ghaemiyeh.com
سرشناسه : خمینی، مصطفی، ۱۳۰۹-۱۳۵۶.
عنوان قراردادی : تحریرالوسیله .شرح
عنوان و نام پديدآور : مستند تحریرالوسیله/ تالیف مصطفی الخمینی.
مشخصات نشر : تهران: موسسه تنظیم و نشر آثار الامام الخمینی، ۱۴۱۸ق.= ۱۳۷۶.
مشخصات ظاهری : ج.
شابک : ۱۴۵۰۰ ریال (ج.۱) ؛ ۱۲۰۰۰ ریال (ج.۲)
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج. ۲ (چاپ اول: ۱۴۱۸ ق. = آبان ۱۳۷۶).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : خمینی، روحالله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، ۱۲۷۹ - ۱۳۶۸ . تحریرالوسیله -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- رساله عملیه
شناسه افزوده : خمینی، روحالله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، ۱۲۷۹ - ۱۳۶۸ . تحریرالوسیله.شرح
شناسه افزوده : موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی (س)
رده بندی کنگره : BP۱۸۳/۹/خ۸ت۳۰۲۳۳۲ ۱۳۷۶
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲۲
شماره کتابشناسی ملی : م۷۹-۲۴۷۹۶
مسألة 1: عقد البيع يحتاج (1) إلى إيجاب و قبول، و قد يستغني عن القبول، في الإيجاب و القبول قوله مدّ ظلّه: «يحتاج».
إجماعاً و اتفاقاً بين الملل، سواء قلنا باشتراط صدق «العقد» على عناوين المعاملات المعاوضيّة و المتقوّمة بالطرفين، أو قلنا بعدمه، كما هو التحقيق؛ فإنّ الضرورة قاضيّة بصحّة البيع و لزومه و إن سلب عنه عنوان «العقد» و ما ورد في الكتاب و السنّة، فهو ناظر إلى ما هو بالحمل الشائع بيع و إجارة، و تكون لفظة «العقد» إشارة إليها.
ثمّ إنّ تقسيم القوم العناوين إلى العقود و الإيقاعات، ليس في محلّه؛ فإنّ جميع الماهيّات الاعتباريّة مشتركة في تحقّقها بالموجب تحقّقاً إنشائيّاً، و لكنّها لا تؤثّر في العقود إلّا بإمضاء المشتري، فماهيّة البيع هي التمليك، أو إنشاؤه، أو التبادل، أو المبادلة، أو غيرها، و كلّ ذلك يحصل بإنشاء الموجب، و لكنّها كالفضوليّ لا أثر لها إلّا بعد ظهور الرضا من
قبل الطرف المقابل، فلو كان الأثر الفعليّ من مقوّمات الماهيّة، يلزم عدم كون بيع الفضوليّ بيعاً حقيقة، و لو لم يكن ذلك مقوّماً لها، فهي و هي إنشاء التمليك بالعوض متحقّقة في الاعتبار قطعاً.
و دعوى: أنّه ليس عقداً، ممنوعة أوّلًا بما عرفت.
و ثانياً: بأنّ عقديّة العقد تحصل بالعقدة، و هي توجد بإنشاء الموجب.
بل الخاطر بالبال: أنّ ماهيّة المعاملات و منها البيع، لها إطلاقات، قد يراد منها المعنى المسبّبي؛ و هو النقل و الانتقال، و لعلّه المراد من قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ(1).
و قد يراد منها السبب التامّ المتعقّب بالأثر و المسبّب، و هذا لعلّه المراد منه.
و يمكن أن يطلق و يراد منه فعل البائع الملازم لقبول المشتري.
و تارة: يراد منه فعله و إن لم ينضمّ إليه القبول؛ ضرورة أنّه يصحّ أن يقال: «باع زيد و ما اشترى عمرو منه».
و ما هو المقصود في أدلّة النفوذ و في الاستعمالات المتعارفة، أحد الأوّلين، و ليس معناه على التقديرين متقوّماً بالأثر الفعليّ، و عليه كما يتحقّق
1) البقرة( 2): 275.
كما إذا وكّل المشتري أو البائع صاحبه في البيع و الشراء، أو وكّلا ثالثاً، فيقول: «بعت هذا بهذا» فإنّ الأقوى عدم الاحتياج (1) حينئذٍ إلى القبول.
تمام ماهيّته بالإيجاب، كذلك يتحقّق بالقبول فيما كان مثل: «اشتريت» و «تملّكت» فإنّهما مثل: «بعت» و «ملّكت» في عدم حصول الأثر حقيقة إلّا بهما، و في حصول تماميّة الماهيّة الاعتباريّة بهما؛ و هي إنشاء المعاوضة عن جدّ.
قوله مدّ ظلّه: «الأقوى عدم الاحتياج».
لما عرفت من عدم تقوّم الماهيّة به، فإذن يحصل عقد البيع بعمله الوحدانيّ واجداً جميعَ الآثار و الأحكام.
و هذا هو الظاهر من قوله تعالى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها ..(1)فإنّه لم يعهد منه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (قبوله بعد ذلك، فلو أوقع وليّ الابن و البنت بينهما عقد الزواج، فلا معنى للقبول بعده. و لعلّه الظاهر من بعض ما ورد في قصص زواج المعصومَين: عليّ و فاطمة سلام اللَّه تعالى عليهما و كون الآية قابلة لحملها على الإخبار، لا ينافي ظهورها العرفي في الإنشاء بعد اقتضاء القواعد صحّته.
نعم، قضيّة الإجماعات المحصّلة ممنوعيّته و شرطيّة القبول، و لكنّها بمعزل عن إفادة أمر وراء ما فهموه، فتدبّر.
1) الأحزاب) 33): 37.
و الأقوى عدم اعتبار العربيّة، بل يقع بكلّ لغة و لو مع إمكان العربيّ (1).
قوله دام ظلّه: «و لو مع إمكان العربيّ».
خلافاً لجمع، كالسيّد عميد الدين(1)، و الفاضل المقداد(2)، و الثاني من المحقّقين(3)و الشهيدين(4)، معلّلًا بالحجج العليلة، مثل إنكار صدق «العقد» مع التمكّن من العربيّة، و هو قضيّة التأسّي، و غير ذلك، و وفاقاً للمحقّقين(5)لعدم الدليل، و للعمومات.
بل الذي سلكناه في كتابنا الكبير(6)أنّ الأحوط أن يعقد كلّ بلسانه، لأنّه أخبر بخصوصيّاته، فيتمكّن من الغفلة عن اللغات بإبراز المعنى المقصود، و إنشاء العقد و الإيقاع، و لقد سمعت عن بعض المشايخ التجنّب عن تكفّل عقد النكاح بالعربيّ؛ لأنّ العاقد لا يعتبر الزواج، و لا ينشئ عقدة النكاح، بل تمام توجّهه إلى الألفاظ و كيفيّة الاستعمالات، غافلًا عن إبراز المعنى و إيجاد المعتبر.
كما أنّه لا يعتبر فيه الصراحة، بل يقع بكلّ لفظ (1) دالّ على المقصود عند أهل المحاورة، ك «بعت» و «ملّكت» و نحوهما في الإيجاب، و «قبلت» و «اشتريت» و «ابتعت» و نحو ذلك في القبول.
مع دعوى انصراف العمومات إلى العقود المتعارفة بين الملل و الأقوام، و هي ما حصلت بألفاظهم، دون ألفاظ آخرين، و هذا هو القدر المتيقّن، دون ما توهّمه بعض الأصحاب (رحمهم اللَّه).
قوله دام ظلّه: «بكلّ لفظ».
على المعروف بين المتأخّرين(1)، و في المسألة أقوال ربّما تبلغ إلى سبعة.
و قد يشكل جوازه بغير الألفاظ المتعارفة الصريحة الموضوعة المشتملة على عناوين المعاملات؛ لما يظهر من كلّ متصدٍّ للفقه اعتبار ألفاظ مخصوصة؛ حتّى تصدّى جمع لتأليف كتاب في ألفاظ الصيغ، فيعلم التعبد الشرعيّ بالإجماع القطعيّ، ففي غير هذه الصورة يشكل شمول عمومات الكتاب و السنّة للعقد العرفيّ، و التمسّك بها غير جائز؛ لاستلزامه الإخلال بمعقد الإجماع.
و لكنّه بمعزل عن التحقيق؛ ضرورة أنّ الإجماع لا يكشف في هذه المسائل عن رأي متّبع، و لو سلّمنا فله القدر المتيقّن، و لا يلزم منه
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 94/ السطر 3.
و الظاهر عدم اعتبار الماضويّة، فيجوز بالمضارع و إن كان أحوط. (1) ممنوعيّة التمسّك بالعمومات في جميع ما يحتمل دخالته.
نعم، بعض المجازات البعيدة أو الكنايات غير المأنوسة، غير قابل لإيقاع العقد به، دون غيره.
ثمّ إنّ المقصود من «الدلالة» في الجملة الثانية بعد نفي اعتبار الصراحة، هي الدلالة بالقرائن المقاميّة و المقاليّة، و ظاهرهم عدم الصحّة بالألفاظ الموضوعة بالخصوص بين المتعاملين؛ بأن كان بناؤهم على إيقاع البيع بألفاظ النكاح و هكذا، فإنّ المدار على الأسباب العرفيّة، دون مطلق ما يمكن أن يتسبّب به.
و يظهر من بعض الأجلّة جوازه بها أيضاً(1)، و لكنّه مشكل.
نعم، إذا اقتضت الضرورة إخفاءَ المقاصد العرفيّة، فأرادوا بألفاظ النكاح البيع؛ لجهة عقلائيّة، فإنّه حينئذٍ لا يبعد شمول الأدلّة؛ لولا مخافة مخالفة الإجماع المزبور، فتدبّر.
قوله دام ظلّه: «و إن كان أحوط».
لما عن العلّامة في «التذكرة» من دعوى الإجماع عليه(2)، و ممّا يدلّ
و لا يعتبر (1) فيه عدم اللّحن من حيث المادّة و الهيئة و الإعراب؛ إذا كان دالّاً على المقصود عند أبناء المحاورة، و عدّ ملحوناً منه، لا كلاماً آخر ذكر في هذا المقام، كما إذا قال: «بعت» بالفتح، أو بكسر العين و سكون التاء. و أولى بذلك اللغات المحرّفة، كالمتداولة بين أهل السواد و من ضاهاهم.
على خلافه النصوص الواردة في كتاب النكاح في مسألة الاستيجاب(1)، فإنّها كما تدلّ على حكم المسألة الآتية، تدلّ على حكم هذه المسألة.
و ما قد يتوهّم من عدم مساعدة العرف، لا يخلو من غرابة؛ لأنّ الماضي ليس موضوعاً للإنشاء، بل الاستعمال فيه مع القرينة خصّه به، و هذا أيضاً يصحّ في غيره؛ أمراً كان، أو مضارعاً.
قوله مدّ ظلّه: «و لا يعتبر».
لعدم الدليل عليه بعدُ، و لو كان كلاماً آخر فقد عرفت وجه الإشكال و تصحيحَه في بعض الحالات.
و أمّا إذا كانت اللّغات المحرّفة من أهل السواد، ففي صحّة تعبيرها إشكال مضى سبيله في مسألة اعتبار العربيّة.
1) وسائل الشيعة 20: 264، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الباب 1، الحديث 10. و 21: 43، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 18.
مسألة 2: الظاهر جواز تقديم القبول على الإيجاب إذا كان بمثل «اشتريت» و «ابتعت» إذا أُريد به (1) إنشاء الشراء، لا المعنى المطاوعيّ، و لا يجوز (2) بمثل: «قبلت» و «رضيت». و أمّا إذا كان بنحو الأمر و الاستيجاب، كما إذا قال من يريد الشراء: «بعني الشيء الفلانيّ بكذا» فقال البائع: «بعتكه بكذا» قوله دام ظلّه: «إذا أُريد به».
فإنّه في هذه الصورة يكون من الإيجاب المقدّم بلفظ الشراء، و فيما كان نظره إلى المطاوعة يعدّ من الألفاظ الصريحة في القبول الممنوع عندهم و المُدّعى عليه الإجماع في «الخلاف»(1).
قوله: «و لا يجوز».
عقلًا و إجماعاً؛ ضرورة أنّ المعدوم غير قابل للقبول.
و فيه: أنّ إنشاء التمليك بألفاظ الإيجاب، كإنشاء القبول بألفاظه، فكما أنّ الاعتبار هناك قائم ببقاء الملكيّة المنشأة، كذلك الاعتبار قائم هنا بحدوثه، فهو يقبل ما يراه في الخارج و يجده.
و إن شئت قلت: هو من تأخّر القبول أيضاً في مفهومه؛ و لو كان متقدّماً في وجوده، فعليه تندفع الشبهة العقليّة من غير حاجة إلى تصوير الواجب المشروط أو المعلّق.
1) الخلاف 3: 40، المسألة 56.
فالظاهر الصحّة (1) و إن كان الأحوط إعادة المشتري القبول.
قوله دام ظلّه: «فالظاهر الصحّة».
و ذلك لأنّ الأمر الباعث إلى البيع، يستلزم عرفاً رضا الآمر بالمأمور به، و لا نحتاج في قبول الإنشاء المتأخّر إلّا الرضا بالمنشإ البارز بأحد الدلالات الثلاثة، و هكذا الاستيجاب.
و لكنّه يشكل على مبنى القوم؛ و هو ممنوعيّة القبول المتقدّم، و الرضا المظهر بالإيجاب المتأخّر غير كافٍ عندهم، فما اختاره الماتن هنا يناقض منعه في مثل: «قبلت» و «رضيت».
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ وجه التفصيل هو الإجماع، دون الدليل العقليّ و القواعد العقلائيّة.
إن قلت: فرق بين الأمر، و تقديم القبول بلفظه، فإنّه شامل للماهيّة المقصودة من البيع و غيره، بخلافه.
قلت: نعم، إلّا أنّ مقصود المجوّز ليس تقديم مادّة القبول من غير سبق المقاولة، و إذا سبقت المقاولة، فترى بعد تماميّتها يصحّ أن يقول المشتري: «قبلته» و البائع: «بعته» من غير إشكال.
هذا مع أنّه يمكن أن يقول المشتري بدواً: «قبلت هذا بهذا مبيعاً» فيقول البائع: «بعته» فإنّه عند العقلاء أيضاً صحيح قطعاً.
مسألة 3: يعتبر الموالاة (1) بين الإيجاب و القبول؛ بمعنى عدم الفصل الطويل بينهما بما يخرجهما عن عنوان «العقد» و «المعاقدة» و لا يضرّ القليل؛ بحيث يصدق معه «أنّ هذا قبول لذلك الإيجاب».
قوله: «يعتبر الموالاة».
إجماعاً، و عليه السيرة القطعيّة، و الخروج عنه خلاف المرتكز العرفيّ. و لعلّه يرجع إلى المسألة الآتية من لزوم التطابق؛ فإنّ القبول المتأخّر إذا لم يعدّ من قبول الإيجاب المتقدّم، فلا يحصل التطابق، فتدبّر.
و قد يقال: إنّ عنوان العقد لا يحصل إلّا به، و هو ممنوع كما في العقود الجائزة، و قد مرّ عدم الحاجة إليه في تحقّق عناوين المعاملات صحّة و لزوماً، فما في المتن واضح المنع.
و اختار الماتن في مقام آخر عدم اعتبار الموالاة(1)لما اختار أنّ تمام ماهيّة المعاملة تحصل بالإيجاب(2)، و قد أنكر العقود بالمعنى المعروف بين الأصحاب (رحمهم اللَّه) فالعقد يحصل بنفس الإيجاب، و تأخّر القبول كتأخّر الإجازة في الفضوليّ.
و هذا و إن كان موافقاً للتحقيق، إلّا أنّه لا يستنتج منه نفي اعتبارها؛ لأنّه لا يحصل التطابق المعتبر عرفاً، فتأمّل.
مسألة 4: يعتبر في العقد التطابق (1) بين الإيجاب و القبول، فلو اختلفا بأن أوجب البائع على وجه خاصّ من حيث المشتري، أو المبيع، أو الثمن، أو توابع العقد من الشروط، و قَبِل المشتري على وجه آخر، لم ينعقد (2)، فلو قال البائع: «بعت هذا من موكِّلك بكذا»، فقال الوكيل: «اشتريته لنفسي» لم ينعقد. (3) قوله مدّ ظلّه: «التطابق».
لا شبهة في كبرى هذه المسألة، و لا معنى لعدّه من الشرائط؛ لأنّه من مقوّمات ماهيّة البيع المتوقّف على القبول المتعلّق بإنشاء الموجب.
نعم، هو من الشرائط؛ بناءً على كون القبول علّة تأثير الماهيّة الموجودة بفعل الموجب، على ما تقرّر.
نعم، قد يشكل الأمر في حصوله في بعض الفروض المذكورة في المتن؛ و أنّه حصلت صغرى التطابق، أم لا.
قوله دام ظلّه: «لم ينعقد».
إذا كان مورثاً لقصور الإنشاء و تحدّده، أو احتمل ذلك، و أمّا لو كان المقصود بيع متاعه مخاطباً في بيعه أحدَ الحضّار من أجل أنّه واحد منهم، من غير النظر إلى الخصوصيّة في أمره، فإنّه إذا قبله الآخر ينعقد، و من ذلك يعلم النظر في مشابهات المسألة.
قوله: «لم ينعقد».
إلّا في الوجه المشار إليه.
نعم، لو قال: «بعت هذا من موكِّلك» فقال الموكّل الحاضر غير المخاطب: «قبلت» لا يبعد الصحّة (1). نعم، لو قال: «بعتك هذا بكذا» فقال: «قبلت لموكِّلي» فإن كان الموجب قاصداً لوقوع البيع للمخاطب نفسه، لم ينعقد، و إن كان قاصداً له أعمّ من كونه أصيلًا أو وكيلًا، صحّ (2). و لو قال: «بعتك هذا بألف» فقال: «اشتريت نصفه بألف» أو «بخمسمائة» لم ينعقد. (3) قوله: «لا يبعد الصحّة».
لا وجه لنفي البعد لقطعيّة الصحّة. بل قبول الوكيل مع حضور الموكِّل الذي هو المشتري حقيقة، الناظر الشاعر بالبيع و خصوصيّاته، لا يخلو من توهّم الإشكال؛ بدعوى قصور أدلّة الوكالة عن شمول هذه الموارد، فتدبّر.
قوله: «صحّ».
إذا رجع الإنشاء إلى الجامع المنطبق عليهما، أو رجع ذلك إلى إلغاء الخصوصيّة عن المخاطب؛ بدعوى ما أشرنا إليه، و إلّا فهو المستحيل؛ لأنّ المخاطب الجزئيّ إمّا هو الوكيل، أو الموكّل.
و على هذا، يتوجّه إليه- مدّ ظلّه عدم الفرق بين ما نحن فيه، و المسألةِ السابقة، التي مضى قوله فيها بعدم الانعقاد.
قوله: «لم ينعقد».
إلّا فيما كان البيع عند العرف ينحلّ إلى البيوع، فإنّه ينعقد
بل لو قال: «اشتريت كلّ نصفٍ منه بخمسمائة» لا يخلو من إشكال (1). نعم، لا يبعد الصحّة لو أراد كلّ نصف مشاعاً. و لو قال لشخصين: «بعتكما هذا بألف» فقال أحدهما: «اشتريت نصفه بخمسمائة» لم ينعقد (2). و لو قال كُلّ منهما ذلك لا يبعد الصحّة؛ و إن لا يخلو من إشكال (3).
بالنسبة إلى البعض، كما إذا قال: «بعتك هذه القطعات من الأرض الكذائيّة بكذا» فقبل في واحدة منها بالنسبة أو الأزيد، فإنّه ينعقد.
قوله مدّ ظلّه: «لا يخلو من إشكال».
لا وجه للإشكال بعد إرادة اشتراء جميع المبيع؛ لأنّه قد قبل جميع ما أنشأه، و اختلاف الألفاظ و تشتّت التعابير لا يضرّ بالتطابق المعتبر، من غير فرق بين اشتراء النصف المعيّن، أو المشاع؛ لأنّه أمر خارج عن إنشاء البيع، فإنّ البائع لا ينشئ إلّا بيع أمر وحدانيّ من غير النظر إلى القسمة الوهميّة، فلو قبل تمامه بأيّ وجه كان، فقد أتى بما هو اللازم في التطابق قطعاً.
قوله: «لم ينعقد».
إلّا إذا كان المطلوب متعدّداً، فأورث عرفاً انحلال البيع.
نعم، في غير هذا الوجه يبطل؛ لظهور اللفظ في وحدة الغرض، فلا ينبغي الخلط بين الفروض المشار إليها.
قوله دام ظلّه: «من إشكال».
لا إشكال فيه، و لا وجه لتوهّمه؛ من غير فرق بين أن يقول كلّ واحد
و لو قال: «بعت هذا بهذا على أن يكون لي الخيار ثلاثة أيّام» مثلًا، فقال: «اشتريت بلا شرط» لم ينعقد. و لو انعكس بأن أوجب البائع بلا شرط، و قَبِل المشتري معه، فلا ينعقد مشروطاً. و هل ينعقد مطلقاً و بلا شرط؟ فيه إشكال. (1) منهما: «اشتريت نصفه بخمسمائة» أو يقول: «بألف» و لو صحّ الإشكال فيه يلزم عدم التمكّن من قبول هذا الإيجاب على الوجه الصحيح، إلّا بأن يوكّلا أحداً فيقبل منهما، و هذا شاهد على أنّ الإشكال المذكور لا أصل له.
قوله: «فيه إشكال».
في المسألة صورتان:
إحداهما: ما إذا كان الشرط في كلام المشتري بنفع البائع؛ بأن يقول: «قبلت على أن أخيط لك ثوباً» فإنّه في هذه الصورة ينعقد البيع قطعاً، و في لزوم هذا الشرط عليه إشكال.
إلّا أن يقال: بأنّ عمومات الشروط تشملها؛ لأنّها في الإنشاء تبع العقد، و في الحقيقة ليس إلّا مجرّد الوعد، و ما يدلّ على عدم وجوب الوفاء بالوعد و هي السيرة قاصرة عن شمول هذا المورد و أمثاله.
ثانيتهما: ما لو كان الشرط في كلامه ينفعه، بأن يقبل على أن يكون له الخيار إلى ثلاثة أيّام، أو على أن يخيط له البائع ثوبه، فإنّه في هذه الصورة لا ينعقد بلا إشكال؛ لأنّ القبول المقيّد غير القبول المطلق.
مسألة 5: لو تعذّر التلفّظ لخرس و نحوه، تقوم الإشارة المفهمة مقامه؛ حتّى مع التمكّن من التوكيل على الأقوى (1). و لو عجز عن الإشارة أيضاً فالأحوط التوكيل أو المعاطاة، و مع تعذّرهما إنشاؤه بالكتابة.
قوله مدّ ظلّه: «على الأقوى».
و هو قضيّة المطلقات الواردة فيه(1)، مع إمكان التوكيل نوعاً.
ثمّ إنّ قيامه مقامه كما في أكثر المتون، ربّما كان للإشارة إلى سريان الأحكام الخاصّة بالعقد اللفظيّ إليه؛ و أنّه ليس من قبيل المعاطاة المتنازع فيها صحّة و لزوماً.
و الذي هو التحقيق: أنّ هذه المبرزات مشتركة في تحقّق عنوان العقود و الإيقاعات بها و إن لا يحصل اعتبار العقد مفهوماً؛ لعدم الاحتياج إليه في صحّتها، و لا في لزومها؛ على ما تقرّر منّا سابقاً. و لا إجماع على خلاف ذلك بعد اقتضاء الأدلّة العامّة مشروعيّتها.
فما في المتن من الاحتياط طولًا، إن كان يرجع إلى قصور الكتابة بذاتها عن السببيّة، فهي ممنوعة مطلقاً، لا في فرض.
و إن كان يرجع إلى قصور الأدلّة العامّة عن شمولها في عَرْض غيرها، أو يرجع إلى وجود الإجماع على الممنوعيّة بالكتابة إلّا في هذه
1) وسائل الشيعة 6: 136، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 59. و 19: 373، كتاب الوصايا، الباب 49. و 22: 47، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته و شرائطه، الباب 19.
الصورة، فهو غير تامّ.
و ما ورد في طلاق الأخرس(1)و قراءته(2)، لا يورث تعيّن الإشارة في غير موردها، و لا تقدّم التوكيل و المعاطاة على الكتابة؛ لأنّ عرفان الأخرس للكتابة غير ممكن في عصر المآثير، و حمل «الأخرس» على الأعمّ فيها بحيث يستنتج منه ذلك، خلاف المتبادر من الأخبار.
و لعمري، إنّه بعد عدم دخالة الشرع الأقدس في السبب، فدخالة أرباب الفتوى نفياً و إثباتاً، توجب الفساد؛ لتوهّم العرف لزوم تبعيّتهم لهم في ذلك.
فالأولى الأحوط أن يقال: إذا تحقّق البيع فأحكامه كذا و كذا، و ما به يتحقّق موكول إلى العرف، و تشخيص مصاديقه بيدهم، و عليهم رضوان اللَّه تعالى عليهم اتباعهم، فهم و العرف متعاكسان في المرجعيّة.
و ما قد يتوهّم من لزوم المراجعة إلى العرف في المفاهيم، دون تشخيص المصاديق(3)، إن كان ذلك يرجع إلى أنّ مع اتحاد العرف على مصداقيّة أمر لعنوان، لا بدّ من العمل على طبق تشخيصه دون تشخيصهم،
فهو باطل؛ لأنّه يرجع إلى عدم دركه المفهوم العرفيّ من العنوان الوارد في الدليل مثلًا.
و إن كان ذلك يرجع إلى أنّ مع اختلاف العرف في ذلك، أو مع جهلهم بالواقعة، لا يصحّ الاتكال على دركهم، فهو الحقّ الذي لا محيص عنه، و للمسألة مقام آخر يحتاج إلى البسط فيها.
مسألة 6: الأقوى وقوع البيع بالمعاطاة (1) في الحقير و الخطير، و هي عبارة عن تسليم العين بقصد صيرورتها ملكاً للغير بالعوض، و تسلّم العوض بعنوان العوضيّة.
قوله دام ظلّه: «البيع بالمعاطاة».
على المعروف بين متأخّري المتأخّرين(1)، خلافاً للمشهور و «للجواهر»(2)و غيره(3).
و الذي تقتضيه القواعد هو صحّة المعاطاة التي كان عليها مدار المبادلات في الأزمنة الأوّلية، و غيرها يحتاج إلى الدليل؛ ضرورة أنّ الاعتبارات الموجودة بين الملل، حصلت بعد ما كانت تلك المفاهيم الاعتباريّة متّخذة من المصاديق التكوينيّة، و ما من مفهوم اعتباري إلّا و هو ذو مصداق تكوينيّ، هو الموضوع في اللّغات، و عليه كان العمل لدى الأسلاف.
و بعد التوسعة في المعيشة، و إمساس الاحتياج إلى المبادلات نسيئة وكالياً بكالٍ، أحسوا الاعتبار و التبادل التوهّمي و غير الواقعيّ، منزّلين ذلك منزلة ذلك التعاطي الخارجيّ. و هذا المعنى أيضاً قد كان
حاصلًا قبل الشريعة المقدّسة بالضرورة، و ليس من المستحدثات الأخيرة.
و حينئذٍ يقع الكلام في أنّها بعد مرورها عليهما، و على هذين السبيلين المتعارفين، هل أمضتهما، أو أمضت ما هو الأصل دون الفرع، أو أمضت العكس، و ردعت عن الأصل، أو يفصّل بين العقود؟
بل يمكن دعوى الشكّ في حصول اعتبار بعض العقود قبل الإسلام، مثل عقد المساقاة و أمثالها ممّا قلّ تداولها في الملل السابقة التي تمضيها الشريعة المقدّسة.
وجوه و أقوال:
ظاهر المشهور مردوعيّة المعاطاة، و إمضاء الفرع و العقود القوليّة، و ما يحتمل حدوثها بعدها يستصحّ بالعمومات الواردة في الكتاب، و السنّة، و النصوص الخاصّة في كلّ كتاب و باب.
و ظاهر غيرهم عدم مردوعيّتها(1)، و يكفي ذلك من غير الحاجة إلى الأدلّة الإمضائيّة؛ كتاباً كانت، أو سنّة، مع إمكان تأتّي الخدشات فيها: من قصور موضوعاتها عن شمولها، أو قصور إطلاقها و عمومها عن الشمول.
و ما يتوهّم كونه رادعاً مضافاً إلى الإجماعات المحصّلة، و الشهرات المحقّقة قديماً و حديثاً، بل إرسالها من المسلّمات؛ لشهادة
1) جامع المقاصد 4: 58، مجمع الفائدة و البرهان 8: 139.
كلّ كتاب من كلّ مصنّف عليه، مع تكفّل جماعة لتأليف كتب في صيغ العقود بعض المآثير المذكورة في الكتب المفصّلة(1).
إلّا أنّها لا ترجع إلى محصّل، بل المقرّر في محلّه: أنّ الاغتراسات العرفيّة التي ذات العروق في القلوب و البواطن، غير قابلة للردع بروايات، فضلًا عن الرواية المهجورة، أو الإطلاق و العموم في الكلام المحتمل فيه الوجوه، و الإجماع في المسألة غير كاشف، و اشتهار المسألة عند القدماء غير ثابت.
مع أنّه لو فرضنا جميع هذه المبادئ، فاستكشاف الرواية الصريحة أو الرأي الحجّة في هذا الموقف الذي لا وجه لخفائه بعد شدّة الابتلاء مشكل.
فتحصّل: أنّ المعاطاة ليست مردوعة، و المعاملات العقديّة أحوج إلى الدليل، و قد تحرّر منا في كتاب الإجارة(2)عدم وجود الدليل على إمضاء الإجارة القوليّة؛ و إن أمكن إثبات نفوذها من بعض الطرق الخفيّة.
و الظاهر تحقّقها بمجرّد تسليم المبيع بقصد التمليك بالعوض، مع قصد المشتري في أخذه التملّك بالعوض، فيجوز (1) جعل الثمن كلّياً في ذمّة المشتري. و في تحقّقها بتسلّم العوض فقط من المشتري بقصد المعاوضة إشكال، (2) قوله دام ظلّه: «فيجوز».
لما مرّ، و لعدم ثبوت الدليل على التعاطي من الطرفين، بل السيرة الناهضة عليه، أقوى من القائمة على التبادل من الجانبين.
قوله: «إشكال».
منشأُه قصور السيرة، و عدم تحقّق عنوان «البيع» و «العقد» و «الشرط» و أمثالها بمثله، و لا أقلّ من الشكّ.
و قد يقال: إنّه إذا أمكن إنشاء التمليك بتسلّم العوض، و لا يكون البيع أكثر منه، فعدم كونه بيعاً عند العرف هو لا يضرّ؛ لعدم لزوم التبعيّة لهم في تشخيص المصاديق، بل المتّبع هي المفاهيم، كما مضى بعض البحث حوله في التعاليق السابقة(1).
و أنت خبير برجوع ذلك إلى الاختلاف في المفهوم أيضاً، كما لا يخفى.
1) تقدّم في الصفحة 18 19.
و إن كان التحقّق به لا يخلو من قوّة. (1) قوله مدّ ظلّه: «لا يخلو من قوّة».
وفاقاً لأكثر القائلين بصحّة المعاطاة، و خلافاً للفقيه الأصفهانيّ (قدّس سرّه)(1)، و حيث إنّ السيرة ناهضة على كفايته في حصول عنوان المعاملة، فالأقوى تحقّقها به، و ما ترى من المساهلات لا يرجع إلى قصور المعاطاة في إفادة الملكيّة، و إلّا يلزم الإشكال مطلقاً.
نعم، إذا كان المعوّض في هذه الصورة كلّياً، فكأنّ العرف لا يمتنع من بيع جميع ما عنده؛ و إن كان فيه ما باعه بنحو الكلّي، و ذلك لما لا يرى أنّ ذلك تصرّف في ملك الغير، فلاحظ و تدبّر.
1) وسيلة النجاة 2: 11، كتاب البيع، المسألة 6.
مسألة 7: يعتبر في المعاطاة جميع ما يعتبر (1) في البيع بالصيغة من الشروط الآتية قوله مدّ ظلّه: «جميع ما يعتبر».
لأنّها القدر المتيقّن من الأدلّة، و لو فرض إهمالها فالأولى الشكّ في اعتبار تلك الشروط في البيع بالصيغة.
نعم، قد يشكل بناءً على أنّ المعاطاة ليست بعقد، فحينئذٍ لو كان في الأدلّة المتكفّلة لبيان الشروط عنوان «العقد» فإنّه حينئذٍ ينحصر بالصيغة، و لا يشمل المعاطاة.
هذا، و لكنّه مضافاً إلى فساد المبنى لا أثر من البناء في المآثير و الأخبار. و ما قد يتوهم: من أنّ أدلّة الشروط قاصرة عن شمول المعاطاة؛ لأنّها مختصّة بما فيه الالتزام، و المعاطاة خالية منه(1)، في غير موضعه؛ و ذلك لفساد المبنى أيضاً، و هو خلوّها منه، و عدم الحاجة إليه في شمول تلك الأدلّة؛ فإنّ الشرط إمّا بماهيّته يشمل جميع المعاهدات بدويّة كانت أو ضمنيّة، أو تكون الماهيّة قاصرة عنه، و تختصّ بالتعاليق الضمنيّة، و لا يوجد في كلام الأصحاب ما يورث كونه مختصّاً بما في ضمن الأمر الالتزاميّ؛ و الذي يصدق عليه «العقد» فافهم و تأمّل.
1) انظر البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 1: 92 و 143.
ما عدا اللّفظ (1)، فلا تصحّ مع فقد واحد منها؛ سواء كان ممّا اعتبر في المتبايعين، أو في العوضين.
قوله: «ما عدا اللّفظ».
فيه احتمالان:
أحدهما: أن يكون من الاستثناء المنقطع، فتأتي الشروط المربوطة بالصيغة في المعاطاة، كالموالاة، و التنجيز، و التطابق، و غيرها.
ثانيهما: أن يكون متّصلًا، فلا تأتي تلك الشرائط فيها.
و بالجملة: في المسألة تفصيل؛ فما كان من قبيل شرطيّة التنجيز، و قلنا: بأنّ دليله الإجماع، فالقدر المتيقّن منه عندهم هي الصيغة، دون الفعل.
و إن قلنا بإلغاء الخصوصيّة عرفاً، أو إنّ دليله العقل، فهي مشتركة معها في ذلك.
و أمّا توهّم عدم تصوير هذه الشروط في الفعل، فهو غير قابل للتصديق، مثلًا إذا اعتبر التعاطي من الطرفين، يأتي البحث عن مسألة اعتبار الموالاة.
و إذا سلّم البائع المبيع إلى المشتري بعنوان البيع معلّقاً على مجيء زيد مثلًا، و قبله عليه، فإنّه عنده أمانة إلى حال المجيء، و يصير بعده ملكه، و إلّا فعليه ردّه إليه، كما إذا باعه بالصيغة، و سلم المبيع قبل حصول المعلّق عليه، فما يظهر منهم من قصور الفعل عن تأتّي هذه الشروط فيه غير تامّ.
كما أنّ الأقوى (1) ثبوت الخيارات الآتية فيها.
و إذا سلّم البائع بعنوان البيع، و قبله المشتري بعنوان الهبة، فلا يحصل التطابق المعتبر.
فعلى هذا، يشترط في المعاطاة جميع الشرائط.
نعم، بناءً على ما هو التحقيق من تحقّقها بفعل الطرف الواحد، لا معنى لشرطيّة الموالاة، اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه تتصوّر الموالاة هنا بين بسط يد المالك لبيع ماله، و تأخير المشتري في قبضه، الذي هو بمنزلة القبول في ماهيّته.
قوله دام ظلّه: «الأقوى».
لإطلاق أدلّتها، و قد يمكن دعوى إمكان جريانها فيها و لو قلنا: بأنّها جائزة؛ لأنّه من قبيل جريان خيار المجلس في الحيوان و بالعكس، و لا يمكن إنكاره هناك.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ العرف يأبى عن ذلك إلّا بالدليل، و هو ناهض هناك، دون ما نحن فيه، فتدبّر.
كما يمكن دعوى عدم جريان الخيارات و لو قلنا: بأنّها لازمة بالذّات أو بإحدى الملزمات؛ و ذلك لأنّ الخيار هو حلّ العقد، و العقد لا يحصل إلّا باللّفظ.
و أنت خبير: بأنّ القائل بعدم كونها عقداً، لا بدّ و أن يلتزم إمّا بأنّ الخيار
معناه أعمّ، أو باختصاصه بالصيغة.
و على كلّ تقدير: ما هو الحقّ أنّ المعاطاة عقد، و عقديّة الصيغة في الرتبة المتأخرة كما عرفت(1)، و عرفت أنّ من البديهيّ بطلانه، عدمَ الحاجة في المعاملات إلى إثبات عقديّتها مطلقاً، و معنى الخيار ليس إلّا الإقالة الإيقاعيّة، و لا شبهة في جريان الإقالة في المعاطاة بعد لزومها. و يشهد له أنّ موضوع أدلّتها البيع، لا العقد.
1) تقدّم في الصفحة 20 22.
مسألة 8: البيع بالصيغة لازم (1) من الطرفين قوله دام ظلّه: «لازم».
للأدلّة الخاصّة(1)، و لبناء العقلاء، و أمّا التمسّك(2)بآية وجوب الوفاء(3)، فهو غير تام عندنا؛ لأجنبيّتها عن الموقف، أو لإجمالها.
و ربّما يشكل التمسّك ببناء العرف؛ لأنّه غير ثابت قبل الإسلام على البيع العقدي، و البناء بعده غير كافٍ، خصوصاً إذا كان مستنداً إلى الإسلام، فالدليل الوحيد هو النصّ الخاصّ في البيع، و بعض العمومات الأُخر المذكورة في المفصّلات(4).
و لو فرضنا قصورها، و إجمالَ النصّ الوارد في خيار المجلس عن البيع اللفظيّ؛ لأنّ موضوعه ليس مطلق البيع، بل هو البيع اللازم؛ و هو المعاطاة عند العرف قطعاً، فلا يدلّ على لزوم العقد بالصيغة، فيكفينا الاتفاق، فتأمّل.
إلّا مع وجود (1) الخيار. نعم يجوز الإقالة؛ و هي الفسخ من الطرفين. و الأقوى أنّ المعاطاة أيضاً لازمة من الطرفين إلّا مع الخيار، و تجري فيها (2) الإقالة.
قوله مدّ ظلّه: «إلّا مع وجود».
لا تخلو العبارة من المسامحة؛ لأنّ الخيار لا ينافي لزومه الذاتيّ، و لذلك لا يجوز حلّه و فسخه بطريق آخر غير الحقّ الثابت له، فلو أراد مع وجود خيار المجلس الإقالة، فهي لا يمكن إلّا برضا الآخر و هكذا، فليتدبّر.
فعليه البيع ذو الخيار لازم بذاته، و جائز حيثيّ؛ أي فيه طريق معيّن لحلّه و فسخه.
قوله مدّ ظلّه: «و تجري فيها».
لإطلاق أدلّتها(1)، بل هي أي المعاطاة القدر المتيقّن. نعم إذا قلنا بجوازها، فإجراء الإقالة أيضاً موافق للاحتياط.
و في كونها الإقالة الشرعيّة التي وردت بها النصوص(2)، إشكال بل منع؛ لأنّ ظاهرها في مورد لزوم ما يستقال، كما لا يخفى.
مسألة 9: البيع المعاطاتيّ ليس قابلًا للشرط على الأحوط، فلو أُريد ثبوت خيار بالشرط، أو سقوطه به، أو شرط آخر حتّى جعل مدّة و أجل لأحد العوضين يتوسّل بإجراء البيع بالصيغة، و إدراجه فيه. و إن كان قبوله لذلك بالمقاولة قُبيله، و التعاطي مبنيّاً عليها، لا يخلو من وجه و قوّة. (1) قوله مدّ ظلّه: «لا يخلو من وجه و قوّة».
لأنّ غاية ما يمكن أن يكون وجهاً للمنع أُمور:
و هو أنّ الأفعال تأبى عن قبوله؛ لأنّها ليست إلّا مورثة للنقل و الانتقال.
و لأنّ معنى «الشرط» هو الأمر الحاصل في ضمن العقد، و المعاطاة ليست عقداً.
و لأنّ حال ذكر الشرط لم يتحقّق البيع، و بعد تحقّق البيع لا يذكر الشرط.
و لدعوى الإجماعات في كلمات الشيخ(1)و غيره(2)، و عليه الشهرة في باب ذكر الشرط قبل العقد، و إيقاع العقد مبنيّاً عليه، فإنّهم منعوا من نفوذ مثله.
و أنت خبير: بأنّ هذه الوجوه قاصرة عن منع ذلك، بل لو سلّمنا عدم تعلّق الشرط بالمعاملة إذا ذكر قبلها، فالذي هو الخارج عن عموم أدلّة الشروط؛ هي الشروط البدويّة، لا التي تذكر على العقد و المعاوضة، و لذلك أفتى الأصحاب بلزوم المهر المذكور بعد عقد النكاح بالتراضي، و لا يجوز لأحدهما التخلّف(1)، و هذا ليس أمراً تعبّدياً صِرفاً.
و لو سلمنا ذلك، فإيقاع المعاطاة مبنيّة على القيود و الشروط، كإيقاع العقود بالصيغة كذلك، و لا يكاد يمنع عنه، و قد صرّحوا في مواضع كثيرة بصحّة ما وقع العقد مبنيّاً عليه، و لا خصوصيّة للشرط(2).
و الإجماع المدّعى بعد قصوره عن كشف رأي المعصوم (عليه السّلام) منقوض بمخالفة «الخلاف»(3)و «المختلف»(4)فتدبّر. مع أنّ ظاهرهم منع نفوذ الشرط المذكور في العقد بالصيغة، و لو كان ذلك من التعبّد فلنا دعوى عدم جريانه في المعاطاة.
مسألة 10: هل تجري المعاطاة في سائر المعاملات مطلقاً، أو لا كذلك، أو في بعضها دون بعض؟ سيظهر (1) الأمر في الأبواب الآتية إن شاء اللَّه تعالى.
قوله دام ظلّه: «سيظهر».
و الذي لا بدّ من التنبيه عليه هنا: هو أنّ كثيراً ما يشكل جريان المعاطاة صغرويّاً: بأن لا يقبل العوضان النقل و الانتقال، كالأراضي، فتحويل الأرض اليابسة لا يمكن إلّا بالمقاولة و اللّفظ، أو يكون كلّ من العوضين عند المتعاوضين قبل العقد. و مجرّد الإمكان لا يكفي لخروجه من المتعارف، كما لا يخفى.
مسألة 11: كما يقع البيع و الشراء بمباشرة المالك، يقع بالتوكيل أو الولاية من طرف واحد، أو الطرفين. و يجوز (1) لشخص واحد تولّي طرفي العقد أصالة من طرف و وكالةً، أو ولايةً من آخر، أو وكالةً من الطرفين، أو ولايةً منهما، أو وكالةً من طرف، و ولايةً من آخر.
قوله دام ظلّه: «و يجوز».
لعدم الدليل على المنع، و تحقّق عناوين المعاملات بما يصنعه قطعاً، مع دعوى الإجماع بقسميه عليه في «الجواهر»(1)و هو مقتضى النصوص الواردة في تقويم الجارية على نفسه(2)، و الاقتراض من مال المولّى عليه(3)، كما عن فعل السجّاد (عليه السّلام)(4).
و توهّم الفرق بين الوكيل و الوصيّ كما عن بعض(5)ظنّاً أنّ النصّ وارد في الثاني دون الأوّل، غير مرضيّ.
و من القوي أنّ الجهة المبحوث عنها في مسألة تولّي طرفي العقد،
1) جواهر الكلام 22: 324.
2) وسائل الشيعة 17: 267، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 79، الحديث 1 2.
3) قرب الإسناد: 119، وسائل الشيعة 17: 264، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 78، الحديث 6.
4) الكافي 5: 131/ 5، وسائل الشيعة 17: 258، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 76، الحديث 1.
5) لاحظ جواهر الكلام 22: 331.
مورد الاتفاق، و الذي مورد الإشكال هو ما إذا أمر آمر بالبيع و الشراء و غيرهما، و المأمور باعه من نفسه، أو اشترى له من ماله، فإنّه هنا مشكل لأمر آخر، فلا ينبغي الخلط، فهذه المسألة اتّفاقيّة، و تلك المسألة أيضاً تامّة، إلّا إذا كان في البين موجب الانصراف.
و توهّم استفادة المنع(1)من معتبرة عمّار الساباطيّ في كتاب النكاح(2)، فاسد؛ لاحتمال الخصوصيّة جدّاً في موردها.
مسألة 12: لا يجوز على الأحوط (1) تعليق البيع على شيء غير حاصل حين العقد؛ سواء علم حصوله فيما بعد، أم لا، و لا على شيء مجهول الحصول حينه. و أمّا تعليقه على معلوم الحصول حينه؛ كأن يقول: «بعتك إن كان اليوم يوم السبت» مع العلم به، فالأقوى جوازه.
قوله دام ظلّه: «على الأحوط».
خلافاً للإجماعات المحكيّة على بطلانه جزماً عن الفخر(1)، و الشهيد الثاني(2)، و الشيخ(3)، و المسألة معروفة بين المتأخّرين(4)و إن قيل: «هو متسالم عليه عند الكلّ» و لكنّه غير معلوم، خصوصاً بعد تعليلهم بعلل؛ فإنّه يعلم منهم عدم ثبوت الإجماع التعبّدي في المقام.
و إجمال البحث: أنّ القيد المذكور إمّا راجع إلى الإنشاء، أو المنشأ، أو المتعلّق، أو الموضوع، كقوله: «بعتك هذا إن كنت عالماً» فإنّه يرجع إلى أنّه باعه للعالم جزماً، فهو إن كان عالماً فقبله صحّ البيع، و هذا في الحقيقة راجع إلى كون المشتري كلّياً، و قد فرغنا سابقاً عن صحّة مثله(5).
و رجوع القيد إلى الإنشاء دون المنشأ، هو الذي اختار المتأخّرون امتناعه(1)لأنّه من التعليق في الإيجاد، و اضطراب كلماتهم لعدم نيلهم ما هو مقصودهم، فلو قال: «بعت إن كان كذا» فالعنوان المعلّق حاصل، و لا يعقل تعلّق هذا المعلّق بقيد، و هذا هو الضروري عند من يتصوّر أطراف المسألة.
و لذلك قلنا بجواز التعليق في التكوينيّات؛ قضاءً لحقّ البراهين القطعيّة في مسألة ارتباط الحوادث فيما لا يزال بالموجود الأزليّ.
فما هو الممنوع عقلًا في المقامين: التكوين، و التشريع، هو التعليق في الإنشاء؛ بمعنى أن لا يحصل المعنى المعلّق، لا الأمر الآخر الآتي ذكره.
ثمّ رجوع القيد إلى المنشإ أو الإنشاء؛ بمعنى منعه عن تأثيره، و توقّفه في إفادة الأثر على أمر آخر؛ إذا حصل تحصل العلّة التامّة، هو من الواضح إمكانه و وقوعه، و لا فرق بين المنشأ و الإنشاء إلّا في اللحاظ، فما هو المعلّق هو البيع السببيّ المدلول عليه بالهيئة الموضوعة للإنشاء و الإيجاد الاعتباري.
و إن شئت قلت: إنّما الأُمور ثلاثة:
أحدها: إيجاد السبب التامّ من غير قيد في الكلام، و هو المتعارف في المقام.
1) كفاية الأُصول: 122 و مابعدها، فوائد الأُصول 1: 175 176.
ثانيها: إيجاد السبب الناقص المتوقّف تأثيره على الجزء الآخر الذي أخذه البائع قيداً و جزءاً، فإنّه عند ما حصل يترتّب الأثر، و لا شبهة عندنا في ذلك.
و ما قيل في منع تقييد المعاني الحرفيّة، تامّ(1)، إلّا أنّه لا يفيد ذلك؛ لأنّ التوصيف غير التقييد في اصطلاحنا، كما في الأعلام الشخصيّة، و التفصيل في محلّه.
نعم، يمكن دعوى عدم نفوذ دخالة المالكين في الأسباب العرفيّة و الشرعيّة، و لعلّ المانعين يمنعون لأجله، بل هو صريح كلام جماعة، حيث حكي عنهم: «أنّ العقود أُنيطت بضوابط متلقّاة من الشرع، و تبطل فيما خرج عنها و إن أفاد فائدتها»(2).
و لكنّها غير مسموعة؛ لعرفيّة ذلك، و عدم المنع اللّفظيّ، و يكشف الإمضاء من طرق ذكرناها في محلّها.
ثالثها: إيجاد السبب التامّ على المسبّب المتأخّر وجوده؛ بمعنى أنّ الإرادة تعلّقت بالمتأخّر، و هذا في التكوين له بساط آخر لا يليق بالجاهل الورود فيه، و أمّا هو في التشريع فمع كون السبب تامّاً يتحقّق المسبّب،
و هو خلف، و إذا كان السبب بمعنى الزمان المتوسّط مسبّباً، فهو خلف أيضاً.
فعليه إمّا يقال: بأنّ المسبّب يحصل بعد السبب، فيكون المستأجر للسنة الآتية مالكاً لمنفعة الدار فعلًا، و يجوز له إيجارها قبل مجيء السنة، إلّا أنّ ظرف مملوكه متأخّر، كالتأخّر المكانيّ، و هذا هو المتراءى منهم في كتاب الإجارة(1)، فلا تعليق أصلًا، و إنّما التأخّر لأمر آخر.
أو يقال: بأنّ خلط الأسباب التكوينيّة بالاعتباريّة، أورث ذلك، فهو أيضاً يستلزم الخلف، كما لا يخفى.
فرجوع القيد إلى المتعلّق و المادّة ممتنع؛ بأن يكون السبب التامّ موجوداً، و المسبّب متعلّقاً على أمر غير حاصل، فإنّه تفكيك بين العلّة و المعلول على الفرض، و بين الموضوع و الحكم على الاعتبار الآخر المذكور تفصيله في مقامه.
فتحصّل: أنّ التصرّف في السبب أمر واضح إمكانه، و أمّا بعد تماميّة السبب فلا يعقل التصرّف في المسبّب، فإنّه خارج عن مصبّ الاختيار و القدرة. و توهّم وقوع ذلك في الوصيّة و التدبير، فاسد؛ ضرورة أنّ
1) مسالك الأفهام 5: 193، جواهر الكلام 37: 273، العروة الوثقى 2: 421، أحكام الإجارة، المسألة 19.
المستحيل لا يمكن بالدليل.
ففي كلّ موقف كذائيّ، يعلم إمّا بقصور السبب، و لا يكون مضيّ الزمان دخيلًا في تأثيره، و لا يعقل اعتبار السبب التامّ مع عدم المسبّب؛ لأنّه متقوّم بالغرض، و لا معنى لتماميّة السّبب إلّا حصول المسبّب خلفه بلا وسط.
أو يكون المسبّب حاصلًا بلا فصل فهو حرّ فعلًا دبر حياته، و لكنّه ما دام لم يمت لم يتحقّق الموضوع، كما في الإجارة.
و من هنا يعلم: أنّ الواجب المعلّق أمر واقعيّ بهذا المعنى؛ لأنّ الواجب متحقّق بعد الإنشاء، و متأخّر لتأخّر ما هو الخارج عن حدود الإنشاء، لا بمعنى حصول الأمر و الإنشاء، و عدم حصول الواجب إلّا بعد دخول الوقت فتدبّر، فكما أنّ الانتقال حاصل بعد حصول سببه، و لكنّ الاستيفاء من المنتقل إليه لا يمكن إلّا بعد برهة من الزمان، كذلك الواجب حاصل بعد الإيجاب، و لكنّ الانبعاث نحوه و انقداح إرادة العبد، لا يعقل إلّا في ظرفه.
فعلى ما أسمعناك، يظهر جواز التعليق في الإنشاء؛ أي مفاد الهيئة، و في المنشإ؛ أي مفادها الانتزاعيّ، و الحاصل المصدري، و جواز التعليق في المادّة و المتعلّق و المنشأ؛ بمعناه الآخر بالوجه الذي عرفت. هذا حسب القواعد الكليّة.
و أمّا قضيّة الإجماع فممنوعيّة التعليق؛ بمعنى اشتراط الجزم، و مصبّه أعمّ، و لكن تماميّة هذا الإجماع ممنوعة.
و قد يشكل جوازه في المتعلّق فقط، دون الهيئة، و هو مختار الوالد المحقّق- مدّ ظلّه(1): بأنّ ما يدلّ على ممنوعيّة رجوع القيد إلى الإنشاء، غير كافٍ، و لكن نقل ملكيّة العين يوم الجمعة، أو ملكيّة العين المقيّدة بمجيء زيد، غير صحيح؛ لعدم مالكيّة الإنسان للأملاك المتعدّدة إذا كان مالكاً لعين واحدة، فالتحصيص بالحصص في الإجارة لا يستلزم، صحّته في البيع؛ لأنّها متقوّمة بالزمان، فبحسبه يصحّ التحصيص، و لكنّه مغفول فيه الزمان و العصر، فلا يكون زيد مالكاً للعين المقيّدة هكذا و كذا؛ حتّى ينقله إلى غيره.
و هذا بحسب نظر العرف بدواً تامّ، و لكنّه فرق بين ما إذا أُريد نقل ملكيّة العين يوم الجمعة على أن يكون قيد الملكيّة، و تكون العين منتقلة إليه في يوم الجمعة، و بين ما كان المقصود انتقال ملكيّة العين يوم الجمعة من يوم الجمعة، فإنّ الأوّل باطل، و لا أظنّ أنّه المراد هنا، و الثاني صحيح، و هو مقصود القائلين بصحّة التعليق، فافهم و تدبّر جدّاً.
ثمّ إنّ تكثير الصور، فيه النتيجة لو كان المستند الإجماع المحكيّ في كلام جمع كما تقدّم(2)، و إلّا فعلى القواعد لا فرق. إلّا أن يقال بشرطيّة الجزم، فيكون التعليق على الحاصل غير منافٍ للجزم، فافهم.
مسألة 13: لو قبض المشتري ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه، (1) قوله مدّ ظلّه: «لم يملكه».
بالعقد بالضرورة؛ للزوم الخلف، فإنّ السبب المملِّك هو العقد، و إذا كان فاسداً فهو كأن لم يكن شيئاً مذكوراً. و أمّا تملّكه بسبب آخر مثل القبض، أو يقال بكفاية الألفاظ المذكورة في النقل و إن لم يكن بيعاً؛ حتّى يجري فيه أحكامه، و به يجاب عن من يتوهّم أنّ سببيّة الفعل و القول المذكورين، تنافي اعتبار العقد و اعتبار القيود فيه، فهو غير معلوم.
اللهمّ إلّا أن يقال: ليس البيع إلّا التمليك بالعوض إنشاء؛ و المبادلة بين المالين في الإضافة من الملكيّة أو السلطنة، و هو حاصل بالسببين عرفاً، فيعلم أنّ العقد الفاسد و القبض المترتّب عليه، لا يورث النقل شرعاً.
نعم، العقد الفاسد عند الشرع سبب عند العرف، فيحصل النقل و الانتقال، إلّا أنّه غير ممضى؛ بمعنى أنّه لا يجوز لكلّ واحد منهما ترتيب آثار الملكيّة على المقبوض، و إذا ردّ إلى صاحبه يحصل لهما الملكيّة الجديدة عند العرف، و لكن لدى الشرع الأقدس يعاد مملوكه إليه، و في المسألة من هذه الجهة بحث يطلب من مقام آخر، فتدبّر.
إن قلت: ليس القبض هنا أسوأ حالًا من المعاطاة المورثة للملكيّة.
قلت: المدار في المعاملة على الإنشاء، و هو هنا غير حاصل، بخلافه هناك، فالإعطاء المقارن لإنشاء التمليك، غير الإعطاء المقارن للوفاء
و كان مضموناً عليه؛ (1) بالعقد، فإذا كان السبب فاسداً فلا معنى لكون المسبّب مفيداً لمعنى السبب بالضرورة، أو إذا كان المقتضي بلا أثر، فلا يعقل كون المقتضى بالفتح، و هو النقل و الانتقال الخارجيّ قائماً مقام المقتضي بالكسر.
قوله مدّ ظلّه: «مضموناً عليه».
شهرة كادت تكون إجماعاً، و في «المسالك»(1)و «الكفاية»(2)دعوى الاتفاق و القطع به في كلام الأصحاب (رحمهم اللَّه (بل في «التذكرة» تأكيد دعوى إجماعه بكلمة «أجمع»(3).
و لكن ظاهر الشيخ في «الخلاف» لعدم تمسّكه بالإجماع أنّ المسألة ليست إجماعيّة، قال: «إذا اشترى جارية شراء فاسداً، ثمّ قبضها فأعتقها، لم يملك بالقبض، و لم ينفذ عتقها، و لا يصحّ شيء من تصرّفه فيها، مثل البيع، و الهبة، و الوقف، و غير ذلك، و يجب عليه ردّها على البائع بجميع نمائها المنفصل منها، و به قال الشافعيّ.
و قال أبو حنيفة: يملك بالقبض، و يصحّ تصرّفه فيها، و يجب على كلّ واحد منهما فسخ الملك و ردّ المبيع على صاحبه.
دليلنا على ذلك: أنّه إذا كان ..» إلى آخره(1)من الوجه العرفيّ، و عدم الدليل على صحّته، فلاحظ.
و لا يخفى: أنّ أكثر عبارات القوم حول عدم سببيّة الفاسد، و عدمِ جواز التصرّف فيما قبضه، و عدمِ نفوذ تصرّفاته فيه، و لكنّ الضمان مسكوت عنه إلّا فيما نسب إلى رهن الشيخ(2)، و في موضع من البيع(3)، و حكي عن «شرح القواعد» أيضاً «أنّ تلفه عليه بالإجماع»(4)و هذا هو الظاهر من «السرائر» لدعواه «أنّ البيع الفاسد يجري مجرى الغصب عند المحصّلين في الضمان»(5).
و منه يعلم: أنّ دعوى غصبيّة المقبوض موضوعاً فاسدة، و يكذّبها شهادة العرف بخلافه، مع ظهور قولهم: «إنّ الغصب هو الاستيلاء عدواناً»(6)في كونه عالماً بأنّه مال الغير على نعت جزء الموضوع، فإثبات الضمان
بأدلّة مخصوصة بالغصب(1)، غير مرضيّ جدّاً.
نعم، بناء العقلاء على الضمان حسب ما قرّرناه في قاعدة الإقدام(2): من أنّ الإقدام على تسليم المال إلى الغير على نحوين: مجّاني، و غير مجّاني، فلو كان التسليط مجّانياً سواء كان على العين كالهبة، أو المنفعة كالعارية فإنّه لا يورث الضمان عندهم، إلّا في صورة الإتلاف في الفرض الثاني بل لا يبعد حكمهم به في صورة التلف أيضاً.
و إذا كان غير مجّاني، بل يحاذيه شيء مفروض أو مجهول، فإنّه مضمون عندهم قطعاً، و القابض يقبضه على هذا الوجه.
و هذا عندهم بلا فرق بين الصورتين: قبل القبض، و بعده؛ لحصول الملكيّة عندهم بالفاسد الشرعيّ، و لكنّه لدى الشرع الأقدس قبل القبض فيما كان صحيحاً في البيع، أو فاسداً فيه، و في غيره ليس على الطرف، و لا يكون تلفه عليه، و أمّا بعده فقضيّة البناء العرفيّ و السيرة المستمرّة، ضمان المقبوض بالفاسد.
ثمّ إنّه قد يتوجّه إلى قصور هذه القاعدة بعض إشكالات لا أساس
لها، مع أنّها ليس كافلة للضمان إلّا مع لحاظ شرائطها، و عدم المخصّص الشرعيّ في مورد من مواردها، فلا ينبغي الخلط كما وقع من الأعلام(1)، و ما تمسّكوا به من أدلّة الضمان في المقام(2)، غير تامّ، و التفصيل يطلب من كتابنا الكبير(3).
هذا، و قد يشكل قاعدة الإقدام؛ لأجل أنّ إسقاط الشرع اعتبار العوضيّة، و إيجابَه عدم ترتيب آثار الملك على كلّ من العوض و المعوّض، لا يستلزم كون المقبوض بلا عوض عرفاً، و لا يورث في معتبر العقلاء أن يصير مالًا يقصد به المجّانية مجّاناً؛ حتّى يجب عوضه الواقعيّ، أو المماثل مع المسمّى في الماليّة.
بل غاية ما يظهر؛ سقوط المعاملة عن التأثير في محيط الشرع، أو عدم جواز ترتيب الآثار، و هذا غير ذاك قطعاً، فعليه يكون المقبوض ذا عوض، فلو قبضا ما ابتاعا فتلفا، فلا شيء عند العقلاء عليهما بعد ذلك، كما
لو لم يتلف العوض الشخصيّ مثلًا، فإنّه و إن لا يجب حسب الشرع ردّه؛ لعدم كونه ملك الغير، و لكنّه حسب حكم العقلاء يجب؛ حتّى يسقط ضمانه بالنسبة إلى المعوّض التالف في يده.
فقاعدة الإقدام أيضاً قاصرة عن إثبات عموم المدّعى؛ و هو ضمان المقبوض على الإطلاق، كالمغصوب، فما اشتهر من الحكم بالضمان في المسألة، محلّ إشكال.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ معنى فساد العقد عدم الانتقال شرعاً، و معنى ذلك أنّ المقبوض ملك الطرف، و معناه أنّه لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذنه و طيبة منه، و معنى ذلك أنّه لو أخبره و أعلنه بعدم رضاه بعد الاطّلاع مع قيامه بردّ ما عنده من القابض، كما هو المفروض في الجهة المبحوث عنها أنّه يكون غاصباً، فيكون ضامناً، و لكنّه لا يفي للضمان قبل الإعلام، و فيما كان غافلًا عن فساد العقد.
أقول: حال كلّ واحد من المتعاقدين بالنسبة إلى المقبوضين، لا تخلو من صور:
إمّا يكون كلّ واحد راضياً فعلًا بما عند الآخر، كما هو المتعارف في العقود؛ لأنّ مقصود الناس في العقود هو الوصول إلى مقاصدهم و أغراضهم، فلو علم كلّ واحد: بأنّ طيب الآخر لا يحصل إلّا بطيبة، فإنّه يتحقّق منه ذلك الطيب بالتصرّف؛ لقيام غرضه بذلك، فعندئذٍ لا معنى
للضمان، كما أفاده في المتن.
و إمّا يكون كلّ واحد راضياً تقديراً، فهي مثل السابقة في الكفاية عرفاً؛ و إن كان ظاهر المستثنى في الروايتين الواصلتين عن أوّل المعصومين و آخرهم صلوات اللَّه عليهم و هو قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «إلّا بطيبة نفسٍ منه»(1)و قوله عجّل اللَّه تعالى فرجه: «بغير إذنه»(2)هو الرضا الفعليّ، و لكنّ العرف يتجاوز منه إلى الأعمّ، فتدبّر جيّداً.
فلو تلف أحدهما قبل الإعلام و في حال الغفلة، و كان الأمر قبل التلف على ذلك، فلا ضمان أيضاً قطعاً.
أو يكون التلف بعد الإعلام بعدم رضاه، فهو من الغصب موضوعاً بالضرورة.
أو يكون التلف في حال الغفلة، أو قبل الإعلام، و كان في نفسه عدم رضاه بذلك؛ لندامته على أصل المعاملة، فإنّ الحكم حسب البناء العرفيّ عدم الضمان و عدم الاعتناء به، و لا يرون استحقاقه إلّا للمسمّى، و ليس لصاحب العوض منعه عنه؛ بدعوى أنّه ليس عوضه الشرعيّ،
بمعنى أنّه يجب عليه أن يردّه (1) إلى مالكه، و لا ضمان بالنسبة إلى المعوّض؛ لأنّه خلاف قاعدة الإقدام التي قدر متيقّنها هذه الصورة، كما أُشير إليه.
و أمّا حسب القواعد الشرعيّة، فالحقّ قصورها عن إثباته، و مقتضى البراءات الشرعيّة و العقلائيّة و العقليّة، عدم الضمان.
قوله مدّ ظلّه: «يجب عليه أن يردّه».
عقلًا و شرعاً إن كان المقصود من «الردّ» أعمّ من التخلية بينه و بين صاحبه و مالكه.
و أمّا وجوب الردّ بالمعنى الأخصّ و هو الإيصال إلى صاحبه فهو غير معلوم حتّى إذا صارت يده غاصبة؛ لأنّه ليس من الغصب الحدوثيّ.
و توهّم: أنّه يحرم الإمساك، فيجب الردّ عقلًا أو شرعاً(1)، فاسد لأنّه أوّل البحث، و الذي يحرم هو التصرّف بدون الإذن، و ليس الإمساك منه عرفاً، كما في العين المستأجرة بعد انقضاء مدّة الإجارة، فلا تغفل.
و دعوى دلالة صحيحة زيد الشحّام المشتملة على قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «أ لا من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها؛ فإنّه لا يحلّ دم امرئ
1) لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 104/ السطر 12 13.
و لو تلف و لو بآفة سماويّة يجب عليه ردّ عوضه (1) من المثل أو القيمة. (2) مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه»(1)على وجوب الردّ(2)لأنّ ظاهرها الاستدلال على وجوب ردّ الأمانة بالجملة الأخيرة، غير تامّة؛ لأنّ الصحيحة ليست في هذا الموقف، لأنّ وجوب الأداء منوط بالطلب، فيعلم منه: أنّ المقصود المنع عن الخيانة في الأمانة.
و لو كان الأمر كما توهّم، فالتأدية ليست بالردّ حتّى يستلزم وقوع المؤتمن في المشقّة بلا وجه، بل هي بالتخلية كما هو المفتى به في الأمانة بالمعنى الأخصّ، مع ظهور الصحيحة فيها، و عدم شمولها لمطلق الأمانة الشرعيّة و المالكيّة، فلا تخلط.
قوله مدّ ظلّه: «يجب عليه ردّ عوضه».
المقصود ضمانه في المثليّات بالمثل، و في القيميّات بالقيمة، و لا يجب الردّ على الإطلاق و لو لم يطلب، بل و لو طلب لا يجب إلّا التخلية، و لعلّ المقصود منه ليس إلّا هي.
قوله دام ظلّه: «من المثل أو القيمة».
اختلفت آراء القوم في هذه المسألة على أنّ قضيّة العرف و الشرع،
هل هي أصالة المثليّة؛ بمعنى وجوب المثل، أو لا، و إذا تعذّر تتعيّن القيمة؟ أو أصالة القيميّة؟
أو الأشياء مختلفة؛ فمنها المثليّات، و منها القيميّات؟
أو أصالة تخيير المالك، فإن عيّن المثل فهو، و إن عيّن القيمة فهي. أو أصالة تخيير الضامن؟
أو الأشياء مختلفة عند المالك، فما كان النظر فيها إلى ماليّتها- كأموال التجارة يتعيّن القيمة، و إذا كان النظر فيها إلى خواصّها و آثارها يتعيّن ردّ المثل؟
أو المالك و الضامن كلاهما بالخيار، فإن توافقا على أمر فهو، و إلّا فيرجع الأمر إلى الحاكم؟
أو غير ذلك من الوجوه و المحتملات؟
و الذي يستدعي مقالة المشهور و إليه ذهب الماتن أمران:
الأوّل: دعوى بناء العقلاء على هذا التفصيل، و أنّ الأشياء المتعارفة في هذه المدن و الأزمان و العصور و الأمصار، مختلفة عند العرف، و لا طريقة للشرع الأقدس حذاء بنائهم.
و الثاني: لو سلّمنا أصالة المثليّة؛ لأنّه الأقرب إلى القواعد و الأفهام، خصوصاً في هذه الأيّام التي تخرج من المكائن الأشياء المتماثلة المتّحدة في جميع الجهات المرغوب فيها، إلّا الهويّة الشخصيّة غير
المرغوب فيها، مع أنّها قيميّات عند المشهور على ما عرّفوهما في كتبهم(1).
و لكنّ ذلك فيما كان المثل كثيراً و متعارفاً في الأسواق، و أمّا مجرّد المماثلة مع ندرة الوجود، فهو غير مرضيّ عند أحد في إلزام الضامن تسليمه، كما هو الظاهر و فيما لم تكن الأدلّة الشرعيّة قاضية بالقيمة في كثير من المواقف، و مقتضى الجمع بين حكم العرف و تلك الأدلّة التي موردها القيميّات كأثاث البيت(2)، و الحيوانات(3)مذهب المشهور.
و أنت خبير بما في الأمرين:
أمّا الدعوى المزبورة، فهي غير مسموعة جدّاً، و لا حاجة إلى بيانها بعد وضوحها بمجرّد المراجعة إلى الوجدان، و إلى العقلاء و العرف في الأسواق و معاملاتهم.
و أمّا الجمع بين الأدلّة، فلِمَ لا يقتضي التخيير؟! فإنّه الأقرب إلى الصناعة؛ فإنّ في المذكورات و أثاث البيت الواردة في المآثير و الروايات، مثليّا و قيميّاً، و لا وجه لحصرها بها. مع أنّ المتقيّمات بالقيمة معناها أعمّ من القيمة بالمعنى الأخصّ؛ و هي الماليّة المتقوّمة
بالنقود، أو الماليّة السارية.
هذا مع أنّ ذكر القيمة من باب أحد مصاديق التخيير، لا من باب التعيين، فإنّه لا يتمّ إلّا بتماميّة الدعوى الاولى، فتكون حجّة المشهور أمراً واحداً بلا بيّنة و برهان. و نفس الاشتهار في خصوص المسألة، مع عدم كونه حكماً عقلائيّاً، ربّما يكشف عن اطّلاعهم على رأي المعصوم عليه الصلاة و السلام إلّا أنّها غير ناهضة بعد قوّة احتمال اعتقادهم ذلك من الجمع بين الشرع و العرف، فتدبّر.
و الذي كان يستقرّ عليه رأينا في السلف؛ هو تخيير الضامن؛ لعدم وجوب شيء عليه إلّا إفراغ ذمّته و إسقاط ضمانه، و لا دليل على الأزيد منه؛ حسب الأدلّة الشرعيّة و العمليّة عند الشكّ، على ما تقرّر في محلّه تفصيلًا، و لا يلزمون العقلاء أحداً بتسليم المثل أو القيمة؛ و إن كان أحدهما رائجاً دون الآخر.
نعم، لو تمّ ما سلكناه في الجملة؛ من أنّ تلف العين في باب الضمانات القائمة بالميول و الرغبات، بتلف جميع الأمثال، و أنّ الوحدة و الكثرة في هذا الموقف، غير الوحدة و الكثرة في العلوم الأُخر، فإذا كان المماثل واجداً لجميع ما في التالف ممّا ترغب إليه النفوس؛ ماليّة، و غيرها من الألوان المطلوبة فلا يعدّ ذلك غيره عرفاً، بل هي ذاك، فعندئذٍ يتعيّن أصالة المثليّة.
نعم، لو كان كلّ من البائع و المشتري، راضياً بتصرّف الآخر مطلقاً فيما قبضه و لو على تقدير الفساد، يباح لكلّ منهما التصرّف و الانتفاع بما قبضه و لو بإتلافه، و لا ضمان عليه. (1) قوله دام ظلّه: «و لا ضمان عليه».
لأنّ التلف بإذن مالكه و رضاه، و منه يعلم عدم جواز تصرّفه فيه بما يتوقّف على الملك. و مراده من «التصرّف» ليس مطلق التصرّفات.
و توهّم كفاية الرضا المعاملي عن ذلك الرضا(1)، في غير محلّه؛ لأنّ المتعلّقين مختلفان، و لا يعقل ترشّح الرّضا منه مع الاعتقاد بالصحّة؛ لأنّه لا يرى ما بيده ماله حتّى يرضى بتصرّف الآخر فيه، و لا معنى لرضاه بتصرّف الآخر في ماله، و مع الشكّ في الصحّة أو العلم بالفساد، لا يترشّح منه الإرادة الجديّة للمعاملة المؤثّرة في النقل إلّا مع الغفلة، و عندئذٍ لا يكون ذلك الرضا أيضاً كافياً.
فعلى ما تحصّل، يمكن دعوى حصول الملكيّة في غير صورة العلم بالصحّة؛ لأنّه تحصل المبادلة عندهم بين المالين بعد القبض، و لا حاجة إلى أكثر منها في المعاملات العقلائيّة. و هذا يشبه المعاطاة، و يترتّب عليه أحكامها.
بل في الصورة الأُولى و هي الاعتقاد بالصحّة، يمكن دعوى عدم
1) انظر مجمع الفائدة و البرهان 8: 193.
الضمان إذا أتلف؛ لأنّه فيما يسلّم المبيع إلى المشتري مثلًا، يكون راضياً بتصرّفه فيه و إن كان منشأُ الغفلة عن القصّة و الواقعة؛ فإنّ التقييد في الموضوعات الخارجيّة و المعاني الجزئيّة، لا يستلزم الكثرة النفس الأمريّة كما لا يخفى، فعلى هذا يمكن دعوى كفاية التسليط الخارجيّ في رفع الضمان.
هذا كلّه بناءً على اشتراط التصرّفات الناقلة بالملكيّة، كما هو المشهور المقطوع به في كلام الأصحاب.
و عندي فيه نظر فصّلناه في كتابنا الكبير(1)، و قد بيّنا هناك: أنّ القواعد لا تقضي بذلك، و يجوز تبادل المالين في الملكيّة، و تكون الإضافة الحادثة بين المالين و المالكين الآخرين لا الأوّلين في الملكيّة، أو السلطنة، أو هما معاً، فعليه لا منع من تصرّفات القابض بعد رضا المالك بجميع التصرّفات فيما قبضه، من غير لزوم الالتزام بالملكيّة آناً ما الذي هو من الأباطيل الواضحة، أو الالتزام بالهبة، أو غير ذلك.
1) تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الرابع، الأمر السابع.
القول في شروط البيع و هي إمّا في المتعاقدين، و إمّا في العوضين
القول في شرائط المتعاقدين و هي أُمور:
الأوّل: البلوغ، فلا يصحّ بيع الصغير (1) قوله: «بيع الصغير».
إجماعاً بقسميه، بل عليه اتفاق المسلمين في الجملة، و لا فرق بين بيعه و غيره من العقود إلّا بعض منها يأتي في محالّها تفصيلها.
و هذا فيما كان غير رشيد و كان غير يتيم قطعيّ. إلّا أنّ الإشكال في غير اليتيم الرشيد، فإنّه خارج من الآية(1)، و من كثير من الروايات في المسألة(2)، و لا ينبغي الخلط، و لا معنى لإلغاء الخصوصيّة بعد وضوح وجودها في اليتيم بالضرورة.
و أمّا الأخبار التي موضوعها «الصغير» و «الصغيرة»(1)فهي بعد صحّة إسنادها ذاتاً، أو انجباراً تدلّ على عدم جواز أمره و المنصرف إليه منها ما كان متعارفاً من الصغار، دون الرشيد الذي هو الأقوى من البالغ بمراتب و مراحل، فإنّ المآثير ربّما تكون منصرفة عنه. و قضيّة القواعد و العمومات عدم الفرق بين عقد الصبيّ و غيره.
بل فيما رواه الصدوق بإسناده عن الأصبغ، عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام إلى يوم الدين: «أنّه قضى أن يحجر على الغلام المفسد حتّى يعقل»(2)دلالة واضحة على حكم العقلاء، و مساعدة الحكم و الموضوع أيضاً توجب الانصراف.
و مثلها رواية الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: سألته عن المرأة المعتوهة الذاهبة العقل، أ يجوز بيعها و صدقتها؟
قال: «لا»(3). فإنّها تدلّ مضافاً إلى الحكم المذكور في الجملة، على اغتراس ذهن السائل في أنّ المدار على العقل. و أوضح منهما معتبر السكونيّ الآتي المروي في «الكافي»(4).
و لو كان مميّزاً (1)، أو كان بإذن الوليّ؛ إذا كان مستقلا في (2) إيقاعه، قوله دام ظلّه: «و لو كان مميّزاً».
إجماعاً، و عليه المنقولات و الشهرات المحقّقة في جميع الأعصار، بل هو المنساق من الأدلّة؛ لأنّ ما لا تمييز له لا يحتاج إلى السؤال.
قوله مدّ ظلّه: «مستقلا في».
لأنّه عندئذٍ يكون الأمر بيده؛ و هو التصدّي لشأن المعاملة، و يشمله الأدلّة، مثل دليل خيار المجلس(1)و نحوه، فهو البيِّع قطعاً، و إذا ورد «أنّه لا يجوز أمره في البيع و الشراء»(2)فإطلاقه يشمل الفرضين من الاستقلال: استقلاله النفسي، و استقلاله الإعطائي من قبل الولي و الحاكم.
هذا مع أنّ قضيّة الحكمة أو العلّة عدم الفرق بينهما؛ لأنّ منعه من هذه التصرّفات و عدم إمضائها، ليس إلّا لأجل عدم ترتّب الفساد عليه، و المقصود سدّه حتّى في صورة الاحتمال، و عدم الوقوع في المشاكل.
فما قد يتوهّم: من أنّ إذن الوليّ هنا كإذنه في نكاح البالغة الرشيدة، و أنّه تعبّد محض لحفظ الاحترام، في غير محلّه؛ لشهادة العرف على خلافه. و اختلاف الفقهاء هناك(3)، و اتفاقهم هنا(4)، أيضاً يمنع عن هذا
على الأقوى في الأشياء الخطيرة (1)، و على الأحوط في غيرها. (2) الموهوم، كما لا يخفى.
فبالجملة: لو تمّ ما تخيّلناه من خروج الرشيد من الأدلّة، و هو غير المميّز المعنون في متون الأصحاب، فلا حاجة إلى الإذن مطلقاً، و إلّا فقضيّة الإطلاق بعد الشمول عدم الفرق بين الصور، حتّى الصور الآتية من ذي قِبَل إن شاء اللَّه تعالى.
و لعلّ الأردبيلي على ما ذكرنا كلامه في كتابنا الكبير(1)، ذهب إلى ما أفدناه في أصل المسألة(2)، فراجع و تدبّر.
قوله مدّ ظلّه: «في الأشياء الخطيرة».
لأنّها القدر المتيقّن من الأدلّة، و من الخروج عن السيرة غير المردوعة.
قوله دام ظلّه: «في غيرها».
و هو الأعمّ من السيرة جدّاً، و غير الخطيرة، فإنّ كثيراً من التجارات و المكاسب ليست خطيرة، و لا يسيرة، مثل ما تعارف بين الأطفال، فعليه يمكن دعوى شمول العبارة لثلاثة صور:
و إن كانت الصحّة في اليسيرة إذا كان مميّزاً ممّا جرت عليها السيرة، لا تخلو من وجه و قوّة. (1) أوّلها: عدم الجواز فيها هو الأقوى.
ثانيها: الحكم فيها على الاحتياط؛ لأنّ قضيّة الإطلاقات(1)هي الممنوعيّة، و لا شاهد على شمول السيرة لها.
ثالثها: ما هو الحكم فيها الجواز، و هي اليسيرة المعبّر عنها ب «معاملات الصغير» على نعت إضافة الموصوف إلى الصفة، فتدبر.
قوله دام ظلّه: «من وجه و قوّة».
لأنّ تلك السيرة أوّلًا: متّصلة، و ليست منقطعة الأوّل بالضرورة.
و ثانياً: ليست مردوعة، و دعوى أنّها غير مرتدعة، و هي عندئذٍ غير كافية(2)، غير مسموعة جدّاً، و لو كان الأمر كما قيل يلزم وضوح الحكم، و صدور المآثير الكثيرة، و لا يكفي في هذه الموضوعات التي عليها العقلاء، الإطلاقُ و العموم فيعلم منه قصور الأدلّة عن الرادعيّة، عنها.
بل يستلزم ذلك فسق العلماء و الفقهاء رضوان اللَّه تعالى عليهم لعدم أمرهم بالمعروف، و نهيهم عن المنكر. مع ابتلائهم في جميع الأعصار و الأمصار بها في كلّ يوم مراراً، و هذا يستلزم العسر و الحرج في معيشة
الإنسان، و هي مشقّة أعظم من الالتزام بالأطفال، أو التدخّل في أُمورهم، فتبصّر.
فعلى هذا، الحكم كما في المتن قوي جدّاً، و دعوى الإجماع عليه(1)، غير ثابتة، خصوصاً بعد وجود النصوص في المسألة.
هذا مع شهادة معتبر السكونيّ في «الكافي» عن أبي عبد اللَّه عليه الصلاة و السلام قال: «نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (عن كسب الإماء؛ فإنّها إن لم تجد زنت، إلّا أمة قد عرفت بصنعة يد، و نهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة بيده؛ فإنّه إن لم يجد سرق»(2)على أنّ كسب الغلام في الجملة، ممّا لا بأس به. و لقد تعرّضنا للوجوه المحتملة في هذه الرواية في محالّها(3)، و لكنّها بكثرتها لا تنافي دلالتها عرفاً على الصحّة إجمالًا.
بل قضيّة إطلاقها صحّتها في جميع الصور و لو كان منهيّاً من قبل الوليّ، و لا منع من الالتزام به لولا مخافة مخالفة الإجماع فيما كان رشيداً مميّزاً بالغاً في العقل؛ و إن كان غير بالغ إلى أشدّه و هو الجسم بالاحتلام و نحوه.
كما أنّه لو كان بمنزلة الآلة بحيث تكون حقيقة المعاملة بين البالغين ممّا لا بأس به مطلقاً. (1) قوله دام ظلّه: «مطلقاً».
و لو كان منهيّاً من قبل وليّه؛ لأنّه لا يؤثّر في شيء:
أمّا تكليفاً فواضح.
و أمّا وضعاً، فلأجنبيّته عنه، فإنّه إذا لم يكن إذنه شرطاً، فلا دليل على مضرّية منعه.
و توهّم شمول الإطلاقات لهذه الصورة، غير تامّ؛ لأنّه ليس متصدّياً لأمر المعاملة حتّى يكون مشمول الأدلّة.
هذا، و لكنّ النظر الدقيق يؤدّي إلى عدم الفرق؛ ضرورة أنّ ما يتكفّله الصغير و إن لم يكن أمر البيع و الشراء، إلّا أنّه لا بدّ و أن ينطبق عليه أحد العناوين المعروفة، و هو هنا «الوكالة» و لا شبهة في أنّه عندئذٍ ممنوع عنها. و توهّم عدم كونها شيئاً حتّى يحتاج إلى تطبيق العناوين عليه، فاسد؛ ضرورة أنّ من الممكن أخذ الأجر و حقّ الوكالة على ذلك الأمر، فعدم جواز أمره يؤدّي إلى جميع أُموره، خصوصاً في الوكالة.
و كونه آلة مثل الحيوان، لا يستلزم عدم انطباق عنوان عليه، و إلّا يلزم ذلك فيما يتصدّى الكبير لإجراء العقد، و يأخذ الأجر حذاءه، و لا يمكن الالتزام بخروجه عن العناوين المعروفة بالضرورة.
اللهمّ إلّا أن يقال: بعدم الدليل على عدم نفوذ أمره على الإطلاق، و إلغاء الخصوصيّة عمّا ورد في البيع و الشراء مشكل؛ لما أنّه التجارة المتعارفة المستلزمة لوقوعه في الهلكة، بخلاف غيرها، خصوصاً إذا لم يكن مرتبطاً بالماليّات التي هي المقصودة في عدم الإمضاء قويّاً.
و ما ورد في «الخصال» بسند صحيح إلى أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ، عن عبد اللَّه بن سِنان، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم الذي يجوز أمره.
قال: «حتّى يبلغ أشدّه».
قال: و ما أشدّه؟
قال: «احتلامه».
قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة، أو أقلّ أو أكثر و لم يحتلم.
قال: «إذا بلغ و كتب عليه الشيء، و نبت عليه الشعر، جاز عليه أمره، إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً»(1).
و إن كان مطلقاً، إلّا أنّ أبا الحسين غير معلوم، و دعوى كونه آدم بن
1) الخصال: 495/ 3.
المتوكّل(1)و إن كانت قريبة، إلّا أنّها لا تتمّ حجّة.
اللهمّ إلّا أن يقال: بتماميتها؛ لرواية البَزنطيّ عنه.
نعم، لا يبعد إطلاق معتبر ابن سِنان الآخر عنه (عليه السّلام) قال: سأله أبي و أنا حاضر عن قول اللَّه عزّ و جلّ حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ(2).
قال: «الاحتلام».
قال فقال: يحتلم في ستّ عشرة، أو سبع عشرة سنة و نحوها؟
فقال: «لا، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات، و كتبت عليه السيّئات، و جاز أمره ..»(3).
و لكن الذي يسهّل الخطب: أنّ إسراء الحكم من اليتيم إلى غيره في غاية الإشكال، فافهم و تأمّل جدّاً.
نعم، الظاهر تماميّة إطلاق المنع بالنسبة إلى اليتيم في أمواله، فإنّه في غاية المتانة. و أمّا عدم صحّة وكالته في إجراء العقد بالنسبة إلى أمواله، فهي لأجل عدم مساعدة الاعتبار، و عليه لا منع من تصدّيه لإجرائه؛
و كما لا تصحّ معاملة الصبيّ في الأشياء الخطيرة لنفسه، كذلك لا تصحّ لغيره أيضاً. (1) لأنّ تلك المطلقات ناظرة إلى عدم نفوذ أمره؛ أي بيعه و شرائه، أو وكالته و إجارته، و هذا ليس منها.
نعم، بناءً على كونه مسلوب العبارة كما يأتي الإيماء إليه، يلزم عدم نفوذ تصدّيه له أيضاً، و لكنّه غير تامّ.
و توهّم: أنّه وكيل عن وليّه، طويل الذيل، من شاء فعليه بالرجوع إلى الكتاب الكبير(1).
قوله دام ظلّه: «لا تصحّ لغيره أيضاً».
للإطلاق في النصّ(2)، و الفتوى(3)، و لأنّ تصدّيه لأمر الغير يرجع إلى الوكالة، أو الولاية، أو النيابة، و كلّ يطلب من محلّه، أو يرجع إلى بعض العقود الأُخر، كما لا يخفى.
1) تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الأوّل، الفرع الثاني، بحث و تفصيل في نفوذ أمر الصبي مطلقاً.
2) وسائل الشيعة 17: 360، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع و شروطه، الباب 14 و 18: 409، كتاب الحجر، الباب 1 2، و 19: 366، كتاب الوصايا، الباب 45 46.
3) جواهر الكلام 22: 260، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 114/ السطر 8.
[إذا كان وكيلًا حتّى مع إذن الوليّ في الوكالة، و أمّا لو كان وكيلًا لمجرّد إجراء الصيغة و كان أصل المعاملة بين البالغين فصحّته لا تخلو من قرب (1)، فليس هو (2) مسلوب العبارة، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط].
قوله مدّ ظلّه: «لا تخلو من قرب».
قد عرفت وجهه و وجه الإشكال فيه(1)، و غاية ما يوجّه به نفوذ هذا الأمر؛ عدم ثبوت الإطلاق، و عدم صحّة إلغاء الخصوصيّة.
و العجب أنّه- مدّ ظلّه و أصحابه يعتقدون بأنّ الأخبار المشتملة على حكم اليتيم، لا تختصّ به، و الموضوع فيها «الصبيّ»(2)كما يشهد به بعض المآثير(3)وهماً، و مع ذلك أفتوا بذلك!! و هل هذا إلّا دعوى الانصراف؟! و هي غير مسموعة؛ لعدم تماميّة سندها و كأنّه لكونه فعلًا يسيراً لا يعبأ به، يكون خارجاً منها، و لو تمّ ذلك يلزم بعض ما لا يلتزمون به، فتدبّر جيّداً.
قوله: «فليس هو».
خلافاً لما نسب إلى الشهرة(4)، و سند هجرانه ليس بناء العقلاء حتّى
يكون منشأُه قصور المقتضي، بل سنده بعض الإطلاقات، كحديث الرفع(1)، و أنّ «عمد الصبيّ و خطأُه واحد»(2)و بعض النصوص الناطقة بأنّ الحسنات لا تكتب له إلّا بعد البلوغ(3)، و الأُمور تكون أمّا حسنة أو سيّئة، و العقود ليست خارجة عنها، فإذن هو مسلوب العبارة تعبّداً، خرج منه بعض المواضع، كالوصيّة(4)، و العتق(5)، و الطلاق(6)، و التدبير(7)، و في باب الشهادات باب منعقد لاستماع شهادته في القتل(8)، و هذا لا يضرّ بتلك
1) الخصال: 93/ 40 و 175/ 233، وسائل الشيعة 1: 45، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 4، الحديث 11.
2) تهذيب الأحكام 10: 233/ 920، وسائل الشيعة 29: 400، كتاب الدّيات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 2.
3) وسائل الشيعة 1: 42، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 4، الحديث 1، و 19: 363، كتاب الوصايا، الباب 44، الحديث 8 و 11 و 12.
4) وسائل الشيعة 19: 362، كتاب الوصايا، الباب 44، الحديث 3 و 5.
5) وسائل الشيعة 23: 91، كتاب العتق، الباب 56، الحديث 1.
6) وسائل الشيعة 19: 212، كتاب الوقوف و الصدقات، الباب 15، الحديث 2.
7) لم نعثر على خبرٍ في هذا الباب لكنّ الشيخ( رحمه اللَّه( قال بصحّة تدبير الصبيّ إذا كان مميّزاً عاقلًا مراهقاً و قال قيّده أصحابنا بما إذا بلغ عشر سنين فصاعداً إذا كان عاقلًا و قال دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم على أنّ الصبيّ إذا بلغ عشر سنين صحّت وصيّته و التدبير وصيّته، انظر الخلاف 2: 672، المسألة 21.
8) وسائل الشيعة 27: 343، كتاب الشهادات، الباب 22.
الإطلاقات و النصوص، كما لا يخفى.
و مثلها حجّه و سائر عباداته التي ورد الأمر بحثّ الموالي إيّاه عليها(1)، الظاهرة على إشكال في صحّتها، و قضيّة الجمع بين الأدلّة كونها تمرينيّة، و ليست حسنة.
أقول: قد تعرّضنا لهذه الأدلّة تفصيلًا و ما يتوجّه إليها في كتابنا الكبير(2)، و المحرّر في محلّه: أنّ حديث الرفع(3)مضافاً إلى عدم ثبوت سند قوي له غير واضح الدلالة، و فيه المحتملات الكثيرة(4)، و لعلّ الأظهر من بينها؛ أنّ ما هو الثابت في الشريعة على نحوين:
أحدهما: ما هو ثابت للإنسان.
و ثانيهما: ما هو ثابت للكبير.
فما هو المرفوع هو الثاني؛ لأنّ الظاهر أنّ منشأ الرفع هو صباه و جنونه و نومه، فما يثبت للكبير العاقل المنتبه مرفوع عن الثلاثة، و أمّا
1) وسائل الشيعة 4: 18، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 3 4 و 10: 234، كتاب الصوم، أبواب من يصحّ منه الصوم، الباب 29، الحديث 3 و 11.
2) تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الأوّل، الفرع الثاني.
3) تقدّم في الصفحة 70.
4) تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الأوّل، الفرع الثاني، ذنابة قد يستدل على أنّه مسلوب العبارة.
هذا الأمر ما هو؟ فهو يحتاج إلى دليل آخر، و القدر المسلّم هو العقاب و العتاب.
و أمّا نسبة الرفع فهي خفيفة المئونة؛ فإنّ توجيه الخطاب القانونيّ، أو جعل العنوان الكلّي القابل للانطباق عليه في القانون الكلّي، كافٍ لصحّة الرفع، و لا تمسّ الحاجة إلى الشرائط العامّة في ذلك، بل هي شرائط الإرادة الجديّة و تنجيز الحكم.
أمّا التسوية، فهي ثابتة و مدّعاة بين خطأ الصبيّ و عمده، لا الخطأ و عمده، و ما هو المفيد هو الثاني، دون الأوّل، فإذا قال: «عمد الصبيّ خطأ ..»(1)فإطلاقه يستلزم ارتفاع جميع الأحكام الثبوتيّة عنه، فهو مسلوب العبارة، و إذا قال: «عمد الصبيّ و خطأُه واحد» كما في صحيحة ابن مسلم(2)، فهو دليل على أنّ لخطأ الصبيّ حكماً خاصّاً لا بدّ من الفحص عنه و إثباته لعمده، و هذا الحكم هو الحكم الثبوتيّ، لا الأعم منه و من العدميّ، و لا يختصّ بالعدميّ، فلا ينبغي الغفلة عن هذه النكتة، فتكون الرواية مخصوصة بباب الدية.
هذا مع أنّ الالتزام بالتسوية، يستلزم الفقه الجديد.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ ما توهّمه جمع من اللزوم المذكور(1)، منشأُه الاعتقاد بصحّة عباداته، و إذا قلنا: بأنّها تمرينيّة فلا يلزم، فتدبّر جدّاً، و لا تغفل.
و إن شئت قلت: لمّا كانت الصحيحة في مقام الامتنان، فكلّ حكم و لو كان عدميّاً ثابتاً للخطإ امتناناً فهو ثابت لعمد الصبيّ، و ما لا امتنان فيه مثل الأحكام الثابتة لخطأ غير الصبيّ فهو غير ثابت للصبيّ؛ رعاية لحقّ الامتنان عليه، و أمّا النصوص(2)فشمولها للعقود ممنوع؛ لأنّها عرفاً و لغة ليست حسنة.
و دعوى الأولويّة غير بعيدة، إلّا أنّ الالتزام بمفاد هذه الأخبار، مشكل بعد خروج الحسنات المكتوبة، فتحمل على حسنات الواجبات المرفوعة.
مع أنّها معارضة بمعتبر طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «إنّ أولاد المسلمين موسومون عند اللَّه عزّ و جلّ شافع و مشفّع، فإذا بلغوا اثنتي عشرة سنة كتبت لهم الحسنات، فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيّئات»(3).
و التحديد الأوّل لإفادة التمييز، مع أنّ المعارضة بين المفهوم و المنطوق، فهذه الرواية في حكم القرينة على انتفاء الأوّل.
فتحصّل: أنّ المآثير الدالّة بالمفهوم على أنّ الحسنات و السيّئات تكتب بعد البلوغ(1)، قاصرة عن إثبات مسلوبيّة عبارة الصبيّ، بل و عدم مشروعيّة عبادته.
مع أنّ عدم المشروعيّة غير عدم مكتوبيّة الحسنات، فيصحّ الالتزام بالثاني من غير لزوم الالتزام بالأوّل، فجميع عباداته و معاملاته صحيحة إمّا بالفعل، أو بالقوّة، فتحتاج إلى الإجازة، إلّا أنّها إذا كانت ذات حسنة لغيره، لا تكتب تلك الحسنة له.
1) تقدّم في الصفحة 70.
الثاني: العقل، فلا يصحّ بيع المجنون. (1) قوله دام ظلّه: «بيع المجنون».
صحّته فعليّة إذا ترشّح منه الجدّ إلى المعاملة، و صحّته بالقوّة مطلقاً.
هذا فيما إذا تصدّاها حال جنونه، و إلّا فالصحّة مطلقاً قويّة جدّاً. و احتمال عدم إمضاء عقد المجنون على إطلاقه و إن كان عاقلًا في برهة(1)، كاحتمال عدم إمضاء المجنون في بعض الأُمور و هو عاقل في المعاملات، و كلاهما غير مبرهن.
اللهمّ إلّا أن يقال: باستيحاش العقلاء من تجارة هؤلاء؛ لعدم الاعتماد عليهم و عندئذٍ يؤيّد الإطلاق في بعض الأخبار(2). و قد مضى في قضاء الإمام عليّ (عليه السّلام) على ما روي في الصغير(3)، ما يدلّ على أنّ المدار على كونه عاقلًا(4)، فتبصّر.
1) لاحظ مقابس الأنوار: 114/ السطر 16.
2) وسائل الشيعة 1: 45، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 4، الحديث 11، و 28: 23، كتاب الحدود و التعزيرات، أبواب مقدّمات الحدود و أحكامها العامة، الباب 8، الحديث 2.
3) الفقيه 3: 19/ 43، وسائل الشيعة 18: 410، كتاب الحجر، الباب 1، الحديث 4.
4) تقدّم في الصفحة 60.
الثالث: القصد، فلا يصحّ بيع غير (1) القاصد، كالهازل، و الغالط، و الساهي.
قوله دام ظلّه: «فلا يصحّ بيع غير».
صحّته فعليّة بالضرورة، و صحّته بالقوّة؛ بحيث لا تنفع الإجازة اللاحقة؛ لعدم ترشّح الإرادة إلى معنى العقد، بل و لا إلى معنى اللفظ.
و إن شئت قلت: القصد ليس من شرائط ماهيّة العقد، و لا من شرائط المتعاقدين، و لا من مقوّمات الماهيّة، بل هو السبب لوجود العقد، فيكون العقد بوجوده متقوّماً به.
و هذا القصد كما يعتبر في المداليل التصوّرية، و يعتبر في تحقّق الألفاظ الموضوعة لتلك المعاني، و يعتبر في المداليل التصديقيّة الناقصة، كقوله: «بعت زيداً غير آجرته» كذلك يعتبر في المداليل التصديقيّة التامّة.
و أمّا دخالته في الأثر الفعليّ، فهي كلام طويل الذيل في بحث الفضوليّ.
إن قيل: القصد إجمالًا من أجزأ ماهيّة العقد، و إلّا يلزم صحّة عقد الهازل بالقوّة، و إذا لحقته الإجازة يصحّ بالفعل.
قلنا: فرق بين كون الشيء من أجزاء الماهيّة، و بين كونه دخيلًا في
كونه الماهيّة ماهيّةً، مثلًا ماهيّة الإنسان ليست إلّا الأجناس المترتّبة و الفصل الأخير، و لكنّ الإنسان لا يصدق بالحمل الشائع إلّا حين الوجود.
فالبيع ليس إلّا إنشاء المبادلة، و هذا الإنشاء ليس إنشاءً إلّا بالوجود و الجدّ و الإرادة المتعلّقة بمضمونه. و ممّا ذكرناه يظهر مواقف النظر و الخلط في كلمات القوم صدراً و ذيلًا(1).
ثمّ إنّ في المقام فروعاً كثيرة تعرّضنا لحدودها في كتابنا الكبير، و من شاء تفصيلها فليراجع هناك(2)، و تدبّر فيما أسمعناك.
الرابع: الاختيار، فلا يصحّ (1) البيع من المكره ..
قوله دام ظلّه: «فلا يصحّ».
إجماعاً، و عليه بناء العقلاء، و أمّا النصوص الواردة في مواقف أُخر(1)، فدلالتها على بطلان البيع بعد عدم وجه للسراية منها إليه. مع إشكال في كونها واردة في مفروض كلام الأصحاب؛ و هو القاصد إلى البيع، و اعتباره في الخارج كغيره.
بل ظاهر بعض منها إبطال الطلاق؛ لعدم القصد إليه، كرواية منصور ابن يونس(2). و قد عرفت عدم الحاجة إلى الرواية في المسألة بعد وضوحها حسب القواعد العقلائيّة.
إن قلت: العمومات و الإطلاقات تردع عن البناء المعروف؛ بعد كون عقد المكره بيعاً جامعاً للشرائط.
قلت أوّلًا: يمكن منع صدق العناوين عليه، لا لفقدانه القصد و الاختيار، بل لفقدانه الشرط الآخر: و هو عدم كون الإرادة المتعلّقة بتلك العناوين، مقهورةً للإرادة الأُخرى عرفاً، و موجودةً بالإرادة الأُخرى عند العقلاء و العرف.
و ثانياً: الانصراف فيما نحن فيه قطعيّ بالوجدان، بل العقل قاضٍ بأنّه كيف يمكن الالتزام بإجبار الغير على البيع، ثمّ بعد ذلك يجبره الحاكم على ردّ المبيع بعنوان الامتناع من التسليم؟! و هذا حكم لو صدر من أحد، فهو أحوج إلى المعالجة من التحصيل.
إن قيل: فما معنى اشتراط الاختيار في كلمات الأصحاب؟
قلنا: إن كان المقصود منه اشتراط الاستقلال في الإرادة حسب الدواعي الشخصيّة قبال المكره الذي هو و إن كان مستقلا في الإرادة بنظر العقل، إلّا أنّه بنظر العرف ليس مستقلا فيها، و تكون إرادته مترشّحة من القاهر الجابر فهو صحيح(1).
1) هذا آخر ما عثرنا عليه من إفادات شهيدنا السعيد( قدِّس سرُّه) شرحاً لمبحث البيع من تحرير الوسيلة.
كتاب الخيارات
القول في الخيارات (1) و هي أقسام:
الأوّل: خيار المجلس قوله مدّ ظلّه: «في الخيارات».
و هي جمع «الخيار» على خلاف القياس، و «الخيار» بحسب اللغة من «الاختيار»(1)، و هو اصطفاء خير الأمرين و طلب خير الشيئين.
و في الاصطلاح فسّر بتفاسير:
فعن المشهور: «هو ملك إقرار العقد و إزالته»(2). و عن موضع من «الإيضاح»: «هو ملك فسخ العقد»(3).
و قيل: «هو ملك فسخ العقد و تركه»(4).
و عن رابع: «هو السلطنة و الاستيلاء».
و اختار المصنّف: «أنّه حقّ اصطفاء الفسخ»(1)مقرّاً بأنّه معنىً مباين مع معناه اللّغوي، إلّا أنّه أقرب من معانيه الأُخر.
و الذي هو الأقرب من أُفق التحقيق: أنّ المعاني الاصطلاحيّة الاعتبارية الجعليّة، مصاديق المعاني اللغويّة حقيقة، و لمّا كان صاحب الخيار قبل الاعتبار، غيرَ مستولٍ على فسخ العقد و إعدامه، ما كان مختاراً في أمر العقد، كما هو ليس مختاراً في كثير من الأُمور الخارجيّة، و كما أنّه ربّما يعطى إليه الاختيار تكويناً، كذلك اعطي إليه اختيار العقد اعتباراً؛ لاعتباريّة محلّه و مورده، فقوله (عليه السّلام): «هو بالخيار» كما في خيار المجلس(2)، معناه أنّه مفوّض إليه أمر العقد حلّا و نقضاً.
نعم، المتبادر منه في محيط الأخبار في المعاملات، ليس معناه اللغوي، بل هو المعنى الأخصّ، و غلب عليه حتّى صار حقيقة فيه ثانياً؛ لتبادره منه بلا قرينة. اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ من القرينة كونه في محيط خاصّ، و الأمر سهل.
ثمّ إنّ هذا الخيار ليس من أوصاف الأفعال، بل هو اعتبار ثابت لذي
الخيار، و ينتزع منه أنّ العقد خياري، و أمّا الاصطفاء فهو بمعنى الاختيار و إعمال القدرة و الإرادة.
و بعبارة اخرى: هو إعمال الاختيار النفسانيّ المشترك فيه كافّة أرباب الإرادة، و منهم ربّ الأرباب.
و أمّا تفسيره بالملك، فهو أيضاً في غير محلّه، إلّا إذا أُريد منه الاقتدار الاعتباري الثابت، و لأجل ذلك كان الأولى تفسيره بالسلطنة. و أمّا أنّه السلطنة على العين، أم العقد، أو فسخ العقد، فكُلّ ممكن، و لو قام دليل عليه فهو المتّبع، و إلّا فما هو مورد الخيار بلا تأويل هو الفسخ، دون العقد و العين كما لا يخفى.
و حيث إنّ السلطنة على الفسخ تستتبع قهراً الاقتدار على ترك أعمال السلطنة المزبورة، يكون الفسخ خياريّاً و مورد الاختيار، فلا حاجة إلى ذكر قولهم: «و تركه» بل لا يعقل تعلّق الاختيار بالترك.
و من هنا يظهر سقوط النزاع المشهور: و هو أنّ طرفي الخيار هل هما وجوديّان، أمْ وجودي و عدمي(1)؟ هذا مع أنّ الخيار يتعلّق بالعنوان حقيقة، و ما هو شأنه ذلك لا يمكن أن يتعلّق مع وحدته بالعنوانين: الإزالة، و الإثبات. و إرجاعه إلى الكثير على نعت التخيير و إن كان ممكناً، إلّا أنّه
1) منية الطالب 2: 2/ السطر 7، حاشية المكاسب، الأصفهاني 2: 3/ السطر 32 33.
فإذا وقع البيع فللمتبايعين الخيار (1) ما لم يفترقا، خارج عن فهم الأصحاب (رحمهم اللَّه (وحدة الخيار تعييناً.
قوله مدّ ظلّه: «فللمتبايعين الخيار».
اتفاقاً(1)، و دعوى أنّ المسألة مجمع عليها في الجملة بين المسلمين قريبة، و عليها النصوص الكثيرة، كمعتبر ابن مسلم، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): البيّعان بالخيار حتّى يفترقا ..»(2).
و معتبر ابن يزيد، عنه (عليه السّلام) قال: «قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): إذا التاجران صدقا بورك لهما، فإذا كذبا و خانا لم يبارك لهما، و هما بالخيار ما لم يفترقا ..»(3).
و ما في خبر غياث بن إبراهيم، عن عليّ (عليه السّلام) قال: قال عليّ (عليه السّلام): «إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و إن لم يفترقا»(4)، محمول.
1) جواهر الكلام 23: 4.
2) الكافي 5: 170/ 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1.
3) تهذيب الأحكام 7: 26/ 110، وسائل الشيعة 18: 7، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 6.
4) تهذيب الأحكام 7: 20/ 87، وسائل الشيعة 18: 7، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 7.
و دعوى: أنّ قضيّة الجمع حمل تلك الأخبار على أنّها بصدد تجويز البيع إلى الافتراق، و هذا على تجويزه إلى التصفيق، قريبة جدّاً، أو تقييد مفهوم الطائفة الأُولى بذلك الخبر، فتدبّر.
هذا مع أنّه لا تدلّ تلك الأخبار صراحة على أنّ كلّ واحد منهما- مع قطع النظر عن الآخر بالخيار، فتأمّل.
و وجه عدوله- مدّ ظلّه من البيّعين إلى المتبايعين؛ ما في معتبر ابن مسلم، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا»(1).
و كأنّ معناه «و فيما سوى ذلك» أي الحيوان هما «من بيع» أي باقيان على البيع ادّعاءً، أو هما بالقدرة و الاختيار على التبادل و المبادلة و الترادّ الاعتباري بتوسيط الخيار «حتّى يفترقا».
و أيضاً: الإيماء إلى أنّ الحكم يدور مدار صدق «المتبايعين» سواء كانا أصيلين، أو وليّين، أو وكيلين، أو مأذونين، أو مختلفين.
و قال- مدّ ظلّه: «إنّ قضيّة القواعد عدم صدقهما إلّا على مباشري العقد و البيع، دون الموكِّلين؛ ضرورة أنّ ماهيّة البيع هي المبادلة
1) تهذيب الأحكام 7: 23/ 99، وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، الحديث 3.
الإنشائيّة، و هي تحصل بإرادة المباشر دون الموكِّل، و نسبتها إلى الموكِّل من المجاز قطعاً.
و دعوى استعمال اللّفظ في المعنيين: الحقيقيّ، و المجازي، ممكنة غير نافعة؛ لأنّ ذلك مضافاً إلى الحاجة إلى القرينة، بعيدة عن أُفق التقنين»(1).
نعم، لا يثبت هذا الخيار للوكيل في إجراء الصيغة انصرافاً، فكان عليه- مدّ ظلّه التصريح بعدم الخيار له؛ لصدق «المتبايعين» عليهما عنده.
و الذي محرّر عندي: أنّ الموضوع هو «التاجران» لأنّه الأعمّ، و في المثبتين يؤخذ بالأعمّ؛ ضرورة أنّهما يصدقان على غير المتبايعين في سائر العقود التجاريّة و المعاوضيّة، و قد صرّح في اللّغة ب «أنّ التجارة هي تقليب المال»(2)أو «التصرّف فيه»(3)و هو المناسب لآية التجارة(4).
و ما يقال: «من أنّ التاجر أخصّ؛ لعدم صدقه على مجرّد من يصدر منه البيع»(5)في غير محلّه، كما يظهر بأدنى تأمّل.
هذا مع أنّ «البيع» بحسب اللّغة هو «الأخذ و الإعطاء على وجه الثمنيّة و المثمنيّة»(1)و حقّقنا في محلّه أنّ عقد البيع ليس من الإضافة البيانيّة، بل هو معناه العقد على البيع و التقابض، فالعاقدان ليسا بالخيار، و تفصيله في كتابنا الكبير، و تصير النتيجة أنّ الموكِّلين ربّما يعدّان تاجرين، كما في الفرض المزبور.
نعم، الوكيل على التجارة و الأخذ و الإعطاء بالخيار، دون الموكِّل، فاغتنم.
و بعبارة أوضح: اختصّ الخيار بالمعاطاة التي هي لازمة حسب الأصل المحرّر، و أمّا عقد البيع فلا يجري فيه الخيار؛ سواء قلنا: بأنّه لازم، أم قلنا: بأنّه جائز، نعم إذا حصل الأخذ و الإعطاء فلهما الخيار.
ثمّ إنّ مقتضى إطلاق المتن ثبوت الخيار في المعاوضات، بل و في الفضوليّ، إلّا أنّ انصراف الأدلّة عنه قوي، كما ادّعاه- مدّ ظلّه(2).
نعم، فيمن باع لنفسه فأجاز المالك البيع للفضوليّ، فالأقرب عندي ثبوته، و يظهر وجهه بأدنى تأمّل إن شاء اللَّه تعالى.
فإذا افترقا و لو بخطوة (1)، و تحقّق بها الافتراق عرفاً، قوله مدّ ظلّه: «و لو بخطوة».
كما في «الخلاف» و فيه أنّ الشافعيّ أرجع إلى العادة، و قسّم أقساماً(1).
و يظهر من «التذكرة»(2)و نسب إلى جماعة؛ أنّه يكفي أدنى الانتقال(3).
و قال الشيخ (رحمه اللَّه): «و يظهر من بعض اعتبار الخطوة؛ اغتراراً بتمثيل كثير من الأصحاب لأقلّ الافتراق، و عن صريح جماعة التأمّل في كفاية الخطوة؛ لانصراف الإطلاق إلى أزيد منها(4)، و قيل «إنّه الظاهر من الأخبار(5)الحاكية لفعل الباقر (عليه السّلام) حيث مشى خطىً»(6).
و يظهر من بعضهم كفاية أقلّ الجمع؛ و هي الثلاث:
و عن صاحب «الكفاية» أنّ العبرة بالافتراق المطلق، لا مطلق الافتراق(7)لعدم تماميّة مقدّمات الحكمة بعد كون نظر العرف إلى عدم كفاية مطلق الافتراق تبعاً.
1) الخلاف 3: 21، المسألة 26.
2) تذكرة الفقهاء 1: 517/ السطر 29.
3) تحرير الأحكام 1: 165/ السطر 29، مسالك الأفهام 3: 196.
4) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 222/ السطر 14.
5) وسائل الشيعة 18: 8، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 2، الحديث 2 3.
6) مجمع الفائدة و البرهان 8: 384.
7) حاشية المكاسب، المحقّق الخراساني: 168.
و الذي هو التحقيق: أنّ المسألة حيث لا تكون إجماعيّة، و لا علميّة و تعبديّة، تكون موكولة إلى العرف، و قد تقرّر في محلّه أنّ المرجعيّة متقسّمة بين العوامّ و الأعلام، فإنّ للعوامّ أن يقلّدوا الأعلام في الأحكام الشرعيّة، و للأعلام أن يراجعوا العوامّ في المفاهيم الإفراديّة اللغويّة العرفيّة(1).
ثمّ إنّ ما هو المتّبع هي الآراء العرفيّة الدقيقة، لا التسامحيّة و التدقيقات العقليّة، كما تحرّر أيضاً مراراً منّا في محالّه(2)، و كثير من الاختلافات المرئيّة في تشخيص العرف، مستند إلى الخلط بين العرف المسامح و المحقّق.
نعم، اختلف الأُصوليّون في أنّ المرجعيّة في التطبيق و التصديقيّات، للعرف و العوامّ أيضاً، أم هي للعقل، فذهب جمع إلى الأوّل، و فيهم المصنّف- مدّ ظلّه(3)و آخرون إلى الثاني، و فيهم صاحب «الكفاية»(4)و «التقريرات»(5).
سقط الخيار (1) من الطرفين و لزم البيع، و الذي هو المحرّر عندي: أنّ الفقهاء العظام لا يليق بهم إلّا توجيه الناس نحو الأحكام؛ و حدود المداخلات الشرعيّة في الموضوعات العرفية، و أمّا التعرّض لتعيين المصاديق و الحدود اللغويّة، فهو ربّما ينتهي إلى الإغراء بالجهالة، و الإلقاء في الهلكة؛ ضرورة أنّ آراءهم في مفهوم «الافتراق» غير لازمة الاتباع، فلو عيّنوا حدّه يحذو حذوهم العقلاء المقلّدة؟! مع أنّ الأمر بالعكس، و لذلك ترى أنّ رواياتنا بأسرها خالية عن تعيين حدود الموضوعات، و كانوا (عليهم السّلام (يوكلون هذه المرحلة إلى الناس حسب عقولهم، فالبحث عن هذه المفاهيم من اللغو المنهي عنه، و ربّما يكون خلاف الاحتياط جدّاً، و لذلك قال- مدّ ظلّه: «و تحقّق بها الافتراق عرفاً».
قوله مدّ ظلّه: «سقط الخيار».
اتفاقاً قطعيّاً(1)في مفروض كلامه، حيث إنّ الظاهر منه افتراقهما معاً.
و لو فارق أحدهما، و بقي الآخر، فربّما يقال: بأنّهما أيضاً افترقا؛ لأنّ البقاء في المحلّ بالاختيار افتراق إرادي، فيصحّ إسناد «الفراق» إليهما كما عن الفخر(2)نظراً إلى علّة عليلة.
و قد أصرّ المصنّف- مدّ ظلّه على أنّ النسبة صادقة؛ لأنّ مادّة
«الافتراق» و إن لا تقتضي شيئاً إلّا نفس الطبيعة، و لكن هيئة باب «الافتعال» للمطاوعة، فلو فارق أحدهما الآخر يكون الآخر مفترقاً بقبول الفراق، فيسقط الخيار في جميع الفروض بافتراقهما؛ سواء أُخذ أحدهما في الفراق، أو أُخذا معاً فيه، و سواء فيه الافتراق الإكراهيّ و غيره، بل لا يجري في المطاوعة الإكراه.
نعم، يتصوّر الإكراه بالنسبة إلى البقاء في المجلس.
و قد يظهر هذا أيضاً من الفقيه اليزدي (قدّس سرّه)(1)و العلّامة الإيروانيّ (قدّس سرّه)(2).
و بالجملة: من قوله- مدّ ظلّه: «من الطرفين» يظهر أنّ النظر في قوله: «و لو افترقا» أي و لو افترق كلّ منهما سقط عنهما، و أمّا أنّ سقوط خيار الطرف مستند إلى أنّ افتراق الآخر غاية خيارهما، أو أنّ افتراق كلٍّ غاية خيار نفسه فهو أمر آخر، و لكن لا يلزم في صدق «الافتراق» على الآخر أن يتصدّى للافتراق بالفاعليّة.
و الذي هو التحقيق: أنّ لهيئة باب «الافتعال» معاني، و منها المطاوعة، و كثيراً ما تجيء لغير المطاوعة، و منها قوله تعالى:
لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ(1).
و قوله تعالى عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(2).
و قوله تعالى اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ(3).
و منه «اجتذب» بمعنى جذب، و «احتسب» بمعنى حسب، و هكذا ممّا يطّلع عليه الخبير البصير.
و دعوى: أنّ الأظهر من معانيه غير المطاوعة قريب. و في مادّة «الافتراق» قالوا: «هو ضدّ اجتمعوا» مع أنّ الاجتماع يحصل بفعلهم، و لا ينبغي الخلط بين اللازم و المطاوعة. و لو شكّ في المسألة، فلا يتمّ ما سلكه أيضاً، و لا بدّ من التمسّك بالأُصول، و هي مختلفة، فتأمّل.
ثمّ إنّ الظاهر من المطاوعة أنّ الفاعل غير القابل، مع أنّهم غير ملتزمين به كما هو الواضح.
و ربّما يؤيّد المطاوعة: أنّ الأخبار المتضمّنة لخيار المجلس عن طريق العامّة، كلّها مشتملة على «التفرّق»(4)و هو أيضاً للمطاوعة.
و فيه ما مرّ، فإنّ باب «التفعّل» يجيء لغير المطاوعة؛ على وجه
لا يمكن أن يحمل عند الشكّ على المطاوعة، و منه قوله تعالى فَتَبَيَّنُوا(1)و تَفَسَّحُوا(2)و أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ*(3)و غير ذلك. و لعمري إنّ ما قرع سمعهم الشريف كان من عهد صباهم رحمهم اللَّه تعالى.
ثمّ إنّ الظاهر من المتن و من إطلاقه؛ أنّ الافتراق بما هو هو سبب سقوط الخيار.
و ما قيل: «من أنّ المسقط هو الالتزام القلبيّ، و الافتراق كاشف عنه نوعاً، فأُسند إليه لأجله»(4)غير صحيح، و أنّ الرضا ليس شرطاً و قيداً، فلو حصل الافتراق و إن لم يكن عن رضاهما، يسقط الخيار.
إن قلت: هذا خلاف معتبر الفضيل، عن ابي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما»(5).
فإنّ الظاهر أنّ الافتراق المتقيّد بالرضا مسقط، و نتيجة التقييد المزبور عدم كفاية الافتراق الإكراهيّ و السهوي و الذي يحصل عن جهل
و عن إطارة الريح. بل لازم الجمع بينه و بين الأخبار الحاكية لفعل الباقر (عليه السّلام)- حيث إنّه (عليه السّلام) أسرع في المشي و الخروج عن المجلس، ليجب البيع حين الافتراق(1)، مع أنّ الطرف حسب الظاهر كان باقياً، و ربّما لم يكن راضياً أنّ افتراق أحدهما إذا كان مقروناً برضاه، هو غاية سقوط الخيارين.
و بذلك يجمع بين هذه الطائفة و المطلقات؛ بأنّ افتراقهما مسقط للخيارين، و افتراق أحدهما أيضاً يورث سقوط الخيارين إذا كان عن الرضا المقرون به.
قلت: لهذه المسألة تفصيل طويل الذيل تعرّضنا له بشقوقه المحتملة في كتابنا الكبير، و قد أعرض المصنّف عن الرواية؛ معلّلًا بأنّها مجملة، لما تحتمل احتمالات من ناحية التقييد بالرضا، و من ناحية التقييد بقوله (عليه السّلام): «بعد الرضا» و من جهة أنّ تقييد تلك المطلقات بها يستلزم الغلط، و لا تكون المسألة من باب حمل المطلق و المقيّد؛ ضرورة أنّ المطاوعة إذا قيّدت بالرّضا، ترجع إلى غير المطاوعة(2).
و قد أجبنا عن هذه المناقشات هناك بما لا مزيد عليه، و ذكرنا أنّ المنظور من هذه الرواية- بعد الجمع بينها و بين غيرها هو أنّ التفرّق الإكراهيّ لا أثر له، و كأنّ العامّة كانوا يتمايلون- حسب أخبارهم إلى كفاية مطلق الافتراق، و هو أحد قولي الشافعيّة(1)، و ربّما كان هو في عصر الرواية أظهر و أشهر، فتكون ناظرة إلى مقالتهم الفاسدة، و لذلك ذهب المشهور- المدعى عليه الإجماع إلى بقاء الخيار إذا كان الافتراق إكراهيّاً(2).
و يحتمل الحمل على التقيّة؛ لما أنّ القول الآخر مشهور عندهم، بل لم ينسب إليه في «الفقه على المذاهب الأربعة» إلّا بقاء الخيار إذا افترقا عن كره(3)، فليتأمّل جيّداً.
و بعد اللتيّا و التي تكون الرواية من جهة موافقتها لمذهب العامّة مطروحة، و لأجل ذهاب المشهور إلى مضمونها مأخوذة، و فيما دار الأمر بينهما تقتضي الصناعة بقاء الخبر على حجّيته؛ لتعارضهما.
اللهمّ إلّا أن يقال: بتقدّم الموافقة على المخالفة لتقدّمها في
و لو فارقا مجلس البيع مصطحبين بقي الخيار. (1) الأخبار العلاجيّة(1)أوّلًا، و لأنّ الشهرة تزيل موضوع المراجعة إلى المرجّحات، فتأمّل.
قوله مدّ ظلّه: «بقي الخيار».
بلا خلاف معتد به بين المسلمين(2)، نعم عن بعض الشافعيّة غريبة في المسألة(3).
و يمكن المناقشة فيه أوّلًا: بالانصراف.
و ثانياً: بأنّ الظاهر من «افترقا» هو أن يفترق كلّ عن الآخر بالقياس إلى أمر ثالث؛ و هو مجلس البيع.
و ثالثاً: أنّ السقوط مقتضى التسمية، و إلّا كان ينبغي أن يسمّى ب «خيار الاجتماع» و لازم ذلك عدم ثبوت الخيار إذا كان البيع حال المشي؛ لما لا مجلس للبيع.
و أنت خبير بما في جميع هذه التخيّلات؛ بعد تماميّة الإطلاقات، و التسمية- بعد تصريحهم ببقاء الخيار كدعوى الانصراف لا تنفع شيئاً.
و قضيّة إطلاق المتن بقاء الخيار و لو كانا متلاصقين، أو كان البيِّع و المشتري واحداً شخصيّاً يتولّى طرفي العقد. و عدم إمكان طروّ المسقط من ناحية الافتراق لا ينافي ثبوته؛ لإمكان إسقاطه بسائر المسقطات، كما لا يخفى.
و الإنصاف: أنّ المتن كما يكون منصرفاً عن الفرضين الأخيرين، تكون الأخبار مثله، و لا سيّما بشهادة قوله (عليه السّلام): «فإذا افترقا وجب البيع»(1)فإنّه يشهد على أنّ مصبّ الخيار مخصوص بما إذا أمكن التفرّق، ضرورة أنّ كلمة: «إذا» الشرطيّة موضوعة عند النحاة للشرط الذي يتحقّق(2)، فاغتنم.
و من هنا يظهر وجه كون المتبايعين بالهاتف و نحوه- و لو رأيا صورتهما بالخيار، كما لو تناديا من بعيد، و يظهر أيضاً وجه المناقشة؛ لأنّ افتراقهما حاصل. و دعوى إمكان الافتراق و لو بأن يقتربا ممكنة، و لكنّها مخدوشة.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ الافتراق و البعد ذوا مراحل قريبة و بعيدة، كما ينبئ عنه العارف الهمدانيّ بقوله:
كه اين دوري بس يا دورتر شم
(1)و عليه يثبت الخيار، و يسقط بافتراقهما بإيجاد البعد الأكثر، فتدبّر.
1) قال بابا طاهر الهمداني ما هذا لفظه: بشم از حاجيان حج بپرسمكه اين ديرى بسه يا ديرتر شم
الثاني: خيار الحيوان فمن اشترى حيواناً ثبت له الخيار (1) إلى ثلاثة أيّام قوله مدّ ظلّه: «ثبت له الخيار».
إجماعاً و بلا خلاف بين أصحابنا الإماميّة(1)، و يظهر أنّه من مختصّاتنا الثابتة بالنصّ الحاكي عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم)(2)و الأخبار المرويّة عن أئمّتنا المعصومين (عليهم السّلام)(3)و سيأتي أنّ في الحيوان خياراً يمتد إلى ثلاثة أيّام، و هو غير خيار المجلس(4).
نعم، اختار المصنّف في درسه أنّ خيار المجلس لا يأتي في الحيوان(5)، و به يقول الفقيه اليزدي (قدّس سرّه)(6)و العلّامة الإيروانيّ (رحمه اللَّه)(7)فيكون إطلاق ما مرّ في الخيار السابق ممنوعاً، و هو عندنا غير جيّد.
ثمّ إنّ قضيّة إطلاق المتن ثبوت الخيار في مطلق الحيوان، إلّا أنّ قوله- مدّ ظلّه: «حيواناً» ربّما يشعر بممنوعيّة جريانه في الكلّي، كما منعه
1) مفتاح الكرامة 4: 553/ السطر 1، جواهر الكلام 23: 23.
2) الكافي 5: 170/ 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1 و 2.
3) وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3.
4) يأتي في الصفحة 105 106.
5) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 94 95 و 183 185.
6) حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 17/ السطر 28.
7) حاشية المكاسب، المحقّق الإيروانيّ 2: 17/ السطر 14.
من حين العقد. (1) جمع(1)، و يقوى في النظر جريانه في الكلّي في المعيّن، لا المقيّد، فإنّه غيره كما تحرّر في محلّه.
و لو كان يموت قبل ثلاثة أيّام، و كانت حياته غير مقصودة بالبيع، ففي جريان الخيار وجهان؛ منعه في مجلس بحثه(2)، و لذلك لا يكون تلفه من التلف قبل القبض، و لا يكون إتلافه مورث الضمان.
و لكنّه بمعزل عن التحقيق؛ قضاءً للإطلاقات، و لأنّ خيار الحيوان ليس قصديّاً، و إلّا يلزم إنكاره فيما إذا اشترى الحيوان مكيلًا أو موزوناً باعتبار اللّحم، كما هو المتعارف في بيع الشاة بين جمع من القصّابين. و في المسألة بالنسبة إلى الحيوانات الخاصّة دعاوي الانصراف كثيرة، يطلب تفصيلها من كتابنا الكبير.
قوله مدّ ظلّه: «من حين العقد».
على المشهور المعروف المدّعى عليه الإجماع(3).
و عن ابن زهرة حكاية كون المبدأ فيه بعد التفرّق من مجلس
البيع(1)أي بعد سقوط خيار المجلس.
و يؤيّده- مضافاً إلى الأصل لو شكّ فيه أنّ خيار الحيوان مجعول بعد خيار المجلس، فتكون أخباره منصرفة إلى العقد اللّازم؛ لما لا حاجة إلى جعل الخيار ثانياً، فيكون المبدأ من حين اللزوم؛ و هو الافتراق، و أنّ مقتضى جمع من الأخبار أنّ تلف الحيوان من مال البائع(2)، و لو كان المشتري له الخيار فالتلف منهما؛ لأنّ التلف في زمان الخيار المشترك ليس من مال البائع، و في زمان الخيار المختصّ من مال من لا خيار له.
هذا مع أنّ الأدلّة و لو كانت بحسب الظاهر تقتضي كون المبدأ حين العقد؛ لأنّه مبدأ الاتصاف بالصاحب، و لكن قضيّة العقل- و هو امتناع جريان الخيار الثاني في البيع الخياري هو مبدئيّة الافتراق؛ ضرورة أنّ العقد لا يقبل التزلزل مرّتين، كما لا يقبل اللزوم مرّتين، و لا يعقل أن يترشّح الجدّ من الجاعل بعد كونه خياريّاً، و هذا هو المراد من «اجتماع السّببين على مسبّب واحد».
و أمّا إذا أُريد منه اجتماع الخيارين على العقد الواحد، فهو ليس من اجتماع السببين؛ لأنّه لا منع من أن يكون له خياران، و لكنّه في مقام
الإعمال لا يستفيد إلّا من واحد منهما، فتأمّل.
ثمّ إنّه يلزم أيضاً اجتماع المثلين في العقد، و هو محال كاجتماع الضدّين.
و أنت خبير: بأنّ هذه الشبهات و إن كانت حسبما قرّرناه قويّة، و لا يكون جواب القوم عنها كافياً، إلّا أنّه مندفعة بما تحرّر تفصيله.
و إجماله: أنّ العقد الخياري ليس متزلزلًا عندنا، بل الخيار آلة لهدم العقد أعطاها الشرع أو العقلاء، و لو لا اللزوم الموجود في الاعتبار الثابت للعقد، لما كان لاعتبار الاختيار و الاقتدار على حلّ العقد وجه صحيح. و أنّ النسبة بين خيار المجلس و الحيوان- بحسب المصبّ عموم من وجه و عندئذٍ يمكن ترشّح الإرادة الجاعلة بعد كون الخيار المجعول متّصفاً بقيد آخر؛ و إن كانت الخيارات واحدة بالطبيعة، إلّا أنّها في مرحلة الجعل تصنّف؛ فيكون أحدها خيار المجلس، و الآخر حيواناً .. و هكذا.
و حديث اجتماع السببين على مسبّب واحد، ينحلّ- على تقدير صحّته الإجماليّة بأنّ العقد يمكن إزالته و إعدامه بخيارين و اقتدارين؛ لأنّ السببيّة ليست واقعيّة، بل هي اعتباريّة، فيصحّ أن ينحلّ العقد بهما، كما ربّما يقتل شخص بالآلتين العَرْضيّتين اللتين كان يكفي كلّ واحدة منهما للقتل، فلا تخلط.
و على ما ذكرنا من اختلاف مصبّ الخيارين بالإضافة، يظهر عدم لزوم اجتماع المثلين. مع أنّ اجتماع الضدّين و المثلين في الأحكام الشرعيّة الاعتباريّة، ليس ممتنعاً ذاتاً، بل امتناعه يرجع إلى امتناع تمكّن المولى من الجعل، فتأمّل تعرف.
فتحصّل لحدّ الآن: أنّ مبدأ الخيار هو العقد.
نعم، إذا قلنا: بأنّ خيار المجلس لا يجري في بيع الحيوان، فلا يتوجّه إشكال، و يكون حلّ المشاكل بإنكار المبنى و الأساس أسهل و لأجل هذه الشبهات، و طائفةٍ من الآثار- و أظهرها قوله (عليه السّلام) في معتبر محمّد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا»(1)ذهبوا إلى أنّ خيار المجلس مخصوص بما سوى الحيوان(2)ضرورة أنّ الظاهر منه هو أنّه (عليه السّلام) اعتبر الخيار الواحد في الحيوان إلى كذا، و في غيره إلى كذا.
و أنت خبير: بأنّ الخيار المجعول إلى ثلاثة هو خيار الحيوان، و هذا المجعول لا يعقل أن يكون لغير الحيوان إلى أن يفترقا، فما هو
و في ثبوته للبائع أيضاً إذا كان الثمن حيواناً إشكال، (1) المجعول في الحيوان غير ما هو المجعول في غير الحيوان، و حينئذٍ لا ينعقد ظهور لفظيّ للتقييد بالنسبة إلى المطلقات الناطقة بثبوت خيار المجلس للبيّعين إلى أن يفترقا، فليتأمّل جيّداً.
هذا مع أنّ هذا الخبر مورد المناقشة و الإجمال من جهات مختلفة؛ و إن فرغنا عن إجماله بتوضيحات في الكتاب الكبير، و ظهورُه في ثبوت الخيار للبائع و لو كان الثمن نقداً مورد الإعراض، كما سيظهر توضيحه إن شاء اللَّه تعالى(1). هذا كلّه حول ما قيل.
و الذي قويّناه: هو أنّ مبدأ الخيار في المعاطاة بعد نقل الحيوان إلى المشتري، و في غيرها بعد حصول القبض، نعم قبض الوكيل يكفي(2).
قوله مدّ ظلّه: «إشكال».
أما إذا كان الثمن غير حيوان، فقد ذهب معظم أصحابنا الأقدمين- كالشيخين(3)، و الصدوقين(4)، و الإسكافيّ(5)، و ابن حمزة(6)و كثير آخرون
كما في «المقابيس»(1)إلى عدمه، و هو المعروف بين المتأخّرين(2)، و عليه الإجماع المحكيّ عن «الغنية»(3)و ظاهر «الدروس»(4).
و لعلّه هو رأي السيّد في «الانتصار»(5)و ما نسب إليه فيه من أنّه يقول بثبوت الخيار له(6)، غير محرز. و يشهد لما احتملناه دعواه الإجماع، مع أنّه بلا وجه جدّاً؛ لعدم القول بخيار الحيوان بين المخالفين أصلًا، و لذهاب الطائفة إلى عدمه للبائع في هذه المسألة.
و يؤيّد ما نسب إليه ما أُشير إليه آنفاً؛ و هو معتبر محمّد بن مسلم الظاهر فيه.
و ما قيل: «من أنّ المتبايعين في الحيوان معناه التبايع فيه، فيكون الثمن أيضاً حيواناً» كما في «الوسائل»(7)و هو مختار المصنّف في درسه(8)،
1) لاحظ مقابس الأنوار: 243/ السطر 31.
2) جامع المقاصد 4: 291، مجمع الفائدة و البرهان 8: 391، جواهر الكلام 23: 24.
3) هذه العبارة سقط من الغنية المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية راجع إلى سلسلة الينابيع الفقهية 13: 211.
4) الدروس الشرعية 3: 272.
5) الانتصار: 207.
6) نَسَبَ إليه الشيخ الأنصاري في المكاسب: 224/ السطر 29.
7) وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، ذيل الحديث 3.
8) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 180.
غير موافق لقوله (عليه السّلام): «و فيما سوى ذلك» فإنّ الظاهر من قوله: «سوى ذلك» هي الحنطة و الشعير و العناوين الذاتيّة، و الضرورة قاضية بعدم لزوم المماثلة في خيار المجلس بين الثمن و المثمن.
هذا مع أنّ الظاهر من الخبر هو أن خيار الحيوان منحصر في المتبايعين في الحيوان، و أنّ تمام الموضوع لخيار الحيوان هو المتبايعان، مع أن الأمر ليس كذلك، و حمل كلام الإمام (عليه السّلام)- بعد كونه ملقى بدواً من غير سؤال على بيان فرع من فروع المسألة، غير تامّ جدّاً.
فحجيّة السند بعد هذه الغائلة ممنوعة، مع ما مرّ: من أنّ قوله (عليه السّلام): «و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» لا يخلو عن الإجمال؛ لأنّ الصدر كان يكفي عن هذا التقييد، و قد أوضحناه حلّا لهذه المشكلة في محلّه، فراجع.
و من الغريب ما في كلام الشيخ الأعظم (قدِّس سرُّه) من تأييد هذا الخبر(1)و أنّه لا يعارضه معتبر ابن رِئاب!! مع أن معتبر ابن رِئاب صريح في أنّ الخيار ليس للبائع، قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن رجل اشترى جارية، لمن الخيار للمشتري، أو للبائع، أو لهما كليهما؟
فقال: «الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيّام فقد وجب الشراء»(2).
بل عدمه لا يخلو من قوّة. (1) فلو كان يمكن الجمع بين هذه الأخبار، لكان حمل خبر محمّد بن مسلم على غير مورد خبر ابن رئاب معيّناً.
و بالجملة: الأخبار(1)متعاضدة في صراحتها على اختصاص الخيار بالمشتري، و أنّ البائع إذا كان الثمن غير حيوان لا خيار له، و قضيّة المعارضة ترجيح جانب المشهور؛ لما أنّ الأخبار مشهورة و لأنّ إنكار الخيار للبائع مطابق للكتاب(2)، فتأمّل.
و يمكن أن يقال: بأنّ هذه الأخبار بصدد حصر خيار الحيوان بالمشتري، في مقابل سائر المعاملات و المعاوضات، فيكون ظاهر خبر محمّد بن مسلم، معارضاً مع صريح ابن رِئاب، و لكن قوّة السند الأوّل تترجّح مع كونه في الكتب الأربعة. و لا يخفى ما فيه.
قوله: «من قوّة».
وفاقاً لظاهر المشهور(3)، و خلافاً لجمع من المتأخّرين، و منهم الفقيه الأصفهانيّ (قدّس سرّه)(4)و للمصنّف في درسه(5)، حيث قوّى جريانه في مبادلة
الحيوان بالحيوان؛ قضاءً لمعتبر محمّد بن مسلم السابق، و أنّ الأخبار الناطقة بأنّ خيار الحيوان للمشتري، في مقابل نفى الخيار عن البائع في البيوع المتعارفة؛ و هو بيع الحيوان بغير الحيوان، أو بالنقد، فيكون قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «و صاحب الحيوان ..»(1)مأخوذاً إطلاقه، فيكون البائع بالخيار إذا كان صاحب الحيوان.
و أمّا معتبر ابن فضّال قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) يقول: «صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيّام»(2)ففيه احتمال القراءتين: الفتح، و الكسر، و على هذا يحتمل كونه قيداً محقّقاً للموضوع، و لا مفهوم له.
و لا يخفى حزازته، هذا مع أنّ الاحتمال المزبور يأتي على القراءتين، فيكون الخبر دافعاً لاحتمال كون صاحب الحيوان بالإرث بالخيار.
نعم، احتمال كونه في مقام ردّ احتمال سريان خيار الحيوان في غير البيع و الشراء، فيكون له المفهوم من هذه الجهة، لا يخلو عن بأس.
و لكنّ الإنصاف: أنّ هذه الرواية ناظرة إلى قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (بإيراد القيد فيه، و لا يكون هنا احتمال إلّا احتمال كون البائع الصاحب بالخيار فدفعه.
و أمّا توهّم: أنّ الاختصاص خلاف المذاق الظاهر من الأخبار، و خلاف المناسبات بين الحكم و الموضوع(1)، فهو قويٌّ جدّاً، و لكن إذا تأمّلنا في أن تقنين القوانين الكلّية، ربّما يكون بلحاظ الملاحظات الخاصّة التي هي حاصلة في المسائل المبتلى بها نوعاً، دون الموضوعات النادرة في جنبها، مثلًا تحريم الربا في البيع لأجل المفاسد، و لكن لا بأس بتحليله في غيره مثلًا كالصلح و نحوه؛ لأجل قلّة وجوده، فإنّ المفسدة المترتبة على قليل الوجود لا يهمّ الشرع دفعها.
و هكذا فيما نحن فيه، فإنّ التوسعة المقصودة هنا على المشتري، مورد اهتمام الشرع، دون البائع؛ لندرة كونه صاحب الحيوان، و لا يصحّ قياس منطقة الصدور في مثل القوانين الإسلاميّة التي جاءت لعائلة البشر في جميع الأعصار و الأمصار. و ينبغي أن تدقّقوا النظر في هذه المسألة؛ فإنّها تنفعكم في الفقه كثيراً، و تستلزم المحاسن الكثيرة كما لا يخفى.
و بناءً على هذا، يكون قوله (عليه السّلام): «و صاحب الحيوان المشترى ..» على القراءتين مورث القيد أيضاً؛ لأنّه ناظر إلى ما صدر عنه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (كما هو الظاهر.
1) لاحظ البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 183.
مسألة 1: لو تصرّف المشتري في الحيوان تصرّفاً يدلّ على الرضا دلالة نوعيّة، و يكشف عنه كشفاً غالبيّاً، سقط خياره (1)، مثل نعل الدابّة، و أخذ حافرها، و قرض شعرها، و صبغها، بل و صبغ شعرها، إلى غير ذلك.
قوله مدّ ظلّه: «سقط خياره».
في مفروض المتن سقوط الخيار لعلّه القدر المتيقّن من الإجماع المحكيّ عن «التذكرة»(1)و هو صريح المحكيّ عن عبائر جمع من القدماء(2)بناءً على أن يكون المراد من التصرّف المزبور- بضميمة الأمثلة المزبورة هو إحداث الحدث.
و المهمّ في المسألة نصوصها الناطقة: كمعتبر الصفّار بأنّه «إذا أحدث فيها حدثاً فقد وجب الشراء إن شاء اللَّه تعالى»(3).
و في معتبر ابن رِئاب: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة الأيّام، فذلك رضاً منه، فلا شرط ..»(4).
فإنّ المستفاد من أخبار المسألة بدواً؛ هو أنّ الالتزام و الرضا بالعقد
يلازم سقوط الخيار و لزومَ البيع، و ما يكون من الأحداث دليلًا عليه يكون مسقطاً، إلّا في صورة القطع بالخلاف.
و بالجملة: يتمّ ما في المتن؛ بناءً على كفاية الالتزام و الرضا، و أنّ الأخبار في المسألة ليس لها الإطلاق؛ حتّى يلزم منه أن مطلق التصرّف مسقط، أو الحدث غير الكاشف مسقط، بل الأخبار في موقف بناء العقلاء بحسب الصغرى؛ بعد تماميّة الكبرى المشار إليها، فلا تعبّد جديد من الشرع في هذه الناحية؛ و لو كان أصل خيار الحيوان تعبدّياً.
و يدلّ على أنّ الكبرى ممنوعة: معتبر السكونيّ عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قضى في رجل اشترى ثوباً بشرط إلى نصف النهار، فعرض له ربح فأراد بيعه.
قال: ليشهد أنّه قد رضيه فاستوجبه، ثمّ ليبعه إن شاء، فإن أقامه في السوق و لم يبع فقد وجب عليه»(1).
فانّ مقتضاه و قضيّة القاعدة؛ هو أنّ الخيار لا يسقط إلّا بأمر تسبيبي يتسبّب به إليه، كسائر الأُمور الإنشائيّة، فلو كان معتبر ابن رِئاب دليلًا على كفاية الرضا، فهو يقيّد بهذا الخبر.
1) الكافي 5: 173/ 17، وسائل الشيعة 18: 25، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 12، الحديث 1.
و على أنّ الصغرى غير صحيحة: أنّ حمل المطلق في مكاتبة الصفّار على صورة الحدث الخاصّ المقرون بالالتفات، حمل على النادر، و خلاف ما ذهب إليه المشهور و دلّ عليه النصّ؛ من أنّ التقبيل و النظر و اللّمس حدث(1)، فإنّه و لو كان حدثاً، و لكنّه لا يلازم كونه كاشفاً نوعيّاً، فعلى هذا ما في المتن غير تامّ كبرى و صغرىً.
و الذي هو الأقرب: أنّ مسألة الخيار لا يسقط إلّا بالإسقاط، و أمّا المسقط فلا يعتبر أن يكون قولًا أو فعلًا- بل قد تحرّر منّا في محلّه؛ عدم اعتبار السببيّة العقلائية في التسبّب إلى الإسقاط- غير مسألة أنّ الحدث المستند إلى المشتري بما هو هو، هل يكون مورثاً للسقوط تعبّداً، أم لا؟
و ما هو التحقيق في المسألة الأخيرة؛ هي مسقطيّة إحداث الحدث، كما في جملة من الأخبار في المواضع المختلفة(2)، و أنّ المستفاد من هذه الأخبار أنّ الحدث تعبّداً من المسقطات، و لا يجوز التعدّي من رواية إلى غير موردها؛ لأنّ التصرّفات الجنسيّة إمّا من الأحداث، أو تعبّد في موردها
و ليس مطلق التصرّف منه، و لا إحداث الحدث، كركوبها ركوباً غير معتدّ به (1)، و تعليفها و سقيها.
لخصوصيّة فيه، فإطلاق المكاتبة باقٍ على حاله، و قوله (عليه السّلام): «فذلك رضاً منه» إمّا بيان تعبّدي، أو توضيح لحكمة مسقطيّة الحدث، و فيه الاحتمالات الأُخر التي ربّما تنتهي به إلى الإجمال، فيبقى إطلاق المكاتبة على حاله.
نعم، الركوب فراسخ، و التصرّفات الاعتباريّة كالبيع و نحوه، إذا كانت بداعي الإسقاط فهو، و إلّا فيشكل الأمر حسب الخبرين السابقين الظاهر من أحدهما أنّ ركوب فراسخ لا يسقط، و العرض للبيع- و لو انتهى إلى البيع لا يكون كافياً لسقوط الخيار، و الالتزام بهما مشكل جدّاً.
قوله مدّ ظلّه: «غير معتدٍّ به».
لا يخفى: أنّه إن أُريد أنّ الركوب المعتدّ به من الأحداث، فهو ممنوع.
و إن أُريد أنّ الميزان ما يكشف نوعاً عن الرّضا و الالتزام، و الركوب المزبور منه، فهو خلاف الأخبار الناطقة بأنّ الإحداث موضوع السقوط.
و إن أُريد أنّ الركوب المعتدّ به بنفسه من المسقطات، فهو خلاف الظاهر من الخبر.
و قد عدل المصنّف في مجلس بحثه عن جعل الموضوع لحكم السقوط
عنوان «التصرّف»(1)لما ليس في الأخبار منه العين و الأثر، بل فيها «الحدث المستند إلى المشتري» و هو أخصّ من «التصرّف المطلق» و بينه و بين «التصرّف الكاشف» عموم من وجه، و قد أشرنا إلى أنّ تقييد إحداث الحدث بالكاشفيّة النوعيّة.
نعم، ممنوع لو كان تقييد المكاتبة بمعتبر ابن رِئاب ممكناً، و لكنّك عرفت أنّه تقييد بالنادر(2). مع أنّ في متنه الاضطراب.
و لو وصلت النوبة بعد عدم إمكان التقييد إلى المعارضة، فالشهرة مع المكاتبة. مع أنّ الاعتبار يساعدها؛ ضرورة أنّ من أبواب الخدعة و الخيانة أن يشتري الدابّة و يستفيد منها في الثلاثة الأيام، ثمّ يردّها في الساعة الأخيرة، و هذا ممّا يشكل الالتزام به، و لذلك يقوى في النظر أنّ الفسخ إمّا يكون من الابتداء، فيكون ضامناً، و هذا خلاف صريح بعض الروايات، كمعتبر الحلبيّ(3)، أو يكون التصرّف بالركوب- بغير داعي الاختبار و مقدّماته و مقارناته من الحدث، فتأمّل فإنّ المسألة لا تخلو من نوع غموض، و اللَّه من وراء القصد.
مسألة 2: لو تلف الحيوان في مدّة الخيار فهو من مال البائع، (1) قوله مدّ ظلّه: «من مال البائع».
بالضرورة سواء قلنا: بأنّه في زمن الخيار للبائع، كما نسب إلى الشيخ الأقدم (قدّس سرّه)(1)أو قلنا: بأنّه للمشتري، فإنّه- حسب النصوص الكثيرة(2)من مال البائع؛ و منها معتبر عبد اللَّه بن سِنان قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن الرجل يشتري الدابّة أو العبد، و يشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد أو الدابّة، أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟
فقال: «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام، و يصير المبيع للمشتري»(3).
و لا يخلو ما فيه من نوع مناقشة. و بالجملة المسألة قطعيّة.
نعم، ربّما يناقش فيه: بأنّ الضمان في زمان الخيار المشترك من الطرفين، و مقتضى إطلاق هذه الأخبار اختصاص الضمان بالبائع و لو كان له خيار المجلس، و قد تحرّر سابقاً بعض الكلام حولها(4).
و الإنصاف: أنّ دعوى انصرافها إلى صورة التلف بعد المجلس كما عن
فيبطل البيع (1)، و يرجع إليه المشتري بالثمن إذا دفعه إليه.
الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)(1)قريبة، إلّا أنّها تستلزم الضمان عليهما لو تلفت في المجلس، و هو خلاف ما يستظهر منهم حسبما نسب إلى المشهور، فالالتزام بالتقييد ممّا لا بأس به. و هنا بعض بحوث فصّلناها في كتابنا الكبير.
قوله مدّ ظلّه: «فيبطل البيع».
مسألة بطلان البيع آناً ما قبل التلف، أو بطلانه بعد التلف، أو عدم بطلانه رأساً، أو عدم كونه بيعاً شرعاً في زمان الخيار، مورد الخلاف بين الأخبار، و ليست مسألة منصوصاً بها إلّا الوجه الأخير، فإنّ قضية جمع من الأخبار- و منها الخبر السابق أيضاً أنّ المبيع ليس يصير ملكاً للمشتري إلّا بعد الثلاثة، فلا معنى لبطلان البيع إلّا بمعنى سقوطه عن القابليّة للتأثير، و قضيّة جمع آخر هو حصول الملكيّة، و منها معتبر الحلبيّ المشار إليه الصريح في حلّية شرب لبنها، و عدم الضمان بالنسبة إليه، و حيث إنّ قضيّة الجمع بينهما هو أن يكون النظر في الطائفة الاولى إلى استقرار الملكيّة، يكون البيع مؤثّراً كما تقتضيه القواعد.
و لو كانت الأخبار متعارضة تصل النوبة إليها، و تصير النتيجة كما تحرّرت.
فإذا كان البيع مؤثّراً، فانفساخه لا بدّ و أن يكون بفاسخ، كالإقالة
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 225/ السطر 19.
و الخيار من الأُمور العقلائيّة، و إلّا فيكون البيع باقياً؛ لأنّ تصرّف الشرع بكون الضمان على البائع، لا يتوقّف على اعتبار الفسخ، و لا يؤثّر اعتباره في الفسخ واقعاً؛ لما لا واقعيّة له إلّا عند الاعتبار العقلائيّ الذي هو على خلافه، فبطلان البيع بعد الموت و غيره غير موجّه، فضلًا عن القول: بأنّه يبطل آناً ما، كما هو في كلام جمع منهم(1).
نعم، يمكن دعوى بطلانه لأجل أنّ تلف المبيع من تلف مقوّم العقد، و هذا يورث البطلان.
و فيه: أنّ العقود ليست متقوّمة ببقاء العوضين، و يكفي بقاؤه في ظرف وجوده لحلّه بعد ذلك؛ و ترتّب الأثر عليه، أو يكفي بقاء العوض لبقاء العقد الحاصل بإنشاء العاقدين الباقي ببقائهما أو أحدهما، بل يكفي لبقائه الوراثة، كما هو كذلك في الخيار المورث.
و بالجملة: بطلانه بموت المبيع يحتاج إلى الدليل، مع أنّه خلاف الأصل.
و الذي هو الأقرب: أنّ للعقد موطناً، و للبيع موطناً آخر؛ العقد محلّه باقٍ، بخلاف البيع، فيبطل البيع دون عقد البيع، و قد تحرّر منّا في محلّه التفكيك بينهما، و يترتّب عليه الآثار الكثيرة.
و هذا الذي أبدعناه لا ينافي في كون البيع لازماً؛ فإنّ عقد البيع أمر
1) مسالك الأفهام 3: 216، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 301/ السطر 33.
مسألة 3: العيب الحادث في الثلاثة من غير تفريط (1) من المشتري، لا يمنع (2) عن الفسخ و الرّد.
آخر تقدّم على البيع و المبادلة؛ لأنّها أمر خارجيّ، و ليس يحصل بالعقد و مجرّد المعاقدة، فليتدبّر و اغتنم.
قوله مدّ ظلّه: «من غير تفريط».
لو كان المناط ما في الأخبار و هو إحداث الحدث، فالتفريط لا يورث سقوط الخيار، نعم التعدّي يورثه، فكأنّ العبارة محرّفة، و كانت هكذا: «من غير تعدٍّ من المشتري». نعم، التفريط إذا استلزم نسبة الحادث و الحدث إلى المفرِّط صحّ، و لكنّه غير تامّ، فتأمّل.
قوله مدّ ظلّه: «لا يمنع».
لأنّه خاصّة خيار الحيوان، و إلّا ينقلب هو إلى خيار العيب، و هو مقتضى إطلاق دليله.
نعم، ربّما يمكن المناقشة فيه؛ لأجل احتمال انصراف دليل الخيار إلى صورة انكشاف العيب في الثلاثة، و هو الظاهر من الحكمة و من معتبر ابن رِئاب في «قرب الإسناد» و فيه فقال: «الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيّام فقد وجب الشراء ..»(1).
1) قرب الإسناد: 78، وسائل الشيعة 18: 12، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، الحديث 9.
فإنّ المراد من «النظرة» هي الإمهال للاطلاع على ما يظهر فيه، فيكون خيار الحيوان من موارد خيار العيب. نعم، يختلف معه لأجل دليله فيما إذا لم يظهر العيب بعد، و لكنّه يحتمل ظهوره.
الثالث: خيار الشرط أي الثابت بالاشتراط في ضمن العقد، و يجوز جعله لهما، (1) قوله مدّ ظلّه: «و يجوز جعله لهما».
لا إشكال بين الفقهاء في نفوذ خيار الشرط(1)، و عليه العقلاء من كافّة الملل.
نعم، ربّما يناقش في ذلك بشبهات أشرنا إليها في كتابنا الكبير، و كلّها مندفعة بما لا مزيد عليها، و تكون من الشبهة في قبال البديهة.
هذا مع أنّ في كثير من النصوص ما يشهد على صحّة الشرط المزبور؛ ففي معتبر السكونيّ، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قضى في رجل اشترى ثوباً بشرط إلى نصف النهار، فعرض له ربح فأراد بيعه.
قال: ليشهد أنّه قد رضيه فاستوجبه، ثمّ ليبعه إن شاء، فإن أقامه في السوق و لم يبع فقد وجب عليه»(2).
بناءً على أنّ المراد من «الشرط» هو خياره.
و في خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوماً أو يومين، فماتت عنده و قد قطع
أو لأحدهما، أو لثالث. (1) الثمن، على من يكون الضّمان؟
فقال: «ليس على الذي اشترى ضمان حتّى يمضي شرطه»(1).
بناءً على تماميّة السند، و أنّ خيار الحيوان ساقط بلازم الشرط الأقلّ فيكون قوله (عليه السّلام) في الجواب ناظراً إلى شرط الخيار، لا شرط الحيوان.
و معتبرِ ابن سِنان عنه (عليه السّلام) في حديث قال: «و إن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط، فهو من مال البائع»(2).
هذا مع أنّ العمومات كافية، و البناءات العقلائيّة لا ترتدع ببعض الشبهات الواهية، فيصح جميع ما في المتن من الفروض الثلاثة.
قوله مدّ ظلّه: «أو لثالث».
حسب العمومات، بل و إطلاق بعض الأخبار السابقة، مضافاً إلى دعوى الإجماع عليه(3)، و هو المفروغ عنه في المتون الفقهيّة، و في
و لا يتقدّر بمدّة، بل هو بحسب ما اشترطاه؛ قلّت أو كثرت، (1) «الجواهر» بعد قول «الشرائع»: «و له مع الأجنبيّ» «بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه»(1).
و ربّما يناقش في ذلك أيضاً بمناقشات ذكرناها في كتابنا الكبير مع دفعها، و أهمّها أنّه تدخّل في سلطان الغير، و هو محرّم، أو أنّه تمليك يحتاج إلى القبول، فلا يثبت عموم المدّعى.
و أنت خبير: بأنّ الدخول في سلطان الغير بعنوانه ليس من المحرّمات مع أنّه لا يستلزم ذلك لو لم يكن مؤكّداً لبسط سلطنته، هذا مع أنّ إعطاء الحقّ إليه- كما في الوقف لا يحتاج إلى القبول، و لا يكون من الدخول في سلطانه.
نعم عند تراكم الشبهات الكثيرة ربّما يتقوّى الانصراف. و لكن ربّما كان بناء العقلاء على جعل الخيار للأجنبيّ البصير، و للدلّالين الواقفين على حقيقة الحال، فالمناقشة غير جيّدة جدّاً.
قوله دام ظلّه: «أو كثرت».
ربّما يناقش في الكثرة المستوعبة حياةَ العوضين، فإنّ الشرط في مقدار من الزّمان المذكور في العقد، و لا يعلم المقدار الباقي، فيصير مجهولًا بالعرض و إن كان معلوماً بالذّات، فتأمّل.
1) جواهر الكلام 23: 34.
و لا بدّ من كونها مضبوطة (1) من حيث المقدار، قوله مدّ ظلّه: «مضبوطة».
إجماعاً صريحاً(1)و قولًا واحداً؛ معلّلًا بالغرر المنهيّ في البيع(2)خاصّاً، و في مطلق المعاوضات عامّاً، و الشرط الغرري يورث غرريّة البيع لأجل تزلزله بالخيار، فلا بدّ من معلوميّة مدّة التزلزل، مع أنّ نفس الشرط غرري، و الغرر منهيّ، و على هذا يكون الشرط المجهول خلاف الكتاب، فيكون باطلًا.
هذا مع أنّ الماليّة تختلف باختلاف الخياريّة و غير الخياريّة، فتختلف الماليّة باختلاف مدّة الخياريّة.
و يدلّ عليه مضافاً إلى ما مرّ: الأخبار الماضية، حيث إنّها مشتملة على الشرط المعلوم، و هو يشهد على مفروغيّة الحكم عند أصحابنا الأقدمين، و لعلّه هو المبنيّ عليه عند العرف و العقلاء.
أقول: في جميع هذه الوجوه مناقشة، و المهمّ أنّ كبرى المسألة غير نقيّة؛ لأنّ الغرر المطلق المنهيّ أجنبيّ عن مسائل المعاملات، لأنّه عنوان خارج عنها، و حديث الحكومة واضح المنع، و الغرر في البيع منهيّ بما لأسند له كما تحرّر، و لا دلالة له أيضاً؛ لاختلاف الاحتمالات فيها، و جبر
و من حيث الاتصال و الانفصال (1). نعم، إذا ذكرت مدّة معيّنة كشهر مثلًا و أُطلقت، فالظاهر اتّصالها بالعقد.
الدلالة بفهم الفريقين ليس من دأب المجتهدين إلّا في بعض الأحيان.
فعلى ما تحصّل و فصّلنا الكلام في محلّه: إنّ الجهالة المطلقة ممنوعة في غير الشرط، و أمّا في الشرط فالمسألة غير واضحة جدّاً.
قوله دام ظلّه: «و الانفصال».
خلافاً لبعضهم حيث استشكل في صورة الانفصال: «بأنّه من الجواز بعد اللزوم، و هو غير جائز»(1)غفلة عن خيار التفليس و الرؤية.
نعم، لنا تقريب آخر: و هو أنّ اللزوم اعتبار وحدانيّ للعقد، و باقٍ باعتبار بقائه، و الشرط المزبور يرجع إلى شرط خلاف الكتاب؛ ضرورة أنّ الشرط المتّصل يمنع عن حدوث اللزوم، فلا يكون خلاف الكتاب، و أمّا المنفصل فيزيل الحادث الثابت بالطبع حسب حكم الكتاب، و لا يتجزّأ و لا ينحلّ إلى الأحكام حتّى يقال: إنّه أيضاً راجع إلى المنع عن الحدوث في قطعة، و على هذا يشكل الأمر في صورة الانفصال و هكذا نجوماً و يوماً، لا و يوماً.
نعم، و لو صحّ الشرط منفصلًا، فلازمه جواز شرط الخيار في البيع الثاني للبيع الأوّل الفارغ عنه، مع أنّ الظاهر منهم عدم التزامهم به،
1) كما قال به الشافعيّ، لاحظ تذكرة الفقهاء 1: 520/ السطر 38.
و لعلّه ضروري عندهم.
و لكن بعد اللتيّا و التي يستحسن هذا الإعضال على مبنى القوم، و أمّا على ما هو مختارنا- من أنّ جعل الخيار في ضمن العقد، ليس مورثاً لتزلزل العقد؛ و خروجه عن اللّزوم إلى الجواز الحقّي، فضلًا عن الحكميّ فلا يكون منافياً للكتاب، و لا مستلزماً للتجزية و التحليل.
و أمّا ممنوعيّة جعل الخيار للبيع السابق، فهي غير واضحة حتّى على رأي القوم في تفسير الشرط المخالف؛ ضرورة أنّ اللزوم ناشئ من الإطلاق، فيكون باقياً إلى طروّ الخيار، فليتدبّر جيّداً.
و أمّا حديث التجزئة، فهو و إن كان في حدّ ذاته غير صحيح؛ لأنّ اللزوم من تبعات عقد البيع، و البيع غير مرهون بالزمان، و لكن جعل الخيار إلى مدّة يستلزم تطبيق العقد بحسب صفة الخيار و الاختيار منطبقاً عليه، و عندئذٍ يجوز التقطيع؛ لما يترتّب عليه الأثر كما هو الواضح.
مسألة 1: يجوز أن يشترط لأحدهما أو لهما الخيار بعد الاستئمار (1) و الاستشارة؛ بأن يتشاور مع ثالث في أمر العقد، فكلّ ما رأى من الصلاح إبقاءً له أو فسخاً يكون متّبعاً. (2) قوله مدّ ظلّه: «بعد الاستئمار».
لعموم دليل الشرط.
و أمّا المناقشة فيه: بأنّه من جعل الخيار، و مبدأه مجهول، كما صنعه المصنّف- مدّ ظلّه في درسه(1).
فمدفوع: بأنّ ما هو من الجهالة مضرّ غير حاصل، و ما هو حاصل غير مضرّ؛ ضرورة أنّ في ظرف الإنشاء لا خيار فلا تضرّ الجهالة و في ظرف حدوث الخيار لا جهالة؛ لأنّ المفروض امتداد الخيار في المدّة المعلومة، و يكون مبدأه الاستشارة المجهولة الوقت.
قوله مدّ ظلّه: «يكون متّبعاً».
ربّما يتخيّل المناقضة بين المفروض، و بين ما رتّبه عليه، فإنّ المفروض كونه بالخيار، و ما رتّبه عليه كونه تابعاً للمستشار في الفسخ و الإمضاء، و هذا ينافي الخيار.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه بالخيار و هذا شرط آخر نافذ، و لكنّه إذا
1) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 221 222.
و يعتبر في هذا الشرط أيضاً تعيين المدّة (1)، و ليس للمشروط له الفسخ قبل أمر ذلك الثالث، و لا يجب عليه لو أمره، بل جاز له، فإذا اشترط البائع على المشتري- مثلًا بأنّ له المهلة إلى ثلاثة أيّام حتّى يستشير صديقه أو الدلّال، فإن رأى الصلاح يلتزم به، تخلّف عن رأيه يكون فسخه نافذاً أيضاً على خلاف ما رآه.
و لو كان الشرط المزبور موجباً لتضييق الأمر عليه يشكل صحّته؛ لكونه خلاف مقتضى ذات الخيار، فتأمّل.
و يظهر من المصنّف في العبارة أنّه بالخيار بعد الاستشارة، و لا ينفذ فسخه قبلها، و لكن يجوز التخلّف عن أمره، حيث قال: «و ليس للمشروط له الفسخ قبل أمر ذلك الثالث، و لا يجب عليه لو أمره، بل جاز له» انتهى، و هذا أيضاً ينافي قوله: «يكون متّبعاً» فافهم.
قوله مدّ ظلّه: «تعيين المدّة».
حسب أُصول المذهب و الإجماع(1)، و المراد منه تعيين زمان الخيار، كثلاثة أيّام و خمسة بعد الاستشارة، و قد مرّ ما ينفعك آنفاً.
1) جامع المقاصد 4: 292، مفتاح الكرامة 4: 563/ السطر 21.
و إلّا فلا يكون مرجعه (1) إلى جعل الخيار له على تقدير أن لا يرى صديقه أو الدلّال الصلاحَ، لا مطلقاً، فليس له الخيار إلّا على ذلك التقدير.
قوله مدّ ظلّه: «يكون مرجعه».
جواب عن الشرط، و صحّة هذا الشرط أيضاً بلا إشكال، و إنّما الإشكال في أنّ الظاهر من قوله في الاشتراط: «إن رأي الصلاح يلتزم به، و إلّا فلا ..» أنّه عند ما لا يرى الصلاح لا يكون ملتزماً بالعقد، و لا يلتزم به بعد ذلك، و نتيجة ذلك هو الانفساخ القهري.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ المقصود عدم الالتزام المساوق للخيار، لا الانفساخ.
مسألة 2: لا إشكال في (1) عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع، بل يجري في كثير من العقود اللّازمة.
و لا إشكال في عدم جريانه في الإيقاعات، كالطلاق، و العتق، و الإبراء و نحوها.
قوله مدّ ظلّه: «لا إشكال في».
تطلب هذه المسألة صحّة و سقماً في محالّها إن شاء اللَّه تعالى.
مسألة 3: يجوز اشتراط (1) الخيار للبائع قوله مدّ ظلّه: «يجوز اشتراط».
عندنا كما في «التذكرة»(1)و عليه حكاية الإجماع عن غيرها(2).
و تدلّ عليه النصوص الخاصّة(3)، و أظهرها موثّق إسحاق بن عمّار قال: حدّثني من سمع أبا عبد اللَّه و سأله رجل و أنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره، فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه و تكون لك، أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك؛ على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ.
فقال (عليه السّلام): «لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».
قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة، فأخذ الغلّة، لمن تكون الغلّة؟
فقال (عليه السّلام): «الغلّة للمشتري، أ لا ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله؟!»(4).
و في «الفقيه» عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: سأله
إذا ردّ الثمن بعينه أو ما يعمّ مثله (1) إلى مدّة معينة، فإن مضت و لم يأتِ بالثمن كاملًا لزم البيع، و هو المسمّى ب «بيع الخيار» في العرف.
رجل(1).. و مثله ما في «الكافي»(2)فاحتمال كون الحديث مرسلًا، مدفوع بما فيهما المتقدّمين على «التهذيب» و احتمال أخذ «التهذيب» من كتاب آخر بعيد، و إن كان احتمال كون النسخة التي عند الشيخ منهما، أقوى من النسخة الموجودة، و لكن اضطراب روايات ابن عمّار نوعاً، يؤيّد أنّ المقصود من قوله: «و أنا عنده» نفسه، لا الرجل السائل، فإنّه غير مناسب.
فبالجملة: جواز هذا الشرط مقطوع به عندنا، خلافاً لبعض المخالفين(3).
قوله مدّ ظلّه: «أو ما يعمّ مثله».
و الذي هو المتعارف في بيع الخيار اشتراط ردّ المثل؛ لأنّ الحاجة إلى الثمن توجب البيع بالأقلّ، و هكذا الفرار من الربا القرضيّ يجرّ الناس إليه.
نعم، ردّ العين هنا- كردّ العين في القرض لا بأس به بالضرورة.
إن قلت: يشكل صحّة هذا البيع؛ لأنّ جعل الخيار بعد الردّ يرجع إلى
جهالة مبدأ الخيار، لما لا يكون زمان الردّ معلوماً، و قد ذهب المصنّف إلى أنّ هذه الجهالة تضرّ، وفاقاً لبعض آخر(1).
قلت: قد عرفت في خيار الاستئمار دفع هذا الإشكال(2).
إن قلت: جعل هذا الخيار و لو كان في ضمن العقد، يكون من قبيل الإيقاع المشروط و المعلّق.
قلت: نعم، إلّا أنّه لمكان كونه من قبيل شرط النتيجة يكون جائزاً، و قد ادعي ما يدلّ في الأخبار عليه خصوصاً(3)، و قد تعرّضنا له في كتابنا الكبير.
إن قلت: إذا ردّ الثمن إلى المشتري يكون الخيار للبائع، فإذا فسخ فلا بدّ من عود العين إلى البائع، و عود الثمن الآخر إلى المشتري؛ ضرورة أنّ معنى الشرط ردّ العوض الذي هو للمشتري إليه، فيكون هو له بنفس الردّ، و الالتزام بذلك واضح المنع.
قلت: نعم، ظاهر الشرط ردّ مال المشتري إليه، إلّا أنّ الفسخ لا يقتضي إلّا حلّ العقد، و أمّا تبادل العوضين و تراجعهما فهو في محلّ قابل، و فيما نحن
فيه لا محلّ له.
و إن شئت قلت: إنّ مورد الأخبار هو أنّ ردّ الثمن سبب الفسخ؛ لقوله (عليه السّلام) في الخبر السابق: «إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».
و هكذا في معتبر سعيد بن يسار قال (عليه السّلام): «إن جاء بالمال للوقت فردّ عليه»(1).
فإنّ الخيار لا يتوسّط بينهما، بل نفس الردّ تمام السبب للفسخ، فيكون الشرط على وجه يكون الردّ سبباً للفسخ، و على هذا لا خيار و لا فسخ بعد الردّ حتّى يؤخذ بما هو لازمه، فاغتنم.
لا يقال: إنّ الردّ ليس من أسباب الفسخ، و أدلّة الشروط قاصرة عن التشريع بالنسبة إلى باب الأسباب و المسبّبات.
لأنّا نقول:- مضافاً إلى عدم تماميّة هذه الدعوى إنّ الأخبار الخاصّة تكفي لمشروعيّته.
هذا مع أنّ فسخ العقد و حلّه، ليس من تلك المسبّبات المخصوصة و المحصورة بالأسباب الخاصّة و الأدوات و الصيغ المعيّنة، فلا تخلط.
1) الكافي 5: 172/ 14، وسائل الشيعة 18: 18، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 7، الحديث 1.
و الظاهر صحّة (1) اشتراط أن يكون للبائع فسخ الكلّ بردّ بعض الثمن، أو فسخ البعض بردّ بعضه، و يكفي في ردّ الثمن فعل البائع ما له دخل في القبض من طرفه و إن أبى المشتري من قبضه، فلو أحضر الثمن و عرضه عليه و مكّنه من قبضه، فأبى و امتنع، فله الفسخ. (2) قوله مدّ ظلّه: «و الظاهر صحّة».
نعم، إلّا أنّه خارج عن مصبّ الأخبار، فلو كان لهذا الخيار أثر خاصّ، فهو في غير الصورتين.
و وجه صحّته إطلاق أدلّة الشرط؛ لأنّ مبدأ صحّة هذا الخيار ليس إلّا الاشتراط، و تكون أخبار المسألة دليلًا على صحّة الشرط في طيّ العقد، و لو أُلغيت الخصوصيّة بالنسبة إلى ردّ تمام الثمن يترتّب عليه آثاره الخاصّة لو كانت.
و في كون البائع بعد ردّ البعض و فسخ البعض، ذا خيار التبعّض؛ كي يكون له استرداد ثمنه بردّ العين، أو يكون له التصرّف في العين في صورة التأخير بانكشاف عدم نفوذ خيار المشتري تردّد. و لا تردّد إذا كان شرط المشتري من الأوّل ردَّ البعض بحذاء البعض، كما هو المذكور في المتن.
قوله مدّ ظلّه: «فله الفسخ».
نظراً إلى حصول الشرط؛ و ذلك لأنّ المتفاهم من «الشرط» ليس إلّا تمكين المشتري و إقداره عليه.
و يمكن المناقشة في ذلك: بأنّ الشرط هو الردّ إليه، و هو لا يحصل بذلك، كما تأتي الإشارة إليه في الردّ إلى الوكيل و الحاكم(1)، و بناءً على هذا الاحتمال، يلزم جواز الامتناع من القبول اختياراً بالفرار أو بدونه، و يلزم جواز تهديد البائع على الردّ، فإنّه لا يثبت له الخيار إذا لم يردّ، و الالتزام بالفروض السابقة و المشابهة معها غير صحيح عرفاً.
نعم، في صورة التهديد إذا لم يردّ يشكل الأمر، كما لا يخفى و المسألة ليست إجماعيّة، و لا روائيّة، و ما وجدنا من تعرّض لها، و اللَّه العالم.
1) تأتي في الصفحة 148 150.
مسألة 4: نماء المبيع و منافعه في هذه المدّة للمشتري، (1) قوله مدّ ظلّه: «للمشتري».
حسب القواعد؛ لأنّه ملكه، و عدم جواز التصرّف المتلف لا يلازم كون النماء للبائع، و يدلّ عليه الأخبار(1)و الخبر السابق(2).
و هذا على خلاف ما نسب إلى الشيخ (قدِّس سرُّه) من قوله بأنّ المبيع ليس يدخل في ملك المشتري قبل استقرار العقد(3).
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ النماء له في زمانٍ لا خيار للبائع فيه، و هو قبل الردّ. و هذا مخالف لما نسب إلى المشهور من اختيارهم أنّ الخيار للبائع من الابتداء(4).
و قد استظهرنا في كتابنا الكبير؛ أنّ شرط ردّ الثمن ربّما يرجع إلى أنّ البائع بالخيار، إلّا أنّه خيار مع الواسطة؛ لإمكان فسخه العقد من الأوّل بردّ الثمن، و لا نعني من «الخيار» إلّا اختيار الفسخ و لو مع الوسط كما تحرّر، و هذا هو المعنى الحقّي الاعتباري، فلا تغفل.
كما أنّ تلفه عليه، (1) قوله مدّ ظلّه: «كما أنّ تلفه عليه».
أي على المشتري؛ قضاءً لحقّ القواعد الأوّلية و الثانويّة؛ أمّا الاولى فلأنّ العين ملكه، و قد تلفت في ملكه.
نعم، لو أتلفه البائع فهو له ضامن؛ لقاعدة الإتلاف، و هذا في الحقيقة ليس استثناء من هذه المسألة.
و أمّا قضيّة القاعدة الثانويّة؛ و هي «أنّ التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له» بناءً على شمولها لما نحن فيه، مع إشكالات في ذلك على ما هو المحرّر في كتابنا الكبير فهي أيضاً من المشتري؛ لأنّه لا خيار له.
و يحتمل كون التلف من كيس البائع؛ لقوله (عليه السّلام) في أخبار خيار الحيوان الماضية في معتبر عبد اللَّه بن سِنان قال: على من ضمان ذلك؟.
فقال (عليه السّلام): «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام، و يصير المبيع للمشتري»(1).
و لكنّه احتمال مبنيّ على مذاق الشيخ، و الخبر من أدلّته، و لكنّه محمول على استقرار الملك جمعاً بين الآثار.
1) الكافي 5: 169/ 3، وسائل الشيعة 18: 14، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5، الحديث 2.
و الخيار باقٍ (1) مع التلف إن كان المشروط الخيار و السلطنة على فسخ العقد، فيرجع بعده إلى المثل أو القيمة، و ساقط إن كان المشروط ارتجاع العين بالفسخ.
قوله مدّ ظلّه: «و الخيار باقٍ».
على المعروف بين من تعرّض للمسألة، و احتمل الشيخ الأنصاري (قدِّس سرُّه) عدمَه بناءً على أنّ مورد هذا الخيار هو إلزام أنّ له الردّ و ارتجاع المبيع، و ظاهره اعتبار بقاء المبيع في ذلك، فلا خيار مع تلفه(1).
و قوّاه المصنّف في الدرس بأنّ المفروض في الأخبار بقاء العين؛ لقوله: «فالدار دارك» كما في خبر معاوية بن ميسرة، عن أبي الجارود(2)، و أنّ المعهود في هذا الخيار مفروغيّة بقاء العين، و أنّ صورة تلفها مغفول عنها، فيكون الخيار مجعولًا على الوجه الخاصّ(3).
الإنصاف: أنّ أمثال هذه المباحث ليست علميّة، و ربّما تختلف الأمصار و الأعصار لجهة الانصراف و التعارف المستند إلى اختلاف العهد و البناء، و لو خلّي الأمر و طبعه يكون تضييق الخيار محتاجاً إلى غاية خاصّة مصرّح بها، و إلّا فهو بالطبع يرجع إلى العقد، و يكون النظر
و ليس للمشتري قبل انقضاء المدّة التصرّف الناقل (1) و إتلاف العين؛ إن كان المشروط ارتجاعها، و لا يبعد جوازهما إن كان السلطنة على فسخ العقد.
و القصد و الغرض خارجاً عن حدود المجعول.
نعم، لو اشترط استرجاع العين عند الردّ، فهو لا يستحقّ شيئاً عند التلف، و ليس هذا من الخيار المصطلح عليه و إن جاز و كان يشبه حكم الخيار.
و أمّا الرجوع إلى المثل أو القيمة، فعلى مقتضى القواعد في باب الضمانات، و قد تحرّر منّا أنّ مسألة ضمان المثل في المثليّات و القيمة في القيميّات ممّا لا أساس لها، و الذي هو الأساس أمر آخر يطلب من محلّه.
و من هنا يظهر: أنّ مجرّد كون الشرط ارتجاع العين لا يكفي؛ لعدم استحقاقه البدل، بخلاف ما إذا شرط استرجاع العين.
قوله مدّ ظلّه: «التصرّف الناقل».
حسبما يظهر من المتعرّضين للمسألة(1)و ذلك لاقتضاء الشرط الضمنيّ.
و فيه: أنّ مع تمكّن إرجاع العين بعد الفسخ، لا معنى للمنع لو صحّ الشرط المزبور كما لا يبعد.
1) مفتاح الكرامة 9: 195/ السطر 3، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 296/ السطر 29.
و أمّا إتلاف العين، فلا يبعد الممنوعيّة مطلقاً و إن كانت السلطنة على العقد للشرط الضمني المزبور.
نعم، في صورة الشكّ أو عدم الشرط ضمناً، فالإتلاف لا ينافي الاشتراط حتّى من البائع.
نعم، يمكن أن يستظهر أحياناً أنّه يشهد على إسقاط الخيار، و لكنّه ممنوع كما ترى.
و يحتمل أن يكون شرط السلطنة على استرجاع العين، كنايةً عرفاً عن الخيار المتعلّق بالعقد طبعاً، فلا يسقط الخيار بالتلف، و يجوز الإتلاف للمشتري، فتأمّل.
مسألة 5: الثمن المشروط ردّه إن كان كلّياً في ذمّة البائع- كما إذا كان في ذمّته ألف درهم لزيد، فباع داره بما في ذمّته، و جعل له الخيار مشروطاً بردّ الثمن يكون ردّه بأداء (1) ما كان في ذمّته؛ و إن برئت ذمّته عمّا كان عليه بجعله ثمناً.
قوله مدّ ظلّه: «يكون ردّه بأداء».
لأنّ في مفروض المسألة لا بدّ من ذلك؛ ضرورة أنّ قضيّة البيع سقوط ما في ذمّته، و مقتضى الشرط ردّ الثمن خارجاً، و هذا لا يتيسّر إلّا بتفويض مصداق منه.
و يمكن أن يقال: إنّ للبائع أن يحتال حتّى يفسخ المشتري عقده، فإذا انفسخ العقد اشتغلت ذمّة البائع بما برئت منه، فيكون هذا ردّ الثمن إليه، فيصحّ الفسخ و الانفساخ بقاءً. و لا يخفى ما فيه.
مسألة 6: إن لم يقبض البائع الثمن أصلًا؛ سواء كان كلّياً في ذمّة المشتري، أو عيناً موجوداً عنده، فهل له الخيار و الفسخ قبل انقضاء المدّة المضروبة، أم لا؟ وجهان، لا يخلو أوّلهما من رجحان. (1) قوله دام ظلّه: «من رجحان».
و علّل الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه): «بأنّ الردّ شرط على تقدير قبضه، و يحتمل عدم الخيار مع عدم القبض؛ لأنّ المشروط إذا كان ردّ الثمن، فلازمه مشروطيّة القبض أيضاً قبله، فلم يحصل شرط الخيار؛ و هو الرّد المسبوق بالقبض»(1)انتهى.
و قال السيّد الفقيه اليزدي (رحمه اللَّه): «المسألة مبتنية على أن الردّ هل هو معتبر من باب الموضوعيّة، أو من باب الطريقيّة لوصول الثمن إلى المشتري؛ أي حصوله عنده؟
فعلى الأوّل لا خيار؛ لعدم تحقّق شرطه و هو الردّ المسبوق بالقبض، لا لاشتراط القبض قبله كما بيّنه المصنّف، بل لعدم تحقّق الموضوع حينئذٍ.
و على الثاني فله الخيار؛ لأنّ المفروض حصول الثمن عنده، و الغالب في أنظار العرف هو الطريقيّة»(2)انتهى.
و لو قبضه، فإن كان الثمن كلّياً فالظاهر أنّه لا يتعيّن عليه ردّ عين ذلك الفرد المقبوض، بل يكفي ردّ فرد آخر ينطبق الكلّي عليه، إلّا إذا صرّح (1) باشتراط ردّ عينه إليه. و إن كان شخصيّاً لم يتحقّق الردّ إلّا بردّ عينه، فلو لم يمكن ردّه بتلف و نحوه سقط الخيار، و ما ذكره خيار المتأخّرين على الأكثر.
أقول: لو كان يكفي حصول الثمن عنده، فيلزم الخيار لو ردّه إليه بعنوان الأمانة، أو لو غصبه المشتري، و حيث إنّه لا خيار فيهما فيعلم: أنّ ردّ الثمن من العناوين القصديّة التي لا تحصل إلّا بتفويض الثمن، أو الرضا بالبقاء عند المشتري إذا وصل إليه و لو كان من زمان قبل البيع عنده.
و أمّا في صورة الغفلة عن الحال، فلا يبعد ثبوت الخيار بدعوى: أنّ قصد عنوان الوديعة و الغصب الخارجيّ يضرّ بالشرط، و أمّا عند عدمهما فيحصل الشرط عرفاً؛ لعدم الخصوصيّة بإلغائها، لا الطريقيّة المذكورة في كلماتهم.
فأخذ عنوان «الردّ» لا يلغي مطلقاً، كما لا يؤخذ به مطلقاً، و السرّ أنّ المسألة عرفيّة و استظهاريّة، ربّما يختلف كيفيّة الجهل في الإفادة و الاستفادة، و في صورة الشكّ لا يثبت الخيار.
قوله مدّ ظلّه: «إلّا إذا صرّح».
فإنّه في صورة الإطلاق و إن تعيّن الكلّي بالفرد، إلّا أنّ بناء البيع
إلّا إذا شرط صريحاً (1) ردّ ما يعمّ بدله مع عدم التمكّن من العين. نعم، إذا كان الثمن ممّا انحصر انتفاعه المتعارف بصرفه، لا ببقائه كالنقود، الخياري على التصرّف في الثمن أيَّ تصرّف شاءه البائع، فيكون البناء المذكور شاهداً على جواز ردّ الفرد الآخر، و لذلك لا يتعيّن إلّا مع التصريح بالخلاف هدماً لهذا البناء.
قوله دام ظلّه: «إلّا إذا شرط صريحاً».
في صورة عدم الاشتراط يسقط الخيار؛ لعدم تمكّنه من شرط خياره و هو ردّ الثمن بعينه. بل و لو كان له الخيار و كان تنفيذه بالردّ، يسقط الخيار أيضاً، و ربّما يستند السقوط إلى أمر أسبق على التلف، كما إذا أتلفه البائع، فتأمّل.
و أمّا في صورة الاشتراط، فربّما يناقش في صحّة هذا الشرط: بأنّ في صورة الفسخ لا بدّ من تبادل العوضين، و حيث لا ثمن فلا يعتبر فسخ العقد، فلا يصحّ شرط ردّ غير الثمن المذكور في العقد.
و أنت خبير بما فيه؛ ضرورة أنّ ماهيّة الفسخ ليست إلّا حلّ العقد، و أمّا ردّ العوضين إلى ما كانا عليه قبل العقد، فهو من آثار الفسخ، و عند امتناع ردّ العوض بالتلف يردّ بدله، و حيث إنّ مع التصريح بأنّ سبب الخيار أعمّ من ردّ الثمن و بدله عند تلفه، يثبت الخيار بردّ البدل، و ينفسخ العقد، و يكفي البدل عن ضمان المبدل.
يمكن أن يقال: إنّ المنساق من الإطلاق في مثله ما يعمّ بدله ما لم يصرّح بالخلاف. (1) قوله مدّ ظلّه: «ما لم يصرّح بالخلاف».
قد عرفت: أن المتعارف في البيع الخياري كون النظر و المقصود إلى صرف الثمن؛ سواء كان نقداً، أو جنساً كالحنطة و نحوها، فكلّما يتّفق خلافه فلا بدّ من القرينة اللفظية أو الحاليّة كخصوصية في ذات الثمن تنهض على أنّ الخيار مرهون بردّ الثمن شخصيّاً، فما أفاده غير تامّ بحسب العادة في هذه الأعصار و الأمصار.
ثمّ إنّ قوله: «ما يعمّ بدله» يحتمل كون البدل في عَرْض المبدل، فيكون مع وجود عين الثمن ردّ البدل كافياً، و يحتمل كونه في طوله، فيكون مع تلف المبدل ردّ البدل موجباً للخيار، و على التقديرين لا بأس بهما.
مسألة 7: كما يتحقّق الردّ بإيصاله إلى المشتري، يتحقّق بإيصاله إلى وكيله المطلق، (1) قوله مدّ ظلّه: «وكيله المطلق».
نظراً إلى أنّ الشرط أعمّ.
و أمّا إذا كان المفروض ردّه إلى المشتري خصوصاً، أو على وجه لا ينطبق إلّا عليه، فقد استشكل المصنّف في درسه: بأنّ أدلّة الشروط قاصرة، و دليل الوكالة لا يقتضي إلّا نفوذ إيكال الأمر إلى الغير.
نعم، لو كانت الوكالة هي النيابة في الذات، و التنزيل في الصفات و الأفعال، كان لذلك وجه(1).
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ حكومة أدلّة الوكالة على العنوان المأخوذ شرطاً غير صحيحة؛ لأنّها من قبيل حكومة قوله (عليه السّلام): «الطواف بالبيت صلاة»(2)على العنوان المأخوذ في النذر فإنّه من نذر أن يصلّي صلاة كذا لا يجزي عنها الطواف بالضرورة، مع أنّ مقتضى الحكومة هو الإجزاء.
و توهّم: أنّه فيما إذا صرّح بالخصوصيّة لا يجوز الردّ إلى الوكيل حينئذٍ(3)، في غير محلّه؛ لأنّه لو ثبت التنزيل تحرز الخصوصيّة.
أو في خصوص ذلك (1)، أو وليّه، كالحاكم لو صار مجنوناً أو غائباً، بل و عدول المؤمنين في مورد ولايتهم. هذا إذا كان الخيار مشروطاً بردّ الثمن، أو ردّه إلى المشتري، و أطلق.
نعم، إذا كانت للخصوصيّة مفهوم نفي الغير، فلا يكفي بالضرورة.
و الإنصاف: أنّ الحكومة متحقّقة بحسب الموازين، و لكنّ انصراف دليل الحاكم عن التوسعة في أمثال المقامات قطعيّ، و لذلك لا يجوز الطواف عن صلاة الصبح أيضاً، و تكون الحكومة فيما إذا نذر أن يعطي الفقير، و كان زيد فقيراً بالاستصحاب، فإنّه تحصل الحكومة بالضرورة، فتأمّل.
قوله: «أو في خصوص ذلك».
هذا بلا إشكال بشرط كون الشرط هو الردّ إلى الأعمّ، و إلّا فيتوجّه إليه ما مرّ، و من هنا يظهر ما في المسائل الآتية.
نعم، فيما إذا كان الشرط هو الردّ إلى الحاكم بعنوانه، فلا يبعد ظهور الشرط في الأعمّ، كما إذا شرط الأب أن يردّ المبيع إلى وليّ الطفل، فإنّ الردّ إلى الحاكم و الجدّ جائز مع مراعاة الترتيب.
و أمّا توهّم: أنّ الردّ إلى النائب جائز؛ لأنّ الوكالة هي إيكال الأمر إلى الغير، و الحكومة و الولاية هي تولّي الغير أُمور الغائب و المجنون، فلا يحرز التنزيل، بخلاف النيابة، فإنّها تنزيل الغير مقامه
و أمّا لو اشترط بردّه إليه بنفسه و إيصاله بيده، فلا يتعدّى منه (1) إلى غيره.
بحيث يعدّ هو هو في الاعتبار، فيجوز- حسب أدلّة النيابة الردّ إلى النائب و لو كان الشرط مخصوصاً بالردّ إلى نفسه؛ لأنّه نفسه.
فهو غير تامّ:
فأوّلًا: لأنّ النيابة في غير استرداد الثمن لا تكون كافية، و هكذا الوكالة؛ لأنّها أُمور تقبل التفكيك، فلا بدّ من كونه نائباً عامّاً في جميع الشؤون، أو نائباً خاصّاً في هذه المسألة، كما هو المفروض هنا أيضاً.
و ثانياً: لا أثر لأدلّة النيابة و لا خبر فيها إلّا البناءات العقلائيّة، و هي قاصرة عن إثبات هذا النحو من الاتحاد و الوحدة حتّى لا يجوز الاقتداء بالنائب عن الميّت؛ لأنّه الميّت مثلًا و هكذا.
قوله دام ظلّه: «لا يتعدّى منه».
قد تبيّن ممّا سلف وجه التعدّي، و لكنّ الإنصاف أنّ التعدّي ممنوع، كما أنّه في صورة الإطلاق لا يبعد الاكتفاء؛ لأنّ الشرط أعمّ، فلا تخلط.
مسألة 8: لو اشترى الوليّ شيئاً للمولّى عليه ببيع الخيار، فارتفع حجره قبل انقضاء المدّة و ردّ الثمن، فالظاهر تحقّقه (1) بإيصاله إلى المولّى عليه، فيملك البائع الفسخ بذلك، قوله مدّ ظلّه: «فالظاهر تحقّقه».
لما مرّ، و لكن سقوط ولايته عليه برفع الحجر، لا يوجب جواز ردّ الثمن إليه، فله الامتناع عن القبول بدعوى: أنّ الشرط مخصوص به.
نعم، إذا شرط أن يردّ إليه تعييناً أو تخييراً، عرضاً أو طولًا، فوصلت النوبة إليه، يملك البائع الفسخ بالردّ إليه.
و غير خفيّ: أنّ عبارة المتن ساكتة عن كون الشرط هو الردّ إلى الوليّ، أو هو الأعمّ.
و توهّم عدم جواز الشرط بردّ الثمن إلى المولّى عليه إلّا في بعض الصور، كما إذا كان تأريخ رفع الحجر معلوماً، و إلّا فتلزم الجهالة في المدّة، في محلّه، إلّا أنّه قد عرفت المناقشة في كبرى المسألة(1).
و بالجملة: لو كان الشرط رجوعه إلى نفسه أو إلى الوليّ، فيجوز الردّ إلى الولي الآخر؛ قضاءً للأعمّ.
و أمّا إذا كان الشرط أخصّ فالردّ إلى الوليّ الآخر أيضاً غير بعيد؛ لأنّ الخصوصيّة تكون ناظرة إلى نفي الأجنبيّ.
1) تقدّم في الصفحة 134 و 128.
و لا يكفي (1) الردّ إلى الوليّ بعد سلب ولايته.
و أمّا إذا كانت الخصوصيّة المأخوذة نافية للحاكم و الوليّ الآخر، فإن كان الوليّ مثل الأب بل الجدّ، فلا يبعد صحّة الشرط؛ لعدم اعتبار المصلحة في تصرّفاته، بخلاف ما إذا كان من قبيل الحاكم، فإنّه لا بدّ من رعاية الغبطة و المصلحة، فعليه يجوز للمولّى عليه عند رفع الحجر دعوى: أنّ الردّ خلاف المصلحة، أو فيه المفسدة، و تكون هي مسموعة؛ بناءً على اعتبار عدم المفسدة حتّى في تصرّفات الأب و الجدّ، فتأمّل جدّاً.
قوله مدّ ظلّه: «و لا يكفي».
و لو كان الشرط هو الردّ إليه شخصاً فإذن يشكل؛ لأنّه يستلزم ضرر البائع، ضرورة أنّ الخيار باعتبار دفع الضرر أحياناً أو الحرج، و إذا منع المشتري من القبول بانسلاب ولايته، و المولّى عليه لا يقبل الردّ؛ لكونه أجنبيّا عن الشرط، يلزم وقوعه في الضرر و الحرج المنفيّين.
و ينحلّ الإشكال بأنّه من قبيل جعل الخيار للأجنبيّ فإنّه بموته ينسدّ باب الردّ عليه، فيقع بسوء اختياره، و فيما نحن فيه أيضاً كذلك، فكان عليه المحافظة على أمره و شرطه.
و لو اشترى أحد الوليّين كالأب، فهل يصحّ الفسخ مع ردّ الثمن إلى الوليّ الآخر كالجدّ؟ لا يبعد ذلك (1)، خصوصاً (2) فيما إذا لم يتمكّن من الردّ إلى الأب في المثال. و أمّا لو اشترى الحاكم ولاية، فالأقوى (3) عدم كفاية الردّ إلى حاكم آخر. و هذا أيضاً كما مرّ في المسألة السابقة فيما إذا لم يصرّح بردّه إلى خصوص المشتري بنفسه، و إلّا فلا يتعدّى منه إلى غيره.
قوله مدّ ظلّه: «لا يبعد ذلك».
لما مرّ من أنّ الشرط أعمّ(1)حتّى في صورة ذكر الخصوصيّة، اللهمّ إلّا إذا رجعت على وجه لا ينطبق إلّا على الأب مثلًا، فيأتي ما مرّ من التفصيل؛ لاحتمال لزوم مراعاة جانب المولّى عليه مصلحةً و مفسدةً، فلا تغفل.
قوله مدّ ظلّه: «خصوصاً».
لا وجه له؛ لأنّه إن كان الشرط أعمّ فيجوز على الإطلاق، و إن كان أخصّ فلا يجوز على الإطلاق.
قوله مدّ ظلّه: «فالأقوى».
قد تبيّن وجه المسألة، و وجه التفصيل بين صورتي الإمكان و عدمه، و وجه فساده.
و بالجملة: المدار على ملاحظة حال الشرط و حدود دلالة القضيّة
1) تقدّم في الصفحة 148.
الشرطيّة.
و أمّا توهّم: أنّ قبول الحاكم الثاني مزاحم للحاكم الأوّل، فهو و لو كان من الشيخ (رحمه اللَّه)(1)في غير محلّه؛ لأنّه إن كان الشرط خاصّاً فلا يجوز الردّ، و لو كان عامّاً فهو تأكيد لحكم الأوّل، لا مزاحمة.
نعم، في تخصيص الحاكم على وجه لا ينطبق إلّا على نفسه- بحيث لا يكفي الردّ إلى غيره إشكال؛ للزوم كونه على مصلحة المولّى عليه، فالإطلاق المشاهد هنا في المتن، ممنوع من جهات أُشير إليها في طيّ المسائل.
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري، الشيخ الأنصاري: 232/ السطر 23.
مسألة 9: لو مات البائع ينتقل هذا الخيار (1) كسائر الخيارات- إلى ورّاثه، فيردّون الثمن و يفسخون، فيرجع إليهم المبيع على قواعد الإرث، كما أنّ الثمن المردود أيضاً يوزّع عليهم (2) بالحصص. و لو مات المشتري فالظاهر جواز الفسخ؛ بردّ الثمن إلى ورثته. نعم، لو جعل الشرط ردّه إلى المشتري بخصوصه و بنفسه و بمباشرته، فالظاهر (3) عدم قيام ورثته مقامه، فيسقط الخيار بموته.
قوله مدّ ظلّه: «ينتقل هذا الخيار».
يأتي تفصيله في أحكام الخيار إن شاء اللَّه تعالى(1).
قوله: «عليهم».
أي على ورّاث المشتري، و يشكل التورث لأجل أنّ العوضين يرجعان إلى ملك المتعاقدين، و لا يورث حينئذٍ؛ لأنّه من الملك الجديد بعد الموت، و تفصيله مع حلّه في محلّه إن شاء اللَّه تعالى.
قوله: «فالظاهر».
إذا فهم من الشرط معنىً أعمّ، و إلّا فإن قلنا: بأنّ الإرث هو انتقال الأعيان إلى الورثة، فلا يجوز، و إن قلنا: إنّه قيام الورثة مقام المورِّث، و يكون من التنزيل في الاعتبار و عند الشرع، فيجوز مطلقاً حتّى في صورة التخصيص، و حيث لا سبيل إلى الثاني- لأنّه باطل عرفاً و شرعاً يشكل الجواز هنا جدّاً.
1) يأتي في الصفحة 319 323.
مسألة 10: كما يجوز للبائع اشتراط الخيار له بردّ الثمن، كذا يجوز للمشتري (1) اشتراطه له بردّ المثمن. و الظاهر المنصرف إليه الإطلاق فيه ردّ العين، فلا يتحقّق بردّ بدله و لو مع التلف، إلّا أن يصرّح بردّ ما يعمّ البدل، (2) قوله: «كذا يجوز للمشتري».
على القواعد العامّة، من غير حاجة إلى إلغاء الخصوصيّة من الأخبار الخاصّة بالمسألة السابقة، و ما عن «المستند» من المناقشة في الأصل(1)يجري هنا، و الجواب واضح؛ فإنّ الشرط المزبور ليس مخالفاً للكتاب.
قوله: «بردّ ما يعمّ البدل».
في هذه الصورة تكون المعاملة عقلائيّة إذا كان المثمن شخصيّاً، كما إذا اشترى فرساً بكتاب على أنّه إن ردّ إليه الفرس أو بدله مثلًا أو قيمته، يردّ إليه الكتاب، و يكون له الخيار.
و أمّا إذا كان المثمن كليّاً، فالشرط المزبور يرجع إلى أنّه إن ردّ إليه الفرس أو شيئاً بدله، يردّ إليه ألف دينار، و هذا ليس من شرط ردّ المثمن، بل هو من شرط ردّ ما يماثله؛ لما لا تعيّن له، و الأمر سهل.
1) مستند الشيعة 2: 384/ السطر 34.
و يجوز اشتراط الخيار لكلّ منهما (1) بردّ ما انتقل إليه.
قوله دام ظلّه: «لكلّ منهما».
على سبيل الاستقلال، و على سبيل الاجتماع، فلو ردّ أحدهما دون الآخر لا يكون على الفرض الثاني له الخيار، و اشتراط ردّ ما انتقل إليه أيضاً يمكن على الوجوه المزبورة.
بقي شيء: و هو أنّ في عصرنا بيع الخيار و بيع الشرط، و المشهور بين المعاصرين بطلانه(1)لأنّه ليس من بيع الخيار الشرعيّ، فإنّ فيما تعارف يكون للمشتري حقّ بيع الدار بأخذ الثمن، و ردّ الباقي إلى البائع، و الذي تحرّر منّا جواز ذلك بالشرط في ضمن البيع؛ نظراً إلى الأدلّة العامّة، و لا بأس بأن يكون هو من قبيل الفرار من الرّبا، فلا تخلط.
1) منهاج الصالحين، السيّد الخوئي، قسم المعاملات: 42 المسألة 164.
الرابع: خيار الغبن.
و هو فيما إذا باع بدون ثمن المثل، أو اشترى بأكثر منه مع الجهل بالقيمة، فللمغبون خيار الفسخ (1). و تعتبر الزيادة و النقيصة مع ملاحظة ما انضمّ إليه من الشرط، فلو باع ما يسوى مائة دينار بأقلّ منه بكثير مع اشتراط الخيار للبائع فلا غبن؛ لأنّ المبيع ببيع الخيار ينقض ثمنه عن المبيع بالبيع اللازم، و هكذا غيره من الشروط.
قوله مدّ ظلّه: «خيار الفسخ».
وفاقاً للأكثر، بل عن «الغنية»(1)و «المختلف»(2)الإجماع عليه صريحاً، و عن «نهج الحقّ» نسبته إلى الإماميّة(3)، و في «التذكرة» إلى علمائنا(4)، خلافاً لأكثر المخالفين إلّا مالك(5). و استدلّ عليه في الكتب المفصّلة(6)بالكتاب آيةِ التجارة(7)، و بالسنّة بطائفتين من
1) هذه العبارة سقطت من الغنية المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهيّة. راجع سلسلة الينابيع الفقهيّة 13: 214.
2) مختلف الشيعة 1: 346/ السطر 32.
3) نهج الحقّ: 481.
4) تذكرة الفقهاء 1: 522/ السطر 40.
5) المغني لابن قدامة 4: 90 91 و الشرح الكبير 4: 79.
6) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 234/ السطر 23، البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 265 و مابعدها، مصباح الفقاهة 6: 293 و مابعدها.
7) النساء( 4): 29.
الأخبار(1)
الطائفة الثانية جملة من الروايات كرواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللَّه( عليه السّلام) ف قال:« غبن المسترسل سحت»، و رواية ميسّر عنه( عليه السّلام) قال:« غبن المؤمن حرام».
وسائل الشيعة 18: 31، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17.
غير راجعتين إلى محصّل؛ لأنّ الدلالة ممنوعة، مضافاً إلى ضعف سندهما.و قضيّة الآية بطلان البيع الغبنيّ إن كان باطلًا، و إلّا فيصحّ، و لا تدلّ على الجواز الحقّي إلّا ببعض تقاريب غير نقيّة ذكرنا أحسن وجوهها في كتابنا الكبير.
و أمّا الاستدلال عليه بقاعدة «لا ضرر ..»(2)فهي مضافاً إلى المناقشات الكثيرة، تقصر عن إثبات الجواز الحقّي المورَّث أيضاً. هذا مع أنّ مقتضى ما عرفت منّا أنّ القاعدة تنفي اللزوم، و الخيارُ الثابت بأدلّته في غير المقام يجتمع مع اللزوم في الاعتبار فإنّ العقد الخياري ليس معناه التزلزل في العقد، بل معناه تمكّن الإنسان من إعدامه، كسائر البناءات و العقود.
مثلًا: عقد البيع لازم، و جميع العقود غير الخياريّة المعاوضيّة لازمة، مع أنّها تنفسخ بالتقايل، من غير كونها متزلزلة و لا جائزة، و الخيار بمنزلة التقايل الطرفي الذي سلّطه الشارع على حلّه، فاغتنم.
و بالجملة: حقيقة الخيار ذلك، و تلك القاعدة تقصر عن إثبات مثله.
و ربّما استدلّ المصنّف ببناء العقلاء(1)، و هو لو كان حقّا فربّما يدّعى مردوعيّته بأدلّة لزوم العقد، ك أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(2)و ذيلِ روايات خيار المجلس(3)، فإنّ قوله (عليه السّلام): «فإذا افترقا وجب البيع»(4)يقتضي بإطلاقه لزوم البيع الغبنيّ، و لو قلنا بقصورها عن إمكان الرادعيّة- كما تحرّر في سائر البناءات العقلائيّة فإنّ الإطلاق و العمومات لا تكفي لذلك، بل لا بدّ هناك من نصوص خاصّة.
فالأظهر: أنّ بناء العقلاء قاصر عن إثبات الخيار على الوجه المقصود؛ ضرورة أنّ مع بذل التفاوت يشكل دعواه، بل الظاهر أنّه لا بناء لهم عليه في الصورة المذكورة في المتن، فإنّ العقلاء غير ملتزمين بخيار
الغبن في بيع الخيار جزماً، و ما ذكروه لتصوير الخيارات في البيع الواحد عَرْضاً أو طولًا، كما نحن فيه فإنّ الخيار المشروط في العقد مقدّم على الخيار الغبنيّ؛ بناءً على القول بأنّ مبدأه التسليم كما قيل، أو مبدأه ظهور الغبن كما عن الأكثر(1)، و هو الظاهر من أخبار تلقّي الركبان(2).
فبالجملة: قد ذكرنا في كتابنا الكبير أنّ الخيار الثابت للعقلاء فرضاً في البيع الغبنيّ، هو الاختيار بين الإمضاء و الرّدّ الذي هو ثابت في بيع الفضوليّ و المكره، فإنّ المغبون إذا كان ملتفتاً إلى الغبن، فلا بدّ لإقدامه على المعاملة الضرريّة من غرض عقلائيّ، فلا خيار له، و إلّا فيكون من البيع و الأكل بالباطل، و هكذا لو كان جاهلًا و غير معتنٍ بهذه الأُمور. و لو كان من الضرر اليسير غير الفاحش فلا خيار أيضاً له عندهم.
و بالجملة: تحصّل أنّ خيار الغبن بالمعنى المقصود غير ثابت، كما استشكل عليه المحقّق في درسه الشريف(3)، و اختار الإسكافيّ أنّه لا خيار(4)، و لو شكّ فقضيّة الأصل هو اللزوم على ما تحرّر. و من هنا يظهر وجه قوله- مدّ ظلّه في الفرع الآتي، و يتبيّن وجه المناقشة في ثبوت
الخيار و لو كان غبناً في بيع الخيار و في سائر الشروط.
و ربّما يتوهّم: أنّ مبنى خيار الشرط على تخلّف الوصف أو الشرط الضمنيّ، كما اختاره السيّد الفقيه اليزدي و جمع كثير(1)، تبعاً للشيخ في غير المقام(2)، و هذا أهون و أظهر فساداً من دعوى بناءَ العقلاء على رجوع خيار الغبن إلى خيار آخر.
هذا مع أنّ الاشتراط الضمنيّ يرجع إلى الاشتراط الذكري، فيصحّ أن يحتجّ المشروط له على المشروط عليه بذلك، مع أنّ الضرورة تحكم بخلافه، و لا عهد منه بين العقلاء في صورة تخلّف المشروط عليه، و لا ينبغي الخلط بين المعاملات العامّة الدائميّة، و بين قسم خاصّ منه ربّما يكون فيه ذلك.
و ممّا يشهد على أنّ خيار الغبن لا أصل له: أنّ المسائل العقلائيّة لها مناشئ خاصّة، مثلًا ثبوت خيار الغبن يكون لأجل أنّ بناء المعاملات على عدم الاغترار، و معناه المساواة في الماليّة مساواة عرفيّة تسامحيّة، فعلى هذا يكون البيع مردّداً بين الصحّة و الفساد، فيحتاج إلى الرضا و الإمضاء على وجه لا يعدّ من السفه في المعاملة كما لا يخفى، فتأمّل.
و يشترط فيه أن يكون التفاوت بما لا يتسامح فيه (1) في مثل هذه المعاملة، و تشخيص ذلك موكول إلى العرف، و تختلف المعاملات في ذلك، فربّما يكون التفاوت بنصف العشر بل بالعشر، ممّا يتسامح فيه، و لا يعدّ غبناً، و ربّما يكون بعشر العشر غبناً، و لا يتسامح فيه، و لا ضابط لذلك، بل هو موكول إلى العرف.
قوله مدّ ظلّه: «بما لا يتسامح فيه».
كما في كلام جلّ من المتأخّرين(1)، آخذين ذلك عن الشهيد الثاني في تفسير «ما لا يتغابن به الناس»(2)و قد اشتملت كلمات الأسبقين على ذلك(3)، و لعلّه متّخذ عمّا في رواية «دعائم الإسلام»(4)فيكون المناط على ما لا يتغابن به الناس، و فيها التصريح بأنّ الخيار ثابت إذا كان الأمر فاحشاً و الغبن بيّناً، و على كلّ تقدير يكون المقصود معلوماً؛ و هو إلحاق الغبن المتقارب من الغبن المتعارف به، و ما هو موضوع الخيار هو الغبن الفاحش.
و غير خفيّ: أنّ قضيّة «لا ضرر ..» ثبوت الخيار مطلقاً، و الانصراف المدّعى أحياناً غير ثابت، فتكون القاعدة مخصّصة بالإجماع و السيرة.
مسألة 1: ليس للمغبون (1) مطالبة الغابن بتفاوت القيمة، بل له الخيار بين أن يفسخ البيع، أو يرضى بالثمن المسمّى. كما أنّه لا يسقط خياره ببذل الطرف التفاوت، نعم مع تراضيهما لا بأس به.
قوله دام ظلّه: «ليس للمغبون».
ما ذكره في هذه المسألة مبنيّ على أنّ هذا الخيار إجماعيّ، و لا دليل شرعاً على أزيد من خيار حلّ الفسخ، و لا دليل على سقوطه بما وراء المسقطات الآتية، فإنّ سقوطه بها لا يرجع إلى اشتراطه بعدمها، بخلاف هذا فإنّ معنى سقوطه به اشتراطه بعدم البذل.
مسألة 2: الخيار ثابت للمغبون من حين العقد (1)، و ليس بحادث عند علمه بالغبن، قوله دام ظلّه: «من حين العقد».
إجماعاً كما في «التذكرة»(1)و يعارضه الإجماع في «الغنية»(2)و ظاهر «المبسوط»(3)و «الشرائع»(4)و عليه شهرة المتأخّرين(5).
و بالجملة: ما هو السند قبل الاتفاق؛ أنّ اشتراط الظهور أو كونه تمام الموضوع، يحتاج إلى دليل لا أثر منه.
نعم، ربّما يستظهر من أخبار تلقّي الركبان(6)، دخالة الظهور في ثبوت الخيار، حيث ورد فيها عن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (أنّه نهى عن تلقّي الركبان. و قال: «من تلقّاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق»(7).
و الظاهر منه دخالة القيد و لو أُفيد ب «إذا» التي هي للتوقيت أقرب
1) تذكرة الفقهاء 1: 522/ 40.
2) هذه العبارة سقط من الغنية المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهيّة. راجع سلسلة الينابيع الفقهيّة 13: 214.
3) المبسوط 2: 87.
4) شرائع الإسلام 2: 16.
5) جواهر الكلام 23: 43.
6) مستدرك الوسائل 13: 280، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 29.
7) مستدرك الوسائل 13: 281، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 29، الحديث 2.
من كونها للتعليق، و لو لا ضعف إسنادها لكان دلالتها تامّة.
و أفاد المصنّف امتناع كون العقد مبدأ اعتبار الخيار، و الظهورِ شرطاً لأنّه عند ظهور الشرط لا مشروط، ضرورة أنّ الغبن حين العقد معنى حدثي.
و أجاب عنه: بأنّ ما هو موضوع حكم العقلاء أو الشرع؛ هو المعنى الحدثيّ الباقي في ظرفه(1).
و إن شئت قلت: الخيار ثابت للبائع بالنسبة إلى العقد الباقي لأجل الغبن، فلا سببيّة للغبن بوجوده الخارجيّ.
و بالجملة: قضيّة القواعد أنّ الغبن تمام الموضوع لاعتبار الخيار في العقد؛ بناءً على كون العقد تمام الموضوع للزوم.
و أمّا بناءً على أنّ في الاعتبارات العقلائيّة عقداً و بيعاً، و البيع وفاء بالعقد، و قبل المبادلة لا يكون العقد لازماً، فيكون الخيار ثابتاً من حين المبادلة، و هذا هو الذي قوّيناه في كتابنا الكبير(2).
و توهّم جواز إسقاط الخيار قبل العلم به في ضمن العقد و قبل المبادلة الخارجيّة و لو من طرف واحد، و هو يشهد على أنّ الخيار ثابت من الأوّل، و يكون مبدأ اعتباره العقد الغبنيّ، غير سديد؛ لأنّ الإسقاط قبل
الثبوت و بعد تماميّة ما هو كالمقتضى، جائز عندهم، ففي صورة احتمال الغبن يصحّ الإسقاط التقديري، و يؤثّر أثره في ظرفه، فتدبّر.
و غير خفيّ: أنّ ما يدلّ من الأخبار فرضاً على الغبن- كخبر إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «غبن المسترسل سحت»(1)أو «غبن المؤمن حرام»(2)و لو كان بإطلاقها دالّة على أنّ الغبن الواقعيّ يوجب الخيار، إلّا أنّ المنصرف منها ما هو العقد و البيع الذي لولا الغبن لكان لازماً من جهة عدم الغبن؛ و لو كان فيه خيار الحيوان و المجلس. هذا مع أنّ القوم ناقشوا في دلالتها على أصل المسألة(3).
و بالجملة: ما هو الوحيد لإثبات خيار الغبن الحقّي المقصود منه هنا هو الإجماع، و القدر المتيقّن منه حال الظهور، فقول المتأخّرين غير متين جدّاً.
فلو فسخ قبل ذلك و صادف الغبن انفسخ. (1) نعم، قد عرفت منّا: أنّ خيار الغبن عندنا كإجازة الفضوليّ(1)، فلا نحتاج إلى تحرير الإجماع و تقريره، فاغتنم.
فتحصّل: أنّ الاحتمالات ثلاثة، و الثالث ما أبدعناه و قرّبناه؛ و هو أنّ مبدأ هذا الخيار هو البيع، أي التبادل المترتّب على عقده.
قوله مدّ ظلّه: «انفسخ».
لا إشكال عندنا في أنّ الفسخ يؤثّر في حلّ العقد في هذه الصورة؛ لأنّه إن كان تبادل و غبن فقد كان له الخيار، و إن لم يكن تبادل فالعقد غير لازم.
و إنّما الإشكال في أنّ الانفساخ لأجل الخيار المستند إلى الغبن الواقعيّ، أم هو لأجل ما ذكرنا، و قد عرفت أنّ مقتضى ما هو مرامهم- من أنّ الخيار الحقّي ثابت، و لا يجوز بذل ما به يرتفع الغبن هو الأخذ بالقدر المتيقّن؛ لأنّ الدليل المثبت لهذا الحقّ، ليس إلّا الإجماع بالضرورة عند المحصّلين منهم، فراجع.
1) تقدّم في الصفحة 160 161.
مسألة 3: لو اطلع على الغبن و لم يبادر بالفسخ، فإن كان لأجل جهله بحكم الخيار، فلا إشكال (1) في بقائه. و إن كان عالماً به، فإن كان بانياً على الفسخ غير راضٍ بالبيع بهذا الثمن، لكن أخّر الفسخ لغرض، فالظاهر بقاؤه. (2) قوله: «فلا إشكال».
و في «المتاجر»: «لا خلاف في معذوريّة الجاهل بالخيار في ترك المبادرة؛ لعموم نفي الضرر»(1)انتهى.
و التعليل عليل؛ إمّا لأجنبيّة القاعدة عن مسألة الحكومة على الأدلّة، أو لأجنبيّتها عن المقام؛ لما لا يثبت بها الحقّ.
نعم، لا يبعد ذلك بحكم العقلاء إذا كان الخيار عقلائيّاً، كما هو مختار الماتن(2). و لو كان المستند هو الإجماع(3)كما هو الأظهر فلا يبعد السقوط؛ لأنّ الحكم مشترك بينهما، فإن فوراً ففور على الإطلاق، و إن تراضيا فكذلك و لو أمكن احتمال الاختصاص.
قوله مدّ ظلّه: «فالظاهر بقاؤه».
لما أُشير إليه من البناء العقلائيّ عليه في أصل الخيار و حكمه(4)،
و هو مقتضى إطلاق آية الوفاء بالعقود(1)لأنّه المرجع، دون الاستصحاب. هكذا مبناه- مدّ ظلّه(2).
و الحقّ: أنّ آية الوفاء بالعقود أجنبيّة عن المسائل التجاريّة، و استصحاب الخيار ممنوع جريانه في ذاته، فتصل النوبة إلى استصحاب حكم العقد، و هو أيضاً غير محرز لأصل السبب المانع عن جريان حكم الخيار؛ ضرورة أنّ الشكّ إن كان كليّاً فمنشأه احتمال الفسخ، و هو هنا غير محتمل، و إن كان منشأه إجمال الدليل، فلا يمكن الاستصحاب؛ للزوم جرّ الحكم إلى موضوع آخر.
و إن كان شخصيّاً، فلا يقين بالنسبة إلى ما في الخارج؛ لأنّ الخارج مصدوق عليه، و لا بدّ من كون موضوع الدليل خارجيّاً حتّى يفيد اليقين المتعلّق به، و أمّا اليقين المتعلّق بالشخص المنطبق عليه عنوان الدليل، فهو ليس موضوع الحكم عند الشرع و إن كان موضوعاً بمقتضى الشكل الأوّل و القياس المنطقيّ. و على هذا، يكون المرجع إطلاق دليل قطعيّ غير الآية؛ إذا كان يقتضي لزوم العقد، فحديث جريان استصحاب حكم المخصّص بلا أساس ذاتاً، و التفصيل في محلّه.
نعم، ليس له التواني فيه بحيث يؤدّي إلى ضرر (1) و تعطيل أمر على الغابن، بل بقاؤه مع عدم البناء على الفسخ، و إنّما بدا له بعد ذلك، لا يخلو من قوّة (2).
قوله مدّ ظلّه: «إلى ضرر».
لأنّ الإضرار محرّم، و هكذا التعطيل، فإنّه تحريج، و هو أيضاً غير جائز. و لا يلزم من ذلك سقوط خيار لو كان على التراخي، إلّا على القول بحكومة مصداق من القاعدة على مصداق آخر.
و يمكن دعوى: أنّ جميع التصرّفات في العوض للغابن جائزة حتّى الإتلاف، فلا يتصور الضرر و الحرج؛ لأنّ المناط قيمة يوم الفسخ.
نعم، لو قلنا: بأنّ المناط قيمة يوم المطالبة كما هو الأقوى عندنا، فتأخير الطلب ربّما يمنع، فلا تغفل.
قوله مدّ ظلّه: «لا يخلو من قوّة».
مرّ و تبيّن وجهه؛ فإنّ التفصيل بين الفرضين بلا وجه.
مسألة 4: المدار في الغبن على القيمة حال العقد، فلو زادت بعده لم يسقط (1) و لو قبل علم المغبون بالنقصان حينه، قوله مدّ ظلّه: «لم يسقط».
لأنّ الخيار المذكور تعبّدي، فلو كان عقلائيّاً فلا خيار بالضرورة، و لا سيّما إذا كانت الزيادة الجابرة للغبن فوريّة.
نعم، إذا اطلع على الغبن، و كانت الزيادة في الأزمنة المتأخرة، فالسقوط غير واضح.
و لو كان مستند الخيار الاشتراط الضمني؛ حتّى يكون الخيار خيارَ تخلّف الشرط حقيقة كما عليه جمع(1)، تبعاً لأحد محتملات الشيخ (قدّس سرّه)(2)فيه، فالأمر كذلك؛ لأنّ ثبوت خيار التخلّف عقلائيّ أيضاً و هو في هذه الصورة غير معلوم أصلًا. و مثله لو كان قاعدة «لا ضرر ..».
و لو شكّ فالمرجع في أمثال هذه الأحكام هو استصحاب الخيار؛ لعدم الدليل اللفظيّ حتّى يكون هو المرجع. هذا مع أنّ مقتضى التحقيق: أنّ الخيار دليل لزوم العقد حتّى حين ثبوته، كما تحرّر في كتابنا الكبير(3)، فلا مرجعيّة صالحه إلّا الاستصحاب.
و لو نقصت بعده لم يثبت. (1) و توهّم إطلاق الأدلّة اللفظية المثبتة لخيار الغبن، غير سديد أصلًا، مع ما فيها أساساً.
قوله مدّ ظلّه: «لم يثبت».
و إلّا يلزم ثبوت الخيار في كلّ بيع؛ ضرورة أنّ النقصان المتأخّر لو كان يورث الخيار للمشتري، يلزم أن تكون الزيادة على القيمة حين العقد موجبة للخيار للبائع، فلا يقوم حينئذٍ للمسلمين سوق.
ثمّ إنّه كما لا يثبت على القول: بأنّ مبدأ الخيار هو العقد، كذلك لا يثبت على القولين الآخرين، فتوهّم أنّ الظهور لو كان شرطاً شرعيّاً، لكانت الزيادة المتأخّرة أو النقصان المتأخّر موجباً للخيار(1)، غير تامّ.
و من هنا يظهر: أنّ الزيادة الجابرة للغبن حين العقد، إذا كانت قبل الظهور، تمنع عن ثبوت الخيار؛ بناءً على القول: بأنّ مبدأ الخيار هي المبادلة أو ظهور الغبن.
بقي فرع: لو باع داره، و كان المشتري مغبوناً بالعشر، و قلنا إنّه يوجب الخيار، ثمّ نقصت قيمتها السوقيّة جدّاً، أو باع داره، و كان البائع مغبوناً، ثمّ زادت قيمتها، ففي الفرعين يثبت بقاعدة «لا ضرر ..» خيار لكلّ منهما، و يرتفع الخيار؛ لكونه ضرريّاً.
1) لاحظ حاشية المكاسب، المحقّق الأصفهاني 2: 54/ السطر 39 و ما بعده.
و تنحلّ المشكلة أوّلًا: بأنّ القاعدة ليست مستند الخيار.
و ثانياً: بعدم وجه لانحلالها إلى مصاديق؛ يكون أحدها مثبتاً، و الآخر رافعاً.
و ثالثاً: لو انحلّت يكون إطلاق المصداق الأوّل، مثبتاً للخيار إلى حال اختلاف القيمة زيادة و نقيصة، و المصداق الآخر يقيّده، و يوجب رفع الخيار في تلك الحال، فتأمّل.
مسألة 5: يسقط هذا الخيار بأمور:
أحدها: اشتراط سقوطه (1) في ضمن العقد، قوله دام ظلّه: «اشتراط سقوطه».
قد مرّت المناقشة فيه(1)لو رجع إلى عدم الثبوت، و أمّا الإسقاط في ضمن العقد المنتهى إلى سقوط ما يثبت بإطلاق الأدلّة الشرعيّة، فهو فرع كون خيار الغبن حقّا يسقط، فلو كان المستند الإجماع أو الأخبار، فلا يبعد انصراف المعقد و محطّها إلى أنّه الخيار المصطلح العقلائيّ الذي يسقط.
و مثله لو قلنا: إنّه الشرط الضمنيّ(2)، على إشكال فيه التزم به من اتخذه سنداً.
و أمّا إذا كان المستند الآية أو القاعدة(3)، فلا يثبت به الحقّ و إن قرّبناه في محلّه، و حيث اختار المصنّف أنّ المستند هو بناء العقلاء(4)، فالاشتراط المزبور في محلّه.
نعم، إشكال التعليق و عدم الجزم(5)، ينحلّ بعدم مضرّيته حتّى
و يقتصر فيه على مرتبة من الغبن كانت مقصودة عند الاشتراط (2)، و شملته العبارة، فلو كان المشروط سقوط مرتبة من الغبن كالعشر، فتبيّن كونه الخمس، لم يسقط.
في الإيقاعات، فضلًا عن أمثال هذه الإيقاعات.
ثمّ، أنّ المراد من «ضمن العقد» أعمّ من كونه بين الإيجاب و القبول، أو بعدهما، بعد كون الجملة متعلّقةً به عرفاً، و تفصيل الكلام ربّما أُشير إليه في الخيارين السابقين: المجلس، و الحيوان.
قوله مدّ ظلّه: «اشتراط سقوطه».
و هذا ممّا هو المتفق عليه المفروغ عنه في كلماتهم(1)، و هو مقتضى كونه حقّا، و الإشكال فيه تارة: من جهة أنّ سند خيار الغبن قاصر عن إثبات حقّيته(2)، و أُخرى: بأنّ السقوط خلاف الكتاب، في غير محلّه، و ينفعك ما مرّ في خيار المجلس و غيره(3).
قوله مدّ ظلّه: «عند الاشتراط».
ذلك لأنّ الحقّ يحتاج في إسقاطه إلى الإنشاء، و لا معنى لسقوط
بل لو اشترط سقوطه و إن كان فاحشاً أو أفحش لا يسقط (1)، إلّا ما كان كذلك بالنسبة إلى ما يحتمل في مثل هذه المعاملة، لا أزيد، فلو فرض أنّ ما اشتراه بمائة لا يحتمل فيه أن يسوى عشرة أو عشرين، و أنّ المحتمل فيه من الفاحش إلى خمسين، و الأفحش إلى ثلاثين، لم يسقط مع الشرط المذكور إذا كان يسوى عشرة أو عشرين. هذا كلّه إذا اشترط سقوط الخيار الآتي من قبل العشرة مثلًا بنحو التقييد، و يأتي الكلام في غيره في الأمر الثاني.
ما زاد عن مفاد العبارة.
و هذا ليس معناه سقوط مقدار من الحقّ؛ حتّى يقال بعدم تعدّد الحقّ، بل معناه عدم سقوط الحقّ فيما إذا كانت المعاملة مشتملة على المرتبة العليا من الغبن، و كانت ألفاظ إنشاء الإسقاط، غيرَ منطبقة عرفاً إلّا على إسقاط الحقّ و الخيار الناشئ من الغبن في المرتبة الخاصّة، و سيمرّ عليك في المسقط الآتي تمام ما يتعلّق بالبحث هنا.
قوله دام ظلّه: «لا يسقط».
لأنّ الانصراف المذكور في المتن في حكم التصريح بالمقيّد، فلا تشمل العبارة إلّا سقوط الخيار الناشئ من الغبن بمرتبة خاصّة.
و لنا في المسألة بحث نشير إليه: و هو أن تجزّؤ الخيار بحسب التصوّر و التصديق- كما في باب الإرث ممّا لا إشكال فيه، و على هذا إذا كان البيع مشتملًا على الغبن الأفحش، فإن قلنا: بأنّ صِرْف وجود الغبن
يورث الخيار، فالتقييد في مقام الإسقاط بالسبب، يورث عدم سقوطه إذا كان القيد غير منطبق على الخارج.
و إذا قلنا: بأنّ مجرّد التجاوز عن الحدّ المتسامح فيه يورث الخيار، و سائرَ مراتب الغبن كالحجر جنب الإنسان، فالتقييد بالمرتبة العليا لا يورث سقوط الخيار الناشئ من تلك المرتبة؛ لأجل عدم وجود خيار له مقيداً بها.
نعم، يستظهر منه عرفاً سقوط خياره؛ لأنّ الراضي بالعقد و الملتزم بالبيع الغبنيّ بالغبن الأفحش، ملتزم بالفاحش عرفاً و لو أمكن التفكيك عقلًا، كما لا يخفى.
و في المسألة احتمالات أُخر ربّما تجيء بعد ذلك. و أمّا ما هو الأظهر من بين الاحتمالين فهو الثاني بحسب النظر البدوي.
و يمكن الالتزام بسقوط خيار الغبن في صورة التقييد بالمرتبة الأُولى؛ و لو كان الغبن في المرتبة العليا خلاف المرتكز العرفيّ، و يؤيّد الاحتمال الأوّل، فيكون الغبن في كلّ بيع بمرتبة موجباً للخيار.
أو يقال: إنّ إسقاط الخيار المتقيّد بالمرتبة الأُولى، يورث سقوطه على نعت التجزّؤ، و تصير النتيجة عدم الخيار له إذا كان الأفحش ممّا يتسامح فيه بعد سقوط تلك المرتبة.
مثلًا: إذا كان غبنه لأجل العشرين، و أسقط الخيار الناشئ من
ثانيها: إسقاطه بعد العقد و لو قبل ظهور الغبن؛ إذا أسقطه على تقدير ثبوته. (1) الخمسة عشر، يسقط خياره، و المقدار الباقي لا يقتضي الخيار، و إسقاط الخيار المقيّد يرجع في الحقيقة إلى مضيّه عن حقّه و هو الخمسة عشر، و إلى إعطاء ماله مثلًا مجّاناً إلى الغابن، فلا خيار له بعد ذلك إلّا إذا كان المقدار الباقي فاحشاً.
قوله دام ظلّه: «على تقدير ثبوته».
على ما صرّح به الشيخ(1)و غيره(2).
و المناقشة فيه: بأنّه أمر غير عقلائيّ.
أو أنّه من التعليق المجمع على بطلانه شرعاً.
أو أنّه من إسقاط ما لا يجب، فلا يجوز عقلًا(3).
غير قادحة:
أمّا الاولى: فلأنّ التزلزل ربّما يورث ضعفاً يحتاج إلى سدّه، فيكون عقلائيّاً.
و أمّا الثانية: فلأنّ ما أجمعوا على بطلانه، ليس مثل التعليق المتقوّم مفهوم الإنشاء به، كالإبراء في موارد احتمال الاشتغال. مع أنّ الإجماع ممنوع،
و هذا أيضاً يقتصر فيه على مرتبة من الغبن كانت مشمولة للعبارة، فلو أسقط مرتبة خاصّة منه كالعشر، فتبيّن كونه أزيد، لم يسقط إذا كان الإسقاط بنحو التقييد؛ بأن يسقط الخيار الآتي من قبل العشر مثلًا بنحو العنوان الكلّي المنطبق على الخارج بحسب وعائه المناسب (1) له.
و لو كان فلا دليل على كونه تعبّدياً.
و أمّا الثالثة: فالإسقاط بالحمل الشائع، لا يعقل إلّا مع كون الذمّة مشغولة مثلًا، و أمّا في صورة الاحتمال فيجوز الإسقاط، و لا يعلم أنّه إسقاط بالحمل الشائع- أي أنّه مسقط واقعاً أم لا، و هذا لا يضرّ بالمقصود، فلا تخلط.
هذا مع أنّ سدّ باب تأثير المقتضي بإيجاد المانع، أو تضعيف المقتضي، ممكن، و لكنّه خلاف الكتاب في الفرض الثاني، و غير ممكن في الأوّل، فتأمّل.
قوله دام ظلّه: «وعائه المناسب».
أي أنّ لكلّ قضيّة وعاء الصدق و الكذب، و في المقام إنّ العقد خياري في وعاء الاعتبار، فإذا تقيّد الخيار الخاصّ في مرحلة الإسقاط، يجوز أن يكون غير منطبق على ما هو في الخارج اعتباراً.
و أمّا إذا أسقط الخيار المتحقّق في العقد؛ بتوهّم أنّه مسبّب من العشر، فالظاهر سقوطه (1)؛ سواء وصفه بالوصف المتوهّم، أم لا، فلو قال: «أسقطت الخيار المتحقّق في العقد الذي هو آتٍ من قبل العشر» فتخلّف الوصف، سقط خياره على الأقوى. و أولى بذلك ما لو أسقطه بتوهّم: أنّه آتٍ منه.
قوله دام ظلّه: «فالظاهر سقوطه».
لأجل أنّ الساقط ليس معنىً كلّياً، بل أمر جزئيّ خارجيّ، و الأُمور الجزئيّة الخارجيّة تكون القيود الواردة عليها من الحالات، نظير تقييد الإمام الموجود في المحراب بقيود كذائيّة، فإنّه بالتقييد لا يلزم عدم وقوع الاقتداء بأمر غير خارجيّ، بل في جميع الحالات يقع الاقتداء بالخارج، فإذا كان عادلًا يكون اقتداؤه بالعادل الكافي لصحّة جماعته.
و من هنا يظهر وجه قوله دام ظلّه: «سواء وصفه ..» إلى آخره، فإنّ التوصيف تقييد و تضييق، و لكن لا يورث تقسيم الخارج؛ لامتناع انقسامه إلى الكثير، فإذا كان له الخيار في العقد يسقط؛ لأنّ إنشاء إسقاطه مرتبط به، و سبب سقوطه. و هذا هو الفرع الموجود في كلام الشيخ (قدِّس سرُّه) حيث قال: «و لو أسقطه بزعم كون التفاوت عشرة فظهر مائة، ففي السقوط وجهان»(1)انتهى.
و لو كان متحيّراً في ترجيح أحدهما على الآخر في فرض الزعم، ففي
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 238/ السطر 14.
فرض التوصيف يكون التحيّر أولى. و إليه يشير قوله دام ظلّه: «و أولى بذلك ما لو أسقطه بتوهّم أنّه آتٍ منه ..» إلى آخره، و لكن لا حاجة إليه بعد تصريحه في أوّل المسألة بالتسوية.
و الإنصاف خلافه، و لو صحّ ما قيل يلزم سقوط خيار العيب بإسقاط خيار الغبن.
و لا تقاس هذه المسألة بمسألة الاقتداء، فإنّه لا يعقل هناك الاقتداء بغير الخارج في جميع الصور، بخلاف ما نحن فيه، فإنّه يعقل إسقاط العنوان، فلو قيّد خياره بقيد- سواء كان قيداً، أو شرطاً يكون الساقط متضيّقاً غير منطبق عليه، و لا سيّما في مثل الشرط الذي هو يرجع إلى الهيئة، لا المادّة.
فقوله دام ظلّه: «و كذا الحال ..» إلى آخره، في غير محلّه؛ لأنّ الشرط يورث قصوراً في السبب الذي يتسبّب به إلى السقوط؛ لأنّ الحقّ جواز جعل الشرط قيد الهيئة عنده.
و لا يقاس ما نحن فيه ببيع الفرس الخارجيّ الموصوف ب «العربيّ» بل هو من قبيل بيع الفرس الخارجيّ الموصوف ب «العربيّ» المتبيّن أنّه حجر، فإنّه لا يصحّ البيع بالضرورة و لو كان مصبّ البيع و الإنشاء أمراً خارجيّاً، فإذا قيل: «أسقطت خيار العيب في هذا العقد» لا يسقط خيار الغبن به، و هكذا إذا قال: «أسقطت الخيار الناشئ من الغبن الكذائيّ في
و كذا الحال (1) في اشتراط سقوطه بمرتبة و إن كان فاحشاً، بل أفحش.
هذا العقد» و كلّ ذلك لعدم مساعدة العقلاء على سقوط خياره. و لا يجوز الإشكال بالصناعة العلميّة و القياسات النافية الباطلة بعضها في محلّها أيضاً.
هذا مع أنّ السقوط بالإسقاط الكذائيّ، ضرر يمكن منع إطلاقه بقاعدة «لا ضرر ..».
و توهّم: أنّه ليس أمراً شرعيّاً(1)، في غير محلّه؛ لكفاية كونه بيد الشرع نفياً و إمضاءً، فتأمّل.
و يحتمل قصور قاعدة «لا ضرر ..» عن شمول الفرض؛ لأنّ ثبوته ضرري، و هو ناشئ من القاعدة الجابرة للضرر، فتكون منصرفة أصلًا.
نعم، يثبت له الخيار بدليل آخر بعد سقوط القاعدة عن الاستناد.
قوله: «كذا الحال».
قد عرفت وجهه و وجه ما فيه(2).
و غير خفيّ: أنّه يمكن الالتزام بالتجزئة أيضاً، و إنّما الإشكال في أنّه أمر عرفيّ يساعد عليه السوق أم لا، فليتدبّر جيّداً.
و كذا يأتي ما ذكر فيمن صالح على خياره، فبطل (1) إن كان بنحو التقييد، فتبيّن الزيادة، دون النحوين الآخرين. و كما يجوز إسقاطه بعد العقد مجّاناً، يجوز المصالحة (2) عليه بالعوض، فمع العلم بمرتبة من الغبن فلا إشكال، قوله دام ظلّه: «فبطل».
أي الصلح، فإنّه إن كان بنحو التقييد بالمرتبة المذكورة في المسألة السابقة، فلا يسقط الخيار، و إن كان بالنحوين الآخرين- التوصيف، أو الزعم و التوهّم فيسقط الخيار، و يصحّ الصلح، و الوجه و ما فيه قد مرّ(1)، فتدبّر.
قوله دام ظلّه: «يجوز المصالحة».
و هو المصرّح به في كلام الأصحاب (رحمهم اللَّه)(2)نظراً إلى أنّ في الصلح، لا يعتبر كون المصالح عليه عيناً، أو منفعة، أو حقّا، و الأمر كذلك عندنا في البيع، و لا سيّما في الحقّ. نعم، في المنفعة تأمّل جدّاً.
و إنّما الإشكال في أنّ الصلح و المصالحة شرعت لرفع الخصومة، فإطلاق مشروعيّتها محلّ إشكال. و لو كان الصلح كالبيع يلزم جريان الخيارات فيه، مع أنّ الظاهر أنّ مصبّه في محيط لا يبقى بعد المصالحة شيء؛ فينسحب إلى النزاع و المخاصمة، و التفصيل في محلّه.
و مع الجهل بها صحّ المصالحة مع التصريح (1) بعموم المراتب؛ بأن يصالح على خيار الغبن المتحقّق في هذه المعاملة بأيّ مرتبة كانت.
قوله دام ظلّه: «مع التصريح».
حتّى يكون العوض في مقابل المعوّض؛ ضرورة أنّ في صورة التقييد، يشكّ في تحقّق المعاوضة العامّة الجنسيّة المشترك فيها البيع و الصلح بالعوض و غيرهما.
و ظاهر المتن عدم جواز الصلح في صورة احتمال الغبن و الخيار أيضاً، و فيه خلاف بين الأعلام؛ فالشيخ (رحمه اللَّه (اختار الجواز بشرط الانضمام(1)، و لا يخفى ما فيه.
و عن العلّامة الخراسانيّ (رحمه اللَّه (جوازه(2)لأنّ الصلح واقع على الاحتمال، و هو أمر حاصل.
و ذهب الماتن إلى جواز الصلح على الإسقاط في صورة احتمال الخيار(3)، و الإسقاط متحقّق إنشاءً، و المناقشة في ماليّة الإسقاط و الاحتمال(4)، تنافيها ماهيّة الصلح المشروعة لحلّ المشاكل، فلو كان
معتبراً في العقد ماليّة واقعيّة، فهي غير معتبرة فيه إلّا على الوجه الموجود في المسألة.
و من هنا يظهر: أنّ الصلح على المرتبة الخاصّة المحتملة- كالصلح على المنفعة لا تأتي فيه الوجوه الثلاثة: بطلان الصلح، و لزومه، و جوازه، بل فيه التفصيلات السابقة المذكورة في أصل المسألة.
الثالث: تصرّف المغبون (1) بعد العلم بالغبن فيما انتقل إليه؛ بما يكشف كشفاً عقلائيّاً (2) عن الالتزام بالعقد و إسقاط الخيار، قوله مدّ ظلّه: «تصرّف المغبون».
حسب بعض الإجماعات المحكيّة(1)، و عليه فتوى جماعة(2)، و في كلامهم ما يورث كونه من التصرّفات المسقطة لأحد الخيارات السابقة، كالمجلس، و الحيوان.
و ربّما يعارض الإجماع بإطلاق كلام جمع منهم؛ بأنّ هذا الخيار لا يسقط بالتصرّف(3)، و لكن القدر المتيقّن منه قبل العلم بالغبن.
و بالجملة: كون التصرّف مسقطاً بلا وجه عند العقلاء، و استفادته من الأخبار الخاصّة السابقة ممنوعة.
قوله: «كشفاً عقلائيّاً».
لا تنافي بين عدم سقوط الخيار، و الالتزامِ القلبيّ بالعقد، و مجرّد كون التصرّف كاشفاً عن الالتزام غير كافٍ؛ لأنّ الخيار حقّ لا بدّ من إسقاطه إمّا بالقول أو الفعل، و التصرّف يمكن أن يكون مسقطاً، كالمعاطاة في البيع،
و لكنّ الكاشفيّة العقلائيّة عن الالتزام، لا تدلّ إلّا على الرضا بالبيع، و الإسقاط أمر آخر تسبيبيّ.
اللهمّ إلّا أن يقال: بكفاية الانصراف عن الحقّ ثبوتاً و إن لم يبرز، فيكون خياره ساقطاً بينه و بين ربّه، و هذا غير بعيد.
و على كلّ تقدير: الاحتياج إلى الكاشفيّة العقلائيّة، غير تامّ إلّا في مرحلة الدعوى و طرح الخصومة.
ثمّ إنّ قوله- مدّ ظلّه: «و إسقاط الخيار» يناقض الالتزام بالعقد، فإنّ الإسقاط أمر تسبيبيّ من القول أو الفعل، و الالتزامَ أمر قلبيّ، و لو كان التصرّف مسقطاً للخيار، يكفي و لو لم يكن ملتزماً بالعقد؛ و بانياً على التخلّف عن الوفاء به بقاءً.
و غير خفيّ: أنّ المسقط لا يعتبر أن يكون أمراً عقلائيّاً؛ قولًا كان، أو فعلًا، نعم في مرحلة التداعي إذا كان غير عرفيّ لا يسمع قول مدّعيه، فلا ينبغي الخلط. و لا ينبغي المقايسة بين العقود و إسقاط الدين و الحقّ؛ لما عرفت من إمكان سقوط الدين و الحقّ بمجرّد الانصراف عن حقّه بناءً و قلباً، ثمّ الإخبار عنه، فليتدبّر.
كالتصرّف بالإتلاف، (1) قوله مدّ ظلّه: «بالإتلاف».
على الأشهر خلافاً لغير واحد(1)، و منهم المصنّف في درسه(2)، و هو الظاهر من الشيخ (رحمه اللَّه)(3)و ذلك لأنّ الملازمة العرفيّة بين الإتلاف و الإسقاط، أو الالتزام بالعقد- بناءً على كفايته غير تامّة، و الأدلّة الواردة في بعض الخيارات السابقة و منها خيار الحيوان، غير وافية بكون التصرّف المزبور فيما نحن فيه موجباً لسقوط الخيار تعبّداً، و قد مرّ الكلام حولها في موردها بما لا مزيد عليه(4).
نعم، يجوز أن يقصد بالإتلاف إظهار سقوط الخيار، و لكنّه خروج عن المقصود بالبحث، و لذلك لا نحتاج إلى تقييد إطلاق كلام الماتن و غيره في المقام، خلافاً لما يستظهر من بعض الأعلام(5).
1) شرائع الإسلام 2: 16، إرشاد الأذهان 1: 374، حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 42/ السطر 17.
2) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 326.
3) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 239/ السطر 21.
4) تقدّم في الصفحة 112 و ما بعدها.
5) لاحظ حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 42/ السطر 14، حاشية المكاسب، المحقّق الإيرواني 2: 34/ السطر 16.
أو بما يمنع الردّ (1)، أو بإخراجه (2) عن ملكه، كالبيع اللازم، بل و غير اللازم، و نحو التصرّفات التي مرّ ذكرها في خيار الحيوان.
قوله مدّ ظلّه: «أو بما يمنع الردّ».
كالاستيلاء، و الكلام فيه ما مرّ.
قوله مدّ ظلّه: «بإخراجه».
و هذا مثل ما سبق، بل الأمر في غير التصرّفات التالفة أخفى، كما لا يخفى.
نعم، في المسألة شيء: و هو أنّ مقتضى كون خيار الغبن فوريّاً، و قضيّة المفروض في صور البحث، سقوط الخيار بعد العلم بالغبن.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه يمكن أن تكون الصور واردة مورد جهالة المغبون بالحكم و لو كان عالماً بالغبن، و الظاهر هو الأخير؛ و ذلك لقولهم: «بأنّ التصرّف الكاشف الكذائيّ يوجب سقوط الخيار» و لو كان عالماً بالغبن و بفوريّة الخيار، فلا حاجة إلى التقييد المذكور؛ لأنّ السقوط بالتصرّف المزبور قطعيّ.
اللهمّ إلّا أن يقال: بإمكان بقاء الخيار إذا لم يكن التصرّف منافياً للفوريّة، فتدبّر.
و أمّا التصرّفات الجزئيّة- نحو الركوب غير المعتدّ به، و التعليف، و نحو ذلك ممّا لا يدلّ على الرضا فلا. كما أنّ التصرّف قبل ظهور الغبن لا يسقط (1)، كتصرّف الغابن فيما انتقل إليه مطلقاً.
قوله مدّ ظلّه: «لا يسقط».
خلافاً للمصرّح به في كلام المحقّق(1)و من تأخّر عنه(2)، و قيل: «إنّه المشهور»(3).
و يظهر من «الروضة» أنّ السقوط إجماعي(4)، و لو كان مورد الإجماع لما خالفهم الشهيد (رحمه اللَّه (في «اللمعة»(5).
و قال الشيخ (رحمه اللَّه): «إنّك عرفت عدم عنوان المسألة في كلام من تقدّم على المحقّق (رحمه اللَّه (فيما تتبّعت»(6)انتهى.
و بالجملة: و لو كان إجماعيّاً، و لكنّه يحتمل استناده إلى أخبار خيار الحيوان، فاهمين منها عدم الفرق بين صورتي العلم و الجهل، فراجع.
و لذلك و ذاك اشتهر بين المعاصرين خلافه(1)و أنّه لا وجه لسقوط الخيار هنا، كما لا وجه لسقوط الخيار بتصرّف الغابن فيما انتقل إليه مطلقاً، كما هو الواضح.
و يمكن أن يقال: بأنّ وجه سقوط الخيار في المسألتين قصور دليله، فإنّ مع تلف العين موضوعاً أو حكماً، لا يبقى مورد لجواز استرداد العين بالفسخ، فلا معنى لفسخ العقد، فلا معنى للخيار.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ الفسخ من عوارض العقد، و هو لا ينتفي بتلف العين، و لا سيّما التلف الحكميّ، فلو التفت بعد ذلك إلى الغبن، له أن يرضى بالعقد و يجيزه، و له حلّه و أن لا يجيزه، و يرجع الغابن إليه بالبدل مطلقاً، أو في صورة التلف و التعذّر.
و القول: «بأنّ قبول البدل ضرري، فثبوت الخيار بعد التلف ممنوع»(2)في محلّه لو كان مستند الخيار قاعدة «لا ضرر ..» و المعارضة المذكورة في كلام الشهيد (رحمه اللَّه)(3)بين الضررين، مندفعة بأخصّية ضرر الغابن من ضرر المغبون، و إطلاق خيار المغبون يقيّد بصورة بقاء العين.
و أمّا لو كان المستند الإجماع و التعبّد كما هو الظاهر، و القاعدة قاصرة عنه، فلا يرجع إليها حتّى يقيّد بها مورد الإجماع، أو إطلاق معقد الاتفاق، فافهم جيداً، و في المسألة بعض دقائق صناعيّة تطلب من الكتاب الكبير(1)إن شاء اللَّه تعالى.
1) هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.
مسألة 6: لو فسخ البائع المغبون البيع، فإن كان المبيع موجوداً عند المشتري باقياً على حاله استردّه (1)، و إن كان تالفاً أو متلفاً رجع إليه (2) بالمثل أو القيمة.
قوله مدّ ظلّه: «استردّه».
بمعنى أنّ له فسخ العقد، و مقتضى التفاسخ رجوع كلّ من العوضين إلى محلّه، و أمّا الاسترداد فهو تابع ردّه العين، و لا يجوز له أن يستردّ العين قبل ردّ العوض، كما في الوفاء بالعقد، فلكلّ واحد منها حقّ الامتناع و حقّ الحبس ظاهراً.
قوله مدّ ظلّه: «رجع إليه».
حسب القواعد العامة في باب الضمانات، و يظهر منهم أنّ المقصود رجوعه إليه في المثليّ بالمثل، و في القيميّ بالقيمة.
و أمّا وجه رجوعه إليه، فهل هي قاعدة «على اليد ..» أم هو إطلاق قاعدة «لا ضرر ..» على التقريب الذي أبدعناه(1)، أو قاعدة الإتلاف في صورة الإتلاف، أم هو مقتضى الفسخ، أو هو حكم العقلاء بعد الفسخ؟
وجوه يكون الأخير متعيّناً؛ ضرورة أنّ التلف أو الإتلاف كان في ملكه، و لا معنى للضمان قبل الفسخ، فيكون الفسخ من الحين، و معناه حصول التلف في ملكه. و انقلاب اليد إلى يد ضمان بلا وجه حتّى على القول:
1) تحريرات في الأُصول 8: 270 و ما بعدها.
بأنّ العين التالفة تعتبر في ذمّة المفسوخ عليه؛ لأنّ ذلك ليس من استيلائه عليها، و هكذا قاعدة الإتلاف؛ للزوم كون المدار على قيمة يوم التلف، و هذا خلاف حكم العقلاء بالضرورة و لو كان المعتبر عين التالفة في الذمّة؛ لأنّه لا معنى له هنا بعد كون الإتلاف في ظرف تحقّقه، واقعاً على ملك المتلف.
و بالجملة: ما هو الأقرب أنّ الفسخ حيث هو يكون من حين، و ينحلّ به العقد، فما هو حكم العرف لزوم رجوع العين، و حيث هي مفقودة فيرجع إلى القيمة أو المثل، و لو كان الفسخ في الاعتبار هنا على بقاء العين التالفة في وعاء الاعتبار إلى حال الفسخ، أو إلى اعتبار بقائها حين الفسخ، فلا تلف بعد الفسخ حتّى يوجب الضمان. نعم، يتعذّر ردّ التالفة، فينتقل إلى القيمة أو المثل.
ثمّ إنّ تعيّن القيمة في القيميّات، و المثل في المثليّات، غير تامّ عندنا في مطلق باب الضمانات، و ما أفادوه(1)لا يرجع إلى محصّل، و محطّ بحثه في محلّ آخر.
و قوله- مدّ ظلّه: «أو القيمة» ظاهر في اختيار المضمون عليه و المغبون، و لكنّه خلاف مسلكهم قطعاً، فيكون المقصود رجوعه بالمثل
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 241/ السطر 31 و مابعدها.
و إن حدث به عيب عنده؛ سواء كان بفعله، أو بغيره من آفة سماويّة و نحوها، أخذه مع الأرش. (1) في المثليّات، و القيمة في القيميّات.
نعم، ما هو الحقّ حسب الصناعة تخيير الضامن.
ثمّ إنّ لصورة الإتلاف فروعاً كثيرة مذكورة في كتابنا الكبير، و المقصود هنا صورة كون التلف بإتلاف الغابن؛ لأنّه القدر المتيقّن من الحكم المترتّب عليه. هذا كلّه بناءً على كون البيع الغبنيّ صحيحاً، كما لا يخفى.
قوله دام ظلّه: «أخذه مع الأرش».
و هو كأنّه مفروغ عنه في كلامهم، و قال الشيخ (رحمه اللَّه): «كما هو مقتضى الفسخ؛ لأنّ الفائت مضمون بجزء من العوض، فإذا ردّ تمام العوض وجب ردّ مجموع المعوّض، فيتدارك الفائت منه ببدله»(1)انتهى.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ العيب و الصحّة لا يقابلان بشيء في البيع؛ حتّى يكون جزء الثمن في قبال الصحّة، فيردّ الأرش عند تعذّر ردّ الصحيح.
و يوجّه كلامه بمقالة: و هي أنّ المبيع في البيع، و المملوك في ملكيّة الأعيان، ليس ذوات الأعيان بجوهريّتها التي تكون مركز الخلاف بين المشائين و الإشراقيّين مثلًا؛ لأنّها غير ذات أثر في الاعتبار، و ما هو المملوك في باب الضمانات و التجارات هي المنافع، إلّا أنّها إذا كانت مرسلة من
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 240/ السطر 28.
و لو أخرجه عن ملكه بوقف أو معاملة لازمة، فالظاهر أنّه بحكم الإتلاف، (1) جميع الجهات و النواحي، تكون في الاعتبار عين المنفعة، و إذا كانت معتبرة في جهة لأجل جهة تكون منفعة العين، فتأمّل تعرف.
و أمّا التمسّك بقاعدة «على اليد ..» أو قاعدة «كل مبيع تلف في زمن الخيار ..» أو قاعدة «لا ضرر ..» فهو بمعزل عن التحقيق، و لذلك استظهر السيّد الماتن(1)عدم وجوب الأرش، و الالتزام به مشكل جدّاً، و هذا يكشف أيضاً عن أنّ البيع الغبنيّ ليس قبل لحوق الرضا به بيعاً عرفاً، و يكون من الفضوليّ حكماً.
و يصحّ دعوى: أنّ التضمين حكم عقلائيّ، أو المساواة بعد الفسخ شرط ضمنيّ، فلو ورد عيب يخرج عن المساواة، فلا بدّ من ردّ ما به تحصّل. و فيها أيضاً ما لا يخفى.
قوله مدّ ظلّه: «بحكم الإتلاف».
قد مرّ وجهه و ما فيه(2).
فيرجع إليه بالمثل أو القيمة (1)، و إن كان بنقل غير لازم (2) كالبيع بخيار و الهبة، قوله مدّ ظلّه: «إليه بالمثل أو القيمة».
مرّ ما يتعلّق به(1)و أنّ المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ فيما نحن فيه، غير معلوم تعيّنه و لو كان متعيّناً في باب ضمان اليد و غيره.
قوله مدّ ظلّه: «بنقل غير لازم».
كما عن جماعة(2)، و هو الظاهر من عبارة القوم، حيث اعتبروا الخروج عن الملك على وجه اللزوم يمتنع الردّ، فكأنّ في صورة جواز العقد لا يمتنع الردّ.
و الحقّ: أنّ منشأ الإشكال هو أنّ إلزامه على الفسخ ليس مفيداً؛ لأنّ الملكيّة الحاصلة بعد الفسخ ليست الملكيّة السابقة، و مقتضى الفسخ و إعمال الخيار، رجوع كلّ من العوضين إلى الملكيّة السابقة قبل العقد، و قد زالت تلك الملكيّة بالهبة، و لو كان ذلك كافياً لكان لإلزامه في صورة خروجه عن ملكه بالبيع اللازم وجه؛ ضرورة أنّه يمكن الإقالة و الاشتراء أحياناً، و ما يأتي في الفرع الآتي أيضاً محلّ إشكال
من هذه الجهة أيضاً.
و أمّا توهّم: أنّ منشأ الإشكال قصور الأدلّة عن إلزامه، فهو فاسد؛ لإطلاق الهيئة.
نعم، يمكن أن يقال: بأنّ في صورة الفسخ قبل رجوعه في هبته، لا يعتبر للبائع المغبون ملك إلّا ملك البدل؛ لأنّ كون الاعتبار مراعى بالرجوع بلا وجه، بل غير معقول، و كونَه موجباً لعود ملك الموهوب له إلى المغبون، غير جائز؛ للزوم كونه ملك الشخصين، فعلى هذا لا معنى لإلزامه بعد انتقال البدل إليه بالفسخ.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الفسخ لا يقتضي إلّا حلّ العقد، و أمّا رجوع كلّ عوض إلى صاحبه فهو من الأحكام العقلائيّة، فإن كان كلّ عوض بلا مانع، فيرجع إليه قهراً في الاعتبار، و يكون ملكاً له، و يجب عليه ردّه خارجاً، و إذا كان العوض ممنوعاً- بالبيع اللازم كان، أو بغيره فعليه ردّ العين الموجودة عرفاً و إن لم تكن ملكاً للمغبون، فإنّ ذلك حكم العقلاء.
نعم، في صورة التعذّر عليه البدل، كما في باب الضمانات.
و من خلال هذا الإجمال تبيّن: أنّ الإشكال المزبور في غير محلّه؛ لأنّه لو كان له وجه كان يشترك فيه الفرع السابق، أو الفرع اللاحق.
و الذي هو التحقيق في المقام: أنّ تصرّفات الغابن كلّها في حكم الفضوليّ، فيسقط جميع ما أُفيد. هذا و لو قلنا: بأنّها صحيحة نافذة، فالأولى أنّ
ففي جواز إلزامه بالفسخ و إرجاع العين إشكال. و لو رجعت العين إلى المشتري بإقالة، أو عقد جديد، أو فسخ؛ قبل رجوع البائع إليه بالبدل، لا يبعد أن يكون له إلزامه (1) بردّ العين و لو كان الانتقال السابق لازماً.
الفسخ يورث خروج العين من الملكيّة الطارئة إلى الملكية السابقة، سواء كان مالكها الغابن، أو طرف الغابن، فإذا رجعت العين إلى المغبون يرجع الطرف الغابن إليه، و هذا ممّا يجمع به الحقوق، و لا ضيق في الاعتبار حتّى يكون هناك رادع عن تحقّق الفسخ بمعناه الواقعيّ، فليتدبّر.
قوله دام ظلّه: «إلزامه».
و استشكل في الدرس: بأنّ الخروج عن الملكيّة ثمّ العود ثانياً، يضرّ بإمكان الفسخ؛ لأنّ الفسخ حلّ العقد على وجه ترجع العين إلى الملكيّة السابقة بعد خروجها عن الملكيّة الآتية من قبل ذلك العقد(1).
و ما في المتن أقوى؛ لعدم الدليل على الدعوى المزبورة، بل قد عرفت مقتضى الفسخ بما لا مزيد عليه.
و الشيخ لم يختر في المسألة شيئاً، و قال: «و ربّما يبنيان على أنّ الزائل العائد كالذي لم يزُل، أو كالذي لم يعد»(2)انتهى، و هذا هو المرموز
و لو نقل منفعتها إلى الغير بعقد لازم كالإجارة، لم يمنع (1) ذلك من الفسخ، إليه في كلام بعض الشافعيّة(1)، و النظر إلى أنّ مقتضى الفسخ ما أُفيد.
و لكن يمكن دعوى: أنّ العود إلى الملكيّة ليس حدوثاً لها، بل هو من قبيل إعادة المعدوم عرفاً، و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ العرف لا يتسامح في ذلك، و مسألة المعدوم العرفيّ و لو كانت صحيحة، و لكنّها في بعض الأمثلة الأُخرى، كالتقطير الحاصل من أبخرة البول، فإنّ البخار خروج عن صورة البوليّة، و لكن بعد التقطير يرجع إليها عرفاً، فتدبّر.
قوله مدّ ظلّه: «لم يمنع».
خلافاً لما نسب إلى الصيمري(2)و أبي العبّاس(3)، و وفاقاً للأكثر(4)، فإنّ وجه الانتقال إلى البدل هي المزاحمة لحقّ المنتقل إليه بالبيع و نحوه، و أمّا في مثل الإجارة فلا مزاحمة؛ لأنّ فسخ عقد البيع الغبنيّ لا يقتضي إلّا رجوع العين مثلًا إلى المحلّ الأوّل بالفعل مثلًا، و هذا حاصل في مفروض البحث، و عدم نقل المنفعة لا يضرّ به.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ قضيّة الفسخ رجوع العين على ما كانت حين
كما أنّه بعد الفسخ تبقى الإجارة (1) على حالها، و ترجع العين إلى الفاسخ مسلوبة المنفعة، و له سائر المنافع غير ما ملكه المستأجر لو كانت.
العقد إلى مالكها قبل العقد، و هذا ممتنع هنا، و يظهر من السيّد (رحمه اللَّه (اختياره في المنفعة، و المقام مثله(1).
و فيه ما عرفت: من أنّ الفسخ ليس إلّا حلّ العقد، و أمّا بعد ذلك فالأمر موكول إلى العقلاء و أحكامهم، و لا اقتضاء للفسخ؛ لأنّه ليس إلّا إعدام العقد في أُفق الاعتبار.
قوله مدّ ظلّه: «تبقى الإجارة».
فيما إذا فسخ المغبون في أثناء مدّة الإجارة، فقاسوا ما نحن فيه بالعقد على المستأجرة.
و يمكن المناقشة فيه: بأنّ مالكيّة الغابن للمنفعة على إطلاقها ممنوعة، و ليست كمالكيّة المالك بالملك المستقرّ، بل هي كمالكيّة البطن الموجود، فإنّ إجارتهم على وجه يستوعب عصر البطن المعدوم، ممنوعة الصحّة عندهم في نوع صور الوقف، و إن فصّلنا في المسألة في محلّها، و على هذا إذا فسخ المغبون، يكشف ذلك عن عدم مالكيّة الغابن للمنفعة بعد الفسخ، فلا تبقى الإجارة صحيحة، كما لا يكون للغابن التصرّف بالفرس على وجه يكون له حقّ الإبقاء بعد الفسخ، فالبطلان قوي جدّاً.
1) حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 44/ السطر 32.
و في جواز رجوعه إلى المشتري بأُجرة المثل بالنسبة إلى بقيّة المدّة، وجه قوي (1)، كما يحتمل أن يرجع إليه بالنقص الطارئ على العين من جهة كونها مسلوبة المنفعة في تلك المدّة، فتقوّم بوصف كونها ذات منفعة في تلك المدّة مرّة، و مسلوبة المنفعة فيها أُخرى، فيأخذ مع العين التفاوت بين القيمتين، و يؤيّد ذلك مساعدة العرف على البطلان، و لا سيّما فيما إذا كانت مدّة الإجارة طويلة، و المنفعة المعتدّ بها موردها.
قوله مدّ ظلّه: «وجه قوي».
و قد أنكره في درسه- مدّ ظلّه(1)نظراً إلى أنّ القواعد قاصرة عن تثبيت الضمان و جواز المراجعة إلى الغابن؛ لقصور قاعدة «لا ضرر ..» و لعدم الاقتضاء للفسخ أكثر من عود العين و قد عادت، و لأنّ حكم العقلاء ليس محرزاً، و ربّما ينشأ عن الجهات غير الإلزاميّة.
و بعد ما عرفت فساد الإجارة، فلا تصل نوبة البحث إلى ذلك، و الترديدُ المتراءى في كلمات القوم هنا، يشهد على فساد مرامهم رأساً في أصل صحّة تصرّفات الغابن، و لا سيّما التصرّفات الباقية بعد الغبن، كالإجارة و العارية و غيرهما.
و غير خفيّ: أنّ مقتضى ما تحرّر منّا في رسالتنا الموسّعة في قاعدة
1) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 341 345.
«لا ضرر ..» أنّها قاعدة عامّة نافية ناهية(1)، و في صورة كونها نافية رافعة دافعة جابرة و مشرّعة أحياناً، و على هذا إذا كان الفسخ ضرريّاً يكون الخيار منفيّاً، فلو أعمل المغبون خياره مع علمه بالجهات الموجودة فلا بأس، و إلّا فلا خيار له كشفاً بالقاعدة، لا أقول: له خيار في الخيار؛ أي له استرداد العين بعد الفسخ، و له فسخ الفسخ، بل يكشف بها عدم نفوذ فسخه، فاغتنم.
و أمّا رجوعه إليه بالمثل أو القيمة، و لا سيّما في صورة توجّه المغبون إلى إجارة الغابن؛ و أنّ العين مسلوبة المنفعة، فهو في صورة عدم إمكان انجبار ضرره من ناحية أُخرى هي المتقدّمة عليه؛ و هو نفي الخيار بعد الإجارة.
نعم، إذا كان المقدار الذي تغابن فيه موجباً لأعماله الخيار، فقضيّة كونها قاعدة جابرة لزوم المثل أو القيمة، و في المسألة بحوث دقيقة، من شاء فعليه بالرجوع إلى كتابنا الكبير إن شاء اللَّه تعالى(2).
و الظاهر (1) أنّه لا تفاوت غالباً بين الوجهين.
قوله مدّ ظلّه: «و الظاهر».
لا معنى لتعرّض الفقيه لأمثال هذه المسائل الخارجة عن فنّه غير اللازم ذكرها، و غير الواجب اتباعه، و على كلّ تقدير وجود التفاوت و عدمه أجنبيّ عن البحث، و غير جدير بهم.
مسألة 7: بعد فسخ البائع المغبون لو كان المبيع موجوداً عند المشتري، لكن تصرّف فيه تصرّفاً مغيّراً له إمّا بالنقيصة، أو بالزيادة، أو بالامتزاج؛ فلو كان بالنقيصة أخذه، و رجع إليه بالأرش كما مرّ.
و لو كان بالزيادة، فإمّا أن تكون صفة محضة، كطحن الحنطة، و قصارة الثوب، و صياغة الفضّة، أو صفة مشوبة بالعين، كالصبغ إذا كان له عين عرفاً، أو عيناً محضاً، كالغرس و الزرع و البناء:
أمّا الأوّل: فإن لم يكن للزيادة دخل في زيادة القيمة، يرجع إلى العين، و لا شيء عليه (1)، كما أنّه لا شيء على المشتري (2)، و إن كان لها دخل في زيادتها يرجع إلى العين.
قوله مدّ ظلّه: «و لا شيء عليه».
وضعاً، و أمّا تكليفاً فيمكن أن تكون الزيادة ملكاً للمحدث، فيمنع عن التصرّف في العين إلّا بإذنه. و لكن المحقّق في محلّه: أنّ ما هو مال محترم، دون الملك. مع أنّه لا أساس للتفكيك بينهما.
قوله مدّ ظلّه: «على المشتري».
إلّا توهّم: أنّ إحداث الصفة أوجب زوال قابليّة العين عن الزيادة المقوَّمة، فإنّه يعدّ من النقيصة.
و أمّا قوله آنفاً: «رجع إليه بالأرش كما مرّ» فقد مرّ ما فيه(1)إن كان
1) تقدّم في الصفحة 196.
و في كون زيادة القيمة للمشتري لأجل الصفة، فيأخذ البائع العين، و يدفع زيادة القيمة (1)، أو كونه شريكاً (2) معه في القيمة، فيباع و يقسّم الثمن بينهما بالنسبة، المراد من «النقيصة» نقصان صفة الكمال، أو صفة الصحّة؛ ضرورة أنّ الأوصاف ليس بحذائها شيء من الثمن.
و إن أُريد منه نقصان الجزء و مقدار من الكمّية، لا الكيفيّة، كما هو الظاهر من التعبير ب «الأرش» فالتقسيط في محلّه إذا كان تلف بعض الأجزاء لم يكن موجباً لتلف الكلّ عرفاً، و لم يكن التصرّف بالنقيصة ملحقاً بالتلف رأساً، كما إذا كسر الرقّي و البطّيخ، أو نقص شيء من الحجر الكريم.
فبالجملة: الأمتعة تختلف، فإطلاق الحكم محلّ منع جدّاً.
قوله مدّ ظلّه: «زيادة القيمة».
لأنّ البائع بمقتضى الفسخ، يملك العين قهراً، و الصفة شيء قائم بالعين تابع لها، و لا يحاذيها شيء من الثمن كما هو المعلوم، و أمّا ذلك فلا يستلزم سقوط ماليّة الصفة الموجبة لزيادة ماليّة العين، فلا تنهدر على محدثها بحكم العرف و العقلاء، و لا حقّ له أكثر من طلب تلك الزيادة.
قوله مدّ ظلّه: «أو كونه شريكاً».
الشركة في القيمة ليست معناها الشركة بعد البيع في الثمن، فإنّه لا يورث وجوب البيع، و يلزم على هذا هتك ماله إذا وهبها بلا عوض
أو شريكاً معه في العين (1) بنسبة تلك الزيادة، أو كون العين للبائع، فما يظهر من بعض الأعلام من الشركة في القيمة بالمعنى المزبور(1)، غير جيّد.
نعم، يعتبر الشركة في الماليّة الشخصيّة الموجودة بوجود العين، و هذا هو الظاهر من المتن، إلّا أنّه لا يلزم البيع، بل يتعيّن إرجاع ما به التفاوت إلى المحدث الغابن؛ نظراً إلى أنّ إعطاء الزيادة بلا حصول الشركة في الماليّة، معناه كون الزيادة ملكاً للغابن، مع أنّها وصف يورث ازدياد القيمة، و ليست شيئاً مستقلا، مثل وصف كون العين قرب السوق، أو وصف العلم و الصفة، فإنّ هذه الأُمور لا تملك، و لا تكون مورد الحقّ، فالوجه الأوّل غير حسن.
و أمّا هذا الوجه، فلازمه كون الوصف تبعاً للعين، و لا يكون مستقلا في الملكيّة، و يوجب الشركة القهريّة في الماليّة الموجود بوجود العين، فترجع إليه القيمة، و تزداد تلك بازدياد القيمة السوقيّة، فيكون على المغبون إرجاع ما به التفاوت على حساب يوم المطالبة مثلًا.
قوله مدّ ظلّه: «أو شريكاً معه في العين».
لأنّ الماليّة المشترك فيها قائمة بها، و متّحدة معها، و لا يعقل التفكيك بينهما. أو لأنّ لازم عدم كون الصفة المحدثة للمرغوبيّة هدراً،
1) لاحظ حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 45/ السطر 7.
و للمشتري اجرة عمله (1)، أو ليس له شيء (2) أصلًا، وجوه أقواها الثاني، و لا يكون البائع ملزماً بالبيع، بل له أخذ المبيع، و تأدية ما للمشتري بالنسبة.
هي الشركة في العين؛ ضرورة أنّ الشركة في الماليّة فرع اعتبار الماليّة، و هذا أمر حادث بعد حدوث العُروض و النقود، و أمّا في العصور القديمة بل في القرى النائية في هذه العصور أيضاً فليس من الماليّة و التقويم أثر؛ بل الناس يتبادلون الأجناس و الأمتعة؛ لاحتياجاتهم الشخصيّة، و لإدارة حياتهم و معاشهم الأوّلية، فالوجه الثاني أيضاً غلط، فالشركة لو كانت فهي في العين.
قوله مدّ ظلّه: «اجرة عمله».
نظراً إلى أنّ حرمة عمله محفوظة، و الشركة في الماليّة و في العين باطلة مطلقاً؛ ضرورة أنّ الغابن حين التصرّف في العين كان مالكاً عند الأصحاب (رحمهم اللَّه (فلا معنى للشركة قبل الفسخ، و بعد الفسخ لا بدّ أوّلًا من اعتبار الملك المستقل للغابن، ثمّ الشركة، مع أنّه لو اعتبر له ملك مستقل لشيء لا تحصل الشركة؛ لأنّ الاستقلال في الملكيّة ينافي الإشاعة التي هي من لوازم الشركة، فالوجه السابق أيضاً غير متحصّل.
قوله مدّ ظلّه: «أو ليس له شيء».
نظراً إلى أنّ العمل المزبور كان في عصر مالكيّته للعين، فلا معنى لمالكيّته في ذلك العصر بالنسبة إلى نفس العمل أو الأُجرة، و بعد
الفسخ لا معنى لكون المغبون ضامناً لما عمله في ملكه، و إلّا يلزم ذلك في مطلق الانتقالات. و كونه متزلزلًا لا يقتضي ذلك؛ لعدم كونه فارقاً.
و حيث إنّ إنكار ذلك و القول بعدم شيء له، خلاف الطريقة العقلائيّة، و الفهم العرفيّ، و الأحكام العرفيّة بالضرورة، اختار الماتن- مدّ ظلّه الوجه الثاني، و هو- كما عرفت ضعيف.
و الذي هو الأقوى عندي: أنّ مالكيّة الأوصاف مالكيّة صحيحة عقلائيّة، و منها مالكيّة السرقفليّة، و قد تحرّر منّا بيانها و حدودها في رسالتنا الخاصّة بها المكتوبة في سجن قزل قلعه(1)، و هي الآن مع كثير من مكتوباتنا في سجن عند حكومة إيران خذلها اللَّه، و خذل كلّ ظالم و جائر.
و بالجملة: تكون الأوصاف كالمنافع مملوكة و لو كانت أعراضاً قائمة، فإنّها أقوى من المنافع المتدرّجة حدوثاً.
نعم، في كلّ مورد لا يساعد العقلاء على مالكيّتها، فلا بدّ من الالتزام بأنّ له شيئاً في العين؛ و حقّاً قائماً بها غير مهتوك.
و من الغريب أنّه- مدّ ظلّه استقرب في الدرس الوجه الأخير(2)!! و لازمه أنّ الصورة التي تقوم في الصياغة أضعاف قيمة الذهب
و أمّا الثاني: فيأتي الوجوه المذكورة فيه أيضاً.
و الفضّة تكون هدراً.
نعم، إذا كان الغابن متوجّهاً إلى الغبن، و متوجّهاً إلى أنّ المغبون لا يرتضي و يفسخ، و مع ذلك أقدم على ذلك، كان للقول بأنّه أقدم على نفسه وجه، و لكنّه أيضاً غير وجيه. هذا على ما اشتهر من مالكيّة الغابن و تماميّة البيع.
و أمّا على ما قوّيناه و إن كان يمكن بعض الوجوه المزبورة، إلّا أنّه لمكان كونه تصرّفاً في المقبوض بالعقد الفاسد، المحكوم بالغصب عند المحصّلين؛ حسبما قاله ابن إدريس (رحمه اللَّه)(1)فلازمه عدم كونه صاحب عِرْق، و لكنّه أيضاً ليس معناه انهدار ملكه، بل معناه أنّه لا يراعي رضاه، بل يقلع و يرمي عنده، و فيما نحن فيه يعطي قيمة الصورة في الصياغة مثلًا إليه، فإن قبل فهو، و إلّا فيؤدّيها إلى الحاكم و وليّه؛ لأنّه وليّ الممتنع.
قوله مدّ ظلّه: «إذا كان له عين عرفاً».
فإنّه في هذه الصورة يكون الوجه الذي قوّيناه أقرب، و يؤيّد به سائر الصور؛ لعدم دخالة للعين في هذه الجهة كما هو الواضح.
1) السرائر 2: 285.
و أمّا الثالث: فيرجع البائع إلى المبيع، و يكون الغرس (1) و نحوه للمشتري، و ليس للبائع إلزامه بالقلع و الهدم، (2) قوله مدّ ظلّه: «يكون الغرس».
لصاحبه و مالكه، و هكذا البناية التي أحدثها الغابن في الأرض.
و توهّم: أنّ البيع يرجع بعد زوال الغرس و انهدام البناية؛ لتعذّر الرجوع فارغاً، و قد اعتبر رجوع البيع بالفسخ على ما كان عليه حين العقد، واضح المنع.
قوله مدّ ظلّه: «بالقلع و الهدم».
و لعلّه المشهور هنا أيضاً، و قيل: «إنّ الشهرة فيما إذا رجع بائع الأرض المغروسة بعد تفليس المشتري»(1)و عن «المختلف» في الشفعة إلزامه بالقلع بلا أرش(2).
و على كلّ تقدير: المسألة مورد القاعدة من جهات شتّى، فلا إجماع و لا شهرة مفيدة فيها؛ ضرورة أنّ الغابن المالك للأرض ليس ظالماً حتّى لا يكون له عِرْق، و لا يقتضي الخيار قلع الشجرة و هدم البناية، و لو كان متعلّقاً بالعين فلا يجوز التصرّف في مال الغير، و «لا يحلّ مال المسلم إلّا
بطيبة نفس منه»(1)و إعطاء الأرش لا يجوِّز ذلك، كما في سائر الموارد.
و دعوى: أنّ الغارس بعد الفسخ، يكون قد هجم على مال الغير بإشغال الأرض، فلصاحب الأرض الدفاع و لو بالقلع و قتل صاحبه إذا منع عن التخليص، غير مقبولة عند العقلاء، و لا صحيحة شرعاً.
و توهّم: أنّ إطلاق قاعدة السلطنة يقتضي جوازه، كما هو ظاهر الشيخ الأنصاري (قدِّس سرُّه) حيث قال: «فلكلّ منهما تخليص ماله عن مال صاحبه»(2)غير صحيح؛ لما لا أساس لها سنداً، و لا إطلاق لها دلالة من هذه الجهة، و لا سيّما إذا استفاد العرف منها نفي سلطنة الإنسان على مال الغير، فتكون قاعدة مثبتة لها، و نافية للسلطنة على مال الغير، هذا و التصرّف حرام، و الإضرار بالغير ممنوع إمّا وضعاً، أو هو و تكليفاً؛ بناءً على عموم قاعدة «لا ضرر ..» كما قرّبناه في رسالتنا فيها(3).
و بالجملة: لا يقبل العقلاء منّا ذلك، و هذا يكفي لعدم ثبوت إطلاق لدليل يقتضي جواز القلع و الهدم، كما لا يخفى.
1) الرواية هكذا: .. فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه، وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلّي، الباب 3، الحديث 1.
2) المكاسب، الشيخ الأنصاريّ: 241/ السطر 10.
3) رسالة قاعدة لا ضرر للمؤلّف( قدِّس سرُّه) مفقودة، لكنّه أورد بعض مباحثها المربوط بها في تحريرات في الأُصول 8: 249 309.
و لا بالأرش (1)، و لا إلزامه بالإبقاء (2) و لو مجّاناً.
قوله: «و لا بالأرش».
خلافاً للشيخ (رحمه اللَّه (كما أُشير إليه(1)نظراً إلى عدم هدر المال و حرمته، فيجوز القلع بالأرش.
و قيل: «لو جاز القلع، و كان ذلك حقّا لصاحب الأرض، فيجوز القلع، و على صاحب الشجرة طمّ الحفرة»(2)و لا يخفى ما فيه.
قوله مدّ ظلّه: «و لا إلزامه بالإبقاء».
لأنّه صاحب الشجر و الزرع و البناية، و لا سلطنة له إلّا على ماله، أو على تخليصه.
و يمكن دعوى ذلك؛ لأنّ إطلاق القاعدة يحكم به، ضرورة أنّ بالقلع يلزم الحفرة الممنوعة، و يستلزم التصرّفات المحرّمة، و الإضرار بالأرض منهيّ، و بناءً على الجبران بطمّ الحفرة، لا يصحّح ذلك بالضرورة.
و لكنّه بمعزل عن التحقيق، و المجّانية في الإبقاء لا تستلزم السلطنة على مال الغير، و لا سيّما إذا كان في الإبقاء ضرر على صاحب الشجر و الزرع.
كما أنّه ليس للمشتري حقّ الإبقاء مجّاناً (1) و بلا اجرة، فعلى المشتري قوله مدّ ظلّه: «حقّ الإبقاء مجّاناً».
لأنّ غاية ما يمكن أن يقال لاستحقاقه: إنّ تصرّفه كان عن حقّ، فله استيفاء الأرض في زمان مالكيّته المرسلة للعين و تبعاتها، فإذا رجعت العين و الأرض إلى ربّها ترجع مسلوبة المنفعة، كما في غير المقام.
و فيه: أنّ ما نحن فيه ليس نظير بيع العين المستأجرة، بل لو كان له نظيراً، فهو من قبيل إجارة البطن الأوّل بالنسبة إلى عصر البطن المتأخّر في كثير من فروض الأوقاف على البطون و الذرّيات.
و بالجملة: لا يقاس بمسألة بيع العين المستأجرة؛ لأنّ هناك اعتبرت منفعة الدار في زمان كذا ملكاً لمالك الدار، ثمّ انتقلت إلى المستأجر، و لا ترجع إلى المشتري بانتقال العين؛ للتفكيك السابق على البيع، بخلاف المقام، فإنّه كان ينتفع من الأرض تدريجاً، فإذا انتقلت الأرض فلا حقّ له.
و لو قيل: لا يعتبر إثبات حقّ له حتّى يجوز له الإبقاء، بل ممنوعيّة المالك عن التصرّف في الأرض بالقلع و الهدم يكفي.
قلنا: كما أنّ المالك ممنوع، كذلك الإبقاء المستلزم للإضرار، كما ربّما يتحقّق أحياناً، أو الإبقاء الموجب للانتفاع من أرض الغير.
بل الإبقاء المنتزع منه إشغال مال الغير ممنوع؛ لقوله (عليه السّلام): «لا يحلّ
أمّا إبقاؤها بالأُجرة (1)، و إمّا قلعها مع طمّ الحفر، و تدارك النقص الوارد على الأرض، و للبائع إلزامه بأحد الأمرين.
مال امرئٍ ..»(1)فإنّ اسناد عدم الحلّية إلى المال، يصحّ في موقف الممنوعيّة عن جميع أنحاء الإضافات إليه، و منها الأشغال، فإنّه بحكم العرف يعدّ عدواناً على المالك، و يكون عندئذٍ من الظالم الذي لا عِرْق له.
فتحصّل لحدّ الآن: أنّ هناك محاذير كثيرة، و لا يمكن الفرار من الكلّ، فيتعيّن أقلّها، و تلك المحاذير مضافاً إلى ما عرفت هي التبذير، و إلزام كلّ واحد الآخر على شيء، و أخذ كلّ واحد الأُجرة إذا كان لمالك الأرض غرض في بقاء الشجرة و البناية .. و غير ذلك، فليست المحاذير محصورة بما مرّ و ما قيل، و لأجل ذلك تكون المسألة مشكلة، و ربّما تكون من المسائل التي تردّ إلى أهلها (عليهم السّلام).
قوله مدّ ظلّه: «بالأُجرة».
ما اختاره الماتن- مدّ ظلّه ليس أقلّ المحاذير؛ ضرورة أنّ ذلك إذا لم يكن مالك الأرض راضياً، يستلزم التصرّفات المحرّمة و الإضرار المحرّم، و ربّما لا ينجبر الإضرار بالأرض بالطمّ و نحوه، و لا يجوز إلزام المالك بأخذ الأُجرة.
هذا مع أنّ قلعها ربّما يكون تبذيراً للزرع و الشجر و البناية، فلو كان
1) عوالي اللآلي 1: 222/ 98.
رضا المالك معتبراً يستلزم القلع ذلك؛ بالنظر إلى الدليل شرعاً. ففي جانب الغابن لا سبيل إلى الاختيار المزبور.
و أمّا في ناحية المغبون، فإنّه بعد الفسخ إذا أجبره بالأُجرة يلزم أيضاً- مضافاً إلى ما مرّ في ناحية إجباره على القلع أنّ الإجبار ممنوع، و أخذ الأُجرة مع عدم رضاه ممنوع شرعاً، و التصرّف فيه محرّم، و لذلك ربّما يكون أخذ الأُجرة في صورة الامتناع عنها عن ثمرة الشجرة و الزرع و منافع البناية، أقلّ محذوراً.
و الذي ربّما يكون هو الأقرب إلى القواعد: أنّ دفع المنكر و النهي العمليّ القالع لمادّة الفساد واجب، و حيث إنّ المنكر و المحرّم في المسألة من تبعات المالكَين؛ لأنّ في عدم رضاهما يلزم كثير من المحاذير، فعندئذٍ تجب المراضاة لهدم مادّة المنكر المحرّم، فإذا تراضيا على أمر فهو، و إلّا يرجع الأمر إلى الحاكم. و ربّما يستشمّ من مورد قاعدة «لا ضرر ..» بعض ما ينفعك للمقام، و المسألة تطلب من كتابنا الكبير إن شاء اللَّه تعالى(1).
1) هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.
نعم، لو أمكن غرس المقلوع بحيث لم يحدث فيه شيء إلّا تبدّل المكان، فللبائع أن يلزمه به (1). و الظاهر أنّه لا فرق في ذلك بين الزرع و غيره. (2) قوله مدّ ظلّه: «أن يلزمه به».
و لو صحّ ذلك للزم جواز إلزام مالك الشجر مالكَ الأرض فيما إذا لم يلزم من بقائه فيه شيء، و لكن جواز السلطنة على الغير مرهون بإذن الحاكم.
نعم، إذا لم يكن في قلع الشجر شيء فله ذلك. و التصرّف في مال الغير بدون الإذن، ليس أسوأ من إعمال القدرة، مع أنّ في إعمال القدرة ربّما ينتسب التصرّف في مال الغير إلى المقتدر المسبِّب، و لا سيّما في صورة أقوائيّته، كما هو كذلك في مفروض الكلام، و عندئذٍ يلزم المحذوران.
و ربّما يشهد لما أشرنا إليه مورد قاعدة «لا ضرر ..» حيث أمر (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (بالقلع، و لم يلزمه بذلك(1).
قوله مدّ ظلّه: «الزرع و غيره».
و قال في «المسالك»: «و أمّا الزرع فيتعيّن فيه الإبقاء بالأُجرة؛ لأنّ له أمداً ينتظر»(2).
و قال الشيخ: «و لعلّه لإمكان الجمع بين الحقّين على وجه لا ضرر فيه على الطرفين، بخلاف مسألة الشجرة، فإنّ في تعيين إبقائه بالأُجرة ضرراً على مالك الأرض؛ لطول مدّة البقاء، فتأمّل»(1)انتهى.
و غير خفيّ: أنّ الأمر لو كان على ما أفاداه، للزم التفصيل بين موارد الزرع و الشجر، و لا ينبغي الحكم المطلق عليهما، و بناءً على ما قوّيناه من لزوم الفرار من مادّة الفساد بقلعها؛ نظراً إلى أدلّة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا فرق بين الموارد.
و لو لم يرضيا على أمر، و لم يتوافقا على شيء، و خالفا أمر المولى، فلا يبعد سقوط حرمة مالهما بمقدار يدفع به الفساد، و ينحلّ به الإشكال و الإعضال، و ربّما يكون ذلك من الحِسبيّات؛ لانجراره إلى الفساد و النزاع في الأزمنة المتأخّرة. و لو كان في قلعه غلبة الفساد و التشاجر، فلا بدّ من المحافظة على ما هو الأوفق.
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 241/ السطر 19.
و أمّا إن كان بالامتزاج، فإن كان بغير جنسه بحيث لا يتميّز، فكالمعدوم يرجع بالمثل (1) أو القيمة، من غير فرق بين ما كان مستهلكاً و عدّ تالفاً، كما إذا خلط ماء الورد بالزيت، أو انقلبا إلى حقيقة أُخرى عرفاً. و لا يترك الاحتياط بالتصالح و التراضي في غير الصورتين؛ قوله مدّ ظلّه: «يرجع بالمثل».
في صورة الاستهلاك يكون الوجه عدم وجود المعقود عليه حتّى يكون راجعاً إلى مالكه الأوّل، و هذا في حدّ ذاته ممّا لا إشكال فيه.
و إنّما الإشكال بحسب نظر العرف؛ حيث يرى ماله فيه، و يجد أحقّيّته به من الأجنبيّ، فعدم بقاء المعقود عليه يستلزم البدل، أو يتعيّن على الغابن بعد الفسخ ردّ البدل من المال المستهلك فيه، أم يكون العرف حاكماً ببقائه فيه، كما أنّ العقل يحكم بذلك حتّى في المائعات الرقيقة؛ لأنّ الوحدة الاتصاليّة المساوقة للوحدة و التشخّص و للوجود، و الجزئيّة الحقيقيّة غير حاصلة في هذه الوحدات الموجودة بين أيدينا، فانقلاب الكأسين إلى كأس واحد، ليس في الحقيقة انعدام الهويّتين إلى هويّة ثالثة فيما بين أيدينا من المائعات؛ و إن كان لا بدّ من وجود الواحد الحقيقيّ صاحب الوحدة الاتصاليّة في بينها؛ لامتناع الجوهر الفرد و الجزء الذي لا يتجزّأ، و التفصيل في محلّه.
و بالجملة: وجوه في المسألة، و الوجه الأخير أقرب.
و إن كان جريان حكم التالف في الخلط (1) الذي يرفع به الامتياز و أمّا ما في كلام بعض المعاصرين كالفقيه اليزدي(1)و غيره(2)من تعيّن ردّ البدل من المستهلك فيه، فهو غريب؛ لأنّ الأقربيّة ممنوعة صغرويّاً، و لا دليل عليه بعد القول بالنقل إلى البدل و الاشتغال في الذمّة.
و أمّا في صورة الانقلاب، كانقلاب الخلّ خمراً، و البيض فرخاً، أو الانقلاب العرفيّ بالاستهلاك، فلا يأتي فيها التفصيل الآنف.
و ربّما يقال: بأنّ الانقلاب المزبور إذا كان في يد الغاصب، فضمانه ضمان التلف، فتأمّل.
قوله مدّ ظلّه: «في الخلط».
كخلط الجامد بالجامد، كدقيق الحنطة بالشعير، و قد استقرب جمع رجوع الباقي إلى المالك الأوّل بعد الفسخ. و مجرّد تعسّر التسليم أو تعذّره، لا يوجب عدم عوده إليه؛ ضرورة أنّ العقلاء يحكمون عليه بأحكام خاصّة، و هي ناشئة من بقاء المعقود عليه عندهم، و لذلك احتاط بالتصالح، كسائر الموارد المتعذّر فيها حلّ المشاكل الماليّة.
و ربّما يقال بالشركة تعبّداً؛ لاقتضاء معقد الإجماع حصول الشركة،
لا يخلو عن قوّة. (1) أحد الوجهين في كلام الشيخ (قدّس سرّه)(1)و حيث إنّ الشركة غير معقولة في الصورتين؛ ضرورة أنّه في صورة الاستهلاك و التلف يكون الاستهلاك في ظرف مالكيّة الغابن، و لا معنى لها عندئذٍ، و بعد الفسخ لا يرجع إلى المغبون شيء ممّا في الخارج حتّى يكون شريكاً، إلّا على ما مرّ من كون العرف حاكماً بأنّ ماله في ماله، و في صورة وجود العين بعد الفسخ يرجع إلى مالكه الأوّل، فلا معنى بعد ذلك للشركة العقلائيّة.
نعم، لو كان تعبّد فهو المتّبع، إلّا أنّه غير ثابت.
و أمّا الشركة في الماليّة، أو الشركة في القيمة بعد البيع، فهي من الأباطيل؛ فإنّ الماليّة الموجودة اعتباراً في العين، ليست أمراً آخر وراءها بحيث تحصل الشركة فيها دون الخارج، و إذا أُريد منه الشركة في القيمة، فلازم ذلك وجوب البيع أو جواز المماطلة، و كلاهما ممنوعان كما ترى.
قوله: «لا يخلو عن قوّة».
و قد تبيّن وجه ذلك و وجه ضعفه ممّا مرّ، فإنّه إذا لم يكن بحكم التالف الاستهلاكُ، فهو أولى بذلك. هذا و رفع الامتياز العقليّ غير ممكن، و العرفيّ تسامحيّ لا حقيقيّ.
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 241/ السطر 24.
و إن كان الامتزاج بالجنس، فالظاهر ثبوت الشركة (1) بحسب الكمّية؛ قوله: «ثبوت الشركة».
كما صرّح به الشيخ (رحمه اللَّه)(1)و كأنّه المفروغ عنه في صورة التساوي، و هكذا في صورة الامتزاج بالأردإ.
و قد مرّ الإيماء إلى وجه المناقشة فيها؛ فإنّ الشركة لا تحصل قبل الفسخ، لما لا معنى لها بعد كون المعقود عليه ملك الغابن، و بعد الفسخ لا وجود للمعقود عليه ممتازاً؛ حتّى يعود إليه ثمّ تحصل الشركة، و لو كان ممتازاً فلا شركة إلّا تعبّداً؛ نظراً إلى الإجماع المحتمل كون معقده مخصوصاً بصورة الخلط الحاصل بين المالين لمالكين.
و بالجملة: لو كان المعقود عليه بحكم القطرة بالقياس إلى الممتزج فيه، فهو من التالف حتّى في صورة الخلط بغير الجنس.
نعم، في صورة التساوي في الكمّية، كمزج منّ من اللبن بمنّ منه، فلا يبعد وجوب ردّ منّ من اللبن على الغابن عرفاً و لو حصلت الشركة، و لكن يكون للغابن التصرّف بعد الفسخ أيضاً حتّى يبقى المعقود عليه القابل للردّ، فتأمّل.
و لا يجوز للمغبون استرداد ماله بدون رضاه؛ فإنّ الواجب على الغابن ردّ المعوّض. نعم إذا امتنع فلا يبعد.
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 241/ السطر 25.
و إن كان بالأردإ أو الأجود، مع أخذ الأرش في الأوّل، (1) فقوله: «بحسب الكمّية» ممنوع في الفرض المشار إليه جدّاً.
قوله مدّ ظلّه: «الأرش في الأوّل».
بناءً على حصول الشركة، و قد احتمل في كلماتهم الشركة في المثمن، و عدم الأرش(1).
أمّا الأوّل: فلعدم سقوط حقّ المالك.
و أمّا الثاني: فلحصول الشركة و المبادلة بالمقدار فراراً من الربا، و لا يثبت الزائد عليه بعد حكم الشرع بالشركة، و حرمة الربا، فلو وقع خلط بين منّ من اللبن، و منّين من اللبن الأردأ، يردّ إليه منّ من اللبن الموجود.
و ربّما يشهد ذلك على صحّة ما ذكرنا من إنكار الشركة هنا؛ للزوم تضييع حقّ المغبون.
اللهمّ إلّا أن يقال: حرمة الربا و لو كان مطلقة في باب المعاوضات، إلّا أنّها منتفية هنا؛ لكونها ضرريّة.
و بالجملة: إنّه في حكم التالف إذا كان الممزوج فيه أضعاف المعقود عليه.
1) لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 241/ السطر 26، حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 47/ السطر 9.
و إعطاء زيادة القيمة في الثاني. (1) و أمّا في صورة التساوي في الكمّية مثلًا، فلا يبعد وجوب ردّ القيمة أو المثل إذا لم تحصل الشركة التي منعناها حتّى في صورة التساوي في الكيفيّة، و لو حصلت فالمبادلة و لو بإعطاء الأرش من الربا.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه مبنيّ على المشارطة، و هي هنا بحكم الشرع بعد المزج، و ليس من الربا رأساً.
قوله مدّ ظلّه: «زيادة القيمة في الثاني».
قد عرفت وجهها و وجه منعها من جهات شتّى، و لا سيّما من باب الربا موضوعاً و حكماً.
و عن الشيخ (قدِّس سرُّه) في مسألة رجوع البائع على المفلّس بعين ماله: أنّه يستلزم الربا(1)، و قال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه): «قيل(2): و هو حسن مع عموم الربا لكلّ معاوضة»(3)انتهى.
و ظاهره المنع من غير تجويز الزيادة الأجنبيّة؛ لأنّها أيضاً عندهم من الربا.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه ضرري، و لا يكون بإقدامهما فلا حرمة.
لكنّ الأحوط التصالح، خصوصاً في الثاني. (1) أو يقال: بأنّه لا يكون من الربا؛ لما لا مشارطة و لا معاملة، و جريان الربا في كلّ معاوضة أجنبيّ من هذه المسألة، فإنّه من التعارض القهري، لا المبادلة الإنشائيّة.
قوله مدّ ظلّه: «خصوصاً في الثاني».
لعدم حصول الشركة حتّى يجوز له التصرّف في ذلك بغير رضاه و لو يعطي قيمته، و أمّا في الفرض الأوّل فإنّ التصرّف جائز؛ لرضا الغابن طبعاً و إن كان يحتمل عدم رضاه.
و إذا كان المعقود عليه في المزج بالأردإ أيضاً في حكم التالف، يكون عدم رضاه مضرّاً بالتصرّف، فالأحوط التصالح جدّاً؛ لأنّ مادّة المنكر لا تقلع إلّا به بعد قصور دليل الشركة، و بعد عدم سقوط حقّ الغابن في الخلط، و لا المغبون بالأردإ و الأجود، بل في صورة التساوي في الجودة، كما أُشير إليه.
مسألة 8: لو باع أو اشترى شيئين صفقة واحدة، و كان مغبوناً في أحدهما دون الآخر، ليس له التبعيض (1) في الفسخ، بل عليه إمّا فسخ البيع بالنسبة إلى الجميع، أو الرضا به كذلك.
قوله مدّ ظلّه: «ليس له التبعيض».
الشيئان إمّا يكونان كجزئي باب الدار و كالنعال، فالأمر كما تحرّر و لو كان لكلّ جزء قيمة على حِدة؛ لاختلافهما فيها، و قد قوّم كلّ واحد منهما مستقلا.
و إمّا يكونان كالرقّيّتين و البطّيختين و أمثال ذلك، فلا يبعد أيضاً فيه ذلك.
نعم، لو رضي الغابن بالنسبة إلى الفسخ في الجملة؛ بناءً على جواز ذلك في الإقالة، فدعوى خيار تبعّض الصفقة غير مسموعة؛ لأنّه خيار لا يقتضيه إطلاق دليل شرعيّ حتّى يكون هو المرجع. مع انصرافه عنه.
و لو كانت الأشياء تقوّم أجزاؤها على حِدة، كما في بيع المتفرّقات في المزايدة، و كان الجمع في الإنشاء من الجمع في التعبير و كأنّه هناك بيوع مستقلّة و معاملات كثيرة، لا يسري عيب إحداها إلى الأُخرى، و لا يكون فساد إحداها موجباً لخيار التبعّض، فلازَمَ كلَّ واحد برأسه، فإطلاق ما في المتن ممنوع عرفاً.
و إن كان يمكن المناقشة فيه: بأنّ الإنشاء الواحد لا يعقل أن يتعلّق إلّا بالكثير الفاني في الواحد الاعتباري، كما في تعلّق أمر الصلاة بها، و عليه يكون البيع واحداً شخصيّاً و لا أساس للانحلال هنا، و لا في غير المقام.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه مقتضى الصناعة العلميّة غير المعهودة بين العقلاء في بيع الأشياء المتفرّقة، التي لا تجمعها الأُمور الخارجيّة، و لا الأغراض.
نعم، لا بأس بأن يعتبر ذلك زائداً على المئونة المتعارفة، فيكون من قبيل الشرط في ضمن العقد الواقع على المجموع، و لو صحّ ذلك فيعلم منه وحدة العقد، و إلّا فالشرط لم يقع في ضمن شيء، فتأمّل جيّداً.
الخامس: خيار التأخير.
و هو فيما باع شيئاً و لم يقبض تمام الثمن، و لم يسلّم المبيع إلى المشتري، و لم يشترط تأخير تسليم أحد العوضين، فحينئذٍ يلزم البيع (1) ثلاثة أيّام، فإن جاء المشتري بالثمن فهو أحقّ بالسلعة، و إلّا فللبائع فسخ المعاملة.
قوله مدّ ظلّه: «يلزم البيع».
إجماعاً محكيّاً عن «الانتصار»(1)و «الخلاف»(2)و «التذكرة»(3)و غيرها(4)، و هذا من منفردات الإماميّة، و قد قال المخالف باللزوم حسب الأصل(5)، و ليس في أخبارنا رواية تحكي قول الرسول (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (في هذا الخيار، بخلاف خيار المجلس و الحيوان. و المهمّ في المسألة قبل تلك الإجماعات؛ أخبارنا المحكيّة في الباب التاسع من أبواب الخيار، ففي معتبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال قلت له: الرجل يشتري من الرجل المتاع، ثمّ يدعه عنده فيقول: حتّى آتيك بثمنه.
قال: «إن جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيّام، و إلّا فلا بيع له»(1).
و ظاهره بعد القبض، فهو معرض عنه.
و معتبر ابن يقطين: أنّه سأل أبا الحسن (عليه السّلام) عن الرجل يبيع البيع، و لا يقبضه صاحبه، و لا يقبض الثمن.
قال: «فإنّ الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبض بيعه، و إلّا فلا بيع بينهما»(2).
و فيه من الاحتمالات ما يبلغ أكثر من خمسين، و الخروج عنها على وجه الحجّة غير ميسور.
و خبر ابن الحجّاج(3)الممنوع اعتباره؛ لروايته عن أبي بكر بن عيّاش القاضي.
و خبرِ إسحاق بن عمّار، عن عبد صالح (عليه السّلام) قال: «من اشترى بيعاً
فمضت ثلاثة أيّام و لم يجيء، فلا بيع له»(1)و فيه:- مضافاً إلى ما قاله العلّامة في سنده(2)، و إلى أنّ المتعارف التعبير عنه (عليه السّلام) ب «العبد الصالح» و التنكير يورث أنّه غيره (عليه السّلام) و ظهوره في أنّه غيره ربّما يمنع عن استظهار كونه هو لقول الراوي: « (عليه السّلام)» مع أنّ التعبير عنه به للتقيّة، و هو ينافيها أنّ جميع النسخ لم يجيء، و لعلّ هناك محذوفاً، فيشكل أمره متناً.
و خبر ثانٍ عن ابن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن رجل اشترى جارية و قال: أجيئك بالثمن.
فقال: «إن جاء فيما بينه و بين شهر، و إلّا فلا بيع له»(3).
و فيه:- مضافاً إلى اشتراك محمّد بن أبي حمزة و أبي إسحاق أنّ المتن معرض عنه، مع ظهوره في قبض المبيع و الجارية؛ لأنّ بقاءها عند البائع يستتبع المحاذير العرفيّة و الشرعيّة، فيكون الخبر معرضاً عنه من هذه الجهة أيضاً.
ثمّ إنّ اختصار الخيار المذكور بصورة عدم قبضهما، فلو كان الثمن غير مقبوض و المبيع مقبوضاً، كان اعتبار الخيار للبائع أولى؛ لأنّه لو أخّر إلى بعد الثلاثة كان مبيعه عنده فيأخذه تقاصّاً أو غير ذلك، بخلاف ما إذا قبضه المشتري.
هذا، و هذا الخيار ليس ممّا يعهده العقلاء؛ إلّا إذا رجع إلى خيار تخلّف الشرط الضمنيّ الثابت حينئذٍ للبائع و المشتري و يظهر من «انتصار» السيّد تقريبه لمثله(1)، إلّا أنّه يؤيّد به مفاد الأخبار، و هو ممّا لا منع عنه.
و لو قيل: بناءً عليه تكون الشهرة و الإجماع مستنداً قبل الأخبار، أو تكون الأخبار منجبرة سنداً و دلالة.
قلنا: قد تحرّر منّا إمكان انجبار السند و الدلالة بالشهرة و الإجماع؛ فيما إذا كان خبر ضعيف ظاهراً في أمر خلاف ما أفتوا به، و أمّا في موارد الأخبار المضطربة القابلة لإعمال الاجتهاد فيها- كما في أخبار ماء البئر(2)فلا سبيل إليه؛ لقوّة تخلّل الآراء.
و توهّم اشتهار الحكم بقيوده و شرائطه الأربعة بين أصحابهم (عليهم السّلام (ثمّ وصوله إلى أرباب التصنيف و التأليف و إلى المتون الفقهيّة،
و لو تلفت السلعة كانت من مال البائع. (1) ك «المقنع» و «النهاية» غير سديد، فالمستند هي الأخبار الموجودة المشتملة لاحتمال خطئهم في السند و الدلالة.
هذا، و قد ذكرنا في كتابنا الكبير: أنّ مصبّ هذه الروايات- لأجل القرائن الكثيرة المتفرّقة في الأبواب المختلفة هي المعاهدة و المقاولة على البيع، و لم يكن عقد و بيع حتّى يكون لازماً في الثلاثة، و باطلًا أو خياريّاً، أو منفسخاً أو زائلًا أثره- و هي الملكيّة بحكومة شرعيّة بعد الثلاثة، فلا أساس لخيار التأخير، و إن شئت فراجع إليه حتّى تطّلع على تلك الشواهد، و تدري أنّ على فرض التنزّل من السند و الدلالة يكون الاحتمال الرابع أظهر ما في الباب، فلا خيار، و لا بطلان، و لا انفساخ، بل لا يعقل الانفساخ، بل هناك ما يكون مثل محجوريّة المالك المطلقة المساوقة لعدم اعتبار الملك له حكومة شرعيّة.
قوله مدّ ظلّه: «من مال البائع».
فيما إذا كان بعد الثلاثة اتفاقاً و إجماعاً مستفيضاً، بل متواتراً كما عن «الرياض»(1).
و إذا كان في الثلاثة ففيه قولان: فالمشهور على أنّه من مال البائع،
1) رياض المسائل 1: 526/ السطر 9.
و المحكيّ عن السيّدين(1)بل و المفيد(2)أنّه من مال المشتري، و عليه الإجماع في «الخلاف»(3)و غيره(4). و ما في كلام الشيخ من نسبة إجماع «الخلاف» إلى أنّ التلف من مال البائع(5)، في غير محلّه.
و المستند النبوي المعروف المشهور بين أصحابنا شهرة عمليّة(6)، و في «الغوالي» نصّه(7)، و مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الصورتين، كما عليه أكثر المتأخّرين(8).
نعم، نسب إلى بعض الأجلّة التفصيل(9)، و الوجه عدم انجبار إطلاق
1) الانتصار: 210، الغنية، ضمن الجوامع الفقهيّة: 525/ السطر 30.
2) المقنعة: 592.
3) الخلاف 3: 20، المسألة 24.
4) الانتصار: 210، الغنية، ضمن الجوامع الفقهيّة: 525/ السطر 30.
5) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 248/ السطر 3 4.
6) كل مبيعٍ تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»، شرائع الإسلام 2: 277، تذكرة الفقهاء 1: 523/ السطر 31، المكاسب، الشيخ الأنصاري 247/ السطر 35.
7) عوالي اللآلي 3: 212/ 59.
8) إيضاح الفوائد 1: 485، مجمع الفائدة و البرهان 8: 406، جواهر الكلام 23: 57 58.
9) لاحظ منيّة الطالب 2: 102/ السطر 9.
القاعدة؛ بعد ذهاب تلك الجماعة مدّعين الإجماع على أنّ في الثلاثة على المشتري فما في كلام بعض المتأخّرين من الاستيحاش من التفصيل(1)خالٍ من التحصيل. و أما رواية عقبة بن خالد(2)فهي في غير المورد، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ القاعدة الشرعيّة المشار إليها، ربّما تعارض بقاعدة «الخراج بالضمان» بما في خبر إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السّلام) الوارد في الرهن، و في ذيله: «و كذلك يكون عليه يكون له»(3).
فإنّه إشارة إلى قاعدة عقلائيّة «مَن له الغنم فعليه الغرم» و بقاعدة «التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له».
و ما أفادوه حلّا للمعارضة من أخصّية الأُولى منها، و من أجنبيّة الثانية و الثالثة عن موردها(4)، غير موافق للتحصيل.
نعم، أجنبيّة الثانية غير بعيدة في ذاتها، إلّا أنّ فهم المشهور جابر،
و قبض بعض الثمن كلا قبض. (1) فيكون التعارض بالعموم من وجه، و حلّ المشكلة في محلّه إن شاء اللَّه تعالى.
و يجوز أن يقال: بأنّ مصبّ أخبار خيار التأخير- إلّا واحداً منها هو البيع مع قبض المبيع، فيكون من مال المشتري، و ما هو الشرط عدم قبض المبيع المستمرّ غير المتعقّب بتركه عند البائع، فتأمّل.
و بالجملة: بناءً على ما تلوناه عليك، فلا بحث هنا يخصّ بخيار التأخير، و أمّا البحث عن تعارض القواعد فسيمرّ عليك إن شاء اللَّه تعالى.
قوله مدّ ظلّه: «كلا قبض».
اعتبروا شروطاً ثلاثة في ثبوت هذا الخيار: عدم حصول التقابض، و عدم اشتراط تأخير أحد العوضين، و عند ذلك يلزم البيع ثلاثة أيّام، و بعد الثلاثة يكون للبائع خيار إذا لم يجيء المشتري، و لم يمكّن البائع منه. و هذا كلّه مستفاد من أخبار المسألة:
أمّا الأوّلان: فلأنّ المفروض في أكثرها عدم حصول التقابض، و في معتبر ابن يقطين نصّ عليه(1).
نعم، ربّما يستفاد من معتبر زرارة(2)أنّ القبض المتعقّب بالترك عند
البائع لا يضرّ بثبوت الخيار، كما هو الأظهر، و قد أُشير إليه في ذيل الحاشية السابقة.
و يمكن أن يقال: إنّ مقتضى بعض الأخبار- كخبر إسحاق بن عمّار(1)هو عدم اعتبار عدم قبض المبيع. و يؤيّده بعض آخر، و يساعده الاعتبار؛ لأنّ قبض المبيع و عدم إعطاء الثمن، أولى بالخيار من صورة عدم قبضه؛ لأنّه يتمكّن عندئذٍ من التقاصّ.
و فيه: أنّ الجهة العمدة في هذا الخيار رفع المزاحم الموجب لتحريج الأمر على البائع، و تمكين استفادة الناس من المتاع، و إدارة المعاش على أحسن الوجوه الممكنة، فلا يجوز توهّم الخيار في الصورة المذكورة.
و أمّا خبر ابن عمّار، فهو مقيّد بما في معتبر ابن يقطين.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ بين معتبر ابن يقطين و معتبر زرارة، تعارضاً بالمباينة، فيكون المرجع معتبر ابن عمّار المطلق، و لا يجوز تقييده بأحدهما بتوهّم انقلاب النسبة؛ لأنّ شرط التقييد مفقود، و الترجيح بلا مرجّح غير جائز.
و سرّه: أنّ قوله (عليه السّلام) في خبر ابن عمّار: «من اشترى بيعاً فمضت ثلاثة
1) تقدّم في الصفحة 231.
أيّام و لم يجيء، فلا بيع له» محمول بالضرورة على صورة عدم التقابض من الطرفين مجموعاً، و إلّا فلا معنى لعدم مجيئه، و أمّا أنّه لم يجيء لأخذ المبيع أو لإعطاء الثمن، فهو غير واضح، فيكون الحذف يفيد الإطلاق، و لا يمكن تقييد هذا الإطلاق بأحد السابقين معيّناً.
نعم، يمكن دعوى: أنّ الخبرين الأوّلين متباينان لولا هذا الإطلاق، و إذا قيسا إليه يقيّد بهما، فترتفع المباينة قهراً، و تصير النتيجة الشرط المشهور.
و أمّا الشرط الثالث: فلا دليل له- بعد الإجماع و الاتفاق إلّا دعوى انصراف الأخبار إلى غير صورة رضاهما بالتأخير، و غير خفيّ أنّه لازم ذلك عدم الخيار للبائع و لو كان المتاع ممّا يفسد بعد الثلاثة، و هذا خلاف ما يستفاد من تلك الأدلّة الناهضة على الخيار لما يفسد ليومه، الظاهرة في أنّ الشرع لاحظ جانب المتاع و خسران المجتمع بفساده، لا الفرد، و اللَّه العالم.
و في كيفيّة الشرط المزبور- و أقسامه البالغة إلى أكثر من خمسين صورة تفصيل لا يسعه المقام.
و من هنا يظهر وجه ما في المتن من: أنّ «قبض بعض الثمن كلا قبض» لأنّ الظاهر المنصرف من الأخبار ذلك.
مسألة 1: الظاهر أنّ هذا الخيار ليس على الفور (1) فلو أخّر الفسخ عن الثلاثة لم يسقط إلّا بإحدى المسقطات.
قوله مدّ ظلّه: «ليس على الفور».
كما هو الأعرف؛ لإطلاق أدلّته، و من الغريب ما في «التذكرة» الظاهر في أنّه يقول بالفور؛ لأنّه يتمسّك بانسداد التضرّر في صورة الإتيان بالثمن بعد الثلاثة، و يصرّح بسقوط الخيار فيها؛ لهدم مقتضيه!!(1)و هذا غير جائز في شرعنا بعد كون الأخبار مستند المسألة، لا القاعدة.
و يظهر من الشيخ (قدّس سرّه): «أنّه بعد ما لم يكن معنى «لا بيع له» إلّا نفى اللزوم، فلازمه نفيه على وجه لا يعود لازماً أبداً، فتأمّل»(2)انتهى.
و لو كان ذلك حقّا لكان الإسقاط غير جائز، كما لا يخفى.
مسألة 2: يسقط هذا الخيار (1) قوله مدّ ظلّه: «هذا الخيار».
سقوط الخيار بإحدى المسقطات، فرع كونه حقّا من الحقوق القابلة له، و في كونه حقّا أوّلًا، و على التقدير قابلًا للإسقاط إشكال؛ لأنّ دليله لو كان الإجماع فهو لا ينفع؛ لأنّه ليس تعبّدياً.
و إن كان قاعدة من القواعد الشرعيّة، فهو لا يثبت إلّا نفي اللزوم الملازم للجواز الأعمّ.
و إن كان الأخبار، فهو إمّا ظاهر فيما ذكرناه؛ و هو خروج المبيع بعد الثلاثة من ملك المشتري إلى ملك البائع، فيكون محجوراً عنه بحكم الشرع، و لا يعتبر بعد ذلك ملكاً له، أو تكون الأخبار من هذه الجهة مجملة.
و ما أصرّ عليه الماتن في درسه: «من أنّ ظاهره كونه خياريّاً، و الخيار يقبل الإسقاط بحكم العقلاء»(1)غير واضح.
و لو كان خياراً ففي كونه يقبل الإسقاط مناقشة؛ لأنّ من أحكام الحقوق عند العقلاء قبول التورّث و النقل، مع أنّ كثيراً من الحقوق لا يكون كذلك، فلو كان شيء حقّا فلا بدّ من وجود أثر له حتّى يمتاز به عن الحكم؛ فراراً من لغويّة اعتباره، و يكفي فيما نحن فيه قبوله النقل، فالإسقاط غير مُبرهن نفعه و نفوذه، إلّا أنّه غير بعيد عرفاً.
1) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 411.
باشتراط سقوطه (1) في ضمن العقد، و بإسقاطه بعد الثلاثة (2). و في سقوطه بالإسقاط قبلها إشكال، و الأقوى عدمه. (3) قوله مدّ ظلّه: «باشتراط سقوطه».
و هو المحكيّ عن «الدروس»(1)و «جامع المقاصد»(2)و «تعليق الإرشاد»(3).
و يشكل ذلك؛ لأجل أنّ هذا الشرط طبعاً يمنع عن حدوث الخيار بعد الثلاثة، و يكون في حكم الشرط المخالف للكتاب.
نعم، لو كان الأمر على وجه يحدث ثمّ يسقط، فهو في محلّه، إلّا أنّه مجرّد فرض، و لا يساعد عليه الاعتبار، و لا يقولون بذلك. و حديث «آناً ما» ممّا لا أساس له- حتّى في موضع من الفقه في الملكيّة، فضلًا عمّا نحن فيه.
قوله مدّ ظلّه: «و بإسقاطه بعد الثلاثة».
إجماعاً كما هو ظاهر الشيخ (رحمه اللَّه)(4)و وجه المناقشة فيه ما مرّ، فتدبّر.
قوله مدّ ظلّه: «و الأقوى عدمه».
خلافاً لنصّه في درسه(5)، نعم اختار أنّ الاغتراسات العرفيّة لا تساعد
كما أنّ الأقوى (1) عدم سقوطه ببذل المشتري الثمن بعدها قبل فسخ البائع.
على الإسقاط قبل العقد، و أمّا بعد العقد فإن أُريد منه الإسقاط المنجّز، فهو غير صحيح.
و إن أُريد منه الإسقاط المعلّق أو المشروط- بأن يكون الإسقاط حاليّا، و السقوط استقباليّاً فلا بأس به، و هو الأقوى لولا المناقشات السابقة.
و أمّا حديث الإجماع المحكيّ على بطلان التعليق(1)، فهو مضافاً إلى نصّ السيّد الفقيه اليزدي (قدِّس سرُّه) على عدم وضوح مسيره(2)، أنّ القدر المتيقّن منه نفي العقد.
قوله مدّ ظلّه: «كما أنّ الأقوى».
و استحسنه الشيخ قائلًا: «لو كان مستند الخيار هو الأخبار، و أمّا إذا استند فيه إلى الضرر، فلا شكّ في عدم الضرر حال بذل المشتري المثمن، فلا ضرر ليتدارك بالخيار»(3)انتهى.
و في «التذكرة» تصريح بالسقوط(4)كما مرّ.
و غير خفيّ: أنّ شأنهما أجلّ من أن يذكرا في مسطوراتنا، إلّا أنّه لا شأن لمن لا يراعي الجانب الصحيح في المسائل الفرعيّة؛ و هو الأخبار الواردة في المسألة، فإنّ قاعدة «لا ضرر ..» تفيد في غير مورد الأخبار، أو تكون حاكمةً على إطلاقها لو كان ضرريّاً، و أمّا بعد سكوت الشرع عن ذكر القاعدة هنا- «لم يسكت عنها نسياناً» فلا وجه لإرجاع الأخبار إلى قاعدة «لا ضرر ..» ثمّ الأخذ بها سنداً، و تحليل الفروع على مدارها صدقاً و لا صدقاً، فإنّه بعيد عن هؤلاء الأمثال الأبدال، تغمّدهم اللَّه بلطفه الخفيّ.
هذا مع أنّ قاعدة «لا ضرر ..» لو كانت مستنده، و غير جارية هنا عند بذل الثمن، لكانت لا تفيد خيار الغبن عند بذل التفاوت، مع أنّ الإجماع قائم على ثبوته بالغبن؛ سواء أعطى التفاوت بعد المعلوميّة، أم لم يعطِ، فلا تخلط.
و قد مرّ: أنّ الخيار الحقّي لا يمكن أن يكون مستند قاعدة من القواعد الحاكمة على الأدلّة، و مجرّد وجود بعض التقارير- ما قرّبناه في كتابنا الكبير(1)، و في رسالتنا(2)لا يكفي مستنداً للفقه، كما هو الواضح.
و يسقط لو أخذه بعدها بعنوان الاستيفاء (1)، لا بعنوان آخر.
قوله مدّ ظلّه: «بعنوان الاستيفاء».
فلا يتحقّق ذلك في صورة الجهل، و لا يسقط بمجرّد الأخذ.
و قال الشيخ (رحمه اللَّه (بالسقوط «لأنّه التزام فعليّ بالبيع، و رضا بلزومه»(1)انتهى.
و فيه: أنّه أعمّ أوّلًا، و مجرّد الالتزام و الرضا بالبيع لا يكفي للسقوط، و إلّا فهو حاصل ثانياً.
و لو كان هناك التزام جديد زائد على أصل الالتزام بالبيع، ففي كفايته للسقوط إشكال، بل منع؛ لأنّ السقوط من المسائل المترقّبة من الأسباب الإنشائيّة، و القول بالتعبّد كان غير مرضيّ في مورد أخبار الرضا الواردة في خيار الحيوان(2)، فضلًا عمّا نحن فيه.
نعم، لو كان عمل البائع على وجه يعتبر منه الإعراض عن الملك و الحقّ، كان لذلك وجه. و لعلّ معنى قوله- مدّ ظلّه: «بعنوان الاستيفاء» يرجع إلى ذلك، و إلّا فالخيار الموضوع له بحكم الأخبار لا يسقط إلّا بالأسباب.
نعم، فرق بين مقام الدعوى، و بين مقام التصرّف؛ ففي مقام الدعوى لا بدّ و أن يكون السبب قابلًا لأن يتسبّب به إلى السقوط عرفاً و شرعاً، و إلّا
و في سقوطه بمطالبة الثمن وجهان، الظاهر عدمه. (1) فالقول قول البائع، و أمّا إذا كان في مقام التصرّف بينه و بين ربّه، فلا يعتبر شيء؛ لأنّه يسقط حتّى بالإعراض القلبيّ، و يكون كالديون غير محتاج إلى الأسباب الظاهرة. و ربّما يكون الالتزام القلبيّ و الرضا الجديد بالعقد- لأجل استلزامه الإعراض موجباً للسقوط بينه و بين ربّه، فلا ينبغي الخلط بين الصورتين.
قوله مدّ ظلّه: «الظاهر عدمه».
قد ظهر الوجه ممّا مرّ بما لا مزيد عليه، و يظهر مواضع الضعف في كلمات القوم، و تفصيل المسألة يطلب من خيار المجلس و الحيوان.
و أمّا التمسّك بالأصل هنا، كما في «التذكرة»(1)و استرضاه الشيخ(2)و الماتن(3)عفي عنهما، ففي غير محلّه؛ لما تقرّر منّا في الأُصول من ممنوعيّة جريان الاستصحابات الحكميّة الكلّية مطلقاً ذاتاً، لا بالمعارضة(4)فإنّه غير صحيح، فتدبّر.
مسألة 3: المراد ب «ثلاثة أيّام» هو بياض اليوم (1) و لا يشمل الليالي عدا الليلتين المتوسّطتين، فلو أوقع البيع في أوّل النهار يكون آخر الثلاثة غروب النهار الثالث. نعم لو وقع في الليل تدخل الليلة الأُولى أو بعضها أيضاً في المدّة. و الظاهر كفاية التلفيق، فلو وقع في أوّل الزوال يكون مبدأ الخيار بعد زوال اليوم الرابع، و هكذا.
قوله مدّ ظلّه: «بياض اليوم».
في المسألة بحوث لا يليق هذا المختصر بالبحث عنها، و قد فصّلنا الكلام في ذيل خيار الحيوان في محلّه(1)، و المهمّ بعض الاستظهارات العرفيّة، أو الاشتقاقات اللغويّة.
و الذي لا بأس بالإشارة إليه أنّ المقادير التي تؤخذ في الأدلّة: تارة: يكون النظر إلى خصوصيّاتها، كالبياض و الظلمة المسبكين بعناوين «النهار» و «الليل» المخلفين.
و أُخرى: إلى المقدار المحض و الكمّية الخاصّة، سواء كان فيما بينه و بين البائع يوم أو ليل، أم كان كلّه اليوم، أو كلّه الليل.
فما في هذه الأخبار فهو بلحاظ القطر و المنطقة بالقطع و اليقين، و إلّا فمضيّ خمسة عشرة سنة غير لازم حتّى إذا كان إنسان في محطّ قد نتف لحاه، و اشتعل رأسه شيباً، لم يبلغ بالسنّ!! فإنّه واضح الفساد و لا يجوز
1) مباحث خيار الحيوان من تحريرات في الفقه مفقودة.
إسناده إلى الشرع.
و أمّا أنّ المقدار فيما نحن فيه هل هو امتداد ثلاثة أنْهُر، و ثلاث ليالٍ؟ كما قيل(1)و استظهرنا ذلك في أحكام صلاة المسافر(2)، فإنّ «اليوم» غير موضوع- ظاهراً على وجه يكون مرادنا للنهار، بل هو أكثر إطلاقاً على أصل الوقت.
و أيّام البيض أيضاً باعتبار أوقات البيض، لا باعتبار صدق «اليوم» على الليل كما توهّم.
و عندئذٍ تكون أصالة الإطلاق فيما زاد على الأنهر الثلاثة و الليلتين محكّمة؛ لما مرّ من عدم جريان الاستصحاب رأساً.
و بالجملة: ربّما يراد من جملة «ثلاثة أيّام» أي ثلاثة أوقات الليل و النهار، فيكون القول المزبور قويّاً.
و لو كان اليوم بمعنى النهار مصبَّ الخيار، فلازمه عدم ثبوت الخيار فيما إذا وقع العقد في أوّل الليل. و استفادة الحكم من قطعيّة الأمر بالمناسبات الخارجيّة صحيحة، إلّا أنّ الأنسب الدقّة في لغة العرب، و أمّا سائر التشبّثات الأُخر فهي غير متينة جدّاً.
مسألة 4: لا يجري هذا الخيار في غير البيع (1) من سائر المعاملات.
قوله مدّ ظلّه: «في غير البيع».
و في البيع على ما سلف احتماله، بل قوّته.
نعم، تأخير الثمن أو المثمن بالمقدار المتعارف، لا يورث شيئاً.
و لو زاد عليه، و أقبض أحدهما الآخرَ متاعَه، و لم يسلّم الآخر، فلا يبعد الخيار العقلائيّ المترشّح من الاشتراط الضمنيّ كما يلوح ذلك من «انتصار» السيّد (قدّس سرّه)(1).
و ربّما يتخيّل رجوع خيار التأخير إليه، و لكنّه خيار تأخير الثمن، لا المثمن. و لو كان الأمر كما توهّم لكان الخيار ثابتاً لهما، و إنّما للشرع تحديده زماناً؛ حفاظاً على النظام، كما صنع ذلك في غير مورد.
1) الانتصار: 210.
مسألة 5: لو تلف المبيع كان من مال البائع في الثلاثة، و بعدها على الأقوى. (1) قوله مدّ ظلّه: «على الأقوى».
قد مرّت في أوّل خيار التأخير هذه المسألة(1).
1) تقدّم في الصفحة 233 234.
مسألة 6: لو باع ما يتسارع إليه الفساد؛ بحيث يفسد لو صار بائتاً، كالبقول، و بعض الفواكه، و اللحم في بعض الأوقات و نحوها، و بقي عنده، و تأخّر المشتري، فللبائع الخيار قبل أن يطرأ (1) عليه الفساد، فيفسخ البيع، و يتصرّف في البيع كيف شاء.
قوله مدّ ظلّه: «الخيار قبل أن يطرأ».
على المشهور المعروف المتسالم عليه(1)، و استدلّوا عليه بمرسلة عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) أو أبي الحسن (عليه السّلام): في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه، و يتركه حتّى يأتيه بالثمن.
قال: «إن جاء فيما بينه و بين الليل بالثمن، و إلّا فلا بيع له»(2)(3). و في «الفقيه» عن ابن رباط، عن زرارة، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) في حديث قال: «العهدة فيما يفسد من يومه- مثل البقول، و البطّيخ، و الفواكه يوم إلى الليل»(4).
1) مفتاح الكرامة 4: 583/ السطر 28.
2) رياض المسائل 1: 526/ السطر 19، جواهر الكلام 23: 59، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 248/ السطر 14.
3) الكافي 5: 172/ 15، تهذيب الأحكام 7: 25/ 108، وسائل الشيعة 18: 24، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 11، الحديث 1.
4) الفقيه 3: 127/ 555، وسائل الشيعة 18: 25، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 11، الحديث 2.
و لا بأس بكونه من خيار التأخير، إلّا أنّه حدّد بيوم واحد.
و أمّا كونه خيار تأخير المثمن؛ لأنّ النظر إلى عدم طرو الفساد، فلو كان أقبض الثمن و لم يأتِ ليأخذ المبيع فله الخيار، كما صرّح به الفقيه اليزدي(1)، فهو بعيد عن ساحة الأخبار بالضرورة.
و ثبوت الخيار في نصف اليوم أو في اليومين؛ لقاعدة «لا ضرر ..» غير خيار التأخير الثابت بالخبر الخاصّ؛ لاختلافهما في الحكم أحياناً، كما في حكم الفوريّة و التراخي، فلا تخلط.
و قد مرّ منّا: أنّ هاتين الروايتين من شواهد ما أسّسناه في المسألة؛ و هو أنّ المسئول عنه و المفروض في الأخبار ليس البيع و حصول العقد و المبادلة، بل هو في فرض المقاولة، كما هو المتعارف(2)، و يبعد العقد غير المعاطاتيّ في مثل هذه الأُمور بالضرورة، فإذن يحصل القطع بأنّه لم يكن بين البائع و المشتري إلّا القرار على البيع، و تركه عنده اختصاصاً به، لا ملكاً له.
و على هذا تمّ البحث، و لا يتوجه الإشكال إلى الأخبار و في بعض فروع المسألة، و إلّا فالإنصاف أنّ في محيط بلاد الرواية، تفسد
الخضروات في ساعات من النهار، و قلّما تبقى فاكهة شجريّة في يوم الصيف الطويل، فما في الأخبار ناظر إلى المسائل الأخلاقيّة و المعاهدات، و تكون العهدة فيها يوماً إلى الليل ما لم تفسد، و إلّا فلا قرار و لا معاهدة حتّى يتّبع استحباباً و إنسانيّةً.
و قد مرّ: أنّ قوله: «لا بيع له» بمعنى أنّه لا يكون البيع و القرار عليه له، لا أنّ البيع المتحقّق المملِّك ليس له، فاغتنم.
و بالجملة: ثبوت الخيار في هذه الموارد إذا كان البيع متحققاً، ممّا لا إشكال فيه؛ لدليل آخر غير هذه الأخبار.
و غير خفيّ: أنّ مقتضى ما تحرّر عندنا عدم حصول البيع إلّا بالقبض و بالمعاطاة، و ما هو الحاصل بالعقد اللفظيّ هو عقد البيع و العقد على المبادلة الخارجيّة، فإذا لم يقبض المشتري مبيعه فلا بيع، و إذا قبضه فيكون تلفه عليه فلا خيار، و تفصيل المسألة يطلب من كتابنا الكبير(1).
1) هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه للمؤلّف( قدّس سرّه)) مفقودة).
السادس: خيار الرؤية و هو فيما إذا اشترى شيئاً موصوفاً غير مشاهد، ثمّ وجده على خلاف ذلك الوصف؛ بمعنى كونه ناقصاً عنه، و كذا إذا وجده على خلاف ما رآه سابقاً، فيكون له خيار (1) الفسخ.
قوله مدّ ظلّه: «فيكون له خيار».
على المشهور(1):
أمّا في الصورة الأُولى: فالدليل بناء العقلاء، بل هو من المسلّمات.
نعم، ربّما يشكل أصل صحّة المعاملة؛ لأجل أنّ التوصيف ليس رافعاً للجهالة و الغرر، فإذا كانت الجهالة مرتفعة به أو بوجه آخر، كان له الخيار، فما حكي عن الأردبيليّ (قدّس سرّه)(2)و تبعه صاحب «الحدائق» (رحمه اللَّه (من البطلان في موارد التخلّف(3)، ممنوع إطلاقه.
و من المحتمل صحّة البيع على الإطلاق؛ و ذلك لا لأجل أنّ التوصيف يرفع الجهالة، لأنّه إذا كان من البائع و كان موجباً للوثاقة يصحّ، و إلّا فلا. و لو قلنا بحجّية إخبار البائع و لو كان في ضمن التوصيف، فهو في صورة عدم معلوميّة حاله من الكذب الواقعي، فالتوصيف ليس
مستنداً لرفع الغرر.
نعم، لا يضرّ جهالة الأوصاف بصحّة البيع؛ لعدم الدليل عليها، و قد أوضحنا المسألة بما لا مزيد عليه في هذا المقام في كتابنا الكبير(1).
و أمّا في الصورة الثانية: فلا خيار له بحسب الموازين العقلائيّة؛ لأنّ الغرر و الجهالة المرتفعة بالمشاهدة، لا يقتضي كون العقد مبنيّاً على الوصف و الشرط.
نعم، قضيّة معتبر جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن رجل اشترى ضيعة .. إلى أن قال: قال (عليه السّلام): «إنّه لو قلّب منها، و نظر إلى التسعة و التسعين قطعة، ثمّ بقي منها قطعة و لم يرها، لكان له في ذلك خيار الرؤية»(2)ثبوت الخيار في الصورة الثانية أيضاً؛ فإنّ المتفاهم البدوي منها هو الخيار في صورة تخلّف المبيع عمّا شاهده و اعتقده على وصف خاصّ مثلًا، بعد ظهور قوله (عليه السّلام): «في ذلك» أي في الاشتراء؛ لأنّها للبعيد، و ما هو مرجع الإشارة- بعيداً هو الاشتراء.
و بالجملة: هذا الخيار ليس بخيار الرؤية، إلّا أنّه بالنسبة إلى
و فيما إذا باع شيئاً بوصف غيره، ثمّ وجده زائداً على ما وصف، أو وجده زائداً على ما رآه سابقاً. أو وجد الثمن على خلاف ما وصف؛ أي ناقصاً عنه، فله خيار الفسخ (1) في هذه الموارد.
طائفة من الموارد خيار تخلّف الوصف و الشرط، و هو عقلائيّ، و بالنسبة إلى أُخرى خيار تعبّدي شرعيّ؛ و هو خيار الرؤية و تخلّف الوصف غير المبنيّ عليه العقد. و احتمال كون الخبر ناظراً إلى أنّ الوصف المتخيّل بالمشاهدة موجب للخيار، غير صحيح؛ لأنّ وصف الصحّة لا يورثه، فضلًا عن وصف الكمال.
نعم، لا يبعد أن يكون مورد الخبر خيار العيب، و ليس بالرؤية؛ لأنّ الجهالة ارتفعت بالمشاهدة، و خيار العيب عرفيّ، و على هذا ينقلب الخيار المذكور إلى خيار تخلّف الوصف و الشرط، و إلى خيار العيب، و لا أساس لخيار الرؤية بالمعنى الآخر وراءهما، و الخبر ناظر- حسب الأظهر إلى خيار العيب، و القول بالتأسيس بعيد، و لا سيّما مع كون المسألة ذات رواية واحدة.
قوله مدّ ظلّه: «فله خيار الفسخ».
أمّا في الصورة الأُولى: فله الخيار إذا كان الوصف يقوّم، كما هو المقصود. و ليس هذا من خيار تخلّف الوصف، بل إمّا هو من خيار تخلّف التوصيف، أو من خيار الغبن كما هو الظاهر.
و أمّا كونه مندرجاً في الخبر- بناءً على كونه ناظراً إلى الخيار التعبّدي فهو مشكل جدّاً؛ لأنّ الخبر في مورد المشتري لا البائع، و ما هو الثابت للأعمّ هو خيار تخلّف الوصف و التوصيف العقلائيّ، لا الخيار التعبّدي، فلا ينبغي الخلط و إن ظهر منهم- حتّى من الشيخ (قدّس سرّه)(1)ذلك، فراجع.
و أمّا في صورة الثانية: فلا خيار حسب الموازين العقلائيّة إلّا خيار الغبن، و قد تبيّن وجه انطباق الخبر عليه أيضاً. و لكنّه في ناحية المشتري دون البائع، و لا وجه لإلغاء الخصوصيّة بعد اقتضاء الأدلّة لزومها.
و أمّا في الصورة الثالثة: فالخيار خيار تخلّف الوصف.
و هنا صورة رابعة: و هي أن يرى الثمن على خلاف ما شاهده، فإنّه لا يثبت له إلّا خيار العيب لو كان التخلّف عيباً، أو كان موجباً للغبن الفاحش، فليتدبّر جيّداً.
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 249.
مسألة 1: الخيار هنا بين الردّ و الإمساك مجّاناً، و ليس لذي الخيار الإمساك بالأرش. (1) قوله مدّ ظلّه: «الإمساك بالأرش».
ضرورة أنّ الأرش لا يتصوّر إلّا فيما إذا كان الموجب له مورد المعاملة، و في جميع صور خيار تخلّف الوصف و الرؤية، يكون المنظور في العقد من أوصاف المبيع، و لا يعدّ من أجزائه.
نعم، في خصوص خيار العيب يثبت الأرش تعبّداً، فلو كان هذا الخيار من أصنافه فهو، و إلّا فلا أرش.
و لو كان في بعض صور المسألة خيار الغبن، فهو أيضاً بالإجماع، خلافاً «للتذكرة»(1)و الشيخ (رحمه اللَّه)(2)خيّر بين الإمساك و الفسخ.
نعم، حكم العقلاء يختلف عن مصبّ الإجماع؛ لأنّه لا معنى للخيار بعد إعطاء البائع الغابن ما تغابن به المشتري المغبون مثلًا.
و يمكن دعوى: أنّ هذا الخيار و لو كان من أصناف خيار العيب إلّا أنّه لا أرش؛ لإطلاق معتبر جميل إطلاقاً مقاميّاً، فتدبّر.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ معتبر جميل لا إطلاق له؛ لأنّه بصدد إثبات الخيار تشريعاً. و لكنّه بمعزل عن التحقيق.
كما لا يسقط خياره ببذله (1)، و لا بإبدال العين بالأُخرى. نعم، لو كان للوصف المفقود دخل في الصحّة، توجّه أخذ الأرش (2) للعيب، لا لتخلّف الوصف.
قوله مدّ ظلّه: «ببذله».
و هكذا عنونه الشيخ(1)، و لكنّه غير صحيح؛ لأنّه من الواضح غير المحتاج إلى البيان. بل لا معنى لسقوط خياره بعد الثبوت التعيينيّ ببذل البائع أو تبديله كما لا يخفى؛ لأنّ بذله و بذل الأجنبيّ على حدّ سواء.
نعم، كان ينبغي التعرّض لعدم سقوطه بقبول ما يبذله أو قبول البدل؛ لأنّه أعمّ.
نعم، إذا كان القبول فعلًا أنشأ به السقوط فهو، أو كان نظره الإعراض عن خياره و حقّه فهو، و إلّا فلا دليل عليه.
قوله مدّ ظلّه: «توجّه أخذ الأرش».
قد عرفت منّا: أنّ المتفاهم من مورد معتبر جميل كون الضيعة معيبةً(2)، و أنّ المفروض في الجواب ليس عدم الرؤية بما هو هو، بل هو عدم الرؤية اللازم للكشف المخالف؛ بأن يصير متوجّهاً إلى فساد فيها و في المتاع الذي ارتفعت جهالته بالمشاهدة الإجماليّة.
و لو صحّ ما قالوه من أخذ الأرش(1)، يلزم التهافت بين معتبر جميل- لإطلاقه المقاميّ، بل اللفظي و إطلاقِ أخبار خيار العيب؛ في مورد الخيارين الثابت أحدهما بالخبر المذكور، فإنّ إطلاقه يورث الخيار من غير عِدْل، و حمل المعيّن على المخيّر، ليس من الجموع العرفيّة، و توهّم أنّه من رفع الإجمال بالمبيّن، غير تامّ، و قضيّة التساقط هو الأخذ بالقدر المتيقّن؛ و هو الخيار بلا أرش.
1) السرائر 2: 242، و لاحظ جواهر الكلام 23: 94 95.
مسألة 2: مورد هذا الخيار بيع العين الشخصيّة الغائبة حين المبايعة (1)، و يشترط في صحّته إمّا الرؤية السابقة (2) مع حصول الاطمئنان ببقاء تلك الصفات، و إلّا ففيه إشكال.
قوله مدّ ظلّه: «الغائبة حين المبايعة».
لو كان هذا الخيار من الخيار العقلائيّ، فلا مورد له بخصوصه؛ لأنّ خيار تخلّف الوصف و الشرط أعمّ مورداً بالضرورة.
و لو كان من الخيار التعبّدي، فمورده مذكور في معتبر جميل؛ و هي العين الحاضرة المشاهدة بالشهود غير الكامل الرافعة للغرر الموجب للصحّة، فما في كلام القوم و صريح الشيخ(1)و المتن، خلاف التحقيق على كلّ تقدير.
قوله مدّ ظلّه: «أمّا الرؤية السابقة».
فإنّه بها ترتفع الجهالة إذا لم يتغيّر العين حسب تخيّله و اعتقاده. بل يكفي أصالة السلامة إذا كان التغيّر إلى العيب؛ لأنّها عقلائيّة.
و أمّا استصحاب بقاء العين على حالها؛ نظراً إلى حكومته على دليل الشرط، لتنزيله منزلة العلم المأخوذ صفة أيضاً كما حرّرناه(2)، فهو متين، إلّا أنّه ربّما يشكل لكونه مثبتاً، ضرورة أنّ بقاء الفرس على العروبة
و إمّا توصيفه (1) بما يرفع به الجهالة عرفاً؛ بأن حصل له الوثوق من توصيفه الموجب لرفع الغرر؛ بذكر جنسها و نوعها و صفاتها التي تختلف باختلافها الأثمان و رغبات الناس.
لا يثبت به التقيّد؛ و هو اعتبار كون المبيع معلوماً.
نعم، إذا كان المستفاد من الأدلّة اشتراطَ معلوميّة المتاع إذا بيع، فلا بأس به.
و من هنا يظهر وجه إشكال الماتن في غير صورة بقاء الوثوق و الاطمئنان، و يظهر وجه المناقشة في إطلاق إشكاله.
قوله مدّ ظلّه: «و إمّا توصيفه».
لأنّ التوصيف في طيّ الجمل التامّة الخبريّة أو الإنشائيّة، بمنزلة الإخبار عرفاً، فإذا كان الخبر موجباً للوثوق فهو، و إلّا فأخبار البائع الصريح غير ثابتة حجّيته، أو لو كان مقتضى أدلّة حجّيته و لو كان لا يتولّد منه الوثوق، فهو مخصوص بما إذا كان صريحاً، فلا تشمل الأخبار الضمنيّ.
اللهمّ إلّا أن يقال: قضيّة بناء العقلاء حجّية الخبر ما دام لم يحرز ضعف المخبر، فإذا أُحرز فسقه و كذبه فلا يعتنون بإخباره.
و الذي هو التحقيق: أنّ معلوميّة المبيع من جهات الوصف، غير واضح اعتبارها، و من أهمّ الأوصاف الصحّة، و لا يعتبر العلم بها، و من الواضح عندهم أنّ الماليّة و القيمة ليست معلوميّتها شرطاً، و قد أجمعوا على
صحّة البيع في صورة براءة البائع من العيوب، و هو مقتضى النصّ(1)كما قيل(2). و دليل النهي عن بيع الغرر ربّما يختصّ بما إذا كان الشيء داخلًا في البيع و المبيع بما هو مبيع، و الأوصاف خارجة عن متعلّق العقد و المعاطاة. مع أنّ دليله غير منقّح سنداً و دلالة، كما تحرّر في محلّه(3).
فالقدر المسلّم دلالة أخبار المكيل و الموزون على أن لا تكون المعاملات جزافيّة ظاهراً(4)، فعليه يعتبر في مثل المكيل و الموزون معلوميّتهما؛ لأنّ المقدار و الكم داخل في المبيع، و يعدّ من أجزائه، و يقسّط الثمن عليه، بخلاف الكيف، و مقتضى تلك الأخبار في المكيل- مع ما فيها من المناقشات الكثيرة المذكورة في كتابنا الكبير(5)، و مرّ شطر منها هنا أنّه ليس الخروج عن الجزاف شرطاً على الإطلاق؛ حتّى ينافيه صحّة البيع في صورة براءة البائع من العيوب، فراجع و تدبّر.
1) تهذيب الأحكام 7: 66/ 285، وسائل الشيعة 18: 111، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 8.
2) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 260/ السطر 18.
3) تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الشرط الرابع، الأمر الثاني عشر، المرحلة السادسة.
4) الكافي 5: 193/ 1، تهذيب الأحكام 7: 122/ 531، الانتصار 3: 102/ 356، وسائل الشيعة 17: 341، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع و شروطه، الباب 4.
5) هذه المباحث من كتاب البيع من تحريرات في الفقه مفقودة.
مسألة 3: هذا الخيار فوري (1) عند الرؤية على المشهور، و فيه إشكال. (2) قوله مدّ ظلّه: «فوري».
لأنّه عند المشهور من الخيارات العقلائيّة؛ لأنّه خيار تخلّف الوصف المبنيّ عليه العقد؛ سواء كان صريحاً في العقد، أو ضمنيّاً، و عليه يكون فوريّاً؛ لبناء العقلاء أوّلًا، و لأنّ الخيارات العقلائيّة بحسب التضرّر و المشاكل، فإذا أخّره كثيراً فيسقط؛ لعدم تماميّة مقتضيه.
و لو شكّ في ذلك فهو محلّ الخلاف، و الحقّ- كما تحرّر منّا في الاصول عدم جريان الأُصول العمليّة؛ لا استصحاب حكم المخصّص، و لا استصحاب حكم العامّ(1)، و أمّا التمسّك بعموم العامّ أو إطلاقه، ففيه منازعة اخرى.
و الحقّ في المقام: أنّ إطلاق الدليل المقتضي لأصالة اللزوم مرجع، دون الشيء الآخر، و النتيجة هي الفوريّة.
قوله مدّ ظلّه: «فيه إشكال».
بناءً على كونه من الخيار التعبّدي، فإنّه يحتمل قويّاً تراخيه؛ لإطلاق دليله.
و استشكل الوالد المحقّق الماتن- مدّ ظلّه في إطلاقه: «بأنّ الخبر
1) تحريرات في الأُصول 5: 241.
في موقف التشريع(1)، و هو منافٍ لما يتمسّك به في الأُصول و غيره بالآيات الإلهيّة القرآنيّة، مع أنّها للتشريع أيضاً».
و بالجملة: مجرّد كون الحكم متعرّضاً للتشريع، لا يقتضي الإهمال أوّلًا.
و ثانياً: لو كان معتبر جميل تشريعاً أوّلياً، لكان عليه أن يسأل عن هذا الخيار الجديد غير المسبوق و لاشتهر بين الأصحاب الأوّلين فيسألون.
و بالجملة: في الخبر بعض الملامح إلى أنّه ليس الأمر كما تحرّر، فتدبّر.
1) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 4: 433.
مسألة 4: يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه (1) في ضمن العقد؛ إذا لم يرفع به الوثوق الرافع للجهالة، قوله مدّ ظلّه: «باشتراط سقوطه».
قد مرّ جهات المناقشة في صحّة هذا الشرط و فروضه(1)، و في المقام إشكال آخر أُشير إليه في المتن: و هو أنّ هذا الخيار إن كان مبناه الخبر، و مورده العين المرفوع غررها بالمشاهدة، و لم يكن العقد مبنيّاً على صفة من الأوصاف، فلا شبهة في جواز شرط السقوط على إطلاقه؛ لما لا يتضرّر منه العقد و لا الشرط بالضرورة. و هكذا إذا كان مورده العين الشخصيّة الظاهر عيبها، فيكون الخبر متعرّضاً لخيار العيب، إلّا أنّه ليس هنا بخيار الرؤية؛ لما مرّ.
و أمّا إذا قلنا: بأنّه خيار ثابت في مورد تخلّف الوصف، فلو كان الغرر مرفوعاً بالتوصيف، و أنّ البائع يصف العين و الفرس ب «العروبة» و يشترط على المشتري سقوط خياره الناشئ من تخلّف العروبة، فكيف يمكن صحّة هذا البيع؟! لأنّ لازم الشرط المذكور سراية الجهالة إلى المبيع، و ذهاب الوثوق الحاصل من التوصيف السابق، أو عدم حصول الوثوق بانضمام الشرط المذكور نوعاً و عادة، فإذا فسد العقد فسد الشرط.
1) قد تقدّم في الصفحة 176.
فما في المتن: من أنّ فساد الشرط سبب لفساد العقد، مناقض لما فيه أيضاً: من رفع الوثوق بالشرط؛ فإنّ العقد يفسد أوّلًا.
و بالجملة: قد ذكرنا في الكتاب الكبير وجوهاً تسعة لبطلان البيع؛ بين ما هي عقليّة، و عقلائيّة، و شرعيّة(1)، إلّا أنّ جميعها قابل للدفع و لو كان المستشكل أمثال الشيخ، و المحشّين المحقّقين؛ و فيهم الوالد- مدّ ظلّه(2).
و ما هو المهمّ في المسألة هي الشبهة الشرعيّة التي توجب البطلان في الجملة لا مطلقاً؛ ضرورة أنّ من الممكن أن يكون شرط السقوط، منضماً لشرط مؤكّد لثبوت الوصف، كما إذا باع على أن يسقط، و شرط أنّه لو تخلّف الوصف يعطيه أضعاف المثمن، و أمّا البائع فيشترط ذلك لبعض الأغراض الخاصّة، فلا تخلط.
هذا، و ربّما يكون البائع من الثقات العدول؛ بحيث لا يضرّ اشتراطه السقوط بالوثوق و الاطمئنان، و يورث أن يجعل المشتري شرطه على الأغراض الأُخر. و بالجملة لا وجه للمنع المطلق شرعاً.
و أمّا تصحيحه على الإطلاق؛ فلما أُشير إليه مراراً: و هو منع الكبرى،
و إلّا فيفسد و يفسد العقد، و بإسقاطه بعد الرؤية (1)، و بالتصرّف في العين بعدها تصرّفاً و هو اشتراط معلوميّة المبيع من جهات الكيف و الأوصاف و لو كانت الأوصاف ذات قيم و ماليّة.
نعم، إذا تبيّن التخلّف يلزم الخيار للغبن، أو يكون له خيار العيب، و أمّا البطلان المستند إلى الجهالة الناشئة من الأوصاف، فهي قابلة للمنع جدّاً، فتدبّر جيّداً. و ربّما لا يكون له خيار رأساً؛ لعدم مقتضيه كما لا يخفى.
قوله مدّ ظلّه: «بعد الرؤية».
بلا إشكال و ريب، و هو المتسالم عليه.
و يمكن المناقشة فيه أوّلًا: من جهة كونه حقّا؛ لأنّ خيار الرؤية يثبت بالنصّ، و دليله قاصر عنه. و مجرّد التعبير عنه ب «الخيار» لا يكفي لكونه حقّا.
و ثانياً: مجرّد كونه حقّا لا يكفي لجواز إسقاطه؛ لأنّ حقّية الحقّ منوط بأثر من آثاره و منها القابليّة للإسقاط.
و في كلا الوجهين نظر وجداناً و إن لم يكن مقتضى الصناعة؛ و ذلك لظهور الخيار في كونه الخيار العقلائيّ، فيكون حقّا، كما هو كذلك عند العقلاء، و أنّ الإسقاط من الآثار الواضحة اللازمة لكلّ حقّ عرفيّ
كاشفاً عن الرضا (1) بالبيع، و بعدم المبادرة (2) على الفسخ؛ بناءً على فوريّته.
و شرعيّ، بخلاف المعاوضة و التورّث فإنّهما من الآثار التي يمكن تفكيكها، كما هو الواقع في كثير من الحقوق.
قوله مدّ ظلّه: «كاشفاً عن الرضا».
الرضا بالبيع كان منكشفاً قبل التصرّف، و استفادة كون التصرّف مسقطاً بما هو هو من الأخبار الخاصّة، ممنوع حتّى في موردها و هو خيار الحيوان.
نعم، لا بأس بأن يريد ذو الخيار إسقاط خياره بالفعل.
و في كفاية مطلق الفعل نظر قوّينا سابقاً كفايته؛ و إن لم يكن في مرحلة الدعوى قول مدّعي الإسقاط مسموعاً؛ لاختلاف مرحلة السقوط ثبوتاً، و مرحلةِ المخاصمة إثباتاً، و التفصيل في محلّه، فاغتنم.
ثمّ إنّه لو تصرّف تصرّفاً كاشفاً عن الالتزام الجديد بالبيع المرضيّ، ففي كفايته إشكال منعنا ذلك؛ لأنّ الخيار أمر حقّي وضعيّ تسبيبيّ، لا يسقط إلّا بالإنشاء القوليّ، أو الفعليّ، أو بالإعراض، فإن كان في التصرّف إعراض عنه، فهو كالإعراض عن الملك و الدين، و إلّا فمجرّد الالتزام لا يكفي للسقوط فيستصحب، فتأمّل.
قوله مدّ ظلّه: «و بعدم المبادرة».
لا يخفى: أنّ عدم المبادرة لا يوجب سقوطه، بل هو راجع إلى قصور
مقتضيه.
و على كلّ حال و تقدير؛ يسقط أحياناً خياره بقبول الأرش، أو بقبول البدل؛ لأنّه ظاهر في الإعراض عن حقّه إذا كان عالماً بالخيار، و إلّا ففي كفاية الالتزام بالبيع المنكشف بهما جهلًا بالحال إشكال؛ و لو قلنا بكفاية الالتزام الجديد بالبيع، فإنّه مخصوص بصورة العلم بالخيار.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه و لو كان جاهلًا، قد التزم بالبيع التزاماً قطعيّاً ربّما يخطر بباله ذلك و لو كان ذا خيار، فالرضا الجديد و الالتزام الحادث متعلّق بالبيع الموجود، و هو لا يجتمع مع خياره.
و فيه ما عرفت منّا: من أنّ البيع الخياري لازم، و هو مثل البيع غير الخياري في لزومه، و إنّما الخيار اختيار هدم العقد اللازم في ذاته عرفاً و شرعاً، و لا يورث الخيار قصوراً في العقد، و لا معنى له و لا للعقد المتزلزل، و لا لتوصيف العقد ب «التزلزل» فعلى هذا مجرّد الالتزام المذكور غير كافٍ على إطلاقه عندنا، إلّا إذا رجع إلى إعراضه عن حقّه و ملكه و دَينه، فليتدبّر جيّداً.
السابع: خيار العيب و هو فيما إذا وجد المشتري في المبيع عيباً، فيتخيّر (1) بين الفسخ و الإمساك بالأرش؛ قوله مدّ ظلّه: «فيتخيّر».
إجماعاً منقولًا عن جماعة، ك «الغنية»(1)و غيرها(2)، و شهرة عظيمة كادت تكون اتفاقاً و مقطوعاً به بينهم، خلافاً لما نسب إلى الشيخ في بعض مواضع «المبسوط»(3)و للأخبار الكثيرة الظاهرة في أنّه له الخيار في صورة بقاء العين، و له الأرش في غير هذه الصورة(4)، فيكون التخيير طوليّاً.
و استفادة التخيير العَرْضيّ من أخبار المسألة(5)و لو كان ممكناً، إلّا أنّها ليست من الاستفادة عرفاً، فلو كان في الأخبار بعض الإطلاقات المثبتة للردّ، أو بعض آخر يثبت الأرش، فالجمع بينهما- حسب الطائفة الثالثة المشار إليها هو بالتخيير الطوليّ أيضاً.
مع أنّ الإطلاق المذكور ممنوع؛ إما لعدم السند، أو لعدم الدلالة،
و سيمرّ عليك في البحوث الآتية بعض أخبار المسألة إن شاء اللَّه تعالى(1).
فالعمدة هنا هي الشهرة، إلّا أنّها غير واضح كونها بالغة إلى حدّ يكشف بها الرأي، أو الخبر الموثوق به الصريح في المطلوب؛ و ذلك للمحكيّ عن الشيخ(2)أوّلًا، و لعدم ذهاب العامّة- إلّا من شذّ(3)إلى ما يوجب اشتهار الحكم عند الأوّلين فتأمّل، و أنّ في المعاملات يبعد طبعاً التعبّد الصرْف، فالمسألة مشكلة، و التصالح أحوط جدّاً.
هذا مع أنّ التخيير بين المعنيين الوضعيّين- كالتخيير بين نجاسة الشيئين ممّا لا معنى معقول له.
و توهّم: أنّه ليس من التخيير، بل المشتري له حقّ الخيار، و له حقّ الأرش، و الكلّ يورث، إلّا أنّ الجمع بين الحقّين غير ممكن؛ ضرورة أنّه بإعمال الخيار لا يبقى وجه لأخذ الأرش، و من الأخذ بالأرش يلزم سقوط خياره.
غير مرضيّ عندنا و إن أبدعناه في كتابنا الكبير(4)ضرورة أن للشرع التصريح ببقاء خياره و لو بعد الأرش، لأجل أنّ ظهور العيب سبب، و لو انسدّ
ما لم يسقط (1) الردّ قولًا خسارة المشتري بالأرش- كما إذا شرط فإنّه لا يسقط بالأرش، فعليه لا يمكن القول بكونهما بمنزلة التخيير.
نعم، قضيّة النصّ(1)و الفتوى(2)هو التخيير بين الفسخ و الأخذ بالأرش، و هذا من التخيير بين المعنيين الحدثيّين، و هو جائز، إلّا أنّه ليس من الحقّ المصطلح عليه في أبواب الخيار.
اللهمّ إلّا أن يقال: بجواز تورّث مثله؛ لمساعدة العقلاء، و لا دليل على كون المورث مالًا أو حقّا ثابت و اعتباراً وضعيّاً، بل يكفي تعبيرهم عن التخيير المذكور ب «الحقّ» لكونه مورثاً و قابلًا للإسقاط؛ و إن لم يكن من الاعتبارات الخارجيّة، فلا تخلط.
قوله مدّ ظلّه: «ما لم يسقط».
لا تخلو العبارة من الغرابة، و بالجملة يسقط الخيار المذكور- و هو حقّ فسخ العقد بالقول الصريح و ما يقرب منه، بل بمطلق القول بينه و بين ربّه و إن كان له إنكار الإسقاط. و يسمع قوله بغير الألفاظ المأنوسة العقلائيّة.
أو بفعل (1) دالّ عليه، و أمّا قول المصنّف بعدم سقوطه ثبوتاً إلّا بما يتعاهد الإسقاط به(1)، فهو غير مرضيّ؛ لأنّ إبراز الالتزام بالعقد تمام الموضوع لاعتبار سقوط خياره عند العقلاء، و لا حاجة إلى الأسباب الخاصّة في التسبّب إلى السقوط.
نعم، إنشاء السقوط و إسقاط الحقّ إنشاءً، ربّما يحتاج إلى مراعاة المعهودات العرفيّة في الألفاظ؛ لأنّه يكفي الشكّ في السببيّة لعدم ترتّب الأثر. و لو كانت الألفاظ المتسبّب بها غير مؤثّرة في شيء، بل هي موضوعات لاعتبار العقلاء لسقوط الخيار، فالأمر أيضاً كما تحرّر.
و أمّا في مثل سقوط الحقّ و إبراء الذمّة الكافي فيه الالتزام القلبيّ المبرز، فلا يعتبر الأزيد من طبيعيّ الإبراز.
قوله مدّ ظلّه: «بفعل».
فيما إذا كان قاصداً بالفعل، فلا جدير بالذكر، و لا يأتي فيه ما مرّ من الكفاية ثبوتاً و عدمها؛ باعتبار الاحتمال المذكور في القول، فعليه لا فرق بين أقسام الفعل.
و أمّا إذا كان غير قاصد للإسقاط، فصنع ما يدلّ بالنوع عليه، فإن كان عارفاً و ذاكراً عدم قصد السقوط، فلا دليل على السقوط ثبوتاً؛ لأنّ
1) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 5: 23.
المفروض عدم تغيير في العين، و لا حدث فيها. و توهّم دلالة معتبرة زرارة الآتية على أنّ مطلق التصرّف يكفي(1)، غير جيّد كما يأتي.
و قد يستظهر من عبارات جلّة من الفقهاء؛ أنّ التصرّف لمكان الدلالة على الرضا موجب للسقوط، فمع ذكر المشتري عدم رضاه به حين التصرّف، لا يبقى وجه لسقوطه(2).
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الشرع اعتبر التصرّف غير المقرون بالرضا من الرضا، كما ورد في خيار الحيوان، و أنّ الرضا هو السبب الأوّلي للسقوط، و الفعل و التصرّف سبب جعليّ شرعيّ تعبّدي، فلنا التجاوز عمّا ورد هناك إلى ما نحن فيه. و عهدة إثباته بيد غيري؛ لأنّي أستبعد التزام أحد بذلك، لعدم تماميّة الوجه المذكور حتّى في محلّه، فضلًا عن المقام؛ لقوّة احتمال كون التصرّف شاهداً على اقترانه بالرضا، فعبّر عنه ب «أنّ ذلك رضاً منه» فراجع.
فالمراد من قوله- مدّ ظلّه: «بفعل دالّ عليه، هو أنّه بعد مفروغيّة قصد السقوط، لا بدّ و أن يكون ذلك بفعل دالّ عليه نوعاً و كما مرّ، و مرّ ما يتعلّق به مناقشة و تأييداً.
و لم يتصرّف فيه تصرّفاً مغيّراً للعين، (1) قوله مدّ ظلّه: «مغيّراً للعين».
اتفاقاً محكيّاً عن جمع(1)، و هو المفروغ عنه بينهم، و لم يعهد نقل الخلاف عن أحد في هذه الصورة: و هي ما إذا كان التغيّر مستنداً إلى تصرفّه؛ و ذلك لأنّها القدر المتيقّن من معتبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «أيّما رجل اشترى شيئاً و به عيب و عَوار، لم يتبرّأ إليه، و لم يبيّن له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً، ثمّ علم بذلك العَوار و بذلك الداء؛ أنّه يمضي عليه البيع، و يردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(2).
و مرسلة جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السّلام): في الرجل يشتري الثوب أو المتاع، فيجد فيه عيباً.
فقال: «إن كان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه، و أخذ الثمن، و إن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ، يرجع بنقصان العيب»(3).
فعلى هذا، سقوط الخيار في هذه الصورة قطعيّ و إن لم يكن قاصداً له.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه في صورة قصد السقوط أو الشكّ فيه، فيكون
إحداث الصفة المغيّرة موجباً له؛ للكشف النوعيّ عنه، فتكون هذه الأخبار مشيرة إلى مصداق ما في خيار الحيوان: من أنّ التصرّف من الرضا الموجب للسقوط اعتباراً، فلو أحدث شيئاً مغيّراً، و كان من قصده الرجوع إليه و الردّ بعد ذلك، فلا يسقط. و لكنّك خبير بأنّه مجرّد احتمال بديع.
و يمكن دعوى عدم سقوط الخيار نظراً إلى قضيّة القواعد؛ فإنّ موضوعه العقد أو العاقد، كما هو الحقّ عندنا، فيكون مثلَ خيار الغبن و غيره، و هذه الأخبار بين ما لا سند لها، أو تكون معرضاً عنها؛ لظهورها في التخيير بين الردّ و الأرش طولًا، مع أنّ الإجماع على أنّ التخيير عَرْضي رغم أنف العقلاء.
و هي غير مسموعة؛ لأنّ معتبر زرارة و إن كان في سنده موسى بن بكر، و لم يوثّق، إلّا أنّه عندنا معتبر، و من الغريب توصيفها في الكتب الاستدلاليّة ب «الصحّة»(1)!! و هي ظاهرة في أنّها بصدد بيان وقت سقوط الخيار، و لا ينافيه كون الردّ في عَرْضه، بخلاف المرسلة، فإنّها كالنصّ في أنّ الردّ في صورة قيام العين، و الأرشَ في صورة عدمه؛ لأنّها مشتملة على القضيّة الشرطيّة الأُولى، و قد تعرّض في القضيّة الثانية لمفهوم القيد من تلك
1) جواهر الكلام 23: 237، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 254/ السطر 4، حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 71/ السطر 17.
و لم يحدث فيه عيب عنده (1) بعد خيار المشتري المضمون على البائع، القضيّة؛ لأنّ مفهوم الشرط من السلب التامّ، ضرورة أنّ مفهومه «إن لم يكن الشيء قائماً بعينه» و هو يصدق في صورة انتفاء العين برأسها، و على كلّ تقدير لا بأس بالاعتماد عليها.
مع أنّ الإعراض غير ثابت؛ لاستدلالهم بتلك الأخبار، و هذا هو الموهن للاعتماد على الإجماع و الشهرة القائمة على أصل التخيير بين الفسخ و الردّ؛ لأنّ لازمه اجتهادهم و اتكالهم عليها في الفتوى أحياناً، فلا تخلط.
قوله مدّ ظلّه: «عيب عنده».
العيب الحادث بعد العقد، و قبل القبض، و قبل مضيّ الخيار المضمون و لو كان بعد القبض، لا يوجب سقوط الخيار الثابت بالعيب الموجود القديم الحاصل حين العقد، على المشهور المدّعى عليه الإجماع(1). بل ربّما يقال: بأنّ هذا الحادث يوجب الخيار الجديد، فيكون لأجل العيب الحادث قبل القبض و بعد العقد، خياران مستندان إلى فردين من العيب(2).
و للقول: بأنّ العيب الثالث الحادث بعد القبض، و قبل مضيء الخيارات المضمونة الثلاثة المذكورة في المتن، يوجب خياراً ثالثاً،
وجه، فيكون لأجل كون المبيع حيواناً فيه أربعة خيارات، و إذا كان في المجلس ففيه خمسة، و بالشرط يبلغ إلى ستّة، و تفصيل بحوث هذه المسألة يطلب من كتابنا الكبير(1).
و الذي أُشير إليه في المتن؛ مسألة سقوط الخيار الثابت بالعيب القديم الحاصل حين العقد لأجل العيب الحادث في يد المشتري؛ أي بعد القبض، و كان قبل مضيّ الخيارات الثلاثة، فإنّه إذا كان بعد القبض و بعد مضيّها، فالإجماع و القاعدة يقضيان السقوط، و أمّا في صورة وجود الخيارات الثلاثة فقضيّة الأخبار- بل و الاتفاق عدم سقوط الخيار.
نعم، يمكن دعوى: أنّ خيار العيب بما أنّه خيار العيب، يسقط حسب معتبر زرارة و مرسلة جميل؛ لما أحدث فيه شيئاً، و تغيّر عمّا كان عليه حين العقد، و لكنّ العقد خياري بعدُ؛ لأجل وجود المجلس و الحيوان و الشرط، فما في المتن: من بقاء خيار العيب الثابت حين العقد حتّى بعد حدوث العيب بعد القبض و قبل المضيّ، فهو لأجل أنّ معتبر زرارة موضوعه الإحداث، لا الحدث، و أنّ المرسلة غير قابلة للاعتماد عليها؛ لإرسالها أوّلًا، و لإعراض المشهور عنها؛ لظهورها في التخيير بين الردّ و الأرش طولًا، لا عَرْضاً.
1) تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، الرابع من مسقطات خيار العيب.
كخيار الحيوان، و كخيار المجلس و الشرط؛ إذا كانا له خاصّة. (1) أو لأجل أنّ الخيار طبيعيّ قابل للتكثير، و لكنّه لا يتكثّر إلّا بالعناية الخاصّة، فتتداخل الأسباب، فيكون واحداً باقياً، و لازمه سقوط خيار الحيوان بإسقاط خيار العيب في الثلاثة، و لا يلتزمون به، فالوجه الأوّل أقرب و إن لم يلتزم به الماتن.
و بالجملة: عدم سقوط الخيار القديم بالعيب الجديد، مطابق للقاعدة، و مخالف لما استظهروه من معتبر زرارة و خبر جميل(1)، إلّا أنّ في أخبار خيار الحيوان ما يستظهر منه أيضاً أنّ حدوث الحدث في عصر الخيار لا يوجب شيئاً. و لكنّ الإنصاف اختصاصه بالحيوان.
فالأقرب هو السقوط؛ لو كان الخبران تامّين فيما استظهروه منه، و سيأتي ضعفه، و على هذا لا وجه لسقوط خيار العيب؛ لأجل القواعد، لا لما أُشير إليه، فلا تخلط.
قوله مدّ ظلّه: «إذا كانا له خاصّة».
أي للمشتري، فلو كان البائع لأجل الشرط أيضاً بالخيار، أو لأجل كون المثمن حيواناً، أو قلنا بأنّ خيار المجلس ثابت للمشتري فقط فيما إذا باع الوكيل و الوصيّ، فلا يدوم الخيار فيما كان البائع أيضاً بالخيار؛ لأنّ العوضين مضمونان في أيّام خيارهما، فيكون العيب الحادث بعد
1) البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 5: 52.
و الظاهر أنّ الميزان في سقوطه عدم كون المبيع قائماً بعينه؛ بتلف (1) القبض و قبل مضيّ الخيارات الثلاثة، من العيب غير الموجب لسقوط الخيار؛ لاختصاص دليله بصورة ضمان البائع دون المشتري، و على هذا يرجع إلى مفاد الخبرين الناطقين بأنّ الحدث و التغيّر موجب للسقوط، و سيأتي ما في التمسّك بهما.
قوله مدّ ظلّه: «بتلف».
على المعروف، و كأنّه المفروغ عنه؛ للأولويّة القطعيّة، و لمفهوم خبر جميل: «إن لم يكن الشيء قائماً بعينه».
و يتوجّه إلى الأوّل: أنّ الظاهر منه هو إحداث شيء فيه، و لعلّه يوجب السقوط لكونه رضاً تعبّدياً من المشتري، كما في خيار الحيوان، فلا يحمل الإحداث على الحدث حتّى يستنبط منه الأولويّة. نعم الإتلاف من الإحداث.
و إلى الثاني: أنّ المفهوم إن كان سلباً أعمّ فلا يفيد، و إن كان سلباً أخصّ مع فرض الموضوع، فلا يشمل صورة التلف، و لا سيّما إذا كان التلف بفناء الشيء و احتراقه.
فبالجملة: لا شبهة في أنّ الإتلاف يوجب سقوط الردّ، و أمّا التلف فغير ظاهر مستنده إلّا الإجماع المحتمل تعليله.
أو ما بحكمه (1)، أو عيب، أو نقص (2) و إن لم يكن عيباً.
قوله مدّ ظلّه: «بحكمه».
من التصرّفات الاعتباريّة الإيقاعيّة كالعتق، العقديّة اللازمة كالصدقة و البيع، و الجائزة كالعقود الخياريّة و الجوائز منها. و لو لم يكن في المسألة إجماع فنفس ذلك- مضافاً إلى أنّه ليس من التغيّر المذكور في معتبر جميل، و لا من الحدث المستفاد من خبر زرارة لا يوجب السقوط على وجه لو رجع إلى ملكه لم يكن له الردّ؛ لقوّة احتمال اختصاص السقوط بصورة عدم العود، فلا سقوط في الخروج المتعقّب بالعود؛ لعدم الدليل عليه على وجه يشمل المقام.
و أمّا العود بعد السقوط كما هو ظاهر الفقيه اليزدي(1)، فهو متفرّع على استفادة العنوان الكلّي من الخبرين. مع أنّ الظاهر منهما ما هو الظاهر من أخبار خيار المجلس، فإذا حصل الافتراق يسقط، و لا يعود بعود المجلس.
قوله مدّ ظلّه: «أو عيب أو نقص».
كلّ ذلك بناءً على أنّ المستفاد من الخبرين منطبق عليهما، سواء كان الموضوع خبر جميل، و يردّ إليه خبر زرارة، أو كان خبر زرارة، و يردّ إليه خبر جميل، بناءً على أنّ معتبر زرارة، ليس في مقام إدخال النسبة
1) حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 79/ السطر 29.
نعم، الظاهر أنّ التغيير بالزيادة، لا يسقطه (1) إذا لم يستلزم نقصاً و لو بمثل حصول الشركة. و كيف كان: مع وجود شيء ممّا ذكر ليس له الردّ، بل ثبت له الأرش خاصّة (2). و كما يثبت هذا الخيار للمشتري إذا وجد العيب في المبيع، الصدوريّة في موضوع السقوط، بل النسبة معنىً حرفيّ مغفول عنه، أو بناءً على الأخذ بهما؛ لأنّ النسبة بينهما الإيجاب، و لا تنافي و قد عرفت أنّ الوجه الأخير ممّا لا بأس به، و الإرجاع غير جائز بعد قوّة احتمال كون الإحداث من مصاديق الرضا تعبّداً.
و لكنّه لا ينفع؛ لأن خبر جميل و إن لم يضرّ إرساله، بل هو عندنا ليس مرسلًا، و لكنّه غير معمول به، و ظاهر المشهور إعراضهم عنه، و تمسّك المتأخّرين- لا غيرهم به من باب التسامح فيما هو المفروغ عنه.
قوله مدّ ظلّه: «لا يسقطه».
لأنّ مجرّد التغيّر بالزيادة كالسمن و نحوه، مورد انصراف الخبر و معقد الإجماع، و فيما إذا كان نقصاً يكون من الحدث، أو من الإحداث إذا تغيّر بفعل المشتري مثلًا، و لا وجه لانصراف خبر جميل عنه، فليتأمّل.
قوله: «خاصّة».
ربّما يشكل: بأنّ الواجب التخييري إذا تعذّر أحد الأطراف، لا يجب الطرف الآخر؛ لأنّ الأمر واحد مردّد، فيكون كالتعيينيّ إذا تعذّر جزء منه، فلا بدّ من التمسّك بقاعدة الميسور و أشباهها التي لا يجوز الركون إليها
كذلك يثبت للبائع إذا وجده في الثمن المعيّن. (1) على ما تحرّر(1).
و فيه ما أشرنا إليه من احتمال كون الحقّين- حقّ الفسخ، و حقّ الأرش ثابتين، إلّا أنّه لا يمكن الجمع بينهما، أو لا يجوز، و هذا غير التخيير و إن ناقشنا في تماميّة هذا المبنى(2)الذي اختاره الماتن- مدّ ظلّه في درسه(3)، و كنّا احتملناه قبله- مدّ ظلّه.
و يمكن أن يقال: إنّ في الواجب التخييري ليس ترديد واقعيّ؛ لأنّه مستحيل، بل هو أمر آخر يرجع إلى المعيّنين ثبوتاً، مع كفاية أحدهما إثباتاً، و على هذا لو تعذّرت إحدى الخصال تجب الأُخرى و هكذا، فإسقاط حقّ الردّ لا يستلزم سقوط حقّ الأرش.
قوله مدّ ظلّه: «في الثمن المعيّن».
نظراً إلى فهم الأصحاب، و عدم وجود من يفصّل بينهما، بل صريح العلّامة(4)و غيره هنا و في باب الصرف ذلك(5)، و استظهر الشيخ «أنّه
لا خلاف فيه و إن كان مورد الأخبار ظهور العيب في المبيع»(1)انتهى.
و من الغريب عدم التفاتهم إلى أنّ الأرش في عَرْض الفسخ على خلاف الأصل، فكيف تمكّنوا من إلغاء الخصوصيّة؛ و حمل الأخبار على الغالب؟! هذا و قد تحرّر منّا: أنّ الثمن المعيّن و لو كان نقداً، يرجع إلى المعاوضة، و هي ليست بيعاً عندنا في العصور الأخيرة؛ و لو كانت بيعاً في بدو معيشة الإنسان عيشاً اجتماعيّاً(2)، فجريانه فيها محلّ المناقشة.
اللهمّ إلّا أن يقال: ارتكاز العقلاء على أخذ الأرش و لو في طول ترك الفسخ، و لا يلتزمون بجواز إلزام المشتري البائعَ على الأرش بدواً، و لكن بعد ثبوت الالتزام المذكور منضمّاً إلى الارتكاز المزبور، لا يجدون خصوصيّة بين العصور و الفروع، فليتدبّر.
ثمّ إنّه يجري خيار العيب في غير المعيّن؛ سواء كان بيعاً، أو عوضاً، و لا يرجع ذلك إلى خيار التبديل؛ نظراً إلى أنّ المبيع الكلّي و الثمن الكلّي- لأجل أصالة السلامة و البناء على الصحّة يكونان مقيّدين، و إذا تبيّن عيبهما فلا خيار بالضرورة؛ لأنّه يرجع إلى عدم وفائهما بما عليهما
و المراد ب «العيب» (1) كلّ ما زاد أو نقص عن المجرى الطبيعيّ و الخلقة الأصليّة، كالعمى، و العرج، و غيرهما.
بمتقضى العقد.
هذا، و لكنّه مع ذلك لا يرجع إلى خيار التبديل، بل هو راجع إلى خيار العيب؛ و ذلك لأنّ الكيفيّات خارجة عن حدود المعاوضات على الأعيان؛ و إن كانت داخلة في رقيّ الثمن، هكذا تحرّر، فعليه لا يكون في بيع البقرة ما هو المبيع إلّا البقرة، و ليست الصحّة قيداً بحيث إذا تخلّفت لم يكن وفاء بالعقد، بل هي من قبيل الالتزام في الالتزام، فإذا ردّ المبيع يكون ما في الخارج نفس المبيع، فإنّ الطبيعيّ موجود بشخصه، و إذا لم يكن صحيحاً يلزم خيار العيب؛ لأنّ المبيع الكلّي المتشخّص في الخارج، لا يمكن تبديله؛ لاتحاد الطبيعيّ في محطّ الخارج و الإنشاء، و على هذا يجري الخيار المذكور في غير المعيّن.
نعم، إذا كان الارتكاز على وجه التقييد، فيكون البيع مقيّداً و لو بقيد ارتكازي نوعيّ، لا تعاهدي شخصيّ، فلا يتشخّص البيع الإنشائيّ بإقباض المعيب، و لا يلزم خيار في العقد إلّا إذا تعذّر، فيكون خيار تعذّر التسليم، فلا تغفل.
قوله مدّ ظلّه: «و المراد بالعيب».
على المعروف المشهور في كثير من المتون، مع اختلاف يسير في
التعبير، و الكلّ كأنّه متّخذ من رواية مرسلة و ضعيفة محكيّ فيها قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «كلّ ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب ..»(1).
و غير خفيّ: أنّ شأن الفقيه في تعريف «العيب» شأنه في تعريف «الماء» و «التراب» و لا يجوز الاعتماد على تشخيصه إلّا بما أنّه رجل ثقة عادل، و لا يزيد عليه، و لو كان نظره عدم جواز الاعتماد على خبر العدل الواحد، فربّما يضرّ تصرّفه و تعيينه، و يكون غير جائز؛ لتوهّم الراجعين إليه أنّه رجوع إلى الحجّة الشرعيّة، فتعريف «العيب» غير صحيح.
مع أنّه من العناوين التي تختلف البلدان و الأعصار و الأزمان و الأمصار بالنسبة إليه جدّاً، و لا يصحّ دعوى: أنّ ما كان عيباً في زمن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (فهو عيب إلى يوم القيامة، كما قيل به في الموضوعات الربويّة(2)، فربّما يكون النقصان من العيب في منطقة، و من الكمال في قطر آخر و بالعكس.
نعم، إذا تدخّل الشرع الأقدس في موضوع من الموضوعات، و كان فيه تعبّد صِرْف، فهو المتّبع، و إلّا فمجرّد وجود رواية- و لو كانت صحيحة
غير كافٍ؛ لاحتمال كونها بصدد تعريف ما هو العيب في المنطقة، فيحمل عليه، و لا يزداد و لا يتجاوز عنه؛ ضرورة بُعد كونه تعبّداً صِرفاً و لو كان أصل الأخذ بالأرش في عَرْض الخيار تعبّداً، إلّا أنّه لقيام الإجماع، مع ما تحرّر منّا في محلّه من الإشكال(1).
فعلى ما تبيّن، لا دليل شرعاً على الأزيد ممّا هو العيب بحسب متفاهم الناس في محيط التجارة و المعاملة.
مع أنّ الرواية بحسب المتن مضطربة جدّاً، و تحتاج إلى إلغاء الخصوصيّة بالنسبة إلى كثير من السلع و الأمتعة الحديثة، بل و في مثل بيع الدور و غيرها ممّا تكون وحدتها تأليفيّة، و لا خلقة أصليّة لها إلّا إذا أُريد من «الخلقة» الأعمّ من الخلق المستند إليه تعالى و إلى غيره، كما لا يبعد.
1) تقدّم في الصفحة 270.
مسألة 1: يثبت هذا الخيار بمجرّد العيب واقعاً عند العقد و إن لم يظهر بعدُ، فظهوره كاشف عن ثبوته من أوّل الأمر، لا سبب لحدوثه (1) عنده، قوله مدّ ظلّه: «لا سبب لحدوثه».
كما في الغبن و إن كان ظاهر كثير من كلماتهم، يوهم حدوثه بظهور العيب، و هو الظاهر من جملة من الأخبار، و منها مرسلة جميل(1)، و خبر عمر بن يزيد(2). إلّا أنّ أخذ عنوان «العلم» و أمثاله لا يوجب شيئاً، و لا سيّما و أنّ معتبر زرارة ظاهر في سقوط خياره بالإحداث، مع أنّ المفروض فيه أنّه علم بعد ذلك بالعيب و العَوار، و هذا الدليل أقوى ممّا تمسّك به الشيخ (رحمه اللَّه)(3).
و الذي هو التحقيق: أنّ عقد البيع كما مرّ غير البيع، و هو التبادل الخارجيّ الاعتباري، و على هذا حيث تكون المبادلات نوعاً معاطاتيّةً، فالخيار ثابت من حين المبادلة، لا من حين العقد اللفظيّ و الإنشائيّ، و لا من حين ظهور العيب، فإنّه واضح المنع جدّاً. و لو كان العلم دخيلًا في ذلك، فهو محتاج إلى العناية الشديدة الزائدة.
فلو أسقطه قبل ظهوره سقط (1). كما يسقط بإسقاطه بعده (2)، و كذلك باشتراط سقوطه في ضمن العقد، قوله: «سقط».
بالضرورة؛ لعدم الحاجة في إسقاط الحقّ إلى العلم به، و إلّا فلا يمكن الإبراء حين الشكّ و الجهالة، و لا يحتاج الإنشاء إلى أزيد من احتمال التأثير و الموضوعيّة لحكم العقلاء بالسقوط. بل لو لم يثبت يسقط بالإسقاط أيضاً، و بالشرط المذكور في ضمن العقد، كما مرّ في خيار المجلس، فلا يتوقّف سقوط خيار العيب على ثبوته من حين العقد؛ على ما يتوهّم من المتن.
و ليس هذا من إسقاط ما لم يجب، بل هو يرجع إلى الدفع لتماميّة الشرائط و المقتضي لاعتباره.
فعلى ما سلكناه من ثبوته من حين المقابضة و القبض و المعاطاة، يجوز شرط سقوطه في ضمن العقد. بل الظاهر أنّه يرجع إلى التبرّي، و يكون البيع مبنيّاً على الإطلاق، فلا يكون شرط السقوط إلّا كناية عن الارتضاء المعامليّ بالبيع على كلّ تقدير، و ليس شيئاً آخر، فاغتنم.
قوله مدّ ظلّه: «بإسقاطه بعده».
بالأولويّة القطعيّة طبعاً.
نعم، ربّما يشكل السقوط و الإسقاط مطلقاً؛ نظراً إلى أنّ خيار العيب
ليس- كخيار المجلس و الغبن من الحقوق، بل هو خيار من التخيير الشرعيّ الترخيصيّ بين الردّ و الأرش؛ أي بين الفعلين، كسائر التخييرات الشرعيّة، فعليه لا معنى للسقوط و الإسقاط هنا، و هذا هو الظاهر من الفتوى و النصّ.
اللهمّ إلّا أن يقال: إجماعهم على جواز الإسقاط، يشهد على أنّه نوع حقّ تخييري، و قد مرّ امتناعه.
أو نوع حقّ تعيينيّ، فيكون هناك حقّان غير قابلين للجمع، و قد مرّ فساده.
أو حقّ متعلّق بالعنوان الكلّي المنطبق على أحدهما، و قد مرّ امتناعه و فساده.
أو أنّه حقّ انتزاعيّ من الفعلين اللذين هما مورد التخيير، فهو حقّ صحيح كما هو المختار(1)، و يكفي ذلك لقابليّة السقوط بالشرط و الإسقاط بعده.
أو هو ليس بحقّ، و لكنّ الشرع رخّص للمكلّف في إخراج أحد طرفي الواجب التخييري؛ و قلبه تعيينيّاً، و هذا أيضاً ممكن، و لكنّه لا بدّ من الاختصار على مقدار ما يثبت ترخيصه؛ و هو بعد العقد و المعاطاة، و أمّا حينه فهو غير ثابت.
1) تقدّم في الصفحة 270 271.
و بالتبرّي من العيوب عنده بأن يقول: «بعتك بكلّ عيب». و كما يسقط بالتبرّي (1) من العيوب الخيارُ، يسقط استحقاق مطالبة (2) الأرش أيضاً.
قوله مدّ ظلّه: «و بالتبرّي».
إجماعاً محكيّاً عن «الخلاف»(1)و «الغنية»(2)و هو الظاهر من «التذكرة»(3)و هو المفروغ عنه عندهم؛ لأنّه يرجع إلى عدم المقتضي للخيار، ضرورة أنّه إذا باع على أن يكون العيب على المشتري، فلا خيار، و هذا مثله في الحقيقة. و يدلّ على الحكم في الجملة صحيح زرارة السابق(4).
و لعلّ إجمال الدليل اللفظيّ، أوجب ذهاب الإسكافيّ إلى المناقشة في سقوطه به في صورة الإجمال(5)بعد عدم صلاحية بناء العقلاء للمرجعيّة، حيث إنّ الحكم في باب العيب على خلاف مذاق العرف، فاغتنم.
قوله مدّ ظلّه: «استحقاق مطالبة».
و هو الظاهر من الأصحاب (رحمهم اللَّه (حيث عدّوا التبرّي عن العيوب من
مسقطات الخيار و الأرش(1)، و هو مقتضى أدلّة سقوط الخيار، مع قصور المقتضي عن إثباته كما هو الواضح.
و ربّما يشكل: بأنّ التبرّي من العيوب، يوجب بطلان البيع للغرر، و لا يتمّ ما يتوهّم جواباً له(2)إلّا إنكار أصل كبرى المسألة، كما ذكرنا في كتابنا الكبير(3)ضرورة أنّه لا دليل على اعتبار المعلوميّة المطلقة. و الالتزام بالتخصيص- بعد عدم وجود الإطلاق الصحيح غير وجيه.
كما يشكل كفاية التبرّي لسقوطهما؛ لأجل أنّه يرجع إلى الشرط، و خيار العيب ليس من قبيل الخيارات الأُخر حتّى يكون حقّا، بل هو من الأحكام الشرعيّة، فيكون الشرط على خلاف الكتاب.
أو لو كان شرطاً، فلا بدّ من وجود الدليل على قبول الطرف ذلك الشرط، فمجرّد التبرّي غير كافٍ.
و الذي هو الحقّ: أنّ التبرّي ليس شرطاً، بل هو موجب لهدم البناء الأوّلي الثابت بين العقلاء، القائم على اشتراء الأشياء على صفة الصحّة، كما هو هدم لإجراء أصالة السلامة في إحرازها، فيكون موقف المعاملة
كما أنّ سقوطه بالإسقاط في ضمن العقد أو بعده، تابع للجعل. (1) المذكورة خارجاً عن سائر مواقف المعاملات؛ من غير شرط ضمنيّ في العقد.
مع أنّ في كلّ من كونه شرطاً مخالفاً، أو محتاجاً إلى القبول، مناقشة.
و ممّا يشهد على أنّه ليس من الشرط: أنّ بالتبرّي لا يحدث تكليف بالوفاء به، بل يلزم منه خروج البائع عن تحمّل الزائد، مع أنّ المتعارف في الشروط لزوم الوفاء بها بعد الاشتراط حتّى في شرط النتيجة، كما لا يخفى.
قوله مدّ ظلّه: «تابع للجعل».
بالضرورة، و هو مقتضى كونه حقّا؛ فإنّ لكلّ ذي حقّ إسقاطَ حقّه و استيفاءَه.
نعم، ربّما يناقش كما أُشير إليه آنفاً في كونه حقّا؛ لما لا يعقل التخيير و الترديد بين الأحكام الوضعيّة، فلا يعقل جعل النجاسة لأحد الشيئين.
نعم، في الواجبات التخييريّة يعقل؛ لأنّه يرجع إلى التخيير في إيجاد المعنى الحدثيّ، نظير تخيير الإنسان طبعاً في إيجاد كلّ شيء، و تفصيله في الأُصول(1).
و لأجل ذلك يظهر: أنّ الأصحاب (رحمهم اللَّه (فيما نحن فيه قالوا: «بأنّ
1) نفس المصدر.
المشتري مثلًا مخيّر بين الردّ و الأرش، و هو الظاهر من أخبار المسألة، فلا حقّ وضعيّ في خصوص هذا الخيار.
و لأجل ذلك ذهب الماتن- مدّ ظلّه إلى أنّ هناك حقّين تعيينيّين لا يجتمعان ذاتاً أو شرعاً، و ناقشنا في ذلك، و ذكرنا: أنّ الالتزام بوحدة الخيارات سنخاً غير لازم، و مع ذلك لا بأس بتجويز الشرع، و إقدارِ المكلّف على إخراج أحد طرفي هذا المعنى التخييري الترخيصيّ، فيكون الإسقاط و شرط السقوط، معناه تعجيزه شرعاً عن إعمال الفسخ في ضمن العقد.
و ربّما يتوهّم: أنّ الواجبات التخييريّة التكليفيّة، أيضاً ترجع إلى الواجب العينيّ، فيكون وجوب الأطراف عقليّاً مستكشفاً بالشرع، أو إلى الواجب المشروط، أو المعلّق، و الكلّ باطل عاطل محرّر في قواعدنا الأُصوليّة(1).
ثمّ إنّ السقوط بالإسقاط في ضمن العقد غير واضح؛ لأنّه لو شرط الإسقاط لم يسقط بمجرّد القبول، فإذا أسقط فهو، و إلّا فالعقد باقٍ و التصرّفات جائزة؛ و لو كان آثماً بالتخلّف عن الشرط.
و ربّما يتوهّم بطلان التصرّفات الناقلة؛ لأنّ الأمر بالوفاء بالشرط مستتبع النهيَ عن تلك التصرّفات، المستتبع للفساد، و قد تحرّر بطلان
1) نفس المصدر.
الاستتباع الأوّل دون الثاني.
و أمّا قول الأعلام بعدم تماميّة الاستتباع الثاني أيضاً؛ لأنّه ليس نهياً كاشفاً عن الفساد، و لا مرشداً إلى البطلان(1)، فهو ممنوع عندنا محرّر في محلّه(2).
مسألة 2: كما يثبت الخيار بوجود العيب عند العقد، كذلك يثبت بحدوثه بعده قبل القبض. (1) قوله مدّ ظلّه: «قبل القبض».
سواء كان المشتري بالخيار المضمون على البائع، كخيار الشرط و المجلس و الحيوان، على ما قيل، أو كان العقد غير خياري مطلقاً.
و المفروض هنا كون المبيع صحيحاً حين العقد، و صار معيباً بعد العقد و قبل القبض، و قد حكي الإجماع(1)في الجملة على ثبوت الخيار بهذا العيب الحادث قبل القبض؛ و لو كان في ملك المشتري، كما إذا وقع العقد اللفظيّ؛ بناءً على كونه تمام السبب للملكيّة، أو كان بعد إقباض المشتري الثمن؛ بناءً على لزوم القبض في الجملة في حصولها إذا كان السبب معاطاة.
و أمّا لو كان الملكيّة غير حاصلة إلّا بالتعاطي من الطرفين، فلا تصوّر لهذه المسألة. كما لا تتصوّر فيما إذا كان إقباض المبيع دخيلًا فيه.
و على كلّ تقدير: في مفروض المسألة اشتهر الحكم بحدوث الخيار و الأرش و إنّما الإشكال في سنده بعد قصور الشهرة و الإجماع عن الاستناد؛ لعدم إحرازهما.
و غاية ما ربّما يقال: إنّ قضيّة «التلف قبل القبض من مال بائعه» هو
1) جواهر الكلام 23: 241.
الخيار فيما نحن فيه؛ لأنّ تلف العين إذا كان مضموناً على البائع، و موجباً لانفساخ العقد، فتلف الصفة أيضاً مضمون عليه يوجب الأرش، و لا بدّ و أن يوجب ضعفاً في العقد؛ و هو الخيار.
و هذا التقريب أحسن ما يمكن أن يقال في المقام، و لكن أُوصيك أيّها الطالب بالتحذّر من أمثال هذه الطرق في الاجتهادات.
و يمكن دعوى بناء العقلاء، و لكنّه في محلّ منع بالنسبة إلى الأرش، و من تصرّف الشرع في بنائهم يلزم ردعهم في هذا المقام، فتدبّر.
و أمّا الأخبار الخاصّة، فهي في مورد المعاطاة، و لا إطلاق فيها، و لا سيّما معتبر زرارة(1)لأنّ المفروض فيه الإحداث، و فرض كون العيب و العَوار حاصلًا قبل القبض و بعد العقد، من النوادر التي لا تكشف بترك الاستفصال و لا بغيره، فلا تخلط.
و على هذا يتبيّن ما هو الحقّ: و هو أنّ العقد اللفظيّ ليس سبباً للملكيّة، فيكون العيب الحادث قبل القبض في ملك البائع، و موجباً للخيار و الأرش، و يكون تلفه من مال البائع، و لو كان ملكاً للمشتري، و موجباً للأرش إذا حدث فيه العيب أو الخيار، فهو من الضرر و الضرار على
1) الكافي 5: 207/ 3، تهذيب الأحكام 7: 60/ 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 2.
البائع وجداناً، و لا سيّما إذا كان المشتري يريد به ذلك؛ نظراً إلى كشف حال المتاع. هذا فيما إذا حدث العيب.
و لو كان العيب الحادث كاشفاً عن السبب السابق، فيكون العيب ظاهراً بعد العقد و قبل القبض، فالقول بالخيار و الأرش أقوى.
و قد حكي عن جماعة ك «خلاف» الشيخ(1)، و الحلّي(2)، و المحقّق(3)، المناقشة في الأرش دون الخيار؛ نظراً إلى أنّ وصف الصحّة غير داخل في أجزاء المبيع، و ليس مضموناً، و قضيّة الأرش غير هذا كما لا يخفى، و يكون تعبّداً صِرْفاً.
و أنت خبير: بأنّه لو كان الوجه الذي ذكرناه تامّاً فلا فرق بين الخيار و الأرش في دلالة القاعدة و أخبارها عليه، و إلّا فالأمر كما تحرّر.
و توهّم بناء العقلاء على الخيار دون الأرش، في محلّه، إلّا أنّه بناء مشكوك اعتباره؛ لأنّ الشرع تصرّف فيه بجعل العِدْل له؛ و هو الأرش، و هذا نوع ردع عنه يوجب الشكّ في الإمضاء و الارتضاء شكّاً يعتنى به، فتأمّل.
و العيب الحادث بعد العقد يمنع عن الردّ (1) لو حدث بعد القبض، و بعد خيار المشتري المضمون كما مرّ. و لو حدث قبل القبض فهو سبب للخيار (2)، فلا يمنع عن الردّ و الفسخ بسبب العيب السابق بطريق أولى.
قوله مدّ ظلّه: «يمنع عن الردّ».
لأنّ المفروض وجود العيب السابق الموجب للردّ و الأرش، فإذا حدث العيب في مفروض المسألة- و هو بعد القبض و المضيّ فيكون متغيّراً غير باقٍ على عينه، و قضيّة مرسلة جميل سقوط حقّ الردّ حينئذٍ.
نعم، له أخذ الأرش، كما صرّح به معتبر زرارة و المرسلة، و هو المعروف عنهم و المشهور بينهم.
إلّا أنّه يشكل سقوط الخيار بمجرّد التغيّر؛ لعدم قابليّة المرسلة المذكورة للاعتماد عليها في المقام، و مقتضى معتبر زرارة أنّ إحداث الشيء فيه يوجب تعيّن الأرش، لا الحدوث.
و يحتمل قويّاً كون الإحداث مصداقاً للرضا، فيكون كاشفاً تعبّداً عن الالتزام الملازم للإسقاط المستتبع لسقوط الخيار، فلا تغفل.
قوله مدّ ظلّه: «سبب للخيار».
كما مرّ، إلّا أنّ المفروض هنا أنّ المبيع معيب حين العقد، و لأجل ذلك يشكل عقلًا: بأنّ ما هو السبب هو طبيعيّ العيب، فكيف يؤثّر في الخيارين، و عرفاً: بأنّه لا معنى لاعتبار خيار عيب آخر وراءه.
و توهّم: أنّه تظهر الثمرة في الإسقاط، غير صحيح في محيط العقلاء، و إن قال به الفقيه اليزدي (رحمه اللَّه (في تعليقته الشريفة(1).
و غير خفيّ: أنّ الطبيعيّ لا يؤثّر، و ما هو المؤثّر هو الفرد، فكان الأولى أن يقال: إنّ السبب هو خيار العيب، و هو لا يقبل التعدّد بتعدّد السبب إلّا إذا تلوّن بلون خاصّ، كما يتلوّن الخيار بلون المجلس و الحيوان و الغبن.
هذا مع أنّ طبيعيّ العيب ليس سبباً، و إلّا يلزم أن يؤثّر العيب بعد القبض و المضيّ في إيجاد الخيار، فإذا ثبت وجود قيد فلا بأس بأن يعتبر كلّ عيب سبباً؛ حسب الإطلاق المقتضي عقلًا لذلك.
و بالجملة: هنا مسألتان:
الاولى: أنّ العيب الحادث في مفروض المسألة، هل يوجب الخيار، أم لا؟
و الثانية: أنّه على تقدير إيجابه، هل يوجب سقوط الخيار السابق، أم لا؟
و ظاهر المتن سببيّة العيب الثاني للخيار الآخر من غير سقوط الخيار الأوّل، و حيث إنّ المفروض حدوث العيب الثاني، لا اتساع العيب
1) حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 77/ السطر 17.
الأوّل- و قد مرّ منّا المناقشة في أصل موجبيّة العيب الحادث قبل القبض لشيء و لو كان المبيع صحيحاً(1)فالأمر هنا أوضح.
و على تقدير القول بسببيّة العيب الحادث قبل القبض، فالالتزام بتعدّد الخيار من غير سراية القيد إليه ممتنع، كما تحرّر في مسألة تداخل الأسباب و المسبّبات(2). و إسراء القيد إليه يحتاج إلى مئونة زائدة مفقودة في المقام؛ لعدم إطلاق فيها من هذه الجهة إنصافاً، و عدم مساعدة فهم العرف على ذلك أصلًا، فليتدبّر جيّداً.
مسألة 3: لو كان معيوباً عند العقد، و زال العيب قبل ظهوره، فالظاهر سقوط الخيار. (1) قوله مدّ ظلّه: «سقوط الخيار».
و هو المفروغ عنه و المقطوع به لو كان ظهور العيب دخيلًا في ثبوت الخيار. و لو لم يكن ثبوته مربوطاً بالظهور، فالأمر كذلك في مفروض الماتن عند كثير منهم المتعرّضين للمسألة(1).
و الحقّ عدم ثبوت الفرق بين الظهور و عدمه بعد سقوط دخالته، فما في المتن من التقييد ساقط جدّاً، و لذلك صرّح في موضع من «التذكرة» بالسقوط و لو بعد العلم(2).
و بالجملة: لم أجد مخالفاً لسقوط الخيار بعد زوال العيب و قبل الردّ، كما هو مقصود الماتن؛ و ذلك لأنّ الظاهر من أدلّة الخيار، بقاء العيب إلى حال الردّ و الفسخ. مع أنّه حكم العقلاء، و مقتضى سببيّة العيب للخيار.
و لا محلّ لاستصحاب الخيار؛ لأنّ الشكّ في بقائه، راجع إلى الشكّ في اعتبار دوام العيب في ثبوت الخيار، و تصير النتيجة مرجعيّة إطلاق دليل اللزوم، و لا يجري الاستصحاب رأساً.
نعم، بناءً على جريان البراءة الشرعيّة عن الشرطيّة في
بل سقوط الأرش (1) أيضاً لا يخلو من قرب، و الأحوط التصالح.
المعاملات، كما في العبادات حذواً بحذوٍ، فلا منع من هذه الجهة عن جريانه، إلّا أنّه ممنوع لأجل كونه في الشبهة الحكميّة، و قد تحرّر منّا منعه على الإطلاق(1).
و يحتمل أن يكون زوال العيب بعد الرّد، شاهداً على عدم وقوع الردّ في محلّه، فيكون العقد باقياً، و على المشتري ردّ الثمن؛ و ذلك لعدم ثبوت التحديد باشتراط دوام العيب إلى الردّ. و قضيّة حكم العرف و مناسبة الموضوع و الحكم، ذلك و لا سيّما فيما إذا ردّ فزال العيب فوراً، فثبوت الخيار من الأوّل مشكوك، فيرجع إلى أدلّة اللزوم، فتأمّل جيّداً.
و أمّا توهّم امتناع بقاء الخيار عند زوال العيب قبل الردّ، أو بعده؛ لعدم العلّة، فهو مندفع باحتمال الوساطة في الثبوت، كما في بقاء نجاسة الماء عند زوال التغيّر، و مقتضى الأدلّة بدواً هي الوساطة لا العنوانيّة، إلّا أنّها وساطة في العروض عرفاً.
قوله مدّ ظلّه: «سقوط الأرش».
خلافاً لظاهر الشيخ الأعظم الأنصاري (قدِّس سرُّه) معلّلًا: «بأنّ الأرش لمّا ثبت استحقاق المطالبة به؛ لفوات وصف الصحّة عند العقد، فقد استقرّ بالعقد، خصوصاً بعد العلم بالعيب، و الصحّة إنّما حدثت في ملك
1) تحريرات في الأُصول 8: 436 438 و 533 535.
المشتري، فبراءة ذمّة البائع عن عهدة المضمون عليه تحتاج إلى دليل، فالقول بثبوت الأرش و سقوط الردّ قوي؛ لو لم يكن تفصيلًا مخالفاً للإجماع، و لم أجد من تعرّض لهذا الفرع قبل العلّامة أو بعده»(1)انتهى.
و في مقابله احتمال عدم استحقاق الأرش؛ حتّى لو زال العيب بعد الأخذ بالأرش، فيردّ ما أخذه المشتري إلى البائع؛ و ذلك لا لأجل أنّه نوع جمع بين العوض و المعوّض، حتّى يقال: إنّ وصف الصحّة لم يكن يقابل بشيء، و يردّ ذلك في الجملة: بأنّ من العيوب ما يستلزم فقد الجزء، و فسادَ البعض بزواله كما لا يخفى، بل لأجل أنّ الأرش على خلاف الأصل، و لا إطلاق في أدلّته، و القدر المتيقّن منه غير هذه الصورة.
و ما في كلامه غريب بعد ادعائه آنفاً ظهورَ الأخبار في بقاء العيب إلى حال الردّ!! لأنّ معناه في الحقيقة ظهورها في أنّه في ظرف الأخذ بالأرش، يكون له حقّ الفسخ.
نعم، مرسلة جميل تناسب زوال العيب، و نصّ في سقوط الخيار عند أخذ الأرش، إلّا أنّها معرض عنها؛ لأنّ الخيار و الأرش في عَرْض واحد جعلًا، و لذلك ذكرنا مراراً أنّها غير صالحة للاعتماد في المسألة. فالقول بسقوط الأرش أقوى من سقوط الخيار؛ لأنّه حكم عقلائيّ.
1) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 261/ السطر 9.
هذا مع أنّ إطلاق دليل الأرش، ضرري بالنسبة إلى البائع في صورة زوال العيب، فينفى بالقاعدة، بخلاف الخيار؛ لأنّه بالفسخ يردّ إليه الثمن.
نعم، ربّما يكون خياره أيضاً في صورة زوال العيب ضرريّاً، أو يورث حرجاً على البائع، فيلزم أن يكون وجوب ردّ الثمن حرجيّا منفيّاً.
و توهّم عدم جريان القاعدة لتقييد دليل خيار العيب؛ لأنّه نفسها، في غير محلّه؛ ضرورة أنّ دليله ليس القاعدة. مع أنّه من قبيل حكومة الأصل السببيّ على المسبّبي، فليتأمّل.
مسألة 4: كيفيّة أخذ الأرش بأن يقوّم الشيء صحيحاً، ثمّ يقوّم معيباً، و تلاحظ النسبة بينهما، ثمّ ينقص من الثمن المسمّى (1) بتلك النسبة، فإذا قوّم صحيحاً بتسعة، و معيباً بستّة، و كان الثّمن ستّة، ينقص من الثّمن اثنان و هكذا.
قوله مدّ ظلّه: «من الثّمن المسمّى».
على المعروف المشهور بينهم، و هو المقصود ظاهراً من «الإطلاق» الوارد في كلام جمع(1).
و ما في كلام الشيخ (رحمه اللَّه): «من أنّ ظاهر كلام جمع من القدماء- كأكثر النصوص توهّم إرادة قيمة المعيب كلّها»(2)انتهى، غير جيّد؛ فإنّ النصوص بين ما لا إطلاق له من هذه الجهة، و بين ما هو المنصرف إلى المتعارف.
نعم، قضيّة بعض الأخبار كخبر طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في رجل اشترى جارية فوطأها، ثمّ وجد فيها عيباً، قال: تقوّم و هي صحيحة، و تقوّم و بها الداء، ثمّ يردّ البائع على المبتاع فضل ما بين الصحّة و الداء»(3). هو الأخذ بقيمة المعيب بالنسبة إلى القيمة الواقعيّة.
إلّا أنّه معارض بصحيح زرارة السابق؛ لمكان قوله (عليه السّلام): «و يردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك الدّاء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(1).
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ المراد من قوله (عليه السّلام): «ثمن ذلك» ثمنه الواقعيّ، لا المسمّى، و لكنّه بعد انصرافه إليه يصير صالحاً للتقييد و لو كانا موجبين، كما لا يخفى.
و ربّما يناقش: بأنّ ما به التفاوت بالنسبة إلى المسمّى مطابق للعدل و الإنصاف، بخلاف الواقعيّ؛ ضرورة أنّه ربّما يلزم الجمع بين العوض و المعوّض، لأنّ أخذ الأرش بالنسبة إليه يستوعب أحياناً تمام الثمن، و هذا هو المراد من الجمع المذكور.
و فيه: أنّه مجرّد فرض، و إلّا فلو اتفق اختلاف لقيمته المسمّاة و الواقعيّة على هذا المقدار، يلزم سقوط الخيار و الأرش؛ لأنّه يكشف عن أنّ البيع مهاباتيّ مبنيّ على الأغراض الأُخر، فتدبّر.
هذا، و لو اتفق أن يكون الأرش قليلًا جدّاً فله الخيار، مع أنّ في موارد تقنين القوانين العامّة لا يلاحظ هذه الموارد النادرة؛ لالتزام المقنّن به نظراً إلى مصالح عامّة في التقنين الكلّي، كما في سائر المواضع، فاغتنم.
1) تقدّم في الصفحة 275.
و المرجع في تعيين ذلك أهل الخبرة، (1) و بالجملة: حيث إنّ العبرة بالقيمة يوم البيع و حال البيع، دون الأحوال الأُخر، كحال سقوط الخيار، أو حال مطالبة الأرش، أو حال الاطلاع، فقلّما يتّفق اختلاف القيمتين: المسمّاة، و الواقعيّة، إلّا بمقدار يتسامح فيه في مرحلة التقويم، فتدبّر.
و غير خفيّ: أنّ مقتضى الأُصول العمليّة هو الأقلّ، سواء كان الأرش ديناً، أو كان حقّا، أو كان تكليفاً. و ما عن العلّامة الخراسانيّ من استصحاب بقاء الحقّ إلى أن يعطي الأكثر، بعيد عن ساحته (قدّس سرّه)(1)مع أنّه لا يجوز للبائع أخذه؛ لأنّ المشتري يعطي على أنّه يستحقّه، و الأصل لا يثبت استحقاقه، فاغتنم.
كما أنّ مقتضى المحاكم العرفيّة و البناءات العقلائيّة، أيضاً ذلك. فاستفادة التعبّد الخاصّ تحتاج إلى تأكيد و تشديد، و إن كان أصل الأرش تعبّداً في صورة كونه في عَرْض الخيار، و لكنّ ذلك مؤيّد بالإجماع، مع ما عرفت منّا في ذلك، فراجع.
قوله مدّ ظلّه: «أهل الخبرة».
و كذا الشاهد الحاكي لنظر الخبرة، إلّا أنّ الشهادة تارة: تكون عن رأي الخبرة، و أُخرى: عن القيمة السوقيّة؛ للوثوق و الاطمئنان الحاصل
1) حاشية المكاسب، المحقّق الخراساني: 232.
و الأقوى اعتبار قول الواحد (1) الموثوق به من أهلها، و إن كان الأحوط اعتبار ما يعتبر في الشهادة من التعدّد و العدالة.
للشاهد من قول أهل الخبرة.
و قد صرّح الشيخ تبعاً لظاهر الأصحاب(1)باعتبار ما يعتبر في الشاهد من العدالة و التعدّد هنا(2)، و هذا أمر غير ثابت؛ لأنّ اعتبار العدالة و التعدّد في مطلق الشهادة محلّ إشكال، و قد مرّ شطر من البحث في حديث حجيّة شهادة البائع في كتابنا الكبير، فإنّها حجّة من غير اعتبار القيدين فيها.
و من هنا يظهر وجه ما في المتن آتياً: هو أنّ «الأحوط اعتبار ما يعتبر في الشهادة» و يظهر وجه النظر فيه.
قوله مدّ ظلّه: «اعتبار قول الواحد».
كما قوّاه جمع(3)، و منعه جمع(4)، و احتاط كثير(5)لأنّ المسألة مشكلة، ضرورة أنّ مقتضى البناءات العقلائيّة أعمّ، كما أنّ في موارد
1) الدروس الشرعية 3: 288، جامع المقاصد 4: 336، جواهر الكلام 23: 290.
2) المكاسب، الشيخ الأنصاري: 273/ السطر 2.
3) حاشية المكاسب، السيّد اليزدي 2: 103/ السطر 13، وسيلة النجاة 2: 45، القول في الخيارات، المسألة 36.
4) جامع المقاصد 4: 336، جواهر الكلام 23: 290، البيع، الإمام الخميني( قدِّس سرُّه) 5: 136.
5) الحدائق الناضرة 24: 148، و لاحظ العروة الوثقى 1: 46، فصل ماء البئر، المسألة 9، و ما علّقه الأعلام عليها.
خاصّة أيضاً يكفي ذلك، و منها نقل الفتوى، و قد تحرّر أنّ ما اشتهر من حجيّة قول الثقة في نقل الحكم، غير صحيح(1)لأنّ الثقة لا يحكي إلّا الموضوع، فإنّ زرارة لا ينقل إلّا قول الصادق (عليه السّلام) و هو موضوع من الموضوعات، كما لا يخفى.
و مقتضى ما هو الظاهر من الأصحاب و خبر مَسْعدة بن صدقة- فإنّ فيه «الأشياء كلّها على ذلك» أي الحلّية «حتّى يستبين لك ذلك، أو تقوم به البيّنة»(2)و من المقابلة يظهر عدم كفاية الخبر الواحد أنّ خبر أهل الخبرة و لو تعدّد غير كافٍ، إلّا إذا كان بيّنة، أو حصل الاستبانة و الوثوق و الاطمئنان الشخصيّ.
و حيث لا يمكن الاستدلال به؛ للزوم الدور، فيعلم كفاية خبر الثقة في نقل الأخبار، و لا يكون المراد من «البيّنة» حسب الظاهر إلّا الحجّة، و إلّا يلزم خروج مثل الاستصحاب و الإقرار، بل و خروج كثير من الموارد المحتاج إثباتها إلى الأكثر من البيّنة الواحدة الاصطلاحيّة، فتكون الرواية شاهدة على كفاية قول الثقة؛ و إن لم يحصل منه الاستبانة
و الاطمئنان، و إلّا فيكون من الحجّة الشخصيّة، فالرواية مضافاً إلى عدم دلالتها على ردع خبر الثقة، تدلّ على حجّية قوله.
و في خصوص الرجوع إلى أهل الخبرة بناء عمليّ «لولا ذلك لما كان للمسلمين سوق»(1)و في الأُصول بحوث حول هذا الخبر، و لا مزيد على ما حرّرناه هناك(2)فراجع، مع ما في سنده كما لا يخفى.
و احتمال اعتبار التعدّد أقوى من احتمال اعتبار العدالة؛ لإمكانه أوّلًا، إلّا إذا كان نفس الإسلام و عدم ظهور الفسق عدالة شرعيّة؛ و ذلك لما في خبر عبد اللَّه بن سليمان: «إلّا إذا شهد شاهدان أنّ فيه الميتة»(3).
و بالجملة: اتباع بناء العقلاء، بعد الحاجة إلى عدم الردع، مع قوّة وجود الاتفاق على الحاجة إلى البيّنة في مطلق الموضوعات إلّا ما خرج خصوصاً، مشكل.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الشكّ في وجود الرادع لا يكفي؛ إمّا لجريان الاستصحاب، أو لبناء من العقلاء، فافهم.
مسألة 5: لو تعارض المقوّمون في تقويم الصحيح أو المعيب أو كليهما، فالأحوط التخلّص (1) بالتصالح، قوله مدّ ظلّه: «فالأحوط التخلّص».
بلا شبهة، إلّا أنّ المسألة حيث تكون مندرجة في الأقلّ و الأكثر بحسب العادة، فيكون تعارض المقوّمين منتهياً إلى أنّ قول أحدهما يعيّن أنّ ما به التفاوت هو العشرون، و الآخر يزيد عليه شيئاً، و لو تساقطا فلا بدّ و أن نرجع إلى البراءة، و هي ربّما تعيّن الأقلّ، و لا شبهة في أنّ بناء العقلاء على الأخذ بالأقلّ؛ و ذلك إمّا لأنّه القدر المتيقّن من قولهما، فلا يتساقطان بالنسبة إليه بحسب المداليل المطابقيّة و الالتزاميّة، أو لبناء خاصّ على الأخذ بالأقلّ.
و توهّم المراجعة إلى حكم الحاكم، أو الأكثر، أو القرعة، أو غير ذلك ممّا يرى في كلمات القوم(1)، كلّه في غير محلّه بالضرورة، و لا وجه للقرعة في أيّة صورة كانت بعد كونها لأمر مشتبه، أو مشكل و مجهول.
نعم، في موارد التباين كما إذا قال أحدهما في مبادلة الحنطة بالعدس؛ بلزوم مقدار من الجنس الخاصّ؛ لما يرى من أنّه ما به التفاوت من الجنس المذكور، و لو كان من جنس آخر فما به التفاوت مقدار كذا، و قال الآخر على خلافه، و لا قدر متيقّن؛ لما ليست القيمة فيهما مورد النظر،
1) جواهر الكلام 23: 290، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 273/ السطر 12.
و لا تبعد القرعة، خصوصاً في بعض (1) الصور.
كما في كثير من القرى و القصبات، فربّما يشكل الأمر كما هو الواضح.
و اختلفت آراء القوم في المسألة، فذهب المعظم إلى الأخذ بكيفيّة(1)، و الشهيد و بعض آخر إلى كيفيّة ثانية(2)، و يحتمل الثالثة، و الكلّ غير تامّ؛ لما عرفت الأمر في أصل المسألة.
و فيما كانت المعاوضة بين الجنسين لا يثبت الأرش؛ لأنّه على خلاف الأصل، و أخبار المسألة مخصوصة بالبيوع بالأثمان، و لو صحّ إلغاء الخصوصيّة لصحّ ذلك بالأولويّة في خيار الغبن؛ لأنّ حقيقة خيار العيب راجعة إلى الغبن حسب العادة كما لا يخفى، فلا تخلط.
قوله مدّ ظلّه: «خصوصاً في بعض».
خلافاً لما صرّح به في الدرس: «من أنّه لا محلّ لها بعد تعيين الشرع بالبراءة عن الأكثر، أو استصحابِ نفي الاشتغال بالزائد»(3)اللهمّ إلّا أن يريد منه صورة المعاوضة، فتدبّر.
مسألة 6: لو باع شيئين صفقة واحدة، فظهر العيب في أحدهما، كان للمشتري (1) أخذ الأرش، أو ردّ الجميع، و ليس له التبعيض بردّ المعيب وحده.
قوله مدّ ظلّه: «كان للمشتري».
أي في صورة وحدة المشتري، فالمفروض أوّلًا في المتن وحدة البائع و المشتري، مع تعدّد السلعة. و في هذه الصورة فيما إذا كان الوحدة الاعتباريّة على حدّ يعدّ السلعة جزء الصفقة- كما إذا باعا منّاً من الحنطة، أو من البطّيخ فلا إشكال حسب القواعد، و لعلّ الأخبار أيضاً لا تأبى عن الشمول.
اللهمّ إلّا أن يقال: بظهورها في الوحدة الطبيعيّة أو التأليفيّة، و أمّا الوحدات الاعتباريّة التي تعانقها الكثرة الخارجيّة فلا، و لا سيّما بضميمة ما في أخبار بيع العبيد و الإماء، بعد كون الأخذ بالأرش على خلاف الأصل.
و أمّا فيما إذا كانت السلع و الأمتعة كثيرة عنواناً و استفادة و غرضاً، و قد اجتمعت في التعبير عنها في مقام المعاملة؛ نظراً إلى إجراء صيغة البيع مرّة واحدة، فإنّه لا يبعد انحلال البيع إلى البيوع، فيجوز التبعيض، و يظهر النظر من هنا فيما أفاد بقوله على الإطلاق: «و ليس له التبعيض بردّ المعيب وحده».
و أمّا إذا كانت الوحدة الاعتباريّة يجمعها العنوان الواحد- كمصراعي الباب، و الحذاءين، و نحوهما المجتمع في الأغراض الدخيلة في باب المعاملات؛ ضرورة أنّ الأغراض بحسب الطبع ملغاة، و أجنبيّة عنها صحّة
و لزوماً- فإنّه بلا شبهة لا يجوز التبعيض. و لا يبعد- إنصافاً شمول أخبار المسألة لمثل تلك الكثرة الفانية في الوحدة العرفيّة، فيثبت خيار العيب بالردّ أو الأرش.
و في صورة الشكّ في أنّ البيع ينحلّ أو لا- لأجل الجهات الخارجيّة فالتبعيض على خلاف الأصل، و عليه يحمل الإجماع المحكيّ عن جمع(1)على عدم مشروعيّة التبعيض. هذا ما هو الحقّ في هذه المسألة.
و أمّا توهّم: أنّ ردّ البعض دون بعض، من التصرّف و الحدث الموجب لسقوط الخيار(2)، فهو بعيد عن ساحة المتوهّم؛ لأنّ الحدث يوجد بعد الردّ أو بالردّ، فلا تغفل.
و توهّم: أنّ محطّ الخيار هل هو المجموع، أو المعيب(3)؟ فإنّه خلاف خارج عن التحقيق، و قد مرّ منّا: أنّ الخيار اعتبر للمتعاقد و البيِّع بالنسبة إلى حلّ العقد، و لا يرتبط بالعين، هذا في غير خيار العيب.
و أمّا فيه، ففي كونه من قبيل سائر الخيارات إشكال، و منعه بعضهم،
و كذا لو اشترك اثنان في شراء شيء، و كان معيباً، ليس لأحدهما ردّ حصّته خاصّة إن لم يوافقه شريكه (1)، على إشكال فيهما (2)، خصوصاً في الثاني.
و التفصيل يطلب من كتابنا الكبير(1).
قوله مدّ ظلّه: «لم يوافقه شريكه».
قد ظهر حكم المسألة ممّا مرّ في صور تعدّد المبيع و المشتري؛ بشرط أن يكون الجمع في مقام الإنشاء و البيع فقط، و كان كلّ مبيع لكلّ واحد منهما معيّناً و معلوماً، فإنّه تنحلّ الصيغة الواحدة إلى الكثير من غير لزوم الشركة.
نعم، في موارد الاشتراك كما هو مفروض المتن، فيشكل أصل ثبوت الأرش؛ لقصور في أدلّته كما أُشير إليه، و أمّا الخيار فهو ثابت، و حكم ذلك حكم الشريكين في اشتراء حيوان أو شيء فيه الغبن، و هكذا.
قوله مدّ ظلّه: «على إشكال فيهما».
أي في كون المشتري بالخيار بين الفسخ و أخذ الأرش في المسألتين، أو في عدم كونه ذا حقّ للتبعيض، و هو المقصود؛ لما في ذيله.
و قد عرفت: أنّ صور المسألة مختلفة، و في صورة عدم الانحلال لا معنى
1) تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، الجانب الرابع من المسقط الرابع من مسقطات خيار العيب.
للتبعيض، كما لا معنى له إذا وجد عيباً في متاعه، و كان واحداً، فإنّه ليس له إلّا الردّ أو الأرش، أو الردّ بالنسبة إلى البعض، و الأرش بالنسبة إلى البعض، فهو ممنوع اتفاقاً.
و دعوى: أنّ وحدة الخيار و تعدّده، تتبع وحدة وجوب الوفاء و تعدّده، فكما أنّه يجب على كلّ واحد منهما الوفاء في الصورة الثانية، و على المشتري بالنسبة إلى كل واحد من الشيئين، فلكلّ واحد منهما الخيار، و أخذ الأرش، و هكذا له بالنسبة إلى كلّ واحد من المتاعين، غير كافية:
فأوّلًا: للزوم التبعيض في صورة كون المتاع واحداً؛ ضرورة أنّ الوفاء واجب بردّ جميع الصبْرة إلى المشتري مثلًا، فلو ردّ بعضاً منها فإنّه و إن امتثل الأمر في الجملة عرفاً، إلّا أنّه لم يفِ بما هو مقتضى العقد، و لذلك لو رضي المشتري في هذه الصورة بالبعض يقسّط الثمن، و ليس هو بيعاً على حِدة، فتأمّل جيّداً.
و ثانياً: التزموا بوحدة الخيار للعامّ المجموعيّ في بعض المواقف، و لا يلتزمون بوحدة التكليف فيه إذا رضي الطرف، مثلًا إذا باع شيئاً، و كان له الخيار فمات، قال جمع: «بأنّ الخيار للمجموع، و لو لم يكن له الخيار و امتنع بعضهم عن التسليم، فعلى الآخرين تسليمه» فاغتنم.
نعم، لو رضي البائع يجوز و يصحّ التبعيض في المسألتين بلا إشكال. (1) و في المسألة) إن قلت قلتات (عقليّة لا يسعها هذا المختصر(1).
قوله مدّ ظلّه: «بلا إشكال».
و ربّما يشكل؛ لأنّ الأمر بيد الشرع لا بيده، فإن كان الخيار المجعول ثابتاً، فللمشتري إعماله سواء رضي البائع أم لم يرضَ، و إن لم يكن فلا تخيير بين الفسخ و الأرش.
و أمّا المراضاة على شيء، فهي ربّما ترجع إلى مبادلة ثانية، أو إلى الإقالة، أو المضيّ عن حقّ أو مال، و هذا أجنبيّ عن المسألة.
و لكنّه مندفع و لو كان الأرش على خلاف القواعد، كما هو الواضح.
هذا، و لو رضي البائع، و كان المشتريان شريكين في السلعة، فهل يثبت للشريك الآخر خيار؟ وجهان.
و أيضاً: هل يكون له الأخذ بالشفعة؛ بناءً على ثبوتها في مطلق الأمتعة، أو كان المتاع من قبيل ما فيه حقّ الشفعة، أم لا؟ وجهان:
من اختصاصه بالبيع و نحوه، كالوقف.
و من أنّ الردّ معاملة جديدة، أو بحكمها في المسألة، بعد قولهم بحقّ الشفعة في أشباه البيع، غير مثل جعله صداقاً أو فدية أو هبة، فتأمّل.
1) لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، أحكام الخيار، المسألة الثالثة من مسائل إرث الخيار.
فمن الأحكام المشتركة: أنّه إذا مات من له الخيار انتقل (1) خياره إلى وارثه؛ من غير فرق بين أنواعه.
قوله مدّ ظلّه: «انتقل».
بلا خلاف كما عن «الرياض»(1)و هو المستظهر من «الحدائق»(2)و في «الغنية» دعوى الإجماع على خصوص خيار المجلس(3).
و في «التذكرة»: «أنّ الخيار عندنا موروث؛ لأنّه من الحقوق- كالشفعة و القِصاص في جميع أنواعه»(4).
و يظهر منه (رحمه اللَّه (أنّ المسألة اتفاقيّة بين المسلمين؛ لاستثناء الشافعيّ فقط في خصوص خيار الشرط و المجلس(5).
و حيث إنّ المسألة عند أصحابنا مطابقة للقواعد و الكتاب و بناء العقلاء في الجملة، فلا ثمرة في الإجماع، و لا دليل على جبر النبوي المشهور: و هو أنّ «ما تركه الميّت من حقّ فلوارثه»(1).
و أيضاً: حيث إنّ مقتضى القاعدة صرف أموال الميّت في وجوه الخير، و بقاءَها في ملكه استصحاباً باطل شرعاً و عرفاً، و الإرث على خلافه، و بناءَ العقلاء غير وافٍ بجميع المطلوب، و لا سيّما في كثير من الخيارات غير الراجعة إلى جهة ماليّة، بل ربّما يتوهّم: أنّ مثل خيار المجلس و الحيوان ليسا عقلائيّين حتّى يورثا بحكمهم، فتأمّل فلا بدّ حينئذٍ من إطلاق و عموم يفي بتمام المقصود، فإن كان هناك دليل شرعيّ، يستكشف به حقّية الخيار و قابليّته للنقل؛ حسب قاعدة الملازمة بين الحكم المذكور و هاتين الجهتين عقلًا و عرفاً، كما قيل بها لكشف صحّة العقد المعاطاتيّ و غيره، بعد الاعتماد على العموم و الإطلاق المقتضيين للزوم العقد فهو، و إلّا فالأمر مشكل.
و لا يصلح للمرجعيّة هنا إلّا بعض آيات الإرث، دون عمومها، خلافاً لما
1) لم نعثر على هذه الرواية في كتب الأحاديث من العامّة و الخاصّة بعد الفحص عنها في مظانها، و لكن استدل بها صاحب الرياض. رياض المسائل 1: 527/ السطر 22.
في حاشية الفقيه اليزدي (رحمه اللَّه)(1)و من تلك الآيات قوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ ..(2)إلى آخر الآيات.
و يؤكّد إطلاقها قوله تعالى مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ(3).
و من المتروكات حقوق هي له، و المراد من «القلّة» و «الكثرة» أعمّ من كونه قابلًا بشخصه للتقليل و التكثير، أو غير قابل بشخصه، و لكنّه قابل بنوعه فليتدبّر.
و فيه:- مضافاً إلى قصورها عن شمول الأطفال و الصغار، بل الخناثى إذا كنّ طبقة ثالثة أنّه يلزم التخصيص الكثير، أو التخصيصات المستهجنة؛ لخروج كثير من الحقوق و جميع الأحكام المتروكة على أيّة حالة، و الرجوع إلى فهم العرف من الآية معنىً أخصَّ، يرجع إلى حصر الآية بما عليه بناؤهم، فلا يثبت لها الإطلاق الصالح للمرجعيّة عند الشكّ.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الخيارات التي فيها الحظّ و النصيب، تورث بحكم العقلاء و إمضاء الآية، و ما ليس فيها الحظوظ و الخيرات فلا تورث، و هذا التفصيل قريب جدّاً. و المراد من «النصيب» و «الحظّ» أعمّ من كونه
سبباً لإرجاع العين، أو كان يبذل بإزاء الإسقاط أو الأعمال شيء، كخيار الزوجة على الأراضي مثلًا، أو خيار غير الولد الأكبر في مورد الحبوة، و كخيار الأجنبيّ، فليلاحظ جيّداً.
و أمّا المشاكل الثبوتيّة في إرث الحقوق مطلقاً، أو في بعض الصور، كما يأتي في المسألة الأُولى(1)، فهي مندفعة بتفصيل في كتابنا الكبير(2).
و قد تبيّن في هذه الوجيزة: أنّ موضوع الحقّ هو ذو الخيار، و طرفه هو العقد، و ليس العقد متزلزلًا في زمان الخيار، و لا الملكيّة متزلزلة زائداً على معنى إمكان حلّه بمثل الإقالة، فلا مشكلة في البين؛ ضرورة أنّه لو مات الرجل و كان له دين، ينتقل إلى الورثة و لا يفوت، كذلك الحقّ المذكور، فليس متقوّماً به كي يتوهّم امتناع نقله؛ لأنّه عين الإضافة الفائتة بارتحال الرجل و موته.
بل الحقوق كالأموال طرف إضافة الملكيّة، و كالكلّيات الذميّة، و ليس الحقّ مقابل الملكيّة، فاغتنم.
و ما هو المانع عن إرث الأموال- لنقصان في الوارث، كالقتل و الكفر مانع عن هذا (1) الإرث أيضاً. كما أنّ ما يحجب به حجب حرمان و هو وجود الأقرب إلى الميّت يحجب به هنا أيضاً. و لو كان الخيار متعلّقاً بمال خاصّ (2) يحرم عنه بعض الورثة- كالأرض بالنسبة إلى الزوجة، و الحبوة بالنسبة إلى غير الولد الأكبر قوله مدّ ظلّه: «مانع عن هذا».
تحتاج هذه المسألة إلى إطلاق في المانعيّة، و هكذا في الثانية، و الصورة الثانية و إن كانت قريبة جدّاً، بل ربّما يصحّ عدّها من الضروريّات في الفقه، و لكنّ الاولى غير واضحة تطلب من كتاب الإرث.
قوله مدّ ظلّه: «متعلّقاً بمال خاصّ».
هذا خلاف التحقيق؛ فإنّ العقد ليس متعلّقاً بالمال، فضلًا عن الخيار؛ ضرورة بقاء العقد في الاعتبار عند تلف العين، بل العقد له العمل الخاصّ؛ و هو نقل العين، و ليس معنىً لتعلّقه بها زائداً عليه، و الخيار له العمل الخاصّ، و هو هدم العقد الذي عمل عمل النقل مثلًا.
فالحرمان من العين، لا يقتضي الحرمان من العقد بحرمانه من حقّ الخيار الذي يعدّ خطأ أو مسامحة عرفاً، متعلّقاً بوجه بالعقد، و إلّا فهو في الحقيقة غير متعلّق به؛ لامتناع كونه معدماً له، بل الخيار اعتبار وضعيّ ثابت للعاقد، و يستتبع تمكّنه من حلّ العقد.
فلا يحرم (1) ذلك الوارثَ عن الخيار المتعلّق به مطلقاً.
قوله مدّ ظلّه: «فلا يحرم».
على الخلاف.
و ثالث الأقوال: هو التفصيل بين كون ما يحرم الوارث عنه نقلًا إلى الميّت، أو عنه، فيرث في الأوّل، و هو المحكيّ عن الفخر(1)و الشهيد(2)و السيّد العميد(3).
و رابعها: عدم الجواز في تلك الصورة، و الإشكال في غيرها، كما هو المحكيّ عن صريح «جامع المقاصد»(4).
و في كلام الشيخ (رحمه اللَّه): «و لم أجد من جزم بعدم الإرث مطلقاً»(5).
و غير خفيّ: أنّ ثبوت الخيار للمحروم عن الأراضي و الحبوة، يستتبع تمكّنه من إرث المال على كلّ تقدير؛ لأنّه لو انتقل إليه ففسخ، يردّ إليه الثمن فيورَّث، و إن انتقل عنه فيسقط الخيار كي يرث من ثمنه.
اللهمّ إلّا في بعض الصور؛ و هو موارد المعاوضة بين الأراضي و الحبوات، و في بعض الوجوه الأُخر، فتدبّر.
و لأحد المنع، لا لأجل بعض الوجوه الاعتباريّة التسويليّة، بل لدعوى قصور أدلّة التورّث أو انصرافها عن مثل المقام؛ سواء قلنا: بأنّ التورّث هي نيابة الوارث مقام المورِّث في مقدار يرثه، أو قلنا: إنّ الموت سبب التورّث، كسببيّة البيع، فيكون نقل منه إليه به.
مسألة 1: لا إشكال فيما إذا كان الوارث واحداً، و لو تعدّد فالأقوى أنّ الخيار للمجموع (1)؛ بحيث لا أثر لفسخ بعضهم بدون ضمّ فسخ الباقين؛ لا في تمام البيع، و لا في حصّته.
قوله مدّ ظلّه: «للمجموع».
وفاقاً لجماعة ك «القواعد»(1)و ابنه «الإيضاح»(2)و «الدروس»(3)و «المسالك»(4)و لعلّه المعروف بين القائلين بتورّث الحقّ، خلافاً للعلّامة الخراسانيّ (رحمه اللَّه)(5).
و ربّما يشكل هنا من جهة لزوم تجزئة البسيط؛ لو كان لكلّ واحد حصّة، و لو كان للمجموع بما هو هو وجود اعتباري، فهو منصرفة عنه أدلّة الإرث.
و يمكن دفع التجزئة: بأنّ التكثير الخارجيّ ممنوع، و الاعتباريَّ جائز، و هو كافٍ.
اللهمّ إلّا أن يقال: لا بدّ في الاعتباري من الغرض الشخصيّ، أو النوعيّ الفعليّ، أو التقديري، و حيث لا أثر- كما يأتي لفسخ أحدهم بدون ضمّ الآخر، فلا وجه لاعتبار الكثرة.
و فيه: أنّ الصلح عليه في هذه الصورة جائز ظاهراً، مع أنّ لكلّ ذي حقٍّ الإعراضَ عن حقّه، فلو كان لعنوان واحد- و هو المجموع بما هو مجموع فلا يصحّ إعراضه شخصاً، بخلاف ما إذا كان بنحو التجزئة في نفس التورّث؛ و إن لم يكن أثر في فسخه على الإطلاق، كما يأتي إن شاء اللَّه تعالى.
و دعوى: أنّه في صورة الإعراض يلزم عدم ترتّب الأثر على فسخ الباقين، فيكون حقّهم بإعراضه لا حقّ، غير واضحة. بل خروجه عن المجموع، لا يضرّ بكون الباقين متلقّين حقّهم، كما في الإعراض عن حقّ التحجير.
هذا مع أنّ صيرورتهم بلا حقّ غير ممنوعة؛ بعد كون الانضمام دخيلًا في تأثير فسخ الكلّ، و امتناع لغويّة التجزئة ممنوع ثبوتاً؛ لأنّ اللغويّة في أصل الخطاب و الجعل هي الممنوعة عقلًا، لا في الإطلاق كما تحرّر.
و يحتمل أن يقيّد إطلاق دليل صحّة إعراضه بنفي الضرر، كما في موارد أُخر.
فكونه إرثاً للمجموع بما هو مجموع، أو لصِرْف الوجود، أو على نعت العموم الاستغراقيّ، بلا وجه، بل هو كسائر أملاكه يقسّط، إلّا أنّه لا أثر له إلّا بالانضمام، كما في تورّث المصراعين من باب واحد و أمثاله، فافهم و تأمّل.
مسألة 2: لو اجتمع الورثة على الفسخ فيما باعه مورّثهم، فإن كان عين الثمن موجوداً، دفعوه (1) إلى المشتري، و إن لم يكن موجوداً أُخرج (2) من مال الميّت. و لو لم يكن له مال، ففي كونه على الميّت، و اشتغال ذمّته به، فيجب تفريغها بالمبيع المردود إليه، فإن بقي شيء يكون للورثة، قوله مدّ ظلّه: «دفعوه».
في صورة كون الثمن من الأمتعة، أو ما له الخصوصيّة العقلائيّة. و أمّا النقود و لا سيّما) الإسكناس (فالأظهر عدم لزوم ردّ العين حتّى في صورة الاستدعاء و الطلب، و لا ينبغي ترك الاحتياط.
قوله مدّ ظلّه: «أُخرج».
من مال الميّت بعلاقة سابقة، و إلّا فالمتروكات للورثة، و لا مال له بمجرّد الموت، و الفسخ من الحين حسب المفروض، و يدخل المبيع في كيسهم. و كون العقد ممّا تسبّب به الميّت في نقل العين، لا يورث شيئاً إلّا الخيار المنتقل إلى الورثة، فإذا فسخوه يقع التبادل الرجعيّ بين العين و الثمن؛ من غير دخالة وحدة المخرج و المدخل.
بل المحرز عندنا جواز أن يشتري صديق لصديقه شيئاً؛ على وجه ينتقل المبيع من الابتداء إلى ملك الصديق المشترى له، و يخرج الثمن من كيس المشتري، و ما هو المشهور غير تامّ جدّاً، و إلّا يلزم دخول العين بعد الفسخ في ملك الميّت، و لا معنى لتورثّه؛ لأنّه مخصوص بما هو
و إن لم يفِ بتفريغ ما عليه يبقى الباقي في ذمّته، أو كونه على الورثة كلّ بقدر حصّته، وجهان أوجههما أوّلهما. (1) متروكه حين موته. و أمّا في المورد الخاصّ كالدية، فهو للنصّ.
و هذا الذي أُشير إليه، أحد الإشكالات على تورّث حقّ الخيار المحرّر تفصيله في كتابنا الكبير.
قوله مدّ ظلّه: «أوجههما أوّلهما».
بل الأوجه هو الثاني، و قد أُشير إلى وجه أوجهيّة الأوّل الراجع إلى إنكار تورّث العين بعد الفسخ؛ و صرفها في خيرات الميّت، و حيث إنّه ظاهر الفساد؛ لتعارف خلافه، و ضرورةِ رجوع العين من الابتداء إلى الورثة، يجب عليهم ردّ العوض.
نعم، إذا لم يكن لهم ما يفي بالعوض، و لم تكن لهم الذمّة، أو كانت محكومة بالحجْر على وجه لا يفي بديته بالنسبة إلى الطرف، يمكن دعوى عدم نفوذ فسخه؛ لكونه ضرريّاً، فتأمّل.
بل لو لم يكن في إعمال خياره إلّا انتقال العين إليه، و هي تعادل دينه بالنسبة إلى العوض، فترجع شخصاً إليه، أو عليه بيعها و ردّ الثمن إليه، ففي تورّث الخيار مناقشة علميّة و عقلائيّة، و تكفي الثانية و إن لم تتمّ الاولى.
قد فرغنا أيّام تسفير الحوزة، يوم السبت) 1396 (النجف الأشرف.
كتاب النكاح
مسألة 11: المشهور الأقوى جواز (1) وطء الزوجة دبراً قوله مدّ ظلّه: «المشهور الأقوى جواز».
بل عن «الانتصار» و «الخلاف» و «الغنية» و «السرائر» حكاية الإجماع عليه(1).
و عن «كشف اللثام» عن القمّيين، و ابن حمزة، و الشيخ أبى الفتوح الرازي، و الراوندي في «اللباب» و السيّد أبي المكارم(2)، و عن بعض آخر(3)، حكاية التحريم.
و لعل إجماع كتب الثلاثة الأوائل و لا سيّما «الخلاف» و «الغنية» غير الإجماع المصطلح عليه كما تحرّر(4)، فالشهرة قابلة للمنع، فضلًا عن
الإجماع. و المسألة لكونها روائيّة، لا تحتاج إلى شيء ممّا ذكر.
نعم، هو المشهور بين المتأخرين(1)، و عليه النصوص الكثيرة(2)، و فيها معتبر علي بن الحكم قال: سمعت صفوان يقول: قلت للرضا (عليه السّلام) إنّ رجلًا من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة، فهابك و استحيا منك أن يسألك.
فقال (عليه السّلام) «ما هي؟».
قال قلت: الرجل يأتي امرأته في دبرها؟
قال: «نعم، ذلك له».
قلت: و أنت تفعل ذلك؟
قال (عليه السّلام): «لا إنّا لا نفعل ذلك»(3).
مضافاً إلى إطلاق الآيتين فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ(4)، و قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ(5).
1) شرائع الإسلام 2: 214، جامع المقاصد 12: 497، الروضة البهيّة 2: 55/ السطر 7، جواهر الكلام 29: 107.
2) وسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 73.
3) تهذيب الأحكام 7: 415/ 1663، وسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 73، الحديث 1.
4) البقرة( 2): 222.
5) البقرة( 2): 223.
و الاستدلال بالأُولى يتمّ بالثانية، كما لا يخفى.
و المناقشة في الثانية؛ باختصاصها بالقُبُل؛ لأنّه «الحرث»(1)متأيّدة بما في معتبر معمّر بن خلّاد قال: قال لي أبو الحسن) عليه السّلام): «أي شيء يقولون في إتيان النساء في أعجازهنّ؟».
قلت: إنّه بلغني أنّ أهل المدينة، لا يرون به بأساً.
فقال: «إنّ اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل المرأة من خلفها، خرج ولده أحول، فأنزل اللَّه عزّ و جل نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ؛ من خلف أو قدّام، خلافاً لقول اليهود، و لم يعنِ: في أدبارهنّ»(2).
و بغيره ممّا ورد في تفسيرها(3).
و في الاولى بخبر ابن أبي يعفور الآتي، لا يوجب المنع و التحريم عقلًا؛ لإمكان التحليل بغير الآية.
نعم، فيه اشتراط الجواز بالرضا، قال: سألت أبا عبد اللَّه) عليه السّلام (عن الرجل يأتي المرأة في دبرها.
قال: «لا بأس إذا رضيت».
قلت: فأين قول اللَّه عزّ و جلّ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ؟! قال: «هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم اللَّه؛ إنّ اللَّه تعالى يقول نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ»(1).
و ربّما به يجمع بين شتات المآشير، و اختلاف الآيات؛ من حيث التفسير(2). و لو لا مخافة المخالفة، كان القول المزبور قويّاً حسب الصناعة.
و ربّما يظهر من بعض الأخبار- كمرسل الصدوق و نحوه التفصيل بين نساء الأُمّة و غيرهن؛ و يختصّ الحرمة بالأُولى: قال محمَّد بن علىّ بن الحسين: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «محاشّ نساء أُمّتي على رجال أُمّتي حرام»(3).
و بالجملة: قضيّة الأصل حرمة الوطء، إلا إذا قلنا: بأنّ جوازه- كجواز الوطء من القبل من مقتضيات العقد عرفاً، و لا يحتاج إلى الدليل الخاصّ. و لكنه مشكل، بل الظاهر خلافه فتأمّل.
على كراهة شديدة (1)، و الأحوط تركه، خصوصاً مع عدم رضاها.
قوله مدّ ظلّه: «على كراهة شديدة».
حملًا للنواهي الواردة(1)عليها؛ لأجل نصوص الجواز(2).
و في «التذكرة»: «ذهب علماؤنا إلى كراهة إتيان النساء في أدبارهنّ»(3).
و يمكن المناقشة في الكراهة: بأنّ الأدلّة المانعة ربّما تكون ظاهرة في الحرمة؛ لاشتمالها على كلمة «الحرمة»(4)فتكون هي معرضاً عنها. مع أنّ المحكيّ عن الشيخ (رحمه اللَّه): «أنّ أحداً من العامّة لا يجيز ذلك»(5)فتكون الأخبار المانعة محمولة على التقيّة، و لو أمكن الجمع العرفي.
هذا، و لنا إنكار الكراهة مع رضاها؛ فإنّ في مرسل أبان، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «هي لعبتك، فلا تؤذِها»(6).
و أمّا ما اشتهر بين أهل العصر، و عن الأطباء الحاذقين؛ من الضرر الكثير المؤدّي إلى اختلال نظام البدن و مزاجه، فهو مضافاً إلى عدم
1) وسائل الشيعة 20: 141، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 72.
2) وسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 73.
3) تذكرة الفقهاء 2: 576/ السطر 34.
4) وسائل الشيعة 20: 142 143، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 72، الحديث 2 و 5.
5) الاستبصار 3: 244.
6) الكافي 5: 540/ 1، وسائل الشيعة 20: 143، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 72، الحديث 4.
ثبوته غير مستوعب بالنسبة إلى جميع الأشخاص، و إلى جميع الأحوال، فلا وجه للمنع الكلّي.
نعم، لو ثبت في مورد فنحكم بحرمته؛ نظراً إلى ما اشتهر بينهم: من حرمة المضرّ، و هذا لا يخصّ بالدبر كما لا يخفى.
مسألة 12: لا يجوز (1) وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، قوله مدّ ظلّه: «لا يجوز».
حسب النصوص(1)، و الإجماعات المنقولة(2). و في معتبر الحلبي، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «إذا تزوّج الرجل الجارية و هي صغيرة، فلا يدخل بها حتّى يأتي لها تسع سنين»(3).
و أمّا التخيير الوارد في طائفة منها بين التسع و العشر(4)، فربّما يكون شاهداً على أنّ الحكم مبنيّ على الكراهة. و حملها على استحباب التأخير إلى العشر(5)، خلاف الظاهر من التخيير كما ترى.
و يؤيّد الكراهة، اشتمال طائفة أُخرى على ضمان الزوج(6)، و منها
1) وسائل الشيعة 20: 101، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45.
2) مسالك الأفهام 7: 67، كشف اللّثام 2: 54/ السطر 30، جواهر الكلام 29: 414، رياض المسائل 2: 76/ السطر 11.
3) الكافي 5: 398/ 2، وسائل الشيعة 20: 101، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، الحديث 1.
4) الكافي 5: 398/ 1 و 3، وسائل الشيعة 20: 101 102، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، الحديث 2 و 4.
5) لاحظ وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، ذيل الحديث 7، جواهر الكلام 29: 414، مستمسك العروة الوثقى 14: 79.
6) وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، الحديث 5 8.
معتبر حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: «من وطأ امرأتَهُ قبل تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن»(1).
و من الممكن التمسّك بهذه الطائفة من الأخبار على جواز الوطء دبراً؛ لظهور قوله (عليه السّلام): «حتى يأتي لها تسع سنين» في جواز الدخول بها مطلقاً، و إن كان إطلاقه ممنوعاً فتدبر.
و أمّا ما ورد في هذا الباب، عن غياث بن إبراهيم، عن عليّ (عليه السّلام) قال: «لا توطأ جارية لأقلّ من عشر سنين، فإن فعل فعيبت فقد ضمن»(2).
فهو أيضاً يؤيّد ما أبدعناه، و إلّا فلهم المناقشة فيه سنداً و دلالة؛ بحمله على الاستحباب، أو على أنّ المراد ابتداء العشر، فيكون الشرط- بناءً على هذا كونها بالغة، و كان الحكم من متفرعات حدّ البلوغ، كما لا يخفى.
و أمّا ما اشتهر من بعض أبناء العصر: من المناقشة في ضرب هذا القانون؛ و أنّه من المختصّات ببعض الأقطار العربيّة؛ لامتناع الصبايا و الفتيات عنه نوعاً، لضعف رشدهنّ، و يكون ذلك إضراراً بحقّهن، فهو مندفع: بأنّ الأمر مفوّض إليهنّ و إلى أوليائهنّ بعد الإكمال، و ليس فيه الإلزام
و الإيجاب. هذا مع إمكان انجبار ضعفهنّ بذلك، كما شوهد.
ثمّ إنّه ربّما يشكل الحكم؛ من أجل ما في «المنجد»: من أنّ «الجارية هي الأمة»(1)و ينحلّ بما في «الأقرب» من أنّها الفتيّة(2). و لا يبعد عموميّتها جدّاً على ما في بعض أخبار المسألة؛ من أخذ عنوان «المرأة»(3)كمعتبر حمّاد، عن الحلبيّ(4).
كما ربّما يمنع إطلاق الحكم بالنسبة إلى المدخول بها قبل الإكمال و شبهها؛ بدعوى الانصراف أوّلًا.
و بما في خبر طلحة بن زيد، عن عليّ (عليه السّلام) قال: «من تزوّج بكراً، فدخل بها في أقلّ من تسع سنين، فعيبت ضمن»(5).
و في معتبر حُمران، عن أبي عبد اللَّه) عليه السّلام (قال: سُئل عن رجل تزوّج
1) المنجد: 88.
2) أقرب الموارد 1: 119.
3) وسائل الشيعة 20: 102 103، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، الحديث 3 و 5 و 8.
4) تهذيب الأحكام 7: 410/ 1638، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، الحديث 5.
5) تهذيب الأحكام 7: 410/ 1639، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، الحديث 6.
دواماً كان النكاح، أو منقطعاً (1).
جارية بكراً لم تدرك ..(1)إلى آخره، فكأنّ الحكم كان مغروساً في خصوص غيرهنّ ثانياً و بأنّ الحكم كان بلحاظ ما يترتّب عليه من الفساد ثالثاً، فليتأمل جيّداً.
قوله مدّ ظلّه: «دواماً كان النكاح أو ..».
حسب إطلاق معاقد الإجماعات السابقة، و قيل: «في خصوصه الإجماع بقسميه»(2).
و لكنّ ذلك غير ظاهر عندي، و هو مقتضى إطلاق النصوص المشار إليها.
اللهمَّ إلّا أن يقال: بأنّ الأظهر منها كونها ناظرة إلى الدائمة؛ لما فيها من أقوالهم (عليهم السّلام): «حتّى يأتي لها تسع» فإنّه يومئ إلى طول المدّة، و هو خلاف المتعاهد، و لا سيّما في الصغيرة، بل متعة الصغيرة لأجل الاستمتاع، نادر جدّاً.
نعم، لا قصور في شمول الأدلّة لها من جهة الحكم الوضعيّ و الضمان، الآتي بتفصيل(3)إن شاء اللَّه تعالى، و لا منع من التفكيك جدّاً.
و أمّا سائر الاستمتاعات كاللّمس بشهوة، و الضمّ، و التفخيذ فلا بأس بها (1) حتّى في الرضيعة.
قوله دام ظلّه: «فلا بأس بها».
خلافاً للأصل، و وفاقاً لمقتضى العقد.
و لو استشكل في اقتضائه: بأنّ القدر المسلّم منه جواز الدخول قبلًا و التقبيل و الضمّ، دون مثل التفخيذ و نحوه، فيكون المعوّل استصحاب الحرمة الثابتة قبله.
هذا، و للمنع عنه مجال؛ لأجل الأخبار المانعة عن الاستمناء، الدالّة بإطلاقها على حرمته، و منها مرسلة علاء بن رزين، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: سألت عن الخضخضة.
فقال: «هي من الفواحش، و نكاح الأمة خير منه»(1)و خبر إسحاق بن عمّار(2)فراجع.
و لأجل ما ورد من الآثار السيّئة المترتّبة على الزنا و نحوه(3).
و بالجملة: و إن أمكن المناقشة في كلّ ذلك، و لكن جواز بعض
1) الكافي 5: 540/ 1، وسائل الشيعة 20: 353، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرّم و ما يناسبه، الباب 28، الحديث 5.
2) الكافي 7: 262/ 12، وسائل الشيعة 20: 352، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرّم و ما يناسبه، الباب 28، الحديث 4.
3) وسائل الشيعة 20: 307، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرّم و ما يناسبه، الباب 1.
و لو وطأها قبل التسع و لم يفضِها، لم يترتّب عليه شيء غير الإثم (1) على الأقوى.
الاستمتاعات غير المتعارفة، الخارجة عن اقتضاء العقد، محتاج إلى الدليل المرخّص.
قوله دام ظلّه: «لم يترتّب عليه شيء غير الإثم».
أمّا الإثم، فقد مضى في أوّل المسألة.
و أمّا غيره، فقد نسب(1)إلى «المقنعة»(2)و «النهاية»(3)بل و ابن إدريس(4)، حرمتها عليه أيضاً، و لعلّه مستند إلى بعض ما عندهما، أو إلى مرسل يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللَّه) عليه السّلام (قال: «إذا خطب الرجل المرأة، فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، فرّق بينهما، و لم
1) جواهر الكلام 29: 418.
2) لم نعثر عليه في المقنعة بل يظهر منه الحكم في صورة الإفضاء كما في باب ضمان النفوس من أبواب القضايا و الأحكام من المقنعة: 747، فلعلّ النسبة غير ثابتة كما يظهر من جواهر الكلام 29: 418.
3) لاحظ النهاية، الشيخ الطوسي: 453، و لكن قيّده بالتعيّب في الصفحة 481. ذكر السيّد علي و في رياض المسائل 2: 76/ السطر 16:« أنّ الشيخ رجع عن الإطلاق في النهاية إلى التقييد في الإستبصار كما في المهذّب» لاحظ الإستبصار 4: 294 ذيل الحديث 1111 و المهذّب البارع 3: 210.
4) السرائر 2: 530.
تحلّ له أبداً»(1).
و الإشكال عليه: «بأنّه- مضافاً إلى ضعف السند، و شموله لصورة عدم الإفضاء يدلّ على انتفاء الزوجيّة بمجرّد الوطء، على خلاف النصوص الآتية»(2)(3)انتهى، في غير محلّه؛ لذهاب «النهاية» المعدّة للأصول المتلقّاة إليه(4).
و لأنّ الإرسال عن بعض أصحابنا لا يضرّ؛ لظهور الجملة في أنّه من الفقهاء أو الثقات.
و لأنّها لا تدلّ على حصول الفراق قهراً، بل ظاهرها وجوب التفريق.
و أمّا شمولها لصورة عدم الإفضاء، فهو ليس وهناً بعد ذهاب العلمين إليه، و لا سيّما فيهما، مع عدم دعوى الإجماع على المسألة.
و بالجملة: عدم الحرمة مقتضى الأصل، و الحرمة مستندة إلى مثله.
و إن أفضاها- بأن جعل مسلكي (1) البول و الحيض واحداً، أو مسلكي الحيض و الغائط واحداً و توهّم معارضته(1)مع الخبرين الآتيين(2)، في غير محلّه كما يأتي.
و لأجل ذلك احتاط الأُستاذ البروجردي (قدِّس سرُّه) في المسألة(3)و ما يتراءى من استشمام الإجماع على عدم الحرمة في صورة عدم الإفضاء(4)، في غير محلّه أيضاً.
كما أنّ توهّم انجبار ضعف المرسل بعمل المشهور به(5)، في غير محلّه كما لا يخفى.
و على كلّ حال: تحتاج المسألة إلى مزيد تأمّل، و سيظهر بعضه.
قوله دام ظلّه: «بأن جعل مسلكي ..».
اختلفت كلماتهم في حقيقة «الإفضاء»(6)بعد معلوميّة المراد منه في
1) جواهر الكلام 29: 418، مستمسك العروة الوثقى 14: 81.
2) هما خبرا حمران و بريد بن معاوية، راجع وسائل الشيعة 14: 380 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها، الباب 34، الحديث 1 و 3.
3) العروة الوثقى: 695 كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 2،) المطبوع في سنة 1373 ق مع تعليقة المحقّق البروجردي).
4) مستمسك العروة الوثقى 14: 82.
5) جواهر الكلام 29: 418.
6) جواهر الكلام 29: 419.
الروايات؛ و هو الخلل الواقع بالمقاربة و الجماع في المجاري و المسالك، من غير أن تكون المقاربة بالدخول في القبل أو الدبر. اللهمّ إلّا أن يقال: بعدم معلوميّة الإطلاق في النصوص من هذه الجهة.
و ذلك الخلل هو أن تتداخل المجاري، سواء كان ذلك بالاتحاد، كما يتّفق نوعاً بين مسلكي البول و الحيض، أو بالتثقيب، كما يتّفق بين مسلكي الغائط و الحيض.
و أمّا إمكان الاتفاق بين مسلكي البول و الغائط، دون الحيض، فهو منفيّ في محلّه.
نعم، ربّما يتّفق اتحاد المسلكين في القدّام، و تجعل الثقبة بينه و بين الدبر.
و على كلّ حال: ما هو موضوع الحكم، مورد الخلاف جدّاً، و الخروج عنه بتعيين الواحد منها، في نهاية الإعضال، و يحتاج إلى الخرص و التخمين المنهي عنه.
نعم، القدر المتيقّن هي الصورة الأُولى، و هي المتعارفة إمكاناً. و يمكن إلحاق الثانية بها لغةً أوّلًا، و حكماً بالأولويّة ثانياً، كما يمكن دعوى أنّ المناط ما في معتبر حُمران الآتي، حيث قال) عليه السّلام): «قد أفسدها و عطّلها
حرم عليه (1) وطؤها أبداً، على الأزواج ..»(1)إلى آخره، و هذا الأمر في الثانية أولى من الاولى.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ المقصود هو الإفساد التشريعي؛ لقوله (عليه السّلام): «فعلى الإمام أن يغرمه ديتها ..» إلى آخره، و كون «الإفضاء» بمعنى الجماع- كما في «القاموس»(2)و نحوه(3)غير جيّد.
نعم، لا يبعد أن يكون بمعنى الانتهاء، و منه قوله تعالى وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ(4)فراجع.
قوله دام ظلّه: «حرم عليه».
على المشهور، و عليه حكاية الإجماعات المنقولة عن «الإيضاح»(5)و «التنقيح»(6)و «غاية المرام»(7)و أمثالها(8)، و هو المستظهر من
1) الفقيه 3: 272/ 1294، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 45، الحديث 9، و: 493، أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها، الباب 34، الحديث 1.
2) القاموس المحيط 4: 376.
3) المصباح المنير: 572.
4) النساء( 4): 21.
5) إيضاح الفوائد 3: 76.
6) التنقيح الرائع 3: 26.
7) جواهر الكلام 29: 416، مستمسك العروة الوثقى 14: 80.
8) مسالك الأفهام 7: 67، الحدائق الناضرة 23: 91.
«السرائر»(1)أيضاً.
و يمكن أن يستدلّ له بمعتبر حُمران، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: سئل عن رجل تزوّج جارية بكراً لم تدرك، فلمّا دخل بها اقتضّها فأفضاها.
فقال: «إن كان دخل بها حين دخل بها و لها تسع سنين، فلا شيء عليه، و إن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين دخل بها فاقتضّها، فإنّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج، فعلى الإمام أن يغرمه ديتها، و إن أمسكها، و لم يطلّقها حتّى تموت، فلا شيء عليه»(2).
و ذلك لمكان قوله (عليه السّلام) «فإنّه قد أفسدها» فإنّه الظاهر في التحريم، و المفروغ عنه أنّها تكون لغيره، و لكنّها معطّلة عليه؛ لمكان الإفضاء، و حيث أنّ الحرمة الأبديّة مستندة إلى الشرع، فعلى الإمام غرامة ذلك، دون الزوج.
و المراد من «الإمساك و عدم الطلاق» هو إبقاؤها في بيته بتحمّل نفقتها، فلا شيء على الإمام من التغريم.
و أمّا خبر بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السّلام): في رجل اقتضّ جارية- يعني امرأته فأفضاها. قال) عليه السّلام): عليه الدية، إن كان دخل بها قبل أن تبلغ
تسع سنين». قال: «و إن أمسكها و لم يطلّقها، فلا شيء عليه ..»(1)الحديث، فهو لا ينافي سابقه؛ لما أنّ عهدة الأداء على الإمام. مع ما في سنده من الإهمال؛ لوجود الحارث بن محمّد بن النعمان صاحب الطاق(2).
و أمّا ما عن «الجواهر»: من الاستدلال له(3)بخبر يعقوب بن يزيد(4)الماضي، فهو في غير محلّه كما ترى. و أغرب منه توهّم انجباره بالإجماع على أمر مقيّد(5).
و ربّما يشكل الأمر في أصل الحكم؛ لضعف الاستدلال المزبور، و لعدم تماميّة الإجماعات المحكيّة الموجودة في الكتب الأخيرة، و لظهور الروايتين- بناءً على ما فهمه المشهور في بقاء الزوجيّة، و هي تنافي التحريم الأبدي؛ لعدم مساعدة الاعتبار.
1) الكافي 7: 314/ 18، وسائل الشيعة 20: 494، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها، الباب 34، الحديث 3.
2) حيث لم يرد في حقّه مدح أو ذمّ في كتب الرجال، راجع رجال النجاشي: 140/ 363، رجال الطوسي: 179، باب الحاء من أصحاب الإمام الصادق( عليه السّلام)، و الفهرست، الشيخ الطوسي: 64/ 245.
3) مستمسك العروة الوثقى 14: 80، جواهر الكلام 29: 417.
4) الكافي 5: 429/ 12، وسائل الشيعة 20: 494، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها، الباب 34 الحديث 2.
5) لاحظ جواهر الكلام 29: 418.
لكن على الأحوط (1) في الصورة الثانية.
إلّا أن يقال: بحرمة الوطء فقط، دون سائر التمتّعات، و معاقدُ الإجماعات ساكتة عن ذلك، و هو القدر المتيقّن منها، و يساعده الاعتبار.
و لأجل هذا و ذاك احتاط الفقيه اليزدي(1)، بل المحكيّ عن «النزهة»(2)و «كشف اللّثام»(3)هو الحلّ. و من العجيب تقوية «الجواهر» ذلك!!(4).
قوله دام ظلّه: «على الأحوط».
و ذلك إمّا لأجل عدم ثبوتها من الإفضاء موضوعاً، أو لأجل عدم إطلاق لدليل المنع و التحريم، و ظاهره أنّ الحكم يستوي فيه العاصي و غيره في الصورتين.
و على أي حال: لم تخرج عن زوجيّته على الأقوى (1)، فيجري عليها أحكامها؛ من التوارث، و حرمة الخامسة، و حرمة أُختها معها و غيرها، قوله مدّ ظلّه: «على الأقوى».
وفاقاً لما عن «الشرائع» بل و «السرائر» و «الجامع» و غيرها(1)، و عن «كشف اللّثام»: «أنّه الأقوى»(2).
و هو قضية القواعد؛ لأنّ الخروج عنها بالتحريم غير ثابت. و ما ربّما يقال: بالتنافي العرفيّ(3)، قد أُشير إليه آنفاً؛ لإمكان منعه.
و لو كانت الحرمة مستوعبة لجميع أنحاء الاستمتاعات، فتكون أشدّ حرمة من الأجنبيّة أيضاً؛ لجواز النظر إليها للتزويج. و ذلك- نظراً إلى الآثار الخاصّة؛ من إيجاب النفقة و أمثالها رغم أنفه، و هذا و لو كان عن عمد و اختيار.
و ربّما يستدل عليه بالخبرين الممرور بهما(4)و هما معتبرا حُمران، و خبر بُرَيد(5).
1) مستمسك العروة الوثقى 14: 82، شرائع الإسلام 2: 214، السرائر 2: 530، الجامع للشرائع: 428، كشف الرموز 2: 110، الروضة البهيّة 2: 55/ السطر الأخير.
2) كشف اللّثام 2: 39/ السطر 32.
3) مستمسك العروة الوثقى 14: 82.
4) نفس المصدر.
5) وسائل الشيعة 20: 493 494، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها، الباب 34، الحديث 1 و 3.
و لكنّك عرفت: أنّ احتمال كون المراد من «الإمساك» هو الإبقاء في الدار و تحت العيلولة، كان قويّاً لولا ما في ذيل خبر بريد، و لكنّه لا يضرّ بعد ضعف سنده(1).
مع أنّ الظاهر من معتبر السّكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليهم السّلام (هو ذلك، و فيه: «أنّ رجلًا أفضى امرأة، فقوّمها قيمة الأمة الصحيحة، و قيمتها مفضاة، ثمّ نظر ما بين ذلك فجعل من ديتها، و أجبر الزوج على إمساكها»(2).
فإنّ الإجبار لا يتعلّق إلّا بالتكوين، و لا يسلب اختياره بالنسبة إلى الطلاق، كما لا يخفى.
و يمكن المناقشة في أصل الحكم: بأنّ اعتبار بقاء الزوجيّة بلحاظ الآثار الشرعيّة، ليس من الأُمور الاختياريّة، و العقلاء يعتبرون الزواج في محيط آخر؛ لأغراض أُخر، و لأجل ذلك منعنا جواز النكاح باعتبار رفع حرمة النظر؛ فإنّ ذلك من الأحكام الشرعيّة المترتّبة على الموضوعات العرفيّة، فليتدبر جيّداً و عندئذٍ تصير الحرمة ذاتيّة، لا عرضيّة كالحرمة حال الحيض.
و يجب عليه نفقتها ما دامت حيّة و إن طلّقها، (1) قوله دام ظلّه: «و إن طلّقها».
على خلاف الأُصول و ابن الجنيد(1)، و وفاقاً لجملة من الإجماعات المحكيّة عن جماعة(2).
و المهمّ معتبر الحلبيّ، عن أبي عبد اللَّه) عليه السّلام (قال: سألته عن رجل تزوّج جارية، فوقع بها فأفضاها.
قال: «عليه الإجراء عليها ما دامت حيّة»(3).
فدعوى السقوط بالطلاق(4)، غير مسموعة، و لا ينبغي عدّها منافي الإطلاق.
نعم، يمكن المناقشة فيه: بظهورها في غير الصغيرة؛ لخروجها عن المتعارف أوّلًا، و لانصراف «الجارية» إلى الكبيرة البالغة ثانياً.
1) حكاه عنه في جواهر الكلام و لاحظ أيضاً مختلف الشيعة: 525/ السطر 6 7.
2) لاحظ جواهر الكلام 29: 426، مستمسك العروة الوثقى 14: 84.
3) تهذيب الأحكام 10: 249/ 985، وسائل الشيعة 29: 282، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 44، الحديث 2.
4) و هي المحكيّة عن ابن جنيد الإسكافي كما في جواهر الكلام 29: 426، و مستمسك العروة الوثقى 14: 84.
بل و إن تزوّجت (1) بعد الطلاق على الأحوط، بل لا يخلو من قوّة.
قوله مدّ ظلّه: «بل و إن تزوّجت».
لما مر، و عليه حكاية الشهرة(1)، و خالفهم جمع ك «الإيضاح» و «الروضة» و ابن فهد(2)، و أمثالهم(3).
و استشكل القواعد فيه، معلّلًا بتعاليل غير لائقة(4)ضرورة أنّ زوال الزوجيّة لو كان مضرّاً بوجوبها، لكان الوجوب منتفياً و إن لم تتزوّج.
و أمّا تعطيلها على الأزواج، فهو مذكور في معتبر حُمران عند ذكر الدية.
و أمّا وجوب النفقة ثانياً على الزوج الثاني، فهو لا ينافيه؛ لأنّه وضعيّ. نعم لو كان تكليفيّاً صرفاً، و كان يجب الإكساء و الإطعام، فربّما يلزم المحذور مثلًا.
و من الغريب توهّم: أنّ ظاهر معتبر الحلبيّ، هو أنّ وجوب الإجراء مستند إلى الإفضاء، لا الزوجيّة(5)!! مع أنّ الموضوع مذكور في كلام
السائل، و الحكمَ في كلام الإمام (عليه السّلام)، فلا تخلط.
نعم، يمكن الإشكال في أصل الحكم أو في إطلاقه: بأنّ العرف ينتقل من إيجاب الإجراء، إلى أنّ هذا حكم مترشّح عن الإفضاء المنتهى إلى سقوط المرأة في جامعة الزواج، فلو كانت مزوّجة غير معطّلة على الأزواج، فلا مصلحة في الإجراء.
و بأنّ هذا حكم من قبيل الكفّارة، و إرغام لأنفه، فيكون في مورد الإفضاء بسوء الاختيار و العمد.
و يمكن دعوى: أنّ قوله (عليه السّلام): «عطّلها على الأزواج» أولى بأن يكون علّة لوجوب النفقة من وجوب الدية، فإذا تزوّجت فليست عليها النفقة، فتأمّل جيّداً.
و أمّا كون وجوب النفقة مطابقاً للاحتياط(1)، فهو ممنوع إلّا إذا طابت نفسه، و إلّا فعلى الزوجة ردّها.
1) العروة الوثقى 2: 811 812 كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 2.
و يجب عليه دية الإفضاء (1)؛ و هي دية النفس، فإذا كانت حرّة فلها نصف دية الرجل، مضافاً إلى المهر الذي استحقّته بالعقد و الدخول. (2) قوله دام ظلّه: «دية الإفضاء».
أمّا وجوب الدية؛ فلما مرّ من معتبر حُمران، و رواية ابن معاوية(1).
و أمّا أنّها دية النفس، فيأتي إن شاء اللَّه تعالى تفصيله في كتاب الديات من هذا الكتاب.
و يمكن المناقشة في أصل الحكم: بأنّ المستند لو كان الخبرين، فالحكم مقيّد بما إذا لم يمسكها، و قد أعرض عنهما المشهور. و أمّا التفكيك في الفقرات بحسب الحجّية، فربّما يكون خارجاً عن بناء العقلاء.
نعم، لو كان المستند هي الشهرة الفتوائيّة القديمة، فلا موقع للإشكال فيه إلا عند جمع من الأخباريين و بعض الأُصوليّين. مع أنّ في المسألة بعضَ نصوص أُخر تطلب من محلّها(2).
قوله دام ظلّه: «بالدخول».
اللهمَّ إلّا أن يمنع مدخليّة مثل هذا الدخول في تمام المهر.
و لو دخل بزوجته بعد إكمال التسع فأفضاها، لم تحرم عليه، (1) قوله دام ظلّه: «لم تحرم عليه».
للأصل و الاتفاق، و قد مضى وجه المناقشة في الحرمة قبل الإكمال.
و أمّا وجه المناقشة في الحلّية هنا، فهو أنّ الظاهر من قوله (عليه السّلام): «فإنّه قد أفسدها و عطّلها على الأزواج ..»(1)هو الإفساد التشريعيّ. و كون مورد التعليل التي لم تبلغ، لا يضرّ بذلك.
و أمّا قوله (عليه السّلام) في صدر معتبر حُمران- بعد فرض كونها غير بالغة «فلا شيء عليه» فهو ناظر إلى نفي الدية، فراجع و تأمّل.
و أمّا ما في ذيل رواية ابن معاوية: «و إن كان دخل بها و لها تسع سنين، فلا شيء عليه؛ إن شاء أمسك، و إن شاء طلّق»(2)فهو لا ينافي التحريم عندهم كما لا يخفى.
هذا مع أنّ تحريم الرشيدة البالغة بالإفضاء، أولى بالاعتبار من الصغيرة غير البالغة، فربّما يستظهر التحريم هنا بالأولوية، و اللَّه العالم بأحكامه.
و لم تثبت الدية (1)، و لكنّ الأحوط الإنفاق (2) عليها ما دامت حيّة، قوله دام ظلّه: «لم تثبت الدية».
حسب الاتفاق، و الأصل، و نصوص المسألة(1).
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مقتضى بعض المطلقات- مثل معتبر سليمان بن خالد(2)، و ما رواه «الفقيه»(3)ثبوت الدية مطلقاً، و خبرَ ابن معاوية غير نقيّ السند(4)، و معتبر حُمران لاشتماله على ما لا يقول به المشهور(5)غير محرز اعتباره.
قوله دام ظلّه: «الأحوط الإنفاق».
عملًا بما مرّ عن الحلبيّ(6). بل قضيّة ما سلف منّا فيه، اختصاصه
1) وسائل الشيعة 20: 493 494 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها، الباب 34، الحديث 1 و 3.
2) الكافي 7: 313/ 11، وسائل الشيعة 29: 370 كتاب الديات، أبواب ديات المنافع، الباب 9، الحديث 1.
3) الفقيه 4: 111/ 377، وسائل الشيعة 29: 330 كتاب الديات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 26، الحديث 1.
4) تقدّم في الصفحة 350، الهامش 2.
5) لاحظ جواهر الكلام 29: 426، العروة الوثقى 2: 811 812 كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 2.
6) تقدّم في الصفحة 340.
و إن كان الأقوى عدم الوجوب. (1) بالكبيرة على احتمال قوي(1)، و لا أقلّ من أنّ تقييده، يستلزم خروج الفرد الشائع، و لأجل ذلك احتاط كثير من المتأخّرين هنا(2)، و قيل(3): «تمايل إليه الشيخ في محكيّ الخلاف»(4).
قوله مدّ ظلّه: «عدم الوجوب».
وفاقاً للمعظم، و عليه حكاية المشهور القديمة. بل ربّما يظنّ كون المسألة إجماعيّة(5)، لولا أنّها معلّلة؛ لما في المسألة من الآثار، فإنّ الإطلاق المزبور ربّما كان مصبّه الصغيرة؛ لأنّها تحرم دونها، و الإجراء عليها و الإنفاق بمناسبة الإفضاء المنتهى إلى التحريم، حسبما يستفاد من مجموع الأخبار.
و أمّا توهّم نفي الوجوب؛ مستنداً إلى قوله (عليه السّلام) في صدر معتبر حُمران: «فلا شيء عليه»(6)فهو في غير محلّه؛ لأنّ في ذيله: «أنّها إذا كانت غير بالغة تسع سنين، فعلى الإمام تغريم ديتها» فالرواية غير ناظرة إلى
مسألة النفقة.
و لو كان لها الإطلاق، فلازمه نفي النفقة و لو كانت في حبالته، و الالتزام به و بالتقييد أبعد عن الواقع، و إلّا فالنسبة بين الإطلاقين إطلاق قوله (عليه السّلام) «فلا شيء عليه» و إطلاق معتبر الحلبيّ عموم من وجه كما هو الظاهر، و لو كان ترجيح فهو مع إطلاق معتبر الحلبيّ و إلّا فالمرجع هي الشهرة، أو هي المرجّح، أو الشهرة الفتوائيّة مرجع، و الروائيّة مرجّح، و هما هنا مع معتبر حُمران، و لأجل ذاك و ذلك أفتى بعض المتأخّرين بوجوبها(1)، و الآخر بعدمه(2).
و لو أمكن المناقشة في دلالة معتبر الحلبيّ؛ لاحتمال كون مورده «الجارية» و هي الأمة كما في «المنجد»(3)فتصبح مجملة من هذه الجهة، و تسقط عن الدلالة و المعارضة في هذه المسألة، كما ترى.
مسألة 13: لا يجوز (1) ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر قوله مدّ ظلّه: «لا يجوز».
كأنّ المسألة مقطوع بها، و لم يعهد نقل الخلاف فيها(1)، مع أنّها مستندة حسب الظاهر إلى أخبار مذكورة في كتاب النكاح(2)و الإيلاء(3)، و فيها معتبر صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام): أنّه سأله عن الرجل تكون عنده المرأة الشابّة، فيمسك عنها الأشهر و السنة لا يقربها، ليس يريد الإضرار بها، يكون لهم مصيبة، يكون في ذلك إثماً.
قال: «إذا تركها أربعة أشهر، كان آثماً بعد ذلك»(4).
و سيمرّ عليك بعض أخبار كتاب الإيلاء في فروع المسألة.
و المناقشة هنا غير ممكنة، إلّا بما يرى في المتن من الغلق في الجمل، مع الغلط النحويّ الذي يرى في قوله: «يكون في ذلك إثماً»(5)هذا مع أنّه لا دلالة لها على وجوب الوطء؛ لإمكان كفاية المضاجعة
1) جواهر الكلام 29: 115، مستمسك العروة الوثقى 14: 72.
2) وسائل الشيعة 20: 33، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 7.
3) وسائل الشيعة 22: 341 354، كتاب الإيلاء و الكفّارات، أبواب الإيلاء، الباب 1 و 2 و 5، الحديث 1 و الباب 8، الحديث 1 و 3 7، و الباب 9 و 10، الحديث 1 و 2 و 4، و الباب 11، الحديث 6.
4) تهذيب الأحكام 7: 412/ 1647، وسائل الشيعة 20: 140، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 71، الحديث 1.
5) بناءً على كونه على وزن« فعلًا» لا« فاعلًا».
إلّا بإذنها، (1) و الملاعبة و التفخيذ، و نحوها ممّا يجوز عندهم.
و غير خفّي: أنّ ما فيه الإضرار بها، هو تركها المستمرّ بترك المراودة، دون الوطء.
نعم، في أخبار الإيلاء ما يستدلّ به على هذه الجهة في المسألة، كما يأتي إن شاء اللَّه تعالى.
قوله مدّ ظلّه: «إلّا بإذنها».
بناءً على كون ذلك من حقوقها، و هو خلاف ظاهر معتبر صفوان.
نعم، قضية معتبر بكير بن أعين، و بريد بن معاوية، عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه (عليهما السّلام (أنّهما قالا: «إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته، فليس لها قول و لا حقّ في الأربعة أشهر، و لا إثم عليه في كفّه عنها في الأربعة أشهر، فإن مضت الأربعة أشهر قبل أن يمسّها، فسكتت و رضيت، فهو في حلٍّ و سعة، فإن ..»(1).
فإنّه مضافاً إلى ظهوره في المسألة السابقة، يدلّ على أنّ برضاها و بسكوتها لا يأثم. و احتمال اختصاص الحكم بذلك الباب، غريب جدّاً.
1) الكافي 6: 131/ 4، وسائل الشيعة 22: 342، كتاب الإيلاء و الكفّارات، أبواب الإيلاء، الباب 2، الحديث 1.
حتّى المنقطعة (1) على الأقوى.
قوله دام ظلّه: «حتّى المنقطعة».
خلافاً للمحكي عن «الجواهر»(1)و وفاقاً لإطلاق كثير من المتون(2)، و تنصيص جملة منها(3).
و السرّ في الإشكال؛ قصور معقد الإجماع عن شمولها، و الروايةِ المذكورة عنها أيضاً؛ لقوله: «تكون عنده المرأة الشابّة، فيمسك عنها الأشهر و السنة»(4)فإنّ الظاهر منه السؤال عن الدائمة.
مع أنّ الإطلاق المزبور سكوتيّ؛ يحصل من ترك الاستفصال، و هو غير محتاج إليه، بعد كون الغالب في السؤال المزبور هي الدائمة؛ لحرمة المتعة عند المخالفين.
هذا مع أنّ متن الحكم يناسب الدائمة، و فيه سياسة المنزل.
و المراجعة إلى أخبار الإيلاء و إن كانت تعطي العموم، و يمكن استفادة ذلك من تلك الأخبار و إن لم يجر الإيلاء في المنقطعة، إلّا أنّ
و يختصّ الحكم بصورة عدم العذر، و أمّا معه فيجوز الترك مطلقاً ما دام وجود العذر، كما إذا خيف الضرر (1) عليه.
الإنصاف خلافه. مع ما عرفت من المناقشة في أصل دلالة معتبر صفوان على حكم المسألة(1)، فلاحظ.
قوله مدّ ظلّه «كما إذا خيف الضرر».
لخروجه عن معقد الإجماع احتمالًا، فتجري البراءة عن وجوبه عند الخوف.
و أمّا التمسك بقاعدة نفي الضرر(2)، فهو في مورد أُحرز الضرر، و لا يكفي خوفه كما لا يخفى.
و هكذا التمسّك بقاعدة حرمة الضرر بالنفس(3)لأنّها كالجار.
هذا مع أنّ الوالد المحقّق- مدّ ظلّه من منكري قاعدة نفي الضرر و حكومتها على الأدلّة الأوّلية(4). و مع أنّ النسبة بين وجوب الوطء، و حرمة الإضرار بالنفس، عموم من وجه، و لا يبعد تقدّم الثاني.
و يمكن دعوى تقبيح العقلاء، الإقدام في الأُمور كلّها في صورة خوف
و من العذر (1) عدم الميل المانع عن انتشار العضو. و هل يختصّ الحكم بالحاضر، فلا بأس على المسافر و إن طال سفره، أو يعمّهما، فلا يجوز للمسافر إطالة سفره أزيد من أربعة أشهر، بل يجب عليه مع عدم العذر الحضور؛ لإيفاء حقّ زوجته؟ قولان: أظهرهما الأوّل (2)، لكن بشرط كون السفر ضروريّاً و لو عرفاً، كسفر تجارة، أو زيارة، أو تحصيل علم و نحو ذلك، دون ما كان لمجرد الميل و الأُنس و التفرّج، الضرر، و يكون الحكم عند الإصابة منجّزاً، فعليه لا تجري البراءة. اللهمَّ إلّا أن يقال: بجريان الشرعيّة منها، فليتأمّل جيّداً.
قوله دام ظلّه: «و من العذر».
كان ينبغي أن يقول: «ما دام وجود العذر، كعدم الميل. و من العذر خوف الضرر».
و بالجملة: مع عدم انتشار العضو، يكون معذوراً عقلًا. نعم مع التمكّن من النشر بالعلاج يجب، إلّا إذا استشكلنا في كبراها.
قوله مدّ ظلّه: «أظهرهما الأوّل».
و يكفي له قصور أدلّة المسألة؛ إجماعاً كان، أو رواية؛ فإنّ احتمال كون مورد السؤال هي الحاضرة قريب. و لو أمكن المناقشة في الثانية، فقد عرفت الإشكال فيها رأساً؛ و أنّ الحكم قوياً مستند إلى الإجماع.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ المراجعة إلى أخبار الإيلاء، تعطي- بكثرتها
و نحو ذلك على الأحوط. (1) أنّ الحكم عامّ، و لأجل ذاك و هذا، ذهب جمع من المعاصرين إلى عدم الفرق(1)، خلافاً للمحكيّ عن «كشف اللثام» حيث قيّد الحكم بحضور الزوج، و استدلّ له بالسيرة(2).
قوله دام ظلّه: «على الأحوط».
لأنّه القدر المتيقّن من الخارج عن معقد الإجماع بالسيرة، أو عن محطّ الرواية، فكأنّه- مدّ ظلّه استند إلى الإجماع و الرواية إطلاقاً، و إلى المخصّص اللبيّ، و إلّا فقصور أدلّة المسألة، ينتهي إلى الأخذ بالقدر المتيقّن؛ و هو الحاضر دون المسافر مطلقاً، و لذلك لا يرى هذا التفصيل في المسألة.
و يمكن المناقشة في السيرة العمليّة: بندرة الاتفاق، فلا يستكشف منها الإمضاء، فهي مردوعة بالرواية، و لا سيّما بعد سقوط الحكم برضا الزوجة، و خصوصاً إذا لم يكن يجب إلّا عند مطالبتها؛ لكونه من الحقوق.
و أمّا توهّم مردوعيّة السيرة بالرواية مطلقاً، فقد تقرّر في محلّه بطلان الدور، و لكن ردع السيرة الاغتراسيّة العمليّة، لا يتعارف بإطلاق رواية واحدة، فيعلم منه أنّ المقصود منها محصور في غير مورد السيرة،
و تفصيله في محالّه(1).
تنبيه: في تأييد التفصيل بين الشابّة و العجوز لو أمكن المناقشة في أصل الحكم، فهل ترك الوطء مطلقاً يجوز؛ قضاءً لحقّ الاستصحاب أو البراءة.
أم لا يجوز؛ لأنّه خلاف طبع النكاح أو الشرط الضمنيّ، و لأجل ذلك استشكل في نفوذ اشتراطه في ضمن العقد؟
أو يفصّل بين العقود حسب اختلاف حالات المتعاقدين؟
وجوه.
و كان ينبغي التفصيل بين الشابّة و الشائبة؛ لاختصاص مورد السؤال بالشابّة(2)، مع مساعدة الاعتبار، بعد كون الإجماع غير معلوم المعقد، و لو كان فهو معلّل بالرواية.
نعم، ربّما يستظهر عموم الحكم من أخبار الإيلاء أحياناً(3)فراجع.
و أمّا إجماع «الرياض» على التعميم(1)، فهو من شعب التمسّك بإطلاق معقد الإجماع، مع أنّ هذه الإجماعات لا تغني من الحقّ شيئاً.
و يؤيّد التخصيص ما في بعض الأخبار: من الخوف على زناهنّ(2)
روى الكليني بسنده عن محمّد بن جعفر عن بعض رجاله عن أبي عبد اللَّه( عليه السّلام) قال: من جمع من النساء ما لا ينكدح فزنا منهنّ شيء فالإثم عليه.
، فما عن «الجواهر» من نسبة القول بالتخصيص إلى القاصرين(3)كأمثال «الوسائل»(4)و «المفاتيح»(5)و «الحدائق»(6)في غير محلّه.1) رياض المسائل 2: 76/ السطر 22.
2) الكافي 5: 566/ 42، وسائل الشيعة 20: 141، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 71، الحديث 2. إليك نصّ الرواية:
3) جواهر الكلام 29: 116، مستمسك العروة الوثقى 14: 73.
4) لاحظ وسائل الشيعة 20: 140، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 71، حيث عنون عنوان الباب كذا: باب تحريم ترك وطي الزوجة الشابّة أكثر من أربعة أشهر و إن لم يكن الترك بقصد الإضرار و إن كان لمصيبة.
5) مفاتيح الشرائع 2: 290.
6) الحدائق الناضرة 23: 90.
مسألة 14: لا إشكال في جواز العزل- و هو إخراج الآلة عند الإنزال، و إفراغ المنيّ إلى الخارج في غير الزوجة الدائمة الحرّة، (1) قوله مدّ ظلّه: «في غير الزوجة الدائمة الحرة».
قاعدة و نصاً و إجماعاً(1)، و هو مقتضى كثير من المطلقات المذكورة في الباب «75»(2)و فيها معتبر محمّد بن مسلم. قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن العزل.
فقال: «ذاك إلى الرجل؛ يصرفه حيث شاء»(3).
و ربّما تدلّ هي على أنّ للمرء، صرفَ نطفته في أي مكان يريد، و منه الأرحام المحرّم عليه الدخول بها، فلو حملت منه الأجنبيّة بالآلات الحديثة صحّ، فتدّبر جدّاً.
و يمكن وقوع المعارضة بينه في مورد الحرّة المتمتّع بها، و بين معتبرة الثاني في الباب «76» عن أحدهما (عليهما السّلام): أنّه سئل عن العزل.
فقال: «أمّا الأمة فلا بأس، و أمّا الحرّة فإنّي أكره ذلك، إلّا أن يشترط عليها حين يتزوّجها»(4).
1) مستمسك العروة الوثقى 14: 68.
2) وسائل الشيعة 20: 149، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 75.
3) الكافي 5: 504/ 3، الفقيه 3: 273/ 1295، وسائل الشيعة 20: 149، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 75، الحديث 1.
4) تهذيب الأحكام 7: 417/ 1671، وسائل الشيعة 20: 151، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 76، الحديث 1.
و كذا فيها مع إذنها. (1) و يقيّد به الإطلاق الأوّل، فيكون الحكم في موردها مبنيّاً على التحريم، و عندئذٍ يرجع في التخصيص إلى الإجماع المحكيّ عن جماعة(1)، أو تنكر دلالته رأساً على الأزيد من الكراهة، أو يحمل على الكراهة الشخصيّة؛ برجوع الضمير في قوله (عليه السّلام) «حين يتزوّجها» إليه (عليه السّلام).
مع أنّها على خلاف القواعد؛ لأنّ الشرط على خلاف الكتاب، و تخصيص تلك الأدلّة به محلّ إشكال؛ لما قيل: «من إبائها عنه» فيكون هذا من الكراهة غير الاصطلاحيّة.
مع أنّ تقييد تلك المطلقات بهذه الواحدة، محلّ المناقشة، فتقع المعارضة، و تقييدها بها يستلزم خروج الفرد الشائع جدّاً، و لا سيّما مع صراحتها في الإطلاق، فليتأمّل جيّداً.
قوله دام ظلّه: «مع إذنها».
بناءً على كون الممنوعيّة في بعض الصور الآتية، مستندة إلى أنّه إضرار بحقّها عليه، و هو صريح معتبر ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السّلام) في
1) مستمسك العروة الوثقى 14: 68، الحدائق الناضرة 23: 86، مستند الشيعة 2: 472/ السطر 22، جواهر الكلام 29: 114.
حديث: «إلّا أن ترضى، أو يشترط ذلك عليها حين يتزوّجها»(1).
و الظاهر منهم عدم البأس بذلك مع رضاها حرمة و كراهة. و هذا هو مستثنى المروي عن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): أنّه «نهى أن يعزل عن الحرّة إلّا بإذنها»(2).
و إمكان المناقشة في كلّ واحد من الأدلّة، يوجب المناقشة في دليل المنع؛ لأنّ منع كونه حقّا، و منعَ حجيّة النبوي و لو كان في محلّه، و لكن منع خبر ابن مسلم الآتي الدالّ على الكراهة، يوجب سقوط الحرمة من رأس.
اللهمَّ إلّا أن يقال: إنّ لمحمّد بن مسلم في هذه المسألة، خبراً واحداً و إن رواه الأصحاب بطريقين(3)، و لا يوجد قوله (عليه السّلام): «إلّا أن ترضى» فيما رواه صفوان، عن العلاء، عنه، فإذا كانا خبراً واحداً، تقع المعارضة بين أصالة الزيادة و النقيصة، و لا سبيل عند العقلاء- على نعت الجزم إلى ترجيح أحدهما على الآخر، فيلزم بقاء الكراهة أو الحرمة بحالها و لو رضيت
أمّا فيها بدون إذنها، ففيه قولان، أشهرهما الجواز مع الكراهة، و هو الأقوى. (1) بذلك. و هذا هو المساعد للاعتبار، و لسائر الأدلّة المتخيّلة التي ربّما يستند إليها للتحريم.
قوله مدّ ظلّه: «و هو الأقوى».
خلافاً لما نسب(1)إلى «المقنعة»(2)و «المبسوط»(3)من الحرمة، بل الإجماع عليه في «الخلاف»(4)و وفاقاً لطائفة من الأخبار المطلقة الصريحة في الجواز(5).
و الدليل المقيّد ما رواه «الوسائل» في باب «76» بسند معتبر، عن محمَّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السّلام (الماضي(6)، فإنّه (عليه السّلام) استكره ذلك في الحرّة، و هي الظاهرة في الحرمة، و النبوي السابق.
و في الباب المزبور، عن يعقوب الجعفيّ قال: سمعت أبا الحسن (عليه السّلام) يقول: «لا بأس بالعزل في ستّة وجوه: المرأة التي تيقّنت أنّها لا تلد، و المسنّة،
بل لا يبعد عدم الكراهة (1) في التي علم أنّها لا تلد، و في المسنّة، و السليطة، و البذيّة، و التي لا ترضع ولدها.
و المرأة السليطة، و البذيّة، و المرأة التي لا ترضع ولدها، و الأمة»(1).
و يمكن إرجاعه إلى مفهوم القيد، إلّا أنّ مقتضى المفهوم ليس الحرمة؛ لأنّ البأس أعمّ منها، مع أنّ مفهوم القيد أيضاً غير ثابت.
مضافاً إلى عدم نقاوة السند من جهات، و لا يمكن توهّم انجباره بما مرّ، كما لا يخفى.
قول مدّ ظلّه: «عدم الكراهة».
أمّا عدم الكراهة في المذكورات؛ فلما عرفت، و عرفت المناقشة في سنده، فلا يصلح للإفتاء به بعد ما تقرّر: أنّ أخبار التسامح في أدلّة السنن(2)، لا تصلح للإفتاء على طبقها في المستحبّات و المكروهات(3).
و أمّا المناقشة في الكراهة كلا؛ فلما مرّ: من أنّ معتبر ابن مسلم، لا يدلّ على الكراهة الشرعيّة(4)لأنّها لا تجوز بالشرط، و قد عرفت
كما أنّ الأقوى عدم وجوب دية (1) النطفة عليه، و إن قلنا بالحرمة. و قيل: بوجوبها (2) عليه للزوجة، و هي عشرة دنانير. و هو ضعيف في الغاية.
حاله فيما سبق.
فعلى ما تحصّل إلى هنا: أمكن المناقشة في أصل مرجوحيّة العزل مطلقاً، فضلًا عن الحرمة.
و هل ما تعارف في العصر من تغليف العضو، يكون من العزل.
وجهان إن كان النظر إلى حقّ المرأة؛ و أنّها تستحقّ نزول الماء في رحمها، و أمثال ذلك من النكت السياسيّة المذكورة بعضها في المطوّلات.
قوله دام ظلّه: «عدم وجوب دية ..».
على المشهور بين المتأخّرين(1)، وفاقاً للأصل، و هو مقتضى كون الحكم مكروهاً، مع أنّ القول بالحرمة أيضاً لا يقتضي ذلك، فضلًا عمّا سلف من نفي الكراهة الاصطلاحيّة، على احتمال قوي.
قوله مدّ ظلّه: «و قيل بوجوبها».
و هو المحكيّ(2)عن جماعة من القدماء، كالشيخ، و القاضي،
و أبي الصلاح، و ابني حمزة و زهرة(1)، و إليه ذهب العلّامة في معظم كتبه(2)، و «كشف اللثام»(3).
و يحتمل الوجوب و إن قلنا: بالكراهة أو نفيناها رأساً؛ و ذلك لعدم التهافت بين الحكمين، و قد التزم جمع- في تأخير قضاء شهر رمضان إلى رمضان آخر بالكفّارة، و عدم الوجوب أيضاً(4)، و الدية مثلها لا تلازم حرمة الفعل.
و المهمّ في المسألة هي رواياتها، و فيها ما رواه «الوسائل» في باب (19) في أحكام ديات الأعضاء، و عن الكلينيّ (رحمه اللَّه (بأسانيده إلى «كتاب ظريف» عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: «جعل دية الجنين ..» إلى أن قال: «و أفتى) عليه السّلام (في منيّ الرجل يفرغ عن عرسه، فيعزل عنها الماء، و لم يرد ذلك، نصف خمس المائة؛ عشرة دنانير، و إذا أفرغ فيها عشرين ديناراً ..»(5).
1) الخلاف 4: 359، المسألة 143، المهذّب 2: 510، الكافي، أبو الصلاح الحلبي: 392، الوسيلة: 456، الغنية، ضمن الجوامع الفقهيّة: 559/ السطر 4.
2) إرشاد الأذهان 2: 5، قواعد الأحكام 2: 25/ السطر 11 و 336/ السطر 21، مختلف الشيعة: 815/ السطر 10.
3) كشف اللّثام 2: 54/ السطر 25.
4) العروة الوثقى 2: 231 233، كتاب الصوم، الفصل 13 في أحكام القضاء، المسألة 14 و 18.
5) الكافي 7: 342/ 1، وسائل الشيعة 29: 312، كتاب الديات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 19، الحديث 1.
و ما عن الشيخ في الصحيح، عن يونس، عن أبي الحسن (عليه السّلام) في «التهذيب»، في طيّ خبر طويل: «أفتى (عليه السّلام) في منيّ الرجل يفرغ عن عرسه، فعزل عنها الماء، و لم يرد ذلك، نصف خمس المائة؛ عشرة دنانير»(1).
و الظاهر أنّه مثل سابقه؛ في أنّ المراد من قوله (عليه السّلام): «لم يرد» أي لم تكن المرأة راضية بذلك، فالصحيح: «لم ترد» و قضيّتهما الدية و لو كان العزل جائزاً، و لذلك نسب إلى جمع الكراهة في المسألة السابقة، و وجوب الدية في هذه المسألة(2)، كما يظهر ممّا ذكرناه بالتأمّل.
و أمّا الخبر المروي في «العروة الوثقى»(3)فيمن أفرغ رجلًا عن عرسه، فهو أجنبيّ عن هذه المسألة.
و أمّا المناقشة في سندهما و لا سيّما في الأوّل، فهي تذبّ بما تحرّر منّا في «كتاب ظريف بن ناصح» و «يونس»(4)فراجع.
نعم، ربّما يحتمل كونه دية بعد المرافعة و فصل الخصومة؛ لقوله في الثاني: «قضى» و لأنّ المتراءى منهما صورة المخاصمة.
مسألة 15: يجوز (1) لكلّ من الزوج و الزوجة النظر إلى جسد الآخر؛ ظاهره، و باطنه، حتّى العورة، قوله دام ظلّه: «يجوز».
و هو قضيّة النكاح عرفاً، و عدّ من الضروريّات فقهاً(1)، و تواترت النصوص به(2).
نعم، عن ابن حمزة مخالفتهم في خصوص العورة- و هي الفرج حال الجماع(3)، و أمّا الدبر فلا نهي عنه؛ لاختصاص ما رواه الصدوق عن أبي سعيد الخدري في وصيّة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (لعليّ (عليه السّلام) بالفرج، حيث قال: «و لا ينظر أحدٌ إلى فرج امرأته، و ليغضّ بصره عند الجماع؛ فإنّ النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد»(4).
و مقتضاه حرمة النظر إلى فرج المرأة، و وجوب الغضّ عند الجماع، فلا يكون لابن حمزة الاستناد إليه إلّا بالتأويل، أو يكون الحكم و هو حرمة النظر الى الفرج مطلقاً مؤكّداً حال الجماع.
و ربّما يحمل على الكراهة؛ قضاءً لحقّ ذات الموضوع.
و قولِهِ (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (على ما فيها-: «فإنّ النظر إلى الفرج» فإنّه يناسب الكراهة.
هذا مع أنّ سنده إليه مذكور في «الفقيه» و فيه جماعة غير مذكورين، و بعضهم من العامّة(1)، و مع ورود معتبر سَماعة على جواز النظر إلى الفرج(2).
و ربّما يستظهر من بعض أخبار الباب، استحباب النظر إلى جسد المرأة؛ لقوله (عليه السّلام): «و هل اللذّة إلّا ذلك»(3)من غير ثبوت الكراهة حتّى بالنسبة إلى العورة.
نعم، في حال المجامعة يكره؛ لما في معتبر سماعة قال: سألته عن الرجل ينظر في فرج المرأة و هو يجامعها.
قال: «لا بأس به، إلّا أنّه يورث العمى»(4).
1) راجع مشيخة الفقيه 4: 113.
2) تهذيب الأحكام 7: 414/ 1656، وسائل الشيعة 20: 121، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 59، الحديث 3.
3) الكافي 5: 497/ 6، تهذيب الأحكام 7: 413/ 1652، وسائل الشيعة 20: 120، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 59، الحديث 1.
4) تهذيب الأحكام 7: 414/ 1656، وسائل الشيعة 20: 121، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 59، الحديث 3.
و كذا مسّ (1) كلّ منهما بكلّ عضو منه كلّ عضو من الآخر، مع التلذّد و بدونه.
قوله مدّ ظلّه: «و كذا مسّ».
لعين ما مرّ، إلّا أنّه لم يرد به النصّ.
و مقتضى الشبهة استصحاب الحرمة، و قضيّة إطلاقه جوازه بعد الموت أيضاً، و لكنّه لا يخلو من النظر.
و قضيّة الشبهة استصحاب الحلّية.
مسألة 16: لا إشكال (1) في جواز نظر الرجل إلى ما عدا العورة من مماثله، شيخاً كان المنظور إليه أو شابّاً، حسن الصورة أو قبيحها، إذا لم يكن مع تلذّد و ريبة. (2) قوله مدّ ظلّه: «لا إشكال».
لأنّه لو كان ممنوعاً لبان. و أمّا عدّه من ضروريّات الدّين كما عن «الجواهر»(1)، فلا يخلو من التأسّف، و ما هو منه هو جوازه في الحمّام، و القياس غير جائز، و لا سيّما في هذه الجهة.
قوله دام ظلّه: «ما لم يكن بتلذّذ و ريبة».
و أمّا معهما فالعبارة قاصرة، إلّا أنّ المقصود تحريم النظر، أو الاحتياط في المسألة، و يكون هناك نوع فرار من حكم المسألة على وجه دقيق؛ و ذلك لعدم دليل على الحرمة بعد اقتضاء الأُصول حلّيته إلّا الإجماع الآتي في المسألة الثامنة عشرة(2)إن شاء اللَّه تعالى، و يظهر هناك معنى «الريبة» أيضاً.
نعم، ربّما يصحّ دعوى وضوح الحرمة حسب ذوق الشريعة المطهّرة؛ فإنّه إذا حرم على الوجه المزبور إلى الأجنبيّة، و إلى النساء من غير الأُمّة الإسلاميّة، فهنا أولى بالحرمة بعد ذلك التحذير
و العورة (1) هي القبل و الدبر و البيضتان. و كذا (2) لا إشكال في جواز نظر المرأة إلى ما عدا العورة من مماثلها، و أمّا عورتها فيحرم أن تنظر إليها كالرجل. (3) العجيب، فدعوى مقطوعيّة الحكم هنا قوي جدّاً، و الفساد اللازم هنا احتمالًا أفحش شيء في الإسلام ظاهراً، حتّى عدّ من الكفر(1)و أفتى به الصدوق(2)، فليراجع.
قوله دام ظلّه: «و العورة».
تفصيل الكلام من هذه الجهة، يطلب من كتاب الطهارة، أحكام التخلّي، إن شاء اللَّه تعالى.
قوله مدّ ظلّه: «و كذا ..».
لما عرفت.
و قوله دام ظلّه: «و أمّا عورتها، فيحرم أن تنظر إليها كالرجل».
أي كما أنّ ذلك يحرم على المماثل، كذلك يحرم على غير المماثل.
و أمّا جواز نظر المرأة إلى مماثلتها مطلقاً كما يظهر من المتن، على
خلاف ما يستظهر من «العروة»(1)فهو في محلّ المناقشة؛ لإمكان أن يكون في نظر المرأة إلى مماثلتها، الثوران و الريبة إلى الفساد و المساحقة.
اللهمّ إلّا أن يقال: بعدم الدليل على حرمة مطلق النظر الريبيّ، كما لا يبعد.
ثمّ إنّ حكم حرمة النظر إلى العورة أيضاً، يطلب من أحكام التخلّي، إن شاء اللَّه تعالى.
1) العروة الوثقى 2: 802، كتاب النكاح، المسألة 28.
مسألة 17: يجوز (1) الرجل أن ينظر إلى جسد محارمه، ما عدا العورة، قوله دام ظلّه: «يجوز».
و لو كان محرّماً لبانت الحرمة بالضرورة، مضافاً إلى الإجماعات المحكيّة عن جماعة(1)، و يظهر من بعض الأخبار المرويّة في المسألة، مفروغيّة الحكم، و فيها قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السّلام): ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرّماً ..»(2).
و من الغريب ما حكي عن موضع من «القواعد» من المنع(3)، مع ما في عبارته من الإبهام!! و هكذا ما عن «التنقيح» من استثناء الثدي حال الرضاع!!(4)فراجع؛ فإنّ الأمر مريب.
نعم، احتمال الممنوعيّة بالنسبة إلى بعض الحالات و الشابّات و هنّ عاريات بتمام جسدهنّ ما عدا العورة، قوي، و يساعده الارتكاز، و ربّما يحمل عليه كلام العلّامة.
و ربّما لا يستثني الثدي جدّاً، و لا يكثر الابتلاء به إلى حدّ لو كان لبان، كما لا يخفى.
و كما يمكن الاستشهاد من قوله تعالى وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ ..(1)إلى آخره، لجواز النظر بالنسبة إلى المحارم، كذلك ليستشهد منه لممنوعيّته بالنسبة إلى ما هو المستور طبعاً حين المراودات في الخلوات؛ لخروجها عن حدّ الآية الشريفة أيضاً. و ما ورد في تغسيل المحارم مجرّدات، و يلقى على عورتهن خرقة(2)، لا يشهد على شيء(3)لاختلاف الحكم باختلاف الحالات في المقام جدّاً، كالقواعد منهنّ، فلا تخلط.
و أمّا خبر أبي الجارود المروي في «تفسير عليّ بن إبراهيم» فهو و إن يظهر منه المنع؛ لما فيه: «و أمّا زينة المحرّم، فموضع القلادة فما فوقها، و الدّمْلَج فما دونه، و الخَلْخال و ما أسفل منه ..»(4)الحديث، إلّا أنّه لا يفيد شيئاً؛ لأنّه مضافاً إلى عدم ثبوت سند له، و إلى ما في متنه من بُعده عن متون الأخبار غير معمول به.
و بالجملة: مقتضى الأصل هي الحلّية.
إذا لم يكن مع تلذّذ (1) و ريبة. و المراد «بالمحارم» من يحرم عليه نكاحهنّ من جهة النسب، أو الرضاع، (2) اللهمّ إلّا أن يقال: بالحرمة في الأعراض و النظر إليهنّ، و اللَّه العالم.
قوله دام ظلّه: «إذا لم يكن مع تلذّذ».
اتفاقاً(1)و احتمال اختصاص الإجماع بمورد الأجنبيّة، ساقط ظاهراً، و سيظهر الأمر إن شاء اللَّه.
قوله «أو الرضاع».
لو كان المستند ما اشتهر: «من أنّ الرضاع لحمة كلحمة النسب»(2)و لكنّه غير ثابت.
و أمّا قوله (عليه السّلام): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(3)فلا يقتضي حلّية ما أُحلّ بالنسب، كما لا يخفى.
و أمّا الإطلاقات العرفيّة على الأُمّهات الرضاعيات و الآباء الرضاعيّين فهي ليست على وجه الحقيقة بالضرورة، فكونهم آباءً أو
أو المصاهرة. (1) أُمّهات حتّى تشملهم الآية(1)، يحتاج إلى دليل حاكم، و ما في الأخبار من التعبير عن الأب الرضاعيّ ب «صاحب اللبن»(2)أيضاً يؤيّد ذلك، و لو لا كون الحكم مقطوعاً به عندهم، كان للمناقشة فيه مجال واسع.
قوله مدّ ظلّه: «أو المصاهرة».
و هو قضيّة الآية الشريفة(3)إجمالًا؛ لما فيها من استثناء بعولتهنّ و آباء بعولتهنّ و أبناء بعولتهنّ. و أمّا جواز النظر إلى أُمّ الزوجة و الربائب، فهو للاتفاق.
و ما يقال: «إنّ جميع المحارم محرّم» فهو ممنوع ظاهراً في المحرّم باللواط و الزّنا، على القول به.
و كذا يجوز لهنّ (1) النظر إلى ما عدا العورة من جسده.
هذا، و ربّما يناقش في دلالة الآية الثانية(1)على جواز النظر: بأنّها متضمّنة لجواز الإظهار على النساء، و هو أعمّ من جواز نظرهم إليهنّ؛ فإنّه من الممكن التفكيك كما في الرجال، فإنّه يجوز خروجهم عُراة عليهنّ، مع حرمة نظرهنّ إليهم، و هنا مراعاةً للتسهيل عليهنّ رخّص في ذلك.
نعم، ربّما ينافيه قوله تعالى وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ ..(2)إلى آخره، فإنّ الظاهر من «اللام» جواز نظرهم إليهنّ، كما لا يخفى.
و بالجملة: ليست المسألة ذات رواية حتّى يعتمد عليها؛ و تدل على عموم المدّعى، و لأجل ذلك استشكل فيها بعض الأخباريّين.
قوله دام ظلّه: «و كذا يجوز لهنّ».
لما مرّ في مسألة جواز نظرهم بعضهم إلى بعض(3)، و أمّا حكم العورة و موضوعها فيطلب من بحوث التخلّي و أحكامه.
و غير خفيّ: أنّ جواز نظرهنّ غير مقيّد حسب الفتوى بعدم التلذّذ و الريبة، إلّا أنّه محتمل؛ لما يترتّب عليه من الفساد و الافتتان أحياناً. نعم مقتضى الأصل جوازه.
مسألة 18: لا إشكال في عدم جواز نظر الرجل إلى ما عدا الوجه و الكفّين (1)؛ من المرأة الأجنبيّة، من شعرها و سائر جسدها، قوله دام ظلّه: «عدا الوجه و الكفّين».
إجماعاً مقطوعاً به، و مفروغاً عنه(1)، و يشهد له السيرة الالتزاميّة القطعيّة، و لعلّها إسلاميّة، و لا يخالفنا أحد من المخالفين؛ حسب ما يظهر من موضع من «التذكرة»(2)و ما عن «الجواهر»: «أنّه ضرورة من المذهب»(3)في غير محلّه.
و إليه تسوق جملة من الأخبار الآتية في فروعها. و لو أمكن المناقشة فيها سنداً أو دلالةً، على سبيل منع الخلو كما لا يبعد، و أمكن المناقشة في إطلاق معقد الإجماع: بأنّ القدر المتيقّن منه هو النظر و بتلذّذ و ريبة، كما يساعده الاعتبار، لأمكن تأييد ذلك بمعتبر عليّ بن سويد، قلت لأبي الحسن (عليه السّلام): إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها.
فقال (عليه السّلام): «يا عليّ لا بأس، إذا عرف اللَّه من نيّتك الصدق، و إيّاك و الزّنا؛ فإنّه يمحق البركة، و يهلك الدين»(4).
سواء كان فيه (1) تلذّذ و ريبة، أم لا.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ ما ورد في القواعد(1)، و ما ورد في جواز النظر حال الاضطرار(2)، و أمثال ذلك، كلّها دليل المنع الكلّي، و سيأتي زيادة توضيح حول صحيح ابن سويد(3)إن شاء اللَّه تعالى.
و أمّا الآية الشريفة(4)، فغاية ما تدلّ عليه بملاحظة ما ورد في نزولها(5)هي حرمة النظر أو وجوب الغضّ عند الريبة و التلذّذ. مع أنّ «الغضّ» ربّما يكون كناية عن صرف النظر عن النساء؛ بالمحافظة على فروجهم، و بعدم الاعتناء بتطلّباتها.
قوله دام ظلّه: «سواء كان فيه».
و يدلّ على ذلك مضافاً إلى ما أُشير إليه، ما ورد في جواز النظر الى شعور نساء أهل الذمّة و أيديهنّ(6)، و في جواز النظر إلى شعور نساء
1) وسائل الشيعة 20: 202، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 110.
2) وسائل الشيعة 20: 233، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 130.
3) يأتي في الصفحة 395.
4) النور) 24): 30، 31.
5) الكافي 5: 521/ 5، وسائل الشيعة 20: 192، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 104، الحديث 4.
6) وسائل الشيعة 20: 205، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 112.
الأعراب، و أهل السواد و العلوج، و المجنونة و المغلوبة(1).
و بالجملة: يدلّ عليه قوله (عليه السّلام) فيها «لأنّهم إذا نهوا لا ينتهون»(2)فإنّه يعلم منه كونه نهياً في أصل الشريعة، و هكذا ما ورد في عدم جواز النظر إلى شعر أُخت الزوجة(3)فراجع و تأمل، و قضيّة كلّ ذلك- حسب إطلاقها الممنوعيّة مطلقاً.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ الكلّ منصرف إلى صورة النظر بتلذّذ و ريبة، و خوفِ الفتنة و الفساد، و هذا لا ينافي حرمة السفور عليهنّ، و وجوبَ الحجاب بالنسبة إليهنّ بالضرورة.
و بالجملة: في موارد الاستثناء، لا يكون جواز النظر بريبة، مورده بضرورة عقول المتشرّعة و لو لم يكن عامّ واضح المرام يدلّ على المنع، و لكن يستفاد من القيود المأخوذة في هذه الطوائف، الممنوعيّة المطلقة، فليتدبّر جيّداً.
و كذا الوجه و الكفّان إذا كان بتلذّذ و ريبة (1).
قوله مدّ ظلّه: «بتلذّذ و ريبة».
إجماعاً. نعم يأتي من ذهب إلى جواز ذلك مرّة واحدة(1)، و أمّا مطلقاً فهو ممنوع عندهم، و هو مقتضى الأدلّة المانعة.
و دعوى: أنّ الوجه و أمثاله، القدر المتيقّن من تلك الأدلّة قريبة؛ فإنّه أولى بالمنع، و عليه يدلّ ما ضبطه أهل السير و التأريخ؛ من أحوال النساء المؤمنات في عصر النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (و عصر الأئمّة (عليهم السّلام (و كيفيّة تردّدهن.
نعم، هناك مطلقات، مثل الاستثناء في الآية الشريفة(2)، و الأخبار الواردة في الوجه و الكفّين و القدمين(3)فإنّ قضيّتها الجواز مطلقاً.
و لو أمكن المناقشة في دلالة الآية على الجواز في المسألة بأنّ الاستثناء هنا من قبيل الاستثناء في قوله تعالى وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً(4)فما يحلّ لهنّ إبداء زينتهنّ إلّا ما ظهر منها قهراً و طبعاً، لا أنّه يجوز الإبداء بالنسبة إلى ما ظهر، و سيظهر الكلام ذيل المسألة إن شاء اللَّه تعالى يمكن المناقشة في الإطلاقات المزبورة: بأنّها معرض عنها أوّلًا.
و أمّا بدونها (1) ففيه قولان، بل أقوال: الجواز مطلقاً، و عدمه مطلقاً، و التفصيل بين نظرة واحدة فالأوّل، و تكرار النظر فالثاني. و أحوط الأقوال أوسطها.
و بأنّ ما ورد من استثناء أيدي نساء أهل الذمّة(1)، معارض لها بمفهومها الثابت له عرفاً جدّاً ثانياً.
مضافاً إلى ما ورد من تجويز النظر إلى المجنونة و المغلوبة على عقلها ما لم يتعمّد(2)، فمع التعمّد لا يجوز فيهنّ، فضلًا عن غيرهّن ثالثاً.
و بالجملة: المسألة اتفاقيّة، و يقتضيها ذوق المتشرّعة، و يناسبها اهتمام الإسلام بسدّ ثغور الفساد، و لا سيّما في الأعراض.
و يدلُّ عليه معتبر ابن سويد الماضي، حيث قال) عليه السّلام): «إذا عرف اللَّه من نيّتك الصدق»(3)و مجرّد إمكان المناقشة فيما استقصيناه حسب الصناعة، غير كافٍ؛ لما يفهم العرف من المجموع، ما اختاره المجمعين إنصافاً.
قوله دام ظلّه: «و أمّا بدونها».
أقول: لهذه المسألة نظرتان:
الأولى: استفادة جواز النظر من السيرة أي النظر إلى ما كان الناس يبتلون به يوماً و ليلًا، و إلى ما في بعض الأخبار و الآثار المؤيّدة لهذه النظرة.
و هو أنّ المسائل المبتلية بها الأُمّة الإسلاميّة في أدوار حياتها الاجتماعيّة، إذا كانت من المحرّمات الإلهيّة، لا بدّ و أن يتبيّن حالها و حكمها في الشريعة؛ على وجه لا يشكّ فيه الاثنان؛ لأنّ الدعاة إليها كثيرون، و الأمّة الإسلاميّة يحافظونها على الأجيال التالية طبعاً، فعندئذٍ إذا رأينا أنّ مسألة النظر غير الشهوىّ، كانت ممّا يبتلي بها كافّة المسلمين المتدينين و غيرهم؛ في معاشهم و تجارتهم، و في محاوراتهم و معاشرتهم اليوميّة الرائجة بين الأقوام و القبائل، و لم تكن حرمة واضحة في الأخبار و الآيات؛ على حدّ النار على المنار، و الشمس في رابعة النهار، يتبيّن من ذاك و ذاك أنّ الجواز قطعيّ، و لو كان الشرع يهتمّ بتحريم ذلك، لأوضحه في الآيات المختلفة، و المآثير الواضحة، بعبارات ظاهرة.
فالإنصاف: أنّ الفقيه المتدبر في الوقائع الخارجيّة، و الترّددِ المتعارف بين العشائر و القبائل، و الأقوام و الأجيال، يجد أنّه لا مخلص من هذا الأمر؛ و أنّ مسألة النظر بلا شهوة و ريبة و تلذّذ، ما كانت مطرح الأنظار السالفة، و أنّ كلّ النظر كان حول تحريم النظر الباطل الخبيث، الذي
يجده الناظر من نفسه و وجدانه من غير حاجة إلى توضيح ذلك؛ ضرورة أنّ ما هو الممنوع وجداناً و خُلقاً، هو المحرّم شرعاً جدّاً.
و ربّما يؤيّده معتبر عليّ بن سويد السابق، الصريح في تجويز النظر مطلقاً؛ إذا عرف اللَّه من نيّته الصدق.
و حمله على الاضطرار للنظر بقصد العلاج(1)، أو على النظر الاتفاقيّ- كما في «الكشف»(2)و «الجواهر»(3)بلا وجه جدّاً؛ ضرورة أنّ ابن سويد ما كان معالجاً حسب تأريخ حياته، و كان النظر دأبه و عادته، من غير الاضطرار و لو كان معالجاً؛ لأنّ قوله: «إنّي رجل مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة» لا يناسب كونه طبيباً و معالجاً، فكأنّه كان ينظر إليها لأجل النيّات الصادقة، و تقوية الإيمان و التوحيد؛ حيث أنّها جمال اللَّه تبارك و تعالى.
و ما قيل: «إنّ الظاهر أنّه كان يتلذّذ بالنظر إليهنّ»(4)غير تامّ؛ لأنّ هذا ينافي وثاقته(5)، ضرورة معروفيّة هذا الحكم بين الأصحاب الأوّلين، بل
بين المسلمين.
ثمّ إنّ الظاهر من «الشرائع»(1)و «القواعد»(2)و كلّ من قيّد التحريم بقوله: «بالتلذّذ و الريبة»(3)أنّه يجوز النظر في غير هذه الصورة مطلقاً؛ من غير فرق بين النظرة الأولى و الثانية.
الثانية في أنّ القدر المتيقن حرمة النظرة الثانية بشهوة: إنّ مقتضى النظر إلى الأخبار الموجودة بين أيدينا، أنّ النظرة الأُولى و غيرها «سهم من سهام إبليس»(4)و ما ورد من التفصيل بين النظرة الأولى و الثانية(5)أيضاً، هو ممنوعيّة النظرة الثانية مطلقاً؛ سواء كان بتلذّذ و شهوة، أم كان بصدق و نيّة خالصة، فالقول بالجواز مطلقاً ينافيه الطائفتان.
و لكنّك عرفت فيما سبق حكم الطائفة الأُولى؛ فإنّها مع كثرتها غير نقيّة السند أو الدلالة. مع أنّ المنساق من إطلاقها هو النظر الخاصّ.
1) شرائع الإسلام 2: 213.
2) قواعد الأحكام 2: 3/ السطر 2.
3) لاحظ مستمسك العروة الوثقى 14: 30.
4) وسائل الشيعة 20: 190 192، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 104، الحديث 1 و 5.
5) وسائل الشيعة 20: 193 195، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 104، الحديث 8 و 11 و 13 و 14 و 15 و 17.
و هكذا الأمر في الطائفة الثانية؛ فإنّ منها ما في «الفقيه» قال: قال (عليه السّلام): «أوّل نظرة لك؛ و الثانية عليك و لا لك، و الثالثة فيها الهلاك»(1).
و منها: ما في «عيون أخبار الرضا (عليه السّلام)» عن آبائه (عليهم السّلام (قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): «من قتل حيّة قتل كافراً».
و قال: «لا تتبع النظرة النظرة، فليس لك يا عليّ إلّا أوّل نظرة»(2).
و هاتان غير نقيّتي السند؛ حسب ما تحرّر عندنا في مراسيل الصدوق مطلقاً.
نعم منها: ما رواه بإسناده عن ابن أبي عمير عن عبد اللَّه بن يحيى الأسدي الكاهليّ، قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السّلام): «النظرة بعد النظرة، تزرع في القلب الشهوة، و كفى بها لصاحبها فتنة»(3).
و هو قريب اعتباره عندنا، و إن لم يوثّق الكاهلي.
و لكنّ الشأن في دلالة هذه الأخبار على الحرمة و إن لم تكن
1) الفقيه 3: 304/ 1460، وسائل الشيعة 20: 193، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 104، الحديث 8.
2) عيون أخبار الرضا( عليه السّلام) 2: 65/ 284 و 285، وسائل الشيعة 20: 193، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 104، الحديث 11.
3) الفقيه 4: 11/ 3، وسائل الشيعة 20: 192، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 104، الحديث 6.
النظرة بشهوة؛ فإنّها ممنوعة جدّاً، فإنّ المستفاد منها أنّ النظرة الأولى- لكونها نوعاً فارغة عن النيّة الباطلة جائزة، و لكنّها في المرة الثانية، تلازم نوعاً تلك النيّة فتحرم، و أمّا فيما لم يكن النظر مقروناً بالنيّة الشيطانيّة، فهذه الأخبار غير ناظرة إليها جدّاً.
و في أخبار المسألة بعض الشواهد الأُخر، الناهضة على أنّ الأمر مبنيّ على الكراهة، و إن لم يقل بها أحد.
و ممّا ذكرنا يظهر وجه القول بالتحريم مطلقاً، و بالتفصيل بين الاولى و الثانية، كما ظهر وجه تحليل النظر الشيطانيّ في أوّل مرّة. و القدر المتيقّن هي حرمة الثانية، إذا كانت مقرونة بالتلذذ و الريبة.
ثمّ اعلم: أنّه ربّما يستفاد من أدلّة استثناء الوجه و الكفين(1)من عموم وجوب ستر المرأة نفسها، جواز النظر إليها؛ بدعوى الملازمة العرفيّة بين تجويز الاستثناء، و تجويز النظر على الرجال.
و من الغريب، خلط بعض الأفاضل بين أدلّة المسألتين(2)!! فإنّ مسألة وجوب الستر على المرأة، مذكورة في كتاب الصلاة، و مسألةَ حرمة
النظر إلى الأجنبيّة، معنونة في المقام، و أدلّة تلك المسألة غير أدلّة هذه المسألة.
نعم، بناءً على الملازمة العرفيّة، يمكن استظهار جواز النظر منها هنا.
و في آخر المسألة، لا بأس بذكر رواية عن الرضا (عليه السّلام) و لا يبعد اعتبارها في «قرب الإسناد» تشعر بجواز النظر إلى الوجه و الكفّين، قال: سألته عن الرجل، يحلّ له أن ينظر إلى شعر أُخت امرأته؟.
فقال: «لا، إلّا أن تكون من القواعد».
قلت له: أُخت امرأته و الغريبة سواء؟
قال: «نعم».
قلت: فما لي من النظر إليه منها؟
فقال: «شعرها و ذراعها»(1).
فإنّ الضمير في قوله «منها» يرجع إلى القواعد، و تجويز النظر فيها إلى الذراع، يشعر بأنّ الوجه و الكفّين كان يجوز، فتأمّل.
و قريب منه مرسلة ابن عبيد، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: قلت له: ما يحلّ للرّجل أن يرى من المرأة؛ إذا لم يكن محرماً؟
1) قرب الإسناد: 363/ 1300، وسائل الشيعة 20: 199، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 107، الحديث 1.
قال: «الوجه و الكفّان و القدمان»(1).
و ممّا ذكرناه مع إجماله، يظهر وجه استثناء الكفّين و الوجه و لو كان يجب عليهنّ التستّر، و لكنهنّ لا ينتهين في ذلك، و مع هذا لم يرد نصّ يمنع الرجال عن النظر صريحاً، بل ورد بعض الظواهر على جوازه(2)، فلا تخلط.
مسألة 19: لا يجوز للمرأة النظر إلى الأجنبي (1) كالعكس، قوله مدّ ظلّه: «النظر إلى الأجنبي».
مطلقاً حسب ما يظهر، و عليه يدلّ- بعد الإجماع عموم الحذف في الآية الشريفة(1).
و قال في «الرياض»: «تتحد المرأة مع الرجل، فتمنع في محلّ المنع، و لا تمنع في غيره إجماعاً»(2)انتهى.
و يناقش في الإجماع: بأنّه معلّل بالآية.
و في الآية: بأنّ عموم الحذف، ينتهي إلى المنع عن كلّ شيء، و هو كما ترى، فتكون الآية في موقف تحريم خاصّ بحسب محلّ النظر و الحال، و القدر المتيقّن منه هو الأجنبيّ؛ إذا كان في حال الشهوة و الريبة، فلا دليل على المنع المطلق حتّى نحتاج إلى استثناء الوجه و الكفين بدليل آخر.
هذا مع أنّ تحريم النظر كان يتّضح؛ لكثرة الابتلاء به، و مجرّد خبر عامّي يحكي قصّة عائشة و حفصة(3)، أو رواية أُخرى تحكي عن قضيّة
1) النور) 24): 31.
2) رياض المسائل 2: 74/ السطر 27.
3) عدّة من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبد اللَّه قال: استأذن ابن أُمّ مكتوم على النبيّ( صلّى اللَّه عليه و آله( و عنده عائشة و حفصة فقال لهما قوما فادخلا البيت، فقالتا إنّه أعمى، فقال: إن لم يركما فإنّكما تريانه. راجع الكافي 5: 534/ 2، وسائل الشيعة 20: 232، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 129، الحديث 1.
و الأقرب (1) استثناء الوجه و الكفيّن.
سيّدة النساء سلام اللَّه عليها في مورد ابن أُمّ مكتوم، وروده في البيت(1)
الجعفريات: 95، مستدرك الوسائل 14: 289، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح، الباب 100، الحديث 1.
، لا يكفي لحلّ هذه المشاكل بالضرورة.و من الغريب، دعوى جواز النظر إلى الوجه و الكفين من النساء دون الرجال؛ بتوهّم وجود الدليل(2)على الاستثناء هناك، لا هنا كما لا يخفى!! فإنّ الفقيه كلّ الفقيه، من يراجع السيرة السالفة، ويلا حظ الأخبار و الأحكام الإلهيّة بالقياس إليها، حتّى يتّضح له حالها.
قوله دام ظلّه: «و الأقرب».
لا مطلقاً حتّى بريبة و تلذّذ، و قد عرفت وجهه.
و يمكن دعوى جواز النظر للنساء و لو كان بتلذّذ؛ لأنّ التلذّذ نادر، و ربّما لا يبالي الشرع بالنادر.
كما أنّ التلذّذ الحاصل بالنظر و الاستدامة إذا كان متعارفاً يمكن
1) جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين عن أبيه أنّ فاطمة بنت رسول اللَّه( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم( استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبيّ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): لِمَ حجبته و هو لا يراك، فقالت: يا رسول اللَّه إن لم يكن يراني فأنا أراه و هو يشمّ الريح، فقال النبيّ( صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): أشهد أنّك بضعة منّي.
2) مستمسك العروة الوثقى 14: 26.
تجويزه في موارد جوازه، كما نسب إلى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)، فتخصّ ممنوعيّة النظر بما إذا قصد التلذّذ بالنظر، و هو المنسوب إلى ظاهر «الشرائع»(2).
مسألة 20: كلّ من يحرم النظر إليه يحرم مسّه، (1) قوله مدّ ظلّه: «يحرم مسّه».
و يدلّ عليه قبل الإجماع و في «الجواهر»: «لا أجد فيه خلافاً، بل كأنّه ضروريّ على وجه يكون محرّماً بنفسه»(1)انتهى الأخبار الكثيرة المتفرّقة، ففي أبواب غسل الميّت معتبر عبد اللَّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) يقول: «إذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته، و إن لم تكن امرأته معه غسّلته أُولاهنّ به، و تلفّ على يدها خرقة»(2).
و مقتضى ما ورد من جواز تغسيل المحارم بلا لفّ(3)، اختصاص اللفّ بالأولى غير المحارم.
و في أبواب مقدمات النكاح و فيه مرسلة ابن أبي نجران، عنه (عليه السّلام) قال: «و زنا الفم القبلة، و زنا اليدين اللّمس ..»(4)الحديث.
و في حديث المناهي: و قال (عليه السّلام): «و من صافح امرأة تحرم عليه، فقد
1) جواهر الكلام 29: 100.
2) تهذيب الأحكام 1: 444/ 1436، وسائل الشيعة 2: 518، كتاب الطهارة، أبواب غسل الميّت، الباب 20، الحديث 6.
3) وسائل الشيعة 2: 516 519، كتاب الطهارة، أبواب غسل الميّت، الباب 20، الحديث 1 إلى 5 و 7 و 8 و 9.
4) الكافي 5: 559/ 11، وسائل الشيعة 20: 191، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 104، الحديث 2.
باءَ بسخط من اللَّه عزّ و جلّ ..»(1)الحديث.
و في حديث عقاب الأعمال: قال: «و من صافح امرأة حراماً، جاء يوم القيامة مغلولًا، ثمّ يُؤمر به إلى النار ..»(2)الحديث.
و في معتبر أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: قلت له: هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرم؟
فقال: «لا، إلّا من وراء الثوب»(3).
و معتبر سَماعة بن مِهْران، قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن مصافحة الرجل المرأة.
قال: «لا يحلّ للرجل أن يصافح المرأة، إلّا امرأة يحرم عليه أن يتزوّجها؛ أُخت، أو بنت، أو عمّة، أو خالة، أو بنت أُخت، أو نحوها، و أمّا المرأة التي يحلّ له أن يتزوجها، فلا يصافحها إلّا من وراء الثوب، و لا يغمز كفّها»(4).
1) الفقيه 4: 8/ 1، وسائل الشيعة 20: 195، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 105، الحديث 1.
2) عقاب الأعمال: 334/ 1، وسائل الشيعة 20: 198، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 106، الحديث 4.
3) الكافي 5: 525/ 2، وسائل الشيعة 20: 207، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 115، الحديث 1.
4) الكافي 5: 525/ 1، وسائل الشيعة 20: 208، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 115، الحديث 2.
و في أبواب النكاح المحرّم في حديث عقاب الأعمال، عنه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (قال: «المرأة إذا طاوعت الرجل، فنال منها حراماً و قبّلها، و باشرها حراماً، أو فاكهها، أو أصاب منها فاحشة، فعليها مثل ما على الرجل، فإن غلبها على نفسها، كان على الرجل وزره و وزرها»(1)، ما ينفعك.
و في الباب السابق روايات تحكي كيفيّة بيعة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (و النساء(2)، و فيها أيضاً ما يشهد على الممنوعيّة، إن لم يكن ذلك من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (لما فيه من خوف يوجب الافتراق بلا طلاق.
و غير خفيّ: أنّ ما هو المقصود تحريم المسّ، و هذه الطوائف قاصرة، إلّا الأُولى و حديث عقاب الأعمال. و إمكان المناقشة في ذلك بعد اقتضاء الاعتبار تحريمه، و هو الموافق لمرتكز المتشرّعة، و لا عسر و لا حرج في ذلك في غير محلّه.
فلا يجوز (1) مسّ الأجنبيّ الأجنبيّة و بالعكس. بل لو قلنا: بجواز النظر إلى الوجه و الكفّين من الأجنبيّة، لم نقل بجواز مسّهما منها، فلا يجوز للرجل مصافحتها. نعم، لا بأس بها من وراء الثوب، لكن لا يغمز (2) كفّها احتياطاً.
قوله مدّ ظلّه: «فلا يجوز».
إلّا بدعوى انصراف أدلّة المنع حتّى الإجماع إلى مورد المسّ بتلذّذ و ريبة.
و كان ينبغي أن يقال: «فلا يجوز مسّها» حتّى يناسب التفريع ما يتفرّع عليه؛ فإنّ المصافحة أخصّ، لإمكان تحريمها خصوصاً، كما عرفت.
و بالجملة: نصّ في «الجواهر»(1)و أقرّ به الشيخ الأنصاري (قدّس سرّهما)(2)، على أنّ الملازمة ممنوعة، و في المحكي عنه: «إذا حرم النظر حرم اللّمس قطعاً، بل لا إشكال في حرمة اللّمس و إن جاز النظر؛ للأخبار الكثيرة»(3)انتهى.
و مراده من الأخبار الكثيرة، لا بدّ و أن تكون الطائفة الأُولى. إلّا أنّ تحريمه على إطلاقه محلّ إشكال، فتدبّر جدّاً.
قوله مدّ ظلّه: «لا يغمز».
أي لا يجسّها و لا يكبسها باليد، و قد مرّ في الأخبار ما يدلّ عليه
بالأولويّة(1).
و يظهر من طائفة منهم حسب إطلاقهم، جواز المسّ من وراء الثوب عند غير الضرورة، بل و لو كان فيه الريبة و التلذّذ(2)، و يحتمل مفروغيّة الممنوعيّة من هذه الجهة، إلّا أنّ إطلاق معتبر أبي بصير يسدّها(3)، فتأمّل.
1) وسائل الشيعة 20: 207 و 208، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 115، الحديث 1، و في الحديث 2 من ذلك الباب صرّح بذلك حيث قال: .. فلا يصافحها إلّا من وراء الثوب و لا يغمز كفّها.
2) لاحظ العروة الوثقى 2: 804، كتاب النكاح، المسألة 40.
3) الكافي 5: 525/ 2، وسائل الشيعة 20: 207، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 115، الحديث 1.
مسألة 21: لا يجوز النظر إلى العضو المبان (1) من الأجنبيّ و الأجنبيّة، قوله مدّ ظلّه: «إلى العضو المبان».
على المعروف بين المتعرّضين. و في القواعد استشكل في الحكم(1)، و في كلام الشيخ المناقشة في استصحاب الحرمة الثابتة في ظرف الاتصال؛ بدعوى تعدّد الموضوع، فإنّ موضوع المنع «المرأة» و هو غير صادق على الجزء المنفصل، فالمرجع أصل البراءة(2).
و يمكن دعوى كفاية الأدلّة الاجتهاديّة المانعة؛ ضرورة أنّ المحرّم هو النظر إلى الجسم و المادّة، لا التي عرضته الروح الإنسانيّة، و لذلك لا يجوز بعد الموت.
و أيضاً: يكون حكم التحريم تحليليّاً؛ حسب الأعضاء و الأجزاء، فلا يجوز النظر إلى كلّ جزء من بدن الأجنبيّة و الأجنبيّ، فلا يجوز النظر إلى اليد و الرجل و البطن؛ لأنّ الجثمان ليس موضوع التحريم على نعت العموم المجموعيّ بالضرورة، و لا على وجه الارتباط بين الأجزاء، حتّى يكون المحرّم هو النظر إلى اليد إذا صاحبه النظر إلى سائر الأجزاء، فالحكم الثابت بالدليل الاجتهادي، ينحلّ في نظر العرف إلى الأحكام المتعدّدة بتعدّد الأجزاء، و يكون باقياً بقائها.
و أمّا قضيّة الاستصحاب، فالحقّ أنّ جريانه محلّ إشكال، لا لما في كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)، كي يتوجّه إليه: أنّ الموضوع الاستصحابيّ باقٍ عرفاً، و إن كان موضوع الدليل غير باقٍ.
بل لأنّ الحكم الثابت للجزء، إن كان حكماً مستقلا في ظرف الاتصال، فهو باقٍ، و لا تصل النوبة إلى الاستصحاب، و إن كان حكماً ضمنيّاً، فلا يعقل بقاؤه و احتمال بقائه؛ لأنّه تابع الكلّ، كبقيّة موضوعه له.
مثلًا: إذا حرم النظر إلى البيت فخرب، فإنّ النظر إلى الجزء المبان من البيت، لا يثبت حرمته باستصحاب حرمة النظر الثابتة في ظرف الاتصال؛ لأنّ هذا الجزء المبان، ما كان بما هو مورد التحريم حتّى يحتمل بقاؤه، و لو كان كذلك فلا يحتاج إلى الاستصحاب. و من هنا يظهر حكم استصحاب نجاسة الجزء المقطوع من الكلب و أمثاله، فلا تخلط. هذا كلّه بحسب الصناعة.
و هناك دعوى: أنّ انحلال التحريم يخصّ بصورة الحياة أو الاتصال؛ اتكالًا على فهم العرف، فتصير الأدلّة الاجتهاديّة قاصرة عن التحريم، و تكون البراءة معوّلًا.
1) النكاح، الشيخ الأنصاري: 69.
و الأحوط (1) ترك النظر إلى الشعر المنفصل. نعم، الظاهر أنّه لا بأس بالنظر إلى السنّ و الظّفر المنفصلين.
و ربّما يؤيّد ذلك، إطلاق ما ورد من جواز وصل شعر غيرها بشعرها(1)، مع الملازمة العرفيّة و العاديّة بين ذلك و بين نظر الزوج و لمسه؛ ضرورة اطلاعهم عليه بأخبارهن به نوعاً، فتُرك الاستفصال كما يأتي في الخبرين الآتيين، و الإطلاق اللفظي و المقامي يعضدان الحلّية، و اللَّه من وراء القصد.
قوله مدّ ظلّه: «و الأحوط».
خلافاً للأكثر(2)، و وفاقاً لبعضهم(3). و في «الجواهر» ما يومئ إلى أنّه لا ينبغي الإشكال في جواز النظر إلى مثل الظفر و السنّ، و كذا الشعر(4)، و في كلام الشيخ الأنصاري التصريح بذلك(5).
و ربّما يمكن أن يوجّه الاحتياط و الإشكال: بأنّ الشعر لا يقاس بسائر الأعضاء؛ فإنّ فيه التحريك، و لا سيّما في صورة الاطلاع على أنّه من الأجنبيّة المعلومة الكذائيّة.
1) وسائل الشيعة 20: 187، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 101.
2) تذكرة الفقهاء 2: 574/ السطر 35، جواهر الكلام 29: 100، النكاح، الشيخ الأنصاري: 69، العروة الوثقى 2: 638، كتاب النكاح، المسألة 45.
3) جامع المقاصد 12: 46، إيضاح الفوائد 3: 10، مستند الشيعة 2: 473/ السطر 17.
4) جواهر الكلام 29: 100.
5) النكاح، الشيخ الأنصاري: 69.
و بأنّ الأدلّة الخاصّة، تدلّ على المنع عن النظر إلى شعورهنّ(1)فإنّ الترخيص في شعور نساء أهل الذمّة(2)، في مورد المنع عن غيرهم، و قضيّة إطلاقها المنع حال الانفصال و لو كان متّصلًا بشعر المرأة المحلّلة أو المحرّمة فعلى هذا يتعيّن المنع.
و حيث ورد في الأخبار ما يقتضي الجواز حال الانفصال و لو كان متّصلًا بشعر آخر(3)، و تكون هي غير نقيّة السند، و يحتمل انجبار ضعفها بالعمل، احتاط المصنّف في المسألة.
و من تلك الأخبار، ما رواه الشيخ بسنده عن ثابت بن سعيد الذي لم يثبت وثاقته، قال: سُئل أبو عبد اللَّه (عليه السّلام) عن النساء تجعل في رؤوسهنّ القرامل.
قال: «يصلح الصوف و ما كان من شعر امرأة لنفسها، و كره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها، فإن وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها،
فلا يضرّها»(1).
و منها: خبر «مكارم الأخلاق» عن سليمان بن خالد(2)، و هو قريب منه.
و ربّما يمكن دعوى دلالتهما على المنع؛ لعدم إباء مفهوم «الكراهة» عن الإطلاق على الحرمة، فلا يكون قرينة على خلاف ما ثبت بالأخبار الأُخر المشار إليها.
و لأنّ قوله: «لا يضرّها» و في خبر ابن خالد: «فإن وصلت شعرها بصوف أو شعر نفسها، فلا بأس به» يدلّ بالمفهوم على الضرر و البأس المؤيّد لما سبق.
و لكن بعد اللتيّا و التي، إثبات المنع ممنوع بما مرّ؛ لأنّ أخبار المنع ناظرة إلى حال الوصل.
نعم، إذا كان معلوماً أنّه من المرأة الجميلة المقصودة، و كان النظر و اللّمس إليه بداعي تلك المرأة، يمكن المنع جدّاً كما لا يخفى.
مسألة 22: يستثنى من حرمة النظر و اللّمس في الأجنبيّ و الأجنبيّة، مقام المعالجة؛ إذا لم يمكن بالمماثل، (1) قوله مدّ ظلّه: «إذا لم يمكن بالمماثل».
إجماعاً كما في «المسالك»(1)و بلا خلاف فيه كما عن آخر(2)، و هو الظاهر من معتبر أبي حمزة الثماليّ، عن أبي جعفر) عليه السّلام (قال: سألته عن المرأة المسلمة، يصيبها البلاء في جسدها؛ أمّا كسر، و إمّا جُرح؛ في مكان لا يصلح النظر إليه، يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء، أ يصلح له النظر إليها؟.
قال) عليه السّلام): «إذا اضطرّت إليه فليعالجها إن شاءت»(3).
فإنّ قوله: «يكون الرجل أرفق» يشمل وجود المعالج المماثل المرفق، و مع ذلك عدل) عليه السّلام (عمّا في كلامه بالجواب عن عنوان آخر؛ و هو الاضطرار مع إرادة المرأة و مشيئتها، و لا شبهة أنّه لا يصدق «الاضطرار» مع وجود المماثل.
اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّ المناط اضطرارها إلى المعالجة، لا إلى المعالجة عند المعالج الخاصّ، فيكون نفس اضطرارها مجوّز
المراجعة إليه، و مقتضى الخبر جواز نظر المعالج إليها.
و ربّما يقال: إنّ الاضطرار العرفيّ، يحصل في موارد الحاجة العرفيّة، فلا يجب تحمّل الألم، و لا تبعيد المسافة.
و الذي هو الأقرب: أنّ الحاجة إلى المعالجة، تختلف حسب اختلاف أماكن الأبدان و أجزائها، و في الخبر ما يومئ إليه؛ فإنّ قوله: «في مكان لا يصلح النظر إليه» ليس مثل الوجه و الكفين بالضرورة، و يعلم منه أنّ في المرأة مكاناً يصلح النظر إليه.
و بالجملة: ربّما أمكن تجويز النظر بمجرّد الحاجة، كما يظهر من عبائر جمع من الأصحاب(1)، و من مورد الإجماع المحكيّ عن «المسالك»(2)بدعوى أنّه من الاضطرار المبيح، فتدبّر.
و الذي يبقى في المقام، أنّ التمسّك بقاعدة نفي الاضطرار و بالأدلّة العامّة(3)، مورد الإشكال، و هكذا بقاعدة نفي الضرر(4)و ذلك لأنّ اضطرار النساء إلى إبراز المكان غير الصالح، و إبداءِ محالّ الحرام، لا يورث
جواز نظر المرء المعالج؛ ضرورة أنّ حرمة الإبداء و الإظهار ترتفع بالاضطرار، و أمّا وجوب الغضّ على المرء، فلا يستثنى منه بمجرّد اضطرار المرأة الأجنبيّة؛ فإنّ حرمة النظر إلى الأجنبيّة، ترفع إذا تعيّن العلاج عليه و يصير واجباً، فلا ينبغي الخلط بين المقامين.
كما يظهر من التمسّك بقاعدة نفي الضرر ذلك؛ فإنّ ما هو الضرري هو لزوم التحفّظ على المرأة، و هذا لا يستلزم جواز النظر للمرء.
و توهّم: أنّ دليل الاقتضاء يلازم ذلك، في غير محلّه؛ لأنّه يتمسّك به، إذا لزم منه طرح الدليل كلّاً.
و أمّا دعوى: أنّ المرأة تضطر إلى نظر المرء، فهي مضافاً إلى أنّ الاضطرار يستند إلى إظهار بدنها و إبرازه للأجنبيّ أنّ الأدلّة العامة غير لائقة بنفي هذا النحو من الحكم؛ بمعنى أنّ اضطرار المكلّف، أوجب رفع الحكم عن المكلّف غير المضطرّ، فتدّبر.
و هذا نظير اضطرار المرأة إلى الجماع، مع أنّها ذات بعل لا يتمكن منه، فإنّه لا يوجب جواز الجماع للمرء الأجنبيّ.
نعم، في موارد توقّف حفظ النفس، يمكن الترخيص إذا كان الحفظ أهمّ.
إن قلت: قضيّة إطلاق قاعدة نفي الضرر، نفي الحكم عن المرء الأجنبيّ و لو كان ضرريّاً بالنسبة إلى الأجنبيّة.
قلت: هذا غير ثابت؛ للزوم جواز الأُمور الأُخر، و لا يمكن الالتزام به، فتأمّل.
كمعرفة النبض إذا لم تمكن بآلة نحو الدرجة و غيرها، و الفصد، و الحجامة، و جبر الكسر، و نحو ذلك، (1) ثمّ إنّه يمكن الاستدلال لجواز النظر، بمعتبر عليّ بن سويد الماضي(1)، بناءً على القول: بأنّه وارد مورد المعالجة(2)، فراجع.
قوله مدّ ظلّه: «و نحو ذلك».
ممّا يتوقّف على النظر أو اللّمس و المسح. و في استثناء غير النظر إشكال؛ لعدم الدليل عليه، و صحيح الثماليّ(3)مخصوص بمورد النظر، و قد عرفت المناقشة في التمسّك بالأدلّة العامّة(4).
نعم، يمكن دعوى: أنّ قوله) عليه السّلام): «إذا اضطرّت إليه فليعالجها إن شاءت» لا يخصّ بمورد السؤال، فإذا اضطرت إلى العلاج، و أرادت من المعالج أن يعالجها، يجوز له ذلك بمراجعتها إليه و باختياره.
و في هذا التعبير إشعار، بأنّ إباحة النظر له منوطة بذلك، و مخصوصة بهذه الصورة، فمجرّد كون العلاج أصلح لا يكفي، و ليتأمّل جيّداً.
و مقامِ الضرورة (1)، كما إذا توقّف استنقاذه من الغرق و الحرق، على النظر و اللّمس.
و يمكن دعوى قيام السيرة على المراجعة إليهم للمعالجة، و هذه الأدلّة غير كافية لردعها، فتكون هي إمّا موجبة لصرفها عن صورة العلاج، أو مخصّصة لها و مقيّدة إيّاها.
و لو كان المريض عالماً: بأنّ النظر يكون عن شهوة و تلذّذ، فلا يبعد أيضاً جواز الرجوع؛ لإطلاق قوله (عليه السّلام) في المعتبر المذكور، و هو قضيّة إطلاق كلماتهم.
نعم، بناءً على كون معتبر ابن سويد(1)، وارداً في هذا المقام، فلازمه جواز ذلك إذا عرف اللَّه من نيّته الصدق، لا مطلقاً، فلا تغفل.
قوله مدّ ظلّه: «و مقام الضرورة».
غير خفيّ: أنّ المقام السابق مع رعاية القيود المأخوذة في كلماته، يندرج في هذا المقام.
و على أي تقدير: في مفروض الكلام بأن يدور الأمر بين حفظ النفس عن الهلاك، و بين الابتلاء بالنظر و اللّمس و أمثالهما لا إشكال؛ لأنّ المحافظة واجبة على كلّ أحد.
نعم، السبق إلى الاستنقاذ بدواعٍ باطلة، مع وجود من فيه الكفاية،
1) تقدّم في الصفحة 389.
و إذا اقتضت الضرورة أو توقّف العلاج على النظر دون اللمس، أو العكس، اقتصر على (1) ما اضطرّ إليه، و فيما يضطرّ إليه اقتصر على مقدار الضرورة، فلا يجوز الآخر، و لا التعدّي.
غير جائز، و لعلّ إطلاق كلامهم منصرف عن هذه الصورة.
و ممّا ذكرنا يظهر حكم ما إذا توقّف النجاة من الهلاك على الأكثر من النظر و اللّمس، و اللَّه هو العالم.
قوله مدّ ظلّه: «اقتصر على ..».
كلّ ذلك حسب حكم العقلاء و العرف؛ بناءً على حرمة النظر و اللمس مطلقاً.
و أمّا على القول: بجوازهما إذا لم يكن بشهوة و ريبة، و لا سيّما بدعوى قصور الأدلّة العامّة عن شمول هذه المواقف، فلا يقتصر على مقدار الضرورة، و ربّما ينتهي التدقيق في هذه الأُمور، إلى هلاك المرضى؛ لأنّ المواظبة على مقدار الضرورة، توجب انحراف نظر المعالج عمّا هو اللازم عليه، ففي مقام المعالجة و الاستنقاذ و أمثالهما، يكون رعاية ذلك على خلاف الاحتياط أحياناً، فلا تخلط.
مسألة 23: كما يحرم على الرجل النظر إلى الأجنبيّة، يجب عليها التستّر (1) من الأجانب. و لا يجب على الرجال التستّر، و إن كان يحرم على النساء النظر إليهم عدا ما استُثني. و إذا علموا بأنّ النساء يتعمّدن النظر إليهم، فالأحوط التستّر منهنّ، و إن كان الأقوى عدم وجوبه.
قوله مدّ ظلّه: «يجب عليها التستّر».
و مقتضى الإطلاق وجوبه بالنسبة إلى جميع أعضائها؛ حتّى الوجه و الكفين، و هذا لا ينافي جواز النظر للمرء إذا لم تسترها.
و بالجملة: وجوب التستّر بالقياس إلى غير الوجه و الكفّين، ضروري و إجماعي، و إنّما الكلام في موارد الاستثناء الواقعة في كلام جمع(1)، و في الأخبار الخاصّة.
و قبل الإشارة إليها، لا بأس بذكر الآية الشريفة، حيث وردت في هذا المقام، قال اللَّه تعالى وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَ لا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
1) المبسوط 4: 160، شرائع الإسلام 2: 113، تذكرة الفقهاء 2: 573/ السطر 9، الحدائق الناضرة 23: 53، مستند الشيعة 2: 470/ السطر 24.
(1). و في «الكافي» بسند فيه سعد الإسكاف و هو مشكل أمره عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة، و كان النساء يتقنّعن خلف آذانهنّ، فنظر إليها و هي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها و دخل في زقاق» قد سمّاه ببني فلان «فجعل ينظر خلفها، و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة، فشقّ وجهه، فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدّماء تسيل على ثوبه و صدره. فقال: و اللَّه، لآتينّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (و لأُخبرنّه.
فلمّا رآه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم (قال: ما هذا؟ فأخبره.
فهبط جبرئيل (عليه السّلام) بهذه الآية قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ(2)»(3).
و الظاهر أنّ الآية السابقة(4)، أيضاً وردت في ذيلها بهذه المناسبة،
فعلى هذا تكون الآية في مورد النظر؛ و في محلّ إيجاب التستّر عن نظر الأجنبيّ، فيمكن رفع الإجمال من هذه الناحية؛ حسب ما عليه كثير من أرباب التفسير(1).
نعم، وجوب التستّر عن مطلق النظر، و حرمة الإبداء عند كلّ نظر، يحتاج إلى المئونة، و تكفيها الإطلاق؛ فإنّ المورد لا يوجب التقييد.
نعم، دعوى الانصراف إلى النظر الخاصّ و إن كانت قريبة في ذاتها، إلّا أنّها بعيدة، بعد ذهاب المعظم إلى ممنوعيّته؛ و وجوب التستّر عليهنّ في الجملة مطلقاً.
معنى آية غض النظر و بالجملة: معنى الآية: هو أنّ المؤمنات يوجدن الموانع و الحواجب بينهنّ و بين ما يحرم عليهنّ النظر إليه وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ عن كلّ آفة عرفيّة، و خلاف عقليّ، و ممنوع شرعيّ؛ حسب الإطلاق، فإنّه أُحيل فهم المحذوف إلى الأمة؛ لأنّه أمر تدركه الطبائع السليمة، و الأنفس المتشرّعة وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها و اتّفق ظهوره بجريان الرياح، فيكون حال هذا الاستثناء، حالَ الاستثناء في قوله تعالى:
1) التبيان 7: 429، مجمع البيان 7: 217.
وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً(1)فلو ظهرت الزينة كالجيوب و الزندين و الساقين؛ ممّا هي المحرّكات نوعاً، و تثير الشهوات عادةً فلا بأس، و لكن لا يجوز إظهارها.
و يؤيّد ذلك قوله تعالى وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَ(2)حتّى لا يظهر و لو من باب الاتفاق و الصدفة؛ و حين الغفلة و الذهول.
و أيضاً: يشهد لما أُشير إليه، تعقيب القول المزبور بقوله تعالى وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ(3)فيكون الوجه و الكفّ و القدم، خارجة عن الآية صدراً و ذيلًا، و لا يكون الكفّ و الوجه و القدم محلّ الزينة، حتّى يصح إطلاق «الزينة» عليها باعتبار علقة الحلول. هذا مع قطع النظر عن أخبار المسألة.
و أمّا بالنظر إليها، فلأحد دعوى أنّ قوله تعالى وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ(4)يدلّ على وجوب تسترهنّ؛ لأنهنّ كلّهنّ فرج؛ لانّه العورة، و «المرأة كلّها عورة» كما في بعض الأخبار(5)، و لكن دون إثباتها خرط القَتاد.
و أمّا الأخبار المتضمّنة لإفادة أنّ ما ظَهَرَ مِنْها هي الزينة الظاهرة، و منها الخاتم و المَسَكة- و هي القُلْب و الكحل(1)، فهي غير نقيّة الإسناد، و لو أمكن تصحيح بعضها لكن حجّيتها في مثل المقام بعد ظهور الآية في الخلاف مشكلة جدّاً.
الأخبار الدالّة على عدم وجوب ستر الوجه و الكفيّن و بناءً على هذا، لا تدلّ الآية على وجوب التستّر بالقياس إلى مطلق الأعضاء. مع دلالة جملة من الأخبار على عدم وجوب التستّر؛ بالنسبة إلى مثل الوجه و الكفيّن(2):
و فيها: معتبر الفضيل قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن الذراعين من المرأة، هما من «الزينة» التي قال اللَّه تعالى وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ(3).
قال: «نعم، و ما دون الخمار من الزينة، و ما دون السوارين»(4).
1) الكافي 5: 521/ 3 و 4، وسائل الشيعة 20: 201، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 109، الحديث 3 و 4.
2) وسائل الشيعة 20: 200 و 202، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 109، الحديث 1 و 2 و 5.
3) النور) 24): 31.
4) الكافي 5: 520/ 1، وسائل الشيعة 20: 200، كتاب النكاح، أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الباب 109، الحديث 1.
و من الواضح: أنّ الوجه خارج عمّا يستره الخمار، و هو الرقبة و الرأس، و الكفّ فوق السوار لا دونه، فلا تشملهما الآية، و لا الفقرة الأُولى أيضاً؛ بهذه المناسبة، فلا تغفل.
و منها: معتبر أبي حمزة الثماليّ السابق، الظاهر في أنّ في بدن النساء مكاناً يصلح النظر إليه، و قد أشرنا فيما سبق إلى ذلك.
و منها: معتبر المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السّلام): جعلت فداك، ما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرجال، ليس فيهم لها ذو محرم، و لا معهم امرأة، فتموت المرأة، ما يصنع بها؟
قال: «يغسل منها ما أوجب اللَّه عليه التيمّم، و لا تمسّ، و لا يكشف لها شيء من محاسنها التي أمر اللَّه بسترها».
قلت: فكيف يصنع بها؟.
قال: «يغسل بطن كفّيها، ثمّ يغسل وجهها، ثمّ يغسل ظهر كفّيها»(1).
و يعاضد هذه الأخبار السيرة، و كثرة الابتلاء، و لو كان يجب ستر الوجه و الكفّ، لبان وجوبه، كالنار على المنار، و لا يكفي لمثله خبر
1) تهذيب الأحكام 1: 442/ 1429، وسائل الشيعة 2: 522، كتاب الطهارة، أبواب غسل الميّت، الباب 22، الحديث 1.
أو خبران مثل مكاتبة الصّفار(1).
و لا ينبغي الخلط بين أخبار هذه المسألة، و روايات مسألة حرمة النظر، ممّا لا ملازمة بينهما كما مرّ(2)، فإطالة البحث هنا كما في «الجواهر»(3)و غيره(4)بذكر تلك الأخبار، في غير محلّه.
و لو كانت الآية الشريفة ظاهرة فيما فهمه الجمهور، و تقتضيه المآثير المزبورة، لكانت هي أمّا دالّة على استثناء الوجه و الكفّين، أو مجملة من هذه الجهة. و إذا وصلت النوبة إلى معارضة الأخبار في المسألة، تكون روايات الجواز أقوى دلالة و سنداً.
مع أنّ أخبار المنع لا تبلغ إلى أقلّ الجمع، فيشكل اعتبارها؛ لما أُشير إليه: من أنّ اتضاح أمثال هذه المسائل، لا يحتاج إلى الخبر و الرواية، و قد علمت أنّ الأكثر من الأقدمين اختاروا الجواز(5)، و هو مقتضى بالأُصول العمليّة؛ من الاستصحاب و البراءة.