الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 28

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الثامن و العشرون

ادامة القسم العاشر: من الفتح. . إلى الشهادة

ادامة الباب االثامن: وفود لها تاريخ

الفصل الثالث: وفادة الملوك سنة تسع و وفد همدان

اشارة

ملوك حمير قبل الإسلام:

كان ملوك حمير يعتنقون اليهودية، و هم الذين قتلوا نصارى نجران قتلا ذريعا، فتسلط الأحباش عليهم، و ذهب ملكهم (1)، إلا عبد كلال، فإنه آمن بعيسى «عليه السّلام» ، و بالنبي محمد «صلّى اللّه عليه و آله» قبل مبعثه (2).

النبي صلّى اللّه عليه و آله و ملوك حمير:

و كانت عساكر المسلمين تضرب في كل وجه يدعون إلى اللّه سبحانه، و إلى الإسلام، فمن آمن يكون له ما للمسلم، و من كفر جوزي بعمله، فعندئذ وفدت قبائل العرب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي يأمنوا العساكر المتفرقة في مخاليف اليمن (3).

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث مهاجر بن أبي أمية إلى


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 12-23، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 339.

2) منتخب أخبار اليمن ص 93 لنشوان الحميري، و تاريخ الحسين «عليه السلام» لعبد اللّه العلايلي ص 101، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 339 نقلا عن منتخب أخبار اليمن.

3) راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 586-590

ملوك حمير (1).

و قال بعضهم (2): بعث الأقرع بن عبد اللّه الحميري إلى عمير ذي مران، و زاد في الإصابة ذي رود. و بعث إلى زرعة بن سيف بن ذي يزن، و فهد، و البسي، و البحيري، و ربيعة، و هجر، و عبد كلال، و غيرهم (3).

و بعث خالد بن الوليد إلى همدان، فبقي فيهم ستة أشهر، فلم يجيبوه، ثم أرسل عليا «عليه السلام» فأسلمت على يديه همدان كلها في يوم واحد، حسبما تقدم.

و الذي يظهر بعد التتبع أنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب في سنة تسع كتبا، و أرسل رسلا إلى جميع أذواء اليمن و أقيالها، و بعث دعاته إلى تلك البلاد: معاذ بن جبل، و عبد اللّه بن زيد (لا ابن رواحة (4)، فإنه استشهد في مؤتة سنة ثمان) و أبا موسى الأشعري، و مالك بن عبادة (مرارة) ، و عتبة بن نيار، ليفقّهوا الناس، و يعلموهم معالم الإسلام، فأجابوا إلى الإسلام،


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 279 و أسد الغابة ج 4 ص 422 و الإصابة ج 1 ترجمة الحارث و ج 4 ترجمة شرح بن عبد كلال.

2) أسد الغابة ج 1 ص 110 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 586.

3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 283، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 200 نقلا عن: الإصابة ج 3 ص 215(7029) في «فهد» و ج 3 ص 495(8425) في «مشرح» و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 33 و راجع الوثائق السياسية ص 226 /110-ألف و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 67 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 185 و راجع الإشتقاق ص 526.

4) كما زعمه في أسد الغابة ج 3 ص 368 و الأموال لأبي عبيد ص 21 و 31.

و وفدت إليه وفودهم، و كتب لكل الوافدين كتبا، و أمنهم على دورهم، و زروعهم و أموالهم و أنفسهم.

و ممن كتب إليهم ابنا عبد كلال، و هم: مسروح، و نعيم.

و زاد ابن سعد و ابن الأثير: الحارث.

و عند الهمداني في الإنساب: كتب إلى الحارث و أخيه نعيم (1).

و من أبناء عبد كلال أيضا: أيفع، و عريب، و شرحبيل، و كان الملك منهم يومئذ الحارث و عريب (2).

كتابه صلّى اللّه عليه و آله إلى ملوك حمير، و أذواء اليمن:

و نصوص الكتب التي يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسلها إلى أهل اليمن متعددة، و منها: نص الكتاب الذي أرسله «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبناء عبد كلال، و غيرهم، و هو كما يلي:

«سلم أنتم، ما آمنتم باللّه و رسوله، و أن اللّه وحده لا شريك له، بعث موسى بآياته، و خلق عيسى بكلماته. قالت اليهود: عزير ابن اللّه، و قالت النصارى: اللّه ثالث ثلاثة، عيسى ابن اللّه» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323.

2) أسد الغابة ج 3 ص 407 ترجمة عريب، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 279.

3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 337 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 32 و رسالات نبوية ص 138 عن المصباح المضيء ج 1 ص 316 عن الطبقات، و راجع: نشأة الدولة الإسلامية ص 145 و مدينة البلاغة ج 2 ص 282 و مجموعة الوثائق السياسية ص 218/107 عن ابن سعد، و عبد المنعم، و عن نثر الدر المكنون في فضائل اليمن الباب السابع ص 62 و المطالب العالية لابن حجر ص 2631 و الأكوع الحوالي ص 130 و العقد الفريد ج 1 ص 456 و الإكليل ج 2 ص 364. و أوعز إليه في الإصابة ج 3 ص 495/8425 في ترجمة شرح بن عبد كلال، و نقل شطرا منه، و كذا ج 1 ص 283 في ترجمة الحارث، و أوعز إليه في نهاية الإرب للقلقشندي ص 260 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 247.

و من الواضح: أن أهل اليمن الذين كان كثير منهم على دين اليهودية، و بعض منهم كان على دين النصرانية. . فهذا الكتاب قد لا حظ ذلك، فتعرض لمزاعم اليهود و النصارى، و أعلن بطلانها.

قال ابن سعد: بعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي، و قال: إذا أصبت أرضهم، فلا تدخل ليلا حتى تصبح، ثم تطهّر، فأحسن طهورك، وصل ركعتين، و سل اللّه النجاح و القبول، و استعد لذلك. و خذ كتابي بيمينك، و ادفعه بيمينك في أيمانهم، فإنهم قابلون.

و اقرأ عليهم: لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ (1)، فإذا فرغت منها فقل: آمن محمد، و أنا أول المؤمنين. فلن تأتيك حجة إلا دحضت، و لا كتاب زخرف إلا ذهب نوره.

و هم قارئون عليك، فإذا رطنوا، فقل: ترجموا.

قل: حسبي اللّه آمَنْتُ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ مِنْ كِتٰابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اَللّٰهُ رَبُّنٰا وَ رَبُّكُمْ لَنٰا أَعْمٰالُنٰا وَ لَكُمْ أَعْمٰالُكُمْ لاٰ حُجَّةَ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ اَللّٰهُ يَجْمَعُ بَيْنَنٰا


1) الآية 1 من سورة البينة.

وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ (1)فإذا أسلموا فسلهم تصبهم الخ. . (2).

فلما وصلت كتبه «صلى اللّه عليه و آله» أسلم أبناء عبد كلال، و زرعة بن سيف بن ذي بزن، و عمير ذو مران، و النعمان قيل ذي رعين، و معافر، و كتبوا بإسلامهم، و أرسلوا الكتاب مع وافدهم مالك. فأتى المدينة مع وفد همدان، مالك بن نمط و غيره، فلقوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» مقدمه من تبوك، فأخبروه بإسلامهم و كتابهم، فأكرم رسولهم (3).

من هو وافد حمير:

و كان وافد ملوك حمير: مالك بن مرارة (4).

و قيل: هو الحارث بن عبد كلال، و أنه حين قدم اعتنقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أفرشه رداءه، و قال قبل أن يدخل عليه: «يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين فكأنه. .» (5).

و أضافوا إلى الوافدين أيضا: نعيم بن عبد كلال، و النعمان قيل ذي


1) الآية 15 من سورة الشورى.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 32 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 247، و الإصابة ج 3 ص 495/8425.

3) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 258 و الكامل ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية، و السيرة النبوية لزيني دحلان، و مجموعة الوثائق السياسية ص 219.

4) راجع المصادر في الهامش السابق و أسد الغابة ج 2 ص 146.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323 و الإكليل للهمداني ج 2 ص 320، و الإصابة ج 1 ص 677.

رعين، و معافر و همدان (1). و لعل ذلك غير دقيق، فإن هؤلاء هم ملوكهم- على الظاهر (2)-و كان النعمان من الأقيال، و من البعيد أن يكون الملك هو الرسول، فلعلهم وفدوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» وفادة الملوك.

و قال ابن حجر عن الحارث: تظافرت الروايات أنه أرسل بإسلامه، و أقام باليمن (3).

و يدل على ذلك أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب في كتابهم: «من محمد النبي إلى الحارث بن عبد كلال. و لو كان هو الوافد لكان الكتاب له لا إليه» (4).


1) عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 111 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 381 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 258.

2) أسد الغابة ج 5 ص 29 ترجمة نعمان قيل ذي رعين، و راجع: منتخب أخبار اليمن لنشوان الحميري ص 93.

3) الإصابة ج 1 ص 677 ترجمة الحارث بن عبد كلال، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323.

4) مكاتيب الرسول ج 2 ص 588، و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 130، و المصنف للصنعاني ج 4 ص 136، و المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 3 ص 37، و سنن الدار قطني ج 2 ص 113، و الإستيعاب ج 4 ص 1452، و كنز العمال ج 6 ص 562، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 356، و أسد الغابة ج 2 ص 203، و الإصابة ج 1 ص 678 و ج 2 ص 523، و فتوح البلدان للبلاذري ج 1 ص 85، و تاريخ الطبري ج 2 ص 381، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1009، و عيون الأثر ج 2 ص 295، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 145، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323، و السيرة الحلبية ج 3 ص 262.

و صرح ابن الأثير: بأن مالك بن مرارة الرهاوي قدم على النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بكتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك، بإسلام الحارث بن عبد كلال (1).

أى أن ملوك حمير كتبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخبرونه بإسلام الحارث الذي كان ملكهم.

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل اليمن:

و مهما يكن من أمر، فقد روى ابن سعد عن رجل من حمير، أدرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و وفد عليه قال: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مالك بن مرارة الرهاوي رسول ملوك حمير بكتابهم (و إسلامهم) ، و هم: الحارث بن عبد كلال، و نعيم بن عبد كلال، و النعمان قيل ذي رعين، و معافر و همدان، و ذلك في شهر رمضان سنة تسع (2).

و قال ابن إسحاق: مقدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك.

فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلالا أن ينزله و يكرمه و يضيفه. و كتب إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«أما بعد. . فإني أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو.

أما بعد. . فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فبلغ ما أرسلتم به، و خبّر عما قبلكم، و أنبأنا بإسلامكم، و قتلكم المشركين، فإن اللّه تبارك و تعالى قد هداكم بهداه، إن أصلحتم و أطعتم اللّه و رسوله، و أقمتم


1) أسد الغابة ج 2 ص 146.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 323، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 356.

الصلاة، و آتيتم الزكاة، و أعطيتم من المغنم خمس اللّه، و خمس نبيه و صفيّه، و ما كتب على المؤمنين من الصدقة، من العقار عشر ما سقت العين و سقت السماء، و على ما سقى الغرب نصف العشر. إن في الإبل الأربعين ابنة لبون، و في ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، و في كل خمس من الإبل شاة، و في كل عشر من الإبل شاتان، و في كل أربعين من البقر بقرة، و في كل ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة، و في كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، و إنها فريضة اللّه التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، و من أدى ذلك، و أشهد على إسلامه، و ظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، و له ذمة اللّه و ذمة رسوله.

و إنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين، له ما لهم و عليه ما عليهم، و من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، و عليه الجزية على كل حالم-ذكر أو أنثى، حر أو عبد-دينار و اف من قيمة المعافر، أو عوضه ثيابا. فمن أدى ذلك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإن له ذمة اللّه و ذمة رسوله، و من منعه فإنه عدو للّه و لرسوله.

أما بعد. . فإن رسول اللّه محمدا أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، و عبد اللّه بن زيد، و مالك بن عبادة، و عقبة بن نمر، و مالك بن مرارة، و أصحابهم. و أن اجمعوا ما عندكم من الصدقة و الجزية من مخاليفكم، و أبلغوها رسلي، و أن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا.

أما بعد. . فإن محمدا يشهد ألا إله إلا اللّه و أنه عبده و رسوله، ثم إن مالك بن مرارة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، و قتلت

المشركين، فأبشر بخير، و آمرك بحمير خيرا، و لا تخونوا، و لا تخاذلوا، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو مولى غنيكم و فقيركم، و إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهل بيته، إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المسلمين و ابن السبيل، و إن مالكا قد بلغ الخبر، و حفظ الغيب، و آمركم به خيرا، و إني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي، و أولي دينهم، و أولي علمهم، و آمركم بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم. و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» (1)

و راجع: نيل الأوطار ج 7 ص 212 عن النسائي، و ابن خزيمة، و ابن حبان، و ابن الجارود، و الحاكم، و البيهقي موصولا، و أبي داود في المراسيل و قد صححه جماعة من أئمة الحديث منهم: أحمد، و الحاكم، و ابن حبان، و البيهقي. و الإصابة ج 3 ص 105 في ترجمة «عريب» و 586 في النعمان و ج 1 ص 283 في ترجمة الحارث و 577 في زرعة و ج 2 ص 166 في ترجمة شرحبيل، و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 825 و البحار ج 21 ص 366 و المصنف لعبد الرزاق ج 4 ص 136 و الفائق ج 2 ص 105 و زاد المعاد ج 1 ص 45 و في (ط أخرى) ص 30 و القرطبي في تفسيره ج 17 ص 225 و المحلى ج 6 ص 16 و ج 10 ص 411 و 412 و الموطأ (تنوير الحوالك ج 3 ص 58 و في (ط أرى) ج 2 ص 181، و المنتظم لابن الجوزي ج 3 ص 372 و الإشتقاق لابن دريد ص 526 قال: و عريب و الحارث ابنا عبد كلال كتب إليهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإكليل للهمداني ج 2 ص 321.

.

1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 324 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 549 و 550 و أشار في المتن و في الهامش أيضا إلى المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 381 و في (ط أخرى) ج 3 ص 120 و اللفظ له، و البداية و النهاية ج 5 ص 75 و فتوح البلدان للبلاذري ص 82 و في (ط أخرى) ص 95 و 96 و السيرة الحلبية ج 3 ص 258 و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 30 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 55 و 89 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 258 و في (ط أخرى) ص 235 و إعلام السائلين ص 37 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 354 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 84 و 83 و 20 و ج 5 ص 386 و 387 و ج 3 ق 2 ص 121 و الأموال لأبي عبيد ص 21 و 31 و كنز العمال ج 3 ص 308 و في (ط أخرى) ج 5 ص 518 و ج 6 ص 165 و 317 و ج 4 ص 275 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 69 و المفصل ج 5 ص 309 و تاريخ الخميس ج 2 ص 138 و رسالات نبوية ص 136 و 155 و المعجم الكبير للطبراني ج 25 ص 310 و 311 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 106 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 395 و سنن النسائي ج 8 ص 58 و الدر المنثور ج 1 ص 343 و ج 1 ص 193 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 274 و 275 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 144 و 145 و الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 105 و مجمع الزوائد ج 3 ص 71 و 72 عن النسائي، و المعجم الكبير، و أحمد، و مدينة البلاغة ج 2 ص 269 و أسد الغابة في ترجمة ذي يزن ج 2 ص 146 و 392 في ترجمة شرحبيل بن عبد كلال و 203 في ترجمة زرعة و ج 1 ص 339 في ترجمة الحارث بن كلال، و تلخيص المستدرك للذهبي (بهامشه) ج 1 ص 395 و نشأة الدولة الإسلامية ص 318 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 408 و الخراج للقرشي ص 113 و في (ط أخرى) ص 521 و 518 و 559، و السيرة النبوية لإسحاق بن محمد الهمداني قاضي أبرقو ص 1044 و موارد الظمآن لزوائد ابن حبان ص 202 و مجموعة الوثائق السياسية ص 220/109 عن جمع ممن تقدم، و عن: وسيلة المتعبدين ج 8 الورقة 28-ب و ص 29-ألف، و سيرة ابن إسحاق (ترجمتها الفارسية) ورقة 214، و إمتاع الأسماع للمقريزي خطية ص 1027 و المواهب اللدنية ج 1 ص 279 و جمع الجوامع للسيوطي في مسند عمرو بن حزم و نشر الدر المكنون في فضائل اليمن ص 63 عن ابن مندة، و ابن عساكر، و سنن الدارقطني ج 1 ص 215 و الوفاء لابن الجوزي ص 742 و الوثائق السياسية اليمنية للأكوع الحوالي ص 107 و عن مقال لبعض الفرنسيين «لدافيد كهن» و روي هذا الحديث عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كما في كثير من طرق البيهقي و أسانيده ج 1 ص 88 و 309 و ج 4 ص 89 و 116 و 118 و 130 و ج 8 ص 25 و 28 و 72 و 73 و 79 و 88 و 89 و 95 و 97 و 188 و ج 10 ص 128 و الدارمي ج 1 ص 381 و 383 و 385 و ج 2 ص 161 و 188 و 189 و 192 و 193 و 195، و راجع: نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 369 و ج 2 ص 340 عن النسائي في الديات، و أبي داود في المراسيل، و عبد الرزاق في مصنفه، و الدار قطني في سننه، و ابن حبان في صحيحه، و الحاكم في مستدركه، و ابن الجوزي في التحقيقات، و أحمد بن حنبل في مسنده، و البيهقي في سننه و الطحاوي في شرح الآثار.

و قد أرسل الكتاب إليهم مع عمرو بن حزم.

و هناك كتاب آخر أرسله لزرعة بن ذي يزن، و كتاب ثالث لأهل اليمن (1)أرسله مع معاذ، يشبهان هذا الكتاب، فراجع و قارن في المصادر


1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 592 و 593 عن المصادر التالية: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64 و في (ط أخرى) ص 69 و قال: و كان الرسول بالكتاب معاذ بن جبل. قال ابن سعد في الطبقات ج 1 ص 264 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 20: «و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل اليمن كتابا يخبرهم فيه بشرائع الإسلام و فرائض الصدقة في المواشي و الأموال و يوصيهم بأصحابه و رسله خيرا، و كان رسوله إليهم معاذ بن جبل و مالك بن مرارة و يخبرهم بوصول رسولهم إليه و ما بلغ عنهم» ، ثم نقل كتابه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبناء عبد كلال فلا يحتمل اتحادهما و إن كان بين الكتابين اشتراك في الألفاظ و الوصية برسله و ذكر مالك بن مرارة و نحوه ما في الأموال لأبي عبيد ص 31. و راجع: الطبقات الكبرى ج 3 ق 2 ص 121 و فتوح البلاذري ص 96 و 98 و الإصابة ج 3 ص 427 في ترجمته، و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 128 و 144 و 145 و المعرفة و التاريخ ج 3 ص 409 و ترتيب مسند الشافعي ج 1 ص 152 و ج 2 ص 129 و الخلاف ج 2 ص 18 و الخراج لأبي يوسف ص 59 و الخراج للقرشي ص 68 و 112 و 113 و غريب الحديث لأبي عبيد ج 1 ص 70 و الأموال لأبي عبيد ص 38 و 54 و 63 و 584 و 638 و الدر المنثور ج 1 ص 162 و كنز العمال ج 10 ص 392 و المصنف لعبد الرزاق ج 4 ص 119/7186 و 7187 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 128 و ابن ماجة ج 1 ص 580/1814 و الوثائق السياسية ص 215 و 216 و راجع: الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 126 و 128 و ج 2 ص 837 و 841 و ج 3 ص 948 و 1027 و 2061 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 65.

الآتية (1).

و نقول:

إنه عدا عن أن بعض النصوص لهذا الكتاب تخالف ما ثبت عن أئمة أهل البيت المعصومين «عليهم السلام» (2)فإننا نشير إلى ما يلي:


1) الأموال لأبي عبيد ص 289 و 290 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 465 و فتوح البلدان للبلاذري ص 94 و كنز العمال ج 4 ص 319 و ج 10 ص 417 و 418 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 386.

2) راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 567 و 569 و راجع ص 570.

تكرار كلمة «أما بعد» :

بالنسبة لهذا الكتاب الأخير نلاحظ: أن كلمة «أما بعد» قد تكررت فيه أربع مرات، بالإضافة إلى تكرار فقرات و مطالب أخرى، مثل الحديث عن الصدقة مرتين، كما أن الإشارة إلى الأشخاص قد تكررت أيضا.

و هو أمر غير مألوف في الرسائل، فقد يثير هذا احتمال أن تكون رسائل مختلفة أرسلت لعدة فئات أو جهات أو أشخاص في اليمن، فمزجها الرواة عمدا و سهوا. و قد ظهر نتيجة لذلك ضعف في التركيب، و تفكك و عدم انسجام، فهو تارة يكلمهم بصيغة الجمع، و أخرى بصيغة المفرد.

الإعلان و الإشهاد على الإسلام:

و قد ذكر في الكتاب: أن من أدى زكاة ماله، و أشهد على إسلامه، و ظاهر المسلمين على المشركين فهو من المؤمنين. .

و لعل المقصود بالإشهاد على الإسلام هو: إشهار إسلامه و إعلانه حتى لا يتعرض لمعرة جيوش المسلمين، فإنه إذا تكتم على ذلك، و ستره، و كانت المنطقة في أجواء حرب و قتال، فقد يظن به من لا يعرفه الكفر و الشرك، و أنه محارب فيوقعون به.

الإيمان قول و عمل:

قد ذكر في الكتاب: أن هدايتهم متوقفة على إصلاحهم، و طاعتهم للّه و رسوله، و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة، و إعطاء الحق الشرعي من المغانم. .

و هذا يدل على: أن الإقرار باللسان لا يوجب نجاتهم من العذاب، و لا

أمنهم من القتل، بل لا بد أن يعملوا بالمذكورات. كما أن من يعمل بها فله ذمة اللّه و رسوله، أي أن من لم يعمل فليس له ذلك. .

قتال المشركين دون غيرهم:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد شرط عليهم قتل المشركين، و عدم الإكتفاء بقطع الصلة معهم. .

و لعل المراد: أن لا يتحرجوا من قتلهم حين وقوع الواقعة بين المسلمين و المشركين.

و من المعلوم: أنه لا يقبل من المشركين إلا الإسلام أو الحرب، و يخيّر اليهود و النصارى، بين الجزية، و الإسلام، و الحرب. ربما لأن الشرك يتناقض مع التوحيد، أما اليهودية و النصرانية فليستا بهذه المثابة، فلأجل ذلك لا يجبر النصارى و اليهود على ترك دينهم، إذا أعطوا الجزية، و قد تحدثنا عن ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب. .

من يأخذ الصدقات من الناس؟ ! :

و قد ذكر الكتاب المتقدم: أن زرعة، و سائر ملوك حمير، و همدان، و غيرهم، هم الذين يجمعون صدقاتهم. و يأخذون الجزية ممن لم يسلم من اليهود و النصارى من قومهم، ثم يسلمونها إلى مبعوثي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و هذا غاية في الإرفاق بهم، و رعاية حالهم، فإن بعضهم أعرف بأحوال بعض من غيرهم، و بذلك يتحقق الإجراء الصحيح لما هو مطلوب، و يطمئن قومهم إلى إجراء سنة العدل فيهم.

رسول اللّه مولى غنيكم و فقيركم:

و بعد أن أمرهم في الكتاب بأن لا يخونوا و لا يتخاذلوا، علل لهم ذلك بقوله: «فإن رسول اللّه مولى غنيكم و فقيركم» ، فلا يشعر الفقير بأن ثمة استقواء عليه، و استغلالا لحاله، فيؤخذ بما لا يؤخذ به غيره، و تفرض عليه قرارات لا تفرض على الغني، و لا تطلب منه. .

فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب ما يطلبه و يفرض ما يفرضه على الجميع، من دون استثناء، لأنه ولي الغني و الفقير، و الكبير و الصغير. .

إنما هي زكاة يتزكى بها:

و يلاحظ: أن الكتاب يقول عن الزكاة: «إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهله، إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المؤمنين، و أبناء السبيل» .

فقد تضمنت هذه الفقرة الإشارة إلى أمور عديدة، فقد عبّرت بكلمة «المؤمنين» ، دون كلمة المسلمين، ربما لتؤكد: أن مجرد إظهار الإسلام لا يكفي، بل لا بد من الإيمان بمعناه الصحيح، الذي هو قول و قبول و التزام قلبي و عملي بكل ما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثم إن الزكاة تطهير للنفوس، و تنمية لها، من خلال إبعادها الإنسان المؤمن عن التعلق بالمال و حب الدنيا، و إيجابها القرب من اللّه تعالى، و هي تدفع إلى الإيثار، و إلى الشعور بحوائج المؤمنين. .

وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لرسوله:

و قد تقدم: أنه «صلّى اللّه عليه و آله» أوصى لرسوله عياش بن أبي ربيعة

بأن لا يدخل على من يبعثه إليهم، و أن يتوضأ قبل دخوله عليهم، و يصلي ركعتين، و يسأل اللّه النجاح و القبول، و أن يأخذ كتابه بيمينه، و يدفعه إليهم بأيمانهم. .

أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يسن لهم ما شرعه اللّه تعالى في شأن الرسل في هذه المناسبة بالذات، لتكون حساسيتها من أسباب وعيها بعمق، و تحسس نتائجها الرضية على الرسول و على المرسل إليهم على حد سواء.

و لعل عياش بن أبي ربيعة كان يشعر بخطورة الموقف، فجاءت التوجيهات منه «صلى اللّه عليه و آله» لتربط على قلبه، و تعيده إلى اللّه، فيشعر بعظمته، و بهيمنته، و بقدرته، و بمحبته له و للمؤمنين، و لطفه و عناياته بهم. . فيعيش الثقة باللّه، و السكينة في قلبه، و روحه، و القوة في دينه، و عدم المبالاة بالأخطار إذا كان اللّه محبا له، راضيا عنه.

على أن هذه القوة الروحية، و الثبات و الإتزان في الخطاب و في الموقف يعطي للكلمة قوة مضاعفة على التأثير، و يضفي على شخصيته الهيبة، و يفرض على الآخرين احترامه، و الإصغاء إليه، و التدبر فيما يأتيهم به.

وفد همدان:

و في شهر رمضان من سنة تسع، مرجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك قدم وفد همدان على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع وفد حمير.

و كان الوافد من كل بطن من همدان سيدهم. فمالك بن أيفع من بني ناعط. و عميرة بن مالك من بني حازم، و من بني سلمان ضمام بن مالك. و من بني حدان مسلمة بن هدان، و هم بطن من همدان. و من بني خارف من بني

حاشد (بطن من همدان) مالك بن نمط، و كنيته أبو ثور، و لقبه ذو المشعار.

و قيل: كان مجموع وفد همدان مائة و عشرين نفسا (1).

و كان على وفد همدان مقطعات الحبرات، مكففة بالديباج، و فيهم حمزة بن مالك من ذي مشعار، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم الحي همدان، ما أسرعها إلى النصر، و أصبرها على الجهد، و منهم أبدال و أوتاد الإسلام» (2).

فأسلموا، و كتب لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتابا بمخلاف خارف،


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 387 و 388 عن عدد من المصادر.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 387 و في هامشه عن المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 259 و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 31 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 300 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 131 و 132 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 369 و ينابيع المودة ص 219 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 833 و في (ط أخرى) ج 2 ق 2 ص 55 و البحار ج 21 ص 360 و 363 عن إعلام الورى، و عن الإرشاد للمفيد «رحمه اللّه» و ج 38 ص 71 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 129 و الإرشاد للمفيد «رحمه اللّه» ص 28 و البداية و النهاية ج 5 ص 105 و زاد المعاد ج 3 ص 36 و مجموعة الوثائق السياسية ص 132/80 عن إمتاع الأسماع للمقريزي، و حياة الصحابة ج 1 ص 95 و العدد القوية ص 251 و التنبيه و الإشراف ص 238 و ذخائر العقبى ص 109 و تاريخ الخميس ج 2 ص 145 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 64 و ج 21 ص 620 عن الجامع بين الصحيحين ص 731 و نثر الدر المكنون ص 43 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 396 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 201 من طرق كثيرة، و التدوين للقزويني ج 2 ص 429 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 34.

و يام، و شاكر، و أهل الهضب، و حقاف الرمل من همدان لمن أسلم منهم (1).

و في زاد المعاد: «قدم عليه وفد همدان منهم: مالك بن النمط، و مالك بن أيفع، و ضمام بن مالك، و عمرو بن مالك، فلقوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عند منصرفه من تبوك، و عليهم مقطعات الحبرات، و العمائم العدنية، برحال الميس على الرواحل المهرية و الأرحبية، و مالك بن النمط يرتجز:

همدان خير سوقة و أقيالليس لها في العالمين أمثال

محلها الهضب و منها الأبطاللها أطابات بها و آكال

و كان يرتجز بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يقول:

إليك جاوزن سواد الريففي هبوات الصيف و الخريف

مخطمات بحبال الليف

و ذكروا له كلاما حسنا فصيحا، سيأتي.

فكتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا أقطعهم فيه ما سألوه، و أمّر عليهم مالك بن النمط، و استعمله على من أسلم من قومه، و أمره بقتال ثقيف. و كان لا يخرج لهم سرح إلا أغاروا عليه (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 1 ق 2 ص 74، و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 440، و ذكره المتقي الهندي في الكنز (34030) .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 175 و 176 و أسد الغابة ج 4 ص 294 و الإصابة، و الإستيعاب، و السيرة الحلبية، و السيرة النبوية لدحلان.

و لكننا نشك في هذا الكلام الأخير، فإن همدان لا يمكن أن تقاتل ثقيفا، و لا أن تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن، و ثقيفا بالطائف (1).

ثم إن الصحيح هو: أن همدان قد أسلمت على يد علي «عليه السلام» ، لا أنها وفدت و أسلمت، و قد تقدم الكلام في ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب.

و قال ابن إسحاق: «فقام مالك بن نمط بين يديه، فقال: يا رسول اللّه نصية من همدان، من كل حاضر و باد، أتوك على قلص نواح، (متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، من مخلاف خارف و يام) و شاكر، أهل السود و القود، أجابوا دعوة الرسول، و فارقوا الآلهات و الأنصاب، عهدهم لا ينقض (عن سنة ماحل، و لا سوداء عنقفير)، ما أقام لعلع، و ما جرى اليعفور بصيلع» .

فكتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا فيه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمخلاف خارف، و أهل جناب الهضب، و حقاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار، مالك بن نمط، و من أسلم من قومه أن لهم فراعها، و وهاطها، و عزازها ما أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة، يأكلون ظلافها، و يرعون عفاءها، (لنا من دفئهم و صرامهم ما سلموا بالميثاق و الأمانة، و لهم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 178 عن زاد المعاد لابن قيم الجوزية، و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 360 و تاريخ الخميس ج 2 ص 195.

من الصدقة الثلب، و الناب، و الفصيل و الفارض، و الداجن، و الكبش الحوري. و عليهم فيها الصالغ و القارح). لكم بذلك عهد اللّه، و ذمام رسوله، و شاهدكم المهاجرون و الأنصار» . فقال في ذلك مالك بن نمط:

ذكرت رسول اللّه في فحمة الدجىو نحن بأعلى رحرحان و صلدد

و هن بنا خوص طلائح تغتليبركبانها في لاحب متمدد

على كل فتلاء الذراعين جسرةتمر بنا مر الهجف الخفيدد

حلفت برب الراقصات إلى منىصوادر بالركبان من هضب قردد

بأن رسول اللّه فينا مصدقرسول أتى من عند ذي العرش مهتد

فما حملت من ناقة فوق رحلهاأشد على أعدائه من محمد

و أعطى إذا ما طالب العرف جاءهو أمضى بحد المشرفي المهند (1)


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 427 و 428 و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 175-178 و راجع: مكاتيب الرسول للعلامة الأحمدي ج 3 ص 376 و 377 و 388-391 و قد نقل العلامة الأحمدي الكتاب المشار إليه عن المصادر التالية: العقد الفريد ج 2 ص 32(باب الوفود) و صبح الأعشى ج 2 ص 263 و ج 6 ص 360 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 89 و نسيم الرياض ج 1 ص 392 و بهامشه شرح القاري ج 1 ص 391 و الشفا ج 1 ص 168 و نثر الدر للآبي ج 1 ص 217 و نهاية الإرب ص 227 و المصباح المضيء ج 2 ص 341 و إعلام السائلين ص 40 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 269 و في (ط أخرى) ص 245 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 56 و سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإسحاق بن محمد الهمداني قاضي أبرقوه ص 1055 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 239 و نشأة الدولة الإسلامية ص 348 و المواهب اللدنية شرح الزرقاني ج 4 ص 170 و الفائق ج 3 ص 433 و المفصل ج 4 ص 186 و النهاية لابن الأثير في «حور» . و مجموعة الوثائق السياسية ص 233 /113 عن جمع ممن تقدم، و عن نثر الدر المكنون للأهدل ص 66 و الوثائق السياسية اليمنية للأكوع الحوالي ص 111. و أرجع إلى مخطوطة التأريخ المجهول، ثم قال: قابل الطبقات ج 1 ق 2 ص 73 و 74 و السهيلي في الروض الأنف ج 2 ص 348 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ص 1731 و 1732 و أسد الغابة ج 4 ص 294 و ج 2 ص 51 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 89 و إمتاع الأسماع للمقريزي (خطية) ص 1030 و النهاية في «ثلب» و اللسان في «حور» و انظر كايتاني ج 9 ص 67 و اشپرنكر ج 3 ص 456 و راجع أيضا ص 719 و راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 379 و الإصابة ج 3 ص 35 و زاد المعاد ج 3 ص 35.

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات هي التالية:

توضيحات:

قد تضمن كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مفردات تحتاج إلى إيضاح، و هي:

خارف: بطن من همدان، منهم الحارث الأعور.

شية ماحل: أي عن وشاية و سعاية واش. و روي عن سنة ماحل. و السنة الطريقة أي طريقة ساع و نمام.

الهضب: جمع هضبة. و جناب الهضب اسم موضع.

حقاف الرمل: اسم موضع أيضا. و الحقاف: جمع حقف، و هو ما

اعوّج و استطال من الرمل.

المشعار: موضع أيضا.

الفراع: ما علا من الأرض و ارتفع.

الوهاط: المواضع المطمئنة.

الدفء: نتاج الإبل.

الصرام: النخل الذي يصرم و يقطع.

الثلب: ما هرم من ذكور الإبل، و تكسرت أسنانه.

الناب: الناقة الهرمة التي طال سنها.

الفصيل: ما انفصل من أمه من أولاد الإبل.

الفارض: المسن من الإبل و من البقر.

الداجن: ما يعلف في المنزل.

الحوري: الذي في صوفه حمرة.

الصالغ: من البقر و الغنم ما انتهى سنه بالسادسة.

القارح: من الخيل ما دخل في الخامسة أو السادسة.

أي أن الصدقة لا تعطى لا من الخيار، و لا من الرذال.

كتاب لهمدان:

و لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» إسلام همدان كتب إليهم بما يلي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى عمير ذي مران، و من أسلم من همدان، سلم أنتم، فإني أحمد اللّه إليكم الذي لا إله إلا هو.

أما بعد ذلك، فإنه بلغني إسلامكم مرجعنا من أرض الروم، فأبشروا،

فإن اللّه قد هداكم بهداه، و إنكم إذا شهدتم أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبد اللّه و رسوله، و أقمتم الصلاة، و آتيتم الزكاة، فإن لكم ذمة اللّه و ذمة رسوله على دمائكم و أموالكم، و أرض البور التي أسلمتم عليها، سهلها و جبلها، و عيونها و فروعها غير مظلومين، و لا مضيق عليكم.

و إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهل بيته، إنما هي زكاة تزكونها عن أموالكم لفقراء المسلمين، و إن مالك بن مرارة الرهاوي قد حفظ الغيب و بلغ الخبر، فآمركم به خيرا فإنه منظور إليه. و كتب علي بن أبي طالب» (1).

و مران: مخلاف باليمن.


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 392 و 393 عن: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 65 و في (ط أخرى) ص 70 و المعجم الكبير ج 17 ص 47 و 48 و أسد الغابة ج 4 ص 147 و رسالات نبوية ص 202 و إعلام السائلين ص 24 و الإصابة ج 3 ص 121 في ترجمة عمير و 354 و المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 339 و 340/18479 و نشأة الدولة الإسلامية ص 346. و مجموعة الوثائق السياسية ص 230/111 عن جمع ممن تقدم، و عن معجم الصحابة لابن قانع (خطية كوپرولو ملخصا) ورقة ص 121-ألف. ثم قال: قابل المعارف لابن قتيبة ص 234 و راجع:719 عن سبل الهدى للشامي خطية باريس/1992 ورقة 67-ألف. و أوعز إليه في أسد الغابة ج 2 ص 145 في «ذي مران» و ج 3 ص 83 في «عامر بن شهر» ، و الإصابة ج 2 ص 251 في عامر بن شهر، و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 493 و الطبقات الكبرى ج 6 ص 18 و 42 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 2414 و الإكليل ج 10 ص 49. و في رسالات نبوية قال الحافظ و ابن الأثير: أخرج الطبراني، ثم ساق الكتاب فقال: قال ابن الأثير: أخرجه ابن مندة، و أبو نعيم، و ابن عبد البر، و أخرجه ابن سعد في الطبقات.

و البور: الأرض التي لم تزرع.

و رها: بطن من مذجح.

الثناء على همدان:

1-قد تضمنت النصوص المتقدمة ثناء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قبيلة همدان. و إذا تأملنا في مضمون هذا الثناء، فسنجد أنه وصفها بأوصاف قد لا نجد لها مصداقا في زمنه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن هذه القبيلة إنما دخلت في الإسلام في وقت متأخر، و لا يختلف حالها عن حال سائر القبائل من ناحية الثقافة الدينية، و الإلتزام بأحكام الشرع الحنيف. و لم يظهر لنا أنه كان في تلك القبيلة آنئذ من يمكن وصفه بأنه من الأبدال أو من الأوتاد. .

و لو قبلنا وجود أشخاص من هذا القبيل، فإنهم لا يمكن وصفهم بأنهم أوتاد الإسلام. . فإن أحدا منهم لم يصل إلى مقام سلمان، و أبي ذر، و عمار، و المقداد. فإن صح إطلاق وصف أوتاد الإسلام على أحد، فإن هؤلاء الأربعة أولى من همدان و سواها بذلك. . فما معنى أن يترك «صلى اللّه عليه و آله» هؤلاء ليقرر أن أوتاد الإسلام من همدان؟ ! . .

2-أما الحديث عن أن أبدال الإسلام منهم، فهو الآخر لا يختلف عن سابقه، و تعارضه روايتهم: أن الأبدال بالشام، في حين أن قبيلة همدان يمانية. .

يضاف إلى ذلك: أن أهل البيت «عليهم السلام» لم يذكروا لنا شيئا عن هؤلاء الأبدال، بل انحصرت الرواية التي تذكرهم بغير أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم. و لو وجدت رواية عنهم، فإنها تبقى على درجة من الشذوذ، بحيث يدور حولها أكثر من سؤال.

3-و أما السرعة إلى النصر، و الصبر على الجهد، فهي صفات قد تتحقق في المؤمن و في غيره، و لكن اقتران ذلك بقوله: نعم الحي همدان، يفيد أنه «صلى اللّه عليه و آله» بصدد الثناء عليها، و لكنه ثناء يبقى غير حاسم، فإن الإتصاف ببعض الصفات قد يوجب مدحا، مثل صفة السخاء و الصدق في القول، و لكنه يبقى مدحا على أمر دنيوي، لا يعطي منزلة في الدين و لا مقاما عند اللّه، إلا إذا انطلق من الطاعة له تعالى، و التعبد و التقرب به إليه. .

الفصل الرابع: وفود سنة تسع

اشارة

وفود مرّة:

و قالوا: قدم وفد بني مرّة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رجع من تبوك سنة تسع، و هم ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا قومك و عشيرتك، و نحن قوم من بني لؤي بن غالب. .

فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: «أين تركت أهلك» ؟

قال: بسلاح و ما والاها.

قال: «و كيف البلاد» ؟

قال: و اللّه، إنهم لمسنتون، فادع اللّه لنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا الغيث» .

فأقاموا أياما ثم أرادوا الإنصراف إلى بلادهم، فجاؤوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مودعين له، و أمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشر أواق فضة، و فضّل الحارث بن عوف فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، و رجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت. فسألوا: متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قدم عليه و هو يتجهز لحجة الوداع قادم منهم، فقال: يا رسول اللّه،

رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطرا في ذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه، ثم قلدتنا أقلاد الزرع في كل خمس عشرة (ليلة)مطرة جودا، و لقد رأيت الإبل تأكل و هي بروك، و إن غنمنا ما توارى من أبياتنا، فترجع فتقيل في أهلنا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه الذي هو صنع ذلك» (1).

و في نص آخر: أن الحارث بن عوف أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: ابعث معي من يدعو إلى دينك و أنا له جار.

فبعث معه رجلا أنصاريا، مادّا به عشيرة الحرث، فقتلوه، فقال حسان:

يا حار من يغدر بذمة جارهمنكم فإن محمدا لا يغدر

و أمانة المريّ حين لقيتهاكسر الزجاجة صدعها لا يجبر

إن تغدروا فالغدر من عاداتكمو اللؤم ينبت في أصول السخبر

فاعتذر، وودى الأنصاري، و قال: يا محمد، إني عائذ بك من لسان حسان، لو أن هذا مزج بماء البحر لمزجه (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 410 عن الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 63 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 217 و 218 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 14 ص 310 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 298 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 103 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 311 و السيرة الحلبية ج 3 ص 274.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 218 و الأغاني (ط ساسي) ج 4 ص 11 و أسد الغابة ج 1 ص 342-343 ترجمة الحارث، و مجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 132-133 و الإصابة لابن حجر ج 1 ص 683 و الوافي بالوفيات للصفدي ج 11 ص 194 و أنساب الأشراف ج 4 ص 228.

و نقول:

تحدثنا في مواضع عديدة من مناقشاتنا لما يذكرونه عن سائر الوفود عن عدد من النقاط التي وردت في النص الآنف الذكر، و ذلك مثل:

1-إنهم حاولوا التقرب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالنسب، و أنهم قومه و عشيرته، و أنهم من بني لؤى بن غالب. .

و يلاحظ: هنا أيضا أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجبهم بشيء، بل اكتفى بالتبسم. .

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» سألهم عن حال بلادهم، من حيث الجدب و الخصب، و لم يسألهم و لم يحدثهم عن شيء آخر قد يكون له علاقة بالقربى النسبية. .

3-إنهم بعد أن أخبروه بالجدب في بلادهم طلبوا منه أن يدعو لهم، مؤكدين بذلك نظرتهم إلى الأنبياء، و توقعاتهم منهم. .

4-إن المعجزة قد تحققت، حيث سقاهم اللّه الغيث في نفس الساعة التي دعا لهم فيها، و قد أدركوا هم أنفسهم ذلك. .

و نضيف إلى النقاط المتقدمة ما يلي:

الكرامة صنع إلهي:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم ينسب نزول الغيث، و حصول الخصب إلى نفسه، بل قال: «الحمد للّه، الذي هو صنع ذلك» ، فالحمد ثناء على اللّه لأجل فعل اختاره سبحانه و تعالى، ليكون بمثابة استجابة لدعائه. . ثم أكد على نفس هذا المعنى و بطريقة تفيد التخصيص و الحصر به تعالى، حيث قال:

«هو» صنع ذلك. و لم يقل: «الذي» صنع ذلك. . و ذلك لكي لا يدخل في و هم أحد من قاصري النظر أي و هم يؤثر على سلامة اعتقاده، و ذهابه بهذا الأمر إلى أكثر مما يجوز فيه. .

قتل الدعاة إلى اللّه:

و لا شك في أن قتل بني مرة لذلك الأنصاري كان في غاية القبح، و من موجبات أعظم الخزي، فإنهم لم يقتلوا ذلك الرجل لذنب جناه، و لا لدفع ضرر يأتي من ناحيته، حتى و لو بمستوى أن يأكل من طعامهم، و لا طمعا في ماله، أو بغير ذلك مما يرتبط به. . كما أنهم لم يقتلوه لمجرد التلهي بسفك دمه. .

بل قتلوه لأنه يريد أن يعلمهم لكي يخرجهم من الظلمات إلى النور، و ينيلهم السعادة في الدنيا، و الفوز بجنات اللّه في الآخرة. و لأنه يحمل إليهم رسالة اللّه، و يرشدهم إلى الحق و الخير، و يدعوهم إلى الهدى. . فكان جزاؤه منهم أقبح و أخزى مما جوزي به سنمار. .

و قد أدرك الحارث بن عوف هذه الحقيقة، و أن شعر حسان بن ثابت من شأنه أن يفضح بني مرة في العرب، و يكون له عليهم أوخم العواقب، لا سيما و أن فعلتهم هذه قد جاءت في وقت انتصار الإسلام و انتشاره، و قوته، و ظهور بخوع العرب له، و التزامهم به، و هم يرون ثمرات إسلامهم أمنا و رفعة شأن، و صلاح أمور، و نشوء حضارة، و تخلصا من كثير من المشاكل. .

و إذا أصبحت فعلتهم هذه على ألسنة الشعراء، فتلك هي المصيبة العظمى، و الداء الذي لا دواء له، و لذلك طلب الحارث من النبي «صلى

اللّه عليه و آله» أن يكف عنه لسان حسان، فأجابه إلى ما طلب، رحمة و رأفة، و حسن تقدير، و صحة تدبير. .

وفود فزارة:

روى ابن سعد، و البيهقي عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي قال: لما رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك، و كانت سنة تسع، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، و الحر بن قيس بن حصن، و هو أصغرهم-و هم مسنتون-على ركاب عجاف، فجاؤوا مقرين بالإسلام. فنزلوا دار رملة بنت الحدث. و سألهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن بلادهم.

فقال أحدهم: يا رسول اللّه، أسنتت بلادنا، و هلكت مواشينا، و أجدب جنابنا، و غرث عيالنا، فادع لنا ربك يغيثنا، و اشفع لنا إلى ربك، و ليشفع لنا ربك إليك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سبحان اللّه، ويلك، هذا أنا أشفع إلى ربي عز و جل، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟

لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات و الأرض، فهي تئط من عظمته و جلاله كما يئط الرحل الجديد» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و 395 عن: دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 143 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 92 و البداية و النهاية ج 6 ص 100 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 206 و 211 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 129 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 305 و زاد المعاد لإبن قيم الجوزية ج 3 ص 569. و راجع: الدر المنثور ج 1 ص 329 و راجع ص 324 و 325 عن أبي الشيخ.

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن اللّه عز و جل ليضحك من شففكم، و أزلكم، و قرب غياثكم» .

فقال الأعرابي: يا رسول اللّه، و يضحك ربنا عز و جل؟

فقال: «نعم» .

فقال الأعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيرا (1).

فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قوله، و صعد المنبر، فتكلم بكلمات، و كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء. فرفع يديه حتى رئي بياض إبطيه.

و كان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك و بهائمك، و انشر رحمتك، و أحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مريئا، طبقا واسعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم اسقنا رحمة و لا تسقنا عذابا، و لا هدما، و لا غرقا، و لا محقا، اللهم اسقنا الغيث، و انصرنا على الأعداء» .

فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، فقال: يا رسول اللّه، التمر في المربد.

و في لفظ: المرابد.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و 395 و راجع ج 9 ص 443 و دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 315 و زاد المعاد لإبن قيم الجوزية ج 3 ص 569 و البداية و النهاية ج 6 ص 100.

فعاد أبو لبابة لقوله، و عاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لدعائه.

فعاد أبو لبابة أيضا، فقال: التمر في المربد يا رسول اللّه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا، حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره» (1).

قالوا: و لا و اللّه ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت.

قال: فلا و اللّه، ما رأينا الشمس سبتا.

و قام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره، لئلا يخرج التمر منه.

فجاء ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول اللّه، هلكت الأموال، و انقطعت السبل.

فصعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المنبر فدعا، و رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا و لا علينا، اللهم على الآكام و الظراب، و بطون الأودية، و منابت الشجر، فانجابت السحابة عن المدينة


1) الثاقب في المناقب للطوسي ص 90، و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 354، و دلائل النبوة للأصبهاني ج 2 ص 760، و تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 200، و أسد الغابة ج 5 ص 285، و البداية و النهاية لابن كثير ج 6 ص 100، و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 130، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 306، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و ج 9 ص 442، و السيرة الحلبية ج 3 ص 268، و غريب الحديث لابن سلام ج 3 ص 96، و لسان العرب ج 1 ص 238، و تاج العروس ج 1 ص 334.

انجياب الثوب» (1).

و نقول:

إن هذا النص قد تضمن أمورا أشرنا إليها في العديد من الموارد و مع ذلك نشير إلى ما يلي:

و يضحك ربنا:

قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن اللّه تبارك و تعالى يضحك، و قد تعجب الأعرابي من ذلك، حيث وجد فيه ما يصادم فطرته و يناقض حكم عقله. .

و قد تحدثنا حين ذكر وفود أبي رزين عن هذا الموضوع، و بيّنا: أنه من دسائس أهل الكتاب القائلين بالتجسيم الإلهي، و كانوا مهتمين بإشاعة عقائدهم بين المسلمين، و كان كثير من المسلمين مبهورين بهم، آخذين عنهم، و قد تكلم عن هذا الموضوع أيضا الشيخ محمود أبي ريّا في كتابه: «أضواء على السنة المحمدية» . و كتاب «شيخ المضيرة (أبو هريرة)» . فلا بأس بمراجعة ما قال.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 394 و 395 إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 130، و المجموع للنووي ج 5 ص 96، و فتح الوهاب للأنصاري ج 1 ص 153، و المغني لابن قدامه ج 2 ص 298، و الشرح الكبير لابن قدامه ج 2 ص 298، و نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 40، و بدائع الصنائع للكاشاني ج 1 ص 283، و سبل السلام للكحلاني ج 2 ص 81، و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 83.

سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله عن حال بلاد فزارة:

و قد لاحظنا هنا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سأل وفد فزارة عن حال بلادهم، فأخبروه بمعاناتهم، و طلبوا منه أن يدعو لهم اللّه ليغيثهم، و يشفع لهم عند ربهم.

فدعا «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزل الغيث، حتى شكوا ذلك إليه، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم حوالينا و لا علينا الخ. .» فانجابت السحابة عن المدينة انجياب الثوب. .

و لسنا بحاجة إلى إعادة ما قلناه: من أن ذلك يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يعرفهم معنى النبوة، و يفهمهم أنه معني بقضاياهم، فهو ليس مجرد رسول يبلغهم ما جاء به، و ينتهي الأمر عند هذا الحد. .

كما أن ذلك الوفد قد عبر عن إيمانه بأن الأنبياء يشفعون عند اللّه. . و طلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يطلب من ربه أن يتولى حل مشكلاتهم. .

فاستجاب «صلى اللّه عليه و آله» لمطلبهم.

أين نزل المطر؟ ! :

لقد صرحت الرواية: بأن سحابة قد جاءت من جهة سلع، مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت. مما يعني: أن المطر قد نزل في المدينة، مع أن المحتاجين إلى المطر هم بنو فزارة، و إنما يسكنون بين

خيبر و فدك، و منطقة جنفا هي أحد مياههم هناك (1).

ليشفع ربك إليك:

ذكرت الرواية المتقدمة: أنهم قالوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و اشفع لنا إلى ربك، و ليشفع لنا ربنا إليك» .

فاستنكر «صلى اللّه عليه و آله» قولهم هذا، قائلا: «فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات و الأرض، فهي تئط من عظمته و جلاله كما يئط الرحل الجديد. .» .

و نقول:

إننا لا نرتاب في: أن هذا النص مكذوب على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن قولهم هذا ليس فيه أي اشكال. إذا كانوا يرون: أنهم قد أذنبوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتكذيبهم إياه، و ممالأتهم عدوه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 169، و المجموع للنووي ج 5 ص 96، و المغني لابن قدامه ج 2 ص 297، و الشرح الكبير لابن قدامه ج 2 ص 297، و سبل السلام للكحلاني ج 2 ص 81، و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 82، و صحيح البخاري ج 2 ص 16، و صحيح مسلم ج 3 ص 24، و سنن النسائي ج 3 ص 162، و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 355، و فتح الباري ج 2 ص 419، و عمدة القاري للعيني ج 7 ص 38، و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 560، و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 145، و شرح معاني الآثار ج 1 ص 322، و كتاب الدعاء للطبراني ص 297، و الأذكار النووية ص 183، و نصب الراية للزيلعي ج 2 ص 283، و البداية و النهاية ج 6 ص 96 و 100 و 311، و إمتاع الأسماع ج 5 ص 120.

عليه، فشعروا أنهم بحاجة إلى من يشفع لهم عنده. و هذا نظير من يقسم على غيره باللّه أو برسول اللّه، لكي يعفو عن إساءته أو ليقضي حاجته. . أو يجعل اللّه شافعا له عنده، و وسيلة إليه من أجل ذلك. .

و يكفي أن يكون هذا المعنى من محتملات كلامهم هذا، فما معنى أن يواجههم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالملامة و التقريع بهذه الصورة؟ !

ألا يدل ذلك على: أن نسبة هذا الأمر له «صلى اللّه عليه و آله» غير صحيحة؟ !

إعتراض أبي لبابة على اللّه و رسوله:

و يواجهنا في النص المتقدم: إصرار أبي لبابة على الإعتراض ثلاث مرات على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و هذا ما لا يمكن قبوله من صحابي مؤمن بنبوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعصمته، و حكمته، و بأنه: مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ (1).

فما معنى: أن يراجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عدة مرات، و لماذا لا يرضى بما يرضاه اللّه و رسوله؟ !

عري أبي لبابة:

ثم ما معنى قول الرواية: فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا، يسد ثعلب مربده» . فكان كما قال. . حيث قام عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره؟ ! إذ متى تعرّى أبو لبابة. . حتى اضطر إلى


1) الآية 3 من سورة النجم.

القيام عريانا؟ ! فإن الوقت كان قصيرا جدا. .

فإن السحاب قد لبّى الطلب، و بدأ هطول الأمطار مباشرة. . إلا إن كان أبو لبابة قد حضر بين ذلك الجمع، و هو عريان! !

و ألم يسمع أبو لبابة كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» و حديثه عن عريه؟ ! فلما ذا لم يحتط لنفسه، و يبقى لابسا ثيابه؟ !

إلا أن يكون غير مؤمن بأن اللّه سوف يستجيب دعاء نبيه الكريم «صلى اللّه عليه و آله» .

و لو أنه لم يكن مصدقا بذلك، فلما ذا اعترض على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مرات؟ !

اللهم حوالينا. . لا علينا:

و حول دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «اللهم حوالينا، و لا علينا. اللهم على الآكام و الظراب، و بطون الأودية و منابت الشجر» ، فانجابت السحابة الخ. . نقول:

إن ذلك يشير إلى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يمارس التصرف في أمور ترتبط بالظواهر الكونية العامة، فيطلب الناس منه المطر، فيلبي طلبهم، و يأتيهم به، ثم يطلبون منه الصحو في مكان، و حصر المطر في غيره، فيلبي طلبهم أيضا. .

و لم يقل لمن كانوا يطلبون منه هذه التصرفات: إن هذا ليس من صلاحياتي، بل أنا مجرد رسول، و معلم للشريعة، و مربّ، و سياسي، و مصلح اجتماعي، و قاضي، و قائد جيوش، أو نحو ذلك. .

كما أن الناس كانوا على اختلاف أذواقهم، و مشاربهم، و ثقافاتهم، و مواضع سكناهم، و طبقاتهم الإجتماعية، يرون: أن هذا الذي يطلبونه منه «صلى اللّه عليه و آله» هو من حقهم و أن المفروض بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يلبي طلبهم. .

كان لا يرفع يديه في الدعاء:

زعم النص المتقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء. و مثله في الصحيحين من حديث أنس (1).

و لكن ذلك غير دقيق، فقد قال الزرقاني: إن العسقلاني قال: هو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع (أي برفع اليدين) في غير الإستسقاء.

و في سبل السلام: أن المراد به المبالغة في الرفع و أنه لم يقع إلا في الإستسقاء (2).

و قد تقدم: أنها كثيرة، و أفردها البخاري بترجمته في كتاب الدعوات، و ساق فيه عدة أحاديث. .

فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى. و حمل حديث أنس على نفي رؤيته. و ذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره. .

و ذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس لأجل الجمع، بحمله على نفي


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 209، و عمدة القاري ج 7 ص 52 و ج 16 ص 114، و الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 1 ص 152، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 20 ص 433، و سنن الدارمي ج 1 ص 361.

2) سبل السلام ج 4 ص 219.

الرفع البالغ إلا في الإستسقاء، و يدل عليه قوله: حتى رؤي الخ. .

و يؤيده: أن غالب الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الدعاء: المراد به مدّ اليدين و بسطها عند الدعاء. و كأنه عند الإستسقاء زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، و به حينئذ يرى بياض أبطيه.

أو على صفة اليدين في ذلك، لما في مسلم عن أنس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استسقى، فأشار بظهر كفه إلى السماء. .

و لأبي داود عن أنس: كان يستسقي هكذا، و مد يديه، و جعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه. .

قال النووي: قال العلماء: السّنّة في كل دعاء لرفع بلاء: أن يرفع يديه جاعلا ظهور كفيه إلى السماء، و إذا دعا بسؤال شيء و تحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء الخ. .

و تعقب الحمل الثاني: بأنه يقتضي أنه يفعل ذلك، و إن كان استسقاؤه للطلب كما هنا، مع أنه نفسه ذكر: أن ما كان لطلب شيء كان ببطون الكفين إلى السماء. .

و الظاهر: أن مستند هذا استقراء حاله «صلى اللّه عليه و آله» في دعاء الإستسقاء و غيره (1). .

و نقول:

إن خير كلمة نقولها هي:

إننا لم نزل نسمع: أن الفاخوري يضع أذن الجرّة في المكان و بالكيفية


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 210.

التي تروق له. . و لكن الفاخوري-و هو الزرقاني هنا-قد عجز عن الإمساك بالجرّة و بأذنها، لأن مرض الرعاش قد أسقطهما من يده فتحطمتا بمجرد محاولته الإمساك بهما، فلم يعد هناك من جرّة تحتاج إلى أذن. . و لا تجد بعد أذنا لتبحث لها عن جرّة. .

و خلاصة القول: إن ما ذكره الزرقاني من وجوه جمع و تأويلات و افتراضات لا يسمن و لا يغني من جوع. . بل هو مضر جدا، لأنه يفسح المجال أمام أهل الأهواء ليتلاعبوا بالنصوص، من دون أي وازع أو رادع، لأن هذه التأويلات و الوجوه التي ذكرها، ما هي إلا افتراضات و احتمالات لا شاهد لها، و لا تستطيع ألفاظ الحديث أن تدل أو أن تشير إلى شيء منها. .

فإذا جاز التعلق بمثل هذه الإفتراضات و التأويلات، فسيكون بالإمكان تحريم الحلال و تحليل الحرام، و قلب الأمور رأسا على عقب في مختلف المواضع، إذ لا يعقل أن تكون باء هؤلاء تجرّ، و باء غيرهم لا تجرّ، فإن الباء باء أينما كانت، و حيثما وجدت.

فإذا قيل: كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الإستسقاء. . فلا يمكن تفسير هذا بأنه كان لا يرفع يديه رفعا بالغا.

كما لا يصح القول: بأن المراد أن المتكلم لم يره يفعل ذلك. .

كما أنه لا يدل على ذلك كون المراد برفع اليدين مدهما و بسطهما في غالب أحاديث رفع اليدين. . إذ من الذي قال: إن المراد بالرفع في تلك الأحاديث هو: المد و البسط، فإن الرفع يصدق على هذا المستوى من الرفع، و على غيره، فما الذي أوجب تعيّن هذه المرتبة من الرفع دون سواها. .

و أما حمل رفع اليدين في الإستسقاء على إرادة الإشارة بظهر كفية إلى

السماء، و جعل بطونهما إلى الأرض فهو لا يحل المشكلة، فإن رفع اليدين الذي أثبته أو نفاه يصدق على كل رفع لهما سواء أكانت بطون الكفين حال الرفع إلى جهة السماء، أو إلى جهة الأرض، فالرفع منفي في هذه الرواية بجميع أشكاله و مثبت في غيرها. . و ليس في المنفي و المثبت إشارة إلى خصوصية في هذا أو في ذاك. .

وفود بني كلاب:

عن خارجة بن عبد اللّه بن كعب قال: قدم وفد بني كلاب في سنة تسع على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم ثلاثة عشر رجلا فيهم لبيد بن ربيعة، و جبّار بن سلمى، فأنزلهم دار رملة بنت الحدث، و كان بين جبار و كعب بن مالك خلة، فبلغ كعبا قدومهم فرحب بهم، و أهدى لجبار و أكرمه، و خرجوا مع كعب، فدخلوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلموا عليه بسلام الإسلام، و قالوا: إن الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب اللّه و بسنتك التي أمرت بها، و إنه دعانا إلى اللّه، فاستجبنا للّه و لرسوله، و إنه أخذ الصدقة من أغنيائنا، فردها على فقرائنا (1).

و نقول:

1-إن هذا الوفد قد أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بسيرة الضحاك في بني كلاب، إذ إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما رجع من الجعرانة بعثه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 401 عن ابن سعد في الصبقات الكبرى (ط ليدن) ج 2 ص 64.

على بني كلاب يجمع صدقاتهم (1).

و روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إليه أن ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها (2).

و قال ابن سعد: كان ينزل نجدا في موالي ضرية، و كان واليا على من أسلم هناك من قومه (3).

و بعثه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا عينا إلى قومه يتجسس أخبارهم (4).

و لعله ولاه على من أسلم، و جعله عينا على من لم يسلم، ليخبره بكل تحركاتهم التي تعني المسلمين بنحو أو بآخر.

2-إن ما قاله الوفد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يؤيد أن الضحاك لم يكن مجرد جامع للصدقات بل هو كان يتولى أمورهم، و يسير فيهم بكتاب اللّه، و سنة نبيه، و كان يدعو الناس إلى الإسلام، و قد استجاب له فريق من قومه، و منهم الوفد الذي نتحدث عنه.


1) الإصابة ج 2 ص 206.

2) الإصابة ج 2 ص 206، و المجموع للنووي ج 18 ص 437، و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 166، و المغني لابن قدامه ج 11 ص 457، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 883، و سنن الترمذي ج 3 ص 288، و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 373، و الآحاد و المثاني ج 3 ص 166، و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 78، و المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 300، و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 133، و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 7، و أسد الغابة ج 1 ص 99.

3) الإصابة ج 2 ص 206.

4) النهاية لابن الأثير.

3-إن مبادرة الوفد لإعلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأمر يشير إلى رضاهم و سعادتهم به، و أنهم يشعرون بقيمة الإلتزام بأحكام الكتاب، و سنة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و ما إلى ذلك لأنهم عاينوا عن قرب الفرق الشاسع بين ما كانوا عليه و ما صاروا إليه. . فهم يتحسسون لذة هذا الواقع الجديد، و هم مشدودون إليه بكل وجودهم. .

وفود الداريين:

قالوا: قدم وفد الداريين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منصرفه من تبوك، و هم عشرة نفر، منهم: تميم، و نعيم ابنا أوس، و يزيد بن قيس بن خارجة، و الفاكه بن النعمان بن جبلة، و أبو هند، و الطيب ابنا ذر، و هو عبد اللّه بن رزين، و هانئ بن حبيب، و عزيز و مرة ابنا مالك بن سواد بن جذيمة. فأسلموا، و سمى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الطيب: عبد اللّه، و سمى عزيزا: عبد الرحمن.

و أهدى هانئ بن حبيب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أفراسا و قباء مخوصا بالذهب، فقبل الأفراس و القباء، (و أعطاه العباس بن عبد المطلب)، فقال: «ما أصنع به» ؟

قال: انتزع الذهب، فتحلّيه نساءك، أو تستنفقه، ثم تبيع الديباج فتأخذ ثمنه.

فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم.

و قال تميم: لنا جيرة من الروم، لهم قريتان يقال لإحداهما: حبرى، و الأخرى: بيت عينون، فإن فتح اللّه عليك الشام فهبهما لي.

قال: «فهما لك» . فلما قام أبو بكر أعطاه ذلك، و كتب له به كتابا (1).

و أقام وفد الداريين حتى توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أوصى لهم بجادّ (و هو النخل الذي يجد. أي تقطع ثمرته) مائة وسق أي من خيبر (2).

و نقول:

لماذا تغيير الأسماء؟ ! :

ذكرت الرواية المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد غير اسم الطيب إلى عبد اللّه، و سمى عزيزا عبد الرحمن، و نحن نشك في ذلك، إذ:

1-لماذا لم يغير اسم مرة أيضا، مع أن المروي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أن أقبح الأسماء حرب و مرة، و في نص آخر: شر الأسماء: ضرار، و مرة، و حرب، و ظالم (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 334 عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 107 و في (ط دار صادر) ج 1 ص 344 و راجع: الإصابة ج 3 ص 566 و 561، و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 63.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 334 و أسد الغابة ج 5 ص 118 و الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 75 و المغازي للواقدي ج 2 ص 695 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 367 و 368، و نيل الأوطار ج 5 ص 37 و ج 6 ص 145 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 266 و فتح الباري ج 5 ص 269 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 283 و ج 14 ص 484 و راجع: الإصابة ج 6 ص 526.

3) السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 306 و سنن أبي داود ج 2 ص 307 و الإستيعاب ترجمة أبي وهب ج 4 ص 1775 و زاد المعاد لابن القيم ج 1 ص 258 و 260 و البحار ج 101 ص 127 و الخصال ج 1 ص 171 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 131.

و روي: أن أبا مرة هي كنية إبليس (1).

2-إننا نلاحظ: أن أكثر الموارد التي زعموا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد غيّر فيها الأسماء، كان الاسم الذي اختاره فيها هو «عبد الرحمن» ، و لا ندري سر التركيز على هذا الاسم دون سواه، فهل هذا من التسويق السياسي لاسم بعينه أحبه الرواة، لأجل قيامه بعمل كبير أثلج صدورهم؟ !

ككونه قتل غدرا إماما يعتبرونه عدوا لهم كان يصلي في مسجد الكوفة، و لم يكونوا قادرين على الجهر بحب هذا القاتل إلا بهذه الطريقة؟ !

3-لماذا غيّر «صلى اللّه عليه و آله» اسم الطيب؟ هل كان هذا من الاسماء القبيحة التي كان يغيرها؟ (2). أليس هذا من الأسماء الحسنة التي ورد الحث على التسمية بها؟ ! (3). و ألم يكن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ولد


1) تاج العروس ج 2 ص 539 و لسان العرب ج 7 ص 18 و قاموس اللغة ج 2 ص 133 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 131 عن الكافي (الفروع) ج 2 ص 87، و الغدير ج 6 ص 313.

2) البحار ج 23 ص 122 و ج 101 ص 127 و قرب الإسناد ص 45(ط حجرية) و الوسائل ج 15 ص 124 عنه أيضا.

3) سنن أبي داود ج 2 ص 307 و سنن البيهقي ج 9 ص 306 و مصابيح السنة ج 2 ص 148 و مجمع الزوائد ج 8 ص 47 و زاد المعاد لابن القيم ج 1 ص 258 و البحار ج 101 ص 131 و عدة الداعي ص 60 و مكارم الأخلاق ص 220 و الجعفريات ص 189 و فقه الرضا ص 31 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 127 و 128 و 132 و عن لب اللباب للراوندي، و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 15 ص 122 و 123 و 124 و في هامشه عن: الكافي ج 2 ص 86 و 87 و عن التهذيب للشيخ الطوسي ج 2 ص 236 و عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 241.

اسمه الطيب؟ ! (1). و قد ولد له «صلى اللّه عليه و آله» بعد البعثة.

تاريخ وفادة الداريين:

زعموا: أن الداريين وفدوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة، فقد ذكروا: أن تميم الداري و أخاه نعيم الداري و أربعة آخرين وفدوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة، و طلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعطيهم أرضا من أرض الشام، فتشاوروا فيما بينهم فسألوه بيت جيرون و كورتها، فكتب لهم بها.

ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت (2).

و نقول:

إن هذه الرواية تتناقض مع ما قدمناه، لأن هذه الرواية تقتضي أن الداريين أسلموا قبل الهجرة، مع أن ما قدمناه يتضمن التصريح بأنهم قد أسلموا سنة تسع.


1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 307 و راجع: إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 146 و عيون الأثر (ط دار الحضارة) ج 2 ص 363 و 364 و البدء و التاريخ ج 4 ص 139 و ج 5 ص 16 عن كتاب ابن إسحاق، و الإستيعاب ج 4 ص 1818، و تفسير القرطبي ج 14 ص 243.

2) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 517 و 518 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 240 و عن السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 7 و صبح الأعشى ج 13 ص 125 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 144 و كنز العمال ج 3 ص 527 و عن ابن عساكر ج 3 ص 355.

و لو قبلنا أن الداريين قد وفدوا إليه «صلى اللّه عليه و آله» مرتين، فالسؤال هنا هو: لماذا تأخرت وفادتهم الثانية إلى سنة تسع بعد الهجرة، مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: «انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت» .

فهل هم لم يسمعوا بهجرته طيلة هذه السنين؟ ! أو أنهم سمعوا بها و تهاملوا في تنفيذ أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! أو أنهم نسوا هذا الأمر، ثم تذكروه بعد كل هذه السنين، و ما هو الشاهد على أي من هذه الإحتمالات أو غيرها؟ ! نقول هذا، لأننا نستبعد أن يفدوا إليه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في مكة: و لو أنهم فعلوا ذلك لوجدت المشركين يتحلقون حولهم، و يضايقونهم و يؤذونهم، و لكان ذلك قد تناقلته الرواة على نطاق واسع.

إقطاع قريتين لتميم:

و لابد من الإشارة هنا إلى أن إقطاع قريتين معمورتين، و لهما أهل لتميم و لمن معه ليس بالأمر الذي يمكن قبوله بعفوية و سذاجة، و ذلك للأسباب التالية:

أولا: لأن الإقطاع إنما كان للأرض الموات و نحوها مما هجره أهله، إذ لا معنى لإعطاء قريتين لهما غلة حاضرة، و نفع ظاهر لرجل واحد، و حرمان سائر المسلمين منهما، فكيف إذا كان ذلك قبل أن تفتح تلك البلاد، و قبل أن يأخذها المسلمون.

ثانيا: من الذي يضمن أن تصبح هاتان القريتان في قبضة المسلمين بحيث يصح منحهما لهذا أو ذاك، إذ لعل أهلها يسلمون عليها، و تبقى لهم و في يدهم.

ثالثا: إن النص المتقدم يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى بيت عينون، و حبرى أو جيرون لتميم الداري (1). و نص الكتاب في بعض صيغة يقتصر على ذكر تميم أيضا (2).

مع أن ثمة نصوصا لكتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإعطائهم تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى القريتين للداريين (3).


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 344 و 267 و ج 7 ص 408، و راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 507 نقلا عن: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 258، و أسد الغابة (ترجمة تميم الداري) ، و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 63، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 443، و فتوح البلدان للبلاذري ج 1 ص 153، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 612، و تاج العروس ج 6 ص 235.

2) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 510 و 511 عن صبح الأعشى ج 13 ص 128.

3) مكاتيب الرسول ج 3 ص 505، و قد ذكر أيضا المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 240 و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 7 و المناقب لابن شهر آشوب (ط حجري) ج 1 ص 76 و في (ط قم) ج 1 ص 112 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 71 و 72 و صبح الأعشى ج 13 ص 126 و 127 و 128 و 129 و المواهب اللدنية شرح الزرقاني ج 3 ص 358 و كنز العمال ج 2 ص 190 و ج 14 ص 322 و 323 و في (ط أخرى) ج 3 ص 527 و 69 و ج 5 ص 318 و رسالات نبوية ص 126 و المعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 47 و البحار ج 18 ص 135(عن المناقب) و مآثر الأنافة ج 3 ص 210 و 211 و 212 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 143 و 144 و 152 و نشأة الدولة الإسلامية ص 366 و مجموعة الوثائق السياسية ص 129/43 و 130/44 عن المواهب اللدنية ج 1 ص 296 و عن دحلان، و رسالات نبوية، و الضوء الساري لمعرفة خبر تميم الداري للمقريزي ورقة 88-ب (مخطوطة پاريس) و ورقة 90 و السيرة الحلبية، ثم قال: قابل الإصابة (إلى أبي هند الداري) ، و التمهيد لتقي الدين السبكي، و بحث إقطاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» لتميم الداري. و الأموال لأبي عبيد ص 388 و 389 و فتوح البلدان ص 176 و مجمع الزوائد ج 6 ص 8 و الفضل العميم في إقطاع بني تميم للسيوطي خطية في مدارس بالهند و في مصر، و الجمهرة لابن حزم ص 422 و الإشتقاق لابن دريد ص 377. و معجم البلدان ج 2 ص 212 و 213 في «حبرون» و الخراج لأبي يوسف ص 234 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 617 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 3 ص 354 و 355 و 356 و 357 و إعلام السائلين ص 50 و جامع مسانيد الإمام الأعظم ج 1 ص 53 و مدينة البلاغة ج 2 ص 256 و الأعلام للزركلي ج 2 ص 87 و راجع أسد الغابة ج 4 ص 319. و ج 1 ص 215 و ج 3 ص 69 و ج 5 ص 318 و عن الخرائج لأبي يوسف ص 132 و مجموعة المكتوبات النبوية للديبلي ص 8 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 75 و 21 و 22 و ج 7 ق 2 ص 129.

رابعا: لعل البلد يفتح عنوة و بسيوف المسلمين، فلا يكون حكمه حكم ما أفاء اللّه على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» من دون أن يوجف عليه بخيل و لا ركاب، بل لا بد من أن يستفيد منه المسلمون الفاتحون أيضا. .

خامسا: قد لاحظنا: أن بعض نصوص الكتاب الذي زعموا أنه «صلى اللّه عليه و آله» كتبه للداريين يتضمن أخطاء في النحو، لا يمكن أن تصدر عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كقوله: إني أنطيكم بيت عينون، و جيرون، و المرطوم، و بيت إبراهيم عليه الصلاة و السلام برمتهم، و جميع ما فيهم. . مع أن الصحيح هو أن يقول: «برمتها و جميع ما فيها» (1).


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 509.

سادسا: هناك اختلافات كبيرة بين نصوص الكتاب، فمثلا تارة يقول: إنه لتميم، و أخرى: أنه له و لذريته، و ثالثة يقول: هو لتميم و إخوته، و رابعة: للدارين الخ. .

و تارة يقول: إن الكاتب هو شرحبيل بن حسنة.

و أخرى يقول: هو معاوية.

و ثالثة يقول: هو علي «عليه السلام» . .

و تارة يقول: إنه كتب الكتاب لتميم.

و أخرى: إنه كتبه لنعيم بن أوس الداري (1).

و سائر الإختلافات بين نصوص الكتاب تعرف بالمراجعة و المقارنة. .

سابعا: قد ذكر في الشهود اسم عتيق بن أبي قحافة.

فإن كان هذا إشارة إلى ما زعموه من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد لقبه بذلك لكونه عتيقا من النار، فنقول فيه:

لو سلمنا بأن إثبات هذه الفضيلة ممكن، فإنه لا يستحسن من الإنسان أن يوقع على الوثائق بما فيه مدح و ثناء على نفسه.

و إن كان قد أطلق عليه لعتاقة وجه أبي بكر و جماله، فقد قدمنا في هذا الكتاب: أن أبا بكر لم يكن له حظ من شيء من الجمال، مهما كان ضئيلا، بل كان على عكس ذلك تماما. .

ثامنا: هذا كله عدا عن أن في جملة الشهود المذكورين الخلفاء الأربعة، و قد وردت أسماؤهم مرتبة حسب توليهم للخلافة، و هو أمر يوجب


1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 516 و 517.

الريب بلا شك.

تاسعا: إن بعض نصوص الكتاب قد صرحت: بأن من آذى الداريين فقد آذى اللّه، و هذا معناه: أنهم قد بلغوا درجة العصمة. لأن غير المعصوم قد يؤذي، لأجل منعه من ارتكاب المعاصي، أو لأجل أخذ الحق منه. .

فإن كان يحرم إيذاؤه مطلقا، فإما أن يكون الحق أصبح باطلا، و الطاعة معصية، أو أن اللّه تعالى يرضى بالباطل و بالمعصية و يحبهما و العياذ باللّه.

عاشرا: قد ذكرت بعض نصوص الكتاب: قوله و نفذت و سلمت ذلك لهم، و لأعقابهم، فكيف نفذ ذلك و سلمها للداريين، و الحال أن تلك القرى كانت لا تزال بيد أهلها.

وفود طيء مع زيد الخيل:

و في سنة تسع جاء وفد طيء (1).

و كانوا: خمسة عشر رجلا، رأسهم و سيدهم زيد الخيل بن مهلهل من بني نبهان، و فيهم وزر بن جابر بن سدوس، و قبيصة بن الأسود بن عامر من جرم طيء، و مالك بن عبد اللّه بن خيبري من بني معن، و قعين بن خليف من جديلة، و رجل من بني بولان.

فدخلوا المدينة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ثم دخلوا، فدنوا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ،


1) راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 563 و الإصابة ج 1 ص 572 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 157، و عمدة القاري ج 18 ص 8، و الإستيعاب ج 2 ص 559.

فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا و حسن إسلامهم، و أجازهم بخمس أواق فضة كل رجل منهم، و أعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية و نشا.

زاد في الروض الأنف قوله: و كتب لكل واحد منهم على قومه إلا وزر بن سدوس، فقال: إني أرى رجلا تملّك رقاب العرب. و اللّه لا يملك رقبتي عربي أبدا، ثم لحق بالشام و تنصر، و حلق رأسه (1).

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما ذكر رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلا ما كان من زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» (2).

و سماه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زيد الخير، و قطع له فيد و أرضين، و كتب له بذلك كتابا، و رجع مع قومه. و في لفظ: فخرج به من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راجعا إلى قومه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه» ، أي فإنه قد نال مراده أو نحو ذلك.

فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له: فردة-و في لفظ فرد- أصابته الحمى بها فمات هناك، و عمدت امرأته بجهلها و قلة عقلها إلى ما


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 158 و الروض الأنف ج 4 ص 227، و الإصابة ج 6 ص 478، و الأعلام للزركلي ج 8 ص 115، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 255.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 358 عن ابن سعد، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 158 و الروض الأنف ج 4 ص 227، و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 519، و تاريخ الطبري ج 2 ص 399، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 299.

كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب له به فحرقته بالنار (1).

قال في زاد المعاد، و في العيون: لما أحس بالموت أنشد يقول:

أمر تحل قومي المشارق غدوةو أترك في بيت بفردة منجد

ألا رب يوم لو مرضت لعادنيعوائد من لم يبر منهن يجهد

و ذكر ابن دريد عن أبي محسن أن زيدا أقام بفردة ثلاثة أيام و مات، فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سنة، ثم وجه براحلته و رحله و فيها كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما رأت امرأته الراحلة ليس عليها زيد ضرمتها بالنار، فاحترقت و احترق الكتاب (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 358 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 158 و راجع: الإصابة ج 3 ص 573 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 312 عن: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 839 و رسالات نبوية ص 19 و السيرة الحلبية ج 3 ص 253 و السيرة النبوية لدحلان (بهامشه) ج 3 ص 24 و الإصابة ج 1 ص 573/2941 و أسد الغابة ج 2 ص 241 و 242 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 563 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 36 و 37 و البداية و النهاية ج 5 ص 63 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 59 و في (ط بيروت) ج 1 ص 321 و الأغاني ج 17 ص 249 و المفصل ج 7 ص 148 عن تاج العروس في «خيل» و ج 4 ص 220 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 145 و الروض الأنف ج 4 ص 227. و الوثائق السياسية:302/201(عن الطبقات، و سيرة ابن هشام، و الطبري، و الإصابة، و صحيح البخاري، و الإستيعاب، ثم قال: انظر كايتاني 10:35 و 39 و اشپرنكر 3:387 و 946 و 947) .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 358 عن ابن دريد، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 159 و الإصابة ج 3 ص 573، و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 312 عن:21:365 و تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 839 و رسالات نبوية ص 19 و السيرة الحلبية ج 3 ص 253 و دحلان بهامشه ج 3 ص 24 و الإصابة ج 1 ص 573/2941 و أسد الغابة ج 2 ص 241 و 242 و الاستيعاب هامش الإصابة ج 1 ص 563 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 36 و 37 و البداية و النهاية ج 5 ص 63 و الطبقات ج 1 ق 2 ص 59 و في (ط بيروت) ج 1 ص 321 و الأغاني ج 17 ص 249 و المفصل ج 7 ص 148 عن تاج العروس في «خيل» و ج 4 ص 220 و الطبري ج 3 ص 145 و الروض الأنف ج 4 ص 227. و الوثائق ص 302/201(عن الطبقات و سيرة ابن هشام و الطبري و الإصابة و صحيح البخاري و الاستيعاب ثم قال: انظر كايتاني ج 10 ص 35 و 39 و اشپرنكر ج 3 ص 387 و 946 و 947) . .

و عن أبي سعيد الخدري: أن عليا كرم اللّه وجهه «بعث إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، فقسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، و أقرع بن حابس، و زيد الخيل، و علقمة بن غيلان» (1).

و عن عبد اللّه بن مسعود قال: كنا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأقبل راكب، فأناخ، فقال: يا رسول اللّه، إني أتيتك من مسيرة تسع،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 358 عن البخاري، و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 5 ص 326(4351) و مسلم ج 2 ص 742(144/1064) و راجع: الإصابة ج 1 ص 572 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 158 و الدر المنثور ج 3 ص 251 عن البخاري، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و المحلى لابن حزم ج 11 ص 220، و عمدة القاري ج 18 ص 7، و البداية و النهاية ج 5 ص 123، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 206.

أنضيت راحلتي، و أسهرت ليلي، و أظمأت نهاري لأسألك عن خصلتين أسهرتاني.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما اسمك» ؟

فقال: أنا زيد الخيل.

قال: «بل أنت زيد الخير، فسل، فرب معضلة قد سئل عنها» .

فقال: أسألك عن علامة اللّه فيمن يريد، و عن علامته فيمن لا يريد.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «كيف أصبحت» ؟

فقال: أصبحت أحب الخير و أهله، و من يعمل به، و إن عملت به أيقنت بثوابه، و إن فاتني منه شيء حننت إليه.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «هذه علامة اللّه فيمن يريد، و علامته فيمن لا يريد، و لو أرادك بالأهدى هيأ لك لها ثم لا تبالي من (في) أي واد هلكت» . و في لفظ «سلكت» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 359 عن ابن شاهين، و ابن عدي، و ابن عساكر، و في هامشه عن: حلية الأولياء ج 4 ص 109 و راجع ج 1 ص 376، و ذكره الهيثمي في المجمع ج 7 ص 197، و عزاه للطبراني، و قال: و فيه عون بن عمارة و هو ضعيف، و ذكره المتقي الهندي في الكنز (30808) ، و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 37، و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 181، و المعجم الكبير للطبراني ج 10 ص 202، و ضعفاء العقيلي ج 1 ص 146، و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 520، و أسد الغابة ج 2 ص 242، و الإصابة ج 2 ص 514. و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 158 عن ابن شاهين، و ابن عدي، و راجع: الإصابة ج 1 ص 572.

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم الوقفات التالية:

متى غير اسم زيد الخيل؟ ! :

إن الرواية ذكرت أن زيد الخيل جاء يسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن خصلتين فسأله «صلى اللّه عليه و آله» عن اسمه أيضا، فأخبره به فغيّره إلى زيد الخير.

و ظاهر هذه الرواية: أنه قد جاء إليه وحده و لم يكن معه وفد، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد رآه، لأنه سأله عن اسمه، و لازم ذلك أن يكون معروفا لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين جاء في وفد طيء، و أن يكون اسمه قد غيّر قبل مجيئه مع وفد طيء. .

فما معنى قولهم: إنه قد غيّر اسمه حين جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع الوفد المذكور؟ !

عظمة زيد عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ثم إننا لا ندري ما الذي لفت نظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» في شخصية زيد، حتى قال: ما ذكر رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي، إلا ما كان من زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه.

هل رآه متميزا بعلمه، أم بأخلاقه أم بشجاعته، أم بعقله، أم بضخامة جثته.

إننا لم نجد في التاريخ ما يشير إلى امتيازه في شيء في ذلك، فكيف إذا رأيناه لا يرضى بالإسلام دينا حتى اعتبره «صلى اللّه عليه و آله» في المؤلفة قلوبهم.

ثناء النبي على زيد الخيل:

قرأنا فيما تقدم ثناء نبويا عاطرا على زيد الخيل، مع العلم بأن الحديث المتقدم عن ابي سعيد الخدري قد صرح بأن زيد الخيل كان من المؤلفة قلوبهم، و ذلك مروي في صحاح أهل السنة. . مما يعني: أن هذا الثناء مكذوب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و قد حاول الزرقاني أن يرد على ذلك: بأن قدوم زيد الخيل في وفد طيء كان سنة تسع.

فقد قال: «هذا يرد على ما في النور: أن زيدا كان من المؤلفة، لأن المؤلفة من أعطي من غنائم حنين. و كان ذلك سنة ثمان. و قد تقدم: أن الحافظ نقله في سردهم عن التلقيح لابن الجوزي، و أن الشامي توقف فيه بأنه لم يره في نسختين من التلقيح.

و يقوي ذلك ما في الروض، من رواية أبي علي البغدادي: قدم وفد طيء، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، و دخلوا، و جلسوا قريبا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث يسمعون صوته. .

فلما نظر «عليه السلام» إليهم، قال: إني خير لكم من العزى، و من الجمل الأسود الذي تعبدون من دون اللّه، و مما حازت مناع، من كل ضار غير نفاع.

فقام زيد زيد الخيل، و كان من أعظمهم خلقا، و أحسنهم وجها و شعرا، و كان يركب الفرس العظيم الطويل فتخط رجلاه في الأرض كأنه حمار.

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا يعرفه: الحمد للّه الذي أتى بك من حزنك و سهلك، و سهّل قلبك للإيمان. ثم قبض على يده فقال: من أنت؟ !

فقال: أنا زيد الخيل بن مهلهل، أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك عبد اللّه و رسوله.

فقال له: بل أنت زيد الخير. ما خبرت عن رجل قط شيئا إلا رأيته دون ما خبرت عنه غيرك (1).

و نقول:

أولا: إن حديث كونه من المؤلفة قلوبهم أصح عندهم من غيره، فلما ذا عدل عنه الزرقاني إلى الأخذ بالحديث الضعيف؟ ! . .

ثانيا: إن من الواضح: أن ما زعمه الزرقاني من أن اسم المؤلفة قلوبهم لا يطلق إلا على الذين أعطاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غنائم حنين ليس له ما يثبته، بل هم كل من كان يعطيهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليتألفهم على الإسلام قبل حنين و بعدها، و سهم المؤلفة قلوبهم ثابت في الإسلام و القرآن و إلى يوم القيامة، و إنما ألغاه أبو بكر.

قال تعالى: إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اَلْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقٰابِ وَ اَلْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (2).

و من الواضح: أن هذه الآية في سورة التوبة، و هي قد نزلت في ذي الحجة من سنة تسع، فلو كان الحكم مختصا بأهل حنين لم ينزل هذا الحكم


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 157 و راجع: الأغاني ج 16 ص 50، و السيرة الحلبية ج 3 ص 256.

2) الآية 60 من سورة التوبة.

بعد سنة كاملة في الآية التي ذكرناها. .

و لكن لما ولي أبو بكر، و جاءه المؤلفة قلوبهم لأخذ سهمهم، كتب لهم بذلك فلقيهم عمر، فأخذ الكتاب منهم و مزقه، و قال لهم: لا حاجة لنا بكم، فقد أعز اللّه الإسلام، و أغنى عنكم، فإن أسلمتم، و إلا فالسيف بيننا و بينكم. فرجعوا إلى أبي بكر فأمضى ما فعله عمر (1).

و قد عبروا عن هذا الأمر بتعابير قاسية و مهينة للدين و أهله، فقد قالوا: إن أبا بكر قطع الرشا في الإسلام (2).

ثالثا: قد ذكر الزرقاني نفسه الرواية التي ترّد ما زعموه: «من أن وفادة زيد الخيل كانت في سنة تسع» ، و أن الحديث المذكور آنفا قد ذكر أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: إن عبادتهم للعزى لا تنفعهم.

و من المعلوم: أن العزى قد هدمت عقب فتح مكة مباشرة (3)، فتكون وفادتهم قبل هدم العزى. . لا في سنة تسع (4).


1) النص و الإجتهاد ص 44 عن كتاب الجوهرة النيرة على مختصر القدوري في الفقه الحتنفي ج 1 ص 164 و راجع: تفسير المنار ج 10 ص 496 و الدر المنثور ج 3 ص 252 و أصول الفقه للدواليبي ص 239 و شرح نهج البلاغة ج 3 ص 83، و تفسير السمرقندي ج 2 ص 68، و الفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد شرف الدين ص 88.

2) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 252 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1822.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 95.

4) الدر المنثور ج 3 ص 252 عن البخاري في تاريخه، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص، و 597، و السيرة الحلبية ج 3 ص 208، و التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 233، و البداية و النهاية ج 4 ص 361، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 888، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 209، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 260.

دخول المشركين إلى المسجد:

ربما يدّعي البعض: أن النص المتقدم، و نظائره يدل على أن المشركين قد دخلوا مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك يدل على جواز دخول الكفار إلى مساجد المسلمين، حتى إلى مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بذلك يرد على فتوى الفقهاء بحرمة دخول الكافر إلى المسجد. .

و أما بالنسبة لقوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاٰ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا (1)، فلا دلالة فيه على خلاف ذلك:

فأولا: قد يكون المراد به القذارة المعنوية الروحية، و هي قذارة الكفر و الشرك، لا القذارة بمعنى النجاسة على حد نجاسة الكلب و الخنزير، و الدم و ما إلى ذلك.

ثانيا: لو سلمنا أن المراد به النجاسة الحسية بمعناها المصطلح عند أهل الشرع، فإننا نقول:

من الذي قال: إنه يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، إذ لا دليل على حرمة إدخال قارورة دم إلى المسجد الحرام، إذا لم يلحق المسجد منها شيء. .

ثالثا: لعل الحكم بعدم جواز دخول المشركين إلى المسجد الحرام خاص بالمسجد الحرام، و لا يتعداه إلى سائر المساجد.


1) الآية 28 من سورة التوبة.

و ليكن هذا هو وجه الجمع بين الآية، و بين ما ثبت من أن نصارى نجران، و غيرهم من المشركين كانوا يدخلون المسجد النبوي، و يجادلون النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الدين، و يسلم بعضهم، و يصرّ بعضهم على كفره.

و نقول:

إن ذلك كله لا يصح، و ذلك لما يلي:

أولا: إن المحرّم هو دخول الكافر إلى موضع الصلاة من المسجد، أما دخوله إلى غيرها من قاعات و باحات و ساحات لم تعد للصلاة، فلم يكن ذلك محرما، فلعل المراد بدخولهم إلى المسجد هو الدخول إلى بعض باحاته و ساحاته، إذ يصح إطلاق اسم الكل على بعض إجزائه، أو مشتملاته أو على توابعه. .

و قد يشهد لذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بنى موضعا في مسجده يقال له: الصفة، لينزل و يبيت فيه من لا منزل و لا مال و لا أهل له. و لعل من يبيت هناك يبتلى بالإحتلام و الجنابة، و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليسمح لهم بالمبيت في الموضع الذي ينبغي تنزيهه عما هو مكروه من نوم أو غيره.

فذلك يشير إلى أن هذا الموضع لم يكن مخصصا للصلاة، فكان يصح النوم فيه. .

ثانيا: من الذي قال إن ملاك حرمة دخول الكافر للمسجد هو قذارته الجسدية، فلعل الملاك هو: أن دخول من لا يؤمن باللّه إلى بيت اللّه هتك لحرمة المساجد التي يعبد اللّه فيها، و أما إدخال الدم إلى المسجد في قارورة فليس فيه هتك لحرمته، و ليس فيه تنجيس له فلا يحرم.

لكن دخول الكلب و الخنزير أيضا-و العياذ باللّه-إلى المسجد فيه هتك لحرمة المسجد، فيحرم من أجل ذلك، حتى لو لم يوجب دخوله تنجيسا. .

ثالثا: إن الآية الكريمة و إن كانت قد وردت في سورة التوبة التي هي من آخر ما نزل من القرآن (1)، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون الحكم بحرمة دخول الكافر إلى المسجد قد بيّن على لسان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك بسنوات. و قد تأخر نزول الآية عن ذلك. .

بل لعل نفس تشريع عدم جواز دخول الكافر للمساجد قد تأخر أيضا لحكمة اقتضاها التشريع، و هي أن يضرب الدين بجرانه، و تظهر أعلامة و تنتشر شرائعه و أحكامه، فنزلت في ذي الحجة من السنة التاسعة للبعثة (2).

وزر بن سدوس ينتصر:

و لا ندري كيف نفسر تصرف وزر بن سدوس الذي رحل إلى الشام، و اختار النصرانية على أن يملك عربي رقبته، حتى لو كان هو النبي «صلى


1) الدر المنثور ج 3 ص 208 عن ابن أبي شيبة، و أحمد، و أبي داود، و الترمذي و حسنه، و النسائي، و ابن أبي داود في المصاحف، و ابن أبي المنذر، و النحاس في ناسخه، و ابن حبان، و أبي الشيخ، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 16، و عمدة القاري ج 18 ص 195، و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 444، و تفسير البيضاوي ج 3 ص 126.

2) الدر المنثور ج 3 ص 208 عن ابن أبي شيبة، و البخاري، و النسائي، و ابن الضريس، و ابن المنذر، و النحاس في ناسخه، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 103.

اللّه عليه و آله» ، فنلاحظ:

1-أننا لم نعهد من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه تصرف مع الناس على أنه مالك لرقابهم، و لم يدّع هو ذلك لنفسه، إنما هو يعلن أنه ينفذ ما يأمره به اللّه.

2-كما أن هذا الرجل قد ترك مظهر الرحمة الإلهية، الذي يريد أن يحرره من هيمنة الطواغيت و الظلمة و الجبارين، و الذي يكون مع المؤمنين كأحدهم، و لا يرى لأحد فضلا على أحد إلا بتقوى اللّه، و ذهب إلى الشام ليكون تحت حكم الجبارين، الذين يتخذون عباد اللّه خولا، و ماله دولا.

3-إن ما عرضه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليهم يعود نفعه إليهم في الدنيا و الآخرة، و هو ما تحكم به فطرتهم، و تقضي به عقولهم، و هو أن يكونوا عبيدا للّه وحده لا شريك له، و قد بين له بما لا مزيد عليه أنه هو و جميع الناس سواء في هذا الأمر.

وفد بني البكّاء:

قالوا: وفد من بني البكّاء على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سنة تسع، ثلاثة نفر: معاوية بن ثور بن عبادة البكّائي، و هو يومئذ ابن مائة سنة، و معه ابن له يقال له: بشر، و الفجيع بن عبد اللّه بن جندح بن البكّاء، و معهم عبد عمرو، و هو الأصمّ. فأمر لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمنزل و ضيافة، و أجازهم، و رجعوا إلى قومهم.

و قال معاوية بن ثور للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إني أتبرك بمسّك، و قد كبرت و ابني هذا برّ بي، فامسح وجهه» .

فمسح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجه بشر بن معاوية، و أعطاه أعنزا عفرا و برّك عليهن.

قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكّاء و لا تصيب آل معاوية.

و قال محمد بن بشر بن معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء:

و أبي الذي مسح الرسول برأسهو دعا له بالخير و البركات

أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزاعفرا نواجل لسن باللجنات

يملأن رفد الحي كل عشيةو يعود ذاك الملء بالغدوات

بوركن من منح و بورك مانحاو عليه مني ما حييت صلاتي

و سمى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبد عمرو الأصمّ عبد الرحمن، و كتب له بمائه الذي أسلم عليه بذي القصة. و كان عبد الرحمن من أصحاب الظلّة، يعني: الصفّة، صفّة المسجد (1).

التبرك بالرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكر النص المتقدم: أن معاوية بن ثور قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إني أتبرك بمسّك، ثم طلب منه أن يمسح وجه ابنه، ففعل «صلى اللّه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 280 عن ابن سعد، و ابن شاهين، و أبي نعيم، و ابن منده، و غير ذلك و عن الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 47 و 48 و رسالات نبوية ص 26 و مجموعة الوثائق السياسية ص 313، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 317 عن: الطبقات ج 1 ق 2 ص 47 و 48 و الوثائق ص 313 و ص 217 الف عنه و رسالات نبوية ص 26، و تاريخ مدينة دمشق ج 65 ص 125.

عليه و آله» .

و هذا يعطينا:

1-أن سكوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قبوله بأن يتبرك به ذلك الرجل، ثم استجابته لطلب معاوية بن ثور بالتبريك على ولده يؤكدان مشروعية التبرك، و أنه لا صحة لما يدّعيه البعض من عكس ذلك.

2-إن هذا الطلب من معاوية بن ثور يشير إلى أن إيمان هذا الرجل لم يكن بسبب ترغيب أو طمع، أو ترهيب، أو جزع. و إنما هو نتيجة تفاعل روحي، تجاوز حدود القناعة الفكرية، و سكن في القلب، و ترسخ في أعماق الوجدان. .

3-ثم هو من جهة ثالثة: تعبير عن شعور فطري، لم يقتصر الأمر فيه على هذا الرجل، بل تجاوزه ليكون ميزة إنسانية تجدها لدى سائر الذين آمنوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مهما اختلفت طبائعهم، و ثقافاتهم، و أعرافهم، و بلدانهم، و عاداتهم، و مواقعهم الإجتماعية، و ما إلى ذلك. .

و ذلك يدل على: أن هذا هو مقتضى الخلق الإنساني، و الطبع البشري، و هو مقتضى الفطرة و السجية و العفوية. .

4-إن التبريك على تلك الأعنز أيضا بمبادرة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه هو الآخر يفتح أمام التأمل أبوابا على آفاق رحبة في هذا الإتجاه، و يدفع به إلى دراسة أكثر شمولية و عمقا للنهج التربوي، الذي يعتمد على تجسيد المعاني الغيبية في مفردات واقعية، لتصبح أكثر قربا للإنسان، و ليسهل عليه وعيها، و الاستفادة منها في حياته العملية، و لهذا البحث مجال آخر.

الفصل الخامس: وفود سنة تسع قبل شهر رمضان. . و وفد ثقيف

اشارة

وفد بني أسد:

روى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، و هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قالا: «قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، و ضرار بن الأزور، و وابصة بن معبد، و قتادة بن القائف، و سلمة بن حبيش، و طليحة بن خويلد، و نقادة بن عبد اللّه بن خلف، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد مع أصحابه، فسلموا و قال متكلمهم: يا رسول اللّه، إنا شهدنا ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنك عبده و رسوله.

و قال حضرمي بن عامر: «أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، و لم تبعث إلينا بعثا و نحن لمن وراءنا. .» إلى آخر ما قالوا. فنزلت فيهم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (1)» (2).


1) الآية 17 من سورة الحجرات.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 266 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 292 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 212 و 213، و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 153، و أسد الغابة ج 2 ص 29، و الإصابة ج 3 ص 440، و البداية و النهاية ج 5 ص 102، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 170، و السيرة الحلبية ج 3 ص 271.

و سألوا عن مسائل، ثم جاؤوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فودعوه، و أمر لهم بجوائز، و كتب لهم ثم انصرفوا إلى أهليهم (1).

و عن ابن عباس، و سعيد بن جبير، و بسند حسن عن عبد اللّه بن أوفى، قال الأولان: «جاءت بنو أسد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقالوا: يا رسول اللّه، أسلمنا و لم نقاتلك كما قاتلك العرب، و في رواية: بنو فلان. فأنزل اللّه تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (2).

قال ابن سعد: و كان معهم قوم من بني الزنية، و هم بنو مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنتم بن الرشدة» .

فقالوا: لا نكون مثل بني محولة، يعني: بني عبد اللّه بن غطفان (3).

و سألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -يومئذ عن: العيافة، و الكهانة،


1) راجع: مكاتيب الرسول للأحمدي ج 3 ص 244 و 245 و قال في هامشه: راجع زاد المعاد ج 3 ص 48 و السيرة الحلبية ج 3 ص 264 و مجموعة الوثائق السياسية ص 303 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 83 و الإصابة ج 3 ص 626 و ج 1 ص 341 و أسد الغابة ج 2 ص 29 و البداية و النهاية ج 5 ص 88 و خزانة الأدب للبغدادي ج 2 ص 56 و رسالات نبوية ص 16.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 266 و الدر المنثور ج 6 ص 100 و 101 عن ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و البزار، و النسائي، و سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن سعد، و فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 69، و السيرة الحلبية ج 3 ص 271.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 266 و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 1 ص 292 و راجع: جمهرة أنساب العرب ص 193، و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 153.

و ضرب الحصى، فنهاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -عن ذلك كله.

فقالوا: يا رسول اللّه، إن هذه الأمور كنا نفعلها في الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت؟

قال: «و ما هي» ؟

قال «صلى اللّه عليه و آله» : «الخط، علمه نبي من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم» (1).

و نقول:

يمنون عليك أن أسلموا، فيمن نزلت؟ ! :

و قد ذكر النص المتقدم: أن قوله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاٰ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاٰمَكُمْ بَلِ اَللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ (2)قد نزلت في وفد بني أسد.

و يرد عليه:

أولا: ما روي عن جابر: من أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان يوم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 266 عن ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه، و البزار، و النسائي، و سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و قال في هامشه: أخرجه مسلم بنحوه في كتاب المساجد (33) و كتاب السلام (121) ، و النسائي ج 3 ص 16، و أبو داود في كتاب استفتاح الصلاة باب (56) ، و أحمد في المسند ج 2 ص 394 و البيهقي ج 2 ص 250، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 307، و السيرة الحلبية ج 3 ص 272. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 213.

2) الآية 17 من سورة الحجرات.

الخندق، حيث قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «احفر» .

فغضب عثمان و قال: لا يرضى محمد أن أسلمنا على يده حتى يأمرنا بالكد، فأنزل اللّه على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا . . (1).

ثانيا: روي أن عثمان مرّ على عمار بن ياسر و هو يحفر الخندق، و قد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثمان كمه على أنفه و مر فقال:

لا يستوي من يعمر المساجدايصلي فيها راكعا و ساجدا

كمن يمر بالغبار حأيدايعرض عنه جاهدا معاندا

فالتفت إليه عثمان فقال: يا بن السوداء، إياي تعني؟ !

ثم أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال له: لم ندخل معك لتسبّ أعراضنا.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قد أقلتك إسلامك، فاذهب» ، فأنزل اللّه تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. . الآية. .» (2).

غير أننا نقول:

إن قصة بني أسد قد حصلت سنة تسع، و لا مانع من نزول الآية مرتين أو أكثر، إذا كانت المناسبة تقتضيها، فتنزل في عثمان يوم الخندق، حيث واجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أولا، ثم واجه عمارا، ثم تنزل مرة أخرى


1) البرهان (تفسير) ج 4 ص 215 عن الشيخ في مصباح الأنوار، و مدينة المعاجز للبحراني ج 1 ص 467، و البحار ج 30 ص 274 و ج 39 ص 114 و ج 109 ص 29، و تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 2 ص 608.

2) البرهان (تفسير) ج 4 ص 215 عن تفسير القمي، و البحار ج 9 ص 238 و ج 20 ص 243 و ج 30 ص 173 و ج 31 ص 599، و تفسير القمي ج 2 ص 322، و التفسير الصافي ج 5 ص 57 و ج 6 ص 528، و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 104.

بعد حوالي خمس سنوات من ذلك التاريخ، و لذلك نظائر.

ثالثا: إن سورة الحجرات قد نزلت قبل سورة الفتح، التي نزلت في الحديبية (1)، و هذا يؤيد ما ذكرناه: من أن سورة الحجرات قد نزلت قبل حادثة بني أسد بسنوات عديدة. .

بنو الزنية أو الرشدة:

و من الغريب حقا: أن نجد هؤلاء الأعراب الجفاة يرفضون تسمية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم ببني الرشدة، بدل «بني الزنية» .

فأولا: إن هذا الرفض يمثل اعتراضا على قرار نبي اللّه الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. .

ثانيا: إن التسمية ببني الزنية لا تسعد من تطلق عليه، و لابد أن يرى فيها إهانة لشرفه، و لنسبه، فالمتوقع منه: أن يرفضها بحزم و إصرار، و ربما يحتاج إلى المجابهة و الحدة في سعيه إلى أن منع الناس من تداولها، و أما أن يصر على حفظها، و على إشاعتها بينهم، و يرضى بإطلاقها عليه و نسبتها إليه، فذلك ما لا يخطر على البال. .


1) الدر المنثور ج 6 ص 67 عن الحاكم و صححه، و ابن إسحاق، و البيهقي في الدلائل، و الإفصاح للمفيد ص 112، و البحار ج 17 ص 75، و السنن الكبرى ج 9 ص 223، و عمدة القاري ج 15 ص 104، و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 461، و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 7 ص 147، و تفسير الميزان ج 18 ص 270، و تفسير مقاتل بن سليمان ج 3 ص 244، و تفسير السمرقندي ج 3 ص 298، و تفسير ابن زمنين ج 4 ص 250 و 255، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 54.

إلا إذا افترض مفترض: أن ثمة خللا في عقله، أو في تفكيره أو في أخلاقياته، و قيمه. .

و بعد. .

فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان معنيا جدا بتغيير هذا الاسم، لأنه يعلم أن للأسماء آثارها على الروح و النفس، و هو لا يريد أن يعتاد سمعهم على مثل هذا الأسماء، و لا أن تألفها أرواحهم، و تتعلق بها نفوسهم، بل يريد أن تنكرها النفوس، و تتأذى منها الأرواح، و تمجها الأذواق و الأسماع.

و إن رفض هؤلاء الناس لمثل هذا الطلب الصادر من أقدس الخلق، و الذي يفترض فيهم أن يتلهفوا لتلبيته، و أن يكونوا سعداء في استجابتهم له-إن هذا الرفض-يدل دلالة واضحة على جهلهم، و جفائهم، و قلة عقولهم، و ضعف تدبيرهم. .

علم الخط و ضرب الرمل:

اختلفوا في المراد من علم الخط، مع تصريحهم بحرمة العمل به.

قال الصالحي الشامي: قوله «صلى اللّه عليه و آله» في الخط: «علمه نبي من الأنبياء الخ. .» .

الخط: قال في المطالع و التقريب: «فسروه بخط الرمل، و معرفة ما يدل عليه» .

و قال في النهاية: (قال ابن عباس: الخط) «هو الذي يخطه الحازي، و هو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانا، فيقول له: اقعد حتى أخط لك، و بين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى

أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، و غلامه يقول للتفاؤل: «ابني عيان أسرعا البيان» . فإن بقي خطان فهما علامة النّجح، و إن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة.

و قال الحربي: «الخط هو: أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، و يقول: يكون كذا و كذا، و هو ضرب من الكهانة» .

قال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، و للناس فيه تصانيف كثيرة، و هو معمول به إلى الآن، و لهم فيه أوضاع، و اصطلاح و أسام، و عمل كثير، و يستخرجون به الضمير و غيره، و كثيرا ما يصيبون فيه. انتهى.

و قال: ضرب الرمل حرام، صرح به غير واحد من الشافعية و الحنابلة و غيرهم (1).

الأنبياء عليهم السّلام و علم الخط:

و قال الصالحي الشامي: قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «علمه نبي من الأنبياء» في حفظي أنه سيدنا إدريس «عليه السلام» ، و لا أعلم من ذكره فيحرر (2).

و قد ورد في الروايات عن أهل البيت «عليهم السلام» : أن إدريس «عليه السلام» ، و هو جد نوح «عليه السلام» أول من خط بالقلم (3). أي


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 267.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 267.

3) البحار ج 11 ص 270 و 279 و ج 55 ص 274 و ج 74 ص 71، و الخصال ص 524، و معاني الأخبار ص 333، و الإختصاص للمفيد ص 264، و فرج المهموم لابن طاووس ص 21، و فتح الباري ج 6 ص 267، و صحيح ابن حبان ج 2 ص 77، و موارد الظمآن للهيثمي ج 1 ص 193، و كنز العمال ج 16 ص 132، و الكشاف عن حقائق التنزيل و عيون الأقاويل للزمخشري ج 2 ص 513، و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 2 ص 458 و ج 3 ص 771، و تفسير مجمع البيان للطبرسي ج 6 ص 430 و ج 10 ص 332، و التفسير الأصفى ج 2 ص 743، و التفسير الصافي ج 3 ص 285، و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 513، و تفسير الميزان ج 2 ص 144 و ج 14 ص 68 و ج 20 ص 324، و تفسير الثعلبي ج 10 ص 186، و تفسير السمعاني ج 3 ص 300 و ج 5 ص 149، و تفسير البغوي ج 3 ص 199، و تفسير الرازي ج 21 ص 233، و تفسير القرطبي ج 11 ص 117، و تفسير البيضاوي ج 4 ص 22، و التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي ج 3 ص 6، و تفسير ابن كثير ج 1 ص 599 و ج 2 ص 232، و الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 364، و فتح القدير ج 3 ص 338، و الثقات لابن حبان ج 2 ص 119، و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 275، و المعارف لابن قتيبة ص 21، و تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 11 و 147، و تاريخ الطبري ج 1 ص 116، و البداية و النهاية ج 1 ص 111 و ج 2 ص 182، و قصص الأنبياء للراوندي ص 83، و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 71، و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 318، و السيرة الحلبية ج 1 ص 30.

كتب به، فلعل الأمر اشتبه على هؤلاء، فنسبوا إليه «عليه السلام» علم الخط (أي خط الرمل) أو نحوه. مع أن المقصود بالخط: الكتابة بالقلم.

و يكون مراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «الخط علمه نبي من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه فقد علم» هو حثهم على تعلم الكتابة،

ليخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، و الإحتفاظ به، و نقله إلى الأجيال اللاحقة بدقة و أمانة. و بذلك يظهر فساد قول الصالحي الشامي هنا:

«فمن صادف مثل علمه فقد علم» ، و في صحيح مسلم: «فمن وافق خطه فذاك» أي: فهو مباح له، و لكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح (و المقصود: أنه حرام لأنه لا يباح)إلا بيقين الموافقة، و ليس لنا يقين بها.

و إنما قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «فمن وافق خطه فذاك» . و لم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة، لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذلك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي «صلى اللّه عليه و آله» على حرمة ذاك النبي، مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى: أن ذاك النبي لا منع في حقه، و كذا لو علمتم موافقته، و لكن لا علم لكم بها» (1).

على أننا نقول:

إن هذا الكلام موهون، و لا يمكن قبوله من جهات عديدة:

فأولا: إذا كان علم الخط ضربا من الكهانة، فإنه ليس علما، إذ لا يصح عدّ الكهانة في جملة العلوم، التي هي عبارة عن قواعد و ضوابط توصل إلى نتائج ذات غرض واحد. . و لم نجد في الخط الذي فسّر آنفا بتفاسير مختلفة ما يدخله في هذا السياق. .

ثانيا: إذا كان هذا العلم من الكهانة، فإن الحكم بتحريم الكهانة قد جاء مطلقا و عاما، و لم يستثن منها كهانة علم الخط بأي معنى من المعاني المتقدمة. .


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 267.

ثالثا: إن المعاني التي ذكرت لعلم الخط لا تصلح جميعها للدلالة على معنى صحيح، و لا توصل إلى شيء من الواقع إلا على سبيل الصدفة، و ليس في السنن الإلهية أن يتدخل اللّه فيمسك يد ذلك الغلام، عند عدد بعينه من الحركات السريعة. . أو أن يتدخل في قلب ذلك الغلام و يجبره على اختيار هذا العدد من الحركات أو ذاك.

على أن بقاء خط أو خطين قد يمكن اعتباره نوعا من القرعة، التي لا اعتبار بها في كشف المستقبل، و ما يكون فيه من فشل، أو نجاح، بل تستعمل لتسهيل اختيار أمر حاضر مشتبه لا يجد سبيلا لترجيح أي طرف منه. .

و كذلك الحال بالنسبة للتفسير الثاني للخط، و هو ضرب النوى أو حبات الشعير على ثلاثة خطوط، فإنه ليس من السنن الإلهية أن يتحكم اللّه بالنوى، أو بحبات الشعير حين تضرب على تلك الخطوط ليبين لنا من ذلك معاني بعينها. .

و بذلك كله يظهر: أنه لا معنى لأن يتعلم إدريس هذا الشيء، لأنه لا أساس له. . و هو ليس من العلوم التي يصيبها هذا و يخطئوها ذاك. . و قد يتيقن بالموافقة، و قد يظن. .

رابعا: لو كان هذا من العلوم المرتكزة إلى سنة إلهية، فلما ذا يحرم على الناس تعاطيها إلا مع اليقن بالموافقة لعلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . فإنها تكون كأي شيء مجهول يراد الوصول إليه بالتجارب القائمة على ظن الموافقة أو احتمالها. .

خامسا: إن الكهانة تقوم على أخذ بعض المعلومات من بعض الجن (1)، مع العلم بأن هذا الجن قد يكذب، و قد يجهل الحقيقة، أو يجهل جزءا منها، فيخلط الحق بالباطل و ما إلى ذلك، و ليس في علم الخط الذي فسر بما ذكر آنفا ما يشير إلى الأخذ من الجن. . فلماذا اعتبروه من الكهانة؟

وفد بني عذرة:

قالوا: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في صفر سنة تسع وفد بني عذرة، (قبيلة باليمن من قضاعة) اثنا عشر رجلا، فيهم جمرة بن النعمان العذري، و سليم، و سعد ابنا مالك، و مالك بن أبي رباح. فنزلوا دار رملة بنت الحدث النجارية. ثم جاؤوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلموا بسلام أهل الجاهلية.


1) راجع: البحار ج 52 ص 198 و ج 55 ص 259 و ج 60 ص 32، و تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 12 ص 145 و في ط. ق ج 1 ص 582، و قواعد الأحكام للحلي ج 2 ص 9، و نهاية الإحكام للحلي ج 2 ص 472، و إيضاح الفوائد لابن العلامة ج 1 ص 406، و جامع المقاصد للمحقق الكركي ج 4 ص 31، و جواهر الكلام للجواهري ج 22 ص 89، و نيل الأوطار للشوكاني ج 7 ص 368، و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 223، و فتح الباري ج 10 ص 183، و الديباج على مسلم للسيوطي ج 5 ص 244، و تفسير الثعلبي ج 5 ص 334، و زاد المسير لابن الجوزي ج 4 ص 286، و تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 172، و تفسير القرطبي ج 10 ص 11 و ج 15 ص 66، و تفسير الآلوسي ج 6 ص 59 و ج 19 ص 141 و ج 27 ص 35، و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 201، و السيرة الحلبية ج 1 ص 337، و لسان العرب ج 13 ص 363.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من القوم» ؟

فقال متكلمهم: من لا ننكر، نحن بنو عذرة إخوة قصي لأمه، «نحن الذين عضدوا قصيا» ، و أزاحوا من بطن مكة خزاعة و بني بكر، و لنا قرابات و أرحام.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «مرحبا بكم و أهلا، ما أعرفني بكم، فما يمنعكم من تحية الإسلام» ؟

قالوا: كنا على ما كان عليه آباؤنا، فقدمنا مرتادين لأنفسنا و لقومنا. و قالوا: إلام تدعو؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، و أن تشهدوا أني رسول اللّه إلى الناس جميعا» أو قال: (كافة).

فقال متكلمهم: فما وراء ذلك من الفرائض؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، و أن تشهدوا الصلوات، تحسن طهورهن، و تصليهن إلى مواقيتهن، فإنه أفضل العمل» .

ثم ذكر لهم سائر الفرائض من الصيام و الزكاة و الحج.

فقال المتكلم: اللّه أكبر، نشهد ألا إله إلا اللّه، و أنك رسول اللّه، قد أجبناك إلى ما دعوت إليه، و نحن أعوانك و أنصارك. يا رسول اللّه إن متجرنا الشام، و به هرقل، فهل أوحي إليك في أمره بشيء؟

فقال: «أبشروا، فإن الشام ستفتح عليكم، و يهرب هرقل إلى ممتنع بلاده» .

و نهاهم «صلى اللّه عليه و آله» عن سؤال الكاهنة.

فقد قالوا: يا رسول اللّه، إن فينا امرأة كاهنة قريش و العرب يتحاكمون إليها، فنسألها عن أمور.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «لا تسألوها عن شيء» .

فقال متكلمهم: اللّه أكبر.

ثم سأله عن الذبح الذي كانوا يذبحون في الجاهلية لأصنامهم.

فنهاهم «صلى اللّه عليه و آله» عنها.

و قال: «لا ذبيحة لغير اللّه عز و جل، و لا ذبيحة عليكم في سنتكم إلا واحدة» .

قال: و ما هي؟

قال: «الأضحية ضحية العاشر من ذي الحجة، تذبح شاة عنك و عن أهلك» .

و سألوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أشياء من أمر دينهم، فأجابهم فيها.

و أقاموا أياما. ثم انصرفوا إلى أهليهم، و أمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، و كسا أحدهم بردا (1).

نحن بنو عذرة:

لم يرق لبني عذرة سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» إياهم بقوله: من


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 382 عن الواقدي، و ابن سعد، و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 215 و 216 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 331 و زاد المعاد ج 3 ص 49 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 265 و عن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 39.

القوم؟ ! على اعتبار أن السؤال إنما يكون عن النكرات الذين لا يعرفون، في حين يرون أن ذكرهم شائع، وصيتهم ذائع. فأجابوا بما يظهرهم بمظهر الكبار، مضمّنين إجابتهم ما يشير إلى أنهم يضعون أنفسهم في مصافّ أقدس الناس، و أطهرهم، و أعظمهم شأنا، و أجلهم مكانة و موقعا. .

و كان أقصى ما عندهم أنهم أرادوا الفخر على رجل ينتهي فخرهم إليه، و هو معدنه و مصدره، فافتخروا بأن لهم به قرابة و رابطة رحم عن طريق الأم، لأنهم إخوة قصي لأمه.

ثم افتخروا أيضا: بأن لهم قرابات و أرحام في سائر قريش.

ثم كان عنوان فخرهم الآخر: أنهم عضدوا قصيا، و أزاحوا خزاعة و بني بكر من بطن مكة. . و كل هذه الأمور منه و إليه. . و به. . و له «صلى اللّه عليه و آله» . .

غير أن قولهم: إنهم أخوة قصي لأمه و إن كان صحيحا، لكن أم قصي نفسها قد قالت لولدها قصي و زوجها، و سائر بني عذرة: «أنت و اللّه يا بني أكرم منه نفسا، و والدا، و نسبا، و أشرف منزلا، أبوك كلاب بن مرة بن كعب الخ» (1). .

و أما أنهم هم الذين أزاحوا خزاعة و بني بكر من مكة، فغير دقيق، بل غير صحيح، إن أريد حصر ذلك بهم، لأن قصيا استعان بأخيه رزاح


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 67، و تاريخ الطبري ج 2 ص 15، و راجع: عمدة الطالب لابن عنبة ص 26، و البحار ج 15 ص 124، و تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 237، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 19، و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 273، و السيرة الحلبية ج 1 ص 12.

العذري، فأعانه بثلاث مائة من قومه و إخوته (1). . بالإضافة إلى من كان معه. . من قريش و كنانة. . فراجع. .

وفد زمل بن عمرو:

و روى ابن سعد عن مدلج بن المقداد بن زمل العذري و غيره قالوا: وفد زمل بن عمرو العذري على النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاخبره بما سمع من صنمهم، فقال: ذلك مؤمن الجن، فعقد له لواء على قومه، و أنشأ يقول حين وفد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» :

إليك رسول اللّه أعملت نصهاأكلفها حزنا و قوزا من الرمل

لأنصر خير الناس نصرا مؤزراو أعقد حبلا من حبالك في حبلي

و أشهد أن اللّه لا شيء غيرهأدين له ما أثقلت قدمي نعلي (2)

و نقول:

إن في النص عدة مواضع تدعو للتأمل، و منها:


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 69.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 332 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 218 و ج 6 ص 382 و مجموعة الوثائق السياسية ص 205 و راجع: الإصابة ج 1 ص 551 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 588 و أسد الغابة ج 2 ص 205، و البحار ج 18 ص 103، و كنز العمال ج 12 ص 383، و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 490 و ج 19 ص 77، و عيون الأثر ج 1 ص 105.

زمل العذري عند يزيد:

و إن مما يؤسف له: ما يقال عما انتهى إليه أمر زمل بن عمرو هذا فإنه قد شهد صفين مع معاوية (1)، و كان معه-كما زعموا-لواؤه الذي عقده له النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2)، و استعمله معاوية على شرطته، و كان أحد شهود التحكيم بصفين، و شهد بيعة مروان و. . و. .

بل ذكروا: أن يزيد بن معاوية أيضا قد ائتمن زمل بن عمرو على خاتمه (3).

و لا ننسى القول المعروف: قل لي من تعاشر، أقل لك من أنت، فكيف إذا كان شاهدا، و مبايعا و ناصرا، و قائد شرطه، مؤتمنا على الخاتم الذي تختم به عهود الخيانة، و كتب الظلم و البغي و ما إلى ذلك.

عقد له لواء:

و زعمت الرواية السابقة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عقد لواء


1) الإصابة ج 1 ص 551 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 588 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 332 و جمهرة أنساب العرب ص 449، و إكمال الكمال ج 1 ص 77، و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 77، و أنساب الأشراف للبلاذري ص 310، و الأنساب للسمعاني ج 2 ص 331، و اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير الجزري ج 1 ص 353 و 427.

2) جمهرة أنساب العرب ص 449 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 588 و الإصابة ج 1 ص 551، و الأنساب للسمعاني ج 2 ص 331، و أنساب الأشراف للبلاذري ص 310، و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 78، و إكمال الكمال لابن ماكولا ج 1 ص 77، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 332.

3) الإصابة ج 1 ص 551، و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 79.

لزمل بن عمرو على قومه. . و لم يذكر لنا المؤرخون إن كان قد وفد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» وحده، أو وفد مع قومه بني عذرة. . فإن كان قد وفد مع قومه، فلا إشكال. .

لكن يبقى سؤال: لماذا أفردوا وفادته بالذكر دون سائر من كان معه؟ ! و هو ما لم يفعلوه مع غيره من رؤساء الوفود، و فيهم من ولاّهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قومهم؟ !

و إن كان قد وفد وحده فلما ذا عقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» له لواء، في الوقت الذي كان لا يعقد لواء لأقل من عشرة-كما قدمناه في بعض الفصول السابقة (1).

إلا أن يقال: إن ما عرف عنه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه كان لا يعقد لواء لأقل من عشرة، إنما هو لمن يريد تأميره على مجموعة بعينها، و في مهمة محدودة، أما إذا كان المقصود هو التأمير على بلدة أو على منطقته، أو عشيرة، فلا حاجة إلى حضور تلك العشيرة بعينها. . بل يكفي أن يرسل إليها الوالي المعيّن مع كتاب التولية، حتى لو كان ذلك الوالي وحده. .

علما بأن تلك العشيرة أو البلد، أو القوم هم أكثر من عشرة، فيتحقق بذلك النصاب. و ليس حضورهم في محضر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ضروريا. .

و الذي نظنه قويا: أن هذا التعظيم و التفخيم لزمل. . ثم لبني عذرة يدخل في سياق مكافآت زمل على خدماته و مواقفه، و إخلاصه للعرش


1) راجع: أسد الغابة ج 2 ص 259 و مصادر كثيرة أخرى في بعض الهوامش السابقة.

الأموي، و لقتله أبناء الأنبياء كما تقدم. .

لا تسألوا الكهان:

و لعل سؤالهم عن أمر الكاهنة قد أريد به الإمتحان و الإستكشاف لأمر النبوة، على أساس أنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» -و العياذ باللّه- كاهنا، فسوف لا يمانع في مراجعتهم لتلك الكاهنة، و إن كان «صلى اللّه عليه و آله» نبيا حقا فسوف يكون حاسما في المنع من ذلك.

فلما ظهر لهم هذا الأمر الثاني قال متكلمهم: اللّه أكبر، على سبيل الإستحسان و الظفر بالمطلوب.

هرقل عقدة تحتاج إلى حل:

و قد أظهر بنو عذرة ما يشير إلى أنهم رغم كونهم يعيشون في اليمن، فإنهم كانوا يعانون من عقدة الخوف من هرقل، الذي كانت تفصلهم عنه مسافات شاسعة و بلاد واسعة، لمجرد أنهم يسافرون إلى طرف من أطراف مناطق نفوذ هرقل، و هو الشام. .

و هم يرون: أن لملكه من القوة و الإمتداد ما يجعله خارجا عن تقديرات البشر، فلا محيص عن اللجوء في ذلك إلى الإخبارات الغيبية الإلهية. . و لذلك سألوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أمره. .

و لعل مما هيأهم للإنبهار بهرقل و الشعور بعظمته، و هول أمره: أنهم قد شهدوا أو سمعوا بالنصر الكبير الذي سجله على مملكة فارس، تصديقا للوعد الإلهي الوارد في سورة الروم: الم، غُلِبَتِ اَلرُّومُ، فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ

وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (1).

و لعل رؤيتهم هزيمة كسرى، و وقوفهم على مدى ما تعانيه مملكة فارس من مشكلات، و من انقسامات تقطع أوصالها، جعلهم لا يهتمون بمعرفة مصيرها، فإن شواهده لائحة، و دلائله واضحة، و لأجل ذلك اقتصر سؤالهم على هرقل، و أهملوا ذكر كسرى. .

السؤال عن الأشخاص:

و يلاحظ هنا: أنهم سألوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن مصير هرقل، لا عن مصير مملكة الروم، لأنهم اعتادوا أن يكون الملك للشخص، و أن يردوا كل شيء مسخرا لخدمته، و أغراضه، و تلبية رغباته و الإستجابة لشهواته، و الإنسياق مع أهوائه؛ فالحكم و الحكومة و المال و الرجال، و العساكر، و البلاد و العباد، ليس بذي قيمة، و لا يشعر أحد بوجود أي شيء من ذلك إلا بمقدار ما يؤدّيه من خدمات في هذا الإتجاه. . و لأجل ذلك لم يسألوا عن مصير مملكة الروم أو مملكة فارس، بل سألوا عن مصير شخص هرقل.

و لكن الإسلام يعلّم أتباعه: أن يعتبروا أن الإرتباط أولا و بالذات يكون باللّه، ثم بالنهج و الدين و الحق، و بالرسول و الإمام من حيث إنه باب اللّه الذي منه يؤتى، و أنه نهجه القويم، و صراطه المستقيم، و أنه مصباح هدى، و سفينة نجاة. .


1) الآيات 1 إلى 3 من سورة الروم.

وفود بلي:

عن رويفع بن ثابت البلوي قال: قدم وفد من قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم في منزلي ببني جديلة، ثم خرجت بهم حتى انتهينا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة، فسلمت. فقال: «رويفع» .

فقلت: لبيك.

قال: «من هؤلاء القوم» ؟

قلت: قومي.

قال: «مرحبا بك و بقومك» .

قلت: يا رسول اللّه، قدموا وافدين عليك مقرّين بالإسلام، و هم على من وراءهم من قومهم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من يرد اللّه به خيرا يهده للإسلام» .

قال: فتقدم شيخ الوفد، أبو الضبيب، فقال: «يا رسول اللّه، إنّا قدمنا عليك لنصدقك و نشهد أن ما جئت به حق، و نخلع ما كنا نعبد و يعبد آباؤنا» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار» .

و قال له أبو الضبيب: يا رسول اللّه، إني رجل لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم، و كل معروف صنعته إلى

غني أو فقير فهو صدقة» .

قال: يا رسول اللّه، ما وقت الضيافة؟

قال: «ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فصدقة، و لا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك» .

قال: يا رسول اللّه، أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض.

قال: «لك و لأخيك، أو للذئب» .

قال: فالبعير.

قال: «ما لك و له، دعه حتى يجده صاحبه» .

(قال رويفع): و سألوا عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم.

ثم رجعت بهم إلى منزلي، فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يأتي بحمل تمر يقول: «استعن بهذا التمر» .

قال: فكانوا يأكلون منه و من غيره.

فأقاموا ثلاثا، ثم جاؤوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يودعونه.

فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز من كان قبلهم، ثم رجعوا إلى بلادهم (1).

تنبيه:

إنه إذا صح أن رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك كان في شهر


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 282 عن الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 94 و عن ابن شاهين عن ابن إسحاق، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 216 و 217، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 310، و السيرة الحلبية ج 3 ص 273.

رمضان، فوفد ثقيف لا يمكن أن يكون في شعبان. . و يتأكد صحة أن يكون وفدهم الثاني قد جاء إليه في شهر رمضان. و في جميع الأحوال نقول:

الوفد الثاني لثقيف:

و جاء وفد ثقيف الثاني-كما يقول بعضهم-في شهر شعبان سنة تسع و كان خروجه من المدينة إلى تبوك يوم الخميس في رجب في تلك السنة (1).

لكن قال في زاد المعاد: قال ابن إسحاق: و قدم في رمضان سنة تسع منصرفه من تبوك وفد ثقيف، و كان من حديثهم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما انصرف عنهم اتّبعه عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم، و سأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنهم قاتلوك» ، و عرف أن فيهم نخوة الإمتناع الذي كان منهم.

فقال عروة: لو وجدوني نائما ما ايقظوني. أو قال: يا رسول اللّه، أنا أحب إليهم من أبكارهم. و كان فيهم كذلك محببا مطاعا.

فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علّيّة له، و قد دعاهم إلى الإسلام، و أظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟

قال: «كرامة أكرمني اللّه بها، و شهادة ساقها اللّه إلى، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يرتحل


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 121 عن ابن سعد، و مغلطاي.

عنكم، فادفنوني معهم» . فدفنوه معهم.

فزعموا أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال فيه: «إن مثله في قومه لكمثل صاحب يس في قومه» (1).

ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم لما رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك، و كانت ثقيف قد رأت ممن حولها ما يسوؤها في الأموال و الأنفس، إذ أسلم من حولهم و كانوا يستلبون أموالهم، و يرعون زروعهم، و لا يؤدون لهم ديونهم، فقرر الذين لم يسلموا منهم أن يسلموا.

فائتمروا بينهم، و رأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، و قد بايعوا و أسلموا. و أجمعوا أن يرسلوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، و كان سنّ عروة بن مسعود، و عرضوا عليه ذلك. فأبى أن يفعل، و خشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة.

فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا.

فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، و ثلاثة من بني مالك،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 296 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 121 و 122 و أسد الغابة ج 3 ص 405 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 194 و الكامل لابن بن الأثير ج 2 ص 108 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 243 و عن السيرة لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 8، و عمدة القاري ج 14 ص 9، و الإستيعاب ج 3 ص 1067، و تاريخ الطبري ج 2 ص 363، و الوافي بالوفيات ج 19 ص 361، و البداية و النهاية ج 5 ص 36، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 54.

فيكونوا ستة، و قيل: غير ذلك (1).

و كانت ثقيف طائفتين: بنو مالك و الأحلاف، و كانوا أهل حرث و تجارة و لهم أموال عظيمة و ديون كثيرة على الناس، فبعثوا مع عبد ياليل: الحكم بن عمرو بن وهب، و شرحبيل بن غيلان. و من بني مالك: عثمان بن أبي العاص، و أوس بن عوف، و نمير بن خرشة.

فخرج بهم عبد ياليل، فلما دنوا من المدينة، و نزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة. فاشتد ليبشر بهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلقيه أبو بكر فقال: أقسمت عليك باللّه لا تسبقني إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى أكون أنا أحدثه.

فدخل أبو بكر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره بقدومهم. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم. و علمهم كيف يحيون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فأبوا إلا تحية الجاهلية.

و لما قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ضرب لهم قبّة في ناحية المسجد، لكي يسمعوا القرآن، و يروا الناس إذا صلوا.

و كان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى كتب كتابهم بيده. و كانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 296 و البداية و النهاية ج 5 ص 30 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 195 و 197 و عن الكامل لابن الأثير ج 2 ص 108 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 244 و عن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 9.

و كان فيما سألوا أن يدع لهم الطاغية و هي اللاّت، و لا يهدمها ثلاث سنين، حتى سألوه شهرا، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، و إنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم و نسائهم و ذراريهم، و يكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة لهدمها.

و قد كانوا سألوه أن يعفيهم من الصلاة، و ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم. فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، و أما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه» .

فلما أسلموا و كتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا، أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص بإشارة أبي بكر كما عن ابن إسحاق (1)، و كان من أحدثهم سنا، و ذلك أنه كان من أحرصهم على التفقه في الإسلام و تعلم القرآن. (2).


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 125، و سبل السلام للكحلاني ج 1 ص 127، و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 مقدمة التحقيق ص 42 نقلا عن الطبري، و البحار ج 21 ص 364 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 361، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 31 عن اليعقوبي ج 2 ص 66 و ج 1 ص 169 عن تاريخ الخميس ج 2 ص 181، و مسند احمد ج 4 ص 21 و 216، و صحيح مسلم ج 2 ص 43، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1174، و سنن أبي داود ج 1 ص 130، و المستدرك للحاكم ج 1 ص 199 و 201، و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 429 و ج 3 ص 118، و شرح مسلم للنووي ج 4 ص 185، و فتح الباري ج 2 ص 168.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 296 و 297 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 124 و 125، و مسند احمد ج 4 ص 218، و مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 277.

و روي عنه أنه قال: قدمت في وفد ثقيف حين قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلما حللنا بباب النبي «صلى اللّه عليه و آله» قالوا: من يمسك رواحلنا؟ فكل القوم أحب الدخول على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كره التخلف عنه، و كنت أصغرهم، فقلت: إن شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد اللّه لتمسكن لي إذا خرجتم.

قالوا: فذلك لك.

فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: انطلق بنا.

قلت: إلى أين؟

قالوا: إلى أهلك.

فقلت: «ضربت من أهلي حتى إذا حللت بباب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرجع و لا أدخل عليه؟ و قد أعطيتموني ما علمتم» ؟ ! .

قالوا: فاعجل، فإنا قد كفيناك المسألة، لم ندع شيئا إلا سألناه.

فدخلت فقلت: يا رسول اللّه، ادع اللّه تعالى أن يفقهني في الدين و يعلمني.

قال: «ماذا قلت» ؟

فأعدت عليه القول.

فقال: «قد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم و على من تقدم عليه من قومك» .

و في رواية: فدخلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسألته

مصحفا كان عنده فأعطانيه (1).

و نص آخر يقول:

و كانوا يغدون على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كل يوم، و يخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم، لأنه أصغرهم. فلما رجعوا عمد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فسأله عن الدين، و استقرأه القرآن حتى فقه في الدين و علم. فأعجب ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أحبه. فمكث الوفد يختلفون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا.

فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟

قال: نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، و إلا فلا قضية و لا صلح بيني و بينكم.

قالوا: أفرأيت الزنا؟ فإنا قوم نغترب لابد لنا منه.

قال: و هو عليكم حرام، إن اللّه عز و جل يقول: وَ لاٰ تَقْرَبُوا اَلزِّنىٰ إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً وَ سٰاءَ سَبِيلاً (2).

قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟

قال: لكم رؤوس أموالكم، إن اللّه تعالى يقول: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 297 عن الطبراني، و مجمع الزوائد ج 9 ص 371 و حياة الصحابة ج 3 ص 244، و مجمع الزوائد ج 9 ص 371، و الآحاد و المثاني للضحاك ج 1 ص 40 و ج 3 ص 191، و المعجم الكبير للطبراني ج 9 ص 61.

2) الآية 32 من سورة الإسراء.

اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1).

قالوا: أ فرأيت الخمر فإنه لابد لنا منها؟

قال: إن اللّه تعالى قد حرمها و قرأ: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (2).

فارتفع القوم و خلا بعضهم ببعض، و كلموه ألاّ يهدم الربة، فأبى، فقال ابن عبد ياليل: إنّا لا نتولى هدمها.

فقال: «سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها» . و أمر عليهم عثمان بن أبي العاص كما تقدم لما علم من حرصه على الإسلام. و كان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج لما سألوه أن يؤمّر عليهم (3).

هدم الطاغية:

و قالوا أيضا: لما توجه أبو سفيان و المغيرة إلى الطائف لهدم الطاغية أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه و قال: ادخل أنت على قومك. و أقام أبو سفيان بماله بذي الهرم (4).


1) الآية 278 من سورة البقرة.

2) الآية 90 من سورة المائدة.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 298 و راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 125 و 126، و البداية و النهاية ج 5 ص 41، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 62.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 297 عن زاد المعاد عن ابن إسحاق و غيره و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 125، و الدرر لابن عبد البر ص 249، و تاريخ الطبري ج 2 ص 366، و البداية و النهاية ج 5 ص 40، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 968، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 273، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 61، و السيرة الحلبية ج 3 ص 244.

فلما دخل المغيرة علاها ليضربها بالمعول، و قام قومه دونه، بنو معتب، خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة. فلما هدمها المغيرة، و أخذ مالها و حليّها أرسل أبا سفيان بمجموع مالها من الذهب و الفضة و الجزع (1).

الوفد العائد:

و لما رجع الوفد خرجت ثقيف يتلقونهم، فلما رأوهم ساروا العنق، و قطروا الإبل قال بعضهم لبعض: ما وفدكم بخير، و قصد الوفد اللات، و نزلوا عندها.

فقال ناس من ثقيف: إنهم لا عهد لهم برؤيتنا، ثم رحل كل رجل منهم إلى أهله، فسألوهم: ما ذا جئتم به؟

قالوا: أتينا رجلا فظا غليظا، قد ظهر بالسيف، و داخ له العرب، قد عرض علينا أمورا شدادا: هدم اللات.

فقالت ثقيف: و اللّه لا نقبل هذا أبدا.

فقال الوفد: أصلحوا السلاح، و تهيأوا للقتال.

فمكثت ثقيف كذلك يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى اللّه في قلوبهم الرعب، فقالوا: و اللّه، ما لنا به من طاقة، فارجعوا فاعطوه ما سأل.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 297، و تاريخ الطبري ج 2 ص 366، و البداية و النهاية ج 5 ص 40، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 968، و عيون الأثر ج 2 ص 273، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 61.

فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا و اختاروا الإيمان قال الوفد: فإنّا قاضيناه و شرطنا ما أردنا، و وجدناه أتقى الناس، و أوفاهم، و أرحمهم، و أصدقهم، و قد بورك لنا و لكم في مسيرنا إليه، فاقبلوا عافية اللّه.

فقالت ثقيف: فلم كتمتونا هذا الحديث؟

فقالوا: أردنا أن ننزع من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم، و مكثوا أياما. ثم قدم رسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عمدوا إلى اللات ليهدموها، فهدمها المغيرة حسبما تقدم (1).

و قال عثمان بن أبي العاص، كما رواه عنه أبو داود: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم.

و قال عثمان: إنما استعملني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأني كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول اللّه إن القرآن ينفلت مني، فوضع يده على صدري و قال: «يا شيطان، اخرج من صدر عثمان» . فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 298 و 299 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 125 و 126 و 127، و تاريخ المدينة للنميري ج 2 ص 505، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 671، و البداية و النهاية ج 5 ص 41، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 62.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 298 و 299 عن أبي داود، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 126 و 127، و مجمع الزوائد ج 9 ص 3، و المعجم الكبير للطبراني ج 9 ص 47، و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 137، و تاريخ المدينة ج 2 ص 508، و إمتاع الأسماع ج 4 ص 395 ج 11 ص 322 و 325.

و عن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي قال: انطلقت في وفد ثقيف إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتيناه فأنخنا بالباب، و ما في الناس رجل أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فلما خرجنا بعد دخولنا عليه فخرجنا و ما في الناس أحب إلينا من رجل دخلنا عليه قال: فقال قائل منا: يا رسول اللّه، ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان؟

قال: فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: «فلعل لصاحبكم عند اللّه أفضل من ملك سليمان «عليه السلام» ، إن اللّه عز و جل لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها، و منهم من دعا بها على قومه إذ عصوه، فأهلكوا بها، و إن اللّه عز و جل أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة (1).

كتاب رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» لوفد ثقيف:

و عاد وفد ثقيف، و قد حصل على كتاب من رسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو التالي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول اللّه «صلى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 365 عن البخاري في تاريخه، و الحارث بن أبي أسامة، و ابن مندة، و الطبراني، و البزار، و البيهقي، و مجمع الزوائد ج 10 ص 374 عن الطبراني و البزار برجال ثقات، و المستدرك للحاكم ج 1 ص 68، و مجمع الزوائد ج 10 ص 371، و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 432، و البداية و النهاية ج 5 ص 100، و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 3 ص 284، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 165.

اللّه عليه و آله» لثقيف:

كتب أن لهم ذمة اللّه الذي لا إله إلا هو، و ذمة محمد بن عبد اللّه النبي على ما كتب عليهم في هذه الصحيفة.

أن واديهم حرام محرم للّه كل عضاهه و صيده، و ظلم فيه، و سرق فيه، أو إساءة.

و ثقيف أحق الناس بوجّ، و لا يعبر طائفهم، و لا يدخله عليهم أحد من المسلمين يغلبهم عليه، و ما شاؤوا أحدثوا في طائفهم من بنيان أو سواه و بواديهم.

لا يحشرون، و لا يعشرون، و لا يستكرهون بمال الأنفس.

و هم أمة من المسلمين يتولجون من المسلمين حيث ما شاؤوا، و أين تولجوا ولجوا.

و ما كان لهم من أسير فهو لهم، هم أحق الناس به حتى يفعلوا به ما شاؤوا.

و ما كان لهم من دين في رهن فبلغ أجله، فإنه لواط (لياط) مبرأ من اللّه، و ما كان من دين في رهن وراء عكاظ، فإنه يقضى إلى عكاظ رأسه.

و ما كان لثقيف من دين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس فإنه لهم.

و ما كان لثقيف من وديعة في الناس أو مال أو نفس غنمها مودعها أو أضاعها ألا فإنها مؤداة.

و ما كان لثقيف من نفس غائبة أو مال، فإن له من الأمن ما لشاهدهم. و ما كان لهم مال بلّية فإن له من الأمن ما لهم بوجّ.

و ما كان لثقيف من حليف أو تاجر فأسلم فإن له مثل قضية أمر ثقيف.

و إن طعن طاعن على ثقيف أو ظلمهم ظالم، فإنه لا يطاع فيهم في مال و لا نفس، و أن الرسول ينصرهم على من ظلمهم و المؤمنون.

و من كرهوا أن يلج عليهم من الناس فإنه لا يلج عليهم.

و أن السوق و البيع بأفنية البيوت.

و أنه لا يؤمّر عليهم إلا بعضهم على بعض، على بني مالك أميرهم، و على الأحلاف أميرهم.

و ما سقت ثقيف من أعناب قريش فإن شطرها لمن سقاها.

و ما كان لهم من دين في رهن لم يلط، فإن وجد أهلها قضاء قضوا، و إن لم يجدوا قضاء، فإنه إلى جمادى الأولى من عام قابل، فمن بلغ أجله فلم يقضه فإنه قد لاطه.

و ما كان لهم في الناس من دين فليس عليهم إلا رأسه.

و ما كان لهم من أسير باعه ربه فإن له بيعه، و ما لم يبع فإن فيه ست قلائص نصفين: حقاق، و بنات لبون، كرام سمان.

و من كان له بيع اشتراه فإن له بيعه (1).


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 56 و 57 و 65 و 66 عن المصادر التالية: الأموال لأبي عبيد ص 190 و في (ط أخرى) ص 276 و مدينة البلاغة ج 2 ص 336. و مجموعة الوثائق السياسية ص 284 و الخراج لقدامة ورقة 123، و السهيلي ج 2 ص 62 و 327 و العباب للصاغاني (خطية) مادة «ليط» ، و الكامل لابن الأثير ج 1 ص 246 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 510 و عن ص 372 و ج 1 ص 285 و عن ج 4 ق 1 ص 69 و الوثائق ص 720 عن ابن شبة، و نشأة الدولة الإسلامية ص 315. و راجع: فتوح البلدان ص 67 و في (ط أخرى) ص 75 و الإصابة ج 1 ص 184/839 في ترجمة تميم بن جراشة الثقفي، و أنساب الأشراف (تحقيق محمد حميد اللّه) ص 366 و أسد الغابة ج 1 ص 216 و ج 3 ص 373 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 274 عن السهيلي، و الثقات لابن حبان ج 2 ص 112 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 507 و 510 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 197 و غريب الحديث لأبي عبيد ج 3 ص 198 و الفائق للزمخشري ج 3 ص 58 و 238 و النهاية، و لسان العرب في ليط، و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 83 و 99 و رسالات نبوية ص 13 و البداية و النهاية ج 5 ص 343 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 823 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 453 و حياة الصحابة ج 1 ص 165 و 166 و العقد الفريد ج 2 ص 35 و معجم البلدان ج 4 ص 12 في «الطائف» ، و الدر المنثور ج 1 ص 364 و معجم قبائل العرب ج 1 ص 150 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 184 و المغازي للواقدي ج 3 ص 967 و راجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 119.

كتاب آخر لوفد ثقيف:

و سأل وفد ثقيف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل وجّا حمى لهم، فأجاب طلبهم، و كتب لهم الكتاب التالي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول اللّه إلى المؤمنين: إن عضاه وجّ و صيده حرام لا يعضد (و لا يقتل صيده)، فمن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد و تنزع ثيابه، و من تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبي محمدا، و إن هذا أمر النبي محمد رسول اللّه. و كتب خالد بن سعيد بأمر من محمد بن عبد اللّه رسول اللّه (فلا يتعدّه أحد فيظلم نفسه فيما

أمر به محمد رسول اللّه لثقيف)» .

و شهد على نسخة هذه الصحيفة صحيفة رسول اللّه التي كتب لثقيف علي بن أبي طالب، و حسن بن علي، و حسين بن علي، و كتب نسختها لمكان الشهادة (1).

و استعمل «صلى اللّه عليه و آله» سعد بن أبي وقاص على حمى وجّ (2).

و ذكر ابن سعد في الطبقات شهادة الحسنين «عليهما السلام» على


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 298 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 72 و 73 عن المصادر التالية: الأموال لأبي عبيد ص 193 و في (ط أخرى) ص 279 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 187 و البداية و النهاية ج 5 ص 344 و تاريخ الخميس ج 2 ص 193 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 285 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 33 و عن ج 4 ق 1 ص 69 و إعلام السائلين ص 50 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 52 عن المواهب اللدنية شرح الزرقاني ج 4 ص 10 و رسالات نبوية ص 307/114 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 452 و المغازي للواقدي ج 3 ص 973 و زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 198 و السيرة الحلبية ج 3 ص 244 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 11 و المواهب اللدنية ج 1 ص 236 و مدينة البلاغة ج 2 ص 335 و سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإسحاق بن محمد الهمداني قاضي أبرقوه ص 997 و مجموعة الوثائق السياسية ص 287/182 عن مجموعة المكتبات للديبلي/17 و ابن هشام، و ابن سعد، و الواقدي، و ابن كثير، و القسطلاني في المواهب، و رسالات نبوية، و زاد المعاد، و الأموال لأبي عبيد، و ابن زنجويه، و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 493 و 494 ثم قال: قابل سنن أبي داود، و وفاء الوفا ص 1036 و انظر كايتاني ص 589 التعليقة الرابعة و اشپربر ص 72 و اشپرنكر ج 3 ص 486.

2) المغازي للواقدي ج 3 ص 973، و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 88.

الكتاب الأول، دون الثاني (1).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات، نجملها فيما يلي:

إيضاحات لابد منها:

و قبل أن نشرع في بيان ما ربما يكون بيانه مفيدا نشير إلى بعض الإيضاحات لنصوص الكتابين المذكورين آنفا، فنقول:

ثقيف قبيلة من هوازن، و هم قسمان: الأحلاف، و بنو مالك. و كانوا يعبدون اللات، و يسمونها الربة.

العضاه: كل شجر ذي شوك، و قد ذكر الكتاب: أنه لا يجوز ظلم ثقيف في واديهم، و لا السرقة، و لا الإساءة.

لا يعضد: لا يقطع.

وجّ: بفتح الواو و تشديد الجيم: قال في القاموس: «اسم واد بالطائف، لا بلد به. و غلط الجوهري (و هو ما بين جبلي المحترق و الأحيحدين)و منه آخر وطأة وطئها اللّه تعالى بوجّ، يريد غزوة حنين لا الطائف و غلط الجوهري.

و حنين: واد قبل وجّ، أما غزوة الطائف، فلم يكن فيها قتال» . انتهى.

قال في النور: قوله لم يكن فيها قتال، فيه نظر، إلا أن يريد توجهه (إلى موضع العدو و إرهابه) (2).


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 74.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 302 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 127 و 128.

لا يعبر طائفهم: أي بغير إذنهم، و لا يدخل فيه أحد بغير إذنهم.

لا يحشرون: أي لا تضرب عليهم البعوث، أو لا يحشرون إلى عامل الزكاة، بل يأخذها في أماكنها.

و لا يعشرون: أي لا يؤخذ منهم عشر أموالهم كضريبة كانت معروفة قبل الإسلام، و إنما تؤخذ منهم الصدقة الواجبة.

يلجون: أي يدخلون بلاد المسلمين حيث شاؤوا.

و ما كان لهم من أسير: أي أسروه في الجاهلية، فهو لهم حتى يأخذوا فديته، فإن الإسلام أقرّ الناس على ما في إيديهم من مال، و أرض، و عبيد و إماء. و جعل لهم أن يفادوا أسراهم و حدد فداء كل أسير بست قلائص، و ليس لهم بيعه بعد هذا العهد، أما ما بيع قبله، فبيعه صحيح.

و اللياط: الإلصاق، إي أنهم قد ألصقوا الربا بالبيع و لاطوه به، و لأجل ذلك حكم أنه إذا كان الدين إلى عكاظ، فإنه يقضي برأسه أي برأس المال، و يسقط الربا.

و كانت ثقيف تريد أن يبيح النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها الربا الذي كانت تتعامل به بكثرة، و كانت تملك أموالا طائلة فتقرض و ترهن.

و قد حكم «صلى اللّه عليه و آله» أيضا بأن المديون لهم يعطيهم الدين، و لا يعطيهم الربا، فإن الربا قد ألصق بالبيع و بالرهن بغير وجه حق.

لية-بكسر اللام-: واد لثقيف قرب الطائف.

القلوص: الناقة الشابة.

الحقة: الناقة التي دخلت في الرابعة.

و بنت اللبون: الناقة التي دخلت في الثالثة.

إلغاء سوق عكاظ:

و يلاحظ هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صرح بأن عليهم البيع بالأفنية. أي في الساحات المتسعة أمام دورهم أو في بلدهم. .

فهل هذا يهدف إلى تثبيطهم عن الإرتحال إلى سوق عكاظ الذي كان يشتمل على المفاسد، لما يكون فيه من هجاء، و افتخار بمآثر الجاهلية، و تشبيب بالنساء، و غير ذلك مما من شأنه أن يترك آثارا سيئة على العلاقات بين الناس، و على أخلاقهم، و على حالاتهم الإجتماعية.

شهادة الحسنين عليهما السّلام على كتاب ثقيف:

و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أشهد الحسنين «عليهما السلام» على كتاب ثقيف، و كان عمرهما في سنة تسع خمس و ست سنين، و في هذا تعظيم لشأنهما، و إظهار لفضلهما.

و فيه أيضا: دلالة على أن الحسنين «عليهما السلام» قادران على حفظ حقوق الناس، حتى و هما في هذه السنّ، لأنهما يملكان من الوعي و الإدراك و العقل و سداد الرأي، و الإتزان و قوة الإلتزام، ما يكفي لذلك، و هذه ميزة لم تكن لغيرهما ممن هو أكبر منهما سنا. .

على أن من الواضح: أن هذه الشهادة قد كانت على أمر يرتبط بمصير جماعة كبيرة من الناس، فإنهما لم يشهدا على ملكية شاة أو دار، أو قطعة أرض، بل على ما هو أجل و أخطر من ذلك بكثير. .

مع ملاحظة: أن شهادتهما قد أثبتت إلى جانب شهادة أبيهما في أمر يرتبط بسياسة العباد، و بالتعهدات الملزمة فيما بين إمام المسلمين و بين جماعة

من الناس أصرت على مناوأة الإسلام و أهله حقبة من الزمن.

و قد أثبتت شهادتهما مع أبيهما، دون غيرهم من المسلمين، كبيرهم و صغيرهم، مع أن الجميع كانوا موجودين، أو غير بعيدين. .

فما هو السبب في ذلك يا ترى؟ ! فهل يراد الإلماح إلى أن من يفي بهذا العهد، و يكون المسؤول عنه هو القائم بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو علي «عليه السلام» ثم الحسن، ثم الحسين صلوات اللّه و سلامه عليهما؟ ! . .

ملك سليمان:

و تقدم: أن أحد أعضاء وفد ثقيف قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لو سألت ربك ملكا كملك سليمان؟ !

فضحك «صلى اللّه عليه و آله» و قال: فلعل لصاحبكم عند اللّه أفضل من ملك سليمان الخ. .

و من الواضح: أن هؤلاء الناس يرون أن العظمة و المقام و الفضل إنما يكون بالملك و السلطان في الدنيا. . و أن المثل الأعلى لذلك بنظرهم هو ملك سليمان. .

و قد ضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ضحك الإستهانة بهذه النظرة، ثم أوضح لهم أن الأمر ليس كما يظنون، فإن الملك الحقيقي و العظيم و الجليل، قد لا يكون ظاهرا لهم، و أن من يرونه فاقدا للملك قد يكون هو الأغنى، و الأعظم ملكا، و الأوسع نفوذا، و سلطانا، و الأقوى شوكة، و الأجل مقاما، و الأكرم و الأفضل، فإن المعيار في الملك و الكرامة

هو ما أعده اللّه تعالى لعباده، فاذا كان الناس لا يدركون بواطن الأمور فلا يحق لهم إصدار الأحكام، و ليس لهم أن يقولوا:

هذا واجد، و هذا فاقد. . و عليهم أن يتوقعوا أن يكون الأمر حين تتكشف لهم الأمور على خلاف ما هي عليه في ظاهر الحال. .

ثم أخبرهم زيادة على ذلك بأنه «صلى اللّه عليه و آله» يملك دعوة قد خبأها لأمته، و أن ما ناله سليمان إنما ناله بدعوة مثلها، أما نبينا «صلى اللّه عليه و آله» فلعل اللّه تعالى قد أعطاه بالإضافة إلى تلك الدعوة ملكا أعظم من ملك سليمان. . و قد أبقى دعوته لأمته، و بذلك يكون قد بلغ منتهى الفضل، و أقصى غايات الكرامة. .

علم عثمان بن أبي العاص:

و قد ذكر في ما تقدم: أن عثمان بن أبي العاص بعد أن رجع الوفد من عند رسول اللّه عمد إليه «صلى اللّه عليه و آله» فسأله عن الدين، و استقرأه القرآن حتى فقه و علم. . فمكث الوفد عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى قبلوا الإسلام. .

و نقول:

إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قد فرّغ نفسه لتعليم عثمان بن أبي العاص، و كان من عادته أن يدفع من يريد التفقه في الدين إلى بعض أصحابه ليتولى هو ذلك.

و لو فرض أنه قد أعطاه من وقته، فإن هذه الأيام اليسيرة جدا لم تكن تكفي لأن يفقه عثمان و يعلم. .

على أن الرواية الأخرى تكاد تكون صريحة في أن الوفد التقى بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما حصل على ما أراد، خرج من عنده عازما على السير، و لم يرضوا إلا بإعطاء فرصة يسيرة جدا لعثمان بن أبي العاص ليلتقي برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمروه بالعجلة، و معنى هذا هو أنه لم يمكث عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لا أياما و لا ساعات فكيف يفقه و يعلم، بتعليم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

لا خير في دين لا صلاة فيه:

و الصلاة هي الصلة بين العبد و ربه، و هي تمثل فرصة لإظهار العبودية للّه، و تبلور الشعور بألوهيته و هيمنته و قاهريته، و الحاجة إليه، و الإحساس برقابته، و هي تهدف إلى دفع العبد نحو عمل الخير، و الإبتعاد عن المنكر، و الفحشاء. . فمن أجل ذلك و سواه قال «صلى اللّه عليه و آله» : «لا خير في دين لا صلاة فيه» .

لا مساومة على أحكام اللّه:

و قد رفض «صلى اللّه عليه و آله» أن يساوم وفد ثقيف على شيء من أحكام اللّه تبارك و تعالى، بحيث يصدر هو قرارا بتجويز ارتكاب تلك المحرمات لهم. . لأن ذلك نقض لأحكام اللّه، و تضييع لشرائعه.

أما حين يبقى حكم اللّه تعالى ثابتا، و يريد هذا أو ذاك أن يخالفه، فان الأمر يصبح أقل سوءا و خطرا، لأن ذلك العاصي المتعمد يكون قد آذى نفسه بتعريضها لعقوبة اللّه تبارك و تعالى، و للمفاسد التي تنشأ عن تلك المخالفة. . كما أن المضطر للمخالفة فإنه و إن كان يعرض نفسه للمفسدة في الدنيا، أو

يفوّت على نفسه أجرا أو منفعة، لكن اضطراره يسقط عنه عقوبة الآخرة. .

و لأجل ذلك نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجبرهم على هدم صنمهم بأيديهم، و لكنه لم يفرط بالحكم الإلهي القاضي بلزوم هدمه، كما هو ظاهر لا يخفى. .

جمع القرآن في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و قد تقدم: أن عثمان بن أبي العاص حين قدم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في وفد ثقيف سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» مصحفا كان عنده، فأعطاه إياه. .

و هذا يدل على أن القرآن قد جمع في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و جعل مصحفا يراه و يطلبه هذا الرجل من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيعطيه إياه. .

و هذا يكذب ما زعموه: من أن القرآن قد جمع في عهد أبي بكر بشهادة رجلين، و رجل واحد أحيانا.

و لعل أبا بكر، أو أبا بكر و عمر كانا لا يملكان مصحفا، و لم يرضيا بالمصحف الذي جاءهم به علي «عليه السلام» ، و كان قد كتب فيه التنزيل و التأويل، و المحكم، و المتشابه، و متى نزلت الآيات و في من نزلت.

نعم. . لم يرضوا بهذا المصحف، لأن ذلك يحرجهم في كثير من الأمور، و في الأشخاص و الرموز التي يراد إشراكها في القرار، و في السلطة. .

فلم يكن لهم من خيار سوى تكليف زيد بن ثابت بجمع مصحف لهما، يكون خاليا عن ذلك كله، ففعل، فقيل: إن القرآن قد جمع على عهد أبي بكر. .

و قد تكلمنا حول هذا الموضوع بنوع من التفصيل في كتابنا «حقائق هامة حول القرآن الكريم» .

ادع اللّه أن يفقهني، و يعلمني:

و قد طلب عثمان بن أبي العاص من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يفقهه في الدين، و يعلمه. . و هذا يستثير سؤالا هاما جدا، يحتاج إلى الإجابة الصريحة، و الواضحة و هو:

إنه لا شك في أن هذا الطلب قد جاء في آواخر حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يستطع عثمان أن يجالس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوى فترة قصيرة جدا، ثم انصرف إلى عمله في إدارة شؤون قومه. .

و لا شك في أن العلم و الفقه في الدين يحتاج إلى معلم، و لا يناله عثمان و لا غيره بالوحي، و لا يراه في المنام، فلما ذا لم يرشده «صلى اللّه عليه و آله» إلى من يعلمه عقائده و شرائع دينه بعد وفاته؟ !

و أليس ذلك يدل على لزوم وجود من يرجع الناس إليه بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

عثمان بن أبي العاص يمدح نفسه:

قد تقدم: أن عثمان بن أبي العاص يتحدث عن نفسه بما يشير إلى خصوصية و فضيلة له. . و نحن لا ننكر أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ولاّه على الطائف، غير أننا نقول:

إن تولية النبي «صلى اللّه عليه و آله» له لا تعني أنه كان من الأخيار الأبرار، فقد ولى من لم يكن بذاك. .

و من جهة أخرى: فقد كان عثمان هذا موضع اهتمام من قبل الحاكمين، فقد استعمله أبو بكر و عمر (1)، و استعمله عمر على عمان و البحرين (2).

المغيرة يقدم أبا سفيان، فيرفض:

و عن محاولة المغيرة تقديم أبي سفيان ليكون هو الذي يواجه ثقيف، حين هدم الطاغية، فلعله أراد أن يحرج أبا سفيان بهذا الأمر، و يخفف من حدة نظرة قومه إليه، بإظهاره أنه جاء تابعا لأبي سفيان، و لكن أبا سفيان قد تلافى هذا الموقف بأن ترك المغيرة يدخل وحده على قومه، و يذهب هو إلى موضع له، و ينزل فيه.

و هذا يدل على أن أبا سفيان و المغيرة كانا بعيدين عن دائرة الإيمان الصافي و الصادق. . كما هو ظاهر لا يخفى.

توضيحات عن وفد ثقيف:

قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فتح الطائف، و أسقط مقاومة ثقيف، و لعل الذين أسلموا منهم كانوا ثلة قليلة لعلها لم تستطع


1) راجع: مجموعة الوثائق السياسية ص 395 و الكامل لابن الأثير ج 3 ص 284 و 421 و الإصابة ج 2 ص 460 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 91 و اسد الغابة ج 3 ص 373 و المغازي للواقدي ج 3 ص 963 و 966 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 99 و 597، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 374، و الإصابة ج 4 ص 374، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 270.

2) المعارف لابن قتيبة ص 153، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 374، و الإصابة ج 4 ص 374، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 270.

الصمود أمام الكثرة التي اختارت طريق الغي، أو أنها قد عادت إليه بعد أن كانت قد تظاهرت بالتخلي عنه.

و يبدو أن عروة بن مسعود قد ظن أنه قادر على التأثير عليهم، لمكانته فيهم، فأخبره «صلى اللّه عليه و آله» بأن الأمر لم يكن على ما يظن، فلما أصر عليه لم يشأ أن يحرمه من شرف الجهاد و الشهادة. و ربما يكون لشهادته بعض الأثر في عودة رشدهم إليهم، و تنبههم إلى الأخطار الجسام التي تنتظرهم لو أصروا على اللجاج و العناد و الجحود، بعد أن رأوا أنهم قد أصبحوا حالة شاذة في محيطهم، و أن لا مناص لهم من مسايرة هذا الجو بما يحفظ لهم حياة طيبة و هادئة.

فأرسل الثقفيون الذين كانوا قد أبطأوا في الإستجابة لنداء الحق، أو كانوا قد نكثوا عهدهم، و عادوا إلى البغي و الشرك و الجحود-أرسلوا- وفدهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برئاسة عبد ياليل بن عمرو. .

و قد لاحطنا: أن عبد ياليل لم يرض بالذهاب وحده، بل اشترط أن يكون معه أناس آخرون من جميع طوائف لا يتمكن أحد من ثقيف أن يقدم على عمل يثير حفيظتها، و يجعلها في موقع المعادى و المحارب، فطلب أن يشاركه في الوفد اثنان من الأحلاف و ثلاثة من بني مالك.

لكي يسمعهم القرآن و يريهم الصلاة:

و عن جعلهم في المسجد بحيث يرون صلاة المسلمين، و يسمعون القرآن، نقول:

إننا لا نريد أن نسهب في تفصيل دلالات، و غايات هذا الإجراء، بل

نقتصر على الإشارة إلى أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يستثير فيهم حب المعرفة، و تلمس المعاني، و الدلالات القرآنية و الصلاتية، بأنفسهم، بعيدا عن مظاهر الحجاج و الإحتجاج، و عن الشعور بأن ثمة سعيا لمحاصرتهم، و الهيمنة على طريقة تفكيرهم أو التأثير على قراراتهم، فتتحرك فيهم نوازع الممانعة، و السعي نحو التفلت و الخروج من دائرة الحصار، و تحقيق ما يشبه الإنتصار. .

إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد لهم ان يرجعوا إلى فطرتهم، و إلى ما يرضاه لهم وجدانهم و ضميرهم، فيتدبروا هذا القرآن، و يفكروا في معاني الحركات و الأقوال، و المظاهر الصلاتية و دلالاتها بعفوية و هدؤ و صفاء.

استئثار أبي بكر بالبشارة:

و قد أقسم أبو بكر على المغيرة بن شعبة، الذي كان يشتد لتبشير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بوفد ثقيف، أن لا يسبقه بالبشارة، حتى يكون أبو بكر هو الذي يبشره. .

و لا ندري لماذا يحرص أبو بكر على إخبار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأمر؟ ! ألا يعد ذلك شاهدا أو دليلا على أن حبه لنفسه قد تجاوز الحد حتى جعله يستأثر على الآخرين حتى بمثل هذا الأمر العادي جدا و البسيط؟ !

و لماذا يحرم غيره حتى من إبلاغ خبر سار لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و يصده عنه بالقسم، و لا يترك له حرية السعي إلى ما يريد؟ ! فإن كان له هو رغبة في شيء من ذلك فليبذل جهده أيضا، فأيهما سبق فقد حصل على مبتغاه، و يبقى للآخر ثواب سعيه، إلا أن يكون المقصود هو: لفت

النظر، و إعلام الناس بأنه قد أدى خدمة، و قام بعمل و هو الذي لم يعهد منه القيام بشيء ذي بال! !

و يا ليت هذا الحرص على الأجر و الثواب لدى أبي بكر يتجلى لنا في ساحات الجهاد، و مقارعة الأبطال! ! التي يغيب عنها غيبة من يكاد يحسب في عداد الأموات. .

أسكنهم في ناحية المسجد:

و عن ضرب القبة للوفد في ناحية المسجد نقول:

إن ذلك لا يعني أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أسكنهم في داخل مسجده، الذي تكون صلاة المسلمين فيه، ليقال: إنه قد أدخل المشركين إلى المسجد، بل أسكنهم في ناحية منه، فلعلها دار المسجد، أو بعض الملحقات به، و لعلها موضع الصفة المعروف أو نحو ذلك، فليس في هذا النص دلالة على جواز دخول المشركين للمساجد. .

يسيئون الظن برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و عن أنهم كانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى يأكل منه خالد نقول:

إن الإنسان الغادر يظن أن غيره غادر مثله، و لذلك لم يقتنع هؤلاء بأن لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» طريقة و خلقا يختلف عما عرفوه و ألفوه، رغم أنهم قد عاينوا أو سمعوا طيلة عشرات السنين الكثير الكثير من المفردات التي تدل على هذه المباينة فيما بينه و بينهم. . و المضحك المبكي أن هؤلاء الغدرة أنفسهم يدّعون للناس أنهم أوفياء، كما يدّعي الجبناء أنهم شجعان،

و البخلاء أنهم أسخياء.

تأجيل هدم الطاغية:

و من السخف الظاهر، و التفاهة الفاضحة أن يطلب وفد ثقيف من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يدع لهم «اللات» و لا يهدمها ثلاث سنين، فلم يقبل منهم، حتى طلبوا منه شهرا، فأبى عليهم أن يدعها لهم شيئا مسمى. .

فإنه إذا كان لابد من هدمها، بعد ثلاث سنوات، أو أقل أو أكثر، فذلك يعني أنها لا تملك لنفسها نفعا و لا ضرا، فضلا عن أن يكون لها أي تأثير بالنسبة لغيرها، فهي إذن فاقدة لما تستحق به العبادة و لو لحظة واحدة. فما معنى أن يتعلقوا بها إلى هذا الحد. . و ما الفرق بين اللحظة و بين الألف عام؟ !

و من جهة أخرى: فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يمكن أن يرضى بإبقائها إلا إذا رضي بأن تعبد و لو لحظة واحدة، فإذا كانت أهلا للعبادة في تلك المدة أو اللحظة، فلا يصح هدمها بعد ذلك أيضا، لأن حالها لم تختلف، و أهليتها لا تزال محفوظة، فإن منعت من هدمها و جوزت عبادتها لحظة، فهي تمنع من ذلك، و تجوز عبادتها في اللحظة التي بعدها و هكذا إلى ما لا نهاية.

و قد زعموا: أن هدفهم من تأخير هدم اللات هو: أن لا يستثار سفهاؤهم، و نساؤهم و ذرياتهم، و لا يروعوا قومهم بهدمها، حتى يدخلوا الإسلام.

غير أن من البديهي: أن إبقاء رمز الكفر من شأنه أن يبقي الإرتباط القلبي قائما بين أولئك الضعفاء و السفهاء، و يبين ذلك الرمز. . و يتبلور نتيجة لذلك شعور بإمكان التعايش و الإنسجام و المصالحة بين حالتي

الشرك و التوحيد، و الظلمة و النور، و الحق و الباطل، و سيزيد ذلك من صعوبة اقتلاع آثار الشرك و طرد الباطل من العقول و النفوس.

و ذلك من شأنه أن يفسد الفطرة، و يربك و يبطئ حركة العقل، و يعمّي على كثير من الناس سبل الهداية. فلأجل هذا و ذاك أصر «صلى اللّه عليه و آله» على هدم الأصنام و أن لا يبقيها و لو لحظة واحدة.

لا يكسرون أصنامهم بأيديهم:

ثم إنهم قد طلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعفيهم من كسر أصنامهم بأيديهم، لا لأجل أن ذلك يمثل إذلالا لهم، و إنما لأنهم كانوا يخشون أن يصيبهم بسبب ذلك بعض المصائب. .

و قد كان إعفاؤهم من ذلك هو القرار الحكيم و الصائب، إذ لو أصر عليهم بمباشرة هدمها، فإن أي شيء يعرض لهم بعد ذلك و لو كان صداعا في الرأس أو شوكة تصيب رجل أحدهم سوف يعتبرونه من آثار هدمها، و بالتالي فإن ذلك سوف يكرس مكانتها في نفوسهم، و سيعكر ذلك صفاء توحيدهم، و يخدش في صحة إيمانهم. .

نظرة في كتاب ثقيف:

و بعد. . إننا إذا ألقينا نظرة فاحصة على مضمون الكتاب الذي كتبه لهم فسنجد: أنه قد أطال في التفاصيل و لكنه لم يزد على أمور معلومة الحكم، ظاهرة لكل أحد، و لا مجال فيها للمناقشة، و لا سبيل للأخذ و الرد فيها من أي كان.

أي أنه لم يزد على المسلمات الشرعية، و البديهيات العقلية، و الأمور الوجدانية شيئا، فهو ينص على منعهم من الظلم و السرقة و الإساءة، و يحرم عليهم الربا،

و يوجب على المسلمين نصرهم إذا تعرضوا لأي ظلم و حيف من أحد.

و يوجب على الناس الإستئذان منهم إذا أرادوا أن يدخلوا عليهم، أو أن يعبروا من بلادهم، و أنهم لهم الحرية في أن يتصرفوا فيما يملكونه كيف يشاؤون، و ليس لأحد أن يفرض عليهم ضريبة كضريبة الجاهلية، و لا أن يفرض عليهم الإجتماع في مكان بعينه لأداء صدقاتهم.

و أنهم آمنون على أنفسهم و أموالهم أينما كانت، و أن حلفاءهم إذا أسلموا فإن لهم ما لمسلمي ثقيف، و كذلك الحال بالنسبة لمن يسلم من تجار ثقيف نفسها.

و ذكر: أن الأعناب التي لقريش إذا سقاها أهل الطائف فلهم شطرها، إلى آخر ما هنالك من أحكام ذكرت في الكتاب. .

و السؤال هو: لماذا يصرح بكل ما ذكرناه و سواه مما هو من البديهيات العقلية، و الشرعية، و الوجدانية؟

قد يكون السبب في ذلك هو شعوره بأنه لا يكفي أن يكلهم إلى إيمانهم، و وجدانهم، و إلى حكم عقلهم، و قضاء فطرتهم؟ ! بل يحتاجون زيادة على ذلك إلى أخذ العهود و المواثيق الصريحة و الواضحة.

و لعله حين رأى حرصهم على الربا و قد فاوضوه فيه، ثم خلوا بأنفسهم. ثم تظاهروا بقبول ذلك منه لم يثق بصحة نواياهم، فكان أن شدد عليهم فيه، و سجله في هذه الوثيقة، لكي يبطل تدبيرهم، إن كانوا قد اتفقوا فيما بينهم على التظاهر بالموافقة، ثم العمل بما يحلو لهم. . فيكون هذا الكتاب قد قطع الطريق عليهم، و أحرجهم، و ألجأهم إلى التزام طريق الحق، و أخذهم بعهد صريح لن يسهل عليهم نقضه، لأنه يجعل له السبيل عليهم.

الفصل السادس: وفود السنة العاشرة و الحادية عشرة

اشارة

وفود بني تغلب:

عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفد بني تغلب ستة عشر رجلا مسلمين و نصارى، عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث. فصالح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» النصارى على أن يقرهم على دينهم، على أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية، و أجاز المسلمين منهم بجوائزهم (1).

و نقول:

إن هذا النص قد تضمن أمرا هاما جدا، نشير إليه فيما يلي:

إستغلال سذاجة الآخرين ممنوع:

إن هذا الذي اشترطه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على نصارى بني تغلب، و هو: أن يقرهم على دينهم، على أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية، يشير إلى أمرين:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 287 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 316، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 178، و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 108.

الأول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عامل نصارى تغلب بالرفق و العفو، حين رضي منهم أن يقرهم على دينهم، مع أن له كل الحق في معاملتهم بالشدة و العنف، ما دام أنه قد قهرهم بالحجة، فلجوا في طغيانهم، و أصروا على باطلهم و أقاموا على الجحود على ما أصبح واضحا أنهم يعلمون بطلانه و بواره.

الثاني: إنه «صلى اللّه عليه و آله» آثر أن يرفق بهم، ليحفظ حق أبنائهم في الإختيار، و ليضمن لهم حرية الفكر و الإعتقاد، ثم حرية الموقف و الممارسة. . فطلب منهم: أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية.

الثالث: إن هذا الإشتراط يعطينا: أنه ليس من حق أحد أن يستغل سذاجة أي إنسان، حتى لو كان ولده، ليفرض عليه عقيدته، و ما يدين به، بل عليه أن يفسح له المجال، ليصل إلى قناعاته الدينية و اعتقاداته عن طريق الدليل و البرهان. . و لا يجوز له أن يهيمن على فكره و عقله و قلبه من خلال أجواء يثيرها، أو إيحاءات يمارسها، ما دام أن الطرف الآخر غير قادر على التمييز بين الحق و الباطل، أو كان ذلك مما يصرفه عن التفكير في هذا و ذاك. .

الرابع: إن هذا المبدأ لا يختص بصورة ما لو كان الطرف الآخر لا يدين بالإسلام، بل هو مما يفرضه الإسلام حتى على المسلمين أنفسهم، إمعانا منه في إنصافهم، و في إجراء سنة العدل فيهم، ففرض على كل مسلم أن يحصّل قناعاته عن طريق الحجة و الدليل، و لا سيما فيما يختص بالتوحيد و النبوة، و بعض المعتقدات الأخرى. . حيث لم يرض منه بتقليد الناس جهابذة العلم، و أساطين الفكر، فإنه لا يرضى بأن يقلد أحد أحدا من غير العلماء

حتى تقليد الأبناء لآبائهم أو لغيرهم كما هو واضح.

وفود الرهاويين:

عن قتادة الرهاوي قال: «لما عقد لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قومي، أخذت بيده فودعته، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «جعل اللّه التقوى زادك، و غفر لك ذنبك، و وجّهك للخير حيثما تكون» (1).

و روى ابن سعد عن زيد بن طلحة التيمي قال: قدم خمسة عشر رجلا من الرهاويين، و هم حي من مذحج، على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سنة عشر، فنزلوا دار رملة بنت الحدث، فأتاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتحدث عندهم طويلا، و أهدوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هدايا، منها فرس يقال له: المرواح، فأمر فشور بين يديه، فأعجبه. فأسلموا و تعلموا القرآن و الفرائض، و أجازهم كما يجيز الوافد: أرفعهم اثني عشرة أوقية و نشّا، و أخفضهم خمس أواق، ثم رجعوا إلى بلادهم.

ثم قدم منهم نفر، فحجوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة، و أقاموا حتى توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأوصى لهم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 339 عن الطبراني برجال ثقات و قال في هامشه: أخرجه الطبراني في الكبير ج 19 ص 15 و البخاري في التاريخ ج 7 ص 185 و ذكره الهيثمي في المجمع ج 10 ص 131 و السيوطي في الدر ج 1 ص 221، و كتاب الدعاء للطبراني ص 259، و طبقات خليفة للعصفري ص 137، و التاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 185، و أسد الغابة ج 4 ص 194 و ج 5 ص 65، و الإصابة ج 5 ص 319.

بجادّ مائة بخيبر في الكتيبة جارية عليهم، و كتب لهم كتابا، فباعوا ذلك في زمن معاوية (1).

و نقول:

إننا حين نلاحظ مفردات الدعاء الذي دعا به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقتادة الرهاوي، فسنرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يدع له بأمر دنيوي بصورة مباشرة، لكن ما دعا به من شأنه أن يمنحه أعلى درجات السعادة في الدنيا، بالرغم من أنه دعاء يخص الآخرة. . فإن من كانت التقوى زاده، و غفر اللّه تعالى له ذنبه، و وجهه للخير حيثما يكون، لا يمكن إلا أن يكون سعيدا مفلحا منجحا في دنياه كما يكون كذلك في آخرته. .

إجازات النبي صلّى اللّه عليه و آله للوفود:

و قد قرأنا في مواضع كثيرة ما يدلنا على أنه كان من عادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجيز الوفود، و أن إجازته لهم كانت تتراوح ما بين خمس أواق إلى اثنتي عشرة أوقية و نشّا من الفضة. .

و لا يمكن اعتبار هذا التفاوت تكريسا لزعامات جاهلية، كان من الضروري محاربتها و إسقاطها. بل إن هذا التفاوت اعتراف بواقع


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 339 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 367 و رسالات نبوية ص 39 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 76 و (ط دار صادر) ج 1 ص 344 و مجموعة الوثائق السياسية ص 94 و 235 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 507 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 2 ص 194.

موضوعي قائم يريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يحفظه، ليحفظ به حياة الناس و وجودهم، و أمنهم. و هو سعي إلى استصلاح تلك الزعامات، و إعطائها الفرصة لتغيير أوضاعها بما ينسجم مع الواقع الجديد، و بما يخدم الأهداف العليا البعيدة المدى، إذ إن إسقاط تلك الزعامات دفعة واحدة لن ينتج إلا هرجا و مرجا، و دفع أولئك المتنفذين إلى العبث بأمن الناس، و براحتهم، و ربما السعي إلى تضليلهم، و إخراجهم من دائرة الإيمان. .

مع العلم بأن الذين يمكن أن يأخذوا مكانهم في حفظ الشأن العام لا يملكون تجربة تمكنهم من إنجاز هذا المهم على النحو الأكمل حتى في الظروف العادية، فكيف إذا كان هذا الإجراء سوف يستتبع وجود مشكلات و وضع عراقيل من قبل أناس يملكون التجربة الطويلة، و لديهم خبرة عميقة بأحوال الناس الذين يتعاملون معهم، و يريدون إثارة النزاعات فيما بينهم. .

على أن هؤلاء الناس كانوا لا يملكون من الإمكانات الروحية ما يميزهم عن الزعامات التي يراد إبعادها و استبدالها بهم. . بل الجميع كانوا يشربون من نفس المستنقعات، و يعيشون في محيط واحد، و يرفعون نفس الشعارات، و يمارسون ما كان يمارسه أولئك من سنن و عادات، و يشاركونهم في انحرافاتهم، و في جرائمهم، و تعدياتهم. .

على أن هذا الإجراء، بالإضافة إلى أنه سوف يثير الطموح لدى الآخرين ممن يرون انفسهم من أقران هؤلاء، فإنه لا يحمل معه أية ضمانة لانقياد سائر الناس لهم، ما دام أن الناس لم يخرجوا بعد بصورة تامة من أجواء الجاهلية، و لا تخلصوا من وطأة مفاهيمها، و أعرافها، بصورة تضمن

سير الأمور بطريقة عفوية و طبيعية، خصوصا إذا ترافق ذلك بتحريض ظاهر، أو مبطن من قبل من يرون أنفسهم قد تضرروا، أو الذين حرموا مما يرون أن العدل يقضي بمشاركتهم فيه. .

أضف إلى ذلك كله: أنه إذا ظهر للناس في المنطقة بأسرها أن السياسة المتبعة هي إسقاط الزعامات و استبدالها بأخرى. . فإنه سيصبح من الصعوبة بمكان إتخاذ قرار بالدخول في هذا الدين، خصوصا مع سعي تلك الزعامات إلى إبعاد الناس عن كل ما من شأنه أن يزعزع أركان قيادتهم و زعامتهم، و سوف تثور العصبيات، و تنطلق المشاحنات، و لربما يصبح دخول القبائل في الإسلام أمنع من العقاب، و من أصعب الصعاب، حيث تنحصر الوسيلة إليه باستعمال السيف و لا شيء غيره. . و لن يكون من السهل أن تقبل القلوب عليه، و أن تتشوق الأرواح إليه، و هذا يتنافى مع المبدأ الذي قرره الإسلام من أنه: لا إكراه في الدين، و هو نقض للغرض بلا مبرر ظاهر. .

و بذلك يتضح: أن إجازات النبي «صلى اللّه عليه و آله» للوفود، و تفضيل اهل الشأن بالجائزة، و حفظ شأن أصحاب الشأن الرفيع، يطمئن الناس إلى أن الإسلام لم يأت لهدم عز أحد، إذا التزم السير في خط اللّه تبارك و تعالى، بل جاء ليزيدهم عزة، و يمنحهم كرامة، و يدفع بهم على الخروج من واقعهم، و الشروع في السير على طريق السؤدد و الكرامة، و الكمال، و نيل المقامات السامية، وفق الهدى الإلهي، و الرعاية الربانية. فالإسلام للّه يجعل الجميع في ربح دائم، و في تكامل و تقدم مستمر. .

و عن التفضيل بالجائزة نقول:

إنه تفضيل دعت إليه الحاجة و المسؤولية التي لابد لذلك الزعيم، أو الرئيس أن يضطلع بها، و ليس تفضيلا أهوائيا فرضته العناوين و الأسماء. .

و اللافت هنا: أننا لم نجد أحدا تذمر من هذا الأمر، أو اعترض عليه، إلا من شاذ قصر فهمه عن إدراك وجه الحكمة فيه، و زينه له شيطان الهوى أو دعاه إليه مرض القلب، الذي أوقعه في وهاد العمى. .

وفد غامد:

و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفد غامد سنة عشر، و هم عشرة، فنزلوا ببقيع الغرقد، و هو يومئذ أثل و طرفاء، ثم انطلقوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و خلفوا عند رحلهم أحدثهم سنا. فنام عنه، و أتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له. و انتهى القوم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلموا عليه، و أقروا له بالإسلام، و كتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، و قال لهم: «من خلفتم في رحالكم» ؟

قالوا: أحدثنا سنا يا رسول اللّه.

قال: «فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت أخذ عيبة أحدكم» .

فقال رجل من القوم: يا رسول اللّه، ما لأحد من القوم عيبة غيري.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فقد أخذت وردت إلى موضعها» .

فخرج القوم سراعا حتى أتوا رواحلهم، فوجدوا صاحبهم، فسألوه عما أخبرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: فزعت من نومي ففقدت العيبة، فقمت في طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآني صار يعدو مني، فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا أثر حفر، و إذا هو قد غيب العيبة فاستخرجتها.

فقالوا: نشهد أنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه قد أخبرنا بأخذها و أنها قد ردت.

فرجعوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبروه، و جاء الغلام الذي خلفوه، فأسلم، و أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبي بن كعب، فعلمهم قرآنا، و أجازهم «صلى اللّه عليه و آله» كما كان يجيز الوفود و انصرفوا (1).

و نقول:

إننا لا نرى أننا بحاجة إلى التعليق على هذا النص، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم لهؤلاء القوم الدليل القاطع على نبوته. .

غير أننا نشير إلى ما يلي:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد بمبادأتهم بهذا الخبر أن يسهّل عليهم تحصيل اليقين، مراعاة منه لحالهم. .

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف منهم بإظهار الإسلام، لأنه يريد لهم الفلاح و النجاح في الدنيا و الآخرة. و لو أنه كان يريد منهم ذلك و حسب، لأكتفى بإظهارهم الإسلام، و لم يخبرهم بشيء مما جرى، لأن مطلوبه يكون قد حصل، و انتهى الأمر. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 390 عن زاد المعاد، عن الواقدي، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 225 و 226، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 319.

3-إن هذا يدلنا على: أن هؤلاء الناس كانوا من الناحية الثقافية و الفكرية في مستويات متدنية، حيث لم يعتبروا بكل ما شاع و ذاع عنه مما لا يمكن من الناحية الثقافية و الفكرية إلا أن يكون بتسديد إلهي، و مدد رباني. .

كما أن كل ما بيّنه من حقائق، و أدلة على بطلان الشرك، و صحة التوحيد، لم ينفع في تكوين اليقين لديهم، فضلا عن عدم خضوعهم لمعجزة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.

كما أن فطرتهم و عقولهم لم تستطع أن تجد لها دورا في تكوين نظرتهم إلى الأمور، و تقييمهم لها. . لأنها كانت محكومة بالأهواء، مقصاة عن دائرة القرار. فكان لابد من تحريك ضمائرهم و وجدانهم من خلال ملامسة واقعهم الذي يعنيهم أكثر من أي شيء آخر. و أي شيء لديهم يكون أهم من أموالهم، و حفظها، فجاءهم الخطاب من هذا الطريق فأثر فيهم، و رسخ يقينهم.

وفود كندة:

عن الزهري قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ثمانين، أو ستين، أو اثني عشر راكبا من كندة، فدخلوا عليه مسجده، قد رجلوا جممهم، و اكتحلوا، و لبسوا جباب الحبرات، مكثفة بالحرير.

فلما دخلوا قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أو لم تسلموا» ؟

قالوا: بلى.

قال: «فما هذا الحرير في أعناقكم» ؟

فشقوه و نزعوه و ألقوه (1).

و كان ذلك في سنة عشر، و كندة قبيلة من اليمن (2).

و في نص آخر: إنهم لما دخلوا عليه قالوا: أبيت اللعن، و كانت تحيتهم. فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لست ملكا، أنا محمد بن عبد اللّه.

قالوا: لا نسميك باسمك.

قال: لكن اللّه سماني، و أنا أبو القاسم.

فقالوا: يا أبا القاسم، إنّا قد خبأنا لك خبيئا فما هو؟ إذ كانوا خبأوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عين جرادة في ظرف سمن.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : سبحان اللّه، إنما يفعل هذا بالكاهن، و إن الكاهن، و الكهانة و التكهن في النار.

فقالوا: يا رسول اللّه، كيف نعلم أنك رسول اللّه.

فأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كفا من حصى، فقال: هذا يشهد أني رسول اللّه.

فسبح الحصى في يده، فقالوا: نشهد إنك رسول اللّه.

فقال: إن اللّه بعثني بالحق، و أنزل عليّ كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 402 و 276 عن زاد المعاد، عن ابن إسحاق، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 161 و 162 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 72 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 328، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 140، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 689، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1006، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 293.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 160، و الإصابة ج 1 ص 597.

و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أثقل في الميزان من الجبل العظيم، و في الليلة الظلماء مثل نور الشهاب.

قالوا: فأسمعنا منه.

فتلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : وَ اَلصَّافّٰاتِ صَفًّا . حتى بلغ وَ رَبُّ اَلْمَشٰارِقِ (1)، ثم سكت و سكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سكن روعه، فما يتحرك منه شيء، و دموعه تجري على لحيته.

فقالوا: إنا نراك تبكي، أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ !

قال: إن خشيتي منه أبكتني، بعثني على صراط مستقيم، في مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت، ثم تلا: وَ لَئِنْ شِئْنٰا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ ثُمَّ لاٰ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنٰا وَكِيلاً (2)» (3).

و يتابع نص آخر فيقول:

إن الأشعث بن قيس قال: يا رسول اللّه، نحن بنو آكل المرار، و أنت ابن آكل المرار.

فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثم قال: «ناسب بهذا النسب ربيعة بن الحارث، و العباس بن عبد المطلب» .

(قال الزهري و ابن إسحاق: كانا تاجرين، و كانا إذا سارا في أرض


1) الآيات 1-5 من سورة الصافات.

2) الآية 86 من سورة الإسراء.

3) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 201 و ج 5 ص 271 و السيرة الحلبية ج 3 ص 260 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 161، و إمتاع الأسماع ج 4 ص 356، و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 72.

العرب فسئلا: من أنتما؟

قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعززان بذلك في العرب، و يدفعان به عن نفسيهما، لأن بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكا) .

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفوا أمنا، و لا ننتفي من أبينا» (1).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 276 و 402، و راجع: الشرح الكبير لابن قدامه ج 7 ص 10، و مسند احمد ج 5 ص 211، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 871، و مجمع الزوائد ج 1 ص 195 و ج 8 ص 218، و عمدة القاري ج 16 ص 73، و الآحاد و المثاني ج 2 ص 165 و ج 4 ص 382، و المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 81 و 236، و المعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 286، و الإنباه على قبائل الرواة لابن عبد البر ص 42، و الإستيعاب ج 1 ص 133 و 277، و الدرر ص 257، و كنز العمال ج 12 ص 369 و 442، و جامع البيان للطبري ج 15 ص 110، و تفسير الثعلبي ج 6 ص 99 و ج 10 ص 301، و تفسير السمعاني ج 3 ص 241، و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي ج 3 ص 455، و تفسير الرازي ج 32 ص 106، و تفسير القرطبي ج 10 ص 258 و ج 20 ص 202، و تفسير البحر المحيط ج 6 ص 32، و تفسير الثعالبي ج 3 ص 473، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 23، و التاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 274، و تاريخ بغداد ج 7 ص 131، و تاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 218، و أسد الغابة ج 1 ص 98 و 283 و 290، و الإصابة ج 1 ص 598، و الأنساب للسمعاني ج 1 ص 27، و تاريخ المدينة ج 2 ص 547، و تاريخ الطبري ج 2 ص 394، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 298، و البداية و النهاية ج 2 ص 253 و 254، و ج 5 ص 86، و تاريخ ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 56، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 99، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 293، و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 86 و ج 4 ص 141.

و عن الأشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفد كندة، و لا يرون إلا أني أفضلهم، قلت: يا رسول اللّه، ألستم منا؟

قال: «لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا، و لا ننتفي من أبينا» .

فكان الأشعث يقول: لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد (1).

و عن الأشعث أيضا قال: قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في وفد كندة، فقال لي النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «هل لك من ولد» ؟

قلت: غلام ولد مخرجي إليك من ابنة فلان، و لوددت أن يشبع القوم.

فقال: «لا تقولن ذا، فإن فيهم قرة عين، و أجرا إذا قبضوا» .

ثم قال: «إنهم لمجبنة مبخلة» (2).

و عن الأشعث قال: قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لي: «ما فعلت بنت عمك» ؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 402 و 403 عن مسند أحمد، و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 162 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 72، و مسند احمد ج 5 ص 211، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 871، و إرواء الغليل للألباني ج 8 ص 35، و التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 37، و إمتاع الأسماع ج 3 ص 210.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 402 و 403 عن أحمد، و ابن ماجة، و الحارث، و البارودي، و ابن سعد، و الطبراني في الكبير، و أبي نعيم، و الضياء، و راجع: مجمع الزوائد ج 10 ص 158 عن أحمد، و الطبراني.

قلت: نفست بغلام و اللّه لوددت أن لي سبية.

فقال: «إنهم لمجبنة مبخلة، و إنهم لقرة العين، و ثمرة الفؤاد» (1).

قال ابن هشام: الأشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل أمه، و آكل المرار: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندي، و يقال: كندة. و إنما سمي: آكل المرار، لأن عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم. فأكل هو و أصحابه في تلك الغزوة شجرا يقال له المرار (2).

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم بعض البيانات و التوضيحات، هي التالية:

عدد أعضاء الوفد:

تقدم: أن وفد كندة كان يتألف من ستين أو ثمانين أو اثني عشر راكبا. . و هذا تناقض لا مجال لقبوله، إلا إذا فرض أنهم وفدوا أكثر من مرة، و قد شارك الأشعث بن قيس في هذا الوفد و ذاك. .

الرسول صلّى اللّه عليه و آله لا يرضى بلبس الحرير:

و قد قرأنا أيضا: أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» لم يرض منهم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 403 عن العسكري، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 261، و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 339.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 276 و 403، و راجع: السيرة النبوية لابن هشام الحميري ج 4 ص 1006، و خزانة الأدب للبغدادي ج 8 ص 285.

لبس الحرير، و قد شقوه، و نزعوه، و ألقوه من أعناقهم. . و لم يعترض على لبس الثياب الحبرات، و ترجيل الجمم، و الإكتحال، لأن الإسلام يدعوهم إلى ذلك، و إلى كل تجمل يليق بشأنهم، بشرط أن لا يتجاوز حدود الشرع. .

غير أن ما لفت نظرنا هو: وصف الرواة لحال هؤلاء، و كأن ذلك يوحي بأن هذه الحالة كانت استثنائية، و غير مألوفة في المجتمع العربي، فهي تلفت النظر، و تثير الفضول. و ربما تكون ندرتها فيهم بسبب رقة حالتهم المادية، و ضعفهم الإقتصادي، الذي يفرض عليهم التقشف، و الخشونة. .

بل لعل هذا الضعف في عامة الناس كان يجعل من تظهر عليه أمارات الرفاهية و الغنى في خطر أكيد من قبل أهل الأطماع الذين يعيشون على السلب و النهب و الغارة، و ما أكثرهم. .

أبيت اللعن تحية الملوك:

و حين حيّاه وفد كنده بقولهم: أبيت اللعن، لم يقل لهم: هذه تحية الجاهلية، بل قال لهم: لست ملكا. . لأن مجرد أن يخطئ الإنسان في اختيار التحية الصحيحة، فيختار تحية الجاهلية، انسياقا مع الإلف و العادة، أو جهلا بما يجب عليه-إن ذلك-ليس بالأمر المهم، و يمكن معالجته بسهولة. .

و لكن الأهم منه هو: أن يخلط الإنسان بين مفهومي الملك و النبي، فإن هذا يضر بدين ذلك الشخص و بإسلامه و بالإسلام من الأساس. . و لأجل ذلك بادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى ردعهم، و نفي صفة الملك عن نفسه، فقال: لست ملكا.

لا تناقض في فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد رأينا: أن هؤلاء الوافدين قد خبأوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عين جرادة في ظرف سمن، فإن أخبرهم به آمنوا. .

و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يستجب لهم، و أظهر لهم عوضا عنه معجزة تسبيح الحصى بيديه، في حين أنه استجاب لاختبار غيرهم، كما تقدم معنا. و أظهر الخبء لهم.

و لعل سبب ذلك هو: أن الكهان كانوا يستفيدون من بعض شياطين الجن، فيخبرونهم ببعض الأمور التي يرون أنها قد حصلت أو غيرها، مما يتمكنون من الوصول إليه و الحصول عليه، و لو باستراق السمع لما يتحدث به الملائكة في السماء. ثم يجعلون ذلك مبررا لإطلاق دعاوى أوسع و أكبر، مثل علمهم بالأسرار، و بما يأتي في المستقبل (1).

فإذا تكرر منه «صلى اللّه عليه و آله» الإخبار عن الخبء، فقد يتكون انطباع خاطئ يؤدي إلى جعله «صلى اللّه عليه و آله» في مصاف الكهان لدى بعض الناس الذين لاحظ لهم من العلم و المعرفة، و تؤثر عليهم التلقينات، و تأخذ بألبابهم الشائعات، و لا يملكون القدرة على التمييز بين الحق و الباطل، و بين الدر و الصدف، و بين الأصيل و الزائف. .

فكان لا بد من إظهار معجزة لا سبيل فيها إلى اللبس، و لا محل فيها للشبهة، لتكون سبيل هداية، و منشأ حصانة لما أخبر به و عنه سابقا، و لما قد


1) و قد قيل: إن الفرق بين العرّاف و الكاهن: أن الكاهن يخبر عما مضى، و العرّاف يخبر عما يأتي. راجع: أقرب الموارد، مادة كهن ج 2 ص 1110 عن كليات أبي البقاء.

يخبر عنه فيما يأتي. . فكان تسبيح الحصى بيديه هو تلك المعجزة القاهرة و الظاهرة.

بكاء النبي صلّى اللّه عليه و آله حيّرهم:

و إن بكاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي حيّرهم، كان مفعما بالدلالات، في كل اتجاه، فهو من جهة قد أظهر عمق تفاعل النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» مع الحقائق التي يتلوها، ليتضح أن شريعته، و دينه دين كرامة، و إنسانية، و مشاعر، و روح و طهر و صفاء، يثير كوامن النفس الإنسانية، لكي ترتقي من خلال كمالاتها، إلى آفاق الشرف و الكرامة، لدى خالق الكون و الحياة. .

و أظهر أيضا: أنه لم يأت بالدين ليكون لغيره، و يكون هو مستثنى منه، بل هو مثلهم فيه، في جميع المجالات، و سائر الإتجاهات.

و أظهر من جهة أخرى-من خلال اندفاعهم للسؤال عن سبب بكائه «صلى اللّه عليه و آله» -: أنهم لم يتأملوا فيما يتلوه عليهم، و لا تفاعلوا معه، و لا انفعلوا به، بل هم قد تحيّروا، أو تعجبوا ممن وعى معناه، و تأثر به! !

النبي صلّى اللّه عليه و آله يصد الأشعث:

و قد أظهرت الروايات المتقدمة: أن الأشعث بن قيس قد حاول أن يتزلف للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بطريقة ماكرة، من شأنها أن تنقص من قدره «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث ألقى إليه مقولة أنه «صلى اللّه عليه و آله» ابن أكل المرار، أي إنه يريد أن ينسبه إلى غير أبيه. و كأنه يريد أن يضع علامة استفهام على صحة انتسابه إليه. . لأن القبول بمقولة الأشعث سوف

يكرس انتسابهم لأمهم دون أبيهم.

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عرف ما يرمي إليه الأشعث، فعالجه بما فضح أمره، و أبطل كيده. . حين أظهر «صلى اللّه عليه و آله» في كلامه، أنه أراد أن يستدرجه للإعتراف بالإنتساب إلى أمه دون أبيه.

ليشرّف نفسه من جهة، و لينقص من قدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» من جهة أخرى. .

و قد عرّفه النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنه كان على علم بأن العباس، و ربيعة بن الحارث كانا يستفيدان من اسم آكل المرار، ليأمنا على نفسيهما، و لكي لا يتعرض لهما من ينتسب إلى آكل المرار بسوء، بل يكون المنتسبون إليه عضدا لهما على من سواهما، إن لزم الأمر. .

و قد صرح الأشعث نفسه بأنه كان يرمي-فعلا-إلى نفي انتساب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قريش إلى أبيه النضر بن كنانة. . و حاول استعادة بعض ماء الوجه حين قال: لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش، من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. . حيث إن قوله هذا بمثابة تذرع بالجهل، لينأى بنفسه عن موقع التشكيك بنسب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . لأنه بذلك يكون قد وضع على نفسه علامة استفهام كبيرة عند قومه، و سيسقط محله فيهم، و سيرون أنه لا يملك من الكرامة و الفضل ما كانوا يظنونه به.

الأولاد مجبنة مبخلة:

ثم إنه ليس في قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن الأولاد: إنهم لمجبنة

مبخلة ما يوجب الذم و الإنتقاص لأحد، بل هو يخبر عن واقع الناس و حالاتهم، لأن وجود الأولاد يدفع الإنسان إلى أن ينأى بنفسه عن مواطن الخطر، حيث يسعى إلى أن يحفظ حياته، و قدرته على رعايتهم، و تدبير شؤونهم، لأنه يخشى عليهم من الضياع لو غاب عنهم، ما داموا غير قادرين على حفظ أنفسهم بأنفسهم، و هذا يلتقي في نتيجته مع فعل الجبناء، و نتائج جبنهم.

كما أنه يهتم من جهة أخرى بجمع الأموال و ادخارها حبا بالأولاد، ليستفيدوا منها في مستقبل أيامهم. و هذا يلتقي مع فعل البخيل الذي يجمع المال حبا بنفسه، أو حبا بالمال. و ذلك ظاهر لا يخفى.

وفود بني سلامان:

قال محمد بن عمر: كان مقدمهم في شوال سنة عشر.

و عن حبيب بن عمرو السلاماني قال: قدمنا وفد سلامان على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و نحن سبعة، فصادفنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خارجا من المسجد إلى جنازة دعي إليها، فقلنا: السلام عليك يا رسول اللّه.

فقال: «و عليكم من أنتم» ؟

فقلنا: نحن من سلامان قدمنا إليك لنبايعك على الإسلام، و نحن على من وراءنا من قومنا.

فالتفت إلى ثوبان، غلامه فقال: «أنزل هؤلاء الوفد حيث ينزل الوفد» .

فلما صلى الظهر جلس بين المنبر و بيته، فتقدمنا إليه، فسألناه عن أشياء من

أمر الصلاة و شرائع الإسلام، و عن الرقى، و أسلمنا، و أعطى كل رجل منا خمس أواقي، و رجعنا إلى بلادنا، و ذلك في شوال سنة عشر.

و في نص آخر أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لوفد سلامان: «كيف البلاد عندكم» ؟

قالوا: مجدبة، فادع اللّه أن يسقينا في موطننا.

فقال: «اللهم أسقهم الغيث في دارهم» .

فقالوا: يا نبي اللّه، ارفع يديك، فإنه أكثر و أطيب.

فتبسم، و رفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، ثم رجعوا إلى بلادهم، فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الساعة (1).

و نقول:

قد اشرنا أكثر من مرة لأمور تضمنها هذا النص، و منها:

1-تعهدهم بإسلام قومهم الذين لم يحضروا معهم.

2-إنه قد كانت هناك دار خصصت لنزول الوفود فيها، و هي دار رملة بنت الحدث (الحارث) .

3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يجيز تلك الوفود بأواق من الفضة.

4-إنهم كانوا يرون لدعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» أثرا في سقي اللّه لهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 345 و في هامشه عن: دلائل النبوة لأبي نعيم ص 160 و عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 43 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 223 و 224، و راجع: عمدة القاري ج 7 ص 36، و إمتاع الأسماع ج 14 ص 311، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 317.

5-إن وفد سلامان هنا قد تدخل في طريقة دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم، حيث طلبوا منه أن يرفع يديه، مدّعين أن ذلك يؤثر في أمرين، هما: الكثرة و الطيبة.

و قد تبسم «صلى اللّه عليه و آله» لهذا التطفل الذي ينم عن حاجتهم إلى المزيد من التثقيف، و التعريف بشؤون النبوة، و الأنبياء. .

6-كما أن سؤالهم عن الرقى، يشير إلى مدى تأثرهم بكل ما من شأنه أن يطمئنهم إلى ما هو غائب عنهم، مما لا سبيل لهم إلى معرفته، فيسعون للتحرز مما قد ينالهم منه من سوء و أذى. .

7-إنهم قد حددوا المكان الذي يريدون نزول الغيث فيه، و قد استجاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لطلبهم، محددا المكان وفق ما طلبوه. .

8-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سألهم عن حال البلاد عندهم. . مما أفهمهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مهتم بقضاياهم، و يريد لهم أن ينعموا بالراحة، و العيش الرغيد. .

9-إن معرفتهم بعد رجوعهم باستجابة دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الموافقة لما طلبوه، في نفس ساعة الدعاء، لابد أن يترك أثره على إيمانهم، فيزيده رسوخا و عمقا، و صلابة. .

10-ثم يلاحظ أخيرا: أنهم حين ألقوا السلام على رسول اللّه، أجابهم «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «. . و عليكم» ، و لم يزد على ذلك. .

و لعل السبب هو: أنه يريد أن يعرفنا كيفية التعامل مع الناس في الحالات المشابهة، إذا كان أمر الوافدين غير ظاهر لنا، إذا ألقوا علينا السلام، مع قيام احتمال أن يكونوا من غير المسلمين، حيث أجابهم إجابة لا

تفيد أنه قد سلم عليهم بتحية أهل الإسلام، كما أنها لا تأبى أن تنطبق عليها، إذ يصح أن يكون التقدير هو: و عليكم السلام. و أن يكون التقدير: و عليكم نفس ما قصدتموه.

11-إن ذلك يعطينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتعامل مع الأمور وفق حكمها الظاهري، لا وفق ما يعلمه منها بما أظهره اللّه تبارك و تعالى عليه من الغيوب. و ذلك ظاهر لا يخفى.

وفود خثعم:

و قالوا: وفد عثعث بن زحر، و أنس بن مدرك في رجال من خثعم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ما هدم جرير بن عبد اللّه البجلي ذا الخلصة، و قتل من قتل من خثعم، فقالوا: آمنا باللّه و رسوله، و ما جاء (به) من عند اللّه، فاكتب لنا كتابا نتبع ما فيه.

فكتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لخثعم:

«هذا كتاب من محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لخثعم من حاضر بيشة و باديتها: أن كل دم أصبتموه في الجاهلية فهو عنكم موضوع، و من أسلم منكم طوعا أو كرها في يده حرث من خبار أو عزاز تسقيه السماء، أو يرويه اللثى، فزكا عمارة في غير أزمة و لا حطمة، فله نشره و أكله، و عليهم في كل سيح العشر، و في كل غرب نصف العشر، شهد جرير بن عبد اللّه و من حضر» (1).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 331 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 286 و (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 78 و نثر الدر للآبي ج 1 ص 262 و نشأة الدولة الإسلامية ص 351، و مكاتيب الرسول للأحمدي الميانجي ج 3 ص 413 عن: لطبقات ج 1 ق 2 ص 34 و في (ط أخرى) ص 286(و أوعز إليه ص 78) ، و راجع نثر الدر للآبي ج 1 ص 262، و نشأة الدولة الاسلامية ص 351، و مدينة البلاغة ج 2 ص 340، و الوثائق السياسية ص 291 و 186 عن الطبقات و نثر الدر المكنون للأهدل ص 64 و قال قابل الطبقات ج 1 ق 2 ص 78 و انظر كايتاني ج 10 ص 28، و اشپرنكر ج 3 ص 469.

و نقول:

1-قد ظهر مما تقدم: أن اللغة التي كان «صلى اللّه عليه و آله» يكتب بها كتبه للقبائل إنما كانت تستعمل الألفاظ التي يتداولونها فيما بينهم، و ذلك أنه يريد لهم أن يفهموا مقاصده، و يفوا بتعهداتهم.

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يطمئنهم بأنهم سوف لا يطالبهم أحد بالدماء التي سفكوها قبل أن يدخلوا في الإسلام، فإن الإسلام يجب ما قبله، و لعلهم كانوا قد أصابوا بعضا من المسلمين في السنوات التي سبقت إسلامهم، فكانوا يخشون من ملاحقة المسلمين لهم بتلك الدماء، فأراد أن يزيل هذا الوهم من نفوسهم، ليعيشوا حال السكينة في ظل الإسلام.

وفد بني الحارث بن كعب:

تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل خالدا إلى بني الحارث بن كعب، فاستجابوا للإسلام، فكتب خالد بذلك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فطلب إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقدم، و يقدم معه وفدهم، فقدم بهم خالد، و قال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بم كنتم تغلبون

من قاتلكم في الجاهلية» ؟

قالوا: لم نكن نغلب أحدا.

قال: «بلى (قد كنتم تغلبون من قاتلكم)» .

قالوا: كنا نجتمع و لا نتفرق، و لا نبدأ أحدا بظلم.

قال: «صدقتم» . و أمّر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال، أو في صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد رجوعهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و قال ابن إسحاق: «لما رآهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟

قيل: يا رسول اللّه، هؤلاء رجال بني الحارث بن كعب.

فسلموا عليه و قالوا: نشهد أنك لرسول اللّه، و أنه لا إله إلا هو.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه. ثم قال «صلى اللّه عليه و آله» : أنتم الذين إذا زجروا استقدموا.

فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، فأعادها ثلاث مرات.

فقال يزيد بن عبد المدان بعد الرابعة: نعم يا رسول اللّه، نحن الذين إذا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 320 و في هامشه عن: البداية و النهاية ج 5 ص 95، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 298 و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 171-173 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 339 و 340 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 241، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 515 نقلا عن: ابن هشام و الطبري و الطبقات و تأريخ الخميس و التنبيه و الاشراف و شرح المواهب للزرقاني، و تاريخ ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 54.

زجروا استقدموا.

قالها أربع مرات.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لو أن خالدا لم يكتب إليّ أنكم أسلمتم و لم تقاتلوا، لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم.

فقال يزيد بن عبد المدان: أما و اللّه ما حمدناك، و لا حمدنا خالدا.

قال: فمن حمدتم؟

قال: حمدنا اللّه الذي هدانا بك يا رسول اللّه.

قال: صدقتم، و أمّر عليهم قيس بن الحصين، و رجع الوفد، فأرسل «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن حزم ليفقههم في الدين، و يعلمهم معالم الإسلام، و يأخذ منهم صدقاتهم (1).


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 173 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 426 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 515 و قال في هامشه: راجع في تفاصيل وفودهم: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 126 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 226 و في (ط أخرى) ص 239 و المفصل ج 4 ص 188 و ج 3 ص 532 و حياة الصحابة ج 1 ص 95 و 96 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 72 و زاد المعاد ج 3 ص 35 و الكامل ج 2 ص 293 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 53 و تاريخ الخميس ج 2 ص 144 و البحار ج 21 ص 270 و الروض الأنف ج 4 ص 228 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 33 و 34 و معجم قبائل العرب ج 1 ص 231 و أسد الغابة ج 4 ص 211 و السيرة الحلبية ج 3 ص 259 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 384 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 411 و البداية و النهاية ج 5 ص 98 و ما بعدها.

و قد أرسله إليهم و عمره سبع عشرة سنة.

و نقول:

إن لنا هنا بعض الإيضاحات، و هي التالية:

قضايا فطرية تأتي بالنصر:

تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد سأل بني الحارث بن كعب عن سر غلبتهم من قاتلهم، فأجابوه بأن السبب هو اجتماعهم أولا. و عدم بدئهم بظلم أحد. .

و نستفيد من ذلك:

أولا: تكرر انتصار هؤلاء القوم على أعدائهم حتى أصبح ذلك لافتا للنظر، بحيث يسأل عن سببه، و لم نجد لهؤلاء القوم شهرة تاريخية في ذلك، و هذا يجعلنا نتوقف في الحكم على هذا النص بالصحة. .

غير أننا نورد الكلام هنا رجاء أن يكون صحيحا. .

ثانيا: إن هذا النص يدل على أن ثمة أحكاما يدركها الإنسان بعقله، و ينساق إليها بفطرته، و تفرضها عليه حكمته، و يدعوه إليها تدبيره، و يشترك فيها جميع البشر، و تقضي بها عقولهم، من دون حاجة إلى تعليم من الشارع، و منها: قبح الظلم، و لزوم التناصر على العدو المشترك.

ثالثا: إن هذا التقرير لهم، ثم التصريح بصحة نظرتهم، يستبطن حثهم على الإستقامة على هذا النهج، كما أنه يشير للآخرين بلزوم الأخذ به، إن أرادوا أن يكون لهم النصر على أعدائهم.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يشهد لنفسه بالنبوة:

و قد لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعلن بالشهادتين كما شهد بها ذلك الوفد الذي كان يكلمه. . و نستفيد من هذه المبادرة ما يلي:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ساوى نفسه بهم، من حيث التكليف، و لزوم الإعلان بالشهادتين. .

2-إنه قد أوضح لهم: أن الشهادة له «صلى اللّه عليه و آله» بالرسالة، لا تعني أن المطلوب هو تكريس الإمتيازات له كشخص، بحيث يكون هو المستفيد الأول و الأخير، حيث ينتهي إليه إيمان الناس، ثم لا يتعداه، و لذلك ليس لأحد أن يمنّ عليه بإسلامه و إيمانه. .

تهديد النبي صلّى اللّه عليه و آله لبني الحارث:

ثم إنه لا مجال لتصديق ما تذكره الرواية المتقدمة من تهديد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لبني الحارث بن كعب بالقتل بعد أن قررهم-ثلاث مرات- بأنهم هم الذين إذا زجروا استقدموا، فأجابوا بالإيجاب. .

فأولا: المفروض: أن ما يتهددهم من أجله إنما كان منهم قبل إسلامهم، و الإسلام يجب ما قبله. و لا يطالب المسلم بشيء منه، و لا يعاقب عليه.

ثانيا: لا فرق في هذا الحكم بين أن يسلموا بعد القتال أو من دون قتال. . فما معنى أن يقول لهم-حسب زعم الرواية-: «إنكم أسلمتم و لم تقاتلوا» . .

ثالثا: إنهم حتى لو فعلوا ذلك بعد أن أسلموا، فهل يكون القتل هو

جزاء من يفعل هذا الذي يلومهم عليه؟ ! .

وفود محارب:

عن أبي وجرة السعدي قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، و هم عشرة نفر، منهم سواء بن الحارث، و ابنه خزيمة بن سواء، فانزلوا دار رملة بنت الحدث. و كان بلال يأتيهم بغداء و عشاء إلى أن جلسوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوما من الظهر إلى العصر، فأسلموا و قالوا: نحن على من وراءنا، و لم يكن أحد في مواسم الحج التي كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعرض دعوته فيها على القبائل، و يدعوهم إلى اللّه و إلى نصرته، أفظ و لا أغلظ على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منهم.

و كان في الوفد رجل منهم، فعرفه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأمده النظر، فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول اللّه توهمني، قال: «لقد رأيتك» .

قال المحاربي: أي و اللّه، لقد رأيتني و كلمتني، و كلمتك بأقبح الكلام، و رددت عليك بأقبح الرد بعكاظ، و أنت تطوف على الناس.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم» .

فقال المحاربي: «يا رسول اللّه، ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ و لا أبعد عن الإسلام مني» ، فأحمد اللّه الذي أبقاني حتى صدقت بك، و لقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن هذه القلوب بيد اللّه عز و جل» .

فقال: يا رسول اللّه، استغفر لي من مراجعتي إياك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر» . و مسح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجه خزيمة بن سواء، فكانت له غرة بيضاء. و أجازهم كما يجيز الوفد، و انصرفوا إلى أهليهم (1).

عن أبان المحاربي، و يقال له: أبان العبدي، قال: «كنت في الوفد، فرأيت بياض إبط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رفع يديه يستقبل بهما القبلة» (2).

و نقول:

آثار لقاءات عكاظ ظهرت في المدينة:

إن هذا النص يظهر لنا عمق ما تركته لقاءات النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة للقبائل التي كانت تفد لحضور سوق عكاظ. فإنها أظهرت لهم: كذب ما كانت تتهمه به قريش، من أنه مجنون، كما أنها هيأت لهم الفرصة ليشاهدوا سلوك أهل الإيمان، و صلاح و جمال أقوالهم و أفعالهم، و انسجام ما يدعون إليه مع فطرتهم، و موافقته لما تقضي به عقولهم، ثم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 409 عن ابن سعد، و في هامشه عن: الطبقات لابن سعد، (ط ليدن) ج 2 ص 436 و في (ط دار صادر) ج 1 ص 299، و البداية و النهاية ج 5 ص 104، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 173.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 409 عن ابن شاهين، و أبي نعيم في معرفة الصحابة، و ابن خلاد في الجزء الثاني من فوائده، و أسد الغابة ج 1 ص 37، و الإصابة ج 1 ص 171.

مقارنة ذلك كله مع ما هم فيه من انحراف، و زيف، و متابعة للأهواء، و بعد عن الحق و العدل، و انغماس في الرذيلة و الشر، ليقودهم ذلك كله بعد أن تخف الضغوط عليهم في المحيط الذي يعيشون فيه، إلى قبول دعوة الحق و الخير و الهدى. . و يجعلهم يندمون على ما فرط منهم. .

وفود زبيد في السنة الحادية عشرة:

لما كانت السنة التي توفي فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، رأت زبيد قبائل اليمن تقدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مقرين بالإسلام، مصدقين برسول اللّه، يرجع راجعهم إلى بلادهم و هم على ما هم عليه.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» استعمل خالد بن سعيد بن العاص على صدقاتهم-و أرسله مع فروة بن مسيك كما قلنا-فقالوا: «و اللّه لقد دخلنا فيما دخل فيه الناس. و صدقنا بمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و خلينا بينك و بين صدقات أموالنا، و كنا لك عونا على من خالفك من قومنا» .

قال خالد: قد فعلتم.

قالوا: فأوفد منا نفرا يقدمون على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخبرونه بإسلامنا، و يقبسونا منه خيرا.

فقال خالد: ما أحسن ما عدتم إليه و أنا أجيبكم، و لم يمنعني أن أقول لكم هذا إلا أني رأيت وفود العرب تمر بكم فلا يهيجنكم ذلك على الخروج، فساءني ذلك منكم، حتى ساء ظني فيكم، و كنتم على ما كنتم عليه من حداثة عهدكم بالشرك، فحسبت أن لا يكون الإسلام راسخا في

قلوبكم (1).

آخر الوفود وفد النخع:

قالوا: بعثت النخع-قبيلة من اليمن-رجلين منهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، وافدين بإسلامهم، و هما: أرطأة بن شراحيل بن كعب، و الجهيش، و اسمه الأرقم من بني بكر بن عوف بن النخع.

فخرجا حتى قدما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه و بايعاه على قومهما، فأعجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» شأنهما، و حسن هيئتهما، فقال: «هل خلفتما وراءكما قومكما مثلكما» ؟

فقالا: يا رسول اللّه، قد خلفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا، و كلهم يقطع الأمر و ينفذ الأشياء، ما يشاركوننا في الأمر إذا كان.

فدعا لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لقومهما بخير و قال: «اللهم بارك في النخع» .

و عقد لأرطأة لواء على قومه (و كتب له كتابا) ، فكان في يده يوم الفتح (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 342.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 423 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 1 ص 346 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 234 و 235 و راجع: أسد الغابة ج 1 ص 61 و الإصابة ج 1 ص 27 و 255 و رسالات نبوية ص 9 و مجموعة الوثائق السياسية ص 244 و كنز العمال ج 16 ص 186، و السيرة الحلبية ج 3 ص 280.

و قال ابن سعد: كان آخر من قدم من الوفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفد النخع، و قدموا من اليمن للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة، و هم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحدث، ثم جاؤوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقرين بالإسلام، و قد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، فكان فيهم زرارة بن عمرو.

قال: أخبرنا هشام بن محمد هو زرارة بن قيس بن الحارث بن عدي، و كان نصرانيا (1).

و قالوا: وفد رجل من النخع يقال له زرارة بن عمرو على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، إني رأيت في سفري هذا رؤيا هالتني.

قال: «و ما رأيت» ؟

قال: رأيت أتانا تركتها في الحي كأنها ولدت جديا أسفع أحوى.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل لك من أمة تركتها مصرة حملا» ؟

قال: نعم تركت أمة لي أظنها قد حملت.

قال: «فإنها قد ولدت غلاما و هو ابنك» .

فقال: يا رسول اللّه، ما باله أسفع أحوى؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 423 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 1 ص 346 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 234 و 235 عنه، و عن ابن شاهين، و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 13.

قال: «ادن مني» .

فدنا منه. فقال: «هل بك برص تكتمه» ؟

قال: و الذي بعثك بالحق نبيا ما علم به أحد، و لا اطلع عليه غيرك.

قال: «فهو ذلك» .

قال: يا رسول اللّه، و رأيت النعمان بن المنذر و عليه قرطان، و دملجان، و مسكتان.

قال: «ذلك ملك العرب عاد إلى أحسن زيه و بهجته» .

قال: يا رسول اللّه، و رأيت عجوزا شمطاء خرجت من الأرض.

قال: «تلك بقية الدنيا» .

قال: و رأيت نارا خرجت من الأرض، فحالت بيني و بين ابن لي يقال له: عمرو، و رأيتها تقول: لظى لظى، بصير و أعمى، أطعموني آكلكم آكلكم، أهلككم و ما لكم.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «تلك فتنة في آخر الزمان» .

قال: و ما الفتنة يا رسول اللّه؟

قال: «يقتل الناس إمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس -و خالف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين أصابعه-يحسب المسيء أنه محسن، و دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، و إن مت أنت أدركها ابنك» .

فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه ألا أدركها.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم لا يدركها» .

فمات و بقي ابنه، و كان ممن خلع عثمان (1).

و نقول:

إن لنا مع النص المتقدم وقفات عديدة، نذكر منها ما يلي:

فتنة آخر الزمان:

تقول الرواية المتقدمة: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد فسر رؤيا النار التي حالت بين ذلك الرجل و بين ابنه بفتنة في آخر الزمان، يقتل فيها الناس إمامهم. . ثم طبق تلك الفتنة على قتل عثمان.

و يرد على ذلك:

أن قتل عثمان لم يكن في آخر الزمان، و قد حاول الزرقاني حل هذا الإشكال فقال: «سماه آخرا مع أنها قتل عثمان، على معنى أنه لغلظ أمره و فحشه بمنزلة ما يكون في آخر الزمان، الذي تندرس فيه الأحكام و تزول حتى كأنها لا أثر لها، أو أن المراد آخر زمان الخلافة الحقيقية التي جروا فيها على سنن المصطفى، و سماها آخرا مع أنه بقي منها مدة علي و ابنه، لقرب قتل عثمان من آخرها» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 423 و 424 عن ابن شاهين من طريق المدائني، و ابن الكلبي، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 235-238، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 532، و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 14، و عيون الأثر ج 2 ص 321، و السيرة الحلبية ج 3 ص 279.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 237.

غير أننا نقول:

إنها محاولة فاشلة:

أولا: لأن الأحكام لم تندرس بقتل عثمان حتى كأنها لا أثر لها، بل اندرست في زمن عثمان، و زمن من سبقه، و قد أعادها علي «عليه السلام» ، و ستعود إلى الإندراس في أزمنة لاحقة على زمان علي «عليه السلام» ، و قد أشار صلوات اللّه عليه إلى هذه الأمور الثلاثة حيث قال لأهل العراق: «و ركزت فيكم راية الإيمان، و عرفتكم حدود الحلال و الحرام» (1).

و قال «عليه السلام» : «إن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى، و تطلب به الدنيا» (2).

و عنه «عليه السلام» أنه قال: «يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من القرآن إلا رسمه و من الإسلام إلا اسمه» (3).

و قد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب نصوصا أخرى في هذا السياق، فلا حاجة لإعادتها. فذلك كله يشير إلى أن الإسلام كان قبل قتل عثمان، و حينه قد تعرض لأعظم الأضرار نتيجة للسياسات التي انتهجها أسلاف أمير المؤمنين «عليه السلام» (4). و لكن عليا «عليه السلام» أعاد إليه رونقه. .


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 153، و البحار ج 34 ص 209، و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 380، و أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي ص 128.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 95 من عهده «عليه السلام» للأشتر.

3) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 87 الحكمة رقم 369 و 190.

4) راجع: الجزء الأول من هذا الكتاب فصل: «الدوافع و الأهداف، و الآثار و النتائج» .

ثانيا: دعواه: أن خلافة عثمان هي آخر زمان الخلافة الحقيقية التي جروا فيها على سنن المصطفى «صلى اللّه عليه و آله» . . مردودة عليه، فإن الأحكام و الأمور قد جرت في خلافة علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، ثم في خلافة ولده الإمام الحسن «عليهما السلام» على سنن المصطفى «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد أن خالف من سبقهما سنته و حادا عن طريقته و نهجه «صلى اللّه عليه و آله» . . بل خلافتهما هي التي أعادت الناس إلى ما كان على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأعلن أصحاب الأطماع عليهما الحروب في الجمل و صفين و النهروان. و بعد ذلك حين استولى معاوية على البلاد، و أذل العباد.

ثالثا: إن الزرقاني يريد تطبيق مفهوم الفتنة على حروب البغاة على علي «عليه السلام» ، مع أن الفتنة هي التي لا يعرف وجه الحق فيها، في حين أن وجه الحق معروف في حروب الجمل و صفين و النهروان، فإن الحق كان مع علي «عليه السلام» ، و كان محاربوه بغاة عليه.

و يزيد الأمر وضوحا كثرة ما روي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في شأن الناكثين و القاسطين و المارقين، و في شأن الخوارج، و فيما أخبر به «صلى اللّه عليه و آله» عائشة و الزبير، من أنهما سيحاربان عليا «عليه السلام» ، مع ذكره «صلى اللّه عليه و آله» حتى لبعض جزئيات ما يجري، مثل ركوبها الجمل الأدبب، و نباح كلاب الحوأب عليها، و غير ذلك. .

متى قدم زرارة بن عمرو؟ ! :

تقدم في رواية أسيد: أن زرارة بن عمرو قدم على النبي «صلى اللّه عليه

و آله» سنة إحدى عشرة، و لكن آخرين يقولون: إنه قدم في نصف رجب سنة تسع (1). قال الزرقاني: «فيحتمل أنه وفد فيها، ثم وفد مع قومه سنة إحدى عشرة» (2).

غير أن النص المتقدم قد صرح: بأن اللواء الذي عقده النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزرارة بن عمرو على قومه قد كان مع زرارة يوم الفتح، و هذا معناه: أن وفادته على النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل فتح مكة في سنة ثمان، و كان زرارة قبل ذلك نصرانيا.

و يدل هذا أيضا على: أن النخع قد أرسلوا رجلين منهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل فتح مكة، ثم قدم عليه منهم مائتا رجل في المحرم سنة إحدى عشرة (3).

حديث رؤيا زرارة:

و عن رؤيا زرارة نقول:

1-ما المقصود بملك العرب فيها؟ ! هل هو ملك أبي بكر و عمر و عثمان! أم ملك بني أمية؟ ! و هل هذا الملك كان حسنا بنظر رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

2-و ما معنى أن يحال بين زرارة و بين ولده، في حين أن ولده كان ممن


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 234 عن ابن عبد البر، و الذهبي، و الوافي بالوفيات ج 14 ص 129، و الإصابة ج 2 ص 463.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 234 و قال: كذا في النور.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 423.

خلع عثمان و بايع عليا «عليه السلام» . . فهل من يبايع عليا «عليه السلام» يهلك، و تأكله نار الفتنة؟ !

و لماذا و بماذا نجا زرارة؟ ! هل نجا لأنه شارك في حرب القادسية، و قتل فيها؟ !

3-أضف إلى ذلك ما قدمناه مما يرتبط بالفتنة، كما يزعم هؤلاء.

الفصل السابع: خمسة وفود بلا تاريخ

اشارة

1-وفد أزد شنوءة:
اشارة

عن منير بن عبد اللّه الأزدي قال: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صرد بن عبد اللّه الأزدي في وفد من الأزد، بضعة عشر رجلا (خمسة عشر) ، فنزلوا على فروة بن عمرو، فحباهم و أكرمهم. و أقاموا عنده عشرة أيام، فأسلموا، و كان صرد أفضلهم، فأمّره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على من أسلم من قومه، و أمره أن يجاهد بهم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن (و كان ذلك سنة عشر) .

فخرج صرد يسير بأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى نزل بجرش (مخلاف من مخاليف اليمن) ، و هي يومئذ مدينة حصينة مغلقة، و بها قبائل من اليمن قد تحصنوا بها، و قد ضوت إليهم خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، فحاصرهم شهرا أو قريبا منه، و كان يغير على مواشيهم فيأخذها.

ثم تنحى عنهم إلى جبل يقال له: شكر، فظنوا أنه قد انهزم، فخرجوا في طلبه حتى أدركوه.

فصف صفوفه، فحمل عليهم هو و المسلمون، فوضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءوا، و أخذوا من خيلهم عشرين فرسا، فقاتلوهم عليها نهارا طويلا.

و قد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلين منهم يرتادان و ينظران (أي يطلبان الأخبار) .

فبينما هما عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشية بعد العصر، إذ قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بأي بلاد اللّه شكر» ؟

فقال الجرشيان: يا رسول اللّه، ببلادنا جبل يقال له: كشر بذلم يسميه أهل جرش.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ليس بكشر، و لكنه شكر» .

قالا: فما شأنه يا رسول اللّه؟

قال: «إن بدن اللّه لتنحر عنده الآن» .

و أخبرهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بملتقاهم، و ظفر صرد بهم. فجلس الرجلان إلى أبي بكر و عثمان، فقالا لهما: و يحكما، إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لينعي لكما قومكما، فقوما إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلاه أن يدعو اللّه أن يرفع عن قومكما.

فقاما إليه، فسألاه أن يدعو اللّه أن يرفع عنهم.

فقال: «اللهم ارفع عنهم» .

فخرجا من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد اللّه في اليوم الذي قال فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما قال، و في الساعة التي ذكر فيها ما ذكر.

قال ابن سعد: فقصّا على قومهما (القصة)، فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلموا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «مرحبا بكم، أحسن الناس وجوها،

و أصدقه لقاء، و أطيبه كلاما، و أعظمه أمانة، أنتم مني و أنا منكم» . و جعل شعارهم مبرورا، و أحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس و الراحلة، (و للمثيرة)بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سحت (1).

و قد سميت الأزد: أزد شنوءة لشنآن كان بينهم.

و نقول:

إن لنا مع هذه النصوص وقفات عديدة هي التالية:

بذن اللّه تنحر عند شكر:

إننا لم نعرف سبب وصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأولئك المشركين الذين يقتلون بأيدي المسلمين بأنهم «بدن اللّه» تبارك و تعالى! ! مع أن البدن لا يبغضها اللّه تبارك و تعالى، بل هي محبوبة له، و هي من شعائر اللّه عز و جل، قال تعالى: وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْنٰاهٰا لَكُمْ مِنْ شَعٰائِرِ اَللّٰهِ لَكُمْ فِيهٰا خَيْرٌ (2).


1) سبل الهدى و الرشاد 6 ص 262 عن ابن سعد، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 372 و 373، و ابن هشام في سيرته ج 4 ص 234. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 169-171 و تاريخ الأمم و الموك ج 3 ص 130 و 131 و البداية و النهاية ج 5 ص 74 و صحبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ص 120 و الروض الأنف ج 4 ص 224 و الإصابة ج 2 ص 182 و أسد الغابة ج 3 ص 117 و الدرر لابن عبد البر ص 195 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 337 و 338 و (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 71 و 63 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 257 و (ط دار المعرفة) ص 262 و عن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 29 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 295.

2) الآية 36 من سورة الحج.

و هؤلاء كفرة أرجاس محاربون لأهل الإسلام، مبغضون له تبارك و تعالى. .

على أنه لو كان المقصود مجرد تشبيهم بالبدن في عدم الوعي، و فقد الإدراك، فلما ذا أضاف البدن إليه تبارك و تعالى؟ ! فإن إضافتهم إليه تفيد التشريف و التكريم لهم! ! . .

و بذلك يظهر: عدم صحة ما زعمه الزرقاني: من أن «إطلاق البدن عليهم استعارة، أو تشبيه بليغ، و أصله: أن قومكم الذين هم كالبدن في عدم الإدراك، حيث لم يؤمنوا، و حاربوا المسلمين، و إضافتهم إلى اللّه إشارة إلى تحقيق الإستعارة، حيث جعلوا كالبدن التي تنحر تقرّبا، أو إشارة إلى أنهم مخلوقون للّه، مغمورون بأنعامه، فأضافهم إليه توبيخا لهم على عدم الإيمان. .» (1).

فإن هذه الأقوال لا تعدو كونها تمحلات سمجة، و ممجوجة؛ فإن ما زعمه من الإضافة التي تفيد تحقيق الإستعارة! ! إذا كانت موجبة لتشويش المعنى، و إيهام خلاف المقصود تصبح معيبة، و لا يمكن أن تصدر عن أحكم الحكماء، و أعقل العقلاء، و أبلغ البلغاء. أعني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و أما ادّعاء: أن إضافتهم إليه تعالى لتوبيخهم على عدم الإيمان، فلا نجد له مبررا أيضا سوى التحكم، و الإقتراح، و فرض التوجيهات و التأويلات السخيفة، من دون دلالة عليها، أو إشارة إليها. .


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 170.

تفويض حرب المشركين لصرد الأزدي:

و تحدثت الرواية المتقدمة أيضا عن: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فوض لصرد الأزدي حرب من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. .

مع أن هذا الرجل قد أسلم لتوه، و لم يتفقه بعد في الدين، و لا تأدب بآداب الإسلام، و لا عرف أحكامه؛ فما معنى تفويضه بحرب المشركين من قبائل اليمن؟ و للحرب حدودها و أحكامها في الإسلام. .

كما أن من المفروض هو أن يدعوهم إلى الإسلام أولا، و أن يقدم لهم الأدلة و البراهين عليه، و أن ينشر لهم أعلامه، و يعلمهم أحكامه، في حين أنه هو نفسه كان جاهلا بها، و الحال أن فاقد الشيء لا يعطيه، بل هو غير قادر على أن يطبقه على نفسه و يراعيه. . فكيف يدعو الناس إليه، و يحملهم عليه؟ ! . .

هل فتحت جرش عنوة أو صلحا؟ ! :

و يبقى أمامنا سؤال محير، يحتاج إلى جواب، و هو:

كيف فتحت مدينة جرش؟ ! هل فتحت عنوة، بعد حصارها، ثم بعد معركة هائلة تعرض فيها الجرشيون للقتل الذريع؟ ! حيث وضع المسلمون فيهم سيوفهم حيث شاؤوا؟ أم أنها فتحت صلحا؟

إن الرواية التي نحن بصدد معالجتها لعلها تشير إلى أنها فتحت عنوة، و بعد حصار و قتال و أعداد كبيرة من القتلى. .

مع أنهم يقولون: إنها فتحت سنة عشر في حياة النبي «صلى اللّه عليه

و آله» صلحا على الفيء، و أن يتقاسموا العشر، و نصف العشر (1).

و عن الزهري: «أسلم أهل بتالة و جرش من غير قتال، فأقرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ما أسلموا عليه، و جعل على كل حالم ممن بهما من أهل الكتاب دينارا، و اشترط عليهم ضيافة المسلمين، و ولى أبا سفيان بن حرب على جرش (2).

أو بعث عليهم عبد اللّه بن ثور، أحد بني الغوث (3).

و روى الواقدي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» توفي و عامله على جرش صرد بن عبد اللّه الأزدي (4).

فأي ذلك هو الصحيح؟ !

أسئلة أخرى تحتاج إلى جواب:

و هناك أسئلة عديدة، ترتبط بنصوص الرواية التي نحن بصددها، لا نجد لها جوابا مقنعا و مقبولا، فلاحظ ما يلي:

1-إذا كان صرد بن عبد اللّه قد حاصر بمن معه مدينة جرش، فمعنى ذلك: أن لا يخرج أحد منهم من المدينة، و أن لا يدعوا ماشيتهم تخرج إلى خارج المدينة أيضا، لأن ذلك سيعرضها و يعرضهم للخطر الأكيد.

فما معنى قولهم: «و كان يغير على مواشيهم فيأخذها» ؟ !


1) معجم البلدان ج 2 ص 126 و المفصل ج 1 ص 171.

2) فتوح البلدان ص 71 و معجم البلدان لياقوت ج 2 ص 9.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 427 و الكامل ج 2 ص 421.

4) الإصابة ج 2 ص 182.

فهل كانت مواشيهم ظاهرة لهم، و في متناول أيديهم؟ !

2-و المحاصر هو: المهزوم، في واقع الأمر، فإنه لعجزه عن مواجهة عدوه، أخفى نفسه عنه وراء الأحجار، و الأسوار، و الذين يحاصرونه، هم المنتصرون الذين يلاحقونه، و يجهدون للوصول إليه بمزيد من التصميم و الإصرار، فإذا انصرف هذا المنتصر عن حصار عدوه، فذلك لا يجعله منهزما، بل يكون منكفئا عنه.

فما معنى قول الرواية السابقة: «فظنوا أنه قد انهزم» ؟ ! إلا إذا أريد بالهزيمة هنا معنى آخر، يختلف عما يعطيه ظاهر هذه الكلمة.

3-و مع غض النظر عن هذا و ذاك، فإنه إذا كان الجرشيون قادرين على مواجهة عدوهم، ولديهم الجرأة على الوقوف في وجهه، فلما ذا اختبأوا منه داخل حصونهم طيلة شهر كامل؟ !

و لماذا لم يبرزوا لقتاله من أول يوم حل فيه بساحتهم؟ !

4-و بعد قتالهم يوما كاملا، و بعد أن وضع المسلمون سيوفهم فيهم حيث شاؤوا، و بعد أن أخذوا من خيلهم عشرين فرسا. . و أوقعوا فيهم تلك الضربة القاصمة و الهائلة، نعم. . بعد ذلك كله، ما ذا كانت النتيجة؟ ! و ما ذا صنع المسلمون تجاه أعدائهم؟ هل تركوهم يرجعون إلى حصنهم بصورة طبيعية؟ أم أنهم طاردوهم إلى باب الحصن؟ ! و حين بلغوا إلى الباب هل زاحموهم على الدخول فيه؟ أم انكفأوا عنهم؟ ! و هل تمكنوا من عرقلة دخولهم، أو دخول بعضهم إليه؟ ! . .

و إذا كان ذلك قد حصل فعلا، أو حتى لو كان ذلك لم يحصل أيضا، فالسؤال هو: كم من الناس أسر المسلمون في تلك الوقعة؟ ! و هل عادوا إلى

حصار جرش، بعد أن حققوا هذا الإنتصار الكبير عليهم؟ ! أم أنهم تركوها غارقة في مصائبها التي حلت بها؟ ! . .

5-و عن الرجلين الذين كانا يتجسسان على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لصالح أهل جرش، نسأل: هل كان المسلمون يعرفون شيئا عن هذين الرجلين الغريبين؟ ! و إذا كان الجواب بالإيجاب فلما ذا تركوهما يسرحان و يمرحان بلا حسيب و لا رقيب. .

و إن كان الجواب بالنفي، فهل حاولوا أن يتعرفوا عليهما؟ ! و هل سألهما أحد عن بلدهما، و عن سبب قدومهما، و عن دينهما، و ما إلى ذلك؟ و بماذا أجابا؟ ! و هل كان جوابهما مقنعا؟ ! و هل؟ و هل؟

إن الحقيقة هي: أن سياق ما جرى لهما في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدل على أنهما كانا يتجاهران بالانتساب إلى بلدهما، و يتحدثان عنه و يشفعان لأهله لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمام جماعة المسلمين، و يتصرفان بصورة عادية و طبيعية! !

علاقة الجاسوسين بأبي بكر و عثمان:

و أغرب شيء سمعناه و قرأناه في هذه الرواية، هو تصريحها بوجود علاقة مميزة فيما بين هذين الجاسوسين و بين أبي بكر و عثمان.

فقد أظهر ذلك النص، الأمور التالية:

1-ما معنى: أن يختلي جاسوسان جاء الرصد حركة المسلمين برجلين هما بنظر الكثيرين، من الكبار و الأعيان، و يعيشان الطموح و يخططان للحصول على أعظم مقام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

2-لماذا اجتمع هذان الجاسوسان بأبي بكر و عثمان فقط؟ ! و أين كان عمر بن الخطاب عن هذا الإجتماع؟ و نحن نجد الإقتران الدائم بين أبي بكر و عمر في مختلف الحالات و الوقائع. .

ثم أين كان أبو عبيدة، و ابن عوف. . و سالم و غير هؤلاء ممن يعدون فريقا واحدا؟ !

3-لما ذا يحرض أبو بكر و عثمان ذينك الجاسوسين على الطلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو اللّه لرفع البلاء عن قوم مشركين، محاربين للّه و لرسوله؟ ! و لماذا يسعى أبو بكر و عثمان لرفع القتل عنهم، و منع المسلمين من الظفر بهم؟ ! . .

و ما معنى هذا العطف منهما على أولئك المشركين؟ ! .

4-و في محاولة للتخفيف من سماجة هذا الواقع الهجين، قال الزرقاني: إن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : اللهم ارفع عنهم، إنما أجيب في الذين في القرية، دون من في الجبل، لوقوعها بعد قتلهم (1).

و الهدف من هذا التوجيه هو: تجنب القول: بأن مطلوب أبي بكر و عثمان و الجاسوسين هو رفع البلاء عن الذين أخذتهم سيوف المسلمين، ليسلم منهم من لم تحصده تلك السيوف، بل يكون المطلوب هو: مجرد رفع البلاء عن الذين بقوا في الحصن، و لم يخرجوا منه، فإنهم هم الذين حين علموا بما جرى للجاسوسين مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أرسلوا وفدهم إليه «صلى اللّه عليه و آله» بإسلامهم. .


1) شرح المواهب للزرقاني ج 5 ص 171.

غير أن هذا التوجيه غير مقبول و لا معقول، لأنه يتنافى، بل يتناقض مع صريح الرواية. . كما لا يخفى على من لاحظ كلماتها، و عباراتها. .

فإن أبا بكر و عثمان قد طلبا من الجاسوسين أن يطلبا من النبي الدعاء برفع البلاء عن الذين أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنهم، بأنهم ينحرون كالبدن، و يتعرضون للقتل و الفناء، بسيوف المسلمين. .

على أن قول الزرقاني: إن دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» برفع البلاء عنهم، إنما حصل بعد قتل من قتل، لا يحل الإشكال، فإن المفروض: أن بعضهم قد قتل، و لكن المعظم قد بقي، فجاءت الدعوة لكي تحفظ و تنجي من بقي و كان في معرض القتل، و أما الذين بقوا في الحصن فلا داعي للدعاء لهم، فقد كانوا في مأمن من كل سوء. .

6-ألا يعد هذا الموقف من أبي بكر و عثمان من مفردات تولي الكافرين، الذي حذر اللّه تعالى المؤمنين و المسلمين منه، و بين لهم آثاره السيئة؟ ! . .

7-لماذا يريد أبو بكر و عثمان منع المسلمين من ممارسة حريتهم في قمع عدوهم، إلى حد أنهما يطلبان من اللّه أن يتدخل لمنعهم من ذلك بصورة جبرية قاهرة؟ ! . .

8-و هل صحيح: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استجاب لطلب ذينك الجاسوسين و طلب من اللّه رفع البلاء عن المشركين، الساعين إلى إطفاء نور اللّه و قتل المؤمنين؟ !

9-و إذا كان البلاء قد ارتفع فعلا، فهل ارتفع عنهم بطريق الجبر الإلهي، و منع الأيدي من التحرك، أو التصرف بحركتها لكي تصبح ضرباتهم خائبة؟ ! . .

و إذا كانت أيدي المسلمين قد يبست، و منعت من الحركة، أو أصبحت ضرباتهم خائبة، فكيف واجه المشركون ذلك؟ ! هل اغتنموا الفرصة، و أوقعوا بالمسلمين، و قتلوهم و طردوهم من ديارهم؟ ! أم أنهم تركوهم و هربوا إلى الحصن؟ ! و لماذا هربوا إذا كان عدوهم قد قيّد عن الحركة؟ ! أو أن ضرباته قد أصبحت خائبة؟ !

مدائح النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل جرش:

و قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين قدم عليه وفد جرش، وصفهم بما لم نعهد أنه وصف به أحدا من الناس، حيث قال: «أحسن الناس وجوها، و أصدقه لقاء، و أطيبه كلاما، و أعظمه أمانة، أنتم مني و أنا منكم» .

و نقول:

قد روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أطلق هذه الأوصاف بالذات، أو بعضها على قبائل و فئات أخرى أيضا، فقد روي أنه قال في حق قبيلة دوس: «أحسن وجوها، و أطيب الناس أفواها، و أعظمهم أمانة» (1).

و روي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال في حق المهاجرين و الأنصار من بني عمه: «أحسن الناس وجوها، و أعظم الناس أحلاما» (2).


1) مجمع الزوائد ج 10 ص 50 و المعجم الكبير ج 12 ص 172 و المعجم الأوسط ج 7 ص 47 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 336، و ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 206، و لسان الميزان لابن حجر ج 4 ص 313.

2) تفسير الثعلبي ج 9 ص 74 و أسد الغابة ج 1 ص 108 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 217 و أسباب النزول للواحدي ص 259 و كنز العمال ج 10 ص 613 و فيه (من بني نمر) و هو تصحيف، و البحر المحيط (تفسير) ج 8 ص 206 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 188.

و روي أيضا أنه قال لوفد الأزد: «مرحبا بالأزد، أحسن الناس وجوها، و أشجعهم قلوبا، و أطيبهم أفواها، و أعظمهم أمانة، و شعاركم يا مبرور» (1).

فأي ذلك هو الصحيح؟ !

فإن الأحسنية، و الأعظمية، و الأطيبية و. . و. . منحصرة في واحد، و لا يمكن إثباتها لاثنين، فضلا عن إثباتها لثلاثة، أو أربعة! ! فإذا كان فلان أحسن الناس فلا يمكن أن يكون فلان الآخر أحسن الناس أيضا.

في وفد أزد عمان:

و قالوا: أسلم أهل عمان، فبعث إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العلاء بن الحضرمي يعلّمهم شرائع الإسلام، و يصدّق أموالهم.

فخرج وفدهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فيهم: أسد بن بيرح الطاحي. فلقوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسألوه أن يبعث معهم


1) تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 81 و أسد الغابة ج 3 ص 306 و الإصابة ج 4 ص 310 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 206 و لسان الميزان ج 4 ص 313 و أعيان الشيعة ج 1 ص 243 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 264 و المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 106 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 269 و المعجم الأوسط ج 3 ص 166 و كنز العمال ج 12 ص 56 و 58 و ج 14 ص 89 و الضعفاء للعقيلي ج 3 ص 174 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 30 و علل الحديث لابن أبي حاتم ج 2 ص 358.

رجلا يقيم أمرهم.

فقال مخربة العبدي-و اسمه مدرك بن خوط-: ابعثني إليهم، فإن لهم عليّ منة، أسروني يوم جنوب، فمنوا عليّ. فوجهه معهم إلى عمان.

و قدم سلمة بن عياذ الأزدي (ملك عمان) في أناس من قومه، فسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، عما يعبد و ما يدعو إليه، فأخبره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال: «ادع اللّه لي أن يجمع كلمتنا و ألفتنا» . فدعا لهم، و أسلم سلمة و من معه (1).

و عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم الوفد الأزد، طيّبة أفواههم، برّة أيمانهم، تقيّة قلوبهم» (2).

و نقول:

إننا لا نستطيع أن نؤكد صحة هذه المدائح أو الذموم التي ينقلونها عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق بعض القبائل أو الفئات، أو البلاد، فإنها مظنة الجعل و الإفتراء لدوافع لا تخفى. .

غير أننا قد لا نتحفظ كثيرا، إذا كان ما يذكرونه عنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد قاله في أعقاب عمل صالح صدر عنهم، و إساءة اقترفوها، فيأتي المدح للترغيب في تلك، و للردع عن هذه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 264 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 351.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 264 عن أحمد بسند حسن، و راجع: كنز العمال ج 14 ص 85، و أسد الغابة ج 1 ص 276.

غير أن المدح الذي ذكر في النص الآنف الذكر إنما هو لأناس بأعيانهم، و هم خصوص أعضاء الوفد الذين قدموا عليه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلعل هذا الوفد بالخصوص كان يتشكل من رجال صالحين، يستحقون هذا الثناء النبوي الكريم مع بقاء احتمال الكذب فيه قائما. .

وفد الأزد في حديث آخر:

عن سويد الأزدي: أنه كان سابع سبعة من قومه وفدوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فقال: ما أنتم؟ ! .

قلنا: مؤمنون.

فتبسم «صلى اللّه عليه و آله» و قال: إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم و إيمانكم؟ !

قلنا: خمس عشرة خصلة: خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، و خمس أمرتنا أن نعمل بها، و خمس تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟ !

قلنا: أمرتنا ان نؤمن باللّه و ملائكته، و كتبه و رسله، و البعث بعد الموت.

قال: و ما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ .

قالوا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا اللّه، و نقيم الصلاة، و نؤتي الزكاة، و نصوم رمضان، و نحج البيت إن استطعنا إليه سبيلا.

قال: و ما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟

قالوا: الشكر عند الرخاء، و الصبر عند البلاء، و الرضا بمر القضاء،

و الصدق في مواطن اللقاء، و ترك الشماتة بالأعداء.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: و أنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، و لا تبنوا ما لا تسكنون، و لا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا زائلون، و اتقوا اللّه الذي إليه ترجعون و عليه تعرضون، و ارغبوا فيما أنتم عليه تقدمون و فيه تخلدون، فانصرفوا و قد حفظوا وصيته «صلى اللّه عليه و آله» و عملوا بها (1).

و ما قلناه حول صحة هذا النقل أو عدم صحته هو نفس ما قلناه في سابقه، فإنه زاد على سابقه ثناء آخر و هو أنهم كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء قبل أن يعملوا بالخمس التي زادهم إياها. .

و لسنا ندري إن كانوا بعد أن عملوا بالخمس الباقية هل وصلوا إلى مقام النبوة أم لا؟ ! غير أننا لم نجد لهؤلاء الناس أي نشاط يميزهم عن غيرهم ممن لم يكن مثلهم في الفقه و الحكمة و العلم. .

2-وفود مهرة:
اشارة

قالوا: قدم وفد مهرة. عليهم مهري بن الأبيض، فعرض عليهم رسول


1) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 227-230 و معجم قبائل العرب ج 1 ص 16 و الإصابة ج 2 ص 98 عن أبي أحمد العسكري، و الرشاطي، و ابن عساكر، و أبي سعيد النيسابوري في شرف المصطفى، و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 198 و 201، و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 109، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 181.

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الإسلام، فأسلموا و وصلهم و كتب لهم:

«هذا كتاب من محمد رسول اللّه لمهري بن الأبيض على من آمن به من مهرة: ألا يؤكلوا و لا يعركوا، و عليهم إقامة شرائع الإسلام، فمن بدل فقد حارب، و من آمن به فله ذمة اللّه و ذمة رسوله، اللقطة مؤداة، و السارحة منداة، و التفث السيئة، و الرفث الفسوق» . و كتب محمد بن مسلمة الأنصاري.

و عن عمران المهري قال: وفد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجل من مهرة يقال له: زهير-و في لفظ: ذهبن-ابن قرضم بن العجيل (ابن قثات)، فكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدنيه و يكرمه لبعد مسافته، فلما أراد الإنصراف بتّته و حمله، و كتب له كتابا فكتابه عندهم (إلى اليوم) (1).

لا يعركون: أي لا يحملون ما يوجب عدمهم.

منداة: أي لا تمنع من الرعي و السقي.

ثم فسر لهم «صلى اللّه عليه و آله» معنى كلمتي: التفث الرفث.

قدوم نافع بن زيد الحميري:

عن أياس بن عمرو الحميري: أن نافع بن زيد الحميري قدم وافدا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفر من حمير، فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين، و نسأل عن أول هذا الأمر.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 414 عن ابن سعد في الطبقات (ط ليدن) ج 2 ص 117 و (ط دار صادر) ج 1 ص 286 و 355 و مجموعة الوثائق السياسية ص 251 و رسالات نبوية ص 287 و مدينة البلاغة ج 2 ص 339 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 354 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 4 ص 199.

قال: «كان اللّه و لا شيء غيره، و كان عرشه على الماء، ثم خلق القلم فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السماوات و الأرض و ما بينهما، و استوى على عرشه» (1).

و نقول:

1-إن وفد حمير قد جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ليتفقهوا في الدين، احتياطا منهم لأنفسهم، و لدينهم، فإن وجوب التعلم لما به تكون النجاة من العقاب، مما تحكم به الفطرة و يحتمه الوجدان، و تقضي به العقول.

حديث القلم. . و الجبر و العدل:

قد ذكر آنفا: حديث كتابة القلم ما هو كائن إلى يوم القيامة. . و لهذا الحديث ألفاظ مختلفة منها ما رواه أبو هريرة قال: قال لي النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «جف القلم بما أنت لاق» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 415 عن ابن شاهين، و راجع: جمهرة أنساب العرب ص 440.

2) راجع: البحار ج 54 ص 362 و ج 57 ص 93 و السنن الكبرى ج 9 ص 3 و فتح الباري ج 6 ص 206 و نسخة وكيع ص 56 و مسند أبي داود الطيالسي ص 79 و كتاب السنة ص 48 و 49 و كنز العمال ج 1 ص 126 و ج 6 ص 122 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 307 و جامع البيان ج 29 ص 18 و 19 و 21 و تفسير السمرقندي ج 3 ص 209 و 458 و تفسير الرازي ج 13 ص 228 و ج 30 ص 78 و تفسير القرطبي ج 1 ص 257 و ج 18 ص 225 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 427 و 428 و تاريخ بغداد ج 9 ص 60 و تهذيب الكمال ج 18 ص 457 و تاريخ الأمم و الملوك ج 1 ص 22 و 34 و 35.

و منها ما روي: من أن «أول ما خلق اللّه القلم، فقال: اكتب.

فقال: ما أكتب؟

قال: اكتب القدر ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة» (1).

و في نص آخر: فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب و ارتفع القلم (2).

و قال سراقة بن جشعم: يا رسول اللّه، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟

أفيما جفت به الأقلام، و جرت به المقادير؟ ! أم فيما نستقبل؟ !


1) صحيح البخاري ج 8 ص 1222 و (ط دار الفكر) ج 6 ص 119 و ج 7 ص 210 و سنن النسائي ج 6 ص 59 و ج 7 ص 79 و فتح الباري ج 11 ص 431 و عمدة القاري ج 20 ص 73 و ج 23 ص 147 و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 51 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 264 و المعجم الأوسط ج 7 ص 49 و مسند الشهاب لابن سلامة ج 1 ص 353 و تغليق التعليق لابن حجر ج 4 ص 396 و كنز العمال ج 1 ص 116 و 358 و كشف الخفاء ج 1 ص 332 و تاريخ مدينة دمشق ج 5 ص 7 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 290 و الدر المنثور ج 6 تفسير سورة القلم، عن ابن جرير، و الطبراني، و ابن مردويه، و عن الترمذي (القدر) باب 17.

2) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 249 عن عبد الرزاق، و الفريابي، و سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و ابن ابي حاتم، و أبي الشيخ في العظمة، و الحاكم و صححه، و البيهقي في الأسماء و الصفات، و تاريخ بغداد للخطيب، و الضياء في المختارة، و فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 269 و تفسير ابن أبي حاتم ج 10 ص 3364 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 498.

قال: لا، بل فيما جفت فيه الأقلام، و جرت به المقادير (1).

و عنه «صلى اللّه عليه و آله» في تفسير قوله تعالى: ن وَ اَلْقَلَمِ . و القلم الذي خط به ربنا عز و جل القدر، خيره و شره، و نفعه و ضره (2).

و عن أبي هريرة عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن أول شيء خلق اللّه القلم، ثم خلق النون و هي الدواة ثم قال له: اكتب.

قال: و ما أكتب؟

قال: ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل، أو أثر، أو رزق، فكتب ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و ذلك قوله: ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ (3)ثم ختم عليه في القلم، فلم ينطق و لا ينطق إلى يوم القيامة. ثم خلق اللّه العقل (4).


1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 249 و مسند أحمد ج 3 ص 293 و صحيح مسلم ج 8 ص 47 و الديباج على مسلم ج 6 ص 11 و مسند ابن أبي الجعد ص 384 و تفسير البغوي ج 4 ص 492 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 226، و حديث خيثمة للأطرابلسي ص 187، و صحيح ابن حبان ج 9 ص 227، و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 121 و 128، و فوائد العراقيين للنقاش ص 42، و إرواء الغليل للألباني ج 4 ص 204، و تفسير البغوي ج 4 ص 492، و شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 275، و راجع: سنن ابن ماجة ج 1 ص 35، و فتح الباري ج 11 ص 431.

2) راجع: البحار ج 57 ص 93 و الدر المنثور ج 6 ص 250، و فتح القدير ج 5 ص 270.

3) الآية 1 من سورة القلم.

4) راجع: الدر المنثور ج 6 ص عن الحكيم الترمذي، و أدب الإملاء و الإستملاء للسمعاني ص 177، و كشف الخفاء للعجلوني ج 1 ص 264، و تفسير الميزان ج 19 ص 377، و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 304، و تفسير القرطبي ج 18 ص 223، و تفسير الثعالبي ج 5 ص 464، و الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 250، و الكامل لابن عدي ج 6 ص 269، و تاريخ مدينة دمشق ج 5 ص 174 و ج 56 ص 208 و ج 61 ص 385.

و في نص آخر: أنه سبحانه و تعالى أخذ القلم بيمينه-و كلتا يديه يمين- و خلق النون، و هي الدواة، و خلق اللوح فكتب فيه (1).

و الروايات حول القلم التي تذكر: أنه كتب ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة كثيرة، فراجع على سبيل المثال، ما أورده السيوطي منها في كتابه الدر المنثور عن ابن عباس، و أبي هريرة. و عن قرة، و عبادة بن الصامت (2).

استفادة الجبرية من أحاديث القلم:

و قد ضم أنصار عقيدة الجبر الإلهي، و هم غير الشيعة، إلى أحاديث القلم المذكورة، روايات أخرى نسبوها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و خرجوا بنتيجة تقضي بتعميم القدر و الجبر الإلهي لأفعال العباد أيضا. .

و لكنهم يرفضون تسميتهم ب‌ «الجبرية» و «القدرية» و «المجبرة» ، لكي يتفادوا انطباق حديث: «القدرية مجوس هذه الأمة» عليهم.

رغم أن الخلاّل، و هو أحد علماء الحنابلة قد أطلق كلمة «القدرية» على القائلين بالجبر (3).


1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 250 عن ابن أبي شيبة، و ابن المنذر.

2) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 249 و 250.

3) درء تعارض العقل و النقل ص 66 عن الخلاّل.

لماذا كانت القدرية مثل المجوس؟ ! :

و وجه الشبه بين القدرية و المجوس: أن المجوس يقولون بإلهين مؤثرين، و القدرية يقولون: بأن اللّه تعالى مؤثر، و خالق، و رازق، و شاف و غير ذلك. .

و القدر أيضا مؤثر، حيث إنه يجري حتى على أفعال اللّه تعالى، فهو تعالى محكوم بقدره مكره على إجرائه، فإن عليه أن يجري ما كتبه القلم، ثم إنه لما جف القلم أصبح اللّه غير قادر على فعل أي شيء.

و القدر الذي-كتبه القلم-هو الذي حرم ناسا من الجنة، و أدخل آخرين النار. .

نماذج من أحاديث الجبر:

و مما أوردوه للتدليل على ما يذهبون إليه من جبر و قدر:

1-أن آدم «عليه السلام» قد احتج على موسى «عليه السلام» بقوله: أتلومني على أمر (عمل) قدّر اللّه عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة. . أو قبل أن يخلق اللّه السماوات و الأرض (1).

2-جاء في أحاديث عالم الذر: «خلقت هؤلاء للجنة و لا أبالي، و خلقت هؤلاء للنار و لا أبالي» (2).


1) راجع: صحيح البخاري ج 7 ص 214، و صحيح مسلم (بشرح النووي) ج 16 ص 196 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 301،

2) المستدرك للحاكم ج 1 ص 31 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 145 و راجع: فيض القدير ج 2 ص 298 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 279 و أسد الغابة ج 5 ص 243 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 7 ص 215 و البداية و النهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 100 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 49، و كتاب الموطأ لمالك ج 2 ص 899، و البحار ج 5 ص 269، و مسند احمد ج 1 ص 44، و سنن أبي داود ج 2 ص 414، و سنن الترمذي ج 4 ص 331، و المستدرك للحاكم ج 2 ص 325 و 544، و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 87، و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 347، و صحيح ابن حبان ج 14 ص 38، و الإستذكار لابن عبد البر ج 8 ص 260، و التمهيد لابن عبد البر ج 6 ص 2 و ج 18 ص 83، و موارد الظمآن للهيثمي ج 6 ص 38، و كنز العمال ج 1 ص 113 و ج 2 ص 409، و جامع البيان للطبري ج 9 ص 152، و تفسير ابن أبي حاتم ج 5 ص 1612، و تفسير السمرقندي ج 1 ص 577، و تفسير السمعاني ج 6 ص 171، و تفسير البغوي ج 2 ص 211، و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 333، و تفسير الرازي ج 15 ص 46، و تفسير القرطبي ج 7 ص 314 و ج 14 ص 28، و دقائق التفسير لابن تيمية ج 2 ص 168، و تفسير ابن كثير ج 2 ص 273، و الدر المنثور ج 3 ص 142، و تفسير أبي السعود ج 3 ص 290، و فتح القدير ج 2 ص 263، و تفسير الآلوسي ج 9 ص 103، و تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 70، و تاريخ الطبري ج 1 ص 91، و البداية و النهاية ج 1 ص 99، و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 48، و شرح العقيدة الطحاوية ص 266.

3-روايات كيفية خلق الخلق، و أنه بعد نفخ الروح في الإنسان «يكتب رزقه، و أجله، و عمله، و شقي، و سعيد. زاد في نص آخر: ثم تطوى الصحف، فلا يزاد بها و لا ينقص» (1).


1) راجع: صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 8 ص 44 و 45 و شرح صحيح مسلم للنووي (ط دار الكتب العلمية) ج 16 ص 190 و 191 و المحلى لابن حزم ج 11 ص 34 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 338 و راجع: نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 83 و سنن الترمذي ج 3 ص 302 و مسند أبي داود الطيالسي ص 38 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 102 و تفسير الميزان ج 14 ص 354 و تفسير القرطبي ج 1 ص 194 و ج 12 ص 7 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 520 و راجع ج 3 ص 217 و الدر المنثور ج 4 ص 345 و فتح القدير ج 3 ص 438 و تفسير الآلوسي ج 7 ص 87 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 272 و تاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 195 و راجع: الديباج على مسلم ج 6 ص 7 و تفسير البغوي ج 1 ص 278 و ج 3 ص 23.

4-أحاديث: أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه و بينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها (1).


1) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 4 ص 79 و 104 و ج 7 ص 210 و ج 8 ص 188 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 8 ص 44 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 29 و سنن أبي داود ج 2 ص 415 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 421 و ج 10 ص 266 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 192 و عمدة القاري ج 15 ص 129 و 130 و 213 و ج 23 ص 145 و ج 25 ص 139 و الديباج على مسلم ج 6 ص 5 و مسند أبي داود الطيالسي ص 39 و مسند ابن الجعد ص 380 و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 77 و التمهيد لابن عبد البر ج 18 ص 101 و الأذكار النووية ص 406 و رياض الصالحين ص 234 و الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 333 و جامع بيان العلم و فضله ج 2 ص 114 و فيض القدير ج 2 ص 224 و ج 6 ص 314 و فتح القدير ج 3 ص 438 و تفسير الميزان ج 14 ص 354 و تفسير ابن زمنين ج 2 ص 309 و تفسير السلمي ج 1 ص 338 و تفسير السمعاني ج 2 ص 177 و تفسير البغوي ج 1 ص 278 و أحكام القرآن لابن عربي ج 2 ص 335 و تفسير الرازي ج 2 ص 47 و تفسير القرطبي ج 1 ص 194 و ج 18 ص 132 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 191 و ج 2 ص 218 و ج 3 ص 251 و 259 و الدر المنثور ج 4 ص 345 و الكامل لابن عدي ج 3 ص 299 و كنز العمال ج 1 ص 112 و 122 و 360 و أضواء البيان للشنقيطي ج 8 ص 196 و تاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 195 و تهذيب الكمال ج 10 ص 114.

و قد سئل «صلى اللّه عليه و آله» : فلم يعمل العاملون؟

فقال: كل يعمل لما خلق له، أو لما يسّر له (1). أو اعملوا فكل ميسّر لما خلق له (2).


1) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 7 ص 210 و فتح الباري ج 11 ص 432 و عمدة القاري ج 23 ص 148 و المعجم الكبير ج 18 ص 131 و مسند احمد ج 4 ص 427 و مسند ابي داود الطيالسي ص 111 و راجع: منتخب مسند عبد بن حميد ص 37 و سنن أبي داود (مطبوع مع عون المعبود) ج 12 ص 458 و 476 و الذهب الأبريز ص 26.

2) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 6 ص 86 و ج 8 ص 215 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 8 ص 47 و 48 و مسند أحمد ج 1 ص 6 و 82 و 157 و ج 3 ص 304 و ج 4 ص 67 و 431 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 30 و 35 ج 2 ص 725 و سنن أبي داود ج 2 ص 415 و سنن الترمذي ج 3 ص 302 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 214 و مجمع الزوائد ج 7 ص 187 و 189 و 194 و 195 و فتح الباري ج 11 ص 435 و عمدة القاري ج 25 ص 195 و الديباج على مسلم ج 6 ص 10 و مسند أبي داود ص 113 و الأدب المفرد للبخاري ص 193 و خلق أفعال العباد للبخاري ص 53 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 517 و المعجم الأوسط ج 4 ص 144 و ج 5 ص 135 و المعجم الصغير ج 1 ص 255 و المعجم الكبير ج 1 ص 64 و 237 و ج 7 ص 119 و 120 و 121 و ج 18 ص 129 و 130 و 131 و عوالي اللآلي ج 4 ص 122 و البحار ج 4 ص 282 و ج 64 ص 119 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 590 و مصادر أخرى كثيرة.

أي أنه إذا كان قد خلق للعمل الصالح، فإن العمل الصالح هو الذي يكون ميسورا له، و يكون هو قادرا عليه، و لا يقدر على غيره، و كذلك الحال لو كان قد خلق للعمل السيء، فإنه يكون قادرا عليه، و لا يقدر على عمل الخير. .

الشيعة بريئون من الجبر:

و مهما يكن من أمر، فإن طائفة كبيرة من المسلمين ترى أن القدر يشمل أفعال العباد، بل يشمل أفعال اللّه أيضا. . و ينكر الشيعة ذلك في الموردين، فيرون-وفقا لتعاليم أئمتهم «عليهم السلام» -أن اللّه قادر على إجبار عباده، و لكنه لا يفعل ذلك. . كما أن له المشيئة فيما قضاه و قدره تبارك و تعالى. . و ليس محكوما بقدره.

من سلبيات تعميم القدر لأفعال العباد:

و من الواضح: أن تعميم القدر إلى جميع افعال العباد، يجعل كل كفر و شرك، و معصية، بقدر و بقضاء حتمي، و لا يمكن لأي عبد أن يتخلف عما قدره اللّه تعالى له.

و قد صرح الأشعري بذلك، حين أعلن توبته عن مذهب الإعتزال و التزام خط أهل السنة، التي هي عقائد أهل الحديث، مع شيء من التلطيف و التخفيف، و العدول عن التصريح إلى التلويح، فقد قال إنه تاب عن قوله: «إن أفعال الشر أنا أفعلها» (1).

فهذا يشير إلى أنه أصبح يرى أن اللّه هو الذي يفعل أفعال الشر.

و صرحوا أيضا: بأنه «لا خالق إلا اللّه، و أن سيئات العباد يخلقها اللّه» (2). فإذا كان القدر حاكما على تلك الأفعال، التي هي في الحقيقة أفعال اللّه، لأنه هو خالقها، فالقدر حاكم على اللّه مباشرة، و قد سلبه الإختيار، و لم يعد قادرا إلا على فعل ما جرى به القدر، على قاعدة: وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللّٰهِ مَغْلُولَةٌ (3).

قال ابن الحجاج:

المجبرون يجادلون بباطلو خلاف ما يجدونه في القرآن

كل مقالته الإله أضلنيو أراد بي ما كان عنه نهاني

أيقول ربك للخلائق آمنواجهرا و يجبرهم على العصيان

إن صح ذا فتعوذوا من ربكمو ذروا تعوذكم من الشيطان (4)


1) الفهرست لابن النديم ص 231 و وفيات الأعيان لابن خلكان ج 3 ص 285 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 24 ص 155 و الوافي بالوفيات ج 20 ص 137.

2) مقالات الإسلاميين ج 1 ص 321 و الإلهيات للسبحاني ص 608.

3) الآية 64 من سورة المائدة.

4) راجع: الطرائف لابن طاووس ص 320.

و ما أجرأهم أيضا بقول الآخر:

ألقاه في اليم مكتوفا و قال له:إياك إياك أن تبتل بالماء

الجبر و اليهود، و المشركون:

و قد ذكرنا في كتابنا: «أهل البيت في آية التطهير» : أن عقيدة الجبر هي من بقايا عقائد أهل الكتاب، و قد صرحت بها كتبهم المحرفة بصورة واضحة، فراجع: التوراة، و التلمود، و الإنجيل، قال تعالى: وَ قٰالَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ مٰا عَبَدْنٰا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَ لاٰ آبٰاؤُنٰا وَ لاٰ حَرَّمْنٰا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى اَلرُّسُلِ إِلاَّ اَلْبَلاٰغُ اَلْمُبِينُ (1).

و قد كان سكان الجزيرة على احتكاك متواصل باليهود، الذين يعتقدون بالجبر، و خصوصا الفريسيين منهم، فقد كان: «الفريسيون من اليهود لا يرون للإنسان إرادة، و لا اختيارا، و لا تأثيرا، و لا جزءا كسبيا، و لذا لا يرونه جديرا بالمدح و الثناء، لأن فعل اللّه فعل بيده» (2).

الحكّام و مقولة الجبر:

و قد راقت مقولة الجبر الإلهي هذه للحكام و المتسلطين، فسعوا إلى نشرها، و حمل الناس عليها، لأن هذه العقيدة تجعل الناس يستكينون لحكمهم، و يخضعون لسلطانهم، مهما صدر منهم من ظلم و عسف، و به


1) الآية 35 من سورة النحل.

2) هل نحن مسيرون أم مخيرون للزعبي ص 26.

يبررون للناس كل ما ارتكبوه من جرائم و موبقات، و هم يفرضون على الناس من خلال هذه العقيدة كل ما يحلو لهم، أو يخطر على بالهم، و به احتج معاوية لصحة ما أقدم عليه من فرض ولده يزيد المجرم و الطاغي و الفاسد، على الناس من بعده، فقد قال لعائشه تارة و لابن عمر أخرى: «و إن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، و ليس للعباد خيرة في أمرهم» (1).

و احتج به عمر بن سعد «لعنه اللّه» لقتله الإمام الحسين «عليه السلام» ، فقد قال له ابن مطيع: أخترت همدان و الريّ على قتل ابن عمك؟ !

فقال عمر بن سعد «لعنه اللّه» : كانت أمورا قضيت من السماء. و قد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة (2).

و حين ذكرت عائشة لأبي قتادة ما قاله النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، في حق الخوارج، و أن الذي يقتلهم أحبهم إليّ، أحبهم إلى اللّه.

فقال لها أبو قتادة: يا أم المؤمنين، فأنت تعلمين هذا فلم كان منك؟ !

قالت: يا أبا قتادة! وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ قَدَراً مَقْدُوراً (3)» (4).


1) الإمامة و السياسة لابن قتيبة ص 182 و 183 و (ط مؤسسة الحلبي) تحقيق الزيني ج 1 ص 158 و 161 و (ط أمير قم) تحقيق الشيري ج 1 ص 205 و 210 و الغدير ج 10 ص 249.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 110 و (ط دار صادر) ص 148، و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 55.

3) الآية 38 من سورة الأحزاب.

4) تاريخ بغداد (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 172 و المحاسن و المساوئ للبيهقي ج 1 ص 471 و شواهد التنزيل للحسكاني ج 2 ص 38 و 39 و نور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 276 و مجمع البيان ج 8 ص 357 و البحار ج 35 ص 222 و عن الطرائف ص 30، و الدر النظيم ص 335.

فهي تبرر حرب الجمل و قتل المئات أو الألوف من المسلمين بالقدر الإلهي! !

و حين سألت أم الحارث الأنصارية عمر بن الخطاب عن سبب فراره يوم حنين، قال: أمر اللّه (1). و أجاب نسيبة بنت كعب المازنية بذلك أيضا (2)، و كذا الحال بالنسبة لأبي قتادة الأنصاري (3).

و بهذه العقيدة استدل خالد بن الوليد لقتل مالك بن نويرة، و برر بها عثمان تمسكه بالحكم إلى أن قتل، و برر بها معاوية و المنصور منع الناس


1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 624 و راجع ص 623 عن البخاري، و بقية الجماعة، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 336 و تفسير القمي ج 1 ص 287 و البحار ج 21 ص 150 و المغازي للواقدي ج 3 ص 904.

2) تفسير القمي ج 1 ص 287 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و شجرة طوبى ج 2 ص 308 و البحار ج 21 ص 150 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199.

3) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و السيرة الحلبية ج 3 ص 108 و (ط دار المعرفة) ص 65 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 435 و المنتقى من السنن المسندة ص 270 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 226 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 131 و 168 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 5 ص 117 و الإستذكار ج 5 ص 59 و التمهيد ج 23 ص 242 و نصب الراية ج 4 ص 295 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 147 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 584 و البداية و النهاية ج 4 ص 376 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 623.

حقوقهم في بيت مال المسلمين. .

و بها برر عمر بن الخطاب تمزيقه لكتاب كان قد كتبه في إرث الجدة.

إلى غير ذلك من موارد كثيرة. . لا مجال لحصرها، غير أننا ذكرنا طائفة من المصادر لها في كتابنا: «أهل البيت في آية التطهير» (1).

و البحث في هذه الموضوعات طويل و متشعب، نكتفي منه بما ذكرناه. .

رواية أهل البيت عليهم السّلام لحديث جف القلم:

و بعد. . فإن جميع ما ذكرناه لا يعني أن حديث «جف القلم» مكذوب و مختلق من أساسه.

إذ إن أهل البيت «عليهم السلام» و هم سفينة نوح، قد رووا لنا النص الصحيح لأحاديث القلم (2)، و فسروه و بينوا معناه، فأخذه عنهم شيعتهم، فأمنوا من الوقوع في الشبهات. .


1) راجع: أهل البيت في آية التطهير (الطبعة الثانية) ص 130 و 131.

2) راجع: تفسير القمي (مطبعة النجف) ج 2 ص 198 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 583 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 9 ص 193 و التفسير الأصفى ج 2 ص 134 و التفسير الصافي ج 4 ص 210 و ج 5 ص 207 و ج 6 ص 80 و ج 7 ص 258 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 519 و ج 5 ص 389 و راجع ج 1 ص 432 و راجع: علل الشرايع (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 19 و البحار ج 11 ص 223 و ج 54 ص 369 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 394 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 340 و معاني الأخبار ص 23 و مجمع البيان ج 10 ص 88.

و لكن غير أتباع أهل البيت «عليهم السلام» لم يوردوا الحديث على وجهه، بل قد زيد فيه و نقّص، أو أعطي معنى غير معناه.

إذ إن بعض الروايات عن الإمام الصادق «عليه السلام» قد صرحت بما يدفع شبهة الجبر الإلهي، و بتخطئة من حاول أن يلصق هذه العقيدة بمعنى هذا الحديث.

فقد روى محمد بن مروان عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، أنه قال في تفسير قوله تعالى: ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ (1). نهر في الجنة أشد بياضا من اللبن. قال: فأمر اللّه القلم، فجرى بما هو كائن، و ما يكون فهو بين يديه موضوع، ما شاء منه زاد فيه، و ما شاء نقص منه، و ما شاء كان، و ما لا يشاء لا يكون (2).

و هذا يدل على: أن ما جرى به القلم إنما هو ما تقتضيه السنن التي أودعها اللّه تعالى في الكائنات، بحسب ما لها من استعدادات، و وفق اقتضاء ما فيها من ميزات و خصائص. .

غير أن هذه السنن لا تمنع من التدخل الإلهي، و لو من خلال الهيمنة عليها بسنن أرقى منها، فيكون البداء فيها حتى لو كتبها القلم في لوح المحو و الإثبات. .

أما ما كتبه القلم في أمّ الكتاب، و هو الكتاب المكنون، و المطابق لعلمه


1) الآية 1 من سورة القلم.

2) راجع: تفسير العياشي ج 1 ص 47 و (ط المكتبة العلمية الإسلامية) ص 30 و مدينة المعاجز ج 5 ص 189 و البحار ج 54 ص 369 و ج 96 ص 204 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 584.

تعالى و هو أمّ الكتاب، و الأصل الذي يقاس عليه ما سواه، فإنه لا بداء فيه، بل يكون البداء منه، و يجب مطابقة ما في لوح المحو و الإثبات له. . من حيث إجراء السنن أو التحكم فيها.

و لأجل ذلك نلاحظ: أن الروايات قد صرحت: بأنه بعد أن يكتب القلم فيه يختم على فم القلم، فلا ينطق أبدا. . و هذا ما أشارت إليه رواية عبد الرحيم القصير عن الإمام الصادق «عليه السلام» (1).

و رواية يحيى بن أبي العلاء (2)، فراجع.

فتلخص أن روايات أهل البيت «عليهم السلام» تفيد: أن للقلم كتابتين في لوحين:

إحداهما: في لوح المحو و الإثبات، و فيه يكون البداء. و لا يكون منه.

و الأخرى: في الكتاب المكنون، الذي هو أم الكتاب، و منه يكون البداء. . و لا يكون فيه.


1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 379 و البحار ج 54 ص 366 و مستدرك البحار ج 8 ص 583 و تفسير الميزان ج 8 ص 169 و ج 18 ص 182 و ج 19 ص 376 و التفسير الصافي ج 5 ص 9 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 518 و ج 5 ص 5 و 6 و 225 و 388، و مجمع البحرين للطريحي ج 4 ص 258.

2) راجع: علل الشرايع ج 2 ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 402 و البحار ج 11 ص 108 و ج 54 ص 367 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 9 ص 191 و التفسير الصافي ج 5 ص 207 و ج 7 ص 257 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 518 و ج 5 ص 61 و 387.

المخلوق الأول:

و يبقى هنا سؤال يحتاج إلى جواب، و هو: أن أحاديث القلم قد صرحت: بأنه هو أول ما خلقه اللّه تعالى، مع أن ثمة روايات تفيد غير ذلك، فقد روي:

1-عن سماعة عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : إن اللّه عز و جل خلق العقل، و هو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، فقال اللّه تبارك و تعالى: خلقتك خلقا عظيما، و كرمتك على جميع خلقي. . (1).

2-عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: قلت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أول شي خلق اللّه تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه اللّه ثم خلق منه كل خير (2).


1) راجع: الكافي ج 1 ص 20 و الخصال للصدوق ص 589 و علل الشرايع (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 114 و شرح أصول الكافي ج 1 ص 199 و مشكاة الأنوار ص 441 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 291 و الجواهر السنية ص 331 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 291 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 2 ص 412 و ج 6 ص 210 و ج 12 ص 155.

2) راجع: البحار ج 15 ص 24 و ج 25 ص 22 و ج 54 ص 170 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 14 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 400 و كشف الخفاء ج 1 ص 265 و تفسير الميزان ج 1 ص 121 و تفسير الآلوسي ج 1 ص 51 و ينابيع المودة للقندوزي ج 1 ص 56 و مجمع النورين للمرندي ص 24 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 240.

و في رواية أخرى: أول ما خلق اللّه نوري، ابتدعه من نوره، و اشتقه من جلال عظمته (1).

و في رواية ثالثة: أول ما خلق اللّه نوري، ففتق منه نور علي، ثم خلق العرش و اللوح، و الشمس و ضوء النهار، و نور الأبصار و العقل و المعرفة (2).

و نقول في الجواب:

1-أما بالنسبة للعقل، فقد صرحت الرواية المتقدمة: أنه أول خلق من الروحانيين.

2-إن هذه الكلمة: «أول ما خلق اللّه القلم» لم ترد إلا في رواية القمي عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام. و هي لا تعارض الروايات الآنفة الذكر. فإن روايات القلم قد صرحت: بأنه قد كتب ما كان و ما يكون.

و هذا يدل على: أن ثمة ما هو مخلوق و كائن قبل ذلك. و هو نور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو النور، أو العقل أو غير ذلك. .

و لعلك تقول:

إن خلق القلم لا يعني الكتابة، فلعله خلق القلم أولا، ثم بعد برهة أمره بكتابة ما كان و جرى، منذ خلق القلم إلى حين الكتابة به. .


1) راجع: البحار ج 15 ص 24 و 97 و ج 25 ص 22 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 14 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 400 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 240 و مشارق أنوار اليقين للبرسي ص 57.

2) راجع: البحار ج 25 ص 22 و ج 54 ص 170 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 14 و الخصائص الفاطمية ج 1 ص 319.

فإنه يجاب:

بأن الرواية قد عطفت الأمر بالكتابة على خلق القلم بواسطة الفاء الدالة على التعقيب المباشر، و من دون مهلة. .

على أن روايات أولية خلق العقل، و كذلك روايات خلق النور، أو خلق نور النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته «عليهم السلام» لا تتعارض مع روايات أولية خلق القلم، فإن بعض الروايات قد صرحت بإرادة معان منها، تؤدي إلى التوافق بينها، فالقلم، و العقل، و النور قد فسرت أو طبقت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة «عليهم السلام» بصورة أو بأخرى.

و مع غض النظر عن ذلك كله، فإن وجود هذه الروايات يشير إلى أن المقصود بالأولية هو: الأولية النسبية. أي أنه بالنسبة لتقدير شؤون الخلق، فالمخلوق الأول هو القلم و لا غيره. .

كما أن المقصود بأولية خلق العقل هو أوليته بالنسبة للروحانيين.

قال المجلسي: «و قيل: أول المخلوقات النار. كما مر، و قد مر (في) بعض الأخبار: أن أول ما خلق اللّه النور، و في بعضها: نور النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و في بعضها: نوره مع أنوار الأئمة «عليه السلام» ، و في بعض الأخبار العامية عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أول ما خلق اللّه روحي، فيمكن أن يكون المراد بالجميع واحدا، و يكون خلق الأرواح قبل خلق الماء و سائر الأجسام، و تكون أولية الماء بالنسبة إلى العناصر و الأفلاك، فإن بعض الأخبار يدل على تقدم خلق الملائكة على خلق العناصر و الأفلاك كما مر، و دلت الأخبار الكثيرة على تقدم خلق أرواحهم و أنوارهم «عليهم

السلام» على كل شيء» (1).

3-وفد بني شيبان:
اشارة

عن قيلة بنت مخرمة العنبرية التميمية (2)قالت: قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع وفد شيبان، و هو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» متخشعا في الجلسة أرعدت من الفرق. فقال جليسه: يا رسول اللّه أرعدت المسكينة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -و لم ينظر إليّ و أنا عند ظهره-: «يا مسكينة عليك السكينة» .

فلما قالها أذهب اللّه ما كان أدخل قلبي من الرعب.

و تقدم صاحبي أول رجل فبايعه على الإسلام عليه و على قومه، ثم قال: يا رسول اللّه، اكتب بيننا و بين بني تميم بالدهناء، لا يجاوزنا إلينا منهم إلا مسافر أو مجاور.

فقال: «يا غلام، اكتب له بالدهناء» .

فلما رأيته أمر له بأن يكتب له بها شخص بي، و هي وطني و داري، فقلت: يا رسول اللّه، إنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدهناء عندك مقيد الجمل و مرعى الغنم، و نساء تميم و أبناؤها وراء ذلك.


1) البحار ج 54 ص 309.

2) أسد الغابة ج 5 ص 535 و الإصابة ج 4 ص 391 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 492، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 319، و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 108.

فقال: «أمسك يا غلام، صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء و الشجر، و يتعاونان على الفتان» (1).

فلما رأى حريث (بن حسان الشيباني وافد بكر بن وائل) أن قد حيل دون كتابه ضرب بإحدى يديه على الأخرى و قال: كنت أنا و أنت كما قيل: «حتفها تحمل ضأن بأظلافها» .

فقلت: أما و اللّه إن كنت لدليلا في الظلماء، جوادا بذي الرحل، عفيفا عن الرفيقة، حتى قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لكن لا تلمني على حظي إذ سألت حظك.

فقال: و ما حظك في الدهناء لا أبا لك؟

فقلت: مقيد جملي تسأله لجمل امرأتك.

فقال: لا جرم أني أشهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أني لك أخ ما حييت، إذ أثنيت هذا عليّ عنده.

فقلت: إذ بدأتها فلن أضيعها.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أيلام ابن ذه أن يفصل الخطة و ينتصر من وراء الحجرة» ، فبكيت ثم قلت: «و اللّه، كنت ولدته يا رسول اللّه حازما، فقاتل معك يوم الربذة، ثم ذهب يحيرني من خيبر فأصابته حماها و ترك علي النساء.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 348 و مجمع الزوائد ج 6 ص 11 و المجموع للنووي ج 15 ص 229 و نيل الأوطار ج 6 ص 59 و سنن أبي داود ج 2 ص 50 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 150 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 319 و الإصابة ج 8 ص 290.

فقال: «و الذي نفس محمد بيده لو لم تكوني مسكينة لجررناك اليوم على وجهك، أو لجررت على وجهك» شك عبد اللّه، «أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، فإذا حال بينه و بينه من هو أولى به منه استرجع» . ثم قال: «رب أنسني ما أمضيت، و أعني على ما أبقيت، و الذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد اللّه لا تعذبوا إخوانكم» .

و كتب لها في قطعة من أديم أحمر لقيلة و للنسوة بنات قيلة: «ألاّ يظلمن حقا، و لا يكرهن على منكح، و كل مؤمن مسلم لهن نصير، أحسنّ و لا تسئن» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 348 عن ابن سعد، و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 1 ق 2 ص 58، و ذكره الهيثمي في المجمع ج 6 ص 12-15. و قد نقل العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» هذا الكتاب أيضا في مكاتيب الرسول ج 3 ص 398 عن: كنز العمال ج 2 ص 287 و في (ط الهند) ج 4 ص 274(عن الطبراني في الكبير) و اللفظ له، و الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 58 و مجمع الزوائد ج 6 ص 12 و الإصابة ج 4 ص 393 و رسالات نبوية ص 246 و بلاغات النساء ص 127 و العقد الفريد ج 2 ص 47 و مدينة البلاغة ج 2 ص 346. و مجموعة الوثائق السياسية ص 256/142(عن الطبقات، و سنن أبي داود ج 19 ص 36 و العقد الفريد، و قال: قابل الإستيعاب ص 429، نساء 240، و معجم الصحابة لابن قانع (خطية) ورقة 31-ألف-ب و انظر كايتاني 9/91.

سبب إعطاء الكتاب لقيلة:

و قالوا: إن سبب إعطاء الكتاب لقيلة أنها كانت تحت حبيب بن أزهر، فولدت له ثلاث بنات، فتوفي عنها زوجها، فانتزع ابن أخي زوجها (عمرو بن أثوب بن أزهر) بناتها منها، فوفدت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تبتغي الصحبة، فلما أرادت السفر بكت جويرية منهن، و هي أصغرهن، فحملتها معها، فلما ركبت الطريق، فإذا أثوب يطلبها ليأخذ الجارية منها، فأخذها.

فسارت قيلة مع وافد بكر بن وائل إلى أن وردت المدينة، فكتب لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هذا الكتاب (1).

و نقول:

إن لنا مع هذه النصوص وقفات عديدة:

تشابه الأحداث:

إن ما ذكره آنفا عن قيلة بنت مخرمة يشبه إلى حد بعيد ما ذكروه في وفادة الحارث بن حسان-و قد ذكرنا هذه الوفادة في فصل «وفادات الأفراد» . بل الظاهر: أن هذه الوفادة هي نفس تلك، إذ كما كانت مشكلة الحارث بن حسان مع امرأة تميمية و هو بكري، و كانت المشكلة مع بني تميم، كذلك الحال بالنسبة لقيلة فإنها تميمية، و مشكلة حريث كانت مع بني


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 400 عن المصادر التالية: مجمع الزوائد ج 6 ص 9 و 10 و الإصابة ج 4 ص 393 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 58 و رسالات نبوية ص 246 و أسد الغابة ج 5 ص 535.

تميم أيضا و حريث أيضا بكري. .

و كما أن الحارث بن حسان قد حمل المرأة التميمية إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كانت منقطعا بها، فكذلك الحال بالنسبة لقيلة، فإن صاحبها هو الذي حملها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و إذا كان اسم الأول الحارث بن حسان، فإن اسم الآخر: حريث بن حسان أيضا، و كلاهما كان بكريا.

و كما أن الأول تأسف و ندم، و اعتبر نفسه مصداقا لمعزى تحمل حتفها. . كذلك فإن هذا الآخر تأسف و ندم لأنه فعل ذلك، و اعتبر نفسه كضأن تحمل حتفها بأظلافها.

و كان محور التنازع في تلك هو جعل الدهناء حاجزا لتميم و هذا نفسه هو محور التنازع هنا أيضا. .

فهما واقعة واحدة اشتبه الرواة في بعض عناصرها، و تطبيقاتها، ثم جاء جمّاعو الأحاديث فظنوا تعددها، و دونوها وفق هذا التصور؟ !

و ربما تكون الأغراض القبلية أو سواها وراء تنقل بعض الأحداث أو بعض الفضائل من شخص إلى شخص أو من موقع إلى موقع، وفق ما يتيسر لطلابها، و المستفيدين منها غير أننا لا نشك في أن الكلام في الموردين إنما هو عن واقعة واحدة اشتبه الأمر فيها على بعض قاصري النظر، فظن تعددها و لا شيء أكثر من ذلك. .

أرعدت من الفرق:

و قد ذكرت الرواية آنفا: أن قيلة بنت مخرمة قد أرعدت من الفرق لما

رأت النبي «صلى اللّه عليه و آله» جالسا متخشعا.

و نحن نشك في صحة ذلك، فإن تخشّع الرجل في جلسته لا يوجب الرعب لدى الآخرين، و لا يكون سببا في إصابتهم بالرعدة. . يضاف إلى ذلك: أن الناس و إن كانوا يهابون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . لكنها هيبة الإكرام و الإحترام، و المحبة، و الإكبار، و لم يكونوا يخافون منه إلى حد الرعب، و إصابتهم بالرعدة من الفرق. . فهو «صلى اللّه عليه و آله» كان بين أصحابه، بحيث إن الرجل كان يدخل على المسلمين فلا يميز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غيره و يسأل أيكم محمد؟ (1)أو أيكم رسول اللّه؟ (2)

الطعن في النبوة:

و قد تضمنت الرواية السابقة طعنا في النبوة:

أولا: لأنها تنسب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» التسرع في اتخاذ القرار،


1) الثاقب في المناقب للطوسي ص 316 و البحار ج 41 ص 230 و ج 43 ص 334 و ج 91 ص 5 و مسند احمد ج 3 ص 168 و ج 5 ص 64 و صحيح البخاري ج 1 ص 23 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 449 و سنن أبي داود ج 1 ص 117 و سنن النسائي ج 4 ص 122 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 444 و عمدة القاري ج 1 ص 267 و ج 2 ص 19 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 62 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 171 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 63.

2) مسند احمد ج 3 ص 168 و ج 5 ص 64 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 444 و عمدة القاري ج 1 ص 267 و ج 2 ص 19 و تفسير ابن كثير ج 3 ص 383 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 44 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 517 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 288 و تهذيب الكمال ج 19 ص 270.

دون التثبت من أصحاب العلاقة، و استيضاح الأمر. .

ثانيا: إنها تنسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخطأ ثم التراجع عنه.

ثالثا: إنها تصرح بصدق المرأة، و صحة رأيها الذي جاء على خلاف رأيه «صلى اللّه عليه و آله» ، ربما لتصدق مقولة عمر: «امرأة أصابت و رجل أخطأ» .

رابعا: إن كلام حريث بن حسان قد تضمن ما يدل على أنه يريد أن يحرم تميما من الدهناء، و هي مرعى غنمها، و مقيل جمالها، و يريد أيضا أن يقيد حريتها في التحرك، و يحجزها عن بني بكر، مع أن العدل قد يقضي بعكس ذلك، أو على الأقل أن يجعل الدهناء نصفين، فلما ذا يعطي البكريين مواضع يكون التميميون أحق بها؟ ! و لماذا لم يلتفت النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن حسانا لم يكن عادلا حين لم يطلب منه السوية في الأرض؟ ! بل طلب أن يعطيه وطن غيره و داره، مع أن كل أحد يدرك أن هذا الطلب غير منصف.

لو لم تكوني مسكينة:

و أما بالنسبة لتهديد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لقيلة بأنها لو لم تكن مسكينة لجروّها على وجهها، فهو أعجب و أغرب. .

أولا: لأنها لم ترتكب ذنبا تستحق العقوبة عليه، بل غاية ما صدر منها هو أنها تحسرت على ابنها الذي قاتل معه يوم الربذة، ثم ضربته الحمى، فقتلته، و ترك النساء عبئا عليها. و ليس في هذا الكلام أي غضاضة، أو جرأة أو اعتراض على مقام العزة الإلهية، و لم يظهر منها أنها تأبى عن

الاسترجاع، بل فيه تذمر من ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها.

ثانيا: لنفترض أن هذا الكلام تضمن اعتراضا على اللّه الذي أمات ولدها و ترك عليها البنات، فهل يكون الجر على الوجه من جملة العقوبات التي جاءت بها الشريعة؟ !

ثالثا: لم نعرف ما قصدته من يوم الربذة الذي قاتل فيه المسلمون مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كان ابنها معهم. .

رابعا: هل الفقر يعفي الإنسان من العقوبة على ما يصدر منه من مظالم و مآثم؟ ! فإن يكن الجواب بنعم، فلما ذا إذن كان «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك كل من جاء بعده لا يفرقون في عقوباتهم بين مسكين و غيره؟ . . و إن كان الجواب بلا، فلما ذا أعفى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قيلة من العقوبة هنا؟

4-وفد الأشعريين:
اشارة

عن معمر قال: بلغني أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان جالسا في أصحابه يوما، فقال: «اللهم انج أصحاب السفينة» . ثم مكث ساعة فقال: «استمدت» .

فلما دنوا من المدينة قال: «قد جاؤوا يقودهم رجل صالح» .

قال: «و الذين كانوا معه في السفينة الأشعريون، و الذين قادهم عمرو بن الحمق الخزاعي» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من أين جئتم» ؟

قالوا: من زبيد.

قال: «بارك اللّه في زبيد» .

قالوا: و في زمع.

قال: «و بارك اللّه في زبيد» .

قالوا: و في زمع.

قال في الثالثة: «و في زمع» (1).

و رووا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» .

فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري، فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون يقولون:

غدا نلقى الأحبةمحمدا و حزبه (2)


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 273 و في هامشه عن عبد الرزاق (19890) و المصنف للصنعاني ج 11 ص 54 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 496 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 106.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 273 عن ابن سعد، و أحمد، و البيهقي، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 164 عن أحمد و غيره، و مسند احمد ج 3 ص 105 و فضائل الصحابة للنسائي ص 73 و منتخب مسند عبد بن حميد لابن نصر الكسي ص 413 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 93 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 454 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 165 و كتاب الأوائل للطبراني ص 41 و تفسير السلمي ج 1 ص 63 و تفسير البحر المحيط ج 1 ص 342 و 478 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 348 و ج 4 ص 106 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 475 و تهذيب الكمال ج 15 ص 450 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 141.

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة، و ألين قلوبا، الإيمان يمان، و الحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، و الفخر و الخيلاء في الفدادين من أهل الوبر» (1).

و عن جبير بن مطعم قال: كنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب، و هم خيار من في الأرض» .

فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول اللّه؟

فسكت.

ثم قال: إلا نحن يا رسول اللّه؟

(و في الثالثة قال:) فقال: «إلا أنتم كلمة ضعيفة» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 274 عن البخاري، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 5 ص 219، و أحمد في المسند ج 2 ص 235 و 474، و الطبراني في الكبير ج 2 ص 134، و البيهقي في السنن ج 1 ص 386، و الخطيب في التاريخ ج 11 ص 377، و سنن الدارمي ج 1 ص 37 و صحيح مسلم ج 1 ص 51 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 386 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 524 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 23 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 286 و المعجم الأوسط للطبراني ج 4 ص 130 و مسند الشاميين للطبراني ج 4 ص 172. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 165.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 274 و في هامشه عن: دلائل النبوة ج 5 ص 353 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 164 عن أحمد، و البزار، و الطبراني و راجع: مسند أبي داود الطيالسي ص 127 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 310.

زاد محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قوله: و لما لقوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسلموا و بايعوا.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك» (1).

قال الزرقاني: و لا إشكال، لأن المراد في أرضهم (2).

و نقول:

لا مجال لقبول هذه المدائح لقوم لم يقدموا شيئا للإسلام، فهي من موضوعات محبيهم لسبب أو لآخر. .

ثم إن مجيء الأشعريين مع أبي موسى كان عند فتح خيبر سنة سبع، و قد تقدم ذكر ذلك في غزوة خيبر، غير أننا نذكر هنا ما لم نتعرض له هناك، فنقول:

هل الأشعريون أفضل أهل الأرض؟ ! :

زعمت الرواية المتقدمة: أن أهل اليمن، أو الأشعريين هم خيار أهل الأرض، و قد سكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين سأله الأنصاري أن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 274 عن زاد المعاد، و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 1 ق 2 ص 79، و ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (33975) . و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 164 و 165 و الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 475.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 164 و 165.

يستثني الصحابة أو الأنصار، ثم استثناهم بعد الإصرار عليه بكلمة ضعيفة، مع أن من المقطوع به أن في صحابته «صلى اللّه عليه و آله» من هو أفضل من جميع الأشعريين، مثل: سلمان، و عمار، و المقداد و كثير من غيرهم.

و قد حاول الزرقاني أن يجيب عن ذلك فقال: «و أما سكوته مرتين عن استثناء الأنصار مع أن فيهم من هو أفضل قطعا، لأن فيهم من هو من أهل بدر و بيعة الرضوان، فلعله لئلا يغتروا أو يتكلوا على التفضيل. و لذا قال بعد الثالثة كلمة ضعيفة الخ. .» (1).

و نقول:

أولا: إن هذا لا يبرر أن يغمط الناس حقهم، و تنسب فضائلهم إلى غيرهم.

ثانيا: إذا كان ذلك يضر بحال الأنصار و المهاجرين فهو يضر أيضا بحال اهل اليمن و الأشعريين، إذ قد يتكلون على هذا التفضيل أيضا.

الإيمان و الحكمة يمانيان:

و قد يقال: لا مجال لقبول وصف هؤلاء القادمين بأنهم هم أهل الإيمان و الحكمة، و كأن غيرهم لا يدانيهم في هذين الأمرين، بل لا مجال لقبوله حتى لو كان المراد به أن موطن الإيمان و الحكمة اليمن، و ليس كذلك غيرها من البلاد و العباد.


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 165.

و نقول:

إن هذا الكلام صحيح في نفسه إن كان المقصود باليمن هو تلك البلاد المعروفة البعيدة عن مكة و المدينة. .

و لا يصلحه ما زعمه الزرقاني من أن هذا الكلام لا مفهوم له (1)، لأنه هو نفسه قد زعم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، وصف أبا عبيدة بالأمانة، و وصف غيره بأوصاف أخرى و هذا يفيد: أن له تميزا و خصوصية في الأمر الذي وصفه به (2).

و الصحيح هو: أن المقصود باليمن في كلامه «صلى اللّه عليه و آله» ما يشمل مكة، إن لم نقل جميع بلاد العرب. .

بيان ذلك:

أولا: قال ابن الأثير: «الإيمان يمان، و الحكمة يمانية» . إنما قال ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة، و هي من تهامة من أرض اليمن، و لهذا يقال: «الكعبة اليمانية» (3).

و لا ينافي ذلك قوله لعيينة بن حصن حين كان يعرض الخيل: «لولا الهجرة لكنت أمرءا من أهل اليمن» (4). إذ يمكن أن يكون المقصود لو لا أني


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 166.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص.

3) النهاية في اللغة ج 5 ص 300 و البحار ج 22 ص 137 و ج 34 ص 451 و ج 57 ص 233 و عمدة القاري ج 15 ص 192 و ج 16 ص 283 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 5 ص 300 و مجمع البحرين للطريحي ج 4 ص 583.

4) البحار ج 22 ص 136 و ج 57 ص 232 و 233 و الكافي ج 8 ص 69-70.

هجرت مكة لكنت اليوم من أهل اليمن. أو لو لا أن الهجرة أشرف لعددت نفسي من اليمن، و يؤيده قوله في حنين: «لو لا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار» (1).

ثانيا: قيل: أنه قال هذا القول و هو بتبوك، و مكة و المدينة يومئذ بينه و بين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن و هو يريد مكة و المدينة» (2).

ثالثا: قيل: أراد بهذا القول الأنصار، لأنهم يمانيون، و هم من نصروا الإيمان و المؤمنين فآووهم، فنسب الإيمان إليهم (3).

رابعا: قال الجوهري: «اليمن بلاد العرب» (4).

خامسا: و ما يزيل كل شبهة و ريب هنا أن الذي روي في كتاب جعفر بن محمد بن شريح، هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لعيبينة بن حصن، حين كان يعرض الخيل: «كذبت، إن خير الرجال أهل اليمن، و الإيمان يمان


1) البحار ج 22 ص 137 و ج 57 ص 233 و فتح الباري ج 7 ص 86 و أضواء البيان للشنقيطي ج 8 ص 44.

2) النهاية ج 5 ص 300 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 32 و عمدة القاري ج 16 ص 72 و ج 20 ص 294 و الديباج على مسلم للسيوطي ج 1 ص 67 و تحفة الأحوذي ج 6 ص 423 و غريب الحديث لابن سلام ج 2 ص 162.

3) النهاية ج 5 ص 300 و البحار ج 22 ص 137 و ج 57 ص 233 و فيض القدير للمناوي ج 3 ص 242 و الديباج على مسلم للسيوطي ج 1 ص 67 و عمدة القاري ج 20 ص 294 و شرح أصول الكافي للمازندراني ج 11 ص 428.

4) البحار ج 22 ص 137 و ج 57 ص 233 و عمدة القاري ج 1 ص 254 و ج 2 ص 168.

و أنا يماني» (1).

الأشعريون و الإعتقادات:

قالوا: و قدم نافع بن زيد الحميري وافدا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفر من حمير، فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين، و نسأل عن أول هذا الأمر.

قال: «كان اللّه ليس شيء غيره، و كان عرشه على الماء، ثم خلق القلم، فقال له: أكتب ما هو كائن، ثم خلق السماوات و الأرض و ما فيهن، و استوى على عرشه» (2).

و قد كان قدوم وفد حمير في سنة تسع، و لهذا اجتمعوا مع بني تميم (3)، فيدل هذا:

أولا: على أن الحميريين هم الذين سألوا عن أول هذا الأمر، فلا يصح قولهم: إن السؤال عن ذلك كان من الأشعريين، حتى لقد «استنبط بعضهم من سؤال الأشعريين عن هذه القصة «أن الكلام في أصول الدين، و حدوث العالم مستمر لذريتهم، حتى ظهر ذلك في أبي الحسن الأشعري» (4)


1) البحار ج 57 ص 232 و الأصول الستة عشر ص 81.

2) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 163 و 164 عن كتاب الصحابة لابن شاهين، و أسد الغابة ج 5 ص 9، و الإصابة ج 6 ص 320، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 415.

3) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 164، و فتح الباري ج 8 ص 76.

4) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 167 و 168، و فتح الباري ج 6 ص 207.

و لكن قد ذكرنا بعض الكلام المهم حول حديث كتابة القلم لما كان و ما يكون إلى يوم القيامة في موضع آخر من الكتاب، فراجع (وفود نافع بن زيد الحميري) .

و قلنا هناك: إن من التزم بعقيدة الجبر الإلهي إنما استند في ذلك إلى حديث القلم و نظائره.

فظهر من ذلك:

1-أن ما زعمه من أن الكلام في العقائد مستمر في ذرية الأشعريين لا يصح، لأن هذا الكلام لم يثبت أنه صدر من الأشعريين.

2-قد تقدم: أن الكثيرين قد سألوا عن أول هذا الأمر، و عن كثير من الأمور العقائدية، و كانوا يريدون التفقه في الدين، فراجع.

ثانيا: إن أبا الحسن الأشعري قد حاول أن يتستر على عقيدة الجبر التي أراد الجبريون تأييدها بحديث القلم و نظائره، فلجأ إلى التمويه و التعمية، فجاء بنظرية لا تسمن و لا تغني من جوع، و هي نظرية الكسب التي اقتصر دورها على كونها قد صعّبت فهم الجبر على السذج و البسطاء من الناس.

قال ابن روزبهان: «مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري: أن أفعال العباد الإختيارية مخلوقة للّه تعالى، مكسوبة للعبد. و المراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته و إرادته، من غير أن يكون هناك تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له» (1).

فوجود قدرة العبد مقارنة لفعل اللّه و خلقه للفعل كعدمها، فهي كالحجر


1) دلائل الصدق ج 1 ص 328.

في جنب الإنسان. و الفاعل الحقيقي للطاعات و المعاصي عند هؤلاء هو اللّه وحده. و ليس للإنسان في ذلك أي دور. . و هذا القول باطل بلا ريب فراجع كتاب دلائل الصدق و غيره من الكتب العقائدية و الكلامية.

عمرو بن الحمق قائد الأشعريين:

و قالوا: إن عمرو بن الحمق الخزاعي كان قد هاجر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد الحديبية (1).

و تقدم: أنه هو الذي قاد وفد الأشعريين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و هذا يلقي ظلالا من الشك على الروايات الأخرى التي تجاهلت ذكر هذا الشهيد السعيد، الذي وصفه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالصلاح، و تعمدت ذكر أبي موسى الأشعري، و التنويه به، رغم أنه كان الأصغر سنا و ربما شأنا في ذلك الوفد الكبير (2).


1) راجع: الإصابة ج 2 ص 533 و ج 4 ص 514، و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1173524، و أسد الغابة ج 4 ص 100، و فيض القدير ج 1 ص 372.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 135 عن عدد من المصادر و قد ذكرنا شطرا منها في غزوة خيبر، و ذخائر العقبى ص 213 و صحيح البخاري ج 4 ص 55 و ج 5 ص 79 و فتح الباري ج 7 ص 371 و عمدة القاري ج 15 ص 60 و ج 17 ص 251 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 113 و تاريخ مدينة دمشق ج 32 ص 31 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 383 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 430 و البداية و النهاية ج 4 ص 233 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 389.

و ذنب عمرو بن الحمق الذي استحق به هذا التجاهل أمران:

أحدهما: أنه كان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» وليا.

و الآخر: أنه كان معاديا للنهج الأموي المعادي للإسلام و أهله، و يوضح ذلك: أنه كان لعلي «عليه السلام» كما كان سلمان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)، و كان من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و كان من حوارييه و أصفيائه (2).

و قد قال لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، في كلام له: «أولى الناس بالناس، و زوج فاطمة سيدة نساء العالمين، و أبو الذرية التي هي بقية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أعظم سهما في الإسلام من المهاجرين و الأنصار.

و اللّه، لو كلفتني نقل الجبال الرواسي، و نزح البحور الطوامي أبدا حتى يأتي عليّ يومي، و في يدي سيفي أهز عدوك، و أقوي به وليك، و يعلو (و يعلي) اللّه به كعبك، و يفلج به حجتك، ما ظننت أني أديت من حقك كل الذي يجب لك علي» .

فقال «عليه السلام» : «اللهم نور قلبه، و اهده إلى الصراط المستقيم، ليت أن في شيعتي مائة مثلك» (3).


1) البحار ج 34 ص 274 و الإختصاص ص 7 و 14 و قاموس الرجال ج 8 ص 82 و شجرة طوبى ج 1 ص 81 و معجم رجال الحديث ج 14 ص 99 و الإختصاص للمفيد ص 7.

2) رجال الكشي ص 9 و 38.

3) قاموس الرجال ج 8 ص 82 و 83 عن صفين للمنقري ص 103 و البحار ج 34 ص 276.

و جاء في رسالة أرسلها الإمام الحسين «عليه السلام» إلى معاوية قوله: «أ و لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، و اصفر لونه، بعدما آمنته و أعطيته من عهود اللّه و مواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك، و استخفافا بذلك العهد» (1).

و كان رأسه أول رأس حمل في الإسلام (2).

و كان معاوية قد حبس زوجة عمرو بن الحمق زمانا، فلما جيء برأس زوجها أرسله إليها فألقي في حجرها، فارتاعت (3).


1) قاموس الرجال ج 8 ص 87 عن رجال الكشي ص 47-52 و عن الإمامة و السياسة ج 1 ص 180 و الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 20 و البحار ج 44 ص 213 و إختيار معرفة الرجال للطوسي ج 1 ص 253 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 533 و صلح الحسن «عليه السلام» للسيد شرف الدين ص 345.

2) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 524 و أسد الغابة ج 4 ص 101 و شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج 2 ص 32 و البحار الأنوار ج 34 ص 301 و ج 41 ص 342 و الغدير ج 11 ص 41 و كتاب الأوائل للطبراني ص 107 و الإستيعاب ج 3 ص 1174 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 290 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 25 و الثقات لابن حبان ج 3 ص 275 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 40 و أسد الغابة ج 4 ص 101 و بلاغات النساء لابن طيفور ص 59 و الكامل في التاريخ ج 4 ص 83.

3) أسد الغابة ج 4 ص 101 و بلاغات النساء ص 59 و الإختصاص ص 17 و أعيان الشيعة ج 2 ص 95 و راجع: الأعلام للزركلي ج 1 ص 26.

و كان معاوية قد أمر بأن يطعنوه تسع طعنات كما طعن عثمان، ففعل به ذلك، فمات في الأولى منهن أو الثانية (1).

و هو أحد الأربعة الذين دخلوا الدار على عثمان (2)، و وثب فجلس على صدره، و به رمق فطعنه تسع طعنات، و قال: أما ثلاث منهن، فإني طعنتهن إياه للّه، و أما ست فأني طعنتهن إياه لما كان في صدري عليه (3)، و صار من شيعة علي، و شهد معه مشاهده كلها (4).

دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله لزبيد:

و قد زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا لزبيد بالبركة، و لكنه لم يرض بالدعاء لزمع رغم إصرارهم عليه حتى راجعوه ثلاث مرات. .

و نحن نشك في صحة أمثال هذه الأقاويل، فإن زبيدا لم تسلم إلا بعد


1) الكامل في التاريخ ج 3 ص 477 و قاموس الرجال ج 8 ص 89 و 90 و الغدير ج 11 ص 41 و تاريخ الطبري ج 4 ص 197 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 477.

2) أسد الغابة ج 4 ص 100 و الغدير ج 9 ص 46 و الإستيعاب ج 3 ص 1174 و البداية و النهاية ج 8 ص 52.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 394 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 179 و الغدير ج 9 ص 207 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 158 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 74 و تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 409 و تاريخ الطبري ج 3 ص 424 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 179 و البداية و النهاية ج 7 ص 207.

4) أسد الغابة ج 4 ص 100 و المعارف لابن قتيبة ص 291 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 462 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة للسيد على خان المدنى ص 432 و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 88 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 462.

قتال، و قتل و أسر، و بغض النظر عن ذلك، فإنهم كانوا كغيرهم من الناس، و لم يظهر لهم أي تميز في الإلتزام بالشرع و بالعمل على حفظ هذا الدين و الدفاع عنه، فضلا عن حمل علومه، و الدعوة إليه و نشره.

فهل يصح الثناء على قوم، و الدعاء لهم، من دون أن يقدموا أي شيء يبرر ذلك؟ !

و أما زمع فلما ذا و بماذا استحقوا هذا الجفاء، و امتناع النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن الدعاء لهم بالبركة؟ !

و لماذا يثير «صلى اللّه عليه و آله» حولهم علامات استفهام؟ ! و ما هو المبرر لفضحهم بين الناس؟ و هم لم يعملوا شيئا بعد. . و لماذا؟ ! و لماذا؟ !

5-وفود بني حنيفة و مسيلمة الكذاب:
اشارة

و في سنة عشر (1)، أو في سنة تسع (2)، و قيل: في سنة ست أو سبع (3)، قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفد بني حنيفة (و هي قبيلة تسكن في اليمامة بين مكة و اليمن) فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب، و كان منزلهم في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، هي رملة بنت الحدث بن ثعلبة بن


1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 298 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 146 و تاريخ ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 56.

2) راجع: فتح الباري ج 8 ص 68 و عمدة القاري ج 16 ص 151 و التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 239 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 298 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 99.

3) فتوح البلدان للبلاذري ص 118.

الحارث بن زيد، زوجة معاذ بن عفراء.

فأتوا بمسيلمة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يستر بالثياب- تعظيما له-و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس مع أصحابه، في يده عسيب من سعف النخل، فلما انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كلمه مسيلمة و سأله (أن يجعل له الأمر من بعده) .

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتكه» (1).

قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة أن حديثه كان على غير هذا، زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و خلّفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا و ركابنا، يحفظها لنا.

فأمر له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمثل ما أمر للقوم، و قال: «أما إنه ليس بشركم مكانا» (2). يعني حفظه ضيعة أصحابه و هي حوائجهم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 326 عن زاد المعاد، عن ابن إسحاق، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 330 و ابن كثير في البداية ج 5 ص 50، و تاريخ الطبري ج 2 ص 393 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 683 و البداية و النهاية ج 5 ص 61 و ج 6 ص 223 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 998 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 283 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 96 و السيرة الحلبية ج 3 ص 254 و الدرر ص 254. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 146 و 147.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 326 و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 331 و ابن كثير في البداية ج 5 ص 52، و عمدة القاري ج 16 ص 151 و الدرر ص 254 و تاريخ الطبري ج 2 ص 393 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 229 و عيون الأثر ج 2 ص 283 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 96 و السيرة الحلبية ج 3 ص 254. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 147.

و ظهرهم. (و ذلك الذي يريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»).

قال: ثم انصرفوا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جاؤوا بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتد عدو اللّه، و تنبأ و قال: إني قد أشركت في الأمر معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: «أما إنه ليس بشركم مكانا» ؟ و ما ذاك إلاّ لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه.

ثم جعل يسجع فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن. لقد أنعم اللّه على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا (1).

و وضع عنهم الصلاة، و أحل لهم الخمر و الزنا (2)، و هو مع ذلك يشهد


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 326 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 148 و الدرر ص 254 و تفسير ابن كثير ج 2 ص 425 و تاريخ الطبري ج 2 ص 394 و 499 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 683 و البداية و النهاية ج 5 ص 61 و ج 6 ص 353 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 999 و عيون الأثر ج 2 ص 284 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 97 و السيرة الحلبية ج 3 ص 255 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 356 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 242.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 386 عن المصادر التالية: زاد المعاد ج 3 ص 31 و السيرة الحلبية ج 3 ص 253 و السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 22 و البداية و النهاية ج 5 ص 51 و 52 و العقد الفريد ج 2 ص 66 و البيان و التبيين ج 1 ص 359 متنا و هامشا، و المفصل ج 8 ص 755-759 و ج 7 ص 296 و ج 6 ص 92 و المنتظم ج 4 ص 21 و 22، و السيرة الحلبية ج 3 ص 255.

لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه نبي، فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك.

قال ابن إسحاق: و قد كان كتب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه: أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، و إن لنا نصف الأمر، و ليس قريش قوما يعدلون» . فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب. فكتب إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين» (1). و كان ذلك في آخر سنة عشر.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 326 و قال في هامشه: ذكره ابن كثير في البداية و النهاية ج 6 ص 384. و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 151 و 152 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 383 و 384 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 400 و في (ط أخرى) ج 3 ص 146 و فتوح البلدان للبلاذري ص 97 و في (ط أخرى) ص 120 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 273 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 26 و المفصل ج 8 ص 757 و الكشاف ج 1 ص 645 في تفسير الآية ص 54 و تفسير النيسابوري (بهامش الطبري) ج 6 ص 163 و تفسير الرازي ج 12 ص 19 و سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإسحاق بن محمد همداني قاضي أبرقوه ص 1059 و مجمع الزوائد ج 5 ص 315 عن الطبراني، و كنز العمال ج 17 ص 161 و 563 و في (ط أخرى) ج 1 ص 273 و الكافي ج 2 ص 115 و في (ط أخرى) ص 300 و نهاية الإرب للقلقشندي ص 226 و البداية و النهاية ج 5 ص 51 و ج 6 ص 200 و 341 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 109 و في (ط أخرى) ص 120 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 272 و في (ط أخرى) ص 247 و السيرة الحلبية ج 3 ص 253 و إعلام السائلين ص 36 و المحاسن و المساوي للبيهقي ص 33 و في (ط أخرى) ج 1 ص 49 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 839 و في (ط أخرى) ج 2 ق 2 ص 58 و تاريخ الخميس ج 2 ص 157 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 22 و فتوح البلدان لدحلان ص 14 و رسالات نبوية ص 260/94 و البدء و التأريخ ج 5 ص 95 و صبح الأعشى ج 6 ص 381 و في (ط أرى) ص 367 و البحار ج 21 ص 412 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 67 و زاد المعاد ج 3 ص 31 و المفصل ج 6 ص 91 و مدينة البلاغة ج 2 ص 264 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 572 و راجع: الجمهرة لهشام الكلبي ص 154 و المنتظم ج 4 ص 22 و المصباح المضيء ج 2 ص 347 و الوثائق السياسية ص 305/206 عن جمع ممن تقدم، و عن إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 508 و 509 و قال: قابل طبقات ابن سعد ج 1 ق 2 ص 25 و معجم الصحابة لابن قانع (خطية) ورقة 182-ألف، و تاريخ الردة من الإكتفاء للكلاعي (ط الهند) ص 58 و انظر كابتاني ج 10 ص 69 و اشپرنكر (التعليقة الأولى) ج 3 ص 306 و راجع أيضا ص 721 عن تاريخ المدينة لابن شبة.

و عن نعيم بن مسعود قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: «و أنتما تقولان بمثل ما يقول» ؟

قالا: نعم.

فقال: «أما و اللّه لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» (1).

عن عبد اللّه (بن مسعود)قال: جاء ابن النواحة، و ابن أثال رسولين لمسيلمة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لهما: «تشهدان أني رسول اللّه» ؟

فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول اللّه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «آمنت باللّه و رسوله، و لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327 عن ابن إسحاق، و في هامشه عن: أبي داود (165) ، و البيهقي ج 9 ص 211، و كنز العمال (14779) ، و البداية و النهاية ج 5 ص 51. و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 152 و نيل الأوطار ج 8 ص 182 و مسند احمد ج 3 ص 488 و سنن أبي داود ج 1 ص 628 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 143 و ج 3 ص 52 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 211 و مجمع الزوائد ج 5 ص 315 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 24 و شرح معاني الآثار لابن سلمة ج 3 ص 318 و كنز العمال ج 6 ص 45 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 360 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 77 و تهذيب الكمال ج 29 ص 493 و تاريخ الطبري ج 2 ص 400 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 686 و البداية و النهاية ج 5 ص 62 و راجع: تفسير ابن كثير ج 2 ص 350 و الإصابة ج 6 ص 363 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 161 و أسد الغابة ج 5 ص 34.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327 عن ابي داود، و الطيالسي في مسنده، و عن مسند أحمد ج 1 ص 391 و 396 و 404 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 152 و المجموع للنووي ج 14 ص 42 و ج 19 ص 296 و نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 181 و مسند احمد ج 1 ص 396 و عون المعبود للعظيم آبادي ج 7 ص 315 و مسند أبي داود الطيالسي ص 34 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 685 و البداية و النهاية ج 5 ص 62 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 98 و راجع: تذكرة الفقهاء (ط. ج) للعلامة الحلي ج 9 ص 68 و سنن الدارمي ج 2 ص 235 و مجمع الزوائد ج 5 ص 314 و مسند أبي يعلى ج 9 ص 31 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 123.

قال عبد اللّه (بن مسعود): «فمضت السنّة بأن الرسل لا تقتل» (1).

و عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب بالنار، و كنّا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه ألقينا ذلك و أخذناه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به، و كنا إذا دخل رجب قلنا: جاء منصّل الأسنة، فلا ندع سهما فيه حديدة و لا حديدة في رمح إلا نزعناها و ألقيناها (2).

و عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، و قدمها في بشر كثير من قومه، (قال الواقدي: عدد من كان معه سبعة عشر


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 152 و مسند أبي داود الطيالسي ص 34 و البداية و النهاية ج 5 ص 62 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 98.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327 عن البخاري ج 6 ص 4(4376) و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 685 و البداية و النهاية ج 2 ص 237 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 62.

نفسا) (1).

فأقبل إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه ثابت بن قيس بن شماس، و في يد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، و لن تعدو أمر اللّه فيك. و لئن أدبرت ليعقرنك اللّه، و إني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، و هذا ثابت بن قيس يجيبك عني» (2). ثم انصرف عنه.

قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إنك أرى الذي أريت فيك ما رأيت» ، فأخبرني أبو هريرة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام: أن انفخهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 152 و صحيح البخاري ج 4 ص 182.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327 عن الصحيحين، و في هامشه عن البخاري ج 5 ص 54(3621) و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 152 و 153 عن البخاري في علامات النبوة، و في المغازي، و عن مسلم في الرؤيا. و فتح الباري ج 8 ص 70 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 684 و صحيح البخاري ج 4 ص 182 و ج 5 ص 118 و صحيح مسلم ج 7 ص 57 و عمدة القاري ج 16 ص 151 و جزء مؤمل لابن إيهاب الرملي ص 125 و المعجم الكبير للطبراني ج 10 ص 308 و دلائل النبوة للأصبهاني ج 3 ص 829 و دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابن الجوزي ص 30 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 1 ص 443 و تاريخ المدينة ج 2 ص 573 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 532 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327.

بعدي، أحدهما: العنسي صاحب صنعاء، و الآخر: مسيلمة صاحب اليمامة» (1).

و من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب، فكبرا عليّ، فأوحي إلي أن أنفخهما فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء، و صاحب اليمامة (2).

و صاحب صنعاء هو الأسود العنسي و هو عيهلة صاحب صنعاء، و قتله فيروز الديلمي في مرض موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قبل وفاته


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327 و قال: هذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم. و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 5 ص 216 و مسلم (1781) و كنز العمال (38361) و البداية و النهاية ج 5 ص 49 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 153-158 و فتح الباري ج 8 ص 70 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 684 و صحيح مسلم ج 7 ص 57 و عمدة القاري ج 16 ص 151 و جزء مؤمل لابن إيهاب الرملي ص 125 و المعجم الكبير للطبراني ج 10 ص 308 و دلائل النبوة للأصبهاني ج 3 ص 829 و دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابن الجوزي ص 30 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 1 ص 443 و تاريخ المدينة ج 2 ص 573 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 532 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 327.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 328 عن الصحيحين و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 153-158. و مسند احمد ج 2 ص 319 و صحيح البخاري ج 5 ص 119 و صحيح مسلم ج 7 ص 58 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 175 و عمدة القاري ج 18 ص 24 و صحيفة همام بن منبه ص 44.

«صلى اللّه عليه و آله» بيوم و ليلة، فأتاه الوحي، فأخبر أصحابه بذلك.

و أما مسيلمة فقد ادّعى النبوة في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و شهد له الرحال الحنفي زورا بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد شرّكه معه في النبوة.

و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رأى الرحال مع فرات بن حيان و أبي هريرة، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «ضرس أحدكم في النار مثل أحد» . فما زالا خائفين حتى ارتد الرحال، و آمن بمسيلمة، و شهد له زورا كما أسلفنا.

ثم أرسل أبو بكر جيشا إلى مسيلمة فقتل هو و جميع أصحابه (1).

هل رأى مسيلمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال الزرقاني: إن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحاق في كون مسيلمة لم يجتمع بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» بل بقي في الرحال، مع الحديث الذي يقول: بأنه اجتمع به، و قد قال له «صلى اللّه عليه و آله» : بأنه لو سأله السعفة التي في يده ما أعطاه إياها؟ !

فالجواب: أن الأخذ بالرواية الثانية أولى لصحة سندها، و قد وردت في صحيح البخاري. أما خبر ابن إسحاق فضعيف منقطع.

و يمكن الجمع بينهما بأن من المحتمل أن يكون قدم مرتين: إحداهما كان فيها تابعا، و الأخرى كان فيها رئيسا متبوعا. .


1) راجع فيما تقدم: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 155 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 1 ص 342.

و يرد على هذا الجمع: أن أمر مسيلمة كان أكبر من ان يكون تابعا، فقد كان يقال له منذ الجاهلية: رحمان اليمامة.

و يمكن أن يقال: إن إقامته في رحله كانت أنفة منه و استكبارا من أن يكون هو الساعي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و نقول:

لعل الأولى أن يقال: إنه لم يلق النبي «صلى اللّه عليه و آله» في بادئ الأمر، ثم لقيه بعد ذلك كما سنوضحه عن قريب إن شاء اللّه.

تعظيم مسيلمة خرافة:

ادعت الروايات المتقدمة: أن مسيلمة جاء مع وفد بني حنيفة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يستر بالثياب تعظيما له، و أنهم خلفوه في رحالهم (و زعم بعضهم: أنه استكبر عن السعي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله») .

و نحن لا نستطيع أن نؤكد صحة هذا الزعم:

فأولا: إن من يكون بهذه المكانة في قومه فالمتوقع هو أن يكتفي هو بإرسال الوفود، و لا يفد هو بنفسه.

ثانيا: لو كان بهذه المثابة، فإنهم لا يخلّفونه في رحالهم ليحفظها لهم، حسبما تقدم التصريح به. .

ثالثا: ما زعمه البعض من أنه تخلف في رحالهم، استكبارا عن السعي


1) المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 156 عن العسقلاني.

إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . لا يمكن قبوله، إذ لماذا لم يستكبر عن السعي من اليمامة (و هي بين مكة و اليمن) إلى المدينة، ثم يستكبر عن هذه الخطوات اليسيرة من موضع نزوله في المدينة إلى مسجدها؟ !

النبي صلّى اللّه عليه و آله يفضح نوايا مسيلمة:

و الذي نظنه هو أنه تخلف في بادئ الأمر عن الذهاب معهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لكي يتحاشى أن يكشف النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمره، بما أعطاه اللّه من علم الغيب، لكي يتمكن بعد ذلك من أن يتدبر الأمر مع الرحال الحنفي، ليشهد له زورا أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أشركه معه في النبوة (1).

من أجل ذلك نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ضيع الفرصة على مسيلمة، حيث إنه حينما أخبروه بأن أحدهم قد بقي في الرحال أمر له من العطاء بمثل ما أمر لهم. . و قال: «أما إنه ليس بشركم مكانا» .

أي أن وجوده في الرحال لا يجعله في موضع يوجب حرمانه من العطاء، ليكون وجودهم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» امتيازا لهم يخولهم أخذ العطاء دونه، فإن استحقاق العطاء و عدمه له موازين أخرى غير هذا، إذ هو يرتبط بالمعطي الذي يريد أن يعم عدله و فضله الجميع، و يريد أيضا أن يشجع الناس على الثبات على طريق الحق، و نبذ كل ما هو


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 155.

انحراف و شر، و تكون له الحجة عليهم، و لا يكون لأحد أية حجة عليه. .

كما أنه يرتبط فيما يظهره الآخذ من مواقف، و ما ينتهجه من سلوك يبرر إعطاءه، و لو في خصوص تلك البرهة التي نال فيها من العطاء ما نال.

أما بعد تلك البرهة، فإن الإنسان الذي استفاد من عطاء النبوة، و رأى من خلقها الرفيع ما رأى، و عرف من سيرتها و مبادئها، و شرائعها ما قامت به الحجة عليه، هو الذي يكون مسؤولا عما يصدر منه في ضوء هذا كله.

فاتضح أن كلمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن مسيلمة: «ليس بشركم مكانا» قد جاءت في السياق الصحيح و المؤثر، الذي يعطي الضابطة الحاسمة و الدقيقة في موضوع القيم، و في الأخلاق، ليصبح سبيلا لإقامة الحجة، و سطوع البرهان على الحق لمن أراد أن يستنير بنور الحق.

فما زعمه مسيلمة بعد رجوعه إلى اليمامة من أنه إشرك في النبوة معه استنادا إلى قوله «صلى اللّه عليه و آله» عنه: «ليس بشركم مكانا» مما لا ريب في بطلانه، فإن قول القائل: فلان ليس بشركم مكانا يغني: أنه مساو لكم، و قد أراد «صلى اللّه عليه و آله» أنكم لا تمتازون عنه في موضوع العطاء.

و ليس معناه: أنه شريك في النبوة أو في غيرها، و لا يشير إلى شيء من ذلك من قريب، و لا من بعيد.

مسيلمة يريد ولاية الأمر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و لا نريد أن ننأى بأنفسنا عن قبول الرواية التي تقول: إنهم جاؤوا بمسيلمة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يستر بالثياب، فسأله أن يجعل له الأمر من بعده، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لو سألتني هذا

العسيب الذي في يدي ما أعطيتكه» .

و هذا أقوى تصريح من شأنه أن يحصن الناس من خداع مسيلمة، فإنه بهذه الكلمة قد نفى إشراكه في النبوة، و نفى أهلية مسيلمة لأدنى شيء يمكن أن يخطر على قلب بشر، فإنه إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» المتصل بالغيب الإلهي، و أحلم الناس، و أكرمهم، و أرحمهم، و أحسنهم أخلاقا، و اكثرهم رفقا بالناس، و مراعاة لمشاعرهم-إذا كان-يجبه مسيلمة بهذه الحقيقة، فذلك يعني أن مسيلمة كان يستحق هذه الإهانة حين صدورها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه كان ينطوي على أمر عظيم، لا بد من فضحه فيه و يجب على النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعريه أمام الناس، و يكشف عن حقيقته، و يبين قيمته لكل أحد.

بل إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط لا يراه أهلا للعسيب، بل هو يرى أنه لا يجوز حتى أن يعطى ذلك العسيب، رغم أن الكريم قد يعطي من لا يستحق أيضا. .

و هذا يكشف لنا عن خبث عظيم يجعل من إعطاء العسيب له و لو تفضلا و كرما جريمة عظيمة، لا يمكن أن تصدر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

مسيلمة يستثير الغرائز و الأهواء:

و قد سار مسيلمة «لعنه اللّه» في خططه التفصيلية في ثلاثة اتجاهات:

الأول: تأييد دعواه بأكاذيب ينسبها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و شهادات يزورها عليه، و بذلك يكون قد حفظ لنفسه العنصر الغيبي الذي يخضع له الناس بصورة تلقائية. . فاستمر يشهد لرسول اللّه

«صلى اللّه عليه و آله» بالنبوة، و يزعم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أشركه معه فيها، و استشهد على ذلك الرحال الحنفي كما تقدم. .

و لم يأبه لتكذيب النبي «صلى اللّه عليه و آله» و جميع المسلمين لمزاعمه هذه. . ثم كتب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه أشرك في الأمر معه، و ليس قريش قوم يعدلون. . و قد تقدم ذلك. .

الثاني: إنه خاطب غرائز الناس، و استثار شهواتهم، و أرضى ميولهم حين وضع عنهم الصلاة، التي يراها أهل الدنيا عبئا ثقيلا، يودون التخلص منه، ثم هو قد أباح لهم الزنا و شرب الخمر، و ذلك يرضي غرائزهم، و يتناغم مع شهواتهم و أهوائهم التي تريد التفلت من كل قيد في مثل هذه المجالات. .

الثالث: إنه استفاد من بعض الألاعيب التي كان الناس يجهلون رمزها و سرها، لكي يوهمهم بأنه قادر على اجتراح المعجزات، مثل وضعه البيضة في الكلس مدة حتى تلين، و يسهل التصرف فيها، ثم يدخلها في زجاجة و يتركها لتعود إلى حالتها الأولى، ثم يريهم إياها، فيثير ذلك عجبهم، فإن عنق الزجاجة ضيق، و لا يمكن أن تمر فيه البيضة من دون أن تنكسر. . فيتأكد لديهم الشعور بأن لديه قدرات خارقة، و يتوهمون أن ذلك من دلائل صحة ما يدعيه. .

مفارقة مثيرة:

و إننا في حين نرى مسيلمة يقر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بالنبوة، و يدّعي لنفسه الشراكة معه، و يكتب له: ان الأمر بينه و بينه، و لكن قريشا

قوم لا يعدلون. .

نرى أن رسولي مسيلمة اللذين جاءا إليه-على الظاهر-بنفس هذا الكتاب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يرضيا بالإقرار و الشهادة بالنبوة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

الأرض للّه يورثها من يشاء:

و عن جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» على رسالة مسيلمة نقول:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سلّم على من اتبع الهدى. . و لا ريب في أن مسيلمة الكذاب لم يكن من هؤلاء، و لكن ليس من حق أحد أن يمنعه من اتخاذ قرار العودة إلى سلوك طريق الهداية.

و انطلاقا من مسؤولية النبوة في فتح أبواب الهداية أمام جميع البشر، جاء التلويح حتى لمسيلمة الكذاب بأن باب الهداية مفتوح أمامه، فما عليه إلا أن يلجه، كي يشمله اللّه بسلامه الغامر و بنور الهداية الباهر. .

2-هناك نص يقول: إن مسيلمة كتب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إن لنا نصف الأمر» .

و نص آخر يقول: «إنه كتب إليه أن الأرض لي و لك نصفان» ، و جواب النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشير إلى صحة النص الثاني دون الأول.

3-نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل لمسيلمة: بل الأرض لي، و أنت ليس لك شيء، بل أرجع الأمر إلى من يكون البشر جميعا سواسية أمام عظمته، و في قبضته، و في ملكه، و لا فرق في ذلك بين نبي و غيره، و لا بين مطيع و عاص، و لا بين كبير و صغير، و لا بين ملك أو سوقه، قوي و ضعيف.

و لم يكن بإمكان مسيلمة أن ينكر أو حتى أن يناقش في هذا الأمر.

4-و إذا بلغ الأمر هذا الحد، فالنتيجة الطبيعية لذلك هي: أن يكون الأمر يرجع إلى المالك الحقيقي، فهو الذي يجعل ذلك لمن يشاء من عباده، فليس لأحد أن يفتئت عليه في ذلك، لا في الأرض كلها، و لا في نصفها، و لا في أي شيء منها، و هذا هو المقصود بقوله: يورثها من يشاء من عباده. .

5-و إذا كان ذلك كله يظهر تعدي مسيلمة على العزة الإلهية، و التصرف بما لا يحق له التصرف فيه، فذلك يعني أمرين:

أحدهما: أنه كاذب فيما يدّعيه من نبوة، فإن من يجترئ على اللّه سبحانه لا يصلح لشيء مهما كان تافها، فضلا عن أن يصلح لمقام النبوة الأسمى. .

الثاني: أن ابتعاده عن خط التقوى يحرمه من أن يمنحه اللّه شيئا من الأرض. . و هذا ما أشار إليه قوله «صلى اللّه عليه و آله» : و العاقبة للمتقين. .

تهديد الرسولين:

إن تهديد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لرسولي مسيلمة لمجرد قولهما إنهما يقولان بمثل ما يقول مسيلمة، يشير إلى أنهما كانا قد أسلما ثم ارتدا، فاستحقا هذا الوعيد و التهديد، إذ لا يمكن أن نتصوره «صلى اللّه عليه و آله» يواجههما بهذه الحدة و الشدة قبل أن يقيم الحجة عليهما، ثم من دون أن تظهر عليهما بعدها أمارات التحدي و المحاربة.

مع العلم بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد استقبل الكثيرين من الرسل، و لم نجده سألهم عما يشبه ذلك في موضوع الإيمان و الكفر، فضلا عن أن يكون قد واجههم بمثل هذه الشدة.

و بذلك يتبلور لدينا شك في صحة الرواية التي تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لرسولي مسيلمة: «لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ، فقد يكون ذلك غير دقيق، أو غير صحيح. .

منام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و نحن نشك أيضا في صحة زعمهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رأى في منامه أنه وضع في كفيه سواران من ذهب الخ. .

فأولا: لماذا يكون مسيلمة و العنسي بمثابة سوارين من ذهب؟ ! و ما معنى وضعهما في يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و ما معنى نفخه لهما؟ !

ثانيا: إن مسيلمة و الأسود العنسي قد ادّعيا ما ادّعياه في حياة النبي و ليس بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» . . كما ورد في الرواية الأولى، و إن أخذنا بالرواية الثانية فقد صرح «صلى اللّه عليه و آله» بأنه بينهما، و هذا معناه: أنهما خرجا قبل وفاته، مع أن الروايتين معا قد رويتا عن أبي هريرة! !

إلاّ أن يكون المقصود هو: أنهما يعلنان الحرب بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» . . و هو مجرد احتمال لا شاهد له، و لا دليل عليه.

ثالثا: إذا كانت اليمامة بين مكة و اليمن، و كانت صنعاء أيضا في قلب اليمن، فما معنى قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «الكذابين اللذين أنا بينهما» ، فإن معنى كونه بينهما هو أن يكون أحدهما إلى جهة اليمن، و الآخر إلى جهة الشام، لا أن يكونا معا في جهة واحدة. .

إلا أن يقال: ليس المراد البينيّة المكانية، بل المقصود بينيّة مقامه و محله «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو نبي حقيقي مبعوث من اللّه، بين متنبئين كذّابين

مفتريين عليه، فلاحظ.

رابعا: إن الأسود العنسي-و هو عيهلة-قد قتل في مرض موت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قتله فيروز الديلمي قبل وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيوم، أو يومين، فأتاه الوحي بذلك، فأخبر أصحابه (1). أما مسيلمة فقتل في زمن أبي بكر، فما هو الجامع بين الرجلين في هذا المنام المزعوم؟ !

و أما ما رواه الطبراني عن فيروز الديلمي من أنه قال: «أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برأس أسود العنسي» (2)، فنقول فيه:

1-إن سائر الروايات تتناقض معه، و تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخبر بموت الأسود و مات قبل أن يصل إليه من يخبره بذلك، و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرضى بحمل رأس أحد إليه كما هو واضح. بل ذكر الذهبي: أنه «وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برأس الأسود فيما بلغنا فوجده توفي» (3).

2-قال ابن حجر في الإصابة: «و هذا تفرد به ضمرة، فإن رأس


1) شرح المواهب اللدنية ج 5 ص 155 و تفسير البيضاوي ج 2 ص 337 و أسد الغابة ج 2 ص 135 و الإصابة ج 5 ص 291.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 124 و مجمع الزوائد ج 5 ص 330 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 204 و مسند الشاميين ج 2 ص 38 و الإستيعاب ج 3 ص 1265 و كنز العمال ج 5 ص 537 و ج 14 ص 549 و تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 5 و 16 و أسد الغابة ج 4 ص 186 و الإصابة ج 5 ص 291.

3) تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 286 و الوافي بالوفيات ج 24 ص 72.

الأسود لم يحمل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» (1).

ضرس أحدكم في النار مثل أحد:

و قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رأى الرحال الذي شهد لمسيلمة الكذاب بالنبوة مع أبي هريرة، و فرات بن حيان، فقال: «ضرس أحدكم في النار مثل أحد» ، فكان أبو هريرة و فرات بن حيان خائفين. .

فارتد الرحال، و آمن بمسيلمة و قتل معه، فعرفوا أنه هو المقصود من بين الثلاثة (2). و سجد اللّه شكرا (3). .

و نقول:

أولا: إن الكلام الأخير يدل على أنهم يفترضون أنه «صلى اللّه عليه و آله» يتحدث عن شخص واحد من الثلاثة، و هو الرحّال. . و هذا ليس صحيحا، فإن الحديث يدل على أن الأشخاص الثلاثة جميعا من أهل النار، كما هذا هو مفاد سياق الكلام، فإذا قيل: رأيت جماعة من بلد كذا يأكل أحدهم خروفا، أو قيل: رأيت جماعة قلب أحدهم أقسى من الصخر، أو يفيض طهرا و حنانا، أو وجه أحدهم أقبح من وجه القرد، أو أضوأ من القمر، فإن معناه: أن جميعهم كذلك. . و قد قال تعالى: وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ


1) أسد الغابة ج 4 ص 186.

2) راجع: الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 203 و الإصابة ج 3 ص 201 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 214.

3) راجع: الإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 203 و الإصابة ج 3 ص 201 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 214.

بِالْأُنْثىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ (1). و المقصود: أنهم جميعا كانوا كذلك.

و مثله قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ (2).

و قوله تعالى: وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمٰا ضَرَبَ لِلرَّحْمٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ (3).

فإن المقصود بهذه التعابير هو: الجماعة كلها، فردا فردا. .

ثانيا: إن حرمة المؤمن عظيمة عند اللّه، و لا يمكن التفريط فيها خصوصا من قبل نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلو كان مقصوده «صلى اللّه عليه و آله» واحدا من الثلاثة، و هو الرحال، فلا يصح و لا يجوز أن يتكلم بكلام يلقي فيه الشبهة على غيره من الأبرياء، و يضعهم في قفص الإتهام مع علمه ببرائتهم. . لأن إلقاء الكلام بهذا النحو يسقط الثلاثة عن درجة الإعتبار، و يدفع الناس إلى الحذر منهم و إلى إقصائهم عن أي شأن من الشؤون، فلا يصلي أحد خلفهم جماعة، و لا يقبل أحد شهادتهم و. . و. . الخ. . فلما ذا لا يحدد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك الرجل المقصود بصورة مباشرة، إن كان هناك ضرورة لتحديده؟ !

إلا أن يفترض: أن اللّه تعالى قد أمره بأن يثير الشبهات، و يسقط محل هؤلاء الثلاثة جميعهم، فلا بد أن يكونوا قد فعلوا ما يستحقون به ذلك.


1) الآية 58 من سورة النحل.

2) الآية 96 من سورة البقرة.

3) الآية 17 من سورة الزخرف.

و إذا كان هذا القول سوف يشيع بين الناس، فلابد لدفع الشبهة عن المتضررين من إبلاغ النتيجة النهائية لكل من بلغه القول الأول. . و هذا ما لم يحصل، بل لعله كان متعذرا بالنسبة لبعض الموارد.

و لعلك تقول: لعله «صلى اللّه عليه و آله» قد عيّن شخص الرجل المقصود بقرينة حالية لم تصل إلينا، أو لعل أبا هريرة و فرات بن حيان أيضا لم يلتفتا إليها. .

و نجيب: إن ذلك غير معقول:

إذ لو كان ثمة قرينة لما خفيت على أبي هريرة و فرات، فإن المتكلم لا يعتمد على القرينة الحالية إلا حين يطمئن إلى أن المخاطب ملتفت إليها، لأنها تكون جزءا من وسيلة خطابه له. . فإذا أعلن المقصود بالخطاب أنه لا يجد أمامه سوى الخطاب اللفظي، فليس لنا نحن أن نتوقع العثور على قرينة، أو أن نحتمل وجودها إلى حد إسقاط ظهور الخطاب اللفظي عن صلاحية الدلالة.

و لعلك تقول أيضا: إن المراد قد اتضح بعد ارتداد الرحال و قتله مع مسيلمة. . و هذا يكفي في دفع غائلة الإبهام المشار إليه.

و نجيب: بأن ظهور أمر الرحال قد تأخر مدة طويلة، كان فيها أبو هريرة، و كذلك فرات محرومين من حقوقهما، مشكوكا في أمرهما. فلما ذا فعل بهما النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك؟ ! فإن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتمد على هذه القرينة الخارجية، فهي قرينة منفصلة، تؤدي إلى تأخير البيان عدة سنوات عن وقت الحاجة، و هذا غير مقبول، و لا سيما إذا كان يلحق الضرر بالأبرياء إلى حد الإسقاط. .

و رابعا: إن هؤلاء يفترضون: أن أمر فرات بن حيان، و أبي هريرة محسوم فيما يرتبط بصحة إيمانهما، مع أن ذلك يصطدم بأمرين:

أحدهما: أن أمر فرات مشكوك، بملاحظة: أنه كان قد هجا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و كان عينا لأبي سفيان، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» بقتله، فأسلم حقنا لدمه، فأخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه يقول: إنه مسلم، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إن فيكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم، منهم فرات بن حيان. و حسب نص ابن عقدة على ما في الإصابة: إن منكم من أتألفهم على الإسلام، و أكله إلى إيمانه، منهم فرات بن حيان (1).

الثاني: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل أبا هريرة في دائرة الخطر مرة أخرى، حيث قال له و لسمرة بن جندب، و أبي محذورة الجمحي: «آخركم موتا في النار» (2).


1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 203 و الإصابة ج 3 ص 201 عن أبي داوود و البخاري في تاريخه و مستدرك الحاكم ج 4 ص 366 و تلخيصه للذهبي (مطبوع مع المستدرك) . و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 273.

2) الإصابة ج 2 ص 79. و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 78 و أسدا الغابة ج 2 ص 355 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 95 و البحار ج 18 ص 132 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 222 و مجمع الزوائد ج 8 ص 290 و جزء أشيب للبغدادي ص 58 و المعجم الأوسط للطبراني ج 6 ص 208 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 177 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 78 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 215 و التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 133 و تهذيب الكمال ج 12 ص 133 و الإصابة ج 3 ص 150 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 207 و ج 12 ص 200 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 232 و الوافي بالوفيات ج 1 ص 82 و ج 15 ص 277 و البداية و النهاية ج 6 ص 253 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 223 و ج 14 ص 132 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 1 ص 339 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 184.

فزعموا: أن سمرة بن جندب سقط في قدر مملوء ماء حارا فمات، فكان ذلك تصديقا لقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

غير أننا نقول:

أولا: قال ابن جرير: «فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير، فمات شر ميتة» (2).

فأين الزمهرير من النار، و من الماء الحار؟ !

فلا يصح قولهم: إنه مات في قدر حار. فضلا عن أن يكون آخر الثلاثة موتا.

ثانيا: إن الموت في الماء الحار شيء، و الموت في النار شيء آخر، فإن الماء الحار ليس نارا.

ثالثا: لو كان المقصود هو: موته بواسطة النار، أو الماء الذي يغلي بها، لكان عليه أن يقول: آخركم موتا بالنار. أي بواسطتها، أما قوله: في النار،


1) الإصابة ج 2 ص 79. و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 78 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 527.

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 292 و الغدير ج 11 ص 30 و تاريخ الطبري ج 4 ص 217 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 495.

فيدل على أنه سوف يدخل النار، و يكون من أهلها.

رابعا: إن هذا النص يبين أن هؤلاء الثلاثة جميعا هم من أهل النار، إذ لو لم يكن الأمر كذلك، لم يصح وضع الأبرياء في موضع الشبهة طيلة حياتهم إلى حين موتهم كما يعلم بمراجعة حالهم في كتب التراجم، بل هي لم تفارقهم إلى يومهم هذا، لأن الأقوال في آخرهم موتا متناقضة، لا يمكن حسم الأمر فيها بأي وجه. .

خامسا: إن حال هؤلاء الثلاثة كانت في غاية السوء من حيث ممارستهم، و ارتكابهم ما لا يجوز ارتكابه، و لا سيما إسهامهم في وضع الحديث على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و شهاداتهم على إمامهم بالزور و البهتان، فراجع تراجمهم في قاموس الرجال، و في كتاب أبي هريرة للسيد عبد الحسين شرف الدين «رحمه اللّه» و غير ذلك.

الفصل الثامن: وفود بلا تاريخ قليلة التفاصيل

اشارة

وفد أحمس:

قال ابن سعد: قدم قيس بن غربة (1)الأحمسي في مائتين و خمسين رجلا من أحمس، فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «من أنتم» ؟ !

فقالوا: نحن أحمس اللّه. و كان يقال لهم ذلك في الجاهلية.

فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و أنتم اليوم للّه» .

و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لبلال: «أعط ركب بجيلة، و ابدأ بالأحمسيين» . ففعل.

و عن طارق بن شهاب قال: قدم وفد بجيلة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اكتبوا البجليين، و ابدأوا بالأحمسيين» .

فتخلف رجل من قيس، قال: حتى أنظر ما يقول لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: فدعا لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسمى مرات: «اللهم جد عليهم، اللهم بارك فيهم» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 261 عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 78. و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 347.

و في رواية: قدم وفد أحمس، و وفد قيس، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ابدأوا بالأحمسيين قبل القيسيين» .

ثم دعا لأحمس، فقال: «اللهم بارك في أحمس، و خيلها، و رجالها» سبع مرات (1).

و نقول:

إن لنا ها هنا بعض البيانات نعرضها فيما يلي:

أنتم اليوم للّه:

قد ظهر: أن الأحمسيين حين عرّفوا أنفسهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كانوا يريدون إظهار ما يعتبرونه امتيازا لهم، مستفيدين من التعبير الذي كان يطلق عليهم في الجاهلية، فقالوا: نحن أحمس اللّه. أي أشداء اللّه تبارك و تعالى.

و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم ينكر عليهم ذلك صراحة، ما دام أنهم ينسبون أنفسهم للّه تبارك و تعالى، و لكنه أدخل تصحيحا على المفهوم الذي أطلقوه، من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها، و يفرض حالة من التوازن، و الواقعية، و الدقة حين قال لهم: «و أنتم اليوم للّه. .» ، فأفهمهم أن عليهم أن يبتعدوا عن الإفراط و الشطط فيما يدّعونه لأنفسهم، فهم أحمس للّه. أي أشداء في سبيل اللّه سبحانه، لا أنهم أشداء اللّه، و هذا هو الأنسب بمقام العبودية، و الأقرب للطاعة و الإنقياد.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 261 عن أحمد بن حنبل. و مسند أحمد ج 4 ص 315 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 10 ص 49.

إبدأوا بالأحمسيين:

ثم إن من يراجع حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلابد أن يقطع بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يميز فريقا على فريق، إلا إذا ميزته التقوى، و العمل الصالح. .

و لم نجد للأحمسيين هذا التميز عن غيرهم من البجليين و القيسيين في هذا أو ذاك. فلما ذا يكون هذا التفضيل لهم على بجيلة أولا، و على القيسيين ثانيا؟ !

ألا يثير ذلك حساسيات سلبية لا مبرر لإثارتها لدى قيس و بجيلة تجاه أحمس؟ !

و لماذا لم يبادر القيسيون و البجليون إلى الإعتراض، أو إلى الإستفهام عن سبب تقديم الأحمسيين عليهم على أقل تقدير؟ !

الحماس في الدعاء لأحمس:

ثم إننا لم نستطع أن نعرف سبب تخصيص أحمس بالدعاء بالبركة فيها، و في خيلها، و رجالها! ! و لماذا كرر دعاءه هذا لها سبع مرات؟ !

فهل كانت خيل أحمس موصوفة و معروفة، و متميزة في ساحات القتال؟ ! و في أية معركة ظهر لها هذا التميز و التفرد دون قيس و بجيلة؟ !

و هكذا يقال بالنسبة لرجال أحمس، حيث لابد من السؤال عن مواقفهم المشهورة، التي أظهروا فيها تفوقهم على القيسيين و على إخوانهم من البجليين في ساحات الجهاد! !

وفود قيس بن غربة:

إن الرواية المتقدمة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سأل الوفد الذي قدم مع قيس بن غربة: من أنتم؟ !

فأخبروه أنهم أحمس اللّه. .

و هذا يشير إلى: أن هذه كانت أول مرة يفدون فيها إليه «صلى اللّه عليه و آله» . . و لذلك سألهم أن يعرّفوا له أنفسهم، و لو أنه كان قد رآهم قبل ذلك، أو رأى زعيمهم قيس بن غربة لعرفه و عرّفه، أو لخصه هو بالسؤال عن سبب مجيئه، و عن هوية الذين جاؤوا معه. .

مع أن ثمة نصا آخر يقول: إن قيس بن غربة كان قد قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأمر منه «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك،

قال الراوندي: «روي أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى قيس بن عرنة (غربة) البجلي يأمره بالقدوم عليه، فأقبل و معه خويلد بن الحارث الكلبي، حتى إذا دنا من المدينة هاب الرجل أن يدخل. .

فقال له قيس: أما إذا أبيت أن تدخل، فكن في هذا الجبل حتى آتيه، فإن رأيت الذي تحب أدعوك، فاتبعني، فأقام. و مضى قيس حتى إذا دخل على النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسجد، فقال: يا محمد، أنا آمن؟ !

قال: نعم، و صاحبك الذي تخلف في الجبل الخ. .» (1).


1) الخرائج و الجرائح (ط مؤسسة الإمام المهدي-قم) ج 1 ص 103 و البحار ج 22 ص 76 و ج 18 ص 117 عنه، و مكاتيب الرسول ج 1 ص 204.

إختلاف الروايات:

ثم إن ملاحظة الروايات تعطي: أن ثمة اختلافا فيما بينها، في عدد ذلك الوفد، فرواية ابن سعد المتقدمة، تقول: إن قيس بن غربة وفد في ماءتين و خمسين رجلا من أحمس. .

و في نص آخر: وفد إليه في خمس مائة من أحمس، و قدم جرير بن عبد اللّه البجلي في ماءتين من قيس، و الحجاج بن ذي الأعنق الأحمسي في رهطه (1).

فأي ذلك هو الصحيح؟ !

على أننا لا نجد ما يدعو لإيفاد هذا العدد الهائل من الناس. . خمس مائة يضاف إليها مئتان من قيس، ثم يضاف إلى هؤلاء و أولئك رهط الحجاج بن ذي الأعنق الأحمسي. .

و لا ندري إن كان الأحمسيون كلهم يبلغون هذه الأعداد الكبيرة! ! بل إذا كان وفدهم يصل إلى هذا العدد، فلابد أن يكون من بقي منهم في بلادهم، ليحمي البلاد و العباد، و يدفع الغارات عن المال و العرض، و يحفظ النساء و الصبيان أضعاف هذا العدد! .

غزو خثعم بالأحمسيين:

و قد أضافت بعض الروايات: أن نفس وفد الأحمسيين، و قيس قد «تنادوا عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فبعث معهم ثلاث مائة من الأنصار، و غيرهم


1) الإصابة ج 3 ص 256 و في (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 374.

من العرب، فأوقعوا بخثعم باليمن» (1).

و نحن و إن كنا لم نستطع أن نفهم المراد من تناديهم في محضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإننا لم نستطع أيضا أن نؤكد صحة ادّعاء إرسالهم في سرية إلى خثعم، فإن سرية بهذا المستوى، و بهذه الكثرة، و قد وصلت إلى اليمن، و أوقعت بقبيلة مثل خثعم، لا يمكن أن تخفى أخبارها عن الرواة و المؤرخين، إلى حد أنهم لم يتمكنوا من التصريح حتى باسم أمير تلك السرية، و لا ذكروا لنا شيئا عن تفاصيل ما جرى لها و منها! ! و لم نعرف إن كانت قد جاءت بأسرى و سبايا و غنائم! ! أم لم تحصل على شيء من ذلك! ! . .

كما أننا لا نعرف شيئا عن عدد القتلى من خثعم، و لا ذكر أحد لنا اسم أحد من المقتولين من هذه القبيلة! ! .

وفود غافق:

و قالوا: وفد جليحة بن شجار بن صحار الغافقي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في رجال من قومه، فقالوا: يا رسول اللّه نحن الكواهل من قومنا، و قد أسلمنا و صدقاتنا محبوسة بأفنيتنا.

فقال: «لكم ما للمسلمين، و عليكم ما عليهم» .

فقال عوذ بن سرير الغافقي: آمنا باللّه و اتبعنا رسوله (2).


1) الإصابة ج 3 ص 256.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 390 عن طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 115. و في (ط دار صادر) ج 1 ص 352.

وفود حضرموت:

قالوا: و قدم وفد حضرموت مع وفد كندة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم بنو وليعة ملوك حضرموت: جمد، و مخوس، و مشرح، و أبضعة، فأسلموا.

و قال مخوس: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يذهب عني هذه الرتّة من لساني. فدعا له، و أطعمه طعمة من صدقة حضرموت (1).

و عن أبي عبيدة من ولد عمار بن ياسر قال: وفد مخوس بن معدي كرب بن وليعة فيمن معه على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم خرجوا من عنده، فأصابت مخوس اللقوة، فرجع منهم نفر، فقالوا: يا رسول اللّه، سيد العرب ضربته اللقوة، فادللنا على دوائه.

فقال: «خذوا مخيطا، فاحموه في النار، ثم اقلبوا شفر عينه، ففيها شفاؤه، و إليها مصيره، فاللّه أعلم ما قلتم حين خرجتم من عندي» . فصنعوا به فبرأ (2).

عن عمرو بن مهاجر الكندي قال: كانت امرأة من حضرموت، ثم من تنعة يقال لها: تهناة بنت كليب صنعت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 321 عن ابن سعد، و في هامشه عن: الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 2 ص 112. و في الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 1 ص 349.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 321 عن ابن سعد. و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 350.

كسوة، ثم دعت ابنها كليب بن أسد بن كليب. فقالت: انطلق بهذه الكسوة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتاه بها و أسلم، فدعا له، و قال كليب حين أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

من وشز برهوت يهوي بي عذافرةإليك يا خير من يحفى و ينتعل

تجوب بي صفصفا غبرا مناهلهتزداد عفوا إذا ما كلت الإبل

شهرين أعملها نصا على وجلأرجو بذاك ثواب اللّه يا رجل

أنت النبي الذي كنا نخبرهو بشرتنا به التوارة و الرسل (1)

معنى النبوة في وجدان الناس:

تقدم: أن أحد ملوك حضرموت يطلب منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو اللّه له ليذهب الرتّة من لسانه، كما أنه حين ضربته اللقوة رجع منهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفر فطلبوا منه أن يدلهم على دوائه. . و هذا معناه: أن المرتكز في نفوس الناس هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن مجرد سياسي حاكم أو معلّم و مبلّغ للشريعة، أو قاض، أو قائد، أو مصلح اجتماعي. بل هو أيضا بنظرهم طبيب عالم بالدواء و يدلهم عليه، و هو أيضا حلال مشكلاتهم، و شافعهم عند اللّه، و هو الذي يأتيهم الغيث بدعائه، و هو الذي يطلب من اللّه أن يزيل الرتّة من لسان من ابتلي بها، إلى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 321 و 322 عن ابن سعد. و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 350 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 399 و الأعلام للزركلي ج 5 ص 232 و الإصابة ج 5 ص 464.

غير ذلك مما يجده المتتبع لما جرى بينه «صلى اللّه عليه و آله» و بين من وفد عليه من القبائل المختلفة، و البلاد المتباعدة. .

و هذا الأمر يدلنا على أن هذا الفهم لمعنى النبوة هو أمر استقر في نفوسهم، و في وجدانهم بصورة عفوية، و لم يستفده الناس من تعليم معلم، و لا من تصريح صادر عن نبي أو وصي. .

و يلاحظ أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يستجيب لهم، و لم يقل لأحد منهم و لو مرة واحدة: إن ذلك لا يدخل في صلاحياتي، أو لم تصل إليه معرفتي، أو ليس من اختصاصي.

البشائر بالرسول:

و قد أظهر الشعر الذي قاله كليب: أن بشائر اليهود بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و ما بلغ الناس عن الأنبياء من تأكيد على ظهوره «صلى اللّه عليه و آله» قد أسهم في حسم الأمور لدى الكثيرين، فآمنوا به «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان لهم بذلك الفوز العظيم.

وفادة الحكم بن حزن الكلفي:

عن الحكم بن حزن قال: قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فأذن لنا فدخلنا، فقلنا: يا رسول اللّه، أتيناك لتدعو لنا بخير، فدعا لنا بخير، و أمر بنا فأنزلنا، و أمر لنا بشيء من تمر، و الشأن إذ ذاك دون.

فلبثنا أياما، فشهدنا بها الجمعة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقام متوكئا على قوس أو عصا، فحمد اللّه و أثنى عليه كلمات خفيفات،

طيبات مباركات، ثم قال: «يا أيها الناس، إنكم لن تطيقوا أن تفعلوا كل ما أمرتم به، و لكن سددوا و أبشروا (1).

و نقول:

1-إن قوله: أو تاسع تسعة لعله ليس من كلام الحكم بن حزم، بل هو من كلام الراوي عن الكتاب، إذ إنه كثيرا ما يشتبه الأمر على القارئ في هذا المورد لتقارب الرسم بين كلمتي سبع، و تسع، مع ملاحظة: أن النقط للحروف لم يكن شائعا آنئذ.

2-و يلاحظ أيضا: أن الناس كانوا يقصدون النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمجرد طلب الدعاء منه لهم.

و هذا يشير إلى: أن له موقعا خاصا في نفوسهم و قلوبهم، و أن الأمر لدى الكثيرين قد تجاوز موضوع القناعة، و إظهار الإعتقاد، لتصبح علاقتهم برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علاقة مشاعرية و روحية و وجدانية.

وفود بني بكر بن وائل:

قال ابن سعد: قدم وفد بكر بن وائل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 222 و ج 6 ص 322 عن أحمد، و أبي داود، و البيهقي و اللفظ له. و في هامشه عن: كنز العمال (5219) . و مسند أحمد ج 4 ص 212 و نيل الأوطار ج 3 ص 330 و سنن أبي داود ج 1 ص 246 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 213 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 2 ص 490 و كنز العمال ج 3 ص 671 و أسد الغابة ج 2 ص 32 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 209 و تهذيب الكمال ج 7 ص 93.

و آله» ، فقال له رجل منهم: هل تعرف قس بن ساعدة؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ليس هو منكم، هذا رجل من إياد، تحنّف في الجاهلية، فوافى عكاظا و الناس مجتمعون، فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه» .

و كان في الوفد بشير بن الخصاصية، و عبد اللّه بن مرثد، و حسان بن حوط، و قال رجل من ولد حسان:

أنا ابن حسان بن حوط و أبيرسول بكر كلها إلى النبي

و قدم معهم عبد اللّه بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس، و كان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة، و هاجر و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجراب من تمر، فدعا له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالبركة (1).

وفود الصدف:

عن جماعة من الصدف قالوا: قدم وفدنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هم بضعة عشر رجلا، على قلائص، لهم أزر و أردية، فصادفوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما بين بيته و بين المنبر، فجلسوا و لم يسلموا.

فقال: «أمسلمون أنتم» ؟

قالوا: نعم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 281 و تهذيب تاريخ دمشق ج 10 ص 166 و عن الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 79. و في (ط دار صادر) ج 1 ص 315 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 306.

قال: «فهلا سلمتم» ؟

فقاموا قياما، فقالوا: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته.

فقال: «و عليكم السلام، اجلسوا» .

فجلسوا، و سألوا رسول اللّه «عليه السلام» عن أوقات الصلاة، فأخبرهم بها (1).

و نقول:

قد يقال: إننا لا نرى مبررا لعدم مبادرة هذا الوفد إلى السلام على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا عدم معرفتهم بتحية الإسلام، و خوفهم من أن تكون تحية الجاهلية مرفوضة، فآثروا السكوت.

و لكن هذا التبرير لا يكفي لتفسير فعلهم هذا، فإنهم حين عاتبهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعتذروا له بجهلهم بتحية الإسلام، و لا سألوا غيره عن كيفية تحية أهل الإسلام. .

إلا أن يدّعى: أنهم توهموا أن تكون تحية الإسلام بالسلام قد استبدلت بسواها. . أو أنهم ظنوا: أنهم سيتعرضون لسوء، أو أن ذلك كان سوء أدب، و جهلا منهم. . و كلها احتمالات ليس لها ما يؤيدها.

غير أن مما لا شك فيه: أنه لم تكن لديهم أية نوايا سيئة، كما أظهره تصرفهم بعد مطالبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم بذلك.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 343 و 352 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 248 و البداية و النهاية ج 5 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 181.

وفود بني سحيم:

عن أبي عبيدة: أن الأسود بن سلمة قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في وفد بني سحيم، فأسلم، فردهم إلى قومهم و أمرهم أن يدعوهم إلى الإسلام، و أعطاهم أداوة ماء قد تفل فيها، أو مج، و قال: «فلينضحوا بهذه الأداوة مسجدهم، و ليرفعوا رؤوسهم» إذا رفعها اللّه تعالى، فما تبع مسيلمة منهم رجل، و لا خرج منهم خارجي قط (1).

و نقول:

إن الدعوة حين تأتي من خارج القبيلة تبقى هناك حالة من التراخي في مناصرتها، و لا تحظى بالحرص و الإندفاع الذي تحظى به لو كانت نابعة من الداخل، و من خلال الإحساس بضرورة تلك الدعوة، و بالحاجة لها. .

كما أن ذلك يوفر لدى القبيلة مستوى من الإطمئنان، و الإحساس بالأمن و السكينة معها، حيث لا يتوجس أحد من أهل القبيلة أي نوع من الخوف من تسريب ثمراتها و منافعها، أو تسريب جزء منها إلى خارج القبيلة.

و كل ذلك يوضح لنا السبب في إرسال النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبناء القبائل لدعوة قومهم و قبائلهم. .

وفود بني سدوس:

عن عبد اللّه بن الأسود قال: كنا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 342 عن الرشاطي. و الإصابة ج 1 ص 257.

وفد بني سدوس، فأهدينا له تمرا، فنثرناه إليه على نطع، فأخذ حفنة من التمر، فقال: «أي تمر هذا» ؟

فجعلنا نسمي حتى ذكرنا تمرا، فقلنا: هذا الجذامي، فقال: «بارك اللّه في الجذامي، و في حديقة يخرج هذا منها، أو جنة خرج هذا منها» (1).

و نقول:

لا شك في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بالتمر الذي كان يسألهم عنه، و قد ذكر لوفد آخر جميع أنواع التمر حتى أدركوا أنه أعرف بأنواع التمر ممن عاش في بلاد هجر، و لكن سؤاله هذا يؤكد لهم بشريته، و يدفع عنهم الأوهام التي ربما تكون قد علقت في أوهامهم، من خلال ما سمعوه من شياطين أهل الشرك، و الكفر: من أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لابد أن يكون ملكا، أو ما إلى ذلك. .

ثم هو يزيل حزازة ربما تكون قد نشأت عن تداعي المعاني، بصورة قهرية، حيث يستذكر الإنسان مرض الجذام الذي تنفر منه النفوس، و تقشعر له الأبدان، فإذا عرّفهم بقيمة هذا التمر، و بأن الحديقة التي يخرج منها، أو الجنة التي خرج منها مباركة، فإن الرغبة به ستتضاعف، و الرضا به سوف يتنامى و يتأكد.

على أن من الواضح: أن نفس هذا الثناء على هذا النوع من التمر يشير إلى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 343 عن البزار، و قال في هامشه: ذكره الهيثمي في المجمع ج 5 ص 43 و عزاه للبزار، و الطبراني بنحوه، و قال: و فيه جماعة لم يعرفهم العلائي و لم أعرفهم. و كنز العمال ج 12 ص 342 و ج 14 ص 189.

معرفته «صلى اللّه عليه و آله» به، و إلى أن سؤاله عنه كان يهدف إلى استحضار المعنى، و تأكيد تصورهم له، و التفاتهم إلى ما يريد أن يقول لهم عنه. .

و كيف لا يعرف «صلى اللّه عليه و آله» أنواع التمر، و هو يعيش في بلاد التمر، و هو من طعامه المفضل، و يتعامل مع الناس به. .

وفد الجشمي، أو الجيشاني:

عن عمرو بن شعيب قال: قدم أبو وهب الجيشاني على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفر من قومه، فسألوه عن أشربة تكون باليمن.

قال: فسموا له البتع من العسل، و المزر من الشعير.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل تسكرون منها» ؟

قالوا: إن أكثرنا سكرنا.

قال: «فحرام قليل ما أسكر كثيره» .

و سألوه عن الرجل يتخذ الشراب، فيسقيه عماله.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كل مسكر حرام» (1).

و البتع: شراب يتخذ من العسل.

و المزر: نبيذ الشعير و الحنطة، و الحبوب.

و يلاحظ هنا ما يلي:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 318 و في هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 121 و (ط دار صادر) ج 1 ص 359 و راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 216 عن سنيد، عن الأوزاعي.

الجيشاني أم الجشمي؟ ! :

إن أبا عمر ابن عبد البر قال عن أبي وهب الجيشاني: «لا أدري اهو الجشمي أم لا. و قال فيه: الجيشاني كما ترى. و الصواب عندهم الجشمي. .

إلى أن قال: و أما أبو وهب الجيشاني فرجل من التابعين، من أهل مصر الخ. .» (1).

سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله عن البتع:

إنه لا شك في: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف معاني الألفاظ التي كان يخاطب بها. في الوقت الذي كان يكلم كل أهل لسان بلسانهم، بل كان يعرف لغة الطير و سائر المخلوقات، و لكن إذا كان لبعض المفردات معان مختلفة، أو مصاديق متفاوتة، فلا بد من استنطاق من يخاطبه عن المعنى الذي يقصده منها ليتم تحديده بدقة، خاصة إذا اختلفت أحكام تلك المعاني باختلافها، لكي لا تساء الإستفادة من إطلاق الجواب، و تسجيل الحكم على موضوع غائم، أو مطاط، ينتهي بالناس إلى الخطأ في فهم مرادات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بالتالي الخروج على الثوابت الشرعية، أو الإيمانية، أو غيرها مما يتعرض له النص.

و من المعلوم: أن المياه في كثير من المناطق العربية كانت وشلة غير صالحة للشرب، فكانوا يحاولون تحليتها و تغيير طعمها بتمر أو عسل، أو


1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 216 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1775 و أسد الغابة ج 5 ص 322.

غير ذلك. فمنها ما كان يتخمر حتى يصبح مسكرا، و منها ما كانوا يشربونه بمجرد وضعها فيه و هذا معناه: أن بعض الأنبذة حرام. و هو خصوص ما يتخمر، و يصنّع، ليصبح مسكرا. . و بعضها حلال و هو ما كان يحلى بالعسل أو غيره و يشرب مباشرة، من دون أن يعرّضوه للتصنيع و التخمير.

و لذلك كان لابد من تحديد معنى البتع، حتى لا يظن ظان: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أحل لهم ما يكون منه مسكرا.

وفود بهراء:

عن كريمة بنت المقداد قالت: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفد بهراء من اليمن على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانوا ثلاثة عشر رجلا. فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب المقداد بن عمرو، و نحن في منازلنا ببني حديلة (بطن من الأنصار) .

فخرج إليهم المقداد، فرحب، و أنزلهم، و قدم لهم جفنة من حيس (1).

قالت ضباعة: كنّا قد هيأناها قبل أن يحلّوا لنجلس عليها، فحملها المقداد و كان كريما على الطعام. فأكلوا منها حتى نهلوا، وردت إلينا القصعة و فيها شيء، فجمع في قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها مع سدرة مولاتي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوجدته في بيت أم سلمة.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «ضباعة أرسلت بهذا» ؟

قالت سدرة: نعم يا رسول اللّه.


1) الحيس: تمر يعجن بسمن و أقط.

قال: «ضعي» .

ثم قال: «ما فعل ضيف أبي معبد» ؟

قلت: عندنا. فأصاب منها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو و من معه في البيت حتى نهلوا، و أكلت معهم سدرة.

ثم قال: «اذهبي بما بقي إلى ضيفكم» .

قالت سدرة: فرجعت بالقصعة إلى مولاتي. قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا. فرددها عليهم و ما تغيض، حتى جعل الضيف يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، و ما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين.

و قد ذكر لنا: أن بلادكم قليلة الطعام، إنما هو العلق أو نحوه، و نحن عندكم في الشبع.

فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه أكل منها وردها، و هذه بركة أصابعه «صلى اللّه عليه و آله» .

فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول اللّه، و ازدادوا يقينا، و ذلك الذي أراد «صلى اللّه عليه و آله» .

فأتوه، فأسلموا، و تعلموا الفرائض، و أقاموا أياما. ثم جاؤوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يودعونه، فأمر لهم بجوائز، و انصرفوا إلى أهليهم (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 284 عن الواقدي، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 213 و 214. و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 308.

و نقول:

1-إن ما فعله المقداد لم يكن مجرد كرم و سخاء، بل هو إيثار تعلمه من مدرسة الإيمان و القرآن، فجزاه اللّه خيرا، و رضي اللّه عنه و أرضاه.

2-قد أشارت الرواية إلى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يظهر لهؤلاء الوافدين الكرامة الإلهية، لكي يلمسوها بأنفسهم، ليسهل عليهم أمر الإيمان بالغيب، و بالرعاية الإلهية، فإن الكثيرين من أهل بلاد العرب و من غيرها في مختلف الدهور، و على مر العصور ليسوا قادرين على محاكمة الأمور بطريقة عقلية و علمية صحيحة، بسبب محدودية معارفهم التي تستفيد منها عقولهم في الوصول إلى النتائج الصحيحة و الواضحة، فلا يكفي أن يقرأ عليهم القرآن ليدركوا إعجازه، و يؤمنوا باللّه و برسوله، بل هم يحتاجون إلى ما هو أيسر من ذلك، و أقرب إلى الحس.

و من الواضح: أن أقرب الأشياء على تفكيرهم، و أشدها لصوقا بأحاسيسهم، هي تلك التي يشعرون بها من خلال حاجة الجسد، و دعوته لهم لتلبيتها بما يثيره فيهم من الشعور بالخطر على الحياة، أو التماس اللذة، أو سد الحاجة و ليس ذلك إلا ما يتصل بالطعام و الشراب، الذي به قوام الجسد، و حفظ الوجود.

فإذا جاءت المعجزة لتلبي لهم هذه الحاجة بالذات، فإن التفاعل معها، و إدراك قيمتها لابد أن يعطي الإيمان الناشئ عنها عمقا و رسوخا في الروح، و تجذرا في الوجدان قد يتجاوز في مداه و في قدرته ما تعطيه المعادلات الفكرية، و البراهين العقلية.

و هذا يؤكد لنا قيمة ما ورد في النص المذكور، «فجعل القوم يقولون:

نشهد أنه رسول اللّه، و ازدادوا يقينا، و ذلك الذي أراد «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتوه و أسلموا، و تعلموا الفرائض الخ. .» .

وفود بارق:

قال ابن سعد: قدم وفد بارق على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، و بايعوا، و كتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا كتاب من محمد رسول اللّه لبارق. لا تجذ ثمارهم، و لا ترعى بلادهم في مربع و لا مصيف إلاّ بمسألة من بارق، و من مر بهم من المسلمين في عرك أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، و إذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط، بوسع بطنه من غير أن يقتثم» شهد أبو عبيدة بن الجراح، و حذيفة بن اليمان، و كتب أبي بن كعب (1).

و نقول:

بنو بارق بطن من خزاعة. و قال السمعاني: نسبوا إلى بارق، جبل ينزله الأزد-فيما أظنه-ببلاد اليمن.

وجذ الثمار: قطعها. أي ليس لأحد قطع ثمارهم، و رعي بلادهم، لا في المربع. أي في مكان نزولهم في الربيع، و لا في المصيف. أي مكان نزولهم في الصيف.

و العرك: الخصب.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 277 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 35 و 81 و في (ط دار صادر) ج 1 ص 286 و رسالات نبوية ص 116 و مجموعة الوثائق السياسية ص 241.

اشتراط ضيافة المسلمين:

كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشترط ضيافة جيوش المسلمين في الكتب التي كان يكتبها لوفود قبائل العرب. و قد يكون سبب ذلك أمورا مجتمعة أو متفرقة. . مثل:

1-إنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يخفف عن تلك الجيوش التي تجوب البلاد طولا و عرضا، فلا تكلف بحمل زادها، الذي يحتاج إلى المزيد من الإبل، و إلى جهد، و تعب، و إلى تفرغ فريق يتولى هذه المهمة. . و إلى. . و إلى. .

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد من تلك القبائل أن تشارك في الجهد و الجهاد، و تضحي من أجل هذا الدين، و تترسخ محبتها للمجاهدين، الذين يحملون دماءهم على أكفهم، و يبذلون مهجهم من أجل ان يعيش الناس كلهم بما فيهم تلك القبائل بأمن و سلام.

كما أن جهاد هؤلاء المجاهدين لابد أن يثمر لأهل الإيمان كلهم عزة و كرامة، و شوكة، و رفعة شأن. .

3-إن هذه التضحيات منهم في سبيل إخوانهم من شأنها أن ترسخ علاقة الأخوة في المجتمع الإسلامي، و تزيل من القلوب أنواعا من المشاحنات، و الأحقاد، و ربما حالات الحسد، و ما إلى ذلك. . و لابد من أن يحقق ذلك انسجاما أعمق، و علاقات أوثق. تساعد على نقل المعارف و الثقافات، و التجارب من قبيلة إلى قبيلة، و من فريق إلى فريق.

وفود عمرو بن معدي كرب الزبيدي

قالوا: قدم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زبيد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأسلم، و كان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادي-و هو ابن أخته-: يا قيس، إنك سيد قومك، و قد ذكر لنا: أن رجلا من قريش يقال له: محمد، قد خرج بالحجاز يقول: إنه نبي، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عنك، إذا لقيناه اتبعناه، و إن كان غير ذلك علمنا علمه.

فأبى عليه قيس ذلك و سفه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلم و صدقه و آمن به. فلما بلغ ذلك قيسا أوعد عمروا (و تحطم عليه و قال: خالفني و ترك رأيي) .

فقال عمرو في ذلك شعرا أوله:

أمرتك يوم ذي صنعاء أمرا باديا رشده

قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معدي كرب في قومه من بني زبيد و عليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ارتد عمرو.

قال ابن سعد: ثم رجع إلى الإسلام، و أبلى يوم القادسية و غيرها (1).

و نقول:

إن هذه الحكاية موضع شك:

أولا: قال الخطيب عن عمرو: قيل: لم يلق رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 386 و الإصابة ج 3 ص 18 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 328 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 372.

و آله» ، و إنما قدم المدينة بعد وفاته (1).

ثانيا: أننا قد ذكرنا في موضع آخر من هذا الكتاب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وجه عليا «عليه السلام» ، و خالد بن سعيد إلى اليمن، فأسرا جماعة من بني زبيد قوم عمرو بن معد يكرب، فقال عمرو: دعوني آتي هؤلاء القوم، فإني لم اسمّ لأحد قط إلا هابني، فلما دنا منهما و عرفهما بنفسه، ابتدراه كل منهما يقول: خلني و إياه.

فقال عمرو: العرب تفزّع بي، و أراني لهؤلاء جزرا، فانصرف (2).

و في نص آخر: أن خالد بن سعيد سبى قوم عمرو، ثم كلمه عمرو فيهم، فوهبهم له، فوهبه عمرو سيفه، و مدحه في شعره (3).

فإن كان عمرو بن معدي كرب قد وفد مع بعض بني زبيد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أسلم على يديه، فإنما كان ذلك بعد قصته مع أمير المؤمنين، و مع خالد بن سعيد بن العاص. . و لا يصح قوله لقيس بن مكشوح: قد ذكر لنا: أن رجلا من قريش يقال له: محمد، قد خرج بالحجاز الخ. .

بل قد يكون ثمة رغبة في إعطاء عمرو بن معدي يكرب و سام الصحبة مكافأة له على مشاركته في الحروب في عهد عمر بن الخطاب، و منها حرب القادسية.


1) الإصابة ج 3 ص 18 عن المتفق و المفترق للخطيب و ج 4 ص 569.

2) ذكرنا مصادر ذلك في موضعه من السرايا، و راجع: الإصابة ج 3 ص 18 عن مناقب الشافعي لابن شاكر.

3) تقدمت مصادر ذلك، و راجع: الإصابة ج 3 ص 18 عن ابن أبي شيبة

وفود طارق بن عبد اللّه:

عن طارق بن عبد اللّه قال: «إني لقائم» بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة له، و هو يقول: أيها الناس، قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا، و رجل يتبعه، يرميه بالحجارة يقول: أيها الناس، إنه كذاب، فلا تصدقوه.

فقلت: من هذا؟

فقالوا: هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول اللّه.

قال: فقلت: من ذا الذي يفعل به هذا؟

قالوا: عمه عبد العزى.

قال: فلما أسلم الناس و هاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة، نمتار من تمرها. فلما دنونا من حيطانها و نخلها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، فإذا رجل في طمرين له، فسلم و قال: من أين أقبل القوم؟

قلنا: من الربذة.

قال: و أين تريدون؟

قلنا: نريد المدينة.

قال: ما حاجتكم فيها؟

قلنا: نمتار من تمرها.

قال: و معنا ظعينة لنا، و معنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعوني جملكم هذا؟

قالوا: نعم، بكذا و كذا صاعا من تمر.

قال: فما استوفينا مما قلنا شيئا حتى أخذ بخطام الجمل و انطلق به، فلما توارى عنا بحيطان المدينة و نخلها، قلنا: ما صنعنا و اللّه ما بعنا جملنا ممن نعرف، و لا أخذنا له ثمنا.

فقالت المرأة التي معنا: لا تلاوموا، فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، و اللّه لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم.

إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليكم، هذا تمركم، فكلوا و اشبعوا، و اكتالوا و استوفوا.

فأكلنا حتى شبعنا، و اكتلنا و استوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلما دخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا من خطبته و هو يقول: «تصدقوا، فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، و ابدأ بمن تعول: أمك و أباك، و أختك و أخاك، و أدناك أدناك» .

فأقبل رجل في نفر من بني يربوع، أو قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول اللّه، إن لنا في هؤلاء دما في الجاهلية.

فقال: «لا تجني أم على ولد» ثلاث مرات (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 357 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 199-202 عن البيهقي، و الحاكم و ذكره الهيثمي في المجمع ج 6 ص 25 و عزاه للطبراني و قال فيه: أبو حباب الكلبي و هو مدلّس و قد وثقه ابن حبان، و بقية رجاله رجال الصحيح. و تغليق التعليق لابن حجر ج 3 ص 238 و راجع: كنز العمال ج 6 ص 381 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 169 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 890 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 612 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 21 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 243 و المفاريد عن رسول اللّه (ص) لأبي يعلى الموصلي ص 109 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 519 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 315 و سيرة ابن إسحاق ج 4 ص 216.

و نقول:

إننا نشك في هذه المزاعم، و ذلك لما يلي:

أولا: إن النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليخرج وحده إلى خارج المدينة، يتجاوز حيطانها (أي بساتينها) و نخلها دونما سبب يدعوه إلى إيثار هذه الوحدة. .

ثانيا: إنه لا يأخذ منهم الجمل بطريقة غير مألوفة، و كأنه يقتنصه منهم اقتناصا، بخطامه، و انطلق به دون أن يدفع لهم من ثمنه شيئا، بل دون أن يفاوضهم على زمان الدفع و مكانه. .

فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يقدم على مخالفة حكم الشريعة، حتى لو على سبيل الإحتمال، إذ لعلهم لا يرضون بأخذ الجمل منهم دون أن يدفع ثمنه، لا سيما و أنهم لا يعرفون شيئا عن المشتري.

ثالثا: ما معنى أن تدرك المرأة صفات و ميزات ذلك المشتري، و تلاحظ: أن وجهه كأنه شقة قمر، و أن وجهه وجه من لا يغدر بالناس. و لا يدرك الآخرون من الرجال الحاضرين ذلك؟ !

رابعا: إذا كان طارق قد رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذي المجاز، فلابد أن يعرفه حين التقى به خارج المدينة، حتى لو فصل بين رؤيته الأولى، و الثانية حوالي عشر سنوات، فإن الملامح لا تتغير في هذا السن بصورة كبيرة، و لعل التعبير عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه غلام قد يكون هدفه التغرير بالناس و إيهامهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان صغير السن و قد تغيرت ملامحه، فلم يعرفه طارق لأجل ذلك. .

و قد فاته: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أصبح رسولا و هو في سن

الأربعين، و أن كلمة غلام تطلق على الشاب و على الشيخ، فراجع.

وفود عنزة:

عن سلمة بن سعد: أنه وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو و جماعة من أهل بيته و ولده، فاستأذنوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدخلوا، فقال: «من هؤلاء» ؟

فقيل له: هذا وفد عنزة.

فقال: «بخ بخ بخ بخ» -أربعا- «نعم الحي عنزة، مبغي عليهم منصورون، مرحبا بقوم شعيب، و أختان موسى، سل يا سلمة عن حاجتك» .

قال: جئت أسألك عما افترضت علي في الإبل و الغنم.

فأخبره، ثم جلس عنده قريبا، ثم استأذنه في الإنصراف. فما عدا أن قام لينصرف، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم ارزق عنزة كفافا، لا فوت و لا إسراف» (1).

و نقول:

1-إننا لا نستطيع أن نؤكد أو أن ننفي و صدور هذه الكلمات عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقد قلنا: إن ما يرتبط بمدح القبائل و البلدان يبقى في موقع التهمة، حتى تظهر الدلائل التي تؤكده أو تنفيه. .

ثم إن الناس بشر يخطئون و يصيبون، و يطيعون و يعصون و يقعون تحت


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 388 عن مجمع الزوائد ج 10 ص 54 عن الطبراني، و البزار، و الإصابة ج 2 ص 65 عن الطبراني، و ابن قانع. و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 55 و كنز العمال ج 12 ص 65.

تأثير الأهواء و وساوس الشيطان. .

2-لم يظهر لي وجه تخصيص عنزة بهذا الترحيب و الثناء، و لم أعرف من الباغي على عنزة، الذي ينصرون عليه، و متى كان ذلك. . و لماذا كانوا قوم شعيب، و أختان موسى «عليه السلام» . .

3-إن القادمين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هم: سلمة و أهل بيته و ولده، و هم أهل بيت واحد، فأين كان سائر رجال قبيلة عنزة، فلما ذا لم يفد منهم أحد؟ !

وفود بني سعد هذيم:

روى محمد بن عمر الأسلمي، عن ابن النعمان، عن أبيه قال: قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وافدا في نفر من قومي، و قد أوطأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» البلاد غلبة، و أذاخ (1)العرب.

و الناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، و إما خائف من السيف، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي على جنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية و لم ندخل مع الناس في صلاتهم، و قلنا: حتى نلقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و نبايعه.

ثم انصرف «صلى اللّه عليه و آله» فنظر إلينا فدعا بنا فقال: «ممن أنتم» ؟

قلنا: من بني سعد هذيم.


1) لعل الصحيح: أذاح العرب. أي فرقهم و بددهم.

فقال: «أمسلمون أنتم» ؟

قلنا: نعم.

قال: «فهلا صليتم على أخيكم» ؟

قلنا: يا رسول اللّه، ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «أينما أسلمتم، فأنتم مسلمون» .

قال: فأسلمنا و بايعنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأيدينا على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رحالنا و قد كنا خلّفنا عليها أصغرنا.

فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في طلبنا، فأتي بنا إليه، فتقدم صاحبنا فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول اللّه، إنه أصغرنا و إنه خادمنا.

فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك اللّه عليه» .

قال: فكان و اللّه خيرنا، و أقرأنا للقرآن، لدعاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له، ثم أمّره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علينا، فكان يؤمنا.

و لما أردنا الإنصراف أمر بلالا فأجازنا بأواقي من فضة لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم اللّه عز و جل الإسلام (1).

أول جنازة صلى عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال في النور: يحتمل أن صاحب الجنازة سهيل بن بيضاء، فإن قدوم هذا الوفد كان في سنة تسع، و سهيل توفي فيها في مقدمه من تبوك، و لا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 343 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 204 -206 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 304 و السيرة الحلبية ج 3 ص 267.

أعلمه صلى في جنازة في المسجد إلا عليه.

و وقع في صحيح مسلم: أنه صلى على سهيل و أخيه في المسجد.

ففيه: أنه إن كان المراد به سهلا فلا يصح، لأنه مات بعد النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما قاله محمد بن عمر (الواقدي).

و كونه صفوانا فيه نظر أيضا، لأنه استشهد ببدر.

و الصواب: حديث عبادة في مسلم الذي فيه إفراد سهيل لا الحديث الذي بعده.

هذا في المسجد النبوي. و قد صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مسجد بني معاوية على أبي الربيع عبيد اللّه بن عبد اللّه بن ثابت بن قيس، و كان قد شهد أحدا (1).

غير أننا نقول:

إن الذين يعيشون في المدينة من المسلمين كانوا كثيرين و يعدون بالمئات، بل قيل: يعدون بالألوف، فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» يقصد بيوت من يموت منهم ليصلي على جنائزهم فيها؟ أم أنه كان يصلي عليها بالبقيع، أو في ساحات أخرى من المدينة؟ ! أم كانوا يأتون بجنائزهم إليه، ليصلي عليها في المسجد؟ ! أم أنه لم يمت أحد في المدينة طيلة تلك السنوات منذ الهجرة؟ ! أم أن الناس كانوا يصلون على جنائزهم بأنفسهم من دون الرجوع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك؟ !


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 344 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 205 و حواشي الشرواني ج 3 ص 190.

و في جميع الأحوال نقول:

إن عدم نقل ذلك لا يدل على عدم وجوده، و لا يستحق أن يشغل الناس بأمور كهذه.

الخوف من السيف:

قد ذكر النص المتقدم: أن الناس صنفان: إما خائف من السيف، أو داخل في الإسلام. و هذا كلام غير دقيق. فإن الإسلام لم يزل يعلن للناس أنه: لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ (1).

فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ (2).

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدٰاهُمْ (3).

و آيات كثيرة أخرى. .

فالخائفون من السيف هم خصوص أولئك الذين يريدون أن يكونوا جبارين في الأرض، و يواجهون النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالحرب، لمنعه من إبلاغ دعوته، و منع من تبلغهم الدعوة من ممارسة حقهم في اختيار هذا الدين، و الإيمان به، حتى أنهم يعاقبون من يفعل ذلك بالقتل، و بالتعذيب، و بالمقاطعة بجميع أنواعها و بكل ما يقع تحت اختيارهم.


1) الآية 256 من سورة البقرة.

2) الآية 29 من سورة التوبة.

3) الآية 272 من سورة البقرة.

أصغر القوم خادمهم:

و أما حديث أصغر القوم خادمهم، فنحن نشك في صحته لا سيما و أن الخادم للقوم هو الذي يقدر على خدمتهم، و القيام بحوائجهم، و الأصغر قد لا يكون كذلك في أحيان كثيرة. .

و المروي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «سيد القوم خادمهم» (1). و هذا الحديث، و إن حاول بعض أهل السنة تضعيفه سندا (2)، و لكنه يبقى هو المناسب لطبيعة الأمور، فإن سيد القوم يكون بحسب العادة قادرا على قضاء حوائج الناس و تقديم الخدمات لهم، إما مباشرة أو من خلال ما لديه من نفوذ و مكانة تجعل كلمته مسموعة، و تجعله قادرا على استخدام وسائل مختلفة. .

وفود أسلم:

قال ابن سعد: قدم عمير بن أفصى في عصابة من أسلم، فقالوا: «قد آمنا باللّه و رسوله، و اتبعنا منهاجك، فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب


1) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 378 و مكارم الأخلاق للطبرسي ص 251 و البحار ج 73 ص 273 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 59 و 290 و الجهاد لعبد اللّه بن المبارك ص 177 و الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 59 و كنز العمال ج 6 ص 710 و ج 9 ص 40 و فيض القدير للمناوي ج 4 ص 161 و كشف الخفاء للعجلوني ج 1 ص 462 و 463 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 209 و تاريخ بغداد ج 10 ص 185 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 30 و تاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 313 و أعيان الشيعة ج 1 ص 302 و السيرة الحلبية ج 1 ص 109 و ج 3 ص 267.

2) كشف الخفاء و مزيل الإلباس للعجلوني ج 1 ص 463.

فضيلتها، فإنا إخوة الأنصار، و لك علينا الوفاء و النصر في الشدة و الرخاء» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أسلم سالمها اللّه، و غفار غفر اللّه لها» .

و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا لأسلم، و من أسلم من قبائل العرب، ممن يسكن السيف (1)و السهل، و فيه ذكر الصدقة و الفرائض في المواشي. و كتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شماس. و شهد أبو عبيدة بن الجراح، و عمر بن الخطاب (2).

و نقول:

إننا لا نطمئن إلى صحة ما تقدم، فلاحظ ما يلي:

الثناء على أسلم و غفار:

و أول ما نذكره هنا هذا الثناء على قبيلتي أسلم و غفار، من دون أي مبرر ظاهر، مع أن هاتين القبيلتين بالإضافة إلى جهينة و مزينة هم المعنيون بالآية: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ (3). كما قاله عكرمة (4).

و قد تحدثنا عن هذا الأمر في بعض أجزاء هذا الكتاب فراجع.


1) أي سيف البحر.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 270 عن ابن سعد و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 354 و هو عند البخاري ج 2 ص 32 و مسلم ج 4 ص 1922 و راجع الإصابة ج 3 ص 29.

3) الآية 101 من سورة التوبة.

4) الدر المنثور ج 3 ص 271 عن ابن المنذر. و فتح القدير ج 2 ص 401.

و لعل سبب هذا الثناء على قبيلة أسلم هو أنها هي التي كانت قد احتلت المدينة، و مكنت لأبي بكر من غصب الخلافة من الوصي و الولي المنصوب من قبل الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» في يوم الغدير بأمر من اللّه تعالى، و لم يزل النص عليه بالإمامة و الخلافة يتوالى منه «صلى اللّه عليه و آله» طيلة أكثر من عشرين سنة. و لعلنا نشير إلى ما فعلته أسلم في التمكين لأبي بكر إن شاء اللّه تعالى (1).

أسلم إخوة الأنصار:

ثم إننا لم نستطع أن نفهم السبب في أنهم اعتبروا أنفسهم أخوة الأنصار. . فإن كان المقصود هو الأخوّة في الإيمان، فإن هذا لا يجعل لهم امتيازا على من سواهم من سائر المسلمين، لكي يطالبوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» بتمييزهم على من عداهم، كما أنه لا يبرر تخصيصهم للأنصار بالأخوة، فهم إخوة للمهاجرين أيضا.

و إن كان المقصود هو: أخوة خاصة، فإن التاريخ لا يثبت لهم شيئا من ذلك.

طلب المنزلة الخاصة:

على أن طلبهم أن يكون لهم منزلة خاصة عند رسول اللّه «صلى اللّه


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك (بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم) ج 3 ص 222 و تلخيص الشافي ج 3 ص 66 و البحار ج 28 ص 326 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 326 و 331 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 40 و الجمل للمفيد ص 119.

عليه و آله» يدل دلالة تكاد تكون واضحة على حب هؤلاء للدنيا، و على أن لهم تعلقا خاصا بها. .

و ذلك يقتضي أن يبادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى معالجة هذا الأمر فيهم. . إذ إنهم لم يفعلوا بعد أي شيء يستحقون به تلك المنزلة، سوى أنهم قد آمنوا باللّه و رسوله، و هذا ما يفعله سائر الناس، و قد سبقهم إليه غيرهم.

وفد بني هلال:

قالوا: و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفر من بني هلال، فيهم عبد عوف بن أصرم بن عمرو، فسأله عن اسمه، فأخبره.

فقال: «أنت عبد اللّه» ، فأسلم.

و منهم قبيصة بن المخارق قال: يا رسول اللّه، إني حملت عن قومي حمالة، فأعنّي فيها.

قال: «هي لك في الصدقة إذا جاءت» (1).

و روى مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» .

قال: ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، و رجل أصابته جائحة


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 425 و في هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 74 و راجع: الإصابة ج 1 ص 558 و المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 180.

اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش-أو قال سدادا من عيش، و رجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه (فيقولون) لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش-أو قال: سدادا من عيش-فما سواهن (من المسألة)يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا» (1).

و نقول:

لماذا غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :

زعمت الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» غضب حين رأى زياد بن الحارث عند ميمونة، و رجع، فلما أخبرته ميمونة بأنه ابن أختها عاد فدخل إليها.

و هذا كلام يشك في صحته:

أولا: لأن المفروض أنه: لابد للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يحسن الظن بميمونة، فإنها مسلمة يحمل فعلها على الصحة، و مع شكه في الأمر، فلما ذا غضب، ثم بادر لاتخاذ قرار بالرجوع، و رجع، قبل أن يتحقق من صحة ما ظنه، و لو بسؤال ميمونة عن ذلك الرجل الغريب. .

ثانيا: لماذا لم يبادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى طرد ذلك الرجل، بدلا من أن يرجع؟ ! أو فقل: لماذا لم يسأله عن سبب دخوله إلى بيته؟ !


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 403 و ج 6 ص 425 و في هامشه عن: مسلم، كتاب الزكاة (109) و أبي داود (1640) و النسائي ج 5 ص 89.

وفود بني عقيل بن كعب:

قال أشياخ من بني عقيل: وفد منا من بني عقيل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ربيع بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، و مطرف بن عبد اللّه بن الأعلم بن عمرو بن ربيعة بن عقيل، و أنس بن قيس بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فبايعوا و أسلموا، و بايعوه على من وراءهم من قومهم، فأعطاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» العقيق، عقيق بني عقيل، و هي أرض فيها عيون و نخل، و كتب لهم بذلك كتابا في أديم أحمر:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ربيعا و مطرفا و أنسا، أعطاهم العقيق، ما أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة، و سمعوا و أطاعوا» . و لم يعطهم حقا لمسلم (و كان الكتاب في يد مطرف) (1).

و نقول:

بايعوا على من وراءهم:

إن بيعة بني عقيل على من وراءهم من قومهم لعلها كانت مستندة إلى أن قومهم كانوا قد فوضوهم، و التزموا بما يقررونه في وفادتهم تلك، أو أنهم يثقون بقبول قومهم منهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 384 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 66 و 67 و البداية و النهاية ج 5 ص 105 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 174.

إقطاع أرض فيها عيون و نخل:

و قد ذكر آنفا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعطى العقيق لبني عقيل، و هي أرض فيها عيون و نخل. .

و قد ذكرنا حين الحديث عن إقطاعات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن الظاهر هو أن المقصود بالنخيل أصولها، أو تلك التي تركها أهلها، و ليس لها من يهتم بها. .

و ربما يكون بنو عقيل هم الأقرب أو الأقدر على إحيائها من غيرهم، بملاحظة ظروفهم و ظروف غيرهم. .

و عن تصريح في الكتاب بقوله: «و لم يعطهم حقا لمسلم» نقول:

إن ذلك يقطع الطريق على أي احتمال ربما يتذرع به أهل الريب في هذا الإتجاه.

إقطاع مشروط:

و قد صرح الكتاب الذي كتبه لبني عقيل: بأن هذا الإقطاع مشروط بإقامة الصلاة، و إيتاء الزكاة، و السمع و الطاعة، فمتى لم يقوموا بهذه الشروط سقطت مالكيتهم. .

و ليس لأحد أن يعترض أو أن يناقش في هذا الإشتراط، فإن الأرض للّه و لرسوله، و هو الذي يشرع، و يقرر، و يشترط.

وفود خولان:

قالوا: قدم وفد خولان (قبيلة في اليمن) و هم عشرة نفر في شعبان سنة

عشر، فقالوا: يا رسول اللّه، نحن مؤمنون باللّه، و مصدقون برسوله، و نحن على من وراءنا من قومنا، و قد ضربنا إليك آباط الإبل، و ركبنا حزون الأرض و سهولها، و المنة للّه و لرسوله علينا، و قدمنا زائرين لك.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما ما ذكرتم من مسيركم إلي، فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة. و أما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة» .

فقالوا: يا رسول اللّه، هذا السفر الذي لا توى عليه (أي لا هلاك) .

ثم قال «صلى اللّه عليه و آله» : «ما فعل عم أنس» ؟ و هو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه.

قالوا: بشرّ و عرّ، أبدلنا اللّه به ما جئت به، و لو قد رجعنا إليه لهدمناه، و بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير، و عجوز كبيرة متمسكون به، و لو قد قدمنا عليه هدمناه إن شاء اللّه تعالى، فقد كنا منه في غرور و فتنة.

فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و ما أعظم ما رأيتم من فتنته» ؟

قالوا: لقد رأيتنا و أسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه، و ابتعنا مائة ثور و نحرناهم لعم أنس قربانا في غداة واحدة، و تركناها تردها السباع، و نحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، و لقد رأينا العشب يواري الرجل، فيقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.

و ذكروا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم و حروثهم، و أنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءا له، و جزءا للّه بزعمهم. قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه، فنسميه له، و نسمي

زرعا أخر حجرة للّه، فإذا مالت الريح فالذي سميناه للّه جعلناه لعم أنس، و إذا مالت الريح فالذي سميناه لعم أنس جعلناه للّه.

فذكر لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن اللّه عز و جل قد أنزل عليه في ذلك: وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ مِمّٰا ذَرَأَ مِنَ اَلْحَرْثِ وَ اَلْأَنْعٰامِ نَصِيباً فَقٰالُوا هٰذٰا لِلّٰهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هٰذٰا لِشُرَكٰائِنٰا فَمٰا كٰانَ لِشُرَكٰائِهِمْ فَلاٰ يَصِلُ إِلَى اَللّٰهِ وَ مٰا كٰانَ لِلّٰهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلىٰ شُرَكٰائِهِمْ سٰاءَ مٰا يَحْكُمُونَ (1).

قالوا: و كنا نتحاكم إليه فنكلم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «تلك الشياطين تكلمكم» .

قالوا: إنّا أصبحنا يا رسول اللّه و قلوبنا تعرف أنه كان لا يضر و لا ينفع، و لا يدري من عبده ممن لم يعبده.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه الذي هداكم و أكرمكم بمحمد» .

و سألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن أشياء من أمر دينهم، فجعل يخبرهم بها، و أمر من يعلمهم القرآن و السنن، و أمرهم بالوفاء بالعهد، و أداء الأمانة، و حسن الجوار، و ألا يظلموا أحدا.

قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الظلم ظلمات يوم القيامة.

و أنزلوا دار رملة بنت الحدث، و أمر بضيافة، فأجريت عليهم، ثم جاؤوا بعد أيام يودعونه، فأمر لهم بجوائز باثنتي عشرة أوقية و نشا، و رجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس، و حرّموا ما حرّم


1) الآية 136 من سورة الأنعام.

عليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أحلوا ما أحل لهم (1).

و نقول:

إننا لا نرى أن ثمة حاجة للتعليق على ما ذكر آنفا، فإنه واضح قريب المأخذ. و لا نجد فيه ما يثير الريب و الشك.

وفود تجيب، و هم من السكون:

و قدم وفد تجيب (و هم بطن من كندة) على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هم ثلاثة عشر رجلا، و ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض اللّه عز و جل، فسر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهم، و أكرم منزلهم. و قالوا: يا رسول اللّه، سقنا إليك حق اللّه في أموالنا.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «ردوها فاقسموها على فقرائكم» .

قالوا: يا رسول اللّه، ما قدمنا عليك إلا بما فضل من فقرائنا.

فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، ما قدم علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الهدى بيد اللّه عز و جل، فمن أراد اللّه به خيرا شرح صدره للإيمان» .


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 324 و السيرة الحلبية ج 3 ص 275 و عيون الأثر ج 2 ص 312 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 331 و 332 و في هامشه عن: البخاري ج 3 ص 169 و الترمذي (2030) و مسند أحمد ج 2 ص 137 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 93. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 219 و 220.

و سألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أشياء فكتب لهم بها، و جعلوا يسألونه عن القرآن و السنن، فازداد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيهم رغبة، و أمر بلالا أن يحسن ضيافتهم.

فأقاموا أياما، و لم يطيلوا اللبث.

فقيل لهم: ما يعجلكم؟

قالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كلامنا إياه. و ما رد علينا.

ثم جاؤوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يودعونه، فأمر بلالا فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود، و قال: «هل بقي منكم أحد» ؟

قالوا: غلام خلفناه على رحالنا و هو أحدثنا سنا.

قال: «أرسلوه إلينا» .

فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام: انطلق إلى رسول اللّه، فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه و ودعناه.

فأقبل الغلام حتى أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، إني غلام من بني أبذى من الرهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتي يا رسول اللّه.

قال: «و ما حاجتك» ؟

قال: «يا رسول اللّه، إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، و إن كانوا قد قدموا راغبين في الإسلام، و ساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، و إني و اللّه ما أعملني من بلادي إلا أن تسأل اللّه عز و جل أن يغفر لي، و يرحمني، و أن يجعل غناي في قلبي» .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اغفر له و ارحمه، و اجعل غناه في قلبه» .

ثم أمر به بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه.

فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمنى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى، فسألهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن الغلام، فقالوا: يا رسول اللّه، و اللّه ما رأينا مثله قط، و لا حدثنا بأقنع منه بما رزقه اللّه. لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها و لا التفت إليها.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الحمد للّه، إني لأرجو أن يموت جميعا» .

فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجل جميعا؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «تشعب أهواؤه و همومه في أودية الدنيا، فلعل أجله يدركه في بعض تلك الأودية، فلا يبالي اللّه عز و جل في أيها هلك» .

قالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال و أزهده في الدنيا، و أقنعه بما رزقه اللّه.

فلما توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه فذكرهم اللّه و الإسلام، فلم يرجع منهم أحد. و جعل أبو بكر يذكره، و يسأل عنه حتى بلغه حاله، و ما قام به. فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 285 و 286 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 202-204 عن الديلمي، و اليعمري، و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 93 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 245 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 260 و عن السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 32 و عن الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 60 و 61 و رسالات نبوية ص 37 و 38 و معجم القبائل ج 1 ص 116 و عيون الأثر ج 2 ص 302.

الإكتفاء الذاتي في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و نلاحظ أن النص المتقدم قد صرح: بأن تلك القبيلة قد استغنى فقراؤها حين أخذت الزكاة من أغنيائها و وزعت عليهم، و بقيت لديها أموال لم تجد لها موردا تصرفها فيه، فحملتها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و ذلك يشير إلى أن ما شرعه الإسلام في أمر الأموال يحقق العدالة الإجتماعية، و يكفي لاقتلاع جذور الفقر من بين البشر، فإن الكل يعلم أنه لا خصوصية لقبيلة تجيب السكونية في المجتمع العربي، فما يجري في هذه القبيلة و عليها يجري في غيرها، خصوصا في الشأن المعيشي.

و قد ورد في بعض الأخبار ما يدل على أن الناس لو التزموا بأحكام اللّه و شرائعه، و عملوا بما فرضه اللّه في الأموال، و أخرجوا حق اللّه منها، و أوصلوه إلى أهله لم يبق في الدنيا فقير على الإطلاق، و من هذه النصوص قول أمير المؤمنين «عليه السلام» : «ما جاع فقير إلا بما متع به غني» (1).


1) نهج البلاغة ج 4 ص 78 الخطبة رقم (328) و مستدرك الوسائل ج 7 ص 9 و الغدير ج 8 ص 256 و شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 240 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للريشهري ج 4 ص 30 و 203 و البحار ج 93 ص 22 و روائع نهج البلاغة لجورج جرداق ص 233.

أو «ما جاع فقير إلا بما منع غني» (1).

و في رواية عن أبي الحسن الأول «عليه السلام» يقول في آخرها بعد أن ذكر أصناف المستحقين و سهامهم: «فلم يبقى فقير من فقراء الناس، و لم يبق فقير من فقراء قرابة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا و قد استغنى فلا فقير» (2).

حديث الرجل من بني أبذى:

و قد لفت نظرنا أيضا: أنه برغم أهمية قصة ذلك الرجل الذي هو من بني أبذى، فإن الروايات المتقدمة قد عجزت عن ذكر اسمه لنا، مع انهم يذكرون لنا اسماء من ليس له أثر يستحق الذكر على الإطلاق. فلما ذا كان ذلك؟ ! لا ندري! !


1) البحار ج 93 ص 22 و روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 454 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 9 ص 29 و (ط دار الإسلامية) ج 6 ص 16 و مشكاة الأنوار لعلي الطبرسي ص 228 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 36 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 294 و ينابيع المودة ج 2 ص 249 و الجامع للشرايع للحلي ص 152 و عيون الحكم للواسطي ص 153 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 228.

2) تهذيب الأحكام ج 4 ص 131 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 9 ص 514 و (ط دار الإسلامية) ج 6 ص 359 عن أصول الكافي ج 1 ص 542 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 395 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 61 و 586 و ذخيرة المعاد (ط. ق) للمحقق السبزواري ج 1 ق 3 ص 486.

الفصل التاسع: وفد نجران. . أحداث و تفاصيل

اشارة

ماذا عن نجران؟ ! :

قالوا: «نجران: بلد كبير يقع على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاث و سبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع-كما في فتح الباري-و الأخدود المذكور في القرآن قرية من قراها» (1).

و قالوا: إنه هو من مخاليف اليمن بالقرب من صنعاء، ما بين عدن و حضرموت (2).

و كل أهل نجران صنفين: نصارى و أميين؛ فأما النصارى فنحن نتحدث عنهم، و قد صالحهم. و أما الأميون منهم، فبعث إليهم خالد بن الوليد، فأسلموا، و قدم وفدهم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . (3).

كتاب دعوة. . و وفد استطلاع:

و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل نجران قبل أن ينزل


1) راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 186 و راجع: السيرة النبوية لدحلان و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 21 و معجم ما استعجم للأندلسي ج 1 ص 121.

2) راجع: نهاية الإرب ص 19 و معجم البلدان ج 5 ص 266.

3) قد تقدم الحديث حول هذا الأمر في هذا الكتاب.

عليه: طس (1). إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمٰانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ (2)ما يلي:

«بسم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب، من محمد النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى أسقف نجران و أهل نجران، إن أسلمتم فإني أحمد إليكم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب.

أما بعد. . فإني أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد، و أدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب و السلام» (3).

و الظاهر: أن المبعوث إليه هذا الكتاب هو الأسقف أبو حارثة بن علقمة، فإنه كان هو الرأس فيهم.

فلما أتى الأسقف الكتاب و قرأه قطع به، و ذعر ذعرا شديدا. فبعث إلى


1) الآية 1 من سورة النمل.

2) الآية 30 من سورة النمل.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 415 عن البيهقي، و مكاتيب الرسول ج 2 ص 489 عن المصادر التالية: البداية و النهاية ج 5 ص 53 عن البيهقي، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 65 و في (ط أخرى) ص 70 و صبح الأعشى ج 6 ص 367 و في (ط أخرى) ص 381 و في (ط ثالثة) ص 388 و حياة الصحابة ج 1 ص 118 و رسالات نبوية ص 60 و مآثر الإنافة ج 3 ص 237 و زاد المعاد ج 3 ص 39 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 385 و الدر المنثور ج 2 ص 38 عن الدلائل للبيهقي، و ناسخ التواريخ سيرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ص 448 و البحار ج 21 ص 285 عن السيوطي و 287 عن الإقبال و ج 35 ص 262 عن البيهقي، و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 50 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 76 و مدينة العلم ج 2 ص 297 و تفسير الميزان ج 3 ص 255 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 377 و لباب النقول للسيوطي ص 52. و مجموعة الوثائق السياسية ص 174/93 عن جمع ممن قدمناه، و عن المصباح المضيء كلمة نجران.

رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة، و كان من همدان. و لم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة إلا الأيهم-و هو السيد-و العاقب. فدفع الأسقف كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى شرحبيل و قرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟

فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد اللّه إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، و لو كان أمرا من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي، و جهدت لك.

فقال له الأسقف: تنح فاجلس ناحية. فتنحى شرحبيل فجلس ناحية. فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد اللّه بن شرحبيل، و هو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب و سأله ما الرأي؟

فقال نحوا من قول شرحبيل بن وداعة.

فقال له الأسقف: تنح فاجلس، فتنحى فجلس ناحية.

ثم بعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران، يدعى جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب و سأله عن الرأي فيه، فقال مثل قول شرحبيل بن وداعة، و عبد اللّه بن شرحبيل، فأمره الأسقف فجلس ناحية.

فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، و رفعت النيران السرج في الصوامع، و كذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا نهارا، فإن فزعوا بالليل ضربوا بالناقوس، و رفعوا النيران في الصوامع.

فاجتمع حين ضرب بالناقوس و رفعت السرج أهل الوادي أعلاه و أسفله، و طول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، و فيه ثلاث و سبعون

قرية، و مائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم الأسقف كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سألهم عن الرأي فيه.

فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، و عبد اللّه بن شرحبيل الأصبحي، و جبار بن فيض الحارثي، فيأتوهم بخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

وفد النجرانيين إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال ابن إسحاق: و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم العاقب و هو عبد المسيح، و السيد و هو الأيهم، و أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، و أوس، و الحارث، و زيد، و قيس، و يزيد، و خويلد، و عمرو، و خالد، و عبد اللّه، و يحنس، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم، و ذو رأيهم، و صاحب مشورتهم، و الذي لا يصدرون إلا عن رأيه. و اسمه عبد المسيح، و السيد ثمالهم و صاحب رحلهم، و مجتمعهم، و اسمه الأيهم.

و أبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل أسقفهم، و حبرهم و إمامهم، و صاحب مدراسهم، و كان أبو حارثة قد شرف فيهم، و درس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 415 و 416 عن البيهقي و تفسير الميزان ج 3 ص 234 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 378 و الدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 38 و البداية و النهاية ج 5 ص 65 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 68 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 102.

قد شرفوه، و مولوه و أخدموه، و بنوا له الكنائس، و بسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه و اجتهاده في دينهم.

فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، و لبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة، و تختموا بالذهب.

و في لفظ: دخلوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مسجده (في المدينة)حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جبب و أردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب.

فقال بعض من رآهم من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ: ما رأينا وفدا مثلهم. و قد حانت صلاتهم. فقاموا في مسجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلون نحو المشرق (فأراد الناس منعهم) .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «دعوهم» .

ثم أتوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلموا عليه، فلم يرد عليهم السلام، و تصدوا لكلامه نهارا طويلا، فلم يكلمهم، و عليهم تلك الحلل و الخواتيم الذهب.

فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف، و كانوا يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين و الأنصار في مجلس فقالوا لهما: يا عثمان، و يا عبد الرحمن، إن نبيكما كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، و تصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما؟ أنعود إليه، أم نرجع إلى بلادنا؟

فقالا لعلي بن أبي طالب «عليه السلام» و هو في القوم: ما الرأي في هؤلاء القوم يا أبا الحسن؟

فقال لهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه و خواتيمهم، و يلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودوا إليه.

ففعل وفد نجران ذلك و رجعوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسلموا عليه فرد عليهم سلامهم ثم قال: «و الذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى و إن إبليس لمعهم» (1).

وفد نجران يحاور رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و عن ابن عباس، و الأزرق بن قيس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعا وفد نجران إلى الإسلام، فقال العاقب، عبد المسيح، و السيد أبو حارثة بن علقمة: قد أسلمنا يا محمد.

فقال: «إنكما لم تسلما» .

قالا: بلى، و قد أسلمنا قبلك.

قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، و أكلكما الخنزير، و زعمكما أن للّه ولدا» .

ثم سألهم و سألوه، فلم تزل به و بهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فإنا نرجع إلى قومنا و نحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نعلم قولك فيه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 416 و 417 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 187 و 188 و البحار ج 21 ص 337 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 378 و البداية و النهاية ج 5 ص 65 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 69 و إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ج 1 ص 255 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 103.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول اللّه في عيسى» (1).

و عن عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزبيدي: أنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «ثبت (ليت) بيني و بين أهل نجران حجاب، فلا أراهم و لا يروني» ، من شدة ما كانوا يمارون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2). انتهى.

و روى ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن ابن عباس، و ابن سعد عن الأزرق بن قيس، و ابن جرير عن السدي، و ابن جرير، و ابن المنذر عن أبي جريج: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا؟

قال: «من صاحبكم» ؟

قالوا: عيسى ابن مريم، تزعم أنه عبد.

قال: «أجل، إنه عبد اللّه و روحه و كلمته، ألقاها إلى مريم، و روح منه» .

فغضبوا و قالوا: لا، و لكنه هو اللّه نزل من ملكه فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها، فأرانا قدرته و أمره، فهل رأيت قط إنسانا خلق من غير أب؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 417 عن الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و أبي نعيم، و ابن سعد، و عبد بن حميد، و البداية و النهاية ج 5 ص 65 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 103.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 417 عن ابن جرير و جامع البيان للطبري ج 3 ص 405 و المحرر الوجيز للأندلسي ج 1 ص 447 و الدر المنثور ج 2 ص 38 و تفسير الآلوسي ج 3 ص 194 و راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 155.

فأنزل اللّه تعالى: لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ. . (1).

و أنزل تبارك و تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ قٰالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاٰ تَكُنْ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ (2).

فلما أصبحوا عادوا إليه، فقرأ عليهم الآيات، فأبوا أن يقرأوا. فأمر تعالى نبيه الكريم «صلى اللّه عليه و آله» بمباهلتهم فقال سبحانه و تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ وَ مٰا مِنْ إِلٰهٍ إِلاَّ اَللّٰهُ وَ إِنَّ اَللّٰهَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (3). فرضوا بمباهلته «صلى اللّه عليه و آله» . .

فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم: السيد، و العاقب، و الأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه؛ فإنه ليس نبيا، و إن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لا يقدم على أهل بيته إلا و هو صادق.

و عن جابر، و ابن عباس، و قتادة، و سلمة بن عبد يسوع عن ابيه عن جده، و عن حذيفة، و الأزرق بن قيس، و الشعبي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما نزلت هذه الآيات دعا وفد نجران إلى المباهلة، فقال: «إن اللّه تعالى أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم» .


1) الآية 17 من سورة المائدة.

2) الآيتان 59 و 60 من سورة آل عمران.

3) الآيات 61-63 من سورة آل عمران.

فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا.

و في حديث آخر فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فخلا بعضهم إلى بعض و تصادقوا.

فقال السيد العاقب: و اللّه يا معشر النصارى، لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، و لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين، إنه للاستئصال لكم، و ما لاعن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم، و لا نبت صغيرهم.

و في رواية: فقال شرحبيل: لئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عنّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر و لا ظفر إلا هلك.

و في رواية: لا نفلح نحن و لا عقبنا من بعدنا.

قالوا: فما الرأي يا أبا مريم؟

فقال: رأيي أن أحكّمه، فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا.

فقال السيد: فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، و الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم.

فلما انقضت المدة أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مشتملا على الحسن و الحسين في خميلة له، و فاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، و له يومئذ عدة نسوة. فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن أنا دعوت فأمنوا أنتم» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 419 عن الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و أبي نعيم في الدلائل، و البيهقي، و ابن الشيخ، و الترمذي، و النسائي، و ابن سعد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي شيبة، و سعيد بن منصور. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 187-190. و البحار ج 35 ص 264 و الدر المنثور ج 2 ص 39 و تفسير الآلوسي ج 3 ص 188.

و عن سعد بن أبي وقاص، عن علي بن أحمر قالا: لما نزلت آية المباهلة دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا و فاطمة، و حسنا و حسينا، فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» (1). انتهى.

فتلقى شرحبيل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك.

فقال: «و ما هو» ؟

فقال: حكمك اليوم إلى الليل و ليلتك إلى الصباح، فما حكمت فينا فهو جائز. و أبوا أن يلاعنوه.

و عن ابن عباس قال: لو باهل أهل نجران رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لرجعوا لا يجدون أهلا و لا مالا (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 419 عن مسلم، و الترمذي، و ابن المنذر، و الحاكم في السنن، و في هامشه عن: الحاكم ج 4(1871) ، و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 190 و المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 66 و العمدة لابن البطريق ص 132 و 188 و الطرائف لابن طاووس ص 45 و ص 129 و الصراط المستقيم للعاملي ج 1 ص 186 و البحار ج 37 ص 265 و 270.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 419 عن عبد الرزاق، و البخاري، و الترمذي، و النسائي، و ابن جرير، و ابن المنذر. و مجمع البيان للطبرسي ج 1 ص 310 و الدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 39. و راجع: البحار ج 17 ص 169 و مسند احمد ج 1 ص 248 و مجمع الزوائد ج 8 ص 228 و فتح الباري ج 8 ص 557 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 308 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 472 و تفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 52 و جامع البيان للطبري ج 1 ص 597 و ج 3 ص 409.

و روي عن الشعبي مرسلا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «لقد أراني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر، لو تموا على الملاعنة» .

و روي عن قتادة مرسلا: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، أن لو فعلوا لاستؤصلوا من الأرض» (1).

و لما غدا إليهم أخذ بيد حسن حسين، و فاطمة تمشي خلفه، و علي خلفها، و هو يقول: «إذا أنا دعوت فأمّنوا» .

فقال أسقفهم: إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله. فلا تباهلوا فتهلكوا، و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. و اللّه، لقد عرفتم نبوته، و لقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، أي عيسى. فو اللّه، ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا دينكم فوادعوا الرجل، و انصرفوا.

فقالوا: يا أبا القاسم لا نلاعنك.

فقال: «فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين و عليكم ما عليهم» . فأبوا.

قال: «فإني أناجزكم» .

فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة. و لكن نصالحك.

فصالحهم، و قال: «و الذي نفسي بيده، إن العذاب تدلى على أهل نجران، و لو تلاعنوا لمسخوا قردة و خنازير، و لاضطرم عليهم الوادي نارا،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 419 و الدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 39.

و لاستأصل اللّه نجران و أهله حتى الطير على الشجر» (1).

و في بعض النصوص أنهم قالوا له: لم لا تباهلنا بأهل الكرامة و الكبر، و أهل الشارة ممن آمن بك و اتبعك؟ !

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «أجل، أباهلكم بهؤلاء خير أهل الأرض، و أفضل الخلق» .

ثم تذكر الرواية قول الأسقف لأصحابه: «أرى وجوها لو سأل اللّه بها أحد أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله. .

إلى أن قال: أفلا ترون الشمس قد تغير لونها، و الأفق تنجع فيه السحب الداكنة، و الريح تهب هائجة سوداء، حمراء، و هذه الجبال يتصاعد منها الدخان؟ ! لقد أطلّ علينا العذاب! انظروا إلى الطير و هي تقيء حواصلها، و إلى الشجر كيف يتساقط أوراقها، و إلى هذه الأرض ترجف تحت أقدامنا» (2).


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 190 عن ابن أبي شيبة، و أبي نعيم و غيرهما، و راجع: المحرر الوجيز للأندلسي ج 1 ص 448.

2) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 104 و حياة الحسن «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 49-51. و قد روى قضية المباهلة بأهل الكساء بالاختصار تارة، و بالتفصيل أخرى جم غفير من الحفاظ و المفسرين. و نذكر على سبيل المثال منهم هنا: تفسير العياشي ج 1 ص 176 و 177 و مجمع البيان ج 2 ص 452 و 453 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 370 و 371 و تفسير جامع البيان للطبري ج 3 ص 211 و 213 و 212. و راجع أيضا: تفسير النيسابوري (بهامش جامع البيان) ج 3 ص 213 و 214 و تفسير الرازي ج 8 ص 80 و بعد ذكره حديث عائشة في المباهلة بأهل البيت «عليهم السلام» ، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» جعل حينئذ الجميع تحت المرط الأسود، حيث قرأ آية التطهير قال الرازي: «و هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير و الحديث» . و التفسير الحديث لمحمد عزت دروزة ج 8 ص 108 عن التاج الجامع للأصول ج 3 ص 396 عن مسلم و الترمذي. و الكشاف للزمخشري ج 1 ص 368 -370 و الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ص 166 و الصواعق المحرقة ص 153 و 154 و أسباب النزول للواحدي ص 58 و 59 و صحيح مسلم ج 7 ص 120 و 121 و البداية و النهاية ج 5 ص 54 و حياة الصحابة ج 2 ص 492 و ج 1 ص 130 و 121 و صحيح الترمذي ج 5 ص 638 و 22 و المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 370 و 368 و 369 عن كثيرين جدا و ينابيع المودة ص 52 و 232 و عن ص 479 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 298 و 299 و حقائق التأويل للشريف الرضي «رحمه اللّه» ص 110 و 112 و فرائد السمطين ج 1 ص 378 و ج 2 ص 23 و 24 و شواهد التنزيل ج 1 ص 126 و 127 و 124 و 123 و ج 2 ص 20 و المسترشد في الإمامة ص 60 و ترجمة الإمام علي «عليه السلام» من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي ط 1) ج 1 ص 206 و (ط 2) ص 225 و المناقب للخوارزمي ص 59 و 60 كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 232 و 233 و الإصابة ج 2 ص 503 و 509 و معرفة علوم الحديث للحاكم ص 50 و تفسير فرات ص 15 و 14 و 16 و 117 و أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 172 و ج 1 ص 265 و الجوهرة في نسب علي «عليه السلام» و آله ص 69 و ذخائر العقبى ص 25 و روضة الواعظين ص 164 و ما نزل من القرآن في أهل البيت لابن الحكم ص 50 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 110 و 5 و 7 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 150 و أسد الغابة ج 4 ص 26 و سنن البيهقي ج 7 ص 63 و مسند أحمد ج 1 ص 185 و مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن المغازلي ص 263 و في هامشه عن نزول القرآن لأبي نعيم (مخطوط) و الدر المنثور ج 2 ص 38-40 عن بعض من تقدم و عن البيهقي في الدلائل، و ابن مردويه، و ابن أبي شيبة، و سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و تفسير البرهان ج 1 ص 286-290 عن بعض من تقدم و عن موفق بن أحمد، في كتاب فضائل الإمام علي، و أمالي الشيخ، و الإختصاص، و عن الصدوق و عن الثعلبي، عن مقاتل، و الكلبي، و في تفسير الميزان ج 2 ص 228-235. عن كثير ممن تقدم، و عن عيون أخبار الرضا، و إعلام الورى ص 79 و الخرائج و الجرائح، و حلية الأولياء، و الطيالسي. و هو أيضا في فتح القدير ج 1 ص 347 و 348 و تفسير التبيان ج 2 ص 485 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 288-290 عن بعض من تقدم و عن الخصال و روضة الكافي و غيرهما، و عن نور الأبصار ص 111 و عن المنتقى باب 38 و في تفسير الميزان ج 3 ص 235 و قال ابن طاووس في كتاب سعد السعود ص 91: رأيت في كتاب تفسير ما نزل في القرآن في النبي و أهل بيته، تأليف محمد بن العباس بن مروان: أنه روى خبر المباهلة من أحد و خمسين طريقا عمن سماه من الصحابة و غيرهم، وعد منهم الحسن بن علي «عليهما السلام» و عثمان بن عفان، و سعد بن أبي وقاص، و بكر بن سمال، و طلحة، و الزبير، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللّه بن عباس، و أبا رافع مولى النبي، و جابر بن عبد اللّه، و البراء بن عازب، و أنس بن مالك» انتهى. و روي ذلك أيضا عن: علي «عليه السلام» و أم سلمة و عائشة، و أبي سعيد الخدري و عمرو بن سعيد بن معاذ، و حذيفة بن اليمان، (و زاد ابن طاووس نقلا عن الحجام) أبا الطفيل عامر بن واثلة، و جرير بن عبد اللّه السجستاني، و أبا قيس المدني، و أبا إدريس، و محمد بن المنكدر، و علي بن الحسين، و أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين، و أبا عبد اللّه جعفر بن محمد، و الحسن البصري، و قتادة، و علباء بن الأحمر، و عامر بن شراحيل الشعبي، و يحيى بن نعمان، و مجاهد، و شهر بن حوشب. و أضاف ابن شهر آشوب في مناقبه ج 3 ص 368-369: أبا الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، و ابن البيع في معرفة علوم الحديث، و احمد في الفضائل، و ابن بطة في الإبانة، و الأشفهي في اعتقاد أهل السنة، و الخركوشي في شرف النبي، و محمد بن اسحاق، و قتيبة بن سعيد، و الحسن البصري، و القاضي أبا يوسف، و القاضي المعتمد أبا العباس، و أبا الفرج الأصبهاني في الأغاني عن كثيرين و هامش حقائق التأويل ص 110 عن بعض من تقدم، و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 165 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 392 و عن كنز العمال ج 6 ص 407 و عن تفسير الخازن، و عن تفسير البغوي بهامشه. و ثمة مصادر كثيرة أخرى ذكرها في مكاتيب الرسول ج 2 ص 502 و 503 و 504 مثل: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 66 و في (ط أخرى) ص 71 و فتوح البلاذري ص 75 و في (ط أخرى) ص 85 و السيرة الحلبية ج 3 ص 240 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 6 و الشفاء للقاضي عياض ج 2 ص 107 و نسيم الرياض ج 3 ص 411 و شرح القاري (بهامشه) ج 2 ص 522 و ج 3 ص 411 و كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 141 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 104 و المنار ج 3 ص 322 و أعيان الشيعة ج 1 ص 416 و البحار ج 35 و ج 21 ص 277 و 282 و 321 و 338 و 339 و 341-343 و 346 و 354 و دلائل النبوة للبيهقي ص 298 و القاضي البيضاوي في تفسير الآية، و روح المعاني ج 3 ص 190 و روح البيان ج 2 ص 44 و السراج المنير ج 1 ص 222 و تفسير الشريف اللاهيجي ج 1 ص 332 و جلاء الأذهان ج 1 ص 61 و كنز الدقائق ج 2 ص 102 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 57 و العمدة لابن بطريق ص 188 و ما بعدها، و تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 14 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 16 و في (ط أخرى) ص 295 و الأغاني ج 12 ص 7 و نهج الحق ص 177 و غاية المرام المقصد الثاني الباب 3 و 4 عن سعد، و جابر، و ابن عباس، و الشعبي، و السدي، و أبي عبد اللّه و الحسن و أبي الحسن موسى و أبي ذر عن علي «عليهما السلام» في حديث (المناشدة) ، و عن محمد بن المنكدر بن عبد اللّه بن الهدير، و عن أبي الحسن الرضا «عليه السلام» . و قد أخرجه في البحار ج 21 عن مصادر جمة، و كذا أخرجه في ملحقات إحقاق الحق ج 3 و ج 5 و ج 9 و ج 14 عن مصادر أهل السنة جمعاء. و راجع: ملحقات إحقاق الحق ج 3 ص 46 و ما بعدها، نقله عن جمع ممن قدّمناه، و عن الثعلبي في تفسيره، و معالم التنزيل ج 1 ص 302 و مصابيح السنة ج 2 ص 204 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 115 و جامع الأصول ج 9 ص 470 و تلخيص الذهبي ذيل المستدرك ج 3 ص 150 و مطالب السؤول ص 7 و الرياض النضرة ص 188 و تفسير النسفي ج 1 ص 136 و تبصير الرحمن ج 1 ص 114 و مشكاة المصابيح ج 2 ص 356 و الكاف الشاف ص 226 و المواهب للكاشفي ج 1 ص 71 و معارج النبوة ج 1 ص 315 و الإكليل ص 53 و تفسير الجلالين ج 1 ص 33 و تفسير أبي السعود ج 2 ص 143 و مدارج النبوة ص 500 و مناقب مرتضوي ص 44 و الإتحاف بحب الأشراف ص 50 و الجواهر للطنطاوي ج 2 ص 120 و رشفة الصادي ص 35 و كفاية الخصام ص 39. و راجع أيضا ج 9 ص 70 عن منهاج السنة لابن تيمية ج 4 ص 34 و مقاصد المطالب ص 11 و المنتقى ص 188 و نزول القرآن في أمير المؤمنين «عليه السلام» لأبي نعيم (مخطوط) ، و أرجح المطالب ص 55 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 194 و مرآة الجنان ج 1 ص 109 و شرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ص 219 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 43 و إمتاع الأسماع ص 502 و المواقف ج 2 ص 614 و شرح ديوان أمير المؤمنين «عليه السلام» ص 184 و راجع أيضا ج 5 ص 59 و 102 و ج 14 ص 131-148.

كتاب مصالحة النجرانيين:

و بعد امتناعهم عن الدخول في الملاعنة، و تقرر ضرب الجزية على أهل

نجران، انصرفوا حتى إذا كان من الغد كتب لهم هذا الكتاب:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي رسول اللّه لأهل نجران-إذا كان عليهم حكمه-في كل ثمرة، و في كل صفراء و بيضاء و رقيق فأفضل ذلك عليهم، و ترك ذلك كله (لهم)على ألفي حلة من حلل الأواقي، في كل رجب ألف حلة، و في كل صفر ألف حلة، مع كل حلة أوقية من الفضة، فما زادت على الخراج أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، و ما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب، و على نجران مؤنة رسلي و متعتهم ما بين عشرين يوما فما دون ذلك، و لا تحبس رسلي فوق شهر.

و عليهم عارية ثلاثين درعا، و ثلاثين فرسا، و ثلاثين بعيرا، إذا كان كيد و معرة، و ما هلك مما أعاروا رسلي من دروع، أو خيل أو ركاب، (أو عروض)فهو ضمين على رسلي حتى يؤدوه إليهم.

و لنجران و حاشيتها جوار اللّه و ذمة محمد النبي رسول اللّه على أنفسهم و ملتهم، و أرضهم و أموالهم، و غائبهم و شاهدهم، و عشيرتهم، و بيعهم (و صلواتهم)، (و كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير)، و ألا يغيروا مما كانوا عليه بغير حق من حقوقهم و لا ملتهم، و لا يغير أسقف عن أسقفيته، و لا راهب من رهبانيته.

و ليس عليهم دنية، و لا دم جاهلية، و لا يحشرون، و لا يعشرون، و لا يطأ أرضهم جيش، و من سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين و لا مظلومين. (على ألا يأكلوا الربا)فمن أكل الربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة، و لا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، و على ما في هذه الصحيفة جوار

اللّه، و ذمة النبي محمد رسول اللّه أبدا، حتى يأتي اللّه بأمره ما نصحوا و أصلحوا ما عليهم، غير مثقلين بظلم» .

شهد أبو سفيان بن حرب، و غيلان بن عمرو، و مالك بن عوف النصري، و الأقرع بن حابس الحنظلي، و المغيرة بن شعبة (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 420 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 152 فما بعدها إلى ص 156 و 165 عن المصادر التالية: البداية و النهاية ج 5 ص 55 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 584 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 67 و في (ط أخرى) ص 72 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 35 و في (ط أخرى) ج 1 ص 287 و تفسير الشيخ أبي الفتوح الرازي (في تفسير الآية 61 من آل عمران-آية المباهلة) (الطبعة الفهلوية) ج 1 ص 576 و مستدرك الوسائل للنوري ج 11 ص 133 و الإرشاد للمفيد ص 78 و في (ط أخرى) ص 79 و الأموال لأبي عبيد ص 272-275 و في (ط أخرى) ص 187 و راجع ص 39 و رسالات نبوية ص 62-66 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 76 و الخراج لأبي يوسف ص 72 و في (ط أخرى) ص 78 و حياة الصحابة ج 1 ص 121 و زاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 40 و 41 و مدينة العلم ج 2 ص 299 و جلاء الأذهان (تفسير گازر) ج 2 ص 62 و غاية المرام ص 301 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 449 و 450 و ج 1 ص 948 و أعيان الشيعة ج 1 ص 417 و نشأة الدولة الإسلامية ص 313. قال البلاذري في الفتوح ص 76 و في (ط أخرى) ص 87 و 88 بعد نقل الكتاب: «و قال يحيى بن آدم: و قد رأيت كتابا في أيدي النجرانيين، كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة و في أسفله: و كتب علي أبو طالب و لا أدري ما أقول فيه» ! ! و راجع: الوثائق السياسية: ص 175/94 نقله عن جمع ممن تقدم و عن الأصل للشيباني (خطيات مراد ملا و عاطف و فيض و آياصوفيا بإستانبول كتاب السير باب ما جاء عن النبي و أصحابه في أهل نجران و بني تغلب) و إمتاع الأسماع للمقريزي خطية كوپرلو ص 1037 و 1038 و 1650 و الوثائق السياسية اليمنية لمحمد علي الأكوع الحوالي ص 94-96 قال: و راجع أيضا مخطوطة التأريخ المجهول و راجع أيضا: ص 718 من الوثائق. و أوعز إليه في النهاية لابن الأثير في مادة: «وقه» و «وقف» و «هف» و «وفه» و «ربي» و راجع: الفائق ج 1 ص 179 و لسان العرب، و أقرب الموارد في هذه المواد، و راجع: معجم البلدان ج 5 ص 265 و 269 و نيل الأوطار ج 8 ص 58 و فتح الباري ج 8 ص 74 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 293 و عون المعبود ج 3 ص 133 و أبا داود ج 3 ص 167 و المنار ج 3 ص 322 و تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي ج 1 ص 441 و إعلام الورى ص 130 و مآثر الإنافة ج 3 ص 237 و ثقات ابن حبان ج 2 ص 123 و السيرة الحلبية ج 3 ص 212 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 4 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 57 و كنز العمال ج 14 ص 247 و ج 4 ص 323 و البحار ج 21 ص 277 و 338 و 372 و الإصابة ج 3 ص 192 في غيلان بن عمرو، و المنتظم لابن الجوزي ج 4 ص 3. و الخراج لقدامة بن جعفر (مخطوطة پاريس) ورقة 125 و زاد المعاد ج 3 ص 41 و الفائق مادة «وهف» و اللسان مادة «وقف» و إمتاع الأسماع ج 1 ص 502 و غريب الحديث لأبي عبيد (خطية كوپرلو) ورقة 72-ب و النهاية مادة «ثلل» و «ثوي» و «ربي» . قال: و انظر كايتاني ج 10 ص 60.

كتاب آخر لنصارى نجران:

و في لفظ: أن الأسقف أبا الحارث أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه السيد العاقب، و وجوه قومه، و أقاموا عنده يستمعون ما ينزل اللّه عز و جل، فكتب للأسقف هذا الكتاب و لأساقفة نجران بعده، يقول فيه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول اللّه للأسقف أبي الحارث، و أساقفة نجران و كهنتهم و رهبانهم، و أهل بيعهم، و رقيقهم و كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته، و راهب من رهبانيته، و لا كاهن من كهانته، و لا يغير حق من حقوقهم و لا سلطانهم، و لا مما كانوا عليه، لهم على ذلك جوار اللّه تعالى و رسوله أبدا، ما نصحوا و أصلحوا، غير مثقلين بظلم و لا ظالمين» .

و كتب المغيرة بن شعبة.

فلما قبض الأسقف الكتاب استأذن في الانصراف إلى قومه و من معه، فأذن لهم فانصرفوا (1).

نص آخر للكتاب:

و ثمة كتاب آخر أرسله إليهم، و هو التالي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى الأسقف أبي الحارث، و أساقفة نجران و كهنتهم، و من تبعهم و رهبانهم، أن لهم ما تحت أيديهم من قليل و كثير، من بيعهم و صلواتهم، و رهبانيتهم، و جوار اللّه و رسوله، لا يغير أسقف من أسقفيته، و لا راهب من رهبانيته، و لا كاهن من كهانته، و لا يغير حق من حقوقهم، و لا سلطانهم، و لا شيء مما كانوا عليه. على ذلك جوار اللّه و رسوله أبدا ما نصحوا، و صلحوا، فما عليهم غير مثقليين


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 420 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 149 و زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 41 و رسالات نبوية ص 66، و إمتاع الأسماع ج 14 ص 72.

بظلم و لا ظالمين» . و كتب المغيرة (1).

و ذكروا: أنه يحتمل أن يكون الكتاب السابق لأهل نجران، و هذا الكتاب للأساقفة، و الشاهد على ذلك أن الكتاب السابق ناظر إلى التأمين في الأموال، و هذا الكتاب الأخير ناظر إلى التأمين في المناصب الدينية (2).

الكتاب بخط علي عليه السّلام:

زعمت بعض المصادر: أن كاتب هذا الكتاب هو المغيرة بن شعبة (3).

و قيل: هو معيقيب (4).

و قيل: هو عبد اللّه بن أبي بكر (5).

و قال اليعقوبي: إنه علي «عليه السلام» (6).


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 148 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج 1 ص 266 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 21 و البداية و النهاية ج 5 ص 55 و رسالات نبوية ص 66 و حياة الصحابة ج 1 ص 123 و زاد المعاد ج 3 ص 41 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 76 و مدينة العلم ج 2 ص 297 و إعلام الورى ص 79 و مجموعة الوثائق السياسية ص 179/95 عن جمع ممن قدمناه، و إمتاع المقريزي (خطية كوپرلو) ص 1038 و سبل الهدى للشامي خطية باريس /1992 ورقة 65-ألف و راجع أيضا ص 718.

2) مكاتيب الرسول ج 3 ص 148.

3) كما ذكره البلاذري، و ابن كثير، و ابن قيم الجوزية.

4) ذكر ذلك أبو عبيد، و ابن زنجويه.

5) ذكر ذلك أبو يوسف.

6) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 82.

و يؤيده: ما ذكره يحيى بن آدم (1).

و يؤيده أيضا: ما ذكروه من أن النجرانيين جاؤوا عليا «عليه السلام» بكتابه الذي كتبه لهم بيده، فراجع (2).

عهد مكذوب على النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد أظهر نصارى نجران في سنة مائتين و خمس و ستين عهدا مطولا زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتبه لهم، و قد ذكرهما العلامة الأحمدي في كتابه القيم «مكاتيب الرسول» ج 3 ص 172 فما بعدها. .

ثم ذكر قرائن كثيرة على أنهما مفتعلان، و مكذوبان، و يكفي أن نذكر منها: أن عددا من الشهود الذين ذكرت أسماؤهم كانوا قد استشهدوا قبل قدوم وفد نجران بعدة سنوات.

فإن وفد نجران إنما قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سنة عشر بالإتفاق، و في الشهود سعد بن معاذ، و قد استشهد في السنة الرابعة أو الخامسة، في غزوة بني قريظة، و جعفر بن أبي طالب قد استشهد في سنة


1) فتوح البلدان للبلاذري ج 1 ص 78.

2) السنن الكبرى ج 10 ص 120 و معجم البلدان ج 5 ص 269 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 170 عن المصادر التالية: المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 550 و 551 عن سالم، و كنز العمال ج 4 ص 323 عن ابن أبي شيبة، و الأموال لأبي عبيد، و البيهقي و ج 14 ص 247 عن البيهقي عن عبد خير، و الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 276 و 418 عن سالم، و الخراج لأبي يوسف ص 80 قال: و كان الكتاب في أديم أحمر، و الأموال لأبي عبيد ص 143/273 و المطالب العالية ج 4 ص 41.

ثمان. و زيد بن ثابت كان من صغار الصحابة سنا، فكيف بولده عبد اللّه، كما أن عددا من الشهود لا نعرف عنهم شيئا. فراجع (1).

آية الكلمة السواء متى نزلت؟ !

و قد ذكروا: أن قوله تعالى قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ كَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ وَ لاٰ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاٰ يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّٰا مُسْلِمُونَ (2)قد نزل في قصة نصارى نجران. و كانت قصتهم سنة تسع. و قد أدرجها «صلى اللّه عليه و آله» في كتابهم (3).

غير أن هذا غير صحيح، فقد كتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه الآية إلى كسرى و قيصر، و النجاشي، و المقوقس قبل سنة تسع بعدة سنوات، فكيف تكون قد نزلت في قصة نجران؟ ! (4).


1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 181 و 182، و راجع المصادر في الهوامش السابقة.

2) الآية 64 من سورة آل عمران.

3) راجع: البحار ج 9 ص 70 و ج 21 ص 287 عن إقبال الأعمال، و راجع: تفسير الكشاف ج 1 ص 371 و الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 105 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 213 و 214 و تفسير الثعالبي ج 1 ص 275 و جامع البيان للطبري ج 3 ص 410 و تفسير الرازي ج 8 ص 90 و العجاب للعسقلاني ج 2 ص 688 و الدر المنثور ج 2 ص 40.

4) مكاتيب الرسول ج 2 ص 398 عن المصادر التالة: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 213 و عمدة القاري ج 1 ص 88 و فتح الباري ج 1 ص 36 و السيرة الحلبية ج 3 ص 275 و كنز العمال ج 10 ص 417 و 418. و تفسير الثعلبي ج 9 ص 220 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 77.

إلا أن يكون المقصود: أنها نزلت مرة ثانية في هذه المناسبة.

رجوع وفد نجران إلى بلادهم:

و لما قبض النجرانيون كتابهم انصرفوا إلى نجران، و مع الأسقف أخ له من أمه، و هو ابن عمه من النسب، يقال له: بشر بن معاوية، و كنيته أبو علقمة. فدفع الوفد كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأسقف، فبينا هو يقرأه، و أبو علقمة معه، و هما يسيران إذ كبت ببشر ناقته، فتعس بشر غير أنه لا يكني عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال له الأسقف عند ذلك: قد و اللّه تعست نبيا مرسلا.

فقال له بشر: لا جرم و اللّه لا أحل عقدا حتى آتي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فصرف وجه ناقته نحو المدينة و ثنى الأسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عني، إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب، مخافة أن يقولوا: إنّا أخذنا حقه (أو رضينا بصوته)، أو نجعنا لما لم تنجع به العرب، و نحن أعزهم و أجمعهم دارا.

فقال له بشر: لا و اللّه، لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته، و هو مولي الأسقف ظهره و ارتجز يقول:

إليك تعدو قلقا و ضينهامعترضا في بطنها جنينها

مخالفا دين النصارى دينها

حتى أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأسلم، و لم يزل معه حتى قتل بعد ذلك.

قال: و دخل الوفد نجران، فأتى الراهب ليث بن أبي شمر الزبيدي،

و هو في رأس صومعته.

فقال له: إن نبيا بعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا، و إن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم.

فقال الراهب: أنزلوني، و إلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة.

قال: فأنزلوه، فانطلق الراهب بهدية إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء، و القعب و العصا. فأقام الراهب مدة بعد ذلك يسمع الوحي و السنن، و الفرائض و الحدود، ثم رجع إلى قومه و لم يقدر له الإسلام، و وعد أنه سيعود فلم يعد حتى قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و ذكر ابن سعد: أن السيد و العاقب رجعا بعد ذلك إلى المدينة و أسلما، و أنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 422 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 71 و البداية و النهاية ج 5 ص 67 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 106.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 191 عن ابن سعد، و فتح الباري، و الإصابة، و عن المدائني. و فتح الباري ج 8 ص 74.

الفصل العاشر: وقفات. . مع حديث النجرانيين

اشارة

دعوة النجرانين إلى الإسلام متى كانت؟ ! :

تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إلى النجرانين يدعوهم إلى الإسلام، ثم بعد أن قدم عليه وفدهم في سنة عشر كتب لهم كتبا أخرى تقدم ذكرها أيضا. .

فقد يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إليهم الكتاب الأول الذي يدعوهم فيه إلى الإسلام من مكة، قبل أن تنزل عليه سورة النمل، كما دلت عليه بعض الروايات (1). و سورة النمل مكية (2).

و لكن الصحيح هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب إليهم من المدينة بعد الهجرة، و نستند في ذلك إلى ما يلي (3):


1) الدر المنثور ج 6 ص 38 و البداية و النهاية ج 5 ص 53 و البحار ج 21 ص 285 و ج 35 ص 262 و تفسير الآلوسي ج 3 ص 186 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 415.

2) مكاتيب الرسول ج 2 ص 492 عن الإتقان للسيوطي ص 101 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 26 و الفهرست لابن النديم ص 36 و الغدير ج 1 ص 256 و راجع كتب التفسير في ذلك.

3) ذكر هذه الأدلة أيضا العلامة الأحمدي في مكاتيب الرسول ج 2 ص 497 و 498.

أولا: قد صرحت النصوص المتقدمة بأنه بمجرد وصول كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خافوا و أرسلوا وفدهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة، و كانت قصة المباهلة، فراجع.

ثانيا: صرح ابن طاووس في الإقبال: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إليهم هذا الكتاب، بعد أن كتب إلى كسرى و قيصر. . و كتابه لهما إنما كان من المدينة.

ثالثا: إنه لا معنى لأن يفزع النجرانيون من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حين كان في مكة، فإنه لم يكن قادرا على فعل أي شيء يوجب خشيتهم.

كما أنه لا معنى لأن يكتب إليهم: «فإن أبيتم آذنتكم بحرب، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن قادرا آنئذ على أن يحمي نفسه من أهل مكة، فهل يعقل أن يعلن الحرب على النجرانيين البعيدين عنه مئات الأميال؟ !

رابعا: لم تكن الجزية قد وضعت في مكة مطلقا، و قد نزلت آيات الجزية في سنة تسع أو قريبا منها.

فإن أبيتم فالجزية:

قد أبلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» أهل نجران بان عليهم الجزية إن أصروا على الإلتزام بدينهم، و على عبادة العباد، و أبوا عبادة اللّه.

و هذا النص قد أوضح أن وضع الجزية عليهم إنما هو بإزاء الإصرار على الإستنكاف عن عبادة اللّه وحده، و ترجيح عبادة العباد. . و ذلك يظهر وجود خلل بالمعايير يحتم اتخاذ إجراء ضدهم من شأنه أن يراعي آثار هذا الإخلال، فيتعامل مع هذا الإستكبار عن عبادة اللّه من جهة، و مع ذلك

الإنقياد و القبول منهم بأن يكونوا في موقع العبودية للعباد من جهة أخرى، مع إسباغهم صفات الألوهية على أولئك العباد، بادعاء وجود شبهة لديهم في ذلك، ناشئة عن ولادة عيسى من دون أب، أو نحو ذلك مما لم يعد له مجال بعد ظهور الحقيقة بالأدلة القاطعة، و بالمعجزات الظاهرة، فلا مبرر للإصرار على ذلك إلا الإستكبار عن الإنقياد للحق. .

فجاء جعل الجزية التي لابد ان يعطوها عن يد و هم صاغرون، ليكون بمثابة علاج روحي من شأنه أن يطامن نفوسهم، و يدفعهم لمراجعة حساباتهم، ليجدوا أنهم لا يربحون من هذا الإستعلاء و الإستكبار، و بذلك يعيد إليهم قدرا من التوازن في نظرتهم إلى القضايا. .

مع ملاحظة: أنه لم يظهر إصرارا على تكذيبهم في دعواهم بقاء الشبهة، رفقا منه بهم، و إفساحا للمجال للتروي و التأمل. . بالإضافة إلى مصالح أخرى ربما ترتبط بالسياسة العامة للناس في مجال العلاقة بهم، و التعامل معهم في الشأن العقيدي.

حوار مكذوب:

ثم إن أساس الخلاف بين نصارى نجران و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو أنهم يعبدون عباد اللّه، و لا يعبدون اللّه، و لأجل ذلك دعاهم إلى المباهلة، و ذلك يدل على عدم صحة ما رووه عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران و أحبار يهود عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم الا يهوديا، و قالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا.

فأنزل اللّه عز و جل: يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرٰاهِيمَ وَ مٰا أُنْزِلَتِ

اَلتَّوْرٰاةُ وَ اَلْإِنْجِيلُ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ هٰا أَنْتُمْ هٰؤُلاٰءِ حٰاجَجْتُمْ فِيمٰا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمٰا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاٰ نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى اَلنّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هٰذَا اَلنَّبِيُّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ (1).

فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟

و قال رجل من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد و إليه تدعونا؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «معاذ اللّه أن أعبد غير اللّه أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني و لا أمرني» .

فأنزل اللّه عز و جل في ذلك: مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللّٰهُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّٰاسِ كُونُوا عِبٰاداً لِي مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ لٰكِنْ كُونُوا رَبّٰانِيِّينَ بِمٰا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ اَلْكِتٰابَ وَ بِمٰا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَ لاٰ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا اَلْمَلاٰئِكَةَ وَ اَلنَّبِيِّينَ أَرْبٰاباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (2).

ثم ذكر ما أخذ عليهم و على آبائهم من الميثاق بتصديقه و إقرارهم به على أنفسهم، فقال: وَ إِذْ أَخَذَ اَللّٰهُ مِيثٰاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمٰا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتٰابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمٰا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قٰالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قٰالُوا أَقْرَرْنٰا قٰالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ اَلشّٰاهِدِينَ (3)» (4).


1) الآيات 65-68 من سورة آل عمران.

2) الآية 81 من سورة آل عمران.

3) الآيتان 79 و 80 من سورة آل عمران.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 421 عن ابن إسحاق، و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 191 و تفسير الميزان ج 3 ص 268 و جامع البيان للطبري ج 3 ص 441 و تفسير ابن أبي حاتم ج 2 ص 693 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 385 و العجاب للعسقلاني ج 2 ص 705 و الدر المنثور ج 2 ص 40 و 46 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 697 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 395 و عيون الأثر ج 1 ص 284.

إذ كيف يصح اتهامهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه يريد من الناس أن يعبدوه كما يعبد النصارى عيسى «عليه السلام» ، مع أنه هو الذي يريد ان يصدهم عنه.

فإن هذه الايات قد وردت في سورة آل عمران، و هذه السورة قد نزلت قبل قضية المباهلة بسنوات كثيرة. فكيف يقال: أنها قد نزلت في المباهلة في أواخر حياته «صلى اللّه عليه و آله» . .

و الجواب عن ذلك هو: أن اللّه تعالى قد أنزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» هذه الآيات مرة ثانية، حين جاءت مناسبتها، و ذلك غير بعيد. .

لماذا لم يكلمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :

و قد ذكرت الرواية: أن وفد نجران كلموا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرات عديدة، فلم يجبهم «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى أرشدهم علي «عليه السلام» إلى ضرورة تغيير ملابسهم الفاخرة، فحينئذ كلمهم «صلى اللّه عليه و آله» . .

و السؤال هنا ذو شقين:

أحدهما: هل ارتداء الملابس الفاخرة خطيئة تستوجب الإعتراض المتمثل

بهذا الصدود و الإعراض؟ !

الثاني: وجدنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يكتفي بالإعتراض على آخرين جاؤوه على مثل هذه الحالة، من دون أن ينتهي الأمر به إلى هذا الحد من التشدد و الصدود و الإعراض.

و نقول في الجواب:

إن لبس فاخر الثياب ليس حراما إذا جاء على رسله و لم يستبطن معنى آخر مبغوضا و مرفوضا، مثل أن تكون هذه المظاهر هي مصدر الإعتزاز لدى من يلجأ لممارستها، أو أنه يريد من خلالها أن يتيه على الآخرين و يؤذيهم بها، و يسعى لكسب الإمتيازات التي لا يستحقها. .

بل ربما يريد أن يخدع بها الناس، و يؤثر على نظرتهم حتى في أمور الدين و الإعتقاد، و النظرة و الإيحاء لهم بأن غناه إنما هو لقدرات اختص بها دونهم، و هذا ما حكاه اللّه تعالى عن قارون بقوله: فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قٰالَ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا يٰا لَيْتَ لَنٰا مِثْلَ مٰا أُوتِيَ قٰارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَ قٰالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوٰابُ اَللّٰهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ لاٰ يُلَقّٰاهٰا إِلاَّ اَلصّٰابِرُونَ (1).

و كان قد قال لقومه: إِنَّمٰا أُوتِيتُهُ عَلىٰ عِلْمٍ عِنْدِي (2).

و ربما يؤدي ذلك إلى إيهامهم بأن ما حصل عليه من مال إنما هو لخصوصية في دينه، فتحت له أبواب الغنى التي حرم منها الآخرون، لأن


1) الآيتان 79 و 80 من سورة القصص.

2) الآية 78 من سورة القصص.

دينهم لم يقدر على تأمينها لهم، بل ربما كان هو السبب فيما يعانونه من فقر و حاجة. .

و إذا كان هذا الذي يظهر للناس على هذه الحال من رجال الدين فذلك يوحي لهم بأن رسالة الدين هي الإعتزاز بالمال و هو جزء من أهدافه. .

فذلك كله أو بعضه يحتم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعترض على من يسير في هذا الإتجاه، و لابد أن يكون اعتراضه أشد قسوة حين يكون من يفعل ذلك يقدم نفسه للناس على أنه من القيادات الدينية، و لا يورد و لا يصدر إلا في الحدود التي يسمح له بها الشرع، فيؤدي ذلك إلى تكريس هذا الأمر على أساس اعتقادي ديني، ينسب فيه هذه الأمر إلى اللّه سبحانه، و أنه هو الذي اختار ذلك لعباده. .

ما تقول في عيسى؟ ! :

قد زعمت الرواية: أن الوفد سأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن عيسى فقال: «ما عندي فيه شيء الخ. .» .

و نقول:

إن ذلك موضع ريب و شك:

أولا: لأنه كان قد أخبرهم بما يقوله في عيسى حين أخبرهم بأنه لا يقول بأن للّه تعالى ولدا، كما يقولونه في عيسى. .

ثانيا: إن الآيات في شأن عيسى كانت قد نزلت عليه قبل سنوات من ذلك التاريخ، فلما ذا لم يبادر إلى قراءتها عليهم. مع أنها هي نفسها التي قرأها عليهم بعد أن استمهلهم؟ !

فقد قرأ، أو ضمّن كلامه قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقٰاهٰا إِلىٰ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ (1).

و قرأ عليهم آية سورة المائدة: لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ (2).

و قوله تعالى في سورة آل عمران: إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ قٰالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (3).

فلما ذا يؤجل «صلى اللّه عليه و آله» الإجابة و عنده الآيات الكثيرة التي تتضمن الجواب الكافي و الشافي على ذلك السؤال، ثم إنه حين أجابهم لم يزد على استعادة تلك الآيات و قرائتها عليهم.

ثالثا: إنه حتى لو لم تكن تلك الآيات قد نزلت عليه «صلى اللّه عليه و آله» فإن العقل الإنساني يقضي بأن اللّه لا يمكن ان يكون له ولد، و بأن خلق آدم أعظم من خلق عيسى. . و لا شك في أن هذا ما يقوله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلما ذا لا يذكره لهم، ما دام أن السؤال موجه مباشرة، حيث قالوا له: «ما تقول في عيسى بن مريم؟ فإنا نرجع إلى قومنا و نحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نعلم قولك فيه» .

يصالحهم على ألاّ يأكلوا الربا:

هذا. . و قد أعطاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذمته في أمور كثيرة كلها


1) الآية 171 من سورة النساء.

2) الآية 17 من سورة المائدة.

3) الآية 59 من سورة آل عمران.

لمصلحتهم، فلا يغيّر أسقف عن أسقفيته، و لا راهب عن رهبانيته، و ليس عليهم دنية، و لا دم جاهلية، و لا يحشرون و لا يعشرون، و لا يطأ أرضهم جيش، و لابد أن ينصفوا، على أن لا يأكلوا الربا.

و هذا يبين مدى حساسية الإسلام من أكل الربا، فرغم أنه يقرهم على دينهم، و لا يرضى بالتدخل في شأنهم الديني، و لو بمستوى تغيير راهب عن رهبانيته، فإنه يعطيهم هذه الإمتيازات التي كان يستطيع أن يمنعهم بعضها، من دون أن يخل ذلك بميزان الإنصاف و العدل.

و لكنه آثرهم بذلك كله في مقابل أن لا يأكلوا الربا، رغم ان أكلهم الربا لا يوجب خللا مباشرا في حياة المسلمين، و إنما هو يوجب خللا في مجتمعهم هم بالدرجة الأولى، و لكنه أراد أن يحفظهم هم عن التعرض لسلبيات هذه الخطيئة التي تنال الضعفاء و ترهقهم، و تبدد جهدهم، و تعطيه لمن لا يستحقه. .

بل إن سلبيات هذه العاهة لا تنحصر في الحالة المالية و المعيشية منها لكي يقال: إنها تصيب الفقراء دون سواهم، بل تتعداها إلى أضرار روحية و نفسية خطيرة، حتى على آكل الربا نفسه، حيث يتحول إلى حيوان كاسر شرس لا يحمل في داخله أي شعور إيجابي تجاه أخيه الإنسان فضلا عن غيره من المخلوقات و الكائنات. . بل هو يتحول إلى طاغوت جبار، و مصاص دماء.

ثم إن من أبسط نتائج هذه العاهة هو أن يفقد الناس أي دافع لعمل المعروف، فيشعر الفقير بقسوة صاحب المال عليه، و يرى أنه يمعن في إذلاله و استغلاله، و صاحب المال لا يجد لديه الحافز لمساعدة الفقير و التخفيف من آلامه، و تكون النتيجة هي زوال المعروف كما قال الإمام الباقر «عليه

السلام» : «إنما حرم اللّه عز و جل الربا لئلا يذهب المعروف» (1).

و قيل للصادق «عليه السلام» : «لم حرم الربا؟

قال: لئلا يتمانع الناس المعروف» (2).

يضاف إلى ذلك: أن شيوع الربا يعطل المال عن اداء دوره في تداول السلع، و تأثيره في إنعاش الإقتصاد، و يمنع من نمو الأموال في أيدي الناس بصورة متوازنة، حيث يؤدي إلى تراكم الأموال في مواقع بعينها، و زيادة عجز الآخرين عن الحصول على أموال يمكنهم التحرك بها في المجالات المختلفة، ثم هي تمنع من استحداث أي موقع سواها على مر الأيام. .

و لعل هذا هو ما يشير إليه، ما روي عن هشام بن الحكم: «قال سألت أبا عبد اللّه «عليه السلام» عن علة تحريم الربا.

قال: إنه لو كان الربا حلالا لترك الناس التجارات، و ما يحتاجون إليه، فحرم اللّه الربا لتفر الناس عن الحرام إلى التجارات، و إلى البيع و الشراء،


1) الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 12 ص 425 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 18 ص 120 القواعد الفقهية للبجنوردي ج 5 ص 90 و علل الشرائع ج 2 ص 483 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 566 و البحار ج 100 ص 120 و جامع أحاديث الشيعة ج 18 ص 133 و ميزان الحكمة ج 2 ص 1032.

2) البحار ج 75 ص 201 و راجع: فقه الرضا لابن بابويه ص 256 و البحار ج 100 ص 121 و الدر المنثور ج 1 ص 365 و ذيل تاريخ بغداد ج 3 ص 214 و تهذيب الكمال ج 5 ص 88 و سير أعلام النبلاء ج 6 ص 262 و مطالب السؤول للشافعي ص 439 و كشف الغمة للإربلي ج 2 ص 370 و 399.

فيتصل ذلك بينهم في القرض» (1).

و عن الإمام الرضا «عليه السلام» : «إنما نهى اللّه عز و جل عنه لما فيه من فساد الأموال، لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهما، و ثمن الآخر باطلا، فبيع الربا و شراؤه و كس على كل حال على المشتري، و على البائع، فحظر اللّه تبارك و تعالى على العباد الربا لعلة كساد الأموال» (2).

و على كل حال، فإن التعامل بالربا يفسد الأموال، و الأرواح و القلوب على حد سواء، و يوجب سقوط المعايير، و ينحرف بالفطرة عن الصراط السوي. .

و ذلك كله يوصد ابواب الهداية، و يضعف فرص وصول الإنسان إلى الحق، و تفاعله معه، و قبوله به، و خضوعه له. .

أما حين تستبعد هذه العاهة، و تمنع من التأثير على واقع المجتمع الإنساني، فإن صدود النجرانيين عن الحق لبعض الموانع، أو لتأثرهم


1) البحار ج 100 ص 19 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 12 ص 424 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 18 ص 120 و شرح اللمعة للشهيد الثاني ج 3 ص 300 و علل الشرائع ج 2 ص 482 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 567.

2) البحار ج 100 ص 119 و شرح اللمعة للشهيد الثاني ج 3 ص 300 و جواهر الكلام للجواهري ج 23 ص 333 و علل الشرائع ج 2 ص 483 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» للصدوق ج 1 ص 100 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 566 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 18 ص 121 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 12 ص 425 و تفسير نور الثقلين للحويزي ج 1 ص 291.

بشبهة، أو بظرف بعينه لا يوصد أمامهم أبواب الهداية إلى الأبد، بل تبقى الفرصة أمامهم سانحة ما دامت الفطرة سليمة، مؤيدة بصفاء النفوس، و طهر الأرواح، و سلامة و صحة المعايير. .

و بعد كل هذا الذي ذكرناه، فإن المسلمين كانوا يعيشون بالقرب من مجتمع النصارى، أو أنهم يخالطونهم، فلابد من حفظهم و صيانتهم من عدوى أية عاهة قد تصيب تلك الجماعات.

و من الطبيعي أن تكون حصانتهم من الناحية العقيدية و الإيمانية قوية، بسبب قوة البراهين التي تدعوهم للإيمان و الثبات فيه. .

و لكن الحصانة في موضوع الأموال التي يسيل لها لعاب الطامعين و الطامحين تبقى أضعف من غيرها. و هي في معرض الإهتزاز، أو السقوط أمام حب الإنسان للمال، قال تعالى: وَ تُحِبُّونَ اَلْمٰالَ حُبًّا جَمًّا (1). فلابد من تجفيف منابع الإغراء من أصولها، و جذورها، فكان هذا الإجراء منه «صلى اللّه عليه و آله» يتوافق مع القاعدة التي تقول: «درهم وقاية خير من قنطار علاج» .

مؤنة الرسل و إعارتهم الخيل و الدروع:

و قد لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يضمّن كتاب الصلح بندا يتعلق بمؤنة رسله، و أن يعيرهم النجرانيون الدروع و الخيل. و ضمان رسله ما يستعيرونه من ذلك حتى يؤدوه إليهم. . إن اعتبار هذا الأمر بندا إلزاميا في


1) الآية 20 من سورة الفجر.

كتابه «صلى اللّه عليه و آله» لأهل نجران يشير على أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يشعر النجرانيون بأن ما يقدمونه للرسل إنما يتم تحت وطأة الخوف من محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن هذا ابتزاز بعنوان ضيافة.

مع غض النظر عن ذلك فإن شعورهم بأنهم متفضلون على المسلمين قد يغريهم بالتشبث بمفردات الضلال و الإنحراف التي يعيشونها، و قد تعرض لهم حالة من التيه و التعالي تجعلهم يشعرون بعدم الحاجة إلى مراجعة حساباتهم لاكتشاف مواطن الضعف و القوة في مواقفهم.

كما أنه لا يريد لرسله أن يشعروا بمنة هؤلاء الناس عليهم، و بالمديونية لهم، و لا أن يعيشوا الحرج النفسي من جراء ذلك.

و كذلك الحال بالنسبة للعارية المضمونة، سواء بالنسبة للمعير، أو بالنسبة للمستعير. و قد جاء الحكم بضمان تلك العارية لأصحابها لمنع تكوين أي تصور أو شعور غير مرغوب فيه لدى الفريقين حسبما أوضحناه.

فتلخص أن جعل ذلك حقا مفروضا على هؤلاء، و مطلوبا لأولئك، يحسم الأمر في ذلك كله لصالح أهل الإيمان، و لصالح أهل نجران، لأن منع حدوث أي نوع من أنواع سوء الفهم، أو نشوء تخيلات و مشاعر سلبية تعيق عن معالجة قضايا حساسة و أساسية، بصدق و صفاء، و تعقل و أناة و روية.

أبو عبيدة أمين هذه الأمة:

و قد رووا عن ابن مسعود: أن السيد العاقب، و أبا الحارث بن علقمة أتيا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكي يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فو اللّه لئن كان نبيا فلا عنته لا نفلح نحن و لا عقبنا من بعدنا.

فقالا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك، و أن نتركك على دينك، و نرجع على ديننا، و لكن ابعث معنا رجلا أمينا، و لا تبعث معنا إلا أمينا.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» .

فاستشرف لها أصحابه.

فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» .

فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة» (1).

و عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: ما احببت الإمارة إلا مرة واحدة، فذكر هذه القصة. و قال في آخرها: فتعرضت أن تصيبني، فقال: قم يا أبا عبيدة الخ. . (2).

و نقول:

أولا: إنه لا ريب في أن الأمانة لدى المسلمين لا تنحصر بأبي عبيدة، فإن


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 421 عن البيهقي بأسناد صحيح، و عن البخاري من حديث حذيفة، و أشار في هامشه إلى البخاري في كتاب أخبار الآحاد (7254) و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 190 و مسند احمد ج 1 ص 414 و صحيح البخاري ج 5 ص 120 و فضائل الصحابة للنسائي ص 29 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 267 و عمدة القاري ج 18 ص 27 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 57 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 377 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 453 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 584 و راجع: المصنف ج 7 ص 531 و ج 8 ص 565 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 462 و كنز العمال ج 13 ص 217 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 451.

2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 190 عن أبي يعلى و فتح الباري ج 7 ص 74.

الأمناء في هذه الأمة كثيرون، فلما ذا خص أبا عبيدة بهذه الصفة، أم أن أمانته كانت أقوى أو أشد، أو أكثر من أمانة سلمان و عمار، و علي «عليه السلام» ؟ !

و هل يرضى محبو الخلفاء بأن يكون أبو بكر و عمر و عثمان و. . و. . الخ. . ليسوا بهذه المثابة من الأمانة في الأمة؟ !

ثانيا: إن أصل هذه القضية مشكوك فيه، فقد قال الزرقاني: «ذكر ابن إسحاق: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث عليا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم و جزيتهم.

و هذه غير قصة أبي عبيدة لأنه توجه معهم، فقبض مال الصلح و رجع. و علي أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك، فقبض ما استحق عليهم من الجزية، و يأخذ ممن أسلم ما وجب عليه من الصدقة» (1).

و لا يخفى أن هذا الجمع تبرعي، و هو لا يوجب إلغاء احتمال أن تكون قضية أبي عبيدة مكذوبة.

ثالثا: إن مما يزيد الريب في صحة رواية أبي عبيدة: أننا لا نجد مبررا لتأكيد النجرانيين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يرسل معهم أمينا:

1-إذ متى أرسل من جباة الصدقات و حملة أموال الجزية إليه من خان الأمانة و استولى على الأموال؟ !

2-يضاف إلى ذلك: أن هذا الأمر يعود القرار فيه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فما هذا التدخل منهم في شأن لا يعنيهم؟ !

3-أم أن المقصود هو اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» في رأيه، أو نسبة


1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 190 و فتح الباري ج 8 ص 74 و عمدة القاري ج 18 ص 28.

التهاون إليه في حفظ الأموال؟ !

4-متى أصبح النجرانيون يغارون على مصالح المسلمين، و يهتمون بحفظ اموالهم من الخونة؟ !

5-إن كتاب الجزية قد حدد المقادير المطلوبة من النجرايين، فهو يطالبهم بما حدده ذلك الكتاب، و يطالب رسوله به أيضا، فلا مجال للخيانة و التستر على شيء من المال. .

رابعا: حديث عمر: ما أحببت الإمارة إلا مرة واحدة، فذكر هذه القصة لا يمكن القبول به، فقد روي هذا الموقف عن عمر بن الخطاب في عدة مناسبات كما ألمحنا إليه في موضع آخر في هذا الكتاب، فقد قال ذلك في:

1-خيبر.

2-عند وفد نجران.

3-و في عير ذلك.

خامسا: إن هذا الذي زعموا أنه أمين هذه الأمة قد خان الأمة في أعظم حقوقها، و ذلك حين مالأ على اغتصاب الخلافة من صاحبها الشرعي، كما سيأتي بيانه حين الحديث عن السقيفة، التي كان أبو عبيدة أحد أركانها، و انتجت إغتصاب الخلافة من أمير المؤمنين «عليه السلام» ، بالإضافة إلى ضرب الزهراء «عليها السلام» حتى أسقطت المحسن و استشهدت. . و غير ذلك من عظائم و جرائم.

صلاة النصارى في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله:

تقدم: أن النصارى لما حانت صلاتهم قاموا في مسجد رسول اللّه «صلى

اللّه عليه و آله» يصلون، فأراد الناس منعهم، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «دعوهم» .

و قد قال بعضهم في توجيه ذلك: «إن الناس أرادوا منعهم لما في فعلهم من إظهار دينهم الباطل بحضرة المصطفى و في مسجده، و إنما أمر «صلى اللّه عليه و آله» بتركهم، تأليفا لهم، و رجاء إسلامهم، و لدخولهم بأمان، فأقرهم على كفرهم، و منع من التعرض لهم، فليس فيه إقرار على الباطل» .

و نقول:

أولا: إن دخولهم بأمان لا يعني السماح لهم بالصلاة في موضع لا يرضى المسلمون بصلاتهم فيه، و يدينون إلى اللّه في منعهم من ذلك، إنطلاقا من حكم شرعي ثابت عندهم.

ثانيا: إن تأليف النجرانيين لا يتوقف على السماح لهم بالصلاة في داخل المسجد، إذا كان الشرع يمنع من ذلك.

و الذي نراه هو أنهم كانوا في موضع ملحق بالمسجد، و لم يكن يحرم وجود الكافر في ذلك الموضع، فأراد المسلمون أن يمنعوهم من ممارسة حريتهم في ذلك الموضع من دون مراجعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فمنعهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» من ذلك.

دخول الكافر إلى المسجد:

و قد حاول بعضهم أن يقول: إن الروايات تتحدث عن دخول وفد نجران إلى المسجد النبوي لملاقاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإحتجاج عليه، ثم مباهلته. .

كما أن روايات أخرى تفيد أن بعض المشركين كانوا يدخلون إلى المسجد لملاقاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فهذا و ذاك يدلنا على جواز دخول الكتابي بل مطلق الكافر حتى لو كان مشركا أو ملحدا إلى المسجد. .

و نقول:

كنا قد تحدثنا عن هذا الأمر حين الحديث عن وفاة زيد الخيل و دخوله إلى المسجد، و لكننا نعيد تذكير القارئ ببعض ما ذكرناه من أن المحرم من دخول الكافر إلى المسجد هو الموضع الذي تكون فيه الصلاة، أما دخوله إلى باحة المسجد و ساحاته، و إلى غيرها من الملحقات بموضع الصلاة فلا ضير فيه. .

و لعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يلقى أهل الكتاب و المشركين في غير مكان الصلاة. . فإن الناس يطلقون على باحة المسجد أنها مسجد، لأنها من شؤونه، و متمماته، التي يحتاج إليها المصلون في التهيؤ و الإستعداد للصلاة.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الثالث: وفادة الملوك سنة تسع و وفد همدان 5-32

الفصل الرابع: وفود سنة تسع 33-74

الفصل الخامس: وفود سنة تسع قبل شهر رمضان. . و وفد ثقيف 75-126

الفصل السادس: وفود السنة العاشرة و الحادية عشرة 127-166

الفصل السابع: خمسة وفود بلا تاريخ 167-248

الفصل الثامن: وفود بلا تاريخ، قليلة التفاصيل 249-296

الفصل التاسع: وفد نجران. . أحداث و تفاصيل 297-324

الفصل العاشر: وقفات. . مع حديث النجرانيين 325-352

الفهارس 353-359

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الثالث: وفادة الملوك سنة تسع. . و وفد همدان ملوك حمير قبل الإسلام:7

النبي صلّى اللّه عليه و آله و ملوك حمير:7

كتابه صلّى اللّه عليه و آله إلى ملوك حمير، و أذواء اليمن:9

من هو وافد حمير:11

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل اليمن:13

تكرار كلمة «أما بعد» :19

الإعلان و الإشهاد على الإسلام:19

الإيمان قول و عمل:19

قتال المشركين دون غيرهم:20

من يأخذ الصدقات من الناس؟ ! :20

رسول اللّه مولى غنيكم و فقيركم:21

إنما هي زكاة يتزكى بها:21

وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لرسوله:21

وفد همدان:22

توضيحات:27

كتاب لهمدان:28

الثناء على همدان:30

الفصل الرابع: وفود سنة تسع وفود مرّة:35

الكرامة صنع إلهي:37

قتل الدعاة إلى اللّه:38

وفود فزارة:39

و يضحك ربنا:42

سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله عن حال بلاد فزارة:43

أين نزل المطر؟ ! :43

ليشفع ربك إليك:44

إعتراض أبي لبابة على اللّه و رسوله:45

عري أبي لبابة:45

اللهم حوالينا. . لا علينا:46

كان لا يرفع يديه في الدعاء:47

وفود بني كلاب:50

وفود الداريين:52

لماذا تغيير الأسماء؟ ! :53

تاريخ وفادة الداريين:55

إقطاع قريتين لتميم:56

وفود طيء مع زيد الخيل:60

متى غير اسم زيد الخيل؟ ! :65

عظمة زيد عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:65

ثناء النبي على زيد الخيل:66

دخول المشركين إلى المسجد:69

وزر بن سدوس ينتصر:71

وفد بني البكّاء:72

التبرك بالرسول صلّى اللّه عليه و آله:73

الفصل الخامس: وفود سنة تسع قبل شهر رمضان. . و وفد ثقيف وفد بني أسد:77

يمنون عليك أن أسلموا، فيمن نزلت؟ ! :79

بنو الزنية أو الرشدة:81

علم الخط و ضرب الرمل:82

الأنبياء عليهم السّلام و علم الخط:83

وفد بني عذرة:87

نحن بنو عذرة:89

وفد زمل بن عمرو:91

زمل العذري عند يزيد:92

عقد له لواء:92

لا تسألوا الكهان:94

هرقل عقدة تحتاج إلى حل:94

السؤال عن الأشخاص:95

وفود بلي:96

تنبيه:97

الوفد الثاني لثقيف:98

هدم الطاغية:104

الوفد العائد:105

كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لوفد ثقيف:107

كتاب آخر لوفد ثقيف:110

إيضاحات لابد منها:112

إلغاء سوق عكاظ:114

شهادة الحسنين عليهما السّلام على كتاب ثقيف:114

ملك سليمان:115

علم عثمان بن أبي العاص:116

لا خير في دين لا صلاة فيه:117

لا مساومة على أحكام اللّه:117

جمع القرآن في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:118

ادع اللّه أن يفقهني، و يعلمني:119

عثمان بن أبي العاص يمدح نفسه:119

المغيرة يقدم أبا سفيان، فيرفض:120

توضيحات عن وفد ثقيف:120

لكي يسمعهم القرآن و يريهم الصلاة:121

استئثار أبي بكر بالبشارة:122

أسكنهم في ناحية المسجد:123

يسيئون الظن برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:123

تأجيل هدم الطاغية:124

لا يكسرون أصنامهم بأيديهم:125

نظرة في كتاب ثقيف:125

الفصل السادس: وفود السنة العاشرة و الحادية عشرة وفود بني تغلب:129

إستغلال سذاجة الآخرين ممنوع:129

وفود الرهاويين:131

إجازات النبي صلّى اللّه عليه و آله للوفود:132

وفد غامد:135

وفود كندة:137

عدد أعضاء الوفد:142

الرسول صلّى اللّه عليه و آله لا يرضى بلبس الحرير:142

أبيت اللعن تحية الملوك:143

لا تناقض في فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله:144

بكاء النبي صلّى اللّه عليه و آله حيّرهم:145

النبي صلّى اللّه عليه و آله يصد الأشعث:145

الأولاد مجبنة مبخلة:146

وفود بني سلامان:147

وفود خثعم:150

وفد بني الحارث بن كعب:151

قضايا فطرية تأتي بالنصر:154

النبي صلّى اللّه عليه و آله يشهد لنفسه بالنبوة:155

تهديد النبي صلّى اللّه عليه و آله لبني الحارث:155

وفود محارب:156

آثار لقاءات عكاظ ظهرت في المدينة:157

وفود زبيد في السنة الحادية عشرة:158

آخر الوفود وفد النخع:159

فتنة آخر الزمان:162

متى قدم زرارة بن عمرو؟ ! :164

حديث رؤيا زرارة:165

الفصل السابع: خمسة وفود بلا تاريخ 1-وفد أزد شنوءة:169

بدن اللّه تنحر عند شكر:171

تفويض حرب المشركين لصرد الأزدي:173

هل فتحت جرش عنوة أو صلحا؟ ! :173

أسئلة أخرى تحتاج إلى جواب:174

علاقة الجاسوسين بأبي بكر و عثمان:176

مدائح النبي صلّى اللّه عليه و آله لأهل جرش:179

في وفد أزد عمان:180

وفد الأزد في حديث آخر:182

2-وفود مهرة:183

قدوم نافع بن زيد الحميري:184

حديث القلم. . و الجبر و العدل:185

استفادة الجبرية من أحاديث القلم:188

لماذا كانت القدرية مثل المجوس؟ ! :189

نماذج من أحاديث الجبر:189

الشيعة بريئون من الجبر:193

من سلبيات تعميم القدر لأفعال العباد:193

الجبر و اليهود، و المشركون:195

الحكّام و مقولة الجبر:195

رواية أهل البيت عليهم السّلام لحديث جف القلم:198

المخلوق الأول:201

3-وفد بني شيبان:204

سبب إعطاء الكتاب لقيلة:207

تشابه الأحداث:207

أرعدت من الفرق:208

الطعن في النبوة:209

لو لم تكوني مسكينة:210

4-وفد الأشعريين:211

هل الأشعريون أفضل أهل الأرض؟ ! :214

الإيمان و الحكمة يمانيان:215

الأشعريون و الإعتقادات:218

عمرو بن الحمق قائد الأشعريين:220

دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله لزبيد:223

5-وفود بني حنيفة و مسيلمة الكذاب:224

هل رأى مسيلمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:233

تعظيم مسيلمة خرافة:234

النبي صلّى اللّه عليه و آله يفضح نوايا مسيلمة:235

مسيلمة يريد ولاية الأمر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله:236

مسيلمة يستثير الغرائز و الأهواء:237

مفارقة مثيرة:238

الأرض للّه يورثها من يشاء:239

تهديد الرسولين:240

منام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:241

ضرس أحدكم في النار مثل أحد:243

الفصل الثامن: وفود بلا تاريخ، قليلة التفاصيل وفد أحمس:251

أنتم اليوم للّه:252

إبدأوا بالأحمسيين:253

الحماس في الدعاء لأحمس:253

وفود قيس بن غربة:254

إختلاف الروايات:255

غزو خثعم بالأحمسيين:255

وفود غافق:256

وفود حضرموت:257

معنى النبوة في وجدان الناس:258

البشائر بالرسول:259

وفادة الحكم بن حزن الكلفي:259

وفود بني بكر بن وائل:260

وفود الصدف:261

وفود بني سحيم:263

وفود بني سدوس:263

وفد الجشمي، أو الجيشاني:265

الجيشاني أم الجشمي؟ ! :266

سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله عن البتع:266

وفود بهراء:267

وفود بارق:270

اشتراط ضيافة المسلمين:271

وفود عمرو بن معدي كرب الزبيدي 272

وفود طارق بن عبد اللّه:274

وفود عنزة:277

وفود بني سعد هذيم:278

أول جنازة صلى عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:279

الخوف من السيف:281

أصغر القوم خادمهم:282

وفود أسلم:282

الثناء على أسلم و غفار:283

أسلم إخوة الأنصار:284

طلب المنزلة الخاصة:284

وفد بني هلال:285

لماذا غضب النبي صلّى اللّه عليه و آله؟ ! :286

وفود بني عقيل بن كعب:287

بايعوا على من وراءهم:287

إقطاع أرض فيها عيون و نخل:288

إقطاع مشروط:288

وفود خولان:288

وفود تجيب، و هم من السكون:291

الإكتفاء الذاتي في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:294

حديث الرجل من بني أبذى:295

الفصل التاسع: وفد نجران. . أحداث و تفاصيل ما ذا عن نجران؟ ! :299

كتاب دعوة. . و وفد استطلاع:299

وفد النجرانيين إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:302

وفد نجران يحاور رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:304

كتاب مصالحة النجرانيين:314

كتاب آخر لنصارى نجران 317

نص آخر للكتاب 318

الكتاب بخط علي عليه السّلام 319

عهد مكذوب على النبي صلّى اللّه عليه و آله 320

آية الكلمة السواء متى نزلت؟ ! 321

رجوع وفد نجران إلى بلادهم 322

الفصل العاشر: وقفات. . مع حديث النجرانيين 325

دعوة النجرانين إلى الإسلام متى كانت؟ ! 327

فإن أبيتم فالجزية 328

حوار مكذوب 329

لماذا لم يكلمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ ! 331

ما تقول في عيسى؟ ! 333

يصالحهم على ألاّ يأكلوا الربا 334

مؤنة الرسل و إعارتهم الخيل و الدروع 338

أبو عبيدة أمين هذه الأمة 339

صلاة النصارى في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله 342

دخول الكافر إلى المسجد 343

الفهارس 345

1-الفهرس الإجمالي 347

2-الفهرس التفصيلي 349