلاف إطلاق الأدلة ، ولا سيما بناء العقلاء.


وأما اعتبار العقل : فأمره ظاهر عند العقلاء ، فضلا عن المتشرعة ، فقد قيل : إنه مما أجمع عليه الخلف والسلف. نعم المجنون الأدواري في حال إفاقته لا مانع عند العقلاء من الرجوع اليه ، وحكي القول به عن بعض متأخري المتأخرين كصاحبي المفاتيح والإشارات ، ولا بأس به إن لم ينعقد الإجماع على خلافه. لعموم الأدلة أيضاً.

وأما اعتبار الايمان : فغير ظاهر عند العقلاء. نعم حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف. وهو العمدة فيه ، دون مثل قول أبي الحسن (عليه السلام) فيما كتبه لعلي بن سويد : « لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا ، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا اللّه ورسوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وخانوا أماناتهم ، إنهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرفوه وبدلوه ... » (1)وقول أبي الحسن الثالث (عليه السلام) فيما كتبه لأحمد بن حاتم بن ماهويه وأخيه : « فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبنا ، وكل كثير القدم في أمرنا ، فإنهما كافوكما إن شاء اللّه ». (2)إذ الظاهر من الأول كون المانع عدم الايتمان لا مجرد اعتقاد الخلاف. مع أن منصرفه القضاة الذين كانوا يعتمدون على القياس ونحوه من الحجج الظنية في مقابل فتوى المعصومين (عليهم السلام) وليس مثلهم محل الكلام. والثاني محمول على الاستحباب للإجماع القطعي على خلاف ظاهره.

وأما اعتبار العدالة : فهو كسابقه عند العقلاء. لكنه المعروف بين الأصحاب بل هو إجماع كما قيل. وهو العمدة - لو تمَّ - دون مثل آية النبإ إذ هي في الخبر لا في الفتوى. مع أن مقتضى الجمع بينها وبين ما دل على اعتبار الوثوق وكفايته في حجية الخبر ، حمل التبين فيها على الوثوق. وكذا


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 43.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 46.


خبر الاحتجاج المروي عن تفسير العسكري (عليه السلام) (1)الآتي ذكره ، (2)فإنه - مع ضعفه في نفسه - ظاهر في اعتبار الامانة والوثوق ، كما يظهر من ملاحظته بتمامه. مع أن مورده أصول الدين التي لا يجوز فيها التقليد ولا يقبل فيها الخبر تعبداً ، فلا بد من حمله على غير التقليد الذي هو محل الكلام. وكأنه لأجل ذلك ونحوه جوز بعض تقليد الفاسق المأمون عملا بإطلاق الأدلة وان كان هو مما لا ينبغي ، لأنه خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب ، ومخالف للمرتكز في أذهان المتشرعة ، بل المرتكز عندهم قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة والندم ، فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية لا تزاحم ولا تغلب. والانصاف أنه يصعب جداً بقاء العدالة للمرجع العام في الفتوى - كما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو جماعة - إذا لم تكن مرتبة قوية عالية ذات مراقبة ومحاسبة ، فإن ذلك مزلة الاقدام ومخطرة الرجال العظام. ومنه سبحانه نستمد الاعتصام.

وأما اعتبار الرجولة : فهو أيضاً كسابقه عند العقلاء. وليس عليه دليل ظاهر غير دعوى انصراف إطلاقات الأدلة الى الرجل واختصاص بعضها به. لكن لو سلم فليس بحيث يصلح رادعا عن بناء العقلاء. وكأنه لذلك أفتى بعض المحققين بجواز تقليد الأنثى والخنثى.

وأما اعتبار الحرية : فهو المحكي عن جماعة - منهم ثاني الشهيدين - بل قيل : انه مشهور. لكن مقتضى بناء العقلاء وغيره من المطلقات عدمه. وبعض الاستحسانات المقتضية لاعتبارها ، مثل كونه مملوكا لا يقدر على شي‌ء وكونه مولى عليه ، لا تصلح للاعتماد عليها في الردع وتقييد المطلق.

وأما كونه مجتهداً مطلقاً : فاعتباره هو المعروف المدعى عليه الوفاق


1) الوسائل باب : 10 من أبواب صفات القاضي حديث : 20.

2) في كلام الماتن في هذه المسألة.


أو الإجماع فلا يصح تقليد المتجزئ. لكنه غير ظاهر الدليل. لعموم بناء العقلاء له. وكذا مشهورة أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام) : « إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً الى أهل الجور ، ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا [ قضايانا خ ل ] فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه » (1). وسندها لا يخلو من اعتبار. وكونها في القضاء لا يمنع من الاستدلال بها في المقام ، لأن منصب القضاء منصب للفتوى ولا عكس ، فما دل على عدم اعتبار شي‌ء في القاضي يدل على عدم اعتباره في المفتي. ودعوى : أن ما يعلم من المعصوم ليس من الاجتهاد ، ولم يكونوا يحتاجون في تلك الأزمنة إلى الاجتهاد. كما ترى! ولا سيما وان ذلك يمنع من التمسك بالنصوص على نفوذ القضاء ، لاشتراك الجميع في الاشكال المذكور.

ومثلها في الاشكال دعوى معارضتها بمقبولة عمر بن حنظلة : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ... [ الى أن قال ] : قال (عليه السلام) ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكماً ... » (2). لظهور قوله (عليه السلام) : « حلالنا وحرامنا ... وأحكامنا » في العموم. وجه الاشكال : أن قوله (عليه السلام) : « روى حديثنا » ليس المراد منه كل حديث لهم (عليهم السلام) فان ذلك مقطوع بخلافه ، لتعذر ذلك ، ولا سيما في زمان صدور الرواية ، فيمتنع أخذه شرطاً في القضاء ، فيتعين أن يكون المراد أحاديثهم علیهم السلام في الجملة ، فيكون المراد من قوله (عليه السلام) : « ونظر في حلالنا وحرامنا » أنه نظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الأحاديث التي رواها ، لا عموم الحلال والحرام ، وكذلك المراد من أحكامهم (عليهم السلام)


1) الوسائل باب : 1 من أبواب صفات القاضي حديث : 5.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 1 وقد تقدم قسم منه في مسألة : 12.


يعني : الاحكام التي عرفها بعد النظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الأحاديث ، فيتعين أن يكون المراد بعض الاحكام لا جميعها. مضافا الى الإجماع على عدم اعتبار رواية جميع أحاديثهم ولا النظر في جميع حلالهم وحرامهم ، حتى من القائلين باعتبار الاجتهاد المطلق لاجتزائهم بالنظر في الجملة. فيتعين حمل الحديث والحلال والحرام على الجنس الصادق على البعض وهكذا الحال في معرفة أحكامهم. وحمل المعرفة على الملكة - كما يدعيه القائلون باعتبار الاجتهاد المطلق - مع أنه خلاف ظاهر المعرفة - تفكيك بين فقرات الرواية ، يأباه سياقها. فلاحظ وتأمل. ولو أغمضنا النظر عن ذلك كله فلا أقل من عدم صلاحية المقبولة لمعارضة رواية أبي خديجة ، لإمكان حملها على ما لا ينافيها عرفا ، فيتعين في مقام الجمع العرفي بينهما ، ويكون العمل على ظاهر رواية أبي خديجة بلا مانع.

نعم لو فرض ملازمة الأفضلية للاجتهاد المطلق تعين تقليد المجتهد المطلق عند الدوران بينه وبين المتجزئ. لكن الفرض المذكور غير ظاهر مع أن الكلام في الشرطية مطلق ولو مع عدم وجود المجتهد المطلق.

هذا كله بناء على إمكان التجزي في الاجتهاد - كما لعله المشهور والمنصور - لاختلاف مراتب الملكة قوة وضعفاً ، كاختلاف المسائل وضوحا وخفاء. أما بناء على امتناعه فلا ثمرة عملية للنزاع المذكور.

وأما اعتبار الحياة : فقد تقدم الكلام فيه ، وأن العمدة فيه الإجماع المفقود في الاستمراري منه على ما عرفت.

وأما اعتبار الأعلمية : فقد تقدم الكلام فيه أيضاً وأنه الذي يقتضيه الأصل وبناء العقلاء.

وأما طهارة المولد : فهي داخلة في الايمان بناء على كفر المتولد من الزنا ، أما بناء على خلافه فلا دليل على اعتبارها غير الأصل المحكوم ببناء

[ مسألة 23 ] : العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات وترك المحرمات [1].


العقلاء. نعم عن الروضة دعوى الإجماع عليه. وعليه فهو المعتمد.

وأما اعتبار أن لا يكون مقبلا على الدنيا : فإن أريد من الإقبال على الدنيا ما ينافي العدالة أغنى عن اعتباره اعتبارها ، وان أريد غير ذلك فدليله غير ظاهر. ولذا لم أقف على من ذكره بخصوصه. وأما الخبر الذي ذكره المصنف (1)فقد عرفت أنه المروي عن تفسير العسكري (عليه السلام) ، وقد ذكره شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في أدلة حجية الخبر. وقد عرفت الإشكال في سنده ، وفي كونه فيما نحن فيه من التقليد في الفروع. وفي دلالته على أكثر من اعتبار الامانة والوثوق ، كما يظهر ذلك من ملاحظة مجموع الفقرات ، وان كان الجمود على الفقرة الأخيرة يقتضي ظهوره في اعتبار العدالة. فلاحظ وتأمل. واللّه سبحانه هو الموفق.

[1] كما نسب الى المشهور بين المتأخرين ، بل الى المشهور مطلقاً ، بل الى العلماء ، أو الفقهاء ، أو المخالف والمؤالف. وعن ظاهر الحلي وغيره : أنها مجرد ترك المعاصي ، أو خصوص الكبائر. وعن ظاهر المقنعة وغيرها : أنها الاجتناب عن المعاصي عن ملكة. ومقتضى الجمود على عبارة الأول أنه بحسب المورد أعم من وجه من الثاني ، وأعم مطلقاً من الثالث. إلا أن الاتفاق ظاهراً على ثبوت الفسق بارتكاب الكبيرة يقتضي أن يكون المراد من الأول الملكة الباعثة فعلا على الطاعات وترك المعاصي ، فيكون أخص مورداً من الثاني ومساوياً للثالث. وهناك أقوال أخر - على تقدير ثبوتها - نادرة تأتي الإشارة إلى بعضها.

وكيف كان فقد استدل على الأول بصحيح عبد اللّه بن أبي يعفور


1) تقدمت الإشارة إلى مصدره قريباً.


« قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال (عليه السلام) : أن تعرفوه بالستر والعفاف ، وكف البطن والفرج واليد واللسان ، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ... » (1). وتقريب الاستدلال به : أن ظاهر السؤال فيه وان كان السؤال عن الطريق إلى العدالة بعد معرفة مفهومها ، لكن يتعين حمله على السؤال عن مفهومها بقرينة ما في الجواب ، فان الستر والعفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات ، وكف البطن وما بعده من سنخ الافعال ، فلو كان ذلك طريقاً إلى العدالة لزم كونها أمراً آخر وراء ما ذكر ، وهو مما لم يقل به أحد ، ولا يمكن الالتزام به ، فيتعين لذلك حمل السؤال على السؤال عن مفهومها ، لجهل السائل به الموجب للجهل بوجودها. ويشهد لذلك أيضاً قوله (عليه السلام) : « والدلالة على ... » فإنه كالصريح في كونه وارداً لبيان الطريق. فان كان المراد منه بيان الطريق إلى العدالة ، فحمل الأول على بيان الطريق أيضاً يلزم منه أن يكون المقصود جعل طريقين إلى العدالة ، ولأجل أن الأول أخص يكون لغواً. وان كان المراد منه الطريق إلى الأول فيكون طريقاً الى الطريق فهو - مع بعده في نفسه - ينافيه قوله (عليه السلام) بعده : « ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته » فإنه ظاهر في كونه طريقاً إلى العدالة لا طريقا الى الطريق إليها. ويناسب ما ذكرنا جداً اختلاف التعبير ، فإنه عبر في الصدر بالمعرفة المشاكلة للتعبير في السؤال وفي الذيل بالدلالة المخالفة له ، فيدل ذلك كله على أن المعرفة في السؤال وفي الصدر بمعنى معرفة المفهوم ، وان الدلالة في الذيل بمعنى معرفة وجود


1) الوسائل باب : 41 من كتاب الشهادات حديث : 1.


المفهوم. وبذلك تعرف أن قوله (عليه السلام) : « ويعرف باجتناب ... » متمم للتعريف الأول ، لا طريق اليه. ولا سيما بملاحظة ما بينهما من الاشتراك ، فان كف البطن ... راجع الى اجتناب جملة من الكبائر. ولأجل ذلك أيضا يمتنع أن يكون طريقاً إلى العدالة لو حمل الأول على بيان المفهوم.

والمتحصل مما ذكرنا : أن الرواية الشريفة صدر الجواب فيها ظاهر في بيان مفهوم العدالة ، وما بعده ظاهر في بيان الطريق الى المصداق ، فان حمل السؤال على السؤال عن المفهوم - بقرينة صدر الجواب ، لما بينه وبين السؤال من المشاكلة في التعبير - كان بيان الطريق في الذيل تفضلا من الامام (عليه السلام) ، وإن حمل على السؤال عن الطريق الى المصداق كان ما في الصدر من بيان المفهوم تفضلا أو تمهيداً للجواب.

ومن ذلك يظهر ضعف ما تقدم عن الحلي وغيره ، بل صريح الكفاية أنه الأشهر ، قال [رحمه اللّه] : « والأقرب الأشهر في معنى العدالة أن لا يكون مرتكباً للكبائر ولا مصراً على الصغائر » ، ونحوه في النسبة إلى الأشهر ما في البحار ومال اليه شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في صلاة الجماعة ، عملا بظاهر السؤال في كونه سؤالا عن الطريق إلى العدالة ، فيكون الستر والعفاف المذكوران في الجواب طريقاً إليها لا نفسها. ولا ينافيه قوله (عليه السلام) في الجواب : « ويعرف باجتناب ... » لأن المراد به الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته ، فيختص بالمعاصي الظاهرة مثل قتل المسلم ، وإهانة المؤمنين وشتمهم ونحو ذلك ، فيكون المقصود جعل الاجتناب عن هذه المعاصي طريقاً الى الاجتناب عن جميع المعاصي حتى الخفية ، مثل الإفطار في الخلوات ونكاح الحائض والسرقة عند الفرصة وبغض المؤمنين.

وتوضيح الاشكال عليه : أن كف البطن وما عطف عليه راجع الى الاجتناب عن جملة من الكبائر ، فإذا كان الستر والعفاف طريقاً إلى العدالة


تعين أن يكون اجتناب المعاصي كذلك ، فكيف يمكن أن تكون نفس الاجتناب؟! مضافاً الى أن حمل الاجتناب في قوله (عليه السلام) : « ويعرف باجتناب ... » على الاجتناب الظاهر للناس عند المعاشرة خلاف الظاهر ، وخلاف ظاهر الكبائر في العموم للكبائر الخفية. مع أنه يلزم رجوعه الى قوله (عليه السلام) : « والدلالة على ... » لأن المراد منه الاجتناب في الظاهر وظاهر الرواية مخالفته له ، فان الدال غير المدلول عليه ، وجعل المدلول عليه نفس العدالة لا الاجتناب - فيكون الطريق إلى العدالة كلا من الأمرين - خلاف الظاهر جداً. مع أنه يلزم منه لغوية الثاني لكونه أخص.

نعم يبقى الإشكال في الرواية من جهة الاقتصار فيها على الستر والعفاف وعدم التعرض فيها لبقية الملكات الباعثة على التقوى. ومن جهة عدم التعرض فيها لفعل الواجبات. لكن لا يبعد - ولو بقرينة النصوص الأخر التي تشير الى بعضها - أن يكون المراد من الستر الاستحياء من فعل المعصية مطلقاً ، ومن العفاف التعفف عن عامة المعاصي. كما أنه لا يبعد أن يكون ترك ذكر الواجبات لأن ترك الواجبات من الكبائر ، كما في صحيح عبد العظيم [رحمه اللّه] (1)فيكون قد اكتفى عنه بذكر الكبائر. مع أن الإجماع على اعتبارها ، وما يظهر من مثل رواية علقمة (2)الآتية ، بل من ذيل الصحيح المذكور - فتأمل - كاف في إثبات اعتبارها فيها.

ومثل الصحيح المذكور موثقة ابن أبي يعفور عن أخيه عن أبي جعفر (عليه السلام) : « تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف مطيعات للأزواج تاركات البذاء والتبرج


1) الوسائل باب : 46 من أبواب جهاد النفس حديث : 2.

2) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 13.


الى الرجال في أنديتهم » (1). ويعضدهما في الدلالة على اعتبار الملكة كثير من النصوص ، مثل ما دل على قبول شهادة الرجل لولده أو والده أو امرأته إذا كان خيراً (2)، وما دل على قبول شهادة المكاري والجمال والملاح إذا كانوا صلحاء (3)، وما دل على قبول شهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً (4)، وما ورد في تفسير قوله تعالى ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) : أنه ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته (5)... الى غير ذلك. وحمل هذه النصوص على كون الملكات المذكورة ملازمة لموضوع الحكم لا نفسه ، خلاف الظاهر ولا موجب له.

ومن ذلك كله يظهر لك أيضاً ضعف القول بكونها حسن الظاهر - كما نسب إلى جماعة - أو الإسلام مع عدم ظهور الفسق ، كما عن ابن الجنيد وكتاب الاشراف للمفيد ، وان استدل لذلك بصحيح حريز : « إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعاً » (6)وما في صحيح ابن المغيرة : « كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته » (7)، ونحوه ما في غيره ، ومرسل يونس : « إذا كان ظاهره ظاهراً مأمونا جازت شهادته ، ولا يسأل عن باطنه » (8)، وما في رواية علقمة : « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً


1) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 19.

2) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 9.

3) الوسائل باب : 34 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 1.

4) الوسائل باب : 29 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 3.

5) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 22.

6) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 17.

7) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 5.

8) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 3.


أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنباً » (1)... الى غير ذلك. فإنه مع إمكان المناقشة في دلالة بعضها يتعين حملها - بعد تقييد بعضها ببعض - على كون حسن الظاهر طريقاً إلى العدالة شرعياً ، جمعاً بينها وبين ما تقدم. كما يشهد به أيضاً ما في رواية أحمد بن عامر الطائي قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) « من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته وظهرت عدالته » (2)ونحوها رواية ابن سنان (3)، فهذه النصوص واردة في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت. فلاحظ وتأمل. واللّه سبحانه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ثمَّ إن ملكة العدالة من الستر والعفاف والصلاح ونحوها مما ذكر في النصوص ذات مراتب متفاوتة جداً تفاوت سائر الملكات بالقوة والضعف ، يكفي في ثبوتها أدنى مراتبها ، ولا ينافي وجودها ارتكاب المعصية ولو كانت كبيرة لجواز غلبة المزاحم من قوتي الشهوة والغضب عليها ، كما لا ينافي وجود سائر الملكات - كملكتي الشجاعة والكرم - تخلف مقتضاها أحياناً ، ولذا قيل : « إن الجواد قد يكبو والسيف قد ينبو ». وليس المراد منها خصوص المرتبة العالية التي لا يتخلف مقتضاها ، ولا يغلبها المزاحم. فان ذلك خلاف إطلاق الأدلة ، ويستوجب ندرة وجودها جداً بل يمتنع إحراز وجود هذه المرتبة في أكثر الأعصار ، فيلزم منه تعطيل الاحكام واختلال النظام ، ولذا قال الصادق (عليه السلام) في رواية علقمة : « لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)


1) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 13.

2) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 14.

3) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 15.


لأنهم المعصومون دون سائر الخلق » (1). وقد ورد في جملة من النصوص قبول شهادة المحدود بعد توبته (2)، وجملة منها واردة في خصوص القاذف بعد التوبة (3). وبالجملة : عدم اعتبار المرتبة العالية في ترتب أحكام العدالة مما لا ريب فيه إجماعا ونصاً وسيرة.

نعم لا يكفي أقل مراتب وجودها إذا كان بنحو لا يصدق الستر ، والعفاف والصلاح ، ونحو ذلك من العناوين المذكورة في النصوص التي تقدم بعضها. لظهور النصوص المذكورة في اعتبار الأوصاف المذكورة في العدالة مفهوما - كما عرفت - بحيث لا تصدق مع فقدها وان كان للمكلف حالة تبعثه على فعل الطاعة ، كما هو الحال في كثير من الفساق ، فان التدين بالدين الإسلامي. واعتقاد المعاد ، والثواب ، والعقاب ، والجزاء على الأعمال - إن خيراً فخير وان شراً فشر - يستوجب حدوث حالة مقتضية لفعل الطاعات ، والانزجار عن المعاصي ، لكنها فيهم مغلوبة للقوى المزاحمة ، فكلما عرضت لهم المعصية وقعوا فيها ، لقوة الشهوة أو الغضب فيهم على نحو تغلب تلك الحال الخاصة المقتضية للطاعة ، ومع سكون القوة المزاحمة من الشهوة والغضب يحصل لهم حالة الندم مع الالتفات الى تقصيرهم. لكن لما كان ذلك غالبياً لهم لا يصدق في حقهم الستر والعفاف والصلاح ونحو ذلك ، بل يصدق خلافها.

نعم لو كان ذلك - أعني الوقوع في المعصية - نادراً لقلة الابتلاء ، أو لقصور الفاعل عن الفعل الحرام ، أو لضعف الشهوة المزاحمة - لمرض أو هرم أو تشويش بال أو نحو ذلك - كفى ذلك في صدق الستر ونحوه


1) الوسائل باب : 41 من أبواب كتاب الشهادات حديث : 13.

2) الوسائل باب : 37 من كتاب الشهادات.

3) الوسائل باب : 36 من كتاب الشهادات.


عرفا ، وتحققت العدالة ، وجاز ترتيب أحكامها ، كما يوجد في كثير من النساء والفقراء ، فان سترهم وعفافهم لا يكون لقوة الملكة الباعثة على التقوى ، بل لفقد المزاحم. ومن ذلك تعرف أن العدالة في الملوك ونحوهم من أهل الحول والطول إنما تكون - غالباً - لقوة الحال الباعثة ، وفي غيرهم من الضعفاء قد تكون لذلك ، وقد تكون لعدم المزاحم للحال الباعثة على التقوى مع كونها ضعيفة جداً.

والمتحصل مما ذكرنا أمور : [ الأول ] : اعتبار الملكة في العدالة. [ الثاني ] : عدم اعتبار كونها بمرتبة لا يغلبها المزاحم بنحو يستوجب العصمة. [ الثالث ] : أنه لا يكفي أدنى مراتبها إذا كان بنحو لا يصدق الستر والصلاح. [ الرابع ] : أن من لوازم الملكة المذكورة حصول الندم بعد فعل المعصية والالتفات الى ذلك ، وان كانت الملكة بمرتبة دانية ضعيفة جداً ، فاذا لم يحصل الندم بعد الالتفات الى فعل المعصية كشف ذلك عن عدم الملكة كما يتفق ذلك نادراً من بعض الفساق المتمردين.

هذا والمراد باجتناب المعاصي المعتبر في العدالة نصاً وإجماعاً - كما عرفت - أن لا يكون مطالباً بالمعصية حال الابتلاء ببعض آثار العدالة وأحكامها - كالايتمام والشهادة والولاية وغيرها - اما بأن لا يكون عاصياً أصلا ، أو يكون عاصياً فيتوب. للإجماع والنصوص على عدم جواز ترتيب آثار العدالة على العصاة قبل التوبة وجواز ترتيبها بعدها (1). ويشهد به أيضاً قوله تعالى ( وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا ) (2)وبمضمونها جملة من النصوص أشرنا إلى بعضها آنفاً ،


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة الجماعة ، ومن باب : 30 الى : 37 ، وباب : 41 من كتاب الشهادات.

2) النور : 4 - 5.

وتعرف بحسن الظاهر الكاشف [1] عنها علماً أو ظناً ، وتثبت بشهادة العدلين وبالشياع المفيد للعلم.


وهي مذكورة في بعض أبواب شهادات الوسائل فراجعها. مضافا الى ما دل على قبول التوبة ، وأنها ماحية للذنوب ، من الآيات (1)والروايات (2). فلاحظ وتأمل.

هذا وفي المقام مباحث شريفة ، منها البحث عن اعتبار الاجتناب عن منافيات المروءة في العدالة ، والبحث عن انقسام المعصية إلى كبيرة وصغيرة ، والميزان الفارق بينهما ، وطريق إثبات كون المعصية كبيرة ، وغير ذلك. تركنا التعرض لها اعتماداً على التعرض لها عند تعرض المصنف [رحمه اللّه] في شرائط الإمام من مباحث صلاة الجماعة. واللّه سبحانه ولي التوفيق.

[1] اعلم أن الطريق إلى إثبات العدالة أمور : الأول : العلم الوجداني ، سواء أحصل من حسن الظاهر ، أم من الشياع ، أم من غيرهما. ولا إشكال في كونه طريقاً إليها ، لكونه حجة بالذات في نظر العقل ، كما هو محرر في محله.

الثاني : البينة بلا إشكال ظاهر ، وهو واضح بناء على عموم حجيتها ، كما سيأتي تقريبه في مباحث المياه (3)إن شاء اللّه. أما بناء على عدمه فقد تستفاد حجيتها في المقام - مما في ذيل صحيح ابن أبي يعفور المتقدم (4)من قوله (عليه السلام) : « فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا ما رأينا منه إلا


1) وهي كثيرة يسهل الاطلاع عليها بالاستعانة بمعاجم الآيات.

2) الوسائل باب : 47 ، 82 ، 83 ، 85 ، 86 ، 89 ، 92 من أبواب جهاد النفس ويوجد في أبواب أخر أيضاً.

3) في مسألة : 6 من الفصل المتعرض لأحكام البشر.

4) راجع أوائل شرح المسألة السابقة.


خيراً » بضميمة الإجماع على عدم اعتبار أكثر من البينة ، ومما في خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) : « شهادة القابلة جائزة على أنه استهل أو برز ميتاً إذا سئل عنها فعدلت » (1)، وما في رواية علقمة « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر » (2)- بالفحوى ، أو بضميمة عدم الفصل بين الفسق والعدالة. هذا وفي اعتبار حصول الوثوق بصدقها ، أو الظن به ، أو عدم الظن بالخلاف ، أو عدم اعتبار شي‌ء من ذلك ، وجوه مبنية على ثبوت إطلاق يعتمد عليه في إثبات الحجية وعدم انصرافه إلى شي‌ء من ذلك ، وعدمه. والظاهر عدم الفرق بين الشهادة الفعلية والقولية.

الثالث : حسن الظاهر. ويشهد له كثير من النصوص المتقدم بعضها (3)مثل ما في صحيح ابن أبي يعفور من قوله (عليه السلام) : « والدلالة على ذلك ... » وما في رواية علقمة، وما في رواية أحمد بن عامر الطائي وما في رواية ابن سنان، وغيرها. ومقتضى إطلاقها حجية حسن الظاهر وان لم يفد الظن بل وان كان الظن على خلافه. لكن يجب تقييدها بما في مرسل يونس من قول الصادق (عليه السلام) : « فاذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه » (4). وإرساله لا يقدح بعد كون المرسل من أصحاب الإجماع ، ورواية المشايخ الثلاثة - 5 - له في كتبهم بأسانيد مختلفة ، وفيهم جماعة من الأعاظم ، كأحمد بن محمد ابن عيسى ، وعلي بن إبراهيم وغيرهما ، واعتماد المشهور عليه في بعض


1) الوسائل باب : 24 من كتاب الشهادات حديث : 39.

2) الوسائل باب : 41 من كتاب الشهادات حديث : 13.

3) في شرح المسألة السابقة.

4) الوسائل باب : 41 من كتاب الشهادات حديث : 3.


مضمونه ، فان مجموع ذلك مما يستوجب الوثوق المدخل له تحت دليل الحجية. وأما التقييد بالظن - كما في المتن - فليس عليه دليل ظاهر. وأما خبر إبراهيم الكرخي « من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيراً وأجيزوا شهادته » (1). فالأمر فيه بالظن وان كان ظاهراً في لزوم ترتيب أثر الظن ، لكنه لا يقتضي تقييد حجية الظاهر بالظن ، وإنما يدل على حجية الظاهر كالظن ، فهو بإطلاقه من أدلة حجية الظاهر مطلقاً كالظن ، ولا يصلح لتقييد حجيته بالظن. ولا يبعد أن يكون المراد من كونه مأموناً كونه موجباً للأمن فعلا ، والحمل على الأمن النوعي محتاج إلى قرينة مفقودة.

الرابع : الوثوق بها وان لم يكن مستنداً الى ظاهر حسن. وقد يشهد له رواية أبي علي بن راشد : « لا تصل إلى خلف من تثق بدينه » (2)ونحوها رواية يزيد بن حماد (3). لكن مع أن المنصرف اليه من الدين الأصول لا الفروع ، محمول على ذلك بقرينة السؤال. نعم رواها الشيخ [قدس سره] بزيادة « وأمانته » ولا يجري فيها الاشكال المذكور. لكن التعدي عن الايتمام إلى سائر الاحكام لا يخلو من تأمل. وان كان هو الأقرب ، ولا سيما بملاحظة مرسل يونس المتقدم، فان الارتكاز العقلائي يناسب كون الوجه في الحجية هو الأمن لا الخصوصية في حسن الظاهر. فلاحظ.

وعن بعض : حجية مطلق الظن. وكأنه لرواية إبراهيم الكرخي. وقريب منه مرسل الفقيه : « من صلى الصلوات الخمس في جماعة فظنوا به كل خير » (4). وفيه : أنه لو تمَّ حمل الظن على ما هو محل الكلام


1) الوسائل باب : 41 من كتاب الشهادات حديث : 12.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 8.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 1.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 6.

[ مسألة 24 ] : إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول الى غيره [1].

[ مسألة 25 ] : إذا قلد من لم يكن جامعاً ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد أصلا [2].


يتعين تقييده بخبر ابن راشد بل ومرسل يونس بالأولوية ، فيحمل على الظن الاطمئناني.

وأما الشياع الموجب للعلم : فليس بحجة ، وانما الحجة هو العلم لا غير كما تقدم في نظيره.

والمتحصل مما ذكر : أن طرق العدالة ثلاثة : العلم ، والبينة ، والوثوق ، سواء أحصل من حسن الظاهر أم من غيره. ومنه تعرف الاشكال فيما ذكره المصنف [قدس سره] عبارة ومؤدى. واللّه سبحانه الهادي.

[1] قال في الفصول : « ولو تسافل المجتهد عن الاجتهاد ، أو صار مجنونا مطبقاً ، ففي إلحاقه بالميت في الحكم السابق وجهان أظهرهما ذلك ... » ولكن الذي يظهر من بعض أدلة وجوب العدول عن الميت : أن وجوب العدول هنا من المسلمات. والذي تقتضيه القواعد ما ذكره في الفصول ، وكذا في بقية موارد طروء فقد الشرائط ، إذ أكثر ما تقدم في جواز البقاء على تقليد الميت جار بعينه هنا. نعم لا يطرد بعضه في المقام ، ولكن ذلك لا يهم بعد اطراد غيره. فما لم ينعقد إجماع معتبر على وجوب العدول ينبغي الرجوع الى ما تقدم في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت (1)، فإن المسألتين من باب واحد.

[2] لبطلان التقليد بفقد شرطه.


1) راجع المسألة : 9.

فحاله حال الجاهل القاصر أو [1] المقصر.

[ مسألة 26 ] : إذا قلد من يحرّم البقاء على تقليد الميت فمات ، وقلد من يجوّز البقاء ، له أن يبقى على تقليد الأول في جميع المسائل إلا مسألة حرمة البقاء [2].

[ مسألة 27 ] : يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات وشرائطها وموانعها ومقدماتها [3] ، ولو لم يعلمها لكن علم إجمالا أن عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح [4] وان لم يعلمها تفصيلا.

[ مسألة 28 ] : يجب تعلم مسائل الشك والسهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالباً [5]. نعم لو اطمأن من نفسه أنه لا يبتلي بالشك والسهو صح عمله [6] وان لم يحصل العلم بأحكامهما.


[1] حرف العطف للتقسيم لا للترديد.

[2] كما تقدم في المسألة الخامسة عشرة.

[3] هذا الوجوب عقلي أو فطري ، لتوقف العلم بالفراغ عليه ، وهو واجب عقلا أو فطرة ، كما تقدم في أول الكتاب.

[4] لحصول العلم بالفراغ ولو إجمالا ، وهو كاف في نظر العقل. نعم بناء على اعتبار التمييز في حصول الامتثال في العبادات وجب العلم التفصيلي بإجزاء العبادة وشرائطها وموانعها. لكن التحقيق عدم اعتبار ذلك في العبادية عند العقلاء. مع أن الشك كاف في عدم الاعتبار بناء على التحقيق من الرجوع إلى البراءة في مثله.

[5] هذا الوجوب كسابقه.

[6] وكذا لو لم يطمئن فاتفق عدم الابتلاء بها ، أو ابتلي بها فعمل

[ مسألة 29 ] : كما يجب التقليد في الواجبات والمحرمات يجب في المستحبات ، والمكروهات والمباحات [1]. بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات أو المعاملات أو العاديات.


على أحد الاحتمالات فاتفق كونه مطابقاً للواقع أو للحجة. لما عرفت من الاجتزاء عقلا بالعمل المعلوم كونه مطابقاً للواقع أو قامت الحجة على ذلك. وأما الاطمئنان بعدم الابتلاء فلا أثر له في الصحة ، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. نعم له دخل في نفي العقاب ، فلو احتمل الابتلاء فلما ابتلي بالواقعة احتمل التكليف بأحد الوجوه مثل حرمة قطع الفريضة ، فإنه لو قطعها حينئذ كان آثماً في نظر العقل ، لأنه مقدم على مخالفة التكليف المحتمل المنجز على تقدير ثبوته. نعم مع الاطمئنان بعدم الابتلاء لو اتفق الابتلاء فعمل على أحد الوجوه في موارد الدوران بين المحذورين كان معذوراً في نظر العقلاء ، كما هو كذلك في سائر موارد الدوران بين المحذورين بعد الفحص واليأس. فحكم العمل قبل الفحص مع الاطمئنان بعدم الابتلاء حكم العمل بعد الفحص واليأس عن الدليل في عدم استحقاق العقاب.

[1] لا يخفى أن الفتوى [ تارة ] : تكون حجة للمكلف لا غير ، كما لو كان مفادها حكما غير لزومي. كالإباحة أو الاستحباب أو الكراهة فإنها حينئذ تكون حجة للعبد على نفي الحكم اللزومي كالحرمة والوجوب. [ وأخرى ] : تكون حجة عليه لا غير ، كما لو كان مفادها حكما لزومياً مع عدم احتمال حكم لزومي على خلافه ، كما لو كان مفادها وجوب فعل مع عدم احتمال الحرمة أو بالعكس. [ وثالثة ] : تكون حجة له وعليه كما لو كان مفادها حكما لزومياً مع احتمال حكم لزومي على خلافه ، كما لو أفتي بالوجوب مع احتمال الحرمة ، فإن الفتوى تكون للمولى حجة على

[ مسألة 30 ] : إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما ولم يعلم أنه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه ، يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا وبرجاء الثواب [1]. وإذا علم أنه ليس بواجب ، ولم يعلم أنه حرام أو مكروه أو مباح ، له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضاً.


الوجوب ، وللعبد حجة على نفي الحرمة. ولو أفتى بالحرمة مع احتمال الوجوب كان الأمر بالعكس. وربما لا تكون الفتوى حجة للمكلف ولا عليه ، كما لو أفتى بالإباحة مع العلم بانتفاء الوجوب والحرمة ، فإن مثل هذه الفتوى لا يصح اعتبار الحجية لها لا للمولى ولا للعبد. هذا كله بلحاظ العمل ، وأما بلحاظ التشريع فيصح اعتبار الحجية لها على أن تكون حجة للعبد في جواز اعتقاد الإباحة ، إذ لولاها كان اعتقاد الإباحة تشريعاً محرما.

وحينئذ نقول : يجب التقليد في جميع الأحكام - إلزامية كانت أم غيرها - من حيث جواز الالتزام بها ونفي التشريع. وأما من حيث العمل فان لم تكن الفتوى حجة على العبد ولا له لم يجب التقليد ، وان كانت حجة له - سواء أكانت حجة عليه أم لا - يجب التقليد ، سواء اكان هو الالتزام أم العمل ، اعتماداً على الفتوى ، لتوقف الأمن من العقاب عليه. وان كانت الفتوى حجة عليه لا غير لم يجب التقليد ، إذ لا أثر له في الأمن من العقاب ، لكون المفروض عدم كون الفتوى حجة له. وان شئت قلت : إذا كان مفاد الفتوى مطابقاً للاحتياط المطلق لا يجب التقليد لأنه لغو. وان كان مفادها مخالفا للاحتياط المطلق أو للاحتياط من وجه يجب التقليد. وان لم يكن المورد من موارد الاحتياط لا يجب التقليد ، لأنه لغو أيضا. فلاحظ وتأمل.

[1] الحكم المذكور مبني على جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من

[ مسألة 31 ] : إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الأول [1].

[ مسألة 32 ] : إذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقف والتردد يجب على المقلد الاحتياط أو العدول إلى الأعلم بعد ذلك المجتهد [2].

[ مسألة 33 ] : إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء [3]. ويجوز التبعيض في المسائل [4].


الامتثال التفصيلي ، فلو بني على عدم جوازه تعين تقييد الجواز في العبارة بصورة عدم التمكن من الاجتهاد أو التقليد. هذا إذا كان المورد من العبادات - كما هو ظاهر العبارة - وإلا فلا حاجة إلى التقييد.

[1] هذا ينبغي أن يكون من الواضحات ، لاختصاص أدلة جواز رجوع الجاهل إلى العالم بصورة عدم اعترافه بخطإ الواقع.

[2] هذا نظير ما سبق ، لاعتراف المفتي بالخطإ في الاستناد وان لم يعترف بخطإ الواقع لجهله بذلك.

[3] إجماعا من القائلين بجواز التقليد ، من دون فرق بين صورة الاتفاق في الفتوى والاختلاف ، وموافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الآخر وغيرها. نعم مع الاتفاق في الفتوى قد عرفت أنه يجوز تقليدهما معاً كما يجوز تقليد أحدهما بعينه (1).

[4] قد عرفت أنه مع اختلاف المجتهدين في الفتوى تسقط إطلاقات أدلة الحجية عن المرجعية ، وينحصر المرجع بالإجماع ، فمشروعية التبعيض تتوقف على عموم الإجماع على التخيير بينهما لصورة التبعيض. لكن لم


1) راجع المسألة : 8.

وإذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك ، فالأولى بل الأحوط اختياره [1].

[ مسألة 34 ] : إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم ، ثمَّ وجد أعلم من ذلك المجتهد ، فالأحوط العدول الى ذلك الأعلم [2] وان قال الأول بعدم جوازه.


يتضح عموم الإجماع ولم أقف عاجلا على من ادعاه ، بل يظهر من بعض أدلة المانعين عن العدول في غير المسألة التي قد قلد فيها المنع عن التبعيض فراجع كلماتهم. ومثلها دعوى السيرة عليه في عصر المعصومين (عليهم السلام). فالتبعيض إذاً لا يخلو من إشكال. نعم بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين لا مانع من التبعيض لإطلاق أدلة الحجية. إذ قد أشرنا في أوائل الشرح (1)الى أن اختلاف المجتهدين في الفتوى لا يوجب سقوط أدلة الحجية على هذا المبنى. فلاحظ.

[1] لما عرفت آنفا (2)من نسبة القول بوجوب تقديم الأورع إلى جماعة ، وأنه الذي تقتضيه أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير في الحجية من دون ظهور دليل على خلافها. وبناء العقلاء على التخيير وعدم الترجيح بالأورعية غير ثابت ، بل الظاهر عدم ثبوت بنائهم مع اختلاف الفتوى ، كسائر إطلاقات أدلة الحجية ، فإنها جميعاً لا تشمل صورة التعارض.

[2] أقول : المسألة لها صورتان :

الاولى : أن يقلد أحد المجتهدين المتساوين في الفضل في المسائل الفرعية غير مسألة جواز العدول إلى الأعلم ، ثمَّ بعد مدة يصير غيره أعلم منه ، فاذا


1) راجع المسألة : 8.

2) راجع المسألة : 13.


التفت المقلد الى ذلك شك في جواز البقاء وحرمته ، وحينئذ يمتنع أن يرجع في جواز البقاء الى المجتهد الذي قد قلده ، للشك في حجية فتواه ، فلا بد أن يرجع الى غيره. نظير ما لو مات المجتهد ، فان الشك في حجية فتواه بعد الموت لا يرتفع بفتواه بجواز البقاء على تقليد الميت ، فيتعين على المقلد بمقتضى حكم عقله الرجوع الى الحي. وكذا في مسألتنا يتعين عليه الرجوع الى الأعلم ، ولا يلتفت الى فتوى من قلده مهما كانت ولو كانت حرمة العدول ، لامتناع رجوعه إليه في ذلك بعد كون مناط الشك في الحجية موجوداً في مسألة جواز البقاء كسائر المسائل الفرعية. هذا حال المقلد في نفسه بملاحظة شكه. وأما حكمه بعد الرجوع إلى الأعلم في مسألة جواز البقاء وعدمه فهو وجوب العدول ، لأن بناء العقلاء على وجوب الرجوع الى الأعلم لا فرق فيه بين الابتداء والاستدامة ، وكما يجب الرجوع إليه في الابتداء يجب العدول إليه في الاستدامة.

الصورة الثانية : أن يقلده في هذه المسألة بالخصوص ثمَّ يصير غيره أعلم فإن الرجوع إليه في هذه المسألة ممتنع ، لأنه من إثبات حجية الفتوى بالفتوى نفسها ، ولأجل ذلك كان عدم جواز رجوع المقلد اليه فيها أوضح من الصورة السابقة لاختلاف الموضوع فيها ، لأن الرجوع إليه في المسألة الأصولية بلحاظ البقاء في المسألة الفرعية ، وفي هذه الصورة يكون الرجوع إليه في المسألة الأصولية بلحاظ البقاء فيها نفسها ، فيتعين عليه الرجوع فيها الى غيره ، ولا يلتفت الى فتوى مرجعه الأول أصلا ، وحكمه بعد الرجوع الى الأعلم أيضاً وجوب العدول في المسائل الفرعية ، وأما المسألة الأصولية - أعني : مسألة جواز البقاء وعدمه - فلا يمكن فيها البقاء والعدول لكون المفروض الرجوع فيها الى غيره ، فلو كانت فتوى غيره الأعلم وجوب البقاء فالمراد البقاء في المسائل الفرعية لا المسألة الأصولية ، كما هو

[ مسألة 35 ] إذا قلد شخصاً بتخيل أنه زيد فبان عمراً [1] ، فان كانا متساويين في الفضيلة ولم يكن على وجه التقييد صح ، والا فمشكل [2].


واضح بالتأمل.

هذا وكأن تعبير المصنف [رحمه اللّه] بقوله : « فالأحوط العدول » ، مبني على عدم جزمه بوجوب تقليد الأعلم وأنه أحوط كما تقدم. لكن قد يشكل : بأن كونه أحوط يختص بالتقليد الابتدائي ، وأما في مسألة العدول فليس العدول أحوط ، لوجود القول بحرمة العدول ، فالأحوط فيها الرجوع الى أحوط القولين اللّهم إلا أن يختص كلامه بصورة كون قول المعدول إليه أحوط ، فيرجع الى الأخذ بأحوط القولين. أو يختص بالصورة الأولى مع البناء على أن الرجوع في مسألة جواز العدول والبقاء من قبيل التقليد الابتدائي ، لان تقليده الأول كان في غيرها من المسائل الفرعية. لكنهما معا خلاف ظاهر العبارة.

[1] يشكل فرضه بناء على أن التقليد هو العمل وقد كان المجتهدان متفقين في الفتوى. نعم مع الاختلاف فيها ، أو القول بأنه الالتزام ، يكون الفرض ظاهراً.

[2] بل الظاهر جريان حكم العمل بلا تقليد ، لأن فوات القيد يستلزم فوات المقيد. [ ودعوى ] : أن الشخص الذي قلده جزئي حقيقي ، والجزئي لا يقبل الإطلاق كي يقبل التقييد ، فلا بد أن يرجع القيد إلى الداعي ، وحينئذ لا يقدح تخلفه لأن الداعي إنما يؤثر بوجوده العلمي لا بوجوده الخارجي ، والوجود العلمي غير منتف ، بل المنتفي إنما هو الوجود الخارجي. [ مندفعة ] : بأن ذلك يتم بالإضافة إلى العوارض الطارئة على نفس الوجود الخارجي ، أما ما كان طارئاً حقيقة على الصورة الذهنية - مثل الإرادة والكراهة والايتمام والتقليد

[ مسألة 36 ] : فتوى المجتهد تعلم بأحد أمور [ الأول ] أن يسمع منه شفاها [1]. [ الثاني ] : أن يخبر بها عدلان [2] [ الثالث ] : إخبار عدل واحد [3]. بل يكفي إخبار شخص موثق [4] يوجب قوله الاطمئنان وان لم يكن عادلا [ الرابع ] الوجدان في رسالته ، ولا بد أن تكون مأمونة من الغلط [5].


والبيع والطلاق ونحوها - فلا مانع من تقييد تلك الصورة في مقام الموضوعية لهذه الطوارئ ، فالموضوع الخارجي إذا كان فاقداً لقيد الصورة لا يصح أن يكون موضوعا للطارئ ولو بالعناية والمجاز ، فالشخص الذي لم يكن زيداً في فرض المسألة غير مقلد ، لأن التقليد إنما طرأ على المقيد بزيد ، وكذا الحال في غيره. فان كان من يقلده بعد الالتفات هو الذي قلده أولا - لكونه أعلم ، أو مساويا وقد اختاره - صح العمل ، وان كان قد قلد غيره - إما لكونه أعلم أو مساويا فاختاره - تعين العمل على طبق فتواه من حيث صحة العمل الأول وفساده.

[1] فيأخذ ولو بظاهر كلامه ، الذي هو حجة بلا إشكال.

[2] بناء على ثبوت عموم يقتضي حجية البينة بنحو يشمل المقام ، كما ادعاه شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في رسالة الجماعة ونسب الى المشهور في كلام غير واحد. ويأتي - إن شاء اللّه - في مبحث المياه (1)تقريبه.

[3] لا يخفى ما في المقابلة بينه وبين البينة.

[4] بناء على عموم حجية خبر الثقة في الأحكام الكلية لمثل المقام ، من جهة دلالة الخبر عن الفتوى بالالتزام على ثبوت الحكم الكلي ، كما أشرنا الى ذلك في المسألة العشرين.

[5] بل يكفي أن تكون مورداً لأصالة عدم الخطأ المعول عليها عند


1) في المسألة : 6 من الفصل المتعرض لأحكام البئر.

[ مسألة 37 ] : إذا قلد من ليس له أهلية الفتوى ثمَّ التفت وجب عليه العدول [1]. وحال الأعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلد. وكذا إذا قلد غير الأعلم وجب على الأحوط [2] العدول إلى الأعلم. وإذا قلد الأعلم ثمَّ صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول الى الثاني ، على الأحوط.

[ مسألة 38 ] : ان كان الأعلم منحصراً في شخصين ولم يمكن التعيين ، فإن أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط [3] ، والا كان مخيراً بينهما.


العقلاء والظاهر أنه يكفي في جريانها عدم الظن بالغلط الناشئ من كثرته. هذا إذا كانت الرسالة بخط المجتهد ، أما لو كانت بغير خطه اعتبر أن يكون الكاتب ثقة لأن الكتابة نوع من الخبر عن الفتوى.

[1] بل هو في الحقيقة تقليد ابتدائي لا عدول. وكذا الحال فيما بعده.

[2] قد عرفت سابقا أنه الأقوى. وكذا ما بعده. مضافا الى ما عرفت في المسألة الرابعة والثلاثين من أن كون العدول في الفرض أحوط غير ظاهر ، لوجود القول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم.

[3] تقدم التعرض لهذا في المسألة الحادية والعشرين ، وذكرنا هناك أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط على العامي ، من دون فرق بين أن يتردد الأعلم بين اثنين أو عشرة - مثلا - وبين غيره من الفروض. ولا تبعد دعوى السيرة أيضاً على ذلك ، لندرة تساوي المجتهدين ، وغلبة حصول التفاوت بينهم ولو يسيرا ، وشيوع الجهل بالأفضل وفقد أهل الخبرة في أكثر البلاد. وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جدا.

[ مسألة 39 ] : إذا شك في موت المجتهد ، أو في تبدل رأيه ، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده ، يجوز له البقاء [1] الى أن يتبين الحال.

[ مسألة 40 ] : إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان ، ولم يعلم مقداره ، فان علم بكيفيتها وموافقتها للواقع ، أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلفاً بالرجوع اليه [2] فهو ، والا فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط وان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن [3].


[1] للاستصحاب.

[2] يعني : بالرجوع اليه حين الالتفات إلى ذلك ، لا حين العمل ، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. لكن سيأتي في المسألة الثالثة والخمسين تفصيل في المسألة. فانتظر.

[3] يعني : المتيقن بطلانه ، إما يقينا وجدانيا ، لليقين بمخالفته للواقع ، أو تنزيلا ، لمخالفته لفتوى من يجب الرجوع اليه بذلك. ووجه عدم وجوب قضاء المشكوك أصالة الصحة ، لاحتمال مصادفته للواقع ، بناء على جريانها في مثل ذلك ، وعدم اختصاصها بصورة عدم الشك على تقدير الالتفات ، كما يشهد به خبر الحسين بن أبي العلاء (1). ولعله مورد لبناء العقلاء. وسيأتي التعرض لذلك في مباحث الوضوء (2)إن شاء اللّه. وان كان الظاهر من المصنف [رحمه اللّه] في جملة من الفروع الآتية هناك هو التأمل والاشكال في ذلك.


1) الوسائل باب : 41 من أبواب الوضوء حديث : 1.

2) راجع المسألة : 51 من فصل شرائط الوضوء. ويأتي أيضا في المسألة : 11 من فصل الماء المشكوك من مباحث المياه.

[ مسألة 41 ] : إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد ، لكن لا يعلم أنها كانت عن تقليد صحيح [1] أم لا ، بنى على الصحة.


ويحتمل أن يكون الوجه في عدم وجوب القضاء : أنه بأمر جديد وموضوعه فوت الواجب ، ولا يمكن إحرازه بالأصل. لكن يشكل : بأن مقتضى الجمع بين أدلة القضاء والأداء ، أنه بالأمر الأول ، وأن وجوب الأداء في الوقت بنحو تعدد المطلوب ، فيكفي في وجوب القضاء استصحاب التكليف. مع أن الظاهر من أدلة القضاء أن الفوت المأخوذ موضوعا مجرد ترك الواجب في وقته ، وهو مما يمكن إثباته بالأصل. نعم مع العلم بالكيفية لو جهل انطباق الواجب على المأتي به ، أشكل جريان أصالة عدم الواجب ، لأنه من قبيل الأصل الجاري في المفهوم المردد بين معلوم الوجود ومعلوم الانتفاء ، المحقق في محله عدم جريانه.

هذا لو كان الشك حادثا بعد العمل ، أما إذا كان مقارنا ، بأن كان المكلف ملتفتا حين العمل الى عدم التقليد في عمله ، فلا مجال لأصالة الصحة ، لاختصاص أدلتها بصورة حدوث الشك بعد العمل. كما أنه لو كان الشك في القضاء ناشئاً من الشك في التكليف بالأداء - كما لو كان عمره عشرين سنة ، وشك في أن بلوغه كان في سن خمس عشرة أو أربع عشرة - فإنه لا ريب في عدم وجوب القضاء ، لأصالة البراءة.

[1] صحة التقليد وفساده إنما يكونان مجرى للأصول الشرعية إذا كانا مورداً لأثر عملي ، ولا يتضح ذلك إلا في فروض عدول العامي عن المجتهد إلى غيره مع اختلافهما في الفتوى ، بأن كان رأي الثاني بطلان العمل المطابق لفتوى الأول. فإن قلنا بعدم لزوم التدارك بالقضاء إذا كان تقليده للأول صحيحاً ، كانت صحة التقليد موضوعا للأثر العملي ، فيجري الأصل لإثباتها

[ مسألة 42 ] : إذا قلد مجتهداً ، ثمَّ شك في أنه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص [1].

[ مسألة 43 ] : من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الإفتاء [2].


كما في سائر موارد الشك في الصحة. غاية الأمر أن الصحة هنا إنما صارت موضوعا للأثر العملي بلحاظ كونها قيد موضوع الأثر ، وهو صحة العمل المستوجبة للاجزاء ، نظير صحة الوضوء المأخوذة قيدا في موضوع صحة الصلاة. وكذا الحال لو شك في كون عمله عن تقليد صحيح مع شكه في أصل التقليد ، فإن أصل الصحة في عمله كاف في الاجتزاء به ، وعدم الاحتياج إلى الإعادة أو القضاء. هذا وسيأتي في المسألة الثالثة والخمسين ما له نفع في المقام فانتظر.

[1] إذ لا فرق بين الابتداء والبقاء ، فكما يجب الفحص في التقليد الابتدائي - لعدم حجية مشكوك الحجية - كذلك في البقاء على التقليد. نعم لو علم باجتماع الشرائط فيه سابقاً بنى على بقائها ، للاستصحاب ، كما تقدم.

[2] كما صرح به جماعة من الأعيان ، مرسلين له إرسال المسلمات ، وظاهر المسالك وغيرها : أنه إجماعي.

إما لأنها منصب للنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والامام علي (عليه السلام) من بعده ، فلا تجوز بغير إذنهما ، ولا إذن مع فقد بعض الشرائط. لكن دليله غير ظاهر ، إذ ما تقدم من أدلة الشرائط إنما يدل على اعتبارها في حجية الفتوى لا في جوازها تكليفاً ، ولا على كونها من المناصب المختصة بالمعصوم. وأما ما دل على حرمة القول على اللّه سبحانه بغير علم (1)، فإنما يقتضي حرمة الفتوى


1) أما من الكتاب العزيز فكثير من الآيات. وأما من السنة فاحاديث كثيرة ارجع الى بعضها في الوسائل باب : 4 من أبواب صفات القاضي.

وكذا من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس [1].


من غير المجتهد لا من المجتهد الفاقد لبقية الشرائط. بل يشكل اقتضاؤه الحرمة في غير المجتهد إذا كانت فتواه تطابق فتوى مرجعه في العمل ، لأن حجية فتواه كافية في صدق العلم بالحكم ، فالفتوى - اعتماداً عليها - قول على اللّه بعلم. نعم لو اعتمد على رأيه الناقص ، كان تشريعاً منه في حجية رأيه ، فيكون به آثما ، لا أنه قول بغير علم.

وإما لأنها إغواء وإضلال ، لأن تكليف المفتي له لزوم العمل بغيرها. ولكنه يشكل [ أولا ] : بأنه لا يتم ذلك مع موافقتها لفتوى الجامع للشرائط. [ وثانياً ] : بأن المفتي إذا كان عالماً بالحكم ولو من جهة قيام الحجة عنده عليه تكون الفتوى موافقة لما دل على وجوب الاعلام ، وعدم الحجية لا ينافي ذلك. نظير ما لو أخبر غير الثقة عند المخبر بثبوت الحكم الواقعي المعلوم لديه ، فإنه اخبار عن الحكم الواقعي ولا يكون إضلالا ولا إغواء أصلا. ولا سيما إذا قال المفتي - بعد أن أفتى بوجوب شي‌ء - : أن فتواي ليست بحجة ، وليس عليك العمل بها ، وانما عليك العمل بفتوى فلان.

فالمتحصل إذاً : أنه لا دليل على حرمة الفتوى ممن فقد بعض الشرائط إلا إذا صدق عليها أنها فتوى بغير علم. وان كان الذي يظهر منهم - 5 - التسالم على إطلاق الحرمة. فراجع كلماتهم.

[1] بلا إشكال فيه ، ولا خلاف ظاهر. وفي المسالك : أنه موضع وفاق بين أصحابنا ، وقد صرحوا بكونه إجماعياً انتهى. ويقتضيه ظهور النصوص والفتاوى في كونه من المناصب المختصة بالإمام ، على نحو لا يجوز لغيره التصدي له إلا بإذنه. ففي رواية إسحاق بن عمار أنه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح : « يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي ، أو وصي نبي ،

وحكمه ليس بنافذ. ولا يجوز الترافع اليه [1]. ولا الشهادة عنده [2]. والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام وان كان الآخذ محقاً [3].


أو شقي » (1). ورواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « اتقوا الحكومة ، فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء ، العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي » (2).

[1] وفي المسالك : « إن ذلك كبيرة عندنا ». ويقتضيه ما دل على حرمة الإعانة على الإثم (3)، وما دل على حرمة الأمر بالمنكر (4)، وفي مقبولة ابن حنظلة الواردة في التحاكم إلى السلطان وإلى القضاة قال (عليه السلام) : « من تحاكم إليهم في حق أو باطل ، فإنما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنما يؤخذ سحتاً وان كان حقاً ثابتاً له ، لأنه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر اللّه تعالى أن يكفر به ... » (5)، ونحوها غيرها.

[2] بلا إشكال ظاهر ، لأنها معاونة على الإثم إذا كانت بقصد فصل الخصومة ، وإلا ففي صدق المعاونة على الإثم إشكال ، بل لا يبعد عدم الصدق. وحينئذ يشكل تحريمها ، إلا من باب الأمر بالمعروف ، على تقدير اجتماع شرائطه.

[3] كما هو المعروف والمدعى عليه الإجماع. ويقتضيه صريح ما تقدم


1) الوسائل باب : 3 من أبواب صفات القاضي حديث : 2.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب صفات القاضي حديث : 3.

3) قال تعالى ( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) - المائدة : 2 - ووردت به أحاديث كثيرة ارجع الى بعضها في الوسائل باب : 80 من أبواب جهاد النفس ، وباب : 71 ، 72 من أبواب مقدمات التجارة.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب الأمر بالمعروف حديث : 11 ، 12 ، 14.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب صفات القاضي حديث : 4.

إلا إذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده [1].


من مقبولة ابن حنظلة. وإطلاقه يقتضي عدم الفرق بين الدين والعين ، بل لعل ظاهر ما في صدرها من فرض التنازع في الدين أو الميراث ذلك ، إذ حمل الميراث على ما كان دينا بعيد جداً. وعلى هذا فالتحريم المذكور من قبيل التحريم بالعنوان الثانوي ، فيحرم التصرف فيه ، كما يحرم التصرف في المغصوب. وحملها على مجرد العقاب في الأخذ - وان جاز التصرف في المأخوذ - خلاف الظاهر بلا موجب له. واستبعاد ذلك لا يجدي في رفع اليد عن ظاهر الدليل. نعم مورد الرواية المأخوذ بحكم السلطان والقضاة ، فلا يعم المأخوذ بحكم غيرهم من فاقدي شرائط القضاء. اللّهم إلا أن يستفاد العموم من التعليل بقوله (عليه السلام) : « لأنه أخذه بحكم الطاغوت ... » إذ الظاهر شمول الطاغوت لكل متصد للقضاء المحرم. فتأمل جيداً.

هذا وقد يتوهم معارضة المقبولة بخبر ابن فضال في تفسير قوله تعالى : ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ ) (1)فكتب (عليه السلام) اليه بخطه : « الحكام القضاة » قال : « ثمَّ كتب تحته : هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي ، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم أنه ظالم » (2). ويدفعه - مع أن الخبر وارد في تفسير الآية الشريفة ، لا في بيان موضوع الحرمة مطلقاً ، واعتبار الظلم في صدق الباطل لا ينافي عدم اعتباره في صدق الحرمة ولو بعنوان آخر - : أنه لا يظهر منه أن المراد من القضاة قضاة الجور ، فيمكن حمله على قضاة العدل ولو من جهة الجمع العرفي بينه وبين المقبولة.

[1] فإنه يجوز ، كما عن جماعة منهم الشهيدان في الحواشي والمسالك.


1) البقرة : 188.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب صفات القاضي حديث : 9.

[ مسألة 44 ] : يجب في المفتي والقاضي العدالة [1]. وتثبت العدالة [2] بشهادة عدلين ، وبالمعاشرة المفيدة للعلم


وعن الأكثر المنع ، بل عن الروضة الإجماع عليه. وكأنه لإطلاق النصوص. ولكن لو سلم - ولم تتم دعوى الانصراف عن صورة الانحصار - فمحكوم بحديث نفي الضرر (1). ومنه يظهر الإشكال في الاستدلال على المنع بأن الترافع إعانة على الإثم ، فإنه مسلم ، لكن حديث نفي الضرر حاكم عليه. وكذلك الاستدلال على المنع بأن الترافع إليه أمر بالمنكر ، وهو حرام ، فان دليل تحريمه محكوم أيضاً لعموم نفي الضرر ، لحكومته على جميع أدلة التكاليف مهما كانت. ويؤيد الجواز ما ورد من الحلف كاذباً باللّه تعالى لدفع الضرر المالي (2).

ثمَّ إن مقتضى عموم نفي الضرر عدم الفرق بين صورة فقد وجود الجامع للشرائط ، وصورة تعسر الوصول اليه ، وصورة عدم نفوذ قضائه مطلقاً أو على خصوص المدعى عليه ، وصورة عدم إمكان إثبات الحق عنده ، لفقد مقدمات الحكم لمن له الحق. نعم تختص بصورة العلم بالحق وجداناً ، أو تعبداً ، لقيام حجة عليه من إقرار أو بينة أو غيرهما ، ولا تشمل صورة الجهل بالحق ، لعدم ثبوت الضرر المالي كي ينفى بدليل نفيه.

[1] أما في الأول فلما تقدم (3). وأما في القاضي فللإجماع.

[2] قد تقدم الكلام في طرق ثبوتها (4). كما تقدم منه - قدس سره -


1) راجع الوسائل باب : 16 من أبواب الخيار في كتاب البيع ، وباب : 5 من كتاب الشفعة ، وباب : 7 ، 12 من كتاب احياء الموات.

2) راجع الوسائل باب : 12 ، 42 من كتاب الايمان.

3) في المسألة : 22.

4) في المسألة : 23.

بالملكة ، أو الاطمئنان بها ، وبالشياع المفيد للعلم.

[ مسألة 45 ] : إذا مضت مدة من بلوغه وشك بعد ذلك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا ، يجوز له البناء على الصحة في أعماله السابقة [1] وفي اللاحقة يجب عليه التصحيح فعلا [2].

[ مسألة 46 ] : يجب على العامي أن يقلد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم أو عدم وجوبه [3] ، ولا يجوز أن يقلد غير الأعلم إذا أفتى بعدم وجوب تقليد الأعلم. بل لو أفتى الأعلم بعدم وجوب تقليد الأعلم يشكل جواز الاعتماد عليه [4]. فالقدر المتيقن للعامي تقليد الأعلم في الفرعيات.


الاكتفاء بحسن الظاهر المفيد للظن. وتقدم وجهه واشكاله. فراجع.

[1] كما سبق في المسألة الواحدة والأربعين.

[2] بالرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط. ولا يجوز له البناء على صحة الأعمال اللاحقة المطابقة للأعمال الماضية من جهة تلازمهما في الصحة ، لأن أصل الصحة - سواء قلنا أنه من الامارات أم من الأصول - لا يثبت اللوازم العقلية لقصور دليله عن ذلك. فالمقام نظير ما لو شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة فإن قاعدة الفراغ الجارية في الصلاة لا تثبت جواز الدخول في الصلاة الثانية بلا طهارة.

[3] فإن جواز تقليد الأعلم وان كان متيقناً لا يحتاج إلى التقليد ، لكن وجوبه وعدمه ، بحيث يجوز تقليد غير الأعلم مشكوك ، فلا بد فيه من التقليد.

[4] هذا الاشكال غير ظاهر ، لإطلاق دليل التقليد الشامل للمسألة

[ مسألة 47 ] : إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات والآخر أعلم في المعاملات ، فالأحوط تبعيض التقليد [1] وكذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات - مثلا - والآخر في البعض الآخر.

[ مسألة 48 ] : إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلم منه. وكذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الإعلام [2].


المذكورة وعموم بناء العقلاء عليه. وإلا أشكل تقليد الحي في جواز البقاء على تقليد الميت - الذي قد سبق منه قدس سره الجزم به (1)- مع أنه تقليد في حكم التقليد كمفروض المسألة. على أن وجوب تقليد الأعلم وعدمه ، كجواز البقاء على تقليد الميت ، من قبيل المسائل الفرعية ، لعدم وقوعها في طريق استنباط الاحكام لتكون من المسائل الأصولية.

[1] بل الأقوى ، لما عرفت آنفاً (2)من وجوب تقليد الأعلم ولو مع التبعيض ، لعدم الفرق في بناء العقلاء عليه.

[2] المستفاد من آية النفر الشريفة (3)وجوب الاعلام حيث يترتب عليه إحداث الداعي العقلي إلى العمل بالواقع الذي هو متعلق الاعلام ، لاختصاص الإنذار بذلك ، فاذا كان المكلف غافلا عن الحكم الكلي أو قاطعاً بالخلاف ، أو متردداً على نحو يكون جهله عذراً ، وجب إعلامه ، لما يترتب عليه من إحداث الداعي العقلي ، وإذا كان جاهلا جهلا لا يعذر فيه لا يجب إعلامه. وكذا لو انحصر الاعلام بطريق الخبر الذي لا يكون


1) في المسألة : 15.

2) في المسألة : 12.

3) تقدم ذكرها في شرح المسألة الثامنة.


حجة في نظر السامع ، فإنه لا يجب ، لعدم ترتب الأثر المذكور. ولا تبعد استفادة ذلك أيضاً مما تضمن أن الغرض من إرسال الرسل قطع اعذار المكلفين واقامة الحجة عليهم ، مثل قوله تعالى ( أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ) (1)( لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (2)( فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) (3)ونحوه. فتأمل. ثمَّ إن الظاهر اختصاص هذا الصنف من الآيات بالحكم الإلزامي ، فإذا كان المجهول حكما غير إلزامي لم يجب إعلامه.

وأما آية الكتمان (4)فظاهرها وجوب الإظهار في مقام الاستعلام ، سواء ترتب عليه الإنذار أم لا ، وسواء اكان الاستعلام بطريق السؤال - كما في المتردد إذا سأل عن الحكم - أم بمحض وجود الداعي إلى معرفة الحكم والعلم به وان كان غافلا عن ذلك ، سواء اكان معتقداً لخلاف الواقع أم غافلا عنه ، أم متردداً غافلا عن وجود من يجب سؤاله ، أم غير ذلك من موارد وجود الرغبة النفسانية في معرفة الحكم ، ولو لم تدفع إلى السؤال لوجود المانع. فيكون بين مفاد الآية الشريفة وما سبق العموم من وجه ، ولعدم التنافي بين المفادين - لكونهما من قبيل المثبتين - يتعين العمل بهما معاً. ولازم ذلك وجوب البيان مع السؤال وان لم يكن السائل معذوراً في جهله. بل لعلها تقتضي وجوبه مع عدم اعتقاد السائل حجية الخبر ، وقد عرفت عدم اقتضاء آية النفر وجوب الإعلام حينئذ.


1) المائدة : 19.

2) النساء : 165.

3) الانعام : 149.

4) وهي قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ ) البقرة : 159.

[ مسألة 49 ] : إذا اتفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة [1] ، وانه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته ، فلو فعل ذلك ، وكان ما فعله مطابقاً للواقع ، لا يجب عليه الإعادة.


وكيف كان ففي فرض المسألة ، كما يجب على الناقل أو المفتي خطأ إخبار الجاهل ، كذلك يجب على غيره من المكلفين ، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الاعلام. نعم بناء على حرمة التسبيب إلى فعل الحرام يتأكد وجوب الاعلام بالنسبة إلى الناقل والمفتي خطأ ، لاستناد عمل العامي إلى فعلهما. لكنه يختص بصورة الفتوى بإباحة الواجب ، أو الحرام ، ولا يطرد في غيرهما. مع أن الاستناد إلى الفتوى إنما يقتضي حرمتها لو كانت عمداً ، والمفروض خلافه ، وترك الإعلام الذي هو محل الكلام غير مستند اليه العمل.

وأما ما دل على أن من أفتى الناس بغير علم لحقه وزر من عمل بفتواه (1)، فهو وان دل على وجوب الإعلام فطرة وعقلا على خصوص المفتي تخفيفاً للوزر ، لكنه مختص بالفتوى بخلاف الواقع عمداً ، فلا يشمل ما نحن فيه. وسيأتي في بعض مباحث النجاسات (2)التعرض إلى قاعدة حرمة التسبيب فانتظر.

[1] قد عرفت في المسألة السادسة عشرة صحة الصلاة مع المطابقة للواقع ، ولو لم يكن المصلي قاصداً للسؤال وللامتثال على الوجه الصحيح على تقدير الخطأ ، حتى مع قصد الاقتصار على بعض المحتملات. نعم لا بد


1) الوسائل باب : 4 من أبواب صفات القاضي حديث : 1.

2) في المسألة : 32 من فصل أحكام النجاسات.

[ مسألة 50 ] : يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد ، أو عن الأعلم ، أن يحتاط في أعماله [1].

[ مسألة 51 ] : المأذون والوكيل ، عن المجتهد في التصرف في الأوقات أو في أموال القصر ، ينعزل بموت المجتهد [2]. بخلاف المنصوب من قبله ، كما إذا نصبه متولياً للوقف أو قيما على القصر ، فإنه لا تبطل توليته وقيمومته على الأظهر [3].


من الإتمام في الفرض برجاء الواقع ، وإلا كان تشريعاً محرما ، فيلحقه حكمه من البطلان في بعض صوره ، حسبما حررناه في الأصول.

[1] لعدم الأمن من العقاب بدونه ، ويكفي في الاحتياط الأخذ بأحوط القولين أو الأقوال. لكن في وجوب الاحتياط على العامي في صورة الفحص عن الأعلم تأمل ، لاحتمال عموم دعوى الاتفاق على جواز التقليد للفرض ، وان لم يحضرني عاجلا من ادعاه صريحاً ، فلا بد من مراجعة كلماتهم.

[2] لارتفاع الاذن بالموت ، وبطلان الوكالة به إجماعا.

[3] أقول : المجتهد الجاعل للولاية ، [ تارة ] : يجعلها عن نفسه للولي ، بحيث تكون ولاية الولي من شؤون ولاية المجتهد الذي نصبه. [ وأخرى ] : يجعلها عن الامام (عليه السلام) ، فتكون من شؤون ولاية الإمام (عليه السلام) وان كان الجاعل لها المجتهد ، بناء على أن له ولاية الجعل عنهم (عليهم السلام) . وما ذكره في المتن ، يتم في الثانية لا في الاولى. وحينئذ فاللازم التفصيل بين الصورتين. إلا أن يقوم إجماع على خلافه ، كما يظهر مما عن الإيضاح من نفي الخلاف عن عدم انعزال الأولياء والقوام المجعولين من قبل المجتهدين


ولذلك قال في الجواهر في كتاب القضاء - بعد ما حكى ما عن الإيضاح - : « إن تمَّ إجماعا فذاك ، وإلا كان المتجه ما ذكرنا [ يعني : الانعزال ] نعم لو كان النصب وكيلا أو ولياً عن الامام ، وكان ذلك جائزاً له ، لم ينعزل قطعاً ».

نعم قد يستشكل في صحة الصورة الأولى : بأن النيابة عن المجتهد إنما تصح لو كانت الولاية ثابتة للمجتهد بما هو في مقابل الامام ، أما إذا كانت ثابتة له بما هو نائب عن الامام ، فلا يصح منه جعلها لغيره بعنوان كونه نائباً عنه ، إذ ليس لذاته موضوعية في الأثر المذكور ، فلا معنى للنيابة عنه فيه ، إذ لا معنى للاستخلاف عن شخص فيما ليس له. ولكن يدفعه : أن نيابة الولي عن المجتهد على الأول ليس في نفس الولاية بل في نيابته عن الإمام في الولاية ، فالمقام نظير ما لو كان في ذمة زيد واجب فاستناب فيه عمراً ، فلما اشتغلت ذمة عمرو بالواجب المستناب فيه مات فاستناب وارثه بكراً عنه ، فبكر ينوب عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب ، لا أنه ينوب عن زيد بالواجب. وهكذا لو استناب بكر شخصاً ثالثاً - كخالد - فإنه ينوب عن بكر في النيابة عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب. فاذاً لا مانع ثبوتاً من جعل المجتهد الولاية لشخص على كل من النحوين.

نعم قد يشكل إثباتا جعلها على النحو الثاني ، كما تقدمت الإشارة إليه في عبارة الجواهر المتقدمة ، من جهة عدم ظهور دليل عليه ، فان العمدة في ولاية الفقيه ما دل على كونه حاكما وقاضيا ، وثبوت ذلك للحكام والقضاة الذين كانوا في عصر صدور النصوص المتضمنة لذلك غير ظاهر ، والمتيقن ثبوتها على النحو الأول ، فإذا جعلها المجتهد على النحو الثاني فالمرجع أصالة عدم ترتب الأثر. ويدفع ذلك أن المرتكز في أذهان المتشرعة ويستفاد

[ مسألة 52 ] : إذا بقي على تقليد الميت من دون أن يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد [1].


من النصوص (1): أن منصب القضاء منصب نيابي ، فجميع الوظائف التي يؤديها القاضي - من فصل خصومة ونصب قيم ونحو ذلك - يؤديه نيابة عن الامام ، فمنصوبه منصوب الامام ، ولا يقصد به كونه نائباً عن الإمام أو عن المجتهد ، ولازم ذلك البناء على عدم البطلان بالموت. مع أنه لو سلم كون منصوب المجتهد نائبا عنه فانعزاله بالموت غير ظاهر ، لجواز كون نيابته من قبيل نيابة الوصي لا الوكيل الذي قام الإجماع على انعزاله بالموت.

ثمَّ لو بني على جواز الجعل لكل من النحوين ، وأنه على التقدير الأول ينعزل بموت المجتهد ، فشك في كيفية الجعل امتنع الاستصحاب ، لتردد المجعول بين فردين معلوم الزوال ومعلوم البقاء ، ولا أثر للجامع ليجري استصحابه. وأما استصحاب جواز التصرف فهو من الاستصحاب التعليقي المعارض بأصالة عدم ترتب الأثر ، كما حقق في محله.

[1] لأن المراد من صحة التقليد كونه جاريا على الموازين العقلائية ، وهذا المعنى مفقود في صورة الشك في جواز البقاء. وكذا في صورة الغفلة عن ذلك واعتقاده جواز البقاء ، فإنه وان كان معذوراً في هذه الصورة عند العقل ، لكنه لا يخرج عن كونه غير جار على الموازين العقلائية ، لأن جواز البقاء على تقليد الميت مشكوك ، والغفلة عن ذلك لا تجعله صحيحاً ، كما لو غفل وقلد من لا يكون واجدا للشرائط كالكافر والفاسق. كما أن كون رأي الحي جواز البقاء على تقليد الميت لا يجعله صحيحا ، إذ لا يكون به جاريا على الموازين اللازمة في التقليد. نعم لو كان قد اجتهد في مسألة


1) راجع الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي.

[ مسألة 53 ] : إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الأربع واكتفى بها ، أو قلد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة ، ثمَّ مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد ، لا يجب عليه إعادة الأعمال السابقة [1].


جواز البقاء على تقليد الميت فأدى رأيه الى ذلك كغيره من المجتهدين كان تقليده بذلك صحيحا. لأن التقليد الصحيح لا بد أن يكون من مباديه الاجتهاد لما عرفت آنفا من أن حجية التقليد لا بد أن تنتهي إلى الاجتهاد ، لئلا يلزم الدور أو التسلسل. وعلى هذا لا بأس باستثناء هذه الصورة من حكم المسألة لكن المنصرف من العبارة غيرها.

[1] هذا إما مبني على اقتضاء موافقة الأمر الظاهري للاجزاء. لكن المحقق في محله خلافه ، لقصور أدلته عن إثبات ذلك ، وإطلاق دليل الواقع محكم. أو على دعوى قيام الدليل عليه بالخصوص ، وهو إما ظاهر الإجماع بل نسب إلى بعض دعوى صريح الإجماع بل الضرورة عليه. وفيه - مع أنه غير ثابت - : أن المحكي عن العلامة والعميدي [ قدهما ] دعوى الإجماع على خلافه. وإما لأنه لولاه لم يبق وثوق بالفتوى. لكنه جار في كثير من موارد الأحكام الظاهرية التي يحتمل قيام أمارة في المستقبل على خلافها وإما لدعوى قيام السيرة عليه. لكنها غير ثابتة أيضا. وإما لدعوى كونه مقتضى نفي العسر والحرج. لكنها غير مطردة في جميع فروض المسألة.

وإما لأن ما دل على جواز العدول أو وجوبه إنما دل عليه بالإضافة إلى الوقائع اللاحقة ، إذ العمدة فيهما الإجماع أو أصالة التعيين في الحجية عند الدوران بينه وبين التخيير ، وكلاهما لا يثبتان الحجية بالإضافة إلى الوقائع السابقة ، لإهمال الأول فيقتصر فيه على القدر المتيقن ، ولا سيما مع تصريح جماعة من الأعاظم بالرجوع في الوقائع السابقة إلى فتوى الأول وعدم وجوب


التدارك بالإعادة أو القضاء. ولورود استصحاب الأحكام الظاهرية الثابتة بمقتضى فتوى الأول في الوقائع السابقة على أصالة التعيين ، لأنها أصل عقلي لا يجري مع جريان الأصل الشرعي. وبالجملة : استصحاب الحجية لفتوى الميت بالإضافة إلى الوقائع السابقة لا يظهر له دافع.

نعم لو كان دليل حجية فتوى الحي بعينها دليلا لفظيا أمكن التمسك بإطلاقه بالإضافة الى جميع الوقائع لاحقة وسابقة. لكنه غير ظاهر ، كما عرفت في مسألة جواز تقليد الميت.

وكذا الحال في جميع الموارد التي يكون فيها العدول الى مجتهد مخالف في الفتوى للمرجع في الزمان السابق إذا كان دليله لبيا لا يمكن التمسك بإطلاقه بالإضافة إلى الوقائع السابقة ، فإن القدر المتيقن في حجية فتوى اللاحق لما كان خصوص الوقائع اللاحقة كان المرجع في الوقائع السابقة استصحاب الحجية لفتوى السابق بلا مانع. فاذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط فعدل المقلد إلى غيره المحالف له في الفتوى اقتصر في العدول على الوقائع اللاحقة لا غير. نعم لو كان العدول لأجل أعلمية المعدول اليه فوجوب العدول إليه يقتضي تدارك الأعمال السابقة ، لإطلاق دليل حجية فتوى الأعلم حتى بناء العقلاء الشامل للأعمال السابقة كاللاحقة. أما في غير ذلك من من موارد العدول فالحكم فيه كما تقدم. وكذلك الحكم لو عدل المجتهد عن الفتوى بالطهارة إلى الفتوى بالنجاسة مثلا ، فان المقلد يجب عليه العمل بالفتوى اللاحقة في الوقائع المتجددة اللاحقة ، ولا يجب عليه التدارك بالإعادة أو القضاء بالإضافة إلى الوقائع السابقة لعين الوجه المتقدم. اللّهم إلا أن يقال : اعتراف المفتي بخطئه في فتواه الأولى مانع من صحة الاعتماد عليها من أول الأمر ، لأن حجيتها مشروطة بعدم الاعتراف بالخطإ ولو بعد حين ، فالفتوى التي يعلم بلحوق الاعتراف بالخطإ فيها ليست موضوعا لدليل الحجية ولا مشمولة لعمومه.

وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثمَّ مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة [1]. نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأما إذا قلد من يقول بطهارة شي‌ء - كالغسالة - ثمَّ مات وقلد من يقول بنجاسته ، فالصلوات والأعمال السابقة محكومة


نعم لو كان العدول لنسيان المستند من دون اعتراف منه بخطئه واحتمل صحته كان استصحاب الحكم الظاهري الثابت سابقاً في محله. فتأمل جيداً.

وأما حكم المجتهد نفسه بالإضافة إلى إعماله السابقة على العدول الى خلاف ما أفتى به أولا ، فالظاهر وجوب التدارك عليه ، لأن الدليل الدال في نظره على مضمون الفتوى اللاحقة لا فرق فيه بين الوقائع السابقة واللاحقة فمقتضى وجوب العمل به لزوم التدارك بالإعادة أو القضاء. ودليل الفتوى الاولى بعد نسيانه أو اعتقاده الخطأ فيه لا يصلح لإثبات صحة الأعمال السابقة كما هو ظاهر.

هذا ومقتضى ما ذكرنا في وجه عدم لزوم التدارك في مفروض مسألة المتن : أنه لو كان عمل العامي في مدة من عمره بلا تقليد غفلة أو عمدا ، فالمدار في صحة أعماله مطابقتها لفتوى من يجب الرجوع اليه حال العمل ، لا حال الالتفات أو الندم ، لحجية الفتوى السابقة في حقه دون اللاحقة. نعم لو فرض اختلاف الفتوى حال العمل ، فلأجل عدم حجية إحدى الفتويين بعينها قبل الاختيار ، يكون المدار في صحة العمل مطابقته لما يختاره من الفتويين ولو بعد العمل. أما مع فرض اتفاق الفتاوى حال العمل ، أو انفراد المجتهد المفتي ، فالمدار في صحة العمل مطابقته للفتوى حينه لا غير وان حدث الاختلاف في الفتوى بعد ذلك.

[1] لا فرق في جميع ما ذكرنا بين العبادات والمعاملات. والتفصيل بينهما

بالصحة وان كانت مع استعمال ذلك الشي‌ء. وأما نفس ذلك الشي‌ء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته [1]. وكذا في الحلية والحرمة ، فإذا أفتى المجتهد الأول بجواز الذبح بغير الحديد مثلا. فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد وقلد من يقول بحرمته ، فان باعه أو أكله حكم بصحة البيع واباحة الأكل. وأما إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله ، وهكذا.


بوجوب التدارك في الثانية دون الاولى ، بدعوى اختصاص الإجماع على عدم التدارك بها دون الثانية. ضعيف ، لما عرفت من منع الإجماع ، والمتعين العمل بما ذكرنا.

والمتحصل منه أمور : [ الأول ] : إذا عدل جوازاً أو وجوبا لا يجب عليه تدارك الأعمال السابقة المخالفة لفتوى المعدول اليه إلا إذا كان أعلم. [ الثاني ] : إذا عدل المجتهد عن فتواه الى ما يخالفها عملا وجب على مقلديه تدارك الأعمال السابقة المخالفة للفتوى اللاحقة إذا كان يعترف بخطئه في الفتوى. [ الثالث ] : ان حكم المجتهد نفسه لو عدل إلى ما يخالف فتواه وجب تدارك الأعمال السابقة المخالفة للمعدول إليها [ الرابع ] أن العامل بلا تقليد المدار في صحة عمله الموافقة للفتوى حين العمل ، إلا إذا تعددت واختلفت فان المدار الموافقة للفتوى التي يختارها بعد ذلك [ الخامس ] : أن الكلام في هذه الأمور يطرد في العبادات والمعاملات على نسق واحد.

[1] هذا غير ظاهر ، فإن طهارة الماء من آثار عدم انفعاله بملاقاة النجاسة في مقام التطهير ، والملاقاة لما كانت سابقة كانت مورداً لتقليد الأول لا الثاني. وكذا الحال في حلية لحم الحيوان المذبوح بغير الحديد ،


فإنها من آثار تذكيته بغير الحديد ، وهي واقعة سابقة يكون المرجع فيها فتوى الأول وتترتب عليها أحكامها ، فلا فرق بين الزوجة المعقود عليها بالفارسية التي تبقى على الحلية بعد العدول الى الثاني ، لأن حليتها من آثار صحة العقد بالفارسي الواقع في حال تقليد الأول ، وبين المثالين المذكورين. وكذا لو قلد الأول في تطهير الثوب والبدن بالماء مرة ، ثمَّ بعد وقوع التطهير قلد الثاني ، فإن الطهارة في حال تقليد الثاني من آثار التطهير السابق ، فهو واقعة سابقة يرجع فيها الى تقليد الأول ، وهكذا الحال في أمثال ذلك من الموارد.

والمعيار : أن الأثر الثابت حال تقليد الثاني ان كان من آثار السبب الواقع في حال تقليد الأول فالعمل فيه على تقليد الأول ، وان كان من آثار أمر حاصل حين تقليد الثاني فالعمل فيه عليه لا على تقليد الأول. مثلا لو كان عنده مسكر فأفتى له الأول بطهارته فرتب عليه أحكام الطهارة ثمَّ مات فقلد من يقول بنجاسته وجب عليه اجتنابه ، لأن الحكم المذكور من آثار ذاته الحاضرة ، بخلاف حلية الزوجة المعقود عليها بالفارسية سابقاً ، أو اللحم المذبوح حيوانه بغير الحديد ، أو الثوب الذي طهره سابقا بالماء مرة ، أو الماء الملاقي للنجس في مقام التطهير أو نحو ذلك ، فان الجميع يرجع فيها الى فتوى الأول ، لاستنادها إلى أمر سابق صحيح في نظر الأول وقد قلده فيه ، ولا فرق في الواقعة السابقة بين سببية شي‌ء وعدمها ، واشتغال ذمة وفراغها وحصول امتثال وعدمه. فلاحظ وتأمل.

[ تنبيه ] : قد تقدم في المسألة الإحدى والأربعين أنه إذا شك في صحة التقليد بنى على الصحة ، وذكرنا هناك أن جريان أصل الصحة مبني على اعتبار صحة التقليد في الاجزاء ظاهراً بعد العدول. وهذا المبنى لا يتم بناء على ما ذكرنا ، لأن حجية الفتوى الأولى بالإضافة إلى الأعمال السابقة

[ مسألة 54 ] : الوكيل في عمل عن الغير كإجراء عقد أو إيقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو كفارة أو نحو ذلك - يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه [1] إذا كانا مختلفين. وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصياً في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون وفق فتوى مجتهد الميت.


حتى بعد العدول لم يشترط فيها التقليد. وحينئذ لو شك في صحة التقليد السابق ، فان رجع الى الشك في حجية الفتوى التي يطابقها العمل وجب عليه الفحص عن ذلك ، ليحرز الاجتزاء به ظاهراً. ولا مجال لإجراء أصالة الصحة ، لعدم كونها موضوعا لأثر عملي. وإن رجع الى الشك في صحة المقدمات التي اعتمد عليها عند التقليد - مثل صحة البينة القائمة على عدالة المجتهد أو اجتهاده أو نحو ذلك - فلا أثر للشك المذكور بعد أن أحرز بعد العدول شرائط الحجية [ وبالجملة ] : المدار في عدم وجوب التدارك حجية الفتوى السابقة التي كان العمل على طبقها ، سواء أكان اعتماداً عليها أم لا وسواء أكان اعتماده على حسب الموازين أم لا. فلاحظ.

[1] لا ينبغي التأمل في أن إطلاق الوكالة يقتضي إيكال تطبيق العمل الموكل عليه الى نظر الوكيل ، فاذا وكله على شراء فرس بدرهم ، وكان نظر الوكيل أن المطابق لمفهوم شراء الفرس بالدرهم هو كذا ، كان موضوعا للتوكيل ونافذاً في نظره. نعم إذا اتفق التفات الموكل إلى الاختلاف في التطبيق فقد يشكل ذلك من جهة أن نظر الموكل مانع من عموم التوكيل لمورد الاختلاف. ويدفعه : أنه وان كان يمنع من عمومه بنظر الموكل تفصيلا ، لكن لا يمنع من عمومه إجمالا ، وهو كاف في جواز العمل. مثلا إذا وكله في أن يعقد له على امرأة ، وكان الموكل يعتقد فساد العقد بالفارسية والوكيل يعتقد صحته ، فان موضوع الوكالة وهو العقد الصحيح بإطلاقه الإجمالي ينطبق على


العقد بالفارسية وان كان لا ينطبق بإطلاقه التفصيلي بنظر الموكل. نعم إذا كانت قرينة على تقييد الوكالة بالعمل بنظر الموكل ، أو كان ما يصلح أن يكون قرينة على ذلك ، لم يصح عمل الوكيل بنظره المخالف لنظر الموكل ، وان لم يكن كذلك فإطلاق التوكيل يقتضي جواز عمل الوكيل بنظره ، ومجرد التفات الموكل إلى الاختلاف غير كاف في تقييد إطلاق التوكيل ، ففي مقام الإثبات لا مانع من الأخذ بالإطلاق إذا تمت مقدمات الحكمة.

وكذلك الكلام في الوصي إذ هو كالوكيل من هذه الجهة ، فإن الوصاية استنابة في التصرف بعد الممات ، والوكالة استنابة في حال الحياة. وأما المتبرع عن الغير في عبادة - كصلاة وصوم - أو غير عبادة - كوفاء دين - فلا ينبغي التأمل في جواز عمله بنظره حتى مع التفات المتبرع عنه إلى خطأ المتبرع في التطبيق ، ومنعه عن العمل ، لان عمل المتبرع ليس منوطا بأمر المتبرع عنه ، ولا بإذنه ، وإنما هو منوط بحصول الجهات المصححة للتبرع ، فاذا علم بحصولها صح منه التبرع وان كان يخالفه المتبرع عنه ويخطؤه بنظره التفصيلي.

وأما الأجير على عمل فيجوز أن يستأجر على العمل بنظره ، كما يجوز أن يستأجر على العمل بنظر المستأجر ، وعلى العمل بنظر شخص ثالث وان كان نظرهما مخالفا لنظره ، لأنه يكفي في صحة الإجارة ترتب أثر عقلائي على العمل ، وكل ذلك مما يترتب عليه أثر عقلائي ولو كان هو الفراغ الاحتياطي. نعم مع علم الأجير ببطلان العمل العبادي لا تصح الإجارة ، لعدم القدرة على التقرب. أما إذا لم يكن العمل عبادة يكون الأجير قادراً على العمل حتى مع اعتقاد البطلان ، وكذا لو كان عبادة مع احتمال كونه موضوعا للأمر. وحينئذ لا مانع من صحة الإجارة إذا كان يترتب عليه تفريغ ذمة المنوب عنه احتياطا ولو بنظر المستأجر ، حتى لو كان الأجير

[ مسألة 55 ] : إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة المعاطاة مثلا ، أو العقد بالفارسي ، والمشتري مقلداً لمن يقول بالبطلان ، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع أيضاً ، لأنه متقوم بطرفين [1] فاللازم أن يكون صحيحاً من الطرفين. وكذا في كل عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه ، ومذهب الأخر صحته.


يعتقد عدم ترتب الأثر المذكور عليه ، فان أمان المستأجر من الخطر كاف في كونه أثراً مصححا للإجارة وأخذ الأجرة. هذا حال الإجارة في مقام الثبوت ، أما في مقام الإثبات فإن كانت قرينة على تقييد العمل بنظر شخص معين تعين العمل عليها ، وإلا كان مقتضى إطلاق الإجارة العمل بنظر الأجير على نحو ما تقدم في الوكيل.

ومن ذلك تعرف حكم الوصي عن الميت في الاستنابة عنه في صلاة أو صيام فإنه إن كانت قرينة على تقييد الوصية بالعمل بنظر شخص معين فالعمل عليها ، وإلا كان مقتضى إطلاقها الاستنابة في العمل المطابق لنظر الوصي. وكذلك الحال في الوكيل عن الحي في الاستنابة عنه في العبادات التي تجوز فيها النيابة عن الحي فإن مقتضى إطلاق التوكيل أن يكون عمل الأجير صحيحاً بنظره لا بنظر الأجير ولا بنظر الأصيل. ومن ذلك تعرف الإشكال في بعض الحواشي على المقام.

[1] هذا غير ظاهر ، فان وجود العقد وان كان متقوما بالطرفين ، كما أن حكمه الواقعي في مقام الثبوت متقوم بهما أيضاً ، فلا يكون إلا صحيحا للمتعاقدين معا أو فاسداً كذلك ، إلا أن حكمه الظاهري يمكن التفكيك فيه بين الطرفين فيكون صحيحا في حق أحدهما فاسداً في حق

[ مسألة 56 ] : في المرافعات اختيار [1] تعيين الحاكم بيد المدعي ، إلا إذا كان مختار المدعى عليه أعلم. بل مع وجود الأعلم وإمكان الترافع إليه الأحوط الرجوع اليه مطلقاً.


الآخر ، كما أنه يمكن اختلافه بالنظر فيكون صحيحا بنظر أحدهما فاسداً بنظر الآخر وتختلف الآثار بالنسبة إليهما. ولا مانع من مثل هذا التفكيك فان الماء الواحد يمكن أن يكون طاهراً في حق أحد المكلفين ونجسا في حق الآخر. نعم ربما يؤدي ذلك إلى النزاع والمخاصمة فيتعين الرجوع إلى الحاكم في حسمهما.

[1] الكلام [ تارة ] : في صورة تساوي الحكام في الفضيلة ، [ وأخرى ] : في صورة اختلافهم ، وكل منهما إما يكون الخصمان فيها مدعيا ومنكراً أو متداعيين.

ففي الأول من الاولى لا اشكال عندهم في كون الاختيار بيد المدعي وفي المستند : دعوى الإجماع عليه. وهو العمدة فيه ، المعتضد بالإجماع على أنه لو رفع أحد الخصمين أمره إلى الحاكم فطلب الحاكم الخصم الآخر وجب عليه الإجابة ، وهذا لا يطرد في المنكر ، لأنه لو رفع امره إلى الحاكم لا يسمع منه إنكاره ، وان طلب تخليصه من دعوى المدعي لا تجب على الحاكم اجابته. هذا وقد استدل على الحكم المذكور بأن المدعي له الحق.

فإن كان المقصود منه الإشارة إلى الإجماع المذكور فهو ، وإلا توجه عليه الإشكال : بأن المراد من الحق ان كان الحق المدعى فهو غير ثابت ، وان كان حق الدعوى فهو لا يوجب كون اختيار الحاكم له.

وفي الثاني من الأولى لا يكون الاختيار لواحد معين منهما ، بل إذا سبق أحدهما إلى رفع امره إلى الحاكم فحكم له نفذ حكمه. ولو رفعا أمرهما إلى حاكمين ينفذ حكم من سبق بالحكم ، لدخوله تحت أدلة النفوذ بلا مانع.


ولو اقترنا لم ينفذ أحدهما ، لعدم المرجح ، ونفوذهما معا ممتنع للتنافي. وفي كفاية سبق حضور أحدهما عند الحاكم في تعينه إشكال ، والأظهر عدمه لعدم الدليل عليه. نعم وجوب طلب الحاكم لغير الحاضر ووجوب اجابته عليه يقتضي تقديم الحاكم الذي يسبق الحضور عنده بعد الطلب ، لا تقديم الحاكم بمجرد الحضور عنده وان لم يطلب لعذر.

وأما الصورة الثانية بقسميها : فالمشهور المدعى عليه الإجماع وجوب الرجوع إلى الأعلم ، لما في مقبولة ابن حنظلة من قوله : « فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم. فقال (عليه السلام) : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ... » (1). لكن موردها صورة اختلاف الحكمين ، والتعدي عنه إلى غيرها محتاج إلى قرينة مفقودة. بل هو خلاف ظاهر إطلاق ما في صدر الرواية فالعمل عليه متعين. ولا سيما وأن البناء على الترجيح بذلك يستدعي الترجيح بغيره من المرجحات المذكورة في رتبة المرجح المذكور وفي غيرها من الرتب ، وهو مما لم يلتزم به أحد.

نعم إذا كانت الشبهة حكمية وكان الأعلم قد تعين تقليده على المتخاصمين وجب الترافع عنده ، لما عرفت من وجوب تقليد الأعلم. أما إذا كانت الشبهة موضوعية ، أو كان الخصمان مجتهدين ، أو مقلدين لمن هو أعلم منه مع الاتفاق في الفتوى ، جاز الترافع إلى غير الأعلم.

وبالجملة : ما دام لم يلزم من رفع المدعي أمره إلى غير الأعلم مخالفة لفتوى الأعلم الحجة لا مانع من الرجوع إلى غير الأعلم ويجب على الخصم متابعته. بل بناء على ما يأتي - من حجية الحكم بنحو يجوز نقض الفتوى به ، ومن وجوب سماع الدعوى غير الجازمة يجوز لمن يقلد الأعلم في عدم


1) الوسائل باب : 9 من أبواب صفات القاضي حديث : 1.

[ مسألة 57 ] : حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه [1]


استحقاق الحبوة أن يدعي الاستحقاق عند من يرى استحقاقها فاذا حكم له بها جاز له أخذها وان كان مذهب مقلده عدم جواز أخذها ، لأن حكم الحاكم مقدم في الحجية على الفتوى. فلاحظ.

[1] كما لعله المشهور ، وفي الجواهر : « لما هو المعلوم ، بل حكى عليه الإجماع بعضهم من عدم جواز نقض الحكم الناشئ عن اجتهاد صحيح باجتهاد كذلك ، وانما يجوز نقضه بالقطعي من إجماع أو سنة متواترة أو نحوهما ». وكأنه لما في مقبولة ابن حنظلة من قوله (عليه السلام) : « فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه وعلينا رد ، والراد علينا الراد على اللّه تعالى ، وهو على حد الشرك باللّه » (1).

لكن أطلق جماعة جواز النقض عند ظهور الخطأ ، ففي الشرائع : « كل حكم قضى به الأول وبان للثاني فيه الخطأ فإنه ينقضه ، وكذا لو حكم به ثمَّ تبين الخطأ ، فإنه يبطل الأول ويستأنف الحكم بما علمه » ، ونحوها ما في القواعد والإرشاد. فيحتمل أن يكون مرادهم صورة العلم بوقوع الخطأ فيه ، سواء أعلم بخطئه للواقع أم بخطئه في طريق الواقع وان احتمل موافقته للواقع. ولعله مقتضى إطلاق العبارة. وحملها بعضهم على ما إذا كان الحكم ناشئاً عن اجتهاد غير صحيح. واحتمل في الجواهر حملها على ما إذا تراضى الخصمان بتجديد الدعوى عند حاكم آخر. لكن كلا من الحملين مشكل ، فإن الثاني خلاف إطلاق ما دل على حرمة رد الحكم ووجوب تنفيذه ، الشامل لصورة تراضي الخصمين برده ، وليس هو من حقوق المحكوم له ، كي يكون منوطا برضاه وعدمه. والأول مبني على


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي الحديث : 1.


أن الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح حكم بحكمهم (عليهم السلام) دون غيره ، وهو غير ظاهر مع ثبوت الخطأ في الاستناد - كما إذا حكم اعتماداً على بينة غير عادلة مع اعتقاد عدالتها ، أو على رواية اعتقد ظهورها في الحكم مع عدم ظهورها لدى الحاكم الآخر - أو ثبوت الخطأ في المستند - كما إذا اعتمد على ظاهر رواية لم يعثر على قرينة على خلافه وقد عثر عليها الحاكم الآخر ، أو على بينة تزكي الشهود مع علم الحاكم الثاني بفسقهم ونحو ذلك - فان القضاء الصادر من الحاكم وان كان عن مبادي مشروعة واجتهاد صحيح ، إلا أنه مخالف للواقع في نظر الحاكم الثاني ، لقيام حجة عنده على الخلاف وحينئذ لا يكون حكما بحكمهم (عليهم السلام) .

وبالجملة : الحكم الصادر من الحاكم الجامع لشرائط الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح وان كان طريقا شرعا إلى الواقع لكل أحد ، لكن كما يسقط عن الطريقية عند العلم بمخالفته للواقع ، كذلك يسقط عن الطريقية عند العلم بوقوع الخطأ في طريقه وفي مباديه وقيام الحجة على خلافه ، وان احتمل موافقته للواقع. وعلى هذا فإطلاق ما ذكره الجماعة من جواز نقض الحكم مع وقوع الخطأ فيه في محله.

اللّهم إلا أن يقال قوله (عليه السلام) : « فاذا حكم بحكمنا » لا يراد منه الحكم الواقعي الإلهي ، لأن لازمه عدم وجوب تنفيذ الحكم مع الشك في كونه كذلك لعدم إحراز قيد موضوعه. وكذا مع العلم ، لأن العلم حينئذ حجة ، ولا معنى لجعل حجية الحكم حينئذ ، بل المراد منه الحكم الواقعي بنظر الحاكم ، فيكون النظر موضوعا لوجوب التنفيذ ، فالمعنى أنه إذا حكم بما يراه حكمهم (عليهم السلام) وجب قبوله وحرم رده ، ومقتضى إطلاقه وجوب القبول ولو مع العلم بالخطإ في مباديه. نعم ينصرف عن الحكم الجاري على خلاف موازين الاستنباط عمداً أو سهواً أو نسيانا ، ويبقى غيره داخلا في


عموم الدليل وان علم فيه الخطأ في بعض المبادي الذي يكثر وقوعه من المجتهدين ، ولذا وقع الاختلاف بينهم في كثير من المسائل.

نعم قد يشكل ذلك : بأن الارتكاز العقلائي في باب الحجية يساعد على اعتبار عدم العلم بالخطإ فيها ، فمعه تنتفي الحجية. ويدفعه : أن حجية الحكم ليست من قبيل حجية الخبر عن حس أو حدس ، بل فيه نحو من الموضوعية وشبه بها لأنه منصب وولاية ، فحكم الحاكم نظير حكم الوالي والأمير واجب الاتباع ولو مع العلم بالخطإ ما دام يحتمل موافقته للواقع.

وبالجملة : فرق واضح - في نظر العرف - بين جعل قول المجتهد : « حكمت بأن هذا نجس » حجة ، وجعل قوله : « هذا نجس » حجة ، فإنه مع العلم بالخطإ في طريق الأول لا يسقط عن الحجية ، وفي الثاني يسقط وان شئت قلت : مقتضى إطلاق ما دل على نفوذ الحكم نفوذه مطلقا على نحو الموضوعية.

ولذا صرح المصنف [رحمه اللّه] في قضائه (1)- تبعاً لما في الجواهر - بوجوب تنفيذ الحكم وان كان مخالفاً لدليل قطعي نظري كإجماع استنباطي وخبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأول. انتهى. وهذا لا يتم إلا على السببية المحضة والموضوعية الصرفة وإلا فلا معنى لجعل الطريقية في ظرف العلم بالخلاف أو الوفاق ، فكيف يكون الحكم حجة مع القطع بخلافه؟.

وان كان الالتزام بذلك صعباً جداً ، لأنه حكم بخلاف ما أنزل اللّه تعالى فكيف يحتمل وجوب قبوله وحرمة درة ، ويكون الراد عليه الراد على اللّه تعالى ، وأنه على حد الشرك باللّه تعالى؟!. وفي صحيح هشام بن الحكم : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم). إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان ، وبعضكم


1) راجع المسألة : 32 من الفصل الأول من كتاب القضاء.


ألحن بحجته من بعض ، فأيما رجل اقتطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار » (1). فان هذا صريح في عدم موضوعية للحكم. ومورده وان كان الشبهات الموضوعية ، لكن دليل وجوب القبول وحرمة الرد. إذا حمل على الطريقية في الشبهات الموضوعية لا بد أن يحمل عليها في الشبهات الحكمية ، لعدم إمكان التفكيك عرفا بين الموردين في الدليل الواحد ، فيتعين حمل الدليل على الطريقية والحجية. ولأجل أنه يمتنع جعل الطريقية في ظرف العلم بالواقع يمتنع العمل بالدليل مع العلم بمخالفة الحكم للواقع. أما مع احتمال الموافقة للواقع فيجب العمل بدليل حجيته وان علم بوقوع الخطأ في طريقه ، لما عرفت من أنه سنخ آخر في قبال سنخ الخبر والفتوى ، ولم يثبت عند العقلاء قدح مثل هذا العلم بالخطإ في الحجية عندهم على نحو يكون كالقرينة المتصلة التي يسقط بها إطلاق المطلق ، فالعمل بالإطلاق متعين.

فان قلت : سلمنا عموم دليل الحجية لجميع صور احتمال الموافقة للواقع حتى مع العلم بالخطإ في الاستناد ، أو المستند ، أو قيام حجة على خلافه ، لكن العموم المذكور معارض بدليل حجية الحجة القائمة على الخلاف ، فما الوجه في تقديم دليله على دليل تلك الحجة؟

قلت : مورد دليل حجيته - وهو مقبولة ابن حنظلة - صورة التنازع في الميراث ، الظاهر في التنازع في الحكم الكلي على وجه الجزم ، وهو إنما يكون مع الحجة ، فلو بني على العمل بالحجة في مقابل الحكم لزم تخصيص المورد وهو غير جائز ، فيتعين البناء على الأخذ بالحكم ورفع اليد عن الحجة. نعم مقتضى إطلاق مورد المقبولة العموم لصورة العلم بالخلاف. لكن يجب الخروج عن الإطلاق في الصورة المذكورة بقرينة امتناع جعل


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث : 1.

ولو لمجتهد آخر ، إلا إذا تبين خطؤه [1].

[ مسألة 58 ] : إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره ، ثمَّ تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة ، لا يجب على الناقل إعلام من سمع منه الفتوى الاولى ، وان كان أحوط. بخلاف ما إذا تبين له خطوة في النقل ، فإنه يجب عليه الإعلام [2]


الحجية في صورة العلم بالخلاف.

هذا والمتحصل مما ذكرنا : أن الحكم إذا كان معلوم المخالفة للواقع لا يجوز الأخذ به ، ومتى كان محتمل الموافقة للواقع يجوز الأخذ به ، بل يجب سواء أعلم بالخطإ في طريق ذلك الحكم في الاستناد أو المستند أم لا ، وسواء أقامت حجة على خلافه أم لا. نعم إذا كان الخطأ ناشئاً عن تقصير في الاجتهاد عمدا أو سهوا ، بحيث كان جاريا على خلاف الموازين اللازمة في الاجتهاد ، فلا يجوز العمل به ، لانصراف دليل حجيته عن مثل ذلك.

نعم يشكل ذلك بأن لازمه أن لو كان المختصمان عالمين بالواقع لا مجال لحكم الحاكم ، مع قيام الإجماع على فصل الخصومة به. ويدفعه : أن الإجماع المذكور هو المستند لا المقبولة ونحوها ، بل ما في ذيل المقبولة من الرجوع الى المرجحات ظاهر في اختصاصها بصورة عدم العلم بالواقع.

[1] بناء على ما عرفت منا لا يصح هذا الاستثناء ، إلا إذا حمل على تبين خطأ المجتهد في مخالفة الواقع تبينا علمياً. وبناء على ما ذكره المصنف [رحمه اللّه] - تبعا لصاحب الجواهر - لا يصح إلا إذا حمل على تبين الخطأ على نحو لا يكون الاجتهاد صحيحا.

[2] الظاهر أن هذا التفصيل بين الفرضين مبني على حرمة التسبيب الى الوقوع في الحرام ، وكون الفرض الثاني منه دون الأول. وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثامنة والأربعين فراجع.

[ مسألة 59 ] : إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا [1]. وكذا البينتان. وإذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاها قدم السماع [2]. وكذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع [3]. وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدم ما في الرسالة [4].


[1] لأصالة التساقط في المتعارضين. لكن عرفت فيما سبق تقريب عموم أدلة الترجيح والتخيير للمقام. فلاحظ المسألة العشرين. هذا مع العلم بعدم العدول ، فلو احتمل وكان التاريخ مختلفا تعين العمل بالمتأخر. وكذا الكلام فيما يأتي من صور التعارض.

[2] لأن النقل طريق الى السماع ، فالعلم بالسماع يستوجب العلم بمخالفته للواقع. هذا مع وحدة التاريخ ، وأما مع اختلافه وعدم احتمال العدول ، فإنه وان كان التعارض - بدواً - حاصلا بينهما لكن العرف يقدم السماع على النقل. بل يمكن دعوى انصراف دليل الحجية عن مثله.

[3] إذا لم تكن الرسالة بخط المجتهد كان الفرض راجعاً الى الفرض السابق ، لأن الكاتب للرسالة بمنزلة المخبر عن المجتهد ، ولو بواسطة حكاية الكاتب عن خط المجتهد الحاكي عن قوله. وأما إذا كانت الرسالة بخط المجتهد فيشكل الترجيح ، لأن الخط حاك عن الفتوى ، فيكون التعارض قائماً بين خطه وقوله ، وأصالة عدم الخطأ فيهما على حد واحد. نعم لو ثبت عند العقلاء ترجيح الأوثق منهما كان العمل عليه أيهما كان. وكذا في الفرض الآتي.

[4] إن كانت الرسالة بخطه كان الفرض نظير تعارض السماع والنقل لأن الخط بمنزلة القول. وان كانت بغير حطه كان من قبيل تعارض النقلين فيجري عليه حكمه.

مع الأمن من الغلط [1].

[ مسألة 60 ] : إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ، ولم يكن الأعلم حاضراً فإن أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال وجب ذلك [2] ، وإلا فإن أمكن الاحتياط تعين [3] ، وان لم يمكن يجوز الرجوع الى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم ، وان لم يكن هناك مجتهد آخر ، ولا رسالته ، يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء [4] ، إذا كان هناك من يقدر على تعيين


[1] يعني : بالمقدار اللازم في جريان أصالة عدم الخطأ. ويحتمل أن يكون المراد الوثوق التام ، ويكون هو الوجه في الترجيح على النقل ، لعدم حصول ذلك فيه.

[2] قد عرفت في أوائل المبحث أنه لا مانع من العمل بالاحتياط حتى مع التمكن من الامتثال التفصيلي ، وعليه فلا يجب التأخير إلا حيث يتعذر الاحتياط.

[3] هذا مبني على عدم عموم الإجماع على عدم لزوم الاحتياط على العامي مع إمكان التقليد للمقام ، وإلا جاز له الرجوع الى غير الأعلم. وعلى عدم إطلاق يدل على حجية الفتوى ، وإلا تعين العمل به بالنسبة إلى فتوى غير الأعلم مع عدم العلم بالمخالفة للأعلم تفصيلا أو إجمالا ، كما أشرنا الى ذلك في مبحث وجوب الفحص عن الأعلم. فراجع المسألة الثانية عشرة. فكأن موضوع كلام المصنف [رحمه اللّه] صورة العلم بالاختلاف ، وأن الإجماع على جواز الرجوع الى غير الأعلم مختص عنده بصورة تعذر الاحتياط.

[4] كما تقتضيه مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة الخاصة المقتضية للأخذ بالظن الأقوى فالأقوى ، فلو بني على عدم تماميتها جاز عقلا الأخذ

قول المشهور. وإذا عمل بقول المشهور ، ثمَّ تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الإعادة أو القضاء [1] ، وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع الى أوثق الأموات ، وان لم يمكن ذلك أيضاً يعمل بظنه ، وان لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على أحدهما. وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفا لفتواه فعليه الإعادة أو القضاء.

[ مسألة 61 ] : إذا قلد مجتهدا ثمَّ مات ، فقلد غيره فمات ، فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت أو جوازه ، فهل يبقى على تقليد المجتهد الأول أو الثاني؟ الأظهر الثاني [2] ، والأحوط مراعاة الاحتياط.


بأحد المحتملات على التخيير. وكذا الحال في الرجوع الى أوثق الأموات وما بعده.

[1] بناء على أن مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة إنما تقتضي حجية الظن بنحو الحكومة لا الكشف ، وإلا جرى ما تقدم في المسألة الثالثة والخمسين ، وكذا الحال في صورة الرجوع الى غير الأعلم ، فإنه لو بني على حجية فتواه شرعا - ولو بتوسط مقدمات الانسداد بناء على الكشف - كان الحكم ما تقدم في المسألة المذكورة. أما بناء خلاف ذلك ، فيتعين التدارك بالإعادة أو القضاء.

[2] لأن تقليد الأول قد انقطع بتقليد الثاني المفروض الصحة ، فالرجوع إلى الأول بعد تقليد الثاني ليس من البقاء على التقليد ، بل هو من التقليد الابتدائي ، فإذا كان رأي الثالث وجوب البقاء تعين البقاء على تقليد الثاني وإذا كان رأيه جواز البقاء وجواز العدول تخير المكلف بين البقاء

[ مسألة 62 ] : يكفي في تحقق التقليد أخذ الرسالة والالتزام بالعمل بما فيها [1] ، وان لم يعلم ما فيها ولم يعمل فلو مات مجتهده يجوز له البقاء. وان كان الأحوط مع عدم العلم ، بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم ، عدم البقاء


على تقليد الثاني والعدول إلى الثالث.

هذا بناء على ما تقدم في المسألة الثالثة والخمسين من عدم انتقاض التقليد الصحيح الواقع في زمان بتقليد مجتهد آخر في زمان لاحق ، لعدم حجية رأي المجتهد اللاحق بالإضافة إلى الوقائع السابقة المطابقة لرأي المجتهد في ذلك الزمان. أما بناء على الانتقاض ، فان كان رأي المجتهد الثالث وجوب البقاء على تقليد الميت ، تعين على المكلف البقاء على تقليد الأول لأن عدوله السابق الى الثاني - بعد موت الأول - في غير محله في نظر المجتهد الثالث. وان كان رأيه جواز العدول وجواز البقاء جاز للمكلف البقاء على تقليد الثاني ، والعدول الى الثالث. وإن كان رأيه وجوب العدول تعين العدول من الثاني اليه. وعلى هذا ما استظهره المصنف [رحمه اللّه] مبني على ما تقدم منه في المسألة الثالثة والخمسين.

[1] قد عرفت أن أخذ الرسالة والالتزام ، ونحوهما ، مما لا يرتبط بالتقليد ، بل ليس هو إلا العمل اعتماداً على فتوى المجتهد. كما لا ينبغي التأمل في كفاية ثبوت حجية الرأي آنا ما في جواز الاستصحاب الذي هو الوجه في وجوب البقاء وجوازه ، ولا يتوقف على العمل ، ولا على الالتزام. نعم بناء على ما ذكرنا من كون التقليد هو العمل برأي الغير فمع عدم العمل حال الحياة يكون العمل بعد الوفاة برأي المجتهد من قبيل التقليد الابتدائي للميت الذي حكي الإجماع على المنع عنه ، وان كان الاستصحاب ، وبناء العقلاء ، يقتضيان عدم الفرق بين العمل وعدمه. ولكن عموم الإجماع لمثل

والعدول إلى الحي. بل الأحوط استحبابا على وجه عدم البقاء مطلقا ، ولو كان بعد العلم والعمل [1].

[ مسألة 63 ] : في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها ، وبين الرجوع الى غيره [2] الأعلم فالأعلم.

[ مسألة 64 ] : الاحتياط المذكور في الرسالة أما


الفرض لا يخلو من تأمل. وأشكل منه ما لو تحقق الالتزام فقط بلا عمل فان وجود القول بجواز البقاء في مثله مانع عن انعقاد الإجماع على المنع عنه وان لم يتحقق التقليد. ومثله ما لو تحقق العمل بلا اعتماد على الفتوى ، فإنه وان لم يتحقق التقليد ، لكن انعقاد الإجماع على المنع عن بقاء الحجية في مثله غير واضح ، وان كان قريباً. فراجع وتأمل. كما أنك عرفت في المسألة الثالثة والخمسين : أن صحة الأعمال السابقة تتوقف على مطابقتها للفتوى الحجة حال العمل ولا تتوقف على الاعتماد على الفتوى حال العمل الذي هو من مقومات التقليد ، فالصحة ليست موقوفة على تحقق التقليد ، بل موقوفة على الحجية واقعاً. فلاحظ.

[1] كأن المراد بهذا الوجه احتمال عموم معاقد الإجماعات على عدم جواز تقليد الميت للحدوث والبقاء ، وان كان يعارض هذا الاحتمال احتمال المنع ، كما نسب الى أكثر القائلين بجواز البقاء. فالعدول موافق للاحتياط في وجه مخالف له في وجه آخر.

[2] هذا التخيير موقوف في العبادات على جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي ، فلو قيل بعدمه تعين التقليد لغير الأعلم ، ولا يجوز له العمل بالاحتياط مع التمكن من تقليد غيره الأعلم.

استحبابي ، وهو ما إذا كان مسبوقا أو ملحوقا بالفتوى ، وإما وجوبي ، وهو ما لم يكن معه فتوى ، ويسمى بالاحتياط المطلق وفيه يتخير المقلد بين العمل به والرجوع الى مجتهد آخر [1]. وأما القسم الأول ، فلا يجب العمل به ، ولا يجوز الرجوع الى الغير بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى ، وبين العمل به.

[ مسألة 65 ] : في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء كما يجوز له التبعيض حتى في أحكام العمل الواحد [2] ، حتى أنه لو كان - مثلا - فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة واستحباب التثليث في التسبيحات الأربع ، وفتوى الأخر بالعكس ، يجوز أن يقلد الأول في استحباب التثليث ، والثاني في استحباب الجلسة.


[1] قد عرفت أنه لا يتم على إطلاقه ، بناء على عدم جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي.

[2] قد عرفت في المسألة الثالثة والثلاثين الإشكال في جواز التبعيض ولا سيما في العمل الواحد ، فقد يشكل بالخصوص بأن الصلاة الفاقدة لجلسة الاستراحة المقتصر فيها علي تسبيحة واحدة باطلة في نظر كل واحد منهما ، فالاقتصار عليها في مقام الامتثال مخالفة لهما معاً. وفيه : أنه - بعد البناء على جواز التبعيض في التقليد - لا تقدح مخالفة كل واحد من المجتهدين مستقلا ، لعدم تقليد كل واحد منهما كذلك ، بل لما كان التقليد لهما معا على نحو الانضمام فالقادح مخالفتهما كذلك وهي منتفية ، لأن الصلاة المذكورة موافقة لهما معا.

فان قلت : كما أنها موافقة لهما كذلك مخالفة لهما. [ قلت ] : هذا

[ مسألة 66 ] : لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي إذ لا بد فيه من الاطلاع التام. ومع ذلك قد يتعارض الاحتياطان ، فلا بد من الترجيح. وقد لا يلتفت الى إشكال المسألة حتى يحتاط. وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط. مثلا الأحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ، لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الأحوط التوضؤ به ، بل يجب ذلك بناء على كون احتياط الترك استحبابياً ، والأحوط الجمع بين التوضؤ به والتيمم. وأيضا الأحوط التثليث في التسبيحات الأربع ، لكن إذا كان في ضيق الوقت ويلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت ، فالأحوط ترك هذا الاحتياط ، أو يلزم تركه. وكذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط ، لكن إذا لم يكن معه الا هذا فالأحوط التيمم به ، وان كان عنده الطين - مثلا - فالأحوط الجمع ، وهكذا.


مسلم ، لكن مخالفتهما في غير مورد التقليد لهما ، أما في مورد التقليد لهما فهي موافقة لهما لا غير ، كما يظهر من مقايسة المقام بالتبعيض في عملين كالصلاة والصيام.

فان قلت : المجتهد المفتي بعدم وجوب جلسة الاستراحة إنما يفتي بذلك في الصلاة المشتملة على التسبيحات الثلاث ، كما أن المفتي بالاقتصار على تسبيحة واحدة إنما يفتي بذلك فيما اشتمل على جلسة الاستراحة ، فترك جلسة الاستراحة والاقتصار على تسبيحة واحدة ليس عملا بفتوى المجتهدين ولو على نحو الانضمام [ قلت ] : الارتباط بين الاجزاء في الثبوت والسقوط لا يلازم الارتباط بينها في الفتوى ، فان مرجع الفتويين الى عدم جزئية الجلسة

[ مسألة 67 ] : محل التقليد ومورده هو الأحكام الفرعية العملية ، فلا يجري في أصول الدين [1].


وعدم جزئية ما زاد على التسبيحة الواحدة ، وليس هو ارتباطياً. فالعمدة في الاشكال على جواز التقليد للمجتهدين في العمل الواحد هو إشكال التبعيض الذي تقدمت الإشارة إليه.

[1] إجماعا ادعاه جماعة ، بل ادعي إجماع المسلمين عليه. ويقتضيه في معرفة اللّه جل شأنه ، وفي معرفة نبيه الكريم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أن الوجه في وجوب المعرفة عقلا من مناط وجوب شكر المنعم ، وفي وجوبها فطرة من مناط وجوب دفع الضرر المحتمل لا يحصل بالتقليد ، لاحتمال الخطأ في الرأي فلا يحصل الأمن من الخطر ولا الأمن مما ينافي الشكر. وحجية الرأي تعبداً إنما توجب الأمن من ذلك على تقدير المعرفة ، فيمتنع أن تثبت بها ولو تعبداً. وأما باقي الأصول فعدم جواز التقليد فيها للإجماع المتقدم.

وأما ما دل على وجوب العلم والمعرفة من الآيات ، والروايات ، فلا يقتضي ذلك ، لأن دليل حجية الرأي - لو تمَّ - يوجب حصول المعرفة بها تعبداً تنزيلا. ولا يتوجه الاشكال المتقدم هنا ، لأن المعرفة فيما عدا الأصلين الأولين ليست شرطا في الحجية ، وانما الشرط المعرفة بهما لا غير والمفروض حصولها ، فإذاً العمدة في عدم جواز التقليد هو الإجماع.

فإن قلت : تكفي في عدم جواز التقليد أصالة عدم الحجية. [ قلت ] : لا مجال للأصل المذكور مع الدليل ، وهو ما دل على حجية الرأي في الفروع كبناء العقلاء ، وقوله تعالى ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) (1)وقوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) (2)ونحوهما من أدلة التقليد في


1) النحل : 43.

2) التوبة : 122.

وفي مسائل أصول الفقه [1] ، ولا في مبادي الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما [2].


الفروع ، فإنها - لو تمت دلالتها على جوازه في الفروع - دلت على جوازه في الأصول بنحو واحد ، فليس الموجب للخروج عن عموم الأدلة إلا الإجماع المستفيض النقل. وتمام الكلام في هذا المقام موكول الى محله ، كالكلام في وجوب كون المعرفة عن النظر والدليل - كما هو المنسوب الى جمع - وعدم وجوبه - كما نسب الى آخرين - وحرمته - كما نسب الى غيرهم - وان كان الأظهر الأول مع خوف الضلال بدون النظر ، والأخير مع خوف الضلال به ، والثاني مع الأمن من الضلال على تقدير كل من النظر وعدمه فراجع وتأمل.

[1] لخروجها عن محل الابتلاء للعوام المقلدين ، فلو فرض كونها محلا للابتلاء - ولو بتوسط النذر ونحوه - لم يكن مانع من عموم أدلة التقليد لها. ولذا جزم المصنف - رحمه اللّه - في صدر المسألة السادسة والأربعين : بأنه يجب على العامي أن يقلد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الأعلم وفي المسألة الخامسة عشرة بوجوب رجوع العامي إلى الحي الأعلم في جواز البقاء وعدمه ، ويظهر منه - قدس سره - ومن غيره كونهما من المسائل الأصولية ، وان كان التحقيق أنهما من المسائل الفرعية ، لا من الأصولية ، لعدم وقوعهما في طريق استنباط الاحكام كما أشرنا الى ذلك آنفا.

[2] هذا يتم في ما يقع في طريق استنباط الحكم الكلي ، أما ما يقع في طريق تطبيق الحكم الكلي وتشخيص موضوع الامتثال - مثل كثير من مسائل النحو والصرف المحتاج إليها في تصحيح القراءة والذكر ، والأذان ، والإقامة وصيغ العقود ، والإيقاعات ، مثل مسائل الإدغام ، والمد والوقف على الساكن والتحريك في الدرج ، وغير ذلك من المسائل الموقوفة على نظر

ولا في الموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية [1] ، ولا في الموضوعات الصرفة. فلو شك المقلد في مائع أنه خمر أو خل - مثلا - وقال المجتهد إنه خمر لا يجوز له تقليده. نعم من حيث أنه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامي العادل ، وهكذا. وأما الموضوعات المستنبطة الشرعية - كالصلاة والصوم ونحوهما - فيجري التقليد فيها كالأحكام العملية.


لا يتمكن منه العامي مما سيتعرض له المصنف [رحمه اللّه] في مباحث القراءة - فلا بد فيها من التقليد لعموم أدلته. نعم المسائل التي لا يحتاج إليها إلا في مقام استنباط الحكم الكلي لا مجال للتقليد فيها ، لخروجها عن محل الابتلاء بالنسبة إلى العامي.

[1] موضوعات الأحكام الشرعية قسمان : [ الأول ] : ما يكون مفهومه شرعياً مخترعا للشارع الأقدس ، سواء قلنا بالحقيقة الشرعية أم لا كالصلاة والصيام ونحوهما. [ الثاني ] : ما لا يكون كذلك بأن كان عرفياً أو لغويا. وكل منهما إما أن يكون المفهوم بذاته وحدوده واضحاً لا يحتاج إلى نظر واجتهاد ، وإما أن يكون محتاجا إلى ذلك. فالأول من كل منهما لا يحتاج الى تقليد لوضوحه لدى العامي كالمجتهد ، فلا معنى لحجية رأي المجتهد فيه ، والثاني من كل منهما محتاج إلى التقليد ، لعموم أدلته ، كالصلاة والصيام ، والصعيد ، والغناء والإناء ، والجذع والثني ، ونحوها. والبناء على عدم جواز التقليد فيها يقتضي البناء على وجوب الاجتهاد أو الاحتياط فيها ولا يظن الالتزام به من أحد ، فضلا عن المصنف [رحمه اللّه] فقد أدرج - كغيره - بيان مفهوم مثل هذه الموضوعات في هذه الرسالة وغيرها من رسائله المعدة للفتوى والعمل بها. فلاحظ.

[ مسألة 68 ] : لا يعتبر الأعلمية في ما أمره راجع الى المجتهد [1] إلا في التقليد. وأما الولاية على الأيتام والمجانين والأوقاف التي لا متولي لها والوصايا التي لا وصي لها ونحو ذلك ، فلا يعتبر فيها الأعلمية. نعم الأحوط في القاضي أن


[1] الظاهر أن هذا مما لا إشكال فيه ، لإطلاق مثل التوقيع الشريف : « وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواه حديثنا » (1). وما دل على أن العلماء ورثة الأنبياء (2)، وأنهم كأنبياء بني إسرائيل (3)، وانهم خلفاء النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) (4)، ونحو ذلك. لكن قد تعرضنا في [ نهج الفقاهة ] (5)للمناقشة في تمامية ما ذكر لإثبات الولاية للفقيه ، لقصور سند بعضها ، ودلالة الآخر. وذكرنا هناك أن العمدة في إثبات الولاية ما دل على كون المجتهد قاضيا وحاكماً الظاهر في ثبوت جميع ما هو من مناصب القضاة والحكام له. فحينئذ يشكل الحكم فيما لم يثبت كونه من مناصب القضاة والحكام ، فان ثبوت ولاية المجتهد فيه إنما يكون من جهة العلم بإذن الشارع في التصرف ، أو عدم رضاه بتركه وإهمال الواقعة. لكن الدليل المذكور لما كان لبيا تعين الاقتصار فيه على القدر المتيقن ، وهو ولاية الأعلم عند التمكن منه ، كالاقتصار على المتيقن وهو ولاية المجتهد عند التمكن منه. فالعمدة إذاً في عدم اعتبار الأعلمية ظهور الإجماع عليه.


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 10.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب صفات القاضي حديث : 2.

3) مستدرك الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 30.

4) الوسائل باب : 11 من صفات القاضي حديث : 8.

5) راجع الصفحة : 299.

يكون أعلم [1] من في ذلك البلد أو في غيره مما لا حرج في الترافع إليه.

[ مسألة 69 ] : إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين أم لا؟ فيه تفصيل [2] ، فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط ، فالظاهر عدم الوجوب ، وان كانت مخالفة فالأحوط الأعلام ، بل لا يخلو عن قوة.

[ مسألة 70 ] : لا يجوز للمقلد إجراء [3] أصالة البراءة ، أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وأما في الشبهات الموضوعية فيجوز بعد أن قلد مجتهده في حجيتها. مثلا إذا شك في أن عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له إجراء أصل الطهارة ، لكن في أن هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا ، يجوز له إجراؤها بعد أن قلد المجتهد في جواز الإجراء.

[ مسألة 71 ] : المجتهد غير العادل ، أو مجهول الحال لا يجوز تقليده [4] وان كان موثوقا به في فتواه. ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه. وكذا لا ينفذ حكمه ولا تصرفاته في الأمور


[1] تقدم الكلام في هذا في المسألة السادسة والخمسين.

[2] تقدم الكلام في هذا في المسألة الثامنة والأربعين وغيرها.

[3] لأن إجراءها مشروط بالفحص ، وهو عاجز عنه ، فاجراؤها بدونه مخالفة لدليل الشرطية. وهذا بخلاف الشبهات الموضوعية ، فان إجراءها ليس مشروطا بالفحص ، ولو فرض اشتراطه به فليس هو بعاجز عنه ، فلا مانع من رجوعه إليها عند اجتماع الشرائط كالمجتهد.

[4] يعني : لا يجوز تقليده واقعاً في الأول ، لفقد الشرط ، وظاهراً في الثاني ، لعدم ثبوت حجية رأيه. وكذا الحال في باقي الاحكام.

العامة ، ولا ولاية له في الأوقات والوصايا وأموال القصر والغيب.

[ مسألة 72 ] : الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل ، الا إذا كان حاصلا من ظاهر لفظه شفاهاً ، أو لفظ الناقل ، أو من ألفاظه في رسالته. والحاصل : أن الظن ليس حجة [1] إلا إذا كان حاصلا من ظواهر الألفاظ منه أو من الناقل.


في الثاني ، لعدم ثبوت حجية رأيه. وكذا الحال في باقي الاحكام.

[1] لما دل على نفي حجيته من الأدلة الشرعية والعقلية ، من دون ثبوت مخصص.

واللّه سبحانه ولي التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، والحمد لله رب العالمين

فصل في المياه

فصل في المياه الماء إما مطلق [1] أو مضاف ، كالمعتصر من الأجسام أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء. والمطلق أقسام [2] :


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الطهارة

اشارة

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الغر الميامين. واللعنة على أعدائهم أجمعين.

[1] وعرف بما يصح إطلاق لفظ الماء عليه من غير إضافة. يعني : يصح بلا تجوز ولا عناية. وهذا بخلاف الماء المضاف كماء الرمان ، وماء الورد ، فإن إطلاق لفظ الماء - مفرداً بلا إضافة - عليه مجاز ، والذي يكون إطلاقه عليه حقيقة ، ماء الرمان ، أو ماء الورد ، كما أن إطلاق ماء الورد على ماء الرمان مجاز ، وكذا إطلاق ماء الرمان على ماء الورد. ومن هنا ظهر أن تقسيم الماء إلى المطلق والمضاف بلحاظ المسمى. كما ظهر أن مفهوم الماء جامع حقيقي بين أفراده ، ومفهوم الماء المضاف جامع انتزاعي بين أفراده ، فإنها حقائق متباينة.

[2] الموجود في كلام جماعة تقسيمه إلى جار ، ومحقون ، وماء بئر وتقسيم المحقون إلى كثير وقليل. وكأن موضوع القسمة ماء الأرض ، ولذا

الجاري ، والنابع غير الجاري والبئر ، والمطر ، والكر ، والقليل وكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث والخبث [1].


لم يذكر في أقسامه ماء المطر. وعدم ذكر النابع في الأقسام إما لدخوله في الجاري - كما صرح به بعض ، حيث عرفه بالنابع غير البئر - أو في البئر - كما هو ظاهر آخرين - بل عن المحقق البهبهاني : « أن النابع الراكد عند الفقهاء في حكم البئر » والأمر سهل.

[1] إجماعا مستفيض النقل ، بل وضوحه أغنى عن الاستدلال عليه بالآيات الشريفة مثل قوله تعالى ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) (1)بناء على أن المراد من لفظ الطهور فيها إما المطهر بناء على أنه أحد معانيه - كما عن بعض - فيدل على طهارته في نفسه بالالتزام ، أو الطاهر المطهر - كما عن جمع أنه أحد معانيه - أو ما يتطهر به كالسحور والفطور - كما هو أحد معانيه قطعا - فيدل أيضاً بالالتزام على طهارته في نفسه. هذا ولكن من المحتمل إرادة المبالغة منه ، فان [ فعول ] أيضاً من صيغ المبالغة كالصبور والحسود ، فإن الطهارة ذات مراتب متفاوتة ، ولذا صح التفضيل فيها بلفظ : [ أطهر ] ومع هذا الاحتمال يشكل الاستدلال. وأشكل منه الاستدلال به على المطهرية لغيره - حتى بناء على حمل الهيئة على المبالغة - بدعوى : أن المبالغة لا معنى لها إلا بلحاظ المطهرية لغيره. إذ فيه - - مضافاً إلى ما عرفت - : أن هذا المعنى من المبالغة مجاز لا يجوز ارتكابه في الاستدلال. وإن كان الأقرب الحمل على المعنى الثالث ، لعدم ثبوت المعنيين الأولين ، ولكونه أقرب من الحمل على المبالغة ، لخفاء وجهها.

وأما قوله تعالى ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) (2)


1) الفرقان : 48.

2) الأنفال : 11.

[ مسألة 1 ] : الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر [1] ، لكنه غير مطهر ، لا من الحدث [2].


فدلالته على المطلوب سالمة عن الاشكال المتقدم ، وإن كانت لا عموم فيها لوروده في واقعة خاصة ، إلا أن يتمسك بالإجماع على عدم الفرق ، كالإجماع على عدم الفرق بين ماء السماء وغيره.

ثمَّ إنه لا تخلو النصوص الشريفة من الدلالة على طهارته ومطهريته ، ففي رواية السكوني عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : « الماء يطهر ولا يطهر » (1). وفي صحيح ابن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض ، وقد وسع اللّه تعالى عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض ، وجعل لكم الماء طهوراً » (2)، وفي غيرهما : أنه تعالى جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً (3). ومورد الأخير الحدث ، كما أن مورد ما قبله الخبث ، بل هو ظاهر رواية السكوني بقرينة المقابلة بالنفي. كما أنه لا عموم في الجميع بالإضافة إلى ما يتطهر به فلا بد من تتميم الدلالة بالإجماع المحقق في الجملة.

[1] يعني : مع طهارة أصله. ويكفي في ذلك الاستصحاب ، وأصالة الطهارة.

[2] كما هو المشهور ، ويقتضيه الكتاب المجيد ، مثل قوله تعالى : ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) (4). والسنة التي هي بمضمونه وبغير مضمونه كما ستأتي في محلها إن شاء اللّه. وعن الصدوق : جواز


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 6.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 4.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

4) النساء : 43. والمائدة : 6.

ولا من الخبث [1].


الوضوء وغسل الجنابة بماء الورد ، لخبر يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « قلت له : الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة. قال (عليه السلام) : لا بأس بذلك » (1). لكن عن الشيخ أنه خبر شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره. انتهى. وكفى بهذا موهنا له ومانعاً عن الاعتماد عليه. وعن الحسن جواز استعمال مطلق المضاف عند عدم الماء. ولم يظهر له مستند.

[1] كما هو المشهور أيضاً. ويقتضيه ظاهر كثير من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة مثل قوله (عليه السلام) : « لا يجزئ من البول إلا الماء » (2)وقوله (عليه السلام) في تطهير الإناء من الولوغ : « اغسله بالتراب أول مرة ثمَّ بالماء » (3)ونحوهما غيرهما وهو كثير. وقد تقدم صحيح ابن فرقد الظاهر - بقرينة الامتنان - في انحصار المطهر بالماء.

وعن المفيد والسيد - قدهما - جواز رفع الخبث به. وعن الأول الاستدلال عليه بالرواية. وعن الثاني الاستدلال عليه بالإجماع. لكن الرواية مرسلة والإجماع معلوم العدم. وأما إطلاق الأمر بالغسل والتطهير ، فمقيد بالنصوص المشار إليها. مع قرب دعوى انصراف الأول إلى الغسل بالماء لارتكاز مطهريته عرفا وشرعا دون غيره من المائعات. كما لا تبعد دعوى إجمال الثاني ، وحصوله بغير الماء يحتاج إلى دليل ، ولو بني على إطلاقه كان مقتضاه الاكتفاء بزوال العين. وأما رواية غياث : « لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق » (4)فلعلها المشار إليها في كلام المفيد. لكنها مع أنها


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 1.

2) الوسائل باب : 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 1.

4) الوسائل باب : 4 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 2.


مهجورة - أخص من المدعى - لو كان البصاق من المضاف - وإلا كانت أجنبية عنه. مع أن ظاهر رواية غياث الأخرى : « لا يغسل بالبصاق شي‌ء غير الدم! » (1)مناف له فلا مجال لتتميمها بعدم القول بالفصل ونحوه. ثمَّ إن المحكي عن السيد [رحمه اللّه] الاستدلال على ما ذكرنا : بأن الغرض ازالة عين النجاسة ، وهو يحصل بالغسل بالمضاف. ومقتضى هذا الاستدلال عدم وجوب تطهير المتنجس بما لا تبقى عينه ، وحصول الطهارة بمجرد زوال عين النجاسة بكل مزيل وان لم يكن مضافا ، ولكنه - كما ترى - خلاف النصوص المتقدمة الآمرة بالغسل والتطهير ، فضلا عن النصوص الظاهرة في تعيين الماء.

وعن الكاشاني [رحمه اللّه] التفصيل بين الموارد التي ورد فيها ذلك فلا بد من الماء وبين غيرها فيكفي زوال العين. وفيه : أن هذا خلاف استصحاب النجاسة من دون دليل عليه. مضافا إلى أنه خلاف ما ثبت إجماعا وارتكازاً من عدم الفرق بين الموارد. وإنكار سراية النجاسة إلى الجسم - ليسقط الاستصحاب - خلاف ظاهر النصوص ، الموافق للارتكاز العرفي من سراية أثر عين النجاسة إلى ملاقيها. فلاحظ ما ورد في المرق والعجين اللذين أصابهما قطرة من خمر أو نبيذ (2)، وقوله (عليه السلام) : « ما يبل الميل ينجس حباً من الماء » (3). ويشير إلى ذلك ما في رواية عمر بن شمر الواردة في طعام ماتت فيه الفارة ، قال (عليه السلام) : « إنما استخففت بدينك حيث أن اللّه تعالى حرم الميتة من كل شي‌ء » (4)، وما ورد في التطهير من البول


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 1.

2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

3) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 6.

4) الوسائل باب : 5 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 2.

ولو في حال الاضطرار [1] ، وان لاقى نجسا تنجس [2] وان كان كثيراً بل وان كان مقدار ألف كر [3] فإنه ينجس بمجرد


من أن الغسلة الثانية لازالة الأثر (1)، وغير ذلك. فلاحظ.

[1] لعدم الفرق بين الحالين فيما ذكرنا. وعن ابن أبي عقيل مطهرية المضاف حينئذ. ودليله غير ظاهر ، كما تقدم في رفع الحدث.

[2] إجماعا محكيا عن كتب الفاضلين والشهيدين ، وغيرها ، وعن السرائر : نفي الخلاف فيه. وقد تدل عليه الاخبار الواردة في نجاسة الزيت والسمن والمرق ونحوها بملاقاة النجاسة (2)، لأنها وإن لم تكن من المضاف ، إلا أنها مثله في الميعان ، الموجب لسراية النجاسة حسب الارتكاز العرفي ، فالتعدي عنها إلى المضاف نظير التعدي منها إلى المائعات التي ليست من المضاف. بل قد عرفت أنه يظهر من رواية عمر بن شمر المتقدمة

أن ذلك من أحكام النجاسة.

[3] كما يقتضيه إطلاق معاقد الإجماعات والكلمات. لكنه لا يخلو من تأمل ، لعدم السراية عرفا في مثله ، نظير ما يأتي من عدم السراية إلى العالي الجاري إلى السافل. والنصوص الواردة في السمن والمرق ونحوهما غير شاملة لمثله. وثبوت الإجماع على السراية في الكثرة المفرطة غير ظاهر ومن هنا يسهل الأمر في عيون النفط المستخرج في عصرنا ، المعلوم غالباً مباشرة الكافر له بالرطوبة المسرية.


1) لم نعثر على ما تضمن ذلك في كتب الحديث. نعم روى في المعتبر صفحة : 121 من الحسين بن أبي العلاء عن الصادق (عليه السلام) قال : « سألته ... عن الثوب يصيبه البول قال : اغسله مرتين الأول للإزالة والثاني للإنقاء » ورواه مرسلا في الذكرى صفحة : 15.

2) راجع الوسائل باب : 5 من أبواب الماء المضاف والمستعمل. وباب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

ملاقاة النجاسة ولو بمقدار رأس ابرة في أحد أطرافه فينجس كله. نعم إذا كان جاريا من العالي الى السافل ولاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه [1] ، كما إذا صب الجلاب من إبريق على يد كافر ، فلا ينجس ما في الإبريق وان كان متصلا بما في يده.

[ مسألة 2 ] : الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه [2]. نعم لو مزج معه غيره وصعد - كماء الورد - يصير مضافا.

[ مسألة 3 ] : المضاف المصعد مضاف [3].

[ مسألة 4 ] : المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد ، لاستحالته بخاراً [4] ثمَّ ماء.


[1] كما هو المشهور ، بل قيل : الظاهر أنه مذهب الكل عدا السيد في المناهل. لعدم ثبوت سراية النجاسة كلية في المائعات ، وانما الثابت منها في غير مثل ذلك. والرجوع إلى العرف - الذي هو مقتضى الإطلاقات المقامية - يقتضي البناء على عدم السراية للنجاسة من السافل إلى العالي ، فإنه المطابق لمرتكزاتهم. ومثله الكلام في سراية النجاسة من العالي إلى السافل مع تدافع السافل عليه كما في الفوارة. أما مع عدم التدافع من أحدهما إلى الآخر فلا إشكال في السراية من كل منهما إلى الآخر.

[2] لصدق الماء عليه عرفا ، الذي هو المعيار في الإطلاق.

[3] لما تقدم من الصدق العرفي. لكن في اطراده في جميع الموارد تأملا.

[4] الموجبة لمغايرته له عرفا ، على نحو لا يجري معه استصحاب الحكم لتعدد الموضوع. وهذا هو المدار في مطهرية الاستحالة ، لجريان أصالة

[ مسألة 5 ] : إذا شك في مائع أنه مضاف أو مطلق فان علم حالته السابقة أخذ بها [1]. وإلا فلا يحكم عليه بالإطلاق ، ولا بالإضافة [2]. لكن لا يرفع الحدث والخبث [3] وينجس ، بملاقاة النجاسة إن كان قليلا ، وإن كان بقدر الكر لا ينجس ، لاحتمال كونه مطلقاً ، والأصل الطهارة [4].


الطهارة حينئذ بلا معارض ، كما سيأتي في محله إن شاء اللّه. فاذا انقلب البخار ماء كان المرجع في حكمه أصالة الطهارة أيضاً ، لا استصحابها ، لتعدد الموضوع عرفا ، كما في البخار.

[1] للاستصحاب. هذا إذا كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية ، أما لو كان بنحو الشبهة المفهومية - للشك في حدود المفهوم وقيوده ، على نحو يستوجب الشك في صدقه على المورد - أشكل جريان الاستصحاب ، لأنه من الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد ، كالجاري في الفرد المردد وأما استصحاب الحكم السابق فلا مانع منه ، مثل استصحاب كونه مطهراً من الحدث والخبث ، إذا علم انه كان مطلقاً ، أو استصحاب انفعاله بالملاقاة إذا علم كونه مضافا كثيراً. لكنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي غالباً. فلو لم يكن معارضا أو بنينا على حكومة الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي ، أو كان الحكم السابق تنجيزياً ، فلا بأس بجريانه.

[2] إذ لا موجب للحكم بذلك من دليل أو أصل.

[3] لاستصحاب بقائهما.

[4] يعني : استصحابها. نعم ربما يكون بعض الوجوه الموجبة للنجاسة في فرض الملاقاة مع الشك في الكرية مقتضياً للحكم بالنجاسة في المقام فانتظر.

[ مسألة 6 ] : المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مر - وبالاستهلاك في الكر أو الجاري [1].


[1] بتفرق أجزائه فيه على نحو لا يبقى له وجود محفوظ في نظر العرف يجري فيه الاستصحاب. نظير الاستحالة في الأعيان النجسة المطهرة للمستحيل بالمناط المذكور. وأما المطلق المستهلك فيه فالمرجع فيه دليل اعتصامه كراً كان أو جاريا ، أو ماء بئر ، بناء على اعتصامه. ويعضده بعض النصوص الواردة في طهارة الماء الذي وقع فيه بول أو دم أو خمر أو نحوها (1)بعد حملها على المعتصم.

ولو انقلب المضاف مطلقا. بقي على نجاسته ، للاستصحاب ، إذ لا دليل على مطهرية الانقلاب كلية. وحينئذ يطهر بكل ما يطهر القليل النجس الآتي بيانه (2)إن شاء اللّه.

وعن العلامة - رحمه اللّه - القول بطهر المضاف بمجرد الاتصال بالكثير لكن لا دليل عليه. وقول علي (عليه السلام) : « الماء يطهر ولا يطهر » (3)لا عموم له لكل متنجس ، كما أشرنا إليه آنفاً. مع أن العموم غير كاف في ذلك ، إذ لا إطلاق له في كيفية التطهير ، وليس بناء العرف على كفاية مجرد الاتصال في مثل ذلك.

وأما ما عن الشيخ [رحمه اللّه] من اعتبار عدم تغير المطلق المستهلك فيه المضاف بصفات المضاف ، ومع التغير يتنجس المطلق. فغير ظاهر ، إلا بناء على نجاسة المطلق المتغير بصفات المتنجس الملاقي له ، وسيأتي الكلام فيه. .


1) راجع المسألة : 2 وما بعدها من مسائل الفصل المتعرض فيه لماء البئر.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 3 ، 7 وباب : 5 حديث : 6 ، وباب : 9 حديث : 14.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

[ مسألة 7 ] : إذا القي المضاف النجس في الكر ، فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة ، تنجس إن صار مضافا قبل الاستهلاك. وان حصل الاستهلاك والإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه [1] لكنه مشكل.

[ مسألة 8 ] : إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين ، ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتى يصفو ويصير الطين إلى الأسفل ، ثمَّ يتوضأ على الأحوط [2]. وفي ضيق الوقت يتيمم ، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق.


[1] إذ في حال وجود المضاف كان المطلق الملاقي له معتصما ، وبعد انقلاب المطلق مضافاً لا مضاف نجس كي ينجس بملاقاته. نعم قد تشكل صحة الفرض : بأن الاستهلاك يلازم صدق المطلق على الجميع ، فكيف يكون الماء حينئذ مضافاً ، والإضافة والإطلاق ضدان يمتنع اجتماعهما في محل واحد؟! وفيه : ما عرفت من أن الاستهلاك عبارة أخرى عن ذهاب الموضوع بنحو يمتنع أن يجري استصحاب نجاسته ، ولا ملازمة عقلا بين ذلك وبين صدق الماء المطلق على المستهلك فيه كي يلزم اجتماع الضدين. نعم في الغالب يكون انقلاب المطلق إلى المضاف ناشئاً من غلبة المضاف النجس عليه بنحو يمتنع صدق استهلاكه مع غلبته على المطلق. ولكن هذا المقدار لا يوجب امتناع الفرض.

[2] بل الأقوى ، بناء على أن المصحح للتيمم والمسقط لوجوب الطهارة المائية عدم القدرة عليها ، لا مجرد عدم وجود الماء ، كما سيأتي (1)إن شاء اللّه. )


1) يأتي توضيح ان المراد عدم القدرة على المأمور به حتى في آخر الوقت ( منه قدس سره )

[ مسألة 9 ] : الماء المطلق بأقسامه - حتى الجاري منه - ينجس إذا تغير بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم ، والرائحة ، واللون [1]. بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة ، فلا يتنجس إذا كان بالمجاورة [2] ، كما إذا وقعت ميتة قريباً من الماء فصار جائفا. وأن يكون التغير بأوصاف النجاسة [3]


[1] إجماعا محصلا ومنقولا كاد يكون متواتراً ، كما في الجواهر. ويدل عليه الاخبار الكثيرة منها النبوي المتفق على روايته - كما عن السرائر - المتواتر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه - كما عن ابن أبي عقيل - الذي عمل به الأمة وقبلوه - كما عن الذخيرة - : « خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء ، إلا ما غير لونه ، أو طعمه ، أو ريحه » (1)ونحوه غيره (2). ولا يقدح عدم ذكر اللون في جملة منها ، فقد ذكر في بعضها الآخر ، كمعتبر شهاب ، وفيه : « قلت : وما التغير؟ قال : الصفرة » (3)ومعتبر العلاء بن الفضيل : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها. قال (عليه السلام) : لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول » (4)وقريب منهما غيرهما.

[2] لعله لا خلاف فيه بل مجمع عليه ، كذا في الجواهر. لأنه خارج عن مورد أكثر النصوص ومنصرف الباقي.

[3] سيأتي بيان المراد منه في المسألة الحادية عشرة. .


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق ففيها جملة أحاديث ، ويوجد بعض الأحاديث في أبواب أخر متفرقة.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 11.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

دون أوصاف المتنجس [1]. فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر ، أو أصفر لا ينجس إلا إذا صيره [2] مضافا. نعم لا يعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه [3] ، بل لو وقع فيه متنجس حامل لأوصاف النجس فغيره بوصف النجس


[1] كما صرح به جماعة كثيرة ، بل في الجواهر : « يمكن استنباط الإجماع عند التأمل عليه ». إذ مورد أكثر النصوص نجس العين كالميتة ، والدم ، والبول. وأما النبوي ونحوه فهو وان كان لفظه عاماً للمتنجس ، إلا أن منصرفه خصوص وصف نجس العين ، إذ هو الذي يساعده الارتكاز العرفي من اختصاص النفرة بذلك لا غير عندهم ، للفرق بين ظهور أثر النجس بالذات في الماء ، وبين ظهور أثر الطاهر بالذات فيه ، وان كان نجساً بالعرض ، فإن الأول يناسب البناء على نجاسة الماء دون الثاني ، لأن النفرة الذاتية في الأول تستوجب النفرة عن الأثر ، بخلاف الثاني ، لعدم النفرة الذاتية فيه ، والنفرة العرضية زائلة بزوال موضوعها ، لفرض الاستهلاك فتأمل جيداً.

[2] يعنى : مع بقاء الدبس بنحو يصح استصحاب نجاسته. أما لو صيره مضافا بعد الاستهلاك أو مقارنا له فقد تقدم أن للطهارة وجها وجيها.

[3] كما صرح بذلك جماعة. وقد يشكل : بأن المعيار في التنجس ان كان ظهور أثر النجاسة في الماء - ولو لم تكن ملاقاة لها - فاللازم الاكتفاء بذلك ولو مع المجاورة ، وان كان بشرط الملاقاة فالتغير بالمتنجس الحامل لصفات عين النجاسة لا يوجب النجاسة لعدم الملاقاة. نعم إذا كان المتنجس حاملا لاجزاء النجاسة - ولو كانت متفرقة فيه - كانت الملاقاة للنجاسة ، لكنه ليس من محل الكلام ، أو أنه ليس كذلك دائما.

فإن قلت : المتنجس إذا كان حاملا لأوصاف النجاسة فلا بد أن يكون حاملا لأجزائها لامتناع انتقال العرض من محل الى محل آخر ، وحينئذ فالملاقي

تنجس أيضاً. وأن يكون التغير حسياً [1] ، فالتقديري لا يضر ،


له ملاق لعين النجاسة حقيقة [ قلت ] : هذا المقدار غير كاف في التنجس لأن قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : « لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير ... ». قد عرفت أنه منصرف الى المتغير بملاقاة النجاسة عرفا ، وهو غير حاصل في جميع أفراد المتغير بالمتنجس وان كان حاصلا عقلا.

اللّهم إلا أن يبنى على عموم الموصول في النبوي ونحوه للنجس والمتنجس وعلى انصرافه الى خصوص صورة الملاقاة وكون التغير بوصف النجس ذاتاً لمساعدة الارتكاز العرفي عليه ، كما أشرنا الى ذلك آنفا. ويؤيده أن الغالب في التغير بالجيفة ونحوها سراية التغير مما حولها الى ما يتصل به وهكذا. ومن هذا يظهر الاشكال فيما في الجواهر من اختصاص الحكم بالنجاسة بصورة استناد التغير إلى النجاسة التي تغير بها المتنجس دون غيرها من الصور وان كان التغير بصفة النجاسة. فإنه مبني على اختصاص الموصول في النبوي ونحوه بالنجس دون المتنجس ، ولكنه خلاف الإطلاق. فلاحظ.

وقد يقرر الوجه في النجاسة : بأن المتغير بعين النجاسة إذا امتزج بالكثير فغيره ، فاما أن يطهر المتنجس ، وهو خلاف النص والإجماع على اعتبار زوال التغير في طهارة المتغير ، أو يبقى كل على حكمه ، وهو خلاف الإجماع على اتحاد الماء الواحد في الحكم ، أو ينجس الطاهر ، وهو المطلوب ويتم الحكم في غير الممتزج بالإجماع على عدم الفصل.

[1] المراد بالحسي [ تارة ] : ما يقابل الواقعي الذي لا يدركه الحس [ وأخرى ] : الفعلي ما يقابل التقديري. واعتبار الحسي بالمعنى الأول مقتضى النصوص الدالة على الطهارة بملاقاة البول والدم وغيرهما إذا لم يتغير الماء ، فإنه لا بد من وجود التغير واقعاً لاختلاف اللونين. وأما اعتباره بالمعنى الثاني فهو المشهور بل لم ينسب الخلاف فيه إلا الى العلامة في القواعد وغيرها

فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر ، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك لم ينجس ، وكذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيره ، وكذا لو كان


وبعض من تأخر عنه. ويشكل : بأن التغير كغيره من العناوين المذكورة في القضايا الشرعية ظاهر في الوجود الفعلي ، ولا سيما بملاحظة الارتكاز العرفي فلا يشمل التقدير الفرضي.

ودعوى : كون التغير ملحوظا طريقاً الى كم النجاسة ، لا موضوعا ليدور الحكم مداره. مندفعة أولا : بأنه خلاف الظاهر ، كما عرفت. وثانياً : بأن لازمه عدم نجاسة المتغير إذا كان كم النجاسة قليلا ووصفها شديداً. وثالثا : بأن تحديد الكم المقتضي للتغير مجهول لا طريق إلى معرفته ، ولازمه أنه مع الشك يرجع الى استصحاب الطهارة ولو مع العلم بالتغير. اللّهم إلا أن يدعى ان التغير طريق شرعي إلى حصول الكم المنجس ، فتكون النصوص المتضمنة للنجاسة مع التغير واردة في مقام جعل الحكم الظاهري لا الواقعي ولكنه كما ترى.

وعن البيان وجامع المقاصد الاكتفاء بالتقدير فيما لو كان عدم ظهور أثر النجاسة لوجود وصف في الماء ، معللا : بأن التغير فيه حقيقي مستور ، ووافقهما عليه جماعة من الأساطين ، بل في الحدائق : نسبه الى قطع المتأخرين من دون خلاف ظاهر معروف. وفيه ما لا يخفى ، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين ، فاذا كان الماء متلوناً بمثل لون النجاسة كيف يتلون بلونها؟ وأشكل من ذلك ما عن المحقق الخونساري من التفصيل في اعتبار التقدير بين الصفات العارضية ، كما في المصبوغ بطاهر أحمر ، فيعتبر فيه التقدير ، وبين الصفات الأصلية ، كما في المياه الكبريتية ، فلا يعتبر فيه التقدير. فإنه بلا فاصل ظاهر.

جائفاً فوقع فيه ميتة كانت تغيره لو لم يكن جائفا ، وهكذا. ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الإطلاق [1] محكوم بالطهارة ، على الأقوى.

[ مسألة 10 ] : لو تغير الماء بما عدا الأوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة ، مثل الحرارة والبرودة ، والرقة والغلظة ، والخفة والثقل ، لم ينجس ما لم يصر مضافا [2].

[ مسألة 11 ] : لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس [3] بعينه ، فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالجنس - كما لو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم - تنجس. وكذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير رائحتهما. فالمناط تغير أحد الأوصاف المذكورة بسبب النجاسة وان كان من غير سنخ وصف النجس [4].


[1] يعني : مع عدم استهلاك النجاسة ، أما لو كان الخروج عن ذلك بعد الاستهلاك فالحكم الطهارة أيضا.

[2] إجماعا محكياً عن غير واحد. ويقتضيه الحصر المستفاد من النبوي وغيره

[3] يعني : قبل الملاقاة.

[4] محتملات التغير بدواً أربعة : [ الأول ] : التغير بمثل وصف النجاسة [ الثاني ] : التغير بسنخ وصفها قبل الملاقاة ، مثل التغير بالصفرة من وقوع الدم الأحمر. [ الثالث ] : التغير بوصف النجاسة في الجملة ولو كان وصفا لها بعد ملاقاة الماء ، نظير الحناء التي وصفها الخضرة ، فاذا لاقت الماء صار وصفها الحمرة ، والزاج الذي وصفه البياض ، فاذا لاقى الماء الذي فيه شي‌ء من الدباغ صار وصفه السواد. [ الرابع ] : التغير

[ مسألة 12 ] : لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء أو العرضي ، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض ، فوقع فيه البول حتى صار أبيض ، تنجس. وكذا إذا زال طعمه


مطلقاً ولو بوصف أجنبي عن وصف النجاسة مطلقا أو بزوال وصفه.

هذا وقد يظهر من الجواهر أحد الأولين ، للتبادر ، أو لأنه المتيقن ويرجع في غيره الى استصحاب الطهارة. كما أن مقتضى الإطلاق في النبوي وغيره الأخير. اللّهم إلا أن يناقش في الإطلاق : بأن الارتكاز العرفي يساعد على اعتبار ظهور وصف النجاسة في الماء ، لاختصاص الاستقذار العرفي بذلك وطروء وصف أجنبي أو زوال وصف الماء لا يوجب النفرة. ويعضده ظهور جملة من النصوص في ذلك ، ففي صحيح شهاب الوارد في الجيفة تكون في الغدير قال (عليه السلام) : « إلا أن يغلب الماء الريح فينتن ... [ إلى أن قال ] : قلت : فما التغير؟ قال (عليه السلام) : الصفرة » (1). وفي موثق سماعة : « إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب » (2). وفي خبر العلاء : « لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول » (3). وفي صحيح ابن بزيع : « حتى يذهب الريح ويطيب طعمه » (4). فان ظاهر الجميع اعتبار التغير بوصف النجاسة في الجملة ولو كان ثبوته لها في حال الملاقاة للماء ، كما عرفت في الاحتمال الثالث. وعلى هذا يكون هو المتعين. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف - رحمه اللّه - في المسألة اللاحقة بقوله. « لا فرق بين ». فلاحظ وتأمل.


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 11.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 6.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 12.

العرضي ، أو ريحه العرضي.

[ مسألة 13 ] : لو تغير طرف من الحوض - مثلا - تنجس ، فان كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع [1] ، وان كان بقدر الكر بقي على الطهارة وإذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع ولو لم يحصل الامتزاج ، على الأقوى [2]


[1] لانفعال الباقي بملاقاة المتغير.

[2] كما نسب إلى الأكثر ، وعن المحقق والشهيد الثانيين وأكثر من تأخر عنهما التصريح به. بل قيل : « لم يعرف القول بالامتزاج من قبل المحقق في المعتبر ». وان كان ذلك لا يخلو عن نظر. لصحيح ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) : « ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه ، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ، لأن له مادة » (1)ومحصل ما ينبغي أن يقال في تقريب الاستدلال : أن قوله (عليه السلام) : « واسع » وان كان يحتمل أن يراد منه الكثير ، لكن لما كان ذلك أمراً خارجياً عرفياً كان خلاف ظاهر البيان الوارد من الشارع. فيتعين أن يكون المراد منه أنه واسع الحكم. ولا سيما بملاحظة عدم المناسبة في التعبير عن الكثرة بالسعة وعليه فيكون قوله (عليه السلام) : « لا يفسده شي‌ء ». من قبيل التفصيل بعد الاجمال ، فترجع الجملتان الى مضمون واحد ، ورجوع التعليل اليه محتمل وأما الاستثناء فلا معنى لرجوع التعليل اليه. أما قوله : « فينزح » فرجوع التعليل اليه وان كان ممكنا عقلا إلا أنه بعيد جداً ، لخلوه عن المناسبة العرفية وأما قوله (عليه السلام) : « حتى يذهب الريح .... ». فلما كان المستفاد منه أمرين أحدهما عرفي خارجي ، وهو ترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح والثاني حصول الطهارة بذلك ، كما هو مفاد حرف الانتهاء ، لم يكن مانع


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 12.


عقلي من رجوعه الى كل منهما.

لكن رجوعه إلى الأول يبعده أمور : [ الأول ] : أنه أمر عرفي واضح التحقق ، فيكون تعليله في لسان الشارع تعليلا على خلاف وظيفته وبيانا للواضح ، [ الثاني ] : أن ذهاب الريح لا يترتب على مجرد وجود المادة ، وانما يترتب على ذلك منضما الى تزايد الماء النقي ، ونقص المتغير وغلبة الأول على الثاني ، فلو رجع التعليل اليه لزم الاقتصار على بعض العلة في التعليل وهو خلاف الظاهر. [ الثالث ] : أن المفاد المذكور ليس مدلولا عليه بالكلام ولا مما سيق لأجله ، وانما هو متصيد. وهذا بخلاف المفاد الثاني كما لا يخفى.

ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما عن الشيخ البهائي [رحمه اللّه] في الحبل المتين من إجمال التعليل ، لاحتمال رجوعه الى ترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح ، نظير قولك : لازم غريمك حتى يوفيك حقك فإنه يكره ملازمتك.

وعلى ما ذكرنا فالمتعين إرجاع التعليل إما الى المفاد الثاني للفقرة الأخيرة وحده ، أو مع الفقرة الأولى فيكون تعليلا لمجموع المفادين. والأول متيقن والأظهر الأخير. واحتمال إرجاعه إلى الفقرة الأولى فقط - فيكون تعليلا للدفع فقط - بعيد ، لان الكلام السابق عليه مشتمل على الدفع والرفع معا وكون الرفع أقرب إليه ، فيكون تعليل الدفع الذي هو أبعد إيهاما لخلاف المقصود ، فهو خلاف الظاهر. بل عرفت أن رجوعه الى الرفع الذي هو أقرب متيقن ، ورجوعه اليه والى الدفع الأبعد أظهر ، لأن تخصيصه بأحدهما دون الآخر مع احتياج كل منهما اليه بلا مخصص ، فهو خلاف الظاهر. وكون الثاني من متعلقات الأول - لو تمَّ - فأولى أن يقتضي الرجوع إليهما معا لا إلى أحدهما وحده. على أن تعلق الثاني بالأول من جهة عطفه عليه

[ مسألة 14 ] : إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير ،


بالفاء ، والتعلق بالعطف لا يمنع من كون الثاني متيقناً في مرجعية التعليل.

ثمَّ إن مقتضى ظهور التعليل في العموم للمورد وغيره عدم الفرق بين ماء البئر وغيره ، فيشمل المقام وان لم يصدق عرفا على مقدار الكر أنه مادة ، لأن الارتكاز العرفي يقتضي كون المراد من المادة مطلق المعتصم وان لم يسم بالمادة. ولو بني على الاقتصار في التعليل على خصوص ما يسمى بالمادة كان تعليلا تعبديا ، وهو خلاف الظاهر.

فان قلت : مورد التعليل صورة امتزاج ما في المادة بالماء المتغير على نحو يزول تغيره بتوسط النزح ، لأن الحكم المعلل مطهرية زوال التغير بتوسط النزح ، وهو إنما يكون مع الامتزاج لا بدونه ، فكيف يستفاد من التعليل مطهرية الاتصال مطلقاً؟!

قلت : خصوصية النزح ليست معتبرة. أولا : للإجماع على كفاية الامتزاج ولو لم يكن نزح. وثانياً : لأجل أن البناء على اعتبارها تعبداً يوجب حمل التعليل على التعبدي لعدم دخل النزح في الطهارة في مرتكز العرف ، وانما الدخيل مجرد زوال التغير بأي سبب كان ، فإذا بني لذلك على إلغاء خصوصية النزح كان المدار على مجرد زوال التغير. وأما الامتزاج وغيره من الخصوصيات الموجودة في ماء البئر عند ذهاب تغيره فالغاؤها لازم ، للاقتصار في التعليل على ذكر المادة فلو كانت خصوصية غيرها دخيلة في الطهارة عند زوال الريح كان اللازم ذكرها ، فعدم التعرض لذلك دليل على عدم اعتباره.

والمتحصل مما ذكرنا : أن ظاهر الصحيح الشريف رجوع التعليل الى الدفع والرفع معا ، فكما أن الاتصال بالمادة موجب لاعتصام الماء حدوثاً كذلك يوجب ارتفاع النجاسة عند زوال التغير الموجب للنجاسة.

ثمَّ تغير بعد مدة ، فإن علم استناده الى ذلك النجس تنجس ، وإلا فلا [1].

[ مسألة 15 ] : إذا وقعت الميتة خارج الماء ووقع جزء منها في الماء [2] وتغير بسبب المجموع من الداخل والخارج ، تنجس [3] ، بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء.

[ مسألة 16 ] : إذا شك في التغير وعدمه ، أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة ، أو كونه بالنجاسة أو بطاهر ، لم يحكم بالنجاسة [4].

[ مسألة 17 ] : إذا وقع في الماء دم وشي‌ء طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته [5].


[1] للأصل.

[2] يعني : بعضها في الماء وبعضها في الأرض.

[3] كما استظهره شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] (1)لإطلاق النصوص ، مع أن الغالب الجيفة التي تكون في الماء بروز بعضها. والتفكيك بينه وبين فرض المسألة في الحكم بعيد عن المرتكز العرفي ، والبناء على الطهارة فيهما معا في صورة الاستناد الى الداخل والخارج كما ترى. بل من المحتمل شمول الإطلاقات لصورة الاستناد إلى ما هو خارج فقط بلا مشاركة ما هو في الماء نعم لو كانت الجيفة في الخارج وبعضها اليسير في الماء كطرف رجلها وذنبها ونحوهما لم تبعد دعوى الانصراف عن مثله.

[4] لأصالة عدم التغير ، وعدم الملاقاة ، وعدم التغير بالنجس.

[5] بل ينبغي الحكم بها لو كان بعض مراتب الحمرة مستنداً الى الدم


1) المحقق الشيخ الأنصاري.

[ مسألة 18 ] : الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر [1]. نعم الجاري والنابع


وبعضها مستندا إلى الأحمر ، لتحقق التغير بالنجاسة عرفا على سبيل الاستقلال نعم لو كان التغير بمرتبة ضعيفة ، بحيث كان أثر الدم استقلالا غير محسوس لم يبعد ما في المتن ، لظهور الأدلة في الاستناد الاستقلالي.

[1] إجماعا في القليل - كما قيل - وعلى المشهور في الكثير. وعن يحيى بن سعيد : القول بالطهارة فيه. لأصالة الطهارة. وللنصوص الدالة على إناطة النجاسة بالتغير وجودا وعدما. وللخبر : « إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا » (1). ولقول الرضا (عليه السلام) في صحيح ابن بزيع المتقدم : « حتى يذهب الريح ويطيب طعمه » (2)بناء على كون [ حتى ] تعليلية مع رجوع التعليل الى الأمر العرفي كما سبق احتماله في الحبل المتين.

وفيه : أن أصل الطهارة محكوم باستصحاب النجاسة. والاشكال على الاستصحاب : بأن موضوع اليقين فيه المتغير وموضوع الشك غير المتغير ، فيتعدد فيه الموضوع ، ومع تعدد الموضوع لا يجري الاستصحاب. مندفع : بأن التغير وعدمه من قبيل الأحوال ، التي لا يوجب اختلافها تعدداً في الموضوع عرفا ، كما حقق في محله.

وأما النصوص : فظاهرها إناطة النجاسة حدوثاً بالتغير وعدمه ، لا ما يعم الحدوث والبقاء ، كي تصلح حجة في المقام.

وأما الخبر : فسيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في حكم المتمم كراً الاشكال فيه ، لضعف سنده ، وهجره عند المشهور ، ومعارضته بما دل على انفعال


1) السرائر صفحة : 8.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 12.

إذا زال تغيره بنفسه طهر ، لاتصاله بالمادة. وكذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر [1].


الماء القليل (1). نعم لو جاز العمل به هناك تعين العمل به هنا ، لأن خروج الماء عنه حال التغير إنما يقتضي تقييد إطلاقه الاحوالي ، لا تخصيص عمومه الأفرادي ، فإذا وجب الخروج عنه في حال تعين الرجوع إليه في غيره من الأحوال ، لوجوب الرجوع إلى المطلق مع الشك في التقييد ، فاذا شك في طهارته في حال زوال التغير كان إطلاقه الدال على الطهارة مرجعاً رافعا للشك ، فلا مجال لاستصحاب النجاسة.

وأما صحيح ابن بزيع : فكون [ حتى ] فيه تعليلية غير ظاهر ، وانما تتعين [ حتى ] لذلك إذا لم يمكن استمرار ما قبلها بدون ما بعدها ، مثل : أسلم حتى تسلم ، أما إذا أمكن استمراره كذلك فهي فيه للغاية. نعم ربما يكون مدخولها علة غائية وربما لا يكون ، والحمل على واحد منهما بعينه يحتاج إلى قرينة ، وهي مفقودة في المقام. وقد عرفت ضعف احتمال رجوع التعليل إلى الأمر العرفي.

[1] ومر وجهه في شرح المسألة الثالثة عشرة. .


1) يأتي منه - قدس سره - في المسألة الرابعة عشرة من فصل الماء الراكد الاشكال بذلك تبعا لما هو المشهور بين الفقهاء. لكنه - قدس سره - دفع المعارضة واستشكل في الخبر يضعف الدلالة. فراجع.

فصل

الماء الجاري - وهو النابع [1] السائل على وجه الأرض [2] فوقها أو تحتها ، كالقنوات - لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغير ، سواء كان كراً أو أقل [3].


فصل في حكم الماء الجاري

[1] بلا خلاف فيه ، كما عن جماعة. وفي جامع المقاصد : إن الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد ، يعتبر فيه الكرية اتفاقا ممن عدا ابن أبي عقيل انتهى. ويساعده المتفاهم العرفي ، فإن الاستعداد للجريان مقوم لمفهوم الجاري وما لا يكون له نبع فاقد لذلك الاستعداد. نعم الجاري لغة أعم من ذلك.

[2] كما نص عليه جماعة. لكن في المسالك : أنه النابع غير البئر سواء جرى أم لا. انتهى. فإن أراد أنه كذلك لغة أو عرفا فممنوع. وان أراد أنه كذلك اصطلاحا فغير ظاهر ، لما عرفت من تصريح جمع بخلافه.

[3] أما نجاسته مع التغير فمتفق عليها نصاً وفتوى. وأما عدم نجاسته بالملاقاة - وان كان قليلا - فظاهر محكي عبارات جماعة انه إجماعي ، بل عن حواشي التحرير نقل الإجماع عليه صريحاً ، وفي الجواهر : « يمكن للمتروي في كلمات الأصحاب تحصيل الإجماع على عدم اشتراط الكرية ».

ويشهد له التعليل في صحيح ابن بزيع المتقدم (1)، على ما عرفت


1) راجع المسألة : 13 من الفصل الأول في المياه.


من عمومه للمقام. وصحيح داود بن سرحان : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في ماء الحمام؟ قال (عليه السلام) : بمنزلة الماء الجاري » (1). لكن يشكل بإجمال الحكم الملحوظ في التنزيل ، إذ يحتمل أن لا يكون هو الاعتصام ولا قرينة في الكلام على تعيينه.

وأما الإشكال : بأنه على خلاف المطلوب أدل ، بناء على اشتراط بلوغ المادة ولو مع ما في الحياض كراً ، لأن مقتضى التنزيل مساواة الشيئين في الحكم. [ فيدفعه ] : أن التنزيل إنما يقتضي ثبوت حكم ذي المنزلة لما جعل بمنزلته ، أعني : حكم الجاري لماء الحمام ، لا حكم ماء الحمام للجاري ولو سلم فغاية ما يقتضي ذلك اعتبار الكرية في مادة الجاري - ولو بضميمة الخارج عنها - ولا مضايقة في ذلك. لكن حينئذ يدل على عدم اعتبار الكرية في الماء الجاري ، كما ذهب إليه العلامة [رحمه اللّه] ومن تبعه.

نعم من هنا يظهر أنه لو فرض ظهور الرواية في كون التنزيل بلحاظ الاعتصام لا حكم آخر مجهول فلا يظهر منها التنزيل في الاعتصام مطلقاً ، بل من الجائز أن يكون التنزيل بلحاظ الاعتصام في حال كون المادة كراً ، وعدمه عند كونها دون الكر ، فاعتصام الجاري مطلقاً مما لا يمكن إثباته من الرواية بوجه.

نعم لا يتوجه هذا الاشكال على رواية ابن أبي يعفور (2)المتضمنة أن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضاً ، للتصريح فيها بكون الاعتصام هو الملحوظ في التنزيل. كما لا يتوجه عليها الاشكال بمنع عموم النهر للقليل إذ هو خلاف الإطلاق. كالإشكال بمنع اختصاص النهر بما له نبع ، إذ هو لا يقدح في الاستدلال بها على حكم ذي النبع.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.


نعم تشكل هذه الرواية : بأن ظاهر قوله (عليه السلام) : « يطهر بعضه بعضاً » أن الاعتصام يكون لماء النهر بنفسه ، لا بالمادة ، وحيث عرفت الاتفاق على أن ما لا مادة له بحكم المحقون يتعين له حمل الرواية على النهر المشتمل على الكر وتكون أجنبية عما نحن فيه [ ودعوى ] : أن حملها على الكر يستوجب إلغاء خصوصية النهرية. [ يدفعها ] : أن ارتكاب ذلك أولى من التصرف في ظاهر قوله (عليه السلام) : « يطهر ... » بحمله على التطهير بالمادة.

وأما الإشكال عليها : بأن مقتضى المماثلة المساواة من الطرفين ... إلى آخر ما تقدم في صحيح ابن سرحان. فقد عرفت ما فيه ، وأنه لا مضايقة في الالتزام باعتبار الكرية في المادة في الجاري وغيره ولو بضميمة ما في الحياض.

بل لا يبعد اعتبار الكرية فيها مستقلة - وإن قيل : انه لا قائل به ظاهراً - لانصراف إطلاق المادة في التعليل إلى ما كانت كراً ، بقرينة الارتكاز العرفي المتعين حمل التعليل عليه ، فان البناء على الأخذ بالإطلاق يوجب كون التعليل تعبدياً ، إذ لا ارتكاز عرفي يساعد على كون المادة مطلقا عاصمة لغيرها. فلاحظ.

ثمَّ إن اعتبار الكرية في المادة مستقلة ، أو بضميمة ما في الحياض ، أجنبي عن مذهب العلامة [رحمه اللّه] ، فدعوى : أنه عين مذهب العلامة في الجاري غير ظاهرة. ومن ذلك تعرف وجوه النظر في كلمات شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في طهارته. فراجع.

وأما صحيحة ابن مسلم في الثوب يصيبه البول : « فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة » (1)فالاستدلال بها يتوقف إما على اعتبار التعدد في غير المعتصم ، أو على اعتبار ورود الماء في غير المعتصم مع ظهورها في ورود النجاسة على الماء ، وكلا المبنيين غير ظاهر. نعم ورد في البول وجوب


1) الوسائل باب : 2 من أبواب النجاسات حديث : 1.

وسواء كان بالفوران أو بنحو الرشح [1]. ومثله كل نابع وان كان واقفا [2].

[ مسألة 1 ] : الجاري على الأرض من غير مادة نابعة


التعدد. لكن لا مانع من تخصيصه بغير الجاري ، عملا بالصحيح المذكور. ومن هذا كله يظهر لك : أن العمدة في اعتصام الجاري - وان كان قليلا - عموم التعليل في صحيح ابن بزيع وكفى به حجة على ذلك.

وبه يظهر ضعف ما ذهب إليه العلامة [رحمه اللّه] في أكثر كتبه - وتبعه عليه الشهيد الثاني [رحمه اللّه] في المسالك ، والروض ، والروضة - من اعتبار الكرية فيه تمسكا بعموم ما دل على انفعال القليل ، إذ هو مخصص بالتعليل المذكور حتما ، لأن ظهور التعليل في العموم أقوى من ظهور ذلك الدليل فيه. ولو سلم التساوي فلأجل أن بينهما عموما من وجه ، يتعين الرجوع الى عموم النبوي الدال على اعتصام الماء مطلقا ولو كان قليلا ما لم يتغير، أو الى أصالة الطهارة.

[1] لإطلاق المادة. وفي الحدائق عن والده [رحمه اللّه] : عدم تطهير الآبار التي في بعض البلدان بالنزح بل بإلقاء كر ، لأن ماءها يخرج رشحاً. انتهى وفيه : أن ذلك لا يأبى شمول إطلاق المادة له. نعم بناء على ما عرفت من اتفاقهم على اعتبار النبع في الجاري قد يشكل صدقه إذا كانت المادة راشحة لخروج الرشح عن النبع. لكن الظاهر أن المراد من النبع ما هو أعم من الرشح مقابل ما لا مادة له. ولو سلم ذلك فلا يهم بعد ما عرفت من أن العمدة في دليل حكم الجاري ما دل على عاصمية المادة ، وهي أعم من الرشح بل قد قيل : إن الغالب في الآبار الرشح.

[2] لما عرفت من عموم التعليل في صحيح ابن بزيع.

أو راشحة إذا لم يكن كراً ينجس بالملاقاة [1]. نعم إذا كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس أعلاه بملاقاة الأسفل للنجاسة [2] ، وان كان قليلا.

[ مسألة 2 ] : إذا شك في أن له مادة أم لا وكان قليلا ، ينجس بالملاقاة [3].


[1] لعدم شمول التعليل له. ونصوص الجاري ، لو تمت دلالتها على اعتصامه فهي غير واضحة الشمول للفرض ، كما عرفت.

[2] كما تقدم في المسألة الأولى من الفصل السابق. نعم لو لم يكن الجريان بقوة ودفع تعين البناء على سراية النجاسة إلى العالي ، لموافقته للمرتكز العرفي.

[3] لأن الجمع بين ما دل على انفعال القليل ، وما دل على اعتصام ذي المادة ، يقتضي كون موضوع الانفعال القليل الذي ليس له مادة ، فاذا أحرزت قلة الماء ، وجرت أصالة عدم المادة ، فقد أحرز موضوع الانفعال بعضه بالوجدان ، وبعضه بالأصل ، فيترتب حكمه.

ثمَّ إن الشك في وجود المادة [ تارة ] : يكون في وجودها المقارن لوجود الماء. [ وأخرى ] : في وجودها اللاحق بعد وجود الماء. وفي الصورة الثانية : إن علم بانتفائها قبل زمان الشك بني على استصحاب عدمها فيترتب الحكم بلا إشكال. وان علم بوجودها قبل زمان الشك بني على استصحاب وجودها ، ويترتب حكمه وهو الاعتصام بلا إشكال أيضاً.

أما في الصورة الأولى : فأصالة العدم فيها من قبيل استصحاب العدم الأزلي الثابت قبل وجود الموضوع ، وهو محل كلام بين الأعلام ، وإن كان الأظهر جريانه ، لعموم الأدلة بعد اجتماع أركانه من اليقين والشك [ ودعوى ] : أن العدم الأزلي مغاير للعدم اللاحق للوجود ، لكون الأول


عدماً لعدم الموضوع ، والثاني عدماً لعدم المقتضي أو لوجود المانع ، وليس عدم الموضوع دخيلا فيه ، لفرض وجوده. [ مندفعة ] : بأن هذا الاختلاف لا يستوجب اختلافهما ذاتاً ، وانما يستوجب اختلافهما منشأ وعلة ، وذلك لا يمنع من إجراء الاستصحاب ، ولا يوجب التعدد عرفاً ، كما يظهر من ملاحظة النظائر ، فإنه يجوز استصحاب ترك الأكل والشرب للصائم بعد الغروب ، مع أن الترك الى الغروب كان بداعي الأمر الشرعي - وهو منتف بعد الغروب - والترك بعده لا بد أن يكون بداع آخر.

فان قلت : عدم العارض لما كان نقيضاً لوجود العارض ، ولا بد من وحدة الرتبة بين النقيضين ، ومن المعلوم أن وجود العارض متأخر رتبة عن وجود المعروض ، فعدم العارض المأخوذ قيداً في الحكم لا بد أن يكون متأخراً رتبة عن وجود الموضوع ، والعدم الأزلي ليس كذلك ، لأنه سابق على وجود الموضوع.

قلت : السبق الزماني على وجود الموضوع لا ينافي التأخر الرتبي عنه فان وجود المعروض وعدمه نقيضان ، وهما في رتبة واحدة ، ووجود العارض وعدمه نقيضان وهما في رتبة واحدة أيضاً ، فعدم العارض لما كان بمنزلة المعلول لعدم المعروض كان متأخراً عنه رتبة ، وهو عين تأخره عن وجود المعروض المتأخر زماناً ، لكون وجود المعروض في رتبة عدمه فالمتأخر عن أحدهما متأخر عن الآخر ، وتأخر وجود المعروض زماناً لا ينافي ذلك.

وبالجملة : ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له ، ومقتضى الفرعية الانتفاء عند الانتفاء المعبر عنه بالسالبة بانتفاء الموضوع ، فاذا وجد زيد بعد العدم صح أن يقال : لم يكن زيد موجوداً - يعني : قبل أن يوجد - كما يصح أن يقال : لم يكن زيد هاشمياً ، وبعد ما تبدل الأول بنقيضه وصح أن يقال : وجد زيد ، فاذا شك في تبدل الثاني بنقيضه يبنى على بقائه ،

[ مسألة 3 ] : يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة [1] فلو كانت المادة من فوق تترشح وتتقاطر ، فان كان دون الكر ينجس. نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس.


فيقال بعد ما وجد زيد : لم يكن هاشمياً. بالاستصحاب ، وقد عرفت أن السلب بانتفاء الموضوع عين السلب بانتفاء المحمول لا غيره ، فلا مانع من استصحابه عند الشك فيه.

ودعوى : أن التقابل بين عدم المحمول ووجوده المأخوذين في موضوع الحكم الشرعي - مثل القرشية واللاقرشية - تقابل العدم والملكة ، لا تقابل النقيضين ، وعدم العارض عند عدم المعروض يقابل وجود العارض عند وجود المعروض تقابل النقيضين ، فلا يكون أحدهما عين الآخر ، كي تكون القضية المتيقنة عين القضية المشكوكة كي يصح الاستصحاب. [ لا مأخذ ] لها ظاهر ، فان المذكور في كلامهم أن نقيض الجزاء يثبت مع نقيض الشرط ففي قوله (عليه السلام) : « لأن له مادة » يكون المفهوم : [ إذا لم يكن له مادة ] الذي هو نقيض : كان له مادة. وكذلك مثل قوله : « إن كانت المرأة قرشية تحيض الى الستين » يكون المفهوم : « إذا لم تكن المرأة قرشية لا تحيض الى الستين » ، فشرط المفهوم نقيض شرط المنطوق. [ وبالجملة ] : الوحدة بين العدمين - عرفاً - لا مجال لإنكارها ، وهي كافية في صحة الاستصحاب ومن ذلك كله يظهر أن استصحاب العدم الأزلي لإثبات القيد السلبي في محله.

وقد أطال بعض الأعاظم من مشايخنا (1)في تقريب المنع من جريان الأصل المذكور ، بترتيب مقدمات غير واضحة في نفسها ، ولا في صلاحيتها لنفي الاستصحاب المبني على صدق الشك في البقاء عرفاً وإن لم يصدق عقلا.

[1] هذا مما لا ريب فيه ، فإنه منصرف الدليل ، لمطابقته للمرتكز العرفي


1) الميرزا النائيني قدس سره .

[ مسألة 4 ] : يعتبر في المادة الدوام [1] ، فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الأرض ويترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري.


[1] قال الشهيد [رحمه اللّه] في الدروس : « ولا يشترط فيه - أي في الجاري - الكرية على الأصح. نعم يشترط دوام النبع ». وظاهر العبارة غير مراد قطعاً. فيحتمل أن يكون المراد الاحتراز عن العيون التي لا يتصل نبعها لضعف الاستعداد فيه فتنبع آناً وتقف آناً ، كما عن المحقق الكركي احتماله. أو الاحتراز به عن العيون التي يقف نبعها لسد المادة. أو الاحتراز عن العيون التي يقف نبعها لوصول الماء الى حد مساو لسطح النبع ، فاذا نقص من الماء شي‌ء نبعت حينئذ. أو الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء وتجف في الصيف ، فلا يدوم في فصول السنة ، كما عن كثير احتماله بل عن المحقق الكركي : أن أكثر المتأخرين عن الشهيد - رحمه اللّه - ممن لا تحصيل لهم فهموا هذا المعنى من كلامه. انتهى. والأظهر منها الأول كما أن الحكم بعدم الاعتصام في الثانية ظاهر ، لعدم الاتصال. وفي الأخيرتين مشكل ، لأنه خلاف الإطلاق. وأما الأولى فإن كان الآن الذي يكون فيه النبع مما يعتد به عرفاً في صدق أن له مادة ، كان الماء معتصما في ذلك الآن لا غيره. وإن كان لا يعتد به فلا اعتصام للماء حينئذ دائماً. وأما الدوام في عبارة المتن فالمراد منه غير ظاهر.

نعم في الجواهر : ان الثمد - وهو ما يتحقق تحت الرمل من ماء المطر كما عن الأصمعي وغيره - الأقوى إلحاقه بالمحقون مطلقا ، جري أو لم يجر ، للاستصحاب مع الظن أو القطع بعدم شمول ذي المادة له ، لا أقل من الشك فيبقى على حكم المحقون من القليل أو الكثير. اللّهم إلا أن يفرض كونه على وجه يصدق ذو المادة عليه. أو يقال : إنه مطلقا من ذي المادة

[ مسألة 5 ] : لو انقطع الاتصال بالمادة كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع - كان حكمه حكم الراكد [1] ، فإن أزيل الطين لحقه حكم الجاري وان لم يخرج من المادة شي‌ء ، فاللازم مجرد الاتصال.

[ مسألة 6 ] : الراكد المتصل بالجاري كالجاري [2] ، فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه ، وكذا أطراف النهر وان كان ماؤها واقفاً.


أو بحكمه ولو مع الشك ، كما ستعرف. انتهى. وأشار بما ذكره أخيراً الى ما ذكره بعد ذلك من أن عموم الأدلة يقتضي اعتصام كل ماء ، والخارج عنه القليل المعلوم عدم المادة له كالحياض والغدران ونحوهما. انتهى.

وحاصل وجه الإشكال في اعتصام الثمد ونحوه التشكيك في شمول ذي المادة له. لكنه غير ظاهر ، لصدق المادة فيه كغيره. وأما ما ذكره أخيراً من وجه الاعتصام ، فهو على خلاف إطلاق أدلة انفعال القليل. واختصاصه بالمعلوم عدم المادة له غير ظاهر الوجه ، بل إطلاقه شامل للمعلوم وجود المادة له. غاية الأمر يجب الخروج عنه بما دل على الاعتصام بالمادة ، فإذا شك في صدق المادة بنحو الشبهة الموضوعية يتعين الرجوع الى الأصول ، بناء على التحقيق من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وكيف كان فالدوام في عبارة المصنف رحمه اللّه لا يخلو من إجمال.

[1] لما عرفت من ظهور دليل الاعتصام بالمادة في اعتبار الاتصال بها ، فاذا انقطع الاتصال لا يدخل المورد تحت ذلك الدليل ، ويتعين الرجوع الى عموم انفعال القليل.

[2] لصدق أن له مادة.

[ مسألة 7 ] : العيون التي تنبع في الشتاء مثلا - وتنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها [1].

[ مسألة 8 ] : إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة [2] وان كان قليلا [3] والطرف الآخر حكمه حكم الراكد [4] إن تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير ، وإلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط ، لاتصال ما عداه بالمادة.


[1] قد تقدم أن المحكي عن جماعة ممن تأخر عن الشهيد - رحمه اللّه - أنهم فهموا من اعتبار الدوام في النبع في اعتصام الجاري المذكور في عبارة الدروس الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء وتجف في الصيف. وعن المحقق الثاني إنكاره ، وأنه لا شاهد له من الاخبار ولا يساعد عليه الاعتبار وأنه تخصيص لعموم الدليل بمجرد التشهي. وجعل من فهم ذلك من عبارته ممن لا تحصيل له. وأنه منزه عن أن يذهب الى مثله ، فإنه تقييد لإطلاق النص بمجرد الاستحسان ، وهو أفحش أغلاط الفقهاء.

[2] لاتصاله بالمادة.

[3] لما عرفت من عدم اعتبار الكرية في اعتصام المتصل بالمادة. بل عن بعض الحكم بعدم الانفعال مع القلة وإن اعتبرنا الكرية في الجاري لأن جهة المنع في الجاري أعلى سطحاً فلا تسري النجاسة إليه من المتغير السائل عنه. وفيه : أن العلو الموجب للجريان لا يمنع من سراية النجاسة إلى العالي.

[4] يعني يعتصم إن كان كراً ، لعموم اعتصام الكر. وينفعل إن كان قليلا ، لعموم انفعال القليل واحتمال طهارته - عملا بإطلاق ما دل

فصل

الراكد بلا مادة إن كان دون الكر ينجس بالملاقاة [1] من غير فرق بين النجاسات ، حتى برأس إبرة.


على اعتصام المتصل بالمادة - يندفع بانصراف الإطلاق إلى صورة اتصال الأثر ، لا بنحو يكون منفصلا كالطفرة. فان ذلك خلاف المرتكز العرفي المنزل عليه التعليل.

ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره في الجواهر ، فإنه - بعد ما جزم بأن الحكم بالطهارة في غاية الضعف - قال « والمسألة لا تخلو من تأمل ، لأنه يمكن أن يقال : إن تغير بعض الجاري لا يخرج البعض الآخر عن هذا الإطلاق. وأيضاً احتمال الدخول تحت الجاري معارض باحتمال الخروج ، فيبقى أصل الطهارة سالماً ، فيحكم عليه بالطهارة ». إذ فيه : أن الانصراف موجب للخروج عن الإطلاق. وأن معارضة احتمال الدخول باحتمال الخروج مرجعها إلى إجمال دليل اعتصام الجاري ، والمتعين الرجوع حينئذ إلى عموم انفعال القليل ، لا أصالة الطهارة.

فصل في الراكد بلا مادة

[1] إجماعاً صريحا وظاهراً ، حكاه جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين ومتأخريهم ، وبعضهم استثنى ابن أبي عقيل ، وكأن إطلاق غيرهم لعدم اعتنائهم بخلافه. وعن صاحب المعالم والعلامة المجلسي والمحقق البهبهاني : ان الأخبار بذلك متواترة ، وفي الرياض : « جمع منها بعض الأصحاب


مائتي حديث » وعن العلامة الطباطبائي قدس سره - في أثناء تدريسه في الوافي - إنها تزيد على ثلاثمائة رواية. منها الطائفة المتضمنة قولهم (عليهم السلام) : « إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء » (1)الوارد بعضها ابتداء ، وبعضها جوابا عن السؤال عن الماء الذي تبول فيه الدواب ، وتلغ فيه الكلاب ، ويغتسل فيه الجنب ، وتدخله الدجاجة وقد وطئت العذرة. والمناقشة فيها بعدم عموم الشي‌ء في المفهوم ، لأن نقيض السلب الكلي هو الإيجاب الجزئي ، لو سلمت ، فلا تقدح في الاستدلال فيما نحن فيه ، لأن المقصود هو الإيجاب الجزئي في مقابل مذهب ابن أبي عقيل من السلب الكلي. وما ورد في سؤر الكلب والخنزير ، مثل صحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الكلب يشرب من الإناء. قال (عليه السلام) : اغسل الإناء (2)وصحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : « سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال (عليه السلام) : يغسل سبع مرات » (3)وما ورد في الإناءين المشتبهين ، كموثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيره. قال (عليه السلام) : يهريقهما جميعا ويتيمم » (4)ونحوه موثق عمار (5)، وموثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام) : « إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس ، إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة ، فإن أدخلت يدك في الماء وفيها شي‌ء من ذلك فأهرق


1) راجع أحاديث باب : 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 3.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 2.

4) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

5) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 14.


ذلك الماء » (1)ونحوه غيره مما ورد في الجنب وغيره ... إلى غير ذلك من النصوص الواردة في أبواب الماء المحقون ، والجاري ، والحمام ، والبئر ، ومباحث النجاسات ، وغير ذلك.

هذا ولم يعرف الخلاف في ذلك إلا من ابن أبي عقيل ، وتبعه عليه الكاشاني والفتوني. واستدل لهم بروايات هي ما بين مطلق قابل للتقييد بما سبق كالنبوي (2)ونحوه. أو ظاهر في الكثير ، كالروايات الواردة في الغدير الواقع فيه جيفة ، وأنه لا بأس به إذا غلب الماء ريح الجيفة (3)أو مجمل ، مثل صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الحبل من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (4)إذ لا يعلم أن السؤال كان لأجل تقاطر الماء من شعر الخنزير في ماء الدلو ، أو من جهة الشك في التقاطر ، أو من جهة انفعال ماء البئر ، أو من جهة استعمال شعر الخنزير في الوضوء العبادي فعلى الاحتمالات الثلاثة الأخيرة يكون أجنبيا عما نحن فيه.

وأما خبر محمد بن ميسر : « عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، ويريد أن يغتسل منه ، وليس معه إناء يغرف به ، ويداه قذرتان. قال (عليه السلام) : يضع يده ويتوضأ ثمَّ يغتسل. هذا مما قال اللّه


1) الوسائل باب : 8 من الماء المطلق حديث : 4.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 9 وأكثر أحاديث هذا الباب يدل على إطلاق طهورية الماء.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 11 ، 13 ، وباب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 11.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.


عز وجل ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (1)» (2)فغير ظاهر في القليل بمعنى ما لم يكن كراً ، بل من الجائز أن يكون المراد منه ما لا يمكن الاغتسال بنحو الارتماس فيه. ولا سيما بملاحظة الاستدلال بآية نفي الحرج فان اقتضاءه لاعتصام ما دون الكر خفي ، بخلاف اقتضائه اعتصام مراتب الكر ، فان لزوم الحرج من عدم اعتصامها ظاهر ، كما لا يخفى مع أن ذكر الوضوء مع الغسل خلاف المذهب.

نعم خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قلت له : راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة. قال (عليه السلام) : إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ وصبها ، وإذا كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية. وكذلك الجرة وحب الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء. وقال أبو جعفر (عليه السلام) : إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شي‌ء تفسخ فيه أو لم يتفسخ. إلا أن يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء » (3)لا مجال للإشكال في دلالته على الاعتصام لكن التفصيل فيه بين التفسخ وعدمه مما لم يقل به أحد. وكذلك التفصيل بين الراوية وما زاد عليها. وحمل التفسخ على التغير يأباه ما في ذيله. كما أن حمل ما زاد على الراوية على الكر غريب ، لأنه خلاف المعهود من مقدار الراوية ، ولا يناسبه التعبير المذكور ، كما يظهر بأقل تأمل.

ومثله في الدلالة خبر أبي مريم الأنصاري : « كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلواً للوضوء من ركي له فخرجت عليه قطعة عذرة يابسة فأكفأ رأسه وتوضأ بالباقي » (4)بناء على أن المراد


1) الحج : 78.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 8 - 9.

4) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 12.


بالعذرة عذرة الإنسان ، كما هو الظاهر. لكن قال شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] : « إن أحداً لا يرضى أن يتوضأ الإمام (عليه السلام) من هذا. بل لا يرضى أحد أن يستعمل الامام (عليه السلام) هذا الماء في مطلق الانتفاع فضلا عن الوضوء. بل قد ورد الأمر بالإراقة لمثله في جملة من النصوص (1)، فلا بد من توجيه الرواية قلنا بالنجاسة أو الطهارة. فلا يبعد إذاً حمل العذرة فيه على الروث الطاهر ، أو الحمل على خطأ الراوي في اعتقاده أنها عذرة. وليس ذلك بأبعد من حمل الفعل على إرادة بيان الجواز على تقدير القول بالطهارة.

ومثلهما في الدلالة خبر علي بن جعفر (عليه السلام) : « عن جنب أصابت يده جنابة فمسحها بخرقة ، ثمَّ أدخل يده في غسله هل يجزؤه أن يغتسل من ذلك الماء؟ قال (عليه السلام) : إن وجد ماء غيره فلا يجزؤه أن يغتسل ، وان لم يجد غيره أجزأه » (2). لكن التفصيل المذكور فيه مما لم يقل به أحد. مع أن مورده المتنجس.

ولو أغمض النظر عن هذه المناقشات في الروايات المذكورة لم يجز الاعتماد عليها - بعد إعراض جماهير الأصحاب عنها ، وصيرورة الحكم بالانفعال من الواضحات المتسالم عليها عند الإمامية - فضلا عن معارضتها لما عرفت ليلتزم بالجمع العرفي ، بحمل نصوص الانفعال على الكراهة ، أو اختلاف مراتب النجاسة والطهارة ، فإنه تأباه نصوص الانفعال باختلاف مواردها وأحكامها وألسنتها ، كما لعله ظاهر بالتأمل فيها. وليس ورود مثل هذه النصوص الا كورود غيرها في كثير من المسائل المعلوم حكمها نصا وفتوى مما علم وقوع الخطأ فيه ، إما في أصالة الجهة ، أو في أصالة صحة النقل ،


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 2 ، 4 ، 7 ، 10 ، 11 ، 14 وباب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 4 ، 5.

2) لم نعثر عليه في الوسائل ، راجع قرب الاسناد المطبوع في إيران سنة 1370 ه صفحة : 48.


أو غير ذلك ، ولو بني على إعمال قواعد التعارض في مثله لزم تأسيس فقه جديد. ومنه سبحانه نستمد التأييد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

هذا وقد فصل استاذنا الأعظم قدس سره (1)بين النجس والمتنجس فبنى على طهارة الماء بملاقاة الثاني. إذ لا إجماع على الانفعال بملاقاته ، ولا خبر دل عليه ، خصوصا أو عموماً ، منطوقا أو مفهوماً ، لاختصاص الأخبار الخاصة بعين النجاسة وانسباقها من الشي‌ء في الاخبار العامة - كما ادعي في خبر : « خلق اللّه الماء ... » (2)- ولا أقل من أنه القدر المتيقن. ولو سلم شمول المنطوق له فلا عموم في المفهوم ، فان الظاهر أن يكون مثل : « إذا كان الماء قدر كر ... » (3)لتعليق العموم لا لتعليق كل فرد من أفراد العام ، فيكون مفهومه إيجابا جزئياً والمتيقن عين النجاسة. ولو سلم عدم ظهوره في تعليق العموم فلا ظهور له في تعليق أفراد العام ، وعموم : « خلق اللّه ... » يكون مرجعاً ، مضافا الى استصحاب الطهارة أو قاعدتها.

أقول : أما نفي الإجماع ، فهو خلاف إطلاق معاقد الإجماعات المدعاة على انفعال الماء القليل. وستأتي أيضاً حكاية الإجماع على تنجيس المتنجس - مطلقا - من جماعة كثيرة. وفي المحكي في جملة من عباراتهم دعوى الضرورة عليه.

وأما أنه لا خبر يدل عليه ، ففيه : أنه ظاهر جملة من النصوص كصحيح شهاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في


1) المحقق الخراساني ( ره ).

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 1 ، 2 ، 5 ، 6.


الإناء قبل أن يغسلها أنه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء » (1)وقوية أبي بصير عنه (عليه السلام) : « سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال (عليه السلام) : إن كانت يده قذرة فأهرقه وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه. هذا مما قال اللّه تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (2). ونحوهما حسنة زرارة (3)، وموثقة سماعة (4)وخبر علي بن جعفر (عليه السلام) (5). وفي صحيح البزنطي : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء وهي قذرة. قال (عليه السلام) : يكفئ الإناء » (6)نعم قد يعارضها موثق أبي بصير المتقدم في أخبار الانفعال ، فان صدره وان كان موافقا لما سبق ، إلا أن التقييد في ذيله بقوله (عليه السلام) : « وفيها شي‌ء من ذلك » يقتضي اشتراط الانفعال بملاقاة عين النجاسة. وكذا خبر ابن جعفر المتقدم في أخبار الاعتصام. لكن لا يبعد أن يكون المراد من الأول : « وقد كان فيها » ولو بقرينة ظهور كون الذيل تصريحاً بمفهوم الشرط السابق في الصدر ، أو بقرينة ظهور الإجماع على الانفعال بالمتنجس وأما الثاني فلو لم يدل على النجاسة لم يدل على الطهارة أيضاً ، إذ التفصيل لا يقول به أحد كما عرفت.

وأما أن الشرط في أخبار الكر لتعليق العموم. [ ففيه ] : أنه لو سلم كونه مقتضى التركيب في نفسه ، فالظاهر منه في المقام كونه لتعليق


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 3.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 11.

3) الوسائل باب : 26 من أبواب الجناية حديث : 2.

4) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.

5) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 13.

6) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

من الدم الذي لا يدركه الطرف [1]


الافراد ، بقرينة وروده مورد بيان حكم النجاسات المختلفة من بول الدواب وولوغ الكلاب ، واغتسال الجنب ، ودخول الدجاجة ، والحمامة ، وقد وطئت العذرة ، التي قصد السؤال عن انفعال الماء بها ، وبأمثالها من النجاسات والمتنجسات التي من شأنها التنجيس وليس وارداً في خصوص النفي في مقابل الإثبات في الجملة ، ولا في خصوص الأعيان المذكورة ، كما يظهر بالتأمل. وعلى هذا فلا مجال للرجوع الى عموم : « خلق اللّه الماء ... » ، ولا الى استصحاب الطهارة ، أو قاعدتها.

[1] عن الشيخ في الاستبصار طهارة الماء القليل عند ملاقاة ما لا يدركه الطرف من الدم ، كرؤوس الأبر ، وعن غاية المراد نسبته الى كثير من الناس. لصحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال (عليه السلام) : إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس وان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه » (1). والطعن في سنده بأن فيه محمد بن أحمد العلوي المجهول غير ظاهر - لو سلم - فإنه مروي في الكافي بطريق صحيح ليس فيه العلوي الموجود في طريق الشيخ. ومثله الطعن في دلالته بأن إصابة الإناء لا تقتضي إصابة الماء. فان الظاهر منه إصابة نفس الماء ، كما قد يشهد به لسان الجواب. نعم مورده أخص من المدعى ، ومعرض عنه عند المشهور ، فيسقط بذلك عن الحجية.

إلا أن يقال : إن ظاهره عدم الانفعال بما لا يكون مرئيا من أجزاء الدم ، وهذا هو مقتضى الأصل ، إذ لا دليل على نجاسة الذرات الدموية التي لا يدركها الطرف ، لعدم ثبوت كونها دما عرفا ، نظير الأجزاء المائية


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

سواء كان مجتمعا أم متفرقا مع اتصالها بالسواقي [1]. فلو كان هناك حفر متعددة فيها الماء واتصلت بالسواقي ، ولم يكن المجموع كراً ، إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع ، وان كان بقدر الكر لا ينجس ، وان كان متفرقا على الوجه المذكور ، فلو كان ما في كل حفرة دون الكر وكان المجموع كراً ، ولاقى واحدة منها النجس ، لم تنجس ، لاتصالها بالبقية.

[ مسألة 1 ] : لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون وارداً على النجاسة [2] أو موروداً.


المنتشرة في البخار. لا أقل من انصراف دليل النجاسة عنها ، أو دليل انفعال الماء بملاقاة النجاسة. وعلى هذا فان كان هذا هو مراد الشيخ [رحمه اللّه] فلا بأس به. وفي المبسوط جزم بعدم انفعاله بما لا يمكن التحرز منه ، مثل رؤوس الابر من الدم وغيره ، لأنه لا يمكن التحرز عنه. انتهى. فإن أراد ما ذكرنا ففي محله أيضاً. وان أراد غيره فهو خلاف إطلاقات الانفعال والتعليل الذي ذكره غير ظاهر صغرى وكبرى.

[1] لإطلاق الأدلة. خلافا للمحكي عن المعالم من اعتبار الاجتماع وكأنه لدعوى الانصراف. لكنه - على تقدير ثبوته - بدوي لا يرفع الإطلاق هذا مع تساوي السطوح ، أما مع الاختلاف فسيأتي.

[2] خلافا للسيد المرتضى [رحمه اللّه] في الناصريات ، والحلي في السرائر بل جعله الصحيح المستمر على أصل المذهب وفتاوى الأصحاب. قال السيد [رحمه اللّه] : « والوجه فيه : إنا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة لأدى ذلك الى أن الثوب لا يطهر إلا بإيراد كر من الماء عليه ، وذلك يشق ، فدل على أن الماء الوارد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة والكثرة

[ مسألة 2 ] : الكر بحسب الوزن ألف ومائتا رطل بالعراقي [1]


كما يعتبر في ما يرد عليه النجاسة ». لكنه ليس في الحقيقة تفصيلا بين الوارد والمورود ، بل هو قول بطهارة خصوص المستعمل في التطهير ، ولو كان موروداً ، بناء على عدم اعتبار الورود فيه. وسيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في حكم ماء الغسالة التعرض للوجه الذي ذكره.

[1] على المشهور. لمرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الكر من الماء الذي لا ينجسه شي‌ء ألف ومائتا رطل » (1)بحمل الرطل فيها على العراقي ، بقرينة صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : والكر ستمائة رطل » (2)بحمل الرطل فيها على المكي - الذي هو ضعف العراقي - بقرينة المرسلة الأولى ، حيث يدور الأمر بين الجمع بينهما بذلك وبين طرح إحداهما ، والأول متعين عرفا ، فإن الأخذ بالتعيين حيث يدور الأمر بينه وبين الطرح أولى من الأخذ بالتخصيص حيث يدور الأمر بينه وبينه ، إذ التخصيص لا يخلو من ارتكاب خلاف الظاهر ، بخلاف تعيين المشترك في أحد معانيه.

فان قلت : كل واحدة من الروايتين ليس لها ظاهر حجة ، كي يدور الأمر بين طرحه وبين التعيين. [ قلت ] : بلى كل واحدة منهما نص في أحد المعاني على البدل ، وانما لا يكون لها ظاهر في واحد بعينه ، فلو حملت المرسلة على غير الرطل العراقي كانت الصحيحة منافية لها على أى معنى حمل الرطل فيها ، فيتعين حمل الرطل فيها على العراقي. وكذا القول في الصحيحة فإنها لو حملت على غير المكي لنافتها المرسلة على أي معنى حمل الرطل فيها : فيتعين حمل الرطل فيها على المكي. فيكون تعيين أحد المحتملات في كل


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المطلق حديث : 3.


واحدة منهما لئلا يلزم طرح النص من الأخرى.

هذا مضافا الى ما قيل من دعوى الإجماع على عدم كون الكر ستمائة رطل بالعراقي والمدني ، وهو قرينة على حمل رواية الستمائة على المكي ، فتكون هي قرينة على حمل المرسلة على العراقي. بل لا حاجة الى الحمل المذكور ، لأن الستمائة بعد حملها على المكي تكون ألفاً ومائتين بالعراقي ، وان بقيت المرسلة على إجمالها.

نعم رواية ابن جعفر (عليه السلام) (1)الواردة في ألف رطل وقع فيها أوقية من بول ، المتضمنة أنه لا يصلح شربه ولا الوضوء منه، بناء على ظهورها في الرطل المدني - بقرينة كونه مدنيا - تنافي حمل المرسلة على العراقي. وكأنه لذلك ذهب الصدوقان والمرتضى 5 - على ما حكي - الى كون الكر ألفاً ومائتين بالمدني. لكن هذه القرينة غير ظاهرة ، إذ من المحتمل استعمال الرطل شائعاً في المدينة في العراقي ، كما يستعمل في المدني. بل قد يظهر من رواية الكلبي النسابة (2)أن الاستعمال في العراقي أشيع. فتأمل.

وأشكل من ذلك دعوى تعين حمل المرسلة على الرطل العراقي ، بقرينة أن ابن أبي عمير كوفي ، ومشايخه من أهل الكوفة ، وحمل الصحيحة على الرطل المكي ، بقرينة أن ابن مسلم من أهل الطائف. وجه الإشكال [ أولا ] : ما عرفت من احتمال استعمال الرطل شائعا في كل من المقادير الثلاثة [ وثانيا ] : أنه لم يثبت وجوب حمل الكلام على عرف السامع في قبال عرف المتكلم. مع أن ابن مسلم من أهل الكوفة ، كما يظهر بمراجعة ترجمته في كتب الرجال. وكون المراد من بعض أصحابنا في كلام ابن أبي عمير


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 16.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الماء المضاف حديث : 2.

وبالمساحة ثلاثة وأربعون شبراً إلا ثمن شبر [1]


بعض الكوفيين غير واضح.

[1] على الأشهر أو المشهور. لموثق أبي بصير أو صحيحه : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال (عليه السلام) : إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا [ ونصف خ ل ] ، في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الأرض ، فذلك الكر من الماء » (1). والمناقشة في السند لا تهم بعد كون الحديث موثقا ولا سيما بعد اعتماد المشهور عليه.

نعم تشكل دلالته بعدم التعرض فيه للبعد الثالث. ودعوى : حذفه من العمق لدلالة ما قبله عليه ، غير ظاهرة. كدعوى أن قوله (عليه السلام) ثانيا : « ثلاثة أشبار » ليس بدلا من قوله : « مثله » بل هو معطوف على : « مثله » والتقدير : « وفي ثلاثة أشبار ... » فيكون بيانا لتقدير العمق. بل في الجواهر : أنه عثر على نسخة مقروءة على المجلسي الكبير مصححة هكذا : « في ثلاثة أشبار ونصف في عمقه ». إذ تشكل : بأن تقدير العاطف خلاف الأصل. والنسخة التي عثر عليها في الجواهر لا يعتمد عليها في قبال النسخ المعروفة ، حتى أن المجلسي الكبير [رحمه اللّه] صار في مقام توجيه الدلالة بجعل : « ثلاثة أشبار » الثانية خبراً ثانيا ل « كان » لا بدلا من : « مثله » ، على ما حكاه عنه ولده الأعظم [قدس سره] في مرآة العقول : ولو كانت هذه النسخة صحيحة لما احتاج إلى هذا التوجيه الذي هو خلاف الظاهر كغيره من التوجيهات التي اعترف في مرآة العقول :بأن ارتكابها إنما يسوغ بعد البناء على كون المراد بيان تحديد الجهات الثلاث ، إذ تحديد البعض وإهمال الباقي لا معنى له. والحمل على القطر - المبني على فرض نادر الوقوع وهو الحوض المدور - بعيد غاية البعد ، وأنه لو لا


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الماء المطلق حديث : 6.


ذلك لكان من الاستدلال المبني على الاحتمال. انتهى. [ أقول ] : بل هو من الاستدلال بخلاف الظاهر.

وأما ندرة الشكل المدور في الماء فغير ظاهرة. ولا سيما بملاحظة أن المدور مقتضى طبع الماء فتأمل. مع أن تساوي خطوط السطح لا تختص بالمربع بل تكون في المسدس ، والمثمن ، وغيرهما من الاشكال. فالحمل على المربع بخصوصه غير ظاهر ، ولا قرينة عليه. ومقتضى إطلاق الكلام الحمل على المدور ، فإنه الذي تستوي فيه الخطوط من جميع النقاط ، بخلاف غيره من المضلعات ، فان الخطوط فيه لا تستوي إذ هي بين الزوايا أطول منها بين الأضلاع. فإطلاق الاقتصار على بيان بعد واحد يقتضي الحمل على الأول. مع أن المدور ليس له - عرفا - إلا بعد واحد ، لأن تمايز أبعاده بمجرد الفرض العقلي بخلاف المضلع ، فان تمايز أضلاعه يستوجب تمايز ابعاده ، سواء أتساوت - كالمربع والمسدس ونحوهما - أم اختلفت كالمستطيل. وهذه جهة أخرى تستوجب حمل الكلام على المدور دون غيره من الاشكال. [ وبالجملة ] : تساوي الخطوط في المدور من جميع النقاط مع كونه عرفا له بعد واحد يستوجبان حمل الكلام غير المتعرض إلا لبعد واحد عليه دون غيره لفقد كل من الأمرين المذكورين فيه ، كما لعله ظاهر بالتأمل.

وأما ما ذكره في الجواهر ، من أن الحمل على المدور حمل على ما لا يعرفه إلا الخواص من علماء الهيئة ، فيمتنع. ففيه : أنه إنما يتم لو كان المقصود بيان نتيجة ضرب الابعاد بعضها ببعض ، لكنه غير ظاهر ، بل المراد ذكر علامة على الكر ، وهي أن يكون قطره ثلاثة ونصفا وعمقه كذلك ، وهو شي‌ء يعرفه أجهل العوام. ولو كان المراد بيان حاصل ضرب الابعاد كان المناسب - بل المتعين - أن يقول (عليه السلام) : « ثلاثة وأربعون شبراً إلا ثمن شبر » فإنه أصرح ، وأخصر ، وأفيد.


هذا وقد يستدل على المشهور أيضاً برواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا كان الماء في الركي كراً لم ينجسه شي‌ء. قلت : وكم الكر؟ قال (عليه السلام) : ثلاثة أشبار ونصف عمقها ، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها » (1)بناء على ما تقدم في تقريب الأول من الاكتفاء بذكر أحد البعدين عن ذكر الآخر ، الذي عرفت ما فيه من أنه خلاف الظاهر. أو لأن الطول إما مساو أو أكثر ، والمتيقن الأول.

وفيه : أن هذا لا يقتضي الظهور في الأقل. مع أن الطول لا يكون مساويا للعرض ، واستعماله فيه مبني على المسامحة ، فالعرض في الرواية الشريفة بمعنى السعة ، نظير قوله تعالى ( وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) وقد عرفت أن إطلاق كون سعة السطح ثلاثة ونصفا منزل على المدور ، ولا سيما في الرواية التي موردها الركية التي هي غالبا من المدور ، كما قيل ، وان كان لا يخلو من تأمل.

وعلى هذا يكون ظاهر الروايتين حصول الكر في ثلاثة وثلاثين شبراً وخمسة أثمان الشبر ونصف ثمنه ، بمقتضى ما ذكر في معرفة مقدار المدور من أنه ينقص عن المربع بسبع ونصف سبع ، فان التفاوت بين ما ذكرناه وما هو المشهور سبع ونصفه. لا ما ذكر في الجواهر من أن تنزيلها على المدور يقتضي كون


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 8 هكذا رواه في الوسائل القديمة ، وهو كذلك في الكافي والتهذيب والوافي وزاد في الوسائل الحديثة ذكر الطول ، فقال : « ثلاثة أشبار ونصف طولها في ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها ». ولعله تبع فيه الاستبصار المطبوع في النجف الأشرف أخيراً ، فيكون دليلا صريحاً للمشهور ولا يتم ما ذكره قدس سره في رد الاستدلال به. لكن في الوسائل في باب : 10 من أبواب الماء المطلق حديث : 5 قال بعد ذكر ذيل الحديث : « ذكر العرض يغني عن ذكر الطول لأنه لا بد أن يساويه أو يزيد عليه » وهو صريح في عدم اشتمال الحديث على بعد الطول.


الكر اثنين وثلاثين شبرا وثمنا وربع ثمن. وكأنه لتوهم كون قطر الدائرة ثلث محيطها ، مع أن المذكور في محله أن المحيط ثلاثة أمثال القطر وسبع فيكون محيط الدائرة التي يكون قطرها [ ثمانية ] خمسة وعشرين وسبعاً ، لا أربعة وعشرين. فاذا كان قطر سطح الماء المدور الشكل ثلاثة أشبار ونصفا ، فضرب نصفه في نصف المحيط الذي هو أحد عشر شبراً ، ثمَّ ضرب الحاصل في العمق الذي هو ثلاثة ونصف ، كان الحاصل ما ذكرنا - الذي ذكره الوحيد [رحمه اللّه] - لا ما في الجواهر.

هذا وفي المدارك استوجه العمل بصحيحة إسماعيل بن جابر : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الماء الذي لا ينجسه شي‌ء؟ قال (عليه السلام) : ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته » (1)مستظهراً من اعتبار الذراع والشبر في السعة اعتبارهما في كل من البعدين. ولم يتعرض لمقدار الذراع. فان كان شبرين - كما يظهر من بعض أخبار المواقيت (2)، ويساعده الاختبار - يكون الكر ستة وثلاثين شبراً حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة ، والحاصل في أربعة العمق. وان كان الذراع قدمين - كما يظهر من جملة من أخبار ذلك الباب (3)- يكون الكر اثنين وخمسين شبراً تقريباً ، لأن القدم يزيد على الشبر بسدس تقريباً.

هذا ولما عرفت ظهور مثل هذا التحديد في تحديد بعدين لا غير ، وأنه منزل على الشكل المدور ، تعرف أن مقتضاها كون الكر ثمانية وعشرين شبراً وسبعين بناء على أن الذراع شبران وأربعين شبرا تقريباً ، بناء على أنه قدمان.


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب مواقيت الصلاة حديث : 18.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب مواقيت الصلاة حديث : 3 وقد يستفاد من غيره من اخبار الباب وغيرها.


والمحكي عن القميين وجماعة من المتأخرين - كالعلامة في المختلف ، والشهيد الثاني في روض الجنان والروضة. والأردبيلي في مجمع البرهان ، والسيد بحر العلوم في سياق أخبار القلتين في المصابيح (1)وغيرهم - : أنه سبعة وعشرون شبراً لرواية إسماعيل بن جابر : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قدر الماء الذي لا ينجسه شي‌ء. فقال (عليه السلام) : كر. قلت : وكم الكر؟ قال (عليه السلام) : ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار » (2).

وقد وصفت هذه الرواية بالصحة في كلام جماعة ، بل عن البهائي أنها موصوفة بالصحة من زمن العلامة - رحمه اللّه - الى زماننا. انتهى. والظاهر أن الوجه في ذلك أن الشيخ [رحمه اللّه] رواها في الاستبصار وموضع من التهذيب. عن عبد اللّه بن سنان. لكن في الكافي رواها عن ابن سنان وقد استظهر غير واحد أنه محمد. وعن موضع من التهذيب ، أنه رواها عن محمد بن سنان. ومن المستبعد كونهما معاً روياها. ولأجل ذلك يشكل الحكم بصحة الرواية ، كما يشكل انجبارها بعمل الجماعة بعد ظهور خطئهم في اعتقادهم صحة سندها. كما يشكل انجبارها بعمل القميين. لعدم ثبوته ، فان مضمونها وان نسب الى القميين في كلام جماعة - كالحلي والعلامة والشهيدين ، وغيرهم - على ما حكي ، لكنه في المنتهى خصه بابن بابويه ، وفي الخلاف نسبة الأول إلى جميع القميين وأصحاب الحديث. فالعمدة : أن الظاهر جواز العمل بأخبار محمد بن سنان لثبوت وثاقته. فلا ينبغي التوقف عن العمل بها من جهة السند.

وأما الطعن في دلالتها ، فيندفع بشيوع الاكتفاء بذكر البعدين عن


1) لكن السيد في مفتاح الكرامة بعد أن قال : « وهو ( يعني تحديد الكر بسبعة وعشرين شبراً ) مختار الأستاذ الشريف أيده اللّه تعالى ، حيث قال : والانصاف ترك الانصاف » قال : « لكن عدل عنه في الهداية ». فراجع.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.


ذكر البعد الثالث فيما لم ينص على بعد بعينه. وبذلك افترقت هذه الرواية عن السوابق للتنصيص فيها على العمق والعرض والسعة ، بخلاف هذه الرواية. مع تأيدها أو اعتضادها بالمرسل عن المجالس والأمالي : أنه ثلاثة طولا في ثلاثة عرضاً في ثلاثة عمقاً (1). وبالإجماع على عدم كون الكر أقل من سبعة وعشرين ، فيمتنع حملها على المدور. واحتمال سقوط لفظ النصف منها ، لا يعتد به. لأنه خلاف الأصل كما أن إعراض المشهور عنها لا يصلح موهناً لها. لاحتمال أن يكون لبعض الوجوه المرجحة لغيرها عليها في نظرهم.

نعم لو بني على إعمال قواعد التعارض بين النصوص لتعذر الجمع العرفي بينها ، يتعين العمل بصحيحة إسماعيل بن جابر ، المتضمنة للذراع والشبر - التي تقدم ظهورها في المستدير - لأنها أصح الاخبار - كما قيل - لو لا أن تسقط عن الحجية بإعراض الأصحاب عنها ، قال في المنتهى - بعد ذكر الصحيحة المذكورة - : « وتأولها الشيخ على احتمال بلوغ الأرطال وهو حسن ، لأنه لم يعتبر أحد من أصحابنا هذا المقدار ». فيبقى التعارض بين خبر أبي بصير المتقدم في دليل المشهور ، وبين رواية إسماعيل التي هي مستند ابن بابويه. ولا يبعد كون سند الأول أوثق فيترجح. وقد عرفت ظهوره في المدور. وأنه عليه يكون الكر أربعة وثلاثين شبراً إلا ثمنين ونصف ثمن. هذا بناء على تعذر الجمع العرفي بين النصوص ، لورودها في مقام التقدير ، الذي يمتنع فيه الاختلاف ، للزوم وحدة القدر ، فاختلافها فيه يستوجب التعارض.

لكن هذا المبنى غير ظاهر في المقام ، لتحقق الاختلاف بين نصوص الوزن ونصوص المساحة اختلافا واضحا. إذ المحكي عن الأمين الأسترابادي :


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.


أنه وزن ماء المدينة فكان يساوي ستة وثلاثين شبراً تقريباً ، وظاهر مرآة العقول للمجلسي [رحمه اللّه] : أن وزنه يساوي ثلاثة وثلاثين شبراً تقريباً ، ووزن ماء النجف في هذه الأزمنة جماعة فكان وزنه يساوي ثمانية وعشرين شبراً تقريبا ، وبعض الأفاضل منهم ذكر أنه يساوي سبعة وعشرين شبرا. وهذه الأوزان لا توافق المشهور في المساحة. ومن العجيب أن المشهور ذهبوا الى أن الرطل في التقدير بالوزن عراقي ، وأن مساحة الكر ثلاثة وأربعون إلا ثمناً ، مع ما بينهما من التفاوت الظاهر. وأن الصدوقين ذهبا الى أن الرطل مدني. وأن مساحة الكر سبعة وعشرون ، مع ما بينهما أيضاً من التفاوت الظاهر. وقد كان الأنسب للمشهور في المساحة الرطل المدني والأنسب لمذهب القميين في المساحة الرطل العراقي ، فجمع كل من المشهور وغيرهم بين المذهبين في تقديري الوزن والمساحة جمع بين المتنافيين. ولا بد من علاج هذا التنافي كالتنافي بين نصوص التقديرين. والتنافي في الفتاوى أشكل وأبعد.

والظاهر انحصار العلاج بجعل الأكثر عندهم علامة على وجود الأقل ، نظير ما ذكرنا في تقدير حد الترخص بخفاء الجدران وخفاء الأذان ، حيث اخترنا أن الحد خفاء الأذان ، وأن خفاء الجدران علامة على تحقق الحد ولو قبله. فيكون مراد المشهور من تقدير الكر بالمساحة كونها علامة على وجود الكر ، وان قدره الحقيقي هو الوزن لا غير ، فيكونون قد تصرفوا بأخبار المساحة بحملها على كونها علامة على وجود المقدر. كما أن مراد القائلين بالقول الآخر من تقديري الكر بالوزن كونه علامة على وجود الكر ، وأن قدره الحقيقي ما كان بالمساحة فيكونون قد تصرفوا بأخبار الوزن بحملها على كونه علامة على وجود المقدر.

فاذا كان بناء الأصحاب على التصرف في نصوص التقدير على كل


حال ، لم تكن نصوص التقدير بالمساحة في نفسها متعارضة ، لإمكان أن يكون كل واحد من تلك التحديدات المشتملة عليها علامة. ولا يقدح في ذلك اختلافها بالقلة والكثرة ، بدعوى لغوية جعل الأكثر علامة في ظرف جعل الأقل. لأن ذلك الاختلاف في نتيجة ضرب الابعاد ، لا في نفس الاشكال المختلفة ، وإلا فهي متباينة ، والمجعول علامة ليس هو النتيجة.

ويؤيد ذلك أنك لا تجد رواية من روايات الباب تعرضت لذكر النتيجة. بل الجميع تضمن التقدير بخصوص المساحة الخاصة ، ولو كان المقصود التقدير بالنتيجة كان ذكرها هو المتعين ، فإنه أصرح وأخصر وأفيد كما عرفت. لكن لما كان تطبيق النتيجة من الأمور الصعبة على أكثر الناس أهمل التعرض لها ، فلم تجعل بياناً للمقدار ولا علامة على وجود المقدر أصلا. وانما ذكر في البيان الشكل الخاص لسهولة معرفته وترتب الفائدة على بيانه ، والاشكال كلها متباينات ، فلا مانع من أن يكون كل واحد منها علامة على وجود الكر المقدر حقيقة بالوزن ، لا أنه تقدير للكر. وعلى هذا لا مانع من العمل بجميع نصوص المساحة بعد ما كان كل واحد منها جامعا لشرائط الحجية.

نعم قد يشكل الأمر في رواية إسماعيل التي هي معتمد القميين ، من جهة أن المساحة المذكورة فيها ، ربما تكون أقل من الوزن ، فلا تكون علامة عليه. وحينئذ لا يبعد الالتزام بأن الوزن المذكور أيضاً علامة ، فيكون مقدار الكر الأصلي ما يساوي سبعة وعشرين شبرا ، والوزن علامة عليه. كما تقدم في مذهب الصدوقين في التقديرين. ويؤيد ذلك أن المرتكز عند العرف أن الوزن الخاص لا يكون عاصما ، وانما العاصم كثرة الماء وسعة وجوده ، بحيث تكون الجهة العاصمة عندهم فيما يساوي السبعة والعشرين شبرا هو الكم الخاص ، سواء كان وزنه ألفا ومائتي رطل أم


ألفا وخمسمائة رطل ، وثقل الماء وخفته ليسا دخيلين في الاعتصام وعدمه.

نعم لو ثبت أن بعض المياه الثقيلة وزنها المساوي لألف ومائتي رطل أقل من سبعة وعشرين شبرا ، أشكل ما ذكرنا من كون الوزن علامة على بلوغ الأشبار المذكورة لتخلفه عنها. فلا بد إما من الالتزام بكونها علامة عند الشك ، فتكون امارة على قدر الأشبار المذكورة مع الجهل بوجوده لا مع العلم بعدم وجوده ، بل العمل حينئذ يكون على العلم ، لامتناع جعل الأمارة بخلافه. وإما من الالتزام بأن الكرية العاصمة عبارة عن الجامع بين بلوغ الأشبار السبعة والعشرين ، وبين بلوغ المقدار الخاص من الوزن. فالماء الواجد لأحدهما يكون كرا وان فقد الآخر. ولا يبعد البناء على الثاني ، فإن حمل الدليل عليه اولى من التصرف فيه بحمله على الحكم الظاهري ، أو تقييد كل منهما بالآخر.

والمتحصل مما ذكرنا أمور : [ الأول ] : أن تقدير الأصحاب للكر بالوزن يغاير تقديره بالمساحة [ الثاني ] : أن المقدر الواحد لا يقبل تقديرين فيتنافى الدليلان المشتملان على التقديرين [ الثالث ] : أنه لا بد من علاج هذا التنافي في الفتاوى ، وأن الأظهر فيه حمل التقدير المساحتي المشهوري على العلامة والتقدير الوزني على الحد الحقيقي الأصلي ، والعكس يكون الحمل على مذهب الصدوقين. [ الرابع ] : أن هذا التصرف بعينه جار في النصوص المتضمنة للمساحة التي هي أكثر من الوزن ، وفي الوزن الذي هو أكثر من المساحة. لكن لو ثبت أن بين أقل المساحات وبين الوزن عموما من وجه. كمساحة السبعة والعشرين شبرا ، فالمتعين كون القدر هو الجامع بين الوزن وبينه ، فاذا حصل أحدهما حصل الكر ، وان لم يحصل الآخر. ومما ذكرنا تعرف مواقع النظر في كثير من الكلمات في المقام. ومنه سبحانه نستمد الاعتصام ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فبالمن الشاهي [1] - وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالا [2] - يصير أربعة وستين منا إلا عشرين مثقالا [3].


[1] المشهور أن الرطل العراقي مائة وثلاثون درهما. وتدل عليه رواية إبراهيم بن محمد الهمداني في مكاتبة أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) إليه في الفطرة ، أنها ستة أرطال برطل المدينة قال : « والرطل مائة وخمسة وتسعون درهما » (1). بضميمة رواية جعفر بن إبراهيم المذكور في مكاتبته الى أبي الحسن (عليه السلام) وفيها : « الصاع ستة أرطال بالمدني ، وتسعة أرطال بالعراقي » (2). ورواية علي بن بلال في مكاتبته إلى الرجل في الفطرة : « فكتب (عليه السلام) : ستة أرطال من تمر بالمدني وذلك تسعة أرطال بالبغدادي » (3)وعن النهاية وفي المنتهى : أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع. ولم يعرف له مستند. نعم يظهر من رواية المروزي (4)- المتضمنة كون المد مائتين وثمانين درهما - أنه مائة وأربعة وعشرون درهما وأربعة أتساع. لكنه لم يحك العمل بها إلا من المقنع. فالعمل على المشهور. وعليه يكون الكر مائة وستة وخمسين ألف درهم. ومقتضى ما ذكروه من أن العشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية ، يكون الكر مائة ألف وتسعة آلاف ومائتين مثقالا شرعيا. ومقتضى أن المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي ، يكون الكر واحدا وثمانين ألفا وتسعمائة مثقال صيرفي.

[2] يعني : صيرفيا.

[3] لأنه إذا ضرب عدد الأمنان في عدد المثاقيل المذكورة ، يكون


1) الوسائل باب : 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث : 4.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث : 1.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث : 2.

4) الوسائل باب : 50 من أبواب الوضوء حديث : 3.

[ مسألة 3 ] : الكر بحقة الاسلامبول وهي مائتان وثمانون مثقالا - مائتا حقة واثنتان وتسعون حقة ونصف حقة.

[ مسألة 4 ] : إذا كان الماء أقل من الكر ولو بنصف مثقال ، يجري عليه حكم القليل [1].

[ مسألة 5 ] : إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل [2] كالعكس. نعم لو كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل [3] ، من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي.


الحاصل زائداً على مقدار الكر من المثاقيل الصيرفية بعشرين مثقالا. ومنه يعلم ما ذكر في المسألة الآتية.

[1] إذ ظاهر أدلة التقدير بالوزن ، أو المساحة ، كونه تحقيقيا لا تقريبيا فلا مجال للمسامحة فيه حينئذ.

[2] بلا إشكال. لإطلاق أدلة الانفعال ، المنزل على المرتكز العرفي.

[3] إجماعا ، حكاه جماعة في روض الجنان ، ومصابيح العلامة الطباطبائي [رحمه اللّه] ومقابيس المحقق التستري [رحمه اللّه] ، والجواهر وغيرها - على ما حكي عن بعضهم - بل عن الأول : أن سراية النجاسة إلى العالي غير معقولة. وان كان فيه تأمل ظاهر ضرورة معقوليتها لو قام دليل عليها. ولعل المراد - كما قيل - انها غير مفهومة من الدليل الدال على انفعال القليل لعدم مساعدة الارتكاز العقلائي عليه في القذارات العرفية ، كما أشرنا إليه آنفا. وهو واضح مع العلو التسنيمي والتسريحي الشبيه به ، أما في غير ذلك فلا يخلو من تأمل. والرجوع الى العموم مع الشك - كما استوضحه شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] - غير واضح ، لأن دليل الانفعال إنما يدل على سراية

[ مسألة 6 ] : إذا جمد بعض ماء الحوض والباقي لا يبلغ كراً ، ينجس بالملاقاة ولا يعصمه ما جمد [1]. بل إذا ذاب شيئاً فشيئاً ينجس أيضاً. وكذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فإنه ينجس بالملاقاة ، ولا يعتصم بما بقي من الثلج.

[ مسألة 7 ] : الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل [2] على الأحوط ،


النجاسة إلى جميع أجزاء الماء بتوسط الارتكاز العرفي ، وإلا فنجاسة الماء بملاقاة النجاسة أعم من نجاسة الجزء الملاقي فقط - كما في الجامدات - ومن نجاسة الجميع بالسراية ، وحمله على الثاني إنما كان بقرينة الارتكاز العرفي ، فإذا كان الارتكاز مجملا كان الحكم بالسراية بلا قرينة ، فيرجع إلى عموم اعتصام الماء ، أو استصحاب الطهارة.

[1] لأن السيلان معتبر في مفهوم الماء عرفا ، فمع الجمود لا يصدق.

لا أقل من انصراف مفهوم الماء عنه ، فلا يدخل في إطلاق أدلة أحكام الماء. ومنه يظهر ضعف ما عن المنتهى ، من إلحاق الجامد بالمائع ، وعن حواشي الشهيد : أنه الأقوى ، وما في القواعد وعن التحرير من التوقف فيه.

[2] إما لأنه يستفاد من النصوص أن الملاقاة مقتضية للانفعال والكرية مانعة عنه ، فمع الشك في المانع يرجع الى أصالة عدمه. وإما لأن إناطة الرخصة - تكليفية كانت أو وضعية - بأمر وجودي ، يدل بالالتزام العرفي على إناطة الرخصة بإحراز ذلك الأمر ، وانتفائها بعدم إحرازه. وإما لأن مقتضى العمومات انفعال الماء إلا الكر ، فمع الشك في كرية الموجود يشك في مصداق الخاص ، والعموم مرجع في الشبهات المصداقية. وإما لأن


أصالة عدم وجود الكر في المكان المعين كافية. في إثبات عدم كرية الماء الموجود ، فيترتب حكمه وهو عدم الاعتصام. وإما لأصالة عدم الكرية الأزلي ، نظير أصالة عدم القرشية ، لأن الكرية وصف زائد على صرف وجود الماء ، كوصف القرشية ، وقد عرفت فيما سبق صحة جريان الأصل في العدم الأزلي.

لكن الأول : مبني على تمامية قاعدة الاقتضاء ، والمحقق في محله عدمها والثاني : إن كان المراد منه أن إناطة الرخصة بالأمر الوجودي مرجعها إلى إناطة الرخصة الواقعية بذلك الأمر ، واناطة الرخصة الظاهرية بالعلم بوجوده فيكون المجعول حكمين : واقعيا منوطاً بوجود ذلك الأمر الواقعي وظاهرياً منوطا بالشك فيه. فذلك مما لا يقتضيه ظاهر الدليل أصلا ، وليست إناطة الرخصة بأمر إلا كاناطة المنع بأمر ، ليس المقصود منها إلا جعل حكم واقعي لموضوعه الواقعي. وإن كان المراد أن هناك قاعدة عقلائية ظاهرية ، نظير جواز الرجوع إلى العام عند الشك في وجود الخاص. فهو أيضاً غير ثابت. نعم إذا كان الأصل يقتضي انتفاء الأمر المنوط به الجواز كان الأصل النافي له نافيا لحكمه وهو الجواز. ولكن هذا وجه آخر يأتي ويتوقف على جريان الأصل النافي للكرية.

والثالث : يتوقف على أن مقتضى العموم انفعال الماء والخارج منه الكر. وهذا ليس بأولى من القول : بأن مقتضى العموم الاعتصام والخارج عنه القليل ، كما يشهد به النبوي المشهور (1)، وجملة من النصوص المتقدمة في انفعال الماء القليل. مضافا إلى أن التحقيق ، عدم مرجعية العام في الشبهات المصداقية. والرابع : يتوقف على القول بالأصل المثبت ، لان موضوع الانفعال .


1) وهو قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : « خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء ... » الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.

وان كان الأقوى عدم تنجسه بالملاقاة. نعم لا يجري عليه حكم الكر ، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى إلقاء الكر عليه [2] ، ولا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه [2].


الماء الذي ليس بكر - الذي هو مفاد ليس الناقصة - لا عدم وجود الكر - الذي هو مفاد ليس التامة - وإثبات الأول بالأصل الجاري لإثبات الثاني من العمل بالأصل المثبت.

والخامس : يتوقف على أن الكرية من عوارض وجود الماء عرفا بنحو تصدق في الأزل السالبة بانتفاء الموضوع ، وليس كذلك ، فإنها نحو سعة في مرتبة الطبيعة ، فلا يصح أن تشير الى كر من الماء وتقول : هذا قبل وجوده ليس بكر كما لا يصح أن تقول : هؤلاء العشرة من الرجال قبل وجودهم ليسوا بعشرة ، وهذا المثقال من الدقيق قبل وجوده ليس بمثقال. وليست الكرية منتزعة من صفات عارضة على وجود الماء. مثل الحمرة والصفرة ونحوهما. فليس المقام من موارد جريان الأصل في العدم الأزلي ، الذي عرفت فيما سبق صحة جريانه.

[1] لأن التطهير من أحكام الكر ، فلا يترتب مع الشك في موضوعه بل يرجع الى استصحاب النجاسة. نعم لو قام إجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم الظاهري ، وقد كان الماءان ممتزجين على نحو يصدق أنهما ماء واحد. أمكن القول بحصول الطهارة للملقى عليه ، لأنه بعد تعارض استصحاب الطهارة في مشكوك الكرية ، واستصحاب النجاسة فيما ألقي عليه ، يرجع الى قاعدة الطهارة فيهما. لكن الإجماع غير ثابت ، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في المتمم كرا بطاهر.

[2] يعني : إذا بنينا على الفرق بين الكر وغيره في شرائط التطهير من علو المطهر. والتعدد ، والعصر ، ونحوها ، وقد فقد بعض تلك الشرائط

وان علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة [1].

[ مسألة 8 ] : الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والكرية إن جهل تاريخهما أو علم تاريخ الكرية ، حكم بطهارته [2] وان كان الأحوط


عند التطهير بمشكوك الكرية. لا يحكم بالطهارة ، للشك في حصولها ، الموجب للرجوع الى استصحاب النجاسة.

[1] لاستصحابها. والاشكال في الاستصحاب بتعدد الموضوع ، يندفع بأن الكثرة والقلة من قبيل الحالات المتبادلة على موضوع واحد عرفا ، وهو كاف في صحة الاستصحاب.

[2] أما في صورة الجهل بالتاريخين. فلأصالة الطهارة ، التي هي المرجع بعد تعارض أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية - المقتضية للطهارة - مع أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة ، المقتضية للنجاسة. هذا على المشهور ، من جريان الأصل ذاتاً في مجهول التاريخ ، إذا كان الأثر مترتبا على عدمه في زمان الآخر ، وان كان يسقط للمعارضة. أما بناء على التحقيق من عدم جريانه ذاتا ، لأن الشك فيه ليس في امتداد المستصحب وعدمه بل في اتصال المستصحب بوجود الحادث الآخر ، من جهة الشك في التقدم والتأخر ، ودليل الاستصحاب قاصر عن إثبات هذه الجهة - كما سيجي‌ء في أواخر مباحث الوضوء - فالمرجع أصالة الطهارة ابتداء ، بناء على أنها المرجع في ملاقاة النجاسة لمشكوك الكرية ، كما تقدم في المسألة السابقة. وبعض الوجوه المتقدمة للحكم بالنجاسة جار هنا أيضاً. وأما في صورة العلم بتاريخ الكرية والجهل بتاريخ الملاقاة ، فلأصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فإنها تقتضي الطهارة.

التجنب. وان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته [1]. وأما القليل المسبوق بالكريه الملاقي لها ، فان جهل التاريخان أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة [2] ، مع الاحتياط المذكور. وان علم تاريخ القلة حكم بنجاسته.

[ مسألة 9 ] إذا وجد نجاسة في الكر ، ولم يعلم أنها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها ، يحكم بطهارته ، إلا إذا علم


[1] لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة ، فيثبت موضوع النجاسة وهو ملاقاة ما ليس بكر. ولا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية ، لعدم الشك في الملاقاة بالنسبة إلى الأزمنة التفصيلية ، وبالنسبة إلى الزمان الإجمالي وان كانت الملاقاة مشكوكة ، لكن الشك فيها ليس من الشك في البقاء ، الذي هو قوام الاستصحاب ، كما عرفت.

[2] أما مع الجهل بتاريخهما فلما تقدم من أن المرجع أصالة الطهارة. وأما مع العلم بتاريخ الملاقاة ، فلاستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة. وقد عرفت أنه لا مجال لمعارضته بأصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة. مع أنه لو جرى لم يثبت الملاقاة في حال القلة ، فلا يثبت النجاسة. ومنه يظهر أنه لو علم تاريخ القلة ، فأصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة وان كان صحيحا في نفسه ، لكنه لا يثبت النجاسة إلا إذا أثبت الملاقاة حال القلة ، وذلك موقوف على القول بالأصل المثبت ، لأن ثبوت الملاقاة حال القلة من اللوازم العقلية لعدم الملاقاة إلى زمان القلة. وأصالة تأخر الحادث لا أصل لها ، إلا بمعنى أصالة عدم وجود الحادث في زمان الشك في وجوده ، لا بمعنى أصالة وجوده في الزمان اللاحق. ومنه يشكل ما في المتن من الحكم بالنجاسة في الفرض ، فان مقتضى ما ذكرنا هو الطهارة.

تاريخ الوقوع [1].

[ مسألة 10 ] : إذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد حكم بطهارته [2] ، وان كان الأحوط الاجتناب.


[1] هذا مثل ما قبله في الحكم ، بل هو هو بتفاوت يسير لا يوجب فرقا في الحكم.

[2] لإطلاق قولهم (عليهم السلام) : « إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء » (1)الشامل للملاقاة المقارنة واللاحقة. والتخصيص بالثانية فيه - مع أنه خلاف الإطلاق المؤيد بالارتكاز العقلائي في المانع ، فإنه يكفي عندهم في مانعية المانع عن أثر المقتضي مقارنته للمقتضي حدوثا ، وليس سبق حدوث المانع دخيلا في مانعيته ، كما هو ظاهر - : أنه لو حمل الدليل المذكور على الكرية السابقة على الملاقاة حدوثا لزم اعتبار (2)اللحوق في الملاقاة - يعني لم ينجسه شي‌ء لو لاقاه بعد صيرورته كراً - وتقييد الجزاء بالملاقاة اللاحقة يستلزم تقييد المفهوم بها ، لأن حكم المفهوم نقيض حكم المنطوق ، فاذا قيد الحكم في المنطوق بقيد تعين تقييد الحكم في المفهوم به ، فيكون مفهوم القضية المذكورة : إذا لم يكن الماء قدر كر في زمان ينجسه الشي‌ء الملاقي له بعد ذلك. فتكون صورة المقارنة خارجة عن كل من المنطوق والمفهوم ، والمرجع فيها إما عموم طهارة الماء أو استصحاب الطهارة. فتأمل .


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة اخبار منها.

2) فإن الملاقاة غير مصرح بها في الدليل ، فضلا عن وصف كونها لاحقة للكرية ، وانما تستفاد الملاقاة من انصراف الشي‌ء في ( الجزاء ) إلى الملاقي ، فاللحوق ان تمت استفادته من الدليل فهو أيضا للانصراف إلى الملاقي ملاقاة لاحقة ، فيكون مفاد الشرطية : إذا كان الماء قدر كر في زمان لا ينجسه شي‌ء لاقاه بعد ذلك. ومفهومها : إذا لم يكن قدر كر في زمان ينجسه شي‌ء يلاقيه بعد ذلك. فتكون صورة التقارن خارجة عن المنطوق والمفهوم « منه قدس سره ».

[ مسألة 11 ] : إذا كان هناك ماءان أحدهما كر والآخر قليل ، ولم يعلم أن أيهما كر ، فوقعت نجاسة في أحدهما معيناً أو غير معين لم يحكم بالنجاسة [1] ، وان كان الأحوط في صورة التعين الاجتناب [2].

[ مسألة 12 ] : إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس ، فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر ، لم يحكم بنجاسة الطاهر [3].

[ مسألة 13 ] : إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف ، فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته [4]. وإذا كان


جيداً. نعم لو كان لسان الدليل هكذا : كل ماء ينفعل بملاقاة النجاسة إلا ما كان كراً قبل الملاقاة. كانت صورة المقارنة داخلة في المستثنى منه لكنه ليس كذلك.

[1] للشك في ملاقاتها للقليل ، والمرجع استصحاب الطهارة سواء أكانت الملاقاة لمعين أم لغير معين. هذا إذا كانت الحالة السابقة مجهولة. أما إذا كانا معلومي الكرية سابقا ، فاستصحاب الكرية المقتضي للطهارة هو المرجع. كما أنه لو كانا معلومي القلة ، فاستصحابها كاف في الحكم بالنجاسة.

[2] تخصيص الاحتياط بهذه الصورة غير ظاهر الوجه ، لأن أكثر الوجوه المقتضية للحكم بالنجاسة ، المتقدمة في المسألة السابعة - من قاعدة المقتضى والمانع ، والتمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، وغيرهما - جار في صورتي تعين الملاقي وعدمه.

[3] لانحلال العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما المردد ، بالعلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعين ، فلا مانع من الرجوع الى استصحاب الطهارة.

[4] للشك فيها ، من جهة احتمال الإطلاق ، والمرجع استصحاب

كران أحدهما مطلق والآخر مضاف ، وعلم وقوع النجاسة في أحدهما ، ولم يعلم على التعيين ، يحكم بطهارتهما [1].

[ مسألة 14 ] : القليل النجس المتمم كراً بطاهر أو نجس نجس على الأقوى [2].


الطهارة. نعم بعض الوجوه المتقدمة في المسألة السابعة للقول بالنجاسة مقتض له هنا أيضاً.

[1] أما مطلق فطهارته معلومة ، لأنه كر بالفرض. وأما المضاف فيحكم بطهارته ظاهراً ، للشك في ملاقاته للنجاسة ، فيرجع الى استصحاب الطهارة.

[2] كما هو المشهور ، كما عن جماعة. وعن الوسيلة : الطهارة إن تمم بطاهر. ونسبه في المبسوط الى بعض الأصحاب وقال : إنه قوي. أما إذا تمم بنجس ففي المبسوط : « لا شك أنه ينجس الكل ». لكن عن رسيات السيد والمراسم وجواهر القاضي وغيرها : الطهارة أيضاً. وهو صريح السرائر. والعمدة من أدلتهم المرسل في المبسوط من قولهم (عليهم السلام) : « إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة » (1)، وفي السرائر : « قول الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) المجمع عليه عند المخالف والمؤالف : إذا بلغ الماء كراً لم يحمل خبثا » (2)، وأرسله السيد [رحمه اللّه] فيما عن المسائل الرسية ، واستدل - مضافا إليه - بالإجماع على أن الماء المعلوم وقوع النجاسة فيه المشكوك سبقه على الكرية ولحوقه لها طاهر ، فلو لا بناؤهم على طهارة المتنجس ببلوغ الكرية لم يكن لذلك وجه.

لكن الإجماع المذكور - على تقدير ثبوته وحجيته - إنما يثبت الطهارة فيما نحن فيه لو كان إجماعا على الطهارة واقعا في مورده ، أما لو كان على


1) آخر صفحة 3 من المبسوط المطبوع في إيران.

2) صفحة : 8 سطر 14 من كتاب السرائر المطبوع في إيران.


الطهارة ظاهراً فهو أجنبي عن المقام ، لإمكان أن يكون الوجه في مورده أصالة الطهارة ، كما عرفته في المسألة الثامنة. أما المقام فلا مجال فيه لأصل الطهارة. أما في المتمم بنجس فواضح ، لحكومة استصحاب النجاسة عليها وأما في المتمم بطاهر ، فلأن مقتضى عموم انفعال القليل نجاسة المقدار الطاهر المتمم للنجس كرا ، لملاقاته لذلك النجس. وأدلة اعتصام الكر مختصة بالكر الملحوظ موضوعا للملاقاة ، فلا بد من ثبوت كريته في رتبة سابقة على الملاقاة ، فلا يشمل ما نحن فيه. ومن ذلك يظهر أنه لا مجال في المقام للرجوع إلى عموم : « خلق اللّه الماء طهورا ... » (1). لأنه مخصص بأدلة انفعال القليل. كما لا مجال لمعارضة استصحاب الطهارة في المقدار الطاهر لاستصحاب النجاسة في المقدار النجس - بناء على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم واقعا وظاهرا - والرجوع الى قاعدة الطهارة. وذلك لأن الرجوع إلى الأصل إنما يكون مع عدم الدليل ، وقد عرفت الدليل على النجاسة. مع أن ذلك إنما يتم بعد امتزاج الماءين ، لا قبله بمحض الاتصال ، لعدم ثبوت وحدة حكم الماءين حينئذ ، كما يظهر مما ذكروه في الجاري والكثير إذا تغير بعضهما حيث ذكروا اختصاص النجاسة بالمتغير لا غير ، كما تضمن ذلك النص في الكثير أيضاً. مع أن الإجماع على الوحدة في الحكم ظاهراً غير ثابت ، والمتيقن الوحدة في الحكم واقعاً.

وأما المرسل فضعف سنده بالإرسال ، واعراض المشهور عنه ، يمنعان عن العمل به. وعمل ابن إدريس به مبني على اعتقاده رواية المؤالف والمخالف له ، وقد قال المحقق : « والذي رواه مرسلا السيد والشيخ وآحاد ممن جاء بعده والمرسل لا يعمل به ، وكتب الحديث عن الأئمة (عليهم السلام) خالية عنه أصلا. وأما المخالفون فلم أعرف به عاملا سوى ما يحكى عن


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.


ابن حي ، وهو زيدي منقطع المذهب. وأما رأيت أعجب ممن يدعي إجماع المخالف والمؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا ». وأما السيد [رحمه اللّه] فلم يظهر منه الاعتماد عليه لو لا الإجماع الذي ادعاه. بل من المحتمل أن يكون ذلك الإجماع قرينة عنده على صحته وثبوته. وكذلك القاضي في جواهره ، فإنه وان رواه عنهم (عليهم السلام) ، لكنه استدل على الطهارة في المتمم بطاهر - الذي هو موضوع كلامه - بأن الطاهر لا ينجس بالملاقاة للنجس ، لصيرورته كرا ، وبضميمة الإجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم يحكم بطهارة النجس. وأطال في النقض والإبرام في إثبات ذلك. ومن الجائز أن يكون اعتماده عليه لذلك. مع أن اعتماد مثله غير كاف في حجية الخبر وأما الشيخ فإنه وان ظهر من كلامه في المبسوط الميل إلى الطهارة ، لكن ظاهر عبارة المبسوط أن النجاسة أقوى. فلاحظ كلامه. وبالجملة : وجود هذه الضمائم في كلمات الجماعة مانعة من الوثوق باعتمادهم على الخبر بحيث يخرج به عن القواعد.

هذا مضافا إلى تأتي المناقشة في دلالته ، لأن قوله (عليه السلام) : « لم يحمل خبثاً » يحتمل - بدوا - أن يراد منه تشريع اعتصام الكر عن حدوث النجاسة ، وانفعال ما دونه ، فيكون مفاده منطوقا ومفهوما مفاد الرواية المشهورة : « إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء » (1). ويحتمل أن يراد منه الرفع ، يعني : إذا بلغ الماء النجس كرا ارتفعت عنه النجاسة الثابتة له قبل البلوغ. ومفهومه - على هذا - دال على انحصار مطهرية الماء النجس بالبلوغ كرا ، وبقاء النجاسة للماء بدون أن يبلغ كرا ، فيكون حجة على بقاء نجاسته مهما شك في ارتفاعها لطروء أمر ما غير الكرية ولا مجال للرجوع الى استصحابها إذ لا مجال للاستصحاب مع الدليل. وعلى هذا


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة احاديث منها.


المعنى تكون الرواية واردة في مقام تشريع البقاء والارتفاع ، المترتب على تشريع الحدوث والعدم الذي هو مفاد الرواية المشهورة.

وبالجملة : على هذا المعنى يكون قد صدر من الشارع المقدس تشريعان [ أحدهما ] : تشريع الانفعال وعدمه منوطين بالقلة والكثرة ، وهو مفاد الرواية المشهورة. [ وثانيهما ] تشريع بقاء الانفعال وارتفاعه منوطين بطروء الكرية وعدمه ، وهذان التشريعان مترتبان ، لترتب البقاء والارتفاع على الحدوث وتفرعهما عليه ، فيكون كل من منطوق القضية الشرطية ومفهومها على المعنى الثاني متفرعا على مفهومها بالمعنى الأول. ولأجل ذلك يمتنع عرفا أن تكون الجملة المذكورة في مقام إنشاء الحكمين المذكورين ، بأن يراد من قوله (عليه السلام) : « لم يحمل خبثا » أنه ان كان كرا لم ينفعل وإلا انفعل ، وأنه إن كان كرا لم يبق فيه الانفعال ، وإلا بقي. فحمل الرواية على إنشاء الحكمين معا متعذر.

وحينئذ يدور الأمر بين حملها على الأول - وهو الدفع - فتتحد مع الرواية المشهورة في المفاد ، وبين حملها على الرفع فتخالفها فيه ، وتكون متضمنة للتشريع الثاني. والأظهر الحمل على الأول ، لأن الحمل على الثاني يتوقف على تقييد الماء بالماء النجس قبل البلوغ كرا ، والعبارة المناسبة له أن يقال : إذا بلغ الماء النجس كرا طهر ، لا مثل العبارة المذكورة. نعم لو كانت الجملة الشرطية المذكورة في الحديث خبرية ، أمكن أن يراد منها المفادان معا. لكنه خلاف الظاهر. ومن ذلك يظهر عدم صلاحية الحديث المذكور لإثبات طهارة المتمم كرا بطاهر ، فضلا عن المتمم بالنجس.

كما يظهر أن التفصيل بينهما - كما عن الجماعة - اعتمادا على الحديث المذكور ضعيف ، فإنه لو تمت دلالته لم يكن فرق بين الفرضين ، كما اختاره الحلي. اللّهم إلا أن يكون الوجه في الفرق بينهما الإجماع على عدم


الطهارة في النجس المتمم بنجس ، كما يظهر من المبسوط ، حيث نفى الشك في النجاسة فيه. لكن خلاف ابن إدريس قادح في جواز الاعتماد عليه. فتأمل.

وأما معارضته - على تقدير تمامية دلالته - بما دل على انفعال القليل المقتضي للحكم بنجاسة الطاهر المتمم ، المنافي للحكم بطهارته حين الملاقاة المقتضية للكرية ، لامتناع الحكم بالطهارة والنجاسة لموضوع واحد في زمان واحد. ومجرد اختلاف مفاد الدليلين ، من أجل أن أحدهما في مقام الدفع ، والآخر في مقام الرفع ، ولا يجدي في رفع المنافاة المذكورة. [ فيدفعها ] : أنه يمكن الجمع بين الدليلين بحمل الثاني على مجرد الاقتضاء دون الفعلية ، فلا ينافي فعلية الطهارة ، ويكون نظير الجمع بين دليلي العنوان الاولي والثانوي كما يظهر بالتأمل. والجمع بينهما بذلك أقرب من غيره من وجوه الجمع.

وأشكل من ذلك معارضته بما تضمن النهي عن غسالة الحمام ، كموثق ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) : « وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام ، ففيها يجتمع غسالة اليهودي ، والنصراني ، والمجوسي ، والناصب لنا أهل البيت ، وهو شرهم ، فان اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وإن الناصب لنا - أهل البيت - لأنجس منه » (1). إذ يدفعها قصور الدلالة على النجاسة مع بلوغ الكرية ، لإجمال المراد من الغسالة ، لأن موردها من قبيل قضايا الأحوال ، بقرينة ذكر اليهودي واخوته - ومن الجائز أن يكون مورد السؤال ما لا يبلغ الكر. مع أن العمل بهذه الاخبار لا يخلو من اشكال ، كما يأتي فلاحظ.


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف حديث : 5.

فصل

ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري [1] ، فلا ينجس ما لم يتغير وان كان قليلا ، سواء جرى من الميزاب ، أو على وجه الأرض ، أم لا [2].


فصل في ماء المطر

[1] بذلك طفحت عباراتهم. بل استفاض نقل الإجماع عليه في الجملة صريحاً وظاهراً.

[2] كما هو المشهور. ويشهد له مرسلة الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث : « قلت : يسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير وأرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه. والبيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا ، قال (عليه السلام) : ما بذا بأس لا تغسله. كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر » (1)وصحيح هشام بن سالم : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب فقال (عليه السلام) : لا بأس به ، ما أصابه من الماء أكثر منه » (2)فان الوكوف في الثاني وان كان ملازما للجريان غالباً ، فلا يكون له إطلاق يشمل صورة عدم الجريان ، إلا أن التعليل بقوله (عليه السلام) : « ما أصابه ... » ظاهر في الاكتفاء بالمسمى إذا كان غالباً على النجاسة ، والأخذ به لازم. وكذلك


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.


السيلان في الأول ، وان كان لا يعم صورة عدم الجريان. وقوله (عليه السلام) : « كل شي‌ء يراه ... » غير ظاهر في الاعتصام ، لأن المطهرية أعم منه ولذا يقال بنجاسة ماء الغسالة ولو طهر المحل بها ولذلك قد تشكل دلالته على المشهور. إلا أن قوله (عليه السلام) : « كل شي‌ء يراه ... » لما كان مسوقا مساق الكبرى الكلية للجواب بنفي البأس ، دل على عموم نفي البأس لكل ما يسمى ماء المطر ، وان لم يكن جاريا.

هذا وقد ينسب الى ابن حمزة اعتبار الجريان. والى التهذيب والمبسوط والجامع اشتراط الجريان من الميزاب. ولعل ذكر الميزاب في كلامهم من باب المثال ، فيرجع الى القول الأول. ويشهد له حينئذ صحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) : « سألته عن البيت يبال على ظهره ، ويغتسل من الجنابة ثمَّ يصيبه المطر ، أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال : إذا جرى فلا بأس به » (1)وخبره المروي عن قرب الاسناد : « سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب ، أيصلى فيها قبل أن تغسل؟ قال (عليه السلام) : إذا جرى من ماء المطر فلا بأس » (2)ونحوه خبره - المروي عن كتابه - في المطر يجري في المكان فيه العذرة (3). وظاهرها اعتبار الجريان الفعلي : فيشكل الأمر في المطر الواقع على الأرض الرملية ، وفي البحر ، ونحوهما مما يمتنع فيه الجريان. وحملها على الجريان بالقوة - كما عن المحقق الأردبيلي - قدس سره - لا قرينة عليه.

وأشكل منه ما تقدم عن ظاهر الشيخ وغيره من اعتبار الجريان من ميزاب ، فإنه تقييد للنصوص المذكورة بلا مقيد ، ويلزمه القول بعدم اعتصام


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 3.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.

بل وان كان قطرات ، بشرط صدق المطر عليه [1] وإذا


المطر الواقع في الصحاري والبحار ، وهو كما ترى. ومن هنا يظهر الإشكال في هذه الفتاوى ، كالإشكال في النصوص.

ولا يبعد ما ذكره بعض مشايخنا [قدس سره] من كون مراد الجماعة إلحاق ماء المطر الجاري على وجه الأرض ، بماء المطر النازل من السماء ، لدفع توهم اختصاص الحكم بماء المطر حال نزوله ، وأنه بعد نزوله واستقراره في الأرض يكون بحكم المحقون. وعبارة بعضهم لا تأبى ذلك. ففي الوسيلة - بعد أن ذكر أن الماء الجاري طاهر ومطهر - قال [رحمه اللّه] : « وما يكون في حكم الجاري هو ماء الحمام ... [ إلى أن قال ] : وحكم الماء الجاري من الشعب من ماء المطر كذلك ». وعن التهذيب والاستبصار : « ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الجاري ».

وكيف كان فالنصوص المتقدمة المستدل بها على اعتبار الجريان في اعتصام ماء المطر يعارضها التعليل في صحيح هشام المتقدم ، الظاهر في الاكتفاء بأكثرية ماء المطر على المتنجس ، الظاهر في غلبته عليه ، كما هو اللازم في مطهرية الماء. لأن المراد من البول الذي يكون المطر أكثر منه هو الأثر الموجود في السطح ، ولعدم السنخية بينه وبين الماء يتعين حمل الأكثرية على الأغلبية ، ولأجل ذلك يجب أن تحمل نصوص الجريان على أن اعتباره في موارد السؤال فيها ، للمحافظة على الغلبة المذكورة ، كما يساعده مواردها.

[1] بأن يكون له نحو كثرة بها يتحقق صدق الاسم ، وان كان الملاقي للنجس قطرات منه ، فلو كان مجموع ما نزل من السماء قطرات يسيرة فلم يصدق عليها ماء المطر لم يترتب الحكم. وفي روض الجنان : « كان بعض من عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفي في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه. وليس ببعيد ، وان كان العمل على خلافه ». واشكاله

اجتمع في مكان وغسل فيه النجس طهر وان كان قليلا [1]. لكن ما دام يتقاطر عليه من السماء [2].


ظاهر ، لمنع الصدق ، أو عدم ثبوته. ولعل مراده الاكتفاء في التطهير بالقطرة من المطر النازل ، لا الاكتفاء بها في صدق المطر. وعليه فهو في محله. والفرق بين المقامين واضح - كما في الجواهر - فلاحظ.

[1] ولا يحتاج إلى وروده على النجس في حصول طهارته به ، لاختصاص اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم ، أما المعتصم فلا يعتبر فيه ذلك. هذا بناء على اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم ، أما بناء على عدم اعتباره فلا فرق بين ماء المطر وغيره في الحكم المذكور في المتن.

[2] أما اعتبار التقاطر من السماء - في الجملة - في الاعتصام فالظاهر أنه لا إشكال فيه ، وفي كشف اللثام وظاهر غيره الاتفاق عليه. واما اعتبار كون التقاطر عليه ، فهو ظاهر محكي مصابيح العلامة الطباطبائي [قدس سره] بل في الجواهر أنه صريحه ، وأنه لم يتعرض لذلك سوى العلامة المزبور ، في الكتاب المذكور ، وأما غيره فأطلق ، بل هو نفسه في منظومته كذلك أيضاً.

ومال في الجواهر الى الاكتفاء في اعتصام المجتمع في الأرض بوجود التقاطر من السماء وان لم يكن عليه. وجعله ظاهر صحيح ابن الحكم (1)وصحيح ابن سالم (2)، ومرسل الكاهلي (3)، وغيرها. بل جعله ظاهر جميع ما ورد في ماء المطر ، وأن ماء المطر كما يصدق على النازل حال نزوله ، يصدق على المستقر في الأرض ، وان اعتصام الثاني لأنه ماء مطر ، لا لأنه متصل بالنازل. نعم يشترط في ثبوت الحكم له - مضافا الى وجود التقاطر -


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 4.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.


أن يكون متهيئاً للتقاطر عليه فلو وضع في خابية وترك في بيت مثلا لم يجر الحكم المذكور عليه.

وفيه : أن ماء المطر [ تارة ] : يراد منه النازل من السماء [ وأخرى ] : يراد منه ما كان أصله كذلك وان كان فعلا في خابية أو مصنع أو نحوهما ولا ريب أن موضوع النصوص والفتاوى هو الأول ، لا الثاني ، فإن جملة من نصوص انفعال القليل موردها الحياض والغدران التي أصلها من المطر ، ولا يتوهم المعارضة بينها وبين نصوص الباب ، لما عرفت أن موردها المعنى الأول ، وكونه جاريا على السطح أو من ميزاب ، أو نحو ذلك لا ينافي هذا المعنى ، لأن اتصاله بالنازل بتوالي القطرات عليه يوجب الوحدة العرفية بينهما ، فالنازل من السماء قبل الجريان وبعده مع توالي القطرات عليه ، إطلاق المطر ، أو ماء المطر عليه في الحالين بمعنى واحد.

وكذلك الكلام في أمثال المقام مثل ماء النهر وماء البئر ، فإنه أيضاً يطلق [ تارة ] : على ما كان في النهر أو في البئر ، [ وأخرى ] : على ما كان أصله منهما ، فاذا قيل ماء النهر يطهر بعضه بعضاً، وماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء، يكون ظاهراً في المعنى الأول ، فإذا سئل عن ماء البئر الجاري على جوانبها ، أو ماء النهر كذلك لا يحمل على المعنى الثاني ، بل هو ظاهر في الأول ، كما لا يخفى. هذا مضافا الى أن الحمل على الثاني في المقام يقتضي عموم الحكم لصورة انقطاع التقاطر بالمرة ، وصورة وضعه في خابية ونحوها ، فإخراج الصورتين المذكورتين لا وجه له. اللّهم إلا أن يكون من جهة الإجماع. ولكن الإجماع تعبداً على خروجهما غير واضح.

وأما التمسك باستصحاب حكم الجاري ، فيدفعه : أن عموم انفعال القليل حاكم عليه. مع أنه من الاستصحاب التعليقي ، وهو وان كان معتضداً - بالنسبة إلى اعتصامه - باستصحاب الطهارة ، لكنه معارض - بالنسبة إلى

[ مسألة 1 ] : الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ، ونفذ في جميعه طهر ، ولا يحتاج الى العصر أو التعدد [1] ، وإذا وصل الى بعضه دون بعض طهر ما وصل اليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة ، والا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها [2].


مطهريته لغيره - باستصحاب النجاسة ، وان كان المرجع بعد التعارض قاعدة الطهارة ، فتتحد النتيجة. فالعمدة في البناء على انفعاله بانقطاع التقاطر ، عموم أدلة انفعال القليل التي مورد بعضها ماء المطر بعد انقطاع تقاطره ، وبها يخرج عن نصوص الباب.

[1] لإطلاق مرسلة الكاهلي المتقدمة (1). ومعارضتها بما دل على اعتبار العصر أو التعدد بالعموم من وجه ، المقتضية للرجوع الى استصحاب النجاسة. مندفعة : بأنه لو تمَّ إطلاق دليلهما بنحو يشمل المقام ، فرفع اليد عن إطلاق المرسلة وتقييدها بدليلهما يوجب إلغاء خصوصية المطر ، وذلك خلاف ظاهر الرواية جدا فيتعين العكس ، أعني : تقييد دليلي العصر والتعدد والأخذ بإطلاقها. مع أن العمدة في دليل اعتبار العصر هو ارتكاز العرف من جهة انفعال الماء المغسول به ، ومع اعتصام الماء - كما في المقام - لا مجال له. وكذا في كل ماء معتصم.

[2] لعل مقتضى صحيح ابن سالم المتقدم (2)الاكتفاء بغلبة المطر على عين النجاسة حتى يزيلها. بل لعل إطلاق رواية الكاهلي (3)دال على ذلك ، فلا يحتاج إلى التقاطر بعد زوال عين النجاسة.


1) في أول هذا الفصل.

2) في أول هذا الفصل.

3) وهي مرسلة الكاهلي المتقدمة في أول هذا الفصل.

[ مسألة 2 ] : الإناء المتروس بماء نجس كالحب والشربة ونحوهما - إذا تقاطر عليه طهر ماؤه واناؤه [1] بالمقدار الذي فيه ماء. وكذا ظهره وأطرافه إن وصل اليه المطر حال التقاطر ، ولا يعتبر فيه الامتزاج ، بل ولا وصوله الى تمام


[1] ليس في نصوص الباب ما هو ظاهر في ذلك. ودعوى : صدق الرؤية الواردة في المرسلة بمجرد التقاطر ، غير ظاهرة إلا بالإضافة إلى السطح الملاقي للقطرات لا غير. مع أنه لو تمَّ ذلك هنا اقتضى طهارة المضاف بذلك أيضاً ، والظاهر عدم القول به من أحد ، وان كان مقتضى ما عن العلامة [رحمه اللّه] في طهر المضاف باتصاله بالجاري ، قوله به هنا أيضاً ، للإجماع على أنه بحكم الجاري ، لكنه لم ينقل ذلك عنه هنا. اللّهم إلا أن يدعى خروج المضاف عن القاعدة من جهة الإجماع. فالعمدة الإشكال الأول ، وهو عدم ثبوت صدق الرؤية لتمام أجزاء الماء بمجرد التقاطر على سطحه. وما في الجواهر من أنه لا ينبغي الإصغاء إلى هذه الدعوى غير واضح. بل يشكل الحكم بالطهارة حتى مع الامتزاج ، لأن انفصال القطرات بعضها عن بعض موجب لانفعال كل قطرة بعد الاستقرار. ولا ينافي هذا ما تقدم من أن ماء المطر الجاري على الأرض معتصم بنفسه ما دام التقاطر عليه ، لاختصاص النصوص الدالة على ذلك (1)بغير الممتزج ، ورواية الميزابين (2)محمولة - جزما - على صورة استهلاك البول في ماء المطر. [ وبالجملة ] : لا دليل على أن القطرات الممتزجة بالماء النجس معتصمة ما دام التقاطر ، ولا سيما مع استهلاكها فيه.

فالعمدة إذاً في طهارة الماء المتنجس بتقاطر المطر عليه الإجماعات .


1) المتقدمة في أول هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 4.

سطحه الظاهر ، وان كان الأحوط ذلك [1].

[ مسألة 3 ] : الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها بشرط أن يكون من السماء ، ولو بإعانة الريح. وأما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر ، كما إذا ترشح بعد الوقوع


المستفيضة على أنه بحكم الجاري ، وقد عرفت آنفا طهارة الماء النجس بمجرد اتصاله بالجاري. هذا مضافا الى الإجماع المحكي على طهارته بوقوع المطر عليه كما عن المفاتيح والروضة.

ويمكن الاستدلال له بما في مرسلة الكاهلي، على ما في بعض نسخ الكافي. وفي نسخة الوافي (1)عن بعض المتبحرين (2)من مشايخنا المعاصرين [قدس سره] تصحيحها هكذا : « يسيل على الماء المطر » بجر الماء ورفع المطر ، على أن يكون الضمير في قول السائل : « أرى فيه » راجعا إلى الماء لا الى المطر. وكأنه بقرينة قوله (عليه السلام) في الجواب : « كل شي‌ء يراه ... » إذ لو كان راجعا الى المطر كان المراد من الجواب أنه مطهر لنفس القذر ، وهو ممتنع. والذي يشهد لهذا التصحيح أن مجرور : [ على ] لو كان ياء المتكلم لكان فرض السيلان عليه منافيا لفرض ورود القطرات عليه ، كما لا يخفى.

ثمَّ إن الظاهر أنه لا كلام عندهم في طهارة الإناء بطهارة الماء ، لأن ملاقاته للماء المعتصم مطهرة له ، ولو لاستفادته من عموم مرسلة الكاهلي الدالة بعمومها على أن ملاقاة المطر للإناء مطهرة له ، فيتعدى منه إلى كل ماء معتصم ، كما يأتي ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى. ومنه يظهر الحكم في طهارة ظهره وأطرافه.

[1] لأنه المتيقن من معاقد الإجماع على مطهريته للماء واختاره في المستند.


1) الباب الرابع من أبواب أحكام المياه حديث : 3.

2) شيخ الشريعة الأصفهاني « ره ».

على مكان فوصل مكاناً آخر ، لا يطهر [1]. نعم لو جرى على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقف بالجريان اليه طهر [2]

[ مسألة 4 ] : الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر [3] ، وكذا إذا كان تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض ، بل وكذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض ، وكذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه.

[ مسألة 5 ] : إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهراً [4] بل وكذا إذا وقع على ورق الشجر ثمَّ وقع على الأرض نعم لو لاقى في الهواء شيئا - كورق الشجر أو نحوه - حال نزوله لا يضر ، إذا لم يقع عليه ثمَّ منه على الأرض ، فبمجرد المرور على الشي‌ء لا يضر [5].


[1] للشك في ذلك من دون دليل عليه. بل عموم انفعال القليل يقتضي انفعال الماء الواصل اليه. وقد عرفت أن هذا العموم مقدم على استصحاب الاعتصام الثابت له حال النزول.

[2] لإطلاق نصوص الباب الواردة في ماء المطر الجاري. فلاحظ ما سبق (1).

[3] يعلم الحكم المذكور مما سبق في المسألة الثانية.

[4] لما تقدم في المسألة الثانية. ولا فرق بين السقف وورق الشجر وغيرهما من الوسائط. نعم لو كان يجري من الواسطة إلى غيرها مع توالي التقاطر عليه كان معتصما ومطهراً.

[5] لإطلاق الأدلة.


1) في أول هذا الفصل.

[ مسألة 6 ] : إذا تقاطر على عين النجس ، فترشح منها على شي‌ء آخر ، لم ينجس [1] ، إذا لم يكن معه عين النجاسة ، ولم يكن متغيراً [2].

[ مسألة 7 ] : إذا كان السطح نجساً فوقع عليه المطر ونفذ وتقاطر من السقف ، لا تكون تلك القطرات نجسة وان كان عين النجاسة موجودة على السطح ووقع عليها. لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء. وأما إذا انقطع ثمَّ تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجساً. وكذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس.

[ مسألة 8 ] : إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء ، سواء كان السطح أيضاً نجساً أم طاهراً.

[ مسألة 9 ] : التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طيناً [3].


[1] يعني : ما دام متصلا بماء السماء بتوالي تقاطره عليه ، كما هو مورد النصوص المتقدمة ، فإنه معتصم حينئذ. ولا يضر أن يكون معه عين النجاسة فإنه لا ينجس بها ، كما هو مورد مرسلة الكاهلي (1).

[2] إذ لا إشكال في نجاسته بذلك ، كما يستفاد من صحيح ابن سالم (2)ومما ذكرنا هنا تعرف وجه الحكم في المسألة السابعة والثامنة.

[3] يدل على ذلك إطلاق ما دل على مطهريته. مضافا الى المرسل


1) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل.

2) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل.

[ مسألة 10 ] : الحصير النجس يطهر بالمطر ، وكذا الفراش المفروش على الأرض وإذا كانت الأرض التي تحتها أيضاً نجسة تطهر إذا وصل إليها [1]. نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الأرض ، يشكل طهارتها بنزول المطر عليه إذا تقاطر منه عليها ، نظير ما مر من الاشكال [2] فيما وقع على ورق الشجر وتقاطر منه على الأرض.

[ مسألة 11 ] : الإناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم إذا كان نجساً بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير [3] لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة الى التعدد.


عن أبي الحسن (عليه السلام) في طين المطر : « انه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام ، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شي‌ء بعد المطر » (1)فتأمل.

[1] يستفاد ذلك كله من مرسلة الكاهلي (2)وغيرها.

[2] تقدم منه [قدس سره] الجزم بالعدم.

[3] لأن قوله (عليه السلام) : « كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر » (3)ليس بأقوى مما دل على اعتبار التعفير ، لقرب دعوى ظهوره في تميز ماء المطر عن سائر أفراد الماء ، فلا يعتبر في مطهريته ما يعتبر في مطهرية غيره لا جعله مطهراً لما لا يطهره الماء ، كالتراب ، فإطلاق ما دل على اعتبار التعفير محكم. لا أقل من تساويهما في الظهور ، فيرجع بعد المعارضة إلى استصحاب النجاسة.


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 6.

2) تقدم في أول هذا الفصل.

3) تقدم في أول هذا الفصل.

فصل

ماء الحمام بمنزلة الجاري [1] ، بشرط اتصاله بالخزانة [2] فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة فصل في ماء الحمام


فصل في ماء الحمام

[1] في الجواهر الإجماع محصلا ومنقولا عليه. ويشهد له صحيح داود ابن سرحان : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في ماء الحمام؟ قال (عليه السلام) : هو بمنزلة الجاري » (1). وخبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا » (2). وقريب منهما غيرهما.

[2] إجماعا كما في الجواهر. ويقتضيه الجمع بين ما تقدم وبين رواية بكر بن حبيب عن أبي جعفر (عليه السلام) : « ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة » (3). وضعفها بجهالة بكر منجبر بعمل المشهور. بل في الحبل المتين : ان جمهور الأصحاب تلقوا روايته هذه بالقبول. انتهى. هذا مضافا الى رواية صفوان عنه الذي هو من أصحاب الإجماع ، وممن لا يروي إلا عن ثقة ، كما عن الشيخ [رحمه اللّه] في العدة وأما ما في طهارة شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] من أن الظاهر أنه بكر بن محمد بن حبيب - الذي ظاهر المحكي عن النجاشي وصريح الخلاصة : أنه من علماء الإمامية ، وحكى ابن داود عن الكشي.


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 4.

إذا كان ما في الخزانة وحده ، أو مع ما في الحياض بقدر الكر [1] ، من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة ،


أنه ثقة - فغير ظاهر ، فان ذلك أبو عثمان المازني ، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين ، وتمتنع روايته عن أبي جعفر (عليه السلام) الذي هو الباقر (عليه السلام) ، بقرينة وقوع منصور في السند. فلاحظ.

ثمَّ إن الظاهر من ماء الحمام في النصوص ما في الحياض الصغار ، كما هو الظاهر من الأصحاب والمصرح به في كلام جماعة ، ويكون تشبيهه بالجاري في النص والفتوى بملاحظة كونه ذا مادة جارية عليه. فيدل على اعتصامه ما تقدم من عموم اعتصام كل ماله مادة. وكأن الوجه في إهمال تقييد الماء بكونه دون الكر أن القضية لوحظ فيها الافراد الخارجية ، وهي في عصر صدور النصوص كلها قليلة لا تبلغ الكر ، لا قضية حقيقية ليلزم تقييد موضوعها بما دون الكر ، لوضوح أن الماء البالغ كراً لا بأس به وان لم يكن له مادة إجماعاً نصاً وفتوى.

[1] المنسوب إلى الأكثر ، أو المشهور : اعتبار بلوغ المادة كراً. وعن جماعة : الاكتفاء ببلوغ المجموع كرا. وفي الحدائق : عدم اعتبار الكرية في المادة ولا في مجموع ما فيها وما في الحياض. ونسبه إلى جملة من المتأخرين ومتأخريهم ، واختاره أيضاً في الكفاية ، ونسبه إلى ظاهر كلام المحقق. وعن بعض التفصيل بين تساوي السطوح فيكفي بلوغ المجموع كرا ، وبين اختلافها فلا بد من بلوغ المادة كراً. وعن بعض التفصيل بين الرفع فالأول ، وبين الدفع فالثاني.

ومختصر الكلام في تحقيق هذه الأقوال : أنه [ إن كانت ] نصوص الباب من قبيل القضية الحقيقية ، فمفادهما أن عنوان ماء الحمام كعنوان ماء المطر ، دخيل في ثبوت الحكم المذكور فيهما ، فمهما تحقق ماء الحمام كان بمنزلة


الجاري إذا كانت له مادة. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون ما في المادة وذي المادة بالغا كرا وعدمه. ومقتضى وجوب العمل بهذا الإطلاق البناء على ما ذكره في الكفاية والحدائق وغيرهما من عدم اعتبار الكرية أصلا ، لا في المادة ، ولا في مجموع ما في المادة وذي المادة. [ وإن كانت ] من قبيل القضية الخارجية التي حكم فيها على الافراد الخارجية لا غير ، لم يكن لها إطلاق يصلح أن يتمسك به لعدم اعتبار الكرية في المادة - فضلا عن مجموع ما في المادة والحياض - لان القضية الشرعية على هذا - من قبيل قضايا الأحوال المكتسبة ثوب الاجمال ، ولا يجوز الخروج بها عن القواعد العامة إلا فيما يكون متيقن الدخول في مواردها ، مثل الحوض الصغير الذي تجري عليه المادة ، فإنه لو لم يكن دليل على اعتصامه أمكن أن تكون هذه الروايات دليلا عليه ، لأنه متيقن دخوله في موردها. وعلى هذا الاحتمال تبتني بقية الأقوال.

وحينئذ نقول : إن بني على تقوي السافل بالعالي اكتفي بكون المجموع كراً ولو مع اختلاف السطوح. وان بني على عدمه تعين التفصيل بين صورة تساوي السطوح ، فيكفي كون المجموع كرا ، وبين صورة اختلافها فلا بد من كون المادة وحدها كرا. ولعل إطلاق المشهور اعتبار بلوغ المادة كرا مبني على كون محل كلامهم صورة اختلاف السطوح. ثمَّ على القول بتقوي السافل بالعالي إن قلنا بأن المتمم كرا بطاهر طاهر ، لم يفرق بين الدفع والرفع في كفاية كون المجموع كرا. وان لم نقل بطهارة المتمم بطاهر تعين التفصيل بين الدفع فيكفي فيه كون المجموع كرا ، وبين الرفع فلا يكفي فيه ذلك ، بل لا بد من كون المادة وحدها كرا ، كما اختاره المصنف [رحمه اللّه] في المتن.

هذا ولا ينبغي التأمل في لزوم حمل القضية الشرعية في الروايات


المذكورة على القضية الخارجية [ أولا ] : من جهة أن خصوصية الحمام من قبيل خصوصية الدار والخان ونحوهما من الأمكنة ، مما لا يساعد العرف على دخلها في الحكم المذكور ، والمنسبق الى الذهن ملاحظتها مرآة للافراد الخارجية. [ وثانيا ] : أن لازم أخذ العنوان المذكور موضوعا للحكم ، هو انفعال ماء الحمام إذا لم يكن له مادة ولو كان كثيرا ، وعدم انفعاله لو أخذ منه مقدار وجعل مادة ، وذلك - مع أنه خلاف المرتكز العقلائي - مما لم يقل به أحد فإذا دار الأمر بين حمل القضية على الحقيقية والتصرف فيها بإخراج ذلك ، وبين حملها على الخارجية ، فالثاني أولى. [ وثالثاً ] : أنه يظهر منهم الاتفاق على أن المراد من ماء الحمام في النصوص هو ما في الحياض الصغار ، ولا يظهر وجه لذلك إلا حمل القضية على الخارجية. فإذا حمل ماء الحمام على الحياض الصغار التي كانت متعارفة في زمن صدور الروايات ، فلم لا تحمل المادة على المادة المتعارفة في ذلك الزمان أيضاً؟!. وحينئذ لا يسوغ الأخذ بإطلاق المادة الشامل لما دون الكر ، لأن الحمل على ذلك من قبيل الحمل على الفرد الخارجي الذي لا يقبل الإطلاق والتقييد بل عمومها لما دون الكر موقوف على وجود ذلك الفرد في ذلك الزمان ، وهو غير معلوم. وبالجملة : لا وجه للتفكيك بين ماء الحمام وبين المادة ، بحمل الأول على الفرد الخارجي ، وحمل الثاني على الكلي ثمَّ يتمسك بإطلاقه فاما أن يحملا معا على الفرد الخارجي أو معا على الكلي ، كما لعله ظاهر بالتأمل. فما في الحدائق من الجمع بين تمسكه بإطلاق المادة ، وبين استظهاره أن المراد من ماء الحمام ما في الحياض الصغار بعد نسبة ذلك الى الأصحاب كما ترى.

وأما تقوي السافل بالعالي ، وعكسه ، وعدمهما فقد اختلفت فيها كلمات الجماعة. ولعل أول من تعرض لذلك العلامة [رحمه اللّه] في التذكرة ،


قال : « لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا إن اعتدل الماء ، وإلا في حق السافل ، فلو نقص الأعلى عن كر انفعل بالملاقاة » وظاهره تقوي السافل بالعالي دون العكس ، ومثله محكي كلام غيره. ومقتضى ما ذكره في القواعد وغيرها من اعتبار الكرية في مادة الحمام عدم تقوي السافل بالعالي. وظاهر محكي جامع المقاصد عدم تقوي كل منهما بالآخر.

وصريح جماعة من المتأخرين التقوي من الطرفين. لإطلاق أدلة اعتصام الكر الشامل لمختلف السطوح ومتساويها. وقد يستشكل فيه [ تارة ] : باختصاصها بالماء الواحد ، ومع اختلاف السطوح يتعدد وجود الماء. وفيه : أن التعدد يتوقف على الانفصال وتخلل العدم وهو خلاف المفروض. [ واخرى ] : باختصاص مورد تلك الأدلة بالحياض والغدران ونحوهما مما يتساوى فيه السطوح. وفيه - مع أن بعضها لا مورد له معين - : أن المورد لا يخصص الوارد ولا يقيده. [ وثالثة ] : بأن ما دل على اعتبار المادة في ماء الحمام - المنصرف إطلاقها بحكم الغلبة إلى الكر ، يكون مقيدا لذلك الإطلاق حتى في غير الحمام ، لإلغاء خصوصية مورده عرفا. وفيه : أن الغلبة لا تصلح للانصراف المعتد به ، وقد عرفت أن أدلة ماء الحمام مجملة لأن مضمونها من قبيل القضية الخارجية. [ ورابعة ] : من جهة انصرافه الى خصوص متساوي السطوح ، وفيه : أن الانصراف المذكور بدوي ، لأن منشأه أنس الذهن بذلك. [ وخامسة ] : بأن الأعلى لا ينجس بنجاسة الأسفل اتفاقا فلا يطهر بطهارته. وفيه : أنه لا ملازمة بين الأمرين ولذا لا إشكال في سراية النجاسة من الأعلى إلى الأسفل ، مع أن المستشكل ممن لا يقول بتقوي الأعلى بالأسفل. وعمدة الفرق بين المقامين : أن أدلة السراية قاصرة عن شمول الأعلى عند نجاسة الأسفل ، بخلاف أدلة اعتصام الكر فإنها شاملة لمختلفي السطحين ، ومتساويهما ، كما عرفت.


نعم الذي ينبغي أن يقال : إنه لا ريب في أن المرتكز العرفي عدم تقوي كل من العالي والسافل بالآخر. وهذا الارتكاز موجب لانصراف المطلقات الدالة على اعتصام الكر إلى مستوي السطوح ، فيكون موضوع الاعتصام مقيداً بذلك ، ومقتضاه انتفاؤه بانتفائه. وليس هذا الانصراف ناشئاً من أنس الذهن بالمقيد لسبب من الأسباب الخارجية ، - من غلبة أو محبة أو نحوهما - ليكون من الانصرافات البدوية التي لا يعول عليها في رفع اليد عن الإطلاق. بل هو ناشئ من المناسبات الارتكازية العرفية التي يعول عليها في تقييد المطلق ، كما يظهر من ملاحظة النظائر التي يطول الكلام بذكرها فلاحظ. ولا فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي الذي لا يلحق بالمساوي عرفا.

هذا كله مع اختلاف السطوح وجريان الماء ، فلو كان الماء ساكنا - كما لو عمل ظرف من نحاس على هيئة المنبر - فالظاهر أنه لا إشكال في تقوي كل من الأعلى والأسفل بالآخر. كما أنه مع تساوي السطوح ، وضعف الاتصال كما لو وصل بين الغديرين بساقية ضعيفة جدا ، فالتقوي حينئذ لا يخلو من إشكال ، لأنه خلاف الارتكاز العرفي. وكذا لو كان الماء في أنبوب ضيق طوله فرسخ أو فرسخان ، لعين ما ذكر من الاشكال. وأما ما عن المعالم من الإشكال في اعتصام الكر مع تساوي السطوح إذا لم يكن مجتمعا متقارب الاجزاء ، فان رجع الى ما ذكرنا ففي محله ، وإلا فهو خلاف الإطلاق ، كما عرفت.

هذا ولو كان العالي وحده كرا ، فالمعروف تقوي السافل به ، بل عن شارح الدروس الاتفاق عليه. لكن قد يظهر من بعض العبارات الاشكال فيه. نعم لا إشكال فيه في ماء الحمام ، لأنه المتيقن من النصوص ، وقد عرفت أن احتمال الخصوصية فيه خلاف المرتكز العرفي ، فالتعدي منه الى

أو عدمه ، وإذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة [1] ، بشرط كونها كرا ، وان كانت أعلى وكان الاتصال بمثل [ المزملة ]. ويجري هذا الحكم في غير الحمام أيضاً ، فإذا كان في المنبع الأعلى مقدار الكر أو أزيد ، وكان تحته حوض صغير نجس ، واتصل بالمنبع بمثل [ المزملة ] يطهر ، وكذا لو غسل فيه شي‌ء نجس ، فإنه يطهر مع الاتصال المذكور.


غيره في محله. ويدل عليه صحيح ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (1)، سواء أرجع التعليل الى قوله (عليه السلام) : « لا يفسده شي‌ء » فيدل على ما نحن فيه بالصراحة ، أم إلى قوله (عليه السلام) : حتى يذهب الريح ويطيب ... » فيدل على ما نحن فيه بالفحوى ، لأن الدفع أهون من الرفع.

[1] كما يستفاد من صحيح ابن بزيع (2)، بناء على ما تقدم في مبحث الماء الجاري من رجوع التعليل فيه الى الغاية ، فيعم الحكم كل ما له مادة. ويستفاد أيضا من نصوص نفي البأس في ماء الحمام إذا كان له مادة ، فإن إطلاقها يشمل ما إذا تنجس الماء ثمَّ وصل بالمادة. اللّهم إلا أن يحتمل ان الحمامات في عصر صدور هذه النصوص ما كانت المادة تنقطع فيها عن الحياض وقد عرفت أن النصوص محمولة على الافراد الخارجية لا غير ، ومع هذا الاحتمال - وان بعد - تكون النصوص مجملة. فالعمدة صحيح ابن بزيع. ومنه يستفاد حكم غير الحمام ، لعموم التعليل وان كان مورده البئر. فلاحظ وتأمل.


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 6.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

فصل

ماء البئر النابع بمنزلة الجاري ، لا ينجس إلا بالتغير [1] ،


فصل في ماء البئر

[1] على المشهور بين المتأخرين ، ونسب إلى العماني ، والحسين بن الغضائري ومحمد بن جهم : للنصوص الدالة عليه ، كصحيح ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) : « ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ، لأن له مادة » (1). وصحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) قال : « سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة ، أو زنبيل من سرقين أيصلح الوضوء منها؟

قال (عليه السلام) : لا بأس » (2). وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال سمعته يقول : لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر ، إلا أن ينتن ، فإن أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ، ونزحت البئر » (3)إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة ، وقد عقد لها في الوسائل بابا طويلا (4)وان كان بعضه لا يخلو من خدش في الدلالة ، أو السند.

والمشهور بين القدماء النجاسة بمجرد الملاقاة ، بل عن الاقتصاد والغنية وغيرهما : الإجماع صريحا أو ظاهراً عليه وتبعهم عليه جماعة من المتأخرين


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 6 ، 7.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 8.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 10.

4) وهو الباب : 14 من أبواب الماء المطلق.


لما دل على وجوب النزح بملاقاة النجاسة ، الظاهر في كونه مطهراً لها ، بل هو المصرح به في بعضها ، كصحيح ابن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) : « سألته عن البئر تقع فيها الحمامة ، والدجاجة ، والفأرة ، أو الكلب أو الهرة فقال (عليه السلام) : يجزؤك أن تنزح منها دلاء ، فان ذلك يطهرها إن شاء اللّه تعالى » (1). وصحيح ابن بزيع : « عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم ، أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة - كالبعرة ونحوها - ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع (عليه السلام) بخطه في كتابي : ينزح منها دلاء » (2). وفيه : أنها لا تصلح لمعارضة ما عرفت ، مما هو أقوى دلالة ، فيجمع بينها بالحمل على الاستحباب. ولا سيما بملاحظة ما فيها من الاختلاف الكثير ، وورود بعضها فيما ميتته طاهرة - كالوزغ والعقرب - الموجب ذلك لحمل كثير منها على الاستحباب. ومما يؤيد ذلك أنها لو انفعلت مع كثرة مائها لزم دوران النجاسة مدار المادة وهو غريب كما قيل.

نعم قد تشكل نصوص الطهارة من جهة إعراض القدماء عنها ، وعدم اعتمادهم عليها. لكنه يندفع : بأنه لم يثبت كونه إعراضا موهنا لها ، بل من الجائز أن يكون لبنائهم على عدم الجمع العرفي بينها وبين نصوص النجاسة ، مع ترجح الثانية بموافقتها للاحتياط وكونها أكثر عدداً. ومجرد احتمال كونه لأجل اطلاعهم على قرينة تنافي أصالة الظهور فيها ، أو أصالة الجهة ، لا يكفي في رفع اليد عنها - كما لا يخفى - فإنه خلاف الأصل العقلائي المقتضي لنفي ذلك الاحتمال.

هذا وأما صحيح ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال :


1) الوسائل باب : 17 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 21.


إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئاً تغرف فيه فتيمم بالصعيد فان رب الماء رب الصعيد ، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم » (1)فغير ظاهر في النجاسة ، لعدم التعرض فيه لنجاسة بدن الجنب ، فلعل المراد من الإفساد فيه القذارة العرفية. بل لو كان المراد به النجاسة ، كان اللازم التعبير بأن لا يفسد الماء فلا يمكن الاغتسال به ويتنجس البدن به ، لا بإفساد الماء على أهله. فلاحظ. وأما ما ورد في تقارب البئر والبالوعة فلا يأبى الحمل على صورة التغير بالنجاسة ، فلا يقوى على صرف ما تقدم فلاحظ.

هذا ونسب إلى الشيخ [قدس سره] القول بالطهارة ووجوب النزح تعبدا. وتبعه عليه في المنتهى والموجز وغيرهما. وكأنه للأخذ بظاهر الدليلين ، فإن الأصل في الأمر أن يكون مولويا فيحمل الأمر بالنزح عليه. أو لأن المقام وان كان مقام الإرشاد إلى النجاسة ، فيكون الأمر بالنزح إرشاديا إليها ، لكنه حيث لا يمنع عنه مانع ، واخبار الطهارة مانعة عنه.

وفيه : أن قرينية المقام على الإرشاد إلى النجاسة إذا لم يمكن الأخذ بها من جهة نصوص الطهارة ، يتعين حمل الأمر بالنزح على الإرشاد إلى مرتبة ضعيفة من النجاسة ، لا تثبت لها أحكام النجاسة لاختصاص تلك الأحكام بالمرتبة القوية ، فإنه هو الذي يساعده الجمع العرفي ، كما استقر عليه ديدنهم في أمثال المقام. فإن الأمر بجملة من المستحبات في الصلاة - مثل الإقامة والتكبير وغيرهما - ظاهر في الإرشاد إلى الجزئية أو الشرطية لكن لما لم يمكن الأخذ به - لما دل على الصحة بدونه - حمل على الإرشاد إلى خصوصية راجحة في الصلاة ولم تحمل على الوجوب المولوي.

وعن البصروي : التفصيل في الانفعال بين الكر وغيره. وكأنه لموثق عمار قال : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 22.


أو رطبة. فقال (عليه السلام) : لا بأس إذا كان فيها ماء كثير » (1)وخبر الحسن بن صالح المتقدم في تحديد الكر (2). ولقوله (عليه السلام) في صحيح ابن بزيع : « ماء البئر واسع » (3)بناء على ظهوره في أنه كثير. ولغلبة الكرية في البئر ، الموجب ذلك لحمل نصوص الطهارة عليه عند الجمع بينها وبين عموم انفعال القليل ، فيكون عموم انفعال القليل بلا معارض. أو لأنه لا يمكن الأخذ بنصوص الانفعال إذا كان الماء كرا ، لما تقدم من امتناع أن تكون المادة سببا للانفعال.

وفيه : أنه لم يثبت للشارع الأقدس اصطلاح في الكثرة بمعنى الكرية كي يحمل في الموثق عليها ، بل الظاهر من الكثرة الكثرة العرفية ، واعتبارها في الموثق لأجل المنع من حصول التغير في الماء من وقوع الزنبيل من العذرة فيه فالكثرة معتبرة في مورد السؤال شرطا في عدم التغير الخارجي ، لا شرطا مطلقا في عدم الانفعال شرعا ، والمراد بها كثرة خاصة تزيد على الكر بكثير وأما خبر الحسن - فمع ضعفه في نفسه - مهجور. وحمل السعة في الصحيح على الكثرة - مع أنه لا يجدي ، كما عرفت - خلاف الظاهر. لا أقل من الاجمال ولو بملاحظة التعليل ، المحتمل رجوعه إلى السعة أو الى عدم الإفساد إذ على كلا التقديرين لا يناسب حمل السعة على الكثرة ، إذ لا دخل للمادة في الحكمين المذكورين ، كما لعله ظاهر. وغلبة الكرية في ماء البئر ممنوع ولو سلم ، فالجمع بين نصوص اعتصام البئر وانفعال الماء القليل يكون بحمل الثانية على غير ماء البئر ، لظهور الأولى في خصوصية لماء البئر امتاز بها عن غيره ، وإذا بني على التقييد بالكثير فلا خصوصية لماء البئر ، وذلك


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 15.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 8 وتقدم في تحديد الكر بالمساحة.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 1 ، 6 ، 7.

سواء كان بقدر الكر أو أقل ، وإذا تغير ثمَّ زال تغيره من قبل نفسه طهر ، لأن له مادة [1]. ونزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب [2]. وأما إذا لم يكن له مادة نابعة فيعتبر في عدم تنجسه الكرية [3] ، وإن سمي بئرا ، كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر ولا نبع لها.

[ مسألة 1 ] : ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغير فطهره بزواله ولو من قبل نفسه [4] ، فضلا عن نزول المطر


خلاف الظاهر. وصحيح ابن بزيع كالصريح في ذلك ، بناء على أن المراد من قوله (عليه السلام) « واسع » أنه واسع الحكم - كما هو الظاهر - وأن التعليل بالمادة راجع اليه ، كما تقدم في مبحث الماء الجاري.

هذا وعن الجعفي اعتبار ذراعين في الأبعاد الثلاثة في الاعتصام. وليس له دليل ظاهر. ويمكن أن يكون راجعاً إلى ما قبله. ففيه حينئذ ما فيه. [1] إشارة إلى التعليل في صحيح ابن بزيع (1)، الظاهر رجوعه الى جميع الأحكام السابقة عليه المناسبة له ، كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في مبحث الماء الجاري فراجع.

[2] حملا لنصوص النزح على ذلك ، لما عرفت.

[3] لما تقدم من عموم انفعال القليل. ومجرد التسمية مجازاً أو اصطلاحا لا يجدي بعد ما لم يكن مصداقا حقيقياً لموضوع الأحكام الخاصة. مع أنه لو فرض كون إطلاق البئر عليه حقيقياً ، فالتعليل حاكم على إطلاقه ومانع من الأخذ به.

[4] لما تقدم من أن الارتكاز العرفي مانع من اعتبار خصوصية النزح في الطهارة.


1) الوسائل باب 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 6 ، 7.

عليه أو نزحه حتى يزول. ولا يعتبر خروج ماء من المادة في ذلك [1].

[ مسألة 2 ] : الماء الراكد النجس كراً كان أو قليلا يطهر بالاتصال بكر طاهر [2] ، أو بالجاري ، أو النابع غير


[1] لإطلاق التعليل.

[2] للتعليل في الصحيح الذي يجب التعدي عن مورده الى المقام.

وتعضده أخبار ماء الحمام ، بناء على أن نفي البأس فيها يعم حالتي الدفع والرفع ، لكثرة الابتلاء بالحالين ، وبعد إلغاء خصوصية موردها عرفا يتعدى منه إلى كل ماله مادة فتأمل. وهذا هو العمدة في كفاية الاتصال بالمادة في التطهير. وما عن بعض الأفاضل من الاستدلال له بالأصل غير ظاهر إذ الأصل يقتضي النجاسة. وكذا في الاشكال ما عن آخر من الاستدلال له بعموم مطهرية الماء ، أو خصوص الماء المعتصم ، من قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : « خلق اللّه الماء طهورا » (1)، وقوله (عليه السلام) : « الماء يطهِّر ولا يطهَّر » (2)، وقوله (عليه السلام) : « كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر » (3)، وقوله (عليه السلام) : « ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضاً » (4)، وقوله (عليه السلام) - مشيراً إلى غدير ماء - : « إن هذا لا يصيب شيئاً إلا طهره » (5). فإن إطلاق الأول لو تمَّ فلا إطلاق له في كيفية التطهير ، وليس مجرد الاتصال كافياً عند العرف في حصول الطهارة لينزل الإطلاق عليه. ومن ذلك يظهر


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 7.

5) مستدرك الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 8.


الإشكال في الثاني. مضافا الى إهماله من حيث المتعلق. وحصول الرؤية لجميع أجزاء الماء بمجرد إصابته للسطح الظاهر ممنوع ، كما يظهر ذلك من ملاحظة الجامدات التي يصيبها المطر ، ضرورة عدم اصابته لجميع الاجزاء بمجرد اصابة بعضها ، ولذا لا يطهر الجميع بمجرد إصابة المطر لبعضها. ومن ذلك يظهر الإشكال في الأخير. وروايات ماء الحمام ليست بذلك الوضوح في الدلالة على ذلك فالعمدة إذاً في كفاية الاتصال بالمادة في التطهير ما ذكرنا.

والمتحصل من النصوص : أن المعتصم نوعان : معتصم بنفسه ، وهو الكر وماء المطر. ومعتصم بغيره ، وهو المتصل بأحدهما. والمتصل بالأول هو ذو المادة الذي هو محل الكلام. فان كانت المادة أعلى فلا بد أن يكون ما في المادة زائدا على الكر بالمقدار الخارج منها الى القليل النازل اليه ، بناء على ما عرفت آنفا من عدم تقوي العالي بالسافل. ولا فرق في المادة العاصمة بين الكر ، ومادة الجاري ومادة البئر ، والعيون الراكدة ، والثمد ، وغيرها مما يسمى مادة. فالاتصال بالمادة في جميع ذلك دافع للنجاسة ورافع لها. ولو لا الصحيح واخبار ماء الحمام لوجب اعتبار الامتزاج في حصول التطهير للشك فيه بدونه ، الموجب للرجوع إلى استصحاب النجاسة. ومع الامتزاج لا شك في الطهارة ، للإجماع القطعي - كما قيل - وللقاعدة المجمع عليها ، من أن الماء الواحد لا يختلف حكم أبعاضه ، فإنه لو بني على نجاسة المعتصم مع الامتزاج لزم مخالفة دليل اعتصامه فيتعين البناء على طهارة المتنجس. ومخالفة استصحاب النجاسة لا تهم ، بعد دلالة دليل اعتصام المعتصم على طهارة المتنجس بالدلالة الالتزامية ، كما لا يخفى. والمراد من الواحد في القاعدة ما يكون واحداً في الإشارة ، فلا تمكن الإشارة إلى بعض منه دون بعض ، ولا يحصل ذلك إلا بالامتزاج ، فان الاتصال وان كان يحصل الوحدة

الجاري ، وان لم يحصل الامتزاج على الأقوى. وكذا بنزول المطر [1].

[ مسألة 3 ] : لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير [2] ، فيطهر بمجرده وان كان الكر المطهر - مثلا - أعلى والنجس أسفل. وعلى هذا فإذا ألقى الكر لا يلزم نزول


في الوجود والفردية ، لكنه لا يحصل الوحدة في الإشارة.

هذا ، ولأجل ما ذكرنا في وجه كفاية الاتصال في التطهير ، يظهر خفاء الوجه في اعتبار علو المطهر ، كما يستفاد من قولهم : « يطهر الماء النجس بإلقاء كر عليه دفعة ». وأما اعتبار الدفعة ، فيمكن أن يكون لأجل تحقيق الامتزاج المعتبر عندهم. ويحتمل أن يكون من جهة أن عدم الإلقاء دفعة يوجب انقسام الماء الى قسمين : عال وسافل ، ولا يتقوى أحدهما بالآخر. ويحتمل أن يكون تعبديا للنص كما عن المحقق الثاني [رحمه اللّه] تعليله بذلك ، وان لم يعثر على هذا النص ، كما اعترف به جماعة. وكيفما كان فقد عرفت أن الماء إذا زاد على الكر بمقدار ما به يتحقق الاتصال بين الماء النجس والكر طهر النجس ، ولو لم يلق تمام الكر ، فضلا عن أن يكون دفعة.

[1] العمدة في دليل هذا الإجماع على أن ماء المطر بمنزلة الجاري ، بضميمة ما دل على أن الاتصال بالجاري مطهر ، لصدق ذي المادة على المتصل به. وأما الاستدلال بمثل : « كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر » فقد عرفت الاشكال فيه (1).

[2] لصدق المادة في الجميع. نعم تقدم أنه بناء على عدم تقوي


1) في أول الكلام في هذه المسألة.

جميعه ، فلو اتصل ثمَّ انقطع كفى. نعم إذا كان الكر الطاهر أسفل ، والماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال [1].

[ مسألة 4 ] : الكوز المملوء من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر [2] ، ولا يلزم صب مائه وغسله.

[ مسألة 5 ] : الماء المتغير إذا ألقي عليه الكر فزال تغيره به يطهر ، ولا حاجة الى إلقاء كر آخر بعد زواله [3] ، لكن بشرط أن يبقى الكر الملقى على حاله [4] من اتصال أجزائه ، وعدم تغيره ، فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس أو تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلا باقياً على حاله ، تنجس ولم يكف في التطهير. والأولى إزالة التغير أولا ثمَّ إلقاء الكر أو وصله به.


العالي بالسافل إذا كان المطهر أعلى لا بد من زيادته على الكر بمقدار النازل منه الى المتنجس ، لئلا ينقص عن الكر بنزول شي‌ء منه فيخرج عن العاصمية.

[1] لعدم صدق المادة ، وعدم تحقق الامتزاج ، وقد عرفت انحصار المطهر بهما.

[2] يعني : نفس الكوز ، لتحقق انغساله بالكثير ، وسيأتي أنه كاف في التطهير للاواني ، وان قلنا باحتياجها الى التعدد في القليل.

[3] لتحقق الاتصال بالمادة ، ولا وجه لاعتبار كون الاتصال بها بعد زوال التغير ، فان مورد صحيح ابن بزيع (1)- الذي هو العمدة في دليل كفاية الاتصال في التطهير - صورة حصول الاتصال قبل زوال التغير.

[4] تحقق هذا الشرط - غالباً - موقوف إما على زيادة الماء على


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 6 ، 7.

[ مسألة 6 ] : تثبت نجاسة الماء كغيره - بالعلم ، وبالبينة [1] ،


الكر لتحصل الغلبة منه على المتغير ، أو على كون التغير بمرتبة ضعيفة تذهب بمجرد اتصال الكر ، وإلا فالاتصال يوجب تغير بعض أجزاء الكر الطاهر ، فينجس الجميع ، بعضه بالتغير ، والباقي بالاتصال به ، لأنه قليل.

[1] على المشهور. وفي الجواهر : « ينبغي القطع به ، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عن القاضي وظاهر عبارة الكاتب والشيخ ، ولا ريب في ضعفه ». لعموم ما دل على حجية البينة. وخصوص خبر عبد اللّه ابن سليمان المروي عن الكافي والتهذيب عن الصادق (عليه السلام) في الجبن : « كل شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة » (1). لكن قد يستشكل في الرواية بضعف السند ، واختصاصها بما فيه الميتة ، وأنها لا تدل على ثبوت النجاسة ، وإنما تدل على ارتفاع الحل وثبوت الحرمة.

وأما العموم فهو وان ادعاه جمع من الأعاظم ، وفيهم شيخنا الأعظم رحمه اللّه في رسالة الجماعة ، لكنه غير ظاهر. إذ دليله إن كان هو الإجماع المحكي عن النراقي والسيد الأصبهاني [ قدهما ] فهو ينافيه الخلاف في المقام ممن عرفت وغيرهم من متأخري المتأخرين ، وكذا الخلاف في مقام آخر.

وان كان قوله (عليه السلام) : « فاذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم » (2)فالمراد من التصديق فيه التصديق النفسي ولو ببعض مراتبه ، لا التعبدي بترتب آثار الواقع شرعا الذي هو محل الكلام. ويشهد بذلك ملاحظة مورده ، فان العمل فيه ليس موضوعا لأثر شرعي. هذا مضافا الى أنه لو تمَّ اقتضى حجية خبر المسلم مطلقاً من دون اعتبار العدد والعدالة فيه.


1) الوسائل باب : 60 من أبواب الأطعمة المباحة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 6 من كتاب الوديعة حديث : 1.


ومثله قوله تعالى ( يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (1)إذ المراد منه الإيمان الصوري.

وان كان آية النبإ (2)، فيتوقف الاستدلال بها على ثبوت المفهوم لها ، وهو محل الاشكال. مع عدم اعتبار العدد فيها.

وان كان ما ورد في جواز شهادة العبد ، والمكاتب ، والصبي ، بعد البلوغ ، والاعمى ، والأصم ونحوهم. ففيه : أنه لا إطلاق له من حيث المورد ، ولا تعرض فيه لاعتبار العدد والعدالة.

وان كان بناء العقلاء على حجية خبر الثقة. ففيه : أن بين خبر الثقة وبين البينة عموما من وجه.

وان كان الاستقراء. فثبوته وحجيته معا ممنوعان.

وان كان رواية مسعدة بن صدقة : « كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه ، فتدعه من قبل نفسك. وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، والمملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه ، أو خدع فبيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك. والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة » (3). فالبينة فيها إنما جعلت غاية للحل الذي هو المراد من اسم الإشارة ، وكونها حجة على الحرمة لا يقتضي حجيتها على الموضوع ، فضلا عن عموم الحجية لما لم يكن مورداً للحل والحرمة من موضوعات سائر الأحكام.

اللّهم إلا أن يقال : المراد من قيام البينة بالحرمة أعم من كونها مدلولا مطابقيا وتضمنيا والتزاميا ، فاذا شهدت بكون الثوب سرقة فقد


1) التوبة : 61.

2) الحجرات : 6.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4.


قامت بحرمته ، وكذا إذا شهدت بكون المرأة رضيعة فقد قامت بحرمتها. فليس المراد من قيام البينة بالحرمة شهادتها بها فحسب ، بل أعم من ذلك ومن شهادتها بموضوع خارجي تلزمه الحرمة ، أو لازم لها ، أو ملازم ، مثل كون المائع خمراً أو بولا أو دما أو نحوها ، وكذا أعم من شهادتها بعنوان اعتباري مثل إخوة امرأة ، أو نجاسة مائع ، أو حرية رجل ، إذا كان بينه وبين الحرمة ملازمة ، فإن البينة في جميع ذلك قائمة بالحرمة ، فلا يختص موردها بما إذا شهدت البينة بالحرمة لا غير.

ثمَّ إن البينة لما كانت من سنخ الامارات العرفية ، كان الظاهر من ثبوت الحرمة عند قيامها بها كونها طريقاً إلى مؤداها ، لا تعبداً كما في موارد الأصول ، فإذا شهدت البينة بكون الثوب سرقة ، فثبوت الحرمة ظاهرا لثبوت موضوعها وقيام الامارة عليه. وعليه لا فرق بين الحرمة وغيرها من الأحكام المترتبة على السرقة ، فكما تثبت الحرمة تثبت تلك الاحكام ، لأن طريقيتها بنظر العرف لا تختص بجهة دون جهة ، فيحمل الدليل على إطلاق الحجية ، ومقتضى ذلك حجية البينة مطلقاً عند قيامها بالحرمة ، فيترتب عليها جميع الاحكام والآثار. فلم يبق مورد خارج عن الرواية إلا ما لا يترتب عليه أثر الحرمة أصلا ، بحيث لا تدل عليه البينة أصلا ولو بالالتزام لكنه نادر. ولا يبعد التعدي إليه بعدم القول بالفصل أو لعدم التفكيك عرفا بينه وبين مورد الرواية ، بحيث تكون البينة حجة حيث يكون في موردها حكم الحرمة ، ولا تكون حجة في غير ذلك. فلاحظ.

والمتحصل : أن الرواية المذكورة صالحة لإثبات عموم الحجية بتوسط أمور : [ الأول ] : أن المراد من قيام البينة بالحرمة كونها مدلولا للكلام ولو بالالتزام [ الثاني ] : أن طريقية البينة عرفا تقتضي كون المفهوم من الدليل عموم الحجية [ الثالث ] : امتناع التفكيك بين الموارد التي تكون

وبالعدل الواحد [1] ،


الحرمة فيها مدلولا للكلام - ولو التزامياً ولو باللزوم غير البين - وبين غيرها من الموارد مما هو نادر إما لعدم القول بالفصل ، أو لإلغاء الخصوصية عرفا.

ويعضد العموم المذكور الإجماع المدعى ممن عرفت على عموم الحجية. ولا ينافيه الخلاف في بعض الموارد ، لأنه لشبهة ، كما يظهر ذلك من استدلال المخالف في المقام : بأن البينة ليست من العلم الذي جعل غاية للحل في قولهم (عليهم السلام) : « الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر » (1)ونحوه. وكذا المخالف في حجية البينة في الاجتهاد استدل : بأن الاجتهاد من الأمور الحدسية التي لا تكون مورداً للشهادة مع تيسر العلم. ولو كان الوجه في الخلاف عدم ثبوت العموم الدال على الحجية كان المناسب الاستدلال به أيضاً ، ولكان اللازم الخلاف في كل مورد لم يقم دليل بالخصوص على الحجية ، وهو مما لا يحصى كثرة ، مع أن الخلاف لم ينقل إلا في موارد خاصة هذا وبعين هذا التقريب يمكن إثبات عموم الحجية في إثبات النجاسة من رواية عبد اللّه بن سليمان المتقدمة في صدر المسألة، بناء على ظهورها في كون ذكر الميتة فيها من باب المثال.

[1] كما عن ظاهر التذكرة ، وقواه في الحدائق. لما دل على جواز الصلاة بأذان الثقة (2)وثبوت عزل الوكيل باخباره (3)، وكذا ثبوت الوصية بقوله، (4)وثبوت استبراء الأمة إذا كان بائعاً (5)، وغير ذلك


1) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.

2) راجع باب : 3 من أبواب الأذان والإقامة.

3) الوسائل باب : 2 من كتاب الوكالة حديث : 1.

4) الوسائل باب : 97 من كتاب الوصايا حديث : 1.

5) راجع باب : 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

على إشكال لا يترك فيه الاحتياط ، وبقول ذي اليد [1] ، بل قيل : إن ثبوت حكم النجاسة به دون المتنجس متنافيان. [ وفيه ] : أن الموارد المذكورة موضوعها خبر الثقة ، وبينه وبين خبر العادل عموم من وجه. مع أن استفادة الكلية من الموارد المذكورة غير ظاهرة ، ولا سيما عند الأخباريين. وأنه خلاف ظاهر الحصر في رواية مسعدة. وأما التنافي بين الحجية في إثبات الحكم دون موضوعه ، فأوضح إشكالا كما لا يخفى. وأما آية النبإ فدلالتها على حجية خبر العادل محل إشكال مشهور ولو سلمت فيتعارض مفهومها مع الحصر في رواية مسعدة، ورفع اليد عن المفهوم فيها أولى من تخصيص الرواية ، لأن عطف خبر العدل على البينة مستهجن ، لأن العدل جزء البينة ، ولو كان خبره حجة تعين الاقتصار عليه دون البينة ، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر أن عموم حجية خبر الثقة في الاحكام والموضوعات ، لو تمَّ - من بناء العقلاء وغيره - فتخصيصه أولى من تخصيص الرواية. على أنها بالنسبة إلى بناء العقلاء رادعة واردة لا معارضة وكذا الكلام في خصوص رواية عبد اللّه بن سليمان في إثبات النجاسة ، بناء على ما عرفت من استفادة عموم حجية البينة فيها فلاحظ وتأمل. ومن ذلك تعرف الوجه في قول المصنف : « على اشكال » ، وان المتعين المنع من القبول.

[1] على المشهور بين المتأخرين ، وعن الحدائق : أن ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه. ويشهد له السيرة. وهي العمدة فيه. وأما الاستدلال عليه بما في خبر إسماعيل بن عيسى عن أبي الحسن (عليه السلام) إذ سأله عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل ... [ الى أن قال ] (عليه السلام) : « عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك » (1). فلا يخلو من اشكال ، لعدم ظهور الأمر بالسؤال في وجوب القبول ،


1) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 7.


مع أنه خال عن التقييد بذي اليد. ومثله الإشكال في الاستدلال بالنهي عن السؤال في صحيح البزنطي الوارد في شراء الفراء من السوق (1)، وفي رواية عمار الواردة في شراء الجبن من المسلم (2). وأضعف من ذلك الاستدلال بالنهي عن الإعلام في رواية ابن بكير الواردة فيمن أعار ثوبا لا يصلى فيه ، حيث قال (عليه السلام) : « لا يعلمه قلت : فإن أعلمه قال (عليه السلام) : يعيد » (3)إذ لا يظهر منه أن المراد من الاعلام مجرد الخبر ولو لم يعلم بمضمونه ، ولا كون عدم الصلاة من جهة النجاسة. مع أنه مبني على وجوب إعادة الجاهل بالنجاسة ، وهو خلاف التحقيق ، كما يأتي إن شاء اللّه (4)وكأنه لذلك كان ما عن الذخيرة وشرح الدروس من عدم الوقوف له على دليل. نعم في صحيح معاوية بن عمار : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج (5)ويقول : قد طبخ على الثلث وأنا أعرفه أنه يشربه على النصف فاشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال (عليه السلام) : لا تشربه. قلت : فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه أنه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف ، يخبر أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه قال (عليه السلام) : نعم » (6)وظاهره حجية الخبر مع عدم ما يوجب اتهام المخبر. ولعله محمل صحيح .


1) لم نعثر على رواية : عمار المشتملة على النهي : نعم اشتمل على ذلك رواية الثمالي ( الوسائل باب : 33 من الأطعمة المحرمة ) ورواية بكر بن حبيب ( الوسائل باب : 60 من الأطعمة المباحة )

2) في أول فصل الصلاة في النجس.

3) البختج : العصير المطبوخ. ( مجمع البحرين ).

4) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 3.

5) الوسائل باب : 47 من أبواب النجاسات حديث : 3.

6) الوسائل باب : 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 4.

وان لم يكن عادلا ولا تثبت بالظن المطلق [1] على الأقوى.


معاوية بن وهب : « عن البختج ، فقال : إذا كان حلواً يخضب الإناء وقال صاحبه : قد ذهب ثلثاه وبقي الثلث ، فاشربه » (1)، فان عدم كونه يخضب الإناء أمارة على عدم ذهاب الثلاثين.

لكن في موثق عمار فيمن يأتي بالشراب ويقول : هو مطبوخ على الثلث « فقال (عليه السلام) : إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب » (2). وفي صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « لا يصدق إلا أن يكون مسلماً عارفا » (3). والمتعين حملهما على الاستحباب ، لصراحة الصحيح الأول بعدم اعتبار الورع والايمان ، والتفكيك بينهما وبين الإسلام بعيد.

فلا يبعد كون المستفاد من هذه النصوص حجية قول ذي اليد إذا لم يكن ما يوجب اتهامه. ولكن موردها خصوص الاخبار بالتطهير. ومثلها في الدلالة على الحجية ما دل من المستفيضة على أن من أقر بعين في يده لغيره فهي له (4). وليس ذلك من باب حجية الإقرار ، لاختصاص ذلك بما كان إقراراً على نفسه وهو نفي الملكية عن نفسه ، لا ثبوت الملكية لغيره فان ذلك من باب حجية الخبر ، كما لا يخفى. لكن موردها أيضاً خصوص الاخبار بالملك.

[1] كما هو المشهور المعروف ، بل لا ينقل فيه خلاف إلا عن ظاهر النهاية وصريح الحلبي. لابتناء أكثر الاحكام على الظنون. وامتناع ترجيح المرجوح. ولما في بعض النصوص من الأمر بغسل الثوب المأخوذ من يد


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 6.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 7.

4) راجع باب : 16 ، 25 ، 26 من الوصايا.

[ مسألة 7 ] : إذا أخبر ذو اليد بنجاسته ، وقامت البينة على الطهارة ، قدمت البينة [1]. وإذا تعارض البينتان تساقطتا [2] ،


الكافر (1). ولما تضمن إلقاء السجاد (عليه السلام) الفراء إذا أراد الصلاة ، لأن أهل العراق يستحلون الميتة بالدباغ (2). والجميع كما ترى. لمنع الأول إن أريد مطلق الظن - كما هو محل الكلام - كمنع الثاني إذا كان لحجة شرعية من أصل الطهارة أو استصحابها. ومعارضة الثالث بما دل على جواز الصلاة فيما يعمله الكافر (3)، وعدم وجوب غسله. وإلقاء السجاد الفراء أعم من الوجوب. مع أن في لبسه دلالة على خلاف المطلوب. مع أنه لو بني على حجية الظن بالنجاسة لزم الهرج والمرج ، إذ قل ما ينفك مورد عن الظن بالنجاسة ولو للسراية.

[1] لقصور دليل حجية قول المالك عن صورة التعارض المذكور.

مضافا الى ما يستفاد مما دل على القضاء بالبينة في مقابل دعوى ذي اليد الملكية لنفسه أو لغيره. نعم إذا كان مستند البينة الأصل - بناء على جواز ذلك - قدم اخبار ذي اليد ، لأنه مقدم على الأصل ، وإذا بطل مستند الشهادة امتنع قبولها.

[2] لأصالة التساقط في المتعارضين. ودليل الترجيح مع وجود المرجح والتخيير مع عدمه ، يختص بتعارض الأخبار الحاكية عن الحكم الكلي ، ولا يعم البينات الحاكية عن الموضوع أو الحكم الجزئي.


1) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 61 من أبواب النجاسات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 73 من أبواب النجاسات حديث : 1.

إذا كانت بينة الطهارة مستندة إلى العلم [1] ، وان كانت مستندة إلى الأصل [2] تقدم بينة النجاسة.


[1] يعني : وكانت بينة النجاسة كذلك. أما لو كانت هذه مستندة إلى الأصل قدمت بينة الطهارة ، لأنها تقدم على الأصل الذي هو مستند بينة النجاسة فتسقط لبطلان مستندها. كما هو كذلك في عكس ذلك المفروض في المتن : بأن كانت بينة الطهارة مستندة الى الأصل ، وبينة النجاسة إلى العلم ، فإنه تقدم فيه بينة النجاسة ، لأنها تقدم على الأصل الذي هو مستند بينة الطهارة ، فتبطل هي لبطلان مستندها. فالتساقط يختص بصورة لا تكون فيه إحدى البينتين رافعة لمستند الأخرى ، فإنه تبطل الأخرى لبطلان مستندها ، فتبقى الأولى بلا معارض فتكون واردة على الأخرى لا معارضة بها إذ مع الخطأ في المستند تنتفي الحجية لقصور أدلة الحجية عن شمول ذلك من دون فرق بين حجية الخبر والفتوى والبينة وغيرها من الحجج ، سواء أكانت حجة على الحكم الكلي أم الجزئي. نعم في حكم الحاكم نوع تفصيل أشرنا إليه آنفا في مسائل التقليد.

[2] لا ينبغي التأمل في أن جواز الشهادة بشي‌ء ليس من آثار ثبوته واقعا كي يكون الشك في ثبوته مستلزما للشك في جواز الشهادة به ، فيبنى على جوازها لأصالة البراءة. بل هو من آثار العلم بالثبوت ، والظاهر أنه مما لا خلاف فيه في الجملة. ويشهد به جملة من النصوص مثل ما رواه المحقق في الشرائع عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من قوله - وقد سئل عن الشهادة - : « هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع » (1)وفي خبر علي بن غياث : « لا تشهد بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك » (2)، ونحوهما غيرهما


1) الوسائل باب : 20 من كتاب الشهادات حديث : 3.

2) الوسائل باب 20 من كتاب الشهادات حديث : 1.


والظاهر منها - ولو بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - اعتبار العلم موضوعا على نحو الطريقية ، لا الصفة الخاصة ، لأن الحمل عليه في أمثال المقام يحتاج إلى عناية خال عنها الكلام ، بخلاف الحمل على الأول.

مع أن البناء على الصفتية يوجب الإشكال في كثير من الموارد التي استقرت السيرة فيها على الشهادة اعتماداً على أمارة أو قاعدة أو إقرار أو نحو ذلك ، مثل الشهادة بالنسب اعتماداً على قاعدة الفراش ، والشهادة بالزوجية وبالملك اعتماداً على قاعدة الصحة في عقد النكاح وعقد البيع ، وكذا الشهادة بالطلاق اعتماداً على قاعدة صحة الطلاق ، وبالحرية اعتمادا على قاعدة صحة العتق ، والشهادة بالدين اعتماداً على الإقرار ، أو قاعدة الصحة في عقد الضمان ، وكذا الحال في أمثال ذلك مما هو كثير لا يحصى.

ودعوى : أن الشهادة إنما هي بالسبب ، وهو معلوم ، والقاعدة إنما يجريها المشهود عنده. مندفعة : بأنها خلاف قوله (عليه السلام) : « إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان » (1)ويشير الى ذلك الصحيح الآتي ، فإنه يدل على أن القاضي لا يستصحب ، وإنما الذي يعمل بالاستصحاب هو الشاهد والقاضي إنما يعمل بشهادته.

وبالجملة فالتأمل قاض : بأن سيرة المتشرعة على الشهادة اعتماداً على الأمارة أو القاعدة التي هي بمنزلتها ولو بالإضافة إلى حيثية الشهادة - مثل قاعدة الصحة - مما لا مجال لإنكارها. فلا بد من التصرف في الحديثين المذكورين - لو تمَّ ظهورهما في اعتبار العلم على نحو الصفتية - بحملهما على ما لا ينافي ذلك ، بأن يكون المراد منهما الردع عن الشهادة اعتمادا على الظن والحدس والتخمين.

ويشهد بذلك ما ورد من جواز الشهادة بالملك اعتمادا على اليد ، وهي


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث : 1.


رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال له : « إذا رأيت شيئاً في يد رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال (عليه السلام) : نعم. قال الرجل : أشهد أنه في يده ، ولا أشهد أنه له ، فلعله لغيره. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أفيحل الشراء منه؟ قال : نعم. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ، ثمَّ تقول بعد الملك : هو لي. وتحلف عليه ، ولا يجوز أن تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك. ثمَّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق » (1)، فإنها تدل على أن اليد لما كانت أمارة على الملك كانت بمنزلة العلم به فيترتب عليها أحكامه ، ومن تلك الاحكام جواز الشهادة به. وما رواه معاوية بن وهب قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يكون في داره ، ثمَّ يغيب عنها ثلاثين سنة ، ويدع فيها عياله ، ثمَّ يأتينا هلاكه ، ونحن لا ندري ما أحدث في داره. ولا ما أحدث له من الولد ، إلا أنا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئاً ، ولا حدث له ولد ، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أن هذه الدار دار فلان ابن فلان ، مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان ، أو نشهد على هذا؟ قال (عليه السلام) : نعم. قلت : الرجل يكون له العبد ، والأمة ، فيقول أبق غلامي أو أبقت أمتي ، فيؤخذ بالبلد فيكلفه القاضي البينة ان هذا غلام فلان ، لم يبعه ولم يهبه ، أفنشهد على هذا إذا كلفناه؟ ونحن لم نعلم أنه أحدث شيئاً. فقال (عليه السلام) : كلما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به » (2)وروي في الصحيح أيضا قال : « قلت له : إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان وتركها


1) الوسائل باب : 25 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث : 2.

2) الوسائل باب : 17 من كتاب الشهادات حديث : 2.


ميراثا ، وأنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له. فقال : اشهد بما هو علمك. قلت : إن ابن أبي ليلى يحلفنا اليمين الغموس. فقال (عليه السلام) : احلف إنما هو على علمك » (1). وروي أيضاً في الموثق : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يكون له العبد والأمة قد عرف ذلك فيقول : أبق غلامي أو أمتي ، فيكلفونه القضاة شاهدين بأن هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يهب ، أنشهد على هذا إذا كلفنا؟ قال (عليه السلام) : نعم » (2). وما في ذيل الأول محمول على بعض المحامل ، أو مطروح ، لترجح غيره عليه. كما أن ما في الصحيح من جعله علماً مبني على الادعاء ، كما هو ظاهر دليل الاستصحاب.

وكيف كان فالمراد من الأصل في عبارة المتن الاستصحاب ، لا أصالة الطهارة ، فإنها لا تكون مستنداً للشهادة بالطهارة الواقعية ، لعدم كونها علماً بها لا حقيقة ولا تنزيلا ، والطهارة الظاهرية في حق الشاهد ليست موضوعا للحكم في حق المشهود عنده ، بل هو إن كان شاكا كان موضوعا لها ، لقيام الدليل الدال عليها عنده إن كان مجتهداً ، أو لفتوى مجتهده إن كان مقلداً بلا توسط شهادة الشاهد.

ثمَّ إنه مما يتفرع على ذلك جواز الشهادة بالواقع اعتماداً على البينة إذا شهدت به ، كما حكي عن الشيخ [رحمه اللّه]. لكن المعروف بين الأصحاب عدم القبول ولعله لما ورد من عدم قبول شهادة الفرع إلا في موارد خاصة (3). لكن عدم القبول لا يقتضي عدم جواز الشهادة نفسها. فلاحظ.


1) الوسائل باب : 17 من كتاب الشهادات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 17 من كتاب الشهادات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 44 ، 45 من كتاب الشهادات.

[ مسألة 8 ] : إذا شهد اثنان بأحد الأمرين ، وشهد أربعة بالآخر ، يمكن - بل لا يبعد - تساقط الاثنين بالاثنين ، وبقاء الآخرين [1].

[ مسألة 9 ] : الكرية تثبت بالعلم ، والبينة [2]. وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجه ، وان كان لا يخلو عن إشكال [3].


[1] هذا غير ظاهر ، فان دليل حجية البينة كدليل حجية الخبر نسبته الى الواحد والكثير نسبة واحدة ، وانطباقه على الجميع في رتبة واحدة ، فإذا امتنع انطباق الدليل على المتعارضين كان مقتضاه سقوط الطرفين عن الحجية ، وما في المتن من التبعيض في أحد الطرفين يحتاج إلى معين مفقود. نعم لو كانت أبعاض أحد الطرفين مترتبة في انطباق الدليل ، سقط ما يكون في الرتبة الأولى للمعارضة وانفرد المتأخر بالحجية ، كما هو كذلك في الأصول المترتبة. لكن المقام ليس كذلك. نعم لو بني على الترجيح في البينات المتعارضة ، كالترجيح في الاخبار المتعارضة ، كان اللازم في الفرض ترجيح شهادة الأربعة على شهادة الاثنين ، لا ما ذكر في المتن. وكذا ترجيح شهادة الثلاثة على شهادة الاثنين ، لو فرض شهادة ثلاثة بأحد الأمرين ، وشهادة اثنين بالآخر. لكن الترجيح غير واضح ، لعدم الدليل عليه. والترجيح بالاشهرية مختص بالخبرين المتعارضين ، والترجيح بالأكثرية مختص ببعض صور تعارض البينتين عند القاضي في مقام المرافعة اليه ، والتعدي إلى المقام محتاج الى دليل مفقود.

[2] لما تقدم من عموم حجية البينة.

[3] كأنه لندرة الابتلاء بالسؤال عن الكرية في عصر المعصومين (عليهم السلام) فلم تحرز سيرة على قبول خبر ذي اليد فيه ، أو لعدم دليل بالخصوص فيه. بخلاف السؤال عن النجاسة. فقد ورد فيه بعض النصوص ، وادعي

كما أن في إخبار العدل الواحد أيضاً اشكالا [1].

[ مسألة 10 ] : يحرم شرب الماء النجس [2] ، إلا في الضرورة. ويجوز سقيه للحيوانات [3] ،


الاتفاق عليه. وفيه : أن العمدة في الدليل على القبول في النجاسة هو السيرة - لما عرفت من الإشكال في دلالة النصوص عليه ، ولم يثبت إجماع معتبر على القبول - والسيرة العملية في المقام وان كانت غير ثابتة لندرة الابتلاء ، لكن السيرة الارتكازية محققة ، فإنه لا ريب عند المتشرعة في جواز الاعتماد على خبر ذي اليد في الكرية والنجاسة وغيرهما مما يتعلق بما في اليد ، من دون فرق بين الجميع ، والسيرة الارتكازية حجة كالعملية فلاحظ.

[1] تقدم أن الاشكال قوي جدا.

[2] إجماعا ، نصا وفتوى ، بل لعله من ضروريات الدين. نعم في حال الضرورة يجوز شربه بلا إشكال ، لأدلة نفي الضرر (1)والحرج (2)وغيرها.

[3] يكفي فيه الأصل. وفي خبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) : « عن البهيمة البقرة وغيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال (عليه السلام) نعم يكره ذلك » (3). وظاهره الجواز على كراهية. .


1) راجع الوسائل باب : 17 من أبواب الخيار من كتاب البيع وباب : 5 من كتاب الشفعة وباب : 7 و12 من كتاب احياء الموات.

2) مثل قوله تعالى ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة : 185 وقوله تعالى : ( ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) المائدة : 6. وقوله تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) الحج : 78. وقد يدل عليه خبر عبد الأعلى مولى آل سام ( الوسائل باب : 39 من أبواب الوضوء حديث : 5 ).

3) الوسائل باب : 10 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 5.

بل وللأطفال أيضا [1]. ويجوز بيعه [2].


[1] لأصل. وما ورد من تحريم سقي المسكر لهم (1)لا يمكن استفادة حكم المقام منه ، لاحتمال خصوصية للمسكر. وما تضمن الأمر بإراقة الماء المتنجس (2)، الظاهر في عدم الانتفاع به ، لا يقتضي المنع في المقام أيضاً ، بتوهم أنه لو جاز سقيه للأطفال لكان له منفعة معتد بها لكثرة الابتلاء بهم ، بل ربما كانوا أكثر العيال. وذلك لأن جواز سقيه لا يوجب كونه ذا منفعة معتد بها عرفا إذا كان يؤدي الى نجاسة الطفل وثيابه غالبا ، السارية إلى غيره ، فان ذلك أمر مرغوب عنه. ولعله لذلك لم يذكر الطفل في بعض الروايات الآمرة بإراقة المرق المتنجس ، أو إطعامه أهل الكتاب ، أو الكلب.

وما يقال : من أن أدلة المنع عن شرب النجس لما كانت عامة للصبي كانت دالة على وجود المفسدة في شربه ، وأدلة رفع القلم عن الصبي ليست مخصصة لها ، بل نافية لمحض الاستحقاق برفع الإلزام ، - ولذا بنينا على شرعية عبادات الصبي لعموم أدلة الأحكام - فإذا كان شرب الصبي مشتملا على المفسدة كان سقيه إيقاعا له في المفسدة ، فيحرم. [ مندفع ] : بأن المفسدة التي يحرم إيقاع الصبي فيها من الولي وغيره لا تشمل مثل ذلك.

[2] إذا كان له منفعة معتد بها. لعموم دليل صحة البيع (3)، ووجوب الوفاء بالعقود (4). وأما النبوي : « إذا حرم اللّه شيئاً حرم .


1) راجع الوسائل باب : 10 من أبواب الأشربة المحرمة.

2) راجع الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق.

3) مثل قوله تعالى ( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) - البقرة : 275 وقوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) - النساء : 29.

4) مثل قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) - المائدة : 1.

مع الاعلام [1].


ثمنه » (1)فظاهره التحريم المؤدي إلى سلب المنفعة المعتد بها ، لا مطلقاً ، وإلا لزم تخصيص الأكثر.

[1] العمدة فيه قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية الوارد في بيع الزيت المتنجس : « ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به » (2)، فإنه لما لم يكن ترتب بين الاعلام والاستصباح ، وإنما الترتب بين الاعلام وعدم أكل الزيت ، بلحاظ أن الاعلام يستوجب حدوث الداعي إلى ترك الأكل لكن لأجل انحصار الفائدة بهما غالبا كان ترك الأكل ملازما للاستصباح ، فالتعليل بالاستصباح يكون عرضياً والعلة الأصلية ترك الأكل. ويشير إلى ذلك أن الاستصباح ليس مأموراً به كي يمكن أن يترشح الأمر الغيري إلى مقدمته ، وهو الاعلام والتنبيه.

هذا ولأجل حمل التعليل على التنبيه على أمر عرفي ، لزم التعدي عن مورده الى غيره وإلا كان تعبدياً ، وهو خلاف الأصل في التعليلات الشرعية فتكون العلة في وجوب الاعلام الفرار من الوقوع في الحرام ، وهي حاصلة فيما نحن فيه وغيره. وعلى هذا فوجوب الاعلام مولوي ، لا إرشادي الى شرطيته للبيع. كما أنه لو علم عدم شربه للنجس لم يجب الاعلام. وكذا لو علم عدم تأثير الاعلام في احداث الداعي ، بأن كان مقدما على شربه على كل حال.

وقد يستدل على وجوب الإعلام : بأن تركه تسبيب الى فعل الحرام ، كمن قدم الى غيره محرما ، فإنه فاعل للحرام ، لأن استناد الفعل الى السبب أقوى ، فنسبة الفعل إليه أولى. وفيه : [ أولا ] : أن مجرد ترك الاعلام لا يكون من قبيل السبب إلا إذا كان شرب النجس اعتمادا على فعل البائع


1) كتاب البيوع من كتاب الخلاف المسألة : 308 ، 310.

2) الوسائل باب : 43 من أبواب الأطعمة المحرمة ملحق حديث : 1.


ليكون من قبيل من قدم الى غيره محرما. أما لو كان اعتماداً على أصل الطهارة فلا تسبيب فيه أصلا ، كما لو رأى نجسا في يد غيره يريد أكله ، فإن ترك إعلامه من قبيل ترك إحداث الداعي إلى ترك الحرام ، لا من قبيل فعل السبب الى الحرام. [ وثانياً ] : أنه لا دليل على تحريم التسبيب كلية. ونسبة الفعل الى السبب حقيقة ممنوعة ، ومجازاً غير مجدية ، ولذا كان التحقيق ضمان المباشر للأكل فيما لو قدم إلى غيره طعاماً ، وأن رجوع الآكل عند الخسارة على من قدم الطعام له ليتدارك خسارته ، لقاعدة الغرور لا لقاعدة : « من أتلف ... ». ولذا لم يعرف قائل منا برجوع المالك على من قدم الطعام لا غير ، ولو كان هو أولى بنسبة الإتلاف كان هو المتعين في الرجوع عليه بالبدل. [ وثالثا ] : أنه لو سلمت صحة النسبة في باب الضمان بالإتلاف أمكن الإشكال في صحة مقايسة المقام عليه ، لأن الإتلاف المأخوذ موضوعا للضمان مطلق الإتلاف الحاصل ولو بواسطة غير المتلف ، بأن يكون غيره كالآلة في الإتلاف ، بخلاف شرب النجس المأخوذ موضوعا للحرمة ، فإنه خصوص شرب المكلف نفسه ، وإدخاله إلى جوفه ، وهو غير حاصل في الفرض. وكذا لو أدخل الماء النجس الى جوف غيره قهرا. نعم يحرم ذلك من جهة التعدي على نفسه وبدنه ، لا من جهة تحقق شرب النجس. [ وبالجملة ] التارك للاعلام لا يصدق عليه أنه شارب للنجس. نعم لو قام دليل على تحريم شرب النجس مطلقا ولو كان من غير من يقوم به الشرب ، كان التحريم في المقام في محله.

ثمَّ إنه لو بني على وجوب الاعلام من هذا الوجه الأخير فهو مولوي أيضاً ، لا إرشادي إلى شرطية الإعلام للبيع ، فلو باع بلا إعلام صح البيع وان أثم البائع بترك الاعلام المؤدي إلى الوقوع في النجس. لكن الذي يتراءى من عبارة المتن كون الاعلام شرطا في البيع ، فلا يصح بدونه.

فصل

الماء المستعمل في الوضوء طاهر ، مطهر من الحدث ، والخبث [1]. وكذا المستعمل في الأغسال المندوبة [2]. وأما المستعمل في الحدث الأكبر فمع طهارة البدن لا إشكال في طهارته [3]


ولعله لأنه لو لا الاعلام لكان قصد المشتري الانتفاع المحرم ، فيكون أكل الثمن بإزائه أكلا للمال بالباطل. وفيه - مع أن الجهل مانع من التحريم لحصول الرخصة معه - : أن قصد المشتري نفسه لا يكفي في صدق الأكل بالباطل بالنسبة إلى البائع مع عدم قصده ذلك ، كما لا يخفى.

فصل في الماء المستعمل

[1] إجماعا ، بل ادعي على الأول ضرورة المذهب. ويكفي فيه الأصل ، وفي الثاني إطلاقات مطهرية الماء (1)، وبعض النصوص ، كما سيأتي. نعم في المستدرك عن أبي حنيفة : « إنه نجس نجاسة مغلظة ».

[2] إجماعا ، كما في القواعد ، وعن التذكرة ، وظاهر غيرهما ، وفي الحدائق : « نفى جملة من المتأخرين الخلاف فيها ». لاشتراكه مع ما قبله فيما ذكر دليلا على حكمية.

[3] اتفاقا نصا (2)وفتوى ، بل لعله ضروري. ويكفي فيه الأصل نعم ظاهر عبارة الوسيلة عدم رفع الخبث به ، بل قد يستظهر منها القول


1) راجع الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق.

2) راجع الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف.

ورفعه للخبث [1]. والأقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضاً [2].


بنجاسته. وهو غريب.

[1] إجماعا ، كما عن غير واحد. للعمومات (1)ويقتضيه الأصل لكنه تعليقي.

[2] كما هو الأشهر ، بل نسب الى مشهور المتأخرين ، وحكي عن السيدين والعلامة والشهيدين وغيرهم. خلافا للمقنعة والمبسوط والصدوقين وابني حمزة والبراج ، على ما حكي عنهم. لخبر ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : لا بأس بأن تتوضأ بالماء المستعمل. فقال [ وقال خ ل ] : الماء الذي يغسل به الثوب ، أو يغتسل به الرجل من الجنابة ، لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه. وأما الذي يتوضأ الرجل به ، فيغسل به وجهه ويده في شي‌ء نظيف ، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به » (2). لظهوره في عطف : « وأشباهه » على الضمير المجرور ، فيدل على المنع من الوضوء بكل مستعمل في رفع الأكبر ، جنابة كان أو غيرها.

والطعن في السند باشتماله على أحمد بن هلال العبرتائي ، الذي رجع عن التشيع الى النصب - كما عن سعد بن عبد اللّه الأشعري - والملعون المذموم - كما عن الكشي - والغالي المتهم في دينه - كما عن الفهرست - والذي لا يعمل بما يختص بروايته - كما عن التهذيب - وروايته غير مقبولة - كما عن الخلاصة - [ مدفوع ] : بأن اعتماد المشايخ الثلاثة وغيرهم على روايته كاف في جبر ضعفه ولا سيما بملاحظة أن الراوي عنه بواسطة الحسن ابن علي سعد بن عبد اللّه ، وهو أحد الطاعنين عليه. وأن رواية أحمد للخبر .


1) يعني. عمومات مطهرية الماء.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف حديث : 13.


كانت عن الحسن بن محبوب ، والظاهر أنها عن كتابه. وعن ابن الغضائري : أنه لم يتوقف في روايته عن ابن أبي عمير والحسن بن محبوب ، لأنه قد سمع كتابهما جل أصحاب الحديث واعتمدوه فيهما. وأما رواية الحسن بن علي فإنما تصلح جابراً - كما قيل - لو كان هو ابن فضال كي تدخل في قول العسكري (عليه السلام) : « خذوا ما رووا » (1). ولكنه بعيد ، بل قيل : « يكاد يقطع بخلافه » ، لأن ابن فضال أعلى طبقة من العبرتائي ، ولأنه لم تعرف رواية سعد عن ابن فضال بلا واسطة ، بل يروي عنه بواسطتين. على أن الظاهر من قوله (عليه السلام) : « خذوا ما رووا » صحة رواياتهم ، لا صحة رواية من يروون عنه.

ومثل ذلك الطعن في الدلالة ، لاحتمال كون المنع من جهة نجاسة بدن الجنب ، كما هو الغالب ، كما يظهر مما ورد في كيفية غسل الجنابة (2)وغيره. إذ فيه : أن ذلك خلاف ظاهر العبارة المذكورة في الخبر. ولا سيما بملاحظة العطف على ما يغسل به الثوب. ومثله المناقشة باحتمال إرادة إزالة الوسخ من غسل الثوب لا النجاسة ، فيتعين حمل النهي على مطلق المرجوحية المجامعة للكراهة. إذ فيها : أنه إن بني على الجمود على ما تحت العبارة فالمراد مجرد غسل الثوب وان لم يكن عن وسخ ، وان أريد الغسل المشروع فليس الا الغسل لإزالة النجاسة.

وقد يستدل على المنع بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « سألته عن ماء الحمام ، فقال (عليه السلام) : ادخله بإزار ، ولا تغتسل من ماء آخر ، الا أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله فلا يدرى فيهم جنب أم لا » (3)


1) الوسائل باب 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 14.

2) راجع الوسائل باب : 26 من أبواب الجنابة.

3) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.


وفيه : [ أولا ] : ما عرفت آنفا (1)من إجمال المورد ، للجهل بكيفية تمايز ماء الحمام عن الماء الآخر ، والجهل بما يكون وجها للمنع عن الاغتسال بماء الحمام عند ما يوجد الجنب فيه ، وأنه من جهة اختلاط ماء غسله بماء الحمام أو غير ذلك. ولا سيما بملاحظة كثرة وجود الجنب فيه ، وندرة حصول العلم بعدمه ، فلو منع من الاغتسال مع احتمال الجنب لزم الهرج. ولعله لذلك يتعين حملها على ماء الخزانة المتعارف في زماننا ، وحينئذ يتعين حملها على الكراهة ، لعدم الخلاف في الجواز في الكثير إلا من شاذ ، كما سيأتي [ وثانيا ] : أنها معارضة بصحيحته الأخرى « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه؟ قال (عليه السلام) : نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب ، ولقد اغتسلت فيه وجئت فغسلت رجلي ، وما غسلتهما الا مما لزق بهما من التراب » (2).

ومثله في الاشكال الاستدلال بصحيح ابن مسكان : « حدثني صاحب لي ثقة أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق فيريد أن يغتسل ، وليس معه إناء ، والماء في وهدة ، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟ قال (عليه السلام) : ينزح بكف بين يديه ، وكفا من خلفه ، وكفا عن يمينه ، وكفا عن شماله ، ثمَّ يغتسل » (3)بناء على ظهوره في كون محذور رجوع الغسل في الماء عدم صحة الغسل به. ولكنه غير ظاهر. مع أن نضح الأكف لا يمنع من رجوع الماء ، فإطلاق الأمر بالغسل بعد النضح يدل على جواز الغسل بالماء وان رجع اليه ماء الغسل ، فيكون رادعا عما في ذهن السائل. فالرواية على الجواز أدل. ويؤيد ذلك


1) في أول فصل ماء الحمام.

2) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب الماء المضاف حديث : 2.


أنه ورد مثل هذا النضح في الوضوء من الماء القليل ، لا من جهة منع رجوع الماء ، بل تعبدا. ولعله من آداب الوضوء والغسل من الماء القليل.

وأشكل من ذلك الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « وسئل عن الماء تبول فيه الدواب ، وتلغ فيه الكلاب ، ويغتسل فيه الجنب قال (عليه السلام) : إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء » (1). إذ ظاهرها نجاسة الماء باغتسال الجنب ، ولا يقول به الخصم ، فلتحمل على صورة تلوث بدنه بالمني.

فالعمدة في المنع الخبر الأول. ويؤيده ما ورد من النهي عن الاغتسال بغسالة الحمام (2)، معللا : بأن فيها غسالة الجنب ، وان كان قد يظهر من تلك الروايات أن المنع من جهة النجاسة لا من جهة الجنابة.

نعم يظهر الجواز من صحيح ابن جعفر عن أخيه (عليه السلام) الوارد في الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة؟ قال (عليه السلام) - في ذيله - : « وان كان في مكان واحد ، وهو قليل لا يكفيه لغسله ، فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه ، فان ذلك يجزؤه » (3)وهو في بدو النظر وان كان مختصاً بصورة عدم وجدان غيره ، لكن الظاهر منه بعد التأمل عموم الحكم ، لأن الماء الذي يغسل فيه بعض الأعضاء ويرجع الى الساقية أو المستنقع ، مما يكفي في تحصيل مسمى الغسل لجميع البدن ، بأن يؤخذ قليلا قليلا ، ويمسح به البدن بنحو يتحقق مسمى الغسل. ويؤيد ذلك قوله (عليه السلام) - في صدره - : « فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات » فالمراد من عدم كفايته عدم كفايته إذا اغتسل


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

2) راجع الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب الماء المضاف حديث : 1.

وان كان الأحوط مع وجود غيره [1] التجنب عنه. وأما المستعمل في الاستنجاء ، ولو من البول [2] ، فمع الشروط


به على نحو الصب على الأعضاء على ما هو المتعارف. وعلى هذا يكون قرينة على ارادة جواز الاغتسال به ، ولو بعد رجوعه الى الموضع في صحيح ابن مسكان السابق ، كما عرفت. وبهما يرفع اليد عن ظاهر خبر ابن سنان المتقدم ، فيحمل على إرادة صورة نجاسة بدن الجنب ، كما هو الغالب. ويشير اليه ما ورد في كيفية غسل الجنابة (1)، وما ورد في اعتصام الكر (2)وغير ذلك. وهذا الجمع أقرب من الجمع بالحمل على الكراهة ، أو على المنع عن اغتسال غير المغتسل لا عن اغتسال نفسه ثانيا ، أو عن غير ذلك الغسل ، أو إذا لم يقصد ذلك حين الاغتسال به أولا. فإن هذه الخصوصيات وان اشتمل عليها صحيحا الرخصة ، لكنها عرفا ملغية فلا يخص بها الدليل ويتعين في الجمع العرفي ما عرفت. ولذا يكون ما في المتن هو الأقوى.

[1] لأن فرض عدم وجود غيره متيقن من صحيح ابن جعفر (عليه السلام) وان كان هذا المقدار لا ينافي الاحتياط أيضاً فيه ، خروجا عن شبهة خلاف القائلين بالمنع مطلقا. نعم الاحتياط فيه بالجمع بين استعماله والتيمم.

[2] كما صرح به جماعة ، بل لا يعرف فيه خلاف ، وفي جامع المقاصد نسبته إلى الأصحاب ، وفي المدارك وعن الذخيرة : أنه مقتضى النص وكلام الأصحاب ، ولعل هذا المقدار كاف في الحجية عليه. وأما إطلاق النص فلا يخلو من تأمل ، لأن الاستنجاء في الأصل غسل موضع النجو ، وهو الغائط ، كما قيل. اللّهم إلا أن يكون تعميمهم الحكم شهادة بعموم معناه ، ويساعده العرف اليوم. أو لأن الدليل لما كان واردا في جواب السؤال عن


1) راجع الوسائل باب : 26 من أبواب الجنابة.

2) راجع الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق.

الآتية طاهر [1] ، ويرفع الخبث أيضاً لكن لا يجوز استعماله في


القضية الخارجية ، وكان لا ينفك ماء الاستنجاء من الغائط عن ماء الاستنجاء من البول إلا نادرا جدا ، فالدليل يكون ظاهرا في طهارتهما معا ، كما لا يخفى.

[1] كما نص عليه جماعة كثيرة ، وفي بعض العبارات : أنه لا بأس به ، وفي آخر : أنه لا ينجس الثوب ، وفي ثالث : أنه معفو عنه. ولعل مراد الجميع الطهارة ، كما قد يشهد به نقل الإجماع على كل واحد من التعبيرات الثلاثة الأول ، فيكون الوجه في اختلاف التعبير اختلاف عبارات النصوص. وان كان الظاهر من النصوص المفاد الأول والثاني لا غير. فالمشتمل على المفاد الأول رواية العلل عن يونس عن رجل عن العنزار عن الأحول أنه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث : « الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به. فقال (عليه السلام) : لا بأس. أوتدري لم صار لا بأس به؟ قال : قلت : لا واللّه. فقال (عليه السلام) : إن الماء أكثر من القذر » (1). فان الظاهر من التعليل طهارة الماء. والمشتمل على المفاد الثاني بقية النصوص مثل صحيح عبد الكريم بن عتبة الهاشمي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أينجس ذلك ثوبه؟ فقال (عليه السلام) : لا » (2)ومصححة الأحول : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخرج من الخلاء فاستنجى بالماء ، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به ، فقال (عليه السلام) : لا بأس به » (3)ونحوه مصححته الأخرى (4)، فإن الظاهر رجوع الضمير الى الثوب لا إلى الماء.


1) الوسائل باب : 13 من أبواب الماء المضاف حديث : 2.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب الماء المضاف حديث : 5.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب الماء المضاف حديث : 1.

4) الوسائل باب : 13 من أبواب الماء المضاف حديث : 4.


نعم قد يشكل الاعتماد على المرسل وان كان المرسل يونس الذي هو من أصحاب الإجماع ، لعدم تحقق الإجماع على قبول روايتهم ولو مع الإرسال ولذا كان الخلاف في قبول مراسيل ابن أبي عمير معروفا ، مع أنه ممن لا يرسل إلا عن ثقة - كما قيل - فكيف بمراسيل يونس؟!. مع أن العنزار مجهول. مضافا الى أن البناء على عدم التعدي عن مورد التعليل يستوجب البناء على إجماله ، وعدم ارادة ظاهره. وأما بقية النصوص فدلالتها على طهارة الماء أو نفي البأس به غير ظاهرة ، لعدم الملازمة ، فعموم انفعال القليل - كعموم ما دل على تعدي نجاسة كل متنجس - المقتضي لنجاسة الماء محكم. اللّهم إلا أن تستفاد الطهارة بالملازمة العرفية بين طهارة ملاقي الشي‌ء وطهارته ، كالملازمة بين نجاسة الملاقي ونجاسته. ولذا بني على نجاسة بعض الأعيان لدلالة الدليل على نجاسة ملاقية ، وعلى طهارة بعض الأعيان لدلالة الدليل على طهارة ملاقيه. ولهذه الدلالة الالتزامية اللفظية يخصص ما دل على انفعال القليل ، كما يخصص ما دل على تنجيس النجس.

ومن ذلك تعرف الإشكال في كلام شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] حيث ذكر أولا : أن البناء على نجاسة الماء يقتضي تخصيص قاعدة نجاسة ملاقي المتنجس والبناء على طهارته يقتضي تخصيص عموم انفعال الماء القليل ، ولأجل أن الثاني أولى تعين البناء على الطهارة. ثمَّ استشكل فيه : بأن قاعدة نجاسة ملاقي المتنجس ساقطة على كل حال ، للعلم الإجمالي بتخصيصها إما بالنسبة إلى ملاقي الماء - بناء على نجاسته - أو بالنسبة إلى نفس الماء الملاقي البول أو الغائط ، وبعد سقوطها عن الحجية ، للعلم الإجمالي المذكور ، يبقى عموم انفعال الماء القليل بلا معارض ، فيتعين الحكم بنجاسة الماء.

ووجه الاشكال فيه [ أولا ] : ما أشرنا إليه ، من أن تخصيص عموم الانفعال ليس لتقديم قاعدة نجاسة ملاقي النجس عليه ، بل للدلالة الالتزامية


العرفية. [ وثانيا ] : أن عموم انفعال الماء القليل في رتبة قاعدة نجاسة ملاقي النجس ، فاذا فرض معارضة أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ملاقي ماء الاستنجاء مع أصالة العموم فيها بالنسبة إلى ماء الاستنجاء ، فهذه المعارضة بعينها حاصلة بين أصالة العموم في القاعدة في الأول ، وأصالة العموم في عموم انفعال الماء القليل في الثاني ، فالعلم الإجمالي يوجب سقوط العمومين معاً عن الحجية. [ وثالثا ] : أن المعارضة بين أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى الفردين غير ظاهرة ، لسقوط أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ملاقي ماء الاستنجاء جزما ، للعلم الإجمالي بالتخصيص أو التخصيص فتبقى أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ماء الاستنجاء الملاقي للبول والغائط بلا معارض. وكذا عموم انفعال الماء القليل. بل لو فرض ملاقاة ماء الاستنجاء لماء آخر فلا معارضة في عموم انفعال الماء القليل بالنسبة إلى تطبيقه لأن تطبيقه بالنسبة إلى الماء الثاني معلوم البطلان ، أما للتخصيص أو للتخصص ، على نحو ما عرفت في عموم نجاسة ملاقي النجس.

ومثله في الاشكال ما ذكره الفقيه المقدس الهمداني [قدس سره] في مصباحه من أن البناء على طهارة ماء الاستنجاء ، وتخصيص عموم انفعال الماء القليل أهون من البناء على نجاسته ، وتخصيص ما دل على عدم جواز استعمال الماء النجس في المأكول والمشروب والوضوء والصلاة وغيرها. انتهى. وجه الاشكال : أن العموم الثاني ساقط عن الحجية ، إما بالتخصيص أو التخصص ، فيبقى العموم الأول بحاله بلا معارض.

ومن هنا يظهر أن المتعين إما القول بالطهارة ، وإما القول بالنجاسة مع طهارة الملاقي. فإن أريد من العفو في كلام بعض هذا المعنى فله وجه ، ولو أريد منه كونه نجساً بحكم الطاهر مطلقا ، أو في خصوص عدم وجوب الاجتناب عنه ، مع ترتب بقية أحكام النجس عليه فغير ظاهر الوجه.

رفع الحدث ولا في الوضوء والغسل المندوبين [1]. وأما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء والغسل [2]. وفي طهارته ونجاسته خلاف [3].


ثمَّ إنه حيث كان الأظهر الطهارة فمقتضى الإطلاقات جواز رفع الحدث والخبث به. لكن يجب الخروج عنها بالإجماع المحكي عن المعتبر والمنتهى على عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا. وفي مفتاح الكرامة : « اعترف بهذا الإجماع جماعة كصاحب المدارك والمعالم والذخيرة وغيرهم » بل عن المعالم دعواه في خصوص المقام. ويقتضيه خبر ابن سنان المتقدم في المستعمل في رفع الحدث الأكبر ، بناء على جواز التعدي من مورده الى المقام ، ولو بناء على نجاسة ماء الغسالة. فيبقى رفع الخبث به على مقتضى الإطلاقات السليمة عن المعارض.

ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في الحدائق ، من جواز رفع الحدث به لعدم حجية الإجماع المنقول على المنع. فإن الإجماع الذي يحكيه الفاضلان ويتلقاه الأعاظم بعدهما بالقبول ، ليس من الإجماع المنقول. نعم ذكر في المدارك - في مبحث الغسالة - وجود القائل بكون ماء الغسالة باقيا على ما هو عليه من الطهورية. لكن هذا القائل غير معروف ، كما في مفتاح الكرامة. نعم في الحدائق حكى ذلك عن المحقق الأردبيلي [قدس سره] فليلحظ كلامه.

[1] للإجماع والخبر إذا كانا رافعين للحدث ، وللخبر وحده إذا لم يكونا كذلك. فإن إطلاق الخبر شامل للواجب والمندوب. فتأمل.

[2] لما تقدم من الإجماع والخبر أيضاً. فتأمل.

[3] هذا الخلاف بعد البناء على نجاسة القليل بملاقاة النجاسة. أما بناء على الطهارة فلا مجال للقول بالنجاسة هنا. ومنه يظهر أن نسبة القول

والأقوى أن ماء الغسلة المزيلة للعين نجس [1] ، وفي الغسلة غير المزيلة الأحوط الاجتناب.


بالطهارة في المقام الى مثل العماني في غير محلها. وكذا نسبته الى مثل السيد والحلي [ قدهما ] ، فإنهما قائلان بطهارة الوارد ولو على النجاسة العينية اللّهم إلا أن يكون مفاد دليلهما الطهارة في المقام بالخصوص ، كما تقدم.

[1] كما هو المنسوب الى المشهور بين المتأخرين ، وأشهر الأقوال ولا سيما بين المتأخرين ، بل لعله إجماع في خصوص المورد. لإطلاق ما دل على انفعال القليل بملاقاة النجاسة ، مثل قولهم (عليهم السلام) : « إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء » (1). والمناقشة فيه : بأنه من تعليق العموم - لو سلمت - لم تقدح في الاستدلال به على المقام ، لأن الكلام فيه بعد الفراغ عن انفعال الماء بتلك النجاسة. ويكفي في إثبات الانفعال حينئذ الإطلاق الاحوالي. على أنك عرفت في مبحث انفعال القليل ضعف المناقشة المذكورة ، لوجود القرائن في نصوص المفهوم المذكور على ثبوت العموم الأفرادي له.

أما ما ذكره شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في طهارته ، من تقريب العموم : بأن السلب الكلي لما كان منحلا الى السلب عن كل واحد من الافراد ، فإذا كان مفاد الشرطية كون الشرط علة منحصرة ، رجع ذلك الى علية الشرط بالإضافة الى كل واحد من الافراد ، ولازمه انتفاء الحكم عن كل واحد منها عند انتفاء الشرط. نعم لو استفيد من المنطوق كون الشرط علة للحكم العام بوصف العموم. وبعبارة أخرى : علة لعموم الحكم - كان المنفي في المفهوم هو ذلك الحكم بوصف العموم ، فيكفي ثبوته لبعض الافراد. لكن العموم في السالبة الكلية ليس من قيود السلب ولا من قيود المسلوب


1) راجع الوسائل باب 9 من أبواب الماء المطلق.


انتهى. [ فيشكل ] : بأن ذلك خلاف ما ذكروه في محله ، من أن نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية ، وأن مفهوم القضية الشرطية قضية شرطية شرطها نقيض الشرط وجزاؤها نقيض الجزاء. إذ - على هذا - يكون مفهوم قولنا : « إذا بلغ الماء كراً لم ينجسه شي‌ء » إذا لم يبلغ كراً ينجسه بعض الشي‌ء. وما ذكره [قدس سره] يبتني على تحليل القضية إلى قضايا شرطية متعددة بتعدد أفراد الشي‌ء ، وهو غير واضح.

ومثله في الاشكال ما ذكره - ثانيا - بعد تسليم عدم دلالة المفهوم بمقتضى نفس التركيب على العموم ، وحاصله : أن المراد من الشي‌ء في الجزاء ليس كل شي‌ء بل خصوص ما كان مقتضيا للتنجيس ، فاذ فرض أن الشي‌ء مقتضيا للتنجيس وأن الكرية مانعة ، لزم عند انتفاء الكرية المانعة ثبوت الحكم المنفي لكل فرد من الشي‌ء باقتضائه السليم من منع المانع. [ وجه الاشكال ] : أنه إذا سلمنا كون الجزاء سالبة كلية ، فمفاد القضية الشرطية ليس إلا انحصار علية السلب الكلي بالكريه فإذا انتفت انتفى ، وقد عرفت أنه لا ملازمة بين انتفاء السلب الكلي والإيجاب الكلي ، بل اللازم له هو الإيجاب الجزئي لا غير. فإذاً العمدة في إثبات العموم الأفرادي القرائن الخاصة التي اشتملت عليها النصوص كما أشرنا إليه آنفا (1). وقد عرفت أن استفادة نجاسة ماء الغسالة لا يتوقف عليه ، بل على العموم الاحوالي ، ولما لم يتعرض الشارع لكيفية التنجيس فلا بد أن يكون ذلك اتكالا منه على ما عند العرف ، ولا ريب أنهم لا يفرقون في تنجيس النجاسات بين الوارد والمورود ، وبين ما يكون مستعملا في مقام التطهير وبشرائطه وبين غيره ، فيكون مقتضى الإطلاق ذلك أيضا.

ومما يدل على النجاسة رواية العيص بن القاسم المروية في الخلاف والمعتبر والمنتهى والذكرى : « سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت .


1) في أوائل فصل الماء الراكد.


فيه وضوء. فقال (عليه السلام) : إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه ، وان كان من وضوء الصلاة فلا بأس » (1). وحملها على الطشت الذي يكون فيه عين البول والقذر خلاف الإطلاق. كما أن الطعن في السند من جهة عدم كونها مروية في كتب الحديث ، وانما رويت في كتب الفقهاء المذكورة مرسلة عن العيص من دون ذكر طريقهم اليه ، بل قيل : « من المقطوع به أن رواية المنتهى إنما كانت تبعا للخلاف » مع أن الرواية مضمرة. مندفع : بأن الظاهر من نسبة الرواية إلى العيص وجدانها في كتابه - كما ذكره شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] وغيره - وطريق الشيخ اليه حسن ، كما يظهر من الفهرست. وأما الإضمار فغير قادح ، فإنه ناشئ من تقطيع الاخبار وتبويبها ، وإلا فليس من شأن العيص أن يودع في كتابه الموضوع للرواية عن المعصوم (عليه السلام) رواية عن غيره ، ولا من شأن الشيخ [رحمه اللّه] ذلك أيضاً. نعم ظهور رواية الشيخ وغيره في وجدانها في كتابه ليس على نحو يحصل الوثوق به ، لتدخل الرواية في موضوع الحجية. وكأنه لذلك رماها في المعتبر بالضعف ، وفي الذكرى بالقطع ، لاحتمال أن يكون الشيخ رواها من غير كتابه.

وقد يستدل أيضاً بموثق عمار (2)الوارد في الكوز والإناء يكون قذراً كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ وأنه يغسل ثلاث مرات في كل مرة يصب فيه الماء ، فيحرك فيه ، ثمَّ يفرغ منه. ويشكل : بأن من الجائز أن يكون إفراغه لاعتبار انفصال ماء الغسالة في التطهير في جميع الغسلات لا لأجل النجاسة. ومن الغريب استدلال المحقق في المعتبر على النجاسة .


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف حديث : 14. ولم يذكرها بتمامها ، وكذا في المعتبر والذكرى. نعم رواها بتمامها في الخلاف مع اختلاف في الألفاظ في مسألة : 135.

2) الوسائل باب : 53 من أبواب النجاسات حديث : 1.


بخبر ابن سنان المتقدم في المستعمل في رفع الأكبر ، فإن عدم جواز الوضوء به لا يدل على النجاسة بوجه. ومما ذكرنا تعرف أن العمدة في القول بالنجاسة الإطلاق الاحوالي لعموم انفعال الماء القليل.

والظاهر أنه لا إشكال في وجوب العمل به في الغسلة المزيلة ، بل في السرائر والمنتهى دعوى الإجماع عليه ، ولعله ظاهر المعتبر أيضاً. أما في غيرها من الغسلات فقد يشكل العمل به فيها ، بدعوى انصرافه الى النجاسات العينية ، كما تقدم في مبحث انفعال القليل. وما تقدم من النصوص الدالة على تنجسه بالمتنجس فإنما هو في موارد خاصة ليس منها المقام. فيكون المتعين الرجوع الى الأصل المقتضي للطهارة. وكأنه لاحتمال هذا الانصراف قال المصنف [رحمه اللّه] : « وفي الغسلة غير المزيلة الأحوط الاجتناب ».

بل قد يستدل على الطهارة فيها : بأن البناء على النجاسة يستلزم تخصيص ما دل على عدم مطهرية النجس ، وليس هو أولى من تخصيص ما دل على انفعال القليل ، وحيث لا مرجح يسقطان معا ويرجع الى استصحاب الطهارة. وقد يرد بمنع هذه القاعدة ، والمتيقن منها عدم مطهرية النجس قبل الاستعمال ، لا ما صار نجساً به ، لأن النجاسة بالاستعمال من اللوازم التي يكون اشتراط عدمها موجبا لتعذر التطهير بالقليل. بل يمكن منع كون المتيقن ذلك ، لأن الماء يرد على بعض الموضع النجس ثمَّ يسري منه الى الباقي منه ، فيكون تطهيره للباقي بعد انفعاله بملاقاة الأول ، فيلزم مطهرية النجس قبل الاستعمال. بل يمكن أن يقال : إنه يلزم من القول بالنجاسة تخصيص ما دل على تنجيس المتنجس ، فان الماء يسري من المحل النجس الى المحل الطاهر المتصل به ، فاما أن ينجسه فيلزم سراية النجاسة إلى تمام الجسم المتنجس بعضه ، أو لا فيلزم لمحذور من تخصيص قاعدة تنجيس المتنجس.

بل يلزم من القول بالنجاسة في الغسلة الأخيرة تخصيص قاعدة ثالثة ،


وهي [ إما ] اختلاف حكم الماء الواحد لو كان المتخلف طاهراً قبل انفصال ما ينفصل ، لأن الماء الوارد على المحل واحد بعضه نجس وهو المنفصل ، وبعضه طاهر وهو المتخلف. [ وإما ] طهارة الماء بدون مطهر لو كان المتخلف يطهر بعد انفصال المنفصل. [ ودعوى ] : أنه يطهر بالتبعية [ فيها ] - مع أن التبعية ليست من المطهرات - أنها ممنوعة ، لأن المحل يطهر بمجرد انفصال الماء عنه. والمتخلف يطهر بعد انفصال الماء عن العضو وان تأخر عن الانفصال عن المحل. مثلا إذا تنجس أعلى الكف فصب عليه الماء ، وجرى عليه حتى انفصل من أطراف الأصابع ، فهذا الانفصال من أعلى الكف متقدم على الانفصال من أطراف الأصابع ، وطهارة المحل مقارنة للأول وطهارة المتخلف مقارنة للثاني.

وعلى هذا نقول : يلزم في المقام إما تخصيص قاعدة انفعال القليل ، أو تخصيص هذه القواعد الثلاث كلها ، ولا ريب أن تخصيص واحدة أولى من تخصيص جملة. ولا سيما مع ورود التخصيص على الواحدة بمثل ماء الاستنجاء ، وماء المطر ، وذي المادة ، ولم يثبت تخصيص غيرها. لا أقل من التساقط والرجوع الى استصحاب الطهارة.

ولكن قد عرفت الإشكال في هذه المعارضة ، من جهة أن القواعد المذكورة - غير قاعدة انفعال القليل - مما يعلم إجمالا بسقوطها عن الحجية ، إما للتخصيص أو للتخصص ، بخلاف قاعدة انفعال القليل ، فإنها يشك في تخصيصها فيرجع فيها إلى أصالة عدم التخصيص بلا معارض. واستبعاد تخصيص هذه القواعد غير ظاهر ، إذ هو الموافق للمرتكزات العرفية في القذارات العرفية ، فإن بناءهم على استقذار الماء وان لزم فيه المحاذير المذكورة. ثمَّ إن هذه المعارضة على تقدير تماميتها ، فإنما تقتضي الطهارة في غير الغسلة المزيلة ، أما هي فيمكن الالتزام بالعمل بجميع القواعد فيها بلا تخصيص.


هذا وربما يستدل للطهارة بالتعليل المتقدم في ماء الاستنجاء (1). وفيه - مع ما عرفت من ضعف سند الرواية - : أن الأخذ بظاهر التعليل يستوجب البناء على عدم انفعال الماء القليل. والكلام في المقام بعد البناء على انفعاله اللازم للبناء على إجمال التعليل ، والاقتصار به على مورده.

وقد يستدل أيضاً بخبر عمر بن يزيد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة ، فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض ، فقال (عليه السلام) : لا بأس به » (2). وفيه - مع ضعف السند ، واحتمال كون السؤال من جهة احتمال إصابة القطرة الموضع الذي أصابه البول ، لا صورة العلم بذلك. وظهور السؤال في نجاسة ماء الغسل من الجنابة ، وحمله على ما يستعمل في تطهير القبل من المني يستوجب البناء على نجاسة ماء الغسالة - : أنه مختص بالقطرة غير المستقرة مع النجاسة ، وكونها مما نحن فيه غير معلوم. مع أن التعدي إلى غيرها غير ظاهر.

وقد يستدل بما ورد من تطهير النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) المسجد من بول الأعرابي بإلقاء ذنوب من الماء (3). وفيه : أنها رواية أبي هريرة لا يعول عليها. مع أنها في واقعة مجملة.

وبما ورد في صحيح ابن مسلم (4)من غسل الثوب في المركن مرتين. وفيه : أنه لا تعرض فيه للطهارة. نعم بناء على نجاسة الغسالة لا بد من الالتزام بعدم نجاسة الثوب بالماء المغسول به ، وقد عرفت أنه لا ضير في الالتزام به. .


1) تقدم في رواية العلل هناك ، وهو التعليل بأن الماء أكثر من القذر.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف حديث : 7.

3) مستدرك الوسائل باب : 52 من أبواب النجاسات حديث : 4.

4) الوسائل باب: 2 من أبواب النجاسات حديث: 1.


وبما ورد في صحيح الأحول : « قلت له : أستنجي ثمَّ يقع ثوبي فيه وأنا جنب. فقال (عليه السلام) : لا بأس به » (1)بناء على ظهوره في الاستنجاء من المني ، أو أنه محتمل لذلك ، فيكون ترك الاستفصال دليلا على العموم. وفيه : أن ظاهر الرواية الاستنجاء من البول والغائط في حال الحدث ، ومن المحتمل أن يكون السائل توهم دخل خصوصية الحدث الخاص في اختلاف حكم الاستنجاء. مع أنه لو سلم ما ذكر فغاية ما تدل عليه إلحاق الاستنجاء من المني بالاستنجاء من البول ، لا طهارة ماء الغسالة كلية.

وبمنع شمول الإطلاق الاحوالي للغسلة المطهرة ، لأن الماء فيها مزيل للنجاسة وغالب عليها ، فلا يكون مغلوبا. وفيه : أن ذلك خلاف الارتكاز العرفي ، فإن المرتكز عند العرف أن الماء المزيل للقذارة كأنه يحمل القذارة وينقلها الى نفسه فلاحظ.

ومما ذكرنا تعرف الإشكال في استدلال السيد [رحمه اللّه] على عدم انفعال الماء الوارد : بأن البناء على نجاسته يؤدي الى انحصار التطهير بالكر ، الراجع الى اعتبار طهارة ماء التطهير حتى بعد التطهير. إذ فيه : أنه لا دليل على ذلك عقلا ولا عرفا ، وعموم انفعال الماء القليل قاض بخلافه.

والمحصل : من جميع ما ذكرنا : أن الأدلة المستدل بها على النجاسة مخدوشة ، عدا عموم انفعال القليل. والأدلة المستدل بها على الطهارة التي يخرج بها عن عموم الانفعال أيضاً غير سالمة عن الاشكال. والمناقشة في العموم الأفرادي قد عرفت ضعفها ، كالمناقشة في العموم الاحوالي. نعم احتمال انصراف الشي‌ء في روايات الكر إلى نجس العين قريب. لكنه خلاف إطلاق الشي‌ء. فالعمل على الإطلاق متعين. ومن هنا يظهر أن القول بالنجاسة في جميع الغسلات أقرب إلى ظاهر الأدلة الشرعية والأذواق


1) الوسائل باب : 13 من أبواب الماء المضاف حديث : 4.

[ مسألة 1 ] : لا إشكال في القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل [1] ولو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الأكبر.


العرفية. وهو سبحانه ولي التوفيق.

[1] كما نص عليه جماعة. وعن ظاهر المنتهى جريان الخلاف فيها.

ولكنه غير واضح ، للنصوص للكثيرة النافية للبأس فيه ، مثل صحيح الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء في الإناء. فقال (عليه السلام) : لا بأس ، ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) » (1)ونحوه غيره (2)والظاهر منه السؤال عن جواز الاغتسال مما في الإناء لا خصوص الطهارة. ولا سيما مع وضوح طهارة ماء الغسل ، ومع عدم التنبيه على عدم جواز الاغتسال به مع كون الغالب في التقاطر كونه في أول الأمر. ومن ذلك يظهر ضعف المناقشة في دلالة النصوص ، من جهة احتمال كون الجهة المسؤول عنها الطهارة. نعم لا يبعد هذا الاحتمال في بعض نصوص الباب ، كرواية عمر بن يزيد المتقدمة في ماء الغسالة.

ثمَّ إن مقتضى الجمود على مورد النصوص عدم التعدي الى غير القطرات من إجزاء ماء الغسل. اللّهم إلا أن يدعى قصور الإطلاق المانع عن شموله فإن الأجزاء اليسيرة المنبثة في الماء لا يصدق الوضوء بها ، كما ذكره شيخنا الأعظم [رحمه اللّه]. بل احتمل [قدس سره] الجواز مع تساويهما في المقدار. بدعوى ظهور دليل المنع في انحصار الغسل به. ولكنه يشكل بمنع ذلك ، كما يظهر من ملاحظة نظائره من الأحكام ، فإنها شاملة لصورة الامتزاج جزما ، بل لا فرق فيها بين اليسير والكثير ، إذ لا اضمحلال للجزء اليسير ، ولا استهلاك مع وحدة الجنس فكيف لا يشمله الإطلاق؟!. ولا سيما بملاحظة ما في


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 5.

2) راجع الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل.

[ مسألة 2 ] : يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أمور :

الأول : عدم تغيره في أحد الأوصاف الثلاثة [1].

الثاني : عدم وصول نجاسة إليه من خارج [2].

الثالث : عدم التعدي الفاحش على وجه لا يصدق معه الاستنجاء [3].

الرابع : أن لا يخرج مع البول أو الغائط نجاسة أخرى مثل الدم [4]. نعم الدم الذي يعد جزءاً من البول أو الغائط لا بأس به [5].


الصحيح السابق من تمسك الامام (عليه السلام) بآية نفي الحرج ، الظاهر في وجود مقتضي المنع في القطرات كغيرها.

[1] بلا خلاف ظاهر ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، ومنهم شيخنا الأعظم. ويقتضيه ما دل على نجاسة المتغير ، ولا تصلح لمعارضته نصوص المقام ، لقرب انصرافها إلى حيثية الملاقاة لا مطلقاً. ولو سلم إطلاقها فلا أقل من كون التصرف فيها بالحمل على ذلك أسهل من التصرف في عموم نجاسة المتغير. بل التعليل كالتصريح في الاختصاص بغير المتغير. لكن عرفت الإشكال في سنده.

[2] لإهمال نصوص الطهارة بالإضافة الى ذلك ، فيتعين الرجوع الى عموم الانفعال.

[3] فلا يدخل في نصوص الباب ، بل في عموم الانفعال.

[4] كدم البواسير. لما سبق من إهمال نصوص الباب بالإضافة الى هذه الجهة ، فيتعين الرجوع الى عموم الانفعال.

[5] في خارجية الفرض إشكال ، إذ البول والغائط مغايران مفهوما

الخامس : أن لا يكون فيه الاجزاء من الغائط بحيث يتميز [1]. أما إذا كان معه دود أو جزء غير منهضم من الغذاء ، أو شي‌ء آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به [2].

[ مسألة 3 ] : لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد [3] وان كان أحوط.

[ مسألة 4 ] : إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء ، ثمَّ أعرض ، ثمَّ عاد لا بأس ، إلا إذا عاد بعد مدة ينتفي معها


للدم ، فاذا خرج مع أحدهما ، فإن كان مستهلكا فلا موضوع له ، وان لم يكن مستهلكا امتنع أن يكون جزءاً ، بل يكون ممازجا لأحدهما ، وملاقاته موجبة لنجاسة ماء الاستنجاء ، على ما عرفت.

[1] إذ لو كانت فيه فهي بمنزلة النجاسة الخارجية في إهمال النصوص بالإضافة إليها ، لكونها متعرضة لحكم الماء من حيث الملاقاة في المحل لا غير ، فلا تشمل الملاقاة في خارجه ، والمرجع حينئذ عموم الانفعال.

[2] كما نص عليه بعض. وفي الجواهر قوى النجاسة بعد أن ذكر أن فيه وجهين ، وجزم بها شيخنا الأعظم ، لأن المتنجس كالنجس الأجنبي الذي عرفت نجاسة الماء به ، لقصور أدلة الطهارة عن شموله. لكنه يشكل : بأن غلبة وجود ذلك مع كونه مغفولا عنه ، لكون نجاسته بالتبع ، وعدم التنبيه على حكمه في النصوص ، يوجب ظهورها في عموم الحكم. نعم لو لاقاه بعد الانفصال عن المحل لم يبعد الحكم بالنجاسة ، لقصور النصوص عن شمول ذلك.

[3] لجريان العادة بسبق كل منهما ، فترك الاستفصال يقتضي المساواة في الحكم.

صدق التنجس بالاستنجاء [1] ، فينتفي حينئذ حكمه.

[ مسألة 5 ] : لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الاولى والثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد [2].

[ مسألة 6 ] : إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي ، ومع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات [3] في وجوب الاحتياط من غسالته [4].

[ مسألة 7 ] : إذا شك في ماء أنه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة [5] ، وان كان الأحوط الاجتناب.


[1] فإنه موضوع نصوص الطهارة ، فإذا انتفى انتفى حكمة.

[2] للإطلاق.

[3] لانصراف الأدلة عنه ، فيرجع فيه الى عموم الانفعال. إلا أن يقال إن كان الموجب للانصراف الغلبة ، فمع أن المحقق في محله أن الانصراف للغلبة بدوي لا يعتد به ، أن لازمه النجاسة في غير الطبيعي ولو مع الاعتياد ، وإن كان مجرد عدم الاعتياد مع قطع النظر عن الغلبة فغير ظاهر. فالأولى أن يقال : إن الاستنجاء يختص بغسل الموضع المعد لخروج النجو كان الاعداد أصليا أو عرضيا ، فلو كان الموضع معدا لذلك كان غسله استنجاء سواء اكان متكرراً خروجه ليكون عاديا أم لا ، وإذا كان خروجه بلا اعداد بل بمحض الاتفاق ، لم يكن غسله استنجاء.

[4] يعني : غير المزيلة.

[5] لاستصحاب الطهارة. اللّهم إلا أن يبنى على الرجوع الى العام في الشبهة المصداقية. فيرجع حينئذ إلى عموم الانفعال. لكنه خلاف

[ مسألة 8 ] : إذا اغتسل في الكر كخزانة الحمام - أو استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الحدث الأكبر [1].


التحقيق. أو على أن مقتضى الجمع بين العام والخاص كون موضوع حكم العام الفرد الذي ليس بخاص ، فيكون موضوع الانفعال في المقام الماء الملاقي للنجاسة وليس ماء الاستنجاء ، ولما كان مقتضى الأصل عدم كون الماء مستعملا في الاستنجاء مع العلم بملاقاته للنجاسة ، فقد أحرز موضوع الانفعال ، بعضه بالوجدان وبعضه بالأصل. وليس هذا الأصل من قبيل الأصل الجاري في العدم الأزلي ، لأن عدم الاستعمال في الاستنجاء عدم في حال وجود الماء - كما لا يخفى - فلا إشكال في صحة استصحابه. أو يبنى على أن إناطة الرخصة بالأمر الوجودي يقتضي البناء على عدمها عند الشك في ثبوته. لكن عرفت الإشكال في هذه القاعدة.

[1] قال في الحدائق : « يظهر الاختصاص بالقليل من كلمات جمع » وفي الجواهر : « الظاهر أن النزاع مخصوص في المستعمل إذا كان قليلا ، أما لو كان كثيراً فلا ». وفي طهارة شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] : « لا ينبغي الإشكال في الجواز في الماء الكثير وان قلنا بالمنع في غيره ، لاختصاص دليل المنع بما يغتسل به لا فيه. قال في المعتبر : ولو منع هنا لمنع ولو اغتسل في البحر ».

أقول : الباء في قوله (عليه السلام) في رواية ابن سنان : « يغتسل به الرجل من الجنابة » (1)باء الاستعانة ، وهي كما تصدق في القليل تصدق في الكثير ولو بني على انصرافها الى ما يصب على المحل لزم دخول الكثير إذا كان الاغتسال به بنحو الصب ، وخروج القليل الذي يرتمس فيه الجنب ، ولم يقل به أحد ، وان اختلفوا في صدق الاستعمال بمجرد النية مطلقاً ، أو يتوقف على الخروج من الماء كذلك ، أو يفصل بين نفسه وغيره على


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف حديث : 13.

أو غسالة الاستنجاء [1] أو الخبث.

[ مسألة 9 ] : إذا شك في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط يبني على العدم [2].


أقول. فراجع. فالعمدة إذاً في خروج الكثير - مضافا الى الإجماع - صحيح صفوان الجمال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكة والمدينة تردها السباع ، وتلغ فيها الكلاب ، وتشرب منها الحمير ، ويغتسل فيها الجنب ، ويتوضأ منه. قال (عليه السلام) : وكم قدر الماء؟ قال : إلى نصف الساق وإلى الركبة. فقال : توضأ منه » (1). وصحيح محمد ابن إسماعيل الوارد في الغدير الذي يستنجى فيه ، أو يغتسل فيه الجنب. فقال (عليه السلام) : « لا تتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة » (2)، بناء على الإجماع على عدم التفصيل في المنع بين الضرورة وغيرها. فيكون ذلك قرينة على الكراهة. وقد يستفاد أيضا مما ورد في الاغتسال في ماء الحمام.

[1] لأن العمدة في المنع عن طهوريته الإجماع ، وهو مفقود في الكثير وأما خبر ابن سنان ، فقد تقدمت الإشارة إلى الإشكال في الاستدلال به على ذلك ، بناء على طهارة ماء الاستنجاء ونجاسة الغسالة. ولو فرض ظهوره في مطلق ما يلاقي النجاسة وجب الخروج عنه بما ورد من جواز الوضوء من الماء الكثير الذي تكون فيه العذرة ، أو البول ، أو الجيفة ، أو تلغ فيه الكلاب ، أو نحو ذلك (3). ومنه يظهر أيضاً عدم جريان حكم الغسالة على الكثير المغسول به الخبث. فلاحظ.

[2] لاستصحاب العدم.


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 12.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 15.

3) راجع الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق.

[ مسألة 10 ] : سلب الطهارة والطهورية عن الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر أو الخبث استنجاء أو غيره ، إنما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد ، كخزانة الحمام ونحوها [1].

[ مسألة 11 ] : المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر [2] ، فلو أخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة. وكذا ما يبقى في الإناء بعد إهراق ماء غسالته.

[ مسألة 12 ] : تطهر اليد تبعا بعد التطهير ، فلا حاجة إلى غسلها. وكذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب ونحوه.

[ مسألة 13 ] : لو أجرى الماء على المحل النجس زائداً على مقدار يكفي في طهارته ، فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر [3] ، وان عد تمامه غسلة واحدة ولو كان بمقدار ساعة. ولكن مراعاة الاحتياط أولى.

[ مسألة 14 ] : غسالة ما يحتاج الى تعدد الغسل كالبول - مثلا - إذا لاقت شيئاً لا يعتبر فيها التعدد [4] ، وان كان أحوط.


[1] مضمون هذه المسألة متحد مع مضمون المسألة الثامنة.

[2] يأتي الكلام في هذه المسألة ولاحقتها في مبحث الطهارة بالتبعية في مبحث المطهرات.

[3] لأن ظاهر الدليل كون الغسل المطهر بنحو صرف الوجود الصادق على الحدوث ، فاذا تحقق طهر المحل ، فما يلاقيه من الماء المنصب طاهر ، لعدم ملاقاته للنجس.

[4] قد اختلفوا في ملاقي الغسالة بناء على نجاستها ، وأنه كالمحل بعدها

[ مسألة 15 ] : غسالة الغسلة الاحتياطية استحبابا يستحب الاجتناب عنها [1].


أو كالمحل قبلها ، أو كالمحل قبل الغسل. وقد ذكروا وجوهاً لا تخلو من تأمل ، لكونها مبنية على ظن وتخمين. وينبغي أن يكون مبنى هذا الخلاف وجود إطلاق يرجع اليه وعدمه ، فعلى الأول يكتفى في تطهير الملاقي بالمرة ولو كانت من الغسلة الأولى فيما يجب فيه التعدد. وعلى الثاني يجب التعدد للاستصحاب حتى إذا كانت مما لا يجب فيه التعدد ، أو كانت من الغسلة الأخيرة. هذا ، ولا يحضرني إطلاق في خصوص ملاقي الغسالة يرجع اليه عدا رواية العيص المتقدمة (1)، وقد عرفت الإشكال في سندها. نعم يأتي في مبحث المطهرات - إن شاء اللّه تعالى - تقريب إطلاق مطهرية الماء من مثل النبوي : « خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء » وأنه كما يرجع إلى العرف في كيفية التنجيس يرجع إليهم في كيفية التطهير. ومن المعلوم أن الكيفية عند العرف هي الغسل مرة ، ومقتضى ذلك الاكتفاء بالمرة في التطهير ما لم يقم دليل على التعدد ، كما في البول والأواني بناء على وجوب التعدد فيها. وسيأتي - إن شاء اللّه - ما له نفع في المقام.

[1] لاشتراك المناط ، وهو احتمال النجاسة مع كون الحجة على خلافه. .


1) تقدمت في حكم ماء الغسالة.

فصل

الماء المشكوك نجاسته طاهر [1] إلا مع العلم بنجاسته سابقاً [2]. والمشكوك إطلاقه لا يجري عليه حكم المطلق [3] ، إلا مع سبق إطلاقه [4]. والمشكوك إباحته محكوم بالإباحة [5]


فصل في الماء المشكوك

[1] لقاعدة الطهارة الجارية في كل ما يحتمل أنه طاهر ، المستفادة من موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث - قال (عليه السلام) : « كل شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فاذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك » (1). وللقاعدة الجارية في خصوص الماء المشكوك ، التي يدل عليها ما رواه حماد بن عثمان عنه (عليه السلام) : « الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر » (2).

[2] لاستصحاب النجاسة المقدم على قاعدة الطهارة ، كما حقق في الأصول.

[3] إذ لا قاعدة تقتضي ذلك. فلا بد من الرجوع الى الأصول الجارية في أحكامهما ، والعمل بما يقتضيه الأصل في كل منهما.

[4] فحينئذ يستصحب إطلاقه ، كسائر العوارض المشكوكة الارتفاع فيجري عليه حكم المطلق.

[5] لقاعدة الإباحة المستفادة من خبري مسعدة بن صدقة ، وعبد اللّه


1) الوسائل باب : 37 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.


ابن سنان (1). نعم روى في الوسائل - في باب وجوب إيصاله حصة الإمام من الخمس اليه - عن الكافي عن محمد بن الحسن ، وعلى بن محمد جميعا عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن المثنى ، عن محمد بن زيد الطبري : « كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله الاذن في الخمس. فكتب (عليه السلام) : ( بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) إن اللّه واسع كريم ، ضمن على العمل الثواب ، وعلى الضيق الهم. لا يحل مال إلا من وجه أحله اللّه ... » (2)ومقتضاه أصالة الحرمة في الأموال إلا مع العلم بوجود السبب المحلل ، لأنه مع الشك في السبب المحلل يرجع الى أصالة عدمه. والأمر في سهل سهل. لكن أحمد بن المثنى مهمل ومحمد بن زيد الطبري مجهول. ولأجل ذلك يشكل الاعتماد على الخبر ، والخروج به عن قاعدة الحل.

وما اشتهر من أصالة الحرمة في الأموال لا يصلح جابراً له ، لعدم ثبوته بنحو الكلية الشاملة لما لم يكن أصل موضوعي يقتضي الحرمة ، من استصحاب ملكية الغير ، أو عدم إذن المالك في التصرف ، أو نحو ذلك ، كما لو شك في ثمر أنه ثمر شجرة أو ثمر شجر غيره ، أو في ماء : أنه ماؤه المتولد في بئره ، أو المتولد في بئر غيره ، أو في حيوان : أنه متولد من حيوانه ، أو من حيوان غيره ، فان مقتضى أصالة الحل الحل في مثل ذلك ، ولم يثبت ما يوجب الخروج عنها.

ثمَّ إنه لو بني على العمل بالخبر المذكور فذلك إذا لم يكن سابقاً من المباحات الأصلية وقد احتمل بقاؤه عليها ، وإلا جرى استصحاب عدم ملك غيره له ، المقتضي لحليته بالحيازة. وكذا لو كان مملوكا سابقاً لغير محترم المال واحتمل بقاؤه على ذلك ، فإنه يجري فيه استصحاب ملكيته ،


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4 ، 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام حديث : 2.

الا مع سبق ملكية الغير [1] ، أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له [2].

[ مسألة 1 ] : إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور - كإناء في عشرة - يجب الاجتناب عن الجميع [3] ، وان اشتبه في غير المحصور - كواحد في ألف مثلا [4] - لا يجب الاجتناب عن شي‌ء منه.


السابقة ، فيجوز تملكه والتصرف فيه بأي نحو.

[1] فتستصحب الملكية ، ولا يحل إلا بطيب نفس المالك ، ولو شك فالأصل عدمه ، كما عرفت.

[2] فتكون اليد حجة على الملكية ، فيجري عليه حكم معلوم ملكية الغير.

[3] للعلم الإجمالي الذي تحقق في محله أنه حجة كالعلم التفصيلي.

[4] الضابط في الفرق بين المحصور وغير المحصور يختلف باختلاف الوجه في عدم حجية العلم الإجمالي إذا كانت أطرافه غير محصورة. [ ولأجل ] أن المحقق في محله عدم الفرق في حجية العلم المردد متعلقه بين الكثير والقليل من حيث هما ، وأن العبرة في سقوط العلم عن الحجية في الكثير وجود بعض الموانع عن تأثيره ، ولو كان بين أفراد قليلة ، من لزوم الحرج أو الضرر من الاحتياط ، أو خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء [ يكون ] المدار في كون الشبهة غير محصورة كونها بالغة في الكثرة حداً يكون فيه أحد الموانع المذكورة. وان كان الأظهر اختصاصها عند الأصحاب بالكثرة مع خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء ، وان اشتركت بقية الموانع معه في الحكم. فراجع كلماتهم.

وبعض الأعاظم جعل ضابط غير المحصور أن تبلغ الأطراف حداً من

[ مسألة 2 ] : لو اشتبه مضاف في محصور يجوز أن يكرر الوضوء أو الغسل إلى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه فاذا كانا اثنين يتوضأ بهما ، وان كانت ثلاثة أو أزيد يكفي التوضؤ باثنين إذا كان المضاف واحداً ، وان كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل ، وان كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. والمعيار أن يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد. وان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها ، كما إذا كان المضاف واحداً في ألف. والمعيار أن لا يعد العلم الإجمالي علما ، ويجعل المضاف المشتبه بحكم العدم [1] فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية أيضاً. ولكن الاحتياط أولى.


الكثرة لا يتمكن المكلف عادة من جميعها وان تمكن من كل واحد على البدل. وفيه - مع أنه خلاف المصطلح عليه ظاهراً - : أن الترخيص في مثل ذلك لا يخلو من خفاء ، فان العجز عن المخالفة القطعية لا يوجب سقوط العلم بالتكليف عن المنجزية عند العقلاء. كيف؟! والاضطرار إلى المخالفة الاحتمالية - مع كونه منافيا لمقتضى العلم - لا يوجب سقوط العلم عن المنجزية كما لو اضطر الى ارتكاب أحد أطراف الشبهة ، فأولى أن لا يوجب العجز عن المخالفة القطعية ذلك ، لعدم منافاته لمقتضى العلم. فمن علم بغصبية أحد المكانين في زمان قصير يجب عليه اجتنابهما معا ، وان لم يمكنه التصرف فيهما معا في ذلك الزمان. [ وبالجملة ] : العجز عن المخالفة القطعية لا ينافي مقتضى العلم ، فلا يمنع من منجزيته.

[1] كأنه لدعوى : أن كثرة الأطراف موجبة لبناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل واحد من الأطراف ،

[ مسألة 3 ] : إذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك إطلاقه وإضافته ، ولم يتيقن أنه كان في السابق مطلقاً ، يتيمم للصلاة [1] ونحوها. والاولى الجمع بين التيمم والوضوء به.


فكل طرف وان كان يحتمل كونه مضافاً ومطلقاً ، إلا أن العقلاء لا يعتنون باحتمال كونه مضافا فيجوز استعماله في كل ما يجوز استعمال المطلق فيه ، ومرجع ذلك إلى حجية الغلبة. إلا أنه شي‌ء لا أصل له ، ولا دليل عليه فالاحتياط في الفرض - عملا بقاعدة الاحتياط - متعين. فلو فرض إجماع على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة ، فإنما هو بالنظر إلى العلم الإجمالي بالتكليف المتعلق بالمشتبه بين الأطراف ، لا بالنظر إلى علم آخر ، كالعلم بوجوب الوضوء بالماء ، فان مقتضاه عقلا وجوب العلم بتحقق الوضوء بالماء ، ولا يكفي الشك في ذلك ، لأنه شك في الفراغ يجب فيه الاحتياط ، كما لو كانت الشبهة بدوية ليست مقرونة بعلم إجمالي.

[1] يعني : ولا يحتاج الى الوضوء ، فان التردد في المائع بين كونه ماء مطلقاً ومضافا وان كان يستلزم العلم الإجمالي بوجوب الوضوء أو التيمم إلا أن أصالة عدم وجدان الماء كافية في إثبات وجوب التيمم ، فينحل بذلك العلم الإجمالي.

فإن قلت : إذا كان وجدان الماء شرطا في وجوب الوضوء ، كما أن عدم الوجدان شرط في وجوب التيمم ، يتم ما ذكر ، لأن الأصل المذكور كما يثبت وجوب التيمم ، ينفي وجوب الوضوء. أما إذا كان وجوب الوضوء مطلقاً غير مشروط بالوجدان - كما هو الظاهر حسبما يأتي في محله تحقيقه - فأصالة عدم الوجدان وان اقتضت مشروعية التيمم وسقوط العلم الإجمالي ، الا أنه لما كان ملاك وجوب الوضوء مطلقا ، فالشك في الوجدان يوجب الشك في القدرة على امتثال وجوب الوضوء ، فيجب ، بناء على التحقيق من

[ مسألة 4 ] : إذا علم إجمالا أن هذا الماء إما نجس أو مضاف ، يجوز شربه [1] ، ولكن لا يجوز التوضؤ به [2]. وكذا إذا علم أنه إما مضاف أو مغصوب [3]. وإذا علم أنه إما نجس أو مغصوب ، فلا يجوز شربه أيضاً [4] كما لا يجوز التوضؤ به [5].


وجوب الاحتياط عند الشك في القدرة.

قلت : أصالة عدم الوجدان إذا جرت وثبتت مشروعية التيمم لا موجب للاحتياط ، لحصول الأمن من جهة العلم بمشروعية البدل ظاهرا ، فلا خوف كي يجب - عقلا وفطرة - تحصيل المؤمن ، وهو الاحتياط. نعم قد يشكل إطلاق الاكتفاء بالتيمم : بأن أصالة عدم الوجدان إنما تجري مع اليقين بفقد الماء قبل الابتلاء بالمشكوك ، فلو كان مسبوقا بوجود الماء المعلوم ، ثمَّ فقد ذلك ، لا مجال لجريانها. بل قد يقال بجريان استصحاب وجود الماء. وان كان ذلك خلاف التحقيق ، فإنه من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي ، والأصل الجاري فيه استصحاب العدم.

[1] لأصالة الطهارة.

[2] للعلم التفصيلي بفساده ، الناشئ من العلم الإجمالي بفوات الشرط اما الطهارة أو الإطلاق.

[3] يعني : يجوز شربه ، لأصالة الإباحة ، ولا يجوز الوضوء به ، إذ لا أصل يقتضي الإطلاق ، والشك فيه كاف في وجوب الاحتياط ، لقاعدة الاشتغال.

[4] للعلم بحرمته إما للنجاسة أو للغصبية.

[5] للعلم إجمالا إما بفساد الوضوء به على تقدير النجاسة ، أو بحرمة

والقول بأنه يجوز التوضؤ به ضعيف [1] جداً.


التصرف فيه على تقدير الغصبية ، وكل منهما أثر شرعي. وجواز الوضوء بالماء النجس تكليفاً - بمعنى : عدم ترتب العقاب عليه - لا ينافي كون الفساد أثراً شرعياً ، لأن مرجعة إلى بقاء الأمر بالوضوء ، فمرجع العلم الإجمالي المذكور الى العلم بالأمر بالوضوء بغيره ، أو بالنهي عن التصرف فيه ، وكلاهما شرعي ، فيكون العلم منجزاً للمعلوم ، ولا مجال للرجوع الى الأصل في الأطراف كأصالة الطهارة. ولذا نقول لا يجوز رفع الخبث به أيضاً - بمعنى : عدم الحكم بطهارة ما يغسل به ، بل مقتضى استصحاب النجاسة البناء على بقاء نجاسته.

نعم لا يبعد جواز التصرف فيه ، لأن فساد الوضوء به مقتضى الأصل كاستصحاب بقاء الأمر أو بقاء الحدث ، فينحل بذلك العلم الإجمالي - بناء على التحقيق من أن الأصل المثبت للتكليف في أحد الأطراف مانع من تنجيز العلم لمتعلقه - فيرجع في الطرف الآخر إلى أصالة البراءة ، بعد سقوط أصالة الحل وأصالة الطهارة بالمعارضة.

نعم لو كان مقتضى الأصل الحرمة - كما لو كان الشك في إذن المالك أو في بقائه على ملك المالك - لم يجز التصرف به لا بالوضوء ، ولا بالشرب ولا بغيرهما من أنواع التصرف. ولكن لو غسل به المتنجس يطهر ، لعدم المانع من جريان أصالة الطهارة فيه بعد انحلال العلم الإجمالي بالأصل المانع من التصرف ، لكونه مثبتاً للتكليف. ومن هنا تعرف اختلاف الحكم باختلاف الفرض. فلاحظ.

[1] لضعف وجهه ، وهو [ إما ] عدم منجزية العلم الإجمالي مع عدم اتحاد سنخ التكليف. لكن المحقق في محله خلافه. [ واما ] لأن فساد الوضوء لا يوجب حكما تكليفياً. وقد عرفت إشكاله. [ واما ] لأن عدم

[ مسألة 5 ] : لو أريق أحد الإناءين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبية لا يجوز التوضؤ بالآخر [1] وان


الغصبية ليست من الشرائط الواقعية لصحة الوضوء ، وإنما هو شرط علمي فالعلم الإجمالي به لا أثر له. [ وفيه ] : أنه كذلك ، إلا أنه بالنسبة إلى حرمة التصرف شرط واقعي ، كما يقتضيه قولهم (عليهم السلام) : « لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة نفسه » (1)وقولهم (عليهم السلام) : « لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه » (2)فيكون طرف المعلوم بالإجمال.

[1] لأنه لا يخرج عن كونه طرفا للمعلوم بالإجمال المنجز بالعلم الإجمالي الحاصل بين التدريجيين ، وهما الباقي بعد الإراقة ، - والمراق قبل الإراقة. نظير وجوب صوم أحد اليومين. فإنه بعد انتهاء اليوم الأول لا مجال للرجوع الى الأصل في اليوم الثاني ، لأن العلم الإجمالي حين حدوثه لما كان متعلقاً بالتكليف نجزه ، وهذا التنجز باق ببقاء العلم ، فاذا انقلب شكا - كما في موارد الشك الساري - بطل التنجز ، وإذا بقي على حاله بقي التنجز بحاله ، وبعد إراقة أحد الأطراف فالطرف الآخر وان لم يعلم بتعلق التكليف به ، لكن يحتمل كونه موضوعا للتكليف المنجز ، فيجب الاحتياط فيه ، كما يجب الاحتياط فيه قبل اراقة صاحبه ، لاطراد المناط في الحالين.

هذا على التحقيق من أن العلم الإجمالي مانع من جريان الأصول في .


1) هذا النص لم نعثر عليه في كتب الحديث وان اشتهر في كتب الفقهاء. نعم في الوسائل باب : 3 من أبواب مكان المصلي حديث : 1 « لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه » وحديث : 4 : « ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ».

2) هذا النص - كسابقه - لم نعثر عليه في كتب الحديث. نعم في الوسائل في التوقيع المروي عن الحجة (عليه السلام) - باب : 3 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام من كتاب الخمس حديث : 6 - : « ... فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه ».

زال العلم الإجمالي [1]. ولو أريق أحد المشتبهين من حيث الإضافة لا يكفي الوضوء بالآخر [2] ،


كل واحد من الأطراف مع قطع النظر عن معارضتها بحيث لو فرض عدم المعارضة لم تجر أيضا ، للزوم التناقض ونقض الغرض. أما بناء على أن المانع هو المعارضة فيشكل وجوب الاجتناب عن الباقي ، لعدم المعارضة بعد الإراقة ، والمعارضة قبلها لا توجب سقوط الأصل في الفرد الباقي إلى الأبد ، إذ لا دليل عليه ، بل هو خلاف إطلاق أدلتها. ولعل ملاحظة المرتكز العقلائي في مثل هذا المورد من وجوب الاحتياط ، وعدم جواز الرجوع الى الأصل ، مما يدل على ضعف المبنى المذكور. وتحقيق المقام في الأصول.

[1] لا يخفى أن العلم لم يزل باقيا ، ولو زال لم يجب الاحتياط في الباقي ، لارتفاع المنجز للمعلوم بالإجمال المحتمل الانطباق على الباقي ، فلا يحتمل كون الباقي مورداً للتكليف المنجز ، كي يجب فيه الاحتياط. فالمراد زوال العلم بالتكليف فعلا ، لامتناع حصول هذا العلم مع احتمال كون المراق هو النجس ، وزوال هذا العلم لا يقدح في وجوب الاحتياط ، للوجه المتقدم. ولذا لو علم تفصيلا بوجوب الصلاة ، فإذا شك بعد ذلك في الوجوب ، فان كان من قبيل الشك الساري لا يجب الاحتياط ، لعدم احتمال التكليف المنجز ، لما عرفت من أن التنجز منوط بالعلم حدوثا وبقاء فاذا زال زال التنجز ، وان كان من جهة الشك في الفراغ - بأن يكون الزائل العلم بالتكليف فعلا مع بقاء العلم بالتكليف سابقاً - وجب الاحتياط ، لقاعدة الاشتغال.

[2] لأن احتمال الإضافة كاف في المنع عن الوضوء به ، والعلم الإجمالي بإضافة أحدهما لا أثر له. نعم لو كان كل من الطرفين مستصحب الإطلاق كان وجوب الاحتياط في الباقي من أجل العلم الإجمالي ، كما في الفرض الأول.

بل الأحوط الجمع بينه وبين التيمم [1].

[ مسألة 6 ] : ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة [2]. لكن الأحوط الاجتناب.


[1] يعني : حيث لا يجد ماء سواه. للعلم الإجمالي بوجوب الوضوء بالباقي أو وجوب التيمم ، وأصالة وجدان الماء وان كانت في نفسها صحيحة ، لأنها من قبيل الاستصحاب في القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي ، إلا أنها لا تثبت كون الباقي ماء ، فالوضوء به لا تحرز به الطهارة المعتبرة كما قبل اراقة صاحبه.

وكذا الإشكال في احتمال الاقتصار على التيمم ، بدعوى : صدق عدم الوجدان في هذه الحال ، لأن المراد منه عدم العلم ، ولذا قيل : عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. إذ فيها : أن المراد من عدم الوجدان ما يساوق الفقدان ، وهو مع احتمال كونه ماء غير محرز ، فلا دليل على مشروعية التيمم. ومن ذلك يظهر أن الأقوى الجمع ، وان احتمال كفاية الاقتصار على التيمم ضعيف ، وأضعف منه احتمال كفاية الاقتصار على الوضوء.

[2] هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه. إذ لا وجه له مع احتمال طهارة ما لاقاه ، ومجرد وجوب الاجتناب عنه من باب المقدمة العلمية لا يوجب نجاسته ولا نجاسة ملاقية. نعم قيل بوجوب الاجتناب عنه كالأصل الذي لاقاه. والعمدة فيه : أنه طرف للمعلوم بالإجمال ، فإنه يعلم إما بنجاسته أو نجاسة الطرف الآخر ، فيكون الحال كما لو قسم أحد الإناءين إلى قسمين فإنه كما يعلم إجمالا بنجاسة القسمين أو الطرف الآخر ، يعلم إجمالا إما بنجاسة المتلاقيين أو الطرف الآخر ، فيجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - كالملاقي - بالفتح.

وقد يدفع - كما في كلام شيخنا الأعظم [رحمه اللّه]- : بأن نجاسة الملاقي


لما كانت متفرعة على نجاسة الملاقي - بالفتح - الذي هو طرف العلم الإجمالي فالأصل الجاري فيه مسببي ، والأصل الجاري في الملاقي - بالفتح - سببي والأصل السببي مقدم رتبة على الأصل المسببي ، ففي رتبة الأصل المسببي لا معارض له ، لأن ما يتوهم معارضته له هو الأصل الجاري في طرف الملاقي - بالفتح - وهو الإناء الثالث ، والمفروض سقوطه بالمعارضة في الرتبة السابقة مع الأصل الجاري في الملاقي - بالفتح - وإذ لا معارض له لا مانع من جريانه ، ومقتضاه الطهارة وجواز الارتكاب.

لكن فيه : أن هذا مبني على أن المانع من جريان الأصل المرخص في طرف العلم الإجمالي هو المعارضة ، وقد عرفت أنه خلاف التحقيق ، بل المانع نفس العلم من جهة اقتضائه تنجيز متعلقه المردد بين الأطراف ، فالترخيص في ارتكاب طرف منها مخالفة لمقتضى العلم ، وذلك يؤدي الى احتمال التناقض.

وقد يدفع أيضاً - كما في كلام غير واحد من الأعيان - : بأن العلم الإجمالي القائم بين الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقي - بالفتح - ناشئ من العلم الإجمالي القائم بين الأصلين ، ففي الرتبة السابقة يكون ذلك العلم منجزاً للطرفين ، فيكون العلم الثاني قائماً بين طرفين أحدهما منجز بالعلم الأول ، فينحل بذلك العلم الثاني ، ويمتنع أن ينجز متعلقه لاحتمال انطباقه على ما هو متنجز بالعلم الأول ، وإذا سقط العلم الثاني عن المنجزية كان الفرد الملاقي - بالكسر - بلا منجز ، فلا مانع من الرجوع الى الأصل فيه.

لكن فيه : أن العلم بنجاسة الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقي - بالفتح - ليس منجزاً ، لعدم تعلقه بالحكم ، بل بالموضوع ، وكذلك العلم بنجاسة أحد الأصلين فإنه أيضا غير منجز لتعلقه بالموضوع ، وانما المنجز العلم بوجوب الاجتناب عن أحد الأصلين المتولد من العلم بالنجاسة


في أحدهما ، والعلم بوجوب الاجتناب عن أحد الأمرين من الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقي - بالفتح - المتولد من العلم بنجاسة أحدهما ، والعلم بالوجوب في المورد الثاني ليس متولداً من العلم به في المورد الأول ، فلا ترتب بينهما ، وانما الترتب بين علتيهما وهما العلمان بالموضوع لكنهما لا أثر لهما ، ترتبا أو لم يترتبا.

وقد يدفع أيضاً - كما في كلام الأستاذ [قدس سره] في كفايته - : بأن العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالكسر - متأخر عن العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالفتح - فيكون حادثا بعد تنجز طرفي العلم السابق ، فيكون أحد طرفيه متنجزاً قبل حدوثه ، فينحل بذلك ويسقط عن التأثير.

وقد يشكل : بأنه إنما يتم لو بني على أن العلم بحدوثه يوجب تنجز المعلوم إلى الأبد ، لكنه خلاف التحقيق ، والا لزم بقاء التنجز ولو ارتفع العلم ، كما لو طرأ الشك الساري ، أو علم بالخطإ ، ولكنه خلاف المقطوع به ، فلا بد أن يكون التنجز منوطاً بالعلم حدوثا وبقاء ، فبحدوث العلم يتنجز المعلوم ، وببقائه يبقى التنجز - كما أشرنا الى ذلك كله آنفا - وحينئذ فلا أثر لسبق أحد العلمين ، فان السابق إنما ينجز في الزمان السابق ، فاذا حدث العلم الثاني يكون استناد التنجز في الأصلين - اللذين يكون أحدهما طرفا للعلم الثاني - إلى خصوص الأول ترجيحاً بلا مرجح ، فلا بد أن ينجزا معا ، وتكون الحال كما لو علم بنجاسة إناءين أو نجاسة إناء ثالث ، فكما يجب الاجتناب عن الجميع هنا ، كذلك يجب الاجتناب عن المتلاقيين والطرف الثالث جميعا فيما نحن فيه.

هذا ويمكن دفع هذا الإشكال : بأن إناطة التنجز بالعلم حدوثا وبقاء غاية ما تقتضيه أن التنجز في حال حدوث العلم الثاني مستند الى وجود العلم في ذلك الآن ، لكن هذا المقدار لا يوجب إلحاق الفرض بما لو علم بنجاسة


إناءين أو إناء ثالث ، إذ في هذا الفرض لما كان أحد العلمين سابقاً والآخر لاحقاً ، كان السابق موجبا لانحلال اللاحق به ، وسقوطه عن التأثير ، بخلاف فرض اقتران العلمين ، فإنه يمتنع أن ينحل أحدهما بالآخر ، لأنه ترجيح بلا مرجح ، فان انحلال أحد العلمين بالعلم الآخر بحيث يسقط العلم المنحل عن التأثير ليس حقيقيا ، بل هو حكمي - كما أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة - وليس عقلياً ، بل هو عقلائي لأن البرهان المذكور في الاستدلال على كونه عقلياً مدخول فيه ، إذ لا مانع من كون كل من العلمين منجزاً لمتعلقه. واحتمال انطباقهما على فرد واحد لا يقدح في ذلك ، بل يكون من باب اجتماع علتين على معلول واحد ، فيستند الأثر إليهما معا. كما لو اقترن العلمان.

ودعوى : أن التنجز في صورة الاقتران مستند الى علم ثالث وهو القائم بين طرفين وطرف ثالث. [ فيها ] : أن هذا العلم عين العلمين لانحلاله إليهما ، فيكون حاله بالنسبة إليهما حال الكل بالنسبة إلى أجزائه ، كما يظهر بالتأمل. فالانحلال في جميع موارده ليس عقلياً ، بل هو عقلائي بمعنى أن العقلاء لا يرون اللاحق حجة على مؤداه ، بل يرون السابق هو الحجة لا غير. ولا مانع من الالتزام به في المقام ، فإنه الذي بنى عليه العقلاء. فاذا كان العلم السابق هو المنجز للأصلين اللذين أحدهما طرف الملاقي - بالفتح - يكون العلم اللاحق حادثا ، وأحد طرفيه منجزاً سابقاً ، فينحل ، ولا يجب الاحتياط في الطرف الآخر ، وهو الملاقي - بالكسر - بل يرجع فيه الى أصل الطهارة. ولو بني على الإشكال في الانحلال فيما نحن فيه أشكل الأمر في موارد الانحلال الذي لا يكون بين العلم السابق واللاحق ترتب عقلي.

وبالجملة : بعد ما كان الإناء الثالث الذي هو طرف الملاقي - بالفتح - متنجزاً بالعلم الإجمالي بالتكليف بينهما ، وكان باقيا على تنجزه الى زمان


حصول العلم الثاني القائم بينه وبين الملاقي - بالكسر - لا يكون العلم الثاني منجزاً له عند العقلاء ، لا ضمناً ولا استقلالا ، بل يستند بقاء تنجزه الى العلم الأول المنجز له سابقاً ، فيكون الملاقي - بالكسر - بلا منجز.

وعلى هذا يتعين الفرق بين صورة حدوث العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالكسر - بعد العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالفتح - وبين صورة تقدمه عليه وبين صورة اقترانهما. ففي الأولى : لا يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - لما ذكر. وفي الثانية : لا يجب الاجتناب عن الملاقي - بالفتح - لأن طرفه قد تنجز بالعلم السابق ، فالعلم القائم به لا ينجز. وفي الثالثة : يجب الاجتناب عنهما ، لأن استناد تنجز الطرف الثالث الى أحد العلمين دون الآخر بلا مرجح فيستند إليهما معا. ويكون الحال كما لو قسم أحد الإناءين قسمين.

ودعوى : الفرق بينهما بعدم الترتب بين العلمين في مثال القسمة. بخلاف ما نحن فيه. فان العلمين فيه مترتبان ، لأن نجاسة الملاقي - بالكسر - ناشئة من نجاسة الملاقي - بالفتح - [ قد عرفت ] اندفاعها ، فإنه لا ترتب بين العلمين المتعلقين بوجوب الاجتناب عن المعلوم ، إذ ليس وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - مترتبا على وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالفتح - ولما لم يكن بينهما ترتب لم يكن أحدهما موجباً لانحلال الآخر مع الاقتران ، والا كان بلا مرجح. نعم العلم بنجاسة أحد الأصلين متقدم رتبة على العلم بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو طرف الملاقي - بالفتح - إلا أن كلا منهما لما كان علماً بالموضوع لم يكن منجزاً على كل حال.

فان قلت : إذا كان العلم الإجمالي الذي طرفه الملاقي - بالكسر - متقدما زماناً على العلم الذي طرفه الملاقي - بالفتح - فهذا العلم المتأخر وان


كان بوجوده متأخراً. إلا أن الميزان في منجزية العلم كونه طريقا وكاشفاً ومقتضى ذلك ملاحظة زمان المعلوم ، فاذا كان سابقاً لزم ترتيب الأثر من ذلك الزمان. دون زمان حدوثه. فلو علم بنجاسة أحد الإناءين يوم السبت ، ثمَّ يوم الأحد علم إجمالا بوقوع نجاسة يوم الجمعة في واحد معين من ذينك الاثنين ، أو في إناء ثالث يكون التنجز في يوم السبت مستندا الى العلم الحاصل فيه ، فاذا جاء يوم الأحد يستند التنجز الى العلم الحاصل فيه. ويجب الاحتياط في أطرافه لا غير. إذ به يخرج العلم الأول عن كونه علماً بالتكليف الفعلي.

قلت : سبق المعلوم إنما يقتضي سبق أثره ، فيجب حين العلم ترتيب آثار وجوده سابقا. لا أنه يقتضي ترتيب آثار نفس العلم سابقا. لأن فرض تأخره يوجب تأخر أثره إلى زمان حدوثه ، والتنجز من آثار نفس العلم. فلا وجه لأن يترتب سابقا في زمان ثبوت المعلوم ، وإلا لزم ثبوت الحكم بلا موضوع.

ودعوى كون العلم اللاحق يخرج به العلم السابق عن كونه علما بالتكليف الفعلي ، ليست بأولى من دعوى العكس ، بل هيئ المتعينة. لما عرفت من استناد التنجز إلى أسبق العلمين. وقد عرفت أن انحلال اللاحق بالسابق ليس حقيقيا - بمعنى : أنه يخرج عن كونه علما بالتكليف الفعلي - بل هو حكمي عقلائي - بمعنى : أنه لا يكون حجة عند العقلاء - وإلا فالانحلال قد يكون بحجة غير العلم. من أمارة ، أو أصل ، فكيف ترفع العلم بالتكليف الفعلي؟! وكيف يكون العلم السابق رافعا للاحق دون العكس؟! ولم لا ينحل أحدهما بالآخر مع اقترانهما؟ كما لو علم بنجاسة إناءين معينين أو إناء ثالث. فإنه ينحل الى علمين اجماليين مشتركين في طرف. ومفترقين في طرف. [ وبالجملة ] : العلم إنما يتعلق بالصور الذهنية. ولا يسري الى الخارج. فكيف يرفع أحد العلمين الآخر مع


اختلاف الصورتين؟!. ومن ذلك تعرف تمامية ما ذكره الأستاذ [قدس سره] وضعف المناقشات فيه.

ثمَّ إن مقتضى الوجه الثاني الذي ذكره غير واحد من الأعيان في تقريب جواز الرجوع الى الأصل في الملاقي : أنه لو كان العلم الإجمالي الذي أحد طرفيه الملاقي - بالفتح - ناشئا من العلم الإجمالي الذي أحد طرفيه الملاقي - بالكسر - لوجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقي - بالفتح - كما لو علم بنجاسة أحد إناءين ، ثمَّ علم أن نجاسة أحدهما المعين إن كانت فهي ناشئة من ملاقاته لاناء ثالث ، فإنه حينئذ يحصل علم إجمالي بنجاسة ذلك الإناء الثالث ، أو طرف الإناء الملاقي. لكنه لا ينجز ، لتأخره رتبة عن العلم الأول ، وان كان المعلوم متقدما رتبة على المعلوم بالعلم الأول لأن العلم بالعلة ، كما قد يكون علة للعلم بالمعلول ، كذلك قد يحصل من العلم بالمعلول كالعلم بوجود النار الحاصل من العلم بوجود الدخان. كما أنه لو فرض عدم حصول أحد العلمين من الآخر ، بأن حصلا من سبب آخر وجب الاجتناب عن المتلاقيين معاً ، لعدم انحلال أحدهما بالآخر ، كما لو علم بنجاسة إناءين أو إناء ثالث ، ثمَّ علم بأن الإناءين على تقدير نجاستهما فهي من ملاقاة أحدهما للآخر. فهذا التفصيل يكون نظير التفصيل الذي ذكره الأستاذ [قدس سره] في كفايته ، غايته أن هذا تفصيل بين صور تقدم أحد العلمين رتبة على الآخر وتأخره عنه ، وكونهما في رتبة واحدة ، وذلك تفصيل من حيث تقدم أحدهما على الآخر زمانا وتأخره واقترانهما.

هذا وشيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في رسائله فصل بين صورة حصول العلم بالملاقاة بعد فقد الملاقي - بالفتح - وبين صورة حصوله في حال وجوده ففي الثانية لا يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - لما تقدم من عدم معارضة أصل الطهارة الجاري فيه بأصل آخر ، وفي الأولى يجب الاجتناب


عنه لمعارضة الأصل الجاري فيه بالأصل الجاري في الطرف الآخر.

ولكنه يشكل : بأن فقد الملاقي - بالفتح - لا يوجب عدم جريان أصل الطهارة فيه لإثبات طهارة الملاقي - بالكسر - بل يجري فيه ، ويتعارض مع الأصل الجاري في الطرف الآخر ، وبعد التعارض والتساقط يرجع الى الأصل في الملاقي - بالكسر - بلا معارض ، والفقدان لا يمنع من جريان الأصل في المفقود إذا كان الأثر المقصود منه ثابتا لموضوع موجود ، فلو غسل ثوبه النجس بماء يعتقد نجاسته ثمَّ شك بعد الغسل في طهارة الماء المغسول به ، جرى استصحاب الطهارة في الماء لإثبات طهارة الثوب وان كان الماء معدوما حين إجراء الاستصحاب فيه. وكذا الحال في إجراء استصحاب الطهارة أو أصالة الطهارة في الإناء المفقود ، بلحاظ أثره في الإناء الملاقي له ، فلا فرق بين صورة فقد الملاقي - بالفتح - حال العلم بالملاقاة ، وبين صورة وجوده في كون الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - بلا معارض فلو بني على جواز العمل بالأصل المرخص في أحد أطراف العلم الإجمالي كان اللازم البناء على طهارة الملاقي - بالكسر - مطلقاً.

هذا والذي تحصل مما ذكرنا أمور : [ الأول ] : أن العلم الإجمالي كما هو حاصل بين الملاقي - بالفتح - وطرفه كذلك هو قائم بين الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقي [ الثاني ] : أنه لا يجوز إجراء الأصل المرخص في الملاقي ولو لم يكن له معارض ، لأن العلم الإجمالي مانع من إجرائه في كل واحد من الأطراف مع قطع النظر عن المعارض ، لأنه علة لوجوب الموافقة القطعية [ الثالث ] : أنه لو بني على جواز إجراء الأصل المرخص في كل واحد من الأطراف لم يكن فرق بين صورة فقد الملاقي - بالفتح - قبل العلم بالملاقاة وعدمه ، لجواز إجراء الأصل في الفرد المفقود إذا كان يترتب عليه الأثر في ملاقيه الموجود [ الرابع ] : أن ترتب أفراد العلم المتعلق بالموضوعات لا أثر

[ مسألة 7 ] : إذا انحصر الماء في المشتبهين تعين التيمم [1]


له في باب الانحلال ما لم يكن ترتب بين أفراد العلم المتعلق بالأحكام ، وأن التنجز إنما يستند عقلا اليه لا الى العلم بالموضوع ، فإنه علم بالصغرى وهو لا ينجز ، كما أن العلم بالكبرى كذلك ، وانما المنجز العلم بالنتيجة. [ الخامس ] : أن سبق زمان المعلوم على زمان العلم إنما يقتضي سبق أثر المعلوم لا سبق أثر العلم ، فإن أثر العلم مقارن له زماناً وان كان بينهما ترتب طبعي كما هو الحال في الموضوع وحكمه [ السادس ] : أن الانحلال في جميع موارده حكمي ، لا حقيقي [ السابع ] : أن هذا الانحلال الحكمي عقلائي ولا يساعده برهان عقلي [ الثامن ] : أن المدار في انحلال أحد العلمين بالآخر السبق واللحوق الرتبيان ، فان لم يكونا فالزمانيان ، وأن السابق يوجب انحلال اللاحق ، وأن مسألة الملاقاة لأحد أطراف العلم الإجمالي من موارد الثاني لا الأول.

هذا وظاهر عبارة المتن التوقف في المسألة ، لأن الاحتياط الذي ذكره لم يكن مسبوقا بالفتوى بالجواز ، لأن عدم الحكم بالنجاسة لا يقتضي الطهارة. نعم لو كانت العبارة : أنه محكوم بالطهارة ، كان الاحتياط استحبابيا.

وقد خرجنا في هذا الباب عن وضع الكتاب ، لما رأيناه من رغبة بعض إخواننا الحاضرين في مجلس الدرس في ذلك. ومنه سبحانه نستمد العناية والعصمة وما توفيقي الا باللّه عليه توكلت واليه أنيت.

[1] لموثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر ولا يدري أيهما هو؟ وليس يقدر على ماء غيرهما. قال (عليه السلام) : يهريقهما جميعا ويتيمم » (1). ونحوه رواية عمار عنه (عليه السلام) (2). المعمول بهما عند الأصحاب - كما عن المعتبر - المقبولان


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق حديث : 14.

وهل يجب إراقتهما [1] أولا؟ الأحوط ذلك ، وإن كان الأقوى العدم [2].

[ مسألة 8 ] : إذا كان إناءان أحدهما المعين نجس ، والآخر طاهر ، فأريق أحدهما ، ولم يعلم أنه أيهما ، فالباقي محكوم بالطهارة. وهذا بخلاف ما لو كانا مشتبهين وأريق أحدهما ، فإنه يجب الاجتناب عن الباقي. والفرق : أن الشبهة في هذه الصورة بالنسبة إلى الباقي بدوية [3] ، بخلاف الصورة الثانية. فإن الماء الباقي كان طرفا للشبهة من الأول ، وقد حكم عليه بوجوب الاجتناب [4].


عندهم - كما عن المنتهى - بل ظاهر جماعة الإجماع على العمل بهما. قال شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في طهارته : « لا إشكال في وجوب التيمم مع انحصار الماء في المشتبهين ، لأجل النص والإجماع المتقدمين ».

[1] كما عن القواعد.

[2] لأن الظاهر من الأمر بالإراقة الإرشاد إلى عدم الانتفاع بهما ، كما هو كذلك في أمثاله من الموارد.

[3] لأن العلم الإجمالي حدث بعد الإراقة وانعدام أحد الطرفين ، فالشك في الطرف الباقي شبهة بدوية ، والمرجع في الشبهة البدوية أصالة الطهارة.

[4] فإنه طرف للعلم الإجمالي القائم بين التدريجيين ، وهما الباقي بالإضافة الى كل واحد من الأزمنة اللاحقة ، والمراق قبل زمان إراقته ، فيكون الحال كما لو علم بوجوب صوم أحد اليومين ، فإنه يجب الاحتياط بالصوم في اليوم الثاني ولو بعد انتهاء اليوم الأول وخروجه عن محل الابتلاء ، كما أشرنا إليه آنفاً.

[ مسألة 9 ] : إذا كان هناك إناء لا يعلم أنه لزيد أو لعمرو ، والمفروض أنه مأذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله ، لا يجوز له استعماله [1]. وكذا إذا علم أنه لزيد - مثلا - لكن لا يعلم أنه مأذون من قبله أو من قبل عمرو.

[ مسألة 10 ] : في الماءين المشتبهين إذا توضأ بأحدهما أو اغتسل ، وغسل بدنه من الآخر ، ثمَّ توضأ به أو اغتسل صح وضوؤه أو غسله على الأقوى [2] لكن الأحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة ، ومع الانحصار الأحوط ضم التيمم أيضاً.


[1] لاستصحاب حرمة التصرف فيه. وأما أصالة عدم إذن المالك فهو من الأصل الجاري في الفرد المردد الذي هو محل الاشكال ، كما أوضحناه في « حقائق الأصول » ، وليس كذلك في الفرع الآتي ، فإن المرجع فيه أصالة عدم إذن زيد.

[2] قد عرفت النص والإجماع على خلافه. مع أنه خلاف ما تقدم منه في المسألة السابعة. نعم يقع الإشكال في أن النص على طبق القواعد فيتعدى من مورده إلى غيره ، أولا ، فيقتصر عليه ويرجع في غيره إليها.

ربما قيل بالأول : إما لأنه لو بني على العمل بما في المتن ابتلي باستصحاب النجاسة ، للعلم بنجاسة أعضائه والشك في ارتفاعها ، ولأجل ذلك أمر بالتيمم ، لأن الطهارة من النجاسة الخبثية - ولو ظاهرية - أهم من الطهارة المائية. ولا يعارضه استصحاب الطهارة ، لأن الطهارة المستصحبة إن كان المراد بها الطهارة قبل الاستعمال ، فهي زائلة قطعاً ، وان كان غيرها ، فهي مشكوكة الثبوت لاحتمال كون الإناء النجس هو المستعمل ثانياً. ولذا كان


المشهور بين المتأخرين الأخذ بضد الحالة السابقة فيمن تيقن الطهارة والحدث وشك في المتقدم منهما ، وفيه : أن الطهارة المستصحبة هي الطهارة الثابتة حال استعمال الطاهر المرددة بين بقاء الأولى وحدوث غيرها ، وهي معلومة الثبوت مشكوكة البقاء. مضافا إلى أن جريان الاستصحاب ذاتاً مع الجهل بالتقدم والتأخر محل إشكال محرر في محله. ولعله يأتي في أواخر مبحث الوضوء ، فكيف يكون مثل ذلك مانعاً من الطهارة المائية؟.

وإما لأنه بعد تطهير بعض الأعضاء يعلم إجمالا بنجاسة أحد العضوين ، إما العضو المطهر لنجاسة الإناء الثاني ، أو العضو الذي لم يطهر لنجاسة الإناء الأول ، فتستصحب النجاسة إلى ما بعد تطهير الباقي. وفيه : أنه يتوقف على كون المانعية من آثار الكلي ليجري استصحابه ، أما لو كانت من آثار الفرد ، فقد عرفت أن استصحاب الفرد المردد محل إشكال.

وإما لأن ملاقاة الثاني للأعضاء عند تطهيرها به قبل حصول شرائط التطهير من الغلبة ، والانفصال ، والتعدد. توجب العلم بالنجاسة حينئذ إما لملاقاتها للماء الأول ، أو للماء الثاني قبل أن تحصل شرائط التطهير ، فتستصحب النجاسة الى ما بعد حصول الشرائط. ولا يعارضه استصحاب الطهارة. للجهل بتاريخها بخلاف النجاسة ، فإن تاريخها معلوم ، وهو أول أزمنة مماسة الماء الثاني للأعضاء. ولا فرق في صحة الاستصحاب المذكور بين كون الأثر للفرد والكلي ، لصحة جريان استصحاب كل منهما.

نعم يشكل هذا التوجيه وما قبله أيضاً - مع الغض عما تقدم - : بأن غاية مقتضاهما ثبوت النجاسة ظاهراً بعد التطهير بالثاني ، وهو إنما يمنع من الاجتزاء بالصلاة بعد ذلك ، لكن لو كرر الصلاة عقيب كل من الوضوءين فقد أحرز الصلاة الصحيحة الواجدة لشرط الطهارة من الحدث والخبث ، فيكون الأمر بالإراقة والتيمم خلاف مقتضى القواعد.


هذا ولعل الوجه فيه أن تطهير الأعضاء وتطهير ما يترشح عليه ماء الوضوء من مواضع بدنه وثيابه مما يتعسر غالبا. وتكرار الصلاة عقيب كل من الوضوءين وان كان يوجب العلم بصحة الصلاة إجمالا ، إلا أنه يبتلي بالنجاسة الظاهرية لأعضائه ، ولكل ما يترشح عليه ماء الوضوء ، المؤدي ذلك الى نجاسة ما يلاقيها ، والى عدم جواز الدخول فيما يعتبر فيه الطهارة من الخبث ، وذلك ضيق ومشقة غالبا. فلا يبعد إذاً حمل الأمر على الرخصة ، ولا سيما وكون المورد مظنة الحظر ، والا فمن المستبعد جداً أن يكون مثل هذا الاشتباه مانعا من صحة الوضوء ، أو من صحة التقرب به تعبدا ، بحيث لو توضأ بأحدهما برجاء كونه طاهرا ثمَّ انكشف طهارة ما توضأ به كان وضوؤه باطلا. وعليه يكون المقام من قبيل الموارد التي يكون الوضوء فيها حرجيا ، فان التحقيق - كما سيأتي في محله إن شاء اللّه - جواز التيمم فيها. لكن لو توضأ صح وضوؤه واجتزأ به ، وكذا في المقام يجوز التيمم. ولو توضأ على النحو المذكور في المتن ، وكرر الصلاة عقيب كل من الوضوءين صحت صلاته ، وان كان محكوما عليه بالخبث ظاهراً ، عملا بالاستصحاب.

وكذا الحال لو كان كل من الماءين كرا ، وان كان التوجيه الأخير لا يتأتى فيه ، لأن الطهارة من الأول تحصل بمجرد ملاقاة الثاني بلا شرط فلا تكون النجاسة معلومة التاريخ كي يصح استصحابها. ومن هنا يشكل التعدي الى هذا الفرض ، فان لفظ الإناء في الموثقين لو سلم عمومه لمثل الكر فقول السائل : « معه إناءان » غير واضح الشمول له. ولا سيما بملاحظة قوله : « وقع في أحدهما قذر » الذي هو كناية عن النجاسة بملاقاة القذر ، فان ذلك لا يشمل الكر. ولو سلم فلا يشمل النص ماء الغدير ونحوه مما لا يسمى إناء قطعاً ، فالبناء في مثله علي وجوب تكرار

[ مسألة 11 ] : إذا كان هناك ماءان توضأ بأحدهما أو اغتسل. وبعد الفراغ حصل له العلم بأن أحدهما كان نجساً ولا يدري أنه هو الذي توضأ به أو غيره ، ففي صحة وضوئه أو غسله إشكال ، إذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل اشكال [1] وأما إذا علم بنجاسة أحدهما المعين ، وطهارة الأخر فتوضأ ، وبعد الفراغ شك في أنه توضأ من الطاهر أو من النجس ، فالظاهر صحة وضوئه لقاعدة الفراغ. نعم لو علم أنه كان حين التوضؤ غافلا عن نجاسة أحدهما يشكل جريانها.


الصلاة بعد كل من الوضوءين مع تطهير جميع ما أصابه بالثاني متعين إذا لم يكن حرجياً ، وإطلاق معاقد الإجماع على لزوم التيمم على نحو يشمل ذلك كله غير ثابت.

[1] ينشأ من ظهور بعض نصوص القاعدة في اعتبار الالتفات حال العمل مثل ما

في موثق بكير : « قلت له : الرجل يشك بعد ما يتوضأ. قال (عليه السلام) : هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك » (1). ومن أن النصوص الباقية (2)مطلقة والارتكازيات العقلائية تساعد إطلاقها ، فإن الظاهر بناؤهم على عدم الاعتناء مطلقا ، بل ظاهر حسن الحسين بن أبي العلاء جواز المضي ولو مع النسيان قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت. قال (عليه السلام) : حوله من مكانه. وقال في الوضوء : تدره ، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة » (3)


1) الوسائل باب : 42 من أبواب الوضوء حديث : 7 وبقية النصوص في الباب نفسه.

2) ذكرها في الوسائل باب : 42 من أبواب الوضوء ، وباب : 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

3) الوسائل باب : 41 من أبواب الوضوء حديث : 2.

[ مسألة 12 ] : إذا استعمل أحد المشتبهين بالغصبية لا يحكم عليه بالضمان إلا بعد تبين أن المستعمل هو المغصوب [1].


ولأجل ذلك يتعين حمل ما في الموثق على الحكمة ، لا العلة التي يطرد معها الحكم وجودا وعدما.

نعم يتم ما ذكر لو فقد الطرف الآخر ، أما لو كان موجودا فالعلم الإجمالي بنجاسته أو وجوب الوضوء ثانيا يقتضي الاحتياط بإعادة الوضوء بالماء الطاهر ، فان الوضوء بمنزلة الملاقي - بالكسر - الذي يمتنع جريان الأصل المرخص فيه إذا كان العلم الإجمالي القائم بينه وبين طرف الملاقي - بالفتح - حاصلا بعد العلم بالملاقاة. ومن هنا يظهر أنه لا فرق بين أن يكون الماء المتوضأ به قد جمع في إناء ، وبين أن يكون مفقوداً.

نعم - بناء على تفصيل شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] المتقدم بيانه في المسألة السادسة - يجوز الرجوع الى قاعدة الفراغ في صورة جمع الماء ، دون صورة فقده. كما أنه - بناء على أن ترتب العلمين القائمين بالموضوع ، دون الحكم كاف في انحلال اللاحق بالسابق المتقدم بيانه في تلك المسألة - يكون التفصيل المذكور بين الصورتين أيضا في محله.

وأما التفصيل بين وجود بقية من الإناء المتوضأ منه ، وعدمها ، فلا وجه له ، إذ لا سببية بين نجاسة تلك البقية وبطلان الوضوء ، وإنما السببية بين نجاسة المقدار المتوضأ به وبطلان الوضوء. ولذلك أمكن التفصيلان المذكوران آنفا. لكن عرفت الإشكال في جميع ذلك فراجع.

ثمَّ إنه كما لا مجال لجريان قاعدة الفراغ في الوضوء في صورة وجدان الطرف الآخر ، لا مجال أيضا لجريان أصالة الطهارة الخبثية في أعضاء الوضوء وجميع ما يترشح عليه ماؤه ، لعين الوجه المتقدم.

[1] هذا إذا كان العلم قبل التصرف ، أما لو كان بعده حكم عليه

فصل

سؤر نجس العين كالكلب والخنزير.


بالضمان للعلم الإجمالي إما بالضمان أو بعدم جواز التصرف في الآخر. فهذه المسألة من قبيل مسألة الملاقاة ، والضمان بالتصرف حكمه حكم الملاقي في وجوب الاحتياط فيه إذا لم ينحل العلم الإجمالي القائم به ، وعدمه إذا كان منحلا بعلم سابق عليه زماناً - أعني : العلم بالغصبية - فلاحظ. واللّه سبحانه الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ( وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) .

فصل في الأسئار

جمع السؤر ، وهو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء أو الحوض - كما عن [ المغرب ] وغيره - أو البقية بعد الشرب - كما عن الجوهري - أو البقية من كل شي‌ء - كما عن القاموس - بل عن الأزهري : اتفاق أهل اللغة على أن سائر الشي‌ء باقيه قليلا كان أو كثيراً. انتهى. وعن الشهيد ومن تأخر عنه : أنه ماء قليل لاقى جسم حيوان. ونسب في كلام غير واحد الى ظاهر الفقهاء. وكأن الوجه في ذلك ذكرهم له في باب المياه وحكمهم بنجاسة السؤر مع نجاسة ذي السؤر. لكنه لا يصلح قرينة على عموم الحكم لمطلق الملاقي لجسم الحيوان. وان كان يشهد به بعض النصوص ، كرواية العيص عن الصادق (عليه السلام) عن سؤر الحائض : « قال (عليه السلام) : لا تتوضأ منه ، وتوضأ من سؤر الجنب ، إذا كانت مأمونة ، وتغسل يديها ، قبل

والكافر نجس [1] ، وسؤر طاهر العين طاهر ، وان كان حرام اللحم [2] ،


أن تدخلهما الإناء » (1).كما يشهد بعضها بعمومه للطعام ، مثل ما في صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال (عليه السلام) : في كتاب علي (عليه السلام) : إن الهر سبع ، ولا بأس بسؤره ، واني لأستحي من اللّه أن أدع طعاما لأن الهر أكل منه » (2). وفي حديث المناهي (3): النهي عن أكل سؤر الفأرة.

[1] لما يأتي مما دل على نجاسة المذكورات ، بضميمة عدم الخلاف في سراية النجاسة إلى الملاقي إلا في الماء القليل ، وتقدم ضعفه ، وأن الأقوى انفعاله بملاقاة النجاسة. وفي رواية معاوية بن شريح : « سأل عذافر أبا عبد اللّه (عليه السلام) - وأنا عنده - عن سؤر السنور ، والشاة ، والبقرة والبعير ، والحمار والفرس ، والبغل ، والسباع ، يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال (عليه السلام) : نعم اشرب منه وتوضأ منه. قلت له : الكلب. قال (عليه السلام) : لا. قلت : أليس هو سبع؟ قال (عليه السلام) : لا واللّه ، إنه نجس. لا واللّه إنه نجس (4)، ونحوه صحيح أبي العباس الآتي (5).

[2] كما هو المشهور. ويقتضيه الأصل ، والنصوص في جملة من الموارد وكذا رواية معاوية المتقدمة بناء على ظهورها - كما هو غير بعيد - .


1) الوسائل باب : 7 من أبواب الأسئار حديث : 1.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الأسئار حديث : 2.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب الأسئار حديث : 7 ولم يذكر منه الا مورد الاستشهاد.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 6 وباب : 12 من أبواب النجاسات حديث : 6.

5) يأتي قريباً في سؤر طاهر العين.


في دوران نجاسة السؤر مدار نجاسة ذي السؤر ، ونحوها صحيح البقباق (1)فيدلان على الكلية المذكورة. وعن السرائر ، نجاسة سؤر ما يمكن التحرز عنه من حيوان الحضر غير المأكول اللحم والطير. وعن المبسوط : المنع من الاستعمال. ولا وجه له ظاهر عدا ما في موثق عمار عن الصادق (عليه السلام) : « سئل عما تشرب منه الحمامة ، فقال (عليه السلام) : كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب. وعن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب ، فقال (عليه السلام) : كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه ... » (2)ومرسل الوشاء عنه (عليه السلام) : « أنه كان يكره سؤر كل شي‌ء لا يؤكل لحمه » (3)وموثق سماعة : « هل يشرب سؤر شي‌ء من الدواب ويتوضأ منه؟ قال (عليه السلام) : أما الإبل والبقر والغنم فلا بأس » (4). لكن الجميع معارض بمثل خبر معاوية المتقدم. وصحيح أبي العباس : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة ، والإبل ، والحمار ، والخيل ، والبغال ، والوحش ، والسباع فلم أترك شيئاً إلا سألته عنه ، فقال (عليه السلام) : لا بأس به. حتى انتهيت الى الكلب ، فقال : رجس نجس ، لا يتوضأ بفضله ، واصبب ذلك الماء ، واغسله بالتراب أول مرة ثمَّ بالماء » (5). مضافا الى قصور دلالته. إذ الأول جملة خبرية ليس لها مفهوم. واشتمال الخبر على الفاء لا يلقحها بالشرطية ، فإن الظاهر أن الفاء في الجملة الخبرية إنما تدل على ترتب الخبر .


1) وهو صحيح ابي العباس المتقدمة إليه الإشارة ، وسيأتي قريباً.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب الأسئار حديث : 2.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب الأسئار حديث : 2.

4) الوسائل باب : 5 من أبواب الأسئار حديث : 3.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 4 ، وباب : 11 من أبواب النجاسات حديث : 1.

أو كان من المسوخ [1] ، أو كان جلالا [2]. نعم يكره سؤر حرام اللحم [3] ما عدا المؤمن [4] ، والهرة على قول [5].


على المبتدأ نحو ترتب المعلول على علته ، في مقابل مفاد جميع الجمل الحملية الخالية عن الفاء ، فإنها تدل على ترتب الخبر على المبتدأ ترتب العارض على معروضه ، ولا تدل الفاء على انحصار العلة بالمبتدإ ليدل على المفهوم كالجملة الشرطية ، ولفظ : « يكره » في الثاني أعم من الحرمة. والحصر في الأخير لما لم يمكن الأخذ به ، لوجوب تخصيصه بكثير من الافراد ، كان الاولى عرفا حمله على الحصر الإضافي ، أو حمل البأس المنفي فيه على ما يعم الكراهة.

[1] بلا إشكال ظاهر ، بناء على طهارتها كما يأتي إن شاء اللّه. وإنما تعرض له المصنف [رحمه اللّه] لأجل الخلاف في طهارته ونجاسته ، وإلا فعلى القول بالطهارة لا خلاف في طهارة سورة.

[2] على المشهور. لإطلاق نصوص الطهارة المتقدمة ونحوها ، الشامل لحال الجلل وغيره. وعن السيد والشيخ وابن الجنيد المنع من سؤره. واستدل لهم بعدم خلو لعابه عن النجاسة. وهو - كما ترى - ممنوع. مع أنه يختص بملاقي الفم ولا يطرد فيما يلاقي بقية أجزاء الجسم.

[3] لما تقدم دليلا لما في السرائر.

[4] فقد ورد في النصوص (1): أن سؤره شفاء ، وفي بعضها : أنه شفاء من سبعين داء ، وفي آخر استحباب التبرك به.

[5] اختاره في الوسائل ويشهد له جملة من النصوص كصحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال في كتاب علي (عليه السلام) : إن الهر سبع ، ولا بأس بسؤره واني لأستحي من اللّه تعالى أن أدع طعاما لأن الهر أكل


1) راجع الوسائل باب : 18 من أبواب الأشربة المباحة.

وكذا يكره سؤر مكروه اللحم [1] ، كالخيل ، والبغال ، والحمير. وكذا سؤر الحائض المتهمة [2] ، بل مطلق المتهم.


منه » (1). وبه ترفع اليد عن إطلاق ما دل على كراهة سؤر ما لا يؤكل لحمه ، (2)الموافق له إطلاق الفتاوى.

[1] على المشهور. وليس عليه دليل ظاهر. نعم تقدم ما في موثق سماعة. لكنه على تقدير حمله على الكراهة شامل لغير مكروه الأكل. ولذا أنكر هذا الحكم غير واحد. اللّهم إلا أن يبنى على قاعدة التسامح في أمثال المقام.

[2] وهي غير المأمونة ، لموثق ابن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) : « في الرجل يتوضأ بفضل الحائض؟ قال (عليه السلام) : إذا كانت مأمونة فلا بأس » (3)ونحوه غيره. وبها يقيد إطلاق ما دل على المنع من سؤرها (4)نعم في صحيح العيص : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سؤر الحائض ، فقال (عليه السلام) : لا تتوضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة » (5)ومقتضاه عموم الكراهة. نعم عن التهذيب روايته بإسقاط كلمة : « لا » من صدر الجواب ، فيكون قيد الامانة راجعاً الى الحائض والجنب معاً. .


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الأسئار حديث : 2.

2) تقدم هنا قريباً عند الكلام في طهارة سؤر طاهر العين وإن حرم لحمه.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب الأسئار حديث : 5. وقد اشتمل الباب على أحاديث أخر قد تدل على ذلك.

4) راجع الوسائل باب : 8 من أبواب الأسئار. فإن فيه جملة من الروايات التي أطلق فيها النهي عن الوضوء بسؤر الحائض. لكنها مصرحة بالترخيص في الشرب منه. وسيأتي منه - قدس سره - الإشارة الى ذلك.

5) الوسائل باب : 7 من أبواب الأسئار حديث : 1.

فصل

النجاسات اثنتا عشرة : [ الأول والثاني ] : البول ، والغائط ، من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه [1] ، إنسانا أو


لكن - مع أن الكليني أضبط - لا يناسب أفراد قيد المأمونة. فلاحظ. وعليه يتعين الجمع بخفة الكراهة مع الأمانة.

ثمَّ إن في خبر عنبسة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « اشرب من سؤر الحائض ، ولا تتوضأ منه » (1)ونحوه غيره. فتعميم الكراهة لغير الوضوء لا بد أن يكون مبنياً على قاعدة التسامح ، أو على الإجماع - كما قيل - وإلا فلا دليل عليه ظاهراً. اللّهم إلا أن يستفاد من تعليق الحكم على الأمانة عمومه لغير الوضوء ، بل عمومه لكل متهم. ولعل من ذلك يستفاد أن في الحائض كراهتين. إحداهما خاصة بالوضوء ناشئة من حدث الحيض ، والأخرى عامة له وللشرب ، مختصة بالاتهام واللّه سبحانه العالم.

فصل في النجاسات

[1] إجماعا في الجملة حكاه جماعة كثيرة ، وفي بعض الكلمات : أنه إجماع علماء الإسلام. ويدل عليه جملة وافرة من النصوص ، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « سألته عن البول يصيب الثوب قال (عليه السلام) : اغسله مرتين » (2)، ونحوه صحاح كثيرة (3)، وصحيح عبد اللّه بن سنان :


1) الوسائل باب : 8 من أبواب الأسئار حديث : 1. وقد اشتمل الباب على جملة أحاديث تتضمن ذلك.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) راجع الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام الخلوة ، وباب : 1 من أبواب النجاسات وغيرهما من الأبواب المتفرقة.


« قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)، وفي خبره : « اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه » (2). ويتم الحكم في الغائط بالإجماع على عدم الفصل بينه وبين البول ، كما عن الناصريات. وروض الجنان ، والمدارك ، والذخيرة. مضافا الى الإجماع عليه بالخصوص. والى النصوص الواردة في الموارد الخاصة ، مثل ما ورد في الاستنجاء من الغائط (3)، وفي العذرة يطؤها الرجل ، من الأمر بمسحها حتى يذهب أثرها (4)، أو بغسل ما أصابه (5)، وفي خرء الفأر يصيب الدقيق ، من الأمر بإلقائه (6)، وغير ذلك من الموارد مما هو كثير. والمنع : من دلالة الأمر بالغسل على النجاسة - كما ترى - خلاف المنصرف اليه عرفا.

هذا ومقتضى إطلاق النصوص ، ومعاقد الإجماع ، عدم الفرق بين أنواع ما لا يؤكل لحمه مما ذكر في المتن وغيره. نعم عن الإسكافي القول بطهارة بول الرضيع أو الصبي الذكر قبل اكله اللحم أو الطعام - على اختلاف النقل عنه - لما في رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم » (7). وفيه - مع إمكان الجمع بينها وبين غيرها ، بالحمل على عدم احتياج تطهيره الى الغسل المعتبر فيه


1) الوسائل باب : 8 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب النجاسات حديث : 3.

3) راجع الوسائل باب : 9 ، 24 ، 28 ، 29 ، 30 من أبواب أحكام الخلوة.

4) الوسائل باب : 10 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 1 ، وباب : 32 من أبواب النجاسات حديث : 7 وباب : 26 من أبواب النجاسات حديث : 15.

5) الوسائل باب : 10 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 2.

6) الوسائل باب : 8 من أبواب النجاسات حديث : 6.

7) الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 4.

غيره ، بريا أو بحريا ، صغيراً أو كبيراً. بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح [1]. نعم في الطيور المحرمة الأقوى عدم النجاسة [2]. لكن الأحوط فيها أيضاً الاجتناب ،


العصر أو نحوه ، كما تضمنه غيرها من النصوص (1)- : أنها مهجورة عند الأصحاب ، فلا مجال للاعتماد عليها ، ولا سيما مع اشتمالها على نجاسة لبن الجارية.

[1] سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - وجهه.

[2] كما هو المحكي عن الجعفي. والعماني ، والصدوق في الفقيه ، والشيخ في المبسوط ، مستثنيا بول الخشاف ، وعليه جماعة من المتأخرين. ومستندهم مصحح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كل شي‌ء يطير فلا بأس ببوله وخرئه » (2). وعن خط محمد بن علي الجبعي نقلا عن جامع البزنطي عن أبي بصير عنه (عليه السلام) : « قال : خرء كل شي‌ء يطير وبوله لا بأس به » (3). وعن المقنع - مرسلا - : أنه لا بأس بخرء ما طار وبوله (4).

ودعوى : كون التعارض بينها وبين روايتي ابن سنان بالعموم من وجه ، اللازم في مثله الرجوع في مورد المعارضة الى حجة أخرى ، وهي في المقام الأخبار الآمرة بغسل الثوب من البول مرتين ، الدالة على نجاسته مطلقا مضافا الى ما عن المختلف عن كتاب عمار من قول الصادق (عليه السلام) : « خرء الخطاف لا بأس به ، هو مما يؤكل لحمه ، ولكنه كره أكله ... » (5).


1) راجع الوسائل باب : 1 ، 2 ، 3 من أبواب النجاسات.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) مستدرك الوسائل باب : 6 من أبواب النجاسات حديث : 2.

4) مستدرك الوسائل باب : 6 من أبواب النجاسات حديث : 4.

5) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 20 ، وباب : 39 من أبواب الصيد حديث : 5.


بناء على ظهوره في كون العلة في نفي البأس في خرء الخطاف كونه مما يؤكل لحمه ، لا الطيران ، إذ لو كان الطيران دخيلا في الطهارة كان اللازم التعليل به.

مندفعة : بأن الرجوع في مورد تعارض العامين من وجه إلى حجة أخرى موقوف على عدم إمكان الجمع العرفي بينهما ، بأن لا يكون أحدهما أقوى دلالة من الآخر في مورد المعارضة ، وليس كذلك في المقام ، فإن رواية أبي بصير أقوى فيه ، لندرة الابتلاء ببول الطير المأكول اللحم لو فرض وجوده ، ولاشعارها بكون وصف الطيران دخيلا في الحكم ، فيكون حملها على الطير المأكول حملا على فرد نادر ، أو غير معلوم التحقق ، وموجباً لإلغاء خصوصية الطيران عن الدخل في الحكم بالمرة. بل ادعى السيد المحقق البغدادي [قدس سره] العلم بعدم البول لغير الخفاش. وعليه فالرواية نص في الطير غير المأكول اللحم ، وروايتا ابن سنان ظاهرتان فيه ، فلا مجال لإعمال المعارضة بينهما فيه ، بل لا بد من تخصيص الثانية بالأولى. وأما رواية الخطاف - فمع أنها معارضة برواية الشيخ [رحمه اللّه] لها بإسقاط لفظ الخرء (1)- انها لم يظهر منها التعليل بمأكولية اللحم بنحو يصح الاعتماد عليه. ولو سلم فيمكن أن يكون تحريم الأكل مقتضيا للنجاسة ، والطيران مانعا عنها ، والتعليل بعدم المقتضي في ظرف وجود المانع شائع في لسان العرف. بل ادعى بعض الأعاظم من مشايخنا ، أن اعتبار المانعية إنما يكون في ظرف وجود المقتضي ، فعدم المعلول يستند عقلا إلى عدم المقتضي لا الى وجود المانع. فتأمل.

وقد يخدش في رواية أبي بصير بما يوجب خروجها عن موضوع الحجية ، فعن السرائر : « رويت رواية شاذة لا يعول عليها : أن ذرق الطائر


1) الوسائل باب : 39 من أبواب الصيد حديث : 5.

خصوصا الخفاش [1] ،


طاهر ، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكوله. والمعول عند محققي أصحابنا والمحصلين منهم خلاف هذه الرواية ، لأنه هو الذي تقتضيه أخبارهم المجمع عليها » ، وفي التذكرة : « وقول الشيخ [رحمه اللّه] في المبسوط بطهارة ذرق ما لا يؤكل لحمه من الطيور لرواية أبي بصير ضعيف ، لأن أحداً لم يعمل بها ». لكن صحة الرواية في نفسها واعتماد الصدوق والشيخ عليها ، يمنع من وهنها بمثل ذلك. وما ذكره في التذكرة ينافيه ما ذكره في المنتهى من نسبة القول بالطهارة إلى الشيخ والصدوق ، اعتماداً منهما على مصححة أبي بصير ، وأنها حسنة ، ومال الى العمل بها ، لأنها وان كانت معارضة برواية ابن سنان ، إلا أنها أظهر ، لأن دلالتها على الطهارة بالمنطوق ، ودلالة رواية ابن سنان على النجاسة بالمفهوم ، ودلالة المنطوق أقوى. وما في المعتبر : « إن الرواية حسنة والعامل بها قليل ».

نعم مخالفة الرواية للمشهور محققة ، ولكنه لا يقدح في حجيتها ، لاحتمال كون الوجه في عدم اعتمادهم عليها ترجيح غيرها عليها سنداً أو دلالة أو نحو ذلك. فلاحظ كلماتهم. قال في روض الجنان : « أخرج جماعة من الأصحاب الطير ، وابن الجنيد بول الرضيع قبل اكله اللحم ، استناداً الى روايات ، معارضة بأشهر منها ، أو قابلة للجمع ». [ وبالجملة ] : لا يظهر من المشهور أن الرواية المذكورة قامت القرينة القطعية عندهم على خلافها فوجب طرحها والاعراض عنها ، كي تسقط بذلك عن موضوع الحجية.

[1] فإنه قال بنجاسة بوله من لا يقول بنجاسة غير المأكول من الطير وقد ورد فيه بالخصوص رواية داود الرقي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فاطلبه ولا أجده. قال (عليه السلام) : اغسل


ثوبك » (1). ويظهر من المختلف الإجماع على نجاسته ، فإنه أجاب عن رواية أبي بصير المتقدمة ، بأنها مخصصة بالخفاش إجماعا ، فتخصص بما يشاركه في العلة. نعم يعارضها رواية غياث : « لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف » (2)، وقريب منها ما عن الجعفريات ونوادر الراوندي عن موسى (عليه السلام) (3). لكن رماها الشيخ بالشذوذ ، وكأنه لمخالفتها لما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه. ولأجل ذلك حملها على التقية. نعم هي معتضدة بمصححة أبي بصير المتقدمة ، بل لو ثبتت دعوى عدم البول للطير غير الخفاش كان التعارض محكماً بين رواية أبي بصير ورواية الرقي ، والجمع العرفي يقتضي حمل الثانية على الكراهة ، ورواية الرقي في نفسها ضعيفة السند فلا تصلح لإثبات المنع لو سلمت عن المعارض. وجبرها بالعمل غير ظاهر ، إذ بناء المشهور على نجاسة فضلة الخشاشيف كان عملا منهم بروايات نجاسة ما لا يؤكل لحمه ، التي عرفت معارضتها في الطير ، والإجماع في المختلف على تخصيص رواية الطير بالخفاش لا يبعد أن يكون المراد منه الإجماع من الشيخ وخصمه ، بقرينة أنه كان في مقام رد استدلال الشيخ على ما ذهب إليه في المبسوط ، وليس المراد إجماع العلماء على نجاسته بالخصوص ، وإلا فلم يعرف مأخذ هذا الإجماع ، إذ أن المشهور إنما ذهبوا الى النجاسة في الخشاف ، لكونهم يرون النجاسة في كل ما لا يؤكل لحمه ولو كان طيرا ، وأما غيرهم فلم ينص على النجاسة فيه إلا الشيخ ، فالإجماع على خصوصية الخشاف غير ظاهر. هذا كله مضافا الى ما يأتي من الإجماع على طهارة الفضلتين مما لا نفس له سائلة ، فإن منه الخشاف حسب ما اختبرناه واختبره جماعة.


1) الوسائل باب : 10 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب النجاسات حديث : 5.

3) مستدرك الوسائل باب : 6 من أبواب النجاسات حديث : 1.

وخصوصاً بوله [1]. ولا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصلياً كالسباع ونحوها أو عارضياً [2]


[1] فإنه مورد نص النجاسة ، وان عرفت حكاية الإجماع عن جماعة على عدم الفرق بينه وبين الخرء.

[2] إجماعا ، كما عن جماعة ، على اختلاف منهم في معقده ، فمنهم من حكاه على النجاسة في الجلال ، وآخر : في الموطوء ، وثالث : فيهما ، ورابع : في الدجاج الجلال ، وخامس : فيما هو حرام بالعارض. وذلك كله مما يقتضيه إطلاق مصححة ابن سنان المتقدمة ، إذ ما لا يؤكل لحمه أعم مما كان بالعارض قطعاً.

ودعوى : معارضته بما دل على طهارة بول الغنم والبقر ونحوهما (1)، لشموله لحال الجلل أو الموطوئية ، والمرجع في مورد المعارضة أصالة الطهارة. مندفعة أولا : بأن موضوع دليل النجاسة من قبيل العنوان الثانوي ، وموضوع دليل الطهارة من قبيل العنوان الأولي ، وفي مثل ذلك يكون دليل الأول - عرفا - مقدما على دليل الثاني ، فيحمل الثاني في المقام على كون الطهارة لعدم المقتضي في العنوان الأولي ، فلا ينافيه ثبوت النجاسة لوجود المقتضي في العنوان الثانوي ، فيكون التصرف في دليل حكم العنوان الأولي في الحكم. ويحتمل أن لا يكون التصرف في الموضوع ، لأن منافاته لدليل حكم العنوان الثانوي إنما هو بالإطلاق الاحوالي ، أعني : إطلاق الغنم - مثلا - الشامل للمحلل والمحرم ، فيحمل على خصوص المحلل والتصرف في هذا الإطلاق بالحمل على خصوص المحلل أهون من التصرف في الإطلاق الأفرادي لما لا يؤكل لحمه ، بالحمل على ما كان محرم الأكل بالعنوان الأولي لأن نسبة الحكم إلى أفراد الإطلاق الثاني نسبة واحدة في مرتكز العرف ،


1) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 5 ويستفاد من كثير من اخبار الباب المذكور.

كالجلال [1].


بخلاف نسبة الحكم إلى الأحوال التي يشملها الإطلاق الاحوالي ، فإنها مختلفة في ارتكاز العرف ، فإن النجاسة للغنم الحلال ليست كالنجاسة للغنم الحرام ، فإن الأولى على خلاف الارتكاز والثانية على طبقه ، كما يظهر بأقل تأمل ، ولأجل ذلك يكون التصرف في الإطلاق الاحوالي عند العرف أقرب من التصرف في الإطلاق الأفرادي عندهم.

وثانيا : بأنه لو بني على تحقق التعارض بين الدليلين فالمرجع عموم ما دل على نجاسة البول مطلقاً ، المقدم على أصل الطهارة.

فإن قلت : لو بني على العمل بإطلاق ما يحرم أكله ولو للعنوان الطارئ لأشكل الأمر فيما حرم للضرر أو الغصب أو النذر أو نحو ذلك من العناوين الثانوية ، إذ لا مجال لتوهم النجاسة في أمثال ذلك. ولو ادعي أن الظاهر من حرمة الأكل النوعية اختص الاشكال بما كان حراما كذلك كالمضر نوعا ، وغير المأذون فيه كذلك [ قلت ] : الظاهر مما لا يؤكل ما يحرم اكله بما هو حيوان ، على أن تكون الحيوانية دخيلة في الموضوعية للحكم ، كالموطوء والجلال ، فلا يشمل ما يحرم لأنه مغصوب ، أو مضر ، أو منذور ترك أكله ، لا من حيث كونه حيواناً ، فلا مجال لهذا الإشكال.

[1] فإن المشهور حرمة لحمه. وعن الإسكافي والشيخ الكراهة ، بل ظاهر عبارة الثاني نسبته إلى أصحابنا ، إلا أن مورد كلامه ما كان أكثر علفه العذرة ، والظاهر أنه غير مورد كلام الأصحاب من الجلال الذي يكون تمام علفه العذرة. ومن ذلك تشكل نسبة الخلاف اليه. نعم الظاهر تحقق الخلاف من الأول. وان كان ظاهر النصوص الحرمة ، من دون ظهور معارض يوجب حملها على الكراهة. ففي صحيح هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :

وموطوء الإنسان [1] ، والغنم الذي شرب لبن خنزيرة [2]. وأما البول والغائط من حلال اللحم فطاهر [3] حتى الحمار


« لا تأكلوا لحوم الجلالة ، وان أصابك من عرقها فاغسله » (1)، ونحوه غيره.

[1] فان المعروف حرمة لحمه. ويقتضيه ظاهر النصوص ، ففي خبر مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن البهيمة التي تنكح فقال (عليه السلام) : حرام لحمها ، وكذلك لبنها » (2).

[2] بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه جملة من النصوص ، وفيها الموثق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن جدي رضع من لبن خنزيرة ، حتى شب وكبر واشتد عظمه ، ثمَّ إن رجلا استفحله في غنمه فخرج له نسل. فقال (عليه السلام) : أما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه ، وأما ما لم تعرفه فكله » (3). ومورده أخص من فتوى الأصحاب ، وغيره (4)أعم منها. فكأن العمدة الإجماع على اعتبار الاشتداد وكفايته.

[3] عن الخلاف والناصريات والغنية والتذكرة والبيان : الإجماع على طهارة فضلة المأكول. ويقتضيه جملة من النصوص كمصحح زرارة : « أنهما (عليهما السلام) قالا : لا تغسل ثوبك من بول شي‌ء يؤكل لحمه » (5). وفي موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كل ما أكل لحمه فلا بأس بما


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الأسئار حديث : 1 ، وباب : 37 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 1 وقد اشتمل الباب على بعض الاخبار الدالة على المطلوب.

2) الوسائل باب : 30 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 3.

3) الوسائل باب : 25 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 1.

4) راجع الوسائل باب : 25 من أبواب الأطعمة المحرمة.

5) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 4.

والبغل والخيل [1].


يخرج منه » (1).

[1] فان المشهور حلية لحمها وكراهته ، وعن المفيد [رحمه اللّه] تحريم الأولين والهجن من الثالث ، وعن الحلبي تحريم الثاني. ويشهد لهما بعض النصوص (2). لكن حمله على الكراهة للنصوص الظاهرة في الحل ، والمصرحة بالكراهة - جمعاً عرفياً - متعين. والمشهور أيضاً طهارة فضلة المذكورات. لعموم ما دل على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه. ويشهد له جملة وافرة من النصوص بالخصوص ، كرواية أبي الأغر النخاس : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت ، فيضرب أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه. فقال (عليه السلام) : ليس عليك شي‌ء » (3). ورواية المعلى وابن أبي يعفور : « كنا خرجنا في جنازة وقدامنا حمار ، فبال ، فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا ، فدخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرناه فقال (عليه السلام) : ليس عليكم بأس » (4). وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس بروث الحمر ، واغسل أبوالها » (5). وقريب منه رواية أبي مريم في الدواب (6)ورواية عبد الأعلى بن أعين في الحمير والبغال (7)...


1) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 12.

2) راجع الوسائل باب : 5 من أبواب الأطعمة المحرمة.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 2.

4) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 14.

5) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 1.

6) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 8.

7) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 13.

وكذا من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل [1] ، كالسمك المحرم ونحوه.


إلى غير ذلك. وضعف السند لو كان في جميعها فهو منجبر بعمل الأصحاب.

وعن الإسكافي والشيخ وجماعة من متأخري المتأخرين كالأردبيلي وتلميذيه : القول بالنجاسة. ويشهد لهم كثير من النصوص - كمصحح محمد ابن مسلم : « وسألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير. فقال : اغسله ، فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله ، فان شككت فانضحه » (1). وفي رواية الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الخيل والبغال. فقال (عليه السلام) : اغسل ما أصابك منه » (2)ونحوهما غيرهما. لكن يجب حمله على الكراهة جمعاً عرفيا. وأما ما ظاهره التفصيل بين البول والروث فمحمول على اختلاف مراتب الكراهة بقرينة غيره.

[1] بلا خلاف ، كما عن الحدائق وشرح الدروس. للأصل. وقصور أدلة النجاسة عن شموله ، لانصرافها الى غيره. ولطهارة ميتته ودمه ، فصارت فضلاته كعصارة النبات. لكن الجميع كما ترى. وكأنه لذلك تردد في الشرائع - وكذا في المعتبر - في رجيع الذباب والخنافس. لكن قال بعد ذلك : « والأشبه الطهارة ». بل عدم تقييد موضوع النجاسة بذي النفس السائلة في كلام جماعة ظاهر في عموم النجاسة له ولغيره. ومن هنا يشكل الاعتماد على ظهور الإجماع المدعى. نعم يختص الاشكال بالبول مما له لحم ، أما الخرء فقد عرفت أنه لا عموم يدل على نجاسته ، وأن العمدة فيه الإجماع وهو منتف في غير ذي النفس ، فالمرجع فيه أصل الطهارة ولذلك قال في المدارك : « أما الرجيع فلا أعرف للتردد في طهارته وجهاً ».


1) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 6.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 11.

[ مسألة 1 ] : ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة [1] كالنوى الخارج من الإنسان ، أو الدود الخارج منه ، إذا لم يكن معه شي‌ء من الغائط ، وان كان ملاقياً له في الباطن. نعم لو أدخل من الخارج شيئاً فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان. إن علم ملاقاتها له فالأحوط الاجتناب عنه. وأما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة ، فلو خرج ماء الاحتقان ولم يعلم خلطه بالغائط ولا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته.


لأن الطهارة مقتضى الأصل ، ولا معارض له. وكذا الحال في بول ما لا لحم له ، فإنه لا يشمله عموم النجاسة ، والأصل فيه الطهارة.

[1] ملاقاة النجاسة في الداخل [ تارة ] : يكون المتلاقيان من الداخل كالدم الخارج من بين الأسنان الملاقي لها وللريق ، وللّثة [ وأخرى ] : يكون أحدهما من الخارج فيدخل الى الداخل ، سواء اكان الداخل النجاسة ، كالماء النجس يتمضمض به ، أم الملاقي لها ، كالماء الطاهر يتمضمض به مع وجود أجزاء الدم في الفم.

ففي الصورة الأولى : لا إشكال عندنا في عدم الانفعال ، وعن أبي حنيفة نجاسة جميع ما يخرج من القبل والدبر ، لأنه خرج من مجرى النجاسة قال في المعتبر : « وليس بشي‌ء ، لأن النجاسات لا يظهر حكمها إلا بعد خروجها عن المجرى ». وظاهره أن ذلك من المسلمات. وعن ظاهر شرح الروضة : نفي الخلاف فيه. ويشهد له ما ورد في طهارة المذي والودي وبلل الفرج (1).


1) راجع الوسائل باب : 12 من أبواب نواقض الوضوء ، وباب : 17 ، 55 من أبواب النجاسات.


والظاهر أن الحكم في الصورة الثانية كذلك ، وعن ظاهر شرح الروضة أيضاً نفي الخلاف فيه. ويشهد له ما ورد في طهارة بصاق شارب الخمر مثل خبر عبد الحميد : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل يشرب الخمر فيبصق ، فأصاب ثوبي من بصاقه. فقال (عليه السلام) : ليس بشي‌ء » (1)، وفي طهارة بلل الفرج مع كون المرأة جنباً ، كرواية إبراهيم بن أبي محمود : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة عليها قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب أتصلي فيه؟ قال (عليه السلام) إذا اغتسلت صلت فيهما » (2)، فإنه شامل لصورة كون جنابتها بالوطء ، وإنزال الرجل في فرجها ، بل هو الغالب. نعم يمكن الإشكال في الدلالة على عدم الانفعال لاحتمال كون زوال العين مطهراً. فالعمدة في إثبات عدم الانفعال ما يأتي من قصور الأدلة.

وأما الصورة الثالثة : فهي وان كانت داخلة في كلام المعتبر المتقدم لكن لم أعثر على نص فيها. وكأنه لذلك كانت محلا للإشكال ، من جهة قاعدة سراية النجاسة إلى الملاقي ، ومن أن القاعدة المذكورة ليس عليها دليل لفظي له إطلاق أحوالي يشمل صورة الملاقاة في الداخل ، وإنما هي مستفادة من الحكم بالنجاسة في الموارد المتفرقة ، التي كلها تكون الملاقاة فيها في الخارج ، فالتعدي منها إلى الملاقاة في الداخل لا دليل عليه ظاهر إذ لا إجماع عليه. والارتكاز العرفي وان كان يقتضي التعدي ، لعدم الفرق عند العرف بين الداخل والخارج. لكنه معارض بالارتكاز الموجب للتعدي من المتكون في الجوف الى الداخل اليه ، ومن الصورة الأولى والثانية ، إلى الثالثة ، فإن التفكيك بينهما خلاف الارتكاز ، وبعد تعارض الارتكازين


1) الوسائل باب : 39 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 55 من أبواب النجاسات حديث : 1.

[ مسألة 2 ] : لا مانع من بيع البول ، والغائط ، من مأكول اللحم [1].


يبنى على الاقتصار على موارد الأدلة ، ويرجع في غيره إلى أصالة الطهارة. ومقتضى ذلك البناء على عدم نجاسة باطن الإنسان وما يتكون فيه من الرطوبات كما سيأتي التعرض له من المصنف في المطهرات. بل لو لا ظهور التسالم على الحكم بنجاسة الأعيان النجسة في الداخل ، لأمكن القول بطهارتها ما لم تخرج ، لأن أدلة نجاستها لا إطلاق فيها يشمل حال كونها في الداخل. ومن ذلك يظهر الحكم بطهارة السن الصناعي الذي يوضع في الفم بدل السن الطبيعي ، عند ملاقاته للدم الذي يخرج من اللثة أو اللّهاة. بل لا يبعد الحكم بعدم سراية النجاسة في المتلاقيين إذا كانا معا من الخارج ، وكانت الملاقاة في الداخل ، كما في السن الصناعي عند المضمضة بالماء المتنجس. وان كان الحكم في هذه الصورة الرابعة أخفى ، وحسن الاحتياط فيها وفي الثالثة واضح.

[1] أما البول : فلعدم دليل على المنع فيه ، فعمومات صحة البيع بلا مخصص. نعم لا بد أن يكون مالا عرفا ، بحيث يكون مما يتنافس عليه العقلاء ، لئلا يكون أكل المال بإزائه أكلا للمال بالباطل. ومجرد الطهارة لا يوجب ذلك ، بل يتوقف على وجود منفعة معتد بها عند العقلاء ، مع عزة الوجود ، فلو لم يكن له منفعة أو كان مبذولا - كالماء في شاطئ النهر - لم يجز بيعه. والبول الطاهر بعد كونه مستقذراً عند العرف ، لا يكون له منفعة ، ولا فيه غرض يوجب التنافس عليه ، فلا يكون مالا ولأجل ذلك يشكل جواز بيع بول الإبل أيضاً وان حكي الإجماع عليه. لكنه غير ظاهر مطلقا. وجواز شربه للاستشفاء لا يوجب ماليته ما لم يكن الداعي إلى شربه عاما. وكذا بول البقر والغنم الذي ورد جواز شربه للتداوي به.

وأما بيعهما من غير المأكول فلا يجوز [1]. نعم يجوز الانتفاع بهما في التسميد ونحوه [2].


وأما الغائط : فالظاهر كونه مالا عرفا - غالبا - لكثرة الحاجة إليه في الإشعال ، والتسميد ، ونحوهما من الانتفاعات العامة ، فهو من الأموال ولذا جرت السيرة على بذل الأموال الطائلة بإزائه ، فلا مانع من بيعه من هذه الجهة ، والعمومات الدالة على صحة البيع دالة على صحة بيعه.

[1] أما البول : فالظاهر أنه لا إشكال في عدم جواز بيعه ، وقد نفي الخلاف فيه. ويقتضيه النهي عنه في رواية تحف العقول (1). مضافا الى ما عرفت من عدم كونه مالا عرفا.

وأما الغائط : فنقل الإجماع عليه مستفيض. وتقتضيه رواية تحف العقول ، وخبر يعقوب بن شعيب : « ثمن العذرة سحت » (2). نعم في رواية محمد بن مضارب عن الصادق (عليه السلام) : لا بأس ببيع العذرة » (3)لكنها مهجورة ، مخالفة للإجماع ، فيتعين طرحها ، أو تأويلها. وجمع بينهما بحملها على عذرة غير الإنسان ، أو على بلاد ينتفع بها فيها. لكنه جمع بلا شاهد. وأما الجمع بحمل الأول على الكراهة ، فبعيد جداً عن لفظ السحت. مع أنه موقوف على اجتماع شرائط الحجية في الثانية ، وقد عرفت خلافه.

[2] ظاهر جماعة كونه من المسلمات ، وفي محكي المبسوط : « سرجين ما لا يؤكل لحمه وعذرة الإنسان وخرء الكلب لا يجوز بيعها ، ويجوز الانتفاع بها في الزروع والكروم وأصول الشجر ، بلا خلاف » ، وقريب منه ما عن


1) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.

3) الوسائل باب : 40 من أبواب ما يكتسب به حديث : 3.

[ مسألة 3 ] : إذا لم يعلم كون حيوان معين أنه مأكول اللحم أو لا ، لا يحكم بنجاسة بوله وروثه [1] ، وان كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل [2].


غيره. وفي رواية وهب بن وهب عن علي (عليه السلام) : « انه كان لا يرى بأسا أن تطرح في المزارع العذرة » (1). نعم في رواية تحف العقول (2): المنع من جميع التقلبات في النجس. ولعل المراد الانتفاع المحرم ، أو ما يدل على عدم المبالاة في الدين كما عن الشيخ الأكبر [رحمه اللّه]. والأمر سهل بعد عدم ثبوت الجابر لها. وان حكي عن فخر الدين والمقداد دعوى الإجماع على أصالة حرمة الانتفاع بالنجس مطلقاً ، لكنه غير ظاهر ، بل ظاهر كلمات جماعة خلافه. والاستدلال له ببعض الآيات الكريمة والروايات الشريفة أشكل ، لقصور الدلالة أو السند. فراجع كلمات شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في مكاسبه. جزاه اللّه تعالى عن العلم وأهله خير جزاء المحسنين.

[1] لأصالة الطهارة.

[2] تردد الحيوان بين محلل الأكل ومحرمه [ تارة ] : يكون من جهة الشبهة الحكمية ، كأن لا يعلم أن الأرنب محرم الأكل أو محلل الأكل [ وأخرى ] : من جهة الشبهة الموضوعية ، كأن لا يعلم أن الحيوان الخارجي شاة أو ذئب. وكل منهما [ تارة ] : يعلم بقبوله للتذكية وطهارته على تقدير وقوعها عليه. [ وأخرى ] : لا يعلم ذلك. فهنا مسائل :

الأولى : في حكم الحيوان المعلوم عنوانه ، كالارنب غير المعلوم كونه محلل الأكل أو محرمة ، مع العلم بقبوله للتذكية ، فنقول : مقتضى استصحاب الحرمة الثابتة قبل وقوع التذكية عليه إلى ما بعدها هي حرمة أكله ، وهو


1) الوسائل باب : 29 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.


حاكم أو وارد على أصالة الإباحة.

والاشكال على الاستصحاب المذكور من جهة عدم بقاء الموضوع ، تارة : لأن موضوع الحرمة المعلومة الحيوان ، وموضوع الحرمة المشكوكة اللحم ، وهما متغايران عرفا. وأخرى : من جهة أن الحرمة الثابتة قبل التذكية موضوعها غير المذكى ، والمشكوك ثبوتها بعد التذكية موضوعها المذكى. [ مندفع ] : بأن المعيار في وحدة الموضوع المعتبرة في جريان الاستصحاب الوحدة في نظر العرف ، بحيث يصدق الشك في البقاء عرفا ، والاختلاف بين الحيوان واللحم لا يوجب التعدد في نظر العرف ، ولا ينتفي لأجله صدق الشك في بقاء الحرمة. ولأجل ذلك نقول : لا مانع من جريان استصحاب نجاسة الكلب بعد موته ، ولا من استصحاب جملة من أحكام الزوجية بعد موت الزوج أو الزوجة. وبذلك يندفع الاشكال من الجهة الثانية أيضاً ، ولذا بني على استصحاب نجاسة الماء المتغير بالنجاسة بعد زوال تغيره ، واستصحاب حكم الحاضر بعد سفره ، وحكم المسافر بعد حضره ، وأمثال ذلك.

ومثله في الاندفاع الإشكال أيضاً : بأن الحرمة الثابتة قبل التذكية معلولة لعدم التذكية ، والمشكوك ثبوتها بعد التذكية ناشئة من خصوصية في الحيوان ، وتعدد العلة يوجب تعدد المعلول عرفا. إذ فيه : المنع من ذلك أيضاً ، فإن البقاء عين الحدوث وجوداً. مع أنه قد يختلف معه في العلة ، كما في الأمور القارة التي يستند بقاؤها إلى استعداد ذاتها ، وحدوثها إلى علة أخرى ، كالجدار المبني ، فان حدوثه بفعل البناء ، وبقاؤه باستعداد ذاته ، وصدق البقاء فيه من ضروريات العرف.

نعم يمكن أن يقال : إن الحرمة الناشئة من الخصوصية الذاتية لما لم تكن في رتبة الحرمة الناشئة من الجهة العرضية - أعني عدم التذكية - لترتب


موضوعيهما امتنع أن تكون إحداهما مؤكدة للأخرى ، ولا وجود إحداهما بقاء للأخرى ، لأن البقاء عين الحدوث وجوداً ، فلا يكون بينهما اختلاف رتبة. وحينئذ فالمعلوم وجودها حال الحياة الحرمة التي موضوعها اللامذكى وهي زائلة قطعاً بعد التذكية والمحتمل وجودها بعد التذكية هي الحرمة الثابتة للذات نفسها ، وهو وجود آخر يحتمل مقارنته لوجود الحرمة الزائلة وبقاؤه بعد زوالها. فيكون الاستصحاب من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي ، الذي ليس بحجة على التحقيق.

هذا وهذا التقريب يبتني على كون وصف اللامذكى مأخوذاً في موضوع الحرمة على نحو الجهة التقييدية عرفا ، ووصف التغير في مسألة نجاسة المتغير مأخوذاً في موضوع النجاسة على نحو الجهة التعليلية عرفا. ولكنه غير واضح فالبناء على عدم جريان الاستصحاب لأجله غير ظاهر.

نعم لا بأس بالرجوع في إثبات الحل إلى عمومات الحل ، مثل قوله تعالى : ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ... ) (1)وقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) (2)وقوله تعالى ( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) (3)ونحوها ، الحاكم على الاستصحاب لو سلم جريانه. واستصحاب حكم المخصص في مثله غير جار ، لكون التخصيص من أول الأمر ، كما لا يخفى.

المسألة الثانية : في حكم الحيوان المعلوم العنوان مع الشك في حله وحرمته وفي قبوله للتذكية وعدمه ، فنقول : لا ينبغي التأمل في أن المستفاد من ملاحظة موارد استعمال لفظ التذكية أنها عبارة عن صفة خاصة تحدث


1) الانعام : 145.

2) المائدة : 5.

3) المائدة : 4.


في الحيوان من أسباب معينة ، مثل الذبح الخاص ، والنحر كذلك ، وغيرهما من الأسباب. وما في القاموس وعن كاشف اللثام : من أنها الذبح. في غير محله ، أو ليس على ظاهره. وحينئذ إذا شك في قبول الحيوان للتذكية كان مقتضى الأصل عدمها.

وربما يتوهم أنها الطهارة فإذا شك في ثبوتها بعد الموت كان المرجع استصحاب الطهارة الثابتة حال الحياة. إذ فيه : أن التذكية وان كانت هي الطهارة ، لكنها طهارة خاصة ، ولذا يحكم بطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة مع أنها غير ذكية ، ويحكم بطهارة الحيوان حال الحياة ، وهو غير ذكي ، فالمراد من التذكية طهارة خاصة ، لا الطهارة مقابل النجاسة التي هي مفاد قاعدة الطهارة.

نعم ادعى غير واحد : أن الأصل قابلية كل حيوان للتذكية ، بل في الحدائق : « لا خلاف بين الأصحاب [ رض ] فيما أعلم أن ما عدا الكلب والخنزير والإنسان من الحيوانات الطاهرة يقع عليه الذكاة ». وقد استدلوا على ذلك بالآيات والنصوص المتضمنة لحلية ما أمسك الكلاب (1)، وما ذكر اسم اللّه تعالى عليه (2)ولحلية ما يصطاد بالسيف أو الرمح أو نحوهما (3)وبما دل على حلية كل حيوان إلا ما خرج (4). مثل قوله تعالى : ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ... ) (5)وما في موثق ابن بكير من قوله (عليه السلام) : « ذكاه الذابح أو لم يذكه » (6).


1) المائدة : 4. وراجع الوسائل باب : 1. 2 من أبواب الصيد.

2) الانعام : 118 ، 121 ، وراجع الوسائل باب : 15 من أبواب الذبائح.

3) راجع الوسائل باب : 16 من أبواب الصيد.

4) راجع الوسائل باب : 1 من أبواب الأطعمة المباحة.

5) الأنعام : 145.

6) الوسائل باب : 2 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.


لكن الجميع كما ترى. إذ الأول في مقام بيان السبب الذي تكون به التذكية بعد المفروغية عن قابلية الحيوان لها. والثاني مقيد بما دل على اعتبار التذكية في حل الحيوان. مع أن الآية الشريفة قد استثني فيها الميتة وهي غير المذكى ، كما يفهم من جملة من النصوص (1). وما في الموثق غير ظاهر الدلالة على ذلك ، لأن عدم تذكية الذابح أعم من عدم القابلية للتذكية ، ولا سيما بناء على ما في بعض النسخ من قوله (عليه السلام) : « ذكاه الذبح » بدل : « ذكاه الذابح » ، فان الجمود على العبارة يقتضي أن يكون الذبح موجباً للذكاة تارة ، وغير موجب لها أخرى.

ومثل ذلك في الاشكال الاستدلال - كما في الجواهر - بصحيح علي ابن يقطين : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء ، والسمور ، والفنك والثعالب وجميع الجلود. قال (عليه السلام) : لا بأس بذلك » (2)إذ لو لم تقبل الجلود التذكية كانت ميتة لا يجوز لبسها ، ونحوه صحيح الريان بن الصلت (3)، إذ فيه : أنه إن ثبت عدم جواز لبس الميتة كان ذلك مخصصاً للصحيح المذكور ونحوه بالمذكى ، والعام المخصص بمخصص منفصل لا يدل على انتفاء الخاص ، واللازم الرجوع الى الأصل.

اللّهم إلا أن يقال : إنما لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا لم يكن بيان المصداق من وظيفة الشارع ، وإلا كان العام حجة في الفرد المشكوك ، لأن دليل التخصيص إنما يعارض العام إذا كان عنوان الخاص منطبقاً على عنوان العام ، ومقتضى العام عدم الانطباق ، لأنه يدل بالمطابقة .


1) وهي النصوص المقابلة للمذكى بالميتة ، كما تعرض - قدس سره - الى ذلك في التنبيه الأول من تنبيهات البراءة من كتاب حقائق الأصول.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.


على ثبوت حكم العام في كل فرد ، ويدل بالالتزام على نفي عنوان الخاص عن كل فرد. وهذه الدلالة الالتزامية وان لم تكن حجة في إثبات ذلك إذا كان خارجاً من وظيفة الشارع ، لكنها حجة إذا كان النفي من وظائفه ، فإن كان الشك في التذكية من جهة الشك في وجود السبب الشرعي يكون المرجع أصالة عدم التذكية ، وان كان من جهة وجود القابلية التي من وظائف الشارع بيانها ، فالتمسك بعموم الصحيح ونحوه لإثباتها في محله.

نعم يختص الصحيح ونحوه بالحيوانات ذوات الجلود ، فيبقى غيرها على مقتضى الأصل. نعم يمكن أن يقال : إن الذكاة من المفاهيم العرفية ، وهي في الحيوان من الأفعال التوليدية التي لها أسباب خاصة عندهم ، فإطلاق أدلة أحكام التذكية من الطهارة وحل الأكل وجواز الانتفاع وغيرها ينزل - بمقتضى الإطلاق المقامي - على ما هو عند العرف. فاذا دل دليل على قيد أخذ به ، ومع الشك فيه يرجع الى ما عند العرف ، عملا بالإطلاق المقامي ، وعلى هذا ما يكون قابلا عند العرف للتذكية محكوم بذلك شرعاً ، وما علم بعدم قابليته لها عندهم ، أو شك فيها ، يرجع فيه الى أصالة عدم التذكية. وهذا نظير ما يقال في مثل ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (1)ونحوه من أدلة العقود والإيقاعات ، من وجوب الحمل على المفاهيم العرفية وأسبابها وشرائطها - ومنها قابلية المحل - فيكون تطبيق العرف حجة ما لم يرد عنه رادع.

ويشير إلى ما ذكرنا خبر علي بن أبي حمزة قال : « سألت أبا عبد اللّه أو أبا الحسن (عليه السلام) عن لبس الفراء والصلاة فيها. فقال : لا تصل فيها إلا فيما كان منه ذكياً. قال : قلت : أوليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ قال : بلى ، إذا كان مما يؤكل لحمه ... » (2). فان ظاهره السؤال


1) البقرة : 275.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب لباس المصلي حديث : 3.


عن صحة حمل المراد على المعنى العرفي ، ولزوم العمل على تطبيقهم ، وقوله (عليه السلام) : « إذا كان مما ... » ليس لبيان اعتبار المأكولية في مفهوم التذكية ، بل لبيان اعتبارها في جواز الصلاة بالمذكى كما يشهد به ما في ذيله. مضافا إلى النصوص والإجماع على وقوع التذكية على غير مأكول اللحم.

هذا ولو بني على أن التذكية عبارة عن الأفعال الخاصة من فري الأوداج وغيرها مع القابلية - على أن تكون القابلية جزءاً لمفهومها - فلا مجال لجريان أصالة عدمها إذا شك فيها للشك في القابلية ، إذ القابلية لم يحرز لعدمها حالة سابقة لأنها من لوازم الماهية ، فلا يجري فيها أصل العدم ، حتى لو بني على جريانه في إثبات العدم الأزلي ، لاختصاص القول بجريانه بعوارض الوجود ، ولا يجري في عوارض الماهية. وكذا الكلام لو قيل : بأن التذكية عبارة عن نفس الأفعال الخاصة بشرط القابلية ، فإنه لو شك في التذكية للشك في القابلية - مع تحقق الأفعال الخاصة - لا مجال لجريان أصالة عدم الوجود الخاص ، إذ لا شك في الوجود وإنما الشك في الخصوصية ، وهي ليست مجرى لأصل العدم.

المسألة الثالثة : في حكم الحيوان المشكوك كونه محلل الأكل من جهة الشبهة الموضوعية ، لتردده بين عنوانين ، أحدهما محلل والآخر محرم. مع العلم بقبوله للتذكية على كل حال. والكلام فيها هو الكلام في المسألة الأولى بعينها. وليس الفرق إلا من جهة عدم جواز التمسك هنا بعموم الحل ، لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. ولأجل أنك عرفت عدم وضوح المناقشات في استصحاب الحرمة ، فالرجوع إليه في محله. فتأمل.

المسألة الرابعة : في حكم الحيوان المردد بين المحلل الأكل كالشاة ، والمحرم - كالخنزير - الذي لا يقبل التذكية. والكلام فيها هو الكلام في

وكذا إذا لم يعلم أن له دما سائلا أم لا [1] ، كما أنه إذا شك في شي‌ء أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه [2] ، أو شك في أنه من الحيوان الفلاني حتى يكون نجساً ، أو من الفلاني


المسألة الثانية ، فيرجع فيه إلى أصالة عدم التذكية المقتضية للحرمة والنجاسة.

وكيف كان فالحرمة الثابتة للحيوان بالاستصحاب لا تقتضي نجاسة البول والغائط ، لأن حرمة الأكل المأخوذة موضوعا للنجاسة ، هي ما كانت لخصوصية في الحيوان ، والاستصحاب لا يثبتها. وكذا لو ثبتت الحرمة بأصالة عدم التذكية ، فإن الحرمة لعدم التذكية غير الحرمة المذكورة ، كما هو ظاهر.

[1] لأصالة الطهارة من دون معارض. نعم في الجواهر : هل يحكم بطهارة فضلته حتى يعلم أنه من ذي النفس ، للأصل واستصحاب طهارة الملاقي. أو يتوقف الحكم بالطهارة على الاختبار. لتوقف امتثال الأمر بالاجتناب عليه ، ولأنه كسائر الموضوعات التي علق الشارع عليها أحكاماً كالصلاة للوقت والقبلة. أو يفرق بين الحكم بطهارته وبين عدم تنجيسه للغير ، فلا يحكم بالأول إلا بعد الاختبار ، بخلاف الثاني؟ وجوه لم أعثر على تنقيح شي‌ء منها في كلمات الأصحاب. انتهى ملخصاً. وفيه : أن وجوب الاجتناب عن النجس لا يقتضي الاحتياط في موارد الشك ، كما حرر في محله. والقياس على مثل القبلة والوقت غير ظاهر ، لكون الشك فيها شكا في الفراغ ، وما نحن فيه شك في التكليف.

[2] لما تقدم من جريان أصالة الطهارة فيها. نعم يفترق هذا الفرض عن الفرض الأول ، أنه في هذا الفرض لا مجال للرجوع الى استصحاب الحرمة ، أو أصالة الحل ، أو غيرهما في نفس الحيوان لأنه من الفرد المردد بين معلوم الحل ومعلوم الحرمة ، والمردد ليس مجرى للأصول.

حتى يكون طاهراً ، كما إذا رأى شيئاً لا يدري أنه بعرة فار أو بعرة خنفساء. ففي جميع هذه الصور يبني على طهارته.

[ مسألة 4 ] : لا يحكم بنجاسة فضلة الحية ، لعدم العلم بأن دمها سائل. نعم حكي عن بعض السادة [1] : أن دمها سائل. ويمكن اختلاف الحيات في ذلك. وكذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح ، للشك المذكور ، وان حكي عن الشهيد : أن جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلا التمساح. لكنه غير معلوم. والكلية المذكورة أيضاً غير معلومة.

الثالث : المني من كل حيوان [2] له دم سائل ،


[1] قد صرح في المعتبر في أحكام البئر : أن الحية دمها سائل ، وأن ميتتها نجسة. انتهى. ونسب ذلك الى المعروف بين الأصحاب ، وعن المبسوط دعوى الإجماع على نجاستها بالقتل. وفي المدارك : « إن المتأخرين استبعدوا وجود النفس لها ».

[2] إجماعاً ، حكاه جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين ومتأخريهم ، وفي جملة من كلماتهم تقييد معقده بكونه من ذي النفس السائلة ، وكأنه لقصور النصوص عن شمول غيره ، لانصرافها إلى مني الإنسان - كما عن جماعة من الأعيان - بل عن بعض : أنها ظاهرة كالعيان. وإن منعها بعض من تأخر. ولكنه محل نظر ، كما يظهر من ملاحظة سياقها ، وكون مورد جميعها المني يصيب الثوب ، فان عدم الابتلاء بغير مني الإنسان يوجب انصرافه إلى مني الإنسان. ولا سيما بملاحظة ما في القاموس : من أنه ماء الرجل والمرأة. وما عن الصحاح : من أنه ماء الرجل ، فلا يكون ترك الاستفصال فيه مقتضياً للعموم. وأما ما في صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :

حراماً كان أو حلالا بريا أو بحريا. وأما المذي ، والوذي ، والودي ، فطاهر [1]


« قال : ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول ، ثمَّ قال : إن رأيت المني قبل ... » (1). فالظاهر منه شدة النجاسة وتأكدها ، لا عمومها.

ومن ذلك يظهر أن التعدي إلى مطلق ذي النفس مأكولا أو غيره لأجل الإجماع. كما أن الظاهر انعقاده على طهارته من غير ذي النفس ، وتردد المحقق في الشرائع والمعتبر غير قادح ، لأنه اختار فيهما الطهارة بعد ذلك. ولأجل ذلك لا يكون للاهتمام في إثبات عموم النصوص مزيد فائدة. ولأجله أيضاً يخرج عن إطلاق موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه » (2)، وإطلاق موثق ابن بكير الوارد في جواز الصلاة في كل ما يكون مما يؤكل لحمه أو يخرج منه. (3)كما يجب الخروج عما قد يدل على طهارته ، كصحيح زرارة : « عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله؟ فقال : نعم لا بأس به ، إلا أن تكون النطفة فيه رطبة ، فإن كانت جافة فلا بأس » (4).

[1] كما هو المعروف ، بل لا يعرف الخلاف في ذلك منا ، وإنما حكي عن بعض العامة. نعم عن ابن الجنيد القول بنجاسة المذي الذي يخرج عقيب الشهوة. ويشهد له حسن الحسين بن أبي العلاء : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب. قال (عليه السلام) : ان عرفت مكانه فاغسله ، وان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله (5)، وفي خبره


1) الوسائل باب : 16 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 12.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب النجاسات ملحق حديث : 6.

4) الوسائل باب : 27 من أبواب النجاسات حديث : 7.

5) الوسائل باب : 17 من أبواب النجاسات حديث : 3.

من كل حيوان إلا نجس العين [1].


الآخر : « يغسله ولا يتوضأ » (1). لكن - مع عدم اختصاصهما بالشهوة واعراض الأصحاب عنهما - يعارضهما كثير من النصوص ، كمصحح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن سال من ذكرك شي‌ء من مذي أو وذي ، وأنت في الصلاة فلا تغسله ، ولا تقطع له الصلاة ، ولا تنقض له الوضوء وان بلغ عقبك ، فإنما ذلك بمنزلة النخامة » (2)، ونحوه غيره. فيتعين لذلك حملهما على الاستحباب. ويشهد به صحيح محمد عن أحدهما : « سألته عن المذي يصيب الثوب. فقال (عليه السلام) : ينضحه بالماء إن شاء » (3)وحسن الحسين بن أبي العلاء الآخر : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب. قال (عليه السلام) : لا بأس به. فلما رددنا عليه قال (عليه السلام) : ينضحه بالماء » (4).

هذا ويكفي في طهارة الوذي والودي - مضافا إلى الأصل - ظهور الإجماع والاخبار الواردة في البلل المشتبه بالبول (5)، ومرسل ابن رباط : « وأما الودي فهو الذي يخرج بعد البول ، وأما الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء ولا شي‌ء فيه » (6).

[1] لما دل على نجاسته الظاهر في نجاسة جميع ما يخرج منه.


1) الوسائل باب : 17 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 2. ويتضمن ذلك غيره من احاديث الباب.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب النجاسات حديث : 1.

4) الوسائل باب : 17 من أبواب النجاسات حديث : 2.

5) راجع الوسائل باب : 13 من أبواب نواقض الوضوء.

6) الوسائل باب : 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 6.

وكذا رطوبات [1] الفرج ، والدبر [2] ، ما عدا البول والغائط. الرابع : الميتة من كل ما له دم سائل [3] ، حلالا كان أو حراما.


[1] بلا خلاف ظاهر. ويدل عليه صحيح إبراهيم بن أبي محمود : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة عليها قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب أتصلي فيه؟ قال (عليه السلام) : إذا اغتسلت صلت فيهما » (1).

[2] بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه ما في مصحح زرارة المتقدم من قوله (عليه السلام) : « وكل شي‌ء خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل ، أو من البواسير ، وليس بشي‌ء فلا تغسله من ثوبك ، إلا أن تقذره » (2)

[3] إجماعا محصلا ومنقولا في الغنية ، والمعتبر ، والمنتهى ، والذكرى وكشف اللثام ، وعن نهاية الاحكام ، والتذكرة ، وكشف الالتباس وغيرها بل في المعتبر والمنتهى : انه إجماع علماء الإسلام. كذا في الجواهر. ويشهد له طوائف من النصوص [ منها ] : ما ورد في نزح البئر لموت الدابة والفأرة ، والطير والحمامة ، والحمار ، والثور ، والجمل والسنور والدجاجة ، والشاة ومطلق الميتة (3)كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن البئر تقع فيها الميتة. فقال : إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلواً » (4)وغيره.

نعم قد يشكل ذلك من جهة ما دل على عدم انفعال ماء البئر. لكنه يندفع : بأن الروايات المذكورة تدل على انفعاله وعلى نجاسة الميتة ، فاذا


1) الوسائل باب : 55 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 2.

3) راجع الوسائل باب : 14 ، 15 ، 17 ، 18 ، 19 ، 21 ، 22 ، 23 من أبواب الماء المطلق.

4) الوسائل باب : 22 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.


قام دليل على عدم الانفعال تعين رفع اليد عن إحدى الدلالتين ، فتبقى الأخرى على حجيتها ، والتلازم بين الدلالتين وجوداً لا يوجب التلازم بينهما في الحجية ، فإن الخبرين المتعارضين مع سقوطهما عن الحجية في المدلول المطابقي باقيان على الحجية في نفي الدليل الثالث.

فان قلت إذا قام دليل على وجوب غسل الثوب عند ملاقاة البول - مثلا - وقام دليل آخر على عدم وجوب غسله عند ملاقاة البول ، لا يحكم بنجاسة البول لو بني على الأخذ بظاهر الدليل الثاني ، فما الفرق بينه وبين المقام؟! [ قلت ] : الفرق أن التفكيك بين نجاسة البول ونجاسة الثوب ممتنع عرفا فانتفاء أحد المدلولين يلازمه انتفاء الآخر ، فيكون التعارض في الدلالتين الالتزاميتين ، وليس كذلك في مثل ماء البئر ، فإن دليل طهارته عند ملاقاة النجاسة إنما يدل على اعتصامه في نفسه من تأثير النجاسة فيه ، فلا يدل بالالتزام على طهارة الشي‌ء الواقع في البئر ، كي يقع التعارض بين الدلالتين.

نعم قد يشكل الاستدلال المذكور بعدم ظهور أوامر النزح في كونه مطهراً ، لأن مطهرية النزح ليست موافقة للارتكاز العرفي ، فدلالة النصوص على نجاسة الماء من هذه الجهة لا تكون ظاهرة كي تلازمها الدلالة على نجاسة الميتة. فتأمل جيداً.

ومنها : ما ورد في السمن ، أو العسل ، أو الطعام ، أو الشراب ، تموت فيه الفأرة ، أو الجرذ ، أو الدابة ، أو تقع فيه الميتة ، من الأمر بإلقائها وما يليها ان كان جامداً ، والاستصباح به ان كان ذائباً. وفي المرق : من الأمر بإهراقه وغسل اللحم. فلاحظ صحاح معاوية بن وهب ، وزرارة ابن أعين ، والحلبي ، وسعيد الأعرج ، وموثق سماعة ، وغيرها (1)

وتعشر على أمثالها في نفس الأبواب.

. .

1) راجع الوسائل باب : 43 من أبواب الأطعمة المحرمة. وقد ذكر بعضها في باب : 5 من أبواب الماء المضاف ، وبعضها في باب : 35 من أبواب النجاسات. وباب : 6 من أبواب ما يكتسب به.


ومنها : ما ورد في الماء القليل تكون فيه الفأرة الميتة ، من الأمر بغسل الثوب منه واعادة الوضوء (1). وفي الجرذ يموت في الإناء ، من الأمر بغسله (2)، وما ورد في الماء تكون فيه الجيفة ، من الأمر بالوضوء من الجانب الآخر (3)، والنهي عن الشرب والوضوء إذا غلب ريحها على ريح الماء (4).

اللّهم إلا أن يقال : إن كان المراد مطلق الجيفة كان موضوع الحكم الجيفة لا الميتة ، وبينهما عموم من وجه ، وان أريد جيفة مخصوصة امتنع الاستدلال بذلك على ما نحن فيه ، لإمكان اختصاصه بجيفة نجس العين. وفيه : أن الحمل على نجس العين بعيد ، فإنه خلاف إطلاق النصوص ، ولا سيما مع ندرة جيفة نجس العين. والجمود على معنى الجيفة وان كان يقتضي العموم للمذكى ، لكن الداعي إلى تذكية الحيوان داع الى الانتفاع به ، وعدم وضعه في الماء كي يصير جيفة ، كما لا يخفى. فالجيفة منصرفة في النصوص الى الميت من الحيوان.

ومنها : ما ورد في أهل الكتاب ، من النهي عن الأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير ، كما في صحيح ابن مسلم (5)ومنها : ما ورد في الثوب تصيبه أغماد السيوف المعمولة من جلود


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 53 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المطلق حديث : 11 ، 13.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 1 وربما تضمن ذلك بعض الاخبار الأخر في الباب وغيره.

5) الوسائل باب : 54 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 6.


الحمر الميتة ، من الأمر باتخاذ غيره للصلاة (1). وما ورد فيما لا نفس له سائلة ، من قول الصادق (عليه السلام) في موثق عمار لما سأله عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والسمن وشبهه. قال (عليه السلام) : « كل ما ليس له دم فلا بأس » (2). فتأمل. وقول أبي جعفر (عليه السلام) : « لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة » (3).

ومنها : ما ورد في الاستصباح بأليات الغنم المقطوعة ، من قول أبي الحسن (عليه السلام) : « أما علمت أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام » (4).

ومنها : ما ورد فيما لا تحله الحياة المأخوذ من الميتة ، من قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) : لزرارة ومحمد : « وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه » (5). وحمل الغسل على أنه لإزالة الأجزاء الملتصقة خلاف الظاهر من الأمر بالغسل تعييناً. وما في رواية تحف العقول : من قول الصادق (عليه السلام) : « والبيع للميتة ، أو الدم ، أو لحم الخنزير ، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش والطير ، أو جلودها ، أو الخمر ، أو شي‌ء من وجوه النجس » (6). وما في رواية جابر في فارة وقعت في خابية فيها سمن أو زيت. قال أبو جعفر (عليه السلام) : « لا تأكله. فقال له الرجل : الفأرة أهون علي من أن أترك طعامي من أجلها. فقال له أبو جعفر (عليه السلام) إنك لم تستخف بالفأرة إنما استخففت بدينك ، إن اللّه تعالى حرم الميتة


1) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 35 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 35 من أبواب النجاسات حديث : 2.

4) الوسائل باب : 30 من أبواب الذبائح حديث : 2.

5) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 3.

6) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.


من كل شي‌ء » (1).

والمناقشة في جميع ذلك في غير محلها. ولا سيما وقد عد الحكم بالنجاسة عداد الضروريات الدينية ، فضلا عن الضروريات المذهبية ، وضروريات الفقه.

ومن هنا أنكر جماعة من الأساطين على السيد في المدارك لما استشكل في النجاسة. إذ لم يجد عليها نصاً يعتد به ولا إجماعا محققاً عليها. ولأن الصدوق [رحمه اللّه] روى مرسلا في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) : « سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه. فقال (عليه السلام) : لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتتوضأ منه وتشرب ، ولكن لا تصل فيها » (2). ومقتضى ما ذكره في صدر كتابه من أنه لا يورد فيه إلا ما يفتي به ويكون حجة بينه وبين ربه ، أنه يفتي بطهارة جلد الميتة.

إذ فيه [ أولا ] : عدم تأتي المناقشات في جميع ما عرفت من النصوص التي فيها الصحيح والموثق ومعتبر الإسناد في نفسه ، المعول عليه عند الأصحاب. [ وثانيا ] : أنك عرفت حكاية الإجماعات الكثيرة على النجاسة المقبولة عند جميع الأصحاب ، فإن الإجماع المنقول إذا كان مقبولا عند الأصحاب يخرج عن كونه منقولا ويكون متواتراً ، فكيف بالإجماعات الكثيرة إذا كانت مقبولة عند الطائفة؟! بل عرفت دعوى الضرورة على النجاسة من بعضهم وإيراد الصدوق [رحمه اللّه] للمرسل في كتابه لا يدل على اعتقاده بمضمونه ، لأنه عدل عما ذكر في صدر كتابه ، كما عن المجلسي [رحمه اللّه]. وإن كان يشكل ذلك : بأن الواجب التنبيه منه على ذلك ، لئلا يكون تدليساً وهو بعيد عن مقامه الأقدس. مع أن حصول البداء له في ذلك مستبعد جداً ، ولا سيما بالنسبة إلى هذه الرواية المذكورة في أوائل الكتاب. فالأولى حمل المرسل


1) الوسائل باب : 5 من أبواب الماء المضاف حديث : 2.

2) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 5.


المذكور على ميتة ما لا نفس له سائلة لقرينة على ذلك اعتقدها الصدوق ، فأورده في سلك الأخبار التي يجوز التعويل عليها. فلاحظ ، وتأمل.

هذا كله في ميتة غير الآدمي من ذي النفس السائلة. إما ميتة الآدمي فالإجماعات المتقدمة محكية على نجاستها أيضاً. ويشهد لها صحيح ابن ميمون : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت. قال (عليه السلام) : إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه ، وان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه. يعني : إذا برد الميت » (1). وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام) : « عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت. قال (عليه السلام) : يغسل ما أصاب الثوب » (2)والتوقيع في إمام حدثت عليه حادثة ، قال : « ليس على من مسه إلا غسل اليد » (3)، ونحوه الآخر بتفاوت لا يضر في المقصود (4). وما في موثقة عمار ، من الأمر بنزح سبعين دلواً لموت الإنسان في البئر (5). هذا والظاهر من الأمر بغسل الثوب واليد في التوقيع هو النجاسة بالمعنى المعروف.

وظاهر محكي المفاتيح أن النجاسة هنا بمعنى الخباثة ، فلا تسري إلى الملاقي. وأن المراد من غسل الثوب غسل ما لصق به من رطوبة الميت وقذارته. ولكنه - كما ترى - خلاف الظاهر. واستدلاله : بأن الميت لو كان نجس العين لم يطهر بالتغسيل اجتهاد في مقابلة النص ، كما في الجواهر.


1) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 2.

3) الوسائل باب : 3 من أبواب غسل المس حديث : 4.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب غسل المس حديث : 5.

5) الوسائل باب : 21 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

وكذا أجزاؤها المبانة منها [1] ، وان كانت صغاراً [2] عدا ما لا تحله الحياة منها [3] كالصوف ، والشعر ، والوبر ،


[1] بلا خلاف يعرف ، وعن المدارك : أنه مقطوع به في كلام الأصحاب ، وقريب منه ما عن غيره. لظهور الأدلة في ثبوت النجاسة للاجزاء بلا دخل للاتصال فيها ، ومن ذلك يظهر ضعف ما في المدارك ، من أن الأدلة دلت على نجاسة الميتة ، وهي لا تصدق على الاجزاء قطعا. نعم يمكن القول بنجاسة القطعة المبانة من الميت استصحابا لحكمها حال الاتصال. ولا يخفى ما فيه. انتهى. والاشكال على الاستصحاب غير ظاهر ، لوحدة الموضوع عرفا. ولذا لم يوافقه في ذلك أحد إلا بعض تلامذته. مع أنه لم يلتزم به في غير المقام ، فإن المحكي عنه القول بنجاسة أجزاء الكلب المنفصلة ، لنفس أدلة نجاسة الكلب. مضافا إلى تعليل جواز الصلاة في صوف الميتة : بأنه ليس فيه روح ، كما في صحيح الحلبي (1). وتعليل طهارة الإنفحة : بأنها ليس لها عرق ولا فيها دم ولا لها عظم ، كما في خبر الثمالي (2). بل نصوص استثناء ما لا تحله الحياة ظاهرة في خصوصية له يمتاز بها عن بقية الاجزاء ، كما لا يخفى.

[2] لعدم الفرق في استفادة الحكم من الأدلة بين الصغير والكبير.

[3] بلا خلاف فيه ، بل حكي الاتفاق عليه. وفي صحيح صفوان عن الحسين بن زرارة : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : العظم والشعر والصوف والريش ، كل ذلك نابت لا يكون ميتاً » (3). وفي صحيح حريز : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لزرارة ومحمد : اللبن واللبأ والبيضة والشعر والصوف والقرن


1) الوسائل باب : 68 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 1.

3) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 12.

والعظم ، والقرن ، والمنقار ، والظفر والمخلب والريش ، والظلف ، والسن ، والبيضة إذا اكتست القشر الأعلى [1]


والناب والحافر وكل شي‌ء يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي. وان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه » (1). وصحيح زرارة ، وفيه : « قلت : والصوف والشعر وعظام الفيل والجلد والبيض يخرج من الدجاجة فقال (عليه السلام) : كل هذا لا بأس به » (2). ومرسل الفقيه : « قال الصادق (عليه السلام) : عشرة أشياء من الميتة ذكية : القرن والحافر والعظم والسن والأنفحة واللبن والشعر والصوف والريش والبيض » (3). وفي رواية الفتح بن يزيد (4)، أيضاً ذكر القرن فيها. وفي رواية محمد بن جمهور ذكر الظفر والمخلب فيها (5). ولم أعثر على ذكر المنقار بالخصوص. لكن يستفاد حكمه من العموم في صحيح حريز ، ومن التعليل في صحيح الحلبي وخبر الثمالي المتقدمة.

[1] باتفاق كما قيل وان اختلف في التعبير عنه بما في المتن ، وبالقشر الصلب وبالجلد الفوقاني ، وبالجلد الغليظ ، وهو المذكور في رواية غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة. قال (عليه السلام) : إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها » (6). وبها يقيد إطلاق غيرها. وضعف السند منجبر بالعمل. وعليه فلا وجه لاعتبار الصلابة. إلا أن يكون المراد بها الغلظ.


1) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة ملحق حديث : 9.

3) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 8.

4) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 6.

5) الوسائل باب : 31 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 17.

6) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة : حديث : 5.

سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام [1] ، وسواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما [2]. نعم يجب غسل المنتوف من


[1] خلافا للعلامة [رحمه اللّه] في المنتهى ومحكي النهاية ، فقد أفتى بنجاسة بيض ما لا يؤكل لحمه. وفي المدارك : « هو مطالب بدليله » ، وفي الجواهر : « لم نعرف له دليلا ولا موافقا ، كما اعترف بذلك بعض من تأخر عنه ». أقول : كأن وجهه ما في جملة من النصوص من التنصيص على جواز الأكل ، المختص بمأكول اللحم ، فيحمل غيره عليه. ولكنه غير واضح ، لعدم التنافي الموجب لحمل المطلق على المقيد.

[2] خلافا للشيخ في محكي النهاية ، فخص الطهارة بالجز. وكأنه لأن أصولها المتصلة باللحم من جملة أجزاء الميتة ، ولا دليل على استثنائها ، لعدم كونها شعراً أو صوفا أو غيرهما. ولما في رواية الفتح بن يزيد الجرجاني : « وكل ما كان من السخال الصوف إن جز ، والشعر ، والوبر ، والانفحة ، والقرن ، ولا يتعدى إلى غيرها » (1). وفيه : أنه لو سلم عدم صدق الشعر - مثلا - كفى في استثنائه ما في صحيح حريز من قوله (عليه السلام) « وكل شي‌ء يفصل ... » ، لصدق ذلك عليه. وكذا التعليل في صحيح الحلبي وخبر الثمالي المتقدمين. وأما رواية الجرجاني فمع أنها ضعيفة السند ، وأنها لا تخلو من اضطراب ، لعدم ظهور خبر قوله (عليه السلام) : « كل ما كان ... » مختصة بالصوف ، ولا يخلو ما فيها من التخصيص بالسخال ، ومن عدم التعدي عن الأمور المذكورة فيها من الاشكال. ولعل مراد الشيخ [رحمه اللّه] عدم الانتفاع بالمنتوف إلا بعد غسله ، كما تقدم في صحيح حريز. ولا بأس به حينئذ ، عملا بالدليل ، كما ذكر في المتن.


1) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 6.

رطوبات الميتة. ويلحق بالمذكورات الانفحة [1] ،


[1] بكسر الهمزة وتشديد الحاء وقد تخفف ، وبكسر الفاء وقد تفتح. حكى جماعة الإجماع على طهارتها. ونفى الخلاف فيها آخرون ، وانما نقلوا الخلاف عن الشافعي وأحمد ، كما عن الذخيرة. ويشهد لذلك جملة من النصوص ، كصحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت. قال (عليه السلام) : لا بأس به. قلت : اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت قال (عليه السلام) : لا بأس به » (1)، ونحوه فيما تضمنه من طهارة الإنفحة خبر أبي حمزة (2)- معللا : بأن الإنفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم - وخبر يونس عنهم (عليهم السلام) (3)، وخبر الفتح بن يزيد (4)، وموثق ابن بكير عن الحسين بن زرارة (5)، ومرسل الصدوق (6)، وقد تقدم بعضها.

هذا والمصرح به في كلام جماعة - منهم العلامة [رحمه اللّه] في القواعد - : أن الإنفحة لبن مستحيل في جوف السخلة ، كما لعله ظاهر رواية الثمالي ، وفي كشف اللثام : أنه المعروف. وعن السرائر وغيرها : أنها كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل فإذا أكل فهي كرش. وظاهره أنها اسم للظرف لا للمظروف. وكلمات اللغويين لا تخلو من اضطراب ، فعن الصحاح عن أبي زيد وعن غيره : انها كرش الحمل. وفي القاموس : « والانفحة ...


1) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 9.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 1.

3) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 2.

4) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 6.

5) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 4.

6) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 8.


شي‌ء يستخرج من بطن الراضع أصفر ، فيعصر في صوفة مبتلة ، فيغلظ كالجبن. فإذا أكل الجدي فهو كرش. وتفسير الجوهري الإنفحة بالكرش سهو » وقال في مادة [ كرش ] : « واستكرشت الانفحة صارت كرشاً ، وذلك إذا رعى الجدي النبات ». وصريحه - كظاهر محكي المغرب - وقوع الخلاف في معناه ، وأنه الكرش أو ما يكون فيه. وقوى في الجواهر اتحاد التفسيرين : بأن يراد بالشي‌ء الأصفر في التفسير الأول هو ما يصير كرشا للجدي بعد أن يأكل فهو قبل أكله إنفحة ، وبعده كرش. واستشهد على ما ذكر بما تقدم عن المغرب. لكنه يشكل : بأن ما عن المغرب ظاهر في وقوع الخلاف في معناه ، كما عرفت. مع أن ظاهر التفسير الأول أنه المظروف ، وليس هو ما يكون كرشاً ، فان الكرش - كما عرفت - نفس الظرف.

ولذا قال في المدارك : « إن الأول أولى ، اقتصاراً على موضع الوفاق وان كان طهارة نفس الكرش غير بعيدة ، تمسكا بمقتضى الأصل ». والظاهر أن مراده من كون الأول موضع الوفاق أن طهارته موضع وفاق ، لأنه على تقدير كون الانفحة هي الكرش ، فالمراد من طهارتها طهارتها بما فيها ، لا أنه موضع وفاق من المفسرين ، كي يتوجه عليه أنه لا وفاق بعد تباين التفسيرين. وعلى هذا فما ذكره [قدس سره] في محله ، لأن إجمال الأدلة الناشئ من اختلاف الفقهاء واللغويين في معنى الكلمة يوجب الاقتصار على المتيقن في الخروج عن عموم نجاسة الميتة ، ضرورة أن الكرش جزء منها. ومن ذلك يشكل ما ذكره أخيراً - في المدارك - من طهارة الكرش عملا بالأصل فإنه لا مجال للأصل مع الدليل.

هذا ولو كانت هي اللبن المائع فهي طاهرة ذاتاً وعرضا ، كما يقتضيه ظاهر النصوص. أما لو كانت هي الظرف فظاهر النصوص طهارتها ذاتا

وكذا اللبن في الضرع [1] ، ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس ، لكن الأحوط في اللبن الاجتناب ، خصوصاً إذا كان


في قبال أجزاء الميتة ، فلا ينافي ذلك نجاسة بعض سطوحها بملاقاة رطوبة الميتة ، كما هو ظاهر ما تقدم في الصوف والشعر.

ثمَّ إن صريح ما تقدم عن الفقهاء واللغويين في معنى الانفحة اختصاصها بما قبل الأكل. لكن في الذكرى : « والانفحة طاهرة من الميتة والمذبوحة وان أكلت السخلة ». وهو مشكل ، إلا أن يرجع القيد إلى المذبوحة ، أو يريد الأكل اليسير الذي لا يعتد به ، كما في الجواهر. وعليه فلو شك في مقداره بنحو الشبهة المفهومية كان اللازم البناء على النجاسة ، لعموم نجاسة الميتة ، واستصحاب الطهارة لا يدافع العموم ، إذ ليس هذا من موارد العمل باستصحاب حكم الخاص ، لكون التخصيص من أول الأمر. وأما استصحاب كونها إنفحة فهو من الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد ، وليس هو بحجة. ولو كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية فاستصحاب الموضوع - أعني كونها إنفحة - في محله ، فيترتب عليها حكمها وهو الطهارة.

[1] على المشهور ، كما عن البيان واللمعة ، بل عن الخلاف نقل الإجماع عليه. وهو المحكي عن الصدوق ، والشيخين ، والقاضي ، وابن زهرة ، والطوسي والشهيدين في الدروس ، والمسالك ، والروضة ، وغيرهم. ويشهد له مصحح حريز المتقدم فيما لا تحله الحياة ، وصحيح زرارة المتقدم في الإنفحة ، وموثق ابن بكير عن الحسين بن زرارة ، ومرسل الصدوق المتقدمان ، ونحوه مسنده في الخصال إلى ابن أبي عمير مرفوعا إلى الصادق (عليه السلام) (1). .


1) الخصال أبواب العشرة صفحة : 53 جزء 2 الطبعة القديمة. ويشير إليه في الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة ملحق حديث : 8.

من غير مأكول اللحم. ولا بد من غسل ظاهر الانفحة الملاقي للميتة [1]


وعن جماعة : القول بالنجاسة ، بل عن السرائر نسبته إلى المحصلين ، وان ناقشه الآبي في كشف الرموز - على ما حكي - : بأن الشيخين مخالفان ، والمرتضى واتباعه غير ناطقين ، فما أعرف من بقي معه من المحصلين. انتهى. نعم في المنتهى وعن جامع المقاصد : أنه المشهور. وعن غاية المرام : أنه مذهب المتأخرين. وليس له وجه ظاهر غير قاعدة نجاسة ملاقي النجس. وخبر وهب : « إن عليا (عليه السلام) سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن. فقال (عليه السلام) : ذلك الحرام محضاً » (1). ومكاتبة الجرجاني المتقدمة في حكم النتف. والجميع محل تأمل. إذ لا مجال للقواعد العامة مع وجود المخصص. ولا سيما مع ملاحظة كون الملاقاة في الداخل. فتأمل. ولضعف الخبر سنداً. ولما عرفت سابقاً من وجوه الإشكال في المكاتبة. فإذاً لا مانع من تخصيص القاعدة بما عرفت من النصوص ، كتخصيصها في غير اللبن قطعاً. ثمَّ إن نصوص الطهارة بعضها خاص بالمأكول ، وبعضها مطلق ، والعمل بالأخير متعين ، إذ لا تنافي بينهما لكونهما مثبتين. إلا أن يدعى الانصراف إلى المأكول. ولكنه بدوي ، وان كان لازم تخصيص البيض بالمأكول تخصيصه هنا.

نعم قد يتأمل في إطلاق الميتة على ميت الإنسان ، فإنه يقال له : ميت وميتة - بالتشديد - وعليه فيشكل عموم النصوص له. ولكنه خلاف المتسالم عليه ، فلا يبعد إذاً العموم ، ولو لأجل بعض التعليلات والمناسبات العرفية الموجبة لإلغاء خصوصية المورد. فتأمل جيداً.

[1] هذا بناء على أنها الجلد ، إذ لو كانت هي اللبن فقد عرفت أن ظاهر كلماتهم أنه مائع ، وظاهر الأدلة طهارته عرضا كطهارته ذاتا. نعم


1) الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 10.

هذا في ميتة غير نجس العين ، وأما فيها فلا يستثنى شي‌ء [1].

[ مسألة 1 ] : الاجزاء المبانة من الحي مما تحله الحياة كالمبانة من الميتة [2]


لو كان جامدا - كما يتفق كثيراً - فلا يبعد طهارته أيضاً بلا حاجة الى تطهيره ، لاتحاد ظاهر النصوص في الجميع ، وهو الطهارة العرضية.

[1] لأن ظاهر النصوص الاستثناء من نجاسة الميتة ، لا من النجاسة الذاتية.

[2] بلا خلاف ظاهر ، وفي المدارك : « انه مقطوع به في كلام الأصحاب » ويشهد له النصوص الواردة في باب الصيد ، المتضمنة أن ما قطعت الحبالة فهو ميتة ، كصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يداً أو رجلا فذروه ، فإنه ميت ، وكلوا مما أدركتم حياً وذكرتم اسم اللّه عليه » (1)، ونحوه غيره.

والمناقشة في دلالتها : بأنه إن كان المراد أنها ميتة حكما فالمتبادر من التشبيه إرادة حرمة الأكل ، وان كان المراد أنها ميتة حقيقة فدلالتها على النجاسة تتوقف على وجود دليل عام يعم المورد ، وهو غير ثابت. مندفعة : بأن حمل التنزيل على ملاحظة خصوص الحرمة دون النجاسة خلاف إطلاق دليله ، كما لا يخفى ، فإن النجاسة ليست من الأحكام الخفية ، كي يدعى انصراف لسان التنزيل عنها.

ومن ذلك يظهر أنه لو بني على ارادة بيان الفرد الحقيقي يتعين البناء على عموم الحكم له ولو كان دليل الحكم قاصر الشمول له ، لأن بيان الأفراد الحقيقية ليس من وظيفة الشارع ، فتعرضه لذلك إنما يكون لأجل تعميم الحكم وليس الحال كما لو علم بفردية فرد له لا من قبل الشارع ، فإنه لا يعمه


1) الوسائل باب : 24 من أبواب الصيد حديث : 1 وفي الباب أحاديث أخر تتضمن ذلك.


الحكم إلا إذا كان الدليل في نفسه عاما له ، فبيان الشارع للفرد الحقيقي كبيانه الفرد التنزيلي يقتضي عموم الحكم له ولو كان الدليل قاصراً عن إثبات ذلك.

ومن ذلك تعرف ما في كلمات المقدس الفقيه الهمداني [قدس سره] في مصباحه من النظر. وأشكل من ذلك ما ذكره من الفرق بين النصوص المذكورة والنصوص الواردة في باب الأطعمة في أليات الغنم (1)، وأن هذه النصوص لا قصور في دلالتها على النجاسة بخلاف النصوص الأول ، لما تقدم فإنه لم يتضح الفرق المذكور مع وحدة لسان الجميع ، ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال (عليه السلام) : في أليات الضأن تقطع وهي أحياء : إنها ميتة » (2)ونحوها غيرها فلاحظ.

هذا في العضو المقطوع من غير الآدمي. وأما المقطوع منه : فيدل على نجاسته - مضافا الى الاتفاق ونفي الخلاف المحكيين - مرسلة أيوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة ، فإذا مسها إنسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل ، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه » (3).

وضعف السند منجبر بالعمل. والظاهر عدم الفرق بين ما خرجت منه الروح قبل القطع وبعده. ودعوى : الانصراف الى الثاني ممنوعة. فعضو المشلول إذا مات قبل الانفصال ثمَّ انفصل نجس. ثمَّ إنه قد يستدل على الحكم المذكور بصدق الميتة على العضو المقطوع ، كما في المنتهى. وفيه : أنه غير واضح فإن الميتة - عرفا - نفس الحيوان ذي الأعضاء ، فلا تصدق على كل عضو في نفسه.


1) راجع الوسائل باب : 30 من أبواب الذبائح.

2) الوسائل باب : 62 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب غسل المس حديث : 1.

إلا الأجزاء الصغار [1] ، كالثالول والبثور ، وكالجلدة التي تنفصل من الشفعة ، أو من بدن الأجرب عند الحك ، ونحو ذلك.


[1] فقد حكي الإجماع على طهارتها ، وعن الحدائق : « الظاهر أنه لا خلاف فيها ». والعمدة فيه انصراف النصوص إلى ما يعد جزءاً من البدن عرفا وليست هي كذلك ، فإنها بمنزلة الأوساخ المتولدة فيه. مضافا إلى دعوى السيرة على معاملتها معاملة الطاهر ، وإلى لزوم الحرج لو لا ذلك.

وقد يستدل له تارة : بانصراف النصوص الى الجزء الكبير ، ولكنه - كما ترى - انصراف بدوي لا يعول عليه في رفع اليد عن الإطلاق ولذا كان بناء الأصحاب على عدم الفرق بين الجزء الكبير من اللحم والصغير.

وأخرى : بصحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يكون به الثالول والجرح ، هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته ، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال (عليه السلام) : ان لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس ، وان تخوف أن يسيل الدم فلا يفعل » (1). ويشكل : بأن قطع الثالول لا يستلزم حمله آنا ما في الصلاة ولا مسه برطوبة ، وليس فيه إطلاق يشمل ذلك ، لوروده لبيان قادحية الفعل المذكور في الصلاة لا غير. اللّهم إلا أن يكون تعرض الامام (عليه السلام) لسيلان الدم قرينة على كونه (عليه السلام) في مقام بيان الجواز من جميع الجهات التي هي في معرض الابتلاء ، ومنها نجاسة الجزء الموجبة لنجاسة اليد المماسة له مع الرطوبة. ولذلك استحسن شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] الاستدلال به على المقام ، كما عن نهاية الاحكام والمعالم ولأجل ذلك يظهر وجه طهارة الثالول ، وإلا فالوجوه المتقدمة غير جارية فيه ، لعدم الانصراف عن مثله من الاجزاء الصغيرة اللحمية ، ولم تثبت سيرة فيه ، ولا حرج يقتضي طهارته فلاحظ.


1) الوسائل باب : 63 من أبواب النجاسات حديث : 1.

[ مسألة 2 ] : فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الأقوى [1] ،


[1] مسك الفارة - على ما ذكر جماعة - دم يجتمع في أطراف سرة الظبي ثمَّ يعرض للموضع حكة يسقط بسببها الدم مع جلدة هي وعاء له. وهذه الجلدة هي فأرة المسك. فان كان الظبي مذكى فلا إشكال ولا خلاف في طهارتها. أما إذا لم يكن مذكى ، حيا كان حين سقطت منه أو ميتاً فقد اختلف الأصحاب في طهارتها ونجاستها ، فالمعروف المشهور الطهارة مطلقا ، وفي كشف اللثام : أنها نجسة مطلقاً. وفي المنتهى : الطهارة إذا انفصلت عن الحي والأقرب النجاسة إذا انفصلت من الميت.

وكأن الوجه في الطهارة - على ما يظهر من كلماتهم - أحد الوجوه : إما عدم كونها جزءاً من الظبي ، أو عدم كونها مما تحله الحياة ، أو الإجماع والنص‌(1)على طهارة المسك الدال على طهارة الجلدة بالالتزام ، أو الإجماع المدعى على طهارتها - كما عن ظاهر التذكرة والذكرى - أو صحيح علي ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلي وهي في جيبه أو ثيابه. فقال (عليه السلام) : لا بأس بذلك » (2).

والجميع لا يخلو من إشكال. إذ الأول ينافيه اتصالها بالبدن. وكذلك الثاني ، فإن الجلد مما تحله الحياة ، غاية الأمر أنها طرأ عليها الموت ، فكيف تكون مما لا تحله الحياة؟!. وكذلك الثالث ، لإمكان عدم سراية نجاستها إلى المسك ، لعدم الرطوبة المسرية ، من جهة انجماد الدم حين صيرورته مسكا. وأما الإجماع على طهارتها فلا مجال للاعتماد عليه بعد مخالفة حاكيه في المنتهى وذهابه إلى التفصيل المتقدم ، وحكي أيضاً عن غيره. وأما الصحيح فمع قصور دلالته على الطهارة ، لأن جواز الحمل


1) راجع الوسائل باب : 95 ، 97 من أبواب آداب الحمام.

2) الوسائل باب : 41 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.


في الصلاة أعم منها. معارض بمكاتبة عبد اللّه بن جعفر إلى أبي محمد (عليه السلام) : « هل يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة مسك؟ قال (عليه السلام) : لا بأس إذا كان ذكياً » (1). والجمع يقتضي تقييد الصحيح بها. ولأجل ذلك اختار في كشف اللثام النجاسة مع أخذها من غير المذكى.

اللّهم إلا أن يقال : كما يحتمل في المكاتبة رجوع الضمير المذكر إلى الظبي المفهوم من الكلام ، أو الى الفأرة بتقدير كونها مما مع المصلي ، فيترتب على ذلك اعتبار الذكاة فيها ، يحتمل أيضاً رجوع الضمير إلى المسك وهذا الاحتمال إن لم يكن أقرب - كما هو الظاهر - لأن التقدير اللازم للاحتمالين السابقين خلاف الأصل ، فلا أقل من الاحتمال الموجب للإجمال المانع من الاستدلال بهما على التقييد ، فإطلاق طهارة الفأرة المستفاد من الصحيح بلا مقيد. نعم دلالته على الطهارة تتوقف على عدم جواز حمل النجس في الصلاة كما عرفت ، وهو وان كان محل إشكال ، لكن كفى بالمكاتبة دليلا عليه ، بناء على ما هو الظاهر من رجوع الضمير إلى المسك وعلى أن المراد من كونه ذكياً أنه طاهر.

والظاهر أن المراد طهارته الذاتية في قبال ما لا يكون كذلك ، وهو المسك المعمول من دم الظبي على ما ذكره بعض ، كما سيأتي ، لا الطهارة العرضية. إذ لو كان المراد الطهارة العرضية لم يكن وجه لتخصيصه بالقيد المذكور ، بل كان اللازم اعتبار الذكاة فيه وفي الفأرة معاً.

ومن ذلك يظهر لك وجه ما عن الذكرى من أن المراد طهارة المسك والاشكال فيما ذكره بقوله : « ويحتمل أمرين ، أحدهما : التحرز من نجاسة عارضة له ، والثاني : التحرز مما يؤخذ من الظبي في حال الحياة بجلده ، لأن السؤال عن فارة المسك ». فان الاحتمالين المذكورين كلاهما خلاف


1) الوسائل باب : 41 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.

وان كان الأحوط الاجتناب عنها. نعم لا إشكال في طهارة ما فيها من المسك [1].


ظاهر إرجاع القيد إلى المسك فقط.

هذا والمتحصل مما ذكرنا : أن العمدة في البناء على طهارة الفأرة مطلقاً صحيح ابن جعفر الذي لم يثبت تقييده ، وأنه لو بني على الغض عنه فالوجوه المذكورة للطهارة مطلقاً غير ظاهرة ، بل اللازم العمل بالقواعد العامة. ولا يبعد أن مقتضاها التفصيل بين المأخوذة من الحي فطاهرة - للأصل. وليس ما يتوهم عليه إلا ما دل على نجاسة القطعة المبانة من الحي لكن شموله للمقام غير ظاهر لانصرافه الى ما هو مستعد للاتصال ، فلا يشمل ما هو مستعد للانفصال حتى انفصل ولعله ظاهر - وبين المأخوذة من الميت فنجسة ، لعموم ما دل على نجاسة الميتة الشامل لجميع أجزائها. وقد عرفت الإشكال في نفي الجزئية عرفا ، أو كونها مما لا تحله الحياة.

هذا كله مبني على ما نسب الى المشهور من كون الفارة ملتحمة بالظبي ومتصلة به. قال الدميري : « المشهور انها ليست مودعة في الظبية ، بل هي خارجة ملتحمة ». أما بناء على غير المشهور من كونها مودعة فيها - كما عن كاشف الغطاء في شرح القواعد ، من أنها تتكون في جوف الظبي فيلقيها كالبيضة ، وحكي أيضاً ذلك عن ابن فهد الطبري ، بل عن بعضهم : أن هذا القسم هو الشائع الغالب من المسك ، وإطلاقه ينصرف اليه. انتهى - فلا إشكال في طهارتها ، سواء أخذت من الحي أم من الميت. لعدم كونها جزءاً من الحيوان ، فلا تشملها أدلة نجاسة القطعة المبانة من الحي ، ولا أدلة نجاسة أجزاء الميتة ، والأصل فيها الطهارة. وكذا الحال لو شك في ذلك بنحو الشبهة الموضوعية.

[1] إجماعا حكاه غير واحد ، بل لعله ضروري. وتقتضيه سيرة

وأما المبانة من الميت ففيها إشكال [1] وكذا في مسكها [2].


النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والمسلمين (1)، وفي صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كانت لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ممسكة إذا هو توضأ أخذها بيده وهي رطبة فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول اللّه (2). وذلك إما لخروجه بالاستحالة عن مفهوم الدم عرفا أو لتخصيص ما دل على نجاسة الدم. ولو بني على كون الفارة تتكون في جوف الظبي فالطهارة أوضح ، لاحتمال خروج الدم المتكون فيها عن كونه دم ذي النفس ، والمرجع أصل الطهارة وقد عرفت أن المكاتبة محمولة على الذكاة الذاتية في مقابل النجاسة كذلك الناشئة عن كون المسك مغشوشاً بالمعمول النجس كما سيأتي.

[1] قد عرفت وجهه وضعفه.

[2] كأنه لأنه دم ذي نفس ، ولم تثبت استحالته. ولا إطلاق يدل على طهارة المسك ، كي يتمسك به ، ولذا قيل : « لا إشكال في نجاسة بعض أقسامه كالتركي والهندي ». نعم يظهر من كلماتهم الإجماع على طهارة المسك مطلقاً. قال في التذكرة : « المسك طاهر إجماعا ، لأن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يتطيب به. وكذا فأرته عندنا ، سواء أخذت من حي أو ميت ». وقال في نهاية الاحكام : « إن المسك طاهر وإن قلنا بنجاسة فأرته المأخوذة من الميتة » وقال في كشف اللثام : « وعندي أن فأرته نجسة إذا لم تؤخذ من المذكى ، وكذا ما فيها من المسك مع رطوبته عند الانفصال ». ولذا قال في الجواهر : « أطلق غير واحد حكاية الإجماع على طهارة المسك ثمَّ أعقبه بذكر حكم الفارة وظاهره أيضاً بل كاد يكون صريحه طهارة المسك مطلقاً وان قلنا بنجاسة الفأرة ». .


1) كما تدل عليه الاخبار الواردة في الوسائل باب : 95 ، 97 من أبواب آداب الحمام.

2) الوسائل باب : 58 من أبواب النجاسات حديث: 1.

نعم إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها [1] ، ولو لم يعلم أنها مبانة من الحي أو الميت.


وبالجملة : السيرة والإجماع يقتضيان طهارة المسك في نفسه مطلقاً. نعم المتيقن من موردهما مسك الفارة ، وأما غيره فمشكوك ، فعموم نجاسة الدم فيه محكم ، إلا إذا ثبت كونه مستحيلا.

هذا ولكن الذي حكاه بعض عن محققي الفن في هذه الأعصار : أن المسك مفهوم مباين للدم ، كالمني ، والبول ، ونحوهما من فضلات الحيوان وان كانت المواد المسكية يحملها دم الظبي ، فاذا وصلت إلى الفأرة أفرزت عن الاجزاء الدموية لاشتمال الفأرة على آلة الافراز ، وهذا الافراز يكون تدريجيا الى أن تمتلئ الفارة من المسك. فالمسك ليس دما فعلا ولا كان أصله دما فاستحال مسكا ، وقد حلل وجزء فكانت أجزاؤه أجنبية عن أجزاء الدم. وما تقدم في كلماتهم من أن المسك دم حتى نظم في الشعر : « فان المسك بعض دم الغزال » مما لا أصل له كما يشهد بذلك العرف أيضاً.

هذا هو المسك الأصلي ، وهو معقد الإجماع والسيرة على الطهارة. وأما غيره - كالمعجون من دم الظبي وروثه وكبده ، أو الدم الذي يخرج من الظبي كدم البواسير ، أو غير ذلك ، فليس مسكا حقيقة. وانما فيه أجزاء مسكية ، ولأجلها كانت رائحته رائحة المسك - فليس موضوعا للإجماع على الطهارة ، ولا للسيرة ، وطهارته غير ظاهرة ، لأنه دم فيه أجزاء مسكية ، فعموم نجاسة الدم يكون فيه محكما. واستحالته - بنحو تمنع من استصحاب النجاسة - ممنوعة جداً. وهذا هو المشار إليه في مكاتبة الحميري المتقدمة

[1]. والمتحصل مما ذكرنا : طهارة الفأرة مطلقاً ، وطهارة مسكها كذلك. (1)كأنه لأجل أن يد المسلم أمارة على الطهارة ، للنصوص الآتية في .


1) وهي مكاتبة عبد اللّه بن جعفر الى أبي محمد (عليه السلام) المتقدمة في أول المسألة.

[ مسألة 3 ] : ميتة ما لا نفس له طاهرة [1] ، كالوزغ


مسألة الجلود المبيعة في أسواق المسلمين. لكن مورد تلك النصوص ما يعتبر في طهارته التذكية ، بحيث لو لا يد المسلم كان المرجع فيه أصالة عدم التذكية المقتضية لنجاسته ، وما نحن فيه ليس من ذلك القبيل ، فإن الفأرة المأخوذة من الحي طاهرة مع العلم بعدم التذكية ، فلو بني على نجاسة المأخوذة من الميتة ، فالمرددة بين المأخوذة من الحي الطاهرة. وبين المأخوذة من الميتة النجسة يكون المرجع فيها أصالة الطهارة ، إذ لا أصل موضوعي يمكن إثبات أحد العنوانين فيه. وأصالة عدم الأخذ إلى حين الموت معارض بأصالة عدم الموت إلى حين الأخذ. مع أن الجهل بالتاريخ يستوجب الإشكال في جريان الأصل ذاتا. نعم لو علم تاريخ الأخذ وشك في تاريخ الموت ، فأصالة عدم الموت إلى حين الأخذ يثبت موضوع الطهارة. ومن هذه الجهة لا فرق بين المأخوذة من يد المسلم والكافر ، لعدم الفرق في جريان الأصول المذكورة وعدمه. كما لا فرق بين الأمرين في جريان أصالة الطهارة. نعم لو بني على نجاسة الفأرة المأخوذة من غير المذكى - كما تقدم عن كشف اللثام - كان البناء على طهارة ما تؤخذ من المسلم دون الكافر في محله لأن يد المسلم أمارة على التذكية دون يد الكافر ، بل يرجع فيما في يده إلى أصالة عدم التذكية.

[1] إجماعا ، كما عن جماعة ، وفي الذخيرة : « قد تكرر في كلام الأصحاب نقل الإجماع على طهارته ». ويشهد له موثق حفص عن جعفر ابن محمد عن أبيه علیهماالسلام : « قال (عليه السلام) : لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة » (1). وموثق عمار عنه (عليه السلام) : « قال : سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر ، والزيت


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الأسئار حديث : 2.


والسمن ، وشبهه. قال (عليه السلام) : كل ما ليس له دم فلا بأس به » (1). [ والاشكال ] في دلالة الأول بعدم التصريح فيه بالميتة واختصاصه بالماء [ يندفع ] بانصرافه إلى الميتة ، وبعدم القول بالفصل بين الماء وغيره. كالإشكال على الثاني باختصاصه بما له ليس له دم. وبمعارضة مفهومه بمنطوق الأول بالعموم من وجه ، الموجب للرجوع في مورد المعارضة - وهو ميتة ما له دم غير سائل - إلى عموم نجاسة الميتة. فإنه أيضاً يندفع بعدم الفصل بين ما لا دم له وما له دم غير سائل. والمعارضة بالعموم من وجه إنما توجب الرجوع إلى دليل آخر ، حيث لا يكون أحد الدليلين أقوى ، والمنطوق في المقام أقوى ، لأن تخصيصه بما لا دم له أصلا بعيد جداً. مضافا إلى ما عرفت سابقا من أن [ الفاء ] ظاهرة في مجرد ترتب الخبر على المبتدأ ترتب العلية ولا تدل على الانحصار فلا مفهوم للقضية الحملية المذكورة كي يكون معارضاً لغيره من الأدلة.

كما أن ما في موثق سماعة « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جرة وجد فيها خنفساء قد ماتت. قال (عليه السلام) : القه وتوضأ منه ، وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من ماء غيره » (2). محمول على التنزه من السم أو نحوه بشهادة خبر ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « عن العقرب والخنفساء وأشباههن تموت في الجرة أو الدن يتوضأ منه للصلاة. قال (عليه السلام) : لا بأس به » (3). ومنه يظهر ضعف ما عن المهذب من استثنائه العقرب من الحكم المذكور كالوزغ أيضاً. لكن عن بعض عباراته نجاسة الثاني حياً ، كما عن القواعد والنهاية ذلك فيه وفي العقرب. وكأنه لظاهره - كما ذكر في العقرب -


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الأسئار حديث : 1.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الأسئار حديث : 6.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب الأسئار حديث : 5.

والعقرب والخنفساء ، والسمك ، وكذا الحية ، والتمساح ، وان قيل بكونهما ذا نفس [1] ، لعدم معلومية ذلك. مع أنه إذا كان بعض الحيات كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك [2].

[ مسألة 4 ] : إذا شك في شي‌ء أنه من أجزاء الحيوان أم لا فهو محكوم بالطهارة [3]. وكذا إذا علم أنه من الحيوان لكن شك في أنه مما له دم سائل أم لا.

[ مسألة 5 ] : المراد من الميتة أعم مما مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي [4].


ولرواية الغنوي في الوزغ‌(1)، فلا يكون مما نحن فيه من نجاسة الميتة.

[1] تقدمت حكايته عن المعتبر وغيره في الحية ، وعن الشهيد في التمساح في المسألة الرابعة.

[2] لكون الشبهة موضوعية » والأصل فيها الطهارة. بل لا يبعد جريان الأصل الموضوعي ، وهو أصالة عدم كونها ذات نفس سائلة ، ويثبت به موضوع الطهارة.

[3] لأصالة الطهارة ، ولا أصل موضوعي على خلافها ، ولا حكمي وكذا الحال في الفرض الآتي. والشبهة موضوعية في الفرضين.

[4] الميتة [ تارة ] : تستعمل صفة من الموت المقابل للحياة [ وأخرى ] : بمعنى ما مات حتف أنفه في مقابل المقتول بالأسباب الموجبة للتذكية وغيرها كما في قوله تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... ) (2). وقوله


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الأسئار حديث : 4.

2) المائدة : 3.

[ مسألة 6 ] : ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة وان لم يعلم تذكيته [1].


تعالى : ( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ ... ) (1)[ وثالثة ] : بمعنى ما لم يذك ذكاة شرعية ، كما ذكر شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] وغيره مستشهداً عليه بجملة من النصوص ، كموثق سماعة : « إذا رميت وسميت فانتفع بجلده. وأما الميتة فلا » (2). وما في رواية علي بن أبي حمزة « قال (عليه السلام) : وما الكيمخت؟ قال : جلود دواب منه ما يكون ذكياً ومنه ما يكون ميتة ، فقال (عليه السلام) : ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه » (3). وما في رواية الصيقل : « إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة ... [ إلى أن قال ] : فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية » (4)... إلى غير ذلك. وبهذا المعنى صارت موضوعا للنجاسة والحرمة وسائر الاحكام ولا يهم تحقيق ذلك ، فان ما ليس بمذكى بحكم الميتة شرعا ، إجماعا ونصوصاً سواء أكان من معاني الميتة أم لا.

[1] النصوص الواردة في هذا الباب طوائف.

منها : ما يدل على جواز ترتيب آثار التذكية مطلقاً ما لم يعلم بعدمها كموثق سماعة : « سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن تقليد السيف في الصلاة وفيه الغراء (5)والكيمخت ، فقال (عليه السلام) : لا بأس ما لم تعلم أنه ميتة » (6). .


1) آل عمران : 144.

2) الوسائل باب : 49 من أبواب النجاسات حديث : 2.

3) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 4.

4) الوسائل باب : 49 من أبواب النجاسات حديث : 1.

5) الغراء - بكسر الغين المعجمة - الذي يلصق به الشي‌ء. نهاية ابن الأثير.

6) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 12.


ورواية علي بن أبي حمزة المتقدمة في المسألة السابقة ، ونحوهما غيرهما.

ومنها : ما يدل على المنع من ترتيب الأثر مطلقاً حتى يعلم أنه مذكى كموثق ابن بكير الوارد في المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، قال (عليه السلام) فيه : « فان كان مما يؤكل لحمه. فالصلاة في وبره ، وبوله وشعره ، وروثه وألبانه وكل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح » (1).

ومنها : ما يدل على جواز ترتيب الأثر في موارد خاصة ، مثل أن يباع في السوق ، كصحيح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن الخفاف التي تباع في السوق ، فقال (عليه السلام) : اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه » (2)، وصحيح البزنطي : « سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية ، أيصلي فيها؟ قال (عليه السلام) : نعم ليس عليكم المسألة ، إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول : إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ، إن الدين أوسع من ذلك » (3)، ونحوه صحيحه الآخر‌(4)، وصحيح سليمان بن جعفر الجعفري‌(5)، وخبر الحسن بن الجهم‌(6). أو يكون مما صنعه المسلمون ، كمصحح إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (عليه السلام) : « لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام. قلت : فان كان فيها غير أهل الإسلام قال (عليه السلام) : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس » (7). أو يبيعه المسلمون ، أو يصلون


1) الوسائل باب : 2 من أبواب لباس المصلي حديث : 1 ، وباب : 9 من أبواب النجاسات حديث : 6.

2) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 2.

3) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 3.

4) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 6.

5) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات ملحق حديث : 3.

6) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 9.

7) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 5.


فيه ، كخبر إسماعيل بن عيسى : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل ، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال (عليه السلام) : عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك ، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه » (1). أو ما كان مضمونا ، كخبر محمد بن الحسين الأشعري : « كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال (عليه السلام) : إذا كان مضموناً فلا بأس » (2).

والجمع العرفي يقتضي حمل الطائفة الأولى على موارد الأخيرة ، وحمل الثانية على غيرها. والمتحصل من ذلك : الحكم بعدم التذكية مع الشك فيها إلا مع قيام أمارة عليها ، كبيع المسلم ، أو صنعه ، أو صلاته فيه ، ونحوها من التصرفات الدالة على كونه مذكى ، أو إخباره بالتذكية ، كما هو الظاهر من الضمان في مكاتبة الأشعري. والظاهر ان هذا هو المشهور.

نعم في التذكرة وعن المنتهى : المنع فيما يكون في يد المستحل للميتة بل نسب إليهما ذلك حتى لو أخبر ذو اليد بالتذكية ، وعن الشيخ في النهاية. « ولا يجوز شراؤها ممن يستحل ذلك أو كان متهما ». علله في التذكرة بعدم حصول الظن بالتذكية ، بخلاف من لا يستبيح الميتة ، فإن إسلامه مانع عن الاقدام على الحرام غالبا. واستدل لهم أيضاً بخبر أبي بصير : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء. فقال (عليه السلام) : كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا لا يدفؤه فراء الحجاز ، لأن دباغها بالقرظ ، فكان يبعث الى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه ، فاذا حضرت الصلاة ألقاه والقى القميص الذي يليه. فكان يسأل عن ذلك ، فقال : إن أهل العراق يستحلون لباس


1) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 7.

2) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 10.


الجلود الميتة ، ويزعمون أن دباغه ذكاته » (1). وخبر عبد الرحمن بن الحجاج : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني أدخل سوق المسلمين - أعني : هذا الخلق الذي يدعون الإسلام - فاشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها : أليس هي ذكية؟ فيقول : بلى. فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال (عليه السلام) : لا ، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول : قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية. قلت : وما أفسد ذلك؟ قال (عليه السلام) : استحلال أهل العراق للميتة وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته ... » (2).

ويشكل الأول : بأنه إن بني على ملاحظة نصوص الباب المتقدمة فإطلاقها يقتضي الجواز مطلقاً ، وان بني على غض النظر عنها فالظن المستند إلى الغلبة لا دليل على حجيته. وأما الروايتان فمع ضعف سندهما قاصرا الدلالة. إذ الأولى واردة في مقام بيان جواز الصلاة في الفراء من حيث الشبهة الحكمية - كما يقتضيه ظاهر السؤال - وعليه فحكاية إلقاء الإمام (عليه السلام) الفرو حال الصلاة لا يدل على المنع ، لجواز أن يكون للاحتياط الاستحبابي أو للكراهة ، كما يشير اليه مصحح الحلبي : « تكره الصلاة في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز أو ما علمت منه ذكاة » (3). نعم لو كان السؤال من حيث الشبهة الموضوعية فحكاية الإلقاء عن الامام (عليه السلام) تدل على المنع. لكنه خلاف الظاهر. وأما الثانية فلس فيها تعرض لما نحن فيه وإنما هي في مقام بيان عدم جواز الاخبار بالتذكية اعتماداً على اخبار البائع بها وذلك أجنبي عما نحن فيه. مضافا إلى أن تضمنهما للبيع والشراء دليل على الجواز لما يأتي من عدم جواز بيع الميتة إجماعا ونصوصا ، وان من البعيد جدا ان


1) الوسائل باب : 61 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.

2) الوسائل باب : 61 من أبواب النجاسات حديث : 4.

3) الوسائل باب : 61 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.


الامام (عليه السلام) كان يلبس الفراء وهو متحرز عن مساورته فلاحظ.

هذا وعن الذكرى والبيان : الجواز فيما في يد المستحل إذا أخبر بالتذكية ، ويظهر من الدروس الميل اليه. وكأنه لرواية محمد بن الحسين الأشعري المتقدمة. لكن - مع عدم اختصاصها بالمستحل - ينافيها صحيحا البزنطي المتقدمان وغيرهما لقوله (عليه السلام) فيهما : « ليس عليكم المسألة ». فيتعين حمل الرواية على الاستحباب أو على ما إذا لم يكن البائع مسلما ، كما يشهد للأخير رواية إسماعيل بن عيسى المتقدمة ، لكن سندها لا يخلو من ضعف.

ويحتمل أن يكون وجه القول المذكور أن الاعتماد على خبر الكافر مقتضى قاعدة حجية خبر ذي اليد من دون معارض لها في خصوص الباب إذ لا تعرض فيها لنفي حجية أخبار الكافر بالتذكية. نعم في رواية عيسى ابن عبد اللّه : « سألت أبا عبد اللّه عن صيد المجوس. فقال (عليه السلام) : لا بأس إذا أعطوكه حيا والسمك أيضا ، والا فلا تجوز شهادتهم إلا أن تشهده » (1). لكن سندها لا يخلو من اشكال ، لاشتراك عيسى. ولأجل ذلك يشكل الخروج عن قاعدة حجية اخبار ذي اليد. لكن لو تمَّ ذلك فليس هو عملا برواية الأشعري ، بل هو عمل بالقاعدة ، والرواية في موردها محمولة على الاستحباب.

هذا ومقتضى الجمود على لفظ السوق المذكور في النصوص البناء على تذكية ما يباع في السوق مطلقا ولو كان سوقا للكافرين. لكن المنصرف منه من فيه من المسلمين. وأوضح منه ما في صحيح الفضيل وزرارة ومحمد ابن مسلم : « أنهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) : عن شراء اللحوم من الأسواق ولا يدرى ما صنع القصابون. فقال (عليه السلام) : كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه » (2)، فقد قيد فيه السوق بسوق المسلمين


1) الوسائل باب : 34 من أبواب الصيد حديث : 1.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب الذبائح حديث : 1.


بعناية كون البيع تصرفا من المسلم. ويشهد به ما تقدم من مصحح إسحاق المتضمن للحكم بتذكية ما صنعه المسلمون أو صنع في بلاد الإسلام ، وأنه مع وجود غير المسلم يبنى على ذلك إذا كان الغالب المسلمين ، فالمراد من السوق في هذه النصوص الإشارة إلى تصرف المسلم ، ولو لم يكن في السوق.

ومن ذلك يشكل القول بجواز البناء على تذكية ما في سوق المسلمين ولو كان مأخوذا من يد الكافر ، كما يظهر من الجواهر وجود القائل به ، وان كان ظاهر المستند عدمه كما يأتي. وعلى ما ذكرنا يترتب أنه إذا كان البائع في السوق كافرا فالنصوص المذكورة قاصرة عن شموله ، والمرجع فيه أصالة عدم التذكية. وكذا الحال في مجهول الحال إذا لم تقم أمارة على إسلامه.

ومن ذلك تعرف ضعف ما في المستند من الحكم بتذكية ما أخذ من مجهول الحال إذا كان في سوق المسلمين ، عملا منه بإطلاق نصوص السوق المقتصر في الخروج عنه بالإجماع. على ما أخذ من يد الكافر في سوق المسلمين ، فيبقى المجهول داخلا في الإطلاق.

وأشكل من ذلك ما في الحدائق حيث حكى عن المشهور نجاسة الجلد المطروح ، لأصالة عدم التذكية. ورده : بأنه خلاف القاعدة المتفق عليها نصا وفتوى ، من أن كل شي‌ء فيه حلال وحرام فهو لك حلال ، وكل شي‌ء طاهر حتى تعلم أنه قذر. وقد ذكروا أنه يجب رفع اليد عن الأصل بالدليل ، فترجيحهم العمل بالأصل المذكور على هذه القاعدة المنصوصة خروج عن القواعد. ويعضد هذه القاعدة جملة من النصوص ، ثمَّ ذكر النصوص الواردة في الجلد المشترى من السوق. ثمَّ ذكر وجوها أخرى من الاشكال فيما حكاه ، عن المشهور.

إذ فيه : أن قاعدتي الحل والطهارة محكومتان لأصالة عدم التذكية.


والدليل الذي يجب الخروج عن الأصل لأجله لا يراد به مثل القاعدتين المذكورتين. والنصوص التي ذكرها ليس موردها الجلد المطروح. وكان الأولى له أن يذكر مثل موثق سماعة وخبر علي بن أبي حمزة الدالين على إلغاء أصالة عدم التذكية. لكن عرفت أنهما معارضتان أيضا بغيرهما ، وأن الجمع العرفي يقتضي حملهما على خصوص ما كان فيه أمارة التذكية ، وهو غير الجلد المطروح. وأما وجوه الإشكال الباقية في كلامه فيعلم حالها بمراجعة الحدائق والتأمل فيها فراجع.

ومنه يظهر ما فيما في المدارك حيث بنى على طهارة الجلد المطروح واستشكل في أصالة عدم التذكية بعدم حجية الاستصحاب ، وأنه يتعين الرجوع الى أصالة الطهارة. واستشهد له بصحيح الحلبي ، وخبر علي بن أبي حمزة المتقدمين. إذ فيه - مع أن المحقق في محله حجية الاستصحاب - : أن صحيح الحلبي مختص بالسوق ، ورواية ابن أبي حمزة

معارضة بغيرها ، كموثق ابن بكير المتقدم ، والجمع العرفي يقتضي البناء على نجاسة الجلد المطروح ، كما عرفت.

هذا وفي الجواهر مال إلى كون يد الكافر أمارة على عدم التذكية مستظهرا له من روايتي إسحاق وإسماعيل بن عيسى. لكن دلالتهما لا تخلو من خفاء. لأن مجرد الحكم بكون ما في يد الكافر ، أو المصنوع في أرض لا يكون الغالب عليها المسلمين ، ميتة ، أعم من ذلك ومن كونه لأجل أصالة عدم التذكية.

ودعوى : أن أصالة عدم التذكية غير جارية في مورد الروايتين ، لأن كون الجلد في أرض المسلمين أمارة على التذكية ، فالحكم بعدم كون الجلد مذكى لا بد أن يكون من جهة يد الكافر لا غير. مندفعة : بأن مجرد كون الجلد في أرض المسلمين لم يثبت كونه أمارة على التذكية ولا دليل عليه ، بل لعل الأمر بالسؤال في رواية ابن عيسى


ظاهر في خلاف ذلك ، لأن السؤال إنما يناسب الجهل ، لا العلم ولو تنزيلا.

وأما رواية السكوني الواردة في السفرة المطروحة في الطريق كثير لحمها وخبزها ، وجبنها وبيضها » وفيها سكين ، حيث قيل له : يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي. فقال (عليه السلام) : « هم في سعة حتى يعلموا » (1). فالمحتمل - لو لم يكن ظاهراً - أن السؤال فيها من جهة النجاسة العرضية للأمور المذكورة من جهة مساورة المجوسي ، لا من جهة الشك في التذكية ، فلا تكون مما نحن فيه.

والمتحصل مما ذكرنا : لزوم الحكم بعدم التذكية ، إلا في الموارد الخاصة ، كبيع المسلم ، وصنعه ، وصلاته فيه ، ونحو ذلك من التصرفات التي كان بناء المسلمين على عدم إيقاعها في الميتة. وعليه يلزم تقييد عبارة المتن بما إذا كانت يد المسلم عليه بما أنه معد لتصرفه الذي يكون أمارة - نوعا - على التذكية لا مجرد كونه تحت يده ولو بقصد الإلقاء في المزبلة ، أو التصرف الذي لا يرتبط - بوجه - بالتذكية ، كالقرب المعدة لنقل القذارات ، فان ذلك لا يكون أمارة على التذكية شرعا.

هذا ولو كانت يد المسلم مسبوقة بيد الكافر - كما في الجلود المجلوبة في هذه الأزمنة من بلاد الكفار - فالظاهر كونها أمارة أيضاً ، كما يقتضيه إطلاق كلماتهم ، وصرح به غير واحد. قال في كشف الغطاء : « وما يؤتى به من بلاد الكفار كالبرغال والقضاعي ونحوه لا بأس به إذا أخذ من أيدي المسلمين ». وقال قبل ذلك : « وكل ما يوجد في أيدي المسلمين من الجلود مما لم يعلم حاله يبنى على تذكيته ، علم بسبق يد الكفار عليه أو لا » وفي الجواهر بعد أن ذكر النصوص المتقدمة : « يستفاد منها طهارة ما يؤخذ من يد المسلم وان علم سبقها بيد كافر ». وما ذكره - قدس سره -


1) الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات حديث : 11.

وكذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا إذا كان عليه أثر الاستعمال [1]. لكن الأحوط الاجتناب.

[ مسألة 7 ] : ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في


من الاستفادة في محله.

ودعوى : احتمال كون أيدي المسلمين في عصر صدور النصوص الشريفة مما لا يعلم بكونها مسبوقة بيد الكافر ، وترك الاستفصال إنما يفيد العموم حيث يمكن وقوع الواقعة المسؤول عنها على نحوين ، أما إذا قامت القرينة على وقوعها على حال واحدة معينة فلا يكون ترك الاستفصال دليلا على العموم ، لاحتمال كونه لوضوح الحال وعدم الحاجة إلى الاستفصال.

مندفعة : أولا : بأن ما ذكر لا يجري في النصوص الدالة على العموم بالإطلاق لا بترك الاستفصال ، مثل موثق إسحاق ، فإن ما صنع في أرض الإسلام أعم مما كان مجلوبا من بلاد الكفر أو مأخوذاً من الكافر. وثانيا : بأنه لا مجال للاحتمال المذكور ، للعلم بوجود الكفار في بلاد المسلمين ، وتداول ذبحهم للحيوانات ، وأكلهم لها ، وبيع جلودها ، ولا سيما مع البناء على كفر الخوارج والنواصب والغلاة ، مع بناء المخالفين على استحلال ذبائح الكافرين وبنائهم على طهارة الميتة بالدبغ ، فضلا عن استحلالهم شراء الجلود منهم مع احتمال كونها مذكاة ، إذ بعد ذلك لا مجال لاحتمال عدم وجود صورة يعلم فيها بسبق يد الكافر على يد المسلم ، بحيث لا يحسن التقييد بغير تلك الصورة ، كما لعله ظاهر.

[1] يعني : الأثر الظاهر في تحقق التذكية ، كما عرفت آنفا. ويشهد له مصحح إسحاق المتقدم. وأما رواية السكوني الواردة في السفرة المطروحة فقد عرفت قصور دلالتها على ذلك ، لعدم مناسبة السؤال والجواب له ، كما يظهر بالتأمل.

أرضهم محكوم بالنجاسة [1] إلا إذا علم سبق يد المسلم عليه [3].

[ مسألة 8 ] : جلد الميتة لا يطهر بالدبغ [3] ، ولا يقبل الطهارة شي‌ء من الميتات [4] سوى ميت المسلم ، فإنه يطهر بالغسل [5].


[1] لأصالة عدم التذكية ، لا لأن يد الكافر أمارة على عدمها.

[2] فتكون يد المسلم أمارة على التذكية من دون معارض.

[3] على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا ، بل قيل : تواتر نقل الإجماع عليه. بل عد من ضروريات المذهب ، كما عن شرح المفاتيح نعم حكي القول بالطهارة عن ابن الجنيد ، وعن المحدث الكاشاني الميل اليه. ويشهد للأول روايتا أبي بصير وابن الحجاج المتقدمتان في المسألة السادسة ، ولا دليل بالخصوص على النجاسة غيرهما. مع ما هما عليه من ضعف السند. ولكن حكي عن التذكرة دعوى تواتر الاخبار بذلك.

وكأنه أراد النصوص المتضمنة عدم الانتفاع بالميتة ، فإن إطلاقها شامل لما بعد الدبغ. ويشهد لابن الجنيد رواية الحسين بن زرارة : « جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن والماء أفأشرب منه وأتوضأ؟ قال (عليه السلام) : نعم وقال : يدبغ فينتفع به ، ولا يصلى فيه » (1). ومرسلة الصدوق‌(2)المتقدمة في طهارة الميتة ، بناء على حملها على ما بعد الدبغ. لكن لا ينبغي التأمل في طرحهما بعد حكاية الإجماع على خلافهما. وكفى بالأصل دليلا على المشهور.

[4] للإطلاق أو الأصل بعد عدم الدليل على الطهارة.

[5] للروايات المتقدمة المفصلة في لزوم غسل الثوب الذي يلاقي جسد


1) الوسائل باب : 34 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 6.

2) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 5.

[ مسألة 9 ] : السقط قبل ولوج الروح نجس ، وكذا الفرخ في البيض [1].


الميت بين ما قبل الغسل وبعده.

[1] اتفاقا ، كما عن شرح المفاتيح ، وبلا خلاف ، كما عن لوامع النراقي. لكن الدليل عليه غير ظاهر ، إذ هو إما لأنه ميتة ، لأن الموت يقابل الحياة تقابل العدم والملكة ، ولا يعتبر في صدقه سبق الحياة. أو لأنه من قبيل القطعة المبانة من الحي ، فيشمله دليل نجاستها. أو لأن قوله (عليه السلام) : « ذكاة الجنين ذكاة أمه » (1)يقتضي كونه ميتة بموت أمه ، فاذا ثبت نجاسته من الميتة ثبت نجاسته من الحية ، لعدم القول بالفصل. أو لأنه قبل ولوج الروح فيه حي بحياة أمة لا بحياة مستقلة. فإذا انفصل عنها صار ميتة ، فيلحقه حكمها.

والجميع لا يخلو من نظر. إذ لو سلم كونه ميتة فلا إطلاق لأدلة نجاستها يشمله. والقطعة المبانة مختصة بالجزء ، وليس هو منه. وقوله (عليه السلام) « ذكاة الجنين ... » لا إطلاق له في موضوع الذكاة ، لوروده في مقام بيان الاكتفاء بذكاة الأم في تحقق ذكاة الجنين ، فيمكن اختصاصه بما ولجته الروح. ولأنه لا يصح تطبيق الحي والميت على كل جزء من أجزاء البدن ولا على مثل الحمل ، ولذا لا نقول بنجاسة العضو الميت في حال اتصاله بالبدن ، والحكم بنجاسته بعد الانفصال إنما كان للأخبار الخاصة المتضمنة أنه ميتة. ودعوى : الاتفاق وعدم الخلاف المتقدمة من شرح المفاتيح واللوامع. غير ظاهرة ، لعدم تعرض الأكثر للحكم المذكور. اللّهم إلا أن يستفاد من مذاق الأصحاب. وهو غير بعيد ، ويساعده ارتكاز المتشرعة. وبذلك


1) الوسائل باب : 18 من أبواب الذبائح حديث : 12.

[ مسألة 10 ] : ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة ، على الأقوى [1] ، وان كان الأحوط غسل الملاقي ،


يكون الخروج عن مقتضى قاعدة الطهارة.

[1] كما هو المشهور. وعن العلامة والشهيدين وغيرهما [ رض ] سراية نجاستها إلى الملاقي ولو مع اليبوسة. لإطلاق ما دل على نجاسة ملاقيها ، الوارد بعضه في ميتة الإنسان ، وبعضه في ميتة غيره. مثل التوقيع الوارد في إمام حدثت عليه حادثة ، قال (عليه السلام) : « ليس على من مسه إلا غسل اليد » (1). وموثق عمار : « اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات » (2). لكنه يشكل ذلك : بأن اعتبار الرطوبة في سراية النجاسة عند العرف مما يصلح أن يكون قرينة على صرف الإطلاق ، فلا مجال للاعتماد عليه. مضافا إلى موثق ابن بكير « كل شي‌ء يابس ذكي » (3)الظاهر في الحكومة على إطلاق ما دل على سراية النجاسة مع الجفاف. ولو بني على عدم ظهوره في الحكومة فبينه وبين إطلاقات المقام عموم من وجه ، والمرجع في مورد المعارضة - وهو صورة الجفاف - إلى أصالة الطهارة. ويشير الى ذلك ما في الصحيح الوارد في الثوب الذي يقع على جسد الميت : « فاغسل ما أصاب ثوبك منه » (4)، وفي الآخر : « يغسل ما أصاب الثوب » (5). فان الظاهر من التعبير المذكور لزوم غسل الأثر الحاصل من ملاقاة الثوب للميت ، الذي لا يكون إلا مع الرطوبة.


1) الوسائل باب : 3 من أبواب غسل المس حديث : 4.

2) الوسائل باب : 53 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 5.

4) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 1.

5) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 2.

خصوصا في ميتة الإنسان قبل الغسل [1].

[ مسألة 11 ] : يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده ، فلو مات بعض الجسد ولم تخرج الروح من تمامه لم ينجس [2].


هذا وفي صحيح علي بن جعفر (عليه السلام) : عن أخيه موسى (عليه السلام) : « سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل تصلح الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال (عليه السلام) : ليس عليه غسله ويصلي فيه ولا بأس » (1). ولأجله قيل بتعين حمل الإطلاقات في ميت غير الإنسان على صورة الرطوبة ، وحمله على صورة اليبوسة لكن الجمع بذلك ليس عرفيا ، ولا شاهد له ، فلو بني على العمل بالصحيح يتعين حمل أدلة لزوم الغسل على الاستحباب مطلقاً. وما أبعد ما بين هذا القول وبين القول المحكي عن الحلي [رحمه اللّه] من عدم نجاسة ملاقي الميت مطلقاً. وضعفه ظاهر ، لما عرفت من النصوص الآمرة بغسل الملاقي له. ولو بني على غض النظر عنها أو عن ظاهرها لم يبق دليل على نجاسة الميت ، كما لا يخفى.

[1] لأن الخلاف فيها أظهر.

[2] كما هو المعروف. وعن شرح الدروس : التردد فيه ، لاحتمال صدق الميتة عليه. لكنه ضعيف ، لأن موضوع الموت والحياة المأخوذ موضوعا للطهارة والنجاسة هو البدن بلحاظ اتصاله بالروح على نحو خاص وانفصاله عنها ، فاتصاف الاجزاء بها بعين اتصاف البدن ، لأنها عينه ، ولا تتصف الاجزاء بهما مستقلا فلا يمكن تطبيق الميتة على الجزء مستقلا ، وتطبيقها على الجزء المبان في النصوص مجاز بلحاظ الاحكام.


1) الوسائل باب : 26 من أبواب النجاسات حديث : 5.

[ مسألة 12 ] : مجرد خروج الروح يوجب النجاسة وإن كان قبل البرد [1] ، من غير فرق بين الإنسان وغيره. نعم وجوب غسل المس للميت الإنساني مخصوص بما بعد برده [2].


[1] كما عن صريح المبسوط ، والتذكرة ، والذخيرة ، وظاهر غيرها. لإطلاق صحيح الحلبي ، وخصوص التوقيعين ، وقد تقدمت في مبحث نجاسة الميت. ولا معارض لها غير ما في صحيح ابن ميمون من قوله : « يعني : إذا برد الميت » (1)، لكنه لم يثبت كونه من المعصوم ، فلا يصلح للمعارضة

وعن الجامع ، ونهاية الاحكام ، والدروس ، والذكرى ، وجامع المقاصد ، والمدارك ، وغيرها : الطهارة حينئذ ، بل نسب إلى الأكثر ، بل عن الشيخ الإجماع عليه. للاستصحاب. وللمنع من تحقق الموت قبل البرد. وللتلازم بين الغسل - بالضم - والغسل - بالفتح - والأول لا يكون قبل البرد فكذا الثاني. ولما دل على أنه لا بأس بالمس مع الحرارة ، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس » (2)، وحمله على بيان الحكم التكليفي خلاف الظاهر.

لكن الاشكال فيما عدا الأخير ظاهر ، والأخير محمول على نفي الغسل - بالضم - جمعاً بينه وبين التوقيعين ، حملا للمطلق على المقيد. اللّهم إلا أن يشكل الاحتجاج بهما لعدم روايتهما إلا في كتاب الاحتجاج ، ولا يخلو سندهما عن إرسال.

[2] كما سيأتي في محله.


1) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 1 ، وقد تقدم بتمامه في نجاسة ميت الإنسان.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب غسل المس حديث : 1.

[ مسألة 13 ] : المضغة نجسة [1] ، وكذا المشيمة ، وقطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل.

[ مسألة 14 ] : إذا قطع عضو من الحي وبقي معلقاً متصلا به فهو طاهر ما دام الاتصال [2] ، وينجس بعد الانفصال [3]. نعم لو قطعت يده - مثلا - وكانت معلقة بجلدة رقيقة فالأحوط الاجتناب [4].

[ مسألة 15 ] : الجند المعروف كونه خصية كلب الماء إن لم يعلم ذلك ، واحتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر وحلال [5] ، وان علم كونه كذلك فلا إشكال في حرمته [6] لكنه محكوم بالطهارة ، لعدم العلم بأن ذلك الحيوان مما له نفس.

[ مسألة 16 ] : إذا قلع سنة أو قص ظفره ، فانقطع


[1] الوجه في نجاستها ، ونجاسة المشيمة ، وقطعة اللحم ، هو بعض ما أشرنا إليه في نجاسة السقط ، والفرخ ، قبل ولوج الروح فيه ، بل المضغة داخلة في إطلاق السقط الذي لم تلجه الروح. وفي المنتهى : « المشيمة التي فيها الولد نجسة لأنها جزء حيوان أبين منه » ، وفي كشف الغطاء : « وما يخرج من بطن المرأة أو الحيوان حين الولادة من لمم ونحوه محكوم بنجاسته ».

[2] للأصل. بل لما دل على طهارة الحيوان إذا فرض صدق الجزء عليه.

[3] لما تقدم في القطعة المبانة من الحي.

[4] لاحتمال دخولها في القطعة المبانة من الحي ، وان كان الشك كافياً في الرجوع إلى أصل الطهارة.

[5] لأصالة الطهارة والحل.

[6] لحرمة حيوانه.

معه شي‌ء من اللحم فان كان قليلا جداً فهو طاهر [1] ، وإلا فنجس.

[ مسألة 17 ] : إذا وجد عظما مجرداً وشك في أنه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة [2] حتى لو علم أنه من الإنسان ولم يعلم أنه من كافر أو مسلم [3].

[ مسألة 18 ] : الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره - كالسمك مثلا - محكوم بالطهارة [4].

[ مسألة 19 ] : يحرم بيع الميتة [5].


[1] إما لدعوى انصراف أدلة نجاسة القطعة المبانة من الحي عن الجزء الصغير ، أو لدعوى سيرة المتشرعة عليه. ولكن كلتيهما محل إشكال.

[2] لأصالة الطهارة.

[3] إذا كان التقابل بين الكفر والإسلام تقابل العدم والملكة ، فأصل عدم الإسلام الجاري في الإنسان يثبت الكفر ، فيحكم بنجاسة العظم وهو - لكونه أصلا موضوعياً - حاكم على أصل الطهارة الذي هو أصل حكمي. نعم لو تردد العظم بين كونه لمعلوم الإسلام [ كزيد ] وكونه لمعلوم الكفر [ كعمرو ] فأصالة عدم إسلام الإنسان المردد بين معلوم الوجدان ومعلوم الفقدان غير جارية ، كما عرفت ذلك غير مرة.

[4] إما لأصالة عدم كون حيوانه ذا نفس سائلة ، بناء على جريان أصالة العدم الأزلي في مثله مما كان من عوارض الوجود. أو لأصالة الطهارة بناء على عدم جريان أصل العدم الأزلي فيه.

[5] على المعروف من مذهب الأصحاب ، بل عن التذكرة والمنتهى


والتنقيح نقل الإجماع عليه ، وعن الخلاف نقل الإجماع على عدم ملكيتها وفي رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « السحت ثمن الميتة » (1)وعن جامع البزنطي عن الرضا (عليه السلام) : « في الغنم يقطع من ألياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال (عليه السلام) : نعم يذيبها ويسرج بها ، ولا يأكلها ولا يبيعها » (2)، ونحوه رواية علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) ، (3)وفي روايته الأخرى « عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها ، يصلح له بيع جلودها ودباغها ولبسها قال (عليه السلام) : لا ، ولو لبسها فلا يصل فيها » (4)، وفي رواية تحف العقول‌(5): النهى عن بيع الميتة. مضافا الى ما ذكر في محله من اعتبار المالية في كل من العوضين في البيع ، وكون الميتة مالا موقوف على تحقق المنفعة لها المعتد بها ، وهو غير حاصل ، إما لحرمة الانتفاع بها كلية ، أو لأن جواز الانتفاع بها في بعض الموارد ليس بنحو يعتد به في صدق المال لندرته.

نعم في رواية أبي القاسم الصيقل وولده : « كتبوا إلى الرجل : جعلنا اللّه تعالى فداك إنا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ، ونحن مضطرون إليها وانما علاجنا [ غلافها. ظ ] جلود الميتة والبغال والحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها ، فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلي في ثيابنا؟ ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا. فكتب (عليه السلام) : اجعل ثوبا للصلاة ... » (6)


1) الوسائل باب : 5 من أبواب ما يكتسب به حديث : 5.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب ما يكتسب به حديث : 6.

3) الوسائل باب : 6 من أبواب ما يكتسب به ملحق حديث : 6.

4) الوسائل باب : 5 من أبواب ما يكتسب به حديث : 16.

5) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.

6) الوسائل باب : 38 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4.

لكن الأقوى جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة [1].


لكن - مع احتمال كون المبيع هو السيف والغلاف تابع له بنحو الشرط - لا تصلح للخروج بها عن تلك النصوص ، التي لا يبعد تواترها معنى ، ومجمع على العمل بها ، المعتضدة بقاعدة لزوم كون العوضين مالا في البيع فلاحظ. فما عن المجلسي من الجواز ضعيف ، بل في الجواهر : انه غريب.

[1] كما يظهر من محكي عبارات جماعة منهم العلامة والشهيدان. لعموم الحل الموافق لأصالة الحل. ولخبري البزنطي وعلي بن جعفر (عليه السلام) المتقدمين ورواية زرارة في جلد الخنزير يجعل دلواً يستقى به‌(1)، وروايته الأخرى في شعر الخنزير يجعل حبلا يستقى به من البئر‌(2)- بناء على عدم الفرق بين أنواع نجس العين في الحكم - ورواية الصيقل المتقدمة ، ورواية الوشاء المتقدم إليها الإشارة في نجاسة الميتة عن أبي الحسن (عليه السلام) في أليات الغنم المقطوعة : « فقلت : جعلت فداك فيستصبح به؟ فقال (عليه السلام) : أما علمت أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام » (3)لظهورها في جواز الانتفاع بالميتة من حيث هو ، وانما يمنع عنه إصابة الثوب واليد ، وقوله (عليه السلام) : « وهو حرام » إما أن يراد به أنه نجس ، فيكون المقصود الإرشاد الى ما يترتب على الاستصباح من نجاسة اليد والثوب المؤدي إلى لزوم التطهير ، أو بطلان الصلاة ، أو أنه حرام تكليفاً مع تعاطيه تعاطي الطاهر ، وعلى كل حال فالرواية دالة على جواز الانتفاع من حيث هو ، وإلا فمن الضروري جواز مماسة النجس بنحو يؤدي إلى نجاسة الجسم المماس له.

وأما رواية ابن جعفر (عليه السلام) الثانية المتقدمة فالظاهر من قول السائل :


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 16.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

3) الوسائل باب : 30 من أبواب الذبائح حديث : 2.

« ودباغها ولبسها » السؤال عن مطهرية الدبغ ، فالمراد من لبسها اللبس على أنها طاهرة ، فقول الامام (عليه السلام) : « لا » ظاهر في عدم مطهرية الدبغ ، لا النهي عن اللبس.

وأما ما في صحيح الكاهلي في قطع أليات الغنم : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ، إن في كتاب علي (عليه السلام) : أن ما قطع منها ميت لا ينتفع به » (1)، وما في رواية علي بن المغيرة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الميتة ينتفع منها بشي‌ء فقال : لا » (2)، ونحوهما ما في غيرهما. فالظاهر أن المقصود منها الإرشاد إلى النجاسة ، كالأمر بإراقة الماء ، أو المرق ، عند ملاقاة النجاسة ، وليس المقصود منه بيان حكمه من عدم الانتفاع مطلقاً ، والمصحح للكناية بمثل هذا التعبير عنها - ولو مع جواز الانتفاع بالنجس في الجملة - أن النجس مما يرغب عن الانتفاع به حتى الانتفاع الجائز ، لما يترتب على الانتفاع به من الابتلاء بالنجاسة. وليراجع الإنسان نفسه إذا أهدي إليه لباس نجس أو فراش ، أو غطاء ، أو سرج دابة ، أو نحو ذلك ، فإنه لا يرى من نفسه الاقدام على اللبس أو الافتراش أو التغطي أو الركوب ، كما تقدم في رواية الوشاء. ولو سلم ثبوت عمومه لمطلق الانتفاع تعين حمله على نوع خاص جمعا بين النصوص. ورواية تحف العقول قد تقدم في مبحث الانتفاع بالعذرة محملها فراجع.

نعم قد يشكل ما ذكر : بأن النصوص المتقدمة الدالة على جواز الانتفاع بالميتة - مع عدم صحة أسانيدها - مهجورة عند قدماء الأصحاب. بل قد حكى الإجماع على عدم جواز الانتفاع بالميتة جماعة ، حتى أن الحلي - بعد ما روى في مستطرفات السرائر رواية البزنطي المتقدمة - ذكر : « أنها من


1) الوسائل باب : 30 من أبواب الذبائح حديث : 1.

2) الوسائل باب : 61 من أبواب النجاسات حديث : 2.


نوادر الاخبار والإجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها على كل حال إلا أكلها للمضطر ، مضافا إلى مخالفتها لقاعدة عدم جواز الانتفاع بالأعيان النجسة المستدل عليها بالآيات والروايات والإجماع ، فكيف يصح لأجلها التصرف في غيرها؟! بناء على ظهوره في المنع عن مطلق الانتفاع.

ويمكن أن يدفع : بأن النصوص المذكورة لا يخلو بعضها من الاعتبار وان لم تكن صحيحة. وأما الهجر فلم يثبت على نحو يقدح في جواز العمل بها ، لجواز أن يكون لبنائهم على قاعدة عدم جواز الانتفاع بالأعيان النجسة التي استفادوها من ظاهر بعض الآيات مثل قوله تعالى ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) (1)وقوله تعالى ( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) (2)وقوله تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ) (3)وبعض الروايات مثل ما في رواية تحف العقول ، من تعليل حرمة بيع وجوه النجس ، بحرمة الأكل والشرب والإمساك وجميع التقلبات (4). لكن دلالتها على ذلك لا تخلو من إشكال - كما أوضح ذلك شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في مكاسبه - فلم يثبت الهجر الموجب للخروج عن الحجية. وعليه لو سلمت الدلالة لأمكن الخروج عنها بالنصوص المذكورة ، إذ يجوز تخصيص العام ولو كان من الكتاب بالخاص ولو كان من السنة. وأما الإجماع المدعى على القاعدة فهو - وان حكي عن جماعة من الأكابر - لا مجال للاعتماد عليه ، بعد مخالفة جملة من أعيان المتأخرين فيها. مع تأتي المناقشة في كون مراد بعض الحاكين له ذلك. فراجع كلمات شيخنا الأعظم [قدس سره].


1) المدثر : 5.

2) المائدة : 90.

3) المائدة : 3.

4) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.

الخامس : الدم من كل ما له نفس سائلة [1] ، إنساناً


وبالجملة : بعد عدم ثبوت قاعدة عدم جواز الانتفاع بالنجاسات - لقصور الأدلة المستدل بها عليها - ينحصر الاستدلال على عدم جواز الانتفاع بالميتة بالخصوص بمثل صحيح الكاهلي المتقدم ، وتقدم الإشكال في دلالته ، إذ من البعيد أن يكون المراد منه النهي عن كل انتفاع ، ولو كان مثل إطعام جوارح الطير ، أو تسميد الزرع ، ونحوهما مما لا يعتبر فيه الطهارة بوجه ، فان بيان هذا المعنى يحتاج إلى مزيد عناية ، ولا يكفي فيه مثل هذا الكلام. بل هذا المعنى مقطوع بخلافه في مثل رواية علي بن المغيرة ، فان السائل إنما عنى بقوله : « الميتة ينتفع بها » انها كما ينتفع بالمذكى ، وليس المراد ما يعم إطعام الجوارح. ولو سلم إطلاق في عدم الانتفاع ، فهو مقيد بالنصوص المتقدمة ، فيحمل على الانتفاع المؤدي إلى الوقوع في الحرام ، كما أشير إليه في رواية الوشاء المتقدمة ، على ما عرفت.

[1] إجماعا ، صريحاً وظاهراً ، محكياً عن جماعة كثيرة ، وان اختلفت عباراتهم في معقده. ففي بعضها : مطلق دم ذي النفس. وفي بعضها : دم ذي العرق وهو راجع إلى الأول ، وفي بعضها : الدم المسفوح ، والمسفوح هو المصبوب ، وعليه يكون بين هذا العنوان وما قبله عموم من وجه ، لعمومه لمثل دم السمك وعدم شموله للمتخلف في اللحم ونحوه من أجزاء الحيوان. ويجب تفسيره - كما في كلام بعضهم - بما ينصب من العرق ، فيكون أخص مطلقا من الأول ، ولا يشمل مثل دم السمك. وفي المنتهى : « الدم المسفوح من كل حيوان ذي نفس سائلة يكون خارجا بدفع من عرق نجس. وهو مذهب علماء الإسلام » ، ونحوه كلام غيره من الأعاظم.

لكن ادعى غير واحد من الأجلاء أن المراد مطلق دم ذي النفس ، بقرينة تعرضهم لطهارة دم غير ذي النفس ، والمتخلف في الذبيحة ، دون


ما عداهما من دم ذي النفس غير المسفوح ، ولورود النصوص الكثيرة الظاهرة في نجاسة غير المسفوح من دم ذي النفس ، كدم الرعاف (1)، أو ما يوجد في الأنف (2)، وعند قطع الثالول ، ونتف لحم الجرح (3)، وحك الجلد (4)، وقلع السن (5)ودم الجروح ، والقروح (6)، والحيض ، والنفاس ، والاستحاضة (7). وغير ذلك ، مع عدم تعرضهم لرد هذه النصوص ، وبيان الوجه فيه ، من ضعف دلالة أو سند أو غير ذلك ، بل لا ريب في بنائهم على قبولها ، فان ذلك كله شاهد بإرادة العموم ، كما ادعاه جماعة.

لكنه لا يخلو من اشكال ، لإباء كلماتهم عن الحمل على ذلك. ولا سيما بملاحظة تعليلهم طهارة المتخلف : بأنه ليس بمسفوح ، وان طهارته لعدم المقتضي للنجاسة ، والبناء على نجاسة الدم في الموارد المذكورة المنصوصة يمكن أن يكون لبنائهم على أنه من المسفوح ، لخروجه من العروق الدقاق أو لكون المراد منه مطلق الخارج من البدن ، أو غير ذلك.

وبالجملة : ثبوت كلية نجاسة دم ذي النفس بالإجماع غير واضح ، وإن كان يساعدها ارتكاز المتشرعة من غير فرق بين الإنسان الذي هو .


1) الوسائل باب : 82 من أبواب النجاسات حديث : 1 ويوجد أيضاً من كثير من أبواب النجاسات والماء المطلق.

2) الوسائل باب : 24 من أبواب النجاسات حديث : 2.

3) الوسائل باب : 63 من أبواب النجاسات حديث : 1.

4) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 5.

5) الوسائل باب : 27 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 1.

6) الوسائل باب : 24 من أبواب النجاسات حديث : 3.

7) راجع الوسائل في أبواب أغسال الحيض والنفاس والاستحاضة والنجاسات والماء.


مورد النصوص المتقدمة وغيره. لكن الرجوع الى هذا الارتكاز في موارد الخلاف والاشكال محل تأمل ونظر.

وأما النصوص فدلالتها على عموم النجاسة لا تخلو من اشكال ، لورودها في موارد خاصة ، وإلغاء خصوصية موردها عرفا - لو تمَّ - معارض بمثله بالإضافة إلى ما تضمن نفي البأس عن دم البق والبراغيث والسمك. بل الإلغاء على نحو الكلية غير واضح. نعم قد ذكر لفظ الدم في بعض النصوص غير مقيد. لكن ذلك غير كاف في إطلاقه ، لعدم كونه وارداً لبيان نجاسة الدم ، وانما ورد في مقام بيان حكم آخر بعد الفراغ عن نجاسته

كموثق عمار : « كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما ، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ ولا تشرب منه » (1)فإنه وارد في مقام جعل الحكم الظاهري عند الشك في وجود الدم المفروغ عن نجاسته ، لا في مقام تشريع نجاسة الدم.

ومثله في الاشكال الروايات الواردة في نزح البئر ، لوقوع الدم فيها ، كصحيح ابن بزيع : « عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم ... » (2). فإن الأمر بالنزح فيه وفي أمثاله وان دل على النجاسة - كما تقدم في مبحث نجاسة الميتة - لكن الظاهر من السؤال في جميع هذه النصوص علم السائل بالنجاسة ، والسؤال إنما كان عن تأثيرها في البئر ، فترك الاستفصال فيه لا يقتضي العموم. وكذا الاشكال فيما لو ورد الأمر بالنزح ابتداء من المعصوم فإنه أيضاً وارد في مقام بيان حكم آخر.

وأما النبوي المروي في الذكرى وغيرها من كتب الفروع : « إنما


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الأسئار حديث : 2 ، وباب : 82 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 21.

أو غيره كبيراً أو صغيراً ، قليلا كان الدم ، أو كثيراً [1].


يغسل الثوب من البول والدم والمني » (1)فالحصر فيه - على اشكاله - يحتمل قريباً وروده لبيان عقد النفي ، لا مع عقد الإثبات ، فلا إطلاق له. مضافا الى ضعف الخبر ، وعدم ثبوت الجابر له ، لعدم ثبوت الاعتماد عليه. وكذا خبر زكريا بن آدم : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر ... [ الى أن قال ] : قلت : فان قطر فيه الدم؟ قال (عليه السلام) : الدم تأكله النار. قلت : فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم قال (عليه السلام) : فسد ... » (2). فان الظاهر وروده في مقام السؤال عن التأثير في القدر التي فيها اللحم الكثير ، والمرق الكثير ، ولذا سأل ثانيا عن وقوع الدم في العجين ، فالسؤال فيه ليس عن النجاسة بل عن حال الملاقي.

هذا ويمكن أن يقرب عموم النجاسة : بأن الذي يظهر من النصوص الواردة في دم الإنسان وفي دم الحيوان - على اختلاف مواردها - المفروغية عن نجاسته على وجه العموم. ولذا ورد نفي البأس عن دم البق والبراغيث والسمك ، الظاهر كونه من قبيل الاستثناء من عموم النجاسة. لكن هذا المقدار من الاشعار لم يبلغ حد الحجية ، الرافع لأصالة الطهارة مع الشك.

[1] فيه إشارة إلى احتمال خلاف الشيخ [رحمه اللّه] فيما لا يدركه الطرف من الدم ، حسب ما تقدم في مبحث المياه مع دليله (3). والى خلاف الصدوق [رحمه اللّه] فيما دون الحمصة الذي يشهد له خبر المثنى بن عبد السلام عن الصادق (عليه السلام) : « إني حككت جلدي فخرج منه دم. فقال (عليه السلام) : .


1) ذكره في الذكرى في الثالث والرابع من النجاسات صفحة : 13 سطر : 13.

2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

3) في أوائل فصل الراكد بلا مادة.

وأما دم ما لا نفس له فطاهر [1] كبيراً كان أو صغيراً كالسمك


إذا اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلا فلا » (1). والى خلاف ابن الجنيد فيما دون سعة الدرهم من الدم وغيره من النجاسات. وكأنه اعتمد في الدم على ما سيأتي من النصوص المتضمنة للعفو عما دون الدرهم ، وفي غيره على القياس عليه. ويحتمل أن يكون مرادهما مجرد العفو كظاهر دليل الثاني ، ومحمل دليل الأول ، فلا يكون خلاف في المسألة.

[1] إجماعا محكياً في كلام السيدين ، والحلي ، والمحقق ، والعلامة ، في جملة من كتبه ، والشهيدين ، والسيد في المدارك - على ما حكي عنهم - وكفى به دليلا على الطهارة. مع أنك عرفت أنها مقتضى الأصل ، لفقد العموم الدال على نجاسة الدم الشامل لما نحن فيه.

أما خبر السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن علياً (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل. يعني دم السمك » (2)ومكاتبة محمد بن ريان : « قال كتبت الى الرجل : هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ وهل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه؟ وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع (عليه السلام) يجوز الصلاة والطهر منه أفضل » (3). فالمستفاد منهما مجرد العفو في الصلاة. نعم ظاهر خبر غياث عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه : - « لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف » (4)- الطهارة. لكن لا عموم فيه. ومثله صحيح ابن أبي يعفور في دم البراغيث‌(5).


1) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 5.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب النجاسات حديث : 2.

3) الوسائل باب : 23 من أبواب النجاسات حديث : 3.

4) الوسائل باب : 23 من أبواب النجاسات حديث : 5.

5) الوسائل باب : 23 من أبواب النجاسات حديث : 1.

والبق ، والبرغوث ، وكذا ما كان من غير الحيوان [1] كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء [2] ، أرواحنا فداه. ويستثنى من دم الحيوان المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف [3] سواء كان في العروق ، أو في اللحم ، أو في القلب ، أو الكبد ، فإنه طاهر [4]. نعم إذا رجع دم المذبح إلى الجوف ، لرد


هذا وقد يوهم المحكي في مفتاح الكرامة من عبارات الجمل والمبسوط والمراسم نجاسة الدم المذكور والعفو عنه. ولعله محمول على الطهارة ، ولا سيما ما في الأولين بقرينة ما في الخلاف من النص على طهارة دم السمك فلاحظ.

[1] كما نص عليه في الجواهر وغيرها. ويقتضيه أصالة الطهارة بعد ما عرفت من عدم عموم يقتضي نجاسة الدم.

[2] ومثله ما خلق آية لموسى بن عمران (عليه السلام).

[3] إجماعا ، كما عن المختلف ، وآيات الجواد ، وكنز العرفان ، والحدائق ، وبلا خلاف ، كما عن البحار ، والذخيرة ، والكفاية ، وغيرها. وقد يستدل عليه بما دل على نفي الحرج (1). وبالسيرة ، وبما دل على حل الذبيحة وبعدم المقتضي للنجاسة ، لأنه ليس من المسفوح ، وغير ذلك مما لا يخلو بعضه من المناقشة.

[4] المذكور في بعض معاقد الإجماع على طهارة المتخلف خصوص العروق ، وفي بعض آخر : خصوص اللحم ، وفي ثالث : هما معاً. وكأن ذكر ذلك من باب المثال ، إذ لا ينبغي التأمل في عموم الحكم لجميع ما في المتن وغيره من الشحم والعظم ، والمخ. وعن شرح الدروس : إجماع الأصحاب ظاهراً على طهارة ذلك كله.

وما عن أطعمة المدارك من قوله [رحمه اللّه] : « وفي إلحاق ما يتخلف في .


1) تقدم التعرض له في المسألة العاشرة من فصل ماء البئر.

النفس ، أو لكون رأس الذبيحة في علو ، كان نجساً [1]. ويشترط في طهارة المتخلف أن يكون مما يؤكل لحمه على


القلب والكبد وجهان » مما ظاهره التردد ، في غير محله. ولذا جزم في الروضة بطهارته فيهما. ويشهد بذلك - مضافا الى ظهور الإجماع عليه ، لعدم تعرضهم للخلاف فيه والى اطراد الوجوه المذكورة آنفا فيه من السيرة ودليل نفي الحرج وغيرهما - : أنه مقتضى أصالة الطهارة بعد عدم وضوح دخوله في معقد الإجماع على النجاسة.

[1] كما نص عليه جماعة ، منهم المحقق والشهيد الثانيان ، والمقداد ، والصيمري على ما حكي عنهم.

والوجه فيه : أما في صورة الرجوع من الخارج بالنفس ونحوه - كما هو ظاهر المفروض في المتن - فلأن الدم الخارج نجس قطعاً ، فاذا رجع إلى الجوف بقي على نجاسته ، بل ينجس به كل ما يلاقيه من دم وغيره. وحينئذ فإن علم المتخلف بعينه ، ولم تعلم ملاقاته للخارج الداخل اليه فهو طاهر ، ولو علم بملاقاته له فهو نجس. ولو لم يعلم بعينه - فتردد بين كونه من المتخلف وكونه من الداخل إليه - فإن كان طرفا لعلم إجمالي جرى عليه حكم الشبهة المحصورة ، وإلا جرى عليه حكم الشبهة البدوية الآتي في المسألة السابعة.

وأما في صورة الرجوع من الداخل فالمظنون أنه لا كلام في نجاسة الراجع. نعم عن شرح الدروس : أنه قد يقال : إنه إذا خرج منه دم يحكم بنجاسته ، وإذا لم يخرج ولم يظهر فهو طاهر وإن كان في اللحم. انتهى. ولكنه بعيد جداً ، وان كان مقتضى ما عرفت من الإشكال في ثبوت عموم نجاسة الدم الرجوع فيه إلى أصالة الطهارة. نعم في صحيح

الأحوط. فالمتخلف من غير المأكول نجس ، على الأحوط [1].

[ مسألة 1 ] : العلقة المستحيلة من المني نجسة [2] ، من


الشحام : « إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس به » (1). ومقتضى ظهوره في خروج الدم على النحو المتعارف حرمة الذبيحة في الفرض ، وكونها ميتة.

[1] بل عن الذخيرة ، والكفاية ، والبحار ، وشرح المفاتيح : الظاهر اتفاق الأصحاب على النجاسة. وكأن وجه ذلك ما في محكي المعالم من إطلاقهم نجاسة الدم سوى المتخلف في الذبيحة ، وان المتبادر من الذبيحة خصوص المأكولة. لكن التبادر غير ظاهر ، إلا أن يكون من جهة استدلال بعضهم على طهارة المتخلف بالسيرة ، وأدلة نفي الحرج وحل الذبيحة. لعدم اطراد الوجوه المذكورة في غير المأكول ، بل عدم اطرادها في الجزء غير المأكول كالطحال من الذبيحة المأكولة. لكنه معارض باستدلال بعضهم على طهارته بعدم كونه مسفوحا ، لعدم الفرق في ذلك بين المأكول وغيره مطلقاً. ولذا نسب شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] الطهارة في الجزء غير المأكول إلى ظاهر الأصحاب ، فلا يبعد الحكم بالطهارة في المقام ، كما عن كشف اللثام ، والعلامة الطباطبائي [رحمه اللّه] في منظومته ، بل فيها نسبة الطهارة فيه الى المعظم. لما عرفت من عدم ثبوت عموم نجاسة الدم ، والأصل الطهارة ، المعتضد بخلو النصوص من التعرض للنجاسة مع أنها مما يغفل عنها ، لكون المرتكز عرفا أن تذكيه غير المأكول بحكم تذكية المأكول في طهارة المتخلف ، وأنهما سواء في ذلك.

[2] إجماعا محكيا عن الخلاف ، وتبعه عليه كثير ممن تأخر عنه ، بل في الجواهر : « لم يعرف من جزم بالطهارة إلا صاحب الحدائق ».


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الذبائح حديث : 3.


نعم تأمل فيه جماعة ، كالشهيد في الذكرى ، والأردبيلي ، وكاشف اللثام. وفي المعتبر استدل على النجاسة بأنها - يعني : العلقة - دم حيوان له نفس ورده جماعة : بأن تكونه في الحيوان لا يستلزم كونه جزءاً منه ، بل في كشف اللثام : « منع بعضهم الدخول في اسم الدم عرفا ، خصوصا التي في البيضة ». لكنه - كما ترى - خلاف النظر العرفي ، غاية الأمر أنها عندهم دم غليظ وأما ما ذكره الجماعة فمبني على كون المراد من دم الحيوان ذي النفس ما يكون جزأه ، فالإضافة من قبيل اضافة الجزء الى الكل. أما لو أريد ما يعم المتكون فيه فلا تتجه والمعنى الأول وان كان أظهر من العبارة المذكورة ، لكن إجماع الخلاف على النجاسة ، وقبول من تأخر عنه له ، يدل على أن المراد منه المعنى الثاني. ويشهد لذلك ما عن الخلاف من الاستدلال على النجاسة - مضافا الى إجماع الفرقة - : بأن ما دل على نجاسة الدم دل على نجاسة العلقة. فإنه لو لا أن يكون المراد ما ذكرنا من المعنى لم يكن الاستدلال متجهاً ، كما لا يخفى.

لكن يشكل الحكم بالنجاسة بعدم ثبوت عموم النجاسة لدم ذي النفس فضلا عن الدم المتكون فيه ، وإجماع الخلاف لا يبعد أن يكون مستنده دعوى عموم النجاسة له ، كما يظهر من استدلاله عليه به.

وأشكل من ذلك ما في المعتبر ، والتذكرة ، والقواعد وعن النافع ، والجامع ، وكشف الرموز ، وغيرها ، من الحكم بنجاسة علقة البيضة. فإنه يتوقف على عموم النجاسة لما يكون مبدأ نش‌ء حيوان ذي نفس وان لم يكن جزءاً منه ، ولا متكوناً فيه ، فان علقة البيضة تتكون فيها غالباً بعد خروج البيضة من الحيوان ، فان ثبوت مثل هذا العموم كما ترى ، وان كان ظاهر استدلال المعتبر على النجاسة فيها بأنها من الدم النجس ظاهر في ذلك. ولكنه غير واضح.

إنسان كان أو من غيره ، حتى العلقة في البيض. والأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض [1]. لكن إذا كانت في الصفار وعليه جلدة رقيقة لا ينجس معه البياض إلا إذا تمزقت الجلدة [2].


وبالجملة : الظاهر من دم الحيوان ذي النفس الذي هو موضوع النجاسة - بناء عليه - هو ما يعد جزءاً منه ، والبناء على نجاسة العلقة المستحيلة من المني يتوقف على ارادة مطلق ما يتكون في الحيوان ، والبناء على نجاسة علقة البيضة أيضاً يتوقف على إرادة الأعم منه ومما يكون مبدأ نش‌ء الحيوان وفتوى الشيخ بحل علقة البيضة الملزومة للقول بالطهارة فيها تنافي المعنى الأخير ، وفتوى الجماعة بنجاستها تقتضي ارادته ، فالقرائن على كل من المعنيين متدافعة ، وأدلة النجاسة في نفسها قاصرة عن شمول ذلك كله ، كما عرفت آنفاً. وعليه يشكل التمسك بها في كل من العلقتين.

وأما إجماع الخلاف فيشكل الاعتماد عليه ، لما عرفت من الظن بمستنده الذي لم يثبت. وعلى هذا فالبناء على النجاسة في كل من العلقتين غير ظاهر وان كان هو الموافق لمذاق المتشرعة.

[1] فإنه وان لم يتضح دليل على النجاسة من إجماع أو غيره ، لقصور أدلة النجاسة عن شمولها ، فان دم الحيوان ذي النفس - على أي معنى من المعاني الثلاثة المتقدمة حمل - لا يشملها ، ولو أريد منه ما يكون منسوبا الى الحيوان ولو بلحاظ كون أصله متكوناً في جوف الحيوان ولو لم يكن جزءا منه - كان شاملا لها ، إلا أنه مما لا يمكن الالتزام به. غير أن الطهارة خلاف ذوق المتشرعة وإلا فاصل الطهارة محكم بلا شبهة.

[2] فينجس البياض من ملاقاة الصفار المتنجس بملاقاة الدم. لكن في المستند : استشكل في تنجس الصفار. وكأنه لأن الغلظ والكثافة الموجودين

[ مسألة 2 ] : المتخلف في الذبيحة وان كان طاهراً ، لكنه حرام [1]


فيه يمنعان من سراية النجاسة إلى تمام أجزائه. وسيأتي تحقيق ذلك في شرائط التنجيس. نعم من المحتمل أن يكون على النقطة غشاء يمنع من سراية نجاستها إلى الصفار فيتعين الرجوع الى أصالة الطهارة.

[1] في الحدائق : انه طاهر حلال من غير خلاف يعرف ، واستدل له - مضافا إلى اتفاق الأصحاب من غير خلاف ينقل - بما دل على حصر المحرمات في الآيات المستلزم للطهارة. لأنه متى كان حلالا كان طاهراً. وبالروايات الدالة على عد محرمات الذبيحة‌(1)ولم تذكره منها ، وان كانت الدلالة لا تخلو من ضعف مع اعتضاد ذلك بأصالة الطهارة انتهى.

أقول : المراد من آية الحصر قوله تعالى ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ... ) (2). فان مقتضى الحصر حلية غير المسفوح ، ومنه المتخلف. وفيه : أنه لو تمَّ ذلك لحل كل دم غير مسفوح ، ولا يختص بالمتخلف ، وهو مما لم يقل به أحد. والوجه فيه عموم تحريم الدم في الآيات (3)والروايات‌(4)، والحصر المذكور لا بد من توجيهه ضرورة كثرة المحرمات المطعومة من الحيوانات فضلا عن غيرها ، فلو بني على عمومه لزم التخصيص المستهجن. فاما أن يحمل على الإضافي ، أو على زمان نزول الآية - كما قيل - أو غير ذلك من وجوه الجمع.


1) راجع الوسائل باب : 31 من أبواب الأطعمة المحرمة.

2) الانعام : 145.

3) البقرة : 173 ، والمائدة : 3 ، والنحل : 115.

4) راجع الوسائل باب : 1 ، 48 ، 49 ، 59 من أبواب الأطعمة المحرمة.

إلا ما كان في اللحم مما يعد جزءاً منه [1].

[ مسألة 3 ] : الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس [2] ، كما في خبر فصد العسكري [3] صلوات اللّه عليه وكذا إذا صب عليه دواء غير لونه إلى البياض.


ومن ذلك يظهر الإشكال في التمسك بمفهوم الوصف. مع أن التحقيق عدم حجية مفهوم الوصف. ولعل النكتة في التقييد بالمسفوح كثرة الابتلاء به في الجاهلية. مضافا إلى النصوص الكثيرة المتضمنة لذكر محرمات الذبيحة وقد عد فيها الدم ، وعقد لها في الوسائل بابا طويلا. فراجع. وحمل الدم فيها على ما يخرج بالذبح خلاف إطلاقها. وأشكل من ذلك ما ذكره في الفرع الأول من فروع المسألة من حلية العلقة حتى التي في البيضة ، لعدم كونها من المسفوح.

[1] بأن يكون مستهلكا عرفا في اللحم. والأظهر حلية ما جرت السيرة على أكله مع اللحم تبعا ، مما يحتاج في تخليصه من اللحم إلى عمل وعناية ، من غسل وعصر ونحوهما ، وإن لم يكن مستهلكا في اللحم.

[2] كأنه لإطلاق بعض النصوص الواردة في بعض الموارد الخاصة ، وترك الاستفصال في بعض آخر ، وبضميمة عدم القول بالفصل تثبت النجاسة على وجه العموم. مضافا الى إطلاق معاقد الإجماع على نجاسة الدم الشامل للأبيض والأصفر وغيرهما.

[3] روى في الوسائل (1)حديثاً في ذلك عن الكافي ، وفي البحار (2)حديثا آخر عن الخرائج والجرائح ، روى في الوسائل (3)بعضه ، وفي


1) باب : 10 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.

2) المجلد الثاني عشر في باب معجزات العسكري (عليه السلام).

3) باب : 10 من أبواب ما يكتسب به حديث : 2.

[ مسألة 4 ] : الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس [1] ومنجس للبن.

[ مسألة 5 ] : الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح ويكون ذكاته بذكاة أمه تمام دمه طاهر [2]. ولكنه لا يخلو عن إشكال.

[ مسألة 6 ] : الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلف فيه بعد خروج روحه إشكال ، وان كان لا يخلو عن وجه [3]. وأما ما خرج منه فلا إشكال في نجاسته.


الأول : « خرج دم أبيض كأنه الملح » وفي الثاني : « مثل اللبن الحليب » فراجع.

[1] لأنه دم مسفوح من حيوان ذي نفس ، غاية الأمر أنه لضعف آلة الافراز يحصل الاختلاط. وعليه ينجس اللبن بملاقاته له في الخارج.

[2] كما لم يستبعده في الجواهر ، وجزم به في كشف الغطاء. ولكنه غير ظاهر - كما قيل - فان دم الجنين لا يدخل في المتخلف في الذبيحة المستثنى من الدم النجس. وكون المراد من الذبيحة مطلق المذكى ، ولذا يشمل المذكى بالنحر مسلم ، ولا يجدي في المقام ، لأن طهارة المتخلف موضوعها المتخلف بعد خروج الدم من المذكى ، وهو مفقود في الجنين إلا بعد ذبحه وخروج دمه. ولذا قال المصنف [رحمه اللّه]. « ولكنه لا يخلو عن إشكال ». إلا أن يدفع بفقد العموم الدال على نجاسته. والإجماع عليها غير ثابت بنحو يشمل المقام ، الذي نص بعضهم على طهارته. والأصل يقتضي الطهارة. ولأنه لو بني على نجاسة دمه المتخلف بطل الانتفاع به غالبا ، وهو خلاف ظاهر الأدلة ، بل خلاف المقطوع به منها.

[3] الكلام فيه هو الكلام في دم الجنين.

[ مسألة 7 ] : الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا محكوم بالطهارة [1] كما أن الشي‌ء الأحمر الذي يشك في أنه دم أم لا كذلك. وكذا إذا علم أنه من الحيوان الفلاني ، ولكن لا يعلم أنه مما له نفس أم لا ، كدم الحية والتمساح ، وكذا إذا لم يعلم أنه دم شاة أو سمك. فإذا رأى في ثوبه دما لا يدري أنه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة. وأما الدم


[1] قد عرفت أنه لا عموم لفظي يدل على عموم نجاسة الدم ، وأن العمدة فيه الإجماعات المدعاة على عموم نجاسة دم الحيوان من ذي النفس السائلة في الجملة ، فإذا شك في الدم أنه دم حيوان أو غيره ، أو علم أنه دم حيوان وشك في أنه دم ذي نفس سائلة أو غيره ، فلما لم يحرز عنوان العام الذي هو شرط في التمسك به - إجماعا - كان المرجع فيه أصالة الطهارة. وأولى منه بذلك ما شك في كونه دما أو صبغاً. وقد يدعى كون الأصل النجاسة فيما أحرز أنه دم وان لم يعلم أنه من حيوان أو من ذي النفس ، لما في موثقة عمار المتقدمة من قوله (عليه السلام) : « فإن رأيت في منقاره دما فلا تشرب ولا تتوضأ » (1).

لكن عرفت في أول المبحث أن الرواية في مقام جعل الحكم الظاهري للسؤر عند الشك في نجاسته وطهارته للشك في وجود الدم على منقار الطائر وعدمه ، بعد المفروغية عن نجاسة الدم. كما يشهد به كون السؤال فيها عن سؤر السباع من الطير التي تأكل الميتة ، وليست في مقام جعل الحكم الظاهري بنجاسة الدم الذي يكون على منقار الطير مع الشك في كونه من الدم الطاهر أو النجس.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب الأسئار حديث : 2 وقد تقدمت في أول مبحث نجاسة الدم.

المتخلف في الذبيحة إذا شك في أنه من القسم الطاهر أو النجس فالظاهر الحكم بنجاسته ، عملا بالاستصحاب [1] ، وإن كان لا يخلو عن إشكال [2]. ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان


هذا مضافا إلى معارضتها بذيلها المروي في الاستبصار ، بل وفي الفقيه - كما قيل - في ماء شربت منه دجاجة : « إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب ، وان لم يعلم أن في منقارها قذراً توضأ منه واشرب » وكما يمكن تخصيص الثانية بغير الدم ، يمكن تقييد الأولى بصورة العلم بنجاسة الدم ، وحيث لا مرجح يكون الصدر بمنزلة المجمل ، والمرجع عموم قاعدة الطهارة. بل لعل تقييد إطلاق الصدر لكونه أحوالياً أولى من تقييد إطلاق الذيل ، لكونه افراديا.

[1] كأنه يريد استصحاب النجاسة الثابتة قبل التذكية ، إذ الشك يكون في ارتفاع النجاسة بصيرورة الدم من المتخلف.

[2] لعدم وضوح الدليل على نجاسة الدم الموجود في الجسد قبل التذكية ، وكذا نجاسة بقية الأعيان من البول والمني والغائط ، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الأولى من مبحث نجاسة البول. نعم قد يظهر من كلماتهم الإجماع عليها. ولكن الاعتماد عليه مشكل ، لاحتمال كون مستنده عدم الفرق في مرتكز العرف بين الخارج والداخل ، فيتعدى من مورد الأدلة - وهو الخارج - إلى الآخر. لكنه غير ظاهر ، ولا سيما في مثل الدم الذي هو ما دام في الباطن له نحو من الحياة ، وبه قوام الحياة البشرية ، وأنه غذاء الجنين في بطن أمه ، ولأن البناء على ذلك يستلزم البناء على مطهرية التخلف ، وهو مما لا يوافق الارتكاز العرفي ، وكذا لا يوافق الارتكاز بناؤهم على عدم نجاسة ما يلاقيه من الداخل ، فالارتكاز متدافع ، فلا مجال للعمل به. بل ما في كشف الغطاء : - من قوله [رحمه اللّه] : « والأقوى

الشك من جهة احتمال رد النفس ، فيحكم بالطهارة ، لأصالة عدم الرد [1] وبين ما كان لأجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة ، عملا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف.

[ مسألة 8 ] : إذا خرج من الجرح أو الدمل شي‌ء


أن المني ، والدم ، والبول ، والغائط ، محكوم بنجاستها مع استمرارها في الباطن انتقلت عن محالها أولا ، لكنها لا تؤثر تنجيساً في الباطن ... » - يشعر بوجود الخلاف في نجاستها في الداخل. اللّهم إلا أن يكون نظره في قوله : « الأقوى » إلى الحكم الأخير.

ويحتمل أن يكون وجه الإشكال في المتن احتمال تبدل الموضوع المانع من جريان الاستصحاب. ويحتمل أن يكون وجه الاشكال لزوم الرجوع إلى الأصول الموضوعية ، كما سيذكره [رحمه اللّه]. وهذا الاحتمال هو الأظهر في العبارة.

[1] لا يخفى أن اشتراط خروج الدم في طهارة الدم المتخلف ليس على حد اشتراط عدم رد النفس. فإن الأول إذا انتفى انتفت طهارة المتخلف بالمرة ، بخلاف الثاني ، فإنه لو انتفى بقي المتخلف على طهارته ، ويكون النجس الدم الراجع لا غير. وعليه إذا شك في نجاسة الدم للشك في تحقق الخروج فالشبهة بدوية ، للشك في تحقق شرط الطهارة ، فأصالة عدم الخروج محكمة ، لأنها أصل سببي موضوعي فيقدم على قاعدة الطهارة ، أو استصحاب النجاسة المتقدم ، لأنه أصل حكمي مسببي. وإذا شك في نجاسة الدم للشك في تحقق الرد ، فقد علم بوجود الدم الطاهر ، واحتمل وجود الدم النجس ، فالشك في نجاسة دم معين ناشئ من الشك في أنه الدم الطاهر المعلوم ، أو النجس المشكوك ، وأصالة عدم الرد لا تصلح لتعيين حال الدم المعين إلا بناء على الأصل المثبت ، فيتعين الرجوع الى

أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم بالطهارة [1]. وكذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أم قيح ولا يجب عليه الاستعلام [2].

[ مسألة 9 ] : إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة [3].

[ مسألة 10 ] : الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر إلا إذا علم كونه دما ، أو مخلوطا به [4] ، فإنه نجس إلا إذا استحال جلداً.


الأصل الحكمي ، وهو إما استصحاب النجاسة المتقدم ، أو أصالة الطهارة.

ثمَّ إنه قد يشكل جريان أصالة عدم الخروج في الفرض الأول : بأن الخروج لم يذكر في القضية الشرعية شرطا للطهارة ، كي يكون مجرى للأصل الشرعي. بل القدر الثابت من الإجماع والسيرة ، وغيرهما ، طهارة المتخلف بعد خروج الدم على النحو المتعارف ، أما كون الخروج شرطا شرعيا ، أو أنه ملازم للشرط فغير معلوم. ومن ذلك يظهر أنه إن تمَّ استصحاب النجاسة ، فهو المرجع في الفرضين ، ويتعين البناء على النجاسة فيهما ، وان أشكل بما سبق ، فالمتعين البناء على الطهارة ، لقاعدة الطهارة.

[1] لقاعدة الطهارة ، كما تقدم.

[2] كما في سائر الشبهات الموضوعية ، لإطلاق أدلة الأصول الجارية فيها. نعم قيل بوجوبه في موارد خاصة ، لقيام دليل عليه بالخصوص.

[3] لما سبق.

[4] يعني : بنحو يكون ماء ودما ، لا بنحو يكون الدم مستهلكا عرفا فيصدق عليه أنه ماء أصفر ، وان كان حدوث الصفرة فيه لملاقاته للدم ، فان الملاقاة في الداخل لا توجب النجاسة ، وفي الخارج لا ملاقاة للدم

[ مسألة 11 ] : الدم المراق في الامراق حال غليانها نجس ، منجس [1] وان كان قليلا مستهلكا ، والقول بطهارته [2] بالنار - لرواية ضعيفة - [3] ضعيف.


• عرفا - كما هو المفروض ومجرد تغير المائع بلون الدم لا دليل على أنه يوجب النجاسة في أمثال المقام مما كانت الملاقاة في الباطن. وكذا تغيره بريحه أو طعمه أو بغيره من النجاسات الداخلية مع كون الملاقاة في الداخل.

[1] لقاعدة سراية النجاسة إلى الملاقي للنجس. مع شهادة بعض النصوص‌(1)بها في خصوص الدم في الجملة.

[2] كما عن المفيد ، والشيخ في النهاية ، والقاضي ، والديلمي.

مع التقييد بالقليل في كلام النهاية ، والقاضي.

[3] رواها الشيخ [رحمه اللّه] عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد عن الحسن بن المبارك ، عن زكريا بن آدم قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) : عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير. قال (عليه السلام) : يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة ، أو الكلب ، واللحم اغسله وكله. قلت : فان قطر فيه الدم؟ قال (عليه السلام) : الدم تأكله النار إن شاء اللّه » (2)ورواها الكليني عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن موسى ، عن الحسين بن المبارك ، عن زكريا بن آدم (3). وضعف الطريقين كان بابن المبارك سواء أكان الحسن - كما في بعض نسخ التهذيب - أم الحسين - كما في بعض آخر وفي الكافي - فإن الأول مهمل ، والثاني لم يتعرض له بمدح أو قدح ، غير أن له كتابا رواه البرقي عن


1) راجع الوسائل باب : 82 من أبواب النجاسات.

2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

3) الوسائل باب : 26 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.


أبيه عنه. وفي المختلف طعن في سند الرواية : : بأن محمد بن موسى ، إن كان ابن عيسى السمان فقد طعن فيه القميون ، وتكلموا فأكثروا فيه قاله ابن الغضائري. انتهى. لكن طريق الشيخ [رحمه اللّه] ليس فيه محمد بن موسى. وروى الكليني عن أبي علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي بن النعمان ، عن سعيد الأعرج قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أيؤكل؟ قال (عليه السلام) : نعم ، فان النار تأكل الدم » ورواه الصدوق بإسناده عن سعيد الأعرج (1). وفي المختلف : « إن سعيد الأعرج لا أعرف حاله ، والاحتجاج يتوقف على معرفة عدالته ». وكأنه إلى ذاك أشار في الدروس قال : « ولو وقع دم نجس في قدر تغلي على النار غسل الجامد وحرم المائع عند الحليين. وقال الشيخان بحل المائع إذا علم زوال عينه بالنار ، وشرط الشيخ قلة الدم. وبذلك روايتان لم يثبت صحة سندهما مع مخالفتهما للأصل ».

أقول : قد نص النجاشي والروضة على وثاقة سعيد بن عبد الرحمن الأعرج ، والذي يظهر من جملة من القرائن أنهما واحد ، فان الفهرست اقتصر على ذكر سعيد الأعرج ، ورجال الشيخ على ذكر سعيد بن عبد الرحمن ولو كانا متغايرين لزم ذكرهما معا في كل من الكتابين. مضافا إلى وحدة الراوي عنهما ، وهو صفوان ، والمروي عنه ، وهو أبو عبد اللّه (عليه السلام) وإلى أن الصدوق روى هذه الرواية عن سعيد الأعرج ، ولم يذكر طريقه اليه وإنما ذكر طريقه الى سعيد بن عبد اللّه الأعرج ، وهو ابن عبد الرحمن ، كما ذكره النجاشي والعلامة وابن داود وغيرهم. ولأجل ذلك صحح الرواية المذكورة جمع كثير من الأعاظم ، بل من ذلك تظهر صحة حديث سعيد


1) الوسائل باب : 44 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 2.

[ مسألة 12 ] : إذا غرز إبرة أو أدخل سكينا ، في بدنه أو بدن حيوان فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر وان علم ملاقاته لكنه خرج نظيفا فالأحوط الاجتناب عنه [1].

[ مسألة 13 ] : إذا استهلك الدم الخارج من بين


الأعرج. وفي كتاب علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) قال : « سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها أوقية دم. هل يصلح أكله؟ فقال (عليه السلام) : إذا طبخ فكل فلا بأس » (1). فالرواية الدالة على هذا القول ليست ضعيفة.

نعم يمكن المناقشة في دلالة الصحيح المذكور بعدم ظهوره في كون السؤال عن الدم النجس ، وأنه ينجس ما في القدر إذا كان يغلي ، بل من الجائز أن يكون السؤال من حيث حرمة أكل الدم الطاهر ، ومثلها رواية ابن جعفر. نعم لا مجال لهذه المناقشة في رواية زكريا بن آدم ، لأن قرينة السياق فيها تأبى ذلك. كما أن الظاهر أنها هي المعتمد للشيخ والقاضي ، لا الصحيح ، بقرينة تقييد الحكم بالدم القليل المفهوم من قول السائل : « قطرة فيه الدم » الذي لا يصدق على الأوقية.

وكيف كان فالروايات المذكورة - لو صح سندها وتمت دلالتها - لا مجال للعمل بها ، لأن مضمونها من المستنكرات الواضحة عند المتشرعة وهذا هو العمدة في سقوطها عن الحجية ، لا إعراض المتأخرين عنها ، لأن عمل القدماء أولى بالعناية من إعراض المتأخرين ، ولا سيما مع بيان وجه الاعراض من ضعف السند ، وظهور الخطأ فيه ، كما عرفت.

[1] تقدم الكلام فيه في المسألة الأولى من نجاسة البول. وكذا الكلام في المسألة الآتية. ولو قلنا بعدم نجاسة الدم في الداخل فلا إشكال.


1) الوسائل باب : 44 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 3.

الأسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته ، بل جواز بلعه. نعم لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالأحوط الاجتناب عنه. والاولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها.

[ مسألة 14 ] : الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن ان لم يستحل وصدق عليه الدم ، نجس ، فلو انخرق الجلد ووصل الماء اليه تنجس. ويشكل معه الوضوء أو الغسل [1] ، فيجب إخراجه إن لم يكن حرج ، ومعه يجب أن يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة [2] فيتوضأ أو يغتسل. هذا إذا علم أنه دم منجمد ، وان احتمل كونه لحماً صار كالدم من جهة الرض - كما يكون كذلك غالباً - فهو طاهر [3].

[ السادس ، والسابع ] : الكلب والخنزير البريان [4] ،


[1] لاحتمال وجوب غسل ما تحته وهو حائل.

[2] يأتي - إن شاء اللّه - في وضوء الجبائر الإشكال في الاجتزاء بذلك إذا كانت الخرقة الموضوعة لا تعد جزءاً من الحاجب الذي لا تمكن إزالته.

[3] لكن إذا بني على ما تقدم من وجوب وضع شي‌ء عليه إذا كان دما يجب عليه الجمع بين غسله في الوضوء أو الغسل ، وبين وضع شي‌ء عليه والمسح على الجبيرة ، للعلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين.

[4] إجماعا ، كما عن الغنية ، والمعتبر ، والمنتهى ، والتذكرة ، والذكرى والدلائل ، وكشف اللثام ، وغيرها. والنصوص به مستفيضة ، بل لعلها في الأول متواترة ، ففي بعضها : الأمر بغسل الثوب الملاقي له برطوبة. وفي آخر : أنه رجس نجس. وفي ثالث : « هو نجس » يقولها ثلاثا - وفي رابع : الأمر بغسل الإناء الذي يشرب منه. وفي خامس : « لا واللّه

دون البحري منهما [1]. وكذا رطوباتهما ، وأجزاؤهما [2] ،


إنه نجس لا واللّه إنه نجس ». وفي سادس : النهي عن الشرب من سؤره وفي سابع : الأمر بغسل اليد عند مسه ... الى غير ذلك (1). وفي الثاني ورد الأمر بغسل الإناء الذي يشرب منه سبع مرات. والأمر بغسل الثوب الذي يصيبه فيكون فيه أثر. والأمر بغسل اليد عند مس شعره ... إلى غير ذلك (2)وما يظهر من بعض النصوص (3)من طهارتهما مؤل أو مطروح ، لمخالفته للإجماعات السابقة.

وما عن الصدوق [رحمه اللّه] : من التفصيل بين كلب الصيد وغيره ، فيجب غسل الملاقي للثاني برطوبة ، ويجب رشه بالماء في الأول. ضعيف ، فإنه - مع كونه خلاف إطلاق الأدلة - خلاف حسنة ابن مسلم : « عن الكلب السلوقي. قال (عليه السلام) : إذا مسسته فاغسل يدك » (4).

[1] عن المشهور. إما لكونهما حقيقة في خصوص البري منهما - كما عن جماعة - وهو الأظهر ، فيجب حمل النصوص عليه. وإما للانصراف اليه دون البحري وان كان حقيقة فيهما على الاشتراك اللفظي - كما في المنتهى في الكلب - أو على الاشتراك المعنوي ، كما هو المنسوب إلى المشهور فيهما وما عن الحلي من عموم النجاسة للبحري ضعيف.

[2] لدخولهما في معاقد الإجماعات ، وظاهر النصوص.


1) راجع الوسائل باب : 12 من أبواب النجاسات تجد جميع ذلك.

2) راجع الوسائل باب : 13 من أبواب النجاسات تجد جميع ذلك.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 2 ، 3 ، 16. وفي باب : 2 من أبواب الأسئار حديث : 6.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب الماء المطلق حديث : 9.

وان كانت مما لا تحله الحياة [1] كالشعر ، والعظم ، ونحوهما. ولو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر ، فتولد منهما ولد ، فان صدق عليه اسم أحدهما تبعه [2] ، وان صدق عليه اسم أحد الحيوانات الأخر ، أو كان مما ليس له مثل في الخارج كان طاهراً [3] ، وان كان الأحوط الاجتناب عن المتولد منهما ، إذا لم يصدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة [4].


[1] على المشهور. بل لم يعرف الخلاف فيه إلا عن السيد. وجده الناصر فذهبا إلى طهارتهما ، وعن البحار متابعتهما في ذلك. لصحيح زرارة : « عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (1)، وقريب منه موثق ابنه‌(2)ولعمومات طهارتها من الميتة الشاملة لها منهما. ولما عن الأول من حكاية الإجماع على الطهارة. ومن دعوى نفي الجزئية [ وفيه ] : أن الصحيح والموثق - مع أنهما غير ظاهرين في المدعى - أخص منه. وعمومات طهارتها من الميتة ظاهرة في نفي نجاسة الموت لا مطلقاً. ونفي الجزئية والإجماع ممنوعان.

[2] لإطلاق دليل نجاسة المتبوع منهما.

[3] لإطلاق دليل طهارة المتبوع لو كان ، ولأصالة الطهارة لو لم يكن أو لم يكن له مثل أصلا.

[4] لإمكان دعوى كون المرجع فيه استصحاب النجاسة الثابتة له قبل ولوج الروح فيه ، باعتبار كونه جزءاً من الأم وهو مقدم على أصالة الطهارة ، ومجرد ولوج الروح فيه لا يوجب تعدد الموضوع - عرفا - كما تقدم نظيره. ومنه يظهر الاكتفاء في نجاسة الولد بنجاسة الأم. كما يظهر


1) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب الماء المطلق حديث : 3.

بل الأحوط الاجتناب عن المتولد من أحدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر [1] ، فلو نزى كلب على شاة ،


أيضاً اطراد الحكم فيما لو صدق عليه أحد الحيوانات الطاهرة ، إذا لم يكن لدليل طهارته إطلاق يشمل الولد المذكور. هذا ولكن عرفت الإشكال في جزئية الجنين للأم ، فدليل نجاستها لا يقتضي نجاسته ، فلا مجال للاستصحاب ليحكم على أصالة الطهارة.

وعن جماعة - منهم الشهيدان والمحقق الثاني - نجاسة المتولد منهما معا مطلقاً ، ومال اليه شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] ، لعدم خروجه عن حقيقتهما وإن كان مباينا لهما في الصورة ، أو للعلم بوجود مناط النجاسة فيه. وفيه : أن الأول - لو سلم - لا يقتضي ثبوت النجاسة ، لأنها ليست تابعة للحقيقة في نظر العقل ، ولذا بني على الفرق بين البول والبخار المتصاعد منه مع اتحادهما في الحقيقة ، كما لا يظن أيضاً الالتزام بطهارة الكلب المتولد من طاهرين. والعلم بوجود مناط النجاسة ممنوع جداً.

[1] وجه الاحتياط ظاهر لو كان أحدهما الأم ، لاحتمال الجزئية منها كما تقدم ، بل بالنسبة إلى السطح الظاهر قد يجري استصحاب النجاسة - بناء على نجاسة بدن الحيوان - لأنه يخرج متلوثاً برطوبة الأم ، ويشك في طهارته بزوال عين النجاسة ، فيرجع الى استصحاب النجاسة. لكنه بناء على ثبوت النجاسة العرضية للنجس بالذات يكون من استصحاب الكلي من القسم الثالث ، وبناء على عدمها ، يكون من القسم الثاني ، ويتوقف جريانه على ثبوت الحكم للكلي لا للفرد ، وإلا كان من استصحاب الفرد المردد. فتأمل جيدا. أما لو كان الأب فالاحتياط غير ظاهر ، إلا من جهة احتمال جريان استصحاب النجاسة الثابتة له حين كان علقة. لكنه لو تمَّ لم يفرق بين أن يصدق عليه الطاهر وعدمه.

أو خروف على كلبة ، ولم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة ، فالأحوط الاجتناب عنه ، وان لم يصدق عليه اسم الكلب.

الثامن : الكافر بأقسامه [1] ،


نعم يمكن الفرق بين أن يكون الطاهر الصادق عليه مما ثبتت طهارته بدليل مطلق وغيره ، ففي الأول يرجع الى إطلاق الطهارة ، وفي الثاني إلى استصحاب النجاسة. وكيف كان يشكل الاستصحاب المذكور بتعدد الموضوع عرفا ، للاستحالة.

[1] إجماعا محكيا في جملة من كتب الأعيان ، كالناصريات ، والانتصار والغنية ، والسرائر ، والمعتبر ، والمنتهى ، والبحار ، والدلائل ، وكشف اللثام وظاهر التذكرة ، ونهاية الاحكام - على ما حكي عنها - بل عن التهذيب إجماع المسلمين - لكن القول بالطهارة هو المعروف عند المخالفين.

وكيف كان فاستدل للنجاسة بقوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ... ) (1). لكن استشكل فيه [ تارة ] : بأن النجس مصدر ، ولا يصح حمله على العين إلا بتقدير [ ذو ] ويكفي في الإضافة التي تحكيها [ ذو ] أدنى ملابسة ، ولو من جهة النجاسة العرضية الحاصلة لهم من مباشرتهم للأعيان النجسة. فلا تدل على النجاسة الذاتية. وفيه - كما في المعتبر وغيره - : أنه يصح حمل المصدر على العين للمبالغة نحو : « زيد عدل » وهو وان كان مجازاً ، لكنه أقرب من التقدير مضافا الى أن المحكي عن جماعة من أهل اللغة - كما صرح به في القاموس - أن النجس - بالفتح - وصف كالنجس - بالكسر - وهو ضد الطاهر ، فيصح حمله على العين على الحقيقة ، بدون شائبة تجوز ، ولو سلم أن المراد « ذو نجاسة » أمكن الاستدلال بإطلاقه على النجاسة الذاتية ، إذ النجاسة


1) التوبة : 28.


العرضية إنما تكون بملاقاة الأعيان النجسة مع عدم استعمال المطهر ، فإطلاق كونهم ذا نجاسة - حتى مع عدم ملاقاة الأعيان النجسة ، ومع استعمال المطهر - يدل على كون النجاسة ذاتية بالالتزام.

وأخرى : بأن لفظ النجس - بالفتح - لم يثبت كون المراد منه النجس بالمعنى الذي هو محل الكلام ، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية ، فمن الجائز أن يكون المراد منه معنى آخر غيره ، بل ذكر بعض أهل اللغة : أن النجس المستقذر ، وبعضهم : أنه ضد الطاهر. ومرادهم من الطهارة المعنى اللغوي ، وهو غير الطهارة الشرعية.

وهذا الاشكال ذكره جماعة منهم الأردبيلي في شرح الإرشاد ، وتلميذه في المدارك ، وتلميذه في الذخيرة ، وغيرهم. وأجيب عنه : بأن الحمل على النجس العرفي - مع أنه خلاف وظيفة الشارع ، وأنه مخالف للواقع في كثير من المشركين ، وأنه لا يختص بهم بل يشاركهم فيه غيرهم من المسلمين - لا يناسب الحكم المفرع عليه. ومثله حمله على الخباثة النفسانية - كالحدث - فإنها وان صح التعبير عنها بالقذارة وعبر عن ضدها بالطهارة ، لكنها قائمة بالنفس ، فإنها منقصة في النفس ، وظاهر الآية الشريفة نجاسة البدن - أعني : الهيكل الخاص - فيتعين حملها على ثبوت القذارة في البدن على نحو ما ورد في الكلب وغيره من النجاسات العينية الجعلية.

واحتمال إرادة معنى آخر غير ما ذكر ، فيراد منه نوع خاص من الخباثة قائم بالبدن غير النجاسة ، وغير الخباثة المرادة من قوله تعالى : ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) (1)- مع أنه خلاف أصالة وجوب حمل اللفظ على أقرب المعاني المجازية بعد تعذر الحقيقة - [ بعيد جداً ] لعدم معهودية ذلك ، ولو جاز التشكيك المذكور في الآية لجاز مثله فيما ورد في الكلب


1) الأعراف : 157.


من أنه نجس ، لعين ما ذكر في تقريب الاشكال ، ولم يحتمله أحد ، بل عد التعبير المذكور من أصرح التعبيرات عن النجاسة. والعمدة في ذلك : أن الحقيقة الشرعية وان لم تثبت ، لكن الاستعمال الشرعي في تلك المفاهيم ثابت ، ولأجله جرت الاستعمالات عند المتشرعة عليه حتى صارت حقيقة عند المتشرعة ، فيكون المفهوم عند المتشرعة هو المراد من اللفظ. وكذا الكلام في أمثال المقام من الألفاظ المستعملة في لسان الشارع ، إذا تعذر حملها على المعنى العرفي ، فإنها تحمل على المفهوم عند المتشرعة ، وان كان في الأزمنة المتأخرة. ولو لا ذلك كان الحمل على الخباثة النفسانية أقرب.

واستشكل فيه ثالثا : بأن مفاد الآية أخص من المدعى ، لاختصاصه بالمشرك. وأجيب : بأن الدليل يتم بضميمة عدم القول بالفصل. لكنه خروج عن التمسك بالآية. أو بضميمة ما دل على كون اليهود والنصارى مشركين ، من قوله تعالى : ( وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ... [ إلى قوله تعالى ] : سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ) (1).

ويشكل : بأن نسبة الإشراك إليهم ليست على الحقيقة ، فإن ذلك خلاف الآيات ، والروايات ، وخلاف المفهوم منها عند المتشرعة والعرف فيتعين حمله على التجوز في الاسناد ، وليس الكلام واردا في مقام جعل الحكم ، ليؤخذ بإطلاق التنزيل كي يثبت حكم المشركين لهم. مع أنه لا يطرد في من لا يقول منهم بذلك ، ولا في المجوس ، ولا في غيرهم من الكفار غير المشركين.

واستدل أيضاً على النجاسة بالنصوص الظاهرة في ذلك ، وهي جملة وافرة. منها مصحح سعيد الأعرج : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سؤر


1) التوبة : 30 ، 31.


اليهودي والنصراني. فقال (عليه السلام) : لا » (1). وخبر أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) : في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني. فقال (عليه السلام) : « من وراء الثوب ، فان صافحك بيده فاغسل يدك » (2). وصحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد وأصافحه. قال (عليه السلام) : لا » (3). ورواية هارون بن خارجة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ قال (عليه السلام) : لا » (4)... إلى غير ذلك. وهي وإن كانت واردة في المجوسي واليهودي والنصراني ، لكن يمكن إثبات الحكم في غيرهم بعدم القول بالفصل ، أو بالأولوية. وإن كانت قد تشكل في المحكوم بكفره من فرق المسلمين.

هذا ولكن يعارض النصوص المذكورة نصوص أخرى [ منها ] : ما ورد في جواز الصلاة في الثياب التي يعملها المجوس ، وأهل الكتاب ، كصحيح معاوية « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال ، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها؟ قال (عليه السلام) : نعم. قال معاوية : فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له أزرارا ورداء من السابري ، ثمَّ بعثت بها إليه في يوم الجمعة حين ارتفع النهار ، فكأنه عرف ما أريد فخرج بها إلى الجمعة » ونحوه غيره. وقد عقد لها في الوسائل بابا في كتاب الطهارة (5)لكن حملها [قدس سره]


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الأسئار حديث : 1 ، وباب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 8.

2) الوسائل باب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 5.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 6.

4) الوسائل باب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 7.

5) وهي الباب : 73 من أبواب النجاسات.


على صورة عدم العلم بتنجيسهم لها. وهو غير بعيد ، كما يشهد به ما ذكر في جملة منها من أنهم يشربون الخمر ، ويأكلون الميتة ولا إشكال في نجاستهما فلو كانت شاملة لصورة العلم بالملاقاة برطوبة كانت دالة على طهارة الميتة والخمر أيضاً. ويشير الى ذلك ما في صحيح ابن سنان : « سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا حاضر : إني أعير الذمي ثوبا ، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ، فيرده علي فاغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنه نجسه ، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه » (1). ومن ذلك يظهر عدم دلالة ما تضمن جواز الصلاة في الثوب الذي يشترى من اليهود والنصارى والمجوس قبل أن يغسل (2)على طهارتهم.

ومنها : ما تضمن جواز مؤاكلتهم مثل صحيح العيص : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مؤاكلة اليهود والنصارى والمجوس. فقال (عليه السلام) : إذا كان من طعامك وتوضأ فلا بأس » (3)، ونحوه غيره. ودلالتها على الطهارة أيضاً غير ظاهرة ، لقرب احتمال كون الملحوظ في جهة السؤال مجرد المؤاكلة ، لا المساورة. ولا ينافيه ما ذكر من غسل اليد ، لاحتمال كونه دخيلا في ذلك بما أنه من آداب الجلوس على المائدة ، لا من حيث كونه دخيلا في طهارة السؤر.

ومنها : ما دل على جواز الأكل من طعام أهل الكتاب ، وآنيتهم والوضوء من سؤرهم ، كصحيح إسماعيل بن جابر : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال (عليه السلام) : لا تأكله. ثمَّ سكت هنيئة ،


1) الوسائل باب : 74 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 74 من أبواب النجاسات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 54 من أبواب النجاسات حديث : 1.


ثمَّ قال : لا تأكله. ثمَّ سكت هنيئة ، ثمَّ قال : لا تأكله ولا تتركه تقول إنه حرام ، ولكن تتركه تنزهاً عنه ، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير » (1)وخبر زكريا بن إبراهيم : « دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقلت : إني رجل من أهل الكتاب ، وإني أسلمت وبقي أهلي كلهم على النصرانية ، وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد ، فآكل من طعامهم؟ فقال (عليه السلام) لي يأكلون الخنزير؟ فقلت : لا ولكنهم يشربون الخمر. فقال (عليه السلام) لي : كل معهم واشرب » (2). وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « سألته عن آنية أهل الكتاب فقال (عليه السلام) : لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير » (3). وموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على أنه يهودي؟ فقال (عليه السلام) : نعم. فقلت : من ذلك الماء الذي شرب منه؟ قال (عليه السلام) : نعم » (4). وصحيحة إبراهيم بن أبي محمود : « قلت للرضا (عليه السلام) : الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية ، لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة. قال (عليه السلام) : لا بأس تغسل يديها » (5). وصحيحته الأخرى : « قلت للرضا (عليه السلام) : الخياط أو القصار يكون يهوديا أو نصرانياً وأنت تعلم أنه يبول ولا يتوضأ ، ما تقول في عمله؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (6). وصحيحة


1) الوسائل باب : 54 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 4.

2) الوسائل باب : 54 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 5.

3) الوسائل باب : 54 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 6.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب الأسئار حديث : 3.

5) الوسائل باب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 11.

6) الوافي باب التطهير من مس الحيوانات حديث : 21 من كتاب الطهارة ، والتهذيب باب المكاسب الجزء : 6 حديث : 263.


علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) وفيها : « وسألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء ، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال (عليه السلام) : لا ، إلا أن يضطر اليه » (1).

ولكن يمكن أن يناقش في صحيح إسماعيل : بأن تكرار النهي عن الأكل الدال على مزيد الاهتمام به ، لا يناسبه كونه تنزيهياً ، فبيانه (عليه السلام) أن النهي تنزيهي مما يوجب الارتياب في وجه الحكم ، ومعه يشكل العمل به. وفي خبر زكريا بضعف السند وعدم الجابر. وفي صحيح ابن مسلم : بأن الشرطية فيه ليست لها مفهوم. وفي موثق عمار : بأن الحكم فيه يمكن أن يكون مبنيا على عدم انفعال الماء القليل ، فيكون كغيره مما ورد في سائر النجاسات - كما تقدم في ذلك المبحث - فتأمل. وفي صحيحة إبراهيم الأولى : بأن الظاهر أن مورد السؤال فيها قضية خارجية ، لأن الظاهر من قول السائل « الجارية النصرانية تخدمك » ، خصوص الجارية المعينة التي كانت تخدم الرضا (عليه السلام) ولم يعلم أن هذا الاستخدام كان باختياره ، أو باختيار سلطان الجور بأن كان - سلام اللّه عليه - مجبوراً على ذلك ، فيكون السؤال عن حاله مع هذه الجارية في ظرف اضطراره الى خدمتها ، ولو كان المراد السؤال عن القضية الكلية لكان المناسب التعبير بقوله : الجارية تخدم الإنسان ، أو تخدمني كما لعله ظاهر. وحينئذ يشكل الاستدلال بها على ما نحن فيه ، لإجمال الواقعة التي هي موضوع السؤال. وفي الصحيحة الثانية : أنه لا يظهر منها أن السؤال من حيث النجاسة أو من حيث جواز العمل. وصحيح ابن جعفر (عليه السلام) قد تقدم نظيره منه في مبحث انفعال القليل ، ومورده اليد المتنجسة بالجنابة ، ولعل المراد من الضرورة فيهما خصوص التقية التي ترفع الوضع كما ترفع التكليف ، فيكون اليهودي والنصراني طاهرين في حال التقية ، ولا بأس بالالتزام به.


1) الوسائل باب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 9.


نعم تشكل موثقة عمار المتضمنة تغسيل النصراني للمسلم إذا لم يوجد مسلم أو مسلمة ذات رحم ، وتغسيل النصرانية للمسلمة كذلك ، فان البناء على وجوب التغسيل بالماء النجس بعيد جداً ، لأنه يزيد الميت نجاسة ، وحمله على التغسيل بالكثير أبعد. ولأجل ذلك رد الموثقة المذكورة بعضهم لمخالفتها للقواعد. لكن المشهور بين القدماء والمتأخرين العمل بها ، وان كان الاشكال فيها لا يختص بهذه الجهة ، لأن عبادة الكافر أيضاً باطلة بالإجماع.

وكيف كان نقول : إن أمكن البناء على المناقشات المذكورة في هذه النصوص - ولو للجمع بينها وبين ما دل على النجاسة - فهو المتعين ، وإن لم يمكن ذلك - لبعد المحامل المذكورة ، وإباء أكثر النصوص عنها - فالعمل بنصوص الطهارة غير ممكن ، لمخالفتها للإجماعات المستفيضة النقل - كما عرفت - بل للإجماع المحقق - كما قيل - فإن مخالفة ابن الجنيد - لو تمت - لا تقدح في الإجماع ، فكم لها منه [رحمه اللّه] من نظير محكي عنه؟! وما عن ابن أبي عقيل من طهارة سؤر الذمي لعله مبني على مذهبه من عدم انفعال الماء القليل وما عن المفيد [رحمه اللّه] من التعبير بكراهة سؤري اليهودي والنصراني لعل مراده منه الحرمة ، كما يشهد به - كما قيل - عدم نسبة الخلاف اليه من أحد أتباعه الذين هم أعرف بمذهبه من غيرهم. وما عن الشيخ [رحمه اللّه] في النهاية من أنه يكره للإنسان أن يدعو أحداً من الكفار الى طعامه فيأكل معه فان دعاه فليأمره بغسل يده ، لعل المراد منه مجرد المؤاكلة ، لا مع المساورة ، كما تقدم احتماله في النصوص. ويشهد لذلك - مضافا إلى ما هو المعروف من أن النهاية مؤلفة من متون الاخبار لا كتاب فتوى - أنه حكي عنه أنه ذكر قبل ذلك بقليل : أنه لا تجوز مؤاكلة الكفار ... الى أن قال : « لأنهم أنجاس ينجسون الطعام بمباشرتهم إياه ».

ودعوى : أن مخالفة الإجماع إنما تقدح في نصوص الطهارة إذا كانت


كاشفة عن خلل فيها ، من جهة السند ، أو جهة الصدور ، وهو غير ظاهر في المقام ، فان المذكور في كلام غير واحد أن الوجه في إعراضهم عنها ترجيح نصوص النجاسة عليها ، لموافقتها للاحتياط وللكتاب ومخالفتها العامة فإذا تبين الخطأ في ذلك لأن الرجوع الى المرجحات يكون مع تعذر الجمع العرفي مع أنه ممكن هنا ، بحمل نصوص النجاسة على الكراهة ، كما تقدم في صحيح إسماعيل بن جابر.

مندفعة : بأن ذلك الخطأ لو جاز على بعضهم فلا يجوز على جميعهم كيف؟ ولم يزل بناؤهم على الجمع العرفي في أمثال المقام ، كما يظهر بأدنى تتبع في المسائل الفقهية. فالأشبه أن يكون التعليل بما ذكر من قبيل التعليل بعد الورود. والعمدة في الحكم عندهم الإجماع. واحتمال ان هذا الإجماع حدث في العصر المتأخر عن عصر المعصومين (عليهم السلام) ، فلا يقدح بالعمل بنصوص الطهارة. بعيد جداً ، فإن كثرة الابتلاء بموضوع الحكم مما يمنع التفكيك بين الأزمنة في وضوحه وخفائه ، بحيث يكون بناء أصحاب الأئمة (عليهم السلام) على الطهارة ، وخفي ذلك على من تأخر عنهم فتوهموا بناءهم على النجاسة فبنوا عليها تبعا لهم. [ وبالجملة ] : الوثوق النوعي المعتبر في حجية الخبر لا يحصل في أخبار الطهارة بعد هذا الإجماع.

وأما آية حل طعام أهل الكتاب (1)فلا مجال للاستدلال بها على الطهارة ، بعد ورود النصوص الصحيحة المفسرة له بالحبوب (2). مع أن ظهورها في الطهارة غير ظاهر ، لأن الظاهر من الحل فيها الحل التكليفي بقرينة السياق مع قوله تعالى ( وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) وهذا الحل كما لا يعارض ما دل على حرمة المغصوب لا يعارض ما دل على حرمة النجس. والظاهر .


1) وهي قوله تعالى ( وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) المائدة : 5.

2) راجع الوسائل باب : 51 من أبواب الأطعمة المحرمة.


من الإضافة إضافة الملك لا اضافة العمل والمباشرة المؤدية إلى سراية النجاسة ولعل الوجه في إنشاء التحليل المذكور دفع توهم الحرمة من جهة عدم حجية أيديهم على الملكية ، لأنهم يستحلون الأموال بالمعاملات الفاسدة التي لم يشرعها الإسلام ، أو لعدم مبالاتهم في الأسباب المملكة فالتحليل المذكور ظاهري ، لحجية اليد ، لا واقعي ، فمع العلم بالبطلان وعدم صحة اليد لا تحليل بل يجب العمل على العلم.

اللّهم الا أن يقال : إن الحل وان كان تكليفا الا أن إطلاق الحل الظاهر في الفعلية يقتضي الطهارة ، بل الظاهر منه كون النظر فيه الى ذلك. إذ لا فرق في حجية اليد بين الكتابيين وغيرهم. فتخصيص الحل بهم لا بد أن يكون من هذه الجهة. وأما الرواية المفسرة للطعام بالحبوب فالظاهر من الحبوب فيها ما يقابل اللحوم لا خصوص الحبوب الجافة. فإن ذلك بعيد جدا ، إذ لا خصوصية لأهل الكتاب في ذلك وملاحظة التبيان ومجمع البيان في تفسير الآية شاهد بما ذكرنا. فلاحظ.

هذا وقد يستشكل في القول بالنجاسة : بأن كثرة اختلاط الكتابيين مع المخالفين مع اعتقاد أكثرهم طهارتهم ، الموجب ذلك لمساورتهم ، يوجب سراية النجاسة ، وذلك حرج عظيم. وفيه : أن حال الكتابيين حال سائر الأعيان النجسة التي كان بناؤهم على طهارتها ، ولا حرج يلزم من البناء على نجاستها. ولا سيما مع البناء على مطهرية غيبة المسلم ظاهراً - مطلقا - كما سيأتي.

ومن ذلك تعرف أن الأقوى ما عليه الأصحاب من النجاسة ، لو لا ما يقتضيه النظر في روايات نكاح الكتابية متعة أو مطلقا‌(1)، فإنها على كثرتها واشتهارها وعمل الأصحاب بها لم تتعرض للتنبيه على نجاستها ، فان


1) الوسائل باب : 2 الى 8 من أبواب ما يحرم بالكفر من كتاب النكاح وباب : 13 من أبواب المتعة.

حتى المرتد [1] بقسميه ، واليهود ، والنصارى ، والمجوس. وكذا رطوباته وأجزاؤه ، سواء كانت مما تحله الحياة أو لا [2].


الملابسات والملامسات التي تكون بين الزوج والزوجة لا تمكن مع نجاسة الزوجة ولم يتعرض في تلك النصوص للإشارة إلى ذلك فلاحظها وتدبر. بل الذي يظهر من مجمع البيان المفروغية عن حل طعام الكتابي إذا لم يكن محتاجا إلى التذكية ، وأن الخلاف في طهارة ما هو محتاج إلى التذكية من اللحوم والشحوم فراجع. واللّه سبحانه ولي التوفيق.

[1] قال شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في طهارته : « ربما يتأمل في تحقق الإجماع على نجاسة كل كافر ، بناء على انصراف معاقد الإجماع إلى غير المرتد ، فتقوى لذلك طهارته. وهو ضعيف ». لكن الأدلة اللفظية التي قد عرفت دلالتها على النجاسة شاملة له أيضاً كغيره.

[2] كما هو المعروف ، بل لم يعرف الخلاف من أحد فيه صريحاً. نعم لازم خلاف السيد [رحمه اللّه] المتقدم فيما لا تحله الحياة من أجزاء الكلب والخنزير الخلاف هنا أيضاً ، لاطراد دليله في المقامين. لكن عرفت ضعفه نعم عن المعالم الاستشكال في تعميم الحكم لها في المقام ، للاستشكال في دلالة الآية ، وقصور النصوص عن إثباته في مثل الشعر ، لأن موردها السؤر ، والمؤاكلة والمصافحة ونحو ذلك مما لا يشمل المقام. لكن يكفي في عموم الحكم إطلاق معاقد الإجماع. مضافا إلى أن التفكيك في النجاسة الذاتية بين أجزاء الإنسان خلاف المرتكز العرفي ، ولذا تعرضت نصوص طهارة الأجزاء المذكورة من الميتة‌(1)لبيان وجه التفكيك بينها وبين غيرها من الاجزاء في النجاسة. فلاحظ.


1) راجع الوسائل باب : 33 من أبواب الأطعمة المحرمة.

والمراد بالكافر من كان منكرا للألوهية ، أو التوحيد ، أو الرسالة [1] ، أو ضروريا من ضروريات الدين [2] مع الالتفات الى كونه ضروريا ، بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار


[1] بلا خلاف ولا إشكال ، فإن الجميع داخل في معاقد الإجماعات ولكون الثاني هو المشرك ، والأول أسوأ منه ، وأكثر أفراد الثالث موضوع نصوص النجاسة.

[2] بلا خلاف ظاهر فيه - في الجملة - بل ظاهر جماعة من الأعيان كونه من المسلمات ، وظاهر مفتاح الكرامة حكاية الإجماع عليه في كثير من كتب القدماء والمتأخرين ، بل عن التحرير : « الكافر كل من جحد ما يعلمه من الدين ضرورة ، سواء كانوا حربيين أو أهل كتاب أو مرتدين وكذا النواصب والغلاة والخوارج ».

نعم الإشكال في أنه سبب مستقل للكفر تعبدا ، أو أنه راجع إلى إنكار النبوة في الجملة. ظاهر الأصحاب - كما في مفتاح الكرامة - الأول ، وتبعه في الجواهر ، لعطفه في كلامهم على من خرج عن الإسلام ، وظاهر العطف المغايرة ولعدم تقييده بالعلم. ولتقييدهم إياه بالضروري ، إذ لو كان راجعا إلى إنكار الرسالة لجرى في كل ما علم أنه من الدين وان لم يكن ضروريا. ولتمثيلهم له بالخوارج والنواصب مع عدم علم أكثرهم بمخالفتهم في ذلك للدين ، بل يعتقدون أنه من الدين ، فيتقربون به إلى اللّه سبحانه. واستشهد له بجملة من النصوص كمكاتبة عبد الرحيم القصير : « قال (عليه السلام) : ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال ، بأن يقول للحلال : هذا حرام ، وللحرام : هذا حلال » (1). ونحوها صحيح الكناني عن أبي


1) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 50 ، وباب : 2 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 18. لكن مع اختلاف المتن.


جعفر (عليه السلام) قال (عليه السلام) فيه : « فما بال من جحد الفرائض كان كافراً؟ » (1).

وصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « قال (عليه السلام) : من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك عن الإسلام » (2). وصحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) : « سألته عن أدنى ما يكون به العبد مشركا. قال (عليه السلام) : من قال للنواة انها حصاة ، وللحصاة إنها نواة ، ثمَّ دان به » (3)ونحوها غيرها.

ويمكن أن يخدش في جميع ذلك : بأن الظاهر من الخارج عن الإسلام في كلامهم الخارج عنه بالكلية ، وبذلك تحصل المغايرة التي يقتضيها العطف وعدم التقييد بالعلم في كلامهم ، لعله للاكتفاء منهم بتقييده بالضروري ، لأن المراد به المعلوم. ومنه يظهر احتمال أن ذكر الضرورة باعتبار كونها سبباً للعلم ، لا لخصوصية فيها. والتمثيل والاستدلال إنما كانا من بعض ، فيجوز أن يكون ناشئاً عن اعتقاده السببية المستقلة ، أو بالإضافة إلى بعض كل من الفرقتين ، لا جميعهم.

وأما النصوص فهي ما بين مشتمل على الجحود المحتمل الاختصاص بصورة العلم ، ومطلق لا يمكن الأخذ بإطلاقه ، لعمومه للضروري وغيره ، وتخصيصه بالضروري ليس بأولى من تخصيصه بصورة العلم ، بل لعل الثاني أولى بقرينة ما اشتمل منها على التعبير بالجحود المختص بالعلم. ولو فرض التساوي فالمتيقن الثاني. هذا مع إمكان معارضة ذلك كله - على تقدير تماميته - بالتعبير بالجحود في كلام كثير أو الأكثر ، المختص بصورة العلم. ومثله التعبير بالإنكار ، بناء على ارادة الجحود منه ، كما استظهره في الجواهر.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 13.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 10.

3) الكافي باب الشرك من كتاب الايمان والكفر حديث : 1.

الرسالة ، والأحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقا ، وان لم يكن ملتفتاً الى كونه ضروريا. وولد الكافر يتبعه في


وبما اشتهر - كما قيل - من استثناء صورة الشبهة. وبعدم التعرض له من كثير من القدماء الظاهر في اكتفائهم عنه بذكر الكفر. وكأنه لذلك قال المحقق الأردبيلي [قدس سره] : « الضروري الذي يكفر منكره الذي ثبت عنده يقيناً كونه من الدين ولو بالبرهان ، ولو لم يكن مجمعاً عليه ، إذ الظاهر أن دليل كفره هو إنكار الشريعة. وإنكار صدق النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في ذلك ... » ، ونحوه ما عن جماعة ممن تأخر عنه.

هذا وشيخنا الأعظم [قدس سره] فصل بين المقصر والقاصر ، فبنى على الكفر في المقصر إذا أنكر بعض الأحكام الضرورية ، عملا بإطلاق النصوص والفتاوى في كفر منكر الضروري ، وعلى عدمه في القاصر ، لعدم الدليل على سببيته للكفر ، مع فرض عدم التكليف بالتدين بذلك الحكم ، ولا بالعمل بمقتضاه - كما هو المفروض - ويبعد أن لا يحرم على الشخص شرب الخمر ويكفر بترك التدين بحرمته. لكن عرفت الإشكال في إطلاق النصوص والفتاوى في ذلك. ولو سلم فعدم التكليف به - عقلا - لا يمنع من سببية ترك التدين به للكفر ، ولو لم يكن فرق ظاهر بين الأمور الاعتقادية والعملية من حيث التكليف.

هذا كله في الأحكام العملية التي يجب فيها العمل ولا يجب فيها الاعتقاد. وأما الأمور الاعتقادية التي يجب فيها الاعتقاد لا غير فالحكم بكفر منكرها - ضرورية كانت أو نظرية - يتوقف على قيام دليل على وجوب الاعتقاد بها تفصيلا ، على نحو يكون تركه كفراً. ومجرد كونه ضروريا لا يوجب كفر منكره ، إلا بناء على كون إنكار الضروري سبباً مستقلا للكفر ، وقد عرفت عدم ثبوته ، فالمتبع الدليل الوارد فيه بالخصوص.

النجاسة [1] إلا إذا أسلم بعد البلوغ ، أو قبله مع فرض كونه


[1] على المشهور - كما عن الكفاية - بل لم يعرف مخالف صريح فيه. نعم قد يشعر قول العلامة [رحمه اللّه] في النهاية : « الأقرب تبعية أولاد الكفار لهم » بوجود الخلاف فيه ، أو بعدم انعقاد الإجماع عليه. لكن عن جملة من الكتب دعواه صريحاً على تبعية الولد المسبي مع أبويه لهما في الكفر والنجاسة ، وفي الجواهر في كتاب الجهاد : « وحكم الطفل ذكرا وأنثى تابع لأبويه في الإسلام والكفر ، وما يتبعهما من الأحكام. كالطهارة والنجاسة وغيرهما ، بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه » ، وفي وسائل المحقق الكاظمي [رحمه اللّه] : « لا كلام في جريان أحكام آبائهم في الدنيا من نجاسة وغيرها عليهم ، وهو إجماع ».

وقد يستدل لذلك [ تارة ] : باستصحاب نجاسة الولد الثابتة قبل ولوج الروح فيه ، بناء على كونه جزءا من الأم [ واخرى ] : بتنقيح المناط عند المتشرعة ، فإنهم يتعدون من نجاسة الأبوين إلى نجاسة الولد ، نظير ما تقدم في المتولد بين الكلب والخنزير. وقد تقدم الاشكال فيهما [ وثالثة ] : بصحيحة ابن سنان : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث. قال (عليه السلام) : كفار. واللّه أعلم بما كانوا عاملين. يدخلون مداخل آبائهم » (1)، ونحوه غيره. لكن الظاهر منها حكمهم في الآخرة ، ومضمونها مخالف لقواعد العدلية ، فلا بد من حملها على بعض المحامل الموافقة للقواعد.

ويمكن الاستدلال له بخبر حفص بن غياث « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليه المسلمون بعد ذلك. فقال (عليه السلام) : إسلامه إسلام لنفسه ولولده الصغار ، وهم أحرار


1) الفقيه باب : 151 جزء : 3 صفحة 317 الطبعة الحديثة.

عاقلا مميزاً ، وكان إسلامه عن بصيرة ، على الأقوى [1].


وولده ومتاعه ورقيقه له. فاما الولد الكبار فهم في‌ء للمسلمين ، إلا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك (1)». مضافا الى أن تقابل الكفر والإسلام تقابل العدم والملكة ، فعدم الإسلام يكفي في صدق الكفر. لكن هذا الوجه يختص بالولد المميز الذي لم يسلم ، لأن غير المميز لا شأنية فيه للإسلام ، فلا يصدق عليه الكافر ولا المسلم ، فالتبعية للوالد فيه تحتاج إلى دليل بالخصوص وكفى بالإجماع المحقق والخبر دليلا عليها. مضافا إلى السيرة القطعية على معاملتهم معاملة آبائهم. وبذلك كله يخرج عن أصالة الطهارة ، المقتضية للحكم بطهارة الولد مطلقاً ولو لم يكن مميزا.

[1] لإطلاق الأدلة الشارحة لمفهوم الإسلام ، الشامل للبالغ والصبي بنحو واحد. ومقتضاه ثبوت أحكام الإسلام لإسلام الصبي - كثبوتها لإسلام البالغ - وان لم يكن عن بصيرة. بل قيل بوجوبه عليه كوجوبه على البالغ. وحديث رفع القلم‌(2)لا مجال له ، لأن وجوب الإسلام عقلي أو فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل ، ومثله لا يرتفع بحديث رفع القلم ، لاختصاصه بما يكون رفعه ووضعه بيد الشارع. [ وفيه ] : أن احتمال الضرر الذي هو موضوع الحكم العقلي أو الفطري يرتفع بالحديث المذكور. وكذا الحال في بقية المعارف الدينية ، سواء أكان وجوبه عقليا أم شرعيا ، فإنه يمكن رفع وجوبه بحديث رفع القلم. إلا أن الرفع بحديث رفع القلم لا يمنع من صحة وقوعه من الصبي ، لأنه يرفع الإلزام لا الصحة كما لا يخفى.

ومن ذلك يظهر لك أنه لا حاجة في إثبات نجاسة ولد الكافر - إذا


1) الوسائل باب : 43 من أبواب جهاد العدو حديث : 1.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 11.

ولا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزنا [1] ، ولو في مذهبه. ولو كان أحد الأبوين مسلماً فالولد تابع له [2]


كان متدينا بدين والده - إلى دليل على النجاسة بالخصوص. بل تكفي فيها الأدلة العامة لنجاسة الكافر ، التي لا فرق فيها بين الصبي والبالغ. وحديث رفع القلم عن الصبي لا يرفع النجاسة ، لوضوح اختصاصه برفع المؤاخذة. وليس هو مثل حديث رفع التسعة‌(1)، كي يتوهم عمومه لرفع النجاسة حتى ادعى بعضهم عمومه لرفع التكليف والوضع. وذلك لاختلاف لساني الحديثين ، فان حديث رفع القلم إنما رفع فيه القلم ، والمراد قلم السيئات ، بخلاف حديث رفع التسعة ، فإن المرفوع فيه نفس الفعل ، ويمكن توهم رفع جميع أحكامه ، كما لا يخفى بأقل تأمل.

[1] كما قواه في كشف الغطاء. ويقتضيه إطلاق معاقد الإجماعات. وفي الجواهر : « قد يمنع الإجماع فيه ، وان كان لا يخلو من إشكال ». وكأن وجه الاشكال : عدم تعرضهم لاستثناء ولد الزنا. واحتمال الاجتزاء بما ذكروه في محل آخر ، من نفي ولد الزنا. بعيد ، ولا سيما مع عدم وضوح دليل على نفي ولديته مطلقاً ، والثابت إنما هو في موارد خاصة ، كالتوارث وغيره ، والمرجع في غيرها إطلاق أدلة حكم الولد ، وان كان هذا المقدار غير كاف في وضوح الإجماع على الإلحاق في المقام. وعليه يشكل الحكم بالنجاسة. إلا أن يتمسك لها بالسيرة والخبر المتقدم. هذا لو لم يكن مميزاً ، أما المميز غير المتدين بالإسلام ، فلا إشكال في نجاسته كما عرفت.

[2] كما هو المعروف. لأصالة الطهارة بعد عدم دليل على النجاسة من إجماع أو غيره ، لو لم يكن إجماع على الطهارة ، كما قد يظهر من


1) الوسائل باب : 56 من أبواب جهاد النفس حديث : 1.

إذا لم يكن عن زنا ، بل مطلقاً على وجه مطابق لأصل الطهارة [1].


نسبته إلى الأصحاب في محكي شرح المفاتيح. مع أنه مقتضى خبر حفص المتقدم في خصوص إسلام الأب. لكن الخروج في غير مورد الخبر عن عموم ما دل على نجاسة الكافر ، الصادق على الولد المميز ، غير ظاهر.

[1] لكن جزم في كشف الغطاء وغيره بالكفر لو كان الزنا من طرف المسلم والحل من طرف الكافر ، لإلحاقه بالكافر دون المسلم ، لنفي ولديته له. لكن عرفت الإشكال في ذلك ، لا أقل من عدم ثبوت الإجماع على النجاسة في غير مورد الكفر من الطرفين ، والأصل الطهارة. نعم يتم ما ذكره في الولد المميز لما عرفت من العموم.

هذا ولو بلغ ولد الكافر مجنوناً كان مقتضى الاستصحاب النجاسة ، وكذا لو بلغ عاقلا ، وكان في فسحة النظر. [ والاشكال ] فيه بتعدد الموضوع ، لتبدل الصبا بالبلوغ ، والتبعية بالاستقلال [ مندفع ] : بعدم قدح مثل ذلك في وحدة الموضوع عرفا. مع أن الظاهر صدق الكافر عليه حقيقة ، فتشمله معاقد الإجماعات على النجاسة ، فلو جن بعد ذلك بقي على النجاسة ، للاستصحاب.

ولو سبي ولد الكافر ، فان كان مع أبويه أو أحدهما فهو على النجاسة إجماعا محكيا عن جملة من كتب الأصحاب. ويقتضيها الأصل المتقدم. ولو سبي منفردا فالمعروف الطهارة ، بل عن المعالم وشرح المفاتيح : أنها ظاهر الأصحاب. نعم قد يظهر من الشهيد في محكي الذكرى وجود الخلاف ، بل عن التلخيص وشرح الروضة : الجزم ببقاء التبعية لأبويه ، ومال إليه في المسالك. لعدم الدليل القاطع ، للأصل الحاكم على أصالة الطهارة ، وقد عرفت أن الاشكال في الأصل بتعدد الموضوع في غير محله ، وان صدر عن جماعة من الأعيان.

[ مسألة 1 ] : الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين [1] سواء كان من طرف أو طرفين. بل وان كان أحد الأبوين مسلماً ، كما مر.


نعم تمسك للطهارة شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] - تبعا لكاشف الغطاء - بالسيرة القطعية على معاملتهم معاملة المسلمين من حيث الطهارة. لكن في ثبوتها - بنحو يعتمد عليها - إشكالا. والتمسك بأدلة الحرج (1)أشكل وسيأتي - إن شاء اللّه - في مبحث الطهارة بالتبعية بعض الكلام في المقام.

[1] كما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل لم يعرف الخلاف فيها إلا من الصدوق والسيد والحلي - بناء منهم على كفره - بل عن الأخير نفي الخلاف فيه. وكأنه للنصوص المتضمنة للنهي عن الاغتسال من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام‌(2). معللا : بأنه يسيل منها ما يغتسل به الجنب ، وولد الزنا ، والناصب لنا أهل البيت ، وهو شرهم. وفي بعضها : أنه لا يطهر إلى سبعة آباء‌(3). ولمرسلة الوشاء : « أنه (عليه السلام) : كره سؤر ولد الزنا ، واليهودي ، والنصراني ، والمشرك ، وكل من خالف الإسلام » (4)ولما تضمن : أنه رجس (5)، وأنه شر (6)وأنه لا خير فيه ، ولا في بشره ، ولا في شعره ، ولا في لحمه ، ولا في دمه‌(7)، وأن لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب الي من لبن الزنا‌(8). لكن الجميع قاصر


1) تقدمت الإشارة إليها في تعاليق المسألة : 10 من الفصل المتعرض فيه لأحكام ماء البئر.

2) راجع الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 4.

4) الوسائل باب : 3 من أبواب الأسئار حديث : 2.

5) البحار. جزء : 5 صفحة : 285 الطبع الجديد.

6) البحار. جزء : 5 صفحة : 285 الطبع الجديد.

7) الوسائل باب : 14 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة حديث : 7.

8) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام الأولاد من كتاب النكاح حديث : 2.

[ مسألة 2 ] : لا إشكال في نجاسة الغلاة [1] ،


عن إثبات النجاسة ، فضلا عن الكفر. فان نصوص النهي غير ظاهرة فيها بقرينة اشتمالها على الجنب ، وعلى التعبير بقوله (عليه السلام) : « وهو شرهم » ، وأنه لا يطهر إلى سبعة آباء ، فان الشريعة تناسب الخباثة النفسية ، وكذلك عدم طهر أبنائه ، للإجماع على عدم تعدي نجاسته - على تقدير ثبوتها - إليهم ، فيتعين حملها على نفي الطهارة النفسية. والكراهة أعم من الحرمة. والسياق غير كاف في إثبات الحرمة ، لجواز ثبوت الخباثة النفسية في الجميع ويكون السياق بلحاظها. وقصور الباقي ظاهر. فأصالة الإسلام والطهارة محكمة.

[1] بلا كلام - كما عن جامع المقاصد - وعن ظاهر جماعة ، وصريح روض الجنان والدلائل ، الإجماع عليه. وهو واضح جداً لو أريد منهم من يعتقد الربوبية لأمير المؤمنين (عليه السلام) أو أحد الأئمة (عليهم السلام) - كما في كشف الغطاء - لأنه إنكار لله تعالى ، وإثبات لغيره ، فيكون كفرا بالذات ، فيلحقه حكمه من النجاسة.

أما لو أريد منهم من يعتقد حلوله تعالى فيهم ، أو في أحدهم - كما هو الأظهر عند شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] - فالنجاسة مبنية على أن إنكار الضروري كفر تعبدي ، فان لم يثبت أشكل الحكم بها. ودعوى الإجماع لعلها مبنية على ذلك المبنى ، فيشكل الاعتماد عليها.

وكذا الحال لو أريد من الغلو تجاوز الحد في صفات الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) مثل اعتقاد أنهم خالقون ، أو رازقون أو لا يغفلون ، أو لا يشغلهم شأن عن شأن ، أو نحو ذلك من الصفات. ولذا حكي عن ابن الوليد أن نفي السهو عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أول درجة الغلو. فالنجاسة في مثل ذلك أيضاً مبنية على الكفر بإنكار الضروري. ودعوى القطع بعدم الكفر بمثل ذلك غير واضحة. وكأن وجهها إنكار كون مثل ذلك إنكارا للضروري. ولكنها

والخوارج [1] ، والنواصب [2]. وأما المجسمة ، والمجبرة ،


كما ترى ، لوضوح كون اختصاص الصفات المذكورة به جل شأنه ضروريا في الدين. نعم ما لم يبلغ اختصاصه حد الضرورة فالدعوى المذكورة فيه في محلها.

وقد يستدل للنجاسة في الغلاة بما ورد في فارس بن حاتم (1)الغالي عن الهادي (عليه السلام) : من الأمر بتوقي مساورته. لكن فيه - مع إجمال غلوه لعنه اللّه - : أن النسخة الصحيحة : « مشاورته » بالشين المعجمة ، لا بالسين المهملة ، فلا يكون مما نحن فيه.

[1] بلا كلام - كما عن جامع المقاصد - وعن ظاهر جماعة ، وصريح روض الجنان ، والدلائل : الإجماع عليه. والمراد بهم من يعتقد ما تعتقده الطائفة الملعونة التي خرجت على أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين ، فاعتقدت كفره واستحلت قتاله. واستدل له برواية الفضيل : « دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) وعنده رجل فلما قعدت قام الرجل فخرج. فقال (عليه السلام) لي يا فضيل ما هذا عندك. قلت : كافر قال (عليه السلام) : أي واللّه مشرك » (2)لإطلاق التنزيل الشامل للنجاسة. ولأنهم من النواصب ، فيدل على نجاستهم ما دل على نجاستهم.

[2] بلا كلام - كما عن جامع المقاصد والدلائل - ولا خلاف - على الظاهر - فيه ، كما عن شرح المفاتيح. وعن الحدائق والأنوار للجزائري : الإجماع صريحا عليه. ويشهد له ما رواه الفضيل عن الباقر (عليه السلام) : « عن المرأة العارفة هل أزوجها الناصب؟ قال (عليه السلام) : لا ، لأن الناصب كافر » (3)


1) تراجع ترجمته في تنقيح المقال جزء : 2 صفحة : 1.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 55.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب ما يحرم من النكاح بالكفر حديث : 15.

والقائلون بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام ، فالأقوى عدم نجاستهم [1]


وما في رواية ابن أبي يعفور « إن اللّه تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب وان الناصب لنا - أهل البيت - لأنجس منه » (1). والخدشة في الدلالة : وأن النجاسة القابلة للزيادة والنقيصة هي الباطنية. مندفعة : بمنع ذلك ضرورة كالخدشة بأنه مسوق مساق ولد الزنا والجنب ممن كانت الخباثة فيه باطنية وجه الاندفاع : أنه لا مانع من كون النجاسة الخارجية العينية أيضاً موجبة للخباثة المعنوية ، فيكون الجميع بنحو واحد وان اختلفت الموارد ، فالسياق المذكور لا يوجب رفع اليد عن ظاهر الفقرة في النجاسة العينية الخارجية. فتأمل. هذا وسيجي‌ء الكلام في المراد من الناصب. فانتظر.

[1] لعدم الدليل عليها ، فيرجع فيها إلى أصالة الطهارة ، وإن حكي القول بالنجاسة مطلقا عن المبسوط ، والمنتهى ، والدروس ، وظاهر القواعد وغيرها. بل عن جامع المقاصد : لا كلام فيها. أو في خصوص المجسمة بالحقيقة ، كما عن البيان والمسالك وغيرهما ، وعن روض الجنان : لا ريب في نجاستهم. إذ المستند إن كان هو الإجماع فهو ممنوع جدا ، فقد حكي عن ظاهر المعتبر ، والتذكرة وصريح النهاية ، والذكرى : الطهارة. وان كان إنكارهم للضروري ، ففيه - مع أنه مختص بالمجسمة بالحقيقة ، ومبني على الاكتفاء في تحقق إنكار اللازم بإنكار الملزوم ، إذ عدم التجسيم ليس ضروريا من الدين ، لإبهام كثير من الآيات والاخبار له ، وإنما الضروري القدم وعدم الحاجة ، اللذان يكون إنكارهما لازما لاعتقاد الجسمية - : أنك قد عرفت عدم ثبوت الإجماع على كون الإنكار سبباً مطلقا ، ولو مع عدم العلم بكون المنكر من الدين.


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 5.


نعم استدل على نجاستهم بخبر ياسر الخادم عن الرضا (عليه السلام) : « من شبه اللّه بخلقه فهو مشرك ، ومن نسب اليه ما نهى عنه فهو كافر » (1)وخبر الحسين بن خالد عنه (عليه السلام) : « من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك » (2)وخبر داود بن القاسم عنه (عليه السلام) : « من شبه اللّه بخلقه فهو مشرك ، ومن وصفه بالمكان فهو كافر ، ومن نسب اليه ما نهى عنه فهو كاذب » (3)وخبر محمد بن أبي عمير عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) : « من شبه اللّه بخلقه فهو مشرك ، ومن أنكر قدرته فهو كافر » (4)، بناء على أن التجسيم نوع من التشبيه. لكن دلالتها لا تخلو من خدش ، لأن الظاهر من التنزيل فيها - بقرينة التفصيل بين المشرك والكافر - كونه بلحاظ الأحكام الخاصة ، لا المشتركة ، كما لعله ظاهر. نعم في رواية الهروي عن الرضا (عليه السلام) : « من وصف اللّه بوجه كالوجوه فقد كفر » (5)دلالة على ذلك ، لإطلاق التنزيل. لكن التجسيم غير التشبيه ، إذ بينهما عموم من وجه.

وأما المجبرة فالنجاسة فيهم محكية عن المبسوط ، وكاشف اللثام ، واختاره في كشف الغطاء وإذ لا إجماع مدعى هنا ، ولا إنكار لضروري - إلا بناء على تحقق إنكار اللازم بإنكار الملزوم ، فيكون إنكار الاختيار إنكارا للثواب والعقاب ، وهو ممنوع - فالبناء على النجاسة ضعيف. نعم استدل عليها ببعض النصوص المتقدمة في المجسمة ، ومثلها خبر يزيد بن عمر الشامي عن الرضا (عليه السلام) : « والقائل بالجبر كافر ، والقائل بالتفويض مشرك » (6)


1) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 1.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 5.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 16.

4) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 17.

5) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 3.

6) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 4.


وقد عرفت الإشكال في دلالتها على النجاسة. نعم في رواية حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل زعم أن اللّه أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم اللّه تعالى في حكمه ، فهو كافر. ورجل يزعم أن الأمر مفوض إليهم ، فهذا قد وهن اللّه تعالى في سلطانه ، فهو كافر » (1). ودلالتها على النجاسة بإطلاق التنزيل ظاهرة ، فالبناء على النجاسة في المشبهة ، والمجبرة ، قوي. وكذا في المفوضة - كما في كشف الغطاء - للرواية المذكورة.

نعم قد يشكل ذلك بما عن شرح المفاتيح ، من أن ظاهر الفقهاء طهارتهم ، فتكون الرواية مخالفة للمشهور. لكنه لم يثبت بنحو تسقط به الرواية عن الحجية. ولا سيما بناء على اندفاع المناقشة في نصوص التفصيل لكثرة الروايات الدالة على نجاسة المفوضة‌(2)حينئذ. [ ودعوى ] : أن ذلك خلاف سيرة الأئمة (عليهم السلام) : وأصحابهم من معاشرة المخالفين ، وأكثرهم في جملة من العصور مجبرة أو مفوضة [ يدفعها ] - مع ورود ذلك في النواصب في زمان الأمويين المعلنين بسب أمير المؤمنين (عليه السلام) : على منابرهم في جميع الآفاق الإسلامية - : أن وضوح بطلان الجبر والتفويض مما يوجب بناء العامة على خلافهما ، إذ من البعيد اعتقاد متعارف الناس عدم الاختيار في العبد ، ضرورة ثبوت القدرة له ، كضرورة ثبوت الإرادة ، ولا نعني من الاختيار إلا هذا المقدار ، فالاختيار في العبد ضروري ، وكذا بطلان التفويض ، بمعنى استقلال العبد في القدرة في قبال قدرته سبحانه ، فان كل شي‌ء تحت قدرته تعالى ، ومنه قدرة العبد ، وإذا كان الأمر بين الأمرين ضروريا وجدانيا يبعد بناء عامة الناس على خلافه ، إلا على نحو التقليد


1) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 10‌

2) تراجع الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد.

إلا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد [1].

[ مسألة 3 ] : غير الاثنا عشرية من فرق الشيعة ، إذا لم يكونوا ناصبين ومعادين لسائر الأئمة ، ولا سابين لهم ، طاهرون [2].


الأعمى ، والانتساب إلى مثل هذه المذاهب الفاسدة بمجرد اللسان لا بالجنان وإن كان الظاهر أن النصوص واردة بالإضافة إليهم ، فيشكل دفع الدعوى المذكورة. وكذا الإشكال في النواصب والخوارج.

أما القائلون بوحدة الوجود من الصوفية فقد ذكرهم جماعة ، ومنهم السبزواري في تعليقته على الاسفار ، قال : « والقائل بالتوحيد إما أن يقول بكثرة الوجود والموجود جميعاً مع التكلم بكلمة التوحيد لساناً ، واعتقاداً بها إجمالا ، وأكثر الناس في هذا المقام. وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود جميعا ، وهو مذهب بعض الصوفية. وإما أن يقول بوحدة الوجود وكثرة الموجود ، وهو المنسوب إلى أذواق المتألهين. وعكسه باطل. وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما ، وهو مذهب المصنف والعرفاء الشامخين. والأول : توحيد عامي ، والثالث : توحيد خاصي ، والثاني : توحيد خاص الخاص ، والرابع : توحيد أخص الخواص ».

أقول : حسن الظن بهؤلاء القائلين بالتوحيد الخاص والحمل على الصحة المأمور به شرعا ، يوجبان حمل هذه الأقوال على خلاف ظاهرها ، وإلا فكيف يصح على هذه الأقوال وجود الخالق والمخلوق ، والآمر والمأمور والراحم والمرحوم؟! وما توفيقي الا باللّه عليه توكلت واليه أنيت.

[1] مطلقا ، أو مع العلم بكون خلافها من الدين ، على ما تقدم من القولين من كون إنكار الضروري مكفرا تعبداً ، أو لرجوعه إلى إنكار الرسالة فلاحظ.

[2] أما الفرق المخالفة للشيعة فالمشهور طهارتهم. ويحكى عن السيد


القول بنجاستهم ، وعليه بعض متأخري المتأخرين ، كصاحب الحدائق ، وحكاه عن المشهور في كلمات أصحابنا المتقدمين. وستشهد لذلك بما في كتاب فص الياقوت للشيخ الجليل ابن نوبخت [رحمه اللّه] من قوله : « دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا ، ومن أصحابنا من يفسقهم ». وبما في المقنعة من أنه لا يجوز تغسيل المخالف للحق في الولاية ، ولا الصلاة عليه ، ونحوه ما عن ابن البراج. وبما في التهذيب - بعد نقل ما في المقنعة - : « الوجه فيه أن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار ، إلا ما خرج بالدليل ». وبما في السرائر من الاستدلال على ذلك : بأن المخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا. انتهى. ثمَّ حكى عن الصالح المازندراني [رحمه اللّه] في شرح أصول الكافي التصريح بكفرهم. وكذا عن الشريف القاضي في إحقاق الحق وأبي الحسن الشريف في شرح الكفاية. لكن جميع العبارات المذكورة إنما تضمنت التصريح بكفرهم ، من دون تعرض فيها لنجاستهم. فلاحظ. نعم في بعضها الاستدلال على ذلك بإنكار الضروري الموجب للكفر والنجاسة.

وكيف كان فالاستدلال على النجاسة [ تارة ] : بالإجماع المحكي عن الحلي على كفرهم ، المؤيد بنسبته الى جمهور أصحابنا في كتاب فص الياقوت للشيخ الجليل ابن نوبخت - كما عرفت - والى أكثر أصحابنا في شرحه للعلامة [رحمه اللّه] وبإرساله في التهذيب إرسال المسلمات ، كما تقدم. [ وأخرى ] بالنصوص المتجاوزة حد الاستفاضة ، بل قيل : إنها متواترة ، المتضمنة كفرهم ، كرواية أبي حمزة : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : إن عليا (عليه السلام) باب فتحه اللّه تعالى من دخله كان مؤمنا ، ومن خرج عنه كان كافرا » ، ونحوها روايات مروان بن مسلم ، وسدير ويحيى بن القاسم ، وأبي خالد


الكابلي ، وأبي سلمة. والفضيل بن يسار ، وغيرها فلاحظ حدود الوسائل (1)[ وثالثة ] : بأنهم ممن أنكر ضروري الدين كما في محكي المنتهى في مسألة اعتبار الايمان في مستحق الزكاة ، وفي شرح كتاب فص الياقوت وغيرهما ، فيعمهم ما دل على كفر منكر الضروري [ ورابعة ] : بما دل على نجاسة الناصب من الإجماع المتقدم وغيره ، بضميمة ما دل على أنهم نواصب ، كخبر معلى بن خنيس : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت ، لأنك لا تجد أحداً يقول : إني أبغض آل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم). ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولوننا ، وتبرؤون من أعدائنا » (2)، ونحوه خبر عبد اللّه بن سنان (3)مع تفاوت يسير. ومكاتبة محمد بن علي بن عيسى إلى الهادي (عليه السلام) يسأله عن الناصب هل يحتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب : « من كان على هذا فهو ناصب » (4)وهذه الروايات مذكورة في الوسائل في كتابي الخمس والحدود. وخبر عبد اللّه بن المغيرة المحكي عن الروضة - كما في طهارة شيخنا الأعظم [رحمه اللّه]- « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إني ابتليت برجلين ، أحدهما ناصب ، والآخر زيدي ولا بد لي من معاشرتهما ، فمن أعاشر؟ فقال (عليه السلام) : هما سيان ... [ الى أن قال ] : هذا نصب لك ، وهذا الزيدي نصب لنا » (5). .


1) راجع الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد ، لكن بعض ما أشير إليه مشتمل على البغض ، فيكون أخص.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس ملحق الحديث الثالث.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث : 3.

4) الوافي باب : 23 من أبواب وجوب الحجة حديث : 4.

5) الوافي باب: 23 من أبواب وجوب الحجة حديث: 3.


وفي الجميع خدش ظاهر ، إذ الكفر المدعى عليه الإجماع في كلام الحلي وغيره ، إن كان المراد منه ما يقابل الإسلام ، فهو معلوم الانتفاء ، فان المعروف بين أصحابنا إسلام المخالفين ، وان كان المراد به ما يقابل الايمان - كما هو الظاهر ، بقرينة نسبة القول بفسق المخالفين إلى بعض أصحابنا في كتاب فص الياقوت في قبال نسبة الكفر الى جمهورهم - لم يجد في إثبات النجاسة ، لأن الكافر الذي انعقد الإجماع ، ودلت الأدلة على نجاسته ما كان بالمعنى الأول ، كما تشهد به الفتوى بالطهارة هنا من كثير من نقلة الإجماع على نجاسة الكافر.

وأما النصوص فالذي يظهر منها أنها في مقام إثبات الكفر للمخالفين بالمعنى المقابل للايمان ، كما يظهر من المقابلة فيها بين الكافر والمؤمن. فراجعها. وقد ذكر في الحدائق كثيراً منها. ويشهد لذلك النصوص الكثيرة الشارحة لحقيقة الإسلام ، كموثق سماعة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخبرني عن الإسلام والايمان أهما مختلفان؟ فقال (عليه السلام) : إن الايمان يشارك الإسلام ، والإسلام لا يشارك الايمان. فقلت : فصفهما لي. فقال (عليه السلام) : الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه والتصديق برسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، به حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس. والايمان الهدى ، وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به » (1). وصحيح حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) : « سمعته يقول : الايمان ما استقر في القلب ، وأفضي به إلى اللّه تعالى ، وصدقه العمل بالطاعة والتسليم لأمره ، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل ، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها ، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح ... » (2).


1) الوافي باب : 1 من أبواب تفسير الايمان والكفر من الفصل الثاني من كتاب الايمان والكفر.

2) الوافي باب : 1 من أبواب تفسير الايمان والكفر من الفصل الثاني من كتاب الايمان والكفر.


وخبر سفيان بن السمط : « سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الإسلام والايمان ما الفرق بينهما؟ ... [ الى أن قال ] : فقال (عليه السلام) : الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس ، شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمداً رسول اللّه وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصيام شهر رمضان ، فهذا الإسلام وقال (عليه السلام) : الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا ، فإن أقر بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلماً ، وكان ضالا » (1).

ويشهد لذلك أيضاً النصوص الكثيرة الواردة في طهارة ما يؤخذ من أيديهم من المائعات والجامدات التي يعلم مباشرتهم لها كالأدهان ، والألبان ، والعصير الذي قد ذهب ثلثاه ، والجبن ، والجلود ، واللحوم وغير ذلك مما يتجاوز حد التواتر [ وبالجملة ] : فالقرائن الداخلية والخارجية قاضية بكون المراد من الكفر في النصوص السابقة ما لا يكون موضوعا للنجاسة. والظاهر أنه هو المراد من الكفر في كلمات أصحابنا [ رض ]. وحينئذ لا وجه لنسبة القول بالنجاسة إليها.

نعم يأبى ذلك التعليل بإنكار الضروري في كلام بعضهم ، كالعلامة في شرح فص الياقوت والمنتهى ، وغيره. لكن لا بد من توجيه ذلك ، إذ من البعيد جدا بناء مثل العلامة [رحمه اللّه] على النجاسة. ولا سيما مع وضوح منعه. نعم هو من إنكار ضروري المذهب. لكن إنكار مثل ذلك لا يقتضي النجاسة. ومن ذلك يظهر لك الإشكال في الاستدلال به على النجاسة ، ولا سيما بناء على ما عرفت من عدم كون إنكار الضروري مكفرا مطلقاً.

وأما النصوص الدالة على نصبهم - فمع عدم صحة أسانيدها ، ومخالفتها للمشهور بين الأصحاب. وتعارضها فيما بينها ، لدلالة المكاتبة على كون النصب مجرد الاعتقاد بامامة الجبت والطاغوت ، ودلالة غيرها على كونه


1) الوافي باب : 1 من أبواب تفسير الايمان والكفر من الفصل الثاني من كتاب الايمان والكفر.


معاداة الشيعة. ولإشكال مضامينها في نفسها ، فان قوله (عليه السلام) في الخبرين « لأنك لا تجد ... » مخالف للواقع ، لكثرة المبغضين لهم والمستحلين لقتلهم وقتالهم ، ومخالف للنصوص المشتملة على حكم الناصب لهم أهل البيت. فلاحظ ما ورد في غسالة الحمام‌(1)وغيرها - أن قوله (عليه السلام) : في رواية ابن المغيرة : « هذا نصب لك ... » غير ظاهر ، إذ لا فرق بين الزيدي وغيره ، فإن الزيدي قد ينصب لهم (عليهم السلام) : لاعتقاده تقصيرهم (عليهم السلام) في أداء ما يجب عليهم من الأمر بالمعروف ، وقد لا ينصب لهم لاعتقاده عذرهم وانما ينصب للشيعة لاعتقاده خطأهم في اعتقاد إمامتهم (عليهم السلام) ، وكذلك الحال في المخالف ، فقد يكون ناصبا لهم (عليهم السلام) : لادعائهم الإمامة الخاصة التي يعتقد بطلانها ، وقد لا يكون ناصباً لهم ، لاعتقاده عدم ادعائهم ذلك ، وإنما ينصب لشيعتهم لاعتقاده بطلان مذهبهم. [ وبالجملة ] : لا يظهر وجه الفرق بين الزيدي والناصب.

وأما المكاتبة فيحتمل قريباً فيها - لو لم يكن هو الظاهر - أنها واردة في مقام الشك في تحقق النصب وعدمه ، فهي في مقام جعل الحكم الظاهري لا في مقام بيان معنى للناصب غير ما هو المعروف. ثمَّ لو سلم ذلك كله فغاية مدلولها أن المخالف ناصب ، ولكن هذا المقدار لا يقتضي ثبوت النجاسة إذ لا دليل على نجاسة كل ناصب ، إذ الأدلة المتقدمة على نجاسة الناصب منحصرة بالإجماع والنص ، والموضوع فيهما لا يشمل المخالف ، ضرورة اختصاص النص المتضمن لنجاسة الناصب بالناصب لهم (عليهم السلام) لا مطلق الناصب. فراجعه. ورواية الفضيل الدالة على أنه كافر موردها التزويج ، ولا بد أن تحمل على غير المخالف للنصوص الدالة على جواز تزويج المخالف. وكلمات


1) راجع الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل. وقد تقدم بعضها في نجاسة النواصب.


الأصحاب المدعين للإجماع وغيرهم في تفسير الناصب مختلفة ، ومع ذلك ليس فيها ما يشمل المخالف ، فان المنسوب الى أكثر الأصحاب : أنه من نصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) ، بل ظاهر الحدائق : أنه لا خلاف فيه. وعن المعتبر والمنتهى : أنه الذي يقدح في علي (عليه السلام) ، وعن القاموس : أنه المتدين ببغض علي (عليه السلام). وعن شرح المقداد : « الناصب يطلق على خمسة وجوه : [ الأول ] : القادح في علي (عليه السلام) [ الثاني ] : من ينسب إلى أحدهم (عليهم السلام) ما يسقط العدالة. [ الثالث ] : من ينكر فضيلتهم لو سمعها [ الرابع ] : من يعتقد فضيلة غير علي (عليه السلام) [ الخامس ] : من أنكر النص على علي (عليه السلام) بعد سماعه ، أو وصوله اليه بوجه يصدقه » فلو بني في نجاسة الناصب على الاعتماد على الإجماع كان اللازم الاقتصار على المتيقن ، وهو المعادي لعلي (عليه السلام) متدينا به. ولو بني على الاعتماد على النص فالموضوع مطلق المعادي لهم (عليهم السلام).

هذا ولأجل أن دلالة النص لا تخلو من شبهة واشكال - كما سبق - وأن العمدة الإجماع ، يسهل الخطب في حال كثير من المعادين لهم (عليهم السلام) الذين علم بمساورة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لهم ، ومساورة من بعده من الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم لهم. [ ودعوى ] : أن ذكر علي (عليه السلام) في كلام القاموس والمعتبر والمنتهى لأنه (عليه السلام) سيد الأئمة (عليهم السلام) ، لا لخصوصية لبغضه في صدق مفهوم الناصب عرفا [ غير ظاهرة ].

اللّهم إلا أن يقال : بعد البناء على نجاسة الناصب - ولو للإجماع - يكون الاختلاف في مفهومه من قبيل اختلاف اللغويين في مفهوم اللفظ ، ويتعين الرجوع فيه إلى الأوثق ، وهو ما عن المشهور ، من أنه المعادي لهم (عليهم السلام) فيكون هو موضوع النجاسة ، ولا سيما وكونه الموافق لموثقة ابن أبي يعفور - لو تمت دلالتها على النجاسة - ولروايتي ابن خنيس وسنان المتقدمتين بعد حملهما على ما عليه المشهور : بأن يراد منهما بيان الفرد الخفي للناصب

وأما مع النصب ، أو السب للأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم فهم مثل سائر النواصب [1].

[ مسألة 4 ] : من شك في إسلامه وكفره طاهر [2] ،


لهم (عليهم السلام) وهو الناصب لشيعتهم (عليهم السلام) من حيث كونهم شيعة لهم من باب : صديق العدو عدو. وهذا هو المتعين. فلاحظ وتأمل.

ومما ذكرنا يظهر حكم فرق الشيعة غير الاثنا عشرية كالكيسانية ، والزيدية والفطحية ، والإسماعيلية ، والواقفية وغيرهم ، وأن مقتضى الأصل طهارتهم ولا دليل يقتضي الخروج عنه ، إلا أن ينطبق عليه أحد العناوين النجسة المتقدمة ، وما عن الجواد (عليه السلام) ، من أن الزيدية والواقفة والنصاب بمنزلة واحدة (1). محمول على وحدة المنزلة في الآخرة ، ومثله ما عن الكشي عن عمر بن يزيد من قول الصادق (عليه السلام) : « إن من شيعتنا بعدنا من هم شر من النصاب ... [ إلى أن قال ] (عليه السلام) : إنهم قوم يفتنون بزيد ويفتنون بموسى (عليه السلام) » (2). وما في الخرائج عمن كتب إلى أبي محمد (عليه السلام) : يسأله عن الواقفة ، من قوله (عليه السلام) : « من جحد إماما من اللّه تعالى ، أو زاد إماما ليست إمامته من اللّه تعالى ، كان كمن قال : إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ... » (3).

[1] كما في كشف الغطاء. وكأنه لكون السب طريقا الى تحقق النصب - بناء على ما عرفت من عموم نجاسة الناصب للناصب لهم (عليهم السلام) - وإلا فليس في الأدلة ما يدل على نجاسة الساب من حيث صدور السب منه.

[2] لقاعدة الطهارة. ولا مجال لاستصحاب عدم الإسلام الثابت حال الصغر ، لأن ذلك العدم ليس كفراً ، سواء اكان الكفر وصفا وجوديا


1) كتاب الكشي ج : 6 في الواقفة صفحة : 287.

2) كتاب الكشي ج : 6 في الواقفة صفحة : 286.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب حد المرتد حديث : 40.

وإن لم يجر عليه سائر أحكام الإسلام [1].

التاسع : الخمر ، بل كل مسكر مائع بالأصالة [2]


أم عدميا ، إذ على الثاني يكون من قبيل عدم الملكة - أعني : العدم عما من شأنه أن يكون مسلماً - وهذا المعنى من العدم ليس له حالة سابقة حال الصغر.

[1] للشك في موضوعها ، ولا طريق إلى إحرازه من أمارة أو أصل.

نعم تقدم في مبحث الجلد المشكوك الحكم بإسلام المشكوك إذا كان في بلد يكون الغالب عليها المسلمين. لكن التعدي عن مورده إلى غيره لا يخلو من اشكال.

[2] على المشهور شهرة عظيمة ، بل عن جماعة الإجماع عليه صريحاً أو ظاهراً ، منهم السيدان ، والشيخ ، والمحقق. بل الظاهر أنه إجماع في جملة من الطبقات ، إذ لم ينقل الخلاف إلا عن جماعة من القدماء ، كالصدوق وأبيه في الرسالة ، والجعفي ، والعماني ، وجماعة من متأخري المتأخرين ، أولهم المقدس الأردبيلي ، وتبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه. وعن الحبل المتين ، أنه قال : « أطبق علماء الخاصة والعامة على نجاسة الخمر ، إلا شرذمة منا ومنهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم ».

وتدل على النجاسة جملة وافرة من النصوص ، قيل : تقرب من عشرين حديثاً. منها صحيح ابن سنان : « سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) : - وأنا حاضر - إني أعير الذمي ثوبي ، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ، ويأكل لحم الخنزير ، فيرده علي فاغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه ، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه » (1). وصحيحه


1) الوسائل باب : 74 من أبواب النجاسات حديث : 1.


الآخر : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري أو يشرب الخمر فيرده ، أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال (عليه السلام) : لا يصلي فيه حتى يغسله » (1). فإن الأمر فيه وان كان محمولا على الاستحباب ، لكنه يدل بالتقرير على نجاسة الخمر. وصحيح ابن حنظلة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال (عليه السلام) : لا واللّه ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب » (2). وما ورد في نزح البئر من وقوعه فيها‌(3). وما ورد في النهي عن استعمال أواني الكافرين لو كانوا يشربون فيها الخمر‌(4). وما في موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من قوله : « ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل » (5). وموثقه الآخر عنه (عليه السلام) من الأمر بغسل القدح ، أو الإناء الذي يشرب فيه الخمر ثلاث مرات ، وأنه لا يجزؤه حتى يدلكه بيده‌(6). وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في النبيذ : « ما يبل الميل ينجس حبا من ماء. يقولها ثلاثا » (7). وخبر زكريا بن آدم : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير. قال (عليه السلام) : يهراق المرق ، أو يطعمه أهل الذمة ، أو الكلب واللحم اغسله وكله » (8)...


1) الوسائل باب : 74 من أبواب النجاسات حديث : 1 ، وباب : 38 منها حديث : 1.

2) الوسائل باب : 18 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.

3) راجع الوسائل باب : 15 من أبواب الماء المطلق.

4) راجع الوسائل باب : 72 من أبواب النجاسات.

5) الوسائل باب : 35 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 2.

6) الوسائل باب : 51 من أبواب النجاسات حديث : 1.

7) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 6.

8) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.


الى غير ذلك.

نعم يدل على الطهارة جملة أخرى قيل : تزيد على عشرين حديثا. كصحيح علي بن رئاب : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو أصلي فيه؟ قال (عليه السلام) : صل فيه ، إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر إن اللّه تعالى إنما حرم شربها » (1)، ونحوه مرسل الصدوق في الفقيه ، ومسنده في العلل - بطريق صحيح - عن بكير عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وعن أبي الصباح وأبي سعيد ، والحسن النبال ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)(2). وكذا مصحح الحسن ابن أبي سارة ، معللا : بأن الثوب لا يسكر‌(3). وصحيح الحسن بن موسى الحناط : « عن الرجل يشرب الخمر ، ثمَّ يمجه من فيه ، فيصيب ثوبي. قال (عليه السلام) : لا بأس » (4)وموثق الحسن بن أبي سارة : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنا نخالط اليهود والنصارى ، والمجوس ، وهم يأكلون ويشربون فيمر ساقيهم فينصب على ثيابي الخمر. فقال (عليه السلام) : لا بأس به ، إلا أن تشتهي أن تغسله لأثره » (5)... إلى غير ذلك.

والجمع العرفي يقتضي حمل الأولى على الاستحباب. ولو فرض تعذره فالترجيح مع نصوص الطهارة ، لمخالفتها للمشهور بين العامة ، كما قيل ، وقد تقدم عن البهائي [رحمه اللّه].

وأما معارضة ذلك بموافقة نصوص النجاسة للكتاب العزيز لقوله تعالى فيه ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) (6)


1) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 14.

2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 13.

3) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 10.

4) الوسائل باب : 39 من أبواب النجاسات حديث : 2.

5) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 12.

6) المائدة : 90.


فمندفعة. بأنه لو تمَّ كون الرجس بمعنى النجاسة العينية ، فلا يناسبه السياق ولا قوله تعالى ( مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) . والشهرة الفتوائية وإن كانت مع نصوص النجاسة لكنها ليست من المرجحات. وحمل نصوص الطهارة على التقية من سلاطين ذلك الوقت غير ظاهر إذا كان القول بالنجاسة مشهوراً عند المخالفين ، لأن مخالفة العامة - التي هي من المرجحات - يراد منها المخالفة للمذهب ، لا للعمل - ولو كان عمل السلطان - بل للمذهب العام لا الخاص ، وإن كان الخاص يسوغ التقية في القول والعمل ، لكنه لا يكفي في كون المخالفة له مرجحاً تعبداً. ومن ذلك يظهر وهن ترجيح أخبار الطهارة بمخالفتها لمذهب ربيعة الرأي ، كما قيل.

نعم تشكل نصوص الطهارة باشتمال مصحح ابن أبي سارة على التعليل : بأن الثوب لا يسكر ، الظاهر في نجاسة الخمر المسكر وحينئذ يكون دالا على نجاسة الخمر لا على طهارته. نعم يدل على طهارة الثوب الملاقي له ، وهو مما لم يقل به أحد ، وليس محلا للكلام هنا ، فان الكلام هنا في نجاسة الخمر لا في سراية نجاسته إلى الملاقي.

وبكون مورد موثقه الخمر الواقع على الثوب من الكأس الذي شرب منه اليهودي والنصراني والمجوسي ، فيدل على طهارة الخمر وطهارة الأصناف المذكورة من الكفار.

وباشتمال مرسل الفقيه ومسنده في العلل على طهارة ودك الخنزير ، وجواز الصلاة فيه ، مع الاتفاق على نجاسته وعلى عدم جواز الصلاة فيه وإن قلنا بطهارته ، لأنه غير مأكول اللحم.

وبأن الكليني روى في الصحيح عن علي ابن مهزيار : « قال : قرأت في كتاب عبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) : جعلت فداك ، روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما


قالا : لا بأس بأن يصلي فيه إنما حرم شربها. وروى [ غير. خ ل ] زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني المسكر - فاغسله إن عرفت موضعه ، وان لم تعرف موضعه فاغسله كله ، وان صليت فيه فأعد صلاتك. فأعلمني ما آخذ به. فوقع (عليه السلام) : بخطه وقرأته : خذ بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) » (1). وروى أيضا عن خيران الخادم : « قال كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه. فقال بعضهم : صل فيه فان اللّه تعالى إنما حرم شربها ، وقال بعضهم : لا تصل فيه. فكتب (عليه السلام) : لا تصل فيه ، فإنه رجس » (2). ولا ريب في دلالة الروايتين المذكورتين على أن التعارض بين روايتي الطهارة والنجاسة مستحكم على نحو لا مجال للجمع العرفي بينهما ، وان الترجيح لرواية النجاسة ، فلو اقتضت عمومات الترجيح ترجيح رواية الطهارة كانت الروايتان المذكورتان إما مخصصتين لها أو حاكمتين عليها. ومن ذلك يظهر وهن الجمع العرفي المتقدم ، كوهن الترجيح لأخبار الطهارة [ ومعارضة ] ذلك باحتمال كون ترجيح رواية النجاسة في هاتين الروايتين لأجل التقية [ مندفعة ] : بأن ذلك خلاف الأصل. مضافا الى ما قيل من اشتهار العفو عن قليلها عندهم ، الذي هو مورد أكثر نصوص النجاسة. فلاحظ.

هذا ومورد نصوص النجاسة وان كان هو الخمر والنبيذ ، لكن يتعدى منهما إلى كل مسكر ، للتنصيص على العموم في معاقد الإجماعات الصريحة والظاهرة. فعن الناصريات : « كل من قال : بأنه محرم الشرب ذهب الى أنه نجس كالخمر ... [ الى أن قال ] : لا خلاف في نجاسته تابعة لتحريم


1) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 4.

وان صار جامداً بالعرض [1] لا الجامد كالبنج [2] وان صار مائعا بالعرض.


شربه ». ونحوه كلام غيره. مضافا الى بعض النصوص الواردة في مطلق المسكر ، كموثق عمار ، وصحيحة ابن حنظلة المتقدمين ، أو في خصوص النبيذ (1)الذي قيل : انه يعمل من عامة الأشربة. وما ورد من أن الخمر كل مسكر من الشراب. وان كل مسكر خمر‌(2). ويساعده كلام جماعة من اللغويين. وصحيح ابن الحجاج قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : « الخمر من خمسة : العصير من الكرم ، والنقيع من الزبيب ، والبتع من العسل ، والمرز من الشعير ، والنبيذ من التمر » (3)ونحوه غيره. فاذا لا فرق بين الخمر وسائر المسكرات في الحكم ، ولا في الخلاف والوفاق. واللّه سبحانه العالم.

[1] كما نص عليه العلامة والشهيد وغيرهما. بل الظاهر التسالم عليه كما يظهر من عدم عد الجمود من المطهرات. ويقتضيه إطلاق أدلة النجاسة ولو فرض الشك في صدق الموضوع مع الجمود ، أو انصراف الأدلة عنه فالاستصحاب كاف في إثبات النجاسة.

[2] إجماعا صريحا وظاهرا عن جماعة. قيل : للأصل بعد اختصاص أدلة النجاسة بالمائع. ولكن يشكل : بأن بعض تلك الأدلة شامل للجامد كموثق عمار وخبر ابن حنظلة المشتملين على التعبير بالمسكر. مضافا الى مثل قوله (عليه السلام) : « كل مسكر خمر ». [ ودعوى ] : انصراف مثل الأولين الى غير الجامد ، والأخير إلى التنزيل بلحاظ حرمة الشرب. [ غير ظاهرة ] فالعمدة في الطهارة الإجماع ، كما اعترف به في محكي شرح الدروس.


1) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 2 ، 3 ، 5 ، 6 ، 8 ، 15.

2) راجع الوسائل باب : 1 ، 19 من أبواب الأشربة المحرمة.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 5.

[ مسألة 1 ] ألحق المشهور بالخمر العصير العنبي [1]


[1] حكى الشهرة المذكورة جماعة. بل عن كنز العرفان دعوى الإجماع وفي مجمع البحرين : « هو نجس حرام. نقل عليه الإجماع ». وعن أطعمة التنقيح الاتفاق على أنه بحكم المسكر ، وكيف كان فمستند النجاسة. إما الإجماعات المذكورة. أو ما دل على نجاسة المسكر (1)- بناء على أنه منه - كما عن العلامة الطباطبائي وغيره. أو الاخبار الدالة على أن الخمر من خمسة أو ستة (2)- وعد منها العصير من الكرم - بضميمة ما دل على نجاسة الخمر. أو الأخبار المتضمنة لنزاع آدم ونوح علیهماالسلام : مع إبليس لعنه اللّه تعالى (3)- كما عن التنقيح الاستدلال بها على النجاسة - وقد تضمنت هذه أن الثلث لآدم ونوح علیهماالسلام : والثلاثين لإبليس لعنه اللّه أو مصححة معاوية بن عمار المروية في التهذيب. قال : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول : قد طبخ على الثلث. وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفاشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال (عليه السلام) : خمر لا تشربه ... » (4).

لكن الجميع لا يخلو من اشكال. أما الإجماعات ، فهي معارضة بما عن الذكرى ، فإنه - بعد ما حكى القول بالنجاسة عن ابن حمزة والمحقق ، وحكى توقف العلامة في النهاية - قال [رحمه اللّه] : « ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة » وفي مفتاح الكرامة فإنه - بعد ما حكى عن المختلف نسبة .


1) راجع الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات فإن أكثر أحاديثها دالة على نجاسته.

2) راجع الوسائل باب : 1 من أبواب الأشربة المحرمة.

3) راجع الوسائل باب : 2 من أبواب الأشربة المحرمة.

4) الوسائل باب : 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 4 فقد رواه عن الكافي خال عن كلمة : « خمر » وعن التهذيب مشتملا عليها ، كما سيصرح به الشارح قدس سره .


النجاسة الى أكثر علمائنا ، كالمفيد ، والشيخ ، والسيد ، وأبي الصلاح ، وسلار ، وابن إدريس - قال [رحمه اللّه] : « ولعله ظفر به في كتبهم ، ولم نظفر به » ، وفي المستند قال : « الذي يظهر لي أن المشهور بين الطبقة الثالثة - يعني : طبقة متأخري المتأخرين - الطهارة ، وبين الثانية - أي : المتأخرين - النجاسة. وأما الأولى - يعني : القدماء - فالمصرح منهم بالنجاسة أما قليل أو معدوم.

وكيف كان فلا مجال للاعتماد على دعوى الإجماع مع شهرة الخلاف. ولا سيما وأن المحكي عن كنز العرفان : دعوى الإجماع على النجاسة بعد غليانه واشتداده ، وأما بعد غليانه وقبل اشتداده فحرام ، إجماعا منا. وأما النجاسة فعند بعضنا : أنه نجس ، وعند آخرين : أنه طاهر. انتهى. ومن المحتمل أن المراد بالاشتداد ما يساوق الإسكار ، كما يظهر من محكي كلامه في تفسير الخمر ، قال [رحمه اللّه] : « الخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره ، سمي به عصير العنب والتمر إذا غلى واشتد ، لأنه يخمر العقل - أي يستره - كما سمي مسكراً ، لأنه يسكره أي يحجزه ». فحينئذ لا يكون مدعيا للإجماع فيما نحن فيه.

وأما كونه مسكراً ، فهو خلاف ظاهر القائلين بالطهارة والنجاسة حيث جعلوه مقابلا للخمر وسائر المسكرات ، ومع الشك في الإسكار به لا مجال للرجوع إلى عموم نجاسة المسكر.

وأما عد العصير من أنواع الخمر فلا يجدي ، لإجمال المراد به ، وليس المراد به مطلق المفهوم اللغوي ، ولذا لا يتوهم التمسك بإطلاقه من حيث الغليان وعدمه ، فالمقصود بهذه الروايات الإشارة إلى أصول الأنواع في الجملة.

وأما الاخبار المتضمنة لنزاع آدم ونوح علیهماالسلام مع إبليس ، فهي أجنبية عن الدلالة على النجاسة ، وليس فيها أقل إشارة الى ذلك ، وإنما


تدل على الحرمة التكليفية - في الجملة - وليست في مقام بيان حدود الموضوع وقيوده فلاحظها.

وأما مصححة معاوية فهي مروية في الكافي خالية عن ذكر الخمر ، وهو أضبط كما اشتهر ، والتحقيق لزوم إجراء حكم تعارض الخبرين في أمثال المقام فيؤخذ برواية الأوثق. وليس المقام من باب معارضة أصالة عدم الزيادة بأصالة عدم النقيصة ، ليبنى على ترجيح الأولى على الثانية - كما هو كذلك عند العقلاء حيث يتعين الترجيح - ولا من باب اشتباه الحجة بغير الحجة - كي يسقط الخبران معا عن الحجية - وان كان البناء عليه في المقام أيضاً يكفي في البناء على الطهارة ، للأصل. لكنه خلاف التحقيق ، فيتعين البناء على ثبوت رواية الكليني وسقوط لفظ الخمر. ولا سيما بملاحظة ما في الوسائل والوافي عن التهذيب حيث رويا عنه سقوط لفظ الخمر ، الدال على أن بعض نسخ التهذيب يوافق نسخة الكافي ، وحينئذ كيف يجوز الاستدلال ببعض نسخ التهذيب في مقابل بعضها الآخر ، ونسخة الكافي؟ ولا سيما بملاحظة كون المناسب للسؤال تركه في الجواب ، كما يظهر بأدنى ملاحظة.

هذا مضافا الى أنه لو سلم وجود لفظ الخمر في الرواية ، فلا مجال للتمسك بإطلاق التنزيل فيه لأنه ليس وارداً في مقام بيان الحكم الواقعي. بل في مقام بيان الحكم الظاهري بعد فراغ السائل عن معرفة حكمه لو كان بحيث لم يذهب ثلثاه ، فقوله (عليه السلام) : « خمر » ليس المراد أنه بمنزلة الخمر - كي يكون إطلاقه مقتضيا لثبوت النجاسة - بل المراد أنه لما كان قبل أن يذهب ثلثاه بمنزلة الخمر ، فاذا شك في ذهاب ثلثيه كان مقتضى الاستصحاب بقاءه على حكمه قبل ذهاب ثلثيه من أنه خمر تنزيلا فهو خمر تعبدا ظاهرا ، وكونه كذلك أعم من النجاسة ، لأن الكلام ليس في مقام البيان من هذه الجهة - كي يؤخذ بإطلاقه - بل في مقام إثبات الخمرية التنزيلية الواقعية له

إذا غلى [1] قبل أن يذهب ثلثاه ، وهو الأحوط ، وان كان


ظاهراً تعبدا. وثبوت الخمرية التنزيلية الواقعية لم يعلم انه كان على أي نحو هل كان على نحو عموم الاحكام ، أو على نحو خصوصها؟ فلاحظ وتأمل ، فإنه دقيق.

مضافا الى أن إطلاق التنزيل منزلة الخمر وإن كان يقتضي النجاسة ، إلا أنه كذلك لو لم يكن مقرونا بما يصلح للقرينية ، وقوله (عليه السلام) : « لا تشربه » صالح للقرينية ، فيكون المتيقن هو الحرمة لا غير فتأمل وأيضاً فإن لفظ « البختج » لم يعلم أنه مطلق العصير المطبوخ ، فمن الجائز أن يكون نوعا خاصا منه بحيث يسكر بمجرد غليانه. وقول بعضهم : أنه العصير المطبوخ. غير ظاهر في التعريف المساوي.

وأما مرسل محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته ، أيشربه صاحبه؟ فقال : إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه ، حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه » (1). وموثق أبي بصير قال : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) - وسئل عن الطلا - فقال (عليه السلام) : إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال ، وما كان دون ذلك فليس فيه خير » (2). فلا دلالة فيه على النجاسة. والمتحصل من جميع ذلك : عدم ثبوت ما يوجب الخروج عن استصحاب الطهارة.

[1] كما عن التحرير ، والمختلف ، والنزهة وغيرها ، أو إذا غلى أو اشتد ، كما في القواعد ، والإرشاد ، وغيرهما. ويرجع أحدهما إلى الآخر ، بناء على كون المراد من الاشتداد الغليان - كما في محكي شرح الإرشاد للفخر - بل ظاهر قوله : « وعندنا أن يصير أسفله أعلاه بالغليان » الإجماع


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 7.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 6.

الأقوى طهارته. نعم لا إشكال في حرمته ، سواء غلى بالنار أو بالشمس ، أو بنفسه [1]. وإذا ذهب ثلثاه صار حلالا.


عليه. لكن عن روض الجنان وغيره : تفسيره بالقوام ، أو الثخانة. وكيف كان فاعتبار أمر زائد على الغليان في النجاسة تابع لدليلها ، فان كان هو الإجماع ، أو مثل مصححة معاوية ، اعتبر ذلك ، لإجمالها من هذه الجهة. وان كان مثل خبري ابن الهيثم وأبي بصير لم يعتبر لاطلاقهما. وان كان دليل نجاسة المسكر ، توقف اعتباره على دخله في الإسكار.

هذا وأما الاكتفاء بمجرد الغليان في التحريم فالظاهر أنه لا إشكال فيه ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه. والنصوص به مستفيضة ، كمصحح حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا يحرم العصير حتى يغلي » (1)وفي خبره عنه (عليه السلام) : « تشرب ما لم يغل فاذا غلى فلا تشربه » (2)... إلى غير ذلك.

[1] لإطلاق النص والفتوى - كما قيل - بل لم يحك الخلاف فيه صريحاً ، واختلاف بعض العبارات في ذلك غير ظاهر في الخلاف. نعم عن ابن حمزة في الوسيلة : تخصيص النجاسة بالغليان بنفسه لا بالنار. وكأن الوجه فيه بناؤه على صيرورته خمرا في الأول ، كما يشهد به قوله [رحمه اللّه] : « إلا أن يصير خلا ». لكن عهدة ذلك عليه ، وان كان يشهد له الرضوي : « فإن نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلا » (3). لكنه لم تثبت حجيته. ويشير اليه موثق عمار الوارد في العصير المطبوخ (4)،


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 3.

3) مستدرك الوسائل باب : 3 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 5‌

4) الوسائل باب : 5 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 2.

سواء كان بالنار ، أو بالشمس ، أو بالهواء [1] ، بل الأقوى حرمته بمجرد النشيش [2] وان لم يصل الى حد الغليان.


الظاهر في قدح نشيش عصير الزبيب ولو كان من جهة أنه يقتضي الحرمة - فقط - لم يضر في المقصود للأمر بإذهاب ثلثيه بعد ذلك ، فلا بد أن يكون من جهة النجاسة ، التي لا يجدي في رفعها ذهاب الثلاثين ، كما سيأتي. نعم يحتمل أن يكون الوجه في الخشية من النشيش عدم حصول المقصود منه - أعني العلاج به - وقوله في السؤال : « كيف يطبخ حتى يصير حلالا؟ » وان كان ظاهراً في السؤال عما يعتبر في الحل لا غير ، لكن الخصوصيات المذكورة في الجواب لما لم يمكن البناء على اعتبار أكثرها في الحل ، يتعين البناء على كون الامام (عليه السلام) في مقام بيان ما يعتبر في الحل وما يعتبر في حصول المقصود. فتأمل جيدا.

[1] للإطلاق أيضاً.

[2] كما تقتضيه موثقة ذريح : « سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إذا نش العصير أو غلى حرم » (1). والظاهر من النشيش الأثر الحاصل قبل الغليان - كما يقتضيه العطف ب- [ أو ] - وكأنه المراد لمن فسره بصوت الغليان كما يظهر من القاموس وغيره ، يعني : الصوت الذي يكون قبل الغليان. نعم تشكل الرواية : بأن التحريم بالنشيش قبل الغليان يوجب استدراك عطف الغليان عليه ، لحصول التحريم قبله دائما ، بل يكون تعليق التحريم على الغليان في سائر الاخبار في غير محله ، فاللازم حمل النشيش على ما يكون بغير مورد الغليان ، ولا يبعد حمله على النشيش بغير النار بقرينة مرسل محمد بن الهيثم المتقدم في الحاشية الأولى ، لاختصاصه بالغليان بالنار. ولعله الظاهر أيضاً من خبر حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن شرب العصير. قال (عليه السلام) : تشرب ما لم يغل ، فاذا غلى فلا تشربه


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 4.

ولا فرق بين العصير ونفس العنب ، فاذا غلى نفس العنب من غير أن يعصر كان حراما [1]. وأما التمر والزبيب وعصيرهما ،


قلت : أي شي‌ء الغليان؟ قال (عليه السلام) : القلب » (1)فان الظاهر ادارة الغليان بالنار ، لعدم حصول القلب بغيرها - غالبا - فالروايتان المذكورتان تدلان على الحل قبل الغليان بالنار ، ولو مع النشيش ، فتحمل رواية الحرمة بالنشيش على النشيش بغيرها. ويشهد بذلك الرضوي والموثق المتقدمان في كلام ابن حمزة. لكن عرفت أن مقتضاهما النجاسة ، لا مجرد الحرمة.

[1] قال المحقق الأردبيلي [رحمه اللّه] في محكي شرح الإرشاد : « وظاهر النصوص اشتراط كونه معصورا ، فلو غلى ماء العنب في حبه لم يصدق عليه أنه عصير غلى ، ففي تحريمه تأمل. ولكن صرحوا به. فتأمل. والأصل والعمومات وحصر المحرمات دليل الحل حتى يعلم الناقل ». وأشكل عليه جماعة ممن تأخر عنه - منهم شيخنا الأعظم [رحمه اللّه]- : بأن التعبير بالعصير من باب التعبير بالغالب ، وإلا فلا بد أن لا يحكم بالحرمة إذا استخرج ماء العنب لا بالعصر ، بل بالغليان وهو واضح الفساد. انتهى. وفيه : أن التعدي من الخارج بالعصر الى الخارج بغيره لا يقتضي التعدي في المقام ، للفرق بينهما بالوضوح والخفاء ، فما لم تكن قرينة على العموم لا مجال للتعميم ، والارتكاز العرفي لا يساعد على الإلحاق لاختلاف الخارج والداخل في طروء الفساد وعدمه ، اختلافا واضحا. وهذا بخلاف التعدي من الخارج بالعصر الى الخارج بغيره ، فان العرف يأبى عن دخل العصر ، فالتعدي يكون في محله. ثمَّ الظاهر أن محل الكلام فيما إذا كان داخل حبة العنب ماء ، أما إذا كان رطوبة كرطوبة الخيار والبطيخ ، فغليان مثلها لا إشكال فيه ، لعدم كونها ماء عنب فتأمل جيداً.


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 3.

فالأقوى عدم حرمتهما أيضاً بالغليان [1].


[1] على المشهور شهرة عظيمة في الأول ، وفي الحدائق : « كاد أن يكون إجماعا ، بل هو إجماع في الحقيقة » ، وعن غير واحد حكاية نفي الخلاف فيه عن بعضهم. نعم في حدود الشرائع : « وأما التمر إذا غلى ولم يبلغ حد الإسكار ففي تحريمه تردد ، والأشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ » ، ونحوه عن القواعد ، وهذا قد يشعر بوجود الخلاف. وفي الدروس « أما عصير التمر فقد أحله بعض الأصحاب ما لم يسكر ، وفي رواية عمار ... » ثمَّ ذكر رواية عمار الآتية ، وظاهره الميل إلى الحرمة. وفي الحدائق : أنه حدث القول بالحرمة في الأعصار المتأخرة. انتهى. وهو ظاهر الوسائل ، وحكي عن ظاهر التهذيب والشيخ سليمان البحراني ، والسيد الجزائري ، والشيخ أبي الحسن ، والأستاذ الأكبر ، فإنهم اعتبروا في حله ذهاب الثلاثين.

وقد يستدل له بمثل صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) : « كل عصير أصابته النار فهو حرام ، حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه » (1). وموثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل؟ قال (عليه السلام) : خذ ماء التمر فأغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر » (2). وموثقته الأخرى المروية عن الدروس رواها عن الدروس في الحدائق ج 5 ص 149 : الطبعة الحديثة. والموجود في الدروس قريب من الموثقة الأولى. فراجع الأمر الخامس من كتاب الأطعمة والأشربة. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن النضوح. قال (عليه السلام) : يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ، ثمَّ يمتشطن » (3).

ولكنه يشكل : بأن الصحيح لم يثبت عمومه لما نحن فيه ، لاختصاص العصير بماء العنب ، كما يظهر من النصوص ، وكلمات أهل اللغة ، وأوضحه


1) الوسائل باب : 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 32 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 37 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.


في الحدائق - شكر اللّه سعيه - فراجعه. مع أنه لو فرض عمومه في نفسه فليس بمراد في المقام ، للزوم تخصيص الأكثر المستهجن ، فلا بد من حمله على عصير العنب. ويكون المقصود من كلمة : « كل » التعميم بلحاظ الافراد أو الأحوال. وأما موثقة عمار الأولى فهي مجملة بإجمال النضوح إذ من المحتمل أن يكون فيه من الاجزاء ما يوجب صيرورة النبيذ مسكرا لو لم يذهب ثلثاه ، كما قد يشهد به خبر عيثمة قال : « دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وعنده نساؤه ، فشم رائحة النضوح فقال (عليه السلام) : ما هذا؟ قالوا : نضوح يجعل فيه الضياح. قال : فأمر به فأهريق في البالوعة » (1)مع أن وصفه بالمعتق كاف في إجماله ، إذ من المحتمل أن يصير خمراً بمرور مدة طويلة عليه لو لم يذهب ثلثاه.

ومن هنا يشكل الاستدلال أيضاً بما ورد في حرمة النبيذ الذي فيه القعوة‌(2)أو العكر‌(3). ولا سيما وفي بعضها (4)الاستدلال بقول النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : « كل مسكر حرام ». مضافا إلى أن ظاهرها اعتبار الغليان في حل ماء التمر ، وأنه لا يحل بدونه ، وهذا خلاف الضرورة ، فضلا عن أنه خلاف الإجماع والنصوص. فتعين توجيهها بالحمل على ما يصير مسكرا لو لم يغل حتى يذهب ثلثاه ، وليس هو محل الكلام.

ومن ذلك يظهر الإشكال في الاستدلال بالموثقة الثانية ، وان خلت عن التوصيف بالمعتق ، وسلمت من الاشكال اللازم من التوصيف به ، كما تقدم. نعم قد تشكل أيضاً : بأن الأخذ بحاق العبارة يقتضي كون السؤال


1) الوسائل باب : 32 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 24 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 3.

3) الوسائل باب : 24 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 5.

4) الوسائل باب : 24 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 6.


فيها عن مفهوم النضوح ، فلا تكون في مقام بيان الحكم. وان شئت قلت : إن كان السؤال فيها عن الموضوع ، فهي أجنبية عما نحن فيه. وإن كان عن الحكم - كما هو الظاهر منها وصريح الموثقة الأولى - فالموضوع فيها مجمل ، والحكم المذكور فيها من لزوم بقاء الثلث ، لا أقل ، مما لم يقل به أحد ، إلا أن يكون اعتبار بقاء الثلث للتبعية لذهاب الثلاثين ، فالمدار يكون على ذهاب الثلاثين مطلقاً. لكن لو تمَّ ذلك فإجمال الموضوع كاف في سقوط الحجية. هذا مضافا إلى أن المسؤول عنه في الرواية حل التمشط بالنضوح وحرمته ، فان دلت الروايات على حرمته قبل ذهاب الثلاثين فذلك مما لم يقل به أحد ، سواء أكانت حرمة التمشط تعبدية أم من جهة النجاسة ، للإجماع على الطهارة ، وعلى جواز الانتفاع به بالتمشط ونحوه ، والمدعى إنما هو حرمة شربه ، وهو مما لا تدل عليه ولا تشعر به. فالمدعى لا تدل عليه الرواية ، وما تدل عليه الرواية لم يقل به أحد ، كما لا يخفى.

ويشهد للحل روايات. منها صحيح صفوان : « كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به ، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أصف لك النبيذ. فقال (عليه السلام) : بل أنا أصفه لك قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : كل مسكر حرام » (1). ونحوه صحيح معاوية بن وهب‌(2). ودلالتهما على كون المدار في الحل والحرمة الإسكار وعدمه ظاهرة. وفي خبر محمد بن جعفر الوارد في وفد من اليمن : « سألوا النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن النبيذ فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لهم : وما النبيذ؟ صفوه لي. قال : يؤخذ التمر فينبذ في الماء ... [ إلى أن قال :] فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : يا هذا قد أكثرت علي أفيسكر؟ قال : نعم. فقال : كل مسكر حرام » (3). ودلالته على حلية النبيذ مع عدم الإسكار واضحة


1) الوسائل باب : 17 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.

3) الوسائل باب : 24 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 6.


ونحوها في ذلك غيرها. فلاحظ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام (1)، وباب تحريم النبيذ (2)من الوسائل.

وأما عصير الزبيب فالمعروف فيه الحل ، وفي الحدائق : « الظاهر أنه لا خلاف فيه ، وعن جماعة حكاية الشهرة على ذلك ، بل قيل : لم نعثر على قائل بالتحريم. وإن نسبه الشهيد إلى بعض مشايخه ، وإلى بعض فضلائنا المتقدمين. لكنه غير معروف. وعن جماعة من المتأخرين الحرمة قبل ذهاب الثلاثين ، واختاره العلامة الطباطبائي [قدس سره] في مصابيحه ، ناسبا ذلك إلى الشهرة بين الأصحاب ، وأنها بين القدماء كشهرة الحل بين المتأخرين. ولكن في الجواهر : « فيه نظر وتأمل ».

واستدل له بالاستصحاب ، لأنه - حين كان عنباً - كان يحرم على تقدير الغليان ، فهو - حين صار زبيباً - باق على ما كان. واستشكل فيه [ تارة ] : بأن موضوع الحرمة - حال العنبية - الماء المتكون فيه ، وهو معدوم حال صيرورته زبيباً ، وانما يقصد إثبات الحرمة للماء المختلط باجزائه ومع تعدد الموضوع لا يجري الاستصحاب [ وأخرى ] : بأنه من الاستصحاب التعليقي وليس هو بحجة.

ولا بأس بالإشارة إلى بعض الجهات الموجبة لصحة جريان الاستصحاب المذكور وعدمها ، [ فنقول ] إذا ورد في لسان الشارع الأقدس : « العنب إذا غلى ينجس » - مثلا - فهناك أمور. [ أحدها ] : سببية الغليان للنجاسة ولزوال الطهارة الثابتة للعنب قبل الغليان [ وثانيها ] : الملازمة بين الغليان والنجاسة. [ وثالثها ] : نفس النجاسة المعلقة على الغليان.

فان كان مرجع الاستصحاب التعليقي في المقام - مثلا - الى استصحاب


1) وهو الباب : 17 من أبواب الأشربة المحرمة.

2) وهو الباب : 24 من أبواب الأشربة المحرمة.


نفس سببية الغليان للنجاسة ، فهو من الاستصحاب التنجيزي. وتوقفت صحته على كون السببية من المجعولات الشرعية المتأصلة ذوات الآثار ، مثل الطهارة ، والنجاسة ، والملكية ، ونحوها. ولكنه خلاف التحقيق ، كما حرر في محله. وكذا الكلام لو كان مرجعه الى استصحاب الملازمة ، فإنه من الاستصحاب التنجيزي أيضاً ، كما أن الملازمة غير مجعولة شرعا ، وإنما هي منتزعة من جعل الحكم الشرعي على تقدير وجود الشرط.

وان كان مرجعه الى استصحاب نفس الحكم الشرعي ، المعلق على الغليان - كما هو الظاهر - فان قلنا بأن المنوط به الحكم وجود الشرط خارجا ، فلا حكم قبل وجوده ، فلا مجال للاستصحاب ، لعدم اليقين بالمستصحب ، بل المتيقن عدمه. أما إذا كان الحكم منوطا بوجود الشرط اللحاظي - كما هو التحقيق - لئلا يلزم التفكيك بين الجعل والمجعول ، الذي هو أوضح فساداً من التفكيك بين العلة والمعلول ، لأن الجعل عين المجعول حقيقة ، وانما يختلف معه اعتبارا فيلزم من وجود الجعل بدون المجعول التناقض ، واجتماع الوجود والعدم ، فعليه لا مانع من الاستصحاب ، لليقين بثبوت الحكم ، والشك في ارتفاعه ، وكون المجعول حكما منوطا بشي‌ء لا يقدح في جواز استصحابه بعد ما كان حكما شرعياً ومجعولا مولويا ، وان كان منوطا.

نعم استشكل فيه بعض الأعاظم من مشايخنا : بأن الشرط المنوط به الحكم - كالغليان في المثال المذكور - راجع في الحقيقة إلى قيد الموضوع ، ومرجع قولنا : « العنب إذا غلى ينجس » الى قولنا : « العنب الغالي ينجس » فاذا وجد العنب ، ولم يغل فلا وجود للحكم لانتفاء موضوعه بانتفاء قيده فلا مجال لاستصحابه. نعم يمكن فرض قضية تعليقية - حينئذ - فيقال : « العنب لو انضم اليه قيده - وهو الغليان - تنجس » لكن ذلك - مع أنه لازم عقلي - مقطوع البقاء ، في كل مركب وجد أحد جزئية ، لا أنه مشكوك


كي يجري فيه الاستصحاب.

وقد يشكل ما ذكره. بأن إرجاع القضايا الشرطية إلى القضايا الحملية ، للبرهان القائم على أن موضوعات الاحكام علل تامة لها - لو تمَّ في نفسه - لا يتضح ارتباطه بما نحن فيه ، ضرورة أن المدار في صحة جريان الاستصحاب على المفاهيم التي هي مفاد القضايا الشرعية ، سواء أكانت نفس الأمر الواقعي ، أم لازمه ، أم ملازمه ، أم ملزومه ، ولذلك يختلف الحال في جريان الاستصحاب وعدمه ، باختلاف ذلك الأمر المتحصل. مثلا : لو كان الدليل قد تضمن أنه إذا وجد شهر رمضان وجب الصوم ، جرى استصحاب رمضان عند الشك في هلال شوال ، وكفى في وجوب الصوم يوم الشك. ولو كان الدليل تضمن وجوب الصوم في رمضان ، لم يجد استصحاب شهر رمضان في وجوب صوم يوم الشك ، لأنه لا يثبت كون الزمان المعين من شهر رمضان ، فهذا المقدار من الاختلاف في مفهوم الدليل كاف في تحقق الفرق في جريان الاستصحاب وعدمه ، مع أنه - في لب الواقع ونفس الأمر - لا بد أن يرجع المفاد الأول الى الثاني لأنه مع وجود شهر رمضان لا يكون الصوم في غيره ، ولا بد أن يكون فيه. وكذلك مثل : « إذا وجد كر في الحوض » و: « إذا كان ما في الحوض كراً » فإن الأول راجع الى الثاني ، ومع ذلك يختلف الحكم في جريان الاستصحاب باختلاف كون أحدهما مفاد الدليل دون الآخر. فالمدار في صحة الاستصحاب على ما هو مفاد القضية الشرعية ، سواء اكان هو الموافق للقضية النفس الأمرية أم اللازم لها أم الملازم.

نعم لو كان المراد من الإرجاع إلى القضية الحملية ، كون المراد من القضية الشرطية هو القضية الحملية - مجازاً أو كناية - على نحو لا يكون المراد من الكلام إلا مفاد القضية الحملية ، كان لما ذكر وجه. لكن هذا خلاف


الظاهر. وكيف تمكن دعوى أن معنى قولنا : « العنب إذا غلى ينجس » هو معنى قولنا : « العنب الغالي ينجس »؟! مع وضوح الفرق بين العبارتين مفهوما.

وبالجملة : إن كان المدعى أن معنى القضية الشرطية هو معنى القضية الحملية فذلك خلاف الظاهر. وان كان المدعى أن مفاد القضية اللبية هو المطابق لمفاد القضية الحملية ، وان مفاد القضية الشرطية لازم له - كما يظهر من بعض عبارات تقرير الاشكال - فالمدار في جريان الاستصحاب على مفاد القضية الشرعية ، وان كان لازماً للقضية اللبية ، أو ملازما له. ولو كان المدار على ما في لب الواقع لأشكل الأمر في جريان الأصول في موضوعات الأحكام ، وقيودها - غالباً - للعلم بأنها ليست موضوعا للقضية اللبية. مثلا : المذكور في لسان الأدلة الشرعية أن النجاسة منوطة بالغليان ، ولكن إذا تدبرنا قليلا علمنا أن الغليان ليس هو المنوط به النجاسة ، بل الإسكار - ولو الاستعدادي - ثمَّ إذا تدبرنا قليلا علمنا أن مناط النجاسة شي‌ء وراء الإسكار الاستعدادي ، مثل الخباثة النفسانية ، وربما نتدبر قليلا فنعلم أن المناط شي‌ء وراء ذلك ، ومع ذلك لا يصح رفع اليد عن ظاهر الدليل في قضية جريان الأصل ، بل يكون هو المدار في جريانه ، لأن أدلة الاستصحاب ناظرة إلى تنقيح مفاد الأدلة الشرعية لا غير. وبذلك افترق الأصل المثبت عن غيره ، فإن الأصل المثبت هو الذي يتعرض لغير مفاد الدليل الشرعي ، وغير المثبت ما يتعرض لمفاد الدليل الشرعي ، من حكمه ، وموضوعه ، وقيودهما ، وقيود قيودهما ، وسائر ما يتعلق بهما ، مما كان مذكوراً في الدليل.

وأما عدم جريان الأصل التعليقي فيما لو حدث في أثناء المركب ما يحتمل قطعه ، أو رفعه ، أو منعه ، فيقال : كان المقدار المأتي به من الاجزاء بحيث لو انضم إليه الباقي لأجزأ. فلأن القضية التعليقية المذكورة ، وان


كانت مستفادة من الدليل بنحو الدلالة الالتزامية ، فهي قضية شرعية ، إلا أن الملازمة لما كانت عقلية ، والعقل لا يحكم بها مطلقاً ، وإنما يحكم بها بشرط أن لا يحدث ما يحتمل قدحه ، فإن أريد استصحاب هذا المعنى ، فلا مجال له ، للعلم ببقائه ، وان أريد استصحاب مضمون القضية التعليقية من دون الشرط المذكور ، فلا حالة له سابقة إذ لا يحكم به العقل ، ولا طريق اليه غيره.

هذا كله مضافا إلى أن إرجاع شرط الحكم الى شرط الموضوع غير ظاهر ، فان شرط الحكم دخله في الحكم من قبيل دخل المقتضي في الأثر ، ودخل شرط الموضوع فيه من قبيل دخل المعروض في العارض ، والفرق بينهما نظير الفرق في باب الحكم التكليفي بين شرط الوجوب ، وشرط الواجب فان شرط الوجوب دخيل في كون الواجب مصلحة ، وشرط الواجب دخيل في وجود تلك المصلحة خارجا. نظير الفرق بين المرض وشرب المنضج ، بالإضافة إلى شرب المسهل ، فان المرض دخيل في كون شرب المسهل مصلحة - بمعنى أنه لو لا المرض كان شرب المسهل بلا مصلحة - بخلاف شرب المنضج قبل المسهل ، فإنه دخيل في ترتب المصلحة المقصودة من شرب المسهل. فما ذكره بعض الأعاظم من مشايخنا في درسه : من رجوع شرط الحكم إلى شرط الموضوع غير واضح. وهو نظير ما صدر من شيخنا الأعظم [قدس سره] حيث التزم برجوع الواجب المشروط إلى الواجب المعلق ، وان قيد الهيئة راجع إلى قيد المادة. وتحقيق ذلك يطلب من مباحث الواجب المشروط من الأصول. فراجع.

هذا وقد يشكل الاستصحاب التعليقي بمعارضته بالاستصحاب التنجيزي ، فإنه كما يجري استصحاب النجاسة للزبيب على تقدير الغليان ، لثبوتها حال العنبية ، كذلك يجري استصحاب الطهارة الثابتة قبل الغليان ، فيقال : الزبيب


قبل أن يغلي كان حلالا طاهراً ، فهو كذلك بعد أن يغلي. وبعد ابتلائه بالمعارض دائما يسقط عن الحجية.

وأجاب عنه شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في رسائله ، بحكومته على الاستصحاب التنجيزي. ولم يتضح وجه الحكومة المذكورة ، فإن الشك في الحرمة على تقدير الغليان عين الشك في الحلية على تقدير الغليان ، لأن الشك يتقوم بطرفين هما الحرمة والحل ، فالشك في الحرمة معناه الشك في الحل ، كما أن الشك في الحركة عين الشك في السكون ، فيمتنع أن يكون الاستصحاب الجاري لإثبات أحد طرفي الشك حاكما على الاستصحاب الجاري لإثبات الطرف الآخر. وهذا معنى التعارض بين استصحاب الحل التنجيزي ، واستصحاب الحرمة التعليقية.

فإن قلت : إن من القطعيات أصالة عدم النسخ ، الذي لا فرق فيه بين الحكم التنجيزي والتعليقي ، ولو تمت المعارضة المذكورة ، كان استصحاب عدم النسخ في الأحكام التعليقية معارضا باستصحاب الحكم التنجيزي ، الذي هو خلاف الحكم التعليقي ، ويسقط حينئذ عن الحجية. قلت : أصالة عدم النسخ ليست من قبيل الاستصحاب ، بل هي أصل لنفسه حجيته لبناء العقلاء عليه. ولو كان من باب الاستصحاب لم يجر لو شك في نسخ الاستصحاب ، ولجاء فيه الخلاف الجاري في حجية الاستصحاب ، كما لا يخفى.

وربما يظهر من بعض عبارات شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في رسائله : أن الوجه في الحكومة هو أن الشك في الحل والحرمة ناشئ من الشك في بقاء الملازمة بين الغليان والنجاسة والحرمة ، فالاستصحاب المثبت لبقاء الملازمة حاكم على استصحاب الحل. وفيه : ما عرفت من أن الملازمة ليست مجعولا شرعيا ، وإنما هي متفرعة من الحكم بالحرمة والنجاسة - على تقدير الغليان -


فلا يجري الاستصحاب فيها. مضافا إلى أن الكلام في الاستصحاب التعليقي والاستصحاب الجاري في الملازمة تنجيزي ، ولو جرى كان حاكما على استصحاب الحكم التعليقي والتنجيزي معا.

وقد ذكر بعض الأعاظم في درسه في توجيه الحكومة ما لا يخلو من إشكال ونظر ، وحاصل ما ذكر : أن الشك في الحل والطهارة بعد الغليان وان كان عين الشك في الحرمة والنجاسة على تقدير الغليان ، لكن الشك المذكور ناشئ من الشك في كيفية جعل النجاسة والحرمة ، وأنه هل يختص بحال العنبية ، أو يعمها وسائر الأحوال الطارية عليها كالزبيبية ، - مثلا - ولما كان الاستصحاب التعليقي يقتضي كون الجعل على النحو الثاني ، كان حاكما على استصحاب الحل والطهارة ، لأنه معه لا يبقى مجال للشك في الحل والطهارة [ فإن قلت ] : كيف يكون حاكما على الاستصحاب المذكور مع أن الشرط في الأصل الحاكم أن يكون مجراه موضوعا لمجرى الأصل المحكوم ، كما في استصحاب طهارة الماء ، الحاكم على استصحاب نجاسة الثوب المغسول به ، وليس الحل والطهارة التنجيزيان في المقام من أحكام الحرمة والنجاسة التعليقيتين [ قلت ] : هذا يختص بالأصول الجارية في الشبهات الموضوعية ، وأما الشبهات الحكمية فيكفي فيها أن يكون التعبد بالأصل السببي مقتضيا لرفع الشك المسبب ، إذ لا معنى للتعبد بالحرمة والنجاسة التعليقيتين إلا إلغاء احتمال الحلية والطهارة ، فاستصحاب الحرمة والنجاسة يكون حاكما على استصحاب الحلية والطهارة.

هذا ولكن يشكل : بأنه لم يتضح الوجه في كون الاستصحاب التعليقي مقتضياً لكون جعل الشارع للحرمة والنجاسة في العنب إذا غلى شاملا لحال الزبيبية ، ولا يكون استصحاب الحل والطهارة التنجيزي مقتضياً لكون الجعل على نحو يختص بالعنب ، ولا يشمل الزبيب. كما لم يتضح الوجه في كون


الشك في الحل والحرمة ، ناشئاً من الشك في عموم الجعل وشموله لحال الزبيبية وعدمه ، ولم لا يكون العكس؟ بأن يكون الشك في العموم ناشئاً من الشك في ثبوت الحرمة على تقدير الغليان. وأيضاً فهذا النش‌ء عقلي ، فكيف يكون الأصل الجاري في الناشئ مثبتاً للمنشإ؟!. مع أن المنشأ ليس موضوعا لأثر عملي وانما الأثر للناشئ لا غير. كما لم يتضح الوجه في الفرق بين الشبهات الحكمية والموضوعية في شرط الحكومة ، ولا في كون الأصل التعليقي رافعاً للشك في الطهارة والحلية ، ولا يكون الاستصحاب الجاري فيهما رافعاً للشك في الحرمة والنجاسة التعليقيتين ، مع كون مجريي الأصلين في رتبة واحدة ، ومقومين لشك واحد ، وكيف يكون الأصل مثبتاً لحكم ليس هو مجرى له ولا أثراً لمجراه؟! وهل الأصل المثبت إلا هذا؟!. مع أنه لو سلم فهو مطرد في كل من الأصلين. فما الوجه المميز لأحدهما عن الآخر؟! بحيث يكون الأصل التعليقي موجباً للتعبد بخلاف الأصل التنجيزي ، ولا يكون الأصل التنجيزي موجباً للتعبد بخلاف الأصل التعليقي ، مع أن دليلهما واحد ، ومورديهما طرفا شك واحد ، متقوم بهما على نحو واحد. فما ذكره مما لم يتضح وجهه ، على نحو يصح الخروج به عن القواعد المقررة بينهم ، المبرهن عليها عندهم.

هذا والأستاذ [قدس سره] في الكفاية أجاب عن إشكال المعارضة : بأن الحلية الثابتة قبل الغليان ، كانت مغياة بالغليان ، لأن الغليان في حال العنبية كما كان سبباً للحرمة كان رافعاً للحلية ، فبعد حدوث وصف الزبيبية يشك في بقاء الحرمة المعلقة على الغليان ، وفي بقاء الحلية المغياة بالغليان ، وبقاء الحلية المغياة بالغليان لا ينافي الحرمة المعلقة عليه ، بل هما متلازمان ، فلا يكون الأصلان الجاريان فيهما متعارضين ، فان قوام المعارضة في الأصول أن يعلم بكذب أحدهما إجمالا ، وهو غير حاصل في المتلازمين.


ولكنه يشكل : بأن ذلك يتم بالإضافة إلى حلية العنب التي كانت قبل صيرورته زبيباً ، لا بالإضافة إلى الحلية الشخصية الموجودة في عصير الزبيب قبل غليانه ، فإنها معلومة التحقق حينئذ ، فإذا غلى يشك في ارتفاعها ، ومقتضى الاستصحاب بقاؤها ، فيتعارض هو واستصحاب الحرمة التعليقية وكذا مع استصحاب الحلية المغياة ، إذ هو لا يثبت كون هذه الحلية مغياة كما أن استصحاب بقاء الكر في الحوض لا يثبت أن ماء الحوض كر ، فان استصحاب مفاد كان التامة لا يثبت مفاد كان الناقصة ، كما لا يخفي.

وقد يستشكل في الأصل التعليقي : بأن غاية مفاده إثبات الحرمة على تقدير الغليان ، وهذا لا يثبت الحرمة الفعلية إلا بناء على القول بالأصل المثبت. وفيه : أن فعلية الحرمة لازمة لثبوت الخطاب التعليقي عند ثبوت المعلق عليه ، أعم من أن يكون ثبوته بالوجدان ، أو بالأصل ، فهي من اللوازم العقلية التي تترتب على الأعم من الواقع والظاهر ، كوجوب الإطاعة وحرمة المعصية ، فلا يحتاج في إثباته بالأصل إلى إثبات كونه من اللوازم الشرعية لمجرى الأصل.

هذا وقد يستدل على الحرمة بجملة من النصوص. كصحيح ابن سنان - المتقدم - (1): « كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه » لكن عرفت الإشكال في شموله للمقام. وكرواية ابن جعفر (عليه السلام) : « عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه ، ثمَّ يؤخذ الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ، ثمَّ يرفع فيشرب منه السنة؟ فقال (عليه السلام) : لا بأس به » (2). لكن لو دلت على ثبوت البأس لو لم يذهب ثلثاه ، فهي في ظرف بقائه سنة ، ومن المحتمل قريباً أنه يختمر في أثناء السنة. .


1) عند الكلام في العصير التمري.

2) الوسائل باب : 8 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 2.


وكموثقي عمار الواردين في الزبيب كيف يحل طبخه حتى يشرب حلالا؟ وقد ذكرهما في الوسائل في باب حكم ماء الزبيب وغيره وكيفية طبخه من أبواب الأشربة المحرمة (1).

ولكن يشكل - مضافا إلى أن الخصوصيات المذكورة فيهما مما لا يحتمل دخلها في الحل - : بأنه لم يظهر من السؤال إرادة الحل في قبال التحريم الحاصل بالغليان - كما هو المدعى - أو في قبال التحريم الحاصل بالنشيش والتغير ، الملازم للبقاء غالبا ، الذي هو موردهما ، بقرينة المقادير المذكورة فيهما ، وما في ذيل أحدهما من قوله (عليه السلام) : « فإذا أردت أن يطول مكثه عندك فروقه ». بل الثاني أقرب ، بقرينة ما في رواية إسماعيل بن الفضل من قول الصادق (عليه السلام) : « وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إن شاء اللّه تعالى » (2).

وبرواية زيد النرسي في أصله : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الزبيب يدق ويلقى في القدر ، ثمَّ يصب عليه الماء ويوقد تحته. فقال (عليه السلام) : لا تأكله حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث ، فان النار قد أصابته. قلت : فالزبيب كما هو يلقى في القدر ، ويصب عليه الماء ، ثمَّ يطبخ ويصفي عنه الماء. فقال (عليه السلام) : كذلك هو سواء ، إذ أدت الحلاوة إلى الماء ، وصار حلوا بمنزلة العصير ، ثمَّ نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم ، وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد » (3).

لكن استشكل فيها [ أولا ] : بعدم ثبوت وثاقة زيد النرسي. ورواية محمد بن أبي عمير عنه لا توجب ذلك ، وإن قيل : انه لا يروي إلا


1) وهي باب : 5 وقد ذكر الحديثان برقم : 2 ، 3.

2) الوسائل باب : 5 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 4.

3) مستدرك الوسائل باب : 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.


عن ثقة. إذ لا يبعد كون المراد منه الوثاقة في خصوص الخبر الذي رواه - ولو من جهة القرائن الخارجية - لا كون الراوي ثقة في نفسه. وإلا لأشكل الأمر في كثير من الموارد التي روى فيها محمد بن أبي عمير عن المضعفين. مضافا إلى بنائهم على عدم كفاية روايته في توثيق المروي عنه ، كما يظهر من ملاحظة الموارد التي لا تحصى ، ومنها المقام ، فإنهم لم ينصوا على وثاقة زيد بمجرد رواية محمد بن أبي عمير عنه. وأيضاً فإن الظاهر أن عدم الرواية إلا عن الثقة ليس مختصا بمحمد والبزنطي وصفوان ، الذين قيل فيهم ذلك بالخصوص ، فقد قال الشيخ [رحمه اللّه] في عدته في مبحث الخبر المرسل : « سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به ، وبين ما أسنده غيرهم ، ولذلك عملوا بمراسيلهم ». بل الظاهر أن كثيراً من رواه الحديث كذلك ، لاختصاص الحجية عندهم بخبر الثقة ، وليس نقلهم للروايات من قبيل نقل القضايا التاريخية ، وانما كان للعمل والفتوى ، فما لم يحصل لهم الوثوق بالرواية لا ينقلونها ، بل يطعنون على من ينقلها. فلاحظ ما حكي عن أحمد بن محمد بن عيسى من إخراجه البرقي من قم ، لأنه يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل ، فلو كان هذا المقدار كافيا في البناء على وثاقة الراوي لم يبق لنا رأو إلا وهو ثقة إلا نادرا. نعم الرواية عن شخص تدل على الوثوق بروايته لكن ذلك قد لا يوجب الوثوق لغيره.

وبذلك اتضح الفرق بين الشهادة بوثاقة الراوي والرواية عنه ، فتكفي الأولى في قبول خبره ، ولا تكفي الثانية في قبوله ، فضلا عن إثبات وثاقة الراوي في نفسه ، لأن الظاهر في الأولى الاستناد إلى الحس أو ما يقرب منه ، فيكون حجة ولا يظهر من الثانية ذلك. ولذلك نجد أكثر الروايات


الضعيفة غير مقبولة عند الأصحاب وفي سندها الثقات والأجلاء ، لعدم حصول الوثوق لهم من مجرد ذلك ، لاحتمال كون وثوق رجال السند حاصلا من مقدمات بعيدة يكثر فيها الخطأ. ومن ذلك يظهر الإشكال في إثبات وثاقة زيد النرسي برواية جماعة من الأجلاء لكتابة ، كما قيل.

ومثله في الاشكال ما قيل من أن محمد بن أبي عمير من أصحاب الإجماع ، والمعروف بينهم أن المراد به الإجماع على قبول الرواية ، إذا كان أحدهم في سندها ، وان رواها بواسطة المجهول ، كما يدل على ذلك عبارة العدة المتقدمة ، فإن المراد من غيرهم من الثقات ما يشمل أصحاب الإجماع قطعاً. ولأجلها يضعف احتمال أن المراد من الإجماع المتقدم صحة روايتهم فقط. وعلى هذا فرواية النرسي يجب العمل بها ، لرواية محمد بن أبي عمير إياها وان لم تثبت وثاقة النرسي.

وجه الاشكال : أن الإجماع المذكور وإن حكاه الكشي [رحمه اللّه] وتلقاه من بعده بالقبول ، لكن ثبوته وحجيته بهذا المقدار محل تأمل. كيف وجماعة من الأكابر توقفوا عن العمل بمراسيل ابن أبي عمير؟! وأما غيره من أصحاب الإجماع فلم يعرف القول بالاعتماد على مراسيله ، حتى استشكل بعضهم في وجه الفرق بينه وبين غيره في ذلك ، وما ذكره الشيخ [رحمه اللّه] في عبارته المتقدمة غير ظاهر عندهم. وأيضاً فإن الظاهر أن الوجه في الإجماع المذكور ما علم من حال الجماعة من مزيد التثبت ، والإتقان ، والضبط ، بنحو لا ينقلون إلا عن الثقات - ولو في خصوص الخبر الذي ينقلونه - فيجي‌ء فيه الكلام السابق من أن الوثوق الحاصل من جهة القرائن الاتفاقية غير كاف في حصول الوثوق لنا على نحو يدخل الخبر في موضوع الحجية كلية [ وبالجملة ] : لو كان الإجماع المدعى ظاهرا في ذلك ، فكفايته في وجوب العمل بالخبر الذي يرويه أصحاب الإجماع ، مع عدم


ثبوت وثاقة المروي عنه ، أو ثبوت ضعفه ، لا يخلو من إشكال. فلاحظ وتأمل.

ومثل ذلك دعوى ثبوت وثاقة النرسي بعد كتابه من الأصول ، كما في الفهرست وغيره. إذ فيه عدم وضوح كون المراد بالأصل الكتاب الذي يجوز الاعتماد عليه والعمل بما فيه ، لاحتمال كون المراد معنى آخر. فلاحظ كلماتهم في الفرق بين الكتاب والأصل ، فقد ذكروا فيه وجوهاً واحتمالات ليس على واحد منها شاهد واضح. وأيضاً فإن المحكي عن الصدوق في فهرسته - تبعاً لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد - أن أصل زيد النرسي ، وأصل زيد الزراد ، وكتاب خالد بن عبد اللّه بن سدير ، موضوعات ، وضعها محمد بن موسى الهمداني. وهذه الدعوى وان غلطهما فيها ابن الغضائري وغيره بأن الأصلين الأولين قد رواهما محمد بن أبي عمير ، لكنها توجب الارتياب ، إذ من البعيد أن يكون الصدوق وشيخه مما خفي عليهما ذلك ، فجزما بالوضع. ومما يزيد الارتياب أن الشيخ [رحمه اللّه] في الفهرست - مع اعترافه بأن زيدا النرسي له أصل ، وأنه رواه محمد بن أبي عمير عنه - لم يرو عن زيد النرسي في كتابي الاخبار - على ما قيل - إلا حديثا واحدا في باب وصية الإنسان لعبده ، رواه عن علي بن الحسن بن فضال عن معاوية بن حكيم ، ويعقوب الكاتب عن ابن أبي عمير عنه ، والظاهر من عادته أنه أخذ الحديث المذكور من كتاب ابن فضال لا من الأصل المذكور. وكذلك الكليني [رحمه اللّه] فإنه لم يرو عنه إلا حديثين أحدهما في باب التقبيل عن علي بن إبراهيم عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن زيد النرسي ، عن علي بن مزيد صاحب السابري. قال : « دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ... » ، والثاني في كتاب الصوم في صوم يوم عاشوراء عن الحسن بن علي الهاشمي ، عن محمد بن عيسى ، قال : حدثنا محمد ابن أبي عمير عن زيد النرسي. قال : « سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد اللّه


علیه السلام ... ». ولا يظهر منه أنه أخذ الحديثين المذكورين من أصل النرسي ، أو من أصل غيره ممن روى عنه. فلو كان كتاب النرسي من الأصول المعول والمعتمد عليها عنده لما كان وجه للاعراض عن الرواية عنه ، كما لا يخفى.

واستشكل فيها [ ثانيا ] : بعدم صحتها عن أصل النرسي ، لأن العلامة المجلسي [قدس سره] - وهو الذي رواها في باب العصير من أواخر كتاب السماء والعالم - ذكر في مقدمة البحار أن كتاب زيد النرسي أخذه من نسخة عتيقة مصححة بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي ، وهو نقله من خط الشيخ الجليل محمد بن الحسن القمي ، وكان تاريخ كتابتها سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ، ومنصور بن الحسن الآبي غير معلوم الحال. نعم ذكر المامقاني [قدس سره] في كتابه تنقيح المقال منصور بن الحسين الآبي ، وحكى عن منتجب الدين أنه فاضل عالم فقيه ، وله نظم حسن ، قرأ على شيخنا المحقق أبي جعفر الطوسي. واحتمال أنه صاحب النسخة ينفيه أن تاريخها لا يناسب ذلك ، فان المذكور في ترجمة الشيخ الطوسي [قدس سره] أن ولادته كانت في خمس وثمانين وثلاثمائة ، وذلك لا يناسب تاريخ كتابة النسخة المتقدم. وكأنه لذلك توقف في الوسائل عن النقل عنه ، وإلا فالمعلوم من طريقته - كغيره من المحدثين - جواز النقل عنه لو صحت النسخة ، وإن كان المحكي عن السيد صدر الدين العاملي في تعليقته على منتهى المقال في ترجمة زيد النرسي : أنه وجد بخط الحر العاملي ما صورته : « زيد النرسي روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وأبي الحسن (عليه السلام) : له كتاب يرويه جماعة. أخبرنا علي بن أحمد بن علي بن نوح ، قال : حدثنا محمد بن أحمد الصفواني. قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن محمد بن أبي عمير ، عن زيد النرسي بكتابه. قاله النجاشي ». اللّهم إلا أن يكون المانع عن

وان كان الأحوط الاجتناب عنهما أكلا ، بل من حيث النجاسة أيضاً [1].

[ مسألة 2 ] : إذا صار العصير دبساً بعد الغليان ، قبل أن يذهب ثلثاه فالأحوط حرمته ، وإن كان لحليته وجه [2].

وعلى هذا فاذا استلزم ذهاب ثلثيه احتراقه ، فالأولى أن يصب عليه مقدار من الماء ، فاذا ذهب ثلثاه ، حل بلا إشكال.


النقل عدم العثور على الأصل المذكور.

هذا ولو فرض الغض عما ذكرنا كله كفى في وهن الرواية ، وعدم صلاحيتها للحجية ، إعراض المشهور عنها ، وما تقدم عن العلامة الطباطبائي [قدس سره] من دعوى شهرة الحرمة عند القدماء مبني - كما قيل - على أن رواية القدماء لأخبار التحريم تدل على اعتقادهم بمضمونها. وهو كما ترى ، لما عرفت من منع دلالة الاخبار على التحريم. ولو سلمت فمجرد الرواية أعم من اعتقاد مضمونها ، لجواز عدم وضوح دلالتها على ذلك في نظر الراوي ، كما لا يخفى.

ومن ذلك كله يظهر لك أن القول بحرمة عصير الزبيب إذا غلى ضعيف ، لمخالفته لاستصحاب الحل أو قاعدته ، أو عموم ما دل على حل ما ليس بمسكر ، وعموم الحل المطلق ، بلا موجب ظاهر. واللّه سبحانه أعلم.

[1] فإن ظاهر من ألحقه بالعصير العنبي إلحاقه حتى في النجاسة ، بناء عليها فيه. كما أن مقتضى الاستدلال على الحرمة بالاستصحاب ذلك أيضاً ، بناء على نجاسة العصير العنبي.

[2] قال في المسالك : « لا فرق مع عدم ذهاب ثلثيه في تحريمه بين أن يصير دبساً وعدمه ، لإطلاق النصوص باشتراط ذهاب الثلاثين ...

[ مسألة 3 ] : يجوز أكل الزبيب ، والكشمش ، والتمر ، في الامراق والطبيخ ، وان غلت [1] ، فيجوز أكلها بأي كيفية كانت على الأقوى.

العاشر : الفقاع [2].


[ الى أن قال ] ويحتمل الاكتفاء بصيرورته دبساً قبل ذلك - على تقدير إمكانه - لانتقاله عن اسم العصير ، كما يطهر بصيرورته خلا لذلك ». وفيه : أن الطهارة بالانقلاب خلاف الإطلاق ، وثبوتها بالانقلاب خلا كان بالإجماع ، وهو غير حاصل هنا. ويحتمل أن يكون الوجه دعوى كون المقصود من ذهاب الثلاثين حاصلا بصيرورته دبساً. وضعفها ظاهر ، لعدم وضوح ذلك ، وإطلاق الأدلة ينفيه. وأما دعوى انصراف مطهرية ذهاب الثلاثين الى ما لم يصر دبساً ، فلا تجدي في إثبات الطهارة بصيرورته دبساً ، لأن الانصراف المذكور وان أوجب سقوط الإطلاق الدال على النجاسة عن الحجية ، لكن الاستصحاب كاف في إثبات النجاسة.

[1] هذا ظاهر بناء على القول بحل عصير الزبيب والتمر إذا غلى. بل وكذا بناء على حرمته ، لعدم صدق العصير على المرق والطبيخ والدهن الذي يغلي فيه المذكورات. نعم لو كان غليانها يؤدي الى صدق العصير على قليل مما حولها من المرق أو الدهن تنجس ، وسرت نجاسته إلى جميع المائع. وحينئذ لا يطهر بذهاب ثلثيه ، لعدم الدليل عليه ، بل تبقى نجاسته إلى أن يستهلك ، كما في سائر المائعات المتنجسة.

[2] إجماعا ، كما عن جماعة ، كالسيدين ، والشيخ ، والعلامة ، والمقداد وغيرهم [ قدهم ]. ويدل على ذلك موثق ابن فضال : « كتبت الى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الفقاع. فقال : هو الخمر ، وفيه حد شارب


الخمر » (1). وموثق عمار : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفقاع. فقال (عليه السلام) : هو خمر » (2)، ونحوه روايات الوشاء ، وحسين القلانسي ، ومحمد بن سنان ، وهشام بن الحكم ، وغيرهم‌(3). وفي خبر الحسن بن الجهم وابن فضال : أنه خمر مجهول. وظاهره أنه خمر حقيقي ، فالتنزيل حقيقي ، وثبوت النجاسة عليه ظاهر. وكذا لو كان التنزيل ادعائياً فإنها مقتضى إطلاقه. بل في خبر هشام : « وإذا أصاب ثوبك فاغسله » (4). ولا ينافيه ما في خبر زكريا بن آدم : « قلت : والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شي‌ء من ذلك؟ قال (عليه السلام) : أكره أن آكله إذا قطر في شي‌ء من طعامي » (5). لإمكان حمل الكراهة على الحرمة ، وان كان اختلاف التعبير فيه مع التعبير في الخمر والنبيذ والدم بالفساد ربما يوجب الظهور في الكراهة الاصطلاحية ، ولكن لا مجال للأخذ به في قبال ما عرفت من النصوص والإجماعات ، مع ما هو عليه من ضعف السند.

هذا والمحكي عن غير واحد اعتبار النشيش في التحريم والنجاسة ، وفي محكي كلام بعضهم اعتبار الغليان ، بل عن حاشية المدارك : « صرحوا - يعني : الأصحاب - بأن الحرمة والنجاسة يدوران مع الاسم والغليان دون الإسكار ». ويشهد له مصحح ابن أبي عمير عن مرازم ، « قال : كان يعمل لأبي الحسن (عليه السلام) : الفقاع في منزله. قال ابن أبي عمير : ولم يعمل فقاع يغلي » (6). فإن قول مرازم « كان يعمل ... ». ظاهر في


1) الوسائل باب : 27 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 27 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 4.

3) راجع الوسائل باب : 27 من أبواب الأشربة المحرمة.

4) الوسائل باب : 27 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 9.

5) الوسائل باب : 26 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.

6) الوسائل باب : 39 من أبواب النجاسات حديث : 1.

وهو شراب متخذ من الشعير على وجه مخصوص [1] ،


الاستمرار ، فيدل على الحل ، لبعد الضرورة المقتضية للجواز لو كانت ممكنة في حقه (عليه السلام). ويشهد له اعتذار ابن أبي عمير الذي هو حجة. وما رواه عثمان بن عيسى قال : « كتب عبد اللّه بن محمد الرازي الى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : إن رأيت أن تفسر لي الفقاع ، فإنه قد اشتبه علينا ، أمكروه هو بعد غليانه أم قبله؟ فكتب (عليه السلام) : لا تقرب الفقاع إلا ما لم تضر آنيته ، أو كان جديدا. فأعاد الكتاب اليه : كتبت أسأل عن الفقاع ما لم يغل. فأتاني أن أشربه ما كان في إناء جديد أو غير ضار ، ولم أعرف حد الضراوة والجديد ، وسأل أن يفسر ذلك له ، وهل يجوز شرب ما يعمل في الغضارة والزجاج والخشب ونحوه من الأواني؟ فكتب (عليه السلام) يفعل الفقاع في الزجاج وفي الفخار الجديد إلى قدر ثلاث عملات ، ثمَّ لا يعد منه بعد ثلاث عملات إلا في إناء جديد ، والخشب مثل ذلك » (1). وفي مصحح علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) : « سألته عن شرب الفقاع الذي يعمل في السوق ويباع ولا أدري كيف عمل ، أيحل أن أشربه؟

قال (عليه السلام) : لا أحبه » (2).

[1] كما صرح به جماعة ، منهم السيد في الانتصار ، وحكاه عن أبي هاشم الواسطي ، وفي مجمع البحرين : « الفقاع كرمان شي‌ء يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط » ، ونحوه ما عن غيرهم. نعم في سؤال المهنا بن سنان : أن أهل بلاد الشام يعملون من الشعير ، ومن الزبيب ، ومن الرمان ومن الدبس ، ويسمون الجميع فقاعا. وظاهره كونه حقيقة في الجميع. إلا أن يحكم بحدوث هذا الاصطلاح جمعا بينه وبين ما سبق. بل لعل ظاهر


1) الوسائل باب : 39 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 39 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 3.

ويقال : إن فيه سكراً خفيا [1]. وإذا كان متخذا من غير الشعير فلا حرمة ، ولا نجاسة ، إلا إذا كان مسكراً.

[ مسألة 4 ] : ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في


العبارة حدوث الاصطلاح في خصوص بلاد الشام ، فلا إشكال حينئذ ، لكن في كشف الغطاء : « الفقاع كرمان وهو شراب مخصوص غير مسكر يتخذ من الشعير غالبا ، وأدنى منه في الغلبة ما يكون من الحنطة ، ودونهما ما يكون من الزبيب ، ودونهما ما يكون من غيرها » ، وفي روض الجنان : « والأصل في الفقاع ما يتخذ من ماء الشعير كما ذكره المرتضى في الانتصار لكن لما ورد النهي عنه معلقا على التسمية ثبت له ذلك سواء عمل منه أم من غيره ، إذا حصل فيه خاصيته ، وهي النشيش » ، ونحوه عن الروضة والمسالك. ويشكل : بأنه يتم لو كان المسمى لوحظ فيه معنى وصفي - وهو النشيش - وهو غير ظاهر ، بل ممنوع ، لا أقل من الشك الموجب للرجوع إلى أصالة الحل والطهارة. ونقل العموم ضعيف في مقابل نقل الخصوص لأنه أشهر. وقد يشهد لذلك ما في الانتصار : « روى أصحاب الحديث بطرق معروفة إن قوما من العرب سألوا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن الشراب المتخذ من القمح. فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : يسكر؟ قالوا : نعم فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لا تقربوه ، ولم يسأل (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في الشراب المتخذ من الشعير عن الإسكار ، بل حرم ذلك على الإطلاق ».

[1] كما قد يظهر من بعض النصوص المتضمنة أنه خمر ، أو خمر مجهول ، أو خمرة استصغرها الناس. لكن عن جماعة : أنه ليس بمسكر بل لعله ظاهر من عطفه على الخمر والمسكرات في النجاسة. ولعل ذلك لخفاء إسكاره ، وعدم ظهوره كغيره.

معالجاتهم ليس من الفقاع ، فهو طاهر حلال [1].

الحادي عشر : عرق الجنب من الحرام [2] ،


[1] كما صرح به جماعة ، منهم كاشف الغطاء معللا له : بأن الظاهر أنه يحصل منه فتور لا يبلغ حد السكر ، وليس ذلك في ماء الشعير. انتهى. والعمدة أن الفقاع متخذ على نحو خاص من العمل ، لا مجرد غليان الشعير كما في ماء الشعير.

[2] على المشهور بين المتقدمين - كما قيل - وحكي عن الصدوقين والمفيد في المقنعة ، والشيخ في الخلاف والنهاية والقاضي وغيرهم ، بل عن الأمالي : « من دين الإمامية الإقرار بأنه إذا عرق الجنب في ثوبه وكانت من حلال حلت الصلاة فيه ، ومن حرام حرمت » ، وعن الخلاف نقل الإجماع على النجاسة. ويدل عليه مرسل المبسوط حيث قال فيه : « وان كانت الجنابة من حرام وجب غسل ما عرق فيه ، على ما رواه بعض أصحابنا » (1). وما في الذكرى من رواية محمد بن همام بإسناده إلى إدريس ابن زياد الكفرثوثي : أنه كان يقول بالوقف ، فدخل سر من رأى في عهد أبي الحسن (عليه السلام) وأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلي فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره (عليه السلام) إذ حركه أبو الحسن (عليه السلام) : بمقرعة ، وقال - مبتدئاً - : « إن كان من حلال فصل فيه. وان كان من حرام فلا تصل فيه » (2)، ونحوه ما في مناقب ابن .


1) ذكر في المبسوط في الفصل السابع من كتاب الصلاة في التطهير ، قبيل فصل الأذان والإقامة ، صفحة : 27 ما نصه : « فان عرق فيه وكانت الجنابة عن حرام روى أصحابنا انه لا تجوز الصلاة فيه ». ولم نعثر على العبارة التي نقلها الشارح قدس سره . ولعله أخذها من بعض المصادر التي نقلتها بالمعنى.

2) ذكره في الذكرى في ملحقات النجاسات صفحة : 14 وفي الوسائل باب : 27 من أبواب النجاسات حديث : 12.


شهر اشوب عن كتاب المعتمد في الأصول للشيخ المفيد عن علي بن مهزيار‌(1)وما في البحار عن كتاب يظنه مجمع الدعوات لمحمد بن موسى بن هارون التلعكبري ، عن أبي الفتح غازي بن محمد الطرائفي ، عن علي بن عبد اللّه الميموني ، عن محمد بن علي بن معمر ، عن علي بن يقطين بن موسى الأهوازي ، عنه (عليه السلام)(2). وضعف السند منجبر بالعمل.

لكن المنسوب إلى أكثر المتأخرين - بل المشهور بينهم - الطهارة ، بل عن الحلي دعوى الإجماع عليها ، وأن من قال بالنجاسة في كتاب رجع عنه في كتاب آخر. انتهى. وكأنه لقصور سند الروايات المذكورة عن الحجية بنحو يجوز لأجلها رفع اليد عن عموم ما دل على طهارة عرق الجنب. [ وفيه ] : ما عرفت من انجبار الضعف بالعمل. نعم هي قاصرة الدلالة على النجاسة ، إذ هي إنما تضمنت المنع من الصلاة في الثوب الذي أصابه عرق الجنب من الحرام ، وهو أعم من النجاسة ، بل ذلك ظاهر عبارة الأمالي المتقدمة ، وعبارة الفقيه ، ورسالة ابن بابويه ، على ما حكي وحينئذ تشكل نسبة القول بالنجاسة إليهم. نعم عبارة المبسوط المتقدمة ظاهرة في النجاسة ، ونحوها عبارة النهاية ، ومختصر ابن الجنيد.

اللّهم إلا أن يقال : ظاهر الروايات المتقدمة المنع من الصلاة في الثوب الذي أصابه عرق الجنب من الحرام وان جف وذهبت عينه ، ومقتضى الجمود على ذلك المنع من الصلاة في الثوب المذكور دائما وإن غسل ، لعدم الدليل على زوال الحكم المذكور بالغسل ، ولأجل عدم إمكان الالتزام بذلك تعين إما الحمل على صورة وجود العرق حال الصلاة ، أو الحمل على عدم الغسل بالماء. والثاني أقرب ، بقرينة أن الظاهر من السؤال - بمناسبة الارتكاز


1) مستدرك الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 5.

2) مستدرك الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات ملحق حديث : 5.

سواء خرج حين الجماع أو بعده من الرجل أو المرأة ، سواء كان من زنا ، أو غيره ، كوطء البهيمة ، أو الاستمناء ، أو نحوهما مما حرمته ذاتية [1]. بل الأقوى ذلك في وطء الحائض والجماع في يوم الصوم الواجب المعين ، أو في الظهار قبل التكفير [2].


العرفي - السؤال عن النجاسة والطهارة لعرق الجنب ، كما يظهر ذلك من الروايات الواردة في نفي البأس عن عرق الجنب (1). وعلى هذا فالروايات تكون دالة على النجاسة. وكأنه لذلك لم يفرقوا في نسبة القول بالنجاسة بين التعبيرين المتقدمين.

هذا وأما ما ورد في النهي عن غسالة الحمام ، معللا بأنه يغتسل فيه من الزنا وولد الزنا والناصب‌(2). فهي أجنبية عن المقام ، لأنها إن دلت على النجاسة فهي نجاسة بدن الزاني ، لا عرقه ، وليست هي محل كلام.

[1] كل ذلك للإطلاق. نعم لو كان خارجا قبل الجماع فهو طاهر ، لخروجه عن الإطلاق.

[2] في المنتهى : « أما الوطء في الحيض والصوم فالأقرب الطهارة وفي المظاهرة إشكال » ، وفي طهارة شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] : « لعل وجه الحكم بالطهارة في الوطء في الصوم والحيض : أن المتبادر من الجنابة من الحرام كون الحرمة من جهة الفاعل ، أو القابل ، لا من جهة نفس الفعل ». ويشكل : بأن الحرمة في الحيض من جهة القابل ، وفي الصوم من جهة الفاعل ، والحرمة من جهة الفعل تختص بصورة نذر ترك الوطء ، أو كونه مضرا أو نحوهما. ولعل منه وطء المظاهرة ، لأن الظهار نحو من العهد أمضاه الشارع على نحو خاص. ومن ذلك يظهر أن وطء المظاهرة


1) راجع الوسائل باب : 27 من أبواب النجاسات.

2) راجع الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل.

[ مسألة 1 ] : العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس [1]. وعلى هذا فليغتسل في الماء البارد ، وان لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار ، وينوي الغسل حال الخروج [2] ، أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل.

[ مسألة 2 ] : إذا أجنب من حرام ثمَّ من حلال ، أو من حلال ثمَّ من حرام ، فالظاهر نجاسة عرقه [3] أيضا ، خصوصا في الصورة الأولى.

[ مسألة 3 ] : المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه [4] ، وإن كان الأحوط


أظهر في الطهارة من الوطء في الحيض والصوم ، لا العكس ، كما تقدم في المنتهى. وكيف كان فمقتضى إطلاق الروايات عدم الفرق بين الحرمة من جهة الفاعل والقابل ونفس الفعل ، وإن كانت دعوى الانصراف إلى خصوص الزنا لا تخلو من وجه. فتأمل.

[1] لكونه جنباً حينئذ ، وإنما ترتفع جنابته بتمام الغسل.

[2] سيأتي في مبحث الغسل أن الغسل الارتماسي إنما يكون في حال التغطية تحت الماء ، ولا يكون حال الخروج.

[3] لا يخلو من إشكال في الصورة الثانية ، لعدم الدليل على تحقق الجنابة من الحرام بالوطء الحرام ، وظاهر أدلة تحقق الجنابة بالوطء أو الإنزال كونهما ملحوظين بنحو صرف الوجود ، لا الطبيعة السارية ، ولذا لا يظن الالتزام بتحقق جنابتين من حلال أو من حرام. اللّهم إلا أن يتمسك بإطلاق أدلة السببية مع الاختلاف في الآثار والاحكام ، كما في المقام.

[4] لإطلاق دليل بدلية التيمم.

الاجتناب عنه ما لم يغتسل. وإذا وجد الماء ولم يغتسل بعد فعرقه نجس ، لبطلان تيممه بالوجدان.

[ مسألة 4 ] : الصبي غير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه إشكال [1] والأحوط أمره بالغسل ، إذ يصح منه قبل البلوغ ، على الأقوى [2].

الثاني عشر : عرق الإبل الجلالة [3] ، بل مطلق ، الحيوان الجلال على الأحوط.


[1] كما في الجواهر وعن المنتهى. ينشأ من عدم الحرمة في حقه ، لحديث رفع القلم عن الصبي ، ومن ثبوت الحرمة في حد ذاته. لكن الأقوى الطهارة ، وارادة الحرمة في حد ذاته ممنوعة جدا. ولذا لا يظن الالتزام في مثل وطء الشبهة. بل لازمه النجاسة في وطء الزوجة ، لأنه حرام في حد ذاته ، وإنما صار حلالا بالعرض بطروء عنوان الزوجية. فتأمل.

[2] لأن مقتضى أدلة التكاليف ثبوت المناطات في فعل الصبي كفعل البالغ وحديث رفع القلم إنما يقتضي رفع الإلزام ، فيبقى المناط الموجب للمشروعية بحاله كما تقدم غير مرة.

[3] كما عن الشيخين والقاضي والمنتهى ، وعن الأردبيلي ، وتلميذه في المدارك ، وتلميذه في الذخيرة : الميل اليه ، بل نسب إلى مشهور القدماء. لمصحح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تشرب من ألبان الإبل الجلالة وان أصابك شي‌ء من عرقها فاغسله » (1). وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تأكلوا لحوم الجلالة ، وأن أصابك من عرقها شي‌ء فاغسله » (2)والمحكي عن المتأخرين الكراهة


1) الوسائل باب : 15 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 15 من أبواب النجاسات حديث : 1.


لما دل على طهارتها وطهارة سؤرها ، الملازم لطهارة عرقها. المؤيد باستبعاد الفرق بينها وبين سائر ما لا يؤكل لحمه ، بل بين سائر الحيوانات الجلالة ، لعدم الخلاف في طهارة عرقها ، إلا ما حكي عن نزهة ابن سعيد. بل بين باقي فضلات نفسه عدا البول والغائط. هذا ولكن العموم مخصص ، والاستبعاد لا يدخل في أدلة الأحكام الشرعية. نعم الإجماع على طهارة غير الإبل من الجلال ربما يوجب حمل الأمر في الصحيح على الاستحباب ، حتى في الإبل ، لوحدة السياق ، فيحمل الأمر في المصحح عليه. لكنه ليس بلازم ، إذ من الممكن حمل الأمر في الصحيح على الأعم من الوجوب والاستحباب ، فلا ينافي الأخذ بظاهر الأمر في المصحح. مضافا إلى إمكان حمل الجلالة في الصحيح على العهد ، ويكون المعهود خصوص الإبل الجلالة أو أن الجلالة كما تستعمل وصفاً مؤنت الجلال ، تستعمل اسماً بمعنى الإبل الجلالة أيضاً. وهذا وان كان خلاف الظاهر ، لكن احتماله كاف في عدم جواز رفع اليد عن ظاهر المصحح فالعمل به متعين.

هذا مضافا إلى أن الإجماع المذكور مما لم يتضح جواز رفع اليد به عن ظاهر الصحيح المقتضي لنجاسة عرق الجلال مطلقاً ، فإن القائلين بالطهارة مطلقاً - كأكثر المتأخرين - قد عرفنا خطأهم ، كما سبق. والقائلون بالنجاسة في الإبل لم يتضح لنا وجه تخصيصهم الحكم بالإبل ، والخطأ جائز عليهم فلا يكون تخصيصهم حجة. نعم لو ثبت إجماع تقديري - بأن كان القائلون بالطهارة مطلقاً يقولون بتخصيص النجاسة بالإبل على تقدير عدولهم عن الطهارة - أمكن حينئذ لزوم رفع اليد عن ظاهر الصحيح. لكنه غير ثابت. اللّهم إلا أن يقال : يكفي في وهن الصحيح اعراض القدماء عن ظاهره ، لأنه يوجب ارتفاع الوثوق المعتبر في حجيته. وكأنه لعدم وضوح ذلك لم يجزم المصنف [رحمه اللّه] بالطهارة في غير الإبل.

[ مسألة 1 ] : الأحوط الاجتناب عن الثعلب ، والأرنب والوزغ والعقرب ، والفأر [1].


[1] ظاهر المحكي عن المقنعة في باب لباس المصلي ومكانه : نجاسة الثعلب والأرنب ، وفي موضع آخر منها : نجاسة الفأرة والوزغة. وكذا عن النهاية والوسيلة في الأربعة كلها. وعن مصباح السيد : النجاسة في الأرنب. وعن الحلبيين ذلك فيه وفي الثعلب. وعن القاضي ذلك فيهما وفي الوزغ. وعن موضع من الفقيه والمقنع ذلك في الفأرة. ويشهد للنجاسة في الأولين وعامة السباع مرسل يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته هل يحل أن يمس الثعلب والأرنب أو شيئاً من السباع حيا أو ميتاً؟ قال (عليه السلام) : لا يضره ، ولكن يغسل يده » (1). وللنجاسة في الفأرة صحيح ابن جعفر في الفأرة تقع في الماء وتمشي على الثياب. قال (عليه السلام) : « اغسل ما رأيت من أثرها » (2). وفي صحيحه الآخر في الفارة والكلب إذا أكلا من الخبز أو شماه ، قال (عليه السلام) : « يطرح ما شماه » (3)، وفي خبره فيما إذا أكلا من الخبز ، قال (عليه السلام) : « يطرح منه ما أكل » (4)، ونحوه حديث عمار (5). وللنجاسة في الوزغ خبر هارون بن حمزة الغنوي ، قال (عليه السلام) فيه : « لا ينتفع بما يقع فيه » (6). وصحيح معاوية بن عمار في الفأرة والوزغة تقع في البئر ، قال (عليه السلام) : « ينزح منها ثلاث دلاء » (7).


1) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 3.

2) الوسائل باب : 33 من أبواب النجاسات حديث : 2.

3) الوسائل باب : 36 من أبواب النجاسات حديث : 1.

4) الوسائل باب : 45 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 2.

5) الوسائل باب : 36 من أبواب النجاسات حديث : 2.

6) الوسائل باب : 9 من أبواب الأسئار حديث : 4.

7) الوسائل باب : 19 من أبواب الماء المطلق حديث : 2.

بل مطلق المسوخات [1]. وان كان الأقوى طهارة الجميع [2]


وللنجاسة في العقرب موثق سماعة الوارد في الخنفساء تقع في الماء. قال (عليه السلام) : « وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من ماء غيره » (1).

[1] فعن أطعمة الخلاف نجاستها كلها ، وكذا عن بيعه ، وبيع المبسوط وفي الجواهر : « لم نعرف له دليلا على النجاسة بالمعنى المعروف ».

[2] كما هو المشهور ، بل الظاهر إجماع المتأخرين عليه. ويشهد له صحيح أبي العباس البقباق عن الصادق (عليه السلام) : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة ، والبقر ، والإبل ، والحمار ، والخيل ، والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئاً إلا سألته عنه. فقال (عليه السلام) : لا بأس. حتى انتهيت إلى الكلب فقال (عليه السلام) : رجس نجس ... » (2). وغيره من النصوص ، المتقدم بعضها في الأسئار ، وخصوص ما ورد في الفأرة التي تقع في السمن والزيت ، أو الدهن أو الماء‌(3)، مما دل على طهارة ما تقع فيه ، وما ورد في الوزغ يقع في الماء ، كصحيح ابن جعفر ، والعقرب ، كخبر هارون بن حمزة الغنوي ، وغيرهما مما ورد في كثير من المسوخات.

نعم لم أعثر عاجلا على ما يدل على طهارة الأولين صريحاً. وعموم صحيح البقباق المتقدم قابل للتخصيص بغيرهما قبوله للتخصيص بغير الخنزير. نعم يمكن استفادة طهارتهما مما دل على قبولهما للتذكية من النصوص الواردة في الصلاة في جلدهما منعاً وجوازاً ، لعدم وقوع التذكية على نجس العين قطعاً. إلا أن الذي يهون الخطب عدم حجية مرسل يونس ، لضعفه في نفسه ، واعراض الأصحاب عن العمل به. فالمرجع فيهما أصل الطهارة.


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الأسئار حديث : 6.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 4.

3) راجع الوسائل باب : 9 من أبواب الأسئار.

[ مسألة 2 ] : كل مشكوك طاهر [1] ، سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة ، أو لاحتمال تنجسه


وكذا في عامة المسوخات. مع ورود النص بطهارة كثير منها ، وكون الطهارة في بعضها ضرورية. وقد وردت جملة من النصوص في تعدادها. فلاحظ أول أطعمة الوسائل.

[1] بلا خلاف ظاهر. لموثق عمار المروي في أبواب النجاسات من الوسائل عن التهذيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كل شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فاذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك » (1). وفي خبر حفص بن غياث عن جعفر (عليه السلام) : عن أبيه (عليه السلام) : عن علي (عليه السلام) : « ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم » (2). وفي موثق عمار فيمن رأى في إنائه فأرة ، وقد توضأ منه مراراً أو اغتسل أو غسل ثيابه ، فقال (عليه السلام) : « إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ، ثمَّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه ، ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ، ويعيد الوضوء والصلاة. وإن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله ، فلا يمس من الماء شيئاً ، وليس عليه شي‌ء ، لأنه لا يعلم متى سقط فيه. ثمَّ قال (عليه السلام) : لعله أن يكون إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها » (3). فان المورد وان كان مورد قاعدة الفراغ ، لكن التعليل يشهد بأن احتمال الطهارة كاف في البناء عليها مع قطع النظر عن القاعدة. هذا ومقتضى إطلاق الأول عدم الفرق بين الشبهة الموضوعية والحكمية ، وبين النجاسة الذاتية والعرضية ، كما أشار إليه في المتن.


1) الوسائل باب : 37 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 37 من أبواب النجاسات حديث : 5.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

مع كونه من الأعيان الطاهرة. والقول : بأن الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة ، ضعيف [1] نعم يستثنى مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات ، أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول ، فإنها - مع الشك - محكومة بالنجاسة [2].

[ مسألة 3 ] : الأقوى طهارة غسالة الحمام ، وإن ظن نجاستها [3]. لكن الأحوط الاجتناب عنها.


[1] كما تقدم هو ووجهه وضعفه في المسألة السابعة من بحث الدم.

[2] لظهور النصوص الآتي ذكرها في محله ، في كونه بولا ، أو منياً تعبداً فيترتب عليه جميع آثاره ، وان كان مقتضى الأصل فيه الطهارة.

[3] كما عن المنتهى ، وجامع المقاصد ، ومجمع البرهان ، والمعالم ، والدلائل ، بل عن روض الجنان ذلك ، إلا أنه قال : « إن لم يثبت إجماع على خلافه ». وعن الإرشاد النجاسة ، وعن حاشيته للكركي : أنه المشهور وكذا عن روض الجنان ، وفي الكفاية ، وعن الصدوقين : المنع من جواز التطهير بها ، وعن النهاية والسرائر : « لا يجوز استعمالها على حال » ، بل عن السرائر : أنه إجماع ، وقد وردت به عن الأئمة آثار معتمدة ، قد أجمع الأصحاب عليها لا أجد من خالف فيها انتهى. وقد استظهر من عبارتي النهاية والسرائر الطهارة. كما أن عبارات المعتبر لا تخلو من اضطراب ، فبعضها ظاهر في النجاسة ، إلا أن يعلم بخلوها عن النجاسة ، وبعضها ظاهر في الطهارة إلا أن يعلم بملاقاة النجاسة. وكيف كان فلا ينبغي التأمل في النجاسة إذا علم بملاقاتها للنجاسة ، كما لا ينبغي التأمل في الطهارة مع العلم بعدم ملاقاتها لها. وما في عبارة النهاية والسرائر من قولهما : « لا يجوز


استعمالها على حال » غير ظاهر في المنع ، حتى مع العلم بعدم الملاقاة للنجاسة وان كان ظاهر المعتبر أنه فهم ذلك ، لكنه ينافيه تمسك السرائر بالرواية وليس في الروايات ما يدل على ذلك. فكأن المراد من قولهما : « على حال » يعني : حال الاختيار والضرورة ، أو نحو ذلك.

وكيف كان فالروايات الواردة في الباب - كرواية حمزة بن أحمد ، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) وفيها : « ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب ، وولد الزنا ، والناصب لنا - أهل البيت - وهو شرهم » ونحوها رواية محمد بن علي بن جعفر ، ورواية علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (عليه السلام) : ومرسلة الكافي عن ابن جمهور عن محمد بن القاسم عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : وموثقة ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام)(1)- مع اشتمال بعضها على الجنب من الحرام ، أو من الزنا ، وبعضها على غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي - غير صالحة لإثبات النجاسة ، للاقتصار فيها على النهي عن الاغتسال. وهو أعم من النجاسة. ولا سيما بملاحظة أن ماء غسل الجنب - حتى من الحرام - طاهر. ولا سيما أيضاً بملاحظة اشتمالها على التعليل : بأن ولد الزنا لا يطهر إلى سبعة آباء ، فان ذلك كله شاهد على الخبث المعنوي لا النجاسة. ولا ينافي ذلك ذكر الناصب واليهودي والنصراني والمجوسي فيها لإمكان طهارة الماء المجتمع ، لاتصاله بما يجري عليه من أرض الحمام المتصل بما في الحياض المتصل بالمادة.

ولو بني على الغض عن ذلك ، كانت الروايات مختصة بصورة الملاقاة للنجاسة ، فالاستدلال بها على النجاسة في صورة الشك في ملاقاة النجاسة غير ظاهر ، فضلا عن صورة العلم بعدم الملاقاة لها. ولو فرض كون


1) راجع الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل ، تجدها بأجمعها هناك.


موردها صورة مظنة الملاقاة - كما لا يبعد - اختصت الدلالة على النجاسة بالصورة المذكورة ، فلا تشمل صورة الاحتمال البعيد ، فضلا عن صورة العلم بالعدم.

هذا كله مضافا إلى معارضتها بمرسلة أبي يحيى الواسطي ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) : « سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب قال (عليه السلام) لا بأس » (1)اللّهم إلا أن يشكل بضعف السند بالإرسال ، وعدم ثبوت الجابر. فالعمدة حينئذ مفاد النصوص المتقدمة.

والمتحصل مما ذكرنا : أن مقتضى الجمود على ما تحت عبارة النصوص أنها في مقام جعل حكم واقعي للماء الذي يغتسل به الجنب من الحرام وغيره من الموارد المذكورة فيها ، وهو النهي عن الاغتسال به ، ولو مزج بغيره واتصل بالمادة. لخباثته المعنوية. ونجاسة بعض الموارد المذكورة فيها لا تقدح لاحتمال طهارة الماء المجتمع منها ، لاتصاله بالمادة ، فإن الاحتمال كاف في ذلك ، لإجمال حال الحمامات الكائنة في زمان صدور النصوص الشريفة المذكورة ، التي هي الملحوظة ظاهراً في هذه النصوص - كما تقدم ذلك في مباحث ماء الحمام - ولا سيما مع جريان العادة بذلك ، فإنها قاضية باتصال ماء الغسالة بالمادة غالباً. وقد يظهر ذلك من بعض النصوص أيضاً. ويشهد بذلك أنه قد تقدم عدم جواز الاغتسال بما يغتسل به الجنب مطلقاً ، ولو كان من الأولياء الصالحين ، فتعليل النهى عن الاغتسال بما ذكر من الجهة العرضية ، يقتضي عدم وجود الجهة الذاتية ، لخلو مورد النصوص عنها.

وبالجملة : لو كان المانع هو النجاسة لم يكن وجه لذكر الجنب ولو من الحرام ، فان غسالته طاهرة إجماعا ، ولو كان من جهة أنه ماء غسل


1) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 9.

[ مسألة 4 ] : يستحب رش الماء [1] إذا أراد أن يصلي في معابد اليهود والنصارى


الجنابة ، لم يكن وجه للتعليل بكونه غسالة الناصب واليهودي ونحوهما ، فلا بد أن يكون المنع لجهة أخرى ، ولا يكون ذلك إلا لخروجها عن مورد الحكمين المذكورين - أعنى : عدم جواز الاغتسال بالنجس ، وعدم جواز الاغتسال بغسالة الجنب - بأن تكون الغسالة متصلة بالمادة معتصمة ، فلا تكون مورداً للحكمين المذكورين. ولو بني على ملاحظة المناسبات الخارجية العرفية المقتضية لصرف الكلام عن صورة العلم ، وأن موردها صورة المعرضية لذلك ، فمفادها حكم ظاهري ، وهو أيضاً مجرد المنع عن الاغتسال ظاهراً فالاستدلال بها على النجاسة غير واضح.

ويحتمل - قويا - أن يكون المراد من الاغتسال مجرد غسل البدن ويكون المقصود من النهي الردع عما كان عليه بناء المخالفين ، من الاستشفاء بذلك الماء المجتمع ، كما ذكر في بعض الروايات (1). ويؤيد ذلك أن من البعيد جداً أن يحصل داع إلى الاغتسال العبادي بذلك الماء المجتمع ، مع ما هو عليه من الاستقذار والاستنفار مع تهيؤ الماء النزيه كما هو الغالب ، لو لم يكن دائما ، فليس الغسل بهذا الماء إلا لدواع أخرى من العلاج ، أو الاستشفاء. وقد شاهدنا كثيراً من الناس في الأيام القريبة يعتقدون أن في ماء خزانة الحمام علاج القروح والجروح ، فالمظنون - قويا - أن النصوص المذكورة واردة للزجر عن هذا التوهم ، وليست في مقام جعل حكم شرعي. فلاحظ.

[1] في صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) : « سألته عن الصلاة في البيع ، والكنائس ، وبيوت المجوس. فقال (عليه السلام) : رش وصل » (2)


1) الوسائل باب : 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 2.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب مكان المصلي حديث : 4.

يصلي في معابد اليهود والنصارى [1] مع الشك في نجاستها ، وان كانت محكومة بالطهارة.

[ مسألة 5 ] : في الشك في الطهارة والنجاسة لا يجب الفحص [2] ، بل يبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة ولو أمكن حصول العلم بالحال في الحال.

فصل

طريق ثبوت النجاسة أو التنجس العلم الوجداني ، أو البينة العادلة [3] وفي كفاية العدل الواحد إشكال [4]. فلا


ونحوه غيره. والظاهر التسالم على استحباب الرش ، كاختصاصه بصورة توهم النجاسة.

[1] وبيوت المجوس ، كما في النص المتقدم.

[2] الظاهر أنه إجماع لإطلاق موثق عمار المتقدم (1)، ونحوه مما دل على قاعدة الطهارة ، من دون ما يوجب تخصيصه بما بعد الفحص كما ثبت في بعض الموارد.

فصل

[3] بناء على عموم حجيتها للمقام ، كما تقدم تقريبه في مباحث المياه (2).

[4] تقدم وجهه هناك أيضاً.


1) تقدم في المسألة الثانية من مبحث نجاسة عرق الإبل الجلالة.

2) تقدم الكلام في جميع الطرق في مسألة : 6 من الفصل المتعرض فيه لأحكام البئر.

يترك مراعاة الاحتياط. وتثبت أيضاً بقول صاحب اليد [1] ، بملك ، أو إجارة ، أو إعارة ، أو أمانة ، بل أو غصب ، ولا اعتبار بمطلق الظن [2] ، وان كان قويا ، فالدهن ، واللبن والجبن المأخوذ من أهل البوادي ، محكوم بالطهارة [3] ، وان حصل الظن بنجاستها. بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها [4] ،


[1] تقدم في مباحث المياه الكلام في وجهه. وأن العمدة فيه السيرة. مضافا في بعض الموارد إلى بعض النصوص الواردة فيه ، كالنصوص الواردة في البختج ، والواردة في إقرار ذي اليد ، بأن ما في يده لغيره فراجع.

[2] لأصالة عدم الحجية. وقد تقدم في مباحث المياه نقل القول باعتباره عن النهاية والحلبي. وتقدم وجه ذلك وضعفه.

[3] لاستصحاب الطهارة.

[4] لا إشكال في رجحان الاحتياط عقلا ، لأنه انقياد الى المولى سبحانه. نعم قد يزاحم الاحتياط من جهة الاحتياط من جهة أخرى ، مساو له ، فلا يكون الاحتياط راجحاً عقلا ، أو أهم ، فيكون الأول مرجوحا عقلا. وقد ينطبق عليه عنوان مكروه أو يؤدي الاحتياط اليه ، فيكون مكروها شرعا. أو ينطبق عليه عنوان محرم ، أو يؤدي إليه ، فيكون حراما شرعا. ومنه أن يؤدي الى الوسواس المؤدي إلى العمل على طبقه ، فان الظاهر أنه لا إشكال في حرمة العمل على طبق الوسواس ، فيحرم الوسواس نفسه إذا كان يؤدي الى العمل على طبقه كما هو القاعدة في كل فعل يعلم بترتب الحرام عليه ولو بالاختيار. مثل ما إذا علم أنه إذا دخل مجلس الشراب يختار شرب المسكر ، فإنه يحرم الدخول إلى المجلس حينئذ. وكذلك في المقام إذا علم أنه إذا حصل له الوسواس عمل

بل قد يكره ، أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواس [1].

[ مسألة 1 ] : لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة والنجاسة [2].


على طبقه فيحرم عليه حصول الوسواس ، فيحرم ما يؤدي إليه.

[1] مجرد المعرضية للمقدمية للحرام لا توجب حرمة المقدمة ، إلا أن يكون الحرام بالغا في الاهتمام حدا يستوجب الحذر من الوقوع فيه ، ومنه الضرر في النفس ، فان الظاهر التسالم على حرمة ما يظن ترتب الضرر عليه فلاحظ كلماتهم في كتاب الصوم. بل ظاهر صحيحة حريز : « الصائم إذا خاف على عينه من الرمد أفطر » (1)وجوب الإفطار بمجرد احتمال الضرر ، احتمالا معتدا به ، بنحو يصدق معه الخوف. اللّهم إلا أن يكون الأمر بالإفطار للرخصة ، لكون المورد من موارد توهم الحرمة ، فلا تدل الصحيحة على الوجوب. هذا وثبوت الأهمية لحرمة الوسواس على نحو يستوجب الحذر غير ظاهر. كما أن كون الوسواس من قبيل الضرر على النفس الذي يحرم الوقوع فيه لا يخلو من تأمل.

[2] الوسواس من الحالات النفسانية ذات المراتب المختلفة. والظاهر أن أول مراتبه يمنع من إذعان النفس بالمعلومات مع حصول العلم بها ، وأعلى منه أن يمنع من حصول العلم من أسبابه الحاصل له في المتعارف ، وأعلى منه أن يوجب حصول العلم بالخلاف من أسباب خيالية غير حاصلة في الخارج ، مثل ما يحكى عن بعض أهل الوسواس من أنه يطهر يده من فوق السطح إلى أرض الدار ، فيعلم أن الماء النازل من يده الى الأرض قد نزى فأصاب بعض جسده. ومثل هذا العلم هو محل الكلام في هذه المسألة ، فنقول : قد تحقق في محله أن العلم بذاته حجة - عقلا - تستوجب مخالفته


1) الوسائل باب : 19 من أبواب ما يصح منه الصوم حديث : 1.

[ مسألة 2 ] : العلم الإجمالي كالتفصيلي [1] ، فاذا علم


استحقاق العقاب في نظر العقل ، ويمتنع الردع عنه في نظر العالم ، وان كان مخالفاً للواقع في نظر الرادع ، فالردع عن العمل بعلم الوسواسي بالنسبة إلى عمل نفسه لا بد أن يكون من جهة طروء عنوان يستوجب تبدل الواقع عن حكمه إلى حكم آخر ، فيكون الواقع موضوعا للحكم إلا في حال الوسواس ، فيكون له حكم آخر ، نظير العناوين المأخوذة موضوعات للأحكام الثانوية. فشرب النجس - مثلا - في نفسه حرام ، لكن كما أنه إذا اضطر اليه يجب ، كذلك إذا كان المكلف وسواسيا ، فإنه يجب عليه أن يشرب النجس ، وان علم أنه نجس. وأما بالنسبة إلى عمل غيره فمرجع عدم اعتبار علمه الى عدم اعتبار شهادته ، فاذا شهد بالنجاسة - مثلا - لم تكن شهادته حجة. والعمدة في الأول - مضافا الى ظهور الإجماع - ما ورد من النصوص المتضمنة لقولهم (عليهم السلام) : « لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة » وهي مذكورة في حكم كثير الشك من مباحث الخلل (1)وفي صحيح ابن سنان : « ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة ، وقلت : هو رجل عاقل. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : وأي عقل له وهو يطيع الشيطان؟! فقلت له : وكيف يطيع الشيطان؟! فقال (عليه السلام) : سله هذا الذي يأتيه من أي شي‌ء هو؟ فإنه يقول لك : من عمل الشيطان » (2)والوجه في الثاني انصراف دليل حجية الشهادة عن مثل ذلك.

[1] يعني : في كونه طريقاً عند العقلاء لإثبات متعلقه ، بنحو تكون مخالفته معصية موجبة لاستحقاق العقاب عندهم ، والترخيص فيها ترخيصاً في المخالفة للواقع المنجز فيمتنع للزوم التناقض ، ونقض الغرض. بل الظاهر


1) راجع الوسائل باب : 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 1.

بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما ، إلا إذا لم يكن أحدهما محلا لابتلائه ، فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضاً [1].


كونه علة تامة في وجوب الموافقة القطعية ، والتفكيك بينه وبين حرمة المخالفة القطعية في غير محله ، لأن الترخيص في أحد الأطراف ترخيص في محتمل الواقع المنجز وهو ممتنع ، كالترخيص في معلوم الواقع كذلك. غاية الأمر أن الثاني مناف لذات الخطاب ، والأول مناف لإطلاق الخطاب المعلوم كذات الخطاب ، كما هو موضح في محله من كتابنا حقائق الأصول فراجع.

[1] قد ذكر في محله أن من شرائط تنجيز العلم الإجمالي للتكليف أن يكون كل من الأطراف في محل الابتلاء ، فاذا كان أحدهما خارجا عن محل الابتلاء ، لا يكون المعلوم بالإجمال متنجزاً ، ولا يجب الاحتياط في الطرف الذي هو محل الابتلاء.

والوجه فيه : أن الموضوع الخارج عن محل الابتلاء مما لا يصح اعتبار التكليف والتحميل من الخطاب بالاجتناب عنه ، ولأجل ذلك لا يحسن أن يخاطب به لأن الغرض من الخطاب إحداث الداعي العقلي في نفس العبد ، على نحو يرى نفسه لأجل الخطاب بالاجتناب مكلفاً ومثقلا به ، ومشغول الذمة والعهدة ، وهذه الاعتبارات غير حاصلة بالنسبة إلى ما هو خارج عن الابتلاء. فهذا الشرط في الحقيقة راجع إلى كونه شرطا في اشتغال الذمة لا شرطا للتكليف.

وتوضيح ذلك : أن انتفاء التكليف [ تارة ] : لعدم المقتضي ، كما في المباحات الخالية عن المفسدة. [ واخرى ] : لوجود المانع ، كما إذا كان الشي‌ء فيه مفسدة ، ولكن فيه مصلحة مزاحمة لها وتشترك الجهتان في أن انتفاء التكليف لقصور فيه وفي ملاكه ، ولا فرق في المصلحة


المزاحمة بين أن تكون نفسية ، بأن كان ينطبق على الحرم عنوان واجب وأن تكون غيرية ، بأن كان الحرام مقدمة لواجب ، كما في موارد الاضطرار الى الحرام. أما إذا كانت المصلحة ليست موجودة في نفس الحرام ، بل كانت في ضده ، كان المورد من موارد التزاحم ، ودخل في حكم مسألة الضد التي لا قصور في حصول الملاك في كل من الطرفين فيها. [ وثالثة ] : لقصور في المكلف كما في موارد انتفاء القدرة ، فإن الموضوع وان كان مشتملا على مفسدة بلا مزاحم ، إلا أن العجز عنه مانع عن حدوث التكليف به وان كان التكليف واجدا لملاكه. [ ورابعة ] : يكون لقصور في المكلف به لخروجه عن محل الابتلاء. وتشترك هاتان الجهتان الأخيرتان في أن دخلهما في الحقيقة في باعثية التكليف لا في ذاته ، وبخلافهما الجهتان الأولتان ، فان دخلهما في ذاته. فالدخول في محل الابتلاء والقدرة ليس لهما دخل في ذات التكليف ، وإنما دخلهما في الاشتغال والثبوت في العهدة فينتفي ذلك عند انتفاء أحدهما ، وان كان التكليف بحاله. نظير وجود الحجة على التكليف ، فكما أنه لا يتوقف عليه التكليف نفسه ، وانما يتوقف عليه اشتغال الذمة به ، كذلك الدخول في محل الابتلاء والقدرة ، فالخطاب بالاجتناب عن النجس نسبته الى الداخل في الابتلاء وغيره والمقدور وغيره ، نسبة واحدة ، وكما أنه حاك عن الكراهة في الأول منهما حاك عنها في الثاني أيضاً ، فهما لا يختلفان من حيث تعلق التكليف ، وانما يختلفان من حيث أن العلم بالتكليف موجب في الأول منهما للاشتغال ، بحيث يرى المكلف نفسه في كلفة وعهدة مشغولة ، وليس كذلك في الثاني بل يكون حاله بعد العلم حاله قبل العلم.

فان قلت : الخارج عن الابتلاء خارج عن القدرة ، فشرطية عدم الخروج عن الابتلاء في تنجيز العلم الإجمالي راجع الى شرطية القدرة على كل


من الطرفين ، فما الوجه في جعله مقابلا له؟ [ قلت ] : ما ذكر ممنوع فان البعد الموجب لخروج الشي‌ء عن محل الابتلاء للمكلف لا يوجب سلب قدرته عليه ، لأن المقدور بالواسطة مقدور. ولذا صح التكليف بالحج لأهل الصين ، ولا يصح نهيهم عن استعمال الإناء الذي في مكة ، إذا لم يكونوا في مقام السفر الى الحج. أما إذا كانوا في مقام السفر الى الحج كان الإناء الذي في مكة محل ابتلائهم ، فيصح نهيهم عنه.

هذا وإذا عرفت أن خروج بعض أطراف المعلوم بالإجمال عن محل الابتلاء مانع من تنجيز العلم لذلك المعلوم بالإجمال ، يكون الطرف الآخر المعلوم بالإجمال من قبيل الشبهة البدوية ، فيتعين الرجوع فيه الى الأصل الموضوعي أو الحكمي.

ثمَّ إنه إذا شك في حصول شرط القدرة أو كونه محل الابتلاء ، فإطلاق الخطاب لا يصلح لنفي الشك المذكور ، لأن منع العجز والخروج عن محل الابتلاء عن التكليف ليس شرعيا بل هو عقلي ، فالخطاب الشرعي لا ينفيه ولا يتعرض له بوجه ، فمع الشك في المانعين المذكورين ونحوهما ، لا مجال للرجوع إلى إطلاق الخطاب. نعم الأصل العقلائي يقتضي الاحتياط حينئذ.

فإن قلت : إذا خرج بعض أطراف الشبهة عن محل الابتلاء فقد شك في خروج المعلوم بالإجمال عن محل الابتلاء ، ويجب الاحتياط حينئذ في الفرد الذي هو محل الابتلاء [ قلت ] : الشك في مثل الفرض ليس موضوعا لأصالة الاحتياط العقلائية المتقدمة ، لاختصاصها بصورة الشك البدوي في الخروج عن محل الابتلاء ، فلا تشمل مثل الفرض فلاحظ. نعم بناء على أن المرجع الإطلاق يشكل الفرق بين الفرضين. ومثله الكلام مع خروج بعض الأطراف عن القدرة. اللّهم إلا أن يقال : الإطلاق حجة عند الشك في أصل التخصيص بنحو الشبهة البدوية ، لا في مثل الفرض

[ مسألة 3 ] : لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها [1]. نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها [2].

[ مسألة 4 ] : لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة [3].


مما علم فيه بوجود الخاص وشك في انطباقه على المورد.

[1] لإطلاق دليل الحجية.

[2] لامتناع عموم الدليل للمتعارضين ، لتكاذبهما ، فيكون جعل الحجية لهما موجبا للتعبد بالنقيضين ، وهو ممتنع. ولأجل ذلك كان الأصل في المتعارضين التساقط ، إلا أن يقوم دليل على خلافه ، كما ورد في الخبرين المتعارضين ، حيث دلت الأدلة الخاصة على الترجيح مع وجود المرجح ، وعلى التخيير مع عدمه.

[3] كما هو ظاهر كل من أطلق اعتبار البينة. وفي التذكرة : « لا تقبل إلا بالسبب لجواز أن يعتقد أن سؤر المسوخ نجس » وعن أبي العباس والصيمري ذلك أيضاً. [ وفيه ] : أن احتمال الخطأ في المستند ملغى بأصالة عدم الخطأ المعول عليها عند العقلاء في مقام العمل بالخبر ، كما يشهد به استقرار سيرة العقلاء والمتشرعة على عدم الفحص والسؤال عن مستند الخبر ، بينة كان أو خبر واحد ، وموضوعا كان المخبر به أو حكما.

فان قلت : أصالة عدم الخطأ في الحدسيات لا يعول عليها عندهم إلا في موارد خاصة ، كباب رجوع العامي إلى المجتهد في الأحكام الكلية ، وباب الرجوع الى أهل الخبرة في التقويم. ونحو ذلك ، وليس منه المقام. [ قلت ] : أصالة عدم الخطأ في الحدس [ تارة ] : يرجع إليها لإثبات الواقع المجهول ، فتكون طريقاً اليه. [ وأخرى ] : يرجع إليها لإثبات أن ما يعتقده المخبر هو الواقع مع العلم بالواقع. [ فتارة ] : تكون طريقاً إلى معرفة الواقع المجهول مع العلم بالمعتقد. [ وأخرى ] : تكون طريقا

نعم لو ذكرا مستندها ، وعلم عدم صحته ، لم يحكم بالنجاسة [1].

[ مسألة 5 ] : إذا لم يشهدا بالنجاسة ، بل بموجبها كفى ، وان لم يكن موجباً عندهما أو عند أحدهما. فلو قالا : إن هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة ، كفى عند من يقول بنجاستهما [2] وان لم يكن مذهبهما النجاسة.

[ مسألة 6 ] : إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما كفى في ثبوتها [3] وان لم تثبت الخصوصية ، كما إذا قال


إلى معرفة المعتقد المجهول مع العلم بالواقع. والتي لا تكون حجة إلا في الموارد المخصوصة هي الأولى ، أما الثانية فهي حجة مطلقاً ، كما عرفت من سيرة العقلاء والمتشرعة.

[1] لأن العلم بالخطإ مانع من الرجوع إلى أصالة عدم الخطأ ، كما أنه مانع من عموم دليل الحجية لو كان متكفلا لإلغاء احتمال الخطأ. كما هو متكفل لإلغاء احتمال تعمد الكذب.

[2] لأنه يكفي في وجوب العمل بالحجية كون مؤداها ذا أثر شرعي في نظر من قامت عنده الحجة. بل في الأمارات يكفي ثبوت مدلول التزامي يترتب عليه الأثر الشرعي وان كانت الدلالة الالتزامية بنظر من قامت عنده لا غير ، فعدم الأثر الشرعي للمشهود به في نظر الشاهد ، وعدم الدلالة الالتزامية في نظره لا يقدح في وجوب العمل بالشهادة ، إذا كان المشهود عنده يرى ذلك.

[3] المراد من البينة التي هي موضوع الحجية شهادتا العدلين ، ويعتبر فيها أن تكون كل منهما حاكية عن الواقع الذي تحكيه الشهادة الأخرى ، فلا بد أن تكون قضية واقعية محكية بكل من الشهادتين ، فاذا تحقق ذلك


وجب العمل بالشهادة. سواء اكان هناك اختلاف بين الشاهدين في بعض الخصوصيات الخارجية الزائدة على ما به الاتفاق بينهما أم لا. فاذا اتفقا على وقوع قطرة من الدم في الإناء ، واختلفا في كون ذلك الدم أسود أو أصفر أو أنه كان من الرعاف أو من الأسنان. أو في الليل كان وقوعه أو في النهار ، أو في غير ذلك من الخصوصيات. لم يضر هذا الاختلاف في وجوب العمل على ما به الاتفاق ، لكون القضية الخارجية الواقعية - أعنى ملاقاة الماء للدم - تحكيها كل من شهادة الشاهدين ، فتكون مؤدى البينة التي هي حجة.

وأما إذا كان الوقع الذي يحكيه أحدهما ويشهد به غير ما كان يحكيه الآخر ويشهد به ، فلم يكن الواقع محكيا بالبينة ، بل كان واقعان ، أحدهما يشهد به أحد الشاهدين ، وثانيهما يشهد به الشاهد الآخر ، فلا يجوز العمل بالشهادتين حينئذ ، لعدم قيام البينة على شي‌ء. ومجرد جواز انتزاع أمر واحد من ذينك الواقعين المحكيين غير كاف في تحقق البينة على شي‌ء ، لأن ذلك الأمر الانتزاعي ليس مشهودا به ، ولا مخبرا عنه. فلو شهد أحدهما بوقوع قطرة من رعافه في إناء ، وشهد الآخر بوقوع قطرة من رعاف نفسه أيضاً في ذلك الإناء لا يحكم بنجاسة الإناء ، لعدم حكاية الشهادتين عن أمر واحد ، إذ شخص النجاسة الذي يشهد به أحدهما غير الشخص الذي يشهد به الآخر ، والقضية الواقعية التي تحكيها إحدى الشهادتين غير القضية التي تحكيها الشهادة الأخرى ، والأمر الانتزاعي من القضيتين الخارجيتين غير مشهود به. فالشهادات المختلفة [ تارة ] : تنحل إلى قضيتين إحداهما متفق عليها بين الشهود ، وتحكيها الشهادتان جميعاً ، وثانيتهما مختلف فيها [ واخرى ] : لا تنحل إلى ذلك ، بل ليس المحكي بها إلا قضية واحدة وقع الاختلاف فيها فأحد الشاهدين يشهد بواقع لها ، والآخر يشهد بواقع آخر ، وكل واحد

أحدهما : إن هذا الشي‌ء لاقى البول ، وقال الآخر : إنه لاقى الدم ، فيحكم بنجاسته. لكن لا تثبت النجاسة البولية ولا الدمية ، بل القدر المشترك بينهما. لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الآخر [1] بأن اتفقا على أصل النجاسة. وأما إذا نفاه - كما إذا قال أحدهما انه لاقى البول ، وقال الآخر : لا بل لاقى الدم - ففي الحكم بالنجاسة إشكال.


من الواقعين ليس موردا لشهادتين ، بل هو مورد لشهادة واحدة لا غير. ومن ذلك تعرف تعين التفصيل في الفرض المذكور ، وانه إن كان الاختلاف على النحو الأول حكم بالنجاسة ، وإن كان على النحو الثاني لا يحكم بها.

[1] قد عرفت المعيار في القبول وعدمه ، ولا دخل للنفي وعدمه فيه نعم إذا كان الاختلاف على النحو الأول فلا بد أن يكون كل من الشاهدين نافيا لما يشهد به الآخر ، لأن الواقعة الواحدة لا تقبل اجتماع الخصوصيتين المتنافيتين ، فاذا شهدا بوقوع قطرة من دم زيد في الإناء ، واختلفا في أنها غليظة أو رقيقة ، فالشهادة بالأول شهادة بنفي الثاني بالالتزام ، كما أن الشهادة بالثاني كذلك. فنفي الأول [ تارة ] : يكون مصرحا به ، بأن يقول أحدهما : القطرة ليست غليظة بل رقيقة [ وأخرى ] : يكون مدلولا عليه بالالتزام لا غير ، فان لازم كونها غليظة أنها ليست رقيقة. وأما إذا كان الاختلاف على النحو الثاني ، فقد يكون أحدهما نافيا لقول الآخر بأن يحصل لأحد الشاهدين من باب الإنفاق العلم بخطإ صاحبه ، وقد لا يحصل بأن يحتمل صدقه وكذبه.

ومن ذلك يظهر أن قول المصنف [رحمه اللّه] : « هذا إذا لم ينف ... » قرينة على كون الاختلاف المفروض في هذه المسألة ما هو من النحو الثاني

[ مسألة 7 ] : الشهادة بالإجمال كافية أيضا [1] ، كما إذا قالا : أحد هذين نجس ، فيجب الاجتناب عنهما. وأما لو شهد أحدهما بالإجمال والآخر بالتعيين - كما إذا قال أحدهما : أحد هذين نجس ، وقال الآخر هذا معينا نجس - ففي المسألة وجوه : وجوب الاجتناب عنهما ، ووجوبه عن المعين فقط ، وعدم الوجوب أصلا [2].


الذي لا تقبل فيه شهادة الشاهدين.

[1] مع اتحاد الواقعة ، كما إذا كانا حاضرين في مكان - مثلا - ووقعت قطرة بول في إناء مردد عندهما بين إناءين. أما مع تعدد الواقعة ، كما إذا كان أحد الشاهدين في مكان وعلم بوقوع قطرة من البول في أحدهما المردد ثمَّ حضر الآخر في ذلك المكان ، واعتقد وقوع قطرة من البول في أحدهما المردد أيضاً ، فالظاهر عدم قبول الشهادتين ، لعدم تصادقهما كما عرفت. وكذا لو علم أحدهما بنجاسة إناء زيد ، وعلم الآخر بنجاسة إناء عمرو ، واشتبه كل من الإناءين بالآخر في نظر كل منهما ، فشهادة كل منهما بأن أحد الإناءين نجس لا أثر لها لعدم الاتفاق بينهما.

[2] كأن وجه الأول : أن خصوصية المعين لما لم تثبت بخبر الواحد اقتصر على غير المعين ، فيجب الاحتياط. ووجه الثاني : أن الطرف الآخر لم يقم ما يوجب تنجزه ، لأن الشهادة بالمعين لا تقتضيه ، والشهادة بالمردد واحدة ، لا بينة. ووجه الثالث : عدم قيام الحجة لا على المعين ولا على المردد ، وما تقدم من أن عدم ثبوت التعيين يقتضي الاقتصار على غير المعين غير ظاهر. لكن هذه الوجوه كلها ضعيفة ، والمتعين التفصيل بين أن تكون الشهادتان حاكيتين عن واقعة واحدة - بأن يكون الشاهدان في مكان واحد مثلا ، فتقع قطرة من الدم في أحد الإناءين ، ويكون أحد الشاهدين

[ مسألة 8 ] : لو شهد أحدهما بنجاسة الشي‌ء فعلا ، والآخر بنجاسته سابقاً مع الجهل بحاله فعلا ، فالظاهر وجوب الاجتناب [1].


جاهلا بالتعيين والآخر عالما به - فيجب الاحتياط حينئذ ، والاجتناب عن جميع الأطراف ، لرجوع شهادة الثاني إلى تعيين ما يشهد به الأول مع موافقته في الشهادة به ، فقد تحقق قيام البينة على الواحد المردد ولم يثبت تعيينه. وان كانتا حاكيتين عن واقعتين - بأن شهد أحدهما بأنه وقع من دم رعافه قطرة في إناء معين من دون علم الشاهد الآخر بذلك ، بل هو يشهد بأنه وقع من دم رعاف نفسه قطرة في أحد الإناءين المردد عنده بينهما ، والشاهد الأول لا يعلم بهذه الواقعة - فلا يجب الاحتياط ، لعدم قيام حجة على واقعة من إحدى الواقعتين.

[1] كأن وجهه : أن لازم شهادة الثاني نجاسته فعلا بالاستصحاب ومؤدى شهادة الأول نجاسته واقعاً فعلا ، فيكون مجموع الشهادتين حاكيا عن أحد الأمرين من النجاسة الفعلية الواقعية والظاهرية ، واللازم المشترك بينهما وجوب الاجتناب. هذا إذا لم يعلم ببقاء نجاسته فعلا على تقدير ثبوت نجاسته سابقاً ، وإلا كان لازم شهادة الثاني نجاسته فعلا ، فتكون النجاسة في الحال مشهوداً بها لهما ، لأحدهما بالمطابقة ، وللآخر بالالتزام.

وفيه : أن شهادة كل من الشاهدين لما كانت حاكية عن واقعة لا تحكيها شهادة الآخر لم تكن كل من الواقعتين محكية بالبينة ، بل كانت محكية بخبر الواحد ، فلم تقم عليها حجة. نعم لو كانت كل من الشهادتين منحلة إلى الشهادة بأمرين ، بأن اتفقا على نجاسة الإناء واختلفا في تعيين الزمان ، فأحدهما يشهد بأنها في الزمان السابق ، والآخر بأنها في الزمان الحالي ، فقد علم تعبداً بنجاسة الإناء سابقاً أو فعلا ، وحينئذ يجري الاستصحاب في إثباته فعلا. وإن كان

وكذا إذا شهدا معاً بالنجاسة السابقة ، لجريان الاستصحاب [1]


يشكل ذلك بعدم اليقين بالثبوت سابقاً ، كي يستصحب. إلا أن يقال : يكفي اليقين الإجمالي به وفيه تأمل ظاهر ، لأن اليقين الإجمالي إنما يصحح الاستصحاب في الأمر الإجمالي إذا كان مشكوك البقاء على كل من احتمالاته ولا يصحح الاستصحاب بالنسبة إلى أحد الاحتمالات بعينه ، لعدم اليقين بالإضافة اليه. أما لو كان الشاهد بالنجاسة فعلا يشهد بالنجاسة سابقاً أيضاً كان المورد من قبيل الفرض الآتي. كما أنه في صورة العلم بالبقاء على تقدير الثبوت سابقاً التي ذكرناها آنفاً ، لا يبعد القبول من جهة انضمام الشهادة الالتزامية إلى الشهادة من الآخر بالمطابقة ، كما عرفت. وان كان لا يخلو من إشكال ، لاحتمال اختصاص الحجية في المدلول الالتزامي بصورة تحقق الحجية وهي مفقودة في شهادة الواحد.

[1] لأن البينة بمنزلة اليقين ، فيتحقق ركنا الاستصحاب ، أعني : اليقين بالثبوت ، والشك في البقاء. وكذا لو بني على أن مفاد أدلة الاستصحاب إثبات الملازمة بين الحدوث والبقاء ، وان لم يحصل اليقين بالحدوث - كما ذكره الأستاذ [قدس سره] في الكفاية - فإذا قامت البينة على النجاسة سابقاً فقد دلت بالالتزام على النجاسة ظاهراً فعلا ، فتكون حجة في إثبات النجاسة الظاهرية فعلا. لكنه خلاف ظاهر أدلة الاستصحاب المستفاد منها اعتبار اليقين بالثبوت في جريانه ، فما لم يحصل اليقين لا تكون ملازمة بين الحدوث والبقاء

كما أنه لا إشكال في جريانه لو قيل : بأن مفاد أدلة الحجية ثبوت أحكام ظاهرية هي عين الواقع على تقدير المصادفة للواقع ، فان قيام البينة على النجاسة السابقة يستدعي ثبوت نجاسة ظاهرية هي عين الواقع على تقدير المصادفة وغيره على تقدير المخالفة ، فإن كانت غيره فهي مرتفعة ، لعدم قيام الحجة في الزمان اللاحق ، وإن كانت عينه فهي باقية قطعاً ، أو محتملة البقاء


والارتفاع ، وحينئذ يجري الاستصحاب الجاري في القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي. لكن في كون الأثر للكلي إشكالا ، لأن التنزيل يقتضي كون الأثر لخصوص ذي المنزلة ولخصوص المنزل منزلته ، إذ لا معنى للتنزيل فيما إذا كان الأثر للجامع بين ذي المنزلة والمنزل منزلته ، فيكون المقام من استصحاب الفرد المردد بين فردين أحدهما معلوم الزوال ، والآخر معلوم البقاء أو محتمله ، وقد تحقق في محله عدم جريانه.

هذا ولو قيل : بأن الأحكام الظاهرية مجعولة في قبال الأحكام الواقعية على تقدير المخالفة والمصادفة. امتنع جريان الاستصحاب ، لأن استصحاب الحكم الواقعي ممتنع ، لعدم اليقين بالثبوت ، واستصحاب الحكم الظاهري ممتنع ، للعلم بالارتفاع ، لما عرفت من أن المجعول الظاهري موافق لمفاد الحجة والمفروض أن الحجة - أعني البينة - إنما تضمنت الثبوت سابقاً لا أكثر ، فالمجعول ظاهراً هو الثبوت سابقاً لا أكثر ، ففي الحال لا جعل فلا مجعول فالحكم الظاهري معلوم الارتفاع ، فإجراء الاستصحاب يكون من قبيل إجرائه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي ، المحقق في محله عدم جريانه. مضافاً الى الإشكال المتقدم في كون الأثر للكلي.

والمتحصل مما ذكر : أن جريان الاستصحاب فيما لو قامت البينة على الحدوث سابقاً يتوقف إما على القول بكون دليل حجية البينة يدل على كونها بمنزلة العلم ، أو على القول بكون مفاد دليل الاستصحاب محض الملازمة بين الحدوث والبقاء وإن لم يعلم الحدوث. أو على جريان الاستصحاب في الفرد المردد. أو على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي ، بناء على أن الأثر في المقام للكلي ، على اختلاف المباني في ثبوت الأحكام الظاهرية وكيفية جعلها. هذا والمحقق في محله أن أدلة حجية الامارات تدل على كونها بمنزلة العلم. ويشهد به قول العسكري (عليه السلام)

[ مسألة 9 ] : لو قال أحدهما : إنه نجس ، وقال الآخر : إنه كان نجساً والآن طاهر ، فالظاهر عدم الكفاية [1] ، وعدم الحكم بالنجاسة.


حينما سئل عن العمري وابنه [ قدهما ] : « ما أديا إليك عني فعني يؤديان ، وما قالا لك عني فعني يقولان » (1)، فإنه ظاهر في تنزيل نفس الأداء والقول ، زائداً على تنزيل المؤدى والمقول. مضافاً الى كونه الموافق للمرتكزات العقلائية المنزل عليها الخطاب ، فان الطرق عندهم بمنزلة العلم. فيتعين الوجه الأول في تصحيح جريان الاستصحاب ، والوجوه الأخر كلها محل نظر واشكال. واللّه سبحانه ولي التوفيق.

[1] لازم ما ذكره سابقاً هو الحكم بالنجاسة ، ومجرد إخبار أحدهما بالطهارة فعلا لا أثر له في الفرق ، لأنه ليس بحجة لأنه خبر واحد ، فيكون كما لو كان الشاهد جاهلا بحاله فعلا الذي تقدم منه [قدس سره] الحكم بنجاسته. نعم يفترق الفرضان : بأن الجاهل يجري في حقه الاستصحاب ، والعالم لا يجري في حقه لانتفاء الشك. لكنه ليس بفارق ، لأن الاستصحاب جار في حق المشهود عنده في الفرضين ، وهو المدار في قبول الشهادة بالتقريب المتقدم في المسألة الماضية فالفرق بين المسألتين غير ظاهر. فاذا التحقيق ما عرفت ، من أنه إن كانا حاكيين عن واقعة واحدة ، وقد اختلفا في زمانها ، فأحدهما يقول : أمس وهو اليوم طاهر ، والآخر يقول : اليوم ، كانت شهادتهما حجة على ثبوت النجاسة في أحد الزمانين ، كما لو شهدا بأنه نجس إما اليوم أو أمس. وقد تقدم الاشكال فيه في المسألة السابقة. ولو كان مرجع شهادة الشاهد بنجاسته فعلا إلى الشهادة بنجاسته سابقاً وبقائها فعلا ، فهما معاً يشهدان بالنجاسة سابقاً ، ويختلفان في بقائها


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 5.

[ مسألة 10 ] : إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة [1]. وكذا إذا أخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه. بل وكذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته [2].

[ مسألة 11 ] : إذا كان الشي‌ء بيد شخصين كالشريكين


فعلا وارتفاعها ، فالحكم فيه النجاسة ، كما لو شهدا بها سابقاً وجهلا معاً ببقائها ، كما تقدم أيضاً في المسألة السابقة ، والاختلاف في البقاء والارتفاع لا أثر له في الفرق لعدم الحجية فيما به الاختلاف. ولو كانا حاكيين عن واقعتين فقد عرفت أنه لا ينبغي التأمل في عدم الكفاية ، وعدم الحجية على النجاسة.

[1] لما عرفت في مبحث المياه من الدليل على حجية إخبار ذي اليد بما في يده. ومنه تعرف الحكم في ما بعده الذي نص عليه في الجواهر. والظاهر أنه لا فرق بين المربية وغيرها من أمه وأبيه وسائر من في البيت الذي هو فيه.

[2] لا يخلو من إشكال ، إذ مجرد الملكية لا يكفي في صدق اليد التي هي موضوع حجية الخبر ، لاعتبار التابعية والمتبوعية ، وهو غير حاصل في مثل العبد والجارية العاقلين ، ولو كانا في بيته ، فهما نظير زوجته وسائر عياله. نعم لا يبعد ذلك بالنسبة إلى ثوبهما ونحوه إذا كان في بيته ، كثوب زوجته وسائر عياله ، فان الظاهر أنه في يده ، كما أنه أيضاً في يد غيره من ذوي الأيدي في البيت ، من غير فرق بين ما أعده للبسه وغيره. نعم لو كان الثوب ملبوساً فهو في يد لابسه لا غير ، لاستقلال يده عليه حين لبسه إياه ، كما تقدم في الطفل.

يسمع قول كل منهما في نجاسته [1]. نعم لو قال أحدهما : إنه طاهر. وقال الآخر : إنه نجس ، تساقطا [2]. كما أن البينة تسقط مع التعارض ، ومع معارضتها بقول صاحب اليد تقدم عليه [3].

[ مسألة 12 ] : لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلا ، بل مسلما أو كافراً [4].

[ مسألة 13 ] : في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبياً


[1] لأن اليد المأخوذة موضوعا لحجية خبر صاحبها أعم من الضمنية والاستقلالية ، ومع الاشتراك تكون اليد لكل من الشريكين ضمنية ، بمعنى أن مجموع المال يكون تحت مجموع اليدين اللتين هما بمنزلة اليد الواحدة.

[2] لأصالة التساقط في المتعارضين ، التي عرفت الإشارة إلى وجهها آنفاً.

[3] كما تقدم في مبحث المياه ، وتقدم فيه لزوم التفصيل بين الصور فراجع

[4] لعموم دليل الاعتبار. نعم قد يشكل ذلك في الكافر ، لما في بعض نصوص البختج من اعتبار الإسلام. وكأنه لذلك جعل في الجواهر حجية قول الكافر أحد الوجهين. وإن كان يشهد له خبر إسماعيل : « عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك » ، بناء على ظهوره في قبول خبر البائع تعبداً وقد تقدم ما يعارضه ، بما دل على عدم قبول خبر الكافر بالتذكية في السمك. كما قد يشكل الحكم أيضاً فيما لو كان الخبر محفوفا بما يوجب اتهام المخبر ، وقد تقدم الكلام في ذلك كله في مبحث المياه (1)فراجع ما تقدم هناك.


1) تقدم في مسألة : 4 من الفصل المتعرض فيه لأحكام ماء البئر.

صبيا اشكال [1] ، وان كان لا يبعد إذا كان مراهقا.

[ مسألة 14 ] : لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال كما قد يقال [2] - فلو توضأ شخص بماء مثلا ، وبعده أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه. وكذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده [3] فلو أخبر


[1] لا يبعد القبول إذا كان مميزا كاملا ، لعموم السيرة التي بها يخرج عن أصالة عدم الحجية.

[2] نسبه في الجواهر إلى التذكرة ، ومال اليه ، وفي وسائل المقدس البغدادي إلى جماعة. وكأنه لخروجه بالاستعمال عن اليد. أو لأنه خارج عن المتيقن من مورد السيرة. أو لصحيحة العيص : « سئل الصادق (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل أياما ، ثمَّ إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه. فقال (عليه السلام) : لا يعيد شيئاً من صلاته » (1)لكن الأول - مع أنه يختص بمثل الماء ونحوه مما تذهب عينه بالاستعمال ، ولا يشمل مثل الثوب ونحوه - يشكل : بأن المراد من ذي اليد ذو اليد حال النسبة المحكية ، لا حال الحكاية. والثاني غير ظاهر ، لعدم الفرق في السيرة بينه وبين غيره وأما الصحيحة فنفي الإعادة فيها أعم من عدم الحجية ، لاحتمال كون عدم الإعادة لسقوط الشرطية في حال الجهل. مع أنها معارضة بموثقة ابن بكير الآمرة بالإعادة في فرض السؤال ، وقد تقدم الإشكال في الاستدلال بها على الحجية في مبحث المياه (2). فراجع.

[3] الكلام فيه هو الكلام في ما قبله. غير أن قيام السيرة العملية على الحجية فيه غير واضح ، لندرة الابتلاء بمثل ذلك. نعم السيرة الارتكازية


1) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 6.

2) تقدم في مسألة : 6 من الفصل المتعرض فيه لأحكام ماء البئر.

بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده ، يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان ، ومع الشك في زوالها تستصحب [1].

فصل في كيفية تنجس المتنجسات

يشترط في تنجس المتنجسات يشترط في تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس أن يكون فيهما ، أو في أحدهما ، رطوبة مسرية. فاذا كان جافين لم ينجس [2] ،


غير بعيدة ، ولا سيما في اليد القريبة ، كما لو دفع المبيع إلى المشتري ثمَّ أخبره بنجاسته ، ونحوه.

[1] الاستصحاب هنا كاستصحاب ما قامت عليه البينة في الزمان السابق الذي عرفت وجهه في المسألة الثامنة.

فصل في كيفية تنجس المتنجسات

[2] إجماعا محكياً عن المختلف ، وكشف اللثام ، والذخيرة ، والدلائل وفي الجواهر. بل قد يدعى تحصيله. ويشهد به جملة من النصوص ، كموثق عبد اللّه بن بكير : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط. قال (عليه السلام) : كل شي‌ء يابس ذكي » (1)وصحيح البقباق « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله ، وان مسه جافا فاصبب عليه الماء ». ومصحح ابن مسلم : « إن أبا جعفر (عليه السلام) وطئ على عذرة يابسة فأصاب ثوبه ، فلما أخبره قال (عليه السلام) :


1) الوسائل باب : 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 5.

وإن كان ملاقياً للميتة [1]. لكن الأحوط غسل ملاقي ميت الإنسان قبل الغسل وإن كانا جافين. وكذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية [2]. ثمَّ إن كان الملاقي


أليس هي يابسة؟ قال : بلى. فقال : لا بأس » ، ونحوها غيرها مما ورد في الخنزير ، والكلب ، والعذرة ، والمني والبول. فلاحظ الباب المعقود له في الوسائل (1). مضافا الى الارتكاز العرفي المنزل عليه الخطابات والإطلاقات المقامية.

[1] كما تقدم الكلام فيه في نجاسة الميتة (2). فراجع.

[2] قال في الجواهر : « والمراد باليابس في المتن وغيره ما يشمل الندي الذي لا تنتقل منه رطوبة بملاقاته ، لعدم حصول وصف التنجيس به - كما صرح به العلامة الطباطبائي [رحمه اللّه] في منظومته - للأصل ، وصدق الجاف عليه - يعني المذكور في بعض النصوص - ومفهوم صحيح البقباق السابق » والعمدة : أن الارتكاز العرفي قرينة على ذلك ، فلا يمكن الأخذ بإطلاق اليابس والرطب. ومن ذلك يظهر أن الرطوبة قسمان مسرية وسارية [ فالأولى ] : هي التي يحصل بها التنجيس بالملاقاة ، وهي التي يكون لها وجود ممتاز ينتقل من أحد المتلاقيين إلى الآخر بمجرد الملاقاة. ويقابلها الجفاف [ والثانية ] : ما لا تكون كذلك وان انتقلت من أحد المتلاقيين إلى الآخر ، كالرطوبة التي تكون في الأرض الندية التي تنتقل الى الفراش الموضوع عليه ، ولا يكون لها وجود ممتاز يظهر للعيان بل تكون منبثة في الجسم ، فمثل هذه لا تكون منجسة. ومن ذلك يظهر أن جدران المساجد التي تكون مجاورة لمثل الكنيف .


1) وهي باب : 26 من أبواب النجاسات وصحيح البقباق هو الحديث الثاني ، ومصحح ابن مسلم هو الحديث الرابع عشر ، من الباب المذكور.

2) تقدم الكلام فيه في لمسألة: 10 من فصل النجاسات.

للنجس أو المتنجس مائعاً تنجس كله [1] ، كالماء القليل المطلق والمضاف مطلقاً [2] ، والدهن المائع ، ونحوه من المائعات. نعم لا ينجس العالي بملاقاة السافل إذا كان جاريا من العالي [3] ، بل لا ينجس السافل بملاقاة العالي إذا كان جاريا من السافل ،


والبالوعة ليست نجسة وان سرت رطوبة الكنيف إليها ، وكذا الحال في أمثال ذلك. ويقابل هذه الرطوبة اليبوسة. فلاحظ.

[1] بلا خلاف ولا إشكال. للنصوص الواردة في الماء القليل الملاقي للنجاسة‌(1)، وفي المرق الذي وقعت فيه قطرة خمر أو نبيذ مسكر‌(2). وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه ، فان كان جامداً فألقها وما يليها ، وكل ما بقي ، وإن كان ذائباً فلا تأكله ، واستصبح به. والزيت مثل ذلك » (3)، ونحوه صحيح الحلبي‌(4)وموثق سماعة‌(5)، وغيرهما ، الموافق ذلك للارتكاز العرفي.

[2] يعني : ولو كان كثيراً. وقد تقدم التأمل في عموم الحكم للكثير البالغ في الكثرة حداً يمنع من تحقق الاستقذار ، مثل البحيرات النفطية التي تكون تحت الأرض. لقصور الأدلة اللفظية عن شمولها. وفي عموم الإجماع على الانفعال لمثله تأمل.

[3] كما تقدم وجهه في المياه.


1) تقدم التعرض لها في شرح أوائل فصل الماء الراكد.

2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب المضاف والمستعمل حديث : 1.

4) الوسائل باب : 43 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 3.

5) الوسائل باب : 43 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 5 وقد اشتملت الباب المذكورة على أحاديث أخر.

كالفوارة ، من غير فرق في ذلك بين الماء وغيره من المائعات. وان كان الملاقي جامداً اختصت النجاسة بموضع الملاقاة [1] سواء كان يابسا ، كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزءا منه ، أو رطبا كما في الثوب المرطوب ، أو الأرض المرطوبة فإنه إذا وصلت النجاسة إلى جزء من الأرض أو الثوب لا يتنجس ما يتصل به [2] ، وان كان فيه رطوبة مسرية ، بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة. ومن هذا القبيل الدهن والدبس الجامدان. نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثمَّ اتصل تنجس موضع الملاقاة منه [3] ، فالاتصال قبل الملاقاة


[1] بلا إشكال كما تقدم في صحيح زرارة وغيره.

[2] لعدم ملاقاته للنجاسة. والرطوبة - لضعفها - لا تصلح في نظر العرف لسراية النجاسة. والأدلة اللفظية في نفسها قاصرة عن إثباتها. ولم يقم دليل عقلي على السراية في المائعات ، كي يعتمد عليه في المقام ، إذ لا طريق عقلي إلى سراية النجاسة من السطح الملاقي إلى السطح الآخر غير الملاقي. وبالجملة : لا مخرج عن أصالة الطهارة من عقل أو شرع أو عرف ، فالعمل بها متعين مضافا الى أنه لو بني على سراية النجاسة الى جميع أجزاء الجسم بتوسط الرطوبة لزم نجاسة جميع الأرض المبتلة بنزول المطر بمجرد ملاقاة جزء منها للنجس ، فتنجس أرض جزيرة العرب - مثلا - بمجرد وقوع قطرة من البول في موضع منها. وهو كما ترى. مضافا الى النصوص الواردة في السمن والزيت والعسل إذا كانت جامدة ، الدالة على اختصاص النجاسة بموضع الملاقاة منها لا غير.

[3] يعني : بتوسط تلاقي الرطوبتين ، فإن الرطوبة التي على الجزء

لا يؤثر في النجاسة والسراية بخلاف الاتصال بعد الملاقاة. وعلى ما ذكر فالبطيخ والخيار ونحوهما مما فيه رطوبة مسرية ، إذا لاقت النجاسة جزءا منها ، لا تتنجس البقية ، بل يكفي غسل موضع الملاقاة ، إلا إذا انفصل بعد الملاقاة ثمَّ اتصل.

[ مسألة 1 ] : إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين ، أو علم وجودها وشك في سرايتها ، لم يحكم بالنجاسة. وأما إذا علم سبق وجود المسرية وشك في بقائها فالأحوط الاجتناب [1] ،


الطاهر الطاهرة قبل الاتصال تنجس بملاقاة الرطوبة التي على الجزء النجس فينجس محلها من الجسم ، وليس ذلك بتوسط تلاقي الجسمين ، إذ السطح الطاهر لم يلاق السطح النجس أصلا ، إذ التلاقي إنما كان بين السطحين الحادثين بالانفصال ، وهما معاً طاهران. والوجه في هذه النجاسة عموم ما دل على نجاسة الجزء الملاقي للنجس.

ومما ذكرنا يندفع الإشكال في الفرق بين الاتصال بين الرطوبتين قبل ملاقاة النجاسة ، وبينه بعد ملاقاة النجاسة ، في عدم اقتضاء الأول سراية النجاسة واقتضاء الثاني سرايتها. وحاصل وجه الفرق : أن سراية النجاسة من الرطوبة النجسة إلى الطاهرة لا دليل عليها في الأول ، بل الدليل على خلافها - كما عرفت - بخلاف السراية في الثاني ، إذ يدل عليها ما دل على النجاسة بملاقاة النجس ، والعمدة اختلاف نظر العرف في الصورتين. لكن قد يشكل الحكم فيما لو كانت الرطوبة التي على الجسم قليلة ، فان صدق التلاقي عرفا بينها وبين رطوبة الجزء الموصول بعد الانفصال غير ظاهر ، لكونها في نظر العرف بمنزلة العرض.

[1] لاستصحاب بقاء الرطوبة التي هي شرط التنجيس ، كاستصحاب

وان كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه [1].

[ مسألة 2 ] : الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص ، وان كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس [2]. ومجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله ، لاحتمال كونها مما لا تقبلها ، وعلى فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات [3].


طهارة الماء التي هي شرط التطهير به ، فكما أن أثر الثاني طهارة المغسول به تعبداً ، كذلك أثر الأول نجاسة الملاقي له تعبداً.

[1] مبني على أن الشرط ليس وجود الرطوبة ، بل سرايتها من أحد المتلاقيين الى الآخر ، واستصحاب بقاء الرطوبة لا يصلح لإثبات سرايتها إلى الملاقي إلا بناء على الأصل المثبت. وقد يحتمل التفصيل بين كون المشكوك الرطوبة في النجس فالثاني ، لما ذكر ، والرطوبة في الطاهر الملاقي له فالأول ، لعدم اعتبار سرايتها من الطاهر الى النجس في تنجيس الطاهر به ، لعدم الدليل على ذلك. نعم لا بد فيها أن تكون قابلة للانتقال إلى الملاقي بمجرد الملاقاة ، ولا يعتبر الانتقال الفعلي ، فإذا شك في بقاء الرطوبة القابلة للانتقال يبنى على بقائها بالاستصحاب ، ويترتب عليه أثره وهو الانفعال. [ وفيه ] : أنه خلاف ما دل على اعتبار الرطوبة المسرية - بمعنى المنتقلة - بمجرد الملاقاة. ولذا لا نقول بالنجاسة إذا كانت عين النجاسة لا تقبل التلوث بالرطوبة التي على العين الطاهرة.

[2] للاستصحاب.

[3] لما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في المطهر العاشر من المطهرات نعم لو شك في زوال عين النجاسة فقد شك في طهارة عضو الحيوان ،

[ مسألة 3 ] : إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه وإلقاء ما حوله [1] ، ولا يجب الاجتناب عن البقية. وكذا إذا مشى الكلب على الطين ، فإنه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله ، إلا إذا كان وحلا والمناط في الجمود والميعان أنه لو أخذ منه شي‌ء فان بقي مكانه خالياً حين الأخذ. وان امتلأ بعد ذلك - فهو جامد ، وان لم يبق خاليا أصلا فهو مائع [2].


واستصحابها لإثبات نجاسته ، ليترتب عليها نجاسة ملاقية ، محكم. إلا أن يقال : لا أثر لنجاسة عضو الحيوان في الفرض ، لاستناد نجاسة الملاقي له إلى ملاقاة عين النجاسة التي عليه ، لأنها أسبق زماناً من الملاقاة لنفس العضو ، ومع تعدد العلل واختلافها في الزمان يكون الأثر للسابق مستقلا ، فلا أثر لنجاسة العضو نفسه كي يجري الاستصحاب لإثباتها.

[1] كما عرفت.

[2] قد ذكر الجمود والذوبان موضوعين لسراية النجاسة الى جميع أجزاء الجسم في صحيح زرارة المتقدم (1). ولكن في صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت : جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل فقال : أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله ، والزيت يستصبح به » ونحوه صحيح سعيد الأعرج ، وموثق سماعة. وفي صحيح الحلبي في الفأرة والدابة تموت في الطعام والشراب. قال (عليه السلام) : « إن كان سمناً أو عسلا أو زيتاً - فإنه ربما يكون بعض هذا - فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله ، وإن كان الصيف فارفعه حتى تسرج به. وإن كان برداً فاطرح الذي .


1) تقدم في أوائل هذا الفصل.

[ مسألة 4 ] : إذا لاقت النجاسة جزءاً من البدن المتعرق لا يسري الى سائر إجزائه ، إلا مع جريان العرق [1].

[ مسألة 5 ] : إذا وضع إبريق مملوء ماء على الأرض النجسة ، وكان في أسفله ثقب يخرج منه الماء ، فان كان لا يقف تحته ، بل ينفذ في الأرض أو يجري عليها فلا يتنجس ما في الإبريق من الماء [2] ، وان وقف الماء بحيث يصدق


كان عليه ولا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه » (1). ويمكن إرجاع الأخير إلى الأول ، لغلبة الجمود في أيام الشتاء والذوبان في أيام الصيف. كما لعل الوجه في مثل صحيح معاوية : أن السمن والعسل يغلب فيهما الغلظة والثخانة ، بخلاف الزيت. فان الغالب فيه الرقة. وعلى هذا يكون هو المعيار في السراية وعدمها لا الجمود والذوبان. والظاهر أن ذلك هو المرتكز العرفي في سراية القذارة وعدمها ، وحينئذ يتعين حمل الأول عليه. ويشير اليه ما في صحيح الحلبي من ذكر الشتاء والبرد ، فإنهما لا يوجبان مطلقاً الجمود في العسل ، بل ولا في السمن ، وإنما يوجبان الغلظة والكثافة [ وبالجملة ] : اختلاف النصوص يستوجب حملها - بقرينة الارتكاز العرفي - على كون المعيار مرتبة خاصة من الغلظة والكثافة ، فإن حصلت انتفت السراية وان انتفت حصلت السراية.

هذا وتفسير الميعان والجمود بما ذكر المصنف لا يخلو من إشكال ، بل الظاهر من المائع لغة وعرفا ما اقتضى بطبعه استواء سطحه ، وان لم يحصل إلا بعد حين ، والجامد بخلافه. فلاحظ.

[1] يعني : العرق المتنجس ، فينجس ما جرى عليه العرق لا غير.

[2] لأن التدافع الحاصل من الجريان من العلو الى السفل مانع من


1) تراجع هذه الأحاديث في باب : 43 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 1 ، 4 ، 3 من الوسائل.

اتحاده مع ما في الإبريق بسبب الثقب تنجس [1] ، وهكذا الكوز والكأس والحب ونحوها.

[ مسألة 6 ] : إذا خرج من أنفه نخاعة غليظة ، وكان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله من سائر أجزائها [2]. فاذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الأنف


سراية النجاسة ، كما تقدم في المياه. وهذا مما لا ينبغي الإشكال فيه هنا ، إذا كان سمك الإبريق ضخماً بحيث يكون الماء المتدافع في فضاء نفس الثقب حائلا بين الأرض النجسة ، وبين الماء الواقف الواقع في فضاء الإبريق. أما إذا كان السمك رقيقا بنحو يكون الماء الواقف في فضاء الإبريق متصلا بالأرض النجسة ، وان كان الخارج منه متدافعا في عمق الأرض أو جاريا عليها ، فيشكل الحكم بالطهارة ، لاتصال الماء الواقف بالأرض النجسة فتنجسه ، ومجرد كون الجزء المتصل بالأرض متدافعاً غير كاف - عرفا - في عدم سراية النجاسة. ولكنه يندفع : بأن الأجزاء المتصلة بالأرض هي الأجزاء الخارجة من الثقب ، فاذا كانت متدافعة لم تسر نجاستها إلى ما في الإبريق ، وان كانت متصلة به.

[1] لا يخلو من اشكال إذا كان الخروج بقوة بواسطة الضغط الدافع ، فإنه مانع من سراية النجاسة الى ما في الإبريق ، نظير ما في الفوارة المندفع على النجاسة. نعم لو تقارب سطح ما في الإبريق مع سطح الواقف يضعف الاندفاع ، فحينئذ تسري النجاسة مع صدق الاتصال بين الماءين عرفا لسعة الثقب ، أما مع ضيقه المانع من صدق الاتصال عرفا ، وإن كان حاصلا عقلا فلا سراية. وليس المدار على اتحاد الماءين وتعددهما ، بل على ما ذكرنا. فلاحظ.

[2] لما عرفت.

لا يجب غسله. وكذا الحال في البلغم الخارج من الحلق.

[ مسألة 7 ] : الثوب أو الفراش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضة [1] ولا يجب غسله ، ولا يضر احتمال بقاء شي‌ء منه [2]. بعد العلم بزوال القدر المتيقن.

[ مسألة 8 ] : لا يكفي مجرد الميعان في التنجس ، بل يعتبر أن يكون مما يقبل التأثر. وبعبارة أخرى : يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين [3]. فالزيبق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس ، وان كان مائعاً. وكذا إذا


[1] يعني : في معاملته معاملة الطاهر. ويدل عليه - مضافا الى ما دل على عدم سراية النجاسة مع الجفاف‌(1)- ما رواه علي بن جعفر (عليه السلام) : في كتابه عن أخيه (عليه السلام) : « عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة ، فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة ، فيصيب ثوبه ورأسه ، أيصلي قبل أن يغسله؟ قال (عليه السلام) : نعم ينفضه ويصلي فلا بأس » (2).

[2] هذا إذا كان ما علم وجوده في الثوب قد علم زواله بالنفض ، والزائد عليه مشكوك الوجود ، فيرجع الى أصالة عدمه. وأما إذا شك في زوال ما علم وجوده في الثوب ، بأن رأى في الثوب أجزاء النجاسة. وشك في زوالها بالنفض فالمرجع استصحاب وجودها.

[3] والمراد بها مطلق ما ينتقل من أحد المتلاقيين الى الآخر ، بحيث يتلوث به ، كما في مثل السمن ، والعسل ، والزيت ، والنفط ، ونحوها من المائعات والجامدات. وقد عرفت أن الوجه في اعتبار ذلك الارتكاز العرفي المنزل عليه الخطابات الشرعية.


1) تقدم التعرض لذلك في أوائل هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 26 من أبواب النجاسات حديث : 12.

أذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة ، أو صب بعد الذوب في ظرف نجس ، لا ينجس ، إلا مع رطوبة الظرف ، أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج [1].

[ مسألة 9 ] : المتنجس لا يتنجس ثانياً ولو بنجاسة أخرى [2] ، لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما ، فلو


[1] وحينئذ يتنجس السطح الملاقي للرطوبة لا غير.

[2] يعني : ولو بنجاسة أخرى من غير نوع النجاسة الأولى. وهذا الحكم على خلاف أصالة عدم التداخل المعول عليها عند أكثر المحققين ، إذ مقتضاها أن تكون ملاقاة كل فرد من النجاسة موجبة لتنجس الملاقي بنجاسة غير ما تقتضيها ملاقاة الفرد الآخر. كما أن مقتضاها أيضاً وجوب تعدد المطهر في حصول الطهارة له من جميعها. وليس الوجه فيه امتناع اجتماع نجاستين لمحل واحد ، فان ذلك في النجاستين المحدودتين بحدين ، لا في المرتبتين المحدودتين بحد واحد ، على نحو تتأكد إحداهما بالأخرى ، وتكون فرداً واحدا شديداً اكيداً. بل العمدة فيه ظهور الاتفاق عليه ، ففي المدارك : أنه قطع به الأصحاب ، ولا أعلم في ذلك مخالفاً. وفي الذخيرة : « لا أعلم مصرحا بخلافه » ، وعن اللوامع : « الظاهر أنه وفاقي » وظاهر كلام شيخنا في الجواهر في أحكام البئر ، وفي مبحث الولوغ ، وشيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في أحكام البئر : المفروغية عنه ، بل في المستند : أنه إجماع. نعم معقد الإجماعات المذكورة هو التداخل في الأثر المشترك ، لا في الخصوصية الممتاز بها بعض النجاسات عن بعض. قال في المنتهى - في الفرع الحادي عشر من مبحث الولوغ - : « وبالجملة : إذا تعددت النجاسة فإن تساوت في الحكم تداخلت ، وان اختلفت فالحكم لأغلظها » ونحوه محكي كلام غيره. وظاهر عبارة المتن عدم ترتب النجاسة التي هي

كان لملاقي البول حكم ، ولملاقي العذرة حكم آخر ، يجب ترتيبهما معاً. ولذا لو لاقى الثوب دم ، ثمَّ لاقاه البول ، يجب غسله مرتين ، وان لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم ، وقلنا بكفاية المرة في الدم. وكذا إذا كان في إناء ماء نجس ، ثمَّ ولغ فيه الكلب ، يجب تعفيره وان لم يتنجس بالولوغ. ويحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدة والضعف [1]. وعليه فيكون كل منهما مؤثراً ولا إشكال [2].


أشد ، وحينئذ فترتب حكمها غير ظاهر ، لأنه يكون بلا موضوع.

[1] كلمات الأصحاب في المقام مختلفة المفاد. فظاهر بعضها - كالمدارك والذخيرة وغيرهما - أن التداخل في الحكم ، لاستدلالهم عليه بصدق الامتثال وأصالة البراءة. وظاهر الجواهر - في مبحث الولوغ - وغيرها أن التداخل في نفس النجاسة ، فلا تأكد ولا اشتداد ، لاستدلالهم عليه بظهور الدليل في الجنسية ، بلا تفاوت بين القليل والكثير. وعلى هذا ينبغي البناء على التداخل في خصوص الحكم ، لأن البناء على التداخل في كل من النجاسة والحكم ، وان كان خلاف الأصل ، لكن حيث يتردد الأمر بينهما يتعين البناء على الثاني ، للعلم بسقوط القاعدة فيه ، إما للتخصيص أو للتخصص ، فتبقى أصالة عدم التداخل في النجاسة بلا معارض ، كما هو الحكم في أمثاله من موارد الدوران بين التخصيص في الموضوع ، والتخصيص في الحكم. ولازم ذلك أنه لو اضطر الى ارتكاب النجس ودار الأمر بين ارتكاب ما هو مورد السبب الواحد وما هو مورد السببين تعين - بحكم العقل - ارتكاب الأول لأنه أقل المحذورين.

[2] بل الإشكال بحاله ، فإن التداخل في النجاسة ليس بأشكل من

[ مسألة 10 ] : إذا تنجس الثوب مثلا بالدم مما يكفي فيه غسله مرة ، وشك في ملاقاته للبول أيضاً مما يحتاج الى التعدد ، يكتفى فيه بالمرة ، ويبنى على عدم ملاقاته للبول [1]. وكذا إذا علم نجاسة إناء وشك في أنه ولغ فيه الكلب أيضا أم لا ، لا يجب فيه التعفير ، ويبنى على عدم تحقق الولوغ. نعم لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم ، أو إما بالولوغ أو بغيره


التداخل في المطهر ، بل هما سواء في مخالفة أصالة عدم التداخل الجارية في المقامين. ولعل مراده نفي الاشكال اللازم مما ذكره سابقاً ، وهو ما أشرنا إليه من ثبوت الحكم بلا موضوع ، فإنه على هذا الاحتمال يثبت حكم الأشد بتبع ثبوت الأشد ، وان كان يدخل حكم أحدهما في حكم الآخر إذا اختلفا بالشدة والضعف.

[1] لأصالة عدمها. ولا مجال لاستصحاب النجاسة الثابتة قبل الغسل مرة ، لأنه من الاستصحاب الجاري في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي ، للعلم بارتفاع النجاسة المعلومة الثبوت - وهي المستندة إلى ملاقاة الدم - والشك في مقارنة نجاسة أخرى لها ، والمحقق في محله عدم جريانه.

فان قلت : إذا غسل مرة لا يعلم بزوال النجاسة المستندة إلى ملاقاة الدم ، إذ مع احتمال طروء نجاسة البول يحتمل أن يكون الغسل مرة مزيلا للشدة الآتية من ملاقاة البول لا لنجاسة الدم ، وأصالة عدم ملاقاة البول لا تصلح لإثبات ذلك ، فيكون الاستصحاب من قبيل الجاري في القسم الأول من أقسام استصحاب الكلي [ قلت ] : بعد ما كان المستفاد من الأدلة أن نجاسة الدم تزول بالغسل مرة ، لا بد من البناء على زوالها في المقام بالغسل مرة ، فيكون الشك في ثبوت غيرها والأصل يقتضي عدمه.

يجب إجراء حكم الأشد [1] من التعدد في البول ، والتعفير في الولوغ.

[ مسألة 11 ] : الأقوى أن المتنجس منجس [2]


[1] لاستصحاب بقاء النجاسة حتى يعلم بارتفاعها بإجراء حكم الأشد. نعم لو كان الأثر في المقام للفرد امتنع جريان الاستصحاب ، بناء على التحقيق من عدم جريانه في الفرد المردد بين فردين أحدهما معلوم الارتفاع والآخر معلوم البقاء. وسيأتي إن شاء اللّه تحقيق المبنى المذكور في أحكام النجاسة.

[2] على المشهور شهرة عظيمة ، بل لا خلاف يعرف فيه إلا من الكاشاني وان كان قد يظهر أيضاً من محكي السرائر. بل عن جماعة نقل الإجماع عليه ، منهم القاضي في الجواهر ، والمحقق في المعتبر ، والفاضل الهندي في كشف اللثام والوحيد البهبهاني ، والعلامة بحر العلوم ، والسيد المقدس الكاظمي والمحدث البحراني ، والمحقق القمي ، والشيخ الأكبر ، ونجله الحسن في أنوار الفقاهة ، والشيخ محسن الأعسم في كشف الظلام ، وشيخنا المعظم في الجواهر والسيد المتبحر القزويني في البصائر ، وشيخنا الأعظم في طهارته - قدس اللّه تعالى أرواحهم - على ما حكي عن جملة منهم. بل صريح المحكي من كلام جماعة منهم دعوى الضرورة عليه كما سيأتي إن شاء اللّه.

ويشهد به - مضافاً الى استفادته مما دل على سراية نجاسة الأعيان النجسة إلى ملاقيها ، فان المرتكز في ذهن العرف أن السراية عرفاً من أحكام مطلق النجاسة لا النجاسة الذاتية خاصة ، وكما لا نحتاج الى دليل على السراية في كل واحدة من النجاسات بالخصوص ، بل يكتفى بما دل على السراية في بعضها ، إلغاء لخصوصية المورد عرفاً ، كذلك في المقام - جملة من النصوص.

منها : النصوص المتقدمة‌(1)في رفع التفصيل في انفعال القليل بين


1) تقدمت في أوائل فصل الماء الراكد.


ملاقاة النجس والمتنجس ، الظاهرة في نجاسة الإناء إذا أدخل يده في الإناء وقد أصابها القذر. ومثلها الروايات المانعة من إدخال الجنب أو المحدث يده في الإناء إلا أن تكون نظيفة‌(1). ومنها : رواية العيص المتقدمة في مبحث الغسالة المتضمنة للأمر بغسل ما أصابه قطرة من طشت فيه وضوء من بول أو غائط‌(2).

ومنها : موثقة عمار : « أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن رجل يجد في إنائه فأرة ، وقد توضأ من ذلك الماء مراراً أو اغتسل أو غسل ثيابه ، وقد كانت الفأرة متسلخة. فقال (عليه السلام) : إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثمَّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة ... (3). وموثقته الأخرى عنه (عليه السلام) : « في البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها قال (عليه السلام) : إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها » (4). ونحوها غيرها.

ومنها : رواية المعلى عنه (عليه السلام) : « في الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا. قال (عليه السلام) : أليس وراءه شي‌ء جاف؟ قلت بلى. قال (عليه السلام) : لا بأس إن الأرض يطهر بعضها بعضاً » (5).

ومنها : ما تضمن الأمر بتطهير الإناء الذي ولغ فيه كلب‌(6)، فإنه يدل على سراية النجاسة من الماء المتنجس إلى الإناء. ولا سيما بملاحظة


1) راجع الوسائل باب : 8 من أبواب الماء المطلق ، وباب : 27 من أبواب الوضوء.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث : 14.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

4) الوسائل باب : 30 من أبواب النجاسات حديث : 5.

5) الوسائل باب : 32 من أبواب النجاسات حديث : 3.

6) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 4.


التعليل بأنه نجس ، الظاهر في سراية نجاسة النجس مطلقاً إلى الملاقي وان تكثرت الوسائط.

ومنها : ما تضمن كيفية تطهير الأواني والفرش مما لا يستعمل في شي‌ء يعتبر فيه الطهارة‌(1)، إذ لا موجب لتطهيرها ارتكازاً إلا الفرار عن سراية نجاستها إلى ما يلاقيها ... وغير ذلك مما لا يسع استقصاؤه في هذا المختصر ، وفيما ذكرنا كفاية في الدلالة على ما عليه الأصحاب.

نعم قد يستشهد لمذهب الكاشاني بروايات منها : موثقة حنان بن سدير « سمعت رجلا يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال : إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي. فقال (عليه السلام) : إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئاً فقل هذا من ذاك » (2). وفيه : أن قول السائل : « ويشتد ذلك علي » إن كان من جهة خروج البول منه ، فلا دخل لعدم القدرة على الماء المذكور في السؤال في ذلك ، وان كان من جهة خروج بلل آخر فليس الوجه في الاشتداد إلا أنه إذا خرج يتنجس بمخرج البول ، وحينئذ تكون الرواية دالة على تنجيس المتنجس. وأيضاً فإن قوله (عليه السلام) : « امسح ذكرك بريقك » ليس ظاهرا في مسح خصوص مخرج البول لا غير. مع أن الرواية لا تخلو من اشكال ، إذ الريق الذي يمسح به الذكر لقلته ليس بنحو يوجب دفع العلم بخروج الخارج ، فان الخروج قد يكون محسوسا وجدانا مهما كان الريق الموضوع على الذكر ولو كثيراً ، كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة العيص : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء ، فمسح ذكره بحجر ، وقد عرق ذكره وفخذاه قال (عليه السلام) : يغسل ذكره وفخذيه. وسألته عمن مسح ذكره بيده ثمَّ عرقت


1) راجع الوسائل باب : 5 ، 51 ، 52 ، 53 ، 70 ، 72 من أبواب النجاسات.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 7.


يده ، فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال (عليه السلام) : لا » (1)وفيه : أنه لو سلم ظهور ذيلها في مسح البول الذي على ذكره بيده ، وان العرق كان في موضع المسح من اليد ، فصدرها ظاهر في تنجيس المتنجس ، والتنافي بين الصدر والذيل مانع من الأخذ بالذيل ، لأن التنافي يدل على وجود قرينة صارفة عن ظاهر أحدهما الى ما يوافق ظاهر الآخر ، ومع هذا العلم الإجمالي يسقط ظهور كل منهما عن الحجية.

ومنها : صحيحة حكم بن حكيم : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أبول فلا أصيب الماء ، وقد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط وبالتراب ثمَّ تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي ، أو يصيب ثوبي. فقال (عليه السلام) : لا بأس به » (2)بناء على أن المسح بالموضع الذي فيه العرق الذي أصابه البول من اليد وأن نفي البأس بمعنى نفي نجاسة الممسوح ، لا مجرد الجواز التكليفي.

ومنها : رواية سماعة : « قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) : إني أبول فأتمسح بالأحجار فيجي‌ء مني البلل ما يفسد سراويلي. قال (عليه السلام) : ليس به بأس » (3)بناء على أن المراد نفي النجاسة لا نفي انتقاض الوضوء به ، وعلى أن خروج البلل الطاهر من الذكر يستوجب ملاقاته لحافة الذكر النجسة لكن لو سلم ذلك فظاهرها الاجتزاء بالأحجار في الاستنجاء من البول ، من دون ضرورة ، كما هو المنسوب الى جمهور المخالفين ، فلا بد أن تحمل على التقية. وحينئذ يكون عدم تنجس البلل الخارج لعدم نجاسة مخرج البول ، فلا تدل على عدم تنجيس المتنجس. مع أن سند الرواية لا يخلو


1) ذكر في الوسائل صدر الحديث في باب : 31 من أبواب النجاسات حديث : 1 ، وذيله في باب 6 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 4.


من إشكال ، لأن فيه الحكم بن مسكين ، ولم ينص أحد على توثيقه. فلاحظ.

ومنها : رواية حفص الأعور : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الدن يكون فيه الخمر ، ثمَّ يجفف فيجعل عليه الخل؟ قال (عليه السلام) : نعم » (1)بناء على أن المراد أنه يجفف على نحو تذهب منه الأجزاء الخمرية. ولكنه بعيد. فالرواية ظاهرة في طهارة الأجزاء الخمرية المتخلفة في الدن. ولذا حملها الشيخ - كما في الوسائل - على التجفيف بعد أن تغسل ثلاثاً.

ومنها : رواية علي بن جعفر (عليه السلام) : عن أخيه (عليه السلام) : « سألته عن الكنيف يصب فيه الماء فينتضح على الثياب ما حاله؟ قال (عليه السلام) : إذا كان جافا فلا بأس » (2). وفيه : أن من المحتمل أن يكون المراد من الكنيف الجاف ما لا يجتمع ما يقع فيه من قذر ، في مقابل ما يجتمع فيه القذر - كما هو الغالب في بلادنا - والأول مورد توارد الحالتين من الطهارة والنجاسة ، لأنه كما ينجس بملاقاة القذر ، كذلك يطهر بالماء المستعمل في الاستنجاء ونحوه من المياه الطاهرة. ولأجل ذلك يحكم على ملاقيه بالطهارة للأصل ، ومع هذا الاحتمال لا مجال للاستدلال بها على المدعى. مع أن الاستدلال بها موقوف على القول بانفعال الماء الوارد على النجاسة غير المستقر معها ، والبناء على عدمه أولى من البناء على عدم تنجيس المتنجس. وهناك روايات استدل بها على مذهب الكاشاني [رحمه اللّه] لم نذكرها ، لوضوح المناقشة في دلالتها.

وعلى هذا فالعمدة صحيحة حكم ، بناء على عدم تمامية المناقشات المتقدمة إليها الإشارة ، كما هو الظاهر. إلا أن الخروج بها عن ظاهر تلك النصوص الكثيرة القريبة من التواتر ، بل المدعى تواترها ، الواردة في موارد متفرقة مع احتمال ورودها في مقام الاجتزاء بإزالة العين في الطهارة - كما هو المنسوب


1) الوسائل باب : 51 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 60 من أبواب النجاسات حديث : 2.


الى السيد المرتضى [قدس سره] - فلا تكون منافية لقاعدة تنجيس المتنجس. بعيد عرفاً.

بل لا يمكن بعد دعوى الإجماع صريحاً أو ظاهرا ، بل والضرورة من كثير من الأجلاء على خلافها ، منهم الوحيد [رحمه اللّه] في شرح المفاتيح ، ومنهم المقدس الكاظمي في وسائله ، حيث قال : « إن استباح بسوء رأيه [ يعني : صاحب المفاتيح ] مخالفة الإجماع ، فما الذي أباح له الاقدام على مخالفة الضرورة وهو قاض بالخروج عن المذهب؟! بل ان كان إجماعاً في المسلمين وضرورة - كما هو الظاهر - خرج عن الدين ... ». ومنهم الشيخ الأكبر في محكي شرح القواعد قال - بعد دعوى الإجماع والضرورة على تنجيس المتنجس - : « وقال في المفاتيح ، واستعيذ باللّه من هذه المقالة » ثمَّ حكى كلام الكاشاني ورواياته التي تشبث بها ... [ الى أن قال ] : « ثمَّ على تقدير ظهورهن فيما قال ، كيف يمكن الاستناد إليهن في مقابلة إجماع الشيعة ، بل المسلمين ، بل الضرورة ... [ الى أن قال ] : فسلام على الفقه وعلى الفقهاء بعد ظهور مثل هذه الأقوال ، ولا قوة إلا باللّه ]. وقال في الجواهر في مسألة الاستنجاء من البول بالماء : « وقد تفرد الكاشاني بشي‌ء خالف به إجماع الفرقة الناجية ، بل إجماع المسلمين ، بل الضرورة من الدين مستنداً إلى هاتين الروايتين [ يعني روايتي حنان وسماعة المتقدمتين ] ونحوهما ... [ إلى أن قال ] : وهو بالاعراض عنه حقيق ، ولا يليق بالفقيه التصدي لرد مثل ذلك بعد ما عرفت أنه مخالف لإجماع المسلمين وضرورة الدين » ونحو ذلك كلام غيرهم.

ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ادعاه بعض الأكابر من مشايخنا [ قدهم ] في كتاب مصباح الفقيه ، من استقرار سيرة المتشرعة خلفاً عن سلف على المسامحة في الاجتناب عن ملاقيات المتنجس في مقام العمل ، بحيث لو


تعدى أحد عن الطريقة المألوفة عندهم في اجتناب النجاسات ، بأن اجتنب مثلا عن أبنية البلاد معللا : بأن من عمرها استعمل في تعميرها الآلات والأدوات التي لا زال يستعملها في تعمير الكنيف من غير أن يطهرها ، يطعنه جميع المتشرعة بالوسواس ويرونه منحرفاً عن الطريقة المعروفة عندهم في اجتناب النجاسات ... إلخ كلامه [قدس سره].

وجه الاشكال : أن الاجتناب في أمثال المقام ليس عن علم بالنجاسة وانما هو عن الظن والتخمين ، وترتيب مقدمات عقيمة عن الإنتاج ، لكثرة الأسباب الموجبة لقيام الاحتمال ، وانتفاء العلم بالسراية. ولذا لو سئل [قدس سره] عن طهارة طعامه ، وشرابه وفراشه ، لم يشهد بالنجاسة ، ولم يدع العلم بملاقاته للمتنجس ، وكذا أكثر الناس.

ومنه يظهر الاشكال فيما ذكره [قدس سره] أيضاً ، من أنه لو كان المتنجس منجساً لزم نجاسة جميع ما في أيدي المسلمين وأسواقهم ، لأنا نعلم أن أغلب الناس لا يتحرزون عن النجاسات. ويخالطون غيرهم ، فيستوي حال الجميع إذ لا يخفى أنه كما نعلم ذلك نعلم أيضاً بطروء الأسباب الموجبة للطهارة ، ولو من باب الاتفاق وذلك يوجب ارتفاع العلم بنجاسة ما يكون محل الابتلاء لكل مكلف ، والمرجع حينئذ أصالة الطهارة. نعم يعلم إجمالا بكذب أصالة الطهارة في كثير من الموارد المتعلقة بالمكلف وغيره ، أو المتعلقة به في وقائع بعضها صار خارجا عن محل الابتلاء. لكن مثل هذا العلم الإجمالي غير قادح في الرجوع الى الأصل.

ونظير هذا الاشكال وارد في النقود التي يأخذها السلطان الجائر ثمَّ يعطيها في كل سنة مرات متعددة ، أو تؤخذ بالمعاملات الفاسدة أو بالسرقة أو الغيلة أو بدون دفع الخمس أو الزكاة ، ويجري عليها الأخذ والإعطاء في كل سنة أو في كل شهر مرة أو مرات ، واختلاط بعضها بالمملوك يوجب قصور سلطنة المالك عن القسمة ، وعدم جواز التصرف في الجميع إلا بمراجعة

كالنجس ، لكن لا يجري عليه جميع أحكام النجس [1] ، فاذا تنجس الإناء بالولوغ يجب تعفيره ، لكن إذا تنجس إناء آخر بملاقاة هذا الإناء ، أو صب ماء الولوغ في إناء آخر لا يجب


المالك أو الحاكم الشرعي عند جهل المالك ، فالصراف الذي يأخذ هذه النقود في كل يوم يخلطها مع أمواله ولا يزال يختلط بعضها ببعض. وهكذا الحال في الاملاك القديمة الثابتة من الدور والبساتين ، فان تهاون الناس في أموال القاصرين والضعفاء والغائبين وغيرهم والعمل بحكم قضاة الجور أمر معلوم ، وذلك يستوجب العلم - في الجملة - بتحريم تلك الأموال بعد مضي مدة طويلة قد توارد فيها هذه الطوارئ وأمثالها مما يستوجب حرمة المال فلو استوجب مثل ذلك رفع اليد عن القواعد الشرعية لاستوجب رفع اليد عن جملة من القواعد المسلمة في باب تحليل المال. والوجه في دفع الإشكال في ذلك ما عرفت ، من أن ذلك لا يوجب خروج مورد الابتلاء عن مجرى أصالة الحل أو اليد أو نحوهما. فلاحظ وتأمل.

هذا وقد كتب بعض الأجلاء المعاصرين قدس سره (1)رسالة في هذه المسألة رد فيها على بعض الأجلة من المعاصرين قدس سره (2)حيث ذهب الى عدم تنجيس المتنجس الجاف. وقد اشتملت الرسالة المذكورة على مطالب مهمة وفوائد جمة. جزاه اللّه تعالى خير جزاء المحسنين ، كما نسأله الهداية والتوفيق إنه حسبنا ونعم الوكيل.

[1] يعني : النجس الذي تنجس به ، لأن أدلة تلك الاحكام جعلت موضوعها النجس الخاص ، فلا موجب لثبوتها لما تنجس به ، لعدم ثبوت انطباقه عليه. .


1) المتبحر الشيخ محمد جواد البلاغي.

2) الشيخ محمد مهدي الخالصي.

فيه التعفير [1] وان كان الأحوط ، خصوصا في الفرض الثاني [2]. وكذا إذا تنجس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل [3] ، لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لا يجب فيه التعدد [4]. وكذا إذا تنجس شي‌ء بغسالة البول - بناء على نجاسة الغسالة - لا يجب فيه التعدد.

[ مسألة 12 ] : قد مر أنه يشترط في تنجس الشي‌ء بالملاقاة تأثره [5] ، فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثر بالرطوبة أصلا ، كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الإناء لا يتبلل أصلا ، يمكن أن يقال : إنه لا يتنجس بالملاقاة ولو مع الرطوبة المسرية. ويحتمل أن تكون رجل الزنبور ، والذباب ، والبق من هذا القبيل.

[ مسألة 13 ] : الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس.

فالنخامة الخارجة من الأنف طاهرة وإن لاقت الدم في باطن


[1] لأنه حكم للإناء الذي تنجس بالولوغ ، ولا ينطبق ذلك على الإناء الذي تنجس بإناء الولوغ ، وهو واضح.

[2] بل لعله الأقوى كما عن العلامة في النهاية ، والمحقق الثاني. لظهور دليل وجوب التعفير في كون موضوعه الإناء الذي هو ظرف لماء الولوغ وخصوصية كونه ظرفا لنفس الولوغ أيضاً ملغاة عرفا. فلاحظ صحيح الفضل ، وتأمل.

[3] كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

[4] لما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - من عدم لزومه في تطهير المتنجس بغير البول.

[5] مر ذلك في أول الفصل فراجع.

الأنف. نعم لو أدخل فيه شي‌ء من الخارج ، ولاقى الدم في الباطن ، فالأحوط فيه الاجتناب [1].

فصل

يشترط في صحة الصلاة [2] واجبة كانت أو مندوبة [3] إزالة النجاسة عن البدن حتى الظفر ، والشعر [4] ، واللباس [5] ،


[1] تقدم الكلام في هاتين الصورتين وغيرهما في أول مسألة من مبحث نجاسة البول والغائط.

فصل

[2] إجماعا محققا ، والنصوص به متجاوزة حد التواتر (1). وسيذكر بعضها في شرح المسائل الآتية إن شاء اللّه تعالى.

[3] لإطلاق الأدلة.

[4] بلا إشكال ظاهر. ويستفاد مما دل على مانعية نجاسة الثوب لو فرض قصور أدلة مانعية نجاسة البدن عن إفادته.

[5] وكأنه المراد من الثوب المذكور في كثير من الفتاوى ، إما لأنه مرادف اللباس - كما يظهر من القاموس - أو لأن ذكر الثوب بالخصوص من باب المثال ، لأنه الغالب. ويشير الى ذلك استثناء مالا تتم به الصلاة


1) راجع الوسائل في الأبواب الآتية من : 18 الى : 22 ، و30 ، 31 ، ومن 40 الى : 47 و61 من أبواب النجاسات ويوجد في كثير من الأبواب الأخر وفي أبواب لباس المصلى ومكانه وغيرها ما يدل عليه ولو بالالتزام.

ساتراً كان أو غير ساتر [1] عدا ما سيجي‌ء [2] من مثل الجورب ونحوه مما لا تتم الصلاة فيه. وكذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط [3] وقضاء التشهد والسجدة المنسيين [4]. وكذا في سجدتي السهو على الأحوط [5]. ولا يشترط في ما يتقدمها من الأذان والإقامة ، والأدعية التي قبل تكبيرة


فإنه ليس من الثياب عرفا. ويشهد لذلك من النصوص ما ورد في المنع عن الصلاة في جلد الميتة والصلاة في النجس ، كما سيأتي في مبحث المحمول النجس. فلا فرق بين الثوب وبين الفرو والدرع وغيرهما من أصناف الملبوس.

[1] إجماعا. لإطلاق النص والفتوى.

[2] وسيجي‌ء دليله.

[3] إجماعا. لإطلاق النص والفتوى.

[4] إجماعا ، فإن القضاء متحد مع المقضي في جميع الخصوصيات ، جزءاً كانت ، أو شرطا ، وجودياً ، أو عدميا. وانما الاختلاف في الزمان لا غير ، وكون الطهارة شرطا للصلاة ليس معناه إلا كونها شرطا لاجزائها ومنها التشهد والسجدة.

[5] بل عن السرائر والنهاية والألفية وغيرها : أنه الأقوى ، للاحتياط وانصراف دليلهما الى ذلك ، وأنها جابرة لما يعتبر فيه الطهارة ، ولغير ذلك مما لا يخفى ضعفه. ولذا حكي عن التحرير وجواهر القاضي العدم ، بل لعله ظاهر كل من لم يتعرض لذكرها في شرائطها ، كالمحقق وغيره. نعم قد يستفاد مما دل على أنهما قبل الكلام قدح جميع منافيات الصلاة فيهما ، ومنها الحدث. وان كان لا يخلو من تأمل واشكال. وتمام الكلام في مباحث خلل الصلاة فراجع.

الإحرام [1] ، ولا في ما يتأخرها من التعقيب. ويلحق باللباس - على الأحوط - اللحاف الذي يتغطى به المصلي مضطجعاً إيماء ، سواء كان متستراً به أولا ، وإن كان الأقوى في صورة عدم التستر به - بأن كان ساتره غيره - عدم الاشتراط [2]. ويشترط في صحة الصلاة أيضا إزالتها عن موضع السجود [3].


[1] لإطلاق أدلتها ، وكذا ما يتأخر. نعم يشكل ذلك في الإقامة ، كما سيأتي في محله.

[2] حيثية التستر ليس لها دخل في اشتراط الطهارة ، لما سبق من عدم الفرق بين الساتر وغيره. وحينئذ فإذا لم يكن في صورة عدم التستر به داخلا في اللباس الواجب فيه الطهارة ، لم يكن داخلا فيه في صورة التستر به أيضاً ، كما هو الظاهر. نعم إذا كان ملتفاً فيه بنحو يصدق أنه صلى فيه وجبت طهارته وإلا فلا ، للأصل.

[3] إجماعا ، كما عن ابن زهرة ، والفاضلين ، والشهيد ، والمحقق الثاني والأردبيلي ، وغيرهم. ولا يقدح فيه ما عن الوسيلة والراوندي من الخلاف فيه فان نسخ الوسيلة مختلفة. ففي بعضها ما هو ظاهر في موافقة الأصحاب ، كما حكاه في مفتاح الكرامة ، وفي الجواهر في مبحث مطهرية الشمس ، وحكياه عن نسخة الذخيرة. والنسخة التي يظهر منها المخالفة ظاهرة في اعتبار تجفيف الشمس ، ولعله لكون التجفيف بمنزلة التيمم بدلا عن الطهارة. ومن هذا يظهر لك حال المحكي عن الراوندي. ويشهد للمشهور من النصوص صحيح زرارة : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) : عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه. فقال (عليه السلام) : إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر » (1). لكن في كون المسجد مما يصلى فيه إشكال


1) الوسائل باب : 29 من أبواب النجاسات حديث : 1.

دون المواضع الأخر [1] ، فلا بأس بنجاستها إلا إذا كانت


ظاهر. وصحيح ابن محبوب عن الرضا (عليه السلام) : « أنه كتب إليه يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب (عليه السلام) اليه : إن الماء والنار قد طهراه » (1). لكن العمل بظاهره متعذر. وسيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في مبحث مطهرية الشمس ، ومبحث السجود ، ما له نفع في المقام.

[1] على المشهور ، كما عن جماعة. وعن السيد [رحمه اللّه] اعتبار طهارة ما يلاقيه بدن المصلي. وعن الحلبي اعتبار طهارة مساقط الأعضاء السبعة. ويشهد للأول موثق ابن بكير : « عن الشاذكونة (2)يصيبها الاحتلام أيصلى عليها؟ قال (عليه السلام) : لا » (3). وموثق عمار : « عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره ، فلا تصيبه الشمس ، ولكنه قد يبس الموضع القذر. قال (عليه السلام) : لا يصلى عليه » (4). لكن الأول معارض بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وبخبر محمد بن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)(5)المتضمنين نفي البأس في الصلاة على [ الشاذكونة ] تصيبها الجنابة. والثاني معارض بصحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلى فيهما إذا جفا؟ قال (عليه السلام) : نعم » (6). فيتعين إما الحمل على الكراهة ، أو على خصوص موضع السجود بقرينة الإجماع.


1) الوسائل باب : 81 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) بفتح الذال ثياب غلاظ مضربة تعمل في اليمن. القاموس.

3) الوسائل باب : 30 من أبواب النجاسات حديث : 6.

4) الوسائل باب : 29 من أبواب النجاسات حديث : 4.

5) الوسائل باب : 30 من أبواب النجاسات حديث : 3 ، 4.

6) الوسائل باب : 30 من أبواب النجاسات حديث : 1.

مسرية الى بدنه [1]. أو لباسه [2].

[ مسألة 1 ] : إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب ، فلا يضر كون البعض الآخر نجساً ، وان كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه [3]. ويكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهراً ، وان كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجساً ، فلو وضع التربة على محل نجس ، وكانت طاهرة ولو سطحها الظاهر ، صحت صلاته [4].


وأما القول الثاني فلم نجد له شاهدا سوى ما يتوهم من كون المراد من طهارة المسجد في معاقد الإجماعات ما يعم مواضع سائر المساجد. ولكنه كما ترى بعد كون العدم فيها هو المعروف.

[1] إجماعا مستفيض النقل. والظاهر - كما اعترف به جماعة - كون المورد من صغريات قاعدة وجوب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن ، فلا بأس بالنجاسة المتعدية إذا كانت معفوا عنها. نعم عن الإيضاح حكاية الإجماع عن والده [رحمه اللّه] على المنع حتى في المعفو عنها ، وأن ذلك شرط في مكان المصلي. لكن ظاهر المحكي عن النهاية والتذكرة من أنه يشترط طهارة المكان من النجاسات المتعدية ما لم يعف عنها إجماعا ، خلاف ذلك.

[2] إذا كان مما تتم به الصلاة ، حسب ما عرفت.

[3] لإطلاق معاقد الإجماعات على اشتراط طهارة محل الجبهة ، وان كان الظاهر منها المقدار المعتبر ، إذ المقام نظير وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه.

[4] كما في الجواهر ، وعن كشف الغطاء. والظاهر أنه من المسلمات

[ مسألة 2 ] : تجب إزالة النجاسة عن المساجد [1]


لاختصاص دليل الطهارة بالسطح الماس للجبهة.

[1] عن جماعة نقل الإجماع عليه ، كالشيخ ، والحلي ، والفاضلين ، والشهيد وغيرهم. ويشهد له قوله تعالى ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) (1)بضميمة عدم الفصل بين المسجد الحرام وغيره من المساجد. والمناقشة في دلالة الآية الشريفة على النجاسة تقدم دفعها في مبحث نجاسة الكافر. وقد يستدل أيضاً بما رواه في السرائر ، عن نوادر البزنطي ، عن محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت له (عليه السلام) : إن طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه ، فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته. فقال (عليه السلام) : أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت بلى. قال (عليه السلام) : فلا بأس إن الأرض يطهر بعضها بعضاً » (2). لكنه يشكل باحتمال كون المقصود نفي البأس من حيث الصلاة كما قد يظهر ذلك من ذيل الرواية. وكذا الكلام في موثقته الأخرى‌(3).

وأما النبوي المروي في كتب أصحابنا - كما في الوسائل - : « جنبوا مساجدكم النجاسة » (4). فيشكل : بأن من المحتمل أن يكون المراد منه مسجد الجبهة ، كما قد يشهد به إضافته إلى ضمير الجمع. مع ضعف سنده وانجباره بالعمل غير معلوم. هذا ومقتضى إطلاق الآية عدم الفرق بين الدفع والرفع. كما أن مقتضاه عدم الفرق بين أرض المسجد وسقفه ، وجدرانه ، وغيرها مما يعد جزءاً منه.


1) التوبة : 28.

2) الوسائل باب : 32 من أبواب النجاسات حديث : 9.

3) الوسائل باب : 32 من أبواب النجاسات حديث : 4.

4) الوسائل باب : 24 من أبواب أحكام المساجد حديث : 2.

داخلها ، وسقفها وسطحها ، وطرف الداخل من جدرانها ، بل والطرف الخارج على الأحوط [1]. إلا أن لا يجعلها الواقف جزاء من المسجد. بل لو لم يجعل مكانا مخصوصا منها جزاء لا يلحقه الحكم [2]. ووجوب الإزالة فوري [3] فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي. ويحرم تنجيسها أيضاً [4]. بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها ، وان لم تكن منجسة ، إذا كانت موجبة لهتك حرمتها [5] ، بل مطلقا على الأحوط [6].


[1] كأنه لدعوى الانصراف عنه. لكنه بدوي لا يجوز لأجله رفع اليد عن الإطلاق.

[2] للأصل.

[3] كما نص عليه غير واحد ، بل عن المدارك والذخيرة نسبته إلى الأصحاب. ويقتضيه ظاهر النهي. بل وظاهر معاقد الإجماعات على وجوب الإزالة ، إذ ليس المقصود وجوب الإزالة ولو بعد حين ، وفي وقت من الأوقات بل الإزالة على الفور ، ولو بقرينة مناسبة الاحترام والتعظيم ، كما لا يخفى. نعم ظاهر النهي في الآية الفور الحقيقي. إلا أن يكون إجماع على خلافه.

[4] لما عرفت من ظهور الأدلة فيما هو أعم من الرفع والدفع.

[5] لحرمة هتكها إجماعاً ولو بغير التنجيس.

[6] بل عند جماعة أنه الأقوى ، وعن اللوامع نسبته الى الحلبيين ، وعن الكفاية نسبته إلى المشهور. لظاهر الآية الشريفة. وعن الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم - بل عن روض الجنان نسبته إلى الأكثر - الاختصاص

وأما إدخال المتنجس فلا بأس به [1] ما لم يستلزم الهتك.


بالمتعدية للإجماع على جواز دخول الصبيان والحائض مع عدم انفكاكهم عن النجاسة - غالباً وقد ذكر الأصحاب [ قدهم ] جواز دخول المسلوس والمستحاضة مع أمن التلويث ، وجواز القصاص في المسجد للمصلحة مع فرش ما يمنع التلويث بل دخول الحائض والمستحاضة مورد النصوص (1)، بل السيرة على دخول المجروح والمقروح ونحوهما ممن تلوث بدنه أو لباسه بشي‌ء من عين النجاسة. لكن إن تمَّ دليل على ذلك أمكن الاقتصار عليه ، والرجوع في مورد الشك الى عموم الآية الشريفة المانع عن المتعدية وغيرها ، لا تخصيص النجاسة بالمتعدية ، لأنه من غير مخصص. ومجرد ثبوت الجواز في الموارد المذكورة ونحوهما مما كانت النجاسة من توابع الداخل ، وكونها قليلة غير ملتفت إليها ، لا يقتضي التخصيص المذكور ولا يقتضي حمل النهي في الآية على العرضي ، لأجل ما يترتب على دخول المشرك من تلويث المسجد ، فان ذلك خلاف الظاهر.

[1] عند جماعة. لاختصاص الدليل بعين النجاسة ، والأصل في غيره الجواز. [ فان قلت ] : مورد الآية الشريفة وان كان المشرك ، وهو نجس ذاتا لا متنجس لكن قوله تعالى ( نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا ) ظاهر في كون موضوع الحكم النجس ، وهو أعم من النجس بالعرض وهو المتنجس. [ قلت ] : النجس لما كان مصدراً وحمله على العين لا يصح إلا على وجه المبالغة ، فالموضوع للحكم هو النجس على نحو المبالغة ، وصدقه على المتنجس غير واضح. بل لو أمكن الفرق بين النجاسات أشكل الاستدلال بالآية الشريفة على المنع من كل نجاسة. نعم ظاهر السرائر الإجماع على عموم الحكم


1) الوسائل باب : 15 ، 17 من أبواب الجنابة ، وباب : 35 من أبواب الحيض وباب : 91 من أبواب الطواف.

[ مسألة 3 ] : وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي [1]. ولا اختصاص له بمن نجسها [2] أو صار سببا ، فيجب على كل أحد.

[ مسألة 4 ] : إذا رأى نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة تجب المبادرة إلى إزالتها مقدما على الصلاة مع سعة وقتها ، ومع الضيق قدمها. ولو ترك الإزالة مع السعة ، واشتغل بالصلاة ، عصى لترك الإزالة. لكن في بطلان صلاته اشكال [3] ،


للمتنجس حيث قال [رحمه اللّه] : « لا خلاف بين الأمة كافة في أن المساجد يجب أن تنزه وتجنب النجاسات العينية ، وقد أجمعنا بلا خلاف في ذلك بيننا على أن من غسل ميتاً له أن يدخل المسجد ويجلس فيه ، فضلا عن دخوله ومروره ، فلو كان نجس العين لم يجز له ذلك » وكذلك ظاهر المعتبر فإنه - بعد ما حكى ذلك - أقره على الإجماع الأول وأنكر عليه الإجماع الثاني. فقال : « فانا لا نوافقك على ذلك ، بل نمنع الاستيطان ، كما نمنع من على جسده نجاسة » ، لكن العمل بمثل هذا الإجماع بعد ما تقدم عن روض الجنان من مخالفة الأكثر غير ظاهر. لكن بناء على الإشكال في دلالة الآية على عموم الحكم للمتنجس يشكل الأمر في دلالتها على حرمة تلويث المسجد بالمتنجس ، فلا بد أن يكون الوجه فيه الإجماع. وأما الرواية فقد عرفت الإشكال في دلالتها.

[1] فان ظاهر الآية الشريفة عموم الخطاب للجميع ، ولما لم يمكن فيه التكرار تعين كونه كفائيا.

[2] وعن الذكرى الاختصاص به. وهو غير ظاهر ، ولا سيما مع عجزه عن الامتثال ، فإنه يلزم سقوط الخطاب رأساً.

[3] الكلام في هذه المسألة يقع في أمور : [ الأول ] : وجوب المبادرة


إلى الإزالة ، على نحو لو تركها واشتغل بالصلاة عصى في ترك المبادرة إلى الإزالة. [ الثاني ] : أن الأمر بالإزالة فوراً هل يقتضي النهي عن الصلاة أو لا؟ [ الثالث ] أنه على تقدير اقتضائه النهي هل يقتضي مثل هذا النهي الفساد أو لا؟ [ الرابع ] : أنه على تقدير عدم اقتضائه النهي فهل يمنع من الأمر بالصلاة على نحو الترتب أو لا؟ [ الخامس ] : أنه على تقدير المنع من ذلك فهل تصح الصلاة بفعلها بداعي الملاك أم لا؟.

أما الكلام في الأول : فالظاهر أنه لا إشكال عندهم في حصول العصيان بترك الإزالة ولو مع الاشتغال بالصلاة ، لأن ذلك مخالفة لدليل الفورية. لكن يظهر من كلام المستند : العدم ، حيث قال : « ولا يبطل واجب موسع أو مضيق لو فعله قبل الإزالة ، ولو قلنا باقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن ضده. بل لم يثبت الإجماع على الوجوب الفوري حين دخول واجب موسع أو مستحب كذلك فلا يحكم ببطلانه إذا فعله على القول بالاقتضاء المذكور أيضاً. ولا يختص ذلك بما إذا كان دليل وجوب الإزالة الإجماع ، بل وكذا لو كان دليله الآية والاخبار لاستناد الفورية معهما إلى الإجماع ، لعدم دلالة الأمر بنفسه على الفور. بل وكذا لو قلنا بدلالته على الفور أيضاً ، لحصول التعارض بين دليل وجوب الإزالة المستلزم للنهي عن غيرها ، وبين تلك العبادة بالعموم من وجه ، ولو فقد المرجح يحكم بالتخيير المستلزم للصحة ... ».

وفيه : أنك عرفت ظهور الإجماع في الوجوب الفوري ، وأن دلالة الآية على الفورية من باب دلالة النهي على الفور التي لا خلاف فيها ، لا من باب دلالة الأمر على الفور التي هي محل الخلاف. بل الأمر بالإزالة الذي هو مفاد النبوي المتقدم مما لا ريب في أن المراد به الفور - وان قلنا بأن الأمر لا يدل على الفور لأن الدلالة في المقام بقرينة مناسبة الحكم والموضوع. وعلى تقدير الدلالة فالمقام من باب تزاحم الواجبين ، لإحراز


مناط الوجوب فيهما معاً ، فلا بد من إعمال قواعد التزاحم ، المقتضية لترجيح المقتضي التعييني على المقتضي التخييري ، كما في جميع موارد تزاحم الواجبين إذا كان أحدهما مضيقاً والآخر موسعاً. لا من باب التعارض الذي لا يحرز فيه المناط في الطرفين ، كي يرجع الى المرجح أو التخيير مع عدمه.

مع أنه لو سلم ذلك فالظاهر تعين الجمع العرفي بينهما بتقديم دليل الفورية على دليل التوسعة ، نظير موارد تعارض دليل الاقتضاء واللااقتضاء فان العرف في مثل ذلك يقدم الأول على الثاني. مع أن المرجع في مورد المعارضة بين العامين من وجه الأصل ، وهو يقتضي البطلان وعدم المشروعية مع أنه لو بني على الرجوع الى التخيير فالتخيير المذكور تخيير في المسألة الأصولية ، فلا يحكم بصحة العبادة إلا إذا اختير دليل التوسعة ، لا تخيير في المسألة الفرعية كي تصح العبادة مطلقاً.

وكيف كان فلا ينبغي التأمل في وجوب المبادرة إلى الإزالة في الفرض وفي حصول العصيان بتركها ، بناء على ما عرفت من كون المقام من باب التزاحم لأن مقتضي الإزالة في الزمان الأول تعييني ، ومقتضي الصلاة في الزمان الأول تخييري والمقتضي التخييري لا يصلح لمعارضة المقتضي التعييني ، لأنه لا اقتضاء له في التعيين ، وما لا اقتضاء له لا يصلح لمزاحمة ماله الاقتضاء.

وأما الكلام في الأمر الثاني : فهو أنه لا موجب لاقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده ، إذ ليس فعل الضد مانعاً عن ضده ، ولا عدمه شرطاً لضده لأن الضدين في رتبة واحدة ، فيمتنع أن يكون كل منهما مانعاً عن الآخر ، لأن المانع يكون في رتبة سابقة على الممنوع ، لأنه نقيض عدمه ، الذي هو شرط وجود الممنوع ، المقدم رتبة على المشروط ، والنقيضان في رتبة واحدة ، فلو كان الضد مانعاً عن وجود الضد الآخر كان متقدما عليه رتبة ومتأخراً عنه ، وهو ممتنع.


وأما الكلام في الأمر الثالث : فهو أنه لا فرق بين النهي النفسي والغيري في كون مخالفته مبعدة عن المولى ، فمن سل سيفه ليقتل مولاه كان سل سيفه بقصد قتل المولى مبعداً عنه ، لأنه تمرد عليه ، كما لا يخفى. وحينئذ يمتنع أن يكون عبادة ، لأن العبادية متقومة بصلاحية الفعل للمقربية ، والمبعد لا يصلح لذلك.

وأما الكلام في الأمر الرابع : فهو أن الأمر بالضدين إنما يمتنع إذا كان الأمر بأحدهما مدافعاً ومطارداً للأمر بالآخر ، وذلك يختص بما إذا كان الأمران في عرض واحد. لأنهما لما لم تسعهما قدرة المكلف وانما تسع واحداً منهما ، فالأمر المتعلق بأحدهما يستوجب صرف قدرة المكلف الى متعلقه ، والأمر المتعلق بالآخر يستوجب صرف قدرته اليه ، والمفروض أن القدرة لا تسعهما معاً ، فيلزم محذور المدافعة بينهما. أما لو كانا على نحو الترتب : بأن كان الأمر بأحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعدم امتثال الأول فلا يلزم المحذور ، لأن الثاني لا يستوجب صرف القدرة من متعلق الأول إلى متعلقه ، لأن الأمر المشروط لا يقتضي حفظ شرطه ، وانما يقتضي صرف القدرة إلى متعلقه على تقدير حصول شرطه ، فلا يكون منافيا للأول كما أن الأول وإن كان يقتضي صرف القدرة من متعلق الثاني إلى متعلقه ، لكن صرفها على النحو المذكور ليس إبطالا لمقتضي الثاني ، بل هو رفع لشرط وجوده ، وقد عرفت أنه لا يقتضي حفظ شرطه ، فلا يكون أحد الأمرين منافياً لمقتضي الآخر ولا مدافعاً له.

ولأجل ذلك لا يبنى على سقوط الأمر بالمهم بالمرة إذا زاحمه الأمر بالأهم ، لأن ذاته لا تزاحم ذلك الأمر ، وانما المزاحم إطلاقه ، فيسقط وتبقى ذات الأمر بالمهم مقيدة. وبذلك يجمع العقل بين الأمرين.

ومثله ما لو كان الضدان في مرتبة واحدة في الاهتمام ، فان تزاحمهما


لا يوجب سقوط أمريهما معاً ، لعدم التدافع بين ذاتي الأمرين ، وانما التدافع بين اطلاقيهما فيسقطان معا ، وتبقى ذاتا الأمرين مقيدتين ، فيجمع العقل بينهما بتقييد كل من الأمرين بعدم امتثال الآخر ، ولازم ذلك سقوط الأمرين عند فعل أحد الضدين. أما سقوط أمر الضد المأتي به فبالامتثال وأما سقوط أمر الآخر فبانتفاء شرطه ، وثبوت الأمرين معا بترك الضدين معاً ، لحصول شرط كل من الأمرين ، ولازم ذلك استحقاق عقابين عليهما معاً.

وأما الكلام في الأمر الخامس : فهو أن الملاك [ تارة ] : يراد به المصلحة الموجبة لترجح الوجود على العدم ، أو المفسدة الموجبة لترجيح العدم على الوجود. [ وأخرى ] : يراد به نفس الترجح النفساني الموجب للميل الى الوجود أو النفرة عنه ، وان لم يكن هناك ارادة ولا كراهة ، إما لعدم الالتفات إلى الشي‌ء ، أو لوجود المانع عن تعلقهما به. فان كان المراد به الأول فالظاهر أنه لا يوجب عبادية العبادة فلو جي‌ء بالعبادة لأجل المصلحة ، لم تكن عبادة للمولى ، ولا إطاعة له ولا منشأ لاستحقاق الثواب ، كما سيجي‌ء - إن شاء اللّه تعالى - في مباحث نية الوضوء وان كان المراد به الثاني ، فالظاهر صحة العبادة لو كان هو الداعي إلى فعلها. بل الظاهر أن عبادية العبادات كلية إنما تكون لذلك ، وقصد الأمر إنما يصحح العبادة بلحاظ طريقيته الى الملاك المذكور ، لا من حيث هو هو. ولذا لو علم بخلو الأمر عن الملاك لم يكن أمرا حقيقياً ، بل كان صورياً ، ولم تجب موافقته. ولو علم بوجود الملاك بالمعنى المذكور وجب الفعل وان علم بعدم الأمر لمانع منه. فلو علم العبد أن ولد المولى قد غرق وجب إنقاذه وان لم يعلم المولى بذلك ، أو علم ولم يأمره بإنقاذه لجهله بوجود من يقدر على إنقاذه. فهذا الدوران دليل على كون المعيار في صحة العبادات هو الملاك - بالمعنى المذكور - من دون دخل فيها للأمر. وتحقيق هذه المباحث موكول الى مبحث الضد. وقد

والأقوى الصحة. هذا إذا أمكنه الإزالة وأما مع عدم قدرته مطلقاً أو في ذلك الوقت فلا إشكال في صحة صلاته [1]. ولا فرق في الاشكال في الصورة الأولى بين أن يصلي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر [2]. وإذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الإزالة [3].

[ مسألة 5 ] : إذا صلى ثمَّ تبين له كون المسجد نجساً كانت صلاته صحيحة [4]. وكذا إذا كان عالما بالنجاسة ، ثمَّ غفل ، وصلى. وأما إذا علمها أو التفت إليها في أثناء


أوضحناها في تعليقتنا حقائق الأصول. فراجع.

[1] لأن العجز مانع عن الأمر بالمبادرة إلى الإزالة ، فلا مجال لتوهم المنع عن الصلاة.

[2] لتحقق التضاد ، الموجب لورود الاشكال السابق.

[3] لتحقق امتثال الواجب الكفائي بفعل غيره فلا مزاحمة. نعم لو كان ترك المعاونة له مفوتاً للفورية العرفية جاء الاشكال السابق ، لتحقق التزاحم حينئذ بين وجوب المعاونة ووجوب الصلاة.

[4] لا اشكال فيه ظاهراً. إذ لا قصور في صلاته لتماميتها في نفسها ووقوعها على وجه العبادة. ومجرد وجود المفسدة فيها - بناء على كونها منهياً عنها - لا يمنع من صحة التعبد بها ، واستحقاق الثواب على فعلها ، بعد جهله بالنهي المانع من حصول البعد بمخالفته [ وبالجملة ] : بعد ما كانت الصلاة تامة الاجزاء والشرائط ومأتيا بها على وجه العبادة ، وصلاحية الفعل للمقربية ، وصلاحية الفاعل للتقرب ، لا موجب للبطلان.

فان قلت : إذا كان مبنى القول بالبطلان على تقدير الالتفات

الصلاة ، فهل يجب إتمامها ثمَّ الإزالة ، أو إبطالها والمبادرة إلى الإزالة؟! وجهان ، أو وجوه ، والأقوى وجوب الإتمام [1].


هو تقديم جانب النهي ، فلازم ذلك كون ترك الصلاة أرجح من فعلها ، وعدمها أولى من وجودها ، فكيف يمكن التقرب بفعلها؟ وهل يمكن التقرب بالمرجوح؟ [ قلت ] : لا ريب في بناء العقلاء على استحقاق الثواب بمجرد الانقياد الى المولى بفعل ما يعتقد محبوبيته ، وان كان مبغوضاً ، فالبغض الواقعي لا يكون مانعاً من الانقياد ، الذي هو سبب القرب إلى المولى ، واستحقاق ثوابه. وإنما يكون مانعاً إذا كان معلوما للعبد ، على نحو يكون الفعل مبعداً عن المولى ، لكونه تمردا عليه. ولذا أفتوا بصحة الصلاة مع الجهل بالغصب ، حتى بناء على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي. وكذا مع النسيان وسائر الأعذار المانعة من صحة العقاب على الفعل المبغوض. وتحقيق ذلك في مبحث جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه. فراجع.

[1] علله المصنف [رحمه اللّه] في مبحث عدم جواز قطع الفريضة : بأن دليل الفورية قاصر الشمول عن مثل المقام ، فدليل حرمة القطع بلا مزاحم ويشكل : بأن دليل الفورية عين دليل وجوب الإزالة ، لأن دليل وجوب الإزالة مرجعه إلى النهي عن وجود النجاسة في المسجد بنحو الطبيعة السارية التي لا فرق فيها بين زمان وآخر. نظير ما دل على وجوب الاجتناب عن النجس وغيره من المحرمات فاذا كان دليل الإزالة شاملا للمقام ، كان دليلا على الفورية أيضاً.

وقد يعلل ما في المتن : بأنه مقتضى استصحاب وجوب الإتمام وحرمة القطع. وفيه : أن الشك في المقام ليس في وجوب الإتمام ، للعلم بتحقق مناطه ، وانما الشك في تقديمه في نظر العقل على وجوب الإزالة لأهمية ملاكه أو تأخيره عنه لضعف ملاكه ، أو التخيير بينهما لتساويهما في الملاك ، فالشك

[ مسألة 6 ] : إذا كان موضع من المسجد نجساً ، لا يجوز تنجيسه ثانياً بما يوجب تلويثه [1]. بل وكذا مع


في الحكم العقلي للشك في مناطه. نعم كان الإتمام واجباً تعيينياً في نظر العقل قبل الالتفات إلى النجاسة. لكن مثل هذا الحكم العقلي ليس مجرى للاستصحاب.

ولا فرق في ذلك بين صورة وقوعها في الأثناء والالتفات إليها ، وصورة وقوعها قبل الصلاة والالتفات إليها قبل الصلاة ثمَّ الغفلة والشروع في الصلاة ثمَّ الالتفات إليها في الأثناء ، وصورة وقوعها قبل الصلاة وعدم الالتفات إليها إلا في الأثناء ، فإن الجميع مشتركة في توقف العقل عن الحكم بوجوب القطع والإزالة أو وجوب الإتمام ، أو التخيير بينهما حين الالتفات إليها في الأثناء والابتلاء بالمزاحم. ومثلها صورة الالتفات إليها قبل الصلاة والشروع فيها عمدا ، فإنه بعد البناء على صحة الصلاة يقع الإشكال في وظيفة المكلف أيضاً عقلا من حيث وجوب الإتمام وترك الإزالة ، أو القطع والإزالة ، أو التخيير بينهما لعدم علمه بالمناط.

وقد يعلل أيضاً : بأن مناط حرمة القطع أقوى من مناط وجوب الفورية في الإزالة. وفيه : أنه غير ظاهر.

هذا والمتعين وجوب الإزالة وترك الإتمام ، لأن العمدة في الدليل على حرمة قطع الفريضة هو الإجماع ، والقدر المتيقن منه غير مثل المقام ، مما كان القطع فيه بداعي فعل واجب.

[1] قد تقدم - في مسألة أن المتنجس لا يتنجس ثانيا - احتمال كون المتنجس يتنجس ثانياً ، وأن التداخل في المزيل لا في المزال. وعليه فحرمت التلويث في محلها. أما بناء على ما هو ظاهرهم من كون التداخل في المزال ، فلا يظهر وجه لحرمة التلويث ، إلا بناء على حرمة إدخال النجاسة

عدم التلويث إذا كانت الثانية أشد وأغلظ من الأولى [1]. وإلا ففي تحريمه تأمل ، بل منع [2] ، إذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر. لكنه أحوط.

[ مسألة 7 ] : لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز ، بل وجب [3]. وكذا لو توقف على تخريب شي‌ء


غير المتعدية إلى المسجد إذا كانت ملوثة ، كما يقتضيه إطلاق الآية الشريفة مع عدم مخرج عنها من سيرة أو نحوها ، وان لم يحصل الهتك من مجرد التلويث. لكنه على إطلاقه ممنوع.

[1] لأن التنجيس المحرم ملحوظ بنحو الطبيعة السارية في الافراد والمراتب بقرينة الارتكاز العرفي.

[2] هذا إذا بنينا على ما هو ظاهرهم من كون التداخل في الأثر لا في المزيل ، وإلا - كما تقدم احتماله - فالبناء على التحريم في الفرض في محله.

[3] كأنه لإطلاق دليل وجوب إزالة النجاسة عن المسجد. لكن يزاحمه ما دل على حرمة تخريب المسجد. اللّهم إلا أن يقال : حرمة تخريب المسجد تختص بما إذا لم يكن لمصلحة المسجد ، كالتوسعة ، واحداث باب ونحوهما مما يترتب عليه مصلحة عامة ، وفي الجواهر : أنه لا ريب في جواز ذلك. وتطهير المسجد من هذا القبيل ، فلا مزاحم لما دل على وجوب إزالة النجاسة عنه. [ وفيه ] : أن المراد بالمصلحة المسوغة للتخريب الفائدة العائدة إلى المترددين ، والطهارة ليست منها ، ومجرد الوجوب لا يقتضي ذلك فالتزاحم بحاله. وحينئذ فالبناء على وجوب التخريب - بحفر الأرض ، وهدم العمارة ، ونحوهما - يتوقف على إحراز أهمية الإزالة بالنسبة اليه ، أو احتمال أهميتها من دون احتمال أهمية مفسدة التخريب ، وهو غير ظاهر كلية ، ومقتضى ذلك جواز كل من الأمرين. نعم تمكن دعوى أهمية الإزالة

منه. ولا يجب طم الحفر وتعمير الخراب [1]. نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن رده [2] بعد التطهير وجب [3].


في الحفر والهدم إذا كانا يسيرين.

هذا مع الغض عن المناقشة في إطلاق دليل وجوب الإزالة الشامل للنجس والمتنجس ، وإلا فقد عرفت المناقشة في ذلك ، وأن العمدة الإجماع وعليه إذا شك يرجع إلى أصالة البراءة ، ويكون دليل حرمة التخريب بلا مزاحم ولا معارض.

هذا كله إذا لم يوجد باذل لتعميره. وأما لو وجد الباذل فلا ينبغي التأمل في وجوب الإزالة والتخريب ، لأهمية وجوب الإزالة. واحتمال عدم وجوب الإزالة في الفرض ، وانتفاء ملاكه ، بعيد جدا ، لا يعتد به في قبال إطلاق معاقد الإجماع.

[1] لأصالة البراءة. وقاعدة الضمان بالإتلاف غير جارية في المقام ، لا من جهة أن الوجوب ينافي الضمان ، لمنع ذلك ، ولذا يجب أكل طعام غيره عند المخمصة مع الضمان ، بل لاختصاص الضمان بصورة الإتلاف لا لمصلحة ذي المال ، وفي المقام إنما يكون الإتلاف لمصلحة المسجد.

[2] يعني : الى المسجد.

[3] كأنه لما ورد في وجوب رد ما أخذ من الحصى والتراب من البيت. ففي رواية معاوية : « أخذت سكا من سكاك المقام ، وترابا من تراب البيت وسبع حصيات. فقال (عليه السلام) : بئس ما صنعت أما التراب والحصى فرده » (1)وقريب منها غيرها. لكن استفادة المقام منها غير ظاهرة ، فان موردها الأخذ المحرم ، بخلاف المقام ، فاحتمال عدم وجوب رده إذا لم يستلزم تضييعاً للوقف أنسب بالقواعد. إلا أن يكون إجماع.


1) الوسائل باب : 26 من أبواب أحكام المساجد حديث : 2.

[ مسألة 8 ] : إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره [1] ، أو قطع موضع النجس منه ، إذا كان ذلك أصلح من إخراجه وتطهيره [2] ، كما هو الغالب.

[ مسألة 9 ] : إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع كما إذا كان الجص الذي عمر به نجساً ، أو كان المباشر للبناء كافرا - فان وجد متبرع بالتعمير بعد الخراب جاز ، وإلا فمشكل [3].

[ مسألة 10 ] : لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا [4] وان لم يصل فيه أحد ، ويجب تطهيره إذا تنجس.


[1] وكذا آلاته. ذكره كثير ، ولم ينقل فيه خلاف ، بل عن مجمع البرهان والمدارك ما يشعر بالاتفاق عليه. وكأنه للبناء على المنع من إدخال النجاسة غير المتعدية إذا كانت من هذا القبيل ، كما يقتضيه إطلاق الآية الشريفة من دون مخرج عنه ، من سيرة أو غيرها ، لاختصاصهما - على تقدير ثبوتهما - بغير ذلك. لكن يشكل ذلك هنا بما عرفت من اختصاص الآية بالنجاسة العينية فلا تشمل المتنجس. مضافا الى أن غاية ما تقتضيه الآية حرمة التنجيس ما دام في المسجد فإذا أخرج من المسجد لا يجب تطهيره. نعم لو ثبت وجوب رده وجب تطهيره حينئذ ، فرارا من لزوم إدخال النجاسة الى المسجد.

[2] وحينئذ يتعين.

[3] قد عرفت أن المنع أظهر.

[4] فإن المعروف عدم بطلان مسجديته بالخراب. بل الظاهر أنه لا خلاف فيه بيننا. نعم عن بعض العامة : أنه يرجع ملكا للواقف ، قياساً


على ما لو أخذ السيل ميتا. فإنه يرجع كفنه الى ملك الوارث. لكنه قياس مع الفارق ، فإن الثاني تكليف يسقط بذهاب موضوعه ، والثاني وضع باق ببقاء موضوعه ، وهو الأرض وان خربت. وقد ذكرنا في كتابنا نهج الفقاهة أقسام الوقف ، واختلاف أحكامها ، وأن وقف المساجد قسم برأسه ليس الوقف فيه على غاية معينة من صلاة أو عبادة ، حتى يبطل بالخراب ، لفوات الجهة المقصودة ، وانما الوقف فيه لحفظ عنوان خاص ، وهو عنوان المسجدية ، والخراب لا يستوجب فواته ، لعدم الدليل عليه ، والأصل يقتضي بقاءه.

لكن في المسالك : « هذا في غير المبنى في الأرض المفتوحة عنوة ، حيث يجوز وقفها تبعاً لآثار التصرف ، فإنه ينبغي حينئذ بطلان الوقف بزوال الآثار ، لزوال المقتضي للاختصاص ، وخروجه عن حكم الأصل ... » وفيه : أن الملك آناً ما - ولو تبعاً للآثار - يكفي في صحة الوقف ، وإذا صح كان مؤبدا ولو للاستصحاب. نعم يقع الإشكال في ثبوت الملكية. ولو تبعا للآثار ، فإنه لا دليل عليه ، كما أشرنا الى ذلك في نهج الفقاهة. وحينئذ يشكل أصل وقفها مسجدا ، لعدم الدليل على صحة التصرف فيها بذلك ، وان ادعى شيخنا في الجواهر في كتاب الوقف السيرة القطعية على اتخاذ المساجد فيها. بل المعلوم من الشرع جريان أحكام المساجد على مساجد العراق ونحوه من البلاد المفتوحة عنوة ، وان كان [قدس سره] في كتاب البيع حكى عن المبسوط وغيره المنع من التصرف فيها ، حتى ببنائها مساجد وسقايات ، وأنه لو تصرف بذلك أو غيره كان باطلا ، وهو الذي تقتضيه القواعد الأولية. والسيرة لم تثبت في مورد علم بأن أرض المسجد مما كان عامرا حين الفتح ، وأنه لم يخرج عن ملك المسلمين ولو ببيع السلطان ، وأنه لم يكن ذلك التصرف بإذنه. وليس التصرف فيها بجعلها مسجداً إلا

[ مسألة 11 ] : إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه إن أمكن إزالته بعد ذلك [1] ، كما إذا أراد تطهيره بصب الماء واستلزم ما ذكر.

[ مسألة 12 ] : إذا توقف التطهير على بذل مال وجب [2]. وهل يضمن من صار سبباً للتنجس؟ وجهان ، لا يخلو ثانيهما من قوة [3].


كسائر التصرفات التي ذكروا أنها لا تجوز في أرض المسلمين إلا بالاذن من وليهم ، كبنائها دورا ومنازل وسقايات ونحو ذلك ، والسيرة في جميع ذلك لم تثبت بنحو يخرج بها عن القواعد.

[1] لوجوب ارتكاب أقل المحذورين عند التزاحم.

[2] لإطلاق الدليل. إلا أن يكون ضرراً أو حرجا ، فيرتفع بما دل على نفي الضرر ، أو الحرج (1).

[3] لأن التسبيب الموجب للضمان يختص بما يكون الإتلاف فيه مستنداً - عرفا - الى السبب ، لا الى المباشر ، بأن كان المباشر غير مختار في الإتلاف. كما لو وضع كأس غيره الى جنب نائم فانقلب عليه فكسره ، فان الضمان على واضع الكأس لا على النائم المباشر ، وليس المقام من هذا القبيل ، بل من باب إحداث الداعي إلى بذل المال بإزاء عمل مقصود ، وان كان قصده بتوسط السبب ، وفي مثله لا مجال للضمان ، كما يظهر من ملاحظة النظائر. فإذا وجد الشخص الزاد والراحلة وكان مديوناً بدين مانع من الاستطاعة ، فإذا أبرأه الدائن من الدين لا يكون ضامناً لما يصرفه في طريق الحج. .


1) تقدمت الإشارة إليه في تعاليق مسألة : 43 من مباحث الإجتهاد والتقليد ، ومسألة: 10 من الفصل المعترض فيه لأحكام ماء البئر.

[ مسألة 13 ] : إذا تغير عنوان المسجد ، بأن غصب وجعل داراً أو صار خراباً ، بحيث لا يمكن تعميره ولا الصلاة فيه ، وقلنا بجواز جعله مكاناً للزرع [1] ، ففي جواز


[1] حكى شيخنا الأعظم [رحمه اللّه] في مكاسبه عن بعض الأساطين (1): أنه مع اليأس من الانتفاع به يؤجره الحاكم ، ويصرف منفعته فيما يماثله من الأوقاف ، مقدما للأقرب والأحوج والأفضل احتياطا ... إلخ ، وذكر [رحمه اللّه] في كشف الغطاء : « أن جميع الأوقاف العامة - من مساجد ومدارس ومقابر وربط - إذا خربت وتعطلت جاز للحاكم إيجارها لوضع آخر ».

وفيه : أنه يتم في مثل المدارس ونحوها مما يكون الخراب فيه موجباً لبطلان الوقف ، فإنه إذا بطل بقي أصل التصدق بها على حاله ، فتكون تحت ولاية الولي العام ذاتاً ومنفعة ، وتكون منفعتها معنونة بعنوان الصدقة تبعاً لها ، فيصح للحاكم الشرعي إيجارها كما يصح له بيعها. أما مثل المساجد مما لا يكون الخراب موجباً لبطلان وقفها فيشكل : بأن منافعها قد أهملها الواقف ، ولم يجعلها معنونة بعنوان الصدقة تبعاً لها كي تكون تحت ولاية الحاكم. ولذا لا يصح له إجارتها في حال عمرانها ، إذا لم تكن الإجارة مزاحمة للوقف ، كأن يؤجرها في الليل أو في غيره من الأوقات التي لا ينتفع بها في الجهة المقصودة ، إذ لو كانت المنفعة مقصودة للواقف وجب على الحاكم الشرعي استيفاؤها ، والاحتفاظ بها ، كغيرها مما يكون تحت ولايته. ومن ذلك يظهر أنه لا تجوز إجارة مثل المدارس العامرة المشغولة بأهل العلم في الأوقات التي لا ينتفع بها ، مثل أيام التعطيل أو في أيام الاشتغال بنحو لا يزاحم الطلبة.

كما أن من ذلك يظهر أنه لو غصب المسجد أو بعض المدارس العامرة


1) كاشف الغطاء قدس سره .

تنجيسه وعدم وجوب تطهيره - كما قيل - إشكال [1] ، والأظهر عدم جواز الأول [2] ، بل وجوب الثاني أيضاً [3].


أو خانات الزوار غاصب لا يكون ضامناً ، لأن الضمان يتوقف على اعتبار مضمون له ، والمنافع المستوفاة للغاصب لم تكن ذات عنوان ، مثل كونها ملكا لمالك ، أو صدقة ، أو نحو ذلك ، كي يقوم البدل مقامها في ذلك ، ويصح اعتبار الضمان لها. وقد أشرنا في نهج الفقاهة إلى أقسام الوقف ، واختلافها في الاحكام من حيث إرث الوارث ، وجواز المعاوضة عليها ، وثبوت الضمان باستيفائها على غير وجهها وغير ذلك. فراجع.

هذا كله في إجارة الحاكم الشرعي. وأما جواز نفس التصرف فيه يجعله مزرعة أو نحو ذلك مما لا يعلم منافاته للمسجدية فالظاهر أنه لا بأس به لأصالة البراءة. اللّهم إلا أن يبني على أصالة حرمة التصرف في الأموال إلا أن تعلم الاذن فيه ، كما تدل عليه بعض الروايات (1)الضعيفة السند غير المجبورة بعمل. بل لو لا ذلك لم يبعد القول بذلك في المساجد العامرة مع عدم المزاحمة للمترددين. فلاحظ.

[1] كأنه ينشأ من أن تعذر الصلاة فيه مانع من صدق المسجدية ، فإن المسجدية وإن كانت من الملكات ، إلا أن صدقها يتوقف على الاعداد وهو لا يكون مع تعذر الفعلية.

[2] لما عرفت من أن المسجدية من الاعتبارات القائمة بالمكان ، التي يكفي فيها مجرد الصلاحية ، ولا تتوقف على الاعداد بوجه. فهي كالزوجية التي لا يتوقف اعتبارها على اعداد الاستمتاع.

[3] لما عرفت من اتحاد الدليل على الحكمين ، فإطلاقه يقتضي ثبوتهما معاً. اللّهم إلا أن يدعى الانصراف عن مثل المقام ، فيتعين الرجوع الى


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الأنفال حديث : 2.

[ مسألة 14 ] : إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد ، فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها [1] ، وإلا فالظاهر وجوب التأخير إلى ما بعد الغسل [2].


الأصول ، ومقتضى الاستصحاب حرمة التنجيس. وأما وجوب التطهير فلما كان استصحابه من الاستصحاب التعليقي ، وحجيته محل إشكال - كما عرفت في مبحث حرمة العصير الزبيبي - فالمرجع فيه أصالة البراءة. لكنه لا يتم فيما لو كانت النجاسة موجودة فيه قبل طروء الخراب ، فان استصحاب وجوب التطهير منها تنجيزي. ولا فيما لو كان الخراب قبل البلوغ ، فان استصحاب عدم حرمة التنجيس فيه محكم ، والانصاف يقتضي تعين الرجوع الى الأصول ، إذ لا إطلاق واضح الشمول للمورد ، لاختصاص الآية الشريفة بالمسجد الحرام ، والعموم لغيره كان بالإجماع والمتيقن من معقده غير المقام.

[1] بلا إشكال فيه في غير المسجدين. أما فيهما فالحكم كما لو توقف التطهير على المكث في غيرهما.

[2] فان المقام من باب تزاحم حرمة المكث ووجوب الإزالة ، والحكم في باب التزاحم لزوم العمل على الأهم لو كان ، والتخيير مع التساوي. والظاهر أهمية حرمة المكث بملاحظة أدلة حرمته ، لا أقل من احتمال الأهمية الذي هو كالعلم بالأهمية في لزوم الترجيح عقلا ، للدوران بين التعيين والتخيير الموجب للاحتياط عقلا ، فلا يجوز التطهير وهو جنب. بل تجب عقلا المبادرة إلى الغسل لغاية من غاياته. ثمَّ التطهير. ولا يجب شرعا ، لأن التطهير لا يتوقف على الغسل ، لإمكان تحقق التطهير من الجنب ، وإنما يجب الغسل عقلا من باب لزوم الجمع بين الغرضين. ونظيره وجوب استيجار الراحلة للمستطيع ، فان وجوبه ليس غيرياً ، لعدم كونه مقدمة للحج ، فان

لكن يجب المبادرة إليه حفظا للفورية بقدر الإمكان. وان لم يمكن التطهير إلا بالمكث جنباً فلا يبعد جوازه ، بل وجوبه [1]. وكذا إذا استلزم التأخير الى أن يغتسل هتك حرمته.

[ مسألة 15 ] : في جواز تنجيس مساجد اليهود والنصارى اشكال [2]


الحج يصح من قاطع المسافة ولو بنحو الغصب ، وانما يجب عقلا من باب لزوم الجمع بين غرضي الشارع الأقدس في تحريم الغصب ووجوب الحج. ولو فقد الماء وجبت المبادرة إلى التيمم لغاية يشرع لها ، ثمَّ التطهير.

هذا وربما يقال : إن الكون في المسجد لما كان مستحبا في كل آن فاذا لم يمكن الغسل في الآن الأول ، لاحتياج إيقاعه إلى زمان أكثر من زمان التيمم ، يشرع التيمم لغاية الكون في الآن الأول ، وإن كان واجدا للماء ، فاذا تيمم وجب عليه الدخول في المسجد وتطهيره ، فلا يتوقف جواز التطهير على الغسل بل يجب فيه التيمم إذا كان زمانه أقصر [ وفيه ] : أن مشروعية التيمم في مثل ذلك غير ثابتة ، بل معلومة الانتفاء ، وإلا لجاز التيمم للجنب ، ودخول المساجد مع وجود الماء في خارج المساجد والتمكن من استعماله.

[1] كأنه لأهمية إزالة النجاسة الباقية لو لم تزل بالنسبة إلى المكث. ومثله ما بعده.

[2] ينشأ من كونها مساجد حقيقية وان سميت عندهم باسم آخر. ومن عدم إطلاق لدليل الحكم ، كي يتمسك به لتعميم الحكم لها ، لاختصاص الآية الشريفة بالمسجد الحرام ، والإجماع على التعدي منه غير ثابت فيما نحن فيه. اللّهم إلا أن يقال : إن المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجد الكوفة ، ليست من المساجد الحادثة في زمان شريعتنا المقدسة ، بل هي قديمة ، ولا مجال للتفكيك بينها وبين غيرها من المساجد القديمة المستحدثة

وأما مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فرقهم [1].

[ مسألة 16 ] : إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءاً من المسجد لا يلحقه الحكم ، من وجوب التطهير ، وحرمة التنجيس [2]. بل وكذا لو شك


في شريعة موسى وعيسى علیهماالسلام فيلزم تعميم الحكم للجميع [ وفيه ] : أنه لا يراد التفكيك بين الافراد ، وانما يراد التفكيك بين الأحوال ، يعني حال كونها مساجد وكونها بيعاً أو كنائس أو نحو ذلك ، فإنه لا إطلاق في الدليل يشمل الحالين ، فالرجوع في الثانية إلى الأصل النافي متعين وأوضح في ذلك المساجد المستحدثة لليهود في زمان شريعة عيسى علیه السلام وللنصارى في أيام شريعتنا ، لإمكان كون وقفها باطلا ، لأنها موقوفة على العبادة الباطلة. لكن عرفت أن وقف مثل ذلك ليس على العبادة بل لمجرد حفظ عنوان خاص ، وملاحظة العبادة - صحيحة كانت أو باطلة - أمر خارج عنه.

اللّهم إلا أن يقال إثبات هذا المعنى في وقف البيع والكنائس كلية غير واضح ، لإمكان كونها من قبيل وقف الحسينيات في هذا العصر ، أو وقف المصلى. ولو كانت موقوفة بقصد المسجدية لكان اللازم على المسلمين ترتيب أحكام المساجد عليها في جميع البلاد المفتوحة. والظاهر خلاف ذلك إلا في موارد خاصة معدودة لا غيرها.

[1] بلا إشكال.

[2] لعدم المقتضي ، وعدم الدليل ، بل الظاهر أنه إجماع. والفرق بين المقام وفراش المسجد : أن تنجيس الفراش إدخال للنجاسة الى المسجد لأن الفضاء الذي يشغله الفراش جزء من المسجد ، وليس كذلك المقام ، لأن خرجها عن المسجدية بمعنى خروج الفضاء الذي تشغله عن المسجدية.

في ذلك [1] ، وان كان الأحوط اللحوق.

[ مسألة 17 ] : إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المسجدين ، أو أحد المكانين من مسجد ، وجب تطهيرهما [2].

[ مسألة 18 ] : لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصاً. وأما المكان الذي أعده للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم [3].

[ مسألة 19 ] : هل يجب اعلام الغير إذا لم يتمكن من الإزالة؟ الظاهر العدم [4] إذا كان مما لا يوجب الهتك ، وإلا فهو الأحوط.


[1] للأصل. إلا إذا علم أو احتمل منع المالك عن التنجيس على تقدير كونه ملكا. لكن يبقى وجوب التطهير بلا مقتض ، إذ الأصل البراءة. هذا إذا لم تكن أمارة على المسجدية ، وإلا تعين العمل عليها.

[2] لقاعدة الاحتياط اللازم ، من جهة العلم الإجمالي بالتكليف.

[3] لعدم كونه مسجداً ، ولا خارجاً عن الملكية. وفي خبر علي ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره هل يصلح له أن يجعله كنيفاً؟ قال (عليه السلام) : لا بأس » (1)، ونحوه صحيح البزنطي (2)المروي في مستطرفات السرائر

. [4] كأنه للأصل. لكن مقتضى إطلاق النهي في الآية الشريفة وجوب الإزالة ولو بنحو التسبيب ، فاذا علم بترتب الإزالة على الاعلام وجب مقدمة لها ، وقد سبق منه [قدس سره] وجوب بذل المال إذا توقف عليه تطهير المسجد ، ولو كان من قبيل الأجرة على التطهير ، فكيف لا يجب الاعلام إذا علم بالإزالة على تقدير الاعلام؟ [ وبالجملة ] : بعد ما كان تطهير


1) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام المساجد حديث : 6.

2) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام المساجد حديث : 4.

[ مسألة 20 ] : المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس [1] ، بل وجوب الإزالة إذا كان تركها هتكا ، بل مطلقاً على الأحوط. لكن الأقوى عدم وجوبها مع عدمه [2].


المسجد لا تجب فيه المباشرة ، وأنه يجب فيه الاستنابة ، لا مجال للتشكيك في وجوب الاعلام إذا علم بترتب الإزالة عليه. وكذا الحكم لو احتمل ذلك لأن الشك في القدرة على الامتثال موجب للاحتياط عقلا. نعم لو علم بعدم ازالة غيره للنجاسة على تقدير اعلامه ، فلا موجب للاعلام ، للأصل. وكذا الحكم فيما يوجب الهتك.

[1] كذا ذكر جماعة ، بل لعله لا خلاف فيه ظاهراً ، لوجوب تعظيمها وعدم وجوب جمع افراد التعظيم لا ينافي ذلك ، إذ التنجيس مناف للتعظيم بجميع أفراده. إلا أن يمنع وجوب التعظيم - ولو في الجملة - لعدم وضوح دليل عليه. بل السيرة القطعية على خلافه في الجملة فالعمدة إذاً ما دل على حرمة المهانة لها ، كما تقتضيه مرتكزات المتشرعة التي هي نظير السيرة العملية لهم ، يصح الاعتماد عليها في إثبات الحكم الشرعي. لكن عليه يدور الحكم في حرمة التنجيس ، ووجوب التطهير مدار صدق المهانة وعدمها ، ومن ذلك يشكل الفرق بين حرمة التنجيس ووجوب التطهير ، لأن ما يكون إحداثه مهانة يكون بقاؤه كذلك ، لعدم الفارق بين الحدوث والبقاء. إلا أن يكون التشكيك في حرمة مهانتها ومبغوضيتها مطلقاً ، والمتيقن خصوص الاحداث دون البقاء ، فإنه الذي يساعده مرتكزات المتشرعة ، وهذا هو الأقرب. ثمَّ إن حصول المهانة في النجاسة اليسيرة لا يخلو من اشكال ، فعموم الحكم حينئذ مشكل.

[2] أما معه فلا اشكال ، للعلم بمبغوضيته ، ولزوم صيانتها عنه ، من غير فرق بين الحدوث والبقاء.

ولا فرق فيها بين الضرائح وما عليها من الثياب ، وسائر مواضعها [1] ، إلا في التأكد وعدمه [2].

[ مسألة 21 ] : تجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف ، وخطه بل عن جلده وغلافه ، مع الهتك [3]. كما أنه معه يحرم مس خطه أو ورقه بالعضو المتنجس ، وان كان


[1] لاطراد الدليل في الجميع على نهج واحد.

[2] فان الحكم فيما هو أقرب آكد منه في الأبعد.

[3] بلا إشكال ، إذ من المعلوم ضرورة لدى المتشرعة وجوب صيانته عن ذلك ، وفي خبر إسحاق بن غالب في القرآن « فيقول الجبار عز وجل : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني ، لأكرمن اليوم من أكرمك ، ولأهينن من أهانك » (1)وفي رواية أبي الجارود : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة ، وكتابه ، وأهل بيتي ثمَّ أمتي ثمَّ أسألهم ما فعلتم بكتاب اللّه تعالى وأهل بيتي » (2). فتأمل.

وأما إذا لم يحصل الهتك ففي وجوب ذلك إشكال. إلا أن يستفاد من قوله تعالى ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (3)فإنه وان كان مورده الطهارة من الحدث - بقرينة نسبتها الى الماس ، لا العضو الممسوس به - إلا أنه يمكن استفادة المقام بالأولوية [ وتوهم ] : اختصاص الآية بفعل الإنسان نفسه ، ولا تقتضي المنع من تحقق المس من غيره ، فلا تدل على وجوب الإزالة لو تحققت النجاسة [ مندفع ] : بأن الظاهر من إطلاق الآية عموم المنع ، لعدم تقييد موضوع الخطاب بفعل المخاطب نفسه. لكن ذلك


1) الوسائل باب : 2 من أبواب قراءة القرآن حديث : 1.

2) الوسائل باب : 2 من أبواب قراءة القرآن حديث : 2.

3) الواقعة : 79.

متطهراً من الحدث. وأما إذا كان أحد هذه بقصد الإهانة فلا إشكال في حرمته [1].

[ مسألة 22 ] : يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس [2] ، ولو كتب جهلا أو عمداً وجب محوه. كما أنه إذا تنجس خطه ، ولم يمكن تطهيره ، يجب محوه.

[ مسألة 23 ] : لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر [3] ، وإن كان في يده يجب أخذه منه.

[ مسألة 24 ] : يحرم وضع القرآن على العين النجسة [4] ،


يجري بالنسبة إلى خطه. ومنه يظهر الوجه في حرمة مس خطه بالعضو المتنجس. وأما مس ورقه فغير ظاهر ، إذ لا يستفاد من الآية ، ولا فيه هتك ولا فيه مهانة.

هذا ولكن في ثبوت الأولوية بالنسبة إلى الخبث إشكال ، ومقتضى الأصل العدم. والحال في الورق أوضح.

[1] بل قد يؤدي الى الارتداد إذا كان عن استهانة بالدين. أما إذا كان بقصد الإهانة لخصوص الشخص المعين من القرآن لا غير ، فليس إلا الحرمة.

[2] لما تقدم من إمكان استفادته من الآية الشريفة ، فإنه وان لم يكن فيه ماس وممسوس ، لكن المناط موجود فيه بنحو آكد ، وان كان لا يخلو من إشكال ، كما عرفت. وكذا الحكم في الفرع الآتي.

[3] لا يخلو من اشكال إذا لم يستلزم هتكا ، ولا مهانة. وكذا وجوب أخذه منه. نعم إذا كان وضع يده عليه يقتضي مس خطه بعضو منه ، كان تحريم إعطائه ووجوب أخذه مبنيا على ما عرفت من حرمة مماسة النجس له.

[4] الكلام فيه هو الكلام في المسألة السابقة.

كما أنه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه وإن كانت يابسة.

[ مسألة 25 ] : يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية [1] ، بل عن تربة الرسول وسائر الأئمة - صلوات اللّه عليهم - المأخوذة من قبورهم ، ويحرم تنجيسها. ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك ، والاستشفاء [2]. وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة.

[ مسألة 26 ] : إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجه ولو بأجرة [3].

وان لم يمكن فالأحوط والاولى سد بابه. وترك التخلي فيه


[1] لما عن التنقيح من أنه ورد متواتراً وجوب تعظيمها وترك الإزالة مناف للتعظيم. هذا ولكن الذي عثرنا عليه من النصوص (1)مما تضمن الأمر بتعظيمها والنهي عن الاستخفاف بها ، ظاهر - بقرينة السياق والمقام - في اعتبار ذلك في الانتفاع بها في الاستشفاء وغيره ، من فوائدها الجليلة ، وليس فيها دلالة على أن ذلك من أحكامها مطلقاً. نعم لا مجال للإشكال في حرمة إهانتها ومبغوضية هتكها ، فيكون حكمها حكم المشاهد الشريفة ، لا المصحف.

[2] لاطراد الدليل في الجميع. نعم يختص ذلك بما أخذ على وجه التبرك. أما ما أخذ على وجه آخر - مثل أن يصنع آجراً ، أو خزفاً ، أو نحوهما - فليس مورداً للكلام ، ولا تجري عليه تلك الاحكام.

[3] لعدم الفرق في صيانته عن الهتك بين التوقف عن الأجرة وعدمه


1) راجع الوسائل باب : 72 من أبواب المزار ، وباب : 59 من أبواب الأطعمة المحرمة.

الى أن يضمحل [1].

[ مسألة 27 ] : تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره [2].

[ مسألة 28 ] : وجوب تطهير المصحف كفائي ، لا يختص بمن نجسه [3] ولو استلزم صرف المال وجب ، ولا يضمنه من نجسة إذا لم يكن لغيره [4] وان صار هو السبب


[1] بل الأقوى ، لوجوب دفع الإهانة الزائدة على المقدار الحاصل أولا.

[2] لم يظهر الفرق بينه وبين ما مضى ويأتي في كون النقص إنما يكون بفعل المباشر بداعي امتثال التكليف ، والإتلاف إنما ينسب اليه لا إلى السبب. نعم بينهما فرق من جهة أخرى. وهي أن تنجيس المصحف يوجب نقصان ماليته غالباً ، بلحاظ وجوب تطهيره ، فالمضمون ينبغي أن يكون ذلك المقدار من المالية ، وان لم يحصل التطهير ، والضمان يكون على المسبب. هذا وقد عرفت في المسألة السابعة أن التطهير وان كان موجباً لنقص المسجد ، لا يكون مضموناً على المطهر وإن كان هو المباشر ، لأنه كان لمصلحة المسجد ، وكذا في المقام. فالضمان الذي يكون على المنجس ضمان التفاوت بين قيمته طاهراً وقيمته نجساً يجب تطهيره ، بلا ضمان النقص الحاصل به ، لا ما بين قيمته طاهراً وقيمته نجساً يجب تطهيره على نحو يضمن النقص الحاصل به. فلاحظ.

[3] لإطلاق النهي في الآية ، ولأن وجوب صيانته عن الهتك لا يختص بمكلف دون آخر ، وقد عرفت أن مقتضاهما لا يختص بصورة عدم الحاجة الى المال.

[4] يعني : إذا لم يكن المصحف لغير من نجسه ، بل كان له. لكن

للتكليف بصرف المال [1]. وكذا لو ألقاه في البالوعة فان مئونة الإخراج الواجب على كل أحد ليس عليه ، لأن الضرر إنما جاء من قبل التكليف الشرعي [2]. ويحتمل ضمان المسبب ، كما قيل ، بل قيل باختصاص الوجوب به ، ويجبره الحاكم عليه لو امتنع ، أو يستأجر آخر ولكن يأخذ الأجرة منه.

[ مسألة 29 ] : إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال [3] ،


التخصيص بهذه الصورة غير ظاهر ، فان المصحف لو كان لغير من نجسه أمكن أيضاً أن يكون ضامناً للمال المبذول من غيره ، مقدمة للتطهير ، بناء على الضمان بالتسبيب. وكذا الاشكال لو كان أصل العبارة : « إذا كان لغيره » فإنه - بناء على الضمان بالتسبيب - يكون المنجس ضامناً للمال المذكور وان كان المصحف لنفس المنجس. اللّهم إلا أن يكون الضمير في « كان » راجعاً الى المال لا المصحف.

[1] لأن ذلك لا يوجب صحة نسبة الإتلاف إليه.

[2] قد يقال : إن الضرر وإن جاء من قبل التكليف ، لكن التكليف إنما جاء من قبل المسبب ، فيكون الضرر ناشئاً منه بالواسطة. فالعمدة في عدم الضمان : أن موجب الضمان صحة نسبة الإتلاف ، وهو غير حاصل بالنسبة إلى المسبب بعد كون الباذل باذلا باختياره ، الموجب لصحة نسبة الإتلاف إليه عرفاً ، لا الى المسبب ، كما عرفت.

[3] ينشأ من الإشكال في أهمية وجوب التطهير من حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه. بل مقتضى كثرة الاهتمام في بيان الحرمة المستفادة من كثرة الأدلة عليها أنها أهم ، فلا يجوز التطهير حينئذ بلا إذن. اللّهم إلا أن يقال : إذا كان الاذن واجباً على المالك مقدمة للتطهير ، لا دليل

إلا إذا كان تركه هتكا [1] ، ولم يمكن الاستيذان منه ، فإنه حينئذ لا يبعد وجوبه.

[ مسألة 30 ] يجب إزالة النجاسة عن المأكول [2] ، وعن ظروف الأكل والشرب ، إذا استلزم استعمالها تنجس


على توقف جواز التصرف عليه ، لانصراف أدلة الحرمة عن مثل ذلك. ولا سيما وكون التطهير لمصلحة المصحف. وفيه أن الانصراف ممنوع ، فالإطلاق محكم.

ثمَّ إن الاشكال يختص بما إذا لم يكن المالك في مقام التطهير ، ولا الاذن لمن هو مقدم عليه ، ولا كان يأذن لو استؤذن ، والا فلا تزاحم حينئذ بين وجوب التطهير وحرمة التصرف بلا إذن ، فلا مقتضي لرفع اليد عن الحرمة المذكورة ، فلا يجوز التطهير بلا إذن. ثمَّ إن الكلام المذكور بعينه جار فيما لو توقف التطهير على استعمال الماء المغصوب أو الآلة المغصوبة فإن التزاحم والترجيح جار هنا أيضاً.

[1] فلا ريب حينئذ في أهمية التطهير ، فيجب ولو بلا إذن المالك. لكن ذلك حيث لا يمكن الاستيذان ، أو كان ممتنعاً عن التطهير وعن الاذن فيه. أما لو كان مقدماً على التطهير ، أو على الاذن فيه ، وأمكن الاستيذان منه ، فلا بد من الاستيذان منه.

[2] وكذا المشروب : يعني : لا يجوز أكله أو شربه مع النجاسة. ولعل هذا الحكم من الضروريات. ويستفاد من النصوص المتقدمة في الماء القليل والمضاف ، وفي الزيت والسمن والعسل إذا مات فيها جرذ أو فأرة (1)وغير ذلك. .


1) تقدمت الإشارة إلی بعضها في أوائل فصل كيفية تنجس المتنجسات ، واشرنا هناك إلی مصادرها.

المأكول والمشروب.

[ مسألة 31 ] : الأحوط ترك الانتفاع بالأعيان النجسة [1] ، خصوصاً الميتة ، بل والمتنجسة إذا لم تقبل التطهير ، إلا ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات وغيرها ، للتسميد والاستصباح بالدهن المتنجس. لكن الأقوى جواز الانتفاع بالجميع ، حتى الميتة ، مطلقاً في غير ما يشترط فيه الطهارة. نعم لا يجوز بيعها للاستعمال المحرم ، وفي بعضها لا يجوز بيعه مطلقا كالميتة والعذرات.

[ مسألة 32 ] : كما يحرم الأكل والشرب للشي‌ء النجس كذا يحرم التسبيب لأكل الغير أو شربه [2]. وكذا التسبب


[1] خروجاً عن شبهة الخلاف ، كما تقدمت الإشارة الى ذلك في مبحث نجاسة الميتة ، فراجعه يتضح لك وجه الأحكام المذكورة في هذه المسألة. وتفصيل الكلام في ذلك موكول الى محله من المكاسب المحرمة.

[2] التسبب إلى الشي‌ء عبارة عن فعل الشي‌ء بواسطة السبب ، فيعتبر فيه القصد الى المسبب ، بخلاف التسبيب ، فإنه مجرد فعل السبب ، ولو مع الغفلة عن ترتب المسبب عليه. وكيف كان فدليل الحرام ان كان ظاهرا في توجه الخطاب بتركه الى خصوص من قام به الفعل ، لم يحرم التسبب اليه من غيره ، فضلا عن التسبيب. وان كان ظاهراً في توجه الخطاب بتركه الى كل أحد حرم التسبب اليه ، والتسبيب مع الالتفات الى ترتبه على السبب ، بل يجب على كل أحد دفع وقوعه وان لم يكن على وجه التسبيب ولو لم يكن ظاهرا في أحد الوجهين كان مقتضى الأصل جواز التسبب اليه والتسبيب. وعلى هذا فحرمة التسبب إلى أكل النجس وشربه من غير


المتسبب تتوقف على ظهور الدليل في كون الخطاب بالحرمة على النحو الثاني ، وهو غير ظاهر. نعم قد يستفاد من صحيح معاوية الوارد في بيع الزيت المتنجس لقوله (عليه السلام) فيه : « ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به » (1)من جهة أن الاستصباح ليس محبوباً ومأموراً به ، ولا مما يترتب على التنبيه والاعلام ، فلا بد أن يكون التعليل به عرضياً ، والعلة في الحقيقة هي ترك الأكل ، فيكون ترك أكل المشتري واجباً على البائع ، كما تقدم بيان ذلك في مبحث الماء المتنجس. وتقدم أيضاً الاستدلال على حرمة التسبب الى فعل غيره للحرام : بأن استناد الفعل الى السبب أقوى. فنسبة الفعل إليه أولى ، كما تقدم الاشكال فيه فراجع.

ثمَّ إن الصحيح المتقدم وان كان مورده الزيت المتنجس ، لكن يجب التعدي عنه الى مطلق المأكول والمشروب ، بقرينة التعليل ، المحمول على الارتكاز العرفي ، فإن مقتضاه عدم الفرق بين الزيت وغيره. نعم يشكل التعدي عن المأكول والمشروب الى غيرهما من المحرمات. لعدم مساعدة الارتكاز عليه. فالاقتصار عليهما متعين. ويشير الى ذلك موثق ابن بكير (2)المتضمن للنهي عن اعلام المستعير إذا أعاره ثوباً لا يصلي فيه. وعليه فلا يجب الاعلام إذا كان يتوقف ترك استعمال النجس في غير الأكل والشرب عليه ، وكذا في سائر المحرمات غير النجس إذا كان يتوقف تركها عليه.

ومن ذلك يظهر لك الفرق بين مقتضى الصحيح المذكور ومقتضى الاستدلال المتقدم على حرمة التسبيب ، فان بينهما عموماً من وجه ، إذ مقتضى الصحيح وجوب الاعلام وان لم يكن هناك تسبيب. ولكنه يختص بالنجس من حيث استعماله في الأكل والشرب ، فلا يشمل غير النجس ،


1) الوسائل باب : 43 من أبواب الأطعمة المحرمة ملحق حديث : 1.

2) الوسائل باب : 47 من أبواب النجاسات حديث : 3.

لاستعماله فيما يشترط فيه الطهارة ، فلو باع أو أعار شيئاً نجساً قابلا للتطهير يجب الاعلام بنجاسته [1] وأما إذا لم يكن هو السبب في استعماله بأن رأى أن ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلي فيه نجس ، فلا يجب إعلامه [2].

[ مسألة 33 ] : لا يجوز سقي المسكرات للأطفال [3].


ولا النجس بلحاظ استعماله فيما يعتبر فيه الطهارة غير الأكل والشرب. ومقتضى الاستدلال حرمة التسبيب مطلقاً الى فعل الحرام ، سواء أكان مورده النجس أم غيره ، وسواء أكان الحرام الأكل والشرب أم غيرهما ، لكنه يختص بصورة التسبيب الموجب لقوة إسناد الفعل الى السبب ، ولا يشمل غيرها.

هذا وقد يستدل على حرمة التسبيب : بأن فيه تفويتاً لغرض الشارع وإيقاعاً في المفسدة. وفيه - مع أن لازم ذلك عدم الفرق بين التسبيب وغيره - : أن تفويت الغرض إنما يكون حراماً على من توجه اليه الخطاب بحفظه ، لا على من لم يتوجه اليه الخطاب به ، كما هو محل الكلام.

[1] تفريع وجوب الاعلام على حرمة التسبب باعتبار أن تمكين البائع أو المعير من العين للمشتري أو المستعير فعل وجودي يترتب عليه استعمال النجس ، وإن كان الاعتماد في طهارة المأخوذ من البائع أو المعير لم يكن على فعله ، وإنما كان اعتمادا على أصالة الطهارة. هذا ولكن في كون هذا المقدار من فعل الفاعل كافياً في صدق التسبب اشكالا. نعم يتضح ذلك في مثل الجلد ونحوه مما كان الأصل فيه النجاسة لو لا أخذه من المسلم. فتأمل جيداً.

[2] قد عرفت أن مقتضى الصحيح وجوب الاعلام فيما يؤكل ويشرب

[3] الظاهر أنه مما لا إشكال فيه ، كما استفاضت به النصوص. ففي

بل يجب ردعهم وكذا سائر الأعيان النجسة إذا كانت مضرة لهم [1] ، بل مطلقا [2]. وأما المتنجسات فان كان التنجس من جهة كون أيديهم نجسة فالظاهر عدم البأس به [3] وان كان من جهة تنجس سابق فالأقوى جواز التسبب لأكلهم [4] ، وان كان الأحوط تركه. وأما ردعهم عن الأكل أو الشرب


خبر أبي الربيع الشامي : « سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر ... [ الى أن قال ] (عليه السلام) : ولا يسقيها عبد لي صبيا صغيرا أو مملوكا إلا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة » (1)، ونحوه خبر العجلان ، وغيرهما.

[1] وجوب الردع على الولي عن مثل ذلك ظاهر ، فإنه مقتضى ولايته. أما وجوبه على غيره فغير ظاهر ، لعدم الدليل على وجوب دفع الضرر عن كل أحد ولو كان صبياً. وكأنه لذلك خص الوجوب بالولي في مبحث قضاء الصلاة. نعم يجوز لغيره ردعهم ، لأنه إحسان محض. وأما حرمة التسبب الى أكلهم وشربهم فأولى من وجوب الردع ، من غير فرق بين الولي وغيره ، لحرمة الإضرار بهم.

[2] دليله غير ظاهر. بل النصوص الدالة على جواز استرضاع اليهودية والنصرانية والمجوسية والمشركة والناصبية (2)تأباه. وان كان ظاهر المحكي عن الأردبيلي [رحمه اللّه] من قوله : « والناس مكلفون بإجراء أحكام المكلفين عليهم » يقتضي المفروغية عنه ، بل عدم الفرق بين النجس والمتنجس.

[3] للأصل ، بل السيرة.

[4] للأصل ، كما تقدم في المياه.


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الأشربة المحرمة حديث : 1.

2) راجع الوسائل باب : 76 ، 77 من أبواب أحكام الأولاد.

مع عدم التسبب فلا يجب من غير إشكال [1].

[ مسألة 34 ] : إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا فورد عليه ضيف وباشره بالرطوبة المسرية ، ففي وجوب إعلامه إشكال ، وان كان أحوط ، بل لا يخلو عن قوة [2].

وكذا إذا أحضر عنده طعاما ثمَّ علم بنجاسته. بل وكذا إذا كان الطعام للغير وجماعة مشغولون بالأكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة ، وان كان عدم الوجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوة ، لعدم كونه سبباً لأكل الغير [4] ، بخلاف الصورة السابقة.

[ مسألة 35 ] : إذا استعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجس عنده هل يجب عليه اعلامه عند الرد؟ فيه اشكال ، والأحوط الأعلام ، بل لا يخلو عن قوة إذا كان مما يستعمله المالك فيما يشترط فيه الطهارة [4].


[1] لعدم الدليل على الوجوب ، بل السيرة تنفيه. لكن كلام الأردبيلي المتقدم يقتضي ثبوت الاشكال.

[2] لكونه من التسبيب باعتبار أن إذن المالك للضيف مقدمة لحصول الحرام. وان كان لا يخلو من اشكال ، ولا سيما في فرض نجاسة موضع من بيته بخلاف الفرض الذي بعده ، فإنه من فروض التسبيب باعتبار أن إحضار الطعام طلب منه للأكل منه ، وإن كان معذورا فيه قبل العلم ، لكنه لا يعذر فيه بعده.

[3] لكن عرفت أن صحيح معاوية‌(1)ظاهر في وجوب الاعلام في الفرض.

[4] لأنه من التسبيب. ومجرد الفرق بكونه معيرا أو مرجعاً للعارية


1) تقدم في مسألة : 22 وأشرنا إلى مصدره.

فصل

إذا صلى في النجس فان كان عن علم وعمد بطلت صلاته [1]. وكذا إذا كان عن جهل بالنجاسة من حيث الحكم [2]


لا يوجب الفرق في تحقق التسبيب. لكن عرفت الإشكال في وجوب الاعلام إذا لم يتعلق بالأكل أو الشرب.

فصل إذا صلى في النجس

[1] إجماعاً محكياً نقله عن جماعة ، منهم الشيخ ، والفاضلان ، والشهيدان وغيرهم. وتقتضيه نصوص المانعية البالغة حد التواتر الآمرة بغسل الثياب والبدن من النجاسات للصلاة ، والمانعة عن الصلاة فيها‌(1). وقد تقدم بعضها في أدلة النجاسة. مضافا إلى النصوص الخاصة بالعلم ، كصحيح ابن سنان : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال (عليه السلام) : إن كان علم أنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي ، ثمَّ صلى فيه ولم يغسله ، فعليه أن يعيد ما صلى » (2)، ونحوه غيره ، ويأتي بعضه.

[2] على المشهور. لإطلاق الأدلة المتقدمة من معقد الإجماع والنصوص والتشكيك فيهما في غير محله ، بل لعل الجاهل هو المتيقن ، إذ من البعيد كون العالم موضوعا للسؤال ، لوضوح وجوب الإعادة عليه.

ودعوى : انتفاء التكليف بالطهارة في حقه ، لقبح تكليف الغافل


1) تقدم في أول الفصل السابق الإشارة إليها والى مصادرها.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 3.


عقلا ، وأن المأتي به مع النجاسة لا بد أن يكون مجزيا ، لأنه مأمور به شرعا ، بشهادة استحقاق العقاب على تركه اختيارا. مدفوعة - وان حكيت عن المحقق الأردبيلي [قدس سره] وبعض من تأخر عنه - : بأن الغفلة إنما تمنع عقلا عن باعثية التكليف وتنجزه ، لا عن ملاكه. ولذا ذهب المشهور الى تكليف الكفار بالفروع مع غفلتهم عنها. فالمأتي به مع النجاسة ليس مأمورا به ، ولا فردا للواجب الشرعي. ولا ينافي ذلك استحقاق العقاب على تركه ، لأن تركه ترك للواجب الواقعي اختيارا مع الالتفات الى وجوبه - ولو في الجملة - فإذا التفت في أثناء الوقت الى الوجوب الواقعي وجب عقلا امتثاله بالإعادة ، كما أنه لو التفت بعد خروج الوقت وجب القضاء لصدق الفوت. مع أنه لو سلم منع الغفلة عن ملاك التكليف ، فاقتضاء ذلك لنفي الإعادة والقضاء إنما يكون لو استمرت في تمام الوقت ، أما لو التفت في أثنائه فاللازم الحكم بوجوب الإعادة أو القضاء ، لتحقق شرط التكليف. وبمنع أجزاء المأتي به الناقص ومنع كونه مأموراً به ، إما لمنع العقاب على تركه من أصله ، أو للبناء على كونه للتجرؤ. مع أن البناء على صحة المأمور به الناقص وكونه مأمورا به لا يقتضي الاجزاء ، ولا ينافي وجوب الإعادة ، لجواز كون الوجوب على نحو تعدد المطلوب ولا دليل فيه على الاجزاء ، بل إطلاق دليل الوجوب الأولي ينفي الاجزاء ، ويقتضي الإعادة ، كما لعله ظاهر بالتأمل.

نعم يمكن أن يقال : مقتضى إطلاق حديث : « لا تعاد الصلاة ... » (1)عدم وجوب الإعادة ، وهو حاكم على أدلة الجزئية والشرطية [ وفيه ] : أنه يتوقف على كون المراد من الطهور فيه الذي هو أحد الخمسة ، خصوص


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الوضوء حديث : 8. وينقله بتمامه في باب : 1 من أبواب أفعال الصلاة ، وباب : 29 من أبواب القراءة بأسانيد متعددة.

بأن لم يعلم أن الشي‌ء الفلاني مثل عرق الجنب من الحرام - نجس ، أو عن جهل بشرطية الطهارة للصلاة. وأما إذا كان جاهلا بالموضوع - بأن لم يعلم أن ثوبه أو بدنه لاقى البول مثلا - فان لم يلتفت أصلا ، أو التفت بعد الفراغ من الصلاة.


الطهارة من الحدث ، لا ما يعم الطهارة من الخبث ، والا كان مقتضاه الإعادة ، بل ويتوقف على عمومه للجاهل بالحكم ، وإلا فلا مجال له في المقام مضافاً الى أن حكومته إنما هي بالإضافة إلى أدلة تشريع الجزئية والشرطية لا بالإضافة إلى ما دل على وجوب الإعادة في المقام ، كصحيح ابن سنان المتقدم ونحوه ، لوحدة اللسان فيهما ، بل تكون نسبة مثل الصحيح اليه نسبة العام الى الخاص ، فيختص به.

اللّهم إلا أن يقال : حديث : « لا تعاد ... » لما لم يشمل العالم بالحكم يكون بينه وبين الصحيح عموم من وجه ، لعموم الحديث لغير الطهارة من الخبث وعموم الصحيح للعالم بالحكم. لكن عليه يكون المرجع في الجاهل بالحكم إطلاقات الشرطية المقتضية للإعادة. مع أن خروج العالم عن حديث : « لا تعاد ... » لا يوجب انقلاب النسبة ، إذ المدار في تعيينها على ما هو ظاهر الكلامين مع قطع النظر عن دليل آخر ، كما حقق في محله.

إلا أن يقال : خروج العالم بالحكم عن حديث : « لا تعاد ... » ليس لدليل آخر ، وانما هو لقصوره عن شموله لأن قوله (عليه السلام) : « لا تعاد ... » يراد منه نفي الإعادة في مقابل حدوث الداعي إليها ، وهذا لا يصدق في حق العالم ، لتحقق الداعي إلى الإعادة فيه من أول الأمر. لكن هذا جار بعينه في الصحيح ، فيكون غير شامل للعالم ، ويكون أخص من الحديث. ثمَّ إنه لا فرق فيما ذكرنا كله بين صورتي الجهل عن قصور أو تقصير.

صحت صلاته ، ولا يجب عليه القضاء [1] ، بل ولا الإعادة في الوقت [2] ، وان كان أحوط [3].


[1] إجماعا محكياً صريحاً وظاهراً ، عن جماعة كثيرة. ويدل عليه خبر علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) : « عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ فقال (عليه السلام) : إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شي‌ء ، وان كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ، ثمَّ ليغسله » (1). وصحيح العيص : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل أياما ، ثمَّ إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه. قال (عليه السلام) : لا يعيد شيئاً من صلاته » (2). فتأمل. مضافا إلى نصوص نفي الإعادة الآتية ، فإنها دالة على نفي القضاء ، إما بإطلاقها ، أو بضميمة عدم القول بالفصل أو بالأولوية.

[2] على المشهور للنصوص الكثيرة ، كصحيح عبد الرحمن : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال (عليه السلام) إن كان لم يعلم فلا يعيد » (3)، ونحوه غيره ويأتي بعضه.

[3] لذهاب جماعة كثيرة اليه ، كالشيخ في مياه النهاية ، وابن زهرة في الغنية ، والمحقق في النافع. والعلامة في القواعد ، وغيرهم في غيرها على ما حكي. لصحيح وهب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه ، فيصلي فيه ثمَّ يعلم بعد. قال (عليه السلام) : يعيد إذا لم يكن علم » (4). وخبر أبي بصير عنه (عليه السلام) :


1) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 10.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 6.

3) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 5.

4) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 8.

« عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة. فقال (عليه السلام) : علم به أو لم يعلم فعليه الإعادة إعادة الصلاة إذا علم » (1). ولأجلهما حملوا الأخبار المتقدمة على نفي القضاء. وما قيل من أنه جمع بلا شاهد. مدفوع : بأنه بعد تقييدهما بالإجماع ، والروايتين المتقدمتين في نفي القضاء يدور الأمر بين طرحهما وتقييد الأخبار السابقة بهما ، بحملها على خصوص نفي القضاء ، والتقييد أولى من الطرح - كما هو محقق في محله - ولا يتوقف شاهد الجمع على كونه موجباً للتصرف في الدليلين معاً ، كما في الجواهر.

نعم يشكل ذلك لإباء نصوص نفي الإعادة مطلقاً عن حملها على خصوص نفي القضاء. فلاحظ صحيح محمد بن مسلم : « في الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلي. قال (عليه السلام) : لا يؤذنه حتى ينصرف » (2). ورواية أبي بصير : « في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثمَّ علم. قال (عليه السلام) : عليه أن يبتدئ الصلاة. قال : وسألته عن رجل صلى وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثمَّ علم. قال (عليه السلام) : مضت صلاته » (3)وصحيح زرارة المعلل عدم الإعادة : بأنه كان على يقين فشك ...(4)فإنك تجد أن حمل نصوص الإعادة على الاستحباب أولى من حمل هذه النصوص وغيرها على خصوص نفي القضاء.

بل من التعليل في الصحيح الأخير ، وما فيه أيضاً من قوله (عليه السلام) « قلت : فهل علي إن شككت أنه أصابه شي‌ء أن أنظر فيه؟ قال (عليه السلام) : لا ، ولكنك إنما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع من نفسك » يظهر


1) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 9.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 2.

4) الوسائل باب : 37 من أبواب النجاسات حديث : 1.

وان التفت في أثناء الصلاة ، فإن علم سبقها وأن بعض صلاته وقع مع النجاسة ، بطلت مع سعة الوقت للإعادة [1] ،


ضعف ما عن الذكرى احتماله من التفصيل بين من اجتهد في البحث عن طهارة ثوبه فلا يعيد وغيره فيعيد. وعن الحدائق تقويته ، وحكايته عن ظاهر الشيخين في المقنعة والتهذيب ، وظاهر الصدوق في الفقيه. للمرسل في الأخير : « روي في المني أنه إن كان الرجل حين قام فنظر وطلب ولم يجد شيئاً فلا شي‌ء عليه ، وإن كان لم ينظر ولم يطلب فعليه أن يغسله ويعيد الصلاة » (1)، ونحوه خبر منصور [ ميمون. خ ل ] الصيقل‌(2). ولعله هو المرسل بعينه. وقد يظهر أيضاً من صحيح ابن مسلم عن الصادق (عليه السلام) : « إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك الإعادة إعادة الصلاة وان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمَّ صليت فيه ثمَّ رأيته بعد فلا اعادة عليك. وكذلك البول » (3)فان التعليل المذكور يستوجب التصرف فيها بالحمل على الاستحباب. مضافا الى إباء بعض نصوص نفي الإعادة عن التقييد بذلك. مع ضعف الأولين واعراض الأصحاب عن الجميع. فالعمل بإطلاق نفي الإعادة متعين.

[1] كما عن جماعة. لصحيح ابن مسلم ، ولرواية أبي بصير ، المتقدمين في الجاهل الى ما بعد الفراغ. ولصحيح زرارة الطويل وفيه : « قلت : ان رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة. قال (عليه السلام) : تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ، ثمَّ رأيته ، وان لم تشك ثمَّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ، ثمَّ بنيت على الصلاة ، لأنك لا تدري لعله شي‌ء أوقع


1) الوسائل باب : 41 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 41 من أبواب النجاسات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 41 من أبواب النجاسات حديث : 2.


عليك ... » (1). وبها يخرج عما دل على نفي الإعادة في الجاهل ، سواء اكان دالا على حكم المقام بالإطلاق أم بالأولوية.

نعم يعارضها ما عن مستطرفات السرائر من رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن رأيت في ثوبك دما وأنت تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك ، فأتم صلاتك ، فاذا انصرفت فاغسله. قال (عليه السلام) : وان كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثمَّ رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك » (2). وموثقة ابن سرحان عنه (عليه السلام) : « في الرجل يصلي فأبصر في ثوبه دما. قال (عليه السلام) : يتم » (3). لكن الجمع العرفي بينها يقتضي حمل الأخيرتين على صورة ما لو احتمل وقوع النجاسة في الأثناء حين الرؤية ، كما تشير إليه الفقرة الثانية من صحيح زرارة المتقدم. مضافاً الى أن ظاهرهما جواز الإتمام بلا تبديل ولا تطهير وهو مما لم يقل به أحد.

هذا والمشهور تخصيص وجوب الإعادة بما إذا لم يمكن نزع الثوب أو تطهيره أو تبديله ، وإلا فعل ذلك وأنتم صلاته ، حملا للنصوص الأول على الأول ، والأخيرة على الأخير ، بشهادة حسن بن مسلم : « قلت له : الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة. قال (عليه السلام) : إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره ، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم ، وما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره ... » (4)، فيقيد بمنطوق الشرطية الأولى - الدالة على صحة الصلاة مع إمكان الطرح - الروايات الأول وبمفهومها -


1) الوسائل باب : 44 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 44 من أبواب النجاسات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 44 من أبواب النجاسات حديث : 2.

4) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 6.

وان كان الأحوط الإتمام ثمَّ الإعادة [1]. ومع ضيق الوقت


الدال على البطلان مع عدم إمكان الطرح - الروايتان الأخيرتان.

بل يكفي في ثبوت الجمع العرفي تقييد الروايات الأول ، لأنه بعد حملها على صورة عدم مكان الطرح تكون أخص مطلقاً من الروايتين الأخيرتين ، فيجب تقييدهما بها لئلا يلزم الطرح ، كما عرفت.

هذا ولكنه يتوقف على كون مورد الشرطية الأولى الدم الكثير ، وكون مورد الثانية مطلق الدم ، الأعم من القليل والكثير وجعل قوله (عليه السلام) : « ما لم يزد ... » قيداً للثانية لا غير ، ويكون (عليه السلام) قد اكتفى عن بيان مفهوم الشرطية بالمفهوم المستفاد من القيد ، حيث يدل التقييد على وجوب الإعادة إذا لم يكن عليه غيره ، وقد زاد الدم على مقدار الدرهم. وذلك كله خلاف الظاهر ، فان الظاهر كون الشرطية الثانية تصريحاً بمفهوم الأولى والقيد راجع إليهما معاً ، فيتعين حمل الأمر بالطرح في الشرطية على الاستحباب بقرينة قوله (عليه السلام) : « وما كان أقل ... » ، فتكون الرواية أجنبية عما نحن فيه ، لأن موردها الدم المعفو عنه. مضافاً الى رواية الشيخ [رحمه اللّه] لها عن الكليني [رحمه اللّه] بزيادة الواو فيها قبل القيد ، وإسقاط قوله (عليه السلام) : « وما كان أقل من ذلك » (1)فيكون قوله (عليه السلام) : « وما لم يزد ... » كلاما مستقلا ، وما قبله من الشرطيتين اللتين ثانيتهما تصريح بمفهوم أولاهما موضوعهما الدم الكثير. وعليه فمحمل الشرطية الأولى محمل روايتي ابني سنان وسرحان. وأما الشرطية الثانية فقد حكي الاتفاق على خلافها وسيأتي إن شاء اللّه.

[1] لاحتمال صحة الصلاة وحرمة قطعها واحتمال بطلانها ، وبالإتمام .


1) كما في الوافي في ذيل الحديث الأول من باب التطهير من الدم من أبواب الطهارة من الخبث.

إن أمكن التطهير أو التبديل - وهو في الصلاة من غير لزوم المنافي - فليفعل ذلك ويتم ، وكانت صحيحة [1] ، وان لم يمكن أتمها وكانت صحيحة. وان علم حدوثها في الأثناء مع


والإعادة يحصل العمل بكل المحتملات.

[1] لانصراف نصوص وجوب الإعادة في الجاهل إذا التفت في الأثناء المتقدمة ، عن المورد ، والأصل يقتضي عذرية الجهل. أو لما دل على أهمية الوقت من الطهارة الخبثية ، فيسقط اعتبار الطهارة إذا أدى الى فوات الصلاة في الوقت. لكن دعوى انصراف نصوص الإعادة بنحو يعتد به ممنوعة ، ولذا لا يظن الالتزام به في غير الفرض من موارد الجزئية والشرطية. ولأجل ذلك لا مجال للرجوع إلى أصالة عذرية الجهل. على أن مجرد عذرية الجهل لا تقتضي الصحة. والتزاحم في أول الصلاة غير ثابت ، لإمكان الصلاة حينئذ بالثوب الطاهر ، والتزاحم حين الالتفات وان كان حاصلا بالإضافة الى ما وقع من الاجزاء ، لكنه إنما يقتضي الاجتزاء بالبدل الاضطراري لا تصحيح الجزء الباطل والاجتزاء به.

فان قلت : الجهل بالنجاسة موجب لانتفاء القدرة على الطهارة من الخبث ، فلا مانع من اعمال التزاحم من أول الأمر [ قلت ] : موضوع التزاحم الذي يقدم فيه الوقت العجز لا من جهة الجهل ، كمرض أو برد أو غيرهما ، فيبقى العجز من جهة الجهل باقياً تحت القاعدة المقتضية للبطلان معه عملا بعموم الشرطية. اللّهم إلا أن يقال : التعدي عن الأعذار المذكورة إلى المقام مما يساعده المذاق العرفي فالبناء على اجراء حكم التزاحم من أول الأمر أظهر. ومن ذلك تعرف الوجه أيضاً في قول المصنف [رحمه اللّه] : « أتمها وكانت صحيحة ».

نعم بناء على وجوب الصلاة عاريا إذا لم يتمكن من التستر إلا بالنجس

عدم إتيان شي‌ء من أجزائها مع النجاسة ، أو علم بها وشك في أنها كانت سابقاً أو حدثت فعلا ، فمع سعة الوقت وإمكان التطهير أو التبديل يتمها بعدهما [1] ، ومع عدم الإمكان يستأنف [2]


ينبغي تقييد الحكم في المقام بما إذا لم يمكن النزع والصلاة عاريا ، وإلا تعين عليه ذلك إذا لم يمكن التبديل أو التطهير.

[1] إذا الطهارة من الخبث ليست شرطاً في المصلي ، بحيث يقدح انتفاؤها في أثناء الصلاة ولو مع عدم الاشتغال بفعل من أفعالها ، إذ لا دليل على ذلك بل الدليل على خلافه ، كالنصوص الواردة في الرعاف في أثناء الصلاة (1). مضافاً الى صحيح زرارة المتقدم (2)الآمر بغسل الثوب والبناء على ما مضى من الصلاة.

[2] كما يستفاد من الأمر بتطهير الثوب في صحيح زرارة (3)، والتطهير من الرعاف في النصوص الكثيرة (4)، فإن ظاهر الأمر الإرشاد إلى اعتبار التطهير في صحة الأجزاء اللاحقة. بل هو مقتضى إطلاق أدلة مانعية النجاسة. مضافاً إلى ما دل على وجوب الاستيناف مع عدم التمكن من التطهير من الرعاف. ففي مصحح الحلبي : « وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته (5)». وفي صحيح ابن أذينة : « فان لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة » (6)ونحوهما غيرهما. .


1) راجع الوسائل باب : 2 من أبواب قواطع الصلاة.

2) تقدم قريبا في أول الكلام فيمن رأى النجاسة في أثناء الصلاة.

3) تقدم قريباً في أول الكلام فيمن رأى النجاسة في أثناء الصلاة.

4) راجع الوسائل باب : 2 من أبواب قواطع الصلاة.

5) الوسائل باب : 2 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 6.

6) الوسائل باب : 2 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 1.

ومع ضيق الوقت يتمها مع النجاسة ولا شي‌ء عليه [1]. وأما إذا كان ناسيا فالأقوى وجوب الإعادة [2] ،


[1] هذا بناء على صحة الصلاة في الثوب النجس مع عدم التمكن من غيره ، أما بناء على وجوب الصلاة عاريا يتعين إلقاء النجس والصلاة عاريا إن أمكن.

[2] على المشهور ، بل حكي عليه الإجماع عن الغنية ، وشرح الجمل للقاضي. وعن السرائر : نفي الخلاف فيه ممن عدا الشيخ في الاستبصار خاصة. والنصوص به مستفيضة.كصحيح زرارة الطويل عن أبي جعفر (عليه السلام) : « أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من المني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء ، فأصبت وحضرت الصلاة ، ونسيت أن بثوبي شيئاً وصليت ثمَّ إني ذكرت بعد ذلك. قال (عليه السلام) : تعيد الصلاة وتغسله ... » (1). وخبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه وان هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الإعادة » (2). وموثق سماعة عنه (عليه السلام) : « عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي. قال (عليه السلام) : يعيد صلاته كي يهتم بالشي‌ء إذا كان في ثوبه ، عقوبة لنسيانه » (3)، ونحوها صحيح ابن سنان‌(4)، وخبر الحسن بن زياد ، وابن مسكان‌(5). ومنه ما ورد في ناسي الاستنجاء حتى صلى ، المتضمن للأمر بالإعادة.


1) الوسائل باب : 42 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 7.

3) الوسائل باب : 42 من أبواب النجاسات حديث : 5.

4) الوسائل باب : 40 من أبواب النجاسات حديث : 3.

5) الوسائل باب : 42 من أبواب النجاسات حديث : 6 ، 4.

أو القضاء [1] مطلقا ،


هذا وربما نسب إلى الشيخ القول بالصحة ونفي الإعادة ، وظاهر المعتبر الميل اليه ، وفي المدارك الجزم به ، ووافقه عليه غيره. لصحيح العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشي‌ء ينجسه ، فينسى أن يغسله فيصلي فيه ، ثمَّ يذكر أنه لم يكن غسله ، أيعيد الصلاة؟ قال (عليه السلام) : لا يعيد. قد مضت الصلاة وكتبت له » (1)، ونحوه جملة واردة في ناسي الاستنجاء‌(2)، فان مقتضى الجمع العرفي حمل النصوص السابقة على الاستحباب ، كما تقدم نظيره.

ويشكل بإباء تلك النصوص عن الحمل على ذلك ، كما يظهر من ملاحظة التعليل في الموثق ، إذ العقوبة لا تكون بالأمر الاستحبابي. وكذا التفصيل بين الجاهل والناسي ، فإنه لا يناسب الاستحباب أيضاً ، إذ الجاهل أيضاً تستحب له الإعادة كما تقدم. وإعمال قواعد التعارض بينها يوجب الأخذ بالنصوص السابقة ، لأنها أصح سنداً وأشهر مضموناً. وكأنه لذلك قال في محكي التهذيب : « إن رواية العلاء شاذة لا تعارض الأخبار التي ذكرناها ».

[1] وعن الشيخ في الاستبصار ، والفاضل في بعض كتبه ، نفيه. حملا لنصوص نفي الإعادة عليه ، بشهادة صحيح ابن مهزيار : « كتب اليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول ، لم يشك أنه أصابه ولم يره ، وأنه مسحه بخرقة ، ثمَّ نسي أن يغسله ، وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ، ثمَّ توضأ وضوء الصلاة فصلى. فأجاب بجواب قرأته بخطه : أما ما توهمت مما أصاب يدك


1) الوسائل باب : 42 من أبواب النجاسات حديث : 3.

2) راجع الوسائل باب : 18 من أبواب نواقض الوضوء ، وباب : 10 من أبواب أحكام الخلوة.

سواء تذكر بعد الصلاة أو في أثنائها [1]


فليس بشي‌ء إلا ما تحقق ، فان حققت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها ، وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل ، إن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت ، وإذ كان جنباً أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته ، لأن الثوب خلاف الجسد. فاعمل على ذلك إن شاء اللّه » (1).

لكن يشكل : بأن ذيله وإن كان صريحاً في التفصيل بين الوقت وخارجه ، لكنه غير ظاهر في الناسي ، ومورده وان كان هو الناسي ، لكنه لا يظهر منه كون الذيل حكما له ، لما فيه من الاضطراب في المتن ، فان ظاهر صدره أن الخلل كان من الوضوء ، لا من مجرد النجاسة ، وذيله ظاهر في كون الخلل من جهة النجاسة ، ومع هذا الاضطراب لا يحصل الوثوق النوعي بعدم طروء الخلل من جهة الزيادة أو النقيصة. بل قيل : إنه يشبه أن يكون وقع فيه غلط من النساخ. وحينئذ يشكل الاعتماد عليه في الشهادة على التفصيل المذكور.

[1] ففي صحيح ابن سنان في الدم : « وان كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ، ثمَّ رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك » (2). ومثله في ذلك صحيح ابن جعفر (عليه السلام)(3)، وخبره (4)الواردان في ناسي الاستنجاء. ويمكن أيضاً استفادته مما دل على الإعادة في


1) الوسائل باب : 42 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 44 من أبواب النجاسات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 2.

4) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 4.

أمكن التطهير أو التبديل أم لا [1].

[ مسألة 1 ] : ناسي الحكم تكليفاً أو وضعاً كجاهله في وجوب الإعادة والقضاء [2].

[ مسألة 2 ] : لو غسل ثوبه النجس وعلم بطهارته ، ثمَّ صلى فيه ، وبعد ذلك تبين له بقاء نجاسته ، فالظاهر أنه من باب الجهل بالموضوع [3] ، فلا يجب عليه الإعادة أو القضاء. وكذا لو شك في نجاسته ثمَّ تبين بعد الصلاة أنه كان نجساً [4]. وكذا لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته [5]


الجاهل إذا علم في الأثناء.

[1] للإطلاق.

[2] لإطلاق دليل الإعادة على العالم. وقد تقدم الكلام في عموم حديث : « لا تعاد ... » للجاهل بالحكم. ومثله الكلام في ناسي الحكم.

[3] لصدق كونه لا يعلم بالنجاسة ، الذي أخذ موضوعا لنفي وجوب الإعادة في النصوص. ومجرد العلم بها قبل الغسل لا يجدي في دخوله تحت قوله (عليه السلام) : « إن كان علم. » لأن المراد به العلم حين الصلاة. ولا ينافيه وجوب الإعادة على الناسي ، لأنه من أفراد العالم أو لقيام الدليل عليه بالخصوص. ومثل الفرض من علم بالنجاسة ، ثمَّ تردد بنحو الشك الساري فصلى ، فانكشف ثبوت النجاسة.

[4] فإن صدق عدم العلم فيه واضح. نعم لو علم نجاسته سابقا كان استصحابها بمنزلة العلم ، ولذا يقوم مقام العلم المأخوذ موضوعا في الحكم على نحو الطريقية.

[5] فان حجية خبر الوكيل وكونه بمنزلة العلم يستوجب كون الفرض

أو شهدت البينة بتطهيره ، ثمَّ تبين الخلاف. وكذا لو وقعت قطرة بول أو دم - مثلا - وشك في أنها وقعت على ثوبه أو على الأرض ، ثمَّ تبين أنها وقعت على ثوبه [1]. وكذا لو رأى في بدنه أو ثوبه دما ، وقطع بأنه دم البق أو دم القروح المعفو ، أو أنه أقل من الدرهم ، أو نحو ذلك ، ثمَّ تبين أنه مما لا يجوز الصلاة فيه. وكذا لو شك في شي‌ء من ذلك ثمَّ


من قبيل الفرض الأول. وكذا الكلام في البينة. نعم في حسنة ميسر : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله ، فأصلي فيه فاذا هو يابس. قال (عليه السلام) : أعد صلاتك. أما انك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شي‌ء » (1). وموردها صورة العلم بوقوع الغسل ، وكون الحكم بالطهارة اعتمادا على أصالة الصحة ، فكأن الرواية واردة للردع عن العمل بها فلا تنافي شيئاً مما في المتن.

[1] العلم المأخوذ في النصوص وجودا وعدما موضوعا للإعادة وعدمها [ تارة ] : يراد به العلم التفصيلي [ واخرى ] : الأعم من الإجمالي مطلقاً [ وثالثة ] : بشرط كونه منجزاً. ولازم الأول صحة الصلاة مع العلم بنجاسة أحد الثياب التي عليه. ولازم الثاني البطلان إذا صلى في أحد أطراف الشبهة غير المحصورة أو كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء. وذلك كله - مع أنه خلاف ظاهر النصوص - مما لا يظن إمكان الالتزام به. ولأجل ذلك يتعين المصير الى الثالث ، ولازمه التفصيل في الفرض المذكور بين كون الأرض مورداً لابتلاء المكلف وعدمه ، واختصاص الصحة بالثاني دون الأول. إلا أن يدعى انصراف النصوص إلى خصوص العلم بنجاسة الثوب أو البدن ولو إجمالا لا غير. ولكنه غير ظاهر.


1) الوسائل باب : 18 من أبواب النجاسات حديث : 1.

تبين أنه مما لا يجوز ، فجميع هذه من الجهل بالنجاسة [1] لا يجب فيها الإعادة أو القضاء.

[ مسألة 3 ] : لو علم بنجاسة شي‌ء ، فنسي ولاقاه بالرطوبة ، وصلى ، ثمَّ تذكر أنه كان نجسا ، وأن يده تنجست بملاقاته ، فالظاهر أنه أيضاً من باب الجهل بالموضوع ، لا النسيان ، لأنه لم يعلم نجاسة يده سابقا ، والنسيان إنما هو في نجاسة شي‌ء آخر غير ما صلى فيه. نعم لو توضأ أو اغتسل قبل تطهير يده وصلى ، كانت باطلة من جهة بطلان وضوئه أو غسله [2].

[ مسألة 4 ] : إذا انحصر ثوبه في نجس فان لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلى فيه [3] ،


[1] لأن موضوع النصوص النجاسة التي يجب إزالتها على تقدير العلم وهي مما لم تعلم في الأمثلة المذكورة. لكن قال في كشف الغطاء : « وفي إلحاق الجهل بموضوع العفو - لزعم القلة فيما يعفى عن قليله ، أو زعم أنه مما يعفى عن قليله ، أو مما يعفى عن أصله ، أو يعفى عن محله ، أو عن أهله ، كالمربية ، أو لزعم اضطراره ، أو لزعم أنه من بول الطفل مع الإتيان بالصب عليه ، أو في تغذيته كذلك - أو الجهل بالمحصورية - بزعم أنه من غير المحصور ، أو أنه من المشتبه الخارج بعد أحد الاستبراءين - إشكال. ويقوى الإفساد ، عملا بأصل بقاء شغل الذمة ». ويظهر ضعفه مما عرفت من عموم أدلة العفو ، فلا مجال لقاعدة الاشتغال.

[2] بناء على اشتراط طهارة محال الوضوء والغسل في صحتهما ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى.

[3] بلا خلاف ولا إشكال ، بل قولا واحداً ، كما في الجواهر.

ولا يجب عليه الإعادة أو القضاء [1] ، وان تمكن من نزعه


لإطلاق جملة من النصوص الآتية. وخصوص ما رواه محمد الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره. قال (عليه السلام) : يصلي فيه إذا اضطر اليه » (1)، بناء على حمل الضرورة فيه على ما نحن فيه.

[1] على المشهور شهرة عظيمة. وعن الشيخ وابن الجنيد وجوب الإعادة وربما حكي عن جمع. لموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ، ولا تحل الصلاة فيه ، وليس يجد ماء يغسله ، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام) : يتيمم ويصلي ، فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة » (2). وخلو النصوص الآمرة بالصلاة فيه‌(3)عن الأمر بالإعادة لا يصلح قرينة على حمله على الاستحباب. كما أن إعراض المشهور عنه لا يوجب سقوطه عن الحجية ، لإمكان كونه لبنائهم على تعارض النصوص في الباب ، ووجوب ترجيح غيره عليه. نعم لا يظهر منه كون الإعادة لأجل الصلاة في النجاسة ، أو لأجل التيمم الذي قد أمر في جملة من النصوص‌(4)بالإعادة من أجله ، المحمولة على الاستحباب ، حسب ما يأتي في محله ، فلعل ذلك موجب لحمله على الاستحباب لذلك ، بقرينة خلو النصوص عن الأمر بالإعادة. فتأمل.

ثمَّ إن عدم وجوب الإعادة مبني على مشروعية البدار لذوي الأعذار كما يقتضيه إطلاق دليل البدلية ، لصدق عدم القدرة على الطبيعة المطلقة مع


1) الوسائل باب : 45 من أبواب النجاسات حديث : 7.

2) الوسائل باب : 45 من أبواب النجاسات حديث : 8.

3) راجع الوسائل باب : 45 من أبواب النجاسات.

4) راجع الوسائل باب : 14 من أبواب التيمم.

ففي وجوب الصلاة فيه ، أو عاريا ، أو التخيير وجوه الأقوى الأول [1] ، والأحوط تكرار الصلاة.


عدم القدرة عليها في أول الوقت ، وان علم بالقدرة على بعض الافراد في أثناء الوقت أو آخره ، إذ القدرة في الأثناء لا تنافي العجز أول الوقت. نعم في ثبوت الإطلاق لنصوص المقام تأمل ، لظهور كونها مسوقة مساق جعل البدل في ظرف عدم القدرة في قبال سقوطه ، لا في مقام جعل البدلية بلحاظ جميع الأزمنة ، وحينئذ يجوز البدار منوطاً بعدم القدرة في تمام الوقت واقعاً فاذا انكشف ثبوت القدرة في أثناء الوقت انكشف فساد البدل من أول الأمر. ولعله يأتي توضيح ذلك إن شاء اللّه.

[1] كما عن البيان والمدارك ترجيحه ، وعن المعالم وكشف اللثام تقويته للأخبار الآمرة بذلك ، كصحيح الحلبي : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره. قال (عليه السلام) : يصلي فيه ، فاذا وجد الماء غسله » (1)، ونحوه صحيحه الآخر في الثوب الواحد الذي فيه البول‌(2)، وصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه في الثوب الذي يجنب فيه‌(3). وفي صحيح ابن جعفر (عليه السلام) : « عن رجل عريان وحضرت الصلاة ، فأصاب ثوباً نصفه دم أو كله دم يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ قال (عليه السلام) : إن وجد ماء غسله ، وان لم يجد ماء صلى فيه ، ولم يصل عريانا » (4). التي يجب ترجيحها على معارضها - كرواية محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل أصابته جنابة ، وهو في الفلاة ، وليس


1) الوسائل باب : 45 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 45 من أبواب النجاسات حديث : 3.

3) الوسائل باب : 45 من أبواب النجاسات حديث : 4.

4) الوسائل باب : 45 من أبواب النجاسات حديث : 5.


عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني. قال (عليه السلام) : يتيمم ويطرح ثوبه ، فيجلس مجتمعاً فيصلي ، ويومئ إيماء » (1)، ونحوها موثق سماعة ، وموثقه الآخر‌(2)، لكن فيه أنه يصلي عريانا قائماً يومئ إيماء - لأنها أصح سنداً ، وأكثر عدداً. مع أن تفويت شرط الساتر أولى من تفويت نفسه. ولا سيما ويلزم من الصلاة عاريا الإخلال بالأركان ، لابدال الركوع والسجود فيها بالإيماء.

ولكنه يشكل ذلك : بأن الترجيح يتوقف على عدم إمكان الجمع بحمل الأول على صورة الاضطرار والأخيرة على غيرها ، بشهادة رواية الحلبي المتقدمة في المسألة السابقة. وحمل « إذا اضطر » فيها على معنى عدم التمكن من ثوب آخر طاهر ، خلاف الظاهر ، لأن ذلك مفروض في السؤال ، فذكره في الجواب يكون تأكيداً لا تأسيساً ، وهو خلاف الأصل. مع أن النجاسة مانعة عن الصلاة ولو كانت في غير الساتر أو في البدن ، فالدوران يكون بين شرطية الساتر ومانعية النجاسة ، والانتقال الى البدل لا بأس به إذا دل على بدليته الدليل.

ولأجل ذلك حكي عن المشهور وجوب الصلاة عارياً في مفروض المسألة ، أعني : صورة عدم الاضطرار إلى لبس الثوب [ ودعوى ] : إباء النصوص عنه ولا سيما صحيح ابن جعفر (عليه السلام) ، لأن قول السائل فيه : « أو يصلي عريانا؟ » ظاهر في إمكان الصلاة عريانا [ ممنوعة ] إذ المراد من الاضطرار هو العرفي ، الذي لا ينافي الإمكان العقلي. بل قيل : ربما يومئ إلى التفصيل المذكور كون مورد النصوص الثانية الفلاة التي لا تكون من موارد الاضطرار إلى لبس الثوب.


1) الوسائل باب : 46 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 46 من أبواب النجاسات حديث : 1.

[ مسألة 5 ] : إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرر الصلاة [1] وان لم يتمكن إلا من صلاة واحدة ،


ومن هذا كله يظهر لك ضعف القول بالتخيير - كما هو المحكي عن المعتبر ، والمنتهى ، والمختلف ، والدروس ، والذكرى ، وجامع المقاصد ، وغيرها - جمعاً بين النصوص بالحمل عليه. فإنه بلا شاهد ، ولا مما يساعده العرف في مثلها مما ظاهره السؤال عن كيفية الصلاة في ظرف المفروغية عن وجوبها ، إذ - على هذا - لا معنى للوجوب التخييري ، لامتناعه بين الضدين اللذين لا ثالث لهما. نعم لو كان السؤال عن أصل وجوب الصلاة أمكن الوجوب التخييري لوجود الواسطة وهي ترك الصلاة. لكنه خلاف ظاهر النصوص ، ولا سيما مثل صحيح ابن جعفر (عليه السلام) ، فان الجواب كالصريح في نفي الوجوب التخييري. مع أن ارتكابه فرع عدم إمكان الجمع بالتفصيل المتقدم ، وقد عرفت إمكانه وقيام الشاهد عليه.

هذا ولكن يشكل التفصيل : بأن الاضطرار في رواية الحلبي غير ظاهر في كونه من جهة البرد ونحوه ، بل من الجائز أن يكون من جهة الصلاة ، ومع إجماله من هذه الجهة لا يصلح للشهادة على الجمع. ولا سيما وأن نصوص الصلاة فيه لو كان موردها الاضطرار بالمعنى المذكور كان المتعين ذكره في السؤال ، فإنه مما له مزيد دخل في الحكم ، فإهماله يدل على خلاف ذلك. ولا سيما مثل صحيح ابن جعفر ، فان قول السائل : « أو يصلي عريانا » كالصريح في عدم الاضطرار إلى ذلك ، لا عرفاً ولا شرعاً. وأيضاً فإن أحد موثقي سماعة المتضمن للإيماء قاعداً لا بد أن يكون مورده عدم الأمن من الناظر ، وهو من موارد الاضطرار ، فكيف يمكن حملها على غير الاضطرار؟!. فالأقوى إذاً ما في المتن ، ترجيحاً لنصوصه على معارضها ، كما سبق.

[1] كما هو المشهور. وهو الذي تقتضيه قاعدة الاحتياط فيما علم

يصلي في أحدهما [1] لا عاريا. والأحوط القضاء خارج الوقت في الآخر أيضاً إن أمكن ، والا عاريا.


التكليف به إجمالا. ويدل عليه صحيح صفوان : « أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الرجل معه ثوبان ، فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو ، وحضرت الصلاة وخاف فوتها ، وليس عنده ماء ، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام) : يصلي فيهما جميعاً » (1). وعن ابني إدريس وسعيد : وجوب الصلاة عارياً ، لأن اعتبار الساتر الطاهر يوجب تعذر الجزم بالنية المعتبر في الإطاعة الواجبة في العبادات ، فيجب إما رفع اليد عن اعتبار الطهارة فيكتفى بالصلاة في واحد منهما ، أو رفع اليد عن اعتبار الساتر مع البناء على اعتبار الطهارة ، والثاني هو المتعين ، لأن مانعية النجاسة أهم من شرطية الساتر ، بشهادة وجوب الصلاة عاريا لو دار الأمر بينهما وبين الصلاة في النجس. ولمرسلة المبسوط « روي أنه يتركهما ويصلي عارياً » (2). وفيه : أنه لا دليل على اعتبار الجزم بالنية عند عدم التمكن منه ، بل مطلقاً. مع أنه اجتهاد في مقابلة النص الصحيح. ومرسلة المبسوط ضعيفة ومهجورة.

[1] أما بناء على وجوب الصلاة في النجس لو انحصر الساتر فيه - كما تقدم من المصنف - فالحكم المذكور واضح ، لأنه إذا بني على تقديم الموافقة القطعية لوجوب التستر وان لزم المخالفة القطعية لمانعية النجاسة ، فأولى أن يبنى على تقديمها إذا لزم المخالفة الاحتمالية. وأما بناء على وجوب الصلاة عارياً مع الانحصار فمشكل ، لاحتمال أهمية مانعية النجاسة على نحو تحريم المخالفة الاحتمالية لها وان حصلت الموافقة القطعية لشرطية التستر ، كما يحتمل أهمية حرمة المخالفة القطعية لشرطية التستر وان حصلت الموافقة القطعية لمانعية


1) الوسائل باب : 64 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) ذكر ذلك في آخر فصل تطهير الثياب والأبدان من النجاسات ، آخر صفحة : 12.


النجاسة ، ومع احتمال الأهمية من الطرفين يتخير بينهما عقلا.

ومن ذلك يظهر أن القائل بوجوب الصلاة في النجس مع الانحصار يتعين عليه القول بوجوب الصلاة فيه هنا ، والقائل بوجوب الصلاة عاريا هناك يتعين عليه القول هنا بالتخيير بين الصلاة فيه والصلاة عاريا. وكون لازم القول بوجوب الصلاة عاريا أهمية مانعية النجاسة من شرطية التستر ، لا يجدي في تعين الصلاة عاريا ، لما عرفت من أنه مع الانحصار فيه تكون الصلاة فيه مخالفة قطعية لمانعية النجاسة ، وموافقة قطعية لشرطية التستر ، ومن الجائز أن تكون أهمية المانعية من الشرطية إنما تقتضي رعايتها في ظرف لزوم المخالفة القطعية لها ، لا في ظرف لزوم المخالفة الاحتمالية لها - كما في الفرض - إذ يحتمل أن لا يكون لها من شدة الاهتمام ما يستوجب رعايتها في ظرف الاحتمال ، بل تكون الأهمية لشرطية التستر ، ومع احتمال الأهمية لكل من الطرفين يتخير في نظر العقل. فالقائل بوجوب الصلاة عاريا مع الانحصار ، يلزمه القول بالتخيير هنا بين ذلك وبين الصلاة فيه.

هذا كله بالنظر إلى وظيفة المكلف في الوقت ، وأما بالنظر الى الاجزاء وعدم وجوب الإعادة ، فمقتضى القاعدة عدم الاجزاء ، لعدم الدليل عليه وقيام الدليل على الاجزاء في صورة الانحصار لو صلى فيه أو عاريا ، لا يقتضي البناء على الاجزاء هنا ، للفرق بينهما بالعجز عن امتثال الواجب الأولي هناك ، ولا كذلك هنا ، لوجود الثوب الطاهر عنده ، فالعجز إنما هو عن العلم بالامتثال لا غير.


تنبيه

إجراء قواعد التزاحم في المقام - من الترجيح بالأهمية ، أو احتمال الأهمية ، والتخيير مع التساوي في الاهتمام ، أو لكون احتمال الأهمية موجوداً في الطرفين - إنما يتم مع تعذر الجمع بين الأمرين ، لضيق الوقت أو نحوه أما مع إمكان الجمع فاجراؤه كلية غير ظاهر ، لاختصاص ذلك بما إذا كانت الملاكات موجودة في الطرفين ، بأن كان هناك واجبان تعذر الجمع بينهما ، مثل أن يدور الأمر بين إنقاذ الغريق ، وتطهير المسجد ، أو فعل الصلاة ، أو ترك التصرف في المغصوب ، أو نحو ذلك من موارد الدوران فإنه لا قصور في وجود الملاك في إنقاذ الغريق ، كما لا قصور في وجوده أيضاً في فعل الصلاة ، وفي تطهير المسجد وفي ترك التصرف في المغصوب ، ولما لم يمكن العمل بهما معا ، يرجع الى القواعد العقلية الموجبة للتخيير أو الترجيح في الموافقة والمخالفة. أما إذا علم كون التكليف واحداً وكون الملاك موجوداً في أحد الطرفين لا غير ، وكان الشك في موضوعه ، فاللازم الجمع بين المحتملين ، عملا بالعلم الإجمالي.

نعم العلم بأهمية أحد الأمرين يكون موجباً للعلم بوجود الملاك فيه لا غير فلا يجب الآخر. كما أنه مع التساوي في الاهتمام يعلم بوجود الملاك في كل منهما تخييرا ، فيجب أحدهما على التخيير دون الآخر. كما أنه مع احتمال الأهمية في أحد الطرفين بعينه يعلم بوجود الملاك في محتمل الأهمية ، إما تعييناً أو تخييرا بينه وبين الآخر ، فيجب بعينه عقلا دون الآخر.

أما إذا كان احتمال الأهمية موجودا في كل من الطرفين فلم يحرز وجود الملاك في كل منهما تخييرا ، فلا طريق للحكم بوجوب أحدهما تخييرا مع إمكان

[ مسألة 6 ] : إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر ، لا يجوز أن يصلي فيهما بالتكرار [1] ، بل يصلي فيه. نعم لو كان له غرض عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بها فيهما مكررا.

[ مسألة 7 ] : إذا كان أطراف الشبهة ثلاثة يكفي تكرار الصلاة في اثنين ، سواء علم بنجاسة واحد وبطهارة الاثنين ، أو علم بنجاسة واحد وشك في نجاسة الآخرين ، أو في نجاسة أحدهما ، لأن الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة وان


الجمع ، بل يجب الجمع بينهما عقلا ، للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما المردد بينهما.

وما ذكرناه مطرد في جميع موارد الدوران بين ترك شرط وشرط آخر ، وبين ترك جزء وجزء آخر ، وبين ترك شرط وترك جزء ، مع العلم بوجوب الواجب وعدم سقوط وجوبه بتعذر جزئه أو شرطه. مثل أن يدور الأمر بين ترك الطمأنينة في الصلاة وترك القيام ، وبين ترك القيام في الصلاة وترك الركوع ، وبين ترك القيام وترك الاستقبال ... الى غير ذلك من موارد الدوران. والحكم فيه ما ذكرناه ، من أنه إن علم بتساوي الأمرين في نظر الشارع فقد علم بوجود ذلك الملاك في كل منهما تخييراً ، فيتخير المكلف بينهما ، وان علم بأهمية أحدهما بعينه فقد علم بوجود الملاك فيه لا غير ، وإن علم بأهمية أحدهما بعينه أو مساواته للآخر فقد علم بوجود الملاك في محتمل الأهمية وشك في وجوده في الآخر ، وان احتمل الأهمية في كل من الطرفين فلا طريق إلى إحراز الملاك في أحدهما تعييناً ، ومع تردده بينهما يجب الاحتياط بالجمع مع إمكانه ومع عدم إمكانه يتخير بينهما. لكن في الحكم بالاجزاء وسقوط القضاء إشكال ، لعدم الدليل عليه.

[1] قد تقدم في صدر مسائل التقليد تقريب المنع عن الامتثال الإجمالي

لم يكن مميزا [1] ، وإن علم في الفرض بنجاسة الاثنين يجب التكرار بإتيان الثلاث ، وان علم بنجاسة الاثنين في أربع يكفي الثلاث. والمعيار - كما تقدم سابقاً - التكرار الى حد يعلم وقوع أحدها في الطاهر.

[ مسألة 8 ] : إذا كان كل من بدنه وثوبه نجسا ، ولم يكن له من الماء إلا ما يكفي أحدهما فلا يبعد التخيير. والأحوط تطهير البدن [2]. وان كانت نجاسة أحدهما أكثر أو أشد


مع التمكن من الامتثال التفصيلي ، وتقدم الاشكال عليه. فراجع.

[1] قد يشكل : بأن غير المميز لا يجري فيه الأصل ، كما أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة ، وحقق في محله ، من عدم جريان الأصل في الفرد المردد [ وفيه ] : أن الفرد المردد الذي لا يجري فيه الأصل ليس مطلق غير المتميز ، بل خصوص المردد بين المعلوم ثبوت الحكم له والمعلوم انتفاؤه عنه. أما المردد بين فردين إذا كان حاكياً عن فرد معين في الواقع ، وهو مشكوك ، مثل الثوب الذي لم يلاق النجاسة المعلومة - كما في الفرض - فلا مانع من جريان الأصل فيه.

[2] إن قلنا بوجوب الصلاة عاريا مع الانحصار ، فلا ينبغي الإشكال في وجوب تطهير البدن - عملا بمانعية النجاسة - لأنه إذا طهر بدنه وصلى عاريا لم يصل في النجاسة ، بخلاف ما لو طهر الثوب وصلى فيه لأنه صلى وبدنه نجس قطعاً. أما بناء على وجوب الصلاة في الثوب رعاية لشرطية التستر وان لزمت المخالفة لمانعية النجاسة ، فلأجل أن النجاسة المأخوذة موضوعا للمانعية ملحوظة بنحو الطبيعة السارية ، فكما أن نجاسة البدن مانعة كذلك نجاسة الثوب ، فيجب عليه رفع إحداهما مع الإمكان ، فيتخير بينهما.

إلا أن يقال : نجاسة البدن مما يحتمل أولويتها في المانعية ، فيدور

لا يبعد ترجيحه [1].

[ مسألة 9 ] : إذا تنجس موضعان من بدنه أو لباسه ، ولم يمكن إزالتهما فلا يسقط الوجوب [2] ، ويتخير إلا مع الدوران بين الأقل والأكثر أو بين الأخف والأشد ، أو بين متحد العنوان ومتعددة ، فيتعين الثاني في الجميع [3]. بل إذا كان موضع النجس واحداً وأمكن تطهير بعضه لا يسقط الميسور. بل إذا لم يمكن التطهير ، لكن أمكن إزالة العين


الأمر بين التعيين والتخيير ، والأصل يقتضي التعيين هنا ، وان قلنا بالتخيير إذا دار الواجب بين التعيين والتخيير ، لأن الشك في المقام في السقوط ، للعلم بمانعية نجاسة البدن ، والشك في كون العجز المفروض مسقطاً ، بخلاف ذلك المقام ، فان الشك فيه في الثبوت. ومن هذا يظهر وجوب تطهير البدن على كل من القولين.

[1] إذا كان الأكثر أو الأشد في البدن فلا إشكال. أما إذا كان في الثوب فالأكثرية أو الأشدية ، وان كانت توجب الأهمية ، أو احتمال الأهمية ، لكن عرفت أن كون النجاسة في البدن أيضاً من المرجحات ، فيكون احتمال الأهمية في كل من الطرفين ، ومقتضاه التخيير. اللّهم إلا أن يكون احتمال الأهمية فيها أقرب فيتعين عقلا.

ثمَّ إن المصنف [رحمه اللّه] لم يتعرض لاحتمال وجوب القضاء هنا ، لأنه على تقدير صرف الماء في التطهير يتحقق العجز ، الموجب للاجزاء جزماً.

[2] لأن الظاهر من دليل مانعية النجاسة كونها ملحوظة بنحو الطبيعة السارية ، فكل ما يفرض من وجود النجاسة مانع مستقل ، فإذا أمكن رفع البعض تعين.

[3] للأهمية في غير الأخير واحتمالها فيه.

وجبت [1]. بل إذا كانت محتاجة إلى تعدد الغسل ، وتمكن من غسلة واحدة ، فالأحوط عدم تركها ، لأنها توجب خفة النجاسة [2] ، إلا أن يستلزم خلاف الاحتياط من جهة أخرى ، بأن استلزم وصول الغسالة إلى المحل الطاهر [3].

[ مسألة 10 ] : إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلا لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن ، تعين رفع الخبث [4]. ويتيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل. والاولى أن يستعمل في إزالة الخبث أولا ثمَّ التيمم ليتحقق عدم الوجدان حينه.

[ مسألة 11 ] : إذا صلى مع النجاسة اضطرارا لا يجب عليه الإعادة بعد التمكن من التطهير [5]. نعم لو حصل


[1] كما يستفاد مما ورد من الأمر بنفض الثوب إذا هبت الريح فسفت عليه العذرة‌(1)مع أن احتمال الأهمية كاف في الوجوب.

[2] إن كان الأمر كذلك تعين الغسل مرة. لكن يحتمل أن تكون الغسلة الأولى من قبيل شرط تأثير الغسلة الثانية في الرفع.

[3] إن كان وصول ماء الغسالة إلى المحل الطاهر بنحو ينجسه ، وإلا - بأن كان يمر عليه ويتساقط عنه - فلا يضر ، ولا يلزم خلاف الاحتياط ، لأن ماء الغسالة لا ينجس ملاقيه الا بعد الانفصال.

[4] هذا مما لا إشكال فيه عندهم ، والعمدة فيه أنه يستفاد من الأدلة الدالة على بدلية التيمم عن الوضوء أو الغسل مشروعية البدلية في كل مورد يلزم محذور من الطهارة المائية ، وسيأتي ان اللّه شاء في مبحث التيمم توضيح ذلك.

[5] قد عرفت أن هذا يتوقف على جواز البدار لذوي الأعذار.


1) الوسائل باب : 26 من أبواب النجاسات حديث : 12.

التمكن في أثناء الصلاة استأنف في سعة الوقت. والأحوط الإتمام والإعادة.

[ مسألة 12 ] : إذا اضطر الى السجود على محل نجس لا يجب اعادتها بعد التمكن من الطاهر [1].

[ مسألة 13 ] : إذا سجد على الموضع النجس جهلا أو نسياناً لا يجب عليه الإعادة [2] ، وان كانت أحوط.


ولكنه خلاف التحقيق. فراجع ما تقدم في المسألة الرابعة. ولا فرق بين ارتفاع العذر في الأثناء وبعد الفراغ.

[1] لأن العمدة في دليل اعتبار طهارة المسجد الإجماع ، والمتيقن منه حال الاختيار ، فالمرجع في حال الاضطرار أصل البراءة. وعليه فلا مانع من جواز البدار.

[2] لما تقدم في المسألة السابقة من عدم إطلاق لدليل الشرطية ، والمرجع أصل البراءة. نعم لو بني على ثبوت الإطلاق أشكل وجه الصحة لأن الطهارة إذا كانت من شرائط السجود لزم من فواتها فواته ، وحينئذ تكون الصلاة المفروضة فاقدة للركن ، فتبطل. نعم لو قيل إن الطهارة ليست شرطاً في السجود بل هي واجب صلاتي في حال السجود ، أمكنت دعوى الصحة ، لعموم حديث « لا تعاد الصلاة ... » بناء على كون المراد من الطهور في المستثنى الطهارة من الحدث ، لا ما يعم الطهارة من الخبث حتى طهارة المسجد. ولازم ذلك أن لو سجد على النجس والتفت بعد رفع رأسه من السجدة لا يجب عليه تدارك السجدة لفوات المحل الموجب للمضي بحديث : « لا تعاد الصلاة ... » وتحقيق ذلك في مباحث الخلل.

فيما يعفى عنه في الصلاة

وهو أمور :

[ الأول ] : دم الجروح والقروح ، ما لم تبرأ [1] ، في الثوب أو البدن قليلا كان أو كثيرا [2] ، أمكن الإزالة أو التبديل بلا مشقة أم لا [3].


فصل فيما يعفى عنه في الصلاة

[1] كما في مصححة أبي بصير : « دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) : وهو يصلي فقال لي قائدي : إن في ثوبه دما ، فلما انصرف (عليه السلام) قلت له : إن قائدي أخبرني أن بثوبك دما. فقال (عليه السلام) : إن بي دماميل ، ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ » (1). ومرسل سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا كان بالرجل جرح سائل ، فأصاب ثوبه من دمه ، فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم » (2). ومن الأخير يظهر أن المراد بالبرء انقطاع الدم انقطاع برء.

[2] لإطلاق بعض النصوص ، وصريح بعضها ، كصحيح ليث‌(3)وغيره ، كما يأتي.

[3] المذكور في عبارات جماعة تقييد القروح والجروح بالدامية ، أو


1) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 1. رواه في الوسائل عن ابن أبي عمير عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

2) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 7.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 5. وسيأتي في أواخر هذا البحث من كلام الشارح قدس سره .


التي لا ترقأ ، أو اللازمة ، أو السائلة ، أو نحو ذلك ، وتقييد الحكم بالعفو بمشقة الإزالة ، بل المنسوب إلى الأكثر أو المشهور اعتبار قيدين في العفو [ أحدهما ] : استمرار الدم بنحو لا تكون له فترة تسع الصلاة [ وثانيهما ] : المشقة في التطهير.

وكأن الوجه في اعتبار القيد الأول ما في مرسل سماعة المتقدم من وصف الجرح بالسائل. وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « عن الرجل تخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي؟ فقال (عليه السلام) : يصلي وان كانت الدماء تسيل » (1)، ونحوه ما في مستطرفات السرائر ، عن نوادر البزنطي ، عن عبد اللّه بن عجلان ، عن أبي جعفر‌(2).

ويشكل : بأن الظاهر من التوصيف بالسيلان التوطئة ، لأن يترتب عليه إصابة الدم للثوب الذي هو موضوع الشرطية ، فالشرطية مسوقة لتحقيق الموضوع. مع أنه غير ظاهر في الاستمرار بحيث لا تكون له فترة تسع الصلاة ، لصدق كون الجرح سائلا ، ولو مع الفترة المذكورة ، وإلا لكان ظاهراً فيما لا فترة له أصلا ، إذ لا موجب للفرق في الظهور بين الفترة التي تسع والتي لا تسع. ويشير الى ما ذكرنا قوله (عليه السلام) : « حتى تبرأ وينقطع الدم » ، فإنه لو كان المراد من السائل المستمر بلا فترة كان المناسب جعل الغاية الفترة. وأما صحيح ابن مسلم ونحوه فالقيد فيه مذكور في كلام السائل ، وغاية ما يقتضيه قصور الرواية عن شمول صورة الفترة. نعم لو كان مذكورا في كلام الامام (عليه السلام) أمكن أن يكون له مفهوم يدل على انتفائه الحكم بانتفائه ، بناء على حجية مفهوم القيد. مع أنه خلاف التحقيق.

وأما وجه القيد الثاني ، فالظاهر أنه موثق سماعة : « سألته عن الرجل


1) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات ملحق حديث : 4.


به القرح والجرح ولا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه. قال (عليه السلام) : يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة ، فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة » (1)ورواية ابن مسلم المروية عن مستطرفات السرائر : « إن صاحب القرحة التي لا يستطيع ربطها ، ولا حبس دمها ، يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم أكثر من مرة » (2).

وفيه : أن الظاهر من قوله في الموثق : « ولا يغسل دمه » أنه معطوف على قوله : « يربطه » ويكون التقدير : « ولا يستطيع أن يغسل دمه ». ولكنه ينافيه الأمر بغسل الثوب في كل يوم مرة ، لامتناع التكليف بغير المستطاع ، فلا بد أن تحمل على ارادة نفي الاستطاعة على غسل الدم في تمام المدة ، على نحو العموم المجموعي ، فلا ينافي الاستطاعة على الغسل في كل يوم مرة. ويشهد به التعليل بقوله (عليه السلام) : « فإنه لا يستطيع ... » ، فتدل الرواية على العفو عن الدم إذا كان التطهير في مجموع المدة غير مستطاع ، وهذا أجنبي عن اعتبار المشقة في كلامهم ، حتى لو حمل نفي الاستطاعة على المشقة ، لأن المشقة في تمام المدة غير ما يظهر من المشقة في كلامهم ، التي هي المشقة في كل وقت من أوقات الابتلاء مع قطع النظر عن غيره.

وأما رواية ابن مسلم فلا دلالة لها على اعتبار المشقة بوجه. نعم لو قيل بثبوت مفهوم الوصف دلت على اختصاص العفو بصورة عدم إمكان ربط الجرح وحبس دمه ، من دون فرق بين صورة المشقة في التطهير وغيرها ، وهذا شي‌ء لا يقول به أحد. وكأنه لذلك كان المحكي عن جامع المقاصد ، وحاشية الشرائع والمسالك والروضة والمدارك ، وغيرها : عدم اعتبار المشقة وعن غيرهم عدم اعتبار الاستمرار وانتفاء الفترة أيضاً. بل من المحتمل .


1) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 2.

2) فيما استطرفه من نوادر البزنطي.

نعم يعتبر أن يكون مما فيه مشقة نوعية [1] ، فان كان مما


قريباً أن يكون المراد من السيلان في كلام جماعة ما يقابل الانقطاع للبرء ، عملا بإطلاق غير واحد من النصوص ، كرواية أبي بصير المتقدمة ، وصحيح ليث المرادي : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دما وقيحا ، وثيابه بمنزلة جلده. فقال (عليه السلام) : يصلي في ثيابه ولا يغسلها ولا شي‌ء عليه » (1). وصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي. فقال (عليه السلام) : دعه فلا يضرك أن لا تغسله » (2). وموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة. قال (عليه السلام) : يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالأرض ولا يقطع الصلاة » (3).

[1] كأنه للتعليل المتقدم في موثق سماعة. لكن ظاهره كون المحذور الموجب للعفو تكرار الغسل في كل ساعة ، فإن أريد من المشقة النوعية هذا المعنى فهو ، ويكون المدار في العفو وعدمه لزوم التكرار وعدمه ، وإلا فلا دليل عليه.

ثمَّ إن وجه توقف المصنف [رحمه اللّه] عن الجزم باعتبار المشقة بالمعنى المذكور احتمال أن يكون التعليل المذكور من قبيل الحكمة. لكنه خلاف الظاهر. أو احتمال كونه تعليلا لخصوص الحكم في مورد السؤال ، فلا ينافي ثبوته في غيره لوجه آخر. وهذا غير بعيد في أمثاله مما كان ظاهرا في تطبيق الكبرى على المورد ، لا تعليل حكمه. وقد ذكرنا في مبحث قضاء المغمى عليه


1) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 5.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 6.

3) الوسائل باب : 22 من أبواب النجاسات حديث : 8.

لا مشقة في تطهيره أو تبديله على نوع الناس ، فالأحوط إزالته أو تبديل الثوب. وكذا يعتبر أن يكون الجرح مما يعتد به [1] وله ثبات واستقرار ، فالجروح الجزئية يجب تطهير دمها. ولا يجب فيما يعفى عنه منعه عن التنجيس [2]. نعم يجب شده إذا كان في موضع يتعارف شده [3]. ولا يختص العفو بما في محل الجرح ، فلو تعدى عن البدن الى اللباس أو الى أطراف المحل كان معفواً. لكن بالمقدار المتعارف في مثل


فرقا بين التعليل بمثل : « لأنه كذا » وبين قوله : « فإنه كذا » ، وان الأول ظاهر في انتفاء الحكم بانتفائه ، دون الثاني. فتأمل جيدا.

[1] لقصور الإطلاقات عن شمول غيره. لكن التعليل في الموثق لا قصور فيه فإجراء الحكم فيه في محله.

[2] لإطلاق الأدلة.

[3] كما عن بعض ، اقتصاراً على المتيقن من النصوص. وللانصراف إلى المتعارف. ولمفهوم رواية ابن مسلم المروية في المستطرفات. وللتعليل في موثق سماعة. ويشكل : بأن الأول إنما يجوز إذا لم يكن إطلاق يقتضي العموم ، وإلا تعين العمل عليه. والانصراف المعتد به ممنوع ، ولو بني عليه لوجب الاقتصار على المتعارف في الجرح ، وفي سببه ، وفي علاجه ، وفي منعه عن التنجيس ، وغير ذلك من الجهات المتعارفة ، ولم يلتزم به المصنف [رحمه اللّه] ولا غيره في بعضها. ومفهوم الوصف غير ثابت ، ولا سيما في مثل المقام مما أمكن أن يكون مسوقاً لتنقيح الموضوع. والتعليل لو دل فإنما يدل على انتفاء العفو إذا لم يلزم تكرار الغسل من عدم العفو في مورده ، وهو فرض الاضطرار إلى سراية الدم ، ولا يقتضي المنع عن السراية ، ولذا لم يجب المنع عن التنجيس ، فلو قال : « الخمر حرام لأنها مسكرة »

ذلك الجرح [1] ، ويختلف ذلك باختلافها من حيث الكبر والصغر ، ومن حيث المحل ، فقد يكون في محل لازمه بحسب المتعارف التعدي إلى الأطراف كثيراً ، أو في محل لا يمكن شده ، فالمناط المتعارف بحسب ذلك الجرح.

[ مسألة 1 ] : كما يعفى عن دم الجروح ، كذا يعفى عن القيح المتنجس الخارج معه [2] ، والدواء المتنجس الموضوع عليه [3] ، والعرق المتصل به في المتعارف. أما الرطوبة الخارجية إذا وصلت اليه وتعدت إلى الأطراف فالعفو عنها مشكل [4] ، فيجب غسلها إذا لم يكن فيه حرج.


دل على حلية الخمر غير المسكرة ، لا حلية كل ما ليس بمسكر.

[1] قد عرفت أن التعارف لا يوجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الإطلاق ، بل العموم ظاهر موثق عمار المتقدم.

[2] كما هو صريح صحيحي ليث وعبد الرحمن المتقدمين ، وظاهر غيرهما.

[3] لتعارف الابتلاء به. مع إهمال النصوص لبيان حكمه الدال على العفو. اللّهم إلا أن يقال : يمكن أن يكون عدم التعرض لحكمه للاتكال على القواعد المانعة عنه. اللّهم إلا أن يقال : لما لم تنفك عنه غالب الجروح التي لا ترقأ ويستمر سيلان الدم منها - كما هو مورد النصوص - فلو لم يعف عنه لزم أن يكون العفو عن الدم اقتضائيا ، أو محمولا على غير الغالب وكلاهما خلاف الظاهر. وكذا الكلام في الدواء الموضوع على القروح. وفي العرق الذي لا ينفك عنه المقروح والمجروح غالبا في كثير من البلاد الذي هو مورد النصوص. وحملها على الشتاء دون الصيف بعيد في الغاية.

[4] بل مقتضى عموم المنع عن النجاسة عدم العفو.

[ مسألة 2 ] : إذا تلوثت يده في مقام العلاج يجب غسلها ، ولا عفو. كما أنه كذلك إذا كان الجرح مما لا يتعدى ، فتلوثت أطرافه بالمسح عليها بيده أو بالخرقة الملوثتين ، على خلاف المتعارف.

[ مسألة 3 ] : يعفى عن دم البواسير [1] خارجة كانت أو داخلة. وكذا كل قرح أو جرح باطني خرج دمه إلى الظاهر.

[ مسألة 4 ] : لا يعفى عن دم الرعاف [2] ، ولا يكون من الجروح.

[ مسألة 5 ] : : يستحب لصاحب القروح والجروح أن يغسل ثوبه من دمهما كل يوم مرة [3].


[1] عموم الحكم للجروح الباطنة غير ظاهر ، فإن إطلاق لفظ الجرح ظاهر في الجرح الظاهر ، والجرح الباطن يحتاج الى التقييد بالباطن ، ولا يفهم من قول القائل : « زيد فيه جرح أو قرح » إلا الجرح والقرح الظاهران ، ولا يتوهم عموم الأدلة للدم الخارج من الصدر ، أو المعدة ، أو دم الاستحاضة ، أو نحوها مما يكون من الجروح أو القروح الباطنية. مع أن في دخول البواسير في القرح اشكالا ، فإنها منابع للدم. فتأمل.

[2] للأخبار الكثيرة الآمرة بالتطهير منه إذا حدث في أثناء الصلاة ، وبقطعها ان لم يمكن‌(1)، ولصحيح زرارة الطويل‌(2)وغيره. مضافاً الى قصور نصوص العفو عن شموله.

[3] على المشهور بين من تعرض له ، بل لم يحك الخلاف فيه. لموثق


1) راجع الوسائل باب : 2 من أبواب قواطع الصلاة.

2) الوسائل باب : 42 من أبواب النجاسات حديث : 2. وقد تقدم ذكر ما يناسب المقام منه فيمن صلى في النجاسة نسياناً.

[ مسألة 6 ] : إذا شك في دم أنه من الجروح أو القروح أم لا ، فالأحوط عدم العفو عنه [1].

[ مسألة 7 ] : إذا كانت القروح أو الجروح المتعددة متقاربة ، بحيث تعد جرحا واحدا عرفا ، جرى عليه حكم الواحد ، فلو برئ بعضها لم يجب غسله ، بل معفو عنه حتى يبرأ الجميع. وان كانت متباعدة لا يصدق عليها الوحدة


سماعة ورواية ابن مسلم المتقدمين (1)، المحمولين على الاستحباب ، بقرينة غيرهما من النصوص التي هي ما بين ناف له مطلقاً ، أو الى أن يبرأ ، فإنها - ولا سيما الثاني منها - مما يأبى التصرف فيه بالتقييد بالغسل أكثر من مرة في اليوم ، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر ضعف ما في الحدائق من الميل إلى الوجوب ، أخذاً بظاهر الروايتين.

[1] وجزم به بعضهم. لأصالة عدم كون الدم من الجروح أو القروح بناء على ما هو الظاهر من أن نفي عنوان الخاص بالأصل يكفي في ثبوت حكم العام له. وجزم بعضهم بالعفو. وكأنه لأن الأصل المذكور من قبيل الأصل الجاري في العدم الأزلي ، الممنوع حجيته عند جماعة من المحققين ، كما تقدم التعرض لذلك في الشك في وجود المادة. ولما كانت الشبهة مصداقية لا يجوز الرجوع فيها الى العام ، كان المرجع أصل البراءة من المانعية.

وفيه : أن كون الدم من جرح أو قرح ليس من عوارض الوجود حال حدوثه ، بل من عوارضه حال بقائه ، فإن الدم الموجود في بدن الإنسان إن خرج من الجرح أو القرح كان دم الجرح أو القرح المعفو عنه وإلا فلا ، فأصالة عدم الخروج من الجرح أو القرح بلا مانع ، وكأنه لعدم


1) تقدم ذكرهما في أوائل هذا الفصل.

العرفية ، فلكل حكم نفسه ، فلو برئ البعض وجب غسله ، ولا يعفى عنه إلى أن يبرأ الجميع [1].

الثاني مما يعفى عنه في الصلاة : الدم الأقل من الدرهم [2] ،


وضوح ما ذكرنا في نظر المصنف توقف عن الجزم.

[1] لكن مقتضى مصححة أبي بصير‌(1)العفو عن الجميع حتى يبرأ الجميع

[2] دون ما يساويه ، على المشهور ، وعن الخلاف الإجماع عليه ، وعن كشف الحق نسبته إلى الإمامية [ رض ]. ويدل عليه صحيح ابن أبي يعفور : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثمَّ يعلم فينسى أن يغسله فيصلي ، ثمَّ يذكر بعد ما صلى ، أيعيد صلاته؟ قال (عليه السلام) : يغسله ولا يعيد صلاته ، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله ويعيد الصلاة » (2)ونحو مرسل جميل‌(3). وفي صحيح إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال في الدم يكون في الثوب : إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة ، وان أكثر من قدر الدرهم ، وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته » (4).

وتقريب الاستدلال به أن عدم ذكر المساوي إما أن يكون إهمالا لبيان حكمه ، أو لاستفادته من مفهوم الشرطية الأولى ، أو لاستفادته من مفهوم الشرطية الثانية. والأول خلاف ظاهر الجواب عن السؤال وإذا دار الأمر بين الثاني - بحمل الشرطية الثانية على كونها تصريحاً بمفهوم الاولى - وبين الثالث - بحمل الشرطية الأولى على كونها تصريحاً بمفهوم الثانية - يتعين


1) تقدمت في أول هذا الفصل.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 4.

4) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 2.

سواء كان في البدن أو اللباس [1] ،


الثاني لأنه أقرب من الثالث ، لأن ترتيب البيان على حسب ترتيب الذكر أولى من عكسه. ثمَّ إنه لو لم يتم هذا التقريب فالرواية تكون مجملة ، والعمل على غيرها متعين.

وعن المراسم العفو عن المساوي ، ونسب إلى الانتصار أيضاً. لكن عبارته توافق المشهور. ويشهد للعفو صحيح ابن مسلم : « قلت له : الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة. قال (عليه السلام) : إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره ، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم ، وما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره. وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه » (1). فإنه يدل عليه بالمفهوم أو المنطوق في الفقرات الثلاث. والجمع بينها بالتخصيص ، بحمل ما لم يزد على ما دون الدرهم ، أو كون المراد منه درهما فما زاد ، نظير قوله تعالى : ( فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ... ) (2)أو بغير ذلك. بعيد. عن مقام الجمع العرفي بين الاخبار الواردة في مقام التحديد جوازاً أو منعاً. فلا بد من المصير إلى أحكام التعارض ، والترجيح يقتضي الأخذ بأخبار المنع ، لتعددها ، وموافقتها لعموم المنع.

[1] اللباس مورد النصوص. لكن يجب إلحاق البدن به ، للإجماع المحكي عليه عن الانتصار ، والتحرير ، والتذكرة ، وكشف الالتباس ، وبعض نسخ الخلاف ، بل وإطلاق معقد الإجماع على العفو المحكي عن المعتبر والمختلف والمنتهى والدروس ، والمدارك ، والدلائل ، والذخيرة. ولعل


1) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 6.

2) النساء : 11.

من نفسه أو غيره [1]. عدا الدماء الثلاثة من الحيض والنفاس والاستحاضة [2] ،


الاقتصار على الثوب في جملة من كتب الصدوق والشيخ وغيرهما كان تبعاً للنصوص ، أو من باب المثال. وأما الاستدلال عليه برواية المثنى بن عبد السلام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إني حككت جلدي فخرج منه دم. قال (عليه السلام) : ان اجتمع قدر حمصة فاغسله ، والا فلا » (1). فضعيف لقصور دلالتها على ذلك ، على أن سندها لا يخلو عن إشكال.

[1] لإطلاق النصوص.

[2] للإجماع المحكي نقله عن جماعة - صريحاً وظاهراً - في الأول. ولرواية أبي بصير : « لا تعاد الصلاة من دم لا [ لم. خ ل ] تبصره ، غير دم الحيض ، فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء » (2)بناء على ظهور القليل فيما دون الدرهم ، كما هو الظاهر ، بملاحظة ظهوره في خصوصية لدم الحيض ، لا أنه مطلق كي يمكن تقييده بالدرهم فما زاد. ثمَّ إنه لو منع الظهور المذكور كان بينه وبين إطلاق العفو عما دون الدرهم عموم من وجه ، وبعد التعارض يرجع الى عموم المنع عن الدم. [ ودعوى ] : أن الرواية موقوفة (3)لم يروها أبو بصير عن المعصوم (عليه السلام). [ مدفوعة ] : بأن ذكرها في الكافي والتهذيب مما يأبى ذلك ، كما تقدم في نظيره. على أنها مروية في النسخ الموجودة بين أيدينا من الكافي والتهذيب عن المعصوم (عليه السلام)

وأما وجه الحكم في الأخيرين ، فاستدل عليه بما دل على أن النفاس حيض وبما دل على لزوم تبديل القطنة. لكن الأول لم يثبت كونه رواية


1) الوسائل باب : 20 من أبواب النجاسات حديث : 5.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب النجاسات حديث : 1.

3) هذه الدعوى مذكورة في المعتبر والمدارك وحكيت عن المعالم. منه قدس سره .

أو من نجس العين [1] ، أو الميتة [2]. بل أو غير المأكول [3] ، مما عدا الإنسان [4] على الأحوط بل لا يخلو من قوة. وإذا كان متفرقا في البدن أو اللباس أو فيهما ، وكان المجموع بقدر


معتبرة. مع أنه غير ظاهر في وروده مورد التنزيل الموجب لثبوت الأحكام والثاني لم يكن بناؤهم على التعدي من مورده الى موضع القطنة ، فكيف يتعدى عن مورده الى المقام؟. فتأمل. وأضعف من ذلك الاستدلال عليه في الذكرى : بأن أصل النفاس حيض ، والاستحاضة مشتقة منه ، وبتساويهما في إيجاب الغسل ، وهو يشعر بالتغليظ. فالعمدة فيه ظاهر الإجماع المحكي عن جماعة.

[1] كما ذكره جماعة. لأن أدلة العفو إنما دلت على العفو عن النجاسة الدموية ، لا عن النجاسة من حيث كونه من نجس العين ، فيرجع من هذه الجهة إلى عموم المنع ، وقد عرفت في مبحث نجاسة المتنجس أن مقتضى القاعدة الالتزام باجتماع نجاستين في محل واحد ، ولا دليل على امتناعه. مضافاً الى كونه مما لا يؤكل لحمه ، فيدخل تحت ما دل على مانعية ما لا يؤكل لحمه ، ولو لم يكن نجساً ولا دماً. هذا وعن الحلي : أنه أنكر هذا الاستثناء كل الإنكار ، وادعى أنه خلاف مذهب الإمامية [ رض ]. وكأنه أخذه من عدم تعرض القدماء له. لكن الظاهر أن كلامهم كالنصوص مسوق للعفو عن الدم من حيث هو لا غير. فراجع.

[2] لما تقدم في نجس العين.

[3] لما تقدم أيضا في نجس العين.

[4] لاستثناء الإنسان عن حكم ما لا يؤكل لحمه. كما سيأتي في محله إن شاء اللّه.

الدرهم ، فالأحوط عدم العفو [1]. والمناط سعة الدرهم [2] لا وزنه. وحده سعة أخمص الراحة [3].


[1] وجزم بالعدم جماعة ، وعن كشف الالتباس نسبته الى المشهور لأن الظاهر من قوله (عليه السلام) : « مجتمعا » في صحيح ابن أبي يعفور ومرسل جميل المتقدمين ، كونه حالا من الضمير في : « كان » والمعنى : الا أن يكون الدم في حال كونه مجتمعا مقدار الدرهم. ولو بني على إجماله كفى إطلاق صحيح ابن مسلم وإسماعيل الجعفي المتقدمين ، أو عموم المنع عن الصلاة في الدم.

وعن جماعة العفو عنه ، بل في الذكرى نسبته الى المشهور ، بدعوى ظهور قوله (عليه السلام) : « مجتمعا » في الصحيح والمرسل في كونه خبرا ثانياً في الصحيح ، وأولا في المرسل ، والمعنى : إلا أن يكون مقدار الدرهم ومجتمعا ، فالشرط في عدم العفو أمران : الاجتماع وكونه مقدار الدرهم. وفيه : أن الظاهر وان كان ذلك في نفسه ، إلا أن استثناءه مما كان في الثوب متفرقا شبه النضح في الصحيح وتقييدا لما كان نقطا في الثوب ، يقتضي كون الاستثناء منقطعا. أو يكون تقييدا بأمر أجنبي ، وهو خلاف الظاهر جدا ، فيتعين حمله على كونه حالا لا خبرا. ولا أقل من الاجمال الموجب للرجوع إلى إطلاق صحيح ابن مسلم ، أو عموم المنع من الدم ، كما عرفت.

[2] بلا خلاف كما عن لوامع النراقي ، لأن الظاهر من التقدير ذلك.

[3] المحكي عن المتقدمين تفسير الدرهم المعفو عما دونه بالوافي ، وعن الانتصار والخلاف والغنية : الإجماع عليه. وعن كثير تفسيره بالبغلي ، وعن كشف الحق : نسبته إلى الإمامية ، وعن بعض الأساطين في شرحه أن كون الدرهم هو البغلي من العلميات ، والإجماعات عليه لا تحصر. وهو إما بفتح الباء والغين المعجمة وتشديد اللام ، كما نسب إلى المتأخرين وأنه الذي سمع


من الشيوخ - كما عن المهذب البارع - وإما بإسكان الغين وتخفيف اللام ، كما عن جماعة التصريح به. والظاهر رجوع التفسيرين إلى أمر واحد. ويشهد به - مضافا الى دعوى الإجماع من كل من الطرفين على ما فسره به - عدم تعرضهم للخلاف في التفسير ، بل عن بعض دعوى الاتفاق على الاتحاد. ولذا قال في المعتبر : « والدرهم هو الوافي الذي وزنه درهم وثلث ، وسمي البغلي نسبة الى قرية بالجامعين ». وفي الذكرى : « عفى عن الدم في الثوب والبدن عما نقص عن سعة الدرهم الوافي وهو البغلي بإسكان الغين ، وهو منسوب الى رأس البغل ، ضربه للثاني في ولايته بسكة كسروية ، وزنه ثمانية دوانيق. [ والبغلية ] كانت تسمى قبل الإسلام [ الكسروية ] فحدث لها هذا الإسلام في الإسلام ... ». نعم في السرائر - بعد أن فسر الدرهم بالوافي المضروب من درهم وثلث - قال : « وبعضهم يقولون دون الدرهم البغلي ... » لكن حكاية ذلك بعد كلامه المتقدم يدل على تضعيفه. ويحتمل أن يكون مقصوده ذكر اختلاف العبارة لا اختلاف المراد ، يعني أن المعفو عنه بعضهم يعبر عنه بما دون الدرهم الوافي ، وبعضهم يعبر بما دون الدرهم البغلي. وبالجملة : رجوع التفسيرين إلى أمر واحد مما لا ينبغي الإشكال فيه.

وإنما الإشكال في وجه حمل الدرهم المذكور في النصوص على ذلك مع اختلاف الدراهم. بل مقتضى ما ذكروه من هجر الدرهم المذكور في زمن عبد الملك - حيث اتخذ الدرهم المتوسط بين الوافي والطبري الذي هو أربعة دوانيق فجعل وزنه ستة دوانيق ، واستقر أمر الإسلام عليه - وجوب حمل الدرهم المذكور في الروايات عن الصادقين (عليهماالسلام) - المتأخر زمنهما عن زمن عبد الملك - على ما كان وزنه ستة دوانيق ، لأنه شائع ، والشياع قرينة الحمل عليه ، إذ الدرهم المذكور ليس من قبيل المطلق الصالح للانطباق


على كل فرد ، لأن وروده مورد التحديد ينافي ذلك ، لامتناع التحديد بما كان صالحا للانطباق على القليل والكثير ، كما لا يخفى.

ومن الغريب ما استوضحه في مصباح الفقيه ، من أن موضوع المانعية إن كان ما زاد على الدرهم - كما في صحيح ابن مسلم - فالعبرة في عدم العفو بالزيادة عن جنسها على الإطلاق ، فلا تضر زيادته عن بعض المصاديق دون بعض. وان كان الدرهم فما زاد ، فالعبرة بالعفو عما نقص عن جميع الافراد ، فلا يجدي نقصانه عن بعض مصاديقه. انتهى. وبالجملة : لا ينبغي التأمل في إرادة التقدير بدرهم معين ، والشياع قرينة على التقدير بالشائع. فاذاً العمدة في تعيين الوافي المسمى بالبغلي هو الإجماع.

ثمَّ إن في سعة الدرهم - المحمول عليه التقدير - خلافا ، فالمحكي عن أكثر عبارات الأصحاب تحديدها بأخمص الراحة ، وعن المناهج السوية : أنه الأشهر ، بل لا يعرف قول بخلافه ، لأن التحديد الآتي المحكي عن الإسكافي ليس تحديدا للدرهم البغلي الوافي ، وانما هو تحديد للدرهم المعفو عن مقداره. وكذلك التحديدان الآخران ، كما يظهر ذلك من محكي عباراتهم جميعا. فراجعها. فلم يعرف تحديد للدرهم الوافي إلا بذلك لكن الإشكال في مأخذ هذا التحديد ، ولم أجد له أثرا في كلام أحد ممن تتبعت كلماتهم نعم في السرائر : « إن الدرهم البغلي منسوب إلى مدينة قديمة من [ بابل ] يقال لها : [ بغل ] متصلة ببلد الجامعين ، يجد فيها الحفرة دراهم واسعة وأنه شاهد واحدا منها ، فوجده يقرب من سعة أخمص الراحة ».

والذي يظهر من كلمات جماعة أن التقدير المشهور كان اعتمادا على شهادته [رحمه اللّه] لكن كان المناسب أن يجعل التقدير المشهور قريبا من أخمص الراحة لا مساويا لها. مع أن الاعتماد على شهادته لا يخلو من إشكال ، لاختلافهم في وجه نسبة البغلي - كما تقدم عن الذكرى - وحكي في السرائر قولا :


بأنه منسوب الى رجل من كبار أهل الكوفة يسمى : [ ابن أبي البغل ] ضربه للثاني في أيام خلافته ، ورده : بأن الدرهم البغلي موجود قبل الإسلام وقبل الكوفة. لكن تقدم في الذكرى : أن التسمية إسلامية ، وأنها قبل الإسلام كانت تسمى [ كسروية ] ، وفي مجمع البحرين : أنه منسوب الى ملك يسمى [ رأس البغل ]. ومع هذا الاختلاف كيف يحصل الوثوق بشهادته؟! ولا سيما بعد ملاحظة ما في المعتبر ، فإنه بعد كلامه السابق قال : « وقال ابن أبي عقيل : ما كان سعة الدينار. وقال ابن الجنيد : ما كان سعته سعة العقد الأعلى من الإبهام والكل متقارب » فان أخمص الراحة يبعد عن العقد الأعلى من الإبهام كثيراً ، فلا بد أن يكون الدرهم الوافي أقل من سعة أخمص الراحة. وان كان هذا الاشكال وارد أيضاً في تقدير الدينار ، فان الدينار الذي شاهدته أقل من ذلك كثيرا ، لأنه بقدر الفلس العراقي المسكوك في هذا العصر ، الذي يساوي نصف عقد الإبهام تقريبا ، فكيف يكون مقاربا لعقد الإبهام؟! فكأن المراد من التقارب ما يشمل مثل هذا التفاوت.

وقد أطلعني بعض من يقتني الآثار القديمة القيمة - مع خبرة كاملة ، واطلاع وافر على خمسة دراهم قديمة إسلامية. ودرهمين غير اسلاميين ، قد كتب في واحد من الدراهم الإسلامية في دائرة أحد وجهيه : « بسم اللّه ضرب هذا الدرهم بالبصرة في سنة ثمانين » وفي وسطه : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له » وفي دائرة وجهه الآخر : « محمد رسول اللّه أرسله « بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون » وفي وسطه : ( اللّهُ أَحَدٌ اللّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) . وكتب في آخر منها : « بسم اللّه ضرب هذا الدرهم بدمشق سنة تسع وثمانين » وتمام ما كتب في الدرهم السابق. وكتب في ثالث منها في دائرة أحد وجهيه : « بسم اللّه


ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة مائة » وتمام ما كتب على وجهي الدرهمين السابقين. وكتب في رابع منها في دائرة أحد وجهيه : « بسم اللّه ضرب هذا الدرهم بالكوفة سنة إحدى وأربعين ومائة » وعلى وسطه : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له » وعلى دائرة وجهه الآخر : « محمد رسول اللّه ». وكتب في الخامس منها في دائرة أحد وجهيه : « بسم اللّه ضرب هذا الدرهم بمدينة السلام سنة أربع وسبعين ومائة » ، وتمام ما كتب على الدرهم الرابع. كل ذلك بالخط الكوفي.

كما أطلعني على دينارين اسلاميين قد كتب بالكوفي أيضاً في أحدهما في دائرة أحد وجهيه : « بسم اللّه ضرب هذا الدينار سنة تسع وسبعين » وعلى وسطه ( اللّهُ أَحَدٌ اللّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) وعلى دائرة وجهه الآخر : « محمد رسول اللّه أرسله ( بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) » وعلى وسطه : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ». وكتب في الآخر في دائرة أحد وجهيه » : « بسم اللّه ضرب هذا الدينار سنة ثلاثين ومائة » وتمام ما كتب على الدينار السابق.

ثمَّ إن الدراهم الأربعة - وهي عدا ما ضرب في البصرة بتاريخ سنة مائة - لا يظهر تفاوتها بحسب المساحة إلا بالمداقة بمقدار يسير ، كما ترى صورها في الصفحة المقابلة. وما ضرب في سنة مائة يزيد عليها مساحة بقليل ، كما ترى صورته (1)وقد كان وزن الأول ومثله الأخير أربع عشرة حبة ، التي يساوي الأربع والعشرون منها مثقالا صيرفياً ، والثلاثة الأخرى وزن كل


1) هذا ما ذكره - قدس سره - اعتمادا على ما شاهده من الدراهم وعليه جرى أخذ مساحة الدراهم في الطبعة الأولى. ولكن الذي عثرنا عليه في المتحف العراقي أن الدرهم المضروب في دمشق سنة : 89 هو أكبر الدراهم الخمسة التي أشار إليها قدس سره ، كما أثبتت صورها ومساحاتها في الورقة الملحقة هنا.

ولما حده بعضهم بسعة عقد الإبهام من اليد [1] وآخر بعقد الوسطى وآخر بعقد السبابة ، فالأحوط الاقتصار على الأقل [2] وهو الأخير.

[ مسألة 1 ] : إذا تفشي من أحد طرفي الثوب الى


واحد منها خمس عشرة حبة.

أما الدرهمان غير الاسلاميين فوزن أحدهما ثلاث عشرة حبة ونصف حبة تقريباً ، وهو يساوي الدرهم المضروب سنة مائة مساحة أو يزيد عليه يسيرا. وقد ذكر الخبير المذكور - وفقه اللّه تعالى - أنه المسمى بالطبري. لكن ينافيه ما ذكره الجماعة - 5 - من أن الطبري وزنه ثلثا المضروب في سنة ثمانين. ووزن الآخر منهما تسع عشرة حبة ومساحته تزيد على مساحة هذين الدرهمين الأخيرين بمقدار العشر أو أكثر ، وهو المسمى بالوافي والبغلي ، على ما ادعاه الخبير المذكور ، وهو قريب لزيادته على الدراهم المتقدمة أجمع مساحة ووزنا. ولا يقدح فيه عدم المطابقة لما ذكروه في الوزن بحسب المداقة ، لإمكان أن يكون هذا التفاوت طارئاً من كثرة الاستعمال ، أو عدم الإتقان في الموازين. واللّه سبحانه العالم.

[1] قد تقدمت حكاية هذا التحديد عن الإسكافي ، كما تقدم أنه ليس غرضه تحديد الدرهم البغلي أو الوافي ، وانما غرضه تحديد الدرهم المعفو عنه. وكذلك التحديدان الآخران ، والقائل بهما غير معروف - كما اعترف بذلك جماعة - والتفاوت بينهما يسير جداً.

[2] لا ريب أنه مع إجمال التقدير يقتصر على القدر المتيقن في الخروج عن عموم مانعية الدم. كما هو الشأن في العام المخصص بالمخصص المجمل. لكن عرفت ما يمكن الركون إليه في تقريب القول المشهور.

الآخر فدم واحد [1] والمناط في ملاحظة الدرهم أوسع الطرفين [2]. نعم لو كان الثوب طبقات فتفشى من طبقة إلى أخرى ، فالظاهر التعدد [3] ، وان كانتا من قبيل الظهارة والبطانة. كما أنه لو وصل الى الطرف الآخر دم آخر لا بالتفشي ، يحكم عليه بالتعدد [4] وان لم يكن طبقتين.


[1] كما هو الأشهر. وعن الذكرى والبيان : أنه اثنان. وربما يفصل بين الصفيق فالثاني ، والرقيق فالأول ، والمراد من الوحدة في كلامهم ليس وحدة الوجود ، إذ لا مجال لتوهم كون الدم المتفشي الى الجانب الآخر وجودين بل المراد أن ظاهر نصوص التقدير ملاحظة السطح الظاهر ، فإذا تفشي كان له سطحان ظاهران ، فيكون مجموعهما ملحوظاً للتقدير المعفو عنه ، فاذا زاد عن ذلك لم يكن موضوعاً للعفو. ولكنه مشكل ، إذ الدم لا بد أن يكون له سطوح متعددة ، غاية الأمر قد يظهر السطح على ظاهر الثوب ، وقد لا يظهر فيكون في عمقه ، وهذا المقدار من الفرق لا يوجب الفرق في الحكم فإذاً الأول أقوى.

[2] للإطلاق. وتأمل فيه في الجواهر. وكأنه لاحتمال الانصراف الى الوجه الملاقي له أولا. ولكنه ممنوع.

[3] هذا يتم مع انفصال الطبقات بعضها عن بعض الموجب لتعددها عرفاً ، إذ لا أقل من الشك في شمول أدلة العفو له الموجب للرجوع الى عموم المنع. أما مع الاتصال - كالملبد - فلا يبعد عدم الضم ، للإطلاق.

[4] لظهور النص في وجوب ملاحظة المجموع في مثله ، لصدق أن فيه نقط الدم المذكور في صحيحة ابن أبي يعفور‌(1)لا أقل من الشك الموجب للرجوع الى عموم المنع. نعم يشكل ذلك لو تفشي إلى الجانب


1) تقدم في أول الكلام في العفو عن الدم دون الدرهم.

[ مسألة 2 ] : الدم الأقل إذا وصل إليه رطوبة من الخارج ، فصار المجموع بقدر الدرهم أو أزيد ، لا إشكال في عدم العفو عنه [1] ، وان لم يبلغ الدرهم ، فان لم يتنجس بها شي‌ء من المحل - بأن لم تتعدد عن محل الدم - فالظاهر بقاء العفو [2] ، وان تعدى عنه ولكن لم يكن المجموع بقدر الدرهم ، ففيه إشكال ، والأحوط عدم العفو.


الآخر ، ثمَّ وقع عليه من الجانب الآخر دم آخر فان المتفشي بعد ما كان محكوماً بأنه دم واحد ، فاذا وقع عليه دم آخر يكون من قبيل وقوع الدم على الدم ، الذي لا يوجب التعدد. فتأمل.

[1] لأنه إما غير معفو عن الرطوبة وان كانت دون الدرهم ، لاختصاص أدلة العفو بالدم ، وأما لأنها بحكم الدم لا يعفى عنها مع مساواة المجموع للدرهم. لكن استظهر من قول الشهيد في الذكرى : - « وان أصابه مائع طاهر فالعفو قوي » - عدم اعتبار النصاب في المتنجس بالدم. اللّهم الا أن يكون نظره الى الحكم في الجملة.

[2] يشكل العفو ، من جهة أن الرطوبة النجسة لما لم تكن بحكم الدم في العفو فالصلاة معها صلاة في النجس ، وان لم يتنجس بها الثوب. نعم لو قلنا بالعفو عما تنجس بالدم - كما عن الذكرى ، وروض الجنان ، والمعالم ، والمدارك - لأن الفرع لا يزيد على أصله كان العفو عنها في الفرض في محله. لكن القاعدة المذكورة لا دليل عليها ، فعدم العفو - كما عن المنتهى والبيان والذخيرة وغيرها - في محله. ومن ذلك تعرف الوجه في قوله [رحمه اللّه] - في صورة التعدي - : « والأحوط عدم العفو » فإنه الأقوى لتنجس الثوب بها ، فصدق الصلاة في النجس حينئذ ظاهر.

[ مسألة 3 ] : إذا علم كون الدم أقل من الدرهم ، وشك في أنه من المستثنيات أم لا ، يبنى على العفو [1]. وأما


[1] كما عن الدروس ، والموجز ، وشرحه ، وغيرها ، بل قيل : إن عليه بناء الفقهاء. لا لعموم العفو عما دون الدرهم ، لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، والتحقيق عدم جوازه. بل إما لأصالة عدم كون الدم من غير المعفو عنه - دم حيض أو نفاس أو غيرهما - بناء على صحة جريان الأصل في العدم الأزلي ، كما تقدم في المياه ، فاذا ثبت أنه ليس بحيض مثلا ثبت العفو عنه ، لأن موضوعه الدم الذي ليس بحيض ، فيثبت الموضوع - وهو الدم - بالوجدان ووصفه بالأصل ، وقد عرفت أن الجمع بين الخاص والعام يقتضي - عرفا - كون موضوع حكم العام عنوان العام الذي ليس بخاص

وإما لأصالة البراءة عن مانعية الدم المشكوك المانعية [ ودعوى ] : أن المرجع في مشكوك الحيضية أو النفاسية - مثلا - عموم مانعية الدم الحاكم على أصالة البراءة ، أو الوارد عليها [ مندفعة ] : بأن عموم المنع مخصص بعموم العفو عما دون الدرهم ، مما لم يكن حيضاً أو نفاسا - مثلا - فان بني على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، كان المرجع عموم العفو لأنه أخص من عموم المنع عن الدم ، وان لم يبن على ذلك ، لا يجوز الرجوع الى كل واحد منهما ، بل يرجع الى الأصل المقتضي للبراءة.

ثمَّ إنه يختص الدم المشكوك كونه من نجس العين ، أو من محرم الأكل بأصل موضوعي غير ما ذكر ، وهو أصالة الطهارة أو الحل في حيوانه فيثبت أنه دم حيوان طاهر أو محلل الأكل. لكنه يختص ذلك بما إذا لم يكن الحيوان مردداً بين فردين أحدهما معلوم النجاسة أو الحرمة ، والثاني معلوم الطهارة أو الحل ، والا امتنع جريان الأصل ، لما ذكرنا غير مرة

إذا شك في أنه بقدر الدرهم ، أو أقل فالأحوط عدم العفو [1]


من عدم جريان الأصل في الفرد المردد. بل قد يستشكل في جريان أصالة الحل المذكورة : بأن حلية الحيوان المأخوذة شرطا في صحة الصلاة في بعض أجزائه هي الحلية الواقعية ، ولا يجدي في إحرازها أصالة الحل الثابتة حال الشك ، فان مفادها مجرد الترخيص الظاهري بلا نظر الى إثبات آثار الحلية الواقعية ، كما ذكره استاذنا الأعظم [رحمه اللّه] لكنه يندفع : بأنه خلاف ظاهر دليل أصالة الحل. فان ظاهره إثبات الحلية المشكوكة حال الشك ، وليس الحلية المشكوكة إلا الحلية الواقعية [ وان شئت قلت ] : ظاهر قوله (عليه السلام) : « كل شي‌ء فيه حلال وحرام فهو لك حلال » (1)وقوله (عليه السلام) : « كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام » (2)هو جعل الحلية المقابلة للحرمة المحتملة ، وليس المقابل للحرمة المحتملة إلا الحلية الواقعية.

نعم هنا إشكال آخر وهو أن جواز الصلاة وعدمه ليس من آثار الحلية الواقعية وعدمها بل من آثار الأصناف الخاصة التي لوحظت موضوعا للحلية والحرمة ، فالمراد من قوله (عليه السلام). « لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه » (3)الأصناف الخاصة من الحيوان ، وحرمة الأكل لوحظت مرآة إلى تلك الأصناف ، لا موضوعا للمانعية ، فأصالة الحل لا تجدي في إثبات جواز الصلاة في اجزائه. ولكنه يندفع - أيضا - : بأنه خلاف الظاهر ولعله يأتي التعرض لذلك في لباس المصلي إن شاء اللّه.

[1] لا يظهر الفرق بين هذا الفرض وما قبله ، في جريان أصالة


1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 1.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4.

3) الوسائل باب : 2 من أبواب لباس المصلي حديث : 7.

إلا أن يكون مسبوقا بالاقلية ، وشك في زيادته [1].

[ مسألة 4 ] : المتنجس بالدم ليس كالدم ، في العفو عنه إذا كان أقل من الدرهم [2].


البراءة من مانعية المشكوك ، المقتضية للعفو ظاهرا. نعم يفترق عنه في جريان الأصل الموضوعي ، وهو أصالة عدم كون الدم درهما ، نظير أصالة عدم كون الدم من دم الحيض ، فإنه لو قلنا بجريان الأصل في الفرض السابق - بناء على جريانه في العدم الأزلي - لا يجري في المقام ، لأن زيادة الدم ليست من قبيل عوارض الوجود المسبوقة بالعدم الأزلي ، بل هي منتزعة من نفس تكثر حصص الماهية ، فهذه الكثرة كثرة قبل وجودها وبعده ، لا أنها قبل الوجود لا كثرة ، وبعد الوجود صارت كثرة. وقد أشرنا الى ذلك في مسألة الشك في كرية الماء. فراجع. كما أنه يفترق هذا الفرض عما قبله بعدم إمكان التمسك بعموم العفو فيه ، وان قلنا بجوازه في الفرض السابق ، لأن موضوع العام هنا قد أخذ معنوناً بما دون الدرهم ، ومع الشك في عنوان العام لا يجوز الرجوع إليه إجماعا. وفي صحيح ابن أبي يعفور‌(1)وان لم يؤخذ معنوناً بعنوان إلا أن الاستثناء فيه مانع عن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بلا كلام ، وكذا كل مخصص متصل. وكيف كان يكفي في الحكم بالعفو أصالة البراءة من المانعية.

[1] لاستصحاب عدم الزيادة.

[2] كما عن المنتهى ، والبيان ، والذخيرة وغيرها. خلافاً لما عن الذكرى وروض الجنان ، والمعالم ، والمدارك. لأن الفرع لا يزيد على أصله. وقد تقدم أنه لا دليل على هذه القاعدة.


1) تقدم في أول الكلام في العفو عن الدم دون الدرهم.

[ مسألة 5 ] : الدم الأقل إذا أزيل عينه فالظاهر بقاء حكمه [1].

[ مسألة 6 ] : الدم الأقل إذا وقع عليه دم آخر أقل ، ولم يتعد عنه ، أو تعدى وكان المجموع أقل ، لم يزل حكم العفو عنه [2].

[ مسألة 7 ] : الدم الغليظ الذي سعته أقل عفو [3] ، وإن كان بحيث لو كان رقيقاً صار بقدره أو أكثر.

[ مسألة 8 ] : إذا وقعت نجاسة أخرى كقطرة من البول مثلا - على الدم الأقل ، بحيث لم تتعدد عنه إلى المحل الطاهر ، ولم يصل الى الثوب أيضا ، هل يبقى العفو أم لا؟

إشكال [4] فلا يترك الاحتياط.


[1] كما عن شرح الموجز ، والنهاية ، والمدارك. لاستصحاب العفو عنه الثابت له حال وجود الدم. لكنه - مع أنه من الاستصحاب التعليقي - مبني على جواز الرجوع الى الاستصحاب في مثله ، لا عموم العام - أعني : عموم المنع عن الصلاة في النجس - والتحقيق الرجوع الى العام مع كون التخصيص من أول الأمر - كما في المقام - بل ولو كان في الأثناء ، على تفصيل ذكرناه في محله من تعليقتنا [ حقائق الأصول ]. وأما دعوى العفو في المقام للأولوية فغير ظاهرة.

[2] لإطلاق الأدلة.

[3] للإطلاق ، وقد عرفت أن منصرف النص التحديد بالسعة.

[4] ينشأ أولا من الإشكال في تنجس الدم بالنجاسة الطارية عليه ، وثانياً من جهة صدق الصلاة في النجس. وقد عرفت في مسألة تنجس

الثالث مما يعفى عنه : ما لا تتم فيه الصلاة [1] من الملابس كالقلنسوة والعرقجين ، والتكة ، والجورب ، والنعل ، والخاتم ، والخلخال [2] ونحوها بشرط أن لا يكون من الميتة [3] ،


المتنجس أن الأول مقتضى القاعدة. كما أن الثاني غير بعيد. فعدم العفو أقرب.

[1] إجماعا صريحاً ، وظاهراً ، محكياً عن الانتصار ، والخلاف ، والسرائر والتذكرة ، والكفاية ، والذخيرة ، وغيرها. وبه استفاضت النصوص. مثل ما رواه زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) : « كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء. مثل القلنسوة ، والتكة ، والجورب » (1)ونحوه مرسل إبراهيم بن أبي البلاد‌(2). وفي مرسل حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يصلي في الخف الذي قد أصابه القذر. فقال (عليه السلام) : إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس » (3). ومرسل عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال : كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وان كان فيه قذر. مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك » (4). وقريب منها غيرها.

[2] ونحوهما ، وان لم يكن من جنس الساتر ، لأن العفو عنه مقتضى إطلاق النصوص. ولا ينافيه التمثيل بما ذكر ، فإنه لا يصلح للتقييد. ولذا نص عليه جماعة. بل عن الحلي الإجماع عليه.

[3] لأن مورد النصوص المتقدمة المتنجس ، والتعدي إلى النجس محتاج


1) الوسائل باب : 31 من أبواب النجاسات حديث : 1.

2) الوسائل باب : 31 من أبواب النجاسات حديث : 4.

3) الوسائل باب : 31 من أبواب النجاسات حديث : 3.

4) الوسائل باب : 31 من أبواب النجاسات حديث : 5.


إلى دليل مفقود ، فعموم المنع من الصلاة في النجس محكم. مضافاً إلى النصوص الواردة في المنع عن الصلاة في الخف إذا كان من الميتة ، وفي السيف إذا كان فيه الميتة (1). وفي صحيح ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الميتة قال (عليه السلام) : لا تصل في شي‌ء منه ولا شسع » (2). نعم يعارضها خبر الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الإبريسم ، والقلنسوة ، والخف ، والزنار ، يكون في السراويل ويصلى فيه » (3). وموثقة إسماعيل بن الفضل : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لباس الجلود والخفاف والنعال والصلاة فيها إذا لم تكن من أرض المصلين. فقال (عليه السلام) : أما النعال والخفاف فلا بأس بهما » (4). لكن الأول مطلق شامل للنجس والمتنجس ، والجمع بينه وبين النصوص المتقدمة يقتضي تقييده بها ، فيحمل على خصوص المتنجس. ولا يبعد جريان ذلك في الموثقة ، فإن قول السائل : « إذا لم تكن من أرض المصلين » يعني المسلمين - كما هو الظاهر - محتمل للسؤال من حيث النجاسة الذاتية ، لعدم التذكية ، وللنجاسة العرضية من جهة أن عملها في أرض الكفار يلازم غالباً نجاستها عرضا ، وترك الاستفصال وان كان يقتضي العموم ، لكنه مقيد بما تقدم من النصوص ، فيحمل على النجاسة العرضية.

وهذا الجمع وان كان خلاف الظاهر ، لكن ارتكابه أهون من حمل نصوص المنع على الكراهة مع كثرتها ، وتأكد دلالتها. فلاحظ صحيح


1) راجع الوسائل باب : 50 من أبواب النجاسات.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.

3) الوسائل باب : 14 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.

4) الوسائل باب : 38 من أبواب لباس المصلي حديث : 3.

ولا من أجزاء نجس العين كالكلب وأخويه. والمناط عدم إمكان [1] الستر [2] بلا علاج ، فان تعمم أو تحزم بمثل الدستمال مما لا يستر العورة بلا علاج ، لكن يمكن الستر به بشدة بحبل أو بجعله خرقا ، لا مانع من الصلاة فيه. وأما مثل العمامة الملفوفة التي تستر العورة إذا فلت فلا يكون معفواً [3]


ابن أبي عمير السابق. وصحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) : « سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري أذكي هو أم لا؟ ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري؟ أيصلي فيه؟ قال (عليه السلام) : نعم. أنا اشتري الخف من السوق ويصنع لي وأصلي فيه ، وليس عليكم المسألة » (1)فإن حمل مثل هذه الرواية على الكراهة بعيد جداً ، ونحوها غيرها ، فراجع. ولو أبيت عن إمكان الجمع العرفي بين هذه النصوص والموثقة. فطرح الموثقة متعين. ومن هذا يظهر لك وضوح استثناء ما كان من نجس العين ، فإنه - مع أنه ميتة. لعدم قبول نجس العين للتذكية - نجس أيضاً قبل الموت فأولى بالمانعية.

[1] فإنه ظاهر النصوص ، بل قيل إنه ظاهر إطلاق الفقهاء.

[2] يعني : لصغره ، لا لأنه يحكي ما تحته ، كما نص عليه بعض الأعلام

[3] خلافاً للمحكي عن الصدوقين ، ويوافقهما الرضوي : « إن أصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه ، وذلك ان الصلاة لا تتم في شي‌ء من هذه وحد » (2). لكن الرضوي لا يصلح للخروج به عن أدلة المنع. ولذا حكي عن الراوندي وغيره ، حملها على العمامة الصغيرة التي لا تستر العورتين ، كالعصابة.


1) الوسائل باب : 38 من أبواب لباس المصلي حديث : 6.

2) مستدرك الوسائل باب : 23 من أبواب النجاسات حديث : 1.

إلا إذا خيطت بعد اللف بحيث تصير مثل القلنسوة [1].

الرابع : المحمول المتنجس الذي لا تتم فيه الصلاة [2] ، مثل السكين والدرهم والدينار ونحوها. وأما إذا كان مما تتم فيه


ولعل ذيل الرضوي شاهد بذلك ، وإلا فالعمامة المتعارفة معدودة من الثياب قطعاً - كما في الجوهر - ومجرد اللف لا يخرجها عن كونها مما تتم بها الصلاة. ومن ذلك يظهر ما في المدارك من احتمال العفو عن العمامة ، لاختصاص الدليل بالثوب ، وليس منه العمامة إذا كانت على الكيفية المخصوصة.

[1] في ارتفاع استعدادها العرفي للتستر بها ، ولا يكفي مجرد الخياطة في الجملة إذا لم تكن رافعة للاستعداد المذكور.

[2] كما عن الذكرى ، والدروس وجامع المقاصد ، والمسالك ، والمدارك والذخيرة وغيرها. ونسبه في المدارك وغيرها الى المعتبر ، وظاهر الشرائع. إما لعدم ثبوت المنع عن المحمول الذي تتم فيه الصلاة ، فضلا عما لا تتم فيه والأصل البراءة. وإما لاستفادة العفو عنه من النصوص المتقدمة ، لإطلاقها الشامل للحمل واللبس. وعن السرائر والنهاية والمنتهى والبيان والموجز : عدم العفو. ونسب إلى ظاهر الأكثر. لعموم ما دل على المنع عن الصلاة في النجس الشامل للمحمول ، كرواية خيران الخادم : « كتبت الى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : صل فيه فان اللّه تعالى إنما حرم شربها. وقال بعضهم : لا تصل فيه. فكتب (عليه السلام) : لا تصل فيه فإنه رجس » (1)وخبر موسى بن أكيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تجوز الصلاة في شي‌ء من الحديد فإنه نجس ممسوخ » (2).

فان مقتضى التعليل فيها عموم الحكم


1) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 4.

2) الوسائل باب : 32 من أبواب لباس المصلي حديث : 6.

الصلاة - كما إذا جعل ثوبه المتنجس في جيبه مثلا - ففيه إشكال [1] ، والأحوط الاجتناب. وكذا إذا كان من الأعيان النجسة ، كالميتة والدم وشعر الكلب والخنزير ، فإن الأحوط


للمحمول. ولانصراف النصوص المتقدمة في العفو الى خصوص الملبوس بل خصوص ما كان في محله ، كما عن التذكرة والتحرير والمنتهى والبيان وغيرها

هذا ولكن استفادة عموم المنع للمحمول المحض من مثل الروايتين محل إشكال ، فإن الظرفية في قول القائل : « الصلاة في الشي‌ء » بعد امتناع حملها على الظرفية المكانية يتعين جعلها حالا للمصلي ، وظرفية المتنجس للمصلي لا بد أن تكون من جهة اشتمال الشي‌ء عليه ، ولو لاشتماله على بعضه مثل الخاتم والقلادة ، وكذا الخرقة المشدودة على العضو المجروح أو المكسور أو على عين الأرمد ، ونحوها مما لا يكون ملبوسا ، ولا يشمل ما لو كان المتنجس معه بأن يكون في جيبه أو في قبضته أو مغروزاً في عمامته أو نحو ذلك مما لا يكون مشتملا على بعض المصلي ، أو معدودا جزءا مما اشتمل عليه. وقوله (عليه السلام) في موثق ابن بكير الوارد في ما لا يؤكل لحمه : « وبوله وروثه وكل شي‌ء منه » (1)باعتبار تلوث اللباس بها الموجب عدها جزءا منه. وما في كلام بعض الأعاظم من وجوب حمل : [ في ] على معنى [ مع ] غير ظاهر بعد إمكان الحمل على الظرفية بلحاظ المصلي. هذا ولو سلم العموم فدعوى انصراف نصوص استثناء ما لا تتم به الصلاة إلى خصوص الملبوس ممنوعة ، كدعوى انصرافها الى خصوص ما كان في محله.

[1] بل المنع ظاهر من عرفت. ووجهه عموم المنع من الصلاة في النجس. لكن عرفت الاشكال فيه ، ومقتضى أصالة البراءة عن مانعيته العفو عنه.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.

اجتناب حملها في الصلاة [1].


[1] وعن المبسوط ، والإصباح ، والجواهر ، والسرائر ، والجامع وجملة من كتب العلامة [رحمه اللّه] وغيره : المنع. لما عن كتاب علي بن جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة ، فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال (عليه السلام) : نعم ينفضه ويصلي فلا بأس » (1)وصحيح عبد اللّه بن جعفر الحميري : « كتبت إليه - يعني أبا محمد (عليه السلام)- : يجوز للرجل أن يصلي ومعه فارة المسك؟ فكتب (عليه السلام) : لا بأس به إذا كان ذكيا » (2). وصحيح علي بن جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يصلي ومعه دابة من جلد حمار أو بغل. قال (عليه السلام) : لا يصلح أن يصلي وهي معه إلا أن يتخوف ذهابها فلا بأس أن يصلي وهي معه » (3)بناء على حمله على الميت.

لكن تشكل النصوص المذكورة - مضافا الى اختصاص الأول بالأعيان الملتصقة ببدن المصلي ولباسه على نحو تعد كجزء منه ، فلا يشمل المحمول المحض. وأن الأخير غير ظاهر في الميتة ، ولا في المنع عنها - : بأنها معارضة بما اشتمل من نصوص العفو عما لا تتم به الصلاة على مثل قوله (عليه السلام) : « عليه الشي‌ء » أو : « فيه القذر ». مما هو ظاهر في وجود عين النجاسة والاختلاف في المورد لا يقدح في تحقق المعارضة ، لإلغاء خصوصية المورد عرفا ، فان الجمود في كل على مورده بعيد عن الأذواق العرفية ، ولو سلم فغاية ما يقتضي الصحيح البناء على المنع عن حمل فأرة المسك إذا لم يكن ذكياً ، لا المنع عن حمل نجس العين مطلقا. وقد عرفت في مبحث الميتة


1) الوسائل باب : 26 من أبواب النجاسات حديث : 12.

2) الوسائل باب : 41 من أبواب لباس المصلي حديث : 2.

3) الوسائل باب : 60 من أبواب لباس المصلي حديث : 3.


أن ظاهر الصحيح اعتبار ذكاة المسك ، لا ذكاة الفأرة ، في مقابل المأخوذة من الظبي الميت ، وان كان صريح بعض وظاهر آخر حمله على ذكاة الفارة ولذا منعوا من حمل الميتة في الصلاة دون غيرها من النجاسات ، لكنه خلاف الظاهر.

والمتحصل : أنه إن بني على إلغاء خصوصية مورد الصحيح ومورد روايات العفو عما لا تتم به الصلاة كانت متعارضة في جواز حمل النجاسة وعدمه ، والجمع العرفي يقتضي الحمل على الكراهة. وان لم يبن على ذلك وجب الأخذ بالصحيح في مورده والرجوع في غيره من موارد الحمل إلى أصالة البراءة من المانعية بعد ما عرفت ، من منع العموم الدال على المنع عن حمل النجس.

هذا كله بالنسبة إلى حمل نجس العين. وأما بالنسبة إلى لبسه إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فالظاهر أنه لا إشكال في عدم جوازه ، لعموم ما دل على عدم جواز لبس النجس في الصلاة ، وأدلة العفو فيما لا تتم فيه الصلاة مختصة بالمتنجس فلا تشمله. ثمَّ انه لو قلنا بمانعية غير مأكول اللحم بالنسبة الى ما لا تتم به الصلاة - كما هو أحد القولين في المسألة - ففي جواز كون النجاسة فيما لا تتم به الصلاة من فضلات غير مأكول اللحم إشكال ، ينشأ من إطلاق الشي‌ء في رواية زرارة : « كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء » (1)الشامل لفضلة المأكول وغيره ، فيعارض ما دل على المنع عن الصلاة في غير مأكول اللحم الشامل للمقام وغيره بالعموم من وجه ، فيرجع في مورد المعارضة إلى أصالة البراءة من المانعية. ومن انصرافه إلى حيثية النجاسة ، كما يشهد به التصريح في غيرها من النصوص بالقذر ، فان الظاهر كون النصوص جارية بمساق واحد. فتأمل : .


1) تقدم في أول الكلام في العفو عما لا تتم به الصلاة من الملابس.

[ مسألة ] : الخيط المتنجس الذي خيط به الجرح يعد من المحمول [1] ، بخلاف ما خيط به الثوب والقياطين والزرور والسفائف ، فإنها تعد من أجزاء اللباس ، لا عفو عن نجاستها [2].

الخامس : ثوب المربية للصبي [3] ،


[1] قد جزم في الجواهر بعدم كونه من المحمول ، ولا مما تجب إزالته في الصلاة ، وكذا الدم الذي أدخله تحت جلده ، والخمر الذي شربه ، والميتة التي أكلها. ثمَّ استشكل في الفرق بينها وبين العظم النجس إذا جبر به مع عدم ظهور الخلاف في عدم العفو عنه. وحكي عن المبسوط نفي الخلاف فيه ، وعن الذكرى والدروس الإجماع عليه ، وما جزم به [رحمه اللّه] أولا في محله بالنسبة إلى الخمر والميتة أو الدم ، لصيرورتها من البواطن ، لكنه غير ظاهر في الخيط ، فإنه وان كان من المحمول ، لكن المنع عن مثله مستفاد من رواية ابن جعفر المتقدمة. ومن هنا كان الظاهر الحاقه بالعظم النجس الذي جبر به ، كما عن الذكرى وجامع المقاصد التصريح بذلك. ولو اكتسى العظم المذكور اللحم فهو معفو عنه - كما استوجهه في الجواهر ، حاكياً عن المدارك والذخيرة - لالتحاقه بالبواطن.

[2] إلا أن يكون جزءا مما لا تتم به الصلاة.

[3] بلا خلاف يعرف كما في الحدائق ، وعن الدلائل ، ونسبه إلى المشهور جماعة. لرواية أبي حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها ، كيف تصنع؟ قال (عليه السلام) : تغسل القميص في اليوم مرة » (1). وضعف سندها بمحمد بن يحيى المعاذي - الذي ضعفه العلامة [رحمه اللّه] ، واستثناه القميون من كتاب نوادر


1) الوسائل باب : 4 من أبواب النجاسات حديث : 1.

أماً كانت أو غيرها [1] ، متبرعة أو مستأجرة ، ذكرا كان الصبي أو أنثى [2]. وان كان الأحوط الاقتصار على الذكر [3]. فنجاسته معفوة بشرط غسله في كل يوم مرة [4] ، مخيرة بين ساعاته [5] ، وان كان الأولى غسله آخر النهار [6] ،


الحكمة - لا يقدح بعد جبره بعمل الأصحاب. فتوقف الأردبيلي والمدارك والمعالم والذخيرة - كما حكي - كأنه في غير محله.

[1] كما هو ظاهر الفتوى ، للتعبير فيها بالمربية. لكن الظاهر من قوله : « لها مولود » أنها أمه ، وليست اللام للاختصاص بلحاظ التربية كي تشمل غير الأم. والقطع بعدم الفرق - كما حكاه في الجواهر عن جماعة - غير ظاهر.

[2] كما عن المعالم والذخيرة نسبته إلى أكثر المتأخرين. لشمول المولود للذكر والأنثى ، وعن الذكرى والمسالك التصريح به.

[3] كما عن الشيخ والأكثر ، بل نسب إلى فهم الأصحاب ، للشك في الشمول للأنثى أو منعه. وللفرق بين بول الذكر والأنثى. والجميع كما ترى.

[4] لظاهر النص المتقدم.

[5] كما عن غير واحد. للإطلاق.

[6] كما صرح به جماعة ، منهم المحقق في الشرائع ، لما ذكر في المتن وعن التذكرة احتمال الوجوب لذلك. لكنه تقييد للإطلاق من دون مقيد ظاهر. وعن جامع المقاصد : « الظاهر اعتبار كونه في وقت الصلاة ، لأن الأمر بالغسل للوجوب ، ولا وجوب في غير وقت الصلاة ». وفيه : منع كونه للوجوب ، ولذا يجوز ترك الغسل والصلاة في ثوب آخر ، بإجارة أو عارية أو غيرهما ، فالأمر بالغسل في المقام إرشادي إلى الشرطية ، كالأمر به في أمثال المقام من موارد الأمر بغسل الثوب أو البدن.


هذا والذي ينبغي أن يقال : إن الكلام في المسألة يقع في أمور : الأول : أنه يجب إيقاع الغسل في النهار [ إما ] لأن اليوم ظاهر فيه ولا ينافيه الاكتفاء بالغسل الواحد له ، ولليل ، لأن ذلك كان بقرينة عدم التعرض لليل ، لا لظهور اليوم فيما يعمه والليل ، كما في المنتهى. [ وإما ] لإجمال اليوم الموجب لحمله على النهار ، لأنه القدر المتيقن في جواز الخروج عن القواعد العامة المقتضية لتكرار الغسل. ومن ذلك يظهر ضعف ما جزم به في الجواهر في أول كلامه ، من أن المراد باليوم ما يشمل الليل ، وان تأمل فيه بعد ذلك.

الثاني : ان ظاهر الرواية أن الغسل المذكور شرطاً في الرواية ملحوظ من حيث كونه يترتب عليه الطهارة في الجملة ، سواء أبقيت الى حال الصلاة أم لا ، وليس المراد منه شرطية الطهارة حال الصلاة ، وان كان هو الظاهر منه في غيره من الموارد ، فان الظاهر من قول القائل : « اغسل ثوبك وصل » اعتبار الطهارة حال الصلاة ، ولا يكفي في امتثاله مجرد الغسل ، وان تنجس قبل الصلاة ، وهذا بخلاف المقام ، فان الظاهر أن المراد منه مجرد حصول طهارة الثوب في الجملة. والظاهر أن ما ذكرنا مما لا إشكال فيه عندهم. نعم في المدارك وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الغسل مع الإمكان. لكنه غير محل الكلام ، لظهوره في صحة الصلاة ولو مع نجاسة الثوب إذا بادرت إلى الصلاة فيه. وكيف كان فظاهره الاجتزاء بالغسل وان تنجس قبل الصلاة. وكأن الوجه في الفرق بين المقام وغيره مما كان ظاهر الأمر بالغسل فيه اعتبار الطهارة حال الصلاة : أن المقام مقام تخفيف ورفع اليد عن اعتبار الطهارة.

الثالث : ان الغسل المذكور هل هو شرط في جميع صلوات اليوم أو شرط لواحدة منها على التخيير؟ يتعين البناء على الأول. إما لأنه الظاهر أو لأن الرواية مجملة فيقتصر في الخروج عن القواعد الأولية المقتضية لشرطية


الطهارة للجميع على القدر المتيقن. ومقتضى ذلك وجوب تقديم الغسل على صلاة الصبح ، لأن إطلاق الشرطية يقتضي الحمل على كونها بنحو الشرط المتقدم ، فيجب تقديمه على جميع صلوات اليوم. لكن لا أعرف قائلا بذلك.

نعم في الجواهر مال الى أنه شرط على نحو الشرط المتقدم بالنسبة إلى صلوات اليوم في الجملة. إما بأن يراد من اليوم نفس الزمان ، فإذا أوقعته في زمان من اليوم يكون شرطاً في جميع الصلوات المشروعة من ذلك الزمان الى مثله من اليوم الثاني. أو يراد من اليوم الصلوات الخمس ، فإذا أوقعته قبل الصبح كان شرطاً للخمس التي آخرها العشاء ، وإذا أوقعته بعد الصبح ، كان شرطاً للخمس التي آخرها الصبح ، وإذا أوقعته بعد الظهر كان شرطاً للخمس التي آخرها الظهر ... وهكذا. فهو مع التزامه بأنه على نحو الشرط المتقدم بالنسبة إلى تمام الخمس اللاحقة التزم بالتخيير ، بناء منه على أن المراد بالخمس كلي الخمس المنطبقة على الخمس في الصور المذكورة وغيرها

ولكنه فيه أنه خلاف ظاهر اليوم ، فإنه ظاهر في غير الملفق. وبالجملة : إطلاق الشرطية يقتضي كونها بنحو الشرط المتقدم ، فالبناء عليها بالنسبة الى جميع صلوات اليوم مع البناء على التخيير بين آنات اليوم غير ظاهر ، وحمل اليوم على الملفق بعيد جدا. فلا بد إما من رفع اليد عن الإطلاق المقتضي للتخيير بين آنات اليوم ، أو رفع اليد عن ظهور الشرطية في كونها على نحو الشرط المتقدم ، أو رفع اليد عن ظهور اليوم في غير الملفق ، أو رفع اليد عن الظهور في الشرطية بالنسبة الى جميع الصلوات. ولا يبعد كون الأخير أهون. ولذا اختار في المدارك كون الشرطية على نحو التخيير بين الصلوات على نحو الشرط المتقدم ، وتبعه عليه في الذخيرة. لقوة الإطلاق المقتضي للتخيير بين آنات الزمان ، إذ لو كان المراد الشرطية بالنسبة إلى جميع صلوات اليوم كان المناسب أن يقال : « تغسل القميص عند الصبح » فإهمال القيد المذكور

لتصلي الظهرين والعشاءين مع الطهارة ، أو مع خفة النجاسة.

وان لم يغسل كل يوم مرة ، فالصلوات الواقعة فيه مع النجاسة باطلة [1]. ويشترط انحصار ثوبها في واحد [2] أو احتياجها الى لبس جميع ما عندها وان كان متعددا [3] ولا فرق في العفو بين أن تكون متمكنة من تحصيل الثوب الطاهر بشراء أو استيجار أو استعارة أم لا [4]. وان كان الأحوط الاقتصار على صورة عدم التمكن [5].

[ مسألة 1 ] : إلحاق بدنها بالثوب في العفو عن نجاسته


يقوي التخيير بين آنات الزمان ، الموجب للشرطية التخييرية على نحو الشرط المتقدم ، بل هو قريب جداً. وان كان إيقاع الغسل عند الصبح أحوط.

[1] هذا يتوقف على كون الغسل الواحد شرطاً لجميع الصلوات ، إذ لو كان شرطاً لواحدة منها على التخيير كان اللازم قضاء ما تختارها منها دون غيرها. اللّهم إلا أن يكون اختيارها عملا شرطاً في صحة غيرها. فاذا لم تختر واحدة منها أو اختارت واحدة ، ولم تغسل ثوبها لها ، لم تصح بقية صلواتها. وهذا هو الذي يقتضيه الاقتصار على القدر المتيقن دلالة الدليل عليه في الخروج عن عموم شرطية الطهارة ، المقتضي لوجوب القضاء إذا لم تغسل ثوبها.

[2] كما هو المتيقن من النص.

[3] كما هو الظاهر من النص ، فان ظاهره عدم وجود ما يكون به التبديل ، ولا سيما وكون الغالب احتياج المرأة في صلواتها إلى أكثر من ثوب واحد.

[4] لإطلاق النص ، المؤيد بغلبة إمكان الاستيجار والاستعارة ونحوهما.

[5] لاحتمال انصراف النص اليه.

محل إشكال [1] وان كان لا يخلو عن وجه [2].

[ مسألة 2 ] : في إلحاق المربي بالمربية إشكال [3] وكذا من تواتر بوله [4].

السادس : يعفى عن كل نجاسة في البدن أو الثوب في حال الاضطرار.


[1] لاختصاص النص بالثوب. وحكي عن بعض المتأخرين التعميم للبدن

[2] لغبة التعدي إلى البدن مع خلو النص عن الأمر بتطهيره لكل صلاة. كذا في الجواهر. ولعل لازمه عدم وجوب تطهيره أصلا حتى مرة لخلو النص عن ذلك ، والاتكال فيه على الأمر بغسل الثوب ليس بأولى من الاتكال فيه على أدلة مانعية النجاسة مطلقاً ، ومع الاحتمال لا مجال للاستدلال فالرجوع إلى مقتضى تلك الأدلة متعين.

[3] بل المنع منسوب الى ظاهر الأكثر ، اقتصاراً على مورد النص. وعن العلامة والشهيدين الإلحاق ، للقطع بعدم الفرق. لكنه لنا غير حاصل أو لقاعدة الاشتراك. ولكنها غير ثابتة إذا كان الخطاب متوجهاً الى الإناث وكذا لو كان موجهاً الى صنف خاص من الذكور. مثلا إذا ثبت للأب حكم لا يتعدى إلى الأم ، والقدر الثابت من القاعدة ما لو كان الخطاب موجها الى مطلق الذكور ، فإنه يتعدى منهم إلى الإناث ، وفي غير ذلك لا دليل على القاعدة.

[4] وان الحقه به جماعة. لمكاتبة عبد الرحيم القصير المحكية روايتها عن التهذيب مسندة ، وعن الفقيه مرسلة أبي الحسن (عليه السلام) : « يسأله عن خصي يبول ، فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل ، بعد البلل. فقال (عليه السلام) : يتوضأ وينضح ثيابه في النهار مرة واحدة » (1)لكنها ضعيفة السند ،


1) الوسائل باب : 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث : 8.


لعدم توثيق عبد الرحيم ، ولا سعدان بن مسلم الراوي عنه ، كما اعترف بذلك جماعة ممن نسب إليهم القول المذكور ، فاعتمدوا على قاعدة الحرج دونها ، منهم العلامة ، والشهيد في المنتهى ، والذكرى والدروس ، وان أمكنت مناقشتهم. أولا : من جهة أن الحرج لا يطرد في جميع فروع المسألة. وثانيا : من جهة إمكان استفادة وثوق الرجلين المذكورين من القرائن كاعتماد جماعة من أصحاب الإجماع - ومنهم صفوان ومحمد بن أبي عمير - على الأول منهما ، وكثير من الأجلاء والأعيان عليهما جميعاً. نعم هي قاصرة الدلالة ، لعدم التصريح بكون البلل بولا ، وعدم اشتمالها على الأمر بغسل الثوب ، ولا على التقييد بوحدة الثوب كما يدعيه مدعي الإلحاق. والحمد لله رب العالمين.

فهرست الجزء الاول من مستمسك العروة الوثقى

3 مقدمة الطبعة الثالثة

5 مقدمة الماتن والشارح ( قدس سرهما).

6 يجب على المكلف أن يكون مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا.

6 يجوز الاحتياط حتى للمحجتهد.

8 يجوز الاحتياط حتى لو استلزم التكرار

9 يجب التقليد أو الاجتهاد في حكم الاحتياج

10 لا مورد للتقليد في القطعيات

10 حكم عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط

11 مفهوم التقليد.

14 الكلام في تقليد الميت ابتداء واستدامة ، مع تحقيق مقتضى الاصل في ذلك

24 اذا عدل عن الميت الى الحي لايجوز الرجوع الى الميت

25 لايجوز العدول من الحي الى الحي الا اذا كان الثاني أعلم

26 الكلام في وجوب تقليد الاعلم

29 الفحص عن الاعلم مع العلم بالاختلاف في الفضيلة والفتوى أو الجهل بهما أو باحدهما

31 هل يلزم تقليد الاورع؟

32 لو لم يكن للاعلم فتوى في المسالة جازالرجوع لغير ولايجب الاحتياط

32 اذا قلد مجتهدا يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد

35 حكم عمل الجاهل المقصر او القاصر اذا كان مطابقا للواقع او لراي من يقلده حين التفات

36 المراد من الاعلم ، والمرجع في تعيينه

37 حكم تقليد المفضول اذا وافق الافضل في الفتوى

37 لا يجوز تقليد غير المجتهد وان كان من اهل العلم كما يجب عليه التقليد

38 طرق ثبوت اجتهاد المجتد او اعلميته مع تحقيق حال خبر الثقة في المقام

39 اذا تردد الاعلم بين مجتهدين

40 شروط مرجع التقليد وتحقيق ادلتها

وقد ذكر حال اعتبار البلوغ ، والعقل ، والايمان ، والعدالة ، والرجولية ، والحرية ، وعدم التجزي في الاجتهاد والحياة ، والاعلمية وطهارة المولد وعدم الاقبال على الدنيا

46 تحقيق مفهوم العدالة ، وانها من الملكات المبنية على الاختلاف في في الشدة والضعف وتحقيق ما يفتبر من مراتبها في المقام ، وانه لا يجوز ترتيب احكامها مع صدور المعصية الابعد التوبة

54 طرف ثبوت العدالة

57 اذا فقد المرجع بعض الشرائط وجب العدول عنه

57 اذا قلد غير الجامع للشرائط كان كمن لم يقلد

58 اذا قلد مجتهدا يحرم البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد

58 يجب العلم باحكام العبادات ، ويكفي العلم الاجمالي

58 يجب تعلم مسائل الشك والسهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء

59 التقليد في الاحكام غير الالزامية

61 الكلام في الاحتياط لو تردد الحكم بين حكمين أو اكثر

62 اذا تبدل راي المجتهد لا يجوز للمقلد العمل على رايه الاول ، وكذا لوتوقف عن الفتوى

64 اذا تساوي المجتهدان في العلم تخير بينها. مع الكلام في التبعين في تقليد كل منها

65 اذا قلد مجتهدا يقول بحرمة العدول حتى الى الاعلم فصار غيره اعلم منه

66 اذا قلد مجتهدا بتخيل انه زيد فبان عمرا

66 طرق معرفة فتوى المجتهد

67 اذا قلد من ليس له اهلية الفتوى وجب العدول عنه

67 اذا تردد الاعلم بين شخصين

67 اذا شك في موت المجتهد او تبدل راية او سقوط عن اهلية التقليد يحوز له البقاء حتى يتبن الحال

68 اذا عمل بلا تقليد ثم شك في صحة تقليد

69 اذا قلد مجتهدا ثم شك في انه جامع

للشرائط وجب الفحص

69 تحرم الفتوى والقضاء ممن ليس له اهليتهما

71 يحرم الترافع الى من ليس له اهلية القضاء والشهادة عنده واخذ المال بحكمه وان كان حقا ، الامع انحصار استنقاذ الحق بذلك

73 يشترط في المفتي والقاضي العدالة

74 اذا شك في ان اعماله الشابقة كانت عن تقليد اولا

74 يجب تقليد الاعلم في مسالة تقليد الاعلم

75 اذا كان احد المجتهدين أعلم في بعض المسائل والاخر اعلم في بعض اخر

75 اذا اخطا المجتهد او الناقل في بيان الفتوى وجب الاعلام ، مع التعرض لمفاد ادلة وجوب الاعلام

77 اذا ابتلى في اثناء الصلاة بمسالة لا يعلم حكمها

78 حكم العامي في زمان الفحص عن المجتهد او الاعلم

80 اذا بقي على تقليد الميت من دون تقليد في هذه المسالة كان كمن لم يقلد

81 من قلد شخصاثم قلد غيره ممن يخالقه في الفتوى هل يجب عليه اعادة اعماله السابقة اولا؟ وكذالو عدل المجتهد عن راية الاول

85 ( تنبيه ) : في حكم الشك في صحة التقليد السابق

86 الوكيل والوصي هل يعملان على طبق تقليد همااو تقليد الموكل والموصي؟

88 اذا اختلف المتعاملان في التقليد

89 المدار في تعيين من يترافع اليه من بين المجتهدين

91 لا يجوز رد حكم الحاكم ، مع تفصيل الكلام في صور العلم ممخالفته للواقع او يخطا المستند او الاستناد

95 اذا تبدل راي المجتهد فهل يجب الاعلام به على ناقل الفتوى الاولى

96 حكم تعارض بعض الطرق التي يعرف بها راي المجتهد

97 من عرضت له مسالة لا يعلم حكمها ولا يمكنه الرجوع فيها الى الاعلم

98 حكم من مات مقلده فقلد غيره ثم

مات فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت

99 ما يتحقق به التقليد بنحو يجوز معه البقاء عليه بعد موت المجتهد

100 كيفية العمل في موارد احتياطات الاعلم

100 ضابط الفرق بين الاحتياط الوجوبي والاستحبابي

101 التبعيض في التقليد في العمل الواحد

102 يعسر على العامي بشخيص موارد الاحتياط

103 لاتقليد في اصول الدين. ولا في مسائل اصول الفقه ، او مبادي الاستنباط. او موضوعات الاحكام على تفصيل

106 تحقيق ما يعتبر فيه الاعلمية من وظائف المجتهد

107 هل يجب على المجتهد اعلام مقلديه لو تبدل رايه

107 للعامي اجراء الاصول في الشبهات الموضوعية دون الحكمية

107 المجتهد وان كان ثقة في نفسه

108 الظن براي المجتهد. ليس حجة. الا أن يستند الى ظواهر الالفاظ

كتاب الطهارة - فصل في المياة

109 تقسيم الماء الى مطلق ومضاف ، وبيان اقسام المطلق

110 الماء المطلق باقسامه طاهر مطهر من الحديث والخبث

111 الماء المضاف مع طهارة اصله طاهر غير مطهر لا من الحدث ولا من الخبث

114 ينجس المضاف بملاقاة النجاسة وان كان كثيرا - على تفصيل يتعرض فيه لعيون النفط - الا مع التدافع من الطاهر الى محل ملاقاة النجاسة

115 المضاف والمطلق اذا صعدا

116 اذا شك في مائع انه ماء مطلق او مضاف

117 المضاف النجس يطهر بالاستهلاك في الكر او الجاري

118 اذا القي المضاف النجس في الكر فخرج عن الاطلاق

118 اذا انحصر الماء في المخلوط بالطين بنحو يخرج عن الاطلاق

119 الماء المطلق وان كان كثير ينجس بتغير احد اوصاف الثلاثة - الطعم

واللون والرثحة - بملاقاة النجاسة دون ما لو تغير بالمجاورة لها

120 حكم التغير باوصاف المتنجس دون النجاسة ، او باوصاف المتنجس بسبب ملاقاة المتنجس دوزن النجاسة

121 الكلام في التغير بغير الاوصاف الثلاثة من اوصاف النجاسة

123 لا اثر للتغير التقديري دونالحسي

123 لو لاقى الماء النجاسة فتغير احد اوصافه الثلاثة بغير وصف النجاسة

124 لو تغير الماء بالنجاسة عن وصفه العرضي لا الذاتي

125 لو تغير بعض الماء الواحد بملاقاة النجاسة نجس الباقي ان كان دون الكر ، وان كان الباقي اكرابقي على الطهارة وطهر به المتغير بعد زوال تغيره. مع الكلام في اعتبار الامتزاج في تطهيره وعدمه

127 اذا لاقى الماء النجس ولم يتقير ثم تغير وشك في استناد تغيره الى الملاقاة

128 اذا لاقى الماء بعض النجاسة وتغير بسبب المجموع من الملاقى وغيره

128 اذا شك في التغير. او في استناده الى الملاقاة ، الو في نجاسة الملاقي نبي على الطهارة

128 اذا استند التغير الى ملاقاة الطاهر والنجس معا

129 اذا زال تغير الماء من قبل نفسه

فصل في الماء الجاري

131 اعتصام الجاري ولو كان دون الكر مع تحقيق ادلة اعتصام ذي المادة مطلقا

134 الجاري اذا لم يكن له مادة بحكم الراكد لا يعتصم الا بالكرية

135 حكم الشك في اغن للماء مادة. وتحقيق الكلام في استصحاب العدم الازلي

137 لابد في اعتصام الماء من اتصاله بالمادة ولا يكفي تقاطرها عليه

138 تفصيل الكلام في اعتبار دوام المادة

139 الراكد المتصل بالجاري كالجاري

140 العيوان التي تنبع في الشتاء وتنقطع في الصيف

140 اذا تغير بعض الجاري دون بعض

فصل في الراكد بلا مادة

141 تنجس الماء القليل بملاقاة النجس

او المتنجس

148 الكلام في تنجس الماء بالدم الذي لايدر كه الطرف

149 لا فرق تنجس الماء القليل بين كونه واردا على النجاسة وكونه مورودا لها

150 تحديد الكر بحسب الوزن

152 تحديد الكر بحسب المساحة ، وتحقيق مفاد الاخبار والجمع بينها

162 لابد من تحقق الكردقة ، ولا يكفي مادونه ولو بنصف مثقال

162 ملاقاة الماء القليل للنجاسة مع الختلاف سطوحه او تدافعه

163 الماء الجامد لا يعصم ولا يتمم الكر

163 اذا شك في كرية الماء

166 اذا شك في ان حدوث الكرية او ارتقاعها قبل ملاقاة النجاسة او بعدها

168 اذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد

169 اذا لاقت النجاسة احد الماثين المعلوم كرية احدهما لالمعين

169 اذا لاقت النجاسة احد الماثين يعلم بنجاسة احدهما المعين

169 اذا لاقت النجاسة كرا لا يعلم انه ماء مطلق او مضاف ، أو أحد كرين أحدهما مطلق والاخر مضاف

170 القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو تجس النجس. مع تحقق مفاد النبوي : « اذا بلغ الماء قدر كرلم يحمل خبثا »

فصل في ماء المطر

175 ماء المطر معتصم بنفسه وان كان قليلا مادوام تقاطره مستمرا من السماء

180 كيفية تطهير الثوب او الفراش بالمطر

181 المطر عاسم للماء القليل ومطهر له

182 فروع التطهير بماء المطر ، وانه يعتبر في عاصميته وتطهيره ان يكون تقاطره على شيء ثم نقاطر منه لم يعصم ولم يطهر. كما انه لو ترشح من موضع النجاسة على شيء لم ينجسه ما دام المطر متصلا

185 كيفية تطيهر الاناء المتنجس بالو لوغ أو بغيره بالمطر

فصل في ماء الحمام

186 ماء الحمام بمنزلة الجاري مع اتصاله بالخزانة

187 هل يعتبر في عاصمية المادة بلوغها كرا بنفسها أو مع ذي المادة او لا يعتبر ذلك

تفصيل مع الكلام في جواز الشهادة اعتمادا على الامارة أو الاصل

189 الكلام في اعتصام العالي بالسافل وبالعكس

فصل

193 البئر النابع بمنزلة الجاري معتصم بالمادة مع الكلام في اخبار النزح

197 اذا تغير ماء البثر بالنجاسة ثم زال تغيره بنفسه طهر

198 يطهر الراكد النجس باتصاله بالكر وان لم يمتزج به ، وكذا باتصاله مماء المطر

201 الكلام في الماء المتنجس باتغير اذا زال تغيره بالقاء الكر عليه

202 طرق ثبوت النجاسة وتحقيق ادلة عموم حجية البينة

205 الكلام في حجية خبر العدل الواحد

206 حجية قول ذي اليدس

208 عدم حجية الظن في المقام

209 اذا تعارض خبر ذي اليد والبينة

209 اذا تعارضت البيتان تسافطتا على

214 اذا تعارضت شهادة الاثنين مع شهادة الاربعة

214 طرق ثبوت الكرية

215 يحرم شرب الماء النجس ، ويجوز سقيه للحيوانات والاطفال

216 يجوز بيع الماء النجس مع الاعلام. مع الكلام في دليل وجوب الاعلام بالنجاسة

فصل في الماء المستعمل

219 الماء المستعمل في الوضوء ولاغسال المندوبة طاهر مطهر من الحدث والخبث ، والمستعمل في رفع الحدث الاكبر طاهر مطهر من الخبث ، مع الكلام في مطهريته من الحدث

224 الكلام في ماء الاستنجاء وهل انه نجس لا ينجس ملاقيه ، أو أنه طاهر وعلى القول بطهارته فهو يرفع الخبث دون الحدث.

228 الكلام في طهارة ماء الغسالة من الخبث ونجاسة

236 القطرات التي تقع على الاناء عند الغسل لا تمنع من الغسل بمائه

237 شروط طهارة ماء الاستنجاء وبعض فروعها

239 اذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي

239 اذا تردد الماء بين ان يكون غسالة الاستنجاء وغسالة غيره

240 الاغتسال أو الاستنجاء بالماء الكثير لا يستوجبان لحوق حكمهما له

241 اذا شك في وصول نجاسة من الخارج أومع الغائط يبني على العدم

242 الكلام في بعض ما يطهر تبعا

242 ما يجري على المحل زائدا على المقدار المعتبر في التطهير طاهر لا يلحقه حكم الغسالة

242 غسالة ما يجتاج الى التعجدد هل يعتبر في التطهير منها التعدد أولا؟

فصل في الماء المشكوك

244 الماء المشكوك إباحته محكوم بالاباحة الامع سبق ملكية الغير أو يده. مع التعرض لقاعدة أصالة الحرمة في الاموال

244 الماء المشكوك طهارته مع عدم سبق النجاسة طاهر

244 الماء المشكوك اطلاقه لا يحكم باطلاقه الا مع سبق الاطلاق

246 اذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور اجتنب الجميع ، ولو كان في غير محصور لم يجتنب. مع التعرض لضابط الشبهةالمحصورة

247 اذا اشتبه مضاف في محصور أو غيره

248 اذا انحصر الماء بما يشك في اطلاقه

249 اذا علم اجمالا بنجاسة الماء أو أضافته أو باضافته أو غصبيته ، أو بنجاسته أو غصبيته

251 اذا أريق أحد المشتبهين بالنجاسة أو الاضافة

253 ملاقي احد اطراف الشبهة المحصورة

261 اذا انحصر الماء بالمشتبهين بالنجس

262 اذا كان أحد الانائين المعين نجسا والاخر طاهرا فاريق احدهما ولم يعلم انه أيهما

263 اذا تردد الماء بين شخصين قد اذن احدهما ، او علم انه لشخص معين وتردد الاذن بينه وبين غيره

266 اذا علم ينجاسة احد الماثين اللذين قد توضا من احدهما

267 اذا استعمل احد المشتبهين بالغصبية فهل يحكم عليه بالضمان؟

فصل في الاسئار

268 معنى السؤر

268 سؤر نجس العين نجس ، وسؤر طاهر العين طاهر

271 الاسئار التي يكره استعمالها

فصل في النجاسات

273 النجاسات اثنتا عشرة ( الاول والثاني ) : البول والغائط من غير ما كول اللحم اذا كان له نفس سائلة

275 الكلام في بول الطير المحرم الاكل وغائطه ، ومنه الخفاش

279 لا فرق في محرم الاكل بين كونه اصليا وكونه عارضيا كالجلال وموطوء الانسان والغنم الذي شرب لين خنزيرة

281 البول والغائط من محلل اللحم - حتى المكروه - طاهران

283 الكلام في بول وغائط ما يحرم اكل لحمه مما لا دم له سائل

284 الكلام في صور ملاقاة النجاسة في الباطن واحكامها

286 حكم بيع البول والغائط من الما كول وغيره والانتفاع بهما

288 الكلام في البول والغائط من الحيوان المشكوك ، وحكم أكل لحمه ، مع تفصيل الكلام في صور الشك في حلية الحيوان

291 هل مقنضى الاصل قبول كل حيوان للتذكية أو عدمه

295 اذا شك في ان للحيوان دم سائل

296 حكم فضلات الحيات والتماسيح

296 ( الثالث ) من النجاسات : المني من كل حيوان له دم سائل وان حل أكل لحه

297 طهارة الذي والوذي والودي ورطوبات الفرج والدبر من كل حيوان الا نجس العين

299 ( الرابع ) : من النجاسات : الميتة من كل ما له دم سائل. مع التعرض الى طوائف الاخبار الدالة علة ذلك

والى ميتة الانسان بالخصوص

305 الاجزاء المبانة من الميتة نجسة

305 طهارة ما لا تحله الحياة من الحيوان الميت الطاهر العين حتى البيضة

308 الكلام في الانفحة وتحقيق المراد منها

310 الكلام في نجاسة اللبن في ضرع الميتة

312 الاجزاء المبانة من الحي نجسة كالميتة الا الاجزاء الصغار كفشور الجلد ونحوها

315 الكلام في فارة المسك من المذكى وغيره

320 ميتة مالا نفس له طاهرة

322 اذا شك في ان شيئامن أجزاء الحيوان أو مما له نفس سائلة

322 المراد بالميتة ما لم يذبح على الوجه الشرعي لا خصوص مامات حتف انفه

323 يد المسلم امارة على التذكية وتحقيق شروط اماريتها

330 الكلام في يدالمسلم المسبوقة بيد الكافر

331 مايوجد أرض المسلمين مطروحا اذا كان عليه اثر الاستعمال

331 ما يؤخذ من يد الكفار أو يوجد في أرضهم محكوم بعدم التذكية

332 لا يطهر جلد الميتة بالدبغ

333 السقط قبل ولوج الروح نجس ، وكذا الفرخ في البيضة

334 ملاقاة الميتة بلارطوبة مسرية لا توجب النجاسة

335 يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من تمام الجسد فلومات البعض لم ينجس

336 خروج الروح موجب لنجاسة البدن ولو قبل البرد

337 نجاسة المضغة والشيمة وما يخرج من اللحم حين الولادة

337 العضو المقطوع المتصل يجلدة رقيقة

337 حكم الجند المعروف انه خصية كلب الماء

337 ما ينفصل من اللحم مع الظفر أو السن

338 العظم المجرد المتردد بين كونه من نجس العين وكونه من طاهر العين

338 الجلد المشكوك كونه من ذي النفس أو من غيره

338 يحرم بيع الميتة

340 هل يجوز الانتفاع بالميتة فيما لا يعتبر فيه الطهارة. مع الاشارة الى دعوى عموم عدم جواز الانتفاع بالنجس

343 ( الخامس ) من النجاسات : الدم مما له نفس سائلة. مع تحقيق انه

لا دليل على نجاسته كلية

347 طهارة دم مالا نفس له ، وكذالدم من غير الحيوان كالدم الظاهر عند قتل سيد الشهداء (عليه السلام)

348 طهارة الدم المتخلف في ذبيحة الماكول ، مع الكلام في غيره

350 حكم العلقة المستحيلة من المني وفي البيض ، مع الكلام في حكم الدم الذي يوجد في البيضة

353 يحرم الدم المتخلف في الذبيحة وان كان طاهرا ، الامايعد جزءا من اللحم

354 حم الدم الابيض

355 الدم الذي قد يخرج مع اللبن نجس منجس له

355 حكم دم الجنين الذي ذكاه بذكاة امه

355 حكم دم الصيد المتخلف فيه بعد موته باصابة الالة له

356 مايشك في كونه دما او في كونه من القسم النجس من الدم طاهر

356 الكلام في الدم المشكوك كونه من المتخلف ، وفي صوره

358 لايجب استعلام حال الخارج من الجرح وانه دم او غيره

359 الماء الاصفر الذي ينجمد على الجرح

360 الدم المراق في الامراق حال غليانها نجس منجس ، وتحقيق حال الروايات الدالة على الطهارة

362 الدم الخارج من بين الاسنان المستهلك في الرايق

362 الدم المنجمد تحت الاظفار او الجلد

363 ( السادس والسابع ) من النجاسات الكلب والخنز البريان دون البحريين وكذا رطوبانهما واجز اؤهما وان لم تحلها الحياة

363 حكم المتولد منهما أو من احدهما

365 ( الثامن ) من النجاسات : الكافر على كلام ، مع تحقيق حال النصوص الدالة على طهارة الكتابي والنصوص الدالة على نجاسة

367 الكلام في المرتد

377 نجاسة رطوبات الكافر واجزائه حتى مالا تحله الحياة

377 المعيار في تحقق الكفر ، وتحقيق حال منكر الضروري من الدين

378 الماء الاصفر الذي ينجمد على الجرح

380 ولد الكافر يتبعه في النجاسة حتى ولد الزنا ، الا اذا اسلم بعد البلوغ أو قبله مع تمييزه

383 اذا كان احد الابوين مسلما فالولد تابع له وان كان من الزنا

384 الكلام فيما لو بلغ ولد الكافر مجنونا

384 الكلام فيما لوسبي ولد الكافر

385 ولد الزنا من المسلمين طاهر

386 نجاسة الغلاة والخواج والنوا صب

387 الكلام في المجسمة والمجبرة والقائلين بوحدة الوجود

391 طهارة المخالفين وغير الاثنى عشرية من فرق الشيعة ، اذا الم يكونوا ناصبين لاحد الائمة (عليهم السلام)

398 مشكوك الاسلام طاهر

399 ( التا سع ) من النجاسات : الخمر وكل مسكر مائع بالاصالة.مع التعرض الى الاخبار المتعارضة وموهنات اخبار الطهارة

404 المسكر الجامد بالاصل طاهر ، بخلاف الجامد بالعارض

405 تحقيق حال العصير العنبي من حيث النجاسة والحرمة

411 حكم العنب اذا على بلا عصر

411 حكم العصير التمري والزبيبي

415 الكلام في الاستصحاب التعليقي

424 الاستدالال برواية زيد النرسي على حرمة العصير الزبيبي. والاشكال في سندها. مع التعرض الى تحقيق مهم في حال اصحاب الاجماع ورواياتهم ومن يروون عنه. وتحقيق الطريق الى اصل زيد النرسي

429 اذا صار العصيردبسا قبل ان يذهب ثلثاه

430 الزبيب والكشمش والتمر المطبوخ في الامراق وغيرها

430 ( العاشر ) من النجاسات : الفقاع

432 الكلام في حقيقة الفقاع

433 ماء الشعير الذي يصفه الاطباء في معالجاتهم ليس من الفقاع

434 ( الحادي عشر ) من النجاسات : عرق الجنب من الحرام

437 كيفية اغتسال الجنب من الحرام بنحو يتجنب العرق حين الاغتسال

437 حكم ما اذا اجنب من حرام ثم من حلال او بالعكس

437 حكم ما اذا تيمم المجنب من حرام

بدلا عن الغسل

438 اذا اجنب الصبي من حرام

438 ( الناني عشر ) من النجاسات : عرق الابل الجلالة على كلام فيها وفي مطلق الجلال

440 بعض الحيوانات التي وقع الكلام في نجاستها كالمسوخات

442 كل مشكوك النجاسة ذاتا او عرضا طاهر ظاهرا ، الا الرطوبة الخارجة قبل الاستبراء

443 الكلام في غسالة الحمام ، وتحقيق حال الاخبار الواردة فيها

446 يستحب رش الماء لمن اراد الصلاة في معابداليهود والنصارى والمجوس

447 لايجب الفحص عن النجاسة مع الشبهة الموضوعية حتى لو امكن تحصيل العلم حالا

فصل في طرق ثبوت النجاسة

448 حكم الاحتياط في الشبهة البدوية في باب النجاسة

449 الكلام في علم الوسواسي

450 العلم الاجملي كالتفصيلي في منجزية الواقع الامع عدم الابتلاء يبعض الاطراف

454 لا يعتبر في حجية البينة إفادتها الظن بل يعتبر عدم معارضتها بمثلها

454 لا يعتبر في حجية البينة ذكر مستند الشهادة

455 يكفي الشهادة بسبب النجاسة وان لم يعتقد الشاهد انه سبب لها

455 حكم اختلاف الشاهدين في سبب النجاسة ، مع تحقيق المعيار في القبول وعدمه

458 الشهادة بالاجمال مقبولة فيجب الاجتناب عن جميع الاطراف وحكم اختلاف الشاهدين في الاجمال والتعيين

459 اذا شهد أحد الشاهدين بالنجاسة فعلا والاخر بالنجاسة سابقا

462 لو شهد أحدهما بالنجاسة سابقا مع الطهارة فعلا

463 يقبل خبر صاحب اليد تساقطا

464 لا يعتبر العدالة في حجية خبر صاحب اليد مع الكلام في اعتبار الاسلام والبلوغ

465 حكم ما اذا اخبر صاحب اليد بعد الاستعمال بالنجاسة سابقا او اخبر بها بعد خروج العين عن يده

نجاستها بتمامها ، فلا يتنجس الانف بملاقاتها

فصل في كيفية تنجس المتنجسات

466 لابد في التنجس من وجود الرطوبة المسرية في أحد المتلاقين

467 لا تكفي الرطوبة غير المسرية في التنجيس

467 المائع ينجس بتمامه بملاقاة بعضه. اما الجامد فتختص النجاسة فيه بموضع الملاقاة

470 اذا شك في رطوبة احد المتلاقين او سراية الرطوبة في احدهما

471 اذا شك في استصحاب الذناب لجزء من النجاسة التي كان عليها

472 الممعيار في الميعان والجمود في سريان النجاسة في تمام الجسم الملاقي للنجاسة وعدمه

473 ترشح الماء من الاناء الموضوع على الموضوع النجس لا يوجب تنجس ما في الاناء

474 نقطة الدم في النخامة الغليظة لا توجب

475 يكفي نفض الثوب أو الفراش الملطخ بالتراب النجس

475 لا بد في التنجيس من سراية الرطوبة ولا يكفي مجرد الميعان كالزئبق

476 تحقيق الكلام في تداخل النجاسات

478 اذا تنجس الثوب بالدم وشك في تنجسه بالبول كفت المرة

479 الكلام في تنجيس المتنجس

486 لا يجري على المتنجس احكام النجاسة التي تنجس بها

487 الاجسام التي لا تتاثر بالرطوبة لا تتنجس

487 الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس

فصل في احكام النجاسات

488 يشترط في الصلاة طهارة بدن المصلي ولباسه

489 تعتبر الطهارة في صلاة الاحتياط وقضاء الاجزاء المنسية دون الاذان والادعية التي قبل تكبيرة الاحرام والتعقيب ، مع الكلام في اعتبارها

في الاقامة وسجدتي السهو

490 الكلام في اعتبار الطهارة فيما بلتحف به المصلي المضطجع

490 يشترط في الصلاة طهارة مسجد الجبهة دون غيره من المواضع

492 يكفي طهارة مقدار الواجب في السجود لاتمام ما يمس الجبهة حين السجود

493 تجب ازالة النجاسة عن المساجد بنحو الفور العرقي ، ويحرم تنجيسها

494 حكم ادخال النجاسة او المتنجس للمسجد اذا لم يستلزم تلويثه

496 وجوب ازالة النجاسة عن المساجد كفائي ، ولا يختص بمن نجسها

496 الكلام فيمن راى نجاسة في المسجد قلم يزلها وانشغل بالصلاة مع التعرض الى المور خمسة : ( الاول ) : وجوب ازالة النجاسة فورا وعدم الانشغال بالصلاة

498 ( الثاني ) : هل يقتضي الامر بالشيء النهي عن ضده ، فتكون الصلاة منهيا عنها حينئذ؟

499 ( الثالث ) : هل يقتضي النهي المذكور - لوقيل به - فساد الصلاة؟

499 ( الرابع ) : في تصحيح الترتب

500 ( الخامس ) : في التقرب بالملاك مع سقوط الامر بالمزاحمة

501 من صلى ثم تبين له كون المسجد نجسا صحت صلاته. مع التعرض الى مالو علم بذلك في الاثناء

503 اذا كان موضع من المسجد نجسا فهل يجوز تنجيسه ثانيا اولا؟

504 هل يجب تطهير المسجد لو توقف على حفر ارضه او تخريب شيء منه وهل يجب طم الحفر وتعمير الخراب لو طهر؟

506 اذا تنجس حصير المسجد

506 اذا استلزم تطهير المسجد تخريبه اجمع

506 اذا خرب المسجد فهل يحرم تنجيسه ويجب تطهيره؟ مع الكلام في المساجد المبنية في الاراضي المفتوحة عنوة

508 اذا توقف تطهير المسجد على تنجيس بعض المواضع الطاهرة وجب اذا امكن تطهيره بعد ذلك

508 اذا توقف تطهير المسجد على بذل

مال وجب ولا يضمنه من صار سببا للتنجيس؟

509 اذا تغير عنوان المسجدية بغصب اوخراب ، فهل يحرم تنجيسه ويجب تطهيره؟ مع التعرض الى جواز الانتفاع به حينئذ في الجهات الاخر كالزرع ونحوه

511 اذا راى الجنب نجاسة في المسجد

512 حكم تنجيس مساجد اليهود والنصارى والمخالفين

513 اذا علم بعدم مسجدية سقف المسجد او جداره لم يحرم تنجيسه مع الكلام فيما يشك كونه مسجدا مما يتصل بالمسجد

514 اذا علم اجمالا بنجاسة احد المسجدين او احد مكانين من مسجد وجب تطهيرهما

514 لا تجب ازالة النجاسة عما يجعله المكلف مصلى له في داره

514 هل يجب اعلام الغير بنجاسة المسجد على من عجز عن ازالتها

515 حكم المشاهد المشرفة من حيث حرمة التنجيس ووجوب التطهير

516 حكم المصحف الشريف من حيث حرمة التنجيس ووجوب التطهير

516 مس المصحف بالعضو المتنجس

517 كتابة القرآن بالحبر المتنجس

517 حكم اعطاء المصحف للكافرو أخذه منه. ووضعه على العين النجسة

518 ازالة النجاسة عن التربة الحسينية وتربة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام)

518 اذا وقع ورق المصحف في البالوعة أو الكنيف

519 كيفية الضمان على من نجس مصحف غيره

519 وجوب تطهير المصحف كفائي لا يختص بمن نجسه ، ولو استلزم صرف المال وجب ، مع الكلام في ضامن المال المصروف في ذلك

520 حكم تطهير مصحف الغير اذنه

521 يجب ازالة النجاسة عن الماكول المشروب وظروفهما

522 حكم الانتفاع بالاعيان النجسة

522 التسبيب الى اكل الغير أو شربه للنجس. مع الكلام في وجوب الاعلام على المعير والمؤجر وغير هما بالنجاسة

524 الكلام في حرمة سقي المسكرات والاعيان النجسة والمتنجسة للاطفال ووجوب ردعهم عنها. مع بعض فروع التسبيب الى استعمال الغير للنجس ، واعلامه بالنجاسة

فصل في الصلاة في النجس

527 اذا صلى في النجس عمدا بطلت صلاته

527 اذا صلى في النجس جاهلا بنجاسته بنحو الشبهة الحكمية او جاهلا بشرطية الطهارة في الصلاة

529 اذا صلى في النجس جاهلا بنجاسته بنحو الشبهة الموضوعية

532 اذا التفت الى النجاسة في اثناء الصلاة

537 اذا صلى في النجس ناسيا لنجاسته

540 ناسي الحكم كالجاهل به

540 اذا تنجس ثوبه فطهره أوقامت الحجة على تطهيره فصلى فيه ثم تبين بقاء النجاسة

541 اذا اعتقد خطا ان الدم لم يصبه او اعتقد خطا أن الدم لم يصبه او اعتقد انه من القسم الطاهر او اعتقد انه بالقدر الذي يعفي عنه فصلى فيه

542 لو نسي نجاسة شيء فلاقاه برطوبة

542 ثم صلى غافلا عن نجاسة بدنه بالملاقاة

541 الكلام فيما لوانحصر ثوبه في النجس

549 لو علم إجمالا بنجاسة احد الثوبين كرر الصلاة فيهما ، وحكم من لا يتمكن من تكرار الصلاة

550 ( تنبيه ) : في ان التزاحم بين اجزاء وشروط المركب يفترق عن التزاحم بين الواجبات الاستقلالية

550 لو كان عنده ثوبان مشتبهان وثوب طاهر فهل يجوز له تكرار الصلاة في المشتبهين او يصلي في الطاهر؟

551 لو كان عنده ثلاثة ثياب يعلم بنجاسة واحد منها كفى تكرار الصلاة في ثوبين وان احتمل كون النجس اكثر من واحد

552 اذا تنجس ثوبه وبدنه ولم يتمكن الا من تطهير احدهما

553 اذا عجز عن ازالة النجاسة وتمكن من تقليلها او تخفيفها

553 اذا دار الامر بين رفع الحدث بالماء والخبث هل تجب الاعادة على من صلى في النجس الظطراراثم تمكن من الطاهر؟

554 من سجد على الموضع النجس اضطراراثم تمكن من السجود على الموضع الطاهر لم يجب عليه الاعادة

554 اذا سجد على الموضع النجس جهلا او نسيانا فهل يجب عليه الاعادة؟

فصل فيما يعفى عنه في الصلاة

555 وهى امور ( الاول ) : دم الجروح والقروح قبل البرء مع الكلام في اعتبار لزوم المشقة من التبديل أو التطهير وعدمه.

559 هل يعتبر كون الجرح مما يعتد به وله ثبات واستقرار اولا؟

559 هل يجب شدالجرح حتى يمنع سيلان الدم؟

559 لايختص العفو بموضع الجرح.

560 الكلام في العفو عن توابع الجرح من القيح والدواء والعرق وغيرها مما يتصل ويتنجس به

561 يجب تطهير اليد اذا تنجست في مقام العلاج

561 الكلام في دم البواسير

561 لايعفي عن دم الرعاف

561 يستحب لصاحب الجروح والقروح غسل ثوبه كل يوم مرة

562 اذا شك في ان الدم من الجروح والقروح اولا

562 لو تعددت الجروح وبريء بعضها فهل يعفى عن دمه قبل برء الباقي

563 ( الثاني ) : مما يعفى عنه الدم دون الدرهم

565 لا يعفى عن الدماء الثلاثة ولا عن دم نجس العين والميتة وغير الماكول عدا الانسان

566 لو تعدد الدم وكان كل قطعة دون الدرهم والمجموع اكثر منه فهل يعفى عنه؟

567 المناط في العفو سعة الدرهم لاوزنه مع الكلام في تحديد سعة الدرهم وان المراد به البغلي ، تحديد البغلي والدراهم والدنانير التي شاهدها المؤلف بنفسه

572 اذا تفشى الدم من احد وجهي الثوب الى الاخر

574 اذا اتصل بالدم الاقل من الدرهم رطوبة خارجية

575 اذا شك في ان الدم من المستثنيات التي لا عفو عنها ، اوشك في انه اقل من الدرهم

577 المتنجس بالدم ليس كالدم في العفو المذكور

578 اذا ازيلت عين الدم وبقيت نجاسة فهل يبقي العفو؟

578 اذا وقع على الدم الاقل دم آخر ولم يصير بقدر الدرهم يبقى العفو ، وكذا لو كان الدم غليظا

578 اذا وقعت نجاسة اخرى على الدم ولم تتعد عن محله فهل يبقى العفو؟

579 ( الثالث ) : مما يعفى عنه مالا تتم فيه الصلاة من الملابس ، بشرط ان لايكون من نجس العين ولا من الميتة

581 يكفى في المانعية صلوح الثوب للتستر وان لم يصلح فعلا كالعمامة الكبيرة الملفوفة

582 ( الرابع ) : المحمول المتنجس الذي لاتتم الصلاة فيه ، مع الكلام فيما تتم فيه الصلاة من المحمول ، وفيما لة كان المحمول من الاعيان النجسة

586 حكم الخيط المتنجس الذي يخاط به الجرح والثوب ، والعظم النجس الذي يجبر به

586 ( الخامس ) ثوب المربية للصبي والصبية بشرط غسله في كل يوم مرة

587 الكلام في وقت غسل الثوب في اليوم

590 يشترط في العفو عن النجس احتياجها جميع ثيابها

590 هل يلحق بنجاسة ثوب المربية نجاسة بدنها في العفو؟

591 هل يلحق المربي بالمربية في العفو؟ وكذا من تواتر بوله.

591 ( السادس ) : كل نجاسة في حال الاضطرار